أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»صفحات 299-320

فَصْلٌ

فيما يتعلق بأحكام بيع الثمار

أي في بيان بيع الثمار وشروطه وما يتعلق بذلك من الأحكام.
قال رحمه الله تعالى: " لا تباع الثمرة قبل زهوها إلا مع أصلها، أو على القطع، والإطلاق مبطل، كاشتراط التبقية، فزهو النخل الحمرة والصفرة، وغيرها طيب أكلة، فيباع الجنس بطيب بعضه ولو في أصل واحد إذا كان متلاحقاً، لا بطيب مبكره، ولا شتوي بطيب صيفي " يعني أنه لا يجوز بيع الثمرة قبل زهوها إلا مع أصلها للنهي الوارد، وفي الموطأ عن مالك بإسناده " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها.
نهى البائع والمشتري " وعن أنس بن مالك " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهى فقيل له يا رسول الله وما تزهى؟ فقال: " حين تخمر " وفي رواية: " وعن بيع السنبل حتى يشتد ويطيب ويبيض ويأمن العاهة، وعن بيع العنب حتى يسود " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا منع الله الثمرة فلم يستحل أحدكم مال أخيه) وعن عمرة بنت عبد الرحمن " أن رسوا الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة " قال مالك: وبيع الثما قبل أن يبدو صلاحها من بيع الغرار اهـ. قال في الرسالة: ولا يجوز بيع ثمر أو حب لم يبد صلاحه، ويجوز بيعه إذا بدا صلاح بعضه، وإن نخلة من نخيل كثيرة.
قال الشارح: إذا لم تكن باكورة.
قال خليل: وبدوه في بعض حائط كاف في جنسه إن لم تبكر، وأما الباكورة إذا بدا صلاحها وحدها فلا يجوز بيع غيرها ببدو صلاحها.
ويجوز بيع ثمرها وحدها اهـ النفراوي.
وعبارة الجزيري أنه قال: ولا يشترط في صحة بيع الثمار على شجرة أن يظهر صلاحه في جميع الشجر، فإذا كان عنده حديقة بها أشجار مختلفة من نخل ورمان وعنب وتين ومانجو وجوافة وغير ذلك إذا كانت في حديقة واحدة وظهر صلاح ثمر نوع منها ولو في شجرة واحدة فإنه يصح أن يبيع

باقي ثمار ذلك النوع وإن لم يبد صلاحها، فإذا ظهر صلاح الرمان في شجرة واحدة صح له أن يبيع جميع الرمان وإن لم يبد صلاحه إذا كان لا يفرغ رمان الشجرة التي ظهر صلاحها قبل ظهور صلاح ما يجاورها.
وأما إذا أثمرت شجرة مبكرة بحيث يستوي ثمرها قبل ظهور صلاح ثمر غيرها فإنه لا يجوز، وهكذا سائر الأجناس اهـ. قال ابن جزي في القوانين: ولا يجوز بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، ويستوي في ذلك العنب والتمر وجميع الفواكه والمقاثي والخضراوات وجميع البقول والزروع.
وبدو الصلاح مختلف، ففي التمر أن يحمر ويصفر، وفي العنب أن يسود وتبدو فيه الحلاوة، وفي سائر الفواكه والبقول أن تطيب للأكل، وفي الزرع أن ييبس ويشتد، فإذا بدا الصلاح في صنف من ذلك جاز بيع جميع ما في البساتين منه اتفاقاً، ويجوز بيع ما يجاوره من البساتين خلافاً للشافعي، ولا يجوز بيع صنف لم يبد صلاحه ببدو صلاح صنف آخر كالبستان يكون فيه عنب ورمان فلا يجوز بيع الرمان حتى يبدو صلاحه خلافاً لبعضهم اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " والورد ونحوه من النور بظهور بعضه، وله إلى آخر إبانه، والمقاثئ والمطابخ والمغيب كالجزر والفجل إذا أطعم، والموز إلى أجل معلوم كالقصب، ويجوز جزءاً معلوماً أو حزماً، والبقل إذا أمكن جزه " يعني يجوز بيع الورد ونحوه كالزعفران وجميع ما له نور بظهور النور في بعضه.
والورد نبت معروف مشموم فيه رائحة طيبة.
والنور بفتح النون وهو الزهر، يقال أزهر النبات إذا ظهر نورها وانفتح.
قال خليل: وبدوه في بعض حائط كاف في جنسه إن لم تبكر لا بطن ثان بأول، وهو الزهو وظهور الحلاوة والتهيؤ للنضج، وفي ذي النور بانفتاحه، والبقول بإطعامها، وهل في البطيخ الاصفرار، أو التهيؤ للتبطخ قولان.
وللمشتري بطون كياسمين ومقثأة ولا يجوز بكشهر.
ووجب ضرب الأجل إن استمر كالموز.
ومضى بيع حب أفرك قبل يبسه بقبضه اهـ.

وحاصل ما نقله النفراوي عن شراح خليل في بدو الصلاح الذي يحل البيع في جميع الثمار والنباتات أنه قال: في البلح والزهو بضم الزاي والواو المشددة، وهو احمراره أو اصفراره، ويقوم مقام الزهو ظهور الحلاوة في البلح الخضاري، وأما بدوه في نحو الحب والتين والمشمش فظهور الحلاوة، وفي الموز بالتهيؤ للنضج، وفي ذي النور - بفتح النون - بانفتاحه كالورد والياسمين، وفي البقول واللفت والجزر والفجل والبصل بإطعامها واستقلال ورقها بحيث لا تفسد عند قلعها.
وأما البطيخ المعروف بالعبدلاوي والقاوون فاختلف فيه على قولين: أحدهما: أن يصفر، والثاني: يكتفى بتهيئه للاصفرار.
وأما البطيخ الأخضر فبدو صلاحه بتلون لبه بالسواد أو الحمرة.
وأما قصب السكر فبظهور حلاوته.
وأما الجوز واللوز وما شابههما فبأخذه في اليبس، وأما نحو القمح والفول والعدس ونحوها من بقية الحبوب فبدو صلاحه يبسه على المعتمد، فلو عقد عليه فريكاً فسخ إلا أن يفوت بقبضه بعد جزه.
قال خليل: ومضى بيع حب أفرك قبل يبسه بقبضه.
وأما الذي يطرح بطوناً ففيه تفصيل: محصله أن ما لا تتميز بطونه مما يخلف كالياسمين والمقاثي كالخيار فللمشتري جميع البطون ولو لم يشترط ذلك، لأنه لا يجوز شراء ما تطرحه المقثأة مدة نحو جمعة أو نصف شهر لعدم ضبط ذلك، وأما ما تتميز بطونه بأن تقطع البطن ثم تخلفها أخرى فحكمه أن تباع كل بطن على حدتها، ولا يكفي في حل بيع بطن بدو صلاح أخرى.
قال خليل: لا بطن ثان بأول... هذا حكم البطون التي تأتي وتنقطع أصلاً وبقي حكم ما تستمر ثمرته زمناً طويلاً فهذا يجب عند بيعه ضرب الأجل.
قال خليل: ووجب ضرب الأجل إن استمر كالموز.
وأقول: الضابط الشامل لكل ما سبق أن يبلغ المعقود عليه الحالة التي ينتفع به فيها على الوجه الكامل من غير غرر ولا ضرر اهـ مع تصرف وإيضاح.
قال رحمه الله تعالى: " والقصيل حزماً أو مع الأرض أو بشرط القطع، لا على

