كِتَابُ الطَّهارة
كِتَابُ الطَّهارة
الطَّهارةُ في اللغةِ: الوَضاءةُ والنَّزاهةُ عن الأقْذار.
وهي في الشَّرْعِ: رَفْعُ ما يَمنَعُ مِن الصلاةِ مِن حدَثٍ أو نجاسةٍ بالماءِ، أو رَفْعُ حُكْمِه بالتُّرابِ أو غيرِه.
فعندَ إِطْلاقِ [لفظ الطهارة في] 1 لفظِ الشارِعِ أو في كلام الفقهاء، إنَّما ينْصرِفُ إلى المَوْضوعِ 2 الشَّرعِيِّ دونَ اللُّغَويِّ، وكذلك كلُّ ما لَه موضوعٌ شَرْعيٌّ ولُغَويٌّ كالوُضوءِ، والصلاةِ، والصَّوْمِ، والحَجِّ، والزَّكاةِ، ونحوه، إنما ينصرفُ المُطْلَق منه إلى الموضوع الشَّرعِيّ؛ لأن الظَّاهرَ مِن الشارِع التَّكَلُّمُ بمَوْضُوعاتِه، وكلامُ الفقهاء مَبْنِيٌّ عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 29
بَابُ الْمِيَاهِ وَهِىَ ثَلَاثَة أَقْسَامٍ؛ مَاءٌ طَهورٌ،
باب المياه
(وهي ثلاثة أقسام؛ ماءٌ طَهُورٌ) وهو الطّاهِرُ في نفسِه، الذي يجوز رَفْعُ الأحْداثِ والنَّجاساتِ به، والطُّهور، بضَمِّ الطّاء، المصدرُ، قاله اليَزِيدِيُّ 3، وبالفَتْح ما ذَكَرْناه، وهو من الأسماء المُتَعَدِّيَةِ، مثل
الجزء: 1 - الصفحة: 33
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الغَسُولِ.
وقال بعضُ الحنفيَّة: هو لازِمٌ، بمعنى الطاهر؛ لأنَّ العَرَبَ لا تُفَرِّق بين الفاعل والفَعُول في اللُّزُوم والتَّعَدِّى، بدليلِ قاعِد وقَعُود.
وهذا إن أُرِيدَ به أن الماءَ مُخْتَصٌّ بالطَّهوريَّة،؛ سيأتي في مَوْضِعِه، إن شاء اللهُ، وإلَّا فالنِّزاع في هذه المسألة لَفْظِيٌّ، والْأشْبَهُ قولُ أصحابِنا؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي؛ جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
مُتَّفَقٌ عليه 4. ولو أراد به الطّاهِرَ لم يَكُنْ له مَزِيَّةٌ على غيره؛ لأنَّه طاهِر في حَقِّ غيرِه.
ولمَّا سُئل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن الوُضُوءِ بماءِ البحر، قال: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيتَتُهُ» 5. ولو لم يكُنِ الطَّهُورُ مُتَعَدِّيًا، بمعنى المُطَهِّر، لم يَكُنْ ذلك جوابًا للقَوْمِ، حيثُ سألوه عن
الجزء: 1 - الصفحة: 34
وَهُوَ الْباقِي عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِه، التَّعَدِّي، إذ ليس كلُّ طاهرٍ مُطَهِّرًا، والعربُ قد فرَّقتْ بين فاعلٍ وفَعُول، قالت فاعل لمن وُجِدَ منه مَرَّةً، وفَعُولٌ لمن تكرَّر منه، فَيَنْبَغِي أَن يُفَرَّقَ بينهما هاهنا، وليس إلا مِن حيثُ التَّعَدِّى واللُّزُوم.
1 -
مسألة؛ قال: (وهو الباقي على أصْلِ خِلْقَته)
وجملة ذلك، أن كلَّ صِفَةٍ خَلَق اللهُ عليها الماءَ؛ من حرارةٍ، أو برودةٍ، أو عُذوبةٍ، أو مُلوحةٍ، أو غيرها، سواءٌ نَزَل من السماءِ، أو نَبَع من الأرضِ، وبَقِي على أصلِ خِلْقَتِه، فهو طَهُورٌ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ 6. وقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ طَهِّرْنِى بالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ».
رَوَاه مسلمٌ 7. وَرَوَى جابرٌ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه
الحديث: 1 - الجزء: 1 - الصفحة: 35
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال في البَحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيتَتُهُ».
رَواه الإِمامُ أحمد 8.
وقولِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» 9. وهذا قولُ أهلِ العِلْم من الصحابة، ومَن بَعْدَهم، إلَّا أنَّه رُوىَ عن ابن عمرو، أنَّه قال في ماءِ البحر: لا يُجْزِئُ من الوضوءِ، ولا من الجنابةِ، والتَّيّمُّمُ أعجَبُ إليَّ منه.
ورُويَ ذلك عن عبد الله بن عمر، والأوَّل أوْلَى؛ لقولِ الله تِعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ 10. وهذا واجدٌ للماءِ، فلا يجوز له التَّيَمُّمُ، ولحديثِ جابرٍ الذي ذكرْناه في البحرِ، ورُوىَ عن عمرَ أنَّه قال: مَن لم يُطَهِّرْه ماءُ البحرِ، فلا طَهَّرَه الله 11. ولأنَّه ماءٌ بَقِى على أصل خِلْقَتِه، أشْبَهَ العَذْبَ.
= المجتبى 1/ 45، 46، 143، 144، 163، 2/ 100، 8/ 230، 234، وابن ماجه، في: باب افتتاح الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة، وباب ما تعوذ منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الدعاء.
سنن ابن ماجه 1/ 265، 2/ 1262. والدارمي، في: باب في السكتتين، من كتاب الصلاة.
سنن الدارمي 1/ 283. والإمام أحمد، في المسند 2/ 231، 494، 4/ 354، 381، 6/ 57، 207.
الجزء: 1 - الصفحة: 36
وَمَا تَغَيَّرَ بِمُكْثِهِ،
2 - مسألة؛ قال: (وما تَغَيَّر بمُكْثِه)
الماءُ المُتَغَيِّرُ بطُولِ المُكْثِ باقٍ على إطْلاقِه.
قال ابنُ المُنْذِرِ 12: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْم، على أنَّ الوُضوءَ بالماءِ المُتَغَيِّرِ الآجن 13 مِن غير نجاسةٍ حَلَّتْ فيه جائزٌ، سِوَى ابنِ سِيرينَ 14، فإِنَّه كَرِه ذلك.
ولَنا، أنَّه تَغَيَّرَ مِن غيرِ مُخالطةٍ، أَشْبَهَ التَّغَيُّر عن مُجاوَرةٍ، وقد رُوىَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه تَوَضَّأ مِن بِئْرٍ كأنَّ ماءَه نُقاعَةُ الحِنّاءِ 15.
الحديث: 2 - الجزء: 1 - الصفحة: 37
أَوْ بِطَاهِرٍ لَا يُمْكِنُ صَوْنُهُ عَنْهُ؛ كَالطُّحْلُبِ، وَوَرَقِ الشَّجَرِ، أَوْ لَا يُخَالِطُهُ، كَالْعُودِ، وَالْكَافُورِ، وَالدُّهْنِ،
3 - مسألة؛ قال: (أو بطاهِرٍ لا يمكن صونُه عنه كالطُّحْلُب وورق الشَّجرِ)
وجُمْلَتُه أنَّ الماءَ المُتَغيِّر بِالطُّحْلُبِ ووَرَقِ الشجر والخَزِّ وسائرِ ما ينْبُت في الماءِ، أو يَجْرِي عليه الماءُ، أو تَحْمِله الرِّيحُ أو السُّيُولُ من التِّبْنِ والعِيدانِ، أو ما يَمُرُّ عليه الماءُ من الكِبْرِيت والْقارِ ونحوه، أو كان في الأرضِ التيِ يَقِفُ فيها الماءُ، وكذلك ما يتغيَّرُ في آنيةِ الأَدَمِ والنُّحاس ونحوه، يُعْفى عن ذلك كلِّه، ولا يخْرُجُ به الماءُ عن إطْلاقِه؛ لأنَّه يشُقُّ التَّحَرُّزُ منه.
فإن أُخِذَ شيءٌ من ذلك، وأُلْقِىَ في الماء، كان حكمُه حكمَ ما أمْكَن التَّحَرُّزُ منه، على ما يأتي، وكذلك ما تغيَّر بالسَّمَكِ ونحوه من دَوابِّ البحرِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عنه، فأَشْبَهَ ما ذكرْناه.
4 -
مسألة؛ قال: (أو لا يخالِطُه، كالعُود والكافُورِ والدُّهْن)
على اخْتلافِ أنْواعِه، وكالعَنْبَرِ إذا لم يُسْتَهْلَكْ في الماءِ، ولم يَتَحَلَّلْ فيه، لا يخْرُجُ به الماءُ عن إطْلاقِه؛ لأنَّه تغيَّر عن مُجاوَرَةٍ، أَشْبَهَ ما لو تَرَوَّحَ برِيحِ شيءٍ إلى جانِبه.
وفي معناه ما تغيَّر بالقَطِرانِ والزِّفْتِ والشَّمْعِ؛ لأنَّ فيه دُهْنِيَّةً يَتَغَيَّر بها الماءُ.
الحديث: 3 - الجزء: 1 - الصفحة: 38
أَوْ مَا أَصْلُهُ الْمَاءُ، كَالْمِلْحِ الْبَحْرِيِّ،
5 - مسألة؛ قال: (أو ما أصْلُه الماءُ، كالمِلْح البَحْريِّ)
لأنَّ أصلَه الماءُ، فهو كالثَّلْجِ والبَرَدِ، فإن كان مَعْدِنِيًّا فهو كالزَّعْفَرانِ.
وكذلك الماءُ المُتَغَيِّر بالتُّرابِ؛ لأنَّه يُوافِق الماءَ في صِفَتَيه، أشْبَهَ المِلْحَ.
الحديث: 5 - الجزء: 1 - الصفحة: 40
أَوْ مَا تَرَوَّحَ بِرِيحِ مَيتَةٍ إِلَى جَانِبِهِ، أَوْ سُخِّنَ بِالشَّمْسِ،
6 - مسألة؛ قال: (أو ما تروَّح بِرِيحِ مَيتَةٍ إلى جانبه)
لا نَعْلَم في ذلك خلافًا.
(أو سُخِّن بالشمس) لأنَّه سُخِّنَ بطَاهِرٍ، فلم تُكْرَهِ الطهارةُ به، لو سُخِّنَ بالحَطَبِ.
وقال الشافعيُّ.
تُكْرَهُ الطَّهارةُ بماءٍ قُصِدَ تَشْمِيسُه؛ لما رُويَ عن عائشة، قالت: دخَل عليَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - , وقد سَخَّنْتُ له ماءً في الشمسِ، فقاك: «لا تَفْعَلِى يَا حُمَيراءُ؛ فَإنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ» 16. ولَنا ما ذكرْنا من القياسِ، والحديث روَاه الدَّارَقُطْنِيُّ، وقال: يَرْويهِ خالدُ بنُ إسماعيل، وهو مَتْروكُ الحديثِ، وعمرو بن محمد الأعْسَمُ، وهو مُنْكَرُ الحديث.
ولأنَّه لو كُرِهَ لأجْلِ الضَّرَرِ لَما اخْتلَف بقَصْدِ التَّشْمِيسِ وعَدَمِه.
الحديث: 6 - الجزء: 1 - الصفحة: 41
أَوْ بِطَاهِرٍ، فَهَذَا كُلُّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ، يَرْفَعُ الْأَحْدَاثَ, وَيُزِيلُ الْأَنْجَاسَ، غَيرُ مَكْرُوهِ الاسْتِعْمَالِ.
7 - مسألة؛ قال: (أو بطاهرٍ)
كالحَطَبِ ونحوه، فلا تُكْرَهُ الطَّهارةُ به، لا نعْلَم فيه خلافًا، إلا ما رُوىَ عن مُجاهِدٍ 17، أنَّهُ كَرِهَ الوضوءَ بالماءِ المُسَخَّنِ.
وقولُ الجُمْهُورِ أوْلَى؛ لما رُوىَ عن الأسْلَعِ بنِ شَرِيك رَحّالِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: أجْنَبْتُ وأنا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فجمَعْتُ حَطبًا، فأحْمَيتُ الماءَ، فاغتسلتُ، فأخبرتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فلم ينْكِرْه عَلَيَّ.
رواه الطَّبَرَانِيُّ بمَعْناه 18. ولأنَّه صِفَةٌ خُلِقَ عليها الماءُ، أَشْبَهَ ما لو بَرَّدَه.
(فَهَذَا كُلُّهُ طَاهِرٌ، مُطَهِّرٌ، يَرْفَعُ الأحْداثَ، ويُزِيلُ الأنْجاسَ، غَيرُ مَكْرُوهِ الاسْتِعْمالِ) لِما ذَكرْنا.
الحديث: 7 - الجزء: 1 - الصفحة: 42
وَإِنْ سُخِّنَ بِنَجَاسَةٍ فَهَلْ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ؛ عَلَى رِوَايَتَينِ.
8 - مسألة؛ قال: (وإن سُخِّن بنجاسةٍ، فهل يُكرَه استعمالُه، على رِوايَتَين)
الماءُ المُسَخَّنُ بالنَّجاسة يَنْقَسِمُ ثلاثةَ أقسام؛ أحدُها، أن
الحديث: 8 - الجزء: 1 - الصفحة: 47
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَتَحَقَّقَ وُصولُها إليه، فهذا نَجِسٌ إن كان يَسِيرًا؛ لما يأتي.
الثاني، إن غَلَبَ على الظَّنِّ أنَّها لا تصلُ إليه، فهو طاهرٌ بالأصل، ولا يُكْرَهُ اسْتِعْمالُه في أحَدِ الوَجْهين.
اخْتاره الشَّريفُ أبو جعفر، وابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ احْتمال وُصُولِ النَّجاسةِ إليه يَبْعُدُ، أشْبَهَ غيرَ المُسَخَّنِ.
والثاني يُكْرَه؛ لاحْتمال وصولِ 19 النَّجاسةِ.
اختارَه القاضي.
الثالث ما عدا ذلك، ففيه روايتان؛ إحداهما يُكْرَهُ، وهو طاهرُ المذهبِ؛ لأجلِ النجاسة.
والثانية، لا يُكْرَهُ، كالتي قبلها، وكالماءِ إذا شُكَّ في نجاستِه.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وذَكَر أبو الخَطّابِ في الماءِ المُسَخَّنِ بالنَّجاسةِ روايتَين على الإِطْلاق.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 48
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصلٌ: ولا يُكْرَهُ الوُضوءُ والغُسْلُ بماءِ زَمْزَمَ؛ لما رَوَى عَلِيٌّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَف بعَرَفةَ وهو مُرْدِفٌ 20 أُسامَةَ بنِ زيدٍ.
فَذَكَر الحديث.
وفيه: ثم أفاض رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فدعا بسَجْلٍ من ماءِ زمزمَ، فشَرِبَ منه، وتوضَّأ.
رَواه عبدُ الله بن أحمد، في «المسند» 21 عن غير أبيه.
وعنه: يُكْرَهُ؛ لقولِ العبّاسِ: لا أُحِلُّها للمُغْتَسِلِ.
ولأنَّه أزال به مانِعًا من الصلاةِ، أشْبَهَ ما لو أزال 22 به النَّجاسةَ.
والأوَّلُ أَوْلَى؛ لما ذكرْنا، وكَوْنُهُ مُبارَكًا لا يَمْنَعُ الوضوءَ به، كالماءِ الذي وَضَع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يدَه فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 51
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا خالطَ الماءَ طاهرٌ لم يُغَيِّره، لم يَمْنَعِ الطهارَةَ.
قال شيخُنا 23: لا نعْلَمُ فيه خلافًا.
وحُكِىَ عن أمِّ هانِئٍ، والزُّهْرِيِّ 24، في كِسَرٍ بُلَّتْ في ماءٍ، غيَّرتْ لَوْنَه، أو لم تُغَيِّرْه، لا يجوزُ الوُضوءُ به 25. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه طاهرٌ لم يُغَيِّرْ صِفَةَ الماءِ، فلم يَمْنَعْ كبَقِيَّةِ الطّاهِراتِ، وقد اغْتَسَلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هو وزوجتُه من قَصْعَةٍ فيها أثَرُ العَجِين.
رَواه النَّسائِىُّ 26.
فصل: إذا وَقَع في الماءِ ماءٌ مُسْتَعْمَلٌ، عُفِىَ عن يَسِيرِه.
رَواه إسحاقُ ابن منصور 27، عن أحمدَ.
وهذا ظاهرُ حالِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابِه؛ لأنَّهم كانوا يتَوَضَّئُون من الأقْداحِ، ويغْتَسِلُون مِن الجِفانِ، وقد اغْتَسل هو وعائشةُ من إِناءٍ واحد، تخْتَلِفُ أيدِيهما فيه، كلُّ واحدٍ منهما يقولُ لصاحبِه: «أبْقِ لِي» 28. ومثلُ هذا لا يَسلَمُ مِن رَشاشٍ يقَع في الماءِ،
الجزء: 1 - الصفحة: 52
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن كثُر الواقِعُ فيه وتَفاحَشَ، مَنَع، في إحْدَى الرِّوايتَين.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن كان الأكْثَرُ المُسْتَعْملَ، مَنَع، وإلَّا فلا.
وقال ابنُ عَقِيل: إن كان الواقِعُ بحيثُ لو كان خَلًّا غَيَّرَ الماءَ، مَنَع، وإلَّا فلا.
وما ذكَرْنا من الخَبرِ وظاهرِ حالِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَمْنَع مِن اعْتبارِه بالْخَلِّ، لسُرْعةِ نُفُوذِه وسِرايَتِه، فيُوثِّرُ قليلُه في الماءِ، والحديثُ دَلَّ على العَفْو عن الْيَسِيرِ مُطْلَقًا، فَيَنْبَغِي أن يُرْجَعَ في ذلك إلى العُرْفِ، فما عُدَّ كثيرًا، مَنَع 29، وإلَّا فلا.
وإن شَكَّ في كَثْرَتِه، لم يَمْنَعْ، عَمَلًا بالأصْلِ.
فصل: فإن كان معه ماءٌ لا يَكْفِيه لطَهارته، فكَمَّلَه بمائِعٍ آخَرَ لم يغَيَره؛ جاز الوُضُوءُ به، فىَ إحْدَى الرِّوايَتَين؛ لأنَّه طاهرٌ لم يُغَيِّرِ الماءَ، فلم يَمْنَعْ؛ لو كان الماءُ قَدْرًا يَكْفِيه لطَهارته.
والثانية: لا يجُوزُ؛ لأنَّا نَتَيَقَّنُ حُصُولَ غَسْلِ بعضِ أعْضائِه بالمائِعِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ المائِعَ اسْتُهلِكَ في الماءِ، فسَقَطَ حُكْمُه، أشْبَهَ ما لو كان الماءُ يَكْفِيه لطَهارتِه، فزادَه مائِعًا آخَرَ، وتَوَضَّأ منه، وبَقِي قَدْرُ المائِعِ.
= المرأة، من كتاب الطهارة.
سنن أبي داود 1/ 18، والنسائي، في: باب الرخصة في الاغتسال بفضل الجنب، من كتاب الطهارة، وفي: باب اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناء واحد، وباب الرخصة في ذلك، من كتاب الغسل والتيمم.
المجتبى 1/ 108، 166. وابن ماجه، في: باب الرجل والمرأة يغتسلان من إناء واحد، من كتاب الطهارة.
سنن ابن ماجه 1/ 133.
الجزء: 1 - الصفحة: 53
فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّانِي، مَاء طَاهرٌ غَيرُ مُطَهِّرٍ، وَهُوَ مَا خَالطَهُ طَاهِرٌ، فغَيَّرَ اسْمَهُ، أَوْ غَلَبَ عَلَى أَجْزَائِهِ، أَوْ طُبِخَ فِيهِ، فَغَيَّرَهُ.
فصل: قال الشيخُ، رحمه الله: (القِسْمُ الثَّانِي، ماءٌ طاهِرٌ غيرُ مُطَهِّرٍ، وهو ما خالطَهُ طاهِرٌ فغَيَّرَ اسْمَه، أو غَلَب على أجْزائِه، أو طُبِخَ فيه فغَيَّرَه 30). وجُمْلَتُه أَنَّ كلَّ ماءٍ خالطَه طاهِرٌ فغَيَّرَ اسْمَهْ حتَّى صار صِبْغًا، أو خَلًّا، أو غَلَبَ على أجْزائِه فصَيَّرَه حِبْرًا، أو طُبِخَ فيه فصار يُسَمَّى (1) مَرَقًا، وتَغَيَّر بذلك، فهذِه 31 الأنْواعُ الثَّلاثةُ لا يَجُوزُ الغُسْلُ ولا الوُضُوءُ بها، لا نَعْلَمُ فيهِ خلافًا، إلَّا أنَّه حُكِىَ عن أصحابِ الشافعيِّ وَجْهٌ في ماءِ الباقِلَّا المَغْلِيّ، أنَّه يجُوزُ الوُضُوءُ به، وحُكِىَ عن ابنِ أبي لَيلَى 32 والأصَمِّ 33، جوازُ 34 الوضوءِ والغُسْلِ بالمِياهِ المُعْتَصَرَةِ.
وسائِرُ أهلِ العِلْمِ على خلافِهم، لأنَّ الطهارةَ إنَّما تجُوزُ بالماءِ، لقولِه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ 35. وهذا لا يَقَعُ عليه اسمُ الماءِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 54
فَإِنْ غَيَّرَ أحَدَ أَوْصَافِهِ؛ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ،
9 - مسألة: (فإن غَيَّرَ أَحَدَ أوْصافه، لَوْنَه أو طَعْمَه أو رِيحَه)
ففيه رِوايَتان إحْداهما: أنَّه غيرُ مُطَهِّرٍ، وهو قَوْلُ مالكٍ والشافعيِّ وإسحاقَ 36، واخْتِيارُ القاضي، قال: وهي المَنْصُورَةُ عندَ أصحابِنا؛ لأنَّه ماءٌ تَغَيَّر بمُخالطَةِ ما ليس بطَهُورٍ يُمْكِنُ الاحْتِرازُ عنه، أشْبَهَ ماءَ الباقِلَّا المَغْلِيَّ.
إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ أصحابَنا لا يُفرِّقُون بينَ المَذْرُورِ كالزَّعْفَرانِ والأُشْنانِ 37، وبينَ الحُبُوبِ مِن الباقِلّا والحِمَّصِ، والثَّمَرِ؛ كالتَّمْرِ 38 والزَّبِيبِ، والوَرَقِ ونَحْوه.
وقال الشَّافعيَّةُ: ما كان مَذْرُورًا مَنَعَ إذا غَيَّر، وما عَداه لا يَمْنَعُ، إلَّا أن يَنْحَلَّ في الماء، فإن غَيَّر ولم يَنْحَلَّ لم يَسْلُبِ الطَّهُورِيَّة، كما لو تَغَيَّر بالكافُورِ.
ووافَقَهُم أصحابُنا في الخَشَبِ والعِيدانِ، [وخالفُوهم في سائِرِ ما] 39 ذَكَرْنا، لأنَّ تَغَيُّرَ الماءِ به إنَّما كان لانْفِصالِ 40 أجْزاءٍ منه، وانْحِلالِها فيه، فوَجَبَ أن يَمْنَعَ كالمَذْرُورِ، وكما لو أُغْلِيَ فيه.
الحديث: 9 - الجزء: 1 - الصفحة: 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولم يُفَرِّقْ أصحابُنا في التِّغْيِيرِ بينَ اللَّوْنِ والطَّعْمِ والرَّائِحَةِ، بل سَوَّوْا بينَهم، قياسًا لبَعْضِها على بعضٍ، وشَرَط الخِرَقِيُّ 41 الكَثْرَةَ في الرّائحةِ دونَ اللَّوْنِ والطَّعْمِ؛ لسُرْعَةِ سِرايَتِها، ونُفُوذِها، ولكَوْنِها تَحْصُل تارَةً عن مُجاوَرَةٍ، وتارةً عن مُخالطَةٍ، فاعْتُبِرَتِ الكَثْرَةُ ليُعْلَمَ أنَّها عن مُخالطَةٍ.
والرِّوايةُ الثانيةُ، أنَّه باقٍ على طَهُورِيَّتِه، نَقَلَه عن أحمدَ جماعةٌ مِن أصْحابه 42؛ أبو الحارِث 43، والمَيمُونِيُّ 44، وإسحاقُ بنُ منصورٍ، وهو
الجزء: 1 - الصفحة: 56
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مذهبُ أبي حنيفةَ وأصحابِه، لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ 45. وهذا عامٌّ في كلِّ ماءٍ؛ لأنَّه نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْىِ، والنكرةُ في سِياقِ النَّفْي تَعُمُّ 46، فلا يَجوزُ التَّيَمُّمُ مع وُجودِه، وكذلك قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ» 47. [وهذا ماءٌ؛ لأنَّه لم يَسْلُبْه اسمَه] 48، ولا رِقَّتَه، ولا جَرَيانَه، أشْبَهَ المُتَغَيَّرَ بالدُّهْنِ، فإن تَغَيَّر وَصْفان من أوْصافِه أو ثلاثةٌ، وبَقِيَتْ رقَّتُه وجَرَيانُه، فذَكَر القاضي أيضًا فيه رِوايتَين؛ إحداهما، يَجُوزُ الوضوءُ به؛ لما ذكرْنا، [فأشْبَهَ المُتَغَيِّرَ بالمُجاوَرَةِ] 49، ولأنَّ الصَّحابةَ، رضي الله عنهم، كانوا يُسافرون وغالِبُ أسْقِيَتَهم الأَدَمُ 50، وهي تُغَيِّرُ أوْصافَ الماءِ عادَةً، ولم يكونُوا يَتَيَمَّمُون معها.
والثانيةُ، لا يجوزُ، لأنَّه غَلَب على الماءِ، أشْبَهَ ما لو زال 51
الجزء: 1 - الصفحة: 57
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اسمُه أو طبِخ فيه، وقال ابنُ أبي مُوسى، في الَّذي تَغَيَّرَتْ إحدى صِفاتِه بطاهرٍ: يجوزُ التَّوَضُّؤُ به عند عَدَمِ الماءِ المُطْلَقِ في إحدى الرِّوايتَين، ولا يجوزُ مع وُجودِه.
الجزء: 1 - الصفحة: 58
أَو اسْتُعْمِلَ في رَفْعِ حَدَثٍ، أَوْ طَهَارَةٍ مَشْرُوعَةٍ، كَالتَّجْدِيدِ، وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ
10 - مسألة، قال: (أو استُعمِلَ في رفْعِ حَدَثٍ، أو طَهارةٍ مَشرْوعةٍ، كالتَّجْديدِ، وغُسْلِ الجمعةِ)
اخْتَلَفَ المذهبُ في المُنْفَصِلِ مِن المُتَوَضِّئ عن الحَدَثِ، والمُغْتَسِلِ مِنَ الجَنابَةِ، فرُوىَ أنَّه طاهرٌ غيرُ مُطَهِّرٍ، وهو المشهورُ مِن مذهبِ أبي حنيفةَ والشافعيِّ، وإحدى الرِّوايتَين
الحديث: 10 - الجزء: 1 - الصفحة: 60
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن مالك، لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ في الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَلا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ».
رَواه أبو داود 52. ولَوْلا أنَّه يُفِيد مَنْعًا لم يَنهَ عنه، ولأنّه أزال به مانِعًا مِن الصلاةِ، أشْبَهَ ما لو غَسَل به النَّجاسَةَ والرِّوايةُ الثانيةُ: أنَّه مُطَهِّرٌ، وهو قولُ الحسنِ 53، وعَطاءٍ 54،
الجزء: 1 - الصفحة: 61
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والنَّخَعِيِّ 55، وأهلِ الظّاهِرِ، والرِّوايةُ الأُخْرى عن مالكٍ، والقولُ الثاني للشافعيِّ، وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ.
ويُرْوَى عن عليٍّ، وابنِ عُمَرَ، في مَن نَسِيَ مَسْحَ رأْسِه، إذا وَجَد بَلَلًا في لِحْيَيه أجْزَأَه أن يَمْسَحَ رَأْسَه بذلك البَللِ، ولما 56 رُوىَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «الْمَاءُ لا يُجْنِبُ» 57. وأنَّه - صلى الله عليه وسلم - اغْتَسَل مِن الجَنابةِ، فرأى لُمْعَةً لم يُصِبْها الماءُ، فعَصَر شَعَرَه عليها.
رَواهما الإِمامُ أحمدُ 58، ولأنَّه ماءٌ طاهِرٌ غَسَل به عُضوًا طاهِرًا، أشْبَهَ ما لو تَبَرَّد به أو غَسَل به الثَّوْبَ، أو نقوَل: أدَّى به فَرْضًا، فجاز أن يُؤدِّيَ به غيرَه كالثَّوْبِ يُصَلِّي فيه مِرارًا.
وقال أبو يوسفَ 59: هو نَجِسٌ.
وهو رِوايةٌ عن أبي حنيفةَ، وذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ قولًا لأحمدَ، لأنَّ
الجزء: 1 - الصفحة: 62
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عنِ الغُسْلِ.
في الماءِ الرّاكِدِ، كنَهْيِه عن البَوْلِ فيه، فاقْتَضَى أنَّ الغُسْلَ فيه كالبَوْلِ، وكما لو غُسِلَ به نجاسةٌ، ولأنَّه يُسَمَّى طهارةً، والطهارةُ لا تُعْقَلُ إلَّا عن نجاسةٍ، لأنَّ تَطْهِيرَ الطاهرِ مُحال، ووَجْهُ طهارتِه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَبَّ على جابرٍ مِن وَضُوئِه، إذ كان مريضًا.
وكان إذا تَوَضَّأَ يكادُون يَقْتَتِلُون على وَضُوئِه.
رواهُما البخاري 60. ولو كان نَجِسًا لم يَجُزْ فِعْلُ ذلك.
ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه ونِساءَه كانوا يَغْتَسِلُون مِن الجِفانِ، ويَتوضَّئُونَ مِن الأقْداحِ، ومِثْلُ هذا لا يَسْلَم مِن رَشاشٍ يَقَعُ في الماءِ مِن الْمُسْتَعْمَل، ولو كان نَجِسًا لتَنَجَّسَ به الماءُ، ولأنَّه ماءٌ طاهرٌ لاقَى عُضوًا طاهرًا، أشْبَهَ ما لو تُبُرِّد به، والدَّلِيلُ على طهارة أعضاءِ المُحْدِثِ
الجزء: 1 - الصفحة: 63
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ المُؤمِنَ لَا يَنْجُسُ».
مُتَّفَقٌ - صلى الله عليه وسلم - 61. ولأنَّه لو مَسَّ شيئًا رَطْبًا لم يُنَجِّسْه، ولو حمَلَه مُصَلٍّ لم تَبْطُلْ صلاتُه.
وقولُهم: إنَّه نَهَى عن الغُسْلِ فِيهِ كنَهْيِه عن البَوْلِ فيه.
قلنا: يكْفِي اشْتِراكُهما في أصلِ المَنْعِ مِن التَّطْهِيرِ 62 به، ولا يَلْزَمُ اشتراكُهما في التَّنْجِيسِ 63، وإنَّما سُمِّيَ الوُضوءُ والغُسْلُ طهارةً لكَوْنِه يُطَهِّرُ مِن الذُّنُوبِ والآثامِ، كما جاء في الأخْبارِ، لما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ، وجميعُ الأحْداثِ سَواءٌ فيما ذكرْنا، الغُسلُ، والوُضوءٌ، والحيضُ، والنِّفاس.
وكذلك المُنْفَصِلُ
الجزء: 1 - الصفحة: 64
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن غَسْلِ الميِّتِ إذا قُلْنا بطهارتِه، فأما المُنْفَصِلُ مِن غُسْلِ الذِّمِّيَّة مِن الحيضِ، فرُوىَ أنَّه مُطَهِّرٌ؛ لأنّه لم يُزِلْ مانِعًا مِن الصلاةَ، أشْبَهَ التَّبَرُّدَ 64، ورُوىَ أنّه غيرُ مُطَهِّرٍ، لأنّه زال به المانِعُ مِن وَطْءِ الزَّوجِ، فأمَّا ما اغْتَسَلتْ به مِن الجنابةِ فهو مُطَهِّرٌ وَجْهًا واحدًا، لأنه لم يُؤثِّرْ شيئًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يُمْنَعَ اسْتعمالُه كالمُسْلِمَةِ قبلَها 65.
فصل: فأمّا المُسْتَعْمَلُ في طهارةٍ مَشْرُوعةٍ، كالتَّجْدِيدِ، وغُسْلِ الجُمعةِ، والإِحْرامِ، وسائرِ الاغْتِسالاتِ المُسْتحَبَّةِ، والغَسْلَةِ الثانيةِ والثالثةِ، في الوُضُوءِ 66، ففيه روايتان: أظْهَرُهما طَهُورِيَّته، لأنّه لمْ يَرْفَعْ حَدَثًا، ولم يُزِلْ نَجَسًا، أشْبَهَ التَّبَرُّدَ.
والثانيةُ، تُسْلَبُ طَهوريَّتُه، لأنَّه اسْتُعْمِل في طهارةٍ مشروعةٍ، أشْبَهَ المُسْتَعْمَلَ في رَفْعِ الحَدَثِ، فإنْ لم تَكُن الطهارةُ مشروعة لم يُؤثِّرْ في إناءِ اسْتِعْمالُه فيها شيئًا، كالتَّبَرُّدَ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في المُستعمَلِ في التبردِ والتَّنْظِيفِ، لأنه باقٍ على إطْلاقِه.
الجزء: 1 - الصفحة: 65
أَوْ غَمَسَ يَدَهُ فِيهِ قَائِمٌ مِنْ نَوْمِ اللَّيلِ قَبْلَ غَسْلِهَا ثَلَاثًا، فَهَلْ يُسْلَبُ طَهُورِيَّتَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
11 - مسألة؛ قال: (أو غَمَس فيه يدَه قائمٌ مِن نومِ اللَّيلِ قبلَ غَسْلِها ثلاثًا، فهل يَسْلُبُه طَهُورِيَّتَه؟ على روايتَينِ)
المرادُ باليدِ ها هنا اليَدُ إلى الكُوعِ، لما نَذْكُره في التَّيَمُّمِ، فمتى غَمَس القائمُ مِن نومِ اللَّيلِ يَدَه في الماءِ اليسيرِ قبلَ غَسْلِها ثلاثًا، ففيه روايتان: إحداهما، لا يُسْلَبُ الطَّهورِيَّةَ، وهو الصحيحُ، إن شاءَ الله تعالى، لأنَّ الماءَ قبلَ الغَمْسِ كمان طَهُورًا، فيَبْقَى على الأصْلِ، ونَهْيُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن غَمْسِ اليَدِ إنْ 67 كان لِوَهْمِ النَّجاسَةِ، فالوهمُ لا يُزِيلُ الطَّهوريَّةَ، كما لم يُزِلِ الطهارةَ، وإنْ كان تَعَبُّدًا اقْتَصَر على مَوْرِدِ النَّصِّ، وهو مَشْرُوعِيَّةُ الغُسْلِ.
والروايةُ الثانيةُ، أنْ يُسْلَبَ الطَّهُوريَّةَ، لقَولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا اسْتَيقَظَ أَحَدُكُمْ مِن نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أنْ يُدْخِلَهَا الإِنَاءَ ثلَاثّا، فإنَّ أحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَينَ بَاتَتْ يَدُهُ».
رَواه مسلمٌ، ورَواه البُخارِيّ، ولم يَذْكُر «ثلاثًا» 68. فلولا أنَّه
الحديث: 11 - الجزء: 1 - الصفحة: 67
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تُفِيدُ منعًا لم يَنْهَ عنه ظاهرًا، وعلى [قِياسِه المُستعمَلُ في غَسْلِ الذَّكَرِ والأُنثيَينِ مِن المَذْي؛ لكَوْنِه في مَعْناه.
ورُويَ عن أحمدَ روايةٌ ثالثةٌ، أنَّه] 69 قال: أحَبُّ إليَّ أن يُرِيقَه إذا غَمَس يَدَه فيه.
وهو قولُ الحسنِ؛ = من كتاب الطهارة.
صحيح مسلم 1/ 233. وأبو داود، في: باب الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها، من كتاب الطهارة.
سنن أبي داود 1/ 23، 24. والترمذي، في: باب إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتَّى يغسلها، من أبواب الطهارة.
عارضة الأحوذي 1/ 41، 42. والنسائي، في: باب تأويل قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾، وباب الوضوء من النوم، من كتاب الطهارة، وباب الأمر بالوضوء من النوم، من كتاب الغسل.
المجتبى 1/ 12، 83، 176. وابن ماجة، في: باب الرجل يستيقظ من منامه هل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها، من كتاب الطهارة.
سنن ابن ماجة 1/ 138، 139. والدارمي، في: باب إذا استيقظ أحدكم من منامه، من كتاب الوضوء.
سنن الدارمي 1/ 196. والإمام مالك، في: باب وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة، من كتاب الطهارة.
الموطأ 1/ 21. والإمام أحمد، في المسند 2/ 241، 253، 259، 265، 284، 316، 348، 382، 403، 455، 465، 471، 500، 507.
الجزء: 1 - الصفحة: 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وذلك لما روَى أبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ 70 عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فإنْ أَدْخَلَهُمَا قَبْلَ الغَسْلِ أَراقَ الماءَ» 71. فيَحْتَمِلُ وجوبَ إراقَتِه، فلا يجوزُ استعمالُه، لأنَّه مَأمُورٌ بإراقَتِه، أشْبَهَ الخَمْرَ، ويَحتملُ أن لا تَجِبَ إراقَتُه، ويكونُ طاهرًا غيرَ مُطَهِّرٍ كالمُستعمَلِ في رَفْعِ الحَدَثِ.
والأوَّل اخْتيارُ ابنِ عَقِيلٍ، [وهو قَوْلُ الحسنِ.
والذي يَقْتضِيه القياسُ، أَنَّا إن قُلْنا: إنَّ غَسْلَهما واجبٌ، فهو كالمُستعمَلِ في رَفْعِ الحَدَثِ، وإن قُلنا باسْتحبابِه، فهو كالمُستعمَلِ في طهارةٍ مَسنُونَةٍ، وقد ذَكَرْناه] 72. وهل يكون غَمْسُ بعضِ اليدِ كغَمْسِ الجميعِ؟ فيه وجهان؛ أحدُهما، لا
الجزء: 1 - الصفحة: 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَكُون، وهو قولُ الحسنِ، لأنَّ الحديثَ وَرَد في غَمْسِ جميعِ اليدِ، وهو تَعَبُّدٌ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْن الشيءِ مانِعًا كَوْنُ بَعْضِه مانعًا، كما لا يلزمُ مِن كونِ الشيءِ سَبَبًا كونُ بَعْضِهِ سببًا، واللهُ أعلمُ.
والثاني، حُكْمُ البَعْضِ حُكْمُ الكلِّ، لأنَّ ما تَعَلَّق المَنْعُ بجمِيعِه تعلقَ ببعضِه، كالحَدَثِ والنجاسةِ، وغَمْسُها بعدَ غَسْلِها دُونَ الثلاثِ كغمسِها قبلَ غسلِها، سَبَبًا لبَقاء النَّهْي.
الجزء: 1 - الصفحة: 70
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ يَدِ النائِمِ مُطْلَقَةً، أو مَشْدُودَةً في جِرابٍ، أو مَكْتُوفًا؛ لعُمُومِ الأخبارِ، ولأنَّ الحُكْمَ إِذَا عُلِّق على المَظِنَّةِ لم يُعْتَبَرْ حَقِيقَةُ الحِكْمةِ، كالعِدَّةِ الواجِبَةِ لاسْتِبْراءِ الرَّحِمِ في حَقِّ الصَّغِيرَةِ والآيِسَةِ، ورُبَّما تكونُ يَدُه نَجِسَةً قبلَ نَوْمِه، فَيَنْسَى نَجاسَتَها لطُولِ نَومِه، على أنَّ الظاهِرَ عندَ مَن أَوجَب الغَسْلَ أنَّه تَعَبُّدٌ، لا لعِلَّةِ التَّنْجِيسِ، ولهذا لم نَحْكُمْ بنَجاسةِ اليَدِ، فَيعُمُّ الوُجُوبُ كلَّ مَن تَناوَلَه الخَبَرُ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَجِبُ الغَسْلُ إذا كَان مَكْتُوفًا، أو كانت يدُه في جِرابٍ؛ لزَوالِ احْتِمالِ النَّجاسةِ الَّذي لأجْلِه شُرِعَ الغَسْلُ.
والأولُ أَولَى؛ لما ذَكَرْنا.
ولا يَجِبُ غَسْلُ اليَدِ عندَ القيامِ مِن نَوْم النَّهارِ، رِوايةً واحدةً.
وَسَوَّى الحسنُ بينَ نَوْم الليلِ والنَّهارِ.
ولَنا، أَنَّ في الخَبَرِ ما يَدُلُّ على تَخْصِيصِه بنومِ اللَّيلِ، وهو قَوْلُه: «فإنَّ أحدَكُمْ لا يَدْرِي أينَ بَاتَتْ يَدُهُ».
والمَبِيتُ يكونُ في اللَّيلِ خاصَّةً، ولا يَصِحُّ قِياسُ نومِ النهارِ على نومِ اللَّيلِ؛ لوَجْهَين: أحدُهما، أنَّ الغَسْلَ وَجَب تَعَبُّدًا، فلا يُقاسُ عليه.
الثاني، أنَّ نومَ الليلِ يَطُولُ، فيكُونُ احْتِمالُ إصابةِ يَدِه للنَّجاسةِ فيه أكثَرَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 71
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: واخْتَلَفُوا في النَّوْم الَّذي يَتَعَلَّقُ به هذا الحُكْمُ، فَذَكَر القاضي أنَّه النومُ الَّذي يَنْقضُ الوُضوءَ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: هو ما زادَ على نِصْفِ اللَّيلِ، لأنه لا يكونُ بائِتًا إلَّا بذلك، بدَلِيلِ أنَّ مَن دَفَع مِن مُزْدَلِقَةَ قبلَ نصفِ الليلِ فعَلَيه دَمٌ، بخِلَافِ مَن دَفَع بعدَه.
وما قاله يَبْطُل بمَن وافاها بعدَ نصفِ الليلِ، فإنَّه لا يَجِبُ عليه دَم، مع كَوْنِه أقَلَّ مِن نصْف الليلِ.
وتَجِبُ النِّيَّةُ للغَسْلِ في أَحَدِ الوَجْهَين عندَ مَن أوْجَبَه لأنَّه طهارَةُ تعَبُّدٍ، أشْبَهَ الوُضوءَ والغُسْلَ.
والثاني، لا يَفْتَقِرُ، لأنَّه عُلِّل بوَهْمِ النَّجاسةِ، ولا
الجزء: 1 - الصفحة: 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تُعْتَبَرُ في حَقِيقَتِها النِّيَّةُ، فالوَهْمُ أَوْلَى.
ولأنَّه أَتَى بما أُمِرَ به وهو الغَسْلُ، وفِعْل المأمُورِ به يَقْتَضِي الإِجْزاءَ، ولا يَفْتَقِرُ الغَسْلُ إلى تَسْمِيَةٍ.
وقال أبو الخَطّاب: يَفْتَقِرُ، قِياسًا على الوُضوءِ.
وهو بَعِيدٌ، لأنَّ التَّسْمِيةَ إن وَجَبَتْ في الوُضوءِ وجبتْ تَعَبُّدًا، فلا يُقاسُ عليه، لأنَّ مِن شَرْط صِحَّةِ القِياسِ كَوْنَ المَعْنَى معقولًا، يُمْكِنُ تَعْدِيَةُ الحُكْمِ.
والله أعلمُ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: ويُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ اليُمْنَى على اليُسْرَى في غَسْلِ اليَدَينِ، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُحِبُّ التَيّمَّنَ في طُهُورِه، وفي شأنِه كلِّه 73.
الجزء: 1 - الصفحة: 73
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن كان القائمُ مِن نَوْمِ الليلِ صَبِيًّا أو مَجْنُونًا أو كافرًا، ففيه وَجْهان، أحدُهما، هو كالمُسْلِمِ البالِغِ العاقِلِ، لأنه لا يَدْرِي أينَ باتَتْ يَدُه.
والثاني، لا يُؤثِّرُ، لأنَّ الغَسْلَ وَجَب بالخِطابِ تَعَبُّدًا، ولا خِطابَ في حَقِّ هؤلاءِ، ولا تَعَبُّدَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا وَجَدَ ماءً قَلِيلًا، وَيَداه نَجِسَتان وليس معه ما يَغْتَرِفُ به، فإن أمْكَنَه أنْ يَأْخُذَ بفِيه ويَصُبَّ على يَدَيه، أو يَغْمِسَ خِرْقَةً أو غيرَها ويَصُبَّ على يَدَيه، فَعَلَ.
وإن لم يُمْكِنْه، تَيَمَّمَ؛ كَيلَا يَنْجُسَ الماءُ ويَتَنَجَّسَ به.
فإن كان لم يَغْسِلْ يَدَيه مِن نومِ الليلِ، فمَن قال: إنَّ غَمْسَهما لا يُؤَثِّر.
قال: يَتوضَّأُ.
وَمَنْ جعلَه مُؤثِّرًا، قال: يَتَوضَّأُ ويَتيمَّمُ معه.
ولو اسْتَيقَظ المَحْبُوسُ مِن نَوْمِه فلم يَدْرِ؛ أَهو مِن نومِ النهارِ أو الليلِ، لم يَلْزَمْه غَسْلُ يَدَيه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدئم الوجْوبِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن تَوَضَّأ القائِمُ مِن نومِ الليلِ مِن ماءٍ كَثِيرٍ، أو اغْتَسَل منه بغَمْسِ أعْضائِه فيه، ولم يَنْو غَسْلَ اليَدِ مِن نومِ الليل، فعندَ مَن أوْجَب النِّيَّةَ لا يَرْتَفِعُ حَدَثُه، ولا يُجْزِئُه مِن غَسْلِ اليدِ مِنَ النومِ، لأنَّه لم يَنْوه، لأنَّ غَسْلَها إمّا أنَّه وَجَب تَعَبُّدًا أو لوَهْمِ النَّجاسةِ، وبَقاءُ النَّجاسةِ على العُضْو لا تَمْنَعُه مِن ارْتِفاعِ الحَدَثِ، بِدَلِيلِ أنَّه لو غَسَل يَدَه أو أنْفَه في الوُضوءِ، وهو نَجسٌ، لارْتَفَع حَدَثُه.
وكذلك بَقاءُ حدثٍ لا يَمْنَعُ مِن ارْتِفاعِ حدثٍ آَخَرَ، بِدَليلِ ما لو تَوضَّأ الجُنُبُ يَنْوى رَفْعَ الحدثِ الأصْغَرِ، أو اغْتَسَل يَنْوي الطهارةَ 74 الكُبْرَى وَحْدَها، فإنَّه يَرْتَفِعُ أحَدُ الحَدَثَينِ دُونَ الآخَرِ، وهذا لا يَخْرُجُ عن شَبَهِه بأحدِ الأَمْرَينِ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 76
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا انْغَمَس الجُنُبُ أو المُحْدِثُ في ماءٍ دونَ القُلَّتَين يَنْوى رَفْعَ الحَدَثِ صار مُسْتعمَلًا، ولم يَرْتَفِعْ حَدَثُه.
وقال الشافعىُّ: يصير مُسْتعَملًا ويَرتفعُ حدَثُه؛ لأنّه إنّما يصيرُ مستعمَلًا بارتفاعِ حدَثِه فيه.
ولَنا، قولُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ في الماءِ الدّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» 75. والنَّهْيُ يَقْتَضِى فسادَ المَنْهيِّ عنه، ولأنَّه بأوَّلِ جزءٍ انْفَصَل عنه صار مُسْتعمَلًا، فلم يَرتَفِع الحَدَثُ عن سائِرِ البَدَنِ، كما لو اغْتَسَل به شخصٌ آخَرُ.
فإن كان الماءُ قُلَّتَين فصاعِدًا، ارْتفَعَ الحَدَثُ، والماءُ باقٍ على إطْلاقِه؛ لأنَّه لا يَحْمِلُ الخَبَثَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 77
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا اجْتَمَع ماءٌ مُسْتعمَلٌ إلى قُلَّتَين مُطَهِّرَتَين صار الكلُّ طَهُورًا، لأن المُسْتعمَلَ لو كان نَجِسًا لم يُوثِّرْ في القُلَّتَين، فالمستعمَلُ أَولَى.
وإن انْضَمَّ إلى ما دونَ القُلَّتَين، فلم يَبْلُغ الجميعُ قُلَّتَين، فقد ذكَرْناه.
وإن بَلَغ قلَّتَين باجْتِماعِه، فكذلك.
ويَحْتمِلُ أن يَزُولَ المَنْعُ لحديثِ القُلَّتَين.
وإنِ انْضَمَّ مُسْتعمَلٌ إلى مُسْتعمَلٍ وَلم يَبْلُغ القلَّتَين، فالجميعُ مُستعمَلٌ، وإن بَلَغ قُلَّتَين ففِيه احْتِمالان، لما ذَكَرْنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 78
وَإنْ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ، فَانْفَصَلَ مُتَغَيِّرًا، أَوْ قَبْلَ زَوَالِهَا، فَهُوَ نَجِسٌ،
12 - مسألة؛ قال: (وإن أُزِيلَتْ به النَّجاسَةُ، فانفَصَلَ مُتغَيِّرًا، أو قبلَ زَوالِها، فهو نَجِسٌ)
أمَّا إذا انْفَصَل مُتَغَيِّرًا بالنجاسةِ فلا خِلافَ في نجاسَتِه، وأما إذا انْفَصَل غيرَ مُتَغَيِّرٍ مع بقاءِ النَّجاسةِ، فهو مَبْنِيٌّ على تَنَجُّسِ الماءِ القليل لمُجَرَّدِ مُلاقاةِ النجاسةِ مِن غيرِ تَغْيِير، وسيَأتِي حُكْمُه، إن شاء اللهُ تعالى.
الحديث: 12 - الجزء: 1 - الصفحة: 79
وَإنِ انْفَصَلَ غَيرَ مُتَغَيِّرٍ بَعْدَ زَوَالِهَا، فَهُوَ طَاهِرٌ إِنْ كانَ الْمَحَلُّ أَرْضًا،
13 - مسألة؛ قال: (وإن انْفَصَلَ غير مُتغيِّرٍ بعدَ زَوالِها، فهو طاهرٌ)
روايةً واحدةً (إن كان المَحَلُّ أرْضًا).
وقال أبو بكرٍ: إنما يُحْكَمُ بطهارتِه إذا كانتْ قد نَشِفَتْ أعْيانُ البَوْلِ، فإن كانتْ أعْيانُها باقِيَةً 76، فجَرَى الماءُ عليها، طَهَّرَها 77. وفي المُنْفَصِل رِوايتان، كغيرِ الأرضٍ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «صُبُّوا عَلَى بَوْلِ الأعْرَابِيِّ ذَنُوبًا مِن ماءٍ» مُتَّفقٌ
الحديث: 13 - الجزء: 1 - الصفحة: 80
وَإنْ كانَ غَيرَ الْأَرْضِ، فَهُوَ طَاهِرٌ في أَصَحِّ الْوَجْهَينِ، وَهَلْ يَكُونُ طَهُورًا؟ عَلَىَ وَجْهَينِ.
عليه (1). أَمَرَ بذلك لتَطْهِيرِ مكانِ البولِ، فلو كان المُنْفَصِلُ نَجسًا لكان تَكْثِيرًا للنَّجاسةِ، ولم يُفَرِّقْ بينَ نِشافِه (2) وعَدَمِه، والظاهِرُ أنَّه إنّما أمَرَ عَقِيبَ البولَ.
14 -
مسألة؛ قال: (وإن كان غَيرَ الأرْضِ، فهو طاهرٌ، في أصَحِّ الوَجهَين)
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه انْفَصَل عن مَحَلٍّ محْكُومٍ بطهارَتِه، أشْبَهَ المُنْفَصِلَ مِن الأرضِ.
ولأنَّ المنفصلَ بعضُ المُتَّصِلِ، والمتصلُ طاهرٌ بالإِجماعِ، كذلك المنفصلُ.
والوَجْهُ الثاني، أنَّه نَجِسٌ، وهو قوُل أبي حنيفَةَ، واخَتِيارُ ابنِ حامدٍ؛ لأنَّه لاقَى نَجاسَةً، أشْبَهَ ما لو انْفَصَلَ قبل زوالِها، أو وَرَدَتْ عليه.
(وهل يَكُونُ طَهُورًا؟ على وَجْهَين) بناءً على المُسْتَعْمَلِ في رَفْع الحَدَثِ.7879
الحديث: 14 - الجزء: 1 - الصفحة: 81
وَإنْ خَلَتْ بِالطَّهَارَةِ مِنْهُ امْرَأَةٌ، فَهُوَ طَهُورٌ، وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الطَّهَارَةُ بِهِ في ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
15 - مسألة؛ قال: (وإنْ خَلَتْ بالطَّهارةِ مِنْه امرأةٌ، فهو طَهورٌ)
بالأصْلِ؛ لأنَّه يَجُوزُ لها أنْ تَتَوَضَّأ به، ولغيرِها مِنَ النِّساء، أشْبَهَ الَّذي لم تَخْلُ به (ولا يجوزُ للرجلِ الطهارةُ به، في ظاهرِ المذهبِ) لما رَوَى الحَكَمُ بنُ عَمْرٍو الغِفارِيُّ 80، قال: نَهَى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَتوضَّأ الرجلُ بفَضْلِ
الحديث: 15 - الجزء: 1 - الصفحة: 83
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طَهُورِ المرأةِ.
رَواه التِّرْمِذِيُّ 81، وقال: حديثٌ حسنٌ.
قال أحمدُ: جماعةٌ كَرِهُوه، منهم عبدُ الله بنُ عَمْرٍو، وعبدُ الله بنُ سَرْجِس 82، وخَصَصْناه بالخَلْوَةِ، لقولِ عبدِ الله بن سَرْجِس: تَوَضَّأ أَنت ها هُنا، وهي ها هُنا، فأمّا إذا خَلَتْ به، فلا تَقْرَبَنَّه.
ومعنى الخَلْوَةِ أن لا يُشاهِدَها إنْسانٌ تَخْرُجُ بحُضُورِه عن الخَلْوةِ في النِّكاحِ.
وذكر القاضي أنَّها لا تَخرجُ عن الخلوةِ، ما لم يُشاهِدْها رجلٌ مُسلِمٌ.
وذكر ابنُ عَقِيل في معنى الخلوةِ أن لا يُشارِكَها أحدٌ في الاسْتِعْمالِ.
وفيه روايةٌ أُخْرَى، أنَّه يجوزُ للرجلِ أن يَتَطَهَّرَ به، لما رَوَتْ مَيمُونَةُ، قال: أجْنَبْتُ، فاغْتَسَلْتُ مِن جَفْنَةٍ، فَفَضَلَتْ فيها فَضْلَةٌ، فجاءَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ليَغْتَسِلَ منه، فقلتُ: إنِّي
الجزء: 1 - الصفحة: 84
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اغْتَسَلْتُ منه.
فقال: «الماءُ لَيسَ عَلَيهِ جَنَابَةٌ».
رواه أبو داودَ 83. والظاهرُ خُلُوُّها به؛ لأنَّ العادةَ أنّ الإِنسانَ يُفَضِّلُ 84 الخَلْوةَ في غُسْلِ الجَنابَةِ، وهذا أَقْيَسُ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فإن خَلَتْ به في إزالةِ النَّجاسةِ، فقال ابنُ حامدٍ: فيه وَجْهان؛ أظْهَرُهما، جوازُ الوُضوءِ به؛ لأنَّ الأصْلَ الجوازُ.
وإن خلتْ بالطَّهارةِ في بعضِ أعْضائِها، أو في تَجْدِيدِ طهارةٍ أو اسْتِنْجاءٍ 85، ففيه وجهان، أحدُهما، المَنْعُ، قياسًا على الوُضوءِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 85
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني، لا يَمْنَعُ؛ لأنّ الطهارةَ المُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إلى طهارةِ الحَدَثِ الكامِلَةِ.
فإن خلتْ به الذِّمِّيَّةُ في غُسْلِ الحَيضِ، ففيه وجهان، أحدُهما، المنعُ كالمُسْلِمَةِ؛ لأنَّها أدْنَى منها، وأبعدُ مِن الطَّهارَةِ، وقد تَعَلَّق به إباحَةُ وَطْئِها.
والثاني، الجَوازُ؛ لأنّ طَهارَتَها لا تَصِحُّ، وكذلك النِّفاسُ والجَنابَةُ.
وَيَحْتَمِلُ التَّفْرِقَةَ بين الحيضِ والنفاسِ، وبينَ الجنابةِ؛ لأن الجنابةَ لم تُفِدْ إباحَةً، ولم تَصبِحَّ، فهي كالتَبّرَّدِ، واللهُ أعلمُ، وإنَّما تُؤَثِّرُ خَلْوَتُها في الماءِ اليَسِيرِ؛ لأنّ النَّجاسَةَ لا تُوثر في الماء الكثيرِ، فهذا أوْلَى، ويجوزُ غَسْلُ النَّجاسَةِ به.
وذَكَرَ القاضي وجهًا، أنَّه لا يجوزُ للرجلِ غَسْلُ النجاسةِ به؛ لأنّ ما لا يجوزُ الوُضُوءُ به، لا يجوزُ غَسْلُ النَّجاسةِ به، كالخَلِّ، ويُمْكِنُ القولُ بمُوجَبِه، فإنَّ هذا يجوزُ للمرأةِ الطهارةُ به.
الجزء: 1 - الصفحة: 86
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويجوزُ للرجلِ والمرأةِ أن يَغْتَسِلا ويَتَوَضَّئَا مِن إناءٍ واحِدٍ، مِن غيرِ كَراهَةٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَغْتَسِلُ هو وزَوْجَتُه مِن إناءٍ واحِدٍ، يَغتَرِفان مِنه جَميعًا.
رواه البُخارِيُّ.
الجزء: 1 - الصفحة: 87
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يجوزُ رَفْعُ الحَدَثِ إلا بالماءِ، ولا يَحْصُلُ بمائِعٍ سِواه، وبهذا قال مالك، والشافعيُّ.
ورُوىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، وليس بثابِتٍ أنّه كان لا يَرَى بَأسًا بالوُضُوءِ بالنَّبِيذِ.
وبه قال الحسنُ.
وقال عِكْرِمَةُ 86: النَّبِيذُ وَضُوءُ مَن لم يَجِدِ الماءَ.
وقال إسحاقُ: النَّبِيذُ حُلوًا أعجبُ لي مِن التَّيمُّمِ، وجَمْعُهما أحبُّ إليَّ.
وعن أبي حنيفةَ كقولِ عكرمةَ، وقِيل عنه: يجوزُ الوُضُوءُ بنَبِيذِ التَّمْرِ، إذا طُبِخَ واشْتَدَّ عندَ عَدَمِ الماءِ في السَّفَرِ، لما رَوَى ابنُ مسعودٍ، أنَّه كان مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ الجِنِّ، فأرادَ أن يُصَلِّيَ صلاةَ الفَجْرِ، فقال: «أَمعَكَ وَضُوءٌ»؟ قال: لا، معي إدَاوَةٌ فيها نَبِيذٌ.
فقال: «ثَمَرَةٌ طيِّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ» 87. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ 88. أوْجَب الانْتِقال إلى
الجزء: 1 - الصفحة: 88
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التَّيمُّمِ عندَ عدمِ الماءِ.
ولأنّه لا يجوزُ الوُضُوءُ به في الحَضَرِ، ولا مع وجودِ الماءِ، فأشْبَهَ الخَلَّ والمَرَقَ.
وحَدِيثُهم لا يَثْبُتُ؛ لأَنَّ راويَه أبو زَيدٍ، وهو مجهُولٌ عندَ أهلِ الحديثِ، لا يُعْرَفُ له غيرُ هذا الحديثِ، ولا يُعرفُ بصُحْبَةِ عبدِ الله.
قاله التِّرْمِذِيُّ 89، وابنُ المُنْذِرِ.
ورَوَى مسلمٌ بإسْنادِه، عن عبدِ اللهِ بنِ مسمعودٍ، قال: لم أكُنْ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ الجِنِّ، ووَدِدْتُ أنِّي كُنْتُ معه 90. فأمّا غيرُ النَّبِيذِ، فلا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا أنّه لا يجوزُ به وُضُوءٌ ولا غُسْلٌ غيرَ ما ذَكَرْناه في الماءِ المُعْتَصَرِ فيما مضى.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 89
فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّالِثُ، مَاءٌ نَجسٌ، وَهُوَ مَا تَغَيَّرَ بِمُخَالطَةِ النَّجَاسَةِ، فإِنْ لَمْ يَتَغَيَّر وَهُوَ يَسِيرٌ، فَهَلْ يَنْجُسُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
فصل: قال، رضي اللهُ عنه: (القسْمُ الثالثُ، ماءٌ نَجِسٌّ، وهو ما تَغَيَّر بمُخالطَةِ النَّجاسةِ) كلُّ ماءٍ تَغَيَّر بمُخالطَةِ النجاسةِ فهو نَجِسٌ بالإِجْماعِ.
حكاه ابنُ المُنْذِرِ.
(فإن لم يَتَغَيَّر، وهو يَسِيرٌ فهل يَنْجُسُ؟ على رِوايَتَين)، إحداهما، يَنْجُسُ.
وهو ظاهرُ المذهبِ، رُوىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وهو قولُ الشافعيِّ، وإسحاقَ، لما رَوَى ابنُ عُمَرَ، قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يُسْألُ عن الماءِ يكونُ بالفَلاةِ مِن الأرضِ، وما يَنُوبُه مِن الدَّوابِّ، والسِّباعِ؟ فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَينِ [لم يُنَجِّسْه شَيءٌ».
وفي رِوايةِ:] 91 «لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ».
رَواه الإِمامُ أحَمدُ وأبو داودَ والتِّرمِذِيُّ 92. وتَحْدِيدُه القُلَّتَين يَدُلُّ على تَنْجِيسِ ما
الجزء: 1 - الصفحة: 95
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
دُونَهما، وإلَّا لِم يَكُنِ التَّحْدِيدُ مُفيدًا.
وصحَّ نَهْيُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - القائِمَ مِن نَوْمِ الليلِ عن غمْسِ يَدِه في الماءِ قبلَ غَسْلِها 93، فدَلَّ على أنَّه يُفِيدُ منعًا.
وأمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بغَسْلِ الإِناءِ مِن وُلُوغَ الكلبِ، وإراقَةِ سُؤْرِه 94، ولم يُفَرِّق بينَ ما تَغَيَّرَ وبينَ ما لم يَتَغَيَّرْ، مع أنَّ الظاهِرَ عَدَمُ التَّغَيُّرِ.
