حرمة لبس المخيط بين أن يكون محيطا بكل البدن أو ببعضه, ولا فرق بين ما أحاط بنسج أو زر يقفله عليه أو عقد يربطه أو يخلله بعود.
والمراد بالرجل الذكر حرا كان أو عبدا بالغا كان أو غير بالغ, وعلى وليه أن يجنبه المخيط مخيطا أو غيرة اهـ. قال المواق نقلا عن الكافي: لا يلبس المحرم قميصا, ولا مخيطا, ولا عمامة, ولا سراويل, ولا خفين, ولا بأس، أن يأتزر, كما له أن يرتدى إلا أنه يكره له أن يستتر بالمئزر عند ركوبه, ولا يشد فوق مئزره تكة ولا مخيطا, ولا بأس بلبس الهميان على البشرة, ونحوه المنطقة والحزام اهـ بتصرف.
وقال في توضيح المناسك: والمحرم ضربان رجل وأنثى, فأما الرجل فإحرامه في وجهه ورأسه فيحرم عليه سترهما بما يعد ساترا من عمامة وقلنسوة وخرقة وعصابة وطين, ومثله من جعل على وجه دقيقا ونحوه كجير لأنه جسم ويعد ساترا عرفا.
وأما بقيه بدنه فلا يحرم سترة بالإزار والرداء ونحوهما, وإنما يحرم سترة بالملبوس المعمول على قدر البدن أو عضو منه إذا لبسه باعتبار ما خيط له, وذلك كالقميص والسراويل والجبة والقبا ـ أي القفطان ـ سواء أخرج يديه من كمي الجبة أو القفطان أم لا, لأن ذلك في معنى الملبوس, فلو نكس القفطان مثلا بأن جعل أسفلة على منكبيه فلا فدية علية إذا لم يدخل رجليه في كميه وإلا افتدى.
وفى معنى الخياطة التزرير, والنسيج, والتلبيد, والتخليل, والملصقة بعضه على بعض, ودرع الحديد اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولبس الخف إلا أن يعطيه أسفل من الكعب " يعني ويلزم المحرم الفدية بسبب لبس الخف إلا أن يقطع الخف أسفل من الكعب, لما في الموطأ من عبد الله بن عمر " أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تلبسوا القمص, ولا العمائم, ولا السراويلات, ولا البرانس, ولا الخفاف إلا أحدا لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما
أسفل من الكعبين, ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران أو الورس " اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والترفه بحلق شعر وتقليم ظفر وإزالة شعث وتطيب " قوله والترفه معطوف على المخيط, يعني ويلزم المحرم الفدية بسبب الترفه أي التنعم بحلق الشعر, وتقليم الظفر, وإزالة الشعث, أي الوسخ والتطيب, ومنه
التدهن بدهن مطيب أو غيره كما يأتي مفصلا إن شاء الله.
وهذا كله يستوي فيه الرجل والمرأة أي في تحريم ما ذكر ولزوم الفدية بذلك.
قوله بحلق شعر يعني ترفه بحلق شعره بأن حلقه بعد الإحرام, أو أزال أكثر من عشر شعرات في موضع الحجامة أو غيرها ولو لضرورة فتلزم الفدية بذلك.
قال في الإيضاح: ففي الشعر تلزم الفدية بإبانة أكثر من اثني عشر ولو لغير إماطة الأذى, وبإبانة اثنتي عشرة فأقل إن كان لإماطة الأذى, وإلا فحفنة من الطعام لمسكين, والحفنة هنا ملء يد واحدة متوسط اهـ. ومن الترفه قلم الأظفار.
ومن قلم ظفرا واحدا أو أظافر لإماطة الأذى وجبت علية الفدية.
قال في الإيضاح: وفي قلم الأظفار تلزم الفدية, وفي قلم ظفرين مطلقا إن لم يخرج للأول ما يترتب علية.
وفي قلم ظفر واحد لإماطة الأذى كأن يقلقه طوله أو يريد مداواة جرح تحته, لا إن انكسر فقط فقطع المكسور بمقدار ما يزول به الألم فإنه يجوز ولا فديه, وفي قلم الظفر الواحد لا لإماطة أذى ولا لكسر أو لكسر بلا ألم حفنه تطعم لمسكين اهـ. ومن الترفه إزالة الوسخ بأن يغسل بدنه بقصد إزالة شعثه فتلزم عليه الفدية, وأما يغسل يديه بالأشنان والصابون ونحوهما وإنقاء ما تحت الأظفار من الوسخ فجائز اهـ. قاله في الإيضاح ومن الترفه مس الطيب كالمسك والعنبر وسائر العطريات ففيه الفدية إذا مسه, ومنه الحناء فمن اختضب بالحناء وكانت كالدرهم البغلي لزمه الفديه وإلا فلا, كجعل الحناء في فم جرح أو شربها أو حشو شقوق الرجلين بها كثرت أو قلت اهـ. ومن الترفه التدهن بدهن مطيب.
قال في توضيح المناسك: يحرم على المحرم الرجل والمرأة دهن: اللحية والرأس, ودهن
الجسد أو بعضه لغير الضرورة أما لضرورة فيجوز الإدهان.
وأما الفدية ففيها تفصيل.
وحاصلة أنه إذا ادهن بدهن مطيب ففيه الفدية في أربع صور, وهي ما إذا ادهن لعلة أو لغير علة, وفي كل إما أن يكون دهن الجسد كله أو باطن كف يده ورجله فهذه أربع صور, فإذا ادهن بغير مطيب لغير علة ففيه الفدية أيضا مطلقا سواء دهن الجسد كله أو باطن الكف والرجل وهاتان صورتان, وإذا ادهن بغير مطيب لعلة في باطن الكف والرجل كشقوق فلا فدية عليه ولا حرمة اتفاقا, وإذا ادهن بغير مطيب لعلة في بقية الجسد ولو ظاهر يده ورجله ففي الفدية قولان, فالصور ثمان ويجوز له أكل السمن والزيت وسائر الأدهان التي لا طيب فيها وتقطيرها في الأذن اهـ.
قال رحمه الله تعالى " وتغطية الرجل رأسه أو وجهة " يعني من الترفه تغطية الرجل رأسه أو وجهه بما يعد ساترا قال في العزبة: وإحرام الرجل في وجهه ورأسه فيحرم سترهما بما يعد ساترا كالعمامة والخرقة وكل ما ينتفع به من الحر والبرد ويحرم عليه لبس الخاتم اهـ قال فى توضيح المناسك: خاتمة تجب
الفدية في جميع ما تقدم من اللباس الممنوع في حق الرجل والمرأة بشرط حصول الانتفاع من حر أو برد أو طول كاليوم, وما قارب اليوم كاليوم, وإلا فلا فدية عليه, وذلك كما لو لبس قميصا ونحوه لقياس ونحوه دون اليوم ولم ينتفع به ثم نزعه فلا فدية, وأما ما لا يقع إلا منتفعا به كحلق الشعر وما عطف عليه فالفدية فيه من غير تفصيل اهـ بتوضيح.
ثم اعلم أن التجرد من المخيط واجب, فمن تركه لزمه الفدية ولو مع ضرورة, وإن كان لغير ضرورة فعليه الفدية والإثم معا.
ثم ذكر رحمه الله تعالى إحرام المرأة فقال " والمرأة وجهها وكفيها " يعني كما قال الدردير: يحرم على الأنثى بالإحرام لبس مخيط بكف أو إصبع إلا الخاتم وستر وجهها, أي يحرم سترها إلا لفتنه بلا غرز وربط, وإلا ففدية اهـ. ومثله في المختصر, ونصه:
حرم بالإحرام على المرأة لبس قفاز وستر وجهه إلا لستر بلا غرز وربط, وإلا ففدية اهـ.
قال رحمه الله تعالى " واكتحالها لغير ضرورة " يعني مما يوجب الفدية اكتحال المحرم للزينة ولو مع الضرورة.
قال في توضيح المناسك: خاتمة في الكحل والحناء وإن اكتحل المحرم بمطيب وكان لضرورة جاز وفيه الفدية على الرجل والمرأة, وإن كان بغير مطيب فإن كان لضرورة الحر أو برد فالمندوب جوازه لهما ولا تجب عليهما الفدية على ما في المجموع وغيره.
وقيل تجب عليهما, وقيل تجب على المرأة دون الرجل, وإن كان لغير ضرورة بأن كان للزينة فلا يجوز وفيه الفدية, وإن اكتحل بغير مطيب لقصد الدواء والزينة فقال ابن القاسم: عليه الفدية تغلبا لقصد الزينة اهـ. ومثله في إيضاح المناسك.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولها لبس المخيط والخف وسدل ثوب على وجهها غير مربوط خوف فتنتها " يعني أن المرأة لها أن تلبس المحيط بالجسد كالقميص, أو بالعضو كالخف والخاتم, ولا فدية عليهما, ولا يجوز لها أن تلبس القفاز, كما يحرم عليها تغطية وجهها لكن أن تسدل الثوب على وجهها من غير ربط ولا غرز وإلا افتدت.
قال في توضيح المناسك: وأما المرأة فإحرامها في وجهها وكفيها, فيحرم عليها ستر وجهها بنقاب وهو ما يصل للعيون, أو لثام على الفم أو برقع إلا أن تكون مخشية الفتنة فيجب عليها ستره بلا غرز وربط, بل تسدل شيئا عليه, فإن سترته غير مخشية الفتنة افتدت ولو لم تغرزه أو تربطه.
وفي البناني: لها أن تسدل علي وجهها شيئا ولو لم تكن وخشية الفتنة ولا فدية عليها, ولو لصق بوجهها حيث قصدت الستر عن أعين الناس إذا كان بلا غرز ولا ربط, وإلا افتدت قطعاً اهـ
قال رحمه الله تعالى: (وَبِلَفِّ خِرقَة عَلَى ذَكَرِهِ، وَشَدِّ تَعْوِيذٍ عَلَى عَضُدِهِ وَتِكَّةٍ أَوْ خَيْطٍ فَوْقَ إِزَارِهِ) يعنى من موجبات الفدية على المحرم الرجل فقط لبسُ المُحيط ببعض الأعضاء كلفّ الخرقة على ذكره، أو شد التعويذ على عضده، أو ربط تكة أو حبل
أو خيط أو غيرها على وسطه، فإذا لبس ذلك فوق الإزار لغير ضرورة عليه الإِثم والفدية، وإن كان لضرورة عليه الفدية فقط كما تقدم.
ثم ذكر الأشياء التي لا توجب الفدية بفعلها فقال رحمه الله تعالى: (لا بِحَمْلِ مَتَاعِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَشَدِّ نَفَقَتِهِ تَحْتَ إِزَارِهِ، وَتَسَاقُطِ شَعْرٍ بِحِكَّة أَوْ رِكَابٍ أَوْ تَخْلِيلِ وُضُوءٍ) يعني كما في توضيح المناسك قال: ويجوز له أن يحمل متاعه على رأسه إن كان محتاجاً بأن لا يجد ما يحمل خرجه لا بأجرة ولا بغيرها، وهذا لا فدية عليه.
وكذا إذا كان فقيراً كأن يحمل حزمة حطب أو غيره ليتعيش بثمنها، أو يحمل شيئاً لغيره بأجرة كذلك فلا بأس بذلك.
وأمّا لو كان غَنِيّاً وحمل بخلاً بالأجرة فلا يجوز ذلك وعليه الفدية، وإن حمل لكسر نفسه ففي عبد الباقي ينبغي المنع، وكلام أبي الحسن يفيد أنه لا شيء عليه كما في حاشية الخرشي اهـ. وقوله وشد نفقته إلخ قال في التوضيح أيضاً: وله أن يشد نفقته في وسطه على لحمه بأن يضعها في كمر أو نوار أو غير ذلك، سواء كان من جلد أو قماش ويدخل خيوط ما ذكر في الأثقاب، أو الكلاب، أو الإبريم مثلاً.
وأمّا لو عقدها على جلده فإنه يفتدى.
وله أن يضيف نفقة غيره إلى نفقته، فإذا ذهبت نفقة نفسه وأمكنه رد نفقة غيره وجب الرد، وإلا افتدى.
وإن ذهب صاحبها وهو عالم افتدى، وإن لم يعلم أبقاها معه ولا شيء عليه اهـ. وقوله وتساقط شعر إلخ قال في التوضيح أيضاً: تنبيه لا شيء عليه فيما تساقط من شعر رأسه ولحيته عند وضوئه وغسله ولو كان للتبرد، ولا شيء عليه أيضاً إذا جريده على لحيته أو حمل متاعه على رأسه لحاجة أو فقر فتساقط شعر، ولا شيء عليه إذا أدخل أصبعه في أنفه لمخاطة ينزعها فتساقط شعر، وكذلك إذا تساقط بالركاب أو السرج، وله أن يحك جسده ولو يدميه إن تحقق عدم الهوامّ في محل الحكّ، وأن يحلق للحلال إن تحقق نفي القمل اهـ بإيضاح.
ثم أراد رحمه الله بيان حقيقة الفدية وأنواعها قال: (وَهِيَ إِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ، أَوْ صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ نُسْكُ شَاةٍ فَمَا فَوْقَهَا غَيْرَ مُخْتَصَّةٍ بِمكَانٍ)
ولا بزمان.
يعني أن أنواع الفدية ثلاثة: إمّا إطعام ستة مساكين مدين مدين، أو صيام ثلاثة أيام ولو أيام منى أو ذبح شاة تجزئ أضحية وهي على التخيير، أي ولك أن تختار واحداً من أنواعها الثلاثة، ولا تختص الفدية بسائر أنواعها بمكان أو زمان إلا أن ينوي بالذبح الهدي فمحله حينئذ مكة أو منى بشروطها.
قال العلامة الدسوقي: فيجوز الصوم في أي زمان, كما يجوز في أي مكان, وكذا يجوز الإطعام في أي زمان وفي أي مكان, وكذا يجوز له ذبح الشاة وإعطاؤها للفقراء في أي زمان وفي أي مكان اهـ. وهل الأفضل طيب اللحم كالضحايا أو كثرته كالهدايا؟ الراجح الثاني.
ولا يجوز أكل الفدية, وإن أكل فعليه بدلها, ولو نوى بها الهدى على المشهور.
قال العلامة الشيخ خليل في منسكة: تنبيه: إذا فعل ما يوجب الفدية فإن كان لضرورة فالفدية واجبة ولا إثم, وإن كان لغير ضرورة فالفدية والإثم, وربما ارتكب بعض العامة شيئا من المحرم وقال أنا أفتدي, متوهما أنه بالفدية يتخلص من الإثم, وذلك خطأ صريح وجهل قبيح وهو كمن قال أشرب الخمر والحد يطهرني اهـ.
قال رحمه الله تعالى " وتعددت بتعدد موجبها لا يفعلها في فور أو مرض واحد " وفي نسخة بإسقاط أو مرض, والمعنى أن الفدية تتعدد بتعدد موجبها إلا أن يفعل موجبها في فور واحد أو في مرض واحد.
قال خليل: واتحدت إن ظن الإباحة أو تعدد موجبها بفور, أو نوى التكرار, أو قدم الثوب على السراويل اهـ. ومثله في أقرب المسالك.
وفي توضيح المناسك: فإن فعل موجبات الفدية بأن لبس وتطيب وحلق وقلم وأزال الوسخ وقتل القمل, فإن كان ذلك في وقت واحد أو متقارب ففدية واحدة, وإن كان ذلك في أوقات متباعدة تعددت الفدية.
ويقال مثل ذلك في الحفنة.
وكذلك تتحدد الفدية وإن تراخى الثاني عن الأول إن ظن الإباحة كالذي يطوف على غير وضوء في عمرته ناسيا ثم يسعى, ثم بعد أن تحلل من عمرته تبين فساد طوافه فاعتقد أنه خرج
من إحرامه ففعل سائر الممنوعات التي توجب الفدية فلا يلزمه إلا فدية واحدة, وأما إن يظن الإباحة جهلا محضا فإن الفدية تتعدد, وكذا يلزمه فدية واحدة إن أعتقد أن الإحرام يرتفض ويباح له فعل الممنوعات فرفضه, وفعل جميع ما يوجب الفدية, ومنه من أفسد إحرامه بالوطء, ثم فعل موجبات الفدية متأولا أن الإحرام تسقط حرمته بالفساد وكذا تتحد الفدية إذا كانت نيته أن يفعل جميع ما يحتاج اليه من موجبات الفدية ولم يخرج للأول قبل فعل الثاني وألا تعددت, وكذا تتحد الفدية إذا نوى التكرار وهو أن يلبس لعذر مثلا ثم يزول فيخلع ما لبسه وينوي عند خلعه أنه إن عاد إليه العذر عاد إلى اللبس أو يتداوى بدواء فيه طيب ينوى أنه كلما احتاج إلى الدواء فعله, ومحل النية من حين لبسه لأجل العذر إلى حين نزعه.
وأما من لبس ثوبا ثم نزعه ليلبس غيره, أو نزع ثوبه عند النوم ليلبسه إذا استيقظ فقال سند هذا فعل واحد متصل في العرف ولا تضره تفرقته في الحس اهـ. ثم انتقل يتكلم في تحريم الصيد فقال رحمه الله تعالى
فَصْلٌ
في الصيد وما يترتب فيه من الجزاء وعدمه
أي في بيان أحكام صيد المحرم، ومن في الحرم ولو لم يكن محرما، وما يتعلق بذلك من تحريم أكل ذبحه، ووجوب جزائه إن قتله.
قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] الآية دالة على منع الصيد مطلقا للمحرم ومن بالحرم، ثم خصصت الآية الثانية تحريم صيد البر دون البحر كما يأتي عن قريب.
ولذا قال رحمه الله تعالى: " يحرم على المحرم اصطياد جميع البري طائرا كان أو غيره " والبري بفتح الباء نسبة للبر ضد البحر، ويحل صيد البحر.
قال تبارك وتعالى في سورة المائدة: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ
وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] يعني يجوز صيد البحري للمحرم وغيره ولو في الحرم ويحرم صيد البري في الحرم ولو للحلال.
وأما إذا خرج الحلال المقيم بالحرم إلى الحل وأتى بصيد نفسه أو للحلال فإنه يجوز له وللمحرم أكله.
وحاصل ما في المقام: أن الحلال إذا خرج للحل وأتى بصيد منه وأدخله الحرم فيجوز له تملكه وذبحه, فإن كان من أهل الأفاق وجب عليه إرساله ولو أقام بمكة إقامة تقطع حكم السفر, فإنه ذبحه حرم عليه سواء ذبحه وهو بمكة أو خرج به عن الحرم, وإن كان أكله ولو بعد خروجه من الحرم دفع جزاءه سواء كان محرما أو حلالا.
أما الحرم فواضح, وأما الحلال فلأنه لما أدخله الحرم صار من صيد الحرم.
وإن كان من أهل مكة جاز له ذبحه وأكله ولو اشتراه من آفاقي صاده في الحل.
وفي حاشية الخرشي: أنه يجوز للحلال المقيم بالحرم ذبحه في الحرم, ويباح أكله ولو كان الصائد له محرما قد تعدى ووهبه للحل في الحرم.
وأما ما صيد بالحرم فلا يجوز ذبحه لساكن الحرم ولو كان الصائد حلالا اهـ.
قال رحمه الله تعالى " وقتله وأكله " معطوف على يحرم, يعني يحرم على المحرم ومن بالحرم قتل الصيد البري, وبقتله يلزمه جزاؤه, ولا يجوز أكله لأنه ميتة.
وحاصل المسألة أن من قتل حيوان البري لزمه الجزاء مثل ما قتل من النعم مطلقا باشر قتله بنفسه أو أمر غلامه بقتله, سواء قتله عمدا أو خطأ أو نسيانا, كان الصيد طائرا أو غيره مأكولا أو غير مأكول, وحشيا أو متأنسا, مملوكا لغيره أو مباحا, قتله المحرم في الحل أو في الحرم, وهو ميته لا يحل لأحد أكله اهـ وفي أقرب المسالك: وما صاده محرم أو صيد له, أو ذبحه أو أمر بذبحه, أو عليه فميتة كبيضه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " لا ما صاده حلال لغير محرم " فيجوز أكله كما تقدم.
قال الدردير وجاز أكل ما صاده حل لحل كإدخاله الحرم وذبحه به إن كان من ساكنيه, أي أنه
يجوز لسكان الحرم أن يخرجوا للحل فيصطادوا ويدخلوا بالصيد الحرم فيذبحوه به وهو يجوز أكله لكل أحد, بخلاف غيرهم إذا اصطادوا بالحل صيدا وخلوا به الحرم فيجب عليهم إرساله, فإن ذبحوه به فميتة اهـ ومثله في الخرشي.
وسئل مالك عما يوجد في لحوم الصيد على الطريق هل يبتاعه المحرم؟ فقال: أما ما كان من ذلك يعترض به الحاج ومن أجلهم صيد فإني أكرهه وأنهي عنه فأما أن يكون عند رجل لم يرد به المحرمين فوجده محرم فابتاعه فلا بأس به اهـ. وفي الحديث عن البهزي " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة وهو محرم, حتى إذا كان بالروحاء إذا حمار وحشي عقير, فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " دعوه فإنه يوشك أن يأتى صاحبه " فجاء البهزي وهو صاحبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار, فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه بين الرفاق " الحديث رواه مالك في الموطأ اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإن صاده أو أحرم وهو معه لزمه إرساله "يعني فإن صاد مريد الإحرام صيدا وأحرم بأحد النسكين, أو أحرم والصيد معه لزمه إرساله والمشهور أن ملكه يزول عنه بنفس الإحرام, وأنه يجب عليه إرساله فلو أرسله صاحبه فأخذه غيره قبل لحوقه بالوحش ولم يزل بيده حتى حل صاحبه ليس له أخذه ممن أخذة, وهو لا خذه, فلو لم يرسله صاحبه بل أبقاء بيده حتى حل لوجب عليه أن يرسله, فلو لم يرفع صاحبه يده عنه حتى مات فإنه يلزمه جزاؤه, وكذلك يلزمه جزاؤه إذا أبقاه بيده حتى حل ثم ذبحه قاله الخرشي اهـ. وقال الدردير: وزال به ـ أي بالإحرام ـ ملكه عنه فيرسله إن كان معه لا ببيته ولو أحرم منه أى من بيته, فلا يلزمه إرساله بإحرامه من بيته على المعتمد.
قال الصاوي: والفرق بين البيت والقفص أن القفص حامل له وينتقل بانتقاله, والبيت مرتحل عنه وغير مصاحب له اهـ. ومثله في الخرشي.
قال رحمه الله تعالى " فأن عطب لزمه جزاؤه كما لو نفره, أو تعلق
بحبالته, أو سقط في بئر احتفرها لسبع ونحوه ذلك " يعني أنه إذا مات الصيد بأي سبب من الأسباب الذي تسبب المحرم في موته كمناولة سقوط, أو إشارة, أو أفزعه فوقع في حفرة وهلك, أو نصب له شركا ومات به, أو جرحه, أو نتف ريشه ولم يتحقق سلامته فعليه الحزاء في كل واحدة من ذلك فإن بري ناقصا فلا جزاء عليه على المشهور.
وما ذكره من لزوم الجزاء بسبب هو المذهب.
قال خليل: وبسبب ولو اتفق كفزعه فمات, أي فيلزم الجزاء بذلك عند ابن القاسم كما في الخرشي.
ونصه: المشهور ـ وهو قول ابن القاسم في المدونة ـ أن الجزاء يلزم المحرم بالتسبب الاتفاقي, ومعناه أن المحرم لم يقصد قتل الصيد بوجه, وإنما اتفق أن الصيد رآه ففزع منه فعطف فمات فإنه يلزمه جزاؤه, لأنه من رؤيته, وكذلك يلزمه الجزاء إذا ركز رمحا فعطف فيه صيد اهـ.
قال رحمه الله تعالى " فإن أكله فجزاؤه واحدا " يعني إذا أكل المحرم أو من بالحرم شيئا مما حرم عليه أكله فلا يتكرر عليه الجزاء بأكله بل عليه جزاء واحدا, وغاية أمره أنه يستغفر الله بأكله الميتة إذ كان ذلك اختبارا, وإن كان لمخمصة فلا جناح عليه في ذلك.
وفي المواق: وما صاده المحرم فكالميتة لا يأكله حلال ولا حرام, ولو وداه ثم أكل من لحمه فلا جزاء عليه لما أكل كأكله الميتة.
وفيها: ما صاده المحرم فأذى جزاءه فلا يأكله, فإن أكل منه لم يكن عليه جزاء آخر لأنه لحم ميتة وما لا يحل اهـ. وإليه أشار خليل بقوله: لا في أكلها.
قال الخرشي: والمعنى أن المحرم إذا أكل من لحم صيد صاده, أو صيد له فأخرج جزاؤه فإنه لا يلزمه جزاؤه ثانيا إذا أكل منه ثانيا لأنه ميتة ولا يلزمه شيء لأكل الميتة على المشهور اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولو كسره وتركه مخوفا لزمه جزاؤه " وتقدم أنه إذا تسبب
في إيقاعه في المهالك بأي سبب كان ولم يتحقق سلامته لزم عليه الجزاء فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " فإن تلف فجزاءان لا إن برئ ولحق بالصيد " يعني إذا جرح المحرم الصيد, أو نتف ريشه, أو ضربه ضربا وجيعا مثلا وتركه مخوفا وشك في سلامته ودفع جزاؤه ثم تحقق موته فإنه يلزم عليه جزاء آخر إن تحقق تقدم الجزاء قبل موته وإلا فلا يتكرر, كما إن برئ ولحق بالوحش.
قال خليل: وكرر إن أخرج لشك ثم تحقق موته.
وقال الخرشي: قد علمت أن الجزاء لا يجب إلا بعد تحقق موت الصيد, فإذا جرح الصيد وغاب عنه ولم يعلم هل مات أم لا فأخرج جزاؤه على شك من موته ثم تحقق أنه مات بعد الإخراج فإنه يلزم أن يخرج جزاؤه ثانيا ولو كانت الرمية أنفذت مقاتله لأنه أخرج قبل الوجوب اهـ.
ثم ذكر رحمه الله تعالى كيفية الجزاء وأنواعه فقال " ثم الجزاء مثل الصيد من الأنعام أو ما يقاربه خلقة " يعني أن جزاء الصيد أحد الثلاثة على التخيير: إما مثل ما قتل من النعم وهو الإبل والبقر والغنم, أو ما يقارب الصيد خلقه, أو قيمته طعاما, أو عدل ذلك صياما.
ثم فسر الجزاء بقوله رحمه الله تعالى: " ففي النعامة بدنه " أي ففي قتل النعامة تلزمه بدنه تجزئ في الأضحية وإن عن صغيرة أو مريضة.
وكذلك إذا قتل
الزرافة تلزمه البدنة.
قال رحمه الله تعالى: " وفي الظبي شاة كحمام الحرم " يعنى تلزم في قتل الظبي والضبع والثعلب شاه, كما تلزم شاة تجزئ في الأضحية بقتل حمام الحرم.
قال الدردير: وفي الضبع والثعلب شاة كحمام مكة والحرم ويمامة بلا حكم اهـ. قوله بلا حكم راجع إلى ما بعد الكاف.
وأما الظبي والثعلب فلا بد لهما من الحكم.
وقد ورد في الموطأ أن عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف, رضي الله عنهما, حكما على رجل أصاب ظبيا بعنز.
وأما ما لا مثل له كضب وأرنب
ويربوع وحمام الحل ويمامه وسائر الطيور فحكومة بأن يحكمها على القاتل بإطعام أو صيام كما يأتي عن المصنف.
قال رحمه الله تعالى: " وفي حمام الحل حكومة " وتقدم أن حمام الحرم فيه شاة.
وأما حمام الحل ويمامه ففيه حكومة.
قال في إيضاح المناسك: وأما صيد الحمام واليمام بالحرم فلا تخيير في جزائه, بل يجب على الصائد في الواحدة شاة كالهدي بلا حكم فإن لم يجدها صام عشرة أيام.
وإنما خرج حمام الحرم عن الحكومة التي هي الأصل في الجزاء لقضاء سيدنا عثمان فيه بالشاة.
قال رحمه الله تعالى: " وفي حمار الوحش بقرة كالإبل " يعني وفي قتل حمار الوحش وبقره بقرة إنسية, وتقدم أن في قتل الزرافة بدنة.
والزرافة هي إبل الوحش.
وفي توضيح المناسك: فأما جزاء الصيد فهو على التخيير, وصفه التخيير أن يحكم القاتل حكمين عدلين فقيهن فيخيرانه بين أنواع الجزاء الثلاث: إما أن يخرج مثل ما قتل من الصيد أو ما قاربه, فمثل بقر الوحش وحماره بقرة, والنعامة بدنة, والفيل بدنة خراسانية ذات سنامين لقرب الفيل من خلقتها, والضبع والثعلب شاة.
وأما ما صيد بمكة والحرم من الحمام واليمام وإن لم يتولد فيهما فإن قتل شيئا من ذلك والحال أنه بالحرم لزمه في كل واحدة شاة بلا حكم.
فإن لم يجدها صام عشرة أيام.
وأما إن كان بالحل فإنه يخير بين قيمته طعاما والصوم, كبقية الطير مطلقا سواء كان في الحل أو الحرم فإنه يخير بين الإطعام والصوم.
ويخير أيضا بين الإطعام والصوم في الضب والأرنب واليربوع اهـ هذا كالتلخيص لما تقدم
ثم قال رحمه الله تعالى: " أو قيمه الصيد حيا طعاما يطعمه المساكين مدا مدا, والكسر مسكينا ولا يلزمه تكميله ـ بل يندب ـ أو يصوم عن كل مد أو كسره يوما يحكم به ذوا عدل " يعنى كما في توضيح المناسك: وإما أن يخرج قيمة الصيد طعاما وذلك بأن يقال كم يساوى هذا الصيد من الطعام بمحل تلفه, فيقال كذا وكذا كمائه
مد فتدفع لفقراء محل التلف, فإن لم يكن للصيد قيمة في محل تلفه قوم بأقرب مكان له قيمة فيه, وكذا إن لم يكن بمحل التلف فقراء فإن الطعام
المقوم به يدفع إلى فقراء أقرب مكان إلى موضع التلف، لكل مسكين مد بمده صلى الله عليه وسلم، ولا يجزئ التقويم ولا الإطعام بغير محل التلف أو القريب منه، ولا يجزئ زائد ولا ناقص عن مد لمسكين، وإما أن يصوم أياما بعدد الأمداد، وكمل لكسر المد يوما كاملا وجوبا لأن الصيام لا يتبعض.
أما إذا اختار الإطعام فإنه يندب له تكميل المنكسر وبعد أن يخيره الحكمان بين هذه الأنواع الثلاثة، فإذا اختار أحدها حكما عليه به، ثم بعد ذلك له أن يتنقل عما حكما به عليه إلى غيره من الأنواع إلا أن يلتزم ما حكما به عليه فقولان، والراجح أن له الانتقال، إن عرف ما حكما به والتزمه اهـ. قال مالك رحمه الله: أحسن ما سمعت في الذي يقتل الصيد فيحكم عليه في أن يقوم الصيد الذي أصاب فينظر كم ثمنه من الطعام فيطعم كل مسكين مدا، أو يصوم مكان كل مد يوما، وينظر كم عدة المساكين فإن كانوا عشرة صام عشرة أيام، وإن كانوا عشرين مسكينا صام عشرين يوما عددهم ما كانوا وإن كانوا أكثر من ستين مسكينا اهـ الموطأ.
قال رحمه الله تعالى: " وفيما لا مثل له إطعام أو صيام، وصغير الصيد ككبيره " وقد تقدم الكلام فيما لا مثل له من الصيد كضب وأرنب وقنفذ ويربوع وغيرها فراجعه إن شئت.
وأما الصيد الذي له المثل الصغير منه والكبير والمعيب والسليم المأكول وغيره سواء في لزوم الجزاء في ذلك كالدية.
قال رحمه الله تعالى: " وفي البيضة عشر ما في أمها " يعني كما في توضيح المناسك قال: إن كسر بيض الصيد، أو أنزله ناقصا، أو ضرب صيدا فألقى جنينا ميتا، ففي كل واحدة من البيض والجنين عشر دية الأم، والمراد بدية الأم قيمتها من الطعام أو عدله صياما، أي خير بين عشر قيمة أمه من الطعام وبين عدل ذلك صياما، بأن يصوم مكان كل مد يوما، وذلك فيما في جزاء أمه طعام، وهو غير حمام
الحرم ويمامه كما تقدم، وأما إن لم يكن في جزاء أمه طعام كالحمام واليمام إذا صيد بالحرم فإنه يلزم في جنينهما وبيضهما عشر قيمة الشاة طعاما، وهذا هو المراد بدية الأم هنا، فإن عجز عن عشر قيمة الشاة صام يوما.
والمراد بالبيض غير المذر، وأما هو فلا شيء في كسره.
وما ذكر في الجنين محله إن لم يستهل، فإن استهل فجزاؤه كأمه، ويندرج في أمه إن ألقته ميتا وهي ميتة.
والاستهلال هنا كناية عن تحقق الحياة.
وظاهر قول الشيخ خليل: والبيض أن فيه العشر من غير حكومة، كان بيض حمام أو غيره.
وذكر سند أنه لا بد من حكم عدلين في البيض ولو كان بيض حمام الحرم.
قال لأنه من باب الصيد والصيد لا بد فيه من حكمين اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى مخبرا بما استثناه الشارع، أي ما يباح قتله شرعا في
الحل والحرم بقوله: " ويجوز قتل ما يخاف كالسباع، والحية، والعقرب، والزنبور, والفأرة, والحدأة, والأبقع, ودفع الصائل " يعني أنه يستثنى مما حرم قتله من الصيد ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور " اهـ رواه مسلم كما في الموطأ, قال شارحه: فنبه بالخمس على خمسه أنواع من الفسق: فنبه بالغراب على ما يجانسه من سباع الطير, وكذا بالحدأة وبالعقرب على كل ما يلسع كالحية والزنبور, وبالفأرة على ما يجانسها من هوام المنزل المؤذية, وبالكلب العقور على كل مفترس اهـ. وقال العلامة المحقق الشيخ حسين بن إبراهيم في توضيح المناسك: ويستثنى من ذلك أيضا الغراب والحدأة إن كبرا, وفي صغيرهما خلاف, والفأرة والعقرب والحية وابن عرس فيقتلهن المحرم والحلال في الحل والحرم وإن لم تبدأ بالأذى, وصغيرها ككبيرها, وكذا عادي السباع كالأسد والنمر والذئب ونحوها إن كبرت, ويكره قتل صغارها, فإن قتلت فلا جزاء في قتلها, وأما الكلب الإنسي فيجوز قتله في الإحرام وغيره ولا شيء في قتله.
وفي حاشية الخرشي: بل يندب قتله على المشهور.
وكذا لا يجوز للحلال في الحرم قتل الوزغ, ويكره قتله للمحرم وعليه جزاؤه وهو إطعام حفنة.
وفي حاشية الخرشي: المراد بالكراهة الحرمة.
وفي الدسوقي: وقد يقال الإطعام في قتله على جهة للندب فلا ينافي أن الكراهة على بابها للتنزيه.
ومثله في المجموع.
ولا يقتل سباع الطير إلا أن تبدأ بالأذى.
ويجوز قتل الزنبور وهو ذكر النحل، وإذا رأى الصيد معرضا للتلف فلا يجب عليه تخليصه، ويجوز للمحرم في الحل وفي الحرم ذبح ستة للأكل: الإبل، والبقر، والغنم ومن الطير البط والأوز.
والدجاج اهـ.
قوله والأبقع لأنه مذكور في الحديث وهو الغراب الذي فيه بياض وسواد.
وقوله ودفع الصائل يعني مما يجوز قتله في الحل والحرم، بل يجب قتل كل مؤذ.
