فَصْلٌ
في سجود السهو
أي إن المصنف عقد هذا الفصل في بيان أحكام سجود السهو وصفته ومحله.
والسهو بمعنى الذهول عن الشيء سواء تقدم ذكره أم لا؛ لأنه أعم من النسيان.
وحكمه - أي سجود السهو - أنه سنة على المشهور كما في المختصر،
وهو مذهب المصنف، ولذا قال رحمه الله تعالى: " سجود السهو يجزئ عن ترك السنن " وأنه عبر بالإجزاء إشارة لما في حكمه من الخلاف حتى في المذهب.
قال ابن جزي في القوانين: سجود السهو واجب وفاقا لأبي حنيفة.
وقيل سنة وفاقا للشافعي.
وقيل بوجوب القبلي خاصة اهـ وفي الطراز: وجوب البعدي قاله التتائي، وقد علمت أن المشهور سنيته كما تقدم.
قال أبو البركات الشيخ أحمد الدردير في أقرب المسالك: يسن لساه عن سنة مؤكدة أو سنتين خفيفتين، أو مع زيادة ولو شكا سجدتان قبل السلام، ولو تكرر إلخ.
ولا فرق في سنية سجود السهو بين الفرض والنافلة، كما لا فرق في ذلك بين القبلي والبعدي.
وقول المصنف: (يجزئ عن ترك السنن) يشعر بأن غير السنة كالفرض لا ينجبر بالسجود، وهذا أيضا إشارة إلى أن محل السجود ترك السنة المؤكدة كما تقدم بيان ذلك.
قال العلامة الشيخ صالح عبد السميع في هداية الناسك: ليس كل نقص ينجبر بالسجود، إذ من النقص ما لا ينجبر إلا بالإتيان به، مثل لو ترك ركنا من الصلاة كالركوع مثلا، ومنه ما لا يطلب له سجود مثل ما لو ترك فضيلة أو سنة خفيفة، بل السجود للفضيلة مبطل للصلاة، وإنما الذي ينجبر بالسجود السنن المؤكدة وهي ثمانية.
قراءة ما زاد على أم القرآن، والسر والجهر في الفريضة كل في محله، والتكبير سوى تكبيرة الإحرام، وقول سمع الله لمن حمده، والتشهد الأول، والجلوس له، والتشهد الأخير.
ولا يسجد لغير هذه الثمانية، فمن ترك شيئا من هذه الثمانية سجد سجدتين قبل السلام وبعد أن يتمم تشهده الأول والثاني ثم يتشهد ويسلم، إذ من سنة السلام أن يعقب تشهدا، وهو
اختيار ابن القاسم.
وقيل لا يعيد التشهد وهو مروي عن مالك أيضا، واختياره عبد الملك لأن سنة الجلوس الواحد لا يتكرر فيه التشهد مرتين اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهو للزيادة " في الصلاة يسجد لذلك " بعد السلام " يعني أن المصلي يسجد سجدتين بعد أن يسلم، ولا يقرأ لهما شيئا، وذلك لأجل الزيادة كما قال العلامة عبد الرحمن الأخضري: وللزيادة سجدتان بعد السلام، يتشهد بعدهما ويسلم تسليمه أخرى اهـ قال ابن جزي في صفة السجود: يكبر للسجدتين في ابتدائهما وفي الرفع منهما، واختلف هل يفتقر البعدي إلى نية الإحرام أم لا قلت: والصحيح أن البعدي يفتقر إلى النية: كما يأتي عن المصنف ويتشهد للبعدي ويسلم، وأما القبلي فإن السلام من الصلاة يجزئ عنه، وفي التشهد له روايتان اهـ. وفي الرسالة: وكل سهو في الصلاة بزيادة فليسجد له سجدتين بعد السلام يتشهد لهما ويسلم منهما، ولك سهو بنقص فليسجد له قبل
السلام إذا تم تشهده ثم يتشهد ويسلم.
وقيل لا يعيد التشهد.
قال في أقرب المسالك: وأعاد تشهده بلا دعاء قلت: إعادة التشهد هو المشهور كما في الشارح.
وقال الصاوي في حاشيته عليه: قوله: وأعاد تشهده أي استنانا على المشهور خلافا لمن قال بعدم الإعادة، وخلافا لمن قال بالندب اهـ وفي العزية: ويعيد التشهد في القبلي ثم يسلم اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وللنقص أو اجتماعهما قبله " يعني أن المصلي يسن له أن يسجد سجدتين قبل السلام إن نقص سنة أو سنتين أو أكثر غير خفيفة بل مؤكدة، أو نقص مع زيادة.
قال العلامة الشيخ عبد الباري في مقدمته: وإن نقص وزاد سجد قبل سلامه لأنه يغلب جانب النقص على جانب الزيادة.
وفي العزية: ومحل سجود السهو مختلف، فالزيادة فقط يسجد لها بعد السلام، والنقص فقط أو النقص والزيادة يسجد لهما قبل السلام اهـ. كما نص عليه في الرسالة فراجعه إن شئت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا يتكرر بتكرره " أي إن سجود السهو
لا يتكرر ولو تكرر السهو، أي بمعنى موجب السجود، أي وكان التكرار قبل السجود، أما إن كان التكرار بعده فإن السجود يتكرر، كما إذا سجد المسبوق مع إمامه القبلي ثم سها في قضائه بنقص أو زيادة فإنه يسجد لسهوه ولا يجتزئ بسجوده السابق مع الإمام، وإليه أشار الأخضري: وإذا سها المسبوق بعد سلام الإمام فهو كالمصلي وحده، أو تكلم المصلي بعد سجوده في القبلي وقبل سلامه فإنه يسجد بعد السلام أيضا، وكذا إذا زاد سجدة في القبلي فإنه يسجد بعد السلام.
وقيل لا شيء عليه، كما لا شيء عليه أصلا لو زاد سجدة في البعدي نقله الصاوي عن الدسوقي اهـ باختصار.
ثم بين المصنف صفة السجود بقوله: " ويحرم للتين بعد السلام " هذا تصريح من المصنف على أن البعدي يفتقر إلى نية كما قررناه سابقا، وعلى أنهما سجدتان لا أكثر ولا أقل ويسجدهما وهو جالس " ويتشهد ويسلم " منهما تسليمة أخرى كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن سها عنهما فعلهما متى ذكر " يعني أن من ترك سجدتي السهو سواء كان الترك سهوا أو عمدا أو غيرهما فإنه يطالب بإتيانهما ولو بعد طول الزمان لأن السجود البعدي ترغيم للشيطان فناسب أن يسجده وإن طال الزمان، بخلاف القبلي فإنه جابر لنقص الصلاة فلذا طلب وقوعه فيها أو عقبها مع القرب.
قال في الرسالة: ومن نسي أن يسجد بعد السلام فليسجد متى ما ذكره وإن طال ذلك، وإن كان قبل السلام سجد إن كان قريبا، وإن بعد
ابتدأ صلاته إلا أن يكون ذلك من نقص شيء خفيف كالسورة مع أم القرآن أو تكبيرتين، أو التشهدين وشبه ذلك فلا شيء عليه اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهل يتشهد للتين قبله قولان " وتقدم أن
المشهور من القولين إعادة التشهد في القبلي استنانا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن سها عنهما فعلهما بعده " يعني إن سها المصلي عن السجود القبلي ولم يتذكر حتى سلم فإنه يسجدهما.
قال الأخضري: ومن نسي السجود القبلي حتى سلم سجد إن كان قريبا، وإن طال أو خرج من المسجد بطل السجود القبلي حتى سلم معه إن كان على ثلاث سنن أو أكثر من ذلك، وإلا فلا تبطل.
ومن نسي السجود البعدي سجده ولو بعد عام اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن طال الفصل أو انتقضت طهارته فقيل تبطل، وقيل لا إلا أن يترك فعلا كالجلوس الأول " يعني أن من نسي السجود القبلي ولم يتذكر إلا أن سلم وطال هل يبطل السجود فقط مع صحة صلاته، أو بطلت الصلاة؟ فأجاب العلامة الشيخ عبد الرحمن الأخضري بقوله رحمه الله: ومن نسي السجود القبلي حتى سلم سجد إن كان قريبا، وإن طال أو خرج من المسجد بطل السجود وتبطل الصلاة معه إن كان على ثلاث سنن أو أكثر من ذلك، وإلا فلا تبطل.
قال الشارح: يعني أن من نسي السجود القبلي أي الذي يفعل قبل السلام حتى سلم من صلاته فلا يخلو إما أن يكون تذكره له عن قرب من انصرافه من الصلاة وحينئذ يأتي به ولا شيء عليه، وناب السجود البعدي عن السجود القبلي لعذره بالنسيان، وإن طال تذكره بأن بعد ما بين تذكره وانصرافه من الصلاة أو خرج من المسجد بطل السجود وتبعه بطلان الصلاة حيث كان مترتبا عن نقص ثلاث سنن.
قال التتائي كالتحقيق: كنسيان الجلوس الوسط، أو ثلاث تكبيرات، أو تحميدات، وأما إن كان مترتبا عن سنتين خفيفتين كالسورة التي تقرأ بعد أم القرآن، وكالتحميدتين وطال الأمر فلا سجود عليه ولا بطلان اهـ هداية المتعبد.
وقال ابن جزي: وإن نسي القبلي سجد ما لم يطل أو يحدث، فإن طال أو أحدث بطلت الصلاة على المشهور.
وقيل إنما تبطل إن كان عن
نقص فعل لا قول، فإن ذكر البعدي في صلاة تمادى وسجد بعدها، وإن ذكر القبلي فهو كذاكر صلاة في صلاة اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويرجع تاركه ما لم يستقل عن الأرض، فإن عاد بعده بطلت إلا أن يرجع ساهيا أو جاهلا " يعني أن من سها عن الجلوس الأول يؤمر بالرجوع قبل أن يستقل قائما، وإن رجع فلا سجود عليه إلا أن يفارق الأرض بيديه وركبتيه، فإن رجع مفارقة الأرض فإن يسجد بعد السلام للزيادة،
وأما بعد الاستقلال فلا يرجع، فإن رجع بعد استقلاله قائما بطلت صلاته في القول الأصح.
وقيل لا تبطل.
قال في الرسالة: ومن قام من اثنتين رجع ما لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه، فإذا فارقها تمادى ولم يرجع وسجد قبل السلام اهـ انظر شراح الرسالة.
قال العلامة الشيخ عبد الرحمن الأخضري: ومن قام من ركعتين قبل الجلوس فإن تذكر قبل أن يفارق الأرض بيديه وركبتيه رجع إلى الجلوس ولا سجود عليه، وإن فارقها تمادى ولم يرجع وسجد قبل السلام، وإن رجع بعد المفارقة وبعد القيام ساهيا أو عامدا صحت صلاته وسجد بعد السلام اهـ. يعني أن حكم من قام من اثنتين من صلاة الفريضة قبل أن يجلس أي تزحزح للقيام ثم تذكر قبل أن يفارق الأرض بيديه وبركبتيه فإنه يرجع ثم يتشهد ويتم صلاته ولا سجود عليه على المشهور لخفة الأمر في ذلك، فإن تمادى على القيام عامدا بطلت صلاته على المشهور؛ لأنه ترك ثلاث سنن عامدا.
