كِتَابُ الجَنَائِزِ
تُسَنُّ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ، فَإِنْ خِيفَ مَوْتُهُ رَغَّبَهُ فِي التَّوْبَةِ وَالْوَصِيَّةِ، وَبَلَّ حَلْقَهُ، وَنَدَّى شَفتيْهِ، وَلَقَّنَهُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه" مَرَّةً إِلَى ثَلَاثَةٍ، فَإِنْ تَكَلَّمَ بِغَيْرِهَا أَعَادَهَا، بِرِفْقٍ.
وَيَقْرَأُ عِنْدَهُ ﴿يسَ﴾، وَيُوَجِّهُهُ عَلَى ظَهْرِه، وَرِجْلَاهُ قِبْلَةً؛ كَوَضْعِهِ عَلَى مُغْتَسَلِهِ، وَيُغَمِّضُه بَعْدَ الْمَوْتِ، وَيَشُدُّ لَحْيَيْهِ، وَيُلَيِّنُ مَفَاصِلَهُ، وَيَخْلَعُ ثِيَابَهُ.
وَيُسَجَّى بِسَاتِرٍ، وَتُثقَلُ بَطْنُهُ بِحَدِيدَةٍ، وَيُسَارَعُ فِي قَضَاءِ وَاجِبِهِ، وَتَنْفِيذِ وَصِيَّتِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ، [وَإِنِ اشْتَبَهَ أَمْرُهُ] (1) اعْتُبِرَتْ أَمَارَاتُهُ.
فَصْلٌ
ومِنَ الْغُسْلِ إِلَى الدَّفْنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَوَصِيُّه 2 بِهِ -غَيْرُ الْفَاسِقِ- أَوْلَى، ثُمَّ أَبُوهُ وَإِنْ عَلَا، ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ نَزَلَ 3، ثُمَّ أَقْرَبُ رِجَالِ عَصَبَاتِهِ، ثُمَّ ذَوُو أَرْحَامِهِ.
وتَغْسِلُ الْمَرْأة وصِيَّتُهَا غَيْرُ الْفَاسِقَةِ، ثُمَّ أُمَّهَا، ثُمَّ جَدَّتُهَا، ثُمَّ1
الجزء: 1 - الصفحة: 97
بِنْتُهَا، ثم أَقْرَبُ نِسَائِهَا؛ كَالإِرْثِ.
وَيَغْسِلُ 4 كُلُّ وَاحِدٍ، مِنَ السَّيِّدِ وَالسُّرِّيَّةِ وَالزَّوْجَيْنِ، صَاحِبَهُ.
وَلِلْمَرْأَةِ غَسْلُ ذَكَرِ دُونَ سَبع سِنِينَ، وَلَا عَكْسَ.
وَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نِسْوَةٍ، أَوْ عَكْسُهُ، يُمِّمَ؛ كَالْخُنْثَى.
وَلَا يَغْسِلُ مُسْلِمٌ كَافِرًا وَلَا يَدْفِنُهُ إِلَّا أَلَّا يَجِدَ مَنْ يُوَارِيهِ غَيْرَهُ.
وَيُسْتَرُ الْمَيِّتُ عَنِ الْعُيُونِ، وَلَا يَحْضُرُهُ غَيْرُ مُعَاوِنٍ، وَيُجَرَّدُ بَعْدَ سَتْرِ عَوْرَتهِ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قُرْبَ جِلْسَتِهِ، وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ بِيَدِهِ، وَيَلُفُّ عَلَيْهَا خِرْقَةَ فَيُنْجِيهِ بِهَا، وَيَحْرُمُ مَسُّ عَوْرَتهِ وَنَظَرُهَا، وَيُكْرَهُ مَسُّ بَاقِيهِ بلَا خِرقَةٍ، وَيَنْوِي غُسْلَهُ، وَيُسَمِّي، وَيُنَظفُ فَمَهُ وَمَنْخِرَيْهِ بِبَلَلِ إِصْبَعَيْهِ، وَيُوَضِّئُهُ، وَيَغْسِلُ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ بمَاءٍ وَسِدْرٍ، ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّهُ الأَيْمَنَ، ثُمَّ الأَيْسَرَ، ثُمَّ كُلَّهُ ثَلَاثًا، يُمِرُّ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهِ، فَإِنْ لَمْ يُنْقَ بِثَلَاثٍ زادَ حَتَّى يُنْقِي 5 إِلَى سَبْعٍ، وَفِي كُلِّ الْمَاءِ سِدْرٌ، وَفِي الأَخِيرَةِ كَافُورٌ، وَلَا يُخْتَتَنُ، بَلْ يُقَلَّمُ وَيُؤْخَذُ شَارِبُهُ، لَا عَانَتُهُ، وَلَا يُنْصَى 6، وَيُسْدَلُ شَعَرُ الْمَرْأَةِ خَلْفَهَا ثَلَاثًا بَعْدَ ضَفْرِهِ 7.
الجزء: 1 - الصفحة: 98
وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ بَعْدُ غُسلَ إِلَى سَبْعٍ، فَإِنْ زَادَ حُشِيَ بِقُطْنٍ أَوْ طِينٍ حُرٍّ، وَغُسِلَ الْمَحَلُّ وَوُضِّئَ، وَيُنَشَّفُ بِثَوْبٍ.
وَلَا يُعَادُ بَعْدَ التَّكْفِينِ إِلَى الْغُسْلِ لأمْرٍ.
وَمَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ يُمِّمَ.
وَيُغَسَّلُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُقَرَّبُ طِيبًا وَلَا كَافُورًا، وَلَا يزالُ شَعَرُهُ وَلَا ظُفُرُهُ.
وَلَا يُغَسَّلُ شَهِيدٌ إِلَّا لِمُوجِبِهِ، وَتُنْزَعُ لأمَةُ (1) حَرْبِهِ، وَيُكَفَّنُ فِي ثِيَابهِ وُجُوبًا، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُوجَدَ مَيِّتًا وَلَا أثَرَ بِهِ، أَوْ يَطُولَ بَقَاؤُهُ، أَوْ يأْكُلَ.
وَالسَّقْطُ إِذَا بَلَغَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ.
وَلَا يُلْحَقُ بِالشَّهِيدِ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا.
وَيَسْتُرُ الْغَاسِلُ الْقَبِيحَ، وَيُظْهِرُ الْحَسَنَ، وَيَعْكِسُ عَلَى الْمُبْتَدِعِ.
فَصْلٌ
كفَنُ الْمَيِّتِ وَمُؤْنَةُ دَفْنِهِ مِنْ أَصْلِ مَالِهِ مُطْلَقًا، ثم عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ غَيْرَ الزَّوْجِ.
وَكَفَنُ الرَّجُلِ ثَلَاثُ لَفَائِفَ، تُجَمَّرُ وَيُبْسَطُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ تَحْتَهُ مُسْتَلْقِيًا، يُذَرُّ بَيْنَهَا حَنُوطٌ، يُجْعَلُ مِنْهُ فِي قُطْنٍ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ، يُشَدُّ فَوْقَهُ خِرْقَةٌ كَتُبَّانٍ 9، وَبَاقِيهِ عَلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَمَنَافِذِ وَجْهِهِ غَيْرَ عَيْنَيْهِ، وَيُطَيَّبُ8
الجزء: 1 - الصفحة: 99
كُلُّهُ، وَيُثْنَى طَرَفُ اللِّفَافَةِ الْعُلْيَا عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، وَالأُخْرَى عَلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ، وَكَذَا الْبَاقِيَتَيْنِ.
وَيُجْزِئُ قَمِيصٌ، وَمِئْزَرٌ يُشْعَرُ بِهِ، وَلِفَافَةٌ.
وَكَفَنُ الْمَرْأَةِ: إِزَارٌ، وَخِمَارٌ، وَقَمِيصٌ، وَلِفَافتانِ.
فَصْلٌ
يَقِفُ الإِمَامُ عِنْدَ صَدْرِ الذَّكَرِ، وَوَسَط الأُنْثَى، وَحِذَاءَ صَدْرَيْهِمَا إِنْ جُمِعَا، ثُمَّ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا: يَقْرَأُ "الْحَمْدَ" فِي الأُولَى، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي الثَّانِيَةِ، وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِلْمَيِّتِ فِي الثَّالِثَةِ، وَيُسَلِّمُ يَمْنَةً بَعْدَ الرَّابِعَةِ بِقَلِيلٍ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ.
وَالْوَاجِبُ: الْقِيَامُ فِي فَرْضِهَا، وَالتَّكْبِيرَاتُ، وَالْفَاتِحَةُ 10، والصَّلاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَأَدْنَى دُعَاءٍ لِلْمَيِّتِ 11، وَالسَّلَامُ.
وَيَتْبَعُ إِمَامَهُ فِي أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ فَقَطْ.
وَمَنْ فَاتَهُ بَعْضُهُ قَضَاهُ بَعْدَ سَلَامِ إِمَامِهِ عَلَى صِفَتِهِ، إِلَّا أَنْ يَرْفَعَ الْجِنَازَةَ فَيَقْضِيهِ مُتَوَالِيًا، وَتَصِحُّ بِدُونهِ.
وَيُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إِلَى شَهْرٍ مِنْ دَفْنِهِ، كَالْغَائِبِ، بِالنِّيَّةِ، لَا فِي أَحَدِ جَانِبَيْ بَلَدٍ.
وَإِنِ اشْتَبَهَ مَنْ لَا يُصلَّي عَلَيْهِ بِضِدِّهِ، نَوَاهُ بِهَا بَعْدَ غَسْلِهِمَا وَتَكْفِينهِمَا.
وَبَعْضُ الْمَيِّتِ كَكُلِّهِ.
وَإِنْ حَضَرَ الْمَيِّتَ نِسَاءٌ فَقَطْ صَلَّيْنَ عَلَيْهِ = مقدار شبر، يستر العورة المغلظة فقط.
ينظر: "المطلع" (ص 117).
الجزء: 1 - الصفحة: 100
جَمَاعَةً.
وَالْمَسْجِدُ كَغَيْرِهِ.
فَصْلٌ
ويُسْتَحَبُّ التَّرْبِيعُ فِي حَمْلِهِ بِأَنْ يَضَعَ قَائِمَةَ النَّعْشِ الْيُسْرَى الْمُقَدَّمَةَ عَلَى الْكَتِفِ الْيُمْنَى، ثُمَّ الْمُؤَخَّرَةَ، ثُمَّ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى كَذَلِكَ.
وَيُسْرِعُ بِهَا، وَيَكُونُ الْمُشَاةُ أَمَامَهَا، وَالرُّكْبَانُ خَلْفَهَا، وَلَا يَجْلِسُونَ قَبْلَ وَضْعِهَا بِالأَرْضِ، وَلَا يُقَامُ لَهَا، وَتُدْخَلُ قَبْرَهَا مِنْ شَرْقِيِّهِ وَتُسَجَّى الأُنْثَى.
وَاللَّحْدُ وَنَصْبُ اللَّبِنِ عَلَيْهِ سُنَّةٌ، وَيُكْرَهُ الْخَشَبُ وَشَيْءٌ مَسَّتْهُ نَارٌ.
وَيَضَعُ الْمَيِّتَ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ.
وَيَعْكِسُ مَعَ إِفْرَادِهَا ذِمِّيَّةً حَامِلًا مِنْ مُسْلِمٍ.
وَيَقُولُ: "بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-" 12. وَيُحْثَى التُّرَابُ عَلَيْهِ بِالْيَدِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يُهَالُ، وَيُرْفَعُ شِبْرًا مُسَنَّمًا، مَرْشُوشًا بِمَاءٍ.
وَالْكِتَابَةُ، وَالْبِنَاءُ، وَالْجُلُوسُ، وَالْوَطْءُ عَلَيْهِ، وَالاِتِّكَاءُ -مَكْرُوهٌ؛ كَتَجْصِيصِهِ، لَا تَطْيِينهِ.
فَإِنْ دُفِنَ اثْنَانِ لِضَرُورَةٍ، حُجِزَ بَيْنَ بَطْنِ الْمَفْضُولِ وَظَهْرِ الأَفْضَلِ بِتُرَابٍ.
وَإِنْ كُفِّنَ بِغَصْبٍ، أَوْ بَلَعَ مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ، غُرِمَ مِنْ تَرِكتِهِ إِنْ كَانَ لَهُ تَرِكَةٌ، وَإِلَّا نُبِشَ وَأُخِذَ ذَلِكَ.
وَإِنْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ، نُبِشَ لَهُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 101
وَوَلَدُ الْحَامِلِ يُخْرِجُهُ القَوَابِلُ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ.
وَلَا يُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ.
وَيَنْتَفعُ الْمُسْلِمُ بِإِهْدَاءِ قُرْبَةِ الْحَيِّ إِلَيْهِ.
وَيُسَنُّ لِجِيرَانِ الْمَيِّتِ إِصْلَاحُ طَعَامٍ لأَهْلِهِ، وَيُكْرَهُ الْعَكْسُ.
فَصْلٌ
وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ، وَيَقُولُ الْمَارُّ بِهَا مَا وَرَدَ مِنَ الْحَدِيثِ.
وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لِلتَّعْزِيَةِ، وَهِيَ مَسْنُونَةٌ؛ بِأَنْ يُقَالَ لِلْمُسْلِمِ فِي الْمُسْلِمِ: "أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لِمَيِّتكَ"، وَفِي كَافِرٍ يُسْقِطُ الْمَغْفِرَةَ.
وَتُكْرَهُ تَعْزِيَةُ الْكَافِرِ، وَيُقَالُ: "أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَلَا نَقَصَ عَدَدَكَ".
وَأَمَارَةُ الْمُصَابِ مُبَاحَةٌ؛ كَالْبُكَاءِ.
وَيَحْرُمُ الشَّقُّ، وَاللَّطْمُ، وَالنَّدْبُ، وَالنَّوْحُ.
واللَّه أَعْلَمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 102