كتاب القراض والشركة والمساقاة
يعني أن هذا الكتاب مشتمل على ثلاثة أحكام متفرقة، وهو القراض، والشركة والمساقاة، ولذا جعل لكل حكم منها فصلاً مستقلاً.
وبدأ بالقراض اهتماماً به فقال رحمه الله تعالى:
" القراض تنمية العامل المال بالتجارة على جزء من الربح يتفقان عليه " يعني القراض، وهو لغة: لأن المالك قطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها بقطعة من الربح.
قال ابن عرفة: هو تمكين مال لمن يتجر به من ربحه.
وكان أهل العراق يسمون القراض مضاربة وحكم القراض الجواز؛ والمعنى أن القراض جائز إجماعاً لأجل تنمية المال بالتجارة بها من العامل على جزء من الربح الذي اتفق عليه رب المال والعامل من النصف أو الثلث أو الربع أو غير ذلك بعد إخراج رأس المال.
وله أحكام وشروط ولوازم كما يأتي.
قال في الرسالة: والقراض جائز بالدنانير والدراهم وقد أرخص فيه بنقار الذهب والفضة أي إذا كانوا يتعاملون بها.
والنقار بكسر النون القطع الخالص من الذهب والفضة، ومثلها التبر والحلي، فإن حكم الجميع واحد في الجواز إن تعومل بها في بلد العمل ولم يكن فيها مسكوك، وأما لم يتعامل بها، أو وجد المسكوك فلا يجوز على المعتمد، أي لا يجوز ابتداء، فإن وقع يمضي بالعمل عند ابن القاسم، وعند أصبغ يمضي مطلقاً ولا يفسخ.
والحاصل أن غير المضروب من تبر ونقار وحلي لا يجوز جعله رأس مال إلا بشرطين: التعامل به في بلد العمل، وعدم وجود المسكوك، وإن وقع شيء من ذلك رأس مال مع فقد الشرطين أو أحدهما مضى بالعمل، وقيل بمجرد تمام العقد اهـ النفراوي بحذف.
الجزء: 2 - الصفحة: 349
قال رحمه الله تعالى: " ويلزم بشغله المال، وهو أمين ما لم يتعد " يعني يلزم عامل القراض بشغله المال بأن تهيأ بشراء السلع بالمال، وهو أمين.
قال الدردير: والعامل أمين، فالقول له في تلفه وخسره، ورده إن قبضه بلا بينة توثق، أو قال أخذت منك قراضاً، وقال رب المال بضاعة بأجر وعكسه، أو قال أنفقت
من غيره، وكذلك القول قوله في تنازعهما في جزء الربح إن أشبه، ولرب المال إن انفرد بأشبه، أو قال قرض أو وديعة فالقول له أي لرب المال إن أشبه.
قال رحمه الله تعالى: " والتلف والخسارة من ربه.
واشتراطه على التعامل مفسد، كتأجيله، وقسره على ما لا يغلب وجوده وقراضه بعروض " يعني إن وقع التلف والخسارة في مال القراض.
وذلك على رب المال.
قال ابن جزي والخسران والضياع على رب المال دون العامل، إلا أن يكون منه تفريط اهـ. قال الدردير عاطفاً ما يشترط عليه ألا يفعله وإن فعل فعليه الضمان: وضمن إن خالف أي إن خالف ما اشترط جميع ما ذكر وتلف المال أو بعضه قال الصاوي: قوله المال أو بعضه أي زمن المخالفة، وأما لو اتجر أو اقتحم النهي وسلم ثم حصل تلف بعد ذلك من غير الأمر الذي خالف فيه فلا ضمان، وكذا لو خالف اضطراراً بأن مشى في الوادي الذي نهي عنه، أو سافر بالليل، أو في البحر اضطراراً لعدم المندوحة فلا ضمان ولو حصل تلف.
وإذا تنازع العامل ورب المال في أن التلف وقع زمن المخالفة أو بعدها صدق العامل في دعواه بيمين اهـ. وأما قوله: وقراضه بعروض أي من مفسدات القراض جعل رأس المال عروضاً، قال في الرسالة: ولا يجوز بالعروض ويكون إن نزل أجيراً في بيعها وعلى قراض مثله اهـ. قال ابن جزي: إذا وقع القراض فاسداً فسخ فإن فات بالعمل أعطي العامل قراض المثل عند أشهب.
وقيل أجرة المثل مطلقاً وفاقاً لهما أي للشافعي وأبي حنيفة وقال ابن القاسم أجرة المثل إلا في أربعة مواضع، وهي قراض بعرض، أو لأجل، أو بضمان، أو
الجزء: 2 - الصفحة: 350
بحظ مجهول اهـ. وحاصل المعنى أنه إن وقع عقد القراض بعرض فإنه يكون فاسداً يجب فسخه فإن لم نطلع عليه حتى باع العامل العرض فإنه يجب فسخه وله أجرة مثله في تولية البيع، وأما لو لم نطلع عليه حتى أتجر بثمن العرض فإنه يستحق في تولية بيع العرض أجرة مثله، وله قراض مثله في الاتجار بالثمن فيجمع بين الأمرين، هذا إذا دخلا على أن رأس المال هو الثمن الذي باع به العرض.
فإن قال له: خذ هذا العرض اجعله رأس مال أو قيمته الآن أو يوم المفاصلة فإنه يكون كأجير في بيعها، ويعطى أجرة مثله في الاتجار بالثمن.
والفرق بين قراض المثل وأجرة المثل أن قراض المثل في الربح فإن لم يحصل ربح لا شيء له، وأجرة المثل في الذمة فتلزم رب المال ولو لم يحصل ربح.
قاله تلنفراوي اهـ بحذف.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يسافر، ولا يشارك، ولا يقارض، ولا يقارض، ولا يبيع بدين إلا بإذنه، فإن قارض فلربه بشرطه وحصته بينه وبين عامله، وله في السفر نفقة مثله " يعني أنه لا يسافر بمال القراض إلا بإذن رب المال، وكذل لا
يشارك العامل في مال القراض غيره ولو عاملاً آخر، وكذلك لا يدفع مال القراض لغيره قراضاً بغير إذن رب المال، فإن فعل شيئاً من ذلك بغير إذن ضمن إن تلف المال لتفريطه.
قال الدردير: لأن ربه لم يستأمن غيره فيه.
قال الصاوي في حاشيته عليه: أي فقد عرضه للضياع، ومحل الضمان إذا غاب شريكه العامل الذي شاركه بلا إذن على شيء من المال وحصل خسر أو تلف، وسواء كان الشريك صاحب مال أو عاملاً، وأما إن لم يغب على شيء لم يضمن إذا تلف كما قاله ابن القاسم، واعتمده أبو الحسن.
وقوله فإن قارض إلخ قال الصاوي أيضاً: حاصله أن عامل القراض إذا دفع المال لعامل لآخر قراضاً بغير إذن رب المال فإن حصل تلف أو خسر فالضمان من العامل الأول، وإن حصل ربح فلا شيء للعامل الأول منه، وإنما الربح للعامل الثاني ورب المال، ثم إن دخل العامل الثاني مع الأول على مثل ما دخل عليه الأول مع رب المال فظاهر، وإن دخل معه على أكثر مما دخل عليه فإن
الجزء: 2 - الصفحة: 351
العامل الأول يغرم للثاني الزيادة، وإن دخل معه على أقل فالزائد لرب المال لا للعامل الأول، فإن لم يحصل للعامل الثاني ربح فلا شيء له، ولا يلزم العامل الأول لذلك الثاني شيء كما هو القاعدة أن العامل لا شيء له إذا لم يربح المال اهـ. قوله وله في السفر نفقة مثله.
قال في الرسالة: وللعامل كسوته وطعامه إذا سافر في المال الذي له بال، وإنما يكتسي في السفر البعيد.
قال خليل: واكتسى إن بعد، ولا بد من مراعاة الشروط في الإنفاق في السفر، وكونه للتجر فقط لا لأهل ولا لحج أو غزو أو قربة، واحتمال المال وكونه بالمعروف اهـ شارحها باختصار.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وإذا طالبه بالتنضيض لزمه " يعني أن رب المال إذا طالب العامل بالتنضيض لزمه ذلك.
قال في الرسالة: ولا يقتسمان الربح حتى ينض رأس المال أو يتراضيا على قسمة، فإن طلب أحدهما نضوضه نظر أهل البصيرة في ذلك.
قال خليل: وإن استنضه فالحاكم ينظر في ذلك من تعجيل أو تأخير، فما كان صواباً فعله.
وتجوز قسمة العروض إذا تراضوا عليها، وتكون بيعاً، وإنما لم تجز قسمة قبل نضوضه إلا برضاهما؛ لأنه إذا قسم قد تهلك السلع أو تتحول أسواقها فينقص رأس المال، فيحصل الضرر لرب المال بعدم جبر رأس المال بالربح اهـ النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: " ولا ينفسخ بموت أحدهما، ويلزم ورثة العامل التنضيض إن ائتمنتهم أو أتوا بأمين، وإلا سلموا المال " قال مالك في الموطأ: الأمر المجتمع عليه عندنا في رجل دفع إلى رجل مالاً قراضاً فاشترى به سلعة ثم
باع السلعة بدين فربح في المال، ثم هلك الذي أخذ المال قبل أن يقبض المال، قال إن أراد ورثته أن يقبضوا ذلك المال وهم على شرط أبيهم من الربح فذلك لهم إذا كانوا أمناء على ذلك، وإن كرهوا أن يقتضوه وخلوا بين صاحب المال وبينه لم يكلفوا أن يقتضوه ولا شيء عليهم، ولا شيء لهم إذا أسلموه إلى رب المال، فإن اقتضوه فلهم فيه الشرط والنفقة مثل
الجزء: 2 - الصفحة: 352
ما كان لأبيهم في ذلك، وهم فيه بمنزلة أبيهم، فإن لم يكونوا أمناء على ذلك فإن لهم أن يأتوا بأمين ثقة فيقتضي ذلك المال، فإذا اقتضى جميع المال وجميع الربح كانوا في ذلك بمنزلة أبيهم اهـ. وعبارة النفراوي على الرسالة أنه قال: إذا مات العامل قبل نضوض المال فلوارثه الأمين إتمام العمل ولو كان أقل أمانة من مورثه، ويستحق الجزء، وإن لم يكن أميناً فله الإتيان بأمين كمورثه فيها وإلا سلم المال لربه هدراً.
وظاهر كلام أهل المذهب أنه لا شيءلوارث العامل حينئذ ولو اتخذ رب المال من يتمم العمل، فليس كالجعل في هذه، ولعل الفرق أن الشارع لما مكن الوارث من الإتيان بأمين بغيره فهو مغلوب فجعل له نسبة الثاني، واستحسن شيوخنا هذا الفرق اهـ. قال ابن جزي في القوانين: الفرع الثالث: لا ينفسخ القراض بموت أحد المتقارضين ولورثة العامل القيام به إن كانوا أمناء أو يأتوا بأمين اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وتجبر وضيعته من ربحه ثانية، فإن تفاضلا عليها ثم عمل فرأس المال ما بقي، وإن اقتسما ربحا قبل تنضيضه ثم حدثت وضيعة جبراها منه " يعني إن حصلت الوضيعة في مال القراض وهي بيد العامل وإن قبل العمل يجب جبرها من الربح بعدها.
والوضيعة بوزن النقيصة لفظاً ومعنى.
فالمعنى إن نقص شيئاً من رأس المال وجب جبره بما حصل بعد ذلك من الربح.
قال النفراوي في الفواكه: إذا حصل في رأس مال القراض خسر وحمل فيه بعد ذلك ربح فإنه يجب الخسر بالربح، ولو شرط العامل على رب المال خلاف ذلك ما دام المال تحت يد العامل، لا إن قبضه ربه بعد الخسر ورده للعامل بعد ذلك فإنه يصير قراضاً مؤتنفاً اهـ. وإلى ما تقدم أشار خليل بقوله: وجبر خسره وما تلف وإن قبل عمله إلا أن يقبض، أي إلا أن يقبض رب المال ماله من يد العامل ثم يرده له فيربح فيه فلا يجبر ربحه خسر الأول ولا تلفه؛ لأن هذا قراض
الجزء: 2 - الصفحة: 353
مؤتنف، وكذلك إن قسما الربح بعد النضوض والانفصال ثم ردها للعامل فإنه لا تجبر وضيعة الأول بربح الثاني؛ لأنه قد حصل القبض والانفصال فصار هذا قراضاً مؤتنفاً، بخلاف ما إذا لم ينفصلا ولو قسما الربح فتجبر بما يحصل من الربح ثانية.
قال مالك في المدونة: وإذا ضاع بعض المال بيد العامل قبل العمل أو بعده أو خسره أو أخذه لص أو العاشر ظلماً لم يضمنه العامل، إلا أنه إن عمل ببقية المال جبر بما ربح فيه أصل المال، فما بقي بعد تمام رأس المال كان بينهما على ما شرطا، ولو كان العاقل قد قال لرب المال لا أعمل حتى تجعل ما بقي رأس المال ففعل وأسقط الخسارة فهو أبداً على القراض الأول، وإن حاسبه وأحضره ما لم يقبضه منه ثم يرده منه على باب الصحة والبراءة اهـ. نقله المواق.
قال مالك في الموطأ في رجل دفع إلى رجل مالاً قراضاً فعما فيه فربح، ثم اشترى من ربح المال أو من جملته جارية فوطئها فحملت، ثم نقص المال، قال مالك: إن كان له مال أخذت قيمة الجارية من ماله فيجبر به المال، فإن كان فضل بعد وفاء المال فهو بينهما على القراض الأول، وإن لم يكن له وفاء بيعت الجارية ختى يجبر المال من ثمنها اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولكل اشتراط جميع الربح لنفسه " يعني كما قال خليل عاطفاً على ما يجوز: والربح لأحدهما أو لغيرهما.
قال الباجي: يجوز شرط كل الربح لأحدهما في مشهور مذهب مالك، أو لغيرهما من المدونة.
قال ابن القاسم: إذا اشترط المتقارضان عند معاملتهما ثلث الربح للمساكين جاز ذلك، ولا أحب لهما أن يرجعا فيه، ولا يقضي بذلك عليهما اهـ نقله المواق.
وعبارة الخرشي: يعني أنه يجوز اشتراط ربح القراض كله لرب المال أو للعامل أو لغيرهما لأنه من باب التبرع، وإطلاق القراض عليه حينئذ مجاز كما مر في تعريف ابن عرفه للقراض، ويلزمهما الوفاء بذلك إن كان المشترط عليه معيناً.
وقيل ويقضي به إن امتنع الملتزم منهما، فإن لم يقبل المعين فإن كان هناك
الجزء: 2 - الصفحة: 354
عرف بقدر ما للعامل من الربح في مثل ذلك القراض عمل به، وإلا فهل يقسم الربح بينهما بالتساوي، أو يكون كقراض وقع بجزء مبهم.
وأما إن كان لغير معين كالفقراء فإنه يجب من غير قضاء اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويلزم بفساده قراض المثل.
وقيل أجرة المثل " تقدم بيان هذه الجملة عند قوله: " وقراضه بعروض " فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " والربح تابع للأصل في الزكاة، ولكل اشتراط زكاة الربح على الآخر للأصل، فإن لم يكن العامل أهلاً سقطت عن حصته، وأوجبها عبد الملك تبعاً " قال ابن جزي في القوانين: واختلف في اشتراط أحدهما على الآخر زكاة نصيبه من الربح اهـ. قال خليل عاطفاً على ما يجوز: وزكاته على أحدهما.
قال الخرشي: الضمير في زكاته يرجع للربح، والمعنى أن زكاة ربح المال يجوز اشتراطهما على
العامل أو على رب المال على المشهور، وأما رأس المال فلا يجوز اشتراط زكاته على العامل اتفاقاً اهـ بحذف.
ونقل المواق عن ابن رشد ما نصه: لا يجوز اشتراط زكاة رأس المال على العامل، ويجوز أن يشترطها العامل على رب المال لأنها واجبة عليه.
واختلف إذا اشترط أحد المتقارضين زكاة ربح المال على صاحبه على أربعة أقوال: أحدها أن ذلك جائز لكل واحد منهما على صاحبه، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وروايته عن مالك.
لأنه لا يرجع إلى جزء مسمى، فإن اشترطت الزكاة على العامل صار عمله على أربعة أعشار الربح وثلاثة أرباع عشره، وإن اشترطت الزكاة على رب المال صار عمله على نصف الربح كاملاً اهـ. قوله فإن لم يكن العامل أهلاً سقطت، يعني كأن كان العامل رقيقاً أو مديناً ليس عنده وفاء، أو كان كافراً فهؤلاء تسقط عن حصة واحد منهم لعدم الأهلية، وأوجبها عبد الملك تبعاً للأصل اهـ.
تنبيه: ليس لعامل هبة لغير ثواب في مال القراض ولا تولية، بأن يعطي السلعة
الجزء: 2 - الصفحة: 355
لغيره بمثل ما اشتراها، هذه إذا لم يخف رخصها وإلا جاز.
وقال في القوانين: لا يجوز أن يهدي رب المال إلى العامل ولا العامل إلى رب المال؛ لأنه يؤدي إلى سلف جر منفعة اهـ.
أحكام الشركة
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالقراض وأحكامه انتقل يتكلم على الشركة وما يتعلق بأحكامها فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
فيما يتعلق بالشركة وشروطها
أي في بيان ما يتعلق بالشركة، وهي لغة الاختلاط، وعرفاً عقد مالكي مالين فأكثر على التجر فيهما معاً، أو على عمل والربح بينهما بما يدل عرفاً، أي على ما يدل على الإذن والرضا من جانبين فيما جرى به العرف.
قال رحمه الله تعالى: " تجوز الشركة بالنقد والعروض، ويجعل رأس المال قيمتها " يعني أن الشركة جائزة بالنقود والعروض.
قال ابن جزي في القوانين: وهي على ثلاثة أنواع: الأولى شركة الأموال فتجوز في الدنانير والدراهم، واختلف في جعل أحدهما دنانير والآخر دراهم، فمنعه ابن القاسم لأنه شركة وصرف، وتجوز في العروض بالقيمة، واختلف في جوازها بالطعام، وعلى القول بالجواز يشترط اتفاق الطعامين في الجودة.
والشركة في الأموال على نوعين: شركة عنان وشركة مفاوضة.
فشركة
العنان أن يجعل كل واحد من الشريكين مالاً ثم يخلطاه أو يجعلاه في صندوق واحد ويتجرا به معاً ولا يستبد أحدهما بالتصرف دون الآخر.
والنوع الثاني شركة المفاوضة وهي أن يفوض كل واحد منهما التصرف للآخر في حضوره وغيبته،
الجزء: 2 - الصفحة: 356
ويلزمه كل ما يعلمه شريكه.
ومنع الشافعي شركة المفاوضة واشترط أبو حنيفة فيها تساوي رؤوس الأموال.
ويجب في شركة الأموال في المذهب أن يكون الربح بينهما على حسب نصيب كل واحد منهما من المال، ولا يجوز أن يشترط أحدهما من الربح أكثر من نصيبه من المال، وما فعله أحد الشريكين من معروف فهو في نصيبه خاصة إلا أن يكون مما ترجى به منفعة في التجارة كضيافة التجار وشبه ذلك.
وإلى ما تقدم أشار رحمه الله تعالى بقوله: " ويشترط خلطهما حقيقة أو حكماً وهي عنان.
