أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»صفحات 177-216

لكل منهما تُبْ إلى الله واعلم أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فإن أحدكما كاذب بلا شك اهـ بتصرف.
قال رحمه الله تعالى: " وأيهما نكل حُد وأقر لكن حد الزوج يقف على كونها يحد قاذفها " يعني أي واحد من المتلاعنين نكل عن اللعان يحد فإن التعن الزوج ونكلت رجمت بشروط آتية، وإن كان الناكل الزوج والتعنت الزوجة فإنه يحد حد القذف بشروط آتية وأقر نكاحهما.
وتقدم كلام صاحب الرسالة من قوله: وإن نكلت هي رجمت إن كانت حرة محصنة بوطء تقدم من هذا الزوج أو زوج غيره.
ويشترط أيضاً أن تكون كبيرة بالغة عاقلة، وأن تكون ممن يمكن حملها.
فلا تحد الصغيرة بل لا يلاعنها إذ لو أقرت بالزنا لم يلزمها شيء.
قال النفراوي: وشرطه إطاقة الزوجة ولو كتابية وغير مدخول بها، لكن البالغة تلاعن كالزوج والمطيقة إنما يلاعن زوجها دونها، وغير المطيقة لا لعان على واحد منهما ولا حد على الزوج لعدم لحوق المعرة اهـ. ويشترط في الكبيرة الناكلة ألا ترجع إلى الحلف، فإن رجعت فلها ذلك كالتي تقر على نفسها بالزنا ثم ترجع عنه فيسقط الحد عنها، بخلاف الزوج إذا نكل ثم أراد أن يرجع فلا يمكن من ذلك على المشهور.
ويشترط في حق الزوج ألا يكون صبياً ولو كانت الزوجة بالغة بل لا يلزمه لعان، وإنما يؤدب وإن ظهر بها حمل ينتفي عنه بغير لعان، وعليها الحد.
ويشترط في حق الزوج الناكل ألا تكون الزوجة أمة أو ذمية، فإن كانت كذلك فلا حد على الحر المسلم في نكوله، لقول مالك في المدونة: أما الكافرة والأمة فإنه لا يجلد قاذفهما اهـ. وتقدم أنه يلاعن الزوج الحر المسلم ليدفع عن نفسه الأدب إذا رمى زوجته الأمة أو الذمية بالزنا ونفى الحمل بشروط متقدمة.
قال مالك في الموطأ: والعبد بمنزلة الحر في قذفه ولعانه يجري محرى الحر في ملاعنته، غير أنه ليس على من قذف

مملوكة حد.
والأمة المسلمة والحرة النصرانية واليهودية تلاعن الحر المسلم إذا تزوج إحداهن فأصابها، وذلك أن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور: 6] فهن من الأزواج وعلى هذا الأمر عندنا اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويشترط للنفي الاستبراء وعدم الوطء بعده، ويلتعن هو دونها " يعني يشترط في لعان نفي الحمل أن يدعي استبراء الزوجة قبل ظهور الحمل وعدم الوطء بعده.
قال النفراوي: يصح اللعان لنفي حمل بشرط أن يدعَى قبله استبراء ولو بحيضة، ومثل الاستبراء دعواه عدم وطئها بعد وضعها الحمل الأول الذي قبل هذا المنفي، والحال أن بين الوضعين ما يقطع الثاني عن الأول وهو ستة أشهر فأكثر.
ويدعى قبله الاستبراء إلى أنه لا يجوز لأحد نفي حمل زوجته لأن الولد للفراش إلا إذا اعتمد على أمر قوي، وأما مجرد شكه في أنه ليس منه مع استمراره على وطئها فلا يحل له نفيه مع إمكان كونه منه، ولا يصح لعانه، ولا يجوز له أن يعتمد في نفيه على عزله ولا عدم مشابهته له، ولا سواده مع كونه أبيض، ولا على كونه كان يطؤها بين فخذيها حيث كان ينزل ولا على وطء بغير إنزال حيث وطئ قبله ولم يبل حتى وطئها لاحتمال بقاء المني في قصبة الذكر اهـ. ثم إنه إذا ادعى الاستبراء وعدم الوطء بعده والتعن فلا يلحق به ما أتت به من ولد إذا كان بين استبرائه ووضعها ستة أشهر، وأما إن كان في أقل من ذلك فإنه يلحق بالفراش ويحمل على وجود الولد في بطنها حال استبرائها لأن الحامل تحيض عند مالك.
والشرطان المتقدمان في نفي الحمل بالرؤية، وأما إذا كان في نفي حمل ظاهر بشهادة امرأتين فيشترط تعجيل اللعان من غير تأخير لوضع الحمل.
قال خليل: بلعان معجل كالزنا.
وقال بعد ذلك: وإن وطئ أو أخر بعد علمه بوضع أو حمل بلا عذر امتنع اهـ. وأما قول المصنف ويشترط للنفي الاستبراء وعدم الوطء أي إذا استبرأها ولم يطأها وأتت بولد كامل لستة أشهر من يوم الاستبراء فيعتمد في نفيه على استبرائها

كما تقدم، ويلاعن وإن لم يدَّع الرؤية.
قال عياض: وهو المشهور، ولا ينتفي الولد بغير لعان.
ولا بد من لعان الزوج، وإن نكل حد لقذفه، وإن مات الولد الذي رماها به أو الحمل الذي رماها به.
وفائدة اللعان حينئذ سقوط الحد عنه اهـ الخرشي وغيره.
وتقدم قوله: فإن ادعت ولادته وادعى التقاطه فالقول قولها، فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " فإن وطئ بعده حد للقذف ولحقه كاعترافه به في ادعاء الرؤية للزنا " يعني فإن وطئ بعد الاستبراء ثم نفى الولد باللعان فإنه يحد للقذف ويلحق به الولد، كما لو اعترف في قذفها بالزنا فإنه يحد كذلك.
قال خليل: وحد بعدها، أي بعد العدة كاستلحاق الولد أي الملاعن فيه.
قال الآبي في الجواهر: فيحد لاعترافه بالقذف.
ولا يتعدد حده بتعدد الأولاد المستلحقين بعد لعانه فيهم سواء استلحقهم دفعة أو واحداً بعد واحد، ولو بعد حده للأول لأنه قذف واحد، إلا أن تزني الملاعنة قبل الاستلحاق فحينئذ لا يحد لاستلحاقه لزوال عفتها اهـ بحذف.
قال رحمه الله تعالى: " ولو أكذب نفسه أو استلحقه لحق به وحد ولم تحل " يعني أن الزوج إذا أكذب نفسه بعد اللعان أو قبله، أو استلحق الولد فإنه يلحق به وحد للقذف، فإن كان ذلك قبل أن يلتعن أحدهما فلا لعان ولا فراق، وإن كان بعد تمام لعانهما ثبت الحد والفرقة ولم تحل له أبداً.
قال مالك في الموطأ: السنة عندنا أن المتلاعنين لا يتناكحان أبداً، وإن أكذب نفسه جلد الحد وألحق به الولد ولم ترجع إليه أبداً، وعلى هذا السنة عندنا التي لا شك فيها ولا اختلاف.
وقال أيضاً في الرجل يلاعن امرأته فينزع ويكذب نفسه بعد يمين أو يمينين ما لم يلتعن في الخامسة أنه إذا نزع قبل أن يلتعن جلد الحد ولم يفرق بينهما اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويلاعن زوجته الأمة والكتابية لنفي النسب " يعني للزوج أن يلاعن زوجته الأمة أي المملوكة لغيره، وكذلك له أن يلاعن زوجته الحرة

الكتابية لنفي النسب.
وتقدم قول مالك أنه قال: والأمة المسلمة والحرة النصرانية واليهودية تلاعن الحر المسلم اهـ. وقال في الحرة التي قذفها زوجها: إنه يلتعن لأن هذا القاذف لهذه الحرة فلا بد من اللعان، وهو في الأمة والمشركة لا يكون قاذفاً ولا يلتعن إذا قذفها إلا أن يدعي رؤية أو ينفي حملاً باسبراء يدعيه فيقول: أنا ألتعن خوفاً من أن أموت فيلحقني الولد، فهذا الذي يلتعن إذا كانت امرأته أمة أو من أهل الكتاب أو ينفي من حملها إن له أن يلتعن إن أراد أن يلتعن ويحقق قولهعليها لم أمنعه من ذلك، لأن الله تبارك وتعالى قال: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ [النور: 6] وإن لم يرد ذلك ذلك لم يكن عليه شيء لأنه لا حد عليه في قذفه إياها اهـ المدونة.
قال رحمه الله تعالى: " وفي القذف بالزنا قولان " يعني أنه اختلف أهل المذهب في اللعان وعدمه في القذف بمجرد دعوى الرؤية بالزنا لا تيقن كأن يقول: إنها زن، أو أنت زنيت، أو زانية.
قال في الرسالة: واختلف في اللعان في القذف.
وقال خليل: وفي حده بمجرد القذف أو لعانه خلاف.
قال الخرشي: يعني أنه إذا قال لزوجته أنت زنيت فقط، أو قال لها: يا زانية فقط ولم يقيد ذلك برؤية زنا ولا بنفي حمل هل يحد ولا يمكن من اللعان، أو يلاعن ولا حد عليه للقذف لعموم آية اللعان، وهي قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ [النور: 6] فلم يذكر فيها رؤية زنا ولا نفي حمل ولا ولد قاله ابن نافع وبعض كبار المتأخرين، والقولان في المدونة اهـ. قال ابن القاسم: يلاعن، والأكثر يحد فقط.
قال المصنف: والمشهور الالتعان بمجرد القذف كما يأتي عن قريب اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويصح من الأعمى لنفي النسب ومن الأخرس إذا فهم منه " يعني أن الأعمى له أن يلاعن زوجته في نفي النسب إذا تيقن وتحقق بأي طريق من طرق العلم بذلك.
قال العدوي: فالأعمى يلاعن حتى لرؤية الزنا حيث تيقنه بحس أو

جس، ولا يشترط في وصفه أن يقول كالشهود: رأيت فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة كما تقدم اهـ. وأما الأخرس إذا كان يعقل الإشارة ويفهم الخطاب أو الكتابة ويعلم ما يقوله فإنه يصح لعانه وقذفه عند الأئمة الثلاثة خلافاً لأبي حنيفة.
ذكره في كتاب الرحمة.
قال خليل: وأشار الأخرس أو كتب سواء كان ذكراً أو أنثى فإنه يشير بما يدل عليه إن كان يحسن الكتابة، وإلا يشير بما يدل على الشهادة باللعان.
ويكرر الإشارة أو الكتابة أربعاً كاللفظ على الظاهر اهـ بتصرف.
قال رحمه الله تعالى: " والمشهور الالتعان لمجرد القذف.
والله أعلم " يعني أن المشهور من أقوال أهل المذهب الالتعان بمجرد القذف لعموم الآية كما هو قول ابن القاسم في المدونة والله أعلم.
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق باللعان وأحكامه انتقل يتكلم على أحكام العدة والاستبراء وما يتعلق بهما من وضع الحمل وبيان الأقراء فقال:

كتاب العدة والاستبراء أي في بيان ما يتعلق بأحكام العدة والاستبراء، وحكم عدة الحامل والمتوفى عنها زوجها، وحكم عدة الطلاق واللواتي يعتددن بالأقراء أو بالشهور أو السنة.
وهو باب مهم عظيم الشأن، مسائله بها يكون صلاح الإنسان في دينه ودنياه، نسأل الله التوفيق إنه ولي ذلك.
والعدة تربص المرأة زماناً معلوماً قدره الشارع علامة على براءة الرحم غالباً، لفسخ النكاح أو موت الزوج أو طلاقه أو فقده.
وحكمها الوجوب لقوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله﴾ [البقرة: 235] والإجماع على ذلك.
وأنواعها ثلاثة: أقراء، وشهور، ووضع حمل.
وابتدأ رحمه الله تعالى بحكم الحامل فقال: " الحامل يبرئها وضع الحمل ما كان، وضعته مخلقاً أو غير مخلق " يعني أن عدة الحامل وضع حملها سواء في الوفاة أو الطلاق، لقوله تعالى: ﴿وأولات الحمل أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: 4] قال في الرسالة: وعدة الحامل في وفاة أو طلاق وضع حملها، كانت حرة أو أمة أو كتابية.
ويشترط في انقضاء العدة أن ينفصل الولد كله بعد الطلاق أو الموت ولو بلحظة، فلو نزل بعضه وبقي بعض ولو الثلث فلا تنقضي عدتها إلا بانفصاله عنها.
قال خليل: وعدة الحامل وضع حملها كله.
ويشترط أن يكون الحمل من اعتدت منه، أو يحتمل أن يكون منه كالمتلاعن فيه.
وأما المنفي قطعاً كولد الزنا، وما تضعه المعتدة من وفاة الصبي الذي لا يولد له فإن العدة لا تنقضي بوضعه، بل لا بد من ثلاثة قروء، وتعد في الطلاق نفاسها حيضة، وعليها في الوفاة أقصى الأجلين، وهو المتأخر من الوضع أو تمام الأربعة أشهر وعشر في الحرة، أو الشهرين والخمس ليلا في الزوجة الأمة اهـ النفراوي بحذف.

