أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»صفحات 74-113

ويندب أيضا غسل اليد بعد الاستنجاء بتراب أو رمل أو نحو ذلك مما يقلع الرائحة.
وقول المصنف يبتدئ بقبله، وفي نسخة يبدأ بقبله.
وقد تقدم الكلام أنه يبدأ بغسل مخرج البول قبل مخرج الأذى، ثم يمسح ما في المخرج من الأذى بمدر أو غيره أو بيده، ثم يحكها بالأرض ويغسلها، كما في الرسالة.
فالحاصل أن الابتداء بالاستبراء وغسل قبله الدبر مندوب آخر لئلا ينجس يده من الذكر إذا مس مخرج الغائط قبل مخرج البول.
النفراوي: ولذا لو كانت عادته قطر بوله عند مس دبره بالماء يؤخر غسل قبله؛ لأنه لا فائدة في التقديم حينئذ اهـ. قال المصنف رحمه الله: " فإن كان فيها خاتم فيه ذكر الله نقله إلى اليمنى " هذا لأنه قد ثبت في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان " إذا دخل الخلاء ينزع خاتمه " رواه أبو داود عن أنس اهـ. وهو دليل على أنه يحرم دخول الخلاء وفي إصبعه خاتم إذا كان فيه شيء من أسماء الله أو شيء من أسماء الأنبياء.
ولا يجوز الاستنجاء وهو في يده، بل الواجب نقله إلى اليمنى كما قال المصنف.
نعم وقد نقل الشيخ عبد السميع الآبي في شرح العزية عن ابن العربي أنه قال في آداب الاستنجاء: لا يحل لمسلم أن يستنجي وفي يده خاتم فيه اسم الله، وقد كان لي خاتم منقوش فيه محمد العربي فتركت الاستنجاء به لحرمة اسم محمد، وإن لم يكن ذلك الكريم الشريف ولكن رأيت للاشتراك حرمة، ثم استدل بنص المصنف الذي هو قوله: فإن كان فيها خاتم فيه ذكر الله نقله إلى اليمنى.
قال التتائي: وجوبا، ثم قال: فكل من النقلين يؤيد القول بالتحريم.
وقد مر حرمة الاستنجاء بالمكتوب الذي فيه الحروف مطلقا، وهو أيضا يرجح القول بالحرمة اهـ. هذا، ونسأل الله التوفيق بمنه وكرمه آمين.
ولما أنهى الكلام على آداب قضاء الحاجة أراد الانتقال والشروع في بيان فرائض الوضوء فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في بيان فرائض الوضوء

اعلم أن هذا الفصل عقده المصنف في بيان فروض الوضوء.
والفروض جمع فرض جمع القلة، وأما الفرائض جمع فريضة، وهي جمع الكثرة، بمعنى مفروضة.
والفرض هو ما يثاب على فعله ويترتب العقاب على تركه، كالصلاة والصوم.
والوضوء - بضم الواو - هو الفعل، وبالفتح اسم للماء.
وهو - أي الوضوء - مشتق من الوضاءة، وهي لغة الحسن والنظافة، واصطلاحا هو طهارة مائية تتعلق بأعضاء مخصوصة على وجه مخصوص وهي الأعضاء الأربعة اهـ. ذكره الصاوي.
اعلم أن الوضوء ليس من خصائص هذه الأمة على المعتمد، خلافا لمن قال: إنه من خصائصها، فهو ضعيف.
قال الصفتي: والصحيح أن الوضوء فرض صبيحة ليلة الإسراء حين جاء جبريل فتوضأ وعلم النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء، ذكره جماعة من أهل الحديث، خلافا لبعض الشراح اهـ. ومن فضائل الوضوء تكفير الذنوب، ورفع الدرجات، قال عليه الصلاة والسلام: " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات.
قالوا بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط " اهـ. رواه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة.
وعن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يقول حين يفرغ من وضوئه: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء " رواه مسلم

وأصحاب السنن.
وزاد الترمذي: " اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى في بيان فرائض الوضوء: " فروض الوضوء " سبع على المذهب، الأولى: " غسل الوجه " والدليل على فرضيته قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: 6] يعني أنه يجب على المتوضئ أن يغسل جميع الوجه طولا وعرضا.
وكأن السائل سأل ما طول الوجه وما عرضه؟ فأجاب رحمه الله بقوله: حده طولا: " من منابت شعر الرأس المعتاد إلى آخر الذقن أو اللحية " يعني قد أخبر أن حد الوجه طولا من منابت شعر الرأس المعتاد إلى آخر الذقن للأمرد أو إلى آخر اللحية لمن له شعر اللحية، فيجب على الأغم - وهو من استرخى شعره - غسل بعض شعر رأسه لأنه من الوجه.
قال الدردير: فيجب عليه أن يدخل في غسله ما نزل عن المعتاد، ولا بد من إدخال جزء يسير من الرأس، لأنه مما لا يتم الواجب إلا به.
ولا يجب على الأصلع - وهو من انحسر شعر رأسه إلى اليافوج - أن يغسل ما انحسر عنه الشعر؛ لأنه من الرأس لا من الوجه، ويجب عليه أن لا ينتهي في غسله إلى منابت شعره اهـ. وأجاب المصنف أيضا في حد عرض الوجه فقال: " و " حده عرضا " من الأذن إلى الأذن " قال الدردير: وحده عرضا من وتد الأذن على الوتد الآخر، فلا يدخل الوتدان في الوجه ولا البياض الذي فوقهما، ولا شعر الصدغين، ويدخل فيه البياض الذي تحتهما لأنه من الوجه.

والحاصل أن بعض الصدغ من الوجه، وهو العظم الناتئ فما دونه، وبعضه من الرأس وهو ما فوقه من الشعر، فما بين شعر الصدغين من الوجه قطعا، وشعر الصدغين من الرأس قطعا، وما فوق الوتدين من البياض من الرأس كذلك، وما تحت الوتدين من الوجه فيغسل.
ودخل في الوجه الجبينان وهما المحيطان بالجبهة يمينا وشمالا اهـ. نقله الصاوي عن حاشية العدوي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الفريضة الثانية من فرائض الوضوء " غسل اليدين مع المرفقين " يعني أنه أخبر أن غسل اليدين إلى المرفقين من فرائض الوضوء والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ كما تقدم في الآية الشريفة.
قال عبد السميع في شرح العزية: نبه بمع إشارة إلى أن الغاية في الآية داخلة.
والمرفق بكسر أوله وفتح ثالثه: آخر الذراع المتصل بالعضد اهـ. وفي الرسالة: ثم يغسل يده اليمنى ثلاثا أو اثنتين، يفيض عليها الماء ويعركها بيده اليسرى، ويخلل أصابع يديه بعضها ببعض، ثم يغسل اليسرى كذلك ويبلغ فيهما بالغسل إلى المرفقين يدخلهما في غسله.
وقد قيل إليهما حد الغسل، فليس بواجب إدخالهما فيه، وإدخالهما أحوط لزوال تكلف التحديد اهـ. قال المصنف رحمه الله: " و " الفريضة الثالثة من فرائض الوضوء: " مسح جميع الرأس مباشرة " يعني أن مسح جميع الرأس من فرائض الوضوء.
والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ قال الدردير على أقرب المسالك: الفريضة الثالثة مسح جميع الرأس، من منابت الشعر المعتاد من المقدم إلى نقرة القفا، مع مسح شعر صدغيه مما فوق العظم الناتئ في الوجه.
وأما هو فلا يمسح بل يغسل في الوجه.
ويدخل في الرأس البياض الذي فوق وتدي الأذنين كما مر، ومع مسح ما استرخى من الشعر ولو طال جدا، وليس على الماسح

من ذكر أو أنثى نقض مضفوره، ولو اشتد الضفر ما لم يكن بخيوط كثيرة، وإلا نقض لأنها حائل، واغتفر الخيطان.
وأما الغسل فلا بد فيه من نقض ما اشتد ضفره ولو بنفسه بحيث لا يظن سريان الماء في خلاله، كالمضفور بخيوط كثيرة، وأدخل الماسح يده وجوبا تحت الشعر المستطيل في رد المسح، إذا كان لا يحصل التعميم إلا به.
ومحل قولهم الرد سنة أي بعد التعميم، ذكره الأجهوري، ورد بأن جميع نصوص أهل المذهب على أن الرد بعد مسح ظاهر الشعر أولا سنة، ولا يجب رد أصلا اهـ. قال في الرسالة: ثم يأخذ الماء بيده اليمنى فيفرغه على باطن يده اليسرى، ثم يمسح بهما رأسه يبدأ من مقدمه من أول منابت شعر رأسه وقد قرن أطراف أصابع يديه بعضهما ببعض على رأسه وجعل إبهامه على صدغيه، ثم يذهب بيديه ماسحا إلى أطراف شعر رأسه مما يلي قفاه، ثم يردهما إلى حيث بدأ، ويأخذ بإبهاميه خلف أذنيه إلى صدغيه، وكيفما مسح أجزأه إذا أوعب رأسه.
الحطاب: والمشهور من المذهب أن مسح جميعه واجب، فإن ترك بعضه لم يجزه.
وقال ابن ناجي في شرح قول الرسالة: وكيفما مسح أجزأه إذا أوعب رأسه: ظاهر كلام الشيخ أنه إن ترك بعضه وإن قل لا يجزئه، وهو كذلك عند مالك اهـ. قال الشيخ يوسف الصفتي: تنبيه: الدليل لنا على وجوب مسح جميع الرأس التمسك بظاهر القرآن وفعله عليه الصلاة والسلام، ففي الموطأ والصحيحين: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه " فهذا صريح في أنه مسح جميعه.
وأما القرآن فقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ لأن الباء للإلصاق، وأما كونها للتبعيض فلم يصححه أهل اللغة.
وقال ابن جني: لا يعرفه أصحابنا البصريون.
وقال بعضهم: لم أر أحدا نقله عن الكوفيين ولا عن غيرهم اهـ.

