الطهارة: مصدر طهر بضم الهاء أو فتحها، وهي لغة النظافة والنزاهة من الأدناس، وشرعا صفة حكمية توجب للموصوف بها جواز استباحة الصلاة به أو فيه أو له، فالأولان يرجعان للثوب والمكان، والأخير للشخص.
والطهارة قسمان: طهارة حدث، وطهارة خبث.
والحدث هو المنع القائم بالأعضاء لموجب من بول ونحوه، أو جنابة، أو حيض أو نفاس، وإن كان الممنوع منه بالنسبة لمن يريد الدخول في الصلاة ثوبا أو مكانا فهي طهارة خبث، أي طهارة منه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لا يرفع الحدث والخبث إلا الماء المطلق " يعني أن الحدث والخبث لا يرفعان إلا بالماء المطلق، والحدث ينقسم إلى قسمين: الأكبر والأصغر، أما الأكبر فهو الجنابة والحيض والنفاس، والأصغر وهو البول، والغائط، والريح، والمذي، والودي، وخروج المني بغير لذة معتادة، والهادي: وهو الماء الذي يخرج من فرج المرأة عند ولادتها.
وأما الخبث فهو عبارة عن النجاسة القائمة بالشخص أو الثوب أو المكان، وهذه الأشياء هي المعبر عنها بالأحداث والأخباث، ولا يصح التطهير منها إلا بالماء الطاهر، وهو المطلق الذي أشار إليه المصنف بقوله: " وهو ما كان على خلقته أو تغير بما لا ينفك عنه غالبا كقراره والمتولد منه " وقال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]
الماء الطهور: ما كان طاهرا في نفسه مطهرا لغيره، كماء المطر والبحر والبئر إذا لم يتغير شيء من أوصافه الثلاثة وهي اللون والطعم والريح بما ينفك عنه غالبا كاللبن والعسل والصابون والسمن والعجين، وكله طاهر غير
مطهر، وإذا تغير الماء بكالخمر والعذرة والبول ونحوه فهو نجس، فإن تغير شيء من أوصافه الثلاثة بما ذكر ونحوه فلا يصح منه ولا الغسل ولا الاستنجاء.
والمتغير بالطاهر كاللبن طاهر في نفسه غير طهور، يستعمل في العادات كالطبخ والشرب، ولا يستعمل في العبادات كالوضوء والغسل.
والمتغير بالنجس كالعذرة ونحوها نجس لا يستعمل في شيء من العادات ولا
في شيء من العبادات، لكن يسقى به الزرع أو البهائم، وقول المصنف رحمه الله: أو تغير بما لا ينفك عنه إلخ هو ظاهر في أنه يجوز استعمال الماء المتغير بالمكان الذي عليه الماء كالتراب والحمأة والسبخة وجميع المواضع التي يتغير لون الماء بها كالزرنيخ والكبريت والكحل والنورة ونحوها، أو تغير بطول المكث فإنه لا يضر، أي فطاهر يستعمل في العادات والعبادات.
وقال العلامة الشيخ محمد البشار في منظومته المشهورة الميمونة المسماة " بأسهل المسالك " في باب أقسام المياه وما يرفع الحدث، مشيرا لما قدمناه:
وكل ماء نازل من السما... أو نابع من أرض أو جار نما
باق على أوصافه أو غيرا... من أرضه أو ما عليه قد جرى
أو مكثه فمطلق طهور... يصح منه الشرب والتطهير
وإن يكن مغيرا بطاهر... ينفك عنه غالبا كالسكر
فطاهر مستعمل في العادة... من طبخ أو عجن خلا العبادة
وإن أشيب لونه أو طعمه... أو ريحه بالنجس نجس حكمه
وكره ما استعمل في رفع الحدث... كما قليل لم يغيره الخبث
وقوله وكره إلخ أنه ذكر أن الماء المستعمل في رفع الحدث يكره استعماله في رفع الحدث به مرة ثانية، لكن مع وجود غيره فإذا لم يوجد غيره وتعين فلا كراهة، ومثله جميع المياه
المكروهة تنفي الكراهة إذا فقد غيره، وإليه أشار المصنف رحمه الله بقوله: " ويكره الوضوء بالمستعمل، ويسير حلته نجاسة لم تغيره، وسؤر ما لا يتوقى النجاسة " اعلم أن الماء الذي يكره التطهير به مع وجود غيره كثير، منه ما ذكره المصنف وهو الماء المستعمل في رفع الحدث كما تقدم، ومنه الماء اليسير وهو ما كان قدر آنية الغسل للمغتسل أو آنية الوضوء للمتوضئ إذا حلت فيه نجاسة ولم تغيره فإنه يكره التطهير به مع وجود غيره.
وما في رسالة القيرواني من قوله رحمه الله: وقليل الماء ينجسه قليل النجاسة وإن لم تغيره ضعيف.
ولا غرابة في ضعفه وإن كان هو قول ابن القاسم اهـ. الدردير، مع طرف من حاشية الصاوي عليه، ومنه - أي الماء المكروه - سؤر ما لا يتوقى النجاسة كجلالة إذا كان الماء قليلا دون الكثير، ومن الماء المكروه الذي ولغ فيه كلب أو كلاب، وندب إراقته وغسل الإناء سبعا بدون تتريب، ومن المكروه أيضا الماء المشمس الساخن من حرارة الشمس، خصوصا في القطر الحار، وذلك إذا كان في
أواني النحاس وإلا فلا كراهة فيه، ويكره الاغتسال في الماء الراكد إن لم يكن له مادة، أو كان كالبحر فلا يكره حينئذ، ومن المكروه ماء بئر أو صهريج مات فيه حيوان بري له دم سائل، لا كعقرب، ولا بحري كسمك، ولا كراهة في مثل هاتين.
وكل هذا ما لم يتغير الماء تغيرا فاحشا، فإن تغير طعمه أو لونه أو ريحه بذلك تغيرا فاحشا فلا يجوز استعماله في شيء من العبادات ولا في شيء من العادات.
قال المصنف رحمه الله: " لا ما أفضلته البهائم " البهائم جمع بهيمة وهي الدابة، وإن كانت البهيمة تخصص بالخيل والحمير والبغال، كما أن الأنعام تخصص بالإبل والبقر والغنم، وإلا أن هنا المراد العموم.
يعني أنه لا يكره استعمال الماء الذي شربته البهائم وبقي منه شيء سواه في الإناء أو في البحر أو غيرهما، بل الباقي بعد شربها طاهر طهور، يجوز
استعماله في الغسل والوضوء ورفع حكم الخبث، ويستعمل في العادات، ما لم يتغير من نجاستها وإلا صار نجسا.
وفي الحديث عن جابر قال: " سئل النبي صلى الله عليه وسلم أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم، وبما أفضلت السباع كلها " رواه الشافعي والبيهقي اهـ.
وفي القوانين لابن جوزي: " المسألة الخامسة " سؤر الدواب والسباع طاهر عند الإمامين.
وقال أبو حنيفة: " الأسآر تابعة للحوم " اهـ.
وفي خطط السداد والرشد شرح مقدمة ابن رشد للعلامة التتائي عند قول الناظم رحمهما الله.
" والماء من فم الدواب القاطر... وسؤرها فذاك ماء طاهر "
يعني أن الماء السائل من فم الدواب عند شربها منه طاهر، وكذلك التي تركب.
وفي القاموس: ما دب من الحيوان، وغلب على ما يركب.
ويشمل سؤر الحائض والجنب وهو كذلك، وإن كان الآدمي لا يطلق عليه دابة في العرف غالبا.
وسمع ابن وهب: سؤر البرذون والبغل والفرس طاهر وغيره أحب إلي، ولا بأس به ما كان على فيه نجاسة فيكون حكم سؤرة حكم حلته نجاسة أجره على حكمه اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " أو تطهرت منه امرأة خلت به " يعني أنه اتفق أهل المذهب على جواز استعمال الماء الذي خلت به المرأة بلا كراهة، وما نقلوه خارج المذهب من عن عدم الجواز من أحد قولي ابن حنبل.
هو مردود باتفاق
مالك مع أصحابه
بالجواز فيه.
قال خليل - عاطفا على المطلق: أو كان سؤر بهيمة أو حائض أو جنب أو فضلة طهارتهما.
قال المواق وغيره فيهما: لا بأس بسؤر الحائض والجنب، وما فضل عنهما من ضوء أو غسل لا بأس بشربه وبالوضوء منه والاغتسال به اهـ.
وقال الحطاب: قول مالك وجميع أصحابه أنه يجوز وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة وعكسه لا خلاف بينهم في ذلك، وردوا على ابن حنبل لأنه لا تأثير لخلوتها به اهـ.
وفي القوانين الفقهية لابن جزي: ويجوز أن يتطهر الرجل بفضل المرأة لا خلافا لابن حنبل، وقد علمت أن قولته مردودة باتفاق مالك مع أصحابه بالجواز اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وما تغير بمخالطة أجنبي كالخل والبول سلبة الطهورية وأكسبه حكمه " يعني أنه إذا تغير الماء بمخالطة شيء أجنبي تارة يكون الشيء المخالط طاهرا غير مطهر فقد تقدم أنه ماء طاهر في نفسه غير طهور، يستعمل في العادات كالطبخ والشرب ولا يستعمل في العبادات كالوضوء والغسل.
والمتغير بمخالطة النجاسة كالبول ونحوه نجس لا يستعمل في شيء من العادات ولا من العبادات؛ لأن مغيره سلبه الطهورية وأكسبه حكمه.
وقد تقدم جميع ذلك عند قول المصنف " أو تغير بما لا ينفك عنه ".
ثم قال رحمه الله: " ويكره من آنية عظام الميتة وجلدها " يعني أن المشهور في المذهب كراهة استعمال آنية عظام المتة وجلدها بغير تحريم.
وفي المدونة: وكره الادهان في أنياب الفيل والمشط بها والتجارة فيها، ولا ينتفع بشيء من عظام الميتة، ولا يوقد بها الطعام ولا الشراب اهـ.
قال ابن يونس: فإن فعل لم يفسد الشراب والطعام إلا أن يشوي عليها خبز أولحم؛ لأن ودك العظام ينجسه.
ووجه قول مالك: إن الله حرم الميتة فكان الواجب أن يحرم منها كل شيء، إلا أن السنة خصت الانتفاع بالجلد وبقي ما سواه على أصل التحريم، خلا أن مالكا كرهه ولم يحرمه للخلاف اهـ.
وقال ابن المواز: كره مالك الادهان في أنياب الفيل وعظام الميتة والمشط بها وبيعها وشراؤها، ولم يحرمه لأن ربية وعروة وابن شهاب أجازوا ذلك اهـ.
وقال ابن سيرين وإبراهيم: لا بأس بتجارة العاج اهـ. المواق على خليل.
ثم على القول المشهور من نجاسة الجلد المدبوغ يجوز استعماله في غير المائعات
كالحبوب والدقيق والخبز غير المبلول، وكذا يستعمل في الماء المطلق بأن يوضع فيه الماء سفرا وحضرا لأن الماء طهور لا يضره إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه اهـ. الدردير على أقرب المسالك.
