كتاب الحَجْرِ والصُّلْح والحَمَالة والحَوالة
يعي أن هذا الكتاب مشتمل على بيان ما يتعلَّق بأحكام الأشياء الأربعة وهي الحَجْرُ والصُّلْح والحَمَالة والحَوَالة، وفي كل منها أحكام ومسائلُ مستقلّة تتعلق بها، وستقف على جميع ذلك إن شاء الله تعالى فبدأ بما يتعلَّق بالحَجْرِ اهتمامًا بشأنه لأنه ضروري فقال رحمه الله تعالى: "يَحْجُرُ عَلَى الصَّغيرِ أَبُوهُ أَو وَصِيُّهُ أوِ الْحَاكِمُ" الحَجْرُ لغة المَنْع، وشَرْعًا صفة حُكمية توجِب مَنْعَ موصوفها من نفوذ تصرُّفه فيما زاد على قوته، كما توجب مَنْعَه من نفوذ تصرُّفه في تبرُّعه بزائد على ثُلُث مالِه.
ثم إن الولِيَّ الذي له حَقُّ الحَجْرِ والولاية هو الأبُ في وَلَدِهِ الصغير سواء كان ذكرًا أو أنثى.
ثم بعد الأبِ وصيُّه يقوم بولاية المحجور، ثم لِمَنُ أوْصَى به الوصِيّ؛ لأن وَصِيَّ الوَصِيَّ كالوَصِيّ، فإن لم يكن الأب كأن مات أو غاب غيبة بعيدة ولم يُوصٍ كانت الولاية في شؤون الصغير للحاكم الشرعي أو من يقوم مقامه في مصلحة الصغير، وإن لم يوجد حاكم شرعي فالولاية واجبة لجماعة المسلمين.
قال رحمه الله تعالى: "حَتَّى يَبْلُغَ أَوْ يُؤْنَسَ رُشْدُهُ بِإِصْلاَحِهِ الْمَالَ والأُنثَى مَدْخُولاً بها" يعني أن غاية الحَجْرِ في الصغير إلى بلوغه رشيدًا أو يؤنس رشده بإصلاح المال.
قال الدردير في أقرب المسالك: والصبي لبلوغه رشيدًا في ذي الأب، وفَكُّ الوصِيَّ والمقدَّم، وزيد في الأنثى دخول زوْج بها وشهادة العدول بحِفْظِها.
والحاصل أن الصبي إذا رشد بِحِفْظ مالهِ لا يحتاج إلى فَكَّ الحَجْرِ عنه من أبيه، بخلاف المقدَّم
الجزء: 3 - الصفحة: 3
والوَصِي فيحتاج بأن يقول للعدول: اشهدوا أني فَكَكْتُ الحَجْرَ عن فلان وأطْلَقت له التصرُّف لِما قام عندي من رُشدِهِ وحُسْنِ تصرُّفه، فتصرُّفه بعد الفَّ لازم لا يُرَدُّ ولا يحتاج لإذْن الحاكم في الفَكّ، وزِيد على البلوغ والرُشْد وفَكَّ الوصي والمقدَّم في الأنثى دخول زوج بها بالفعل وشهادة العدول بحِفْظِها مالَها، وإنَّما احتيج للإشهاد لأن شأن النساء الإسراف، فمدار الرُّشد عندنا على صَوْن المال فقط دون صَوْن الدّيْن اهـ. انظر حاشية الصاوي عليه.
قال رحمه الله تعالى: "ولا تُشْتَرَطُ العَدَالَةُ" المراد بالعدالة هنا حُسْن التصرُّف كما في حاشية الصاوي، وبعبارة أخرى: لا تُشْتَرَط العدالة في دعوى البلوغ وعدمها لأنها لا اعتبار بها هنا؛ لأنها تارة تُقْبَل وأخرى تُرَدّ.
قال العلاّمة الجزيري في فِقْهِ المذاهب: وإذا ادَّعى الصغير البلوغ أو عدمه فإن له حالتَيْن: الحالة الأولى أن يشكَّ في صِدْقِه، وفي هذه الحالة ثلاث صُوَر: الصورة الأولى أن يدَّعي البلوغ ليأخذ مالاً أو ليثُثبت عليه مالاً للغير، فالأول كأن يدَّعي البلوغ ليأخذ سَهْمَه في الجهاد، والثاني كأن يدَّعي عليه شخص بأنه أتلف له مالاً اوؤئمن عليه وأنه بالغ فأقرَّ بذلك وخالفه الولي.
وفي هذه الصورة لا تسمع دعواه مع الشكّ فيها.
الصورة الثانية أن يدَّعي البلوغ ليثبت طلاقه من امرأته، أو يدَّعي عدم البلوغ ليفرَّ من إثبات طلاقها، وفي هذه الصورة تُقْبَل دعواه إثباتًا ونَفْيًا.
الصورة الثالثة أن يدَّعي البلوغ ليفرّ من عقاب جناية ارتكبها، وفي هذه الصورة تُقْبَل دعواه مع الشكَّك في صِدْقِه، لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
أمَّا إذا ادَّعى البلوغ ليثبت على نفسه مع الشك في صِدْقِه، لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
أمَّا إذا ادَّعى البلوغ ليثبت على نفسه جناية فإنه لا يَصْدُق مع الشكّ لهذه العلة.
الحالة الثانية ألاَّ يُشَكّ في صِدْقه، وفي هذه الحالة تُقْبَل دعواه في الأموال أيضًا إثباتًا ونفيًا.
فإذا ادَّعى أنه بلغ ليأخذ سهمه في الجهاد أو ليأخذ مالاً مشروطًا ببلوغه أو نحو ذلك فإن دعواه تُقْبَلأ حيث لم يشك في صِدْقه،
الجزء: 3 - الصفحة: 4
وكذلك تُقْبَل في الأمور الدينية المتوقفة على البلوغ كالإمامة وتكملة عدد جماعة الجمعة.
قال رحمه اللَّه تعالى: "وَاْبُلُوغُ بالإِنْباتِ أَوْ بُلُوغ ثَمَانِي عَشرَةَ سَنة.
وقال ابْنُ وهْبٍ: خَمْسً عَشَرَةَ وَيُزَادُ في الأُنْثني الْحَيْضُ والْحَمْلُ" يعني أن علامة البلوغ تكون بالأشياء المعلومة، منها خروج المني من الذَّكَر يقظة أو منامًا، ومنها ظهور الحَمْل والحيض في الأنثى.
ومنها بلوغ ثماني عشرة سنة على المشهور، وقيل خمس عشرة وهو قول ابن وهب، لحديث ابن عمر، وهو مشهور مذهب الشافعي.
ومنها إنبات شعر العانة الخشن غير الزغب؛ فإنه ليس بلعامة البلوغ، ومتى نَبَتَ شعر العانة الخشن كان ذلك علامة على التكليف بالنسبة لحقوق الله تعالى من صلاة وصوم ونحوهما، وحقوق عباد اللَّه على التحقيق.
ومنها نَتَنُ الإبط.
ومنها فرق أرنبة الأنف.
وأمَّا إنبات شعر اللحية والشارب فإنهما ليسا بعلامة، فقد يبلغ الإنسان قبل أن ينبت له شيئ من ذلك بزمن طويل.
ومنها غِلْظُ
الصوت قال المأزري: البلوغ هو قوّة تحدث في الصبي يخرج بها عن حالة الطفولية إلى حالة الرجولية، وتلك القوة لا يكاد يعْرفها أحد، فجعل الشارع لها علامات يُسْتَدَلُّ بها على حصولها اهـ. قال الشيخ يوسف بن عمر في كتاب الصيام في شرح الرسالة: ولا قائل باعتبار التنهيد خلاف ما في حاشية الصاوي على الجلاَلَيْن من قوله: ومن علامات البلوغ الحيض وكِبَرُ الثَّدي للإناث، ونبات العانة ونَتَنُ الإبط وفرق الأرنبة وغِلْظُ الحنجرة، فإذا وُجِدَتْ تلك العلامات حُكِمَ ببلوغه عند مالك، وأمَّا عند الشافعي فلا يُحْكَمُ بالبلوغ إلاَّ بالاحتلام أو الحيض أو بلوغ خمس عشرة سنة وما عدا ذلك علامة على البلوغ ولا يُحْكَمُ عليه به اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "وَيُخْتَبَر بِحُسْنِ تَصَرُّفِهِ" يعني أن المحجور يختبر بحُسْن تصرُّفه في ماله، فإذا حَسُن تصرُّفه وعُدِم تبذيره في المال فحينئذٍ ينفكُّ عنه ويدفع له ماله
الجزء: 3 - الصفحة: 5
بالبيَّنة وهو معنى قوله تعالى: " وابْتَلُوا اليَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ إلى قوله: فَإذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ [النساء: 6] الآية قال ابن رشد: حدُّ الرشد حُسْنُ النظر في المال ووَضْعُ الأمور في مواضعها اهـ.
قال رحنه اللَّه تعالى: "وَلاَ يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَصِيَّ في دَفْع الْمالِ إلَيْهِ إِلاَّ بِبينَّةٍ، كَدَعْواهُ دَفْعَ نَفَقَتِهِ إِلَى حَاضِنَتِهِ" قال في الرسالة: وكذلك على وَلَيَّ الأيتام البيَّنة أنه أنفق عليهم أو دفع إليهم، وإ، كانوا في حضانته صَدَقَ في النفقة فيما يشبه، ونحو في المدوَّنة.
وقال فيها: ويَصْدُق في الأنفاق عليهم إن كانوا في حَجْرِه ما لم يأتِ بسرف.
