كتاب الإحياء والارتفاق والغصب والاستحقاق
أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام إحياء الأرض الموات وما عطف عليها ممَّا ستقف عليه إن شاء اللَّه مفصَّلاً في مواضعه: وبدأ بالكلام على الإحياء كما صدر به اهتمامًا بشأنه، فقال رحمه اللَّه تعالى: "مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا غَيْرَ مُمْلُوكَةٍ فَهُوَ لَهُ، فَإِن عَادَ دَاثِرًا فَلِغَيْرِهِ إِحْيَاؤُهُ" يعني من عَمَّر الأرض الموات فهي مِلْكٌ له، والمَوات بفتح الميم، وهي الأرض لغا مالك لها ولا يُنْتَفَع بها، والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أحيا أرضًا مَيِتًّ فهي له وليس بِعرقٍ ظالم حَقٌّ" قال مالك والعِرقُ الظالِمُ ما احتفر أَو أُخِذ أو غُرِسَ بغير حقًّ اهـ. الموطَّأ.
قال الدردير في أقرب المسالك: إحياء الموات، مضواتُ الأرض ما سَلِمَ من اختصاص بإحياء، ومَلَكها به ولو اندرست إلاَّ لإحياءٍ من غيره بعد طول، والطول بالعُرْف بأن يرى أن من أحياها أوّلاًّ قد أعرض عنها فإنها تكون للثاني، ولا كلام للأوَّل بخلاف إحيائها بقرب، لكن إن عمَّرها الثاني جاهلاً بالأوّل فَلَهُ قيمة عمارته قائمًا للشبهة، وإن كان عالِمًا فَلَه قيمتها منقوضًا، وهذا ما لم يسكت الأوّل بعد عِلمِه بالثاني بِلا عُذر، وإلاَّ كان سكوته وهو حاضر بلا عُذْر دليلاً على تَرْكِها له.
وقولنا بعد طول، هذا هو المعتمد، وقيل تكون للثاني ولو لم يطل وهو ظاهر قول ابن القاسم، وعليه درج الشيخ أي سيدي خليل.
وقيل لا تكون للثاني أبدًا بل هي لِمَنْ أحياها ولو طال الزمن قياسًا على مَنْ مَلِكَها بشراء أو إرْث أو هِبَة أو صَدَقة فاندرست، فإنها لا تخرج عن مِلْكِه لا كلام لِمَنْ أحياها ثانيًا اتفاقًا، إِلاَّ لحيازة بشروطها كما يأتي اهـ.
قال رحمه اللَّه تعالى: "وَيَقِفُ مَا قَارَبَ الْعِمَارَةَ عَلَى إِذْنِ الإِمَامِ" يعني كما قال مالك في المدوَّنة: ولا يكون له أن يحيي ما قَرُبَ من العمران: وإنَّما تفسير الحديث مَنْ أحيا
الجزء: 3 - الصفحة: 52
أرضاً مواتًا إنَّما ذلك في الصحاري والبراري، وأمَّا ما قَرُبَ من العمران ما يتشاحّ الناس فيه فإن ذلك لا يكون له أن يُحْيِيَه إلاَّ بقطيعة من الإمام اهـ. قال ابن جزي فإن كانت قريبة من العمران افتقر إحياؤها إلى إذْن الإمام، بخلاف البعيدة من العمران اهـ. وفي الدردير: وافتقر إن قَرُبَ لإذْنٍ، وإلاَّ فللإمام
إمضاؤُه وجعلَهُ متعديَّا، بخلاف البعيد ولو ذَمِيًّا بغير جزيرة العرب، أي يفتقر الإحياء إلى إذنْ الإمام إن كان قريبًا من العمران بأ، كان حريم بلد.
قال الحطاب: والقريب هو حريم العمارة ممَّا يلحقونه غدوًا ورواحًا.
قال ابن رشد: وحدُّ البعيد من العمران ما لم يَنْتَهِ إليه مسرح العمران واحتطاب المحتطبين إذا رجعوا إلى المبيت في مواضعهم، فإذا كانت قريبة وأحياها بغير إذْنٍ من الإمام فللإمام ردُّه وله إمضاؤه، يخلاف البعيدة فلا يفتقر إلى إذْنٍ من الإمام فهو مِلْكٌ له، سواء كان المُحْيي مسلِمًا أو ذمَّيًا ويُشْتَرِطُ في الذَّمَّي أن لا يكون إحياؤه في جزيرة العرب وإلأن فلا لأنها ممنوعة للَّمَّي، لقوله عليه الصلاة السلام: "لا يبقين دينان بجزيرة العرب" وفي رواية "هي مكة والمدينة واليمن وما والاها" اهز بتوضيح.
وعبارة الخرشي: فإن كان المكان الذي يقع الإحياء فيه بعيدًا من العمران فإن المُحْيي لا يفتقر في إحيائه فيه لإذْن ولو كافرًا حيث كان الموضع المُحْيَا بغير جزيرة العرب المتقدَّم تفسيرها في باب الجِزْية للحديث المتقدَّم اهـ انظر المنتقى لأبي الوليد الباجي.
ثم ذكر رحمه الله تعالى ما يكون به إحياء المَوات فقال: "بِشَقَّ الأْنْهَارِ، وَاستخرَاج العُيُونِ وَالآبَارِ، والغَرِسِ والتَّحْجِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ" يعني كما قال الدردير: والإحياء بتفجير ماء وبإزالته وببناء وغرس، وتحريك أرض، وقطع شجر، وكسر حجرها مع تسويتها، لا بتحويط ورعي كلأ وحفر بئر ماشية إلاَّ أن يُبين المِلكية.
قال الصاوي في حاشيته عليه: السبعة المتقدمة متفق على كونها إحياء، وهذه الثلاثة مختلف فيها، والصحيح أنها ليست إحياء.
وانظر لو فعل في الأرض تلك الأمور الثلاثة
الجزء: 3 - الصفحة: 53
جميعها هل يكون إحياء لها لأنه لا يلزم من كون كل واحد من هذه لا يحصل به إحياء أن يكون مجموعها كذلك، لقوة الهيئة المجتمعة عن حالة الانفراد كما هو ظاهر كلامهم.
ومقتضى ما في الحاشية (أي حاشية العدوي الخرشي) أن يكون إحياء اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "وَلاَ يَحْفِرُ بِئْرًا حَيْثُ يَضُرُّ بِئْرَ غَيْرِهِ، وَيُعْتَبَرُ ذلِكَ بِشِدَّةِ الأأرْضِ وَرَخَوَتِهَا، فإن حَفررَ في ملْكِهِ فَلَهُ مَنْعُ مَائِهَا وَبَيْعُهُ إلاَّ بِئْرَ الزَّرْع فَعَلَيْهِ بَذْلُ فَضْلِهَا لجارِهِ الزَّارع عَلَى ماءٍ مَا دَامَ مُتَشاغِلاً بإصْلاَح بِئْرِهِ" هذا شروع في مَنْع إحداث ما يَضُرُّ بالجار أو الشريك.
قال مالك في الموطَّأ بإسناده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ضَرَرَ ولا ضِرار".
ولذا قال في الرسالة: فلا يفعل ما يَضُرُّ بِجَاره من فَتْحِ كَوَّو ة قريبة يكشف جارَه منها، أو فَتْحِ بابٍ قبالة بابه أو حَفْرِ ما يَضُرُّ بِجَاره في حَفْرِه وإن ك ان في مِلْكِه.