وقال النفراوي في الفواكه: ووقع الخلاف بين الشيوخ في نجاسة الزيت الموضوع في إناء العاج، والذي تحرر من كلام أهل المذهب أنه إن كان لا يتحلل منه شيء يقينا فإنه باق على طهارته كعظم الحمار البالي فإنه لا ينجس ما وقع فيه.
وإن كان يمكن أن يتحلل منه شيء فلا شك في نجاسته، وقس على ذلك سائر أعيان النجاسة الجافة اهـ كذا في العدوي على أبي حسن.
وقال في المختصر: وفيها كراهة العاج.
قال الخرشي: وفي المدونة كراهة عظم الفيل المذكي، وما تقدم من قوله: " وما أبين من عظم وقرن وعاج " في فيل لم يذك.
وقال العدوي في حاشيته على الخرشي: وجه الكراهة تعارض مقتضى التنجيس، وهو جزئية الميتة، ومقتضى الطهارة وهو عدم الاستقذار لأنه مما يتنافس في اتخاذه.
ونقل محشى
التتائي: أن المدونة وشراحها وشراح ابن الحاجب وغير واحد على أن الكراهة على التنزيه وعدم التحريم، والمراد عاج غير المذكي.
ثم قال: فائدة: في البرزلي عن أبي زيد فيمن توضأ على شاطئ بحر وفيه عظم ميتة غطاه الماء والطين، أي ثم ظهر فغسل رجله وجعلها على العظم ثم نقلها إلى ثيابه إن ثوبه لا يتنجس.
قال البرزلي: إن كان العظم يابسا فواضح، وإن كان فيه دسم ولحم فالثواب أن النجاسة تتعلق برجله إلا أن يوقن أن رطوبتها قد ذهبت جملة ولم يبق إلا رطوبة الماء فيكون كالعظم البالي اهـ. وقد علمت فيما تقدم مما أتينا به من تلك النصوص، وفهمت أن أواني العظام وجلد الميتة المدبوغ إذا وضع فيها الماء المطلق يجوز منها الوضوء والغسل وإزالة النجاسة، وغاية الأمر فيها الكراهة للخلاف، والكراهة لا تنافي الجواز.
والله أعلم.
ثم قال: " ويحرم من النقدين ويجزئ " يعني اتفق الأئمة على أن استعمال أواني الذهب والفضة حرام، لما في الصحيحين عن حذيفة عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " اهـ. وعن أم سلمة أن البخاري ومسلم اهـ. قال الشعراني في الميزان: ومن ذلك قول الأئمة الأربعة أن استعمال أواني الذهب والفضة حتى في غير الأكل والشرب حرام على الرجالة والنساء، إلا في قول للشافعي مع قول داود إنما يحرم الأكل والشرب خاصة اهـ.
وفي شرح الرسالة لابن ناجي عند قول مصنفها: وعن الشرب في آنية الذهب والفضة، وذكر - أي ابن ناجي - حديث حذيفة وحديث أم سلمة في منع استعمالها، ثم قال: واعلم أن أهل المذهب ألحقوا سائر الاستعمالات بالأكل والشرب في التحريم، وذهب بعض الظاهرية
إلى قصر المنع على الشرب خاصة اهـ. قال ابن جزي في القوانين: المسألة الثالثة في أواني الذهب والفضة: واستعمالها حرام على الرجال والنساء، واختلف في جواز اتخاذها من غير استعمال إلخ، انظره إن شئت اهـ. قال خليل في المختصر عاطفا على ما حرم استماله: " وإناء نقد " قال العدوي على الخرشي: فلا يجوز فيه أكل ولا شرب ولا طهارة وإن صحت الصلاة اهـ.
وفي الإكليل " وحرم استعمال إناء نقد ذهب أو فضة لأكل أو شرب أو غسل " اهـ. وفي أقرب المسالك " وعلى المكلف مطلقا اتخاذ إناء منهما ولو للقنية " يعني أنه يحرم على المكلف ذكرا كان أو أنثى اتخاذ إناء من ذهب أو فضة ولو لم يستعمله بالفعل؛ لأنه ذريعة للاستعمال، ومن المعلوم أن سد الذرائع واجب عند الإمام، فلا يجوز اتخاذه للادخار، أو لعاقبة الدهر، ولا التزين به على رف ونحوه، بخلاف الحلي يتخذها الرجل لعاقبة الدهر فجائز، وهو ظاهر، غذ الحلي يجوز استعمالها للنساء، والإناء لا يجوز استعماله لرجال ولا نساء اهـ. قال في العمدة " ويحرم استعمال آنية الذهب والفضة، ومن تطهر منهما أثم وصح " اهـ وقال الدسوقي: " فلا يجوز فيه أكل ولا شرب ولا طبخ ولا طهارة وإن صحت الصلاة " اهـ قال النفراوي في الفواكه: واختلف في إعادة من توضأ منهما، فقيل أبدا، وقيل في الوقت، وقيل لا إعادة.
والقول بالأبدية ضعيف؛ لأن الصلاة تصح بالحرام.
وقال خليل: " وعصى وصحت إن لبس حريرا أو ذهبا، أو سرق، أو نظر محرما، ومن حضرته صلاة وآلة إخراج الماء من النقد فإنه لا يخرج الماء بها، بل يتركها ويتيمم، لحرمة الوضوء منها من غير نزاع " اهـ، وقد بان لك وجه قول المصنف في تحريم استعمال النقدين مع صحة العمل إذا وقع ونزل.
والله الموفق الصواب.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ويجب التحري في اشتباه الطاهر والنجس، فيتوضأ بما يغلب على ظنه طهارته.
وقيل يتوضأ من أحدهما ويصلي ويغسل أعضاءه من
الثاني ثم يتوضأ به ويصلي، فإن كثرت زاد على عدد النجاسة واحدة "
يعني أنه إذا اشتبهت الأواني الطاهرة والنجسة بكالبول وجب على مريد التطهير التحري في ذلك ويستعمل الآنية التي يغلب على ظنه طهارتها، وإن لم يغلب على ظنه طهارة شيء منها تركها وانتقل إلى التيمم.
وهذا هو الصحيح إن شاء الله.
وقيل يتوضأ من أحدهما إلى آخر ما قال المصنف.
وهي المسألة المشهورة ذات
الخلاف.
قال خليل في المختصر: " وإذا اشتبه طهور بمتنجس أو نجس صلى بعدد النجس وزيادة إناء " قال الشارح الدسوقي: " وحاصل المسألة أنه إذا كان عنده ثلاثة أوان نجسة أو متنجسة واثنان طهوران، واشتبهت هذه بهذه فإنه يتوضا ثلاثة وضوءات من ثلاثة أوان عدد الأواني النجسة، ويتوضأ وضوءا رابعا من إناء رابع، ويصلي بكل وضوء صلاة، وحينئذ تبرأ ذمته " اهـ، وقال أبو البركات أحمد الدردير عليه: ويبني على الأكثر إن شك فيه، وهذا إن اتسع الوقت، وإلا تركه وتيمم إن لم يجد طهورا محققا غير هذه الأواني، وإلا تركها وتوضأ.
وأما لو اشتبه طهور بطاهر فإنه يتوضأ بعدد الطاهر وزيادة إناء، ويصلي صلاة واحدة ويبني على الأكثر إن شك اهـ. وقال النظيفي في الإفادة الأحمدية: لا يصح قول من قال يصلي بعدد النجس أو المتنجس وزيادة إناء، ويبنى على الأكثر إن شك فيه، فإذا كان عدد الطهور اثنين مثلا والنجس أو المتنجس اثنين برئت ذمته بثلاث صلوات، بثلاثة وضوءات، أو ثلاث فبأربعة، أو أربع فبخمسة، وهكذا.
ثم قال - أي الخرشي -: وكلام المؤلف فيما إذا اتسع الوقت، وإلا تيمم، وهكذا وقع في مجلس المذاكرة، ثم ظهر أن هذا يجري فيه الخلاف في قوله: وهل إن خاف فواته باستعماله؟ خلاف، إذ هذا من أفراده، ويأتي أن المعتمد من الخلاف القول
بالتيمم، وأنه يعتبر خوف فوات الوقت الذي هو فيه.
قاله بعض اهـ الخرشي.
وقال يوسف بن سعيد الصفتي: فلو اشتبه الماء المطلق بغيره فيتوضأ بعدد غير المطلق ويزيد إناء بأن كان عنده خمسة أوان من الماء المطلق، وخمسة فيها ماء غير مطلق واشتبه المطلق بغيره، فيتوضأ بخمسة أوان ويزيد إناء ويصلي ست صلوات، ويفرد كل وضوء بصلاة، ويجزم النية عند كل وضوء وصلاة، هذا إذا كان غير المطلق نجسا، فإن كان طاهرا كما ورد فيجمع الوضوءات ويصلي صلاة واحدة.
وقال ابن جزي في القوانين: المسألة الرابعة في اختلاط الأواني، وإذا اشتبه إناء طاهر بنجس ولم يميز الطاهر منهما ولم يكن له غيرهما، فقيل يتيمم ويتركهما وفاقا لابن حنبل.
وقيل يتوضأ بالواحد ويصلي، ثم يتوضأ بآخر ويصلي.
وزاد محمد بن مسلمة: ويغسل أعضاءه بالثاني قبل أن يتوضأ به اهـ. انظر الحطاب عند قول خليل: " وإذا اشتبه طهور بمتنجس أو نجس " إلخ تجد فيه ما يشفي الغليل في المسألة.
والله تعالى أعلم.
قال المصنف رحمه الله: " وإذا مات بري ذو نفس سائلة في بئر فإن تغير " أي الماء طعما أو لونا أو ريحا " وجب نزحه حتي يزول التغير " ويعود كهيئته أولا طاهرا مطهرا.
قال مالك في المدونة: من توضأ بماء وقعت فيه ميتة تغير لونه أو طعمه وصلى أعاد وإن ذهب الوقت، وغن لم يتغير لون الماء ولا طعمه أعاد ما دام في الوقت اهـ.
ثم قال: " فإن زال بنفسه فالظاهر عوده إلى أصله " يعني صار الماء طهورا خلافا لابن القاسم.
وقال البناني: الأرجح أنه يطهر، وهو قول ابن وهب عن مالك، واعتمد عليه المصنف والأجهوري.
وقال عبد الباقي: إنه
لا يطهر، ورجح ابن رشد ما لابن وهب.
وقال الصاوي على الدردير: فيه نظر اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " وإن لم يتغير استحب النزح بحسب الماء والميتة " يعني إذا مات حيوان بري، أي منسوب للبر ضد البحر لخلقه وحياته فيه، وكان له نفس أي دم سائل في الجسد وتغير الماء فغنه يجب نزح ماء البئر التي مات الحيوان المذكور فيها جميعه؛ لأنه صار نجسا في شيء من العبادة ولا شيء من العادات، وإن لم يتغير ندب النزح بقدر الماء قلة وكثرة، والحيوان صغرا وكبرا.
