الوجيز في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبلكِتَابُ الأَيْمَانِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْيَمِينُ الَّتِي تَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ إِذَا حَنِثَ، هِيَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ؛ كَالْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، وَنَحْوِهِمَا.
وَأَسْمَاؤُهُ قِسْمَانِ: مَا لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ؛ نَحْوُ: "اللَّهِ" 1، وَ"الرَّحْمِنِ"، وَ"الْقَدِيمِ"، وَ"الأَزَلِيِّ"، وَ"الأَوَّلِ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ"، وَ"الآخِرِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ"، وَ"خَالِقِ الْخَلْقِ"، وَ"رَازِقِ الْعَالَمِينَ".
فَالْقَسَمُ بِهَذَا يَمِينٌ بِكُلِّ حَالٍ.
الثَّانِي: مَا قَدْ يُسمَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَإِطْلَاقُهُ يَنْصَرِفُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَـ "الرَّحِيمِ"، وَ"الْعَظِيمِ"، وَ"الْقَادِرِ"، وَ"الرَّبِّ"، وَ"الْمَوْلَى"، وَ"الرَّازِقِ"، وَنَحْوِهِ.
فمَنْ نَوَى بِهِ اللَّهَ، أَوْ أَطْلَقَ، فَهُوَ يَمِينٌ.
وَإِنْ نَوَى بِهِ غَيْرَهُ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ.
وَمَا لَا يَنْطَلِقُ إِطْلَاقُهُ إِلَيْهِ، بَلْ يَحْتَمِلُهُ؛ كَـ "الشَّيْءِ"، وَ"الْحَيِّ"، وَ"الْمَوْجُودِ"، فَإِنْ نَوَى بِهِ اللَّهَ كَانَ يَمِينًا، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ قَالَ: "وَحَقِّ اللَّهِ"، "وَعَهْدِ اللَّهِ"، "وَأَمَانَةِ اللَّه"، "وَمِيثَاقِهِ"، "وَقُدْرَتِهِ"، "وَعَظَمَتِهِ"، "وَكِبْرِيَائِهِ"، "وَجَلَالِهِ"، "وَعِزَّتِهِ"، وَنَحْوَ ذَلِكَ -فَهُوَ يَمِينٌ.
وَإِنْ قَالَ: "وَالْعَهْدِ"، "وَالْمِيثَاقِ"، وَسَائِرَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا،

الجزء: 1 - الصفحة: 509

إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِإِطْلَاقِهِ صِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَإِنْ قَالَ: "وَايْمُ اللَّهِ"، أَوْ: "لَعَمْرُ اللَّهِ"، كَانَ يَمِينًا.
وَإِنْ حَلَفَ بِكَلَامِ اللَّهِ، أَوْ بِالْمُصْحَفِ، أَوْ بِالْقُرْآنِ -فَهُوَ يَمِينٌ فِيهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَإِنْ قَالَ: "أُقْسِمُ بِاللَّهِ"، أَوْ "أَعْزِمُ بِاللَّهِ"، أَوْ "أَحْلِفُ باللَّهِ"، أَوْ "أَشْهَدُ بِاللَّهِ" -كَانَ يَمِينًا.
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ.

فَصْلٌ

وَلَا فَرْقَ فِي اسْمِ "اللَّهِ" بَيْنَ قَوْلِهِ: "وَاللَّهِ"، وَ: "بِاللَّهِ"، وَ: "تَاللَّهِ"، وَبَيْنَ إِسْقَاطِ حَرْفِ الْقَسَمِ فَيَقُولَ: "اللَّهِ لأَفْعَلَنَّ" بِالْجَرِّ، أَوِ النَّصْبِ.
فَإِنْ رَفَعَهُ مَعَ الْوَاوِ، وَعَدَمِهِ، أَوْ نَصَبَهُ مَعَ الْوَاوِ -فَهُوَ يَمِينٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يُرِيدُ الْيَمِينَ.

فَصْلٌ

وَالْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ مُحَرَّمٌ، وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ، سَوَاءٌ أَضَافَهُ إِلَى اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: "وَخَلْقِ اللَّهِ"، "وَمَعْلُومِهِ"، "وَكَعْبَتِهِ"، أَوْ لَمْ يُضِفْهُ؛ مِثْلَ: "وَالْكَعْبَةِ"، "وَالنَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-".

الجزء: 1 - الصفحة: 510

فَصْلٌ

وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ:

أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً؛

وَهِيَ الَّتِي قَصَدَ عَقْدَها عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ.
فَإِنْ حَلَفَ بِاللَّهِ عَلَى أَمْرٍ ماضٍ كاذِبًا عالِمًا، فَهِيَ الْغَمُوسُ، وَمِثْلُها الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَحِيلٍ، وَقَدْ ذُكِرَ (1)، وَكَذا لَغْوُ الْيَمِينِ يَجْرِي عَلَى لِسانِهِ بِغَيْرِ قَصدٍ؛ كَقَوْلهِ: "لا واللَّهِ"، وَ"بَلَى واللَّهِ"، وَكَذا الْيَمِينُ عَقَدَها بِاللَّهِ يَظُن صِدقَ نَفْسِهِ، فَبانَ بِخِلَافِهِ -فَلا كَفَّارَةَ فِي الْجَمِيعِ.

