أي في بيان ما يتعلق بذكر مهماته ومسائله من صداق وطلاق وعدة ورجعة وخلع وظهار ولعان وإيلاء ونفقة ورضاع وغيرها من المسائل.
وهو باب مهم ينبغي زيادة الاعتناء به.
والنكاح لغة: حقيقة في الوطء مجاز في العقد.
وأما اصطلاحاً فعلى العكس، أي حقيقة في العقد مجاز في الوطء.
والأصل فيه الندب لما فيه من التناسل وبقاء النوع الإنساني وكف النفس عن الزنا الذي هو من الموبقات.
فبدأ رحمه الله ببعض مسائله فقال: " يباح النظر لإرادة النكاح " يعني اتفق الأئمة على جواز نظر وجه المخطوبة وكفيها قبل نكاحها، بل قال بعضهم: إن النظر قبل العقد مندوب، لكن المعتمد جواز ذلك كما يفيده النقل، انظره في حاشية الخرشي.
وفي الحديث عن أبي هريرة أنه قال: " كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظرت إليها؟ قال: لا، قال: فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً " رواه مسلم والنسائي.
وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل " رواه أبو داود والشافعي والحاكم وصححه.
وعن المغيرة أنه خطب امرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " رواه النسائي والترمذي وحسنه.
قال العلامة الشيخ منصور على في غاية المأمول: ففي هذه النصوص طلب النظر إلى المخطوبة، والمطلوب النظر إلى وجهها وكفيها فقط، فإن حسنهما يدل على بقية الجسم، وللزوجة أن تنظر من الرجل ذلك أيضاً.
ومن لم يمكنه النظر بنفسه فليرسل من تنظرها وتصفها له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أم سليم لتنظر له امرأة يريد زواجها اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وخطبة جماعة امرأة " معطوف على النظر يعني ويباح للجماعة أن يخطبوا امرأة في أول أمرها قبل ركونها أو وليها إلى أحد من الخطاب: قال ابن رشد في المقدمات: لا بأس أن يجتمع الاثنان والثلاثة وأكثر على خطبة المرأة.
وقد روي أن جرير بن عبد الله البجلي سأل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أن يخطب عليه امرأة من دوس ثم سأله مروان بن الحكم بعد ذلك أن يخطبها عليه، ثم سأله بعد ذلك ابنه عبد الله أن يخطبها عليه، فدخل على أهلها
والمرأة جالسة في قبتها عليها سترها، فسلم عمر فردوا السلام وهشوا له وأجلسوه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وصلى على نبيه عليه الصلاة والسلام ثم قال: إن جرير بن عبد الله البجلي يخطب فلانة وهو سيد المشرق، ومروان بن الحكم يخطبها وهو سيد شباب قريش، وعبد الله بن عمر يخطبها وهو من قد علمتم، وعمر بن الخطاب يخطبها، فكشفت المرأة عن سترها وقالت: أجاء أمير المؤمنين؟ قال: نعم.
قالت: قد زوجت يا أمير المؤمنين زوجوه فزوجوه إياها فولدت له ولدين اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإذا ركنت إلى أحدهم لم يجز لغيره إلا أن يرغب الأول عنها " لخبر: " لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له " رواه الخمسة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال في الرسالة: ولا يخطب أحد على خطبة أخيه ولا يسوم على سومه.
وذلك إذا ركنا وتقاربا اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والصحيح أنه لا يفسخ ولكن يتحلل منه، فإن أبى عليه استغفر الله " يعني أنه قد كثرت أقوال العلماء في فسخ هذا النكاح وعدم فسخه.
قال بعضهم: يفسخ قبل الدخول وبعده.
وقال بعض: يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده.
وقال بعض: يفسخ ما لم يطل.
وقال بعض: يفسخ ولو طال ولو ولدت الأولاد.
فأجاب المصنف بقوله: والصحيح أنه لا يفسخ إلخ، يعني الصحيح من أقوال العلماء أنه لا يفسخ النكاح المذكور، وغاية الأمر أن يرضيه ويحلله فيما أرتكبه من فعل المنهي عنه، فإن حلله وسامحه فلله الحمد وإلا فليستغفر الله تعالى ويتب إليه عن مثل ذلك.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وينعقد بكل لفظ يدل على تأبيد ملك منافع البضع والاستيجاب ويكفي القابل قبلت " هذا شروع فيما ينعقد به النكاح من الصيغة وهي الإيجاب والقبول.
وهي اللفظ الدال على إثبات النكاح، ينشأ من ولي وزوج أو وكيليهما.
فالصيغة من الولي نحو أنكحتك أو زوجتك أو وهبتك، لكن لا بد في هذا الأخير أن يقرن بذكر الصداق المعين نحو وهبتك بنتي أو وليتي فلانة على أن تصدقها مائة دينار مثلاً أو ما اتفقا عليه، فإن لم يعين الصداق فلا ينعقد على المشهور.
ذكره بهرام وقيل ينعقد وهو لابن القصار.
أو يقول في صيغة الهبة وهبتها لك تفويضاً ويكون فيه صداق المثل.
ولا ينعقد بغير هذه الثلاثة على المذهب، يعني أنكحتك أو زوجتك، أو وهبتك.
فلو قال بعت، أو ملكت، أو أبحت أو حللت، أو أطلقت لك التصرف فيها، أو تصدقت، أو أعطيت، أو منحت، قاصداً بواحدة من هذه الصيغ النكاح، سواء سمى الصداق أم لا، وكذا
وهبت إذا لم يذكر الصداق.
فالمذهب عدم الانعقاد.
وهذا كله مرور على طريقة صاحب الشامل اهـ ومقتضى ما ذكره المصنف وما مشى عليه الأجهوري أنه ينعقد بواحدة من تلك الصيغ كلها إذا اقترن بذكر الصداق.
قال خليل: وركنه ولي وصداق ومحل وصيغة بأنكحت وزوجت، وبصداق وهبت.
وهل كل لفظ يقتضي البقاء مدة الحياة كبعث كذلك، تردد اهـ. وأما الصيغة من الزوج تكون بنحو قبلت ورضيت.
هذا إذا كان الزوج هو القابل بنفسه.
وأما وكيله فيقول قبلت له نكاحها، أو قبلت لفلان.
ومثل اللفظ الإشارة للعاجز منهما كالأخرس اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والولي شرط وهو المسلم الذكر الحر المكلف الرشيد.
واختلف في العدالة والأظهر أنها شرط كمال " وما ذكره من أن الولي شرط في النكاح مثله لابن جزي، خلافاً لما في المختصر من أن الولي ركن في النكاح وهو المشهور.
قال خليل: وركنه ولي وصداق ومحل صيغة اهـ. فتحصل أن الولي ركن
على المشهور في المذهب، ومن صفته أن يكون مسلماً، فلا يزوج الكافر المسلمة، وأن يكون ذكراً فلا تصح ولاية الأنثى نفسها ولا على غيرها، وأما ولاية الزوج فلا يشترط فيها الذكورية.
وأن يكون حراً فلا تصح ولاية العبد ومن فيه شائبة رق.
ويفسخ ما عقده ولو بعد الدخول، ولها المهر المسيس.
وأن يكون مكلفاً فلا ولاية لمجنون ولا لصبي وأن لا يكون محرماً بحج أو عمرة، فلا تصح ولاية من أحرم بأحدهما حتى يتم أركان نسكه كالزوجين.
وأن يكون رشيداً فلا تصح ولاية السفيه إلا أن يكون إذا رأى وأذن له وليه.
واختلف في العدالة، قال المصنف: والأظهر أنها شرط كمال، وهو كذلك على المشهور.
قال الدردير: إذ فسقه لا يخرجه عن الولاية، فيتولى غير العدل عقد نكاح ابنته، أو ابنة أخيه، أو معتوقته إذا لم يوجد لها عاصب نسب اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وهي قسمان: نسب وهم العصبات فيقدم أقواهم تعصيباً " يعني أن الولاية تنقسم على قسمين الأول النسب، والثاني السبب، وسيأتي الكلام عليه.
وأما النسب فيتولى العقد أقرب رجل للمرأة من عصبتها كما قال المصنف.
وقال أبو محمد في الرسالة: والابن أولى من الأب، والأب أولى من الأخ، ومن قرب من العصبة أحق.
وإن زوجها البعيد مضى ذلك.
يعني أن الابن أولى بتزويج أمه من الأب على المشهور لا أقوى العصبة، وأنه أحق بموالي مواليها من الأب، وأولى بالصلاة عليها منه ولأن الأب يكون معه صاحب فرض، وابن الابن وإن سفل مثل الابن في ذلك اهـ أبو الحسن: فإن لم يكن لها أب فأخوها ثم ابنه، ثم الجد، فالعم، ثم ابن العم، يقدم الأقرب فالأقرب هكذا.
قال رحمه الله تعالى: " وللأب إجبار البكر وإن بلغت، والثيب الصغيرة وفي العانس قولان " يعني للأب إجبار ثلاث من بناته الأولى البكر ولو عانساً على المشهور إلا إذا رشدها، أو أقامت سنة ببيت زوجها ثم تأيمت فلا جبر له عليها، الثانية بنته الثيب الصغيرة بأن تأيمت ورجعت إليه قبل البلوغ، بعد أن أزال الزوج بكارتها
فله جبرها.
الثالثة بنته المجنونة ولو كانت بالغاً ثيباً له جبر عليها، ولا كلام لولدها إن كان لها ولد رشيد اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يمنعه الثيوبة بسقطة أو زناً كرجوع البكر قبل المسيس " يعني أن البكر إذا زالت بكارتها بعارض كسقطة أو زناً ولو تكرر، أو ضربة، أو حمل شيء ثقيل، أو بعود نحو ذلك فإن ذلك لا يمنع الأب عن إجبارها، بل له جبرها ولو عانساً.
وفي الرسالة: وللأب رإنكاح ابنته البكر بغير إذنها وإن بلغت، وإن شاء شاورها.
قال رحمه الله تعالى: " وغيره بالإذن في البالغة العاقلة، فإذن البكر صماتها والثيب نطق " يعني أن غير المجبر لا يزوج امرأة إلا بإذنها إن كانت بالغة عاقلة.
قال في الرسالة: ولا يزوج الثيب أب، ولا غيره إلا برضاها، وتأذن بالقول، وأما البكر فإذنها صماتها، كما في الحديث الصحيح عن مالك بإسناده عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها " اهـ رواه في الموطأ.
قال رحمه الله تعالى: " والصحيح بطلان العقد على اليتيمة إلا أن يخاف عليها " قال الصاوي في حاشيته على الدردير.
واعلم أن البنت إذا مات أبوها أو غاب وكفلها رجل، أي قام بأمورها حتى بلغت عنده، أو خيف عليها الفساد سواء كان مستحقاً لحضانتها شرعاً أو كان أجنبياً فإنه يثبت له الولاية غليها، ويزوجها بإذنها أن لم يكن لها عصبة، وهل ذاك خاص بالدنيئة وهو ظاهر المدونة، فلذا اقتصر عليه الشارح، أو حتى في الشريفة خلاف قلت هذا ما لم يكن حاكم شرعي وإلا فالحاكم هو ولي من لا ولي له كما في الحديث.
قال ابن جزي في القوانين: وأما السلطان فيزوج البالغة عند عدم الولي أو عضله أو غيبته، ولا يزوج هو ولا غيره الصغيرة.
وقيل: يجوز له وللقرابة تزويجها إن دعتها
ضرورة ومستها حاجة وكان مثلها يوطأ اهـ. قال العلامة الدسوقي: والحاصل أن بلوغها عشراً مطلوب لمراعاة القول الآخر وهو مذهب المدونة ومثله في الرسالة، لأن اليتيمة لا تزوج إلا إذا بلغت.
وليس شرطاً يتوقف عليه تزوجها على القول الذي جرى به العمل بتزويجها، وكذلك مشاورة القاضي وإن كانت واجبة ليس شرعاً على ما علمت،
فلذا قال العدوي: المعتمد في هذه المسألة ما ارتضاه المتأخرون من أن المدار على خيفة الفساد، فمتى خيف عليها الفساد في مالها أو في حالها زوجت، بلغت عشراً أو لا رضيت بالنكاح أم لا، فيجبرها وليها على التزويج، ووجب مشاورة القاضي في تزويجها، فإن لم يخف عليها الفساد وزوجت صح النكاح إن دخل وطال.
وإن خيف فسادها وزوجت من غير مشاورة القاضي صح إن دخل وإن لم يطل اهـ. هذا هو الحاصل في معنى قول خليل: إلا يتيمة خيف فسادها وبلغت عشراً وشور القاضي، وإلا صح إن دخل وطال اهـ انظر شراحه وإليه أشار الناظم رحمه مولاه بقوله:
وزوجت يتيمة بالنطق... من كفئها بالنقد خوف الفسق
وشوور القاضي وعشراً بلغت... بمهر مثل عجلوه قد ثبت
قال رحمه الله تعالى: " فإن اجتمعوا قدم أرشدهم، فإن استووا فأسنهم، فإن استووا عقدوا جميعاً فإن عقد أحدهم مضى كعقد الأبعد، فإن تنازعوا فالسلطان، فإن عضل بعضهم عقد غيره كغيبة الأحق " يعني إذا تشاح الأولياء المتساوون في درجة واحدة كإخوة كلهم علماء نظر الحاكم فيمن يقدمه منهم، وإن لم يكن حاكم أقرع بينهم.
وقيل يعقدون معاً وعليه المصنف.
وفي حاشية الخرشي: فإن تنازعوا في العقد فيقدم السلطان أفضلهم، فإن تساووا فيه فأسنهم، فإن استووا فيه زوج الجميع.
وهذا هو الذي يجب المصير إليه اهـ. وأما إن عضل عليها بعضهم فإن العاضل يسقط حقه فيزوجها غيره على كفئها أو السلطان.
قال في المدونة: فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له، أو
يكون لها ولي فيمنعها عضلاً لها فإذا منعها فقد أخرد نفسه من الولاية بالعضل.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ضرر ولا ضرار " اهـ قال ابن جزي في القوانين: إن عضل الولي المرأة أمره السلطان بإنكاحها، فإن امتنع زوجها السلطان وذلك إذا دعيت إلى كفء وبصداق مثلها اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولو أذنت لوليين فزوجها كل جاهلاً بعقد الآخر فإن ظهر عليه قبل البناء وجهل السابق فسخا، وإن علم ثبت، وإن دخل الثاني جاهلاً فاتت الأول " هذه هي المسألة التي تسمى بذات الوليين، هي امرأة أذنت لوليها في عقد نكاحها، فعقد كل منهما برجل بدون علم الآخر ولا سابق في العقد، فالحكم فيه الفسخ معاً، هذا ما لم يعرف السابق في الدخول وإلا فالسابق بالدخول أحق بها إن دخل وهو جاهل بالأول.
قال في المدونة: وإذا وكلت المرأة كل واحد من ولييها فزوجها هذا من رجل وهذا من رجل فالنكاح لأولهما إذا عرف الأول، إلا أن يدخل بها الآخر فهو أحق بها أي ما لم يكن في عدة وفاة الأول حين دخوله بها فيفسخ لأنه ناكح في العدة، ولا يفسخ إذا طلق الأول قبل موته.
وقبل تلذذه بها
لأنها في غير عدة اهـ مع طرف من المواق.
قال ابن جزي: إن زوجها وليان من رجلين فالداخل من الزوجين أولى إذا لم يعرف السابف اهـ. قال الدردير: وإن أذنت لوليين فعقدا فللأول إن لم يتلذذ بها الثاني غير عالم، وإلا فهي له أي الثاني إن لم يكن عقده في عدة وفاة الأول ولم يتلذذ بها قبله أي قبل تلذذ الثاني فتحصل أن شروط كونها للثاني ثلاثة: أن يتلذذ بها غير عالم بأنه ثان، وأن لا يكون عقده في عدة الأول، وأن لا يسبقه الأول بالتلذذ بها.
ثم قال وفسخ بلا طلاق إن عقدا بزمن واحد كنكاح الثاني إن شهدت بينة على إقراره فبل دخوله بها أنه ثان أي إذا شهدت بينة على الثاني أنه قبل دخوله عليها أقر على نفسه أنه ثان فإن نكاحه يفسخ بلا طلاق، وتكون للأول لأنه ثبت أنه تلذذ بها عالماً لا إن أقر بعد الدخول
فيفسخ بطلاق كجهل الزمن اهـ.
ثم ذكر القسم الثاني من قسمي ولاية النكاح فقال رحمه الله تعالى: " الثاني سبب " يعني الثاني من قسمي الولاية السبب وهما ما يتوصل به إلى أمر من الأمور، وهو غير النسب، وكل من حصل له سبب من أسباب الولاية تثبت له الولاية بذلك السبب سواء كان السبب وصية أو غيرها مما هو سبب ولاية كالعتق.
ولما كان الوصي أقوى الأولياء، بدأ به رحمه الله تعالى: " فوصي الأب مقدم في البكر وفي الثيب إسوتهم، وذو الولاء عند عدم عصبة النسب، والمولاة تستخلف، ثم الحاكم، ثم العامة وهي ولاية الدين، فإن عقد مع وجود المجبر فباطل، ومع غيره يمضي في الدنية وفي غيرها للأخص الخيار " يعني أن وصي الأب مقدم على سائر الأولياء في تزويج البكر لأنه مجبر كالأب.
قال خليل: وجبر وصي أمره أب به، أو عين له الزوج، وإلا فخلاف اهـ. قال ابن جزي في القوانين: وأما الوصي من قبل الأب ووصي فيقومان في العقد مقام الأب خلافاً للشافعي، وله الجبر والتزويج قبل البلوغ وبعده من غير استيمار إن جعل له الأب بذلك، وهو أولى من القرابة، واستحب بعض المتأخرين أن يعقد الولي بتقديم الوصي جمعاً بين الوجهين، فإن عقد الوصي جاز وإن لم يأذن الولي، وإن عقد الولي دون إذن الوصي جاز في الثيب لا في البكر.
وأما الوصي من القاضي فيعقد بعد البلوغ لا قبله، ولا يجبر ويجب استيمارها، وإن كان الوصي امرأة استخلفت من يعقد اهـ. وأما قوله وفي الثيب إسوتهم يعني ينبغي للأفضل من الأولياء أن يتقدم في تزويج الثيب بإذنها ورضاها بالقول كما تقدم.
ومما ينبغي الاعتناء به أن يقدم أولياء النسب على أولياء الولاء في المعتوقة.
قال ابن جزي: وأما المولى فهو المعتق فيعقد على من أعتقها إن لم يكن لها عصبة، وتستخلف
المعتقة من يعقد على من أعتقها إن لم يكن لها عصبة.
ولا ولاية للمولى الأسفل أي مع الأعلى اهـ. وممن يستحق ولاية النكاح بالسبب الحاكم، فيتقدم في تزويج البالغة عند عدم الولي أو
عضله أو غيبته، ولا يزوج هو ولا غيره الصغيرة على ما تقدم بيانه في ذلك فراجعه إن شئت.
وأما الولاية العامة فهي آخر الرتبة في ولاية النكاح.
قال ابن جزي: فتجوز في المذاهب إذا تعذرت الولاية الخاصة، فأما مع وجودها فقيل لا تجوز أصلاً وفاقاً لهم أي لجمهور الأئمة.
وقيل تجوز في الدنية التي لا خطر لها وكل واحد كفؤ لها بخلاف غيرها اهـ. قوله بخلاف غيرها إشارة إلى الشريفة فإن زوجت مع وجود الولي الخاص فللولي أو الحاكم النظر في إمضائه ورده بحسبما تقدم، وأما مع وجود المجبر فيفسخ مطلقاً سواء دخل بها أو لم يدخل في الدنية أو الشريفة ولو أمضاه المجبر على المشهور إلا في حالة التفويض بأن شهدت البينة أن المجبر فوض جميع أموره له من إنكاح بناته وتصرف بماله فهذا إذا زوج فلا يفسخ ما عقد على بنات المجبر بشرط أن يكون المفوض عليه أباً للمجبر أو ابناً أو أخاً أو جداً، وأما إذا فوض الولي المجبر إلى أجنبي أموره فزوج بنته بدون إذنه غإنه لا يصح ويفسخ العقد ولو أجازه الولي.
قال في فقه المذاهب: وكذلك إذا فوض إلى أقاربه المذكورين بإقراره فإنه لا يعتبر بل لا بد أن يكون التفويض بالبينة اهـ أنظره.
قال رحمه الله تعالى: " وللولي فيما يباح له تولي طرفي العقد بإذنها ورضاها به " يعني يجوز على الولي أن يتولى عقد نكاح وليته لنفسه على نفسها برضاها وإذنها.
قال خليل: ولابن عم ونحوه تزويجها من نفسه إن عين بتزوجتك بكذا وترضى وتولي الطرفين اهـ. قال ابن جزي: الفرع الخامس يجوز لابن العم والمولى ووكيل الولي والحاكم أن يزوج المرأة من نفسها ويتولى طرفي العقد خلافاً للشافعي، وليشهد كل واحد منهم على رضاها خوفاً من منازعتها اهـ. قال بعضهم: ولا يحتاج لقوله قبلت لأن قوله تزوجتك فيه قبول.
وقال تاشيخ سالم: قوله تزوجتك بكذ إيجاب وقبول من جانبه، وكأنه قال: تزوجنك وقبلت اهـ من حاشية الخرشي.
قال رحمه الله تعالى: " ومعين المرأة كفؤاً أولى من معين الولي " يعني إذا عينت
المرأة كفؤاً لها، وعين الولي كفؤاً غيره فكفؤها مقدم على كفئه.
قال خليل: وعليه الإجابة لكفء، وكفؤها أولى، فيأمره الحاكم ثم زوج اهـ قال الخرشي: يعني أنه يجب على الولي غير الأب في البكر إجابة المرأة إلى كفء معين دعت إليه وهي بالغة لأنها لو لم تجب لذلك مع كونها مضطرة إلى عقده كان ذلك ضرراً بها، فإن دعا الولي إلى كفء غير كفئها أجيبت وكان كفؤها أولي من كفئه لأنه أدوم للعشرة فيأمره الحاكم أن يزوج من دعت إليه، فإن فعل فواضح وإن تمادى على الامتناع فيسأله عن وجهه، فإن رآه صواباً ردها إليه وإلا عد عاضلاً برد أول كفء، وحينئذ يزوجها الحاكم بعد ثبوت ثيوبتها عنده وملكها أمر نفسها، وإن المهر مهر مثلها وكفاءة الخاطب، وإن شاء رد العقد لغير العاضل من الأولياء إن كان اهـ بحذف.
قال رحمه الله تعالى: " والكفاءة الدين، فالمنصوص أن المولى والعبد كفء للحرة العربية " يعني أن الكفاءة تعتبر بالدين والحال ولا تعتبر بالمال والنسب ولا بالحرية على المنصوص في المذهب.
فالحرة وذات مال وجاه لها ترك حقها من الكفاءة وتزوج بالعبد والفقير إذا اتفقت هي ووليها.
قال خليل: والمولى وغير الشريف والأقل جاهاً كفء.
قال الخرشي: يعني أن كل واحد من هذه الثلاثة كفء لمن هو دونها في المرتبة، فالمولى أي العتيق كفء للعربية، وغير الشريف كفء للشريفة، والأقل جاهاً كفء لمن هو أقوى منه جاهاً اهـ ثم قال: وفي العبد تأويلان.
وقد علمت أن لها وللأولياء ترك الكفاءة.
انظر الحطاب.
وأما كون الزوج غير فاسق وهو أيضاً حق المرأة والأولياء معاً.
فإن اتفقت معهم على أن تتزوج فاسقاً جاز وقد ظلمت هي وأولياؤها أنفسهم، هذا بشرط الأمن على نفسها منه، فإن لم يؤمن عليها فيجب على الحاكم رد النكاح ولو رضيت هي ووليها لأنه صار الحق لله تعالى لوجوب حفظ النفوس، ولا يلتفت لرضاها ورضا وليها اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وهو حق للمرأة والولي فيجوز اتفاقهما على تركها " يعني أن الكفاءة حق المرأة والأولياء، فإن اتفقت معهم على تركها ماعدا الإسلام جاز، وأما الإسلام فلا يجوز لأحد من الأولياء ولا المرأة تركها إجماعاً لأن الإسلام شرط صحة في نكاح المسلمة.
قال رحمه الله تعالى: " ولا ولاء لمسلم على كافرة إلا للسيد في أرقائه فله إجبارهم ولا يجبر هو " يعني أنه لا يجوز أن يكون المسلم ولياً في عقد نكاح الكافرة لقوله تعالى: ﴿ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ [الأنفال: 72] إلا ما استثني للسيد في أرقائه فيجوز له تزويجهم وإجبارهم على ذلك سواء كانوا ذكوراً أو أناثاً، ولا يجبر على السيد في ذلك.
قال الخرشي: والمعنى أن المسلم إذا كانت له أمة كافرة أو معتقة كذلك، فإنه يجوز له أن يزوجها بشرط أن تكون المعتقة من غير نساء الرجال الذين يؤدون الجزية بأن أعتقها وهو مسلم ببلاد الإسلام فله تزويجها لمسلم أو كافر إن كانت كتابية، فإن كانت من نساء أهل الجزية بأن أعتقها مسلم ببلدهم أو أعتقها كافر ولو ببلد الإسلام ثم أسلم فلا يزوجها إلا أن تسلم اهـ مع طرف من الإكليل.
قال رحمه الله تعالى: " فإن تزوج العبد بغير إذن سيده فله إجازته، لا الأمة ثم ليس له منعه الرجعة ولا إجباره على الفرقة، ولا ينفسخ ببيعه " يعني إن تزوج العبد بغير إذن السيد فالحكم فيه في يد سيده، وأما الطلاق فليس للسيد فيه مدخل.
قال في الرسالة: ولا نكاح لعبد ولا لأمة إلا أن يأذن السيد.
وقال أيضاً: والطلاق بيد العبد دون السيد اهـ. قال خليل: وللسيد رد نكاح عبده بطلقة فقط بائنة إن لم يبعه.
يعني فإن باعه فليس له رد نكاحه لخروجه عن ملكه وليس للمشتري رده أيضاً لسبق النكاح لملكه إلا إذا رد العبد لبائعه حين ما اشتراه بغير علم بأنه متزوج فله رده اهـ. قال ابن جزي: فإن تزوج العبد بغير إذن سيده فإن شاء السيد أجازه أو فسخه
بطلقة أو طلقتين، وإن تزوجت الأمة بغير إذن سيدها لم يجز وإن أجازه السيد؛ لأنها لا تعقد نكاح نفسها اهـ وأما الرجعة أي ارتجاع زوجة العبد وليس أيضاً بيد السيد بل بيد العبد كالطلاق كما تقدم والله أعلم اهـ. ولما أنهى الكلام على بعض المسائل المهمات التي ابتدأ بها المصنف انتقل يتكلم على المحرمات من النساء اللاتي يحرم على الإنسان تزوجهن فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في المحرمات اللاتي لا يصح العقد عليهن
أي في بيان المحرمات اللاتي لا يصح العقد عليهن.
قال في الرسالة: وحرم الله سبحانه من النساء سبعاً بالقرابة وسبعاً بالرضاع والصهر، فقال عز وجل: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ [النساء: 23] فهؤلاء من القرابة، واللواتي من الرضاع والصهر قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ [النساء: 23] وقال تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح ءابائكم من النساء﴾ [النساء: 22] وحرم النبي صلى الله عليه وسلم بالرضاع ما حرم من النسب اهـ. وعلى تفسير ذلك عقد المصنف هذا الفصل، وبدأ بما بدأ الله به فقال رحمه الله تعالى: " تحرم الأم وإن علت، والبنت وإن نزلت، ولو من الزنا عند ابن القاسم، وأجازه ابن الماجشون " يعني أن الله سبحانه حرم أصول الشخص وفروعه، فأما أصوله فهن أمهاته، فتحرم عليه أمه التي ولدته وجدته من كل جهة وإن علت، وأما فروعه فهن بناته، وبنات بناته وإن نزلن، ولو كانت البنت من زناً فهي حرام
عليه عند ابن
القاسم.
وقال ابن الماجشون يجوز نكاحها.
قال خليل: وحرم أصوله وفصوله ولو خلقت من مائه.
قال الخرشي: يعني الرجل إذا زنى بامرأة فحملت منه بابنة فإنها تحرم عليه، كما يحرم عليه من بناته من ثبت نسبها منه لأن الجميع خلقن من مائه فهي بنت أو كالبنت على المشهور فتحرم عليه وعلى أصوله وفروعه، لا ربيبة، ومثل البنت الابن المخلوق من مائه فيحرم على صاحب الماء تزوج بنته اهـ قال الصاوي على الدردير: ورد بالمبالغة على ابن الماجشون حيث قال لا تحرم البنت التي خلقت من الماء المجرد عن الغقد وما يشبهه من الشبهة على صاحب الماء لأنها لو كانت بنتاً لورثته وورثها وجاز له الخلوة بها وإجبارها على النكاح، وذلك منتف عندنا.
ومثل من خلقت من ماء الزنا من شربت من لبن امرأة زنى بها إنسان فتحرم تلك البنت على ذلك الزاني الذي شربت من مائه، وهذا ما رجع إليه مالك وهو الأصح اهـ قال القرطبي في تفسير سورة الفرقان: اختلف الفقهاء في نكاح الرجل ابنته أو أخته أو ابنة ابنه من الزنا، فحرم ذلك قوم منهم ابن القاسم وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وأجاز ذلك آخرون منهم عبد الملك بن الماجشون، وهو قول الشافعي اهـ أنظر الحطاب.
قال رحمه الله تعالى: " والأخت وبنات الأخ وبنات الأخت وإن بعدن " يعني يحرم على الشخص فروع أبويه وهن أخواته فتحرم عليه أخته من كل حهة سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم، كما يحرم عليه بناتها وبنات أبنائها وبنات أخيه وإن نزلن، كلهن يحرمن عليه أبداً.
قال رحمه الله تعالى: " والعمات والخالات من جميع الجهات " يعني يحرم على الشخص فروع أجداده وجداته وهن عماته وخالاته سواء كن شقيقات لأبيه أو شقيقات لأمه أو ما فوق ذلك من عمات الآباء وخالاتهم، أو من عمات الأمهات وخالاتهن.
وتلخيص ذلك أن كل من ولده جدك أو جدتك وإن علوا سواء من قبل الآباء
أو من قبل الأمهات فهي عليك حرام، ولا يدخل في ذلك شيء من بناتهن أولئك حلال نكاحهن.
قال في الفقه: وإلى هنا ينتهي التحريم فلا تحرم عليه بنات عماته ولا بنات خالاته ولا بنات عمه فلا يحرم من فروع الأجداد والجدات إلا البطن الأولى اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وأم الزوجة بالعقد، وبناتها بالدخول بها، وتختص الحرمة بعينها أو كونها في حجره " يعني تحرم على الشخص أو زوجته بالعقد على
بنتها، ولا يحرم عليه بناتها حتى يدخل بالأم لأن العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات، قال في الفقه: وإذا عقد الشخص على امرأة حركت عليه أمها وإن علت، سواء دخل بها أو لم يدخل.
أما بنتها فإنها لا تحرم إلا بالدخول كما عرفت اهـ. قال في المقدمات: ويدخل في قوله وأمهات نسائكم أمهات الأمهات ومن فوقهن من الجدات وليس يدخل فيه بنات الأمهات ولا أخواتهن ولا عماتهن ولا خالاتهن، أولئك حل نكاحهن بعد موتهن أو فراقهن لأنهن ذوات محارم فإنما يحرم الجمع بينهن اهـ.
هذا معنى قول المصنف وتختص الحرمة بعينها، أي تحرم على زوج بنتها هي وأمهاتها فتنبه.
وأما قوله أو كونها في حجره لا يشترط كونها في حجره بل لا فرق بين أن تكون في حجره أو لم تكن فيه لأن الآية خرجت مخرج الغالب، فإن الغالب عدم استغناء الربيبة عن أمها فهي في حجر زوجها.
قال رحمه الله تعالى: " وحلائل الآباء وإن علوا والأبناء وإن نزلوا " هذا تفسير قوله تعالى: " ولا تنكحوا ما نكح أبآؤكم " والمراد بالنكاح هنا العقد، فمتى عقد أحد من أصول الشخص على امرأة فلا يحل تزوجها لأبنائه وأبناء أبنائه وأبناء بناته، كما تحرم زوجة الابن على أبيه وأجداده وإن علوا بشرط أن يكون الابن ابن الصلب لقوله تعالى: " ﴿الذين من أصلابكم﴾ وخرج به الذي تبناه الأب فلا تحرم عليه زوجته إذا مات
أو طلق، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه تزوج زينب بنت جحش زوجة زيد بن حارثة الذي كان تبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال العلامة حسين بن إبراهيم في قرة العين: مسألة إذا عقد الأب نكاح امرأة ولو مختلفاً فيه كمحرم بأحد النسكين وسغار وتزويج المرأة نفسها حرمت على أولاده، وكذا عقد الابن ولو صغيرا يحرم على الأب، وأما عقد الشراء فلا يحرم فإذا اشترى الأب جارية فلا تحرم على ابنه بنفس عقد الشراء لأن التحريم في الملك إنما يكون بالتلذذ، وكذا يقال في الابن إذا اشترى أمة لا تحرم على الأب بعقد الشراء وإنما تحرم بالتلذذ إن كان الابن بالغاً، وأما إن كان غير بالغ فإنه لا يحرم على أبيه الأمة ولو مراهقاً لأن تلذذه ووطأه كلا وطء اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والنكاح المختلف فيه كالصحيح " يعني أن النكاح المختلف فيه حكمه كالصحيح، وذلك كنكاح المحرم بأحد النسكين فيفسخ بطلاق وتعتد المرأة كعدة الصحيح، وينشر الحرمة على أصوله وفروعه، وتستحق به الصداق إن دخل، ويلحق به الولد، ويدراً الحد على الزوجين، لكن لا تحل به لمن طلقها ثلاثاً.
قال في الرسالة: وما فسد من النكاح لصداقه فسخ قبل البناء فإن
دخل بها مضى وكان فيه صداق المثل، وما فسد من النكاح لعقده وفسخ بعد البناء ففيه المسمى، وتقع به الحرمة كما تقع بالنكاح الصحيح، ولكن لا تحل به المطلقة ثلاثاً ولا يحصن به الزوجان اهـ. قال ابن جزي: فكل نكاح أجمع على تحريمه فسخ بغير طلاق، وما اختلف فيه فسخ بطلاق، وقيل كل نكاح يجوز للولي أو لأحد الزوجين إمضاؤه أو فسخه فسخ بطلاق، وكل ما يغلبون على فسخه ويفسخ قبل البناء وبعده فسخ طلاق، وفائدة الفرق أن الفسخ بطلاق يوقعه الزوج ويحسب في عدد التطليقات، والفسخ بغير طلاق يوقعه الحاكم ولا يحسب في عدد الطلقات، وتعتد من الفسخ كما تعتد من الطلاق.
ثم قال النكاح الفاسد الذي يفسخ بغير طلاق لا يكون فيه بين الزوجين توارث، والفاسد الذي يفسخ بطلاق
يتوارثان فيه إن مات أحدهما قبل الفسخ.
وكل نكاح يدرأ فيه الحد فالولد لاحق بالوطئ فلا يجوز للزوج أن يتزوجها في عدتها منه، وكل نكاح فسخ اختياراً من أحد الزوجين حيث لهما الخيار جاز أن يتزوجها في عدتها منه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والجمع بين الأختين، والمرأة وعمتها أو خالتها بملك أو نكاح " يعني يحرم على الشخص الجمع بين الأختين.
قال النفراوي: ولو من الرضاع وكذا يحرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، لما في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام قال: " لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها " رواه مالك في الموطأ.
وإليه أشار صاحب الرسالة بقوله: ونهى أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها.
قال النفراوي: أو على بنت أخيها أو بنت أختها.
وأشار إلى ذلك العلامة خليل بالعطف على المحرمات بقوله: وجمع خمس أو اثنتين لو قدرت أي ذكراً حرم، أي نكاح الأخرى، وهذا الضابط مقيد بما إذا كان امتناع الجمع بالقرابة والرضاع أو المصاهرة فلا يرد الجمع بين المرأة وأمتها، والجمع بين المرأة وبنت زوجها، والجمع بين المرأة وأم زوجها فإنه يجوز، لأن الحرمة من جانب واحد، بخلاف نحو المرأة وعمتها لو قدرت كل ذكراً حرم عليه نكاح الأخرى لأن الشخص يحرم عليه نكاح عمته، وكذلك المرأة وبنت أخيها لو قدرت المرأة ذكراً لحرم عليه بنت أخيه، ولو قدرت بنت الأخ ذكراً لحرم عليه نكاح عمته.
وضابط خليل ربما يشمل العمتين والخالتين والعمة والخالة.
ومثال العمتين يوجد في بنتي رجلين تزوج كل منهما أم الآخر، والخالتين يتصور في بنتي رجلين تزوج أحدهما أم الآخر والآخر بنت الآخر أنظر
التتائي.
ومثله للأمير في المجموع نقلاً عن البرزلي كما ذكره الشيخ حسين بن إبراهيم في قرة العين.
قال رحمه الله تعالى: " والزيادة على أربع زوجات فإن طلق واحدة رجعياً لم
يحل له غيرها حتى تنقضي عدتها بخلاف البائن " يعني يحرم على الشخص المتزوج بأربع زوجات تزوج الخامسة.
قال خليل عاطفاً على المحرمات: وجمع خمس.
قال ابن عرفة تزويج الخامسة حرام إجماعاً لا ما دونها اهـ المواق.
فإذا تزوج الخامسة فالحكم فيه الفسخ بغير طلاق لأنه مجمع على فساده.
وأما إذا طلق ذو أربع زوجات واحدة طلاقاً رجعياً فلا يحل له تزوج الأخرى حتى تنقضي الأولى من عدة الطلاق الرجعي، أما لو كان طلاقها بائناً لجاز له التزوج بأخرى بدون تربص شيء.
قال العلامة الصاوي في حاشية الدردير: وهل منع الرجل من نكاح كأخت في عدة تلك المطلقة الطلاق الرجعي يسمى عدة أولاً قولان، وعلى الأول فهي إحدى المسائل التي يعتد فيها الرجل، إلى أن قال: ثانيها من تحته أربع زوجات فطلق واحدة وأراد أن يتزوج واحدة فلا بد من تربصه حتى تخرج الأولى من العدة إن كان طلاقها رجعياً اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومعتدة الغير والتصريح بخطبتها " يعني يحرم على الشخص عقد على معتدة الغير، بل لا يجوز للخاطب أن يصرح بالخطبة في العدة، سواء كانت المخطوبة مسلمة أو كتابية، حرة أو أمة.
وكما يحرم التصريح للمعتدة كذلك يحرم التصريح للمستبرأة.
وحاصل ما في الدسوقي أن المستبرأة من زناً منه أو من غيره أو من غصب أو من ملك أو شبهة ملك أو شبهة نكاح حكمها حكم المعتدة من طلاق أو وفاة في تحريم التصريح لها أو لوليها بالخطبة في زمن الاستبراء اهـ قال خليل عاطفاً على التحريم: وصريح خطبة معتدة.
قال الدردير: ويحرم التصريح بالخطبة في العدة اهـ أي سواء كانت عدة موت أو عدة طلاق ولو كان رجعياً إن كان الطلاق من غيره وإلا جاز له مراجعتها، وله عقد عليها برضاها إن كان طلاقه بائناً دون الثلاث كالخلع كما سيأتي.
والحكم فيمن خطب وعقد في العدة الفسخ بغير طلاق لأنه مجمع على فساده، وله تزوجها بعد تمام ما هي فيه من عدة أو استبراء إذا لم يحصل منه وطء ولا تلذذ بها قبل الفسخ وإلا تأبد التحريم عليه
وعلى أصوله وفروعه إن لم يعلم بذلك وهذا إذا لم يكن استبراء من زناً منه، وأما إذا كان الاستبراء من زنا منه أو غصب، أو كانت ذات زوج أو مطلقة طلاقاً رجعياً فلا بد يتأبد التحريم اهـ.
ثم ذكر التعريض فقال رحمه الله تعالى: " لا التعريض كإني فيك لراغب
وعليك لحريص ونحوه " يعني أنه لا يحرم التعريض بالخطبة بل هو جائز.
قال الله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم﴾ ﴿البقرة: 235﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿إلا أن تقولوا قولاً معروفاً﴾ ﴿البقرة: 235﴾ ومعنى ذلك كما في الموطأ أن يقول الرجل للمرأة وهي في عدتها من وفاة زوجها: إنك علي لكريمة، وإني فيك لراغب، وإن الله لسائق إليك خيراً ورزقاً ونحو هذا من القول.
قال الباجي وما ذكر من قول الرجل للمرأة: إني فيك لراغب، وإني عليك لحريص تعريض بالنكاح، وهو الذي أباحه الباري تعالى بقوله: ﴿ولا جناح﴾ الآية اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإن دخل جاهلاً بحرمتها حرمت أبداً.
وهل العالم مثله قولان " الضمير في قوله بحرمتها راجع إلى المعتدة، والمعنى فإن خطب وعقد على المعتدة ودخل بها جاهلاً بحرمة العقد في العدة حرمت عليه أبداً، وهل العالم بالحرمة كذلك، أو يحد؟ ففيه قولان.
قال في الإكليل: فإن كان عالماً حد في ذات المحرم والرضاع، وفي حده في نكاح المعتدة قولان.
وقال الدردير: فإن علم حد، إلا المعتدة قولان.
وفي قرة العين: مسألة إذا نكح شخص امرأة نكاحاً مجمعاً على فساده كنكاح معتدة وخامسة، فإن كان عالماً بذلك فلا يحرم أصولها وفصولها، ويحد لأنه زنى، وأما إن كان لا يعلم بأنها معتدة، أو يعتقد حل الخامسة لكونه حديث عهد بالإسلام فلا حد عليه.
وحرم عليه أصولها وفصولها.
وأما المختلف في فساده فهو كالصحيح، العقد فيه على البنات يحرم الأمهات، والدخول على الأمهات يحرم البنات.
ولو بالنظر لغير الوجه والكفين
إن وجد اللذة ولو لم يقصد، إلا إن قصد فقط، ولا إن تلذذ بالنظر للوجه والكفين فلا يحرم فيهما إلا اللذة بالمباشرة أو القبلة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والمشهور تداخل العدتين " يعني أن المشهور من الأقوال أن العدة والاستبراء يدخل أحدهما في الآخر.
وقد عقد أهل المذهب فصولاً في تداخل العدتين كصاحب المختصر وابن جزي وغيرهما.
وعقد الدردير فصلاً في ذلك فقال: إن طرأ موجب عدة مطلقاً أو استبراء قبل تمام عدة واستبراء انهدم الأول واستأنفت إلا إذا كان الطارئ أو المطرو عليه عدة وفاة فأقصى الأجلين، كمتزوج بائن ثم يطلق بعد البناء أو يموت مطلقاً، وكمستبرأة من فاسد يطلقها أو يطأ بفاسد، وكمرتجع وإن لم يمس أو مات، وكمعتدة طلاق وطئت فاسداً وإن من المطلق وأما من موت فأقصى الأجلين كعكسه وكمشتراة
في عدة ارتفع حيضها وهدم الوضع من نكاح صحيح غيره.
ومن فاسد إثره وعدة طلاق لا وفاة فالأقصى اهـ أي من الأجلين إما الوضع من الفاسد، أو إتمام عدة الوفاة.
ومثله في القوانين.
وقد ذكرنا في بدر الزوجين جميع ذلك مفصلاً أنظره إن شئت.
ثم قال رحمه الله تعالى: " والمبتوتة حتى يطأها زوج غيره وطئاً مباحاً في نكاح صحيح " معطوف على وتحرم الأم يعني وتحرم على الشخص المبتوتة، وهي المطلقة ثلاثاً التي قال تعالى في حقها: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ ﴿البقرة: 230﴾ الآية اتفق الجمهور على أن المبتوتة لا تحل إلا من بعد زوج بالغ مع إيلاج، في نكاح صحيح بغير قصد التحليل.
قال مالك في المحلل: إنه لا يقيم على نكاحه ذلك حتى يستقبل نكاحاً جديداً، فإن أصابها في ذلك فلها مهرها اهـ الموطأ.
قال رحمه الله تعالى: " وقصد حلها يمنعه لهما " وفي نسخة يمنعها، يعني قصد المحلل في تحليلها للأول يمنع أن تكون المرأة حلالاً لأحد منهما.
فلا تحل للمحلل، بل يفسخ نكاحه ولو بعد البناء، وتستبرئ منه، ولا تحل لمن طلقها ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً ويطؤها وطئاً مباحاً بغير إنكار منهما.
قال رحمه الله تعالى: " وتصادقهما على الوطء يحلها لا إنكارها " فالمطلوب تصادقهما على الوطء.
قال الدردير: فإن أنكرا أو أحدهما لم تحل.
وقال في أقري المسالك: والمبتوتة حتى تنكح غيره نكاحاً صحيحاً لازماً، ويولج بالغاً حشفته بانتشار في القبل بلا منع ولا نكرة فيه، مع علم خلوة ولو بامرأتين وزوجة فقط، لا بفاسد إن لم يثبت بعده بوطء ثان كمحلل، وهذا مثال الفاسد الذي لا يثبت بالدخول، وإن نوى الإمساك إن أعجبته، ونيتها كالمطلق لغو ومثله في المختصر.
اهـ. وقال بعض المحققين من أهل المذهب: إذا طلق الحر زوجته ثلاثاً سواء كانت حرة أو أمة، سواء كانت في كلمة أو متفرقة، وسواء كانت الزوجة مدخولاً بها أم لا لم تحل له حتى يتزوجها بالغ زواج رغبة ويولج فيها الحشفة، فإن تزوجها بقصد التحليل فالنكاح فاسد قبل الدخول وبعده ولم تحل للأول.
وأما إذا تزوجها زواج رغبة ولكنه رجل مطلاق وطلقها في مدة قليلة بعد أن أولج فيها حلت للأول، وتحرم زوجة العبد بطلقتين كذلك حرة كانت أو أمة سواء في كلمتين أو في كلمة مدخولاً بها أم لا تحل لهحتى تنكح زوجاً غيره في نكاح صحيح مباح كذلك اهـ.
ولما أنهى الكلام على ذكر بعض المحرمات للقرابة والصهر انتقل يتكلم على المحرمات بالعارض والأسباب فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في نكاح الشغار وما يتعلق به من الأحكام
أي في بيان ما يتعلق بأحكام نكاح الشغار، وهو لغة مطلق الرفع، ويقال شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول.
واستعمل هنا في رفع الصداق عن الزوجين: ولذا فسره عليه الصلاة والسلام بقوله وهو البضع بالبضع، أي الفرج بالفرج.
قال رحمه الله تعالى: " نكاح الشغار وهو أن يزوج كل وليته من الآخر على أن لا مهر " يعني أن نكاح الشغار المنهي عنه هو البضع بالبضع مع الشرط والالتزام، مثل أن يزوج الرجل ابنته لرجل على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق.
قال النفراوي: هذا صريح الشغار لأنه على ثلاثة أقسام: صريح، ووجه، ومركب: فالصريح الخالي من الصداق من الجانبين، والوجه المسمى فيه الصداق من الجانبين، والمركب المسمى فيه لواحدة دون الأخرى.
وحكم صريح الشغار الفسخ مطلقاً ولو ولدت الأولاد، ولا شيء للمرأة قبل الدخول ولها بعده صداق المثل، وهذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في كون فسخه بطلاق، وبه قال مالك مرة، أو بغيره وهو الذي قاله سحنون قائلاً عليه أكثر الرواة.
وحكم الوجه أنه يفسخ قبله ولا شيء فيه للمرأة، ويثبت بعده بالأكثر من المسمى وصداق المثل.
وحكم المركب من الصريح والوجه فسخ نكاح كل قبل الدخول وأما بعده فيفسخ نكاح من لم يسم لها ولها مثلها، ويثبت نكاح المسمى لها بالأكثر من المسمى ومن صداق مثلها اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " والمتعة وهو المؤقت " قال ابن جزي في البيان: لفظ المتعة في الفقه يقع على أربعة معان: أحدها متعة الحج وقد ذكرت، الثاني النكاح إلى أجل، الثالث متعة المطلقة وستذكر، الرابع امتاع المرأة زوجها في مالها اهـ. والمراد هنا النكاح إلى أجل.
يعني من الممنوع عنه شرعاً نكاح المتعة، وهو نكاح إلى أجل بأن يعلم
الزوجة أو وليها بأنه ينكحها مدة من الزمان ثم يفارقها هذا هو المنهي عنه لما روي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عام الفتح عن نكاح المتعة.
وحكى المأزري الإجماع على حرمته إلى يوم القيامة كما في روايات.
وحكم نكاح المتعة إن وقع يفسخ قبل البناء وبعده بغير طلاق على المشهور.
وقيل به قاله في التوضيح.
ويجب فيه بالدخول صداق المثل إلا أن يكون قد سمى لها صداقاً فلها المسمى.
ويسقط عنه الحد ولو عالماً بالحرمة على المذهب، لكن يعاقب العالم
بحرمته والعالمة، قال بهرام وبعدم الحد يلحق به الولد، وعليها العدة كاملة فتعتد بثلاث حيض لا باستبراء فقط اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والسر وهو المتواصى على كتمانه " يعني ومن المنهي نكاح السر وهو كما فسره المصنف نكاح المتواصى على كتمانه، كأن يأمر الشهود بكتمان العقد، وهو نكاح فاسد.
ونص المدونة أرأيت الرجل ينكح ببينة ويأمرهم أن يكتموا ذلك أيجوز هذا النكاح في قول مالك؟ قال لا إذا أمر بكتمان ذلك أو كان على الكتمان فالنكاح فاسد اهـ. فالمطلوب الإعلان به لما في الحديث عن عاشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف " اهـ رواه أحمد والترمذي وفي رواية: " فضل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح " اهـ قال ابن رشد: واتفقوا على أنه لا يجوز نكاح السر، واختلفوا إذا شهد شاهدين ووصيا بالكتمان هل هو سر أو ليس بسر؟ فقال مالك هو سر ويفسخ، وقال أبو حنيفة والشافعي ليس بسر اهـ أنظر سبب اختلافهم في بداية المجتهد.
قال الدردير في أقرب المسالك: وفسخ نكاح السر إن لم يدخل ويطل بالعرف أي لا بالولادة وهو
ما أوصى الزوج فيه الشهود بكتمه وإن من امرأة، أو أياً ما وعوقبا والشهود إن دخلا اهـ ومثله في المختصر.
قال رحمه الله تعالى: " والنهارية وهو المشترط إتيانها الزواج نهاراً باطل ويجب بالدخول المهر ويسقط الحد ويلحق الولد " يعني من النكاح المنهي عنه نكاح الشرط بأن يشترط أحد الزوجين عدم إتيانه الآخر إلا نهاراً فقط أو ليلاً فقط فإذا اشترطا ذلك أو أحدهما فالنكاح فاسد يفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده بصداق المثل لا بالمسمى ويدرأ عنه ويلحق به الولد.
قال خليل: وقبل الدخول وجوباً على أن تأتيه إلا نهاراً أو ليلاً، أو بخيار لأحدهما أو غير إلا خيار المجلس اهـ يعني يفسخ قبل الدخول إذا اشترط أن لا تأتيه إلا نهاراً كما إذا اشترط الخيار لأحد الزوجين، أو كان الخيار لأجنبي إلا إذا كان خيار المجلس.
قال مالك: لا خير في نهارية.
ونص المواق: قول مالك في النهارية وهي التي تتزوج على أن لا تأتيه أو يأتيها إلا نهاراً أو لا تأتيه إلا ليلاً لا خير فيه.
قال ابن القاسم: ويفسخ ما لم يدخل فإن دخل ثبت ولها صداق المثل، ويسقط الشرط وعليه أن يأتيها ليلاً ونهاراً.
وقال ابن سلمون: من الشروط التي تفسد النكاح مثل أن يتزوجها على أن لا ميراث
بينهما، أو على أن الطلاق بيدها، أو على أن لا نفقة لها وشبه ذلك مما هو مناف لمقصود العقد ومخالفة للسنة.
فالنكاح بها فاسد يفسخ على كل حال، أي قبل البناء لا بعده على المشهور كما في الشامل اهـ بحذف.
قال رحمه الله تعالى: " ويشترط فى نكاح الحر الأمة عدم طول الحرة وخوف العنت وإسلامها " يعني أن الحر لا يحل له أن يتزوج الأمة إلا بثلاثة شروط: الأول عدم الطول، والثاني خوف العنت، والثالث كونها مسلمة.
قال النفراوي: والحاصل أن الحر الذي يولد له لا يحل له نكاح أمة غير أصله إلا بثلاثة شروط: أن يخشى العنت وأن
يعجز عن صداق الحرة، وأن تكون مسلمة.
أما لو كان لا يولد له أو كانت أمة أصله كأبيه أو أمه أو جده أو جدته الأحرار لجاز له نكاحها من غير شرط اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وعدم شبهة ملكها كالحرة للعبد " يعني من جملة شروط نكاح الأمة عدم شبهة ملكها.
قال في الرسالة: ولا تتزوج المرأة عبدها، ولا عبد ولدها، ولا الرجل أمته، ولا أمة ولده.
قال النفراوي: ولا فرق في حرمة تزوج الرجل بملكه بين الملك الكامل والمبعض، ولا بين القنة المحضة وذات الشائبة كأم الولد والمكاتبة، وإنما حرم ذلك لأن الملك سبب للإباحة فهو من موانع النكاح بالنسبة للمالك.
ولا فرق في الرجل بين كونه حراً أو عبداً، وإنما حرمت أمة الولد لأنها بمنزلة أمة نفسه لقوله صلى الله عليه وسلم: " أنت ومالك لأبيك " ألا ترى أن الأب لا يقطع بسرقته من مال ابنه، ولا يحد بوطء أمته، وتجب نفقته عليه إن احتاج، فإن وقع هذا الممنوع بأن تزوج المالك أمته وأمه فرعه، أو تزوجت المرأة مملوكها أو مملوك فرعها فسخ من غير طلاق، كما يفسخ لو كان سابقاً وطرأ عليه الملك.
قال خليل: وفسخ وإن طرأ بلا طلاق.
كما إذا اشترى زوجته أو اشترت زوجها، أو ملك الزوج أو الزوجة الآخر بالهبة ونحوها، وملك البعض كملك الكل في الفسخ اهـ.
تنبيه
:
قد ذكر ابن جزي في القوانين الفقهية جملة من أنكحة العالم ينبغي ذكرها هنا للمناسبة أنه قال: نكاح مسلم مسلمة، ونكاح كافر كافرة فهما جائزان.
ونكاح كافر مسلمة يحرم على الإطلاق بإجماع.
ونكاح مسلم كافرة فتجوز الكتابية بالنكاح والملك، ولا يحل غيرها من الكفار بنكاح ولا بملك.
وكره مالك الحربية لبقاء الولد بدار الحرب.
ومنع ابن عمر وابن عباس كل كافرة.
ثم قال أي انب جزي: ويتصور في الرق أربع صور: نكاح حر لحرة أو عبد لأمة فهما جائزان.
ونكاح عبد لحرة فيجوز برضاها، فإن غرها من نفسه فلها الخيار.
ونكاح حر لأمة
يجوز بثلاثة شروط: الأول أن
تكون مسلمة، الثاني أن يعدم الطول وهو صداق الحرة وقيل النفقة.
الثالث أن يخاف العنت وهو الزنا، ولا يشترط عدم الطول ولا خوف العنت في نكاح العبد الأمة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويفسخ بتملك أحدهما الآخر " يعني إذا تملك أحد الزوجين صاحبه فسخ النكاح بلا طلاق، وذلك كأن كانت الحرة تحت عبد ثم ملكته إما بإرث أو هبة أو غير ذلك.
أو تكون الأمة تحت حر أو عبد ثم يملكها بشراء أو غيره من أسباب الملك انفسخ النكاح.
وفي الرسالة: ومن اشترى زوجته انفسخ نكاحه لأن النكاح والملك لا يجتمعان معاً فيفسخ قبل الدخول وبعده كما تقدم.
قال الدردير: فلا يتزوج الذكر أمته ولا الأنثى عبدها للإجماع على أن الزوجية والملك لا يجتمعان لتنافي الحقوق، إذ الأمة لا حق لها في الوطء ولا في القسمة بخلاف الزوجية.
وليست نفقتها كالزوجة ولا الخدمة كالزوجة اهـ قال النفراوي: والملك ينافي الزوجية.
ولا تتزوج المرأة عبدها لأنها تطالبه بنفقة الزوجية وخدمة الرق، وهو يطالبها بنفقة الرقية وخدمة الزوجية اهـ بتصرف.
ومثله في الصاوي.
قال رحمه الله تعالى: " لا وجود الحرة تحته فإن لم تغنه حل له المزيد ولو إلى أربع " يعني لا يمنع الحر نكاح الأمة إذا خشي العنت بوجود الحرة الواحدة تحته إذا لم تغنه واحدة حل له الزيادة إلى أربع.
قال مالك في المدونة: والحرة تكون عنده ليست بطول يمنع به من نكاح أمة إذا خشي العنت لأنها لا تتصرف تصرف المال فينكح بها.
وقال قبله بقليل: يجوز للحر أن ينكح أربعاً مملوكات إذا كان على ما ذكر الله في كتابه ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ ﴿النساء: 25﴾ قال والطول عندنا المال، فمن لم يستطع الطول وخشي العنت فقد أرخص الله له في نكاح الأمة المؤمنة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وإن تزوج حرة على أمة جاهلة ثبت لها الخيار بين الفسخ والإقامة لا عالمة " يعني كما قال الدردير في أقرب المسالك: وخبرت أمة مع حرة ألفت أمة أو علمت بواحدة فوجدت أكثر في نفسها بطلقة بائنة، كتزويج أمة عليها اهـ قال مالك: لا تنكح الأمة على الحرة، فإن فعل ذلك جاز النكاح وكانت الحرة بالخيار إن أحبت أن تقيم معه أقامت، وإن أحبت أن تختار نفسها اختارت، فإن أقامت معه كان القسم من نفسها بينهما بالسواء اهـ المدونة.
قال رحمه الله تعالى: " وتباح حرائر الكتابيات " يعني يجوز للمسلم نكاح حرائر أهل الكتاب.
قال الله سبحانه وتعالى فيما أحل لنا من النساء: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ ﴿المائدة: 5﴾ الآية.
قال مالك في
الموطأ: هن الحرائر من اليهوديات والنصرانيات.
وقال الشعراني في كشف الغمة كان الصحابة، رضي الله عنهم، يتزوجون من اليهود والنصارى كثيراً زمن الفتح بالكوفة حين قلت المسلمات.
قال جابر: فلما رجعنا طلقناهن.
وقال أنس: نكح عثمان نصرانية، ونكح طلحة يهودية.
قال ابن عباس: لا تحل الأمة الكتابية لمسلم أبداً اهـ قلت: وينبغي أن يستثنى السيد لأنه يحل له وطء أمته الكتابية بملك اليمين كما في الموطأ، لقوله تعالى: ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ ﴿النساء: 24﴾ الآية وعن جابر بن عبد الله، رضي الله عنه، أنه قال نساؤهم لنا حلال ونساؤنا عليهم حرام اهـ وفي المدونة: وكره مالك نكاح نساء أهل الكتاب اليهودية والنصرانية من غير حرمة، وذلك أنها تأكل الخنزير وتشرب الخمر ويضلجعها ويقبلها وذلك في فيها، وتلد منه أولاداً فتغذي ولدها على دينها وتطعمه الحرام وتسقيه الخمر اهـ. وفي الرسالة: ويجوز للحر والعبد نكاح أربع حرائر مسلمات أو كتابيات، أي اتفاقاً في حق الحر، وعلى المشهور في حق العبد لعموم قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ ﴿النساء: 3﴾ الآية اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومن بلغ به المرض حد الحجر منع النكاح فإن صح قبل فسخه ثبت، فإن فسخ قبل البناء فلا مهر، وبعده يلزمه في ثلثه، ولا ميراث للصحيح فلو برئ لورث من الصحيح " يعني كما في الرسالة: ولا يجوز نكاح المريض ويفسخ، وإن بنى فلها الصداق في الثلث مبدأ ولا ميراث لها اهـ أنظر النفراوي.
وقال في أقرب المسالك: ومنع مرض مخوف بأحدهما وإن احتاج أو أذن الوارث، وللمريضة بالدخول المسمى، وعلى المريض الأقل من ثلثه والمسمى وصداق المثل، وعجل بالفسخ إلا أن يصح المريض منهما.
ومنع نكاحه الكتابية والأمة على الأصح اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم كل نكاح أجمع المسلمون على بطلانه فالفرقة فيه فسخ، وما اختلف فيه فبطلاق " قد تقدم لنا الكلام في هذه الجملة عند قول المصنف: والنكاح المختلف فيه كالصحيح، فراجعه إن شئت.
ولما أنهى الكلام على ما تقدم ذكره من المحرمات انتقل يتكلم على الخيار بين الزوجين إذا اطلع أحدهما على عيب في الآخر.
فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في بيان العيوب التي توجب الخيار بين الزوجين
أي في بيان ما يتعلق بالعيوب التي توجب الخيار بين الزوجين إذا لم يسبق بها علم قبل العقد، أو لم يعلم بها غلا عند الدخول والحال أنه لم يرض بها حين
علم بها.
وأما إن دخل بها بعد العلم بالعيب فلا خيار له، وكذلك الزوجة إذا اطلعت على عيب الزوج على ما سيأتي بيانه عن قريب إن شاء الله تعالى.
قال رحمه الله تعالى: " يثبت لكل الخيار بجهله بعيب الآخر حال العقد وطروه بعده لها دونه " يعني يثبت الخيار من أحد الزوجين بظهور عيب قبل العقد، أو بعده قبل الدخول، فإن طرأ بعد العقد لها الخيار دونه، وإن دخل ولم يعلم فله ردها كما مر آنفاً
والأصل في هذا الباب ما في جملة من الأحاديث الصحيحة، منها ما رواه أحمد والبيهقي والحاكم عن كعب بن زيد " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بني غفار، فلما دخل عليها فوضع ثوبه وقعد على الفراش أبصر بكشحها بياضاً " أي برصاً " فانحاز عن الفراش، ثم قال: " خذي عليك ثيابك، ولم يأخذ مما آتاها شيئاً " اهـ. ومنها ما في الموطأ عن عمر بن الخطاب أنه قال: أيما رجل تزوج امرأة وبه جنون أو ضرر فإنها تخير، فإن شاءت قرت وإن شاءت فارقت.
وفي رواية: أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص فمسها فلها صداقاً كاملاً، وذلك لزوجها غرم على وليها اهـ. وقال مالك: إنما يكون ذلك إذا كان وليها الذي أنكحها هو أبوها أو أخوها أو من يرى أنه يعلم ذلك منها، فأما إذا كان الذي أنكحها ابن عم أو مولى من العشيرة ممن يرى أنه لا يعلم ذلك منها فليس عليه غرم، وترد تلك المرأة ما أخذت من صداقها، ويترك لها قدر تستحل به اهـ. ومنها عن سعيد بن المسيب أنه قال: من تزوج المرأة فلم يستطع أن يمسها فإنه يضرب له أجل سنة، فإن مسها وإلا فرق بينهما اهـ. قال في غاية المأمول: فمن تزوج امرأة ومسها أي جامعها ولو مرة ثم عجز عن جماعها فلا تفريق بينهما لأن الإحصان يحصل بالوطء ولو مرة، أما إذا لم يجامعها ولو مرة بأن كان عنيناً لا تنتشر آلته.
فلها رفع أمرها للحاكم الشرعي فيؤجله إلى سنة، فإن جامعها وإلا فرق بينهما.
ويثبت الجماع وعدمه بإقرارهما فتلك العيوب تثبت الخيار للطرف الآخر إذا ظهر أنها كانت عند الزواج، وهل حدوثها بعده كذلك؟ يراجع كلام الفقهاء اهـ.
وحاصل ما هو مشهور في المذهب أن العيوب التي توجب الخيار بين الزوجين بلغت إلى ثلاثة عشر عيباً، يشتركان في أربعة، ويختص الرجل بأربعة، وتختص المرأة بخمسة.
قال رحمه الله تعالى: " وهو الجنون والجذام والبرص " هذا شروع في عد العيوب
التي بها الخيار.
وهذه الثلاثة هي المشتركة بين الذكر والأنثى، ولم يذكر المصنف عذيطة وهي مما يشتركان فيها، وهي خروج الغائط عند الجماع وهو عيب يوجب الخيار، وملخصه أن ما أحدث من الجذام والجنون والبرص وكذلك العذيطة فإن كان بالزوجة فلا خيار وهو مصيبة نزلت عليه، فإن
كان بالزوج فلها الخيار لعدم صبرها بتلك العيوب لأن العصمة ليست بيدها بخلاف الزوج فإما أن يرضى أو يطلق.
وقيل حدوث العيوب بالزوجة بعد العقد كحدوثها بالزوج.
فله الخيار.
والراجح ما تقدم اهـ الدردير بحذف.
وإذا علمت هذا فاعلم أن الزوجة لها الخيار بهذه الأدواء قبل الدخول وبعده، وفي البرص بشرط أن يكون فاحشاً لا يسيراً والزوج كذلك على التفصيل المتقدم.
قال رحمه الله تعالى: " والحب والخصاء والحصر والعنة والاعتراض " هذه العيوب الأربعة مما يختص بها الزوج.
والجب قطع الذكر والأنثيين معاً، فإنه موجب للخيار، وكذا مقطوع الأنثيين فقط إذا كان لا يمني وإلا فلا خيار به.
ومما يوجب الخيار الخصاء وهو قطع الذكر دون الأنثتين فإنه موجب للخيار إذا وجدته كذلك ومما يوجب الخيار العنة، هي صغر الذكر بحيث لا يتأتى الجماع فإنها موجبة للخيار، ومثل الصغر في كونها موجبة للخيار الغلظ المفرط المانع من الإيلاج.
وأما الطول فلا خيار به.
وأما الحصر وهو لغة المنع والحبس، بمعنى الممنوع عن الجماع كالمحبوس فيرجع إلى معنى الاعتراض ولذا عبرنا بالعيوب الأربعة وإلا لكانت خمسة، وإنما اعتبرنا الحصر والاعتراض شيئاً واحداً للخيار لها اهـ معناه.
قال رحمه الله تعالى: " والقرن والرتق والعفل والبخر والإفضاء " هذه العيوب
الخمسة مما تختص بها الزوجة وتسمى عيوب الفرج، القرن وهو شيء يبرز في فرج المرأة يشبه قرن الشاة يمنع لذة الجماع يكون لحماً غالباً فيمكن علاجه، وتارة يكون عظماً فلا يمكن علاجه، وللزوج به الخيار بين الرد والإمساك به.
والرتق وهو انسداد مسلك الذكر بحيث لا يمكن الجماع معه إلا أنه إن انسد بلحم أمكن علاجه.
وأما إن انسد بعظم فلا يمكن علاجه، وللزوج به الخيار بين الإقامة به والفراق.
والعفل وهو لحم يبرز في قبل المرأة يشبه الأدرة ولا يخلو عن رشح، وقيل رعوة تحدث في الفرج عند الجماع وللزوج به الخيار.
والبخر وهو نتن الفرج، وهو عيب وللزوج الخيار بخلاف نتن الفم فلا خيار له به.
والإفضاء وهو اختلاط مسلك البول والذكر.
وقيل اختلاط مسلك البول والغائط.
وقيل سبيل الحيض والغائط واحد، وعلى كل هو عيب وللزوج به الخيار اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإن أمكنته عالمة أو بنى بها عالماً فلا خيار، والفراق فيه بطلاق، ولا مهر قبل الدخول " وفي نسخة والفراق فيه طلاق بحذف الباء وتقدم أن علماً بالعيب قبل الدخول مسقط للخيار وتمكينها له بعد علمها بعيبه يسقط خيارها وبناؤه بعد علمه بعيبها يسقط خياره، فوقوع الطلاق قبل الدخول طلاق بائن لا مهر فيه، وأعلم أن المرأة إذا ردها زوجها بعيب وجده معها فلا صداق لها مطلقاً ردت قبل البناء أو بعده، أما قبل البناء فظاهر، وأما بعده فلأنها غارة ولكن لها ربع دينار حيث كان بعد البناء.
قال في الرسالة: وترد المرأة من الجنون والجذام والبرص وداء الفرج، فإن دخل بها ولم يعلم أدى صداقها ورجع له على أبيها، كذلك إن زوجها أخوها، وإن زوجها ولي ليس بقريب القرابة فلا شيء عليه، ولا يكون لها إلا ربع دينار اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ففي الاعتراض لها مرافعته ليؤجل سنة للحر ونصفها للعبد " يعني للمرأة رفع أمرها للحاكم في الاعتراض أصاب زوجها ليضرب له
أجل سنة إن كان حراً، ونصف سنة إن كان عبداً.
وفي المواق عن ابن عرفة: من ثبت اعتراضه ولم يكن وطئ امرأته ولو مرة.
قال في المدونة وغيرها: يؤجل سنة لعلاجه اهـ وأما العبد فإنه يؤجل نصف السنة.
قال المتيطي: الذي به الحكم أن أجل ذي رق نصف سنة.
قال الخرشي يعني العبد المعترض الذي لم يتقدم منه وطء لزوجته أصلاً وهو مقر باعتراضه يؤجل نصف سنة ولو كان فيه شائبة حرية كالمدبر ونحوه بعد الصحة من يوم الحكم كالحر.
واقتصر عليه صاحب المختصر.
وقيل إن العبد يؤجل سنة كالحر اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويخلى بينهما فيصدق إن ادعى الوطء إن كانت ثيباً والبكر ينظرها النساء " يعني أن المعترض يخلى بينه وبين زوجته في محل واحد ولا يحجبه عنها، فإن ادعى أنه وطئها صدق إن كانت ثيباً، وفي يمينه قولان.
وإن كانت بكراً لا يصدق حتى ينظرها النساء إن لم تصدقه لحيائها عن النطق بمثل هذا.
قال الخرشي: أي صدق المعترض إن ادعى في السنة الوطء بيمينه بعد إقراره بالاعتراض وضرب الأجل على ظاهر المدونة اهـ. قال ابن ناجي في شرحه على الرسالة: وكل هذا ما لم يسبق من المعترض وطء وأما إن سبق فلا مقال لها.
قال في النكاح الثاني من المدونة: من وطئ امرأته ثم حدث ما منعه من الوطء من علة أو زمانة، أو اعتراض عنها لا قول لامرأته اهـ ومثله في ميارة على العاصمية.
قال رحمه الله تعالى: " فإن أنقضى ولم يطأ فاختارت الفراق أجبر على طلقة " يعني لو ضرب له أجل ولم يطأ ولو مرة فاختارت الفراق فرق
بينهما إن شاءت، وإن امتنع عن الفراق أجبر عليه على طلقة بائنة ولها صداقها لإقامتها سنة في بيت الزوج.
قال النفراوي: فإن انقضت السنة للحر والنصف للعبد ولم يطأ مع تصديقها له أو لم يحلف على الوطء مع إنكارها فرق بينهما طلقة بائنة إن شاءت الزوجة الفراق لأنه من حقها، فإن امتنع من الطلاق فهل يطلق الحاكم أو يأمرها بالطلاق ثم يحكم به؟ قولان، فلو رضيت
بعد الأجل بالإقامة مدة مع بقاء الاعتراض ثم أرادت القيام فلها ذلك من غير ضرب أجل.
قال خليل: ولها فراقه بعد الرضا بلا أجل، بخلاف ما لو قالت رضيت بالبقاء معه من غير تقييد بمدة، أو قالت أقعد معه الأبد فليس لها فراقه بعد ذلك اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فلو عادت إليه لعاد خيارها بخلاف غيره " يعني فلو عادت زوجة المعترض إليه بعد الفراق لعاد خيارها بخلاف غيره ممن ليس مرضه باعتراض كالمجذوم ونحوه، ولا يعود لها الخيار بل يضرب لها أجل ثان كما في الخرشي.
وفي الحطاب: قال ابن عرفة وسمع يحيى بن القاسم امرأة المعترض إن تزوجها بعد فراقها إياه بعد تأجيله فقامت بوقفه لاعتراضه فلها ذلك إن قامت في ابتنائه الثاني قدر عذرها في اختيارها له وقطع رجائها إن بان عذرها بأن يكون يطأ غيرها، وإنما اعترض عنها فتقول رجوت برأه اهـ قال المواق: روى من اعتراض فأجل سنة، فلما تمت قالت لا تطلقوني أنا أتركه لأجل آخر فلها ذلك، ثم تطلق متى شاءت بغير سلطان اهـ. قال الصاوي: حاصله أنها إذا رضيت بعد مضي السنة التي ضربت لها بالإقامة مدة لتتروى وتنظر في أمرها، أو رضيت رضاً مطلقاً من غير تحديد بمدة ثم رجعت عن ذلك الرضا فلها ذلك، ولا تحتاج إلى ضرب أجل ثان لأن الأجل قد ضرب أولاً بخلاف ما لو رضيت ابتداء بالإقامة معه لتتروى في أمرها بلا ضرب أجل ثم قامت فلا بد من ضرب الأجل.
وهذا كله في زوجة المعترض كما علمت.
وأما زوجة المجذوم إذا طلبت فراقه فأجل لرجاء برئه وبعد انقضاء الأجل رضيت بالمقام معه ثم أرادت الرجوع، فإن قيدت رضاها بالمقام معه أجلاً لتتروى كان لها الفراق من غير ضرب أجل ثان، وإن لم تقيد بل رضيت بالمقام معه أبداً ثم أرادت الفراق فقال ابن القاسم: ليس لها ذلك إلا أن يزيد الجذام.
وقال أشهب: لها ذلك وإن لم يزد.
وحكى في البيان قولاً لتقييد الخيار فيما سبق بعد الرضا اهـ.
تنبيه: إذا طلبت المرأة التأخير لمداواة عيبها قال النفراوي: ومحصله أنها إذا كان يمكن زوال عيبها بمعالجة فإنها تؤجل له مدة باجتهاد أهل الخبرة.
قال خليل:
وأجلت الرتقاء للدواء بالاجتهاد، ولا تجبر عليه إن كان خلقة.
قال شراحه: ولا مفهوم للرتقاء، بل ذات القرن والعفل مما يمكن مداواته كذلك ويلزم الرجل الصبر حيث لم يلزم على مداواتها حصول عيب في فرجها، كما أنها تجبر على ذلك إذا طلبه الزوج إذا كان لا ضرر عليها في المداواة، فالصور أربع للمتأمل اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولا رد بغير هذه العيوب إلا أن يشترط سلامة في العقد " يعني أن لا خيار بغير هذه العيوب أي ثلاثة عشر المتقدم ذكرها، وأما غيرها من العيوب فلا رد بها كالاعتراض بعد تقديم الوطء سليماً فلا خيار للمرأة وهي مصيبة نزلت بها، وكحصول أدرة له مانعة له من الوطء، أو حصل له هرم بعد الوطء فلا خيار بها للمرأة، اللهم إلا أن تخشى على نفسها الزنا فلها التطليق؛ لأن للمرأة التطليق بالضرر الثابت ولو بقرائن الأحوال اهـ النفراوي.
وقال ابن جزي: وليس من العيوب التي توجب الخيار القرع، ولا السواد، ولا إن وجدها مفتضة من زنى على المشهور، ولا لعمى، والعور والعرج والزمانة ولا نحوها من العاهات إلا إن اشترط السلامة اهـ وكذلك لا رد بالبول على الفراش، ولا في الريح والاستحاضة والشلل، ولا بقطع عضو ولا بكثرة أكل، ولا نتن فم أو إبط، ولا بجرب، أو حب أفرنج من كل ما يعد عيباً عرفاً وهذه كلها لا يجب الخيار بواحدة منها إلا إن يشترط السلامة، فإن اشترطت فيعمل بها سواء عين ما شرطه أو قال كل عيب أو غير ذلك مما يعلم أنه اشترط فيعمل بها اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وإذا غرت الكتابية بإسلامها أو الأمة بحريتها ثبت له الخيار " يعني كما قال ابن جزي في القوانين: فإذا قال العاقد زوجتك هذه المسلمة فإذا هي كتابية أو هذه الحرة فإذا هي أمة انعقد النكاح وله الخيار فإن أمسكها لزمه
الصداق المسمى، وإن فارقها قبل الدخول فلا شيء لها، وإن فارقها بعد الدخول فلها المسمى إلا أن يزيد على صداق المثل فيرد ما زاد.
وإن تزوج العبد على أنه حر فالمرأة بالخيار اهـ. قال خليل: وإلا تزوج الحر الأمة والحرة العبد بخلاف العبد مع الأمة والمسلم مع النصرانية إلا أن يغرا اهـ أي إلا أن يغر كل منهما الآخر بأن تغر الأمة العبد بأنها حرة والعبد الأمة بأنه حر، أو الكتابية المسلم بأنها مسلمة أو المسلم الكتابية بأنه كتابي.
ولا يحكم بردته بهذا فللمغرور الخيار في جميع ذلك اهـ انظر شراح خليل.
قال رحمه الله تعالى: " فلو ادعاه وأنكره السيد فالقول قوله " الضمير في ادعاه راجع إلى الغرور، والمعنى فلو ادعى العبد المغرور بأن الكتابية غرته بإسلامها، أو الأمة بحريتها فتزوجها وأنكره السيد في دعواه ورد النكاح لكان القول
للسيد لتعلق حقه على عبده، ولا ينبغي للعبد أن يتزوج بغير إذن سيده لأنه عبد مملوك لا يقدر على شيء.
وتقدم أن العبد إن تزوج بغير إذن السيد فلسيده الرد والإجازة.
قال رحمه الله تعالى: " ولو تزوج معينة مجهولة الصفة فإذا هي أمة ثبت خياره لا كتابية " يعني أن لو رجلاً رأى امرأة مستترة مجهولة عنده فتزوجها بدون وصف، وبعد العقد تبين أنها أمة ثبت النكاح وله الخيار.
وتقدم آنفاً في الكتابية والأمة اللتين غرتا.
فراجع قول ابن جزي فيهما.
وفي الرسالة: والأمة الغارة تتزوج على أنها حرة فلسيدها أخذها وأخذ قيمة الولد يوم الحكم له.
قال الشارح: وحاصله أنه إذا كان الغار أجنبياً وتولى العقد فلسيدها على الزوج جميع المسمى كقيمة الولد ثم يرجع على الأجنبي بالصداق لا قيمة الولد، أي إذا لم يخبر أنه غير ولي خاص وإنما تولى عقد النكاح بولاية الإسلام أو الوكالة، وإلا فلا رجوع.
وأما إن كان الغار هو السيد فحكمه أن عليه - أي الزوج - الأقل من المسمى وصداق المثل كغرورها اهـ وقوله: لا كتابية أي الخيار له إن تبين أنها كتابية.
قال خليل: بخلاف المسلم مع النصرانية يظنها مسلمة حال العقد ثم تبين أنها كتابية لأنها من
نسائه وهو من رجالها إلا أن يغر كل منهما الآخر فحينئذ يثبت الخيار للمغرور، وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: " ولو غرها بكونه على دينها لثبت خيارها " يعني أن الخيار يثبت بالغرور لأحد الزوجين لا بكونها نصرانية في المسلم، ولو غر المسلم الكتابية لكان لها الخيار وبالعكس، فإذا ثبت الغرور ثبت الخيار لأحد الفريقين اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ويثبت للأمة بتحريرها تحت عبد لا بعتقه قبلها أو عتقهما معاً " يعني أن المعتقة تحت عبد لها الخيار، فإن اختارت نفسها فهو طلاق لا فسخ، وهل هو طلقة بائنة أو طلقتين؟ روايتان كما في المختصر من غير ترجيح، وعلى الأول أكثر الرواة.
قال العدوي: وهي الراجحة، وإنما كانت بائنة لأنها لو كانت رجعية لما أفاد الخيار شيئاً اهـ. قال في الرسالة: الأمة المعتقة تحت العبد لها الخيار بين أن تقيم معه أو تفارقه، لما في الموطأ عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: " كان في بريرة ثلاث سنن، فكانت إحدى السنن الثلاث أنها عتقت فخيرت في زوجها " الحديث.
وفي مسلم: " وكان زوجها عبداً فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختارت نفسها " ولو كان حراً لم يخيرها اهـ قال ابن جزي: إن عتقت الأمة تحت عبد فلها الخيار، فإن اختارت الفراق فطلقة واحدة بائنة، ويكره لها الثلاث، فإن فعلت جاز وإن لم يدخل بها فلا صداق لها لأن الفراق من قبلها، ولا رجعة له إن أعتق في عدتها لأن الطلقة بائنة إلا إن شاءت وكان الطلاق واحداً، وإن لم تخبر
حتى عتق فلا خيار لها، وإن تلذذ بها بعد علمها بالعتق سقط خيارها عند الإمامين، ولا تعذر بالجهل خلافاً للأوزاعي.
وقال أبو حنيفة: خيارها في المجلس، فإن قامت سقط.
ولا خيار لها إن عتقت وهي تحت حر خلافاً لأبي حنيفة اهـ.
ولما أنهى الكلام على الخيار بين الزوجين بسبب العيوب انتقل يتكلم على إسلام الزوجين سواء من عباد الأوثان أو أهل الكتاب، فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
فيما يتعلق بإسلام المتزوجين وحكم نكاحهما بعد الإسلام
أي في بيان ما يتعلق بإسلام المتزوجين وبيان حكم نكاحهما بعد الإسلام.
قال رحمه الله تعالى: " إسلام الزوجين يقرهما في المباحة شرعاً " يعني أن إسلام الزوجين معاً يقرهما أي يثبتهما في الإسلام إن كانت الزوجة مباحة له شرعاً بأن كانت غير محرمة كأم مثلاً.
قال في الرسالة: وإذا أسلم الكافران ثبتا على نكاحهما، وإن أسلم أحدهما فذلك فسخ بغير طلاق، فإن أسلمت هي كان أحق بها إن أسلم في العدة، وإن أسلم هو وكانت كتابية ثبت عليها، فإن كانت مجوسية فأسلمت بعده مكانها كانا زوجين، وإن تأخر ذلك فقد بانت منه اهـ. وفي عبارة لابن جزي إذا أسلم الزوجان معاً ثبت نكاحهما إذا خلا من الموانع الشرعية ولا يبحث في ذلك عن الولي والصداق، فإن سبق الزوج إلى الإسلام أقر على الكتابية، ويقر على غيرها إذا أسلمت بأثره، وإن سبقت هي فإن كان قبل الدخول وقعت الفرقة وإن كان بعده ثم أسلم في العدة ثبت وإلا بانت اهـ قال النفراوي: فتلخص أن الكافرين إن أسلما في وقت واحد يقران على نكاحهما ولو قبل الدخول أو كانا مجوسيين، وأما لو أسلم أحدهما فإن كان الزوج فإنه يقر على الكتابية مطلقاً، وعلى المجوسية حرة أو أمة إن أسلمت ولو لم تعتق الأمة.
ومثل إسلام الأمة المجوسية عتق الأمة الكتابية.
وأما لو أسلمت الزوجة ابتداء فإن كان قبل البناء بانت مكانها وإن كان بعد البناء أقر عليها إن أسلم في عدتها، لا إن تأخر إسلامه عن عدتها فلا يقر عليها لبينونتها بانقضاء عدتها اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وإن أسلم على أكثر من أربع اختار أربعاً " يعني أن الكافر إذا أسلم وتحته أكثر من أربع زوجات وجب عليه فراق ما زاد على الأربع.
قال في الرسالة: وإذا أسلم مشرك وعنده من أربع فليختر أربعاً ويفارق باقيهن اهـ
قال شارحها: ولو كان عقد عليهن في مرة أو كان قبل الدخول، ولو أحرم أو مرض بعد إسلامه وقبل اختياره، ولو كانت تلك النساء إماء حيث أسلمن معه ولو فقدت شروط تزوج الأمة على المعتمد كما قدمنا أو كن كتابيات حيث قال خليل: واختار المسلم أربعاً وإن أواخر، وإحدى أختين مطلقاً، وإحدى أم
وابنتها لم يمسهما، وإن مسهما حرمتا، وإحداهما تعينت اهـ قال الخرشي: يعني أن الكافر الكتابي أو المجوسي إذا أسلم وتحته عشر مجوسيات ثم أسلمن أو كتاابيات، وسواء تزوجهن في عقد واحد أو في عقود فإنه يختار منهن أربعاً وإن كن أواخر في العقد ويفارق البواقي.
والفرقة فسخ لا طلاق على المشهور.
وسواء كان في حال اختيار.
مريضاً أو لا، محرماً أو لا كانت المختارة أمة هو واجد لطول الحرة أم لا، لكونه كرجعة.
وقيل بامتناعه كالابتداء.
قال ابن عرفة: والأول أظهر اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإن كان تحته غير كتابية فأسلمت بعد أيام أقرت وروي عن ابن القاسم إن كان بعد شهر وإلا بانت، فإن سبقته فقبل الدخول تبين وبعده إن أسلم في عدنها ثبت عليها " يعني كما تقدم أنه إن أسلم وكانت تحته حرة كتابية ثبت عليها، وإن كانت مجوسية وأسلمت بعده مكانها بأن لم يتأخر إسلامها فوق الشهر كانا زوجين ولو كانت أمة لأنها تصير أمة مسلمة تحت مسلم، ولو لم توجد بقية شروط تزوج الحر المسلم الأمة على الراجح بناء على أن الدوام ليس كالابتداء.
وتقدم تلخيص جميع ذلك فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " فلو كانت مبتوتة لحلت بغير محلل " يعني أن الكافر لو طلق زوجته ثلاثاً في حال كفره وفارقها بأن أخرجها من حوزه ثم أسلم، أو أسلمت هي أولاً وأسلم هو في عدتها، أو أسلما معاً فإن له أن يعقد عليها قبل أن تنكح زوجاً غيره، وإليه أشار خليل مبالغاً على جواز عقده وبقاء نكاحه بعقد جديد بغير محلل بقوله: ولو
طلقها ثلاثاً وعقد عليها إن أبانها.
قال الدردير أي أخرجها من حوزه وفارقها وإن لم يحصل منه طلاق حيث زعم أن إخراجها فراق، إذ ما وقع منه من الطلاق الثلاث حال الكفر لا يعتبر لأن صحة الطلاق شرطها الإسلام، وإنما احتاج لعقد جديد لأجل إخراجها من حوزه واعتقاده أن ذلك فراق عندهم، أما إذا لم يبنها أي لم يخرجها من حوزه وتماديا بعد الطلاق الثلاث حتى أسلما لما احتاج لعقد، بل يقران على نكاحهما ولا يبحث عنهما بشيء، لا من جهة الطلاق الذي تقدم في الكفر، ولا من جهة الولي، ولا من جهة الصداق ترغيباً لبقائهما في الإسلام، ولقوله عليه الصلاة والسلام: " الإسلام يجب ما قبله " اهـ مع زيادة إيضاح
قال رحمه الله تعالى: " ولا نكاح بين المسببين " يعني كمال قال ابن القاسم في المدونة: إن السبي يفسخ النكاح.
وقال محمد بن علي: السباء يهدم نكاح الزوجين اهـ. قال ابن جزي في القوانين: وإذا سبي الزوجان معاً أو أحدهما انقطع النكاح وجاز لسيدها وطؤها.
وقيل يثبت نكاحهما.
وقيل ينقطع إن سبيت قبله
اهـ. قال خليل: وهدم السبي النكاح إلا أن تسبي وتسلم بعده اهـ. قال الشارح.
يعني أن الزوجين الكافرين إذا سبيا مجتمعين أو أحدهما قبل الآخر فإن النكاح ينفسخ بينهما ويحل وطؤها بعد الاستبراء بحيضة ولا عدة لأنها صارت أمة، إلا في صورة واحدة فإنه لا ينقطع بينهما وهي ما إذا أسلم سواء كان عندنا بأمان أو جاء إلينا ثم سبينا زوجته ثم أسلمت بعد ذلك في العدة أي قبل رؤيتها الدم فإنهما يقران على نكاحهما ترغيباً في الإسلام، لأنها صارت أمة مسلمة تحت حر مسلم، فإن لم تسلم فرق بينهما لأنها أمة كتابية تحت مسلم وهو لا يجوز له أن يتزوج الأمة الكافرة، وإنما له أن يطأها بالملك اهـ الخرشي.
ولما أنهى الكلام على إسلام الزوجين وما يتعلق بذلك انتقل يتكلم على الصداق وما يتعلق به من الأحكام والأخبار، وما ورد من الآيات في ذلك، فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في الصداق قلة وكثرة وأحكامه
أي في بيان الصداق الذي هو مأخوذ من الصدق لدلالته على صدق الزوجين في موافقة الشرع ويسمى مهراً، وطولاً، ونحلة وهو شرط في صحة الدخول على الصحيح.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿يأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك التي أتيت أجورهن﴾ ﴿الأحزاب: 50﴾ وقال تعالى: ﴿وءاتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ ﴿النساء: 4﴾ وقال عز وجل: ﴿فما استمتعتم به منهن فءاتوهن أجورهن فريضة﴾ ﴿النساء: 24﴾ وقال تعالى: ﴿وءاتيتم إحداهن قنطاراً﴾ ﴿النساء: 20﴾ وقال تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾ ﴿النساء: 34﴾ وغيرها من الآيات الدالة على وجوبه ومن الأحاديث قوله عليه الصلاة والسلام: " لا نكاح إلا بولي وصداق " الحديث، فالزوج لا يستبيح الفرج الفرج إلا بالصداق يدفعه للمرأة عند العقد، أو عند إرادة الدخول إن كان حالاً وأما إن كان مؤجلاً فعند حلوله، ولها منع نفسها حتى تقبضه إن لم يسبق الوطء منه، وإلا فلا كما سيأتي.
واختلف العلماء في أقله.
ولا خلاف عندنا أن أقل الصداق ربع دينار شرعي، أو ثلاثة دراهم شرعية، أو ما يقوم مقام ذلك من العروض، اعتباراً بأقل ما تقطع به يد السارق، وهو اعتبار صحيح، وأما أكثر الصداق فلا حد له اتفاقاً، وإنما يكون على حسب ما يتراضى عليه الأزواج والزوجات، وعلى حسب الأقدار والحالات والأزمان إلا أنه يستحب المياسرة فيه، ويكره التغالي كما يأتي.
قال رحمه الله تعالى: " لا حد لأكثر الصداق، وأقاه نصاب القطع " يعني لا
حد لأكثر ما يدفع للمرأة من الصداق، ولا أقل منه على ما يوجب قطع يد السارق، ويسمى نصاب القطع هو ربع دينار أو ثلاثة دراهم.
قال ابن عباس رضي الله عنه: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يسأل عن مهر النساء فيقول: هو ما اصطلح عليه
أهلوهم اهـ. وسئلت عائشة، رضي الله عنها، كم كان صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونش، قالت للسائل: أتدري ما النش؟ قال لا، قالت: نصف أوقية فتلك خمسمائة درهم اهـ. وكان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كثيراً ما يقول: لا تغلوا صدق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة كان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية.
وصعد رضي الله عنه، مرة منبر فقال: لا تزيدوا في صداق على أربعمائة درهم، فاعترضته امرأة من قريش فقالت: تنهى الناس عن شيء أباحه الله لهم، فقال كيف؟ فقالت: أما سمعت قول الله تبارك وتعالى: ﴿وءاتيتم إحداهن قنطاراً﴾ فقال: اللهم عفواً، كل الناس أفقه من عمر.
فلما صعد المنبر ثانية قال: إني كنت نهيتكم آنفاً عن أن تزيدوا في صداق النساء على أربعمائة، فمن شاء أن يعطي من ماله ما طابت به نفسه فليفعل اهـ وفي الحديث: " يسروا ولا تعسروا ".. وعنه صلى الله عليه وسلم: " تياسروا في الصداق " وفي رواية " من يمن المرأة تسهيل أمرها وقلة صداقها " اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز عرضاً ومنفعة " يعني أنه يجوز أن يكون الصداق عرضاً، وهو كل ما يمكن تقويمه من عروض التجارة إذا كان يساوي ثلاثة دراهم فأعلى.
وقدر الدرهم زنة خمسون حبة وخمسا حبة من الشعير الوسط.
قال الجزيري في الفقه: المالكية قالوا إن المهر يصح أن يكون عيناً من ذهب أو فضة أو عرض تجارة أو حيوان أو دار أو نحو ذلك.
وأما المنافع من تعليمها القرآن ونحوه، أو سكنى الدار، أو خدمة العبد ففيها خلاف، فقال مالك إنها لا تصلح مهراً فيمتنع ابتداء أن يسميها مهراً، وقال ابن القاسم: إنها تصلح مهراً مع الكراهة، وبعض أئمة المالكية يجيزها بلا كراهة، والمعتمد قول مالك طبعاً، ولكن إذا سمى شخص منفعة من هذه المنافع مهراً فإن العقد يصح على