والروايةُ
الجزء: 1 - الصفحة: 96
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثانيةُ: أنَّ الماءَ لا يَنْجُسُ إلا بالتَّغَيّرِ، ورُوى ذلك عن حُذَيفَةَ، وأبي هريرةَ، وابنِ عبّاسِ، والحسنِ، وهو مذهبُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ 95، وابنِ المُنْذِرِ.
ورُوىَ أيضًا عن الشّافعيِّ، لما رَوَى أبو أُمامَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «المَاءُ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وطَعْمِهِ ولَوْنِهِ».
رَواه ابنُ ماجَه 96، والدَّارَقُطْنِيُّ 97. ورَوَى أبو سعيدٍ، قال: قِيل يا رسولَ اللهِ، أَنَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ بُضاعَةَ؟ وهي بِئْرٌ يُلْقَى فيها الحِيَض، ولحومُ الكِلابِ والنَّتْنُ.
قال: «إِنَّ المَاءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ 98، وقال: حديثٌ حسنٌ.
وصَحَّحَه الإِمامُ أحمدُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 97
وَإنْ كانَ كَثِيرًا، فَهُوَ طَاهِرٌ، إلا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ بَوْلًا، أَوْ عَذِرَة مَائِعَةً، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا، لَا يَنْجُسُ، وَالأخْرَى يَنْجُسُ،
16 - مسألة؛ قال: (وإن كان كثيرًا، فهو طاهرٌ)
ما لم تكُنِ النَّجاسةُ بَوْلًا أو عَذِرَةً مائِعةً 99، بغيرِ خِلافٍ في المذهبِ، رُوى ذلك عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ 100. وهو قولُ الشافعيِّ.
ورُوىَ عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا كان الماءُ ذَنُوبَين، لم يَحْمِلِ الخَبَثَ.
وقال عِكْرِمَةُ: ذَنُوبًا، أو ذَنُوبَين.
وذهب أبو حنيفةَ، وأصْحابُه إلى أنَّ الماءَ الكثيرَ يَتَنَجَّسُ بالنجاسةِ مِن غيرِ تَغَيُّرٍ 101، إلَّا أنْ يَبْلُغَ حدًّا يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّ النجاسةَ لا تَصِلُ
الحديث: 16 - الجزء: 1 - الصفحة: 101
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إليه، واخْتَلَفُوا في حَدِّه، فقال بعضُهم: ما إذا حُرِّك أحَدُ طَرَفَيه لم يَتَحَرَّكِ الآخَرُ.
وقال بعضُهم: ما بَلَغ عَشَرَةَ أذْرُعٍ في مثلِها، وما دونَ ذلك قليلٌ، وإن بَلَغ ألفَ قُلَّةٍ، لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِى لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 102. نَهَى عن
الجزء: 1 - الصفحة: 102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الاغْتِسالِ مِن الماءِ الرَّاكِدِ بعدَ البَوْلِ فيه، ولم يُفَرِّقْ بينَ قليله وكَثيرِه.
ولأنَّه ماءٌ حَلَّتْ فيه نجاسةٌ لا يُؤْمَنُ انْتِشارُها إليه، أشْبَهَ اليَسِيرَ.
ولَنا، خَبَرُ القُلَّتَين، وبئرِ بُضاعةَ، اللَّذان ذكرْناهُما، معَ أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد أُخْبِرَ أنَّ بِئرَ بُضاعةَ يُلْقَى فيه الحِيَضُ والنَّتَنَ ولحومُ الكلابِ، مع أنَّ بِئْرَ بُضاعَةَ لا يَبْلُغُ الحَدَّ الذي ذَكَرُوه.
قال أبو داودَ: قَدَّرْتُ بئرَ بُضاعةَ فوجَدْتُها سِتَّةَ أذْرُع، وسألْتُ الذي فَتَح لي بابَ البُسْتانِ: هل غُيِّرَ بِناؤُها؟ قال: لا.
وسألتُ قَيِّمَها عن عُمْقِها، فقلتُ: أكْثَرُ ما يكون فيها الماءُ؟ فقال: إلى العانَةِ.
قلت: فإذا نَقَص.
قال: دُونَ العَوْرَةِ.
ولأنَّه ماءٌ يبلغُ القُلَّتَين، فأشْبَهَ الزائدَ على عشرةِ أذْرُعٍ، وحديثُهم عامٌّ، وحديثُنا خاصٌّ، فيَجِبُ تَخْصِيصُه به، وحديثُهم لابُدَّ مِن تَخْصِيصِه بما زادَ على الحدِّ الذي ذَكَرُوه، فيكونُ تخصيصُه بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَوْلَى مِن تَخْصِيصِه بالرَّأْىِ والتَّحكُّمِ مِن غيرِ أصلٍ، ومَا ذكروه مِن الحَدِّ تقديرٌ مِن غيرِ تَوْقِيفٍ، ولا يُصارُ إليه بغيرِ نصٍّ ولا إجماعٍ، ثم إنَّ حديثَهم خاصٌّ في البَوْلِ، وهو قَوْلُنا في إحْدَى الرِّوايَتَين، جمعًا بين الحَدِيثَين، فَنَقْصُرُ الحُكْمَ على ما تناولَه النَّصُّ، وهو البولُ؛ لأنَّ له مِن التَّأْكِيدِ والانْتِشارِ ما ليس لغيرِه.
الجزء: 1 - الصفحة: 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
17 - مسألة؛ قال: (إلَّا أن تكونَ النَّجاسةُ بَوْلًا، أو عَذِرَةً مائِعةً، ففيه روايَتان؛ إحْداهما، لا يَنْجُسُ)
وهو كسائِرِ النَّجاساتِ، وهو اختيارُ أبي الخَطّابِ، وابنِ عَقِيلٍ، ومذهبُ الشافعيِّ، وأكثرِ أهلِ العلمِ، لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَينِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ».
رَواه الإِمامُ أحمد 103. ولأنَّ نجاسةَ بَوْلِ الآدَمِيِّ لا تَزِيدُ على نجاسةِ بولِ
الحديث: 17 - الجزء: 1 - الصفحة: 104
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكلبِ، وهو لا يُنَجِّسُ القُلَّتَين، فهذا أَوْلَى.
وحديثُ النَّهْي عن البولِ في الماءِ الدَّائِمِ لابُدَّ مِن تَخْصِيصِه بما لا يُمْكِن نَزْحُه إجْماعًا، فيكونُ تخصيصُه بخبرِ القُلَّتَين أَوْلَى مِن تخصيصِه بالرَّأْي والتَّحَكُّمِ، ولو تَعارَضا تَرَجَّحَ حديثُ القُلَّتَين؛ لِمُوافَقَتِه القِياسَ.
(والرِّوايةُ الأُخْرَى، يَنْجُسُ) يُرْوى نحوُ ذلك عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، فَرَوَى الخَلَّالُ بإسْنادِه أنَّ عَلِيًّا، رَضِي اللهُ عنه، سُئل عن صَبِيٍّ بال في بِئرٍ، فأَمَرَهم بنَزْحِها.
وهو قولُ الحسنِ، لما رَوَى أبو هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في المَاء الدَّائِمِ الَّذِى لَا يَجْرِى، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ».
مُتَّفقٌ عليه 104. وهذا يَتَناوَلُ القليلَ والكثيرَ، وهو خاصٌّ في البولِ، فيُجْمَعُ بينه وبينَ حديثِ القُلَّتَين بحَمْلِ هذا على البولِ، وحملِ حديثِ القُلَّتَين على سائرِ النَّجاساتِ، والعَذِرَةُ المائِعَةُ في معنى البوْلِ؛ لأنَّ أجْزاءَها تَتَفَرَّقُ في الماءِ وتَنْتَشِرُ، فهي في مَعْنى البولِ، وهي أفْحَشُ.
منه.
وقال ابنُ أبي مُوسى: حُكمُ الرَّطْبَةِ حكمُ المائعةِ قياسًا عليها، والأوْلَى التَّفْرِيقُ بينَهما، لما ذَكَرْنا مِن المعنى.
الجزء: 1 - الصفحة: 105
إلا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ لِكَثْرَتِهِ، فَلَا يَنْجُسُ.
18 - مسألة؛ قال: (إلَّا أن يكونَ مِمّا لا يُمْكِنُ نَزْحُه لكَثْرتِه، فلا يَنْجُسُ)
لا نعلمُ خِلافًا أنَّ الماءَ الذي لا يُمْكِنُ نَزْحُه إلَّا بمَشَقَّةٍ عظيمةٍ، مِثْلَ المصانِعِ التي جُعِلتْ مَوْرِدًا للْحاجِّ، بطريقِ مكةَ، يَصْدُرُون عنها، ولا يَنْفَدُ ما فيها، أنَّها لا تَنْجُسُ إلا بالتَّغْيِيرِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجمعَ كلُّ مَن نحفظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على أنَّ الماءَ الكثيرَ، كالرِّجْلِ 105 مِن البحرِ، ونحوه، إِذا وقعتْ فيه نجاسةٌ، فلم تُغَيِّر له لَوْنًا، ولا طَعْمًا، ولا رِيحًا، أنّه بحاله يُتَطَهَّرُ منه.
الحديث: 18 - الجزء: 1 - الصفحة: 106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا فرقَ بينَ قليلِ البولِ وكثيرِه، قال مُهَنَّا 106: سألتُ أحمدَ عن بِئْرٍ غَزِيرَةٍ، وقعتْ فيها خِرْقَةٌ أصابَها بولٌ.
قال: تُنْزَحُ؛ لأنَّ النَّجاساتِ لا فرقَ بينَ قليلها وكثيرِها، كذلك البولُ.
فصل: إِذا كانتْ بئْرُ الماءِ مُلاصِقَةً لبئرٍ فيها بولٌ، أو غيرُه مِن النَّجاساتِ، وشَكّ في وُصُولِه إلى الماءِ، فالماءُ طَاهِرٌ بالأصلِ.
وإن أحبَّ عِلْمَ حقيقةِ ذلك، فَلْيَطرحْ في البِئْرِ النَّجِسَةِ نِفْطًا، فإن وَجَد رائِحَتَه في الماءِ عَلِمَ وُصُولَه إليه، وإلا فَلا، وإن وَجَده مُتَغَيِّرًا تغيُّرًا يَصْلُحُ أن يكونَ منها، ولم يعلمْ له سَبَبًا آخَرَ فهو نَجِس؛ لأنَّ المُلاصَقَةَ سببٌ، فيُحالُ الحُكْمُ عليه، والأصلُ عَدَمُ ما سِواه.
ولو وَجَد ماءً مُتَغَيِّرًا في غيرِ هذه الصُّورَةِ، ولم يعلمْ سببَ تَغَيُّرِه، فهو طاهرٌ وإن غلبَ على ظَنِّه نجاستُه؛ لأنَّ الأصلَ الطهارةُ.
وإن وقعتْ في الماءِ نجاسةٌ، فوجدَه متغيِّرًا تغيُّرًا يصلُحُ أن يكونَ منها، فهو نَجِسٌ؛ لأنَّ الظَّاهرَ كَوْنُه منها، والأصلُ عدمُ ما سِواه، فيُحالُ الحكمُ عليه، وإن كان التَّغَيُّرُ لا يصلحُ أن يكونَ منها، لكَثْرَةِ الماءِ وقِلَّتِها، أو لمُخالفَتِه لونَها، أو طعْمَها، فهو طاهِرٌ؛ لأنَّ النجاسةَ لا تصلُحُ أن تكونَ سببًا ها هنا، أشْبَهَ ما لو لم يقعْ فيه شيءٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن توضَّأ مِن الماءِ القليلِ وصلَّى، ثم وجدَ فيه نجاسةً، أو توضَّأَ مِن ماءٍ كثيرٍ، ثم وجدَه مُتغيِّرَا بنجاسَةٍ، و 107 شَكَّ هل كان قبلَ وُضُوئِه، أو بعدَه، فالأصلُ صحَّةُ طهارتِه وصلاتِه، وإن عَلِم أنَّ ذلك قبلَ وُضوئِه بأمارَةٍ، أعادَ، وإن عَلِم أنَّ النجاسةَ قبلَ وُضوئِه، ولم يَعلمْ أكان دونَ القُلَّتَين، أو كان قُلَّتَين فنَقَص بالاسْتِعْمالِ، أعادَ؛ لأنَّ الأصلَ نَقْصُ الماء.
فصل: إذا وَقَعتْ في الماءِ نجاسةٌ، فغَيَّرتْ بعضَه، فالمُتَغيَرُ نَجِسٌ، وما لم يَتَغَيَّرْ إن بَلَغ قُلَّتَين، فهو طاهرٌ، وإلَّا فهو نَجِسٌ؛ لأنَّ الماءَ اليَسِيرَ يَنْجُسُ بمُجَرَّدِ المُلاقاةِ، لما ذكرْنا.
وقال ابنُ عَقِيلٍ، وبعضُ الشافعيَّةِ: يكونُ نَجِسًا وإنْ كَثُرَ، كما لو كان يسيرًا، ولأنّ المُتَغَيِّر نَجِسٌ، فينجسُ ما يُلاقِيه، وما يُلاقِي ما يُلاقيه، حتى يَنْجُسَ جميعُه، فإنِ اضْطَرَب فزال تَغَيُّرُه، طَهُرَ لزَوالِ عِلَّةِ النجاسةِ، وهي التَّغيُّرُ.
ولَنا، قولُ
الجزء: 1 - الصفحة: 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا بلَغَ المَاءُ قُلَّتَين لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» 108. وغيرُ المُتغيِّرِ كثيرٌ، فيَدخلُ في عُمُومِ الحديثِ، ولأنَّه 109 ماءٌ كثيرٌ لم يَتَغَيَّر بالنجاسةِ الواقعةِ فيه، فلم يَنْجُسْ، كما لو لم يتغيَّرْ مِنه شيءٌ، ولا يصحُّ القياسُ على اليَسيرِ؛ لأنَّه لا يَدْفعُ النجاسةَ عن نفسِه.
وقولهم: إنَّ المُلاصِقَ للمُتَغيِّرِ يَنْجُسُ.
مَمْنوعٌ، كالمُلاصِقِ للنجاسةِ الجامدةِ، وعلى قولهم يَنْبغِي أن يَنْجُسَ البحرُ إذا تَغَيَّر جانِبُه، والماءُ الجارِي، ولا قائلَ به.
فصل: قال ابنُ عَقِيل: مَن ضَرَب حيوانًا مأكُولًا، فوَقَع في ماءٍ، ثم وجَدَه مَيَتًّا، ولم يَعْلَمْ، هل مات مِن الجِراحَةِ، أو بالماءِ، فالماءُ على أصلِه في الطهارةِ، والحيوانُ على أصلِه في الحَظرِ، إلّا أن تكونَ الجراحةُ مُوجِبةً، فيكونَ الحيوانُ أيضًا مُباحًا؛ لأنّ الظاهِرَ مَوْتُه بالجَرْحِ، والماءُ طاهِر، إلّا أن يقعَ فيه دمٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا كان الماءُ قُلَّتَين، وفيه نجاسةٌ، فغَرَف منه بإنَاءٍ، فالذي في الإِناء طاهرٌ، والباقي نَجِسٌ إن قُلْنا: القُلَّتان تَحديدٌ.
لأنَّه ماءٌ يسيرٌ، فيه نجاسَةٌ، وإن قلنا بالتَّقْريبِ، لم يَنْجُسْ، إلَّا أن يكونَ الإِناءُ كبيرًا يُخْرِجُه عن التَّقْرِيبِ.
وإنِ ارْتَفعتِ النجاسةُ في الدَّلْو، فالماءُ الذي في الإِناءِ نَجِسٌ، والباقي طاهرٌ.
ذكرها ابنُ عَقِيلٍ.
فصل: وإذا اجتمعَ ماءٌ نَجِسٌ إلى ماءٍ نجسٍ، ولم يَبْلُغِ القُلَّتَين، فالجميعُ نَجِسٌ، وإن بَلَغ القُلَّتَين، فكذلك؛ لأنَّه كان نَجِسًا قبلَ الاتّصالِ، والأصلُ بقاءُ النجاسةِ.
ولأنَّ اجتماعَ النَّجِس إلى النجسِ لا يُولِّدُ بينَهما طاهرًا، كما في سائرِ المَواضِعِ.
ويَتَخَرَّجُ أن يَطْهُرَ إذا بَلَغ قُلَّتَين، وزال تَغَيُّرُه، وهو مذهبُ الشافعيِّ، لزوالِ علَّةِ التَّنْجِيسِ.
والغَدِيران إذا كانت بينهما ساقِيَةٌ فيها ماء مُتَّصِلٌ بهما، فهما كالغدير الواحدِ، قَلَّ الماءُ أو كَثُر، فمتى تَنَجَّسَ أحدُهما، ولم يَبْلُغا القُلتَين [تنجَّسَ الآخَرُ، وإنْ بَلَغَا القُلَّتَينِ] 110، لم يَتَنَجَّسْ واحدٌ منهما، إلّا أن يَتغَيَر بالنجاسةِ، كما قُلْنا في الواحدِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 110
وَإذَا انْضَمَّ إِلَى الْمَاءِ النَّجِسِ مَاءٌ طَاهِرٌ كَثِيرٌ طَهَّرَهُ، إِنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ تَغَيُّرٌ.
وَإنْ كَانَ الْمَاءُ النَّجِسُ كَثِيرًا، فَزَال تَغَيرهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِنَزْحٍ، بَقِيَ بَعْدَهُ كَثِيرٌ، طَهُرَ،
19 - مسألة؛ قال: (وإذا انْضَمَّ إلى الماءِ النَّجِسِ ماءٌ طاهرٌ كَثِيرٌ، طَهَّرَه إن لم يَبْقَ فيه تَغَيُّرٌ، وإنْ كان الماءُ النَّجِسُ كثيرًا، فزال تَغَيره بنَفْسِه، أو بنَزْحٍ بَقِيَ بعدَه كثيرٌ، طَهُرَ)
وجملةُ ذلك أنَّ تَطْهيرَ الماءِ النَّجِسِ ينقسِمُ ثلاثةَ أقسامٍ، أحدُها، أن يكونَ الماءُ النجسُ دونَ القُلَّتَين، فتطهيرُه بالمُكاثَرَةِ بقُلَّتَين طاهرَتَين، إمَّا أن يَنْبُعَ فيه، أو يُصَبَّ فيه، أو
الحديث: 19 - الجزء: 1 - الصفحة: 111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَجرىَ إليها مِنْ سَاقِيةٍ، أوْ نحو ذلك، فيزولَ بهما تَغيُّرهْ إن كانْ مُتَغَيِّرًا فيَطْهُرَ، وإن لم يكنْ متغيِّرًا طَهُرَ بمُجرَّدِ المُكاثَرَةِ؛ لأنَّ القُلَّتَين تَدْفَعُ النجاسةَ عن نفسِها وعمّا اتَّصَل بها، ولا تَنْجُسُ إلَّا بالتَّغَيُّرِ إذا وَرَدَتْ عليها النجاسةُ، فكذلك إذا كانت وارِدَةً، ومِن ضرورةِ الحُكْمِ بطَهارَتِهِما، طَهارةُ ما اخْتَلَط بهما.
القسمُ الثاني، أن يكونَ قُلَّتَين، فإن لم يكنْ متغيرًا
الجزء: 1 - الصفحة: 112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالنجاسةِ، فتطهيرُه بالمُكاثَرَةِ المذكورةِ، وإن كان متغيِّرًا بها فتطهيرُه بالمكاثرةِ المذكورةِ إذا أزالتِ التَّغَيُّرَ، وبزَوالِ تغيُّرِه بنفسه؛ لأنَّ عِلَّةَ التَّنجِيسِ زالت، وهي التَّغيُّرُ، أشْبَهَ الخَمْرَةَ إذا انْقَلَبَتْ بنفسها خَلًّا.
وقال ابنُ عَقِيل: يَحتمِلُ أن لا يَطْهُرَ إذا زال تغيُّرُه بنفسِه، بناءً على أنَّ النجاسةَ لا تَطْهُرُ بالاسْتِحالةِ.
القسمُ الثالث، الزائدُ على القُلَّتَين، فإن
الجزء: 1 - الصفحة: 113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كان غيرَ متغيِّرٍ فتطهيره بالمُكاثَرَةِ لا غيرُ، كان كان متغيَرا، فتطهيرُه بما ذَكَرنا مِن الأمرَينِ، وبأمرٍ ثالثٍ، وهو أن يُنْزَحَ منه حتى يَزُولَ التغير، ويَبْقَى بعدَ النزحِ قُلَّتانِ، فإن نَقَص عن القُلَّتَين قبل زوالِ تغيّرِه، ثم زال تَغيره، لم يَطْهُر؛ لأنّ عِلَّةَ التَّنْجِيسِ في [ما دُونَ القُلَّتَينِ] 111 مُجرَّدُ ملاقاةِ النجاسةِ، فلم تَزُلِ العلة بزوالِ التغييرِ، ولا يُعتَبرُ في المُكاثرةِ صَبُّ الماءِ دَفْعَةً واحدةً؛ لأنَّه لا يُمكِن ذلك، لكنْ يُوصلُه على حَسَبِ الإِمْكان في المُتابعةِ، على ما ذكرنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 114
وَإنْ كُوثِرَ بمَاءٍ يَسِيرٍ، أَوْ بِغَيرِ الْمَاءِ، فَأزال التَّغْيِيَر، لَمْ يَطْهُرْ، وَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ يَطْهُرُ.
20 - مسألة؛ قال: (فإن كُوثِرَ بماءٍ يَسِيرٍ، أو بغير الماءِ كالتُّرابِ ونَحوه، فأزال التَّغَيُّر، لم يَطْهُر)
في أحدِ الوَجْهين؛ لأَنَّ هذا لا يَدفَعُ النجاسةَ عن نفسه، فعن غيرِه أولَى.
والثاني، يَطْهُرُ؛ لأنَّ عِلَّةَ النجاسةِ زالتْ، وهو التغَير، أشْبَه ما لو زال تَغيَّره بنفسه.
ولأن الماءَ اليَسِيرَ إذا لم يُؤثِّر فلا أقلَّ مِن أن يكونَ وجودُه كعدَمِه، ويَحتَمِلُ التفْرِقةَ بينَ المُكاثَرَةِ بالماءِ اليَسِيرِ وغيرِه، فإذا كُوثِرَ بالماء اليَسِيرِ طَهُرَ؛ لما ذكزنا، وإذا كُوثر بالتُّرابِ، أو غيرِه، لم يَطْهُرْ؛ لأنَّ ذلك رُبّما سَتَر التغيُّرَ الحادِثَ مِن النجاسةِ، فَيُظنُّ أنه قد زال، ولم يَزُلْ.
الحديث: 20 - الجزء: 1 - الصفحة: 115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمَّا الماء الذي يقعُ فيه بول الآدَمِيِّ، إذا قُلنا بنَجاسَتِه، فلا يَطْهُرُ بالمُكاثَرَةِ بقُلَّتَين، لأنَّ القُلَّتَين بالنِّسْبَةِ إلى البولِ، كما دونَهما بالنسبةِ إلى غيرِه، لكن يَطْهُرُ بأحدِ ثلأثةِ أشياءَ، أحدُها 112 المُكاثرةُ بما لا يُمكِن نَزْحُه.
الثاني، أن يُنْزَحَ منه حتى يزُولَ تَغَيره، وَيَبْقَى ما لا يُمكِن نَزْحُه.
الثالث، أن يَزُولَ تَغَيُره بنفسِه إن كان كذلك.
ذكره ابنُ عَقِيلِ.
فصل: فأمّا غيرُ الماءِ مِن المَائِعاتِ إِذا وقعت فيه نجاسةٌ، ففيه ثلاثُ روايات: إحداهُنَّ، أنه يَتَنَجَّسُ وإن كَثُر، وهو الصحيحُ، إن شاءَ اللهُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن الفَأرَةِ تموتُ في السمنِ، فقال: «إنْ كَانَ جَامِدًا فَألْقُوها وما حَوْلَها، وإنْ كَانَ مَائِعًا فَلا تَقْرَبُوه».
رواه الإِمامُ أحمدُ 113.
الجزء: 1 - الصفحة: 116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونهى عنه، ولم يفرِّقْ بين قليله وكثيرِه.
ولأنَّها لا تُطَهِّرُ غيرَها، فلا تدفعُ النجاسةَ عن نفسِها كاليسيرِ.
والثانية، أنَّها كالماءِ، لا يَنْجُسُ منها ما بَلَغ قُلَّتَين إلا بالتَّغَيُّرِ، قياسًا على الماءِ، قال حَرب 114: سألتُ أحمدَ، قلتُ: كلبٌ وَلَغ في سَمنٍ وزَيتٍ؟ قال: إذا كان في آنِيَةٍ كبيرةٍ، مِثلَ حُبٍّ 115 أو نحوه، رَجَوْتُ أن لا يكونَ به بَأسٌ، يُوكَلُ، وإن كان في آنيةٍ صغيرةٍ فَلا يُعجِبُنِي.
والثالثة، أنَّ ما أصله الماءُ، كالخَلِّ التَّمرِيِّ يَدفَعُ النجاسةَ؛ لأنَّ الغالِبَ فيه الماءُ، وما لا فلا.
فصل: وإِذا قُلنا: إنَّ غيرَ الماءِ مِن المائِعاتِ، كالخَلِّ ونحوه يُزِيلُ النجاسةَ، انبنَى على ذلك أنَّ الكثيرَ منه لا يَنْجُسُ إلا بالتَّغْيِيرِ، لكونِ حُكْمِه في دفع النجاسةِ حكمَ الماءِ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا الماء المستعمَل في رَفْعِ الحدثِ، وما كان طاهِرًا غير مطَهِّرٍ، ففيه احتِمالان، أحدُهُما، أنه يَدفَع النجاسةَ عن نفْسِه إذا كَثر؛ لحديثِ القلَّتَين.
والثاني، أنه يَنْجس، لأنَّه لا يَطْهر، أشْبَه الخَلَّ.
فصل: ولا فَرقَ بينَ يسيرِ النجاسةِ وكثيرِها، ما أدرَكَه الطرفُ وما لم يدرِكْه، إلا أنَّ ما يعفَى عن يسيرِه كالدَّمِ، حكْمُ الماءِ الذي يَتَنَجس به حكمه في العَفْو عن يسيرِه.
وكذلك كلُّ نجاسةٍ نَجّسَتِ الماءَ، حكمه حكمُها، لأنَّ نجاسةَ الماءِ ناشِئة عن نجاسةِ الواقعِ، وفَرعٌ عليها، في الفرع يَثْبت له حكم أصلِه.
ورُوى عن الشافعيِّ أنَّ ما لا يدرِكُه الطرف مِن النجاسةِ مَعفوٌّ عنه؛ للمَشَقَّةِ الَّلاحقةِ به.
ونَصَّ في موضعٍ أن الذّبابَ إذا وَقَع على خلاءٍ رَقِيقٍ، أو بول، ثم وقع على الثَّوْبِ، غُسِلَ مَوْضِعه، ونجاسة الذُّبابِ مما لا يُدركها الطرف.
ولَنا، أنّ دليلَ التنجِيسِ لا يفَرِّقُ بينَ قليلِ النجاسةِ وكثيرِها، ولا بين ما يُدركه الطرفُ وما لا يدركه، فالتَّفْرِيق تَحَكم، وما ذكروه مِن المَشَقَّةِ ممنوع؛ لأنّا إنَّما نحكم بالنجاسةِ إذا عَلِمنا وصولَها، ومع العلمِ لا يفتَرِقُ القليلُ والكثيرُ في المشقَّةِ، ثم إن المشقَّةَ بمُجرَّدِها حِكْمَةٌ لا يجوز تَعَلُّق الحكْمِ بها بمجرَّدِها، وجَعلُ ما لا يدركُه الطرَّفُ ضابطًا لها إنَّما يصحُّ بالتَّوْقِيفِ، أو باعتبارِ الشّرعِ له في مَوْضِعٍ، ولم يُوجَد واحدٌ منهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 118
وَالْكَثِيرُ مَا بَلَغَ قُلَّتَينِ، وَالْيَسِيرُ مَا دُونَهُمَا،
21 - مسألة؛ قال: (والكثيرُ ما بلَغَ قُلَّتَين، واليَسِيرُ ما دُونَهما)
القُلَّةُ: الجَرَّةُ، سُمِّيتْ قُلَّةً لأنَّها تُقَل بالأيدي، والمراد فهنا بالقُلَّةِ قِلالُ هجَرَ 116؛ لما يأتي، وإنّما جعلْنا القُلَّتَين حدًّا للكثيرِ؛ لأنَّ حديثَ
الحديث: 21 - الجزء: 1 - الصفحة: 119
وَهُمَا خمسُمِائَةِ رَطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ.
وَعَنْهُ، أَربَعُمِائةٍ
القُلَّتَين دَلَّ على نجاسةِ ما لم يَبْلُغْهُما بطريق المفْهومِ، وعلى دَفْعِهما للنجاسةِ عن أنفُسِهما، فلذلك جَعَلْناهُما حدًّا للكثيرِ، فمتى جاء لفظُ الكثيرِ هاهُنا فالمرادُ به القُلَّتانِ.
واللهُ أعلمُ.
22 -
مسألة؛ قال: (وهما خَمسُمِائَةِ رَطْلٍ بالعِراقِيِّ)
في ظاهرِ المذهبِ، وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه رُوىَ عن ابنِ جُرَيجٍ 117 أَنّه قال: رأيتُ قِلال هجَر، فرأيتُ القُلَّةَ تَسَعُ قربَتَين أو قربتين وشيئًا.
والقِربَةُ مائةُ رِطْل بالعِراقِيِّ باتِّفاقِ القائلين بتحديدِ الماءِ بالقِربِ، والاحتياطُ أن يُجْعَلَ الشيءُ نصفًا، فكانت القُلَّتانِ بما 118 ذكرنا خَمسَمائةِ رِطْلٍ.
ورُوى عن أحمدَ أنَّ القُلَّتَين أربَعُمائةِ رَطلٍ بالعِراقِي.
رَواه عنه الأثْرَمُ، وإسماعيلُ بنُ
الحديث: 22 - الجزء: 1 - الصفحة: 120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سعيدٍ 119. وحكاه ابنُ المُنْذِرِ؛ لما رَوَى الجُوزجانِي 120، بإسْنادِه عن يحيى بن عُقَيلِ 121، قال: رأيتُ قِلال هجَرَ، وأظنُّ كلَّ قُلَّةٍ تأخذ قِربَتَين.
ورُوى نحوُ ذلك عن ابنِ جُرَيج.
وإنما خَصَصنا القُلَّةَ بقلالِ هجرَ؛ لوجْهين، أحدهما، ما روَى الخَطابِي 122 بإسنادِه إلى ابنِ جُرَيجٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُرسَلًا: «إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَين بِقِلالِ هجر» 123. والثاني، أنّ قلال هجرَ أكبرُ ما يكونُ مِنَ القلالِ، وأشْهرُها في عَصر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ذَكَره الخَطّابِيّ، فقال: هي مشهورةُ الصنعَةِ، معلومةُ المِقْدارِ، لا تَخْتَلِفُ كما لا تختلفُ الصِّيعانُ والمَكايِيلُ.
فلذلك حَمَلْنا الحديثَ عليها، وعَمِلْنا بالاحتياطِ، فإذا قُلْنا: هما خَمسُمائةِ رطلٍ بالعِراقِيِّ، فذلك بالرطلِ الدِّمَشْقِيِّ، الذي هو سِتُّمائة درهمٍ، مَائة وسَبْعَةُ أرطالٍ وسُبْعُ رطلِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 121
وَهلْ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ أَوْ تَحدِيدٌ؟ عَلَى وَجهينِ.
23 - مسألة؛ قال: (وهل ذلك تَقْرِيبٌ أو تَحدِيدٌ؟ على وجْهين)،
أحدُهما، أنَّه تحديدٌ، وهو اختيارُ أَبي الحسنِ الآمِدِيِّ، وظاهرُ قولِ القاضي، وأحدُ الوجْهين لأصحابِ الشافعيِّ، لأنَّ اعتبارَ ذلك احتياطٌ،
الحديث: 23 - الجزء: 1 - الصفحة: 122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وما اعتُبِرَ احتياطًا كان واجبًا، كغَسْلِ جُزءٍ مِنَ الرأسِ مع الوجهِ.
ولأنّه قدر يَنفَعُ النجاسةَ [عن نفْسِه] 124، فاعتُبرَ تحقيقُه كالعَدَدِ في الغَسَلاتِ.
والثاني، هو تقريب، وهو الصحيحُ، لأنَّ الذين نَقَلُوا تقديرَ القِلالِ لم يَضْبِطُوها بحدٍّ، إنَّما قال ابنُ جُرَيجٍ: القُلَّةُ تَسَعُ قربَتَينِ، أو قربتينِ وشيئًا.
ويحيى بنُ عُقَيلٍ قال: أظنُّها تسعُ قربتينِ.
وهذا لا تحديدَ فيه، وتقديرُ القِربَةِ بمائةِ رطلٍ تقريبٌ.
ولأنّ الزائدَ على القُلَّتَين، وهو الشيءُ، مَشْكوكٌ فيه 125، والظاهرُ اسْتِعمالُه فيما دونَ النِّصفِ، والقِرَبُ تَخْتلِف غالبًا.
وكذلك لو اشْتَرى شيئًا، أو أسْلَم في شيءٍ، وقدَّرَه بها، لم يَصِح، وقد عَلِم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الناسَ لا يَكِيلُونَ الماءَ، ولا يَزِنُونَه، فالظاهرُ أنَّه رَدَّهم إلى التقرِيبِ، فعلى هذا مَن وَجَد نجاسةً في ماءٍ فغَلَب على ظنِّه أنه مُقارِبٌ للقُلَّتَين تَوَضَّأ منه، وإلَّا فَلا.
وفائدةُ الخلافِ أنَّ مَنِ اعتَبَر التحديدَ، قال: لو نَقَص الماءُ نَقْصًا يسيرًا، لم يُعفَ عنه.
والقائِلون بالتقريبِ يَعفُون عن النَّقْصِ اليَسِيرِ.
كان شَكَّ في بُلُوغِ الماءِ قَدرًا يَنفَعُ النجاسةَ، ففيه وجهان؛ أحدُهما، يُحكَمُ بطهازتِه؛ لأنَّ طهارتَه مُتَيَقَّنة قبلَ وقوعِ النجاسةِ فيه، فلا يَزُولُ عن اليقينِ بالشَّكِّ.
والثاني، هو نَجِسٌ؛ لأنَّ الأصلَ قِلَّةُ الماءِ، فَيُبْنَى عليه، ويَلْزمُ مِن ذلك النجاسةُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل في الماء الجارِي: نُقِلَ عن أحمدَ ما يدُلّ على التَّفرقةِ بينَه وبينَ الواقِفِ؛ فإنَّه قال في حَوضِ الحَمّامِ: قد قِيل: إنّه بمَنْزِلَةِ الماءِ الجارِى.
وقال في البئرِ يكونُ لها مادَّةٌ وهو واقِفٌ: ليس هو بمنزلةِ الماء الجارِي.
فعلى هذا لا يَتَنَجَّسُ الجاري إلّا بالتَّغْيِيرِ؛ لأنَّ الأصل طهارتُه، ولم نعلم في تَنْجِيسِه نَصًّا ولا إجْماعًا، فبَقِيَ على الأصلِ، وقال عليه السَّلامُ: «المَاءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ» 126. وقال: «إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَينِ لَمْ يَحمِلِ الخَبَثَ» 127. وهذا يدلُّ على أنَّه لا يَنْجُسُ؛ لأنّه بِمَجْمُوعِه يزيدُ على القُلَّتَين، فإن قِيل: فالجِريَةُ منه لا تَبْلُغُ قُلَّتَين، فَتَنْجُسُ؛ لحديثِ القُلَّتَين.
قُلنا: تَخْصيصُ الجِريَةِ بهذا التقدير تَحَكُّمٌ، و 128 لأنَّه لا يصحُّ قياسُه على الرّاكِدِ، لقُوَّتِه بجَرَيانِه وَاتِّصالِه بمادَّتِه.
وهذا اختيارُ شيخِنا 129، وهو الصحيحُ، إن شاءَ
الجزء: 1 - الصفحة: 124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اللهُ تعالى.
وقال القاضي وأصحابُه: كلُّ جِزيةٍ مِن الماءِ الجارِى مُعتبَرةٌ بنفسِها، فإذا كانت النجاسةُ جاريةً مع الماءِ، فما أمامَها طاهر؛ لأنَّها لم تَصِلْ إليه، وما وراءَها طاهِر؛ لأنَّه لم يصل إليها، والجِرْيَةُ إن بَلَغَتْ قُلتَين، ولم تتغير، فهي طاهرةٌ، وإلَّا فهي نَجسة، كان كانتِ النجاسةُ واقفةً في النَّهْرِ، فكل جِريَةٍ تَمُرُّ عليها إن بلغتْ قُلتَين فهي طاهرة، وإلَّا فلا.
قالوا: والجِريَةُ هي الماءُ الذي فيه النجاسةُ، وما قَرُبَ مِنها مِن خَلْفِها وأمامِها، ممّا العادةُ انْتِشارُها إليه، إن كانتْ مِمّا تَنْتَشِرُ، مع ما يُحاذِى ذلك فيما بينَ طَرَفَي النَّهْرِ، فإن كانتِ النجاسةُ مُمتَدَّةً، فيَنْبَغِي أن يكونَ لكلِّ جُزْءٍ منها مثلُ تلك الجِرية المُعتبَرَةِ للنجاسةِ القليلةِ؛ لأنّا لو جَعَلْنا جيعَ ما حاذَى النجاسةَ الكثيرةَ جريَةً، أفْضَى إلى تَنْجِيس النَّهْر الكبيرِ بالنجاسةِ القليلةِ، دونَ الكثيرةِ، لأنَّ ما يُحاذِي القليلةَ قليل، فيَنْجُسُ، وما يُحاذِي الكثيرةَ كثير، فلا يَنْجُسُ، وهذا ظاهرُ الفسادِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإنْ كان في جانب النَّهْرِ، أو في وَهدَةٍ منه ماءٌ واقِفٌ مائِلٌ عن سَنَنِ الماءِ، مُتّصِل بالجارِي، وكان ذلك مع الجِريَة المُقابِلَةِ له دونَ القُلَّتَين، فالجميعُ نَجسٌ؛ لأنّه ماء يسير مُتَّصِل، فيَنْجُسُ بالنجاسةِ، كالراكِدِ.
فإن كان أحدُهما قُلَّتَين، لم يَنْجُس واحدٌ منهما، ما داما
الجزء: 1 - الصفحة: 126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُتَلاقِيَين إلَّا بالتَّغيُّرِ.
فإن كانتِ النجاسةُ في الجارِي، وهو قُلَّتان، فهو طاهرٌ بكل حالٍ، وكذلك الواقِفُ.
وإن كان الواقفُ قُلَّتَين، والجاري دونَ القُلَّتَين والنجاسةُ فيه، فهو نَجِس قبلَ مُلاقاتِه للواقفِ، وبعدَ مُفارقَتِه له، وطاهر في حال اتِّصالِه به.
وإن كانت في الواقفِ، وهو قُلَّتان، لم يَنْجُس بحالٍ هو ولا الجاري.
وإن كان دونَ القُلَّتَينِ والجاري كذلك، إلَّا أنهما بمَجْمُوعِهما قُلَّتان فصاعِدًا، وكانتِ النجاسةُ في الواقفِ، لم ينْجُسْ واحدٌ منهما، لأنّ الماءَ الذي فيه النجاسةُ مع ما يُلاقِيه لا يَزالُ كثيرًا.
وإن كانت في الجارِي، فقياسُ قولِ أصحابِنا أنَّ الجميعَ نَجِسن، لأنّ الجارِيَ يَنْجُسُ قبلَ مُلاقاتِه للواقفِ، ومَرَّ على الواقفِ وهو يسِير فنَجَّسَه؛ لأنَّ الواقفَ لا يدفَعُ بن نفسِه، فعن غيرِه أولَى.
ويَحتَمِلُ أن يُحكَمَ بطهارةِ الجارِي حال مُلاقاتِه للواقفِ.
ولا يَتَنَجَّسُ به الواقفُ؛ لحديثِ القُلتَين،
الجزء: 1 - الصفحة: 127
وإذَا شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ، أَوْ كَانَ نَجِسًا، فَشَكَّ فِي طَهارَتِهِ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.
هذا كلُّه إذا لم يَتغير، فإن تَغيَّر فهو نَجِس، فإن كان الجارِي مُتغيَرًا، والواقف كثيرًا، فهو طاهرٌ إن لم يَتغير، فإن تَغيَّر تَنَجّس.
وكذلك الحكمُ في الجارِي إن كان الواقفُ مُتغيِّرًا.
وإنْ كان بعضُ الواقفِ متغيِّرًا، وبعضُه غيرَ متغيِّر، وكان غيرُ المتغيِّر مع الجِرية المُلاقِيَةِ له قُلَّتين، لم يَنْجُس.
وإن كان المُتغيِّر من الواقفِ يلي الجارِيَ، وغيرُ المتغيِّر لا يليه ولا يَتَّصِلُ به أصلًا، وكان كلُّ واحدٍ مِنهما يَسِيرًا، فيَنْبَغِي أن يكونَ الكلّ نَجِسًا؛ لأنَّ كلَّ ما يُلاقِي الماءَ النَّجِسَ يسير.
وإنِ اتَّصَل به مِن ناحيةٍ، فكلّ ما لم يَتغير طاهرٌ إذا كان كثيرًا، كالغَدِيرَين إذا كان بينَهما ماء مُتَّصِلٌ بهما، فإن شَكَّ في ذلك فالماءُ طاهرٌ بالأصلِ، ويَحتملُ أن يكونَ نَجسًا.
وإن كان في الماءِ قُلَّتان طاهِرتان مُتَّصِلة سابِقَة أو لاحِقَةٌ، فالمُجتمِعُ كَلّه طاهرٌ، ما لم يَتغير بالنجاسةِ؛ لأنَّ القُلَّتَين تَدفَعُ النجاسةَ عن نفسِها وعمّا اجْتَمَع إليها، وإلَّا فالجميعُ نَجِس في ظاهرِ المذهبِ.
واللهُ أعلم.
24 -
مسألة؛ قال: (وإذا شَكَّ في نَجاسَةِ الماءِ، أو كان نجسًا فشَكَّ في طَهارتِه، بَنَى على اليَقِينِ)
إذا شَكَّ في نجاسةِ الماءِ فهو طاهِرٌ؛ لأنَّ الأصلَ الطهارةُ، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ، كان وجَده متغيِّرًا؛ لأنَّ التَّغيُر يَحتَمِلُ أن يكونَ بمُكْثِه، أو بما لا يَمنَعُ، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ.
وإن تيَقَّنَ نجاسَتَه، وَشَكَّ في طهارتِه، فهو نَجِسٌ؛ لما ذكرنا.
وإن أخْبَره بنجاسَتِه صَبِيٌّ، أو كافرٌ، أو فاسِقٌ، لم يَلْزمه قَبُولُ خَبَرِه؛ لأنَّه ليس مِن أهلِ
الحديث: 24 - الجزء: 1 - الصفحة: 128
وإنِ اشْتَبَه الْمَاءُ الطَّاهِرُ بِالنَّجِسِ، لَمْ يَتَحَرَّ فِيهِمَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهبِ، وَيَتَيَمَّمُ.
الشّهادَةِ ولا الرِّواية، أشْبَه الطفلَ، والمجنونَ.
وإن كان بالِغًا عاقِلا مُسْلِمًا مستورَ الحالِ، وعَيَّن سببَ النجاسةِ، لَزِم قَبُولُ خبرِه، رجلًا كان أو امرأةً،، حرًّا أو عبدًا، بَصِيرًا أبي صرِيرًا، لأنَّ للأعمَى طريقًا إلى العلمِ بالحِسِّ والخَبَرِ، كما لو أخْبَر بدُخُولِ وقتِ الصّلاةِ؛ وإن لم يُعَيِّنْ سَبَبَها، فقال القاضي: لا يَلْزَمُ قَبُولُ خبرِه، لاحتِمالِ اعتِقادِه نجاسةَ الماءِ بسببٍ لا يَعتَقِده المُخْبَرُ، كمَوْتِ ذُبابَةٍ عندَ الشافعيِّ، والحَنَفِيُّ يَرَى نجاسةَ الماء الكثيرِ وإن لم يَتغير، والمُوَسْوسُ يَعتَقِدُ نجاسَتَه بما لا يُنَجِّسُه، ويَحتَمِلُ أَن يَلْزَمَ قَبُولُ خَبَرِه إذا انتفَتْ هذه الاحتمالاتُ في حقه.
فصل: فإن أخْبَره أنَّ كلبًا وَلَغَ في هذا الإِناءِ، ولم يَلَغْ في هذا.
وقال آخَرُ: إنّما وَلَغ في هذا.
حُكِمَ بنَجاسَتِهما، لأنَّه يُمكِن صِدقُهما، لكَوْنِهما في وَقْتَين، أو كانا كَلْبَين، فخَفِيَ على كلِّ واحدٍ منهما ما ظهرَ للآخَرِ.
كان عَيَّنا كلبًا ووقتًا يَضِيقُ الوقتُ فيه عن شُربِه منهما، تَعارَضَ قَوْلُهما، ولم يَنْجُسْ واحدٌ منهما.
كان قال أحدُهما: وَلَغ في هذا الإِناءِ.
وقال الآخَرُ: نزلَ ولم يَشْرَب.
قُدِّمَ قولُ المُثْبتِ، إلَّا أن يكونَ المثبِتُ.
لم يَتَحَقَّقْ شُربَه، مثلَ الضَّرِيرِ الذي يُخْبِرُ عن حِسٍّ، فيُقَدَّمُ قولُ البَصِيرِ عليه.
25 -
مسألة؛ قال: (وإنِ اشْتَبَه الماءُ الطَّاهِرُ بالنَّجِسِ، لم يَتَحَرَّ
الحديث: 25 - الجزء: 1 - الصفحة: 129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيهما، على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ، ويَتَيَمَّمُ) وجملتُه أنَّه إذا اشْتَبهتِ الآَنِيَةُ الطاهرةُ بالنَّجِسَةِ، لم يَخْلُ مِن حالين؛ أحدُهما، أن يَسْتَوىَ عددُ الطاهرِ والنَّجِسِ، فلا يَجوزُ التَّحَرِّي، بغير خِلافٍ في المذهبِ فيما عَلِمنا.
الثاني، أن يَكْثُرَ عَدَدُ الطاهر، فقال أبو علي النَّجَّادُ 130، مِن أصحابِنا: يجوزُ التَّحَرِّي فيها.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الظاهرَ إصابة الطاهرِ.
ولأنَّ جِهةَ الإباحَةِ تَرَجَّحَتْ، أشْبَه ما لو اشْتَبَهتْ عليه أخْتُه في نِساءِ بلدٍ.
وظاهرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا يجوزُ التَّحرِّي فيها بحالٍ، وهو قولُ
الجزء: 1 - الصفحة: 130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أكثرِ الأصحابِ، وقولُ المُزَنِي 131، وأبي ثَوْرٍ 132. وقال الشافعيُّ: يَتحَرَّى في الحالين؛ لأنَّه شَرطٌ للصلاةِ، فجازَ التَّحرِّي فيه، كما لو اشْتَبَهتِ القِبْلَةُ والثِّيابُ.
ولأنَّ الطهارةَ تُؤَدَّى باليقينِ تارةً، وبالظنِّ أخْرَى، كما قلنا بجوازِ الوُضُوءِ بالماءِ المُتَغَيِّر الذي لا يُعلَمُ سببُ تغيُّرِه 133. وقال ابنُ الماجِشُونَ 134: يتَوضّأ مِن كل واحدٍ منهما وُضوءًا ويُصلِّي به.
وبه قال محمدُ بن مَسْلَمَةَ 135، إلا أَنه قال بغَسْلِ ما أصابَه مِنَ الأوَّلِ، لأنَّه
الجزء: 1 - الصفحة: 131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أمكَنَه أداءُ فَرضِه بيقين، أشْبَهَ مَنْ فاتَتْه صلاةٌ مِن يومٍ ولا يَعلَمُ عَينَها، وكما لو اشْتَبَهتِ الثِّيابُ.
ولَنا، أنه اشْتَبَه المُباع بالمحظُورِ فيما لا تُبِيحُه الضَّرورَةُ، فلم يَجُزِ التَّحرِّي، كما لو اشْتَبهت أخْتُه بأجْنَبِيّاتٍ، أو كما لو اسْتوَى العددُ عندَ أبي حنيفةَ، أو كان أحدُ الإِناءَين بَوْلًا عندَ الشافعيِّ، واعتَذَر أصحابُه بأنَّ البولَ لا أصلَ له في الطهارةِ.
قُلنا: وهذا الماءُ قد زال عنه أصلُ 136 الطّهارةِ، وعلى أنَّ البولَ قد كان ماءً، فله أصلٌ في الطهارةِ، فهو كالماءِ النَّجِسِ.
وقولهم: إذا كَثُرَ عددُ الطاهرِ تَرَجَّحَتِ الإِباحةُ 137. يَبْطُل بما لو اشْتَبَهتْ أخْتُه بمائةِ أجْنَبِيَّةٍ، وأمّا إذا اشتبهتْ أخْتُه في
الجزء: 1 - الصفحة: 132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نِساءِ مِصْرٍ، فإنه يَشُقُّ اجْتِنابُهُنَّ جميعًا، ولذلك يَجوزُ له النِّكاحُ مِن غيرِ تَحَرٍّ، بخلافِ هذا.
وأما القِبْلَةُ فيُباحُ تَركُها للضَّرورةِ، وفي صلاةِ النّافلةِ، بخلافِ مسألَتِنا.
وأمّا الثِّيابُ فلا يَجوزُ التَّحرِّى فيها عندَنا، على ما يأتي.
وأما المُتغير فيجوزُ الوُضوءُ به، اسْتِنادًا إلى أصلِ الطهارةِ، ولا يَحتاجُ إلى تَحَرٍّ.
وفي مسألتِنا عارضَ يقينُ الطهارةِ يقينَ النجاسةِ، فلم يَبْقَ له حُكْمٌ، ولهذا احتاجَ إلى التَّحرِّى، وما قاله ابنُ الماجِشُون باطِلٌ؛ لأنّه يَتَنَجَّسُ يَقِينًا، وما قاله ابنُ مَسْلَمَةَ ففيه حَرَجٌ، وَيبْطُلُ بالقِبلَةِ حيث لم يُوجِبا الصلاةَ إلى أربَعِ جِهاتٍ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 133
وَهلْ يشْتَرَطُ إِرَاقَتُهُمَا، أوْ خَلْطُهُمَا؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
26 - مسألة؛ قال: (وهل يُشْتَرَطُ إراقَتُهُما أو خَلْطُهُما؟ فيه رِوايَتانِ)
إحداهُما، يُشْتَرَطُ، ذَكَرَه الخِرَقِيّ، لأنَّ معه ماءً طاهرًا بيقين، فلم يَجُزْ له التَّيَمُّم مع وجودِه، فإذا خَلَطَهُما أو أراقَهُما جازَ له التَّيَمُّم، لأَنَّه لم يَبْقَ معه ماءٌ طاهر.
والثانية، يَجوزُ التَّيَمُّم قبلَ ذلك، اخْتاره أبو بكرٍ، وهو الصحيحُ، لأنَّه غيرُ قادرٍ على اسْتِعمالِ الطاهرِ، أشْبَه ما لو كان في بِئْرٍ لا يمكِنُه الوصولُ إليه، فإنِ احتاجَ إليهما للشُّربِ،
الحديث: 26 - الجزء: 1 - الصفحة: 135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم تَجِبْ إراقَتُهُما، بغيرِ خلافٍ، لأنّه يجوزُ له التَّيَمُّم لو كانا طاهِرَين، فههُنا أولَى، فإذا أرادَ الشُّربَ تَحرَّى وشَرِب مِن الذي يَظنُّ طهارتَه، فإن لم يَغْلِبْ على ظنِّه شيء، شَرِب مِن أحدِهِما، لأنّه حالُ ضرورَةٍ، فإذا شرِبَ مِن أحدِهما، أو أكلَ مِن المُشْتَبِهةِ بالمَيتَةِ، فهل يَلْزَمُه غَسْلُ فِيهِ؟ يَحتَمِلُ وجهين، أحدُهما، لا يَلزَمُه، لأنَّ الأصلَ الطهارةُ.
والثاني، يَلزَمُه، لأنَّه مَحَلّ مُنِعَ مِن اسْتِعمالِه لأجلِ النجاسةِ، فلَزِمَه غسلُ أثَرِه، كالمُتَيَقِّنِ.
فإن عَلِم عينَ النَّجِسِ اسْتُحِبَّ إراقَتُه ليُزيلَ الشَّكَّ.
فإن احتاجَ إلى الشُّربِ شَرِب مِن الطاهرِ وتَيَمَّم.
وإن خافَ العطشَ في ثاني الحالِ، فقال القاضي: يَتوَضَّأ بالطاهرِ، ويَحبِسُ النَّجِسَ، لأنَّه غيرُ محتاجٍ إلى شُربِه في الحالِ، فلم يَجُزِ التَّيَمُّم مع وُجودِه.
قال شيخُنا: والصحيحُ، إن شاءَ اللهُ، أنه يَحبِسُ الطاهرَ ويَتيَمَّمُ، لأنّ وجودَ النَّجِسِ كعدَمِه عندَ الحاجةِ إلى الشُّربِ في الحالِ، فكذلك في المالِ، وخوفُ العطشِ في إباحةِ التَّيَمُّمِ كحقيقَتِه 138.
الجزء: 1 - الصفحة: 136
وَإنِ اشْتَبَه طَاهِرٌ بِظَهُورٍ، تَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَصَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً.
27 - مسألة؛ قال: (وإنِ اشْتَبَه طَهُورٌ بطاهِرٍ، تَوَضَّأَ مِن كلِّ واحدٍ مِنْهما وصَلَّى صلاةً واحدةً)
لا نعلم فيه خِلافًا، لأنَّه أمكَنَه أداءُ فرضِه بيقين مِن غيرِ حَرَجٍ، فلَزِمَه 139 ذلك، كما لو كانا طَهُورَين فلم
الحديث: 27 - الجزء: 1 - الصفحة: 137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يَكْفِه أحدُهما، فإنِ احتاجَ إلى أحدِ الإِناءَين للشُّربِ تَحرَّى وتَوضَّأ بالطَّهورِ عندَه، وتَيَمَّم ليَحصُلَ له اليقينُ، واللهُ أعلمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 138
وَإنِ اشْتَبَهتِ الثيابُ الطَّاهِرَةُ بِالنَّجِسَةِ، صَلَّى فِي كُلِّ ثَوْبٍ صَلَاةً، بِعَدَدِ النَّجِسِ، وَزَاد صَلَاةً.
28 - مسألة؛ قال: (وإنِ اشْتَبهتْ ثِيابٌ طاهرة بنَجِسةٍ، صَلَّى في كلِّ ثَوْبٍ صلاةً بعَدَدِ النَّجسِ، وزادَ صلاةً)
ولم يَجُزِ التَّحرِّي، وهذا قولُ ابنِ الماجِشُون؛ لأنّه أمكَنه أَداءُ فَرضِه بيقين مِن غيرِ حَرَجٍ فلَزِمَه، كما لو اشْتَبَه الطاهرُ بالطَّهُورِ، وكما لو فاتَتْه صلاةٌ مِن يوم لا يعلمُ عَينَها.
وقال أبو ثَوْرٍ، والمُزَنِيّ: لا يُصَلِّي في شيءٍ منها.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: يَتحَرَّى.
كقَوْلِهما في الأوانِي والقِبْلَةِ.
والأوَّلُ أوْلَى.
والفرقُ بينَ الثيابِ والأوانِي النَّجِسَةِ مِن وجْهين؛ أحدُهما، أنَّ اسْتعمال النَّجِسِ في الأواني
الحديث: 28 - الجزء: 1 - الصفحة: 139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَتنَجَّسُ به، ويَمنعُ صِحَّةَ صلاتِه في الحالِ والمَالِ، بخلافِ الثِّيابِ.
الثاني، أنَّ الثَّوْبَ النَّجِسَ يُباحُ له الصلاةُ فيه إذا لم يَجد غيرَه، بخلاف الماءِ النَّجِسِ، والفرقُ بينَه وبينَ القِبْلَةِ مِن ثلاثةِ أوْجُهٍ، أحدُها، أنَّ القِبلةَ يَكثُرُ فيها الاشْتِباهُ.
الثاني، أنّ الاشْتِباة هاهُنا حَصَل بتَفْرِيطِه، لأنَّه كان يُمكِنُه تَعلِيمُ النَّجِسِ، بخلافِ القِبلةِ.
الثالثُ، أنَّ القِبلةَ عليها أدِلَّة مِنَ النُّجومِ وغيرِها، فيَغلِبُ على الظنِّ مع الاجتهادِ فيها الإِصابَةُ، بحيث يَبْقَى احتمالُ الخطأ وَهْمًا ضعيفًا، بخلافِ الثيابِ.
فصل: فإن لم يَعلم عددَ النَّجِسِ، صَلَّى حتى يَتَيقَّنَ أنَّه صلّى في ثوبٍ طاهرٍ، فإن كَثُرَ ذلك وشَقَّ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَتحَرَّى في أصَحِّ الوجهين، دَفْعًا للمَشقَّةِ.
والثاني، لا يَتحَرَّى، لأنَّ هذا يَنْدُرُ جِدًّا، فألحِقَ بالغالِبِ 140.
الجزء: 1 - الصفحة: 140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فصل: فإن سَقَط على إنسانٍ مِن طريقٍ ماءٌ، لم يَلْزَمه السُّؤالُ عنه، قال صالح 141: سألتُ أبي عن الرجلِ يَمُرُّ بموضِعٍ فيَقْطر عليه قَطرة أو قَطرتان؟ فقال: إنْ كان مَخْرَجًا - يعني خَلاءً- فاغْسِلْه، وإن لم يكنْ
الجزء: 1 - الصفحة: 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَخْرَجًا فلا تَسألْ عنه؛ فإنّ عُمَرَ، رَضِي الله عنه، مَرَّ هو وعمرُو بنُ العاصِ على حَوضٍ، فقال عمرٌو: يا صاحبَ الحوضِ، أتَرِدُ على حوضِكَ السِّباعُ؟ فقال عمرُ: يا صاحبَ الحوض لا تُخْبرنا، فإنّا نَرِدُ عليها، وتَرِدُ علينا.
رواه مالِكٌ في «المُوطَّأ» 142. فإن سَأَلَ، فقال ابنُ عَقِيل: لا يَلْزَمُ المَسْئُولَ رَدُّ الجوابِ؛ لخَبَرِ عمرَ.
قال شيخُنا: ويَحتَمِلُ أن يَلْزَمه؛ لأنَّه سُئل عن شرطِ الصلاةِ، فلَزِمَه الجوابُ، كما لو سُئل عن القِبْلَةِ.
وخَبَرُ عُمَرَ يَدُلُّ على أنَّ سُؤرَ السِّباعِ طاهرٌ.
واللهُ أعلمُ 143.
الجزء: 1 - الصفحة: 142
بَابُ الآنِيَةِ
كُلُّ إِنَاءٍ طَاهِرٍ يُبَاحُ اتِّخَاذُهُ وَاسْتعمَالُهُ، وَلَوْ كَانَ ثَمِينًا؛ كَالْجَوْهرِ، وَنَحوهِ،
بابُ الآنيةِ
قال، رحمه الله: (كلُّ إناءٍ طاهِرٍ يُباحُ اتِّخاذُه واسْتِعْمالُه.
ولَو 144 كان ثَمِينًا، كالجَوْهرِ ونَحوه) وجملةُ ذلك أنَّ جميعَ الآنِيَةِ الطاهرةِ مُباح اتِّخاذُها واسْتِعمالُها، سواءٌ كان ثَمِينًا؛ كالبِلَّوْرِ 145 والياقوتِ والزُّمُرُّدِ، أوَ ليس بثَمِين، كالعَقِيقِ والخَشَبِ والخَزَفِ والحِجارَةِ والصُّفْر 146 والحديدِ والأدَمِ ونحوه، في قول عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا
الجزء: 1 - الصفحة: 143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنه رُوى عن ابنِ عُمَرَ أنه كَرِه الوُضوءَ في الصُّفْرِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ، وما أشْبَهَه.
واختارَ ذلك أبو الفَرَجِ المَقْدِسِيُّ، لأنّ الماءَ يتغير فيها، وقال: ورُوى أن المَلائِكَةَ تَكرهُ رِيحَ النّحاسِ.
وقال الشافعيُّ في أحدِ قولَيه: ما كان ثمينًا، لنَفِاسَةِ جَوْهَرِه، فهو مُحرَّم، لأنّ فيه سَرَفًا وخُيَلاءَ، وكسْرَ قلوبِ الفقراءِ، أشْبَهَ الأثْمانَ، ولأنَّ تَحرِيمَ آنيةِ الذَّهبِ والفضَّةِ تَنبِيهٌ على تحرِيمِ ما هو أنفَسُ منهما.
ولَنا، ما روَى عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ، قال: أتانا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأخْرَجْنا له ماءً في تَوْرٍ 147 مِن صُفْرٍ فَتَوَضَّأ.
رواه البُخارِيُّ 148. وعن عائشةَ قالتْ: كنتُ أغْتَسِلُ أنا ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في تَوْرٍ مِن شَبَهٍ 149. رواه أبو داود 150. وأمَّا آنِيَةُ الجواهِرِ فلا يَصحُّ قياسُها على الأثْمانِ لوجهَين، أحدُهما، أنَّ هذا لا يَعِرفُه إلّا خَواصّ الناسِ، فلا تَنكَسِرُ قلوبُ الفقراءِ لكَوْنِهم لا يَعرِفونَه.
الثاني، أنَّ هذه
الجزء: 1 - الصفحة: 144
إلا آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْمُضَبَّبَ بِهِمَا، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ اتِّخَاذُهَا وَاسْتِعْمَالُهَا عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
الجواهِرٍ لقِلَّتِها، لا يَحصُلُ اتِّخاذُ الآنيةِ منها إلَّا نادِرًا، ولو اتُّخِذَتْ كانت مَصُونَة، لا تُسْتَعْمَلُ ولا تَظهَرُ غالبًا، فلا تُفضِي إباحَتُها إلى اسْتِعْمالِها، بخلافِ آنيةِ الذَّهبِ والفضَّةِ، فإنَّها في مَظِنَّةِ الكَثْرَةِ، فكان التَّحريمُ مُتعلِّقًا بِالمَظِنَّةِ، فلم يَتجاوَزْه،؟ تَعَلَّقَ حكمُ التَّحريمِ في اللباس بالحريرِ، وجازَ استعمالُ القَصَبِ مِن الثيابِ وإن زادتْ قِيمَتُه على قيمةِ الحرِيرِ، ولو جعلَ فَصَّ خَاتَمِه جَوهَرةً ثَمِينة، جازَ، ولو جَعَلَه ذَهبًا، لم يَجُزْ.