وعلى ما تقرر من أن الباء هي للإلصاق 1 أشار به المصنف في قوله: " مباشرة " أي بيديك ملاصقا بهما على رأسك، وإليه أشار صاحب الرسالة في صفة المسح بقوله: وقد قرن أطراف أصابع يديه بعضها ببعض على رأسه إلى آخر كلامه، فإن ترك مسح جميع الرأس بطل المسح على المشهور في المذهب.
قال المصنف رحمه الله: " و " الفريضة الرابعة من فرائض الوضوء: " غسل الرجلين مع الكعبين " يعني أن غسل الرجلين مع الكعبين من فرائض الوضوء كما سبق في الآية الكريمة.
وقال الخرشي: ووجوب غسل الرجلين ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والقياس.
قال الدردير على أقرب المسالك: الفريضة الرابعة غسل جميع الرجلين، أي القدمين مع إدخال الكعبين في الغسل، وهما العظمان النلتئان، أي البارزان أسفل الساق تحتهما مفصل الساق.
والمفصل بفتح الميم وكسر الصاد المهملة واحد المفاصل، وبالعكس اللسان.
ويجب تعهد ما تحتهما كالعرقوب والأخمص بالغسل وكذا سائر المغابن.
أي وجميع ما لا يكاد يداخله الماء بسرعة فليبالغ بالعرك مع صب الماء كما في الرسالة اهـ. قال المصنف رحمه الله: " وفي تخليل الأصابع خلاف " قال في المختصر: وندب تخليل أصابعها: يعني أن تخليل أصابع الرجلين مندوب على المشهور في المذهب، ومقابله أنه يجب وهو ضعيف، وإن رجحه بعضهم.
وفي الدردير: وندب تخليل أصابع الرجلين.
يبدأ ندبا بخنصر اليمنى ويختم بإبهامها من أسفلها بسبابته، ثم يبدأ بإبهام اليسرى ويختم بخنصرها كذلك.
والدلك باليد اليسرى اهـ. وقال في العزية: وندب تخليل أصابعهما: قال الشارح: وإنما كان التخليل مندوبا لا واجبا لأن شدة التصاق

الأصابع صيرها كالعضو الواحد، وهذا حكمها في الوضوء، وأما في الغسل فالتخليل واجب على أقوى القولين اهـ. وفي الرسالة: وإن شاء خلل أصابعه في ذلك، وإن ترك فلا حرج، والتخليل أطيب للنفس فلا يبقى معه شك.
وفي الأخضري: ويجب تخليل أصابع اليدين، ويستحب في أصابع الرجلين.
فقد بان لك ان المشهور في تخليل أصابع الرجلين الندب، والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الفريضة الخامسة من فرائض الوضوء: " الموالاة مع الذكر والقدرة " يعني أن الفريضة الخامسة من فرائض الوضوء الموالاة، بشرط الذكر والقدرة، وتسقط مع العجز والنسيان.
وقد اختلف أهل المذهب في وجوب الموالاة وسنيتها كما في المختصر، والمشهور الوجوب.
قال في أقرب المسالك: وموالاة إن ذكر وقدر.
وقال الشارح: الفريضة السادسة الموالاة بين أعضاء الوضوء بأن لا يتراخى بينهما، والتعبير بالموالاة أولى من التعبير بالفور، لأنه يوهم العجلة حين غسل الأعضاء، وليس هو المراد.
ومحل وجوب الموالاة إن كان ذاكرا قادرا عليها، فإذا فرق بين الأعضاء اختيارا مع القدرة عليها بطل ما فعله من الوضوء وأعاده بالنية، وإن فرق ناسيا أنه في حال الوضوء، أو عاجزا عنها ففيه تفصيل، وإليه أشار المصنف رحمه الله بقوله: " ففي النسيان يبني مطلقا، وفي العجز ما لم يطل الفصل " يعني إنما يبني الناسي مطلقا بنية الإتمام كالعاجز إن لم يفرط، وإلا بنى ما لم يطل بجفاف عضو وزمن اعتدالا، كالعامد.
وقال الشارح: يعني أن من فرق بين الأعضاء ناسيا كونه في وضوئه فإنه يبنى على ما فعل، طال الزمن أو لم يطل، ولو أكثر من نصف النهار بنية إتمام الوضوء وهو معنى الإطلاق.
وأما لو فرق عاجزا عن إكمال الوضوء، لم يكن مفرطا في أسباب العجز كما لو أعد ماء كافيا لوضوئه فأهريق منه، أو غصب، أو أكره على عدم الإتمام فإنه يبني كالناسي مطلقا طال أو لم يطل، وإن كان مفرطا كما لو أعد من

الماء ما لا يكفيه ولو ظنا ولم يكفه، فإنه يبني على ما فعل ما لم يطل الفصل، وصار حكمه حكم العامد المختار، كالذي يغسل بعض الأعضاء بمكان ثم ينتقل لتكميله بمكان آخر، أو استمر في مكانه تاركا لتكميل وضوئه قصدا بلا رفض، فإن طال ابتدأ وضوءه وجوبا لعدم موالاة، والطول يقدر بجفاف العضو الأخير لزمن العدل.
أي الذي لا حرارة به ولا برودة فيه ولا شدة هواء، ويعتبر أيضا اعتدال العضو أي توسطه بين الحرارة والبرودة احترازا من عضو الشاب والشيخ الكبير السن.
ولا بد من اعتبار اعتدال المكان أيضا بأن لا يكون القطر حارا ولا باردا انتهى.
قاله الدردير على أقرب المسالك.
انظر الصفتي عند قول عبد الباري: والفور، تجد هناك جل ما قررناه فيما نقله عن الخرشي والحاشية.
ثم ذكر المصنف رحمه الله الفريضة السادسة وذكرها على خلاف أسلوبه فقال: " والنية شرط " أخبر رحمه الله أن النية شرط، لو قال والنية فرض، أو قال ونية رفع الحدث في ابتدائه أو استباحة ما منعه، أو أداء الفرض كما فعل غيره لكان أحسن؛ لأن التعبير بالشرط يوهم عدم الفريضة؛ لأن الشرط غير الفرض على المعروف، وهو خارج عن الماهية، والفرض داخل في الماهية.
هذا هو المشهور 1. وقد قال بعضهم في تعليقة على هذا الكتاب: اعلم أن كتاب الإرشاد ألفه صاحبه على طريقة مالكية العراق، فهو يمثل أسلوبهم ويمشي على ما رجحوه من الروايات واستظهروه من الأقوال مما يخالف ما عرفه متأخرو المالكية الذين اقتصروا على مختصر الشيخ خليل وشروحه وحواشيه، فإذا رأى القارئ شيئا هنا يخالف ما في المختصر أو

الرسالة، أو العزية فليحمل على تخالف طريقتي العراقيين وغيرهم.
وهذه أهم فوائد هذا المتن مع وضوح عبارته وخلوها من الحشو والتعقيد اهـ. قال المصنف رحمه الله: " ففي طهارة الحدث ينوي به رفع الحدث أو استباحة ما يمنعه " وفي نسخة في طهارة بلا زيادة الفاء.
وما قررناه أثبت، يعني أنه المترتب على الأعضاء أو أستباحة ما منعه الحدث، أو يقصد أداء فرض الوضوء.
والأولى ترك التلفظ بذلك؛ لأن حقيقة النية بالقلب لا علاقة لها باللسان اهـ الدردير.
ثم اعلم أن المقصود بالنية في جميع الأعمال تمييز العبادات عن العادات، وتمييز بعض العبادات عن بعضها، ولذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى " رواه الشيخان.
قال المصنف رحمه الله: إن المتوضئ ينوي ما ذكر من رفع الحدث ونحوه: " عند غسل الوجه، وقيل عند المضمضة " يعني أنه اختلف الأئمة في أي عضو ينوي عنده المتوضئ.
قيل عند غسل الوجه وهو المشهور.
وقيل عند المضمضة.
وقيل عند غسل اليدين حين الشروع في الوضوء لئلا يخلو غسل اليدين عن النية.
وقد علمت أن المشهور الذي عليه أهل المذهب أنه ينوي عند غسل الوجه.
قال الشيخ صالح عبد السميع في هداية المتعبد: النية هي قصد الشيء مقرنا بفعله، فإن كان ذلك الشيء وضوءا فينوي عند غسل الوجه استباحة الصلاة أو رفع الحدث أو الفريضة، ومحلها القلب، وتكون عند أول مفعول كالوجه في الوضوء، وعند تكبيرة الإحرام في الصلاة اهـ. وقوله ففي طهارة الحدث إلخ أما طهارة الخبث فلا نية لها.
إزالة نجاسة، إلا المذي ففي وجوب النية في غسل الذكر منه وعدمها قولان أرجحهما عدم الوجوب كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " واستدامتها شرط إلى آخره، ولا يضره

اختلاسها ما لم يقصد رفضها " يعني أنه قد أخبر أن الاستمرار في نية الوضوء وإجرائها في القلب من أوله إلى آخره شرط في الإجزاء، إلا أنه يغتفر ذهابها عن القلب بعد الإتيان بها، وإليه أشار صاحب المختصر: " وعزوبها بعده ورفضها مغتفر " قال الخرشي عليه: والمعنى أن الذهول عن النية بعد الإتيان بها في محلها عند غسل الوجه مغتفر لمشقة استصحابها، وإن كان هو الأصل: والمسألة الثانية رفض النية، وهو لغة الترك، والمراد به هنا تقدير ما وجد من العبادات والنية كالعدم، وذكر المؤلف أنه مغتفر أيضا بعد كمال الوضوء أو في أثنائه إذا رجع وكمله بنية رفع الحدث بالقرب على المشهور، لا إن لم يكمله، أو كمله بنية التبرد، أو بعد طول.
والحج كالوضوء عكس الصلاة والصوم، فإن رفض النية فيهما غير مغتفر.
انظر فيه بقية الكلام اهـ. قال العلامة الشيخ يوسف بن سعيد الصفتي: فرع: من ذهب إلى الميضأة ليتوضأ فلما وصل إليها توضأ ولم يستحضر النية أجزأه قصده الأول، وكذا من أمر زوجته أو خادمه أن يضع له الماء ليتوضأ ولم يستحضر النية عند أخذه ذلك، لأن طلبه الماء قرينة على قصد الطهارة، وهو عين النية كما في الشبرخيتي اهـ. وفي أقرب المسالك: ولا يضر عزوبها بخلاف الرفض في الأثناء لا بعده كالصلاة والصوم.
يعني أن عزوب النية أي ذهابها بعد أن أتى بها في أوله بأن لم يستحضرها عند فعل غير الفرض الأول لا يضر في الوضوء، بخلاف الرفض، أي الإبطال في أثنائه بأن يبطل ما فعله منه، كأن يقول بقلبه أبطلت وضوئي فإنه يبطل على الراجح، ويجب عليه ابتداؤه إن أراد به صلاة ونحوها، بخلاف رفضه بعد إتمامه فلا يضر، وجاز له أن يصلي به، إذ ليس من نواقضه إبطاله بعد الفراغ منه.
ومثل الوضوء الغسل.
وأما الصلاة والصوم فيرتفضان في الأثناء قطعا، وعليه القضاء والكفارة في الصوم لا بعد تمامها على أظهر القولين المرجحين.
وأما الحج والعمرة فلا يرتفضان مطلقا.
ويرتفض التيمم مطلقا ما لم يصل به لضعفه اهـ.

وقد نظم ذلك الشيخ يوسف بن سعيد الصفتي رحمه الله بقوله: والغسل الوضوء في الأثناء... ارتفضا فقط بلا خفاء كالصوم والصلاة في المشتهر... ومثله اعتكافهم في الأظهر تيمم يرفض يا ذا مطلقا... هذا هو القول الذي قد ارتقى والحج والعمرة مطلقا فلا... يرتفضان فافهمن ما نقلا ثم قال المصنف رحمه الله: " و " الفريضة السابعة من فرائض الوضوء: " الدلك في المغسول كانت صغرى أو كبرى، والغسل مرة يسقط الفرض إن أوعب " يعني أخبر المصنف أن الفريضة السابعة من فرائض الوضوء الدلك، وهو إمرار اليد على العضو مع الماء، ولا يشترط مقارنته للصب، بل الدلك عقب صب الماء، وهو أصح الأقوال.
قال الحطاب: فأما حقيقة الدلك في الوضوء والغسل فهي إمرار اليد على العضو.
قال في المدونة: وإذا انغمس الجنب في نهر ينوي به الغسل لم يجزه حتى يمر بيديه على جميع جسده، وكذلك لا يجزيه الوضوء حتى يمر بيديه على مواضع الوضوء.
وقال أبو البركات الشيخ أحمد الدردير: وذلك خفيف بيد، ثم قال: وهو إمرار اليد على العضو ولو بعد صب الماء كما قاله ابن أبي زيد، وهو المعتمد.
والمراد باليد باطن الكف، ويندب أن يكون الدلك خفيفا مرة واحدة، ويكره التشديد والتكرار لما فيه من التعمق في الدين المؤدي للوسوسة.
وقال الصفتي في الحاشية عند قول عبد الباري: والتدليك، أي في المغسول، ولا يسقط بالنسيان، وتجوز الاستنابة عليه لضرورة، وينوي المستنيب دون النائب، وتمنع الاستنابة عليه لغير ضرورة اتفاقا، فإن وقع ففي الإجزاء وعدمه قولان مشهوران.
وأما الاستنابة على صب الماء فجائزة اتفاقا ولو لغير ضرورة، لما ورد " أن المغيرة بن شعبة صب على النبي صلى الله عليه وسلم الماء وهو يتوضأ " وقد تجب الاستنابة كالأقطع.
ويكفي في الدلك غلبة الظن على المعتمد، ولا يشترط اليقين.
أفاده

العدوي في حاشيته على الخرشي.
وقال الرماصي محشى التتائي: متى تعذر الدلك باليد سقط من أول وهلة، ولا تجب استنابة ولا غيرها، ويكفي وصول الماء، وهو سعة، ودين الله يسر، خصوصا والدلك مختلف فيه.
قال العدوي: وكلام الرماصي هو المعتمد اهـ. نقله عن العدوي.
والله أعلم.

سنن الوضوء

ولما أنهى الكلام على فرائض الوضوء شرع في الكلام على سننه فقال رحمه الله: " وسننه " أي سنن الوضوء، وهي ثمانية على المشهور: الأولى: " غسل اليدين " إلى الكوعين عند الشروع.
وفي أقرب المسالك: وسننه غسل اليدين إلى الكوعين قبل إدخالهما في الإناء إن أمكن الإفراغ وإلا أدخلهما فيه، كالكثير والجاري.
وندب تفريقهما.
وفي العزية: سننه ثمان: الأولى: غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، وينوي بغسلهما التعبد، ويغسل كل واحدة على حدتها ثلاثا اهـ. قال المصنف رحمه الله: " قبل إدخالهما في الإناء ما لم يكن بهما أذى فيجب " يعني أخبر أن من أراد الوضوء يندب له أن يغسل يديه ثلاثا قبل إدخالهما في الإناء إن أمكنه ذلك إلا إذا كان بهما أذى، أي نجاسة فيجب عليه غسلهما قبل إدخالهما في الإناء لئلا ينجس الماء بإدخالهما فيه قبل غسلهما، وإذا لم يكن بهما أذى فإنه ينوي عند غسلهما التعبد.
وفي حاشية الصفتي: اعلم أن كل سنة تقدمت على محل الفرض كغسل اليدين للكوعين، والمضمضة، والاستنشاق، والاستنثار، فلا بد لها من نية، أي فالسنة تتوقف على النية.
وأما ما تأخر منها عن الشروع في الفرض فنية الفرض تشمله كالفضائل اهـ.

قال المصنف رحمه الله: " و " السنة الثانية من سنن الوضوء: " المضمضة " يعني أخبر أن السنة الثانية من سنن الوضوء المضمضة، وهي إدخال الماء في الفم ثم يخضخضه ويمجه.
وظاهر كلامهم أن سنيتها تحصل بمرة، وأن الثانية والثالثة كل منهما مستحب كما يأتي عن المصنف قوله: وتكرار المغسول مرتين بعد سقوط الفرض.
وهنا نعبر بعد حصول السنة بمرة واحدة.
وفي الرسالة: ويجزئه أقل من ثلاث في المضمضة والاستنشاق كما هو معلوم.
قال المصنف رحمه الله: " و " السنة الثالثة من سنن الوضوء: " الاستنشاق " وهو جذب الماء بنفسه - بفتح الفاء - لداخل أنفه.
قال بعضهم: ليخرج ما في الخيشوم من الأوساخ المانعة من إخراج الحروف على هيئتها قلت: المعتمد في المضمضة والاستنشاق أن يختبر حال الماء من طعمه أو ريحه أو نحو ذلك وفي الدردير: والثالثة: الاستنشاق، وهو إدخال الماء في الأنف وجذبه بنفسه إلى داخل أنفه.
وندب فعل كل من هاتين السنتين بثلاث غرفات، بأن يتمضمض بثلاث، ثم يستنشق بثلاث، وهذا معنى قول الشيخ أي خليل: وفعلهما بست أفضل.
أي أفضل من أن يفعلهما بثلاث غرفات يتمضمض ويستنشق بكل غرفة منها، أو بغرفتين، أو بغير ذلك، كما قال: وجاز أن إحداهما بغرفة.
وندب للمفطر أن يبالغ في المضمضة والاستنشاق، وإيصال الماء إلى الحلق وإلى آخر الأنف.
وكرهت المبالغة للصائم لئلا يفسد صومه، فإن بالغ ووصل الماء للحلق وجب عليه القضاء اهـ. " و " السنة الرابعة من سنن الوضوء الاستنثار، وهو دفع الماء من الأنف بنفسه، مع جعل السبابة والإبهام من يده اليسرى على أنفه.
وإليه أشار المصنف بقوله: " يستنثر بشماله " يعني أن الاستنثار بيده اليسرى من تمام السنة.
وقيل مستحب.
وفي الرسالة:

ثم يستنشق بأنفه المائ ويستنثره ثلاثا، يجعل يده على أنفه كامتخاطه.
ويجزئه أقل من ثلاث في المضمضة والاستنشاق، وله جمع ذلك في غرفة واحدة والنهاية أحسن اهـ. قال المصنف رحمه الله: " ويجزيان بغرفة " يعني أن المضمضة والاستنشاق يكفيان بغرفة واحة كما تقدم آنفا، لكن فعلهما بست غرفات أفضل كما في المختصر، ولذا قال المصنف: " وإفراد كل بغرفة أفضل " وقد تقدم لنا بيان جميع ذلك فراجعه إن شئت.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " السنة الخامسة من سنن الوضوء: " مسح الأذنين بماء جديد ظاهرا وباطنا " يعني أن مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما بماء جديد غير الماء الذي مسح سنة على حدة، وتجديد الماء لهما سنة على حدة.
وصفة المسح المستحبة أن يمسح ما يلي الوجه بالسبابتين، وما يلي الرأس بالإبهامين، وذلك بماء غير الماء الذي مسح به الرأس كما تقدم.
وقد ذكر المصنف هنا سنتين معا من سنن الوضوء وهما السنة الخامسة والسادسة، وهما مسح الأذنين وتجديد الماء لهما.
وأما ما يأتي في قوله: والبدء بمقدم الرأس، فإنه ليس بسنة بل هو من فضائل الوضوء على المشهور.
ثم ذكر السنة السابعة من سنن الوضوء فقال رحمه الله تعالى: " و " من السنة في المذهب: " الترتيب على المشهور " يعني أن السنة السابعة من سنن الوضوء الترتيب بين فرائضه: فيغسل الوجه قبل ذراعيه، وذراعيه قبل مسح الرأس، ومسح الرأس قبل الرجلين، هكذا.
وما ذكره المصنف من أن الترتيب سنة هو المشهور.
وقيل إنه مستحب.
وروي عن مالك أنه واجب، وعليه فلو نكس بأن غسل يديه - أي

ذراعيه - قبل الوجه كان وضوؤه باطلا إن لم يأت بالمنكس ثانيا، لكن العمل بالمشهور كما قد علمت.
وفي الدردير على أقرب المسالك: فإن نكس بأن قدم فرضا على موضعه المشروع له كأن غسل اليدين قبل الوجه أو مسح رأسه قبل اليدين أو قبل الوجه أعاد المنكس استنابا وحده مرة، ولا يعيد ما بعده إن طال ما بين انتهاء وضوئه وتذكره طولا مقدرا بجفاف العضو الأخير في زمان ومكان اعتدالا، فإن لم يبعد فعله مرة فقط مع تابعه شرعا، فلو بدأ بذراعيه ثم بوجهه فرأسه فرجليه، فإن تذكر بالقرب أعاد الذراعين مرة، ومسح الرأس وغسل رجليه مرة مرة، سواء نكس سهوا أو عمدا، وإن تذكر بعد طول أعاد الذراغين فقط مرة إن نكس سهوا، واستأنف وضوءه ندبا إن نكس عمدا ولو جاهلا، ولو بدأ برأسه ثم غسل يديه فوجهه أعاد اليدين والرأس مطلقا، ثم يغسل رجليه إن قرب وإلا فلا، ولو بدأ برجليه فرأسه فيديه فوجهه أعاد ما بعد الوجه على الترتيب الشرعي مطلقا قرب أو بعد؛ لأن كل فرض من الثلاثة منكس، ولا يعيد الوجه إلا إذا نكس عمدا وطال كما تقدم.
ولو قدم الرجلين على الرأس أعاد الرجلين مطلقا إلا إذا تعمد وطال فيبتدئ وضوءه ندبا.
فقوله - أي الشيخ خليل -: وإلا فمع تابعه، أي إن كان له تابع اهـ. قال العلامة المحقق الصاوي في حاشيته على الدردير: وحاصل ما قاله المصنف والشارح أن ترتيب الفرائض في أنفسها سنة، فإن خالف ونكس بأن قدم عضوا عن محله فلا يخلو إما أن يكون ذلك عمدا أو جهلا أو سهوا، وفي كل إما أن يطول الأمر أم لا، فإن كان الأمر قريبا بحيث لم يحصل جفاف أتى بالمنكس مرة إن غسله أولا ثلاثا أو مرتين، وإلا كمل تثليثه وأعاد ما بعده مرة مرة على ما تقدم، لا فرق بين كونه عامدا أو جاهلا أو ناسيا.
وإن طال فإن كان عامدا أو جاهلا ابتدأ وضوءه ندبا، أو ناسيا فعله فقط مرة واحدة، لا فرق بين كون الطول عمدا أو عجزا أو سهوا، فصور الطول

تسع والقرب ثلاث فتأمل اهـ. وإلى جميع ذلك أشار المصنف بقوله: " فمن نكس أعاد ما نكسه " وقد تقدم بيانه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والبدء بمقدم الرأس " وتقدم الكلام في شرح مسح الأذنين بقولنا: وأما ما يأتي من قوله - أي المصنف -: والبدء بمقدم الرأس أنه ليس بسنة من سنن الوضوء، بل هو من فضائله على المشهور.
وعده المصنف من سنن الوضوء، والصحيح أنه من المستحبات.
وفي العزية: والتاسعة أي من فضائله أن يبدأ بمقدم الرأس.
وقال ابن جزي في القوانين في الفصل الرابع في فضائل الوضوء: الخامسة الابتداء بمقدم الرأس.
وفي الأخضري: والبدء بمقدم الرأس اهـ. ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى السنة الثامنة من سنن الوضوء بقوله: " و " السنة الثامنة من سنن الوضوء: " الرد إليه " أي إلى مقدم الرأس على المشهور.
قال في المختصر: " ورد مسح رأسه " المواق: قال ابن عرفة: من سنن الوضوء رد اليدين من منتهى المسح لمبدئه.
وفي الحطاب: يعني أن السنة السابعة - أي في سياق كلامه - رد اليدين في مسح الرأس إلى المحل الذي بدأ منه، فإن بدأ من مقدم رأسه كما هو المستحب في ذلك ردهما من المؤخر إلى المقدم، وإن بدأ في المسح من مؤخر رأسه وترك المستحب من ذلك فالسنة أن يردهما من المقدم إلى المؤخر كما صرح بذلك ابن قصار، ونقله اللخمي وعبد الحق.
قال اللخمي: والفرض في مسح الرأس واحد وهو بلوغ اليدين إلى مؤخره، ولا خلاف أنه لو اقتصر على ذلك ولم يردهما لأجزأه.
والسنة ردهما من القفا إلى مقدم الرأس.
قال ابن القصار: وإن بدأ رجل من مؤخر رأسه إلى مقدمه لكان المسنون أن يرد من المقدم إلى المؤخر اهـ.

فضائل الوضوء

ولما أنهى الكلام على سنن الوضوء انتقل المصنف يتكلم على فضائل الوضوء فقال رحمه الله: " وفضائله " جمع فضيلة، وهي ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر به أمرا غير مؤكد يثاب فاعله ولا يأثم تاركه.
يعني أن فضائل الضوء إحدى عشرة فضيلة عد المصنف منها ثلاثا، وهي: التسمية، والسواك، وتكرار المغسول، وترك باقيها اختصارا منه.
ونحن إن شاء الله: " التسمية " أي في ابتداء الوضوء بأن يقول: باسم الله، والمعتمد أنه يأتي بالبسملة كاملة، فإن اقتصر على باسم الله حصلت البركة إن شاء الله.
وفي الحديث: " لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه " والمعنى لا وضوء كاملا؛ لأن التسمية عند الوضوء مستحبة.
قال المصنف رحمه الله: " و " الفضيلة الثانية من فضائل الوضوء: " السواك " وفي الموطأ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك " وفي رواية: " مع كل صلاة ". والحاصل أن استعمال السواك عند الوضوء قبل أن يتمضمض مستحب، ثم يتمضمض بعده ليخرج ما تحلل منه.
والسواك يكون بعود رطب أو يابس، والأخضر أفضل لغير الصائم، فإن لم يجد عودا فبإصبعه أو بشيء غير متنجس، ولا بعود الريحان، ولا الرمان لتحريكهما عرق الجذام.
وينهى عن الاستياك بالجوزة التي تحمر الشفتين: حرمة للصائم وكراهة لغيره، وكذا لا يجوز الاستياك بالقصب لأنه يورث البرص وداء الأكلة.
وإلى ما تقدم أشار المصنف رحمه الله بقوله: " وبالأراك الأخضر أفضل لغير الصائم وفي عدمه يستاك بأصبعه " يعني أن الأراك الأخضر أولى للمفطر كما تقدم.
ولا ينبغي أن يزيد في طوله على شبر.
وفضائله

كثيرة تزيد على بضع وثلاثين فضيلة.
وقد نظمها الحافظ ابن حجر الشافعي فقال: إن السواك مرضى الرحمن... وهكذا مبيض الأسنان ومظهر الشعر مذكي الفطنه... يزيد في فصاحة وحسنه مشدد اللثة أيضا مذهب... لبخر وللعدو مرهب كذا مصفي خلقه ويقطع... رطوبة وللغداء ينفع ومبطئ للشيب والإهرام... ومهضم النزع لدى الشهادة ومرغم الشيطان والعدو... والعقل والجسم كذا يقوي ومورث لسعة مع الغنى... ومذهب لألم حتى العنا وللصداع وعروق الراس... مسكن ووجع الأضراس يزيد في مال وينمي الولدا... مطهر للقلب جال للصدا مبيض الوجه وجال للبصر... ومذهب لبلغم مع الحفر ميسر موسع للرزق... مفرح للكاتبين الحق وفي السواك كلام طويل فراجعه في محله إن شئت.
قال المصنف رحمه الله: " و " الفضيلة الثالثة من فضائل الوضوء: " تكرار المغسول مرتين بعد سقوط الفرض لا المسح " يعني قد أخبر المصنف بأن تكرار غسل الأعضاء المغسولات مرتين أو ثلاثا من فضائل الوضوء إذا أوعب بالأولى، بخلاف الممسوح، وهو الرأس والأذنان فإنه لا يستحب تكرار مسحهما.
هذا آخر ما ذكر المصنف من فضائل الوضوء.
وقد تقدم لنا أن فضائل الوضوء إحدى عشرة فضيلة ذكر المصنف منها ثلاثا، وأنا

أذكر الباقي فقلت: والفضيلة الرابعة، أي من فضائل الوضوء تقليل الماء الذي يرفعه للأعضاء حال الوضوء، ولا تحديد في التقليل لاختلاف الأعضاء.
والناس منهم من يتقن غسل عضو بالقليل من الماء، ومنهم غير ذلك.
وفي الرسالة: وقلة الماء مع إحكام الغسل سنة، أي خفيفة مستحبة، والسرف منه غلو وبدعة اهـ. والفضيلة الخامسة من فضائل الوضوء وضع الإناء على جهة اليمين إن كان مفتوحا كالقصعة؛ لأنه أمكن في تناول الماء منه، وأما إن كان الإناء غير مفتوح بأن كان ضيق الفم كالإبريق فالأفضل أن يكون على جهة اليسار، والفصيلة السادسة من فضائل الوضوء البداءة بمقدم الرأس عند غسل الوجه.
وما ذكره المصنف من عده من سنن الوضوء قد تقدم لنا الكلام فيه من أنه ليس بسنة، بل من فضائل الوضوء على المشهور كما قد علمت، والفضيلة السابعة من فضائل الوضوء عدم الكلام في حال وضوئه إلا من ذكر الله أو الضرورة.
والفضيلة الثامنة من فضائل الوضوء أن يرتب المسنون مع المسنون كالمضمضة والاستنشاق، وكذا ترتيب السنن مع الفرائض من فضائل الوضوء.
وأما ترتيب الفرائض في أنفسها أي ترتيب فرض مع فرض مثلها فهو سنة من سنن الوضوء كما تقدم في السنن، والفضيلة التاسعة من فضائل الوضوء الموضع الطاهر، أي إيقاعه في محل طاهر الذي شأنه الطهارة، بخلاف الكنيف وما في معناه فيكره الوضوء فيه، والفضيلة العاشرة من فضائل الوضوء استقبال القبلة مع الإمكان بغير مشقة، وإلا جاز الانصراف بأي جهة، والفضيلة الحادية عشرة من فضائل الوضوء الدعاء بعد الفراغ منه، بأن يقول وهو رافع طرفه إلى السماء: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين.
انتهت فضائل الوضوء.
والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله: " ومن نسى فرضا أتى به وبالصلاة " يعني أن من نسى فرضا من فرائض الوضوء المتقدمة وجب عليه الإتيان به وإعادة الصلاة التي صلاها قبل

تذكره، وما ذكره المصنف كالمختصر ونصه: " ومن ترك فرضا أتى به وبالصلاة، وسنة فعلها لما يستقبل " وفي الأخضري: ومن نسى فرضا من أعضائه فإن تذكره بالقرب فعله وما بعده، وإن طال فعله وحده وأعاد ما صلى قبله، وإن ترك سنة فعلها ولا يعيد الصلاة، ومن نسى لمعة غسلها وحدها بنية، وإن صلى قبل ذلك أعاد اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " أو سنة فعلها لما يستقبل " وفي نسخة بالجيم بدل الفاء جعلها، وهي خطأ والصحيح ما قررناه.
والمعنى أن من نسي سنة من سنن الوضوء أنه يفعل تلك السنة حين تذكره لما يستقبل من الصلوات إن أراد أن يصلي بذلك الوضوء وإلا فلا يأتي بها، كما أنه لا يعيد ما صلى قبل ذلك اتفاقا اهـ:

مكروهات الوضوء

وقد ذكر أبو البركات الشيخ أحمد الدردير في أقرب المسالك بعض مكروهات الوضوء بقوله: وكره موضع نجس، وإكثار الماء، والكلام بغير ذكر الله، والزائد على الثلاث، وبدء بمؤخر الأعضاء، وكشف العورة، ومسح الرقبة، وكثرة الزيادة على محل الفرض، وترك سنة، وندب لزيارة صالح، وسلطان، وقراءة قرآن، وحديث، وعلم، وذكر، ونوم، ودخول سوق، وإدامته، وتجديده إن صلى به أو طاف.

شروط صحة الوضوء ووجوبه

وشرط صحته إسلام وعدم حائل، ومناف، وشرط وجوبه دخول وقت، وبلوغ، وقدرة عليه، وحصول ناقض، وشرطهما عقل، ونقاء من حيض ونفاس، ووجود ما يكفي

من المطلق، وعدم نوم وغفلة، كالغسل والتيمم، بإبدال المطلق بالصعيد إلا أن الوقت فيه شرط فيهما اهـ. وفي الرسالة: ويجب عليه أن يعمل عمل الوضوء احتسابا لله تعالى لما أمره به يرجو تقبله وثوابه وتطهيره من الذنوب به، ويشعر أن ذلك تأهب وتنظف لمناجاة ربه، والرقوف بين يديه لأداء فرائضه، والخضوع له بالركوع والسجود.
فيعمل على يقين بذلك وتحفظ فيه، فإن إتمام كل عمل بحسن النية فيه اهـ. ولما أنهى الكلام على فضائل الوضوء ومكروهاته وما يتعلق بجميع ذلك انتقل يتكلم على نواقضه، فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في نواقض الوضوء

هذا الفصل عقده المصنف في بيان نواقض الوضوء.
والنواقض جمع ناقض، أي مبطل للوضوء وموجب لإعادته مرة أخرى.
والناقض ثلاثة أنواع على الإجمال، وهي حدث، وسبب، وغيرهما، وأشار المصنف إلى الأول بقوله: " ينقضه الخارج المعتاد من السبيلين " أي الحدث الخارج من القبل أو الدبر " على وجه العادة " يعني الحدث الذي ينتقض به الوضوء هو الخارج من المخرج المعتاد على وجه الصحة والاعتياد.
وأما الخارج غير المعتاد كخروج الدود أو الحصى من أحد السبيلين، أو غير الخارج كالقرقرة، أو كان خروجه على سبيل المرض كالسلس فلا ينتقض به الوضوء، وإليه أشار المصنف بقوله: " لا النادر والسلس " أي فلا يوجبان الوضوء بخروجهما، هذا إن لازم السلس كل الزمن أو جله، أما إن فارق كل الزمن أو جله فينتقض.
والمراد بالخارج الناقض الذي

ينقض بنفسه، وهو البول والغائط والريح والمذي والودي والهادي في الأنثى.
ثم ذكر المصنف السلس الذي ينشأ لأجل طول العزبة فحكمه حكم الخارج المعتاد في نقض الوضوء به.
ولذا قال رحمه الله تعالى: " وسلس المذي لطول العزبة كالمعتاد " والسلس: ما يسيل بنفسه لتغير الطبيعة، سواء كان بولا أو ريحا أو غائطا أو منيا، يعني أن السلس لطول العزبة ناقض كالخارج المعتاد سواء، يجب منه ما يجب في خروج المذي، إن كان مذيا مع غسل الذكر كله بنية كما تقدم جميع ذلك على التفصيل، وفي نسخة هنا زيادة في المتن وهي: " والخارج من غيرهما " هذه الزيادة ليست من كلام المصنف وإن كانت موافقة، والأولى جعلها شرحا لا نصا فتأمل.
ولما فرغ المصنف من الكلام على الحدث وتعريفه وأحكامه انتقل إلى النوع الثاني من أنواع الوضوء، وهي الأسباب التي لا تنقض الوضوء بنفسها بل بسبب حدث ولو لم يحصل، فبدأ رحمه الله بالمس واللمس لأن كل واحد منهما يؤدي إلى خروج المذي أحيانا: " و " من نواقض الوضوء " مس الذكر " أي المتصل " بباطن الكف والأصابع " يعني من النواقض للوضوء مس الذكر بباطن الكف أو بباطن الأصابع أو بجنبيهما ولو بأصبع زائد إن حس بأن كان يتحرك تحريكا معتبرا، فينتقض الوضوء بذلك سواء مسه من كمرة أو من قصبة، التذ أم لا، هذا إذا مسه من غير حائل، أما إن مسه من فوق حائل فلا نقض ولو كان الحائل خفيفا، إلا ما كان وجوده كالعدم.
والحاصل أن النقض مشروط بشروط خمسة: أن يكون ذكر نفسه، وأن يكون متصلا، وأن يكون المس من غير حائل، وأن يكون بالغا، وأن يكون بباطن الكف أو ما شابهه اهـ الصفتي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لا " ينقض الوضوء بسبب مس " الدبر " يعني أن الوضوء لا ينتقض بمس الدبر عند المالكية، ولا بمس الأنثيين، ولا بمس فرج الصغيرة

التي لا تشتهي، وكذا لا ينتقض الوضوء بخروج قيء، ولا بأكل لحم جزور، ولا بحجامة، ولا بفصد، ولا بقهقهة في صلاة، ولا بمس امرأة فرجها على المعتمد.
قال المصنف رحمه الله مشيرا لهذا الأخير " وفي مس المرأة فرجها خلاف " وقد علمت آنفا أن المعتمد الذي به الفتيا عدم النقض ولو ألطفت.
وعليه مشى خليل.
والإلطاف أن تدخل المرأة يدها بين شفري فرجها.
ولا ينتقض الوضوء بلمس البهيمة، ولا بإنعاظ من غير مذي، ولا بالنظر أو التفكر ولو مع اللذة في القلب بغير خروج شيء ولو في الصلاة.
ومما لا ينتقض به الوضوء على المعتمد القرقرة، وهي الريح المسموعة داخل الجوف؛ لأن الناقض هو الخارج المعتاد، وليست القرقرة من الخارج.
وما ذكره صاحب العزية من أن القرقرة الشديدة توجب الوضوء ضعيف.
قال المصنف رحمه الله: " و " من نواقض الوضوء: لمس النساء للذة " أي لقصد اللذة أو وجدانها، يعني أن قصد اللذة أو وجودها شرط في نقض الوضوء.
والمراد باللمس ملاقاة جسم لآخر وهو من نواقض الوضوء، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء﴾ [المائدة: 6] وقال بعضهم: المراد باللمس الجماع، فأجاب الصفتي ليس كذلك لأن حكم الجنابة ذكر في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: 6] فلو كان المراد باللمس الجماع لكان تكرارا اهـ. وبهذا قد تقرر أن قصد اللذة أو وجودها ناقض، سواء ممن تحل له كالزوجة، والأمة، أو أجنبية.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولو محرما " كأم وبنت وغيرهما؛ لأن وجود اللذة ناقض على المعتمد، ولا فرق في ذلك بين المحرم وغيره إلا في القصد وحده بدون وجدان، ففي الأجنبية ناقض وفي المحرم غير ناقض، سواء من فاسق وهو من يلتذ بمحرمه أم لا اهـ الصفتي، كما سيأتي تفصيل ذلك عن الدردير.
قال المصنف رحمه الله: " أو " كان اللمس واقعا " من وراء حائل لا يمنع اللذة " فينتقض به الوضوء لأنه كالعدم.
قال: " ولو " كان العضو الملموس " ظفرا أو سنا

أو شعرا " يعني أنه قد أتى المصنف بصفة المبالغة في انتقاض الوضوء بهذه الأشياء الثلاثة بشرط اللذة أو قصدها من اللامس، وأما الملموس فينقض وضوؤه بوجود اللذة فقط، ولنقض وضوئهما معا أشار المصنف بقوله: " اللامس والملموس سواء " قال العلامة الشيخ أحمد الدردير في أقرب المسالك: ولمس بالغ من يلتذ به عادة ولو لظفر أو شعر أو بحائل إن قصد اللذة أو وجدها، وإلا فلا اهـ: قال الشارح: يعني أن لمس المتوضئ البالغ لشخص يلتذ أو وجدها، وإلا فلا اهـ: قال الشارح: يعني أن لمس المتوضئ البالغ لشخص يلتذ بمثله عادة من ذكر أو أنثى ينقض الوضوء ولو كان الملموس غير بالغ أو كان اللمس لظفر، أو شعر، أو من فوق حائل كثوب، وظاهرها كان الحائل خفيفا يحس اللامس معه بطراوة البدن، أو كان كثيفا.
قال وتأولها بعضهم بالخفيف قلت: قد تقدم لنا في مس الذكر أن مسه من فوق الحائل لا يوجب الوضوء فلا ينتقض ولو كان الحائل خفيفا، إلا ما كان وجوده كالعدم فينتقض، كما في حاشية الصفتي.
فلنرجع إلى تمام كلام الدردير: قال: وأما اللمس من فوق حائل كثيف فلا ينقض، ومحل النقض إن قصد التلذذ بلمسه، وإن لم تحصل له لذة حال لمسه، أو وجدها حال اللمس وإن لم يكن قاصدا لها ابتداء، فإن لم يقصد ولو يحصل له لذة فلا نقض، ولو وجدها بعد اللمس.
والملموس إن بلغ ووجد، أو قصد بأن مالت نفسه بأن يلمسه غيره فلمسه انتقض وضوؤه لأنه صار في الحقيقة لامسا وملموسا، فإن لم يكن بالغا فلا نقض ولو قصد ووجد اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " من الأسباب التي تنقض الوضوء " زوال العقل " أي استتاره " بجنون " وهو زوال الشعور من القلب مع بقاء القوة والحركة، وهو أنواع: " أو إغماء " وهو زوال الشعور من القلب مع استرخاء الأعضاء.
قال مالك رحمه الله: ومن أغمي عليه فعليه الوضوء.
تنبيه: إذا أفاق المجنون والمغمى عليه لا يجب

عليهما غسل على المعتمد، نقله الصفتي عن شرح الأصيلي اهـ قلت: هذا إن لم يتحقق خروج الإنزال منه وإلا وجب عليه الغسل اتفاقا.
قال المصنف رحمه الله: " أو " كان زوال العقل بسبب " سكر " يعني أراد بذلك مطلق غيبوبة العقل، سواء أكان من مائعات حلال كلبن حامض، أم من حرام كخمر، أم من مضرات بالجسم والعقل كسم، أو من مخدرات كحشيشة.
والمدار في الجميع على زوال العقل، فإذا زال العقل بشيء من تلك الأشياء نقض الوضوء مطلقا، لا فرق بين طول زمنه وقصره كما يفصل في النوم، وهو ظاهر المدونة والرسالة، فهو ناقض.
قال ابن عبد السلام: وهوة الحق.
وقال ابن بشير: والقليل في ذلك كالكثير خلافا لبعضهم اهـ. نقله الصاوي عن الدسوقي.
قال المصنف رحمه الله: " أو " كان الزوال بسبب " نوم مستثقل ولو في الصلاة أو جالسا غير مستند " يعني أن النوم من الأسباب التي تنقض الوضوء أيضا.
قصير خفيف لا ينقض الوضوء، طويل خفيف يستحب منه الوضوء.
ولا عبرة عند المالكية بصفة النائم من كونه جالسا أو مستندا أو مضطجعا، بل العبرة عندنا بصفة النوم كما تقدم، فإذا ثقل النوم حتى لا يشعر صاحبه بمن يأتي ومن يذهب نقض وضوؤه على كل حال.
ثم انتقل المصنف إلى ما ليس بحدث ولا سبب وهي الردة والشك، وقدم الردة لأنها أهم، فقال رحمه الله: " والمشهور " عندنا معشر المالكية " أن الردة مبطل " للوضوء، خلافا للشافعية.
قال الدردير: وأما غيرهما - أي غير الحدث والسبب - وهو الردة والشك في الناقض بعد طهر علم وعكسه، أو في السابق منهما.
قال الشارح: هذا هو النوع الثالث من الناقض للوضوء، إما حدث، وإما سبب، وإما غيرهما، وهو أمران: الردة، والشك، وكل منهما ليس بحدث ولا سبب.
وبعضهم جعلهما من أقسام

السبب: أما الردة فهي محبطة للعمل ومنه الوضوء والغسل على الأرجح، إلى آخر كلامه رحمه الله: يعني أن الردة - وهي كفر مسلم والعياذ بالله - مبطلة لجميع أعمال البر من العبادات وغيرها، وهي تكون بالأشياء من الأفعال والأقوال، نحو أن يقول هو مشرك، أو هو نصراني، أو يهودي، أو يلقي مصحفا في القاذورات، أو يسب الله تعالى، أو يسب نبيا مجمعا على نبوته، أو ملكا كذلك، أو نحو ذلك مما يقتضي الكفر، فإذا حصل منه واحدة مما ذكرنا صار كافرا مرتدا.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ﴾ [المائدة: 5] وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] والوضوء من جملة العمل كالغسل فإن الردة تبطله على المعتمد.
فإذا رجع المرتد إلى الإسلام وجب عليه إعادة وضوئه الذي فعل قبل ارتداده بنية رفع الحدث إن أراد الصلاة، وكذا وجب عليه الغسل إن أراد جميع ما يقتضي الطهر كالطواف ومس المصحف وغيرع مما هو شرطه الطهارة.
فافهم ذلك.
ثم قال المصنف رحمه الله: " و " من نواقض الوضوء " الشك في الحدث بعد تيقن الطهارة " قال مالك في المدونة فيمن توضأ فشك في الحدث فلا يدري أحدث بعد الوضوء أم لا: إنه يعيد الوضوء بمنزلة من شك في صلاته، فلا يدري أثلاثا صلى أم أربعا فإنه يلغي الشك اهـ. وكذلك من شك في السابق منهما بأن تيقن أيضا بالحدث وشك في السابق منهما فإنه يجب عليه الوضوء؛ لأنه لا تبرأ ذمته إلا باليقين.
ولذا قال المصنف: والشك في الحدث إلخ " موجب " يعني من موجبات الوضوء، ما لم يكن مستنكحا.
وإذا استنكحه شك فإنه لا يعيد الوضوء.
وأما غير المستنكح فإن وضوءه يبطل بالشك باتفاق أهل المذهب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والحدث يمنع فعل كل ما يشترط له الطهارة " يعني أنه إذا قام بالمكلف الحدث منع أن يفعل ما يشترط فيه الطهارة كالصلاة

والطواف وحمل المصحف، إلا بقصد حمل أمتعة فيجوز.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: 77 - 80] صدق الله العظيم.
ولهذا قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " يمنع الحدث " حمل " جملة " المصحف ولو بحائل أو علاقة " بغير طهر إلا لمتعلم فيه أو معلم، وإلا الجزء ونحوه لتعوذ أو دلالة فيجوز.
قال المصنف رحمه الله: " لا " يمنع حمل المصحف " بين أمتعة قصد حملها " يعني أنه يجوز حمل القرآن الكامل في الأمتعة كالصندوق بنية حمل المتاع، لا بنية حمل القرآن.
وفي المختصر: ومنع حدث صلاة وطوافا ومس مصحف وإن بقضيب، وحمله وإن بعلاقة أو وسادة إلا بأمتعة قصدت، وإن على كافر، لا درهم وتفسير ولوح لمعلم ومتعلم وإن حائضا، وجزء لمتعلم وإن بلغ، وحز بساتر وإن لحائض اهـ. قال الخرشي: يعني أن الطواف ولو نفلا، والصلاة كلها على اختلاف أحكامها من فرض وسنة ونفل وسجود القرآن لا يجوز إلا بالوضوء، وأن الحدث مانع من ذلك اهـ. وقد عقد الأخضري فصلا في هذه المسألة: فقال: لا يحل لغير المتوضئ صلاة ولا طواف، ولا مس نسخة القرآن العظيم، ولا جلدها، لا بيده ولا بعود ونحوه، إلا الجزء منها لمتعلم فيه، ولا مس لوح القرآن العظيم على غير الوضوء إلا لمتعلم فيه أو معلم يصححه.
والصبي في مس القرآن كالكبير، والإثم على مناوله له.
ومن صلى بغير وضوء عامدا فهو كافر والعياذ بالله اهـ. قال الشارح في هداية المتعبد السالك عند قول المؤلف " ومن صلى بغير وضوء عامدا فهو كافر " قد أمر الله سبحانه وتعالى كل من أراد القيام إلى الصلاة بالوضوء بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] الآية.
والأمر من الله إيجاب وتكليف يحبب تصديقه، والإيمان به، والعمل على مقتضاه، فمن تهاون في ذلك واستخف به فهو من قبل الشارع، غير محترم، محكوم عليه بالكفر لتهاونه بأوامر الله وعدم الخضوع لها بالإذعان والقبول.
وهو أيضا مطرود عن أهل القبلة والجماعة، نعوذ

بالله من سوء العاقبة.
قلت: ما ذكره المؤلف وتبعه الشارح من تكفير المصلي بغير وضوء عامدا محمول على ترك الوضوء جحدا أو استخفافا وتهاونا بالأوامر وعدم المبالاة، كما ذكره الشارح، وأما من فعل ذلك كسلا أو عجزا أو جهلا أو نسيانا أو بالضرورة مع اعتقاده وجوب الطهارة، وهو مسلم موحد مؤمن بالله ورسوله فإنه لم يكن كافرا، ولم يخرجه ذلك من الإسلام، كما هو اعتقاد كثير من المحققين.
وغاية الأمر أنه عاص لله ورسوله وتجب عليه التوبة مع وجوب إعادة الصلاة أبدا لأنها باطلة هذا هو المفهوم من كلام بعض المحققين رحمهم الله تعالى.
نسأل الله أن يرزقنا العمل بالكتاب والسنة إنه ولي التوفيق.
ولما أنهى الكلام على النواقض أراد الشروع في ذكر موجبات الغسل

فَصْلٌ

في موجبات الغسل

هذا الفصل عقده المصنف رحمه الله تعالى في بيان موجبات الغسل وأنواعه، وفرائضه، وسننه، ومستحباته، وجميع أحكامه.
أما أنواع الغسل فإنه ينقسم إلى أربعة أقسام: واجب، وسنة، ومندوب، وجائز.
أما الواجب فهو غسل الجنابة.
والجنابة قسمان: أحدهما خروج المنى بلذة معتادة، في نوم أو يقظة، بجماع أو غيره كما يأتي عن المصنف.
والمنى هو الماء الدافق، أي يتدفق عند خروجه دفعة بعد دفعة، وغالبا لونه أبيض خاثر رائحته كرائحة الطلع أو العجين، فإن خروج بلذة معتادة من الجماع فما دونه وجب الغسل إجماعا، وإن خرج بغير لذة، أو

بلذة غير معتادة لم يجب الغسل.
والثاني مغيب الحشفة أو قدرها من مقطوعها في أي فرج كان.
وأشار المصنف إلى القسم الأول من قسمي الجنابة فقال: " الغسل يوجبه خروج المني على العادة ولو في النوم " يعني أن خروج المني على وجه العادة والصحة من موجبات الغسل، سواء كان خروجه في حال اليقظة أو في النوم.
قال الدردير في أقرب المسالك: يجب على الكلف غسل جميع الجسد بخروج مني بنوم مطلقا، أو يقظة إن كان بلذة معتادة من نظر أو فكر فأعلى، ولو بعدها ذهابها، وإلا وجب الوضوء فقط اهـ وقال الشارح: اعلم أن موجبات الغسل أربعة: خروج المني، ومغيب الحشفة، والحيض، والنفاس، والمراد بالمكلف البالغ العاقل ذكرا أو أنثى، فخروج المني من الذكر أو الأنثى في حالة النوم يوجب الغسل مطلقا بلذة معتادة أم لا، بل إذا انتبه من نومه فوجد المني ولم يشعر بخروجه، أو خرج بنفسه وجب عليه الغسل على ما استظهره الشيخ على الأجهوري.
انظره في الصاوي اهـ. وأشار المصنف إلى الثاني من قسمي الجنابة وهو مغيب الحشفة أو قدرها من مقطوعها في الفرج مطلقا بقوله: " و " من موجبات الغسل على المكلف " إيلاج الحشفة أو قدرها في فرج " قال الخرشي: الموجب الثاني للغسل مغيب حشفة بالغ على الفاعل والمفعول.
قال عياض: الحشفة بفتح الشين: الكمرة، وهي رأس الذكر، وكذلك يجب على المرأة الغسل بإدخال ذكر البهيمة اهـ. وقال الدردير: وبمغيب الحشفة أو قدرها في فرج مطيق وإن بهيمة أو ميتا.
الشارح: الموجب الثاني للغسل تغييب المكلف جميع حشفته أي رأس ذكره، أو تغييب قدرها من مقطوعها في فرج شخص مطيق للجماع قبلا أو دبرا من ذكر أو أنثى ولو غير بالغ، أو كان المطيق بهيمة أو ميتا، وعلى ذي الفرج إن بلغ، أي يجب الغسل على صاحب الفرج المغيب فيه إن كان بالغا، وإلا فلا

يجب على غير المكلف، ولا بتغييب الحشفة في غير فرج كالأليتين والفخذين، ولا في فرج غير مطيق اهـ. وإليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله: " وإن كان غير بالغ لم يلزمها إلا أن تنزل أو يكون مراهقا " المراهق هو الذي قارب البلوغ، فلا يجب عليه الغسل إذا وطئ زوجته، لكن ينبغي لوليه أن يأمره بالغسل استحبابا وإليه أشار المصنف بقوله: " وهل يؤمر به تمرينا قولان " وقد علمت أن المشهور من القولين أنه يؤمر به ندبا.
وفي أقرب المسالك: وندب لمأمور الصلاة كصغيرة وطئها بالغ وإلا فلا.
هذا هو المعتمد.
والحاصل أن الصور أربع: لأن الواطئ والموطوء إما بالغان، وإما بالغ وصغيرة، وإما صغير وبالغة، وإما صغيران: فالأولى يجب فيها الغسل عليهما اتفاقا، وفي الثانية يجب الغسل على الواطئ دون موطوءته ما لم تنزل، وكذا في الرابعة اهـ الصاوي.
وبالغ المصنف في إيجاب الغسل على المرأة بقوله رحمه الله: " ولو عزل.
أو وطئ بين الفخذين فسبق الماء إلى فرجها فأنزلت أو التذت لزمها " يعني أن الرجل لو عزل عن امرأته بأن جامعها ولم ينزل في فرجها بل خارج الفرج فلا غسلا عليها ما لم تنزل 1 وإن أنزلت وجب عليها الغسل.
وكذا لو وطئ بين فخذيها وسبق الماء في فرجها فأنزلت لزمها الغسل.
وأما لو سبق إليها والتذت من غير إنزال فلا غسل عليها خلافا لمفهوم ما للمصنف من قوله أو التذت؛ لأن معناه أو التذت بدون إنزال لزمها الغسل، مع أن التذاذها بلا إنزال لا يوجب الغسيل.
لا بمني وصل للفرج ولو التذت.
الخرشي يعني أنه لا يجب الغسل ولا الوضوء بمني وصل لفرج المرأة ولو التذت إلا أن تنزل فيجب عليها

حينئذ الغسل.
وإنما لم يوجب الوضوء لأنه ليس بحدث ولا سبب ولا غيرهما مما ينقضه اهـ. ثم انتقل المصنف إلى موجب آخر فقال رحمه الله تعالى: " و " من موجبات الغسل " انقطاع دم الحيض " والحيض شرعا هو الدم الخارج بنفسه من فرج المرأة الممكن حملها عادة غير زائد على خمسة عشر يوما، من غير مرض ولا ولادة.
وقوله انقطاع دم الحيض، وانقطاعه يكون بالقصة البيضاء، أو الجفوف كما سيأتي عن المصنف في فصل الحيض والنفاس, فإذا انقطع دم الحيض وجب عليها الغسل بلا تأخير.
قال المصنف رحمه الله: " و " من موجبات الغسل أيضا انقطاع دم " النفاس " والنفاس شرعا: هو الدم الخارج من القبل بسبب الولادة غير زائد على ستين يوما، فإذا على ستين يوما فليس بنفاس، فلا تستظهر، بل تغتسل وتصلي كما يأتي عن المصنف في محله.
قال الدردير متنا وشرحا: وبحيض ونفاس ولو بلا دم، ولا باستحاضة، وندب لانقطاعه.
يعني الموجب الثالث والرابع الحيض ولو دفعة، والنفاس ولو خرج الولد بلا دم أصلا، ولا يجب بخروج دم الاستحاضة لكن يندب لها الغسل إذا انقطع لأجل النظافة وتطييب النفس، كما يندب غسل المعفوات إذا تفاحشت لذلك، والاستحاضة من جملتها.
قال المصنف رحمه الله تعالى " و " من موجبات الغسل على المشهور كما استحسنه ابن عبد السلام وخليل من روايتين عن مالك وهو الأقوى " خروج الولد وإن لم تر دما " خلافا للخمي القائل: فلو خرج الولد جافا لم يجب الغسل.
والمعتمد ما مشى عليه المصنف كما في أقرب المسالك.
وفي الخرشي: ووجوب الغسل في حال خروج الولد بلا دم أصلا بناء على إعطاء الصورة النادرة حكم غالبها؛ لأن الغالب خروج

الولد بدم، أي معه أو قبله أو بعده لأجله، وهو المعبر عنه بالنفاس كما تقدم اهـ بزيادة إيضاح.
قال المصنف رحمه الله: " و " من موجبات الغسل على المشهور في المذهب " إسلام الكافر، ويجزيه عند اعتقاده قبل تلفظه به " يعني قد أخبر أن من موجبات الغسل إسلام الكافر، فإذا أسلم وجب عليه الغسل لأنه جنب.
قال خليل: ويجب غسل كافر بعد الشهادة بما ذكر، أي بمني، أو مغيب حشفة بالغ، وبحيض ونفاس.
وقول المصنف: ويجزئه أي الغسل عند اعتقاده قبل التلفظ به.
والضمير في به عائد إلى الإسلام، وهو هنا بمعنى القصد والتصديق بالقلب.
قال خليل: وصح أي غسله قبلها، أي الشهادة وقد أجمع على الإسلام، لا الإسلام، أي لا يصح الإسلام من الكافر الأصلي قبل نطقه بالشهادتين إلا لعجز يمنعه من النطق بها بنحو خرس.
قال الخرشي: يعني أن الشخص الكافر ذكرا كان أو أنثى إذا أسلم وتلفظ بالشهادتين وجب عليه الغسل إذا تقدم له سبب يقتضي وجوب الغسل من جماع أو إنزال أو حيض أو نفاس للمرأة، فإن لم يتقدم له شيء منها.
أي من ذلك بأن بلغ الكافر بالسن مثلا وأسلم، فلا يجب عليه الغسل على المشهور، بل يندب عند ابن القاسم.
وقيل يجب غسله مطلقا تعبدا، وشهره الفاكهاني اهـ كذا في الحطاب.
وقد ثبت بهذا أن موجبات الغسل ستة: الأول: خروج المني بلذة معتادة.
والثاني: مغيب الحشفة في الفرج.
والثالث: انقطاع دم الحيض.
والرابع: انقطاع دم النفاس.
والخامس: خروج الولد ولو جافا على المشهور.
والسادس: إسلام الكافر على الخلاف، وإليه ذهب المصنف وصاحب المختصر وغيرهما من أئمة المذهب.
وأطلق الدردير.
وقيل إن غسل الكافر للجنابة لا للإسلام، وإليه بعض المحققين، ومنهم أبو محمد.
قال في الرسالة في باب جمل: والغسل على من أسلم فريضة لأنه جنب.
قلت: وإذا تحقق أنه جنب فيرجع إلى

معنى خروج المني أو مغيب الحشفة كما تقدم فتكون الموجبات للغسل خمسة.
ومما يؤيد هذا ما ذكره الحطاب من قول خليل وابن بشير: أنه قال: ثم اختلف القائلون بالوجوب هل ذلك للإسلام أو لأن الكافر جنب؟ اهـ. قال الحطاب: قلت: بل القول بالوجوب للإسلام جعله الفاكهاني هو المشهور في المذهب.
ونصه: الاغتسالات الواجبة خمسة: وهي الجنابة، والحيض، والنفاس، والتقاء الختانين، وإسلام الكافر على المشهور في هذا الأخير.
انتهى هكذا قال في أول باب ما يجب منا الوضوء والغسل اهـ. قال المصنف رحمه الله: " ينوي رفع الجنابة " يعني ينوي الكافر عند إرادة غسله رفع الجنابة؛ لأنه جنب، هذا إذا تقدم له موجب مما تقدم من موجبات الغسل وهذا أيضا يدل على أن الغسل للجنابة لا للإسلام كما تقدم للمصنف، وحينئذ يرجع القول بأنه للجنابة، والكافر جنب كما هو ظاهر النصوص، ولذا أطلق الشيخ أحمد الدردير في شرح مختصر خليل بقوله: سواء نوى بغسله الجنابة أو الطهارة أو الإسلام؛ لأن نيته الطهر من كل ما كان فيه حال كفره وهو يستلزم رفع الحدث اهـ. انظر الدسوقي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن عدم الماء تيمم " يعني أن الكافر إذا أراد الدخول في الإسلام ولم يجد الماء للغسل فإنه يتيمم لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾} إلى ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا﴾ [المائدة: 6].
فهذا عام للجنب وغيره.
ومن أراد من الكفار الدخول في الإسلام ولم يجد الماء فإنه يتيمم.
قال ابن القاسم في المدونة: والنصراني عندي جنب، فإذا أسلم اغتسل، أو تيمم، فإن تيمم ثم أدرك الماء فعليه الغسل اهـ. وقال أيضا: وإذا تيمم النصراني للإسلام نوى بتيممه ذلك تيمم الجنابة اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " يبدأ بغسل يديه والأذى عن بدنه " هذا شروع

من المصنف في صفة الغسل.
واعلم أن الغسل من الجنابة وغيرها مشتمل على فرائض وسنن وفضائل.
فأما فرائضه فخمس: الأولى نية رفع الحدث الأكبر، والثانية تعميم ظاهر الجسد بالماء، والثالثة الدلك، والرابعة تخليل الشعر، والخامسة الموالاة.
وقد ابتدأ المصنف بغسل اليدين وهو من سنن الغسل، ثم ثنى بغسل الأذى عن البدن أي إزالة النجاسة التي على البدن كالمني، وهو أي غسلها من المندوبات.
وفي العزية: وأما سننه فأربع: البدء بغسل اليدين قبل إدخالها في الإناء، ومسح صماخ الأذنين، والمضمضة، والاستنشاق.
وأما فضائله فسبع.
التسمية، والبدء بغسل ما على بدنه من الأذى، ثم الوضوء كاملا مرة مرة وينوي به رفع الجنابة عن تلك الأعضاء، ثم إفاضة الماء على رأسه ثلاثا، ثم إفاضة الماء على شقه الأيمن قبل الأيسر، ثم البدء بالأعالي قبل الأسافل، وقليل الماء مع إحكام الغسل - بكسر الهمزة - أي إتقانه اهـ. وإلى ما تقدم أشار المصنف بقوله رحمه الله: " ومسنونة المضمضة والاستنشاق " أي يريد مع الاستنثار، وتقدم أن البدء بغسل يديه أولا هي السنة الرابعة من سنن الغسل.
وأما قول المصنف رحمه الله: " والوضوء ينوي به سنة الغسل " المشهور في المذهب أن الوضوء عند الشروع في الغسل مستحب، بخلاف ما ذهب إليه المصنف.
قال خليل: وندب بدء بإزالة الأذى ثم أعضاء وضوئه كاملة مرة.

فرائض الغسل

ثم شرع المصنف يذكر فرائض الغسل فقال: " ويخلل أصول شعر رأسه حتى يرويها " يعني يصب عليه الماء ويضغثه، يفعل ذلك ثلاث مرات حتى يعم رأسه وفي أقرب المسالك: وتخليل أصول شعر رأسه، وتثليثه يعمه بكل غرفة.
ثم قال المصنف رحمه الله: " ويعم سائر جسده، فإن بقيت لمعة لم يجزه " يعني أنه يجب على

المكلف أن يعم جميع جسده بالماء، وإن بقي منه شيء أي من جسده بأن ترك بعضه ولم يصل إليه الماء، أو ترك لمعة في أي عضو من أعضائه وجب المبادرة إلى غسله، وإن صلى قبل ذلك أعادها.
قال الصفتي: فلو ترك لمعة عامدا وجف طهره بطل غسله وعليه إعادته، وإن كان ناسيا غسلها وحدها سواء جف طهره أو لا، وأعاد الصلاة إن كان صلى اهـ. وتقدم لنا أن تعميم ظاهر الجسد بالماء من فرائض الغسل كما هو معلوم.
قال المصنف رحمه الله: " ولا يلزم المرأة نقض ضفائرها، بل تعركه حتى ترويه " وفي نسخة بل تحركه بدل تعركه، والمعنى أنها حل عقاصها بل تضغثه وتحركه ليدخل الماء على البشرة.
قال خليل: وضغث مضفورة لا نقضه.
وفي أقرب المسالك: لا نقض مضفورة إلا إذا اشتد، أو بخيوط كثيرة، أي لا يجب على المغتسل نقض مضفور شعره ما لم يشتد الضفر حتى يمنع وصول الماء إلى البشرة، أو يضفر بخيوط كثيرة تمنع وصول الماء إلى البشرة، أو إلى باطن الشعر اهـ. وقال الخرشي: يعني أنه يجب غسل ظاهر الجسد بسبب خروج مني مع تخليل شعر وضغثه حيث كان مضفورا، أو ضمه وجمعه وتحريكه.
ولا يكلف مريد الغسل رجلا أو امرأة بنقض الشعر المضفور حيث كان مرخوا يدخل الماء وسطه وإلا فلا بد من حله اهـ وفي الحديث عن أم سلمة " قالت يارسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؛ فقال لها صلى الله عليه وسلم " يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضي عليه الماء فتطهري " رواه مسلم.
لما بلغ عائشة أن ابن عمر يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن شعرهن قالت: أفلا تأمرهن أن يحلقن رؤوسهن! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، وما أزيد أن أغرف على رأسي ثلاث غرفات اهـ. وقال الصفتي: وعدم النقض مقيد بما إذا لم يقو الشد، ولم يكن موصولا بخيوط

كثيرة، كما تقدم تفصيل ذلك فراجعه إن شئت.
ثم قال: ولا يجب تحريك الخاتم إذا كان مأذونا فيه، ولو فرض أن الماء لم ينزل تحته لكن إن نزعه بعد يجب غسل موضعه اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويجزئ عن الحدث الأصغر وإن لم ينوه " قال الشيخ أحمد الدردير في أقرب المسالك: ويجزئ عن الوضوء، وإن تبين عدم جنابته، ما لم يحصل ناقض بعده وقبل تمام الغسل، وإلا أعاده مرة بنيته، أي إن الغسل يجزئ عن الوضوء ولو لم يستحضر نية رفع الحدث الأصغر؛ لأنه يلزم من رفع الأكبر رفع الأصغر، لا عكسه، ولذا قال: والوضوء عن محله ولو ناسيا لجنابته اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويجزئها للحيض والجنابة غسل واحد إذا نوتهما " قال خليل: وإن نوت الحيض والجنابة، أو أحدهما ناسية للآخر أو نوى الجنابة والجمعة، أو نيابة عن الجمعة حصلا.
وإن نسي الجنابة، أو قصد نيابة عنها انتفيا.
إنما قد أخبر المصنف رحمه الله تعالى بما هو معلوم شرعا ضروريا من أن الغسل الواجب يجزئ عن غيره مما هو دونه، كما يأتي عن المصنف كغسل الجنابة عن غسل الجمعة أو الإحرام إذا نواهما، أو نوى الجنابة ناسيا عن غيرها مما هو دونها من الحدث الأصغر؛ لأن الحدث الأكبر مشتمل عن الأصغر، ومجزئ عنه وإن لم ينوه اهـ. قال المصنف رحمه الله: " وصفة الواجب وغيره سواء " يعني أن الغسل الواجب كغسل الجنابة صفته كصفة غيره من الأغسال.
وقد تقدم لنا أول هذا الفصل أنواع الغسل وهو ينقسم إلى أربعة أقسام: واجب كغسل الحائض والنفساء، وسنة كغسل الجمعة والإحرام، ومندوب كغسل دخول مكة والاستحاضة، وجائز كغسل التبرد والنظافة، وجميع تلك الأغسال المذكورة وغيرها يندب أن تكون على هيئة واحدة، كهيئة

غسل الجنابة من تقديم غسل بعض الأعضاء قبل بعضها.
قال الدردير في شرح أقرب المسالك: وحاصل كيفية الغسل المندوبة أن يبدأ بغسل يديه إلى كوعيه ثلاثا كالوضوء بنية السنية، ثم يغسل ما بجسمه من أذى، وينوي فرض الغسل أو رفع الحدث الأكبر، فيبدأ بغسل فرجه وأنثييه ورفغيه ودبره وما بين أليتيه مرة فقط، ثم يتمضمض ويستنشق ويستنثر، ثم يغسل وجهه إلى تمام الوضوء مرة مرة، ثم يخلل أصول شعر رأسه لتنسد المسام خوفا من أذية الماء إذا صب على الرأس، ثم يغسل رأسه ثلاثا يعمم رأسه في كل مرة، ثم يغسل رقبته، ثم منكبيه إلى المرفق، ثم يفيض الماء على شقه الأيمن إلى الكعب ثم الأيسر كذلك، ثم إذا غسل شقه الأيمن يغسله باطنا وظاهرا، وكذلك إذا غسل شقه الأيسر، فإن شك في محل ولم يكن مستنكحا وجب غسله وإلا فلا.
انتهى مع الاختصار.
وهذه هي الطريقة التي اختارها الدردير والزرقاني والزروق وغيرهم من المحققين.
وينبغي للمغتسل أن يتابع كل ما غار من جسده كعمق سرته، ورفغيه، والأليتين، وتحت إبطيه، وأسارير جبهته وعنقه وحلقه، وتحت قدميه، وطيات البطن والدبر، وطي المرفقين، وكعقبيه وعرقوبيه وشقوقه، وكل ذلك مما يجب أن يتعهدها المغتسل لأن تحت كل شعرة جنابة كما في الحديث.
قال المصنف رحمه الله: " ويجزئ الواجب عن غيره، بخلاف عكسه " يعني أن الغسل الواجب كغسل الجنابة يجزئ عن غير الواجب، كما إذا اغتسل للجنابة والجمعة غسلا واحدا ونواهما حصلا، لا إن نسي الجمعة فلا يجزئ الو تجب عنها كما أنه لا يجزئ غير الواجب عن الواجب، كما قررناه سابقا عند قول المصنف: ويجزئها للحيض والجنابة غسل واحد إذا نوتهما.
وكذا قول خليل: وإن نوت الحيض والجنابة إلى قوله: وإن نسي الجنابة أو قصد نيابة عنها انتفيا، فراجعه إن شئت، ولا حاجة إلى تكرار.
ثم ذكر المصنف بعض المندوبات وهو تقليل الماء مع إحكام الغسل بلا حد عند

صب الماء وبلا إسراف فقال رحمه الله: " ولا حد لقدر الماء، بل بحسب حاله " يعني أنه يستحب التقليل في صب الماء عند الاستعمال بلا تحديد، بل بحسب حال المغتسل من نعومة جسده وخشونته، أما إحكام الغسل، أي إتقانه، فواجب، ويكفي في ذلك غلبة الظن كما في حاشية الخرشي، وكل هذا موافق لما قدمناه.
ثم ذكر المصنف بعض ما يجوز للجنب قبل أن يغتسل فقال رحمه الله تعالى: " وللجنب الأكل، وتكرار الجماع، والنوم قبل غسله " يعني وبعد غسل يديه.
قال مالك في المدونة: ولا بأس أن يأكل قبل أن يتوضاء، فكان الإمام يأمر الجنب بغسل يديه إذا كان قد أصابهما الأذى وأراد أن يأكل وإن لم يتوضأ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لكن يستحب الوضوء للنوم " يعني أنه يستحب للجنب أن يتوضأ إذا أراد النوم ليلا أة نهارا لينام على طهارة وليحصل له نشاط.
قال خليل في سياق كلامه على مندوبات الغسل: كغسل فرج جنب لعوده لجماع، ووضوئه لنوم، لا تيمم، ولا يبطل إلا بجماع.
قال الخرشي: يغني أن الشخص إذا أراد أن يعود إلى وطء زوجته أو أمته فإنه يستحب له أن يغسل فرجه، وهو المراد بالوضوء في قوله عليه الصلاة والسلام: " إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد الجماع فليتوضأ ". وفي رواية - كما في المدونة - عن عائشة أنها قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ للنوم وضوءه للصلاة قبل أن ينام ". وفي المدونة أيضا: لا ينام الجنب في ليل أو نهار حتى يتوضأ جميع وضوئه، وليس ذلك على الحائض.
وقول خليل: ووضوئه لنوم لا تيمم، أي لا يتيمم الجنب لعوده أو نومه عند عدم الماء.
هذا على المشهور، خلافا لما نقله ابن فرحون.
انظره في الحطاب.
وكذا يستحب الوضوء للنوم لغير الجنب، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: " من نام على طهارة سجدت روحه

تحت العرش ". وقال الخرشي: وفي الغسل فوائد: تقوية الأعضاء، وإتمام اللذة، وإزالة النجاسة اهـ. قال المصنف رحمه الله: " وله تلاوة الآيات " أي اليسيرة للتعوذ والرقى، أو الاستدلال، كأن يقرأ آية أو آيتين كآية الكرسي والمعوذتين، أو كالآيتين اللتين في آخر سورة البقرة وهي ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إلخ.
وكل ذلك يجوز للجنب قراءتها لما ذكر وفي العزية: وتمنع الجنابة موانع الحدث الأصغر مع زيادة تحريم قراءة القرآن، إلا الآية، ونحوها على وجه التعوذ والرقى والاستدلال، ودخول المسجد والمكث فيه اهـ. وفي الأخضري: لا يحل للجنب دخول المسجد ولا قراءة القرآن إلا الآية ونحوها للتعوذ ونحوه.
وقوله ولا قراءة القرآن إلخ قال شارحه عبد السميع الآبي: الجنب ممنوع من قراءة القرآن، لأن القارئ يخاطب الرب سبحانه وتعالى، والجنب ليس أهلا لذلك.
ومصدر ذلك الأحاديث الصحيحة، فقد ورد " أن القارئ يناجي ربه " وقد استثنى العلماء قراءة الشيء اليسير لأجل التعوذ، أو لأجل الاستدلال، كما لو سئل عن حكم من الأحكام فاستدل عليه بآية من القرآن، أو تعوذ من عين إنس، أو مس جن، أو قرأ شيئا من القرآن عند النزول بمنزل ليتحرز به مما يخاف، وكل ذلك جائز له اهـ. مع زيادة البيان.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويستحب الوضوء للنوم " يعني أنه إذا كان ذكر فيما سبق أن وضوء الجنب للنوم مستحب ذكر هنا أيضا أن غير الجنب ينبغي له أن يتوضأ لينام على طهارة، وتقدم لنا عن قريب قوله عليه الصلاة والسلام: " من نام على طهارة سجدت روحه تحت العرش " وقد تبين لك أن ما ذكره المصنف من قوله يستحب للنوم في موضعين ليس بتكرار؛ لأن الأول عني به للجنب، والثاني لغير الجنب وكلاهما مطالب بالوضوء على سبيل الندب.

ثم تكلم في بيان ما منعه الحدث الأكبر على سبيل الإجمال فقال رحمه الله: " ويمنع الحدث الأكبر ما يمنعه الأصغر ودخول المسجد، وتلاوة القرآن، إلا أن تخاف الحائض النسيان " يعني قد أخبر أن الحدث الأكبر يمنع ما منعه الحدث الأصغر، وزيادة منع الدخول في المسجد وكذا منع الحدث الأكبر قراءة القرآن إلا الآية ونحوها للتعوذ ونحوه، وإلا الحائض التي تخاف النسيان فيجوز لها أن تقرأ القرآن تلاوة.
قال خليل: لا قراءة، أي فجائزة.
قال بهرام: والمشهور أنها تقرأ القرآن في غير المصحف.
وفي الحطاب: قال ابن عرفة: عياض وقراءتها في المصحف دون مسها إياه كقراءة حفظها.
قال اللخمي: ولا تمنع الحائض السعي، ولا الوقوف بعرفة، ولا تمنع ذكر الله كالتسبيح والاستغفار وإن كثر، وهذا ظاهر اهـ. وأما قول المصنف: ودخول المسجد.
قال الحطاب: عده ابن رشد في المتفق عليه، ولم يفصل بين المكث والمرور.
وظاهره أن الجميع متفق على منعه.
وأما الحائض والجنب فقد اختلف العلماء في دخولهما المسجد، وقد منعه مالك رحمه الله، وأجازه زيد بن أسلم للجنب العابر اهـ. انظره في الحطاب.
وما ذكره المصنف هنا شبيها بما قاله سابقا في فصل نواقض الوضوء من قوله رحمه الله: " والحدث يمنع فعل كل ما يشترط له الطهارة " فراجعه إن شئت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن رأى في ثوبه منيا ولم يذكر احتلاما اغتسل وأعاد ما صلى فيه ما بين نومه ورؤيته " وفي نسخة ما بين نومه ورؤيته فيه، ولفظ فيه زائد ليس من كالم المصنف.
والمعنى أن من رأى في ثوبه منيا رطبا كان أو يابسا ولم يتذكر وقت خروجه وجب عليه الغسل، ووجب عليه إعادة الصلاة التي صلاها قبل رؤيته، وفي الأخضري: ومن رأى في منامه كأنه يجامع ولم يخرج منه شيء فلا شيء عليه.

جارٍ التحميل