فَصْلٌ

الثَّانِي: أَنْ يَحْلِفَ مُخْتارًا.

فَإِنْ حَلَفَ مُكْرَهًا، لَمْ تَنْعَقِد يَمِينُهُ.

الثَّالِثُ: الْحِنْثُ فِي يَمِينهِ؛

بِأَنْ يَفْعَلَ ما حَلَفَ عَلَى تَركِهِ، أَوْ يَتْرُكَ ما حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، مُخْتارًا ذاكِرًا.
فَإِنْ فَعَلَهُ مُكْرَهًا أَوْ ناسِيًا، فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَمَنْ قَالَ فِي يَمِينٍ مُكَفَّرَةِ: "إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، قاصِدًا الاِسْتِثْناءَ قَبْلَ تَكْمِيلِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، مُتَّصِلًا، أَوْ فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلِ -لَمْ يَحنَثْ، سَواءٌ فَعَلَ أَوْ تَرَكَ.
وَيُسْتَحَبُّ الْحِنْثُ فِي الْيَمِينِ إِذا كانَ خَيْرًا، وَيَحْرُمُ إِنْ كانَ مَعْصِيَةً.2

الجزء: 1 - الصفحة: 511

وَلا يُسْتَحَبُّ إِكْثارُ الْحَلِفِ.
وَمَنْ دُعِيَ إِلَى الْحَلِفِ عِنْدَ الْحاكِمِ وَهُوَ مُحِقٌّ، فالأَوْلَى أَنْ يَفْتَدِيَ يَمِينَهُ، وَإِنْ حَلَفَ فَلا بَأْسَ.
وَإِذا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا، وَنَوَى وَقْتًا بِعَيْنهِ، تَقَيَّدَ (1) بِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، لَمْ يَحنَثْ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ فِعْلِهِ: إِما بِتَلَفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ مَوْتِ الْحَالِفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

فَصْلٌ

وَمَنْ حَرَّمَ حَلَالًا سِوَى الزَّوْجَةِ -مِنْ أَمَةٍ، أَوْ طَعامٍ، أَوْ لِباسٍ- لَمْ يَحْرُمْ، وَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ.
وَإِنْ قَالَ: "هُوَ يَهُودِيٌّ -أَوْ كافِرٌ، أَوْ بَرِيءٌ مِنَ اللَّهِ، أَوْ مِنَ الإِسْلَامِ، أَوِ الْقُرآنِ، أَوِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أَوْ: أَنَا أَسْتَحِلُّ الزِّنَى، وَنَحوَهُ -إِنْ فَعَلَ كَذا"، ثُمَّ فَعَلَهُ-: فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَإِنْ قَالَ: "عَصَيْتُ اللَّهَ فِي كُلِّ ما أَمَرَنِي، أَوْ مَحَوْتُ الْمُصْحَفَ، إِنْ فَعَلْتُ" -فَلَا كَفَّارَةَ.
وَكَذا: "عَبْدُ فُلَانٍ حُرٌّ لأَفْعَلَنَّ".
وَإِنْ قَالَ: "أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي"، فَهِيَ يَمِينٌ رَتَّبَهَا الْحَجَّاجُ؛ تَتَضَمَّنُ: الْيَمِينَ بِاللَّهِ، والطَّلَاقِ، والْعَتَاقِ، وَصَدَقَةِ الْمالِ؛ فَإِنْ عَرَفَهَا الْحَالِفُ وَنَوَاهَا، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بِمَا فِيهَا سِوَى الْيَمِينِ باللَّهِ، وإِلَّا فَلَا.
وَلَوْ قَالَ: "أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ تَلْزَمُنِي إِنْ فَعَلْتُ كَذَا"، لَزِمَتْهُ يَمِينُ3

الجزء: 1 - الصفحة: 512

الظِّهارِ، والْعَتاقِ، والطَّلَاقِ، والنَّذْرِ، والْيَمِينُ بِاللَّهِ، نَوَى ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ.
وَمَنْ حَلَفَ بِيَمِينٍ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ، فَقالَ آخَرُ: "يَمِينِي فِي يَمِينِكَ"، أَوْ: "أَنَا عَلَى مِثْلِ يَمِينكَ"، يُرِيدُ الاِلْتِزامَ بِمِثْلِ يَمِينهِ -لَزِمَهُ ذَلِكَ.
وَإِنْ قَالَ: "عَلَى نَذْرٌ، أَوْ يَمِينٌ، إِنْ فَعَلْتُ كَذا"، لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ.