29 -
مسألة؛ قال: (إلَّا آنِيَةَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمُضَبَّبَ بِهِما، فإنَّه يَحْرُمُ اتِّخاذُها واسْتِعْمالُها على الرِّجالِ والنِّساءِ)
قال شيخُنا، رحمه الله 151: لا يَختَلِفُ المذهبُ، فيما عَلِمْنا، في تحريمِ اتِّخاذِ آنيةِ الذهبِ
الحديث: 29 - الجزء: 1 - الصفحة: 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والفضةِ، وحُكِي عن الشافعيِّ إباحَتُه؛ لتَخْصِيصِ النَّهْي بالاستعمالِ، ولأنّه لا يَلزَمُ مِن تحريمِ الاستعمالِ تحريمُ الاتِّخاذِ، كما لو اتَّخذَ الرجلُ ثيابَ الحريرِ، وذكَرَه بعضُ أصحابِنا وجهًا في المذهبِ.
ولَنا، أنَّ ما حَرُمَ استِعمالُه مُطلقًا، حَرُمَ اتِّخاذُه على هَيئةِ الاستعمال كالمَلاهِي، وأمّا ثيابُ الحرِيرِ، فإنّها تُباحُ للنِّساءِ، وتُباحُ التِّجارةُ فيها، فحصَلَ الفرقُ، وأمّا تَحْرِيمُ استِعمالِها فهو قَولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم أبو حنيفةَ، ومالكٌ.
وعن مُعاويةَ بنِ قُرَّةَ 152، أسنه قال: لا بَأسَ بالشُّربِ مِن قَدَحِ فضَّةٍ.
وعن الشافعيِّ قولٌ، أنه مَكرُوة غيرُ مُحرَّمٍ؛ لأنّ النَّهْيَ لما فيه مِن التَّشَبُّهِ بالأعاجِمِ، فلا يَقتَضِي التَّحْريمَ.
وَلَنا، ما روَى حُذَيفَةُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ولا تَأكُلُوا في صِحَافِهَا، فإنَّها لَهُمْ فِي الدُّنيا وَلَكُمْ في الآخِرَةِ».
وعن أمِّ سَلَمَةَ، قالت: قال
الجزء: 1 - الصفحة: 146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الذِى يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ».
متَّفَقٌ عليهما 153. فتَوَعد عليه بالنّارِ، فدَلَّ على تَحْرِيمِه.
ولأنَّ في ذلك.
سَرَفًا وخُيَلاءَ وكَسْرَ قلوبِ الفقراءِ.
دَلَّ الحديثان على تحريمِ الأكلِ والشربِ، فكذلك الطهارَةُ وسائِرُ الاستعمالِ 154. ولأنه إذا حَرُمَ في غيرِ العبادةِ ففيها أولَى، ولا فَرْقَ في ذلك بينَ الرجالِ والنساءِ؛ لعُمُومِ النَّصِّ والمعنى فيهما، وإنَّما أبِيحَ التَّحَلِّي في حق المرأةِ لحاجَتِها إلى التَّزيُّنِ للزَّوجِ، وهذا يَخْتَصُّ الحَلْىَ، فاخْتَصَّتِ الإِباحَةُ به، وكذلك المُضَبَّبُ 155 بهما، فإن كان كثيرًا فهو مُحرَّم بكلِّ حالٍ، ذهبًا كان أو فِضَّةً، لحاجةٍ أو غيرِها.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: هو مُباح؛ لأنّه تابعٌ للمُباحِ، أشْبَهَ اليَسِيرَ.
ولَنا ما روَى ابنُ
الجزء: 1 - الصفحة: 147
فَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْهُمَا، فَهَلْ تَصِحُّ طَهَارَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ،
عمرَ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ شَرِبَ فِي إنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، أوْ إنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِن ذلِكَ، فَإنمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ».
رَواه الدَّارَقُطْنِي (1). ولأنَّ فيه سَرَفًا وخُيَلاءَ، أشْبَهَ الصُّفْرَ الخالِصَ، وفارَقَ اليسيرَ، فإنّه لا يُوجَدُ فيه المعنى المُحَرَّمُ.
30 -
مسألة؛ قال: (فإنْ تَوَضَّأ منهما أو اغْتَسَلَ، فهل تَصِحُّ طَهارتُه؟ على وَجْهَين)
أحدُهما، تَصِحُّ طهارَتُه، اخْتارَه الخِرَقِيّ، وهو قولُ أصْحابِ الرَّأي، والشَّافعِيِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ فِعْلَ الطَّهارَةِ وماءَها لا يَتَعَلَّقُ بشيءٍ مِن ذلك، أشْبَهَ الطهارةَ في الدَّارِ المَغْصُوبَةِ.
والثاني، لا تَصِحُّ.
اختارَه أبو بكرٍ، لأنَّه اسْتَعْمَل المُجَرَّمَ في العبادةِ، فلم تَصِحَّ، كما لو صَلَّى في دارٍ مَغْصُوبَةٍ.
والأولُ أصحُّ.
ويُفارِقُ هذا الصلاةَ في الدارِ المغصوبةِ؛ لأن القِيامَ والقُعُودَ والرُّكُوعَ والسُّجُودَ في الدار المغصوبةِ مُحَرَّم، وهي أفعالُ الصلاةِ، وأفعالُ الوُضُوءِ مِن الغَسْلِ156
الحديث: 30 - الجزء: 1 - الصفحة: 148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمَسْحِ ليس بمُحَرَّم؛ إذ ليس هو اسْتِعْمالًا للإِناء، وإنّما يَقعُ ذلك بعدَ رفع الماءِ مِن الإِناء وفَصْلِه عنه، فهو كما لو اغْتَرَفَ بإناءِ فِضَّةٍ في إناءٍ غيرِه وتَوَضأ منه.
ولأنَّ المكانَ شَرْطٌ في الصلاةِ لا يُمكِنُ وُجُودُها إلَّا به، والإِناءُ ليس بشَرْطٍ، فهو كما لو صَلَّى وفي يَدِه خَاتَم ذَهَب.
فإن جَعَل آنِيَةَ الذَّهَبِ مَصَبًّا لماءِ الوُضوءِ والغُسْلِ، يَقعُ فيه الماءُ المُنْفَصِلُ عن العُضْو، صحَّ الوُضوءُ؛ لأنَّ المُنفصِلَ الذي يَقعُ في الآنِيَةِ قد رَفَع الحَدَثَ، فلم يَبْطُلْ بوُقوعِه في الإِناءِ، ويَحْتَمِل أنْ تكونَ كالتي قبلَها، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنّ الفَخْرَ والخُيَلاءَ وكَسْرَ قلوب الفقراءِ حاصِلٌ ههُنا، كحصُوله في التي قبلَها، بل هو ههُنا أبلَغُ، وفِعْلُ الطَّهارةِ يَحْصُلُ ههُنا قبلَ وصولِ الماءِ إلى الإِناءِ، وفي التي قبلَها بعدَ فَصْلِه عنه، فهي مِثْلُها في المعنى، وإن افْتَرَقا في الصُّورَةِ.
فصل: فإن تَوَضَّأ بماءٍ مَغْصُوبٍ، فهو كما لو صَلَّى في ثوب مغْصُوبٍ، لا تَصِحُّ في أصَحِّ 157 الوَجْهَين، ووَجْهُه ما يأتي في بابِه.
الجزء: 1 - الصفحة: 149
إلا أن تَكُونَ الضَّبَّةُ يَسِيرَةً مِنَ الْفِضَّةِ؛ كَتَشْعِيبِ الْقَدَحِ، وَنَحْوهِ، فلا بَأسَ بِهَا، إِذَا لَمْ يُبَاشِرْهَا بِالاسْتِعْمَالِ.
31 - مسألة، قال: (إلَّا أنْ تَكُونَ الضَّبَّةُ يَسِيرَةً مِن الفِضَّةِ، كتَشْعِيبِ القَدَحِ، فلا بَأسَ بها إذا لم يُباشِرْها بالاسْتِعْمالِ)
ومِمَّن رَخَّص في ضَبَّةِ الفِضَّةِ سعيدُ بنُ جُبَيرٍ 158، ومَيسَرَةُ 159، وطاوُس 160، والشافعيُّ،
الحديث: 31 - الجزء: 1 - الصفحة: 150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأي، وإسحاقُ، وقال: قد وضَع عمر بنُ عبد العزيزِ فاه بينَ ضبَتّينِ.
وكان ابنُ عمرَ لا يشرَبُ مِن قَدَحٍ فيه فضَّةٌ ولا ضَبَّةٌ.
وكَرِهَ الشُّربَ في الإِناءِ المُفَضَّض عليُّ بنُ الحسين 161، وعطاءٌ، وسالِم 162، والمُطَّلِبُ بنُ حَنْطَبٍ 163. ونَهَتْ عائشةُ أن يُضَبِّبَ
الجزء: 1 - الصفحة: 151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الآنِيَةَ، أو يُحَلِّقَها بالفِضَّةِ، ونحوه قولُ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، ولعلَّهم كَرِهُوا ما قُصِدَ به الزينَةُ، أو كان كثيرًا، فيكونُ قولُهم وقولُ الأوَّلِينَ واحدًا، ولا يكونُ في المسألةِ خلافٌ.
فأمّا اليَسِيرُ كتَشْعِيبِ القَدَحِ ونَحْوه، فلا بَأسَ به؛ لما روَى أنسُ بنُ مالِكٍ، أنَّ قَدَحَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - انْكَسَر، فاتَّخَذ مكانَ الشَّعبِ سِلْسِلَةً مِن فِضَّةٍ.
رواه البُخارِيُّ 164. قال القاضي: يُباحُ يَسِيرُ الفِضَّةِ مع الحاجةِ وعَدَمِها.
لما ذكرْنا، ولأنّه ليس فيه
الجزء: 1 - الصفحة: 152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَرَفٌ ولا خُيَلاءُ، أشْبَهَ الصُّفْرَ، إلَّا أنه كَرِه الحَلْقَةَ، لأنّها تُسْتَعْمَلُ.
وقال أبو الخَطَّابِ: لا تُباحُ إلّا لحاجَةٍ، لأنَّ الخَبَرَ إنَّما وَرَد في تَشْعِيبِ القَدَحِ، وهو للحاجةِ.
ومعنى ذلك أن تَدْعُوَ الحاجةُ إلى فِعْلِه، وليس معناه أن لا يَنْدَفِعَ بغيره.
ويُكْرهُ مُباشَرةُ مَوْضِع الفِضَّةِ 165 بالاستعمالِ؛ لِئَلَّا يكونَ مُسْتَعْمِلًا للفضةِ التي جاء الوعيدُ في اسْتِعْمالِها.
الجزء: 1 - الصفحة: 153
وَثِيَابُ الْكُفَّارِ وَأَوَانِيهِمْ طَاهِرَةٌ مُبَاحَةُ الاسْتِعْمَالِ، مَا لمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا.
32 - مسألة؛ قال: (وثِيابُ الكُفَّارِ وأوانِيهِم طاهِرَةٌ مُباحَةُ الاسْتِعْمالِ، ما لم تُعلَمْ نَجاسَتُها)
والكُفّارُ على ضَرْبَين؛ أهلِ الكتابِ، وغيرِهم، فأمَّا أهلُ الكتابِ، فيُباحُ أكلُ طعامِهم وشرابِهم، واستعمالُ آنِيَتهم، ما لم تُعْلَمْ نَجاسَتُها.
قال ابنُ عَقِيل: لا تَختَلِفُ الرِّوايةُ في أنه لا يَحرُمُ استعمالُ أوانيهم؛ لقَوْلِ الله تِعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ 166. وعن عبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ، قال: دُلِّيَ جِرابٌ مِن شَحْم يومَ
الحديث: 32 - الجزء: 1 - الصفحة: 155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خَيبَرَ، فالْتَزَمْتُه، وقلتُ: واللهِ لا أُعْطِي أحدًا منه شيئًا.
فالْتَفَتُّ فإذا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَبَسَّمُ.
روَاه مسلم 167. ورُويَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أضافَه يَهُودِيٌّ بِخُبْزٍ وإهَالةٍ سَنِخَةٍ 168. من المُسْنَدِ 169. وتَوَضَّأ عمر مِن جَرَّةِ نَصْرانِيَّةٍ 170. وهل يُكْرَهُ استعمالُ أوانِيهم؟ على رِوايَتَين؛ إحداهما، لا
الجزء: 1 - الصفحة: 156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُكْرَه؛ لما ذكرْنا.
والثانية، يُكْرَهُ؛ لما روَى أبو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّا بأَرْضِ قوم أهلِ كتابٍ، أفنَأكُلُ في آنِيتِهم؟ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنْ وَجَدْتُمْ غَيرَهَا فَلَا تَأكُلُوا فِيهَا، وإنْ لَمْ تَجِدُوا غَيرَهَا فَاغْسِلُوهَا وكُلُوا فِيهَا».
متَّفَقٌ عليه 171 وأقَلُّ أحْوالِ النَّهْي الكَراهَةُ.
ولأنَّهم لا يَتَوَرَّعُون عن النَّجاسةِ، ولا تَسْلَمُ آنِيَتُهم مِنها، وأدْنَى ما يُؤثر ذلك الكَراهَةُ.
وأمَّا ثيابُهم فما لم يَسْتَعْمِلُوه، أو
الجزء: 1 - الصفحة: 157
المقنع وعَنْهُ، مَا وَلِيَ عَوْرَاتِهِمْ؛ كَالسَّرَاويلِ وَنَحْوهِ، لا يُصَلَّى فِيهِ.
علا منها، كالعِمامَةِ، والثوبِ الفَوْقانِيِّ، فهو طاهِرٌ لا بَأسَ بلُبْسِه، وما لاقَى عَوْراتِهم، كالسَّراويلِ، ونَحْوه، فرُوىَ عن أحمدَ أنه قال: أحَبُّ إليَّ أن يُعِيدَ إذا صَلَّى فيه.
وهذا قولُ القاضي.
وكَرِه أبو حنيفةَ والشافعيُّ لُبْسَ الأزُرِ والسَّراويلاتِ، وقال أبو الخَطَّابِ: لا يُعِيدُ؛ لأنّ الأصلَ الطهارةُ، فلا تَزُولُ 172 بالشَّكِّ.
الضربُ الثاني، غيرُ أهلِ الكتابِ، وهم المَجُوسُ، وعَبَدَةُ الأوْثانِ، ونحوُهم، ومَن يَأكلُ لحمَ الخِنْزِيرِ مِن أهل الكتابِ في مَوْضِع يُمْكِنُهم أكْلُه، أو يَأكلُ المَيتَةَ، أو يَذْبَحُ بالسِّنِّ والظفْرِ، فحُكْمُ ثِيابِهم حُكْمُ ثيابِ أهلِ الذِّمَّةِ، عملًا بالأصلِ، وأمَّا أوانِيهِم، فقال أبو الخَطَّاب: حُكْمُها حكمُ أوانِي أهلِ الكتابِ، يُباحُ اسْتِعْمالُها ما لم يَتَحَقَّقْ نَجاسَتَها.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ.
متَّفَق عليه 173. ولأنَّ الأصلَ الطهارةُ، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ.
الجزء: 1 - الصفحة: 158
وَعَنْهُ، أَنَّ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ، لَا يُسْتَعْمَلُ مَا اسْتَعْمَلُوهُ مِنْ آنِيَتهِمْ إلا بَعْدَ غَسْلِهِ، وَلَا يُؤكَلُ مِنْ طَعَامِهِمْ إلا الْفاكِهَةُ وَنَحْوُهَا.
وقال القاضي: هي نَجسَةٌ، لا يُسْتَعْمَل ما اسْتَعْمَلُوه منها إلَّا بعدَ غَسْلِه؛ لحديثِ أبي ثَعْلَبَةَ، ولأَنَّ أوانِيَهم لا تَخْلُو مِن أطْعِمَتِهِم، وذَبائِحُهُم مَيتَةٌ، فتَتَنَجَّسُ بها.
وهذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ، فإنَّه قال في المَجُوسِ: لا يُؤكَلُ مِن طَعامِهِم إلَّا الفَاكِهَةُ؛ لأنَّ الظاهِرَ نجاسةُ آنِيتهم المستعْمَلَةِ في أطْعِمَتِهم.
ومتى شَكَّ في الإِناءِ، هل اسْتَعمَلُوه، أم لا؟ فهو طاهِرٌ؛ لأنَّ الأصْلَ طهارتُه، ولا نعلم خلافًا بينَ أهلِ العلمِ في إباحَةِ لُبْس الثوبِ الذي نَسَجَه الكُفَّارُ، فإنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه إنَّما كان لِبَاسُهُم مِن نَسْجِ الكُفَّارِ، إلَّا أنَّ ابنَ أبي موسى ذكَر في «الإِرْشادِ» في وُجوبِ غَسْلِها قبلَ لُبْسِها رِوايَتَين؛ إحداهما، لا يَجِبُ، وهو الصحيحُ؛ لما ذكرْنا.
والثانية، يَجِبُ؛ لتَيَقُّنِ 174 الطَّهارةِ.
فأمَّا ثِيابُهم التي يَلْبَسُونها، فأباحَ الصلاةَ فيها الثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأيِ.
وقال مالِكٌ في ثوبِ الكافرِ: إن صَلَّى فيه يُعيدُ، ما دامَ في الوقتِ.
ولَنا، أنَّ الأصلَ الطهارةُ، ولم يَترَجَّحِ التنجِيس فيه، أشْبَهَ ما نَسَجَه الكُفَّارُ 175.
الجزء: 1 - الصفحة: 159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وتُباحُ الصلاةُ في ثيابِ الصِّبيانِ والمُربِّياتِ، وفي ثوبِ المرأةِ الذي تَحِيضُ فيه إذا لم تَتحَقَّقْ نَجاسَتَه، وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأي؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى وهو حامِل أُمامَةَ بنتَ أبي العاص بنِ الرَّبِيع.
مُتَّفَقٌ عليه 176. وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي، فإذا سَجَد وَثب الحَسنُ على ظَهْرِه 177. قال أصحابُنا: والتَّوَقِّي لذلك أوْلَى، لاحْتِمالِ النجاسةِ فيه.
وقد روَى أبو داودَ 178 عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لا يُصَلِّي في شُعُرِنا ولُحُفِنا.
ولُعابُ الصبيَانِ طاهِر، وقد روَى أبو هُرَيرةَ، قال: رَأيت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حامِلَ الحُسَينِ بنِ علي على عاتِقِه، ولُعابُه يَسِيلُ عليه 179.
الجزء: 1 - الصفحة: 160
وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْمَيتَةِ بِالدِّبَاغِ،
فصل: ولا يَجِبُ غَسْلُ الثوبِ المَصْبُوغِ في حُبِّ الصَّبَاغِ (1)، مُسْلِمًا كان أو كِتابِيًّا، أو كافرًا (2). نَصَّ عليه أحمدُ، عَمَلًا بالأصلِ، فإن عُلِمَتْ نجاسَتُه طَهُرَ بالغَسْلِ، وإن بَقِيَ اللَّوْنُ، لقَوْلِه، عليه السَّلامُ، في الدَّمِ: «المَاءُ يَكْفِيكِ، وَلا يَضُرُّكِ أثرهُ».
رَواه أبو داودَ (3).
فصل: ويُستَحَبُّ تَخْمِيرُ الأوانِي وإيكاءُ الأسْقِيَة؛ لما روَى أبو هُريرَةَ، قال: أمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن نُغَطيِّ الإِناءَ، ونُوكِيَ السِّقاءَ (4).
33 -
مسألة، قال: (ولا يَطْهُرُ جِلْدُ المَيتَةِ بالدِّباغِ)
هذا هو الصحيحُ مِن المذهبِ، وهو إحْدَى الرِّوايَتَين عن مالِكٍ، رُوى ذلك عن عُمَرَ وابنه، وعائشةَ، وعِمْرانَ بنِ حُصين، رَضِي اللهُ عنهم، لما روَى عبدُ اللهِ بنُ عُكَيم، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كَتَبَ إلى جُهَينَةَ: «إنِّي كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي جُلُودِ المَيتَةِ، فإذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي هذَا فَلا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيتَةِ بِإهَابٍ وَلا180181182183
الحديث: 33 - الجزء: 1 - الصفحة: 161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَصَبٍ».
رَواه أبو داودَ 184. [وليس في رِواية أبي داودَ: «كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكْمُ»] 185. والإِمامُ أحمدُ 186، وقال: إسْنادٌ جَيِّدٌ، يَرْويه يحيى بنُ سعيدٍ، عن شُعْبَةَ، عن الحَكَم، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي لَيلَى عنه.
وفي لفظٍ: أتانا كتابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قبلَ وفاتِه بشَهْرٍ أو شَهْرَينِ 187. وهو ناسِخٌ لما قبلَه، لأنّه في آخِرِ عُمْرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولفظُه دَالٌّ على سَبْقِ الرُّخْصَةِ، وأنَّه مُتأَخِّرٌ عنه، لقولِه: «كُنْتُ رَخَّصت لَكُمْ».
وإنَّما يُؤخَذُ بالآخِرِ مِن أمرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فإن قِيل: هذا مُرْسَلٌ، لأنَّه مِن كتابٍ لا يُعْرَفُ حامِلُه.
قلنا: كتابُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كلَفْظِه، ولذلك لَزِمَتِ
الجزء: 1 - الصفحة: 162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحُجَّةُ مَن كَتَب إليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وحَصَل له البَلاغُ؛ لأنَّه لو لم يَكُنْ حُجَّةً، لم تَلْزَمْهُم الإِجابَةُ، ولكان لهم عُذْرٌ في تَرْكِ الإِجابةِ؛ لِجَهْلِهم بحامِلِ الكتابِ، والأمْرُ بخلافِ ذلك.
ورَوَى أبو بكرٍ الشافعيّ، بإسْنادِه، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيتَةِ بِشَيْءٍ» 188. وإسْنادُه حسنٌ، ولأنَّه جُزْءٌ مِن المَيتَةِ، فحَرُمَ الانْتِفاعُ به كَسائِرِها، ولقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ﴾ 189.
الجزء: 1 - الصفحة: 163
وَهَل يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي اليابِسَاتِ بَعْدَ الدَّبْغِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
34 - مسألة؛ قال: (وهل يجوز اسْتِعْمالُه في اليابِسات بعدَ الدَّبْغِ؟ على رِوايَتَينِ)
إحْداهما، لا يجوزُ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيم.
والثانية، يجوز الانْتِفاعُ بِجِلْدِ ما كان طاهِرًا حال الحَياةِ إذا دُبِغ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَجَد شَاةً مَيِّتةً أعْطِيَتهَا 190 مَوْلاةٌ لِمَيمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -
الحديث: 34 - الجزء: 1 - الصفحة: 164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- صلى الله عليه وسلم -: «ألَّا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ».
رواه مسلمٌ 191 ولأنَّ الصَّحابةَ، رَضِي اللهُ عنهم، لَمّا فتَحُوا فارِسَ، انْتَفَعُوا بسُرُوجِهم وأسْلِحَتهم، وذبائحُهم مَيتَةٌ، ونَجاسَتُه لا تَمنَعُ الانْتِفاعَ به، كالاصْطِيادِ بالكلبِ، وركوبِ البَغْلِ والحِمارِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 165
وَعَنْهُ، يَطْهُرُ مِنْهَا جِلْدُ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ،
35 - مسألة؛ قال: (وعنه: يَطهُرُ مِنْها جِلْدُ ما كان طاهِرًا حال الحياةِ)
نصَّ أحمد على ذلك، قال بعضُ أصحابِنا: إنَّما يَطْهُرُ جِلْدُ ما كان مأكُولَ اللَّحْمِ.
وهو مذهبُ الأوْزاعِي 192، وأبي ثَوْرٍ، وإسحاقَ؛ لأنَّه رُويَ أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ذَكَاةُ الأدِيمَ دِبَاغُهُ».
رواه الإِمامُ
الحديث: 35 - الجزء: 1 - الصفحة: 166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحمدُ، وأبو داودَ 193. فَشَبَّهَ الدِّباغَ بالذَّكاةِ، والذَّكاةُ إنّما تَعْمَلُ في مأكولِ اللَّحمِ، ولأنَّه أحدُ المُطَهِّرين للجِلْدِ، فلم يُوثِّرْ في غيرِ مَأكُولٍ كالذَّبْحِ.
والأوَّلُ ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لعُمُومِ لفظِه في ذلك، ولأنَّ قولَه - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّمَا إِهَابٍ دُبغ فَقَدْ طَهُرَ» 194. يَتَناوَلُ المَأكُولَ وغيرَه، وخَرَجَ مِنه ما كان نَجِسًا في الحياةِ، لكَوْنِ الدَّبْغ إنَّما يُوثِّرُ في رَفْعِ نجاسةٍ حادِثةٍ بالموتِ، فتَبْقَى فيما عَداه على قَضِيَّةِ العُمُومِ.
وحديثُهم يَحْتَمِلُ أنه أرادَ بالذَّكاةِ التَّطْيِيبَ، مِن قَوْلِهم: رائِحة ذَكِيَّةٌ.
أي: طيَبة.
ويَحتَمِلُ أنه أرادَ بالذَّكاةِ الطهارةَ، فعلى هذَين التأويلَين يكون اللَّفْظُ عامًّا في كلِّ جِلْدٍ، فيَتَناولُ ما اختَلَفْنا فيه، ويَدُلُّ على التَّأويلِ الذي ذكرْنا، أنه لو أرادَ بالذَّكاةِ الذَّبْحَ لأضافَه إلى الحيوانِ كلِّه، لا إلي الجِلْدِ.
فصل: فأمَّا جُلُودُ السِّباعِ، فقال القاضي: لا يجوزُ الانْتِفاعُ بها قبلَ الدِّباغِ ولا بعدَه.
وبذلك قال الاوزاعِيُّ، وابنُ المُبارَكِ 195، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
ورُوىَ عن عُمَر وعلي، رَضِي اللهُ عنهما، كَراهَة
الجزء: 1 - الصفحة: 167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصلاةِ في جُلُودِ الثَّعالِبِ.
[وأباحَ الحسنُ، والشَّعْبِيُّ، وأصحابُ الرَّأي الصلاةَ في جُلُودِ الثَّعالِب؛ لأنَّ الثَّعالبَ تُفْدَى في الإِحْرامِ، فكانت مُباحَةً، ولما ثبَتَ مِنَ الدَّليلِ على طهارة جُلُود المَيتَةِ بالدِّباغِ.
وجُلودُ الثَّعالبِ يُبْنَى حُكمُها على حِلِّها، وفيها رِوَايتانِ، فكذلك يُخَرَّجُ في جُلُودها، فإنْ قُلْنا بتَحرِيمها، فحُكمُ جُلُودِها حُكمُ بَقيَّةِ جُلُودِ السِّباعِ، وكذلكَ السَّنانيرُ البَرِّيَّةُ، فأمَّا الأهلِيَّةُ فمُحرَّمَةٌ.
وهل تَطْهُرُ جُلودُها بالدِّباغِ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَينِ] 196. ورَخَّص في جلودِ السباعِ جابِرٌ.
ورُوى عن ابنِ سِيرِينَ، وعُرْوَةَ 197، [أنَّهما رَخَّصا] 198 في الرُّكوبِ على جُلُودِ النُّمُورِ.
ومذهبُ الشّافعيِّ طهارةُ جلودِ الحيواناتِ كلها إلَّا الكلبَ والخِنْزِيرَ؛ لأنّه يَرى طهارَتَها في حالِ الحياةِ، وله في جِلْدِ الآدَمِيِّ وَجْهان.
وقال أبو حنيفةَ: يَطْهُرُ كلُّ جلدٍ إلَّا جلدَ الخِنْزِيرِ.
وحُكِي عن أبي يوسفَ طهارةُ كلِّ جلدٍ.
وهو روايةٌ عن مالكٍ.
ومذهبُ مَن حَكَم بطهارةِ جلُودِ 199 الحيواناتِ كلها؛ لعُمُومِ قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أيمَا إِهَابٍ دُبغ فَقَدْ طَهُرَ».
مُتَّفَق عليه.
ولَنا، ما روَى أبو رَيحانَةَ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن ركُوبِ النُّمورِ.
رواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 200. وعن
الجزء: 1 - الصفحة: 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُعاويةَ، والمِقْدامِ بنِ مَعْدِ يكَرِبَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عنْ جُلودِ السِّباعِ 201 والرُّكوبِ عليها.
روَاه أبو داودَ، والنَّسائِي 202. مع [ما ذَكَرْنا من نَهْي النبيِّ] 203 - صلى الله عليه وسلم - عن الانْتفاعِ بشيءٍ من المَيتَةِ، فجَمعْنا بينَ هذه الأحاديثِ، وبينَ الأحاديثِ الدَّالَّةِ على طهارةِ جُلُودِ المَيتَةِ بحَمْلِها على ما كان طاهِرًا حال الحياةِ، وحَمْلِ الأحاديثِ النَّهْي على ما لم يَكُنْ طاهِرًا، لأنّه متى أمْكَن الجَمْعُ بينَ الأحاديثِ ولو مِن وجه، كان أَوْلَى مِن التَّعارُضِ بينَها، يُحقِّقُ ذلك أنَّ الدَّبْغَ إنّما يُزيلُ النجاسةَ الحادِثةَ بالموتِ، ويَرُدُّ الجلدَ إلى ما كان عليه حال الحياةِ، فإذا كان في الحياةِ نَجِسًا لم يُؤَثِّرْ فيه الدِّباغُ شيئًا، واللهُ أعلمُ.
فصل: وإذا قُلْنا بطهارةِ الجِلْدِ بالدِّباغِ، لم يَحِلَّ أكْلُه، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، وحُكِي عن ابنِ حامدٍ أنَّه يَحِلُّ.
وهو وجهٌ لأصحابِ الشافعيِّ، لقولِه - صلى الله عليه وسلم -: «ذَكَاةُ الأدِيمَ دِبَاغُهُ».
ولأنّه معنًى يفيدُ الطهارةَ في الجِلْدِ، أشْبَهَ الذَّبْحَ.
وظاهرُ قولِ الشافعيِّ، أنه إنْ كان مِن حيوانٍ مأْكُول، جازَ أكْلُه، لأنَّ الدِّباغَ بمَنْزِلَةِ الذَّكاةِ، وإلّا لم يَجُزْ؛ لأنَّ = والإِمام أحمد، في: المسند 4/ 92، 93، 99، 134.
الجزء: 1 - الصفحة: 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الذَّكاةَ لا تُبِيحُه، فالدِّباغُ أوْلَى.
والأوَّلُ أصحُّ؛ لقَوْلِه عزَّ وجلَّ: ﴿حُرِّمَت عَلَيكُمُ الْمَيتَة﴾ 204. والجِلْدُ مِنها.
ولقولِه - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيتَةِ أكْلُهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 205. ولا يَلزَمُ مِن الطهارةِ إباحَةُ الأكل؛ بدليلِ تحرِيمِ الخبائثِ مِمّا لا يَنْجُسُ بالموتِ، وقِياسُهم لا يُقْبَلُ مع مُعارَضةِ الكتابِ والسُّنَّةِ.
فصل: ويجوز بَيعُه، وإجارَتُه، والانْتِفاعُ به في كلِّ ما يُمْكِنُ، سِوَى الأكْلِ، وهو قولُ الشافعيِّ في الجَدِيدِ.
ولا يجوز بَيعُه قبلَ الدَّبْغ، لا نَعلَمُ فيه خلافًا؛ لأنَّه مُتَّفَقٌ على نجاسَتِه، أشْبَهَ الخِنزِيرَ، ويَفتَقِرُ ما يُدبَغُ به إلى أن يكونَ مُنَشِّفًا للرُّطُوبةِ، مُنَقِّيًا للخَبَثِ، كالشَّبِّ 206 والقَرَظِ 207. قال ابنُ عَقِيل: يُشْتَرَطُ أن يكونَ طاهرًا؛ لأنَّها طهارةٌ مِن نجاسةٍ، فلم
الجزء: 1 - الصفحة: 170
وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ غَيرِ الْمَأكُولِ بِالذَّكَاةِ.
تَطْهُرْ بِنَجِسٍ، كالاسْتِجْمارِ.
وهل يَطْهُرُ الجِلْدُ بمُجَرَّدِ الدَّبْغِ قبلَ غَسله بالماءِ؟ فيه وجهان؛ أحدُهما، لا يَحصُلُ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يُطَهِّرُهَا الماءُ والقَرَظُ».
رواه أبو داود (1). ولأنَّ ما يُدبَغُ به نَجُس بمُلاقاةِ الجِلْد، فإذا انْدبغَ الجلدُ بَقِيَتِ الآلة نَجِسَةً، فَتَبْقَى نجاسةُ الجلدِ لملاقَاتِها له، فلا تَزُولُ إلَّا بالغَسْلِ.
والثاني، يَطْهُرُ، لقولِه - صلى الله عليه وسلم -: «أيما إِهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ».
ولأنّه طَهُرَ بانْقِلابِه، فلم يَفتَقِر إلي استعمال المِاءِ، كالخَمْرَةِ إذا انْقَلَبَتْ.
وروَتْ عائشةُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «طَهُورُ كُل أَدِيم دِبَاغُه» (2). قال شيخُنا: والأوَّلُ أَوْلَى، فإنَّ المعنى والخبرَ إنّما يَدُلّانِ على طهارةِ عَينه، وذلك لا يَمنَعُ مِن وُجُوبِ غَسْلِه مِن نجاسةٍ تُلاقِيه، كما لو أصابَتْه نجاسةٌ سِوَى آلةِ الدَّبْغِ، أو أصابَتْه آلةُ الدَّبْغ بعدَ فَصْلِه عنها (3). ولأصْحابِ الشافعي وجهان كهذَين.
فصل: ولا يفْتَقِرُ الدَّبْغُ إلى فِعْلٍ، فلو وَقَع جلدٌ في مَدْبَغَةٍ فانْدَبَغ، طَهُرَ؛ لأنَّها إزالةُ نجاسةٍ، فهو كالمَطَرِ يُطَهِّرُ الأرضَ النَّجِسَةَ.
36 -
مسألة؛ قال: (ولا يَطْهُرُ جِلْدُ غَيرِ المَأْكُولِ بالذَّكاةِ)
وهذا208209210
الحديث: 36 - الجزء: 1 - الصفحة: 171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قولُ الشافعي.
وقال أبو حنيفةَ، ومالِك: يَطْهُرُ، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «ذَكَاةٌ الأدِيمِ دِبَاغُهُ» 211. شَبَّه الدَّبْغَ بالذَّكاةِ، والدَّبْغُ يُطَهِّرُ الجِلْدَ على ما مَضَى، كذلك الذَّكاةُ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن افْتِراشِ جُلُودِ
الجزء: 1 - الصفحة: 172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السِّباع وركوبِ النُّمورِ، وهو عامٌّ في المُذَكَّى وغيرِه.
ولأنَّه ذَبْحٌ لا يُبِيحُ اللَّحْمَ، فلم يُطَهِّرِ الجِلْدَ، كذبحِ المَجُوسِيِّ، والخبرُ قد أجَبْنا عنه
الجزء: 1 - الصفحة: 173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيما مَضَى.
وأما قِياسُ الذّكاةِ على الدَّبغِ فلا يصِحُّ، فإن الدَّبْغَ أقْوى؛ لأنَّه يُزيلُ الخَبَثَ والرُّطُوباتِ كلَّها، ويُطَيِّبُ الجلدَ، على وجهٍ يَتَهَيَّأُ به
الجزء: 1 - الصفحة: 174
وَلَبَنُ الْمَيتَةِ وَإنْفَحَتُهَا نَجِسٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، للبقاءِ على وجهٍ لا يَتَغَيَّرُ، والذَّكاةُ لا يَحصُلُ بها ذلك، ولا يُسْتَغْنى بها عن الدَّبْغِ، فدَلَّ على أنَّه أقْوَى.
37 -
مسألة؛ قال: (وابَنُ المَيتَةِ نَجِسٌ؛ لأنَّه مائِعٌ في وعاءٍ نَجِسٍ فتَنَجَّسَ به، وكذلك إنْفَحَتُها في ظاهِرِ المذهبِ)؛
لما ذَكَرْنا وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ.
ورُوي أنَّها طاهرةٌ، وهو قولُ أبي حنيفةَ،
الحديث: 37 - الجزء: 1 - الصفحة: 175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وداودَ؛ لأنَّ الصحابةَ، رضي اللهُ عنهم، أكَلُوا الجُبْنَ لمّا دَخَلُوا المَدائِنَ 212، وهو يُعْمَلُ بالإنْفَحَةِ 213، وذَبائِحُهم مَيتَةٌ؛ لأنَّهم مَجُوسٌ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه مائِعٌ في وعاءٍ 214 نَجِسٍ، أشْبَهَ ما لو حُلِبَ في إناءٍ نَجِسٍ.
وأمّا المَجُوسُ فقد قِيل: إنَّهم ما كانوا يَذْبَحُون بأنْفُسِهم، وكان جَزّارُوهم اليهودَ والنَّصارَى، ولو لم يُنْقَلْ ذلك عنهم، كان الاحْتِمالُ باقِيًا 215، فإنَّه قد كان فيهم اليهودُ والنَّصارَى، والأصلُ الحِلُّ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ، وقد رُوي أنّ الصحابةَ، رَضِي اللهُ عنهم، لَمّا قَدِمُوا العراقَ كَسَرُوا جيشًا مِن أهلِ فارِسَ، بعدَ أن وَضَعُوا طَعامَهم ليأكُلُوه، فلما فَرَغَ المُسْلِمون منهم جَلَسُوا فأكَلُوا الطَّعامَ، وهو لا يَخْلُو مِن اللَّحْمِ ظاهرًا، فلو حُكِمَ بنجاسَةِ ما ذُبِحَ في بلدِهم لَما أكَلُوا مِن لَحْمِهم، وإذا حَكَمْنا بطهارةِ اللحمِ، فالجُبنُ أوْلَى، وعلى هذا لو دخلَ الإنسانُ أرضًا فيها مَجُوسٌ وأهلُ كتابٍ، كان له أكْلُ جُبْنِهم ولَحْمِهم؛ لما ذكرْنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 176
وَعَظْمُهَا وَقَرْنُهَا وَظُفْرُهَا نَجِسٌ،
فصل: وإن ماتَتِ الدَّجاجَةُ، وفيها بَيضَةٌ قد صَلُبَ قِشْرُها، فهي طاهِرَةٌ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وبعضِ الشّافِعِيَّة، وابنِ المُنْذِرِ.
وكَرِهَها عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وابنُ عُمَرَ، ومالكٌ، واللَّيثُ (1)، وبعضُ الشافعيةِ؛ لأنَّها جُزءٌ مِن المَيتَةِ.
ولَنا، أنَّها بيضةٌ صُلْبَةُ القِشْرَةِ، مُنْفَصِلَةٌ عن المَيتَةِ، أشْبَهَتِ الوَلَدَ إذا خَرَج حيًّا مِن المَيتَةِ، وكَراهِيَةُ الصحابةِ مَحْمُولَةٌ على التَّنْزِيهِ، اسْتِقْذارًا لها.
وإن لم تَكْمُلِ البَيضَةُ، فقال بعضُ أصحابِنا: ما كان قِشْرُها أبْيَضَ فهو طاهِرٌ، وما لم يَبْيَضَّ فهو نَجِسٌ؛ لأنَّه ليس عليه حائِلٌ حَصِينٌ.
واختارَ ابنُ عَقِيلٍ أنَّها لا تَتَنَجَّسُ؛ لأنَّ البَيضَةَ عليها غاشِيَةٌ رَقِيقَةٌ، كالجلْدِ، وهو القِشْرُ قبلَ أن يَقْوَى، فلا يَتَنَجَّسُ منها إلَّا ما لَاقَى النجاسةَ، كالسَّمْنِ الجامِدِ إذا ماتتْ فيه فأْرةٌ، إلَّا أنَّ هذه تَطْهُر إذا غُسِلتْ؛ لأنَّ لها مِن القُوَّةِ ما يَمْنَعُ دُخولَ أجْزاءِ النجاسةِ فيها، بخلافِ السَّمْنِ.
واللهُ أعلمُ.
38 -
مسألة؛ قال: (وعَظْمُها وقَرْنُها وظُفرُها نَجِسٌ)
عِظامُ المَيتَةِ النَّجِسَةِ نَجِسَةٌ، مأكُولَةَ اللّحْمِ، أو غَيرِها كالفِيَلَةِ، لا تَطْهُرُ216
الحديث: 38 - الجزء: 1 - الصفحة: 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِحالٍ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ.
ورَخَّص في الانْتِفاعِ بعظامِ الفِيَلَةِ محمدُ بن سِيرِينَ، وابنُ جُرَيجٍ؛ لِما رَوَى أبو داودَ 217 [بإسْنادِه عن ثوْبَانَ] 218، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -[قال: «اشْتَرِ] 219 لفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ 220 وَسِوَارَينِ مِنْ عَاجٍ».
وقال مالكٌ: إنَّ الفِيلَ إنْ ذُكِّيَ فعَظْمُه طاهِرٌ، وإلَّا فهو نَجِسٌ.
لأنَّ الفِيلَ مأْكُولٌ عندَه.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: عِظامُ المَيتاتِ طاهِرَة؛ لأنَّ الموت لا يُحِلُّها، فلا تَنْجُسُ به، كالشَّعَرِ.
ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ﴾.
والعَظْمُ مِن جُمْلَتِها، فيَكُونُ مُحَرَّمًا، والفِيلُ لا يُؤْكَلُ لحمُه، فيكونُ نَجِسًا على كلِّ حالٍ، والدَّلِيلُ على تَحرِيمِه نَهْيُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن كلِّ ذِى نابٍ مِن السِّباعِ.
مُتَّفَقٌ عليه 221، والفِيلُ أعْظَمُها نابًا.
وحديثُ
الجزء: 1 - الصفحة: 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثَوْبَانَ، قال الخَطّابِيُّ، عن الأصْمَعِيُّ 222: العاج: الذَّبْلُ 223. ويقال: هو عَظْمُ ظَهْرِ السُّلَحْفاةِ البَحْريِّةِ 224. وقولُهم: إنَّ العِظامَ لا يُحِلُّها الموتُ.
مَمْنُوعٌ، لأنَّ الحياةَ تُحِلُّها، وكلُّ ما تُحِلُّه الحياةُ يُحِلُّه الموتُ؛ بدَلِيلِ قولِه تعالى: ﴿قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ 225. ولأنَّ دليلَ الحياةِ الإحساسُ والأَلَمُ، وهو في العَظْمِ أشَدُّ مِنه في اللَّحمِ، والضِّرْسُ يأْلَمُ، ويَلْحَقُه الضَّرَسُ 226، ويُحِسُّ ببَرْدِ الماءِ وحَرارتِه، وما يُحِلُّه الموتُ يَنْجُسُ، والقَرْنُ والظُّفْرُ والحافِرُ كالعَظْمِ؛ إن أُخِذَ مِن مُذَكَّى فهو طاهرٌ، وإن أُخِذ مِن حَيٍّ فهو نَجِسٌ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا يُقْطعُ مِنَ البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ = وفي: باب ما جاء في الانتفاع بآنية المشركين، من أبواب السير، وفي: باب ما جاء في الأكل في آنية الكفار، من أبواب الأطعمة.
عارضة الأحوذي 6/ 266، 7/ 50، 298. والنسائي، في: باب تحريم أكل السباع، وباب تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، وباب إباحة أكل لحوم الدجاج، من كتاب الصيد.
المجتبى 7/ 177، 181، 182. وابن ماجه، في: باب أكل كل ذي ناب من السباع، من كتاب الصيد.
سنن ابن ماجه 2/ 1077. والدارمي، في: باب ما لا يؤكل من السباع، من كتاب الأطعمة.
سنن الدارمي 2/ 85. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 147، 4/ 193، 194.
الجزء: 1 - الصفحة: 179
وَصُوفُهَا وَشَعَرُهَا وَرِيشُهَا طَاهِرٌ.
مَيتَة».
رواه التِّرْمِذِيُّ (1)، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وكذلك ما يَتَساقَطُ مِن قُرُونِ الوُعُولِ في حياتِها، ويَحْتَمِلُ أنَّ هذا طاهرٌ؛ لأنَّه طاهرٌ مُتَّصِلًا مع عَدَمِ الحياةِ فيه، فلم يَنْجُسْ بفَصْلِه مِن الحيوان كالشَّعَرِ.
والخَبَرُ أُرِيدَ به ما يُقْطعُ مِن البَهِيمَةِ مِمّا فيه حياةٌ فيَمُوتُ بفَصْلِه، بدليلِ الشَّعَرِ، فأمّا ما لا يَنْجُسُ بالموتِ كالسَّمَكِ، فلا بأْسَ بعِظامِه؛ لأنَّه (2) لا يَنْجُسُ بالموتِ، فهو كالمُذَكَّى.
39 -
مسألة؛ قال: (وصُوفُها وشَعَرُها ورِيشُها طاهِرٌ)
يعني: شَعَرَ ما كان طاهرًا في حياتِه وصُوفَه.
رُوى ذلك عن الحسنِ، وابنِ227228
الحديث: 39 - الجزء: 1 - الصفحة: 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سِيرِينَ.
وبه قال مالكٌ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْي.
ورُوى عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه نَجِسٌ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه يَنْمِي مِن الحيوانِ، فنَجُسَ بمَوْتِه، كأعْضائِه.
ولَنا، ما رُوىَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لا بَأْسَ بِمَسْكِ 229 الْمَيتَةِ إذَا دُبغَ، وَصُوفِهَا وَشَعَرِهَا إذَا غُسِلَ».
رواه الدّارَقُطْنِيُّ 230، وقال: لم يأْتِ به إلَّا يوسُفُ بنُ السَّفْرِ، وهو ضَعِيفٌ.
ولأنَّه لا تَفتَقِرُ طهارةُ مُنْفَصِلِه إلى ذَكاةِ أصْلِه، فلم يَنْجُسْ بمَوْتِه، كأجْزاءِ السَّمَكِ والجَرادِ.
ولأنَّه لا حياةَ فيه، وما لا تُحِلُّه الحياةُ لا يموتُ، والدَّلِيلُ على أنَّه لا حياةَ فيه، أنَّه لو كان فيه حياةٌ لَنَجُسِ بفَصْلِه مِن الحيوانِ، في حالِ حَياتِه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فهُوَ مَيِّتٌ».
رواه أبو داودَ 231 بمعناه.
وما ذكَرُوه يَنْتقِضُ بالبَيضِ، ويُفارِقُ الأعضاءَ؛ لأنَّ فيها حياةً، ولذلكَ 232 تَنْجُسُ بفَصْلِها مِن الحيوانِ حال حياتِه، والنُّمُوُّ لا يَدُلُّ على الحياةِ، بدليلِ نُمُوِّ الشَّجَرِ، والرِّيشُ كالشَّعَرِ؛ لأنَّه في مَعْناه، فأمّا أصُولُ الرِّيشِ والشَّعَرِ، إذا نُتِفَ مِن المَيتَةِ وهو رَطْبٌ، فهو نَجِسٌ برُطُوبةِ المَيتَةِ، وهل يَطْهُرُ بالغَسْلِ؟ على
الجزء: 1 - الصفحة: 181
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَجْهَين؛ أحدُهما، يَطهُرُ كرُءُوسِ الشَّعَرِ إذا تَنَجَّس.
والثاني، لا يَطهُرُ؛ لأنَّه جُزْءٌ مِن اللَّحْمِ لم يَكمُلْ شعرًا ولاريشًا.
فصل: وشَعَرُ الآدَمِيّ طاهرٌ؛ مُنْفَصِلًا ومُتَّصِلًا، في الحياةِ والموتِ.
وقال الشافعيُّ في أحدِ قوْلَيه: يَنْجُسُ بفَصْلِهِ.
[ولهم في شَعَرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَجْهانِ؛ أحَدُهما، هو نَجِسٌ كعُضْوه] 233. ولَنا، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَرَّق شَعَرَه بينَ أصحابِه، قال أنَسٌ: لَمّا رَمَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ونَحَر نُسُكَه، ناوَلَ الحالِقَ شِقَّه الأيمَنَ، فحَلَقَه، ثم دَعا أبا طَلْحَةَ الأْنصارِيَّ، فأعطاهُ إيَّاهُ، ثم ناوَلَه الشِّقَّ الأيسَرَ، فقال: «احْلِقْ».
فحَلَقَه، وأعطاه أبا طَلْحَةَ، فقال: «اقْسِمْهُ بَينَ النَّاسِ».
رواه مسلم 234. ورُوىَ أنَّ مُعاويةَ أوْصَى
الجزء: 1 - الصفحة: 182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن يُجْعَلَ نَصِيبُه منه في فِيه إذا ماتَ.
وكان في قَلَنْسُوَةِ خالدٍ شَعَراتٌ مِن شَعرِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان نَجِسًا لَما ساغَ ذلك، ولَما فَرَّقَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وقد عَلِم أنَّهم يأْخُذُونَه يَتَبَرَّكُون به 235، وما كان طاهرًا مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كان طاهرًا مِمَّن سِواه، كسائِرِه.
ولأنَّه شَعَرٌ مُتَّصِلُه طاهرٌ، فكذلك مُنْفَصِلُه، كشعرِ الحيواناتِ الطاهرةِ، وكذلك نَقُولُ في أعْضاءِ الآدَمِيِّ، وإن سَلَّمْنا نجاسَتَها، فإنَّها تَنْجُسُ مِن الحيواناتِ بفَصْلِها في الحياةِ، بخلافِ الشعرِ، فحَصَل الفَرْقُ.
فصل: ولا يَجوزُ اسْتِعْمالُ شَعَرِ الآدَمِيِّ وإن كان طاهرًا؛ لحُرْمَتِه لا لنجاسَتِه، ذكرَه ابنُ عَقِيلٍ.
فأما الصلاةُ فيه فصَحِيحةٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وكلُّ حيوانٍ فحُكمُ شَعَرِه حكمُ بَقِيَّةِ أجْزائِه في النجاسةِ والطهارةِ، لا فَرْقَ بينَ حالةِ الحياةِ والموتِ، إلَّا أنَّ الحيواناتِ التي حَكَمْنا بطَهارتِها لمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ، كالهِرِّ وما دونَها، فيها بعدَ الموتِ وَجْهان؛ أحدُهما، نجاسَتُها؛ لأنَّها كانت طاهرةً في الحياةِ، مع وجودِ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ لمُعارِضٍ، وهو عَدَمُ إمكانِ التَّحَرُّزِ عنها، وقد زال ذلك بالموتِ، فَتَنْتَفِي الطهارةُ.
والثاني، هي طاهرةٌ.
وهو أصَحُّ؛ لأنَّها كانت طاهرةً في الحياةِ، والموتُ لا يقْتَضِي تَنْجِيسَها، فتَبْقَى طاهرةً.
وما ذُكِر للوَجْهِ الأوَّلِ لا يَصِحُّ، ولا نُسَلِّمُ وجودَ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ، وإن سَلَّمْناه غيرَ أنَّ الشَّرْعَ ألغاهُ، ولم يَعْتَبِرْه في موضِعٍ، فليس لنا اعتبارُه بالتَّحَكُّمِ.
فصل: وهل يَجُوزُ الخَرْزُ بشَعَرِ الخِنْزِيرِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، كَراهَتُه.
حُكِي ذلك عن الحسنِ، وابنِ سِيرينَ، وإسحاقَ، والشافعيِّ؛ لأنَّه استعمالٌ للعَينِ النَّجِسَةِ، ولا يَسلَمُ مِن التَّنْجِيسِ بها، فحَرُمَ الانْتِفاعُ بها، كجِلْدِه.
والثانية، يجوزُ الخَرْزُ به.
قال: وباللِّيفِ أحَبُّ إلينا.
ورَخَّص فيه الحسنُ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ،.
وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ الحاجةَ
الجزء: 1 - الصفحة: 184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَدْعُو إليه.
فإذا خَرَز به شيئًا رَطْبًا، أو كانت الشَّعْرَةُ رَطْبَةً نَجُسَ، وَيَطْهُرُ بالغَسْلِ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: وقد رُوِيَ عن أحمد، أنَّه لا بأْسَ به.
ولَعَلَّه قال ذلك لأنَّه لا يَسلَمُ الناسُ مِنه، وفي تَكْلِيفِ غَسْلِه إتلافُ أموالِ الناسِ.
قال شيخُنا: والظَّاهِرُ أنَّ أحمدَ إنَّما عَنَى: لا بأْسَ بالخَرْزِ.
فأمّا الطهارةُ فلا بُدَّ مِنها 236.
الجزء: 1 - الصفحة: 185
بَابُ الاسْتِنْجَاءِ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ الْخَلَاءِ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ، وَمِنَ الِّرجْسِ النَّجِسِ، الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ.
باب الاستنجاء
الاسْتِنْجاءُ اسْتِفْعالٌ، مِن نَجَوْتُ الشَّجرةَ، أي: قَطَعْتُها، فكَأَنَّه قَطَع الأذَى عنه.
وقال ابنُ قُتَيبَةَ (1): هو مَأْخُوذٌ مِن النَّجْوَةِ، وهي ما ارْتَفَع مِن الأرضِ؛ لأنَّ مَنْ أرادَ قضاءَ الحاجةِ اسْتَتَر بها.
فأمّا الاسْتِجْمارُ: فهو اسْتِفْعالٌ مِن الجِمار، وهي الحِجارَةُ الصِّغارُ؛ لأنَّه يَسْتَعْمِلُها في اسْتِجْمارِه.
40 -
مسألة؛ قال، رحمه الله: (يُسْتَحَبُّ لمَنْ أرادَ دُخُولَ الخَلاءِ، أنْ يقولَ: بِسْمِ اللهِ)
لما روَى عليٌّ، رَضِي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «سَتْرُ مَا بَينَ الجِنِّ وعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إذَا دَخَلَ الكَنِيفَ أنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ».
رواه ابنُ ماجَه والتِّرْمِذِيُّ 238. ويقولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبائِثِ 239،237
الحديث: 40 - الجزء: 1 - الصفحة: 187
وَلَا يَدْخُلُهُ بِشَيْءٍ فِيهِ ذِكْرُ الله تِعَالى، إلا مِنْ ضَرُورَةٍ،
ومِن الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ.
لما روَى أنَسٌ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دَخَل الخَلاءَ قال: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ».
مُتَّفَق عليه (1). وعن أبي أُمامَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يَعْجِزُ أحَدُكم إذا دَخَلَ مِرْفَقَهُ أنْ يَقُولَ: اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الخَبِيثِ المُخْبِثِ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ».
رواه ابنُ ماجَه (2). قال أبو عُبَيدٍ (3): الخُبْثُ بسُكُون الباءِ: الشَّرُّ.
والخُبُثُ، بضَمِّ الخاءِ والباءِ: جَمْعُ خَبِيثٍ.
والخَبائِثُ: جمعُ خَبِيثةٍ.
استعاذَ مِن ذُكْرانِ الشَّياطينِ وإنَاثِهم (4).
41 -
مسألة؛ قال، رحمه الله: (ولا يَدْخُله بشيءٍ فيه ذِكُر اللهِ
240241242243 الحديث: 41 - الجزء: 1 - الصفحة: 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تعالى) لما روَى أنسٌ، قال: كان رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا دَخَل الخَلاءَ وَضَعَ خاتَمَه.
رواه ابن ماجَه، والترمِذِي 244، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
وقِيل: إنَّما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَضَعُه؛ لأنَّ فيه: «محمدٌ رسولُ اللهِ».
فإنِ احْتَفَظ بما معه مِمّا فيه ذِكْر اللهِ، واحْتَرَز عليه مِن السُّقُوطِ، وأدارَ فَصَّ الخاتَمِ إلى كَفِّه، فلا بأسَ.
قال أحمدُ: الخاتَمُ إذا كان فيه اسمُ اللهِ يجْعَلُه في باطِنِ كَفِّه، ويَدخُلُ الخَلاءَ.
وبه قال إسحاق، ورَخَّص فيه ابنُ المُسَيَّبِ 245، والحسن، وابنُ سِيرِينَ.
قال أحمدُ في الرجلِ يَدخُلُ الخَلاءَ ومعه الدَّراهِمُ: أرْجُو أن لا يكونَ به بأْسٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 189
وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى في الدُّخُولِ، وَالْيُمْنَى في الْخُرُوجِ، وَلَا يَرْفَع ثوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأرْضِ،
42 - مسألة؛ قال: (ويُقَدِّمُ رِجْلَه اليُسْرَى في الدُّخُولِ، واليُمْنَى في الخُرُوجِ)
لأنَّ اليُسْرِى للأذَى، واليُمْنَى لِما سِواه.
(ولا يَرْفَعُ ثوبَه حتى يَدْنُوَ مِن الأرضِ)؛ لما روَى أبو داود 246 عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان إذا أرادَ الحاجَةَ لا يَرْفَعُ ثَوْبَه حتى يَدْنُوَ مِن الأرْضِ.
ولأنَّ ذلك أسْتَرُ له.
الحديث: 42 - الجزء: 1 - الصفحة: 190
وَيَعْتَمِدُ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَلَا يَتَكَلَّمُ،
43 - مسألة: (ويَعْتَمِدُ على رِجْلِه اليُسْرَى)
لِمَا روَى سُراقَةُ بنُ مالِكٍ، قال: أمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن نَتَوَكَّأ على اليُسْرَى، وأنْ نَنْصِبَ اليُمْنَى.
رواه الطَّبرانِيُّ في «المُعْجَمِ» (1).
44 -
مسألة؛ قال، رحمه الله: (ولا يتَكَلَّمُ)
لما روَى عبدُ الله بنُ عُمَرَ، قال: مَرَّ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - رجل، فسلَّمَ عليه، وهو يَبُولُ، فلم يَرُدَّ عليه.
رواه مسلم 248. ولا يذْكُرُ اللهَ تعالى على حاجَتِه بلِسَانِه.
رُوِي كَراهَةُ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ.
وقال ابنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِيُّ: لا247
الحديث: 43 - الجزء: 1 - الصفحة: 191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بأْسَ به.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَرُدَّ السَّلامَ الذي يجِبُ رَدُّه، فذِكْرُ الله أوْلَى.
فإن عَطَس حَمِد الله بَقَلْبِه، ولم يَتَكلَّمْ.
وقال ابنُ عَقِيل: فيه روايةٌ أخْرَى، أن يَحْمَدَ اللهَ بلِسَانِه.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لما ذكرْناه.
ورَوَى أبو سعيد الخُدْرِيُّ، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يَخْرُجُ الرَّجُلانِ يَضْرِبَانِ الغَائِطَ كاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِما يَتَحَدَّثَانِ، فإنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ».
رواه أبو داودَ 249، وابنُ ماجَه 250.
الجزء: 1 - الصفحة: 192
وَلَا يَلْبَثُ فَوْقَ حَاجَتِهِ،
45 - مسألة؛ قال: (ولا يَلْبَثُ فَوْقَ حاجَتِه)
لأنَّه يُقال: إنَّ ذلك يُؤذِي 251 الكَبِدَ، ويأْخُذُ مِنه الباسُورُ.
الحديث: 45 - الجزء: 1 - الصفحة: 193
وَإذَا خَرَجَ قَال: غُفْرَانَكَ، الْحَمْدُ لِله الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى، وَعَافَانِي.
46 - مسألة؛ قال: (فإذا خَرَجَ قال: غفْرَانَكَ، الحَمْدُ لِلّهِ الذي أذْهَبَ عَنِّي الأذَى وعافانِي)
لما روتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا خَرَج مِن الخَلاءِ قال: «غُفْرَانَكَ».
رواه التِّرمِذِيُّ 252، وقال: حديث حسنٌ.
وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا خَرَجَ مِن الخَلاءِ قال: «الحَمْدُ للهِ الَّذى أذْهَبَ عَنِّي الأذَى وَعَافَانِي».
رواه ابنُ ماجَه 253.
فصل: ويُستَحَبُّ أن يُغَطِّيَ رأسَه، لما رَوَت عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا دَخَلَ الخَلاءَ غَطَّى رأْسَه، وإذا أَتى أهْلَه غطى رأْسَه.
رواه البَيهَقِيُّ 254 مِن رواية محمدِ بنِ يُونُسَ الكُدَيمِيِّ، وكان يُتَّهَمُ بوضعِ الحديثِ.
ولا بأْسَ أن يبُولَ في الإِناءِ، قالت [أُمَيمَةُ بنتُ رُقَيقَةَ] 255: كان
الحديث: 46 - الجزء: 1 - الصفحة: 194
وَإنْ كَانَ في الْفَضَاءِ أَبعَدَ، وَاسْتَتَرَ، وَارْتَادَ مَكَانًا رِخْوًا.
للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَدَحٌ مِن عَيدَانٍ (1) يَبُولُ فيه، ويَضَعُه تحتَ السَّرِيرِ.
رواه أبو داودَ، والنَّسائِي (2).
47 -
مسألة؛ قال: (وإنْ كان في الفَضاءِ أبْعَدَ)
لما روَى جابِرٌ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إِذا أرادَ البَرازَ (3) انْطَلَقَ حتى لا يَراه أحدٌ.
رواه أبو داودَ (4).
48 -
مسألة؛ قال: (واسَتتَرَ وارْتادَ مكانًا رِخْوًا)
لما روَى أبو هُرَيرَةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أَتى الغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجدْ إلَّا أن يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْه، فإنَّ الشَّيطانَ يَلْعَبُ بِمَقاعِدِ بَنِي آَدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ، ومَنْ لا فَلا حَرَجَ».
رواه أبو داودَ 260. ويَرْتادُ مكانًا رِخوًا؛ لما روَى أبو موسى، قال: كنتُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ يومٍ، فأرادَ أن يَبُولَ، فأتَى دَمَثًا 261 في أصْلِ جِدارٍ، فبال.، ثم قال: «إذَا أرَادَ256257258259
الحديث: 47 - الجزء: 1 - الصفحة: 195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحَدُكمْ أنْ يَبُولَ، فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ».
رواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 262 مِن رِواية أبي التَّيَّاحِ، عن رجلٍ كان يَصْحَبُ ابنَ عباسٍ، لم يُسَمِّه، عن أبي مُوسى.
ولِئَلَّا يَتَرَشَّشَ عليه البولُ.
ويُستَحَبُّ أن يَبولَ قاعِدًا، لِئَلَّا يَتَرَشَّشَ عليه، ولأنّه أسْتَرُ وأحسَنُ.
قال بنُ مسعودٍ: مِن الجَفاءِ أن تَبُولَ وأنتَ قائِمٌ.
قالت عائشةُ: مَنْ حَدَّثَكُم أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَبُولُ قائِمًا فَلا تُصَدِّقُوه، ما كان يَبُولُ إلَّا قاعِدًا 263. قال الترمِذِيُّ: هذا أصحُّ شيءٍ في الباب.
وقد رُويَتِ الرُّخْصَةُ فيه عن عُمَرَ، وعلى، وابنِ عُمَرَ، وزَيدِ بنِ ثَابتٍ، لما روَى حُذَيفَةُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أتىَ سُبَاطَةَ قوم، فبال قائِمًا.
رواه البُخَارِيُّ، ومسلم 264. والأوَّلُ أوْلَى؛ لما روَى عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، قال: رآنِي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبُولُ قائِمًا، فقال: «يا عُمَرُ، لا تَبُلْ قائِمًا».