قال شارحَها كحَفْر بئر ملتصقة بِجَاره، أو حاصل لمرحاضه قال خليل: وقضى بِمَنْعِ داخانٍ كحمَّام، أو رائحة كدباغ، وأندر قبل
بيت، ومضر بجدار واصطبل أو حانوت قبالة باب.
واختُلِفَ في إحداث ما يحطُّ من الثمن ولا يَضُرُّ بِجِدار كإحداث فرن بقرب فرن، أو حمَّام بقرب حمَّام فإنه لا يمنع الجار من إحداث شيئ من ذلك، واختُلِفَ البئر بقرب بئر الجار فبعضهم أجازها.
وقال أشهب إن كان يلزم على حَفْرِها استفراغ مائها مُنِعَ وإلاَّ فلا اهـ النفراوي.
قال ابن القاسم في المدوَّنة: إذا غارت بئر جداره بحَفْرِ بئر في داره لزم هَدْمُ بئر، وقد عَلِمْتَ فيه قول أشهب.
انظر تفصيل ذلك في الفصل الثاني من الباب الخامس عشر في ابن جزي وأمَّا قوله فإن حَفَرَ في مِلْكِه إلخ قد ذكر ابن جزي في القوانين أن المياه تنقسم إلى أربعة أقسام: الأول: ماء خاص وهو الماء الممتلّك في الأرض الممتلكة كالبئر والعين فينتفع به صاحبه، وله أن يمنع غيره من الانتفاع به، وأن يبيعه، ويستحبُّ له أن يبذله بغير ثمن ولا يُجْبَر على ذلك إلاَّ أن يكون قوم اشتدَّ بهم العطش فخافوا الموت فيجب عليه سَقْيُهُم، فإن مَنَعَهُم،
الجزء: 3 - الصفحة: 54
فَلَهُم أن يقاتلوه على ذلك، وكذلك إن انهارت بئر جاره وله زَرْعٌ يخاف عليه التَّلَف فَعَلَيْه أن يبذل له فَضْلَ مائِه ما دام متشاغلاً بإصلاح بئره اهـ انظر باقي الأقسام في الكتاب المذكور، وإلى ذلك أشار الشيخ خليل بقوله: ولذي مأجَل وبئرٍ ومرسالِ مطرٍ كماءٍ يملكه مَنْعُه وبَيْعُه إلاَّ مَنْ خِيفَ عليه، ولا ثمن معه، والأرجح بالثمن كفضل بئر زرع خِيفَ على زرع جاره بهدم بئره وأخذ يصلح وأُجْبِرَ عليه كفضل بئر ماشية بصحراء هدرًا إن لم يبيَّن المِلكية اهـ.
وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: "وضفِي الصَّحْرَاءِ هُوَ أَحَقُّ بِكِفَايَتِهِ كالسّابِقِ إِلَى كلأٍ أَوْ حَطَبٍ" قال ابن جزير: القِسْم الرابع الآبار التي تحفر في البوادي لسَقْي المواشي، فَمَنْ حفرها يبدأ بالانتفاع بها ويأخذ الناس ما فضل لهم، وليس له أن يمنعهم من ذلك.
قال وفي الكلأ وهو المرعى، فإ، كان في أرض غير ممتلَّكة فالناس فيه سواء، وإن كان في أرض متملَّكة فلصاحب الأرض الانتفاع به.
واختُلِفَ هل يجوز له بَيْعُه ومَنْعُ الناس منه أم لا اهـ. وعن مالك بإسناده عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يُمْنَعُ فَضْلُ الماء ليُمْنَعَ به الكلا".
قال مالك: معنى ذلك في آبار الماشية التي في الفلوات، لأنه إذا مُنِعَ فَضْلُ المار لم يرع ذلك الكلأ الذي بذلك الوادي لعدم الماء، فصار مَنْعًا للكلأن وفي المدوَّنة: لا يُباع بئر الماشية ما حُفِرَ منها في جاهلية ولا إسلام وإن حُفِرَت في قرب أي قرب المنازل إذا كان إنَّما احتفر للصدقة.
قال أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي بعد كلام طويل: فتقرَّررمن هذا أن ما احتفره في أرضه فالظاهر أنه على المِلْك وإباحة البَيْع حتى يببيَّن أنها للصَّدَقة، وما احتفر في غير أرضه للماشية أو لشرب فقط ولم يحفرها لإحياء زرع أوغَرْس فالظاهر أنه احتفرها ليكون المقدَّم في منفعتها وللناس فَضْلُها؛ لأنه إنَّما يحفرها بحيث لا يُباع ماؤها ولا جرت به
الجزء: 3 - الصفحة: 55
العادة إلاَّ ببذلها، فإنَّما ينصرف عملهادون شرط إلى المعتاد من حالها، وعلى ذلك يحمل، وبهذا الحُكْمِ يُحْكَم لها اهز وقوله كالسابق تشبيه في كونه أحقَّ.
يعني أن مَنْ سبق إلى شيئ مُباح يكون هو أحقَّ به نحو كلأ في الصحراء، ومثله حطب.
قال الدردير: عاطفًا فيما يقضي به لِمَنْ سبق، وقضى للسابق كمسجد إلاَّ أن يعتاده غيره أي غير السابق فيُقْضى له بالجلوس لتعليم عِلْم أو إقراء أو فتوى، لِمَا في صحيح مسلم عنه صلى اللهعليهوسلم قال: "إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحقُّ به" اهـ.
قال رحمه اللَّه تعالى: "ولاَ يُحْدِثُ مَا يَضُرُّر بِجَارِهِ كَالْمَسْبَكِ وَالْحَمَّام وَنَحْو ذَلِكَ" يعين أن لا يجوز لشخص أن يحدث شيئًا يَضُرُّ بجاره كالمِسْبَكَة والحمام والمدبغة والمجزرة وغيرها ممّا يتأذى به الجار، لقوله عليهالصلاة والسلام: "مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره" وفي آخر: "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُحْسِن إلى جاره" وفي آخر "والله لا يؤمن" كرَّرها ثلاث مرات، قيل" مَنْ يا رسول الله قال: "الذي لا يأمن جاره بوائقه" والمراد ببوائقه شرُّه.
وفي الحديث أيضًا "مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" وغير ذلك من الأحاديث الواردة في حقَّ الجار نسأل الله التوفيق في ذلك.
وحاصل ما في المقال كما ذكر ابن جزي في القوانين من أن مَنْ أحدث ضَرَرًا أمرَ بقطعه، ولا ضَرَرَ ولا ضَرار.
وينقسم الضرَرُ المحدث قسمَيْن: أحدهما متفق عليه والآخر مختَلَفٌ فيه.
فالمتفق عليه أنواع، فمِنْه فَتْحُ كوّة أو طاق يكشف منها على جاره فيؤْمَر بسدَّها أو سَتْرِها، ومنه أن يبني في داره فرنًا أو حمَّامًا أو كير حداد أو صائغ ممّا يَضُرُّ بجاره دخانه فيُمْنَعُ منه إلاَّ إن احتال في إزالة الدخان، ومنه أن يصرف ماءه على دار جاره أو على سقفه أو يجري في داره ماء فيَضُرُّ بحيطان جاره.
وأمَّا المختَلَفُ فيه فمثل أن يعلّي بنيانًا يمنع جاره الضوء والشمس، فالمشهور أنه لا يُمْنَعُ منه، وقيل يُمْنَع.