قال عياض قال مالك وابن القاسم وأشهب: بعد يمينه، قال: هذا لا يختلف فيه.
قال أبو عمر: ولو أراد الوصيُّ أن يحاسب بما لا بدَّ منه ولا يُشَكُّ فيه ويسقط مازاد فلا يمين عليه.
قال عياض: لابدَّ من يمينه لاحتمال استغناء اليتيم عن مثل تلك النفقة التي لا شكَّ فيها أيَّامًا متفرَّقة أو متوالية لمرض أو صِلة من أحد.
ومفهوم ما هنا أنه إذا ادَّعى ما لا يشبه لا يُقْبَل، ونحوه عن الموازية اهـ نَقَلَه الشيخ زروق في شرحه على الرسالة فالواجب على وَلِيَّ الأيتام البيَّنة عند الدفع للآية المذكورة.
قال رحمه الله تعالى: "وَيُوَسَّعُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ مَالِهِ وَمَأْلُوفِهِ" يعني على الوَصِيَّ أن يُوَسَّعَ لمحجوره الحال والمال في نفقته وكِسْوَتِه على حَسَبِ المالوف في طبيعة بمراعاة المعروف والمصلحة في شأنه بدون إسراف ولا تقتير في ذلك، لأن خَيْرَ الأمور أوسطها كما وَرَدَ.
قال الدردير في أقرب المسلاك: وللوصِيَّ اقتضاء الدَّيْن وتأخيرُ لنظره والنفقة عليه باملعروف كخضتْنِه وعُرسه وعيدِه ودَفْعِ نفقة له قَلّت، وإخراج فِطْرَتِه وزكاتِه، ودَفْع مالهِ قِراضًا وإيضاعًا، ولا يعمل به ولا يشتري من التركة، وتعقب بالنظر إلاَّ ما قلَّ وانتهت فيه الرغبات، والقول له في النفقة وقدرها إن أشبه بيمين لا في تاريخ الموت ولا في الدفع بعد الرُّشد إلاَّ لبيَّنة اهـ.
الجزء: 3 - الصفحة: 6
قال رحمه الله تعالى: "ولَهُ تَنْمِيَةُ مَالِهِ فَإنْ كَانَ فَقِير فَلَهُ أُحجْرَةُ مِثْلِهِ" يعني للوصي تنمية مال اليتيم الذي في حَجره بالتجارة فيها بنفسه.
أو يدفعها قراضًا لغيره لمصلحة لليتيم في الربح، لكن ذلك ليس بواجب على الوصِيّ.
قال الصاوي في حاشيته على أقرب المسالك: بل يندي له ذلك.
وقول عائشة: "اتجِروا في مال اليتامى لا تأكلها الزكاة" حَمَلَه ابن رشد على الندب.
وقال الشاعبي بوجوب التنمية على حَسَبِ الطاقة أخْذًا بظاهر الحديث اهـ.
قوله: فإن كان فقيرًا فَلَهُ أجْرة مِثْلِه: أي لقوله سبحانه وتعالى: طوَمَن كَانَ فَقِيرًا فَليَأكُل بِالمَعروفِ" [النساء: 6] قال الحافظ السيوطي: بقدر أجْرة عمله، أي ما لم تَزِدْ على كفايته وإلاَّ فَلَهُ كفايته فقط، وهذا مذهب الشافعي.
وعند مالك له أجرة مِثْلِه مطلقًا زادت على كفايته أو لا اهـ بطرف من الصاوي عليه.
قال ي أقرب المسالك: ويتصرَّف الوَلِي بالصملحة؛ فَلَهُ تَرْكُ شُفعةٍ وقِصاص فيسقطان، ولا يعفو مجانًا، ولا يبيع عقار يَتيم إلاَّ لحاجة بينةٍ أو غبطة، أو لِخَوْفٍ عليه من ظالم، أو لكونه موظفًا أو حصةٍ أو قلَّةِ غلَّتِه، أو بين ذِمَّييَّن، أو جيران سوء، أو في محل خوف، أو لإرادة شركيه بيعًا ولا مال له، أو لخشية انتقال العمارة، أو الخراب ولا ما له، أو له مال والبيع أوْلى فيستبدل له خلافَهُ اهـ.
قال رحمه اللَّه: "وَالسَّفيهِ الْحَكِمُ" بكسر الهاء المكفوفة معطوف على الصغير في قوله: يَحْجُرُ على الصغير أبوه أو وصيّه أو الحاكم.
والمعنى يتولى الحَجْر على السفيه الحاكم.
قال ابن جزي: فإذا ثبت سَفْهُه حَجَرَ عليه القاضي وإن كان كبيرًا خلافًا لأبي حنيفة اهـ. قال الدردير: والسَّفْ: التبذير بصرف المال في
الجزء: 3 - الصفحة: 7
معصية كخمر وقمار، وفي معاملة بِغُبْن فاحش بلا مصلحة أو في شهواتٍ على خلاف عادة مثله، أو بإتلافه هدرًا اهـ.
قال رحمه اللَّ تعالى: "وَيُفَكُّ حَجْرُهُ بإِصْلاحِهِ الْمَالَ كَالْمَجْنُونِ" يعني كما قال ابن جزي: للقاضي ترشيد المحجور إذا ثبت عنده رُشدُه سواء كان بوصِي أو بغير وَصِيّ، وتقدَّم لنا أن المحجور يختبر بحُسْن تصرُّفِه في مالِه، فإذا تحقَّق حُسْنُ تصرُّفه وعدم تبذيره ف يالمال بعد إثبات بلوغه ورُشْدِه فحينئذٍ ينفكُّ حَجْرُه.
قال الجزيري:
وصورة الفك أن يقول الوصي لعدلين أو أكثر: اشهدوا أني فَكَكْتُ الحَجْرَ عن فلان محجور، وأطلقت له التصرف، وملكت له أمره لما قام عندي من رشده وحِفظه لمَالِه اهـ. وما تقدَّم من صفة الفكَّ عن السفيه ومثله المجنون كما في المصنَّف.
قال رحمه الله تعالى: "وَلاَ يُتَّبَعُ بِمَا اْتَدَانَهُ حَالَ حَجْرِهِ بِغَيْرِه إِذْنٍ" قال التلقين: من استدان من المحجور عليه دَيْنًا بغير إذْن وَليَّه ثم فُك حَجْرُه لم يلزمه ذلك فيمن حُجِرَ عليه لِحَقَّ نفسه كالسَّفيه والصغير، ولزم فيمَن حُجِرَ عليه لِحَق غيره كالعبد يُعْتَق إلاَّ أن يفسخه عند السيد قبل عَتْقِه اهـ نَقَلَهُما الحطاب.
وأمَّا تصرفات المحجور قبل الحَجْر ففيه قولان.
قال في أقرب المسالك: وتصرُّف الذكر قبل الحجر عليه ماض أي لازم لا يُرَدّ، ولو تصرَّف بغي رعِوَض كعَتْقٍ؛ لأن علّة الرّدّ الحَجْ عليه وهو مفقود، وهذا هو قول مالك وكبراء أصحابه.
وقال ابن القاسم: لا يمضي، فلِمَنْ يتولى عليه من حاكطم أو مقدَّم الدرُ أو الإجازة، وله إن رشد، والمعتمد الأول اهـ. انظر حاصله في حاشية الصاوي عليه.
قال رحمه الله تعالى: " بِخِلافِ الْعَبْدِ بَعْدَ عَتْقِهِ مَا لَمْ يُسْقِطهُ سَيَّدُهُ وَهوَ يَمْلِكُ مِلْكًا مُزَلْزَلاً وَلِسَيدِهِ انْتِزَاعُهُ" يعني أن العبد إذا عَتَقَهُ سيَّده يتبع في
الجزء: 3 - الصفحة: 8
ذمَّته بما استدانه بغير إذْن إلاَّ أن يسقطه السيَّ قبل العَتْق فيسقط: وقوله: وهو يملك مِلكصا مزلزلاً يعني غير عام.
قال شارح الرسالة: وما ذكره من أن ما بيد العبد له إلخ مبني على أه يملك لكن ملكه غير تام.
وقيل لا يملك وبنوا على ملكه جواز وطء السيد لجارية عبده وعدم وجوب الزكاة في مال العبد لعدم كمال الملك، وبنوا على عدو الملك أيضًا أه إذا اشترى العبد من يعتق على سيده فإنه يعتق على السيد أهـ. ويؤيد القول بعدم الملك التام قوله: ولسيده انتزاعه، ويدل على أنّ له ملكًا إلا أن ينزع السيد منه قول أبي محمد في الرسالة وغيرها: ومال العبد له إلا أن ينتزعه السيد، فإن أعتقه أو كاتبه ولم يَسْتَثْنِ مالَه فليس له أن ينتزعه، هذا يدلُّ على أن ماله ملك له، وهو نص المدونة وهو المشهور في المذهب اهـ بمعناه.
قال رحمه الله تعالى: "وَتَبَرُّعَاتُ الزَّوْجَةِ في ثُلُثِها، ولِلزّوجح رَدُّ الزَّائد، فَإنْ لَمْ يَعْلَمْ إلا بعد موتها أو إبانتها مَضَى" يعني إذا تبرَّعت المرأة بأكثر من ثُلُث ماتلِها فلزوجها رَدُّ الزائد ما دامت في عصمته، وإن حصلت الفرقة بموت أو طلاق بائن ولم يعلم بذلك مضي ما فعلت من التبرُّع.
قال ابن جزي: وأمَّا المرأة فإنَّما يُحْجَ ر عليها إذا كانت ذات زوج أن تتصرَّف بغير عِوَض كالهبة والعَتْق فيما زاد على ثُلثُ مالِها، خلافًا لهما أي للشافعي وأبي حنيفة، وإذا تصرَّفت في أكثر من الثُّلُث فقيل: تبطل الزيادة على
خاصة.