فَصْلٌ

وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ تَجْمَعُ تَخْيِيرًا وَتَرْتِيبًا: فَيُخَيَّرُ مَنْ لَزِمَتْهُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْياءَ: إِطْعامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، أَوْ كُسْوتهِمْ -لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ تُجْزِئُهُ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَلِلْمَرأَةِ خِمارٌ وَدِرعٌ كَذَلِكَ- أَوْ عِتْقِ رَقَبَةٍ.
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتابِعَةٍ.
وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ بِالْمالِ والصِّيَامِ قَبْلَ الْحِنْثِ.
وَلَا تُقَدَّمُ كَفَّارَةٌ قَبْلَ الْحَلِفِ.
وَمَنْ لَزِمَتْهُ أَيْمَانٌ قَبْلَ التَّكْفِيرِ مُوجِبُها واحِدٌ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ.
وَإِنِ اخْتَلَفَ مُوجِبُها؛ كَظِهارٍ، وَيَمِينٍ باللَّهِ -لَزِماهُ، وَلَمْ يَتَداخَلَا.
وَكَفَّارَةُ الْعَبْدِ الصِّيَامُ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ.
وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، فَكَالْحُرِّ فِي الأَيْمَانِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 513

بَابُ جَامِعِ الأَيْمَانِ

يُرْجَعُ فِي الأَيْمانِ إِلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ إِذا احتَمَلَها لَفْظُهُ، فَإِنْ عُدِمَتِ النِّيَّةُ رُجِعَ إِلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَما هَيَّجَهَا.
فَمَنْ حَلَفَ: "لأَقْضِيَنَّ 4 زَيْدًا حَقَّهُ فِي غَدٍ" وَقَصْدُهُ أَلَّا يُجاوِزَهُ، أَوِ السَّبَبُ يَقْتَضِيهِ 5، فَقَضاهُ قَبْلَهُ -بَرَّ.
وَإِنْ حَلَفَ "لا يَبِيعُ ثَوْبَهُ إلا بِمِائَةِ"، فَباعَهُ بأَكْثَرَ -لَمْ يَحنَثْ.
فَإِنْ باعَهُ بأَقَلَّ، حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَدْخُلُ دارًا"، وَنَوَى الْيَوْمَ، لَمْ يَحنَثْ بِالدُّخُولِ فِي غَيْرِهِ.
وَإِنْ دُعِيَ إِلَى غَداءٍ 6، فَحَلَفَ "لا يَتَغَدَّى"، اخْتُصَّتْ يَمِينُهُ بِهِ إِذا قَصَدَهُ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَشْرَبُ لَه الْمَاءَ مِنَ الْعَطَشَ"، بِقَصْدِ قَطْعِ الْمِنَّةِ -حَنِثَ بأَكْلِ خُبْزِهِ، واسْتِعارَةِ دَابَّتِهِ، وَكُلِّ ما فِيهِ مِنَةٌ.
وَإِنْ حَلَفَ "لا يَلْبَسُ

الجزء: 1 - الصفحة: 514

مِنْ غَزْلِهَا"، يَقْصِدُ قَطْعَ مِنَّتِهَا (1)، فَباعَهُ وانْتَفَعَ بِثَمَنِهِ فِي شِراءِ ثَوْبِ أَوْ غَيْرِهِ -حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ "لا يَأْوِي مَعَها فِي دَارٍ" -سَمَّاها- يُرِيدُ جَفاءَها، وَلَيْسَ لِلدَّارِ سَبَبٌ هَيَّجَ (2) يَمِينَهُ، فَأَوَى مَعَها فِي غَيْرِهَا -حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ لِعامِلٍ "لا يَخْرُجُ إِلَّا بِإِذْنِهِ" فَعُزِلَ، أَوْ عَلَى زَوْجَتِهِ فَطَلَّقَها، أَوْ عَلَى عَبْدِهِ فَأَعْتَقَهُ، وَنَحوَهُ -انْحَلَّتْ يَمِينُهُ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا رَأَيْتُ مُنْكَرًا إلا رَفَعْتُهُ إِلَى فُلَانِ الْقَاضِي"، فَعُزِلَ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ.

فَصْلٌ

فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ رُجِعَ إِلَى التَّعْيِينِ.
فَإِذا حَلَفَ "لا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ"؛ فَدَخَلَها وَقَدْ صَارَتْ فَضاءَ، أَوْ مَسْجِدًا، أَوْ حَمَّامًا، أَوْ بَاعَهَا فُلَانٌ، أَوْ: "لَا لَبِسْتُ هَذا الْقَمِيصَ"؛ فَجَعَلَهُ سَراوِيلَ، أَوْ رِداءً، أَوْ عِمامَةً، وَلَبِسَهُ، أَوْ: "لا كَلَّمْتُ هَذا الصَّبِيَّ"؛ فَصَارَ شَيْخًا، أَوْ: "زَوْجَةَ فُلَانٍ هَذِهِ"، أَوْ: "صَدِيقَهُ فُلَانًا"، أَوْ: "مَمْلُوكَهُ سَعْدًا"؛ فَزالَ الْمِلْكُ، أَوِ الصَّدَاقَةُ" 9، ثُمَّ78

الجزء: 1 - الصفحة: 515

كَلَّمَهُمْ، أَوْ: "لا أَكلْتُ لَحمَ هَذا الْحَمَلِ"؛ فَصَارَ كَبْشًا، أَوْ: "هَذا الرُّطَبَ"؛ فَصَارَ تَمْرًا، أَوْ دِبْسًا (1)، أَوْ خَلًّا، أَوْ: "هَذا اللَّبَنَ"؛ فَصَارَ جُبْنًا، وَنَحْوَهُ، ثُمَّ أَكَلَ-: حَنِثَ فِي الْكُلِّ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ "ما دامَ عَلَى الصِّفَةِ".

فَصْلٌ

فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ رُجِعَ إِلَى ما يَتَناوَلُهُ الاِسْمُ؛ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ:

شَرعِيٌّ،

لَهُ مَوْضُوعٌ [فِي الشَّرعِ وَمَوْضُوعٌ] 11 فِي اللُّغَةِ؛ فالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْوَضْعِ الشَّرعِيِّ.
فَإِذا حَلَفَ "لا يَبِيعُ"، أَوْ "لا يَنْكِحُ"، فَعَقَدَ عَقْدًا فاسِدًا -لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ قَيَّدَ يَمِينَهُ 12 بِما يَمْنَعُ الصِّحَّةَ؛ كَالْحَالِفِ "لا يَبِيعُ الْخَمْرَ" أَوِ "الْحُرَّ"، حَنِثَ بِصُورَةِ الْعَقْدِ.
وَإِنْ حَلَفَ "لا يَصُومُ"، أَوْ "لا يُصَلِّي"، حَنِثَ بِالشُّرُوعِ الصَّحِيحِ.
وَإِنْ حَلَفَ "لا يَهَبُ لِفُلَانٍ"، أَوْ "لا يُهْدِي لِفُلَانٍ"، أَوْ "لا يُوصِي لَهُ"، أَوْ "لا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ"، فَفَعَلَ، وَلَمْ يَقْبَلْ فُلَانٌ -حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ "لا يَهَبُهُ"، فتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، أَوْ وَقَفَ، أَوْ باعَهُ وَحاباهُ -حَنِثَ.
وَإِنْ أَعَارَهُ، أَوْ أَوْصَى لَهُ، لَمْ يَحْنَثْ.10

الجزء: 1 - الصفحة: 516

فَصْلٌ

والثَّانِي: حَقِيقِيٌّ.

فَمَنْ حَلَفَ "لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ"، فَأَكَلَ شَحْمًا، أَوْ مُخًّا، أَوْ كَبِدًا، أَوْ طِحَالًا، أَوْ قَلْبًا، أَوْ كَرِشًا، أَوْ مُصرانًا، أَوْ أَلْيَةً، أَوْ دِمَاغًا، أَوْ قَانِسَةً، أَوْ مَرَقَ اللَّحْمِ -لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَأْكُلُ الشَّحْمَ"، فَأَكَلَ بَيَاضَ اللَّحْمِ -كَسَمِينِ الظَّهْرِ- حَنِثَ.
وَإِنْ أَكَلَ اللَّحْمَ الأَحْمَرَ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ "لا يَأْكُلُ لَبَنًا"، فَأَكَلَ زُبْدًا، أَوْ سَمْنًا، أَوْ كَشْكًا 13، أَوْ أَقِطًا 14، أَوْ جُبْنًا، ، أَوْ حَلَفَ عَلَى الزُّبْدِ والسَّمْنِ، فَأَكَلَ لَبَنًا"، [أَوْ عَلَى التَّمْرِ، فَأَكَلَ رُطَبًا، أَوْ دِبْسًا، أَوْ ناطِفًا] 15 -لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى الْفَاكِهَةِ، فَأَكَلَ ثَمَرَ النَّخْلِ، أَوِ الْكَرمِ، أَوْ سَائِرِ الشَّجَرِ، رَطْبًا أَوْ يابِسًا، أَوِ الْبِطِّيخَ -حَنِثَ.
وَلا يَحْنَثُ بِالْقِثَّاءِ، والْخِيارِ، وَسائِرِ الْخُضَرِ.
وَإِنْ حَلَفَ "لا يَأْكُلُ رُطَبًا"، فَأَكَلَ مُذَنِّبًا 16، حَنِثَ.
وَإِنْ

الجزء: 1 - الصفحة: 517

أَكَلَ تَمْرًا، أَوْ بُسْرًا 17 "، أَوْ حَلَفَ "لَا يَأْكُلُ تَمْرًا"، فَأَكَلَ رُطَبًا، أَوْ دِبْسًا، أَوْ نَاطِفًا 18 -لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ "لا يَأْكُلُ أُدْمًا"، حَنِثَ بأَكْلِ الْبَيْضِ، والشَّوِيِّ 19، والْجُبْنِ، والتَّمْرِ، والْمِلْحِ، والزَّيْتُونِ؛ كَمَا يَحْنَثُ بِكُلِّ ما يُصطَبَغُ 20 بِهِ.
وَإِنْ حَلَفَ "لا يَلْبَسُ شَيْئًا"، فَلَبِسَ ثَوْبًا، أَوْ دِرعًا، أَوْ جَوْشَنًا 21، أَوْ نعلًا -حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ "لا يَلْبَسُ حَلْيًا"، فَلَبِسَ حَلْيَ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ جَوْهَرٍ -حَنِثَ، لا بِعَقِيقٍ، وَسَبَجٍ 22، وَدَراهِمَ، وَدَنَانِيرَ فِي مُرسَلَةٍ 23. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ"، أَوْ "لا يَرْكَبُ دَابَّتَهُ"، أَوْ "لَا يَلْبَسُ ثَوْبَهُ"، ثُمَّ فَعَلَهُ فِيما اسْتَأْجَرَهُ فُلَان، أَوْ آجَرَهُ، أَوْ جَعَلَهُ لِعَبْدِهِ -حَنِثَ.
وَإِنْ كانَ فِيما اسْتَعارَهُ فُلَانٌ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ "لا يَرْكَبُ دابَّةَ عَبْدٍ فُلَانٍ"، فَرَكِبَ دابَّةً جُعِلَتْ بِرَسْمِهِ، حَنِثَ.