وأما إن وقع حيا أو طرح ميتا وأخرج فلا نزح ولا كراهة.
قال ابن جزي في القوانين: " المسألة التاسعة إذا وقعت دابة نجسة في بئر وغيرت الماء وجب نزح جميعه، فإن لم تغيره استحب أن ينزح منه بقدر الدابة والماء " اهـ. وفي المختصر: " وإذا مات بري ذو نفس سائلة براكد ولم يتغير ندب نزح بقدرهما " قال الشارح المواق: " انظر قوله براكد.
ونص التلقين: البري ذو النفس السائلة ينجس بالموت، وينجس ما مات فيه من مائع غيره أو لم يتغيره، ولا ينجس الماء إلا أن يغيره، إلا أنه نزح اليسير بقدر الدابة وقدر ماء البئر، وذلك توق واستحب، وإن تغير نزح حتى يزول التغير.
وفي المدونة: " إن مات بري ذو نفس سائلة بماء لا مادة له كالجب لا يشرب منها ولا يتوضأ، وينزح الماء كله بخلاف ما له مادة " ابن عرفة: تطهير ذي المادة نزع ما يطيبها أصبغ: بقدر مائه والدابة ومكثها.
وفي العتبية قال مالك في ثياب أصابها ماء بئر وقعت فيه فأرة فماتت وتسلخت: يغسل الثوب وتعاد الصلاة في الوقت، ابن رشد: هذا إن كان الماء لم يتغير، وغسل الثوب إنما هو استحباب فيما لا يفسده الغسل.
التلقين، فيستحب
نزح البئر التي يموت بها ذو نفس سائلة ولم يتغير بحسب كبر الدابة وصغرها.
المأزري: إنما كان النزح استحبابا لأن الماء لا تؤثر فيه النجاسة إلا إذا غيرته، ولأجل قول بعضهم: إن الحي إذا مات خرجت
منه بلة على وجه الماء فينزح من الماء قدر ما يقع في النفس أنها تذهب بذهابه.
الباجي: البرك الكبار جدا لا تفسد بما يموت فيها ما لم تتغير.
وفي التمهيد في الحديث الخامس عشر لإسحاق بن أبي طلحة: لا عبرة بما حل بالماء إذا لم يتغير، بدليل بئر بضاعة يطرح فيها لحوم الكلاب والعذرة وأوساخ الناس اهـ المواق.
وقال الدردير على أقرب المسالك: وإذا مات الحيوان البري في الماء القليل أو الكثير له مادة أو لا كالصهاريج وكان له نفس سائلة أي دم يجري منه إذا جرح فغنه يندب النزح منه بقدر الحيوان من كبر أو صغر، وبقدر الماء من قلة وكثرة إلى ظن زوال الفضلات التي خرجت من فيه حال خروج روحه في الماء، وينقص النازح الدلو لئلا تطفو الدهنية فتعود للماء ثانيا، والمدار على ظن زوال الفضلات، فلو أخرج الحيوان من الماء قبل موته، أو وقع فيه ميتا، أو كان الماء جاريا، أو مستبحرا كغدير عظيم جدا، أو كان الحيوان بحريا كحوت، أو بريا ليس له نفس سائلة كعقرب وذباب لم يندب النزح، فلا يكره استعماله، كما لا يكره بعد النزح.
هذا لم يتغير الماء بالحيوان المذكور، فإن تغير لونا أو طعما أو ريحا تنجس، لأن ميتته نجسة اهـ.
ولما أنهى الكلام على ما يرفع الحدث وحكم الخبث وغيرهما بالماء المطلق انتقل المصنف إلى ذكر بيان النجاسة والطهارة، وما وقع فيه الخلاف بين أهل المذهب، فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في أحكام الميتات وأجزائها والمسكرات وغيرها
الفصل لغة هو الحاجز بين الشيئين، واصطلاحا اسم لجملة من الألفاظ اشتملت على مسائل غالبا.
واعلم أن المصنف قد أراد الشروع في بيان ذكر النجسة والطاهرة ليكون الطالب على بصيرة في عبادته، فقال رحمه الله: " الميتات والمسكرات كلها نجسة " وفي نسخة بتقديم المسكرات على الميتات.
وقوله الميتات جمع ميتة، وهي أبينت حياتها من غير ذكاة شرعية كما عرفها بعضهم، وبعبارة أخرى الميتات جمع ميتة، وهي كل ما حرم الشارع أكلها من الحيوان البري التي لها نفس سائلة كالأنعام؛ لعله الموت؛ ولعدم استعمال الذكاة في بعضها كالخيل على المشهور، والبغال والحمير إجماعا، فهي ميتة نجسة.
ودخل فيها ما ذبحه المجوسي مطلقا وصيد المحرم، وما أهل به لغير الله؛ لأنه لا يجوز أكله إلا للمضطر الذي لم يكن باغيا ولا عاديا ولم يجد غيره فله الأكل والتزود به على أن
يستغنى عنه، وذلك لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 173] وقوله: والمسكرات معطوف على الميتات في هذه النسخة، وفي الأخرى بالعكس، جمع مسكر وهو كل ما يستر العقل من المشروبات وغيرها كالخمر.
وفي الرسالة: " وحرم الله سبحانه شرب الخمر قليلها وكثيرها، وشراب العرب يومئذ فضيخ التمر ". وبين الرسول، عليه السلام، أن كل ما أسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام، وكل ما خامر العقل فأسكره من كل شراب فهو خمر.
وقال عليه السلام: " إن الذي حرم شربها حرم بيعها " اهـ النفراوي.
هذا حكم الخمر إذا استمرت على حالها.
وأما لو تحجرت أو تخللت
فإنها تطهر، ويجوز بيعها وشربها، ويطهر إناؤها تبعا لها ولو فخارا بغواص، ولو ثوبا، ويصلي به من غير غسل إلى آخر ما قال، فراجعه إن شئت اهـ.
وقول المصنف: وكلها نجسة، يعني أن الميتات والمسكرات المذكورات يحرم تعاطيها أكلا وشربا وادهانا، ووقع الخلاف في التداوي بالنجاسة كالخمر، والمعتمد في المذهب الحرمة، لقوله عليه الصلاة والسلام: " إن الله عز وجل أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام " رواه أبو داود.
وفي رواية " إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها " اهـ.
وقد ذكر ابن جزي في القوانين الفقهية ما أجمع أهل المذهب على نجاسته والمختلف فيه، وعقد في بيان ذلك ثلاثة فصول على التفصيل، ثم ذكر تلخيص ما أجمع على نجاسته بقوله: " النجاسات المجمع عليها في المذهب ثمانية عشر: بول ابن آدم الكبير، ورجيعه، والمذي، والودي، ولحم الميتة، والخنزير، وعظمهما، وجلد الخنزير مطلقا، وجلد الميتة إن لم يدبغ، وما قطع من الحي في حال حياته إلا الشعر وما في معناه، ولبن الخنزير، والمسكر، وبول الحيوان المحرم الأكل، ورجيعه، والمني، والدم الكثير، والقيح الكثير " اهـ.
والمختلف فيها في المذهب ثمانية عشر: بول الصبي الذي لا يأكل الطعام، وبول الحيوان المكروه الأكل، وجلد الميتة إذا دبغ، وجلد المذكى المحرم الأكل، ولحمه، وعظمه، ورماد الميتة، وناب الفيل، ودم الحوت، والذباب، والقليل من دم الحيض، والقليل من الصديد، ولعاب الكلب، ولبن ما لا يؤكل لحمه غير الخنزير، ولبن مستعمل النجاسة، وعرق مستعمل النجاسة، وشعر الخنزير، والخمر إذا خللت اهـ. قلت: وهذه الأشياء المختلف فيها منها ما هو نجس على المشهور كبول الحيوان المكروه
الأكل، ومنها ما هو طاهر على المشهور كرماد
الميتة، ومنها ما هو مكروه على المشهور كأنياب الفيل.
انظر بقية الكلام في الفصل الثاني والثالث من القوانين في الباب السادس في النجاسات.
ولما ذكر المصنف جملة الميتات والمسكرات بقوله كلها نجسة استثنى منها بعض الأشياء فقال: " إلا دواب الماء وما ليس له نفس سائلة " يعني أنه قد استثنى دواب الماء وما ليس له نفس سائلة فميتته طاهرة لما في الحديث أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن البحر فقال: " هو الطهور ماؤه الحل منيته " رواه أصحاب السنن عن أبي هريرة، وفي المختصر عاطفا على المباح " والبحري ولو طالت حياته ببر " اهـ، وقال الخرشي: والمعنى أن ميتة الحيوان البحري طاهرة لقوله عليه السلام: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " ولقوله: " أحلت لنا ميتتان السمك والجراد " وسواء مات حتف أنفه ووجد طافيا أو بسبب شيء فعل به من اصطياد مسلم أو مجوسي، أو ألقي في النار، أو دس في طين فمات، أو وجد في بطن حوت أو طير ميتا، ولا فرق بين أن يكون مما لا تطول حياته ببر كحوت أو تطول حياته كالضفدع البحري والسلحفاة البحرية، وهي ترس الماء والسرطان اهـ. وفي اقرب المسالك في باب المباح: " والبحري وإن ميتا أو كلبا أة خنزيرا " الصاوي في حاشيته عليه.
واعلم أم ميتة البحر طاهرة ولو تغير بنتونة، إلا أن يتحقق ضررها فيحرم أكلها لذلك لا لنجاستها، إلى أن قال سواء وجد ذلك الميت راسبا في الماء، أو طافيا، أو في بطن حوت أو طير، سواء ابيلعه ميتا أو حيا ومات في بطنه، ويغسل ويؤكل، وسواء صاده مسلم أو مجوسي.
قلت: أو المحرم لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96] وما ذكره الخرشي وصاحب المختصر من كون ميتة البحري الذي تطول حياته ببر طاهر هو قول مالك، وهو المشهور كما في الحطاب.
وأما قول ابن نافع وابن دينار القائلان إن ميتته نجسة إذا كان يعيش ببر فقد ردهما صاحب المختصر بقوله
ولو طالت حياته ببر.
قال الشارح الدردير: كتمساح وضفدع وسلحفاة بحرية، ونقل ابن عرفة القول بالفرق بين أن يموت في الماء فيكون طاهرا أو في البر فيكون نجسا، وذلك كالضفدع والسلحفاة والسرطان.
وقيل هي ترس الماء اهـ. وفي المواق عن ابن عرفة: رابع الأقوال قول مالك إن البحري ولو طالت حياته ببر كالضفدغ والسلحفاة وترس الماء طاهر، وفي العتبية: إنما يذبح ترس الماء استعجالا لموته، وعن عبد الحق: وأما ميتة الضفادع البرية فنجسة اهـ. لكن المعول عليه من الأقوال في ميتة ما يطول حياته ببر من الحيوان البحر كالتمساح الطهارة، وعليه مالك وأكثر أصحابه من أهل المدن والأمصار إلا من شذ.