والصائل هو الذي يصول ويعدو على الإنسان سواء آدميا كالمحارب، أو غيره كالكلب العقور، وهو كل ما يعقر الناس ويعدو عليهم كالأسد ونحوه كما في الموطأ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا يحل صيد الحرم لحلال ولا لمحرم ولو رماه من الحل " يعني لا يجوز لأحد من المسلمين أن يقتل الصيد في الحرم لا لمحرم ولا لحلال، كما لا يجوز أكله وعليه جزاؤه، ولو كان الصائد من الحل والصيد في الحرم لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] الآية، كما تقدم.
ثم ذكر مسألة من المسائل التي فيها اختلاف كمسألة الدلالة على الصيد
وتفزيعه، أو سقوطه في بئر حفرها لماء فعطب فيها الصيد، ومنها هذه.
قال رحمه الله تعالى: " وفي العكس خلاف كفرع شجرة الحل في الحرم وبالعكس " يعني إذا كان الصائد بالحرم ورمى الصيد في الحل ففيه خلاف، وأما لو كان الصائد بالحل ورمى الصيد في الحرم فلا خلاف في تحريمه ووجوب جزائه.
وإن رماه على الغصن والأصل في أحدهما هل عليه الجزاء ولا يؤكل؟ أم يؤكل ولا جزاء؟ أم الجزاء على المحرم دون الحلال في الحل؟ في ذلك
خلاف، فقال أبو البركات الشيخ أحمد الدردير في أقرب المسالك: والجزاء بقتله مطلقا ولو برمي من الحرم، أو له أو مرور سهم بالحرم، أو كلب تعين طريقه، أو إرساله بقربه فأدخله وقتله خارجه، أو على كسبع أو نصب شرك له اهـ. قال خليل: ورمي منه أو له.
وقال الخرشي: أي من رمى من الحرم صيدا في الحل فقتله فعليه الجزاء ولا يؤكل على المشهور نظرا لابتداء الرمية، وكذلك لا يؤكل الصيد اتفاقا وعليه أنه قتل صيدا في الحرم ولو أصابه في الحل فلا شيء عليه سواء قرب من الحرم أو بعد على المشهور اهـ.
وقال المواق نقلا عن المدونة: ومن رمى صيدا في الحرم من الحل، أو في الحل من الحرم فقتله فعليه الجزاء.
وقال الباجي عند قول خليل كسهم مر بالحرم: أي ومن رمى من الحل صيدا في الحل إلا أن سهمه يمر على الحرم، فقال ابن القاسم: لا يأكله وعليه جزاؤه اهـ. هذه المسألة من المسائل ذوات الخلاف كما تقدم.
قال خليل: ورميه على فرع أصله بالحرم، أو بحل وتحامل فمات به إن أنفذ مقتله، وكذا إن لم ينفذ على المختار اهـ. وقال الخرشي: المشهور أيضا أنه لا جزاء في هذه الصورة، وهي شجرة ثابتة أصلها بالحرم ومنها فرع في الحل وعليه طائر فرماه الحلال بسهمه فقتله، لأنه في الحل وهو مذهب المدونة.
وقال الأبي: إذا كان الفرع خارجا عن حد الحرم يؤكل ولا جزاء.
قال العدوي في الحاشية: أي وهو خارج عن جدار الحرم ويؤكل.
وأما لو كان الفرع مسامتا لجدار الحرم والطير فوقه فالظاهر أن فيه الجزاء كما لو كان الطير على الجدار نفسه، أو على غصن بالحرم وأصله في الحل، وأولى في الحرمة والجزاء وعدم الأكل إذا كان الغصن والأصل في الحرم اهـ. انظر شراح خليل والله أعلم تنبيه: اعلم أنه لم يذكر المصنف رحمه الله حكم قتل المحرم الجراد إلا عموم قوله يحرم على المحرم اصطياد جميع الصيد البري طائرا كان أو غيره.
ونحن نذكر شيئا من ذلك فأقول كما قال الدردير: ولا شيء في الجراد إن عم واجتهد، وإلا فقيمته طعاما بالاجتهاد إن كثر، وفي الواحدة لعشرة حفنة، كتقريد البعير
والدود والنمل ونحوهما قبضة من طعام
من غير تفصيل بين قليله وكثيره اهـ. قال في توضيح المناسك: ولا شيء في جراد عم ولم يتحرز من إصابته، وأما إذا لم يعم أو عم ولم يتحرز من إصابته ففي الواحدة منه إلى العشرة حفنة، وفيما زاد على العشرة قيمته طعاما سواء قتله عمدا أو نسيانا أو انقلب عليه في نوم، ومتى قلنا بجواز قتل المحرم لحيوان بري فشرط الجواز أن ينوي بقتله دفع أذيته أو لا نية له.
ولا يجوز له أن يقتله بنية تذكيته فإن وقع ونزل حرم عليه ذلك، وفي الجزاء نظر، والأظهر عدمه اهـ.
ثم انتقل إلى بيان حكم قطع الشجرة فقال رحمه الله تعالى: " ولا يجوز قطع شجره " أي لا يجوز للمحرم وغيره قطع شجر الحرم أو نباته الذي شأنه أن ينبت بنفسه إلا ما استثني منها لضرورة كما يأتي عن قريب.
قال رحمه الله تعالى: " وكره الاحتشاش " أي في الحرم، وهو قول مالك في المدونة وغيرها أنه كره الاحتشاش في الحرم لمحرم أو حلال خيفة قتل الدواب، وكذلك للمحرم في الحال قال - أي الإمام - فإن سلموا من قتل الدواب فلا شيء عليهم، وأكره لهم ذلك.
حمل أبو الحسن وسند الكراهة على بابها، وحمل ابن عبد السلام الكراهة في هذا على التحريم، قال أبو الحسن: أما لو تيقن قتل الدواب في الاحتشاش لمنع اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " بخلاف الرعي وقطع الإذخر والسنا وما غرس " يعني قد استثنوا من حرمة قطع الشجر أشياء مما ذكروه لحاجة الناس إليه.
قال في توضيح المناسك: وحرم قطع ما ينبت في الحرم بنفسه ولو استنبت إلا الإذخر والسنا والسواك والعصا، وقطع الشجر للبناء والسكنى بموضعه، وقطعه لإصلاح الحوائط والبساتين، والهش وهو تحريك الشجر بالمحجن ليقع الورق ولا يخبط ولا يكسر، ويجوز قطع ما شأنه أن يستنبت وإن نبت بنفسه كخس وحنطة وبطيخ، ويجوز أن يرعى دوابه في الحرمين الشريفين في الشجر والحشيش اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وحرم المدينة كحرم مكة، وفي جزاء صيده خلاف " يعني أن حرم المدينة المنورة بأنوار ساكنها عليه أفضل الصلاة والسلام كحرم مكة المكرمة، إلا أن صيدها اختلف فيه هل فيه الجزاء أم لا.
المشهور في المذهب عدم الجزاء.
وفي إيضاح المناسك نقلا عن توضيحها وحد الحرم المدني الذي يحرم فيه الصيد ما بين الحرار الأربع، والمدينة داخله في حريم الصيد، ولا جزاء في صيد المدينة على مشهور المذهب.
وأما حرمها الذي يحرم فيه قطع الشجر فهو بريد 1 من كل جهة مبدؤه من سورها الآن الذي هو طرف بيوتها
القديمة التي كانت في زمنه صلى الله عليه وسلم، فما كان خارجا عن سورها من البيوت يحرم قطع ما ينبت به، ولا يحرم قطع الأشجار التي بالمدينة، ويحرم نقل أجزاء الحرمين فإن وقع ففي وجوب رده إلى موضعه خلاف اهـ. قوله ويحرم نقل أجزاء الحرمين أي من الأحجار والأشجار والأغصان والكيزان المعمولة من ترابهما والأباريق ونحوها.
كذا في كبير الخرشي اهـ.
وحد الحرم المكي الذي يحرم فيه الصيد وقطع الأشجار من جهة المدينة أربعة أميال.
والمبدأ من الكعبة والانتهاء للتنعيم المسمى الآن بمساجد عائشة، والعوام يسمونه عمرة، ومن جهة العراق ثمانية أميال للمقطع وهو اسم مكان، ومن جهة عرفة تسعة أميال إلى حد عرفة، ومن جهة الجعرانة تسعة أميال أيضا إلى موضع سماه التادلي شعب آل عبد الله بن خالد، ومن جهة جدة عشرة أميال لآخر الحديبية، فهي داخلة، بخلاف اهـ. قاله في توضيح المناسك.
وقال ابن مؤلفها العلامة محمد عابد في حاشيته نقلا عن حاشية الخرشي: أول من نصب الحدود للحرم سيدنا إبراهيم عليه السلام، ثم قصي، وقيل إسماعيل، ثم قصي ثم قريش بعد قلعهم لها، ثم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عام الفتح، ثم عمر بن الخطاب، ثم
عثمان بن عفان، ثم معاوية، ثم عبد الملك بن مروان، ثم المهدي العباسي.
وهؤلاء أظهروا ما حدده سيدنا إبراهيم بعد درسه لا أنهم أحدثوا حدودا من عند أنفسهم اهـ مع زيادة من الحطاب على منسك خليل.
ثم اعلم أنه لا جزاء عندنا في قطع شجر الحرم، بل يجب على من قطعه الاستغفار كعقد المكاح.
قال مالك في الموطأ: ليس على المحرم فيما قطع من الشجر في الحرم شيء، ولم يبلغنا أن أحدا حكم عليه فيه بشيء وبئس ما صنع اهـ وقال ابن جزي في القوانين: ولا يقطع شيئا من شجر الحرم يبس أم لا، فإن فعل استغفر الله ولا شيء عليه.
وقال الشافعي: في الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة اهـ.
ثم انتقل يتكلم على دماء الحج فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في دماء الحج مطلقا وسن الهدي وغيره مما يجزئ وما لا يجزئ
أي في بيان أحكام دماء الحج والعمرة أو غيرهما كالنذر، أما دماء الحج فهي على ثلاثة أنواع: الهدي والفدية وجزاء الصيد.
قال رحمه الله تعالى: " دماء الحج كلها هدي إلا نسك الأذى " يعني أن دماء الحج كلها تسمى هديا إلا ما استثنى منها
فهي فدية الأذى وجزاء الصيد، فكل منهما يختص بأحكام وشروط تأتي بمحلها إن شاء الله تعالى.
قال خليل: وغير الفدية والصيد مرتب هدي، ثم ذكر مراتب الدماء فقال رحمه الله تعالى: " وأعلاه بدنة وأدناه شاة " يعني الأفضل ما يهدى به من الأنعام البدنة لكثرة لحمها.
قال الصاوي: لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر هداياه الإبل، نحر في حجة الوداع مائة باشر منها ثلاثا وستين، ونحر علي سبعا وثلاثين.
ويؤخذ من هذا الحديث أن مباشرة النحر بيده أفضل إلا للضرورة فيستنيب المسلم، لأن الكافر لا مدخل له في القرب، عكس الضحايا فإن الأفضل فيها الضأن لأنه صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين اهـ. قال خليل:
وندب إبل فبقر، قال الخرشي: قد علمت السلام كان أكثر هداياه الإبل.
وضحى بكبشين ثم البقر، ثم الغنم لأن الأفضل في باب الهدايا كثرة اللحم، عكس باب الضحايا اهـ. وفي الرسالة: وأما في الهدايا فالإبل أفضل، ثم البقر، ثم الضأن، ثم المعز.
وفي توضيح المناسك: ويستحب في الهدي واجبا كان أو تطوعا كونه من الإبل، ثم من البقر، ثم من الضأن، ثم من المعز، وكونه ذكرا وفحلا إن لم يكن الخصي أسمن، وكونه سمينا وأبيض وأقرن اهـ. وسيأتي في الضحايا أنه عليه السلام: " ضحى بكبش أقرن يطأ في سواد، ويبرك في سواد وينظر في سواد.