قال رحمه الله تعالى: " وتعتد الحرة الحائل للوفاة أربعة أشهر وعشراً ولو بكراً أو صغيرة أو يائسة " يعني أن عدة الحرة الحائل وهي غير الحامل إذا مات زوجها أربعة أشهر وعشر ولو كانت بكراً أو صغيرة أو يائسة، سواء كانت مدخولاً بها أو غير مدخول بها، مسلمة أو كتابية، لعموم قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ [البقرة: 234] الآية.
قال في الرسالة: وعدة الحرة من الوفاة أربعة أشهر وعشر، كانت صغيرة أو كبيرة، دخل بها أو لم يدخل، مسلمة كانت أو كتابية اهـ. قال النفراوي: والحاصل أن غير المدخول بها ومثلها المأمونة الحمل إما لصغرها أو يأسها أو كون الزوج لا يولد له تحل بمجرد فراغ الأربعة أشهر وعشر، وكذا غير مأمونة الحمل، ولكن تتم الأربعة أشهر وعشراً قبل مجيء زمن حيضتها، أو لا تتم قبل زمن حيضتها ولكن أتاها الحيض فيها أو تأخر لرضاع.
وأما إن تأخر لمرض أو لغير علة، أو استحيضت ولم تتميز فلا بد من الحيضة أو تمام تسعة أشهر تحل، إلا أن تظهر ريبة بعد التسعة فمكث أقصى الأجلين اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وعلى المدخول بها حيضة إلا أن تكون عادة طهرها أكثر من الشهور فتقتصر عليها " يعني لازم على المدخول بها وهي حائل إذا توفي زوجها تربص حيضة في أثناء أربعة أشهر وعشر إلا أن تكون عادتها لا تأتيها إلا بعد أربعة أشهر فتقتصر على أربعة أشهر وعشرة أيام إن لم ترتب وقالت النساء ليس بها حمل فتحل للأزواج.
قال ابن جزي: فرع يشترط في المذهب في التي دخل بها وهي في سن الحيض أن تحيض في العدة من الوفاة ولو حيضة واحدة، فإن لم تحض فهي مرتابة فينظر إن كان ارتفاع حيضتها لعذر أو عادة حلت بانقضاء العدة اتفاقاً، وإن كان لغير عذر لم تحل حتى تحيض أو تكمل تسعة أشهر.
وقال أشهب وسحنون: تحل بانقضاء العدة وإن لم تحض وفاقاً لهما، وإن كانت تحس شيئاً في بطنها قعدت أكثر من مدة الحمل اهـ. وعبارة

الجزيري في الفقه أنه قال: يشترط لانقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وهي غير حامل بانقضاء أربعة أشهر وعشرٍ شروط أي خمسة، إلى أن قال: والحاصل أن المدخول بها إن توفي عنها زوجها فإنه ينظر أولاً لعادتها في الحيض فإن كانت لا تأتيها الحيضة في مدة أربعة أشهر وعشرة أيام بأن كانت تحيض كل خمسة أشهر مرة وتوفي زوجها وهي في أول طهر انقضت عدتها بأربعة أشهر وعشرة أيام بشرط ألا ترتاب في براءة رحمها، بأن تشعر بحمل أو ترتاب النساء التي تراها، فإن ارتابت فإن عدتها لا تنقضي، فيجب عايها أن تنتظر تسعة أشهر أو حيضة واحدة فتحل للأزواج بأقربهما، فإن لم يزل الارتياب مكثت أقصى مدة الحمل وهي خمس سنين على الراجح: وقيل أربع سنين.
وقيل غير ذلك.
وأما إن كانت تأتيها الحيضة في أثناء أربعة أشهر وعشرة أيام، فإن حاضت فيها ولو مرة فإن عدتها تنقضي بانقضاء مدة أربعة أشهر وعشر، وإن لم تحض لسبب مجهول أو لمرض على الراجح فإن عدتها لا تنقضي حتى تحيض، وإلا انتظرت تسعة أشهر، فإن لم تحض وارتابت في الحمل أو ارتاب النساء انتظرت حتى تزول الريبة أو تمضي خمس سنين، وهي أقصى مدة الحمل اهـ بحذف واقتصار.
قال رحمه الله تعالى: " والأمة بشهرين وخمسٍ " أي من الليالي بأيامها.
يعني تعتد الأمة من وفاة زوجها بشهرين وخمس ليال ما لم ترتب الكبيرة ذات الحيض بتأخيره عن وقته فتقعد حتى تذهب الريبة اهـ. هذا وتستوي الحرة والأمة في الريبة فتمكث حتى تذهب الريبة إما بحيضة أو بتمام مضي التسعة أشهر.
هذا حكم المرتابة بتأخير الحيض في مدخول بها إذا تأخرت حيضتها عن عادتها وكان زوجها ممن يولد له، وأما لو كانت ريبتها بجس بطن فإنها تمكث أقصى أمد الحمل كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى: " والكتابية تحت المسلم كالمسلمة " يعني أن الكتابية

إذا كانت تحت المسلم فحكمها حكم المسلمة إذا توفي عنها زوجها فإنها تجبر على أربعة أشهر وعشر ولو لم يدخل بها حيث كانت حرة، وعلى الشهرين وخمس ليال إن كانت رقيقة، هذا هو المشهور.
قال المواق من المدونة: طلاق المسلم لزوجته الكتابية كطلاق الحرة المسلمة وتجبر على العدة منه إذا بنى بها طلق أو مات عنها، وإن مات ذمي بعد البناء فلا ينكحها مسلم إلا بعد ثلاث حيض استبراء، وإن مات عنها الذمي أو طلقها قبل البناء فلا عدة عليها وينكحها المسلم إن أحب مكانه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وقيل بل تُستبرأ بثلاث حيض إن كانت مدخولاً بها وإلا فلا شيء عليها " يعني أن الكتابية إذا توفي عنها زوجها المسلم وأراد أن يتزوجها مسلم غيره فإنها تعتد بثلاث حيض إن كان مدخولاً بها، وإن لم تكن مدخولاً بها لا عدة عليها لكن المشهور ما تقدم من أنها تعتد بأربعة أشهر وعشر إن أراد المسلم تزوَّج بها أو الكتابي وتحاكموا إلينا.
قال الخرشي: يعني أن الذمية الحرة غير الحامل تحت ذمي مات أو طلق وأراد مسلم أن يتزوجها أو تحاكموا إلينا فإن كان دخل بها حلت للمسلم بثلاثة أقراء، وإن لم يكن دخل بها حلت مكانها من غير شيء إجراء لنكاح الكفار مجرى المتفق على فساده.
واحترز بقوله: تحت ذمي عما لو كانت تحت مسلم فإنها تجبر على أربعة أشهر وعشر من وفاته دخل بها أم لا، وعلى ثلاثة أقراء من طلاقه إن دخل بها، إما لعموم قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم﴾ وإما لأنه حكم بين مسلم وكافر، وما هذا شأنه يغلب فيه المسلم اهـ. وعبارة الجزيري أنه قال: ثانيها أي ثاني الشروط أن يكون مسلماً، فإذا كان ذمياً تحته ذمية مات عنها وأراد مسلم أن يتزوجها فإن عدتها تكون ثلاثة أشهر إن كانت آيسة من الحيض، وثلاثة أطهار إن لم تكن، وكذا إذا أراد أن يتزوج بها غير مسلم وترافعا إلينا لنقضي بينهما في ذلك، هذا إذا كانت مدخولاً بها وإلا فلا عدة عليها أصلاً اهـ فتحصَّل أن في عدة الكتابية من وفاة زوجها قولين إما بإتمام

أربعة أشهر وعشر جبراً لعموم الآية إن كان المتوفى عنها مسلماً سواء دخل بها أم لا، أراد أن يتزوج بها المسلم أم لا، وإما بثلاثة أقراء إن كان المتوفى عنها ذمياً ودخل بها وأراد المسلم أن يتزوج بها فإنها تحل له بثلاثة أقراء على قول، وللذمي ذلك إن ترافعا إلينا فإن لم يدخل بها فلا عدة عليها أصلاً فتأمل اهـ. وقال في الرسالة: وتجبر الحرة الكتابية على العدة من المسلم في الوفاة والطلاق.
قال النفراوي: فتتربص في الوفاة أربعة أشهر وعشراً.
وفي الطلاق ثلاثة أقراء أو أشهر إن كانت صغيرة تطيق الوطء أو كبيرة لا تحيض.
ومفهوم المسلم أنه لو كان زوجها كافراً لا يكون حكمها كذلك.
والحكم أنها إن أراد مسلم أن يتزوجها لا بد لها من ثلاثة أقراء ولو في الوفاة حيث كانت مدخولاً بها، أو ثلاثة أشهر إن كانت صغيرة أو كبيرة وإن لم يكن دخل بها فلا عدة عليها اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وتستبرأ أم الولد لموت سيدها بحيضة وتعتد لموت زوجها قبله كالأمة وبعده كالحرة " يعني أن أم الولد تستبرئ بحيضة الموت سيدها، وتعتد كعدة الأمة شهرين وخمس ليال لموت زوجها قبل موت سيدها، وتعتد كالحرة لموت زوجها بعد موت السيد أربعة أشهر وعشراً، ولها الميراث من زوجها لأنها بمجرد موت سيدها صارت حرة.
قال في المدونة: وعدة أم الولد من وفاة سيدها أو عتقه إياها حيضة، فإن قعدت عن الحيض فثلاثة أشهر اهـ ومثله في الموطأ.
قال رحمه الله تعالى: " وتنتقل الرجعية لموت زوجها إلى عدة الوفاة كالأمة المطلقة يموت زوجها بعد عتقها في العدة " يعني أن المطلقة طلاقاً رجعياً تنتقل إلى عدة الوفاة إذا توفي المطلق وهي في عدة منه فإنها تنتقل إلى عدة الوفاة، بخلاف البائن.
ومثلها الأمة المطلقة يموت زوجها بعد عتقها وهي في عدة الطلاق فإنها تنتقل عن عدة الطلاق إلى عدة الوفاة.
قال الخرشي: لأن الناقل عند مالك هو ما أوجب عدة أخرى، والعتق لا يوجب عدة أخرى، ولهذا لو مات زوج المطلقة طلاقاً رجعياً في أثناء عدتها

