من رمي إذا رمي القوم بأجمعهم جميع السهام، وحينئذ يقال: رمى القوم رشقًا.
وقال ابن دريد: الرشق: السهام نفسها التي تُرمى والجمع أرشاق مثل حمل وأحمال وربما قيل: رشقته بالقول وأرشقته اهـ.
وقوله: أو نوع من الإصابة أي كيفية من إصابة الهدف وهو الغرض.
قال خليل عاطفًا على ما يُشترط في المسابقة؛ وعدد الإصابة ونوعها من خزق أو غيره..
قال المواق نقلاً عن ابن شاس: الرمي كالسبق بين الخيل فيما يختص به الرمي من كونهما يشترطا رشقُا معلومًا ونوعًا من الإصابة معينًا من خزق أو إصابة من غير خزق وسبق إلى عدد مخصوص من الإصابة المرة أو المرتين اهـ. الخزق بخاء وزاي معجمتين وهو ثقب الغرض من غير أن يثبت السهم فيه وخسق بخاء معجمة وسين مهملة ساكنة وقاف وهو ثَقْبُه وسكون السهم فيه.
قال الدردير خلافًا لما في المواق من قوله هو أن يثقب السهم ولا يثبت يعني كالخزق فتأمل.
وأما الخرم بخاء معجمة وسكون الراء وهو إصابة طرف الغرض فيخدشه.
قال الخرشي أو خاصرًا بالخاء المعجمة والصاد والراء المهملتين، وهو إصابة أحد جانبي الغرض
ولا يخدش منه شيئًا اهـ. ثم ذكر ما لا يسبق بوقوعه في السباق فقال: وإن عرض للسهم عارض أو انكسر أو للفرس ضرب بوجه فعاقه أو نزع سوط لم يكن مسبوقًا بخلاف: ضياعه أو قطع لجام أو حرن الفرس.
ثم قال: وجاز عند الرمي افتخار أي ذكر المفاخر بالأنساب إلى أب أو قبيلة، وكذلك جاز رجز وتسمية نفسه وصياحٍ كالحرب قال أي خليل: والأحب ذكر الله لحديث الرمي.
والمراد بحديثه: ما تقدم من الافتخار وما عطف عليه وفي نسخة: لأحاديث الرمي بالجمع وهو المروي عنه عليه الصلاة والسلام وهي متعلقة بجاز أي جاز الافتخار لأجل الأحاديث في الرمي اهـ الخرشي بتوضيح.
قال المواق نقلاً عن ابن عرفة: والافتخار والانتماء للقبيلة عند ظن الإصابة بالرمي جائز، وبذكر الله
أحب إلي كقوله: أنا الفلاني؛ لأنه إغراء لغيره، رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى فقال: ((أن ابن العواتك)).
ورمى عمر بن الهدفين فقال: (أنا بها أنا بها).
وقال مكحول: (أنا الغلام الهذلي).
قال ابن عرفة: (وهذا في حين الحرب أوضح).
فمنه قوله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين حين نزل عن بغلته واستنصر: ((أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب))، ومنه حديث مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: خرجت في أثر القوم أرميهم بالنبل وأرتجز وأقول:
أنا ابن الأكوع... واليوم يوم الرُّضع
قال ابن أبي زيد: وكذلك أمور الحروب بين المسلمين وعدوهم، وكل ما كان من القوة عليهم فلا بأس بالمفاخرة فيه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي دجانة حين تبختر في مشيته في الحرب: ((إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن))، وأجاز المسلمون تحلية السيوف، وما ذلك إلا لما أجيز من التفاخر فيه ذّكّرّه في النوادر اهـ بحذف.
قال الله تعالى: ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ [الحديد: 21] الآيات.
اللهم اجعلنا مع الذين سبقوا إلى الخيرات وإلى مغفرة منه آمين.
ولنختم شرحنا هذا المبارك بما ختم به أبو البركات كتابه المسمى بأقرب المسالك.
لما في تلك الخاتمة من المناسبة حيث قال:
خاتمة
كل كائنة في الوجود فهي بقدرة الله تعالى وإرادته على وفق علمه القديم، ولا تأثير لشيء في شيء، ولا فاعل غير الله تعالى، وكل بركة في السماوات والأرض فهي من بركات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو أفضل خلق الله على الإطلاق، ونوره أصل الأنوار، والعلم بالله تعالى وبرسله وشرعه أفضل الأعمال، وأقرب العلماء إلى الله تعالى وأولاهم به أكثرهم له خشية وفيما عنده رغبة الواقف على حدود الله تعالى من الأوامر والنواهي المراقب له في جميع أحواله، قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: 13]، واعلم أن الدنيا دار ممر لا دار قرار، وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار، فينبغي للعاقل أن يتجافى عن دار الغرور بترك الشهوات والفتور، ويقتصر على الضرورات تاركًا لفضول المباحات شاكرًا ذاكرًا صابرًا مسلمًا لله تعالى أمره، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه.