التبقية، ولا الحب قبل يبسه واستغنائه عن الماء " والقصيل - كما في المصباح - هو الشعير يجذ أخضر لعلف الدواب، سمي قصيلاً لأنه يقصل وهو رطب، أو لسرعة انقصاله وهو رطب، ومعنى انقصاله أي انقطاعه.
والمعنى أن القصيل يجوز بيعه حزماً، أو مع الأرض، أو بشرط القطع، ولا يجوز بيعه على التبقية، وكذا لا يجوز بيع الحب قبل يبسه، فإن وقع فسخ إلا إذغ أفرك فيمضي بقبضه بعد الحصاد.
قال الدردير في أقرب المسالك: وفي الحب بيبسه، ومضى بيعه إن أفرك بقبضه.
قال في المدونة: أكرهه، فإن وقع وفات فلا أرى أن يفسخ.
قال الصاوي: يعني أن الحب إذا بيع قائماً مع سنبله جزافاً بعد إفراكه وقبل يبسه على التبقية، أو كان العرف ذلك فإن بيعه لا يجوز ابتداء، وإن وقع مضى بقبضه بحصاده اهـ كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى: " والثمرة المؤبرة للبائع كالزرع الظاهر، وغيرهما تابع.
والتأبير تشقيق الطلع وتلقيحه، وغيره ظهور الثمرة من أكمامها " قد عقد ابن جزي فصلاً في القوانين في بيع الأرض وفيها زرع، والأشجار والبساتين وفيها ثمر، ثم قال: فمن باع أصول الأشجار وفيها ثمر فإن كان مأبوراً فهو للبائع سواء شرطه أو سكت عنه، ويكون للمشتري إن اشترطه، وإن كان لم يؤبر فهو للمشتري اشترطه أو لم يشترطه.
ولا يجوز أن يكون للبائع فإن أبر بعضه فالمأبور للبائع، وغير المأبور للمشتري.
والإبار في الثمر هو التذكير، وكذلك في كل ما يذكر.
والإبار فيما لا يذكر هو انعقاد الثمرة.
وإبار الزرع خروجه من الأرض.
ومن باع أرضاً وفيها زرع فإن لم يظهر فهو للمشتري شرطه أو لم يشترطه.
ولا يجوز أن يشترطه البائع لأنه كالجنين في بطن الجارية، وإن كان صغيراً قد ظهر فهو لمن اشترطه منهما، وإن سكتا عنه فقيل يكون للبائع، وقيل للمشتري.
وإن كان الزرع كبيراً قد بدا صلاحه فهو للبائع سواء شرطه أو سكت عنه، وإن اشترطه المشتري فهو له اهـ. وعبارة صاحب الرسالة

أنه قال: ومن باع نخلاً قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، وكذلك غيرها من الثمار، وأصله في الموطأ عن مالك.
والإبار التذكير.
وإبار الزرع خروجه من الأرض اهـ. يعني بالتذكير تعليق طلع الذكر على الأنثى لئلا تسقط ثمرتها.
ويقال له اللقاح.
وقيل شق الطلع عن الثمر.
وفي غير النخل كالخوخ والتين أن تبرز الثمرة عن موضعها وتتميز بحيث تظهر للناظر، وأما إبار الزرع فخروجه من الأرض، فمن ابتاع أرضاً ذات زرع ظاهر للناظر يكون زرعها لبائعها إلا أن يشترطه المشتري، كمن اشترى نخلاً مؤبراً كله أو جله، ومن اشترى أرضاً مبذورة لم يبرز زرعها فإنها للمشتري كما تقدم اهـ النفراوي بحذف.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز بيعها على أصولها جزافاً لا خرصاً، واستثناء جزء معلوم ما كان، وفي كيل أو أرطال أو نخلات ما لا يزيد على الثلث " يعني أنه يجوز بيع الثمر على رؤوس الأشجار جزافاً لا خرصاً، ويجوز لرب الحائط أن يستثني جزءاً معلوماً في حائطه ما لم يزد على الثلث، وفي الموطأ: " أن عمرة بنت عبد الرحمن كانت تبيع ثمارها وتستثني منها " قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن الرجل إذا باع ثمر حائطه أن له أن يستثني من ثمر حائطه ما بينه وبين ثلث الثمر ولا يجاوز ذلك، وما كان دون الثلث فلا بأس بذلك.
قال مالك: فأما الرجل يبيع ثمر حائطه ويستثني من ثمر حائطه نخلة أو نخلات يختارها ويسمي عددها فلا أرى بذلك بأساً، لأن رب الحائط إنما استثنى شيئاً من حائط نفسه، وإنما ذلك شيء احتبسه من حائطه وأمسكه ولم يبعه، وباع من حائطه ما سوى ذلك اهـ. وكذلك يجوز له أن يستثني في المكيلات والموزونات شيئاً معلوماً ما لم يزد على ثلث المبيع كما تقدم في الثمار.
قال رحمه الله تعالى: " وبيع قدر معلوم من حائط معين فإن نقدت ثمرته قبل استيفائه فهو مخير بين الرجوع ببقية رأس ماله، ويكون إقالة في البعض،

