باب الكبر والهرم
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عبد البر
- الكتاب
- بهجة المجالس وأنس المجالس
- المؤلف
- أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ) [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
قال الله تعالى: " ومن نعمره ننكسه في الخلق ".
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أعوذ بك أن أرد إلى أرذل عمر ".
وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الغم والهم والكسل والهرم.
وفد عمرو بن مسعود السلمي على معاوية بن أبي سفيان، وكان صديقاً لأبي سفيان، فلما مثل بين يدي معاوية عرفه، فقال له: كيف أنت وحالك؟ فقال: ما يسأل أمير المؤمنين عمن سقطت ثمرته، وذبلت بشرته، وابيض شعره، وانخني ظهره، وكثر منه ما يحب أن يقل، وصعب منه ما كان يحب أن يذل، وترك المطعم وكان المنعم، وهجر النساء وكن الشفاء، وقصر خطوه، وذهب لهوه، وكثر سهوه، وثقل على الأرض، وقرب بعضه من بعض، فقل إيحاشه، وكثر ارتعاشه، فنومه سبات، وهمه تارات، وأنشد شعراً حسناً في معناه، تركته لطوله.
وقال أبو عبيدة: عاش أنس بن مدرك الخثعمي مائة سنة وأربعا وخمسين سنة، وكان سيد خثعم في الجاهلية، وفارسها.
وأدرك الإسلام فأسلم، وقال في كبره:
إذا ما امرؤ عاش الهنيدة سالماً ... وخمسين عاماً بعد ذاك وأربعا
تبدل مر العيش من بعد عذبه ... وأوشك أن يبلي وأن يتسعسعا
ونادي به الأدني وترضى به العدا ... إذا صار مثل الدال أحدب أخضعا
رهينة قعر البيت ليس يريمه ... لقىً ثاوياً لا يبرح البيت مضجعا
يخبر عمن مات حتى كأنما ... رأى الصعب ذا القرنين أو راء تبعا
قال أبو عبيدة: عمر نصر بن دهمان الأشجعي مائة وتسعين سنة، واعتدل بعد ذلك وصار شاباً، واسود شعره، وكان أعجوبة غطفان في سائر العرب وفيه قال الشاعر:
ونصر بن دهمان الهنيدة عاشها ... وتسعين حولاً ثم قوم فانصاتا
وعاد سواد الرأس بعد بياضه ... ولكنه من بعد ذا كله ماتا
روى سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، قال: دخل عمرو بن حريث على أبي العريان الهيثم بن الاسود النخعي يعوده ويزوره، فقال: كيف تجدك يا أبا العريان؟ قال أجدني قد ابيض مني ما كنت أحب أن يسود، واسود مني ما كنت أحب أن يبيض، ولأن مني ما كنت أحب أن يشتد، واشتد مني ما كنت أحب أن يلين.
وزاد غيره في هذا الخبر: وأجدني يسبقني من بين يدي، ويدركني من خلفي، وأنسي الحديث، وأذكر القديم، وأنعس في الملاء، وأسهر في الخلاء، وإذا قمت قربت الأرض مني، وإذا قعدت بعدت عني.
ثم اتفقت الرواية:
فاسمع أنبئك بآيات الكبر
تقارب الخطو وضعف في البصر
وقلة الطعم إذا الزاد حضر
وكثرة النسيان ما بي مدكر
وقلة النوم إذا الليل اعتكر
أوله نوم وثلثاه سهر
وسعلة تعتادني مع السحر
وتركي الحسناء في حين الطهر
وحذراً أزداده إلى حذر
والناس يبلون كما يبلي الشجر
وقال يحيى بن الحكم الغزال:
تسألني عن حالتي أم عمر ... وهي ترى ما حل بي من الغير
وما الذي تسأل عنه من خبر ... وقد كفاها الكشف عن ذاك النظر
وما تكون حالتي مع الكبر ... اربد مني الوجه وابيض الشعر
وصار رأسي شهرة من الشهر ... ويبست نضرة وجهي واقشعر
ونقص السمع بنقصان البصر ... وصرت لا أنهض إلا بعد شر
لو ضامني من ضامني لم أنتصر ... فانظر إلى واعتبر ثم اعتبر
فإن للحلوم في معتبر
قال معاوية بن أبي سفيان: من أخطأه سهم المنية قيده الهرم.