فما بُلْتُ قائمًا بعدُ.
رواه ابنُ ماجَه 265. وعن جابرٍ، قال:
الجزء: 1 - الصفحة: 196
وَلَا يَبُولُ فِىِ شَقٍّ، وَلَا سَرَبٍ، وَلَا طَرِيقٍ، وَلَا ظِلٍّ نَافِعٍ، وَلَا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرةٍ،
نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَبُولَ قائمًا.
رواه ابنُ ماجَه (1). وأمَّا حديثُ حُذَيفَةَ، فلَعَلَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَ ذلك ليُبَيِّنَ الجَوازَ، أو كان في موضِعٍ لا يتمكَّنُ مِن الجلوسِ فيه.
وقيل: فعَلَ ذلك لعِلَّةٍ كانت بمَأْبِضِه ليَسْتَشفِىَ به.
والمَأْبِضُ ما تحتَ الرُّكبَةِ مِن كل حيوانٍ.
49 -
مسألة؛ قال: (ولا يَبُولُ في شَقٍّ، ولا سَرَبٍ، ولا طَرِيقٍ، ولا ظِلٍّ نافِعٍ، ولا تحتَ شجرةٍ مُثْمِرةٍ)
البَولُ في هذه المواضِعِ كلِّها مكروهٌ مَنهِيٌّ عنه، ومثلُها موارِدُ الماءِ، لما روَى عبدُ اللهِ بنُ سَرْجِسَ أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أن يُبال في الجُحْرِ.
رواه أبو داودَ 267. قالوا لقَتادَةَ 268: ما يُكْرَه مِن البولِ في الجُحْرِ؟ قال: كان يُقالُ: إنّها مَساكِنُ الجِنِّ.
روَاه الإمامُ أحمدُ 269. وقد حُكِيَ عن سعدِ بنِ عُبادَة 270 أنه بال في جُحْرٍ، ثم اسْتَلْقَى مَيِّتًا، فسُمِعَتِ الجِنُّ تَقولُ:266
الحديث: 49 - الجزء: 1 - الصفحة: 197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَحْنُ قَتَلْنا سَيِّدَ الـ … ــــــخَزْرَجِ سَعْدَ بنَ عُبادَهْ
ورَمَيناه بِسَهْمَيـ … نِ فلم نُخْطِ فُؤادَهْ
ولأنَّه لا يَأْمَنُ أن يكُونَ فيه حيوانٌ يَلْسَعُه.
وروَى مُعاذٌ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «اتَّقُوا المَلاعِنَ الثَّلاثَةَ، البَرَازَ في المَوَارِدِ، وقَارِعَةِ الطرَّيقِ، والظِّلِّ».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه 271. والبَولُ تحتَ الشَّجرةِ المُثْمِرَةِ يُنَجِّسُ الثَّمَرَةَ، فتُؤْذِي 272 مَن يأْكُلُها.
فصل: ويُكْرَهُ البَولُ في الماءِ الرّاكِدِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن البولِ في الماءِ الرّاكِدِ.
متَّفَقٌ عليه 273. فأما الجارى فلا يجُوزُ التَّغَوُّطُ فيه؛ لأنَّه
الجزء: 1 - الصفحة: 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُؤذِي مَنْ مَرَّ به، فأمّا البولُ فيه، وهو كثيرٌ، فلا بأْسَ به؛ لأنَّ تَخْصِيصَ النَّهْي بالماءِ الرّاكِدِ دليلٌ على أنَّ الجارِىَ بخِلافِه.
ولا يبُولُ في المُغْتَسَلِ؛ لما روَى الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 274، عن رجل صَحِبَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَمْتَشِطَ أحدُنا كلَّ يومٍ، أو يَبُولَ في مُغْتَسَلِه.
وقد رُوى أنَّ عامَّةَ الوَسْواسِ منه.
رواه أبو داود، وابنُ ماجَه 275، وقال 276: سَمِعتُ عليَّ بنَ محمدٍ 277، يقولُ: إنما هذا في الحَفِيرَةِ، فأمّا اليومَ فمُغْتَسَلاتُهُم الجِصُّ والصّارُوج والقِيرُ 278، فإذا
الجزء: 1 - الصفحة: 199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بال وأرْسَل عليه الماءَ، فلا بأسَ به، وقال الإمامُ أحمدُ: إن صَبَّ عليه الماءَ، وجَرَى في البالُوعَةِ، فلا بأسَ.
وقد قِيل: إنَّ البُصاقَ على البولِ يُورِثُ الوَسْواسَ، وإنَّ البَولَ على النّارِ يُورِثُ السُّقْمَ.
ويُكْرَه أن يَتوَضَّأ على موضع بَوْلِه، أو يَستَنْجِيَ عليه؛ لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ به.
وتَوَقِّي ذلك كلِّه أوْلَى.
الجزء: 1 - الصفحة: 200
وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ وَلَا الْقَمَرَ،
50 - مسألة؛ قال: (ولا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ، ولا القمرَ)
لما فيهما مِن نُورِ اللهِ، وقد رُوى أنَّ معهُما مَلائكَةً، فإنِ استتَر عنهما بشيءٍ، فلا بأْسَ.
ولا يَستَقْبِلُ الريحَ؛ لِئلَّا يَتنَجَّسَ بالبولِ.
الحديث: 50 - الجزء: 1 - الصفحة: 202
وَلَا يَجُوزُ أنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ في الْفَضَاء،
51 - مسألة؛ قال: (ولا يجوزُ أن يَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ في الفَضاء)
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لما روَى أبو أيُّوبَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أتُيتُمُ الغَائِطَ، فَلا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ، ولا تَستدْبِرُوها بِبَوْلٍ ولا غائِطٍ، ولَكِنْ شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا».
قال أبو أيُّوبَ: فقَدِمْنا الشّامَ فَوَجَدْنا مَراحِيضَ قد بنييَتْ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فنَنْحَرِفُ عنها، ونَسْتَغْفِرُ اللهَ.
مُتَّفق عليه 279. ولم يَقُلْ البُخَارِيُّ: «ببولٍ ولا غائِطٍ».
وعن أبي هُريرَةَ، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا جَلَسَ أحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ، فَلَا يَستقْبِلِ القِبْلَةَ، وَلا
الحديث: 51 - الجزء: 1 - الصفحة: 203
وَفِي اسْتِدْبَارِها فِيهِ، وَاسْتِقْبَالِهَا فِي الْبُنْيَانِ رِوَايَتَانِ.
يَسْتَدْبِرْهَا».
رواه مسلمٌ (1). وقال عُرْوَةُ، وداودُ، ورَبِيعَةُ (2): يجوزُ اسْتِقْبالُها واسْتِدْبارُها؛ لما روَى جابرٌ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن نَستقْبِلَ القِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فرأيتُه قبلَ أن يُقْبَضَ بعامٍ يَسْتَقْبِلُها (3). قال التِّرمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وهذا دليل على النَّسْخِ.
ولَنا، أحادِيثُ النَّهْي، وهي صحِيحة، وحديثُ جابرٍ يَحتَمِلُ أنَّه رآه في البُنْيانِ، أو مُستتِرًا بشيءٍ، فلا يَثْبُتُ النَّسْخُ بالاحتمالِ، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه على ما ذَكَرْنا، ليكونَ مُوافِقًا لما ذُكِر مِن الأحادِيثِ.
52 -
مسألة: (وفي: اسْتِدْبارِها فيه، واسْتِقْبالِها في البُنْيانِ، رِوايَتانِ)
وجملةُ ذلك أن اسْتِدْبارَ الكَعْبَةِ بالبَولِ والغائِطِ، فيه ثلاثُ رواياتٍ؛ إحْداها، يجُوزُ في الفَضاءِ والبُنْيانِ جميعًا؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: رَقَيتُ يومًا على بيتِ حَفْصَةَ، فرأيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - على حاجَتِه،280281282
الحديث: 52 - الجزء: 1 - الصفحة: 204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُستَدْبِرَ الكَعْبةَ.
متَّفَق عليه 283. والثانية، لا يجوزُ ذلك فيهما؛ لحديثِ أبي أيُّوبَ، ولما رَوَى أبو هُرَيرةَ، عن رسولِ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلم -: «إذا جَلَسَ أحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِه، فَلا يَسْتقْبِلِ القِبْلَةَ، وَلا يَسْتَدْبِرْهَا».
رواه مسلم 284. والثالثة، يجُوزُ ذلك في البُنْيانِ، ولا يجوزُ في الفَضاءِ، وهو الصَّحيحُ.
رُوِي جوازُ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ واسْتِدْبارِها في البُنيانِ عن ابنِ عباسٍ، وابن عمرَ، رَضِي اللهُ عنهم.
وبه قال مالكٍ، والشافعيُّ، وابن المُنْذِرِ؛ لحديثِ جابرٍ، ولما روَتْ عائشةُ، أن رسولَ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلم - ذُكِر له أنَّ قومًا يَكْرَهُون اسْتِقْبال القِبْلَةِ بفُرُوجِهم، قال رسولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلم -: «أوَ قَدْ
الجزء: 1 - الصفحة: 205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَعَلُوهَا؟ اسْتَقْبِلُوا بِمَقْعَدَتِي القِبْلَةَ».
رواه أصحابُ السُّنَن 285. قال أبو عبدِ اللهِ: أحْسَنُ ما رُويَ في الرُّخْصَةِ حديثُ عائشةَ؛ فإنَّ كان مُرْسَلًا؛ فإنَّ مَخْرَجه حَسَنٌ.
إنَّما سَمّاه أبو عبدِ اللهِ مُرْسَلًا؛ لأنَّ عِراكَ بنَ مالكٍ رواه عن عائشةَ.
قال أحمدُ: ولم يَسمَعْ منها.
وروَى مَرْوانُ الأصْفَرُ، قال: رأيتُ ابنَ عمرَ أناخَ راحِلَتَه مُستَقْبِلَ القِبْلَةِ، ثم جَلَسَ يَبُولُ إليها.
فقلتُ: أبا عبدِ الرحمنِ، أليس قد نُهِيَ عن هذا؟ قال: بلى إنَّما نُهِي عن هذا في الفَضَاءِ، أمّا إذا كان بينَك وبينَ القِبْلَةِ شيء يسْتُرُك، فلا بأسَ.
رواه أبو داودَ 286. وهذا تَفسِيرٌ لنَهْي رسُولِ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلم - العامِّ، وفيه جَمْعٌ بينَ الأحاديثِ بحَمْلِ أحاديثِ النَّهْي على الفَضاءِ، وأحاديثِ الرُّخْصَةِ على البُنْيَانِ، فيَتَعَيَّنُ المَصِيرُ إليه.
وأمّا اسْتِقْبالُها في البُنيانِ، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، يجُوزُ؛ لما ذكرْنا.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
والثانية، لا يجوزُ.
وهو قولُ الثّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ؛ لعُمُومِ أحاديث النَّهْي.
والأوَّلُ أوْلَى.
الجزء: 1 - الصفحة: 206
فَإِذَا فَرَغَ، مَسَحَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى مِنْ أصْلِ ذَكَرِهِ إلَى رَأسِهِ، ثُمّ يَنْتُرُه ثَلَاثًا،
53 - مسألة؛ قال: (فإذا فَرَغَ مَسَحَ بيَدِه اليُسرى مِن أصْلِ ذَكَرِه إلى رَأسِه، ثم يَنْتره ثلاثًا)
فيَجعَل يَدَه على أصلِ الذكَرِ مِن تحتِ الأنثيَينِ، ثم يَسْلِته إلى رأسِه فيَنْتره 287 ثلاثًا برفق؛ لما روَى يَزْدَاد اليَمانِيُّ، قال: قال رسول الله - صَلَّى الله عليه وسلم -: «إذا بَال أحَدكمْ، فَلْيَنْتر ذَكَره ثَلاثَ مَراتٍ».
رواه أحمد 288.
الحديث: 53 - الجزء: 1 - الصفحة: 207
وَلَا يَمَسُّ فَرْجَهُ بِيَمِينهِ، وَلَا يَسْتَجْمِرُ بِهَا، فَإن فَعَلَ اجْزَأهُ،
54 - مسألة؛ قال: (ولا يَمَسُّ ذَكَرَه بيَمِينه، ولا يَسْتَجْمِرُ بها)
لما روَى أبو قَتادَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يُمْسِكَنَّ أحَدُكمْ ذَكَرَه بِيَمِينهِ وَهُوَ يَبول، وَلا يَتَمَسَّحُ مِنَ الخَلاءِ بِيَمِينهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 289. فإنَّ
الحديث: 54 - الجزء: 1 - الصفحة: 208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كان يَستَجْمِرُ مِن غائِطٍ أخَذَ الحَجَرَ بيَسارِه، فمَسَحَ به.
وإن كان مِن البَولِ أمْسَكَ ذَكَرَه بشِمالِه، ومَسَحَه على الحَجَرِ، فإنَّ كان الحجرُ صغيرًا، وَضَعَه بينَ عَقِبَيه أو بينَ أصابعِه ومسحَ عليه إن أمكَنَه، وإلَّا أمْسَكَ الحَجَرَ بيمينه ومسحَ بيَسارِه الذَّكَرَ عليه.
وقيل: يُمْسِكُ الذَّكَرَ بيمينه ويَمْسَحُه بيَسارِه 290. والأولُ أوْلَى؛ لما ذكرْنا مِن الحديث، ولأنه
الجزء: 1 - الصفحة: 209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا أمْسَكَ الحَجَرَ بيمينه، ومَسَحَ بيسارِه، لم يكنْ ماسِحًا بيمينه، ولا ممْسِكًا للذَّكَرِ بها.
فإنَّ كان أقْطَعَ اليسرى أو بها مَرَض، اسْتَجْمَر بيمينه للحاجَةِ.
فأمّا الاسْتِعانَة بها في الماءِ، فلا يكرَه؛ لأنَّ الحاجةَ داعِيَة إليه، فإنَّ اسْتَجْمَر بيمينه لغيرِ حاجةٍ أجْزأه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، وحُكِي عن بعض أهلِ الظّاهِرِ، أنَّه لا يجْزِئه؛ لأنه مَنْهِيٌّ عنه، أشْبَهَ ما لو اسْتَنْجَى
الجزء: 1 - الصفحة: 210
ثُمَّ يَتَحَوَّلُ عَنْ مَوْضِعِهِ، ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ، ثُمَّ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ،
بالرَّوْثِ والرِّمَّة.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الرَّوْثَ آلةُ الاسْتِجْمارِ المُباشِرَةِ للمَحَلِّ وشَرْطه، فلم يَجُزِ استعمالُ الالةِ المَنْهِيِّ عنها فيه، واليدُ ليستِ المُباشِرَةَ للمَحَلِّ، ولا شَرْطًا فيه، إنَّما يَتَناوَلُ بها الحَجَرَ المُلاقِيَ للمَحَلِّ، فصارَ النَّهْيُ عنها نَهْيَ تَأدِيب لا يَمنَعُ الإِجْزاءَ.
55 -
مسألة: (ثم يَتَحَوَّلُ عن موضِعِه؛ لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ بالخارِجِ مِنه، ثم يَسْتَجْمِرُ، ثم يَستَنْجِي بالماءِ)
الجَمْعُ بينَ الحَجَرِ والماءِ أفضَلُ؛ لأنَّ الحجرَ يُزيلُ ما غَلُظ مِن النَّجاسةِ، فلا تُباشِرُها يدُه، والماءُ يُزِيلُ ما بَقِيَ، قال أحمدُ: إن جمَعهما فهو أحَبُّ إليَّ؛ لما رُوى عن عائشةَ، أنَّها قالت للنِّساء: مُرْنَ أزْوَاجَكُنَّ أنْ يُتْبِعُوا الحِجارَةَ الماءَ مِن أثَرِ الغائِطِ والبَوْلِ، فإنِّي أستَحْيِيهِمْ 291، وإنَّ النَّبيَّ - صَلَّى الله عليه وسلم - كان يَفْعَلُه 292. قال الترمِذِي: هذا حديثٌ صحيحٌ.
الحديث: 55 - الجزء: 1 - الصفحة: 211
وَيجزئه أحَدهما،
56 - مسألة؛ قال: (ويُجْزِئُه أحَدُهما)
في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وحُكِيَ عن سعدِ بنِ أبي وَقاص، وابنِ الزُّبَيرِ 293، أنهما أنكَرا الاسْتِنْجاءَ بالماءِ.
قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ: وهل يَفعَلُ ذلك إلَّا النِّساءُ؟ وقال عطاء: غَسْلُ الدُّبُرِ محْدَثٌ.
والأول أوْلَى؛ لما روَى أنس، قال:
الحديث: 56 - الجزء: 1 - الصفحة: 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كان النبي - صَلَّى الله عليه وسلم - يَدخُلُ الخَلاءَ فأحْمِلُ أنا وغلامٌ نَحْوي إدَاوَةً 294 مِن ماءٍ وعَنَزَةً 295، فيَسْتَنْجِي بالماءِ.
متَّفَقٌ عليه 296. ولما ذكرْنا مِن حديثِ عائشةَ.
ورَوى أبو هُرَيرَةَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «نَزَلَتْ هذه الآيَةُ في أهْلِ قُباءَ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ 297. قال: كانوا يَسْتَنْجُونَ بالماءِ فَنَزَلَتْ فِيهِم هذه الآيةُ».
رواه أبو داودَ 298. ورُوى عن ابنِ 299 عمرَ أنّه كان لا يَفْعَلُه، ثم فَعَلَه، وقال لنافِع: إنَّا جَرَّبْناه فوَجَدْناه صالِحًا.
ولأنه يُطَهِّرُ النجاسةَ في غيرِ مَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ، فجازَ في محَلِّ الاستنجاءِ قِياسًا عليه.
فأمّا الاقْتِصارُ على الاسْتِجْمارِ، فهو جائِز بغيرِ خلافٍ بينَ أهلِ العلمِ؛ لما يُذْكَرُ مِن الأخْبارِ، وهو إجْماعُ الصحابةِ، رَضِي اللهُ عنهم.
ومتى أرادَ الاقْتِصارَ على أحَدِهما فالماءُ أفضَلُ؛ لما روَينا مِن الأحاديثِ، ولأنه يُزِيلُ العينَ والأثَرَ، ويُطَهِّرُ المَحَلَّ، وأبلَغُ في التنظيفِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 213
إلا أنْ يَعْدُوَ الْخَارِجُ مَوْضِعَ الْعَادَةِ، فَلَا يُجْزِئُ إلا الْمَاءُ.
57 - مسألة، قال: (إلا أن يَعْدُوَ الخارِجُ موضعَ العَادَةِ، فلا يُجْزِئُ إلا الماءُ)
مِثْلُ أنْ ينْتَشِرَ إلى الصَّفْحَتَينِ، أو يَمْتَدَّ في الحَشَفَةِ كثيرًا.
وبهذا قال الشَّافعي، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ الاسْتِجْمارَ في المَحَلِّ المُعْتادِ رُخْصَةٌ لأجْلِ المَشَقَّةِ في غَسْلِه، لتَكَرُّرِ النجاسةِ فيه، فما لا يَتكَرَّرُ لا يُجْزِئُ فيه إلَّا الماءُ كَساقِه، ولذلك قال عليٌّ، رَضِي الله عُنه: إنَّكُم كُنتُم تَبْعَرُونَ بَعْرًا، وأنتم اليومَ تَثْلِطُونَ ثَلْطًا، فأتْبِعُوا الماءَ الأحْجارَ 300. فأمّا قولُه، - عليه السلام -: «يَكْفِي أحَدَكُمْ ثَلاثةُ أحْجَارٍ» 301. يُحمَلُ على ما إذا لم يَتجاوَزْ موضعَ العادةِ؛ لما ذكرْنا.
الحديث: 57 - الجزء: 1 - الصفحة: 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والمرأةُ البِكْرُ كالرجلِ؛ لأنَّ عُذْرَتَها تمنعُ انْتِشارَ البَولِ.
فأمّا الثَّيِّبُ، فإنَّ خَرَج البَولُ بحِدَّةٍ ولم يَنْتَشِرْ، فكذلك، وإنْ تَعَدَّى إلى مَخْرَجِ الحَيض، فقال أصحابُنا: يجِبُ غَسْلُه؛ لأنَّ مَخرَجَ الحَيض غير مَخْرَجِ البولِ.
قال شيخنا: ويَحتَمِلُ أن لا يجبَ؛ لأنَّ هذا عادَةٌ في حقِّها، فكَفَى فيه الاستِجْمارُ، كالمُعْتادِ في غيرِها، ولأنَّ الغَسْلَ لو لَزِمَها لبَينَّهَ النَّبيُّ - صَلَّى الله عليه وسلم - لأزْواجِه؛ لكَوْنِه مِمّا يُحْتاجُ إلى مَعْرِفَتِه.
وإن شَكَّ في انْتِشارِ الخارِجِ لم يجبِ الغَسْلُ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُه، والأوْلَى الغَسْلُ احْتِياطًا 302.
الجزء: 1 - الصفحة: 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فصل: والأقْلَف إن كانت بَشَرَتُه لا تَخْرج مِن قلْفَتِه فهو كالمُخْتَتِنِ، وإن كان يُمْكِنُه كَشفُها كَشَفَها، فإذا بال واسْتَجْمَر أعادَها، وإن تَنَجَّسَتْ بالبَولِ لَزِمَه غَسْلُها، لو انتشر إلى مُعْظَمِ الحَشفَةِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإنِ انْسَدَّ المَخرَجُ المُعْتادُ وانْفَتَح آخرُ، لم يَجُزْ فيه الاسْتِجْمارُ، وحُكِي عن بعضِ أصحابِنا، أنَّه يُجْزِئُه؛ لأنَّه صار مُعتادًا.
ولَنا، أنَّ هذا نادِرٌ بالنِّسْبَةِ إلى سائرِ الناس، فلم يَثْبُتْ فيه أحكام الفَرْجِ، ولأنَّ لَمْسَه لا يَنقُض الوضوءَ، ولا يَتَعَلَّق بالإيلاجِ فيه شيءٌ مِن أحكامِ الوَطْءِ، أشْبَهَ سائِرَ البَدَنِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 217
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والأوْلَى أن يَبدَأ الرجلُ بالاسْتِنْجاءِ في القُبُلِ؛ لِئَلَّا تَتلَوَّثَ يدُه إذا شَرَع في الدُّبُرِ، لأنَّ قُبُلَه بارِز.
فأمّا المرأةُ فهي مُخَيَّرة في البِدايه بأيهما شاءت؛ لعَدَمِ ذلك فيها.
وإذا اسْتَنْجَى بالماء ثم فرَغ، استُحِبَّ له دَلْكُ يدِه بالأرض؛ لما روتْ مَيمُونَةُ، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَل ذلك.
رواه البُخارِيّ 303. ويُسْتَحَبُّ أن يَمْكُثَ قليلًا قبلَ الاستِنْجاءِ، حَتَّى ينْقَطِعَ أثر البَولِ، فإنِ اسْتَنْجَى عَقِيبَ انقِطاعِه جازَ؛ لأنَّ الظاهِرَ انقِطاعُه، وقد
الجزء: 1 - الصفحة: 218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قيل: إنَّ الماءَ يَقْطَعُ البولَ، ولذلك سُمِّيَ الاسْتِنْجاءُ انْتِقاصَ 304 الماءِ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَنْضَحَ على فَرْجه وسَراويله بعدَ الاسْتِنْجاء، ليُزِيلَ عنه الوَسْواسَ.
قال حَنْبَلٌ: سأَلتُ أحمدَ، قلتُ: أتوَضَّأ وأسْتَبْرِيء، وأجدُ في نَفْسِي أني قد أحْدَثْتُ بَعدُ؟ قال: إذا تَوَضَّأتَ فاسْتَبرِئ، ثم خُذْ كَفًّا مِن ماءٍ، فرُشَّه في فَرُجِك لا 305 تَلْتَفِتْ إليه، فإنَّه يَذْهَبِ إن شاءَ اللهُ.
وقد روَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقال: يا مُحَمَّدُ، إذا تَوَضَّأتَ فَانتضِحْ».
حديث غريبٌ 306.
الجزء: 1 - الصفحة: 219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فصل: وَإذا اسْتَنْجَى بالماء لم يَحْتَجْ إلى التُّرابِ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه استَعْمَلَ الترابَ مع الماءِ في الاسْتِنْجاءِ، ولا أمَرَ به.
الجزء: 1 - الصفحة: 220
وَيَجُوزُ الاسْتِجمَارُ بِكُلِّ طَاهِرٍ يُنْقِي؛ كَالْحَجَرِ، وَالْخَشَبِ، وَالْخِرَقِ،
58 - مسألة؛ قال: (ويجوزُ الاسْتِجْمارُ بكلِّ طاهرٍ يُنْقِي، كَالحَجَرِ، ونَحْوه الخَشبُ والْخِرَقُ)
أمّا الاسْتِجْمارُ بالأحْجارِ، فلا خلافَ فيه، فيما علمنا، وذلك لما رُوى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا ذَهَبَ أحَدُكُم إلى الغَائِطِ، فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلاثةِ أحْجَارٍ، فَإنَّها تُجْزِئ عَنْه».
رواه أبو داودَ 307 أ. فأمَّا الاسْتِجْمارُ بما سِواها، كالخَشَبِ والخِرَقِ وما في معناها مِمَّا يُنْقِي، فهو جائِزٌ في الصَّحيحِ مِن المذهب، وقولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وعنه، لا يُجْزِئُ إلَّا الأحْجارُ.
اخْتارَها أَبو بكرٍ، وهو مذهبُ داودَ؛ لأنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بالأحْجارِ، وأمْرُه يَقْتَضِي الوُجُوبَ.
ولأنَّه مَوْضِعُ رُخْصَةٍ، وردَ الشرعُ فيها بآلةٍ مَخصُوصَةٍ، فوَجَبَ الاقْتِصارُ عليها، كالترابِ في التَّيَمُّمِ، وقِياسًا على رَمْي الجِمارِ.
الحديث: 58 - الجزء: 1 - الصفحة: 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولَنا، ما روَى طاوُسٌ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا أتى أحَدُكُمُ البَرَازَ، فَلْيُنَزِّه قِبْلَةَ اللهِ، فَلا يَسْتَقْبِلْهَا وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، ولْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أحْجَارٍ، أو ثَلَاثَةِ أَعْوادٍ، أو ثَلَاثِ حَثَياتٍ مِنْ تُرابٍ».
رواه الدَّارَقُطْنِي 308، قال: وقد رُوِيَ عن ابن عباس مرفوعًا، والصحيحُ أنه مُرسَلٌ.
وفي حديثِ سَلْمانَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنَّه لَيَنْهانا أن نَسْتَنْجِيَ بأقلَّ مِن ثَلَاثَةِ أحْجارٍ، وأن نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أو عَظْم.
رواه مسلمٌ 309. وتَخْصِيصُ هذين بالنَّهْي يدُلُّ على أنه أرادَ الحِجَارَةَ وما قام مَقامَها، وَإلَّا لم يكنْ بتَخْصِيصِ هذين بالنَّهْي معنًى.
ولأنَّه متى وَرَدَ النَّصُّ بشيءٍ لمعنًى معقول، وَجَب تَعْدِيَتُه إلى ما وُجِدَ فيه المعنى، والمعنى ههُنا إزالةُ عينِ النجاسةِ، وهذا يحصُلُ بغيرِ الأحْجارِ كحُصُولِه بها، فأمّا التَّيَمُّم فإنَّه غيرُ معقول.
فصل: ويُشتَرطُ فيما يُسْتَجْمَرُ به أن يكونَ طاهِرًا، كما ذكر، فإنَّ كان نَجِسًا لم يُجْزِئْه الاسْتِجْمارُ به.
وبهذا قال الشَّافعي.
وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه؛ لأنَّه يُجَفِّفُه كالطاهِرِ.
وَلَنا، أنَّ ابنَ مسعودٍ جاء إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بحَجَرَين ورَوْثَةٍ ليَسْتَجْمِرَ بها، فأخذَ الحَجَرَين 310 وألْقَى الرَّوْثَةَ،
الجزء: 1 - الصفحة: 222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال: «هَذَا رِكْسٌ».
يعني نَجِسًا.
رواه الترمِذِي 311. وهذا تعليل مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَجِبُ المصيرُ إليه.
ولأنَّه إزالةُ نجاسةٍ، فلا تَحْصُلُ بالنجِس كالغَسْلِ.
فإنَّ اسْتَجْمَر بنَجِس، احْتَمَل أن لا يُجْزِئَه الاسْتِجْمارُ بعدَه؛ لأنَّها نَجاسة مِن خارجٍ، فلم يَجُز فيها غيرُ الماءِ، كما لو تَنَجَّسَ المَحَلُّ بها ابتداءً، ويَحتَمِلُ أن يُجْزِئَه؛ لأنَّ هذه النجاسةَ تابِعة لنجاسةِ المَحَلِّ، فزالتْ بِزَوالِها.
ويُشترطُ أن يكونَ ممَّا يُنْقِي؛ لأنَّ الإِنْقَاءَ شرط في الاسْتِنْجاءِ، فإنَّ كان زَلِجًا، كالزُّجاجِ والفَحْمِ الرِّخْو وشِبْهِهما مِمَّا 312 لا يُنْقِي أو نَدِيًّا 313، لم يَجُز في الاسْتِجْمارِ؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ به المقصودُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 223
إلا الرَّوْثَ، وَالْعِظَامَ، وَالطَّعَامَ، وَمَالهُ حُرْمَةٌ، وَمَا يَتَّصِلُ بِحَيَوَانٍ.
59 - مسألة؛ قال: (إلا الرَّوْثَ والعِظامَ والطُّعامَ، وما له حُرمَةٌ، وما يَتَّصِلُ بحَيَوانٍ)
وجملةُ ذلك أنه لا يجُوزُ الاسْتِجْمارُ بالرَّوْثِ ولا العِظامِ ولا يُجْزِئُ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وبهذا قال الثَّوْرِيّ، والشافعيّ، وإسحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ الاسْتِجْمارُ 314 بهما؛ لأنَّهما يُجَفِّفان النَّجاسةَ، ويُنْقِيان المَحَلَّ، فهما كالحَجَرِ.
وأباحَ مالكٌ الاستنْجاءَ بالطَّاهِرِ منهما.
ولَنا، ما روَى مسلمٌ 315، عن ابنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلا بالعِظَام؛ فإنَّه زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنَ الجِنِّ».
ورَوَى الدَّارَقُطْنِي 316 أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أنْ يُسْتَنْجَى برَوْثٍ أو عَظْم، وقال: «إنَّهُما لا يُطَهِّرانِ».
وقال: إسنادٌ صحيح.
ورَوَى أبو داوُد 317، عنه - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال لرُوَيفِع.
بنِ ثابِتٍ: «أخْبِرِ النَّاسَ، أنه مَنِ اسْتَنْجَى برَجِيع أو عَظْم، فهُوَ بَرِئٌ مِنْ مُحَمَّدٍ».
وهذا عام في الطَّاهِرِ مِنْهما وغيرِه، والنَّهْيُ يَقْتَضِي الفَسادَ
الحديث: 59 - الجزء: 1 - الصفحة: 224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعَدَمَ الإجْزاء.
وكذلك الطعامُ يَحْرُمُ الاسْتِنْجاءُ به بطريقِ التنبِيهِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَّلَ النَّهْيَ عن الرَّوْثِ والرِّمَّةِ بكَوْنِه زادَ الجِنِّ، فَزادُنا أولَى، لكوْنِه أعْظَمَ حُرْمَةً.
فإنَّ قِيل: فقد نَهَى عن الاسْتِجْمارِ باليَمِينِ، كنَهْيِه عن الاستجمارِ بهذينِ، ولم يَمْنَعْ ذلك الإِجْزاءَ.
فعنه جوابان؛ أحدُهما، إنّه قد بيَّن في الحديث أنهما لا يُطَهِّران.
الثاني، الفرقُ بينَهما، وهو أنَّ النَّهْيَ ههُنا لمعنًى في شَرْطِ الفِعلِ، فمَنَعَ صِحَّتَه، كالنَّهْي عن الوُضوءِ بالماءِ النَّجِس، وثَمَّ لمعنًى في آلةِ الشرط، فلم يَمْنَعْ، كالوُضوءِ مِن إناءٍ مُحَرَّم.
وكذلك ما لَهُ حُرْمَةٌ؛ مِثْلُ كُتُبِ الفِقْهِ والحدِيثِ؛ لما فيه مِن هَتْكِ الشَّريعةِ والاسْتِخْفافِ بِحُرْمَتِها، فهو في الحُرْمَةِ أعْظَمُ مِن الرَّوْثِ والرِّمَّةِ، وكذلك ما يَتَّصِلُ بحيوانٍ كعَقِبِه ويَدِه وذَنَبِ البَهِيمةِ وصُوفِها المُتَّصِلِ بها؛ لأنَّ له حُرْمَةً، فهو كالطَّعامِ [وقد يُنَجِّس الغَيرَ] 318.
الجزء: 1 - الصفحة: 225
وَلَا يُجْزِيء أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ، إِمَّا بِحَجَرٍ ذِى شُعَبٍ، أَوْ بِثَلَاثَةٍ.
60 - مسألة: (ولا يُجْزِئُ أقلُّ مِن ثلاثِ مَسَحاتٍ، إمّا بحَجَر ذي شُعَبٍ أو بثلاثةٍ)
أما الاسْتِجْمارُ بثلاثةِ أحْجارٍ، فيُجْزِئ إذا حَصَل بها الإِنْقاءُ، بغيرِ خلافٍ علمْناه، لما ذكرْنا مِن النَّصِّ والإجماعِ.
فأمّا الحَجَرُ الذي له ثلاثُ شُعَبٍ، فيُجْزِئ 319 الاسْتِجْمارُ به في ظاهِرِ المذهبِ.
وهو اختيارُ الخِرَقِيِّ، ومذهبُ الشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْر.
وعن أحمدَ رواية أخرَى، لا يُجْزِئ أقَلُّ مِن ثلاثةِ أحْجارٍ.
وهو قولُ أبي بكرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَسْتَنْجِ أحَدُكُمْ بدُونِ ثَلاثَةِ أحْجَارٍ».
رواه مسلم 320 و «لا يَكْفِي أحدَكُمْ دُون ثَلاثَةِ أحْجارٍ» 321. ولأنَّه إذا اسْتَجْمَر بالحَجَرِ تَنَجَّس، فلم يَجُزِ الاسْتِجْمارُ به ثانيًا، كالصَّغِيرِ.
ولَنا، أنه اسْتَجْمَرَ ثلاثًا مُنْقِيَةً بما وُجِدَ فيه شُرُوطُ الاسْتِجْمارِ، فأجْزَأه، كما لو فَصَلَه ثلاثةَ أحجارٍ، واسْتَجْمَرَ بها، فإنَّه لا فرقَ بينَهما إلَّا فَصْلُه، ولا أثَرَ لذلك
الحديث: 60 - الجزء: 1 - الصفحة: 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في التَّطهيرِ، والحديثُ يَقْتَضِي ثلاثَ مَسَحاتٍ بحَجَرٍ، كما يُقال: ضَرَبْته ثلاثةَ أسْواطٍ.
أي ثلاثَ ضَرَباتٍ بسَوْطٍ، وذلك لأنَّ معناه معقولٌ، ومُرادَه معلومٌ، والحاصلُ مِن ثلاثةِ أحْجارٍ حاصِلٌ مِن ثلاثِ شُعَبٍ، ومِن مَسْحِه ذَكره في صَخْرَةٍ عَظِيمةٍ، بثَلاثةِ مَواضِعَ مِنها، فلا معنى للجُمُودِ على اللَّفْظِ مع وُجُودِ ما يُساويه.
وقولُهم: إنَّ الحَجَرَ يَتَنَجَّس.
قُلْنا: إنَّما يَمْسَحُ بالموضع الطاهِرِ، أشْبَهَ ما لو تَنَجَّسَ جانِبُه بغيرِ الاسْتِجْمارِ.
ولأنَّه لو اسْتَجْمَرَ به ثلاثة، لحَصَلَ لكلِّ واحدٍ مِنهم مَسْحَةٌ، وقام مَقامَ ثلاثةِ أحْجارٍ، فكذلك إذا اسْتَجْمَرَ به الواحِدُ.
فصل: ولو اسْتَجْمَرَ ثلاثةٌ بثلاثةِ أحْجارٍ، لكلِّ حَجَرٍ ثلاثُ شُعَبٍ، اسْتَجْمَرَ كلُّ واحدٍ بشُعْبَةٍ مِن كُلِّ 322 حَجَرِ، أو اسْتَجْمَرَ بحَجَر ثم غَسَلَه، أو 323 كَسَر ما تَنَجَّسَ منه، ثم اسْتَجْمَرَ به ثانيًا، ثم فعل ذلك واسْتَجْمَر به ثلاثًا، أجْزأه؛ لحُصُولِ المعنى والإِنْقَاءِ.
ويَحْتَمِلُ على قولِ أبي بكرٍ أن لا يُجْزئَه، جُمُودًا على اللَّفْظِ، وهو بعيدٌ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُشْتَرَطُ للاسْتِجْمارِ الإِنْقاءُ، وكمالُ العَدَدِ.
ومعنى الإِنْقاء في الاسْتِجْمارِ: إزالةُ عينِ النجاسةِ وبَلَلِها، بحيث [يَرْجِعُ الحَجَرُ] 324 نَقِيًّا، ليس عليه أثر إلَّا شيئًا يَسِيرًا.
ومعنى الإِنْقاءِ في الاسْتِنْجاءِ ذَهابُ لُزُوجَةِ النَّجاسَةِ وآثارِها.
فإنَّ وُجِدَ الإِنقاءُ، ولم يَكْمُلِ العَدَدُ، لم يُجْزِئ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وقال مالكٌ: يُجْزِئ.
وبه قال داوُد؛ لحُصُولِ المقْصُودِ، وهو الإِنْقاءُ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَن فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ، وَمَنْ لا فَلا حَرَجَ» 325. ولَنا، قَوْلُ سلْمانَ: لقد نَهانا -يعني النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ نَسْتَجْمِرَ بأقَلَّ مِن ثلاثةِ أحْجارٍ 326. فأمّا قوله: «فَلا حَرَجَ».
في حديثهم، يعني في تَرْكِ الوتْرِ، لا في تركِ العَدَدِ؛ لأنَّ المأمُورَ به في الخَبَرِ الوترُ، فيَعُودُ نَفْيُ الحَرجِ إليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 229
فَإِنْ لَمْ يُنْقِ بِهَا، زَادَ حَتَّى يُنْقِىَ.
وَيَقْطَعُ عَلَى وتْرٍ.
61 - مسألة؛ قال: (فإنَّ لم يُنْقِ بها، زادَ حتَّى يُنْقِىَ)
لأنَّ المقصودَ إزالةُ آثارِ النجاسةِ، فإذا لم يُنْقِ لم يَحْصُلْ مقصودُ الاسْتِجْمارِ.
62 -
مسألة؛ قال: (ويَقْطعُ على وتْرٍ)
لما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ».
متَّفَقٌ عليه 327. وهو مُسْتَحَب غيرُ واجبٍ؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَل فقد أحْسَنَ، ومَنْ لا فَلا حَرَجَ».
رواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داوُدَ.
فَيَسْتَجْمِرُ 328 ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو تسعًا، فإنَّ أنقَى بشَفْع أجْزأ؛ لما ذكرنا.
فصل: وكَيفَما حَصَل الإِنْقاءُ في الاسْتِجْمارِ أجْزأ، وذَكَر القاضي أنَّ المُسْتَحَبَّ أن يُمِرَّ الحَجَرَ الأوَّلَ، مِنْ مُقَدَّمِ صَفْحَتِه اليُمْنَى إلى مُوخَّرِها، ثم يُدِيرَه على اليُسْرَى، حتَّى يَصِلَ به إلى الموضِع الذي بَدَأ مِنه، ثم يُمِرَّ الثانِىَ مِن مُقَدَّمِ صَفْحَتِه اليُسْرَى كذلك، ثُمَّ يُمِرَّ الثالثَ على المَسْرَبَةِ والصَّفْحَتَينِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أوَلا يَجِدُ أحَدُكُمْ حَجَرَينِ للصفْحَتَينِ، وَحَجَرًا للمَسْرَبةِ».
روَاه الدّارَقُطْنِي 329، وقال: إسناد حسن.
وذكر الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ، وابنُ عَقِيل، أنَّه يَنْبَغِي أن يَعُمَّ المَحَلَّ
الحديث: 61 - الجزء: 1 - الصفحة: 230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بكلِّ واحدٍ مِن الأحْجارِ؛ لأنَّه إذا لم يَعُمَّ به 330 كان تَلْفِيقًا، وتَكُونُ 331 مَسْحَةً واحدَة.
وقالا: معنى الحديثِ البدايةُ بهذه المواضِعِ.
قال شيخُنا: ويَحْتَمِلُ أنْ يُجْزِئَه لكُلِّ جِهَةٍ مَسْحَةٌ؛ لظاهِرِ الخَبَرِ.
واللهُ أعلمُ 332.
فصل: ويُجْزِئ الاسْتِجْمارُ في النّادِرِ، كإجْزائِه في المُعْتادِ.
ولأصحابِ الشافعيِّ وَجْه، أنَّه لا يُجْزِئُ في النّادِرِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 333: يَحْتَمِلُ أن يكونَ قولَ مالكٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بغَسْلِ الذَّكَرِ مِن المَذْىِ، وظاهرُ الأمْرِ الوجوبُ، ولأنَّ النّادِرَ لا يَتَكَرَّرُ، فلا يَشُقُّ اعْتِبارُ الماءِ فيه، فوَجَبَ كغيرِ هذا المَحَلِّ.
ولَنا، أنَّ الخَبَرَ عام في الكُلِّ.
ولأنّ الاسْتِجْمارَ في النّادرِ إنَّما وَجَب لما صَحِبَه مِن بِلَّةِ المُعْتادِ، ثم إنْ لم يَشُقَّ فهو في مَحَلِّ المَشَقَّةِ، فيُعْتَبَرُ مَظِنَّةُ المَشَقَّةِ دونَ حَقِيقَتِها، كما جازَ الاسْتِجْمارُ على نَهْرٍ جارٍ.
وأمّا المَذْىُ فمُعْتادٌ كثيرٌ، ورُبَّما كان في بعض النَّاسِ أكثرَ مِن البَوْلِ، ولهذا أوْجَبَ مالِكٌ مِنه الوُضُوءَ، وهو لا يُوجِبُه مِن النّادِرِ، فيُجْزِئ فيه الاسْتِجْمارُ قياسًا على سائِرِ المُعْتادِ، والأمْرُ مَحْمُولٌ على الاسْتِجْبابِ، جَمْعًا بينَه وبينَ ما ذكرْنا.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 231
وَيَجِبُ الاسْتِنْجَاء مِنْ كُلِّ خَارِجٍ، إلا الرِّيحَ،
63 - مسألة؛ قال: (ويَجِبُ الاسْتِنْجاءُ مِن كل خارِج إلا الرِّيحَ)
سَواءٌ كان معْتادًا، كالبَوْلِ والغائِطِ، أو نادِرًا كالحَصَا والدُّودِ والشَّعَرِ، رَطْبًا كان أو يابِسًا، فلو وَطِئ امْرَأتَه دونَ الفَرْجِ، فدَبَّ مَاؤه إلى فَرْجِها، ثم خَرَجَ منه، فعَلَيها 334 الاسْتِنْجاءُ.
هذا ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وصَرَّحَ به القاضي وغيرُه.
ولو أدْخَلَ المِيلَ في ذَكَرِه ثم أخْرَجَه، لَزِمَه الاسْتِنْجاءُ؛ لأنّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، فأشْبَهَ الغائِطَ المُسْتَحْجِرَ.
والقياسُ أن لا يَجبَ الاسْتِنْجاء مِن ناشِفٍ لا ينَجِّسُ المَحَلَّ، وهو قول الشافعيِّ.
وهَكذا 335 الحكْم في الطّاهِرِ، وهو المَنِيّ إذا حكَمْنا بطَهارَتِه، لأنَّ الاسْتِنْجاءَ إنَّما شُرِعَ لإزالةِ النَّجاسَةِ، ولا نَجاسَةَ ها هنا، ولأنَّه لم يَرِدْ به نَص، ولا هو في معنى المَنْصوصِ.
والقولُ بوجوبِ الاسْتِنْجَاء في الجملةِ قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ.
وحُكِيَ عن ابنِ سِيرِينَ، في مَن صَلَّى بقَوْم ولم يَسْتَنْجِ: لا أعلمُ به بَأسًا.
وهذا يَحْتَمِلُ أن يكونَ في مَن لم يَلْزَمْه الاسْتِنْجاءُ، كمَنْ تَوَضَّأ مِن نَوْم أو خُروجِ
الحديث: 63 - الجزء: 1 - الصفحة: 232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رِيح، ويَحْتَمِلُ أنَّه لم يَرَ وجوبَ الاسْتِنْجاءِ.
وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لِقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ، وَمَنْ لا فَلا حَرَجَ».
رواه أبو داوُدَ 336. ولأنَّها نَجاسَةٌ يُجْزِئ المَسْحُ فيها، فلم يَجِبْ إزالتُها كيَسِيرِ الدَّمِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ذهب أحَدُكُمْ إلى الغَائِطِ، فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلاثةِ أحْجَارٍ، فإنَّها تُجْزِيء عَنْهُ».
رواه أبو داوُدَ 337 وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَسْتَنْجِ أحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلاثَةِ أحْجَارٍ» روَاه مُسلِمٌ 338. أمْرٌ، والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ.
وقال: «فإنَّها تُجْزِيء عنه».
والإجْزاءُ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الواجِبِ، ونَهَى عن الاقْتِصارِ على أقَلَّ مِن ثلاثةِ أَحْجارٍ، والنَّهىُ يَقْتَضِى التَّحْرِيمَ.
وإذا حَرُمَ تَرْكُ بعضِ النَّجاسَةِ، فالجميعُ أوْلَى، فأمَّا قولُه: «لا حَرَجَ».
يَعنى في تَرْكِ الوتْرِ، وقد ذكرْناه.
وأمَّا الاجْتِزاءُ بالمَسْحِ فيه، فلمَشَقَّةِ الغَسْلِ؛ لتَكَرُّرِ النجاسةِ في مَحَل الاسْتِنْجاءِ.
فأمّا الرِّيحُ فلا يَجِبُ لها اسْتِنْجاءٌ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
قال أبو عبدِ اللهِ: ليس في الرِّيح اسْتِنْجاء في كتابِ اللهِ، ولا في سُنَّةِ رسولِه، وقد رُوى عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قَال: «مَنِ اسْتَنْجَى مِنْ رِيح فَلَيسَ مِنَّا».
رواه الطَّبرانِيُّ، في «المُعْجَمِ الصَّغِيرِ» 339. وعن زَيدِ بن
الجزء: 1 - الصفحة: 233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أسْلَمَ 340، في قولِه تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾: إذا قُمْتُمْ مِن النَّوْمِ 341. ولم يأمُرْ بغيرِه، فَدَلَّ على أنَّه لا يَجِبُ، ولأنَّ الوُجُوبَ مِن الشَّرعِ، ولم يَرِدْ فيه نَصٌّ، ولا هو في مَعْنى المَنْصُوص.
ولأنَّها ليست نَجِسَةً، ولا تَصْحَبُها نَجاسَةٌ، فلا يَجِبُ غَسْلُ المَحَلِّ مِنها، كسائِرِ المَحالِّ الطّاهِرَةِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 234
فَإِنْ تَوَضَّأ قَبْلَهُ فَهَلْ يَصِحُّ وُضُوءُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
64 - مسألة؛ قال: (فإن تَوَضَّأ قبلَه، فهل يَصِحُّ وُضُوءُه؟ على رِوايَتَين)
يَعني: إن تَوَضَّأ قبل الاسْتِنْجَاءِ؛ إحْداهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّها طَهارَةٌ يُبْطِلُها الحَدَثُ، فاشْتُرِطَ تَقْدِيمُ الاسْتِنْجاءِ عليها، كالتَّيِمُّمِ.
الحديث: 64 - الجزء: 1 - الصفحة: 235
وَإنْ تَيَمَّمَ قَبْلَهُ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَينِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، وَجْهًا وَاحِدًا.
والثانيةُ، يصِحُّ.
وهي أصَحُّ، وهي مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنها إزالةُ نَجاسَةٍ، فلم تُشترَطْ لصِحَّةِ الطهارَةِ، كالتي على غيرِ الفَرْجِ.
فعلى هذه الرِّواية إن قَدَّمَ التيَّمِّمَ خُرِّجَ على الرِّوايَتَين؛ إحْداهما، يَصِحُّ، قياسًا على الوُضُوءِ.
والثانيةُ، لا يَصِحُّ؛ لأنه لا يَرْفَعُ الحَدَثَ، وإنَّما تُسْتَباحُ به الصَّلاةُ، فلا 342 تُباحُ مع قِيامِ المانِع، كما لو تَيَمَّمَ قبلَ الوَقْتِ،
الجزء: 1 - الصفحة: 236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل في التَّيَمُّمِ: لا يَصِحُّ.
وَجْهًا واحدًا؛ لما ذَكَرْنا.
وإن كانت النجاسةُ على غيرِ الفَرْجِ، فهو كما لو كانت على الفرجِ، ذَكَرَها ابنُ عَقِيلٍ؛ لِما ذكرْنا مِن العِلَّةِ.
قال شيخُنا: والأشْبَهُ التَّفْرِيقُ بينَهما، كما افْتَرَقا في طَهارَةِ الماءِ، ولأنَّ نجاسةَ الفَرْجِ سَبَبُ وجوبِ التَّيَمُّمِ، فجازَ أن يكونَ بَقاؤُها مانِعًا مِنه، بخلافِ سائِرِ النَّجاساتِ 343. واللهُ أعلمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 237
بَابُ السِّوَاكِ، وَسنَّةِ الْوُضُوءِ
السِّوَاكُ مَسْنُونٌ فِي جَمِيعِ الأوْقَاتِ، باب السِّواك وسُنَّة الوضوء
65 -
مسألة؛ قال: (والسِّواكُ مَسْنُونٌ في جميع الأوقاتِ)
لا نَعْلَمُ خلافًا في استحْبابِه وتَأكُّدِه، وذلك لما رُوى عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِي اللهُ عنه، عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «السِّواكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ».
رَواه الإمامُ أحمدُ 344. وعن عائشةَ، قالت: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا دَخَلَ بَيتَه بَدَأ بالسِّواكِ.
رواه مسلم 345. ورَوَى ابنُ ماجَه 346، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنّه قال: «إنِّي لأسْتَاكُ، حَتَّى لَقَدْ خَشِيتُ أنْ أُحْفِىَ مَقَادِمَ فَمِي».
الحديث: 65 - الجزء: 1 - الصفحة: 239
إلا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ، فَلَا يُسْتَحَبُّ،
66 - مسألة؛ قال: (إلَّا للصَّائِمِ بعدَ الزَّوالِ، فلا يُسْتَحَبُّ)
قال ابن عَقِيل: لا يَخْتَلِف المذهبُ، أنّه لا يُسْتَحَبُّ للصّائِمِ السِّواك بعدَ
الحديث: 66 - الجزء: 1 - الصفحة: 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الزَّوَالِ؛ لما نَذْكُرُه.
وهل يُكْرَهُ؟ على رِوايتَين؛ إحْداهما، يُكْرَه.
وهو قولُ الشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ؛ لما رُوى عن عُمَرَ، رَضِي اللهُ عنه، أنه قال: يَسْتاكُ ما بَينَه وبينَ الظُّهْر، ولا يَسْتاكُ بعدَ ذلك.
ولأنَّ السِّواكَ إنَّما اسْتُحِبَّ لإزالةِ رائِحَةِ الفَمِ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «لَخُلوف فَم الصَّائِمِ أطْعَبُ عِندَ الله مِنْ رِيحِ المِسْكِ».
رواه الترمِذِيُّ 347، وقال:
الجزء: 1 - الصفحة: 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حديث حسنٌ.
وإزالةُ المُسْتَطابِ عندَ الله مَكْرُوهٌ، كدَمِ الشُّهَدَاءِ وشَعَثِ الإِحْرامِ.
والثانية، لا يُكْرَهُ.
وهو قولُ النَّخَعِيِّ، وابنِ سِيرِينَ، وعُرْوَةَ، ومالِكٍ، وأصحاب الرَّأىِ.
ورُوِي ذلك عن عمرَ، وابنِ عباسٍ، وعائشة، رَضِي اللَّهُ عنهم؛ لعُمُومِ الأحادِيثِ المَرْويَّة في السِّواكِ، ولقولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مِنْ خَيرِ خِصَالِ الصَّائِم السِّوَاكُ».
رواه ابنُ ماجَه 348. وقال عامِرُ بنُ رَبِيعَةَ: رأيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - , ما لا أُحْصي، يَتَسَوَّكُ وهو صَائِمٌ.
رواه الترمِذِيُّ 349، وقال: حديثٌ حسنٌ.
فصل: أكثرُ أهلِ العِلْمِ يروْن السِّواكَ سُنَّةً، غيرَ واجبٍ، ولا نَعْلَمُ أحدًا قال بوُجُوبِه إلَّا إسحاقَ، وداوُدَ؛ لأنّه مأمُورٌ به، والأمْرُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ.
ورَوَى أبو داوُد، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أُمِرَ بالوُضُوءِ عندَ كلِّ صلاةٍ، طَاهِرًا وغيرَ طاهِرٍ، فلَمّا شَقَّ ذلك عليه، أُمِرَ بالسِّوَاكِ عندَ كلِّ صَلاةٍ 350. ووَجْهُ الأوَّلِ قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْلا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي
الجزء: 1 - الصفحة: 242
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأمَرْتُهُم بالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ».
متَّفَقٌ عليه 351. ورَوَى الإمامُ أحمدُ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَوْلا أنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَفَرَضْتُ عَلَيهِمُ السِّوَاكَ، كما فَرَضْت عَلَيهِمُ الوُضُوءَ» 352. وهذان الحدِيثان يَدُلّان على أنّه غيرُ واجبٍ؛ لأن المَشَقَّةَ إنّما تَلْحَقُ بالواجب، ويَدُلُّ على أنَّ الأمْرَ في حَدِيثهِم أمرُ نَدْبٍ واسْتِحْبابٍ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ ذلك واجِبًا في حَقِّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، على الخُصُوص، جَمْعًا بينَ الخَبَرَين.
الجزء: 1 - الصفحة: 243
وَيَتَأكَّدُ اسْتِحْبَابهُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ؛ عِنْدَ الصَّلَاةِ، وَالانْتِبَاهَ مِنَ النَّوْمَ،
67 - مسألة؛ قال: (ويَتَأكَّدُ اسْتِحْبابُه في ثلاثةِ مَواضِعَ؛ عندَ الصلاةِ)
للخَبَرِ الأوَّلِ، ولما روَى زيدُ بنُ خالدٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْلَا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمتِي لأمرْتُهُم بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» 353. قال: فكانَ خَالدٌ يَضَعُ السِّواك مَوْضِعَ القَلَمِ مِن أُذُنِ الكاتِبِ، كُلَّما قامَ إلى الصّلَاةِ اسْتاكَ.
رواه الترمِذِيُّ، وقال: حديثٌ حَسَنٌ 354 صحيحٌ.
(وعندَ القِيامِ مِن النَّوْم) لما روَى حُذَيفَةُ، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قامَ مِن اللَّيلِ يَشُوصُ فاهُ بالسِّوَاكِ.
متَّفَقٌ عليه 355. يَعنى: يَغْسِلُه، يقال:
الحديث: 67 - الجزء: 1 - الصفحة: 244
وَتَغَيُّرِ رَائِحَةِ الْفَمِ.
شَاصَه، وماصَه: إذا غَسَلَه.
وعن عائشةَ، قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يَرْقُدُ مِن لَيلٍ أو نَهارٍ، فيَسْتَيقِظُ إلَّا تَسَوَّكَ قبلَ أن يَتَوَضَّأ.
رواه الإمامُ أحمدُ 356. ولأنَّه إذا نامَ يَنْطَبِقُ فُوه فَتَتَغَيَّر رائِحَتُه.
(وعندَ تَغَيُّرِ رائِحَةِ الفَمِ) بمَأكُولٍ أو غيرِه؛ لأنَّ السِّواكَ مَشْرُوع لتَطْيِيبِ الفَمِ، وإزالةِ رائِحَتِه.
وقال الشيخُ أبو الفَرَجِ المَقْدِسِيُّ 357: يَتَأكَّدُ اسْتِحْبابُه عندَ قِراءَة القرآنِ، والانْتِباهِ مِن النَّوْمِ، وتَغَيُّرِ رائِحَةِ الفَمِ.
فصل: ويَسْتاكُ على أسنانِه ولِسانِه.
قال أبو مُوسى: أتينا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فرأيتُه يَسْتاكُ على لِسانِه.
متَّفَق عليه 358.
الجزء: 1 - الصفحة: 245
وَيَسْتَاكُ بِعُودٍ ليِّن يُنْقِي الْفَمَ وَلَا يَجْرَحُهُ وَلَا يَضُرُّهُ وَلَا يَتَفَتَّتُ فِيهِ،
68 - مسألة: (ويَسْتاكُ بعُودٍ لين يُنْقي الفَمَ، ولا يجْرَحُه، ولا يَضُرُّه، ولا يَتَفَتَّتُ فيه)
كالأرَاكِ والعُرْجُونِ؛ لما رُوى عن ابن مسعودٍ، قال: كنتُ أجْتَنِي لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - سِوَاكًا مِن أراكٍ.
رواه أبو يَعْلَى المَوْصِلِيُّ 359. وقد رواه الإمامُ أحمدُ 360، عن ابنِ مسعودٍ، أنه كان يَجْتَنِى سِواكًا مِن الأرَاكِ.
ولا يَسْتَاكُ بِعُودِ الرُّمَّانِ، ولا الآس، ولا الأعوادِ الذَّكِيَّةِ؛ لأنَّه رُوى عن قَبِيصَةَ بنِ ذؤيبٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَخَلّلُوا بعُودِ الريحانِ، ولا الرُّمَّانِ؛ فإنَّهُمَا يُحَرِّكانِ عِرْقَ الجُذَامِ».
رَواه محمدُ بنُ الحُسينِ الأزْدِيُّ الحافظُ بإسنادِه 361؛ وقِيل: السِّواكُ بعُودِ الرَّيحانِ يَضُرُّ بلَحْمِ الفَمِ.
الحديث: 68 - الجزء: 1 - الصفحة: 246
فإِنِ اسْتَاكَ بِأُصْبُعِهِ أوْ خِرْقَةٍ، فَهَلْ يُصِيبُ السنةَ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
69 - مسألة: (فإنِ اسْتاكَ بأُصْبُعِه، أو خِرْقَةٍ، فهل يُصِيبُ السنةَ؟ على وَجْهَين)
أحَدُهما، لا يُصيبُ السنةَ؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ الْإنْقاءُ به حُصُولَه بالعُودِ.
والثاني، يُصِيبُ مِن السنةِ بقَدْرِ ما يَحْصُلُ مِن الإنْقاءِ.
ولا يُتركُ القَلِيلُ مِن السنةِ للعَجْزِ عن كثِيرِها.
وهو الصحيحُ؛ لما رَوَى أنسُ بنُ مالِكٍ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يُجْزِيء مِنَ السوَاكِ الأصَابعُ».
رواه البَيهَقِيُّ 362، قال الحافظُ محمدُ بنُ عبد الواحدِ المَقْدِسِيُّ: هذا إسْناد لا أرى به بَأسًا.
الحديث: 69 - الجزء: 1 - الصفحة: 247
وَيَسْتَاكُ عَرْضًا، وَيَدَّهِنُ غِبًّا، وَيَكْتَحِلُ وتْرًا.
70 - مسألة: (ويَسْتاكُ عَرْضًا، ويَدَّهِنُ غِبًّا، ويَكْتَحِلُ وترًا)
لما رُوى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «اسْتَاكُوا عَرْضًا، وادَّهِنُوا غِبًّا، واكْتَحِلُوا
الحديث: 70 - الجزء: 1 - الصفحة: 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وترًا» 363. ولأن السِّواكَ طُولًا رُبَّما أدْمَى اللِّثَةَ وأفْسَدَ الأسْنانَ.
ورَوَى الطَّبَرانِيُّ 364 بإسْنادِه، عن بَهْزٍ، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَسْتاكُ عَرْضًا.
فإنِ اسْتاكَ على لِسانِه أو حَلْقِه، فلا بأْسَ أنْ يَسْتاكَ طُولًا؛ لما روَى أبو موسى، قال: دَخَلْت على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وهو يَسْتاكُ، وهو واضِعٌ طَرَفَ
الجزء: 1 - الصفحة: 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السِّواكِ على لِسانِه، يَسْتَنُّ إلى فَوْقَ.
فوَصَفَ حَمّادٌ كأَنه يَرْفَعُ سِواكَه، قال حَمّادٌ: ووَصَفَه لَنا غَيلانُ، قال: كأنه يَسْتاكُ طُولًا.
رواه الإِمامُ أحمدُ 365. وروَى الخَلّالُ بإسْنادِه، عن عبدِ الله بنِ مُغَفَّل، قال: نَهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الترجُّلِ إلا غِبًّا 366. قال أحمدُ: مَعْناه، يَدَّهِنُ يَوْمًا ويوْمًا.
وروَى جابرُ بنُ عبدِ الله، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَيكُمْ
الجزء: 1 - الصفحة: 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالإثْمِدِ، فإنَّه يَجْلُو البَصَرَ, وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ» 367. وروَى أبو داودَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ، وَمَنْ لا فَلا حَرَجَ» 368. والوتر ثَلاثٌ في كلِّ عَين، وقِيل: ثلاثٌ في اليُمْنَى، واثنانِ في اليُسرى؛ ليَكُونَ الوتر حاصِلًا في العَينَين معًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصولٌ في الفِطْرَةِ: روَى أبو هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ؛ الخِتَان، والاسْتِحْدَادُ، وقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيم الأظْفَارِ، وَنَتْفُ الإبط».
مُتَّفَقٌ عليه 369. وروَى عبدُ الله بنُ الزُّبَيرِ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «عَشْر مِنَ الفِطرةِ؛ قَصُّ الشَّارِبِ، وإعْفَاءُ اللِّحْيَة، والسِّوَاكُ، واسْتِنْشَاقُ المَاءِ، وقَصُّ الأظْفَارِ، وغَسْلُ البَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإبط، وَحَلْقُ العَانَةِ، وانْتِقَاصُ المَاءِ».
قال بعضُ الرُّواةِ: ونَسِيتُ العاشرةَ، إلَّا أن تكونَ المَضْمَضةَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال وَكِيعٌ: انْتِقاصُ الماءِ يَعني الاسْتِنْجاءَ.
رواه مسلم 370. الاسْتِحْدادُ: حَلْقُ العانَةِ، وهو مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّه مِن الفِطْرَةِ، ويَفْحُشُ بتَرْكِه، وبأيِّ شيءٍ أزاله فلا بَأسَ، لأنَّ المَقْصُودَ إزالته.
