أي في بيان فرائضه وسننه ومندوباته، وما يجوز فيه وما لا يجوز، وذكر مبطلاته ومكروهاته.
الصوم لغة: الإمساك والكف عن الشيء، وشرعا: الإمساك عن شهوتي
البطن والفرج، وما يقوم مقامهما مخالفة للهوى في طاعة المولى في جميع أجزاء النهار، بنية قبل الفجر أو معه إن أمكن فيما عدا زمن الحيض والنفاس وأيام الأعياد.
اهـ الصاوي نقلا عن الخرشي.
قال رحمه الله تعالى: " صيام رمضان فرض عين يلزمه برؤية ظاهرة، أو شهادة عدلين، فإن غم فبكمال عدة شعبان " يعني أن صيام رمضان فرض واجب عينا يلزم المكلف غير المعذور برؤية هلاله، أو بشهادة عدلين، فإن غم الهلال أي أخفاه الغيم أو الغبار فبكمال عدة شهر شعبان ثلاثين كما في الحديث.
قال الله عز وجل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] الآية، أي فمن حضر وقته منكم فلينو صيامه.
والضمير في فليصمه عائد إلى الشهر، فنية واحدة كافية في جميع الشهر عند المالكية، بناء على أن رمضان أي صيامه بمنزلة العبادة الواحدة، تجب في العام مرة كالزكاة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: " وإنما لكل امرئ ما نوى " وهذا قد نوى جميع الشهر، لكن يندب التبييت كل ليلة مراعاة للخلاف لأن الشافعي يرى النية لكل يوم على انفراده كالصلاة.
وفي الحديث عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال: " لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له " وفي رواية: " إذا
الجزء: 1 - الصفحة: 414
رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا " وفي رواية لمسلم: " فاقدروا له ثلاثين " وفي أخرى للبخاري: " فأكملوا العدة ثلاثين " وله من حديث أبي هريرة: " فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " اهـ. قال بعض مشايخنا: وفي الحديث دليل على وجوب صوم رمضان لرؤية هلاله، وإفطار أول يوم من شوال لرؤيته، ولا يشترط رؤية جميع أهل البلد للهلال، فإذا رآه بعضهم وثبت فقد لزم جميعهم.
فالمخاطب بذلك إنما هو مجموع الأمة لا كل فرد اهـ انظر " إسعاف أهل الإيمان " للعلامة
الأستاذ حسن بن محمد المشاط، وفيه الغنية إن شاء الله.
قال أبو البركات الدردير: يجب صوم رمضان على المكلف القادر الحاضر الخالي من حيض ونفاس، بكمال شعبان أو برؤية عدلين، فإن لم ير بعد ثلاثين صحوا كذبا، أو بجماعة مستفيضة، أو بعدل لمن لا اعتناء لهم به، ولا يحكم به، فإذا حكم به مخالف لزم على الأظهر، وعم إن نقل عن المستفيضة، أو العدلين بهما، أو بعدل على الأرجح، وعلى العدل.
والمرجو الرفع للحاكم، فإن أفطرا فالقضاء والكفارة؛ لا بقول منجم اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وتجب له النية وتجزئ من الليل لا بعد طلوع الفجر " يعني كما في الحطاب أن شرط صحة الصوم - أي فرضا كان أو نفلا، معينا أو غير معين - أن يكون بنية لقوله صلى الله عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنيات " وقوله: " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " وفي رواية: " من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له " رواه أحمد وأصحاب السنن.
وفي الدردير: وكفت نية لما يجب تتابعه كرمضان وكفارته وكفارة قتل أو ظهار، وكالنذر المتتابع، كمن نذر صوم شهر بعينه، أو عشرة أيام متتابعة وهذا إذا لم ينقطع بكسفر قصر أوحيض أو نفاس أو رفع نية التتابع وإلا وجب إعادتها فيما بقي اهـ بتوضيح.
وفي الرسالة: ويبيت الصيام في أوله، وليس عليه البيات في بقيته، ويتم الصيام إلى الليل اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 415
قال رحمه الله تعالى: " وتبيت لغيره كل ليلة " يعني يجب أن يبيت النية في كل صوم يجوز له تفريقه كقضاء رمضان وصيامه في السفر، وكفارة اليمين، وفدية الأذى، ونقص الحج فلا تكفي فيه النية الواحدة، بل لا بد من التبييت في كل ليلة قاله الصاوي اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويلزم المنفرد برؤيته، فإن أفطر فعليه القضاء والكفارة، إلا أن يعذر بجهل أو تأويل " يعني أن من رأى هلال رمضان وحده سواء كان عدلا أو مرجوا أو نحوهما فإنه يجب عليه الصوم، فإن أفطر متعمدا، أو منتهكا لحرمة الشهر فعليه القضاء والكفارة، وإن أفطر متأولا فظن أنه لا يلزمه الصوم برؤيته منفردا ففي وجوب الكفارة تأويلان، والقول بوجوب الكفارة هو المشهور اهـ الحطاب.
وفي المواق: قال مالك في المدونة: من رأى هلال رمضان وحده فليعلم الإمام لعل غيره رآه معه فتجوز شهادتهما، وإن لم يره غيره رد الإمام شهادته ولزمه الصوم في نفسه، فإن أفطر لزمه القضاء والكفارة.
وقال أشهب: إلا أن يكون متأولا اهـ. وما ذكره من التأويل مردود بناء على أنه تأويل بعيد.
قال خليل: كراء ولم يقبل، كذا في الصاوي على الدردير.
قال: وأما لو
أفطر من لا اعتناء لهم بأمر الهلال مع ثبوت رؤية المنفرد له فعليهم الكفارة اتفاقا.
ولو تأولوا لأن العدل في حقهم كالعدلين اهـ. انظر القوانين لابن جزي.
قال رحمه الله تعالى: " والشاك يمسك حتى يتبين، ولا يجزئ صومه مترددا " يعني وجب الإمساك للشاك ولا يصوم مع تردد؛ لأن الجزم بالنية شرط في صحتها قال عبد الباري: والنية قبل ثبوت الشهر باطلة حتى لو نوى قبل الرؤية ثم أصبح لم يأكل ولم يشرب ثم تبين له أن ذلك اليوم من رمضان لم يجزه، ويمسك عن الأكل والشرب فيه لحرمة الشهر ويقضيه.
ولا يصام يوم الشك ليحتاط به من رمضان
الجزء: 1 - الصفحة: 416
ويجوز صيامه للتطوع والنذر إذا صادف، وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: " بخلافه تطوعا أو يصادف وردا أو نذرا أو قضاء " فيجوز ذلك إن لم يصادف رمضان الحاضر، وإلا لم يجزه.
وقوله أو قضاء، قال الحطاب: كمن عليه صوم من رمضان فقضاه فيه أي في يوم الشك فإنه يجوز، ثم لم يثبت كونه من رمضان فقد أجزأه، وإن ثبت أنه من رمضان لم يجزه عن القضاء ولا عن رمضان الحاضر، وعليه قضاء يوم رمضان الحاضر وقضاء ما في ذمته اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ورؤيته نهارا للمستقبل ولو قبل الزوال " يعني أن الهلال إذا رآه الناس في النهار، فإنه يكون لليلة المقبلة لا لليلة الماضية، ولا فرق في رؤيته قبل الزوال أو بعده فيستمر على الفطر إن وقع ذلك في آخر شعبان، وعلى الصوم إن وقع في آخر رمضان.
قاله الخرشي، ومثله في الحطاب.
وقل المواق عن ابن يونس: إذا رأى الهلال آخر يوم من شعبان أو من رمضان فهو لغده رئي بعد الزوال أو قبله.
قال ابن بشير: هذا هو المشهور كما هو نص المدونة عن مالك.