مر شيخ قد انحنى بفتى شاب، فقال له: أتبيع القوس يا شيخ؟ فقال له: إن كبرت أخذتها بلا ثمن.
لأعرابي في الصلع:
قد ترك الدهر صفاتي صفصفا
فصار رأسي جبهةً إلى القفا
كأنه قد كان ربعاً فعفا
أمسى وأضحى للمنايا هدفا
وقال تميم بن مقبل العجلاني:
كان الشباب لحاجاتٍ وكن له ... فقد فرغت إلى حاجاتي الأخر
يا حر أمست بشاشات الصبا ذهبت ... فلست منها على عينٍ ولا أثر
يا حر أمسى سواد الرأس خالطه ... شيب القذال اختلاط الصفو بالكدر
يا حر من يعتذر من أن يلم به ... ريب الزمات فإني غير معتذر
قد كنت أهدي ولا أهدي فعلمني ... حسن المقادة أني فاتني بصري
قالت سليمى لأختيها وقد صدقت ... لا خير في العيش بعد الشيب والكبر
قالت امرأة لرجل عهدته شابا ثم رأته شاخ: أين شبابك؟ قال: أودى به خصال من طال أمده، وكثر ولده، وضعف جلده، وذهب عدده.
قال منصور الفقيه:
يا من دعته الغواني ... عماً وقد كان شبا
قد كنت ورداً جنيناً ... فصرت ورداً مربا
مر أعرابي وهو شيخ كبير ببعض الغلمان، فقال له: من قيدك أيها الشيخ؟ قال: الذي هو دائب في فتل قيدك، وأنشده:
الدهر أبلاني وما أبليته ... والدهر غيرني وما يتغير
والدهر قيدني بقيد مبرمٍ ... فمشيت فيه وكل يوم يقصر
وقال آخر:
حنتني حانيات الدهر حتى ... كأني خاتل أدنو لصيد
قريب الخطو يحسب من رآني ... ولست مقيداً أني بقيد
قال عبد الرحمن بن أبي بكرة: من طالت أيامه، كانت مصيبته في أحبابه، ومن قصرت أيامه كانت مصيبته في نفسه.
قال محمود الوراق:
ألا رب ذي أملٍ كاذب ... بعيد الرجاء قوي الطمع
تمني البقاء تمادي به ... أجاب القضاء فماذا صنع
تجرد أكثر جثمانه ... وفرق ما كان منه جمع
ودل المشيب على رأسه ... وأعقب من بعد شيبٍ صلع
وقوس متنيه بعد اعتدالٍ ... وأثبت في الرجل منه الظلع
فمن ذا يسر بطول البقاء ... إذا كان يبدع هذي البدع
سأل الحجاج رجلاً من بني ليث، قد بلغ سناً كبيرة، قال: كيف طعمك؟ قال: إذا أكلت ثقلت، وإذا تركت ضعفت.
قال: فكيف نكاحك؟ قال: إذا بذل لي عجزت، وإذا منعت شرهت.
قال: كيف نومك؟ قال أنام في المجمع، وأسهر في المضجع.
قال: كيف قيامك وقعودك؟ قال: إذا أردت الأرض تباعدت مني، وإذا أردت القيام لزمتني.
قال: فكيف مشيتك؟ قال: تعقلني الشعرة، وأعثر بالبعرة.
وذكر المبرد قال: نظر محمد بن عبد الله بن طاهر إلى حاجب له قد رفع حاجبه عن عينيه بعصابةٍ من الكبر، فقال له: كم أتى لك من السنين يا أبا المجد؟ فقال مجيباً له:
يا ابن الذي دان له المشرقا ... ن من بعد أن دان له المغربان
إن الثمانين وبلغتهاقد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وبدلتني بالشطاط انحنا ... وكنت كالصعدة تحت السنان
وقاربت مني خطاً لم تكن ... مقاربات وثنت لي العنان
وأنشأت بيني وبين الورى ... عيابة من غير نسج العيان
لم تبق لي عظماً ولا مفصلاً ... إلا لساني وكفاني اللسان
أدعو به الله وأثنى به ... على الأمير الطاهري الجنان
فقرباني بأبي أنتما ... من وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاي إلى نسوةٍ ... أوطانها حران والرقتان
قال عبد الرحمن بن أبي بكرة: من تمنى طول العمر، فليوطن نفسه على المصائب، وأقلها فقد الأحبة والقرابات.
قال لبيد:
المرء يأمل أن يعي ... ش وطول عيشٍ قد يضره
تفني بشاشته ويبقى ... بعد حلو العيش مره
وتخونه الأيام حتى ... لا يرى شيئاً يسره
قال التيمي:
إذا كانت السبعون سنك لم يكن ... لدائك إلا أن تموت طبيب
وإن امرءاً قد سار سبعين حجةً ... إلى منهلٍ من ورده لقريب
إذا ما مضى القرن الذي كنت فيهم ... وخلفت في قرنٍ فأنت غريب
قام أبو العباس عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب، فوجد في ظهره ما يجد الكبير، فأنشأ يقول:
ولقد كنت كالقناة قديماً ... ثم نادت بي الحوادث طاط
فتضويت للحوادث رغماً ... بعد تعديل قامةٍ وشطاط
وأديم قد كان يبرق حسناً ... فتغشى الأديم بعد انبساط
قال محمود الوراق:
ابيض مني الرأس بعد سواده ... ودعا المشيب شبيبتي لنفاد
واستحصد القوم الذي أنا منهم ... وكفى بذاك علامة لحصادي
كان أبو بكر بن عياش قد بلغ ثمانين سنة، فكان يتمثل:
بلغت ثمانين أو جزتها ... فماذا أؤمل أو أنتظر
ومما ينسب إلى بلعام بن راشد السكسكي:
إذا ما المنايا أخطأتك وصادفت ... حميمك فاعلم أنها ستعود
ولما رأيك الشيب أيقنت أنه ... رجوع غضارات الشباب بعيد
وقال منصور النمري:
ما تنقضي خسرة مني ولا جزع ... إذا ادكرت شباباً ليس يرتجع
ما كدت أوفي شبابي كنه عزته ... حتى مضى فإذا الدنيا له تبع
وقال محمود الوراق:
أيها النادب الشباب الذي قد ... كنت تجفوه مرةً وتعقه
لو بكيت الشباب عمر الليالي ... لم تكن باكياً بما يستحقه
قال أبو العتاهية:
مضى عني الشباب بغير أمري ... فعند الله أحتسب الشبابا
فزعت إلى خضاب الشيب منه ... وإن نصوله فضح الخضابا
وما من غايةٍ إلا المنايا ... لمن خلقت شبيبته وشابا
وقال محمود الوراق:
سقياً لأيامٍ تولت بها ... أحسن ما كانت صروف الزمن
إذ أنت في شرخ الشباب الذي ... يحسن فيه منك غير الحسن
ولي وما الدنيا بأقطارها ... لليوم والساعة منه ثمن
ولمحمود الوراق أيضاً:
إذا ما دعوت الشيخ شيخاً هجوته ... وحسبك مدحا للفتى قول يا فتى
أشبه أيام الشباب التي مضت ... وأيامنا في الشيب بالفقر والغنى
وقال آخر:
إذا رأيت صلعاً في الهامه ... وحدباً بعد اعتدال القامه
وصار شعر الرأس كالثغامه ... فايئس من الصحة والسلامه
وقال النمر بن تولب:
يحب الفنى طول السلامة والبقا ... فكيف ترى طول السلامة يفعل
يرد الفنى بعد اعتدالٍ وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل
وكان النضر بن شميل ينشد:
يحب بقائي المشفقون ومدتيإلى أجل لو يعلمونقريب
وما إن أرى في أرذل العمر بعدما ... لبست شبابي كله ومشيبي
وأصبحت في قومٍ كأن لست منهم ... وبانت لداتي منهم وضروبي
وقال رجل ليزيد بن هرون: يا أبا خالد! كيف أصبحت؟ فقال:
أصبحت لا يحمل بعضي بعضا
كأنما كان شبابي قرضا
فاستؤدي القرض فكان فرضا
وصرت عوداً نخراً مرفضاً
وقال حميد بن ثور:
أرى بصري قد رابني بعد صحةٍ ... وحسبك داءً أن تصح وتسلما
ولن يلبث العصران يوماً وليلةً ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
وقال لبيد بن ربيعة:
كانت قناتي لا تلين لعامزٍ ... فألانها الإصباح والإمساء
ودعوت ربي في السلامة جاهداً ... ليصحني فإذا السلامة داء
وقال لبيد أيضاً:
أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
أخبر أخبار القرون التي مضت ... أدب كأبي كلما قمت راكع
وقال أبو النجم العجلي:
إن الفتى يصبح للأسقام
كالغرضٍ المنصوب للسهام
أخطأ رامٍ وأصاب رام
وأظنه أخذه من قول زهير:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
وقال آخر:
من عاش أخلقت الأيام جدته ... وخانه ثقتاه السمع والبصر
وقال أعرابي:
إذا الرجال ولدت أولادها ... واضطربت من كبرٍ أعضادها
وجعلت أسقامها تعتادها ... فهي زروع قددنا حصادها
وقال عروة بن الورد:
أليس ورائي أن أدب على العصا ... فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي
رهينة قعر البيت كل عشيةٍ ... يطيف بي الوالدان أهدج كالرأل
شبه هدجان الشيخ الضعيف في مشيه بهدجان الرأل، والرأل: ولد النعام والجميع: رئال ورئلان.