والتراضي على شيء عوضاً عنه لا عن الثمرة " يعني يجوز لصاحب الحائط أن يبيع قدراً معلوماً من حائطه المعين بعد بدو صلاحه، فإن نفدت ثمرته قبل أن يأخذ المشتري حقه فهو مخير بين رأس ماله وبين التراضي في شيء آخر يأخذه من صاحب الحائط معجلاً لا مؤخراً.
هذا وقد سئل مالك عن الرجل يشتري الرطب من صاحب الحائط فيسلفه الدينار ماذا له إذا ذهب رطب ذلك الحائط؟ قال مالك: يحاسب صاحب الحائط ثم يأخذ ما بقي له من ديناره، إن كان أخذ ثلثي ديناره رطباً أخذ ثلث الدينار والذي بقي له، وإن كان أخذ ثلاثة أرباع ديناره رطباً أخذ الربع الذي بقي له، أو يتراضيان بينهما فيأخذ بما بقي له من ديناره عند صاحب الحائط ما بدا له إن أحب أن يأخذ تمراً أو سلعة سوى التمر أخذها بما فضل له، فإن أخذ تمراً أو سلعة أخرى فلا يفارقه حتى يستوفي ذلك منه اهـ انظر نظائره في الموطأ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يجوز استثناء ما لا يجوز بيعه كالمجهول صفة وقدراً، والمحرم منفعة وعيناً " يعني أنه لا يجوز لمن باع شيئاً مما يجوز له بيعه أن يستثني منه شيئاً مما لا يجوز له بيعه كالأجنة في بطون الأمهات، سواء كان ذلك آدمياً أو غير الآدمي للنهي في ذلك، لأنه بيع الغرر.
قال مالك في الموطأ: ولا ينبغي بيع الإناث واستثناء ما في بطونها، وذلك أن يقول الرجل للرجل: ثمن شاتي الغريرة ثلاثة دنانير فهي لك بدينارين ولي ما في بطنها، فهذا مكروه، أي حرام، لأنه غرر ومخاطرة اهـ. قال ابن رشد في المقدمات: والأشياء الموجودة بأيدي الناس تنقسم على قسمين: أحدهما ما لا يصح ملكه، والثاني ما يصح ملكه، فأما ما لا يصح ملكه لا يجوز بيعه بإجماع كالحر والخنزير والخمر والقرد والدم والميتة وما أشبه ذلك.
وأما ما يصح ملكه فإنه ينقسم على قسمين: أحدهما لا يصح بيعه إما لأنه على صفة لا يجوز بيعه عليها كالعبد

الآبق، والجمل الشارد، وتراب الصواغين وما أشبه ذلك، وإما لأن الشرع حرم بيعه كالأوقاف، ولحوم الضحايا عند جماعة العلماء، والمصحف عند بعضهم، والكلب المأذون في اتخاذه عند بعض أصحابنا.
والثاني يصح بيعه ما لم يقع على وجه يمنع الشرع منه اهـ. وتقدم كلام الجزيري في بيوع المنهيات عنها عند قول المصنف: والأعيان النجسة، فراجعه إن شئت.
وتلك الأشياء المذكورة مما لا يجوز بيعها، فاستثناؤها في البيع لغو، لأنها كالمعدوم في نظر الشارع، والمعدوم شرعاً كالمعدوم حساً.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا احتكار ما يضر احتكاره " يعني أنه لا يجوز احتكار ما يضر الناس في احتكاره.
قال ابن جزي في القوانين: ولا يجوز احتكار الطعام إذا أضر بأهل البلد.
واختلف هل يجبر الناس في الغلاء على إخراج الطعام أم لا؟ ولا يخرج الطعام من بلد إلى غيره إذا أضر بأهل البلد.
ومن جلب طعاماً خلي بينه وبينه، فإن شاء باعه وإن شاء احتكره اهـ. عن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال: " لا حكرة في سوقنا، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق الله نزل بساحتنا فيحتكروه علينا، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء والصيف فذلك ضيف عمر فليبع كيف شاء الله وليمسك كيف شاء الله " رواه مالك في الموطأ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يسعر على الناس، ومن نقص سعراً أمر أن يلحق بالناس أو يقام من السوق " يعني أنه لا يجوز التسعير، لما في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يكره التسعير إذا غلا القوت، ويقول لهم إذا قالوا سعر لنا: «إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال» اهـ. وقد قال عمر بن الخطاب لرجل وجده في السوق

يطفف: إما أن تزيد السعر وإما أن ترفع من سوقنا اهـ. رواه مالك بإسناده عن ابن المسيب.
قال ابن جزي في القوانين: لا يجوز التسعير على أهل الأسواق، ومن زاد في سعر أو نقص منه أمر بإلحاقه بسعر الناس، فإن أبى أخرج من السوق اهـ. بيع العرية ولما أنهى الكلام على بيع الثمار وما يتعلق بذلك انتقل يتكلم على العرية وأحكامها وشروطها فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في العرايا

أي في بيان ما يتعلق بالعرايا وأحكامها.
قال بعضهم: العرية هي أن يعري صاحب النخلة غيره نخلة ذات رطبة ليؤديها تمراً، ولها شروط وأحكام سنقف عليها إن شاء الله.
قال رحمه الله تعالى: " وتجوز العرية من كل ما يبس ويدخر من الثمار، وللموهوب له بيعها بعد زهوها من معريها بخرصها من متناهي جنسها، وفي خمسة أوسق فدونها يأخذه عند الجذاذ لا معجلاً، ومن غيره بما شاء من غير جنسها " يعني كما في الحديث، عن مالك بإسناده عن زيد بن ثابت " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها " اهـ. قال في الرسالة: ومن أعري ثمر نخلات لرجل من جنانه فلا بأس أن يشتريها إذا أزهت بخرصها تمراً يعطيه ذلك عند الجذاذ إن كان فيها خمسة أوسق فأقل، ولا يجوز شراء أكثر من خمسة أوسق إلا بالعين والعروض اهـ. قال ابن جزي في القوانين: وأما العرية فهي أن يهب له نخلة أو ثمر شجرة دون أصلها، ويجوز للمعري شراؤها منه بخرصها تمراً بأربعة شروط وهي: أن يبدو