قال رحمه الله تعالى: " وثبوته يوجب إمساك بقيته، وعيد يوجب الفطر " يعني أن ثبوت هلال رمضان يوجب الكف عن المفطرات في بقية اليوم، وأن ثبوت هلال شوال يوجب الفطر والعيد، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " الحديث.
وفي القوانين: إذا ارتقب هلال رمضان فلم يظهر، ثم ثبت من الغد أنه قد رئي وجب إمساك ذلك اليوم وقضاؤه، وإذا ثبت هلال شوال نهارا وجب الفطر اهـ. قال خليل: وإن ثبت نهارا أمسك، وإلا كفر إن انتهك.
قال الخرشي: يعني أن رمضان إذا ثبت في أثناء النهار بوجه من الوجوه السابقة أنه رئي في الليلة الماضية فإنه يجب الإمساك وهو المنع والكف عن الأكل في حق من أكل في ذلك اليوم، وفي من لم يأكل فيه، ثم يجب عليهم القضاء لعدم الجزم بالنية.
فإن لم يمسك وأفطر متعمدا بأكل
الجزء: 1 - الصفحة: 417
أو جماع فإنه يكفر إن انتهك الحرمة بعلمه الحكم، وإن كان غير منتهك بأن تأول جواز الفطر لعدم صحة الصوم فلا كفارة اهـ. قال مالك في الموطأ: إذا صام الناس يوم الفطر وهم يظنون أنه من رمضان، فجاءهم ثبت أن هلال رمضان قد رئي قبل أن يصوموا بيوم، وأن يومهم ذلك أحد وثلاثون فإنهم يفطرون في ذلك اليوم أي ساعة جاءهم الخبر، غير أنهم لا يصلون صلاة العيد إن كان ذلك جاءهم بعد زوال الشمس اهـ. ولما أنهى الكلام على إثبات الهلال انتقل إلى بعض أحكام الفطر في شهر رمضان وغيره فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ فيمن يلزمه القضاء دون الكفارة
أي في بيان حكم من فعل شيئا مما يأتي عن قريب من المفطرات.
ثم اعلم أن الفطر في رمضان ممنوع، إلا أنه تارة يكون جائزا بل في بعض الأحوال يكون واجبا، وعلى كل حال فالقضاء واجب على من أفطر فيه إن كان قادرا عليه كما هو معلوم.
قال رحمه الله تعالى: " يجب القضاء بالفطر ولو سهوا، أو جهلا، أو مكرها، أو لمرض، أو حيض، أو سفر، أو نوى رمضان تطوعا، أو نذرا، أو قضاء، أو ظن بقاء الليل أو دخوله فتبين خلافه، أو ابتلع ما يمكنه طرحه، أو رمى إلى حلقة بذوق، أو اكتحال أو وضوء، أو سعوط، أو تقطير في أذن " وقد ذكر رحمه الله تعالى جملة مما يوجب القضاء دون الكفارة: منها الفطر بالأكل أو الشراب أو الجماع سهوا أو جهلا بحرمة الشهر غير منتهك به، فمن ذلك فعليه القضاء فقط دون الكفارة.
قال الدردير: فإن ظن الإباحة فأفطر فتأويل قريب ومنها الإكراه في ذلك، فمن أكره على فعل شيء من ذلك في نهار رمضان وجب عليه الإمساك والقضاء بعد زوال الإكراه دون
الجزء: 1 - الصفحة: 418
الكفارة.
ومنها المرض فمن أفطر للمرض الذي لم يقدر معه على الصوم بأن خاف على نفسه هلاكا، أو شدة ضرر، أو زيادته، أو تأخر برء وجب عليه الفطر، ووجب عليه القضاء دون الكفارة.
ومنها عذر مانع لصحة الصوم كحيض ونفاس وجنون، فطرو ذلك يمنع صحة الصوم ووجوبه، وعليها القضاء دون الكفارة.
ومنها السفر الذي يباح فيه الفطر، فمن أفطر لسفره وجب عليه القضاء دون الكفارة.
قال الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] ومما يوجب القضاء دون الكفارة أن ينوي بصوم رمضان تطوعا أو نذرا أو قضاء، فمن صامه كذلك وجب عليه القضاء دون الكفارة.
ومن ظن بقاء الليل أو دخوله فتبين خلاف ذلك بعد فطره وجب عليه القضاء دون الكفارة.
ومنها وصول المائع إلى الحلق بغير اختيار الصائم فإنه موجب
للقضاء دون الكفارة.
وفي حكم المائع البخور الذي تتكيف به النفس، أو كان بخار قدر لطعام، قال الدردير: فمتى وصل ذلك للحلق أفسد الصوم ووجب القضاء.
ومن ذلك الدخان الذي يشرب أي يمص بنحو قصبة، بخلاف دخان الحطب ونحوه فلا قضاء في وصوله للحلق ولو تعمد استنشاقه.
وأما رائحة كالمسك والعنبر والزبد فلا تفطر.
ولو استشقها لأنها لا جسم لها إنما يكره فقط اهـ.
ومنها ابتلاع ما أمكن طرحه كقيء أو قلس وصل إلى الفم فإن لم يمكن طرحه بأن لم يجاوز الحلق فلا شيء فيه.
وأما البلغم الممكن طرحه فالمعتمد أن ابتلاعه.
ومنها وصول الشيء المفطر إلى المعدة مطلقا مائعا كان أو جامدا، عمدا أو سهوا ولا يلزمه إلا القضاء دون الكفارة، وفي العمد بشرط عدم انتهاك حرمة الشهر كما تقدم.
ومما يوجب القضاء دون الكفارة تعمد القيء، قال ابن جزي في القوانين: ومن استقاء عامدا فعليه القضاء وجوبا دون الكفارة في المشهور.
وعند الجمهور من رجع إلى حلقه قيء أو قلس بعد ظهوره على لسانه فعليه القضاء اهـ.
ومثله في الرسالة.
ومما يوجب القضاء دون الكفارة تقطير شيء
الجزء: 1 - الصفحة: 419
في الأذن أو الأنف، أو وصل إلى الحلق باكتحال أو غالب المضمضة أو السواك وليس في جميع ذلك إلا القضاء دون الكفارة.
ثم ذكر رحمه الله تعالى الأشياء التي لا توجب القضاء بحصول شيء منها بقوله: " لا بدخول ذباب، أو غبار، أو حقنة، أو احتلام، أو تصبح بغسل جنابة، أو حيض إن طهرت ونوت قبل الفجر " يعني أن هذه الأشياء كلها لا توجب القضاء لصحة الصوم، ولم يقع فيه خلل معها.
قال العلامة الشيخ أحمد النفراوي: ومما لا قضاء فيه ما غلب من ذباب أو دقيق أو جبس لصانعه أو بائعه، كغبار الطريق يغلب الصائم، ومما لا قضاء فيه الحقنة من الإحليل وهي عين الذكر ولو بمانع، وأما من الدبر أو فرج المرأة ففيها القضاء.
ومما لا قضاء فيه أيضا الجائفة حيث لم تصل محل الطعام أو الشراب، وكذا المني والمذي المستنكحان، ولا في نزع المأكول أو المشروب طلوع الفجر اهـ.
وفي الشرنوبي على العزية: وإذا طلع الفجر وهو يأكل أو يشرب أو يجامع فكف ونزع في الحال فلا قضاء عليه.
وأما لو سكت قليلا متعمدا فعليه القضاء والكفارة اهـ. وفي إسعاف أهل الإيمان للعلامة الشيخ حسن محمد المشاط الملكي ما نصه: فمن طلع عليه الفجر وفي فمه شيء من طعام أو شراب طرحه حالا وصح صومه، فإن لم يطرحه وبلعه بطل صومه ووجب عليه إمساك ذلك اليوم لحرمة الوقت، وعليه القضاء عند الثلاثة، وعند الإمام مالك عليه الكفارة مع القضاء اهـ.