قِيل لأبي عبدِ الله: تَرَى أن يَأخُذَ الرجلُ سِفْلَتَه بالمِقْراض، وإن لم يَسْتَقْص؟ قال: أرْجُو أن يُجْزِئ إن شاءَ اللهُ.
قيل له 371: ما تقولُ في الرجلِ إذا نَتَفَ عانَتَه؟ قال: وهل يَقْوَى على هذا أحَدٌ؟ وإن اطَّلَى بالنُّورَةِ 372 فلا بَأسَ، ولا يَدَعُ أحدًا يلي عَوْرَتَه، إلَّا مَن يَحِلُّ له الاطِّلاعُ عليها؛ لما روَى الخَلّالُ بإسْنادِه عن نافعٍ، قال: كنتُ أطْلِي ابنَ عُمَرَ، فإذا بَلَغَ عانَتَه نَوَّرَها هو بيَدِه.
وقد رُوِي ذلك عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - 373. والحَلْقُ أفْضَلُ؛ لمُوافَقَتِه الحديث الصحيحَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ونَتْفُ الإبطِ سُنَّةٌ؛ لأنَّه مِن الفِطرةِ، ويَفْحُشُ بتَرْكِه.
وإن أزال الشَّعَرَ بالنُّورَةِ أو الحَلْقِ، جازَ، والنتفُ أفْضَلُ؛ لمُوافَقَتِهِ الخَبَر.
فصل: ويُسْتَحَبُّ تَقْلِيمُ الأظْفارِ؛ لما ذكرْنا، ولأنَّها تَتَفاحَشُ بتَرْكِها، ورُبَّما [حَكَّ بها] 374 الوَسَخَ، فيجْتَمِعُ تَحْتَها مِن المَواضِع المُنْتِنَةِ، فيَصِيرُ رائِحَةُ ذلك في رُءُوس أصابِعِه، ورُبَّما مَنَعَ وصولَ الماءِ في الطَّهارةِ إلى ما تَحْتَه.
ويُسْتَحَبُّ أن يُقَلِّمَها يومَ الخميس؛ لما رَوَى عليٌّ رَضِي الله عنه، قال: رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يُقَلِّمُ أظْفارَه يومَ الخَميسِ، ثم قال: «يا عَلِيُّ، قَصُّ الظُّفْرِ وَنَتْفُ الإبطِ وَحَلقُ العَانَةِ يَوْمَ الخَمِيسِ، والغُسْلُ والطِّيبُ واللِّبَاسُ يَوْمَ الجُمُعَة» 375. ورُوىَ في حَدِيثٍ: «مَن قَصَّ أظْفارَه مُخالِفًا، لَمْ يَرَ في عَينَيهِ رَمَدًا» 376. وفَسَّرَه أبو عبدِ الله ابنُ بَطَّةَ بأنْ يَبْدأ بخِنْصَرِه اليُمْنَى ثم الوُسْطى ثم الإبهام ثم البِنْصِرِ ثم السبابة، ثم بإبْهامِ اليُسْرَى ثم الوُسْطى ثم الخِنْصَرِ ثم السبابةِ ثم البنْصِرِ.
ويُستحَبُّ غَسْلُ رُءُوس الأصابع بعدَ قَصِّ الأظْفارِ؛ لأنَّه قِيل: إنَّ الحَكَّ
الجزء: 1 - الصفحة: 254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالأظْفارِ قبلَ غَسْلِها يَضُرُّ بالجَسَدِ.
ويُسْتَحَبُّ دَفْنُ ما قَلَّمَ مِن أظْفارِه أو أزال مِن شَعَرِه؛ لما رَوَى الخَلّالُ بإسْنادِه عَن مِيلَ 377 بنتِ مِشْرَحٍ الأشْعَريَّة، قالت: رأْيتُ أبي يُقَلِّمُ أظْفارَه، ويَدْفِنُها، ويقولُ: رأيت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَفْعَلُ ذلك 378. وعن ابنِ جُرَيجٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: كان يُعْجبُه دَفْنُ الدَّمِ.
قال مُهَنّا: سألتُ أحمدَ، عن الرجلِ يَأخُذ مِن شَعَرِه وأظْفارِه، أيدْفِنُه أو يُلْقِيه؟ قال: يَدْفِنُه.
قلتُ: بَلَغَك فيه شيءٌ؟ قال: كان ابنُ عُمَرَ يَدْفِنُه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ قَصُّ الشّارِب؛ لأنَّه مِن الفِطْرَةِ، ويَفْحُشُ إذا طال، ولما رَوَى زَيدُ بن أرْقَمَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ لم يَأخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيسَ مِنَّا».
رواه الترمِذِيُّ 379، وقال: حديث صحيح.
ويُسْتَحَبُّ إعْفاءُ اللِّحْيَةِ؛ لما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، وهل يُكْرَهُ أخْذُ ما زادَ
الجزء: 1 - الصفحة: 255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على القَبْضَةِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما: يُكْرَهُ.
لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «خَالِفُوا المُشْرِكِينَ؛ أحْفُوا الشَّوَارِبَ، وأعْفُوا 380 اللِّحَى».
مُتَّفَق عليه 381. والثاني، لا يُكرَه.
يروَى ذلك عن عبدِ الله بنِ عُمَرَ.
فروى 382 البخاريُّ، قال: كان عبدُ الله بنُ عُمَر، إذا حَجّ أو اعْتَمَرَ، قَبَضَ على لِحْيَته، فما فَضَلَ أخَذَه 383. ولا يَنْبَغِي أن يَتْرُكَها أكْثَرَ مِن أرْبَعِين يومًا؛ لما روَى أنسُ بنُ مالكٍ، قال: [وُقِّتَ لَنا] 384 في قَصِّ الشّارِبِ، وتَقْلِيمِ الأظْفارِ، ونَتْف الإبطِ، وحَلْقِ العانَةِ، أن لا تُتْرَكَ أكثَرَ مِن أربَعِين.
رواه مسلم 385.
الجزء: 1 - الصفحة: 256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: واتخاذُ الشَّعَرِ أفْضَلُ مِن إزَالتِه.
قال إسحاقُ: سُئِلَ أبو عبد الله، عنِ الرجلِ يَتَّخِذُ الشَّعَرَ، قال: سُنَّة حَسَنَةٌ، لو أمْكَنَنا اتِّخاذُهُ وقال: كان للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - جُمَّةٌ 386. وقال في بعض الحديثِ: إنَّ شَعَرَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كان إلى شَحْمَةِ أُذُنَيه 387. وفي بعضِ الحديثِ: إلى مَنْكِبَيه.
ورَوَى البَرَاءُ بنُ عازِبٍ، قال: ما رأيتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ، في حُلَّةٍ حَمْراءَ، أحْسَنَ مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - له شَعَرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيهِ.
مُتَّفَق عليه 388. ويُستحَبُّ أن
الجزء: 1 - الصفحة: 257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكونَ شَعَرُ الإنْسانِ على صِفَةِ شَعَرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، إذا طال فإلى المَنْكِبِ، وإذا قَصُرَ فإلى شَحْمَةِ الأذُنِ، وإن طَوَّلَه، فَلا بَأسَ، نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال أبو عُبَيدَةَ 389: كان له عَقِيصَتان 390، وعُثْمان كان له عَقِيصَتان.
ويُسْتَحَبُّ تَرْجِيلُ الشَّعَرِ وإكرامُه؛ لما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ كَان لَهُ شَعَرٌ فَلْيُكرِمْهُ».
رواه أبو داودَ 391. ويُسْتَحَبُّ فَرْقُه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَرَقَ شَعَرَه، وذَكَرَه في الفِطرةِ 392.
فصل: وهل يُكْرَهُ حَلْقُ الرّأس في غيرِ الحَجِّ والعُمْرَةِ؟ فيه رِوايتان؛ إحْداهما، يُكرَه؛ لما رُوى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال في الخَوارجِ:
الجزء: 1 - الصفحة: 258
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«سِيماهُمُ التَّحْلِيقُ» 393. وقال عُمَرُ لصَبِيغٍ 394: لو وَجَدْتُكَ مَحْلُوقًا، لضَرَبْتُ الذي فيه عَينَاكَ بالسَّيفِ 395. ورُوى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لا تُوضَعُ النَّوَاصِي إلَّا في حَج أو عُمْرَةٍ».
أخْرَجَه الدّارَقُطْنِيُّ في «الأفْرادِ» 396. والثانية، لا يُكْرَهُ لكنَّ ترْكَه أفْضلُ.
قال حَنْبَلٌ: كنتُ أنا وأبي نَحْلِقُ رُءُوسَنا في حياةِ أبي عبدِ الله، فَيرانا ونحن نَحْلِقُ فلا يَنْهانا.
وذلك لما رُوِي عن عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - , لَمَّا جاءَ نَعِيُّ جعفرٍ، أمْهَلَ آل جعفرٍ ثلاثًا أنْ يَأتِيَهم، ثم أتاهُم، قال: «لا تَبْكُوا عَلَى أخِي بَعْدَ اليَوْم».
ثم قال: «ادْعُوا بني أخِي».
فجِئَ بِنا، قال: «ادْعُوا ليَ الحَلَّاقَ».
فأمَر بِنَا فَحَلَقَ رُءُوسَنا.
رَواه أبو داودَ 397. ورَوَى ابنُ عُمَرَ، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن القَزَعِ، وقال: «احْلِقْهُ كُلَّهُ، أوْ دَعْهُ كُلَّهُ».
رواه مسلم وأبو داوُدَ 398. ولأنّه لا يُكْرَه اسْتِئْصالُ
الجزء: 1 - الصفحة: 259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشَّعَرِ بالمِقْراض، وهذا في معناه، قال ابنُ عبدِ البَر: أجْمَعَ العلماءُ في حميع الأمْصارِ على إباحَةِ الحَلْقِ، وكَفَى بهذَا حُجَّةً.
فأمّا أخْذُه بالمِقْراض واسْتِئْصالُه فغيرُ مَكْرُوهٍ، رِوايةً واحدةً.
قال أحمدُ: إنَّما كَرِهُوا الحَلْقَ بالمُوسَى، وأمّا بالمِقْراض فليس به بَأسٌ؛ لأنَّ أدِلَّةَ الكَراهَةِ تَخْتَصُّ الحَلْقَ.
فصل: وحَلْقُ المرأةِ رأسَها مَكْرُوهٌ، رِوايةً واحدةً، مِن غيرِ ضَرُورَةٍ؛ لِما رَوَى الخَلَّالُ بإسْنادِه، عن قَتادَةَ، عن عِكْرِمَةَ، قال: نَهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن تَحْلِقَ المَرأةُ رأسَها 399. فإن كان لضَرُورَةٍ، جازَ.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ الله، يُسأل عن المرأة تَعْجِزُ عن شَعَرِها، وعن مُعالجَتِه، أتأخُذُه على حديثِ مَيمُونَةَ؟ فقال: لأيِّ شيءٍ تَأخُذُه؟ قيل له: لا تَقْدِر على الدَّهْن وما يُصْلِحُه، تَقَعُ فيه الدَّوابُّ.
فقال: إذا كان لضَرُورَةٍ، فأرْجُو أن لا يَكُونَ به بَأسٌ.
فصل: ويُكْرَهُ نَتْف الشيبِ، لما رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: نَهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن نَتْفِ الشَّيبِ، وقال: «إنَّهُ = وفي الباب أحاديث أخرجها البخاري، في: باب القزع، من كتاب اللباس.
صحيح البخاري 7/ 210. ومسلم، في: باب كراهة القزع، من كتاب اللباس.
صحيح مسلم 3/ 1675. والنسائي، في: باب النهي عن القزع، وباب النهي عن أن يحلق بعض شعر الصبي ويترك بعضه، من كتاب الزينة.
المجتبي 8/ 113، 159. وابن ماجه، في: النهي عن القزع، من كتاب اللباس.
سنن ابن ماجه 2/ 1201. والإمام أحمد، في المسند: 2/ 4، 39، 55, 67, 82, 83, 101, 118, 137, 143, 154.
الجزء: 1 - الصفحة: 260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نُورُ الإِسْلامِ» 400. رواه الخَلّالُ في «جامِعِه».
فصل: ويُكْرَه حَلْقُ القَفا، لمَن لم يَحْلِقْ رَأسَه ولم يَحْتَجْ إليه.
قال المَرُّوذِيُّ 401: سألتُ أبا عبدِ الله عن حَلْقِ القَفا.
قال: هوَ مِن فِعْلِ المَجُوسِ، ومَن تَشَبَّهَ بقَوْمٍ فهو مِنْهم.
وقال: لا بَأسَ أن يَحْلِقَ قَفاه في الحِجامَةِ.
فأما حَفُّ الوَجْهِ، فقال أحمدُ: ليس به بَأسٌ للنِّساءِ، وأكرَهُهُ للرِّجال.
فصل: ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه لَعَنَ الواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ، والنّامِصَةَ والمُتَنَمِّصَةَ، والواشِرَةَ والمُسْتَوْشِرَةَ 402. فهذه الخِصالُ
الجزء: 1 - الصفحة: 261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُحَرَّمَةٌ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَعَنَ فاعِلَها، وفاعِلُ المُبَاحِ لا تَجُوزُ لَعْنَتُه.
والواصِلَةُ: هي التي تَصِلُ شَعَرَها، أو شَعَرَ غيرِها بغيرِه.
والمُسْتَوْصِلَةُ: المَوْصولُ شَعَرُها بإذْنِها 403. فوَصْلُه بالشَّعَر مُحَرَّمٌ؛ لما ذكرْنا.
فأمَا وَصْلُه بغيرِ الشَّعَرِ، فإن كان بقَدْرِ ما تَشُدُّ به رَأسَها، فلا بَأسَ؛ للحاجَةِ، وإن كان أكثرَ مِن ذلك، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، أنه مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّم؛ لما رُوِيَ عن مُعاويةَ، أنه أخْرَجَ كُبَّةً 404 مِن شَعَرٍ، وقال: سَمِعْتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَنْهَى عن مِثْلِ هذا، وقال: «إنَّمَا هَلَكَ بَنُو إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذَا نِساوهُمْ» 405. فخَصَّ التي تَصِلُه بالشَّعَرِ، فيُمْكِن جَعْلُ ذلك تَفْسِيرًا للَّفْظِ العامِّ في الحديثِ الذي ذَكَرْناه.
ولأنَّ وَصْلَه بالشَّعَرِ فيه تَدْلِيسٌ، بخلافِ غيرِه.
والثانية، أنَّه قال: لا تَصِلُ المرأةُ برَأسِها الشَّعَرَ ولا القَرَامِلَ 406 ولا الصُّوفَ، وذلك لما روَى الإِمامُ أحمدُ في = الواصلة والمستوصلة، من كتاب الاسئتذان، سنن الدارمي 2/ 279، 280. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 415، 417، 434، 443، 454، 465، 2/ 339، 6/ 111، 228، 250، 257، 345، 346، 353.
الجزء: 1 - الصفحة: 262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«مُسْنَدِه» 407، عن جابِرٍ، قال: نَهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن تَصِلَ المْرأَةُ برَأسِها شيئًا.
قال شيخُنا: والظّاهِرُ أنَّ المُحَرَّمَ إنَّما هو وَصْلُ الشَّعَرِ بالشَّعَرِ؛ لما فيه مِن التَّدْلِيسِ واسْتِعْمالِ الشَّعَرِ المُخْتَلَفِ في نَجاسَتِه، وغيرُ ذلك لا يَحْرُمُ؛ لعَدَمِ ذلك فيه، وحُصُولِ المَصْلَحَةِ مِن تَحْسِين المرأةِ لزَوْجِها مِن غيرِ مَضَرَّةٍ 408. وتُحْمَلُ أحاديثُ النَّهْي على الكَراهَةِ.
واللهُ أعلمُ.
فأمّا النّامِصَةُ: فهي التي تَنْتِفُ الشَّعَرَ مِن الوَجْهِ.
والمُتَنَمِّصَةُ: المَنْتُوفُ شَعَرُها بأمْرِها.
فلا يَجُوزُ؛ للخَبَرِ.
وإن حُلِقَ الشَعَرُ فلا بأسَ؛ لأنَّ الخَبَرَ وَرَد في النتفِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وأمّا الواشِرَةُ: فهي التي تَبْرُدُ الأسْنانَ، لتُحَدِّدَها وتُفَلِّجَها وتُحَسَنها.
والمُسْتَوْشِرَةُ: المَفْعُولُ بها ذلك بإذْنِها.
وفي خَبَرٍ.
آخَرَ: «لَعَنَ الوَاشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ» 409.
الجزء: 1 - الصفحة: 263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والواشِمةُ: التي تَغْرِزُ جِلْدَها أو جِلْدَ غيرِها بإبْرَةٍ، ثم تَحْشُوه كُحْلًا.
والمُسْتَوْشِمَةُ: التي يُفْعَلُ بها ذلك بإذْنِها.
فصل: ويُسْتَحَبُّ التَّطيُّبُ 410؛ لأنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يُعْجِبُه الطِّيبُ، ويَتَطَيَّبُ كثيرًا.
ويُسْتَحَبُّ النَّظَرُ في المِرْآةِ، قال حَنْبَلٌ: رأيتُ أبا عبدِ اللهِ، وكانت له صِينيَّةٌ فيها مِرْآةٌ ومُكْحُلَةٌ ومِشْطٌ، فإذا فَرَغ مِن قراءَةِ حِزْبِه، نَظَرَ في المِرْآةِ واكْتَحَلَ وامْتَشَطَ.
ورَوَى أبو أيُّوبَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: في: «أرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِينَ؛ الحِنَّاءُ 411، والتَّعَطُّرُ، والسِّوَاكُ، والنِّكَاحُ».
رواه الإمامُ أحمدُ 412.
فصل: ويُسْتَحَبُّ خِضَابُ الشَّيبِ بغيرِ السَّوادِ، قال أحمدُ: إنِّي لأرَى الشَّيخَ المَخْضُوبَ فأَفْرَحُ به.
وذلك لما رُوى أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ جاءَ بأبيه إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ورَأسُه ولِحْيَتُه كالثَّغَامَةِ 413 بَياضًا، فقال رَسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «غَيِّرُوهُمَا وجَنِّبُوهُ السَّوَادَ» 414. ويُسْتَحَبُّ بالحِنَّاءِ = سنن ابن ماجة 1/ 639. والدارمي، في: باب الواصلة والمستوصلة، من كتاب الاستئذان.
سنن الدارمي 2/ 279، 280. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 83، 87، 107، 121، 133، 150، 158، 409، 415، 434، 443، 448، 454، 462، 465، 2/ 339، 9/ 304، 6/ 250.
الجزء: 1 - الصفحة: 264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والكَتَمِ 415؛ لما رَوَى الخَلَّالُ، وابنُ ماجَه، بإسْنادِهِما، عن تَمِيمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مَوْهَب، قال: دَخَلْتُ على أُمِّ سَلَمَةَ، فَأَخْرَجَتْ إلينا شَعَرًا مِن شَعَرِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، مَخْضُوبًا بالحِنَّاءِ والكَتَمِ 416. وخَضَبَ أبو بكرٍ، رَضِي اللهُ عنه، بالحِنَّاءِ والكَتَمِ.
ولا بَأْسَ بالوَرْس والزَّعْفَرانِ؛ لأنَّ أبا مالِكٍ الأشْجَعِيَّ قال: كان خِضَابَنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الوَرْسُ 417 والزَّعْفَرانُ 418. ويُكرهُ الخِضابُ بالسَّوادِ.
قِيل لأبي عبدِ اللهِ: تَكْرَهُ الخِضابَ بالسَّوادِ؟ قال: إي واللهِ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وجَنِّبُوهُ السَّوَادَ».
في حديثِ أبي بكرٍ، ولما روَى ابنُ عبّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يَكُونُ قَوْمٌ في آخِرِ الزَّمَانِ يَخْضِبُون بالسَّوادِ كَحَواصِلِ 419 الحَمامِ، لا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الجَنَّةِ» 420. ورَخَّصَ فيه إسحاقُ بنُ رَاهُويَه للمرأةِ، تَتَزَيَّنُ به لزَوْجِها.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 265
وَيَجِبُ الْخِتَانُ مَا لمْ يَخَفْه عَلَى نَفْسِهِ.
وَيُكْرَهُ الْقَزَعُ.
71 - مسألة: (ويُكْرَهُ القَزَعُ، وهو حَلْقُ بعضِ الرَّأْسِ)
لما رَوَى ابنُ عُمَرَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن القَزَعِ، وقال: «احْلِقْهُ كُلَّهُ، أو دَعْهُ كُلَّهُ».
رواه أبو داوُدَ (1). وفي شُرُوطِ عُمَرَ، رَضِي اللهُ عنه، على أهلِ الذِّمَّةِ، أن يَحْلِقُوا مَقادِمَ رُءُوسِهم؛ ليَتَمَيَّزُوا عن المسلِمين.
فمَنْ فَعَلَ ذلك فقد تَشَبَّه بهم، وقد نُهِيَ عن التَّشَبُّهِ بهم.
72 -
مسألة؛ قال: (ويَجِبُ الخِتانُ، ما لم يَخَفْه على نَفْسِه)
وجملةُ ذلك أنَّ الخِتانَ واجِبٌ على الرِّجالِ، ومَكْرُمَةٌ للنِّساءِ، وليس بواجبٍ عَلَيهِنَّ.
وهذا قولُ كثيرٍ مِن أهلِ العلم.
قال أحمدُ: والرجلُ أشَدُّ؛ وذلك أنَّه إذا لم يَخْتَتِنْ، فتلك الجِلْدَةُ مُدَلَّاةَ على الكَمَرَةِ، فلا يُنَقَّى ما ثَمَّ، والمرأةُ أهْوَن.
وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَجِبُ على المرأَةِ كالرجلِ.
قال أبو عبدِ اللهِ: وكان ابنُ عباسٍ يُشَدِّدُ في أمْرِه، ورُوِيَ عنه، لا حَجَّ له، ولا صلاةَ.
يَعني: إذا لم يَخْتَتِنْ.
ورَخَّص الحسنُ في تَرْكِه، وقال:421
الحديث: 71 - الجزء: 1 - الصفحة: 266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قد أسْلَمَ الناسُ؛ الأسْوَدُ، والأَبْيَضُ، ولم يُفَتَّشْ أحدٌ مِنهم، ولم يَختَتِنُوا.
والدَّليلُ على وُجُوبِه ما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لرجلٍ أسْلَمَ: «ألْقِ عَنْكَ شَعَرَ الكُفْرِ واخْتَتِنْ».
رواه أبو داوُدَ 422. وفي الحديثِ: «اخْتَتَنَ إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمنِ بَعْدَمَا أَتَتْ عليه ثَمانُونَ سَنَةً».
مُتَّفَقٌ عليه 423، واللَّفْظُ للبخاريِّ.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ 424. ولأنَّه مِن شِعارِ 425 المسلِمِين، فكانَ واجبًا، كسائِرِ شَعائِرِهم.
ولأنَّه يَجُوزُ كَشْفُ العَوْرَةِ والنَّظَرُ إليها 426 لأَجْلهِ [لغيرِ التَّداوي] 427، ولو لم يَكُنْ واجبًا، لما جازَ النَّظَرُ إلى العَوْرَةِ مِن أجْلِه، وهذا يَنْتَقِضُ بالمرأَةِ إذا قُلنا: لا يَجب عليها.
فإنَّه ليس واجبًا عليها، ويجوزُ كَشْفُ عَوْرَتِها مِن أجْلِه.
فَأمّا إن خافَ على نَفْسِه مِنه، سَقَط؛ لأنَّ الغُسْلَ والوُضوءَ، وما هو آكَدُ مِنه يَسْقُطُ بذلك.
فهذا أوْلَى.
الجزء: 1 - الصفحة: 267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُشْرَعُ الخِتانُ في حَقِّ النِّساءِ، لأنّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ» 428. فيه بَيانُ أنَّ النِّساءَ كُنَّ يَخْتَتِنَّ.
ورَوَى الخَلّالُ بإسْنادِه، عن شَدّادِ بنِ أوْسٍ، قال: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «الخِتَانُ سُنَّةٌ للرِّجَالِ، وَمَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ» 429.
الجزء: 1 - الصفحة: 268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: اخْتَلَف العلماءُ في وقتِ الخِتانِ، فقال مالكٌ: يُخْتَنُ يومَ أُسْبُوعِه.
وهو قولُ الحسنِ.
وقال أحمدُ: لم أسْمَعْ في ذلك شيئًا.
وقال
الجزء: 1 - الصفحة: 269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اللَّيثُ: الخِتانُ للغُلامِ ما بينَ سَبْع سِنِينَ إلى العَشْرَةِ.
ورَوَى مَكْحُولٌ، وغيرُه، أنَّ إبراهيمَ، عليه السَّلامُ، خَتَنَ إسحاقَ لسَبْعَةِ أيامٍ، وإسماعيلَ لثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً.
ورُوى عن أبي جعفرٍ أنَّ فاطمةَ، عليها السَّلامُ، كانتْ
الجزء: 1 - الصفحة: 270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَخْتِنُ وَلَدَها يومَ السَّابعِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: ليس في بابِ الخِتانِ خَبَرٌ حتَّى يُرْجَعَ إليه، ولا سُنَّةٌ تُتبَّعَ، والأشياءُ على الإِباحَةِ.
قلتُ: ولا يَثْبُتُ في
الجزء: 1 - الصفحة: 271
وَيَتَيَامَنُ في سِوَاكِهِ وَطُهُورِهِ وَانْتِعَالِهِ وَدُخُولِهِ الْمَسْجِدَ.
ذلك تَوْقِيتٌ، فمتى خَتَنَ قبلَ البُلوغِ كان مُصِيبًا.
واللهُ أعلمُ.
[وإنْ أخَّرَه حتَّى يُدْرِكَ، جازَ؛ لقول ابن عبَّاس: وكانوا لا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حتَّى يُدْرِكَ.
رواه البُخاريُّ] (1).
73 -
مسألة: (ويَتَيامَنُ في سِواكِه وطُهُورِه وانْتِعالِه، ودُخُولِه المسجِدَ)
لما رَوَت عائشةُ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كَان يُحبُّ التَّيَمُّنَ في تَنَعُّلِه،430
الحديث: 73 - الجزء: 1 - الصفحة: 272
وَسُنَنُ الْوُضُوءِ عَشْرٌ؛ السِّوَاكُ، وَالتَّسْميَةُ،
وتَرَجُّلِه، وطُهُورِه، وفي شَأنِه كُلِّه.
مُتَّفَقٌ عليه (1). وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا انْتَعَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِاليُمْنَى، وإذَ خَلَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُسْرَى».
رواه الطَّبَرانِيُّ في «المُعْجَمِ الصَّغِيرِ» (2)، [وروَاه البخاريُّ بمعناه] (3). ولأنَّ عُثمانَ وعَلِيًّا وَصَفا وُضوءَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَبَدَأَ باليُمْنَى قبلَ اليُسْرَى.
رواه أبو داوُدَ (4).
74 -
مسألة: (وسُنَنُ الوُضُوء عَشْرٌ؛ السِّواكُ)
لما روَى أبو هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْلَا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ431432433434
الحديث: 74 - الجزء: 1 - الصفحة: 273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَعَ كُلِّ وُضُوءِ بِسِوَاكٍ».
رواه الإمامُ أحمدُ 435. (والتَّسْمِيَةُ، وعنه أنَّها واجِبَةٌ مع الذِّكْرِ) وجملتُه أنَّ التَّسْمِيَةَ فيها رِوايتان؛ إِحْداهما، أنَّها واجِبةٌ في طَهاراتِ الحَدَثِ كُلِّها؛ الغُسْلِ، والوُضُوءِ، والتَّيَمِّمِ.
وهذا اخْتِيارُ أبي بكرٍ، ومذهبُ الحسنِ، وإسحاقَ؛ لما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيهِ».
رواه أبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ 436. ورَواه عن النبيِّ جماعةٌ مِن أصحابِه؛ مِنهم أبو سعيدٍ.
قال أحمدُ: حديثُ أبي سعيدٍ أحسنُ حديثٍ في الباب.
وهذا نَفْيٌ في نَكِرَةٍ، يَقْتَضِي أن لا يَصِحَّ وُضُوءُه بدُونِ التَّسْمِيَةِ.
وَالثانيةُ، أنَّها سُنَّة.
وهذا ظاهِرُ المذهبِ.
قال الخَلَّالُ: الَّذي اسْتَقَرَّتِ الرِّواياتُ عليه، أنَّه لا بَأْسَ به.
يَعني: إذا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ.
وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ،
الجزء: 1 - الصفحة: 274
وَعَنْهُ، أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ.
ومالكٍ، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحابِ الرَّأي.
واخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، لأنَّها طَهارَةٌ فلا تَفْتَقِرُ إلى التَّسْمِيَةِ، كالطَّهارَةِ مِن النَّجاسَةِ، أو عِبادَةٌ، فلا تَجِبُ فيها التَّسْمِيَةُ كسائِرِ العِباداتِ.
والأحاديثُ، قال أحمدُ: ليس يَثْبُتُ في هذا حديثٌ، ولا أعْلَمُ فيها حديثًا له إسْنادٌ جَيِّدٌ.
وإن صحَّ ذلك فيُحْمَلُ على تَأكِيدِ الاسْتِحْبابِ، ونَفْي الكَمالِ بدُونِها، كقَوْلِه: «لا صَلاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إلَّا في المَسْجِدِ» 437.
فصل: فإذا قُلْنا بوُجُوبِها فتَرَكَها عَمْدًا، لم تَصِحَّ طَهارَتُه، قياسًا على سائِرِ الواجِبِاتِ.
وإن نَسِيَها، فقال بعضُ أصحابِنا: لا تَسْقُطُ، قياسًا لها
الجزء: 1 - الصفحة: 275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على سائِرِ الواجِباتِ.
والصَّحيحُ أَنَّها تَسْقُطُ بالسَّهْو.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ أبي داودَ، فإنَّه قال: سألتُ أحمدَ: إذا نَسِيَ التَّسْمِيةَ في الوُضُوءِ؟ قال: أرْجُو أن لا يَكُونَ عليه شيءٌ.
وهذا قولُ إسحاقَ.
ووَجْهُ ذلك قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِيَ لأمَّتِي عَنِ الخَطَأ والنِّسْيَانِ» 438. ولأنّ الوُضُوءَ عِبادَةٌ تَتَغايُر أفْعَالُها، فكانَ في واجِباتِها ما يَسْقُطُ بالسَّهْو كالصلاةِ، ولا يَصِحُّ قِياسُها على سائِرِ واجِباتِ الطَّهارَةِ، لتَأَكُّدِ وُجُوبِها، بخلافِ التَّسْمِيَةِ.
فعلى هذا إذا ذَكَرَها في أثْناءِ طَهارَتِه، سَمَّى حيثُ ذَكَرَ، لأنَّه إذا عُفِىَ عنها مع السَّهْو في جُمْلَةِ الوُضُوءِ، ففي البَعْضِ أَوْلَى.
وإن تَرَكَها عَمْدًا حتَّى غَسَل عُضْوًا لم يُعْتَدَّ بغَسْلِه، لأنَّه لم يَذْكُرِ اسمَ اللهِ عليه.
وقال الشيخُ أَبو الفَرَجِ: إذا سَمَّى في أثناءِ الوُضُوءِ أجْزَأَه.
يَعني على كُلِّ حالٍ، لأنّه قد ذَكَرَ اسمَ اللهِ على وُضُوئِه.
والتَّسْمِيَةُ قولُ «بِسْمِ اللهِ»، لا يَقُومُ غيرُها مَقامَها، كالتَّسْمِيَةِ المَشْرُوعَةِ على الذَّبِيحَةِ، وعندَ الأَكْلِ والشُّرْب، ومَوْضِعُها بعدَ النِّيَّةِ، لتَكُونَ شامِلَةً لجميعِ أفعالِ الوُضُوءِ، ولتكونَ.
النِّيَّةُ شامِلَةً لها، كما يُسَمِّي على الذَّبِيحَةِ قبلَ ذَبْحِها.
الجزء: 1 - الصفحة: 276
وَغَسْلُ الْكَفَّينِ، إلا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مِنْ نَوْمِ اللَّيلِ، فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ.
75 - مسألة، قال: (وغَسْلُ الكَفَّين، إلا أن يَكُونَ قائِمًا مِن نومِ اللَّيلِ، ففي وجوبِه رِوايَتان)
وجملةُ ذلك أنَّ غَسْلَ اليَدَين إلى الكُوعَين سُنَّةٌ
الحديث: 75 - الجزء: 1 - الصفحة: 277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الوُضُوءِ، سَواءٌ قامَ مِن [نَوْمِ اللَّيلِ] 439 أو لم يَقُمْ، لأنَّ عُثمانَ وعَلِيًّا، وعبدَ اللهِ بنَ زيدٍ وَصَفُوا وُضُوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وذَكَرُوا أنَّه غَسَلَ كَفَّيه ثَلاثًا.
ولأنَّهما آلةُ نَقْلِ الماءِ إِلى الأعْضاءِ، ففي غَسْلِهما احْتِياطٌ لجَمِيعِ الوُضُوءِ.
وليس بواجِبٍ إذا لم يَقُمْ مِن النَّوْمِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، فأمّا عندَ القِيامِ مِن نَوْمِ اللَّيلِ فاخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في وُجُوبِه، فرُويَ عنه وُجُوبُه، وهو الظَّاهِرُ عنهْ، واخْتِيارُ أبي بكرٍ.
وهو مذهبُ ابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيرَةَ والحسنِ، لقَول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا اسْتَيقَظَ أحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلْيَغْسِلْ يَدَيهِ قَبْلَ أنْ يُدْخِلَهُمَا الإِنَاءَ ثَلاثًا، فَإنَّ أحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أينَ بَاتَتْ يَدُهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 440 والأمْرُ يَقْتَضِي
الجزء: 1 - الصفحة: 278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوُجُوبَ.
ورُوِيَ عنه أنَّ ذلك مُسْتَحَبٌّ، وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، وقولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ، لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية 441.
وقال زيدُ بن أسْلَمَ في تَفْسِيرِها: إذا قُمْتُمْ مِن نَوْمٍ 442. أمَرَ بغَسْلِ الوَجْهِ عَقِيبَ القِيامِ إلى الوُضُوءِ، ولم يَذْكُرْ غَسْلَ الكَفَّين، والأمْرُ بالشيءِ يَقْتَضِي حُصُولَ الإِجْزَاءِ به.
ولأنّه قائِمٌ مِن نومٍ، أشْبَهَ القِيامَ 443 مِن نومِ النَّهارِ، والحديثُ مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبابِ، لأنَّه عَلَّلَ بِوَهْمِ النَّجاسَةِ، وطَرَيانُ الشَّكِّ على يقينِ الطهارةِ لا يُؤَثِّرُ فيها، كما لو تَيَقَّنَ الطهارَةَ وشَكَّ في الحَدَثِ.
وهذا هو الصحيحُ إن شاءَ اللهُ تعالى.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 279
وَالْبِدَايَةُ بِالْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ، وَالْمُبَالغَةُ فِيهِمَا، إلا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا.
76 - مسألة؛ قال: (والبِدايةُ بالمَضْمَضَةِ والاسْتِنْشاقِ، والمُبالغَةُ فيهما، إلَّا أن يَكُونَ صائِمًا)
البدايةُ بالمَضْمَضَةِ والاسْتِنْشاقِ قبلَ غَسْلِ الوجْهِ مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّ عُثمانَ وعَلِيًّا وعبدَ اللهِ بنَ زيدٍ ذَكَرُوا ذلك في صِفَةِ وُضُوءِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، والمُبالغَةُ فِيهما سُنَّةٌ، والمُبالغَةُ في المَضْمَضَةِ: إدارَةُ الماءِ في أعماقِ الفَمِ وأقاصِيه، ولا يَجْعَلُه وَجُورًا 444 ثم يَمُجُّه، وإن ابْتَلَعَه جازَ؛ لأنّ الغَسْلَ قد حَصَل.
ومعنى المُبالغَةِ في الاسْتِنْشاقِ: اجْتِذابُ الماءِ بالنَّفَسِ إلى أقْصَى الأنْفِ، ولا يَجْعَلُه سَعُوطًا 445، وذلك لما روَى لَقِيطُ بنُ صَبِرَةَ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ،
الحديث: 76 - الجزء: 1 - الصفحة: 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أخْبِرْنِي عن الوُضُوءِ.
قال: «أسْبغِ الوُضُوءَ، وخَلِّلْ بَينَ الأصَابِعِ، وَبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ إلَّا أنْ تكُونَ صَائِمًا».
رواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 446، وقال: حديثٌ حسن صحيحٌ.
ثَبَتَ بذلك اسْتِحْبابُ المُبالغةِ في الاسْتِنْشاقِ، وقِسْنا عليه المَضْمَضَةَ، ولأنّه مِن جُمْلَةِ إسْباغِ الوُضُوءِ المأْمُورِ به.
وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ: هي واجِبَةٌ في الاسْتِنْشاقِ على غيرِ الصّائِمِ؛ للحديثِ المَذْكُورِ.
فأمّا الصّائِمُ فلا يُسْتَحَبُّ له المُبالغَةُ فيهما، لا نَعْلَمُ فيه خلافًا؛ لما ذكرْناه مِن الحديثِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُسْتَحَبُّ المُبالغةُ في غَسْلِ سائِرِ الأعْضاءِ بالتَّخْلِيلِ، ودَلْكِ المَواضِعِ التي يَنْبُو عنها الماءُ، ويُسْتَحَبُّ مُجاوَزَةُ مَوْضِعِ الوُجُوبِ بالغَسْلِ، لما رَوَى نُعَيمٌ المُجْمِرُ، أنَّه رَأَى أبا هُرَيرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ويَدَيه حتَّى كادَ يَبْلُغُ المَنْكِبَين، ثم غَسَلَ رِجْلَيه حتَّى رَفَعَ إلى السَّاقَين، ثم قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ أُمَّتِي يَأْتُون يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ، فَمَن اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ».
مُتَّفَقٌ عليه 447. ولمُسْلِمٍ 448 عنه، سمعتُ خَلِيلي - صلى الله عليه وسلم -، يقول: «تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيثُ يَبْلُغُ الوُضُوءُ».
الجزء: 1 - الصفحة: 283
وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ
77 - مسألة؛ قال: (وتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ، وهو سُنَّةٌ)
ومِمَّن رُوِيَ عنه أنَّه كان يُخلِّلُ لِحْيَتَه ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباس.
ووَجْهُه ما رَوَى عثمانُ عن
الحديث: 77 - الجزء: 1 - الصفحة: 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان يُخَلِّلُ لِحْيَتَه.
رواه ابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِيُّ 449، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، أنّ النبيَّ كان إذَا تَوَضَّأَ، أَخَذَ كَفًّا مِن ماءٍ، فَجَعَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ وَخَلَّلَ بِه لِحْيَتَه، وقال: «هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي».
رواه أبو داوُدَ 450. وصِفَةُ التَّخْلِيلِ أنْ يُشَبِّكَ لِحْيَتَه بأصابِعِه ويَعْرُكَها، ولِمَا 451 رَوَى ابنُ عمرَ، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا تَوَضَّأَ عَرَكَ عارِضَيهِ بَعْضَ العَرْكِ، ثم شَبَكَ لِحْيَتَه بأصابِعِهِ مِن تَحْتِها.
رواه الدَّارَقُطْنِيُّ 452، وقال: الصَّوابُ أنَّه مَوْقُوفٌ على ابنِ عمرَ.
قال يعقوبُ: سأَلْتُ أحمدَ عن التَّخْلِيلِ، فأَرَانِي مِنْ تحت لِحْيَتِه، فخَلَّلَ بالأصابِعِ.
وقال حَنْبَلٌ: مِنْ تحتِ ذَقَنِه مِنْ أَسْفَلٍ الذَّقَنِ، يُخَلَّلُ جانِبَيْ لِحْيَتِه جميعًا بالماءِ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَتَعَهَّدَ بَقِيَّةَ شُعُورِ وَجْهِه، ويَمْسَحَ مَآقِيَهُ؛ لِمَا روَى أبو داوُدَ 453، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَمْسَحُ المَأْقَينِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 285
وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ،
78 - مسألة: (وتَخْلِيلُ الأصابِعِ)
تَخْلِيلُ أصابِعِ اليَدَين والرِّجْلَين في الوُضُوءِ مَسْنُونٌ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - للَقِيطِ بنِ صَبِرَةَ: «وَخَلِّلْ بَينَ الأصابِعِ» 454. وهو في الرِّجْلَين آكَدُ.
قال المُسْتَوْرِدُ بنُ شَدّادٍ: رأيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إذَا تَوَضَّأ دَلَكَ أصابِعَ رِجْلَيهِ بخِنْصَرِه.
رواه أبو داوُد 455. ويَبْدأْ في تَخْلِيلِ اليُمْنَى مِن خِنْصَرِها إلى إبْهامِها، وفي اليُسْرَى مِن إبْهامِها إلى خِنْصَرِها؛ ليَحْصُلَ له التَّيامُنُ في التَّخْلِيلِ.
وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ، في اسْتِحْبابِ تَخْلِيلِ أصابِعِ اليَدَين رِوايَتَين؛ إحداهما، يُسْتَحَبُّ؛ لما ذكرْناه، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا تَوَضَّأتَ فَخَلِّلْ أصَابِعَ يَدَيكَ وَرِجْلَيكَ».
رواه التِّرْمِذِيُّ 456، وقال: حديثٌ حسنٌ.
والثانية، لا يُسْتَحَبُّ؛ لأنَّ تَفْرِيقَها يُغْنِي عن التَّخْلِيلِ، والأولَى أوْلَى.
الحديث: 78 - الجزء: 1 - الصفحة: 286
وَالتَّيَامُنُ،
79 - مسألة؛ قال: (والتَّيامُنُ)
لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ، فيما عَلِمْنا، في اسْتِحْبابِ البِدايَةِ باليُمْنَى، وأجْمَعُوا على أنّه لا إعادَةَ على مَن بَدَأَ بيَسارِه قبلَ يَمِينِه.
ووَجْهُ اسْتِحْبابِه حديثُ عائشةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُعْجِبُه التَّيامُنُ في تَنَعُّلِه، وتَرَجُّلِه وطُهُورِه، وفي شَأنِه كُلِّه.
مُتَّفَقٌ عليه 457 وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا تَوَضّأْتُمْ فابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ».
رواه ابنُ ماجَه 458.
الحديث: 79 - الجزء: 1 - الصفحة: 287
وَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلأُذُنَينِ،
80 - مسألة؛ قال: (وأخْذُ ماءٍ جَدِيدٍ لِلأُذُنَينِ)
يَعنى أنَّه مُسْتَحَبٌّ، قال أحْمدُ: أنا أسْتَحِبُّ أن يَأْخُذَ لأُذُنِه ماءً جَدِيدًا.
يروَى ذلك عن ابنِ عمرَ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: ليس بمَسْنُونٍ.
وحَكاه أبو الخَطّابِ رِوايةً عن أحمدَ؛ لأنَّ الَّذي قالُوه غيرُ مَوْجُودٍ في الأخْبارِ، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ».
رواه ابنُ ماجَة 459. ورَوَتِ الرُّبَيِّعُ بنتُ مُعَوِّذٍ، والمِقْدامُ بنُ مَعْدِ يكَرِبَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَحَ برَأْسِه وأُذُنَيه مَرَّةً واحِدَةً.
رواه أبو داودَ 460. ووَجْهُ الأوَّلِ ما رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ.
وقد ذهَب الزُّهْرِيُّ إلى أنَّهما مِن الوَجْهِ.
الحديث: 80 - الجزء: 1 - الصفحة: 288
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الشَّعْبِيُّ 461: ما أقْبَلَ مِنهما مِن الوَجْهِ، وظاهِرُهُما مِن الرَّأْسِ.
وقال الشافعيُّ وأبو ثَوْر: لَيسَتَا مِن الرَّأْسِ، ولا مِن الوَجْهِ.
ففي إفْرادِهِما بماءٍ جَدِيدٍ خُرُوجٌ مِن الخِلافِ، فكانَ أوْلَى.
فإنْ مَسَحَهُما بماءِ الرَّأْسِ أجْزأه؛ لما ذكرْناه مِن الحديثِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 289
وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ، وَالثَّالِثَةُ.
81 - مسألة؛ قال: (والغسْلَةُ الثّانيةُ والثّالثةُ)
وذلك لما روَى عليٌّ، رَضِي اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ ثَلاثًا ثَلاثًا.
رواه الإمامُ أحمدُ، والتِّرمِذِيُّ 462، وقال: هذا أحسنُ شيءٍ في البابِ وأصحُّ.
وليس ذلك
الحديث: 81 - الجزء: 1 - الصفحة: 290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بواجب؛ لما روَى ابنُ عباسٍ، قال: تَوَضَّأ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّةً مَرَّةً.
رواه البُخارِيُّ 463. وعن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دعا بماءٍ، فتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرّةً، فقال: «هَذا وَظِيفَةُ الوُضُوءِ».
أو قال: «وُضُوءٌ، مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأهُ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ لَهُ صَلاةً».
ثم تَوَضَّأ مَرّتَينِ مَرَّتَينِ، ثم قال: «هَذَا وُضُوءٌ، مَنْ تَوَضَّأَهُ أعْطَاهُ اللهُ كِفْلَينِ مِنَ الأجْرِ».
ثم تَوَضّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، فقال: «هذا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ المُرْسَلِينَ مِنْ قَبْلِي».
رواه ابنُ ماجَه 464.
الجزء: 1 - الصفحة: 291
بَابُ فَرْضِ الْوُضُوءِ، وَصِفَتِهِ
وَفُروضُهُ سِتَّةٌ؛ غَسْلُ الْوَجْهِ، وَالْفَمُ وَالْأَنْفُ مِنْهُ، وَغَسْلُ الْيَدَينِ.
وَمَسْحُ الرَّأْسِ، وَغَسْل الرِّجْلَينِ،
بابُ فَرْضِ الوُضُوءِ وصِفَتِه
(وفُرُوضُه سِتَّةٌ؛ غَسْلُ الوَجْهِ)، وهو فَرْضٌ بالإِجْماعِ، والأَصلُ فيه قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية (1).
82 -
مسألة؛ قال: (والفَمُ والأَنْفُ مِنه)
لدُخُولِهِما في حَدِّه على ما يَأْتِي.
83 -
مسألة؛ قال: (وغَسْلُ اليَدَينِ) -
وهو الفرضُ الثاني؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (1). 84 -
مسألة؛ قال: (ومَسْحُ الرَّأْسِ)
وهو الفرضُ الثالثُ.
(وغَسْلُ الرِّجْلَينِ) وهو الفرضُ الرابعُ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ 465. لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ العلماء في وُجُوبِ غَسْلِ الوَجْهِ واليَدَين؛ لما ذكرْنا مِن النَّصِّ، وكذلك مَسْحُ الرَّأْسِ واجِبٌ بالإِجماعِ في الجُمْلَةِ، مع اخْتِلافِ الناس في قَدْرِ الواجِبِ مِنه.
فأمّا غَسْل الرِّجْلَينِ، فهو فَرْضٌ في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
قال
الحديث: 82 - الجزء: 1 - الصفحة: 293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي لَيلَى 466: أجْمَعَ 467 أصحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على غَسْلِ القَدَمَينِ.
ورُوِيَ عن عليٍّ، أنَّه مَسَحَ على نَعْلَيه وقَدَمَيه، ثم دَخَلَ المَسْجِدَ، ثم خَلَعَ نَعْلَيه، ثم صَلَّى.
وحُكِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: ما أجِدُ في كتابِ الله إلَّا غَسْلَتَينِ ومَسبْحَتَين.
وحُكِيَ عن الشَّعْبِيِّ، أنَّه قال: الوُضُوءُ مَمْسُوحان ومَغْسُولان؛ فالْمَمْسُوحان يَسْقُطان في التَّيَمُّمِ.
وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، أنَّه ذُكِرَ له قولُ الحَجّاجِ: اغْسِلُوا القَدَمَين ظاهِرَهُما وباطِنَهُما، وخَلِّلُوا ما 468 بينَ الأصابعِ، فإنَّه ليس شيءٌ مِن ابنِ آدَمَ أقربَ إلى الخَبَثِ مِن قَدَمَيه.
فقال أنَسٌ: صَدَقَ اللهُ وكَذَبَ الحَجّاجُ.
وتَلا هذه الآيةَ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ وحُكِيَ عن ابنِ جَرِيرٍ 469، أنَّه قال: هو مُخَيَّرٌ بينَ المَسْحِ والغَسْلِ 470. ولم نَعْلَمْ أحدًا مِن
الجزء: 1 - الصفحة: 294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أهلِ العلمِ قال بجَوازِ مَسْحِ الرِّجْلَين غيرَ مَنْ ذَكَرْنا، واحْتَجُّوا بظاهِرِ الآيَةِ، وبما روَى ابنُ عباسٍ، قال: تَوَضَّأَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فأدْخَلَ يَدَه في الإِناءِ، فتَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ مَرَّةً واحدةً، ثم أدْخَلَ يَدَه، فصَبَّ على وَجْهِه مَرَّةً واحِدَةً، وصَبَّ على يَدَيه مَرَّةً مَرَّةً، ومَسَحَ برَأْسِه وأُذُنَيه مَرَّةً، ثم أَخَذَ كَفًّا مِن ماءٍ، فرَشَّ على قَدَمَيه وهو مُنْتَعِلٌ 471. رواه سعيدٌ.
ورَوَى سعيدٌ، عن هُشَيمٍ، أنبأنا يَعْلَى بنُ عَطاءٍ، عن أبيه، قال: أخْبَرَني أَوْسُ بنُ أوسٍ الثَّقَفِيُّ، أنَّه رأَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أتَى كِظامَةَ قومٍ 472 بالطَّائِفِ، فتَوَضَّأَ ومَسَحَ على قَدَمَيه 473. قال هُشَيم: كان هذا في أوَّلِ الإِسْلامِ.
ولَنا، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ زيدٍ وعثمانَ وَصَفا وُضُوءَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقالا: فغَسَلَ قَدَمَيه.
وفي حديثِ عثمانَ: ثم غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيه ثَلاثًا.
مُتَّفَقٌ عَلَيهما 474. وحَكَى عليٌّ وُضُوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ثم غَسَلَ
الجزء: 1 - الصفحة: 295
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رِجْلَيه إلى الكَعْبَين، ثَلاثًا ثَلاثًا 475. وعن عمرَ، - رضي الله عنه -، أنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ، فتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفْرٍ مِن قَدَمِه، فأَبْصَرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ».
فرَجَعَ ثم صَلَّى.
رواه مسلم 476. وعن عبد اللهِ بن عَمْرٍو، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى قومًا يَتَوَضَّئُونَ وأعْقَابُهُمْ تَلُوحُ 477، فقال: «وَيلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».
رواه مسلم 478. وقد = الغسل، وباب صفة مسح الرأس، من كتاب الطهارة.
المجتبى 1/ 61. وابن ماجه، في: باب المضمضة والاستنشاق من كف واحد، وباب ما جاء في مسح الرأس، من كتاب الطهارة.
سنن ابن ماجه 1/ 149، 150. والدارمي، في: باب الوضوء مرتين، وباب ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأخذ لرأسه ماءً جديدا، من كتاب الوضوء.
سنن الدارمي 1/ 180. والإمام مالك، في: باب العمل في الوضوء، من كتاب الطهارة.
الموطأ 1/ 18. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 38، 39، 41، 42. وحديث عثمان أخرجه البخاري، في: باب الوضوء ثلاثا، وباب المضمضة في الوضوء، من كتاب الوضوء.
وفي: باب سواك الرطب واليابس للصائم، من كتاب الصوم.
صحيح البخاري 1/ 51 - 53، 3/ 40. ومسلم، في: باب صفة الوضوء وكماله، من كتاب الطهارة.
صحيح مسلم 1/ 204، 205. والنسائي، في: باب المضمضة والاستنشاق، وباب حد الغسل، من كتاب الطهارة.
المجتبى 1/ 56، 57، 68. وابن ماجه، في: باب ثواب الطهور، من كتاب الطهارة.
سنن ابن ماجه 1/ 105. والدارمي، في: باب الوضوء ثلاثا، من كتاب الوضوء.
سنن الدارمي 1/ 176. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 58 - 61، 67، 68، 74.
الجزء: 1 - الصفحة: 296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذَكَرْنا أمْرَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالتَّخْلِيلِ، وأنَّه كان يَعْرُكُ أصابِعَه بِخِنْصَرِه بَعْضَ العَرْكِ، وهذا كلُّه يَدُلُّ على وُجُوبِ الغَسْلِ؛ لأنَّ المَمْسُوحَ لا يَحْتاجُ إلى الاسْتِيعابِ والعَرْكِ.
وأمّا الآيةُ، فقد رَوَى عِكْرِمَةُ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّه كان يَقْرأُ.
﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ 479. قال: عادَ إلى الغَسْلِ 480. ورُوِيَ عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ والشَّعْبِيِّ قِراءَتُها كذلك.
وهي قِراءةُ ابنِ عامِرٍ، فتَكُونُ مَعْطُوفةً على اليَدَينِ، ومَن قَرَأَ بالجَرِّ فللمُجاوَرَةِ، كقولِه تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ 481. جَرَّ أَلِيمًا، وهو صِفَةٌ للعَذابِ على المُجاوَرَةِ.
وقولِ الشّاعرِ 482:
فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَينِ مُنْضِجٍ … صَفِيفَ شِوَاءٍ أو قَدِيرٍ مُعَجَّلِ
فجَرَّ قَدِيرًا مع العَطْفِ للمُجاوَرَةِ.
وإذا احْتَمَلَ الأمْرَين وجَبَ الرُّجُوعُ إلى فِعْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، لأنّه مُبَيِّنٌ، يُبَيِّنُ بفِعْلِه تارَةً، وبقَوْلِه أُخْرَى.
ويَدُلُّ على صِحَّةِ هذا قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، في حديث عَمْرِو بنِ عَبَسَةَ 483: «ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيهِ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ» 484 فثَبَتَ بهذا أنَّ الله تعالى إنَّما أمَرَه = ماجه 1/ 154. والدارمي، في: باب ويل للأعقاب من النار، من كتاب الطهارة.
سنن الدارمي 1/ 179. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 193، 201، 205، 211، 226.
الجزء: 1 - الصفحة: 297
وَتَرتِيبُهُ، عَلَى مَا ذَكَرَ اللهُ تَعَالى،
بالغَسْلِ، لا بالمَسْحِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بالمَسْحِ الغَسْلَ الخَفِيفَ.
قال أبُو عَليٍّ الفارِسِيُّ (1): العَرَبُ تُسَمِّي خَفِيفَ الغَسْلِ مَسْحًا، فيَقُولُون: تَمَسَّحْتُ للصَّلاةِ.
أي تَوَضَّأْتُ.
فإن قِيل: فعَطْفُه على الرَّأْسِ يَدُلُّ على أنَّه أرادَ حَقِيقَةَ المَسْحِ.
قُلْنا: قد افْتَرَقا مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ المَمْسُوحَ في الرَّأْسِ شَعَرٌ يَشُقُّ غَسْلُه، والرِّجْلان بخِلافِ ذلك، فَهُما أشْبَهُ بالمَغْسُولاتِ.
الثاني، أنَّهما مَحْدُودانِ بحَدٍّ يَنْتَهِي إليه، أَشْبَها اليَدَين.
الثالثُ، أنَّهما مُعَرَّضَتان للخَبَثِ، لكَوْنِهما يُوطَأ بِهما على الأرضِ.
وأمّا حَدِيثُ أوْسِ بنِ أوس فيُحْمَلُ على أنّه أرادَ الغَسْلَ الخَفِيفَ، وكذلك حديثُ ابنِ عباسٍ، وكذلك قال: أخَذَ مِلْءَ كَفٍّ مِنْ ماءٍ، فرَشَّ على قَدَمَيه.
والمَسْحُ يكونُ بالبَلَلِ لا برشِّ الماءِ.
واللهُ أعلمُ.
85 -
مسألة؛ قال: (والتَّرْتِيبُ على ما ذَكَرَ اللهُ تعالى)
وهو الفرضُ الخامسُ، وجملةُ ذلك أنَّ التَّرْتِيبَ في الوُضُوءِ، كما ذكر اللهُ تعالى، واجبٌ485
الحديث: 85 - الجزء: 1 - الصفحة: 298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في قولِ أحمدَ.
قال شيخُنا: لم أَرَ عنه فيه اخْتِلافًا.
وهو مَذْهبُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأبي عُبَيدٍ، وإسحاقَ 486. وحَكَى أبو الخَطَّابِ، عن أحمدَ روايةً أُخْرَى، أنَّه غيرُ واجبٍ.
وهو مذهَبُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنّ الله تعالى أمَرَ بغَسْلِ الأعْضاءِ، وعَطَف بَعْضَها على بعضٍ بواو الجَمْعِ، وهي لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فكَيفَما غَسَل كان مُمْتَثِلًا، ورُوي عن عليٍّ، أنَّه قال: ما أُبَالِي إذا أَتْمَمْتُ وُضُوئِي بأَيِّ أَعْضائِي بَدأْتُ 487. وعن ابنِ مسعودٍ: لا بَأْسَ أنْ تَبْدَأَ برِجْلَيكَ قَبْلَ يَدَيك في الوُضُوءِ (2). ووجْهُ الأوَّلِ أنَّ في الآيةِ قَرِينَةً تَدُلُّ على التَّرْتِيبِ، فإنَّه أدْخَلَ مَمْسُوحًا بينَ مَغْسُولَين، وقَطَع النَّظِيرَ عن نَظِيرِه، والعربُ لا تَفْعلُ ذلك إلَّا لفائِدَةٍ، والفائِدَةُ هي التَّرْتِيبُ.
فإن قِيل: فائِدَتُه اسْتِحْبابُ التَّرْتِيبِ.
قُلْنا: الآيةُ ما سِيقَتْ إلَّا لبَيان الواجِبِ،
الجزء: 1 - الصفحة: 299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولهذا لم تُذْكَرِ السُّنَنُ فيها، ولأنّه متى اقْتَضَى اللَّفْظُ التَّرتِيبَ، كان مَأمُورًا به.
ولأنَّ كلَّ من حَكَى وُضُوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَكاه مُرَتَّبًا، وهو مُفَسِّرٌ لِما في كتابِ الله تِعالى، وتَوَضَّأَ مُرَتِّبًا، وقال: «هذا وُضُوءٌ، لا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلاةَ إلَّا بِهِ» 488. أي: بمِثْلِه.
وقولُهم: إنَّ الواو لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ.
مَمْنُوعٌ، فقد اقْتَضَتِ التَّرْتِيبَ في قولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ 489. وما رُوِيَ عن عليٍّ، قال أحمدُ: إنَّما عَنَى به اليُسْرَى قبلَ اليُمْنَى؛ لأنَّ مَخْرَجَهُما في الكتابِ واحِدٌ.
ورَوَى الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه، أنَّ عليًّا سُئِلَ، فقِيل له: أحدُنا يَسْتعجِلُ، فيَغْسِلُ شيئًا قبلَ شيءٍ؟ فقال: لا.
حَتى يكونَ كما أمَرَ اللهُ تعالى.
وروايَتُه 490 عن ابن مسعودٍ لا نَعْرِفُ لها أصلًا، فأمَّا تَرْتِيبُ اليُمْنَى على اليُسْرَى، فلا يَجِبُ بِالإِجماع.
حكناه ابنُ الْمُنْذِرِ، لأنَّ اللهَ تعالى ذَكرَ مَخْرَجَهُما 491 واحدًا، فقال: ﴿وَأيدِيَكُمْ﴾، ﴿وَأرْجُلَكُمْ﴾، وكذلك التَّرْتِيبُ بينَ المَضْمَضَةِ، والاسْتِنْشاقِ، والفُقهَاءُ يَعُدُّون اليَدَينِ عُضْوًا، والرِّجْلَينِ عُضوًا، ولا يجبُ التَّرْتِيبُ بينَ العُضْو الواحِدِ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن نَكَّسَ وُضُوءَه، فَبَدأ بشيءٍ مِنْ أَعْضائِه قبلَ وَجْهِه، لم يُحْتَسَبْ بما غَسَلَه قبلَه.
وإن بَدَأ برِجْلَيه، وخَتَم بوَجْهِه، لم يَصِحَّ إلَّا غَسْلُ وَجْهِه.
وإن تَوَضَّأ مُنَكِّسًا أربعَ مَرّاتٍ، صَحَّ وُضُوؤه إذا كان مُتَقارِبًا، يَحْصُلُ له مِنْ كلِّ مَرَّةٍ غَسْلُ عُضْوٍ.
ومذهبُ الشافعيِّ يُجَوِّزُ 492 هَذا.
ولو غَسَل أعْضاءَه دَفْعَةً واحِدَةً، لم يَصِحَّ إلَّا غَسْلُ وَجْهِه.
وإنِ انْغَمَس في ماءٍ جارٍ، فلم يَمُرَّ على أعْضائِه إلَّا جَرْيَةٌ واحدةٌ، فكذلِك.
وإن مَرَّ عليه أرْبعُ جَرَيَاتٍ، وقلنا: الغَسْلُ يُجْزِئُ عن المَسْحِ.
أجْزأه، كما لو توَضَّأ أربعَ مَرَّاتٍ.
وإنْ كان الماءُ راكِدًا، فقال بَعْضُ أصحابِنا: إذا أخْرَجِ وَجْهَه ثم يَدَيهِ، ثم مَسَح رَأسَه، ثم خَرَج مِن الماءِ، أجْزأه؛ لأنَّ الحَدَثَ إنَّما يَرْتَفِعُ بانْفِصالِ الماءِ عن العُضْو.
ونَصَّ أحمدُ، في رجلٍ أرادَ الوُضُوءَ فاغْتَمَس في الماءِ، ثم خرجَ مِن الماءِ، فعليه مَسْحُ رَأْسِه وغَسْلُ رِجْلَيهِ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ الماءَ إذا كان جَاريًا، فمَرَّتْ عليه جَرْيَةٌ واحدةٌ، أنَّه يُجْزِئُه مَسْحُ رَأْسِه، ثم يَغْسِلُ رِجْلَيه.
وإنِ اجْتَمَع الحَدَثانِ، سَقَطَ التَّرْتِيبُ والمُوالاةُ، على ما سَنَذْكُرُه [في مَوْضِعِه] 493، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
الجزء: 1 - الصفحة: 301
وَالْمُوَالاةُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ،
86 - مسألة؛ قال: (والمُوالاةُ على إحْدَى الرِّوايَتَين)
المُوالاةُ هي الشرطُ السادسُ، وفيها رِوايتان؛ إحْداهما، هي واجِبَةٌ.
نَصَّ عليها أحمدُ في مَواضِعَ.
وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، وقَتَادَةَ، وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
قال القاضي: وفيها رِوايَةٌ أُخْرَى؛ أنَّها غيرُ واجِبَةٍ.
وهو قولُ النَّخَعِيِّ، والحسنِ، والثَّوْريِّ، وأصحابِ الرَّأْي، والقولُ الثاني للشافعيِّ، واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ المَأْمُورَ به غَسْلُ الأعْضاءِ، فكَيفَما غَسَل فقد أتَى بِالمَأَمُورِ به، وقد ثَبَت أنَّ ابنَ عُمَرَ تَوَضَّأَ بالسُّوقِ فغَسَلَ وَجْهَه ويَدَيه، ومَسَح رَأْسَه، ثم دُعِيَ لجِنازَةٍ، فمَسَح على خُفَّيه، ثم صَلَّى
الحديث: 86 - الجزء: 1 - الصفحة: 302
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليها 494. ولأنَّها إحْدَى الطَّهارَتَين، فلم تَجِبْ فيها المُوالاةُ كالكُبْرَى.
وقال مالكٌ: إن تَعَمَّد التَّفْرِيقَ بَطَل، وإلَّا فلا.
ووَجْهُ الأُولى ما رَوَى عُمَرُ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى رجُلًا يُصَلِّي، وفي ظَهْرِ قَدَمِه لُمْعَةٌ لم يُصِبْها
الجزء: 1 - الصفحة: 303
وَهِيَ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ الَّذِى قَبْلَهُ،
الماءُ، فأمَرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُعِيدَ الوُضُوءَ والصلاةَ.
رواه أبو داودَ (1). ولو لم تَجِبِ المُوالاةُ لأجْزأَه غَسْلُ اللُّمْعَةِ حَسْبُ.
ولأنَّها عِبادَةٌ يُفْسِدُها الحَدَثُ، فاشْتُرِطَتْ لها المُوالاةُ كالصلاةِ، والآيةُ دَلَّتْ على وُجُوبِ الغَسْلِ، وبَيَّن النَبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كَيفيَّتَه بفِعْلِه، فإنَّه لم يُنْقَلْ عنه أنَّه تَوَضَّأَ إلَّا مُتَوالِيًا، وغُسْلُ الجَنابَةِ بمَنْزِلَةِ الْغُضْو الواحدِ.
وحَكَى بعضُ أصحابِنا فيه مَنْعًا.
ذَكَره الشيخُ أبو الفَرَجِ.
وفِعْلُ ابنِ عُمَرَ ليس فيه دَلِيلٌ على أنّه أخَلَّ بالمُوالاةِ المُشْتَرَطَةِ.
87 -
مسألة؛ قال: (وهو أَن لا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حتى يَنْشَفَ الذي قبلَه)
في الزَّمانِ المُعْتَدِلِ، ولا اعْتِبارَ بالزَّمَنِ الحارِّ الذي يُسْرِعُ فيه النِّشافُ، ولا بالزَّمَنِ البارِدِ الذي يُبْطِئُ فيه، ولا يُعْتَبَرُ ذلك فيما بينَ طَرَفَي الطهارةِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: التَّفْرِيقُ المُبْطِلُ في إحْدَى الرِّوايَتَين ما يَفْحُشُ في العادةِ؛ لأنَّه لم يُحَدَّ في الشَّرْعِ، فرُجِعَ فيه إلى العادةِ، كالإحْرازِ والتَّفَرُّقِ في البَيعِ.495
الحديث: 87 - الجزء: 1 - الصفحة: 304
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن نَشِفَتْ أَعْضاؤه؛ لاشْتِغَالِه بفَرْضٍ في الطهارةِ أو سُنَّةٍ، لم يَبْطُلْ، كما لو طَوَّل أرْكانَ الصلاةِ.
وإن كان لوَسْوَسَةٍ تَلْحَقُه فكذلك، ويَحْتَمِل أنَّ يَبْطُلَ الوُضوءُ؛ لأنّه غيرُ مَفْرُوضٍ ولا مَسْنُونٍ، وإن كان ذلك لعَبَثٍ أو شيءٍ زائِدٍ على المسنونِ وأشْباهِه، عُدَّ تَفْرِيقًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 305
وَالنِّيَّةُ شَرْطٌ لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ كُلِّهَا؛
88 - مسألة؛ قال: (والنِّيَّةُ شَرْطٌ لطهارةِ الحَدَثِ كلِّها)
الغُسْلِ، والوُضوءِ، والتَّيَمُّمِ.
والنِّيَّةُ هي القَصْدُ.
يُقال: نَواك اللهُ بِخَيرٍ.
أي
الحديث: 88 - الجزء: 1 - الصفحة: 306
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَصَدَك.
ومَحَلُّها القَلْبُ؛ لأنَّ مَحَلَّ القَصْدِ القلبُ، فمتى اعْتَقَد بقلبِه أجْزَأ، وإنْ لم يَلْفِظْ بلِسانِه.
وإن لَفَظ بلِسانِه ولم يَقْصِدْ بقلبِه، لم يُجْزِئْه.
ولو سَبَق لِسانُه إلى غيرِ ما اعْتَقَده، لم يَمْنَعْ صِحَّةَ ما قَصَدَه بقَلْبِه.
ولا خِلافَ في المذهبِ في اشْتِراطِ النِّيَّةِكما لِما ذَكَرْنا.
ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ - رضي الله عنه -. وهو قولُ مالكٍ، ورَبِيعَةَ، واللَّيثِ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيدٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ في التَّيَمُّمِ دُونَ طهارةِ الماءِ؛ لأنَّ الله تَعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ 496. الآيةُ، ولم يَذْكُرِ النِّيَّةَ، ولو كانَتْ شَرْطًا لَذَكَرَها.
ولأنَّ مُقْتَضَى الأمْرِ حُصُولُ الإجْزاءِ بفِعْلِ المَأمُورِ به
الجزء: 1 - الصفحة: 307
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فتَقْتَضِي الآيةُ حُصُولَ الإِجْزاءِ بما تَضَمَّنَتْه.
ولأنَّها طهارةٌ بالماءِ، فلم تَفْتَقِرْ إلى النِّيَّةِ كغَسْلِ النَّجاسَةِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
مُتَّفَق عليه 497. فنَفَى أن يكونَ له عَمَلٌ شَرْعِيٌّ بدونِ النَّيِّةِ.
ولأنَّها طهارةٌ مِن الحَدَثِ، فلم تَصِحَّ بغيرِ نِيَّةٍ كالتَّيَمُّمِ، فأمّا الآيةُ فهي حُجَّةٌ لَنَا؛ فإن قولَه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾.
أي: للصلاةِ، كما يُقالُ: إذا لَقِيت الأمِيرَ فتَرَجَّلْ.
أي له.
وقولُهم: لو كانتِ النِّيَّةُ شَرْطًا لَذكَرَها.
قُلنا: إنَّما ذَكَر الأرْكانَ، ولم يَذْكُرِ الشَّرائِطَ كآيةِ التَّيَمُّمِ.
وقولُهم: مُقْتَضَى الأمْرِ حُصُولُ الإِجْزاء به.
قُلْنا: بلْ مُقْتَضاه وُجوبُ الفِعْلِ، ولا يَمْنَعُ أنَّ يُشْتَرَطَ له شرطٌ آخَرُ كآية التَّيَمُّمِ.
وقَوْلُهم: إنَّها طهارةٌ.
قُلنا: إلَّا أنَّها عِبادَةٌ،
الجزء: 1 - الصفحة: 308
وَهِيَ أَنْ يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ، أَو الطَّهَارَةَ لِمَا لا يُبَاحُ إلا بِهَا.
والعبادةُ لا تكونُ إلَّا مَنْويَّةً، كالصلاةِ؛ لأنَّها قُرْبَةٌ إلى الله تِعالى، وطاعةٌ، وامْتِثالُ أمْرٍ، ولا يَحْصُلُ ذلك بغيرِ نيَّةٍ.
89 -
مسألة؛ قال: (وهي أنْ يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ أو الطهارةَ لِما لا يُباحُ إلَّا بها)
متى قَصَد بطهارتِه رَفْعَ الحَدَثِ، وهو إزالةُ المانِعِ مِمّا يَفْتَقِرُ إلى الطَّهارةِ، أو قَصَد بطَهارتِه الصلاةَ، والطَّوافَ، ومَسَّ المصحفِ، أو قصَد الجُنُبُ بالغُسْلِ اللُّبْثَ في المسجدِ، صَحَّتْ طهارتُه عندَ القائلِين باشْتِراطِ النِّيَّةِ، لا نَعْلَمُ بينَهم فيه اخْتِلافًا.
فإنْ نَوَى التَّبَرُّدَ وما لا تُشْرَعُ الطهارةُ له؛ كالأكْلِ والبَيعِ، ولم يَنْو الطهارةَ الشَّرْعِيَّةَ 498
الحديث: 89 - الجزء: 1 - الصفحة: 309
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يَرْتَفِعْ حَدَثُه؛ لأنَّه لم يَنْو الطَّهارةَ، ولا ما يَتَضَمَّنُ نِيَتَّهَا، فأشْبَهَ مَن لم يَقْصِدْ شيئًا.
وإن نَوَى الطهارةَ مع ذلك، صَحَّتِ الطهارةُ؛ لأنّه نَوَى الطهارةَ، وضَمَّ إليها ما لا يُنافِيه، فلم يُؤَثِّرْ، كما لو نَوَى بالصلاةِ الطّاعَةَ والخَلاصَ مِن خَصْمِه.
الجزء: 1 - الصفحة: 310
فإِنْ نَوَى مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ أَو التَّجْدِيدَ، فَهَلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
90 - مسألة؛ قال: (فإنْ نَوَى ما تُسَنُّ لَهُ الطهارَةٌ، أو التَّجْدِيدَ، فهل يَرْتَفِعُ حَدَثُه؟ على رِوايَتَينِ)
وجملتُه أنَّه نَوَى ما تُشْرَعُ له الطهارَةُ ولا تُشْتَرَطُ؛ كقِراءَةِ القرآنِ والأذانِ والنَّوْمِ، أو نَوَى التَّجْدِيدَ ثم بانَ أنَّه كان مُحْدِثًا، ففيه رِوايتانِ؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ طَهارتُه؛ لأنَّه لم يَنْو رَفْعَ الحَدَثِ، ولا ما يَتَضَمَّنُه، أشْبَهَ ما لو نَوَى التَّبَرُّدَ.
والثَانيةُ، تَصِحُّ
الحديث: 90 - الجزء: 1 - الصفحة: 311
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طهارتُهْ، وهي أصَحُّ؛ لأنَّه نَوَى طهْارةً شَرْعِيَّةً، فيَنْبَغِي أن تَحْصُلَ له؛ للخبَرِ، ولأنَّه يُشْرَعُ له فِعْلُ هذا وهو غيرُ مُحْدِثٍ، وقد نَوَى ذلك، فيَنْبَغِي أنَّ يَحْصُلَ.
ولأنَّه نَوَى شَيئًا مِن ضَرُورَتِه صِحَّةُ الطهارةِ، وهو الفضيلةُ الحاصِلَةُ لِمَن فَعَل ذلك على طهارةٍ.
فإن قيلَ: يَبْطُلُ بما إذا نَوَى بطهارتِه ما لا تُشْرَعُ له الطهارةُ.
قُلنا: إنْ نَوَى طهارةً شَرْعِيَّةٍ، مِثْلَ مَن قَصَد الأكْلَ، وهو على طهارةٍ شَرْعِيَّةٍ، أو قَصَد، أن لا يَزال على وُضوءٍ، فهي كَمسْألتِنا، تَصِحُّ طهارتُه.
وإن قَصَد نَظافَةَ أَعْضائِه مِن
الجزء: 1 - الصفحة: 312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَسَخٍ أو غيرِه، لم تَصِحَّ طهارتُه؛ لأنَّه لم يَقْصِدْها وإنْ نَوَى وُضُوءًا مُطْلَقًا أو طهارةً مُطْلَقَةً، ففيه وَجْهَان، أحدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّ الوُضُوءَ والطهارةَ، عندَ الإطْلاقِ، يَنْصَرِفانِ إلى المَشْرُوعِ، فيكونُ ناويًا لطهارةٍ شَرْعِيَّةٍ.
والوَجْهُ الثاني، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه قَصَد ما يُباحُ [بغيرِ الطهارةِ] 499،
الجزء: 1 - الصفحة: 313
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أشْبَهَ قَصْدَ الأكْلِ، ولأنَّ الطهارةَ تَنْقَسِمُ إلى مَشْرُوعٍ وغيرِه، فلم تَصِحَّ مع التَّرَدُّدِ، والطهارةُ المُطْلَقَةُ مِنها ما لا يَرْفَعُ الحَدَثَ، كالطهارةِ مِن النَّجاسَةِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 314
وَإِنْ نَوَى غُسْلًا مَسْنُونًا، فَهَلْ يُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
91 - مسألة: (وإنْ نَوَى غُسْلًا مَسْنُونًا، فهل يُجْزِئُ عن الواجِبِ؟ على وَجْهَينِ)
مَضَى تَوْجِيهُهُما 500.
الحديث: 91 - الجزء: 1 - الصفحة: 315
وَإِنِ اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ تُوجِبُ الْوُضُوءَ أَو الْغُسْلَ، فَنَوَى بِطَهَارَتِهِ أَحَدَهَا، فَهَلْ ترْتَفِعُ سَائِرُهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
92 - مسألة: (وإنِ اجْتَمَعَتْ أَحْداثٌ تُوجِبُ الوُضُوءَ أو الغُسْلَ، فنَوَى بِطهارتِهِ أحَدَها، فهل يَرْتَفِعُ سائِرُها؟ على وَجْهَينِ)
أحدُهما، لا يَرْتَفِعُ إلَّا ما نَواه.
قاله أبو بكرٍ؛ لأنَّه لم يَنْوه، أشْبَهَ إذا لِم يَنْو شيئًا.
وقال القاضي: يَرْتَفِعُ؛ لأن الأحْداثَ تَتَداخَلُ؛ فإذا ارْتَفَع بعضُها ارْتَفَع
الحديث: 92 - الجزء: 1 - الصفحة: 316
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جَمِيعُها، كما لو نَوَى رَفْعَ الحَدَثِ.
وإنْ نَوَى صلاةً واحدةً نَفْلًا أو فَرْضًا لا يُصَلِّي غيرَها، ارْتَفَع حَدَثُه، ويُصَلِّي ما شاء؛ لأنَّ الحَدَثَ إذا ارْتَفَع لم يَعُدْ إلَّا بسَبَبٍ جَدِيدٍ، ونِيَّةُ الصلاةِ تَضَمَّنَتْ رَفْعَ الحَدَثِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 317
وَيَجِبُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى أَوَّلِ وَاجِبَاتِ الطَّهَارَةِ.
93 - مسألة: (ويَجِبُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ على أوَّلِ واجِباتِ الطَّهارَةِ)
لأنَّها شَرْطٌ لها، فيُعْتَبَرُ وُجُودُها في جميعِها، وأوَّلُ واجِباتِها، المَضْمَضَةُ أو
الحديث: 93 - الجزء: 1 - الصفحة: 318
وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهَا عَلَى مَسْنُونَاتِهَا، وَاسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا فِي جَمِيعِهَا، وَإِنِ اسْتَصحَبَ حُكْمَهَا أجْزأهُ.
التَّسْمِيَةُ، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ.
فإن وُجِدَ شيءٌ مِن واجِباتِ الطهارةِ قبلَ النِّيَّةِ لم يُعْتَدَّ به.
فإن غَسَل الكَفَّينِ بغيرِ نِيَّةٍ فهو كمَن لم يَغْسِلْهُما.
(ويُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُها على مَسْنُوناتِها) فيُقَدِّمُها على غَسْلِ الكَفَّين، لتَشْمَلَ مَفْرُوضَ الوُضُوءِ ومَسْنُونَه، فإن غَسَل الكَفَّينِ بغيرِ نِيَّةٍ، فهو كمَن لم يَغْسِلْهُما.
94 -
مسألة: (واسْتِصْحابُ ذِكرِها في جَمِيعِها، وإنِ اسْتَصْحَبَ حُكْمَها أجْزأه)
وجُمْلَتُه، أنَّه يُسْتَحَبُّ اسْتِصْحابُ ذِكْرِ النِّيَّةِ إلى آخِرِ طهارتِه؛ لتكونَ أَفْعالُه مُقْتَرِنَةً بالنِّيَّةِ، فإنِ اسْتَصْحَبَ حُكْمَها أجْزأَه.
ومَعْنَى اسْتِصْحابِ حُكْمِها: أنْ لا يَنْوىَ قَطْعَها.
فإنْ عَزَبَتْ عن خاطِرِه، لم يُؤثِّرْ في قَطْعِها، كالصلاةِ والصيامِ.
ويَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ على الطهارةِ بالزَّمَنِ الْيَسِيرِ، قِياسًا على الصلاةِ.
فإن قَطَع النِّيَّةَ في أثْناءِ طهارتِه وفَسَخَها، مِثْل أنْ يَنْويَ أن لا يُتِمَّ طهارتَه، فقال ابنُ عَقِيل: تَبْطُلُ
الحديث: 94 - الجزء: 1 - الصفحة: 319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طهارتُه 501 مِن أصْلِها؛ لأنَّها تَبْطُلُ بالمُبْطِلاتِ، أشْبَهتِ الصلاةَ.
وقال شَيخُنا: لا يَبْطُلُ ما مَضَى مِن طهارتِه؛ لأنَّه وَقَع صَحِيحًا، أشْبَهَ ما لو نَوَى قَطْعَها بعدَ الفَراغِ مِنَ الوُضُوءِ، وما غَسَلَه مِن أعْضائِه بعدَ قَطْعِ النِّيَّةِ لا يُعْتَدُّ به.
فإن أعادَ غَسْلَه بنِيَّةٍ أُخْرَى قبلَ طُولِ الفَصْلِ، صَحَّتْ طهارتُه.
وإنْ طال الفَصْلُ، انْبَنَى على وُجُوبِ المُوالاةِ.
فأمّا إنْ غَسَل بَعْضَ أعْضائِهِ بنِيَّةِ الوُضُوءِ، وبَعْضَها بنِيَّةِ التَّبَرُّدِ، ثم أعاد غَسْلَ ما نَوَى به التَّبَرُّدَ بنِيَّةِ الوُضوءِ قبلَ طُولِ الفَصْلِ، أَجزأه، وإلَّا انْبَنَى على وُجُوبِ الموالاةِ، وَجْهًا واحدًا 502. فإنْ فَسَخَ النِّيَّةَ بعدَ الفَراغِ منها، لم تَبْطُلْ كالصلاةِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ تَبْطُل؛ لأنَّ الطهارةَ تَبْطُلُ بالحَدَثِ بعدَ فَراغِها، بِخلافِ الصلاةِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا شَكَّ في النِّيَّةِ في أثْناءِ الطهارةِ لَزِمَه اسْتِئْنافُها، كما لو شَكَّ في نِيَّةِ الصلاةِ وهو فيها؛ لأنّ النِّيَّةَ هي القَصْدُ، فمتى عَلِمَ أنَّه جاء ليَتَوَضَّأ، أو أرادَ فِعْلَ الوُضوءِ مُقارِنًا له، أو سابقًا عليه قَرِيبًا مِنه، فقد وُجِدَتِ النِّيَّةُ، ومَن شَكَّ في وُجُودِ ذلك في أثْناءِ طهارتِه، لم يَصِحَّ ما مضي منها.
وهكذا إنْ شَكَّ في غَسْلِ عُضْوٍ، أو مَسْحِ رَأْسِه، حُكْمُه حُكْمُ مَن لم يَأْتِ به، لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه، إلَّا أنَّ يكون وَهْمًا كالوَسْواسِ، فلا يَلْتَفِتُ إليه.
وإن شَكَّ في شَيءٍ مِن ذلك بعدَ فَراغِه مِن الطَّهارةِ، لم يَلْتَفِتْ إليهِ؛ لأَنه شَكَّ في العِبادَةِ بعدَ فَراغِه منها، أشْبَهَ الشَّكَّ في شَرْطِ الصلاةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَبْطُل؛ لأنَّ حُكْمَها باقٍ، بدَلِيلِ أنَّها تَبْطُلُ بمُبْطِلاتِها بخِلافِ الصلاةِ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّها كانتْ مَحْكُومًا بصِحَّتِها، فلا يَزُولُ ذلك بالشَّكِّ، كما لو شَكَّ في وُجُودِ الحَدَثِ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 321
فَصْلُ: وَصِفَةُ الْوُضُوءِ، أنْ يَنْويَ، ثُمَّ يُسَمِّيَ، وَيَغْسِلَ يَدَيهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ ثَلَاثًا مِنْ غَرْفَةٍ، وَإِنْ شَاءَ مِنْ ثَلَاثٍ، وَإنْ شَاءَ مِنْ سِتٍّ،
فصل: فإنْ وَضَّأَه غيرُه أو يَمَّمَه اعْتُبِرَتِ النِّيَّةُ مِن المُتَوَضِّئ، دُونَ المُوَضِّئ؛ لأنَّه المُخاطَبُ بالوُضوءِ، والمُوَضِّئ آلةٌ له، فهو كحامِلِ الماءِ إليه.
وإن تَوَضَّأ وصَلَّى صلاةً، ثم أَحْدَث وتَوضَّأ وصَلَّى أُخْرَى، ثم عَلِمَ أنَّه تَرَك واجِبًا في أحَدِ الوُضوءَينِ، لزِمَه إعادَةُ الوُضوءِ والصلاتينِ.
فصل: (وصِفَةُ الوُضُوءِ أنْ يَنْوىَ، ثم يُسَمِّيَ، ثم يَغْسِلَ يَدَيه ثَلاثًا).
هذه صِفَةُ الوُضوءِ الكامِلِ، ووَجْهُه ما ذَكَرْنا.
(ثم يَتَمَضْمضَ ويَسْتَنْشِقَ ثلاثًا مِنْ غَرْفَةٍ، وإنْ شاءَ مِن ثلاثٍ، وَإن شاءَ مِن سِتٍّ).
المَضْمَضَةُ: إدارَةُ الماءِ في الفَمِ.
والاسْتِنْشاقُ: اجْتِذابُ الماءِ بالنَّفَسِ إلى باطِن الأنْفِ.
والاسْتِنْثارُ مسْتَحَبٌّ، وهو: إخْراجُ الماءِ مِن الأنْفِ وقد يُعَبَّرُ بالاسْتِنْثارِ عن الاسْتِنْشاقِ؛ لكَوْنِه مِن لَوازِمِه.
ولا تَجِبُ إدارةُ الماءِ في جَمِيعِ الفَمِ، ولا إيصالُ الماءِ إلى جميعِ باطِنِ الأنْفِ، وإنَّما ذلك مُبالغَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وقد
الجزء: 1 - الصفحة: 322
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذَكَرْناها.
فإن جَعَلَ الماءَ في فِيه يَنْوى رَفْعَ الحَدَثِ الأصْغَرِ، ثم ذَكَرَ أنَّه جُنُبٌ، فنَوَى رَفْعَ الحَدَثَين، ارْتَفَعا؛ لأنَّ الماءَ إنَّما يَثْبُتُ له حُكْمُ الاسْتِعْمالِ بعدَ الانْفِصالِ.
ولو لَبِثَ الماءُ في فِيه حتى تَغَيَّرَ بما يَتَحَلَّلُ مِن رِيقِه، لم يَمْنَعْ؛ لأنَّ التَّغَيُّرَ في مَحَلِّ الإزالةِ لا يَمْنَعُ، كما لو تَغَيَّرَ الماءُ على عُضْوه بعَجِينٍ عليه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يَتَمَضْمَضَ ويَسْتَنْشِقَ بيَمِينِه، ثم يَسْتَنْثِرَ بيَسارِه؛ لما رُوِيَ عن عثمانَ، أنَّه تَوَضَّأ، فدَعا بماءٍ فغَسَلَ يَدَيه، ثم غَرَف بيَمِينِه، ثم رَفَعَها إلى فِيه، فتَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ بكَفٍّ واحدةٍ، واسْتَنْثرَ بيَسارٍ، فَعَلَ ذلك ثلاثًا، ثم ذَكَرَ سائِرَ الوُضُوءِ، ثم قال: إنّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ لَنا كما تَوَضَّأْت لكم.
رواه سعيدٌ 503. وهو مُخَيَّرٌ بينَ أن
الجزء: 1 - الصفحة: 323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَتَمَضْمَضَ ويَسْتَنْشِقَ بغَرْفةٍ،، أو بثلاثٍ، أو بست؛ لما ذَكَرْنا مِن حديثِ عثمان.
وقال الأثْرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأل: أيُّما أحَبُّ إليك، المَضْمَضَةُ والاسْتِنْشاقُ بغَرْفَةٍ واحدةٍ، أو كلُّ واحِدَةٍ منهما على حِدَةٍ؟ قال: بغَرفَةٍ واحدةٍ.
وفي حديثِ عبدِ الله بِن زيدٍ: تَمَضْمَضَ واسْتَنْثَرَ ثلاثا مِنْ غَرْفَةٍ واحِدَةٍ.
رَواه البُخارِيُّ 504. وعن عليٍّ رضي اللهُ عنه، أنَّه تَوَضَّأ فمَضْمَضَ 505 ثلاثًا، واسْتَنْشَقَ ثلاثًا مِن كَفّ واحدةٍ، وقال: هذا وُضُوءُ نَبِيِّكم - صلى الله عليه وسلم -. مِنَ «المُسْنَدِ» 506. وفي لفظٍ: أنَّه تَمَضْمَضَ 507 واسْتَنْشَقَ واسْتَنْثَرَ ثلًاثًا، بثلاثِ غَرَفاتٍ.
مُتَّفق عليه 508. وفي حديثِ طَلْحَةَ بنِ مُصَرِّفٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، [عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -] 509 أنَّه فَصَل بينَ المَضْمَضَةِ
الجزء: 1 - الصفحة: 324
وَهُمَا وَاجِبَانِ فِي الطَّهَارَتَينِ.
وَعَنْهُ، أَنَّ الاسْتِنْشَاقَ وَحْدهُ وَاجِبٌ فِيهِمَا.
وَعَنْهُ، أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ فِي الْكُبْرَى دُونَ الصُّغْرَى.
والاسْتِنْشاقِ.
رَواه أبو داودَ (1). ولأنَّ الكَيفيَّةَ في الغَسْلِ غيُر واجبةٍ.
ولا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بينَ المَضْمَضَةِ والاسْتِنْشاقِ، وبينَ الوَجْهِ؛ لأَنَّهما مِن جُمْلَتِه، لكنْ يُسْتَحَبُّ أن يَبْدأ بهما؛ لأنَّ الذين وَصَفُوا وُضوءَ النبيٍّ - صلى الله عليه وسلم -، ذَكَرُوا أَنَّه بَدأَ بهما إلَّا شيئًا نادِرًا.
وهل يَجِبُ التَّرْتِيبُ بينَهما وبينَ سائرِ الأعْضاء؟ على رِوايَتَين؛ إِحْداهُما، يَجِبُ؛ لأنَّهما مِن الوَجْهِ، فوَجَبَ غَسْلُهما قبلَ اليَدَينِ، كسائِرِه.
والثانيةُ، لا يَجِبُ، بل لو تَرَكَهما وصَلَّى، تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ وأعادَ الصلاةَ، ولم يُعِدِ الوُضُوءَ؛ لما رَوَى المِقْدامُ بنُ مَعْدِ يكَرِبَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ بوَضُوءٍ، فغَسَلَ كَفَّيه ثلاثًا، ثم غَسَل وَجهه ثلاثًا، ثم غَسَل ذِراعَيه ثلاثًا، ثم تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ.
رَواه أبو داودَ (2). قال أصحابُنا: وهل يُسَمَّيانِ فَرْضًا، إذا قُلنا بوُجُوبِهما؟ على رِوايَتَينِ.
وهو مَبْنيٌّ على اخْتِلافِ الرِّوايَتَينِ في الواجِبِ، هل يُسَمَّى فَرْضًا أم لا؟ والصحيحُ: تَسْمِيَتُه فَرْضًا، فيُسَمَّيانِ فرضًا.
واللهُ أعلمُ.
95 -
مسألة؛ قال: (وهما واجِبانِ في الطهارَتَينِ. وعنه: أنَّ
510511 الحديث: 95 - الجزء: 1 - الصفحة: 325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الاسْتِنْشاقَ وَحدَه واجبٌ.
وعنه: أنَّهُما واجِبانِ في الكُبْرَى دُونَ الصُّغْرَى) وجُمْلَة ذلك أن المَضْمَضَةَ والاسْتِنْشاقَ واجبانِ في الطَّهارَتَينِ، الغُسْلِ والوُضُوءِ جميعًا؛ لأنَّ غَسْلَ الوَجْهِ فيهما وَاجِبٌ، وهما مِن الوَجْهِ.
هذا المشهورُ في المذهب، وهو قول ابن المُبارَكِ، وابن أبي لَيلَى، وإسحاقَ.
ورُوِيَ عن أحمدَ أن الاسْتِنْشاقَ وَحده واجِبٌ في الطَّهارَتَينِ.
ذَكَر القاضي ذلك في «المُجَرَّدِ»، رِوايةً واحِدةً.
وبه قال أبو عُبَيدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابن المُنذِرِ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا تَوَضَّأَ أحَدُكُمْ
الجزء: 1 - الصفحة: 326
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَلْيَجْعَلْ في أنْفِهِ 512 ثُمَّ لْيَنْثُرْ».
مُتَّفَقٌ عليه 513. ولمسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِق» 514. أمْرٌ، والأمْرُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ، ولأنَّ الأنْفَ لا يَزالُ مفتوحًا، وليس له غِطاءٌ يَسْتُرُه، بخِلاف الفَمِ.
وقال غيرُ القاضي مِن أصحابِنا، عن أحمد رِوايَةً أُخْرَى: أنَّهما واجِبانِ في الكُبْرَى، دُونَ الصُّغْرَى.
وهذا مذهبُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّ الكُبْرَى يَجِبُ فيها غَسْلُ ما تحتَ الشُّعُورِ الكَثِيفَةِ، ولا يَمْسَحُ فيها على الخُفَّينِ، فوَجَبا
الجزء: 1 - الصفحة: 327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيها، بخِلافِ الصُّغْرَى.
وقال مالكٌ، والشافعيٌّ: هما مَسْنُونانِ في الطَّهارَتَينَ.
ورُوِيَ ذلك عن الحسن، في الحَكَمِ 515، ورَبِيعَةَ، واللَّيثِ، والأوْزاعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرةِ».
وذَكَرَ مِنها المَضْمَضَةَ والاسْتِنْشاقَ 516. والفِطْرةُ: السُّنَّةُ.
وذِكْرُه لَهُما مِنَ الفطرة يَدُلُّ على مُخالفَتِهما لسائِرِ 517 الوُضُوءِ.
ولأنَّهما عُضْوانِ باطِنانِ، فلم يَجِبْ غَسْلُهما، كباطِنِ اللِّحَيِة وداخِلِ العَينَينِ.
ولأنَّ الوَجْهَ ما تَحصُلُ به المُواجَهةُ، ولا تَحْصُلُ المُواجهَةُ بِهِما.
ولَنا، ما رَوَتْ عائِشةُ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «المَضْمَضَةُ والاسْتِنْشاقُ مِنَ الوُضُوء الَّذِى لَابُدَّ مِنْهُ».
رَواه أبو بكرٍ فِي «الشّافِي».
وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: أَمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالمَضْمَضَةِ والاسْتِنْشاقِ.
وفي حديثِ لَقِيطِ بنِ صَبِرة 518: «إذَا تَوَضَّأَتَ فَتَمَضْمَضْ».
رَواه أبو داود 519، وأخْرَجَهما الدَّارَقُطْنِي 520. ولأنَّ كل مَن وَصَف وُضوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُسْتَقْصًى، ذَكَر أنَّه تَمَضْمَض
الجزء: 1 - الصفحة: 328
ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا مِنْ مَنَابِتِ شَعَرِ الرّأْسِ إِلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللّحْيَينِ وَالذَّقَنِ طُولًا، مَعَ مَا اسْتَرْسَلَ مِنَ اللّحْيَةِ، وَمِنَ الْأُذُنِ إِلَى الأذُنِ عَرْضًا.
واسْتَنْشَقَ، ومُداوَمَتُه عليهما تَدُلُّ على وُجوبِهما؛ لأنَّ فِعْلَه يَصْلُحُ أن يكونَ بَيانًا لأمْرِ الله تِعالى.
ولأنَّهما عُضْوان مِن الوَجْهِ في حُكْمِ الظّاهِرِ، لا يَشُقُّ غَسْلُهما فوَجَبَ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (1). والدليلُ.
على أنَّهما في حُكْمِ الظّاهِرِ، أنَّ الصّائِمَ لا يُفْطِرُ بوَضْعِ الطعامِ فيهما، ويُفْطِرُ بوُصُولِ القَيْء إليهما، ولا يَجِبُ الحَدُّ بتَرْكِ الخَمْرِ فيهما، ويَجِبُ غَسْلُ النَّجاسَةِ فيهما.
فأمّا كَوْنُهما مِن الفِطْرَةِ فلا يَنْفِي وُجُوبَهما؛ لأنَّه ذَكَر الخِتانَ في الفِطْرَةِ وهو واجِبٌ.
فأمّا غَسْلُ داخِلِ العَينَين، فلنا فيه مَنْعٌ، وباطِنُ اللِّحْيَةِ يَشُقُّ غَسْلُه؛ فلذلك لم يَجِبْ في الوُضُوءِ، ويَجِبُ في الطهارةِ الكُبْرَى.
والله أعلمُ.
96 -
مسألة؛ قال: (ويَغْسِلُ وَجْهَه ثَلَاثًا 522، مِن مَنابِتِ شَعَرِ الرَّأَسِ إلى ما انْحَدَرَ مِن اللَّحْيَينِ والذَّقَنِ طُولًا، مع ما اسْتَرْسَلَ مِن اللّحْيَةِ ومِنْ الأذُنِ إلى الأذُنِ عَرْضًا) غَسْلُ الوَجْهِ ثلاثًا مُسْتَحَبٌّ؛ لِما521
الحديث: 96 - الجزء: 1 - الصفحة: 329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذَكرنا مِن حديثِ عليٍّ 523 وغيرِه، وغَسْلُه مَرَّةً واجِبٌ بالنَّصِّ والإجماعِ، وقد ذَكرْناه.
وقولُه في حَدِّه: مِنْ مَنابِتِ شَعَرِ الرَّأْسِ.
يَعْنَى في غالِبَ النّاسِ، ولا اعْتِبارَ بالأصْلَعِ الذي يَنْحَسِرُ شَعَرُه عن مُقدَّمِ رَأَسِه، ولا بالأفْرعِ 524 الذي يَنْزِلُ شَعَرُه إلى وَجْههِ، بل بغالِبِ الناسِ، فالأصْلَعُ يَغْسِلُ إلى حَدِّ مَنابِتِ الشَّعَرِ فِي غالِبِ النّاسِ، والأفْرَعُ 525 يَغْسِلُ الشَّعَرَ الذيِ يَنْزِلُ عن حَدِّ 526 الوَجْهِ فِي الغالِبِ.
وقال الزُّهْرِيُّ: الأُذُنُ مِن الوَجْهِ؛ لقَولِه - صلى الله عليه وسلم -: «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرهُ».
رَواه مسلمٌ 527. أضافَ السَّمْعَ إلى الوَجْهِ،، كما أضافَ البَصَرَ.
وقال مالكٍ: ما بينَ اللِّحْيَةِ [إلى الأُذُنِ] 528 ليس مِن الوَجْهِ، ولا يَجِبُ غَسْلُه؛ لأنَّ الوَجْهَ ما تحْصُلُ به المُواجَهَةُ، وهذا لا يُواجَهُ به.
الجزء: 1 - الصفحة: 330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال ابنُ عبدِ الْبَرِّ: لا أعْلَمُ أحدًا مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ قال بقَوْلِ مالكٍ هذا.
ولَنا على الزُّهْرِيِّ، قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الأذُنَانِ مِنَ الرَّأَسِ».
رَواه ابنُ ماجه 529. ولم يحْكِ أحَدٌ أنَّه غَسَلَهما مع الوَجْهِ، وإنَّما أضافَهُما إلى الوَجْهِ للمُجاوَرَةِ.
وعلى مالكٍ، أنَّ هذا مِن الوَجْهِ في حَقِّ مَن لا لِحْيَةَ له، فكذلك مَن له لِحْيَةٌ كسائِرِ الوَجْهِ.
وهذا تَحْصُلُ به المُواجَهَةُ مِن الغُلامِ.
ويُسْتْحَبُّ تَّعاهُدُ المَفْصِلِ بالغَسْلِ؛ وهو ما بينَ اللِّحْيَةِ والأذُنِ.
نَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ.
ويَدْخُلُ فِي الوَجْهِ العِذارُ، وهو الشَّعَرُ الذيِ على العَظْمِ النّاتِئ، سَمْتَ صِماخِ الأذُنِ.
والعارِضُ الذي تحتَ العِذارِ، وهو الشَّعَرُ النّابتُ على الخَدِّ واللَّحْيَين.
قال الأصمَعِيُّ: ما جاوَرَ وَتِدَ الُأذُنِ عارِضٌ، والذَّقَنُ: الشَّعَرُ الذي على مَجْمَعِ اللَّحْيَين.
فهذه الشُّعُورُ الثلاثةُ مِن الوَجْهِ يَجِبُ غَسْلُها معه.
وكذلك الحاجِبان، وأهْدابُ العَينَين،
الجزء: 1 - الصفحة: 331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشّارِبُ، والعَنْفَقَةُ.
فأمّا الصُّدْغُ، وهو الذي فوقَ العِذارِ، وهو يُحاذِي رَأْسَ الُأذُنِ، ويَنْزِلُ عن رَأْسِها قليلًا، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، هو مِن الوَجْهِ.
اخْتاره ابنُ عَقِيلٍ؛ لحُصُولِ المُواجَهَةِ به واتِّصالِه بالعِذارِ.
والثاني، أنَّه مِن الرَّأْسِ، وهو الصحيحُ؛ لأنَّ في حديثِ الرُّبَيِّعِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح برَأسِه، وصُدْغَيه، وأُذُنَيه، مَرَّةً واحدةً.
رَواه أبو داودَ 530. ولم يَنْقُلْ أحدٌ أنَّه غَسَلَه مع الوَجْهِ.
ولأنَّه شَعَرٌ يَتَّصِلُ بشَعَرِ الرَّأُس، ويَنْبُتُ معه في حَقِّ الصَّغِيرِ، بخِلافِ العِذارِ.
فأمّا التَّحْذِيف، وهو الشَّعَرُ الدّاخِلُ في الوَجْهِ ما بينَ انْتِهاءِ العِذارِ والنزعَةِ، فقال ابنُ حامدٍ: هو مِن الوَجْهِ؛ لأنَّه شَعَرٌ بينَ بَياضِ الوَجْهِ، أشْبَه العِذارَ.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أنَّه مِن الرَّأْسِ؛ لأنَّه شَعَرٌ مُتَّصِلٌ به، لم يَخْرُجْ عن حَدِّه، أشْبَهَ الصُّدْغَ.
قال شيخُنا: والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنّ مَحَلَّه لوْ لم يَكُنْ عليه شَعَرٌ، كان مِن الوَجْهِ، فكذلك إذا كان عليه شَعَرٌ، كسائِرِ الوَجْهِ 531. وأمّا النَّزعَتان؛ وهما ما انْحَسَرَ عنه الشَّعَرُ مِن الرّأْسِ مُتَصاعِدًا في جانِبَي الرَّأْسِ، فقال ابنُ عَقِيل: هما مِن الوَجْهِ؛ لقولِ الشّاعرِ 532:
فلا تَنْكِحي إن فَرَّقَ الله بَينَنا … أغَمَّ القَفا والوَجْهٍ ليس بأنْزَعا
الجزء: 1 - الصفحة: 332
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال القاضِي، وشيخُنا: هما مِن الرأْسِ 533. وهو الصحيحُ، لأنَّه لا تحْصُلُ بهما المُواجَهَةُ، ولدُخولِهما في حَدِّ الرأْس، لِأنّه ما تَرَأَسِ وعَلا.
وذكر ابنُ عَقِيلٍ في الشَّعَرِ المُسامِتِ للنَّزَعتَين هل هو مِن الوَجْهِ أم لا؟ على وَجْهَين.
ويَجِبُ غَسْلُ ما اسْتَرْسَل مِن اللِّحيَةِ، في ظاهِر
الجزء: 1 - الصفحة: 333
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبِ.
وكذلك ما خَرَج عن حَدِّ الوَجْهِ عَرْضًا.
وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ؛ لأنَّها مِن الوَجْهِ، بدليلِ ما رُوِيَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا قد غَطَّى لِحْيَتَه في الصلاةِ، فقال: «اكْشِفْ لِحْيَتَكَ، فَإنَّ اللِّحْيَةَ مِنَ الْوَجْهِ» 534. ولأَنّه نابِتٌ في مَحَلِّ الفَرْضِ، أشْبَه اليَدَ الزّائِدَةَ، ولأنَّها تحْصُلُ بها المُواجَهَةُ، أَشْبَهَتْ سائِرَ الوَجْهِ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه: لا يَجِبُ غَسْلُ ما نَزَل مِنها عَنْ حَدِّ الوَجْهِ طُولًا، ولا ما خَرَج عَرْضًا؛ لأنه شَعَرٌ خارِجٌ عن مَحَلِّ الفَرْضِ، أشْبَه ما نَزَل مِن شَعَرِ الرّأْسِ.
ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ، أنَّه لا يَجِبُ غَسْلُ اللّحْيَةِ الكَثِيفَةِ، وما تحتَها مِن بَشَرَةِ الوَجْهِ؛ لأنَّ الوَجْه اسْمٌ للبَشَرَةِ التي تحْصُلُ بها المُواجَهَةُ،
الجزء: 1 - الصفحة: 334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولم يُوجد ذلك في واحدةٍ مِنْهما.
وقال الخَلّالُ: الذي ثَبَت عن أبي عبدِ اللهِ في اللِّحْيَةِ، أنَّه لا يَغْسِلُها، وليستْ مِن الوَجْهِ.
وظاهِرُ هذا كمذهبِ أبي حنيفةَ، فيما ذُكِرَ عنه آخِرًا، والمشهورُ عن أبي حنيفةَ وُجوبُ غَسْلِ رُبْع اللِّحْيَةِ، كقَوْلِه فِي مَسْحِ الرَّأْسِ.
والقولُ الأوَّلُ هو المشهورُ في المذهبِ.
وما رُوِيَ عن أحمدَ، يحْتَمِلُ أنَّه أرادَ ما خَرَج عن الوَجْهِ منها، كما ذَكَرْنا عن الشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، فعلى هذا يَصِيرُ فيه رِوايَتان.
ويحْتَمِلُ أنَّه أرادَ غَسْلَ باطِنِها، فيَكُونُ مُوافِقًا للقولِ الأوَّلِ، وهو الصحيحُ، إن شاءَ اللهُ.
وقِياسُهم على النّازلِ مِن شَعَرِ الرَّأسِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَدخُلُ.
في اسْمِ الرّأْس، وهذا يَدْخُلُ في اسمِ الوَجْهِ؛ لِما ذَكَرنا مِن الحديثِ، [ولحُصولِ المُواجَهَةِ به.
واللهُ أعلمُ] 535.
الجزء: 1 - الصفحة: 335
فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَعَرٌ خَفِيفٌ يَصِفُ الْبَشَرةَ وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَهُ، وَإنْ كَانَ يَسْتُرُهَا أَجْزأَهُ غَسْلُ ظَاهِرِهِ.
وَيُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُهُ.
97 - مسألة: (فإن كان فيه شَعَرٌ خَفِيفٌ يَصِفُ البَشَرَةَ، وَجَبَ غَسْلُها معه. وإن كان يَسْتُرُها، أَجزأَه غَسْلُ ظاهِرِه. ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُه)
أمّا إذا كانت الشُّعُورُ التي 536 في الوَجْهِ تَصِفُ البَشَرَةَ، وَجَب غَسْلُ البَشَرَةِ والشَّعَرِ؛ لأنَّ البَشَرَةَ ظاهِرَةٌ تَحْصُلُ بها المُواجَهَةُ، فوَجَبَ غَسْلُها كالتي لا شَعَرَ عليها، ويَجِبُ غَسْلُ الشَّعَرِ؛ لأنَّه نابِتٌ في مَحَلَ الفَرْضِ، تَبَعٌ له.
وإن كان كثِيفًا يَسْتُرُ البَشَرَةَ، أجْزأَه غَسْلُ ظاهِرِه،
الحديث: 97 - الجزء: 1 - الصفحة: 336
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لحُصولِ المُواجَهةِ به، ولم يَجِبْ غَسْلُ ما تحتَه؛ لأنَّه مَسْتور، أَشْبَه باطِنَ الأنْفِ.
ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُه، وقد ذَكَرْنا ذلك في سُنَّةِ الوُضُوء، ولا يَجِبُ التَّخْلِيلُ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا في المذهبِ، وهو مذهبُ أكْثَرِ أَهلِ العلمِ؛ لأنّ الله تعالى أَمر بالغَسْلِ ولم يَذْكُرِ التَّخْلِيلَ.
ولأنَّ أَكثرَ مَن حَكَى وُضُوءَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يَحْكِه، ولو كان واجبًا لَما أخَلَّ به، ولو فَعَلَه لنَقَلَه الذين نَقَلُوا وُضوءَه أو أكْثَرُهم.
وتركُه لذلك يَدُلُّ على أنَّ غَسْلَ ما تحتَ الشَّعَرِ الكَثِيفِ ليس بواجِبٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان كَثِيفَ اللِّحْيَةِ، فلا يَبْلُغُ الماءُ إلى ما تحتَ شَعَرِها إلا بالتَّخْلِيلِ، وفعْلُه للتَّخْلِيلِ في بعض أَحْيانِه يَدُلُّ على اسْتِحبابِه.
وقال إسحاقُ: إذا تَرَك تَخلِيلَ لِحْيَتِه عامِدًا، أعادَ الوُضوءَ؛ لِما رَوَى أنَسٌ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا تَوَضَّأ أَخذ كَفَّا مِن ماء، فأدْخَلَه تحتَ حَنَكِه، وخَلَّلَ به لِحْيَتَه، وقال: «هكَذَا أَمرَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ».
رَواه أبو داودَ 537. ولِما ذَكرْنا مِن حديثِ ابنِ عُمَرَ.
وقال عَطاءٌ، وأبو ثَوْرٍ: يَجِبُ غَسْلُ ما تحتَ الشُّعورِ الكَثِيفَةِ في الوُضوءِ، قِياسًا على الجَنابَةِ.
ونَحوه قولُ سعيدِ بنِ جُبَيرٍ.
وقولُ الجمهورِ أوْلَى.
والفَرْقُ بينَ الوُضوءِ والغُسْلِ، أنَّ غَسْلَ باطِنِ الشَّعَرِ الكَثِيفِ، يَشُقُّ في الوُضُوءِ؛ لتَكَرُّرِه، بخِلافِ الغُسْلِ.
فإن كان بعضُ الشَّعَرِ كَثِيفًا، وبَعْضُه خَفِيفًا، وَجَب غَسْلُ بَشَرَةِ الخَفِيفِ معه، وظاهِرِ الكَثِيفِ.
وجميعُ شُعُورِ الوَجْه
الجزء: 1 - الصفحة: 337
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في ذلك سَواءٌ، وذَكَر بعضُ أصحابِنا في الشّارِبِ، والعَنْفَقَةِ، والحاجِبَين، وأهْدابِ العَينَين، ولِحْيَةِ المرأةِ إذا كانت كَثِيفَةً، وَجْهَين؛ أحدُهما، يَجِبُ غَسْلُ باطِنِها؛ لأنها لا تَسْتُرُ عادَةً، وإن وُجِدَ ذلك فهو نادِرٌ، يَنْبَغِي أن لا يَتَعَلَّقَ به حُكْمٌ، وهو مذهبُ الشافعيِّ.
والثاني، لا يَجِبُ، قِياسًا على لِحْيَةِ الرجلِ، ودَعْوَى النُّدْرَةِ في غيرِ الأهْداب مَمْنُوعٌ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: ولا يَجبُ غَسْلُ داخِلِ العَينَين، لا يُسَتَحَبُّ في وُضُوءٍ، ولا غُسْل؛ لأنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَفْعَلْه.
ولا أَمَر به، وفيه ضَرَرٌ.
وذَكَر القاضي في «المُجَرَّدِ» في وُجُوبِه، رِوايَتَين عن بعضِ الأصحابِ.
قال ابنُ عَقِيل: إنَّما الرِّوايتان في وُجُوبِه في الغُسْلِ؛ فأمَّا في الوُضوءِ فلا يَجِبُ، رِوايَةً واحدة، وذَكَر أنَّ أحمدَ نَصَّ على اسْتحْبابِه في الغُسْلِ؛ لأنَّه يَعُمُّ جميعَ البَدَنِ، ويجبُ فيه غَسْلُ ما تحتَ الشُّعُورِ الكثِيفَةِ.
وذَكَره القاضي وأبو الخَطّاب مِن سُنَنِ الوُضوءِ؛ لأنَّه رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه عَمِيَ مِن كَثْرَةِ إدخالِ الماءِ في عَينَيه.
ولأنَّهما مِن جُمْلَةِ الوَجْهِ.
والأوَّلُ أوْلَى، وهو اختيارُ شيخِنا 538، وما ذُكِرَ عن ابنِ عُمَرَ فهو دَلِيلٌ على كراهتِه؛ لكَوْنِه ذَهَب ببَصَرِه، وفَعَل ما يُخافُ مِنه ذَهابُ البَصَر، إذ لم يَردْ به الشَّرْعُ ولم يَكُنْ مُحَرَّمًا، فلا أقَلَّ مِن الكَراهَةِ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 338
ثُمَّ يَغسِلُ يَدَيهِ إِلَى الْمِرْفَقَينِ ثَلَاثًا، وَيدْخِلُ الْمرْفَقَينِ فِي الْغَسْلِ،
فصل: ويُسْتَحَبُّ التَّكْثِيرُ في ماءِ الوَجْهِ؛ لأنَّ فيه غُضُونًا وشُعُورًا ودَواخِلَ وخَوارِاجَ، ليَصِلَ الماءُ إلى جَمِيعِه، وقد روَى عليٌّ، رَضِي اللهُ عنه، في صِفَةِ وُضُوءِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: ثم أدْخَلَ يَدَيه في الإِناءِ جَمِيعًا، فأخَذَ بهما حَفْنَةً مِن ماءٍ، فضَرَبَ بهما على وَجْهِه، ثم الثانيةَ، ثم الثالثةَ مثلَ ذلك، ثم أَخَذ بكَفِّه اليُمْنَى قَبْضَةً مِن ماءٍ، فتَركَها تَسْتَنُّ (1) على وَجْهِه.
رَواه أبو داودَ (2). يعني: تَسِيلُ وتَنْصَبُّ.
قال محمدُ بنُ الحَكَمِ: كَرِه أبو عبدِ اللهِ أن يأُخُذَ الماءَ، ثم يَصُبَّه، ثم يَغْسِلَ وجهه، وقال: هذا مَسْحٌ، ولَكِنَّه يَغْسِلُ غَسْلًا.
واللهُ أعلمُ.
98 -
مسألة: (ثم يَغْسِلُ يَدَيه إلى المِرْفَقَين ثلاثًا، ويُدْخِلُ المرْفَقَين في الغَسْلِ)
غَسْلُ اليَدَينِ واجِبٌ بالإِجماعِ؛ لقولِ الله تِعالى: ﴿وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ 541. ويَجِبُ إدخالُ المِرْفَقَين في الغَسْلِ، في قَوْلِ أكثر539540
الحديث: 98 - الجزء: 1 - الصفحة: 339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَهْلِ العلمِ، مِنهم عَطاءٌ، ومالكٌ 542، والشافعيّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْيِ.
وقال ابنُ داودَ 543 وبَعْضُ المالِكِيَّةِ: لا يَجِبُ.
وحُكِيَ ذلك عن زُفَرَ؛ لأنَّ الله تعالى أَمرَ بالغَسْلِ إلى [المَرافِقِ، وجَعَلَها] 544 غايَةً بحرفِ ﴿إِلَى﴾، وهو لانْتِهاءِ الغاية، فلا يدخُلُ المَذْكورُ بعدَه فيه، كقولِ الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ 545. ولَنا، ما روَى جابرٌ قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا تَوَضَّأ أدارَ الماءَ على مِرْفَقَيه.
أخرجَه الدّارَقُطْنِيُّ 546. وهذا بَيان للغَسْلِ المَأمُورِ به في الآية.
وقولُهما: إنَّ ﴿إِلَى﴾ لانْتِهاء الغاية.
قُلنا: قد تُسْتعمَلُ بمَعْنَى «مع».
كقولِه تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ 547، ﴿يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ 548 ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ 549. أي: مع أموالِكم.
وقال
الجزء: 1 - الصفحة: 340
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُبَرِّدُ 550: إذا كان الحَدُّ مِن جِنْسِ المَحْدُودِ دَخَل فيه، كقوْلِهم: بِعْتُ الثَّوْبَ مِن هذا الطَّرَفِ إلى هذا الطَّرَفِ.
فصل: ويَجِبُ غَسْلُ أظْفارِه وإن طالتْ، والإِصْبَعِ، واليَدِ الزّائِدَةِ، والسِّلْعَةِ 551، لأنَّ ذلِك مِن يَدِه، كالثُّؤْلُولِ 552. وإن كانت نابِتَةً في غيرِ مَحَلِّ الفرْضِ، كالعَضُدِ، لم يَجِبْ غَسْلُها، طويلةً كانت أو قصيرةً، لأنَّها في غيرِ مَحَلِّ الفرْضِ، فهي كالقَصِيرَةِ.
وهذا قولُ ابنِ حامدٍ وابنِ عَقِيلٍ، وقال القاضي: يَجِبُ غَسْلُ ما حاذَى مَحَلَّ الفرضِ منهما.
والصحيحُ الأوَّلُ.
واخْتَلَفَ أصحابُ الشافعيِّ في ذلك، نَحْوَ ما ذَكَرْنا.
وإن كانتا مُتَساويَتَينِ، ولم تُعْلَمِ الأصْلِيَّةُ منهما، غَسَلَهما جَمِيعًا، ليَخْرُجَ عن العُهْدَةِ بيَقِينٍ، كما لو تَنَجَّسَتْ إِحْدَى يَدَيه غيرَ مُعَيَنةٍ.
وإن انْقَلَعَتْ 553 جِلْدَةٌ مِن الذِّراعِ، فتَدَلَّتْ مِن العَضُدِ، لم يجبْ غَسْلُها؛
الجزء: 1 - الصفحة: 341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّها صارتْ في غيرِ مَحَل الفَرْضِ.
وإن كانت بالعَكْسِ وَجَب غسلُها؛ لأنَّها صارَتْ في مَحَلِّ الفَرْضِ، أشْبَهَتِ الإِصْبَعَ الزّائِدةَ.
وإن انْقَلَعَتْ مِن أحَدِ المَحَلَّينِ، فالْتَحَم رأسُها في الآخَر، وبَقِيَ وَسَطُها مُتَجافِيًا، وَجَب غَسْلُ ما حاذَى مَحَلَّ الفَرْضِ مِن ظاهِرِها وباطِنِها، وما تحتَها.
فصل: إذا كان تحتَ أظفارِه وَسَخٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الماءِ إلى ما تحتَه، فقال ابنُ عَقِيلِ: لا تَصِحُّ طهارتُه حتى يُزِيلَه؛ كما لو كان على يَدِه شَمْعٌ.
قال شيخُنا: ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ ذلك، لأنَّ هذا يَسْتَتِرُ عادَةً، فلو كان غَسْلُه واجِبًا لبَيَّنه - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّه لا يَجُوزُ تأْخِيرُ البَيانِ عن وقتِ الحاجَةِ، وقد عاب النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - عليهم كَوْنَهُم يدْخُلُون عليه قُلْحًا 554، ورُفْغُ 555 أحدِهِم بينَ أُنْمُلَتِه وظُفْرِه 556. يعني أنَّ وَسَخَ أَرْفاغِهِم تحتَ أَظْفارِهِم، يَصِلُ إليه رائِحَةُ نَتْنِها، ولم يَعِبْ بُطْلانَ طهارَتِهِم، ولو كان مُبْطِلًا للطهارةِ، لكان ذلك أهَمَّ مِن نَتْنِ الرِّيحِ 557.
الجزء: 1 - الصفحة: 342
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ومَن كان يَتَوَضَّأ مِن ماءٍ يَسِيرٍ يَغْتَرِفُ منه، فاغتَرَف 558 مِنه بيَدَيه عندَ غَسْلِ يَدَيه، لم يُؤثِّرْ ذلك في الماءِ.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يَصِيرُ الماءُ مُسْتَعْمَلًا بغَرْفِه منه؛ لأنَّه مَوْضِعُ غَسْلِ اليَدِ، وهو ناوٍ للوُضُوءِ ولغَسْلِها، أَشْبَهَ ما لو غَمَسَها في الماء يَنْوى غَسْلَها فيه.
ولَنا، أنَّ في حديثِ عثمانَ: ثم غَرَف بيَده اليُمْنَى على ذِراعِه اليُمْنَى، فغَسَلَها إِلى المِرْفَقَين ثلاثًا، ثم غَرَفَ بيَمِينه، فغَسَلَ يَده اليُسْرَى.
رواه سعيدٌ 559. وفي حديثِ عبدِ الله بنِ زيدٍ: ثم أدْخَلَ يَدَه في الإناءِ، فغَسَلَ يَدَيه إلى المِرْفَقَين
الجزء: 1 - الصفحة: 343
ثم يمسح رأْسَه،
مَرَّتَين.
مُتَّفَقٌ عليه (1). ولو كان هذا يُفْسِدُ الوُضُوءَ، لكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أحَقَّ بمَعْرِفَتِه، ولبَيَّنّه لكَوْنِ الحاجَةِ ماسَّةً إليه، إذْ كان لا يُعْرَفُ بدُونِ البَيانِ، ولا يَتَوَقّاه إلَّا مُتَحَذْلِقٌ، وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ المُغْتَرِفَ لم يَقْصِدْ بغَرفِه إلَّا الاغْتِرافَ دُونَ الغَسْلِ، فأشْبَه مَن يَغُوصُ في البِئْرِ لترقِيَةِ الدّلْو، وهو جُنُبٌ لا يَنوى الغُسْلَ، ونِيَّةُ الاغْتِرافِ صَرَفَتْ نِيَّةَ الطهارةِ.
والله أعلمُ.
99 -
مسألة: (ثم يَمْسَحُ رأْسَه)
ومَسْحُ الرَّأْس فَرْضٌ بالإجماعِ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ 561. وهو ما يَنْبُتُ560
الحديث: 99 - الجزء: 1 - الصفحة: 344
فَيَبْدَأُ بِيَدَيهِ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ يُمِرُّهُمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى مُقدَّمِهِ.
عليه الشَّعَرُ في حَقِّ الصَّبِيِّ، ويَنْبَغِي أن يُعْتَبَرَ غالِبُ الناس، فلا يُعْتَبَرُ الأفْرَعُ (1)، ولا الأجْلَحُ، كما قُلنا في حَدِّ الوَجْهِ.
والنزَّعتان مِن الرأْس، وكذلك الصُّدْغان، وقد ذَكَرْنا ذلك في الوَجْهِ.
100 -
مسألة: (فيَبْدأْ بيَدَيه مِن [مُقَدَّم رأْسِه] 563، ثم يُمِرُّهُما إلى قَفاه، ثم يَرُدُّهما إلى مُقَدَّمه) وجُمْلَتُه أنَّ المُسْتَحَبَّ في مَسْحِ الرَّأْس أن562
الحديث: 100 - الجزء: 1 - الصفحة: 345
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَبُلَّ يَدَيه، ثم يَضَعَ طَرَفَ إحدَى سَبَّابَتَيه على طَرَفِ الأخْرَى، ويَضَعَهما على مُقَدَّمِ رَأْسِه، ويَضَعَ الإِبهامَين على الصُّدْغَين، ثم يُمِرَّ يَدَيه إلى قَفاه، ثم يَرُدَّهُما إلى المَوْضِع الذي بَدَأ منه؛ لِما رَوَى عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ في وَصْفِ وُضُوءِ النبِي - صلى الله عليه وسلم -، قال: فمَسَحَ رأْسَه بيَدَيه، فأقْبَلَ بِهِما وأدْبَرَ.
وفي لفظٍ: بَدَأ بمُقَدَّمِ رَأْسِه حتى ذَهبَ بِهِما إلى قَفاه، ثم رَدَّهُما إلى المَكان
الجزء: 1 - الصفحة: 346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الذي بَدَأ منه.
مُتَّفَقٌ عليه 564. فإن كان ذا شَعَرٍ يَخافُ أن يَنْتَفِش بِرَدِّ يَدَيه، لم يَرُدَّهُما.
نصَّ عليه الإمامُ أحمدُ؛ لَأنَّه قد رُوِيَ عن الرُّبِّيعِ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ عندَها، فمَسَحَ الرَّأْسَ كُلَّه، مِن فرْقِ الشَّعَرِ، كُلَّ ناحِيةٍ لمَصَبِّ الشَّعَرِ، لا يُحَرِّكُ الشَّعَرَ عن هيئَتِه.
رَواه أبو داود 565.
وسُئِل أحمدُ: كيف تَمْسَحُ المرأة؟ فقال: هكذا.
ووَضَع يَده على وَسَطِ رَأَسِه، ثم جَرَّها إلى مُقَدَّمِه، ثم رَفَعَها فوَضَعَها حيث منه بَدَأ، ثم جَرَّها إلى مُؤخَّرِه.
وكيفَ مَسَح بعدَ اسْتِيعابِ قَدْرِ الواجبِ أَجْزَأه، ولا يَحْتاجُ إلى ماء جَدِيدٍ في رَدِّ يَدَيه على رَأْسِه.
قال القاضي: وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه يَأْخُذُ للرَّدَّة ماءً جديدًا، وليس بصَحِيحٍ.
قاله القاضي.
الجزء: 1 - الصفحة: 347
وَيَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهِ مَعَ الْأُذُنَينِ.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُ مَسْحُ أَكْثَرهِ،
101 - مسألة: (ويَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِه مع الأذُنَين، وعنه: يُجْزئُ مَسْحُ أكْثَرِه)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَن أحمدَ في قَدْرِ الواجِبِ؛ فرُوِيَ عنه أنَّه يجبُ 566 مَسْحُ جَمِيعِه في حَقِّ كلِّ أحَدٍ.
وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ، ومذهبُ مالكٍ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ 567. الباءُ للإلْصاقِ، فكأنَّه قال: وامْسَحُوا رُءُوسَكُمْ.
وصار كقَوْلِه سبحانه في التَّيَمُّمِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (2). قال ابنُ بَرْهَانٍ 568: مَن زَعَمَ أنَّ الباءَ للتَّبعِيضِ، فقد جاءَ أهلَ اللُّغَةِ بما لا يَعْرِفُونَه 569. ولأنَّ الذين وَصَفُوا وُضُوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرُوا أنَّه مَسَح رَأسَه كلَّه، وقد ذَكَرْنا حديثَ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، وحديثَ الرُّبَيِّع، وهذا
الحديث: 101 - الجزء: 1 - الصفحة: 348
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يصْلُحَ أن يكون بيانًا للمَسْحِ المَأْمُورِ به.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِه.
نَقَلَها عنه أبو الحارِثِ.
ونُقِلَ عن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، أنّه كان يَمْسَحُ مُقَدَّمَ رأْسِه 570، وابنُ عُمَرَ مَسَح اليافُوخَ 571. ومِمَّن قال بمَسْحِ البَعْضِ الحسنُ، والثَّوْريُّ، والأوْزاعيُّ، والشافيُّ، وأصحابُ الرّأْيِ، وابنُ المُنْذِرِ.
قال شيخُنا: إلَّا أنَّ الظّاهِرَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في الرجلِ وُجُوبُ الاسْتِيعابِ، وأنَّ المرأةَ يُجْزِئُها مَسْحُ مُقدَّمِ رَأْسِها 572. قال الخَلّالُ: العَمَلُ في مذهبِ أبي عبدِ اللهِ، أنَّها إن مَسَحَتْ مُقدَّمَ رأسِها أَجْزَأها؛ لأنَّ عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، كانت تمْسَحُ مُقَدَّم
الجزء: 1 - الصفحة: 349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَأْسِها 573. واحْتَجَّ مَن أجازَ مَسْحَ البعضِ، بما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: رَأَيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأَ فمَسَحَ بناصِيَتِه وعلى العِمامَةِ والخُفَّين.
رَواه مسلمٌ 574. وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأُ وعليه عِمامَةٌ قِطريَّةٌ، فأدْخَلَ يَدَه مِن تحتِ العِمامَةِ، فمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِه، ولم ينْقُضِ العِمامَةَ.
رَواه أبو داودَ 575. واحْتجُّوا بأنَّ مَن مَسَح بعضَ الرأسِ، يُقالُ: مَسَح برَأْسِه.
كما يقال: مَسَح برأْسِ اليَتِيمِ.
وإذا قُلنا بجَوازِ مَسْحِ البعضِ، فأيَّ مَوْضِعٍ مَسَح أجْزَأه، إلَّا أنَّه لا يُجْزئُ مَسْحُ الأُذُنَين عن الرَّأْسِ، لأنَّهما تَبَعٌ، ولا يُجزئُ مَسْحُهما عن الأصلِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يحْتَمِلُ أن لا يُجزِئَ إلَّا مَسْحُ النّاصِيَةِ؛ لأنّه - صلى الله عليه وسلم - مَسَح
الجزء: 1 - الصفحة: 350
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بناصِيَتِه، فوَجَبَ الاقْتِداءُ به.
واخْتَلَف العلماءُ في قدرِ البعضِ المُجْزِئَ، فقال القاضي: قدرُ النّاصِيَةِ؛ لحديثِ المُغِيرَةِ.
وحَكَى أبو الخَطّابِ، وبعضُ الشافعيَّةِ: أنّه لا يُجْزِئُه إلَّا مَسْحُ الأكْثَرِ؛ لأنّه يَنْطَلِقُ عليه اسمُ الجَمِيع.
وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه مَسْحُ رُبْعِه.
ورُوِيَ عنه، أنَّه لا يُجْزِئُه أقلُّ مِن ثُلُثهِ.
وهو قولُ زُفَرَ.
وقال الشافعيُّ: يُجْزِئُ ما يَقَعُ عليه [اسمُ المَسْحِ] 576. حُكِيَ عنه: ثَلاثُ شَعَراتٍ.
وحُكِى عنه: لو مَسَح شَعرَةً، أجْزَأه، لوُقُوع اسمِ البعضِ عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 351
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَجِبُ مَسْحُ الأذُنَين معه، لأنَّهما منه؛ بدليلِ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الأذُنَانِ مِنَ الرأسِ» 577. ورُوِيَ عن أحمدَ: أنَّه لا يَجِبُ مَسْحُهما.
وهو ظاهِرُ المذهبِ.
قال الخَلّالُ: كلهم حَكَوْا عن أبي عبد اللهِ في مَن تَرَكَ مَسْحَ أُذُنَيه عامِدًا، أو ساهِيًا، أنَّه يُجْزِئُه.
وظاهرُ هذا أنه لا يَجِبُ، سَواءٌ قلنا بوُجُوبِ الاسْتِيعابِ أولًا؛ لأنّهما مِن الرّأْسٍ على وَجْهِ التَّبَعِ، ولا يُفْهمُ مِن إطْلاقِ اسمِ الرأسِ دُخُولُهما فيه، ولا يُشْبِهان أجْزاءَ الرَّأس، ولذلك لا يُجْزِئُ مَسْحُهما عنه عندَ مَن اجْتَزَأَ بمَسْحِ البعضِ، وهو اختيارُ شيخِنا 578. والأوْلَى مَسْحُهما، [فرَوَى ابنُ عباسِ أنَّ] 579 النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح برَأْسِه وأُذُنَيه ظاهِرِهما وباطِنِهما.
رَواه الإِمامُ أحمدُ 580. ورَوَت الرُّبَيِّعُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأَ عندَها، فَرَأته مَسَح
الجزء: 1 - الصفحة: 352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على رأسِه مُحاذِيَ الشَّعَرِ ما أَقْبَلَ منه وما أَدبَرَ، ومَسَح صُدْغَيه وأُذُنَيه ظاهِرَهُما وباطِنَهُما.
رَواهما التِّرْمِذِي وأبو داودَ 581. ويُسْتَحَبُّ أن يُدْخِلَ سَبّابَتَيه في صِماخَيْ أُذُنَيه، ويَمْسَحَ ظاهِرَهما بإبْهامَيه، لأنَّ في بعْضِ ألفاظِ حديثِ الرُّبَيِّعِ: فأدْخَلَ أُصبُعَيه في جُحرَى أُذُنَيه.
رَواه أبو داودَ 582. ولا يَجِبُ مَسْحُ ما اسْتَتَر بالغَضارِيفِ، لأنّ الرأْسَ الذي هو الأصلُ لا يجِبُ مَسْحُ ما اسْتَتَر منه بالشَّعَرِ، فالأذُنُ أوْلَى.
والله أعلمُ.
فصل: ولا يَجِبُ مَسْحُ ما نَزَل عن الرَّأْسِ مِن الشَّعَرِ، ولا يُجْزئ مَسْحُه عن الرأْسِ، سَواءٌ رَدَّه فعَقَدَه فوقَ رَأْسِه، أو لم يَرُدَّه؛ لأنَّ الرأْسَ ما تَرَأَّس وعَلا.
فإنَّ نَزَل الشَّعَرُ عن مَنْبِتِه، ولم يَنْزِلْ عن مَحَلِّ الفَرْضِ فمَسَحَ عليه، أجْزَأه، لأنَّه شَعَرٌ على مَحَلِّ الفَرْضِ، أشْبَه القائِمَ على مَحَلِّه.
ولأنَّ هذا لا يُمكِنُ الاحتِرازُ منه، وإن خَضَب رَأْسَه بما يَسْتُرُه، لم يُجْزِئْه المَسْحُ عليه.
نَصَّ عليه أحمدُ في الخِضابِ، لأنَّه لم يَمْسَحْ على مَحَلِّ الفَرْضِ، أَشْبَه ما لو مَسَح على خِرْقَةٍ فوقَ رَأْسِه.
ولو أَدْخَلَ يَده تحتَ الشَّعَرِ، فمَسَحَ البَشَرَةَ دُونَ الظّاهِرِ، لم يُجْزِئْه، لأنَّ الحكْمَ تَعَلَّق بالشَّعَرِ،
الجزء: 1 - الصفحة: 353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلم يُجْزِئْه مَسْحُ غيرِه، كما لو أوْصَلَ الماءَ إلى باطِنِ اللِّحْيَةِ، ولم يَغْسِلْ ظاهِرَها.
فأمّا إن مَسَح رَأْسَه ثم حَلَقَه، أو غَسَل عُضْوًا، ثم قَطَع منه جُزْءًا أو جِلْدَةً، لم يُؤَثِّرْ في طهارتِه؛ لأنَّه ليس بَدَلًا عَمّا تحتَه.
وإن أحْدَث بعدَ ذلك، غَسَل ما ظَهَر؛ لأنَّه صار ظاهِرًا، فتَعَلَّق الحُكْمُ به، ولو حَصَل في بعضِ أعْضائِه شَقٌّ أو ثَقْبٌ، لَزِمَه غَسْلُه؛ لأنّه صار ظاهِرًا.
فصل: ويَمْسَحُ رَأْسَه بماءٍ جَدِيدٍ غيرِ ما فَضَل عن ذِراعَيه.
وهو قولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ، والعَمَلُ عليه عندَ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
قاله التِّرْمِذِيُّ 583. وجَوَّزَ الحسنُ، وعُرْوَةُ، والأوْزاعِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ مَسْحَه بفَضْلِ ماءِ 584 ذِراعَيه؛ لِمارُوىَ عن عثمانَ، أنّه مَسَح مُقَدَّمَ رَأْسِه بيَدِه مرَّةً واحدةً، ولم يَسْتَأْنِفْ له ماءً جديدًا، حين حَكَى وُضُوءَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. رَواه سعيدٌ 585. ويَتَخَرَّجُ لَنا مِثْلُ ذلك إذا قُلنا: إنَّ المُسْتَعْمَلَ طَهُورٌ، لا سِيّما الغَسْلَةُ الثّانيةُ والثالثةُ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، ما روَى عبدُ اللهِ
الجزء: 1 - الصفحة: 354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنُ زيدٍ، قال: ومَسَح رَأْسَه بماءٍ غيرِ فَضْلِ يَدَيه.
رَواه مسلمٌ 586. وفي حديثِه المُتَّفَقِ عليه: ثم أدْخَلَ يَدَه في الإناءِ، فمَسَح برَأْسِه.
وكذلك حُكِيَ عن 587 عليٍّ في روايةِ أبي داودَ 588. ولأَنَّ البَلَلَ في يَدِه مُسْتَعْمَلٌ، فلا يُجْزِئُ به المَسْحُ، كما لو فَصَلَه في إناءٍ، ثم اسْتَعْمَلَه.
فصل: فإن غَسَل رَأْسَهْ بَدَلَ مَسْحِه، فعلى وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ اللهَ تعالى أَمَر بالمَسْحِ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح.
ولأنَّه أحَدُ نَوْعَيِ الطهارةِ، فلم يُجْزِئْ عن الآخَرِ، كالمَسْحِ عن الغَسْلِ.
والثّاني، يُجْزِئُ، لأنَّه لو كان جُنُبًا فانْغَمَسَ في ماءٍ يَنْوى.
الطّهارَتَين، أجْزأه، مع أنَّه لم يَمْسَحْ، فكذلك في الحَدَثِ الأصْغَرِ وَحْدَه.
ولأنَّ في صِفَةِ غَسْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه غَسَل يَدَيه ووَجْهَه، ثم أفْرَغَ على رَأْسِه، ولم يَذْكُرْ مَسْحًا.
ولأنَّ الغَسْلَ أبْلَغُ مِن المَسْحِ، فإذا أتَى به يَنْبَغِي أن يُجْزِئَه، وهذا فيما إذا لم يُمِرَّ يَدَه عليه.
فأمّا إن أمَرَّ يَدَه على رَأْسِه، مع الغَسْلِ أو بعدَه، أجْزأه، لأنَّه قد أتَى بالمَسْحِ، وذلك لِما رُويَ عن المُغِيرةِ 589، أنَّه تَوَضَّأ للنّاسِ كما رَأى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ، فلَمّا بَلَغ رَأْسَه غَرَف غُرْفَةً من
الجزء: 1 - الصفحة: 355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ماءٍ، فتَلَقّاه بشِمالِه، حتى وَضَعَها على وَسَطِ رَأْسِه، حتى قَطرَ الماءُ أو كادَ يَقْطرٌ، ثم مَسَح مِن مُقَدَّمِه إلى مُؤخَّرِه، ومِن مُؤخَّرِه إلى مُقَدَّمِه.
رَواه أبو داودَ 590. ولو حَصَل على رَأْسِه ماءُ المَطرَ، أو صَبَّ عليه إنْسانٌ، ثم مَسَح عليه، يَقْصِدُ بذلك الطهارةَ، أو كان قد صَمَد للمَطرَ، أجْزأه.
وإن حَصَل الماءُ على رَأْسِه مِن غيرِ قَصْدٍ، أجْزأه أيضًا؛ لأنَّ حُصُولَ الماءِ على رَأْسِه بغيرِ قَصْدٍ، لم يُؤَثِّرْ في الماءِ، فمتى وَضَع يَدَه على ذلك البَلَلِ ومَسَح به، فقد مَسَح بماءٍ غيرِ مُسْتَعْمَلٍ، فصَحَّتْ طهارتُه، كما لو حَصَل بقَصْدِه.
وقد نَقَل أبو داودَ عن أحمدَ: إذا أصابَ رَأْسَه 591 ماءُ السَّماءِ، فمَسَحَه بيَدِه، لم يُجْزِه؛ وذلك لأنَّه لم يُوجَدْ مِنه نِيَّةٌ لذلك.
ذَكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ».
وهذا يَدُلُّ على أنَّه يَشْتَرِطُ أن يَقْصِدَ حُصُولَ الماءِ على رَأْسِه.
قال ابنُ عَقِيلٍ في هذه المسألة: تَحْقِيقُ المذهبِ، أنَّه متى صَمَد للمَطرَ ومَسَح، أجْزأه، ومتى أصابَه المطرُ مِن غيرِ قَصدٍ ولا نِيَّةٍ، لم يُجْزِئْه.
وكذلك إن كان يَتَوَضَّأ، فصَبَّ إنسانٌ على رَأْسِه ماءً وهو لا يَقْصِدُ، فمَسَحَ رَأْسَه به 592، فإنَّه لا يُجْزِئُه، فأمّا إن حَصَل الماءُ على رَأْسِه بغيرِ قَصْدٍ، ولن يَمْسَحْ بيَدِه، لم يُجْزِئْه، سَواءٌ قُلْنا: إنَّ الغَسْلَ يَقُومُ مَقامَ المَسْحِ، أو لا.
وإن قَصَد وجَرَى الماءُ على رَأْسِه أجْزأه، إذا قُلْنا: يُجْزِئُ الغَسْل.
وإلَّا فلا.
الجزء: 1 - الصفحة: 356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن مَسَح رَأْسَه بخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ أو خَشَبَةٍ، أجْزأه في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بالمَسْحِ، وقد مَسَح، أشْبَهَ ما لو مَسَح بيَدِه.
ولأنَّ مَسْحَه بيدِه غيرُ مُشْتَرَطٍ، بدَلِيلِ ما لو مَسَح بيَدِ غيرِه.
والثاني، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح بيَدِه، وقال: «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» 593. وإن وَضَع على رَأْسِه خِرْقَةً مَبْلُولَةً، فابْتَلَّ رَأْسُه بها، أو وَضَع خِرْقةً، ثم بَلَّها حتى ابْتَلَّ شَعَرُه، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ ذلك ليس بمَسْحٍ، ولا غَسْلٍ.
ويَحْتَمِلُ أن يُجْزئَه؛ لأنَّه بَلَّ شَعَرَه قاصِدًا للوُضُوءِ، فأجْزأه، كما لو غَسَلَه.
وإن مَسَحَ بأُصْبُعٍ أو أُصْبُعَين، أجْزأه إذا مَسَح بهما ما يَجبُ مَسْحُه كلَّه.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ.
ونَقَل بكرُ بنُ محمدٍ 594، عن أحمدَ: لا يُجْزِئُه المَسْحُ بأُصْبُعٍ.
قال القاضي: هذا مَحْمُولٌ على الرِّوايَةِ التي تُوجِبُ الاسْتِيعابَ, لأنَّه لا يَحْصُلُ بأُصْبُعٍ واحِدَةٍ.
وإن حَلَق بعضَ رَأْسِه، وقُلْنا بوُجُوبِ الاسْتِيعابِ، مَسَح المَحْلُوقَ والشَّعَرَ.
وإن قُلْنا بإجْزاءِ مَسْحِ البعضِ، أجْزأه مَسْحُ أحَدِهِما.
فصل: وهل يُسْتَحَبُّ مَسْحُ العُنُقِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يُسْتَحَبُّ، لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه مَسَح رَأْسَه حتى بَلَغ
الجزء: 1 - الصفحة: 357
وَلَا يُستَحَبُّ تَكْرَارُهُ وَعَنْهُ، يُسْتَحَبُّ.
القَذَال (1)، وما يَلِيه مِن مُقَدَّمِ العُنُقِ.
رَواه أحمدُ في «المُسْنَدِ» (2)، من رِوايةِ لَيثِ بنِ أبي سُلَيمٍ، وهو مُتَكَلَّمٌ فيه (3). ولِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «امْسَحُوا أعْنَاقَكُمْ مَخَافَةَ الغُلِّ» (4). ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ في «الفُصُولِ».
والثانيةُ، لا يُسْتَحَبُّ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لم يَأْمُرْ به.
ولأنَّ الذين حَكَوْا وُضُوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عثمانُ، وعليٌّ، وعبدُ اللهِ بنُ زيدٍ، وابنُ عباسٍ، لم يَذْكُرُوه، ولم يَثْبُتْ فيه حديثٌ.
102 -
مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ تَكْرارُه، وعنه، يُسْتَحَبُّ)
الصحيحُ مِن المذهبِ، أنَّه لا يُسْتَحَبُّ التَّكْرارُ في مَسْحِ الرَّأْسِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ.
ويُرْوَى عن ابنِ عُمَرَ، وابْنِه سالِمٍ، والحَسَنِ،595596597598
الحديث: 102 - الجزء: 1 - الصفحة: 358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومُجاهِدٍ.
قال التِّرمِذِيُّ 599: والعَمَلُ عليه عندَ أكثرِ أَهلِ العلمِ مِن أصحابِ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، ومَن بعدَهم.
وعن أحمدَ، أنَّه يُسْتَحَبُّ.
يُرْوَى ذلك عن أنَسٍ، وعطاءٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لِما رَوَى أبو داودَ 600، عن شَقِيقِ بنِ سَلَمَةَ، قال: رَأَيتُ عثمانَ غَسَل ذِراعَيه ثلاثًا، ومَسَح برَأْسِه ثلاثًا، ثم قال: رَأْيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَعَل مِثْلَ هذا.
ورُوِيَ مثلُ ذلك عن غيرِ واحِدٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. ورَوَى عليٌّ، وابنُ عُمَرَ، وأبو هُرَيرَةَ، وأُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وغيرُهم، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ ثلاثًا ثلاثًا 601. وفي حديثِ أُبَيٍّ، قال: «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ المُرْسَلِينَ قَبْلِي».
رَواه ابنُ ماجه 602 وقِياسًا على سائِرِ الأعْضاءَ.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأولَى، أنَّ عبدَ الله بنِ زيدٍ وَصَف وُضوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: مَسَح برَأْسِه مَرَّةً واحِدَةً.
مُتَّفَقٌ عليه 603. وكذلك رَوَى عليٌّ، وقال: هذا وُضوءُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، مَن أحَبَّ أن يَنْظرُ إلى طُهُورِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فلْيَنْظُرْ إلى هذا.
قال التِّرمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ 604. وكذلك وَصَف عبدُ اللهِ بنُ أبي أَوْفَى، وابنُ عباسٍ،
الجزء: 1 - الصفحة: 359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ، والرُّبَيِّعُ 605، كلُّهم قالوا: ومَسَح برَأْسِه مَرَّةً واحِدَةً.
وحِكايَتُهُم لوُضوءِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إخْبارٌ عن الدَّوامِ، ولا يُداومُ إلَّا على الأفْضَلِ.
وحِكايَةُ ابنِ عباسٍ وُضُوءَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في اللَّيلِ حال خَلْوَتِه، ولا يَفْعَلُ في تلك الحالِ إلَّا الأفْضَلَ.
ولأنَّه مَسْح في طهارةٍ، فلم يُسَنَّ تَكْرارُه، كالمَسْحِ على الجَبِيرَةِ والخُفَّين، وأحادِيثُهم لا يَصِحُّ مِنها شيءٌ صَرِيحٌ.
قال أبو داودَ 606: أحاديثُ عثمانَ الصِّحاحُ كلُّها، تَدُلُّ على أنَّ مَسْحَ الرَّأسِ مَرَّةٌ، فإنَّهُم ذَكَرُوا الوُضُوءَ ثلاثًا ثلاثًا، وقالُوا فيها: ومَسَح رَأْسَه.
ولم يَذْكُرُوا عَدَدًا.
والحديثُ الذي ذَكَر فيه: مَسَح رَأْسَه ثلاثًا.
رَواه يَحْيَى بنُ آدَم 607، وخالفَه وَكيعٌ 608، فقال: تَوَضَّأ ثلاثًا فَقَطْ.
والصحيحُ المُتَّفَقُ عليه عن عثمانَ، أنَّه لم يَذْكُرْ في مَسْحِ الرَّأْسِ عَدَدًا.
ومَن رُوِيَ عنه ذلك سِوَى عثمانَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّهم الذين رَوَوْا أحادِيثَنا، وهي صحيحةٌ، فيَلْزَمُ مِن ذلك ضَعْفُ ما خالفَها، والأحاديثُ التي ذَكَرُوا فيها أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، أرادُوا بها سِوَى المَسْحِ؛ لأنَّهم حينَ فَصَّلُوا قالُوا: ومَسَح برَأْسِه مَرَّةً واحِدَةً 609. والتَّفْصِيلُ يُحْكَمُ به على الإِجمالِ، ويَكُونُ تَفْسِيرًا له 610، ولا يُعارِضُه، كالخاصِّ
الجزء: 1 - الصفحة: 360
ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيهِ ثَلَاثًا إِلَى الْكَعْبَينِ، وَيُدْخِلُهُمَا فِي الْغَسْلِ،
مع العامِّ، وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بالتَّيَمُّمِ.
فإن قِيل: يَجُوزُ أن يكونَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح مَرَّةً ليُبَيِّنَ الجَوازَ، ومَسَح ثلاثًا ليُبَيِّنَ الأفْضَلَ، كما فَعَل في الغَسْلِ، فنُقِلَ الأمْران مِن غيرِ تَعارُضٍ.
قُلْنا: قولُ الرّاوي: هذا طُهورُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. يَدُلُّ على أنَّه كان يَفْعَلُه على الدَّوامِ، لأنَّ الصحابةَ، رَضِي اللهُ عنهم، إنَّما وَصَفُوا وُضوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ليُعَرِّفُوا مَن سألَهُم وحَضَرَهُم صِفةَ وُضوئِه في دَوامِه، فلو شاهَدُوا وُضوءَه على صِفَةٍ أُخْرَى، لم يُطْلِقُوا هذا الإِطْلاقَ، الذي يُفْهَمُ مِنه أنَّهُم لم يُشاهِدُوا سِواه، لأنَّه يكونُ تَدْلِيسًا، وإيهامًا لغيرِ الصَّوابِ، فلا يُظنُّ ذلك بهم، ويُحْمَلُ حالُ الرّاوي لغيرِ الصَّحيحِ على الغَلَطِ لا غيرُ.
ولأنَّ الحُفّاظَ إذا رَوَوْا حديثًا واحِدًا عن شَخْصٍ واحدٍ على صِفَةٍ، وخالفَهُم فيها واحدٌ، حَكَمُوا عليه بالغَلَطِ وإن كان ثِقَةً حافِظًا، فكيف إذا لم يَكُنْ مَعْرُوفًا بذلك.
واللهُ أعلمُ.
103 -
مسألة: (ثم يَغْسِلُ رِجْلَيه إلى الكَعْبَين ثلاثًا، ويُدْخِلُهُما في الغَسْلِ)
وقد ذَكَرْنا اخْتِلافَ العلماءِ في غَسْلِ الرِّجْلَين، ويُسْتَحَبُّ غَسْلُهما ثلاثًا؛ لأنَّ في حديثِ عثمانَ: ثم غَسَل كِلْتا رِجْلَيه ثَلاثًا.
مُتَّفَقٌ عليه 611. وعن عليٍّ، رَضِي اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ ثلاثًا ثلاثًا.
رَواه التِّرْمِذِيُّ، وقال: هذا أحْسَنُ شيءٍ في البابِ وأصَحُّ 612. ويُدْخِلُ
الحديث: 103 - الجزء: 1 - الصفحة: 361
وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَهُ,
الكَعْبَين في الغَسْلِ، قِياسًا على المِرْفَقَين.
والكَعْبان هما العَظْمان النّاتِئان اللَّذان في أسْفَلِ السّاقِ مِن جانِبَيِ القَدَمِ، وحُكِيَ عن محمدِ بنِ الحسنِ (1)، أنَّه قال: هُما في مُشْطِ القَدَم، وهو مَعْقِدُ الشِّراكِ مِن الرِّجْلِ، بدَليلِ أنَّه قال: ﴿إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ (2). فدَلَّ على أنَّ في الرِّجْلِ كَعْبَين لا غيرُ، ولو أرادَ ما ذَكَرْتُمْ، كانت كِعابُ الرِّجْلَين أرْبَعَةً.
ولَنا، أنَّ الكِعابَ المَشْهُورَةَ هي التي ذَكَرْنا، قال أبو عُبَيدٍ: الكَعْبُ هذا الذي في أصْلِ القَدمِ، مُنْتَهَى السّاقِ إليه، بمَنْزِلَةِ كِعابِ الْقَنا.
ورُوِيَ عن النُّعْمانِ بنِ بَشِيرٍ، قالْ: كان أحَدُنا يُلْزِقُ كَعْبَه بكَعْبِ صاحِبِه في الصلاةِ.
رَواء الخَلَّالُ (3). وقوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَينِ﴾.
حُجَّةٌ لَنا، فإنَّه أرادَ كلَّ رِجْلٍ تُغْسَلُ إلى الكَعْبَين، ولو أرادَ كِعابَ جَمِيعِ الأرْجُلِ، لَذَكَرَه بلَفْظِ الجَمْعِ، قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.
104 -
مسألة (ويُخَلِّلُ أصابِعَهُما)
616؛ لِما ذَكَرْناه.613614615
الحديث: 104 - الجزء: 1 - الصفحة: 362
فَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ، غَسَلَ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ سَقَطَ.
105 - مسألة: (فإن كان أقْطَعَ، غَسَل ما بَقِيَ مِن مَحَلِّ الفَرْضِ)
وسَواءٌ في ذلك [اليَدان والرِّجْلان] (1)؛ لقولِه - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (2). 106 -
مسألة: (فإن لم يَبْقَ شيءٌ، سَقَط)
وُجُوبُ الغَسْلِ؛ لعَدَمِ مَحَلِّه.
ويُسْتَحَبُّ أن يَمَسَّ مَحَلَّ القَطْعِ بالماءِ؛ لئَلّا يَخْلُوَ العُضْوُ مِن617618
الحديث: 105 - الجزء: 1 - الصفحة: 363
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طهارةٍ: فإن كان أَقْطَعَ اليَدَين، فوجَدَ مَن يُوَضِّئُه مُتَبَرِّعًا، لَزِمَه ذلك؛ لأنَّه قادِرٌ عليه، وإن لم يَجِدْ مَنْ يُوَضِّئُه إلَّا بأجْرٍ يَقْدِرُ عليه، لَزِمَه، كما يلْزَمُه شِراءُ الماءِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه، كما لو عَجَز عن
الجزء: 1 - الصفحة: 364
ثُمَّ يَرْفَعُ نَظرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا إللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
القِيامِ في الصلاةِ، لم (1) يَلْزَمْه اسْتِئجارُ مَن يُقِيمُه ويَعْتَمِدُ عليه.
وإن عَجَز في الأجْرِ، أو لم يَجِدْ مَن يَسْتَأْجِرُه، صلَّى على حَسَبِ حالِه، كعادِمِ الماءِ والتُّرابِ.
وإن وَجَد مَن يُيَمِّمُه، ولم يَجِدْ مَن يُوضِّئُه، لَزِمَه التَّيَمُّمُ، كعادِم الماءِ إذا وَجَد التُّرابَ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
107 -
مسألة: (ثم يَرْفَعُ نَظَرَه إلى السَّماءِ، ويَقُولُ: أشْهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وَحْدَه لا شَرِيكَ لَه، وأشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبْدُه ورَسُولُه)
لِما روَى عُمَرُ بنُ الخَطابِ, رَضِي اللهُ عنه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ -أو فيُسْبغُ- الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
إلا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيِّهَا شَاءَ».
رَواه619
الحديث: 107 - الجزء: 1 - الصفحة: 365
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مسلمٌ 620. ورَواه التِّرمِذِيُّ، وزادَ فيه: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ» 621. ورَواه الإِمامُ أحمدُ 622، وأبو داودَ 623، وفي بعضِ رواياتِه: «فَأحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ رَفَعَ نَظرهُ إلَى السَّمَاءِ».
وعن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، قال: مَن تَوَضَّأَ، ففَرَغَ مِن وُضُوئِه، وقال: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ، أشْهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُك وأتوبُ إِلَيكَ طُبعَ عليها بطابَعٍ، ثُمَّ رُفِعَتْ تَحْتَ العَرْشِ، فَلَمْ تُكْسَرْ إلى يَوْمِ الْقِيامَة.
رَواه النَّسائِيُّ 624.
فصل: والوُضُوءُ مَرَّةً مَرَّةً يُجْزِئُ، والثَّلاثُ أفْضَلُ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: تَوَضَّأَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّةً مَرَّةً.
رَواه البخاريُّ 625. وروَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دَعا بماءٍ، فتَوَضَّأ مَرَّةً مرَّةً، ثم قال: «هَذَا وَظِيفَةُ الْوُضُوءِ، وُضُوءُ مَنْ لَا يَقْبَلُ اللهُ لَهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ».
ثم تَحَدَّثَ ساعَةً، ثم دَعا بوَضُوءٍ، فتَوَضَّأَ مَرَّتَين مَرَّتَين، فقال: «هَذَا وُضُوءٌ، مَنْ تَوَضَّأَهُ،
الجزء: 1 - الصفحة: 366
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ضَاعَفَ اللهُ لَهُ الْأجْرَ مَرَّتَينِ».
ثم تَحَدَّثَ ساعَةً، ثم دَعا بماءٍ، فتَوَضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا، فقال: «هَذَا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ النَّبِيِّينَ مِنْ قَبْلِي».
رَواه سعيدٌ 626. وقد ذَكَرْنا حديثَ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ بنَحْو هذا.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، إلَّا أنَّ مالِكًا لم يُوَقِّتْ مَرَّةً ولا ثَلاثًا.
قال: إنَّما قال الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ 627. وقال الأوْزاعِيُّ، وسعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ 628: الوُضُوءُ ثلاثًا ثلاثًا، إلَّا غَسْلَ الرِّجْلَين، فإنَّه يُنَقِّيهِما.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ، وقد ذَكَرْنا اخْتِلافَهُم في تَكْرارِ مَسْحِ الرَّأْسِ.
واللهُ أعلمُ.
وإن غَسَل بعضَ أَعْضائِه أكْثَرَ مِن بعضٍ، فحَسَنٌ؛ لأنَّ في حديثِ عبدِ الله بنِ زيدٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأَ فغَسَلَ وَجْهَه ثَلاثًا، ثم غَسَل يَدَيه مَرَّتَين إلى المِرْفَقَين، ومَسَح برَأْسِه مَرَّةً.
مُتَّفَقٌ عليه 629.
فصل: وتُكرهُ الزِّيادَةُ على الثَّلاثِ، قال أحمدُ، رَحِمَه الله: لا يَزِيدُ على الثَّلاثِ إلَّا رجلٌ مُبْتَلًى.
وذلك لِما رُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا سَأَلَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن الوُضُوءِ، فأراه ثَلاثًا ثلاثًا، ثم قال: «هَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ 630 عَلَى هَذَا فَقَدْ أسَاءَ وظَلَمَ» 631. رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيُّ، وابنُ
الجزء: 1 - الصفحة: 367
وَتَبَاحُ مَعُونَتُهُ في الوضوءِ
ماجه (1). ويُكْرَهُ الإِسْرافُ في الماءِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بسَعْدٍ وهو يَتَوَضَّأُ، فقال: «لَا تُسْرِف».
فقال: يا رسولَ اللهِ، في الماءِ إسْرافٌ؟ قال: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ».
رَواه ابنُ ماجه (2).
108 -
مسألة: (وتُباحُ مَعُونَتُه)
لِما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، أنَّه أفْرَغَ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في وُضُوئِه.
رَواه مسلمٌ 634. وعن صَفْوانَ بنِ عَسّالٍ، قال: صَبَبْتُ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الماءَ في الحَضَرِ، والسَّفَرِ.
رَواه ابنُ ماجه 635. وروَى أنَسٌ، قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَنْطَلِقُ لحاجَتِه،632633
الحديث: 108 - الجزء: 1 - الصفحة: 368
وَتَنْشِيفُ أَعْضَائِهِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ.
فأحْمِلُ أنا وغُلامٌ نَحْوي إداوَةً (1) مِن ماءٍ، وعَنَزَةً (2)، فيَسْتَنْجِي بالماءِ.
مُتَّفَقٌ عليه (3). ولا يُسْتَحَبُّ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: كان رسوُل اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لا يَكِلُ طُهُورَه إلى أحَدٍ، ولا صَدَقَتَه التي يَتَصَدَّقُ بها، يَكُونُ هو الذي يَتَوَلّاها بنَفْسِه.
رَواه ابنُ ماجَه (4). ورُوي عن أحمدَ، أنَّه قال: ما أُحِبُّ ان يُعِينَنِي على وُضُوئِي أحَدٌ؛ لأنَّ عُمَرَ قال ذلك (5).
109 -
مسألة؛ قال: (ويُباحُ تَنشِيفُ أعْضائِه، ولا يُسْتَحَبُّ)
قال الخَلَّالُ: المَنْقُولُ عن أحمدَ، أنَّه لا بَأْسَ بالتَّنشِيفِ بعدَ الوُضُوءِ.636637638639640
الحديث: 109 - الجزء: 1 - الصفحة: 369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومِمَّن رُوِيَ عنه أخْذُ المِنْدِيلِ بعدَ الوُضُوءِ، عثمانُ، والحَسَنُ بنُ عليٍّ، وأنَسٌ، وكَثِيرٌ مِن أهلِ العلمِ.
ومِمَّن رَخَّصَ فيه الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي.
وهو ظاهِرُ قولِ أحمدَ؛ لِما روَى سَلْمانُ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأَ، ثم قَلَب جُبَّةً كانتْ عليه، فمَسَحَ بها وَجْهَه.
رَواه ابنُ ماجَه، والطَّبَرانِيُّ في «المُعْجَمِ الصَّغِيرِ» 641. وذَكَر ابنُ حامِدٍ في كراهَتِه رِوايَتَين؛ إحْداهُما، لا يُكْرَهُ؛ لِما ذَكَرْنا.
والثّانيةُ، يُكْرَهُ.
رُوِيَ ذلك عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، وابنِ أبي لَيلَى، وسعيدِ بنِ
الجزء: 1 - الصفحة: 370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُسَيَّبِ، والنَّخَعِيِّ، ومُجاهِدٍ؛ وذلك لِما رَوَتْ مَيمُونَة، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اغْتَسَلَ، قالت: فأتَيتُه بالمِنْدِيلِ، فلم يُرِدْها، وجَعَلَ يَنْفُضُ الماءَ بيَدَيه.
مُتَّفَقٌ عليه 642. ورُوي عن ابنِ عباسٍ أَنَّه كَرِهَه في الوُضُوءِ، ولم يَكْرَهْه في الجَنابَةِ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، فتَرْكُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لا يَدُلُّ على الكَراهَةِ، فإنَّه قد يَتْرُكُ المُباحَ.
وهذه قَضِيَّةٌ في عَينٍ، يَحْتَمِلُ أنَّه تَرَك تلك المِنْدِيلَ لأمْرٍ يَخْتَصُّ بها.
ولأنَّه إزالةٌ للماءِ عن بَدَنِه، أشْبَهَ نَفضَه بيَدَيه، ولا يُكْرَهُ نَفْضُ الماءِ عن بَدَنِه بيَدَيه؛ لحديثِ مَيمُونَةَ، ويُكْرَهُ نَفْضُ يَدَيه.
ذَكَرَه أبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُ الوُضُوءِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ موسى بنِ عيسى 643، وذلك لِما روَى أنَسٌ، قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأُ عندَ كلِّ صلاةٍ.
قلتُ: وكيف كُنْتُم تَصْنَعُون؟ قال: يُجْزِئُ أحَدَنا الوُضُوءُ، ما لم يُحْدِثْ.
رَواه البخارِيُّ 644. وقد نَقَل عليُّ بنُ سعيدٍ 645 عن أحمدَ، أنَّه لا فَضْلَ فيه.
والأوَّل أصَحُّ.
ولا بأْسَ أن يُصَلِّيَ الصَّلواتِ 646
الجزء: 1 - الصفحة: 372
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالوُضوءِ الواحِدِ ما لم يُحْدِثْ، لا نَعَلْمُ فيه خِلافًا؛ لحديثِ أنَسٍ، ولِما روَى بُرَيدَةُ، قال: صَلَّى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يومَ الفَتْحِ خَمْسَ صَلَواتٍ بوُضُوءٍ واحِدٍ، ومَسَح على خُفَّيه، فقال له عُمَرُ: إنِّي رَأيتُك صَنَعْتَ شَيئًا لم تَكُنْ تَصْنَعُه.
فقال: «عَمْدًا صَنَعْتُهُ».
رَواه مسلمٌ 647.
الجزء: 1 - الصفحة: 373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا بَأْسَ بالوُضُوءِ في المسجدِ إذا لم يُؤْذِ أحَدًا بوُضُوئِه، ولم يُؤْذِ المسجدَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أباحَ ذلك كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن علماءِ الأمْصارِ.
وذلك لِما روَى أبو العالِيَةِ عن رجلٍ مِن أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: حَفِظْتُ لك أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ في المسجدِ.
رَواه الإِمامُ أحمدُ 648. ورُوي عن أحمدَ أنَّه كَرِهَه؛ صِيانَةً للمسجدِ عن البُصاقِ وما يَخْرُجُ مِن فَضَلاتٍ الوُضُوءِ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 374
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والمَفْرُوضُ مِن ذلك بغيرِ خِلافٍ في المذهبِ 649 خَمْسَةٌ؛ النِّيَّةُ، وغَسْلُ الوَجْهِ، وغَسْلُ اليَدَين، ومَسْحُ الرأْسِ، وغَسْلُ الرِّجْلَين.
وخمسةٌ فيها رِوايتان؛ المَضْمَضَةُ، والاسْتِنْشاقُ، والتَّسْمِيَةُ، والتَّرتِيبُ، والمُوالاةُ.
وقد ذَكَرْنا عَدَدَ المَسْنُونِ فيما مَضَى.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 375
بابُ المَسْحِ على الخُفَّين
المَسْحُ على الخُفَّين جائِزٌ عندَ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
قال ابنُ المُبارَكِ: ليس في المَسْحِ على الخُفَّين اخْتِلافٌ أنَّه جائِزٌ.
وعن الحسنِ قال: حَدَّثَنِي سَبْعُون مِن أصحابِ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح علي الخُفَّين.
والأصلُ فيه ما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: كنتُ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ، فأهْوَيتُ لأنْزِعَ خُفَّيه، فقال: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتينِ».
فمَسَحَ عليهما.
مُتَّفَقٌ عليه 650. وعن جَرِيرِ بنِ عبدِ اللهِ قال: رأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بال، ثم تَوَضَّأَ، ومَسَح على خُفَّيه.
مُتَّفَقٌ
باب المسح على الخفين
، من كتاب الطهارة.
سنن أبي داود 1/ 33. والدارمي، في: باب في المسح على الخفين، من كتاب الطهارة.
سنن الدارمي 1/ 181. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 245، 251، 255.
الجزء: 1 - الصفحة: 377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه 651. قال إبراهيمُ: كان يُعْجِبُهم هذا الحديثُ؛ لأنَّ إسلامَ جَرِيرٍ كان بعدَ نُزُولِ المائِدَةِ.
قال الإِمامُ أحمدُ: ليس في قَلْبِي مِن المَسْحِ شَيءٌ، فيه أربعون حديثًا عن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
الجزء: 1 - الصفحة: 378
يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّينِ، وَالْجُرْمُوقَينِ، وَالْجَوْرَبَينِ،
فصل: رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه قال: المَسْحُ أفْضَلُ مِن الغَسْلِ.
لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه إنَّما طَلَبُوا الفَضْلَ.
وهذا مذهبُ الشَّعْبِيِّ، والحَكَمِ، وإسحاقَ؛ لأنَّه رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ أنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ» (1). ولأنَّ فيه مُخالفَةَ أهلِ البِدَعِ.
وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ فيه رِوايَتَين؛ إحْداهُما، المَسْحُ أفْضَلُ؛ لِما ذَكَرْنا.
والثّانيةُ، الغَسْلُ أفْضَلُ؛ لأنَّه المَفْرُوضُ في كِتابِ اللهِ تعالى، والمَسْحُ رُخْصَةٌ.
وروَى حَنْبَلٌ عن أحمدَ أنَّه قال: كلُّه جائِزٌ، المَسْحُ والغَسْلُ، ما في قَلْبِي مِن المَسْحِ شيءٌ، ولا مِن الغَسْلِ.
وهذا قول ابنِ المُنْذِرِ.
وروى عن عمر، أنَّه أمَرَهم أن يَمْسَحُوا على أخْفافِهِم، وخَلَع هوْ خُفَّيه، وتَوَضَّأَ، وقال: حُبِّبَ إليَّ الوُضُوءُ.
وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّه قال: إنِّي لَمُولَعٌ بغَسْلِ قَدَمَيَّ، فلا تَقْتَدُوا بي (2).
110 -
مسألة: (يَجُوزُ المَسْحُ على الخُفَّين)
لِما ذكرْنا.
(و) يَجُوز على (الجُرْمُوقَين).
الجُرْمُوقُ مِثالُ الخُفِّ، إلَّا أَنَّه يُلْبَسُ فوقَ الخُفِّ في البلادِ652653
الحديث: 110 - الجزء: 1 - الصفحة: 379
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البارِدَةِ، فيَجُوزُ المَسْحُ عليه، قِياسًا على الخُفِّ.
ومِمَّن قال بجَوازِ المَسْحِ عليه إذا كان فوقَ الخُفِّ، الحسنُ بنُ صالحٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال الشافعيُّ في الجَدِيدِ: لا يَمْسَحُ عليه.
وسَنَذْكُرُ ذلك إن شاءَ اللهُ، فيما إذا لَبِس خُفًّا فوقَ خُفٍّ آخَرَ.
واللهُ أعلمُ.
(والجَوْرَبَين) قال ابنُ المُنْذِرِ: يُرْوَى إباحَةُ المَسْحِ على الجَوْرَبَين عن تسعةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ عليٍّ، وعَمّارٍ، وابنِ مسعودٍ، وأنَسٍ، وابنِ عُمَرَ، والبَرَاءِ، وبِلالٍ، وابنِ أبي أوْفَى، وسَهْلِ بنِ سعدٍ.
وهو قولُ عَطاءٍ، والحسنِ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والثَّوْرِيِّ، وابنِ المُبارَكِ، وإسحاقَ، ويعقوبَ، ومحمدٍ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وغيرُهم: لا يَجُوزُ المَسْحُ عليهما، إلَّا أن يُنْعَلا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيهما، فهُما كالرَّقِيقَين.
ولَنا، ما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح على الجَوْرَبَين والنَّعْلَين.
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ 654. وهذا يَدُلُّ على أنَّهُما لم يَكُونا مَنْعُولَين؛ لأنَّه لو كان كذلك، لم يَذْكُرِ النَّعْلَين، فإنَّه لا يُقالُ مَسَحْتُ
الجزء: 1 - الصفحة: 380
وَالْعِمَامَةِ، وَالْجَبَائِرِ.
على الخُفِّ ونَعْلِه.
ولأنَّ الصحابةَ، رَضِي اللهُ عنهم، مَسَحُوا على الجَوارِبِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهِم.
والجَوْرَبُ في مَعْنَى الخُفِّ، لأنَّه مَلْبُوسٌ ساتِرٌ لمَحَلِّ الفَرْضِ، يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيه، أشْبَهَ الخُفَّ.
وقَوْلُهم: لا يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيهما.
قُلْنا: إنَّما يَجُوزُ المَسْحُ عليهما إذا ثَبَت بنَفْسِه، وأمْكَن مُتابَعَةُ المَشْي فيه، وإلَّا فلا.
فأمّا الرَّقِيقُ فليس بساتِرٍ.
فصل: وسُئل أحمدُ عن جَوْرَبٍ انْخَرَقَ، فكَرِهَ المَسْحَ عليه، ولَعَلَّه إنَّما كَرِهَه؛ لأنَّ الغالِبَ فيه الخِفَّةُ، وأنَّه لا يَثْبُتُ بنَفْسِه.
فإن كان مثلَ جَوْرَبِ الصُّوفِ في الصَّفاقَةِ، فلا فَرْقَ.
فإن كان لا يَثْبُتُ إلَّا بالنَّعْلِ، أُبِيحَ المَسْحُ عليه، ما دامَ النَّعْلُ عليه؛ لحديثِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ.
فإن خَلَع النَّعْلَ انْتَقَضَتِ الطهارةُ؛ لأنَّ ثُبُوتَ الجَوْرَب أحَدُ شَرْطَيْ جَوازِ المَسْحِ، وإنَّما حَصَل بالنَّعْلِ، فإذا خَلَعَها، زال الشَّرْطُ المُبِيحُ للمَسْحِ، فبَطلَتِ الطهارةُ، كما لو ظَهَر القَدَمُ.
قال القاضي: يَمْسَحُ على الجَوْرَبِ والنَّعْلِ، كما جاءَ في الحديثِ.
والظّاهِرُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، إنَّما مَسَح على سُيُورِ النَّعْلِ التي على ظاهِرِ القَدَمِ، فأمّا أسْفَلُه وعَقِبُه، فلا يُسَنُّ مَسْحُه مِن الخُفِّ، فكذلك مِن النَّعْلِ.
111 -
مسألة؛ قال: (والعِمامَةِ والجَبائِرِ)
ومِمَّن قال بجَوازِ المَسْحِ على العِمامَةِ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، رضي الله عنه.
وبه قال عُمَرُ بنُ
الحديث: 111 - الجزء: 1 - الصفحة: 381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخَطَّابِ، وأنَسٌ، وأبو أُمامَةَ.
ورُوِيَ عن سعدِ 655 بنِ مالكٍ، وأبي الدَّرْداءِ، رَضِي اللهُ عنهم.
وهو قَوْلُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والحسنِ، وقَتادَةَ، وابنِ المُنْذِرِ، وغَيرِهم.
وقال عُرْوَة، والنَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والقاسِمُ 656، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأي: لا يَمْسَحُ عليها؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ 657. ولأنَّه لا تَلْحَقُه المَشَقَّةُ بنَزْعِها، أَشْبَهَتِ الكُمَّين.
ولَنا، ما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: تَوَضَّأَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - , ومَسَح على الخُفَّين، والعِمامَةِ 658 قال التِّرمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وروَى مسلمٌ 659، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح على الخُفَّين والخِمارِ.
وعن عَمْرِو بنِ
الجزء: 1 - الصفحة: 382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أُمَيَّةَ، قال: رَأَيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح على عِمامَتِه وخُفَّيه.
رَواه البخاريُّ 660. ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصّحابةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهِم.
ولأنَّه عُضْوٌ يَسْقُطُ فَرْضُه في التَّيَمُّمِ، فجازَ المَسْحُ علي حائِلِه، كالقَدَمَين.
والآيةُ تَنْفِي ما ذَكَرْناه؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مُبَيِّنٌ لكلام اللهِ، وقد مَسَح على العِمامَةِ، وأمَرَ بالمَسْحِ عليها، وهذا يَدُلُّ على أنَّ المُرادَ بالآية المَسْحُ على الرَّأْسِ وحائِلِه.
ومِمّا يُبَيِّنُ ذلك، أنَّ المَسْحَ في الغالِبِ إنَّما يَكُونُ على الشَّعَرِ، ولا يُصِيبُ الرَّأْسَ وهو حائِلٌ، كذلك العِمامَةُ، فإنَّهُ يقالُ لِمَن لَمَس 661 عِمامَةَ إنسانٍ أو قَبَّلها: قَبَّلَ رَأْسَه.
واللهُ أعلمُ.
فصل: [ويَجُوزُ المَسْحُ] 662 على الجَبائِرِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في صاحِبِ الشَّجَّةِ: «إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ [أو يَعْصِرَ] 663 عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، وَيَمْسَحَ عَلَيهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ».
رَواه أبو داودَ 664. ولِما روَى عليٌّ، رَضِي اللهُ عنه، قال: انكَسَرَتْ إحْدَى = والنسائي، في: باب مسح العمامة، من كتاب الطهارة.
المجتبى 1/ 64. وابن ماجه، في: باب ما جاء في المسح على العمامة، من كتاب الطهارة.
سنن ابن ماجه 1/ 186. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 281، 288، 439، 440، 6/ 12 - 15.
الجزء: 1 - الصفحة: 383
وَفِي الْمَسْحِ عَلَى الْقَلَانِسِ، وَخُمُرِ النِّسَاءِ الْمُدَارَةِ تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ رِوَايَتَانِ.
زَنْدَيَّ (1)، فأمَرَني النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن أمْسَحَ على الجَبائِرِ.
رَواه ابنُ ماجه (2). وهذا قولُ الحسنِ، والنَّخَعِيِّ، ومالكٍ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقال الشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيه: يُعِيدُ كل صلاةٍ صَلّاها؛ لأنَّ اللهَ تعالى أَمَر بالغَسْلِ، ولم يَأْتِ به.
ووَجْهُ الأوَّلِ ما ذَكَرْنا.
ولأنَّه مَسَح على حائِلٍ أُبِيحَ له المسْحُ عليه، فلم تَجِبْ معه الإِعادَةُ كالخُفِّ.
112 -
مسألة: (وفي المَسْحِ على القَلانِسِ، وخُمُرِ النِّساءِ المُدارَةِ تحتَ حُلُوقِهِنَّ، رِوايَتان)
أرادَ القَلانِسَ المُبَطَّناتِ، كدَنِّيَّاتِ 667 القُضاةِ، والنّومياتِ 668 فأمّا الكَلتةُ 669 فلا يَجُوزُ المَسْحُ عليها، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّها لا تَسْتُرُ جميعَ الرَّأسِ عادةً، ولا تَدُومُ عليه، فأمّا القَلانِسُ665666
الحديث: 112 - الجزء: 1 - الصفحة: 384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التي ذَكَرْناها، ففيها رِوايتان؛ إحْداهُما، لا يَجُوزُ المَسْحُ عليها.
رَواه عنه إسحاقُ بنُ إبراهيمَ.
وهو قولُ الأوْزاعِيِّ، وسعيدِ بن عبدِ العزيزِ، ومالكٍ، والشافعيِّ، والنُّعْمانِ 670، وإسحاقَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا نَعْلمُ أحَدًا قال به، إلَّا أنَّه يُرْوَى عن أنَسٍ أنَّه مسَح على قُلَنْسِيَتِه 671. لأنَّها لا يَشُقُّ نَزْعُها، أَشْبَهَتِ الكَلتةَ، ولأنَّ العِمامَةَ التي ليست مُحَنَّكَةً ولا ذُؤابَةَ لها، لا يَجُوزُ المَسْحُ عليها، [وهذه أدْنَى منها.
والرِّوايةُ الثّانِيَةُ، يجوزُ المَسْحُ عليها] 672. وهو اختيارُ الخَلّالِ.
قال: لأنَّه قد رُوِيَ عن رَجُلَين مِن أصحاب رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بأسانِيدَ صِحاحٍ، فرَوَى الأثْرَمُ بإسْنادِه عن عُمَرَ، أنَّه قال: إن شاءَ حَسَر عن
الجزء: 1 - الصفحة: 385
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَأْسِه، وإن شاءَ مَسَح على قُلَنْسِيَتِه وعِمامَتِه.
وروَى بإسْنادِه عن أبي موسى، أنَّه خَرَج مِن الخَلاءِ، فمَسَحَ على القَلَنْسُوَةِ.
ولأنَّه مَلْبُوسٌ مُعْتادٌ يَسْتُرُ الرَّأْسَ، أَشْبَهَ العِمامَةَ المُحَنَّكَةَ، وفارَقَ العِمامَةَ التي قَاسُوا عليها؛ لأنَّها مَنْهِيٌّ عنها.
واللهُ أعلمُ.
وفي مَسْحِ المرأةِ على خِمارِها رِوايَتان، إحْداهُما، يَجُوزُ.
يُرْوَى ذلك عن أُمِّ سَلَمَةَ.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ.
ولأنَّه مَلْبُوسٌ للرَّأْسِ يَشُقُّ نَزْعُه، أشْبَهَ العِمامَةَ.
والثانيةُ، لا يَجُوزُ.
وهو قولُ نافِع، والنَّخَعِيِّ، وحَمّادٍ، والأوْزاعِيِّ، ومالكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّه مَلْبُوسٌ يَخْتَصُّ المرأةَ، أشْبَهَ الوقايَةَ، ولا يُجْزِئٌ 673 المَسْحُ على الوقايَةِ، رِوايَةً واحِدَةً.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّها لا يَشُقُّ نَزْعُها، فهي كطاقِيَّةِ الرَّجُلِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 386
وَمِن شَرْطِهِ أَنْ يَلْبَسَ الْجَمِيعَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ،
113 - مسألة؛ قال: (ومِن شَرْطِه أن يَلْبَسَ الجَمِيعَ بعدَ كَمالِ الطهارةِ)
لا نَعْلَمُ في اشْتِراطِ تَقَدُّمِ الطهارة لكُلِّ ما يَجُوزُ المَسْحُ عليه خِلافًا، إلَّا الجَبِيرَةَ، ووَجْهُه ما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: كنتُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ، فأهْوَيتُ لأنْزِعَ خُفَّيه، فقال: «دَعْهُمَا فَإنِّي أَدخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَينِ».
فمَسَحَ عليهما.
مُتَّفَقٌ عليه 674. وعنه قال:
الحديث: 113 - الجزء: 1 - الصفحة: 387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيَمْسَحُ أحَدُنا على خُفَّيه.
فقال: «نَعَمْ، إذَا أَدخَلَهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ».
رَواه الدّارَقطْنِيُّ 675. فأمّا إن غَسَل إحْدَى رِجْلَيه، ثم لَبِس الخُفَّ، ثم غَسَل الأخْرَى وأدْخَلَها الخُفَّ، لم يَجُزِ المَسْحُ أيضًا.
وهو قولُ الشافعيِّ، وإسحاقَ.
ونَحْوُه عن مالكٍ.
وعنه، أنَّه يَجُوزُ، رَواها أبو طالِبٍ عنه.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأي؛ لأنَّه أحْدَثَ بعدَ كَمالِ الطهارةِ واللُّبْسِ، فجازَ، كما لو نَزَع الخُفَّ الأوَّلَ ثم لَبِسَه.
وكذلك الحُكْمُ في مَن مَسَح رَأْسَه ولَبِس العِمامَةَ، ثم غَسَل رِجْلَيه، قِياسًا على الخفِّ.
وقد قِيلَ، في مَن غَسَل رِجْلَيه ولَبِس خُفَّيه، ثم غَسَل بَقِيَّةَ أعْضائِه: إذا قُلْنا: إنَّ التَّرْتِيبَ ليس بشَرْطٍ.
جازَ له المَسْحُ.
ووَجْهُ الأولَى، ما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَين، وهو يَدُلُّ على وُجُودِ الطهارةِ فيهما جَمِيعًا وَقْتَ إدْخالِهِما، ولم يُوجَدْ ذلك وقتَ لُبْسِ الأولَى.
ولأنَّ ما اعْتُبِرَ له الطهارةُ اعْتُبرَ له جَمِيعُها، كالصلاةِ.
وفارَقَ ما إذا نَزَع الخُفَّ الأوَّلَ، ثم لَبِسَه؛ لأَنَّه لَبِسَه بعدَ كَمالِ الطهارةِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: كَرِهِ أحمدُ لُبْسَ الخُفِّ، وهو يُدافِعُ أحَدَ الأخْبَثَين؛ لأنَّ الصلاةَ مَكْرُوهَةٌ بهذه الطهارةِ، فكذلِكَ 676 اللُّبْسُ الذي يُرادُ للصلاةِ.
والأوْلَى، أن لا يُكْرَهَ.
ورُوِيَ عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ، أنَّه كان إذا أرادَ أن يَبُولَ، لَبِس خُفَّيه.
ولأنَّها طهارةٌ كامِلَةٌ، أشْبَهَ ما لو لَبِسَهُما عندَ غَلَبَةِ النُّعاسِ.
والصلاةُ إنَّما كُرِهَتْ للحاقِنِ؛ لأنَّ اشْتِغال قَلْبِه بمُدافَعَةِ الأخْبَثَين، يَذْهَبُ بخُشُوعِ الصلاةِ، ويَمْنَعُ الإِتْيانَ بها على الكَمالِ، ويَحْمِلُه على العَجَلَةِ، ولا يَضُرُّ ذلك في اللبْسِ.
فصل: فإن تَطَهَّر، ثم لَبِس الخُفَّ، فأحْدَثَ قبلَ بُلُوغِ الرِّجْلِ قَدَمَ الخُفِّ، لم يَجُزْ له المَسْحُ؛ لأنَّ الرِّجْلَ حَصَلَتْا في مَقَرِّها وهو مُحْدِثٌ، فصارَ كما لو بَدَأ اللُّبْسَ وهو مُحْدِثٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن تَيَمَّمَ، ثم لَبِس الخُفَّ، لم يَكُنْ له المَسْحُ؛ لأنَّه لَبِسَه على طهارةٍ غيرِ كامِلَةٍ.
ولأنَّها طهارةُ ضَرُورَةٍ، بَطَلَتْ مِن أصْلِها، فصارَ كاللّابِسِ له على غيرِ طهارةٍ.
ولأنَّ التَّيَمُّمَ لا يَرْفَعُ الحَدَثَ، فقد لَبِسَه وهو مُحْدِث.
فأمّا إن تَطَهَّرَتِ المُسْتَحاضَةُ، ومَن به سَلَسُ البَوْلِ، وشِبْهُهُما، ولَبسُوا خِفافًا، فلهم المَسْحُ عليها.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ طَهارَتَهُم كامِلَةٌ في حَقِّهم.
قال ابنُ عَقِيل: لأنَّها مُضْطَرَّةٌ إلى التَّرَخُّصِ، وأحَقُّ مَن يَتَرَخَّصُ المُضْطرُّ.
فإنِ انْقَطعَ الدَّمُ، أو زالتِ 677 الضَّرُورَةُ، بَطَلَتِ الطهارةُ مِن أصْلِها، ولم يَكُنْ لهما المَسْحُ، كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ.
وإن لَبِسَ الخُفَّ بعدَ طهارةٍ مَسَح فيها على العِمامَةِ، أو العِمامَةَ بعدَ
الجزء: 1 - الصفحة: 390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طهارةٍ مَسَح فيها على الخُفِّ، فقال بَعْضُ أصحابنا: ظاهِرُ كلام أحمدَ أنَّه لا يَجُوزُ المَسْح؛ لأنَّه لبِس على طهارةٍ مَمْسُوحٍ فيها على بَدَلٍ، فلم يُسْتَبَحِ المَسْحُ باللُّبْسِ فيها، كما لو لَبِس خُفًّا على طهارةٍ مَسَح فيها على خُفٍّ.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ جَوازَ المَسْحِ؛ لأنَّها طهارة كامِلَة، وكل واحِدٍ منهما ليس ببَدَلٍ عن الآخَرِ، بخِلَافِ الخُفِّ المَلْبُوسِ على خُفٍّ مَمْسُوحٍ عليه.
فصل: فإن لَبِس الجَبِيرَةَ على طهارةٍ مَسَح فيها على خُفٍّ أو عِمامَةٍ، وقُلْنا: ليس مِن شَرْطِها الطهارةُ.
جاز المَسْحُ عليها.
وإنِ اشْتَرَطْنا الطهارةَ، احْتَمَلَ أن يَكُونَ كالعِمامَةِ المَلْبُوسَةِ على طهارةٍ مَسَح فيها على الخُفِّ، واحْتَمَلَ جَواز المَسْحِ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ مَسْحَها عَزِيمَة.
وإن لَبِس الخُفَّ على طهارةٍ مَسَح فيها على الجَبِيرَةِ، جازَ المَسْحُ عليه؛ لأنَّها عَزِيمَة، ولأنَّها إن كانت ناقِصَةً 678، فهو لنَقْصٍ لم يَزَلْ، فلم يَمْنَعْ كطهارةِ 679 المُسْتَحاضَةِ.
وإن لَبِس الجَبِيرَةَ على طهارةٍ مَسَح فيها على الجَبِيرَةِ، جازَ المَسْحُ؛ لِما ذَكَرْنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 391
إلَّا الجَبِيرَةَ على إحْدَىْ الرِّوايَتَينِ.
114 - مسألة؛ قال: (إلَّا الجَبِيرَةَ، على إحْدَىْ الرِّوايَتَينِ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أبي عبدِ اللهِ، رَحِمَه اللهُ، في الجَبِيرَةِ، فرُوِي أنَّه لا يَشْتَرِطُ تَقَدُّمَ الطهارَةِ لها.
اخْتارَه الخَلّالُ، وذلك لِما ذكَرْنا مِن حديثِ جابِرٍ في الذي أصابَتْه، الشَّجَّةُ، فإَّنه قال: «إِنَّمَا كَانَ يُجْزِئُه أنْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ويَمْسَحَ عَليها».
ولم يَذْكُرِ الطهارةَ.
وكذلك حديثُ عليٍّ، لم يَأْمُرْه بالطهارةِ 680. ولأنَّ اشْتِراطَ الطهارةِ لها، يَغْلُظُ على النّاسِ، ويَشُقُّ عليهم.
ولأنَّ المَسْحَ عليها إنَّما جازَ لمَشَقةِ نَزْعِها، وهو مَوْجُودٌ إذا لَبِسَها على غيرِ طهارةٍ.
ويَحْتَمِلُ أن يُشْتَرَطَ له التَّيمُّمُ عندَ العَجْزِ عن الطهارةِ، فإنَّ في حديثِ جابرٍ: «إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ، أوْ يَعْصِرَ عَلَى جُرْحِهِ، ثُمَّ يَمْسَحَ عَليهَا».
ولأنَّها عِبادَةٌ اشْتُرِطَتْ لها الطهارةُ، فقامَ التَّيَمَّمُ مَقامَها عندَ العَجْزِ عنها 681 كالصلاةِ.
الحديث: 114 - الجزء: 1 - الصفحة: 392
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ورُوِيَ عنه أنَّه يَشْتَرِطُ تَقَدُّمَ الطهارةِ عليها، وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه حائِلٌ يُمْسَحُ عليه، فاشْتُرِطَ تَقَدَّمُ الطهارةِ على لُبْسِه، كسائِرِ المَمْسُوحاتِ.
