الصلاة لغة الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: 99] أي دعواته.
وقال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103] أي ادع لهم ﴿إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: 103] أي دعواتك طمأنينة لهم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه الناس بصدقاتهم - أي بهديتهم - يدعو لهم.
فهذا معناها لغة.
وأما شرعا فهي الأقوال والأفعال المخصوصة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم.
فهي فرض عين على كل مسلم مكلف، أي بالغ عاقل، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، بلغته الدعوة، خال من الموانع كالحيض والنفاس.
فرضت بمكة ليلة الإسراء بعد عشر سنين وثلاثة أشهر من البعثة.
وقيل قبل الهجرة بسنة.
فالصلاة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.
اتفق الأئمة على أن تاركها جحدا وإنكارا كافر يقتل كفرا.
وأما تاركها كسلا وتهاونا فذهب الإمام إلى أنه يقتل كفرا أيضا.
وقال الشافعي ومالك: يقتل حدا لا كفرا.
وقال أبو حنيفة ولكنه يسجن حتى يصلي أو يموت في سجنه فهي من العبادات التي لا تقبل النيابة، بل هي بدنية محضة.
وهي ثلاثة أقسام: فرائض وسنن ونوافل.
وقد أجمع المسلمون على أن الصلاة المفروضة المعينة خمس صلوات في اليوم والليلة، وهي صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح وكل واحدة منها لها وقتان اختياري وضروري.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " يدخل وقت الظهر " أي المختار " بالزوال " أي يدخل أول المختار للظهر بزوال الشمس عن كبد السماء " وهي زيادة الظل بعد غاية نقصه " قال في الرسالة: ووقت الظهر إذا زالت الشمس عن كبد السماء وأخذ الظل في
الزيادة، ويستحب أن تؤخر في الصيف إلى أن يزيد ظل كل شيء ربعه بعد الظل الذي زالت عليه الشمس.
وقيل إنما يستحب ذلك في المساجد ليدرك الناس الصلاة، وأما الرجل في خاصة نفسه فأول الوقت أفضل له.
وقيل أما في شدة الحر فالأفضل له أن يبرد بها وإن كان وحده لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم " وآخر الوقت أن يصير ظل كل شيء مثله بعد ظل نصف النهار اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وآخر الاختياري إذا صار ظل الشخص مثله بعد ظل الزوال، وهو أول وقت العصر وآخره مثليه " يعني قد أخبر أن آخر الوقت المختار للظهر هو أول المختار للعصر.
وقال في الرسالة في باب أوقات الصلاة: وأول وقت العصر آخر وقت الظهر.
وآخره أن يصير ظل كل شيء مثليه بعد ظل نصف النهار اهـ. والمذهب أن إقامة العصر أول وقتها أفضل.
قال مالك في المدونة: إن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله " إن أهم أموركم عندي الصلاة فمن حفظهما وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع " ثم كتب " أن صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعا إلى أن يكون ظل أحدكم مثله، والعصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة قبل غروب الشمس " اهـ وكذا في الموطأ بزيادة لفظة قبل غروب الشمس.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمغرب بالغروب مقدر بفعلها بعد تحصيل شروطها " يعني أن المختار للمغرب يدخل بغروب قرص الشمس وهو وقت مضيق غير ممتد، يقدر بفعلها بعد تحصيل شروطها وهو طهارتا الخبث والحدث، كبرى وصغرى، مائية وترابية، وستر عورة، واستقبال قبلة، وأذان، وإقامة.
قال الخرشي: ويجوز لمحصل الشروط التأخير بقدر تحصيلها أن لو كان غير محصل لها؛ بأن يتأخر قليلا قدر الأذان والإقامة اهـ. وكذا في الدردير.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والعشاء بغروب الحمرة إلى منتهى الثلث " يعني
أن مختار العشاء الأخيرة يدخل بمغيب الحمرة الذي بالمغرب وهو الشفق، ثم يمتد إلى منتهى ثلث الليل الأول.
قال في الرسالة: فإذا لم يبق في المغرب صفرة ولا حمرة فقد وجب الوقت، ولا ينظر إلى بياض في المغرب، فذلك لها وقت إلى ثلث الليل ممن يريد تأخيرها لشغل أو عذر، والمبادرة بها أولى.
ولا بأس أن يؤخرها أهل المساجد قليلا لاجتماع الناس.
ويكره النوم قبلها والحديث لغير شغل بعدها اهـ.
قال المصنف رحمع الله تعالى: " والصبح بالفجر الصادق إلى الإسفار الأعلى " قال العلامة الدردير في أقرب المسالك: وللصبح من طلوع الفجر الصادق للإسفار البين، أي أول المختار لصلاة الصبح من طلوع الصادق وهو ما ينتشر ضياؤه حتى يعم الأفق، احترازا من الكاذب وهو الذي لا ينتشر، بل يخرج مستطيلا يطلب وسط السماء دقيقا يشبه ذنب السرحان، أي الذئب، ثم يذهب، ثم يخرج الفجر الصادق، وينتهي مختاره إلى الإسفار البين، أي الذي تظهر فيه الوجوه ظهورا بينا وتختفي النجوم.
وقيل بل إلى طلوع الشمس ولا ضروري لها.
والصحيح أن لها ضروريا من الأسفار الأعلى إلى بلوغ الشمس.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والأفضل التغليس بها " الضمير عائد إلى الصبح والغلس اختلاط ظلمة الليل بضياء النهار وهو معنى المبادرة بها.
يعني أن الأفضل للمصلي أن يصلي الصبح من أول وقتها بالغلس، لما في الحديث: " أفضل الأعمال الصلاة أول وقتها " هذا صريح في الصبح.
وأما لمصلي المغرب سواء كان فذا أو جماعة التعجيل.
قال المصنف رحمه الله: " وتعجيل المغرب " أي بعد تحقق الغروب لأن وقتها ضيق بقدر بعد تحصيل شروطها المتقدمة.
وأما غيرها وغير الصبح فالأفضل للمصلين جماعة التأخير.
قال المصنف: " وتأخير البواقي بمساجد الجماعة قدرا لا يضر بهم " يعني أنه يندب للنصلين جماعة تأخير غير الصبح والمغرب، وهي الظهر والعصر والعشاء، وقد تقدم أن إقامة العصر أول وقتها أفضل وهو المذهب.
قال الدردير: وأفضل الوقت أوله مطلقا إلا الظهر لجماعة فلربع القامة، ويزاد لشدة الحر لنصفها اهـ.
هذا ولو لمنفرد.
وقد قال صاحب الرسالة: أما في شدة الحر فالأفضل له أن يبرد بها وإن كان وحده كما تقدم.
وفي المختصر: والأفضل لفذ تقديمها مطلقا، وعلى جماعة آخره، وللجماعة تقديم غير الظهر وتأخيرها لربع القامة، ويزاد لشدة الحر.
وفيها ندب تأخير العشاء قليلا اهـ. قال الخرشي: يعني أن تقديم الصلوات صبحا أو ظهرا أو غيرهما، وفي صيف أو شتاء في أول الوقت بعد تحقيق دخوله، وتمكينه أفضل في حق المنفرد ومن ألحق به من الجماعة التي لا تنتظر غيرها كأهل الربط من غير مبادرة جدا لقوله تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238] ومن المحافظة عليها الإتيان بها أول وقتها اهـ. فهذا في غير الظهر كما تقدم، وأما الظهر فالأفضل للجماعة تأخيرها لربع القامة، وللإبراد ولو فذا في شدة الحر فتنبيه.
قال الدردير: فتحصل أنه يندب المبادرة في أول المختار مطلقا إلا لجماعة تنتظر غيرها فيندب تأخيرها، وتحته قسمان: تأخيرها لانتظار الجماعة فقط، وتأخيرها للإبراد لأن شدة الشمس من فيح جهنم كما في الحديث اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والإبراد بالظهر في الحر " والمراد بالإبراد التأخير بها حتى يذهب الشمس.
وقد سبق لنا أن الأفضل للجماعة تأخير الظهر لربع القامة، وللإبراد ولو فذا في شدة الحر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي إبراد المنفرد قولان " المتعمد من القولين أن المنفرد يقدم فيصليها في أول وقتها إلا في شدة الحر فإن الإبراد بها
أفضل له، لما في الرسالة من قوله: أما الرجل في خاصة نفسه فأول الوقت أفضل له، وقيل أما في شدة
الحر فالأفضل له أن يبرد وإن كان وحده؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم ".
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن شك في دخول الوقت لم يصل، وليجتهد، ويؤخر حتى يتحقق أو يغلب على ظنه دخوله، فإن تبين الوقوع قبله أعاد " يعني أن من شك وتردد في دخول الوقت وعدمه فلا يصلي بل عليه بالاجتهاد.
قال العلامة الدردير: ومن خفي عليه الوقت اجتهد بنحو ورد، وأما من لم يخف عليه الوقت بأن كانت السماء مصحية فلا بد له من تحقق دخول الوقت، ولا يكفيه غلبة الظن، فإن تبين عدم دخول الوقت بعد الصلاة وجب عليه الإعادة اهـ. وقال الصاوي: حاصله أنه إذا تردد هل دخل وقت الصلاة أم لا، أو ظن ظنا غير قوي الدخول، أو ظن عدمه، وسواء حصل ما ذكر قبل الدخول في الصلاة أو فيها فإنها لا تجزيه لتردد نيته، سواء تبين أنها وقعت قبله أو فيه أولم يتبين وقوعها فيه أو لم يتبين شيء، وإن تبين وقوعها قبله لا تجزئ اهـ مع حذف اهـ مع حذف.
قال الحطاب نقلا عن الزروق في شرح الإرشاد بعد إيراد المتن المذكور: يعني أن دخول الوقت شرط في جواز إيقاع الصلاة، كوجوبها، فلا يصح إيقاعها إلا تحققه بحيث لا يتردد فيه بعلم أو ظن يتنزل منزلة العلم.
وقد قال مالك: سنة الصلاة في الغيم أن تؤخر الظهر وتقدم العصر، وتؤخر المغرب حتى لا يشك في الليل، ويقدم العشاء ويؤخر الصبح حتى لا يشك في الفجر.
وما ذكره أي صاحب الإرشاد من العمل على غلبة الظن لم نقف عليه لغيره، لكن مسائلهم تدل على اعتبار الظن الذي في معنى القطع.
وفي الجواهر ما يدل عليه، ثم مع التحقيق أو ما في معناه، فإن كشف الغيب عن خلافه بطلت، كما إذا صلى شاكا ولو صادف.
انتهى كلام الزروق.
وقال الحطاب مذيلا عليه: وما ذكره في سنة الصلاة في الغيم ذكره غير واحد من أهل المذهب،
ومرادهم بقولهم وتعجيل العصر، أي بعد أن يغلب على ظنه دخول وقتها، وكذلك العشاء يصليها إذا غلب على ظنه مغيب الشفق، كما قال في الرواية ويتحرى ذهاب الحمرة.
ذكره صاحب الشامل وغيره.
والمقصود أن الصلاة التي تشارك ما قبلها لا يؤخرها كثيرا بل إذا غلب على ظنه دخول الوقت صلاها، بخلاف الصلوات التي لا تشارك ما قبلها كالظهر والمغرب والصبح فلا يصليها حتى يتحقق دخول الوقت اهـ.
ولما أنهى الكلام على المختار كان مما ينبغي أن يأتي بذكر الأوقات
الضروريات عقب المختار ليفوز الطالب بعلم ذلك، فقد اكتفى المصنف بذكر المختار فقط عن الوقت الضروري، وفي ذكره فائدة عظيمة كما فعل غيره.
وأنا إن شاء الله تعالى لتتم الفائدة للطالب مثلي.
قلت: أما وقت الضروري للظهر فمن أول القامة الثانية إلى الاصفرار وهو منتهى مختار العصر، ثم يشتركان في الضرورية إلى الغروب.
والضروري للمغرب من مقدار ما يسعها وشروطها إلى مضي ثلث الليل الأول، وهو منتهى مختار العشاء، ثم يشتركان في الضرورية إلى طلوع الفجر الصادق.
والحاصل أن ضروري المغرب وضروري العشاء يشتركان ويمتدان إلى طلوع الفجر الصادق، كما أن ضروري الظهر والعصر يشتركان ويمتدان إلى الغروب.
وتقدم أن للصبح ضروريا على الصحيح.
وهو من الإسفار الأعلى إلى طلوع الشمس، والكل أداء والقضاء ما بعد الضروري في الجميع.
وقال خليل في المختصر: والضروري بعد المختار للطلوع في الصبح، وللغروب في الظهرين، وللفجر في العشاءين اهـ. قال الحطاب: تقدم أن الوقت ينقسم إلى اختياري وضروري.
ولما فرغ من بيان الوقت الاختياري شرع في بيان الوقت الضروري.
ومعنى كونه ضروريا أنه لا يجوز لغير أصحاب الضرورات تأخير الصلاة إليه، ومن أخر إليه من غير عذر من الأعذار الآتية فهو آثم، اعلم أن هذا هو الذي يأتي على ما مشى عليه المصنف أي
الشيخ خليل.
وقيل إن معنى كونه ضروريا أن الأداء فيه يختص بأصحاب الضروريات، فمن صلى فيه من غير أهل الضروريات لا يكون مؤديا، وهذا القول نقله ابن الحاجب، وسيأتي بيان ذلك.
وذكر المصنف أي الشيخ خليل أن الضروري يدخل بعد خروج الوقت المختار المتقدم بيانه في جميع الصلوات.
فعلم من هذا أول الوقت الضروري، وذكر أن آخره يختلف بحسب الصلوات، ففي الصبح بطلوع الشمس، وفي الظهرين لغروب الشمس، وفي العشاءين لطلوع الفجر، فعلى هذا يكون الوقت الضروري للصبح من الإسفار الأعلى إلى طلوع الشمس، وللظهر من أول القامة الثانية أو بعد مضي أربع ركعات منها إلى الغروب، وللعصر من الاصفرار إلى الغروب، فما بعد الاصفرار ضروري للظهر والعصر، وللمغرب من بعد مضي ما يسعها بعد تحصيل شروطها إلى طلوع الفجر، وللعشاء من بعد ثلث الليل الأول إلى طلوع الفجر، فما بعد الثلث الأول ضروري للمغرب والعشاء اهـ.
ثم ذكر المصنف أحوال أصحاب الأعذار من حيث إدراكهم الصلاة في آخر وقت الضروري، كما أنهم يدركون المختار في آخره لبقاء الركعة منه بسجدتيها
فقال رحمه الله: " ويدرك المعذورون " أي يدركون الظهرين تامتين لبقاء خمس ركعات من النهار، كما أنهم يدركون العشاءين تامتين لبقاء أربع ركعات قبل الفجر، وإن كان الباقي من النهار قدر أربع ركعات أو دون ذلك وجبت الثانية وفاتت الأولى وكذا إن كان الباقي من الليل ثلاث ركعات فأقل يصلون العشاء وفاتت المغرب، وأما الصبح فهي تدرك لبقاء ركعة منها قبل طلوع الشمس.
والمراد بالمعذورين في قول المصنف: ويدرك المعذورون، أي أهل الأعذار الذين قام بهم العذر، وهم ثمانية أشخاص الحائض وذات النفاس، والكافر، والصبي، والمجنون، والمغمى عليه، والنائم، والناسي، وهؤلاء المعذورون.
وكل واحد منهم
يدرك الوقت ببقاء ركعة من الضروري بعد تحصيل الطهارة والستر، إلا الكافر إذا أسلم في الضروري فلا يقدر له الطهر.
ثم شرع المصنف يذكرهم فقال: " الحائض تطهرت " ومثلها النفساء التي انقطع عنها الدم لبقاء خمس ركعات فإنها تدرك الظهرين بعد تحصيل الطهارة والستر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمجنون والمغمى عليه يفيقان " فإنهما يدركان الظهرين في آخر الضروري لبقاء خمس ركعات من النهار بعد تحصيل الطهارة والستر، وفي الرسالة: والمغمى عليه لا يقضي ما خرج وقته في إغمائه، ويقضي ما أفاق في وقته مما يدرك منه ركعة فأكثر من الصلوات " وحكم من أغمي عليه حكم المجنون والسكران بحلال كلبن سواء " قال: وكذلك الحائض تطهر فإذا بقي من النهار بعد طهرها بغير توان خمس ركعات صلت الظهر والعصر، وإن كان الباقي من الليل أربع ركعات صلت المغرب والعشاء وإن كان الباقي من النهار أو من الليل أقل من ذلك صلت الصلاة الأخيرة، وإن حاضت لهذا التقدير لم تقض ما حاضت في وقته، وإن حاضت لأربع ركعات من النهار فأقل إلى ركعة، أو لثلاث ركعات من الليل، فقيل إنها حاضت في وقتيها فلا تقضيهما اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " الصبي يحتلم والكافر يسلم " يعني أن الصبي إذا احتلم، والكافر إذا أسلم في آخر الضروري لبقاء خمس ركعات من النهار فإنهما يدركان الظهرين بعد تحصيل الطهارة للصبي فقط والستر لهما لأن الكافر إذا أسلم لا يقدر له الطهارة على المشهور عند ابن القاسم.
وكذا إنهما يدركان إنهما يدركان العشاءين لبقاء أربع ركعات فأكثر من قبل الفجر.
قال مالك في المدونة في المجنون والمغمى عليه وإن أغمي أياما ثم يفيق، والحائض تطهر، والذمي يسلم إن كان ذلك في النهار قضوا صلاة ذلك اليوم، وإن كان في الليل قضوا صلاة تلك الليلة،
وإن كان في ذلك ما يقضي صلاة واحدة قضوا
منهما اهـ. ومعنى قضوا الآخرة أي إذا ضاق الوقت ولم يسع إلا أربع ركعات في الظهرين أو ثلاثا فأقل في العشاءين فإنه يصلي الأخيرة فقط وسقطت الأولى.
قال المصنف رحمه الله: " الظهرين " مفعول يدرك المتقدم.
ومعنى الظهرين صلاة الظهر والعصر أي إنهم أدركوا وقتيهما معا أداء.
وقال خليل والكل أداء.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لبقاء خمس ركعات بعد الطهارة والستر " يعني بغير توان، لأن الطهارة والستر شرطان من شروط صحة الصلاة، فلا بد منهما أي من تقديرهما، وجميع ما تقدم إنما هو في الصلاة الحضرية، وأما السفرية فأشار إليها المصنف بقوله: " ولثلاث في السفر " يعني أن المسافر الذي حقه أن يقصر الصلاة الرباعية إذا ضاق عليه الوقت وكان من أصحاب الأعذار فإنه يدرك الظهرين لبقاء مقار ثلاث ركعات قبل غروب غروب الشمس بعد زوال العذر.
وتحصيل الطهارة والستر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولدونهن إلى ركعة الثانية فقط " يعني أن المسافر إذا ضاق عليه الوقت ولم يبق بعد زوال عذره إلا مقدار ما يسع ركعتين أو ركعة واحدة بعد تحصيل الطهارة لمضي وقتها زمن العذر، هذا إذا كان عذره بما تقدم من الحيض والنفاس أو الكفر أو الصبا أو الجنون أو الإغماء، وأما الناسي والنائم ونحوهما فالحكم فيه كما ذكر صاحب الرسالة بقوله: ومن خرج ولم يصل الظهر والعصر وقد بقي من النهار قدر ثلاث ركعات صلاهما سفريتين، فإن بقي قدر ما يصلي فيه ركعتين أو ركعة صلى الظهر والعصر سفرية، ولو دخل لخمس ركعات ناسيا لهما صلاهما حضريتين، فإن كان بقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة صلى الظهر سفرية والعصر حضرية، وإن قدم في ليل وقد بقي للفجر ركعة فأكثر ولم يكن صلى المغرب والعشاء صلى ثلاثا والعشاء حضرية ولو خرج وقد بقي من الليل ركعة فأكثر صلى المغرب ثم صلى العشاء سفرية اهـ.
وقد ذكر ابن جزي مثله في القوانين الفقهية مع زيادة البيان: قال: ومثال ذلك لو نسي الظهر والعصر في الحضر ثم سافر فذكرهما في السفر قبل الغروب لثلاث ركعات قصرهما، وإن بقي مقدار ركعتين أو ركعة أتم الظهر وقصر العصر.
وإن ذكرهما بعد الغروب أتمهما، فلو نسيهما في السفر ثم ذكر في الحضر قبل الغروب بخمس ركعات أتمهما، ولدون ذلك إلى ركعة قصر العصر، وإن ذكر بعد الغروب قصرهما.
ولو نسي المغرب والعشاء في الحضر ثم ذكرهما في السفر قبل الفجر بأربع ركعات قصر العشاء، ولدون ذلك إلى ركعة فاختلف هل يقصرها أو يتمها، وإن ذكر بعد
الفجر أتمهما، ولو نسيهما في السفر ثم ذكر في الحضر قبل الفجر بأربع أتم العشاء، ولدون ذلك إلى ركعة فاختلف هل يتمها أو يقصرها، وإن ذكر بعد الفجر قصرها اهـ. وإلى ما تقدم أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله: " ولأربع قبل الفجر العشاءين " يعني أن المسافر إذا ضاق عليه الوقت الضروري ولم يبق بعد زوال عذره من الليل إلا مقدار ما يسع أربع ركعات قبل الفجر فإنه أدرك العشاءين فيصلي المغرب ثلاث ركعات ويدرك العشاء بركعة كما تقدم البيان في ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولدونهن الأخيرة " يعني وإدراك أقل مما تقدم سواء حضرا أو سفرا فإنه يصلي الصلاة الأخيرة.
فحاصل ما تقرر من أحوال أصحاب الأعذار في جميع الحالات أنهم يدركون العشاءين في الحضر والسفر بأربع ركعات بقيت قبل طلوع الفجر، وإن كان الباقي دون ذلك فإنهم يصلون الصلاة الأخيرة وهي العشاء وسقطت الأولى وهي المغرب، سواء كان ذلك في الحضر أو في السفر، وإن كان أقل من خمس ركعات حضرا أو أقل من ثلاث ركعات سفرا سقطت الأولى وهي الظهر فيصلون الأخيرة زهي العصر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وتسقط الأوليان " وهما الظهر في إدراك أقل من
خمس ركعات حضرية، أو أقل من ثلاث ركعات سفرية، أو المغرب في إدراك أقل من أربع ركعات قبل الفجر سواء كان في الحضر أو في السفر، وعلى أي حال تسقط الأوليان لأن وقتيهما قد فاتا في زمن العذر فلا قضاء فيهما.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والصبح لبقاء ركعة قبل الطلوع " وفي المختصر: وترك فيه الصبح بركعة.
يعني أنها تدرك بفضل ركعة قبل طلوع الشمس.
قال الدسوقي: حاصله أنه إذا زال العذر كالنوم والإغماء والجنون على ما يأتي وكان الباقي من ضروري الصبح ما يسع ركعة بسجدتيها فإنها تكون مدركة من حيث الأداء، ويتعلق به وجوب فعلها.
وإنما خص الصبح بالذكر مع أن الوقت الضروري يدرك بركعة مطلقا كان للصبح أو لغيرها؛ لأن غيرها يؤخذ من قوله بفضل ركعة عن الأولى إن كانت متعددة، وإلا فبركعة اهـ. وفي الحطاب: يعني أن الصبح تدرك في الوقت الضروري بمقدار ركعة تامة، فإذا أدرك منها ركعة، وهذا المشهور وهو قول ابن القاسم.
وقال أشهب: لا يشترط إدراك السجود بل يكفي إدراك الركوع قال في التوضيح: والخلاف مبني على فهم قوله صلى الله عليه وسلم: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " قال الحطاب: يعني هل المراد بالركعة الركعة بتمامها، أو المراد بالركعة الركوع؟ قال في التوضيح: وقول ابن القاسم أولى لحمل اللفظ على الحقيقة.
وصرح ابن بشير بمشهوريته اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وطرو العذر لمثل ذلك مسقط " يعني أن طرو عذر من الأعذار المتقدمة في تقدير الأوقات المذكورة مسقط للصلاة على ما تقدم بيانه في ذلك.
قال العلامة الدردير في أقرب المسالك: وطرو غير النوم والنسيان فيه لما ذكر
مسقط لها، ولا يقدر طهر.
يعني فإذا طرأ العذر والباقي من الضروري قدر ما يسع ركعة لا أقل سقطت الصبح إذا لم يكن صلاها، وإن عمدا، وأخيرة المشتركين وهي العصر أو العشاء الأخيرة لحصول العذر في وقتها، وتخلدت في ذمته الظهر أو المغرب لعدم حصوله في وقتها، لما علمت أن الوقت إذا ضاق اختص بالأخيرة، وقدر ما يسع خمسا بالحضر أو ثلاثا بالسفر سقط الظهران معا، وقدر ما يسع أربعا قبل الفجر سقط العشاءان معا ولو بدون تقدير طهر في جانب السقوط على المعتمد اهـ. وفي المختصر: وأسقط عذر حصل غير نوم ونسيان المدرك.
الخرشي: يعني أن العذر المسقط إذا طرأ في الوقت المدرك لمن زال عذره أسقطه، فكما تدرك الحائض مثلا الظهرين والعشاءين بطهرها لخمس، والثانية فقط لطهرها لدون ذلك كذلك يسقطان إذا حصل الحيض لخمس قبل الغروب، أو تسقط الثانية وتتخلف الأولى عليها إن حاضت لدون ذلك، ولو أخرت الصلاة عامدة كما يقصر الصلاة المسافر، ولو أخرها عامدا، ونحوه لابن عرفة عن ابن بشير.
ومثل الحيض الإغماء والجنون.
وأما الصبا فلا يتأتى لأنه لا يطرأ.
وأخرج النائم والناسي فلا يسقطان المدرك، لكن يسقطان الإثم كما مر اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " إلا النوم والنسيان.
والبلوغ في الوقت يوجب الإعادة فرضا " وأما النوم والنسيان فلا يسقطان الصلاة أي ولو استغرق النوم أو النسيان جميع الوقت.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] وفي الصحيحين عن أنس مرفوعا: " من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك " اهـ. وفي المدونة قال مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من نسي صلاة فليصليها حين يذكرها " قال: ومن ذكر صلاة نسيها فليصلها إذا ذكرها في أي ساعة كانت من ليل أو نهار، عند مغيب الشمس أو عند طلوعها، قال وإن بدا حاجب الشمس فليصلها.
قال وإن غاب بعض الشمس فليصلها
إذا ذكرها ولا ينتظر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها " قال مالك: فوقتها حين ذكرها فلا يؤخرها عن ذلك.
اهـ. وأما الصبي إذا بلغ في الوقت ولو الضروري وجبت عليه الصلاة ولو صلاها قبل ذلك لأنه لا ينوب تطوع عن واجب.
وقيل يكتفي بما مر منه، انظر ابن عرفة.
فإن بلغ أثناء صلاته إما بإنبات أو نتن إبط أو غلظ حنجرة كملها نافلة إن اتسع الوقت ثم صلاها فرضا، ولا تجزيه صلاته الأولى وإن نوى الفريضة، خلافا لعبد الكافي الأبوتيجي، فإن
ضاق الوقت قطع وابتدأ الفريضة ولا يعيد الوضوء قطعا: لأن البلوغ ليس من نواقض الوضوء.
قاله عبد الباقي الزرقاني على العزية اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وقبل فوات الجمعة يوجب إتيانها " يعني أن من زال عذره وتحقق إدراك ركعة من صلاة الجمعة وجبت عليه.
قال الخرشي عند قول خليل في الجمعة أو بلغ: يعني أن من صلى الظهر ثم بلغ قبل تمام فعل الجمعة بحيث يدرك منها ركعة مع الإمام فإنها تلزمه ولا ينبغي أن يتخلف عنها كما في توضيحه، لأن ما أوقعه نفل، وبالبلوغ خوطب بها اهـ. وسيأتي قول المصنف في الجمعة: وقدوم المسافر والعتق والبلوغ والإقامة لوقت يدركها يوجب إتيانها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن تطهر وأدرك الوقت فأحدث لزمه ما كان أدرك وقته " وفي المواق عن ابن القاسم: لو أحدثت الحائض بعد غسلها أو المغمى عليه بعد وضوئه فتوضأ فغربت الشمس فليقضيا ما لزمهما قبل الحدث لأنها صلاة قد وجبت عليهما، وليس نقض الوضوء بالذي يسقطها، ولو كان اغتسلا أو توضأ بماء غير طاهر وصليا، ثم علما بعد غروب الشمس، فلا إعادة عليهما، وإن علما قبل أن يصليا أعادا الوضوء والغسل وعملا على ما بقي لهما بعد فراغهما ولم ينظرا إلى الوقت الأول، وهذه مسألة مخالفة للتي قبلها.
وقال ابن القاسم في الحائض تطهرت، والمغمى عليه يفيق لقدر أربع ركعات
من النهار، ثم ذكر صلاة نسيها يبدأ بالفائتة ثم يصلي العصر، كما لو ذكرت صلاة نسيتها لقدر أربع ركعات ولم تكن صلت العصر فإنها تبدأ بالفائتة، ثم تصلي العصر.
وكما لو حاضت حينئذ لسقطت العصر، فكذلك إذا طهرت حينئذ تجب عليها؛ لأن ما يسقط بالحيض يجب بالطهر اهـ باختصار.
وفي جواهر الإكليل: وإن تطهر من زال عذره في آخر الضروري وظن إدراكه بركعة فأحدث عمدا أو غلبة أو نسيانا قبل كمال الصلاة فتطهر فخرج الوقت فالقضاء واجب عليه لما أدركه عملا بالتقدير الأول عند ابن القاسم اهـ.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " وكذلك من ذكر صلاة منسية وإن خرج الوقت " تقدم لنا بيان هذه المسألة في شرح المسألة قبلها فراجع قول ابن القاسم في الحائض تطهرت، والمغمى عليه يفيق في آخر الوقت، ثم ذكر كل منهما صلاة منسية فإنه يبدأ بالفائتة إلخ.
ولما أنهى الكلام على أوقات الصلاة الاختياري والضروري وما يتعلق بأحكامهما انتقل يتكلم في بيان حكم الأذان.
فَصْلٌ
في أحكام الأذان
والأذان لغة هو مطلق الإعلام، وشرعا الإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة بالألفاظ المشروعة.
وهو سنة مؤكدة على المشهور بكل مسجد ولو تقاربت المساجد والجماعة طلبت غيرها للاجتماع في الصلاة فقال المصنف رحمه الله تعالى:
" الأذان سنة مؤكدة للمصلين الفرض في وقته جماعة " وفي الرسالة: والأذان واجب، أي وجوب السنن في المساجد والجماعات الراتبة.
فأما الرجل
في خاصة نفسه فإن أذن فحسن، ولا بد من الإقامة.
وأما المرأة فإن أقامت فحسن وإلا فلا حرج اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا يؤذن ولا يقيم إلا مسلم ذكر مكلف عارف بالأوقات " يعني أن الأذان والإقامة لهما شروط لا يصح كل منهما إلا بها.
قال في العزية: ويشترط في المؤذن شروط صحة وشروط الكمال، فشروط الصحة أن يكون مسلما ذكرا بالغا عاقلا، وشروط الكمال أن يكون عدلا، عارفا بالأوقات، صيتا، متطهرا، قائما، مستقبل القبلة إلا لإسماع، وأن لا يكون قد صلى تلك الصلاة التي أذن لها اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " يشفع كلماته إلا الأخيرة " يعني أن المؤذن يأتي بألفاظ الأذان مثنى مثنى، بأن يكرر كل لفظ مرتين إلا الجملة الأخيرة، وهي قوله " لا إله إلا الله " فمرة واحدة.
وفي الرسالة: والأذان، أي ألفاظه الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، ثم ترجع بأرفع من صوتك أول مرة فتكرر التشهد فتقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، فإن كنت في نداء الصبح زدت ها هنا: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم.
ولا تقل ذلك في غير نداء الصبح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، مرة واحدة اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويرجع في الشهادتين " يعني أن المؤذن يرجع أي يكرر الشهادتين كما ذكره صاحب الرسالة موضحا.
قال خليل: يرجع الشهادتين
بأرفع من صوته أولا.
قال الخرشي: يعني أنه يسن للمؤذن أن يرجع
الشهادتين بأعلى من صوته بالشهادتين أولا ويكون صوته في الترجيع مساويا لصوته في التكبير هذا هو المعتمد اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويزيد التثويب في الصبح " يعني أن المؤذن يكرر التثويب وهو قوله: الصلاة خير من النوم، مرتين في نداء الصبح فقط كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا يجوز قبل الوقت إلا لها " يعني أنه لا يجوز للمؤذن أن يؤذن قبل دخول وقت الصلاة حتى الجمعة إلا الصبح فقط.
قال في الرسالة: ولا يؤذن لصلاة قبل وقتها إلا الصبح فلا بأس أن يؤذن لها في السدس الأخير من الليل اهـ. قال مالك في المدونة: لا ينادي لشيء من الصلوات قبل وقتها إلا الصبح وحدها.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا، حتى ينادي ابن مكتوم " قال وكان ابن مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت.
قال مالك: ولم يبلغنا أن صلاة أذن لها قبل وقتها إلا الصبح.
ولا ينادي لغيرها قبل دخول وقتها، ولا الجمعة اهـ.
ثم اعلم أنه ما أخر المصنف الكلام على الإقامة إلى أن يتم الكلام على الأذان كما فعل غيره من المصنفين كما ينبغي، لكنه أتى بهذا الطريق، أي بالإقامة في أثناء الكلام على الأذان لغرض أراده، فقال رحمه الله تعالى: " والإقامة آكد " يعني أن الإقامة أوكد من الأذان لاتصالها بالصلاة.
وحكمها أنها سنة الكفاية في حق الجماعة، وسنة العين في البالغ المنفرد، أو كان مع النساء، وأما المرأة فالإقامة في حقها مستحبة سرا، وإن لم تقم فلا إثم عليها.
وأما الرجل فلا بد له من الإقامة وإن قاضيا، وإليه أشار المصنف رحمه الله تعالى: " فيقيم القاضي والمنفرد " يعني أن القاضي الذي يقضي ما فاته من الصلاة،
والمنفرد الذي يصلي وحده فعلى كل واحد منهما أن يقيم إذا أراد أن يصلي، وإن لم يقم بأن تركها عمدا فقال ابن كنانة من تركها عمدا بطلت صلاته.
والمشهور في المذهب صحتها، فالاحتياط أن يحافظ على الإتيان بها ولا يتساهل في ذلك.
ويشترط أن يكون المقيم متوضئا لاتصالها بالصلاة، بخلاف الأذان فإن الوضوء فيه مندوب، لقول مالك في المدونة: لا بأس بأن يؤذن غير متوضئ، ولا يقيم ويشترط أن يكون المقيم متوضئا لاتصالها بالصلاة، بخلاف الأذان فإن الوضوء فيه مندوب، لقول مالك في المدونة: لا بأس بأن يؤذن غير متوضئ، ولا يقيم ويشترط أن يكون المقيم متوضئا لاتصالها بالصلاة، بخلاف الأذان فإن الوضوء فيه مندوب، لقول مالك في المدونة: لا بأس بأن يؤذن غير متوضئ، ولا يقيم إلا متوضئا اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويوتر كلماتها إلا التكبير " وفي نسخة ويوتر كلماته بالتذكير، والصواب بالتأنيث كما قررناه؛ لأن الإقامة مؤنثة.
يعني أن ألفاظ الإقامة وتر، لا يثنى ولا يكرر شيء منها إلا التكبير فقط.
وفي الرسالة: والإقامة وتر: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
وما
ذكرناه من إفراد الإقامة ما عدا التكبير فإنه مثنى هو المشهور، فإن شفع غير التكبير لا تجزئه الإقامة، قاله أبو الحسن علي الشاذلي في العزية اهـ.
وفي أقرب المسالك: وهي مفردة، أي الإقامة حتى قد قامت الصلاة، إلا التكبير منها أولا فمثنى.
قوله مفردة قال الصاوي في الحاشية: فلو شفعها كلها، أو جلها، أو نصفها بطلت، كإفراد الأذان كله أو جله، أو نصفه، لا الأقل فيهما اهـ.
ثم رجع المصنف إلى الكلام على المؤذن وبعض أوصافه المتقدمة بقوله رحمه الله تعالى: " صيتا متطهرا على علو مستقبلا " هذا قد تقدم لنا أنه من شروط كمال المؤذن أن يكون عدلا عارفا بالأوقات، وأن يكون صيتا متطهرا، وأن يكون قائما على شيء مرتفع وأن يكون مستقبل القبلة إلا لإسماع، وأن لا يكون قد صلى تلك الصلاة التي أذن لها.
قال خليل: وندب متطهر، صيت، مرتفع، قائم إلا لعذر، مستقبل إلا لإسماع اهـ. انظر الحطاب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا بأس بتصفحه يمينا وشمالا " يعني أن المؤذن يجوز له في حال أذانه أن يميل بوجهه يمينا وشمالا لإسماع الناس.
قال ابن حبيب: وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم " أمر بلالا أن يلتفت بوجهه يمينا وشمالا وبدنه إلى القبلة، ونهاه أن يدور كما يدور الحمار " اهـ. ذكره الحطاب.
ويجوز للمؤذن جعل إصبعيه على أذنيه حين الأذان والإقامة.
قال ابن الحاجب: ولا يكره الالتفات عن القبلة للإسماع، ولا يفصل بين كلمات الأذان بابتداء سلام ولا رده ولا غيرهما، فإن بذلك أو غيره فاحشا استأنف.
ولا يرد السلام إلا بالإشارة على المشهور اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا يشتغل بالأكل والكلام " فإن وقع واحد منهما في أثناء الأذان، فإن كان ذلك يسيرا فلا شيء عليه فليمض في أذانه، وإن كان كثيرا بطل الأذان.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويبني ليسيره " يعني أن المؤذن إن اشتغل غير الأذان فإن طال ابتدأ الأذان لإخلاله بنظام الأذان وتخليطه على السامع لاعتقاده أنه غير أذان، وقال الحطاب: يعني فإن فصل بين كلمات الأذان بكلام أو سلام أو بشيء غير ذلك، فإن كان الفصل يسيرا كرد سلام أو كلام يسير فإنه يبني، وإن كان كثيرا فإنه يستأنف الأذان من أوله.
قال في النوادر: قال في المجموعة: ولا يتكلم في أذانه، فإن فعل بنى، إلا أن يخاف على صبي أو أعمى أو دابة أن يقع في بئر وشبهه فليتكلم ويبني.
قال ابن حبيب: وإن
عرضت له حاجة مهمة فليتكلم ويبني اهـ.
وفي تبصرة اللخمي: ولا يتكلم في أذانه، فإن فعل وعاد بالقرب بنى على ما مضى، وإن بعد ما بين ذلك استأنفه من أوله.
ومثله إن عرض له رعاف أو غير ذلك مما يقطع أذانه، أو خاف تلف شيء من ماله أو مال غيره، أو خاف تلف أحد أعمى أو صبي أن يقع في حفرة فإنه يقطع ثم يعود إلى أذانه فيني في جميع ذلك إن قرب، ويبتدئ إن بعد اهـ مع إيضاح.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والأعمى يقلد عارفا بالوقت " يعني لا بد للمؤذن الضرير أن يعتمد على البصير في دخول الوقت لئلا يخطئ فيه ويلتبس على الناس.
قال خليل: وجاز أعمى.
قال الخرشي: والمعنى أنه يجوز أذان الرجل الأعمى كما تجوز إمامته إذا كان ثقة مأمونا، ويكون تابعا لغيره، أو لمعرفة ثقة.
وفضله أشهب في الأذان والإمامة على العبد
، ثم العبد الرضي على الأعرابي.
ثم هو على ولد الزنا اهـ. قال في المدونة: وجائز أذان الأعمى وإمامته.
ولفظ الأم: كان مالك لا يكره أن يكون الأعمى مؤذنا وإماما، وقال ابن ناجي في شرح المدونة.
والمراد بأذان الأعمى إذا كان تبعا لأذان غيره أو معرفة من يثق به إن حضر الوقت.
قال صاحب الطراز: قال مالك: وكان مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم أعمى.
يريد ابن أم مكتوم.
ولا يختلف في حل أذانه إذا كان من أهل الثقة والأمانة، إلا أنه لا يرجع في الوقت ما يقع في نفسه دون أن يستخبر من يثق به ويثبت في أمره، وقال في مختصر الواضحة: لا بأس أن يؤذن ويؤم الأعمى والأقطع والأعرج وذو العيب في جسده إذا لم يكن العيب في دينه اهـ الحطاب، وقال الصاوي في حاشيته - بلغة السالك لأقرب المسالك -: تنبيه يجوز أذان الأعمى والراكب، وتعدده بمسجد واحد إذا كان المؤذن غير الثاني، وإلا كره.
واستظهر الحطاب الجواز حيث انتقل لركن آخر منه.
قلت: هذا في غير أذان الصبح، وإلا فلا بأس أن يؤذن لها في السدس الأخير من الليل، ثم يؤذن هو عند دخول الوقت.
ثم قال: والأفضل ترتبهم
إن لم يضيعوا فضيلة الوقت.
وجاز جمعهم إن لم يؤد لتقطيع، فإن أدى إلى تقطيع اسم الله حرم، وفوات الكلمات لبعضهم مكروه، ويجوز حكاية المؤذن قبله، والأفضل الاتباع ولا يكفي ما نقل عن معاوية أنه سمع المؤذن يتشهد فقال: وأنا كذلك، أي أتشهد، بل لا بد من اللفظ بمماثله حملا للحديث على ظاهره.
وجاز أخذ الأجرة عليه وعلى الإقامة أو مع الصلاة، وكره على الإمامة وحدها من المصلين، وأما من الوقف أو من بيت المال فجعلوه إعانة، وأما عادة الأكابر بمصر ونحوها إجازة الإمام في بيوتهم فالظاهر أنه لا بأس به لأنه في نظير التزام الذهاب للبيت.
ويكره للمؤذن ومثله الملبي رد السلام في الأثناء، ويرده بعد الفراغ، ولا بد من إسماع المسلم إن حضر اهـ. نقله الصاوي من المجموع.
قال المصنف رحمه الله: " ولا يؤذن للقضاء " يعني أن القاضي لا يشتغل بالأذان لأنه يزيدها تفويتا، والمطلوب المبادرة لبراءة الذمة، ولأن الأذان إنما شرع لفرض وقتي لا للفوائت، فإن الأذان فيها مكروه كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لا المنفرد " والمعنى أن الشخص المنفرد إذا كان في الحضر فيكره له أن يؤذن، ومثله الجماعة التي لم تطلب غيرها كأهل الزوايا، لقول مالك رحمه الله: لا أحب الأذان للفذ الحاضر والجماعة المنفردة هذا إذا كانوا بالحضرة، أما إذا كانوا مسافرين فيندب لهم الأذان، كالمنفرد، ولو كان السفر دون مسافة القصر.
قال خليل في المختصر - يذكر المندوبات - وأذان فذ إن سافر.
قال الشارح: والمعنى أنه يندب الأذان للفذ - إن سافر - للحاضرة، أي إن كان بفلاة من الأرض، فليس المراد بالسفر السفر الشرعي، بل اللغوي، إلى أن قال: لا مفهوم للفذ، وكذا الجماعة التي لم تطلب غيرها، فيندب لهم الأذان في السفر، وأما إن طلبت غيرها فيسن في حقهم الأذان اهـ الخرشي، وفي الحديث عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري أنه قال له: " إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا
كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة " قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رواه البخاري والموطأ.
وفي الموطأ أيضا عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك وعن شماله ملك، فإذا أذن وأقام صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال.
وأخرج النسائي عنه صلى الله عليه وسلم: " إذا كان الرجل في أرض فأقام الصلاة صلى خلفه ملكان، فإذا أذن وأقام صلى وراءه من الملائكة ما يراه طرفاه، يركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده، ويؤمنون على دعائه " اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والنساء يقمن لا، فسهن " وفي نسخة ويقمن والواو، والمعنى أن الإقامة في حق كل واحدة منهن مستحبة، بأن تقيم لنفسها وتصلي فرضها منفردة إذا لم يكن معها ذكر بالغ، أو كان ولم يمكنها الاقتداء به لمانع من موانع الشرع وليس المعنى في قوله يقمن لأنفسهن بأن تقيم إحداهن وتؤم أخرى، لا، فإن ذلك غير مطلوب منهن.
قال مالك في المدونة: لا أذان على المرأة ولا إقامة، وإن أقامت فحسن وفي المختصر: وإن أقامت المرأة سرا فحسن.
قال الحطاب: يعني أن المرأة إن صلت وحدها فإن الإقامة في حقها حسنة، يعني مستحبة، وليست سنة كما في حق الرجل، وأما إذا صلت مع الجماعة فتكتفي بإقامتهم، ولا يجوز أن تكون هي المقيمة للجماعة لأن صوتها عورة، ولا تحصل السنة بإقامتها، كما لا تحصل سنة الأذان بأذانها.
وفي شرح
المدونة.
أنها تقيم لنفسها، لا أنها تقيم في المساجد للجماعة.
وإذا أقامت لنفسها فإنها تقيم سرا، كما أن المنفرد من الرجال يسر الإقامة.
ثم قال: وما ذكره المصنف من كون الإقامة في حق المرأة حسنة أي مستحبة هو المشهور، وهو مذهب المدونة.
قال فيها: وليس على المرأة أذان ولا إقامة، وإن أقامت فحسن.
قال ابن ناجي في شرح المدونة: المعروف من المذهب أن إقامتها حسنة كما قال اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويندب لسامعه حكايته " أي يستحب لمن سمع المؤذن أن يحكيه، أي يندب للسامع أن يحكيه ولو قبل تمام الأذان، بأن سمع أوله فيحكيه، ثم يسبقه في ذكر باقيه.
ومعنى الجواز خلاف الأولى، إذ المستحب متابعة الحاكي المؤذن قال خليل - عاطفا في الجائزات -: وحكايته قبله، وأجرة عليه أو مع صلاة، وكره عليها.
قوله وأجرة عليه، قال الخرشي: أي يجوز أخذ الأجرة على الأذان وحده، أو على الإقامة وحدها، أو على أحدهما مع الصلاة فريضة أو نافلة، وسواء أكانت الأجرة من بيت المال كما فعل عمر، أو من آحاد الناس على المشهور.
ومنعها ابن حبيب من آحاد الناس على الأذان.
وقوله وكره عليها، يعني أنه يكره أخذ الأجرة على الصلاة أي إمامتها مفردة فرضا ونفلا على مذهب المدونة.
قال ابن القاسم: وهو في المكتوبة عندي أشد كراهية، وإن وقعت صحت وحكم بها، كالإجارة على الحج، وأجازها ابن عبد الحكم، ومنها ابن حبيب كالأذان.
وتجوز الصلاة خلف من يأخذ الأجرة من غير كراهة، قاله في سماع أشهب، ومحل الكراهة إذا كانت الأجرة تؤخذ من المصلين، وأما إذا أخذت من بيت المال أو من وقف المسجد فلا كراهة، لأنه من باب الإعانة لا من باب الإجازة، كما قاله ابن عرفة اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويبدل الحوقلة من الحيعلة " أي يقول لا حول ولا قوة إلا بالله بدل: حي على الصلاة حي على الفلاح.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي النافلة يحكي إلى منتهى الشهادتين " يعني يستحب لمن سمعه ما زاد على الشهادتين صحت إن أبدل الحيعلتين بحولقتين، وإلا بطلت إن قالهما عمدا أو جهلا لا سهوا وحكاية لفظ: الصلاة خير من النوم يبطل حتى النفل، لأنه كلام أجنبي من الصلاة.
وتكره حكاية الأذان في الفريضة أصلية كمنذورة، ويحكيه بعد فراغه.
قاله العلامة صالح
بن عبد السميع على العزية اهـ.
وفي أقرب المسالك: وندب حكايته لسامعه لمنتهى الشهادتين على المشهور، ولو كان السامع بنفل فلا يحكي الحيعلتين، وظاهره أنه لا يحكي ما بعدهما من تكبير
وتهليل أيضا وهو المشهور.
قال الصاوي عليه: فلو حكاه في النفل كله على القول الثاني ولم يبدل الحيعلتين بالحولقتين بطلت صلاته.
وأما حكايته في الفرض فمكروهة مع الصحة إن اقتصر على منتهى الشهادتين، أو أبدل الحيعلتين بالحولقتين، وإلا فتبطل كما تقدم في النفل اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويقول اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت سيدنا محمد الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد، اللهم اسقنا من حوضه بكأسه مشربا هنيئا سائغا رويا غير خزايا ولا ناكثين برحمتك يا أرحم الراحمين " يعني ينبغي أن يدعو بهذا الدعاء بعد الأذان لما فيه من عظيم النفع وعميم الفضل وجسيم الأجر.
قال النفراوي: ويستحب لكل من سمع الأذان أن يحكيه لمنتهى الشهادتين من غير ترجيع، كما يستحب للمؤذن والسامع أيضا أن يصلي ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم بعد فراغه ثم يقول عقب الصلاة والسلام: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت سيدنا محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد.
والدعوة التامة هي دعوة الأذان، والصلاة القائمة هي التي ستقام، والوسيلة هي درجة في الجنة، والمقام المحمود هو الشفاعة العظمى في فصل القضاء يوم القيامة، وسائغا: سهلا، وقوله ولا ناكثين أي ناقضين عهد الإيمان اهـ مع إيضاح.
وعن سعد بن أبي وقاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من سمع المؤذن فقال مثل ما يقول، ثم يقول: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا غفر الله له " رواه مسلم بغير هذا اللفظ.
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قال
حين يسمع الأذان اللهم رب هذه الدعوة النافعة والصلاة القائمة صل على محمد عبدك ورسولك وأعطه الوسيلة والفضيلة والشفاعة حلت له شفاعتي يوم القيامة ". وعن عائشة، رضي الله عنها، أنها كانت إذا سمعت المؤذن قالت: " شهدت، وأمنت، وأيقنت، وصدقت، وأجبت داعي الله، وكفرت بمن أبى أن يجيبه " اهـ قاله الحطاب.
وينبغي أن يكون الأذان موقوفا بقليل السكت في جمله، بخلاف الإقامة فإنها معربة.
تنبيه
: ينبغي للمؤذن أن تحفظ عن الغلط في ألفاظ الأذان كالإقامة، لأن السلامة من اللحن في الأذان مستحب كما في الخرشي.
وقد نقل العلامة الشيخ محمد بن محمد المراكشي مؤلف سبيل السعادة عن التوضيح فقال: فائدة: يغلظ بعض المؤذنين في مواضع منها أن يمد الباء من أكبر فيصير أكبار، والأكبار جمع كبر وهو الطبل، فيخرج إلى معنى الكفر.
ومنها أنهم يمدون الهمزة في أول أشهد،
فيخرج إلى حيز الاستفهام، وكذلك يصنعون في أول الجلالة.
ومنها الوقوف على لا إله وهو خطأ، ومنها أن بعضهم لا يدغم تنوين محمد في الراء بعدها، وهو لحن خفي عند القراء، ومنها أن بعضهم لا ينطق بالهاء في حي على الصلاة وبالحاء في حي على الفلاح، فيخرج في الأول إلى صلا النار، وفي الثاني إلى غير المقصود اهـ. قلت: ومنها أن بعضهم يشبع الراء من أكبر بزيادة الواو بعدها، ومنها أن بعضهم يضم الكاف من أكبر، ومنها أن بعضهم يغلظ في لفظ حي على الصلاة حي على الفلاح بكسر اللام في على، وذلك في الأذان والإقامة، وهو خارج عن معنى المقصود اهـ.
شروط الصلاة
ولما أنهى الكلام على الأذان والإقامة وما يتعلق بهما انتقل يتكلم على شروط الصلاة فقال رحمه الله:
فَصْلٌ
في شروط الصلاة
أي في بيان شروط الصلاة، وهي أربعة على الجملة: الأول استقبال القبلة، والثاني طهارة الحدث وطهارة الخبث، والثالث ستر العورة، والرابع البلوغ.
وسيأتي زيادة بيان على التفصيل بعد تعريف الشرط.
والشروط جمع شرط، وتجمع على شرائط وأشراط.
قال العلامة الدردير على أقرب المسالك: وهي ثلاثة أقسام: شروط وجوب فقط، وشروط صحة فقط، وشروط وجوب وصحة معا.
والمراد بشروط الوجوب ما يتوقف عليه الوجوب، وبشروط الصحة ما تتوقف عليه الصحة، وبشرطهما ما يتوقفان عليه.
وشرط ما يلزم من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم.
فإن كان شرط وجوب فقط كالبلوغ قلت هو ما يلزم من عدمه عدم وجوب الشيء - كالصلاة مثلا - ولا يلزم من وجوده وجود الوجوب لاحتمال وجود مانع كالحيض، ولا عدم الوجوب، بل قد يحصل الوجوب وذلك عند انتفاء الموانع وتوافر الأسباب كدخول الوقت.
وإن كان شرط صحة فقط كالإسلام قلت: هو ما يلزم من عدمه عدم الصحة، ولا يلزم من وجوده وجود الصحة لجواز انتفاء شرط آخر كالطهارة، أو وجود مانع كالحيض، ولا عدمها، بل قد توجد إذا انتفت الموانع وتوافرت الأسباب.
وإن كان شرطا في الوجوب والصحة معا كالعقل بالنسبة للصلاة قلت هو ما يلزم من عدمه عدمهما ولا يلزم من وجوده وجودهما
ولا عدمهما.
وأما كونه لا يلزم من وجوده وجودهما فلجواز حصول مانع منهما كالحيض، وأما كونه لا يلزم من وجوده عدمهما فلجواز توافر
الأسباب وانتفاء الموانع وهي إذا توافرت مع انتفاء الموانع حصل الوجوب والصحة.
وأما شروط وجوبها فقط فاثنان البلوغ وعدم الإكراه على تركها.
فوجوبها يتوقف عليهما، لكن عدم الإكراه ليس بشروط وجوبها على التحقيق.
وأما شروط الصحة فقط فخمسة: طهارة الحدث، وطهارة الخبث على أشهر القولين، وقيل إن طهارة الخبث سنة.
والإسلام، وستر العورة، والاستقبال.
وأما شروطهما معا فستة: بلوغ الدعوة، والعقل، ودخول الوقت، والقدرة على استعمال الطهور، وعدم النوم والغفلة، والخلو من حيض ونفاس وهو خاص بالنساء اهـ.
قال المصنف مبتدئا بالشرط الأول وهو من شروط الصحة بقوله: " استقبال القبلة شرط في الصلاة " يعني أن استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة.
وسميت القبلة قبلة لأن المصلي يقابلها وتقابله، وهي على سبعة أقسام: الأولى قبلة تحقيق وهي قبلة الوحي كقبلته عليه الصلاة والسلام: بمعنى قبلة عيان وإن لم تعاين، وهي الكعبة.
الثانية قبلة إجماع وهي قبلة جامع عمرو بن العاص بمصر؛ لإجماع الصحابة عليها.
الثالثة قبلة استتار وهي قبلة من غاب عن البيت من أهل مكة أو عن مسجده عليه الصلاة والسلام.
الرابعة قبلة اجتهاد، وهي قبلة من لم يكن في الحرمين.
الخامسة قبلة بدل وهي جهة السفر للراكب على الدابة في النوافل حيثما في سفر قصر لقول الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ [البقرة: 115] أي قبلته.
السادسة قبلة تخيير، وهي قبلة من لم يجد مجتهدا يقلده، أو تحير، أو نسي المجتهد، أو خفيت عليه الأدلة لسجن أو ظلمة أو حجاب أو غير ذلك.
وسيأتي عن المصنف.
فإن تحير تخير جهة.
السابعة قبلة عيان وهي استقبال عين القبلة لمن بمكة، أي مسامته بناء الكعبة بجميع البدن تيقنا من الأمن والقدرة، لأن القدرة
على اليقين تمنع الاجتهاد، فإن عجز فالجهة قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] وروى البيهقي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض " اهـ وهذا الحديث وإن ضعف الترمذي بعض رجاله فمعناه صحيح لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية.
وفي الحديث عن البراء بن عازب: قال " قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم وجه إلى الكعبة، فمر رجل قد كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم على قوم من الأنصار، فقال: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجه إلى الكعبة فانحرفوا إلى الكعبة " رواه الخمسة.
وهنا
قال المصنف رحمه الله تعالى: " إلا في شدة الخوف " يعني أن الخوف الشديد مبيح للخائف إيقاع الصلاة على غير القبلة.
قال خليل: أو خوف من كسبع.
وفي المواق: قال مالك في المدونة: من خاف إن نزل من سباع أو غيرها صلى على دابته إيماء أينما توجهت به، فإن أمن في الوقت فأحب إلي أن يعيد بخلاف العدو.
قال ابن يونس: ووقته وقت الصلاة المفروضة قال اللخمي: ويسقط استقبال القبلة عن المكتوف، والمربوط، وصاحب الهدم، والمسايف للعدو، والخائف من اللصوص والسباع يخشى متى وقف أدركه العدو أو اللصوص أو السباع.
قال المصنف رحمه الله تعالى عاطفا على شدة الخوف: " والنافلة في سفر القصر على الدابة " يعني أن التنفل يجوز له أن يصلي حيث ما توجهت به الدابة قال ابن جزي في القوانين: الاستقبال شرط في الفرائض إلا في صلاة المسايفة، والراكب في السفر
يخاف إن نزل لصا أو سبعا فتجوز الصلاة حينئذ إلى القبلة وغيرها، وهو أيضا شرط في النوافل إلا في السفر فيصلي حيث ما توجهت به راحلته، ويومئ بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع، ولا يتكلم ولا يلتفت، وذلك بشرط أن يكون السفر طويلا ويكون راكبا.
ويصلي من في السفينة إلى القبلة، فإن دارت استدار: وروى ابن حبيب أنه يتنفل حيث سارت به كالدابة اهـ. وفي المختصر: وصوب سفر قصر لراكب دابة فقط، وإن بمحمل بدل في نفل وإن وترا.
قال الشارح: يعني أن جهة السفر للمسافر عوض له عن توجهه إلى الكعبة في النوافل، وإن وترا، لفعله عليه الصلاة والسلام ذلك، ويجري ركعتي الفجر وسجود التلاوة بشرط أن يكون سفره سفر قصر، وأن يكون لراكب دابة فلا يرخص في ذلك في حضر ولا فيما دون مسافة القصر، أو سفر غير مباح ولوالي القبلة، ولا لماش ولا لراكب سفينة.
والمحمل كالدابة وهو ما يركب فيه من شقدف وغيره.
وإذا استوفى هذه الشروط له أن يبتدئ تنفله إلى جهة سفره، ولا يجب عليه أن يبدئه إلى جهة القبلة اهـ.
ثم رجع إلى بيان وجوب استقبال الكعبة وجهتها لمن تأهل، فقال رحمه الله: " فيلزم معانيها إصابتها، وغيره جهتها " هذا في غير ما استثنى من الخائف والمتنفل في سفر قصر على الدابة، ومن كان في حالة الالتحام في قتال جائز فهؤلاء يجوز لهم الصلاة إلى القبلة وغيرها، ولا غيرهم، وأما أهل مكة فيلزمهم معاينة الكعبة من الأمن والقدرة كما تقدم.
وأما غيرهم ممن كان خارجا عنها فيلزمه التوجه إلى جهتها لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144]
وفي المختصر: ومع الأمن استقبال عين الكعبة لمن بمكة، فإن شق ففي الاجتهاد نظر وإلا فالأظهر جهتها اجتهادا، كأن نقضت والعياذ بالله تعالى.
انظر حاشية الصاوي على أقرب المسالك عند قول مصنفه وهي عين الكعبة لمن بمكة إلخ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن أشكلت تحرى " يعني أن المصلي إذا أشكلت عليه القبلة ولم يهتد بجهتها، ولم يجد من يقله فإنه يجتهد ويتحرى جهة ويصلي عليها، وإن تبين خطؤه في الصلاة قطع، وبعدها أعاد في الوقت، ووقته في الظهرين اصفرار الشمس، وفي العشاءين طلوع الفجر، وفي الصبح طلوع الشمس.
قال المصنف رحمه الله: " فإن تحير تخير جهة.
وقيل يصلي أربعا إلى أربع جهات " وفي المختصر: فإن لم يجد، أو تحير مجتهد تخير ولو صلى أربعا لحسن، وهو المختار عند اللخمي.
قال الدردير: والمعتمد الأول: فإن لم يجد غير المجتهد مجتهدا يقلده ولا محرابا تخير جهة من الجهات الأربع وصلى إليها صلاة واحدة وسقط عنه الطلب لعجزه.
وقال الدسوقي: وأما لو وجد ذلك المقلد من يقلده من مجتهد أو محراب وترك تقليد ما ذكر، واختار جهة تركن لها نفسه وصلى لها كانت صلاته صحيحة إن لم يتبين خطؤه، فإن تبين الخطأ فيها قطع حيث كان كثيرا، وإن تبين بعدها فقولان بالإعادة أبدا، أو في الوقت اهـ.
وإليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله: " فإن تبين الخطأ في أثنائها استدار وبعدها لا إعادة " يعني أنه قد تقدم البيان في ذلك، لكن نذكر هنا نص المدونة لزيادة الإيضاح.
قال مالك فيمن استدبر القبلة أو شرق أو غرب فصلى وهو يظن أن تلك القبلة، ثم تبين له أنه على غير القبلة فقال: يقطع ما هو فيه ويبتدئ الصلاة، فإن فرغ من صلاته ثم علم في الوقت فعليه الإعادة.
قال: وإن مضى الوقت فلا إعادة عليه.
وقال أيضا: لو أن رجلا صلى فانحرف عن القبلة ولم يشرق ولم يغرب فعلم بذلك قبل أن يقضي صلاته فإنه يميل إلى القبلة ويبني على صلاته اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وغير المجتهد يقلد عارفا جهتها كالأعمى " يعني أن غير المتأهل للاجتهاد سواء كان بصيرا أو أعمى يقلد عارفا بطريق القبلة بشرط أن يكون
مكلفا عدلا، أو يقلد محرابا وإن لم يكن من محاريب الأمصار.
انتهى بمعناه.
قال ابن جزي: المصلون ثلاثة: متيقن للقبلة، ومجتهد، ومقلد، وهي مرتبة فلا يجوز الانتقال عن واحد إلى ما بعده إلا بعد العجز عنه.
فالقطع لمن صلى في مكة، ومحراب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة بمنزلة الكعبة.
والاجتهاد لمن صلى في سائر الأقطار إن قدر عليه، والتقليد لمن عجز عن الاجتهاد فيسأل مسلما
عاقلا عارفا بالقبلة ويقلده، فإن عدم من يقلد فقيل يصلي إلى حيث شاء، وقيل يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات اهـ. وقد تقدم أن المعتمد من القولين الأول.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وداخل القرية المسلمة يعمل على محرابها " يعني أنه قد تقدم أن غير المجتهد إذا لم يجد مجتهدا يدله على القبلة يقلد المحراب وإن لم يكن من محاريب الأمصار، هذا إذا كان بلدا عظيما حضر نصب محرابه إلى جهة الكعبة جمع من العلماء العارفين، وذلك كبغداد ومصر والإسكندرية وإلا فلمجتهد أن يعتمد على اجتهاده.
قال في المختصر: ولا يقلد مجتهد غيره ولا محرابا إلا لمصر.
وفي المواق: قال ابن القصار: يجوز تقليد محاريب البلاد التي تكررت صلواتها ونصبتها الأئمة، القباب: وهذا إذا لم تكن مختلفة ولا مطعونا عليها انظر المواق اهـ. قال الخرشي: وقوله ولا يقلد محرابا، يريد إن كان البلد الذي هو فيه خرابا، أما لو كان البلد عامرا: تتكرر فيه الصلاة ويعلم أن إمام المسلمين قد نصب محرابه، أو اجتمع أهل البلد على نصبه فإنه يجب أن يقلده، وهو معنى قوله إلا لمصر، ولا يجوز له الاجتهاد حينئذ اهـ.
ولما أنهى الكلام على الشرط الأول انتقل يتكلم على الشرط الثاني وهو الستر، ولما كان ستر العورة شرطا من شروط صحة الصلاة على القادر عليه أفرده المصنف بالفصل استقلالا واعتناء بشأن ذلك في الصلاة وخارجها، فقال رحمه الله:
فَصْلٌ
في ستر العورة في الصلاة وخارجها
أي في ستر العورة.
والمعنى أن المصنف رحمه الله عقد هذا الفصل في بيان وجوب ستر العورة بقوله: " ستر العورة شرط " أي في صحة الصلاة.
قال الخرشي: والعورة في الأصل الخلل في الثغر وغيره وما يتوقع منه ضرر وفساد، ومنه عورة المكان أي توقع الضرر والفساد منه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَة﴾ [الأحزاب: 13] أي خالية يتوقع فيها الفساد.
والمرأة عورة لتوقع الفساد من رؤيتها أو سماع كلامها، لا من العور بمعنى القبح لعدم تحققه في الجميلة من النساء لميل النفوس إليها.
وقد يقال المراد بالقبح ما يستقبح شرعا وإن ميل إليه طبعا.
وعبارة بعضهم: والعورة وهو القبح، لقبح كشفها لا نفسها، حتى قال محيي الدين بن عربي: الأمر بستر العورة لتشريفها وتكريمها لا لخستها، فإنهما - يعني القبلين - منشأ النوع الإنسان المكرم المفضل اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهي من الرجل ما بين السرة إلى الركبة "
يعني أن عورة الرجل التي يحرم النظر إليها مابين السرة والركبة، فيجب على كل رجل مكلف سترها في جميع الأحوال، في الصلاة وخارجها، إلا في الخلوة فمستحبة، وكل ذلك إن قدر ووجد ما يستتر به بأي ساتر كان.
وعبارة المصنف شاملة للعورة المغلظة والمخففة، لأن العورة المغلظة هي السوءتان، وهما القبل والدبر وما والاهما من الأليتين والعانة والأنثيين، وما عدا ذلك من الفخذ عورة مخففة في حق الرجل، وفي الرسالة: والفخذ عورة وليس كالعورة نفسها.
قال شارحها: فغاية ما يقال إنه يكره كشفه مع غير الخاصة، والحرمة بعيدة لأنه عليه الصلاة والسلام كشف فخذه مع أبي بكر وعمر، ففي مسلم " عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا في بيته كاشفا فخذيه وساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحالة فتحدث، ثم استأذن
عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوى ثيابه فدخل وتحدث معه، فلما خرج قالت عائشة دخل أبو بكر فلم تباله، ودخل عمر فلم تباله - أي لم تهتم لدخولهما وتستر فخذيك - ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك، فقال: " ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة " والاستحياء منه مزية وهي لا تقتضي الأفضلية اهـ. قال النفراوي: والحاصل أن الفخذ عورة مخففة يجوز كشفه مع الخواص، ولا يجوز مع غيرهم، فقد كشف النبي صلى الله عليه وسلم فخذه مع أبي بكر وعمر، وستره حين أقبل عثمان، ثم ذكر الحديث المتقدم إلى آخره، وقال: ولذا لا يعيد الرجل الصلاة لكشفه ولو عمدا، وإلا أعادت الأمة في الوقت، والحرة أبدا لأنه من الأنثى عورة حقيقة مطلقا اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن لم يجد إلا إزارا اتزر به، أو ثوبا واسعا التحف به وخالف طرفيه وعقدهما على عاتقه " يعني أن المصلي إذا لم يجد إلا إزارا واحدا فإنه يشده على وسطه ويصلي فيه ولا يعيد، وأما إن وجد ثوبا واسعا فإنه يلتحف به ويخالف طرفيه ويعقده على اعتقه، والعاتق هو ما بين المنكب والعنق.
والأصل في هذا حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " إذا كان الثوب واسعا فالتحف به " يعني في الصلاة.
ولمسلم " فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقا فاتزر به " رواه البخاري ومسلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وتكره السراويل بانفرادها " وفي نسخة السراولة بمفردها.
والسراويل تذكر وتؤنث.
وفي المصباح: والجمهور أن السراويل أعجمية.
وقيل عربية، جمع سراولة تقديرا، والجمع سراويلات اهـ.
يعني أن الصلاة في السراويل مكوهة إلا إذا كان معها شيء.
وفي الأخضري:
وتكره الصلاة في السراويل إلا إذا كان فوقها شيء وفي الرسالة: ويكره أن يصلي بثوب ليس على أكتافه منه شيء، فإن فعل
لم يعد اهـ. وما ذكر من كراهة الصلاة في السراويل محله إذا لم يكن شفافا، وإذا كان فوقهما شيء كثيف يحجب الوصف انتفت الحرمة والكراهية اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " والمحدد لرقته " يعني أنه يكره لبس الثوب المحدد لأجل رقته، وهذا ليس مخصوصا بالسراويل، بل لجميع الثوب الرقيق الذي يصف الجسد أو العورة لرقته ولو بغير صلاة لإخلاله بالمروءة ومخالفته لزي السلف الصالح.
وفي المواق: قال ابن الحاجب ما يصف لرقته أو لتحديده يكره كالسراويل.
ومن المدونة: كره مالك الصلاة في السراويل.
ابن يونس لأنه يصف.
والمئزر أفضل منه.
قال خليل: لا بريح، وفي المواق: الذي لابن يونس من صلى في ثوب رقيق يصف أعاد، إلا أن يكون رقيقا لا يصف إلا عند ريح فلا يعيد اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والأمة كالرجل " يعني أن عورة الأمة كعورة الرجل.
وقد تقدم أن عورة الرجل ما بين السرة والركبة.
قال في المختصر: وهي من رجل وأمة وإن بشائبة، وحرة مع امرأة ما بين سرة وركبة.
قال الخرشي: يعني أن عورة الرجل مع مثله، أو مع أمة ولو بشائبة من أمومة، فما دونها مع رجل أو امرأة بالنسبة للرؤية وللصلاة ما بين السرة والركبة، عورة الحرة مع حرة، أو أمة ولو كافرة بالنسبة للرؤية ما بين السرة والركبة وهما خارجان اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويستحب ستر بدنها لا رأسها " يعني أنه يندب للأمة القن أن تستر جميع بدنها إلا الرأس فلا تستره للتمييز بينها وبين الحرة، كما يستحب لأم الولد والمبعضة تغطية العنق.
وأما فلا يستحب لها ذلك.
قال في المختصر: ولا تطلب أمة بتغطية رأس.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " يستحب " تغطية المستولدة والمبعضة
العنق " قال العلامة العدوي في حاشيته على الخرشي: وحاصل ما في المقام أن أم الولد وغيرها اشتركتا في وجوب ستر ما بين السرة والركبة وفي ندب ما زاد على ذلك إلا الرأس، واختلفتا في الرأس، فأم الولد يندب لها أي ستر الرأس، وغيرها أقوال ثلاثة بالجواز، وندب التغطية، وندب عدمها.
قال أفاده علي الأجهوري رحمه الله.
ثم قال: والحاصل أن المعتمد ما قلنا كما أفاده شيخنا.
قال عياض الصواب ندب تغطيتها في الصلاة لأنها أولى من الرجال، ولا ينبغي اليوم الكشف مطلقا لعموم الفساد في أكثر الناس، فلو خرجت جارية مكشوفة الرأس في الأسواق والأزقة لوجب على الإمام أن يمنعها من ذلك، ويلزم الإماء بهيئة تميزهن من
الحرائر.
وبعض الشراح جعل كلام المصنف عاما، ولا تطلب أمة لا وجوبا ولا ندبا، بل يندب عدم التغطية كما صرح به ابن ناجي.
وقد كان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يضرب من تغطي رأسها من الإماء لئلا يشتبهن بالحرائر.. وصوب سند الجواز كما نقله أبو سعيد؛ لأن غايتها أن تكون كالرجل، فإذا لم يستحب له كشف رأسه بل يجوز ففي الأمة أولى اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها " يعني أن المرأة الحرة البالغة يجب عليها ستر جميع بدنها لأنها كلها عورة إلا وجهها وكفيها لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: 31] الآية.
أي لا يكشفن أبدانهن إلا عند أزواجهن أو أقربائهن ومن ذكر معهم في الآية الكريمة.
قال ابن جزي في القوانين الفقهية: وأما الحرة فكلها عورة إلا الوجه والكفين.
وزاد أبو حنيفة القدمين، ولم يستثن ابن حنبل.
ثم قال حكم المرأة في النظر إلى المرأة كحكم الرجل في النظر إلى الرجل، فيمنع النظر إلى العورة، ويجوز ما عدا ذلك.
وحكم المرأة في النظر إلى ذوي محارمها كحكم الرجل في النظر إلى الرجل.
وحكمها في النظر إلى الأجنبي كحكم الرجل مع ذوات محارمه وهو النظر إلى الوجه والكفين فقط على الأصح.
وقيل كنظر الرجل
إلى المرأة الأجنبية اهـ.
وفي العزية: وعورة المرأة الحرة مع أجنبي جميع بدنها إلا الوجه والكفين اهـ. وفي الأخضري: والمرأة كلها عورة ما عدا الوجه والكفين اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والساتر الحصيف لا الشفاف " يعني يشترط في الساتر الذي يستر عورته به أن يكون كثيفا.
قال ابن جزي: وأما الساتر فيجب أن يكون صفيقا كثيفا، فإن ظهر ما تحته فهو كالعدم، وإن وصف فهو مكروه اهـ. وفي الرسالة: وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الخصيفة 1 السابغة التي تستر ظهور قدميها، وهي القميص والخمار الخصيف.
قال الشارح: القميص هو الذي يسلك في العنق، وشرطه كونه كثيفا لا يصف ولا يشف.
وقوله: والخمار تتقنع به أي تغطي به رأسها وشعرها وعنقها، ولا يجوز لها أن تجعل الوقاية فقط فوق رأسها وتترك ذقنها وعنقها مكشوفين، ويشترط في الخمار من الكثافة ما يشترط في الدرع.
قاله النفراوي.
وفي الثمر الداني: الخمار بكسر الخاء المعجمة وهو ثوب تجعله المرأة على رأسها فشرطه شرط القميص من
كونه كثيفا لا يشف، فإن صلت بالخفيف النسج الذي يشف، فإن كان مما تبدو منه العورة بدون تأمل فإنها تعيد أبدا، وإن كان يصف العورة فقط أي يحددها فيكره وتعيد في الوقت.
والرجل كالمرأة في ذلك: فيجب على المرأة أن تستر ظهور قدميها وبطونهما وعنقهما ودلاليها، ويجوز أن تظهر وجهها وكفيها في الصلاة خاصة.
والأصل فيما ذكر قوله صلى الله عليه وسلم " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " يعني بالغة.
وفي رواية " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم
أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ قال: " إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها " اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن لم يجد إلا حريرا أو نجسا صلى به " يعني أن المصلي إذا لم يجد ما يستر به العورة إلا ثوب حرير أو نجس فإنه يصلي به للضرورة، وصحت صلاته، وإن تركه وصلى عريانا فإنه يعيد صلاته أبدا.
قال الدردير على أقرب المسالك: فإذا علم من يعيره ما يستر به عورته فلم يستعره وصلى عريانا بطلت.
وكذا من صلى عريانا مع وجود حرير أو نجس اهـ بمعناه.
قال خليل - مشبها بالإعادة في الوقت -: كمصل بحرير وإن انفرد أو بنجس بغير.
وقال بعد ذلك بقليل: وعصى وصحت إن لبس حريرا أو ذهبا أو سرق أو نظر محرما فيها.
قال الشارح: قوله كمصل بحرير تشبيه في الإعادة في الوقت، يعني أن من صلى بحرير أو بذهب لابسا لكل فإنه يعيد في الوقت، وإن انفرد باللبس مع وجود غيره خلافا لابن حبيب القائل بإعادته أبدا.
ويحتمل وإن انفرد في الوجود، أي لم يجد غيره حتى صلى به، خلافا لأصبغ القائل بعدم الإعادة.
وأما من صلى حاملا له في كمه أو في جيبه أو في فمه فلا إعادة عليه ولا إثم عليه.
وقوله أو نجس، أي وكذلك يعيد إلى الاصفرار إذا صلى بثوب نجس ذاتا أو عارضا لابسا له أو حاملا، ويعيد في شيء طاهر غير حرير، إذ لا فائدة في الإعادة بشيء نجس أو حرير.
وكذلك لا يعيد في الآخر إذا صلى بأحدهما اهـ الخرشي.
وأما قول خليل: وعصى وصحت إن لبس حريرا إلخ، قال المواق: أما إن صلى به مختارا فقد نص ابن الحاجب على أنه عاص، فإن كان معه ساتر غيره فقال ابن القاسم وسحنون يعيد في الوقت، وقال ابن وهب وابن الماجشون لا إعادة عليه.
قال ابن عرفة ونقل ابن الحاجب عدم صحة الصلاة لا أعرفه.
فانظر قول خليل وصحت، هل يريد ويعيد في الوقت لأن الإعادة في الوقت فرع الصحة، أو يكون بنى على قول ابن وهب وابن الماجشون؟
وأما إن صلى بثوب حرير بلا ساتر معه فقال ابن وهب وابن الماجشون أيضا لا إعادة عليه.
وقال أشهب: يعيد في الوقت.
وقال ابن حبيب يعيد أبدا.
ثم قال: وعبارة ابن يونس من صلى بخاتم ذهب أو ثوب
حرير وعليه ما يواريه غيره فليعد في الوقت.
وقال أشهب: لا إعادة عليه إلا أن يكون عليه غيره فليعد في الوقت.
وقال ابن حبيب إذا كان عليه غيره أجزأه وقد أثم، وإذا لم يكن عليه غيره أعاد أبدا.
قال ابن يونس: فصار فيمن صلى بثوب حرير عامدا ثلاثة أقوال: ابن وهب: لا إعادة عليه، أشهب يعيد في الوقت.
ابن حبيب: يعيد أبدا.
قال المأزري: يلزم ابن حبيب أن يعيد أبدا من صلى في دار مغصوبة أو ثوب مغصوب، والمعروف خلافه فانظر هذا كله مع لفظ خليل ومع ما تقدم عند قوله كمصل بحرير إلى أن قال: وكذا المعدوم شرعا هو كالمعدوم حسا، فالمصلي بثوب الحرير كأنه ليس ذلك الثوب عليه، فإن كان عليه غيره صحت الصلاة، وإلا فهو كعريان اهـ مع حذف شيء.
انظر الحطاب فإنه قد أتى بما يغني الطالب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي اجتماعهما يقدم النجس، وقيل الحرير " يعني أنه إذا اجتمع عند مريد الصلاة ثوبان! حرير ونجس ولم يجد غيرهما، فإنه يقدم النجس على الحرير، وهو قول أصبغ.
قال العدوي على الخرشي ضعيف.
قال الخرشي: وإذا اجتمع الحرير مع النجس، أو المتنجس قدم الحرير على المشهور، وهو قول ابن القاسم.
وفي الدردير على أقرب المسالك: وهو أي الحرير مقدم على النجس عند اجتماعهما وجوبا، لأنه لا ينافي الصلاة بخلاف النجس.
وقال الصاوي عليه: قوله مقدم على النجس وكذا على المتنجس، وهذا قول ابن القاسم.
وقال أصبغ: يقدم النجس، لأن الحرير يمنع لبسه مطلقا، والنجس إنما يمنع لبسه في حال الصلاة، والممنوع في حالة أولى من الممنوع مطلقا، والمعتمد ما قاله ابن القاسم اهـ.
قلت: والمسألة ذات خلاف، ولذا قال ابن جزي في القوانين: وإن لم يجد إلا ثوبي حرير ونجس فاختلف بأيهما يصلي اهـ ونقل عن المواق عن المدونة ونصها:
من لم يكن معه غير ثوب نجس وثوب حرير فليصل بالحرير ويعيد في الوقت.
قال ابن يونس: لأن النجس غير مباح لأحد الصلاة به، والحرير مباح للنساء لبسه والصلاة به وللرجل في الجهاد فهو أخف، وقال أشهب: الأخص مقدم على الأعم، فيقدم النجس في الاجتناب لأنه أخص، كالمحرم يقدم الصيد على الميتة في الاجتناب اهـ. بالاختصار.
وفي حاشية العدوي على الخرشي: اعلم أن حاصل ما قيل أن الثوب النجس يصلي به اتفاقا، وفي الحرير الخلاف، وذلك لأن الثوب النجس جائز لبسه في جميع الأوقات إلا في حالة الصلاة، بخلاف الحرير، إلا أنه إذا اجنمعا يقدم الحرير، ومقتضى ما ذكر العكس.
والجواب أنه إذا صلى بالنجس مع وجود غيره تبطل، وأما الحرير فلا بطلان اهـ. قلت: وغاية الأمر أنه يعيد في الوقت لأن الإعادة في الوقت فرع الصحة كما تقدم.
وقد علمت فيما مر أن المشهور الذي اعتمد عليه المحققون قول ابن القاسم.
والله موفق للصواب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن عدم الساتر صلى عريانا بموضع ساتر قائما راكعا ساجدا " يعني أن من لم يجد الساتر بأن عجز عن كل ما يجب الاستتار به، فإنه يجب عليه أن يصلي عريانا بموضع لا يراه أحد، وليصلها كما هي قائما بالركوع والسجود.
ولا تسقط عنه لعدم الساتر ما دام يقدر على أدائها.
قال خليل: ومن عجز صلى عريانا، قال الدردير: أي وجوبا، وأعاد بوقت على المذهب.
وفي جواهر الإكليل: ومن عجز عن ستر عورته المغلظة صلى عريانا لأن اشتراط الستر في صحة الصلاة مقيد وهو عاجز عنه اهـ. قال ابن جزي في القوانين: ومن لم يجد ثوبا صلى وحده عريانا قائما يركع ويسجد.
وقال أبو حنيفة: يصلي جالسا، فإن جاء الثوب وهو في الصلاة فاختلف
هل يستر ويتمادى أو يقطع ويبتدئ اهـ. وفي الأخضري: ومن لم يجد ما يستر به عورته صلى عريانا، قال عبد السميع الأزهري الآبي: يعني أن المكلف إذا ضاق عليه الأمر ولم يجد ما يستر به عورته من ثوب نجس أو حرير أو حشيش أو ورق أو طين يتمعك فيه وتعذر عليه جميع ذلك فيجب عليه أن يصلي عريانا ولا يؤخر الصلاة حتى يجد ما يستر به عورته اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي جماعة العراة في الظلمة يتقدم إمامهم ويصلون كذلك.
وفي نهار أو ليل مقمر قيل ينفرد كل بموضع.
وقيل جماعة غاضين " يعني أن العراة الذين لا يقدرون على الثياب: إنهم يصلون أفذاذا يتباعد بعضهم عن بعض، ويصلون قياما.
وإن كانوا في ليل مظلم لا يتبين بعضهم بعضا صلوا جماعة، وتقدمهم إمامهم اهـ. قال ابن جزي: وإن اجتمع عراة في الظلام صلوا كالمستورين، وإن كانوا في الضوء تباعدوا وصلوا أفذاذا، وإلا صلوا جلوسا.
وقيل قياما ويغضون أبصارهم اهـ. وفي المختصر: فإن اجتمعوا بظلام فكالمستورين، وإلا تفرقوا، فإن لم يمكن صلوا قياما غاضين، إمامهم وسطهم.
قال الشارح: يعني أن العراة إذا اجتمعوا في ظلام الليل، أو لظلمة مكان فإنهم يصلون على هيئتها من قيام وركوع وسجود، ويتقدم إمامهم، فإن كان الاجتماع في ضوء كنهار أو ليل مقمر فإنهم يتفرقون إن أمكن ويصلون أفذاذا، فإن لم يمكن تفرقهم لخوف على مال أو نفس من عدو أو سبع أو لضيق مكان صلوا قياما غاضين أبصارهم، وركعوا وسجدوا وإمامهم وسطهم، فإن كان معهم في هذه الحالة نساء ينبغي أن يصلي الرجال ثم النساء، أي فرادى قائمات راكعات ساجدات، وتصرف كل طائفة وجهها عن الأخرى، ولو تركوا التفرق مع القدرة عليه فالظاهر أنه بمنزلة من صلى عريانا مع القدرة على الستر فيعيد أبدا.
وقيل في
الوقت.
ومثله
لو تركوا غض البصر.
ولا يقال هذا بمنزلة من نظر عورة إمامه أو غيره فيجري فيه ما تقدم؛ لأن ذلك مع الستر وهذا مع فقده كما في شرح الأجهوري اهـ الخرشي مع إسضاح.
ولنذكر بقية الأمثلة التي ذكرها الشيخ خليل هنا إتماما للفائدة وهي قوله: وإن علمت في صلاة بعتق مكشوفة رأس، أو وجد عريان ثوبا استترا إن قرب، وإلا أعادا بوقت، وإن كان لعراة ثوب صلوا أفذاذا، ولأحدهم ندب إعارتهم اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويمنع التلثم في الصلاة " التلثم عو تغطية الفم وما تحت الشفة السفلى بثوب.
وليس بحرام إلا لقصد الكبر، وإن قصد به الكبر فحرام، وإلا فمكروه على المشهور ولو في غير الصلاة.
وقد نقل الحطاب عن الزروق.
ونصه: قال الشيخ زروق في شرح الإرشاد عند قول صاحب الإرشاد ويمنع التلثم في الصلاة: أما التلثم فيمنع إذا كان لكبر ونحوه، ويكره لغير ذلك، إلا أن يكون ذلك شأنه، كأهل لمتونة، أو كان في شغل عمله من أجله فيستمر عليه.
وتنقب المرأة للصلاة مكروه؛ لأنه غلو في الدين، ثم لا شيء عليهالأنه زيادة في الستر اهـ. وفي المواق عند قول خليل: وانتقاب امرأة - من المدونة - قال مالك: إن صلت الحرة منتقبة لم تعد.
ابن القاسم وكذا المتلثمة.
اللخمي: يكرهان.
وتستدل على وجهها إن خشيت رؤية رجل اهـ. وفي الدسوقي: والحق أن اللثام يكره في الصلاة وخارجها سواء فعل لأجلها أو لا لأنه أولى بالكراهة من النقاب، وحينئذ فلا اعتراض على المصنف اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويكره كف الكم والشعر وشد الوسط لها " يعني أن كل هذه الأفعال مكروهة في الصلاة.
قال خليل: وانتقاب امرأة، ككشف كم وشعر لصلاة وتلثم.
وفي الرسالة: ولا يغطي أنفه أو وجهه في الصلاة، أو يضم ثيابه، أو يكفت شعره.
قال شارحها أبو الحسن في كفاية الطالب: والنهي عن هذه الأمور