انتقلت إلى عدة الوفاة حرة أو أمة كما مر لأن الموت يوجب عدة وكذا لو طلقت الأمة رجعياً ثم أعتقها سيدها ثم مات الزوج قبل انقضاء عدتها انتقلت لعدة الحرة أربعة أشهر وعشلأن الموجب وهو الموت لما نقلها صادفها حرة فتعتد عدة الحرة للوفاة بعد أن كانت عدتها قرأين، وسواء تقدمت لها حيضة أو لا.
ولو كان الزوج مات قبل عتقها فإنها تعتد عدة الأمة لأن الموت لما نقلها لم يصادفها حرة وإنما صادفها أمة لكنها تنتقل عن حيضتين إلى شهرين وخمس ليال اهـ قال ابن جزي في القوانين: وإن طلقت الأمة ثم أعتقت في عدتها بنت على عدة الأمة.
وقال الشافعي: تنتقل إلى عدة الحرة اهـ. فظهر لك أن العتق لا يوجب الانتقال من عدة الطلاق إلى عدة أخرى إلا بموت الزوج في عدة طلاقه عند مالك لا بعتقها.
قال خليل: ولا ينقل العتق لعدة الحرة.
قال الخرشي: يعني أن الزوج إذا طلق زوجته الأمة طلاقاً رجعياً أو مات عنها ثم إنها عتقت في أثناء العدة فإنها لا تنتقل عن عدة الطلاق التي هي قرءان، ولا عن عدة الوفاة التي هي شهران وخمس ليال إلى عدة الحرة التي هي ثلاثة أقراء في الطلاق وأربعة أشهر وعشر في الوفاة إلى آخر ما قررناه فتأمل اهـ وفي الموطأ قال مالك: الأمر عندنا في طلاق العبد الأمة إذا طلقها وهي أمة ثم عتقت بعد فعدتها عدة الأمة لا يغير عدتها عتقها كانت له عليها رجعة لا تنتقل عدتها.
قال مالك: ومثل ذلك الحد يقع على العبد ثم يعتق بعد أن يقع عليه الحد فإنما حده حد عبد.
قال: والحر يطلق الأمة ثلاثاً وتعتد بحيضتين، والعبد يطلق الحرة تطليقتين وتعتد ثلاثة قروء اهـ. ثم ينتقل يتكلم على الإحداد فقال رحمه الله تعالى: " وعلى المتوفى عنها الإحداد مدة العدة وهو الامتناع من الطيب والتزين بالحلي والثياب والكحل والحناء " يعني أن الإحداد هو اجتناب المرأة المتوفى عنها زوجها الزينة، فيجب عليها ترك ما تتزين به من يوم الموت سواء كانت كبيرة أو صغيرة، حرة أو أمة، مسلمة أو كتابية.
قال في

الرسالة: والإحداد ألا تقرب المعتدة من الوفاة شيئاً من الزينة بحلي أو كحل أو غيره، وتجتنب الصباغ كله إلا الأسود، وتجتنب الطيب كله ولا تختضب بحناء اهـ. أي يجب عليها ترك جميع ذلك من يوم يموت زوجها إلى انقضاء عدتها سواء كانت عدتها وضع حمل أو أربعة أشهر وعشراً، أو كانت مرتابة.
قال العدوي: وإن ارتابت فعليها الإحداد حتى تنقضي الريبة وإن بلغت إلى خمس سنين اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولا تنتقل من منزل الوفاة إلا أن تخاف عورة فتلازم الثاني " يعني كما قال صاحب الرسالة: ولا تخرج من بيتها في طلاق أو وفاة حتى تتم العدة إلا أن يخرجها رب الدار، ولم يقبل من الكراء ما يشبه كراء المثل فلتخرج وتقيم بالموضع الذي تنتقل إليه حتى تنقضي العدة اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وهي أحق بالسكنى من الورثة والغرماء " يعني أن المتوفى عنها زوجها هي أحق بالسكنى من الورثة في بيت الميت، كما أنها أحق بذلك من الغرماء.
قال مالك في المدونة: لا نفقة لها في مال الميت، ولها السكنى إن كانت الدار للميت وإن كان عليه دين والدار دار الميت كانت أحق بالسكنى من الغرماء، وتباع للغرماء وتشترط السكنى على المشتري، وهذا قول مالك وإن كانت داراً بكراء فنقد الزوج الكراء فهي أحق بالسكنى اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولا تخرج إلا لضرورة ولا تبيت بغيره ولا نفقة لها وإن كانت حاملاً " يعني أن المعتدة مطلقاً سواء عدة الوفاة أو عدة الطلاق لا تخرج من منزلها إلا لضرورة، ولا تبيت إلا في بيتها كما في المدونة.
والمعنى أي لا تخرج إلى سفر ولو لحج أو زيارة أو تجارة أو تهنئة أو تعزية إلا لضرورة، أما خروجها في حوائجها التي لا بد منها كتحصيل قوت أو ماء ونحوهما فجائز مع الأمن في ذلك الوقت.
قال اللخمي: لا بأس أن تخرج قبل الفجر وترجع قبل الغروب.
قال بعض العلماء: كلام

اللخمي هو اللائق بعرف الزمان فالمدار على الوقت الذي ينشر فيه الناس لئلا يطمع فيها أهل الفساد اهـ الدردير.
وقوله رحمه الله تعالى: " ولا نفقة لها وإن كانت حاملاً " يعني لا نفقة للزوجة في مال زوجها المتوفى عنها وإن حاملاً لانقضائها بموته وصيرورة التركة للورثة وهي منهم.
قال في الرسالة: ولا نفقة لكل معتدة من وفاة ولها السكنى إن كانت الدار للميت إلخ كما تقدم.
وسئل جابر بن عبد الله عن المرأة الحامل يتوفى عنها زوجها هل لها من نفقة قال لا حسبها ميراثها.
وقال ابن شهاب: نفقتها على نفسها في ميراثها كانت حاملاً أو غير حامل اهـ المدونة.
قال رحمه الله تعالى: " ونفقة الطفل من ماله فإن لم يكن له مال أو لم يقبل ثدي غيرها لزمها إرضاعه " يعني أن نفقة الطفل تكون من ماله سواء كان أبوه حياً أم لا فإن كان أبوه حياً ولم يكن للطفل مال وجب على أبيه إنفاقه وإرضاعه ولو بأجرة من الأب.
قال في الرسالة: وللمطلقة رضاع ولدها على أبيه ولها أن تأخذ أجرة رضاعها إن شاءت وإن لم يكن للأب مال وللطفل مال فأجرة الرضاع والنفقة في ماله ولو بأجرة تأخذها أمه أو غيرها إن كان يقبل غيرها، وإلا لزم على الأم إرضاعه وأخذها أجرة، وإن لم يكن للطفل مال مع عدم قبوله غير أمه لزمها إرضاعه مجاناً.
قال العلامة محمد عليش في الفتاوى نقلاً عن ابن سلمون: وإن مات الأب فإنها ترضعه بأجرة تأخذها من مال الطفل، فإن لم يكن له مال لزمها إرضاعه باطلاً أي مجاناً.
هذا في من مات أبوه، ثم قال: وإذا أبت الأم إرضاعه وأرادت دفعه إلى أبيه فإنه لا يؤمر بأخذه حتى يجد من ترضعه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وأما المطلقة فلا عدة قبل البناء " يعني أن المطلقة قبل البناء فلا عدة عليها لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن

وسرحوهن سراحاً جميلاً} [الأحزاب: 49] المراد بالنكاح هنا مجرد العقد، فإذا عقد على امرأة ولو كانت أمة أو كتابية ثم طلقها قبل البناء ولو طال بين العقد والطلاق فإنها لا عدة عليها ولها المتعة بشرط عدم تسمية الصداق.
قال الصاوي في سورة الأحزاب: فالمطلقة قبل الدخول إن سمي لها صداق فلا متعة لها ولا عدة عليها، وإن لم يسم لها صداق بأن نكحت تفويضاً فلا عدة عليها ولها المتعة إما وجوباً كما هو عند الشافعي أو ندباً كما هو عند مالك اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وتعتد الحرة المدخول بها بثلاثة أطهار، وإن طلقها في آخر طهر أو مسها فيه ولو كتابية " يعني أن الحرة المدخول بها عدتها ثلاثة أطهار، وإن كان طلاقها في آخر طهر أو مسها فيه ولو كانت كتابية.
قال ابن جزي في القوانين: وعلى المذهب إذا طلقها في طهر كان بقية الطهر قرءاً كاملاً ولو كان لحظة فتعتد به ثم بقرءين بعده، فذلك ثلاثة قروء، فإذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد تمت عدتها، وإن طلقها في حيض لم تحل حتى تدخل في الحيضة الرابعة من الحيضة التي طلقت فيها اهـ. وفي الرسالة: وعدة الحرة المطلقة ثلاثة قروء كانت مسلمة أو كتابية.
قال النفراوي: وتحل لغير المطلِّق بأول الحيضة الثالثة إن طلقت في طهر أو الرابعة إن طلقت في حيض أو نفاس، ولكن يستحب لها ألا تتعجل بالعقد بمجرد رؤية الدم الثالث أو الرابع، بل حتى يمضي يوم أو بعضه لعدم الاكتفاء في العدة بأقل من ذلك اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والأمة بطهرين " يعني وتعتد الأمة بقرءين.
قال في الرسالة: والأمة ومن فيها بقية رق قرءان، كان الزوج في جميعهن حراً أو عبداً.
قوله في جميعهن أي الحرة والأمة القن ومن فيها بقية رق، كان الزوج لواحدة منهن حراً أو عبداً، لما هو مقرر من أن العبرة في العدة بالمرأة وفي الطلاق بالزوج، والفرق واضح لأن العدة من المرأة والطلاق من الزوج.
وفي الموطأ عن مالك أن سعيد بن المسيب كان يقول الطلاق للرجال والعدة للنساء اهـ وقد تقدم الكلام في الأمة والكتابية فراجعه إن شئت.

قال رحمه الله تعالى: " واليائسة والتي لم تحض بثلاثة أشهر فإن طلقها في بعض شهر أكملته ثلاثين من الرابع وفي بعض يوم تلغيه " يعني أما اليائسة والتي لم تحض لصغر فإنهما تكملان ثلاثة أشهر بالأهلة، فإن طلقتا في بعض شهر أكملتاه ثلاثين من الشهر الرابع.
وأما إن وقع الطلاق في بعض يوم فإنهما تلغيان بقية اليوم الذي وقع فيه الطلاق كغيرهما وتبتدئان باليوم الذي بعد يوم الطلاق إن وقع الطلاق بعد الفجر وإلا حسب به كما هو مقرر في المذهب.
وإن حاضت التي عمرها دون خمسين سنة في أثناء الأشهر الثلاثة اعتدت بالأقراء كما تقدم كالصغيرة التي يمكن حيضها إذا رأت دماً قبل تمام الأشهر فتعتد بالأقراء كانت حرة أو أمة لكن الحرة تكمل ثلاثة قروء والأمة تحل بقرءين.
وأما بنت سبعين سنة فأكثر فليس دمها بحيض قطعاً ولا حاجة فيها إلى سؤال النساء فتعتد بالأشهر الثلاثة.
قال في الرسالة: فإن كانت ممن لم تحض أو ممن قد يئست من المحيض فعدتها ثلاثة أشهر في الحرة المسلمة وفي الأمة.
قال شارحها: وهذا ما لم تحض في أثناء العدة، وأما لو حاضت فيها ولو لم يبق من الأشهر إلا يوم واحد فإنها تعتد بالأقراء، هذا في الصغيرة التي يمكن أن تحيض اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والمرتابة بتسعة أشهر فإن حاضت في أثنائها انتظرت الثانية والثالثة كذلك، وإلا استأنفت ثلاثة أشهر، فإن حاضت فكذلك، وإلا حلت " قال ابن جزي في القوانين: وأما المرتابة وهي التي ارتفعت حيضتها، فإن ارتفعت بغير سبب من حمل ولا رضاع ولا مرض فإنها تمكث تسعة أشهر، وهي مدة الحمل غالباً، فإن لم تحض فيها اعتدت بعدها ثلاثة أشهر فكمل لها سنة ثم حلت، وإن حاضت في خلال الأشهر التسعة حسبت ما مضى قرءاً ثم انتظرت القرء الثاني لإتمام تسعة أشهر أيضاً، فإن حاضت حسبت قرءاً آخر وكذلك في الثالث، ولو حاضت قبل تمام سنة ولو بساعة حسبت كل ما مضى قرءاً ثم استأنفت تسعة أشهر، ثم اعتدت بثلاثة بعدها،