صلاحها، وأن يكون خمسة أوسق فأقل، وأن يكون الثمن من نوع ثمر العرية، وأن يعطيه الثمر عند الجذاذ لا نقداً، وذلك مستثنًى من المزابنة.
وأجاز الشافعي بيعها من المعري وغيره ولم يجزها إلا في الثمر والعنب اهـ. قال الدردير: وجاز لمعرٍ وقائم مقامه اشتراء ثمرة أعراها تيبس بخرصها من نوعها، وفي الذمة لا على التخيل إن لفظ بالعرية، وبدا صلاحها، والمشتري خمسة أوسق فدون، وقصد المعروف أو دفع الضرر.
ولك شراء ثمر أصل لغيرك في حائطك بخرصه لقصد المعروف فقط.
وبطلت بمانع قبل حوزها بعد ظهور الثمر، وزكاتها وسقيها على المعري، وكملت أي إن نقصت عن النصاب اهـ بإيضاح.
قال رحمه الله تعالى: " ومعري جماعة يشتري من كلٍّ خمسةَ أوسق كالجماعة الواحدة " واعلم أن ما تقدم من عدم الزيادة على شراء أكثر من خمسة أوسق محله إذا كان في العرية الواحدة أو في الحائط الواحد، وأما لو أعراه عرايا في حوائط في أوقات متعددة لجاز له شراء من كل حائط خمسة أوسق، كما لو كان أعرى للجماعة المتعددة فإن له أن يشتري من كلٍّ خمسة أوسق، ما لم تكن العرايا في عقد واحد فتكون حينئذ كعرية واحدة، فلا يشتري منها إلا خمسة أوسق كما هو مفهوم في أول العبارة.
ولا فرق في هذا كله بين تعدد المعرى بالفتح واتحاده اهـ النفراوي بتصرف وإيضاح.
قال الخرشي عند قول خليل: ولا يجوز أخذ زائد إلى قوله إلا لمن أعرى عرايا في حوائط وكل خمسة إلخ: هذا مستثنى من قوله خمسة أوسق فأقل، والواو من قوله وكل واو الحال.
وفي بعض النسخ فمن كل خمسة وهي أولى لموافقة قولها - أي المدونة -: ومن أعرى أناساً شتى من حائط أو من حوائط له في بلد أو بلدان شتى خمسة أوسق لكل واحد أو أقل أو أكثر جاز له أن يشتري من كل واحد خمسة أوسق فأدنى اهـ المدونة، ثم إن محل جواز الأخذ من كل عرية خمسة أوسق فأقل إن كان بألفاظ لا بلفظ واحد

على ما رجحه ابن الكاتب ونقله عنه ابن يونس، وظاهره أنه لا فرق بين تعدد المعرى بالفتح واتحاده ولكنه خلاف ما للرجراجى من أنه لا فرق بين تعدد المعرى بالفتح واتحاده ولكنه خلاف ما للرجراجي من أنه إذا أعرى عرايا في حوائط لجماعة يجوز له أن يأخذ من كل حائط خمسة أوسق ولو وقعت بلفظ واحد اهـ الخرشي بحذف.
وقد عمت ما قدمناه في أول العبارة.
انظر ما حكاه القابسي في المواق وهو وجيه.
قال رحمه الله تعالى: " وسقيها وزكاتها على معريها " يعني كما في الخرشي، أي زكاة العرية إن بلغت نصاباً على المعري، وسقيها أي سقي شجر العرية أي إيصال الماء إليها على أي وجه كان بآلة أم لا على المعري، وما عداه من تقليم وتنقية وحراسة ونحو ذلك فهو على المعرى بالفتح، وإن قصرت العرية على النصاب وكان عند المعري بالكسر في حائطه ثمن يكملها نصاباً ضمت إليه وأخرج زكاة الجميع من ماله، ولا ينقص المعرى بالفتح عن عريته شيئاً اهـ. عبارة الحطاب أنه قال: يعني أن من أعرى شخصاً نخلاً أو نخلات من حائطه فإن على رب الحائط سقي تلك النخلة أو النخلات، وعليه زكاة ثمرتها، وسواء أعراه إياها قبل الزهو أو بعده، فإن كانت العرية دون خمسة أوسق فإن رب الحائط يضمها إلى باقي حائطه، فإن كان المجموع خمسة أوسق زكى ذلك.
قال في المدونة: وزكاة العرية وسقيها على رب الحائط، وإن لم تبع خمسة أوسق إلا مع بقية حائطه أعراه جزءاً شائعاً أو نخلاً معينة أو جميع حائطه.
قال أبو محمد: يريد يعطيه جميع ثمرة الحائط ويكون عليه أن يزكيه من غيره هذا بخلاف الواهب.
يعني أن من وهب لشخص ثمرة حائطه فإن سقيها وزكاتها على الموهوب له، يريد إلا أن تكون الهبة بعد الإزهاء فإن ذلك يكون على الواهب قاله في التوضيح اهـ بحذف.

أحكام الجائحة ولما أنهى الكلام على العرايا وأحكامها انتقل يتكلم على ما يتعلق بالجائحة، وهي العاهة التي تصيب الثمار قبل بدو صلاحها.
فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في أحكام الجائحة في الثمار والزروع وغيرها

أي في بيان ما يتعلق بالجائحة في الثمار والزروع والبقول وغيرها مما يوضع عن المشتري قدر ما أجيح من الثمن.
قال رحمه الله تعالى: " الجائحة: الآفة السماوية، وفي الجيش قولان " يعني أن الجائحة أمر سماوي.
قال الدردير: وهي ما لا يستطاع دفعه من سماوي أو جيش، وفي السارق خلاف.
والسماوي هو الذي لا قدرة لأحد على دفعه، كبرد وثلج وغبار، وسموم أي ريح حار وجراد، وفأر ونار وجليد، ودود وطير، وغرق وغير ذلك من كل ما لا يستطاع دفعه.
والمشهور أن الجيش أمر سماوي توضع جائحته.
وعن مالك أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز قضى بوضع الجائحة.
قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا.
قال مالك: والجائحة التي توضع عن المشتري الثلث فصاعداً، ولا يكون ما دون ذلك جائحة قاله في الموطأ اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإذا أتت على ثلث الثمر أو الزرع فصاعداً وجب وضع ما يقابله لا دونه، إلا أن يتلفها عطشاً فيوضع قليلها وكثيرها " يعني كما في الرسالة: فإن أجيح قدر الثلث فأكثر وضع عن المشتري قدر ذلك من الثمن، وما نقص عن الثلث فمن المبتاع اهـ. قال الدردير: وتوضع من العطش وإن قل، كالبقول على المعتمد والزعفران والريحان والقضب وهو علف الدواب، وورق التوت والفجل ونحوها قال الصاوي: والحاصل أن المقاثئ والباذنجان والقرع والفجل والجزر

