أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»صفحات 100-139

أي في بيان ما يتعلق بمسائل الوقف المعبر عنه بالحُبُس كما في بعض النُّسَخ.
وحُكْمُه الندب؛ لأنه من البرَّ وفعل الخير.
قال الدردير: فأركانه أربعة: واقف وهو المالك للذات أو لمنفعة إن كان أهلاً للتبرع.
وموقوفٌ وهو ما مُلِكَ، أي من ذات أو منفعة ولو حيوانًا أو طعامًا أو عينًا للسَّلَف.
وموقوف عليه وهو الأهل أي المستحق لصرف المنافع عليه، كالمجاهدين في سبيل الله والمرابطين والعلماء والفقراء وغيرهم ممن يصرف عليهم غلة الوقف، وكالقناطر والمساجد ومن سيولد ولو ذميًا، أو لم تظهر قُربة كغنى ذمي.
وصيغة بوقفت أو حبست أو سبلت، كتصدقت إن اقترن بقيد أو جهة، نحو تصدقت لكن لا يُباع ولا يوهَبُ، أو تصدقت به على بني فلان طائفة بعد طائفة.
وناب عن الصيغة التخلية بين الذت الموقوفة وبين الناس، كالمسجد يبنيه ويفتحه للناس وما أشبه ذلك من كل ما ينتفع به عموم الناس اهـ. بتوضيح وعبارة ابن جزي في القوانين أنه قال: أركانه أربعة: المحبس، والمحبس, والمحبس عليه، والصيغة.
فأما المحبس فكالواهب، وأما المحبس فيجوز تحبيس العقار كالأرضين والديار والحوانيت والجنات والمساجد والآبار والقناطر والمقابر والطرق وغير ذلك، ولا يجوز تحبيس الطعام؛ لأن منفعته في استهلاكه، وفي تحبيس العروض والرقيق والدواب روايتان، على أن تحبيس الخيل للجهاد أمر معروف.
وأما المحبس عليه فيصح أن يكون إنسانًا أو غيره كالمساجد والمدارس، ويصح على الموجو د والمعدوم والمعين والمجهول والمسلم والذمي والقريب والبعيد اهـ. قلت: انظر قوله: ولا يجوز تحبيس الطعام مع ما تقدم من كلام الدردير من قوله: ولو حيوانًا أوطعامًا أو عينًا للسَّلف.
وقال في بيان الجواز لذلك: وينزل ردّ بدله منزلة بقاء عينه.
وجواز وقف الطعام والعين نص المدونة فلا تردد فيه اهـ. ومثله في النفراوي.

قال رحمه الله تعالى: "يصح في المشاع والمقسوم من الرباع غير موقوف على حكم حاكم، وفي غيرها خلاف.
وقيل: الخلاف في غير الخيل" يعني أخبر أنه يصحُّ وقف المشاع والمقسوم من العقار كالرباع وغيرها كما هو معلوم، وأنه لا يتوقف صحته على حُكْمِ حاكمن بل يصحُّ ولو بغير عِلْمِ الحاكم إذا توافرت شروطه، والخلاف هل يصح وقف غير ما تقدم كالحيوان والطعام فالجواب جواز ذلك على المتمد، وأما الخيل فلا خلاف في جواز وقفها للغزو، كما لا خلاف في لزومه وقفيته لما قاله أئمتنا من أن حكمَ الوقف اللزوم في الحال إذا نجزه أو أطلق؛ لأنه يحمل عند الإطلاق على التنجيز.
قال رحمه الله تعالى: "وشرطه إخراجه عن يده، فإن أمسكه إلى مرض موته بطل غلا أن يخرجه مدة يشتهر فيها ثم يتصرف فيه لأربابه أو يقف على صغار أولاده ويتصرف لهم" يعني كما في الرسالة.
قال فيها: ومن حبس داراً فهي على ما جعلها عليه إن حيزت قبل موته، ولو كانت حُبُسًا على ولده الصغير جازت حيازته له إلى أن يبلغ، وليُكْرِهَا له ولا يسكنها، فإن لم يدع سكناها حتى مات بَطَلَتْ اهـ. قال الدردير: وبطل بمانع قبل حَوْزِه أو بعد عَوْدِهِ له قبل عام وله غلّة كدار، بخلاف نحو كتب وسلاح إذا صرفه في مصرفه إلا لمحجوره إن أشهد على الوقف وصرف له الغلة ولم يكن الموقوف دار سكناه، إلا أن يسكن الأقل ويكرى له الأكثر، وإن سكن النصف بَطَلَ فقط اهـ. قال ابن جزي: ولابد من معاينة البينة للحوز إذا كان المحبس عليه في غير ولاية المحبسَّ، أو كان في ولايته والمحبس في دار سكناه، أو قد جعل فيها متاعه فلا يصح إلاَّ بالإخلاء والمعاينة، وإذا عقد المحبس عليه أو الموهوب له في المِلْك المحبس أو الموهوب كِراء ونزل فيهما لعمارة فذلك حَوْزٌ اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وهو في المرض من الثلث، إلا على وارث فإنه يعود

ميراثًا" يعني كما في الدردير: قال: وبَطَلَ الوقف على وارث بمرض موته، لأن الوقف في المرض كالوصية ولا وصية لوارث، وإلا بأ، كان الوقف على غير الوارث فإنه يخرج من الثلث إن حمله الثلث، وإلا فلا يصح منه إلا ما حمله الثلث اهـ بتصرف.
قال رحمه الله تعالى: "ولا يصح على نفسه، فإن وقف على وارثه وأجنبي قسم على شرطه وعاد سم الوارث ميراثًا" قال الموَّاق نقلاً عن ابن شاس: لا يجوز للرجل أن يحبس ويكون هو ولي الحُبُس وقال في كتاب محمد فيمَن حبس غلّة داره في صحته على المساكين فكان يلي عليها حتى مات وهي بيدة: إنها ميراث، وكذلك إن شرط في حبسه أنه يلي ذلك لم يجُزْ اهـ. قال الدردير في أقرب المسالك عاطفًا على مبطلات الوقف: أو على نفسه ولو بشريك، أي يبطل إن وقف على نفسه ولو مع شريك غير وارث.
وأما لو وقف على وارث وأجنبي فإنه قُسِم، وصحَّ سهم الأجنبي وعاد سهم الوارث ميراثًا، وذلك إن حاز الأجنبي ما يخصه قبل موت الواقف أو مرضه، وإلا فالجميع ميراث، قفإن أوقفه على نفسه ثم على أ, لاده وعقبه رجع حُبُسًا بعد موته على عقبه إن حازوا قبل المانع وغلا بَطَل، هذا إن أوقف في صحته، فإن أوقف في مرضه صح إن حمله الثلث اهـ بتصرف.
قال رحمه الله تعالى: "ولفظه يقتيضي التأبيد وإن لم يؤكده ولم يذكر جهة، أو وقف على المساكين أو العلماء" يعني أن لفظ الواقف بقوله: وقفت يقتضي تأبيد الموقوف وإن لم يؤكده بشيئ من مؤكدات الوقفية، لكن المعلوم شرعًا أن الوقف لا يشترط فيه التأبيد، بل يجوز لشخص أن يوقف وقفًا مدة معينة سنة فأكثر لأجل معلوم، ثم بعد انقضائه يرجع ملكًا للواقف الأصلي أو لغيره، وكذلك أنه لا يشترط على الواقف تعيين المصرِف أي محل صَرْفه، فَلَهُ أن يقول: أوقفتُه لله تعالى من غير تعيين مَنْ يصرف له قال الدردير: وصرف في غالب، وإلا فالفقراء كما سيأتي زيادة إيضاح عند قول المصنَّف: وما لم يعيّن له مصْرَفًا يصرف في وجوه البرّ.

قال رحمه الله تعالى: "والظاهر أن لفظ الحُبُسِ كَالْوَقْفِ" وتقدم أو الكتاب أن الوقف في بعض النسخ يعبر بالحُبُس كما هو غالب عبارات المدوَّنة، ولا خلاف في ذلك بين أهل اللغة، على أن الحُبُس هو الوق.
قال في المصباح: وحبسته بمعنى وقفته، فهو حبيس والجمع حُبُس اهـ. قال رحمه الله تعالى: "ومقتضى لفظ الصدقة تمليك الرقبة إلا أن يُريدَ التَّحْبِيسَ" فالمعنى أن مقتضى لفظ الصدقة تمليك ذات الشيئ المتصدق به إلا أن يريد المتصدق بلفظ الصدقة التحبيس فيكون حينئذ بمعنى الوقف فيصير حُكْمُها حُكْمَ الوقف.
وهو تمليك منفعة الذات دون الرقبة، أمَّا إذا لم يَرِدْ بلفظ الصَّدَقة شيئًا فتحمل على عطية الرقبة، وهي الذات المتصدق بها.
قال رحمه الله تعالى: "فلا يجوز بيعه ولا شيئ من نقضه ويلزم هادمه إعادته على صفته، ولا يجوز تغييره" يعني أن الوقف لا يجوز بيعه ولا بيع شيئ من نقضه ولا تغيير صفته ومن هدمه يلزمه إعادته كهيئته.
قال خليل: ومن هدم وقفًا فعليه إعادته.
قال الخرشي: يعني أن من تعدّى على حُبُس وهدمه فإنه يلزمه إعادته على حالته التي كان عليها قبل الهدم، ولا يجوز أخذ القيمة لأنه كبيعه، لكن من المعلوم أنه لا يلزم من أخذ القيمة في الشيئ جواز بيعه، ككلب الصيد وجلد الأضحية وغير ذلك فالمذهب هنا لزوم القيمة في الوقف إذا أُتْلِفَ كما قال ابن عرفة؛ ظاهر المدوَّنة أن الواجب في الهدم القيمة مِلْكًا أو وَقْفًا مطلقًا اهـ. وما تقدَّم من عدم جواز البيع وهو كذلك وللفقهاء في ذلك تفصيل فراجِعْه في كُتُبِهم.
وقد عَقَدَ ابن جزي في القوانين فصلاً فقال: والأحباس بالنظر إلى بَيْعِها على ثلاثة [80] [81] أقسام: أحدها المساجد، فلا يحل بيعها أصلاً بإجماع.
الثاني العقار، لا يجوز بيعه إلا أن يكون مسجدًا تحيط به دور محبسة فلا بأس أن يشتري منها ليوسع به.
والطريق كالمسجد في ذلك.
وقيل إن ذلك في مساجد الأمصار لا في

مساجد القبائل.
وأجاز ربيعة بَيْع الربع المحبس إذا خرب ليعوَّ به آخر خلافًا لمالك وأصحابه.
الثالث العروض والحيوان، قال ابن القاسم: إذا ذهبت منفعتها، كالفرس يهرَم والثوب يُخْلَق بحيث لا ينتفع بهما جاز بَيْعُه وصَرْفُ ثمنِهِ في مِثْلِه، فإن لم تصل قيمته إلى كامل جُعلَتْ في نصيب من مِثْلِه.
وقال ابن الماجشون: لا يُباع أصلاً اهـ. قال في الرسالة: ولا يُباع الحُبُس وإن خرب، ويُباع الفرس الحُبُس بكلب ويُجْعَلُ ثمنه في مِثْلِه أو يُعان به فيه.
واختلف في المعاوضة بالربع الخرب بربع غير خرب.
قال خليل: وبيع ما لا ينتفع به من غير عقار في مثله أو شقصه كأن أُتْلِفَ، وفضل الذكور، وما كبر من الإناث في إناث.
فإن لم يبلغ ثمن ما بِيعَ ثمن شيئ كامل وإلاَّ أمكن الإعانة به في شِقْصِهِ فإنه يتصدق به على الجهة الموقوف عليها فثمن الفرس يفرَّق على المجاهدين، وثمن الحيوان على مَنْ وَقَفَ عليه وثمن الثوب الخلق على العراة اهـ مع طرف من النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: "واختلف في الفرس يهرم فأجاز ابن لاقاسم بيعه وصرفه في مثله أو مصرفه، ولا يجوز بيع المسجد وإن انتقلت العمارة عنه" يعني اختلف في بيع فرس يهرم.
وتقدم الكلام فيه كما هو نص الرسالة وغيرها.
أما المسجد فلا خِلاَف في عدم جواز بَيْعِه، فلا يجوز بَيْعُ المسجد مطلَقًا سواء خرب أم لأن وإن انتقلت العمارة عن محله إجماعًا.
ومثل عدم جواز بَيْعِ المسجد نقضه فلا يجوز بَيْعُ نَقْضِ المسجد بمعنى أنقاضه كما تقدَّم ذلك.
قال رحمه الله تعالى: "وإذا كان المسجد أو السابلة محفوفًا بوقوف فافتقر إلى توسعة جاز أن يبتاع منها ما يوسع به" يعني أنه لا يجوز بيع الأوقاف، إلاَّ إذا احتاج المسجد المحفوف بها ولم يوجد ما يوسع المسجد إلا ببيع بعض تلك الأوقاف أو كلها فإنه يجوز أن تُباع لتوسعة المسجد.
قال خليل مستثنيًا على فيما لا يجوز بيعه من الوقف: لا عقار وإن خرب، ونُقْضّ ولو بغير خرب إلاَّ لتوسيع كمسجد ولو جبرًا،

وأمروا بِجَعْلِ ثمنه لغيره.
قال شارحه: تقدم أن الحُبُس لا يجوز بَيْعُه ولو صار خربًا إلا في المسألة، وهي ما إذا ضاق المسجد بأهله أو احتاج إلى توسعة وبجانبه عقار حُبُس أو مِلْك عن بَيْعِ ذلك، فالمشهور أنهم يُجْبَرُون على بَيْعِ ذلك ويُشْتَرَى بثمن الحُبُس منا يجعل حُبُسا كالأول.
ومثل توسعة [81] [82] المسجد توسعة طريق المسلمين ومقبرتهم اهـ. وفي الموَّاق: قال سحنون: لم يُجِزْ أصحابنا بَيْعَ الحُبُس بحال إلاَّ داراً بجوار مسجد احتيج أن تُضاف إليه ليتوسع بها، فأجازوا بَيْعَ ذلك، ويُشْتَرَى بثمنها دار تكون حُبُسًا، وقد أدخل في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم دور محبسة كانت تليه.
قال ابن رشد: ظاهر سماع ابن القاسم أن ذلك جائز في كل مسجد كقول سحنون.
وفي النوادر عن مالك والأخوَيْن وأصبغ وابن عبد الحكم أن ذلك إنَّما يجوز في مساجد الجوامع إن احتيج إلى ذلك، لا في مساجد الجماعات، إذ ليست الضرورة فيها كالجوامع.
وعن عبد الملك: لا بأس ببيع الدار المحبسة وغيره ويُكْرِه الناس السلطان على بَيْعِها إذا احتاج الناس إليها لجامعهم الذي فيه الخطبة، وكذلك الطريق إليها لا إلى المساجد التي لا خطبة فيها، والطرق التي في القبائل لأقوام.
قال مطرف: وإذا كان النهر بجانب طريق عظمي من طرق المسلمين التي يسلك عليها العامة فحَفَرَها حتى قَطَعَها فإن أهل تلك الأرض التي حولها يُجْبَرون على بَيْعِ ما يوسع به الطريق اهـ. ثم شرع يذكر ما يعتبر به من ألفاظ الواقف فقال رحمه الله تعالى: "ويدخل في

لفظ الولد والعقب والنسل أولاد البنين دون البنات" يعني أن لفظ الولد والعقب والنسل يتناول أولاد البنين فقط ذكورهم وإناثهم، أي لا يتناول إلاَّ الأولاد ذكورًا وإناثًا وأولاد الذكور دون أولا البنات، وهم الحفدة.
قال دردير في أقرب المسالك: بخلاف ولدي وولد ولدي، وولادي وولاد أولادي، وبني وبني بني، كنسلي وعَقِبي اهـ. قوله: بخلاف أولادي إلخ، أي لا يدخل الحافد على الراجح.
وقيل بدخوله كالذي قبله، أي لا يدخل الحافد في لفظ أولادي وأولاد أولادي، ولا في لفظ بني وبني بني، ولا في لفظ نسلي، ولا في عَقِبي، وكل ذلك لا يدخل فيها الحافد لأن تلك الألفاظ لا تتناوله عُرْفًا، فإذا كان العُرْف عندهم شُمْوله دخل؛ لأن مبنى هذه الألفاظ العُرْف، ولذا قال ابن رشد في المقدمات: ولو كرر لفظ التعيب لدخل ولد البنات إلى الدرجة التي انتهى إليها المحبس على ما ذهب إليه الشيوخ ثم استظهره، وقال: إنه المعمول به وتبعه أبو الحسن، واقتصر عليه ابن عرفة والقرافي وغيرهما، وجرى به العمل قديمًا وحديثًا اهـ. باختصار وتوضيح.
قال قرحمه الله تعالى: " ولو قال أولادي وأولادهم ذكورهم وإناثهم وأولادهم فالأظهر دخول أولادهن، ويدخلون في الذرية قولاً واحدًا" يعني كما في الدردير.
وتتناول الذرية الحافد وهو ولد البنتن وكولد فلان وفلانة أوالذكور والإناث وأولادهم، أو أولادي وأولادهم.
قال الصاوي عليه: قوله وهو ولد البنت، كلامهم هنا يفيد أن الحافد مقصور على ولد البنت.
والذي يفيده البيضاوي في تفسير قوله تعالى: "وَجَعَلَ لَكُم مِّ أَزوَجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً [النحخل: 72] أن المراد بهم أولاد الذكور وأولاد البنات.
وفي القاموس: السَّبْط ولد الولد، ظاهره ذكرًا كان أو أنثى فهو مرادف للحفيد اهـ. قال رحمه الله تعالى: "ولو قال بني لدخل بناته وبنات بنيه كقوله بناتي" يعني أن لفظ بني يقتضي دخول بناته وبنات بنته، كلفظ بناتي سواء بسواء.

وذلك مما يدل على أنه يعتبر بالألفاظ، وقد ذكر ابن جزي في القوانين جميع الألفاظ التي يعتبر بها عن الواقف للموقوف عليهم، فقال: فأما لفظ الولد والأولاد، فإن قال حبست على ولدي أو على أولادي فيتناول ولد الصلب ذكورهم وإناثهم، وولد الذكور منهم؛ لأنهم قد يرثون، ولا يتناول ولد الإناث منهم، خِلافًا لأبي عمر بن عبد البرّ.
وإن قال: حبست على أولادي وأولادهم فاختُلِفَ في دخول ولد البنات أيضًا، وإن قال على أولادي ذكورهم وإناثهم سواء سمَّاهم أو لم يسمَّهِم، ثم قال وعلى أعقابهم أو أولادهم فيدخل أولاد البنات.
وأمَّا لَفْظُ العضقِب فحْكْمُه حُكْمُ الولد في كل ما ذكرنا، وكذلك لفظ البنين وقد يختص بالذكور إلا أن يقول ذكورهم وإناثهم.
وأما لفظ الذرية والنسل فيدخل فيهما أولاد البنات على الأصحّ.
وأما لفظ الآل والأهل فيدخل فيه العصبة من الأولاد والبنات، والإخوة والأخوات والأعمام والعمّات، اختُلِفَ في دخول الأخوال والخالات.
وأما لفظ القرابة فهو أعم فيدخل فيه كل ذي رَحِم منه من قِبَل الرجال والنساء، محرَم أو غير محرَم على الأصحّ اهـ. باختصار.
وإلىجميع ما تقدَّم أشار خليل في مختصره فقال: وتتناول الذرية، وولد فلان وفلانة، أو الذكور والإناث وأولادهم الحافد.
لا نسلي، وعقبي، وولدي، وولد ولدي، وأولادي، وأولاد أولادي، وبني، وبني بني.
وفي على ولدي وولدهم قولان.
والإخوة الأنثى.
ورجال إخوتي ونساؤهم الصغير.
وبني أبي إخوته الذكور وأولادهم.
وآلي وأهلي العصبة ومَنْ لو رجلت عصبت.
وأقاربي أقارب جهتَيْه مطَقًا وإن نصرى.
ومواليه المعتق وولده ومعتق أبيه وابنه.
وقومه عصبته فقط.
وطفل وصبي وصغير من لم يبلغ.
وشاب وحدث للأربعين وإلاّ فكهل للستين، وإلاَّ فشيخ وشمل الأنثى كالأرمل اهـ.

ثم قال رحمه الله تعالى: "وتجب متابعة شرطه، فإن لم يكن قسم بالسوية

ما لم تدل أمارة على غير ذلك، وما لم يعين له مصرفصا يصرف في وجوه البر" يعني أنه يجب على الناظر والمستحق اتباع شرط الواقف لأن شرطه كنص الشارع.
قال الدردير في أقرب المسالك: واتبع شرطه إن جاز كتخصيص مذهب أو ناظر، أو تبدية فلان بكذا، وإن احتاج من حبس عليه، باع أو إن تسوَّر عليه ظالم رجع له أو لوارثه أو لفلان مِلكًا، وكل ذلك ممَّا يجوز أن يشترطه الواقف وإن لم يشترط سِمَ بالسوية ما لم تدلَّ أمارة على مقصوده وإلا قًسِمَ على ما دلَّت عليه، ككتب فإنها تُصْرَف على الفقهاء والطلبة وغيرها ممَّا لم يعيّن مصرفاً فإنها تُصْرَف في وجوه البَّر كالمجاهدين ونحوهم كما تقدم.
قال النفراوفي في الفواكه: تنبيه وإذا قُسِمَ على الموقوف عليهم المعينين فيُعطى للغني والفقير والصغير والكبير وتُعطى الأنثى مثل الذكر لأن شأن العطايا التساوي إلاَّ لشرط خلافه فيعمل بالشرط، إلاَّ في مراجع الأحباس فلا يعمل بالشرط ويسوَّى فيه بين الذكر والأنثى، ولا يزاد الفقير على الغني لأن الإيثار إنَّما هو في الوقف على مَنْ لا يُحاط بهم كالفقراء اهـ. قال رحمه اللهتعالى: "ولا يصح اشتراط النظر لنفسه" يعني لا يجوز للواقف أن يشترط النظر لنفسه؛ قال الحطاب: هذا إذا لم يكن على صغار ولده أو من في حَجْرِه.
وأمَّا مَنْ كان كذلك فهو الذي يتولى حيازة وَقْفِهِم والنظر لهم كما صرَّح به في المدوَّنة وغيرها اهـ. وعبارة الصاوي في حاشيته على الدردير أنه قال: محل بطلان الوقف إن جعل النظر لنفسه ما لم يكن وقف على محجدوره وإلا فَلَهُ النظر ويكون الشرط مؤكَّدًا اهـ. قال رحمه الله تعالى: "ويبدأ بعمارته ورم داثره، وإن شرط غير ذلك" وفي نسخة ورمّ دارسه بالسين، وهما لفظان مترادفان معناهما واحد، فالمعنى أنه يبدأ بعمارة الوق ورمّ الدارس منه من الغلّة ولو شَرَطَ الواقف تبدئة خلاف ذلك؛ لأنه إن لم يصلح

يؤدّي إلى إبطاله بالكلية.
قال في الإكليل: فل شَرَطَ الواقف أن يبدأ من غلّته بمنافع أهله ويترك إصلاح ما ينخرم منه بَطَلَ شَرْطُه اهـ، قال الدردير في أقرب المسالك: وبُدِئَ بإصلاحه والنفقة عليه من غلَّته وإن شرط خلافه وأُخرج ساكن موقوف علهي لسُّكنى إن لم يصلح لِتُكْرَى له أي أخرج لأجْل أن تُكْرَى للإصلاح بذلك الكِراء، فإذا أصلحت رجعت بعد مدة الإجارة للموقوف عليه، فإن أصلح ابتداء لم يخرج اهـ. قال ابن جزي: تبتني الرباع المحبسة من غلاّتها، فإ، لم تكن فَمِن بيت المال، فإن لم يكن تركت حتى تهلك ولا يلزم المحبس النفقة فيها اهـ. قال رحمه اللهتعالى: "وإن شرط في الإجارة مدة لم تجز مجاوزتها، فإن لم يكن فليؤجر سنة فسنة" يعني,عن اشترط الواقف على وَقْفِهِ في إجارة الموقوف مدة معيّنة وإ كَثُرَ لم تَجُزْ مجاوزة ما شَرَطَه لأن شَرْطَ الواقف كنصَّ الشارع، فإن لم يكن فيه شرط واحتاج الموقوف إلى عمارة أو ترميم فليؤجره الناظر سنة بعد سنة بقدر الحاجة والمصلحة فيه.
قال الدردير: وأَكْرَى ناظرهُ السنة والسنتَيْن إن كان على معيّن وإلاَّ فكالأربعة، ولِمَن مرجعها له كالعشرة ولضرورة إصلاح كالأربعين.
ولا يُفْسِخُ الكِراء لزيادةٍ إن وقع بأجْرة المِثْل اهـ. قوله ولضرورة إصلاح كالأربعين، أي سنة وأدخلت الكاف عشرة فالجملة خمسون لا أزيد فأرضش الزراعة لا تُكْرَى لأكثر من أربعة أعوام إن كانت على مسجد أو على غير معيَّن، إذ لا خراب يلحقها بخلاف نحو الدُّور فإنه قد يلحقها الخراب، فإن كانت على معيَّن فالسنتان، ومضى الأكثر إن كان نظرًا كما قال ابن القاسم وإلاَّ فُسخ.
قال بعضهم: والمراد بالناظر هو الموقوف عليه، وأمَّا إذا كان غيره كالناظر على وَقْفِ الفقراء أو معيَّنين وليس هو منهم، فإنّ له أن يكون بأزْيَدَ ممَّا ذكر لأنَّه بموته لا تنفسخ الإجارة اهـ الدردير.
وإلى ما تقدَّم أشار رحمه الله تعالى بقوله: "وإذا آجر نظرًا، فجاء طالب بزيادة

لم تنفسخ، وتنفسخ بموت الآيل إليه لا المستأجر" يعني كما في الدردير فالمعنى أنه لا ينفسخ الكراء إذا وقع وجيبةً، أو نَقَدَ المُكْرَى كِراءً مدّة محدودة لزيادة طرأت من آخر إن وقع الكِراء الأوّل بأجْرة المِثْل وقت العقد، فإن كانت أقلَّ من أجْرة المِثْل قُبِلَتِ الزيادة وفُسِخَ الأول لها، ولو التزم الأوّلُ تلك الزيادة التي زيدت عليه لم يكن له ذلك إلاَّ أن يزيد على زيادة مَنْ زادَ إذا لم يبلغ مَنْ زاد أجرة المِثْل، فإن بلغها لم يلتفت لزيادة مَنْ زاد بَعْدَه اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وشرط الموقوف أن يمكن الانتفاع به مع بقاء عَيْنِهِ" قال الحطاب عند قول خليل وفي وَقْفٍ كطعام تردُّد.
تنبيه.
قال في الشرح الكبير في هذا التردُّ نظر، لأنك إن فرضت المسألة فيما إذا قصد بوقف الطعام ونحوه بقاء عينه فليس إلاَّ المنع لأنه تحجير من غير منفعة تعود على أحد، وذلك ممَّا يؤدّي إلى فساد الطعام المؤدّى إلى إضاعة المال، وإن كان على معنى أنه أوقفه للسَّلَف إن احتاج إليه محتاج ثم يردُّ عِوَضَه فقد عَلِمْتُ أن مذهب المدوَّنة وغيرها الجواز.
والقول بالكراهة ضعيف، وأضعف منه قول ابن شاس إن حمل على ظاهره واللَّه أعلَم اهـ. وتقدَّم لنا الكلام في هذه المسألة في أركان الوقف وشروطه فراجِعْه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: "وينظر فيه من شرط الواقف نظره، فإن لم يكن فالحاكم والله أعلم" يعني أن المحبَّس إذا أقام ناظرًا وشرط له شرطًا فإنه يتبع شرطه ولا يجاوزه إلا أن يشترط ما لا يجوز كما تقدم، وإن لم يشترط شيئًا، أو لم يقم ناظرًا فالنظر للموقوف عليهم إن كانوا معيَّنين كبارًا مالكي أمر أنفسهم، وإلا فالنظر للحاكم والله أعلم.
وقد عقد ابن جزي في القوانين فصلاً في بقية أحكام الحُبُس قال: منها أن المحبَّس إذا اشترط شيئًا وجب الوفاء بشرطه، والنظر في الأحباسإلى مَن قدَّمه المحبس، فغ، لم يقدم قدم الاضي ولا ينظر فيها المحبس، فإن فعل بَطَلَ التحبيس اهـ. ونَقَلَ

الحطاب عن سماع ابن القاسم أن الناظر على الحُبُس إذا كان سيَّ النظر غير مأمون فإن القاضي يعزله إلاَّ أن يكون المحبَّس عليه مالكًا أمر نفسه ويرضى به ويستمرّ.
وقال أيضًا الناظر لا يوصي بالنظر عند موته، ولكن إن كان المحبَّس حيًا كان النظر له فيمن يقدَّمه، وإن مات فإن كان المحبَّس عليهم كباراً أهل رِضاً تولَّوْا حُبُسَهم بأنفسهم وإلاَّ قُدَّم السلطان بنظره، وإن كان للمحبَّس وَصِي كان النظر له إلاَّ أن يكون المحبَّس قال لِمَن ولاّه إذا حدث بك الموت فأسنده إلى مَنْ شئت فإنه يسنده لِمَن شاء، وإن أوصى وصيًّا على مالِهِ وعلى من كان في حَجْرِه كان له النظر في الحُبُس والله أعلَم اهـ. ولما أنهى الكلام على ما يتعلَّق باحكام الوقف انتقل يتكلم على ما يتعلَّق باحكام الجنايات من القِصاص والجروح وغير ذلك ممَّا يتعلَّق بمسائل الدماء، فقال رحمه الله تعالى:

كتاب الجنايات

أي هذا الكتاب فيما يتعلَّق بأحكام الجنايات.
قال في المصباح: جنى على قومه جناية أذنب ذنبًا يؤاخذ به.
وغلبت الجناية في ألسنة الفقهاء على الجرح والقطع، والجمع جنايات وجنايا، مثل عطايا اهز قال ابن عرفة: نَقَلَ الأصوليون إجماع الملل على وجوب حفظ الأديان والنفوس والعقول والأعراض والأموال والأنساب، فإن ي القصاص حفظًا للدماء، وفي القطع للسرقة حفظ للأموال، وفي الحد للزنا حفظ الأنساب وفي الحد للشرب حفظ العقول، وفي الحد للقذف حفظ الأعراض، وفي القتل للردة حفظ الدين.
والأصحُّ عند مالك أن الحدود جوابر أي كفارات.
وقيل زواجر، وعليه الشافعي.
وبدأ المصنف من تلك المذكورات بقتل النفس عمدًا لأنه أشد الذنوب وأعظمها بعد الكفر، للآيات، والأحاديث، وإجماع سائر المِلَل على حُرْمة قَتْلِ النفس بغير حق، فَمِن ذلك حديث: "لو أن أهل السماء والأرض، اشتركوا في دم مؤمن لأكبَّهم اللهَّ في النار: وحديث: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم" وحديث من اشترك في دم امرئ مسلم بشطر كلمة جاء يوم القيامة بين عينيه مكتوب آيس من رحمة الله حتى اختلف الصحابة ومن بعدهم في قبول توبة قاتل العمد.
فآية الفرقان ظاهرها له التوبة، وظاهر آية النساء لا توبة له، وهو قول مالك؛ لأن شرط التوبة من مظالم العباد تحللهم منها ورد تبعاتهم، ولا سبيل للقاتل لذلك، إلا أن يدرك المقتول حيًا فيعفو عنه ويحلله من دمه، مع اتفاق أهل السنة ممن قال بتنفيذ الوعيد، وممن لم يقل به أنه لا يخلد في النار اهـ. النفراوي.
ولا شكَّ أن قَتْلَ المسلم عَمْدًا عدوانًا كبيرة ليس بعد الكفر أعظم منها كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى: "يجب بقتل العمد القاص عينًا غلا أن يصطلحا على

دية" يعني يجب القصاص بقتل العَمْد.
قال صلى اله عليه وسلم: "مَنْ أصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث: إمَّا أن يقتصَّ، وإمَّا أن يعفو، وإمَّا أن يأخذ الدَّيَة، فإن أراد الرابعة: فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فلَهُ عذاب أليم" لأبي داود مرفوعاً.
وأمَّا أركان القصاص فثلاثة: الأول: القاتل وهو الجاني، وشرطه أن يكون مكلفًا معصومًا، وأن لا يكون أزيد من المجني عليه بإسلام أو حرية.
الثاني: المجني عليه وشَرْطُه أن يكون مكافئًا أي مماثلاً للجاني، أو أزيد عليه، لا أنقص منه.
الثالث: القتل وهي الجناية، وشرطها أن تكون عمدًا عدوانًا، فإذا أكمل الأركان وشروطها وجب القصاص، إلاَّ تعيَّن القصاص لأنه مكتوب.
قال الله تعالى في كتابه العزيز: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة: 178] إلى غير ذلك من الآيات التي دلت على وجوب القصاص إن لم يصطلحا على الدية ولم يعفو مجانًا.
وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: "كان في بني إسرائيل قصاص ولم يعفوا مجانًا.
وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: " كان في بني إسرائيل قصاص ولم تكن فيهم دية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الآية".
والعفو أن يقبل الدية في العمد، واتباع بالمعروف يتبع هذا بالمعروف، وأداء إليه بإحسان يؤدي هذا بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة مما كُتِبَ على مَنْ كان قبلكم، وإنَّما هو القصاص وليس الدَّية اهـ أخرجه البخاري والنسائي.
قال رحمه الله تعالى: "فيقاد منه بمثل ما قتل به، إلا اللواط والسحر فيقاد بالسيف ضربة" يعني يقتل القاتل قصاصًا بمثل ما قتل به، إلاَّ ما استثنى.
قال الدردير: وقتل بما قتل ولو نارًا، أي على المشهور إلاَّ بخمر ولواط وسحر وما يطول فبالسيف، فالمعنى أنه يعتبر بما قتل به من الآلة والكيفية، فيقتل بمثل ذلك فيغرق إن أغرق أو

أطرح، ويخنق إن خنق، ويحجر إن قتله بالحجر، ويضرب بالعصى إن ضرب بعصا، ويطعن بالسكين إن طعن كذلك، وإن ضرب بالسيف فُعِلَ به مثل ما فعل، ويمكن مستحق من السيف اهـ بتوضيح.
وعبارة ابن جزي في القوانين أنه قال: المسألة الرابعة: في صفة القصاص، ويُقْتَل القاتل بالقِتْلة التي قتل بها من ضربة بحديد أو حجر أو خنق أو غير ذلك.
وقال أبو حنيفة: لا قصاص إلا بالحديد.
واختلف هل يقتل بالنار أو بالسمّ إذا كان قد قَتَل بهما أم لا؟.
وقد علمت ما تقدَّم من قول الدردير ولو نارًا أي علم على المشهور.
وهذا إذا ثبت القتل ببينة أو اعتراف، وأمَّا إن كان بالقسامة فلا يُقْتَلُ القاتل إلاَّ بالسيف اهـ. قال رحمه الله تعالى: "إلا أن يمثل فيمثل به" قال في المصباح: ومثلت بالقتيل مثلاً إذا جدعته وظهر آثار فعلك عليه تنكيلأن والاسم المثلة اهز قوله فيمثل به أي كما فعل بالقتيل فُعِلَ به، والحرمات قصاص، فَمَن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمِثْل ما عتدى عليكم الآية.
وعبارة خليل فيمَن قتل ومثَّل قال: فإن قصد مُثْلَةً ثم قَتَلَ فإنه يُقْتَصُ منه للطرف ثم يُقْتَل، وأمَّا طرف غير المقتول فيندرج ولو قصد مُثلة على الراجح اهـ بتوضيح من الدردير.
قال رحمه الله تعالى: "ويشترط فيه التكليف، ومماثلة المقتول دينًا وحرية، أو ينزل عنه، لا عكسه، ولا عتبار بالذكورة والأنوثة" يعني قد تقدم في أركان القصاص وشروطه أن يكون الجاني مكلفًّا، فلا قصاص على صبي أو مجنون، وأن يكون المجني عليه مماثلاً للجاني فلا يُقْتَلُ المسلم بالكافر، ولا الحر بالعبد، بخلاف

العكس قال مالك ليس بين الحر والعبد قود في شيئ من الجراح.
والعبد يُقْتَلُ بالحرَّ إذا قَتَلَه عمدًا، ولا يُقْتَلُ الحر بالعبد وإن قتله عمدًا وهو أحسن ما سمعت اهـ. الموطأ.
قال ابن جزي في القوانين في صفة المقتول: ولا يقتص له إلا إذا كان دَمُه مساويًا لدَم القاتل أو أعلى منه، ولا يُقْتَصُّ للأدنى من الأعلى، واعتبار ذلك بوصفين الإسلام والحرية، فأما الإسلام فيقتل المسلم بالمسلم، ويقتل الكافر بالكافر، سواء اتفقت أديانهما أو اختلفت، ويُقْتَل الكافر بالمسلم، ولا يُقْتَل المسلم بالكافر إلاَّ إن قُتِلَ الذمي قَتْلَ غِيلة.
وأما الحرية فيُقْتَل الحر بالحر، ويُقتل العبد بالعبد، ولا يُقْتَل الحر بالعبد، ولكن يغرم قيمته ما بلغت، وإذا قتل العبد حُرًا فيسلمه سيده لأولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوه وإن شاؤوا أحيوه، فإن اختاروا إحياءه فسيده بالخيار إن شاء تركه يكون عَبْدًا لهم، وإن شاء افتكَّه منهم بدية المقتول اهـ بحذف.
قال رحمه الله تعالى: "والكفار أكفاء وإن اختلفت مللهم" يعني أن الكفار أكفاء بعضهم ببعض من كتابي يهودي أو نصراني حربي أو ذمَّي أو مؤمَّن فيُقْتَل اليهودي بالنصراني وبالمجوسي، وعكسه، والمؤمن بالذمي وعسكه.
قال رحمه الله تعالى مشبهًا في قتل البعض بالبعض بقوله: "كالأرقاء وإن تبعض أو كان فيه عقد حرية" يعني أن الأرقاء أكفاء بعضهم لبعض.
قال الخرشي: فيقتص لبعضهم من بعض ولو كان بعضهم فيه شائبة حرية، ولا يقتص لهم من الحر المسلم لتقصهم عنه بالحرية اهـ انظر الحطاب.
قال رحمه الله تعالى: "ولا يسقط بإسلامه أو عتقه" يعني إذا وجب القصاص على الكافر ثم قبل القصاص أسلم فلا يسقط إسلامه ما وجب عليه من القصاص، وكذلك العبد إذا عُتِقَ بعد وجوب القِصاص عليه، فالعَتْقُ لا يُسْقِطُ عنه ذلك.
قال النفراوي: لم يتكلم المصنَّ على حُكْم ما لو كان القاتل مكافئًا للمقتول حين القتل ثم زالت المساواة قبل

القِصاص، وأشار إليه خليل بقوله: ولا يسقط القتل عند المساواة بزوالها يعتق أو إسلام، فإذا قتل كافر كافرصا ثم أسلم الكافر القاتل، أو عبد عبدًا ثم عُتِقَ القاتل فإنه يُقْتَل في الصورتين، لأن الشرط المساواة عند القتل وقد وجدت اهـ. قال رحمه الله تعالى: "ولا بمشاركة من لا يُقاد منه ويلزم به نصف الدية" يعني أنه لا يسقط القصاص عن شريك الصبي الذي لا قود عليه.
قال خليل: وعلى شريك الصبي القصاص إنتمالاً على قتله.
قال الموّاق من المدونة: إن قَتَلَ رجل صبي رجلاً عَمْدًا قُتِلَ الرجل، وعلى عاقله الصبي نِصْف الدية.
قال ابن يونس: يريد إذا تعمدًا جميعًا قتله وتعاونًا عليه عليه اهـ. ولا قصاص على المخطئ، وعليه الدية، وإذا اشترك المخطئ والمجنون في قتل الرجل فنصف الدية في مال المخطئ، ونصفها على عاقلة المجنون.
قال ابن الموّاز: وإن قَتَلَ رجلان رجلاً أحدهما عَمْدًا والآخر خطأ قُتل المعتمد، وعلى المخطئ نصف الدية اهـ. ومثله لابن جزي.
قال رحمه الله تعالى: "أو التجائه إلى الحرم" يعني لا يسقط القصاص عن الجاني بدخوله الحرم ملتجئًا، سواء في الحرم المكي أو المدني، ولو أحرم بحج أو عمرة فلا يؤخر لتمامه، بل تقام الحدود في الحرم، فيُقْتَل قاتل النفس في الحَرَم سواء حصل السبب فيه أو خارجه ولجأ إليه اهـ. قاله في جواهر الإكليل.
وعبارة الخرشي عند قول خليل لا بدخول الحرم:" يعني وإذا لزم الجاني قصاص في نفس أو جرح ثم دخل الحَرَم فإنه لا يؤخر لأجل ذلك ويُقاوم عليه الحد في الحَرَ؛ لأنه أحق أن تُقام فيه حدود الله تعالى، فلو كان محرمًا بحج أو عمرة فإنه لا ينتظر إلى فراغ نُسُكِه، بل يُقْتَصُّ منه قبل فراغه، ونُبْهَ بذلك على خلاف أبي حنيفة القائل بأن القاتل إذا التجأ إلى الحَرَم فإنه لا يُقْتَل فيه، بل يضيق علهي فإذا خرج منه اقتُصَّ منه.
والمراج بالحَرَم المحدَّد في باب الحج لا خصوص المسجد؛ لأن الأئمة حملوا قوله تعالى: "وَمَن دَخَلَهُ كَاَن ءامِنًا" [آل عمران: 97] على ما يحرم فيه الاصطياد اهـ.

وقال الموّاق: سمع القرينان: تُقام الحدود في الحَرَم، ويُقْتَل بقَتْل النفس في الحَرَم.
قال ابن رشد: مثله لابن القاسم.
ولا خِلاف فيه بين فُقَهَاء الأمصار.
قال ابن عرفة: هذا خلاف ما نَقَلَ عبد الوهاب وغيره عن أبي حنيفة إن قَتَلَ في الحَرَم قُتِلَ فيه إجماعًا، وإن قَتَلَ في الحلأَّ ثم لجأ إلى الحَرَم لم يُقْتَلُ فيه ولم يخْرَج منه، ولكن يُهْجَر ولا يُبايَع ولا يُشارى حتى يُضطرَّ إلى الخروج فيُقْتَل اهـ. وحاصل ما ذكره المفسرون في قوله تعالى: "وَمَن دَخَلَهُ كَانَءَامنًا" أي لا يتعرَّ إليه بقتل أو ظُلْم أو غير ذلك.
وقال الصاوي على الجلالَيْن: قوله: بقتل أي ولو قِصاصًا.
هذا ما كان في الجاهلية فكان الرجل يَقْتُل ويَدْخُلُه فلا يتعرَّ له ما دام فيه، وأما بعد الإسلام فعند مالك والشافعي: إن قَتَلَ اقْتُصَّ منه فيه، وعند أبي حنيفة لا يُقْتَصُّ منه فيه ما دام فيه وإنما يضيق عليه حتى يخرج، وهذا هوالأمن في الدنيا وأما في الآخرة فبتكفير السيئات ومضاعفة الحسنات لمن دخله حاجًا أو معتمرًا أو من دخله مخلصًا في دخوله اهـ بطرف من بحر المحي انظره إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: "والسكران كالصاحي" قال في الرسالة: والسكران إن قتل قُتِل.
قال شارحها: حيث إنه شرب مُسْكِرًا حرامًا وكان بالغًا، ولا يُعْذَر بغيبوبة عقله؛ لأنه أدخله على نفسه، كما لا يُعْذَر بذلك إذا طلق أو قذف أو أعتق أو زنى ولو كان طافحًا، بخلاف ما لو أقرَّ أو باع أو اشترى فلا يلزمه، وأما لو سكر سكرًا غير حرام كشربه المُسْكِر يظنه لبنًا أو عسلاً أو غالطًا أو لغصة فلا يُقْتَل؛ لأنه في تلك الحالة كالمجنون وتكون الدية على العاقلة اهـ النفراوي بتوضيح.
قال رحمه الله تعالى: "والممسك غالمًا بإرادة قتله كالمباشر" يعني كما في الموطأ قال مالك في الرجل يمسك الرجل للرجل فيضربه فيموت مكانه: إنه إن أمسكه وهو يرى أنه يريد قتله قتلا به جميعً، وإن أمسكه وهو يرى أنه إنما يريد الضرب بما يضرب به الناس لا يرى أنه عمد لقتله فإنه يقتل القاتل ويعاقب الممسك أشد العقوبة ويسجن

سنة؛ لأنه أمسكه ولايكون عليه القتل اهـ. وعبارة ابن جزي أنه قال: ومن أمسك إنسانًا لآخر حتى قتله قتلا جميعًا.
وقال الشافعي: يقتل القاتل وحده ويعزر الممسك اهـ. قال الدردير في أقرب المسالك مشبهًا بما يوجب القود جميعًا: وكالإمساك للقتل ولولاه ما قدر القاتل وإلا فالمباشر فقط، أي وإن لم يكن إمساكه للقتل فالقود على القاتل فقط اهـ. قال رحمه الله تعالى: "والأقارب كالأجانب" يعني يقتص بين الأقارب كما يقتص بين الأجانب.
قال ابن جزي في القوانين الفرع الرابع يجري القصاص بين الأقارب كما يجري بين الأجانب اهـ./ قال رحمه الله تعالى: "والمأمور إن لزمه طاعة آمره قتلا وإلا قتل" يعني كما قال خليل عاطفًا على مَنْ يجب عليهما القصاص: والمتسبب مع المباشر كمُكْرِه ومُكْرَه وكأب أو معلم أمَرَ ولدًا صغيرًا وسيد أمَرَ عَبْدًا مطلقًا، فإن لم يخف المأمور اقتص منه فقط اهـ. انظر المواق لأنه أفاد بذكر جميع تلك الصورة.
قال رحمه الله تعالى: "والمشهور قتل الأب بابنه مع الشبهة كذبحه ومعها تلزم الدية في ماله مغلظة ومنع أشهب قتل والد" يعني كما في القوانين: فأما قتل الأب لابنه فإن كان على وجه العمد المحض مثل أن يذبحه أو يشق بطنه فيقتل له منه خلافًا لهم أي للأئمة الثلاثة، وإن كان على غير ذلك مما يحتمل الشبهة أو التأديب وعدم العمد فلا قصاص فيه وعلهي الدية في ماله مغلظة ويجري مجرى الأب الأم والأجداد والجدات اهـ. قال في الرسالة: وإنما تغلظ الدية في الأب يرمي ابنه بحديدة فيقتله فلا يُقْتَلُ به.
قال شارحها: لحُرْمَة الأبوة ولكن تغلظ عليه الدية بالتثليث.
قال خليل: وثلث في الأب ولو مجوسيًا في عمد لم يقتل به، وذلك بألا يقصد إزهاق روحه بفعل ليس شأنه القتل لا إن قتله خطأ فتكون ديته مخمسة كغيره من الأجانب، ولا إن قصد قتله أو فعل به شيئًا شأنه القتل بأن ذبحه أو شق جوفه وإلا قتل به.
والحاصل أن الأصل لا

يقتل بفرعه إلا إذا اعترف بقصد قتله أو فعل به فعلاً شأنه القتل بأن بأن ذبحه أو شق جوفه.
وبين صفة التثليث بقوله: ويكون عليه ثلاثون جذعة حقة وأربعون خلفة في بطونها أولادها.
والأرجح أن ذلك في ماله؛ لأن العاقلة لا تحمل العمد، والدليل على وجوب تثليثها ما في الموطأ أن رجلاً من بني مدلج يقال له قتادة حذف ابنه بالسيف فأصاب ساقه فنرى جرحه فمات فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له فقال عمر: أعدد على ماء قديد عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك فلما قدم إليه عمر بن الخطاب أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة ثم قال أين أخو المقتول؟ فقال: ها أنا ذا فقال: خذها فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس لقاتل شيئ".
وفي غير الموطأ دعا أم المقتول وأخاه فدفعها إليها ثم قال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يرث القاتل شيئًا ممن قتل اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وتقتل الجماعةب الواحد وبالعكس" قال في الرسالة: وتقتل الجماعةب الواحد في الحرابة والغيلة وإن ولي القتل بعضهم اهـ. قال خليل: ويقتل الجمع بواحد وفي نسخة الجماعة وفي أخرى الجميع، والمعنى في الجميع: لو اجتمعوا على قتل شخص عمدًا عدوانًا فإنهم يُقْتَلون به وكذلك إذا تمالؤوا.
قال خليل عاطفًا على قتل الجماعة بالواحد: والمتمالئون وإن بسوط سوط من كل واحد منهم حتى مات فيُقْتَلون به؛ لما في الموطأ عن عمر قتل نفرًا خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه غيلة.
وقال عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا اهـ. وأما إن ضربوه بلا تمالؤ قال الدردير في أقرب المسالك: وإن تعدد مباشر بلا تمالؤ وتميزت فمن كل بقدر ما فعلز قلت: هذا ف يالجراحات على تقدير تمييز الضربات أما إن لم تُميز فيقدم الأقوى إذا مات مكانه أو نفذت مقتله وحمل مغمورًا لم يأكل ولم يشرب حتى مات، أما لو عاش وأكل وشرب فلا بد من القسامة

كما يأتي قول المصنف: وإن تأخر مايمكن استناد الموت إلى غيره فبالقسامة، ولا يقْسَم في العَمْد إلاَّ على واحد معيَّن لها، ولا يُقْتَل مع القَسَامة أكثر من رجل واحد ويُعاقب الباقي اهـ ويُعاقب الباقي اهـ من شراح المختصر بتوضيح.
قال ابن جزي: وكذلك يُقْتَلُ الواحد بالواحد كما تُقْتَلُ الجماعة بالجماعة وتُقْتَلُ الجماعة بالواحد خلافًا للظاهرية اهـ. ولمَّا أنهى الكلام على ما تعلق بالجنايات على النفس انتقل يتكلم على حقيقة لقِصاص في الأعضاء وغيرها فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في بيان قِصاص الأطراف

أي في بيان ما يتعلَّ بالقِصاص في الأطراف من الجراحات وغيرها كالنفس وأصل القصاص المماثلة كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى: "والقصاص في الأعضاء كالنفس" يعني كما في قوله تعالى: " وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والْعَيْنَ بِالْعَيْنِ والأَنفَ بِالأَنفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ والْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة: 45] يعني والهل أعلَم أن هذه الأعضاء كالنفس فَرَضَ الله تعالى بها لاقصاص كما هو ثابت فيالتوراة وهذا الحُكمْ وإن كُتِبَ على من قَبْلِنا فهو مقرَّر في شَرْعِنا فيجب القصاص فيها إذا أمكن كاليد باليد والرَّجْل بالرَّجْل وغيرهما من سائر الأعضاء التي يمكن فيها القصاص، وأمَّا التي لا يمكن فيها فإن وَرَدَ فيها نص من الشارع عُمِل به فيجري الحُكْمُ عليها في ذلك، فإن لم يرد فيها منه شيئ فالقياس على ما وَرَدَ أو يوكَل ذلك إلى أولي الأمر وهم أهل الاجتهاد كالحُكّام، فالقصاص واجب إلاَّ لعدم الإمكان، وإليه أشار رحمه الله بقوله: "إلا لتعذر المماثلة كذهاب بعض البصر او السمع أو الكلام أو يخاف سرايته إلى النفس غالبًا كَكَسْر العُنُقِ والترْقُوَةِ والصُّلْبِ والْفَخِذِ فيجب فيه من الدية في مال الجاني: يعني إذا

تعذر القصاص كعدم المماثلة في النفس أو العضو أو ما يخاف الهلاك بالقصاص فيه غالبًا فإنه يرجع إلى ما نصَّ الشارع في تلك النازلة، وذلك كَكسْرِ العُنُق أو الترقُوَة أو الصُّلْب أو الفَخِذ أو رضّ الأنثيين أو الجائفة أو المأمومة أو غيرها ممَّا لا يمكن القصاص فيها فتلك الأشياء كلها يرجع فيها إلى نص الشارع.
قال في الرسالة: وفي اليدين الدية أي الكاملة وكذلك في الرَّجْلَيْن أو العينَيْن وفي كل واحدة منهما نِصْفُها، وفي الأنف يُقْطَعُ مارنُهُ الدية وفي السمع الدية وفي العقل الدية وفي الصلب يكسر الدية وفي الأنثيين الدية وفي الحشفة الدية وفي اللسان الدية وفيما منع منه الكلام الدية وفي ثديي المرأة الدية وفي عين الأعور الدية وفي الموضحة خمسة من الإبل وفي السن خمسة وفي كل أصبع عشرة وفي الأنملة ثلاثة وثُلُث وفي كل أنملة من الإبهامين خمسة من الإبل وفي المِنْقَلَة عشرة ونصف عشرة.
والموضحة ما أوضح العظم والمنقلة ما طار فراشها من العظم ولم تصل إلى الدماغ وماوصل إليه فهي المأمومة ففيها ثُلُث الدَّيَة وكذلك الجائفة، وليس فيما دون الموضحة إلا الاجتهاد وكذلك جراح الجسد اهـ. وعبارة بن جزي في القوانين في قطع الأعضاء أن قال: فإن كان عمدًا ففيه القصاص إلا أن يُخاف منه التلف وإن كان خطأ ففيه الدية وهي تختلف، ففي كل زوج من البدن دية كاملة وفي الفرد نصف الدية وذلك العينان والأذنان والشفتانواليدانوالرجلان والأُنثيان والأليتان وثدْيَا المرأة، وفي الأنف واللسان وفي الذكر دية كاملة، وفي السنّ خمسة من الإبل، وفي كل أصبع عشرة من الإبل، وتجب الدية كاملة في إزالة العمل وفي إزالة السمع وفي إزالة البصر وفي إزالة الشمّ وفي إزالة النطق وفي إزالة الصوت وفي إزالة الذوق وفي إزالة قوة الجماع وفي إزالة القدرة على القيام والجلوس، فإن أزال بعض هذه المنافع فعَلَيْه بحساب ما نقص، فإن أزال سمع الأذن الواحدة أو بصر العين الواحد فعليه نصف الدية، وفي عين الأعور دية كاملة، وقال الشافعي وأبو حنيفة: نصف الدية اهـ بحروفه.
ومَنْ أرادالوقوف على الدليل فيما

ذكرناه فليراجع كتاب العقول من الموطأ والمدونة وغيرهما من كُتُب المذهب، فهناك ما يكفي الغليل ويشفي العليل من الأحكام والسنّة النبوية إن شاء الله تعالى.
ثم قال رحمه الله تعالى: "وتتعين المماثلة فلا يؤخذ عضو بغير مماثله وفي عدمه يُعْدَل إِلَى الدية إلا الأعور يقلع عينًا ففي المماثلة يُخير بين القود وألف دينار وفي غيرها ديتها" يعني تتعين في قصاص الأعضاء المماثلة فلا يؤخذ عضو بغير مماثلة، أمَّا في المماثلة فيتعين ولو كان عضو الجاني أقوى من المُجْنَى عليه.
قال الدردير: ويؤخذ عضو قوي بضعيف: فإذا جنى صاحب عين سليمة على دعين ضعيفة الإبصار خلقة أو من كبر صاحبها فإن السليمة تؤخذ بالضعيفة اهـ. انظر شراح خليل.
قوله: وفي عدمه يعدل إلى الدية إلخ قال الدردير أيضًا متأسيًا بقول خليل: وإن فقأ سالم عين أعور فله القود أو أخذ دية كاملة من ماله، وإن فقأ أعور من سالم مماثلته فله القصاص أو دية ما ترك وغيرها فنصف دية فقط في ماله، وإن فقأهما فالقود ونصف الدية، أي وإن فقأ الأعور عيني السالم عمدًا في مرة أو مرتين فالقود حُق للمَجْني عليه بأن يفقأ المماثلة من الجاني فيصيره أعمى لبقاء سالمته، ونصف الدية يأخذه المجني عليه من الجاني بدل ما ليس لها مماثلة، لم يُخير سالم العينين في المماثلة بحيث يكون له القصاص أو أخذ الدية لئلا يلزم عليه أخذ دية ونصف دية، وهو خلاف ما وَرَدَ عن الشارع صلى الله عليه وسلم اهـ. قال مالك: الأمر عندنا أن الرجل إذا أصيب من أطرافه أكثر من ديته فذلك له إذا أصيب يداه ورجلاه وعيناه فَلَهُ ثلاث دِيَات قال مالِك في عين الأعْوَر الصحيحة: إذا فُقِئَتْ خطأ إن فيها الدية كاملة اهـ الموطأ.
قال رحمه الله تعالى: "ولا يقتص لجرح ولا يعقل حتى يندمل فإن سرى إلى النفس قتل ولم يجرح" لما في الحديث عن جابر بن عبد الله قال إن رجلاً جرح رجلاص فأراد الذي جرح أن يستفيد فَنَهَى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتثل من الجارح حتى

يبرأ المجروح اهـ كتاب الديات.
فالمعنى إذا وَجَبَ القِصاص في الجرح أو وَجبتِ الدَّيَة فإنه يلزم التأخير في ذلك حتى يبرا الجرح، فإن سَرَى إلى موت المجروح قُتِلَ الجارح وسَقَطَ قِصاص الجرح.
قال ابن جزي: ولا يقتص من الجارح حتى يندمل الجرح لئلاً ينتهي إلى النفس فيحصل القِصاص بالنفس لا بالجراح خلافًا للشافعي اهـ. قال في الرسالة: ولا يعقل جرح إلاَّ بعد البرء وما برئ على غير شين ممَّا دون الموضحة فلا شيئ فيه اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وإن تأخر ما يمكن استناد الموت إلى غيره فبالقسامة" يعني أنه لو عاش المقتول بأن أكل وشرب ثم مات فلابد حينئذ من القسامة كما تقدم.
قال في الرسالة: وإنما تجب القسامة بقول الميت دَمِي عند فلان أو بشاهد على القتل أو بشاهدين على الجرح ثم يعيش بعد ذلك ويأكل ويشرب اهـ. قال خليل: والقسامة سببها قتل الحر المسلم في محل اللوث، كأن يقول بالغ حر مسلم: قتلني فلان ولو خطأ أو مسخوطًا على ورع أو ولد علىوالده أنه ذبحه أو زوجة على زوجها إن كان جرح إلى أن قال: وكشاهدَيْن بجرح أو ضرب مطلقًا بإقرار المقتول عَمْدًا أو خطأ ثم يتأخر الموت يقسم لِمَن ضربه مات.
هذا معنى قول المصنّّف: وإن تأخَّر ما يمكن استناد الموت إلى غيره فبالقسامة قال النفراوي.
وهذا ليس بقيد كما في خليل وإنما المراد بتأخر موته؛ إذ لوو مات سريعًا بعد جرحه أو ضربه أو أنفد مقتل من مقاتله بالجرح أو الضرب لثبت القتل من غير توقف على قَسَامة، ويلزم الأولياء القِصاص في العَمْد والدَّيَة في الخطأ قال خليل: ولا قَسَامة إن أنفذ مقتله بشيئ أو مات مغمورًا إلخ.
قال رحمه الله تعالى: فإن سرى إلى زياد اقتص بأصله فإن سرى إلى مثلها فهو به وإن زاد فهدر وإن نقص وجب أرش النقص" يعني كما في الموطأ قال مالك في قصاص الجراح: ولا يُقاد من أحد حتى تبرأ جراح صاحبه فيُقَاد منه، فإن جاء جرح المستقاد منه مثل جرح الأول حين يصحُّ فهو القَوَد، وإن زاد جرح المستفاد منه أو مات

فليس على المجروح الأول المستقيد شيئ، وإن برئ جرح المستقاد منه وشُلَّ المجروح الأول أو برئت جراحه وبها عيب أو نقص أو تمثل فإن المستقاد منه لا يكسر الثانية ولا يُقَاد بجرحه قال: ولكنه يُعْقَل له بقدر ما نَقَص؛ من يد الأول أو فسد منها والجِرَاحُ في الجسد على مثل ذلك اهـ. انظر شرحه للباجي المُسَمّى المنْتَقَى فيه كفاية للطالب وتذكرة للمستقصي.
قال رحمه الله تعالى: "ويؤخر لشدة الحر والبرد والحامل للوضع فإن وجد من يرضعه وإلا فإلى الفصال" يعني إذا وجب القصاص على الجاني في وقت شدة الحر أو شدة البرد أو المرض وخُشِيَ عليه الموت بالقصاص في تلك الأوقات لزم التأخير إلى زوال تلك الأوقات التي فيهاخطر على الجاني لئلا يلزم تقتل نفس فيما دونها.
قال الدردير في أقرب المسالك: وأُخر لعُذْرٍ كَبردٍ كعقل الخطأ وأحد حديثن لم يقدر عليهما وقدم الأشد إن لم يخف منه اهـ. قال الخري: قوله وأخر لبرد أو حر إلخ يعني أن الجاني إذا جنى جناية فيما دون النفس توجب القصاص فإنه يؤخر عنه القصاص لأجْل البرد المفرط أو لأجل الحر المفرط خوف الهلاك على الجاني فيؤدي إلى أخذ نفس فيما دونها، وأما إذا جنى حناية على نفس فلا يؤخر لما ذُكر وهو واضح وكذا لا يؤخر إذا كان الجاني محاربًا واختير قطعة من خلال فلا يؤخر لحر ولا لبرد؛ لأنه إن مات هو أحد حدوده، وكذلك يؤخر القود فيما دون النفس إلى أن يبرأ الجاني إن كان مريضًا وتبرأ أطراف المجني عليه؛ لاحتمال أن يأتي على النفس فيستحق تلك النفس بقسامة كما يؤخر العقل في الجرح إلى البرء خوف السريان إلى النفس فتؤخذ الدية كاملة، فإن برئ على غير شين فلا عقل فيه ولا أدب إذا لم يتعمد، وإن برئ على شين فحكومة، وكذلك يلزم التأخير فيما لا يُستطاع القَوَد فيه إن كان عمدًا كَكَسْر عظام الصدر والصُّلْب وما أشبه ذلك، فغ، برئ على شين فحكمة وإلا فلأن والتأخير للعقل مطلوب ولو كان الجرح فيه شيئ

مقدر من الشارع كالجائفة والآمة والموضحة خوف السريان إلى النفس أو إلى ما تحمله العاقلة اهـ. انظر فيه مسألتي الحامل والمُرْضع في وجوب التأخير عن قصاصهما حتى تَتَعَ الحامِل وتُفْطِمَ المُرْضِع.
قال رحمه الله تعالى: "وأولياء الدم العصبات فيسقط بعقو بعضهم" قال الحطاب: يعني أنه إذا أسقط بعض من له العفو حقه وعفا عن القاتل فإن القود يسقط ويتعين للباقين نصيبهم من دية عمد ويدخل في ذلك بقية الورثة، فإذا عفا جميع الأولياء فلا شيئ للبنات.
قال في المدونة في آخر كتاب الديات: وإذا قامت بينة بالقتل عمدًا فللمقتول بنون وبنات فعفو البنين جائز على البنات ولا أثر لهن مع البنين في عفو ولا قيام، إن عَفَوْا على الدَّيَة دخل فيها النساء وكانت على فرائض الله تعالى وقضى منها دينه، وإن عفا واحد من البنين سقطت حِصَّته من الدَّيَة وكان بقيَّتها بين حقَّ من بقي على الفرائض، وتدخهل في ذلك الزوجة وغيرها وكذلك إذا وجب الدم بقسامة ولو أنه عفا على الدية كانت له ولسائر الورثة على المواريث، وإذا عفا جميع البنين فلا شيئ للنساء من الدية وإنما لهن إذا عفا بعض البنين.
والإخوة والأخوات إذا استووا فهم كالبنين والبنات فيما ذكرنا اهـ. وفي الرسالة: وإن عفا أحد البنين فلا قتل ولمن بقي نصيبهم من الدية، ولا عفو للبنات مع البنين: قال شارحها: والمعنى أن القتل إذا كان عَمْدًا وعفا عن القصاص بعض المستحقين المستوين في الدرجة بعد ترتب الدم وثبوته ببينة أو إقرار أو قسامة فإن القود يسقط.
ولمن لم يعف نصيبه من دية عمد، ومقتضى قوله: فلمن بقي إلخ أن العافي لا شيئ له إلا أن يكون قد عفا عليها صريحًا أو يظهر منه إرادتها.
قال خليل: ولا دية لعافٍ مطلق إلا أن تظهر منه إرادتها فيحلف ويبقى على حقه اهـ. قال رحمه الله تعالى: "ويُخَيَّرُ في العَبْدِ بَيْنَ قَتْلِهِ وَاسْتِرْقضاقِهِ فَإِنِ اسْتَحْيَاهُ خُيرَ سَيَّدُهُ في افْتِكَاكِهِ بالدية وإسلامه" يعني كما تقدم أنه إذا قتل العبد حرًا يسلمه سيده لأولياء المقتول

فإن شاؤوا قتلوه وإن شاؤوا أحيوه، فإن اختاروا إحياءه فسيده بالخيار إن شاء تركه يكون عبدًا لهم وإن شاء أفتكه منهم بدية المقتول كما في ابن جزي، هذا في قتل الحر وأما لو قتل العبد عبدًا أو جرحه فلا يخلو من أن يكون ذلك عمدًا أو خطأ: فإن كانت الجناية خطأ فسيد العبد الجاني مُحَّير بين أن يسلمه بجنايته لسيد العبد المجني أو يفتكه بقيمة العبد المجني عليه في القتل أو بما نقص الجرح منه في الجرح، وإن لم ينقص الجرح شيئًا فلا شيئ عليه.
وأمَّا إن كانت عمدًا فإن سيد العبد المقتول أو المجروح مُخَّير بين أن يَقْتَصَّ أو يأخذ العبد الجاني إلا أن يشاء سيده أن يفتكه بقيمة المقتول أو بما نقص الجرح منه اهـ. ومثله في الموطأ.
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالقصاص في النفس وما دونها من الجراح والأطراف انتقل يتكم على ما يتعلق بمقدار الدية في الخطأ أو في العَمْد بعد العفو فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في الدَّية

أي في بيان مقدار الدَّية التي تؤخذ في الخطأ في النفس أو العَمْد إن عفا عن الجاني أو في الجراح فيما لا قصاص فيه وما يتعلق بجميع ذلك من الأحكام فقال رحمه الله تعالى: "أما الخطأ ففي النفس الدية ألف دينار على أهل الذهب واثنا عشر ألف درهم على أهل الورق ومائة من الإبل على أهلها مُخمسة عشرون ابن لبون وعشرون بنت لبون وعشرون بنت مخاض، وعشرون حقه وعشرون جذعة وفي العمد على القول بها كالخطأ" يعني أن دية الخطأ في قتل النفس على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الإبل مائة من الإبل كما في الحدث إلاَّ أنها تختلف أنواعها باختلاف موجبها، منها مخمَّسة ومنها مربعة ومنها مربعة ومنها مثلثة، فدية الخطأ مخمسة،

ودية العمد إن قُبِلَنْ مربَّعة خلاف ظاهر قول المصنف بقوله كالخطأ، ودية الابن على أبيه مثلثة مغلظة في ماله كما تقدم، وأما غيرها فعلى العاقلة إلا العَمْد ففي مال الجاني وهي مربعة.
قال في الرسالة: ودية العمد إذا قُبِلَتْ خمس وعشرون حِقّة وخمس وعشرة جّذَعَة وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون بنت مخاض، ودية الخطأ مخمسة عشرون من كل ما ذكرناه وعشرون ابن لبون ذكرًا.
قال خليل: ورُبعت في عَمْدٍ بحذف ابن اللبون فهي ناقصة عن دية الخطأ بالنسبة للأنواع وإن كانت العدة واحدة؛ وإنما أخذت الأنواع الأربعة تغليظًا على القاتل، كما أن دية الخطأ خُمسَتْ رفقًا بمؤذيها وهم العاقلة قيل رفقًا بالمخطئ اهـ بطرف من النفراوي.
قال الدردير في أقرب المسالك: ودية الحر المسلم في الخطأ على البادي مخمَّسة بنت مَخاض وولد لبون وحِقَّة وجَذَعة أي عشرون من كل نوع كما تقدم، قال: ورُبَّعَت في عَمْدٍ بحذف ابن اللبون وثُلَّثَتْ في الأصل ولو مجوسيًا في عَمءدِ لم يُقْتَل به بثلاثين حِقّة وثلاثين جّذَعة وأربعين خلفة بلا حدّ سن فتغلَّظ كجرح العَمْد وعلى الشامي والمصري والمغربي ألف دينار وعلى العراقي اثنا عشر ألف درهم إلا في المثلثة فيزاد بنسبة ما بين دِيضة الخطأ على تأجيلها والمثلثة حالة اهـ. انظر شراح خليل.
قال رحمه الله تعالى: "والصلح على مبهمة مربعة فيسقط بنو اللبون ويؤخذ من كل من البواقي خمس وعشرون" يعني إذا وقع الصُّلْح على دِيَة مبهمة في قَتْلِ العَمْد أو فيما لا قصاص فيه أو قال أولياء الدم: عفَوْنا على الدَّيَة أو عفا بعضهم مجانًا وبعضهم عليها مبهمة، فلِمَن لم يَعْفُ نصيبه منها، فالصُّلْح في جميع ذلك أن تكون الدَّيَة مربَّعة بحذف ابن اللبون من الأنواع الخمسة، فتكون المائة من الأصناف الباقية من كلًّ خمسًا وعشرين أي فتكون خمسًا وعشرين بنت لبون وخمسًا وعشرين بنت مَخاض وخمسًا وعشرين حِقَّة وخمسًا وعشرين جذعة اهـ الموطأ وطرف من الدردير.

قال رحمه الله تعالى: "والمَذْهَبُ أَنَّ شِبْهَ العَمْدِ بَاطِلٌ وَقِيلَ بصحته فَتَجِبُ بِهِ مغلظة ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة" اعلم أن الأئمة اختلفوا في شبه العَمْد هل هو باطل لا عتبار به وهو المذهب عند مالك وأكثر أصحابه؛ لأن القتل عندا إما عَمْدًا أو خطأ لا غير كما في بحر المحيط أم يعتبر به فيكون صحيحًا كما قيل به في بعض الرواية عن مالك وإليه ذهب الجمهور.
قال في كتاب الرحمة في اختلاف الأُمّة: وأما دية شبه العمد فهي مثل دية العمد المحض عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وأختلفت الرواية عن مالك في ذلك اهـ. قال ابن جزي في القوانين في صفة القتل: وهو على ثلاثة أنواع اثنان متفق عليهما وهما العمد والخطأ وواحد مختلف فيه وهو شبه العمد إلى أن قال: وأما شبه العمد فهو أن يقصد الضرب ولا يقصد القتل، والمشهور أنه كالعمد وقيل كالخطأ وقيل: تغلظ فيه الدية وفاقًا للشافعي اهـ. قال الحافظ جلال الدين السيوطي الشافعي في سورة النساء: وبينت السنّة أن بين العمد والخطأ قَتْلاً يسمَّى شبه العمد وهو أن يقتله بما لا يقتل غالبًا، فلا قصاص فيه أي على مذهب الشافعي بل دية كالعمد في الصفة والخطأ في التأجيل والحمل وهو والعمد أوْلَى بالكفّارة من الخطأ اهـ. قال الصاوي في حاشيته على الجلالَيْن: قوله: يُسَمّى شبه العمد أي فأشبه العمد من حيث تغليظ الدية بكونها من ثلاثة أنواع: ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة، وأشبه الخطأ من حيث كونه لا قصاص فيه، وهذا مذهب الشافعي، وعند أبي حنيفة لا يُقْتَصُّ من القاتل إلاَّ إذا قَتَلَه بآلة محدَّدة كسيفٍ وبندق وإلا فتلزمه الدية.
وعند مالك يُقْتَصُّ من القاتل إذا قَتَلَ بأي آلة ولو بضرب كف أو سوط لا بكمروحة.
قوله: وهو أي شبه العمد أوْلى بالكفّارة أي فتجب، وهذا أيضًا مذهب الشافعي، وأمَّا عند مالك ليس كالخطأ بل تُسَمَّى الكفّارة فقط اهـ. كلام الصاوي.
قال العلاّمة ابن رشد في البداية والنهاية: وأمَّا قَدْرُها ونوعها فإنهم اتفقوا على أن دِيَة الحرَّ المسلِم على أهل الإبل مائة من الإبل وهي في مذهب ثلاث

دِيات دِيَة الخطأ ودِيَة العَمْد إذا قُبِلَتْ ودِيَة شبه العَمْد وهي عند مالك في الأشهر عنه مثل فِعْل المدلجي بابنه.
انظر بقية العبارات والروايات وكلام الأئمّة في كتاب ابن رشد المذكور وبالله تعالى التوفيق.
قال رحمه الله تعالى: "فالخطأ على العاقلة وهم العصَبَاتُ فإنْ لَمْ يَكُنْ فَالمَوَالِي فإنْ لمْ يَكُنْ فَبَيْتُ المَالِ" يعني أن دِيَة قَتْلِ الخطأ تحملها العاقلة وهم عصبات القاتل.
قال ابن جزي في القوانين: وتؤدي دِيَة الخطأ عاقلة القاتل وهم عصبته من الأقارب والموالي تنجم عليهم في ثلاث سنين، وفإن لم تكن له عاقلة أدَّيت من بيت المال، ويؤدّي القاتل دِيَة العَمْد من مالِهِ حالاً وقيل: تنجم عليه وتؤدّي العاقلة عَمْدَ الصبي والمجنون.
وإنما تؤدي العاقلة الدَّيَة بأربعة شروط؛: وهي أن تكون الثُّلُث فأكثر وأن تكون دّم احترازًا من قيمة العبد وأن تكون عن خطأ وأن يثبت بغير اعتراف، وإنما يؤديها منهم من كان ذكراً بالغًا عاقلاً موسرًا موافقًا في الدَّين والدار، وتوزَّع عليهم على حَسَبَ حالهم في المال، فيؤدّي كل [3/ 99/] [100] واحد منهم ما لا يَضُرُّ به ويبدأ بالأقرب فالأقرب وهي مورثة عن القاتل على حَسَبِ الفرائض وتدخل فيها وصيَّته اهـ بتصرف وحذف.
وعبارة الدردير في أقرب المسالك أنه قال: وهي أي عاقلة أهل ديانه وعصبته ومواليه وبيت المال، وبدأ بالديوان إن أعطوا فالعصبة فالموالي الأعلون فالأسفلون فبَيْتُ المال إن كان الجاني مسلِمًا وإلاَّ فالذَّمَّي ذوو دِينِه والصّلْحي أهل صُلْحه، وضرب على كل ما لا يضُرُّ به وعقل عن صبي ومجنون وامراة وفقير وغارم ولا يعقلون.
والعبرة وقت الضرب لا إن قَدِمَ غائب أو أيسر فقير أو بلغ صبي، ولا يسقط بعسر أو موتٍ وحلَّتْ به.
ولا دخول لبدويَّ مع حضريّ ولا شاميّ مع كمصري الكاملة في ثلاث سنين من يوم الحُحْم تَحِلُّ بأواخرها.
والثُّلُث في سنة والثُّلُثان فس سنتَيْن كالنصف وثلاثة الأرباع، وحدها الذي لا يضم إليه ما بعده سبمائة.
يعني إذا وجد هذا العدد من العصبة فلا يضم إليهم غيرهم

مِمَّن بعد من الموالي.
وإن لم يكمل العصبة العدد يكمل الموالي وهكذا حتى يكمل، لكن ليس العدد المذكور حدًا بحيث لا يُزاد عليه فِيمن يضر بها عليه، فراجعْ خليل وشراحه إن شئت اهـ بتوضيح منه.
قال رحمه الله تعالى: "ويعقل عن الذمي أهل ديوانه وتسقط بحسب الاجتهاد على قدر أحوالهم ولا يؤخذ غني بفقير والجاني كغيره" يعني أنه إذا قَتَلَ الذَّمَّيّ ذِمكَّيًا مثله خطأ فالدية يؤديها أهل ديوانه، وهي نصف دية المسلم وتقُقَسَّطُ أي تُجَزّأ، قال في المصباح: وقسطَ الخراج تقسيطًا إذا جعله أجزاء معلومة أي يجعل الإمام على كل واحد بقدر حاله وذلك على اجتهاد منه ومن ولاة الأمور، ولا يؤخذ غني بفقير ولا غائب بحاضر، ويُحْسَبُ الجاني كغيره ولا يُزاد عليه.
ثم قال رحمه الله تعالى: "وعليه عتق رقبة مؤمنة كما تقدم فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ولا إطعام فيها" يعني تجب على السملم في قتله مسلمًا خطأ كفارة بعد تسليم الدية إلى أهل المقتول كما أمر الله تعالى بذلك بقوله سبحانه في سورة النساء: "ومن قتل مؤمنصا خطئاً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مُسلمة إلى أهله" [النساء: 92] وقوله تعالى: "فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين" [النساء: 92].
ولم يذكر الله تعالى في كفّارة قَتْلِ الخطأ الانتقال إلى الطعام كما ذكر ذلك في الظهار وهي مرتَّبة ومشروطة بتتابع صيامها.
قال النفراوي في الفواكه: فهي مرتبة ككفارة الظهار، وجميع ما يُشْتَرِطُ في رقبة الظهار والصوم يُطْلَبُ هنا وما يُمْتَنَع هناك يُمْتَنَع هنا، فإن لم يتابع الصوم فإن أفطر عَمْدًا ابتداه، وأمَّا لو أفطر نسيانًا أو لِحَيْضٍ أو لِمَرَضٍ فلا يبتدئه ولكن يجب عليه أن يواصل صوْمَه بعد زوال المرض أو الحيض، فإن لم يستطع عَتْقًا انتظر القدرة على أحدهما؛ لأنه ليس هنا إطعام بخلاف كفارة الفطر في رمضان.
تنبيه: لم يبين المصنف من تجب عليه كمفارة القتل من القاتلين وهو الحر المسلم بشرط حرية المقتول وإسلامه وعصمته.
قال خليل: وعلى القاتل الحر السملم وإن صبيًا أو مجنوناً أو شريكًا إذا قتل مثله معصومًا خطأ عَتْقُ رقبة، وبعجزها

شهران كالظهار، فلا تجب على عبد ولا كافر.
ولا في قَتْل غير معصوم كزانٍ محصّن ومرتد وزنديق ولا في عَبْدٍ ولا كافر وتؤخذ كفارة القتل من مال الصبي والمجنون؛ لأنها من باب خطاب الوضع كالزكاة، ولو أعسر كلّ فالظاهر انتظار البلوغ والإفاقة حتى يصوما.
وإنّما وُجِبَتِ الكفّارة في قتل الخطأ مع عدم إثم القاتل لخطر أمر الدماء، وأمَّا كفّارة اليمين فإنَّما وَجَبَتْ الكفارة في قتل الخطأ مع عدم إثم القاتل لخطر أمر الدماء، وأمَّا كفّارة اليمين فإنَّما وَجَبَتْ مع عدم إثْم الحالف كالحانث بالنسيان للزجر عن التحرّي على الحِلْف اهـ. ولم يذكر الله تعالى في كتابه كفّارة العَمْد، ولذلك قال صاحب الرسالة: ويؤمَرُ بذلك أي بإخراج الكفّارة ندبًا إن عفي عنه في قَتْل العَمْد فهو خير له، لعظم ما ارتكبه من الإثم، فهو كاليمين الغموس التي لا يكفرها إلاَّ النار أو عَفْهوُ الباري، فالمطلوب منه المبادرة إلى التوبة والتقرُّب إلى الله بالكفّارة وبكلَّ ما استطاع من أنواع الخير.
قال خليل: وندبت في جنين ورقيق وعَمْدٍ وعَبْدٍ وذِمَّيَّ.
والمعنى أنها مندوبة في قَتْلِ الرقيق سواء كان مملوكًا له أو لغيره وكذا في قَتْل العَمْد الذي لم يُقْتَل به وكذا في قَتْلِ الذَّمَّيّ ولو قَتَلَه خطأ اهـ النفراوي ومثله في القوانين وعبارة الخرشي أنه قال: والمعنى أن القاتل الحرَّ المسلم وإن صبيًا أو مجنونًا أو شريكًا إذا قَتَل معصومًا مثله قَتْلاً خطأ فإنه يلزمه عَتْقُ رقبة مؤمنة، فإن عجز عن العَتْقِ فإنه ينتقل إلى الصوم ولا يجزئ مع قدرته على عَتْقِ الرقبة.
وحُكْمُ صيام الشهرَيْن وعَتْق الرقبة حُكْمُ صيام الشهرَيْن وعَتْقُ الرقية في كفّارة الظهار، فما يُطْلَبُ هناك يُطْلَبُ هنا وما يُمتَنَعُ هنا يُمْتَنَعُ هنا اهـ باختصار.
قال رحمه الله تعالى: "وتتعدد بتعدد القتلى" أي تتعدد الديات بتعدد المقتولين كما تتعدد الكفارات بذلك: فلو قَتَلَ رجلاً واحدًا خطأ للزمت الدية على عاقلته وعليه كفّارة، وإن قتل رجلَيْن كذلك فدِيَتان وعلهي كفّارتان، وهكذا ككفّارة الصيام في رمضان فإنها تتعدَّد بانتهاك حُرمة الشهر كما تقدَّم هناك.
قال في المدوَّنة: على كلَّ واحد من الشركاء في دِيَة واحدة خطأ كفّارةٌ.
قال الخرشي: فيلزم كلُّ واحد منهما أو منهم كفارة كاملةولو لم يخصه من الدية إلا جزء قليل؛ لأن ذلك عبادة وهي لا تتبعَّ.
قال العلاّمة العدوي

في حاشيته على الخرشي: ولو تعدَّد القالت والمقتول لوَجَبَ على كلَّ واحد من القاتلين كفَارة في كلَّ واحد من المقتولين اهـ. قال رحمه اللَّه تعالى: "ولا تحمل العاقلة عمدًا ولا عبدًا ولا اعترافاً ولا قَاتِلَ نَفْسِهِ وَلاَ دُونَ الثُّلث" يعني أن العاقلةب ريئة عن خمسة أشياء لا تحمل واحدًا منها.
قال في الرسالة: "ولا تحمل العاقلة قتل عمد ولا اعترافًا به وتحمل من جراح الخطأ ما كان قدر الثُّلُث فأكثر، وما كان دون الثُّلُث ففي مال الجاني، وفي موضع آخر: ومن قتل عبدًا فعليه قيمته لو زادت على دِيَة الحرَّ، ويضغْرِمها القاتل في مالِهِ سواء قَتَلَه عَمْدًا أو خطأ وفي أُخرى: ولا تعقل العاقلة مَنْ قَتَلَ نفسه عَمْدًا أو خطأ بل يكون دَمُه هَدُرًا في العَمْد اتفاقًا.
وفي الخطأ على المشهورز فتلخّص أن الاعقالة لا تحمل على الجاني إلاَّ بشروط خمسة: حرية المجني عليه وكون الجناية خطأ أو حُكْمُ الخطأ بثبوت الجناية ببيَّنة أو قَسَامة لا باعتراف وبولغ الواجب ثُلثُ دِيَة الجاني أو المجني عليه وألاّ تكون الجناية من الجاني على نفسه.
والدليل على ذلك كلَّه قوله صلى الله عليه وسلم "لا تحمل العاقلة عَمْدًا ولا عَبْدًا ولا اعترافًا ولا صُلحًا ولا ما دون الثُّلُث" اهـ. رواه ابن شهاب عن ابن عباس مرفوعاً.
قال رحمه الله تعالى: ودية الذمي نصف دية المسلم:" يعني أن دية الذمي نصف دية الحر المسلم، سواء كان الذمي يهوديًا أو نصرانيًا كما في الموطأ عن مالك أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز قَضَى أن دِيَة اليهودي أو النصراني إذا قُتِلَ أحدهما مثل نصف دية الحر المسلم.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صىل الله عليه وسلم قال: عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين وهم اليهود والنصارى.
رواه النسائي ولأبي داود بهذا الإسناد: دِيَة المعاهد نِصْفُ عَقْل المسلمين وهم اليهود والنصارى.
رواه النسائي ولأبي داود بهذا الإسناد: دِيَة المعاهد نصف دية الحرَّ وبه أخذ مالك وجميع أصحابعه.
قال ابن جزي في القوانين: وأما اليهودي والنصراني والذمي فديته نصف دية المسلم.
وقال الشافيع: ثُلْثُ دِيَة المسلم.
وقال أبو حنيفة: مِثْلُ دِيَة المسلِم اهـ.

قال رحمه الله تعالى: "والمجوسي ثمانمائة درهم وأنثى كل صنف نصف ذكره" يعني أن المجوسي ديته ثمانمائة درهم ونساؤهم علّى النصف من ذلك.
قال خليل: والمجوسي والمرتدّ ثُلُث خُمْس دِيَة الحرَّ المسلِمك، وثُلُث الخُمْس من الذهب ستة وستون دينارًا وثُلُثا دينار ومن الإبل ستة أبعره وثُلُثا بعير فتكون دِيَة المرتدة ومثلها المجوسية من الورق أربعمائة درهم ومن الذهب ثلاثة وثلاثون دينارًا وثُلُث وثُلُث بعير اهـ النفراوي.
ومثله في الدردير.
قال رحمه الله تعالى: "وفي الرقيق قيمته ما لم تتجاوز دِيةَ الحر" يعني أنه يلزم على قاتل الرقيق قيمته ما لم تتجاوز دِيَة الحرَّ، لكن المعتمد لزوم القيمة ولو زادت على دِيَة الحرَّ المسلم.
قال خليل: وفي الرقيق قيمته وإن زادت.
قال الخرشي: يعني أن مَنْ قَتَلَ رقيقًا فإنه يلزمه قيمته ولو زادت على دِيَة الحرَّ المسلم؛ لأن الرقيق مال فهو كسلعة أتلفها شخص فتلزمه قيمتها سواء كان القتل خطأ أو عَمْدًا إلاَّ أن يكون الجاني مكافئًا له فيُقْتَل به.
وعبارة الدردير أنه قال: وفي قتل الرقيق قيمته وإن زادت قيمته على دِيَة الحرَّ؛ لأنه مال كسائر الأموال المُتْلَفَة ففيها القيمة بالغة ما بلغت اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وجناية الصبي والمجنون كالخطأ" يعني أن حُكْمَ جناية الصبي والمجنون حُكْمُ الخطأ.
قال في الرسالة: وإن قَتَلَ مجنون رجلاً فالدية على عاقلته.
وعمد الصبي كالخطأ وذلك على عاقلته إن كان ثُلُث الدية فأكثر وإلاَّ ففي ماله.
والمراد بالصبي كلُّ مَنْ لم يبلغ ولو أنثى فجنايته كالخطأ، فلا يُقْتَصُّ منه لقوله صلى الله عليه وسلم "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن الغلام حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق" أهـ بطرف من النفراوي.
ولمَّا أنهى الكلام على ما تعلق في بيان ما تقدَّم من القِصاص وغيره انتقل يتكلم على أحكام الأعضاء المخصوصة بالدَّيَة الكاملة أو القِصاص على الجاني بنصص الشارع الحكيم فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في الأعضاء

أي في بيان ما يتعلَّق بمسائل الأعضاء والأطراف المذكورة الواردة في الآيات والأحاديث الصحيحة عنه عليه الصلاة والسلام وهي مفصَّلة في المطوّلات.
والمصنَّ اقتصر بالبيان على مراد الشارع صلى الله عليه وسلم.
قال رحمه الله تعالى: "كل ما في البدن منه اثنان ففيهما الدية إلا الحاجبين وأهداب العينين وثندوتي الرجل وأليتيه ففيها حكومة كشعر اللحية والرأس" اعلم أنه تقدَّم الكلام فيما يتعلَّق ببعض الأعضاء والأطراف في فصل القصاص في الأعضاء عن قوله: والقصاص في الأعضاء كالنفس فراجعه إن شئت.
وأمَّا ما ذكره هنا فالمعنى أن كلَّ عضو في البدن إذا كان مزدوجًا ففيه الدَّيَة الكاملة إلاَّ ما استُثْنِي من الحاجبَيْن وأهداب العينَيْن وثُنْدُوَتي الرجل وأليَتَيْه وكشعر اللحية والرأس ففيها حكومة.
قال خليل عاطفًا على ما لا قصاص فيه: ولطمة وشُفرِ عين وحاجب ولحيةٍ وعَمْدُه كالخطأ إلاَّ في الأدب.
وفي المدوَّنة: ليس في جفون العين وأشفارها إلاَّ الاجتهاد، وفي خلق الرأس إذا لم ينبت إلا الاجتهاد، وكذلك اللحية، وليس في عَمْدِ ذلك قِصاص، وكذلك الحاجبان إذا لم ينبت إلاَّ الاجتهاد اهـ. وفي الخرشي: شعر العينين وشعر الهدب من فوق ومن أسفل وشعر الحاجب واللحية لا قصاص فيه، وفيه الحكومة إذا لم ينبت، وعَمْدُ هذه الأشياء وخطأها سواء إلاَّ من جهة الأدب فيفترقان؛ لأنها ليست جراحات، وإنّضما وَرَدَ القِصاص في الجرح اهـ بتصرّثف.
ومثله في حاشية الصاوي، والثُّندُوَة بمنزلة الثَّدْيِ للمرأة وفي قطعها حكومة كما تقدَّم.

قال رحمه الله تعالى: " وقطع الأصابع كاستئصال العضو من أصله" يعني أن قطع الأصابع في اليدين أو الرجلين حُكْمُه حُكْمُ استئصال أصل العضو في لزوم القَوَد في

العَمْدِ أو الدَّيَة الكاملة في الخطأ، ففي واحدة منهما نصف دية، قال في الرسالة: وفي اليدين الديَة وكذلك في الرجلين، أي دِيَة كاملة بسبب قَطْعِهما خطأ أو عَمْدًا، وسقط القِصاص بما يسقطه سواء قَطَعَها الجاني من الكوعَيْن أو المِرْفَقَيْن أو المِنُكَبَيْن، وسواء كان قطع الرجلين من الكعب او الورك.
مثل القطع إزالة المنفعة من اليدين أو الرجلين كما يأتي قول المصنف: والمنفعة كعينة اهـ النفراوي بتوضيح.
انظر آخر كتاب الجراح في المدونة.
وقولنا: ففي واحدة منهما نصف دية أعني في فرد كل واحدة من اليد أو الرجل نصف الدية أو القصاص على تفصيل تقدم في ذلك.
قال النفراوي: فمن قطع يدًا أو رِجْلاً وسقط القِصاص فَعَليْه نِصْفُ الدَّيَة في مالِهِ أو على عاقتله في الخطأ، وكذا كل مزدوجين إلا في عين الأعور فإن فهيا الدية كما تقدم اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وفي كل أصبع عشرة أباعر وفي كل أنملة ثلاثة وثُلُثٌ والمنفعة كعينه" يعني كما هو المشهور المفهوم في كُتُبِ الفِقْهِ والأحاديث أن دية كل أصبع من أصابع المسلم عشرة أباعر وأن دية كل أنمُلة ثلاث أباعر وثُلُث.
قال مالك في الموطأ: لاأمر عندنا في أصابع الكف إذا قُطِعَتء فقد تم عقلها؛ وذلك أن الأصابع الخمس إذا كان عقلها عقل الكف فيها خمسون من الإبل في كل أصبع عشرة من الإبل.
قال: وحخسابُ الأصابع ثلاثة وثلاثون دينارًا وثُلُث دينار في كل أنْمُلةٍ، وهي من الإبل ثلاثُ فرائضَ وثُلُثُ فريضة اهـ. قال في الرسالة: وفي كل أُصبع عشرٌ وفي الأنْمُلة من الإبهامَيْن خمس من الإبل.
قال شارحها: يعني يجب في كل أصبع عشر من الإبل وفي الأصبع الزائدة ما في الأصلية حيث كانت مساوية للأصل في القوة سواء قَطَعَها وحدها أو مع غيرها، بخلاف الضعيفة ففيها حكومة إن قُطِعَتْ وحدها، وأمَّا لو قُطِعَتْ مع الكفّ فلا شيئ فيها.
والظاهر أن اليد الزائدة فيها هذا التفصيل، ولا فرق في ذلك بين أصابع اليدين أو الرَّجْلَيْن ولا بين أصابع ذكر وأُنثى حتى تبلغ الثُّلُث لِما سيأتي من أنها

تعاقل الرَّجْل إلى ثُلُث الدَّيَة، وهذا في أصابع المسلِم وأمَّا غيره ففي كل أصبع من أصابعه عشر دِيَته، ويجب في الأنْمُلة من غير الإبهام من أنامل المسلم في كل أنمُلة ثلاث وثُلُث من الإبل ويجب في كل أنْمُلة من الإبهامَيْن للرَّجْل واليدَيْن خَمسٌ من الإبل وهي نِصْف دِيَة الأصبع، ومعلوم أن هذا كله في حالة الخطأ وأمَّا إذا هاب تلك المذكورات بجناية عضمْدًا فالواجب فيها القِصاص اهـ. النفراوي [3/ 104/]

قال رحمه اللَّه تعالى: "وفي العقل الدية كالصلب" يعني كما في الرسالة أي يجب في إزالة العقل الدية سواء زال بجناية عَمدًا أو خطأ، فلو فَعَلَ به فِعْلاً فصار يَجُنُّ في الشهر يومًا مع ليلته فإنه يجب له من الدَّية جزء من ثلاثين جزءًا، وإن كان يَجُنُّ النهار فقط أو الليل فقط مرّة في الشهر فإنه يكون له جزء من ستين جزءاً.
قاله اللخمي.
ومحلُّ العقل القلب على المشهورلا الرأس، فإذا ضربه واضحة فذهب عَقْلُه فيلزمه دِيَة كاملة للعق ونِصْفُ عشر الدَّيَة وهو دِيَة الموضحة على المشهور.
وعلى الآخر لا يلزمه إلاَّ دِيَة العقل؛ لقول خليل: إلاَّ المنفعة بمحلَّها، انظر الخرشي وقوله: كالصُّلْب قال النفراوي: ظاهر كلامه لزومه الدَّيَة في كَسْر الصُّلب ولو قدر على الجلوس وهو كذلك، ومن باب أوْلَى لو فعل به فعلاً أذهب قيامه وجلوسه، وأمَّا لو ذهبت مع ذلك قوّة الجماع للزمه دِيَتان اهـ. في الدرديري: فلو كَسَرَ صُلْبه فأبْطَلَ إنعاظه فعَلَيْه دِيَتان اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وفي تعذر بعض القيام أو المشي بحسابه كتعذر بعض الكلام" يعني ولو ضربه وتعذر قيامه أو جلوسه أو مَشْيُه فإنه يحسب ما نَقَص من ذلك، ومثل ذلك تعذر الكلام.
قال خليل عاطفًا على ما فيه الدَّيَة: أو قيامه وجلوسه.
قال الشارح نَقْلاً عن ابن شاس: لو ضرب صُلْبه فبَطَلَ قيامه وجلوسه وَجَبَ كما الدَّيَة، وإن بَطَلَ قيامه فقط فَرَوى ابن القاسم أن فيه كما الدَّيَة اهـ الموّاق.
وأمَّا لو بَطَلَ بعض شيئ من ذلك كبعض القيام أو بعض الجلوس أو بعض الكلام فبحساب ذلك على اجتهاد

الحاكم.
قال الدردير: أمَّا لو أذهب بفعل جلوسه وحده ففيه حكومة كبعض قيامه وجلوسه، خِلافًا للتتائي القائل: إن فيه الدَّيَة اهـ. قال الخرشي: وكذلك تَجِبُ الدَّيَة على مَنْ فَعَلَ بشخص فِعْلاً ذهب بسببه قيامه مع جلوسه بأن صار مُلْقَى، وفي أحدهما حكومة كما قاله الشارح، وهو الصواب تبعًا لنص المدونة، وبعبارة: أو قيامه وجلوسه معًا وكذا قيامه فقط، وأمَّا جلوسه فقط فحكومة، ولو ذهب بعض جلوسه وقيامه فالظاهر أن عليه حكومة اهـ. قال الدرديري في أقرب المسالك: وفي إذهاب العقل أو كل حاسَّةٍ أو النطق أو الصوت أو قوة الجماع أو نسله دِيَةٌ، كتدذيمه أو تبريصه أو تسويده أو قيامه أو جلوسه.
قال رحمه الله تعالى: "وفي الأنف وفي الذكر الدية كالحشفة والأنثيين وفي باقيه حكومة كذكر الخصِي وَفي الشفرين الدية وفي أليتيها قيل الدية وقيل حُكومة" يعني كما في الرسالة: وفي الأنف يطع مارن الدية، والمارن هو ما لان منه [106] ويُسَمّى بالأرنبة وفيهدِيَة كاملة.
قوله: وفي الذكر الدَّيَة كالحَشَفَة إلخ قال في الذخيرة: للذكر ست أحوال: تجب الدية في ثلاث وتسقط في حالة وتختلف في اثنتين، فتجب الدية في قطعه جملة أو الحشفة وحدها أو إبطال النسل منه وإن لم يبطل الإنعاظ، وتسقط إذا قُطِعَ بع قَطْعِ الحشفة وفيه حينئذٍ حكومة، ويُخْتَلَفُ إذا قُطِعَ ممَّنْ لا يصحُّ منه النسل وهو قادر على الاستمتاع أو عاجز عن إتيان النساء لصغر ذَكَرِهِ أو لعلةٍ كالشيخ الفاني.
فقيل: دية وقيل: حكومة، والقولان لمالك.
وفي الذكر الخَصِيّ حكومة، وأما ذكر الخُنْثى المُشْكَل فنِصْفُ دِيَة ونصف حكومة اهـ. نقله الصاوي مع طرف من الخرشي.
وأما الأنثيان في قطعهما أو سلهما أو ضهما دية كاملة، وفي الواحدة نصف دية، وفي

قطعهما مع الذكر ديتان إن كان خطأ وأما عمدًا فيه القصاص.
قال النفراوي: وإن قطعهما مع الذكر لزمه ديتان، وأما لو قطع أو رض واحدة من الأنثيين للزمه نصف الدية وأما لو قطع الأنثيين عمدًا لوجب القصاص اهـ. وأما الشفران تثنية الشفر بضم الشين وسكون الفاء وهو اللحم على جانبي الفرج وهما اللحمان المحيطان بالفرج المغطيان العظيم، فإذا قطع شفريها إلى أن بدا العظم من فرجها فإنهيلزمه دية كاملة.
قال الدردير: وشفري المرأة أي قطع لحم جانبي فرج المرأة فيه دية كاملة إن بدا العظم، فإن لم يظهر العظم فحكومة، وفي أحد الشفرين وإن بدا العظم نصفه دية.
وأما أليتاها إذا قطعتا اختلف فيهما أهل المذهب: قيل بالدية وهو قول أشهب، وقيل فيهما حكومة قياسًا على اليتي الرجُل، وهو قول الأكثر.
ق 4 ال الخرشي: يعني أن أليتي المرأة إذا قطعتا فإنما فيهما الحكومة قياسًا على أليتي الرجل، وهذا إذا كان خطأ، وأ/اإن كان عمدًا ففيه القصاص اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وفي السن خمسة أباعر سقطت أو اسودت فغن سقطت بعد اسودادها فدية ثانية" يعني في قلع السن خمس من الإبل.
قال في الرسالة: وفي السن خمس.
قال الشارح: أي بقلعها أو تصييرها مضطربة جدًا أو تسويدها أو تحميرها أو تصفيرها حيث كان تصفيرها يذهب جمالها كالسواد سواء كانت من مقدم الفم أو مؤخره، فلو ردت السن وثبتت فإن كانت سن كبير وهو من بلغ حد الإثغار فإنه لا يسقط عقلهما، كالجراحات الأربع المقرر فيها شيئ من الشارع من موضحة وجائفة ومنقلة، وتبرأ على غير شين، فلا يسقط عقلها، وأما سن الصغير فإنه يوقف عقلها حتى يحصل اليأس كالقود ممن قلعها عمدًا ووجود الخُمس في السنَّة من السنة اهـ. قال الدردير: وفي كل سن نصف العُشر بقلع أو اسوداد أو بحمرة أو صفرة إن كانتا في العُرف كالسواد اهـ وإليه أشار خليل بقوله: وفي كل سن خمس وإن سوداء بقلع أو اسوداد أو بهما أو بحمرة او

بصفرة إن كانتا عُرفًا كالسواد جدًا، إن ثبتت لكبير قبل أخذ عقلها أخذه كالجراحات الأربع اهـ. قوله: فإن سقطت بعد اسودادها فدية ثانية أشار بما في الموطأ عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: إذا أُصيبت السن فاسودت ففيها عقلها تامًا فإن طُرحَتْ بعد أن اسودّت ففيها عقلها أيضًا تامًا اهز قال مالك: والأمر عندنا أم مقدم الفم والأضراس والأنياب عقلها سواء؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: في السن خمس من الإبل، والضرس سن من الأسنان لا يفضل بعضها على بعض اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وفي المأمومة ثُلُثُ الدَّيَةِ كالجائفة وفي المنقلة عُشر ونصف عُشر وفي الموضحة نصف العُشر" يعني أ، هذه الجراحات الأربع عقلها مقرر من الشارع لا يُزاد ولا يُنْقَص.
أولها المأمومة فهي التي وصلت إلى الدماغ ولم يخرق خريطته، وعبارة الدردير: وآمة بفتح الهمزة ممدودة وهي ما أفضت لأم الدماغ، وأ/ الدماغ جلدة رقيقة مفروشة عليه متى انكشف عنه مات.
ففيها ثلث الدية ثلاثة وثلاثون بعيرًا وثلث بعير، ومن الذهب ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون دينارًا وثلث دينار ومن الفضة أربعة آلاف درهم، ومثل ما أخذ في المأمومة يؤخذ في الجائفة وهي ثانية من الجراحات الأربع التي تقدم ذكرها ووصلت إلى الجوف من الظهر أالبطن، ولو قدر مدخل الإبرة فإن نفذت إلى الجانب الآخر تعدّدت.
قال خليل: وتعدد الواجب بجائفة نفذت كتعدد الموضحة والمنقلة والآمة إن لم تتصل وإلا فلأن وإن بفور في ضربات.
قال الخرشي: تقدم أن الجائفة خاصة بالبطن وبالظهر وتقدم أن الواجب فيها ثُلُث الدية فإذا ضربه في ظهره فنفذت إلى بطنه أو بالعكس أو في جنبه فنفذت إلى الجنب الآخر فغن الواجب فيها يتعدد فيكون فيها دِيَة جائفتينن كخما أن الواجب في الموضحة والمنقلة والآمة يتعدد بتعدد موجبه، أما تعدد الواجب في الموضحة فإنما يتعدد إذا كان ما بين الموضحتين سالمًا لم يبلغ العظم بل كانت كل واحدة منهما منفصلة عن الأخرى وكذا ما بعدها من منقلة ومأمومة

جارٍ التحميل