ومن وجد في ثوبه منيا يابسا لا يدري متى أصابه اغتسل وأعاد ما صلى من آخر نومة نامها فيه.
قال الشارح: قوله ولم يخرج منه شيء إلخ
لأن الغسل في غير الجماع منوط بخروج المني، وأما الجماع فليس الغسل فيه منوطا بالإنزال على مغيب الحشفة كما تقدم وإن لم ينزل.
وقوله ومن وجد في ثوبه منيا إلخ، فالواجب الذي تبرأ به الذمة أن يعيد جميع ما صلى بعد آخر نومة نامها قبل أن يغتسل اهـ.
تنبيهات
:
الأول قال ابن الحاجب: من انتبه من النوم فوجد بللا لا يدري أمني أم مذي، قال بعضهم المشهور وجوب الغسل، كمن أيقن بالوضوء وشك في الحدث.
الثاني من انتبه من نومه فوجد في لحافه بللا فإن كان منيا اغتسل إن كان مذيا غسل فرجه.
قال ابن نافع: فإن شك فيه فليغتسل.
قال ابن يونس: يريد احتياطا.
قال الإمام رحمه الله تعالى: وكذا من لاعب امرأته في اليقظة أو رأى في منامه أنه يجامع فإن أمنى اغتسل، وإن أمذى غسل فرجه، والمرأة في ذلك كالرجل فيما يراه في المنام أو اليقظة.
قال الباجي: وسواء ذكر أنه يجامع في نومه أو التذ، أو لم يذكر شيئا إلا أنه رأى المني في ثوبه فإنه يغتسل؛ لأن الغالب خروجه على وجه اللذة.
وأما إن استيقظ فذكر احتلاما ولم يجد بللا فلا حكم له.
الثالث وفي حاشية الصفتي: وقولنا بلذة معتادة احتراز عن خروجه - أي المني - بلا لذة، كأن خرج بلغ عقرب في يقظة فلا يحب عليه الغسل.
أما إن رأى في النوم أن عقربا لدغته وأن منيه خرج بذلك فاستيقظ فوجد المني خرج بالفعل والعقرب لم تلدغه فإنه يجب عليه الغسل على المعتمد.
قال بخلاف من رأى أنها لدغته وأنه أمنى فانتبه فوجد المنى والعقرب لدغته بالفعل فلا غسل عليه كما في حاشية الخرشي.
والرابع من خرج منه بقية المني بعد غسله فإنه يتوضأ فقط، ولا يعيد الغسل ولا الصلاة، قاله في النوادر.
ونقله ابن عرفة.
تتمة
: ولم يتعرض المصنف لذكر مكروهات الغسل، وهي ستة: الأول: التنكيس
على ما تقدم، والثاني: الإكثار من صب الماء، والثالث: تكرار المغسول بعد إسباغه بالماء ولو جف إلا الرأس فإنه يندب فيه التثليث كما تقدم، والرابع: الاغتسال في موضع النجس، والخامس: الكلام بعد الشروع فيه إلا من ذكر الله تعالى، والسادس: أن يغتسل وهو كاشف العورة أو حيث يراه الناس من غير قصد لذلك، فإن اغتسل عريانا فليضم، فإن الله سبحانه وتعالى أحق أن يستحيا منه.
وفي الخبر: " إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند قضاء الحاجة والجماع " وفي الذخيرة: أوحى الله تعالى إلى سيدنا إبراهيم الخليل: إن استطعت أن لا تنظر إلى عورتك الأرض فافعل، فاتخذ السراويل، فهو أول من لبسها، على نبينا وعليه وعلى جميع الأنبياء أفضل الصلاة والسلام.
ولما أنهى الكلام عن الغسل وأقسامه
وما يتعلق بجميع ذلك انتقل يتكلم على بيان المسح على الجبيرة فقال رحمه الله:
فَصْلٌ
في المسح على الجبيرة
هذا الفصل عقده المصنف هنا، والمناسب تأخره عن التيمم كما تأخر عن فصل الغسل لأنه فرع منها.
قال الصاوي: لما كان المسح عليها - أي على الجبيرة - رخصة في الطهارة المائية والترابية ناسب تأخير هذا الفصل عنهما، وليكون إحالة على معلوم في قوله - أي قول الشيخ خليل - كالتيمم.
وحكم المسح أي على الجبيرة الوجوب إن خاف هلاكا أو شدة أذى كما سيأتي اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " جريح أكثر جسده أو أعضاء وضوئه فرضه التيمم " يعني إذا كان الجرح على أكثر الجسد، أو في أعضاء الوضوء وكثر منه ذلك فإنه ينتقل إلى التيمم.
وفي العزية: إذا كان في أعضاء الوضوء أو غيرها جرح، وخاف
من غسله بالماء فوات نفسه، أو فوات منفعة، أو زيادة مرض، أو تأخير برء، أو حدوث مرض، فإنه يمسح عليه، فإن لم يستطع المسح عليه مسح على الجبيرة، وهي الدواء الذي يجعل عليه، فإن لم يستطع المسح عليها مسح على العصابة ولو على الزائد غير المقابل للجرح، كفصد وعمامة خيف بنزعها اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لا يجزيه غسل الصحيح والمسح " وما مشى عليه المصنف من عدم إجزاء غسل الصحيح غير الراجح، والراجح أنه يجزيه غسل الصحيح إذا لم يتضرر بغسله ويمسح على الجريح.
وفي العزية: ويشترط في المسح المذكور أن يكون جل جسده صحيحا، أو جريحا ولا يتضرر إذا غسل الصحيح، فإن كان يتضرر بغسل الصحيح، أو كان الصحيح قليلا جدا، كأن لم يبق إلا يد أو رجل فإنه لا يغسل الصحيح ولا يمسح على الجريح، بل ينتقل إلى التيمم.
وإذا تعذر مسح الجريح بحيث لا يمكن وضع شيء عليه ولا ملاقاته بالماء، فإن كان في موضع التيمم كالوجه ولا يمكن مسحه أيضا بالتراب تركه بلا مسح ولا غسل وغسل ما سواه، وإن لم يكن في أعضاء التيمم كما إذا كان الجرح على الجسد فإنه يغسل الصحيح.
ويمسح على الجرح على أحد الأقوال الأربعة اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " بخلاف الجرح اليسير فإنه يمسح على الجبائر والعصائب المضطر إليهما " يعني أن الجرح إذا كان يسيرا فإنه يمسح عليه أو على الجبيرة أو العصابة إذا اضطر إليها بالشرط المتقدم من خوف زيادة مرض أو تأخر برء، أو حدوث مرض فيمسح عليه وجوبا إن خاف هلاكا، وندبا إن خاف شدة
الألم، سواء شدها على الطهارة أم لا، وإليه أشار المصنف بقوله: " وإن شدهما محدثا " لأنه لا يشترط لبسهما على الطهارة، وضمير التثنية في شدهما وفي إليهما عائد على الجبائر والعصائب فتأمل اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " أو تجاوزت المجروح " وفي العزية فإن لم يستطع المسح عليها - أي على الجبيرة - مسح على العصابة ولو على الزائد غير المقابل للجرح.
والعصابة هي الخرقة أو اللزقة التي تشد على الجرح، ولا يشترط لبسها على طهارة كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله: " فإن نزعها للتداوي بادر إلى مسحهما بعد شدهما، ولغنائه غسل موضعهما " يعني إذا نزع الجبيرة أو العصابة لأجل الدواء أو غيره بادر إلى مسحهما مرة ثانية بعد ربطهما، فإن تأخر بطل المسح.
وإن استغنى عنهما بأن الجرح بادر إلى غسل موضعهما بدون تأخير.
وفي العزية: وإذا مسح على الجبيرة ثم نزعها لدواء أو غيره بأن نزعها اختيارا، أو سقطت بنفسها بطل المسح عليها، وإذا ردها فلا بد من المسح ثانيا اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وإن سقطت في الصلاة قطع وفعل ما لزمه وابتدأ " يعني أن الجبيرة لو سقطت وهو في الصلاة فإنه يقطع الصلاة لبطلانها ووجب عليه إعادة الجبيرة في محلها وإعادة المسح عليها إن لم يطل ثم ابتدأ صلاته فإن طال نسيانا بنى بنية وإلا ابتدأ طهارته اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي حكم الجبيرة عصابة الفصاد يخاف انفجاره، وقرطاس الصدغ، وكسوة الظفر، ودواء أو غشاوة " يعني أن حكم العصابة وما عطف عليها كحكم الجبيرة سواء بشرط خوف زيادة مرض أو تأخر برء كما تقدم.
قال خليل: كفصد ومرارة وقرطاس صدغ، وعمامة خيف بنزعها.
قال الخرشي: والمراد محل الفصد مصدر وهو لا يمسح.
وقوله ومرارة إلخ معطوف على جبيرة، أي ويمسح على المرارة التي تجعل على الظفر، وظاهره ولو من غير مباح لأنه محل ضرورة، وكذلك يمسح على القرطاس يلصق على الصدغ لصاع، وكذلك يمسح على عمامته إذا
خاف بنزعها ضررا، ويدخل في عصابته الأرمد يمسح على عينيه، فإن لم يقدر فعلى القطنة، أو على العصابة، ولا يتيمم، فلو أمكنه بعض رأسه فعل.
ولا يستحب المسح على العمامة.
ونقل بعض الاستحباب، وقول المصنف ودواء إلخ أي كذلك يمسح على الدواء الذي يجعل على الجرح لعلاجه وهو المراد بالجبيرة.
وأما الغشاوة وهي أيضا ما يجعل على العينين لعلاجهما لأنها تغشاهما وتسترهما اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وما تعذر ملاقاته بغسل أو مسح أو تيمم سقط فرضه " هذا دليل على أن دين الله يسر سمح، قال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] وإلى جميع ما تقدم أشار بعضهم بقوله:
إن خفت غسل الجرح كالتيمم... فامسحه أو ما يتقى للألم
مثل الجبيرات أو القرطاس... أو العصابات وشد الرأس
وإن بغسل أو بلا طهر كإن... انتشرت أو صح معظم البدن
أو قل ما صح وغسل السالم... لم يؤذ للجرح ولم يؤالم
فإن يكن جرح بأعضاء البدل... يتركه وللوضوء ينتقل
أو كان ذا الجرح بأعضاء الوضو... فجمع ماء مع صعيد قد رضوا
وقول الناظم رحمه الله تعالى فإن يكن جرح إلخ، يعني فإن كان الجرح بأعضاء التيمم ولا يستطيع أن يمسح عليه لشدة الألم فإنه يتركه بلا غسل ولا مسح، بل ينتقل إلى الوضوء، بأن يغسل ما يمكن غسله ويمسح مابقي من أعضاء الوضوء، وإن كان بأعضاء الوضوء غسل الصحيح وتيمم على الجريح.
تنبيه: المراد بمعظم البدن في قول الناظم ما يشمل أكثر الجسم أو نصفه في الغسل، وكذا يقال في أعضاء الوضوء، كما في مصباح السالك اهـ.
ولما أنهى الكلام على الجبيرة وجميع ما يتعلق بذلك انتقل المصنف إلى بيان المسح على الخفين فقال:
فَصْلٌ
في المسح على الخفين
يعني أنه رحمه الله قد عقد هذا الفصل في بيان حكم المسح على الخفين عقب حكم المسح على الجبيرة للمناسبة.
والمسح على الخفين رخصة في الحضر والسفر.
يجوز المسح في أي حال كان سفرا أو حضرا، ليلا أو نهارا، ولا يقيد بزمن إذا حصل مانع للمسح كالجنابة كما سيأتي بيان ذلك.
وبدأ المصنف بحكم المسح فقال رحمه الله تعالى: " مسح الخف جائز سفرا أو حضرا " قد أخبر المصنف أن حكم المسح على الخفين الجواز، أي الرخصة، بدلا عن غسل الرجلين في الوضوء إذا اجتمعت الشروط، وهي أحد عشر أشار المصنف إلى الشرط الأول بقوله: " بشر ط إمكان متابعة المشي به " يعني أن الخف الواسع الذي لا يمكن أن يتابع المشي فيه لا يصح المسح عليه.
وأشار إلى الشرط الثاني بقوله: " وستر محل الفرض " يعني أن الشرط الثاني من شروط المسح على الخف أن يكون ساترا لمحل الفرض، فالقصير
الناقص عن الكعبين لا يمسح عليه؛ لأنه دون محل الفرض، وكذا لا يمسح عليه إن كان فيه خرق كبير قدر ثلث القدم، أما يسير فلا يمنع المسح عليه كما سيأتي عن المصنف.
ثم أشار إلى الشرط الثالث من شروط المسح بقوله: " ولبسه بعد كمال الطهارة بالماء " يعني أن الشرط الثالث والرابع والخامس من شروط صحة المسح على الخف أن يلبسه على طهارة كاملة، فلا يمسح عليه إذا لبسه وهو محدث، وكذا لا يمسح عليه إذا لبسه بطهارة غير كاملة، فلو غسل
إحدى رجليه وأدخلها في الخف قبل غسل الأخرى لا يمسح عليه.
وقوله بالماء، فلو تيمم ثم لبسه لم يمسح عليه.
ثم قال رحمه الله تعالى: " من غير تقييد على المشهور " وما ذكره المصنف من عدم تقييد المسح بمدة هو المشهور في المذهب، وبه الفتوى.
قال في الرسالة: وله أن يمسح على الخفين في الحضر والسفر ما لم ينزعهما، وذلك إذا أدخل فيهما رجليه بعد أن غسلهما في وضوء تحل به الصلاة، فهذا الذي إذا أحدث وتوضأ مسح عليهما وإلا فلا اهـ، وما ذكر في كتاب السر من التقييد بثلاثة أيام للمسافر وليلة للمقيم غير معول عليه، وإن اختاره ابن عبد السلام.
وأصل هذا الأثر ما في صحيح مسلم والنسائي عن علي بن أبي طالب بن ثابت أخذ به الجمهور.
وقال المالكية: لأنها للمسح عليهما، فلا يجب نزعهما إلا بالجنابة، ولكن يندب نزعهما في كل يوم كما هو مروي عن ابن نافع، قال: للمقيم لمثلها.
فأطلقه الأكثر، وحمله ابن يونس على الندب لغسل الجمعة كما للمصنف.
وفي العزية: تنبيه إذا اجتمعت هذه الشروط جاز المسح، ولا يتوقت بوقت ولا يلزمه نزعه إلا أن تحصل له جنابة، أو يحصل فيه خرق كبير، أو ينزع قدمه أو أكثرها إلى ساق خفه اهـ. هذا ظاهر.
على أن المشهور عند المالكية عدم التقييد بمدة معينة والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لكن يستحب كل جمعة نزعه للغسل " هذا هو المعروف في المذهب.
ثم ذكر المصنف بيان ما تقدم من اشتراط كمال الطهارة في صحة المسح بقوله: " وإخال إحدى الرجلين قبل غسل الأخرى يمنعه حتى ينزعهما ويلبسهما بعد غسل الأخرى " وقد تقدم الكلام في اشتراط كمال الطهارة عند قول المصنف: ولبسه بعد كمال الطهارة بالماء، فراجعه إن شئت.
وقال رحمه الله: " والخرق اليسير لا يمنعه بخلاف الكثير، وهو ما يظهر منه أكثر القدم " وفي نسخة وهي بالتأنيث والصواب ما ذكرناه.
يعني أن الخرق اليسير لا يمنع المسح على الخف،
بخلاف الخرق الكثير فلا يصح المسح معه كما تقدم لنا ذلك عند قول المصنف وستر محل الفرض فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يجوز على غير الخف " يعني أن المسح المذكور
الذي هو رخصة لا يجوز على شيء غير الخف كالخرق الملفوفة والملزوق بعضه على بعض، والمربوط ولو بالزرار، أو الملصق برسراس أو صمغ أو عجين حتى صار كهيئة الخف، فإنه لا يمسح عليه، وأما الجورب وهو ما كان على شكل الخف من الكتان أو القطن ونحوهما فيجوز عليه المسح بشرط أن يكون من فوقه ومن تحته جلد مخروز، لكن المصنف حكى فيه وفي الخف الأعلى قولين بقوله: " وفي مسح الجورب والخف الأعلى قولان " أي في جواز المسح وعدمه، والمشهور الجواز فيهما.
قال خليل رحمه الله: رخص لرجل وامرأة وإن مستحاضة بحضر أو سفر مسح جورب جلد ظاهره وباطنه، وخف ولو على خف اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " فإن نزعه بعد مسحه بادر إلى مسح الأسفل فإن نزعه بادر إلى غسل رجليه " قال العلامة الدردير على أقرب المسالك: أي إذا نزع المتوضئ خفيه بعد المسح عليهما، أو نزع الأعليين أو أحد المنفردين، فإنه يجب عليه أن يبادر إلى الأسفل في كل من المسائل الأربع، فيبادر لغسل الرجلين في الأولى، ولمسح الأسفلين في الثانية، ولمسح الأسفل في الثالثة، ولنزع الآخر وغسل الرجلين في الرابعة.
وإنما وجب نزع الثاني لأنه لا يجمع بين غسل ومسح.
والمبادرة هنا كالمبادرة التي تقدمت في الموالاة، فإن طال الزمن عمدا بطل وضوؤه واستأنفه، وبنى بنية إن نسي مطلقا، ويعتبر الطول بجفاف الأعضاء بزمن اعتدلا اهـ. وما تقدم من أن شروط صحة المسح أحد عشر هو
كذلك، وقد ذكرها المصنف إجمالا والآن نذكرها تفصيلا إن شاء الله تعالى كما في الدردير على أقرب المسالك حيث قال:
ولجوازه شروط أحد عشر: ستة في الممسوح، وخمسة في الماسح ذكرها بقوله: " بشرط جلد طاهر خرز وستر محل الفرض وأمكن المشي فيه عادة بلا حائل " قال أي أن الشرط الأول في الممسوح كونه جلدا فلا يصح المسح على غيره.
الثاني أن يكون طاهرا احترازا من جلد الميتة ولو مدبوغا، الثالث أن يكون مخروزا لا إن لزق بنحو الرسراس.
الرابع أن يكون له ساق ساتر لمحل الفرض بأن يستر الكعبين، احترازا من غير الساتر لهما.
الخامس أن يمكن المشي فيه عادة، احترازا من الواسع الذي ينسلت من الرجل عند المشي فيه، وهو الذي لا يمكن تتابع المشي فيه.
السادس أن لا يكون عليه حائل من شمع أو خرقة أو نحو ذلك " ولبس بطهارة ماء كملت بلا ترفه ولا عصيان بلبسه " قال هذا إشارة لشروط الماسح الخمسة: الأول أن يلبسه على طهارة، احترازا من أن يلبسه محدثا فلا
يصح المسح عليه، الثاني أن تكون الطهارة مائية لا ترابية.
الثالث أن تكون تلك الطهارة كاملة بأن يلبسه بعد تمام الوضوء أو الغسل الذي لم ينتقض فيه وضوؤه، فلو غسل رجليه قبل مسح رأسه ولبس خفه ثم مسح رأسه لم يجز له المسح عليه، وكذا لو غسل إحدى الرجلين ولبس فيها الخف ثم غسل الثانية ولبس فيها الأخرى لم يجز له مسح حتى ينزع الأولى ثم يلبسها وهو متطهر.
والرابع أن لا يكون مترفها بلبسه كمن لبسه لخوف على حناء برجليه، أو لمجرد النوم به، أو لكونه حاكما، أو لقصد مجرد المسح، أو لخوف برغوث فلا يجوز له المسح عليه، بخلاف من لبسه لحر أو برد أو وعر أو خوف عقرب ونحو ذلك فإنه يمسح.
الخامس أن لا يكون عاصيا بلبسه كمحرم بحج أو عمرة لم يضطر للبسه فلا يجوز له المسح، بخلاف المضطر والمرأة فيجوز اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن أخرج إحداهما أو أكثر قدمه إلى ساق
الخف نزعهما وغسل " وقد تقدم في هذا عند قول المصنف ولبسه بعد كمال الطهارة بالماء، وكذا عند قوله والخرق اليسير لا يمنعه بخلاف الكثير إلخ فراجع شرح ذلك إن شئت.
ثم قال رحمه الله: " والأفضل مسح أعلى القدم وأسفله فإن اقتصر على أعلاه أجزأه بخلاف عكسه " يعني أشار بما يستحب للماسح أن يبدأ به من صفة المسح وكيفيته.