وإن حاضت بعد السنة لم تعتبر لأن عدتها قد انقضت بالسنة اهـ. هذا وقد تقدم الكلام على المرتابة عند قوله: وعلى المدخول بها حيضة إلا أن تكون عادة طهرها أكثر من الشهور فتقتصر عليها فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " فإن ارتفع برضاع لم تستبرأ إلا بأقراء وبمرض كالمرضع وقيل كالمرتابة " يعني أن التي ارتفعت حيضتها إما أن ترتفع بسبب رضاع أو بمرض وإما بلا سبب، فإن ارتفعت برضاع فتنتظر ثلاثة أقراء بعد فطام ولدها أو موته، فإن كان ارتفاعها بمرض فكذلك أي كالمرضع تعتد بالأقراء.
وقيل كالمرتابة فتعتد بأقرب من أحد الأمرين إما ثلاثة قروء وإما سنة البيضاء.
قال ابن جزي في القوانين: ولو ارتفع حيضها لرضاع انتظرت الحيض وإن طال الزمان ولا تجزئها الأشهر، وإن ارتفع حيضها لمرض ففيها روايتان إحداهما أنها كالتي ارتفع حيضها بغير سبب، والأخرى أنها كالمرضع اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والمستحاضة إن كانت مميزة عملت عليه وإلا فسنة " يعنى كما في المسألة، وعدة المستحاضة أو الأمة المعنى أن عدة الحرة المستحاضة والأمة المستحاضة في الطلاق سنة.
قال النفراوي بشرط عدم التمييز، ومثلهما في الاعتداد بسنة من تأخر حيضها بغير سبب أو لمرض.
قال خليل: وإن لم تميز أو تأخر بلا سبب أو مرضت تربصت تسعة أشهر ثم اعتدت بثلاثة، فعلم أن كل السنة ليست بعدة، بل تسعة استبراء وثلاثة أشهر عدة، وإن كان المصنف أطلة على كل السنة عدة.
وأما إذا ميزت فإنها تعتد بالأقراء لا بالأشهر لأن الدم المميز بعد طهر تام يعد حيضاً قال خليل: والمميز بعد طهر تم حيض كما قدمنا اهـ قال ابن جزي: وأما المستحاضة فإن كانت غير مميزة بين دم الحيض والاستحاضة فهي كالمرتابة تقيم تسعة أشهر استبراء وثلاثة عدة، وإن كانت مميزة ففيها روايتان إحداهما أنها كغير المميزة والأخرى أن تعمل على التمييز فتعتد بالأقراء اهـ.

وتقدم لنا في الحج أحكام المستحاضة إحرامها وطوافها واغتسالها وما تفعل في جميع نسكها مما ينبغي لها في ذلك فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " ومن بلغها موت زوجها أو طلاقه فعدتها منذ الموت والطلاق لا البلوغ " يعني أن ابتداء العدة يكون من يوم الموت أو الطلاق.
قال في المدونة: وإذا بلغها موت زوجها فعدتها من يوم مات، فإن لم يبلغها ذلك حتى انقضت عدتها فلا إحداد وقد حلت، وكذلك إن طلقت وهو غائب فعدتها من يوم الطلاق إذا أقامت على الطلاق بينة وإن لم تكن على ذلك بينة إلا أنه لما قدم قال: كنت طلقتها فالعدة من يوم إقراره ولا رجعة له في ذلك فيما دون الثلاث.
إذا تمت العدة من يوم دعواه، وترثه في العدة من يوم دعواه المؤتنفه ولا يرثها، وإن كان الطلاق بتاً لم يتوارثا بحال ولا يرجع عليها بما أنفقت من ماله بعد طلاقه قبل علمها لأنه قد فرط.
قال ابن يونس وأما المتوفى عنها فإنها ترد ما أنفقت من ماله بعد وفاته لأن ماله صار لورثته فليس لها أن تختص منه بشيء دونهم اهـ نقله الحطاب.
ومثله في المواق عند قول خليل: وإن انقضت على دعواه وورثته فيها إلخ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وللمبتوتة السكنى، وللحامل نفقتها حتى تضع ولا يثبت بدعواها حتى يظهر فتجعل لها النفقة، فإن انفش فله الرجوع وأكثر مدة الحمل أربع سنين " يعني أن المبتوتة لها السكنى حتى تنقضي عدتها.
قال في الرسالة: والسكنى لكل مطلقة مدخول بها.
قال الله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن﴾ [الطلاق: 6] قال مالك: يعني المطلقات اللائي قد بن من أزواجهن فلا رجعة لهم عليهن فكل بائن من زوجها وليست حاملاً فلها السكنى ولا نفقة لها ولا كسوة، لأنها بائن منه ولا يتوارثان ولا رجعة له عليها.
قال: وإن كانت حاملاً فلها النفقة

والكسوة والمسكن حتى تنقضي عدتها اهـ المدونة.
وأما الحامل فلا خلاف في نفقتها وسكناها للآية المتقدمة، ولقوله تعالى: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ [الطلاق: 6] هذا في المطلقة، وأما في الموت فقد تقدم أن لزوجته السكنى ولا نفقة لها وإن حاملاً فتنبه.
ولا يرتب في حمل المطلقة إلا بعد ثبوته، وإن لم يثبت فلا شيء لها إن كان الطلاق بائناً، فإن أخذت من نفقة الحمل شيئاً قبل ظهوره فثبت عدمه فإنه يرجع عليها.
قال خليل مشبهاً بها في رد ما أخذ: كانفشاش الحمل.
قال الحطاب: يعني أن من طلق زوجته فادعت أنها حامل فأنفق عليها ثم ظهر انفشاش الحمل، فإنه يرجع عليها بالنفقة وتردها، وسواء أنفق الرجل من أول الحمل ظاناً أنها تلزمه أو ظهر الحمل فألزم الإنفاق.
وقال الخرشي: وهذا هو الراجح، وسواء أخذته بحكم أم لا انظر الحطاب اهـ. وأما قوله: وأكثر مدة الحمل أربع سنين وتقدم الخلاف فيه بين الأربع والخمس.
قال خليل: وهل أربعاً أو خمس؟ خلاف.
قال ابن جزي: ومن ارتابت بالحمل لثقل بطنها أو تحركه لم تحل حتى تنقضي مدة الحمل وهي خمسة أعوام في المشهور.
وقيل أربعة وفاقاً للشافعي.
وقيل سبعة.
وقال أبو حنيفة عامان اهـ. وبذلك تعرف أن فيه اختلاف العلماء.
قال ابن عاصم في تحفة الحكام مبيناً فيما اشتهر في المذهب: وخمسة الأعوام أقصى الحمل... وستة الأشهر في الأقل اهـ. ولما أنهى الكلام على مسائل العدة انتقل يتكلم على الاستبراء فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ أي في بيان ما يتعلق بالاستبراء من الحكام بتجدد الملك في الأمة.
قال رحمه الله تعالى: " تجديد الملك يوجب الاستبراء " يعني أن الاستبراء واجب على الإمام كوجوب العدة على الحرائر لحفظ الأنساب، وذلك بانتقال الملك إما ببيع أو إرث

أو سبي أو هبة أو صدقة أو غير ذلك.
وهو كشف عن حال الرحم ليعلم المالك الثاني هل هي بريئة من الحمل أو مشغولة به.
قال ابن رشد في المقدمات: استبراء الإماء في البيع واجب لحفظ النسب، فوجب على من انتقل إليه ملك أمة ببيع أو هبة أو بأي وجه من وجوه الملك ولم يعلم براءة رحمها ألا يطأها حتى يستبرئها رفيعة كانت أو وضيعة اهـ. وما ذكره ابن رشد من قوله لا يطأها حتى يستبرئها أصله قوله عليه الصلاة والسلام في سبايا أوطاس: (لا توطأ حامل حتى تضع حملها، ولا ذات حمل حتى تحيض) اهـ. قال رحمه الله تعالى: " الحامل بالوضع، وذات القرء بالأقراء، واليائسة بثلاثة أشهر، والمرتابة بتسعة، والمملوكة في عدة بانقضائها إلا من تتيقن براءتها " يعني أن استبراء الأمة الحالم وضع حملها كله كما تقدم في العدة، وتستوي الحرة والأمة في انقضاء العدة والاستبراء بالوضع بشروطه المتقدمة.
وأما ذات القرء فينقضي استبراؤها بحيضة في انتقال الملك، والحرة بثلاثة قروء إلا في الزنا واللعان والردة فبحيضة فقط.
قال الناظم: والحرة استبراؤها كالعدة... لا في لعان أو زنا أو ردة فإنها في كل ذي تستبرا... بحيضة فقط كفيت الضرا

ويشترط في انقضاء المدة بحيضة لغير المستثنى منهن عدم الارتياب، فإن ارتابت فبتسعة أشهر سواء كانت حرة أو أمة.
رواه ابن وهب عن مالك.
ونقل عنه أيضاً أن الأمة إذا مضى لها ثلاثة أشهر ودعيت لها القوابل فقلن لا حمل بها فإن استبراءها قد انقضى وأن لسيدها أن يطأها.
قال أشهب: هذا أحب إلي لأن رحمها يبرأ بثلاثة أشهر كما يبرأ بتسعة أشهر لأن الحمل يتبين في ثلاثة أشهر، وذلك الذي حمل كثيراً من أهل العلم على أن جعل استبراء الأمة إذا كانت لا تحيض أو قد يئست من المحيض ثلاثة أشهر، وكذا الحكم في من استثنى إن نابت ولم تحض فيكتفي منها بثلاثة أشهر اهـ المدونة بطرف

من شراحها.
وأما قوله: والمملوكة الخ قال مالك في المدونة: من ابتاع أمة وهي في سنتها من وفاة أو طلاق فلا يجردها لينظر منها عند البيع ولا يتلذذ منها بشيء إن ابتاعها حتى تنقضي عدتها، وأخذ به ابن نافع اهـ، وأما اليائسة سواء كانت أم ولد أو غيرها في انتقال الملك فثلاثة أشهر، وكذلك التي تأخرت حيضتها عن عادتها بلا سبب أو بسبب رضاع أو مرض أو استحيضت ولم تميز فإنها تمكث ثلاثة أشهر من يوم انتقال الملك، وينظر لها النساء ولو واحدة، فإن لم ترتب حلت، وإن ارتابت بجس بطن فتمكث تسعة أشهر، فإن زالت الريبة حلت وإلا مكثت أقصى أمد الحمل اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ومن وطئ أمة لم يبعها حتى يستبرئها، فإن اتفقا على استبراء واحد جاز " يعني لا يجوز لمن وطئ أمته أن يببعها قبل أن يستبرئها مخافة أن تكون حاملاً منه فترد به.
وأما إن كانت عند رجل أمين وقد حاضت عنده ثم اشتراها من سيدها جاز له وطؤها.
قال في الرسالة: ومن هي في حيازته وقد حاضت عنده، ثم إنه اشتراها فلا استبراء عليها إن لم تكن تخرج اهـ. وعبارة المدونة: قال مالك: لو أن رجلاً اشترى جارية فوضعها فكانت على يدي رجل لتستبرئ له فحاضت فسأله الذي وضعت على يديه أن يوليه إياها ولم تخرج من يديه كان ذلك له استبراء في شرائه يطؤها ويجزئه الاستبراء عنده اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فلو ردها لفساد عقد أو خيار استحب للبائع استبراؤها " يعني أن المشتري لو رد الأمة إلى بائعها لأجل فساد البيع أو ردها في بيع الخيار فيستحب للبائع أن يستبرئها قبل وطئها، هذا ما لم يغب المشتري عليها وإلا وجب على البائع استبراؤها.
قال خليل: ويستحسن إن غاب عليها مشتر بخيار له، وتؤولت على الوجوب أيضاً.
قال المواق في المدونة: من ابتاع جارية بخيار واختار الرد من له الخيار فلا استبراء على البائع لأن البيع لم يتم فيها، وإن أحب البائع أن يسبرئ التي غاب

عليها المشتري وكان الخيار له خاصة فذلك حسن، إذ لو وطئها المبتاع كان ذلك مختاراً وإن كان منهياً عنه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وبإقالة يجب استبراؤها " وهي رد المبيع للبائع ورد الثمن للمشتري على وجه المعروف بمثل ما وقع فيه البيع.
قال الدردير: والإقالة بيع إلا في طعام المعاوضة والشفعة والمرابحة ستأتي في البيوع.
والمعنى: إذا رد المشتري الأمة للبائع وجب عليه استبراؤها بحيضة.
قال رحمه الله تعالى: " فإن باعها قبل استبرائها فوطئها المشتري كذلك فأتت بولد لأكثر من ستة أشهر حكم فيه بالقافة " يعني أن من باع الأمة قبل أن يستبرئها فوطئها المشتري ولم يستبرئها أيضاً فأتت بولد لأكثر من ستة أشهر من وطء المشتري فالحكم فيه ما حكمته القافة كما في المدونة.
وقد أجاد ابن رشد وأطنب في شرحها فقال في المقدمات: فصل فإن اشترى الرجل أمة فوطئها قبل أن يستبرئها فعليه العقوبة الموجعة مع طرح الشهادة، فإن حملت فماتت قبل أن تضع وقد كان البائع وطئها في ذلك الطهر فمصيبتها منه كان موتها لأقل من ستة أشهر من يوم وطئها المشتري أو لأكثر منها ما بينها وبين ما يلحق به الأنساب من الأول، وإن لم يكن البائع وطئها في ذلك الطهر فمصيبتها من المبتاع.
قال: فإن لم تمت ووضعت فلا يخلو وضعها من أن يكون لأقل من ستة أشهر أو لأكثر منها، فإن كان لأقل من ستة أشهر والبائع مقر بالوطء في ذلك الطهر فالولد ولده والأمة أم ولد له، سقطاً كان الولد أو تماماً، حياً كان أو ميتاً وأما إن كان البائع منكراً للوطء في ذلك الطهر فالولد ولد الأمة لا والد له، والمشتري بالخيار إن شاء أن يأخذها وإن شاء أن يتركها، لأن ذلك عيب فيها.
وهذا إذا ولد حياً أو ميتاً تام الخلقة لا يشبه أن يكون من المشتري.
وأما إن وضعته سقطاً يشبه أن يكون من المشتري فهو منه وهي أم ولد له، وأما إن أتت به لستة أشهر فصاعداً أو مقدار نقصانها

بالأهلة والبائع مقر بالوطء في ذلك الطهر فلا يخلو ذلك من وجهين أحدهما أن تكون وضعته حياً والثاني أن تكون وضعته ميتاً أو سقطاً فأما إن كانت وضعته حياً فإنه تدعى له القافة فمن ألحقوه به منهما لحق به، وكانت الأمة أم ولد له، وهذا إذا لم يدعيا الولد وأما إن ادعياه جميعاً فإن الأمة تكون معتقة منهما جميعاً ويرجع المشتري بنصف الثمن على البائع، وأما إن كان ميتاً أو سقطاً ففي ذلك اختلاف.
روى أصبغ عن ابن القاسم أنه من المبتاع وأن الأمة أم ولد له.
قال يحيى بن سعيد في المدونة: يعتق عليهما جميعاً.
والأظهر أن يلحق بالبائع وتكون الأمة أم ولد له.
وأما إن كان البائع منكراً للوطء فالأمة أم ولد للمبتاع وولدها لاحق به.
وقد قيل إن الولد للأول والأمة أم ولد منه إن ولدته حياً لأكثر من ستة أشهر ولا تدعى له القافة لأن فراش الأول صحيح وفراش الثاني فاسد.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) وأجمعوا لهذا الحديث أن الزوجين إذا وطئا في طهر واحد أن الولد للأول، وإن أتت به لستة أشهر لصحة فراشه.
ولا فرق بين الموضعين اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولستة من وطء الأول يلحق به " هذه الجملة من تمام التي قبلها.
قوله ولستة الخ وفي نسخة أخرى ولسنة بالنون الموحدة وهي تصحيف من بعض النساخ.
والمعنى: إن أتت بولد لستة أشهر من وطء الأول وهو البائع يلحق الولد به، ولو أتت به لأكثر من ستة أشهر لصحة فراشه، وإليه أشار ابن رشد بقوله: وقد قيل إن الولد للأول والأمة أم الولد منه إن ولدته حياً لأكثر من ستة أشهر، ولا تدعى له القافة لأن فراش الأول صحيح، وفراش الثاني فاسد إلى أخر ما تقدم.
وفي عبارة من المدونة أيضاً: لو أن رجلين وطئا أمة بملك اليمين في طهر واحد، أو تزوج رجلان امرأة في طهر واحد وطئها أحدهما بعد صاحبه ثم تزوجها الثاني وهو يجهل أن لها زوجاً فجاءت بولد فقال ابن القاسم: أما إذا كان ذلك في ملك اليمين فإن مالكاً قال يدعى لها القافة

قال: وأما في النكاح فإذا اجتمعا عليها في طهر واحد فالولد للأول لأنه بلغني عن مالك أنه سئل عن امرأة طلقها زوجها فتزوجت في عدتها قبل أن تحيض فدخل بها زوجها الثاني فوطئها واستمر بها الحمل فوضعت قال: قال مالك: الولد للأول، وإن كان تزوجها بعد حيضة أو حيضتين من عدتها فالولد للآخر إن كانت ولدته لتمام ستة أشهر من يوم دخل بها الآخر، فإن كانت ولدته لأقل من ستة أشهر فهو للأول اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولا يحكم بالقائف في ولد زوجة ولا ميت ولا اعتبار بشبه غير الأب " يعني أنه لا يدعي القائف في ولد امرأة متزوجة لأنه ولد على فراش أبيه، وهو ثابت النسب، ومثله الذي ولدته التي في العصمة بعد وفاة زوجها فلا يدعى له القائف لأنه يلحق بفراش الميت ولا يعتبر بشبه غير أبيه لأنه ظن، وأن الظن لا يغني من الحق شيئاً.
قال خليل في باب اللعان: ولا يعتمد فيه على عزل ولا مشابهة لغيره وإن بسواد اهـ. وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أواق؟ قال: نعم، قال: فأنى كان ذلك؟ قال: أراه عرق نزعه، قال: فلعل ابنك هذا نزعه عرق) اهـ. قال ابن عبد السلام: ففهم الأئمة من هذا الحديث أن المشابهة لا يعتمد عليها في اللعان، وأنها لا تصلح مظنة في ذلك ولا علة اهـ. ولما أنهى الكلام على الاستبراء في الإماء وما يتعلق بذلك انتقل يتكلم على النفقات وما يتعلق بها ممن تلزمه، وعلى من ينفق عليه فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ أي في بيان النفقة.
وتقدم بعض الكلام فيها عند قول المصنف: وتلزم النفقة بالدخول، أي بالزوجة، والمراد بالنفقة هنا نفقة غير الزوجة من، كأبوين والأولاد الصغار الذين لا مال لهم بأن كانوا فقراء فيجب على الولد الموسر إنفاق والديه، وكذلك يجب على الأب الموسر أن ينفق على أولاده.
وبدأ بنفقة الوالدين اهتماماً بشأنهما فقال رحمه الله تعالى: " تلزم الموسر نفقة أبويه المعدمين العاجزين عن الكسب ولو كافرين " قال ابن جزي: ولا يشترط عجزهما عن الكسب.
يعني ومتى كانا فقيرين وجب الإنفاق عليهما.
قال أبو محمد في الرسالة بعد أن ذكر نفقة الزوجة: وعلى أبويه الفقيرين.
قال خليل في المختصر: وبالقرابة على الموسر نفقة الوالدين المعسرين سواء كانا مسلمين أو كافرين، وسواء ذلك الشخص ذكراً أو أنثى صغيراً أو كبيراً لأن النفقة من باب خطاب الوضع.
قال النفراوي: والضابط أن المطالب بالنفقة إن كان زوجاً اشترط بلوغه ويساره كما تقدم، وإن كان قريباً أو مالكاً لا يشترط فيه بلوغه اهـ. وفي القوانين لابن جزي: إنما تجب على الإنسان نفقة أبويه وأولاده بعد أن يكون له مقدار نفقة نفسه.
ولا يباع عليه عبده ولا عقاره في ذلك إذا لم يكن فيها فضل عن حاجته ولا يلزمه الكسب لأجل نفقتهم اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وإعفاف الأب ونفقة زوجته وزوج الأم إن أعسر لا إن تزوجته عديماً " قوله: وإعفاف الأب معطوف على نفقة أبويه.
يعني يلزم الولد الموسر إعفاف أبيه المعدم بزوجة، كما لزمه نفقتها ونفقة زوج الأم إذا كانت متزوجة بمعسر وهو موسر.
ولا نفقتها عن ولدها ما دام زوجها معسراً.
وتقدم نص المدونة عند قول المصنف: ويثبت خيارها بعسرين لا إن تزوجته عالمة بفقره، فراجعه إن شئت.
قال

النفراوي في الفواكه: كما يلزم الولد الموسر نفقة أبويه الفقيرين يلزمه نفقة خادمهما.
كذا يلزمه إعفاف أبيه بزوجة فلا يلزمه شراء أمة ولا أكثر من زوجة إلا إذا لم تعفه زوجة.
قال: وإذا تعددت زوجة الأب لم يلزمه إلا نفقة زوجة واحدة يختارها الأب، إلا أن تكون إحداهن أمه فينفق عليها دون غيرها.
قال خليل: ولا تتعدد إن كانت إحداهما أمه على ظاهرها، بل ينفق على أمه فقط حيث كانت تعفه وإلا تعددت على الولد: الأم ينفق عليها بالقرابة والأخرى بالزوجية، فلو لم يقدر إلا على الإنفاق على واحدة فالزوجية، والقول للأب فيمن ينفق عليها الواحدة حيث لم تكن إحداهما أمه وطلب الأب النفقة على من نفقتها أكثر وإلا تعينت الأم ولو كانت غنية، لأن النفقة هنا للزوجية لا للقرابة اهـ بحذف.
قال رحمه الله تعالى: " وصغار الأولاد الفقراء، الذكر حتى يبلغ صحيحاً عاقلاً، والأنثى حتى تلزم الزوج ولا تعود بخلوها إلا أن تكون صغيرة " يعني يلزم على الأب الموسر نفقة أولاده الصغار الذين لا مال لهم.
قال أبو محمد في الرسالة عاطفاً على نفقة الأبوين الفقيرين: وعلى صغار ولده الذين لا مال لهم، على الذكور حتى يحتلموا ولا زمانة لهم، وعلى الإناث حتى ينكحن ويدخل بهن أزواجهن، ولا نفقة لمن سوى هؤلاء من الأقارب اهـ. قال ابن جزي فيمن تلزم لهم النفقة: أولاد الصلب تجب نفقتهم على والدهم بشرطين: أن يكونوا صغاراً، وألا يكون لهم مال.
ويستمر وجوب النفقة على الذكر إلى البلوغ، وعلى الأنثى إلى دخول الزوج بها، فإن بلغ الذكر صحيحاً سقطت نفقته عن الأب، وإن بلغ مجنوناً أو أعمى أو مريضاً بزمانة يمتنع الكسب معها لم تسقط نفقته بالبلوغ على المشهور، بل تستمر.
وقيل تنتهي إلى البلوغ كالصحيح، ولو بلغ صحيحاً فسقطت نفقته ثم طرأ عليه ما ذكر لم تعد النفقة خلافاً لابن الماجشون وإن طلقت البنت بعد سقوط نفقتها لم تعد على الأب إلا إن عادت وهي غير بالغة كما في المدونة اهـ.