زاد النسائي: ويأكل في سواد " رواه مسلم وغيره اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وتقليده تعليق نعل في عنقه، وإشعاره شق صفحة سنامه اليسرى " وفي الموطأ عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا أهدى هديا من المينة قلده وأشعره بذي الحليفة، يقلده قبل أن يشعره، وذلك في مكان واحد وهو متوجه إلى القبلة، يقلده بنعلين، ويشعره من الشق الأيسر ثم يساق معه حتى يقف به مع الناس بعرفة، ثم يدفع به معهم إذا دفعوا، فإذا قدم منى غداة النحر نحره قبل أن يحلق أو يقصر، وكان هو ينحر هديه بيده يصفهن قياما ويوجههن إلى القبلة ثم يأكل ويطعم اهـ. وقد تقدم الكلام في التقليد والإشعار في فصل أركان الحج عند قوله: " فمن يريد الإحرام إذا أتى الميقات إن كان معه هدي قلده وأشعره " فراجعه إن شئت.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وهو في السلامة والسن كالأضحية " يعني كما قال خليل: وسن الجميع وعيبه كالضحية.
والمعتبر حين وجوبه وتقليده قال الشارح: والمعنى أن سن جميع دماء الحج من إبل وبقر وغنم: نسك، أو جزاء، أو هدي عن نقص أو نذر، أو تطوع.
وعيبه مما يجزئ معه وما لا يجزئ
كالأضحية الآتية في بابها.
والمعتبر في مساواة الدماء بالضحايا في السن والعيب إنما هو من حين وجوبه وتقليده, لا يوم نحره
على المشهور اهـ. في توضيح المناسك: ويشترط فيه ـ أي في الهدي ـ سواء كان واجبا أو تطوعا من السن والسلامة من العيب ما يشترط في الأضحية.
فالسن إن كان من الإبل أن يكون ابن خمس سنين ودخل في السادسة, وإن كان من البقر أن يكون ابن ثلاث سنين ودخل في الرابعة, وإن كان من الضأن أن يكون ابن سنه ودخل في الثانية أي دخول, فلو ولد الضأن يوم عرفة في العام الماضي كفى ذبحه يوم النحر, وأن كان من المعز أن يكون ابن سنة ودخل في الثانية دخولا بينا كشهر.
والسلامة من العيوب أن لا يكون مكسور القرن يدمى, وأما إن برئ فيجزئ, وأن لا يكون دائم الجنون بأن كان لا يهتدي معه لما ينفعه ولا يتجنب ما يضره, وأن لا يكون بين المرض والجرب والبشم والهزال والعرج والعور, وأما خفيف ما ذكر فيجزئ.
والمراد بالبشم التخمة.
والمراد بين العور ذاهب بصر إحدى العينين, ولو كانت صورة العين قائمة.
وكذا ذاهب أكثره, فإن كان بالعين بياض لا يمنع البصر أجزأ وأن لا يكون أبتر لا ذنب له ولا أبكم أي فاقد الصوت, ولا أبخر ولا يابس الضرع جميعه, فإن أرضعت الشاة ببعضه فلا يضر.
ولا مشقوق أكثر من ثلث الأذن.
ولا مكسور أكثر من سن إن كان لغير إثغار أو كبر, والواحدة لا تمنع الإجزاء على الأصح.
ولا ذاهب ثلث الذنب ولا نصفه الأذى.
ولا ناقص شيء من الأعضاء إلا إن كانت الخصية فلا يمنع الإجزاء.
وأن لا يكون صغير الأذنين صغرا فاحشا, وأن لا تكون أمه وحشية وأبوه من الأنعام باتفاق.
وكذلك إن كان أبوه وحشيا وأمه من الأنعام على المعتمد.
والمعتبر في سلامته من العيوب المذكورة وقت التقليد والإشعار والتعيين, فلو كان سالما وقت تعيينه ثم طرأ عليه عيب أجزأ سواء كان واجبا وتطوعا على المذهب.
ولو عين الهدى وهو معيب ثم سلم لم يجزه اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فيوقفه بعرفة وينحره بمنى وما لم يوقف منحره مكة, وسبيل ولدها سبيلها " يعنى يجب أن يقف به بعرفة وينحره بمنى إن ساقه
في الحج, وإن لم يوقف بعرفة فمحل ذبحه مكة.
قال في الرسالة: فمن قرن أو تمتع من غير أهل مكة فعليه هدى يذبحه أو ينحره بمنى إن أوقفه بعرفه, وإن لم يوقفه بعرفة فلينحره بمكة بالمروة بعد أن يدخل به من الحل, فإن لم يجد هديا فصيام ثلاثة أيام في الحج, يعني من وقت أن يحرم ألي يوم عرفة فإن فاته ذلك صام أيام منى وسبعة إذا اهـ. وقال خليل عاطفا على المندوبات: ووقوفه به المواقف, والنحر بمنى إن كان في حج ووقف به هو أو نائبه, كهو بأيامها وإلا فمكة.
قال
الحطاب: الاستحباب راجع لإيقافه جميع المواقف, وليس المراد أن إيقافه في كل موقف مستحب لأن إيقافه بعرفه شرط في ذبحه بمنى.
وقال ابن هارون نقلا عن التوضيح: وأما اشتراط كون الوقوف بالهدى ليلا فلا أعلم في ذلك خلافا.
لأن كل من اشترط الوقوف بعرفه جعل حكمه حكم ربه فيما يجزى من الوقوف اهـ. قال في توضيح المناسك: ويستحب إحضار الهدي المشاعر كالمشعر الحرام ومنى وعرفة ألا منحور منى فإحضاره عرفة واجب.
ثم قال: اعلم أن الهدى مطلقا كان لنقص في حج أو عمرة, أو تطوعا لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم, فلا يجزئ ما اشترى بمنى وذبح بها لأن من الحرم.
وكل هدي استوفى شروطا ثلاثة يجب ذبحه بمنى على الراجح.
وقيل يندب.
والوجوب ليس شرطا فيصح ذبحه بمكة مع الشروط: الشرط الأول أن يساق الهدى في إحرام حج, الثاني أن يقف به هو أو نائبه جزءا من الليل بعرفه, فلا يكفى وقوف التجار به, إلا إذا اشتراه منهم ووكلهم في الوقوف به, الثالث أن يكون ذبح الهدى أو نحره في يوم النحر أو تالييه, فإن فقدت هذه الشروط أو بعضها وجب ذبحه بمكة, والأفضل بمكة المروة, ومكة كلها منحر, ولا يجزئ ذبحه بمنى حينئذ, والأفضل بمنى عند جمرة العقبة, ولا يجوز النحر دونها مما يلي مكة لأنه ليس من منى اهـ مع طرف من الدسوقي.
قوله: وسبيل ولدها سبيلها يعنى إذا ولدت الهدى ولدا فسبيل ولدها سبيل الأم يجب نحره معها حيث نحرت, هذا إذا ولدته بعد التقليد
والأشعار, وأما لو ولدته قبل ذلك فحمله ونحره معها مندوب إن أمكن, وإلا فحكمه كهدى التطوع إذا عطبت قبل محلها من أنها تنحر ويترك بينها وبين الناس يأكلون, ولا يأكل هو, فإن أكل منها شيئا ضمن بدله.
قال خليل: وحمل الولد على غير إلخ قال الخرشي: يعني أن الإنسان إذا أهدى بدنه وقلدها وأشعرها ثم ولدت فإنه يلزمه أن يحمل ولدها وجوبا معها ألي مكة, إذ لا محل له دون البيت, فإن لم يجد غيرها يحمله عليه على أمه إن كان فيها قوة, وإن نحره دون البيت وهو قادر على تبليغه هدى بدله, فإن لم يمكن حمله عليها لعجزها عن ذلك إما لضعفها أو لخوف موتها فإنه يتركه من يحفظه حتى يشتد, فإن لم يمكن تركه عند من يحفظه بأن كان في فلاة من الأرض مثلا فإنه يصير حكمه كهدي التطوع, وإن كانت من الهدى الواجب.
قاله عبد الملك اهـ.
ثم انتقل في بيان ما تقدم من الترتيب في الهدي بعد العجز عن الذبح فقال رحمه الله تعالى " فمن عدمه صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع " تلك عشرة كاملة كما في الآية.
في المدونة إنما يجوز الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إن لم يجد هديا صام قبل يوم النحر ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع, فإن لم
يصمها قبل يوم النحر صامها أيام التشريق يفطر يوم النحر الأول ويصومها فيما بعد يوم النحر, فإن لم يصمها في أيام التشريق فليصمها بعد ذلك إذا كان معسرا اهـ. وإلى ما تقدم أشار رحمه الله تعالى بقوله: " ويجوز قبل رجوعه " يعني يجوز لمن عدم الهدى وفاته صيام الثلاثة قبل الوقوف أن يصوم ثلاثة أيام بمنى, أو بمكة قبل رجوعه إلى مكة أو إلى بلده, ويصوم السبعة حيث شاء.
هذا إذا حصل موجب الهدى قبل الوقوف.
أما إذا حصل بعد الوقوف بعرفة فإنه إذا لم يجد هديا صام عشرة أيام حيث شاء, ويستحب تتابعها.
وإن قدر على الهدى قبل أن يصوم وجب الرجوع إلى الأصل وهو الهدى, فلا يجزيه الصيام حينئذ فتأمل.
وقال في توضيح المناسك:
وما ذكر من صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع محله إذا تقدم النقص على وقوفه كدم التمتع, والقران, وترك التلبية, وتعدي الميقات.
وتأخير الثلاثة أو بعضها لغير عذر إلي أيام منى مكروه على المعتمد, فيصوم الأيام الثلاثة التي بعد يوم النحر, وهى أيام التشريق, وإن حرم صوم ثاني النحر وثالثه في غير هذا.
وكره صوم رابعة تطوعا.
فإن لم يصمها وأخرها ولو عمدا صامها متى شاء, وصلها بالسبعة أولا.,وأما إذا تأخر النقص عن الوقوف بعرفة كترك النزول بالمزدلفة, وترك رمى الجمار أو المبيت بمنى, فإنه يصوم العشرة متى شاء اهـ.
قال رحمه الله تعالى:" والمعتمر يتطوع به, ثم يصير قارنا يلزمه آخر لقرانه " وما ذكره من إلزامه هديا آخر خلافا لما في خليل ونصه: وإن أردف لخوف فوات أو لحيض أجزأ التطوع لقرانه.
قال الخرشي: المشهور أن الهدى يجب بالتقليد أو الإشعار, أحرم الإنسان بعمرة وساق معه هديا تطوعا وقد قلده أو أشعره ثم خاف إن تشاغل بعمل العمرة فاته الحج, أو حاضت وخافت فوات الحج فإنهما يردفان الحج على العمرة ويصير كل منهما قارنا ويجزئه هذا الهدى الذي قلده أو أشعر قبل الإرداف عن دم القران.
وهدي التطوع هو ما سيق لغير شيء وجب أو يجب في المستقبل اهـ. وقال في توضيح المناسك: إن ساق هدي التطوع في إحرام العمرة ثم أردف عليها الحج, أو حج متمتعا أجزأ عن القران والتمتع, ولو وجب بالتقليد والإشعار اهـ خلافا لما قال المصنف من أنه يلزمه هدي آخر لقرانه.
لكن في الحطاب ما يؤيده.
والله أعلم بالصواب اهـ.
ثم انتقل يتكلم في بيان ما يتعلق بجواز الأكل وما لا يجوز أكله, فقال رحمه الله تعالى: " ويجوز الأكل منه " أي من كل هدى ترتب عن نقص أي بترك الواجب في حج وعمرة ونحو ذلك, كهدى الفساد, أو الفوات, أو المذي, أو التمتع والقران, وكهدى التطوع بلغ المحل.
وقال في توضيح المناسك: تنبيه يجوز
لرب هدي التمتع والقران
ونحوهما الأكل منه قبل المحل لأنه يلزمه بدله, ويجوز له الأكل بعده, والتزود وإطعام الغنى والقريب, والتصدق والإهداء بالكل والبعض بلا حد.
وكره أكله كله.
ثم ذكر ما استثني عن أكله فقال رحمه الله تعالى: " إلا جزاء الصيد, وفديه الأذى, ونذر المساكين, وهدى التطوع يعطف قبل محله " يعني يحرم عليه أكل ما استثنى من جزاء الصيد وما عطف عليه.
قال في الرسالة: ولا يأكل من فدية الأذى, وجزاء الصيد, ونذر المساكين, وما عطب من هدى التطوع قبل محله.