ثم ذكر بعض مكروهات الصيام فقال رحمه الله تعالى: " ويكره الفصد والحجامة والقبلة والملاعبة " يعني أن الفصد والحجامة مكروهان للصائم على ما مشى عليه المصنف، وجائزان على ما مشى عليه غيره إلا للمريض فيكرهان له.
قال في الرسالة: ولا تكره له الحجامة.
قال النفراوي: ولا الفصادة إلا خيفة التغرير قال لأدائها إلى الفطر.
وربما أشعر قوله خيفة التغرير بأن هذا في حق المريض، وهو كذلك.
قال خليل:
الجزء: 1 - الصفحة: 420
وكره ذوق ملح وعلك ثم يمجه، ومداواة حفر زمنه إلا لخوف ضرر، ونذر يوم مكرر، ومقدمة جماع كقبلة وفكر إن علمت السلامة وإلا حرمت، وحجامة مريض فقط، قال: وأما الصحيح فلا تكره له إلا إذا شك في السلامة وعدمها، والذي حرره الأجهوري أن الحجامة والفصادة يحرمان عند علم عدم السلامة حتى على الصحيح، ويكرهان عند الشك في السلامة ولو للصحيح، وأما عند اعتقاد السلامة فالكراهة للمريض، وعدمها للصحيح اهـ. وقوله: والقبلة والملاعبة، وفي العزية: ويكره ذزق الملح ومجه، ومقدمات الجماع كالقبلة والمباشرة والفكر والنظر المستدام والملاعبة إن علمت السلامة وإلا فيحرم عليه ذلك.
وزاد بعضهم: لكنه إن أمذى من ذلك فعليه القضاء فقط، وإن أمنى فعليه القضاء والكفارة اهـ. وعبارة الخرشي: يعني أنه يكره للشاب والشيخ، رجلا أو امرأة أن يقبل زوجته أو أمته وهو صائم، أو يباشر أو يلاعب أو ينظر أو يفكر على المشهور إذا علم من نفسه السلامة من مذي ومني وإنعاظ على قول ابن القاسم اهـ.
ثم ذكر رحمه الله تعالى ما يوجب الكفارة فقال: " والكفارة بتعمد الفطر، أو الجماع، أو استدعاء المني بدوام نظر أو تذكر أو تحريك دابة على المشهور " يعني أن الكفارة تجب بتعمد الفطر إلخ.
قال خليل: وكفر إن تعمد - بلا تأويل قريب وجهل في رمضان فقط - جماعا أو رفع نية نهارا، أو أكلا أو شربا بفم فقط، وإن وجهل في رمضان فقط - جماعا أو رفع نية نهارا ظن أو أكلا أو شربا بفم فقط، وإن باستياء بجوزاء، أو منيا وإن بإدامة فكر إلا أن يخالف عادته على المختار.
وإن أمنى بتعمد نظر فتأويلان اهـ. وعبارة الدردير في أقرب المسالك: والكفارة برمضان فقط إن أفطر منتهكا لحرمته بجماع وإخراج مني وإن بإدامة فكر أو نظر إلا أن يخالف عادته، أو رفع نية، أو إيصال مفطر لمعدة من فم فقط، لا بنسيان أو جهل أو غلبة، إلا إذا تعمد قيئا أو استياكا بجوزاء نهارا اهـ. قال النفراوي: والحاصل أن شروط الكفارة
الجزء: 1 - الصفحة: 421
خمسة: العمد، والاختيار، والانتهاك للحرمة، والعلم بحرمة الموجب الذي فعله وإن جهل وجوب الكفارة، بخلاف جهل رمضان فيسقطها اتفاقا، وخامس الشروط كون الفطر في رمضان الحاضر اهـ. وعبارة الصاوي في هذه الشروط: فتحصل أن شروط الكفارة للمكلف خمسة كما في الأصل: أولها العمد فلا كفارة على ناس، الثاني الاختيار فلا كفارة على مكره أو من أفطر غلبة، الثالث الانتهاك فلا كفارة على متأول تأويلا قريبا، الرابع أن يكون عالما بالحرمة، فجاهلها كحديث عهد بالإسلام ظن أن الصوم لا يحرم معه الجماع فلا كفارة عليه، خامسها أن يكون في رمضان فقط، لا في قضائه، ولا كفارة أو غيرها اهـ. ويزاد في الأكل والشرب: أن يكون بالفم فقط، وأن يصل للمعدة.
ولا كفارة على ناذر الدهر إن أفطر في غير رمضان على المعتمد اهـ المراد.
وقال العلامة الشيخ عبد الله التيدي في أجوبة له: فهل تعرف مواضع القضاء والكفارة؟ قال نعم في اثني عشر موضعا، ولا تكون الكفارة إلا في أداء رمضان فقط.
وهي مغيب الحشفة المعتد به شرعا، وإخراج مني، ومن نية نهارا عمدا أو ليلا واستمر حتى طلع الفجر، وإيصال مفطر لمعدة من فم فقط، ومن تعمد قيئا، ومن استاك بجوزاء نهارا، ومن رأى هلال رمضان ولم تقبل شهادته فأفطر، ومترقب حمى أو حيض ولو حصلا وأفطر، ومن اغتاب وأفطر، ومن عزم على السفر ولم يسافر وأفطر، والفطر في الكل عمدا فعليهم القضاء والكفارة اهـ. فتحصل بمجموع ذلك أن الكفارة لا تكون إلا في رمضان، ولا يكون الانتهاك إلا مع معرفة الحكم بلا تأويل قريب، فجاهل الحكم كحديث عهد بالإسلام لا كفارة عليه.
وأما من أفطر بتأويل بعيد فإنه يجب عليه القضاء والكفارة.
ومثله من أنزل بتحريك دابة على المشهور اهـ.
ثم انتقل إلى بيان أنواع الكفارة وهي ثلاثة أنواع على التخيير، فقال رحمه الله تعالى: " والمشهور تنوعها، وأنها على التخيير " واعلم أن في تنوع كفارة الصيام
الجزء: 1 - الصفحة: 422
سبعة أقوال، مشهورها أنها على ثلاثة أنواع، وهي العتق، والصوم، والإطعام.
واختلف هل هي على التخيير ككفارة اليمين وهو المشهور في المذهب، أم هي على الترتيب ككفارة الظهار وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة.
قال ابن جزي في القوانين الفقهية: وأما أنواعها فثلاثة: عتق، وإطعام، وصيام، فالعتق تحرير رقبة مؤمنة سليمة من العيوب ليس فيها عقد من عقود الحرية، ولا يكون عتقها مستحقا بجهة أخرى.
والصيام [صيام] 1 شهرين متتابعين.
والإطعام [إطعام] ستين مسكينا، مد لكل مسكين بمد النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو حنيفة مدان، وهي على التخيير ككفارة الأيمان، إلا أن أفضلها الإطعام في المشهور.
وقيل على الترتيب ككفارات الظهار وفاقا لهما اهـ بلفظه.
وقد ذكر تلك الأقوال المتقدمة أحمد الزروق وابن ناجي في شرحيهما على الرسالة القيروانية فراجعهما إن شئت.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فيعتق رقبة مؤمنة كاملة الرق غير معيبة ولا مستحقة العتق، أو يصوم شهرين متتابعين فإن قطع لعذر بنى وإلا استأنف، أو يطعم ستين مسكينا مدا مدا، والعدد شرط " قوله والعدد شرط، قال المواق نقلا عن الباجي: ولا يجزئه أن يطعم ثلاثين مسكينا مدين مدين.
وقال أبو الحسن: وله أن يسترجع ثلاثين مدا من المساكين ويعطيها غيرهم، فإن فوتوها لم يكن له عليهم رجوع.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يلفق من نوعين " يعني لا يجوز التلفيق من نوعين في الكفارات، لا في كفارة الصيام، ولا في اليمين، ولا في الظهار.
قال خليل في كفارة اليمين: ولا تجزئ ملفقة وفي الدردير: ولا يجزئ تلفيق من نوعين، ولا ناقص.
وقال الخرشي: يعني أن الكفارة يشترط فيها أن تكون من جنس واحد، فلا تجزئ ملفقة
الجزء: 1 - الصفحة: 423
من جنسين اهـ. وقال خليل أيضا في الظهار: ولا تركيب صنفين ولو نوى لكل عددا، أي لا يجزئ تركيب كفارة من صنفين كصيام ثلاثين يوما وإطعام ثلاثين مسكينا.
قال العلامة صالح عبد السميع: احترز بصنفين من تركيبها من صنف واحد كغداء وعشاء ثلاثين وتمليك ثلاثين كل واحد مدا وثلثين فيجزئ.
قاله في كفارة الظهار اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وتتعدد بتعدد الأيام " يعني أن الكفارة تتعدد بتعدد موجبها في كل يوم.
وفي المدونة: سئل مالك عن السفينة بعد أن يحتلم يفطر في سفهه في رمضان أياما، فقال عليه لكل يوم أفطره كفارة مع القضاء.
وفي موضع آخر أنه سئل فيمن جامع امرأته أياما في رمضان فقال: عليه لكل يوم كفارة، وعليها مثل ذلك إن كانت طاوعته، وإن كان أكرهها فعليه أن يكفر عنها وعن نفسه، وعليها قضاء عدد الأيام التي أفطرتها، فإن وطئها في يوم واحد مرتين فعليه كفارة واحدة.
وفيها أيضا في رجل جامع امرأته نهارا في رمضان وطاوعته في ذلك ثم حاضت من يومها، فقال عليها القضاء والكفارة، ومثلها من أفطر في رمضان متعمدا ثم مرض من يومه عليه القضاء والكفارة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والأظهر عدم تعددها في اليوم الواحد " يعني أن الكفارة لا تتعدد بتعدد موجبها في اليوم الواحد على الأظهر.
وهو كذلك قال ابن جزي في القوانين: ومن كرر الإفطار في يوم واحد فعليه كفارة واحدة.
ومن أفطر فلم يكفر حتى أفطر في يوم ثان فعليه كفارة ثانية خلافا لأبي حنيفة اهـ. قال النفراوي: لم يتعرض المصنف لحكم ما إذا تعدد منه موجب الكفارة، ومحصله أنها لا تتعدد بتعدد الأكلات أو الوطآت، ولا بأكل ووطء في يوم واحد، ولو كان أخرج للأول كفارة قبل الثاني،
الجزء: 1 - الصفحة: 424
وإنما تتعدد بتعدد أيام.
وهذا حكم الكفارة عن
نفسه.
وأما أوجب الكفارة على غيره فتتعدد عليه بتعدد المكفر عنه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وعدم وجوبها بالجماع سهوا " يعني أن الأظهر من الأقوال عدم وجوب الكفارة بالجماع سهوا.
قال في الرسالة: ومن أفطر في نهار رمضان ناسيا فعليه القضاء فقط، سواء كان فطره بالأكل أو بالشرب أو بالجماع على المشهور، خلافا لابن الماجشون القائل تجب الكفارة إذا كان فطره بجماع.
وفي المدونة: رأيت من أكل أو شرب أو جامع امرأته في رمضان ناسيا أعليه القضاء في قول مالك؟ قال نعم.
ولا كفارة عليه اهـ. وتقدم جملة مما يوجب القضاء دون الكفارة عند قول المصنف يجب القضاء بالفطر ولو سهوا أو جهلا إلخ فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " وفض نية " يعني والأظهر عدم ترتب الكفارة برفض نية، بل المشهور القضاء فقط، وصوب اللخمي سقوط القضاء.
وقال إنه غالب الرواية عن مالك.
وكذاك في المجموع، نقله الصاوي وقال: وأما من عزم على الأكل أو الشرب ثم ترك ما عزم عليه فلا شيء عليه لأن هذا ليس رفعا للنية اهـ.
انظر الحطاب والمواق.
قال رحمه الله تعالى: " وتعجيل فطر لتوقع مبيح " يعني والأظهر عدم وجوب الكفارة لأجل توقع العلامة الدالة على إباحة الفطر كغروب الشمس ثم تبين خلافه بعد فطره، ليس عليه إلا القضاء فقط دون الكفارة كما تقدم.
وفي المدونة عن مالك بإسناده عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه " أنه أفطر يوما في رمضان في يوم ذي غيم، ورأى أنه قد أمسى وقد غربت الشمس، ثم جاءه رجل فقال يا أمير المؤمنين قد طلعت الشمس، فقال عمر: الخطب يسير، وقد اجتهدنا " قال مالك: يريد بالخطب القضاء اهـ. ومثله في الموطأ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " والمكرهة تلزم المكره عنها " يعني أن المرأة المكرهة على
الجزء: 1 - الصفحة: 425
الجماع في نهار رمضان يلزم على مكرهها أن يكفر عنها وعن نفسه، وعليهما القضاء والإمساك لحرمة الوقت.
قال الدردير: وكفر عن أمته إن وطئها، وعن غيرها إن أكرهها لنفسه نيابة، بلا صوم وبلا عتق في الأمة، أي ولو طاوعته لأن طوعها إكراه، ما لم تتزين له فتلزمها فتصوم، ما لم يأذن لها في الإطعام.
وأما الزوجة وغيرها فإن طاوعته في الجماع أو الزنى فعليها القضاء والكفارة، وإلا فعليه الكفارة نيابة عنها.
وعليها القضاء فقط.
هذا في إكراهها على نفسه لا إن أكرهها على غيره.
قال النفراوي: وأما لو أكره شخص شخصا على الأكل والشرب للزم المكره بالفتح ويلزم المكره بالكسر الكفارة، وبخلاف من أكره غيره على جماع امرأة لا تلزمه كفارة.
والفرق أن الانتشار معه نوع اختيار، وإنما لم تلزمه الكفارة لأنه لا يتعمد.
فالحاصل أن من أكره (1) غيره على الجماع لا تلزمه كفارة ولا تلزم المكره بالفتح أيضا لأن لزوم الكفارة مشروط بالتعمد اهـ. وما تقدم من تكفير المكره عن المكرهة محله إن كانت بالغة مسلمة عاقلة، وإلا فلا.
قال الصاوي على الدردير: الإكراه يكون بخوف مؤلم كضرب فأعلى، كإكراه الطلاق فقد ذكر الرماصي أن الإكراه في العبادات يكون بما ذكر اهـ.
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بثبوت الصيام ووجوبه ولوازم الإفطار من الكفارة وغيرها انتقل يتكلم في بعض ما يستحب للصائم، وبعض مسائل الصيام، وبيان ذلك، فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
فيما يندب فعله للصائم
أي في بيان فعله للصائم، وما يلزمه وما يباح له، وما يكره عليه فعله في رمضان وغيره.
فقال رحمه الله تعالى: " يستحب تعجيل القضاء وتتابعه " قال خليل عاطفا على2
الجزء: 1 - الصفحة: 426
المندوبات: وتعجيل القضاء وتتابعه، يعني يستحب لمن عليه قضاء صوم رمضان أو غيره أن يبادر في قضائه لأن المبادرة للطاعة وبراءة الذمة أولى من النافلة، كما يستحب له أن يتابع ذلك القضاء.
قال رحمه الله تعالى: " فإن أخره أو بعضه لغير عذر متصل حتى دخل رمضان آخر فعليه مع القضاء الكفارة " أي الصغرى كما تأتي، لتفريطه في القضاء حتى دخل رمضان آخر بغير عذر، لا إن اتصل عذره.
قال الدردير: ووجب إطعام مده عليه الصلاة والسلام لمفرط في قضاء رمضان لمثله عن كل يوم لمسكين، إن أمكن القضاء بشعبان، لا إن اتصل عذره بقدر ما عليه مع القضاء أو بعده اهـ قوله بشعبان أي إلى تمام شهر شعبان، فمن عليه خمسة أيام مثلا وحصل له عذر كمرض، أو سفر، أو جنون، أو حيض قبل رمضان الثاني بخمسة أيام واتصل عذره فلا إطعام عليه، وإن كان طول عامه خاليا من الأعذار، وإن حصل العذر له في يومين فقط وجب عليه إطعام أمداد لأنها أيام التفريط دون أيام العذر اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " إطعام مسكين مدا عن كل يوم " يعني تمليك مد لمسكين في كل يوم يقضيه من غالب قوت أهل البلد، وذلك بعدد الأيام.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ويلزم المرضع تفطر خوفا على الرضيع، لا الحامل، وفيها خلاف " والمعنى كما قال عبد الباري: أن الحامل إذا خافت على ما في بطنها أفطرت ولم تطعم، وقد قيل تطعم.
والمرضع إذا خافت على ولدها ولم تجد من تستأجره له، أو لم يقبل غيرها أفطرت وأطعمت اهـ. ومثله في الرسالة.
وما ذكر من الخلاف في الحامل إن أفطرت فالمشهور أنها لا تطعم كالمريض.
قال النفراوي: والحاصل أن كل من جاز له الفطر لمرض أو سفر أو مشقة لا إطعام عليه إلا من يسقط عنه الصوم لكبر أو عطش كما تقدم، وإلا الحامل والمفرط في قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 427
وأشار رحمه الله تعالى إلى حكم العاجز عن الصيام لكبر أو عطش فقال: " ويستحب للعاجز لكبر أو عطش " يعني أن يندب له إطعام مسكين مدا عن كل يوم يمر عليه لعجزه عن الصوم.
قال في الرسالة: ويستحب للشيخ الكبير إذا أفطر أن يطعم، أي مدا عن كل يوم.
وإنما يكتفي بالإطعام إذا كان لا يستطيع الصوم جملة، وأما لو كان يقدر عليه ولو في غير رمضان لوجب عليه القضاء ولا إطعام عليه.
ومثل الشيخ الكبير من لا يستطيع ترك الماء لشدة العطش في جميع الزمن.
قال خليل عاطفا على المندوب: وفدية لهرم وعطش.
وقول المدونة: ولا فدية على من لم يستطع الصوم، ومراده عدم الوجوب، فلا ينافي الندب كما قال المصنف اهـ النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: " ولا قضاء عليهما " أي على العاجز لكبر أو العاجز لعطش إذا كانا لا يستطيعان الصوم ولو في زمن الشتاء أو في أي زمان من الأزمنة، وإلا وجب علهما القضاء كما تقدم.
وإنما أبيح لهما الفطر ولا قضاء لقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومن جن او أغمى عليه أكثر يومه لزمه القضاء، جن من الليل، أو طرأ عليه، بلغ مجنونا أو صحيحا، لا باليسير " يعني كما قال عبد الباري العشماوي، ومن شروط صحة الصوم العقل، فمن لا عقل له كالمجنون والمغمى عليه لا يصح منه في تلك الحالة، ويجب على المجنون إذا عاد إليه عقله ولو بعد سنين كثيرة أن يقضي ما فاته من الصوم في حال الجنون.
ومثله المغمى عليه إذا أفاق، أي فإنه يقضي الصوم إذا أغمى عليه يوما كاملا، أو جله، أو أقله ولم يسلم أوله، ولا يلزمه الإمساك فيما بقي من يومه على المعتمد، كما في الصفتي نقلا عن العدوي اهـ. وقال صاحب الرسالة: ومن أغمي عليه ليلا
فأفاق بعد طلوع الفجر فعليه قضاء الصوم، ولا يقضي من الصلوات إلا ما أفاق في وقته.
قال النفراوي: ولو وقت الضروري.
ثم قال: تنبيه كان الأنسب للمصنف أن لو
الجزء: 1 - الصفحة: 428
قال: ولا يطالب المغمى عليه بفعل شيء من الصلوات إلا ما أفاق في وقته، لأن القضاء عبارة عن الإتيان بما خرج وقته وما أفاق في وقته أداء لا قضاء.
وقال قبل ذلك: وأما النائم يمضي عليه أيام وهو نائم بعد تبييت النية فلا قضاء عليه أي لصحة صومه وبقاء تكليفه، وإنما الساقط عن النائم الإثم فقط، حتى لو بيت النية بعد ثبوت الشهر ونام جميعه صح صومه وبرئت ذمته، وليس السكران بحلال كالنائم بل كالمجنون فيجب عليه القضاء اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ويلزم الكافر إمساك بقية يوم إسلامه " وما ذكره رحمه الله من لزوم الإمساك قول في المذهب، لكن المشهور الاستحباب.
قال خليل عاطفا على المندوبات: وإمساك بقية اليوم لمن ألسم اهـ كما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى.
قال الخرشي: يريد أن الكافر إذا أسلم في نهار رمضان فإنه يستحب له الإمساك في بقية ذلك اليوم ليظهر عليه صفات الإسلام بسرعة.
وإنما لم يجب عليه الإمساك ترغيبا للإسلام، ويستحب له أيضا قضاؤه اهـ. ومثله في الفواكه للنفراوي.
انظر الحطاب، وفيه زيادة إيضاح لمن يريد أكثر من هذا.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ويستحب للصبي يبلغ الإمساك " يعني يندب للصبي بلغ نهارا في رمضان أن يمسك بقية يومه عن المفطرات لحرمة الشهر، هذا إذا بيت الصوم، وإلا فلا يستحب له ذلك قال العلامة الحطاب: وإذا بلغ الصبي أو الصبية وهو صائم فإنه يتمادى لأن صومه انعقد نافلة ظاهرا وباطنا، فإن كان مفطرا فهو كالحائض أي فلا يستحب له الإمساك، ولا يجب عليه قضاء ما مضى من رمضان ولا قضاء اليوم الذي بلغ فيه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " لا بقية يوم الشفاء والطهر وقدوم المسافر مفطرا " قال في رسالة: وإذا قدم المسافر مفطرا، وطهرت الحائض نهارا فلهما الأكل في بقية يومهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 429
قال شارحها.
وكالمفطر لضرورة جوع أو عطش، والمرضع يموت ولدها نهارا، والمريض يقوى، والصبي يبلغ، ولم يكن بيت الصوم، أو بيته وأفطر عمدا قبل بلوغه فلا يجب الإمساك على واحد من هؤلاء بقية يومه، بخلاف الصبي يبيت الصوم ويستمر صائما حتى بلغ، أو أفطر ناسيا وأمسك فإنه يجب عليه الإمساك في هاتين الصورتين، نقله النفراوي عن الأجهوري اهـ. وقال العلامة الدردير - عاطفا على المندوبات -: وإمساك بقية اليوم لمن أسلم وقضاؤه، بخلاف من زال عذره المبيح له الفطر مع العلم برمضان، كصبي بلغ أي فلا يندب له
الإمساك، هذا عند عدم تبييت الصوم، ومريض صح، ومسافر قدم فيطأ امرأته كذلك أي التي زال عذرها المبيح لها الفطر مع العلم برمضان، بأن قدمت معه من السفر أو طهرت من حيض أو نفاس، أو بلغت نهارا، أو أفاقت من جنون اهـ بتوضيح.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ثم السفر المبيح سفر القصر " يعني السفر المبيح الفطر فيه هو السفر الذي تقصر فيه الصلاة، بأن كان سفرا مباحا أربعة برد ذهابا كما تقدم في صلاة السفر.