والموز والياسمين، والعصفر والفول الأخضر، والجلبان حكمها حكم الثمار يراعى فيها ذهاب الثلث.
وعن أشهب أن المقاثئ كالبقول يوضع قليلها وكثيرها، والأول أشهر، وبه القضاء اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولا وضع بعد الجفاف " يعني لا توضع الجائحة بعد جفاف الزرع والثمار.
قال الشارح: كالقمح والفول وغيرهما من أنواع الحبوب، لأن ما ذكر لا يحل بيعه إلا بعد يبسه واستحصاده، فتأخيره محض تفريط من المشتري فلا يوضع عنه شيء من الثمن، ومثل الحبوب الثمار بعد تناهي طيبها، وفوات أوان قطعه على المعتاد.
قال خليل: وإن تناهت الثمرة فلا جائحة كالقصب الحلو ويابس الحب، لأن تأخير ما ذكر بعد زمان قطعه على العادة محض تفريط، فيجب على المشتري جميع الثمن ولو أذهبت الجائحة جميعه.
وأما لو أصابته الجائحة؛ في الزمان الذي تقطع فيه على العادة لحطت عنه؛ لأن تأخيرها على هذا الوجه بمنزلة تأخيرها اتناهي طيبها اهـ. النفراوي.
وعبار ابن جزي في القوانين أنه قال: إذا بيع زرع بعد أن يبس واشتد، أو ثمر بعد تمام صلاح جميعه واستحقاقه للقطع ولم يكن في تبقيته فائدة ثم أصابته جائحة لم يوضع منها شيء اهـ. وعبارة الدردير: وإن انتهى طيبها فلا جائحة كالقصب الحلو ويابس الحب، وإن اختلفا فيها فقول البائع، وفي قدر المجاح فالمشتري اهـ. أحكام السلم ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالجائحة انتقل يتكلم على السَّلَم وما يتعلق بأحكامه وشروطه وأركانه وغير ذلك مما هو لازم فيه.
قال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في السلم وأحكامه

أي في بيان ما يتعلق بالسلم، وهو السلف وأحكامه.
والسلم بيع شيء موصوف في الذمة بغير جنسهمؤجلاً.
قال الخرشي: هو والسلف واحدفي أن كلا منهما إثبات مال في الذمة مبذول في الحال.
ولذا قال القرافي: سمي سلماً لتسليم الثمن دون عوض، ولذلك سمي سلفاً اهـ. ويعني بقوله: دون عوض أي في الحال، فلا ينافي أن عوضه مؤجل كما في الصاوي، وحكمه الجواز، ودليل جوازه الكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب فقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة:282] وأما السنة فمنها ما في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» وقد أجمع أئمة المسلمين على أن السلم جائز، ولذا قال رحمه الله تعالى: " ويجوز السلم في كل ما يضبط بالصفات التي تختلف الأغراض والأثمان باختلافها " يعني يجوز السلم في كل ما يمكن ضبطه كالأشياء التي تباع بالكيل أو بالوزن أو بالعد أو بالذرع، لأنها محدودة يمكن ضبطها بما ذكر وبصفة معلومة على اختلاف الأعراض والأغراض والأثمان، وكل منها بشرطها المعلوم في محله.
قال رحمه الله تعالى: " وشروطه الوصف وتقدير كميته وكونه في الذمة إلى أجل معلوم، والقدرة على تسليمه عند حلوله ونقد الثمن ويلزم تسليمه بسوقه إلا أن يعينا غيره " يعني أن شروط السلم سبعة: الأول تعجيل رأس المال، والثاني ألا يكون الثمن والمثمن طعامين ولا نقدين، الثالث أن يؤجل المسلم فيه بأجل معلوم كنصف شهر فأكثر لا أقل، الرابع أن يكون المسلم فيه في الذمة، الخامس أن يضبط المسلم فيه بعادته التي جرى بها العرف في كيل أو وزن أو عد، السادس أن تبين الأوصاف التي

تختلف بها الأغراض عادة بياناً شافياً، السابع أن يوجد المسلم فيه عند حلوله غالباً اهـ بقرة العين، ملخصاً من أقرب المسالك والصاوي بتصرف وتوضيح قوله ويلزم تسليمه إلخ قال ابن جزي: الأحسن اشتراط مكان الدفع، وأوجبه أبو حنيفة، فإن لم يعينا في العقد مكاناً فمكان العقد، وإن عيناه تعين، ولا يجوز أن يقبضه بغير المكان المعين ويأخذ كراء مسافة ما بين المكانين لأنهما بمنزلة الأجلين اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ومن أسلم طعاماً جاز أن يأخذ عند الحلول من جنسه معجلاً لا من غيره وقبل حلوله وفي غير المطعومات يأخذ ما شاء معجلاً " يعني من أسلم طعاماً جاز له أن يأخذ عند حلول الأجل من جنس ما أسلم معجلاً لا من غيره وقبل حلوله.
وفي غير المطعومات يأخذ ما شاء معجلاً، هذا معنى ما قاله المصنف.
انظر تفصيل ذلك في المقدمات.
وأما نص المدونة، قال مالك: كل من سلف طعاماً في طعام إلى أجل فلا يجوز إلا أن يقرض رجل رجلاً طعاماً في طعام مثله من نوعه لا يكون أجود منه ولا دونه، وإنما أراد بذلك المنفعة للذي أسلف، فهذا يجوز إذا أقرضه إلى أجله، وما سوى ذلك من الطعام قال لا يصلح أن يسلف بعضه في بعض إذا كان مما يؤكل أو يشرب، أو كان مما يكال أو يوزن أو يعد عداً، فإنه سواء لا يصلح الأجل فيما بين ذلك اهـ. قال في الرسالة: ولا يجوز أن يكون رأس المال من جنس ما أسلم فيه، ولا يسلم شيء في جنسه إلا أن يقرضه شيئاً في مثله صفة ومقداراً، والنفع للمستلف، ولا يجوز دين بدين وتأخير رأس المال بشرط إلى محل السلم، أو ما بعد من العقد من ذلك اهـ. قال شارحها: أما الطعامان والنقدان فيمتنع إذا وقع العقد بلفظ السلم أو البيع أو الإطلاق، وأما إن وقع بلفظ القرض فيجوز حيث تمحض النفع للمقترض اهـ ومثله في الخرشي.
وعبارة ابن جزي في القوانين أنه قال: من أسلم في طعام لم يجز له أن يأخذ عنه غير طعام، ولا أن يأخذ طعاماً من جنس آخر سواء كان ذلك قبل الأجل أو بعده، لأنه من بيع الطعام قبل قبضه، فإن أسلم في غير

