أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»كتاب صلاة السفر
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وفي نسخة كتاب المسافر، أي في بيان قصر صلاة المسافر والأحكام المتعلقة بها، وعطف عليها خمسة أشياء من أنواع الصلاة بقوله: " والخوف والجمعة والعيدين والاستسقاء والكسوف " أي اشتمل هذا الكتاب على ستة أشياء من أنواع الصلاة المطلوبة من المكلف شرعا، إما على وجه الوجوب وإما على وجه السنية.
ولكل واحدة منها أحكام ستأتي في محلها إن شاء الله تعالى.
وبدأ بما صدر به وهو أحكام القصر فقال: " مسافة القصر ستة عشر فرسخا " وهي مسافة أربعة برد.
قال العلامة الدردير على أقرب المسالك: والبريد أربعة فراسخ.
والفرسخ ثلاثة أميال، فمسافة القصر ستة عشر فرسخا، ثمانية وأربعون ميلا، والميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة على الصحيح.
وقيل ألفا ذراع.
وهي باعتبار الزمن مرحلتان، أي سير يومين معتدلين، أو يوم وليلة بسير الإبل المثقلة بالأحمال على المعتاد من سير وحط وترحال وأكل وشرب وصلاة معتبرة اهـ. وقال العلامة محمد المراكشي في " سبيل السعادة " وليس على المسافر أن يسير كل اليوم من الفجر إلى الليل، بل إلى الزوال سيرا وسطا بسير الأقدام والإبل في البرية، وباعتدال الريح في البحر مع مراعاة الاستراحات المعتادة كالأكل والشرب والوضوء والصلاة ونحوها.
ولو قطع المسافر تلك المسافة في بضع ساعات بواسطة مركب بخاري أو طيارة أو أتوموبيل - أي سيارة - قصر صلاته أيضا.
ومسافة القصر تعادل ثمانية وثمانين كيلو مترا اهـ. وفي الموطأ عن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عباس كان يقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وعسفان، وفي مثل ما بين مكة وجدة.
قال مالك وذلك أربعة برد، وذلك أحب ما تقصر إلي فيه الصلاة.

الجزء: 1 - الصفحة: 313

قال رحمه الله: " غير ملفقة " والتلفيق أن يحسب ذهابه وإيابه، والمطلوب أن يكون السفر وجها واحدا ذهابا أو إيابا، حتى يقطع مسافة أربعة برد فلا يحسب مع ذلك الرجوع، بل يعتبر الرجوع وحده.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وفي البحر يوم وليلة " يعني أن العبرة في سير البحر بالزمن يوم وليلة مطلقا.
وقيل فيه تفصيل، ولذا قال رحمه الله: " وقيل إن سار مع الساحل فكالبر " وفي نسخة فكالبدء بالدال وبعده همزة، وفي أخرى أيضا بإسقاط الواو في قوله " وفي اللجة بالزمان " والصواب إثبات الواو.
قال الدردير في أقرب المسالك: سن لمسافر سفرا جائزا أربعة برد ذهابا ولو ببحر أو نوتيا بأهله قصر رباعية، قال الصاوي عليه: قوله ولو ببحر أشار بهذا إلى أن العبرة في التحديد بالمسافة، خلافا لمن قال العبرة في البحر بالزمان مطلقا، ولمن قال العبرة فيه بالزمان إن سافر فيه لا بجانب البر، وإن سافر فيه بجانبه فالعبرة بالأربعة برد.
وأما أصل القصر في البحر فلا خلاف فيه اهـ. قال الخرشي: ولا بد من مسافة أربعة برد ولو كان السفر ببحر مع الساحل أو اللجة على المشهور.
وقيل يعتبر في البحر سير يوم وليلة دون المسافة.
وقيا يعتبر في اللجة بالزمان ومع الساحل بالمسافة اهـ. فالحاصل أن من سافر مسافة أربعة برد يقصر الصلاة سواء كان سفره برا أو بحرا، أو كان بعض المسافة في البر وبعضها في البحر سواء مع الساحل أو في اللجة على المشهور بدون تفصيل.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فإن مر في أثنائها بأهل فالعبرة بما وراءهم " هذا شروع فيما يقطع به حكم القصر.
قال العلامة خليل: وقطعه دخول وطنه أو مكان زوجة دخل بها فقط.
قال الخرشي: قوله أو مكان زوجة دخل بها، أي وقطعه دخول مكان زوجته التي دخل بها فيه ولو لم يتخذه وطنا.
وقال العلامة الصاوي على أقرب المسالك: وأما مجرد المرور بالوطن أو مكان الزوجة فلا يقطع حكم السفر ولو حاذاه , ولذا

الجزء: 1 - الصفحة: 314

قال في التوضيح: إنما يمنع المرور بشرط دخوله أو نية دخوله لا إن اجتاز.
والمراد بمكان الزوجة البلد التي هي به لا خصوص المنزل الذي هي به.
ولا يكون محل الزوجة قاطعا إلا إذا كانت غير ناشزة، ففي المجموع: إن الزوجة الناشزة لا عبرة بها.
ومثل الزوجة أم الولد والسرية اهـ. وقوله فالعبرة بما وراءهم، يعني بعد ارتحاله من المحل الذي به زوجته يعتبر إن كان باقي سفره أربعة برد قصر وإلا أتم.
ثم قال رحمه الله تعالى: " والمشهور " من الأقوال في المذهب " أن القصر سنة في الرباعية " قال العلامة ابن جزي: وفيه خمسة أقوال في المذهب: واجب وفاقا لأبي حنيفة، وسنة وهو المشهور، ومستحب، ومباح، ورخصة أقل فضلا من الإتمام وفاقا للشافعي اهـ. وأما قوله في الرباعية يشعر بأن الثنائية والثلاثية وهما الصبح والمغرب لا يقصران اتفاقا.
ثم ذكر شرطا من شروط القصر وهو الشروع في السفر بقوله: " فيقصر إذا جاوز بساتين المصر غير منتظر رفقة، وفي العمود إلى حيث ابتدأ " قال مالك في الموطأ: لا يقصر الذي يريد السفر الصلاة حتى يخرج من بيوت القرية، ولا يتم حتى يدخل أول بيوت القرية أو يقارب ذلك اهـ. كذا في الرسالة، ونصها: ولا يبصر حتى يجاوز بيوت المصر وتصير خلفه ليس بين يديه ولا بحذائه منها شيء، ثم لا يتم حتى يرجع إليها أو يقاربها بأقل من الميل اهـ. وقوله غير منتظر رفقة، قال الصاوي: حاصله أنه إذا خرج من البلد عازما على السفر ثم أقام قبل مسافته ينتظر رفقة لاحقة له، فإن جزم أنه لا يسافر دونها ولم يعلم وقت مجيئها فإنه لا يقصر، بل يتم مدة انتظاره، فإن نوى انتظارها أقل من أربعة أيام فإن لم تأت سافر دونها أو جزم بمجيئها قبل أربعة أيام قصر مدة انتظاره لها اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " فإن أجمع إقامة أربعة أيام أتم " يعني أن المسافر إذا نوى الإقامة أربعة أيام بمحل أتم الصلاة.
قال في الرسالة: وإن نوى المسافر إقامة أربعة

الجزء: 1 - الصفحة: 315

أيام بموضع أو ما يصلي فيه عشرين صلاة أتم الصلاة حتى يظعن من مكانه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " لا " يقصر المسافر " في قصد قضاء حوائجه " يعني من خرج لحاجته ولم يدر بمحلها على اليقين، تارة يجدها عن قريب وأخرى عن بعد فإنه لا يقصر الصلاة، وذلك كطالب المرعى لنحو إبل أو بقر أو غنم يرتع حيث يجد الكلأ، ومثله طالب الآبق أو البعير الشارد، وكذا الهائم وهو متجرد عن الأهل والوطن سائح في البلاد، أي بلد يتيسر له فيه القوت أقام به ما شاء؛ لأنه لم يقصد سفر أربعة برد.
وكذلك لا يقصر عادل عن طريق قصير دون أربعة برد إلى طريق طويل فيه أربعة برد إذا لم يكن له عذر؛ لأنه لاه بسفره.
قال في التوضيح: هذا مبني على أن اللاهي بصيد وشبهه لا يقصر وهو المشهور، قاله صاحب الإكليل وكذا في الحطاب اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فلو عزم عليها بعد صلاته فلا إعادة.
وفي أثنائها يجعلها نافلة " يعني أن من عزم إقامة أربعة أيام بموضع بعد أداء السفرية فلا إعادة عليه؛ لأنه أتى بها كما أمر على سنيتها.
هذا - والله أعلم - أوضح مما مشى عليه الشيخ خليل القائل بأنه يعيد في الوقت انظره.
أما لو نوى الإقامة المذكورة وهو أثناء الصلاة، فإن صلى بركعة كاملة بسجدتيها فليشفع وصارت نافلة، وإن لم يصل ركعة فالمطلوب منه أن يقطعها.
قال العلامة خليل في المختصر: وإن نواها بصلاة شفع لم تجز حضرية ولا سفرية، وبعدها أعاد في الوقت أي المختار.
وما ذكره خليل من إعادتها في الوقت نص المدونة والله أعلم اهـ. ثم انتقل يتكلم على جمع الصلاتين المشتركتين في الوقت فقال رحمه الله: " ويجوز الجمع بين الظهرين والعشاءين لجد السير لا لمجرد الترخص " وفي نسخة لا بمجرد الرخص وكلاهما صحيح.
وقد تقدمت أحكام الجمع بين العشاءين ليلة المطر، والآن أراد أن يبين حكم الجمع بين الصلاتين المشتركتين في الوقت وهي الظهر والعصر والمغرب

الجزء: 1 - الصفحة: 316

والعشاء، وحكمه الجواز.
قال مالك في المدونة: لا يجمع الرجل بين الصلاتين في السفر إلا أن يجد به السير فإذا جد به السير جمع الظهر والعصر، ويؤخر الظهر حتى يكون في آخر وقتها ثم يصليها، ثم يصلي العصر في أول وقتها، ويؤخر المغرب حتى تكون في آخر وقتها قبل مغيب الشفق، ثم يصليها في آخر وقتها قبل مغيب الشفق، ثم يصلي العشاء في أول وقتها بعد مغيب الشفق اهـ. ومثله في الرسالة، ونصها: وإذا جد السير بالمسافر فله أن يجمع بين الصلاتين في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر وكذلك المغرب والعشاء، وإذا ارتحل في وقت الصلاة الأولى جمع حينئذ اهـ. قال العدوي: قوله فيجمع في إلخ.
. هذا جمع صوري لا حقيقي؛ هو الذي تقدم فيه إحدى الصلاتين عن وقتها المعروف أو تؤخر عنه، وهذا صليت فيه كل صلاة في وقتها اهـ. ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويستحب تعجيل الإياب إلى أهله ودخوله صدر النهار لا طروقهم ليلا " أي يندب للمسافر أن يعجل الرجوع إلى وطنه بعد قضاء أوطاره ومهمته، ويستحب له أن يدخل ضحى، وأن لا يطرق عليهم ليلا.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر يبدأ بالمسجد فيركع ركعتين قبل دخول المنزل، ويستحب للمسافر أيضا أن يصحب معه هدية يقسمها بين الأقارب والأحباب لإدخال السرور عليهم سواء كان رجوعه من سفر التجارة أو الحج والزيارة.
قال ابن عاشر رحمه الله تعالى: وادخل ضحى واصحب هدية السرور ... إلى الأقارب ومن بك يدور قال بعض الشراح لهذا البيت: وإذا رجعت من سفرك هذا أو غيره من الأسفار فالحكم عام ووصلت بلدك فلا تطرق أهلك ليلا إلا إذا كان عندهم علم بقدومكم فلا بأس، وإذا لم يكن عندهم علم فادخل عليهم ضحى بعد دخولكم لمسجد بلدك والصلاة فيه لتقدم حق بيت الرب على بيتك.
وقبل رجوعك من سفرك اصحب هدية بقدر حالك

الجزء: 1 - الصفحة: 317

ينشأ عنها السرور للأقارب ومن يدور بك من الأحباب.
وقد تم سرورك بنيل غرضك ورجوعك سالما، ولسرورهم بك وبهديتك وهي نعمة عظيمة من الله عليك فقابلها بالشكر والثناء، ولا تقابلها بكفران النعم بأن تجعل عند قدومك آلات اللهو والطرب والرقص بالعود والمزمار ونحو ذلك من المغنيات والمحرمات مما لا ينبغي أن يذكر في الكتب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
هل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
اللهم وفقنا وإخواننا المسلمين للعمل بشريعة سيد الأنبياء والمرسلين آمين اهـ. ومما أحدثه بعض الحجاج الجهال عدم دخول المنزل حين وصولهم بلدانهم، بل يبيتون خارج المنزل ثلاثة أيام أو سبعا لزوما وهي من البدعة المحرمة التي هي خلاف السنة.
وتقدم أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا رجع من السفر يبدأ بالمسجد يصلي فيه ركعتين ويسلم عليه والناس، ولا يبيت إلا في منزله.
وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
الحديث.
والسلام على من اتبع الهدى.
ولما أنهى الكلام على صلاة السفر انتقل يتكلم على صلاة الخوف، وتسمى صلاة المسايفة فقال المصنف رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في حكم صلاة الخوف

وحكمها الرخصة.
واقتصر عليه الشيخ خليل في المختصر.
وقيل واجبة، وهو الذي مشى عليه صاحب الرسالة في باب الجمل.
وقيل سنة، ومشى عليه العلامة الدردير

الجزء: 1 - الصفحة: 318

في أقرب المسالك.
والأصل في مشروعيتها قوله تعالى في سورة النساء: ﴿كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102]. وفي الموطأ عن مالك بإسناده: " أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام ومعه طائفة من أصحابه وطائفة مواجهة العدو فيركع الإمام ركعة ويسجد بالذين معه ثم يقوم، فإذا استوى قائما ثبت وتموا لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلمون وينصرفون، والإمام قائم فيكونون وجاه العدو، ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام، فيركع بهم الركعة ويسجد ثم يسلم فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية ثم يسلمون اهـ. ومثله في الرسالة مع زيادة البيان، ونصها: وصلاة الخوف في السفر إذا خافوا العدو أن يتقدم الإمام بطائفة ويدع طائفة مواجهة العدو فيصلي الإمام بطائفة ركعة ثم يثبت قائما، ويصلون لأنفسهم ركعة ثم يسلمون، فيقفون مكان أصحابهم، ثم أصحابهم فيحرمون خلف الإمام فيصلي بهم الركعة الثانية، ثم يتشهد ويسلم، ثم يقضون الركعة التي فاتتهم وينصرفون.
هكذا يفعل في صلاة الفرائض كلها إلا المغرب فإنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة، وإن صلى بهم في الحضر لشدة خوف صلى في الظهر والعصر والعشاء بكل طائفة ركعتين، ولكل صلاة أذان وإقامة.
وإذا اشتد الخوف عن ذلك صلوا وحدانا بقدر طاقتهم مشاة أو ركبانا، ماشين أو ساعين مستقبل القبلة وغير مستقبلها اهـ. وأشار المصنف إلى جميع ذلك بقوله: " يقسم الإمام من معه فرقتين فرقة تحرس " أي تحفظ المصلين وتتوجه العدو " وفرقة تصلى معه " أي مع الإمام مستقبلة القبلة في آخر المختار على المشهور.
وقيل في الضروري.

الجزء: 1 - الصفحة: 319

قال رحمه الله تعالى: " ففي الثنائية يصلي بكل طائفة ركعة، فإذا فرغ منها أشار قائما إليهم فأتموا وانصرفوا يحرسون " أي فإذا صلوا ركعة واحدة مع الإمام أشار لهم بإتمام الركعة الثانية لأنفسهم ليرجعوا إلى مكان الطائفة التي لم تصل.
قال: " وتأتي الأخرى فيصلي بهم الأخرى " أي يصلي بهم الركعة الأخرى التي هي ثانية الإمام.
قال رحمه الله تعالى: " وهل يسلم " الإمام بعد تمام ثانيته مع الطائفة الثانية " أو ينتظر إتمامهم ليسلم بهم قولان " المشهور أن الإمام يسلم بمجرد إتمام صلاته ولا ينتظر شيئا بعد الإتمام كما هو معلوم بالنصوص في المذهب.
وقيل ينتظرهم حتى يتموا وهو مذهب الشافعي ذكره ابن جزي في القوانين الفقهية.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وفي غيرها " أي غير الثنائية وهي الرباعية والثلاثية " يصلي بالأولى ركعتين فإذا تشهد أشار إليهم جالسا فأتموا وانصرفوا يحرسون " يعني إذا كانت الصلاة غير الثنائية بأن كانت ظهرا أو عصرا أو مغربا أو عشاء فإن الإمام يصلي بالطائفة الأولى ركعتين فيجلس ويتشهد ثم يشير لمأموميه الذين صلوا معه بأن يتموا لأنفسهم الركعتين الباقيتين وهو جالس، فإذا أتموا وسلموا رجعوا إلى مكان أصحابهم الذين لم يصلوا.
قال رحمه الله: " ثم تأتي الأخرى " أي ثم تأتي الطائفة الثانية التي لم تصل فتحرم خلف الإمام.
ولذا قال رحمه الله: " فيصلي بهم ما بقي " وهو ركعتان أخيرتان بالنسبة للإمام.
قال رحمه الله: " وفي تسليمه وانتظارهم قولان " فالمشهور كما تقدم: في الطائفة الأولى من أن الإمام لا ينتظر إتمامهم على المشهور.
فإذا سلموا قضوا ما فاتهم، فتقضي الطائفة الأولى ركعة في الثنائية أو ركعتين في الرباعية، أو ركعة كذلك في الثلاثية مطلقا بفاتحة وسورة، جهرا وسرا في السرية.
فإذا سها الإمام مع الأولى سجدت الأولى بعد إكمالها صلاتها القبلي قبل سلامها والبعدي بعده، وسجدت الطائفة الثانية السجود القبلي مع الإمام

الجزء: 1 - الصفحة: 320

فإذا سلم قامت لقضاء ما عليها، وسجدت البعدي بعد القضاء هكذا يفعل الإمام والمأموم في صلاة الخوف إن أمكن تقسيم الجيش.
وأما إن لم يمكن ذلك فبقدر الإمكان.
وإليه أشار رحمه الله بقوله: " وإن اشتد البأس " بأن لا يمكن تقسيم الجيش ولا ترك القتال لبعض القوم " صلوا بحسب الإمكان مشاتا أو ركبانا، أو إيماء طاردين، أو مسابقين، أو مسايفين حيثما توجهوا ولا يلزمهم طرح ما تلطخ بالدم " فالمعنى أنهم يلزمهم أداء الصلاة بقدر الإمكان، سواء ماشين أو ساعين، راجلين أو راكبين، بل ولو في حالة المضاربة والمسايفة، متوجهين إلى القبلة أو غير متوجهين إليها.
قال العلامة خليل في المختصر: وإن لم يمكن أخروا لآخر الاختياري وصلوا إيماء، كأن دهمهم عدو بها أي هجم عليهم.
وحل للضرورة مشي وركض وطعن وعدم توجه، وكلام وإمساك ملطخ اهـ. وقول خليل وحل إلخ وكذلك حل رمي بنبل وغيرها، وكلام لغير إصلاحها ولو كثر إن احتيج إليه فيما يتعلق بهم، كتحذير غيره ممن يريده أو أمره بقتله، وكتشجيع وافتخار عند الرمي، ورجز إن ترتب على ذلك توهين العدو اهـ قاله العدوي على أبي الحسن.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فإن أمنوا في أثنائها أتموها صلاة أمن " أي إذا حصل الأمن وزال عنهم الخوف في الصلاة أتموها كصلاة أمن بركوع وسجود تامتين.
ولما أنهى الكلام على صلاة الخوف وما يتعلق بها انتقل يتكلم على أحكام صلاة الجمعة، فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في صلاة الجمعة

أي في بيان ما يتعلق بصلاة الجمعة وشروطها، وآدابها، ومكروهاتها، وموانعها، وبعض

الجزء: 1 - الصفحة: 321

فضائلها.
وقد ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: 9] إلخ السورة.
وأما السنة فما أخرجه ابن ماجه في حديث طويل عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: " واعلموا أن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة، فريضة مكتوبة} الحديث.
وقال صلى الله عليه وسلم: " من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر طبع الله على قلبه " رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن.
وقد انعقد الإجماع سلفا وخلفا على فرضية صلاة الجمعة.
وهي فرض عين عند الجمهور كما في القوانين لابن جزي.
وإليه أشار المصنف رحمه الله بقوله " تلزم الجمعة كل مسلم حر ذكر مكلف متوطن " يعني أن الجمعة تلزم كل مسلم حر ذكر مكلف مستوطن.
قد ذكر رحمه الله لوجوب الجمعة أربعة شروط كغيره.
قال العلامة الدردير في أقرب المسالك: الجمعة فرض عين على الذكر الحر غير المعذور المقيم ببلدها أو بقرية نائية عنها بكفرسخ من المنار، وإن غير مستوطن، أي بأن كان مقيما ببلدها المجاورة أو تجارة أو غير ذلك إقامة تقطع حكم السفر، وإن لم تنعقد به، فلا تجب على مسافر إذا لم ينو إقامة أربعة أيام صحاح.
فعلم أن شروط وجوبها أربعة: الإسلام، والذكورية، والحرية، والسلام من الأعذار المسقطة لها اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وهي ركعتان يجهر فيهما " يعني أن صلاة الجمعة ركعتان يجهر الإمام فيهما بالقراءة.
قال في الرسالة: ويصلي الإمام ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، يقرأ في الأولى بالجمعة ونحوها وفي الثانية بهل أتاك حديث الغاشية ونحوها اهـ. قال رحمه الله تعالى: " يخطب قبلهما خطبتين قائما متوكئا " يعني يجب على الإمام أن يخطب خطبتين قبل الصلاة بأن يجلس قليلا ثم يقوم متوكئا على شيء كالسيف.
قال في الرسالة:

الجزء: 1 - الصفحة: 322

والخطبة فيها واجبة قبل الصلاة، ويتوكأ الإمام على قوس أو عصا، ويجلس في أولها وفي وسطها وتقام الصلاة عند فراغها اهـ. قال رحمه الله مشيرا لجميع ذلك: " يفصل بينهما بجلسة خفيفة " أي مقدار الجلوس بين السجدتين.
وقيل قدر ما يقرأ قل هو الله أحد.
قال العلامة الشيخ الزروق في شرح الرسالة: يعني أنه يجلس بين الخطبة الأولى والثانية وقيل للقيام للخطبة للسنة.
وقال أبو الحسن: والأصل فيما ذكر استمرار العمل على ذلك في جميع الأمصار والأعصار منذ زمانه صلى الله عليه وسلم إلى هلم 1. وأخذ من قوله اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " يختم الأولى بآيات من القرآن، والثانية باذكروا الله يذكركم أو غير ذلك " يعني أنه يستحب ختم الخطبة الأولى بالآيات، كذلك يستحب بدؤها بالحمد لله وختمها بالاستغفار، وكذلك تخفيفها لحديث مسلم " طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه " والثانية أقصر.
وقال بعضهم: ويكفي في الخطبة أن يقول الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد فأوصيكم بتقوى الله، وأحذركم من عصيانه ومخالفته اهـ قال النفراوي: وتصح من محض قرآن مشتمل على تحذير وتبشير وبعض مواعظ كسورة ق اهـ. وفي الخرشي: وأول من قرأ في الخطبة إن الله يأمر بالعدل والإحسان الآية عمر بن عبد العزيز.
وأول من قرأ في الخطبة إن الله وملائكته يصلون على النبي المهدي العباسي اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " وأقلها ثناء على الله، وصلاة على رسوله، وتحذير وتبشير " قال الحطاب: جزم ابن العربي أن أقلها حمد الله والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم وتحذير وتبشير، ويقرأ شيئا من القرآن اهـ. قال الدسوقي عند قول خليل مما تسميه العرب خطبة.
قال بعض المحققين: الخطبة عند العرب تطلق على ما يقال في المحافل من الكلام المنبه به على أمر مهم لديهم، والمرشد لمصلحة تعود عليهم حالية أو مآلية، وإن لم يكن فيه موعظة أصلا عن تحذير أو تبشير أو قرآن يتلى.
وقول ابن العربي أقل الخطبة

الجزء: 1 - الصفحة: 323

حمد الله والصلاة والسلام على نبيه صلى الله عليه وسلم وتحذير وتبشير وقرآن، مقابل للمشهور كما في ابن الحاجب وعلى المشهور فكل من الحمد والصلاة على النبي والقرآن مستحب اهـ البناني.
زاد العلامة صالح عبد السميع وقال: ولا يشترط كونها سجعا فلو نظمها أو نثرها صحت نعم تندب إعادتها إن لم يصل فإن صلى فلا تعاد.
والدعاء فيها للسلطان بدعة مكروهة اهـ. انظر جواب ابن عرفة في الحطاب.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وهل يشترط الطهارة قولان " قال العلامة العدوي على كفاية الطالب: قوله قولان مشهوران، المشهور منهما أنه لا يشترط فيهما الطهارة، غايته أنه يكره أن يخطب غير متطهر اهـ. قال عبد الباري العشماوي: ويستحب فيهما الطهارة، قال شارحه: فلو خطب محدثا أجزأه.
وفي حاشية الصفتي عليه: ويكره تركها لأن الطهارة ليست من شروط الخطبة، وإن كان يحرم عليه في الكبرى من حيث المكث بالجنابة في المسجد اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويجب الإنصات لها والبعيد يتحرى وقتها وينصت " يعني أن الإنصات وقت الخطبة واجب كما قرره العلماء بالأدلة.
قال أبو الحسن في كفاية الطالب عند قول صاحب الرسالة: وينصت للإمام في خطبته أي الأولى والثانية، وفي الجلوس بينهما مطلقا سمع الخطبة أو لم يسمعها، سب الإمام من لا يجوز سبه أو مدح من لا يجوز مدحه.
وقال ابن حبيب: يجوز الكلام إذا تكلم الإمام بما لا يجوز، وصوبه اللخمي، واقتصر عليه صاحب المختصر.
ولا يشمت عاطسا، وإذا عطس هو حمد الله سرا في نفسه، ولا يسلم، ولا يرد سلاما، ولا يحصب من تكلم ولا يشرب الماء.
والأصل فيما ذكر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: 204] على أحد التفاسير أنها نزلت في الخطبة.
وقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: " إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت " سمي

الجزء: 1 - الصفحة: 324

الأمر بالمعروف لغوا فغيره أولى.
واللغو: الكلام الذي لا خير فيه.
وظاهر كلام الشيخ أن الكلام بعد الفراغ من الخطبة بين النزول من المنبر والصلاة جائز، وهو مذهب المدونة.
ويجوز الكلام حال الخطبة في مسائل منها الذكر القليل عند سببه، والتأمين عند سماع الخطيب لمغفرة أو نجاة من النار، والتعوذ عند سماع ذكر النار والشياطين، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره، كل ذلك سرا على الصحيح اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " والداخل والإمام يخطب لا يحيي المسجد ولا يسلم " يعني أن الداخل في المسجد حال الخطبة لا يصلي تحية المسجد على المشهور في المذهب، خلافا للسيوري القائل بجواز النافلة للداخل حال الخطبة، وهو من أهل المذهب 2، وما ذهب إليه السيوري لم يصحبه عمل، فهو منسوخ كما في الإكليل.
قال ابن جزي: ولا يصلي التحية إذا خرج الإمام، خلافا للسيوري والشافعي وابن حنبل.
وقال في التوضيح: وهو مذهب الشافعي لحديث سليك الغطفاني، وفيه " أنه عليه الصلاة والسلام قال له لما جلس إذا جاء أحدكم للجمعة والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين ثم يجلس " وتأوله ابن العربي على أن سليكا كان صعلوكا ودخل ليطلب شيئا، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يصلي لأجل أن يتفطن له فيتصدقوا عليه.
اهـ الدسوقي نقلا عن البناني، وقول المصنف: ولا يسلم أي يحرم على الداخل السلام والإمام يخطب.
قال في حاشية الخرشي: أي لا يجوز لمن كان يسمع الخطبة أن يسلم أو يرد اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وليؤم الخاطب، فإن أم غيره فالمشهور بطلانها "

الجزء: 1 - الصفحة: 325

قال العلامة عبد الباري العشماوي: ويشترط أن يكون المصلي بالجماعة هو الخاطب إلا لعذر يمنعه من ذلك من مرض أو جنون أو نحو ذلك، ويجب انتظاره للعذر القريب على الأصح اهـ. وقال أبو الحسن: والمطلوب أن يكون الذي خطب هو الإمام، فإن طرأ ما يمنع إمامته كحدث أو رعاف فإن كان الماء بعيدا فإنه يستخلف اتفاقا، وإن قرب فكذلك عند مالك، وحيث يستخلف ففي المدونة يستخلف من حضر الخطبة، وإذا ذكر منسية بعدما خطب صلاها ثم صلى الجمعة ولا شيء عليه اهـ. وقال مالك في المدونة في الإمام يحدث يوم الجمعة، فيخرج ولم يستخلف، فيتقدم رجل من عند نفسه بالقوم ولم يقدموه هم ولا إمامهم: إن ذلك مجزئ عنهم، وهو بمنزلة من قدمه الإمام أو من خلفه.
والجمعة في هذا وغيرها سواء اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويستحب لها الطيب والتجمل والغسل متصلا بالغدو، والمشي والتهجير به " يعني أن الشخص يستحب له التطيب 3 والتجمل بالثياب في يوم الجمعة.
وفي الرسالة: وليتطيب لها ويلبس أحسن ثيابه.
وقال قبل ذلك: والغسل لها واجب، أي وجوب السنن، والتهجير حسن وليس ذلك في أول النهار اهـ بتصرف.
قال مالك في الموطأ: ومن اغتسل يوم الجمعة معجلا أو مؤخرا وهو ينوي بذلك الجمعة فأصابه ما ينقص وضوءه فليس عليه إلا الوضوء وغسله ذلك ومجزئ عنه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وتلزم من منزله على دون ثلاثة أميال لوقت يدركها، والأعمى يمكنه إتيانها ولو بقائد " يعني أن من كان منزله قريبا من الجامع على ثلاثة أميال أو دونها لزمه السعي إلى الجمعة.
وفي ابن حمدون على الميارة عند قول الناظم قريب بكفرسخ.
قال: قرره مياره على أن الكاف استقصائية، وقرره بعضهم على أنها غير استقصائية،

الجزء: 1 - الصفحة: 326

فيدخل ربع الميل أو ثلثه، وهما قولان مبنيان على التحديد أو التقريب.
وظاهر الرسالة الأول، فلا تجب على من زاد عليه ولو قلت الزيادة، وهو رواية أشهب، ومذهب ابن القاسم أنه تقريب فتجب في الزيادة اليسيرة.
ومثل من كان على كفرسخ من كان مسكنه خارجه وأخذه الوقت داخل الفرسخ إن كان مقيما، وأما إن كان مجتازا فلا يجب عليه السعي كما ذكره الجزولي وغيره.
وعلى هذا فالمراعي شخصه لا مسكنه اهـ. والتحديد المذكور إنما هو في حق الخارج عن بلد الجمعة.
وأما من هو فيها فتجب عليه ولو كان من المسجد على ستة أميال.
وأما قوله رحمه الله: والأعمى إلخ أي تلزم الجمعة الأعمى إن كان يمكنه الإتيان إليها ولو بقائد.
وقال العلامة عبد الباري في الأعذار المانعة للجمعة: ومن ذلك الأعمى الذي لا قائد له، أما لو كان له قائد، أو كان ممن يهتدي للجامع بلا قائد فلا يجوز له التخلف عنها اهـ. ثم ذكر الأعذار التي تسقط بها الجمعة فقال رحمه الله تعالى: " وتسقط عن المريض والممرض، وبالمطر، وكثرة الوحل، وخوف ظالم أو لص، ولا خوف حبس في حق وهو معلي به، ولا بشهود العيد " قوله لا خوف حبس إلخ لقوله عليه السلام: " مطل الغنى ظلم " والظالم لا رخصة له في التخلف عنها.
وقوله ولا بشهود العيد، قال في المدونة: ما قول مالك إذا اجتمع الأضحى والجمعة أو الفطر والجمعة فصلى رجل من أهل الحضر العيد مع الإمام، ثم أراد أن لا يشهد الجمعة هل يضع ذلك عند شهوده صلاة العيد ما وجب عليه من إتيان الجمعة؟ قال لا: وكان مالك يقول: لا يضع ذلك عنه ما وجب عليه من إتيان الجمعة اهـ وقال صاحب العزية: ويسقط فرض الجمعة بمرض يتعذر معه الإتيان، أو لا يقدر إلا بمشقة شديدة، وبتمريض قريب، وبخوف ظالم يؤذيه في ماله أو نفسه، أو خوف نار أو سارق أو حبس الغرماء له وهو معسر، وبالوحل الكثير، والمطر الشديد، وأكل الثوم، والعري أي ليس عنده ما يستر به عورته اهـ.

الجزء: 1 - الصفحة: 327

ثم ذكر شروط صحة الجمعة بقوله رحمه الله تعالى: " وشروط صحتها إمام، ومسجد وخطبة، وموضع الاستيطان، وجماعة يمكنهم المثوى به من غير عدد محصور " يعني أن الجمعة لها شروط صحة ويعبر عنها بشروط الأداء كما أن لها شروط وجوب، وتقدم أن شروط وجوبها أربعة وهي الإسلام، والحرية، والذكورية، والاستيطان ببلدها أو قريبا منها بكفرسخ، وأما شروط صحتها فأربعة أيضا الإمام، والمسجد، والخطبة، وحضور الجماعة التي تنعقد بهم.
وقال صاحب العزية: ولأدائها أربعة شروط الأول الإمام المقيم، فلا تصح أفذاذا، ولا بإمام مسافر، الثاني الجماعة وهي غير محدودة بعدد مخصوص، ولكن لا تجزئ منها الثلاثة ولا الأربعة وما في معنى ذلك، بل لا بد أن يكونوا عددا تتقرى بهم قرية مستغنين عن غيرهم آمنين على أنفسهم.
وهذا العدد شرط في الابتداء لا في الدوام، فإن انفضوا من خلف الإمام وبقي منهم اثنا عشر لسلامه صحت وإلا فلا.
الثالث الجامع، وهو شرط لها، فلا تصح في غيره، ولا على سطحه، ولا في بيت قناديله، وتصح في صحن المسجد ورحابه والطرق المتصلة به، إلا في حق الإمام فلا تصح له إلا في المسجد ولو ضاق، فإن وقع ونزل بأن صلى الإمام على السطح أو في بيت قناديل أو في رحاب المسجد أو الطريق ولو اتصلت الصفوف به بطلت عليه وعليهم.
الرابع الخطبة قبل الصلاة، ولا تصح الخطبة إلا بحضور الجماعة التي تنعقد بهم الجمعة اهـ مع إيضاح.
وقد تقدم الكلام على الخطبة فراجعه إن شئت.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولها أذانان الأول على المنارة، والآخر بين يدي الإمام إذا جلس على المنبر فإذا فرغوا أخذ في الخطبة " قال أبو محمد في الرسالة: والسنة المتقدمة أن يصعدوا حينئذ على المنار فيؤذنون، ويحرم حينئذ البيع، وكل ما يشغل عن السعي إليها، وهذا الأذان الثاني أحدثه بنو أمية اهـ. وقوله بنو أمية يعني عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو أول أمراء بني أمية اهـ. قال النفراوي: قال ابن حبيب كان النبي

الجزء: 1 - الصفحة: 328

صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد رقي المنبر فجلس ثم يؤذن المؤذنون، وكانوا يؤذنون على المنار واحدا بعد واحد، فإذا فرغ الثالث قام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وكذا في زمن أبي بكر وعمر، ثم لما كثرت الناس أمر عثمان بإحاث أذان سابق على الذي كان يفعل على المنار وأمرهم بفعله بالزوراء عند الزوال، وهو موضع بالسوق ليجتمع الناس، ويرتفعوا من السوق، فإذا خرج وجلس على المنبر أذن المؤذنون على المنار.
ثم إن هشام بن عبد الملك في زمن إمارته على المدينة أمر بنقل الأذان الذي كان على المنار بأن يفعل بين يديه عند جلوسه على المنبر، فصار الأمر إذا خرج هشام وجلس على المنبر أذن المؤذنون كلهم بين يديه، فإذا فرغوا خطب، ولهذا قال الجلاب: ولها أذانان، أحدهما عند الزوال والآخر عند جلوس الإمام على المنبر، والثاني منهما آكد من الأول، وعنده يحرم البيع والشراء.
هذا هو الصحيح الذي عليه مالك وابن القاسم وابن حبيب وعبد البر وغيرهم من الأئمة المحققين.
انظر الفواكه وفيه مقابل الصحيح وتأمل.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ومن أدرك منها ركعة فقد أدركها، فإن أدرك دونها صلى ظهرا، وهل يبني على إحرامه قولان " المشهور من القولين أنه لا يبني على إحرامه بل يقطع ويصلي ظهرا بإحرام جديد.
قال خليل في من رعف مع الإمام وإن لم يتم ركعة في الجمعة ابتدأ ظهرا بإحرام جديد.
قال الدردير عليه: ولا يبني على إحرامه الأول.
الدسوقي قوله ولا يبني على إحرامه: أي بناء على عدم إجزاء نية الجمعة عن الظهر.
وقال ابن القاسم: يبني على إحرامه ويصلي أربعا بناء على إجزاء نية الجمعة عن الظهر.
والقول بعدم البناء على إحرامه وهو المشهور، وعليه فلو بنى على إحرامه وصلى أربعا فالظاهر الصحة كما قاله الحطاب اهـ، قال العلامة ابن جزي في القوانين: إذا لم يدرك المسبوق ركوع الركعة الأخيرة فدخل في السجود أو الجلوس فقد فاتته الصلاة

الجزء: 1 - الصفحة: 329

كلها، فيقوم فيصليها كاملة، فإن جرى له ذلك في الجمعة صلاها ظهرا أربعا وقال أبو حنيفة ركعتين جهرا اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " ومن صلى الظهر لوقت يدرك منها ركعة فهي باطلة " هذه الجملة ساقطة في بعض النسخ، والصواب إثباتها.
قال خليل في المختصر: وغير المعذور إن صلى الظهر مدركا لركعة لم يجزه.
وعبارة صاحب أقرب المسالك: وغير المعذور إن صلاة مدركا لركعة لو سعى لم يجزه كمعذور زال عذره أو صبي بلغ اهـ. قال الخرشي: يعني أن غير المعذور ممن تلزمه الجمعة إذا أحرم بالظهر وكان بحيث لو سعى إلى الجمعة لأدرك منها ركعة فإن الظهر لا تجزئه على الأصح 4 وهو قول ابن القاسم وأشهب وعبد الملك لأن الواجب عليه جمعة ولم يأت بها ويعيد ظهرا إن لم يمكنه جمعة، وسواء أحرم بالظهر مجمعا على أنه لا يصلي الجمعة أم لا، عمدا أو سهوا، وإن لم يكن وقت إحرامه مدركا بركعة من الجمعة لو سعى إليها أجزأته ظهره.
وظاهر قوله لم تجزه سواء كانت تجب عليه وتنعقد به، أو تجب عليه ولا تنعقد به كالمسافر الذي أقام في محل الجمعة إقامة تقطع حكم السفر.
وأما من لا تجب عليه أصلا فإنه من المعذورين أو غير مكلف فتجزئه صلاة الظهر ولو كان يدرك صلاة الجمعة اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " ومن لا تلزمه تنوب عن ظهره " يعني أن من لا تلزمه الجمعة كالعبد والمسافر إذا حضرها وصلاها تجزئه عن الظهر ولا يطالب بها وفي الحديث " الجمعة على كل مسلم إلا على أربعة العبد والمرأة والصبي والمريض إذا كان لا يقدر على السعي " اهـ وفي الرسالة: ولا تجب على مسافر، ولا على أهل منى، ولا على عبد، ولا امرأة، ولا صبي، وإن حضرها عبد أو امرأة فليصليها وتكون النساء

الجزء: 1 - الصفحة: 330

خلف صفوف الرجال، ولا تخرج إليها الشابة اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وتاركها لغير عذر لا يصلي الظهر جماعة " يعني أن من ترك الحضور إلى الجمعة بغير عذر لا يصلي الظهر جماعة.
قال خليل: ولا يجمع الظهر إلا ذو عذر اهـ قال الخرشي: يعني لا يصلي الظهر جماعة من غير كراهة من فاتته الجمعة إلا ذو عذر لا يمكن معه حضورها من سفر ومرض وسجن فليطلب منه الجمع اهـ. تنبيه: تكره صلاة الظهر جماعة يوم الجمعة لغير أرباب الأعذار الكثيرة الوقوع وأما أرباب الأعذار الكثيرة الوقوع فالأولى لهم الجمع.
ويندب صبرهم إلى فراغ صلاة الجمعة وإخفاء جماعتهم لئلا يتهموا بالرغبة عن الجمعة.
واحترزنا بكثرة الوقوع عن نادرة الوقوع كخوف بيعة الأمير الظالم، فإنه يكره للخائف الجمع، وإذا جمعوا لم يعيدوا على الأظهر خلافا لمن قال بإعادتهم إذا جمعوا.
وقد وقعت هذه المسألة بالإسكندرية، فتخلف ابن وهب وابن القاسم عن الجمعة فلم يجمع ابن القاسم، ورأى أن ذلك نادر، وجمع ابن وهب بالقوم وقاسها على المسافر، ثم قدما على مالك فسألاه فقال: لا تجمعوا ولا يجمع إلا أهل السجن والمرض والمسافر اهـ الصاوي على أقرب المسالك.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وقدوم المسافر والعتق والبلوغ والإفاقة لوقت يدركها يوجب إتيانها " يعني أن قدوم المسافر والعتق والبلوغ والإفاقة لوقت يدركها يوجب إتيانها " يعني أن قدوم المسافر لبلده أو المحل الذي نوى فيه الإقامة تقطع حكم السفر بحيث لو سعى إلى الجمعة يدرك منها ركعة يوجب عليه إتيانها.
قال خليل: أو صلى الظهر ثم قدم اهـ. قال الخرشي: عطف على أدرك، يريد أن المسافر إذا صلى الظهر قبل قدومه من السفر في جماعة أو فذا أو صلاها مع العصر كذلك ثم قدم وطنه أو غيره ناويا إقامة تقطع السفر فيجد الناس لم يصلوا الجمعة فإنه يلزمه أن يصليها معهم عند مالك لتبين استعجاله اهـ. ونقل عن أبي محمد: إن صلى صبي ثم احتلم قبل الغروب بخمس ركعات أعاد ظهرا، وفي من سقطت عنه جمعة قولان.
وعن ابن رشد إن برأ مريض

الجزء: 1 - الصفحة: 331

أو عتق عبد لإدراكه ركعة منها بعد أن صلاها ظهرا ففي لزومها قولان.
قال ابن شاس: وتلزم من أدركها لزوال عذره ولو صلى كالبلوغ.
فتحصل من تلك النصوص أن من زال عذره من مرض أو سجن أو قدوم من السفر، أو بلغ الصبي أو عتق العبد، أو أفاق المجنون، أو انتبه النائم، أو تذكر الساهي لمقدار ما يدرك أحدهم ركعة من الجمعة لزمه إتيانها ولو صلاها ظهرا مطلقا صلاها فذا أو جماعة، حضرا أو سفرا.
وقيل يعيد الظهر استحبابا إن صلاها قبل زوال العذر اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " ومن زالت عليه الشمس وهو يريد سفرا لزمته " يعني أن من أراد أن يسافر في يوم الجمعة ولم يخرج حتى زالت عليه الشمس لزمته صلاة الجمعة، إلا أن يعلم ويتحقق أنه يدركها في البلد الذي أراد أن يسافر إليه.
قال ابن جزي في القوانين: الفرع الثالث يجوز السفر يوم الجمعة قبل الزوال، وقيل يكره وفاقا للشافعي وابن حنبل، ويمنع بعد الزوال وقبل الصلاة اتفاقا اهـ. قال عبد الباري: ويحرم السفر عند الزوال من يوم الجمعة على من تجب عليه الجمعة اهـ، يعني لا يجوز السفر بعد الزوال لتعلق الخطاب به.
ومحل الحرمة ما لم يحصل له ضرر بعدم السفر عند الزوال من ذهاب ماله ونحوه، كذهاب رفقة فإنه يباح له السفر حينئذ.
ومحل الحرمة أيضا ما لم يتحقق إدراك الجمعة، أما إن تحقق إدراكها بقرية جمعة أخرى قبل إقامتها فيها فيجوز سواء كان قصده مجرد المرور بتلك القرية أو الإقامة فيها ولو لم ينو إقامة أربعة أيام، أفاده الصفتي نقلا عن العدوي اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولا يقام في مصر جمعتان " هذا هو المشهور كما نص عليه المتقدمون.
قال خليل في المختصر: وبجامع مبني متحد، والجمعة للعتيق وإن تأخر أداء اهـ. قال المواق نقلا عن الجلاب: لا تصلى الجمعة في مصر واحد في مسجدين، فإن فعلوا فالصلاة صلاة أهل المسجد العتيق.
وقال أبو محمد: إن كان في البلد جامعان فالجمعة

الجزء: 1 - الصفحة: 332

لمن صلى في الأقدم، صلى فيه الإمام أو في الأحدث اهـ. وقال النفراوي في الفواكه: وإن تعدد فالجمعة للعتيق إلا أن يكون البلد كبيرا بحيث يعسر اجتماعهم في محل، ولا طريق بجواره تمكن الصلاة فيها فيجوز حينئذ تعدده بحسب الحاجة، كما ارتضاه بعض شيوخ المذهب.
ثم قال: ينبغي أن يلحق بذلك وجود العداوة المانعة من اجتماع الجميع في محل واحد، بل لو قيل إن هذا أولى لجواز التعدد لما بعد اهـ. وفي بعض تقييدات هذا المحل لبعض الأفاضل أنه قال: ورجح المتأخرون جواز تعدد الجمعة وعليه العمل عندنا بالمغرب، وهو الصواب إلى آخر ما قال اهـ. ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " ووقتها كالظهر " يعني أن وقت صلاة الجمعة كوقت صلاة الظهر، أوله زوال الشمس عن كبد السماء ممتدا للغروب على المشهور.
وقيل إلى الاصفرار.
وقيل إلى القامة.
وقال الخرشي: وهذا إذا أخرها الإمام والناس لعذر.
وفي المدونة: قال ابن القاسم: إن أخر الإمام صلاة الجمعة حتى دخل وقت العصر فيصلي الجمعة بهم ما لم تغب الشمس وإن كان لا يدرك بعض العصر إلا بعد الغروب اهـ. وإذ ذهبنا على المشهور من أن وقت الجمعة ممتد للغروب فهل هو مقيد بأن يخطب ويصلي ويبقى من الوقت ما يدرك ركعة من العصر قبل الغروب، أو لا يعتبر بقاء ما يدرك فيه ركعة من العصر فيصلي الجمعة ولو علم أنه لا يدرك العصر إلا بعد الغروب قولان اهـ انظر الحطاب.

الجزء: 1 - الصفحة: 333

صلاة العيدين ولما أنهى الكلام على الجمعة انتقل يتكلم على بيان صلاة العيدين فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في صلاة العيدين

أي في بيان أحكام صلاة العيدين، وهما عيد الفطر وعيد الأضحى.
قال رحمه الله تعالى: " صلاة العيدين سنة " أي مؤكد تلي الوتر في التأكيد، وليس أحدهما أوكد من الأخر.
قاله الدردير.
وفي الرسالة: وصلاة العيدين سنة واجبة أي مؤكدة على الأعيان.
قال النفراوي: والدليل على سنيتها مواظبته صلى الله عليه وسلم عليها إلى أن فارق الدنيا اهـ. وقال زروق على الرسالة: يعني تجب إقامتها لأنها من السنن المؤكدة المظهرة لشعائر الإسلام.
قال ابن دقيق العيد: لا خلاف أنها من الشعائر المطلوبة شرعا.
وقد تواتر بها النقل الذي يقطع العذر ويغني عن أخبار الآحاد.
والمشهور ما ذكر الشيخ من السنية فيهما اهـ. ثم ذكر كيفيتها بقوله رحمه الله تعالى: " وهي ركعتان بغير أذان " وفي الرسالة: ليس فيها أذان ولا إقامة، فيصلي بهم ركعتين.
وعن جابر: " صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم العيد بلا أذان ولا إقامة " قال ابن عبد البر: وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين اهـ. قال رحمه الله تعالى: " يفتتح الأولى بسبع تكبيرات مع الإحرام، والثانية بست مع القيام " يعني أن المصلي صلاة العيدين يفتتحهما بتكبيرات، يكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات ولاء إلا قدر تكبير المؤتم، يعد منها تكبيرة الإحرام، وفي

الجزء: 1 - الصفحة: 334

الثانية يكبر ستا مع تكبيرة القيام.
وعبارة خليل: وافتتح بسبع تكبيرات بالإحرام، ثم بخمس غير القيام اهـ وفي العدوي على الخرشي: ولا يتبع الإمام إن زاد على السبع أو الخمس لأنه غير صواب، والخطأ لا يتبع فيه، سواء زاد عمدا أو سهوا.
ولا يتبع أيضا في نقص، بل يكمل المأموم، هذا إذا كان الإمام مالكيا، وأما لو كان ممن يرى الزيادة على السبع ففي شرح الشبرخيتي: الظاهر أنه يزيد، وليس كتكبير الجنازة لأن تكبيرة الجنازة انعقد عليه الإجماع اهـ مع إيضاح.
ثم قال رحمه الله تعالى: " يخطب بعدها خطبتين، يفتتح كلا بتسع تكبيرات نسقا، وفي أثنائها، ويكبر الناس بتكبيره " وقوله بتسع تكبيرات، هذا ولم يحدد مالك التكبير في أول الخطبتين ولا خلالهما لعدم وروده.
قال خليل في المختصر: واستفتاح بتكبير وتخللهما به بلا حد اهـ. قال الخرشي: أي وندب استفتاح الخطبتين وتخليلهما بالتكبير بلا حد في الاستفتاح بسبع، والتخليل بثلاث، بخلاف خطبة الجمعة فإن افتتاحها وتخليلها بالتحميد.
وسيأتي أن خطبة الاستسقاء تكون باستغفار اهـ. وقال النفراوي: ثم بعد السلام يرقى المنبر ويخطب ندبا خطبتين كخطبتي الجمعة، في كونهما باللفظ العربي وجهرا، لكن خطبة العيد يفتتحها بالتكبير وخطبة الجمعة بالحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
وينبغي أن تكون الخطبة الثانية مشتملة على بيان ما يتعلق بصدقة الفطر في عيد الفطر مع بيان من يطلب بإخراجها، والقدر المخرج والنوع المخرج منه، وزمن إخراجها، وفي عيد النحر على بيان ما يتعلق بالضحية، ومن يؤمر بها، وما تكون منه، والسن المجزي منها وزمن تذكيتها اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " ومستحباتها كالجمعة " منها الزينة بالثياب الجديدة للقادر عليه ولو أسود، ومنها الغسل والنظافة، ومس الطيب، وقص الشارب، وتقليم

الجزء: 1 - الصفحة: 335

الأظفار، والسواك، وإحياء ليلته بالعبادة.
فلو اتفق أن يوم الجمعة يوم عيد تزين في كل وقت بما يناسبه.
ومن المستحب ما أشار به رحمه الله بقوله: " ويستحب الأكل يوم الفطر قبل الخروج، ويوم الأضحى بعد الرجوع " وذلك لخبر الدارقطني " أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يفطر حتى يرجع ليأكل من كبد أضحيته " اهـ. وورد أيضا أن أول ما يأكل أهل الجنة عند دخولها كبد الحوت الذي عليه الأرض اهـ. قال خليل في المندوبات: وفطر قبله في الفطر، وتأخيره في النحر اهـ. قال الحطاب: وفي مختصر الوقار: يستحب للمرء أن يطعم يوم الفطر بعد صلاة الصبح شيئا من الحلو إن أمكن قبل صعوده المصلى اهـ قال في التوضيح: قال الباجي: ويستحب أن يكون فطره على تمرات، لما رواه الترمذي وحسنه " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل تمرات " زاد البغوي فيه " ويأكلهن وترا " اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ووقتها من ارتفاع الشمس إلى الزوال " قال مالك في المدونة: وأحب للإمام في الأضحى والفطر أن يخرج بقدر ما إذا بلغ إلى المصلى حلت الصلاة اهـ وفي الرسالة: يخرج لها الإمام والناس ضحوة بقدر ما إذا وصل حانت الصلاة، أي حلت اهـ. وقال خليل: من حل النافلة للزوال: يعني أن وقت صلاة العيدين من حل النافلة إلى زوال الشمس، فإن لم يظهر الأمر ولم يتحقق بأن اليوم يوم العيد إلا بعد الزوال لا يصلون العيد في بقية اليوم ولا في غيره، هذا في قول مالك.
وفي الحديث أنهم يفطرون ويخرجون من الغد، وبه أخذ اللخمي اهـ المواق.
قال رحمه الله تعالى: " وفعلها في المصلي أفضل " يعني ينبغي أن يكون إيقاع صلاة العيدين في المصلى، إلا من كان بمكة فإيقاعها في المسجد الحرام أفضل.
قال خليل: وإيقاعها به - أي المصلى - إلا بمكة فيندب في مسجدها.
وقال الخرشي: أي يستحب إيقاع العيد بالمصلى ولو بالمدينة.
والمراد بالمصلى الفضاء والصحراء.
وصلاتها

الجزء: 1 - الصفحة: 336

بالمسجد من غير ضرورة داعية بدعة لم يفعله عليه السلام ولا الخلفاء بعده، هذا في غير مكة.
وأما من في مكة فالأفضل أن توقع في المسجد، لا للقطع بالقبلة، بل لمشاهدة الكعبة، وهي عبادة مفقودة في غيرها، ولخبر " ينزل على هذا البيت في كل يوم مائة وعشرون رحمة، ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين " اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا يتنفل قبلها ولا بعدها " بل ينصرف من غير تنفل.
قال النفراوي: لأنه لا يتنفل قبلها ولا بعدها إذا فعلها في الصحراء.
قال خليل: وكره لمصلي العيد تنفل بمصلى قبلها وبعدها، لا بمسجد فيهما، لما في الصحيحين " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوم الأضحى فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما " وأما إن أوقعهما في المسجد فلا يكره لإمام ولا مأموم تنفل قبلها ولا بعدها؛ لأن الحديث إنما كان في الصحراء اهـ انظره في شراح خليل.
قال رحمه الله تعالى: " يخرجون مكبرين بطريق ويرجعون بغيرها " يعني أنهم يخرجون مكبرين في ذهابهم إلى المصلى، ويرجعون من طريق غير الأولى.
وفي المدونة عن مالك " عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى العيدين من طريق ويرجع من طريق أخرى " اهـ. وفي الرسالة: ويستحب أن يرجع من طريق غير الطريق التي أتى منها والناس كذلك، إلى قوله: وليذكر الله في خروجه من بيته في الفطر والأضحى جهرا حتى يأتي المصلى، الإمام والناس كذلك، فإذا دخل الإمام للصلاة قطعوا ذلك اهـ. وفي المدونة عن ابن عمر أنه كان يجهر بالتكبير يوم الفطر إذا غدا إلى المصلى حتى يخرج الإمام فيكبر بتكبيره اهـ. وقال مالك: والتكبير إذا خرج لصلاة العيدين يكبر حتى يخرج إلى المصلى، وذلك عند طلوع الشمس، فيكبر

الجزء: 1 - الصفحة: 337

في الطريق تكبيرا يسمع نفسه ومن يليه، وفي المصلى إلى أن يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام قطع اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " ويستحب التكبير أيام النحر عقب خمس عشرة صلاة أولاهن ظهر العيد " قال في المدونة: يبدأ بالتكبير في أيام الحج دبر صلاة الظهر من يوم النحر إلى دبر صلاة الصبح من آخر أيام التشريق اهـ. وفي الرسالة: فإن كانت أيام النحر فليكبر الناس دبر الصلوات من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الصبح من اليوم الرابع منه، وهو آخر أيام منى، يكبر إذا صلى الصبح، ثم يقطع.
والتكبير دبر الصلوات: الله أكبر الله أكبر الله أكبر.
وإن جمع مع التكبير تهليلا وتحميدا فحسن، يقول إن شاء ذلك: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
وقد روي عن مالك هذا والأول، والكل واسع اهـ. وقد أشار المصنف لما تقدم بقوله رحمه الله تعالى: " ولفظه: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد " هذا ظاهر كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى: " ومن أراد أن يصليها وحده صلاها على صفتها " يعني أن من فاتته صلاة العيدين مع الإمام فله أن يصليها وحده، لا جماعة على الراجح كما في الإكليل.
وحاصل ما في الحطاب أنه قال: يستحب له أن يصليها، وهل في جماعة أو أفذاذا قولان، والأصح أنه لا يجوز لهم جمعها اهـ. صلاة الاستسقاء ولما أنهى الكلام على صلاة العيدين وما يتعلق بها انتقل يتكلم على بيان أحكام صلاة الاستسقاء فقال رحمه الله تعالى:

الجزء: 1 - الصفحة: 338

فَصْلٌ

في صلاة الاستسقاء

أي في بيان الاستسقاء، وهو طلب السقي من الله تعالى عند القحط على وجه مخصوص.
والاستسقاء بالدعاء مشروع مأمور به في كل الأحوال إن احتيج إليه.
ولا خلاف بين الأمة في جوازه، قاله ابن بشير اهـ. قال رحمه الله تعالى: " تسن الصلاة لطلب الغيث " يعني يسن لمن أصابهم القحط أن يصلوا لطلب المطر لزرع أو شرب أو غيره.
وحكمها السنة المؤكدة إلا أن العيد أوكد منها.
قال رحمه الله تعالى: " ويستحب تقدمها بصيام وصدقة ونحو ذلك " يعني يندب قبل الخروج إلى المصلى أن يصوموا ثلاثة أيام، ويتصدقوا.
وفي أقرب المسالك: وصيام ثلاثة أيام قبلها، وصدقة، وأمر الإمام بهما، كالتوبة ورد التبعات اهـ. وأما قول خليل: ولا يأمر بهما الإمام ضعيف، كما في البناني والإكليل.
ثم ذكر كيفيتها بقوله رحمه الله تعالى: " وهي ركعتان بالمصلى يخرجون ضحوة متبذلين متخاشعين يظهرون الندم والتوبة " وفي نسخة يخرجون ضحى متذللين متخشعين.
وفي الرسالة: وصلاة الاستسقاء سنة تقام، يخرج لها الإمام كما يخرج للعيدين ضحوة، فيصلي بالناس ركعتين يجهر فيهما بالقراءة؛ يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها، وفي كل ركعة سجدتان وركعة واحدة، ويتشهد ويسلم اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويصلي بهم قبل الخطبة، ويكثرون الاستغفار حال الخطبة، والأفضل أن يخطب بالأرض " يعني لا بد أن تكون الصلاة قبل الخطبة.
وقوله يكثرون الاستغفار يعني ينبغي أن يكثر الإمام والناس الاستغفار في حال الخطبة

الجزء: 1 - الصفحة: 339

بدل التكبير في العيدين قال خليل وبدل التكبير بالاستغفار اهـ. قال الخرشي: يعني أنه يخطب خطبتين كخطبتي العيد، ويبدل التكبير هناك بالاستغفار هنا والناس معه، لقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ [نوح: 10، 11] فجعل المطر جزاء الاستغفار اهـ. ومفهوم قوله أن يخطب بالأرض أنه لا يرقى منبرا ولا غيره، بل الأفضل للإمام أنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم منبر يخرج به إلى صلاة العيدين، ولا لأبي بكر، ولا لعمر، وأول من أحدث له في العيدين منبر من طين عثمان بن عفان.
أحدثه له كثير بن الصلت اهـ قال خليل: وندب خطبة بالأرض، وصيام ثلاثة أيام قبله وصدقة.
وتقدم بيان ذلك.
قال رحمه الله تعالى: " فإذا فرغ استقبل القبلة وحول رداءه وحولوا أرديتهم ما على اليمين على اليسار ويسألون الله تعالى " يعني إذا سلم الإمام توجه إلى الناس بوجهه.
وفي الرسالة: ثم يستقبل الناس بوجهه فيجلس جلسة، فإذا اطمأن الناس قام متوكئا على قوس أو عصا فخطب، ثم جلس، ثم قام فخطب، فإذا فرغ استقبل القبلة فحول رداءه، يجعل ما على منكبه الأيمن على الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن، ولا يقلب ذلك، وليفعل الناس مثله وهو قائم وهم قعود اهـ. قلت هذا نحو ما قاله مالك في المدونة في صلاة الاستسقاء أنه قال: يخرج الإمام، فإذا بلغ المصلى صلى بالناس ركعتين، يقرأ فيهما بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها ونحو ذلك، ويجهر بالقراءة، ثم يسلم، ثم يستقبل الناس ويخطب عليهم خطبتين، يفصل بينهما بجلسة، فإذا فرغ من خطبته استقبل القبلة مكانه، وحول رداءه قائما، يجعل الذي على يمينه على شماله، والذي على شماله على يمينه مكانه حين يستقبل القبلة، ولا يقلبه فيجعل الأسفل الأعلى والأعلى والأسفل، ويحول الناس

الجزء: 1 - الصفحة: 340

أرديتهم كما يحول الإمام فيجعلون الذي على أيمانهم على أيسارهم والذي على أيسارهم على أيمانهم، ثم يدعو الإمام قائما ويدعون وهو قعود، فإذا فرغ من الدعاء انصرف وانصرفوا اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " والمستحب " الذي ينبغي أن يدعو به في الاستسقاء من الأدعية دعاؤه عليه الصلاة والسلام وهو: " اللهم اسقنا من بركات السماء ما تنبت لنا به الزرع، وتدبر لنا به الضرع، وتدفع عنا به الجهد، ولا تجعلنا من القوم القانطين.
اللهم اسق عبادك وبهيمتك وانشر رحمتك وأخي بلدك الميت " روى بعضه أبو داود.
وفي زاد المعاد للعلامة ابن القيم.
قال روي عن سالم بن عبد الله عن أبيه مرفوعا " أنه كان إذا استسقى قال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا غدقا مجللا عاما طبقا سحا دائما، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد والبهائم والخلق من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد، والجوع، والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا ". قال الشافعي، رضي الله عنه: وأحب أن يدعو الإمام بهذا اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " فإن أجيبوا وإلا عادوا ولو مرارا " يعني فإن أجاب الله لهم فلله الحمد والشكر، وإلا فلا بأس بتكررها مرة بعد أخرى حتى يستجاب لهم.
وفي أقرب المسالك: وكررت إن تأخر، أي يجوز تكرارها إن تأخر السقي بأن لم يحصل، أو حصل دون الكفاية اهـ. قال الزروق في شرحه على الرسالة: ابن شاس ولا بأس بتكررها إذا تأخرت الإجابة.
ابن حبيب: ولا بأس بأيام متوالية، ويستسقي في إبطاء

الجزء: 1 - الصفحة: 341

النيل.
أصبغ: فعل بمصر خمسة وعشرين يوما متوالية على سنة الاستسقاء.
وحضر ابن القاسم وابن وهب ورجال صالحون فلم ينكروه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولا بأس بخروج الأطفال والبهائم والقواعد وأهل الذمة منفردين عن المسلمين لا منفردين بيوم "، قوله ولا بأس بخروج الأطفال والبهائم فيه خلاف، نقل الخرشي عن الجزولي في شرحه على الرسالة قال: الذين يخرجون للاستسقاء ثلاثة أقسام: قسم يخرجون باتفاق وهم الرجال والصبيان الذين يعقلون الصلاة والعبيد والمتجالات من النساء.
وقسم لا يخرجون باتفاق وهن النساء في حال حيضهن ونفاسهن، كذلك الشابة الناعمة لأن خروجها ينافي الخشوع، وقسم اختلف فيهم وهم البهائم، والصبي الذي لا يعقل، والشابة التي ليست بناعمة، وأهل الكتاب.
انتهى.
ابن شاس: والمشهور أن إخراج الصبيان والبهائم غير مشروع، وكذلك الشابة التي لا يخشى منها الفتنة.
وعبارة النفراوي أنه قال: وقسم اختلف فيه وهو من لا يعقل القربة، والشابات غير المخشيات، والبهائم.
والذي اقتصر عليه خليل عدم خروجهم، فإنه قال: لا من لا يعقل منهم، وبهيمة.
وأما أهل الذمة فأباح في المدونة خروجهم مع الناس، ولكن يقفون على جهة ولا ينفردون بيوم آخر.
قال خليل: ولا يمنع ذمي، وانفرد لا بيوم آخر اهـ. وإذا علمت ذلك تعرف أن إطلاق المصنف فيه تقييد وتفصيل فتأمل اهـ.

الجزء: 1 - الصفحة: 342

صلاة الكسوف ولما أنهى الكلام على الاستسقاء وما يتعلق به انتقل يتكلم على بيان صلاة الكسوف فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في صلاة الكسوف

أي في بيان أحكام الكسوف وما يتعلق به.
وفي شرح الرسالة زروق: الخسوف لغة التغيير، ولأهل اللغة كلام في الخسوف والكسوف يطول ذكره.
ابن بشير: الخسوف عبارة عن ظلمة أحد النيرين الشمس والقمر أو بعضهما.
وفي سبب ذلك ومادته ما يطول ذكره فانظره إن شئت اهـ. قال رحمه الله تعالى: " صلاة كسوف الشمس ركعتان " بدأ المصنف بكيفيتها ولم يذكر حكمها، وهي سنة مؤكدة يخاطب بها كل من يؤمر بالصلاة ولو ندبا، فتخاطب بها النساء، والعبيد، والصبيان الذين عقلوا القربة، والمسافر والحاضر في ذلك سواء.
وتصليها المرأة في بيتها لأن الجماعة غير شرط فيها، بل مستحبة للرجال في المساجد.
وهي مشروعة كتابا وسنة وإجماعا.
وقد بدأ صاحب الرسالة بذكر حكمها بقوله: وصلاة الخسوف سنة واجبة، إذا خسفت الشمس خرج الإمام إلى المسجد فافتتح الصلاة بالناس من غير أذان ولا إقامة إلخ كما قال رحمه الله: " يجمع لها بالمسجد بغير أذان ولا خطبة " يعني أن تكون في المسجد لا الصحراء، لا أذان فيها ولا إقامة، وكذا لا خطبة فيها خلافا للشافعي.
وفي الرسالة: وليس في أثر صلاة خسوف خطبة مرتبة، ولا بأس أن يعظ الناس ويذكرهم كما سيأتي عن المصنف.
قال رحمه الله تعالى: " في كل ركعة ركوعان وقراءتان، يطيل القراءة سرا

الجزء: 1 - الصفحة: 343

والركوع نحوها " أي يطيل القراءة سرا، ويكون الركوع نحو القراءة.
قال رحمه الله تعالى: " ثم يرفع ويقرأ دون الأولى " أي دون قراءته الأولى.
قال رحمه الله تعالى: " ويركع نحوها " يعني يركع ركوعا طويلا نحو قراءته الثانية.
وفي المدونة عن مالك بإسناده إلى عبد الله بن عباس، رضي الله عنه، قال: " خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس نعه، فقام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع رأسه فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قياما طويلا دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع رأسه فسجد ثم انصرف وقد تجلت الشمس " اهـ. ومثله في الموطأ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وهل يطيل السجود قولان " المشهور منهما التطويل نحو الركوع الثاني استحبابا.
قال الدردير: والسجود كالركوع في الطول ندبا، يسبح فيه ويدعو بما شاء.
وأما الجلسة بين السجدتين فعلى العادة ولا تطويل فيها اتفاقا اهـ قال رحمه الله تعالى: " وهل يفتتح كل قراءة بالفاتحة، أو يختص بالأولى والثانية؟ قولان " المشهور منهما أنه يفتتح كل قراءة بالفاتحة.
قال النفراوي في الفواكه: ظاهر كلام المصنف أن الفاتحة تكرر في كل قيام، وهو كذلك على مشهور المذهب اهـ. قال الشيخ زروق: ويستحب في الأولى بعد الفاتحة سورة البقرة، وثانيا بالفاتحة وآل عمران، وثالثا النساء ورابعا المائدة بعد الفاتحة.
وأي سورة قرأ أجزأت.
والمشهور إعادة الفاتحة في القيامين الزائدين خلافا لابن مسلمة.
ويطيل نحو القراءة كالسجود على المشهور اهـ.

الجزء: 1 - الصفحة: 344

ثم قال رحمه الله تعالى: " فإذا سلم أقبل على الناس فوعظهم وذكرهم " قال المواق: روى ابن عبد الحكم يستقبل الإمام الناس بعد سلامه فيذكرهم ويخوفهم ويأمرهم أن يدعوا الله ويكبروا ويتصدقوا.
قال ابن يونس: ولا خطبة مرتبة فيها اهـ. وتقدم قول صاحب الرسالة: وليس في أثر صلاة خسوف الشمس خطبة مرتبة، ولا بأس أن يعظ الناس ويذكرهم.
قال خليل عاطفا على المندوب: ووعظ بعده، لأن الوعظ إذا ورد بعد الآيات يرجى تأثيره.
وكما يستحب لإمام وعظ الناس يستحب له تحريضهم وحثهم على بذل الصدقات والعتق والصيام.
والأصل في ذلك ما في الحديث: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله " وأما ما يفعله الناس من نقر النحاس عند الخسوف فهو بدعة من عمل فرعون اهـ النفراوي.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وتدرك بركوعها الرابع ويقضي الركعة الأولى دون القيام الثالث " وفي المختصر: وتدرك بالركوع الثاني.
قال الدسوقي: وحينئذ فمن أدرك مع الإمام الركوع الثاني من الأولى لم يقض شيئا، وإن أدرك الركوع الثاني من الركعة الثانية قضى الركعة الأولى بقيامها فقط ولا يقضي القيام الثالث اهـ قال الخرشي: وتدرك الركعة من كل من ركعتيها بالركوع الثاني من الركوعين لأنه الواجب.
وقال العلامة العدوي في حاشيته عليه: قوله لأنه الواجب أي فلا يقضي من أدرك الركعة الأولى شيئا، ويقضي من أدرك الركوع الثاني من الركعة الثانية الركعة الأولى فقط بقيامها، ولا يقضي القيام الثالث اهـ. وقال أيضا في حاشيته على أبي الحسن: فتدرك ركعتها بالركوع الثاني من الركوعين فمن دخل مع الإمام في الركوع الثاني من الركعة الأخيرة فقد أدرك الصلاة مع الإمام، ويقضي الأولى بركوعين وقيامين اهـ. وقال في حاشية الخرشي: ومثل فرضية الركوع الثاني القيام الذي قبله.
والركوع الأول سنة كما في الشيخ

الجزء: 1 - الصفحة: 345

سالم، كالقيام الذي قبله.
وظاهر أن الفاتحة كذلك سنة في الأولى وفرض في الثانية، وظاهر المواق وابن ناجي فرضيتها قطعا في أول كل قيام من الركعتين انظره اهـ. ثم شرع يتكلم على خسوف القمر فقال رحمه الله تعالى: " وصلاة خسوف القمر كالنوافل ولا يجمع لها " يعني صفتها كسائر النوافل ركعتين ركعتين، أي يسلم من كل اثنتين بدون تطويل، بركوع واحد وقيام واحد، والقراءة فيهما جهرا لأنها صلاة ليلية.
ويكره أن يصليها جماعة.
والأفضل كونها في البيوت.
والله موفق للصواب.
وهنا تم ما احتواه كتاب السفر وما عطف عليه من الفصول الستة، وما يتعلق بجميع ذلك.
ثم انتقل الآن يتكلم فيما يتعلق بالجنازة وأحكامها.
فقال رحمه الله تعالى:

الجزء: 1 - الصفحة: 346

فصول الكتاب · 32 فصل
جارٍ التحميل