ومنه أن يبني بنيانًا يمنع الريح
الجزء: 3 - الصفحة: 56
للأندر فالمشهور مَنْعُه منه، ومن ذلك أن يجعل في داره رحى يَضُرُّ دَوِيُّها بجاره فاختُلِفَ هل يُمْنَع من ذلك، وأمَّا فَتْحُ الباب في الزقاق فإن كان الزقاق غير نافذ فليس له أن يفتحه إلاَّ بإذْن أرباب الزقاق، وإن كان نفذًا جاز له فَتْحُه بغير إذْنهم إلاَّ أن يكشف
على دار أحد جيرانه فيُمْنَع من ذلك.
ومَنْ بني في طريق المسلمين أو أضاف إلى مِلْكظه شيئًا من الطريق مُنِعَ من ذلك باتفاق، وله أن يبني غرفة على الطريق إذا كانت الحيطان له من جانبَي الطريق.
وإن كان بين شريكَيْن نهر أو عين أو بئر فمَنْ أنفق منهم فَلَهُ أن يَمْنَعَ شريكه الانتفاع حتى يعطيه قسطه من النفقة اهـ.
ولمَّا أنهى الكلام على ما تعلَّق بإحياء الأرض ... المَوات وما يتبع ذلك من الأحكام في إزالة الضَّرر انتقل يتكلم على ما يتعلَّق بالارتفاق فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في الارتفاق
أي في بيان ما يتعلق بما ينبغي للإنسان من فعل البِرَّ والإحسان والرفق بعباد الله وهو المُسمّى بالارتفاق.
فقال رحمه الله تعالى: "يُنْدَبُ إِلَى إِعَانَةِ الجَار بإعَارَةِ مَغْرَزِ خَشَبَةٍ أَوْ طَرْحجِهَا مِنْ جِدَارِهِ، فَإنْ أَطءلَقَ لَمْ يَكُن لَهُ قَلْعُها إلاَّ لإصْلَ جِدَارِهِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ إِعَادَتُهَا بِخِلاَفِ تَعْيِين مُدَّةً" يعني مما ينبغي للإنسان إعانة جاره بإعارته مَغْرِز خشبة وإعانته في طرحها من جداره، وإذا أذن له في غرزها فإن حدد له مدة معينة فله ذلك، فإن أطلق لم يكن له قلعها إلاَّ بعد الانتفاع في مثلها أو إرادة إصلاح جداره، ثم لا يلزمه إعادة تلك الخشبة في موضعها، بخلاف ما إذا عين له مدة محددة فيلزم عليه إعادتها إلى المدة المعينة.
قال في الرسالة: ويبغي أن لا يمنع الرجل جاره أن يغرز خشبة في جداره ولا يقضي عليه.
قال الشارح لما فيه من الإرفاق وجلب المودة.
قال خليل: وندب إعارة جداره لغرز خشبة وإرفاق بماء وفتح باب، والنهي في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يمنع أحدكم جاره
الجزء: 3 - الصفحة: 57
أن يغرز خشبة" للكراهة، وسواء كان محل الجار ملكًا له أو موقوفًا عليه.
وأما ناظر المسجد أو نائبه فاختلف هل يندب له إعارة الجار موضعًا لغرز خشبة فيه أو يُمْنَعُ على قولَيْن؟ الراجح منهما المضنْع اهـ النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: "وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الدُّخُولِ لإصْلاَح جِدارِهِ منُ جِهَتِهِ" يعني وَجَبَ على الجار أن يأذَن لجاره في مِلْكه من الجهة التي يريد إصلاح حائطة أو جداره.
قال خليل عاطفًا فيما يقضي به: وبالإذن في دخول جاره لإصلاح جدار ونحوه.
يعني أنه يقضي على الجار بأن يأذن لجاره في الدخول لداره لأجْل إصلاح جدار أو غَرْزِ خشبة أو نحو ذلك، ويكون هذا من باب ارتكاب أخف الضررين.
وإذا سقطت لك ثياب في دار جارك فإنه يقضي لك بالدخول لأخذها، إلا أن يخرجها لك اهـ الخرشي باختصار.
قال الدردير في أقرب المسالك: وندب للإنسان إرفاق لغيره من جار أو قريب أو أجنبي، ويتأكد في القريب والجار، قال الله تعالى: وبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا وبِذِي القُرْبَى والْيَتَامَى والْمَسَاكِينِ والْجَارِ ذِي القُرْبَى والْجَارِ الجُنُبِ والصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ ومَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: 36] قلت هذه الآية اشتملت على أصناف من يندب له الإرفاق من جميع الناس من الصغير والكبير، سواء حرَّا أو عبدًا ذكرًا أو أنثى، قريبًا أو بعيدًا، حاضرًا أو غائبًا، صحيحًا أو مريضًا، جاراً أو غيره، إذا تأملت تفهم أن هذه الآية تشتمل جميع ما ذكره اهـ. قال مطرف وابن الماجشون: وكل ما طلبه جاره من فتح باب، وإرفاق بماء، أو مختلف في طريق، أو فتح طريق في غير موضعه وشبه ذلك، فهو مثل ذلك لا ينبغي في الترغيب أن يمنعه مما لا يضره ولا ينفعه ولا يحكم به عليه اهـ.
"وَلَهُ فَتْحُ رَوْزَنَةٍ لَمصْلَحَةٍ حَيْثُ لاَ يطَّلِعُ مِنْهُ عَلَى جَارِهِ" يعني للجار فَتْحُ رَوْزَنَة، وهي الكوّة الكبيرة، والكوّة هي الطاقة التي تُفْتَحُ أو تُغْلَقُ عند الحاجة، فيجوز فَتْحُها لمصلحة حيث لا يطلع منه وينكشف على جاره وإلا مُنِع، وتقدم نص الرسالة
الجزء: 3 - الصفحة: 58
في فتح الكوّة.
قال الشيخ زروق في شَرْحِه على الرسالة نَقْلاً عن ابن رشد في الكلام على فتح الباب في السكة غير النافذة ثلاثة أقوال المعمول به منها المنع مطلقًا إلا أن يأذَنَ فيه جميع أهل الزقاق، وقاله ابن زرب، واقتصر عليه المتّيطي اهـ. وقد مر أقسام ما يحصل به الضرر كما في القوانين فراجعه إن شئت.
ثم ذكر حكم المتداعيَيْن في الجدار فقال رحمه الله تعالى: "وَإِذَا تَدَعَيَا جِدَارًا وَلاَ بَيَّنَةِ فَهْوَ لِمَنْ إِلَيْهِ وُجُوُ الآجر والطكاقات فإِنِ اسْتَوَيَا فَهْو مُشْترك فَلا يتَصَرَّفلُ فِيهِ إلا بإذن الشريك، فَمَنْ هَدَمَهُ لِغَير ضَرُورة لزمه إعادته، وإن انهدم فإم أمكن قسمة عرصته وإلا أجبر على البناء معه، فإن أبى وبنى أحدهما فله منع الآخر من الانتفاع ليؤدي ما ينوبه" يعني كما في الرسالة وغيرها.
حاصل ما قال ابن جزي في القوانين إذا تنازعا في مِلْكِه أي الجدار فيُحْكَمُ به لِمَنْ يشهد العُرْف بأنه له وهو لِمَنْ كانت إليه القمط والعقود، فالقمط هي ما تشدُّ به الحيطان من الجص وشبهه، والعقود هي الخشب التي تجعل في أركان الحيطان لتشدَّها، فإن لم يشهد العُرْف لأحدهما حُكِمَ بأحكام المتداعي.
وقال الشافعي: لا دليل في الخشب على ملك الحائط، بينهما مع أيمانهما.
وإذا انهدم حائط بستان مشترك فأراد بعضم بناءه وأبى بعضهم فإن كان مقسومًا إلا أن الحيطان تضمه فلا حجّة لبعضهم على بعض، ومَنْ أراد أن يحرز متاعه أحرزه، ومَنْ أراد الترك تركه، وإن كان غير مقسوم قُسِم، وإن كان لم تمكن قسمته أنفق من أحب في صيانته وأخذ نفقته من نصيب صاحبه.
وإن انهدمت رحى مشتركة فأقامها أحدهم بعد امتناع الباقين فالعلة كلها للذي أقامها عند ابن القاسم.
وقال ابن الماجشون: الغلة بينهم على حَسَب الأنصباء ويأخذ المنفق من أنصبائهم ما أنفق اهـ.
[48]
قال رحمه الله تعالى: "وَالسَّقْفُ تَابعٌ لِلسُّفْلِ وَعَلَيْهِ إِصْلاَحُهُ لِيَنتَفِعَ الأعْلى" يعني أن يقف البيت تابع للبيت، وإصلاحه لصاحب السُّفْل.
قال في الرسالة:
الجزء: 3 - الصفحة: 59
وإصلاح السفل على صاحب السُّفْل، والخشب المسقف عليه، وتعليق الغرف عليه إذا وَهَى السُّفل وهدم حتى يصلح، ويُجْبَر على أن يصلح أو يبيع مِمَّنْ يصلح ولا ضَرَر ولا ضَرار اهـ. قال ابن جزي المسألة الثالثة إذا كان عُلُوُّ الدار لرجل وأسفلها للآخر فالسقف الذي بينهما لصاحب السُّفْل، وعليه إصلاحه وبناؤه إن انهدم، ولصاحب العُلُوَّ الجلسو عليه، وإن كان فوقه عُلُوٌّ آخر فسقفه لصاحب العُلو الأول، بوبناء العُلُوًّ على صاحبه، وبناء السُّفْل على صاحبه.
وقال الشافعي: السقف مشترك بين صاحب العُلُوَّ والسُّفْل، وإن كان مرحاض الأعلى منصوبًا على الأسفل فكنسه بينهما على قدر الرؤوس عندج ابن وهب وأصبغ.
وقال أشهب: لصاحب السُّفْل وليس لصاحب العُلُوَّ أن يزيد في بنيانه شيئًا إلاَّ بإذن صاحب السُّفْل اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "ولذي جدارين على جانبي الطريق اتخاذ ساباط، وإشراع أجنحة لا تضر باملارة، وتعلية جداره ما شاء بشرط الامتناع من الإطلاع" بعني أنه رحمه الله تعالى تكلَّم على ثلاثة أشياء يُباح فِعْلُها لأرباب المنازل وهي إحداث ساباط لصاحب الجانبين وبناء الإشراع المسمى بروشن، وارتفاع بنائه ما شاء بشرط عدم الاطلاع في بيوت الجيران.
أما الساباط وهو سقف في السَّكة لِمَن له الجانبان من الجدار، ولا يمنع من إحداثه، وأمَّا الرَّوْشَنُ وهو الجناح الذي يخرج به جهة السكة في عُلُو الحائط لتوسعة العُلُوّ، ولا يُمْنَعُ من إحداثه كذلك.
قال الموّاق: فَرَوى ابن القاسم عن مالك لا بأس به إلا أن يكون الجناح بأسفل الجدار حيث يضر بأهل الطريق فيمنع اهز قال الدردير عاطفًا على ما يجوز ولا يمنع إلا الضرر: وروشن وساباط لمن له الجانبان ولو بغير النافذة.
ومحل جواز الروشن والساباط ما لم يضر بالمارة في النافذة وغيرها، فأن رفعا رفعًا بيناً عن رؤوس الناس والإبل المحملة وإلا منعا.
قال الصاوي في حاشيته عليه: حاصله أن المعتمد في الروشن والساباط جواز إحداثهما مطلقًا، كانت السكة نافذة
الجزء: 3 - الصفحة: 60
أو غير نافذة، ولا يحتاج لإذن أحد وحيث رفع عن رؤوس الركبان رفعًا بينًا ولم يضر بضوء المارة اهـ. وأما تعلية الجدار وهو ارتفاع بناء بيته ما شاء فيشترط فيه عدم التطلع لبيوت الجيران وإلا مُنِع.
قال الدردير في أقرب المسالك: ومنع الجار إذا علا ببنائه من الضرر كالتطلع على جاره بالشراف من العلو الذي بناه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "ولا يجوز أخذ شيئ من السابلة، والناس مشرتكون فيها في الاستطراق والجلوس" يعني لا يجوز لأحد أخذ شيئ من الطريق قال [48] [49] خليل عاطفًا على ما يقضي به: ويهدم بناء بطريق ولو لم يضر.
قال شارحه: يعني ا، من بنى في طريق المسلمين بنيانًا يضر بهم في مرورهم فإنه يؤمر بهدمه بلا خلاف، وإن كان لا يضر بهم فكذلك يهدم على المشهور، وهذا ما لم تكن الطريق ملكًا لأحد بأن يكون أصلهاداراً ملكًا له مثلاً وانهدمت حتى صارت طريقًا فإنه لا يزول ملكه عنها بذلك، وقيد هذا بعضهم بما إذا لم يطل الزمان وهو حاضر ساكت وإلا قضى عليه بهدمه فليس له فيهاكلام اهـ الخرشي بطرف من حاشية الصاوي.
قال رحمه الله تعالى: "وفي المسجد للعبادات.
ومن سبق إلى موضع لم يقم منه إلا للاحتراف وجعله مسكنًا" يعني الناس مشتركون في موضع البادات كالمسجد، ومن سبق وجلس لم يقم لغيره إلا للاحتراف وجعله مسكنًا كالمعتكف فيترك له إحسانًا.
انظر الحطاب عند قول خليل: وللسابق كمسجد.
وتقدم لنا الكلام في هذه المسأةل عند قول المصنف، وفي الصحراء وهو أحق بكفايته كالسابق إلى كلأ أو حطب فراجعه إن شئت.
ولما أنهى الكلام على ما تعلق بالارتفاق انتقل يتكلم على أحكام الغصب فقال رحمه الله تعالى:
الجزء: 3 - الصفحة: 61
فَصْلٌ
في الغصب
أي في بيان ما يتعلق بأحكام الغصب والمغصوب.
وهو لغة: أخذ الشيئ ظلمًا، أما عرفًا: فهو الاستيلاء على ملك الغير بغير حق شرعي قال خليل: الغصب أخذ مال قهرًا تعديًا بلا حرابة.
الدردير: أصل هذا التعريف لابن الحاجب رحمه الله والغصب مما حرمه الله تعالى على عباده كسائر المحرمات.
وذلك بأن أخذ أموال النسا بالباطل على عشرة أوجه بالإجمال كلها حرام، والحُكْمُ فيها مختلف: الأول الحرابة، والثاني الغصب، والثالث السرقة، والرابع الاختلاس، والخامس الخيانة، والسادس الإذلال، والسابع الفجور في الخصام بإنكار الحق أو دعوى الباطل، والثامن القمار كالشطرنج والنرد، والتاسع الرشوة فلا يحل أخذها ولا إعطاؤها، والعاشر الغش والخلابة في البيوع.
قاله ابن جزي اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "يَجِبُ رَدُّ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ، فضإن فاتَ ضَمِنَ المِثْليَّ بالمثْل، والمقوم بقيمته يوم الغصب" يعني كما قال في القوانين: المسألة الثانية فيما يجب على الغاصب وذلك حقان: أحدهما حقُّ الله تعالى، وهو أن يُضرب ويُسجن زجرًا له ولأمثاله على حَسَبِ اجتهاد الحكِم، والثاني حقّ المغصوب منه وهو أن يرد إليه ما غصبه، فإن كان المغصوب قائمًا رده بعينه إليه، وإن كان قد فات رد إليه مثله أو قيمته، فيرد المثل فيما له مثل، وذلك كل مكيل وموزون
ومعدود من الطعام والدنانير والدراهم وغير ذلك، ويرد القيمة فيما لا مثل له كالعروض والحيوان والعقار، وتعتبر قيمة ذلك يوم الغصب لا يوم الرد اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وفي نقصه يخير ربه بين أخذه ناقصًا وتضمينه، وفي بيعه بين إجازته وأخذ الثمن واستعادته" يعني إذا نقص المغصوب عند الغاصب فصاحبه مخير بين أن يأخذ قيمته يوم الغصب ويتركه للغاصب، وبين أن
الجزء: 3 - الصفحة: 62
يأخذه ويأخذ أرْشَ النقص إن كان من فِعْلِ الغاصب، وإن كان من فعل الله لم يأخذ قيمة النقص.
قال ابن جزي: أما إن باع الغاصب الشيئ المغصوب فإن صاحبه يُخَيَّر بين إجازة البيع وأخذ الثمن أو رد البيع وأخذ شيئه.
قال في المدوَّنة.
ومَنْ غصب عَبْدًا أو أمَة ثم باعها ثم استحقها رجل وهي بحالها فليس له تضمين الغاصب القيمة وإن حالت أسواقها، وإنما له أن يأخذها أو يأخذ الثمن من الغاصب، كما لو وجدها بيد الغاصب وقد حالت أسواقها، فإن أجاز ربها البيع بعد أن هلك الثمن بيد الغاصب فإن الغاصب يغرمه، وليس الرضا ببيعه يوجب حكم الامانة في الثمن اهـ. نَقَلَه الحطاب.
قال رحمه الله تعالى: "وفي جناية الغاصب بين أخذه مع الأرض وتضمينه وجناية أجنبي بين تضمين الغاصب وأخذه الأرش" يعني أ، الغاصب إذا جنى على المغصوب خير صاحبه بين أخذه مع الأرْش وبين تضمينه، وإن كان الجاني أجنبيًا يُخَيَّر صاحبه أيضًا بين تضمين الغاصب أو الجاني.
قال خليل: أو جنى هو أو أجنبي خُيَّرَ فيه وقال قبله بقليل: وخُيَّرَ في الأجنبي، فإن تبعه تبع هو الجاني، فإن أخذ ربه أقل فله الزائد من الغاصب فقط اهـ. قال الدردير: أو أجنبي فإن أتبع الغاصب بقيمته يوم الغصب رجع على الجاني بقيمته يوم الجناية، وإن أتبع الجاني فأخذ أقل رجع بالزائد على الغاصب اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "ولو بنى على الساحَة أو رقع بالخرقة لزمه الردُ، لا اللوح في السفينة إلا أن يؤمن غرقها" يعني لو بنى الغاصب على الساحة - هي برحة خالية عن البناء - ثم استحقها المغصوب منه فلزم الغاصب ردها لصاحبها.
قال الدردير في أقرب المسالك: وخير ربه إن بنى أو غرس في أخذه، ودفع قيمة نقضه بعد سقوط كلفة لم يتولها، وأمره بتسوية ارضه، وإليه أشار خليل بقوله: لوله هدم بناء عليه أي على المغصوب.
قال في الإكليل: ويُهْدَم البناء ولو عَظُمَ كالقصورن وله تركه للغاصب، وأخذ
الجزء: 3 - الصفحة: 63
قيمته منه يوم غصبه.
وقال أشهب: لا يُهْدَم البناء العظيم.
قال الدردير: معنى قوله وله هَدْمُ بناء عليه أي على المغصوب إذا كان عمودًا أو خشبة أو حجرًا فيأخذ عين شيئه بعد هَدْم ما عليه، وله تركه وأخذ قيمته، فهذا في غير الأرض، فجعله شاملاً للأرض كما في بعض الشراح غير [50] [51] صحيح، لأن غاصب الأرضش إذا بنى أو غرس فيها قدمنا حكمه في أنه إنما يخير ربه في أخذه ودفع قيمة نقضه فراجعه إن شئت قوله أو رقع بالخرقة: الرقع بالقاف الفوقية المثناة، وفي نسخة بالفاء من الرفع، والأول أصح لأنه من الرَّقع قال في المصباح رقعت الثوب رَقْعًا من باب نفع إذا جعلت مكان القطع خرقة، فالمعنى أن من غصب خرقة أو ثوبًا فرقع ثوبه به لزمه عليه رد عن خرقته أو قيمته.
وفي الخرشي: وكذلك إن غصب ثوبًا فجعله ظهارة لجبة فلربه أخذه أو تضمينه قيمته.
قال أبو محمد: تفتق الجبة ويُهدم البناء، والفَتق والهدم على الغاصب.
وكان إفاتته ذلك رضا منه بالتزام قيمة اهـ. وقوله لا اللوح إلاخ اعلم أنه اختلف في المذهب فيمن غصب اللوح وسمره في سفينته هل لربه أخذه من الغاصب؟ أو إلا أن يؤمن غرقها.
قال الموّاق: وانظر لو أنشأ سفينته على لوح مغصوب، أو غصب خيطًا خاط به جرحًا يتخرج تهوين أخف الضررين، في ذلك خلاف انظر نظائره في الموّاق اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "وإن وطئ فهو زان" قال ابن جزي: فمن اغتصب امرأة وزنى بها فعليه حد الزنا، وإن كانت حرة فله صداق مثلها، وإن كانت أمَة فعليه ما نقص من ثمنها بكرصا كانت أوثيبًّا، ولا يلحق به الولد، ويكون الولد من الأمَة التي اغتصبها أو زنى بها عبدًا لسيد الأمة، وهذا كله إذا ثبت عليه ذلك باعترافه أو بمعاينة أربعة شهود، أو ادعت ذلك مع قيام البينة على غيبته عليها، فإ، ادعت عليه أنه استكرهها فغاب عليها ووطئها وأنكر هو ولم يكن لها بيَّنة فلا يجب عليه حد الزنا، وإنما النظر هل يجب عليه يمين على نفي دعواها؟ أو هل لها عليه صدق؟ وهل تحدث هي حد القذف
الجزء: 3 - الصفحة: 64
أو الزنا؟ ففي ذلك تفصيل، انظره في القوانين اهـ. وأما الأمَة فقد قال في الرسالة: ومن غصب أمَة ثم وطئها فولدُه رقيق وعليه الحد؛ لأنه وطء محرم بلا شبهة.
انظر النفراوي.
ثم قال رحمه الله تعالى: "فلو غرم القيمة ثم وجدت العين عنده فهي له، إلا أن يكون أخفاها فلربها أخذها" يعني كما قال خليل:" وملكه إن اشتراه ولو غاب، أو غرم قيمته إن لم يموه.
قال الشارح يعني أن الغاصب يملك الشيئ المغصوب إذا اشتراه من ربه أو من يقوم مقامه وسواء كان الشيئ المغصوب حاضرًا أو غائبًا، وكذلك يملكه الغاصب إذا غرم قيمته للمالك إن لم يكذب في دعواهالتلف، فإن ظهر كذبه بأن تبين عدم تلفه بعد ادعائه التلف وغرم قيمته فإنه لا يملكه وهو لصاحبه.
وعبارة النفراوي في المستعير: إذا غرم المستعير القيمة ثم وجدت بعد ذلك عند اللص فإنها تكون حقًا للمستعير لأنه ملكها لغرم قيمتها.
ومثل المستعير الحياك والخياط والصباغ يدعون الضياع يغرمون ما ضاع ثم يوجد
فإنه يكون حقًا لهم.
وأما لو وجد عندهم فإنه يكون لصاحبه كالغاصب يدعي ضياع أوتلف الذات المقصودة ويغرم قيمتها ثم توجد عنده فإنه لا يملكها اهـ.
قال رحمه اللهتعالى: "وهل يلزمه رد غلته" أي التي استغلها الغاصب قبل تملكه بالشراء، أو لا يرده فالجواب فيه خلاف في المذهب وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: "قال ابن القاسم يلزم في العقار لا الحيوان، وقيل بل في الجميع، وقيل لا شيئ فيما اغتل أو انتفع" قال في الرسالة: ولا غلّة للغاصب ويرد ما أكل من غلة أو انتفع، وعليه الحد إن وطئ، وولده رقيق لرب الأمَة اهـ كما تقدم.
قال خليل: وله غلة.
قال الصاوي: الضمير يعود على المغصوب منه.
وحاصل ما في الدردير أنه قال: إذا
الجزء: 3 - الصفحة: 65
استعمله الغاصب أو أكراه سواء كان عبدًا أو دابة أو أرضًا أو غير ذلك على المشهور.
فإذا لم يستعمله فلا شئ عليه ولو فوت على ربه استعماله، إلا إذا نشأ من غير استعمال كلبن وصوف وثمر.
قال في المدونة: وما أثمر عند الغاصب من نخل أو شجر أو تناسل مثل الحيوان أو جز الصوف أو حلب اللبن فإنه يرد ذلك كله مع ما غصب، وما أكله رد المثل فيما له مثل، والقيمة فيما لا يقضي فيه بالمثل، فإن ماتت الأمهات وبقيت الأولاد وما جُزَّ وما حُلِبَ خُيَّرَ ربها إن شاء أخذ قيمة الأمهاتولا الشيئ فيما بقي من ولده وصوف ولبن ولا من ثمنهإن بيع، وإن شاء أخذ الولد إن كان أو ثمن ما بيع من صوف ولبن ونحوه.
وما أكل الغاصب أو انتفع به من ذلك فعليه المثل فيما له مثل، والقيمة فيما يقوم، ولا شيئ عليه في الأمهات، ألا ترى أن من غصب أمَة فباعها فولدت عند المبتاع ولا شيئ عليه ولا على الغاصب في قيمة الأم، ثم يرجع المبتاع على الغاصب بالثمن اهـ. هذا هو المعتمد والمعول عليه.
قال رحمه الله تعالى: "ويؤخذ غرسه وبناؤه بقيمته مقلوعًا، وما لا قيمة لمقلوعه مجانًا، ويؤمر بقلع زرعه في إبانه، وبعده يتركه بأجرة المثل" يعني كما في الرسالة.
ونصُّها: والغاصب يؤمر بقلع بنائه وزرعه وشجره، وإن شاء أعطاه ربها قيمة ذلك النقض والشجر بعد قيمة أجر من يقلع ذلك، ولا شيئ عليه فيما لا قيمة له بعد القلع والهدم، ويرد الغاصب الغلة ولا يردها غير الغاصب اهـ. انظر الفواكه.
وقوله رحمه الله ويؤمر بقلع زرعه فإن أخذها صاحبها في إبان جزي في القوانين: فإن زرع في الأرض المغصوبة زرعًا فإ أخذها صاحبها في إبان الزراعة فهو مخير بين أن يقلع الزرع أو يتركه للزارع ويأخذ الكِراء، وإن أخذها بعد إبان
الزراعة فقيل هو مخير كما ذكرنا، وقيل ليس له قعلة وله الكراء ويكون الزرع لزراعة اهـ.
الجزء: 3 - الصفحة: 66
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بأحكام الغصب انتقل يتكلم على ما يلزم على الشخص من المواساة، وإنقاذ المستهلك من نفس ومال وغير ذلك مما وَجَبَ على الإنسان وهي أحكام شتّى.
قال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
فيما يلزم الإنسان من المواسات في بعض الحالات
أي في بيان ما يلزم على الإنسان من المواساة والمحافظة من أمور الدين والدنيأن والدفع عن النفس والمال والدين والعرض والنسب كما تقدم، ويجب عليه حفظ الحقوق وعدم التعدي والاعتداء على حق الغير؛ لأنه يلزم بذلك من الأحكام ما لا يدخل تحت الحصر فبدأ رحمه الله تعالى بما هو أهم من إنقاذ نفس أو مال فقال: "من أمكنه إنقاذ نفس أو مال من مهلكة فلم يفعل ضمن، كإتلافه عمدًا أو خطأ، والمنفعة المقصودة كالعين، وفي اليسير يلزم ما نقص" يعني أن من أمكنه إنقاذ النفس أو المال ولم يفعل مع القدرة على ذلك وجب عليه الضمان، كأن أتلف ذلك عمدًا أو خطأ؛ لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء.
قال ابن جزي: الثالث أي من أقسام التعدي الاستهلاك بإتلاف الشيئ، كثتل الحيوان أو تحريق الثوب كله أو تخريقه، وقطع الشجر وكسر الفخار، وإتلاف الطعام والدنانير والدراهم وشبه ذلك، ويجري مجراه التسبب في التلف كمن فتح حانوتًا لرجل فتركه مفتوحً فسرق، أو فتح قفص طائر فطار، أو حل دابة فهربت، أو حل عبدًا موثوقًا بأبق، أو أوقد ناراً ي يوم ريح فأحرقت شيئًا، أو حفر بئرًا بحيث يكون حفره تعديًا فسقط فيه إنسان أو بهيمة، أو قطع وثيقة فضاع ما فيها من الحقوق، فمن فعل شيئًا من ذلك فهو ضامن لما استهلكه، أو أتلفه، أو تسبب في إتلافه سواء فعل ذلك كله عمدًا أو خطأ، وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: "وفاتح القفص، وإن تراخى الطيران، كقيد عبد أو دابة، وتحريق وثيقة وكتم شهادة يتوي بها
الجزء: 3 - الصفحة: 67
المال أي يهلك، وراكب الدابة، وقائدها وسائقها وموقفها حيث سهل له، وإمساك الكلب العقور، وذو الجدار المخوف سقوطه" قوله وراكب الدابة إلخ قال في الرسالة: والسائق والقائد والراكب ضامنون لما وطئت الدابة اهـ انظزر الفواكه.
وأما قوله وإمساك الكلب العقور فقد تقدم الكلام فيه عند قوله رحمه الله وفي الكلب خلاف في البيوع فراجعه إن شئت وقوله وذو الجدار المخوف سقوطه وتقدم الحُكْمُ فيه أيضًا أنه يلزم عليه أن يصلح أو يبيع ممَّنْ يصلح لا ضَرَرَ ولا ضَرار.
ثم ذكر ما لا ضمان فيه فقال رحمه الله تعالى: "والعجماء والمعدن والبئر بغير صنع جبار، كدفع الصائل" يعني كما في الرسالة، ونصها: وما مات في بئر أو معدن من غير فعل أحد هدر.
قال شارحها: الأصل في جميع ذلك قوله صلى اله عليه وسلم لآ"فعل العجماء جُبار، والبئر جُبار، والمعدن جُبار، وفي الرَّكاز الخمس".
والعجماء بالمد كل حيوان غير الآدمي.
وسميت البهيمة بالعجماء لأنها لا تتكلم والجُبار بضم الجيم وتخفيف الموحدة.
وسميت البهيمة بالعجماء لأنها لا تتكلم والجُبار بضم الجيم وتخفيف الموحدة: الذي لا شيئ فيه اهـ باختصار.
وقوله كدفع الصائل أي مما لا ضمان فيه دفع الصائل كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى: "وإذا اصطدم فارسان فدية كل على عاقلة الآخر، وفرسه في ماله، لا المركبان، وحل أحدهما من الآخر" قال مالك: إذا اصطدم فارسان فمات الفرسان والراكبان فدية كل واحد على عاقلة الآخر، وقيمة فرس كل واحد في مال الآخر، قال ولو أن حُرًا وعبدًا اصطدما فماتا جميعًا فقيمة العبد في مال الحر ودية الحر في رقبة العبد يتقاصان، فإن كان ثمن العبد أكثر من دية الحر كان الزائد لسيد العبد في مال الحر، وإن كانت دية الحر أكثر لم يكن على السيد من ذلك شيئ.
وقال في رجلين اصطدما وهما يحملان جرتين فانكسرتا غرم كل واحد ما كان على صاحبه، وإن انكسرت إحدجاهما غرم ذلك صاحبه.
وقال في السفينتين تصطدمان فتغرق إحداهما بما
الجزء: 3 - الصفحة: 68
فيها فلا شيئ في ذلك على أحد، لأن الريح تغلبهم إلا أن يعلم أن النواتية لو أرادوا صرفها قدروا فيضمنوا، وإلا فلا شيئ عليهم.
قال ابن القاسم: ولو قدروا على حبسها إلا أن فيهم هلاكهم وغرقهم فلم يفعلوا فليضمن عواقلهم دياتهم، ويضمنوا الأموال في أموالهم، فليس لهم أن يطلبوا نجاتهم أي نجاة أنفسهم بغرق غيرهم، وكذلك لو لم يروهم في ظلمة الليل، وهم لو رأوهم لقدروا على صرفها فهم ضامنون لما في السفينة.
ودية من مات على عواقلهم، ولكن لو غلبتهم الريح أو غففلوا لم يكن عليهم شيئ اهـ. انظر الموّاق عند قول خليل وإن تصادما أو تجاذبا مطلقًا قصدًا فماتا أو أحدهما فالقود.
وعبارة المجموع أوضح، ونصها: وإن تصادما أو تجاذبا عمدًا فماتا أو أحدهما فأحكام القود.
وحُمِلا على العضمْد.
والسفينتان على العجز وبابه هدر، وليس منه خوف كالغرق، ودية كل من المخطئين على عاقلة الآخر وغيرها كالفرس في مال صاحبه اهـ. قال الصاوي على الدردير مسألة إن تصادم المكلفان أو تجاذبا حبلاً أو غير فسقطا راكبين أو ماشيين أو مختلفين قصدًا فماتا معًا فلا قصاص لفوات محله، وإن مات أحدهما فحكم القود يجري بينهما، وحملا على القصد عند جهل الحال لا على الخطأ عكس السفينتين إذا تصادمتا وجهل الحال فيحملان [
/
ب
] [/] على عدم القصد من رؤسائهما فلا قود ولا ضمان؛ لأن جريهما بالريح ليس من عمل أربابهما كالعجز الحقيقي بحيث لا يستطيع كل منهما أن يصرف دابته أو سفينته عن الآخر فلا ضمان بل هو هدر، لكن الراجح أن العجز الحقيقي في المتصادمين فيه ضمان الدية في النفس، والقيمة في الأموال، بخلاف السفينتين فهدر، وحملا عليه عند جهل الحال.
وأما لو قدر أهل السفينتين على الصرف ومنعهم خوف الغرق أو النهب أو الأسر حتى أهلكت إحدى السفينتين الأخرى فضمان الأموال في أموالهم، والدية على عواقلهم، لأنه لا يجوز لهم أن يسلموا بهلاك غيرهم اهـ. ملخصًا من خليل وشراحه.
وهنا فائدة ذكرها الشبرخيتي كما ي الصاوي فراجعها إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: "وغلقاء الأمتعة خوف الغرق، وتوزع بحسب الأموال"
الجزء: 3 - الصفحة: 69
يعني يجوز لصاحب السفينة إذا ثقلت وخاف الغرق أن يلقي بعض الأمتعة إذا رجى بذلك نجاة النفوس.
قال ابن جزي في القوانين: إذا خيف على المركب الغرق جاز طرح ما فيه من المتاع أذن أربابه أو لم يأذنوا إذا رجى بذلك نجاته، وكان المطروح بينهم على قدر أموالهم ولا غرم على من طرحه اهـ قال الدردير في أقرب المسالك: وجاز إن خيف الغرق طرح ما به النجاة غير آدمي، وبدئ بما ثقل أو عظم جرمه، ووزع على مال التجارة فقط، طرح أو لا بقيمته يوم التلف، والقول للمطروح متاعه فيما يشبه اهز مثال التوزيع في ذلك، يقال كم قيمة المطروح يوم طرحه؟ فإذا قيل مائة وما قيمة ما لم يطرح فإذا قيل مائتان فصار قيمة الجميع ثلثمائة فقد ضاع ثلث المال.
فيرجع على من لم يطرح ماله بثلث قيمته، ولو قيل بعكس ما تقدم رجع على من لم يطرح ماله بالثلثين.
ولو كان اثنان لأحدهما ما يساوي ثلاثمائة وللثاني ما يساوي ستمائة وطرح من الأول ما يساوي مائة ومن الثاني ما يساوي مائتين فلا رجوع لأحدهما على الآخر؛ لأن ما طرح ثلث الجميع، وعلى كل ثلث ما بيده وقد حصل، ولو كان الطرحخ بالعكس بأن طرح لذي الستمائة ما يساوي مائة، ولذي الثلاثمائة ما يساوي مائتين لرجع على ذي الستمائة بمائة اهـ. قاله الدردير.
قال رحمه الله تعالى: "ويضمن مؤجج النار في الريح، كمرسل الماء وحافر البئر حيث يمنع.
وماله الذميّ كالمسلم، ويُضمن خمره إلا أن يظهرها" يعني أن من أجج النار في يوم الريح لزمه غرم ما تلف من مال أو نفس، كحافر البئر تعديًا فسقط فيها إنسان أو بهيمة كما تقدم وكذلفك مرسل الماء فتلف شيئًا من المال لزمه ضمانه، وإن للذمي، ولو خمرة إلا أن يظهر بأ، يبيعها في سوق المسلمين
فإنها تراق ويؤدب في ذلك، وفي كسر إنائها خلاف حسبما تقدم ذكرناه إياه فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى" وجناية الصبي والمجنون في ماله" يعني أن جناية الصبي والمجنون في مالهما إن كان لهما مال، وإلا ففي ذلك تفصيل.