والله تعالى أعلم.
هذا ما يتعلق بميتة البحري
وأما ما يتعلق بخشاش الأرض وهو المقصود بما ليس له نفس سائلة، وتسمى بالهوام وهي من المستثنى بقول المصنف: " إلا دواب الماء وما ليس له نفس سائلة " فميتته طاهرة ولو جعلا، دويبة تدفع النجاسة بأنفها وتستعمل النجاسة.
وثبت في إناء فيه ماء أو في قدر فيه طعام فإنه يتوضأ بذلك الماء، ويؤكل ما في القدر، وخشاش الأرض الزنبور والعقرب الصرصار والخنفساء، وبنات وردان، وما أشبه هذا من الأشياء، وقال مالك في بنات وردان، والعقرب، والخنفساء، وخشاش الأرض، ودواب الماء مثل السرطان والضفدع: ما مات من هذا في طعام أو شراب فإنه لا يفسد الطعام ولا الشراب اهـ. قال خليل في المختصر: فصل " الطاهر ميتة ما لا دم له " وقال الشارح: يعني أن الطاهر أنواع: منها ميتة الحيوان البري الذي لا دم فيه، وهو الذي يقال فيه ليس له نفس سائلة كما تقدم بيان ذلك، ولو كانت فيه رطوبة كالعنكبوت، والجداجد،
والعقرب، والزنبور، والصرصار، والخنافس، وبنات وردان، والجراد والنحل والدود والسوس.
وفي ميتة ما لا نفس له سائلة طريقتان في المذهب الأولي أنها طاهرة باتفاق، وهذه طريفة ابن بشير.
قال في العتبية: وأما البري مما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت بلا خلاف، والطريقة الثانية أن فيها قولين، المشهور أنها طاهرة.
قال في التوضيح: نقل سند عن سحنون أنها نجسة لكنها لا تنجس غيرها اهـ، الحطاب.
ونقل المواق عن التلقين أنه قال: ما لا نفس له سائله كالزنبور، والعقرب، والخنفساء والصرصار، وبنات وردان، وشبه ذلك حكمه حكم دواب البحر، لا ينجس في نفسه ولا ينجس ما مات فيه من مائع أو ماء، وكذلك ذباب العسل والباقلاء ودود الخل.
عياض: في قول التلقين نظر، والصواب أنه لا يؤكل ما لا نفس له سائله إذا كان مختلطا بالطعام وغالبا عليه، وإن تميز الطعام منه أكل الطعام دونه، إذ لا يؤكل الخشاش على الصحيح من المذهب إلا بذكاة، الباجي: ما لا دم فيه ولا دم له كالخنفساء، لا ينجس بالموت، إلا أن من احتاجه لدواء أو غيره ذكاه بما يذكي به الجراد، ويجب أن يبين إذا باع طافي الحوت، وإلا فللمشتري الرد اهـ. وفي أقرب المسالك وجراد، وخشاش أرض، كعقرب، وخنفساء، وجندب، وبنات وردان، ونمل، ودود، فإن مات بطعام وميز عنه أخرج لعدم ذكاته، وإن لم يمت جاز أكله بنيتها، وإن لم يميز طرح إلا إذا كان أقل.
وأكل دود كالفاكهة معها مطلقا، وقال الصاوي في الحاشية: قوله وجاز أكله أي خشاش الأرض إن قبلته طبيعته، وإلا فلا يجوز حيث ترتب عليه ضرر، لأنه قد يعرض للطاهر المباح ما يمنع أكله كالمريض إذا كان يضر به نوع من الطعام لا يجوز له أكله اهـ. قلت فمن
هذه الحيثية ينبغي ألا يؤكل الجعل المذكور في أول هذه المسألة وإن كان من الخشاش لاستقذاره وكراهية النفوس له،
ورب شيء طاهر لا يجوز أكله إلا لدواء اهـ. وفي حاشية الخرشي: أي إن الحيوان الذي لا دم له كالعقرب والذباب والخنافس، وبنات وردان، والجراد، والدود، والنمل، وما في معناها - وهو مراد أهل المذهب بما لا نفس له سائله - طاهر وإن مات حتف أنفه، ومعنى حتف أنفه خروج روحه من أنفه بنفسه، وإنما كان ما ذكر طاهرا لعدم الدم منه الذي هو علة الاستقذار إلى أن قال: ثم إنه لا يلزم من الحكم بطهارة ما لا دم له أن يؤكل بغير ذكاة، لقول صاحب المختصر: وافتقر نحو الجراد لها بما يموت به، فإذا مات ما لا نفس له سائله في طعام واختلط به وغلب على الطعام لم يؤكل، وإن تميز الطعام منه أكل الطعام دونه، إذ لا يؤكل الخشاش على الصحيح إلا بذكاة كما أشار به القاضي عياض، وقد تقدم لنا ذلك في هذا الكتاب.
ثم قال: وظاهره أن الطعام إذا كان هو الغالب أنه يؤكل، والمراد بغلبته كونه كثيرا والخشاش قليلا، وأما لو كان الطعام على النصف من الخشاش فلا يؤكل بمنزلة الغالب، كما هو عند ابن يونس، خلافا لصاحب التلقين، والمعول عليه كلام ابن يونس اهـ. وفي هذا كفاية لمن استغنى ومن يريد أكثر من ذلك فعليه بالمطولات.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " وأجزاء الميتة نجسة إلا الشعور ومشبهها من الريش " يعني أنه قد تقدم عند ذكر الميتات على الجملة بقوله " الميتات والمسكرات نجسة " وهنا يذكر الأجزاء ليرتب عليها ما استثنى من الشعور والريش وما أشبه ذلك فيها من المعنى المعتبر.
ثم اعلم أن أجزاء ميتة حيوان البر غير الخشاش نجسة، وإن كان في بعضها اختلاف خارج المذهب.
قال العلامة أحمد بن جزي في القوانين الفقهية: وأما أجزاء الحيوان فإن قطعت منه في حال حياته فهي نجسة إجماعا إلا الشعر والصوف والوبر، وإن قطعت بعد موته، فإن حكمنا بالطهارة فأجزاؤه كلها طاهرة، وإن حكمنا بالنجاسة فلحمه نجس.
وأما العظم وما في معناه كالقرن والسن والظلف فهي نجسة من
الميتة خلافا لأبي حنيفة، وأما الصوف والوبر والشعر فهي طاهرة من الميتة خلافا للشافعي اهـ. وفي المختصر: الطاهر ميت ما لا دم له، إلى أن قال: وصوف، ووبر، وزغب ريش، وشعر ولو من خنزير إن جزت.
قال الخرشي: يريد طاهر من سائر الحيوانات ولو أخذت بعد الموت، لأنه مما لا تحله الحياة، وما لا تحله الحياة لا ينجس بالموت، وأيضا فإنه طاهر قبل الموت فبعده كذلك عملا بالاستصحاب.
والمراد بزغب الريش ما يشبه الشعر من الأطراف، ولا فرق في المذهب بين الصوف المحرم وشعره ووبره، وبين صوف غيره وشعره ووبره، ولكن الطهارة في
ذلك مشروطة بجزه ولو بعد النتف.
ويستحب غسلها إن جزت من ميتة كما في المدونة والرسالة اهـ. وفي أقرب المسالك " والنجس ميت غير ما ذكر، وما خرج منه، وما انفصل منه، أو من حي مما تحله الحياة كقرن، وعظم، وظفر، وظلف، وسن، وقصب ريش، وجلد ولو دبغ، وجاز استعماله بعد الدبغ في يابس وماء " اهـ.
وفي الرسالة وينتفع بصوف الميتة وشعرها وما ينزع منها في الحياة، وأحب إلينا أن يغسل، ولا ينتفع بريشها، ولا بقرنها وأظلافها وأنيابها، وكره الانتفاع بأنياب الفيل.
وكل شيء من الخنزير حرام، وقد أرخص في الانتفاع بشعره اهـ. نقل الحطاب عن ابن فرحون: الشعر بفتح العين وسكونها يطلق على شعر الإنسان وغيره من الدواب والسباع فهو عام، والصوف للشاة أي الغنم والمعز، فهو أخص منه، والوبر بفتح الموحدة: صوف الإبل والأرانب ونحوهما، وما ذكره موافق لما في الصحاح.
وفي القاموس الشعر ما ليس بصوف ولا وبر، والريش للطائر، والزغب ما اكتنف القصبة اهـ. وأما أجزاء الآدمي ففيه خلاف وتفصيل كما سيأتي عند قول المصنف: وهل ينجس بالموت؟ قولان:
قال رحمه الله: " وفي طرف القرن والظلف والعاج خلاف " الحطاب والقرن والعظم معروفان، والظلف بالظاء للبقرة والشاة والظبي.
والظفر أيضا بالظاء، للبعير والأوز
والدجاج والنعامة.
والعاج عظم الفيل، واحده عاجة.
قاله في الصحاح اهـ. أما العاج فقد تقدم فيه عند قول المصنف " ويكره من آنية عظام الميتة وجلدها " فراجعه إن شئت، وأما قوله وفي طرف القرن إلخ كأنه لما تكلم في أجزاء الميتة وكان من جملتها طرف قرن وما عطف عليه أراد أن يذكر ما فيها من الخلاف في المذهب، كأنه سأله سائل: هل حكم الأطراف كحكم أصلها، أو هي طاهرة كسائر الطاهرات؟ فأجاب: في ذلك خلاف.
وقال ابن ناجي في شرح الرسالة بقوله: وتقدم أن في القرن والظلف والسن ثلاثة أقوال، ثالثها الفرق بين طرفها وأصلها، وكذلك في العظم، حكاها غير واحد.
وحكى الباجي فيه الفرق بين أن يصلق أو لا كأحد الأربعة في أنياب الفيل اهـ. وفي الرسالة: ولا ينتفع بريشها ولا بقرنها وأظلافها وأنيابها.
وقال أبو الحسن في كفاية الطالب: قوله ولا ينتفع بريشها أي الميتة، ظاهره مطلقا، وفيه تفصيل؛ لأن أصله الرطب لا يجوز الانتفاع به مطلقا من غير خلاف، وأعلاه يجوز الانتفاع به من غير خلاف، وفيما بينهما قولان بالجواز والمنع وهو المشهور.
وكذا أي لا يجوز الانتفاع بقرنها أي الميتة، وأظلافها وأنيابها، ظاهره على جهة التحريم؛ لأن الحياة تحله اهـ. وقد رجح العدوي في حاشيته على كفاية الطالب نجاسة كل من ريش وقرن وظلف
وأنياب وعظم الميتة، ولم يستثن منها شيئا من ذلك بقوله المعتمد أن رؤوس الريش من الميتة نجس، ومثله رؤوس القرن وقال أيضا: الراجح أن أعلاه كأسفله في النجاسة وعدم الانتفاع فأحرى الوسط اهـ. قلت: هذا وقد رجع إلى الأصل في نجاسة طرف القرن، وطرف قصبة ريش وما ذكر معهما.
وقال خليل في سياق كلامه على النجس: " وما أبين من حي وميت من قرن وعظم وظلف وظفر وعاج " قال الحطاب: يعني أن ما أبين من حي أو ميت من هذه الأشياء فإنه نجس.
وفي قوله " وقصب ريش " قال الخرشي: أي النجس قصبة ريش، وهي
التي يكتنفها الريش، وسواء أصلها على المشهور، هذا في القصبة، وأما الزغب فقد تقدم أنه طاهر إن جز اهـ.
" قلت " فالحاصل أن ما أبين من حي وميت من قرن، وعظم، وظلف، وعاج، وظفر، وقصبة ريش، وجلد ولو دبغ كلها نجسة.
وأما ما لا تحله الحياة من الأطراف في جميع ما ذكر فإنها طاهرة مع الكراهة لما فيها من القال.
والله أعلم اهـ.
ثم قال المصنف رحمه الله: " وما أبين من حي فهو ميتة " هذا تقدم الكلام عليه في المسائل السابقة بان ما أبين من الحي والميت من قرن وما عطف عليه نجس فلا حاجة لنا إلى تكراره.
قال المصنف رحمه الله: " وفي طهارة جلدها بالدباغ خلاف " وهذا أيضا تقدم لنا الكلام فيها عند قول المصنف: ويكره من آنية عظام الميتة وجلدها، إلا أن هناك تكلمنا في حكم الجواز باستعماله، ومراد المصنف هنا في حكمه بعد الدباغ، وذكر أن فيه خلافا، فالمشهور عند المحققين من أهل المذهب أن طهوريته لغوية لا حقيقية، فهو نجس حقيقة ولو بعد الدبغ، هذا هو المعتمد.
ثم على القول المشهور من نجاسة جلد الميتة المدبوغ يجوز استعماله في اليابسات كالحبوب والدقيق والخبز غير المبلول، وكذا يستعمل في الماء المطلق بأن يوضع فيه الماء سفرا وحضرا لأن الماء طهور لا يضره إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه.
وأما المائعات كالسمن والعسل والزيت وسائر الأدهان والماء غير المطلق كماء الورد، ومن ذلك الخبز قبل جفافه والجبن فإنه لا يجوز وضعه فيه، ويتنجس بوضعه فيه.
قال الدردير: وهذا معنى قوله وجاز استعماله بعد الدبغ في يابس وماء، تبع في ذلك قول خليل: ورخص فيه مطلقا إلا من خنزير بعد دبغه في يابس وماء اهـ.
وقال أبو محمد في الرسالة: " ولا بأس بالانتفاع بجلدها إذا دبغ ولا يصلي عليه ولا يباع " وقال أبو الحسن عليه: ومفهوم الشرط أنه لا ينتفع به قبل الدبغ،
وهو كذلك باتفاق.
وقوله: ولا يصلي عليه ولا يباع، ظاهر يدل على أن جلد الميتة ليس بطاهر.
قال العدوي:
تنبيه
: لا يطهر الجلد عندنا بالدبغ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " أيما إهاب " أي جلد " دبغ فقد طهر " فالمراد الطهارة اللغوية، بمعنى النظافة لا الشرعية اهـ.
وفي الخرشي: يعني أن جلد الميتة والمأخوذ من الحي نجس ولو دبغ على المشهور المعلوم من قول مالك، ولا يجوز بيعه ولا يصلى عليه.
قال ابن رشد: ولا يؤثر دبغه طهارة في ظاهره ولا باطنه.
وفي المدونة: " ومن صلى ومعه لحم ميتة أو عظمها أو جلدها أعاد في الوقت " وأيضا قال مالك: لا يعجبني أن يصلي على جلدها وإن دبغ اهـ. وقد ظهر لك أن جلد الميتة نجس، ولا يطهر بالدباغ إنما رخص في استعماله في اليابسات والماء المطلق كما تقدم، والرخصة لا تجاوز موردها.
وأما الكيمخت، وهو جلد الحمار أو الفرس أو البغل المدبوغ توقف الإمام فيه عن الجواب في حكمه أربعين يوما لما سئل عنه، وروي في المدونة أنه قال: لا أدري.
وفي العتبية أنه قال: وتركه أحب إلي.
ومنشأ الخلاف استعمال الصحابة الكيمخت.
قال الخرشي: واختلفوا إذا صلى به هل يعيد في الوقت أو لا؟ والخلاف المذكور مبني هل هو نجس معفو عنه أو طاهر أو مستثنى من جلد الميتة المدبوغ، ورجح في الشامل أنه نجس.
وقال التتائي وأبو الحسن: إنه طاهر معفو عنه ومستثنى من جلد الميتة المدبوغ اهـ، مع زيادة إيضاح.
ونقل الصاوي عن الدسوقي: واختلف في توقف الإمام هل يعد قولا أو لا؟ والراجح الثاني.
وقال واعلم أن استعماله ثلاثة أقوال: الجواز
مطلقا في السيوف وغيرها، وهو لمالك في العتبية.
والجواز في السيوف فقط، وهو لابن المواز وابن حبيب.
والكراهة مطلقا، قيل هذا هو الراجح الذي رجع إليه مالك، ولكن ذكر بعضهم أن الحق أنه طاهر، وأن استعماله جائز، أما مطلقا أو في السيوف لا مكروه.
قال في الأصل وجه التوقف أن القياس يقتضي نجاسته ولا سيما من جلد حمار ميت، وعمل السلف في صلاتهم بسيوفهم وجفيرها منه يقتضي طهارته، والمعتمد كما قالوا إنه طاهر للعمل لا نجس معفو عنه، مستثنى من قولهم جلد الميتة نجس ولو دبغ.
وانظر ما علة طهارته؟ فإن قالوا الدبغ، قلنا يلزم طهارة كل مدبوغ، وإن قالوا الضرورة، قلنا إن سلم فهي لا تقضي الطهارة بل العفو.
وحمل الطهارة في كلام الشارع على اللغوية في غير الكيمخت وعلى الحقيقة في الكيمخت تحكم، وعمل الصحابة عليهم الرضا في جزئي يحقق العمل في الباقي اهـ الصاوي.
كذا في الدسوقي، انظر الحطاب والله هو الهادي إلى الصواب
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وسؤر الحيوان وعرقه طاهر " وقد تقدم لنا هذه المسألة عند قول المصنف: " ما أفضلته البهائم " وقد شرحناه هناك فراجعه إن شئت.
وأما قوله وعرقه، أي ولا خلاف في طهارة العرق ولو من كافر أو شارب الخمر، لأن كل حي طاهر سواء آدميا أو غيره، وكذلك عرقه ولعابه ومخاطه ودمعه، وبيضه غير المذر المنتن فهو نجس.
قال رحمه الله: " إلا يتناول النجاسة فيكره " يعني أن سؤر الحيوان الذي تناول النجاسة كالجلالة مكروه، كما تقدم ذكره عند ول المصنف: " وسؤر ما لا يتوقى النجاسة " فراجعه إن شئت.
وأما عرق من يتناول النجاسة - ويسمى بالجلالة - فإن كان متلطخا فعرقه نجس، وإن جسده غير ملطخ بها فعرقه طاهر.
قال المصنف رحمه الله: " إلا ما كان فيه نجاسة ظاهرة فيكون حكم سؤره حكم ما حلته نجاسة " يعني أنه إذا ريئت النجاسة في فم الدابة أو غيرها ظاهرة فحكمه حكم الماء الذي حلت فيه النجاسة، إلا أنه يكره مع وجود غيره كما تقدم عند قول المصنف: " ويسير حلته نجاسة لم تغيره ".
وقال خليل: " وإن ريئت على فيه وقت استعماله عمل عليها " قال الحطاب: والمعنى أن شارب الخمر والحيوان الذي لا يتوقى استعمال النجاسات إذا ريئت النجاسة على فيه وقت استعماله الماء أو الطعام عمل عليها، فإن غيرت الماء ضرت باتفاق، وإن لم تغيره فيكره استعماله مع وجود غيره، لأن الكلام في الماء القليل.
وأما الطعام فإنه يطرح كله إن كان مائعا، وإن كان جامدا طرح منه ما أمكن السريان فيه اهـ.
وقال الخرشي: وإن علمت على فم الحيوان السابق أو عضو من أعضائه في جميع الصور، وقت استعماله الماء أو الطعام، أو قبل الاستعمال دون غيبة يمكن زوال أثرها عمل عليها، فيفرق بين قليل الماء وكثره، وتغيره وعدمه، وبين مائع الطعام وجامده، وطول المكث وعدمه اهـ. وكذا في الدردير.
قال المصنف رحمه الله: " ويجب غسل الإناء من ولوغ الكلب في الماء سبعا " قال: " إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات " اهـ، وقول المصنف: ويجب غسل الإناء إلخ المشهور في المذهب أن ذلك مندوب.
قال في أقرب المسالك: " وندب إراقة ماء وغسل إنائه سبعا بلا نية ولا تتريب عند استعماله بولوغ كلب أو أكثر، لا طعام وحوض " اهـ. يعني أنه إذا ولغ كلب أو
أكثر في إناء
ماء أو أكثر ندب إراقة ذلك الماء، وندب غسل الإناء سبع مرات تعبدا، إذ الكلب طاهر، ولعابه طاهر، ولا يفتقر غسله لنية لأنه تعبد في الغير، كغسل الميت، ولا يندب التتريب بأن يجعل في أولاهن أو الأخيرة أو غيرها تراب؛ لأن طرق التتريب مضطربة ضعيفة لم يعول عليها الإمام، مع كون عمل أهل المدينة على خلافه ومحل ندب غسله سبعا عند إرادة استعماله لا قبلها، والباء في قوله بولوغ سببية، والولوغ: إدخال لسانه في الماء وتحريكه أي لعقه، وأما مجرد إدخاله بلا حرمة أو سقوط لعابه أو لحسه الإناء فارغا فلا يسبغ، كما لو ولغ في حوض أو طعام ولو لبنا فإنه لا بأس به، ولا يراق ولا يغسل سبعا.
وأشار بقوله: كلب أو أكثر إلى أنه لا يتعدد الغسل سبعا بولوغ كلب مرات، أو كلاب متعددة اهـ الدردير.
وقال ابن جزي في القوانين: " المسألة الثانية في سؤر الكلب، ويغسل الإناء سبع مرات من ولوغه في الماء عند الأربعة، وزاد الشافعي التعفير بالتراب.
وفي وجوب هذا الغسل واستحبابه قولان.
وفي إراقة ما ولغ فيه قولان.
وفي نجاسة ما ولغ فيه قولان.
وفي غسله سبعا ون الولوغ في الطعام قولان.
وفي تكرار الغسل لجماعة الكلاب ولتكرار الكلب الواحد قولان.
وفي غسله سبعا من ولوغ الكلب المأذون في اتخاذه قولان.
انتهى كلام ابن جزي.
وقد تقدم لك جواب تلك الأقوال فيما بيناه كما في الدردير، وهو المشهور الذي به الفتوى.
أما الجواب في الكلب المأذون أنه كغيره في استحباب الغسل والإراقة مطلقا، قال الحطاب: يعني أن الغسل لا يختص بالمنهي عن اتخاذه، بل يغسل من ولوغ المأذون في اتخاذه والمنهي عن اتخاذه.
وهذا هو المشهور كما صرح ابن الفاكهاني في شرح العمدة، واقتصر عليه صاحب الوافي.
قاله السيد في تصحيح ابن الحاجب.
وقال في الشامل هو الأصح.
وقيل يختص بالمنهي عن اتخاذه، وهما روايتان، قاله ابن عرفة، والعمل بالقول الأول وهو المشهور فتأمل اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " وفي إلحاق الخنزير به، وفي إناء غير الماء والانتفاع بما فيه خلاف " وفي نسخة بحذف الفاء في قوله وفي إناء إلخ؛ لأن التي قبلها نابت عنها ولا حاجة إلى إعادتها.
ثم إنه لما ذكر حكم غسل الإناء وإراقة الماء الذي ولغ فيه الكلب أراد أن يبين ما في الخنزير والإناء غير الماء إذا ولغ فيه الكلب، وهل الخنزير يلحق بالكلب فيكون حكمه كحكم الكلب أم لا، وهل الطعام كالماء أم لا؟ خلاف، فالجواب أنه إذا ولغ الخنزير لا يجب ولا يندب بولوغه غسل الإناء سبعا، ولا إراقة الماء، ولا طرح الطعام.
وقد سبق آنفا عن الدردير أنه إذا ولغ الكلب في
الطعام، أو لحس الإناء فارغا فلا يسبع، كما لو ولغ في حوض أو طعام ولو لبنا فإنه لا بأس به، وكذلك لا غسل ولا إراقة بولوغ الخنزير على المشهور في المذهب.
وفي الحطاب: يعني أن الغسل خاص بالكلب، فلا يغسل الإناء من غيره وهو الظاهر من المذهب.
قال ابن رشد: وهو الصحيح.
وقيل يلحق به الخنزير؛ وهما روايتان.
قاله ابن الحاجب وابن عرفة بناء على أن الغسل للتعبد أو للقذارة اهـ. وفي الخرشي: وقوله بولوغ كلب لا خنزير أو سبع فلا يستحب الغسل اهـ. وقد ظهر أن غسل الإناء سبعا وإراقة الماء مختص بالكلب فقط لا غير على المشهور.
والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله: " ولا خلاف في نجاسة الدم المسفوح " يعني أن الدم المسفوح هو الذي يسيل عند موجبه من ذبح أو جرح أو فصد نجس.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة: 173]. وقال: ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145] وغيرهما من الآيات.
واعلم أن الدم المسفوح لا خلاف في نجاسته، وهو حرام اتفاقا لا يجوز أكله كالميتة ولحم الخنزير، فإذا أصاب الثوب أو البدن أو مكان الصلاة وجب إزالته، فإن صلى به
وجبت الإعادة في الوقت على المشهور إن كان الدم كثيرا كالدرهم البغلي فأكبر، وإلا فلا شيء عليه.
قال في الرسالة: ويغسل قليل الدم من الثوب، أي وجوبا، وقيل ندبا وهو الصواب ولا تعاد الصلاة إلا من كثيره.
وقليل كل نجاسة غيره وكثيرها سواء.
ودم البراغيث ليس عليه غسله إلا أن يتفاحش اهـ.
قال خليل عاطفا على النجس: " ودم مسفوح ولو من سمك وذباب " المواق عن ابن عرفة: مسفوح الدم نجس.
وقال عز الدين: ويجب غسل محل الذكاة بالماء.
وقال بعض الشيوخ: يجب أن يرفع بأنف البهيمة ليخرج الدم المسفوح.
قوله ولو من سمك وذباب، قال ابن يونس: الدم عند مالك كله سواء: دم حيض أو سمك أو ذباب أو غيره يغسل قليله وكثيره اهـ. قال الحطاب: اختلف الناس في السمك هل له دم أم لا؟ فقال بعضهم: لا دم له، والذي ينفصل عنه رطوبة تشبه الدم، ولذلك لا تسود إذا تركت في الشمس كسائر الدماء، بل تبيض، لكن هذا القائل اعترض عليه، انظره في الحطاب إن شئت اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " والأوراث والأبوال والمني توابع، إلا أن يتغذى المأكول بنجاسة فينجس روثة وبوله لا لحمه " قوله والأوراث والأبوال، جمع روث وبول وهي فضلة الحيوان التي تخرج من أحد السبيلين، آدميا أو غيره، فإن كانت مما يؤكل لحمه كالإبل والبقر والغنم فلحمها وأراثها وأبوالها طاهرة، ما لم تتغذ بنجس وإن كانت تتغذى بالنجس فلحمها طاهر، وبولها وروثها نجاسة كأوراث
محرم الأكل: الخيل والبغال والحمير والخنزير، وجميع ما يكره أكله كالسباع ونحوها فأوراثها وأبوالها نجس.
وأما الطيور إن كانت تستعمل النجاسة فذرقها نجس وإلا فطاهر، وهي محمولة على الطهارة حتى يتبين خلافها.
قال بعضهم:
الطير محمول على الطهارة... إن لم تكن في فمه القذارة
وأما ما يكره أكله كالذئب ونحوه ولبنه مكروه، وروثه وبوله نجس ولو لم يأكل النجاسة، كمحرم الأكل من الخيل وما عطف عليه.
وأما الدجاج إن كانت تأكل النجاسة، كمحرم الأكل من الخيل وما عطف عليه.
وأما الدجاج إن كانت تأكل النجاسة فذرقها نجس واللحم طاهر كالطير.
وقال ابن جزي في القوانين الفقهية: وأما فضلات الحيوان، فإن كانت مما ليس له مقر كالدمع، والعرق واللعاب فهي طاهرة من كل حيوان، إلا أنه اختلف في لعاب الكلب وعرق ما يستعمل النجاسات، كشارب الخمر والجلالة، وإن كانت مما له مقر.
فأما الأبوال والرجيع فذلك من ابن آدم نجس إجماعا إلا أنه اختلف في بول الصبي الذي لا يأكل الطعام، وأبوال سائر الحيوانات تابعة للحومها في المذهب، فبول الحيوان المحرم الأكل نجس.
وبول الحلال طاهر، وبول المكروه مكروه أي تحريما.
وقال الشافعي: البول والرجيع نجس من كل حيوان اهـ. وقال الدردير: ومن النجس فضلة الآدمي من بول وعذرة، وفضلة غير مباح الأكل، وهو محرم الأكل كحمار، أو مكروهة كالهر والسبع.
وفضلة مستعمل النجاسة من الطيور كالدجاج وغيره أكلا أو شربا، فإذا شربت البهائم من الماء المتنجس أو أكلت نجاسة ففضلتها من بول أو روث نجسة، وهذا إذا تحقق أو ظن، وأما لو شك في استعمالها، فإن كان شأنها استعمال النجاسة كالدجاج والفأرة والبقرة الجلالة حملت فضلتها على النجاسة، وإن كان شأنها عدم استعمالها كالحمام والغنم حملت على الطهارة اهـ. وأما قول المصنف: " والأرواث والأبوال والمني توابع " ليس على عمومه عند المالكية؛ لأن المني ليس بتابع للمأكول عندهم كما هو معلوم، بل إن المني والمذي والودي نجسة ولو من مباح الأكل، ولا يقاس على بول وعذرة من مباح الأكل، فإنهما طاهران ملحقان باللحم.
قال في أقرب المسالك عاطفا على النجس: " والمني والمذي والودي ولو من مباح " قال الشارح: ومن النجس المني، وهو ما يخرج عند اللذة الكبرى عند الجماع ونحوه.
والمذي وهو الماء الرقيق الخارج من الذكر أو فرج الأنثى
عند تذكر الجماع، والودي وهو ماء خاثر يخرج من الذكر بلال لذة، بل لنحو مرض أو يبس طبيعة، وغالبا يكون خروجه عقب البول، ولو كانت هذه الثلاثة من مباح الأكل، ولا تقاس على بول اهـ. وهذا وجه عدم متابعة المني للحم المأكول فتأمل.
قال المصنف رحمه الله: " وفي لبنه وبيضه ورماد النجاسة والمستحجر من الخمر في أوانيها خلاف " قوله وفي لبنه، الضمير عائد إلى المأكول الذي يتغذى بنجاسة.
يعني أن هذه الأشياء الأربعة اختلف العلماء في طهارتها ونجاستها والمشهور في المذهب الطهارة.
أما اللبن من المأكول لحمه الذي يستعمل النجاسة قد تقدم أنه طاهر؛ لأن النجاسة لا تخالطه.
والحاصل أن لبن المأكول لحمه كالأنعام والمكروه كالسباع طاهر ولو كان يستعمل النجاسة، لأن اللبن يخرج منها طاهرا خالصا من غير شةب ولا اختلاط بشيء من النجاسة ولا غيرها، وقد أباحه الله عز وجل في كتابه العزيز بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: 66] صدق الله العظيم.
وما قاله الخرشي عند قول صاحب المختصر: ولبن غيره تابع، وهو كذلك كالمصنف.
ونص الخرشي على المختصر " يعني أن لبن غير الآدمي تابع للحمه، فإن كان محرم الأكل فلبنه نجس، وإن كان مكروه الأكل فلبنه مكروه شربه.
وأما الصلاة به فجائزة كما قاله ابن دقيق العيد.
ولبن الجن كلبن الآدمي لا كلبن البهائم، لجواز مناكحتهم، وجواز إمامتهم ونحو ذلك اهـ. الدردير على أقرب المسالك: " ومن الطاهر لبن الآدمي ولو كافرا، ولبن غير محرم الأكل ولو كان مكروها كالهر والسبع، بخلاف محرم الأكل كالخيل والحمير فلبنه نجس " اهـ. وأما بيض الجلالة فإنه طاهر.
قال في المختصر: وبيضه ولو أكل نجسا إلا المذر والخارج بعد الموت، أي إلا بيض المذر وهو
ما تغير بعفونة أو زرقة أو صار دما فإنه نجس، أو خارج بعد الموت فإنه نجس أيضا.
وقال الحطاب: وأما العرق والبيض وكذا اللبن فالخلاف فيها معروف بالطهارة والنجاسة والكراهة، حتى من اللآدمي وشارب الخمر.
قال في التوضيح: والذي اختاره المحققون الطهارة اهـ.
وقال ابن القاسم: لبن الجلالة طاهر.
اللخمي: ومثله بيضها ولبن شاربة الخمر اهـ. وقال ابن جزي في القوانين: (فرع) في البيض إذا سلق فوجد فيه فرخ ميت لم يؤكل، وإذا أخرج بيضة من دجاجة ميتة لم تؤكل.
وقال ابن نافع تؤكل إذا اشتدت، كما لو ألقيت في نجاسة اهـ. وأما رماد النجاسة فهو أيضا طاهر، ومثله المستحجر من الخمر في أوانيها كما تقدم عليه.
انظر جواب النفراوي في أول الفصل عند قول المصنف الميتات والمسكرات إلخ.
قال الدردير: وخمر خلل أو حجر، ورماد نجس ودخانه.
قال الشارح: وكذا الخمر إذا خلل بفعل فاعل، أو تحجر أي صار كالحجر في اليبس بفعل فاعل يصير طاهرا، وأولى لو تخلل بنفسه أو تحجر بنفسه.
ومن الطاهر رماد النجس كالزبل والروث النجسين، وأولى الوقود المتنجس فإنه يطهر بالنار، وكذا دخان النجس فإنه طاهر.
ثم قال وما مشى عليه الشيخ ضعيف، والمراد بالشيخ صاحب المختصر خليل اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي الآدمي لا خلاف في نجاسة البول والعذرة والدم وشبهه، والقيء المتغير عن حال الطعام " يعني أنه قد تقدم أن البول والعذرة من الآدمي نجسان، والدم الكثير غير معفو عنه، ولا خلاف على ذلك عند المحققين.
وقوله وشبهه أي كالقيح والصديد الكثيرين وكل ما لا يعفى عنه من النجاسة.
وكذا من النجس القيء المتغير عن حال الطعام فهو نجس يجب غسله عن الثوب والجسد والمكان كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله: " ولا خلاف في طهارة الدمع والبصاق والمخاط واللبن " وقد تقدم الكلام في هذه الأشياء المذكورة وكلها طاهرة لا خلاف في طهارتها.
وفي المدونة: وعرق الدواب وما يخرج من أنوفها طاهر.
العزية: كل حي فهو طاهر آدميا أو غيره، وكذلك عرقه ولعابه ومخاطه ودمعه، والبصاق كالمخاط كما نص بعضهم عليه اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " والمشهور نجاسة منية " أي مني الآدمي إنه نجس على المشهور، وهو كذلك كما تقدم الكلام عليه عند قول المصنف: والأرواث والأبوال والمني توابع، فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله: " وهل ينجس بالموت قولان " يعني هل الإنسان ينجس بالموت؟ فالجواب أنه لا ينجس بالموت، بل الآدمي طاهر حيا وميتا لإكرام الله له في قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].
والخلاف الواقع في ميتة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
قال العلامة خليل في المختصر: " والنجس ما استثنى ولو قملة وآدميا والأظهر طهارته " قال الخرشي: يعني أن ميتة القملة نجسة لأن لها نفس سائلة، بخلاف البرغوث والبعوض والذباب ونحوها فإن ميتتها طاهرة لأن دمها منقول على المشهور.
وأما ميتة الآدمي ولو كافرا فهي طاهرة على المعتمد.
ومذهب ابن القاسم وابن شعبان وابن عبد الحكم نجاسته.
وإلى الطهارة ذهب سحنون وابن القصار، واختاره القاضي عياض وابن رشد وغيرهما من الأشياخ.
وإلى اختيار ابن رشد أشار المؤلف بقوله: والأظهر طهارته.
قال عياض: لأن غسله وإكرامه يأبي تنجيسه، إذ لا معنى لغسل الميتة التي هي بمنزلة العذرة، ولصلاته، عليه السلام، على سهيل بن بيضاء في المسجد، ولما ثبت أنه، عليه السلام، قبل عثمان بن مظعون بعد الموت، ولو كان نجسا لما فعل، عليه
السلام، ذلك، إلى غير ذلك.
وقال الحطاب: ولم أر تشهير القول
المصدر به عند المؤلف، ولا من اقتصر عليه، بل أكثر أهل المذهب يحكيهما من غير ترجيح.
ومنهم من رجح الطهارة، وإن أخذ اللخمي النجاسة من المدونة فقد أخذ عياض منها الطهارة وابن هارون، وهذا الخلاف لا يدخل عندي أجساد الأنبياء، بل يجب الاتفاق على طهارة أجسادهم، والخلاف في غير الأنبياء، وأما هم فأجسادهم بل جميع فضلاتهم طاهرة.
والخلاف أيضا في طهارة ميتة الآدمي ونجاستها عام في المسلم والكافر اهـ. هذا، وقد جلبت لك بعض كلام الأشياخ من الاختلاف في طهارة ميتة الآدمي ونجاسته لتكون على بصيرة لتأخذ بالمشهور الذي اعتمد عليه المحققون، ولا يدخل شك ولا ريب في ذهنك.
والمشهور الطهارة والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله: " والمسك طاهر " يعني أن المسك لا خلاف في طهارته وهو الدم المنعقد يوجد عند بعض الحيوان كالغزال، أي يشبه الغزال، قال ابن جزي في القوانين: والمسك طاهر إجماعا.
قال المواق في شرح المختصر نقلا عن اللخمي: اتفقوا على طهارة المسك وإن كان خراج حيوان لاتصافه بنقيض علة النجاسة.
قال إسماعيل: فأرة المسك ميتة طاهرة.
الباجي: إجماعا لانتقالها عن الدم، كالخمر للخل اهـ.
قال الشيخ خليل عاطفا في الطاهر: " ومسك فإرته " الخرشي: والمعنى أن من الطاهر المسك - بكسر فسكون - وهو دم منعقد استحال إلى صلاح، وكذا فأرته وهي وعاؤه الذي يكون فيه من الحيوان المخصوص؛ لأنه، عليه السلام، تطيب بذلك، ولو كان نجسا لما تطيب به، وبعبارة أخرى: المسك - بكسر فسكون - فارسي معرب، وتسميه العرب المشموم - خراج يتولد من حيوان كالغزال المعروف، ولا فرق بينهما إلا أن لهذه أنيابا نحو الشبر كأنياب الفيلة، ورجلاها أطول من يديها، توجد في الهند كما في الحطاب وبعد أن كان دما منعقدا يستحيل مسكا طيب الرائحة.
وتوقف الشيخ زروق في
شرحه على هذا الكتاب في جواز أكل المسك بقوله: وانظر هل يجوز أكله كاستعماله؟ انظر ذلك فإني لم أقف فيه على شيء.
قال الحطاب: لا ينبغي أن يتوقف في ذلك، وهو كالمعلوم من الدين بالضرورة، وكلام الفقهاء في باب الإحرام في أكل الطعام الممسك دليل على ذلك.
والله أعلم.
وأما فأفتى الشيخ سالم بطهارته بعد التوقف.
انتهى الخرشي مع الاختصار.
وطرف من الحطاب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وإذا ماتت فأرة ونحوها في سمن جامد ونحوه طرحت وما حولها " وما ذكره المصنف في موت الفأرة في السمن الجامد
وهو كذلك كما في الرسالة، إلا أن يطول مقامها فيه فإنه يطرح كله.
قاله سحنون.
وأما لو ماتت في المائع كالزيت فينجس كله، وإليه أشار المصنف بقوله: " وفي مائع ينجس ولا يطهر بغسله " وما ذكره مثل ما في الرسالة، ونصها: وما ماتت فيه فأرة من سمن أو زيت أو عسل ذائب طرح ولم يؤكل، ولا بأس أن يستصبح بالزيت وشبهه في غير المساجد، وليتحفظ منه، وإن كان جامدا طرحت وما حولها وأكل ما بقي.
قال سحنون: إلا أن يطول مقامها فيه فإنه يطرح كله اهـ. قال النفراوي في الفواكه: قال خليل: وينجس كثير طعام مائع بنجس قل كجامد إن أمكن السريان، وإلا فبحسبه.
والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا وقعت الفأرى في السمن فإن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه " رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
ومن ذلك مسألة ابن القاسم وهي: من فرغ عسر قلال سمن في زقاق، ثم وجد بقلة فأرة يابسة لا يدري في أي الزقاق فرغها، حرم أكل جميع الزقاق وبيعها، وهو كذلك على المشهور اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " وتطهر أواني الخمر بغسلها " وفي بعض النسخ: ولا تطهر، وهو خطأ، والصحيح ما قررناه في هذه النسخة وإن كان في ذلك قولان، قال
ابن جزي في القوانين: وفي طهارة الفخار من نجس غواص كالخمر قولان اهـ، وقد تقدم لنا الكلام في آنية الخمر أنها تطهر إذا تحجرت الخمر فيها أو خللت، كما نقلناه عن الشيخ أحمد النفراوي في شرح الرسالة عند قول مؤلفها: وحرم الله سبحانه شرب الخمر قليلها وكثيرها إلخ.
قال الشارح المذكور: هذا حكم الخمر إذا استمرت على حالها، وأما لو تحجرت أو تخللت فإنها تطهر، ويجوز بيعها وشربها، ويطهر إناؤها تبعا لها ولو فخارا بغواص، ولو ثوبا، ويصلي به من غير غسل، بخلاف الثوب المصاب بالبول أو الدم فلا بد من غسله ولو ذهبت عين النجاسة.
والفرق أن نجاسة الخمر عارضة بالشدة، ونجاسة نحو البول أصلية، ولا فرق في ذلك بين تخليلها بنفسها أو بفعل فاعل، وإن اختلف في الإقدام على تخليلها بالجواز والكراهة اهـ: انظر إن شئت بقية الكلام في الشرح المذكور.
قال المصنف رحمه الله: " ويكفي في الصقيل كالسيف مبالغة المسح " قال خليل في المختصر عاطفا على عفي عنه: وكسيف صقيل لإفساده من دم مباح اهـ.
قال الدردير: دخل بالكاف ما شابهه في الصقالة كمدية ومرآة وجوهر وسائر ما فيه صقالة وصلابة مما يفسده الغسل، يعني أن كل ما كان صلبا صقيلا وكان يخشى فساده بالغسل كالسيف ونحوه فإنه يعفى عما أصابه من الدم كفي الغزو ودم القصاص والذبح والنحر والعقر والصيد ونحوها مما هو مباح فيعفى عنه بالمسح
دون الغسل.
قال بعضهم: سواء أكان الدم كثيرا أم لا، مسحه أم لا على المعتمد.
وفي التوضيح: قال مالك: ولا بأس بالسيف في الغزو وفيه دم أن لا يغسل.
قال ويصلى به.
قال عيسى في روايته عن ابن القاسم عن مالك: مسحه من الدم أو لم يمسحه.
قال عيسى: يريد في الجهاد أو في الصيد الذي هو عيشه.
انتهى كلام التوضيح.
ولما أنهى الكلام على أعيان النجاسات والطهارة أراد المصنف الانتقال إلى بيان آداب من يريد قضاء الحاجة، فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في بيان أحكام قضاء الحاجة وما يتعلق بذلك
هذا الفصل معقود لآداب قضاء الحاجة مما يستحب على المكلف عند البول أو الغائط، وتسمى حاجة الإنسان.
قال رحمه الله: " مريد البراز في الصحراء يطلب موضعا مطمئنا رخوا بعيدا عن الناس " وفي الحديث الصحيح عن المغيرة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد " وفي رواية لأبي داود: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد " اهـ. وقول المصنف رخوا والرخو: محل لين سهل كتراب ورمل.