ويأكل مما سوى ذلك إن شاء اهـ. وقال الدردير في اقرب المسالك: ولا يؤكل من نذر مساكين عين ولو لم يبلغ الحل كهدى تطوع نواه لهم وفديه, كنذر لم يعين وجزاء صيد, وفديه نوى بها الهدى بعد المحل, وهدى تطوع عطب قبله, ويأكل مما سوى ذلك مطلقا واه إطعام الغنى والقريب.
ورسوله كهو.
والخطام والجلال كاللحم فإن أكل ربه من الممنوع أو أمر غير مستحق ضمن بدله إلا نذر مساكين عين فقدر أكله اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومن أكل مما ليس له أكله ضمن.
وهل لحما أو قيمة قولان " قال العلامة الصاوي في حاشيته على الدردير: الحاصل أن رب الهدي الممنوع من الأكل منه إن أكل لزمه هدي كامل إلا في نذر المساكين المعين، إذا أكل منه فقولان في قدر اللازم له، وإن أمر أحدا بالأكل فإن أمر غنيا لزمه هدي كامل إلا في نذر المساكين المعين فلا يلزمه إلا قدر أكله فقط.
ويحتمل أن يجري فيه القولان الجاريان في أكله هو.
وأما الرسول فإن أمر غير مستحق أو أكل وهو غير مستحق فإنه يضمن قدر ما أمر به أو أكله فقط في جميع الممنوع منه، وإلا فلا ضمان.
هذا هو الصواب اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يركب ولا يحمل عليه إلا لضرورة فإذا زالت بادر إلى النزول والحط عنه " يعني أن المطلوب في الهدي عدم ركوبها إلا لضرورة.
قال خليل: وندب عدم ركوبها بلا عذر.
قال الخرشي: يعني أن الهدي يندب لصاحبه
عدم ركوبه إذا كان لا عذر له ولا يحمل عليها زاده ولا شيئا يتبعها، وأما مع العذر فإنه يجوز له أن يركبها، فلو تلفت في هذه الحالة فإنه لا شيء عليه، وإذا ركبها لغير عذر وتلفت ضمنها.
وقال ابن عبد السلام: ركوب الهدي لضرورة جائز، ولغير ضرورة المشهور كراهته، والقول الثاني جوازه ما لم يكن ركوبا فادحا اهـ الحطاب.
والدليل على جواز ركوبها ما في الحديث عن أبي هريرة: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة مقلدة فقال: اركبها، فقال يا رسول الله إنها
بدنه فقال اركبها " وفي راوية لمسلم " ويلك اركبها, ويلك اركبها " وفي أخرى للبخاري أى من رواية عكرمة قال الراوي " فلقد رايته راكبها يساير النبي صلى الله عليه وسلم والنعل في عنقها " اهـ وعن مالك: لا يلزمه النزول بعد الراحة.
وإذا نزل لحاجه أو لليل لم يركبها أيضا حتى يحتاج إلى ذلك كأول مرة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا تجوز الشركة في الهدي " يعني كما في الموطأ عن مالك أنه سمع بعض أهل العلم يقول: لا يشترك الرجل وامرأته في بدنه واحدة, لينحر كل منهما بدنه اهـ وقال في المدونة: لا يجوز أن يشترك في شيء من الهدى لا في تطوعه, ولا في واجبه, ولا في هدي نذر, ولا في هدي نسك, ولا جزاء الصيد اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويفسد الحج بالوطء واستدعاء المنى ما بين الإحرام ورمى جمرة العقبة, ويلزمه إتمامه والقضاء, والهدى يسوقه في حجة القضاء " يعنى كما في الدردير عاطفا على ما يحرم على المحرم.
قال والجماع ومقدماته.
وأفسد مطلقا, كاستدعاء منى وإن بنظر أو فكر إن وقع قبل يوم النحر أو فيه فبل رمى عقبه وإفاضة, أو قبل تمام سعى العمرة وإلا فهدى, كإنزال بمجرد نظر أو فكر, وإمذاؤه وقبلة بفم, ووجب إتمام المفسد إن لم يفته الوقوف, وإلا تحلل بعمرة, فإن لم يتمه فهو باق على إحرامه, فإن أحرم فلغو.
وقضاؤه, أي ووجب قضاؤه, وفوريته, وقضاء القضاء,
وهدى له, وتأخير للقضاء, وأجزأ إن قدم واتحد, أي هدي الفساد وإن تكرر موجبه بنساء اهـ. وقال في توضيح المناسك: يحرم على المحرم مغيب الحشفة أو مثلها من مقطوعها في القبل والدبر من آدمي أو غيرة, وإن لم ينزل, ناسيا أو عامدا, مكرها أو طائعا, فاعلا أو مفعولا.
ويفسد بذلك الحج ولو من صبى, أو في غير مطيقة, أو كان على الحشفة ساتر كثيف, أو غابت في هو الفرج, كذا لعبد الباقي, وخصه البناني بموجب الغسل.
ويفسد أيضا بإخراج المنى بقبلة أو جسة أو غير ذلك ولو لم يستدم, وباستدامة, نظر أو فكر فإن أنزل بمجرد النظر أو بمجرد الفكر من غير استدامة لم يفسد, ولكن يجب الهدى بذلك.
وفساد الحج بما ذكر إن وقع قبل التحللين: الأصغر وهو رمى جمرة العقبة كما تقدم, والأكبر وهو طواف الإفاضة, وقبل مضي يوم النحر.
وحيث فسد الحج فيجب إتمامه إن أدرك الوقوف, فإن لم يدركه لصد ونحوه وجب تحلله منه بفعل عمرة.
ولا يجوز له البقاء على إحرامه لقابل, لأن فيه التمادي على الفاسد مع إمكان التخلص منه.
ويجب القضاء على الفور في قابل سواء كان ما أفسده واجبا أو تطوعا.
ويجب الهدي وينحره في حجة القضاء, وإن قدمه أجزأه
وكذلك يجب إتمام العمرة وقضاؤها على الفور إن فسدت.
ولا يتكرر الهدي بتكرر الوطء سواء كان في امرأة واحدة أو أكثر, فإن لم يتم حجة الفاسد, وأحرم بقضائه في السنة الثانية فهو باق على إحرامه الفاسد, ويكمله في السنة الثانية, ولا يكون ذلك قضاء عما أفسده, ويقضيه في السنة الثالثة.
وإن أفسد القضاء لزمه قضاء القضاء أيضا, وأما إن وقع ذلك المفسد بعد رمى جمرة العقبة وقبل طواف الإفاضة أو وقع قبلهما بعد يوم النحر, أو وقع بعد الطواف وقبل ركعتيه, أو وقع بعد الطواف بركعتيه وقبل السعي, فيجب عليه هدى وعمرة في هذه الصور الأربع.
وإنما طولب بالعمرة ليأتي بطواف وسعي لا خلل فيهما.
وأما إن وقع منه ذلك بعد طواف الإفاضة وركعتيه وبعد السعي وقبل رمي جمرة العقبة أو وقع بعد ما ذكر وقبل الحلق فيجب عليه هدي فقط ولم يطلب بالعمرة في هاتين الصورتين لسلامه الطواف والسعي من الخلل اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويفارق الموطوءة فيها من حين إحرامه إلى التحلل, ويقضي على صفة ما أفسد " قال العلامة الصاوي نقلا عن الدسوقي: ويجب علية مفارقة من أفسد معها من حين إحرامه بالقضاء لتحلله خوفا من عوده لمثل ما مضي, ولا يراعى في القضاء زمن إحرامه بالمفسد, فلمن أحرم في المفسد من شوال أن يحرم بالقضاء من ذي الحجة بخلاف الميقات المكاني إن شرع فإنه يراعي, فمن أحرم بالمفسد من الجحفة مثلا تعين إحرامه بالقضاء منها, بخلاف ما إذا لم يشرع بأن أحرم في العام الأول قبل المواقيت فلا يجب الإحرام في القضاء إلا منها, فإن تعدى الميقات المشروع الذي أحرمه منه أولا فدم ولو تعداه بوجه جائز, كما لو استمر بعد الفساد بمكة إلى قابل وأحرم بالقضاء منها.
وأما لو تعداه في عام الفساد فلا يتعداه في عام القضاء اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا ينكح المحرم ولا ينكح حتى يحل.
ويحل بالإفاضه جميع محظورات الإحرام " قوله: حتى يحل, وفي نسخة حتى يتحلل بلامين.
وفي الموطأ عن عثمان بن عفان كان يقول: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينكح المحرم ولا ينكح, ولا يخطب " " اهـ. وقد ورد أن عمر بن الخطاب, رضي الله عنه, رد نكاح المحرم كما في الموطأ اهـ. بمعناه.
قال ابن جزي في القوانين الفقهية: فلا يجوز للمحرم أن يقرب امرأة بوطء ولا تقبيل ولا لمس, ولا ينكح ولا ينكح, ولا يخطبها لنفسه ولا لغيره.
ويفسخ نكاحه وإنكاحه قبل البناء وبعده, خلافا لأبى حنيفة في العقد والخطبة.
ويجوز له ارتجاع المطلقة الرجعية ما دامت في عدتها.
ويجوز له شراء الجواري من غير وطء اهـ. قال في توضيح المناسك:
يحرم على المحرم أن يعقد نكاحا لنفسه أو لغيره.
وكل نكاح كان الولي فيه محرما أو الزوج أو الزوجة فهو باطل, يفسخ قبل البناء وبعده بطلاق, ولو ولدت الأولاد ولا يتأبد تحريمها, لكن إن كان الفسخ قبل الدخول فلا شيء لها, وإن كان بعده فلها الصداق, لأن كل مدخول بها الصداق.
ويستمر التحريم
حتى يفرغ من حجة أو عمرته.
فإن حصل العقد بعد السعي وطواف الإفاضة وصلاة ركعتي الطواف كان عقدا صحيحا وإن لم يكن رمي جمرة العقبة.
وأما إن حصل بعد السعي والطواف وقبل الركعتين فيفسخ إن قرب, لا إن بعد.
وهذا في الحج.
وأما في العمرة فيصح بعد تمام سعيها, ويستحب تأخيره حتى يحلق, ولا يكون واسطة بين الرجل والمرأة في أمر النكاح, ولا يحضر العقد بين الزوجين لكن لا يفسخ النكاح بذلك.
ويكره له محادثة النساء وتقليب الجواري.
ويجوز له شراؤهن وبيعهن, ومراجعة زوجته والفتوى في أمور النساء, وأن يري شعر امرأته اهـ. ثم انتقل يتكلم في أحكام حج الصبي والعبد والمرأة والسفيه والمجنون, فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
فيما يتعلق بحج الصبي والعبد والمرأة وغيرهم
أي في بيان ما يتعلق بحج الصبي والعبد والمرأة وغيرهم، وما يطرأ عليهم من بلوغ الصبي أو عتق العبد، أو إذن لأحد المذكورين قبل الإحرام أو بعده، وحكم المحصر وغيره.
وبدأ بما يتعلق بحج الصبي والعبد اهتماما بشأنهما فقال رحمه الله تعالى: " حج الصبي والعبد نالفلة وإن أعتق أو بلغ في أثنائها " يعني أن العبد والصبي إذا حجا وقع حجمهما نفلا وإن طرأ على الصبي بلوغ أو على العبد عتق بعد الإحرام، فلا ينقلب حج أحدهما فرضا، بل يتمادى على إحرامه حتى يتمه تطوعا، وهو مذهب الجمهور لما رواه الشافعي والطيالسي كما في القرى والحاكم والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى " اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وليس له الإحرام بغير إذن سيده وله تحليله كالزوجة في التطوع " يعني أن العبد إذا لم يأذن له سيده في الإحرام فله أن يحلله، ويجب عليه
القضاء إذا عتق أو أذن له السيد على المشهور اهـ. قاله الحطاب.
وقال خليل: وللولي منع سفيه، كزوجة في تطوع، وإن لم يأذن فله التحلل وعليها القضاء كعبد.
قوله: كزوجه إلخ.
قال الخرشي: يعني أن المرأة إذا أحرمت بالحج التطوع بغير إذن زوجها فله أن يحللها، لأنها من جملة المحاجير كالسفيه وتحلل
كالمحصر، هذا ما لم يكن الزوج محرما وإلا فلا يحللها لأنها لم تفوت عليه الاستمتاع.
وأما حجة الإسلام فليس لزوجها منعها من الخروج لها إن قلنا إن الحج على الفور، وكذا على القول بالتراخي اهـ. وقل خليل: وعليها القضاء كعبد هو المشهور، ومقابله ما ذكره الحطاب نقلا عن شارح العمدة، ونصه: فإن أحرمت المرأة بغير إذن زوجها فله أن يحللها ولا قضاء عليها على الأصح لأنها التزمت شيئا بعينه فمنعت من إتمامه إجبارا كالمحصر اهـ. قال الخرشي يلزم العبد القضاء عن ذلك إذا أذن له سيده أو عتق، ويقدمه على الفرض، فإن قدم حج الفرض صح.
ومثل العبد في وجوب القضاء لما حلله منه المرأة إذا حللها زوجها مما أحرمت به من غير إذنه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإن كان الصبي قويا يتعقل باشر الأفعال وإلا أحرم وطاف وسعى به وليه ". يعني كما في توضيح المناسك: أن الولي يأمر محجوره بما يطيقه، ومنه إحضاره المشاهد كعرفة ومزدلفة ومنى والمشعر الحرام وجوبا بعرفة، وندبا بغيرها.
وأما ما لا يطيقه فما أمكن فعله به فعله معه، فيطوف به بعد أن يطوف عن نفسه.
وأما إن قصد بطوافه نفسه ومحموله فلم يجز عن واحد منهما لأن الطواف كالصلاة، بخلاف السعي به وإن حاملا له وأجزأ عنهما إن قصد ذلك لخفة أمر السعي اهـ. وفي إيضاح المناسك: ويحرم المميز من أول الميقات إن قارب البلوغ وإلا فقرب الحرم، ويندب إحرام الولي عن الصبي غير المميز بقرب مكة لا من الميقات للمشقة بأن ينوي إدخاله في النسك، لما ورد أن له أجرا، ولا يجرده إن خاف عليه الضرر فيفدي اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإن كان وصيا وخاف عليه ضيعة فنفقته من ماله، وإلا ضمن الزائد على نفقة الحضر " قال الخرشي: إن الولي أو الوصي إذا أخذ الصبي الذي في حجره إلى الحجاز فإن نفقة الصبي تكون في ماله، فإن كانت نفقة السفر مثل الحضر فلا كلام، أي لا له ولا عليه، وإن زادت نفقة السفر على الحضر فالزائد في مال الصبي إن كان يخشى الولي على الصبي الضياع لو تركه؛ لأن النفقة حينئذ من مصالحه، فإن كان لا يخشى عليه الضياع إذا سافر وليه وتركه فزيادة نفقة الصبي حينئذ على الولي لأنه أدخله في ذلك من غير ضرورة اهـ. وعبارة الصاوي على الدردير أنه قال: تنبيه، كل ما ترتب على الصبي بالإحرام من هدي وفدية وجزاء صيد فعلى وليه مطلقا خشي عليه الضيعة أم لا، إذ لا ضرورة في إدخاله في الإحرام، كزيادة نفقة السفر وجزاء صيد صاده في الحرم إن كان غير محرم إن لم يخف ضياعه بعدم سفره معه، فإن خاف ضياعه فزيادة النفقة في السفر وجزاء صيد الحرم في مال الصبي كأصل النفقة المساوي لنفقة الحضر فإنه في مال
الصبي مطلقا اهـ. ومثله في هداية الناسك.
وقال في إيضاح المناسك: المسألة الرابعة يجزي في المجنون المطبق مثل ما ذكر في الصبي من تأخير إحرامه وتجريده قرب مكة وإدخاله في حرمات الإحرام وغير ذلك.
والمطبق ما لا يفهم الخطاب ولا يحسن رد الجواب ولو ميز بين الإنسان والفرس، ولا يجزئه عن الفرض، فلو أفاق بعد إدخاله في الإحرام فليس له رفضه وانتظر المجنون الذي يفيق أحيانا كالمغمى عليه، ولا ينعقد عليهما إحرام غيرهما إلا أن المجنون الذي يفيق أحيانا يدخله وليه في حرمات الإحرام إذا خاف فوات الحج عليه بخلاف المغمى عليه لأن الإغماء مظنة عدم الطول، ثم إن أفاق في زمن يدرك الوقوف فيه أحرم وأدركه ولا دم عليه في عدم إحرامه من الميقات اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومن أسلم أو أعتق أو بلغ يوم عرفة فأحرم ووقف سقط
فرضه " يعني - كما تقدم - أن الإسلام شرط في صحة الحج والعمرة على المشهور، وحينئذ فإذا أسلم الكافر بعرفة قبل طلوع الفجر يوم النحر ونوى، أي أحرم ووقف ولو بقدر سبحان الله قبل الفجر فقد أدرك الحج أي فحجه صحيح.
وعن عطاء أنه سئل عن الرجل إذا أسلم بعرفات فوقف مسلما فقال أجزأه الحج اهـ. أخرجه سعيد بن منصور، كذا في " القرى لقاصد أم القرى " ومثل الذي أسلم بعرفة العبد إذا أعتق يوم عرفة وأدرك الوقوف فحجه صحيح أيضا كالمراهق بلغ يوم عرفة ونوى بأن أحرم ووقف قبل طلوع فجر يوم النحر.
فالحاصل أن كلا من الثلاثة وقع حجه فرضا بزوال المانع الذي تعلق به قبل ذلك.
ومما يلحق بهؤلاء ما لو أحرم الصبي المراهق بغير إذن وليه ولم يعلم الولي بذلك حتى بلغ فللولي تحلله من هذا الإحرام النفل ليحرم بفريضة الحج، هذا إن بلغ سفيها، لا إن بلغ فللولي تحلله من هذا الإحرام النفل ليحرم بفريضة الحج، هذا إن بلغ سفيها، لا إن بلغ رشيدا على الظاهر من كلامهم وليس العبد كذلك بل هو يتمادى على حجة النفل ولو أذن له سيده لا يكون حجه فرضا بل عليه حجة الإسلام إذا أعتق كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى: " والمحصر بعدو يتحلل مكانه ولا قضاء عليه ولا يسقط فرضه " يعني أن المحصر بعد ويتحلل في الموضع الذي أحصر منه، ولا يجب عليه قضاء ما تحلل عنه من حج أو عمرة، لكن لا تسقط عنه حجة الإسلام بذلك إن كان ضرورة، وكذا لا يسقط عنه سنية العمرة بذلك اهـ. وقد قال العلامة خليل في منسكه: من موانع الحج العدو والفتنة بين المسلمين، وهو مبيح للتحلل ونحو الهدي حيث كان إذا طرأ ذلك بعد الإحرام، أو كان قبله ولم يعلم، أو ظن أنهم لا يصدونه، وأما إن علم منعهم فلا يجوز له الإحلال، نقله ابن المواز عن مالك.
ثم إن حصر العدو على ثلاثة أقسام: الأول: أن يحصر عن البيت وعن عرفة وحكمه ما تقدم، الثاني: أن يحصر عن عرفة فقط فلا يحل إلا بأفعال
العمرة.
الثالث: أن يحصر عن البيت فقط، ففي المدونة: تم حجه ولا يحله إلا الإفاضة، وعليه لجميع مافاته من الرمي والمبيت بنمى أو مزدلفة هدي كما لو نسي
الجميع.
وقيل لا هدي عليه.
قلت والصحيح الأول اهـ بحذف وزيادة إيضاح.
وقال في المختصر: وإن منعه عدو أو فتنة أو حبس لا بحق بحج أو عمرة فله التحلل إن لم يعلم به وأيس من زواله قبل فوته ولا دم اهـ. قال الأبي: وقول خليل: ولا دم، أي إن تحلل فلا دم عليه لفوات الحج بحصر العدو على المشهور، وأوجبه عليه أشهب لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] وتأوله ابن القاسم على المحصر بمرض.
ورده اللخمي بنزول الآية في قضية الحديبية وكان حصرها بعدو، وبقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ [البقرة: 196] وهو إنما يكون من عدو.
وأجاب التونسي وابن يونس بأن الهدي فيها لم يكن لأجل الحصر، وإنما كان بعضهم ساقه تطوعا فأمروا بتذكيته، ورد قول أشهب بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] والمحصر بعدو يحلق أين كان، وهو رد قوي ظاهر اهـ. وقال ابن جزي في القوانين الفقهية: الإحصار بعدو الإحرام وهو مبيح للتحلل إجماعا، فالمحصر بعدو أو فتنة في حج أو عمرة بتربص ما رجى كشف ذلك، فإذا يئس تحلل بموضعه حيث كان من الحرم وغيره ولا هدي عليه، أي على المشهور في المذهب.
وإن كان معه هدي نحره.
وقال الشافعي وأشهب عليه الهدي ويحلق أو يقصر ولا قضاء عليه ولا عمرة إلا إن كان ضرورة فعليه حجه الإسلام اهـ. وقال خليل في منسكيه: المانع الثاني ـ أي من موانع الحج ـ حبس السلطان شخصا أو شرذمه في دم أو دين, فمذهب المدونة وغيرها أنه كالمحصر بالمرض لا يحلله إلا البيت, ونقل عن المتأخرين أنه كحصر العدو, ونقل عن مالك إن حبسوا بحق فكالمرض وإلا فكالعدو, ولم يعده صاحب البيان خلافا, وعده ابن الحاجب خلافا اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والمحصر بمرض لا يحلله إلا البيت " يعني ـ كما قال ابن
جزي ـ: من أصابه المرض بعد الإحرام لزمه أن يقيم على إحرامه حتى يبرأ وإن طال ذلك خلافا لأبى حنيفة فإن عنده كالمحصر بالعدو, فإذا برأ اعتمر وحل من إحرامه بعمرته وليس عليه عمل ما بقى من المناسك, فإذا كان العام القابل قضى حجته فرضا كان أو تطوعا وأهدى هديا بقدر استطاعته, فإن لم يجد هديا صام صيام المتمتع ثلاثة في الحج وسبعه إذا رجع, فإن تمادى به المرض حتى دخلت عليه أشهر الحج من قابل وهو محرم أقام على إحرامه حتى يقضى حجه ولا عمرة عليه, وعليه الهدى استحبابا.
وحكم المحبوس بعد إحرامه, والضال عن الطريق, والغالط في حساب الأيام, والجاهل بأيام الحج حتى فاته
كحكم المريض في كل ذكرنا اهـ. وإلي جميع ما تقدم أشار خليل بقوله: وإن حصر على الإفاضة أو فاته الوقوف بغير كمرض أو خطأ عدد أو حبس بحق لم يحل إلا بعمل عمرة بلا إحرام إلخ.
راجع ما قاله الأجهوري عند قول خليل أو حبس بحق، انظره في حاشية العدوي على الخرشي اهـ.
ولما أنهى الكلام فيما يتعلق بحج الصبي ومن عطف عليه انتقل يتكلم على بيان العمرة وأحكامها.
فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في العمرة وأحكامها
أي في بيان فضل العمرة وأحكامها.
وفي الحديث عن أبي هريرة قال:: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما.
والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " اهـ. رواهما البخاري ومسلم كلاهما عن مالك.
وفيهما أيضا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عمرة في رمضان تعدل حجة معي " اهـ. والأحاديث في فضلها كثيرة.
وبدأ بحكمها فقال رحمه الله تعالى:
" العمرة سنة مرة في العمر " وهي في اللغة الزيارة، وفي الشرع: عبادة يلزم المحرم بها الطواف بالبيت سبعا والسعي بين الصفا والمروة كذلك.
يعني أن العمرة سنة مؤكدة مرة في العمر.
قال مالك: العمرة سنة، ولا نعلم أحدا من المسلمين أرخص في تركها، قال: ولا أرى لأحد أن يعتمر في السنة مرارا.
قاله في الموطأ اهـ. وقال خليل في منسكه: وهي سنة على المشهور، وفي توضيح المناسك: وتستحب في كل عام مرة، ويكره تكرارها في العام على المشهور، وأجاز تكرارها مطرف وابن الماجشون.
وقال ابن حبيب: لا بأس بالعمرة في كل شهر مرة، ويستثنى من كراهة تكرارها في العام الواحد من تكرر دخوله إلى مكة من مواضع يجب عليه الإحرام منها اهـ. قال ابن جزي: وحكمها في الاستطاعة والنيابة والإجازة كحكم الحج.
قال رحمه الله تعالى: " ومحظوراتها كالحج " يعني أن ممنوعات العمرة كممنوعات الحج، وما كان ممنوعا في الحج فهو ممنوع في العمرة.
قال في الرسالة: ويجتنب في حجه وعمرته النساء والطيب ومخيط الثياب والصيد وقتل الدواب وإلقاء التفث ولا يغطي رأسه في الإحرام، ولا يحلقه إلا من ضرورة ثم يفتدي اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وأركانها الإحرام والطواف والسعي " يعني أن
أركان العمرة كأركان الحج سوى الوقوف بعرفه جزءا من ليله النحر.
قال في توضيح المناسك: وأركانها ثلاثة: الإحرام, والطواف, والسعي.
فإذا أتم سعيه كرة له أن يفعل شيئا من ممنوعات الإحرام غير الوطء قبل الحلاق, فإن فعلها أو شيئا منها فلاشيء عليه, ومن ذلك أن يغسل رأسه بغاسول ونحوه كما قال ابن القاسم.
وإن حصل منه مذي فلا هدى عليه, وإن وطئ أو أنزل وجب عليه الهدى.
وهذا ما عليه الأجهوري.
وقال
السنهوري: إن كل ما أوجب هديا في الحج يوجب هديا في العمرة, فإن حصل منه مذى مثلا قبل الحلاق وجب عليه هدي, كذا في المحموع وغيره اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويحل بالحلاق أو التقصير " يعني إذا أتم سعي العمرة فإنه يحلق رأسه أو يقصره.
قال في الرسالة: ثم يحلق رأسه وقد تمت عمرته.
والحلاق أفضل في الحج والعمرة.
والتقصير يجزئ.
وليقصر من جميع شعره.
وسنه المرأة التقصير اهـ كما تقدم في الحج.
قال رحمه الله تعالى: " ويصح الإحرام بها في جميع السنة إلا أيام التشريق " قال ابن جزئ في القوانين الفقهية: وتجوز في جميع السنة إلا في أيام الحج لمن كان مشغولا بأفعال الحج.
وأفضلها في رمضان.
وقال أبو حنيفة تكره للحاج وغيره في خمسة أيام متوالية.
عرفة, والنحر, وأيام التشريق اهـ. وفي توضيح المناسك وللعمرة ميقاتان: زماني ومكاني فالزماني جميع السنة ولو يوم عرفه ويوم النحر وأيام التشريق لمن لم يحرم بحج, فيعمل عمل العمرة والناس في الموقف بعرفه لأمر عمر, رضي الله عنه, لأبي أيوب الأنصاري وهبار بن الأسود حين قدما عليه يوم النحر, وقد فاتهما الحج, أن يتحللا بفعل عمرة من إحرامهما بالحج ويقضياه قابلا ويهديا كما في الموطأ.
وأما من كان محرما بحج مفردا أو قارنا فإنه يمتنع إحرامه بها حتى يكمل حجه وتمضى أيام التشريق, فإن أحرم بها قبل الزوال من اليوم الرابع من أيام منى لم تنعقد, وإن أحرم بها بعد الزوال منه وكان قد طاف وسعي لحجه وأكمل رمى الجمار انعقد إحرامه بها مع الكراهة, إلا أنه لا يفعل فعلا من أفعالها إلا بعد الغروب من ذلك اليوم, وإن طاف وسعي قبل الغروب فهما كالعدم, وإن خرج إلى الحل فلا يدخل الحرم حتى تغرب الشمس لأن دخول الحرم بسبب العمرة عمل لها, وهو ممنوع من عملها, فإذا دخل قبل الغروب لأجلها أعادة والمكاني يختلف باختلاف الناس, فالواصل إلى مكة من الآفاق
إذا أراد الإحرام بالعمرة ميقاته أحد مواقيت الحج الخمسة المتقدمة, ويستمر يلبى حتى يصل إلى حدود الحرم فيقطعها حينئذ كما مر, وإن كان منزله من دون المواقيت
فميقاته منزله على ما تقدم، وإن كان من أهل مكة أو مقيما بها فميقاته الحل من أي جهة، والأفضل أن يبعد عن طرف الحل، وأفضل جهات الحد الجعرانة، ثم التنعيم.
قال النووي: ثم الحديبية، فإذا أحرم بها من الحل فيستمر يلبي إلى بيوت مكة، فإذا أحرم وصل البيوت قطع التلبية حينئذ، ولا يجوز الإحرام بها من مكة أو الحرم، فإن أحرم بها منهما فالمعروف من المذهب انعقادها ولا دم عليه على المعروف، ويؤمر بالخروج إلى الحل قبل أن يطوف ويسعى لها، فإن طاف وسعى لها قبل خروجه إلى الحل فطوافه وسعيه كالعدم، وإن حلق رأسه لزمته الفدية، ويؤمر بإعادة الطواف والسعي والحلاق بعد الخروج إلى الحل اهـ.
وإلى ما تقدم أشار رحمه الله تعالى فقال: " ومن أحرم من الميقات قطع التلبية إذا دخل الحرم، ومن الجعرانة إذا دخل مكة، ومن التنعيم إذا دخل الحرم لطول زمانه بالتلبية والمحرم بها أيضا من الجعرانة أو التنعيم يقطع إذا دخل بيوت مكة، هذا مذهب المدونة، وفي الجلاب: لا يقطع في التنعيم إلا إذا رأى البيت اهـ. وتقدم الكلام في قطع التلبية عند قول المصنف فإذا رأى البيت قطع التلبية فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " وإذا حاضت المعتمرة قبل طوافها انتظرت الطهر فإن ضاق الوقت أردفت الحج وسقط عمل العمرة " قال مالك في المرأة التي تهل بالعمرة ثم تدخل مكة موافيه للحج وهي حائض لا تستطيع الطواف بالبيت: إنها إذا خشيت الفوات أهلت بالحج وأهدت وكانت مثل من قرن الحج والعمرة وأجزأ عنها طواف واحد كما في الموطأ اهـ. قال الباجي: قوله إنها إذا خشيت الفوات أهلت
بالحج وأهدت يريد لقوانها، قال وكانت مثل من قرن الحج والعمرة، يريد أنها في أحكامها مثل التي قرنت الحج والعمرة، إلا أن التي أحرمت بهما من ميقاتها يلزمها طواف الورود، وهذه التي أردفت الحج بمكة لا يلزمها ذلك لأنها أحرمت بالحج من الحرم ولا يلزمها للحج الورود، والمعتمر لا يلزمه ذلك أيضا، وإنما يطوف عند ورود طواف عمرته اهـ. وعن ابن عباس مرفوعا " أن النفساء والحائض تغتسل وتحرم وتقضي المناسك كلها غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر " اهـ أخرجه الترمذي.
قال رحمه الله تعالى: " والمستحاضة تغتسل تحرم وتقف وتنتظر الطهر للطواف.
والله أعلم " وفي الحديث عن عائشة، رضي الله عنها: " أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: " لا
إن ذلك عرق وليس بالحيضة، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي " اهـ.
فعلمنا أن دم الاستحاضة ليس بالحيض، ولا يمنع شيئا من العبادة.
والمعنى أن المستحاضة تغتسل بالإحرام لأنه سنة لكل من يريد الإحرام ولو حائضا أو نفساء، لما في الموطأ عن أسماء بنت عميس أنها ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء وذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " مرها فلتغتسل ثم لتهل " اهـ والاستحاضة لا تمنع شيئا مما يمنعه الحيض، لكن يستحب لها أن تتوضأ لكل صلاة كما يسن لها الغسل عند الإحرام بحج أو عمرة، وكذلك إذا انقطع عنها الدم إن ميزت به، قال ابن جزي: وأما دم الاستحاضة فهو الخارج من الفرج على المرض فلا تنتقل المستحاضة إلى حكم الحائض إلا بثلاثة شروط: أحدها أن يمضي لها من الأيام في الاستحاضة مقدار أقل الطهر.
ثانيها أن يتغير الدم عن صفة الاستحاضة إلى الحيض فإن دم الحيض أسود غليظ ودم الاستحاضة أحمر رقيق والصفرة والكدرة حيض.
ثالثها أن تكون المرأة مميزة ولا تمنع الاستحاضة شيئا مما يمنع من الحيض، ويستحب للمستحاضة
أن تتوضأ لكل صلاة وأوجبه الشافعي اهـ. وقوله وتقف وتنتظر الطهر للطواف، يعني أن المستحاضة يجوز لها أن تقف بعرفة وتؤدي جميع المناسك مثل الحائض إلا أن الحائض تمكث حتى تطهر لا بد منه أو يمضي من الزمان قدر ما يحبس النساء الدم فإذا مضى ذلك ولم ينقطع صارت مستحاضة بعد أيام الاستظهار.
قال مالك في المرأة حاضت بمنى قبل أن تفيض فإن كريها يحبس عليها أكثر مما يحبس النساء الدم.
قال الشارح أبو الوليد الباجي: أي يحبس عليها بقدر ما يحكم للمرأة بأنها حائض، فإذا حكم لها بالاستحاضة اغتسلت وطافت ورجعت اهـ. قال الحطاب: فإن مضى قدر حيضها والاستظهار ولم ينقطع الدم فظاهر المدونة أنها تطوف لأنها مستحاضة اهـ. وقال الدردير في المستحاضة: لكن يندب إذا انقطع أن تغتسل.
وقال الصاوي أي لأجل النظافة وتطييب النفس كما يندب غسل المعفوات إذا تفاحش ذلك والاستحاضة من جملتها والله أعلم.
ولما كان المصنف لم يذكر زيارة النبي صلى الله عليه وسلم في إرشاده معتمدا لشهرتها أو لغرض آخر أتيت هنا بذكر شيء منها، وختمت بها هذا الجزء تبركا، كما ختم بذكرها بعض الصالحين مناسكهم، فقلت مستعينا بالله تعالى:
خاتمة
في زيارة النبي صلى الله عليه وسلم
وزيارته عليه الصلاة والسلام سنة مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها قاله القاضي عياض في في الشفاء.
وقال بعض مشايخنا زيارة النبي صلى الله عليه وسلم سنه لكل احد حتى النساء اتفاقا ولو لغير حاج ومعتمر, وسن أن ينوي الزائر مع زيارته صلى الله عليه وسلم التقرب بالسفر إلى مسجده صلى الله عليه وسلم والاعتكاف فيه وأن يكثر في طريقه من الصلاة والسلام عليه, فإذا رأى حرم المدينة وأشجارها زاد في ذلك اهـ. وينبغي للذكر القادر أن ينزل خارج المدينة ويغتسل ويتوضأ إن وجد ماء وإلا تيمم, وأن يلبس أنظف ثيابه ويقدم البياض على الأغلى, ويتطيب ويتصدق ولو بقليل, ويدخل المسجد ماشيا حافيا بسكينه ووقار.
ويستحب أن يقدم رجله اليمنى قائلا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم باسم الله اللهم صل على سيدنا محمد وعلى ال سيدنا محمد, اللهم اغفر لى ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك, وأما عند الخروج فيقدم رجله اليسرى ويقول ذلك إلا أنه يقول: وافتح لي أبواب فضلك.
ثم يقول: اللهم إن هذا حرمك وحرم رسولك فاجعله لي وقاية من النار وأمانا من العذاب وسوء الحساب, وارزقني في زيارته ما رزقته أولياءك وأهل طاعتك.
ثم يقصد الروضة ويصلى ركعتين تحيه المسجد إن كان وقت تجوز فيه النافلة وإلا بدأ بالقبر الشريف, ويندب ركوعهما في محراب النبي صلى الله عليه وسلم إن قدر, وإلا ففي أو غيرها.
ثم يتقدم ـ إلى القبر الشريف مستقبلا له مستديرا للقبلة, يقف قبالة وجهه صلى الله عليه وسلم ويكون متصفا بكثرة الذل والسكينة والانكسار, ويعلم أنه واقف بين يديه صلى الله عليه وسلم إذ لا فرق بين موته وحياته ويطيل في السلام