وهي ألا ينفرد أحدهما بالتصرف، ومفاوضة وهي أن يمضي تصرف كل صاحبه، والربح والخسران والعمل توابع، فإن زاد أحدهما في العمل فله أجرة مثله إلا أن يتبرع " يعني كما قال الجزيري في الفقه ونصه: وأما شركة العنان فهي أن يشتركا على ألا يتصرف أحدهماإلا بإذن صاحبه فإن كل واحد منهما آخذ بعنان صاحبه يمنعه إذا أراد، حتى لو تصرف أحدهما بدون إذن الآخر كان له رده.
وإذا اشترطا أن يكون لأحدهما التصرف المطلق دون الآخر فقيل إنها تكون عناناً في المقيد ومفاوضة في المطلق.
وقيل تفسد وهو الظاهر.
فأما شركة المفاوضة فهي اشتراك اثنين فأكثر في الاتجار بمالين على أن يكون لكل منهما نصيب في الربح بقدر رأس ماله بدون تفاوت، وأن يطلق كل من الشركاء حرية التصرف للآخر في البيع والشراء والكراء والاكتراء، وأن يشتري ويبيع في غيبته وفي حضوره سواء اتفقا على أن يتجرا في نوع واحد كالقمح أو الشعير أو في جميع الأنواع.
وبعض أئمتنا في المذهب يقول إنها إذا كانت في نوع واحد تكون عناناً لا مفاوضة؛ لأن شركة المفاوضة يجب أن تكون عامة في كل الأنواع، ولا تفسد شركة العنان بانفراد أحد الشريكين بمال غير مال الشركة، فيصح أن تكون عامة في كل الأنواع، ولا تفسد شركة العنان بانفراد أحد الشريكين بمال غير مال الشركة، فيصح أن تكون الشركة على ألف لكل منهما خمسمائة وعلى أحدهما زيادة على الخمسمائة اهـ بالتقديم.
الجزء: 2 - الصفحة: 357
قال رحمه الله تعالى: " وتجوز بالأبدان بشرط اتحاد الصنعة والمكان، لا مال وبدن " يعني أن الشركة تجوز بالأبدان بشرط أن تتحد الصنعة والمكان.
ولا يجوز أن تكون بمال من جانب وبدن أي عمل من جانب آخر.
قال في المدونة: لا تجوز الشركة إلا بالأموال.
أو على عمل الأبدان إذا كانت الصنعة واحدة.
وفيها أيضاً عن ربيعة في رجلين اشتركا في بيع بنقد أحدهما، قال ربيعة: لا يصلح هذا.
وقال الليث مثله لما فيه من الغرر اهـ بتوضيح.
قال رحمه الله تعالى: " وما يفتقران إليه من آلة فبينهما " قال الجزيري: وإذا كان لكل منهما آلة للبرادة أو الحدادة أو النجارة فإنه لا يجوز أن يعمل بها قبل أن يشتري كل منهما نصفه بنصف الآخر حتى يكون لكل منهما نصف إحداهما ملكاً أصلياً والنصف الآخر بالشراء.
وقيل يجوز.
والأول هو المعتمد اهـ. قال خليل: وفي جواز إخراج كل آلة واستئجاره من الآخر، أو لا بد من ملك أو كراء تأويلان اهـ. وقد علمت المعتمد منهما فتأمل.
وعبارة الجزيري في فقه المذاهب أنه قال: أما شركة العمل وهي المعروفة بشركة الأبدان فهي أن يشترك صانعان فأكثر على أن يعملا معاً ويقتسمان أجرة عملهما بنسبة العمل بشرط أن تكون الصنعة متحدة كحدادين أو نجارين أو خياطين أو نساجين، فلا يصح حداد ونجار، ولا اشتراك صائغ ونساج.
نعم يصح اشتراك صانعين تتوقف صنعة أحدهما على صنعة الآخر، كأن يشترك الذي يغوص في البحر لاستخراج اللؤلؤ مع صاحبه الذي حمله ويمسك له ونحو ذلك.
وأن يتساويا في العمل بأن يأخذ كل واحد بقدر عمله من الغلة، ويصح أن يزيد أحدهما على الآخر شيئاً يتعارفه الناس ويحصل التعاون بينهما ولو كانا بمحلين مختلفين كدكانين متقاربين اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وشركة الذمم باطلة " يعني هذه هي الشركة الثالثة المتقدم ذكرها كما في القوانين لابن جزي، نصه: وأما شركة الوجوه فهي أن يشتركا
الجزء: 2 - الصفحة: 358
على غير مال ولا عمل، وهي الشركة على الذمم، بحيث إذا اشتريا شيئاً كان في ذمتهما، وإذا باعاه اقتسما ربحه، وهي غير جائزة خلافاً لأبي حنيفة.
تلخيص: أجاز مالك شركة العنان والمفاوضة والأبدان، ومنع شركة الوجوه، وأجاز أبو حنيفة الأربعة وأجاز الشافعي العنان خاصة اهـ.
ثم انتقل يتكلم على الشركة في الزرع لأنها من جملة شركة الأبدان فقال رحمه الله تعالى: " وتجوز الشركة في الزرع بشرط التساوي في البذر والعمل والمؤونة والأرض كانت ملكاً أو مكتراة أو حبساً، فلو كانت لأحدهما وللآخر البذر للزم ربه نصف أجرتها وربها نصف المكيلة، فإن انفرد بالعمل فالزرع له، وعليه مكيلة البذر، وبالعكس " يعني كما في الرسالة: والشركة في الزرع جائزة إذا كانت الزريعة منهما جميعاً والربح بينهما، كانت الأرض لأحدهما والعمل على الآخر، أو العمل بينهما واكتريا الأرض، أو كانت بينهما، أما إن كان البذر من عند أحدهما ومن عند الآخر الأرض والعمل عليه أو عليهما والربح بينهما لم يجز.
ولو كانا اكتريا الأرض والبذر من عند واحد وعلى الآخر العمل جاز إذا تقاربت قيمة ذلك اهـ. قال شارحها: تلخص مما تقدم أن شرط صحة الشركة في الزرع السلامة
من كراء الأرض بممنوع، أو يتساويا في الخارج والمخرج، وليس المراد بالتساوي المناصفة.
ويجوز أن يتبرع أحدهما لصاحبه بعد العقد اللازم بشيء من العمل أو غيره.
ومن الشروط اللازمة أن يخلطا البذر ولو حكماً بأن يخرج كل واحد البذر من عنده ولم يخلطاه حتى يصلا إلى الفدان، ويبذر كل واحد بذره بحيث لا يتميز عن بذر صاحبه، فإن تميز بأن بذر كل في ناحية فلا تصح، ولكل ما نبته حبه.
وقيل لا يشترط خلط البذر، وعليه اتفق الإمام وابن القاسم.
ومن الشروط أن تقع بلفظ الشركة، لا إن وقعت بلفظ الإجارة أو طلاق اهـ النفراوي بحذف.
قوله فلو كانت لأحدهما إلخ.
قال خليل: وإن فسدت وتكافآ عملاً
الجزء: 2 - الصفحة: 359
فبينهما وترادا غيره، أي غير العمل، كما لو كانت الأرض من أحدهما والبذر من الآخر فيرجع صاحب البذر على صاحب الأرض بمثل نصف بذره، ويرجع صاحب الأرض على صاحب البذر بأجرة نصف أرضه.
ولا خفاء في فساد هذه الصورة لمقابلة الأرض البذر كما في الخرشي.
والمراد بالتكافؤ في العمل وقوعه من كل منهما وإن لم يتساويا في قدره، وإنما يكون الزرع بينهما إذا انضم لعمل يد كل منهما غيره من أرض أو بذر أو عمل بقر أو بعض ذلك، وأما لو وقع من أحد الشريكين فقط فالزرع كله له لأنه نشأ عن عمله وعليه للآخر أجرة الأرض.
فشرط اختصاص المنفرد بالعمل بالزرع أن يكون له مع عمله إما بذر أو أرض، أو تكون الأرض والبذر منهما والعمل من واحد، ولا بد أيضاً أن ينضم إلى عمل يده آلة من بقر أو محراث وإلا فليس له إلا أجرة مثله اهـ النفراوي.
قال الخرشي: هذه المسألة تعرف بمسألة الخماس، وصورتها أن يخرج أحدهما البذر والأرض والبقر وعلى الآخر عمل يده فقط وله من الزرع جزء كربع أو غيره من الأجزاء.
وحاصل القول فيها أنه إن عقدها بلفظ الشركة جازت اتفاقاً، وإن عقدها بلفظ الإجارة لم تجز لأنها إجارة بجزء مجهول، وإن عرى عن ذلك بأن أطلقا القول عند العقد فحملها ابن القاسم على الإجارة فمنعها، وحملها سحنون على الشركة فأجازها.
والمشهور الأول اهـ انظره وتأمل.
قال رحمه الله تعالى: " ومن احتمل السيل بذره إلى أرض غيره فالزرع له ولا غرم عليه وقيل لربه وعليه أجرة الأرض " يعني من ألقى بذره في الأرض فجاء السيل فحمل البذر وذهب به إلى أرض غيره ونبت هناك فالزرع لصاحب الأرض ولا غرم عليه من قيمة البذر.
وقيل فالزرع لرب البذر وعليه دفع أجرة الأرض لصاحبها، ولم أقف على نص لهذه المسألة بعد البحث ومن وجد فيها نصاً فليعلقه هنا لنفع المسلمين.
والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 360
أحكام المساقاة ولما أنهى الكلام على الشركة وما يتعلق بها انتقل يتكلم على المساقاة وأحكامها فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في المساقاة وأحكامها
أي في بيان ما يتعلق بالمساقاة.
وهي عقد بين اثنين على القيام بمؤونة شجر أو نبات بجزء من غلته بصيغة نحو ساقيت، أو لفظ عاملت وهي مستثناه مما نهي عنه وحكمها الجواز.
قال رحمه الله تعالى:
" تجوز المساقاة على أصول الثمرة ولو قبل ظهورها إلا بعد بدو الصلاح " يعني أن المساقاة جائزة على أصول الأشجار الثابتة.
قال ابن جزي: تجوز في الأصول الثابتة كالكرم والنخل والتفاح والرمان وغير ذلك بشرطين: الأول أن تعقد المساقاة قبل بدو صلاح الثمرة والثاني أن تعقد إلى أجل معلوم.
وتجوز في الأصول غير الثابتة كالمقاثي والزروع بأربعة شروط: الشرطان المذكوران، والثالث أن تنعقد بعد ظهوره من الأرض، والرابع أن يعجز عنه ربه اهـ. قال في الرسالة: والمساقاة جائزة في الأصول على ما تراضيا عليه من الأجزاء.
والعمل كله على المساقي، ولا يشترط عليه عملاً غير عمل المساقاة، ولا عمل شيء ينشئه في الحائط إلا ما لا بال له من شد الحظيرة وإصلاح الضفيرة وهي مجتمع الماء، من غير أن ينشئ بناءها، والتذكير على العامل، وإصلاح مسقط الماء من الغرب وتنقية مناقع الشجر، وتنقية العين وشبه ذلك جائز أن يشترط على العامل.
ولا تجوز المساقاة على إخراج ما في الحائط من الدواب، وما مات منها فعلى ربه خلفه ونفقة الدواب والأجزاء على العامل، وعليه ذريعة البياض اليسير، ولا بأس أن يلغى ذلك للعامل وهو أحله، وإن كان البياض كثيراً لم يجز أن يدخل في مساقاة النخل إلا أن يكون قدر الثلث من الجميع فأقل اهـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 361
قال رحمه الله تعالى: " وعلى الزروع والبقول بعد ظهورها " يعني ويشترط في جواز المساقاة على الزروع والبقول أن تكون بعد ظهورها من الأرض لا قبل ذلك كما تقدم بيان ذلك لابن جزي.
قال مالك في الموطأ: والمساقاة أيضاً تجوز في الزرع إذا خرج واستقل فعجز صاحبه عن سقيه وعمله وعلاجه.
فالمساقاة في ذلك جائزة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وهي أن يعمل العامل على جزء من الثمرة، وعليه السقي والإبار والجذاذ، وقطع الجريدة، ونفقة العمال، وعلوفة الدواب، وإصلاح
القف ومناقع الشجر " والقف ما ارتفع وغلظ من الأرض وهو دون الجبل، والجمع قفاف كما في المصباح.
وينبغي أن يراد به هنا القفة التي تصنع بالخوص كالزنبيل الذي يطرح به القمامة، وأما القف الذي بمعنى ما ارتفع من الأرض فإصلاحه من الأعمال التي لا يشترط على العامل، فتأمل.
وقوله ومناقع الشجر، وفي نسخة ومنافع الشجر بالفاء وهي ثابتة في جميع النسخ التي بأيدينا، لكن الأصح أنها بالقاف كما في الرسالة.
قال زروق في شرحه على الرسالة: ومنقع الماء مجتمعه في أصول الشجر.
وقال النفراوي في الفواكه: والمناقع جمع منقع بفتح القاف: موضع يستنقع فيه الماء.
والمراد كنس أماكن الماء الكائن في أصول الشجر بأن يحفر حول الشجر ليحبس فيه الماء اهـ.
وحاصل ما في المقام كما قال مالك في الموطأ: والسنة في المساقاة عندنا أنها تكون في أصل كل نخل أو كرم أو زيتون أو رمان أو فرسك أو ما أشبه ذلك من الأصول، جائز لا بأس به على أن لرب المال نصف الثمر من ذلك أو ثلثه أو ربعه أو أكثر من ذلك أو أقل.
وقال قبل هذا أيضاً: والسنة في المساقاة التي يجوز لرب الحائط أن يشترطها على
الجزء: 2 - الصفحة: 362
المساقي شد الحظار، وخم العين، وسرو الشرب، وإبار النخل، وقطع الجريد، وجذ الثمر، هذا وأشباهه على أن للمساقي شطر الثمر أو أقل من ذلك أو أكثر إذا تراضيا عليه، غير أن صاحب الأصل لا يشترط ابتداء عملاً جديداً يحدثه العامل فيها من بئر يحتفرها، أو عين يرفع رأسها، أو غراس يغرسه فيهايأتي بأصل ذلك من عنده، أو ضفيرة يبنيها تعظم فيها نفقته، وإنما ذلك بمنزلة أن يقول رب الحائط لرجل من الناس ابنِ لي ها هنا بيتاً أو احفر لي بئراً، أو أجر لي عيناً أو اعمل لي عملاً بنصف ثمر حائطي هذا قبل أن يطيب ثمر الحائط ويحل بيعه، فهذا بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " لا بناء حائط، وحفر بئر، وغرس شجر، وخلف دابة " يعني لا يلزم على العامل بناء الحائط ولا حفر البئر ولا غرس الشجر، ولا خلف الدابة إذا ماتت، ومثل الدابة الرقيق.
قال مالك في الموطأ: ومن مات من الرقيق أو غاب أو مرض فعلى رب المال أن يخلفه اهـ. قال ابن جزي: المسألة
الثالثة: العمل في الحائط على ثلاثة أقسام: أحدها ما لا يتعلق بالثمرة فلا يلزم العامل بالعقد، ولا يجوز أن يشترط عليه.
الثاني: ما يتعلق بالثمرة ويبقى بعدها كإنشاء حفر بئر أو عين أو ساقية أو بناء بيت يخزن فيه التمر أو غرس فلا يلزمه أيضاً، ولا يجوز أن يشترط عليه.
الثالث: ما يتعلق بالثمرة ولا يبقى فهو عليه بالعقد كالحفر والزبر والتقليم والسقي والتذكير والجذاذ وشبه ذلك.
وأما سد الحظار وهو تحصين الجدار وإصلاح الضفير وهو مجرى الماء إلى الصهريج فلا يلزمه، ويجوز اشتراطها عليه لأنه يسير، وعليه جمع المؤن من الآلات والأجزاء والدواب ونفقتهم اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وتجوز سنين، وتنتهي السنة بالجذاذ، ولا تنفسخ
الجزء: 2 - الصفحة: 363
بالموت " يعني أن المساقاة جائزة في مدة السنين بشرط أن تكون المدة معلومة، وأن لا تكثر جداً.
قال مالك في الموطأ: والأمر عندنا في النخل أيضاً أنها للساقي السنين الثلاث والأربع وأقل من ذلك وأكثر.
قال: وذلك الذي سمعت، وكل شيء مثل ذلك من الأصول بمنزلة النخل ويجوز فيه لمن ساقى من السنين مثل ما يجوز في النخل اهـ. وقال في المدونة: وإنما المساقاة إلى الجذاذ، والمعنى - والله أعلم - أن المساقاة تجوز سنين، وتنتهي السنة بالجذاذ.
وإذا تم الجذاذ بعد السنة وقبل انقضاء المساقاة أنها لم تنفسخ ما لم تكثر المدة جداً فتنفسخ للغرر كما هو مفهوم من المدونة.
قال ابن القاسم: لا تنقض المساقاة بموت واحد منهما.
قال وهو قول مالك اهـ. المدونة، أي لا تنفسخ بموت أحد العاقدين، بل قام مقام الميت كل من ورثته كما في القراض.
قال رحمه الله تعالى: " والبياض لربه وللعامل اشتراطه إن كان أجرته مثل ثلث الثمرة فدونه ولربه أن يشترط من زرعه جزءاً موافقاً لحصته من الثمرةو الله أعلم " يعني كما تقدم نص عليه صاحب الرسالة بقوله: وعليه زريعة البياض اليسير إلخ.
قال ابن جزي: المسألة الخامسة إن كان مع الشجر أرض بيضاء فإن كان البياض أكثر من الثلث لم يجز أن يدخل في المساقاة ولا أن يلغى للعامل، بل يبقى لربه، وإن كان أقل جاز أن يلغى للعامل وأن يدخل في المساقاة.
وأجاز ابن حنبل دخوله في المساقاة مطلقاً اهـ. قال مالك: إذا كان البياض تبعاً للأصل وكان الأصل أعظم ذلك أو أكثره فلا بأس بمساقاته، وذلك أن تكون النخل الثلثين أو
أكثر ويكون البياض الثلث أو أقل من ذلك.
وذلك أن البياض حينئذ تبع للأصل.
وإذا كانت الأرض البيضاء فيها نخل أو كرم أو ما يشبه ذلك من الأصول فكان الأصل الثلث أو أقل والبياض الثلثين
الجزء: 2 - الصفحة: 364
أو أكثر جاز في ذلك الكراء وحرمت فيه المساقاة، وذلك أن من أمر الناس أن يساقوا الأصل وفيه البياض، وتكرى الأرض وفيها الشيء اليسير من الأصل اهـ. انظر نظائره في الموطأ.
تتمة: إذا وقعت المساقاة فاسدة وجب فسخها قبل العمل مطلقاً وإن لم نطلع على فسادها إلا بعد الشروع في العمل فيفسخ أيضاً في باقي المدة إن كان الواجب أجرة المثل وذلك فيما إذا كان الفساد بسبب زيادة عين أو عرض لأحدهما على الآخر.
وأما لو كان الواجب فيها مساقاة المثل فتمضي بالشروع في العمل، وذلك فيما إذا كان فسادها لحصول غرر أو نحوه من كل ما يفسدها ولا يخرجها عن المساقاة كمساقاة حائط حل بيعه ما لم يحل بيعه، أو حائط بلغ أو أن الإثمار مع ما لم يبلغا ولا تبعية في الصورتين اهـ. النفراوي.
ومثله لابن جزي.
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالمساقاة انتقل يتكلم على الرهن والوكالة وما يتعلق بهما.
فقال رحمه الله تعالى:
الجزء: 2 - الصفحة: 365