طعام جاز أن يأخذ غيره إذا قبض الجنس الآخر مكانه، فإن تأخر القبض عن العقد لم يجز لمصيره إلى الدين بالدين، ويجوز أن يأخذ طعاماً من نوع آخر مع اتفاق الجنس كزبيب أبيض عن أسود إلا إن كان أحدهما أجود من الآخر أو أدنى فيجوز بعد الأجل، لأنه من الرفق والمسامحة، ولا يجوز قبله لأنه غب الدون وضع على التعجيل، وفي الأجود عوض عن الضمان اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وإن أتى بالمسلم فيه قبل حلوله لم يلزم بل يجوز قبضه ولا مطالبة له قبل حلوله " وفي نسخة: ولا مطالبته قبل حلوله، والمعنى كما في الدردير أنه لا يلزم دفعه ولا قبوله بغير محله ولو خف حمله كجوهر وثوب لطيف إلا أن يرضيا بذلك فيجوز إن حل الأجل انظر حاشية الصاوي عليه اهـ. وتقدم الكلام في نحو هذه المسألة عند قول المصنف: ويلزم تسليمه بسوقه فراجعه إن شئت.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا يجوز في زرع قرية أو ثمرة قرام بعينه إلا أن لا تختلف عن مثله غالباً " وفي نسخة: إلا أن يختلف عن مثله غالباً.
والقرام - بضم القاف -: المزرعة، وفي نسخة: القراح بالحاء بدل الميم، وهي المزرعة أيضاً.
قال في المصباح والقراح أيضاً المزرعة التي ليس فيها بناء ولا شجر، والجمع أقرحة.
فالمعنى كما في المدونة قال مالك: من سلف في ثمر هذه القرى العظام مثل خيبر ووادي القرى وذي المروة وما أشبهها من القرى فلا بأس أن يسلف قبل إبان الثمر، ويشترط أن يأخذ ذلك تمراً في أي الإبان شاء.
ويشترط أن يأخذ ذلك رطباً في إبان الرطب أو بسراً في إبان البسر، وكذلك القرى المأمونة التي لا ينقطع ثمرها من أيدي الناس أبداً، والقرى العظام التي لا ينقطع طعامها من أيدي الناس أبداً لا تخلو القرية من أن يكون فيها الطعام والثمر لكثرة نخيلها وزروعها فهذه مأمونة لا بأس أن يسلف فيها في أي إبان شاء، ويشترط أخذ ذلك تمراً أو حنطة أو شعيراً أو حبوباً أي الإبان شاء، وإن اشترط رطباً أو بسراً فليشترطه

في إبانه.
قال: وإنما هذه القرى العظام إذا سلف في طعامها أو في تمرها بمنزلة ما لو سلف في طعام مصر أو في تمر المدينة فهذا مأمون لا ينقطع من البلدة التي سلف فيها، وكذلك هذا في القرى العظام إذا كانت لا ينقطع الثمر منها لكثرة حيطانها، والقرى العظام التي لا تخلو من الحنطة والشعير والقطاني، فإن كانت قرى صغاراً أو قرى ينقطع طعامها منها في بعض السنة أو تمرها في بعض السنة فلا يصلح أن يسلف في هذه إلا أن يسلف في تمرها إذا أزهى.
ويشترط أخذ ذلك رطباً أو بسراً، ولا يؤخر الشرط حتى يكون تمراً ويأخذه تمراً، لأنه إذا كان بهذه المنزلة في صغار الحيطان وقلتها وصغار القرى وقلة الأرض فليس ذلك بمأمون قال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: بلغني أن ابن عباس كان يقول: لا بأس بالسلف المضمون إلى أجل معلوم اهـ المدونة.
وقد ذكر الصاوي في حاشيته على الدردير عند قوله: وإن انقطع ماله إبان خير المشتري إلخ أي من السلم الحقيقي بأن كان غير محصور في قرية أو في قرية مأمونة، وأما إن انقطع ثمر الحائط المعين الذي أسلم في كيل معلوم منه أو ثمر القرية غير المأمونة الذي أسلم في كيل معلوم منها، فإنه يرجع المسلم بحصة ما بقي له من السلم عاجلاً اتفاقاً، ولا يجوز التأخير لأنه فسخ دين في دين، وله أخذ بدله ولو طعاماً، وهل يرجع على حسب القيمة فينظر لقيمة كل مما قبض ومما لم يقبض في وقته ويقبض الثمن على ذلك، فإذا أسلم مائة دينار في مائة وسق من ثمر الحائط المعين ثم قبض من ذلك خمسين وسقاً وانقطع، فإذا كان قيمة المأخوذ مائة وقيمة الباقي خمسين فنسبة الباقي للمأخوذ الثلث فيرجع بثلث الثمن قل أو كثر وعليه الأكثر، أو يرجع على حسب الملكية فيرجع بنسبة ما بقي منها من غير تقويم فيرجع بنصف الثمن في المثال تأويلان اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويجوز إسلام ما عدا النقد والمطعومات من العروض بعضها في بعض متفاضلاً إلى أجل بشرط اختلاف الجنس واختلاف الأغراض والمنافع، كالخلق والألوان، فيجوز عبد تاجر أو حاسب في أعبد سذج ونحو

ذلك، فإن اتحد الجنس منع التفاضل " قوله ما عدا النقد والمطعومات، وفي نسخة ما عدم التقدير والمطعومات، فالمعنى على ما في النسخة الأولى وهي الصحيحة أنه يجوز دفع رأس مال السلم من جميع أنواع العروض بعضها في بعض ما عدا النقد والمطعومات، ولا يجوز تسليم الذهب في الذهب ولا تسليم الفضة في الفضة ولا العكس، ولا تسليم الطعام في الطعام ولو اختلفا جنساً، لما في ذلك من الربا، وأما غيرهما فجائز تسليم العروض في غير جنسها أو في جنسها بشرط اختلاف الأغراض والمنافع حتى الحيوان بعضها في بعض إذا اختلفت المنافع والأغراض اختلافاً بيناً.
قال الدردير كما في المختصر: ولا يكونا طعامين ولا نقدين ولا شيئاً في أكثر منه أو أجود كالعكس، إلا أن تختلف المنفعة، كفاره الحمر في الأعرابية، وسابق الخيل في الحواشي، وجمل كثير الحمل أو سابق في غيره، وقوة البقرة وكثرة لبن الشاة إلا الضأن على الأصح اهـ قال ابن جزي في الشرط الثاني من شروط السلم: وأن يكونا مختلفين تجوز فيه النسيئة بينهما، فلا يجوز تسليم الذهب والفضة أحدهما في الآخر لأن ذلك رباً، وكذلك تسليم الطعام بعضه في بعض ممنوع على الإطلاق لأنه رباً، ويجوز تسليم الذهب والفضة في الحيوان والعروض والطعام، ويجوز تسليم العروض بعضها في بعض، وتسليم الحيوان بعضه في بعض بشرط أن تختلف الأغراض والمنافع، فلا يجوز مع اتفاق الأغراض والمنافع، لأنه يؤول إلى سلف جر منفعة.
ومنع أبو حنيفة السلم في الحيوان اهـ بحذف.
وهذا أصح وأبين مما يأتي في معنى عدم التقدير كما ستقف عليه عن قريب إن شاء الله.
وأما الكلام على ما في النسخة الثانية وهي قوله ويجوز إسلام ما عدم التقدير قلت: الشيء الذي عدم التقدير لا يجوز تسليمه بأن يكون رأس المال في السلم ولا في المسلم فيه، لأن بالتقدير يعلم قدر كل شيء، إما بالكيل في المكيل، وإما بالوزن في الموزون وإما بالعد في المعدود أو بالذرع في المذروع، وأيضاً عدم التقدير في رأس المال يؤدي إلى عدم الضبط في المسلم إليه، وإن كان الضبط يحصل بالوصف في الأشياء المذكورة

إلا أنه يؤدي إلى الجهل بالمقدار في تلك الأشياء كالجهل بالمعيار.
قال الدردير: وفسد بمعيار مجهول أي كزنة هذا الحجر أو ملء هذا الوعاء.
اللهم إذا قصد بعدم التقدير التحري عند عدم آلة الوزن أو الكيل في إسلام رأس مال السلم فيجوز حينئذ أن يضبط ذلك بالتحري لعدم آلة الكيل أو الوزن أو الذرع.
وحاصل ما ذكره الصاوي في حاشيته على أقرب المسالك أنه قال: إذا فقدت آلة الوزن وكنا نعلم قدرها واحتجنا للسلم في اللحم مثلاً فيجوز أن يسلم الجزار في مائة قطعة مثلاً كل قطعة لو وزنت كانت رطلاً أو رطلين مثلاً، وكذلك إذا عدمت آلة الكيل وعلم قدرها واحتيج للسلم في الطعام فيقول المسلم للمسلم إليه: أسلمك ديناراً في قمح ملء زكيبتين مثلاً كل زكيبة لو كيلت كانت إردباً مثلاً آخذه منك في شهر كذا.
هذا معنى ضبط السلم بالتحري على أحد التأويلين.
والتأويل الثاني يقول: المراد أن تأتي للجزار بحجر أو بقطعة لحم مثلاً وتقول له: أسلمك في مائة قطعة من اللحم كل قطعة لو وزنت كانت قدر هذا الحجر أو قدر هذه القطعة، والفرض أنه لا يوزن اللحم بعد حضوره بهذا الحجر أصلاً بل إذا جاء أعطى المسلم إليه للمسلم مائة قطعة مماثلة لذلك الحجر تحرياً بدون أن توزن وإلا فسد.
ومن ذلك لو أتى لصاحب القمح بقفة لا يعلم قدرها ويقول له أسلمك ديناراً في قمح لو كيل بهذه لكان ملأها مرة أو مرتين آخذه في يوم كذا.
ولا يكال بها عند حضوره بل تتحرى المماثلة كملئها مرة أو مرتين وإلا فسد للجهل.
فالتأويل الأول لابن أبي زمنين.
والثاني لابن زرب اهـ قال الجزيري: ويصح السلم في الخضر والحشائش كالبرسيم ويضبط بالحمل بكسر الحاء، كأن يقول له: أسلمك جنيهاً في مائة حمل برسيم كل حمل ملء هذا الحبل، ويوضع الحبل تحت يد أمين أو يقاس طوله وسمكه بمقياس مخصوص ويكتب في ورقة، ومثل ذلك الكراث والكزبرة، ولا بد من تكون آلة الكيل أو الوزن معلومة، فإذا ضبط بشيء مجهول كملء هذه القطعة مثلاً أو وزن هذا الحجر ولم يكن مقدراً

بمعيار مخصوص فإن السلم يفسد اهـ بحروفه.
أحكام القرض ولما أنهى الكلام على السلم انتقل يتكلم على ما يتعلق بالقرض وأحكامه، وهو شبيه بالسلم لما فيهما من دفع معجل في غيره، ولذا ذيله به فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في بيان ما يتعلق بالقرض وهو بمعنى السلف

أي في بيان ما يتعلق بالقرض وأحكامه، ويسمى سلفاً أيضاً وهو لغة أهل العراق، ويطلق على القرض فيما لا منفعة فيه للمقترض سوى الثواب من الله تعالى، وعلى المقترض رده كما أخذه.
وعرفه ابن عرفة بقوله: هو دفع متمول في عوض غير مخالف له لا عاجلاً تفضلاً فقط، لا يوجب إمكان عارية لا تحل متعلقاً بذمة اهـ. وبدأ المصنف بحكم القرض ولم يبدأ بتعريفه كما فعل غيره كالدردير في أقرب المسالك.
فإنه قال: القرض إعطاء متمول في عوض مماثل في الذمة لنفع المعطي فقط، وهو مندوب اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويجوز قرض ما سوى الإماء، وأجازه ابن عبد الحكم من محرم وتلزم قيمتها بالوطء " يعني كما قال في الرسالة: والسلف جائز في كل شيء إلا في الجواري.
قال شارحها قوله: إلا في الجواري أي لمن تحل له على تقدير ملكها، فلا يجوز سلفها له، لما في ذلك من عارية الفروج، لأن المقترض يجوز له أن يرد نفس الذات المقترضة، وربما يكون ردها بعد التلذذ بها ولذا لا يحرم إقراضها لمن لا يتأتى منه الاستمتاع كصغير وشيخ فان، أو كان المقترض امرأة أو كانت الجارية لا تُشتهى، ولذا قال خليل: إلا جارية تحل للمستقرض، وردت إلا أن تفوت بمفوت البيع الفاسد فالقيمة ولا ترد كاستيلادها اهـ.