الجزء: 1 - الصفحة: 518

وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَدْخُلُ دارًا"، فَدَخَلَ سَطْحَهَا، حَنِثَ.
وَإِنْ دَخَلَ طَاقَ الْبابِ، بِحَيْثُ إِذا أُغْلِقَ (1) كانَ خارِجًا، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِذَا حَلَفَ "لَا يُكَلِّمُ إِنْسَانًا"، حَنِثَ بِكَلَامِ كُلِّ إِنْسَانٍ.
وَإِذَا قَالَ: "تَنَحَّ"، أَوِ "اسْكُتْ"، حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا كَلَّمْتُ فُلَانًا حَتَّى يُكَلِّمَنِي"، أَوْ "حَتَّى يَبْدَأَنِي بِالْكَلَامِ"، فَتَكَلَّما مَعًا -حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا بَدَأْتُهُ بِالْكَلَامِ"، فتكَلَّما مَعًا، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يُكَلمُهُ حِينًا"، أَوْ "عُمُرًا"، وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا -فَسِتَّةُ أَشْهُرٍ.
وَإِنْ قَالَ: "زَمَنًا"، أَوْ "دَهْرًا"، أَوْ "بَعِيدًا"، أَوْ "مَلِيًّا" -رُجِعَ إِلَى أَقَلِّ ما يَتَناوَلُهُ اللَّفْظُ.
أَوِ "الأَبَدَ"، وَ"الدَّهْرَ": فالزَّمَانُ كُلُّهُ.
وَ"الْحُقْبُ": ثَمَانُونَ سَنَةً.
وَ"الشُّهُورُ": اثْنا عَشَرَ شَهْرًا.
وَ"الأَيَّامُ": ثَلَاثَةٌ.
وَ"إِلَى الْحَصَادِ"، فَهُوَ إِلَى أَوَّلِ مُدَّتِهِ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَدْخُلُ بابَ هَذِهِ الدَّارِ"، فَحُوِّلَ وَدَخَلَ، حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا مالَ لَهُ"، وَلَهُ مالٌ غَيْرُ زكَوِيّ، أَوْ دَيْنٌ عَلَى إِنْسَانٍ -حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَفْعَلُ شَيْئًا"، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ، حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ مُباشَرَتَهُ بِنَفْسِهِ.

فَصْلٌ

والثَّالِثُ: عُرفيٌّ،

اشْتَهَرَ مَجَازُهُ فَغَلَبَ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ كـ "الرَّاوِيَةِ"،24

الجزء: 1 - الصفحة: 519

وَ"الْغائِطِ" 25، وَنَحْوِهِما؛ فَيتعَلَّقُ الْيَمِينُ بِالْعُرْفِ.
فَإِذَا حَلَفَ عَلَى وَطْءِ امْرَأَتِهِ، أَوْ عَلَى وَطْءِ دارِ -تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِجِمَاعِهَا، وَبِدُخُولِ الدَّارِ، راكِبًا أَوْ مُنْتَعِلًا، أَوْ ضِدَّهُما.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَتَسَرَّى"، فَوَطِئَ أَمَةً لَهُ مَوْجُودَةً، أَوِ اشْتَراها ثُمَّ وَطِئَهَا، عَزَلَ أَوْ لَمْ يَعْزِلْ -حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَشَمُّ الرَّيْحَانَ"، فَشَمَ وَرْدًا أَوْ بَنَفْسَجًا أَوْ يَاسَمِينَ، ، أَوْ "لَا يَشَمُّ وَرْدًا"، أَوْ "بَنَفْسَجًا"، فَشَمَّ دُهْنَهُما، أَوْ ماءَ الْوَردِ -لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَأْكُلُ لَحْمًا"، فَأَكَلَ سَمَكًا، حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَأْكُلُ رَأْسًا، وَلا بَيْضًا"، حَنِثَ بأَكْلِ رُؤُوسِ الطَّيْرِ والسَّمَكِ، وَبَيْضِ السَّمَكِ والْجَرادِ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَدْخُلُ بَيْتًا"، فَدَخَلَ مَسْجِدًا، أَوْ حَمامًا، أَوْ بَيْتَ شَعَرٍ، أَوْ أَدَمِ 26، أَوْ "لَا يَرْكَبُ"، فَرَكِبَ سَفِينَةً -حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَتكَلَّمُ"، فَقَرَأَ، أَوْ سَبَّحَ، أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ، أَوْ دُقَّ بَابُهُ فَقالَ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ 27 يَقْصِدُ التَّنْبِيهَ بِالْقُرْآنِ -لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَضْرِبُ امْرَأتهُ"، فَعَضَّها، أَوْ نَتَفَ شَعَرَهَا، أَوْ خَنَقَها -حَنِثَ.