والنية الحسنة روح العلم ولربما قبلت المعصية طاعة، وكثرة ذكر الله تعالى موجبة لنور البصيرة، وأفضله لا إله إلا الله، فعلى العاقل الإكثار من ذكرها حتى تمتزج بدمعه ولحمه فيتنوع من مجمل نورها عند امتزاجها بالروح والبدن جميع أنواع الأذكار الظاهرية والباطنية التي منها التفكر في دقائق الحُكْم المنتجة لدقائق الأسرار، ومنها التفكر في دقائق الكتاب والسنة الموصل لمعرفة الأحكام الشرعية، ومنها مراقبة الله عند كل شيء حتى لا يستطيع أن يفعل المنهي عنه ومنها طمأنينة القلب بكل ما وقع في العالم من انزعاج ولا اعتراض فيتم له التسليم للعليم الحكيم، ومنها وفور محبة الله تعالى حتى تميل إلى عالم الغيب والقُدُس أكثر من ميلها إلى عالم الشهادة والحس فتشتاق إلى لقاء
بارئها أكثر من اشتياقها لأمها وأبيها، فإذا تم أجلها جازاها ربها بالقبول وحسن الختام وهيأ لها دار السلام وناداها ربها: يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي دار السلام بسلام، دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين اهـ ﴿وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب﴾ [فاطر: 34، 35]. يقول الشارح: قد سهل الله لنا إكمال هذا الشرح بعونه تعالى وحسن توفيقه، الحمد لله على ذلك وأسأله تعالى أن يسهل طبعه بكل سهولة على أحسن طبع، كما نرجو لكل راغب فيه إدراك مأموله في أسهل حال، وأسأله سبحانه أن يكون خالصًا لوجهه وذًخرًا ليوم الجزاء، وأن ينفع به كما نفع بأصله كل من قرأه أو حصله أو سعى في شيء منه أو نظر فيه بعين الرضا والقبول إنه تعالى جواد كريم رؤوف رحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وعلى آلهم وصحبهم أجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا والحمد لله رب العالمين.
وكان الفراغ من تبييضه مساء يوم الاثنين الموافق يوم السادس من شهر ربيع الثاني سنة ألف وثلاثمائة وثلاث وثمانين هجرية 6/ 4/1383 هـ وكان ابتداء تأليف هذا الشرح يوم الخميس الموافق 12/ 2/1375 هـ وكانت مدة مكثنا في هذا الشرح وتحريره من يوم ابتدائنا إلى يوم انتهاء تبييضه مدة سبع سنوات وشهر واثني عشر يومًا، وما ذلك إلا لكثرة الاشتغال بأعمال أخرى وكثرة العوائق والمسائل اللازمة الضرورية.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ثم أعتذر لكل ذي لب وعقل سليم وهو أهل أن يصلح الخلل الواقع في الشرح بعد تفكر وتأمل أو الرجوع إلى المنقول؛ لأنه قلما يخلص مصنف من الهفوات أو ينجو مؤلف من العثرات، والإنسان محل الخطأ والنسيان.
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
ربنا نسألك صلاح أمورنا وأحوالنا وأحوال المسلمين أجمعين إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
تنبيه
في الوصية الدينية الوعظية للشارح المذكور
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على الناطق بالحكمة والصواب سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهدنا أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين.
أما بعد: يقول الراجي لرحمة ربه المتوكل على الله المنيب إليه خادم طلبة العلم والإخوان في بلد الله الحرام أخوكم في الله أبو بكر بن حسن الكشناوي ثم المكي غفر الله مساويه آمين: هذه وصية نافعة أوصيت بها نفسي ومن اعتنى بها من إخواننا المسلمين، واعلموا أيها الإخوان أن الأمور قد التبست وأن بحر الذنوب قد طم وغرق فيه الكثير من الناس فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فعليكم أيها المسلمون بتقوى الله العظيم وبترك المعاصي؛ فإن بالتقوى يستوجب العبد كرامة عند مولاه وينال منه سعادة الدارين، وبالمعاصي يستحق منه المقت والغضب، وعليكم بمجاهدة النفس عن هواها؛ فإن النفس لأمارة بالسوء والفحشاء، وإن الشيطان مع النفس والهوى وهما قرينا سوء ومن ترك هوى نفسه دخل الجنة، ومن اتبع هواه هلك وضل ضلالاً بعيدًا؛ قال الله سبحانه: ﴿فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى.
وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾.
فعليكم بالعمل بكتاب الله وسنة نبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، واستمسكوا بهما فمن استمسك بهما فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.
وعليكم بالعمل بما صح في كتب السنة وكتب الفقه مما بينه لنا علماء
السنة المتقدمون، فإن فيها هدىً ونورًا.
ولا تميلوا إلى الدنيا، فإنها دار غرور وقد اغتر بها كثير من الناس، وهي مضلة قد ضل فيها كثير من الناس وهم لا يشعرون، وزخارفها زائلة لا تدوم، ولا تطمئنوا فيها فإنها ليست بدار أمان، ولا تأخذوا منها إلا قدر ما يعينكم على طاعة الله؛ لأنها ملعونة إلا ما كان لله وما والاه كما في الحديث.
وقال صلى الله عليه وسلم: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) وعليكم يا إخواني بالصبر على
طاعة الله وعن معاصيه.
وعليكم بإقامة الصلوات في الجماعة في أول الأوقات، فإن الصلاة في أول وقتها فيها فضل عظيم، وإن يد الله مع الجماعة.
وإياكم من البدعة فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة صاحبها في النار.
ولا يغرنكم كثرة أهلها وفاعلها.
وإياكم عن الجدال في الدين، ولا تشغلوا بكثرة المراء والجدال ولو كان معكم الحق: فإن المراء والجدال يضيعان الأوقات وهما الشؤمان اللذان يورثان الشر والعداوة بين الناس وعليكم بكثرة السكوت والتزام الصمت إلا لحاجة، وكذلك ملازمة مكارم الأخلاق.
وعليكم بدوام ذكر الله تعالى صباحًا ومساءً؛ لأنه ينور القلوب.
وعليكم بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه في كل وقت.
وعليكم بمداومة الصلاة في ظلمة الليل وكثرة الصيام في ضياء النهار مع ملازمة تلاوة القرآن العظيم، وقراءته فيه ثواب جزيل.
وينبغي للإنسان أن يتصدق بما تيسر في كل يوم.
وعليكم بالنصيحة لعباد الله بقدر الطاقة والإمكان.
وعليكم بحسن الظن لعباد الله وبمحبة العلماء والأدب معهم.
عليكم بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر منكم، قال الله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: 59]؛ لان مَنْ أطاع الرسول فقد أطاع الله، وطاعة أولي الأمر طاعة الله وطاعة رسوله، وهي واجبة ما لم يأمروا بمعصية الله، وإذا أمروكم بمعصية الله فإنه لا سمع ولا طاعة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)).
وعليكم بالعدل وترك الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، ولا تحتقروا أحدًا
من الناس عسى أن يكون هو خيرًا منكم عند الله، ولا تتبعوا أهواء الذين قد ضلوا عن السبيل، فإن اتبعتم أهواءهم فقد ظلمتم أنفسكم، فالواجب عليكم التوبة والرجوع إلى الله، إن الله غفور لمن تاب وأناب، ولقد رأينا كثيرًا من الناس تركوا كثيرًا من شعائر دين الإسلام بالتبديل والتغيير، فهؤلاء قد ضلوا وأضلوا يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
وإياك عن قول الزور والمنكر والفحشاء وعن الزنا وأكل الربا وأكل أموال اليتامى وأكل أموال الناس بالباطل كالكذب في أي باب من أبواب المكاسب وكالرشوة في الحُكْم؛ فإنها حرام وكذلك الغصب والسرقة والغش في جميع المعاملات.
وإياكم عن الحسد والغيبة والنميمة والسمعة والعجب والرياء.
وإياكم عن شرب الخمر وأكل لحم الخنزير وعن سوء الظن وغير ذلك مما حرم الكتاب والسنة، وكل ذلك من الكبائر حرام إجماعًا.
وعليكم بغض الأبصار عن المحارم كالعورات.
وإياكم عن النظر في الأجنبية؛ قال الله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم﴾ [النور: 30] الآية.
وعليكم بالوفاء في المكيال والميزان، فاذكروا قوله تعالى:
﴿ويل للمطففين﴾ [المطففين: 1] الآية.
وأوصيكم بالصدق والوفاء بالعهود؛ لأن العهد كان عنه مسئولاً.
وعليكم بالإيمان في القدر خيره وشره حُلوه ومره، كل ذلك بقدرة الله تعالى وإرادته وعلمه.
وعليكم بالصدق في الطاعة في الغضب والرضا، وحيثما كنتم سرًا وعلانية في أي مكان وزمان فاعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
فتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون، فاحفظوا وصيتي يا إخواني؛ فإنها نافعة، وما يذكر إلا أولو الألباب.
نسأل الله التوفيق لي ولكم وسائر المسلمين إنه ولي الرشد والهداية وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا والحمد لله رب العالمين.