قال خليل: ندب لقاضي الحاجة جلوس، ومنع - أي كره - برخو نجس.
قال الخرشي: والمعنى أنه يندب لمريد البول إذا كان المكان رخوا طاهرا الجلوس لأنه أقرب للستر، ويجوز له القيام إذا أمن الاطلاع، وإن كان رخوا نجسا منع الجلوس لئلا ينجس ثوبه، وتعين القيام حيث أراد البول في ذلك المحل، وأما لو أراد الغائط فإنه لا يجوز له القيام كما في التوضيح وغيره اهـ باختصار.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " وفي الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يوليها ظهره، شرقوا أو غربوا " اهـ. وفي العزية: وأن لا يستقبل القبلة ولا يستديرها إذا كان في الفضاء ولم يكن فيه ساتر، فإن كان فيه ساتر ففي منعه قولان، المختار منهما المنع.
وأما فعله في المنزل فيجوز مطلقا، أعني سواء أكان هناك ساتر أم لا، أكان هناك مشقة أم لا اهـ.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا يكشف عورته حتى يدنو من الأرض " وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض " اهـ.
قال الخليل في المختصر: وستر إلى محله.
وقال في محل آخر: وبالفضاء تستر وبعد اهـ.
قال الخرشي عليه: يعني أن من الآداب أن يديم الستر إلى محل خروج الأذى فيديمه إلى دنوه من الأرض إذا لم يخش على ثيابه وإلا رفع قبله ما لم يره أحد وإلا وجب الستر.
قوله: وبالفضاء إلخ، أي وندب لمن أراد قضاء الحاجة في الفضاء أن يستتر عن أعين الناس بكشجرة، وأن يبعد لا يسمع له صوت ولا يرى له عورة اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويتقي الظل والشاطئ والراكد والجحر " يعني أنه يجب عليه أن يتجنب الملاعن.
وفي الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اتقوا اللاعنين، قالوا وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم " اهـ. رواه مسلم وأبو داود.
وعن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم: " اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل " رواه أبو داود.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبال في الجحرة لأنها مساكن الجن.
رواه النسائي وأبو داود عن عبد الله بن سرجس اهـ. وفي المختصر: واتقاء جحر، وريح، ومورد، وطريق، وظل، وصلب اهـ. وفي العزية: وأن يجتنب الموضع الصلب والماء الدائم، وأن يغطي رأسه، وأن لا يتكلم إلا لمهم كخوف فوات نفس أو مال، وأن يتقي الريح والجحر والملاعن الثلاث، وهي مواضع جلوس الناس وطرقاتهم اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " وفي الكنف يزيل عنه اسم الله تعالى " والكنف جمع كنيف، وهو المحل المعد لقضاء الحاجة في الدور، أو المواضع التي تعد لذلك ويسمى بالمرحاض، والحنفية، وبيت الماء؛ لأنه لا يخلو عن الماء غالبا.
والمعنى أنه إذا أراد الدخول في الكنيف لا ينبغي أن يدخل فيه بشيء من أسماء الله تعالى، كالخاتم وقد روى أبو داود عن أنس قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء نزع خاتمه ".
وقد نقل المواق عن الحاوي في شرح قول خليل: وبكنيف، نحى ذكر الله.
وقال: قاضي الحاجة نحى اسم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وقال الجزولي: من آداب الحدث أن لا يدخل الخلاء بما فيه اسم الله تعالى إكراما له، كالدرهم والخاتم وغير ذلك، كما كره مالك أن يعامل أهل الذمة بالدرهم عليه مكتوب اسم الله، لكن قال سند: جوز مالك أن يدخل الخلاء ومعه الدينار والدرهم عليه مكتوب اسم الله اهـ قلت:
لعل هذا من باب الضرورات لأنها تبيح المحظورات.
والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله: " يقدم رجله اليسرى قائلا باسم الله أعوذ بالله من
الخبث والخبائث ومن الرجس النجس ومن الشيطان الرجيم " وفي نسخة ومن النجس وهو خطأ، والصحيح ما قررناه.
وفي الحديث: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال " اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " رواه أنس في الصحيحين وروى فيهما زيادة " من الرجس النجس الشيطان الرجيم " وعن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: باسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، قاله في غاية المأمول.
وكذا في العزية.
قال المصنف رحمه الله: " واليمنى في الخروج قائلا: الحمد لله الذي أذهب عني
الأذى وعافاني " وعن عائشة قالت: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: " غفرانك " اهـ، رواه أصحاب السنن.
وفي المختصر: قال الدردير على أقرب المسالك: من الآداب أن يقدم حال دخوله الكنيف رجله اليسرى ويؤخرها حال خروجه منه، بأن يقدم في الخروج رجله اليمنى، ذلك عكس المسجد، فإنه يندب له تقديم اليمنى دخولا وتقديم اليسرى خروجا لشرفه، كما يندب في تنعله تقديم اليمنى وفي خلع النعال تقديم اليسرى.
وأما المنزل فيقدم اليمنى دخولا وخروجا اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " ويجتهد في الاستبراء " يعني إذا قضى الإنسان حاجته وجب عليه الاستبراء بالسلت والنتر إن كانت بولا، أو بالاستنجاء أو الأحجار إن كانت غائطا لإزالة الأذى عن مخرجها، ولا يصلي بها وهي في جسده.
قال خليل في المختصر: ووجب استبراء باستفراغ أخبثيه مع سلت ذكر ونتر خفا.
كذا في أقرب المسالك.
قال الدردير عليه: يجب على من قضى حاجته أن يستبرئ أي يخلص مجرى البول من ذكره بسلته بأن يجعل إصبعه السبابة من يده اليسرى تحت ذكره من أصله، والإبهام فوقه ثم يسحبه برفق حتى يخرج ما فيه من البول.
والنتر بسكون التاء المثناه: جذبه.
وندب أن يكون كل منهما برفق، وهو معنى قوله: أي الشيخ خليل خفا - بفتح الخاء - حتى يغلب على الظن خلوص المحل، ولا يتتبع الأوهام فإنه يورث الوسوسة وهي تضر بالدين اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " ويستجمر بثلاثة أحجار، وفي معناها كل جامد طاهر غير محترم، ويجزئ الواحد إن أنقى، ويزيد عليها إن احتاج، والماء أفضل كجمعهما " يعني فراغه من الاستبراء على الوصف المتقدم أنه يجب أن يستنجي ويستعمل الأحجار وترا.
قال أبو محمد في الرسالة: وصفة الاستنجاء أن يبدأ بعد
غسل
يده فيغسل مخرج البول، ثم يمسح ما في المخرج من الأذى بمدر أو غيره أو بيده، ثم يحكها بالأرض ويغسلها، ثم يستنجي بالماء ويواصل صبه، ويسترخي قليلا، ويجيد عرك ذلك بيده حتى يتنظف، وليس عليه غسل ما بطن من المخرجين، ولا يستنجي من ريح، ومن استجمر بثلاثة أحجار يخرج آخرهن نقيا أجزأه، والماء أطهر وأطيب وأحب إلى العلماء اهـ.
وفي المختصر: وندب جمع ماء وحجر ثم ماء قال الخرشي عليه: يعني أنه يندب للمستنجي الجمع بين الماء ولو عذبا والحجر لإزالتهما العين والأثر، ولأن أهل قبا كانوا يجمعون بينهما فمدحهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222] وقال تعالى: ﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108]
وإذا أراد أن يقتصر على أحدهما فالماء أفضل من الاقتصار على الحجر، فإن اقتصر على الحجر اجزأه مخالف الأفضل، لقوله عليه الصلاة والسلام: " فإنها تجزئ عنه " وقول ابن حبيب: لا تجزئ مع القدرة على الماء، مردود بما قبله ومثله تخصيص ما ورد وخصص ما ورد بالسفر وعدم ماء اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويتعين في المذي على المشهور، وهل يغسل منه جميع الذكر أو المخرج قولان " يعني أنه يتعين الماء بخروج المذي، وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة بالإنعاظ عند الملاعبة أو التذكار كما تقدم.
وفي الرسالة: الوضوء يجب لما يخرج من أحد المخرجين من بول أو غائط أو ريح أو لما يخرج من الذكر من مذي مع غسل الذكر كله منه، وهو ماء أبيض إلى آخر ما ذكرناه اهـ.
قال أبو البركات الشيخ أحمد الدردير - عاطفا على ما يتعين عليه الماء -: ومذي بلذة مع غسل كل ذكره بنية، ولا تبطل الصلاة بتركها، وفي اقتصاره على البعض قولان.
وحاصل المسألة أن خروج المذي من الرجل بلذة معتادة يوجب غسل جميع الذكر بنية على إحدى القولين كما تقدم اهـ.
قال أبو الضياء سيدي خليل عاطفا: وتعين في مني وحيض ونفاس وبول امرأة ومنتشر عن مخرج كثيرا ومذي بغسل ذكره كله ففي النية وبطلان صلاة تاركها أو تارك كله قولان اهـ.
قال الخرشي: يعني اختلف هل تجب النية في غسل الذكر من المذي أو لا تجب فيه، وعلى القول بالوجوب لو تركها وغسله كله فهل تبطل الصلاة لترك واجب أم لا؟ قلت: قد أجاب الشيخ أحمد الدردير في أقرب المسالك بقوله: ولا تبطل الصلاة بتركها كما تقدم آنفا، وكذا لو ترك غسل ذكره كله بأن اقتصر على
محل الأذى سواء غسله بنية أم لا، وعلى كلا الأمرين فالصلاة صحيحة، إلا أنه وجب عليه في الأمر الثاني أن يغسله كله بنية لما يستقبل، مراعاة للعراقيين القائلين بالاكتفاء بغسل محل الأذى، وعليه فيكمل غسل ذكره لما يستقبل من الصلوات.
هذه خلاصة المسألة.
والله أعلم بالصواب.
انتهى مع زيادة الإيضاح.
قال المصنف رحمه الله: " ويستجمر بشماله ويصب عليها الماء قبل ملاقاتها الأذى يبتدئ بقبله " وقوله: ويستجمر وفي نسخة ويستنجي بشماله.
والاستجمار استعمال الحجارة لإزالة النجاسة أو المدر أو بكل طاهر يابس منق، والاستنجاء هو غسل مخرج الأذى بالماء المطلق، وكلتا النسختين صحيحة إلا أن الماء أفضل عند الاقتصار على أحدهما كما تقدم.
وقوله: ويستنجي بشماله إلخ.
قال الدردير في أقرب المسالك: واستنجاء، وندب بيسراه، وبلها قبل لقي الأذى كما في المختصر، ونصه: وبلها قبل لقي الأذى وغسلها بكتراب بعده اهـ. قال الخرشي: يعني أنه يندب بل باطن اليد اليسرى قبل ملاقاة النجاسة من بول أو غائط ليسهل إزالة ما تعلق بها من الرائحة، لأنها إذا لاقت النجاسة وهي جافة تعلقت الرائحة باليد وتتمكن منها.