الجزء: 1 - الصفحة: 520

وَإِنْ حَلَفَ "لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ سَوْطِ"، فَجَمَعَها فَضَرَبَهُ بِها ضَربَةَ واحِدَةً - لَمْ يَبَرَّ.
وَإِنْ حَلَفَ لِلِصٍّ "لَا يُخْبِرُ بِهِ، وَلا يَغْمِزُ عَلَيْهِ"، فَسُئِلَ عَنْ قَوْمٍ هُوَ مِنْهُمْ، فَبَرَّأَهُمْ وَسكَتَ عَنْهُ؛ يُرِيدُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ -حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ حَقِيقَةَ النُّطْقِ أَوِ الْغَمْزِ.

فَصْلٌ

وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَأْكُلُ شَيْئًا"، فَأَكَلَهُ مُسْتَهْلَكًا فِي غَيْرِهِ؛ كَمَنْ حَلَفَ "لَا يَأْكُلُ سَمْنًا 28 "، فَأَكَلَ خَبِيصًا 29 لا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُهُ"، أَوْ "لَا يَأْكُلُ بَيْضًا"، فَأَكَلَ ناطِفًا"، أَوْ "لَا يَأْكُلُ شَعِيرًا"، فَأَكَلَ حِنْطَةً فِيها حَباتُ شَعِيرٍ -لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ ظَهَرَ طَعْمُ شَيْءٍ مِنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَأْكُلُ سَوِيقًا"، أَوْ "هَذَا السَّوِيقَ"، فَشَرِبَهُ، أَوْ "لَا يَشْرَبُهُ"، فأَكَلَهُ -حَنِثَ فِي الْمُعَيَّنِ دُونَ الْمُطْلَقِ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَطْعَمُهُ"، حَنِثَ بأَكْلِهِ، وَشُرْبِهِ، دُونَ مُجَرَّدِ ذَوْقِهِ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَأْكُلُ مَائِعًا"، فَأَكَلَهُ بِالْخُبْزِ، حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَتَزَوَّجُ"، وَ"لَا يَتَطَهَّرُ"، وَ"لَا يَتَطَيَّبُ"، وَهُوَ كَذَلِكَ، فاسْتَدامَهُ -لَمْ يَحْنَثْ، بَلْ فِي الرُّكُوبِ واللُّبْسِ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَدْخُلُ دَارًا" -هُوَ داخِلُها- فَأَقَامَ فِيهِا، حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يدخلُ عَلَى

الجزء: 1 - الصفحة: 521

فُلَانٍ"، فَدَخَلَ فُلَانٌ عَلَيْهِ، وَأَقامَ مَعَهُ -حَنِثَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ (1) نِيَّةٌ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَسْكُنُ دارًا" هُوَ سَاكِنُها، أَوْ "لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا" وَهُوَ مُسَاكِنُهُ؛ فَاسْتَدامَ ذَلِكَ -حَنِثَ.
فَإِنْ أَقامَ الْحَالِفُ لِنَقْلِ مَتَاعِهِ، أَوْ لِخَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ، وَنَحْوِهِ، حَتَّى أَمْكَنَهُ -لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ خَرَجَ دُونَ مَتَاعِهِ وَأَهْلِهِ، حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يُودِعَ مَتَاعَهُ، أَوْ يُعِيرَهُ، أَوْ يَزُولَ مِلْكُهُ عَنْهُ، أَوْ تَأْبَى امْرَأَتُهُ الْخُرُوجَ، وَلا يُمْكِنُهُ إِجْبَارُها؛ فَلا يَحْنَثُ إِذَا خَرَجَ وَحْدَهُ.
وَإِنْ تَشَاغَلَ هُوَ وَفُلَانٌ بِبِنَاءِ حَاجِزٍ بَيْنَهُمَا، وَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ، حَنِثَ.
وَإِنْ كَانَ فِي الدَّارِ حُجْرَتانِ تَخْتَصُّ كُلُّ حُجْرَةٍ بِبابٍ وَمَرافِقَ، فَسَكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي حُجْرَةٍ -لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَسْكُنُ هَذا البَلَدَ"، فَخَرَجَ دُونَ أَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ، حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ البَلْدَةِ"، فَخَرَجَ وحَدَهُ دُونَ أَهْلِهِ، بَرَّ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الدَّارِ"، فَخَرَجَ دُونَ أَهْلِهِ -لَمْ يَبَرَّ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْمَدِينَةِ"، أَوْ "لَيَرحَلَنَّ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ"، فَفَعَلَ -فَلَهُ الْعَوْدُ، مَا لَمْ تكنْ لَهُ نِيَّةٌ.