قال رحمه الله تعالى: " ويحرم اشتراط منفعة أو زيادة لا التبرع بها " يعني أنه يحرم للمقرض والمقترض اشتراط المنفعة والزيادة للنهي عنه، وأما لو حصلت زيادة غير مشروطة ولا وأي في ذلك بل تبرعاً لجاز وقيل مع الكراهة.
قال في الرسالة: ومن رد في القرض أكثر عدداً في مجلس القضاء فقد اختلف في ذلك إذا لم يكن فيه شرط ولا وأي ولا عادة، فأجازه أشهب وكرهه ابن القاسم ولم يجزه اهـ. قال ابن جزي: السلف هو القرض، فحكمه الجواز، وهو فعل المعروف سواء كان بالحلول أو مؤخراً إلى أجل معلوم، وإنما يجوز بشرطين: أحدهما ألا يجر نفعاً، فإن كانت المنفعة للدافع منع اتفاقاً للنهي عنه وخروجه عن باب المعروف، وإن كانت للقابض جاز، وإن كانت بينهما لم يجز لغير ضرورة.
واختلف في الضرورة كمسألة السفاتج وسلف طعام مسوس أو معفون ليأخذ سالماً، أو مبلول ليأخذ يابساً فيمنع في غير المسغبة اتفاقاً، ويختلف معها، والمشهور المنع، وكذلك من أسلف ليأخذه في موضع آخر يمنع في ما فيه مؤونة حمل، ويجوز أن يصطلحا على ذلك بعد الحلول لا قبله.
الشرط الثاني: ألا ينضم إلى السلف عقد آخر كالبيع وغيره اهـ. قال الدردير في أقرب المسالك: وحرم هديته، أي لمقرضه، كرب القراض، وعامله، والقاضي، وذي الجاه، إلا أن يتقدم مثلها أو يحدث موجب.
وكما تحرم هدية المقترض للمقرض يحرم بيعه مسامحة لذلك اهـ بإيضاح.
قال رحمه الله تعالى: " ويصح تأجيله ويلزم قبوله قبله بموضع القضاء فلو لقيه بغيره لم يلزمه الدفع، بل يخرج معه أو يوكل من يقضيه " وفي نسخة أو يوكل من يقبضه، فالمعنى يصح تأجيل القرض ويلزم على المقترض قبوله إذا دفعه له المقترض عند حلوله في موضع القضاء، ولا يلزم المقترض دفعه إذا لقيه بغير محل القضاء.
قال النفراوي: ويجوز ضرب الأجل في القرض عند مالك دون غيره من الأئمة، وإذا دفعه المقترض لزم المقرض قبوله ولو كان غير عين حيث دفعه له بمحله لا بغيره فلا يلزمه، بخلاف

العين فيلزمه القبول مطلقاً، إلا أن يكون المحل مخوفاً فلا يلزمه القبول قبل المحل كسائر الديون هذا هو الذي ينبغي اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويمنع الوضع على التعجيل " يعني لا يجوز وضع بعض الدين المؤجل لتعجيل الباقي منه لأن ذلك منهي عنه.
قال في الرسالة: ولا تجوز الوضيعة من الدين على تعجيله، قال شارحها: أي لا تجوز الحطيطة من الدين سواء كان من بيع أو من قرض على شرط تعجيله قبل حلوله، كأن يكون لشخص على آخر دين عرض أو عين أو طعام لأجل كشهر مثلاً ويتفق مع من عليه الدين على إسقاط بعضه، ويعجل له الباقي قبل انتهاء الشهر فهذا حرام، وتسمى هذه الصورة بضع من حقك وتعجل، أي حط عني حصة منه وأعجل لك باقيه وحرمة ضع وتعجل عامة في دين البيع والقرض كما بينا وإنما امتنع لأدائه إلى سلف جر نفعاً، بيانه: أن من عجل شيئاً قبل وجوبه يعد مسلفاً لما عجله ليأخذ عنه بعد الأجل ما كان في ذمته وهو جميع الدين، فإن وقع ونزل رد إليه ما أخذه ويستحق جميع دينه عند حلول الأجل وإن لم نطلع عليه حتى انقضى الأجل وجب على من عليه الدين أن يدفع له الباقي الذي كان أسقطه عنه صاحب الدين اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وكره العمل بالسفاتج إلا أن يكون النفع للمقترض والله أعلم " يعني أنه يكره العمل بالسفاتج، وعبر بعضهم بالمنع إلا عند الضرورة فيجوز العمل بها.
والسفاتج جمع سفتجة قال في المصباح: فارسي معرب، أي اسم فارسي، وفسرها لعضهم فقال: هي كتاب صاحب المال لوكيله أن يدفع مالاً قراضاً يأمن به من خطر الطريق، والجمع السفاتج اهـ. قال ابن جزي في الفروع: السادس مسألة السفاتج وهي سلف الخائف من غرر الطريق، يعطي بموضع ويأخذ حيث يكون متاع الآخر فينتفع الدافع والقابض في ذلك قولان اهـ. قال خليل عاطفاً على الممنوعات: أو عين عظم حملها

كسفتجة.
قال شراحه: السفتجة بفتح السين المهملة وسكون الفاء وفتح الفوقية والجيم- لفظ أعجمي، أي فارسي معرب -: ورقة يكتبها مقترض ببلد كمصر لوكيله ببلد آخر كمكة ليقضي عنه بها ما اقترضه بمصر مثلاً فيمنع لانتفاع المقرض بدفع كلفة ما أقرضه عن نفسه من مصر إلى مكة وغرره براً وبحراً إلا أن يعم الخوف في البر والبحر فيجوز للضرورة.
قال الدردير: كعموم الخوف على المالفي الطريق فيجوز أن يسلفه لمن علم أنه يسلم معه.
قال الصاوي: بل يجب، لأن حفظ المال واجب بأي وجه تيسر حفظه به، وكذلك يجب دفعه إن قام دليل على نفع المقترض فقط كمحاقة، أو كان بيع المسوس الآن أحظ للمسلف - بالفتح - لغلائه ورخص الجديد في إبانه فيجوز، بل يجب لوجود المواساة حينئذ اهـ بتوضيح.
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالقرض انتقل يتكلم على أحكام الإجارة وما يتعلق بها، فقال رحمه الله تعالى:

جارٍ التحميل