أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»صفحات 231-270

شيء قال المصنف فإنه " يصلي جالسا " أي استقلالا " مستقبلا " إلى القبلة، قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن لم يستطع استند إلى طاهر " يعني كما قال في الرسالة: وصلاة المريض إن لم يقدر على القيام صلى جالسا إن قدر على التربع وإلا فبقدر طاقته.
قال النفراوي: قوله صلى جالسا، أي مستقلا، ويستحب أن يتربع إن قدر على التربع اقتداء به صلى الله عليه وسلم، لأنه الألبق بالأدب.
قال العلامة خليل: وتربع كالمتنفل، وغير جلسته بين سجدتيه، قال شراحه وكذا في حال سجوده ثم قال: واعلم أن الذي يصلي الفرض جالسا هو من لا يستطيع القيام جملة، أو يخاف بالقيام لمرض أو زيادته كالتيمم، إلى أن قال: والقادر على الاستناد يجب عليه الاستناد لغير جنب وحائض، ولهما أعاد بوقت حيث استند لهما مع وجود غيرهما إلى أن قال: والحاصل أن الصور أربع: القيام استقلالا، والقيام مع الاستناد، والجلوس استقلالا، والجلوس مع الاستناد.
ولما فرغ المصنف من الكلام على العاجز عن القيام والجلوس بحالتيهما شرع يتكلم على أحوال المضطجع فقال رحمه الله تعالى: " فإن عجز فعلى يمينه؛ المرتبة صلى على ظهره على المشهور.
وقيل الظهر مقدم على الجنب الأيمن، نقله ابن محرز عن أشهب وابن مسلمة وابن القاسم.
قال ابن ناجي في شرح الرسالة: وهذا الخلاف على طريق الاستحباب لأنها حالة واحدة وهي الاضطجاع اهـ. قال العلامة ابن جزي في القوانين الفقهية: الفصل الثاني في صلاة المريض، وفيه أحوال: أن يصلي قائما غير مستند، فإن لم يقدر أو قدر بمشقة فادحة صلى قائما مستندا، ثم جالسا مستقلا، ثم جالسا مستندا ثم مضطجعا على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه، ثم مستلقيا على ظهره مستقبل القبلة برجليه.
وقيل يقدم الاستلقاء

على الأيمن، ثم مضطجعا على جنبه الأيسر، ويومئ بالركوع والسجود في الاضطجاع والاستلقاء، فإن لم يقدر على شيء نوى الصلاة بقلبه وفاقا للشافعي.
وقيل تسقط عنه وفاقا لأبي حنيفة اهـ. وفي الرسالة: وإن لم يقدر على السجود فليومئ بالركوع والسجود، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، وإن لم يقدر صلى على جنبه الأيمن إيماء، وإن لم يقدر إلا على ظهره فعل ذلك، ولا يؤخر لصلاة إذا كان في عقله، وليصلها بقدر ما يطيق اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " يأتي بما يمكنه ويومئ بما يعجز عنه ويخفض للسجود عن الركوع " يعني أن المريض إذا عجز عن الأركان في صلاته يأتي بمقدوره ويكون سجوده أخفض من ركوعه كما في الرسالة.
قال الدردير ثم إن لم يقدر على الجلوس بحالتيه صلى على شق أيمن بالإيماء، فأيسر، إذا لم يقدر على الشق الأيمن، فعلى ظهر ورجلاه للقبلة، فإن لم يقدر فعلى بطنه ورأسه للقبلة، فإن قدمها على الظهر بطلت.
والمعنى إن قدم هذه الصفة بأن جعل رجليه ابتداء للقبلة ورأسه لدبرها بطلت صلاته إذا كان قادرا على التحول وإلا فلا بطلان، كما لو قدم الظهر على الشق بحالتيه، أو قدم الأيسر على الأيمن فلا تبطل؛ لأن الترتيب بينهما مستحب.
وبطلت أيضا إن قدم الاضطجاع مطلقا على الجلوس بحالتيه، أو استند جالسا مع القدرة عليه استقلالا، بخلاف ما لو جلس مستقلا مع القدرة على القيام مستندا كما تقدم اهـ قلت: انظر قوله بخلاف ما لو جلس إلخ مع ما في كتاب الأخضري لأنه قال: فالتي على الوجوب أولها القيام بغير استناد، ثم القيام باستناد، ثم الجلوس بغير استناد، ثم الجلوس بغير استناد.
فالترتيب بين هذه الأربعة على الوجوب، إذا قدر على حالة منها وصلى بحالة دونها بطلت صلاته.
فعلى هذا فالصلاة تبطل بترك الترتيب بين القيام باستناد والجلوس بغير استناد مع القدرة عليه.
وأشكل ذلك على الطالب وسأل عن معناه، فأجاب العلامة الصاوي في الحاشية عن الدردير فقال: قوله كما تقدم، أي من ندب الترتيب بينهما على قول ابن ناجي وزروق، وأما على قول

ابن شاس فالبطلان لوجوب الترتيب.
والحاصل أن المراتب خمس: القيام بحالتيه، والجلوس كذلك، والاضطجاع، فتأخذ كل واحدة مع ما بعدها يحصل عشر مراتب كلها واجبة إلا واحدة وهي ما بين القيام مستندا والجلوس مستقلا ففيها القولان بالوجوب والندب قلت: وبهذا يظهر لك عدم البطلان على ما قاله الدردير بترك الترتيب في ذلك.
ثم قال أي العلامة الصاوي: والمرتبة الأخيرة تحتها ثلاث صور، وهي تقديم الأيمن على الأيسر، والأيسر على الظهر، وهاتان مستحبتان، وأما تقديم الظهر على البطن فواجب اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا تسقط وهو يعقل، فإن عجز عن جميع الحركات فقيل يقصد بقلبه، وقيل تسقط عنه " يعني أن المريض لا تسقط عنه الصلاة ما دام معه شيء من عقله، لأن الصلاة خشوع وتضرع لله تعالى وهو مطلوب من العبد ما بقي منه شيء من عقله مع القدرة.
وقد تقدم ما صرح به أبو محمد في الرسالة بقوله: ولا يؤخر الصلاة إذا كان في عقله، وليصلها بقدر ما يطيق.
قال شارحها: ولو بنية أفعالها.
قال في الجلاب: ولا تسقط عنه الصلاة ومعه شيء من عقله.
وصفة الإتيان بها أن يقصد أركانها بقلبه بأن ينوي الإحرام والقراءة والركوع والرفع والسجود وهكذا إلى السلام إن كان لا يقدر إلا على الإيماء بطرفه أو غيره، وإلا أومأ بما قدر على الإيماء به ولو بحاجب كما قال المأزري.
وإذا لم يستطع المريض أن يومئ إلا بطرفه وحاجبه فليومئ بهما ويكون مصليا بهذا مع النية، وهذا مقتضى المذهب اهـ النفراوي.
وكذا في الثمر الداني.
ثم اعلم لو كان المريض يستطيع الإتيان بالصلاة على حالة من الحالات لكنه نسي بعض أقوالها وأفعالها ولكن يقدر عليها بالتلقين فهل يجب عليه اتخاذ من يلقنه أم لا؟ قال الأجهوري نقلا عن ابن المنير من علماء المالكية إنه يجب عليه اتخاذ من يلقنه نحو القراءة والتكبير ولو بأجرة، ولو زادت على ما يجب عليه بذله في ثمن الماء، فيقول له عند

الإحرام للصلاة قل الله أكبر، وهكذا إلى السلام، وقول له بعد الفاتحة والسورة افعل هكذا إشارة إلى الركوع أو السجود عند نسيانها اهـ. ذكره النفراوي في التنبيهات.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي حوفه الغلبة على عقله يجمع بين الصلاتين " يعني أن المريض الذي يخاف أن يغلب على عقله بتأخيره إلى وقت الصلاة الثانية يجوز له أن يجمع بين الصلاتين المشتركتين في الوقت كظهرين بأن يقدم الثانية في وقت الأولى.
قال الدردير في أقرب المسالك: ومن خاف إغماء أو نافضا أو ميدا عند دخول وقت الثانية قدمها، فإن سلم أعاد الثانية بوقت.
قوله من خاف إغماء: الإغماء مرض معروف من نواقض الوضوء كما تقدم في نواقض الوضوء، وقوله أو نافضا أي أو خاف حمى نافضة بالفاء أي يرتعش ويتحرك جسد المريض به من شدة الحمى، وقوله أو ميدا بفتح الميم أي دوخة.
قال أبو الضياء سيدي خليل: وقدم خائف الإغماء والنافض والميد إلخ.
وفي التوضيح: إذا جمع أول الوقت للخوف على عقله ثم لم يذهب عقله فقال عيسى بن دينار يعيد الأخيرة، وقال سند يريد في الوقت اهـ. وقال مالك في المدونة: إذا خاف المريض أن يغلب على عقله جمع بين الظهر والعصر إذا زالت الشمس لا قبل ذلك، وبين العشاءين عند الغروب اهـ. قال الخرشي: يعني أن الشخص إذا خاف الإغماء أو الحمى الناقضة، أي المرعدة أو الدوخة عند العصر أو العشاء فإنه يستحب له أن يقدم العصر أول وقت الظهر، والعشاء عند أول وقت المغرب على المشهور اهـ. وفي الرسالة: وللمريض أن يجمع إذا خاف أن يغلب على عقله عند الزوال وعند الغروب وإن كان الجمع أرفق به لبطن به ونحوه جمع وسط وقت الظهر، وعند غيبوبة الشفق اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي طلب الرفقة يؤخر الأولى إلى آخر وقتها الاختياري ويصليها " يعني أن الشخص إذا كان منفردا وهو يرجو الرفقة في الوقت أي

يرجو المجاعة فيستحب له الانتظار بأن يؤخر صلاة كالظهر مثلا إلى آخر وقتها الاختياري لتحصيل فضل الجماعة.
وقال الدردير في أقرب المسالك: والأفضل لفذ انتظار جماعة يرجوها.
يعني أن المنفرد يندب له أن يؤخر الصلاة لجماعة يرجوها في الوقت لتحصيل فضل الجماعة.
وقيل يقدم.
ثم إذا وجدها أعاد إن كانت مما تعاد، وأما المغرب فيقدمها جزما لضيق وقتها.
وعلم من هذا أن قولهم الأفضل للفذ تقديمها أول الوقت محله ما لم يرج جماعة اهـ. وقد تقدم الكلام في المنفرد عند قول المصنف: وفي إبراد المنفرد قولان فراجعه إن شئت.
ولما أنهى الكلام على أحكام العاجز عن القيام في الفرض وجميع ما يتعلق بذلك شرع المصنف يتكلم على ما يتعلق بالجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في بيان أحكام الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر

أو الوحل أي الطين مع الظلمة، لا بأحدهما.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويجمع بين العشاءين للمطر أو الوحل مع الظلمة في مساجد الجماعات " يعني أنه يرخص للجماعة الجمع بين المغرب والعشاء للمطر النازل أو المترقب في نزوله.
قال في الرسالة: ورخص في الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر، وكذلك في طين وظلمة، يؤذن للمغرب أول الوقت خارج المسجد، ثم يؤخر قليلا في قول مالك، ثم يقيم في داخل المسجد ويصليها، ثم يؤذن للعشاء في داخل المسجد ويقيم، ثم يصليها، ثم ينصرف وعليهم إسفار قبل مغيب الشفق اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " لا المنفرد في بيته أو مسجده " يعني أنه لا يرخص لجار المسجد أن يجمع بين الصلاتين تبعا لأهل المسجد وهو في بيته أو في مسجده، ولو كان مريضا

أو امراءة، بل إما أن يذهب للمسجد فيجمع معهم، أو يصلي كل صلاة بوقتها، وأما المقيم بالمسجد للعبادة بنحو الاعتكاف أو المجاورة فيه جاز له أن يجمع تبعا للجماعة لا استقلالا.
قال في أقرب المسالك: جاز لمنفرد بالمغرب يجدهم بالعشاء، ولمقيم بمسجد تبعا لا استقلالا، ولا لجار مسجد ولو مريضا أو امراءة اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " يؤخر الأولى ويقدم الأخيرة ويصليان في وسط الوقت يؤذن للأولى خارج المسجد " يعني أنه شرع في كيفية الجمع بين العشاءين كما وصفها صاحب الرسالة، إلا أن مصنفا أتى بقولين في محل إعادة أذان الثاني بقوله: " وهل للأخرى داخله أو خارجه قولان " المشهور منهما الأول كما في الرسالة.
قال خليل: ثم صليا ولاء إلا قدر أذان منخفض بمسجد وإقامة.
قوله: بمسجد أي فيه، لا على النار لئلا يشك من صلى المغرب أو أفطر بسماع الأذان الأول.
قال الدردير: ولئلا يلبس على الناس، أي فيظنون أن وقت العشاء دخل، وهذه العلة تشعر بحرمته على المنار اهـ. قال صاحب العزية: وصفة الجمع لذلك أن يؤذن للمغرب على المنار أول وقتها ويؤخر صلاتها قليلا، ثم يؤذن للعشاء في صحن المسجد أذانا منخفضا ثم يصلونها قبل مغيب الشفق، ثم ينصرفون ولا يصلون الوتر إلا بعد مغيب الشفق اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويقين لهما " أي لكل واحدة منهما.
قال: " ولا يتنفل " أحد " بينهما " أي بين الصلاتين المجموعتين في المسجد على المعتمد، والنهي للكراهة، أي يكره التنفل بينهما.
وقيل يحرم.
قال النفراوي في شرح الرسالة: فهم من طلب انصرافهم بعد العشاء أنهم لا يشتغلون بنفل ولا غيره.
قال خليل: ولا تنفل بينهما ولا بعدهما، وإذا وقع ونزل بينهما لا يمنع الجمع إلا أن تكثر النوافل بحيث يدخل وقت الظلمة الشديدة فيفوت الجمع.

والظاهر أن حكم التنفل الكراهة ولا وجه لحرمته لأنه وإن كثر لا يترتب عليه فوات واجب، إذ الجمع مندوب أو مسنون، والمفوت لأحدهما لا يحرم فعله، فتأمله اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن انقطع في أثنائهما تمادى " يعني إذا انقطع سبب الجمع ليلة المطر بعد الشروع فلا يقطعون.
قال الدردير في شرح قول خليل: كأن انقطع المطر بعد الشروع، أي ولو في الأولى فيجوز الجمع، وظاهره ولو لم يعقد ركعة لا قبل الشروع فلا يجوز اهـ. وقال الخرشي أي إن الجماعة إذا شرعوا في صلاة المغرب لوجود سبب الجمع وهو المطر فلما صلوها أو بعضها ارتفع السبب فإنه يجوز لهم التمادي على الجمع، إذ لا تؤمن عودته، وظاهره ولو ظهر عدم عودته، أما لو انقطع قبل الشروع فلا جمع إلا بسبب غيره.
فالمراد بالشروع في الأولى اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن أدرك الثانية معهم وقد صلى الأولى " يعني من أدرك الجماعة في المسجد يصلون الجمع وأدركهم في العشاء والحال أنه قد صلى المغرب في بيته منفردا أو في جماعة أخرى، قال المصنف: " هل يجمع معهم " تبعا لهم، أو لا يجوز له ذلك؟ فيه " قولان " المشهور منهما الجواز، أي يجوز له الدخول معهم في الجمع ويحصل له فضل الجماعة على المعتمد.
قال في أقرب المسالك " وجاز لمنفرد بالمغرب يجدهم بالعشاء، ولمقيم بمسجد تبعا لا استقلالا اهـ. وحاصل فقه المسألة أن المعتكف في المسجد لا يجمع ليلة المطر مع الجماعة ولو كان إماما إلا تبعا لهم لا استقلالا، ولذا وجب على الإمام إذا كان في الاعتكاف أن يستخلف من يجمع للجماعة ويصلي هو وراء خليفته مأموما، وأما من كان خارجا عن المسجد أي ساكنا في منزله، ثم جاء وأدرك الثانية فإنه لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون قد

صلى المغرب منفردا في بيته أو في جماعة ثم أتى مسجد الجمع، أو لم يصلها أصلا، أما الذي صلى المغرب في بيته منفردا أو في الجماعة فيجوز له أن يجمع مع الجماعة تبعا لهم لطلب فضل الجماعة، فإن وجدهم قد فرغوا لا يجمع وحده إلا إذا كان بأحد المساجد الثلاثة، والمراد بها المسجد الحرام، والمسجد النبوي، ومسجد إيلياء وهو المسجد الأقصى، فيجوز له الجمع إذا دخلها، سواء كان راتبا أو غيره.
وأما إن لم يدخل وعلم أن إمامها قد جمع فلا يطالب بالدخول ويبقى العشاء للشفق إلا إذا كان لم يصل المغرب والعشاء معا لعظم فضلها على الجماعة في غيرها اهـ. لخصناه من كتب معتبرة فراجعها إن شئت.
قال العلامة الصاوي في حاشيته على الدردير نقلا عن الدسوقي.
تنبيه: حيث كان إمام المسجد معتكفا لا يجوز له الجمع إلا تبعا، فلذلك يلزمه استخلاف من يصلي بهم ويصلي هم مأموما، ولا تصح إمامته، ولا يصح الجمع بمسجد لشخص منفرد غير راتب إلا بالمساجد الثلاثة، إذا دخلها فوجد إمامها قد جمع صلى المغرب مع العشاء جمعا، وأما إذا لم يدخل وعلم أن إمامها قد جمع فلا يطالب بدخولها ويبقي العشاء للشفق، هذا هو الموافق لما مر كما جزم به بعضهم اهـ فرع: يلزم المصلي نية الجمع عند الأولى، فلو تركها لم تبطل بخلاف نية الإمامة فتبطل الثانية بتركها.
قال النفراوي في شرح الرسالة في التنبيه الخامس: لم يبين المصنف حكم نية الجمع ولا محلها، وحلها على الراجح عند الصلاة الأولى، وتطلب من الإمام والمأموم، وأما نية الإمامة فقيل عند الثانية لأنها التي يظهر أثر الجمع فيها، وقيل فيهما، والمشهور الثاني، فلو ترك الإمام نية الإمامة بطلت الثانية على الأول وبطلت على الثاني حيث تركها فيهما، وأما لو تركها في الثانية وأتى بها في الأولى فالظاهر صحتها وتبطل الثانية ولا يصليها إلا عند مغيب الشفق.
وأما لو تركها عند الأولى ونيته الجمع فإنها تبطل لأن صحتها مشروطة بنية الإمامة علة هذا القول كترك الإمام نية الإمامة في صلاة الجمع اهـ. فتأمل.

ولما أنهى الكلام على الجمع ليلة المطر وما يتعلق بجميع ذلك يتكلم على بيان حكم الصلاة في الجماعة مطلقا أي في الصلوات الخمس، فقال رحمه الله تعالى.

فَصْلٌ

في حكم الجماعة

في بيان أحكام الجماعة، ومن أولى بالإمامة، وحكم الإمام والمأموم، ومن يقف وحده خلف الصف، وما يلزم المؤتم من المتابعة للإمام، وغير ذلك مما يتعلق بالجماعة.
وبدأ المصنف بحكم الصلاة في الجماعة فقال رحمه الله تعالى: " الجماعة سنة مؤكدة " يعني أن الصلاة المكتوبة غير الجمعة إيقاعها في الجماعة سنة مؤكدة يحصل به ثوابا جزيلا وفضلا عظيما.
وفي الحديث عن ابن عمر، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة " وفي رواية عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءا " رواهما الإمام في الموطأ اهـ. وفي الرسالة: والصلاة في الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة كما في الحديث.
العزية: صلاة الجماعة سنة مؤكدة ولا يحصل فضلها إلا بإدراك ركعة بسجدتيها، فمن أدركها ليس له أن يعيدها في جماعة أخرى.
والجماعة اثنان فصاعدا، ومن صلى وحده، أو لم يدرك مع الإمام ركعة كاملة فإن له أن يعيدها في جماعة مأموما ناويا بذلك التفويض إن كانت تلك الصلاة غير المغرب، وكذا العشاء بعد وتر صحيح وأما قوله: أو مع واحد ضعيف كما في شراح المختصر، إلا إذا كانت الإعادة مع الراتب الذي إذا صلى وحده في مسجد قام مقام الجماعة فله أي للفذ أن يعيد معه للفضل المذكور.
قال خليل: الجماعة بفرض غير جمعة سنة، ولا تتفاضل، وإنما يحصل فضلها بركعة، وندب لمن لم يحصله

  • كمصل بصبي لا امراءة - أن يعيد مفوضا مأموما ولو مع واحد غير مغرب، كعشاء بعد وتر، فإن أعاد ولم يعقد قطع، ولا شفع، وإن أتم، ولو سلم أتى برابعة إن قرب اهـ. قال الخرشي: يعني أن اجتماع الجماعة في الفرض العيني الحاضر أو الغائب سنة مؤكدة، وليست واجبة إلا في الجمعة.
    وظاهر المؤلف كغيره أنها سنة في الجملة، وفي كل مسجد وفي حق كل مصل حتى في حق المنفرد فيسن في حقه طلب الجماعة بدليل أنه يستحب لمن صلى وحده طلب الجماعة، خلاف ما جمع به ابن رشد بين الأقوال من كونها فرضا في الجماعة، سنة في كل مسجد، فضيلة للرجل في خاصيته.
    وظاهر كلام ابن عرفة أن طريقة ابن رشد هذه خلاف طريقة الأكثر، وعلى طريقة ابن رشد يحمل كلام المؤلف على إقامتها بكل مسجد، لا على إقامتها بالبلد، ولا على إيقاع الرجل صلاته في الجماعة اهـ، قال العلامة الصاوي في حاشيته على أقرب المسالك: وظاهر المذهب أنها سنة في البلد، وفي كل مسجد، وفي حق كل مصل، وهذه طريقة الأكثر.
    وقتال أهل البلد على تركها لتهاونهم بالسنة.
    وقال ابن رشد وابن بشير: إنها فرض كفاية بالبلد، فلذلك يقاتلون عليها إذا تركوها، وسنة في كل مسجد، ومندوبة للرجل في خاصة نفسه.
    قال الأبي: وهذا أقرب إلى التحقيق اهـ. قال أبو البركات الشيخ أحمد الدردير: وأما غير الفرض منه ما يندب فيه الجماعة وهو العيد، والكسوف، والاستسقاء، والتراويح، والأوجه في غير التراويح السنية، ومنه ما تكره فيه كجمع كثير مطلقا، أو قليل بمكان مشتهر في غير ما ذكر، وإلا جازت كما تقدم.
    وأما الجمعة فالجماعة فيها شرط صحة كما سيأتي اهـ. أحكام الإمامة ولما أنهى الكلام علة تحقيق معنى الجماعة وبيان أحكامها وإثبات فضلها لمن أدركها انتقل يتكلم على بيان أحكام الإمام والإمامة، وصفة الإمام ومن أولى بالتقديم.
    قال رحمه

الله تعالى: " ولا يؤم " أي لا يتقدم على الناس في أداء الصلاة أو قضائها " إلا مسلم " أي رجل من المسلمين.
وقولنا رجل احتراز من المرأة.
وقوله مسلم: أي بأن الإمام مسلما لإذ الكافر لا تصح صلاته وأحرى إمامته.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " عدل ذكر " يعني أن من شروط الإمام أن يكون عدلا، فالفاسق تكره إمامته مع صحة الصلاة على المعتمد لأن الكراهة لا تنافي الصحة كما لا تنافي الجواز ولكن لا ينبغي الاقتداء به إلا عند الضرورة كما هو معلوم.
وقله ذكر أي محقق الذكورية، إذ لا تصح إمامة المرأة ولا خنثى مشكل في الفريضة ولا النافلة، لا رجالا ولا نساء، لا حضرا ولا سفرا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " عالم بما لا تصح الصلاة إلا به " يعني أنه لا يتقدم إلا من كملت له الأوصاف المتقدمة بأن يكون غير جاهل بما لا تصح الصلاة إلا به من قراءة وفقه مع القدرة على اإتيان بالأركان، فالعاجز عن جميع ذلك أو بعضه لا تصح إمامته إلا لمثله، إلا امرأة تؤم أحدا مطلقا كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " بالغ في الفريضة " يعني أن غير البالغ ولو مميزا لا يؤم أحدا في الفرض لا رجالا ولا نساء.
وأما في النوافل أو مع مثله فشرطه التمييز فقط كما قال المصنف: " مميز في النافلة " يعني أن الصبي المميز تصح إمامته في صلاة النافلة وإن لم تجز ابتداء كما في المختصر وكذا في الصاوي سواء كان مأمومه رجالا أو نساء أو رجالا ونساء، لكن إن أم البالغين تصح مع الكراهة الشديدة على المعتمد في المذهب لأنه ربما صلى بلا وضوء لكونه لا حرج عليه في تركه الوضوء لأن الوضوء في حقه مستحب، وأما إن كان مع مثله فلا كراهة.
اهـ الصفتي مع إيضاح.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وكره كون العبد وولد الزنا راتبا " يعني أنه لما ذكر المصنف من يستحب منه الإمامة شرع الآن في ذكر من تكره إمامته بقوله: وكره إلخ.
والمعنى أنه يكره ترتب العبد وولد الزنا بأن يكون كل منهما إماما راتبا في المسجد للعار القائم بهما في ذلك، ولو بلغا إلى أعلى الدرجة عند الناس، قال الخرشي عند قول خليل: وولد

زنا أي يكره ترتب ولد زنا خوفا من أن يعرض نفسه للقول فيه لأن الإمامة موضع رفعة.
وقال عند قوله: وعبد في فرض، أي وكذا يكره أن يتخذ العبد إماما راتبا في الفرض، أي غير الجمعة وأما هي فلا تصح ويعيد هو ومن خلفه أبدا كما يأتي في باب الجمعة من أن شرط وجوبها الحرية اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويستحب كونه أكملهم زيا وخلقا " يعني أنه يستحب للإمام أن يكون أكمل الناس صفة بأن يكون حسن الهيئة، جميل الصورة، صبيح الوجه، سالم الأعضاء، معتدل القامة، نظيف الثياب، معروف النسب، مشهورا بالأخلاق المرضية.
قال بعضهم في نظمه: ومن شروطه على الكمال... منزه في القول والأفعال ذو حسب يرى ومعروف النسب... ذو خلق وذو مقام في الحسب يعرف بالسيما إذا تراه... نظافة الثوب وما حواه وحسن الوجه وحسن الصوت... مراعيا بدينه في الوقت مكمل الأعضاء خال من شلل... ومن عروجة ومن كل الخلل ويتقي فيه جميع العاهه... لأنه الموصوف بالشفاعة قال المصنف رحمه الله تعالى: " فيكره الأغلف، والأقطع، والأشل، والأعمى، والمتيمم للمتوضئين، وذو سلس، والجرح السائل للأصحاء، وبدوي للحاضرين ومسافر للمقيمين " يعني أخبر المصنف أن إمامة هؤلاء مكروهة وهم تسعة، لكن إمامة بعض منهم لا كراهة فيها كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى الأول: إمامة الأغلف، هو رجل مكلف لمنه غير مختتن.
قال الصاوي: فتكره إمامته مطلقا راتبا أو لا، خلافا لما مشى عليه خليل من تخصيصه بالراتب اهـ. وفي شرحه العشماوية لابن تركي، والأغلف وهو من ترك الختان اغير ضرورة.
قال الصفتي: بل ولو تركه لضرورة على المعتمد كما نقله التتائي

عن ابن هارون أنه سواء تركه لعذر أم لا على المعتمد اهـ، الثاني والثالث: الأقطع والأشل.
قال الصفتي: هذا ضعيف والمعتمد أنها لا تكره إمامة الأقطع ولا الأشل كما في الحاشية.
ومثله في حاشية الخرشي.
قلت قد عد الدردير في أقرب المسالك أن الأقطع والأشل ممن تجوز إمامتهم بلا كراهة على الراجح.
قال خليل: وكره أقطع وأشل، قال عبد السميع في الإكليل: والمعتمد عدم كراهة إمامتها مطلقا كما في الجواهر، ونصه: المأزري والباجي وجمهور أصحابنا على رواية ابن نافع عن مالك، رضي الله تعالى عنه، أنه لا بأس بإمامة الأقطع والأشل لمثلهما ولغير مثلهما، ولو في الجمعة والأعياد، وسواء كانا يضعان العضو على الأرض أم لا اهـ. الرابع: إمامة الأعمى وتلك جائزة فلا كراهة فيها على الراجح كما في الدردير.
وفي المختصر: وجاز اقتداء بأعمى ومخالف في الفروع، قال مالك في المدونة: لا بأس أن يتخذ الأعمى إماما راتبا، وقد أم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمى وهو ابن أم مكتوم.
وقال الخرشي: يعني أن إمامة الأعمى جائزة من غير كراهة لاستنابته عليه الصلاة والسلام ابن أم مكتوم على المدينة في غزواته بضع عشرة مرة يؤم الناس، والمراد بالجواز ما يشمل خلاف الأولى لأن إمامة البصير أفضل على الراجح.
قال العدوي في الحاشية: والمعنى الذي يشمل خلاف الأولى شيء ليس بمكروه اهـ. فظهر لك أن إمامة الأقطع والأشل والأعمى جائزة لا كراهة فيها على الراجح كما في الدردير الخامس: أي ممن تكره إمامته مما ذكره المصنف إمامة المتيمم، يعني أخبر إنما تكره إمامة المتيمم للمتوضئين فقط.
وسئل مالك في المدونة في المتيمم يؤم المتوضئين قال يؤمهم المتوضئ أحب إلي.
وإن أمهم المتيمم رأيت صلاتهم مجزئة عنهم اهـ. قال الصفتي نقلا عن العدوي والخرشي: فائدة: تكره إمامة المتيمم للمتوضئ وإمامة ماسح الجبيرة لغيره، أي إذا كان متوضئا وضوءا كاملا، واقتداء ماسح الخف بماسح الجبيرة، واقتداء الماسح بالمتيمم، وأما اقتداء ماسح الجبيرة بماسح الخف فلا كراهة، ومثله في عدم الكراهة اقتداء المتوضئ بماسح الخف اهـ، السادس

والسابع: أي ممن تكره إمامتهم ذو سلس وذو جرح سائل.
يعني أن إمامة ذا سلس من بول أو غيره وذا قروح لمن هو سليم عنها مكروهة.
قال خليل: وذو سلس وقروح لصحيح.
وفي جواهر اإكليل: وكره ذو سلس أي بول ونحوه يخرج بغير اختيار فلا يستطيع حسبه، وذو قروح يسيل منها دم ونحوه، أي إمامتهما لصحيح أي سليم من السلس والقروح، وكذا سائر أصحاب المعفوات، فمن تلبس بشيء منها فإمامته للسليم منها مكروهة اهـ الثامن: أي ممن تكره إمامته البدوي وهو ساكن البادية، ويعبر عنه بالأعرابي.
قال خليل: وأعرابي.
قال الخرشي يعني أنه تكره إمامة الأعرابي للحضري ولو في سفر وإن كان أقرأهم خوف الطعن بأنه ليس فيهم من يصلح للإمامة، أو لترك الجمعة والجماعة لا لجهله بالسنة كما قيل، وإلا منعت إمامته اهـ وعبارة صاحب جواهر الإكليل أنه قال: وكره أعرابي منسوب للأعراب أي سكان البادية سواء كانت لغتهم عربية أو أعجمية لغيره، أي تكره إمامته لحضري سواء بحاضرة أو ببادية، ولو كانا بمنزل الأعرابي وإن كان الأعرابي أقرأ أي أحكم قراءة من الحضري لجفائه وغلظته، فلا يصلح للشفاعة اللازمة للإمامة اهـ التاسع: أي ممن تكره إمامته المسافر، فإمامته للمقيمين مكروهة وإن كان كل على سنته، لكن الكراهة باقية.
قال خليل: وإن اقتدى مقيم به فكل على سنته وكره، كعكسه، وتأكد وتبعه ولم يعد.
الراجح الإعادة.
قال الخرشي: يعني المقيم إذا اقتدى بالمسافر لا ينتقل عن فرضه ويصير كل منهما على سنته فيصلي المسافر فرضه فإذا سلم أتم المقيم ما بقي عليه من صلاته فذا، وكره لمخالفته نية إمامه.
وقوله كعكسه، أي ككراهة اقتداء المسافر بالمقيم ولو في المساجد الثلاثة، أو مع الإمام الأكبر، إلا أن يكون المقيم ذا سن أو فضل أو رب منزل، لكن الكراهة هنا أشد من الأولى لمخالفة سنة القصر، ولزوم الانتقال إلى الإتمام له مع الإمام إن أدرك ركعة مع الإمام وإلا قصر وبنى على إحرامه صلاة سفر اهـ. انظر الخرشي.
وفي جواهر الإكليل: قوله: وإن اقتدى مقيم به إلخ وكره، أي اقتداء المقيم بالمسافر لمخالفة المأموم إمامه نية

وفعلا، إلا إذا كان المسافر فاضلا أو مسنا في الإسلام كما في سماع ابن القاسم وأشهب.
وذكر ابن رشد أنه المذهب، ونقله الحطاب على وجه يقتضي اعتماده.
وقوله: كعكسه وهو اقتداء المسافر بالمقيم، وتأكد، أي اشتد الكره للزوم مخالفة المسافر سنة القصر التي هي أوكد من الجماعة عند ابن رشد، ولا كراهة على قول اللخمي القائل الجماعة أوكد من القصر.
وإذا اقتدى المسافر بالمقيم وجب عليه اتباعه أي يلزم المسافر الإتمام إن أدرك معه ركعة ولو نوى القصر، ثم يعيدها في الوقت مقصورة على الراجح خلاف ما مشى عليه الشيخ خليل من قوله ولم يعد، وهو ضعيف كما في الإكليل وغيره، وأما إن لم يدرك المسافر مع إمامه المقيم ركعة فإن كان نوى الإتمام أتم وأعادها بوقت، وإن كان نوى القصر قصرها اهـ. وفي العزية فائدة: اقتداء المسافر بالمقيم والعكس صحيح لكن يكره، وتتأكد الكراهة في اقتداء المسافر بالمقيم، فإن اقتدى به لزمه اتباعه ولا إعادة، هذا تبع فيه خليل وتقدم أنه يعيد في الوقت على الراجح انظره في جواهر الإكليل.
وإن اقتدى المقيم به أي المسافر فكل على سنته، وهذا لا ينافي الكراهة المذكورة لمخالفة نية إمامه إلا أن هذا لا إعادة عليه بخلاف اقتداء المسافر فرضه فإذا سلم من ركعتين أتى المقيم بما بقي من صلاته اهـ مع زيادة إيضاح.
ثم ذكر المصنف من أولى بالتقدم على وجه الاستحقاق فقال رحمه الله تعالى: " ولا يقدم على الحاكم ورب المنزل إلا بإذنهما " وقوله: ولا يقدم بالياء التحتانية وفي نسخة بالتاء الفوقانية، يعني فالأولى بالتقدم في الصلاة الحاكم؛ لأن الإمامة في الأصل تولي أمور الناس عموما من شأن دينهم ودنياهم، ولأن إمام الصلاة نائب عن الإمام الأعظم ولا ينبغي لأحد من الرعية أن يتقدم على الحاكم إلا بإذنه أو لمانع شرعي، وإلا أي إن لم يكن المانع فلا بد من الإذن بأن يكون نائبا عن الإمام الأعظم في الصلاة وغيرها من أمور الديانات.
وكذا لا ينبغي لأحد أن يتقدم على رب المنزل إلا لمانع شرعي.
قال

العلامة عبد الباري العشماوي في مقدمته: ويستحب تقديم السلطان في الإمامة، ثم رب المنزل، ثم المستأجر يقدم على المالك، ثم الزائد في الفقه، ثم الزائد في الحديث، ثم الزائد في القراءة، ثم الزائد في العبادة، ثم المسن في الإسلام، ثم ذو النسب، ثم جميل الخلق، ثم حسن الخلق، ثم حسن اللباس، ومن كان له حق في التقديم في الإمامة ونقص عن درجتها كرب الدار إذا كان عبدا أو امرأة أو غير عالم مثلا فإنه يستحب له أن يستنيب من هو أعلم منه اهـ. وقوله: أو امرأة، قلت: فالاستنابة منها واجبة لأنها لا تتقدم على أحد في الصلاة وإن في بيتها إذ لا حق لها في التقدم؛ لأن الذكورية شرط في صحة الإمامة كما تقدم.
وكذا الجاهل لا يتقدم على أهل الفضل، ومثله العبد لا يتقدم على كسيده.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي اجتماع الأهل يقدم الأفقه " يعني كما في الرسالة ويؤم الناس أفضلهم وأفقههم، ولا تؤم المرأة في فريضة ولا نافلة لا رجالا ولا نساء.
قال رحمه الله تعالى: " فإن استووا فأفضل بالسن والشرف والصباحة وحسن الخلق، فإن استووا فبالقرعة " يعني أن المستحقين للإمامة إذا استووا في الدرجات بحيث لم يزد أحد منهم بمزية زائدة على غيره فحينئذ تضرب لهم القرعة بأن يكتب في ورقة (إمامة) وفي أخرى (ضدها) بعددهم ويلف ذلك في كشمع ويلقى بين أيديهم، ويأخذ كل واحد منهم واحدة ومن أخذ سهم الإمامة فهو الإمام والباقي يسلمون إليه الأمر، فهذا إذا كان التنافس ليس للدنيا بأن كان للدين، وأما إذا كان ذلك للدنيا فإنه يقدم الأتقى قولا واحدا.
ثم ذكر المصنف بعض ما يستحب للإمام فقال رحمه الله تعالى: " يحرم " أي الإمام " بعد استواء الصفوف " يعني أن استواء الصفوف من المندوبات في الصلاة، ولا يحرم الإمام إلا بعد استوائها.
قال مالك في الموطأ: إن عمر بن الخطاب كان يأمر بتسوية الصفوف، فإذا جاؤوه فأخبروه أن قد استوت كبر.
وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم

قال: " سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقام الصلاة " رواه البخاري وغيره.
وقد ذكر التتائي فائدة في شرحه على منظومة ابن رشد، وذكر فيها عشر مسائل تطلب للإمام، منها أن لا يكبر حتى يسوي الصفوف أو يوكل من يسويها، أو يأمرهم بذلك، فراجع باقي المسائل إن شئت.
وتقدم لنا في فضائل الصلاة أن اعتدال الصفوف من كمال الصلاة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا يلزمه نية الإمامة " يعني أن الإمام لا يلزمه نية الإمامة إلا في أربع مسائل على المشهور.
قال العشماوي: ولا يشترط في حق الإمام أن ينوي الإمامة في أربع: في صلاة الجمعة، وصلاة الجمع، وصلاة الخوف، وصلاة الاستخلاف، وزاد بعضهم فضل الجماعة على الخلاف في ذلك اهـ. قال الصاوي: تنبيه لا يتوقف فضل الجماعة للإمام على نية الإمامة في غير هذه المسائل، كما اختاره اللخمي وإن كان خلاف قول الأكثر اهـ. قال خليل: وشرط الاقتداء نيته بخلاف الإمام، ولو بجنازة إلا الجمعة، وجمعا، وخوفا، ومستخلفا، كفضل الجماعة، واختار في الأخير خلاف الأكثر اهـ. يعني أن نية الإمامة في صلاة الجماعة شرط في حصول فضلها عند أكثر العلماء، وخالفهم في ذلك اللخمي، وقال إن نية الإمامة ليست شرطا في ذلك، بل إنه يحصل فضل الجماعة ولو لم ينوها.
قال العدوي وهو المعتمد كما في جواهر الإكليل.
وقال الصاوي على أقرب المسالك وكل صلاة كانت الجماعة شرطا في صحتها كانت نية الإمامة فيها شرطا اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويرجو لمن خلفه ويشركهم في دعائه " يعني ينبغي للإمام أن يشارك مأمومه وغيرهم في الدعاء ولا يخص نفسه بما يرجوه من الله سبحانه لما ورد في الحديث عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يؤم عبد قوما فيخص نفسه بدعوة، فإن فعل فقد خانهم " قال بعض أهل العلم: هذا الحديث عندي في الدعاء الذي

يدعو به الإمام لنفسه وللمأمومين ويشتركون فيه كدعاء القنوت ونحوه.
وهذا الحديث رواه أحمد وأصحاب السنن كما في زاد المعاد.
قال خليل في المختصر: ودعاء خاص.
قال الشارح الحطاب: يحتمل أن يريد بقوله: خاص أن الدعاء خاص بنفسه لم يشرك المسلمين فيه، وهذا خلاف المستحب ويتأكد في حق الإمام، وقد ورد في الحديث أنه خانهم ذكره صاحب المدخل وغيره، ويحتمل أن يريد أن المصلي يكره له أن يجعل دعاء مخصوصا لركوعه ودعاء مخصوصا لسجوده، وهذا الذي ذكره في التوضيح، ويحتمل أن يريدهما والله أعلم اهـ، قال العلامة الدردير في أقرب المسالك في مندوبات الصلاة " وتعميمه " ومنه " اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولأئمتنا، ولمن سبقنا بالإيمان مغفرة عزما.
اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا ومل أعلنا وما أنت أعلم به منا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا ينتظر إدراك الداخل " يعني أن الإمام إذا كان راكعا وسمع حس الداخل فلا ينبغي له أن يطيل الركوع لإدراك المأموم الداخل تلك الركعة، فإن فعل كره له ذلك.
قال خليل: ولا يطال ركوع لداخل.
وفي أقرب المسالك: وكره للإمام إطالة ركوع الداخل اهـ، أي لأجل داخل معه في الصلاة إدراك الركعة إلا لضرورة، قال الصاوي قوله: إلا لضرورة، أي بأن يخاف الضرر من الداخل على نفسه، أو اعتداه بما فاته فيفسد صلاته كبعض العوام.
قال الدردير في تقريره: ما لم تكن تلك الركعة هي الأخيرة.
فتحصل أن المنفرد يطيل الركوع للداخل والإمام إذا خشي ضررا من الداخل، أو فساد صلاته، أو تفويت الجماعة عليه بأن كانت تلك الركعة هي الأخيرة فلا كراهية فيه.
والخوف هنا بما يحصل به الإكراه على الطلاق اهـ. انظر الحطاب والمواق.
وعبارة صاحب الإكليل عند قول الشيخ خليل ولا يطال ركوع لداخل: أي يكره فعل ذلك للإمام إذا لم يخش إضراره ولا اعتداه بما لا يعتد به إن

لم يطل له الركوع، وهذا خاص بالإمام.
وأما المصلي وحده إذا أحس بدخول شخص معه فله أن يطيل له الركوع، وهو مقتضى تقرير التتائي وتعليل اللخمي والقرافي وتبعه تلامذته وأقرهم الماص والعدوي اهـ. ثم ذكر المصنف موقف المأموم مع الإمام سواء كان واحدا أو متعددا، ذكرا كان أو أنثى.
فقال رحمه الله تعالى: " وموقف " الرجل " الواحد " أي مع الإمام راتبا أو غيره " عن يمينه " أي عن يمين الإمام استحبابا، وندب تأخره عنه قليلا للتمييز بينه وبين الإمام.
وأما الأنثى الواحدة أو النساء المتعددات فإنهن يقفن خلف الإمام.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والواحدة خلفه " يعني أن المرأة الواحدة تقف خلف الإمام سواء كانت زوجته أو غيرها.
قال في الرسالة: والرجل الواحد مع الإمام يقوم عن يمينه، ويقوم الرجلان فأكثر خلفه، فإن كانت امرأة معهما قامت خلفهما، وإن كان معهما رجل صلى عن يمين الإمام والمرأة خلفهما، ومن صلى بزوجته قامت خلفه، والصبي إن صلى مع رجل واحد خلف الإمام قاما خلفه إن كان الصبي يعقل لا يذهب ويدع من يقف نعه اهـ. قوله: ومن صلى بزوجته قامت خلفه كأن سائلا سأل بأن قال: فما الحكم فيمن قامت المرأة عن يمينه كما يقوم الرجل هل تبطل الصلاة بمحاذاة المرأة أم لا، فأجاب المصنف رحمه الله تعالى بقوله: " ولا تبطل بقيامها إلى جنبه " يعني أن وقوف المرأة إلى جنب الإمام لا يبطل الصلاة، بل صلاة كل منهما صحيحة.
قال في الثمر الداني: ولا تقف عن يمينه، أي يكره لها ذلك، وينبغي أن يشير إليها بالتأخر.
ولا تبطل صلاة واحدة منهما بالمحاذاة إلا أن يحصل ما يبطل الطهارة اهـ. وفي العزية: الأفضل أن يقف الرجل الواحد عن يمين الإمام والاثنان فصاعدا خلفه اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويقف الاثنان خلفه والنساء خلفهم " هذا ظاهر مفهوم لا يحتاج إلى زيادة إيضاح.
ثم ذكر المصنف حكم من أحرم ودخل مع

الإمام لكنه وقف خلف الصف.
قال رحمه الله: " ويجوز وقوف " الرجل " الواحد وراء الصف ولا يجذب إليه أحدا " يعني أنه لا ينبغي للمصلي خلف الصف أن يجذب أحدا ولا أن يجذبه أحد وفعل ذلك خطأ، وفي العزية: وتجوز الصلاة منفردا خلف الصف.
قال الشيخ العلامة عبد الباقي الزرقاني في شرحه على العزية: قوله خلف الصف أي إن عسر عليه وقوفه به، وتحصل له فضيلته لنيته الدخول فيه لولا التعسر، وإلا كرهت وتفوته فضيلته حينئذ، وفضيلة الجماعة حاصلة في قسمي التعسر وعدمه.
وكما تجوز الصلاة خلفه لعذر وتكره لغيره يجوز - كما لابن القاسم - لمن ضاق به الصف في التشهد أن يخرج أمامه أو خلفه، ويكره فعله لغير عذر، والمصلي خلف الصف يكره له جذب أحد من الصف أو ممن يريد الدخول فيه ليقف معه خلفه، ويكره للمجذوب مطاوعته وهو خطأ منهما اهـ. قال العدوي في حاشيته على الخرشي: قال تت: ولم يذكروا عين الحكم أي في الجذب أهل الكراهة أو المنع، قال والظاهر الكراهة كما قيد عن بعض الشيوخ انتهى كلامه.
قال خليل في الجائزات: وصلاة منفرد خلف صف، ولا يجذب أحدا، وهو خطأ منهما، يعني أنه يجوز للمنفرد أن يصلي خلف الصف ولا يجذب إليه أحدا من المأمومين، فإن فعل وأطاعه الآخر فهو خطأ منهما أي من الجاذب لفعله والمجذوب لإطاعته.
ويقال حبذ وجذب لغتان قاله في القاموس.
وليست مقلوبة، ووهم الجوهري.
وفي قوله ولا يجذب إلخ دليل على أنه لم يجد موضعا في الصف وإلا كره 1 وقوله: وصلاة منفرد إلخ مع حصول فضل الجماعة وفوات فضيلة الصف حيث كره فعله وإلا حصلت له فضيلة الصف أيضا لأنه كان ناويا الدخول فيه اهـ الخرشي.
وفي المواق: قال مالك في المدونة: من صلى خلف الصف وحده أجزأه، ولا بأس أن يصلي كذلك وهو الشأن، ولا يجذب إليه أحدا، فإن جذبه أحد ليقيمه معه فلا يتبعه، وهذا خطأ من

الذي يفعله ومن الذي جبذه.
قال ابن رشد: من صلى وحده وترك فرجة بالصف أساء، قال مالك في رواية ابن وهب: ويعيد أبدا والمشهور أنه أساء ولا إعادة عليه اهـ. وقال الحطاب عند قول خليل وصلاة منفرد خلف صف: يريد مع كرهة ذلك من غير ضرورة كما يفهم من قوله: وركع من خشي فوات ركعة دون الصف اهـ باختصار.
وقال الدردير في أقرب المسالك: وأحرم من خشي فوات ركعة دون الصف إن ظن إدراكه قبل الرفع وإلا تمادى إليه إلا أن تكون الأخيرة، ودب كالصفين لآخر فرجة راكعا أو قائما في ثانيته لا جالسا أو ساجدا، وإن شك في الإدراك ألغاها وقضاها بعد سلامه، كأن أدركه في الركوع وكبر للإحرام في انحطاطه اهـ. وإلى ذلك أشار المصنف بقوله " و " يجوز وقوف الرجل الواحد وراء الصف " لإدراك الركوع " أي لأجل إدراكه الركوع مع الإمام، هذا إن لم يجد مدخلا، قال بل " وإن وجد مدخلا إن قرب " يعني يجوز للمسبوق أن يركع دون الصف لإدراك الركعة قبل أن يرفع الإمام رأسه ولو كانت بين يديه فرجة حيث يخشى بالذهاب إليها فوت الركعة، فله أن يركع دون الصف ليدرك الركوع مع الإمام، ثم يدب ويصل إلى الصف إن قرب بكصفين.
قال العلامة الدردير على أقرب المسالك: يعني إن وجد الإمام راكعا وخاف أنه إن استمر للصف رفع الإمام رأسه من الركوع فتفوته الركعة فإنه يحرم ويركع دون الصف ثم يدب في ركوعه إلى الصف ويرفع برفع الإمام.
قال الصاوي إنما أمر بذلك لأن المحافظة على الركعة والصف معا خير من المحافظة على أحدهما فقط اهـ. ثم ذكر المصنف ما يلزم المأموم من النية والمتابعة والمساواة في نفس الصلاة وسائر هيئاتها وغير ذلك مما يتعلق بالاقتداء فقال رحمه الله تعالى: " ويلزم المأموم نية الاقتداء " يعني أن للاقتداء شروطا أي التي لا يصح الاقتداء إلا بها قد عدها بعضهم ثلاثة، وبعضهم خمسة.
قال صاحب العزية: فصل شروط صحة صلاة المأموم خمسة:

الأول الاقتداء، وهو أن ينوي أنه مأموم بالإمام، وأن صلاته تابعة لصلاته، فإن تابعه من غير نية بطلت صلاته اهـ. قال العلامة الشيخ عبد الباقي الزرقاني في شرحه على العزية: فإن تابعه من غير نية اقتداء مع عدم إخلال بشيء مما يطلب فيها فتصح، ويقع ذلك غالبا ممن يعلم في الإمام شيئا يقدح في صلاته وخشي بصلاته منفردا عنه الضرر، أو من أهل البدع الذين يرون عدم صحتها خلف غير معصوم.
قال العدوي أي ولا يخلو الزمان عن معصوم عندهم.
قال وعندنا لا معصوم إلا الأنبياء والملائكة اهـ، قلت وقول الزرقاني: فإن تابعه من غير نية إلخ هذا في غير الجمعة، وأما هي فتبطل عليه قولا واحدا لعدم صحتها للفذ فتنبه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومساواته في عين الصلاة " يعني أن الشرط الثاني من شروط صحة الاقتداء المساواة في عين الصلاة في ظهرية أو غيرها من الصلوات الخمس، فلا يصلي ظهرا خلف عصر، ولا العكس، ولا يصلي قضاء خلف من يصلي أداء، ولا العكس، ولا يأتم مفترض بمتنفل بخلاف العكس فيجوز مع الكراهة.
ولا بد من اتحاد عين الصلاة وزمنها.
قال في أقرب المسالك: فلا يصح صبح بعد شمس بمن أدرك ركعة قبلها، أي قبل الشمس فاقتدى به في الركعة الثانية لأنها للإمام أداء وللمأموم قضاء.
قال الصاوي: فالبطلان جاء من هذه الحيثية، ومن حيث اختلافهما في النية اهـ. وإلى هذا أشار المصنف بقوله رحمه الله تعالى: " فلا يأتم قاض بمؤد ولا بعكسه، ولا مفترض بمتنفل بخلاف عكسه " يعني أنه قد تقدم في المسألة قبل هذا أنه يشترط المساواة في عين الصلاة قضاء وأداء.
وفي العزية: أي من شروط صحة الاقتداء أن لا يأتم مفترض بمتنفل، وأن يتحدا في الأداء والقضاء، فلا يصلي ظهرا قضاء خلف من يصليه أداء، ولا العكس اهـ كما تقدم.
وفيها أيضا الخامس أي من شروط صحة الاقتداء المتابعة في الإحرام والسلام، فلو أحرم أو سلم قبل الإمام، أو ساواه فيهما بطلت صلاته.
وأما

غيرهما فالسبق فيه غير مبطل لكنه حرام والمساواة فيه مكروه اهـ. ويجمع ما تقدم ما أشار به العلامة الدردير في أقرب المسالك بقوله: ومساواة في ذات الصلاة وصفتها وزمنها، إلا نفلا خلف فرض، فلا يصح صبح بعد شمس بمن أدرك ركعة قبلها، ومتابعة في إحرام وسلام، فالمساواة مبطلة، وحرم سبقه في غيرهما، وكره مساواته، وأمر بعوده له إن علم إدراكه اهـ. هذا كما في الرسالة.
ونصها: ولا يرفع أحد رأسه قبل الإمام، ولا يفعل إلا بعد فعله، ويفتح بعده، ويقوم من اثنتين بعد قيامه، ويسلم بعد سلامه، وما سوى ذلك فواسع أن يفعله معه وبعده أحسن اهـ. ثم ذكر المصنف حكم المسمع وما قيل فيه، قال رحمه الله تعالى: " والصحيح " أي من الأقوال: " صحة صلاة المسمع " في نفسه " و " صحة " الصلاة به " أي الاقتداء بالإمام بسبب سماع صوته، كما يجوز اتخاذه ونصبه ليسمع المأمومين برفع صوته بالتكبير فيعلمون فعل الإمام؛ لأن المسمع علم على صلاة الإمام.
قال العلامة خليل في الجائزات: ومسمع واقتداء به.
أي وجاز اتخاذه ونصبه ليسمع المأمومين فيعلمون فعل الإمام ليقتدوا به بسبب سماع صوت المسمع، والأفضل رفع الإمام صوته حتى يسمع المأمومين ويستغنى عن المسمع قاله في جواهر الإكليل.
قال الخرشي: وفي قوله واقتداء به مسامحة لأن الاقتداء إنما هو بالإمام، أي وجاز للمقتدي أن يعتمد في انتقالات الإمام على صوت المسمع اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولو قام بين يدي الإمام وأمكنه الاقتداء جاز " يعني أن المأموم ولو مسمعا لو وقف بين يدي الإمام أو بحذائه بحيث يمكنه ضبط أحوال إمامه من أقواله وأفعاله جاز له ذلك، وصح اقتداؤه إذا كان معذورا في ذلك، وإن لم يكن له عذر كره له ذلك مع صحة الصلاة.
قال في العزية: تصح صلاة المأموم إذا تقدم على الإمام، لكنه يكره إذا كان لغير ضرورة اهـ. قال الصفتي فائدة: تصح

صلاة المأموم إذا تقدم على الإمام ولا إعادة عليه، ولو تقدم عليه جميع المأمومين متعمدين لذلك لا إعادة عليهم على المعتمد، كما في حاشية الخرشي، لكن إن كان التقدم عليه لضرورة فلا كراهة، وإن كان لغير ضرورة فيكره اهـ. ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بأحكام الجماعة والإمامة وما يلزم المأمومين انتقل يتكلم في أحكام وأمور شتى وذلك على التفصيل، فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في من يلحق بأحكام الجماعة

هذا الفصل ملحق بأحكام الصلاة في الجماعة، عقده المصنف في أمور متفرقة فبدأ بحكم من صلى وحده في بيته، أو لم يدرك مع لإمام ما يحصل به فضل الجماعة، فقال رحمه الله تعالى: " المنفرد بصلاة يندب إلى الإعادة في جماعة إلا المغرب " يعني أن من صلى وحده يستحب له الإعادة في الجماعة ليحصل فضلها إلا المغرب فلا يعيدها.
وقد تقدم لنا الكلام في ذلك في فصل قبل هذا عند قول المصنف الجماعة سنة مؤكدة فراجعه إن شئت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " يعيد بنية الفرض " قد تقدم أيضا أنه يعيد مأموما مفوضا أي ناويا بذلك التفويض فراجعه إن شئت.
ثم ذكر المصنف شيئا مما يكره فقال رحمه الله تعالى: " ويكره لغير " الإمام " الراتب إقامة الجماعة بعده " يعني أنه يكره إعادة الصلاة جماعة مرة ثانية بعد أن صلى الإمام الراتب في المسجد الذي يرتب فيه الصلوات الخمس أو بعضها، بل لو صلى الراتب منفردا يكره للجماعة ذلك بعده.
قال في الرسالة ويكره في كل مسجد له إمام راتب أن تجمع فيه الصلاة مرتين، والإمام الراتب إن صلى وحده قام مقام الجماعة،

أي في حصول فضيلة الجماعة المتقدمة وفي الحكم، فلا يعيد في جماعة أخرى، ولا تجمع الصلاة في ذلك المسجد مرة أخرى.
ومن صلى وحده يعيد معه ويجمع وحدة ليلة المطر كما تقدم لأن المشقة حاصلة في حقه.
ويقول سمع الله لمن حمده ولا يزيد ربنا ولك الحمد اهـ. أبو الحسن.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لا بالعكس " يعني أنه لا يكره للإمام الراتب إن صلى الجماعة في مسجده قبله أي له أن يصلي بجماعة أخرى ولا كراهة عليه ما لم يؤخر كثيرا وإلا كره.
قال العدوي في حاشيته على أبي الحسن: فإذا لم يؤخر كثيرا فيجوز له الجمع بعد جمع غيره حيث كان بغير إذنه وإلا كره اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " كذلك " لا " يكره " تكرارها " أي تعدد الصلاة جماعة بعد أخرى " بمسجد لا راتب له " والمعنى أنه يجوز تكرار الجماعة بلا كراهة في المسجد الذي لا راتب له.
قال العدوي: والكراهة إنما هي في الذي هو راتب فيه وأما ما لا راتب له فلا يكره تعدد الجماعة فيه اهـ. قال خليل في المكروهات: وإعادة جماعة بعد الراتب وإن أذن، وله الجمع غيره قبله إن لم يؤخر كثيرا وخرجوا إلا بالمساجد الثلاثة فيصلون بها أفذاذا إن دخلوها اهـ. قال الخرشي قوله: وإعادة جماعة إلخ، يعني أنه يكره للجماعة أن يجمعوا في مسجد وما تنول منزلته من كل مكان جرت العادة بالجمع فيه كسفينة أو دار، له إمام راتب بعد صلاة إمامه ولو أذن في ذلك؛ لأن للشرع غرضا في تكثير الجماعات ليصلي الشخص مع مغفور له فلذلك أمر بالجماعات وحض عليها، فإذا علموا بأنها لا تجمع في المسجد مرتين تأهبوا أول مرة خوفا من فوات فضيلة الجماعة.
ومن فضله شرع الجمعة لأنه قد لا يكون في الجماعة مغفور له، ثم شرع العيد لاجتماع أهل البلدان المتقاربة، ثم شرع الوقف الأعظم إذ يجتمع

فيه أهل الأقطار، وفيه اعتناء بالعيد.
واحترز بالجماعة من الواحد فإنه لا يكره له أن يصلي قبل الإمام أو بعده ما لم يعلم تعمده مخالفة الإمام بتقديم أو تأخير فيمنع.
وبقوله إمام راتب: احترز من غيره فإنه لا يكره أن تجمع فيه الصلاة مرتين فأكثر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن أدرك بعض الصلاة لم يقم إلا بعد سلام إمامه، فإن قام قبله لم يعتد بما فعل، وعاد ليقوم بعده ليقضي ما فاته على صفته " يعني أن المسبوق إذا أدرك شيئا من صلاة الإمام مما يدرك به فضل الجماعة، كأن يدرك معه ركعة كاملة فأكثر، فإنه لا يقوم لقضاء ما فاته إلا بعد سلام الإمام، فإن قام قبل سلام إمامه يؤمر بالرجوع ليقوم بعد سلامه، ولا يعتد بما فعل قبل ذلك.
قال في الرسالة: ومن أدرك ركعة فأكثر فقد أدرك الجماعة فليقض بعد سلام الإمام ما فاته على نحو ما فعل الإمام في القراءة، وأما في القيام والجلوس ففعله كفعل الباني المصلي وحده اهـ. قال العلامة الزروق في شرحه على الرسالة عند قول مصنفها فليقض بعد سلام الإمام ما فاته: يعني أنه لا يقضي إلا بعد سلام الإمام، فلو ظنه سلم فقال ثم بان له أنه لم يسلم رجع إليه ولو لم يعرف ذلك إلا بسلامه أو بعده.
ومعنى القضاء هنا إتيانه بما بقي عليه من بقية صلاته التي فاتته مع الإمام وإلا فهو بان في الأفعال قاض في الأقوال، لقوله على نحو ما فعل الإمام.
وفي كلامه إشكال من حيث إنه أحال مجهولا على مجهول وهو فعل الباني المصلي وحده إذ لم يتقدم له ذكر، والمقصود من ذلك أن من فسد له - وهو فذ - ركعة فأكثر من صلاته بنى على ما صح له منها وعمل على أنه أول صلاته، وكذلك هذا في أفعال صلاته لا في أقوالها، فالمأموم على حدته في بنائه والمدرك واسطة بينهما، فإذا أدرك مثلا ركعة من العشاء الأخيرة يأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهرا لأن الإمام كذلك فعل، ثم يجلس بعدها لأنها ثانية بنائه، ثم بأخرى بأم القرآن وسورة جهرا أيضا ثم ركعة بأم القرآن فقط

وهذه طريقة الأكثر اهـ. وبقي في المسألة طريقتان انظر شراح الرسالة وغيرها من كتب المذهب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وتدرك الصلاة ركعة لا بدونها، لكنه يبني على إحرامه " يعني أخبر المصنف رحمه الله تعالى أن المسبوق يدرك الصلاة - بمعنى فضل الجماعة - بإدراك ركعة كاملة بسجدتيها لا بأقل منها، لكن إن أدرك أقل من ركعة فإنه يبني على نيته بأن يتم صلاته منفردا لأنه بمجرد الإحرام لزمه إتمامها.
قال العلامة ابن جزي في القوانين الفقهية في الباب الثامن عشر: فروع ثلاثة: الفرع الأول: من ركع فمكن يديه من ركبتيه قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع فقد أدرك الركعة عند الأربعة، فإن شك هل رفع الإمام رأسه أم لا لم يعتد بتلك الركعة ولا يعتد بإدراك السجود.
الفرع الثاني: إذا لم يدرك المسبوق ركوع الركعة الأخيرة فدخل في السجود أو الجلوس فقد فاتته الصلاة كلها، فيقوم فيصليها كاملة، فإن جرى له ذلك في الجمعة صلاها ظهرا أربعا.
وقال أبو حنيفة ركعتين جهرا.
الفرع الثالث: إذا قام المسبوق بعد سلام الإمام قام بتكبير إن كان جلوسه مع الإمام موضع جلوس له، وذلك بأن يصلي معه ركعتين، وإلا قام بغير تكبير وذلك إذا صلى معه ركعة أو ثلاثا.
وقيل بتكبير اهـ. قال العلامة أبو الضياء السيد خليل: وإنما يحصل فضلها بركعة، أي بإدراك ركعة فأكثر مع الإمام بأن يدركه قبل أن يرفع من الركوع وإن لم يطمئن إلا بعده بأن ينحني قبل رفع الإمام من الركوع.
ونقل ابن عرفة عن ابن يونس وابن رشد أن فضلها يحصل ويدرك بجزء قبل سلام الإمام، وأما حكمهما فلا يثبت إلا بركعة لا بأقل منها، وحكمها أن لا يقتدي به ولا يعيد في جماعة، ويترتب عليه سجود سهو إمامه وتسليمه عليه وعلى من على يساره وصحة استخلاف اهـ. جواهر الإكليل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن أدركه راكعا أو ساجدا كبر للإحرام ثم

للهوي و " إن أدركه حال كونه " قائما " كبر " للإحرام فقط " هذا ظاهر.
قال ابن عاشر في مرشد المعين على الضروري من علوم الدين: وأحرم المسبوق فورا ودخل... مع الإمام كيفما كان العمل مكبرا إن ساجدا أو راكعا... ألفاه لا في جلسة وتابعا يعني أن المسبوق إذا دخل فوجد الإمام يصلي فإنه يكبر تكبيرة الإحرام فورا أي بنفس دخوله ويدخل مع الإمام كيفما وجده قائما أو راكعا أو ساجدا أو جالسا، ثم إن كان قد وجده في الجلوس وأحرى في القيام فلا يكبر إلا تكبيرة الإحرام فقط كما قال المصنف، انظره في ميارة.
قال الشيخ خليل: وكبر المسبوق لركوع أو سجود بلا تأخير، لا لجلوس.
ولما أنهى الكلام على هذا الفصل انتقل يتكلم على حكم قضاء الفوائت وترتيبها وما يتعلق بها من اشتراط الذكر والقدرة على الوجه الذي تبرأ به الذمة، فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في قضاء الفوائت

اعلم أن هذا الفصل مما ينبغي به الإنسان أي المكلف ليتدارك ما فاته من فرائض الأعيان من الصلوات وغيرها، فالمراد تداركها وقضاؤها وترتيبها على هيئتها التي فاتت عنها من كونها في الحضر أو السفر، ولذا قال رحمه الله تعالى: " يجب ترتيب الفوائت مع الذكر، خمس فما دونها، تقدم على الحاضرة " يعني أنه يجب على المكلف أن يجمع همته ويبذل جهده في تخليص نفسه بإدراك ما فاته مما أوجب الله عليه.
قال صاحب العزية: يجب على المكلف قضاء ما فاته من الصلوات المفروضة مرتبة في أي وقت كان، ويجب ترتيب الحاضرتين المشتركتين في الوقت، فإن خالف أعاد الثانية أبدا.

ويجب تقديم الفوائت على الحاضرة وإن خرج وقت الحاضرة ما لم تزد على خمس صلوات، فإن زادت عليها على أحد القولين المشهورين، أو على الأربع على المشهور الآخر قدمت الحاضرة إذا ضاق وقتها اهـ. وفي الرسالة: ومن عليه صلوات كثيرة صلاها في كل وقت من ليل أو نهار، وعند طلوع الشمس وعند غروبها، وكيفما تيسر له، وإن كانت يسيرة أقل من صلاة يوم وليلة بدأ بهن وإن فات وقت ما هو في وقته، وإن كثرت بدأ بما يخاف فوات وقته اهـ. وفي الأخضري: يجب قضاء ما في الذمة من الصلوات، ولا يحل التفريط فيها، ومن صلى كل يوم خمسة أيام فليس بمفرط، ويقضيها على نحو ما فاتته، إن كانت حضرية قضاها حضرية وإن كانت سفرية قضاها سفرية سواء كان حين القضاء في حضر أو سفر.
والترتيب بين الحاضرتين وبين يسير الفوائت مع الحاضرة واجب مع الذكر.
واليسير أربع صلوات فأدنى.
ومن كانت عليه أربع صلوات فأقل صلاها قبل الحاضرة ولو خرج وقتها أي وقت الحاضرة ويجوز القضاء في كل وقت، ولا يتنفل من عليه القضاء ولا يصلي الضحى ولا قيام رمضان، ولا يجوز له إلا الشفع والوتر والفجر والعيدان والخسوف والاستسقاء ويجوز لمن عليهم القضاء أن يصلوا جماعة إذا استوت صلاتهم.
ومن نسي عدد ما عليه من القضاء صلى عددا لا يبقى معه شك.
اهـ اعلم يا أخي وفقنا الله تعالى لما يحب ويرضى إذا ذكر المصلي صلاة وهو في الصلاة التي تليها كأن ذكر الظهر في العصر مثلا فالتي هو فيها وهي العصر تبطل وإليه أشار رحمه الله بقوله: " وتبطل بذكرها فيها " أي بمجرد ذكرها إن كانتا حاضرتين، وأما لو كانت المذكورة فائتة بأن خرج وقتها لم تفسد بمجرد الذكر إلا أن يفسدها، وظاهر ما في الرسالة فسادها بمجرد الذكر، ونصها: ومن ذكر صلاة في صلاة فسدت هذه عليه اهـ. وفي العزية: ومن ذكر فائتة في وقتية يجب ترتيبها معها فإن كان فذا قطع ما لم يعقد ركعة بوضع يديه عللا ركبتيه، فإن عقدها ضم إليها أخرى وخرج عن شفع، وإن كان إماما قطع ولا يستخلف، ويسري ذلك لصلاة المأمومين،

وإن كان مأموما تمادى مع إمامه، فإذا فرغ صلى ما نسي ثم يعيد ما صلى مع الإمام في الوقت، فإذا كانت جمعة صلاها ظهرا اهـ. ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " وبعدها يعيدها في الوقت " أي إنه إذا تذكر المنسية بعد أن سلم من الثانية فإنه يعيدها في الوقت استحبابا بعد أن يأتي بالمنسية التي هي الأولى لتقدم وقتها قبل هذه المعادة التي هي الثانية.
انظره في الفواكه عند قول صاحب الرسالة: ومن ذكر صلاة في صلاة إلخ قال ابن جزي: المسألة الرابعة ترتيب الفوائت مع المفعولات مثل أن يصلي الظهر ثم يذكر فوائت، فإن فرغ منها قبل خروج الوقت الضروري أعاد الظهر استحبابا لأن ترتيب المفعولات مستحب في الوقت اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " وليأت بعدد ما يبرئه " قال ابن جزي: فيجب أن يأتي بما تبرأ به ذمته بيقين، كمن شك هل ترك واحدة أو اثنتين صلى اثنتين اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " ففي نهارية مجهولة يصلي النهاريات " يعني إن جهل عين الصلاة المتروكة لكنه تيقن أنها نهارية فيجب عليه أن يأتي بما تبرأ به ذمته بيقين بأن يصلي الصبح والظهر والعصر.
قال رحمه الله: " و " إن جهل عين الصلاة المتروكة " في ليلية كذلك " يعني أنه يصلي صلاتين ليلتين وهما 1 " العشاءين " أي المغرب والعشاء ولا تبرأ الذمة إلا بهما.
هذا إذا تيقن في ذلك أن المتروك صلاة واحدة وعلم أنها نهارية أو ليلية، وأما إن جهل كونها ليلية أو نهارية بأن كانت واحدة وجهل عين الوقت، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي " نسيان الصلاة أو تركها ولو عمدا مع " جهلة من أيهما " كانت المنسية أو المتروكة أهي ليلية أو نهارية فإنه يصلي الصلوات " الخمس " إذ الذمة لا تبرأ إلا بذلك.
قال خليل: وإن جهل عين منسية مطلقا صلى خمسا، وإن علمها دون يومها صلاها ناويا له اهـ قال ابن جزي: الثاني:

الشك في تعينها فيجب أن يأتي بما تبرأ به ذمته بيقين، كمن نسي صلاة لا يدري أي الخمس هي صلى خمسا، فإن نسي نهارية صلى صبحا وظهرا وعصرا، أو ليلية صلى مغربا وعشاء اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي " جهل عين وقت صلاتين " اثنتين " منسيتي وقتهما مع علم عينهما إلا أنه " لا يدري السابقة " منهما فإنه يصلي " ثلاثا يعيد المبدوء بها " يعني أنه إن نسي ترتيب صلاتين معينتين من يومين لا يدري السابقة منهما بأن لم يعلم عين اليومين، أو لم يعلم السابق منهما فإنه يصلي ثلاثا بأن يصلي صلاتين ثم يعيد المبدوء بها.
قال الشيخ خليل: وفي صلاتين من يومين معينتين لا يدري السابقة صلاهما وأعاد المبتدأة اهـ. وقال ابن جزي: الثالث: الشك في ترتيبهما مع علم عددهما، كمن نسي ظهرا وعصرا إحداهما للسبت والأخرى للأحد لا يدري أيهما للسبت ولا للأحد فالمشهور مراعاة الترتيب، فيصلي ثلاث صلوات ظهرا بين عصرين أو عصرا بين ظهرين ليحصل الترتيب بيقين.
قال والقانون في ذلك أن تضرب عدد الصلوات في أقل منهما بواحد وتزيد على المجموع واحدا، فلو نسي ثلاثا صلى سبعا، وإن نسي أربعا صلى ثلاث عشرة، وإن نسي خمسا صلى إحدى وعشرين، وأي صلاة بدأ بها ختم بها اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " في نسيان صلاتين " متوالتين مجهولتي العين والسبق " صلى وجوبا " ستا كذلك " أي مثل ذلك الحكم المتقدم من إعادة المبدوء بها للترتيب، وهذا الحكم من كونه يصلي ستا هو المشهور يؤيد ما قاله قول الشيخ خليل، خلافا لما في الدردير على أقرب المسالك، ونصه: وفي جهل صلاة وثانيتها، كأن يعلم أن عليه صلاتين الثانية منهما تلي الأولى ولم يدر أهي الظهر مع العصر، أو العصر مع المغرب، أو المغرب مع العشاء، أو العشاء مع الصبح، صلى خمسا فقط لا ستا، فإذا بدأ بالظهر ختم بالصبح.
قال الصاوي في حاشيته عليه: الحاصل أن ما قاله المصنف - يعني به الدردير - مبني

على المعتمد من أن ترتيب الفوائت في أنفسها واجب غير شرط.
وقول خليل في هذه المسألة وما بعدها صلى ستا مبني على أن الترتيب واجب شرطا، يبدأ بالظهر ويختم بها على هذا القول.
وقد صورنا ذلك عند قول المصنف لكن في عمله يثني بباقي المنسي، انظره مع باقي الكلام في كلا الكتابين اهـ بزيادة إيضاح.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " في جهل عين " ثلاث " من الصلوات كظهر وعصر ومغرب من ثلاثة أيام معينة أم لا ولم يدر السابقة منها قال صلى " سبعا " لتبرأ ذمته بأن يصليها مرتبة أي متوالية، ويعيدها كذلك، ويعيد التي ابتدأ بها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " في جهل عين " أربع " من الصلوات الفوائت المتوالية من يوم وليلة، ولا يدري سبق الليل والنهار، ولا عكسه، وهي الصلاة وثانيتها وثالثتها ورابعتها قال صلى " ثمانيا ". الخمس مرتبة ويعيد الأولى والثانية والثالثة للترتيب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " جهل عين " خمس " من الصلوات كذلك أي متوالية لا يدري السابقة منها قال صلى " تسعا " قال الشيخ خليل: في هذه المسائل الثلاث وصلى في ثلاث مرتبة من يوم لا يعلم الأولى سبعا وأربعا ثمانيا وخمسا تسعا.
قال الخرشي: لما قدم أن من جهل عين منسية يصلي خمسا، ومنسية وثانيتها يصلي ستا، وكان الضابط لذلك أنه كلما زاد واحدة زادها على الخمس الثابتة للواحدة، فإذا نسي ثلاث صلوات مرتبة، أي متوالية من يوم وليلة ولا يعلم الأولى منها فإنه يصلي سبع صلوات مرتبة لأن للواحدة المجهولة من الثلاث خمسا، فيبدأ بالظهر ويختم بالعصر.
وإذا نسي أربع صلوات مرتبة أي متوالية من يوم وليلة ولا يعلم الأولى منها فإنه يصلي ثماني صلوات مرتبة، لأن للواحدة المجهولة من الأربع خمسا، وإذا نسي خمس صلوات متوالية من يوم وليلة ولا يعلم الأولى منها فإنه يصلي تسع صلوات، لأن للواحدة المجهولة من الخمس خمسا، فقوله هنا من يوم أي وليلة، ولا بد أن لا يعلم سبق الليل لليوم وعكسه وفهم من قوله لا يعلم الأولى أنه لا

يعلم أعيان الصلوات اهـ. وفي جواهر الإكليل: وإن علم تقدم الليل صلى خمسا مبتدئا بالمغرب، وإن علم تقدم النهار صلى خمسا أيضا لكن يبدأ بالصبح، ولكنه في هذين القسمين عالم بالعين والترتيب اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " وما لا يحصيهن حتى يغلب على ظنه براءته " لأن غالب الظن كاليقين، فالمدار أن يتحقق براءة ذمته ولو بغلبة الظن.
قال الأخضري: ومن نسي عدد ما عليه من القضاء صلى عددا حتى لا يبقى معه شك.
وقال ابن جزي في القوانين: فيجب أن يأتي بما تبرأ به ذمته بيقين، كمن شك هل ترك واحدة أو اثنتين صلى اثنتين.
وفي الرسالة: ومن عليه صلوات كثيرة صلاها في كل وقت من ليل ونهار.
فراجعه إن شئت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا يمنع القضاء في وقت الكراهة ولا في غيره " يعني أنه يجوز القضاء في كل وقت سواء عند طلوع الشمس، أو عند غروبها، أو وقت الكراهة كبعد العصر، والمطلوب براءة الذمة مما عليه.
قال مالك في المدونة: ومن نسي صلوات كثيرة أو ترك صلوات كثيرة فليصل على قدر طاقته، وليذهب إلى حوائجه فإذا فرغ من حوائجه صلى أيضا ما بقي عليه حتى يأتي على جميع ما نسي أو ترك، ويقيم لكل صلاة، ويصلي النهار بالليل ويسر، ويصلي صلاة الليل بالنهار ويجهز بصلاة الليل في النهار اهـ.

حكم تارك الصلاة

ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى حكم تارك الصلاة، وهو على قسمين: إما أن يكون الترك تهاونا وكسلا وهو مقر بوجوبها،/ وإما أن يكون الترك جحدا وهو غير مقر بوجوبها، وأشار المصنف إلى الأول بقوله: " وتارك الصلاة تهاونا ليخرج وقتها الضروري

يضرب ويهدد بعد أمره ثلاثا " وفي نسخة لخروج وقتها الضروري وهما صحيحتان أي لأجل أن يخرج أو إلى خروج وقتها الضروري من غير مبالاة ولا اكتراث فحكمه أنه يؤمر بها، ثم يهدد، ثم يضرب.
وقوله بعد أمر ثلاثا أي مرة بعد مرة في وقت واحد بقدر اتساع وقت تلك الصلاة إلى أن يبقى من وقتها الضروري مقدار ركعة كاملة بسجدتيها، ولا يقدر فيها طمأنينة ولا اعتدال صونا للدماء ما أمكن، فإن صلى فلله الحمد، وإن لم يصل قتل بالسيف حدا، ويصلي عليه غير أهل الفضل والصلاح، ويدفن في مقابر المسلمين، ولا يطمس قبره، ولا يقتل بالفائتة.
قال أبو الضياء سيدي خليل: ومن ترك فرضا أخر لبقاء ركعة بسجدتيها من الضروري، وقتل بالسيف حدا، ولو قال أنا أفعل، وصلى عليه غير فاضل، ولا يطمس قبره، لا فائتة على الأصح اهـ. قوله: ولو قال أنا أفعل هذا ما لم يفعل وإلا فلا يقتل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن فعل أو وعد " ترك وانتظر، فإن فعل فلله الحمد " وإلا " أي وإن لم يصل حتى خرج وقتها الضروري قال: " قتل " بالسيف " حدا " لا كفرا لأنه أقر بوجوبها إلا أنه امتنع من فعلها وماله لورثته.
وأما من ترك الصلاة جحدا وعنادا فقد أجمع أهل العلم على كفره.
قال المصنف عاطفا على قوله: تهاونا.
" وجحدا كفرا " قال العلامة خليل: والجاحد كافر، أي مرتد عن دين الإسلام يستتاب ثلاثة أيام، فإن تمت ولم يتب يقتل بالسيف كفرا فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يورث ماله فهو فيء لمصالح المسلمين.
وكذا كل من جحد حكما شرعيا مجمعا عليه معلوما لعامة الناس كالصوم والزكاة وغيرهما بلا عذر شرعي.
قاله الأبي في جواهر الإكليل مع إيضاح اهـ. قال العلامة ابن رشد في المقدمات: فمن جحد الصلاة فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وكان ماله للمسلمين كالمرتد إذا قتل على ردته بإجماع من أهل العلم لا اختلاف

بينهم فيه، وأما من أقر بفرضها وتركها عمدا من غير عذر فاختلف أهل العلم فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كافر ينتظر به إلى آخر وقت الصلاة فإن صلى وإلا قتل وكان ماله لجميع المسلمين كالمرتد، روي هذا عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي الدرداء، وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب: ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية أن من ترك صلاة واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر حلال الدم إن لم يتب، فإن تاب وإلا قتل، وكان ماله لجميع المسلمين، كالمرتد إذا قتل على ردته اهـ. قال ابن جزي: تارك الصلاة إن جحد وجوبها فهو كافر بإجماع، وإن أقر بوجوبها وامتنع من فعلها فيقتل حدا لا كفرا وفاقا للشافعي.
وقال ابن حبيب وابن حنبل: يقتل كفرا.
وقال أبو حنيفة يضرب ويسجن حتى يموت أو يرجع اهـ. وقد تقدم لنا الكلام في هذه المسألة في أول كتاب الصلاة من هذا الكتاب فراجعه إن شئت.
ثم شرع المصنف يذكر المواضع التي تكره فيها الصلاة بقوله رحمه الله تعالى: " وتكره الصلاة في متعبدات الكفار " أي كالكنائس، والبيع، وبيت النار.
قال خليل: وكرهت بكنيسة ولم تعد.
ولا فرق في الكراهة بين العامرة والخربة، ولا بين أن يصلي على فراشها أو غيره حيث صلى فيها اختيارا.
وأما الإعادة فمشروطة بأن يصلي بها اختيارا وكانت عامرة وصلى على فرشها فيعيد في الوقت بمنزلة من صلى على نجاسة ناسيا.
انظر الفواكه اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمزبلة " يعني تكره الصلاة في الموضع الذي تطرح فيه الزبالة إن لم يتيقن طهارته وإلا فلا كراهة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمجزرة " أي وتكره الصلاة في الموضع الذي يعد للتذكية ما لم يتيقن منه الطهارة وإن تيقن الطهارة منه فلا كراهة.

قال المصنف رحمه الله تعالى: " وقارعة الطريق " قال العلامة النفراوي في الفواكه ومحل الكراهة في المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق عند الشك في الطهارة، وتعاد الصلاة في الوقت ولو صلى عامدا انظره اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمقبرة القديمة وقيل مطلقا " يعني أنه تكره الصلاة في المحل الذي يدفن فيه الناس عادة، سواء مقابر المشركين أو مقابر المسلمين، سواء عامرة أو دارسة.
قال النفراوي: والنهي للكراهة حيث شك في طهارته، وأما لو تحققت نجاستها فتمنع الصلاة فيها.
عند الأمن من نجاستها، ولذلك شهر العلامة خليل جواز الصلاة في المحجة والمقبرة والمزبلة إن أمنت تلك البقاع من النجس، ولا فرق بين مقبرة مسلم وكافر.
ولفظ خليل: وجازت بمربض بقر أو غنم.
كمقبرة ولو لمشرك، ومزبلة، ومحجة ومجزرة إن أمنت من النجس، وإلا فلا إعادة - أي أبدية - على الأحسن.
إن لم تتحقق، فعلم منه أن محل النهي في الجميع إن لم توقن طهارة تلك البقاع.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والحمام إلا أن يكون موضعا طاهرا مستورا " يعني أي وتكره الصلاة في المحل الذي يعد للاستحمام، أي للاغتسال بالماء الحميم 1 أي المسخن إلا أن يكون طاهرا متيقنا بعدم النجاسة فيه فلا كراهة إذا، كخارجه وهو موضع نزع الثياب فتجوز الصلاة فيه بدون توقف حيث لم يتيقن نجاسته، لأن الغالب على خارجه الطهارة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والدار المغصوبة " يعني وتكره الصلاة في الدار التي أخذها الظالم قهرا وعجز صاحبها عن تخليصها منه، فالصلاة فيها مكروهة.
قال النفراوي في الفواكه: لكن لا إعادة معها على المشهور.

قال المصنف رحمه الله تعالى: " والحجر " بكسر الحاء، أي حجر إسماعيل عليه السلام، وهو بناء مقوس حول الكعبة، فالصلاة فيه تارة قد تكون ممنوعة وتارة قد تكون مطلوبة وتارة قد تكون مكروهة على التفصيل كما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " يمنع الفرض في الكعبة وعلى ظهرها أشد " يعني أن الصلاة المفروضة ممنوعة في الكعبة والحجر، وتأكد المنع في إيقاع الصلاة المفروضة على ظهرها.
قال العلامة الشيخ أحمد النفراوي في الفواكه: وحاصل ما يتعلق بالصلاة داخل الكعبة أو خارجها، أن الصلاة داخلها على ثلاثة أقسام: إن كانت مندوبة تستحب، وإن كانت رغيبة أو سنة تمنع ابتداء وتصح بعد الوقوع ولا تعاد، وإن كانت مفروضة تمنع وتعاد في الوقت الاختياري، وأول بالنسيان، وبالإطلاق.
قال خليل: وجازت سنة فيها وفي الحجر لأي جهة، لا فرض فيعاد في الوقت، وأول بالنسيان، وبالإطلاق.
قال المحققون من شراحه معنى جازت: سنة مضت، وأما الصلاة خارجها فإن كانت تحتها فهي باطلة ولو نافلة ولو كان بين يديه جميع جدارها، والفرض والنفل سواء، وإن كان فوقها فالفرض باطل، وأما صلاة النفل على ظهرها ففيها قولان بالصحة وعدمها.
والدليل على ذلك الكتاب والسنة والعمل اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " وقيل بإباحة النافلة فيها دون الفريضة " وفي نسخة بإسقاط لفظ فيها، والصواب إثباته، والضمير في فيها يعود إلى الكعبة.
قال خليل: وجازت سنة قيها وفي الحجر لأي جهة إلخ فراجعه إن شئت.
وقال العلامة الشيخ أحمد الزروق في شرح الرسالة: المشهور جواز النفل في الكعبة، لا الفرض ولا الوتر ولا ركعتي الفجر.
وقال أشهب بجواز جميع ذلك اهـ مع إيضاح.
وقال ابن جزي في القوانين: وتكره في المذهب الصلاة على غير الأرض وما تنبته اهـ.

قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويشترط طهارة موضعها كالثوب " وكأن المصنف رحمه الله تعالى رجع إلى إتمام ما فاته في باب الطهارة من ذكر بعض شروط الصلاة وهو موضع طاهر، كما أن طهارة الثوب والبدن من شروطها مع الذكر والقدرة، وتسمى بطهارة الخبث كما تقدم لنا بيان ذلك في أول كتاب الطهارة.
قال في الرسالة: وطهارة البقعة للصلاة واجبة وكذلك طهارة الثوب، فقيل إن ذلك فيهما واجب وجوب الفرائض، وقيل وجوب السنن المؤكدة انظر آخر فصل ستر العورة من هذا الكتاب عند قول المصنف وإزالة النجاسة إلخ تجد هناك ما يشفي العليل إن شاء الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن ستر النجاسة بما لا يحركها صحت كما لو كانت في طرف بساط وصلى على الآخر " يعني أن المصلى على محل النجس له أن يجعل شيئا كثيفا ساترا ويصلي عليها إذا كانت لا تتحرك بحركاته، سواء كان مريضا أو صحيحا.
قال خليل: ولمريض ستر نجس بطاهر ليصلي عليه، كالصحيح على الأرجح اهـ قال المواق من المدونة قال مالك: لا بأس أن يصلي المريض على فراش نجس إذا بسط عليه ثوبا طاهرا كثيفا؛ وقال ابن يونس.
قال بعض شيوخنا إنما رخص في هذا للمريض خاصة، وقال بعضهم بل ذلك جائز للصحيح، لأن بينه وبين النجاسة حائلا طاهرا، كالحصير إذا كان بموضعه نجاسة، والسقف إذا صلى بموضع طاهر وتحرك منه موضع النجس أن ذلك لا يضره لأن ما صلى عليه طاهر فكذلك هذا.
قال ابن يونس.
وهو الصواب اهـ. وعليه مشى صاحب العزية بقوله: وإذا كان المكان نجسا وجعل عليه ساترا طاهرا كثيفا - بمثلثة - أي ثخينا جازت الصلاة عليه مطلقا، أعني للمريض والصحيح على ما رجحه ابن يونس اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " والشمس لا تطهر " يعني أن الشمس ليست

من المطهرات للنجاسة.
هذا مذهب جمهور أهل العلم، خلافا لأبي حنيفة.
قال العلامة الشيخ محمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني الشافعي في كتاب " رحمة الأمة في اختلاف الأئمة " فصل ليس للنار والشمس في إزالة النجاسة تأثير إلا عند أبي حنيفة، حتى إن جلد الميتة إذا جف في الشمس طهر عنده بلا دبغ، وكذلك إذا كان على الأرض نجاسة فجفت في الشمس طهر موضعها، وجازت الصلاة عليه، لا التيمم به، وكذلك النار تزيل النجاسة عنده اهـ، انظر مبحث فيما تزال به النجاسة في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة تجد فيه كلام الحنفية في نفس المسألة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويعفى عن يسير ما عدا الأخبثين " هما البول والغائط وما عداهما قال: " وهو قدر الدرهم فدونه " من كل مستقذر، يعني أن الشريعة السمحاء قد خففت عن العباد بعض النجاسة التي يشق عليهم غسلها بالماء تلطفا من الله سبحانه وتسامحا في الدين.
قال العلامة النفراوي في الفواكه: خاتمة، ذكر العلامة خليل ضابطا كليا لما يعفى عنه مما هو محقق النجاسة أو مظنونها بقوله: وعفي عما يعسر كحدث مستنكح، وبلل باسور في يد أو ثوب إن كثر الرد، وثوب مرضعة تجتهد، ودون درهم من دم مطلقا، وقيح وصديد، وبول فرس لغاز بأرض حرب، وأثر ذباب من عذرة، وموضع حجامة مسح، كطين مطر وإن اختلطت العذرة بالمصيب ولم تغلب، وذيل امرأة مطال للستر، ورجل بلت يمران بنجس يبس يطهران بما بعده، وخف ونعل من روث دواب وأبوالها إن دلكا بغير الماء، لأن الخف والنعل والقدم والمخرجين وموضع الحجامة والسيف الصقيل يجزي فيها زوال النجاسة بغير الماء اهـ. وفي العزية: فصل يعفى عن يسير الدم مطلقا، أعني سواء كان دم حيض أو نفاس أو ميتة رآه في الصلاة أو خارجها من جسده أو غيره، ويسير القيح والصديد، واليسير ما دون الدرهم، والمراد بالدرهم البغلي الدائرة التي تكون بباطن الذراع من البغل، وعن أثر الدمل

إذا لم ينك، أي لم يعصر، وعن دم البراغيث، وطين المطر وإن كانت العذرة فيه إلا أن تكون النجاسة غالبة أو يكون لها عين قائمة اهـ. ولله در القائل: وكل ما شق فعنه يعفى... لعسره والدين يسر لطفا كثوب قصاب وثوب المرضعه... وبلل الباسور أو ما ضارعه ومثله طين الرشاش والمطر... أو حدث مستنكح أو كالأثر من دمل لم ينك أو ذباب... إن طار عن نجس على الثياب أو خرء يرعوث ودون الدرهم... من عين قيح أو صديد أو دم أو ما على المجتاز مما سلا... وصدق المسلم فيما قالا قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويطهر المحل بانفصال الغسالة غير متغيرة " قال خليل: والغسالة المتغيرة نجسة.
الحطاب: الغسالة هي الماء الذي غسلت به النجاسة، ولا شك في نجاستها إذا كانت متغيرة، وسواء كان تغيرها بالطعم أو اللون أو الريح اهـ يعني كما في عبارة الخرشي أن المحل النجس يطهر بغسله بالماء الطهور بشرط أن ينفصل الماء عن المحل طهورا باقيا على صفته، ولا يضر التغير بالأوساخ والصبغ الطاهر على المعتمد، وأما لو انفصل متغيرا كالثوب الأزرق المتنجس وانفصل الماء متغيرا على صفتها فإن المنفصل منه نجس، وإن انفصل الماء عن المحل طهورا فالغسالة طاهرة ولا يلزم عصره لأن الفرض أن الماء انفصل طهورا، والباقي في المحل كالمنفصل والمنفصل طاهر اهـ مع التقديم والتأخير.
ولما أنهى الكلام على حكم البقاع وما يتعلق بذلك انتقل يتكلم على أحكام السهو فقال:

جارٍ التحميل