وقيل: يبطل الجميع.
ولها التصرُّف بِعوَض في جميع مالِها وبغير عِوَض في الثلث فما دون إلاَّ أن تكون قد أضمْمتعت زوجها في مالِها فليس لها التصرُّ في شيئ مما أمتعته فيه لا بِعِوَضٍ ولا بغير عِوَض إلاَّ بإذنه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "ولِلمَرِيضِ نَفَقَتُهُ مِنْ رَأس مَالِهِ، وَيُمْنَعُ مِنَ التَّبرع بِما زَاد عَلَى الثلثِ" يعني للمريض المحجور عليه نفقته من رأس ماله.
ومثل النفقة ما يشتري به الدواء وأجْرة الطبيب، وما يحتاج إليه في مرضه كل ذلك من رأس مالِه
الجزء: 3 - الصفحة: 9
وَيُمْنَع تبرُّعه بما زاد على الثُّلُث كالزوجة.
قال الصاوي في حاشيته على الدردير: حاصلة أن المريض مرضًا مخوفًا إذا تبَّرع في مَرَضِه بشيئ من مالِه با، أعْتَقَ أو تَصَدَّق أو وَقَفَ إن ذلك يوقَف لموته كثيرًا كان أوقليلأن وبعد موته يقوم ويخرج كله من ثُلُثِه إن وَسِعه وإلاَّ خرج ما وَسِعَه الثُّلُث فقط، وقُدم الأهمُّ فالأهم كما يأتي في الوصايا، فإن صحَّ ولم يَمُتْ مضى جميع تبرُّعاته، هذا إذا كان مالُه الباقي بعد التبرُّع غير مأمون كالحيوان والعُروض، وأمَّا لو كان الباقي مأمونًا وهو الأرض وما اتصل بها من بناء أو شجر فإن ما بتله من عَتْقٍ أو صَدَقة لم يوقَف وينفذ ما حِمْلُهُ الثُّلُث عاجلاً ووُقِفَ منه ما زاد، فإ، صحَّ نفذ الجميع، وإن مات لم يمض غير ما نفذ اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "وَالزَّحِفُ فِي الصَّف، وَالرَّاكب اللُّجَّة فِي الْهَوْلِ والْحَاملُ تَبْلُغُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ كَالْمَرِيضِ.
وَحُكْمُ غَيْرِ الْمَخُوفِ كَالْجُنُونِ والْجُذام وَالْبَرَص حُكْمُ الصَّحَّةِ" يعني يلحق بالمريض في استحقاق الحَجْر كل مرض ينشأ الموت فيه غالبًا، بخلاف المرض الخفيف فلا يُحْجَرُ به، وعبارة ابن جزي في القوانين أنه قال: وأمَّا المريض فهو نوعان: مريض لا يُخاف عليه الموتُ غالبًا كالأبرص والمجذوم والأرمد وغير ذلك فلا حَجْرَ عليه أصلأن ومريض يخاف عليه في العادة كالحُمّى والسُّل وذات الجنب وشبه ذلك فهذا هو الذي يُحْجَرُ عليه، فيُمْنَعُ ممَّا زاد على قدر الحاجة من الأكل والشرب والكِسْوة والتداوي.
وممَّا يخرج من ماله بغير عِوَض كالهِبَة والعَتْق وال يُمْنَع من المفاوضةإلاَّ إن كان فيها محاباة، فإن مات كان ما فعل ممَّا يُمْنَع منه في ثُلْثِه، وإن عاش كان في رأس ماله، وإنما الحَجْرُ عليه لحِحقَّ وَرَثَتِه.
ويُلْحَقُ به من يخاف عليه الموت، كالمقاتل في الصف، والمحبوسللقتل، والحامِل إذا بلغت ستة أشهر.
واختلف في راكب البحر وقت الهول اهـ إلى جميع ذلك أشار الدردير في أقرب المسالك عاطفًا على
الجزء: 3 - الصفحة: 10
مَنْ يُحْجَرُ عليه فقال: وحُجَّرَ على مريض مرضًا ينشأ الموت عنه عادة وإن لم يغب، كَسُلَّ
وقُلَنْج، وحُمّى قويّةٍ، وحامل ست، ومحبوس لِقَتْل أو لِقَطْع خِيفَ الموتُ منه، وحاضرٌ صفّ القتال، لا نحو رَمَد وجَرَب وملّجَّج ببحر، ولو حصل الهولُ في تبرُّع زاد على ثُلُثِه، كنِكاح وخُلْع، لا تداويه ومعاوضّة ماليّة.
ووَقَفَ تبرُّعُهُ إلاَّ بمال مأمون وهو العقار، فغ، مات فمن الثُّلُث، وإلاَّ مضى الجميع، ونجز في المأمون الثُّلُث فإن صحَّ فالباقي أي يأخذه الذي وَقَف له اهـ.
ولمَّا أنهى الكلام على المحجور عليه لعدم حُسْن تصرفته المالية وكان الدَّين من أسباب الحضجْر أتبعه بِما يتعلَّق بأحكام مَنْ أحاط الدَّيْن بماله، ويُسَمَّى المفلس والمدْيان وهو من جملة المحاجير السبعة فقال رحمة الله تعالى:
فَصْلٌ
في التفليس
أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام المفلس.
الفَلَسَ: هو عدم المال والتفليس: هو خَلْعُ الرجل من ماله للغرماء.
قال رحمه الله تعالى: "إِذَا ادَّعى الْمِديَانُ الْفَلَسَ وَطَلَبَ غُرَما} هُ حَبْسَهُ حُبِسَ، فإنْ ثَبَت عُسْرُهُ أَنْظَرَهُ الْحَكِمُ، فَإنْ ظَهَرَ لَدَدُهُ أُدِيمَ حَبْسُهُ، فَإِن سألُوا حَجْرَه حُجِر عَلَيهِ وانتزع لهم ماله وقُسِمَ بَيْنهم بَالحِصَاص ويَحِلُّ الْمؤَجَّلَ عَليهِ لاَ لَهُ" يعني كما في القوانين لابن جزي أنه قال: فإذا أحاط الدَّيْن بِمال أحد ولم يكن في مالِه وفاء بديونه وقام الغرماء عند القاضي فإنه يجري في ذلك على المِدْيان أحكام التفليس وهي خمسة: الأول أن يسجن استبراء لأمْرِه.
الثاني: أن تَحِل عليه الديون المؤجَّلة والمعجَّلةفي المذهب بعد سَجْنِه أو استتارة كما تَحِلُّ على الإنسانإذا مات اتفاقًا.
الثالثُ ألاَّ يقبل إقراره بدَيْن وشِبهِهِ، وإن كان إقراره بعد الديون وقبلَ التفليس
الجزء: 3 - الصفحة: 11
قُبِلَ فيمن لا يُتَّهضم عليه ولا يُقْبَل فيمن يُتَّهَم بالميل إليه من قريب أو صديق، فإذا كان إقراره بعد التفليس لم يقبل أصلاً ولكن يجب في ذِمَّتِه متى استفاد مالأن واختلف في إقراره بمال معيَّن كالوديعة والقِراض، فقيل يُقْبَل، وقيل لا يُقْبَل، وقيل يُقْبَل إن كان على أصل القِراض والوديعة بينَّة.
الرابع أن يُحْجَرَ عليه فلا ينفذ تصرُّفه في مالَه، فإن تصرَّف فيه بعد الديون وقيل التفليس نفذ ما كان من تصرُّفه بعِوَض كالبيع، ولم ينفذ ما كان بغير عِوَض كالهِبَة والعَتْق.
واختلف في جواز رَهْنِه وقضائه بعض غرمائه دون بعض، وأمّا بعد التفليس فلا ينفذ شيئ من أفعاله سواء كان بعِوَضٍ أو بغير عِوَض.
الخامس قُسمَ مالُه على الغرماء بعد أن يُتْرَكُ له منه كِسْوَتُه وما يأكله أيامًا هو وأهله.
وفي الواضحة: الشهر ونحوه.
واختلف هل تُتْرَكُ كِسْوَة زوجته؟ وهل تُباع علهي كُتُبُ العِلْم؟ ثم يُجْمَع كل ما وجد له من أصول وعروض وغير ذلك، وتُباع الاصول والعُروض ويُقْسَم المجموع على الغرماء فإن وفى بدَيْنِه سُرَّحَ من السجن، وبرِئ
من الديون، وإن كان مالُه لا يقوم بالديون قُسِمَ قسمة المحاصة.
والعمل في المحاصة أن ينظر نسبة مالِه من جميع الديون ويعطي كل واحد من الغرماء بتلك النسبة من دَيْنِه، مثال ذلك: إذا كان مالُه عشرةدنانير والديون عشرين دينارًا فيعطي كل واحد منهم نِصْف دَيْنِهن وكذلك لو كان مالُه عشرة والديون ثلاثين أعطى كل واحد منهم ثُلثُ دَيْنِه، ويحلف المفلس أنه ليس له مال ظاهر ولا باطن يؤدّي منه بقية دَيْنِه، وحينئذٍ يُسَرَّحُ من السجن اهـ باختصار.