قال أبو الرجف:
أشكو إليك وجعاً بركبتي
وهدجاناً لم يكن بمشيتي
كهدجان الرأل خلف الهيقت
وقال أبو حية النميري:
وقد جعلت إذا ما قمت يوجعني ... ظهري فقمت قيام الشارب السكر
وكنت أمشي على رجلي معتدلاً ... فصرت أمشي على أخرى من الشجرٍ
وقال آخر:
إن الأمور إذا الأحداث دبرها ... دون الشيوخ يرى في بعضها الخلل
وإن أتت للشباب الغر نادرةً ... فإن أكثر ما يأتي لها الخطل
قال أبو العتاهية:
أسرع في نقصٍ امرىءٍ تمامه
وقال أيضاً:
من يعش يكبر ومن يكبر يمت ... والمنايا لا تبالي من أتت
وقال محمود الوراق:
يحب الفتى طول البقاء وإنه ... على ثقةٍ أن البقاء فناء
زيادته في الجسم نقص حياته ... وليس على نقص الحياة نماء
إذا ما طوى يوماً اليوم بعضه ... ويطويه إن جن المساء مساء
جديدان لا يبقى الجميع عليهما ... ولا لهما بعد الجميع بقاء
قال محمد بن نصر: كنت بأرض الطفاوة، إذ سمعت امرأةً تكلم أخرى من طاقٍ إلى طاقٍ فقالت لها: ما تقولين في ابن العشرين؟ قالت ريحانة تشمين.
قالت فما تقولين في ابن الثلاثين؟ قالت قرة عين الناظرين.
قالت فما تقولين في ابن الأربعين؟ قالت: قوى الظهر في ماء مكين.
قالت: فما تقولين في ابن الخمسين؟ قالت: تعرفين وتنكرين.
قالت: فما تقولين في ابن الستين؟ قالت: كثير السعال والأنين.
قالت: فما تقولين في ابن السبعين؟ قالت: اكتبيه في الضارطين.
ذكر ابن الأنباري، عن ثعلب، عن ابن الأعرابي، قال: كان العرب تقول: الرجل يزداد قوةً إلى الأربعين، فإذا بلغ الأربعين اصلهب إلى الستين، فإذا جاوز الستين أدبر.
وقال: اصلهب بقي على حال واحدة.
وأنشد:
وفيت ستين واستكملت عدتها ... فما بقاؤك إذ وفيت ستينا
فاحتل لنفسك يا حسان في مهلٍ ... فكل يوم ترى ناساً يموتونا
وذكر أبو الحسن الأخفش، قال: أنشدني أبو العباس ثعلب لبعض حكماء العرب:
ابن عشرٍ من السنين غلام ... همه اللعب مولع بالغرام
وابن عشرين مولع بالغواني ... لا يبالي ملامةً اللوام
والذي يبلغ الثلاثين عاماً ... فضروب لدى الوغى بالحسام
فإذا جازها بعشر سنينٍ ... كان أقوى من كل قرن مسام
وابن خمسين للنوائب يرجى ولنقض الأمور والإبرام
وابن ستين حازم الرأي طب ... كامل العقل ضابط للكلام
وابن سبعين قد تولى وأودى ... وتثنى فما له من قوام
والذي يبلغ الثمانين عاماً ... ذاهب الذهن دائب الأسقام
وابن تسعين تائه قد تناهى ... إن تسعين غاية الأعوام
فإذا جازها بعشرٍ فحي ... مثل ميتٍ مودع بالسلام