وإذا كان السفر تقصر فيه الصلاة يجوز الفطر فيه في رمضان إذا شرع في السفر.
ما لم يبيت الصوم، فإن بيت الصوم منع الفطر.
قال رحمه الله تعالى: " والصوم أفضل " يعني أن الصوم في السفر أفضل من الفطر فيه لمن قوي على ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 184] الآية.
وقال في الرسالة: ومن سافر سفرا تقصر فيه الصلاة فله أن يفطر وإن لم تنله ضرورة، وعليه القضاء، والصوم أحب إلينا.
أي معاشر المالكية.
قال رحمه الله تعالى: " وإذا أجمع إقامة أربعة أيام لزمه " يعني إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع لزمه الصوم كما لزمه إتمام الصلاة.
قال النفراوي في الفواكه: تنبيهات: الأول يقطع جواز الفطر ما يقطع جواز قصر الصلاة المشار إليه بقول خليل:
الجزء: 1 - الصفحة: 430
وقطعه نية إقامة أربعة أيام صحاح ولو بخلاله إلا العسكر بدار الحرب اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " والمتطوع إن أفطر ساهيا لزمه إمساك بقية يومه لا قضاؤه " يعني أن الصائم المتطوع إذا أفطر ساهيا فإنه يجب عليه الإمساك إلى الغروب.
وفي الموطأ " قال يحيى سمعت مالكا يقول: من أكل أو شرب ساهيا أو ناسيا في صيام تطوع فليس عليه قضاء، وليتم يومه الذي أكل فيه أو شرب وهو متطوع، ولا يفطره، وليس على من أصابه أمر يقطع صيامه وهو متطوع قضاء إذا كان إنما أفطر من عذر غير متعمد للفطر " الحديث اهـ وقال في الرسالة: ومن أفطر في تطوعه عامدا أو سافر فيه فأفطر لسفره فعليه القضاء، وإن أفطر ساهيا فلا قضاء عليه، بخلاف الفريضة اهـ. قال الشارح: قوله فلا قضاء عليه أي لعدم تعمده، ولكن يجب عليه الإمساك بقية يومه.
واختلف في ندب قضائه على قولين.
ومثل الناسي المفطر لضرورة كجوع أو عطش، أو لوجه كأمر شيخه، أو أحد أبويه، والمراد شيخه في العلم أو الطريقة اهـ قاله النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: " ويحرم صيام العيد " يعني أنه لا يجوز صيام يوم العيد سواء عيد الفطر أو الأضحى لما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " نهى عن صيام يومين يوم الفطر ويوم الأضحى " قال الزرقاني على
الموطأ: فصيامهما حرام على كل أحد من متطوع، وناذر، وقاض فرضا، ومتمتع، وغير ذلك إجماعا؛ لأنه معصية فلا يصومهما من نذرهما، لحديث " من نذر أن يعصي الله فلا يعصه " قال المازري: ذهب مالك إلى من نذر صوم أحد العيدين لا ينعقد ولا يلزمه قضاؤه، وخالفه أبو حنيفة.
والحديث رواه مسلم، وأعاده الإمام في الحج انظرهما اهـ. وقال في المدونة: سئل ابن القاسم: أرأيت لو أن رجلا أصبح يوم الأضحى أو يوم الفطر صائما، فقيل له إن هذا اليوم لا يصلح فيه الصوم فأفطر أيكون عليه قضاؤه في قول مالك أم لا؟ قال: لا يكون عليه قضاؤه عند مالك اهـ. وفي الرسالة: ولا يجوز صيام يوم الفطر ولا يوم النحر، ولا يصوم اليومين
الجزء: 1 - الصفحة: 431
اللذين بعد يوم النحر إلا المتمتع الذي لا يجد هديا، واليوم الرابع لا يصومه متطوع، ويصومه من نذره أو من كان في صيام متتابع قبل ذلك اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويكره أيام التشريق إلا لتمتع ونحوه " يعني أن أيام التشريق لا يجوز صيامها إلا للمتمتع الذي لم يجد الهدي فله صيامها بلا كراهة.
قال مالك في المدونة: من نذر صيامها أو كان عليه صوم واجب، أو نذر صيام ذي الحجة فلا ينبغي له أن يصوم أيام الذبح الثلاثة، ولا يقضي فيها صياما واجبا عليه من من نذر أو رمضان، ولا يصومها أحد إلا المتمتع الذي لم يجد الهدي فذلك يصوم اليومين الآخرين، ولا يصوم يوم النحر أحد، وأما آخر أيام التشريق فيصام إن نذره رجل، أو نذر صيام شهر ذي الحجة، فأما أن يقضي به رمضان أو غيره فلا يفعل اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويستحب صوم أيام البيض " سميت بذلك لبياض الليالي بالقمر من الغروب إلى الفجر، وهي الثالثة عشرة وتاليتاها.
وما ذكر المصنف من استحباب صيامها وهو كذلك، إلا أن الإمام مالكا كره تعيينها فرارا من التحديد فيما لا يحدده الشارع، فإن وافق صومها بلا قصدها فلا كراهة.
وفي الحديث عن ذر أنه قال: " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام: ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر " رواه النسائي والترمذي، وصححه ابن حبان اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويوم عرفة " يعني ينبغي صيام يوم عرفة لمن لم يحج، ويكره صومه للحاج، لما في الحديث عن أبي هريرة قال: " إن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة " رواه الخمسة غير الترمذي.
ويتأكد فطر من بعرفة ليتقوى على أداء المناسك، ويكره له صومه لئلا يضعفه عن الوقوف، وأيضا وفي فطره تأسيا به صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أفطر في حجة الوداع.
قال رحمه الله تعالى: " وعاشوراء " أي يستحب للمكلف صيام يوم عاشوراء وهو عاشر
الجزء: 1 - الصفحة: 432
المحرم ومثله تاسوعاء وهو تاسع محرم.
قال الخرشي: والمعنى أن صيام يوم عاشوراء ويوم تاسوعاء مستحب وإنما قدم عاشوراء لأنه أفضل من تاسوعاء لأنه يكفر سنة، وقد صامه النبي صلى الله عليه وسلم قبل فرض رمضان.
وأما تاسوعاء: فقد تمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم صيامه، لقوله: " لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع " رواه مسلم.
وفي رواية: " فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع " فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال القرطبي في تفسيره: ولم يصم النبي صلى الله عليه وسلم قط، ببينة قوله لئن بقيت إلى قابل الحديث.
وقد ذكر العلماء اثنتي عشرة خصلة مستحبة تفعل في يوم عاشوراء انظرها في الخرشي اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والاثنين والخميس " يعني من الأيام الفاضلة التي يستحب فيها الصوم يوم الاثنين ويوم الخميس.
وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الاثنين فقال: " ذلك يوم ولدت فيه وبعثت فيه وفيه أنزل القرآن " رواه أبو داود ومسلم.
وصامهما رسول الله صلى الله عليه وسلم كما شهد بذلك حديث أبي قتادة.
وسئل النبي عن ذلك فقال: " إن أعمال العباد تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم " اهـ. رواه أصحاب السنن.
ثم انتقل يتكلم على
الاعتكاف
لما فيه من المناسبة بينه وبين الصوم فقال رحمه الله تعالى:
باب الاعتكاف
وفي نسخة ذكر هنا فصل بعد الباب والصواب حذفه اكتفاء بذكر الباب.
والاعتكاف لغة العكوف وهو اللزوم، وشرعا لزوم مسلم مميز مسجدا مباحا بصوم ليلة ويوما لعبادة قاصرة بنية، كافا عن الجماع ومقدماته اهـ.
وعبارة صاحب العزية:
الجزء: 1 - الصفحة: 433
وحقيقته اللبث في المسجد للعبادة على وجه مخصوص.
وأقله يوم وليلة، وأكمله عشرة أيام.
وهو من نوافل الخير اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " الاعتكاف ملازمة المسجد ليلا ونهارا مع النية والصوم مشتغلا بالعبادات " يعني أن الاعتكاف عبادة مخصوصة، وهي ملازمة المسجد، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] مع النية والصوم مشتغلا بالعبادة المخصوصة، وهي الصلاة، وتلاوة القرآن وذكر الله تعالى كالهيللة والحمدلة، والاستغفار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
وينبغي أن يستغرق أوقاته بذلك، لأن المقصود تصفية النفس وصرفها عن شهواتها الدنيوية، كما قال رحمه الله تعالى: " تاركا للأسباب الدنيوية إلا لضرورة تحصيل طعامه " يعني كما قال مالك في المدونة، ومثله في الموطأ: المعتكف مقبل على شأنه لا يعرض لغيره مما يشغل به نفسه من التجارات أو غيرها.
وقال: لا بأس أن يشتري ويبيع
الشيء الخفيف لعيشه الذي لا يشغله.
وأما شراؤه أو بيعه للتجارة داخل المسجد فيكره اهـ. وفي النفراوي: فالحاصل أنه يكره بيعه أو شراؤه للتجارة مطلقا أي سواء كان خارج المسجد أو داخله، ويجوز لغيرها مما لا يستغنى عنه ولو خارجه بحيث لا يجاوز محلا قريبا يمكن الشراء منه، ويشترط أن لا يجد من يشتري له وسئل مالك: أيجلس العلماء ويكتب العلم؟ فقال: لا يفعل إلا الأمر الخفيف، والترك أحب إلي اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " واشتراطه الخروج ملغى، ويبطل بالخروج إلا لحاجة الإنسان أو طعامه، ولو لعيادة أو صلاة جنازة أو جمعة " يعني لا شرط في الاعتكاف سواء قبل الدخول أو بعده.
قال ابن عرفة: وشرط منا فيه لغو.
وقال خليل: وإن شرط سقوط القضاء لم يفده اهـ. وقال مالك في المدونة: لا أسمع أن أحدا من أهل العلم يذكر أن في الاعتكاف شرطا لأحد، وإنما الاعتكاف عمل من الأعمال كهيئة الصلاة والصوم
الجزء: 1 - الصفحة: 434
والحج، فمن دخل في شيء من ذلك فإنما يعمل فيه بما مضى من السنة في ذلك، وليس له أن يحدث في ذلك غير ما مضى عليه الأمر بشرط يشترطه أو بأمر يبتدعه، وإنما الأعمال في هذه الأشياء بما مضى فيها من السنة، وقد اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف المسلمون سنة الاعتكاف.
اهـ. ومثله في الموطأ.
وقوله: ويبطل بالخروج إلخ هذا شروع في ذكر مبطلاته.
أي ويبطل الاعتكاف بالخروج عن المعتكف بغير حاجة الإنسان، ولو لعيادة مريض أو لصلاة الجنازة، أو كان خروجه لجمعة كما يأتي عن قريب.
ويبطل أيضا بفعل الكبائر كشرب الخمر.
وبالجماع، أو مقدماته ليلا أو نهارا.
ولا يصلي على على الجنازة ولو لاصقته، ولا يعود مريضا إلا إذا كان بقربة، ويكره أكله بفناء المسجد.
وكذلك فعل غير ذكر وتلاوة وصلاة.
قال رحمه الله تعالى: " ويستحب أن لا ينقص عن عشرة أيام " قال في الرسالة: وأقل ما هو أحب إلينا من الاعتكاف عشرة أيام.
ومن نذر اعتكاف يوم فأكثر لزمه، وإن نذر ليلة لزمه يوم وليلة.
قال خليل: ولزم يوم إن نذر ليلة، وكذا عكسه، بخلاف ما لو نذر بعض يوم أو بعض ليلة فلا يلزمه شيء، إلا أن ينوي الجوار فيلزمه ما نوى اهـ. انظر النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز في كل مسجد إلا من تلزمه الجمعة فيتعين الجامع " يعني أن الاعتكاف جائز في كل مسجد من المساجد إلا من تلزمه الجمعة ونوى من الأيام التي تدركه فيها فيتعين الجامع، وإلا خرج وبطل بالخروج.
قال ابن جزي: فإن نوى اعتكاف مدة يتعين عليه إتيان الجمعة في أثنائها تعين الجامع،
لأنه إن خرج إلى الجمعة بطل اعتكافه، خلافا لأبي حنيفة وابن الماجشون اهـ.
قال أبو الحسن في العزية: المسجد من أركان الاعتكاف، فلا يصح في غيره.
قال شارحها: ولا يشترط كون المسجد جامعا إلا أن يكون المعتكف نوى أو نذر أياما تأخذه فيها الجمعة وكان ممن تجب عليه
الجزء: 1 - الصفحة: 435
فيجب عليه الاعتكاف في الجامع فيما تصح فيه الجمعة دائما، لا برحبته الخارجة عنه.
وأما رحبته الداخلة فيه فيصح فيها، إذ هي عبارة عن صحن الجامع، فإن لم يخرج حرم عليه ولم يبطل اعتكافه، لأنه لم يرتكب كبيرة بناء على ما ذهب إليه الحطاب في باب الجمعة من أن تركها مرة من غير عذر صغيرة، ولا يعد مرتكبا كبيرة إلا أن يتركها ثلاث مرات متواليات خلافا لأصبغ اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويدخل معتكفه قبل الفجر " وما ذكره المصنف من دخول المعتكف في معتكفه قبل الفجر وإن كان جائزا إلا أنه خلاف المندوب، فالمندوب الدخول قبل غروب الشمس.
قال مالك في الموطأ: يدخل المعتكف المكان الذي يريد أن يعتكف فيه قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أن يعتكف فيها حتى يستقبل باعتكافه أول الليلة التي يريد أن يعتكف فيها اهـ. انظر شرحه للزرقاني.
وقال أبو محمد في الرسالة: وليدخل معتكفه قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أن يبتدئ فيها اعتكافه.
قال شارحها: ليستكمل الليلة.
وحكم الدخول في ذلك الوقت الوجوب إن كان الاعتكاف منذورا، والندب إن لم يكن منذورا، وعلى الوجهين لو أخر دخوله ودخل قبل الفجر أجزأه، قال خليل عاطفا على المندوبات: ودخوله قبل الغروب.
وصح إن دخل قبل الفجر لأنه أدرك محل النية، بل ولو دخل مع الفجر بناء على صحتها مع الفجر، لكن مع الإثم على التأخير في الاعتكاف المنذور.
وإنما أجزأه مع مخالفته الواجب بناء على أن أقله يوم اهـ. قلت: وما ذكره من هذا البناء مرجوح.
انظر حاشية العدوي على الخرشي.
قال رحمه الله تعالى: " فإن دخل بعده بطل " يعني إن دخل المعتكف محل اعتكافه بعد طلوع الفجر بطل اعتكافه.
قال ابن جزي في القوانين: وأما زمانه فأقله يوم وليلة والاختيار أن لا ينقص عن عشرة أيام ولا حد لأقله عندهما 3. ويستحب أن يدخله قبل
الجزء: 1 - الصفحة: 436
غروب الشمس من ليلة اليوم الذي يبدأ فيه، فإن فعل ذلك أجزأه اتفاقا، وإن دخل بعد الفجر لم يجزه، وإن دخل بين المغرب والعشاء ففي الصحة
والبطلان قولان اهـ. وفي الصاوي: قال ابن الحاجب: من دخل قبل الغروب اعتد بيومه، وبعد الفجر لا يعتد به، وفيما بينهما قولان المشهور الاعتداد.
وقال سحنون: لا يعتد.
وحمل بعضهم قول سحنون على النذر، والقولين بالاعتداد على النفل.
ولكن المعتمد الاعتداد مطلقا نفلا أو نذرا اهـ. وما ذكره ابن جزي وابن الحاجب هو مذهب الجمهور خلافا للأوزاعي ومن معه القائلين إنما السنة أن يدخل المعتكف اعتكافه بعد صلاة الصبح مستدلين بظاهر حديث عائشة.
انظر الزرقاني على الموطأ اهـ. وقال مالك في حديث أبي سعيد الخدري في الاعتكاف: إن ذلك يعجبني، وعلى ذلك رأيت أمر الناس أن يدخل الذي يريد الاعتكاف في العشر الأواخر حين تغرب الشمس من ليلة إحدى وعشرين، ويصلي المغرب فيه ثم يقيم.
فلا يخرج إلى أهله حتى يفرغ من العيد.
وذلك أحب الأمر إلى فيه اهـ المدونة.
وما ذكره الإمام من حديث أبي سعيد من أن المعتكف لا ينصرف إلى أهله حتى يصلي العيد أشار إليه المصنف بقوله رحمه الله تعالى: " ومعتكف العشر الأواخر لا ينصرف إلى أهله إلا بعد شهود العيد " قال في الرسالة: ومن اعتكف أول الشهر أو وسطه خرج من اعتكافه بعد غروب الشمس من آخره.
وإن اعتكف بما يتصل فيه اعتكافه بيوم الفطر فليبت ليلة الفطر في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى.
قال مالك: بلغني أنه عليه الصلاة والسلام كان يفعل ذلك عند اعتكافه العشر الأواخر من رمضان اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والمرأة كالرجل فلا يصح في بيتها " يعني أن الاعتكاف لا يصح في البيوت، بل في المساجد ولو لامرأة، فالمسجد شرط في صحته كما تقدم.
قال النفراوي: فلا يصح في بيت، ولا في مسجد محجر، ولا في سطح المسجد، ولا في بيت
الجزء: 1 - الصفحة: 437
قناديله ولو كان المعتكف امرأة اهـ. قال الحطاب عند قول خليل ومسجد: أي في صحته بمطلق مسجد، أي مسجد مباح.
قال ابن رشد: وأما الاعتكاف في مساجد البيوت فلا يصح عند مالك لرجل ولا لامرأة، خلاف قول أبي حنيفة في أن المرأة تعتكف في مسجد بيتها اهـ. وقال مالك في الموطأ: الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه أنه لا يكره الاعتكاف في كل مسجد يجمع فيه ولا أراه كره الاعتكاف في المساجد التي لا يجمع فيها إلا كراهية أن يخرج المعتكف من مسجده الذي اعتكف فيه إلى الجمعة أو يدعها، فإن كان مسجدا لا يجمع فيه الجمعة ولا يجب على صاحبه إتيان الجمعة في مسجد سواه فإني لا أرى بأسا بالاعتكاف فيه، لأن الله تبارك وتعالى قال: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فعم الله المساجد كلها، ولم يخص شيئا منها اهـ. ومثله في المدونة.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ومن عرض له ما يمنعه إتمامه من مرض أو حيض ولم يمكنه المقام خرج وعليه حرمة الاعتكاف، فإذا زال عذره عاد في الفور " يعني أن المعتكف إذا عرض له عذر في أثناء اعتكافه وقبل إتمام ما نواه أو نذره، فإن كان عذره خفيفا لا يمنعه المكث في المسجد فلا يخرج، وإن كان مما يمنع المكث فيه كالحيض والإسهال والمرض الشديد وجب عليه الخروج إلى منزله، فإذا زال عنه العذر رجع إلى المسجد وقتئذ وحرمة الاعتكاف معه في حالة العذر، وإن تأخر عن المسجد بعد العذر بطل الاعتكاف.
قال في الرسالة.
وإن مرض خرج إلى بيته، فإذا صح بنى على ما تقدم، وكذلك إن حاضت المعتكفة وحرمة الاعتكاف عليهما في المرض، وعلى الحائض في الحيض، فإذا طهرت الحائض أو أفاق المريض في ليل أو نهار رجعا ساعتئذ إلى المسجد اهـ. قال خليل: وبنى بزوال إغماء أو جنون، كان منع من الصوم لمرض أو حيض أو عيد، وخرج وعليه حرمته، فإن أخره بطل إلا ليلة العيد أو يومه وأخر رجوعه إلى المسجد حتى مضى يوم العيد وتالياه في عيد الأضحى فإن اعتكافه
الجزء: 1 - الصفحة: 438
لا يبطل، بخلاف ما لو طهرت الحائض أو صح المريض وأخر كل الرجوع إلى المسجد فإن اعتكافه يبطل لصحة صوم ذلك اليوم لغيرهما، بخلاف يوم العيد فإن صومه لا يصح لأحد اهـ الخرشي.
قال رحمه الله تعالى: " وإن شرط عدم القضاء لمرض أو غيره لم يفده على المشهور " يعني كما قال الخرشي: إن المعتكف إذا اشترط ما ينافي اعتكافه، بأن قال إن حصل له مانع يوجب القضاء لا أقضى، فإن شرطه لا يفيده ويصح اعتكافه على مقتضى الاعتكاف المشروع.
قال ابن عرفة: وشرط منافيه لغو.
وقال صاحب الشامل: فإن شرط سقوط القضاء لحدوث مرض أو غيره لم يفده على المشهور، وثالثهما إن وقع بعد الدخول وإلا بطل اهـ. وتقدم لنا هذه المسألة عند قول المصنف واشتراطه الخروج ملغى فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " ويحرم على المعتكف الاستمتاع ليلا أو نهارا لا عقد نكاح.
والله أعلم " يعني كما قال مالك في الموطأ: لا بأس بنكاح المكتف نكاح الملك، ما لم يكن المسيس.
والمرأة أيضا تنكح نكاح الخطبة ما لم يكن المسيس.
ويحرم على المعتكف من أهله بالليل ما يحرم عليه منهن بالنهار، ولا يحل لرجل أن يمس امرأته وهو معتكف لا يتلذذ منها بقبلة ولا غيرها، ولم أسمع أحدا يكره للمعتكف ولا للمعتكفة أن ينكحها في اعتكافها ما لم يكن المسيس
فيكره.
ولا يكره للصائم أن ينكح في صيامه، وفرق بين نكاح المعتكف ونكاح المحرم، أن المحرم يأكل ويشرب ويعود المريض، ويشهد الجنائز.
ولا يتطيب.
والمعتكف والمعتكفة يدهنان ويتطيبان، ويأخذ كل واحد منهما من شعره، ولا يشهدان الجنائز، ولا يصليان عليها، ولا يعودان المريض، فأمرهما في النكاح مختلف، وذلك الماضي من السنة في نكاح المحرم والمعتكف والصائم اهـ. وفي المدونة:
الجزء: 1 - الصفحة: 439
وإن جامع في ليل أو نهار ناسيا، أو قبل أو باشر أو لامس فسد اعتكافه وابتدأه اهـ. انظر الحطاب.
ولما أنهى الكلام على دعائم الإسلام الثلاث، وهي الصلاة والزكاة والصوم وما يتعلق بجميع ذلك انتقل يتكلم على الدعامة الرابعة، وهي الحج فقال رحمه الله تعالى:
الجزء: 1 - الصفحة: 440