قال ابن جزي في القوانين:
الجزء: 3 - الصفحة: 70
فإن كان غير بالغ فيحكم عليه في التعدي في الأموال بحكم البالغ إذا كان يعقل، فيغرم ما أتلفه إن كان له ماله، فإن لم يكن له مال أتبع به، وأما الصبي الذي لا يعقل فلا شيئ عليه فيما أتلفه من نفس أو مال كالعجماء.
وقيل الماء هدر والدماء على العاقلة كالمجنون.
وقيل المال في ماله والدماء على عاقلته إن بلغ الثلث اهـ. قال في الرسالة: والسكران إن قتل قُتِل، وإن قتل مجنون رجلاً فالدية على عاقلته.
وعَمَدَ الصبي كالخطأ وذلك على عاقلته إن كان ثُلُث الدية فأكثر، وإلا ففي ماله اهـ. انظر الفواكه.
ولما أنهى الكلام على ما تعلق بما يجب على الشخص من المحافظة وما يلزمه من الضمان بإتلاف حق الغير بالتفريط انتقل يتكلم على بعض ما يجب عليه رده من الحقوق بعد الاستحقاق فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في الإستحقاق وأحكامه
أي في بيان ما يلزم من استحق من يده شيئ فإنه يلزمه رده، أي هذا من الملحقات لما تقدم من وجوب رد الحقوق لأربابها، كوجوب رد الأمانات.
وأما حقيقة الاستحقاق فكما في الدردير أنه قال: الاستحقاق وهو رفع ملك شيئ بثبوت ملك قبله أو حرية، وحكمه الوجوب إن توافرت أسبابه في الحر أو غيره إن ترتب على عدم القيام به مفسدة كالوطء الحرام، وإلاجاز، وسببه قيام البينة على عين الشيئ المستحق أنه ملك للمدعي لا يعلمون خروجه ولا خروج شيئ منه عن ملكه غلا الآن، ويمنعه عدم قيم المدعي بلا عُذْر مدّة أمد الحيازة، أو اشتراؤه من حائزه من غير بينة يشهدها سرًا قبل الشراء بأن إنما قصدت شراءً ظاهرًا خوف أن يُفيتَه علي بوجه لو ادعيت به عليه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "من استحق من يده شيئ لزمه رده، وله الرجوع على بائعه بالثمن، ولربه أخذ البناء والغرس بقيمته قائمًا، فإن أبى دفع الآخر قيمة الأرض
الجزء: 3 - الصفحة: 71
براحًا، فإن أبيا اشتركا بالقيمتين" يعني أن من استحق من يده شيئسواء عقارًا أو حيوانًا أو عروضًا أو رقيقًا لزمه رده لربه بعد الإثبات على وجه الشرع، وإن كان عقارًا وقد بنى به داراً فللمستحق أخذه بقيمته قائمًا.
قال في الرسالة:
ومستحق الأرض بعد أن عمرت يدفع قيمة العمار قائمًا، فإن أبى دفع إليه المشتري قيمة البقعة براحًا، فإن أبى كانا شريكين بقيمة ما لكل واحد اهـ. قال شارحها: المراد منهما فالمستحق بقيمة أرضه خربة وصاحب الشبهة بقيمة عمارته، وتعتبر قيمة كل يوم الحكم، فإن كانت قيمة الأرض مائة وقيمة البناء أو الغرس كذلك كانا شريكين بالمناصفة وقد أشار خليل إلى هذه المسألة بقوله: وإن غرس أو بنى قيل للمالك أعطه قيمته قائمًا، فإن أبى فله دفع قيمة الأرض، فإن أبى فشريكان بالقيمة يوم الحكم كما تقدم.
ويقال مثل ذلك فيمن اشترى ثوبصا فرقعه، أو سفينة خربة وأصلحها، أو ثوبًا وصبغة اهـ. قاله النفراوي باختصار.
قال رحمه الله تعالى: "ومستولد الأمَة إن ابتاعها من غاصب عالمًا فهو كهو، وإلا أخذها ربها وقيمة الولد، وهو حر، وقيل بل قيمتها وهي أم ولد.
والله أعلم" يعني أن هذه المسألة اختلف فيها قول مالك على ثلاثة أقوال.
أي فيمن يستحق أمَة على يدٍ ذي شبهة بشراء أو هبة أو غيرها، ولم يختلف قوله في استحقاقها على يد غاصب أو عالم بالغصب فحكمه كالغاصب، قال في الرسالة: ومن استحق أمَة قد ولدت فله قيمتها وقيمة الولد يوم الحُم.
وقيل يأخذها وقيمة الولد.
وقيل له قيمتها فقط إلا أن يختار الثمن فيأخذه من الغاصب الذي باعها، ولو كانت بيد غاصب فعليه الحد وولده رقيق معها لربها اهـ. قال شارحها: قوله ومن استحق أمَة أي من يد حر صاحب شبهة هو الذي لم يعلم كونها مغصوبة سواء كان مشتريًا أو موهوبًا له أو غيرهما والحال أنها قد ولدت عنده واستمر ولدها فله أخذ قيمتها وقيمة الولد لأنه حر على جميع الأقوال، وتعتبر تلك القيمة يوم الحُكْم.
قال خليل: وضمن قيمة المستحقة وولدها يوم الحكم، هذا هو المعول
الجزء: 3 - الصفحة: 72
عليه ولذا اقتصر عليه خليل لأن مالكًا رجع إليه، وعليه جماعة، وأخذ به ابن القاسم، وعلى هذا القول لا تكون أُم ولد لمن استحقت من يده وله الرجوع بثمنها على بائعه ولو كانغاصبًا سواء ساوى ما غرمه لسمتحقها أو زاد أو نقص، ولكن ما قبضه ربها إن كان أقل من ثمنها فإنه يجرع بما بقي له من الثمن كما هو قاعدة بيع الفضولي إذا فات يجب فيه الأكثر من الثمن والقيمة.
وقيل يقضي لمستحقها بأن يأخذها وقيمة الولد، ونسب هذا القول لمالك ايضًا، وعلى هذا لو وقع الصلح على أخذ قيمتها لكانت أُمّ ولد.
وقيل له قيمتها فقط يوم وطئها ولا شيئ له في ولدها، إلا أن يختار الثمن دون القيمة فأخذه من الغاصب الذي باعها، هذا هو
ثالث الأقوال، وكلها عن الإمام، وأرجحها أولها كما تقدم.
وأما لو كان الاستحقاق من يد رقيق لقضى لسيدها بأخذها مع ولدها من غير خلاف، كما لو كان الولد من زنا اهـ النفراوي باختصار: والله تعالى أعلم.
ولما أنهى المصنف الكلام على مسائل الاستحقاق وغيرها من المسائل انتقل رحمه الله يتكلم على ما يتعلق باللقطة لأن صاحبها يستحقها بمجرد وصفها وعلى الملتقط دفعها إليه ولذا ناسب وضع أحكامها عقب أحكام الاستحقاق لأنها من لواحقه إلا أن المصنف وضع لها كتابًا مستقلاً اعتناء بشأنها فقال رحمه الله تعالى:
الجزء: 3 - الصفحة: 73