فَصْلٌ

وَإِنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا؛ كَكَلَامِ زَيْدٍ، وَدُخُولِ دَارٍ، وَنَحْوِهِ،30

الجزء: 1 - الصفحة: 522

فَفَعَلَهُ مُكْرَهًا، أَوْ أُدْخِلَ الدَّارَ مَحْمُولًا، وَلَمْ يَقْدِر أَنْ يَمْتَنِعَ -لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَقْصِدُ مَنْعَهُ -كَالزَّوْجَةِ، والْوَلَدِ- أَلَّا يَفْعَلَ شَيْئًا، فَفَعَلَهُ ناسِيًا أَوْ جاهِلًا-: حَنِثَ فِي الطَّلَاقِ، والْعَتَاقِ، دُونَ غَيْرِهِما.
وَإِنْ كانَ عَلَى سُلْطَانٍ، اسْتَوَى الْعَمْدُ والسَّهْوُ والإِكْراهُ وَغَيْرُهُ.
وَإِنْ فَعَلَ هُوَ، أَوْ مَنْ قَصَدَ مَنْعَهُ، بَعْضَ ما حَلَفَ عَلَى كُلِّهِ -لَمْ يَحْنَثْ، مَا لَمْ تكُنْ لَهُ نِيَّةٌ.
وَلَوْ حَلَفَ "لَيَضْرِبَنَّ هَذا الْغُلَامَ الْيَوْمَ"، أَوْ: "لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ"، فَمَاتَ الْغُلَامُ، أَوْ تَلِفَ الرَّغِيفُ فِيهِ -حَنِثَ عَقِيبَ تَلَفِهِمَا.
وَإِنْ ماتَ الْحَالِفُ فِيهِ، حَنِثَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ.
فَإنْ حَلَفَ "لَيَفْعَلَنَّ ذَلِكَ غَدًا"، فتَلِفَا قَبْلَ الْغَدِ، حَنِثَ فِي الْحَالِ.
وَإِنْ مَاتَ الْحَالِفُ قَبْلَ الْغَدِ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَيَفْعَلَنَّ ذَلِكَ"، وَوَقَّتَ، أَوْ أَطْلَقَ، فَماتَ الْحَالِفُ، أَوْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ، قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ وَقْتٌ يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِيهِ -حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَيَقْضِيَنَهُ حَقَّهُ فِي غَدٍ"، فَقَبْلَ مَجِيئِهِ أَبْرَأَهُ مِنْهُ، أَوْ قَبْلَ مُضِيِّهِ أَخَذَ مِنْهُ عِوَضًا، أَوْ مَاتَ رَبُّهُ، فَقَضاهُ لِوَرَثَتِهِ -لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ "لَا فارَقْتُكَ حَتَّى أَسْتَوْفيَ حَقِّي مِنْكَ"، فَهَرَبَ مِنْهُ، وَأَمْكَنَهُ مُتابَعَتُهُ وَإِمْسَاكُهُ، وَلَمْ يَفْعَلْ -حَنِثَ.
وَإِنْ أَلْزَمَهُ الْحاكِمُ بِفِراقِهِ لإِفْلَاسِهِ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَكَذا "لَا افْتَرَقْنا".
وَقَدْرُهُ كالْفُرْقَةِ فِي الْبَيْعِ.


الجزء: 1 - الصفحة: 523

بَابُ النَّذْرِ

وَهُوَ أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ للَّه تَعالَى شَيْئًا، بِالْقَوْلِ، لا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ.
وَلَا يَصِحُّ إِلَّا مِنْ مُكَلَّفٍ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا.
وَلا يَصِحُّ (1) فِي مُحَالٍ، وَلا واجِبٍ؛ فَلَوْ قَالَ: "للَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ"، أَوْ "صَوْمُ رَمَضَانَ"، لَمْ يَنْعَقِدْ.
والصَّحِيحُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ:

الْمُطْلَقُ:

مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: "للَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ"، وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا؛ فَيَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.

الثَّانِي: نَذْرُ اللَّجَاجِ والْغَضَبِ؛

وَهُوَ تَعْلِيقُ نَذْرِهِ بِشَرْطٍ يَقْصِدُ الْمَنْعَ مِنْهُ، أَوِ الْحَمْلَ أَوِ التَّصْدِيقَ عَلَيْهِ؛ كَقَوْلهِ: "إِنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا فَعَلَيَّ الْحَجُّ"، وَ"إِنْ لَمْ أَكُنْ صَادِقًا فَعَلَيَّ صَوْمُ كَذَا"، وَ"إِنْ لَمْ أَضْرِبْ عَمْرًا فَمَالِي صَدَقَةٌ"، وَنَحْوِهِ.
فَإِذا وُجِدَ الشَّرْطُ لَمْ يَتَعَيَّنِ الْوَفَاءُ بِهِ، بَلْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ.

الثَّالِثُ: نَذْرُ المُبَاحِ؛

كَلُبْسِ ثَوْبِهِ وَرُكُوبِ دَابَّتِهِ؛ فَحُكْمُهُ كَالثَّانِي.
وَإِنْ نَذَرَ مَكْرُوهًا -مِنْ طَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ- اسْتُحِبَّ أَنْ يُكَفِّرَ وَلا يَفْعَلَهُ.31

الجزء: 1 - الصفحة: 524

فَصْلٌ

الرَّابِعُ: نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ؛

كَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَصَوْمِ يَوْمِ الْحَيْضِ، والنَّحْرِ؛ فَلا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَيُكَفِّرُ.
وَإِنْ نَذَرَ نَحْرَ وَلَدِهِ، لَزِمَهُ ذَبْحُ شاةٍ، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ فثَلَاثَةٌ.