وقيل لا تبطل على الخلاف في ترك السنة عمدا، فحكم الرجوع الوجوب على الأول والسنة على الثاني، وإن تمادى ناسيا سجد قبل السلام.
قوله فارقها تمادى ولم يرجع وسجد قبل السلام، وإن رجع بعد المفارقة وبعد القيام ساهيا أو عامدا صحت صلاته وسجد بعد السلام، هذا صادق بصورتين: الأولى: أن يفارق الأرض بيديه وركبتيه ولم يعتدل قائما، ثم تذكر بعد أن فارق الأرض بيديه وركبتيه، والثانية: أن يفارق الأرض ويعتدل قائما، والحكم
فيهما واحد وهو ما ذكره المصنف أنه يتمادى على صلاته ولا يرجع ويسجد قبل السلام، لكن عدم الرجوع في الأولى على المشهور وعليه لا تبطل صلاته إن رجع إلى الجلوس عمدا أو سهوا أو جهلا ويسجد بعد السلام لتحقق الزيادة، وفي الثانية: متفق عليه، فإن رجع إلى الجلوس عامدا ففي التوضيح المشهور الصحة، وعليه يسجد بعد السلام لتحقق الزيادة، وإن رجع جاهلا ففي النوادر عن سحنون تفسد صلاته، وإن رجع ناسيا فلا تبطل صلاته اتفاقا.
قاله العلامة الشيخ صالح بن عبد السميع الآبي الأزهري في هداية المتعبد، وفي شرحه على الرسالة المسمى بثمر الداني اهـ. قال خليل في المختصر: ورجع تارك الجلوس الأول إن لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه ولا سجود، وإلا فلا تبطل إن رجع ولو استقل، وتبعه مأمومه وسجد بعده اهـ. انظر شراحه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " أما الأركان فلا يجزئ إلا الإتيان بها " يعني أن من ترك ركنا من أركان الصلاة فلا يجزئه السجود لأن السجود لا يجبر الركن بل الواجب الإتيان به قبل فوته.
قال المصنف: " ما لم يفت محل التلافي، فإن فات بطلت الركعة " فقط ويطالب بإتيانها إن كان بقرب ذلك بأن يرجع ويحرم بنية إتمام
الصلاة ويأتي بتلك الركعة المتروكة ويتشهد ويسلم ثم يسجد بعد السلام.
هذا إن كان الترك من الركعة الأخيرة.
قال في الرسالة: ومن انصرف من الصلاة ثم ذكر أنه بقي عليه شيء منها فليرجع إن كان بقرب ذلك، فيكبر تكبيرة يحرم بها ثم يصلي ما بقي عليه، وإن تباعد ذلك أو خرج من المسجد ابتدأ صلاته، وكذلك من نسي السلام اهـ. قال خليل: وبنى إن قرب ولم يخرج من المسجد بإحرام ولم تبطل بتركه وجلس له على الأظهر، وأعاد تارك السلام التشهد اهـ. وفي الأخضري: ومن نقص فريضة فلا يجزيه السجود عنها.
قال الشارح لأن جبر الخلل الواقع في الصلاة بالسجود مخصوص بغير الفرائض.
وأما الفرائض فلا تجبر بالسجود اتفاقا، بل إن أمكنه تدارك المتروك أتى به وإلا بطلت الصلاة،
فمن تيقن أنه ترك ركعة كاملة، أو شك في الترك حال تشهده وقبل سلامه فلا بد من الإتيان بتلك الركعة، وكيفية الإتيان بها أنه يأتي بها بانيا على ما سبق من الركعات، فلو كانت تلك الركعة إحدى الأوليين فإنه يسجد بعد ذلك قبل السلام لانقلاب الركعات فيتحقق له الزيادة والنقص، فإن لم تكن من إحدى الأوليين فإنه يسجد بعد الإتيان بتلك الركعة بعد السلام لتمحيض الزيادة.
انظر اختلاف العلماء فيمن سها عن قراءة الفاتحة في ركعة في هداية المتعبد اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن ذكر في آخر صلاته سجدة لا يعلم محلها سجد وأتى بركعة " واحدة " عند ابن القاسم " بأن يسجد تلك السجدة المتروكة ثم يأتي بركعة ويتشهد ويسلم ويسجد بعد السلام " وقال أشهب بركعة فقط " أي إذا كانت السجدة المتروكة من الركعة الأخيرة فيسجدها كما قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي كونها من الأخيرة يسجد لا غير " وحاصل ما ذكره المصنف وغيره على ما نقله العلامة الشيخ حسين بن إبراهيم المغربي ثم المكي أنه ذكر فائدة جليلة في فتاويه قال: إذا ترك ركنا من أركان الصلاة سهوا فإن كان من الركعة الأخيرة ولم يسلم فإنه يتداركه، فإن كان المتروك الفاتحة انتصب قائما فيقرؤها ثم يتم ركته، وإن كان الركوع رجع قائما ثم يركع، وإن كان الرفع منه رجع محدودبا فإذا وصل حد الركوع اطمأن ثم يرفع ويكمل ركعته، وإن كان سجودا واحدا سجده وهو جالس وأعاد التشهد وسلم، وإن كان سجدتين وتذكرهما وهو جالس وقد انحط بنية الجلوس فإنه يرجع قائما ليأتي بالسجدتين منحطا لهما منه، فإن لم يفعل وسجدهما من جلوس سهوا فقد نقص الانحطاط للسجدتين وهو ليس بواجب، إذ لو كان واجبا لم ينجبر بسجود السهو فإنه لو انحط أولا للجلوس
ثم سجد السجدتين منه فإن صلاته لا تبطل، لكنه يكره تعمد ذلك، فإن سلم من الأخيرة معتقدا الكمال ثم تذكر ترك ركن منها فات التدارك واستأنف ركعة بدلها إن
لم يطل فإن طال بطلت صلاته.
ويسجد بعد السلام في جميع ما تقدم للزيادة.
وإن كان الركن المتروك من غير الأخيرة وتداركه إن لم يعقد ركوع الركعة التي بعدها، فإن عقده برفع الرأس من الركوع بطلت ركعة النقص ورجعت الثانية أولى، فإن كانت ركعة النقص هي الأولى صارت الثانية مكانها ويأتي بركعة بأم القرآن وسورة ويتشهد ويسجد بعد السلام، وإن كانت ركعة النقص هي الثانية صارت الثالثة ثانية، وهي بفاتحة فقط فيتشهد بعدها ويأتي بركعتين بفاتحة فقط ويسجد قبل السلام لنقص السورة من التي صارت ثانية مع الزيادة، وإذا كانت ركعة النقص هي الثالثة صارت الرابعة ثالثة ويسجد بعد السلام، وإذا تذكر وهو في الجلوس الثاني أنه ترك ركنا من الأولى رجعت الثانية أولى والثالثة ثانية والرابعة ثالثة فيأتي بركعة بالفاتحة فقط سرا ويسجد قبل السلام لنقص السورة والتشهد الأول لأنه صار ملغى بوقوعه بعد الأولى والزيادة ظاهرة، وكذا إن تذكر بعد السلام بقرب يلغه، فإن بطلت اهـ " قرة العين، بفتاوى علماء الحرمين " للشيخ حسين إبراهيم مفتي السادة المالكية بمكة المكرمة سابقا رحمه الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن جهل كم صلى بنى على الأقل " يعني من أن نسي عدد ما صلى فإنه يبني على اليقين؛ لأن الذمة لا تبرأ إلا باليقين.
قال في الرسالة: ومن لم يدر ما صلى أثلاث ركعات أم أربعا بنى على اليقين وصلى ما شك فيه وأتى برابعة وسجد بعد سلامه اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن ترك الفاتحة من ركعة أجزأه السجود على الأشهر إلا أن تكون ثنائية فتبطل على قول القاضي " يعني أن المصلي إذا ترك الفاتحة في ركعة واحدة اختلف العلماء فقيل يعيد الصلاة، وقيل يلغي الركعة ويقضيها، وقيل يسجد للسهو قبل السلام والقول الأخير هو الذي مشى عليه المصنف بقوله أجزأه السجود على الأشهر إلخ.
وقوله على قول القاضي يعني به الشيخ أبا محمد عبد الله
بن أبي زيد القيرواني.
قال العلامة الشيخ صالح بن عبد السميع في هداية المتعبد: واختلف في السهو عن القراءة في ركعة من غير الصبح كالرباعية كالرباعية أو الثلايتة على ثلاثة أقوال كلها في المدونة، فقيل يجزئ عن القراءة في ركعة من غير الصبح سجود السهو قبل السلام، واختار هذا القول عبد الملك بناء على أنها فرض في الجل وقيل بلغيها أي الركعة التي ترك منها قراءة الفاتحة ويأتي بركعة بدلها لفوات تداركها ويسجد بعد السلام حيث جلس بعد ركعتين صحيحتين بحيث قرأ فيهما الفاتحة والسورة، وإلا سجد قبل السلام لزيادة
الركعة الملغاه ونقص الجلوس والسورة من الثانية التي ظنها ثالثة، واختار هذا القول ابن القاسم، وهذا يقتضي وجوبها في كل ركعة.
وصحح ابن الحاجب القول بوجوبها في كل ركعة.
وقال ابن شاس هي الرواية المشهورة.
وقيل يسجد قبل السلام ولا يأتي بركعة بدلها ويعيد الصلاة احتياطا.
قال الأجهوري: وإنما أمر بالاحتياط لبراءة ذمته مراعاة لمن يقول بوجوبها في كل ركعة وبإعادة افترقت الرواية الثالثة من الأولى اهـ. وتقدم لنا الكلام في تارك الفاتحة في الركن الرابع من أركان الصلاة عند قول المصنف: والمشهور وجوبها إلخ فراجعه إن شئت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وإن ترك تكبيرة الإحرام ابتدأ " يعني أن المصلي إذا ترك تكبيرة الإحرام وجب عليه أن يبتدئ صلاته لبطلانها لعدم الركن الأول وكأنه لم يدخل الصلاة.
قال مالك في الموطأ، ومثله في المدونة فيمن نسي تكبيرة الافتتاح أنه يستأنف صلاته.
وقال في إمام نسي تكبيرة الافتتاح حتى يفرغ من صلاته، قال أرى أن يعيد ويعيد من خلفه الصلاة، وإن كان من خلفه قد كبروا فإنهم يعيدون اهـ. وتقدم لنا الكلام على تكبيرة الإحرام في الركن الثاني من أركان الصلاة فراجعه إن شئت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمؤتم يحرم ويدرك ما لم يركع إمامه، وقيل ما لم يرفع " يعني أن المأموم يحرم ويدرك الإمام ما لم يعقد إمامه ركعة، فإذا عقدها فاته محل التدارك.
واختلف هل عقد الركعة يكون بالركوع أو برفع الرأس منه، والمشهور عند ابن القاسم أن عقد الركعة يكون برفع الرأس من الركوع إلا في مسائل فيتفقان فيها، على أن عقدها يحصل بوضع يديه على ركبتيه.