قال رحمه الله تعالى: "وَمَنْ وَجَدَ عَيْنَ سِلْعَتِهِ أَخَذَهَا فَإنْ قَبَضَ بَعْضَ ثَمَنِها خُيَّرَ بيْنَ ردَّهْ وَأَخْذِهَا، أو الحِصَاص بَبَاقيهِ" يعني كما في الرسالة ونصُّها: ومَنُ وَجَدَ سِلْعَته في التفليس فإمَّا حاصَصَ وإلاَّ أخذ سِلْعَتَه إن كانت تُعرف بِعَيْنها، وهو في الموت أسوة الغرماء اهـ. قال خليل: وللغريم أخْذُ ماله المحاز عنه في الفَلَس لا الموت ولو مسكوكًا أو إبقاء، ولزمه إن لم يجده إن لم يَفِدْه غرماؤه ولو بمالِهم وأمكن، لا بضع
الجزء: 3 - الصفحة: 12
وعصمة وقصاص، ولم ينقل إلاَّ إن طحنت الحنطة أو خلط بغير مِثْلٍ أو سَمْن زبده، أو فصل ثوبه، أو ذبح كبشه، أو تتمَّر رُطْبُه.
والاصل في ذلك ما في الموطَّأ والمدوَّنة عن مالك عن ابن شهادب بإسناده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه منه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا فوجده بعينه فهو أحق به، وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء، وإذا وجد المشتري قد باع بعضه وفرَّقه فصاحب المتاع أحقُّ به من الغرماء لا يمنعه ما فرق المتاع منه أن يأخذ من وجد بعينه، وإن قضى من ثمن المتاع شيئًا فأحبَّ أن يَرُدَّهُ ويقبض ما وجد من متاعه، ويكون فيما لم يجده أسوة الغرمناء فذلك له".
قال خليل: وله رَدُّ بعض ثمن قُبِضَ وأخْذُها وأخْذُ بعضه وحاصَّ بالفائت اهـ. نَقَلَه النفراوي: وفي القوانين مسألة من باع سِلْعة ثم أفلس المشتري أو مات قبل أداء الثمن فَلَهُ ثلاث أحوال: الأولى: يكون البائع أحقَّ بسِلْعَتِهِ في فَلَسِ المشتري وموته وذلك إذا كانت السلعة باقية بيد البائع، وكذلك الصناع إذا افلس ربُّ المتاع أو مات والمتاع بِيَد الصناع، وكذلك الأرض أحقُّ بالزرع في الكِراء.
الثانية: يكون البائع أحقَّ بالسَّلْعة في فَلَسِ المشتري دون موته، وهو إذا كانت السلْعة باقية بِيَدِ المشتري.
وقال الشافعي: هو أحقُّ بها في الموت والفَلَس، وعكس أبو حنيفة.
الثالثة: يكون البائع فيها سواء مع سائر الغرماء في الموت والفلس.
وهذا إذا كانت السَّلْعة قد فاتت أو ذهبت اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: "وَتُتْرِكُ لَهُ ثِيَابُهُ المُعْتَادَةُ وَقُوتُهُ الأَيَّامَ وَيُبَاعُ عَلَيهِ مَا سِوى ذَلِكَ مِنْ رَبْع وَغَيْرِهِ" يعني كما في المختصر.
قال: وتُركَ له قُوتُهُ والنَّفقة الواجبة عليه لظنَّ يُسْرَته، وكِسْوَتُهُم كل دَسْتًات معتادًا.
قال شارحه: والمعنى أن
الحاكم يبيع على المفلس مالَه ويُقْسِمُه بين غرمائه على مرَّ ويَتْرُك له منه قُوتَ نفسه وقُتَ مَنْ تلزمه نفقته شرعًا من زوجاته وولده رقيقه وأمهات أولاده ومدبريه إلى ظن
الجزء: 3 - الصفحة: 13
يُسْرَتِه؛ لأنهم على ذلك عاملوه، بخلاف مستغرق الذَّمة بالمظالم والتبعات إذا فَلَّسَ فإنه يَتْرُك له إلاّّ ما يسدُّ به جوعته؛ لأن أهل الأموال لم يُعَاَملوا على ذلك اهـ. الخرشي بحذف.
قال رحمه الله تعالى: "وَالتَّلَفُ قَبْلَ الْبَيْع مِنْهُ وَبَعْدَهُ مِن الْغُرَمَاءِ" يعني إذا تلف مال المفلس بعد تفليسه ومَنعه من التصرُّف فيه وضقضبْلَ بَيْعِ الحاكم عليه للغراماء فالخسارة فيه من المفلس.
أمَّا لو كان التَّلَفُ بعد البيع وقبل القسْم فمصيبته على الغرماء.
قال ابن القاسم: في تَلَفِ مال موقوف للغائب ما يحتاج لبيعه فهو من المَدِين؛ لأنه على مِلْكِه يُباع، وما لا يحتاج إلى بَيْعِه فَمِنَ الغراماء.
وعبارة الخرشي عند قول خليل: فإن تُلِفَ نصيب غائب، إلى أن قال: كعَيْنِ وَقْفٍ للغراماء لا عَرْض، يعني أن الحاكم إذا وَقَفَ مال المفلس أو مال الميت كلّه ليقضي منه ديونه فَتُلِفَ ذلك المال فالمشهور أنه إن كان عينًا ذهبًا أو فضّة فضمانه من الغرماء الحاضرين لتفريطهم في قسمة العين، إذ لا كلفة في قسْمِها؛ لأنها مهيّأة للقسْم.
وأمَّا العَرْض إذا تَلَفَ فضمانه من المفلس أو من الميت لا من الغرماء.
قال قبل ذلك: يعني أن الحاكم إذا قَسَمَ مال المفلس أو الميت بين غرمائه ثم إنه عَزَلَ نصيب شخص غائب فتُلِفَ بعد ذلك فإن مصيبته من الغائب اتفاقًا، والقاضي أو نائبه أمين فيه اهـ بتقديمز انظر حاشية العدوي في تعليل الشارح بتفريطهم في قسمة العين فراجِعْه إن شئت.
قال رحمه اللَّه تعالى: "وَلْيسّ لَهُم مُلازَمَتُهُ عَلَى الْبَاقي وَلاَ إجَارَتُهُ" يعني إذا أخذ الغراماء ما بِيَدِ الغريم من المال ولم يَفِ بما عليه من الديون لا يلزمه أن يؤاجر نفسه ولا أن يكتسب ليؤدّي ما بقي عليه.
قال الدردير في أقرب المسالك: ولا يلزم بتكسُّب وتسلّف، واستشفاع وعفو للدَّيَة، وانتزاع مال رقيقه، وما وهَبَه لولد اهـ. ومثله في المختصر قال مالك في المدوَّنة: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن الحرَّ إذا فلسَ لا يؤاجَر.
قال ابن القاسم: ولا يستعمل لقوله تعالى: "وَإِن كَانَ ذُو عُسرَةٍ فَنَظرَة إلى مَيسَرَةٍ" [البقرة: 280] قال الصاوي في حاشية على الدردير: قوله: ولا يلزم المفلس بتكسُّب، أي ولو عامله الغرماء على
الجزء: 3 - الصفحة: 14
التكسُّب وشرطوا عليه ذلك إذا فلَّس فلا يعمل بذلك الشرط، وسواء كان صانعًا أو تاجرًا، خلافًا لما في الحطاب نَقْلاً عن اللخمي مَنْ جَبَرَهُ على التكسّب إذا كان صانعًا وشرط عليه التكسُّب ف يعَقْدِ الدَّيْن اهـ. والأول أصحّ.
قال الخرشي: وتقييد اللخمي ضعيف.
وفي حاشية العدوي عليه: والحاصل أنه لا يلزم بالتكسُّب ليدفعه لغرمائه في ديونهم، وأمَّا كونه يكتسب وينفق على نفسه فهذا يلزمه، ولا يُتْرَك له قُوته حيث كان كَسْبُه يكفيه، إلاَّ أنك خبير بأن اللخمي لم يقيد، بل قال لأن الغرماء عاملوه، أي داخلون معه على ذلك اهـ.
ولمَّا أنهى الكلام على ما يتعلَّق بأحكام تفليس المَدِين انتقل يتكلم على أحكام الصُّلْح وما يتعلَّق به فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في الصلح وأحكامه
أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام الصُّلْح بين المتداعين في شيئ أو في حق.
والصُّلْح لغة: قَطْعُ المنازعة، وعُرْفًا: انتقال من حق أو دعوى بعوضَ لِرَفْع نزاع أو خوف وقوعه.
قال ابن رشد في المقدمات: روي أن كعب بن مالك تقاضي من سمعهما النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيته، فخرج حتى كشف سِجْفَ حُجْرَتِه، فنادى كعب بن مالك فقال يا كعب، فقال لبيَّك يا رسول اللَّه، فأشار بيده أن ضّعْ عنه الشطر، فقال كعب: قد فعلت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قم فاقضِه" اهـ نَقَلَه الحطاب.
ثم اعلَم أن الصُّلْح ينقسم إلى ثلاثة أقسام: تارة يكون بَيْعًا، وتارة يكون إجارة وأخرى يكون هِبة، وذلك أن المصالح به إن كان ذاتًا فبيع، وإن كان منفعة فإجارة، وإن كان ببعض المدعى به فهبة.
أمَّا حُكْمُه فالجواز مرجَّحًا إلى جانب الندب وقيل إنه مندوب.
الجزء: 3 - الصفحة: 15
قال رحمه الله تعالى: "الصُّلْحُ جَائِزٌ عَلَى الإِقْرارِ والإِنْكَارِ إلاَّ مَا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلالاً" يعني كما في الرسالة، ونصُّها: والصُّلْح جائز إلاَّ ما جرَّ إلى حرام.
ويجوز على الإقرار والإنكار.
قال شارحها: هذا بعض حديث، ولفظه قال صلى الله عليه وسلم "الصُّلْح جائز بين المسلمين إلاَّ صلحًا حرَّم حَلالاً أو أحَلَّ حرامًا، والمسلمون شروطهم إلاَّ شَرْطًا حرَّم حَلالاً أو أحَلَّ حرامًا" اهـ حديث حسن رواه الترمذي وإن كان عينًا جاز الصُّلْح عنه بعَرْض ورواه ابن حبان وصحّحه.
قال النفراوي مثال الصُّلْح الذي جرَّ إلى حرام، الصُّلْح عن الدَّين الشرعي بخمر أو خنزير، وكالصُّلْح عن الذهب المؤجَّل بالورق ولو على الحلول.
ومثال الذي حرَّم حَلالاً الصُّلْح عن ثوب بسِلْعة بشرط أن لا ينتفع بها، أو بثمر قبل بُدُوَّ صلاحه على شرط الجذّ.
ويجوز على الإقرار ويكون تارة بَيْعًا إن وقع على أخذ غير المقِرَّ به، كأن يكون له عليه عَرْض أو حيوان ويُصَالح عنه بدراهم، وتارة يكون إجارة وذلك كأن يكون له عليه ذات معينة كثَوْبٍ أو عبد فيصالحه عن ذلك بمنافع دار مدّة من الزمان، وتارة يكون هبة وذلك كما إذا كان له عليه مائة] [14] [15] فثصالحه عنها بخمسين، وهذا في الحقيقة إبراء.
قال خليل مشيرًا إلى تلك الأحوال بقوله: الصُلْح على غير المدَّعى به بَيْعٌ أو إجارة، وعلى بعضه هبة.
ويجوز عن الدَّين بِما يُباع به، فإن كان عَرْضًا جاز الصُّلْح عنه ولو بعين حالة وعن الذهب الورق وعكسه حيث حلاَّ وعُجَّ المُصَالَح به.
ويجوز الصُّلْح أيضًا على الإنكار وعلى مقتضى السكوت.
قال خليل: وعلى الافتداء من يمين أو السكوت أو الإنكار.
والمعنى أنه إذا توجهت يمين على شخص فإنه يجوز له أن يُفْتَدَى منها بالمال ولو عَلِمَ براءة نفسهعلى ظاهر المدوَّنة، وهو المعتمد خِلافًا لِمَن أثمه من أربعة أوجه.
وجواز الصُّلْح عن هذه المذكورات إنَّما هو بالنظر إلى العقد وأمَّا باعتبار الباطن بحيث يحِلُّ تناول ما وقع به الصُّلْح فإن كان الصادق المنكر فالمأخوذ منه حرام وإلاّّ فحلال اهـ. النفراوي.
الجزء: 3 - الصفحة: 16
قال رحمه الله تعالى: "فَمَنْ عَمِمَ أَنَّنهُ لاَ حَقَّ لَهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ ما أَخَذَهُ" يعني إذا تحقَّ شخص أنه ليس له حقٌّ على غيره لا يَحِلٌّ له أن يأخذ من ماله شيئًا على وجه الباطل.
فالصُّلْح لا يَحِلُّ حرامًا، ومثله حكم الحاكم فإنه لا يَحِلُّ حرامًا وإن قلَّ.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَحِلُّ لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه" اهـ. رواه ابن حبان والحاكم.
الحديث دليل على تحريم مال المسلم إلاَّ بطيبٍ من نفسه وإن قلَّ، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًا.
قال رحمه اللَّه تعالى: "وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْن مَعَاوَضَةٍ وَغَيْرِ مَعَاوَضةٍ، وَالمُعَاوَضَةُ كَاْبَيْع فِيمَما يَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ.
الثاني تَعْجِيلُ الْبَعْضِ وَإسْقَاطُ الْبَاقي" يعني كما في القوانين لابن جزي أنه قال: والصُّلْح على نوعَيْن: الأول إسقاط إبراء وهو جائز مطلقًا.
الثاني صُلْحٌ على عِوَض فهذا يجوز إلاَّ إِن أدّى إلى حرام، وحُكْمُه حُكْمُ البيع سواء كان في عين أو دين فيقدر المدَّعى به والمقبوض عن الصُّلْح كالعِوَضَيْن فيما يجوز بينهما ويمتنع، فيمتنع فيه الجهالة والغَرَر والرَّبا والوضع على التعجيل وما أشبه ذلك.
ويجوز الصُّلْح على الذهب والفضّة وعلى الفضّة بالذهب بشرط حلول الجميع وتعجيل القبض.
ويجوز الصُّلْح على الإقرار اتفاقًا، وعلى الإنكار خلافًا للشافعي وهو أن يصالح مَنْ وَجَبَتْ عليه اليمين على أن يُفْتَدَى منها.
ويَحِلُّ لِمَنْ بذل له شيئ في الصُّلْح أن يأخذه إن عَلِمَ أنه مطالب بالحقَّ، فإن عَلِمَ أنه مطالب بالباطل لم يُزْ له أخْذُه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "فَمَنْ وَضَعَ بَعْضَ حَقَّهِ فَلاَ رُجُوع لَله" يعني أ، من أسقط بعض حقَّ وأخذ بعضه بغير إجبار عليه فلا رجوع له إلى ما أسقطه اختياراً لأنه متبرَّ بالبعض.
[15]
[16]
قال رحمه الله تعالى: وَمَنْ لَهُ بَيَّنَةٌ فَتَرَكَ القِيَامَ بِهَا سَقَطَتْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ
الجزء: 3 - الصفحة: 17
نَقْضُ الصُّلْجِ بِخِلاَفِ كَوْنِهَا غَائِبةً، أَوْ لاَ يَعْلَمُها: يعني ومَنُ كانت له بيَّنة في حقَّ ولم يَقمْ بها وصالح صاحبه لم يكن لن نَقْضُ الصُّلْح إلاَّ إذا كان بينته غائبة فَلَهُ الرجوع عن الصُّلْح.
قال خليل: فلو أقرَّ بعده، أو شهدن بيَّنة لم يَعْلَمْها، أو أشهد وأعلن أنه يقوم بها، أو وجد وثيقته بعده فَلَه نَقْضُه، كَمَنْ لم يعلن، أو يقرُّ سرًّ فقط على الأحسن فيهما لا إن عَلِمَ ببيَّنته ولم يشهد، أو ادَّعى ضياع الصَّك، فقيل له حقُّكَ ثابت فأتِ به فصَلَح ثم وَجَدَه اهـ قال الشارح: يعني أن مَنِ ادّضعى على رجلين بدَيْن فأنْكَرَه ثم صالَحَه عليه وهو عالم ببينته ولم يشهد بأنه يقوم بها فإنه لا قيام له بها، ولا ينقضي صُلْحُه سواء كانت بيَّنته حاضرة أو غائبة غيبة قريبة أو بعيدة، ولو لم يصرَّح بإسقاطها، فلو أشهد وكل هذا ممَّا لا قيام له ولا ينقضي الصُّلْح.
انظر حُكْمَ مَنْ ضاعت عنه صك في الخرشي وغيره من الشراح اهـ.
قال ابن جزي في القوانين: فرعان الأول: مَنِ ادَّعى على رجل حقًّا فأنكره فصالحه ثم ثبت الحقُّ بعد الصُّلْح باعتراف أو ببيَّنة فَلَهُ الرجوع عن الصُّلْح، إلا إن كان عالِمًا بالبيَّنة وهي حاضرة ولم يَقُمْ بها فالصُّلْح له لازم، الفرع الثاني: إذا كان أحد المتصالحين قد أشهد قبل الصُّلْح إشهاد تقية أن صُلْحَه إنَّما هو لِما يتوقعه من إنكار صاحبه أو غير ذلك، فإن الصُّلْح لا يلزمه إذا ثبت أصل حقَّه اهـ. وقال النفراوي في الفواكه:
خاتمة
: إذا وقع الصُّلْح مستوفيًا لشروطه كان لازمًا، ولا يجوز تعقُّبه ولو ظهر المصالح عنه ويملكه المدَّعى عليه إلاَّ أن يكون متهمًا بسرقته ويوجد عنده فإنه يأخذه مالِكُه وينقضي الصُّلْح، كما ينقضي إذا أقرَّ الظالم ببطلان دعواه بعد وقوع الصُّلْح فإن للمظلوم نَقْضَه بلا خِلاف، أو شهدن بَيَّنة للمظلوم لم يكن يَعْلَم بها أو أشهدوا على أنه يقوم بها، أو وجد وثيقة بعده فَلَهُ نَقْضُه، كَمَنْ لم يعلن، أو يقرُّ سرًّا فقط على الأحسن كخما تقدَّم نصُّ خليل آنفًا.
والشيئ المصالح به يَحِلُّ لِمَنْ أخذه إن كان محقًّا في دعواه، ولا يَحِلُّ له إن كان ظالمًا اهـ.
الجزء: 3 - الصفحة: 18
ولمَّا أنهى الكلام على ما يتعلَّق بالصُّلْح انتقل يتكلم على ما يتعلَّق بأحكام الحَمَالة فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في بيان ما يتعلَّق بأحكام الحَمَالة والكَفَالة والزَّعَامة والضمان
وهذه الأشياء الأربعة كلها بمعنى شيئ واحد، أي بمنزلة شيئ واحد.
قال تعالى في قصة يوسف عليه السلام: "وَمِمَن جَآءَ ربِهِ حِملُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعيمُ" [يوسف: 72] أي كفيل وضامن.
قال ابن جزي: يقال للضامن حميل وكفيل وزعيم.
وهي لغةً: [16] [17] الحفظ، وعُرْفًا: الْتزام مكلَّف غير سفيه دَيْناً على ذِمّة غيره، أو التزام طلبه مَنْ عليه لِمَنْ له بما يدلُّ عليه، أي من الصيغة اهـ. ولِما تقدَّم.
قال رحمه اللَّه تعالى: "الْحَمَالَةُ وَالْكَفَالَةُ وَالزَّعَامَةُ بِمَعْنَى" أي بمنزلة معنّى واحد، قال رحمه الله تعالى: فَيَجُوزُ بِكُلَّ دَيْنٍ ثَابِتْ أَوْ آيِلٍ إِلَى الثُّبُوتِ" يعني يجوز الضمان في كل دَيْن ثابت على الذَّمَّة أو ما سكيون ثابتًا كجُعْل.
قال في أقرب المسلاك: وشَرْطُ الدَّيْن لزومه ولو في المآل كجُمعْل فإنه يؤُول للزوم، كما لو قال شخص لآخر: إن أتيت لي بعبدي الآبِق مثلاً فَلَكَ دينار، فيصحُّ ضمان القائل، فغ، أتى المخاطب بالعبد لزم الضامنَ الدينارُ إن لم يدفعه ربُّ العبد للعامل، وكذا دَايِنْ فلانًا وأنا أضمنه.
أو إنِن ثبت لك عليه دَيْنٌ فأنا ضامِن اهـ.
قال رحمه اللَّ تعالى: "لاَ فِيمَا لاَ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُوه مِنَ الْكَفِيل" يعني لا تصحٌّ الحَمَالة فيما لا يمكن استيفاؤه من الحميل كالقصاص، وجميع ما لا يقبل النيابة من الحدود.
قال ابن القاسم: لا كفالة في الحدود ولا في التعرزيز.
وعن ابن وهب: لا تُقْبَلأ حَمَالة في دم ولا في زناً، ولا سرقة، ولا في شرب خمر، ولا في شيئ من حدود اللَّ، وتُقْبَل فيما سوى ذلك اهـ. المدوَّنة.
قال ابن جزي في المسائل: المسألة الأولى في المضمون وهو
الجزء: 3 - الصفحة: 19
كل حقَّ تصحُّ النيابة فيه وذلك في الأموال وما يؤول إليها، فلا يصحُّ الضمان فيالحدود ولا في القصاص؛ لأنها لا تصحُّ النيابة فيها، وإنَّما الحُكْمُ فيها بالسجن حتى يثبت الحقُّ ويستوفى.
وأجاز قوم الضمان فيها بالوجهاهـ. باختصار.
قال الخرشي: يعني أنه يُشْتَرَط في صِحّة الضمان أن يكون المضمون فيه يمكن أن يُستوفى من الضامن، احترز بذلك من مثل الحدود والتعازير والقتل والجراح وما أشبه ذلك فإنه لا يصحُّ الضمان فيه إذ لا يجوز أن يستوفى ذلك من الضامن.
ويجوز الضمان وإن جهل قدر المضمون حالاً ومآلاً أو جهل مَنْ له الدَّيْن.
قال ابن عرفة: جهل قدر المحتمل به غير مانع اتفاقًا اهـ.
قال رحمه اللَّه تعالى: "وَلاَ يُشْتَرَطُ رِضَا الْمَكْفُولِ عَنْهُ" يعني كماف ي الدردير عاطفًا على جائزات: وجاز ضمان بغير إذن المضمون، أي ف لا يُشْتَرَطُ إذْنه، هذا هو نصُّ المدوَّنة وغيرها، وما ذهب إليه المتَّيطي عن بعض العلماء ضعي.
قال خليل: وبغير إذْنه كأدائه رِفْقًا لا عَنتًا فيُرَدُّ، كشرائه.
قال شارحه: يصحُّ الضمان بغير إذْن المضمون عنه.
واستدلَّ على صِحَّة الضمان بغير إذْن المضمون عنه قوله كأدائه رِفْقًا لا عَنتًا فيُرَدُّ أي كأداء الشخص الدَّيْن، كان ضامنًا أو غيره رِفقًا بِمَنْ عليه وبِمَنْ له، ويلزم ربُّ الدَّيْن قبوله ولا كلام له ولا لِمَنْ عليه إذا دُعِيَ أحدهما إلى القضاء، فإن امتنعَا فالظاهر لا يلزمهما قاله بعضهم، لا إن أدّاة عَنتًا: أي ليَتْعَبَ مَنْ عليه لِقَصْدِ سِجْنِهِ لعداوة بينهما فيُرَدُّ الأداء من أصله اهـ الخرشي.
قال رحمه الله تعالى: "وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ يُطالَبُ الْكَفيلُ إلاَّ أَنْ يَتَعَذَّر الاسْتيفَاءُ مِنَ الأَصيل وَيَبْرأُ بِبَرَاءَة الأصيل لا بِالْعَكْسِ" يعني كما في الرسالة، ونصُّها: ولا يغرَم الحميل إلاَّ في عُدِم الغريم أو غيبته.
وفي أقرب المسالك: ولا يُطالَبُ إن تيسَّر الأخذ من مالِ المَدِين ولو غائبًا إلاّض أن يَشترط أخْذَ أيهما شاء أو تقديمه أو ضمن
الجزء: 3 - الصفحة: 20
في الحالات السّتَّ، وهي: الحياة، والموت، والحضور، والغيبة، واليُسْر، والعُسْر، فَلَهُ مطالبته ولو تيسَّر الأخْذُ من مال الغريم، هذا هو المعتمد اهـ. بطرف من الصاوي وعليه.
قوله إلاَّ أن يتعذَّر، قال شارح الرسالة يعني أن ممَّا يفرّق بين الحَمَالة والحَوَالة أن الحَوَالة يغرَم على كل حال، والحَمَالة إنَّما يغرَم في عُدِم الغريم أي كان حميلاً بالمال أو بغيبته إن كغان حميلاً بالوجه أو بالمال وقد تعذّر الاستيفاء منه، أو كان حميلاً في جميع الأحوال اهـ قاله زروق.
وقوله: ويبرأ إلخ قال الخرشي: والمعنى أن الأصل إذا برِئ من الدَّيْن بوجْهٍ من هِبَة ونحوها، أو كون المَدِين مات مليئًا، والطالب وارثه بَرِئَ الحَميل لأنه إذا غرَّم الضامن شيئًا رجع به في تركة الميت المَدِين والتَّرْك في يد الطالب فصارت مقاصة، وإن مات المَدين معدمًا ضَمِنَ الكفيل.
وقوله لا بالعكس يعني أنه إذا بَرِئ الضامن لا يَبْرَأ الأصل وكذا إن وَهَبَ ربُّ الدَّيْن الدَّيْن للضامن فعلى مَنْ عليه الدَّيْن دَفْعُه للضامن اهـ. قال في المدوَّنة وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الحميل غارم" وقال أيضًا: "الزعيم غارم" والزعيم هو الحميل، فإذا قال أنا ضامن لك، أو حميل لك، أو قبيل لك، أو زعيم لك، أو هو لك عندي، أو هو لك عليَّ، أو هو إليَّ، أو هو لك قبلي فهذا كلُّه ضامن لازم.
والضمان حمالة والحمالة لازمة كالذَّيْن وإن كان في هذه الوجوه كلها يريد الحق فهو لازم، وإن كان يريد الرجل فهو لازم، فَخُذْ هذا على هذا اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "وَيَجُوزُ بِالْوَجْهِ، وَيَبْرَأُ بِتَسْلِيمِهِ مُتَمَكَّنًا منْه وَيَلْزَمُهُ الْمَالُ إلاَّ أن يَمُوتَ الْمَكْفُولُ أَوْ يَشْتَرطَ الْبَرِاءَةَ" يعني كماف ي أقرب المسالك: وضمانُ الوجه التزام الإتيان بالغريم عند الأجَل، وبرِئ بتسليمه له، وإن عَدِيمًا، أو بسجن، أو بغير البلدان إن كا به حاكم، أي يقضي بالحقَّق وبتسليمه نفسه إن أمَرَه به، وحلَّ الحقُّ وإلاَّ أُغْرِمَ بعد تلوُّم خفَّ إن قربت غَيبتُه كاليومَيْن، ولا ينفعه إحضارُه بعد الحُكْم، لا إن أثبت عدمه في غيْبته، أو موتَه.
وللزوج ردُّه أي ضمان الوجه اهـ.
الجزء: 3 - الصفحة: 21
ثم اعلم أن الضمان على ثلاث أقسام: ضمان مال، وضمان وجه، وضمان طلب، فضمان المال التزام دَيْن لا يسقطه عمَّن هو عليه، وضمان الوجه عبارة عن إحضار الغريم وقت الحاجة إليه، وإنَّما يَبْرَأ فيه الضامن بتسليم المضمون.
قال
خليل: ورَرِئ بتسليمه وإن بسجن، أو بتسليمه نفسه إن أمَرَه به إن حلَّ الحقُّ كما تقدَّم آنفًا.
وضمان الطلب عبارة عن التفتيش على الغريم الذي عليه الذّديْ، ثم يخبر صاحب الدّيْن به ولا يلزمه إحضاره ولا غُرْمَ عليه إلاّ إن قصّر أو فرَّط.
قال خليل وغُرْمٌ إن فرَّط أو هرب وعُوقِب اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "وَعَنِ الْمَيَّتِ وَبِالُمَجْهُولِ وَيَلْزَمُ مَا ثَبَت، وَفِي قَوْلِهِ عَامِلْ فُلانًا وأَنَا كَفيلُه يّلزَمُهُ الْمُشْبِهُ" يعني يجوز الضمان عن الميت.
قال ابن جزي في القوانين: ويجوز الضمان عن الحي والميت ومَنَعَ أبو حنيفة الضمان عن الميت إذا لم يترك وفاء بدَيْنِه، وعن الغائب ويجوز عن الموسِر والمعدَم، ويجوز الضمان بإذن المضمون وبغير إذنه اهـ. قوله وبالمجهول، تقدَّم الكلام فيه أنه يجوز الضمان بإذن المضمون وبغير إذنه اهـ. قوله وبالمجهول، تقدَّم الكلام فيه أنه يجوز الضمان وإن جهل قدر المضمون حالاً ومآلاً أو جهل مَنْ له الدَّيْن فراجِعْه إن شئت عند قول المصنَّف لا فيما لاي مكن استيفاؤه من الكفيل.
وقوله عامِل فلانًا وأنا كفيله إلخ يعني أن من قاللغيره عامِل فلانًا وأنا كفيله ففعل يلزم الآمر ما أشبه من المال.
قال مالك في المدوَّنة: مَنْ قال لرجل: بايع فلانًا أو دايِنْه فمَا بايعته به من شيئ أو داينته به فأنا ضامن لزمه ذلك إذا ثبت مبلغه.
وقال غيره: إنَّما يلزمه من ذلك ما كان يشبه أن يداين مثله المحمول عنه ويبايع به.
قال ابن يونس: وليس ذلك بخلاف اهـ نَقَلَه الموّاق.
قال رحمه اللَّه تعالى: "فَإِن مَاتَ قَبْلَ الْحُلُولِ وُقِفَ مِنْ تَرِكَتِهِ قَدْرُ الدَّيْنِ فَإذَا حَلَّ واسْتَوْفَى الحقَّ أخِذَهُ الْوَرَثَةُ وَإِلا أَخَذَهُ الْغَرِيمُ" يعني إن مات
الجزء: 3 - الصفحة: 22
الكفيل قبل حلول الأجَل وُقِفَ من تَرِكَتِهِ قدْر الدَّيْن الذي تكفل، فإ، حَلَّ الأجَلُ استوفى الحق منه ورجع به ورثة الكفيل أي على المَدج/ين، وإن مات المضدِين ولم يترك وفاءّ سقط حقُّ ورثة الكفيل.
قال الحطاب: ولو مات الحميل قبل موت فلان وَجَبَ أن يُقَفَ من ماله بقَدْرِ الدَّيْن، فإن مات المحمول عنه عديمًا أخذ المحمول له ذلك المال الموقوف اهـ انظره وفيه توقَّفَ أبو إسحاق في هذه المسألة.
قال العلاّمة الدردير: وعُجل الدَّين بموت الضامن قبل الأجل من تَرِكَتِه إن كان له تَرِكَة، ورجع وارثه على الغريم بعد الأجَل أو بعد موت الغريم على تَرِكَتِه إِن تَرَكَه، أي إن تَرَك ما يؤخذ منه الدَّيْ، وإلاَّ سَقَطَ.
قال الصاوي: قوله أي الضامن، مفهومه لو مات المَدِين، فإن الحقَّ يُعَجَّل أيضًا من تَرِكَتِه، فإن لم يترك شيئاً فلا طَلَبَ على الضامن حتى يَحِلَّ الأجَلُ، إذا لا يلزم من حلول الدَّيْن على المَدِين حلوله على الكفيل لبقاء ذِمَّتِه كذا ف يالأصل.
قوله وإلاَّ سقط أي بأن مات الغريم وهو معسِر سقط ما عليه وضاع على ورثة الضامن حقُّهم اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "وَإِذَا حُطَّ عَنْهُ شَيئٌ رَجَعَ بِمَا أَدَّاهُ، وَلَوُ صَالَحَ رَجَعَ بِلاَقَل" يعني إذا حطَّ عن الكفيل شيئ من الدَّيْن الذي تكفَّل ودفع لربَّه عند الأجَل باقية فإنه يجرع على المَدِين بما دفع فقط ولو صالح ربُّ الدَّيْن بشيئ من المقوَّمات أ, المثليات فإنه يرجع عليه بالأقل من ذلك ولا يرجع عليه بَما حطَّ عنه من ذلك: قال الدردير في أقرب المسالك: ورجع بما أدَّى ولو مقوَّمًا إن ثبت الدفع، وإليه أشار خليل بقوله: ورجع بِما أدَّى ولو مقوَّمًا إن ثبت الدفع، وجاز صُلْحُه عنه بِما جاز للغريم على الأصح ورجع بالأقلَّ منه أو قيمته اهـ.
قال رحمه اللَّه تعالى: "وَيَصِحُّ مِنَ الْجَمَاعَةِ بَعْضُهُمْ عَن بَعْضٍ، وَمَنْ أدَّى بَرِئَ البَاقُونَ، ورَجَعَ عَلَى كُلَّ بِمَا يَنُبُه" وعبارة الدردير في أقرب المسالك أنه قال: وإن تعدَّد حملاً ولم يشترط حَمَاله بعضهم عن بعض أتبعَ كل بحصَّته فقط إلاَّ أن يقول
الجزء: 3 - الصفحة: 23
أيُكُم شئت آخُذ بحقّي فَلَه أخْذُ جميع الحقّ ممَّن شاء منمهم، ورجع الدافعُ على كل بِما يخصُّهُ إن كانوا غرماء وإلاَّ ... فَعَلى الغريم، كتَرَتبهم، فإن اشترط ذلك أُخذ كُلٌّ به ورجع بغير ما أدَّى عن نفسه بكُلَّ ما على المَلْقِي ثم يساواه ولو كان الحقٌ على غيرهم، كثلاثة حُمَّلاتَت بثلاث مائة لَقِيَ ربُّ الحقَّ أحدهم أخذ منه الجميعَ، فغ، لَقِيَ أحدهما أخذه بمائة ثم بخمسين اهـ انظر بلغة السالك وشراح خليل.
تتمة: نَقَلَ الصاوي في حاشية على الدردير مسألة المدونة المشهورة التي أفردها بعضهم بالتأليف، وهي أن ستة أشخاص اشتروا سِلْعة بستمائة درهم من شخص على كل واحد منهم مائة بالأصالة والباقي بالحَمَالة.
وقد جمع بعضهم كيفية الترادع فيها على وَجْهٍ يسهل تناوله على المبتدئ فقال: إذا لَقِيَ ربُّ الدَّيْن الأول أخذ منه ستمائة مائة أصالة ومائةين حَمَالة عن أصحابه الأربعة، عن كل واحد خمسون.
فإذا لَقِيَ الأول والثاني والثالث غَرِمَ للأول خمسين أصالة وخمسة وسبعين حمالة عن أصحابه الثلاثة، عن كل واحد خمسة وعشرون، وغَرِمَ أيضًا للثاني خمسين أصالة وسبعة وثلاثين ونِصْفًا حَمَالة عن أصحابه الثلاثة عن كل واحد اثنا عشر ونِصف.
وغرم أيضًا للثالث سبعة وثلاثين ونِصْفًا أصالة، واثنى عشر ونِصْفًا حَمَالة عن صاحبَيْه عن كل واحد ستة ورُبُع.
فإذا لَقِيَ الأول والثاني والثالث والرابع والخامس غَرِمَ للأول اثنى عشر ونِصْفًا أصالة، وستة ورُبْعًا حضمَالة عن صاحبه،
وغَرمَ للثاين أيضًا خمسة وعشرية أصالة، وتسعة وثلاثمائة أثمان حَمَالة عن صاحبه، وغَرِمَ أيضاً للثالث واحدًا وثلاثين وربعًا أصالة، وسبعة وستة أثمان ونِصْفَ ثُمْن حَمَالة عن
الجزء: 3 - الصفحة: 24
صاحبه، وغَرِمَ للرابع أيضًا واحدًا وثلاثين ورُبْعًا أصَالة، وثلاثة وسبعة أثمان، ورُبْع ثُمْن حَمَالة عن صاحبه.
فإذا لَقِيَ الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس غَرِمَ للأول ستة ورُبْعًا اصالة، وغَرِمَ للثاني خمسة عشر وخمسة أثمان أصَالة، وغَرِمَ للثالث ثلاثة وعشرين وثلاثمائة أثمان ونِصْفَ ثُمْن أصَالة، وغَرِمَ للرابع سبعة وعشرين ورُبعًا وثلاثة أربع ثُمْن أصَالة، وغَرِمَ للخامس سبعة وعشرين ورُبْعًا وثلاثة أرباع ثُمْن أصَالة ف قد وصل لكلَّ ذي حق حقه.
والسلام، وقد ضَبَطَه العلامة الشبرخيتي على هذا الوجه في جدول مخصوص فراجِعْه إن شئت اهـ.
ولمَّا أنهى الكلام على ما تعلَّق بأحكام الحَمَالة انتقل يتكلم على ما يتعلَّق بالحَوَالة وأحكامها فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في الحَوَالة
أي في بيان ما يختصُّ بأحكام الحَوَالة.
وهي مأخوذة من التحوُّل.
يقال حَّل الشيئ من مكانه: نَقَلَه منه إلى مكان آخر.
وحوَّل وَجْهَه: لَفَتَهُ.
هذا معناها اللغوي.
قال العلاّمة الشيخ عبد الرحمن الجزيري في الفِقْه: والمعنى اللغوي عام يشمل نَقْلَ العين، كنَقْل الزجاجة من مكان إلى مكان آخر، كما يشمل نَقْلَ الدَّيْن من ذِمة إلى ذمة.
وأمَّا معناها ف يالشرع فهو نَقْلُ الدَّيْن من ذِمة إلى ذِمة أخرى بدّيْنٍ مماثل له فتَبْرَأ بذلك النقل الذمة الأولى، فإذا كان لِزَيْدٍ مائة جنيه على عمرو يَحِلُّ موعد دَفْعِها بعد ثلاثة أشهر مثلأن ولعمرو مثل هذه المائة على خالد يحِحلُّ موعدها في ذلك الوقت، فأحال عمرو زيدًا على خالد بالشرائط الآتية فإن ذِمة عمرو تَبْرَأ من دَيْنِ زيد وتشغل ذِمّة خالد به بدل عمرو اهـ. أمَّا حُكْمُ الحَوَالة فالجواز وقيل الندب.
قال رحمه الله تعالى: "الْحَوَالَةُ تَحْوِيلُ الْحَقَّ إِلَى ذِمَّة تَبْرَأُ بِهَا الأُولَى" قد
الجزء: 3 - الصفحة: 25
تقدمَّ آنفًا معنى الحَوَالة في الشَّرْع، فلا حاجة إلى إعادتها هنا كما لا يَخفى.
وأمَّا شروط صِحَّتها فقد قال رحمه الله تعالى: "بِشَرْطِ رِضَاهُمَا لاض رِضَا المُحَالِ عَلَيْهِ إلاَّا أَنْ يَكُونَ لاَ حَقَّ عَلَيْهِ" يعني من شروط صِحّة الحَوَالة رضا المُحيل والمُحال عليه، إذ هو محل للتصرُّف باعتبار الدَّيْن الذي عنده على المشهور، ما لم يكن بينه وبين المُحال عداوة فإنه لا تصحُّ الحَوَالة عليه حينئذ على المشهور من المذهب، وهو قول مالك اهـ. قوله إلاَّ أن يكون لا حقَّ عليه يعني إلاَّ أن يكون ليس على المُحال
عليه دَيْن.
قال في الرسالة: وإنما الحَوَالةُ على أصل دَيْن وإلاَّ فهي حَمَالة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "وَلاَ رُجُوعَ لِلْمُحَالِ لِتَعَذُّرِ الاسْتِيفَاءِ إلاَّ أَنْ يَغُرَّهُ لاً إِنْ عَلِمَ فَقْرَهُ فَرَضِي" قال في الموطأ قال يحيي: سمعتُ مالكِاً يقول: الأمر عندنا في الرجل يحيل الرجل على الرجل بدَيْن له عَلَيْه أنه إن أفلس الذي احتيل عليه أو مات فلم يضدَّع وفاءً فليس للمحتال على الذي أحاله شيئ وأنه لا يرجع على صاحبه الأول.
قال مالك: وهذا الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا اهـ.
وفي الرسالة: ومَنْ أحِيلَ بِدَيْن فَرَشِيَ فلا رجوعَ له على الأول وإن أفلس، هذا إلاَّ أن يَغُرَّه منه أي إلاَّ أن يكون المُحيل عالمِاً بإفلاس المُحال عليه فَلَهُ الرجوع عليه اهـ. النفراوي.
قال خليل: ويتحوَّل حقُّ المُحال على المُحال عليه وإن أفْلَسَ أو جَحَدَ إلاّض أن يعلم المُحيل بإفلاسه فقط وحَلَفَ على نَفْيِهِ إن ظنَّ به العِلْم لأن الأصل عدم الغَرَر وعدم العِلْم اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "وَيُشْتَرِطُ حُلُولُ الْمُحَالِ بِهِ لاَ عَلَيْهِ: يعني من شروط صحة الحَوَالة حلول الدَّيْن المُحال به لا المُحال عليه.
قال ابن جزي في القوانين: والحَوَالة
الجزء: 3 - الصفحة: 26
على نوعَيْن: إحالة قَطْع وإحالة إذْن، فأمَّا إحالة القطع فلا تجوز في المذهب إلاَّ بثلاثة شروط: الشرط الأول أن يكون الدَّيْن المُحال به قد حَلَّ سواء كان المُحال فيه قد حلّ أو لم يَحِلَّ، ولا يجوز بما لم يَحِلَّ سواء كان المُحال فيه قد حَلّ أم لا لأنه بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْن.
الشرط الثاين أن يكون الدَّيْن المُحال به مساوياً للمُحال فيه في الصفة والمقدار، فلا يجوز أن يكون أحدهما أقل أو أكثر أو أدنى أو أعلى؛ لأنه يخرج عن الإحالة إلى البيع فيدخله الدَّيْن بالدَّيْن.
الشرط الثالث أن لا يكون الدَّيْنان أحدهما طعامًا من سَلَم لأنه من بَيْع الطعام قبل قَبْضِه، فإذا وقعت الإحالة بَرِئَتْ بها ذِمة المُحيل من الدَّيْن الذي كان عليه للمُحال، وانتقل إلى طَلَب المُحال عليه، ولا رجوعَ للمُحال على المُحيل إن أفْلَسَ المُحال عليه أو أنكر إلاَّ أن يكون المُحيل قد غَرَّ المُحال لكونه يضعْلَمُ فَلَسَ المُحال أو بطلان حقَّه قبله ولم يَعْلَم المُحال بذلك اهـ كما تقدَّم.
قال رحمه اللَّه تعالى: "وَكوْنُهُمَا مِنْ جِنْسٍ" يعني أن من شروطه صِحّة الحَوَالة أن يكون الدَّيْنان من جنس واحد لا إن كانا من جنسَيْن كالطعامَيْن من بَيْع فلا تجوز الحَوَالة في ذلك لِمَا يلزم من بَيْع الطعام قبل قضبْضِه كما تقدَّم، فإن كان أحدهما من بَيْعٍ والآخر من قَرْضٍ جاز إذاَ حَلَّ المُحال به عند الأصحاب إلاَّ ابن القاسم فاشترط حلولهما معًا.
وقال ابن رشد: يُمْنَعُ مطلَقًا لوجود العِلّة.
وأجيب بأن قضاء القَرْض بطعام البيع جائز كما تقدَّم اهـ. الدردير انظر أمثلة ذلك في
الشرط السادس ممَّ شَرَطَهُ المالِكية من شروط الحَوَالة في فِقْهِ المذاهب الأربعة للعلاّمة الشيخ عبد الرحمن الجزيري، وفيه غنية راجعْ هناك إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: وَلاَ يُحَالُ عَلَى غَائِبٍ لاَ يُعْلَمُ حَالُهُ وَلاَ عَلَى مَيتٍ وَاللَّه أَعْلَمُ" يعني لا تجوز الحوالة على غائب الذي لا يمكن الاطلاع على حاله، وكذلك لا تجوز على ميت بعد موته ليأخذ من تركته.
هذه المسألة أخرها المصنف تنبيهًا للخلاف
الجزء: 3 - الصفحة: 27
الواقع فيها، ولذا أعقبها بقوله والله أعلم؛ لأن فيها قولين مرجحين بعد أن ذكر المشهور فيها بقوله: لا رضا المحال عليه.
قال الدردير وصحتها رضا الأولين فقط دون المُحال عليه، وإنما يشترط حضوره، وإقراره على الأرجح.
وعبارة العدوي في حاشيته على الخشرشي أنه قال: لا يُشْتَرَطُ حضوره ولا إقراره الدَّيْن كما هو ظاهر المصنف وهو أحد قولين مرجحين اهـ. هذه العبارة تدل على صحة الحوالة على الغائب وهي المشهورة بخلاف ما ختم به المصنف مسألة الحوالة بقوله ولا يحال على غائب إلخ إشعارًا بالخلاف الواقع في هذه المسألة.
قال الصاوي في حاشية على الدردير: والحاصل أن الفقهاء من الأندلسيين اختلفوا هل يُشْتَرطُ في صحة الحوالة حضوره وإقراره أو لا يُشترط ذلك؟ رُجَّح كل من القولين، وإن كان الأول أرجح كما قال الشارح اهـ. ثم ذكر مبنى الخلاف من القولين كلاهما: وفي الحطاب قال ابن سلمون: ولا يُشْتَرَطُ ذلك؟ رُجَّح كل من القولين، وإن كان الأول أرجح كما قال الشارح اهـ. ذم ذكر مبنى الخلاف من القولين كلاهما: وفي الحطاب قال ابن سلمون: ولا يُشْتَرَطُ رِضا المُحال عليه عند جميع العلماء، وكذلك لا يُشْتَرَطُ عِلْمُه وحضورُه على المشهور، وفي الاستغناء: لا تجوز الحوالة على الغائب، وإن وقع ذلك فُسِخ حتى يحضر، وإن كانت له بيَّنة لأنه قد تكون للغائب براءة من ذلك.
وفي المشتمل لا تجوز الحوالة إلا على حاضر مقر اهـ. وعلى قول ابن القاسم اقتصر الوقار في مختصره، ونصُّه: ولا يجدوز أن يُحال أحد بحق قد حل على غائب لأنه لا يدري ما حاله في ماله، ولا يجوز أن يُحَال به على ميّّت بعد موته، وهو بخلاف الحي الحاضر لأن ذمة الميت قد فاتت وذمة الحي موجودة، وعليه أيضًا اقتصر صاحب الإرشاد (يعني في هذا الكتاب) وصاحب الكافي وكذلك أيضًا المتّيطي وابن فتوح، وقبله ابن عرفة اهـ كلام ابن سلمون والله أعلم بالصواب.
ولمَّا أنهى الكلام على ما يتعلَّق بالحَوَالة وما فيها من بيان تحويل الحق من ذِمة إلى ذِمة أخرى انتقل يتكلم على ما يتعلق بالعارية والوديعة وما يحتويان من المسائل الهامة.
قال رحمه اللَّه تعالى:
الجزء: 3 - الصفحة: 28