قال رحمه الله تعالى: " ونفقة الأرقاء كفايتهم بالمعروف أو بيعهم أو عتقهم، ولا يكلفون من العمل ما لا يطيقون " يعني يلزم السيد نفقة عبيده بقدر كفايتهم بالمعروف كما يلزم عليه أكفانهم إذا ماتوا، فإن لم يقدر على الإنفاق عليهم أمر بالبيع أو العتق، وإن فعل فذاك، وإلا بيع عليه ولا يكلف عليهم من العمل ما لا يطيقون كما ورد في الموطأ.
وفي البخاري عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم) الحديث.
قال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: 286] قال في الرسالة: يترفق بالمملوك ولا يكلف من العمل ما لا يطيق.
قال ابن جزي: وعلى السيد النفقة على عبيده ذكرانهم وإناثهم بقدر الكفاية على حسب العوائد فإن لم ينفق على عبده بيع عليه اهـ. وفي أقرب المسالك: ويجب على المالك نفقة رقيقه ودوابه، وإلا أخرج عن ملكه كتكليفه من العمل ما لا يطيق إن تكرر اهـ. قال خليل: إنما تجب نفقة رقيقه ودابته إن لم تكن مرعى وإلا بيع اهـ. وإليه أشار الناظم رحمه الله تعالى بقوله في أسهل المسالك: أنفق على الرقيق والدواب... إن لم يكن مرعى على الإيجاب ومن أبى قهراً عليه فليبع... كحمل أو تكليف ما لم يستطع وينفق الأب على الابن إلى... بلوغه حراً بكسب عقلاً ولدخول الزوج بالأنثى كما... يدعى له مطيقة محتلما والأبوان المعسران ينفق... عليهما الابن بيسر يرفق

وزوجة لبالغ إن مكنت... مطيقة لا مشرف أو أشرفت ولو لحج سافرت أو مرضت... أو حبسته أو له قد حبست اهـ وقد تقدم جميع ذلك فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " وعلوفة الدواب أو رعيها أو بيعها فإن أبى بيع عليه " يعني كما قال الصاوي: إن نفقة الدابة إذا لم تكن مرعى واجبة ويقضى بها، لأن تركها منكر خلافاً لقول ابن رشد القائل يؤمر من غير قضاء، لكن القضاء بالنفقة أو البيع أو الذبح فيما يذبح هو أصوب.
قاله بعضهم، كما نقله زروق على الرسالة.
وفي الحطاب قال أبو عمر: ويجبر الرجل على أن يعلف دابته أو يرعاها إن كان في رعيها ما يكفيها، أو يبيعها أو يذبح ما يجوز ذبحه، ولا يترك يعذبها بالجوع، قلت: ولازم هذا القضاء عليه لأنه منكر وتغيير المنكر واجب القضاء به، وهذا أصوب من قول ابن رشد اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا تلزم الأم نفقة ولدها ولو يتيماً، وعليها إرضاعه ما دامت زوجة أبيه " يعني أن الأم لا تلزمها نفقة ولدها، وعليها إرضاعه ما دامت زوجة لأبيه.
وتقدم الكلام في هذه المسألة عند قوله: ونفقة الطفل من ماله، فإن لم يكن له مال أو لم يقبل ثدي غيرها لزمها إرضاعه، فراجعه في كتاب العدة إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " فإن كانت لا ترضع لشرف أو مرض أو قلة لبن فعلى الأب إلا لفقره أو لا يقبل ثدي غيرها فيلزمها " يعني أن المرأة إن كانت شريفة لا ترضع ولدها لشرفها، أو هي مريضة لا قدرة لها على الإرضاع، أو لقلة لبنها فواجب على الأب أن يأتي له بمرضعه ترضعه ولو بأجرة إلا إذا كان الأب فقيراً ولا مال للطفل أو لا يقبل ثدي غير أمه فيلزم الأم إرضاعه على حسب ما يأتي من الخلاف.
قال العلامة الشعراني في الميزان: ومن ذلك قول الأئمة الثلاثة أن الأم لا تجبر على إرضاع ولدها بعد سقيه اللبن إذا وجد غيرها، مع قول مالك: إنها تجبر ما دامت في زوجية أبيه إلا أن يكون

مثلها لا يرضع لشرف أو عذر أو يسار اهـ. وفي الفتاوى للشيخ محمد عليش نقلاً عن ابن سلمون: ويلزم الأم إرضاع ولدها إلا أن تكون مريضة أو غير ذات لبن أو شريفة لا يرضع مثلها فيكون على الأب أن يأتي لها بمن يرضعه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " أما المطلقة فلا يلزمها إلا أن لا يجد من ترضعه أو لا يقبل ثدي غيرها فإن استأجر له فأمه أحق " قال ابن سلمون: فإن طلقها الأب فإنه يؤدي لها أجرة الرضاع على قدر حاله في العسر واليسر، فإن لم ترض بما فرض لها كان للأب أخذه يدفعه لمن ترضعه، فإن لم يقبل غيرها أو كان الأب معسراً لا يقدر على أجرة كان عليها إرضاعه باطلاً، وإن كان موسراً ووجد من ترضعه بأقل من الأجرة المفروضة عليه فهل عليه أخذه أم لا في ذلك قولان اهـ. يعني كما تقدم فإن كانت الأم مطلقة فلا يلزمها إرضاعه لخروجها عن عصمة الزوج أبي الولد إلا إن لا يجد الأب من لا ترضع له ولده، أو لا يقبل ثدي غير أمه فتجبر وعليها إرضاعه بأجرة من مال الولد إن كان له مال، أو من مال الأب كذلك، أو من بيت مال المسلمين إن كان.
قال ابن سلمون: وإن مات الأب فإنها ترضعه بأجرة تأخذها من مال الطفل، فإن لم يكن له مال لزمها إرضاعه باطلاً كما تقدم اهـ. قال في الرسالة: وللمطلقة إرضاع ولدها على أبيه، ولها أن تأخذ أجرة رضاعه إن شاءت اهـ انظر جواهر المعاني في جواب الثالث من السؤالات الواردة للشيخ أبي الفيض أحمد بن محمد التجاني عليه رضى الرحماني أنه قد أطال الإنكار وأطنب فيمن استثنى الشريفة في عدم إرضاعها ولدها لشرفها، وقد نقلنا جوابه برمته إلى كتابنا بدر الزوجين فراجعه إن شئت والله الموفق للصواب.
ثم انتقل رحمه الله تعالى يتكلم عن الحضانة فقال: " وهي أحق بحضانته ما لم تنكح ويدخل بها ولو أمة أو مستولدة " يعني أن الأم أحق بحضانة ولدها بعد الطلاق أو الموت ما لم تتزوج، فإن تزوجت ودخل بها الزوج سقط حقها من الحضانة.

والحضانة حفظ الولد والقيام بمؤونته ومصالحه إلى أن يستغني عنها بالبلوغ أو يدخل بزوجته، وكذا الأنثى وحتى يدخل الزوج بها.
وهي فرض على الكفاية لا يحل أن يترك الطفل بغير كفالة، فإذا قام به قائم سقط عن الباقين وإلا فهم عاصون الله ورسوله ويعاقبون في ترك القيام بها اهـ العدوي.
والمعنى: الأم أحق بحضانة ولدها ولو كانت أمة أو مستولدة ما لم تنكح.
قال خليل: ولو أمة عتق ولدها أو أم ولد اهـ. هذا إشارة لما في المدونة من قول مالك: إذا أعتق ولد الأمة وزوجها حر فطلقها فهي أحق بحضانة ولدها إلا أن تباع فتظعن إلى غير بلد الأب فالأب أحق به أو يريد الأب انتقالاً عن بلد الأم فله أخذه.
والعتق نص على المتوهم وأولى إن لم يعتق، وكذا أم الولد هي أحق بحضانة ولدها من زوجها بعد طلاقها، وكذا ولد الأمة أو أم الولد من سيدهما فلهما حضانته إذا عتقا أو مات سيدهما، لكن يشترط في استحقاق الأمة حضانة ابنها من زوجها أن لا يتسررها السيد أي لا يتخذها للوطء لأن تسرر السيد بمنزلة دخول الزوج الأجنبي بالحاضنة اهـ ومثله في الخرشي.
قال رحمه الله تعالى: " واختلف في الكتابية " يعني هل لها حق في حضانة ولدها الذي ولد على فراش أبيه المسلم أم لا؟ المشهور أن لها حضانة ولدها بعد فراق زوجها بموت أو طلاق، ولا يشترط الإسلام في الحاضن.
قال خليل: لا إسلام، وضمت إن خيف للمسلمين، وإن مجوسية أسلم زوجها.
قال الخرشي: يعني أن الحاضن لا يشترط أم يكون مسلماً، بل يصح أن يكون كافراً.
قال في المدونة: وللذمية إذا طلقت أو المجوسية يسلم زوجها وتأبى هي من الإسلام فيفرق بينهما ولهما من الحضانة ما للمسلمة إن كانت كل واحدة منهما في حرز وتمنع أن تغذيهم بخمر أو خنزير، وإن خيف أن تفعل معهم ذلك ضمت إلى ناس من المسلمين، ولا ينتزعون منها إلا أن تبلغ الجارية وتكون عندها في غير حرز اهـ ومثله في المواق.
وفي المدونة أيضاً: اليهودية والنصرانية والمجوسية في هذا سواء مثل المسلمة اهـ.

قال رحمه الله تعالى: " ولا تعود لخلوها كتركه مقتاً " والضمير في ولا تعود عائد إلى الحضانة، وفي خلوها عائد إلى الأم ومن انتقل الحق إليه بعدها.
والمقت البغض.
قال في المصباح: مقته مقتاً من باب قتل أبغضه أشد البغض عن أمر قبيح.
والمعنى لا تعود الحضانة لمن ردها بغضاً سواء كانت أماً أو غيرها.
وفي نسخة كتركه وقتاً أي زمناً أو أياماً كشهرين مثلاً، وعن مالك فيمن تأيمت وتركت أولادها أشهراً ثم قيل لها أنت أحق بهم فقالت ما علمت، قال الشأن في هذا قريب.
وقد تجهل السنة اهـ المواق.
وما تقدم من معنى المقت هو الأصح لأن المقت بمعنى البغض يقع على المرأة ناشئاً من حرارة فراق زوجها حتى تبغض ولده.
وفي الحطاب نقلاً عن ابن القاسم عن مالك أنه قال في امرأة طلقها زوجها، وله منها ولد فردته عليه استثقالاً له ثم طلبته لم يكن ذلك لها.
قال ابن رشد: وهذا كما قال إنها إذا ردته إليه استثقالاً له فليس لها أن تأخذه لأنها أسقطت حقها في حضانته إلا على القول بأن الحضانة من حق المحضون، وهو قول ابن الماجشون.
قلت: وما نقل عن مالك هو المشهور كما في الدردير ومثله في القوانين.
قال رحمه الله تعالى: " لا لضرورة " يعني إن كان سقوط الحضانة لضرورة ثم زالت فإن الحضانة تعود.
وعبارة الخرشي أي إلا أن يكون السقوط لعذر كمرض لا تقدر معه على القيام بالمحضون أو عدم لبن أو حج الفرض أو سافر زوجها بها غير طائعة أو رجع الولي من سفر النقلة فلها أخذه ممن هو بيده بعد زوال هذه الأعذار؛ بأن صحت أو رجعت من سفرها أو عاد لبنها بقرب زوالها إلا أن تتركه بعد السنة ونحوها فلا تأخذه ممن هو بيده إلا بعد موته وانتقاله إلى غيره اهـ. وقال اللخمي: وكذلك ما لم يألف الولد من هو عندها ويشق عليه نقله من عندها اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ثم أمها الخالة، ثم أم الأب، ثم الأخت، ثم العمة، ثم بنت الأخ فإن عدمن فعصباته " هذا الترتيب هكذا بالاختصار مثله

لابن جزي في القوانين.
وأما عبارة العلامة الجزيري في الفقه: قال المالكية يستحق الحضانة أقارب الصغير من إناث وذكور على الترتيب الآتي ذكره.
قال فأحق الناس به أمه ثم أمها يعني جدته لأمه وإن علت، ثم الخالة الشقيقة، ثم الخالة لأم، ثم خالة الأم، ثم عمة الأم، ثم أم الأب، ثم أم أمه، وأم أبيه، والقربى منهن تقدم على البعدى، والتي من جهة أمه تقدم على التي من جهة أبيه.
ثم بعد الجدة من جهة الأب تنتقل الحضانة إلى الأب، ثم إلى الأخت، ثم إلى عمة الصغير أخت أبيه، ثم إلى عمة أبيه أخت جده، ثم إلى خالة أبيه، ثم بنت الأخ الشقيق، ثم لأم ثم لأب، ثم إلى بنت الأخت كذلك.
وإن اجتمع هؤلاء يقدم منهن الأصلح للحضانة.
وبعضهم رجح تقديم بنات الأخ على بنات الأخت.
ثم بعد هؤلاء تنتقل الحضانة إلى الوصي سواء كان ذكراً أو أنثى، ثم لأخ الصغير، ثم ابن الأخ ويقدم عليه الجد من جهة الأم، ثم العم ثم ابنه.
ويقدم الأقرب على الأبعد.
ثم المعتق أو عصبته نسباً اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويشترط في الحاضنة خلوها أو كونها زوجة لولي الطفل أو محرمه " قال الجزيري في الفقه: يشترط في الحاضن ذكراً كان أو أنثى شروط: الأول: العقل فلا حضانة لمجنون ولو يفيق في بعض الأحيان، ولا لمن به خفة عقل وطيش.
الثاني: القدرة على القيام بشأن المحضون لا حضانة للعاجز كامرأة بلغت من الشيخوخة أو رجل هرم إلا يكون عندهما من يمكنه القيام بالحضانة تحت إشرافهما، ومثلهما الأعمى والأصم والأخرس والمريض والمقعد.
الثالث: أن يكون للحاضن مكان يمكن حفظ البنت فيه التي بلغت حد الشهوة من الفساد، فإذا كان في جهة غير مأمونة فإن حضانته تسقط.
الرابع: الأمانة في الدين فلا حضانة لفاسق يشرب الخمر ومشتهر بالزنا ونحو ذلك.
الخامس: أن يكون الحاضن مصاب بمرض معد يخشى على الطفل منه كجذام وبرص.
السادس: أن يكون الحاضن رشيداً فلا حضانة لسفيه مبذر لئلا يتلف مال المحضون إن كان له مال.

الشرط السابع: الخلو عن زوج دخل بها إلا إذا تزوجت بمحرم أو علم من له حق الحضانة بعدها بتزوجها وسكت مدة عام بلا عذر فإن حضانته تسقط بذلك.
وتقدم أنه لا يشترط أن يكون الحاضن مسلماً، ويشترط إن كان ذكراً أن يكون عنده من يحضن الطفل من الإناث كزوجة أو سرية أو خادمة ولا يصح أن يحضن غير محرم بنتاً مطيقة للوطء كابن عمها إلا إذا تزوج بأمها ولو كان مأموناً اهـ مع حذف.
قال رحمه الله تعالى: " والوصي أحق بحضانة الذكر من عصبته فأما الأنثى فإن كان مأموناً وله أهل وإلا فلا " يعني كما قال الخرشي: أن مرتبة الوصي في الحضانة مقدمة على مرتبة العصبة في الإناث الصغار وفي الذكور مطلقاً، وله حضانة الإناث الكبار ذوات المحارم، فإن لم يكن ذوات محارم فهل له حق في حضانتهن خلاف إلى أن قال: فإن ظهرت فيه أمارات الشفقة فهو أحق وإلا فلا اهـ. قال المواق نقلاً عن اللخمي: الوصي مقدم على سائر العصبة والموالي.
وفي المدونة: الوصي أحق بالولد إذا نكحت الأم وليس له جدة ولا خالة.
وقال ابن المواز: لا يأخذ الوصي الأنثى إذ ليس بينه وبينها محرم.
وقد قال مالك: كونها مع زوج أمها أحب إلي من أن تجعل عند وصيها، لأن زوج أمها محرم لها بخلاف الوصي اهـ بحذف.
وبعبارة: إن كان المحضون ذكراً فللوصي حضانته فإن كان أنثى لا تطيق الوطء فكذلك، وإن كان المحضون أنثى مطيقاً للوطء والوصي ذكر فشرط استحقاقه الحضانه كونه محرماً لها بنسب أو صهر أو رضاع، وإلا فليس له حضانة.
قاله عبد السميع في الجواهر اهـ. فتحصل أن شرط حضانة الوصي الذكر في الأنثى المطيقة للوطء أن يكون الحاضن محرماً لها مأموناً، له أهل فتجوز حضانته كما هو مفهوم من كلام المصنف.
قال رحمه الله تعالى: " ولوليه الرحلة به في سفر النقلة لا غيره لا لها " يعني كما قال الصاوي على الدردير: حاصله أن شرط ثبوت الحضانة للحاضن ألا يسافر ولي

حر عن محضون حر سفر نقلة ستة برد فأكثر فإن أراد الولي السفر المذكور كان له أخذ المحضون من حضانته ويقال لها: اتبعي محضونك إن شئت، وأما إن كان سفره سفراً لتجارة فلا يأخذه الولي منها ولها سفر منه ولو مسافة أكثر من ستة برد.
واعلم أنها إذا سافرت لتجارة وأخذت الولد معها فحقه في النفقة باق على الولي ولا تسقط نفقته عنه بسفره معها على ظاهر المذهب كما في عبد الباقي اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وحضانة الصبي إلى البلوغ.
وقيل إلى الإثغار، والصبية حتى يدخل بها الزوج " يعني: مدة انتهاء حضانة الصبي تنتهي إلى بلوغه على المشهور.
وقيل إلى الإثغار.
والأنثى حتى يدخل بها الزوج كما تقدم عند قوله: وهي أحق بحضانته فراجعه إن شئت.
وحكى ابن رشد خلافاً.
وقال في المقدمات: واختلف في حد الحضانة فقيل إلى البلوغ وقيل إلى الإثغار وهي رواية ابن وهب عن مالك اهـ. قال ابن جزي: تستمر الحضانة في الذكر إلى البلوغ على المشهور.
وقيل إلى الإثغار وفي الأنثى إلى دخول الزوج بها.
قال الشافعي: إذا بلغ الولد سبع سنين خير بين أبويه فمن اختار منهما كانت الحضانة له اهـ قلت: ورد في الموطأ أن عمر ابن الخطاب تزوج امرأة اسمها جميلة بنت ثابت الأنصارية فولدت له عاصم بن عمر ثم إنه فارقها فجاء عمر قباء فوجد ابنه عاصماً يلعب بفناء المسجد فأخذ بعضده فوضعه بين يديه على الدابة فأدركته جدة الغلام فنازعته إياه حتى أتيا أبا بكر الصديق فقال عمر: ابني وقالت المرأة: ابني، فقال أبو بكر: خل بينها وبينه.
قال الراوي: فما راجعه عمر الكلام.
قال: وسمعت مالكاً يقول: وهذا الأمر الذي آخذ به في ذلك اهـ. ولما أنهى الكلام على الحضانة وما يتعلق بها ناسب أم يتكلم في أحكام الرضاع وما يتعلق بذلك من التحريم باللبن وغيره فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ أي في بيان ما يتعلق بأحكام الرضاع.
قال بعضهم: للرضاع حقيقتان لغوية وشرعية، فاللغوية: اسم لمص الثدي وشرب لبنه، والشرعية: وصول لبن امرأة أو ما حصل منه الغذاء في جوف طفل في الحولين اهـ. قال العلامة المحقق السيد مطهر بن مهدي الغرباني الحسني في خطبة كتابه المسمى بكشف القناع عن أحكام الرضاع: لقد انتشر الجهل في أمر الرضاع إلى أقصى حد بعيد وصار الناس في البوادي والأمصار يجهلون جل أحكامه، وعمت البلوى في جميع البلدان باجتماع النساء في مجالس شتى فترضع كل واحدة أطفال الأخرى بكثرة وقاية لهم من البكاء بدون ضبط وبغير تفكير فيما ينشأ عنه من الحرمة الكبرى، وما يفضي إليه مع الاستحلال والعياذ بالله من الوقوع في الردة فأصبح عادة سهلة لا أثر لها ولا اعتبار من الناحية الشرعية، ولا يخبرون به الرجال أو يثبتن ذلك في مذكرات خاصة، وربما ارتضع الطفل الواحد من عدة نساء لا تعلم واحدة منهن، وربما أرضعت الجدة بني بنيها وبني بناتها، ومثلها العمة والخالة وغيرهن من الأقارب فضلاً عن الأجانب فينسى الرضاع ويكبر الأولاد فيتزوجون بأخواتهم أو بناتهم من الرضاع، أو بالعمات أو الخالات أو بنات الأخوة أو بنات الأخوات.
وقد يجمع الواحد بين محرمتين فأكثر فيحملن ويلدن له وهم لا يشعرون.
قال: والمسئولية الكبرى بالدرجة الأولى على عواتق العلماء حيث أهملوا نشر العلم والتعليم ولا سيما في أحكام الرضاع وبالدرجة الثانية على الآباء والأمهات لإهمالهم أمر الرضاع الذي يجب إشهاره وإعلامه كالنسب تماماً فيتعين الوجوب على المرضعات قاطبة أن لا يرضعن كل صبي من غير ضرورة، وإذا أرضعن فليحفظن ذلك عندهن أو يخبرن رجالهن بأن يسجلوا ذلك الرضاع بمذكرات خاصة، وإلا فإعطاء الطفل اللبن الصناعي أو لبن النعم أولى من إرضاعه من غير أمه عند عدم القدرة على التحفظ بتلك

الوقائع دفعاً لاحتمال الوقوع في المحرم إذا نسي الإرضاع أو لم يعلم اهـ كشف القناع بحذف.
والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم الاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ [النساء: 23] ومن السنة: ما في الموطأ عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة) وفي رواية الصحيحين: (ما يحرم من النسب) وفي رواية أخرى (ما يحرم من الرحم) وفي أخرى (حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب) وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أريد على ابنة حمزة فقال: (إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) اهـ رواه البخاري ومسلم.
وأما الإجماع فلا خلاف بين أهل العلم سلفاً وخلفاً في إجراء الرضاع مجرى النسب في تحريم النكاح غلا من استثنى كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قال رحمه الله تعالى: " الرضاع ما وصل من اللبن إلى جوف الرضيع في الحولين قبل فصاله، وإن قل من أي منفذ كان، وإن خلط بما لا يستهلكه نشر الحرمة بينه وبين المرضعة ولو ميتة وجميع أصولها وفروعها، وبينه وبين الزوج وأصوله وفروعه " يعني كما قال النفراوي في الفواكه: واعلم أن أصول التحريم بالرضاع ثلاثة: الرضيع والمرضعة وفحلها، فإن كان الرضيع ذكراً حرمت عليه لأنها أمه من الرضاع وجميع أقاربها إلا بنات إخواتها وأخواتها، لأنهن بنات خالات وبنات أخوال.
وكذلك يحرم عليه جميع أقارب الزوج صاحب اللبن إلا بنات إخوته وأخواته لأنهن بنات أعمام وعمات.
وإن كان الرضيع أنثى حرمت على أقارب المرضعة إلا بني إخوتها وأخواتها، وكذا تحرم على أقارب الزوج إلا على بني إخوته وأخواته.
وتحرم الرضيعة على صاحب اللبن وما تناسل منها لأنها بنته، وما يتناسل منها حفدة، ومن الأصول الثلاثة تنتشر الحرمة إلى

الأطراف، ثم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، بيانه: إذا حرمت المرضعة على الرضيع حرمت عليه أمهاتها نسباً ورضاعاً لأنهن جدات وأخواتها نسباً ورضاعاً وأولادها من الجهتين إخوة، وكذلك أولاد الإخوة وكذلك أولاد الرضيع أحفاد المرضعة، ولا تحرم المرضعة على أبي الرضيع ولا على أخيه وكذلك زوج المرضعة أبو المرتضع وأبوه جد وأخوه عم وولده أخ، وعلى هذا القياس.
ولا يعتبر في لبن الفحل أن يكون من وطء حلال ولو من حرام لا يلحق الولد منه بصاحبه خلافاً لظاهر كلام خليل اهـ قال ابن جزي في القوانين: وأما الرضاع فتحرم به الأصناف السبعة التي حرمت بالولادة، فإذا أرضعت امرأة طفلاً أو أرضعت من أرضعته أو أرضعت من له على الطفل ولادة بمباشرة أو وساطة صارت هي أمه وزوجها أباه، لأن اللبن للفحل عند الجمهور فحرمت عليه هي وأمهاتها نسباً ورضاعاً وإن علون لأنهن أمهاته، وحرمت عليه أخواتها وعماتها وخالاتها نسباً ورضاعاً لأنهن خالاته، وبناتها نسباً ورضاعاً، لأنهن أخواته.
وحرمت عليه أيضاً أمهات زوجها نسباً ورضاعاً وإن علون؛ لأنهن أمهاته، وبناته نسباً ورضاعاً لأنهن أخواته، وعماته وخالاته نسباً ورضاعاً، لأنهن بنات إخوته، وبنات بناتها وبنات زوجها نسباً ورضاعاً، لأنهن بنات أخواته.
وكل طفل رضع ثدياً رضعته طفلة حرمت عليه سواء كان رضاعهما في زمن واحد أو كان بينهما سنون، وكذلك إن أرضعا لبن امرأتين زوجتين لرجل واحد اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والزوج الثاني مع بقاء اللبن كالأول " يعني أن الزوج الثاني حكمه كالأول في انتشار التحريم بالرضاع ما دام اللبن جارياً من المرضعة، فإن انقطع ولم يبق من الأول شيء في ثديها فلا يكون الولد للثاني.
قال خليل: وقدر الطفل خاصة ولداً لصاحبة اللبن ولصاحبه من وطئه لانقطاعه ولو بعد سنين، وأما لو لم ينقطع لكان

الزوج الثاني شريكاً للأول فيكون الولد ابنهما من الرضاعة وينتشر التحريم في أصولهما وفروعهما.
قال في الرسالة: ومن أرضعت صبياً فبنات تلك المرأة وبنات فحلها ما تقدم أو تأخر إخوة له ولأخيه نكاح بناتها اهـ. ثم بالغ في التحريم بالرضاع فقال رحمه الله تعالى: " ولو درا لبكر أو يائسة " هذا للمبالغة في انتشار الحرمة بلبن المرأة.
قال في المدونة: وإذا درت بكر لا زوج لها ويائسة من المحيض فأرضعت صبياً فهي أم له.
قال ابن ناجي: ظاهره في البكر وإن كان لا يوطأ مثلها وهو كذلك على ظاهر المذهب.
ثم قال: وما ذكره من اعتبار لبن اليائسة ظاهره وإن كانت لا توطأ وهو كذلك على المعروف اهـ انظر الحطاب.
قال خليل: وإن ميتة وصغيرة.
قال الخرشي: معطوف على ميتة وتقييد بمن لا تطيق الوطء حتى تكون داخلة في حيز المبالغة لأنها محل خلاف، إذ لبن المطيقة للوطء ينشرها اتفاقاً اهـ ومثله في القوانين لابن جزي.
ثم ذكر ما يوجب به الحرمة فقال رحمه الله تعالى: " لا لرجل أو بهيمة ولا ما رضعه بعد فصاله " قال ابن جزي: ولا يوجب التحريم رضاع رجل ولا بهيمة وفاقاً لهما أي فيما اتفق عليه مالك والشافعي وأبو حنيفة اهـ. وفي الرسالة: ولا يحرم ما أرضع بعد الحولين إلا ما قرب منهما كشهر ونحوه قيل والشهرين، ولو فصل قبل الحولين فصالاً استغنى فيه بالطعام لم يحرم ما أرضع بعد ذلك اهـ. قال العلامة خليل: إن حصل في الحولين أو زيادة الشهرين إلا أن يستغني ولو فيهما فلا تحريم بالرضاع بعد الاستغناء إلا أن يكون زمن الرضاع قريباً من زمن الفطام بنحو اليومين والثلاثة فإنه يحرم لأنه لو أعيد للرضاع لكان قوة في غذائه اهـ. نقله النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: " ومحارم الرضاع كالنسب والله أعلم " يعني ختم هذا الباب بما في الحديث من قوله عليه الصلاة والسلام: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)

رواه الشيخان كما تقدم.
قال العلامة السيد مطهر بن مهدي الغرباني الحسني في رسالته " كشف القناع عن أحكام الرضاع ": تتمة: في بيان ما يحل بالرضاع ولا يحل بالنسب، وذلك المستثنى من عموم حديث: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وذلك ينحصر في أربع صور الأولى: أم مرضعة ولدك، أي جدته من الرضاع لا تحرم عليك، ولو كانت جدته من النسب لحرمت عليك لأنها إما أم زوجتك، أو أم أمتك، أو أم موطوءتك بشبهة.
الثانية: بنت مرضعة ولد صلبك أي أخته من الرضاع لا تحرم عليك لأنها أجنبية عنك، ولو كانت أخت ولدك من النسب لحرمت عليك لأنها إما بنتك أو ربيبتك.
الثالثة: مرضعة أخيك أو أختك لأبيك أو لأمك لا تحرو عليك لأنها أجنبية عنك، ولو كانت من النسب لحرمت عليك لأنها إما أمك أو موطوءة أبيك.
الرابعة: مرضعة ولد ولدك أي أم الرضاع لحفيدك لا تحرم عليك لأنها أجنبية عنك، ولو كانت من النسب لحرمت عليك لأنها إما بنت صلبك أو زوجة ابنك.
وقد ذكر بعض العلماء لهذه الأربع الصور ضابطاً بهذين البيتين فقال: أربع هن في الرضاع... وإذا ما نسبتهن حرام جدة ابن وأخته ثم أم... لأخيه وحافد والسلام ويزاد عليها خمس صور أخرى تحل في الرضاع وتحرم في النسب.
وهي هذه: الأولى: أم عمك من الرضاع يحل لك نكاحها بخلاف أم عمك من النسب فإنها تحرم عليك؛ لأنها إما جدتك أو موطوءة جدك.
الثانية: أم عمتك من الرضاع يحل لك نكاحها بخلاف أم عمتك نسباً فإنها تحرم عليك؛ لأنها جدتك أو زوجة جدك.
الثالثة: أم خالك من الرضاع يحل لك نكاحها بخلاف أم خالك نسباً فتحرم عليك لأنها جدتك.
الرابعة: أم خالتك من الرضاع يحل لك نكاحها بخلاف أم خالتك نسباً فتحرم عليك لأنها جدتك.
الخامسة: أخو ابن المرأة من الرضاع يحل لها الزواج به بخلاف أخي ابنها من النسب فإنه حرام.

وصورتها: امرأة لها ابن ارتضع من أجنبية لها ابن فهما أخوان في الرضاع، ولا يحرم على تلك المرأة أن تتزوج على ذلك الابن الذي هو أخو ولدها من الرضاع.
ثم قال: وإليك أي وهاك ما لا يحرم في الرضاع ولا في النسب بل يحل نكاحهن مما يشكل على كثير من الناس محصورة في اثنتي عشرة صورة: الأولى: بنت زوج أمك من الرضاع أو النسب لا تحرم عليك لأنها أجنبية عنك.
الثانية: زوجة زوج أمك من الرضاع أو النسب لا تحرم عليك لأنها أجنبية عنك.
الثالثة: أم زوج أمك من الرضاعه أو النسب لا تحرم عليك لأنها أجنبية عنك.
الرابعة: بنت زوج بنتك من الرضاع أو النسب لا تحرم عليك لأنها أجنبية عنك.
الخامسة: أم زوجة ابنك من الرضاع أو النسب لا تحرم عليك لأنها أجنبية عنك.
السادسة: بنت زوجة ابنك من الرضاع أو النسب لا تحرم عليك لأنها أجنبية عنك.
السابعة: أم زوجة أبيك من الرضاع أو النسب لا تحرم عليك لأنها أجنبية عنك.
الثامنة: زوجة ابن زوجتك رضاعاً ونسباً لا تحرم عليك لأنها أجنبية عنك.
التاسعة: أخت أختك لأبيك لأمه نسباً لا تحرم عليك لأنها أجنبية عنك.
العاشرة: أخت أخيك لأمك لأبيه نسباً لا تحرم عليك كذلك.
الحادية عشرة: أخت الرضاع لأخيك من امرأة أجنبية لا تحرم عليك لأنها أجنبية عنك.
الثانية عشرة: أختك من الرضاع لا تحرم على أخيك من النسب لأنها أجنبية عنه اهـ فتأمل.
قال النفراوي.
تنبيه: قد ذكرنا أن تحريم الرضاع مثل تحريم الولادة، ويحرم به مثل ما يحرم من النسب إلا ما استثنى من نحو أم أخيك المشار إليها بقول خليل: إلا أم أخيك وأختك، أو أم ولد ولدك، وأخت ولدك، وأم عمك وعمتك، وأم خالك وخالتك، فقد لا يحرمن من الرضاع اهـ. وعبارة الخرشي في ذلك أنه قال: هذه المسائل تحرم من النسب ولا تحرم من الرضاع: الأولى: أم أخيك وأختك من النسب هي أمك أو زوجة أبيك وكلتاهما حرام عليك، ولو أرضعت أجنبية أخاك أو أختك لم تحرم عليك، لأنها ليست أمك ولا زوجة أبيك.
الثانية: أم ولد ولدك

ذكراً كان أو أنثى، لأنها أم بنتك نسباً أو زوجة ابنك، وكلتاهما حرام عليك.
ولو أرضعت أجنبية ولد ولدك لم تحرم عليك لفقد الوصف المحرم لها نسباً.
الثالثة: جدة ولدك، لأنها نسباً إما أمك أو أم زوجتك، فما حرمت إلا بوصف النسب لك أو لزوجتك.
ولو أرضعت امرأة ولدك لم تحرم عليك أمها، لأنها ليست أماً لك ولا أماً لزوجتك.
الرابعة: أخت ولدك لأنها نسباً بنتك أو بنت زوجتك، وكلتاهما حرام عليك، لكن بوصف النسب منك أو من زوجتك.
ولو أرضعت امرأة ولدك لم تحرم بنتها التي هي أخت ولدك من الرضاع عليك، لفقد الوصف المحرم لها نسباً.
وخامستها: أم عمك وعمتك؛ لأنها نسباً إما جدتك لأبيك أو حليلة جدك وكلتاهما حرام عليك.
ولو أرضعت امرأة عمك أو عمتك لم تحرم عليك لفقد الصف المحرم في النسب وهو الجدودة.
سادستهما: أم خالك وخالتك؛ لأنها إما جدتك لأمك أو زوجة جدك لها، وكلتاهما حرام عليك لما قلنا فيما قبلها.
ولو أرضعت امرأة خالك أو خالتك لم تحرم لفقد ذلك منها.
ويجوز للرجل أن يتزوج بأم حفدته من الرضاع، ولا يجوز ذلك من النسب لأنها حليلة ابنه أو ابنته، بخلاف الرضاع، لأنها أجنبية عنه.
وكذا يحل له التزويج بجدة ولده من الرضاع ولا يحل ذلك من النسب، لأنها أمه أو أم امرأته بخلاف الرضاع.
وكذلك يجوز له أن يتزوج بعمة ابنه من الرضاع، ولا يجوز ذلك من النسب؛ لأنها أخته بخلاف الرضاع، وكذلك المرأة يحل لها أن تتزوج بأبي أخيها من الرضاع، وبأخي ولدها من الرضاع، وبأبي حفدتها من الرضاع، وبجد ولدها من الرضاع.
ولا يجوز ذلك من النسب كما مر في حق الرجل اهـ.

جارٍ التحميل