وتلك المسائل هي ترك سر أو جهر بموضعهما، وتقديم السورة على أم القرآن، وتكبير عيد، وسجدة تلاوة، وذكر بعض صلاة، وإقامة مغرب عليه وهو بها، فإن عقد الركعة يحصل في الجميع بالركوع أي بالانحناء.
وبه يفوت محل التدارك.
وقول المصنف ما لم يركع، وقيل ما لم يرفع إشارة إلى القولين.
وقال العلامة المحقق مفتي المالكية بمكة سابقا الشيخ حسين بن إبراهيم المغربي في " قرة العين " فيمن ترك ركنا من أركان الصلاة أنه يتداركه ما لم يعقد ركوع الركعة التي بعدها إلى أن قال: فإن عقده برفع الرأس من الركوع لأن عقده عند ابن القاسم برفع رأسه مطمئنا معتدلا، فمن لم يعتدل تدارك ما فاته.
قال: وكذا المسبوق إذا كبر للإحرام وانحنى بعد رفع الإمام رأسه وقبل اعتداله فقد أدرك الركعة معه إلا في مسائل فعقد الركوع فيها بالانحناء عند ابن القاسم، وهي كما تقدم ترك الركوع من ركعة فيفوت لمجرد الانحناء من التي تليها، وتقوم هذه الركعة مقام ما قبلها، أو ترك سر الفاتحة، أو سورة فيفوت تداركه بالانحناء، فإن خالف وعاد للقراءة على سنتها بطلت صلاته، أو ترك جهر كذلك، أو ترك تكبير عيد كلا أو بعضا حتى انحنى فكذلك، أو ترك سورة بعد فاتحة، أو ترك سجدة تلاوة في فرض أو نفل حتى انحنى ساهيا عنها، أو ذكر بعضا من صلاة أخرى قبل التي هو فيها، والمراد بالبعض المتروك ما يشمل البعض حقيقة أو حكما كالسجود القبلي المترتب عن ثلاث سنن فبالانحناء
يفوت التدارك وتبطل الصلاة التي ترك منها البعض الحقيقي أو الحكمي للطول بالركوع.
ثم قال: هذا حاصل ما في أقرب المسالك مع زيادة من حاشية الخرشي اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن أدركه راكعا فأمكنه أن يحرم ويدركه قبل رفعه صحت، وبعد رفعه الصحيح أنه يبتدئ، وقيل إن كبر للركوع مضى وأعاد إيجابا.
وقال ابن الماجشون استحبابا " يعني أن المسبوق الذي أدرك الإمام راكعا فإن أمكنه أن يكبر وهو قائم قبل اعتدال الإمام قائما فعل ولحقه وقد حصلت له تلك الركعة وصحت.
وإن تحقق أنه ما حصل له الركوع إلا من بعد رفع رأسه واعتداله قائما فالصحيح أنه لا يعتد بتلك الركعة، فإن اعتد بها بطلت صلاته ووجب عليه الإعادة.
وقيل إن كبر للركوع مضى مع إمامه وأعاد صلاته إيجابا.
وقال ابن الماجشون يعيدها استحبابا، ولعل وجه قول ابن الماجشون ما رواه مالك رحمه الله في الموطأ من أهن قال: ولو سها مع الإمام عن تكبيرة الافتتاح وكبر في الركوع الأول رأيت ذلك مجزيا عنه إذا نوى بها تكبيرة الافتتاح اهـ. قال العلامة ابن رشد في المقدمات في الكلام على تكبيرة الإحرام: فإذا نسي المأموم تكبيرة الإحرام وكبر للركوع ولم ينو بها تكبيرة الإحرام تمادى مع الإمام وأعاد، وإن نوى بها تكبيرة الإحرام أجزأته صلاته وحمل عنه الإمام القراءة اهـ. وتقدم لنا الكلام في المسبوق الذي أدرك بعض صلاة الإمام فراجعه إن شئت في فصل المنفرد بصلاة من هذا الكتاب.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويسجد المؤتم لسهو إمامه " يعني أن المأموم غير المسبوق يسجد مع إمامه مطلقا قبليا أو بعديا، أي يلزمه أن يتابعه في سجود سهوه مهما كان.
قال رحمه الله: " فأما المسبوق إن سجد إمامه قبل سلامه سجد معه " على المشهور، وأما إن كان سجوده بعديا فلا يسجد معه حتى يأتي بقضاء ما عليه ثم يسجد بعدي إمامه، فإن قدمه على القضاء أو سجد مع الإمام عمدا، أو كان تقدمه ذلك عمدا أو جهلا بطلت صلاته، لا إن كان ذلك سهوا فيسجد بعد السلام، وكذلك تبطل صلاته إن سجد القبلي مع الإمام إن لم يدرك معه ركعة، ثم إن المأموم مطالب بالسجود إن تركه الإمام.
فإن كان السجود مترتبا عن ثلاث سنن
وتركه الإمام ولم يسجد له وسجده المأموم بطلت صلاة الإمام دون صلاة المأموم، وتزاد هذه على قولهم كل صلاة بطلت على الإمام بطلت على المأموم إلا في سبق الحدث ونسيانه اهـ شارح العزية.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وقام " أي المسبوق " للقضاء بعد سلامه " الضمير عائد للإمام، يعني أن المسبوق إذا سلم الإمام قام ليقضي ما فاته من الصلاة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وإن سجد بعد السلام لم يسجد معه " يعني أن المسبوق إذا ترتب على إمامه السجود البعدي فلا يسجد معه كما تقدم قال الأخضري: والمسبوق إن أدرك مع الإمام أقل من ركعة فلا يسجد معه لا فبليا ولا بعديا، فإن سجد معه بطلت صلاته، وإن أدرك ركعة كاملة أو أكثر سجد معه القبلي وأخر البعدي حتى يتم صلاته فيسجد بعد سلامه، فإن سجد مع الإمام فهو كالمصلي وحده، وإذا ترتب على المسبوق بعدي من جهة إمامه وقبلي من جهة نفسه أجزأه القبلي اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهل يقوم " المسبوق " للقضاء بعد سلامه من الصلاة أو من السجود؟ قولان " يعني اختلف أهل المذهب في المسبوق بعد سلام الإمام
هل يقوم لقضاء ما فاته من الصلاة قبل فراغ إمامه من السجود البعدي، أو ينتظره حتى يسلم منه، قال ابن جزي في القوانين: المسألة الخامسة المسبوق إن سها بعد سلام الإمام وأما سهو إمامه فإن كان قبليا سجد معه مطلقا.
وقال إسحاق يسجد بعد فراغه من قضائه مطلقا.
وقال الشافعي يسجد معه ثم يسجد بعد فراغه.
وعلى المذهب فاختلف هل يقوم لقضائه إذا سلم الإمام أو ينتظره حتى يفرغ من سجوده اهـ قلت: المشهور أن المسبوق لا يقوم لذلك إلا بعد سلام الإمام.
والله الموفق للصواب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويسجد المؤتم بعد قضائه " يعني أن المسبوق يسجد بعد السلام بعد إتيانه بما عليه مما فاته مع الإمام، كما إذا زاد إمامه وسجد لسهوه فإنه يسجد بعد إتمام صلاته كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والإمام يحمل سهو المؤتم " يعني أن الإمام يحمل سهو المأموم، ما لم يترك ركنا من أركان الصلاة، فإذا ترك المؤتم ركنا من أركان الصلاة فإن الإمام لا يحمله عنه إلا إذا كان الركن المتروك فاتحة فيحملها عنه الإمام، بل إنه يكره للمأموم قراءتها خلف الإمام في الصلاة الجهرية عند المالكية.
وقول المصنف:
والإمام يحمل سهو المؤتم، قال العلامة الصاوي في حاشيته على أقرب المسالك: لا مفهوم السهو بل إذا تعمد ترك جميع السنن فإن الإمام يحملها عنه اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي تعمد ترك سنة قولان بالسجود وعدمه " يعني اختلف في ترك سنة واحدة عمدا من سنن الصلاة بالسجود قبل السلام وعدمه.
وقيل تبطل به الصلاة.
وفي العزية قال بعضهم: لو ترك الجهر عامدا فقيل يستغفر الله ولا شيء عليه.
وقيل تبطل صلاته لأن هذا من التهاون بالسنن كما يتهاون بالفريضة.
قال شارحها: ولا مفهوم للجهر بل كل سنة تركت عمدا في الصلاة فيها هذان القولان اهـ. وقال ابن جزي في
مبطلات الصلاة: وكذلك ترك سنة من سننها المذكورة عمدا يفسدها عند بعضهم اهـ. وفي المكروهات: وكره ترك سنة خفيفة عمدا من سننها كتكبيرة وتسميعة.
وحرم ترك المؤكدة، قاله الدردير.
وقال الصاوي في حاشيته: قوله وحرم ترك المؤكدة، أي وفيها قولان بالبطلان وعدمه والراجح يستغفر الله ولا شيء عليه.
قال والجزم بالحرمة مشكل غاية الإشكال حيث كان متفقا على سنتيها، ولم يكن فيها قول بالفريضة اهـ قلت: الحاصل أن الراجح فيمن ترك سنة واحدة عمدا أن يستغفر الله ولا شيء عليه.
والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا سجود لترك فضيلة " يعني أن الفضائل لا سجود لها، بل نصوا على أن من سجد قبل السلام لنقص فضيلة أعاد صلاته أبدا.
مثال ذلك ما لو ترك القنوت في الصبح فظن أنه يجبر بالسجود فسجد له قبل السلام بطلت صلاته ووجب عليه الإعادة أبدا اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وعمدا الكلام لا لإصلاحها مبطل وإن قل لا سهوه إلا، يكثر " يعني أن من تكلم في الصلاة متعمدا بطلت صلاته، إلا لإصلاحها فلا تبطل بقليله بل بكثيره.
وقال في المدونة: من تكلم في صلاته ناسيا بنى على صلاته ثم سجد بعد السلام، وإن كان مع الإمام فإن الإمام يحمل ذلك عنه.
وفيها أيضا عن مالك بإسناده عن أبي هريرة يقول: " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر فسلم في ركعتين، فقال ذو اليدين فقال أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك ما لم يكن، فقال قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: أصدق ذو اليدين؛ فقالوا نعم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتم ما بقي من الصلاة ثم سجد سجدتين بعد السلام وهو جالس " اهـ قال العلامة الشيخ عبد اللطيف المرداسي في عمدة البيان: أن من تكلم ساهيا وكان قليلا فإنه يجزئه
عن ذلك سجود السهو بعد السلام، لأن الكلام إذا كان سهوا وكان قليلا فمنجبر، وأما الكثير ولو كان سهوا فمبطل لكون المصلي يخرج بسببه عن معنى الصلاة.
وأما من تكلم عامدا
لغير إصلاح الصلاة بطلت صلاته سواء كان الكلام قليلا أو كثيرا، حراما كان أو واجبا.
وأما لإصلاح الصلاة فالمشهور لا تبطل صلاته.
وقال ابن كنانة تبطل.
وأما الجاهل قيل حكمه كحكم الساهي.
وقيل حكمه كحكم العامد.
وأما المكره على الكلام فقال ابن شاس تبطل صلاته اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وسعال وعطاس وغلبة بكاء " يعني أن المصلي إذا عرضت له هذه الأشياء فلا سجود عليه ولا تبطل صلاته إلا إذا كانت شديدة ومنعته من الإتيان بشيء من الفرائض فتبطل صلاته وإلا فجميعها مغتفر.
قال الأخضري: وبكاء الخاشع في الصلاة مغتفر.
وقال ابن جزي في القوانين: المسألة الثالثة فيما يشبه القول فالنفخ غير مبطل.
وقيل يبطل عمده ويسجد لسهوه، والبكاء خشوعا حسن وإلا فهو كالكلام.
والأنين كالكلام إلا أن يضطر إليه.
والقهقهة تبطل مطلقا.
وقيل في العمد.
والتبسم مغتفر.
وقيل يسجد له بعد السلام لأنه زيادة.
وقيل قبل السلام لنقص الخشوع، والتنحنح لضرورة لا يبطل، ودونها فيه قولان.
وقراءة كتاب إن حرك به لسانه كالكلام، وإلا فمغتفر إلا أن يطول اهـ. وفي المدونة عن مالك فيمن عطس وهو في الصلاة أنه لا يحمد الله، فإن فعل ففي نفسه.
قال ابن القاسم: ورأيته يرى أن ترك ذلك خير له اهـ. ولذا قال بعضهم: ومن عطس في صلاته فلا يشتغل بالحمد، أي لا يقل الحمد لله، فإن فعل أي فإن قالها فلا شيء عليه، ولا ينبغي تشميت العاطس في حال الصلاة، فإن شمته أحد فلا يرد عليه لأنه في مناجاة مولاه.
ومن تثاءب في الصلاة سد فاه، أي فليضع يده على فيه، ولا ينفث إلا في ثوبه من غير إخراج حروف.
قال ابن القاسم: ورأيت مالكا إذا أصابه التثاؤب يضع يده على فيه وينفث في غير صلاة.
قال ولا أدري ما فعله في الصلاة اهـ المدونة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويبطلها سهو الحدث وغلبته " يعني أن الصلاة تبطل
بالحدث مطلقا سواء كان عمدا أو سهوا أو غلبة.
قال الدردير في مبطلات الصلاة: وبطرو ناقص، أي ناقص لوضوئه من حدث أو سبب أو تذكره، ولا يسري البطلان للمأموم بحصول ذلك للإمام إلا بتعمده لا بالغلبة والنسيان.
قاله الصاوي.
وعبارة الشيخ صالح في الإكليل عند قول الشيخ خليل وبحدث: أي
بطلت أي الصلاة بحصول ناقض فيها غلبة أو نسيانا لفذ أو مأموم، أو إمام.
ولا يسري البطلان لصلاة مأمومية، فيستخلف من يتم بهم، فإن لم يستخلف وكمل بهم، أو عمل عملا بعد حدثه واتبعوه فيه بطلت عليهم، كتعمده الناقض اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والقهقهة " وهي تقلص الشفتين مع التكشر عن الأسنان عند الإعجاب مع الصوت، وإلا فهو الضحك، والتبسم دونه.
وقيل هو أول الضحك كما في الخرشي.
والمعنى أن القهقهة من مبطلات الصلاة، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى ذات يوم مع أصحابه وبين يديه حفرة فأقبل رجل للصلاة وفي عينيه شيء فسقط في تلك الحفرة فضحك بعض أصحابه، فلما سلم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " من ضحك منكم فليعد الصلاة " اهـ قاله الليث بن سعد كما في المدونة.
قال العلامة عبد الرحمن الأخضري: ومن ضحك في صلاته بطلت صلاته سواء كان عامدا أو ساهيا، ولا يضحك في صلاته إلا غافل متلاعب، والمؤمن إذا قام للصلاة أعرض بقلبه عن كل ما سوى الله تعالى، ويترك الدنيا وما فيها حتى يحضر بقلبه جلال الله تعالى وعظمته، ويرتعد قلبه وترهب نفسه من هيبة الله جل جلاله، فهذه صلاة المتقين اهـ. قال الشيخ خليل في المختصر: وبطلت بقهقهة، وتمادى المأموم إن لم يقدر على الترك اهـ انظر الخرشي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لا التبسم " أي لا تبطل به الصلاة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهل يسجد له قولان " يعني هل يسجد المصلي سجود السهو إذا تبسم أم لا سجود عليه؟ قال الخرشي وغيره إنه لا سجود عليه سواء كان
عمدا أو سهوا، غير أن العمد مكروه لأن التبسم حركة الشفتين فهو كحركة الأجفان والقدمين، وعرفه بعضهم بأنه انبساط الوجه واتساعه مع ظهور البشرى من غير صوت اهـ وفي الرسالة: ومن ضحك في الصلاة أعادها ولم يعد الوضوء، وإن كان مع إمام تمادى وأعاد، ولا شيء عليه في التبسم.
والنفخ في الصلاة كالكلام، والعامد لذلك مفسد لصلاته اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والتنحنح إن ظهر منه مقاطع الحروف فكالكلام وإلا فلا " يعني أن التنحنح في الصلاة لا شيء فيه إلا إذا ظهر منه خروج الحروف فيكون حكمه كحكم الكلام.
قال العلامة ابن جزي في القوانين الفقهية: والتنحنح لضرورة لا يبطل، ودونها فيه قولان وقال الأخضري: والتنحنح للضرورة مغتفر، وللإفهام منكر ولا تبطل الصلاة به.
وقال الشارح: حاصل الكلام في التنحنح أنه إن كان لضرورة ولا تبطل به الصلاة ولا سجود فيه اتفاقا.
ولغير ضرورة قولان لمالك أحدهما يفرق بين العمد والسهو، والأخر لا يبطل مطلقا وبه أخذ ابن القاسم، واختاره الأبهري واللخمي لخفة الأمر اهـ. وقال الدردير: ولا تبطل بتنحنح ولو لغير حاجة اهـ.
ولما أنهى الكلام على السهو وما يتعلق به انتقل يتكلم في أحكام الرعاف فقال:
فَصْلٌ
في أحكام الرعاف
أي في الكلام على الرعاف وأحكامه قال رحمه الله: " الرعاف " يعني به خروج الدم من الأنف بلا سبب، وليس من نواقض الوضوء عند مالك رحمه الله.
قال المصنف:
" إن كان قبل ركعة وأمكن التمادي معه مضى في صلاته، وإلا قطع وغسل الدم " يعني كما في القوانين.
قال: ومن رعف وعلم أن الدم لا ينقطع صلى على حاله، وإن رجا انقطاعه فإن أصابه قبل الصلاة انتظر حتى ينقطع، فإن لم ينقطع إلى آخر الوقت صلى، وإن أصابه في الصلاة فتله بأصابعه وتمادى، فإن قطر أو سال خرج لغسله، وجاز له أن يقطع الصلاة بسلام أو كلام ثم يغسله ويبتدئ، وأن يبني على صلاته بعد غسل الدم.
والقطع اختيار ابن القاسم، والبناء اختيار مالك.
ولا يجوز البناء في غير المذهب، وإنما يجوز البناء في المذهب بخمسة شروط وهي: أن لا يتكلم، ولا يمشي على نجاسة، ولا يصيب الدم جسده ولا ثيابه، وأن يغسل الدم في أقرب المواضع، وأن يكون قد عقد ركعة بسجدتيها على خلاف في هذا.
والبناء جائز في المذهب للإمام والمأموم.
واختلف في المنفرد.
وإذا رعف المسبوق فأراد البناء فاختلف هل يبتدئ بالبناء أو بالقضاء اهـ. قال الدردير في أقرب المسالك: فإن اجتمع له قضاء وبناء قدم البناء وجلس في أخيرة الإمام ولو لم تكن ثانيته، وفي ثانيته كمن أدرك الوسطيين أو إحداهما.
فظهر على ذلك الخلاف أنه يقدم البناء على القضاء وهو المشهور.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و: " وإن كان بعد عقد ركعة بنى " يعني أن الراعف يبني على صلاته بعد غسل الدم إن كان إماما أو مأموما، وأما الفذ ففيه خلاف كما قال خليل في المختصر: وفي بناء الفذ خلاف.
وقول المصنف وبنى، هو كذلك بشرط عقد الركعة فأكثر قبل أن يصيبه الرعاف وإلا فلا يبني.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن كان إماما استحب أن يستخلف " يعني أنه إذا
أصاب الإمام رعاف، واضطر إلى الخروج ليغسل الدم يستحب له استخلاف غيره من المأمومين الذين أدركوا معه ركعة ليكمل بهم الصلاة لعذر قائم به.
وشبه في استحباب استخلافه لذلك فقال: " كغلبة الحدث " أي كما يستحب له الاستخلاف عند غلبة الحدث لبطلان صلاته.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
" فلو أتموا فرادى جاز إلا في الجمعة فيجب الاستخلاف " قال الأبي في جواهر الإكليل: فإن ترك الاستخلاف وجب عليهم في الجمعة وندب في غيرها اهـ. وقال في المختصر: إن كان بجماعة واستخلف الإمام وفي بناء الفذ خلاف اهـ قال الخرشي: يعني أن البناء إنما يكون لمن صلى مع جماعة إماما كان أو مأموما لكن إن كان إماما يستخلف استحبابا وإلا استخلفوا إن شاؤوا وإن شاؤوا صلوا أفذاذا غير الجمعة وإلا وجب الاستخلاف عليهم.
وأما الفذ فهل له البناء وهو قول مالك وظاهر المدونة عند الجماعة، أو ليس له البناء فيقطع وهو قول ابن حبيب وشهره الباجي فضل الجماعة فيبني على الأول دون الثاني اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمؤتم يخرج وعليه حرمة الصلاة فيغسل الدم في أقرب المواضع إليه " يعني أن المأموم إذا خرج إلى غسل الدم ما زال في حرمة الصلاة ولا يفعل شيئا يخالفها إلا ما خرج لأجله بشرط أن لا يجوز مكانا يمكنه أن يغسل الدم منه، فإن جاوزه بطلت صلاته.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ثم إن ظن " أي ظن المؤتم الذي حصل منه الرعاف " إدراك البقية من الصلاة رجع " الحاصل أن المأموم الذي رعف مع الإمام إذا غسل الدم وظن أن يدرك بقية الصلاة مع إمامه وجب عليه الرجوع ليتم معه الصلاة، وإن لم يظن الإدراك معه فله أن يبني في المحل الذي هو فيه إن أمكن، وإلا فأقرب مكان ممكن.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وبنى " على صلاته التي أدرك مع الإمام منها ركعة فأكثر لا أقل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " بشرط عدم الكلام " يعني يشترط عليه عدم الكلام حين خروجه لغسل الدم فلا يتكلم، فإن تكلم ولو سهوا بطلت صلاته كما تقدم.
قال رحمه الله: " و " بشرط عدم " وطئه نجاسة " كذلك " و " بشرط عدم " تجاوزه الموضع الأقرب " أي كذلك يشترط عليه أن لا يتجاوز الموضع الذي أمكنه غسل الدم
فيه إلى أبعد منه، فإن جاوزه بطلت كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى
: " و " بشرط عدم " حدثه " يعني فإن أحدث قبل بنائه أو خالف شرطا من الشروط المتقدمة، بطلت صلاته، كما تبطل باستدباره بلا عذر.
قال
المصنف رحمه الله تعالى: " وإلا أتم مكانه " يعني وإن لم يظن إدراك بقية الصلاة مع الإمام بأن تحقق أن الإمام سلم فإنه يتم في مكانه الذي هو فيه إن أمكن كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " إلا في الجمعة فيرجع على كل حال " يعني إذا كان ذلك في صلاة الجمعة وجب عليه الرجوع إلى الجامع الذي صلى فيه إمامه.
قال أبو محمد في الرسالة: ومن رعف بعد سلام الإمام سلم وانصرف، وإن رعف قبل سلامه انصرف وغسل الدم ثم رجع فجلس وسلم.
وللراعف أن يبني في منزله إذا يئس أن يدرك بقية صلاة الإمام إلا في الجمعة فلا يبني إلا في الجامع اهـ يعني ولو ظن فراغ إمامه لأن الجامع شرط في صحة الجمعة، لكن لا يكلف بموضعه الذي صلى فيه مع الإمام، بل يكفيه أي موضع منه لأن ذلك يؤدي إلى كثرة الفعل وكثرته مبطلة لها، ولو أتم في جامع غير الذي صلى فيه أولا لبطلت صلاته وإن كان أقرب منه، قاله التتائي والأجهوري اهـ قال المصنف رحمه الله تعالى: " والصحيح أن الإمام " أي الذي استخلف غيره " إذا رجع ليس له إخراج المستخلف ليتم هو " يعني أن الإمام إذا رجع بعد زوال عذره ليس له إخراج المستخلف.
قال العلامة الشيخ خليل مشبها في عدم صحة الصلاة كعود الإمام لإتمامها، أي ليتم لهم الصلاة إماما كما كان قبل العذر فتبطل عليهم إن اقتدوا به سواء استخلف حال خروجه أم لا، فعلوا فعلا قبل عوده لهم أم لا، هذا هو المشهور.
قاله في جواهر الإكليل اهـ وأما عبارة الخرشي أنه قال: أي كما تبطل الصلاة إذا عاد الإمام بعد زوال عذره لإتمامها بهم سواء كأن خرج ولم يستخلف ولم يفعلوا لأنفسهم شيئا إلى أن عاد، أو استخلف عليهم ثم عاد فأخرج المستخلف وأتم بهم.
وظاهر كلام المؤلف كغيره بطلان الصلاة كان العذر حدثا أو رعافا، استخلف الإمام أم لا، عملوا عملا أم لا، وليس كذلك بل البطلان محمول على ما
إذا كان في حدث أو رعاف بناء واستخلف الإمام، أو لم يستخلف وعملوا وعملوا عملا بعده.
وأما لو لم يستخلف ولم يعملوا عملا بعده فلا تبطل اهـ.
فَصْلٌ
في بيان النوافل وأوقاتها وكيفيتها
أي في بيان أوقات النوافل، وكيفيتها، وأنواعها ليلا أو نهارا، حضرا أو سفرا، برا أو بحرا، قال رحمه الله تعالى: " يباح التنفل في سائر الأوقات " يعني
أنه يجوز صلاة النافلة في كل وقت من الليل والنهار إلا في وقت التحريم أو الكراهة، إليه أشار المصنف فقال: " إلا بعد صلاة الصبح " فتكره النافلة " حتى ترتفع الشمس " يعني تكره صلاة النافلة بعد صلاة الصبح إلى أن ترتفع الشمس قيد رمح - بكسر القاف وفتح الدال - أي قدر رمح من الرماح التي قدرها اثنا عشر شبرا بالشبر المتوسط.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وبعد العصر حتى تغرب " يعني أنه يكره التنفل بعد فرض العصر حتى تغرب الشمس، لما رواه الإمام في الموطأ بإسناده عن أبي هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس " اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفيه " أي إباحة النوافل وعدمها " عند الزوال خلاف " يعني أن الأئمة اختلفوا في إباحة النافلة وعدم الإباحة عند استواء الشمس وقبل زوالها عن كبد السماء، فكرهها الأئمة الثلاثة، لحديث عبد الله الصنابحي، وأجازها الإمام مالك رحمه الله لما جرى به عمل أهل المدينة، قال ما أدركت أهل الفضل إلا وهو يجتهدون ويصلون نصف النهار، وفي المدونة في جامع الصلاة، قال مالك: لا أكره الصلاة نصف النهار إذا استوت الشمس في وسط السماء، لا في يوم جمعة ولا في غيره.
قال: ولا أعرف
هذا النهي، وما أدركت أهل الفضل والعباد إلا وهو يهجرون ويصلون في نصف النهار في تلك الساعة، ما يتقون شيئا في تلك الساعة اهـ. وقال العلامة الشيخ أبو الحسن في العزية: يحرم عليه، أي على المكلف صلاة النفل عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند خطبة الجمعة، وعند ضيق الوقت، أو بعد خروجه لمن عليه فرض ويكره بعد طلوع الفجر إلى أن ترتفع الشمس قيد رمح، وبعد فرض العصر إلى أن تصلي المغرب، وعند أذان الجمعة للجالس، وبعد فرض الجمعة في مصلاها.
ولا تكره عند وقت الاستواء اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وليس مع الصلوات رواتب محدودة " يعني أي ليس شيء محدود من النوافل بعد المفروضات، بل يصلي ما شاء منها مثنى مثنى، فإن زاد على الوارد فله ذلك، وإن نقص عنه فلا حرج عليه.
ومعنى الوارد ما ورد في الحديث نحو قوله عليه الصلاة والسلام: " من يحافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار " وفي الطبراني: " من صلى أربع ركعات قبل العصر حرم الله بدنه على النار " وفي رواية لأبي داود والترمذي: " رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا " قال العلماء: ودعاؤه صلى الله عليه وسلم مقبول.
وقالوا أيضا: والأعداد الواردة في الأحاديث ليست للتحديد حتى لا يتعداه ولا ينقص عنه بل
للترغيب فقط.
قال العلامة عبد الوهاب الشعراني في الميزان: اتفق الأئمة الأربعة على أن النوافل الراتبة سنة، وهي ركعتان قبل الفجر، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء اهـ. وقال ابن الحاج في المدخل في آداب طالب العلم: ينبغي له أن يشد يده على مداومته على فعل السنن والرواتب وما كان منها تبعا للفرض قبله أو بعده، فإظهارها في المسجد أفضل من فعلها في بيته كما كان عليه الصلاة والسلام يفعل، عدا موضعين كان لا يفعلهما إلا في بيته بعد الجمعة وبعد المغرب، أما بعد الجمعة فلئلا يكون ذريعة لأهل البدع الذين لا يرون صحة الجمعة إلا خلف إمام معصوم، وأما بعد المغرب فشفقة على الأهل لأن الشخص قد يكون صائما فينتظره أهله وأولاده للعشاء
ويتشوقون إلى مجيئه فلا يطول عليهم اهـ. انظره في الحطاب.
وقال العدوي في حاشيته على الخرشي: تنبيه: إنما تطلب الرواتب القبلية ممن ينتظر جماعة، لا من الفذ، ولا ممن لا ينتظرها، وات تطلب إلا مع اتساع الوقت.
ولا خلاف في منعها إن ضاق اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهي " أي الرواتب المذكورة، أو مطلق النوافل " في الليل والنهار مثنى مثنى " يعني أن نوافل الليل والنهار كلها ركعتان ركعتان.
وعن مالك في الموطأ أنه بلغه أن عبد الله بن عمر، رضي الله عنه، كان يقول: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى يسلم من كل ركعتين.
قال مالك: وهو الأمر عندنا اهـ. قال النفراوي: ويكره أن يصلي أربعا من غير فصل بسلام.
قال الأجهوري: وإذا نوى شخص النفل أربعا خلف من يصلي الظهر ودخل معه في الأخيرة فهل له الاقتصار على ركعتين ويسلم مع الإمام أم لا، والأول هو المنقول بل يفيد النقل أنه مأمور بالاقتصار على ركعتين.
قال اللخمي: اختلف الناس في عدد ركعات النفل، فذهب مالك أنه مثنى مثنى بليل أو نهار، فإن صلى ثلاثا أتم أربعا لا يزيد على ذلك، وسواء على أصله نواه أربعا ابتداء أم لا فإنه مأمور بالسلام من ركعتين، وإن دخل على نية ركعتين فصلى ثلاثا فإنه يؤمر أن يتم أربعا اهـ. وما قررناه خلافا لما مشى عليه أهل الكوفة في إجازتهم عشر ركعات، وثمانيا، وستا، وأربعا بغير سلام اهـ قاله الزرقاني على الموطأ.
وقد عقد العلامة محمد بن عبد الرحمن الدمشقي فصلا في كتابه " رحمة الأمة " فقال: والسنة في تطوع الليل والنهار أن يسلم من كل ركعتين، فإن سلم من كل ركعة جاز عند مالك والشافعي وأحمد.
وقال أبو حنيفة لا يجوز.
وقال في صلاة الليل: إن شاء صلى
ركعتين أو أربعا أو ستا أو ثماني ركعات بتسليمة واحدة، وبالنهار يسلم من كل أربع اهـ.
قال المصنف: " والأفضل الجهر في الليل والسر في النهار " يعني كما في الرسالة يستحب في نوافل الليل الإجهار وفي نوافل النهار الإسرار، وإن جهر في النهار في تنفله
فذلك واسع اهـ. وقوله واسع أي جائز أي خلاف الأولى لا أنه جائز مستوى الطرفين.
وحكى ابن الحاجب في كراهته قولين اهـ الثمر الداني، قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الأفضل " تكثير الركوع والسجود " اعلم أن تكثير الركوع والسجود عند المصنف من تطويل القراءة مع قلة الركعات.
قال خليل في المختصر.
وهل الأفضل كثرة السجود أو طول القيام، قولان.
رجح المصنف الأول لما فيه من كثرة الفرائض، وما تشتمل عليه من تسبيح وتحميد وتهليل وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولخبر " عليك بكثرة السجود فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط بها عنك خطيئة " اهـ. وقيل الأفضل طول القيام بالقراءة مع قلة الركعات لخبر " أفضل الصلاة القنوت " أي القيام، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم حتى تورمت قدماه ولم يزد على إحدى عشرة ركعة في رمضان ولا في غيره.
وقال الدردير في شرحه على المختصر: ولعل الأظهر الأول.
وقال الحطاب: استظهر ابن رشد القول الثاني في رسم المحرم من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة.
ونصه: اختلف أهل العلم في الأفضل من طول القيام أو كثرة الركوع والسجود مع استواء من الصلاة، فمن أهل العلم من ذهب إلى أن كثرة الركوع والسجود أفضل، لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من ركع ركعة وسجد سجدة رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة " ومنهم من ذهب إلى أن طول القيام أفضل لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الصلوات أفضل؟ قال: " طول القنوت " وفي بعض الآثار " طول القيام " وهذا القول أظهر، إذ ليس في الحديث الأول ما يعارض هذا الحديث اهـ. انظر الحطاب إن شئت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الأفضل فعلها خلوة وفي نصف الليل الأخير " يعني أن فعل النوافل في الخلوات والبيوت أفضل، وفي نصف الليل أو ثلثه أو سدسه أفضل وأستر وأبعد من الرياء، ولخبر " اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة " اهـ.
وقال أبو محمد في الرسالة بعد أن ذكر فضل الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم: وهذا كله في الفرائض، وأما النوافل ففي البيوت أفضل، ولذا قال بعضهم رحمه الله تعالى في نظمه:
وفي البيوت للنساء أولى... وللرجال من يريد نفلا
وفي الحديث " أفضل الصلوات بعد الفريضة الصلاة في جوف الليل " وفي الخبر أيضا " عليكم بقيام الليل فإنه مرضاة لربكم ودأب الصالحين قبلكم " وفي الرسالة: وأفضل الليل آخره في القيام، فمن أخر تنفله ووتره إلى آخره فذلك أفضل، إلا من الغالب عليه أن لا ينتبه فليقدم وتره مع ما يريد من التنفل أول الليل، ثم إن شاء إذا استيقظ في آخره تنفل ما شاء منها مثنى مثنى، ولا يعيد الوتر اهـ وما ذكر صاحب الرسالة من التنفل ليس فيه شيء محدود، بل الأمر في ذلك بحسب ما تيسر منه، فإن تيسرت الركعات الواردة في السنة أعني العدد الذي كان يوتر بعده صلى الله عليه وسلم فهو الأولى، وإن زاد على ذلك فهو خير، وإن نقص بحسب الطاقة فقد أتى بالمطلوب.
وقد جاء في الخبر " قم من الليل ولو قدر حلب شاة " نسأل الله أن يوقفنا للعمل بالسنة آمين.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويجوز الجلوس مع القدرة على القيام " يعني أنه يجوز للمتنفل أن يفتتح صلاته جالسا مع القدرة على القيام، أو يفتتحها قائما ويجلس كذلك.
قال الأخضري: وأما النافلة فيجوز للقادر على القيام أن يصليها جالسا وله نصف أجر القائم، ويجوز أن يدخلها جالسا ويقوم فيمتنع جلوسه بعد ذلك اهـ، قال الشارح: يعني أن القيام في الصلاة على جهة الوجوب والشرطية إنما هو في صلاة الفرض، وأما النفل فلا يشترط فيه
القيام ولو للقادر عليه، فله أن يصليه من جلوس ابتداء بأن يحرم به وهو جالس ويتممه كذلك، وله أن يحرم به من جلوس ثم يأتي به من قيام، وله أن يحرم به من قيام ثم يأتي به من جلوس، وله أن يأتي بركعة من قيام وركعة من جلوس، كل ذلك جائز إلا إذا نوى أن يأتي بالنافلة من قيام فلا يجوز له بعد ذلك أن يأتي بها من جلوس.
فجميع الأحوال التي تقدمت من حيث الجواز والصحة، وأما من حيث الثواب فليس له إلا النصف من الثواب لنقص بعض ما يحصل به التواضع وهو القيام، لأن الجزاء من جنس العمل اهـ، قاله الشيخ صالح عبد السميع في هداية المتعبد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " تجوز صلاة النافلة " على الراحلة " أي على الدابة " في سفر القصر حيثما توجهت به " يعني يجوز أن يصلي النافلة على الدابة في حالة السفر حيثما توجهت به دابته بشرط أن يكون السفر يجوز له أن يقصر فيه الصلاة كما تقدم ذلك في الكلام على استقبال القبلة فراجعه إن شئت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي السفينة يستدبر " يعني أنه قد تقدم فيما نقلناه
من كلام ابن جزي أنه قال: ويصلي في السفينة إلى القبلة فإن دارت استدار.
روى ابن حبيب أن يتنفل حيث سارت به كالدابة والمشهور الأول اهـ. وفي المختصر: لا سفينة فيدور معها إن أمكن.
قال الخرشي: أي إن راكب السفينة يمنع تنفله صوب سفره كالفرض لتيسر استقباله بدورانه لجهة القبلة إذا دارت عنها مع إمكانه وإلا صلى فيها حيث توجهت كالدابة بجامع المشقة، ولكن لا يصلي إيماء، والفرض والنفل في هذا سواء اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومفتتحها جالسا يستحب إذا قارب الركوع قام فقرأ ما تيسر وركع وله إتمامها جالسا وبالعكس " اعلم أنه أشار بما روي عن عائشة من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي جالسا فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية قام فقرأ وهو قائم، ثم ركع وسجد
ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك.
وفي رواية " أنها لم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل قاعدا قط حتى أسن فكان يقرأ حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوا من ثلاثين أو أربعين آية ثم ركع " اهـ رواه البخاري والموطأ واللفظ له.
وأما قول المصنف وله إتمامها جالسا إلخ.
تقدم بيانه آنفا عند قوله: ويجوز الجلوس مع القدرة فراجعه إن شئت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والشروع ملزم في سائر النوافل، فإن أبطلها قضاها لا إن بطلت " يعني أن الشروع في سائر العبادة يوجب إتمامها كاملة سواء كانت صلاة أو غيرها، فمن أحرم بصلاة مثلا يلزمه أن يصليها، ولا يجوز قطعها إلا لموجب، لأنها بالشروع صارت واجبة عليه، فإن أبطلها عمدا وجب عليه قضاؤها، وأما إن فسدت فلا يلزمه قضاؤها، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] وقال العلامة الصاوي في حاشيته على الجلالين: والحاصل أن الأصل في النوافل أنها لا تلزم بالشروع عند جميع الأئمة، واستثنى مالك وأبو حنيفة سبعا منها تلزم بالشروع، نظمها ابن عرفة من المالكية بقوله رحمه الله تعالى:
صلاة وصوم ثم حج وعمرة... طواف عكوف.
والتمام تحتما
وفي غيرها كالوقف والطهر خيرن... فمن شاء فليقطع ومن شاء تمما
ولابن كمال باشا من الحنفية:
من النوافل سبع تلزم الشارع... أخذا لذلك مما قاله الشارع
صوم صلاة عكوف حجة الرابع... طوافه عمرة إحرامه السابع
ونظمها أيضا بعضهم بقوله:
صلاة وصوم ثم حج وعمرة... يليها طواف واعتكاف وإتمام
يعيدهم من كان للقطع عامدا... لعودهم فرضا عليه وإلزام
وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن الأخضري: ومن قطع النافلة عامدا، أو ترك منها ركعة، أو سجدة عامدا، أعادها أبدا اهـ. قال الشارح: بناء على أن النوافل تلزم بالشروع، فمن شرع فيها لزمته، فإذا أفسدها بإخلال ركن منها عمدا أو تعمد قطعها لزمه أن يأتي ببدلها لوجوبها عليه وجوب الفرائض بمجرد الشروع فيها، لأنه ألزم نفسه بها، ولا تبرأ ذمته إلا بفعلها صحيحة اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وداخل المسجد في غير وقت كراهة يحييه بركعتين قبل جلوسه " يعني أن من دخل مسجدا وقت الإباحة متوضئا يستحب له أن يصلي ركعتين تحية المسجد قبل أن يجلس، ولا يفوتان بالجلوس.
وقال صاحب الرسالة: ومن دخل المسجد على وضوء فلا يجلس حتى يصلي ركعتين إن كان وقت يجوز فيه الركوع اهـ. قال شارحها: فالحاصل أن تحية المسجد لها ثلاثة شروط: أن يدخل على طهارة، وأن يكون مراده الجلوس في المسجد، وأن يكون الوقت وقت جواز، والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين " اهـ رواه مسلم.
وفي رواية له وللبخاري: " إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس " وورد أيضا: " أعطوا المساجد حقها، قالوا وما حقها يا رسول الله؟ قال صلاة ركعتين قبل الجلوس " اهـ. اعلم أنه لا فرق في الأمر بتحية المسجد بين مسجد الجمعة وغيره، إلا مسجد مكة فإنه يبدأ فيه بالطواف لأن تحية مسجد مكة الطواف للقادم بحج أو عمرة أو إفاضة أو المقيم الذي يريد الطواف، وأما من دخل للصلاة أو للمشاهدة فتحيته ركعتان كغيره.
ومسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم كذلك أيضا يبدأ بالتحية قبل السلام عليه صلى الله عليه وسلم، وأما المار، أو الداخل على غير وضوء، أو في وقت نهي فيستحب
له أن يقول أربع مرات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، لأن التحية بمعنى الصلاة وإن سقطت لا يسقط بدلها اهـ النفراوي مع حذف، وكذا في الخرشي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومنها " أي من النوافل المرغوبة "
التراويح
" وتسمى بقيام الليل، وقيام رمضان.
قال المصنف: وهي " ثماني عشرة تسليمة " يعني ستا وثلاثين ركعة، هذا إشارة إلى ما كان يقومون به في زمن عمر بن عبد العزيز.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وقيل عشر ما بين العشاء والوتر " يعني عشرين ركعة بين العشاء والوتر، هذا ما اتفق عليه العلماء من الأئمة الأربعة.
قال العلامة ابن جزي في القوانين الفقهية: ويستحب قيام فيه بست وثلاثين ركعة سوى الشفع والوتر.
وقيل بعشرين وفاقا لهم اهـ. أي وفاقا للشافعية والحنفية والحنابلة.
وقال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد: وكان السلف الصالح، أي هم الصحابة رضي الله تعالى عنهم يقومون فيه في المساجد بعشرين ركعة، ثم يوترون بثلاث، ويفصلون بين الشفع والوتر بسلام، ثم صلوا بعد ذلك - أي في زمن عمر بن عبد العزيز - ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر، وكل ذلك واسع، ويسلم من كل ركعتين.
وقالت عائشة، رضي الله عنها: ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا في غيره على اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر اهـ.
والأصل في ذلك كما في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر بعزيمة، فيقول: " من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " قال ابن شهاب: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر بن الخطاب اهـ. وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس، ثم صلى الليلة القابلة
فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: " قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم " وذلك في رمضان اهـ. رواه مالك في الموطأ، ثم في خلافة عمر بن الخطاب رأى أن يجمع الناس على قارئ واحد كما في الموطأ من رواية عبد الرحمن بن القاري أنه قال: " خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، فجمعهم على أبي بن كعب، قال ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون، يعني آخر الليل.
وكان الناس يقومون أوله اهـ.
وروى البيهقي عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنه قال: " أنا والله حرضت عمر على القيام في شهر رمضان، قيل وكيف ذلك يا أمير المؤمنين قال: أخبرته أن في السماء السابعة حظيرة يقال لها حظيرة القدس فيها ملائكة يقال لهم الروح، وفي لفظ، الروحانيون، فإذا كان ليلة القدر استأذنوا ربهم في النزول إلى الدنيا فيأذن لهم، فلا يمرون على مسجد يصلى فيه، ولا يستقبلون أحدا في طريق
إلا دعوا له فأصابه منهم بركة، فقال له عمر يا أبا الحسن فنحرض الناس على الصلاة حتى تصيبهم البركة، فأمر الناس بالقيام " اهـ الدر المنثور.
وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تبارك وتعالى عن يمين العرش موضعا يسمى حظيرة القدس وهو من نور، فيها ملائكة لا يحصي عددهم إلا الله تعالى يعبدون الله عبادة لا يفترون ساعة، فإذا كان أول ليلة من شهر رمضان استأذنوا ربهم أن ينزلوا إلى الأرض فيصلون مع جماعة المؤمنين، فيأذن لهم ربهم تبارك وتعالى فينزلون كل ليلة إلى الأرض، فكل من مسهم أو مسوه سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا " اهـ وقال صاحب الرسالة: ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه.
وإن قمت فيه بما تيسر فذلك مرجو فضله وتكفير الذنوب
به، والقيام فيه في مساجد الجماعات بإمام، ومن شاء قام في بيته وهو أحسن لمن قويت نيته وحده اهـ. قال الصاوي: حاصله أن ندب فعلها في البيوت مشروط بشروط ثلاثة: أن لا تعطل المساجد، وأن ينشط لفعلها في بيته، وأن يكون غير آفاقي بالحرمين، فإن تخلف منها شرط كان فعلها في المسجد أفضل، كما أنه يستحب أن يختم القرآن في التراويح بأن يقرأ كل ليلة جزءا يفرقه على العشرين ركعة اهـ مع إيضاح.
والحاصل أن صلاة التراويح لها أصل في الشرع.
وقول عمر فيها نعمت البدعة هذه ليس راجعا لأصلها، وإنما أراد بقوله نعمت البدعة جمعهم على إمام على سبيل المواظبة في المسجد لأنهم حين امتنع المصطفى صلى الله عليه وسلم من الخروج صاروا يصلونها فرادى في بيوتهم، ثم بعد سنتين حصل الأمن من خشية فرضيتها لعدم تجديد الأحكام بعد موت المصطفى عليه الصلاة والسلام أمرهم عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، بفعلها جماعة، ولعله قصد بذلك إشهارها والمدوامة عليها وإحياء المساجد بفعلها لأن إخفاءها ذريعة لإهمالها وتضييعها انظر النفراوي اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا بأس بالتنفل في جلسات الإمام بين الأشفاع " يعني يجوز التنفل بين جلسات الإمام في صلاة التراويح لأنهم كانوا في الزمن الأول يطولون القيام فيها ثم يجلسون بعد كل تسليمتين للاستراحة.
وفي المدونة: سئل مالك عن التنفل فيما بين الترويحتين؟ فقال لا بأس بذلك إذا كان يركع ويسجد ويسلم.
وقال في موضع آخر: ولا أرى بأسا، وما علمت أن أحدا كرهه اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومدرك الناس فيها لا يصلي العشاء معهم " يعني من دخل المسجد فوجد الناس يصلون التراويح ولم يصل العشاء فلا يصليها معهم، بل إنه يخرج إلى محل آخر لأداء العشاء فيه ثم يدخل معهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و
الوتر سنة مؤكدة
، ركعة عقب شفع منفصل بسلام، يدخل وقته بعد العشاء في وقتها المختار " يعني أن الوتر سنة مؤكدة،
وهو أوكد من صلاة العيد والكسوف والاستسقاء، ويدخل وقته الاختيار بعد العشاء الصحيحة والشفق إلى طلوع الفجر الصادق، ثم الضروري إلى صلاة الصبح، وهو ركعة واحدة يندب: أن يكون بعد الشفع، لكراهة الاقتصار على ركعة، كما يكره تأخيره إلى ضروريه.
وقال العلامة خليل: والوتر سنة آكد، ثم عيد، ثم كسوف، ثم استسقاء.
ووقته بعد عشاء صحيحة وشفع للفجر، وضروريه للصبح، وندب قطعها له لفذ، لا مؤتم، وفي الإمام روايتان اهـ وفي الرسالة: ثم يصلي الشفع والوتر جهرا.
وقال أيضا: وأقل الشفع ركعتان.
ويستحب أن يقرأ في الأولى بأم القرآن وسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بأم القرآن وقل يا أيها الكافرون، ويتشهد ويسلم، ثم يصلي الوتر ركعة يقرأ فيها بأم القرآن، وقل هو الله أحد، والمعوذتين.
وإن زاد من الأشفاع جعل آخر ذلك الوتر كما يأتي عن قريب عن المصنف اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والأفضل لذي الورد تأخيره إلى آخر الليل، وغيره لا ينام إلا عن وتر " ولفظ الوتر مثلث، والمعنى أن الأفضل لمن كان له ورد أي حزب معتاد يقوم به في كل ليلة تأخيره إلى آخر الليل للأحاديث الواردة في ذلك، وتقدم لنا بعضها في هذا الفصل عند قول المصنف وفعلها خلوة، وفي نصف الليل الأخير فراجعه إن شئت.
قال الصفتي: ويستحب فعله - أي الوتر - آخر الليل لمن الغالب عليه الانتباه آخر الليل، فإن غلب على ظنه عدم الانتباه فالأفضل تقديمه.
وكان الصديق يوتر أول الليل، وعمر كان يوتر آخر الليل، فقال صلى الله عليه وسلم: " إن الأول أخذ بالحزم والثاني أخذ بالعزم " انتهى فإن استوى الأمران عنده فالأفضل تأخيره كما في الرسالة، واعتمده الشيخ - أي العدوي - في حاشية الخرشي خلافا للمختصر اهـ. ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " يقرأ في " ركعتين من " الشفع بسبح اسم ربك الأعلى والكافرون " يعني يستحب قراءة سورة الأعلى بعد أم القرآن في الركعة الأولى من الشفع، ويقرأ
سورة الكافرون بعد أم القرآن في الركعة الثانية منه.
ثم يجلس ويتشهد ويسلم.
ويكره وصل الشفع بالوتر من غير سلام بينهما ثم يقوم ويصلي الوتر.
قال المصنف رحمه الله تعالى " و " يقرأ بعد أم القرآن " في " ركعة " الوتر بالإخلاص والمعوذتين " لما ورد في الحديث من " أن عائشة رضي الله عنها، سئلت بأي شئ كان يوتر النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت يقرأ في الأولى بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة بقل هو الله أحد
والمعوذتين " اهـ رواه أبو داود والترمذي.
واتفق الأئمة على أن قراءة تلك السور المذكورة مستحبة في الشفع والوتر لمن له حزب كما في النفراوي.
وهنا فروع: تتعلق بالشفع أحدها إذا سها المصلي ولم يدر أهو في الوتر أو في ثانية الشفع فإنه يجعلها ثانية الشفع ويسجد بعد السلام، كمن شك أصلى واحدة أو اثنتين فإنه يبني على الأقل ويأتي بما شك فيه ويسجد بعد السلام ثم يوتر واحدة بعد ذلك، ثانيها إن شك أهو في ثانية الشفع أو أولاه أو في الوتر جعلها أولى الشفع، وأتى بواحدة، ويسجد بعد السلام، ثم يصلي الوتر بعد ذلك.
ثالثها من زاد ركعة في الوتر سهوا سجد بعد السلام.
رابعها من ذكر في تشهد وتره أنه نسي سجدة من شفعة فإنه يشفع وتره بنية الشفع، ولا يضر إحداث هذه النية، ثم يسجد لزيادة الجلوس الذي كان يسلم بعده ثم يوتر.
خامسها إذا شك هل شفع وتره فقال ابن المواز قيل يسلم ويسجد للسهو ويجزيه.
وقيل يسجد ويأتي بوتر آخر وهو أحب إلى قاله النفراوي اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا قنوت فيه على المشهور " يعني أن الوتر لا قنوت فيه على المشهور في المذهب.
قال ابن جزي في القوانين: لا يقنت في الوتر خلافا للشافعي وابن حنبل، وابن نافع في وتر النصف الآخر من رمضان ولأبي حنيفة في وتر السنة اهـ. وقال خليل في المختصر: وقنوت سرا بصبح فقط، وكذا في العزية الخرشي: والظاهر أن حكم القنوت في غير الصبح الكراهة اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وركعتا الفجر سنة " يعني أن ركعتي الفجر سنة من السنن لمواظبته صلى الله عليه وسلم عليهما.
وقيل من الرغائب لقوله عليه الصلاة والسلام: " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها " قال خليل: وهي رغيبة تفتقر لنية تخصها.
هذا قول الأكثر من أهل العلم.
قال في الرسالة: وركعتا الفجر من الرغائب وقيل من السنن اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وقيل نافلة " يعني قد اختلف في الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح قيل إنهما سنة.
وقيل رغيبة.
وقيل نافلة كسائر النوافل، لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: " لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر " رواه البخاري ومسلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ووقتها بعد طلوع الفجر " ولو عبر هنا بالتثنية في قوله ووقتها كما عبر أولا لكان أولى.
أو ووقتهما بعد طلوع الفجر، فإن تقدمتا عليه لم يجزيا.
وندب إيقاعهما في المسجد، ونابتا عن التحية ويحصل له بهما ثوابهما أي ركعتي الفجر وتحية المسجد إن نوى ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن دخل المسجد وقبل أن يركع فيه أقيمت عليه الصلاة يركع خارجه ثم يدركه " قال في الرسالة: ومن دخل المسجد ولم يركع الفجر أجزأه لذلك ركعتا الفجر اهـ. وقال غيره: ومن دخل المسجد فوجد اإمام يصلي الصبح تركهما ودخل معه، وإن أقيمت عليه الصلاة وهو خارج المسجد أنه يركعهما خارجه ما لم يخف فوات ركعة من الصبح، فإن خاف ذلك تركهما ودخل مع اإمام على طريق السنية لتحصل فضيلة الجماعة، ثم يقتضيهما بعد ارتفاع الشمس قدر رمح للزوال.
ويستحب أن يقرأ فيهما بأم القرآن فقط اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والنائم عن ورده إن تصبح " أي إن استيقظ أول الصبح ودخل المسجد " لانتظار الجماعة صلاة " الضمير عائد إلى الورد.
وفي نسخة صلاها، وكلاهما صواب.
يعني أن من نام عن ورده غلبة ثم انتبه من أول الفجر وجاء المسجد ينتظر الجماعة فله أن يصلي ورده حينئذ قبل أن تقام الصبح.
قال في الرسالة: ومن غلبته عيناه عن حزبه فله أن يصليه ما بينه وبين طلوع الفجر وأول الإسفار، ثم يوتر ويصلي الصبح اهـ. وكان الصحابة يصلون أورادهم حيث يغلبهم النوم، ثم يدركون الصلاة معه عليه الصلاة والسلام، وهو يقرأ بالسنتين إلى المائة، ويسلم والنجوم بادية مشتبكة اهـ. قاله الزروق على الرسالة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وإلا بادر إلى فرضه " يعني إن لم يستيقظ في أول الوقت بأن ضاق عليه ولم يبق لطلوع الشمس إلا مقدار ما يسع ركعة أو ركعتين فإنه يبادر لأداء الصبح وجوبا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " النائم " عن الوتر ففي الوقت يصلي الجميع " يعني أن من نام عن الوتر ثم استيقظ وقد اتسع الوقت لسبع ركعات فأكثر قبل طلوع الشمس فإنه يصلي الجميع الشفع والوتر والفجر والصبح.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي ضيقه يقتصر على الوتر " يعني إذا ضاق الوقت عن النائم ولم يبق بين انتباهه وبين طلوع الشمس إلا مقدار ما يصلي ثلاث ركعات فإنه يصلي الوتر ثم الصبح.
قال رحمه الله تعالى: " ويصلي ركعتي الفجر بعد طلوع الشمس " يعني إذا ضاق الوقت ولم يتسع إلا لمقدار ما يصلي ركعة أو ركعتين فإنه يبادر إلى فرضه كما تقدم، ويترك الشفع والوتر لسقوطهما، ويصلي الصبح، ثم يقضي الفجر بعد
ارتفاع الشمس
قيد رمح إلى الزوال.
قال خليل: ولا يقضى غير فرض إلا هي فللزوال.
وحاصل ما في العزية: ومن نسي الوتر أو نام عنه ثم يستيقظ وقد بقي لطلوع الشمس مقدار ركعة أو ركعتين فإنه يترك الوتر ويصلي الصبح.
وإن اتسع لخمس ركعات صلى الشفع والوتر والصبح وترك الفجر.
وإن اتسع لسبع ركعات صلى الشفع والوتر والفجر والصبح اهـ.
ولما أنهى الكلام على النوافل وأوقاتها وما يتعلق بها من أنواعها وأوصافها ناسب أن يعقبها بذكر
سجود التلاوة
وبيان حكمه لما فيه من شروط الصلاة وبعض أركانها، وإن كان ليس في سجود التلاوة إحرام ولا ركوع ولا سلام.
فقال المصنف رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في سجود التلاوة
أي في بيان سجود التلاوة، وهو سنة على الراجح، وقيل مستحب.
وكذا اختلفوا في عدد مواضع السجود في القرآن.
والمشهور في المذهب أنها كما قال المصنف رحمه الله تعالى: " عزائم السجدات إحدى عشرة " يعني بالعزائم الأوامر، بمعنى المأمور بالسجود عند قراءتها، ويكره تركها إذا توافرت للقارئ شروطها، وهي أحد عشر موضعا في القرآن على المشهور.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " منها المص " أي سورة الأعراف عند قوله: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُون﴾ [الأعراف: 206] وهو آخرها، أي آخر سورة الأعراف.
وثانيها: في سورة الرعد عند قوله تعالى: ﴿وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: 15].
وثالثهما: في سورة النحل عند قوله
تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50] ورابعها: في سورة بني إسرائيل عند قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 109] وخامسها: في سورة مريم عند قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58].
وسادسها: في سورة الحج عند قوله تعالى: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾ [الحج: 18].
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لا آخرة الحج " يعني لا يسجد في آخرة الحج على المشهور، خلافا للشافعي القائل إن فيها سجدتين أولها وآخرها.
وقد قال ابن عباس والنخعي: " ليس في الحج إلا سجدة واحدة " رواه ابن القاسم في
المدونة.
وما في الموطأ من أن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله يسجد كل منهما سجدتين في سورة الحج ما أخذ به مالك.
وسابعها: في سورة الفرقان عند قوله تعالى: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: 60].
وثامنها: في سورة الهدهد عند قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم﴾ [المؤمنون: 116]. وتاسعها: في سورة السجدة الم تنزيل عند قوله تعالى: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15].
وعاشرها: في سورة ص عند قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24] هذا هو المشهور.
وقيل عند قوله: ﴿لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: 25] وحادي عشرها: في سورة فصلت عند قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون﴾ [فصلت: 37].
وهو كذلك على المشهور.
وقيل عند قوله: ﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38].
وفي المدونة.
قال سحنون: قال عبد الرحمن بن القاسم: قال مالك بن أنس: سجود القرآن إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء، المص، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج أولها، والفرقان، والهدهد، والم تنزيل السجدة، وص، وحم تنزيل اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وليس في المفصل منها شيء " يعني ليس شيء
من العزائم في المفصل.
ولا يسجد القارئ إذا قرأ شيئا من المفصل.
قال النفراوي: والمراد بالمفصل ما كثر تفصيله بالبسملة لقصر سوره.
وأوله على الراجح من الحجرات إلى آخر القرآن، فلا يسجد لقراءة النجم، والانشقاق، والقلم، قال خليل: لا ثانية الحج والانشقاق والقلم اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وأثبت ابن وهب الجميع " يعني أي جميع العزائم، وهي خمسة عشر موضعا على الخلاف في بعضها.
قال العلامة ابن جزي في القوانين الفقهية: فالعشرة بإجماع، أي اجتمع عليها الأئمة الأربعة، وأسقط الشافعي التي في ص وزاد هو وابن حنبل وابن وهب التي في آخر الحج، وفي النجم، وفي الانشقاق، وفي اقرأ، ومواضعها من الأيات معروفة، إلا أنه اختلف في التي هي في ص هل هي عند قوله وأناب، أو وحسن مآب.
واختلف في فصلت هل هي عند قوله تعبدون، أو وهم لا يسئمون.
وفي الانشقاق هل هي عند قوله لا يسجدون، أو هي في آخرها اهـ. وقال النفراوي في شرح الرسالة: وما روي من السجود لغير هذه الإحدى عشرة فهو محمول على النسخ عند مالك.
والذي استمر عليه عمل المصطفى عليه الصلاة والسلام الإحدى عشرة المذكورة، وإن صح أنه عليه
الصلاة والسلام سجد عند قوله تعالى في النجم فاسجدوا لله واعبدوا.
وأنها أول سجدة أعلن بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرم وسجد معه المؤمنون والمشركون من الإنس والجن سوى أبي لهب فإنه رفع حفنة من تراب إلى جبهته وقال: يكفي هذا فإنه نسخ، بدليل إجماع فقهاء المدينة وقرائها على ترك السجود فيها مع تكرار القراءة فيها ليلا ونهارا.
ولا يجمعون على ترك السنة مع أنهم أدرى بها وأحرص الناس باتباعها اهـ مع إيضاح.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " وشروطها كالصلاة " يعني يشترط في سجدة التلاوة شروط كالصلاة؛ كما قال خليل: سجد بشرط الصلاة إلخ.
وفي المواق قال ابن
بشير: أجمعت الأمة على أن سجود التلاوة مشروع على الجملة، وهو جزء من الصلاة يشترط فيه ما يشترط في الصلاة من طهارة الحدث والخبث وستر العورة واستقبال القبلة اهـ. قال في الرسالة: ولا يسجد السجدة في التلاوة إلا على وضوء.
وقال شارحها: أو بدله مع بقية شروط الصلاة، لأنها من جملة الصلاة والطهارة شرط في صحة مطلق الصلاة، وتبطل بدونها ولو مع العجز أو النسيان اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " يكبر لخفضها ورفعها بغير إحرام وسلام " يعني أن القارئ يكبر عند سجدة التلاوة، وعند رفعه منها، ولا يرفع يديه، ولا يحرم، وأما النية وتكبير الخفض فلا بد منهما، وكذلك لا يتشهد، ولا يسلم.
قال في الرسالة: ويكبر لها ولا يسلم منها.
وفي التكبير في الرفع منها سعة، وإن كبر فهو أحب إلينا اهـ. قال ابن جزي في القوانين: ويؤمر به القارئ والمستمع لا السامع، ويكبر له في الانحطاط والرفع، ويفتقر إلى شروط الصلاة، ولا إحرام ولا تسليم عند الأربعة اهـ. وقال ابن ناجي في شرح الرسالة:
لا خلاف في المذهب أنه يكبر خفضا ورفعا إذا كان في الصلاة، واختلف إن سجد في غير الصلاة.
فقيل يكبر خفضا ورفعا.
وقيل لا يكبر، والقولان لمالك، وخير ابن القاسم فيها، وكلها في المدونة اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويتجاوزها وقت الكراهة " يعني أن من قرأ السجدة وقت الكراهة فإنه يجاوزها، وذلك كبعد الإسفار والاصفرار.
وأما قبلهما فجائز أن يسجدها.
قال في الرسالة: ويسجدها من قرأها بعد الصبح ما لم يسفر وبعد العصر ما لم تصفر الشمس قال خليل: وجاز جنازة وسجود تلاوة قبل إسفار واصفرار.
وفي المدونة: يسجدها بعد الصبح والعصر ما لم يحصل إسفار واصفرار لأنها سنة مؤكدة، ففارقت النوافل المحضة.
ومثلها
الجنازة.
انظر كلام الفاكهاني في النفراوي.
ثم قال المصنف عاطفا على وقت الكراهة: " والحدث ويتلو ما بعدها ولا يسجد " يعني أن
من قرأ السجدة وهو محدث فلا يسجد لها بل يتجاوزها.
قال النفراوي في الفواكه: فإن قرأ سورة السجدة في وقت نهي ـو على غير وضوء فهل يحذف - أي يجاوز - موضع السجود خاصة، كيشاء في الحج، وكالعظيم في النمل، أو يحذف الآية جملة؟ تأويلان.
أشار إليهما خليل بقوله: وإلا فهل يجاوز محلها أو الآية؟ تأويلان وفهم من عبارة الدردير في أقرب المسالك أنه رجح الثاني بقوله: وكره لمحصل الشرط وقت الجواز تركها وإلا ترك الآية التي فيها السجود برمتها على التحقيق، لا المحل فقط، أي فمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ [السجدة: 15] يترك الآية برمتها لا خصوص ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15] وفي المجموعة: وينبغي ملاحظة المتجاوز بقلبه لنظام التلاوة، بل لا بأس أن يأتي بالباقيات الصالحات كما في تحية المسجد.
وإنما أمر بمجاوزة الآية كلها لئلا يغير المعنى لو اقتصر على تجاوزه محل السجود.
والمراد أن الاقتصار على مجاوزته مظنة تغير المعنى، فلا ينافي أن مجاوزة محل السجود فقط في بعض المواضع لا يغير المعنى اهـ مع طرف من حاشية الصاوي عليه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمستمع كالتالي لا السامع " يعني أن المستمع الذي جلس ليتعلم من القارئ فهو في توجيه الأمر إليه بالسجود فيسجد ولو ترك القارئ السجود إذا كان إنما جلس عنده ليتعلم منه الحروف أو الأحكام أو غير ذلك من أنواع التعليم، سواء كان المستمع ذكرا أو أنثى، فإنه إن سجد القارئ يسجد معه إن كان القارئ يصلح للإمامة بأن كان ذكرا محققا بالغا عاقلا متوضئا وإلا فلا يسجد المستمع، بل على القارئ الذي كملت لديه شروط الصلاة وحده كما تقدم.
وإذا كان إنما جلس السامع لمجرد ثواب فإن لم يسجد القارئ لم يسجد اتفاقا، وإن سجد فقيل يسجد معه وقيل لا يسجد، وكذا حكم السامع دون جلوس لاستماعه، فالأكثر على عدم السجود.
وإذا كان القارئ إماما وقرأها ولم يسجد، فإن المأموم يتركها، وإن سجدها المأموم دون إمامه، فإن كان عمدا