وفي الرسالة: وصفة المسح أن يجعل يده اليمنى من فوق الخف من طرف الأصابع، ويده اليسرى من تحت ذلك، ثم يذهب بيده إلى حد الكعبين، وكذلك يفعل باليسرى ويجعل يده اليسرى من فوقها واليمنى من أسفلها، ولا يمسح على طين في أسفل خفه أو روث دابة حتى يزيله بمسح أو غسل اهـ. وقال العلامة الدردير في مندوبات المسح: ووضع يمناه على أطراف أصابع رجله ويسراه تحتها ويمرهما لكعبيه، ومسح أعلاه مع أسفله.
وبطلت بترك الأعلى، لا الأسفل فيعيد بوقت.
قال والضمير في وبطلت عائد على الصلاة المعلومة من المقام.
وترك البعض من الأعلى والأسفل كترك الكل فيعيد لترك بعض الأعلى أبدا، ولبعض الأسفل في الوقت اهـ.
ولما فرغ المصنف من الكلام على الخف وما يتعلق بذلك شرع في بيان التيمم المبدل عن الوضوء فقال:
فَصْلٌ
في التيمم
عقد المصنف هذا الفصل في بيان حكم التيمم.
والتيمم لغة القصد، وشرعا طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين بنية نيابة عن الطهارة الصغرى والكبرى، عند
عدم الماء، أو عدم القدرة.
والمراد بالتراب جنس الأرض، فيشمل جميع أجزائها إلا ما استثنى كما سيأتي تفصيله.
وهو من خصائص هذه الأمة على الإجماع.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: 6] الآية.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها طهورا إذا لم نجد الماء " اهـ رواه مسلم, قال مالك في الموطأ: من قام إلى الصلاة فلم يجد ماء فعمل بما أمره الله به من التيمم فقد أطاع الله، وليس الذي وجد الماء بأطهر منه ولا أتم صلاة لأنهما أمرا جميعا، فكل عمل بما أمره الله به.
وإنما العمل بما أمر الله به من الوضوء لمن وجد الماء، والتيمم لمن لم يجد الماء قبل أن يدخل في الصلاة اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ينتقل إلى التيمم سفرا أو حضرا لعدم الماء أو تعذر استعماله لمرض " يعني أنه إذا لم يجد المصلي الماء للوضوء أو الغسل، أو لم يقدر على استعماله لعذر كمرض، له أن ينتقل إلى التيمم سفرا أو حضرا.
ثم عطف المصنف بقية أسباب التيمم على لعدم الماء بقوله: " أو خوف زيادة " أي زيادة مرض " أو تأخر برئه، أو حدوثه، أو سقوط عضو لشدة البرد، أو عدم مناول، أو آلة أو خوف خوف عطش متوقع ولو على غيره " فتلك سبعة معطوفة على لعدم الماء، وكلها موجبة للتيمم.
قال العلامة الدردير على أقرب المسالك: اعلم أن التيمم لا يجوز ولا يصلح إلا لأحد أشخاص سبعة: الأول فاقد الماء الكافي للوضوء أو الغسل، بأن لم يجد ماء أصلا، أو وجد ماء لا يكفيه.
الثاني فاقد القدرة على استعماله، أي من لا قدرة له عليه، وهو شامل للمكره والمربوط بقرب الماء والخائف على نفسه من سبع أو لص، فيتيمم كل كل منهما في الحضر والسفر ولو سفر معصية خلافا لما مشى عليه الشيخ خليل من تقييده
بالمباح اهـ، وقول المصنف أو خوف زيادة هذا هو الثالث، وهو الواجد للماء وخاف من استعماله زيادة مرضه فإنه يتيمم.
وقوله أو تأخر برئه هذا هو الرابع، وهو الواجد للماء القادر على استعماله ولكن إذا خاف تأخر برئه باستعماله فإنه يتيمم.
وقوله أو حدوثه هذا هو الخامس، وهو أيضا القادر على استعماله، ولكن إذا خاف باستعماله حدوث مرض من نزلة أو حمى أو نحو ذلك فإنه يتيمم.
وقوله أو سقوط عضو لشدة البرد، وهو أيضا واجد للماء، ولكن خاف باستعماله سقوط عضوه، وهذا راجع إلى قوله أو زيادة مرض؛ لأن سقوط العضو يكون غالبا بزيادة المرض وهو السبب السادس من أسباب التيمم.
وقوله أو عدم المناول أو آلة.
هذا
هو السابع.
قال الدردير: أي إن من كان له قدرة على استعمال الماء ولكن لم يجد من يناوله إياه، أو لم يجد آلة من حبل أو دلو فإنه يتيمم.
ولك أن تدخل هذا القسم في فاقد القدرة على استعماله بإرادة فقد القدرة حقيقة أو حكما، بل إذا تحققت تجد الأقسام ترجع إلى قسمين: الأول فاقد الماء حقيقة أو حكما فيدخل فيه خوف عطش المحترم وتلف المال وخروج الوقت بالطلب أو الاستعمال.
الثاني فاقد القدرة كذلك فيشمل الباقي.
وفاقد القدرة مقيس على فاقد الماء المنصوص في الآية اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولو وجده بوقت لو تشاغل باستعماله لخرج الوقت الضروري فمذهب المغاربة لزومه، ومذهب العراقيين يتيمم، وحكاه الأبهري رواية " أخبر المصنف هنا بما اختلف فيه الأئمة في المذهب.
قال خليل في المختصر: وهل إن خاف فواته باستعماله؟ خلاف.
قال الخرشي: لأي وهل يتيمم المحدث ولو أكبر الواجد للماء بين يديه القادر على استعماله إذا خاف فوات الوقت الذي هو فيه باستعماله وإن تيمم أدركه، وهو الذي رواه الأبهري، واختاره التونسي، وصوبه ابن يونس، وشهره ابن الحاجب، وأقامه اللخمي وعياض من المدونة، أو يتوضأ ولو فاته
الوقت.
وحكى عبد الحق عن بعض الشيوخ الاتفاق عليه، فلا أقل من أن يكون مشهورا فلذا قال خلاف.
كذا في الصاوي.
ولكن المعول عليه الأول.
وعبارة الحطاب: والقول بالتيمم إذا خاف الوقت رواه الأبهري عن مالك على ما نقله المأزري وغيره.
وهو مذهب ابن القصار وعبد الوهاب وغيرهما من العراقيين.
واختاره التونسي وابن يونس وصوبه، وقال أي الحطاب في موضع آخر: وإذا كان الحكم كذلك فيمن يخاف خروج الوقت إذا تشاغل بالطلب فأحرى بمن يخاف خروجه باستعماله الماء أو بنزعه من البئر أو بطلب آلة ينزع بها اهـ. وفي أقرب المسالك: أو خروج وقت باستعماله، قال هذا هو النوع السادس، وهو الخائف باستعمال الماء خروج وقت الصلاة، وأولى بطلبه فإنه يتيمم ولا يطلبه ولا يستعمله إن كان موجودا محافظة على أداء الصلاة في وقتها ولو الاختياري، فإن ظن أنه يدرك منها ركعة في وقتها إن توضأ أو اغتسل فلا يتيمم اهـ.
قلت: هذا هو الحق الذي به الفتوى، وهو الذي رواه الأبهري واعتمده الحطاب، ورجحه العدوي في حاشيته على الخرشي، وهو المعول عليه، فلذا اقتصر عليه الدردير كما في حاشية الصاوي عليه، وأما اعتبار التيمم بالوقت الضروري فقد خالفه بعض العلماء.
قال الحطاب: وما قاله ابن عسكر من اعتبار الضروري هنا غير معروف، نقله عن ابن غازي.
وقال يعني أنه إذا ذكر أن المعتبر في جواز التيمم هو الوقت الضروري فلا يباح التيمم إلا خاف خروجه، وإنه لا
يتيمم إذا خاف خروج الوقت المختار فهذا هو غير المعروف.
وقد قال اللخمي: الأوقات التي تؤدي فيها الصلاة بالتيمم أوقات الاختيار لا أوقات الضرورات، فكل وقت تؤدي فيه الصلاة بالوضوء ولا يجوز تأخيرها عنه مع الاختيار هو الوقت الذي تؤدي فيه بالتيمم ولا تؤخر عنه اهـ. والحاصل أن خوف خروج الوقت باستعمال الماء مبيح للتيمم سواء كان الوقت ضروريا أو اختياريا كما في حاشية العدوي على الخرشي، وهو الراجح اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويتيمم بجميع أنواع وجه الأرض حتى الصلد والمعادن ما لم تتغير عن أصلها " الدليل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ قال ابن جزي في القوانين الفقهية في فصل فرائض التيمم: والصعيد هو التراب، ويجوز التيمم بما صعد على الأرض من أنواعها كالحجارة والحصى والرمل والجص، خلافا للشافعي اهـ. وفي أقرب المسالك: وصعيد طاهر كتراب وهو أفضل، ورمل وحجر وجص لم يطبخ، ومعدن غير نقد وجوهر ومنقول كشب وملح وحديد ورخام كثلج، لا خشب وحشيش اهـ. يعني أن أفضل أنواع الصعيد التراب، والمراد بالصعيد كل ما صعد على وجه الأرض من أجزائها من تراب ورمل وحجر ومعدن في محله - غير نقد وجوهر - كذهب وفضة وياقوت ولو بمحلها.
وكذا لا يجوز التيمم على كشب وملح وكحل وحديد ورصاص وقزدير إن نقلت عن محلها وصارت أموالا في أيدي الناس، وأما ما دامت في موضعها فيجوز، كجص قبل الحرق.
وقول الدردير وجص لم يطبخ، أي يجوز التيمم على جص إن لم تغيره صنعة آدمي.
والجص نوع من الحجر يحرق بالنار ويسحق وتبنى به القناطر والمساجد والبيوت العظيمة، فإذا أحرق وهو المراد بالطبخ لم يجز التيمم عليه لأنه خرج بالصنعة عن كونه صعيدا.
وقول المصنف حتى الصلد.
والصلد هو المكان الشديد الصلابة الذي لا ينبت فيه شيء لشدة صلابته، قال الله تعالى ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ [البقرة: 264] أي صلبا أملس لا شيء عليه.
وفي الحطاب - بعد كلام ابن عرفة - يعني أنه اختلف في التيمم على صلب الأرض مع وجود التراب على ثلاثة أقوال: الأول: يتيمم به وهو المشهور، الثاني: لا يتيمم به وهو قول ابن شعبان والثالث: يتيمم به في الوقت وهو قول ابن حبيب اهـ.
والأول أصح، ولذا ذهب إليه المصنف.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ويلزم العادم الطلب ما لم يتيقن العدم، أو يكن
على مسافة تشق على مثله، أو يخاف تلف نفس أو مال " قال الدردير: وطلبه، أي ويلزم عادم الماء طلبه لكل صلاة طلبا لا يشق عليه دون الميلين، إلا إذا ظن
عدمه.
يعني أن من لم يظن عدم الماء في مكان بأن كان مترددا في وجوده أو ظانا لوجوده فإنه يلزمه طلبه والتفتيش عليه لكل صلاة لا يشق على مثله فيما دون الميلين، فإن كان يعلم أو يظن أنه لا يجده إلا بعد مسافة ميلين فلا يلزمه طلبه ولو كان لا يشق عليه، لأن الشأن في مثل ذلك المشقة، كما لا يلزمه الطلب فيما دون الميلين إذا شق عليه أو خاف فوات رفقة، وكذا إذا ظن عدمه، وأولى اليائس منه.
قال الصاوي: حاصل ما أفاده المتن والشرح أن صور المسألة عشرون؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون الماء محقق الوجود، أو مظنونه، أو مشكوكا فيه.
أو محقق العدم، أو مظنونه، فهذه خمس.
وفي كل إما أن يكون على ميلين، أو أقل، فهذه عشر، وفي كل إما أن يشق عليه الطلب أو لا.
أما إذا كان محقق العدم أو مظنونه فلا يلزمه الطلب مطلقا.
وأما إذا كان محقق أو مظنونه أو مشكوكه فيلزمه الطلب فيما دون الميلين إن لم يشق، وإلا فلا اهـ. وقول المصنف أو يخاف تلف مال له بال بطلب الماء فإنه يجب ترك الطلب، ووجب عليه أن ينتقل إلى التيمم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويطلبه المسافر من رفقته " يعني لزم المسافر طلب الماء للوضوء أو الغسل من رفقائه الذين معه في السفر إن ظن الإعطاء.
قال خليل: كرفقة قليلة، أو حوله من كثيرة إن جهل بخلهم به.
الدسوقي: كما يلزمه طلب الماء على دون الميلين يلزمه طلبه من رفقة قلت كالأربعة كانت حوله أم لا، أو ممن حوله من رفقة كثيرة إن جهل بخلهم به بأن اعتقد الإعطاء، أو ظنه، أو شك، أو توهم، فإن لم يطلبه وتيمم وصلى أعاد أبدا إن اعتقد أو ظن الإعطاء، وفي الوقت إن
شك، ولم يعد إن توهم، وهذا كله إن تبين وجود الماء أو لم يتبين شيء، فإن تبين عدمه فلا إعادة مطلقا.
ومفهوم جهل بخلهم به أنه لو تحقق بخلهم لم يلزمه الطلب.
انتهى.
وكذا في الصاوي.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويلزم شراؤه بما لا يجحف بماله وقبوله، لا قبول ثمنه " وفي أقرب المسالك: ولزم شراء الماء بثمن اعتيد وإن بذمته إن لم يحتج له، وقبول هبته، واقتراضه، وكذا في المختصر.
أي يجب على المكلف الذي لم يجد ماء لطهارته أن يشتريه بثمن إلى أجل معلوم إن كان غنيا ببلده، أو يرجو الوفاء ببيع شيء أو اقتضاء دين أو نحو ذلك.
ومحل وجوب شرائه إذا لم يحتج لذلك الثمن في مصارفه، وإلا جاز له التيمم، كما لو زاد الثمن على المعتاد ولو غنيا، وكذلك يجب عليه قبول هبته إذا وهب له لأجل التطهر به.
ومثل الهبة
الصدقة والقرض في وجوب القبول لعدم المنة في ذلك اهـ. قال مالك في المدونة: إذا لم يجد الجنب الماء إلا بالثمن، فإن كان قليل الدراهم تيمم، وإن كان يقدر فليشره ما لم يرفعوا عليه في الثمن، فإن رفعوا تيمم حينئذ.
قلت هذا مراد المصنف بما لا يجحف بماله والله أعلم.
وقوله لا قبول ثمنه، أي لا يلزمه قبول هبة الثمن ليشتري به الماء.
قال بعضهم: ولو وهب له ثمن الماء وهو لا يجد الثمن لم يلزمه قبوله؛ لأن هذا مال تدركه فيه المنة اهـ. ذكره المواق.
ثم انتقل يذكر صفة التيمم المستحبة فقال رحمه الله تعالى: " وأكمله بضربتين تعم وجهه ويراعي الوترة، وحجاج العينين، وموضع العنقة، إن لم يكن عليه شعر " يعني أخبر أن أكمل صفة التيمم يكون بضربتين، الأولى فرض من فرائض التيمم، والثانية سنة.
والمراد بالضرب هنا وضع اليدين على الصعيج بنية التيمم.
بأن ينوي
استباحة الصلاة من الحدث الأكبر إن كان محدثا حدثا أكبر، أو الأصغر، وتكون النية عند الضربة الأولى، يقول باسم الله، ويستعمل الصعيد، يضرب عليه بيديه جميعا ضربة واحدة، فإن تعلق بهما شيء نفضهما نفضا خفيفا، ويمسح بهما وجهه كله يبدأ من أعلاه إلى أن يعم جميع الوجه، ثم يضرب بيديه الأرض، فيمسح ظاهر يده اليمنى بيده اليسرى، بأن يجعل أصابع يده اليسرى على أطراف أصابع يده اليمنى، ويمر بها على ظاهر يده وذراعه.
وقد حنى عليه أصابعه حتى ينتهي إلى المرفق، ثم يجعل كفه على باطن ذراعه من طي مرفقه قابضا عليه حتى يبلغ الكوع من يده اليمنى، ويجري باطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهام يده اليمنى، ثم يمسح ظاهر اليسرى باليمنى إلى المرفق ثم يمسح باطنها إلى حد الكوع، ثم يمسح كفه اليمنى بكفه اليسرى إلى آخر أطرافه، ويخلل أصابعه.
ويجب عليه نزع الخاتم، فإن لم ينزعه لم يجزه.
ويجب عليه تعميم وجهه كله بالمسح كما تقدم.
وهذا الترتيب مستحب.
ولو مسح اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى كيف شاء وتيسر عليه وأوعب المسح لأجزأه، وقد تقدم أن الضربة الثانية سنة، وكذا المسح إلى المرفقين، فلو اقتصر على ضربة واحدة للوجه واليدين أجزأه، ولو اقتصر في مسح يديه على الكوعين وصلى أعاد في الوقت.
وقوله ويراعي الوترة بفتح الواو وهي الحاجز الذي بين طاقتي الأنف، وتسمى بالمارن.
وقوله وحجاج العين، وفي المصباح: وحجاج العين بالكسر، والفتح لغة: العظم المستدير حولها، وهو مذكر وجمعه أحجة.
وكذلك ينبغي للمتيمم أن يراعي موضع العنفقة وهي المحل الذي ينبت فيه الشعر تحت الشفة السفلى إذا لم يكن فيه شعر أن يعمه بالمسح، وإن كان يكره عليه تتبع الغضون لأن هذا من تعميم الوجه بالمسح، وهو واجب.
وقد تقدم أن أكمل صفة التيمم يكون بضربتين:
ضربة للوجه وضربة لليدين.
وإليه أشار المصنف رحمه الله بقوله: " ويديه إلى المرفقين " وتقدم أن الضربة الأولى فريضة والثانية سنة.
ومن اقتصر
على ضربة واحدة في مسح الوجه واليدين أجزأه.
والدليل على ذلك حديث عمار بن ياسر الذي اتفق أصحاب الحديث على صحته، ونصه " جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال إني أجنبت فلم أصب الماء فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر إذ كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت وصليت، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنما كان يكفيك هكذا، فضرب بكفيه على الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه " اهـ. قال الشارح: هذا صريح في أن التيمم بضربة واحدة للوجه والكفين فقط، وعليه بعض الصحب والتابعين وجمهور المحدثين، وقال به من الفقهاء الأوزاعي ومالك وأحمد وإسحاق، لكن الأكمل عندهم تتميم المسح إلى المرفقين.
وقد أجاب مالك بالصفة الأكملية لما سئل عن كيفية التيمم وأين يبلغ به فقال: يضرب ضربة للوجه وضربة لليدين ويمسحهما إلى المرفقين.
قال الزرقاني في شرحه على الموطأ: أجاب بالأكمل ليجمع بين الفرض والسنة، فلو اقتصر على ضربة واحدة لهما كفاه ولا إعادة على المذهب.
وقال عند قوله يمسحهما إلى المرفقين تحصيلا للسنة، ولو مسحهما إلى الكوع صح، ويستحب الإعادة في الوقت.
فأجاب رحمه الله بالصفة الكاملة وإن كان الواجب عنده ضربة لهما.
وإلى الكوعين، لما في الصحيحين من حديث عمار بن ياسر المتقدم اهـ باختصار.
وما ذكره من مسح اليدين إلى المرفقين هو المشهور في المذهب.
وإليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله: " على المنصوص " المراد بالمنصوص - والله أعلم - ما نصه المتقدمون من الصحابة والتابعين كحديث عمار بن ياسر، وفعل ابن عمر وغيره من الأئمة رضي الله عنهم أجمعين.
كما أفتى به الإمام.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ينزع خاتمه ويخلل أصابعه " قد سبق لنا شرح هذا في صفة التيمم فراجعه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وأجاز ابن القاسم إلى الكوعين " ابن القاسم هو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة المصري من أئمة المالكية صحب مالكا عشرين سنة يتفقه منه، وعنده أن المسح إلى الكوعين فرض، وإلى المرفقين سنة كما فهم من حديث عمار، وهو ظاهر قول الله تعالى: ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ ولم يذكر فيها إلى المرافق كما ذكره في آية الوضوء، وقياسا على القطع في السرقة.
وأما نصوص أهل المذهب في ذلك فهي ظاهرة
كشمس الضحى.
قال خليل في المختصر: وسن ترتيبه، وإلى المرفقين، وتجديد ضربة اهـ. انظر شراحه.
وفي المقدمات بعد كلام طويل: وإن التيمم عنده - أعني عند مالك - من الجنابة والحدث الذي ينقض الوضوء سواء، وإن فرض التيمم فيها ضربة واحدة للوجه واليدين إلى الكوعين، إلا أنه يستحب ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، فإن تيمم إلى الكوعين أعاد في الوقت، وإن تيمم بضربة واحدة لوجهه ويديه إلى المرفقين لم يعد اهـ. فدل ذلك على أن الفرض إلى الكوعين وما زاد عليهما سنة فتأمل والله أعلم بالصواب.
قال المصنف رحمه الله: " ينوي به استباحة الصلاة " أو فرض التيمم، ولا ينوي به رفع الحدث لما فيه من الخلاف، ولذا قال المصنف رحمه الله: " لا رفع الحدث " لأن التيمم لا يرفع الحدث على المشهور.
قال رحمه الله: " الأصغر والأكبر سواء " يعني أن التيمم لا يرفع الحدث الأصغر ولا الأكبر، أشار المصنف بما في المقدمات لابن رشد، وأنه عقد لهذه المسألة فصلا فقال: التيمم لا يرفع الحدث الأكبر ولا الأصغر عند مالك رحمه الله وجميع أصحابه وجمهور أهل العلم، خلافا لسعيد بن المسيب وابن شهاب في قولهما: أنه يرفع الحدث الأصغر دون الأكبر، وخلافا لقول أبي سلمة بن عبد الرحمن في أنه يرفع الحدثين جميعا، حدث الجنابة
والحدث الذي ينقض الوضوء.
انظر المقدمات.
وما ذكره الدردير من ملاحظة الحدث الأكبر ليس باعتراض في المسألة وهو قوله: ووجب عليه ملاحظة الحدث الأكبر إن كان عليه أكبر بأن ينوي استباحة الصلاة من الحدث الأكبر، فإن لم يلاحظه بأن نسيه أو لم يعتقد أنه عليه لم يجزه، وأعاد أبدا اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا يجزئ قبل دخول وقت الصلاة " وفي بعض النسخ بإسقاطه لفظ " وقت " وهو خطأ.
يعني من شروط صحة التيمم دخول الوقت، ومن تيمم قبل دخول الوقت فلا يجزئه تيممه ووجب عليه الإعادة.
قال خليل: وفعله في الوقت.
أي لزم فعل التيمم في الوقت لا قبله ولو اتصل ولو نفلا كركعتي الفجر.
والمعنى أنه يجب فعل التيمم في وقت الصلاة، وذلك لأنه إنما جاز للضرورة، والضرورة لا تتحقق إلا بعد دخول الوقت، فلو فرض أنه تيمم قبل دخول الوقت وبعد فراغه بسرعة دخل الوقت فهو باطل.
والوقت في صلاة الجنازة بعد غسل الميت وإدراجه في الكفن، وإذا تيمم قبل ذلك لم يصح تيممه.
ومن تيمم للوتر بعد طلوع الفجر جاز له أن يصلي به الفجر.
هذا إذا تيمم بعد الفجر، وأما من تيمم للوتر قبل الفجر فلا يصلي به الفجر اهـ الصفتي مع زيادة إيضاح كما
قال المصنف رحمه الله تعالى: " يتيمم اليائس أوله والراجي آخره والمتردد وسطه " وقد تقدم بعض أحكام عادم الماء عند قول المصنف: ويلزم العادم الطلب ما لم يتيقن العدم.
وما ذكره من قوله ما لم يتيقن العدم، فإذا تيقن عدم الماء صار يائسا، وهو الذي يئس من وجود الماء أو لحوقه في الوقت المختار فإنه يتيمم أول الوقت، إذ لا فائدة في تأخيره، وأما الراجي فهو الذي غلب على ظنه وجود الماء في الوقت فإنه يتيمم في آخر الوقت المختار.
والمتردد في لحوق الماء أو وجوده
أو زوال المانع فإنه يتيمم وسط الوقت المختار.
قال ابن عاشر رحمه الله تعالى في المرشد المعين:
آخره للراج آيس فقط... أوله والمتردد الوسط
وفي الرسالة: وإذا أيقن المسافر بوجود الماء في الوقت أخر إلى آخره، وإن يئس منه تيمم في أوله وإن لم يكن عنده منه علم تيمم وسطه.
وكذلك إن خاف ألا يدرك الماء في الوقت ورجا أن يدركه فيه اهـ.
ثم انتقل يذكر ما يبطل به التيمم بقوله رحمه الله تعالى: " ووجود الماء قبل الشروع يبطله " يعني أن وجود الماء قبل الدخول في الصلاة بأن لم يكبر مبطل للتيمم، ووجب عليه الوضوء إن كان عليه الحدث الأصغر، أو الغسل إن وجب.
وفي العزية: ويبطل التيمم بما يبطل به الوضوء، وبوجود الماء قبل الصلاة إلا أن يخشى فوات الوقت باستعماله.
وإذا رأى الماء وهو في الصلاة لم تبطل صلاته اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي أثنائها أو بعد الفراغ منها لا يلزمه إعادة إلا من نسيه في رحله " وفي شرح العزية عند قول مصنفها: وإذا رأى الماء وهو في الصلاة لم تبطل صلاته.
يعني لو اتسع الوقت، ويحرم عليه قطعها إلا أن يكون ناسيا له فتبطل إن اتسع الوقت، وإلا فلا.
وترك حكم ما إذا رآه بعد الفراغ منها، وحكمه أنه إذا كان ناسيا للماء تندب له الإعادة في الوقت لتقصيره، وإن لم يكن ناسيا له فلا تندب له الإعادة.
هذا بعد الطلب ولم يجده اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا يجمع فريضتين بتيمم واحد، بخلاف النوافل في فور أو تابعة للفرض " وفي نسخة " ولا يجمع بين فرضين " وكلها صحيحة.
وما ذكره المصنف هو المشهور.
وفي المختصر: لا فرض آخر وإن قصدا، وبطل الثاني ولو مشتركة.
الشارح: يعني لا يجوز فرضان بتيمم واحد وإن قصدا معا عند التيمم، وإذا وقع بطل الثاني ولو لمريض لا يقدر على مس الماء، أو إحداهما منذورة، أو فائتة، أو مشتركة مع الأخرى في الوقت كظهرين وعشاءين، وأعادها أبدا على المشهور.
وما رواه أصبغ من إعادة الثانية من
المشتركتين في الوقت وغيرها أبدا مردود بالمبالغة من قول خليل: ولو مشتركة كما نقله الصاوي عن الدسوقي، انظر الخرشي، وقرره الدردير، وقوله بخلاف النوافل في فور أو تابعة للفرض، قال في أقرب المسالك مبينا لذلك: وجاز نفل، ومس مصحف وقراءة، وطواف، وركعتاه بتيمم فرض أو نفل وإن تقدمت، وصح الفرض إن تأخرت.
قال يعني أن من تيمم لفرض سواء كان حاضرا صحيحا أم لا، ولنفل استقلالا بأن كان مريضا أو مسافرا فإنه يجوز له أن يصلي بذلك التيمم نفلا وجنازة، وأن يمس به المصحف ويقرأ القرآن إن كان جنبا، وأن يطوف ويصلي ركعتين، وسواء قدم هذه الأشياء على الفرض أو النفل الذي قصده بالتيمم فظاهر، وإن قدمها على ما قصده به فإن كان المقصود به نفلا كان تيمم مريض أو مسافر لصلاة الضحى مثلا جاز له أن يصلي به ذلك النفل المقصود بعدها، وإن كان المقصود به فرضا لا يصح أن يصليه بعد أن فعل شيئا منها، فقوله وصح الفرض إن تأخرت، أي صح الفرض الذي قصد له التيمم من حاضر صحيح أو مسافر أو مريض إن قدمه عليها، لا إن قدمها أو شيئا منها عليه.
وحاصل المسألة أن من تيمم لشيء من هذه الأشياء يجوز أن يفعل به غير ما نوى منها متقدما أو متأخرا إلا الفرض إذا نوى له التيمم فإنه لا يجوز إلا إذا تقدم اهـ. وفي المرشد المعين:
وصل فرضا واحدا وإن تصل... جازة وسنة به يحل
وجاز للنفل ابتدا ويستبيح... الفرض لا الجمعة حاضر صحيح
يعني من تيمم للفرض لا يجوز له أن يصلي بذلك التيمم إلا فرضا واحدا، ولا يجوز له أن يصلي بالتيمم فرضين ولو قصدهما به فإن الفرض الثاني باطل ولو مشتركتي الوقت كالظهر والعصر مثلا، وجاز أن يصلي بذلك التيمم الجنازة والوتر لمن تيمم للعشاء، والطواف إذا كان متصلا بالفرض الذي تيمم له.
وقول الناظم: وجاز للنفل إلخ، يعني أنه يجوز التيمم للنافلة ابتداء أي استقلالا، وغنما يصليها بالتبع للفرض.
ولا يجوز له أن يصلي الجمعة بالتيمم، فإن فعل لم يجزئه اهـ الحبل المتين.
وفي الأخضري: ولا تصلى فريضتان بتيمم واحد، ومن تيمم لفريضة جاز له النوافل بعدها ومس المصحف والطواف والتلاوة إن نوى ذلك واتصلت بالصلاة ولم يخرج الوقت.
وجاز بتيمم النافلة كل ما ذكر إلا الفريضة.
ومن صلى العشاء بتيمم قام للشفع والوتر بعدها من غير تأخير.
ومن تيمم من جنابة فلا من نيتها اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي الفوائت قولان " قال أبو الحسن:
والقول الأول لابن شعبان، والثاني لابن القاسم وهو المشهور.
وفي الرسالة: وقد روي عن مالك فيمن ذكر صلوات أن يصليها بتيمم واحد، قال النفراوي: وهذا ضعيف والمعتمد من المذهب أن كل فرض لا بد له من تيمم، وهو المحكي قبل هذا بقليل، وعلى المشهور لو خالف بأن صلى الفوائت بتيمم واحد فإنه يعيد ما بعد الأولى أبدا عنه ابن القاسم، ولو كانت مشتركتين في الوقت على ما شهره في المختصر.
قال العدوي فيمن صلى الفريضتين بتيمم واحد أنه يعيد الثانية أبدا ولو كانتا فائتتين، ولو كانت إحداهما منذورة، قاله تت على الشامل اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن عدم الماء والصعيد حتى خرج الوقت الضروري فالمنصوص سقوطها.
وعن ابن القاسم يصلي ويقضي.
وقال أشهب
لا يقضي.
وقال أصبغ لا يصلي حتى يجد أحداهما " يعني أخبر المصنف رحمه الله بما اشتهر في المذهب من سقوط الصلاة وقضائها لعدم الماء والصعيد، وهو قول الإمام.
ووجهه والله أعلم أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها.
وفي المختصر: وتسقط صلاة وقضاؤها بعدم ماء وصعيد، وعبارة الدردير على أقرب المسالك: وتسقط الصلاة بفقد الطهورين أو القدرة على استعمالهما، قال: والمذهب أن فاقد الطهورين وهما الماء والتراب، أو فاقد القدرة على استعمالهما كالمكره والمصلوب تسقط عنه الصلاة أداء وقضاء، كالحائض.
وقيل يؤديها بلا طهارة ولا يقضي كالعريان.
وقيل يقضي ولا يؤدي وقيل ويقضي عكس الأول.
الخرشي يعني أن من عدم الماء والصعيد كراكب سفينة أو مصلوب لا يصل إلى الماء، أو فوق شجرة تحتها مانع من الماء، أو مريض لا يجد منا ولا، فإن الصلاة تسقط عنه في الوقت، ويسقط عنه قضاؤها بعده عند مالك، وكذا بعدم القدرة على استعمالهما، وظاهره أمكنه الإيماء إلى الأرض أم لا، لأن الطهارة شرط أداء وقد عدم.
وشرط القضاء تعلق الأداء بالقاضي اهـ. قال العلامة المحقق الشيخ محمد عليش في تقريراته على الدسوقي: قول الإمام بسقوط الأداء والقضاء مبني على أن القدرة على الطهور شرط وجوب وصحة.
وقول أشهب بوجوب الأداء فقط مبني على أن الطهارة بالفعل شرط صحة على القادر.
وقول أصبغ بوجوب القضاء فقط مبني على أنها شرط صحة على القادر والعاجز.
وقول ابن القاسم بوجوبهما مبني على الاحتياط.
واتفق غير الإمام على أن القدرة على ذلك ليست شرطا في الوجوب.
ثم قال: هذا ما وجه به الأقوال الأربعة في ضوء الشموع.
وقوله في ضوء الشموع وهو شرح على المجموع لمؤلفه العلامة الشيخ محمد الأمير مفتي المالكية بالحجاز سابقا، وهو كتاب معتبر في المذهب: واعلم أن في المسألة أربعة أقوال:
الأول: لمالك وابن نافع من أن فاقد الطهورين لا يصلي ولا يقضي.
الثاني: قول ابن القاسم يصلي ويقضي.
الثالث: يصلي ويقضي، قاله أشهب.
الرابع: لا يصلي ولكن يقضي إذا وجد أحد الطهورين وهو قول أصبغ.
وقد نظم بعضهم هذه الأقوال:
ومن لم يجد ماء ولا متيمما... فأربعة الأقوال يحكين مذهبا
يصلي ويقضي عكس ما قال مالك... وأصبغ يقضي والأداء لأشهبا
قال التتائي:
وللقابسي ذو الربط يومي لأرضه... بوجه وأيد للتيمم مطلبا
اهـ.
وفي المواق روى معن والمدنيون عن مالك فيمن لم يجد ماء ولا ما يتيمم به، كمن تحت هدم أو مريض ولا يجد من يناوله ماء ولا ترابا أنه لا يصلي ولا يقضي.
قال ابن القصار: وهو المذهب.
قال ابن خويز منداد: وهو الصحيح من مذهب مالك.
قال أبو عمر: لا أدري كيف أقدر على أن أجعل هذا الصحيح من مذهب مالك مع خلافه جمهور السلف وعامة الفقهاء وجماعة المالكيين.
روى ابن سحنون عن أبيه أنه يصلي ولا إعادة عليه وكذا قال أشهب اهـ. قال ابن عبد السلام: والأكثرون على اختيار ما لأشهب معتمدين على ظواهر أشهرها صلاة الصحابة قبل نزول آية التيمم لما عدموا الماء، لأن عدم الماء قبل شرع التيمم كعدم الماء والتيمم بعد شرعه اهـ قلت: وإلى هذا القول ذهب العلامة الشيخ عبد الرحمن الجزيري في كتابه المسمى بالفقه على المذاهب الأربعة في مبحث من عجز عن الوضوء والتيمم، قال: من عجز عن الوضوء والتيمم لمرض شديد أو حبس في مكان ليس به ما يصح التيمم عليه فإنه يجب عليه أن يصلي في الوقت بدون وضوء وبدون تيمم، على أن المريض الذي لا يقدر على القيام للصلاة فإنه يصلي قاعدا فإن عجز يصلي
بالإشارة كما سيأتي في مبحث الصلاة بالإيماء.
والغرض من هذا إنما هو إظهار الخشوع والخضوع لله عز وجل في جميع الأحوال.
فما دام الإنسان قادرا على إظهار هذا الخشوع بأي كيفية من الكيفيات فعليه أن يفعلها وله على ذلك أجر العاملين الأقوياء بلا فرق، بل ربما كان أوفر أجرا لأن الذي يخضع قلبه لمولاه وتظهر آثار هذا الخضوع على جوارحه وهو مريض تعب أقرب إلى رضوان الله تعالى ورحمته إن شاء الله.
أما كيفية طهارة فاقد الماء وفاقد ما يصح التيمم عليه وصلاتهما فإن فيهما تفصيل المذاهب اهـ. انظر المذاهب تجدها راجعة إلى الأربعة الأقوال المتقدمة.
والله هو الهادي إلى الصواب.
ولما أنهى الكلام على التيمم وجميع أحكامه انتقل رحمه الله تعالى يتكلم على الحيض وأحكامه فقال:
فَصْلٌ
في أحكام الحيض
اعلم أن المصنف رحمه الله عقد هذا الفصل في بيان أحكام الحيض وما يتعلق به من علامات الطهر للحائض وغيرها.
وفي بعض التقريرات الحيض من علامات البلوغ للفتاة كالحمل وهو كما في المختصر: دم كصفرة أو كدرة خرج بنفسه من قبل من تحمل عادة.
وقال الآخر: الحيض لغة السيلان، وعرفا دم يرخيه رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة.
وأقل سن تحيض فيها الفتاة تسع سنين، وما خرج منها قبلها فليس بحيض، وكذا ما يخرج بعد سبعين سنة اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لا حد لأقل الحيض كالنفاس " يعني لا حد لأقل
دم الحيض، كما لا حد لأقل دم النفاس.
قال في أقرب المسالك: وأقله في العبادة دفعة فيجب عليها الغسل بالدفعة، ويبطل به صومها، وتقضي ذلك اليوم.
وأما في العدة والاستبراء فلا يعد حيضا إلا ما استمر يوما أو بعض يوم له بال.
قال المصنف رحمه الله: " وأكثره خمسة عشر يوما كمشهور أقل الطهر " العزية: وأما أكثر الحيض فيختلف باختلاف الحيض، فإن كانت مبتدأة فأكثره في حقها إذا تمادت بها الحيضة خمسة عشر يوما، وإن كانت معتادة فإما أن تختلف عادتها أم لا، فإن لم تختلف استظهرت على عادتها بثلاثة أيام ما لم تجاوز خمسة عشر يوما، وإن اختلفت استظهرت على أكثر عادتها كذلك وهي في أيام الاستظهار حائض، فإن تمادى بها إلى خمسة عشر يوما فحكمها حكم الطاهر في توجيه الصلاة والصوم وعدم القضاء وإتيان الزوج اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وتعتبر المبتدأة بأترابها " وهي التي لم يتقدم لها حيض قبل ذلك، فإن تمادى بها الدم فالمشهور أنها تمكث خمسة عشر يوما اهـ. الخرشي.
وفي المدونة: ما رأت المرأة من الدم أول بلوغها فهو حيض، فإن تمادى بها قعدت عن الصلاة خمسة عشر يوما، ثم هي مستحاضة وتغتسل وتصوم وتصلي وتوطأ اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " فإن تجاوزتهن فرواية ابن القاسم في المدونة تتمادى أكثره " أي تتمادى إلى تمام خمسة عشر يوما، ثم هي مستحاضة تغتسل وتصلي وتصوم وتوطأ كما تقدم.
وقيل تستظهر وإليه أشار المصنف رحمه الله:
" وروى ابن وهب تستظهر بثلاثة أيام ما لم تجاوز أكثره " إذا تمادى بها الدم إلى أكثر الحيض وهو خمسة عشر يوما تغتسل ولا تستظهر.
رواه عبد الله بن سعيد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وروي عن ابن زياد تقتصر على عوائدهن " الضمير في عوائدهن عائد إلى أترابها، يعني أقرانها في السن، فتستعمل بعوائدهن في الحيض من قلة الدم وكثرته على ما رواه ابن زياد عن مالك.
يقال إنها تقيم قدر أيام لداتها، ثم هي مستحاضة بعد ذلك تصلي وتصوم ويأتيها زوجها أبدا إلا أن ترى دما تستكثره لا تشك فيه أنه دم حيضة.
وقد قيل إنها تقعد أيام لداتها عن مالك؛ لأن أقصى ما تحبس النساء للدم خمس عشرة ليلة اهـ، قال ابن جزي في القوانين: فالمبتدأة تعتبر أيام لداتها فإن تمادى بها الدم اغتسلت وكانت مستحاضة وقيل تستظهر على ذلك بثلاثة أيام وقيل تكمل خمسة عشر يوما.
والمشهور لا استظهار لها كما تقدم اهـ، اعلم أن أربعا من من النساء لا تستظهر واحدة منهن: المبتدأة والحامل والمستحاضة والنفساء، قاله الصاوي في آخر باب النفاس اهـ، ثم ذكر المصنف المعتادة أي غير المبتدأة بقوله رحمه الله: " وفي تجاوز المعتادة عادتها روايات ثم هي مستحاضة وهي مستمرة الطهارة " يعني أن المعتادة إذا تجاوزت عادتها واختلف فيها العلماء اختلافا كثيرا ذكر ابن رشد بعض ذلك في المقدمات فقال: فصل تمادى بالمرأة الدم المحكوم له بأنه دم حيض ففي ذلك ستة أقوال أحدها أنها تبقى أيامها المعتادة وتستظهر بثلاثة أيام ثم تكون مستحاضة تغتسل وتصلي وتصوم وتطوف إن كانت حاجة ويأتيها زوجها ما لم تر دما تنكره بعد مضي أقل مدة الطهر من يوم حكم باستحاضتها، وهو ظاهر رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة لأنه قال في الحج أن الكرى لا يحبس عليها إلا أيامها المعتادة والاستظهار، فظاهر قوله أنها تطوف بعد الاستظهار وقبل تمام الخمسة عشر يوما كالمستحاضة وعلى هذه الرواية تغتسل عند تمام الخمسة عشر يوما استحبابا ولا إيجابا، والقول الثاني أنها تقعد أيامها المعتادة والاستظهار ثم تغتسل استحبابا وتصلي احتياطا وتصوم وتقضي الصيام ولا يطؤها زوجها ولا تطوف طواف الإفاضة إن كانت حاجة إلى تمام الخمسة عشر يوما، فإذا بلغت الخمسة عشر يوما
اغتسلت إيجابا وكانت مستحاضة، وهذا دليل رواية ابن وهب عن مالك في كتاب الوضوء من المدونة، والقول الثالث أنها تقعد إلى تمام الخمسة عشر يوما ثم تغتسل وتصلي وتكون مستحاضة، والقول الرابع أنها تقعد أيامها المعتادة ثم تغتسل وتكون مستحاضة من غير استظهار وهو قول محمد بن مسلمة، والقول
الخامس أنها تقعد أيامها المعتادة ثم تغتسل وتصلي وتصوم ولا يأتيها زوجها، فإن انقطع عنها الدم ما بينها وبين خمسة عشر يوما علم أنها حيضة انتقلت ولم يضرها ما صامت وصلت، يريد وتغتسل عند انقطاعه.
وإن تمادى بها الدم على خمسة عشر يوما علم أنها كانت مستحاضة وأن ما مضى من الصيام والصلاة في موضعه ولم يضره امتناعه من الوطء اهـ انظر في المقدمات.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " إلا أن تكون مميزة فتعمل على ما تقدم عند تغير الدم وبعده طهر فاصل " يعني أن المميزة تعمل بتمييزها من رؤية أوصاف الدم وأحواله من التقطع والزيادة واللون ككدورته وصفرته واسوداده ونحو ذلك من أوصافه، فتتميز به مما هو حيض وما هو استحاضة.
وقد قال عليه الصلاة والسلام لفاطمة بنت أبي حبيش: " إن دم الحيض دم أسود يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي " اهـ رواه أبو داود والنسائي عن عائشة.
وفي المختصر: والمميز بعد طهر تم حيض.
قال الشارح: المستحاضة إن لم تميز بين الدمين فلا إشكال أنها على حكم الطاهر ولو أقامت طول عمرها وتعتد عدة المرتابة، وإن كانت تميزه فالمميز من الدم إما أن يكون قبل طهر تام ولا حكم له، وإما بعد طهر تام من يوم حكم لها بالاستحاضة، فالمميز حيض في العبادة اتفاقا، والعدة على المشهور اهـ الخرشي.
وعبارة الدردير على أقرب المسالك أنه قال: فإن ميزت بعد طهر تم فحيض، فإن دام بصفة التميز استظهرت، وإلا فلا.
يعني أن المستحاضة - وهي من استمر بها الدم بعد تمام حيضها بتلفيق أو بغير تلفيق - إذا ميزت الدم بتغير رائحة أو لون أو رقة أو ثخن أو نحو
ذلك بعد تمام طهر أي نصف شهر، فذلك الدم المميز حيض لا استحاضة.
فإن استمر بصفة التميز استظهرت بثلاثة أيام ما لم تجاوز نصف شهر، ثم هي مستحاضة، وإلا بأن لم يدم بصفة التميز بأن رجع لأصله مكثت عادتها فقط ولا استظهار اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن تقطع دمها فإن كان الثاني بعد طهر فحيض مؤتنف، وإلا فهما حيضة فتلفق حتى تبلغ أكثره، فإن زاد فمستحاضة وتغتسل وتصلي وتصوم أيام انقطاعه وتوطأ " وفي المختصر: وإن تقطع طهر لفقت أيام الدم فقط على تفصيلها.
قال الشارح: يعني أن المرأة إذا أتاها الحيض في وقته وانقطع بعد يوم أو يومين أو ساعة وأتاها بعد ذلك قبل طهر تام فإنها تلفق أيام الدم بعضها إلى بعض على تفصيلها السابق، فإن كانت معتادة فتلفق عادتها واستظهارها، وإن كانت مبتدأة لفقت نصف شهر، وإن كانت حاملا في ثلاثة أشهر فأكثر لفقت نصف شهر ونحوه، وبعد ستة أشهر لفقت عشرين يوما ونحوها، وفي
الشهر الأول والثاني لفقت ما يلزمها على الخلاف المتقدم وألغت في الجميع أيام الطهر إن نقصت عن أيام الدم اتفاقا، إذ لا يكون الطهر أقل من أيام الحيض أصلا، وكذا إن ساوت أو زادت على المشهور اهـ. وفي المدونة قال مالك رحمه الله: إذا رأت المرأة الدم يوما ثم انقطع عنها يومين ثم رأته يوما بعد اليومين، ثم انقطع عنها يوما أو يومين، ثم رأته بعد ذلك يوما أو يومين، قال إذا اختلط هكذا حسبت أيام الدم وألغت ما بين ذلك من الأيام التي لم تر فيها دما، فإذا استكملت من أيام الدم قدر أيامها التي كانت تحيضها استظهرت بثلاثة أيام، فإن اختلط عليها أيضا أيام الاستظهار حسبت أيام الدم وألغت أيام الطهر التي فيها بين الدمين حتى تستكمل ثلاثة أيام من أيام الدم، فإذا استكملت ثلاثة أيام من أيام الدم بعد أيام حيضتها اغتسلت وصلت وكانت مستحاضة بعد ذلك، والأيام التي استظهرت بها هي فيها حائض، وهي مضافة إلى دم الحيض إن رأت الدم فيها بعد ذلك، وإن لم تره والأيام التي
كانت تلغيها فيما بين الدم الذي كانت لا ترى فيها دما تصلي فيها ويأتيها زوجها وتصومها، وهي فيها طاهرة، وليست تلك الأيام بطهر تعتد به في عدة من طلاق لأن الذي قبل تلك الأيام من الدم والتي بعد تلك الأيام قد أضيف بعضها إلى بعض وتجعل حيضة واحدة، وكان ما بين ذلك من الطهر ملغى، ثم تغتسل بعد الاستظهار وتصلي وتتوضأ لكل صلاة إن رأت الدم في تلك الأيام وتغتسل كل يوم إذا انقطع عنها الدم من أيام الطهر.
وإنما أمرت أن تغتسل لأنها لا تدري لعل الدم لا يرجع إليها ولا تكف عن الصلاة بعد ذلك، وإن تطاول بها الدم الأشهر، إلا أن ترى في ذلك دما لا تشك وتستيقن أنه دم حيضة فلتكف عن الصلاة، ويكون لها ذلك عدة من طلاق، وإن لم تستيقن لم تكف عن الصلاة ولم يكن لها ذلك عدة، وكانت عدتها عدة المستحاضة ويأتيها زوجها في ذلك وتصلي وتصوم اهـ.
ثم انتقل المصنف إلى بيان علامة الطهر في دم الحيض والنفاس فقال رحمه الله تعالى: " وعلامة الطهر الجفوف أو القصة البيضاء " يعني أخبر المصنف أن للطهر علامتين: الأولى الجفوف وهي وهي أن تدخل المرأة خرقة في فرجها فتخرج جافة ليس عليها شيء من الدم.
والثانية القصة البيضاء وهي ماء أبيض كالمني أو الجير المبلول وهو المسمى بالقصة، أي هي ماء رقيق يأتي في آخر الحيض كماء القصة وهي أبلغ للمعتادة من الجفوف، فإذا رأت الجفوف أولا انتظرت القصة لآخر الوقت المختار بحيث يسع الطهر مع إدراك الصلاة.
هذا حكم معتادة القصة وكذا معتادتهما معا.
وأما المبتدأة فحكمها أنها لا تنتظر القصة إذا رأت الجفوف أولا، بل تغتسل وتصلي وتصوم ويأتيها زوجها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويمنع وطؤها قبل غسلها، فإن فعل أثم
ولا كفارة عليه " والمعنى أن وطء الحائض والنفساء ممنوع بعد انقطاع الدم وقبل غسلها بالماء لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ
أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] وقوله تعالى: ﴿حَتَّىَ يَطْهُرْنَ﴾ أي يغتسلن بالماء بعد انقطاع الدم فإذا تطهرن أي بالماء فأتوهن الآية.
ومن اقتحم الممنوع أثم، ويجب عليه الاستغفار ولا كفارة عليه.
قال ابن جزي في القوانين: ومنع الجماع بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال خلافا لأبي حنيفة، فإن وطئ في الحيض فليستغفر ولا كفارة عليه.
وقال ابن حنبل: يتصدق بدينار أو نصف دينار اهـ. واستدل القائل بالصدقة بالذي أتى امرأته وهي حائض قال له عليه الصلاة والسلام: " يتصدق بدينار أو بنصف دينار " رواه ابن عباس، ولكن رجح المحققون وقفه، والصحيح ما روي عن مالك في الموطأ، أنه قال: إن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار سئلا عن الحائض هل يصيبها زوجها إذا رأت الطهر قبل أن تغتسل؟ فقالا لا حتى تغتسل اهـ. هذا هو المشهور في المذهب.
وفي الرسالة: ولا يطأ الرجل امرأته التي انقطع عنها دم حيض أو نفاس بالتطهر بالتيمم حتى يجد من الماء ما تتطهر به المرأة، ثم ما يتطهران به جميعا اهـ. وفي الأخضري: ولا يحل للحائض صلاة ولا صوم، ولا طواف، ولا مس مصحف، ولا دخول مسجد، وعليها قضاء الصوم دون الصلاة.
وقراءتها جائزة.
ولا يحل لزوجها فرجها، ولا ما بين سرتها وركبتيها حتى تغتسل.
وفي المختصر: ووطء فرج، أي وكذا يمنع الحيض الوطء إجماعا وتجب منه التوبة لمسلمة أو كتابية أو مجنونة، ويجبرهن الزوج على الغسل لحلية الوطء، ويحل وطؤهن بذلك الغسل ولو لم تنوه لأنه لحلية الوطء من باب خطاب الوضع، وللصلاة من باب خطاب التكليف اهـ. الخرشي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا بأس بالاستمتاع بأعاليها شادة عليها إزارها " لما في الصحيحين والموطأ " عن مالك عن زيد بن أسلم أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها " اهـ، وفي المختصر: أو تحت إزار ولو بعد نقاء.
قال الخرشي: أي ومنع الاستمتاع بما تحت إزار وهو ما بين السرة والركبة، وهما خارجان، ويجوز بما فوقه لقوله عليه الصلاة والسلام: " الحائض تشد إزارها وشأنه بأعلاها " قال ابن القاسم: شأنه بأعلاها أي يجامعها في أعكانها وبطنها أو ما شاء مما هو أعلاها اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وتجبر الكتابية على الغسل لزوجها المسلم " قال الحطاب عند قول خليل وطء فرج " أي فلا يجوز وطء الحائض حتى تطهر وتغتسل كما سيأتي، وسواء كانت مسلمة أو كتابية.
قال في المدونة في باب غسل الجنابة: ويجبر الرجل المسلم امرأته النصرانية على الطهر من الحيضة، إذ ليس له وطؤها كذلك حتى تطهر، ولا يجبرها في الجنابة لجواز وطئها كذلك اهـ قلت: ونص المدونة: وقال ابن القاسم عن مالك في النصرانية تكون تحت المسلم فتحيض فتطهر: إنها تجبر على الغسل من الحيضة ليطأها زوجها من قبل أن المسلم لا يطأ امرأته الحائض حتى تطهر من الحيض، وأما الجنابة فلا بأس أن يطأها وهي جنب اهـ.
تنبيه
: ذكر النفراوي على الرسالة في آخر باب التيمم: تنبيهين، قال الأول: من علم من زوجته أنه إن وطئ ليلا لا تغتسل زوجته إلا نهارا والحال أنه لا يمكنه الوطء إلا ليلا فإنه يجوز له الوطء ويأمرها أن تغتسل ليلا فإن خالفت فقد أدى ما عليه، ومن علم من زوجته أنها لا تغتسل إن جامعها فهل يجوز له وطؤها أو يجب طلاقها، فالمشهور أنه يجوز له وطؤها ويأمرها بالغسل ولو بالضرب مع ظن الإفادة، فإن لم تفعل عصت، ولا يجب طلاقها خلافا لبعضهم، وإنما يستحب فراقها فقط كاستحباب فراق الزانية ومن كانت على بدعة محرمة.
والثاني أي من التنبيهين فاقد الطهورين وقد تقدم ذكره في آخر باب التيمم في هذا الكتاب فراجعه إن شئت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والحامل تحيض، فإن تجاوزت عادتها فالمشهور عن ابن القاسم إن كان بعد ثلاثة أشهر تمادت إلى خمسة عشر يوما وبعد ستة أشهر عشرين يوما " وفي نسخة بإسقاط أشهر بعد ستة وكلاهما صحيح.
وفي القوانين لابن جزي: وأما الحامل إذا رأت الدم فهو حيض عند الإمامين خلافا لأبي حنيفة.
ثم إنها إذا لم تتغير عادتها فهي كغير الحامل، وإن تغيرت عادتها ففيها الأقوال الثلاثة التي في المعتادة.
وقال ابن القاسم: تمكث بعد ثلاثة أشهر خمسة عشر يوما، وبعد ستة أشهر عشرين يوما، وآخر الحمل ثلاثين يوما ونحو ذلك.
وقيل تمكث ضعف أيام عادتها اهـ، وفي الأخضري: وللحامل بعد ثلاثة أشهر خمسة عشر يوما ونحوها، وبعد ستة أشهر عشرين يوما ونحوها، فإن تقطع الدم لفقت أيامه حتى تكتمل عادتها.
يعني أن الحامل إذا مضى عليها ثلاثة أشهر بعد أن علقت بالحمل ونزل بها الحيض وتمادى بها زيادة على عادتها فإنها تمكث خمسة عشر يوما ونحوها كالعشرين، وبعد هذا يعتبر استحاضة، وإذا مضى لها ستة أشهر بعد أن علقت بالحمل ونزل بها الحيض واستمر زيادة على عادتها فإنها تمكث عشرين يوما ونحوها كالخمسة والعشرين ثم هي بعد ذلك مستحاضة، هذا إذا استمر عليها الدم ولم ينقطع فإنها تمكث ما سبق تقريره من الخمسة عشر ونحوها فإذا انقطع الدم أيامه بعضها إلى بعض حتى تكمل عادتها المعلومة على ما
تقدم من التفصيل ثم تصير بعد ذلك مستحاضة اهـ هداية المتعبد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وأجراها المغيرة وأشهب مجرى الحائل " يعني أن الحامل إذا حاضت وتجاوزت حيضتها عن عادتها فحكمها حكم غير الحامل عند المغيرة وأشهب على التفصيل السابق.
والله الموفق للصواب.
انظر المطولات.
أحكام النفاس ولما أنهى الكلام على الحيض وما يتعلق بأحكامه انتقل يتكلم على مسائل النفاس وما يتعلق به فقال رحمه الله.
فَصْلٌ
في أحكام النفاس
يعني أن هذا الفصل قد عقده في بيان أحكام دم النفاس عقب فراغه من أحكام دم الحيض لمناسبة ما بينهما في غالب الأحكام، ولذا أتى بفصل، وفي نسخة بإسقاط لفظ فصل.
والمناسب عدم إسقاطه قال رحمه الله تعالى: " والصحيح أن أكثر النفاس معتبر بالعوائد ما لم يتجاوز ستين يوما " والنفاس شرعا: هو الدم الخارج من القبل بسبب الولادة، غير زائد على ستين يوما، فإن زاد على ستين يوما فليس بنفاس، فلا تستظهر، بل تغتسل وتصلي وتوطأ لأنها مستحاضة.
وفي أقرب المسالك: والنفاس ما خرج للولادة معها أو بعدها ولو بين توأمين، وأكثره ستون يوما، والطهر منه، وتقطعه، ومنعه كالحيض اهـ. وأما قول المصنف إن أكثر النفاس معتبر بالعوائد ما لم يتجاوز ستين، يعني العوائد تعتبر فيما دون الستين، فإن زادت على الستين فالحكم فيها حكم الطهر فلا عبرة بالعوائد.
وفي الأخضري: والنفاس كالحيض في منعه، وأكثره ستون يوما، فإذا عاودها الدم فإن كان بينهما خمسة عشر يوما فأكثر كان الثاني حيضا، وإلا ضم إلى الأول وكان من تمام النفاس اهـ. والحاصل أن دم النفاس لا حد لأقله ولو دفعة، كالحيض ولا يزيد على ستين يوما، وإن زاد على ستين تعتبر مستحاضة فلا تستظهر بل تغتسل وتصلي وتصوم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والظاهر أن المتخلل بين الوضعين حيض وقيل نفاس فتضم إليه ما بعده " قال في المختصر: والنفاس دم خرج للولادة ولو بين توأمين، وأكثره ستون يوما، فإن تخللها فنفاسان اهـ. التوأمان هما الولدان في بطن واحد، إذا كان بينهما أقل من ستة أشهر، يقال لكل واحد توأم، وللأنثى توأمة.
قال الخرشي: والمعنى أن الدم الذي بين التوأمين نفاس.
وقيل حيض.
والقولان في المدونة.
وعلى الأول فتجلس أقصى أمد للنفاس.
وعلى الثاني
فتجلس كما تجلس الحامل في آخر حملها عشرين يوما ونحوها على ما مر، ويصير الجميع نفاسا واحدا، وإليه ذهب أبو محمد البرادعي.
وقال الصاوي: وهو المعتمد قال العدوي على الزرقاني: وما تقدم من أنها تبني بعد وضع الثاني على ما مضى ومن الأول ظاهر حيث لم يحصل لها النقاء خمسة عشر يوما، فإن حصل النقاء خمسة عشر يوما ثم أتت بولد - أي الثاني - فإنها تستأنف له نفاسا لانقطاع حكم النفاس بمضي المدة المذكورة اهـ. وكذلك إذا كان بين التؤامين ستون يوما فأكثر فنفاسان.
أما إن كان بينهما أقل من ستين يوما فنفاس واحد وتبني على الأول إن دام الدم، بل وإن تخلل أقل الطهر.
قال الدردير على خليل: فإن تخلل التوأمين أقل من أكثره فنفاس واحد وتبني على الأول.
قال الدسوقي: قوله أقل من أكثره بأن تخللها خمسة وخمسون أو تسعة وخمسون يوما سواء كانت كلها أيام دم أوكان فيها أيام نقاء، لكن أقل من خمسة عشر يوما أي فتضم إلى الأول وكان نفاسا واحدا على المعتمد، إلا أنه قال العدوي على الزرقاني نقلا عن تقرير الخرشي أنه ينبغي أن يكون حكم الوضع قبل تمام الستين من ولادة الأول بأربعة أيام فأقل كحكم ولادتها بعد تمام الستين، فتستأنف للثاني نفاسا اهـ. قلت فهذا القول خلاف قول الدسوقي المتقدم آنفا، والحاصل أن المسألة ذات خلاف.
والله أعلم بالصواب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وتقضي الحائض الصوم لا الصلاة، والنفساء مثلها
فيما يجب ويمتنع ويجوز.
والله أعلم " هذا واضح قد تقدم الكلام فيه.
نسأل الله حسن التوفيق.
ولما أنهى الكلام على الطهارة الكبرى والصغرى وما يتعلق بها، وجميع ما ينوب عنها من التيمم والمسح على الخفين والجبائر وغير ذلك أراد المصنف الشروع في المقصود بهذه الوسائل فقال رحمه الله تعالى: