أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»كتاب الإقرار والهبة والصدقة والعُمْرَى والرقبي
أهل الأثرالأرشيف العلمي

أي في بيان ما يتعلق بأحكام الغقرار، وأحكام الهبة، والصدقة، والعمرى، والرقبى.
وكل واحد من هذه الأشياء له فصل مستقل سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
قال الشيخ العلامة عبد الله التيدي في أجوبته: ما هو الإقرار، ومن الذي يؤاخذه به، وكم أركانه.
ثم قال: الإقرار الاعتراف بما يوجب حقًا على قائله بشروطه، ولا يؤاخذ بالإقرار إلا من اجتمعت فيه ثلاثة شروط: كونه نكلفًا، وغير محجور في المعاملات، وغير متهم بإقراره لأصل غير مكذب للمقرّ.
وأركانه أربعة: مقر، ومقر له، ومقر به، وصيغة اهـ. ومثله في الدردير.
وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: "من اعترف بحق لزمه ويرجع في تفسير المجهول إليه" يني من أقر بحق عليه لغيره لزمه إقراره إن كان من أهل التبرع في غير متهم عليه، وما جهل من الإقرار يرجع إلى المقر في تفسيره.
قال رحمه الله تعالى: "وفي دراهم أو دنانير ثلاثة، فلو قال كثيرة قيل أربعة، وقيل تسعة" قال ابن جزي في القوانين في المقر به: إذا كان اللفظ بينًا لزمه ما أقر به من مال أو حد أو قصاص، فإن كان لفظًا محتملاً حمل على أظهر معانيه قلت: أو على الاقل، نحو علي لفلان دراهم أو دنانير فإنه يقبل تفسيره على أقل الجمع وهو ثلاثة، فلو قال علي لفلان دراهم كثيرة أو دنانير كثيرة قبل تفسيره على أربعة، وقيل تسعة كما حكاه المصنف.
قال رحمه الله تعالى "وبقوله كذا درهمًا وعشرون، وكذا كذا أحد عشر وكذا كذا إحدى وعشرون، ولو قال ألف ودرهم لم يكن الدرهم بيانًا.
وقيل إن كان جواب دعوى فهو بيان.
ولو أقر بشيئ في وعاء فإن استغنى عنه

الجزء: 3 - الصفحة: 82

وإلا لزما" وفي نسخة وإلا لزم بالغفراد، والأصح بزيادة التثنية كما هو ثابت في باقي النسخ التي بأيدينا.
قال ابن جزي: وفي هذا الفصل فروع كثيرة اختلف الفقهاء فيها لاختلاف معانيها.
فمن قال لفلان على شيئ قبل تفسيره بأقل ما يتمول.
ولو قال له عليَّ مال قبل ما يفسر به ولو حبة أو قيراطًا ويحلف، وقيل لا يقبل في أقل من نصاب الزكاة، وقيل في ربع دينارز ولو قال مال عظيم أو كثير فقيل هو كقوله مال، وقيل هو ألف دينار قدر الدية.
فلو قال كذا فهو كالشيئ يقبل ما يفسره به.
ولو قال كذا وكذا بالعطف لزمه واحد وعشرون لأنه أقل الأعداد المعطوفات.
فلو قال كذا درهمًا لزمه عشرون.
ولو قال كذا كذا درهمًا بغير واو لزمه أحد عشر لأنه أقل عدد مركبز ولو قال عشرة دراهم ونيف فالقول قوله في النيف.
ولو قال له علي ألف فسرها بما شاء من دنانير أو دراهم أو غير ذلك.
وإن قال له على بضعة عشر كان ثلاثة عشر، لأن البضعة من الثلاثة إلى التسعة.
ولو قال له علي أكثرمائة، أو جل مائة، أو نحو مائة، أو مائة إلا قليلاً؛ فعليه الثلثان وقيل النصف وزيادة وهو واحد وخمسون.
ولو قال دنانير، أو دراهم، أو جمع من أي الأصناف كان لزمه ثلاثة.
وكذلك إن صغر فقال دريهمات.
ولو قال دراهم كثيرة فقيل يلزمه أربعة، وقيل تسعة، وقيل مائتان.
ولو قال ما بين واحد إلى عشرة لزمته تسعة، وقيل عشرة.
ولو قال عشرة في عشرة لزمته مائة، إلا إن فسرها بأنه تعينت له عنده عشرة في عشرة باعها منه.
ولو قال له على زيت وعسل في زق أو في جرة لزمه المقر به والوعاء.
ولو قال درهم درهم لزمه درهم واحد، وللطالب أن يحلفه أنه ما أراد درهمين.
ولو قال درهم ودرهم؛ أو درهم مع درهم، أو فوق درهم، أو تحت درهم، أو قبل درهم، أو بعد درهم، لزمه درهمان.
ولو قال درهم بل دينار زلمه الدينار وسقط الدرهم.
ولو قال لفلان في هذه الدار نصيب، أو حق قبل تفسيره بما قل أو كثر إلا أن يدعي المقر له أكثر فيحلفه على نفي الزيادة.
ولو قال يوم

الجزء: 3 - الصفحة: 83

السبت له عليَّ ألف، وقال كذلك يوم الأحد لم يلزمه إلا ألف واحد، إلا أن يضيف إلى شيئين مختلفين.
ولو اختلف الإقرار فأقرّ له في موطن بمائة، وفي موطن آخر بمائتين لزمه ثلاثمائة.
ولو قال له علي ألف من خمر أو خنزير لم يلزمه شيئ.
ولو قال له علي ألف إن حلف فحلف المقر له فلا شيئ له؛ لأن المقر يقول ما ظننت أنه يحلف.
وإن أقر بمائة دينار دينًا لزمته دَينًا، أو وديعة لزمته وديعة.
فإن قال دَيْنًا أو وديعة كانت دَيْنًا اهـ ابن جزي.
قال رحمه الله تعالى: "ويصح استثناء الأكثر والأقل والمساوي، ومن غير الجنس، وهو من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات" يعني كما في القوانين وغيره قال: مسألة في الاستثناء إذا استثنى ما لا يستغرق صح، كقوله له عليَّ عشرة إلا تسعة فيلزمه واحد، فإن استثنى من الاستثناء فقال عشرة إلا تسعة إلا ثمانية لزمته تسعة، لأن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات.
وكذلك ولو قال عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنان إلا واحد لزمته خمسة.
ومثله في الموزّاق.
ثم قال: فإن استثنى من غير الجنيس كقوله ألف درهم إلا ثوبًا صح الاستثناء على المشهورز وذكر قمية الثوب فأخرجت من الألف ... وقيل استثناء باطل اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولو أقر لزيد بألف مرتين فهي واحدة، أو بدينار مجهول لزم نقد البلد، فإن اختلف فالغالب، فإن لم يكن لزم مسماه" يعني لو أقر الرجل لزيد أن له عليه ألف درهم مثلاً وكان تلفظ بذلك مرتين، ولا يلزمه إلا ألف واحد يأخذه المقر له، والمعتبر في المقر به درهم البلد الذي وقع فيه الإقرار إن كان الناس يتعاملون به، أو الشرعي لأنه هو الأصل.
قال خليل: ودرهم المتعارف، وإلا فالشرعي.
وتقدم هذا البحث في البيوع في الكلام على المثمن والثمن عند قول المصنف: ويلزم بإطلاقه نقد البلد، فإن اختلف فالغالب فراجعه إن شئت.

الجزء: 3 - الصفحة: 84

قال رحمه الله تعالى: "ولا يقبل إقرار مريض لمن يتهم عليه" يعني إذا مرض شخص مرضًا مخوفًا فإنه حينئذ لا يقبل إقراره لمن يتهم عليه.
قال ابن جزي فيمن لا يقبل إقراره: السادس المريض، فلا يقبل إقراره لم يتهم بمودته من قريب أو صديق ملاطف، سواء كان وارثصا أو غير وارث، إلاَّ أن يجزيه الورثة اهـ. قال العلامة الشيخ محمد عليش في الفتاوى: ما قولكم في رجل مريض مرضًا شديدًا له زوجة مشهورة بمحبته لها شهرة زائدة، وله ابن وبنتان من غيرها أقر لها بجارية ودراهم معلومة، ولاولد لها منه، ومات بعد إقراره بيوم فهل لا يصح إقراره لها؟ ثم قال: فأجبت بما نصه: الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله: نعم لا يصح إقراره لها بهما في هذه الحالة لاتهامه فيه بالكذب لمحبته لها.
قال الخرشي: وأما إن كان يحبها ويميل إليها فإنه لا يقبل إقراره لها لأنه يُتَّهم في ذلك.
والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم اهـ. قال ابن جزي فرع إذا أبرأ المريض أحد ورثته من شيئ فإ، كان إبراؤه من شيئ لو ادعى الوارث البراءة منه كلف البينة على ذلك لم تنفعه تبرئة المريض، وعليه يقيم البينة على صحة ذلك، وإلا غُرِمَ، وإن كان إبراؤه ممَّا لو ادَّعى البراءة منه صدق بغير بيَّنة نفعته التبرئة اهـ. قال رحمه الله تعالى: "ولو اعترف صحيحًا بإتلاف مال مجنونًا لزمه كاعترافه بالغًا بالإتلاف صغيرًا" يعني أن من اعترف بإتلاف أموال الناس وهو صحيح عاقل فاعترف بذلك أنه أتلف المال في حاله جنونه لزمه اعترافه.
قال المصنف في العمدة: وإن أقر بالغًا عاقلاً أنه استهلك مالاً في جنونه أو صبوته لزمه.
ومن أدعى عليه بأنه أقر بالغًا فقال بل أقررت غير بالغ فالقول قوله مع يمينه.
قال القاضي أبو محمد: وأظن بعض أصحابنا جعل القول قول المدعي.
ولو ادعى أنه أقر مجنونًا ولم يعلم له سبق جنونه فهل يقبل قوله؟ أو قول المقر له؟ روايتان.
ولو قال لا أدري هل كنت بالغًا أم لا أو كنت عاقلاً

الجزء: 3 - الصفحة: 85

أم لا لم يلزمه شيئ.
قال القاضي: وعلى القول المظنون يشبه أنه يلزمه اهـ نقله الحطاب عند قول خليل أو أقررت بكذا وأن صبي.
ونقل الموّاق عن نوازل سحنون: من قال لرجل غصبتك ألف دينار وأنا صبي لزمه ذلك، وكذلك لو قال كنت أقررت لكل بألف دينار وأنا صبي، قال ابن رشد قوله غصبتك ألف دينار وأنا صبي لا خلاف في لزومه؛ لأن الصبي يلزمه ما أفسد وكسر، وقوله أقررت لك بألف وأنا صبي يتخرج على قولين أحدهما أنه لا يلزمه إذا كان كلامه نسقًا، وهو الأصحُّ وعليه قوله في المدونة طلقتُكِ وأنا صبي اهـ. قال رحمه الله تعالى: "ولو اعترف بمعين فأنكره المقر له حلف عليه" يعني لو اعترف بشيئ معين لزيد لزمه الاعتراف فلزيد مطالبته به فيحلف المقرّ أن نوكر، ويلزمه دفعه للمقر له، هذا إذا كان المعين منفردًا كالثوب أو الدابة مثلأن وأما لو كان متعددصا كالثوبين فأكثر فأقر له بأحدهما فالحكم في ذلك كما قال خليل في المختصر وشراحه عاطفًا على ما لزم القضاء به من قوله: ولك عندي أحد ثوبين عين، وإلا فإن عين المقر له أجودهما حلف، وإن قال لا أدري حلفا على نفي العلم واشتركا.
يعني كما نقل عن ابن عرفة من قال في ثوبين بيده لفلان أحدهما، فإن عين له أجودهما أخذه وإن عين أدناهما وصدقه فكذلك دون يمين، وإن أكذبه أحلفه: وعن ابن القاسم: من قال لرجل في ثوبين في ديه أحدهما لك ولا أدري أيهما هو، فإنه يقال للمقر: احلف أنك لا تردي أن أجودهما للمقر له، فإن حلف وقال المقر له: أنا أعرفه فيؤمر بتعيينه، فإن عين أدناهما أخذه بغير يمين، وإن عين أجودهما أخذه بعد أن يحلف.
وإن قال: لا أدري حلف على نفي العلم واشتركا، فيقال للمقر أولاً: احلف أنك لا تدري أن أجودهما للمقر له فإن حلف قيل للمقر له احلف أنك لا تعلم أيهما لك، فإن حلفا كانا شريكين في الثوبين جميعًا اهـ الموّاق.
ومثله في الخرشي بتوضيح.

الجزء: 3 - الصفحة: 86

ثم قال رحمه الله تعالى: "ومن أقر بوارث لزمه ما نقصه الإقرار ولم يثبت نسبه وميراثه، فإن كغانا اثنين من أهل الشهادة شهدا وثبت نسبُهُ وميراثُهُ" يعني كما قال مالك في الموطأ: الأمر المجتمع عليه عندنا في الرجل يهلك وله بنون، فيقول أحدهم قد أقرّ أبي أنّ فلانًا ابنه إنّ ذلك النسب لا يثبُتُ بشهادة إنسان واحد، ولا يجوز إقرار الذي أقر إلا على نفسه في حصته من ماله أبيه، يُعطَى الذي شَهِد له قدر ما يصيبه من مال الذي بيده.
قال مالك: وتفسير ذلك أن يهلك الرجل ويترك ابنين له ويترك ستمائة دينار فيأخذ كل واحد منهما ثلاثمائة دينار، ثم يشهد أحدهما أن أباه الهالك أقر أن فلاناً ابنه، فيكون على الذي شهد للذي استحلق مائة دينار وذلك نصف ميراث المستلحق لو لَحِقَ، ولو أقر له الآخر أخذ المائة الأخرى فاستكمل حقه وثبت نَسَبَهُ اهـ. قال الدردير في الاستحقاق: وإن أقر عدلان بثالث ثبت النسبُ وإلا ورث من حصة المقر ما نقصه الغقرار، فلو ترك شخص أُمًا وأخًا فأقرت بأخ فله منها السدس اهـ. أي لأن الأم تحجب تعدد الإخوة والأخوات من الثُّلُث إلى السُّدس اهـ. أي لأن الأم تحجب بتعدد الإخوة والأخوات من الثُّلُ إلى السُّدْس، فلو تعدد الأخ الثابت النسب فلا شيئ للمقر به، إذ لا تنقص الأم عن السُّدس اهـ. كما سيأتي جميع ذلك في الميراث: إن شاء الله تعالى ولمَّا أنهى الكلام على ما يتعلق بالإقرار وأحكامه انتقل يتكلم على ما يتعلق بأحكام الهبة كما وعدنا في أوّل الكتاب فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في الهبة

أي في بيان ما يتعلق بمسائل الهبة المختصة بها وتتميز به ن غيرها، وهي لغة وعرفًا تمليك من له التبرع ذاتًا تُنقَلُ شرعًا بلا عوض لأهل، أي للهبة، وأركانها أربعة: واهب، ومن شرطه أن يكون أهلاً للتبرع، وموهوب، وشرطه أن يكون مملوكًا للواهب، وموهوب له، وشرطه أن يكون أهلاً لأن يملك ما وهب له، وصيغة كوهبتك

الجزء: 3 - الصفحة: 87

أو ما يدل على التميلك، وإن معاطاة.
فمتى وُجِدَتْ هذه الأركان وشروطها صحت الهبة.
قال رحمه الله تعالى: "الهبة قسمان معروف" ومعاوضة وسيأتي حُكْمُه.
وأما حُكْمُ هبة المعروف فالندب.
قال النفراوي: لم يذكر المصنف حُكْم نحو الهِبَة والصدقة، والحكم الندب؛ لأنها من أنواع المعروف واإحسان، والكتاب والسنة والإجماع دلت على ندبها، قال تعالى: "إِنَّ اللَّه يأَمُرُ بِالْعَدلِ والإِحسنِ" [النحل: 90]: "وءاتي المال على حبه" [البقرة: 177]: "وإن تُبدُواْ الصَّدَقَتِ" [البقرة:271]. وقوله صلى الله عليه وسمل: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل" وقوله عليه الصلاة والسلام أيضًا: "إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء" وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة.
وحكى ابن رشد وغيره الإجماع على ندبها، وتأكد ندبها على الاقارب والجيران، وكونها من أنفس المال كماتقدم لنا في الإرفاق اهـ. قل رحمه اللَّه تعالى: "فتصح بالقول، وتتم بالقبض، ويجبر على الدفع" يعني أن صحة الهبة لا تكون إلا بالقبض، ويجبر الواهب على دفعها إن امتنع عن دفعها قال ابن جزي: وعلى المذهب تنعقد الهبة وتلزم بالقول، ويُجْبَر الواهب على إقباضها، فإن مات الواهب قبل الحوز بطلت الهبة إلا إن كان الطالب جادًا في الطلب غير تارك أهـ. وفي الرسالة: ولا تتم هبة ولا صدقة ولا حبس إلا بالحيازة، فإن مات قبل أن يُحاز عنه فهي ميراث.
وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: "فإن تراخى الموهوب له حتى مات أو أفلس بطلت" يعني فإ، تراخى الموهوب له ولم يقبل حتى حصل المانع من مرض أو موتٍ أو فلس أو جنون بطلت الهبة، ولذا ينبغي للموهوب أن يعجل الحضوْز، ويلزم على الواهب أن يقبض الهبة ويجبر عليه بامتناعه إياها حتى يحصل الحوزز والقبض منه قبل المذكور.
قال النفراوي: تلزم بمجرد القول أو الفعل الدال عليها ويقضي على الفاعل

الجزء: 3 - الصفحة: 88

بدفعها على المذهب وللمعطى له أن يحوزها ولا يتوقف على إذن المعطي بالكسر اهـ قال رحمه الله تعالى: "ولا رجوع فيهاإلا للأبوين، ما لم يتغير أو يتعلق بها حق فلا ترجع الأم على اليتيم" يعني أنه لا يجوز للواهب أن يرجع في هبته إلا بالإرث لما في الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" حيث شبه الراجع فيها بالكلب والمرجوع فيه بالقيئ، وذلك غاية التنفير المقتضى للمنع.
قاله النفراوي اهـ. قال عمر بن الخطاب: "من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها" رواه مالك في الموطأ بإسناده عن عمر رضي الله عنه.
قوله إلا الأبوين لما في المدونة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لأحد أن يهب هبة ثم يعود فيها إلا الوالد" اهـ. قال في الرسالة: ومن تصدق على ولده فلا رجوع له، وله أن يعتصر ما وهب لولده الصغير أو الكبير ما لم ينكح لذلك أو يداين أو يحدث في الهبة حدثًا، والأم تعتصر ما دام الأب حيًا فإذا مات لم تعتصر.
ولا يعتصر من يتيم، واليتم من قبل الأب اهـ. قال ابن جزي: واختلف في اعتصار الأم فقيل تعتصر لولدها الصغير والكبير مادام الأبُ حيًا، فإن مات لم تعتصر للصغار لأن الهبة للأيتام كالصدقة فلا تعتصر قلت هذا هو المشهور اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وللأب حيازة ما وهب لولده الصغير إلا ما لا يتميز فيجعله على يد أمين" يعني كما في القوانين لابن جزي أنه قال: ويحوز للمحجور وصيه، ويحوز الوالد لولده الحر الصغير ما وهبه له هو ما عدا الدنانير والدراهم، وما وهبه له غيره مطلقًا، فإن وهب لابنه داراً فعليه أن يخرج منها، وإن عاد لسكناها بعد عام لم تبطل الهبة، وإن وهب له ما يستغل ثم استغله لنفسه بطلت الهبة، وعقد الكراء حوز، وإن وهب له دنانير أو دراهم لم يكلف الإقرار بالحوز حتى يخرجها عن يده ويقبضها بمعاينة البينة، وإن وهب له عروضًا أو حيوانًا جاز إذا أبرزه من سائر ماله، فإن كبر

الجزء: 3 - الصفحة: 89

وملك أمر نفسه فلم يقبض حتى مات الأب بطلت، وكذلك إذا لم يقبض الكبير اهـ. وعبارة الدردير في أقرب المسالك عاطفًا على ما يصح: وحوز واهب لمحجوره إن أشهد إلا ما لا يعرف بعينه، أو دار سكناه إلا أن يسكن أقلها ويكري له الأكثر، وإن سكن النصف بطل فقط، والأكثر بطل الجميع اهـ يعني إن سكن والواهب أقل الدار أو أقل الوقت، وأكرى له الأكثر لم تبطل الهبة، وإن سكن النصف بطل نصفها فقط.
وإن سكن الأكثر بطل الجميع.
قال أبو محمد في الرسالة: وما وهبه لابنه الصغير فحيازته له جائزة إذا لم يكن ذلك أو يلبسه إن كان ثوبًا وإنما يحوز له ما يعرف بعينه، وأما الكبير فلا تجوز حيازته له.
قال شارحها قوله ما يعرف بعينه كدار أو دابة، فلو وهب له ما لا يعرف بعينه كدراهم أو دنانير وحازها حتى حصل له مانع من موت أو جنون أو فلس بطلت، ولو طبع عليها بحضرة شهودها بخلاف ما لو طبع عليها أو وضعها عند غيره إلى موته أو فلسه فلا تبطل.
قال خليل: ولا إن بقيت عنده إلا لمحجوره إلا ما لا يعرف بعينه ولو ختم عليه، وسواء كان المحجدور صغيرصا أو سفيهًا، وسواء كان الولي أبًا أو وصيًا أو مقدمًا من قبل القاضي اهـ قال النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: "وتصح بالمشاعل والمجهول والغرر" يعني أن الهبة تصح بالشيئ المشاع وهو غير مميز عن جنسه ولم يكن على حدة كالنصف أو الثلث أو الربع أو غير ذلك من الأجزاء، وكذا تصحُّ بالمجهول وهو غير معلوم الجنس والقدر، قال خليل: وصحت في كل مملوك ينقل ممكن له تبرع بها وإن مجهولاً أو كلبًا ودينًا وهو إبراء إن وهب لمن عليه، وإلا فكالرهن، وكذلك تصح الهبة بالغرر.
قال ابن جزي في القوانين: وأما الموهوب فكل مملوك.
تجوز هبة ما لا يصح بيعه كالعبد الآبق، والبعير الشارد، والمجهول والثمرة قبل بدو صلاحها والمغصوب خلافًا للشافعي.
وتجوز هبة المشاع خلافًا لأبي حنيفة.
وتجوز هبة المرهون بقيد الملك، ويُجْبَر الواهب على افتكاكه له ومنعه الشافعي.
وتجوز هبة الدين خلافًا للشافعي اهـ.

الجزء: 3 - الصفحة: 90

ثم ذكر رحمه الله تعالى القسم الثاني من قسمي الهبة وهو هبة الثواب فقال: "والثاني معاوضة وهي كالبيع" يعني الثاني من قسمي الهبة هبة المعاوضة وتسمى هبة الثواب، وحُكْمُها الجواز كالبيع.
قال النفرايو: يدل على جوازها الكتاب والسنّة فالكتاب قوله تعالى: "وما ءاتيتم من ربا ليربوا في أموال الناسفلا يربوا عند الله" [تالروم: 39] فإن ابن عباس قال: الربا أن يعطي الرجل عطية ليُعْطَى أكثر منها، وقوله تعالى: "وَلاض تَمنُن تَستَكثرُ" [المدثر: 6] قال المفسرون: وذلك أن يهدي ليهدى له اكثر منها فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك كما في الخصائص، وأباحه الله تعالى لسائر الناس.
ومن السنّة ما رُوِيَ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ويثبت عليها كما في [71] [72] الصحيحين اهـ باختصار.
قوله وهي كالبيع يعني أن هبة الثواب شبيهة بالبيع، ولذا لو مات الواهب للثواب قبل حيازة الهبة لم تبطل ويجب تنفيذها، ولا تبطل بموت أو مرض أو فلس واهبها قبل حوزها، فليست كغيرها من أنواع العطايا التي تبطل بعدم حيازتها قبل موت الواهب اهـ قاله النفراوي في الفواكهز قال رحمه الله تعالى: "إلا في العوض فيخير الموهوب له بين إثابة قيمتها أو ردها، فإن أثاب دونها فله الرجوع" يعني أن هبة الثواب خالفت البيع في العوض لجوازها بالمجهول والغرر وما لا يجوز في البيع كما تقدم، وأما من جهة الخيار قبل الفوات وبعده فكالبيع كما قال المصنف وغيره.
قال في الرسالة: والموهوب للعوص إما أثاب القيمة أو رد الهبة، فإن فاتت فعليه قيمتها، وذلك إذا كان يُرى أنه أراد الثواب من الموهوب له.
قوله فيخير الموهوب له إلخ، فهم منه أنه لا يلزم الموهوب له دفع أكثر من القيمة لو كانت العادة جرت على ذلك، وهو كذلك كما لا يلزم الواهب قبول أقل من القيمة، وقد وقع الخلاف فيما إذا تطوع الموهوب له بدفع أكثر ما يلزمه وأبى الواهب من أخذ أزيد من قيمة هبته فأفتى القابسي بجبر الواهب على أخذ الزائد على قيمة

الجزء: 3 - الصفحة: 91

هبته، حتى لو حلف كل بالطلاق على نقيض ما أراد صاحبه لقُضِيَ بتحنيث الواهب، لأن هبات الناس على ذلك.
هذا ملخص كلام القابسين لكن يقيد كلامه بما لا يدخله ربا الفضل وغلا امتنع، وأفتى غره بأنه لا يُجْبَر الواهب على قبول الزائد لأن الإنسان لا يلزمه أخذ ما يتوقع المَن به اهـ النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: "فلو اختلفا في كونها للثواب اعتبر شهادة الحال.
والله أعلم" يعني كما قال ابن جزي: وإن اختلف الواهب والموهوب له في مقتضى الهبة نظزر إلى شواهد الحال، فإن كانت بين غني وفقير فالقول قول الفقير مع يمينه، فإن لم يكن شاهد حال فالقول قول الواهب مع يمينه، وإذا أهدى فقير إلى غني طعامًا عند قدومه من سفر أو شبهة فلا ثواب له عليه.
قال خليل: وصدق واهب فيه إن لمخ يشهد عُرف بضده، والحكم المذكور عام ولو كانت الهبة لأجل عرس أو عند قدوم من حج.
ولو أهب الثوب طلب الثواب ولو معجلأن ولا يلزمه الصبر إلى أن يحدث له فرح إلا لعادة وللموهوب له أن يحاسب الواهب بما أكله هو ومن معه عند إحضار الهبة المسماة عند العامة بالحمولة.
والتصديق في إرادة الثواب بيمين مطلقًا.
وقيل اليمين عند إشكال الأمر، وذلك إذا لم يشهد العرف له ولا عليه، بناء على أن العرف بمنزلة شاهد فقط، أو بمنزلة شاهدين.
واعلم أنه إذا جرى العرف بالثواب يعمل بها ولو كان الموهوب مسكوكًا، أو كان الواهب أحد الزوجين لصاحبه، فما في خليل حيث لا عادة، وإلاَّ عمل بها لأنها عند مالك [72] [73] كالشرط اهـ النفراوي.
قال العلامة الشيخ محمد عليش في الفتاوى: ما قولكم في رجل صنع عرصًا فوهب له رجل أردب قمح هبة ثواب، ثم بعد سنين طلب الواهب الثواب فهل يقضى على الموهوب له بدفع الثواب للواهب، وإذ قلتم نعم وقلتم ثوابه في هذه النازلة العرض أو الدنانير وكان الأردب في زمن دفعه للموهوب له يساوي أربعين قرشًا مثلأن وفي زمن طلب الثواب يساوي ستين قرشًا مثلاً، وفي زمن طلب الثوبا يساوي ستين قرشًا مثلاً فماذا يكون العمل؟ أفيدوا الجواب.
ثم

الجزء: 3 - الصفحة: 92

قال: فأجبت بما نصه الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله: نعم يقضي على الموهوب له بدفع الثواب للواهب إن شرط أو اعتيد، وتعتبر اقيمة يوم الدفع لا يوم الطلب كما في الخرشي وغيره، فيلزم الموهوب له في المثال أربعون قرشًا، أو عرض يساويها واعتيدت إثابته لأنها قيمة الأردب يوم دفعه.
قال ابن العطار: ما يهدى من الكباش وغيرها عند العرس فإنه يقضي للطالب لامكافأة عليه للعرف، وإن الضمائر منعقدة على أنه يهديه مثلها إذا كان له عرس، ونزلت عند فقضي له بذلك وحاسبه بما أكل عنده في ذلك الصنيع من قيمة ذلك.
نقله ابن سلمون.
واستفيد من قوله إذا كان له عرس أنه يلزم الواهب الصبر حتى يحدث له عرس، ونحوه في البرزلي.
وظاهر كلام التتائي أنه لا يلزمه الصبر إليه إن جرى به العرف، وتبعه الأجهوري والخرشي، ونصه: وأما الموهوب له فلا يلزمه أن يدفع الثواب إلا أن تفوت بيده بزيادة أو نقص فتلزمه القيمة يوم قبض الهبة، وللواهب الرجوزع بقيمة شيئه معجلاً ولا يلزم أن يصبر إلى أن يتجدد له عرس اهـ عليش انظره.
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالهبة أتبعها بالكلام على ما يتعلق بأحكام الصدقة التي يقصد بهامحض ثواب الآخرة فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في الصدقة

أي في بيان ما يتعلق بالصدقة، وهي التمليك لقصد ثواب الآخرة، ولا تكون إلا لله تعالى كما علمت من تعريف الهبة؛ لأن التعريف جامع لهما، وإ، ما التغاير بقصد ثواب الآخر وقصد وجه المعطى بالفتح.
وفاعل الصدقة يسمى متصدقًا، والمفعول متصدق به ومتصدق عليه.
قال ابن جزي: والهبة لوجه الله تعالى تسمى صدقة فلا رجوع فيها أصلاً ولا اعتصار، ولا ينبغي للواهب أن يرتجعهاب شراء ولا غيره، وإن كانت شجرًا فلا

الجزء: 3 - الصفحة: 93

يأكل من ثمرها، وإن كانت دابة فلا يركبها غلا أن ترجع إليه بالميراث اهـ. قال رحمه الله تعالى: "الصدقة العطية لله، وصحتها كالهبة، ولا رجوع فيها لوالد ولا غيره، ولا ينتفع المتصدق بها ولا يشتريها بخلاف رجوعها ميراثًا" يعني أنه قد أخبر أن الصدقة هي العطية وصحتها كالهبة.
وتقدم الكلام على الهبة وأركانها وشروطها، وذكر هنا أنه لا يجوز لأحد الرجوع في صدقته، لما صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه كا ينهي عن ذلك كما نهى عمر بن الخطاب وزيد بن حارثة عن شراء الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله، وقال صلى الله عليه وسلم "لا تشتره وإن أعطاكم بدرهم، إن الذي يعود في صدقته كالكلب يعود في قيئه" ولذا قال مالك رحمه الله: لا يشتري الرجل صدقته لا من الذي تصدق بها عليه ولا من غيره" قاله في المدونة.
قال أبو محمد في الرسالة: ولا يرجع الرجل في صدقته ولا ترجع إليه إلا بالميراث اهـ. قال خليل: وكُرِهَ تملك صدقة بغير ميراث، وحمل النهي على الكراهة وهو مشهور المذهب، وحمله الداودي على التحريم، واستظهره ابن عرفة وأبو الحسن من أصحابنا.
قاله النفراوي.
قال رحمه اللَّه تعالى: "وللصحيح التصدق بجميع ماله، وأن يخص بعض أولاده، والأولى المساواة" يعني أن الشخص إذا كان صحيحًا له أن يتصدق بجميع ماله على الفقراء، أو على المعين وذلك للَّه تعالى أي وابتغاء لثواب الآخرة لأن الصدقة مستحبة، ولأن الله تعالى أثنى على فاعل ذلك بقوله: "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة" [الحشر: 9] ولأن الصديق، رضي الله عنه، تصدق بجميع ماله ولم ينكر عليه الرسول عليه الصلاة والسلام، وفعله جماعة من الصحابة، رضي الله عنهم، أجمعين.
قال في الرسالة: ولا بأس أن يتصدق على الفقراء بماله كله لله اهـ. وأما قوله وأن يخص إلخ فالمعنى ويجوز للشخص الصحيح العاقل الرشيد أن يخص بعض أولاده بهبته أو صدقته، فإن وقع ذلك لبعضهم بأن تصدق بماله كله له جاز مع الكراهة بشرط الحيازة قبل حصول المانع من

الجزء: 3 - الصفحة: 94

الواهب.
وأما إذا تصدق له بشيئ من ماله فذلك جائز بغير كراهة.
قال في الرسالة: ويكره أن يهب لبعض ولده ماله كله، وأما الشيئ منه فذلك سائغ اهـ. قال ابن جزي في القوانين: ويجوز أن يهب الإنسان ماله كله لأجنبي أتفاقًا.
وأما هبة جميع ماله لبعض ولده دون بعض، أو تفضيل بعضهم على بعض في الهبة فمكروه عند الجمهور، وإن وقع جاز.
وروي عن مالك المنع وفاقًا للظاهرية، والعدل هو التسوية بينهم.
وقال ابن حنبل: للذكر مثل حظ الأُنثيين اهـ. والدليل على ما ذكر ما ورد "أن النعمان بن بشير نحله أبوه شيئُا من ماله، وأراد أبوه أن يشهد النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكل ولدك نحلته مثل هذا؟." قال لأن قال: "فارجع" فرجع فرَدَه عطيته.
ووجه الدلالة للمشهور من الكراهة أ، النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمره بالرجوع وامتنع من الشهادة فدل ذلك على عدم كمالها، ولو كانت باطلة لقال عليه الصلاة والسلام إنهاباطلة، وعلة الكراهة أن عطية الأب كل ماله أو جله لبعض الأولاد يؤدي إلى عقوق الباقين وحرمانهم، ويؤدي إلى تباغضهم، والمطلوب الحرص على المواصلة والموداة والعدل بينهم، ولذا جاء في بعض الروايات "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" اهـ. نقله النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: "ولا يهب ولا يتصدق إلا رشيد، وإلا فلأن ولا يهب أو يتصدق إلا أهل التبرع، وهمافي الصحة من رأس المال، وفي المرض من الثلث" يعني أنه تقدم أن الهبة والصدقة لا يصح واحد منهما إلا لمن له التبرع.
قال الدردير وخرج بذلك الصبي، والمجنون، والرقيق، والسفيه، ومن أحاط الدين بماله، والسكران، وكذا المريض والزوجة فيما زاد على ثلثهما إلا أن هبتهما فيما زاد على الثلث صحيحة موقوفة على الوارث والزوج، وكذا من أحاط الدين بماله فإنها موقوفة على رب الدين، بخلاف المجنون والسفيهوالصغير فباطلة كالمرتد لأنه لا ملك له في حال الردة، ولا تصح هبته، ولا صدقته، ولا شيئ من أعماله حتى

الجزء: 3 - الصفحة: 95

يرجع إلى الإسلام اهـ بتوضيح.
وأما من توافرت فيه صفة التربع وهو الصحيح العاقل البالغ الرشيد المالك أمر نفسه في التصرفات فهذا الذي إذا تصدق أو وهب في الحالات المذكورة فإن ذلك يكون من رأس ماله، وأما في حال المرض فثيكون ذلك في ثلث ماله كالوصية كما سيأتي.
قال العلامة الشيخ محمد عليش في فتاويه: ما قولكم في هبة المريض وصدقته وسائر تبرعاته هل تحتاج لحيازة قبل موته كتبرعات الصحيح، أم لا؟ قال: فأجبت بما نصه، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله: لا تحتاج لحوز عنه قبل موته لأنها كالوصية في الخروج من الثلث.
قال البناني: وأما المريض فتبرعاته نافذة من الثلث مطلقًا أشهد أم ل، فلا يتوقف مضي تبرعه على حوز ولا الإشهاد الذي قوم مقامه.
قال في المدونة: وكل صدقة أو هبة أو حبس أو عطية بتله المريض لرجل بعينه، أو للمساكين، فلم تخرج من يده حتى مات فذلك نافذ من ثلثه كوصاياه انتهى.
ولأن الحوز في مرض المتبرع غير معتبر، فهو كعدمه فلا معنى لاشتراطه، وأيضًا ذكروافي حجر المرض المتبرع غير معتبر، فهو كعدمه فلا معنى لاشتراطه، وأيضًا ذكروا في حجر المرض أن تبرعات المريض توقف إن لم يؤمن ماله، فإن مات نفذت من ثلث ماله يوم التنفيذ، فهذا صريح في عدم اشتراطه فيها، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم اهـ عليش.
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالهبة والصدقة انتقل يتكلم على ما يتعلق بالعمرى فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في العمرى

أي في بيان ما يتعلق بأحكام العمرى، وهي تمليك منفعة مملوك حياة المعطى بالفتح بغير عوض، فإذا قال المالك المتبرع أعمرتك داري هذه ثبت له ملك منفعة تلك الدار، إذامات المُعْمَر رجعت ملكاً للمُعمِرِ أو وارثه يوم موت المعمَر بالفتح.
وحُكْمها الندب

الجزء: 3 - الصفحة: 96

لأنها من المعروف الذي يثاب بفعله.
وأحكامها في الحوز كالهبة.
وفي الموطأ عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيما رجل أعمر عمر ى له ولعقبه فإنها للذي يعطاها ولا ترجع إلى الذي أعطاها أبدًا؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه الموارث".
وفي رواية لغير الموطأ: وإنما العُمرَى التي أجاز النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول هي لك ولعقبك فأما إذا قيل: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها.
قال معمر: وكان الزهري يفتي به اهـ جمع الفوائد.
ولذا قال مالك: إن العُمْرِى ترجع إلى الذي أعمرها إذا لم يقل هل لك ولعقبك، أما إذا قال هي لك ولعقبك فتكون بعد الموت لوارثه وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: "العمرى هبة السكنى مدة عمر الموهوب فإذا انقضت عادت لمالكها أو وارثه، إلا أن يعمره وعقبه فتمتد إلى انقراضهم" يعني كما قال في الرسالة: ومن أعمر رجلاً حياته داراً رجعت بعد موت الساكن ملكًا لربها، وكذلك إن أعمر عقبه فانقرضوا، بخلاف الحُبُس، فإن مات المعمر يومئذ كانت لو ثته يوم موته ملكًا اهـ. قال خليل: ورجعت للمعمر أو وارثه.
واعلم أن رجوع العمرى إلى المعمر أو وارثه هو المذهب الذي جرى به عمل أهل المدينة، وبه الفتوى.
قال ابن القاسم في المدونة: من قال لرجل قد أعمرتك هذه الدار حياتك، أو قال هذا العبد أو هذه الدابة جاز ذلك عند مالك وترجع بعد موته إلى الذي أعمرها أو إلى ورثته اهـ. قال رحمه الله تعالى: "والإخدام كالعمرى، وهل النفقة عليه أو على السيد روايتان:" يعني أن حكم الإخدام كحكم العمرى وهو الندب؛ لأنها فعل الخير كما تقدم ونقل الميارة عن وثائق المجموعة قال: فإن مات المخدم والخدمة لأمد معلوم ورث ورثة

الجزء: 3 - الصفحة: 97

الذي له الخدمة بقية الأمد عنه، ف إن كانت الخدمة حياة المخدم لم يرث ورثته ذلك عنه، ورجع العبد إلى ربه أو إلى ورثته بعده على قدر مواريثهم فيه اهـ. قوله: وهل النفقة إلخ فالمعنى إذا تبرع المالك بخدمة عبده أو دابته لرجل فهل النفقة على السيد أو على من يخدم عليه؟ في ذلك روايتان.
قال ابن رحال في شرحه على تحفة الحكام: وأما نفقته فالظاهر أن الراجح فيها على المخدم بالفتح، وقال بعد ذلك: واقتصر ابن يونس على أن نفقة المخدم على صاحب الخدمة اهـ. ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالعمر انتقل يتكلم على ما يتعلق بالرقبى فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في الرقبى

أي في بيان حكم الرقبى، وهي ترقب موت أحد صاحبيها، فهي غير جائزة.
قال خليل: لا الرقبى أي لا تجوز.
وبيان حقيقتها كما قال: كذوي دارين قال: إن مت قبل فهما لي وإلا فلك.
قال الشارح: أي صاحبي دارين قال كل واحد منهما لصاحبه: إن مت قبلك فداري حبس عليك، فهذا لا يجوز؛ لأنه خطر، ولأنهما خرجا عن وجه المعروف إلى المخاطرة، وإذا وقع ونزل واطلع على ذلك قبل الموت فسخ، وإن لم يطلع عليه إلا بعد موته رجعت له أو لوارثه ملكًا، ولا ترجع مراجع الأحباس لأنه عقد باطل اهـ الخرشي.
قال رحمه الله تعالى: "والرقبى أن يترقب كل موت صاحبه ليأخذه داره وهي باطلة والله أعلم" قال الموّاق من المدوَّنة: لم يعرف مالك الرقبى ففسرت له فلم يجزها.
قال ابن جزي في القوانين: وأما الرقبى فهو أن يقول الرجل للآخر: إن مت قبلك فداري لك وإن مت قبلي فدارك لي، وهي غير جائزة خلافًا للشافعي اهـ. قال الصاوي في حاشيته على الدردير: وأما الرقبى فلا تجوز حبسًا ولا ملكًا، كذوي دارين أو عبدين

الجزء: 3 - الصفحة: 98

أو دار وعبد، وقال كل لصاحبه: إن مت قبلي فهما لي وإن مت قبلك فهما لك، فالمراد إن مت قبلي فدارك لي مضمومة لداري، وإن مت قبلك فداري مضمومة لدارك.
وإنما منع لما فيه من الخروج عن وجه المعروف والمخاطرة، فإن وقع ذلك واطلع عليه قبل الموت فسخ، وإن لم يطلع عليه إلا بعد الموت رجعت لوارثهما، ولا ترجع مراجع الأحباس لفساد العقد، كذا في الأصل اهـ. ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالرقبى انتقل يتكلم على ما يتعلق بأحكام الوقف، ويسمى حُبُسًا، وهو لغة وعُؤْفًا جعل منفعة مملوك ولو بأجْرة أو غلَّبة لمستحق بصيغة دالة عليه، فقال رحمه الله تعالى:

الجزء: 3 - الصفحة: 99

فصول الكتاب · 32 فصل
جارٍ التحميل