الْخَامِسُ: نَذْرُ التَّبَرُّرِ؛

مُطْلَقًا، أَوْ مُعَلَّقًا؛ كَفِعْلِ الصَّلَاةِ، والصِّيَامِ، والاِعْتِكَافِ، والْحَجِّ، وَنَحْوِهِ؛ كَقَوْلهِ: "إِنْ شَفَى اللَّه مَرِيضِي -أَوْ سَلَّمَ اللَّهُ مالِيَ الْغائِبَ- فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا"، فَوُجِدَ الشَّرْطُ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ.
إِلَّا إِذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمالِهِ كُلِّهِ، أَوْ بِمُسَمَّى مِنْهُ يَزِيدُ عَلَى ثُلُثِ الْكُلِّ؛ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ قَدْرُ الثُّلُثِ، وَفِيما عَداهُما يَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى.
فَإِنْ قَالَ: "إِنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا فَعَبْدِي أَوْ عَبِيدِي أَحْرارٌ"، فَكَلمَهُ، عَتَقُوا.

فَصْلٌ

وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ بِعَيْنِهَا، لَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ رَمَضَانُ، وَيَوْمَا الْعِيدَيْنِ، وَلا يَوْمٌ لا يُجْزِئُ صَوْمُهُ عَنْ فَرْضٍ.
وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ خَمِيسٍ مُعَيَّنٍ، فَوَافَقَ عِيدًا، أَوْ حَيْضًا -أَفْطَرَ، وَقَضَى، وَكَفَّرَ.
وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ، فَقَدِمَ نَهارًا، فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ 32. وَإِنْ كانَ مُمْسِكًا فَنَوَى، أَوْ

الجزء: 1 - الصفحة: 525

بَيَّتَ الصَّوْمَ بِخَبَرٍ سَمِعَهُ -صَحَّ صَوْمُهُ وَأَجْزَأَهُ.
وَإِنْ وافَقَ قُدُومُهُ فِي رَمَضانَ، والْحَالِفُ قَدْ جُنَّ (1) -لَمْ يَقْضِ وَلَمْ يُكَفِّرْ.
وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَينٍ، لَزِمَهُ التَّتَابُعُ.
وَإِنْ نَذَرَ أَيَّامًا مَعْدُودَةً، لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا بِشَرْطٍ أَوْ نِيَّةٍ.
وَمَتَى قَطَعَ تَتَابُعَ الْمُطْلَقِ بغَيْرِ عُذْرٍ اسْتَأْنَفَ، وَلِعُذْرٍ يَسْتَأْنِفُ مُتَتَابِعًا بِلا كَفَّارَةِ، أَوْ يَبْنِي وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ (2) يَمِينٍ.
وَإِنْ عَيَّنَ شَهْرًا وَلَمْ يَصُمْهُ، قَضَى وَكَفَّرَ، وَإِنْ صَامَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ عَيَّنَهُ مِنْ وَقْتِهِ فَهُوَ مُعَيَّنُ الطَّرَفَيْنِ.
وَمَنْ نَذَرَ صَوْمًا، فَتَرَكَهُ لِكِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ لا يُرْجَى زَوَالُهُ -كَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ.

فَصْلٌ

وَمَنْ نَذَرَ صَوْمًا لَزِمَهُ يَوْمٌ.
وَإِنْ نَذَرَ صَلَاةَ، لَمْ يُجْزِئْهُ دُونَ رَكْعَتَيْنِ.
وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، أَوْ مَوْضِعٍ مِنَ الْحَرَمِ، لَزِمَهُ أَنْ يَمْشِيَ فِي حَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةِ.
فَإِنْ تَرَكَ الْمَشْيَ، لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَكَذَا إِنْ نَذَرَ أَنْ يَرْكَبَ، فَمَشَى.
أَوْ نَذَرَ رَقَبَةَ، فَهِيَ الَّتِي تُجْزِىُ عَنِ الْوَاجِبِ، إِلَّا أَنْ يُعَيِّنَهَا.
وَإِنْ نَذَرَ الطَّوَافَ عَلَى أَرْبَعٍ، طَافَ طَوَافَيْنِ.

    • *3334

الجزء: 1 - الصفحة: 526

فصول الكتاب · 31 فصل
فصول الوجيز في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل
المقدمةكِتَابُ "الْوَجِيزِ" وَنِسْبَتُة إِلَى مُؤَلِّفِهِكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ الصَّلاةِكِتَابُ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الْمَنَاسِكِكِتَابُ الْجِهَادِكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الْعَارِيَّةِكِتَابُ الْغَصْبِكِتَابُ الْوَقْفِكِتَابُ الْوَصَايَاكِتَابُ الْفَرَائِضِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْعِدَدِكِتَابُ الرَّضَاعِكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الْجِنَايَاتِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ الحُدُودِكِتَابُ الأَطْعِمَةِكِتَابُ الصَّيْدِكِتَابُ الأَيْمَانِكِتَابُ الْقَضَاءِكِتَابُ الشَّهَادَاتِكِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل