كتاب الأضحية والعقيقة والصيد والذبائح
يعني يشتمل هذا الكتاب على الأحكام الأربعة كلها ترجع إلى معنى الذبيحة، وهي الأضحية والعقيقة والصيد وجميع الذبائح الشرعية، وكل منها لها حكم مستقل يحتاج أن ينفرد ببيان يخصه قال رحمه الله تعالى: " الأضحية سنة " قال العلامة الصاوي على الدردير: والأضحية بضم الهمزة وكسرها مع تشديد الياء فيهما.
ويقال ضحية كما سيأتي فلغاتها ثلاث.
وسميت بذلك لذبحها يوم الأضحى ووقت الضحى اهـ. وبدأ بحكمها فقال: إنها سنة، وهو كذلك على المشهور وقيل إنها واجبة وهي ما يتقرب بذبحها من الأنعام.
قال في الرسالة: والأضحية سنة واجبة على من استطاعها.
قال رحمه الله تعالى: " وهي من بهيمة الأنعام " وهي الضأن والبقر والأبل.
قال رحمه الله تعالى: " جذع الضأن وثني غيرها " يعني الذي يجزئ الأضحية من الضأن الجذع وهو ابن سنة على المشهور ودخل في الثانية أي دخول، ولو ولد الضأن في يوم عرفة يكفي ذبحه يوم الأضحى كما تقدم في الهدي.
والثني من المعز وهو ما أوفى سنة ودخل في الثانية دخولاً بيناً كشهر أو شهرين.
قال رحمه الله تعالى: " وأفضلها الغنم والذكر " يعني أن أفضل ما يذبح الأضحية الغنم، واسم الغنم شامل لذكور الضأن والإناث منها ومن المعز، لكن الضأن أفضل من المعز، كما أن ذكور كل نوع أفضل من إناثه.
قال في الرسالة: وفحول الضأن في الضحايا أفضل من خصيانها، وخصيانها أفضل من إناثها، وإناثها أفضل من ذكور المعز ومن إناثها، وفحول المعز أفضل من إناثها، وإناث المعز أفضل من الإبل والبقر في الضحايا وأما في الهدايا فالإبل أفضل، ثم البقر، ثم الضأن ثم المعز اهـ كما تقدم في الهدي.
الجزء: 2 - الصفحة: 38
قال رحمه الله تعالى: " فجذع الضأن ما له ستة أشهر فصاعداً " هذا مقابل المشهور.
وقيل ابن ثمانية أشهر وهي رواية عن مالك، وقيل ابن عشرة أشهر وهو مروي عن ابن وهب.
وقال سحنون ابن ستة أشهر.
قال النفراوي فجملة الأقوال أربعة أرجحها أولها كما قررنا.
ثم أشار إلى ما تقدم من الثني في كل نوع فقال رحمه الله تعالى: " وثني المعز ما دخل في السنة الثانية، والبقر في الثالثة، والإبل في السادسة " قال ابن جزي: والجذع من البقر ابن سنتين والثني منها ما دخل في الثالثة وفاقاً لهما.
وقيل ابن أربع سنين اهـ. قال خليل بجذع ضأن، وثني معز وبقر وإبل ذي سنة، وثلاث، وخمس اهـ يعني بعد كمال كل سنة مما ذكر ودخول السنة التي تليها.
قال الخرشي: هو بيان لما يجزئ في الأضحية، وإن جذع الضأن وثني المعز ما أوفى سنة ودخل في الثانية دخولاً ما في جذع الضأن، بخلاف ثني المعز لابد من دخوله فيها بيناً كالشهر، وإن الثني من البقر هو ما أوفى ثلاثاً ودخل في السنة الرابعة، والثني من الإبل هو ما أوفى خمس سنين ودخل في السنة السادسة اهـ.
وعبارة صاحب العزية مثل الخرشي.
ولفظه: وأقل ما يجزئ في الضحايا من الأسنان الجذع من الضأن، والمعز وهو ابن سنة، والثني من البقر وهو ما دخل في السنة الرابعة، والثني من الإبل وهو ما دخل في السادسة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ووقتها المعلوم يوم النحر بعد صلاة الإمام وذبحه وثانيه وثالثه، لا ليلاً " قال في الرسالة: وليل الرجل ذبح أضحيته بيده بعد ذبح الإمام أو نحره يوم النحر ضحوة، ومن ذبح قبل أن يذبح الإمام أو ينحر أعاد أضحيته، ومن لا إمام لهم فليتحروا صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه، ومن ضحى بليل أو أهدى لم يجزه.
وأيام النحر ثلاثة يذبح فيها أو ينحر إلى غروب الشمس من آخرها.
وأفضل أيام النحر أولها ومن فاته الذبح في اليوم الأول إلى الزوال فقد قال بعض أهل العلم يستحب له أن
الجزء: 2 - الصفحة: 39
يصبر إلى ضحى اليوم الثاني اهـ. قال ابن جزي: يذبح الإمام بالمصلى بعد الصلاة ليراه الناس فيذبحوا بعده، فلا تجزئ من ذبح قبل الصلاة ولا قبل ذبح الإمام بعد الصلاة.
وعند الشافعي بعد مقدار الصلاة سواء صلى الإمام وذبح أم لا اهـ. وقال الدردير في أقرب المسالك: من ذبح الإمام بعد صلاته والخطبة لآخر الثالث، فلا تجزئ إن سبقه إلا إذا لم يبرزها تحرى، فإن توانى بلا عذر انتظر قدره وله فلقرب الزوال.
ومن لا إمام له تحرى أقرب إمام له تحرى أقرب إمام.
والانتظار بقدر ذبح الإمام شرط في صحة الأضحية.
وأما الانتظار لقرب الزوال فمندوب اهـ. مع إيضاح.
ثم ذكر العيوب المانعة.
قال رحمه الله تعالى: " يجتنب فيها العيوب الفاحشة كالعمى والعور والمرض والعجف والعرج وقطع أكثر الأذن وكسر القرن إن كان يدمي " قال الدردير: فالسلامة من جميع ما ذكر شرط صحة.
وفي الرسالة: ولا يجوز في شيء من ذلك عوراء ولا مريض، ولا العرجاء البين ضلعها، ولا
العجفاء التي لا شحم فيها، ويتقي فيها العيب كله، ولا المشقوقة الأذن إلا أن يكون يسيراً، وكذلك القطع ومكسورة القرن إن كان يدمي فلا يجوز، وإن لم يدم فذلك جائز اهـ. انظر فواكه الدواني للنفراوي.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يجوز الاشتراك فيها بخلاف رب المنزل يضحي عنه وعن أهله واحدة غير مشتركين في ثمنها " قال الدردير: وشرطها النهار بطلوع الفجر في غير الأول، وإسلام ذابحها، والسلامة من الشرك إلا في الأجر قبل الذبح، وإن أكثر من سبعة إن قرب له وأنفق عليه ولو تبرعاً، إن سكن معه فتسقط عن المشترك.
فتحصل أن شروط الاشتراك في الضحية ثلاثة: أن يكون قريباً له كابنه وأخيه وابن عمه، ويلحق به الزوجة، وأن يكون في نفقته، وأن يكون ساكناً معه بدار واحدة سواء كانت النفقة غير واجبة كالأخ وابن العم أو واجبة كأب وابن فقيرين كما هو ظاهر
الجزء: 2 - الصفحة: 40
النقول اهـ. قال الصاوي عليه: فإن اختل شرط منها فلا تجزئ عن المشرك بالكسر ولا عن المشرك بالفتح اهـ. ونقل الحطاب عن المدونة: ولو اشترى أضحيته عن نفسه ثم نوى أن يشترك فيها أهل بيته جاز ذلك بخلاف الهدي، وعن سحنون أنه قال: ليس على الرجل أن يضحي عن زوجته، وإنما هي سنة لا ينبغي له تركها، فإن أدخل زوجته في أضحيته أجزأها وإلا كان عليها أن تضحي عن نفسها اهـ. وفي المواق: قال مالك وليس على الرجل أن يضحي عن زوجته إلا أن يشاء بخلاف الفطرة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويستحب مباشرة ذبحها " وتقدم قول صاحب الرسالة وليل الرجل ذبح أضحيته بيده.
وفي أقرب المسالك عاطفاً على المندوبات: وذبحها بيده، وكره نيابة بغير ضرورة وأجزأت، وإن نوى عن نفسه كذبح كقريب اعتاده.
قال ابن جزي: الأول أن يتولى ذبح أضحيته بيده، فإن لم يمكنه فليوكل على الذبح مسلماً مصلياً وينوي هو لنفسه، فإن نوى الوكيل عن صاحبها جاز وإن نوى عن نفسه جاز خلافاً لأشهب، فإن ذبحها تارك الصلاة استحب إعادتها اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويأكل ويتصدق بغير حد " يعني يستحب للمضحي أن يأكل من أضحيته غير شيء محدود وأن يتصدق للفقراء ويهدي للأغنياء والجيران.
قال ابن جزي: الأفضل أن يأكل من الأضحية ويتصدق، فلو اقتصر على أحدهما أجزأ على كراهة اهـ. ومثله في الرسالة وغيرها.
قال رحمه الله تعالى:
" ولا يجوز بيع شيء ولا يستأجر به جزاراً ولا دباغاً " قال في الرسالة: ولا يباع من الأضحية والعقيقة والنسك لحم ولا جلد ولا ودك ولا عصب ولا غير ذلك.
قال خليل: ومنع البيع وإن ذبح قبل الإمام أو تعيبت حالة الذبح أو قبله، أو
ذبح معيباً جهلاً، ومثل الضحية الهدي والفدية والعقيقة.
واعلم أن بيع هذه المذكورات غير جائز إلا المتصدق أو الموهوب له فيجوز لهما بيع ما تصدق أو وهب لهما، ولو علم ربها بذلك،
الجزء: 2 - الصفحة: 41
وأما إن وقع البيع من ربها أو إبدال فسخ، فإن فات وجب التصدق بالعوض، فإن فات العوض فإنه يتصدق بمثله وجوباً اهـ قوله: ولا يستأجر به إلخ قال ابن جزي: ولا يعطى الجزار أجرته من لحمها ولا جلدها ولا الدباغ على دبغها بعض جلودها.
وإذا وهبت أو تصدق بها فهل للمعطي أن يبيعه قولان اهـ.
وقد علمت مما تقدم أن البيع لهما جائز فتنبه.
ولما أنهى الكلام على الأضحية انتقل يتكلم على العقيقة وأحكامها فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في العقيقة وما يفعل للمولود يومَ سابعه
أي في بيان العقيقة وما يتعلق بها من أحوال المولود.
قال رحمه الله تعالى: " العقيقة ذبح شاة عن المولود سابع ولادته " قال مالك في المدونة: والعقيقة مستحبة لم يزل من عمل المسلمين، وليست بواجبة ولا سنة لازمة، ولكن يستحب العمل بها.
وقد عق عن حسن وحسين ابني فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وليس يجزئ فيها من الذبائح إلا ما يجزئ في الضحية، فلا يجزئ فيها عوراء ولا عرجاء ولا جرباء ولا مكسورة ولا ناقصة ولا يجز صوفها، ولا يبيع جلدها ولا شيئاً من لحمها ويتصدق منها.
وسبيل العقيقة في جميع وجوهها ووقت ذبحها وقت ذبح الضحية ضحى في اليوم السابع من مولد الصبي الذكر والأنثى فيه سواء، يعق عن كل واحد بشاة شاة.
وقد سئل عن الرجل يولد له الولدان في بطن واحد أيعق عنهما بشاة واحدة؟ فقال بل شاة شاة عن كل واحد منهما اهـ. قال ابن رشد في المقدمات: وهي سنة من سنن الإسلام، وشرع من شرائعه إلا أنها ليست بواجبة عند مالك وجميع أصحابه: وهي عندهم من السنن التي الأخذ بها فضيلة وتركها غير خطيئة.
ثم قال: العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم سابعه.
وأفضل ما يعق به الضأن ثم المعز إلى آخر ما تقدم
الجزء: 2 - الصفحة: 42
في الضحايا.
قال عطاء: ويعق عنه يوم سابعه، ولا يحسب في السبعة الأيام اليوم الذي ولد فيه إن سبق الفجر بأن طلع قبل الولادة ولو بزمن يسير جداً، فإن ولد مع الفجر حسب يومها، ومفهوم قوله يوم سابعه أنه لا يعق عنه قبل يوم السابع ولا بعده في سابع الثاني أو الثالث كما في التتائي على الرسالة، وهو كذلك فيما قبله وعلى المشهور فيما بعد.
قال الدردير في أقرب المسالك: وتسقط بغروبه أي يوم السابع كما تسقط الأضحية
بغروب اليوم الثالث.
ومثله في شرح الرسالة.
وروي ابن وهب عن مالك.
أنه إن لم يعق عنه يوم سابعه عق عنه يوم السابع الثاني.
فإن لم يفعل عق عنه في الثالث، فإن جاوز ذلك فقد فات موضع العقيقة.
وفي الصاوي: وقيل لا تفوت بفوات الأسبوع الأول بل تفعل يوم الأسبوع الثاني، فإن لم تفعل ففي الأسبوع الثالث ولا تفعل بعده.
وعند الشافعية لا تسقط أصلاً فإن لم يفعلها أبوه طولب بها هو بعد البلوغ اهـ وكل ذلك بشرط حياته، وأما إن مات الولد قبل اليوم السابع أو في يوم السابع مع طلوع الفجر لم يعق عنه، وإن مات بعد الفجر وقبل الذبح فإنه يعق عنه.
قال العدوي: ظاهره أنه متى ما بقي حياً للسابع يعق عنه ولو مات قبل العق، وليس كذلك فقد نقل عن مالك أنه لا يعق عنه.
قال ابن ناجي: وهو ظاهر المدونة اهـ وتكون العقيقة من مال الأب على المشهور.
قال رحمه الله تعالى: " والأفضل عن الذكر بشاتين " أخذ المصنف بظاهر هذا الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم " من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل، عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة " وأخذ مالك من فعله صلى الله عليه وسلم من أنه عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً.
وتقدم ما في المدونة من قول مالك: إن الذكر والأنثى فيه سواء يعق عن كل واحد بشاة شاة.
قال رحمه الله تعالى: " ويستحب حلق شعره والتصدق بزنته ذهباً أو فضة " يعني كما قال عطاء: يبدأ بالحلق قبل الذبح، فإذا حلق شعر رأسه يندب التصدق بوزنه
الجزء: 2 - الصفحة: 43
ذهباً أو فضة بقدر الطاقة.
ثم يعق عنه ويسميه بأحسن اسم كعبد الله أو أحمد أو محمد نحو ذلك.
ويبارك فيه أهل الفضل والصلاح.
قال في الرسالة: وإن حلق شعر رأس المولود وتصدق بوزنه من ذهب أو فضة فذلك مستحب.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يلطخ بدمها " أي يكره أن يلطخ رأس المولود بشيء من دم العقيقة لأن ذلك من فعل الجاهلية، ويستحب أن يلطخ رأسه بكزعفران.
قال الدردير: وجاز تلطيخه بخلوق.
أي طيب بدلاً عن الدم الذي كانت تفعله الجاهلية اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز كسر عظامها " وقيل يندب لأن فيه مخالفة للجاهلية في امتناعهم من كسر عظامها مخافة ما يصيب المولود وتقطيعها من المفاصل فجاء الإسلام بخلاف ذلك اهـ الإكليل.
وفي المواق نقلاً عن الموطأ: العقيقة بمنزلة الضحايا، وتكسر عظامها ولا يمس الصبي بشيء من دمها.
قال عبد الوهاب: ليس كسر عظامها بمسنون إنما هو جائز.
قالت عائشة وعطاء وابن
جريج: لا يكسر لها عظم.
وروى في الحديث: " من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى رفعت عنه أم الصبيان " اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وهي كالأضحية فيما يجوز ويمتنع " وتقدم أن الأضحية يأكلها ربها ويتصدق، وكذلك العقيقة، ويجوز الادخار وله أن يطعم الغني والفقير كيف شاء إلا أنه يمنع عليه البيع ودفعها إجارة للجزار وغيره ويكره عملها وليمة بأن يجمع عليها الناس كوليمة العرس لمخالفة السلف.
وسبيل العقيقة كالأضحية إلا ما يخصها بعينه فتخص ببيانه.
والله أعلم.
ولما أنهى الكلام على العقيقة انتقل يتكلم على أحكام الصيد وبيان ما يباح منه وما لا يباح.
فقال رحمه الله تعالى:
الجزء: 2 - الصفحة: 44
فَصْلٌ
في بيان الصيد وما يتعلق به من الأحكام
قال الزرقاني على الموطأ: أصل الصيد مصدر ثم أطلق على الصيد كقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ ﴿المائدة: 96﴾. و ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ ﴿المائدة: 95﴾ والمراد في هذه الترجمة أحكام الصيد الذي هو المصدر اهـ. وقد ثبت جواز أكل الصيد بالكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم وأذكروا أسم الله عليه﴾ ﴿المائدة: 4﴾. وقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ ﴿المائدة: 2﴾ فالأمر في الآية الكريمة يفيد حل الصيد.
وأما السنة فكثيرة منها ما رواه البخاري ومسلم " أن أبا ثعلبة قال قلت يا رسول الله أنا بأرض صيد أصيد بقوسي أو بكلبي الذي ليس بمعلم أو بكلبي المعلم فما يصلح لي؟ " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل.
وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل " وأما الإجماع.
فقد أجمع المسلمون على حل أكل الصيد بالشرائط الآتية اهـ فقه المذاهب.
قال رحمه الله تعالى: " يباح الاصطياد بالسلاح المحدد " يعني يباح الاصطياد بأي شيء محدد إلا السن والظفر، سواء كان المحدد سلاحاً أو غيره فقد عقد ابن جزي فصلاً في الآلة التي يذكي بها فقال: وهي كل محدد يمكن به إنفاذ المقاتل وإنهار الدم، سواء كان من حديد أو عظم أو عود أو قصب أو حجر له حد أو زجاج إلا أنه يكره غير الحديد من غير حاجة، وتؤكل.
وأما السن والظفر ففيهما ثلاثة أقوال، انظر القوانين اهـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 45
قال رحمه الله تعالى: " والجوارح المكلبة وهي المطيعة بالإغراء الممتنعة بالزجر فيؤكل ما أنفذت مقاتله وإن أكلت منه إذا كانت مرسلة إليه " الجوارح معطوف على السلاح، والمعنى يباح الاصطياد بالسلاح المحدد، وبالجوارح المكلبة، وهي الكواسب التي ترسل إلى الصيد سواء من الحيوان كالكلب، أو من الطير كالباز تمسكه وتكنعه عن الجرى العادى المعلم منها هي التي يؤكل صيدها التي إذا أرسلت أطاعت وإذا زجرت انزجرت، ولو كانت من جنس ما لا يقبل التعليم عادة كالنمر.
قال الصاوي: واعلم أن عصيان المعلم مرة لا يخرجه عن كونه معلماً، كما لا يكون معلماً بطاعته مرة، بل المرجع في ذلك للعرف اهـ. فإذا قتل الجارح المعلم الصيد فإنه يباح لك أكل جميع ما أنفذ مقتله إذا أرسلته فمات قبل قدرتك على ذكاته سواء من الحيوانات أو من الطيور بالشروط المعتبرة في الصيد والصائد.
قال الدردير عاطفاً على الذبح: وعقر وهو جرح مسلم مميز وحشياً غير مقدور عليه إلا بعسر لا كافر ولو كتابياً، ولا إنسياً شرد أو تردى بحفرة، بمحدد، أو حيوان علم من طير أو غيره فمات قبل إدراكه، إن أرسله من يده أو من يد غلامه، ولم يشتغل بغيره قبله، وأدماه ولو بأذن، وعلمه من المباح، وإن لم يعلم نوعه منه، وإن تعدد مصيده إن نوى الجميع وإلا فما نواه إن صاده أولاً، لا إن تردد في حرمته أو في المبيح إن شاركه غير ككلب كافر أو غير معلم أو تراخى في إتباعه إلا أن يتحقق أنه لا يلحقه، أو حمل الآلة مع غيره أو بخرجه، أو بات أو صدمه أو عضه بلا جرح، أو اضطرب فأرسله بلا رؤية اهـ.
قال في الرسالة: وكل ما قتله كلبك المعلم أو باز المعلم فجائز أكله إذا أرسلته عليه.
وكذلك ما أنفذت الجوارح مقاتله قبل قدرتك على ذكاته وما أدركته قبل إنفاذها لمقاتله لم يؤكل إلا بذكاة وكل ما صدته بسهمك أو رمحك فكله، فإن أدركت ذكاته فذكه،
الجزء: 2 - الصفحة: 46
وإن فات بنفسه فكله إذا قتله سهمك ما لم يبت عندك.
وقير إنما ذلك فيما بات عندك مما قتلته الجوارح، وأما السهم يوجد في مقاتله فلا بأس بأكله اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويشترط التسمية عند الرمي والإرسال فإن أسترسل بنفسه فأنفذ مقاتله لم يجز أكله إلا أن يدركه مستقر الحياة فيذكيه " قال في الرسالة: وليقل الذابح باسم الله والله أكبر، وإن زاد في الأضحية ربنا تقبل منا فلا بأس بذلك.
ومن نسي التسمية في ذبح أضحية أو غيرها فإنها تؤكل، وإن تعمد ترك التسمية لم تؤكل، وكذلك عند إرسال الجوارح على الصيد اهـ. وفي المدونة: قال
ابن القاسم: ومن ترك التسمية عمداً على الذبيحة لم أر أن تؤكل الذبيحة، وهو قول مالك.
قال والصيد عندي مثله اهـ. قال ابن جزي من شروط الصائد أن يسمي الله تعالى عند الإرسال أو الرمي، كما يسمي الذابح عند الذبح.
فقد قال مالك في الكلب يرى الصيد فيخرج فيعدو في طلبه ثم يشليه صاحبه فينشلي أنه لا يؤكل لأنه خرج بغير إرسال صاحبه اهـ. قال في المدونة: هذا إن أنفذ الكلب مقاتله، وإن لم ينفذ مقاتله وأدركه حياً وجب أن يذكيه.
ثم شبه بما إذا أدرك فيها حياة مستقرة فلا تؤكل إلا بذكاة.
فقال رحمه الله تعالى: " كصيد الشرك والحبالة والبندق وقبضة اليد وصيد مجوسي أو غير معلم أو متروك التسمية أو مرسل على معين صاد غيره أو انحرف عنه إلى ميتة ثم صاده " وهذه الجملة فيها تسع مسائل، وكلها لا تؤكل إلا بذكاة كما في الأصول وتقدم بعضها، وكل مسألة منها لها ترجمة تخصها بالبيان في محلها.
قال الدردير على أقرب المسالك: والمراد بالبندق أي البرام الذي يرمى بالقوس فلا يؤكل صيده إذا مات به أو أنفذ مقتله، وأما صيده بالرصاص فيؤكل به لأنه أقوى من السلاح كما أفتى به بعض
الجزء: 2 - الصفحة: 47
الفضلاء واعتمده بعضهم اهـ. قال في حاشية الصاوي عليه: حاصله ببندق الرصاص لم يوجد فيه نص للمتقدمين لحدوث الرمي به بحدوث البارود في وسط المائة الثامنة، واختلف فيه المتأخرون: منهم من قال بالمنع قياساً على بندق الطين، ومنهم من قال بالجواز كأبي عبد الله القروي وابن غازي وسيدي عبد الرحمن الفاسي لما فيه من إنهار الدم والإجهاز بسرعة الذي شرعت الذكاة لأجله.
ثم إن محل الاحتراز عن العصا وبندق الطين إذا لم يؤخذ الصيد حياً غير منفوذ المقتل وإلا ذكي وأكل قولاً واحداً.
وأما إذا أخذ منفوذ المقاتل فلا يؤكل عندنا ولو أدرك حياً وذكي.
وعند الحنفية ما أدرك حياً ولو منفوذ جميع المقاتل وذكي يؤكل فلا خلاف بيننا وبينهم في عدم أكل ما مات ببندق الطين وفي أكل الذي لم ينفذ مقتله حيث أدرك حياً وذكي، وإنما الخلاف فيما أدرك حياً منفوذ المقتل وذكي فعندهم يؤكل وعندنا لا اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وما أنفذت الرمية مقاتله فتردى أو سقط في ماء أو غاب ثم وجده جاز أكله " يعني كما في الموطأ عن مالك أنه سمع أهل العلم يقولون: إذا أصاب الرجل الصيد فأعانه عليه غيره من ماء أو كلب غير معلم لم يؤكل ذلك الصيد إلا أن يكون سهم الرامي قد قتله أو بلغ مقاتل الصيد حتى لا يشك أحد في أنه هو الذي قتله وأنه لا يكون للصيد حياة بعده اهـ. قال الزرقاني:
فيؤكل لتحقق الإباحة.
قال وسمعت مالكاً يقول: لا بأس بأكل الصيد وإن غاب عنك مصرعه إذا وجدت به أثراً من كلبك أو كان به سهمك ما لم يبت، فإذا بات فإنه يكره أكله اهـ. قال الزرقاني: كراهة تحريم على المشهور.
قال ابن جزي ولو فات عنه الصيد ثم وجده غداً منفوذ المقاتل لم يؤكل في المشهور.
وقيل يؤكل.
وقيل يكره.
فلو رماه فوقع في ماء أو تردى من جبل لم يؤكل إذ لعل موته من الغرق، أو التردى إلا أن يكون سهمه قد أنفذ مقاتله قبل ذلك فلا يضره الغرق أو التردى اهـ. قلت وما ذكره الدردير وغيره من عدم الأكل للشك
الجزء: 2 - الصفحة: 48
في المبيح، وأما بعد تحقق إنفاذ المقتل وقبل وقوعه في الماء فأكله جائز كما في الخرشي.
انظر فقه المذاهب الأربعة.
قال رحمه الله تعالى: " ومشاركة كلب مجوسي أو غير معلم " يعني من جملة المسائل التي لا يؤكل فيها الصيد إلا بذكاة المشاركة المذكورة إذا لم يتحقق قاتل الصيد وإلا فلا إشكال في أكله أو عدم أكله، ولذا قال رحمه الله تعالى: " فإن تيقن انفراد كلبه بقتله حل وإلا فلا " وفي القوانين: من شروط الصائد أن لا يشاركه في العقر ما ليس عقره ذكاة كغير المعلم فإن تيقن أن المعلم هو المنفرد بالعقر أكل وإن تيقن خلاف ذلك أو شك لم يؤكل، وإن غلب على ظنه أنه القاتل ففيه خلاف، وإن أدركه غير منفوذ المقاتل فذكاه أكل مطلقاً اهـ قال المواق نقلاً عن اللخمي: وأما إن لم يتحقق المبيح في شركة كلب مجوسي كما إذا أرسل مسلم ومجوسي كلبيهما على صيد فتعاونا أو لم يتعاونا فلم يدر أيهما سبق إليه فقتله فإنه لا يؤكل، وإن علم أن كلب المسلم قتله ولم يمسكه كلب المجوسي أكل، وإن كان بعد إمساكه لم يؤكل، وإن صاد المسلم بكلب المجوسي أكل، وإن صاد المجوسي بكلب المسلم لم يؤكل وذلك عند مالك بمنزلة ما لو ذبح أحدهما بسكين الآخر اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولو أرسل على صيود فقتل أحدهما أو في غار لا منفذ له لا يعلم فيه صيداً أو على نوع فإذا هو غيره جاز أكله " قال خليل يبالغ في جواز أكله: ولو تعدد مصيده أو أكل أو لم ير بغار أو غيضة، أو لم يظن نوعه من المباح، أو ظهر خلافه اهـ. وفي المدونة: وإن أرسل كلبه أو بازه على جماعة من وحش أو طير ونوى ما أخذ منها ولم يخص شيئاً منها أو على جماعتين ونوى ما أخذ منهما جميعاً فليأكل ما أمسك عليه من ذلك كله مما قل عدده أو كثر، وقوله أو في غار إلخ قال الخرشي: يعني أن المشهور عدم اشتراط رؤية ما إذا كان الصيد في الغار، فإذا أرسل الكلب أو الجارح
الجزء: 2 - الصفحة: 49
على صيد في غار أو غيطة، أو كان وراء
أكمة ونوى إن وجد صيداً داخل ذلك فإنه إذا وجده وأخذه وقتله فإنه يؤكل على المشهور لأن ما في ذلك كالمعين لأنه محصور، وقوله أو على نوع فإذا هو غيره، قال الخرشي: صورتها أرسل كلبه أو جارحه أو سهمه على صيد وهو يعلم أنه غير محرم الأكل إلا أنه لم يعلم جنسه من أي الأجناس المباحة الأكل ولا تحققه بل تردد فيه هل هو بقر أو حمار وحش أو نحو ذلك، فإذا أخذ صيداً وقتله فإنه يجوز أكله إذ لا يشترط في جواز أكله أن يعلم جنسه من المباح حين الإرسال عليه.
هذا في محل محصور كالغار وإلا فالرؤية شرط إرسال الجارح كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى: " ولو ظنه غير مأكول فإذا هو مأكول لم يحل " يعني إذا رمى الصيد أو أرسل عليه الكلب وهو يظنه غير مأكول كالخنزير مثلاً فإذا هو غزال وقد أنفذ مقتله فلا يجوز له أكله ولو ذكي.
قال ابن جزي: من شروط الصيد أن يكون جائز الأكل فإن الحرام لا يؤثر فيه الصيد ولا الذكاة اهـ. وفي المدونة عن مالك: من رمى صيداً بسكين فقطع رأسه أكله إن نوى اصطياده وإن لم ينو اصطياده لم يؤكل، وكذلك لو رمى صيداً وهو يظنه سبعاً، أو خنزيراً فأصاب ظبياً لم يؤكل لأنه حين رماه لم يرد صيده فلا يأكله اهـ. ومثله في المواق.
قال رحمه الله تعالى: " ومشاركة الجوارح توجب شركة أربابها " يعني إذا أرسل المسلم كلبه المعلم وأرسل الآخر مثله على صيد واحد فقتلاه صارا شريكين.
قال الحطاب: فأما لو أرسل صائد آخر فاشترك الكلبان فيه فإنه للصائدين يكونان شريكين، فلو أنفذ أحد الكلبين مقاتله ثم جاء الآخر فهو للذي أنفذ مقاتله اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وإذا أفلت صيد ولحق بالصيد فصاده آخر فهو له وإلا فهو للأول " قال خليل: وإن ند ولو من مشتر فللثاني لا إن تأنس أي عند الأول فله ولم يتوحش أي بعد ندوده، فإن توحش فللثاني.
قال الخرشي: يعني أن الصيد إذا
الجزء: 2 - الصفحة: 50
كان قد تأنس عند الأول ولم يتوحش فأخذه الثاني فإنه لا يكون له ويكون للأول ويغرم الثاني أجرة تعبه ونفقته في تحصيله اهـ. وعبارة الحطاب: قال في المدونة: ومن صاد طائراً في رجليه ساقان، أو ظبياً في أذنيه قرطان أو في عنقه قلادة عرف بذلك ثم ينظر فإن كان هروبه ليس هروب انقطاع ولا توحش رده وما وجد عليه لربه، وإن كان هروبه هروب انقطاع وتوحش فالصيد خاصة لصائده دون ما عليه اهـ. ولما أنهى الكلام على الصيد وما يتعلق به انتقل يتكلم على أحكام الذبح والنحر وكيفيتهما وما يتعلق بجميع ذلك، فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في الذبح
أي في بيان ما يتعلق بالذبح والنحر وكيفيتهما وبيان موضعهما من الحيوان، وشروط الذبح والذابح والذبيحة وغير ذلك مما سنقف عليه إن شاء الله تعالى.
قال رحمه الله: " تنحر الإبل ويذبح ما سواه مجهزاً عليها " هذا شروع منه في بيان ما يذبح من الحيوان وما ينحر منها.
أما النحر وهو طعن المسلم المميز بمحدد بلبة إبل أو زرافة ويجوز في بقر بكره.
واللبة بفتح اللام وهي النقرة التي فوق الترقوة وتحت الرقبة، ويكون ذلك بلا رفع يد قبل التمام، ولا يضر يسير فصل ولو كان اختياراً، فلا يشترط فيه قطع الحلقوم والودجين بخلاف الذبح اهـ الدردير.
وأما الذبح قال في الرسالة: والذكاة قطع الحلقوم والأوداج ولا يجزئ أقل من ذلك، وإن رفع يده بعد قطع بعض ذلك ثم أعاد فأجهز فلا تؤكل اهـ وإليه أشار رحمه الله تعالى: " فلو رفع المدية قبل تمامها ثم أعاد فأتمها لم تؤكل على المشهور " قال الشرنوبي: هذا إذا تراخى.
وأما إذا أعاد بلا مهلة فإنها تؤكل رفع اختياراً أو اضطراراً، والطول بالعرف.
ويجوز أن يكون المتمم غير الأول لكن يلزمه النية والتسمية.
ومحل هذا التفصيل إن كانت لو تركت لم تعش.
وأما إذا لم تنفذ
الجزء: 2 - الصفحة: 51
مقاتلها بحيث لو تركت عاشت فإنها تؤكل ولو مع التراخي لأن الثانية ذكاة مستقلة فلابد فيها من النية والتسمية حيث كان المتمم غير الأول مطلقاً أو الأول في حالة البعد.
واعتمد العلامة العدوي الأكل فيما إذا وضع شخص آلة الذبح على ودج وآخر على الآخر وقطعا الودجين والحلقوم جميعاً.
هذه هي المسألة المشتركة في الذبح، ولابد من النية والتسمية من كل وإلا فلا تؤكل اهـ مع إيضاح.
قال رحمه الله تعالى: " ولو ذبح البعير ونحر غيره لضرورة تبيحه ولغير ضرورة تحرمه على المشهور " قال ابن جزي في القوانين: فإن ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح من غير ضرورة لم تؤكل.
وقيل تؤكل وفاقاً لهما.
وقيل يكره.
وقيل إن ذبح ما ينحر أكل بخلاف العكس اهـ. قال في الرسالة: والبقر تذبح فإن نحرت أكلت، والإبل تنحر فإن ذبحت لم تؤكل.
وقد اختلف في أكلها.
والغنم تذبح فإن نحرت لم تؤكل.
وقد اختلف أيضاً في ذلك.
قلت كل ذلك في حال الاختيار، وأما في حالة الضرورة فإنه يؤكل.
قال النفراوي وقيدنا باختيار للاحتراز عن حالة الضرورة فإنه يجوز ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح.
قال فتلخص أن الإبل تنحر والغنم وما شابهها تذبح، والبقر يجوز فيها الأمران.
قال خليل عاطفاً على الواجب: ونحر إبل وذبح غيره إن قدر وجاز للضرورة إلا البقر فيندب الذبح.
ومن الضرورة وقوع الجمل في مهواة بحيث لا يتوصل إلى محل النحر، ووقوع الغنم في مهواة بحيث
لا يتمكن من ذبحها.
ومن الضرورة عدم الآلة على ما جزم به بعضهم اهـ.
ثم شبه في عدم الأكل بغير ضرورة وجوازه معها فقال رحمه الله تعالى: " كتعمد ترك التسمية " يعني أن من ترك التسمية عمداً في الذبح أو النحر، أو عند إرسال الجوارح على الصيد، أو عند الرمي لم يؤكل ومع الضرورة فإنها تؤكل.
وتقدم في الصيد قول صاحب الرسالة أنه قال: ومن نسي التسمية في ذبح أضحية أو غيرها فإنها تؤكل، وإن تعمد ترك التسمية لم تؤكل وكذلك عند إرسال الجوارح اهـ قال رحمه الله تعالى: وذكاة الجنين ذكاة أمة
الجزء: 2 - الصفحة: 52
بشرط تمام خلقه ونبات شعره وعدم انفصاله حياً " وفي الحديث عن عبد الله بن عمر مرفوعاً قال: " إذا نحرت الناقة فذكاة ما في بطنها في ذكاتها إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره " فإذا خرج من بطن أمه ذبح حتى يخرج الدم من جوفه.
وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: ذكاة ما في بطن الذبيحة في ذكاة أمه إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره اهـ رواهما الإمام في الموطأ.
وفي الرسالة: وذكاة ما في البطن ذكاة أمه إذا تم خلقه ونبت شعره اهـ قال ابن جزي في القوانين: المسألة الرابعة في ذكاة الجنين، وله أربع أحوال: الأولى أن تلقيه ميتاً قبل تذكيتها فلا يؤكل إجماعاً.
الثانية أن تلقيه حياً قبل تذكيتها فلا يؤكل إلا أن يذكى وهو مستقر الحياة.
الثالثة أن تلقيه ميتاً بعد تذكيتها فهو حلال وذكاته ذكاة أمه خلافاً لأبي حنيفة.
ويشترط أن يكون قد كمل خلقه ونبت شعره خلافاً للشافعي.
الرابعة أن تلقيه حياً بعد ذكاتها فإن أدركت ذكاته ذكى، وإن لم تدرك فقيل هو ميتة وقيل ذكاته ذكاة أمه اهـ. ثم قال: فرع في البيض إذا سلق فوجد فيه فرخ ميت لم يؤكل، وإذا أخرجت بيضة من دجاجة ميت لم تؤكل.
وقال ابن نافع تؤكل إذا اشتدت كما لو ألقيت في نجاسة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والمنخنقة والموقوذة وما ذكر معهما إن أدركت مستقرة الحياة فذكيت أكلت وإلا فالمشهور الحرمة " يعني أن المذكورة في الآية هي خمسة أشياء: الأولى المنخنقة بحبل ونحوه.
والثانية الموقوذة بعصا أو حجر وشبهها.
الثالثة المتردية أي الساقطة من علو إلى أسفل.
الرابعة النطيحة أي التي نطحتها أخرى.
الخامسة أكيلة السبع ونحوه.
فإن أدركت واحدة منها مستقرة الحياة وذكيت قبل إنفاذ مقتلها أكلت وإلا فالمشهور عند مالك الحرمة.
هذا لقول الله تعالى عاطفاً على التحريم: " والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم " قال الحافظ السيوطي أي أدركتم فيه الروح من هذه الأشياء فذبحتموه اهـ. قال الصاوي
الجزء: 2 - الصفحة: 53
أي مع بقاء الحياة المستقرة بحيث يتحرك بالاختيار، أو يبصر بالاختيار ولو نفذت مقاتله.
وهذا مذهب الشافعي.
ومذهب مالك لا بد
من استقرار الحياة مع عدم إنفاذ المقاتل.
فما أدرك بذكاة وهو مستقر الحياة وكان قبل إنفاذ مقتاه أكل وإلا فلا يؤكل ولو ثبتت له حياة مستقرة.
والمقاتل هي قطع النخاع، ونثر الدماغ، وفري الودج، وثقب المصران، ونثر الحشوة.
وفي شق الودج قولان.
والاستثناء راجع للمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، وهو متصل على كلا المذهبين مع مراعاة الشرط المتقدم عند كل اهـ. وعلى أصل المذهب مشى صاحب الرسالة كغيره فقال: والمنخنقة بحبل ونحوه.
والموقوذة بعصا وشبهها.
والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع إن بلغ ذلك منها في هذه الوجوه مبلغاً لا تعيش معه لم يؤكل بذكاة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وندود المستأنس ولحوقه بالصيد لا يخرجه عن سنته " والمراد بالمستأنس كما في النفراوي بهيمة الأنعام وما شابهها من نحو الدجاج.
قال في الرسالة: ولا تؤكل الإنسية بما يؤكل به الصيد اهـ. أي من العقر وغيره.
قال خليل: لا نعم شرد أو تردى بكهوة، فلا يؤكل الفحل الجاموس إذا نفر، ولا الجمل الشارد، ومثل النعم الحيوان الوحشي إذا تأنس، أو صار مقدوراً عليه كالغزالة وبقر الوحش يصادان من غير جرح فلا يؤكل شيء منهما بالعقر، وإنما يؤكلان بما يؤكل به الحيوان الإنسي وهو الذبح اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " والمذكي كل مسلم يتعقل وتصح منه النية " والتسمية إن ذكر المسلم وقدر لا عند العجز والنسيان.
قال ابن رشد ستة في المذهب لا تجوز ذبائحهم وهم: الصغير الذي لا يعقل، والمجنون حال جنونه، والسكران الذي لا يعقل، والمجوسي، والمرتد، والزنديق.
وستة تكره، وهم: الصغير المميز، والمرأة،
الجزء: 2 - الصفحة: 54
والخنثى، والخصي، والأغلف، والفاسق.
وستة اختلف في ذبائحهم وهم: تارك الصلاة، والسكران الذي يخطئ ويصيب، والمبتدع المختلف في كفره، والنصراني العربي، والنصراني إذا ذبح المسلم بأمره، والعجمي يجيب إلى الإسلام قبل البلوغ اهـ. وقد عقد ابن جزي فصلاً في المذكي فقال: وهو على ثلاثة أصناف: صنف اتفق على جواز تذكيته وهو المسلم البالغ العاقل الذكر المصلي.
وصنف اتفق على تحريم تذكيته وهو المشرك من عبدة الأوثان.
وصنف اختلف فيه وهو عشرة: أهل الكتاب، والمجوس، والصابئون، والمرأة، والصبي، والمجنون، والسكران، وتارك الصلاة، والغاصب، والسارق.
قال رحمه الله تعالى: " وتجوز ذكاة الكتابي ما هو مباح لهم غير محرم علينا " قال ابن جزي: فأما أهل الكتاب من اليهود والنصارى رجالهم ونساؤهم فتجوز ذبائحهم على الجملة اتفاقاً واختلف منها في فروع أنظره في القوانين.
قال الدردير في أقرب المسالك: وشرط الكتابي أن يذبح ما يحل له بشرعنا، وأن لا يهل به لغير الله تعالى، ولو استحل الميتة فالشرط أن لا يغيب، لا تسميته.
وكره لنا إن ذبح ما حرم عليه بشرعه كذي الظفر، وكذا يكره لنا شراء ذبحه وجزارته، كبيع وإجارة لكصيده، وشحم يهودي وهو شحم رقيق يغشى الكرش والأمعاء، لا ما اختلط بعظم أو لحم، يعني يكره لنا أكله مع تحريمه عليهم لقوله تعالى: ﴿ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما﴾ ﴿الأنعام: 146﴾ ولم يحرمه علينا مع ثبوت تحريمه عليهم بكتابنا، لأنه جزء مذكى، والمذكى حلال لهم، فقد ذبح مستحله، لكن لحرمة شحمه عليه كره لنا أكله اهـ الإكليل مع تصرف.
قال: وكره ذبح لعيسى أو لصليب، وذكاة خنثى وخصي وفاسق سواء يذبح لنفسه أو لغيره، كان فسقه بالجارحة كتارك الصلاة أو بالاعتقاد كبدعي لم يكفر ببدعته اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والآلة كل محدد أنهر الدم إلا الظفر والسن " قد تقدم
الجزء: 2 - الصفحة: 55
الكلام في المحدد في الصيد ولا حاجة إلى إعادته هنا.
وأما الظفر والسن فلا يذبح بأحد منهما على الخلاف، لقوله عليه الصلاة والسلام: " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر " وأما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة اهـ. قال خليل: وفي جواز الذبح بالظفر والسن، أو إن انفصل أو بالعظم ومنعهما خلاف اهـ قال المواق: وأما السن والظفر المنهي عن التذكية بهما فهما المركبان في فم الإنسان وفي أصبعه، فإن كانا منزوعين فلا بأس بالذبح بهما إذا أمكن اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويستحب توجيه الذبيحة ونركها بعد الذبح حتى تبرد والله أعلم " يعني أنه يندب للذابح أن يتوجه إلى القبلة بذبيحته أو منحوره.
قال خليل عاطفاً على المندوبات: وضجع ذبح على أيسر وتوجيهه، أي إلى القبلة قال ابن القاسم في المدونة: من السنة توجيه الذبيحة إلى القبلة، فإن لم يفعل أكلت وبئس ما صنع ونهى مالك الجزارين يدورون حول الحفرة يذبحون حولها وأمرهم بتوجيهها إلى القبلة.
قال محمد - أي ابن المواز -: ترك توجيهها للقبلة سهواً عفو، وعمداً لا أحب أكلها.
وقال ابن حبيب: إن كان عمداً لا جهلاً لم تؤكل اهـ المواق.
قلت: والمشهور في المذهب الأكل
وإن كان ترك ذلك عمداً.
وأما قوله: وتركها بعد الذبح الخ فمستحب أيضاً ترك الذبيحة عن تقطيعها أو تسلخها أو نتفها حتى تبرد بخروج روحها.
قال ابن جزي عاطفاً في سنن الذبح: وأن يرفق بالبهيمة فلا يضرب بها الأرض.
ولا يجعل رجله على عنقها، ولا تجر برجلها، ولا تسلخ، ولا تنخع، ولا يقطع شيء منها حتى تموت.
والنخع هو قطع النخاع.
والله أعلم اهـ.
ولما أنهى الكلام على الذبح وما يتعلق به انتقل يتكلم على الأطعمة والأشربة وما يتعلق ببيان ذلك من الأحكام فيما يجوز من ذلك ويحرم.
فقال رحمه الله تعالى:
الجزء: 2 - الصفحة: 56