فعلى هذا، إذا لَبِسَها على غيرِ طهارةٍ، ثم خاف مِن نَزْعِها، تَيَمَّمَ لها؛ لأنَّه مَوْضِعٌ يَخافُ الضَّرَرَ باسْتِعْمالِ الماءِ فيه، أشْبَهَ الجُرْحَ.
فصل: ولا يَحْتاجُ مع مَسْحِها إلى تَيَمُّمٍ.
قال شيخُنا: ويَحْتَمِلُ أن يَتَيَمَّمَ مع مَسْحِها فيما إذا تَجاوَزَ بها مَوْضِعَ الحاجَةِ؛ لأنَّ ما على مَوْضِع الحاجَةِ يَقْتَضِي المَسْحَ، والزّائِدُ يَقْتَضِي التَّيَمُّمَ، وكذلك فيما إذا شَدَّها على غيرِ طهارةٍ؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ في جَوازِ المَسْحِ عليها، فإذا جَمَع بينَهما، خَرَج مِن الخِلافِ.
وللشافعيِّ في الجَمْعِ بينَهما قولانِ في الجُمْلَةِ، لحديثِ صاحبِ الشَّجَّةِ.
ولَنا، أنَّه مَحَلٌّ واحِدٌ، فلا يَجْمَعُ فيه بينَ بَدَلَين، كالخُفِّ 682.
الجزء: 1 - الصفحة: 393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الشَّدِّ على كَسْرٍ أو جُرْحٍ، لحديثِ صاحبِ الشَّجَّةِ، فإنَّها جُرْحُ الرَّأسِ، وقِياسًا على الكَسْرِ.
وكذلك إن وَضَع على جُرْحِه دَواءً، وخاف مِن نَزْعِه، مَسَح عليه.
نَصَّ عليه في رِوايةِ الأثرَمِ، وذلك لِما روَى الأثْرَمُ بإسنْادِه، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه خَرَجَتْ بإبْهامِه قُرْحَةٌ، فألْقَمَها مَرارَةً، وكان يَتَوَضَّأُ، ويَمْسَحُ عليها.
ولو انْقَلَعَ ظُفْرُ إنسانٍ، أو كان بأْصْبُعِه جُرْحٌ يَخافُ إن أصابَه الماءُ أن يَزرَقَّ الجُرْحُ، جازَ المَسْحُ عليه في المَنْصُوصِ.
وقال القاضي، في اللُّصُوقِ على الجُرُوحِ: إن لم يَكُنْ في نَزعِه ضَرَرٌ، نَزَعَه وغَسَل الصَّحِيحَ، وتَيَمَّمَ للجَرِيحِ، ويَمْسَحُ على مَوْضِع الجُرْحِ، وإن كان في نَزْعِه ضَرَر مَسَح عليه، كالجَبِيرَةِ.
فإن كان في رِجْلِه شَقٌّ، فجَعَلَ فيه قِيرًا، فقال أحمدُ: يَنْزِعُه ولا يَمْسَحُ عليه، هذا أهْوَنُ، هذا لا يُخافُ منه.
فقيلَ له: متى يَسَعُ صاحِبَ الجُرْحِ
الجزء: 1 - الصفحة: 394
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن يَمْسَحَ عليه؟ قال: إذا خَشِيَ أن يَزْدادَ وَجَعًا، أو شِدَّةً.
وتعليلُ أحمدَ في القِيرِ بسُهُولَتِه، يَقْتَضِي أنَّه متى كان يُخافُ منه، جاز المَسْحُ عليه، كالأُصْبُعِ المَجْرُوحَةِ إذا ألْقَمَها مَرارَةً أو عَصَبَها.
قال مالكٌ، في الظُّفْرِ يَسْقطُ: يَكْسُوه مَصْطَكَا 683، ويَمْسَحُ عليه وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي.
الجزء: 1 - الصفحة: 395
وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ،
فصل: فإن لم يَكُنْ على الجرْحِ عِصابٌ، غَسَل الصَّحِيحَ، وتَيَمَّمَ للجَرِيحِ، ولم يَمْسحْ (1). وقد روَى حَنْبَلٌ عن أحمدَ، في المَجْرُوحِ والمَجْدُورِ يُخافُ عليه: يَمْسَحُ مَوْضِعَ الجُرْحِ، ويَغْسِلُ ما حَوْلَه.
يَعْنِي: يَمْسَحُ، إذا لم يَكُنْ عِصابٌ.
واللهُ أعلمُ.
115 -
مسألة؛ قال: (ويَمْسَحُ المُقِيمُ يومًا ولَيلَةً، والمُسافِرُ ثلاثةَ أيامٍ ولَيالِيَهُنَّ)
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا في المذهبِ.
وهو قولُ عُمَرَ، وعليٍّ،684
الحديث: 115 - الجزء: 1 - الصفحة: 396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، رَضِي اللهُ عنهم.
وبه قال شُرَيحٌ 685، وعطاءٌ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأي.
وهو ظاهِرُ قولِ الشافعيِّ.
وقال اللَّيثُ: يَمْسَحُ ما بَدا له.
وهو قولُ أكثرِ أصحابِ مالكٍ.
وكذلك قولُ مالكٍ في المُسافرِ.
وعنه في المُقِيمِ رِوايتان، وذلك لِما روَى أُبَيُّ بنُ عِمارَةَ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أنَمْسَحُ 686 على الخُفَّين؟ قال: «نَعَمْ».
قلتُ: يَوْمًا؟ قال: «وَيَوْمَينِ».
قلتُ: وثلاثةً؟ قال: «وَمَا شِئْتَ».
رَواه أبو داودَ 687. ولأنَّه مَسْحٌ في طهارةٍ، فلم يَتَوَقَّتْ، كمَسْحِ الرَّأْسِ والجَبِيرَةِ.
ولَنا، ما روَى عليٌّ قال: جَعَل رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثلاثةَ أيّامٍ ولَيالِيَهُنَّ للمُسافِرِ، ويومًا ولَيلَةً للمُقِيم.
رَواه مسلمٌ 688. وعن عَوْفِ بنِ مالكٍ الأشْجَعِي، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمر بالمَسْحِ على الخُفَّينِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، ثلاثةَ أيّام ولَيالِيَهُنَّ للمُسافِرِ، ويومًا
الجزء: 1 - الصفحة: 397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولَيلَةً للمُقِيمِ.
رواه الإِمام أحمدُ، والدّارَقُطْنِيُّ 689. قال الإمامُ أحمدُ: هذا أجْوَدُ حديثٍ في المَسْحِ؛ لأنَّه في غَزْوَةِ تَبُوكَ، آخِرِ غَزْوَةٍ غَزاها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. وحَدِيثُهم ليس بالقَويِّ، وقد اخْتُلِفَ في إسنادِه.
قاله 690 أبو داودَ 691. ويَحْتَمِلُ أنَّه، قال: «وَمَا شِئْتَ» مِنَ الْيَوْمِ واليَوْمَين والثَّلاثَةِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه يَمْسَحُ ما شاءَ، إذا نَزَعَها عندَ انْتِهاء مُدَّتِه، ثم لَبِسَها.
وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بالتَّيَمُّمِ، ومَسْحُ الجَبِيرَةِ عِندَنا مُوَقَّتٌ بإمْكانِ نَزْعِها.
واللهُ أعلمُ.
فصل: وسَفَرُ المَعْصِيَةِ كالحَضَرِ في مُدَّةِ المَسْحِ؛ لأنَّ ما زادَ على اليومِ واللَّيلَةِ رُخصَةٌ، والرُّخَصُ لا تُسْتَباحُ بِالمَعْصِيَةِ.
واللهُ أعلمُ.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن لا يُباحَ له المَسْحُ أصْلًا، لكَوْنِه رُخصَةً.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 398
إلا الْجَبِيرَةَ، فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيهَا إِلَى حَلِّهَا.
116 - مسألة؛ قال: (إلَّا الجَبِيرَةَ، فإنَّه يَمْسَحُ عليها إلى حَلِّها)
لأنَّ مَسْحَها للضَّرُورَةِ فيُقَدَّرُ بقَدْرِها، والضَّرُورَةُ تَدْعُو إلى مَسْحِها إلى حَلِّها، بخِلافِ غيرِها.
فصل: ويُفارِقُ مَسْحُ الجَبِيرَةِ الخُفَّ مِن خَمْسَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ والثاني، أنَّه لا يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الطهارةِ لها، ولا يَتَقَدَّرُ مَسْحُها بمُدَّةٍ.
وقد ذَكَرناهما.
الثالثُ، أنَّه يَجِبُ اسْتِيعابُها بالمَسْحِ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في تَعْمِيمِها، بخِلافِ الخُفِّ.
الرابعُ، أنَّه لا يَجُوزُ المَسْحُ عليها إلَّا عندَ خَوْفِ الضَّرَرِ بنَزْعِها.
الخامسُ، أنَّه يَمْسَحُ عليها في الطهارةِ الكُبْرَى؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ بنَزْعِها فيها، بخِلافِ الخُفِّ.
الحديث: 116 - الجزء: 1 - الصفحة: 399
وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ.
وَعَنْهُ، مِنَ الْمَسْحِ بَعْدَهُ.
117 - مسألة: (وابْتداءُ المُدَّةِ مِن الحَدَثِ بعدَ اللُّبْسِ. وعنه، مِن المَسْحِ بعدَه)
يَعْنِي: بعدَ الحَدَثِ.
ظاهِرُ المذهبِ، أنَّ ابْتِداءَ المُدَّةِ مِن الحَدَثِ بعدَ اللُّبْسِ.
وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ ابْتِداءَها مِن المَسْحِ بعدَ الحَدَثِ.
يُرْوَى ذلك عن عُمَرَ، رَضِي اللهُ عنه.
وهو اخْتِيارُ ابنِ المُنْذِرِ، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ» 692. وقال الشَّعْبِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ: يَمْسَحُ المُقِيمُ خَمْس صَلَواتٍ، لا يَزِيدُ عليها.
ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، ما نَقَلَه القاسِمُ بنُ زَكَرِيّا المُطَرِّزُ 693، في حديثِ صَفْوانَ: «مِنَ الْحَدَثِ إلَى الْحَدَثِ».
ولأنَّها عِبادَة مُؤقَّتَة، فاعْتُبِرَ أوَّلُ
الحديث: 117 - الجزء: 1 - الصفحة: 400
وَمَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا، ثُمَّ أَقَامَ، أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ.
وَقْتِها مِن حينِ جَوازِ فِعْلِها، كالصلاةِ.
ويَجُوزُ أن يَكونَ أرادَ بالخَبَرِ اسْتِباحَةَ المَسْحِ، دُونَ فِعْلِه.
وأمّا تَقْدِيرُه بخَمْسِ صَلَواتٍ، فلا يَصِحُّ، لكَوْنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَدَّرَه بالوَقْتِ دُونَ الفِعْلِ، فعلى هذا يُمْكِنُ المُقِيمُ أن يُصَلِّيَ بالمَسْحِ سِتَّ صَلواتٍ، يُؤخِّرُ الصلاةَ، ثم يَمْسَحُ في اليومِ [الأوَّلِ ويُصَلِّيها في اليومِ] (1) الثّاني في أوَّلِ وَقْتِها قبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، وإن كان له عُذْرٌ يُبِيحُ الجَمْعَ مِن مَرَضٍ أو غيرِه، أمْكَنَه أن يُصَلِّيَ سَبْعَ صَلَواتٍ، ويمكنُ المُسافِرُ أن يُصَلِّيَ سِتَّ عَشْرَةَ صلاةً، إن لم يَجْمَعْ، وسَبْعَ عَشرةَ صلاةً إن جَمَعَ، على ما فَصَّلْناه.
واللهُ أعلمُ.
118 -
مسألة؛ قال: (ومَن مَسَح مُسافِرًا، ثم أقامَ، أتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ)
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه صارَ مُقِيمًا، فلم يَجُزْ له أن يَمْسَحَ مَسْحَ المُسافِرِ.
ولأنَّها عِبادَة تَخْتَلِفُ بالحَضَرِ والسَّفَرِ، فإذا ابْتَدأها في السَّفَرِ، ثم حَضَر في أثْنائِها، غَلَب حُكْمُ694
الحديث: 118 - الجزء: 1 - الصفحة: 401
وَإنْ مَسَحَ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ، أوْ شَكَّ فِي ابْتِدَائِهِ، أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ.
وَعَنْهُ، يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ.
الحَضَرِ، كالصلاةِ.
فإن كان قد مَسَح يومًا ولَيلَةً، ثم أقامَ أو قَدِم، خَلَع.
وإن كان مَسَح أقَلَّ مِن يوم ولَيلَةٍ ثم أقامَ أو قَدِمَ، أتَمَّ يومًا ولَيلَةً، لِما ذَكَرْنا.
ولو مَسَح في السَّفَرِ أكثرَ مِن يوم ولَيلَةٍ، ثم دَخَل في الصلاةِ، فنَوَى الإقامَةَ في أثْنائِها، بَطَلَتْ؛ لأنَّ المَسْحَ بَطَل فبَطَلَتِ الطهارةُ التي هي شَرْطٌ لصِحَّةِ الصلاةِ.
ولو تَلَبَّسَ بالصلاةِ في سَفِينَةٍ، فدَخَلَتِ البَلْدَةَ في أثنائِها، بَطَلَتْ صلاتُه لذلك.
واللهُ أعلمُ.
119 -
مسألة: (وإن مَسَح مُقِيمًا، ثم سافَرَ أوشَكَّ في ابتِدائِه، أتَمَّ مَسْحَ مُقِيم. وعنه، يُتِمُّ مَسْحَ مُسافِرٍ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في هذه المسألةِ، فرُوِيَ عنه أنَّه يُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ.
اخْتارَه
الحديث: 119 - الجزء: 1 - الصفحة: 402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِرَقِيُّ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ؛ لأنَّها عِبادةٌ تَخْتَلِفُ بالحَضَرِ والسَّفَرِ، فإذا وُجِدَ أحَدُ طَرَفَيها في الحَضَرِ، غَلَب حُكْمُه، كالصلاةِ.
ورُوِيَ عنه، أنه يُتِمُّ مَسْحَ مُسافِرٍ، سَواءٌ مَسَح في الحَضَرِ لصلاةٍ أو أكثرَ منها بعدَ أن لا تَنْقَضِيَ مُدَّةُ المَسْحِ، وهو حاضِر.
وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لقولِه - صلى الله عليه وسلم -: «يَمْسَحُ المُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أيَّام وَلَيَالِيَهُنَّ» 695. وهذا مُسافِر، ولأنَّه سافَرَ قبلَ انْقِضاءِ مُدَّةِ المَسْحِ، أشْبَهَ مَن سافَرَ بعدَ الحَدَثِ وقبلَ المَسْحِ.
وهذا اختيارُ الخَلّالِ، وصاحِبِه.
قال الخَلّالُ: رَجَع أحمدُ عن قَوْلِه الأوَّلِ إلى هذا.
وإن شَكَّ، هل ابتَدَأ المَسْحَ في الحَضَرِ أو السَّفَرِ؟ بَنَى على مَسْحِ حاضِرٍ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ المَسْحُ مع الشَّكِّ في إباحَتِه، ولأنَّ الأصلَ الغَسْلُ، والمَسْحُ
الجزء: 1 - الصفحة: 403
وَمَنْ أَحْدَثَ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ الْمَسْحِ، أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ.
رُخْصَةٌ، فإذا شَكَكْنا في شَرْطِها، رَجَعْنا إلى الأصلِ.
فإن ذَكَر بعدُ، أنَّه كان قد ابْتَدَأ المَسْحَ في السَّفرِ، جاز البِناءُ على مَسْحِ مُسافِرٍ.
وإن كان قد صَلَّى بعدَ اليَوْمِ واللَّيلَةِ مع الشَّكِّ، ثم تَيَقَّنَ، فعليه إعادَةُ ما صَلَّى مع الشَّكِّ؛ لأنَّه صَلَّى بطهارةٍ لم يَكُنْ له أن يُصَلِّيَ بها، فهو كما لو صَلَّى يَعْتَقِدُ أنَّه مُحْدِثٌ، ثم ذَكَر أنَّه مُتَطَهِّرٌ، فإنَّ وُضُوءَه صَحِيحٌ، ويَلْزَمُه إعادَةُ الصلاةِ.
وهذا التَّفرِيعُ على الرِّوايةِ الأُولَى.
ومتى شَكَّ الماسِحُ في الحَدَثِ، بَنَى على الأحْوَطِ عندَه؛ لأنَّ الأصْلَ غَسْلُ الرِّجْلِ.
فصل: فإن لَبِث وأحْدَثَ، وصَلَّى الظُّهْرَ، ثم شَكَّ هل مَسَحَ قبلَ الظُّهْرِ أو بعدَها، وقُلْنا: ابتِداءُ المُدَّةِ مِن حينِ المَسْحِ.
بَنى الأمْرَ في المَسْحِ على أنَّه قبلَ الظُّهْرِ، وفي الصلاةِ على أنَّه مَسَحَ بعدَها؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ الصلاةِ في ذِمَّتِه، ووُجُوبُ غَسْلِ الرِّجْلِ، فرَدَدْنا كلَّ واحِدٍ منهما إلى أصْلِه.
واللهُ أعلمُ.
120 -
مسألة: (وإن أحْدَثَ، ثم سافَرَ قبلَ المَسْحِ، أتَمَّ مَسْحَ مُسافِرٍ)
لا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في ذلك، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَمْسَحُ
الحديث: 120 - الجزء: 1 - الصفحة: 404
وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إلا عَلَى مَا يَسْتُرُ محَلَّ الْفَرْضِ،
الْمُسافِرُ ثَلاثَةَ أيَّامِ وَلَيَالِيَهُنَّ».
وهذا حال ابْتِداء المَسْحِ كان مُسافِرًا.
121 -
مسألة؛ قال: (ولا يَجُوزُ المَسْحُ إلَّا على ما يَسْتُرُ مَحَلَّ الفَرْضِ، ويَثْبُتُ بنَفْسِه)
متى كان الخُفُّ ساتِرًا لمَحَلِّ الفَرْضِ، لا يُرَى منه الكَعْبان، لكَوْنِه ضَيِّقًا أو مَشْدُودًا، جاز المَسْحُ عليه.
فأمّا المَقْطُوعُ مِن دونِ الكَعْبَين، فلا يَجُوزُ المَسْحُ عليه، وهذا قولُ الشافعيِّ وأبي ثَوْرٍ، وهو الصَّحِيحُ عن مالكٍ.
وحُكيَ عن الأوْزاعِيِّ ومالكٍ، جَوازُ المَسْحِ عليه؛ لأنَّه خُفٌّ يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيه، أشْبَهَ السّاتِرَ.
ولَنا، أنَّه لا يَسْتُرُ مَحَلَّ الفَرْض، أشْبَهَ اللّالكةَ 696 والنَّعْلَين، ولأنَّ حُكْمَ ما ظَهَر الغَسْلُ، وحُكْمَ ما اسْتَتَرَ المَسْحُ، ولا سَبِيلَ إلى الجَمْع مِن غيرِ
الحديث: 121 - الجزء: 1 - الصفحة: 405
ويثبتُ بِنَفْسِهِ،
ضَرُورَةٍ، فغلَب الغَسْلُ، كما لو ظَهَرَتْ إحْدَى الرِّجْلَين، ولو كان للخُفِّ قَدَمٌ، وله شَرَجٌ (1) إذا شَدَّه يَسْتُرُ مَحَل الفَرضِ، جاز المَسْحُ عليه.
وقال أبو الحسنِ الآمِدِي: لا يَجُوزُ المَسْحُ عليه كاللَّفائِفِ.
ولَنا، أنَّه خُفٌّ ساتِرٌ يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيه، أشْبَهَ غيرَ ذي الشَّرَجِ.
فصل: فإن كان الخُفُّ مُحَرمًا، [كالغَصْبِ والحَريرِ] (2)، لم يَجُزِ المَسْحُ عليه في الصَّحِيحِ مِن المذهبِ؛ لأنَّ المَسْحَ رُخْصَةٌ، فلا تُسْتَباحُ بالمَعْصِيَة، كما لا يَسْتَبِيحُ المُسافِرُ الرُّخَصَ بسَفَرِ المَعْصِيَة.
فصل: ويَجُوزُ المَسْحُ على كلِّ خُفٍّ ساتِر لمَحَلِّ الفَرضِ، سَواءٌ كان مِن جُلُودٍ، أو لُبُودٍ، وما أشْبَهَهما (3) فإن كان خَشَبًا أو حَدِيدًا وما أشْبَهَهُما، جازَ المَسْحُ عليها.
وهذا قولُ أبي الخَطّابِ.
قال القاضي: وهو قِياسُ المذهبِ؛ لأنه خُف يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيه، ساتِر لمَحَلِّ الفَرض، أشْبَهَ الجُلُودَ.
وقال بَعْضُ أصحابِنا: لا يَجُوزُ المَسْحُ عليها؛ لأنَّ الرُّخصَةَ وَرَدَتْ في الخِفافِ المُتَعارَفَةِ للحاجَةِ، ولا تَدْعُو الحاجَة إلى المَسْحِ على هذه في الغالِبِ.
122 -
مسألة؛ قال: (ويَثْبُتُ بنَفْسِه)
فإن كان لا يَثْبُتُ بنَفْسِه، بحيث يَسْقُطُ مِن القَدَمِ إذا مَشَى فيه، لم يَجُزِ المَسْحُ عليه؛ لأنَّ الذي697698699
الحديث: 122 - الجزء: 1 - الصفحة: 406
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَدْعُو الحاجَةُ إلى لُبْسِه، هو الذي يُمكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيه.
فأمّا ما يَسْقُطُ إذا مَشَى فيه، فلا يَشُقُّ نَزْعُه، ولا يَحْتاجُ إلى المَسْحِ عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 407
فَإِنْ كَانَ فِيهِ خَرْقٌ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ،
123 - مسألة: (فإن كان فيه خَرْقٌ يَبْدُو منه بعضُ القَدَمِ،
الحديث: 123 - الجزء: 1 - الصفحة: 409
أوْ كَانَ وَاسِعًا يُرَى مِنْهُ الْكَعْبُ، أو الْجَوْرَبُ خَفِيفًا يَصِفُ الْقَدَمَ، أوْ يَسْقُطُ مِنْهُ إذَا مَشَى، أوْ شَدَّ لَفَائفَ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيهِ.
أو كان واسِعًا يُرَى منه الكَعْبُ، أو الجَوْرَبُ خَفِيفًا يَصِفُ القَدَمَ، أو يَسْقُطُ منه [إذا مَشَى] 700 أوْ شَدَّ لَفائِفَ، لم يَجُزِ المَسْحُ عليه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إنَّما يَجُوزُ المَسْحُ على الخُفِّ ونَحْوه، إذا كان ساتِرًا لمَحَلِّ الفرْضِ، لِما ذَكَرْنا.
فإن كان فيه خَرْقٌ يَبْدُو منه بَعْضُ القَدَمِ، أو كان واسِعًا يُرَى منه الكَعْبُ، لم يَجُزِ المَسْحُ، سَواءٌ كان الخَرقُ كَبِيرًا أو صَغِيرًا، مِن مَوْضِع الخَرْزِ أوْ مِن غيرِه.
فأمَّا إن كان الشَّقُّ يَنْضَمُّ، فلا يَبْدُو منه القَدَمُ،
الجزء: 1 - الصفحة: 410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يَمْنَعْ جَوازَ المسْحِ.
نَصَّ عليه.
وهو مذهبُ مَعْمَرٍ 701، وأحَدُ قَوْلَيِ الشافعيِّ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: يَجُوزُ المَسْحُ على كلِّ خُفٍّ.
وقال الأوْزاعِيُّ: يَمْسَحُ على الخُفِّ المَخرُوقِ، وعلى ما ظَهَر مِن رِجْلِه.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان أقَلَّ مِن ثلاثِ أصابعَ، جاز المَسحُ عليه، وإلَّا لم يَجُزْ.
وقال مالكٌ: إن كَثُرَ وتَفاحَشَ، لم يَجُزْ، وإلَّا جازَ.
وتَعَلَّقُوا بعُمُومِ الحديثِ، وبأنَّه خُفٌّ يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيه، أشْبَهَ الصَّحِيحَ.
ولأنَّ الغالِبَ علي خِفافِ العَرَبِ، كَوْنُها مُخَرَّقَة، وقد أمَرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بلُبْسِها مِن غيرِ تَفصِيلٍ، فيَنْصَرِفُ إلى الخِفافِ المَلْبُوسَةِ عندَهُم غالِبًا.
ولَنا، أنَّه غيرُ ساتِر للقَدَمِ، فلم يَجُزِ المَسْحُ عليه، كما لو كَثُرَ وتَفاحَشَ.
ولأنَّ حُكمَ ما ظَهَر الغَسْلُ، وحُكمَ ما اسْتَتَرَ المسْحُ، فإذا اجْتَمَعا، غَلَب الغَسْلُ، كما لو ظَهَرَتْ إحْدَى الرِّجْلَين.
الجزء: 1 - الصفحة: 411
وَإنْ لَبِسَ خُفًّا فَلَمْ يُحْدِثْ حَتَّى لَبِسَ عَلَيهِ آخَرَ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيهِ.
فصل: وكذلك إن كان الجَوْرَبُ خَفِيفًا، يَصِفُ القَدَمَ، لم يَجُزِ المَسْحُ عليه؛ لأنَّه غيرُ ساتِرٍ لمَحَلِّ الفَرْضِ، أشْبَهَ النَّعْلَ.
وكذلك إن كان يَسْقط مِن القَدَمِ، ولا يَثْبُتُ فيه؛ لِما ذَكَرْنا.
ولا يَجُوزُ المَسْحُ على اللَّفائِفِ والخِرَقِ.
نَصَّ عليه أحمدٌ؛ لأنَّها لا تَثْبُتُ بنَفْسِها، إنَّما تَثْبُتُ بشَدِّها، ولا نَعْلَم في هذا خِلافًا.
124 -
مسألة: (وإن لَبِس خُفًّا، فلم يُحْدِثْ حتى لَبِس عليه آخَرَ، جاز المَسْحُ عليه)
يَعْنِي على الفَوْقانِي، سَواء كان التَّحْتانِيُّ صَحِيحًا أو مُخرَّقًا.
وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
ومَنَع منه مالك والشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيهِما؛ لأَن الحاجَةَ لا تَدْعُو إلى لُبْسِه في
الحديث: 124 - الجزء: 1 - الصفحة: 412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الغالِبِ، فلم تَتَعَلَّقْ به رُخْصَةٌ عامَّةٌ كالجَبِيرَةَ.
ولَنا، أنَّه خُفٌّ ساتِرٌ يَثْبُتُ بنَفْسِه، أشْبَهَ المُنْفَرِدَ.
وقولُه: الحاجَةُ لا تَدْعُو إليه.
مَمْنُوعٌ، فإنَّ البِلادَ البارِدَةَ لا يَكْفِي فيها خُف واحِدٌ غالِبًا، ولو سَلَّمْنا ذلك، لكنَّ الحاجَةَ مُعْتَبَرَة بدَلِيلِها، وهو الإِقْدامُ على اللُّبْسِ، لا بنَفْسِها، فهو كالخُفِّ الواحِدِ.
إذا ثَبَت ذلك، فمتى نَزَع الفَوْقانِيَّ قبلَ مَسْحِه، لم يُؤثِّرْ فيه.
وإن نَزَعَه بعدَ مَسْحِه، بَطَلَتِ الطهارةُ، ووَجَبَ نَزْعُ الخُفَّين وغَسْلُ الرِّجْلَين، لزَوالِ مَحَلِّ المَسْحِ.
ونَزْعُ أحَدِ الخُفَّين، كنَزْعِهما؛ لأنَّ الرُّخْصَةَ تَعَلَّقَتْ بهما، فصارَ كانْكِشافِ القَدَمِ.
ولو أدْخَلَ يَدَه مِن تحتِ الفَوْقانِيِّ، ومَسَح الذي تحتَه، جاز؛ لأن كل واحِدٍ منهما مَحَلٌّ للمَسْحِ، فجازَ المَسْحُ عليه، كما يَجُوزُ غَسْل قَدَمَيه في الخُف، مع جَوازِ المَسْحِ عليه.
ولو لَبِس أحَدَ الجُرْمُوقَين في إحْدَى الرِّجْلَين دونَ الأُخْرَى، جاز المَسْحُ عليه وعلى الخُفِّ الذي في الرِّجْلِ الأُخْرَى؛ [لأنَّ الحُكْمَ تَعَلَّقَ به وبالخُفِّ في الرِّجْلِ الأخْرَى] 702، فهو كما لو لم يَكُنْ تحتَه شيءٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 413
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن لَبِس مُخَرَّقًا فوقَ صَحِيحٍ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ، جَوازُ المَسْحِ عليه.
رَواها عنه حَرْبٌ؛ لأنَّ القَدَمَ مَسْتُورٌ بخُفٍّ صَحِيحٍ، فجازَ المَسْحُ عليه، كما لو كان مَكْشُوفًا.
وقال القاضي وأصحابُه: لا يَجُوزُ المَسْحُ إلَّا على التَّحْتانِيِّ؛ لأنَّ الفَوْقانِيَّ لا يجوزُ المَسْحُ عليه مُنْفَرِدًا، أشْبَهَ ما لو كان تحتَه لِفافَةٌ.
فأمّا إن لَبِسَ مُخَرَّقًا فوقَ لِفافَةٍ، لم يَجُزِ المَسْحُ عليه؛ لأنَّ القَدَمَ غيرُ مَسْتُورٍ بخُفٍّ صَحِيحٍ.
وإن لَبِسَ مُخَرَّقًا فوقَ مُخَرَّقٍ، فاسْتَتَرَ القَدَمُ بهما، احْتَمَلَ أن لا يَجُوزَ المَسْحُ لذلك، واحْتَمَل جَوازَ المَسْحِ؛ لأنَّ القَدَمَ اسْتَتَرَ بهما، أشْبَهَ ما لو كان أحَدُهُما مُخَرَّقًا، والآخَرُ صَحِيحًا.
فصل: فأمّا إن لَبِس الفَوْقانِيَّ بعدَ أن أحْدَثَ، لم يَجُزِ المَسْحُ؛ لأنَّه لَبِسه على غيرِ طهارةٍ، وكذلك إن مَسَح على الأوَّلِ، ثم لَبِس الثّانيَ.
وقال بَعْضُ أصحابِ الشافعيِّ: يَجُوزُ؛ لأنَّ المَسْحَ قام مَقامَ الغَسْلِ.
ولَنا، أنَّ المَسْحَ على الخُفِّ، لم يُزِلِ الحَدَثَ عن الرِّجْلِ، فلم تَكْمُلِ الطهارةُ، أشْبَهَ التَّيَمُّمَ.
ولأنَّ الخُفَّ المَمْسُوحَ عليه بَدَلٌ، والبَدَلُ لا يَكُونُ له بَدَلٌ آخَرُ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 414
وَيَمْسَحُ أَعْلَى الْخُفِّ دُونَ أَسْفَلِهِ وَعَقِبِهِ، فَيَضَعُ يَدَيهِ عَلَى الْأَصَابعِ، ثُمَّ يَمْسَحُ إِلَى سَاقِهِ.
125 - مسألة: (ويَمْسَحُ أعْلَى الخُفِّ دونَ أسْفَلِه وعَقِبِه، فيَضَعُ يَدَه على الأصابعِ، ثم يَمْسَحُ إلى ساقِه)
هذه السُّنَّةُ في مَسْحِ الخُفِّ.
فإن عَكَس فمَسَحَ مِن ساقِه إلى أسْفَلَ، جاز، والمَسْنُونُ الأوَّلُ؛ لِما روَى الخَلّالُ بإسنادِهِ عن المُغِيرَةِ، فذَكَرَ وُضُوءَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: ثم تَوَضَّأ ومَسَحَ على الخُفَّين، فوَضَعَ يَدَه اليُمْنَى على خُفِّه الأيمَنِ، ووَضَع يَدَه اليُسْرَى على خُفِّه الأيسَرِ، ثم مَسَح أعْلاهُما مَسْحَةً واحِدَةً، حتى كأنِّي أنْظُرُ إلى أثَرِ أصابِعِه على الخُفَّين.
قال ابنُ عَقِيلٍ: سُنَّةُ المَسْحِ هكذا؛ أن يَمْسَحَ خُفَّيه بيَدَيه؛ باليُمْنَى اليُمْنَى، وباليُسْرَى اليُسْرَى.
وقال أحمدُ: كَيفَما فَعَلْتَ فهو جائِزٌ؛ باليَدِ الواحِدَةِ، أو باليَدَين.
وإن مَسَح بأُصْبُعٍ أو أُصْبُعَين، أجْزأه إذا كَرَّرَ المَسْحَ بها حتى يَصِيرَ مِثْلَ المَسْحِ بأصابِعِه.
ولا يُسَنُّ مَسْحُ أسْفَلِه، ولا عَقِبِه.
وهذا قولُ عُرْوَةَ، وعَطاءٍ، والحسنِ، والثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ.
ورُوِيَ مَسْحُ.
الحديث: 125 - الجزء: 1 - الصفحة: 415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ظاهِرِ الخُفَّين وباطِنِهما عن سعدِ بنِ أبي وَقّاصٍ، وابنِ عُمَرَ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وابنِ المُبارَكِ، ومالكٍ، والشافعيِّ؛ لِما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: وَضَّأْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فمَسَحَ أعْلَى الخُفِّ وأسْفَلَه.
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 703. ولأنَّه يُحاذِي مَحَلَّ الفَرْضِ، أشْبَهَ ظاهِرَه.
ولَنا، قولُ عليٍّ، رَضِي اللهُ عنه: لو كان الدِّينُ بالرَّأْي، لكان أسْفَلُ الخُفِّ أوْلَى بالمَسْحِ مِن ظاهِرِه، وقد رَأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَمْسَحُ ظاهِرَ خُفَّيه.
رواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 704. وعن عُمَرَ قال: رَأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُ بالمَسْحِ على ظاهِرِ الخُفَّين، إذا لَبِسَهُما وهما طاهِرَتان.
رَواه الخَلّالُ 705. ولأنَّ مَسْحَه غيرُ واجِبٍ، ولا يَكادُ يَسْلَمُ مِن مُباشَرَةِ أذًى فيه، تَتَنَجَّسُ به يَدُه، فكان تَرْكُه أوْلَى.
الجزء: 1 - الصفحة: 416
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحَدِيثُهم مَعْلُولٌ.
قاله التِّرمِذِيُّ.
وقال: وسَألْتُ أبا زُرْعَةَ 706 ومحمدًا 707 عنه، فقال: ليس بصحيحٍ 708. وقال أحمدُ: هذا مِن وَجْهٍ ضَعِيفٍ.
وأسْفَلُ الخُفِّ ليس بمَحَلٍّ لفَرْضِ المَسْحِ، بخِلافِ أعْلاه.
فصل: فإن مَسَح أسْفَلَه أو عَقِبَه دُونَ أعْلاه، لم يُجْزِه، في قولِ أكثرِ العُلَماءِ.
قال شيخُنا: لا نَعْلَمُ أحَدًا قال: يُجْزِئُه مَسْحُ أسْفَلِ الخُفِّ.
إلَّا أشْهَبَ 709 مِن أصحابِ مالكٍ، وبَعْضَ الشّافِعِيَّةِ؛ لأنَّه مَسَحَ بَعْضَ ما يُحاذِي مَحَلَّ الفَرْضِ، فأجْزأه، كما لو مَسَحَ ظاهِرَه 710. ومَنْصُوصُ الشافعيِّ، كمذهبِ الجُمْهُورِ؛ لِما ذَكَرْنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما مَسَح ظاهِرَ الخُفِّ، ولا خِلافَ في أنَّه يُجْزِئُ الاقْتِصارُ على مَسْحِ ظاهِرِ الخُفِّ.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 417
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والقَدْرُ المُجْزِئُ في المَسْحِ، أن يَمْسَحَ أكْثَرَ مُقَدَّمِ ظاهِرِه خِطَطًا 711 بالأصابِعِ.
قاله القاضي؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ المُغِيرَةِ.
وقال الشافعيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو ثَوْرٍ: يُجْزِئُ القَلِيلُ منه؛ لأنَّه أطْلَقَ لَفْظَ المَسْحِ، ولم يُنْقَلْ فيه تَقْدِيرٌ، فرَجَعَ إلى ما تَناوَلَه الاسمُ.
وقال أبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: يُجْزِئُه قَدْرُ ثلاثِ أصابِعَ.
وهو قولُ الأوْزاعِيِّ.
وقال إسحاقُ: لا يُجْزِئُ حتى يَمْسَحَ بكَفَّيه.
ولَنا، أنَّ لَفْظَ المَسْحِ وَرَد مُطْلَقًا، وفَسَّرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بفِعْلِه، كما ذَكَرْنا في حديثِ المُغِيرَةِ، ولا يُسْتَحَبُّ تَكْرارُ مَسْحِه؛ لأنَّ في حديثِ المُغِيرَةِ: «مَسْحَةً وَاحِدَةً».
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ.
وقال عطاءٌ: يَمْسَحُ ثلاثًا.
فصل: فإن مَسَح بخِرْقَةٍ أو خَشَبَةٍ، احْتَمَلَ الإِجْزاءَ؛ لحُصُولِ المَسْحِ، واحْتَمَل المَنْعَ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح بيَدِه.
فإن غَسَل الخُفَّ لم يُجْزِه.
وهذا قولُ مالكٍ، واختيارُ القاضي.
قال ابنُ المُنْذِرِ: وهو
الجزء: 1 - الصفحة: 418
وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ الْمُحَنَّكَةِ إِذَا كَانَتْ سَاتِرَةً لِجَمِيعِ الرَّأَسِ، إلا مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ،
أقْيَسُ.
لأنَّه أُمِرَ بالمَسْحِ، فلم يَفْعَلْه، فلم يُجْزِه، كما لو طَرَح التُّرابَ على وَجْهِه ويَدَيه في التَّيَمُّمِ، لكن إن أمَرَّ يَدَيه على الخُفَّين في حالِ الغَسْلِ أو بعدَه، أجْزأه؛ لوُجُودِ المَسْحِ.
وقال ابنُ حامِدٍ: يُجْزِئُه.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّه أبْلَغُ مِن المَسْحِ، والاقْتِداءُ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أوْلَى.
والمُسْتَحَبُّ أن يَفْرِجَ أصابِعَه إذا مَسَح.
قال الحسنُ: خُطوطًا بالأصابعِ.
ووَضَع الثَّوْرِيُّ أصابِعَه على مُقَدَّم خُفَّيه، وفَرَج بينَهما، ثم مَسَح على أصْلِ السّاقِ.
ورُويَ عن عُمَرَ، أنَّه مَسَح حتى رُئِىَ آثارُ أصابِعِه على خُفَّيه خُطُوطًا.
126 -
مسألة: (ويَجُوزُ المَسْحُ على العِمامَةِ المُحَنَّكَةِ إذا كانت ساتِرَةً لجَمِيعِ الرَّأْسِ، إلَّا ما جَرَتِ العادَةُ بِكَشْفِه)
قد ذَكَرْنا دليلَ جَوازِ المَسْحِ على العِمامَةِ، ومِن شُرُوطِ جَوازِ المَسْحِ عليها، أن تَكُون ساتِرَةً لجَمِيعِ الرَّأْسِ، إلَّا ما جَرَتِ العادَةُ بكَشْفِه، كمُقَدَّمِ الرَّأْسِ والأُذُنَينِ، وجَوانِبِ الرَّأْسِ، فإنَّه يُعْفَى عنه، بخِلافِ خَرْقِ الخُفِّ، فإنَّه لا 712
الحديث: 126 - الجزء: 1 - الصفحة: 419
وَلَا يَجُوزُ عَلَى غَيرِ الْمُحَنَّكَةِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ ذُؤَابَةٍ، فَيَجُوزُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
يُعْفَى عنه؛ لأنَّ هذا جَرَتِ العادَةُ به، ويَشُقُّ التَّحَرُّزُ عنه، وإن ظَهَر بَعْضُ القَلَنْسُوَةِ مِن تحتِ العِمامَةِ، فالظّاهِرُ جَوازُ المَسْحِ عليهما؛ لأنَّهُما صارا كالعِمامَةِ الواحِدَةِ.
ومتى كانت مُحَنَّكَةً جاز المَسْحُ عليها، رِوايَةً واحِدَةً، سَواءٌ كان لها ذُؤابَةٌ أو لم يَكُنْ؛ لأنَّ هذه عَمائِمُ العَرَبِ، وهي أكثرُ سَتْرًا، ويَشُقُّ نَزْعُها.
قاله القاضي.
وسَواءٌ كانت صَغِيرَةً أو كَبِيرَةً.
ولأنَّها مَأْمُورٌ بها، وتُفارِقُ عَمائِمَ أهلِ الكِتابِ.
127 -
مسألة؛ قال: (ولا يَجُوزُ على غيرِ المُحَنَّكَةِ، إلَّا أن تَكونَ ذاتَ ذُؤابَةٍ، فيَجُوزُ في أحَدِ الوَجْهَين)
أمّا إذا لم يَكُنْ لها حَنَكٌ ولا ذُؤابَةٌ، فلا يَجُوزُ المَسْحُ عليها؛ لأنَّها على صِفَةِ عَمائِمِ أهلِ الذِّمَّةِ، وقد نُهِيَ عن التَّشَبُّهِ بهم، ولأنَّها لا يَشُقُّ نَزْعُها.
وإن كان لها ذُؤابَةٌ ولا حَنَكَ لها، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، جَوازُه؛ لأنَّها لا تُشْبِهُ عَمائِمَ أهلِ الذِّمَّةِ، إذ ليس مِن عادَتِهِم الذُّؤابَةُ.
والثّاني، لا يَجُوزُ، وهو الأظْهَرُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر
الحديث: 127 - الجزء: 1 - الصفحة: 420
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالتَّلَحِّي، ونَهَى عن الاقْتِعاطِ.
رَواه أبو عُبَيدٍ 713. قال: والاقْتِعاطُ أن لا يَكُونَ تحتَ الحَنَكِ منها شيءٌ.
ورُوي أنَّ عُمَرَ، رَضِي اللهُ عنه، رَأى رجلًا ليس بمُحَنَّكٍ بعِمامَتِه، فحَنَّكَه بكَوْرٍ 714 منها، وقال: ما هذه الفاسِقِيَّةُ؟ ولأنَّها لا يَشُقُّ نَزْعُها، فلم يَجُزِ المَسْحُ عليها 715، كالتي لا ذُؤابَةَ لها ولا حَنَكَ.
فصل: وما جَرَتِ العادَةُ بكَشْفِه مِن الرَّأْسِ، اسْتُحِبَّ أن يَمْسَحَ عليه مع العِمامَةِ.
نَصَّ عليه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح بناصِيَتِه، وعِمامَتِه، في حديثِ المُغِيرَةِ، وهو صحيحٌ.
وهل يَجِبُ الجَمْعُ بينَهما، إذا قُلْنا بُوجُوبِ اسْتِيعابِ مَسْحِ الرَّأْسِ؛ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَجِبُ؛ للخَبَرِ، ولأنَّ العِمامَةَ نابَتْ عَمّا اسْتَتَرَ، فوَجَبَ مَسْحُ الباقِي، كما لو ظَهَر سائِرُ رَأْسِه.
والثّاني، لا يجِبُ؛ لأنَّ العِمامَةَ نابَتْ عن الرَّأْسِ، فانْتَقَلَ الفَرْضُ إليها، وتَعَلَّقَ الحُكْمُ بها، فلم يَبْقَ لِما ظَهَر حُكْمٌ, ولأنَّ الجَمْعَ بينَهما يُفْضِي إلى الجَمْعِ بينَ البَدَلِ والمُبْدَلِ في عُضْوٍ واحدٍ، فلم يَجُزْ مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، كالخُفِّ.
ولا يَجِبُ مَسْحُ الأُذُنَين مع العِمامَةِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ، ولَيسَتا مِن الرَّأْسِ، إلَّا على وَجْهِ التَّبَعِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 421
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وحُكْمُها في التَّوْقِيتِ واشْتِراطِ تَقَدُّمِ الطهارةِ لها، حُكْمُ الخُفِّ؛ قِياسًا عليه.
فإن كانتِ العِمامَةُ مُحَرَّمَةَ اللُّبْسِ، كالحَرِيرِ والمَغْصُوبَةِ، لم يَجُزِ المَسْحُ عليها في الصَّحِيحِ؛ لِما ذَكَرْنا في الخُفِّ.
فإن لَبِسَتِ المرأةُ عِمامَةً، لم يَجُزِ المَسْحُ عليها؛ لأنَّها مَنْهِيَّةٌ عن التَّشَبُّهِ بالرِّجالِ، فكانت مُحَرَّمَةً في حَقِّها، وإن كان لها عُذْرٌ، فهذا نادِرٌ.
فلا يُفْرَدُ بحُكْمٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 422
ويُجْزِئُهُ مَسْحُ أَكْثَرِهَا، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُهُ إلا مَسْحُ جَمِيعِهَا.
128 - مسألة: (ويُجْزِئُ مَسْحُ أكْثَرِها، وقِيل: لا يُجْزِئُ إلَّا مَسْحُ جَمِيعِها)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في وُجُوبِ اسْتِيعابِ العِمامَةِ بالمَسْحِ، فرُوِيَ ما يَدُلُّ على أنَّه يُجْزِئُ مَسْحُ أكْثَرِها؛ لأنَّها أحَدُ المَمْسُوحِينَ على وَجْهِ البَدَلِ، فأجْزأ مَسْحُ بَعْضِه، كالخُفِّ.
ورُوي عنه، أنَّه يَلْزَمُ اسْتِيعابُها، قِياسًا على مَسْحِ الرَّأسِ.
والفَرْقُ بينَهما أنَّ البَدَلَ ههُنا مِن جِنْسِ المُبْدَلِ، فيُقَدَّرُ بقَدْرِه، كمَن عَجَز عن قِراءَةِ الفاتِحَةِ، وقَدَر على قِراءَةِ غيرِها مِن القُرْآنِ، يَجِبُ أن يَكُونَ بقَدْرِها، ولو كان البَدَلُ تَسْبِيحًا، لم يَتَقَدَّرْ بقَدْرِها؛ لكَوْنِه ليس مِن جِنْسِها.
والخُفُّ بَدَلٌ مِن غيرِ الجِنْسِ؛ لكَوْنِه بَدَلًا عن الغَسْلِ، فلم يَتَقَدَّرْ بقَدْرِه، كالتَّسْبِيحِ بَدَلًا عن القُرْآنِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ قِياسًا على الخُفِّ، وما ذُكِر للرِّوايَةِ الثانيةِ يَنْتَقِضُ بمَسْحِ الجَبِيرَةِ، فإنَّه بَدَلٌ عن الغَسْلِ، وهو مِن غيرِ جِنْسِ المُبْدَلِ، ويجِبُ فيه
الحديث: 128 - الجزء: 1 - الصفحة: 423
وَيَمْسَحُ عَلَى جَمِيعِ الْجَبِيرَةِ إِذَا لَمْ تَتَجَاوَزْ قَدْرَ الْحَاجَةِ.
الاسْتِيعابُ.
وقال القاضي: يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِها، كالخُفِّ، ويَخْتَصُّ ذلك بأكْوارِها دُونَ وَسَطِها، فإن مَسَح وَسَطَها وَحْدَه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُجْزِئُه، كما يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِ دَوائِرِها.
والثّاني، لا يُجْزِئُه، كما لو مَسَح أسْفَلَ الخُفِّ وَحْدَه (1).
129 -
مسألة: (ويَمْسَحُ على جَمِيعِ الجَبِيرَةِ، إذا لم تَتَجاوَزْ قَدْرَ الحاجَةِ)
لأنَّه لا يَشُقُّ المَسْحُ عليها كلِّها، بخِلافِ الخُفِّ، فإنَّه يشُقُّ تَعْمِيمُ جَمِيعِه، ويُتْلِفُه المَسْحُ، ولأنَّه مَسْحٌ للضَّرُورَةِ، أشْبَهَ التَّيَمُّمَ.
وإن كان بَعْضُها في مَحَلِّ الفَرْضِ وبَعْضُها في غيرِه، مَسَح ما حاذَى مَحَلَّ الفَرْضِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وإنَّما يَجُوزُ المَسْحُ عليها، إذا لم يَتَعَدَّ بها مَوْضِعَ الكَسْرِ، إلَّا بما لا بُدَّ مِن وَضْعِ الجَبِيرَةِ عليه؛ فإنَّها لا بُدَّ أن تُوضَعَ على طَرَفَيِ الصَّحِيحِ، ليَرْجِعَ الكَسْرُ.
فإن شَدَّها على مَكانٍ يَسْتَغْنِى عن شَدِّها عليه،716
الحديث: 129 - الجزء: 1 - الصفحة: 424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كان تارِكًا لغَسْلِ ما يُمْكِنُه غَسْلُه، مِن غيرِ ضَرَرٍ، فلم يَجُزْ، كما لو شَدَّها على ما لا كَسْرَ فيه.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه سَهَّلَ في ذلك في مَسْألَةِ المَيمُونِيِّ، والمَرُّوذِيِّ 717؛ لأنَّ هذا مِمّا لا يَنْضَبِطُ، وهو شَدِيدٌ جِدًّا.
فعلى هذا، لا بَأْسَ بالمَسْحِ على العَصائِبِ كيفَ شَدَّها.
والأوَّلُ أوْلَىَ؛ لِما ذَكَرْنا.
فعلى هذا، إذا تَجاوَزَ بها مَوْضِعَ الحاجَةِ، لَزِمَه نَزْعُها، إن لم يَخَفِ الضَّرَرَ، وإن خافَ مِن نَزْعِها، تَيَمَّمَ لها؛ لأنَّه مَوْضِعٌ يَخافُ الضَّرَرَ باسْتِعْمالِ الماءِ فيه، فجازَ التَّيَمُّمُ له 718، كالجُرْحِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 425
وَمَتَى ظَهَرَ قَدَمُ الْمَاسِحِ أَوْ رَأْسُهُ أَو انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ، اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ مَسْحُ رَأْسِهِ وَغَسْلُ قَدَمَيهِ.
130 - مسألة؛ قال: (ومتى ظَهَر قَدَمُ الماسِحِ أو رَأْسُه، أو انْقَضَتْ مُدَّةُ المَسْحِ، اسْتَأْنَفَ الطهارةَ)
لأنَّ المَسْحَ بَدَلٌ عن الغَسْلِ، فمتى ظَهَر القَدَمُ وَجَب غَسْلُه؛ لزَوالِ حُكْمِ البَدَلِ، كالمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الماءَ (وعنه: يُجْزِئُه مَسْحُ رَأْسِه، وغَسْلُ قَدَمَيه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه متى ظَهَر قَدَمُ الماسِحِ بعدَ الحَدَثِ والمَسْحِ، وقبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، فقد اخْتَلَفَ العلماءُ فيه؛ فالمَشْهُورُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّه يُعِيدُ الوُضوءَ.
وبه قال النَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، ومَكْحُولٌ 719، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ.
وهو أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخرَى، أنَّه يُجْزِئُه غَسْل قَدَمَيه.
وهو قولُ
الحديث: 130 - الجزء: 1 - الصفحة: 428
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّوْرِيِّ، وأبي ثَوْرٍ، والمُزَنِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي، والقولُ الثّاني للشافعيِّ؛ لأنَّ مَسْحَ الخُفَّين نابَ عن غَسْلِ 720 الرِّجْلَين خاصَّةً، فظُهُورُهما يُبْطِلُ ما نابَ عنه، كالتَّيَمُّمِ إذا بَطَل برُؤْيَةِ الماءِ، بَطَل ما نابَ عنه.
وهذا الاخْتِلافُ مَبْنِيٌّ على وُجُوبِ المُوالاةِ، فمَن لم يُوجِبْها في الوُضُوءِ جَوَّز غَسْلَ القَدَمَينِ؛ لأنَّ سائِرَ أعْضائِه سِواهُما مَغْسُولَةٌ، ومَن أوْجَبَ المُوالاةَ أبْطَلَ الوُضوءَ؛ لفَواتِ المُوالاةِ.
فعلى هذا، لو خَلَع الخُفَّين قبلَ جَفافِ الماءِ عن بَدَنِه 721، أجْزأه غَسْلُ قَدَمَيه، وصار كأنَّه خَلَعَهُما قبلَ مَسْحِه عليهما.
وقال الحسنُ، وقَتادَةُ: لا يَتَوَضَّأُ، ولا يَغْسِلُ
الجزء: 1 - الصفحة: 429
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَدَمَيه.
واخْتارَه ابنُ المُنْذِر؛ لأنَّه أزال المَمْسُوحَ عليه بعدَ كَمالِ الطهارَةِ، أشْبَهَ ما لو حَلَق رَأْسَه بعد مَسْحِه.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى؛ أنَّ الوُضُوءَ بَطَل في بعضِ الأعْضاءِ، فبَطَلَ في جَمِيعِها، كما لو أحْدَثَ.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بنَزْعِ أحَدِ الخُفَّين، فإنَّه يَلْزَمُه غَسْلُهما، وإنَّما ناب مَسْحُه عن إحْداهُما.
وأمّا التَّيَمُّمُ عن بعضِ الأعْضاءِ فسَيَأْتِي الكَلامُ عليه في بابِه، إن شاءَ اللهُ.
وقال مالكٌ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ: إن غَسَل رِجْلَيه مَكانَه، صَحَّتْ طهارتُه.
فإن تَطاوَلَ أعادَ الوُضُوءَ؛ لأنَّ الطهارةَ كانت صَحِيحَةً إلى حينِ نَزْعِ الخُفَّين، أو انْقِضاءِ المُدَّةِ، وإنَّما بَطَلَتْ في القَدَمَين خاصَّةً، فإذا غَسَلَهما عَقِيبَ النَّزْعِ، حَصَلَتِ المُوالاةُ، بخِلافِ ما إذا تَطاوَلَ.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ المَسْحَ بَطَل حُكْمُه، وصار الآن يُضِيفُ الغَسْلَ إلى الغَسْلِ، فلم يَبْقَ للمَسْحِ حُكْمٌ، ولأنَّ الاعْتِبارَ في المُوالاةِ، إنَّما هو بقُرْبِ الغَسْلِ مِن الغَسْلِ، لا مِن حُكْمِه، فإنَّه متى زال حُكْمُ الغَسْلِ بَطَلَتِ 722 الطهارةِ، ولم يَنْفَعْ قُرْبُ الغَسْلِ مِن الخَلْعِ شَيئًا؛ لكَوْنِ الحُكْمِ لا يَعُودُ بعدَ زَوالِه إلَّا بسَبَبٍ جَدِيدٍ.
اللهُ أعلمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وحُكْمُ خَلْعِ العِمامَةِ بعدَ المَسْحِ عليها، عندَ القائِلِين بجَوازِ المَسْحِ عليها، حُكْمُ الخُفِّ؛ لأنَّها في مَعْناه، إلَّا أنَّه ها هنا يَلْزَمُه مَسْحُ رَأْسِه وغَسْلُ قَدَمَيه، إذا قُلْنا بوُجُوبِ التَّرْتِيبِ.
وكذلك الحُكْمُ لو نَزَع الجَبِيرَةَ بعدَ المَسْحِ عليها، قِياسًا على الخُفِّ والعِمامَةِ، إلَّا أنَّه إن كان مَسَح عليها في الجَنابَةِ، لم يَحْتَجْ إلى إعادَةِ غُسْلٍ، ولا وُضُوءٍ؛ لأنَّ التَّرْتِيبَ والمُوالاةَ ساقِطانِ فيه.
فصل: وإذا انْقَضَتْ مُدَّةُ المَسْحِ، بَطَلَتْ طهارتُه أيضًا، ولَزِمَه خَلْعُ الخُفَّين والعِمامَةِ وإعادَةُ الوُضُوءِ، على الرِّوايَةِ الأُولَى.
وعلى الثّانيةِ، يُجْزِئُه مَسْحُ رَأْسِه وغَسْلُ قَدَمَيه، وقد ذَكَرْنا وَجْهَ الرِّوايَتَين.
ومتى أمْكَنَه نَزْعُ الجَبِيرَةِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، فهو كما لو انْقَضَتْ مُدَّةُ المَسْحِ، قِياسًا عليه.
وقال الحسنُ: لا يَبْطُلُ الوُضوءُ، ويُصَلِّي حتى يُحْدِثَ.
ونَحْوُه قولُ داودَ، فإنَّه قال: يَنْزِعُ خُفَّيه، ويُصَلِّي حتى يُحْدِثَ؛ لأنَّ الطهارَةَ لا تَبْطُلُ إلَّا بالحَدَثِ، والخَلْعُ ليس بحَدَثٍ.
ولَنا، أنَّ غَسْلَ الرِّجْلَين شَرْطٌ للصلاةِ، وإنَّما قامَ المَسْحُ مَقامَه في المُدَّةِ، فإذا انْقَضَتْ لم يَجُزْ أن يَقُومَ مَقامَه إلَّا بدَلِيلٍ، ولأنَّها طهارةٌ لا يَجُوزُ ابْتِداؤها، فيُمْنَعُ مِن اسْتِدامَتِها، كالتَّيَمُّمِ 723 عندَ رُؤْيَةِ الماءِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ونَزْعُ أحَدِ الخُفَّين كَنْزعِهِما، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
ويَلْزَمُه نَزْعُ الآخَرِ.
وقال الزُّهْرِيُّ، وأبو ثوْرٍ: يَغْسِلُ القَدَمَ الذي نَزَع منه الخُفَّ، ويَمْسَحُ الآخَرَ، لأنَّهما عُضْوان، فأشْبَها الرَّأْسَ والقَدَمَ.
ولَنا، أنَّهما في الحُكْمِ كعُضْوٍ واحِدٍ؛ ولهذا لا يَجِبُ تَرْتِيبُ أحَدِهِما على الآخَرِ، فيَبْطُلُ مَسْحُ أحَدِهِما بظُهُورِ الآخَرِ، كالرِّجْلِ الواحِدَةِ، وبهذَا فارَقَ الرَّأْسَ والقَدَمَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وانْكِشافُ بعضِ القَدَمِ مِن خَرقٍ كنَزْعِ الخُفِّ.
فإنِ انْكَشَطَتِ الظِّهارَة دُونَ البِطانَةِ، وكانتِ البِطانَةُ ساتِرَةً لمَحَلِّ الفَرْضِ تَثْبُتُ بنَفْسِها، جاز المَسْحُ، كما لو لم تَنْكَشِطْ.
وإن أخْرَجَ قَدَمَه إلى ساقِ الخُفِّ، فهو كخَلْعِه.
وهذا قولُ إسحاقَ وأصحابِ الرَّأْي.
وقال الشافعيُّ: لا يَتَبَيَّنُ لي أنَّ عليه الوُضُوءَ، إلَّا أن يَظْهَرَ بَعْضُها؛ لأنَّ القَدَمَ مَسْتُورٌ بالخُفِّ.
وحَكَى أبو الخَطّابِ في رُءُوسِ المسائلِ، عن أحمدَ، نَحْوَ ذلك.
ولَنا، أنَّ اسْتِقْرارَ الرِّجْلِ في الخُفِّ، شَرْطُ جَوازِ المَسْحِ؛ بدَلِيلِ ما لو أدْخَلَ رِجْلَه الخُفَّ، فأحْدَثَ قبلَ اسْتِقْرارِها فيه، لم يَكُنْ له المَسْحُ.
فإذا تَغَيَّرَ الاسْتِقْرارُ، زال شَرْطُ جَوازِ المَسْحِ فبَطَلَ، كما لو ظَهَر.
وإن كان إخْراجُ القَدَمِ إلى ما دُونَ ذلك لم يَبْطُلِ المَسْحُ؛ لأنَّها لم تَزُلْ عن مُسْتَقَرِّها.
وقال مالكٌ: إذا أخْرَجَ قَدَمَه مِن مَوْضِعِ المَسْحِ خُرُوجًا بَيِّنًا، غَسَل قَدَمَيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن نَزَع العِمامَةَ بعدَ المَسْحِ عليها، بَطَلَتِ الطهارةُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وكذلك إنِ انْكَشَفَ رَأْسُه، إلَّا أن يَكُونَ يَسِيرًا، مِثْلَ أن حَكَّ رَأْسَه، أو 724 رَفَعَها لِأجْلِ الوُضُوءِ.
قال أحمدُ: إذا زالتِ العِمامَةُ عن هامَتِه، لا بَأْسَ، ما لم يَنْقُضْها أو يَفْحُشْ ذلك؛ لأنَّ هذا مِمّا جَرَتِ العادَةُ بِه، فيَشُقُّ التَّحَرُّرُ عنه.
وإنِ انْتَقَضَتْ بعدَ مَسْحِها، فهو كنَزْعِها؛ لأنَّه في مَعْناه.
وإنِ انْتَقَضَ بَعْضُها، ففيه رِوايتان؛ إحْداهُما، لا تَبْطُلُ طهارتُه؛ لأنَّه زال بعضُ المَمْسُوحِ عليه مع بقاءِ العُضْو مَسْتُورًا، فهو ككَشْطِ الخُفِّ مع بقاءِ البِطانَةِ.
والثّانيةُ، تَبْطُلُ.
قال القاضي: لو انْتَقَضَ منها كَوْرٌ واحِدٌ بَطَلَتْ؛ لأنَّه زال المَمْسُوحُ عليه، أشْبَهَ نَزْعَ الخُفِّ.
الجزء: 1 - الصفحة: 434
وَلَا مَدْخَلَ لِحَائِلٍ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى، إلا الْجَبِيرَةَ.
131 - مسألة؛ قال: (ولا مَدْخَلَ لحائِلٍ في الطهارةِ الكُبْرَى إلَّا الجَبِيرَةَ)
لا يَجُوزُ المَسْحُ على غيرِ الجَبِيرَةِ في الطهارَةِ الكُبْرَى؛ لِما روَى صَفْوانُ بنُ عَسّالٍ، قال: أمَرَنا رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا كُنَّا مُسافِرِين أو سَفْرًا،
الحديث: 131 - الجزء: 1 - الصفحة: 435
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن لا نَنْزِعَ خِفافَنا ثلاثةَ أيّامٍ ولَيالِيَهُنَّ، إلَّا مِن جَنابَةٍ.
رَواه التِّرْمِذِيُّ 725 وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
فأمّا الجَبِيرَةُ، فيَجُوزُ المَسْحُ عليها في الطهارةِ الكُبْرَى؛ لحديثِ صاحِبِ الشَّجَّةِ، ولأنَّه مَسْحٌ أُبِيحَ للضَّرُوَةِ 726، أشْبَهَ التَّيَمُّمَ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 436
آخر الجزء الأول ويليه الجزء الثاني، وأوله: باب نواقض الوضوء والْحَمْدُ للهِ حَقَّ حمْدِهِ
الجزء: 1 - الصفحة: 463
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1414 هـ - 1993 م
المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756
المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة
الجزء: 2 - الصفحة: 2
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
الجزء: 2 - الصفحة: 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَابُ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ
وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ؛ الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَينِ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، نَادِرًا أَوْ مُعْتَادًا.
بابُ نَواقِضِ الوُضُوء
(وهي ثمانيةٌ؛ الخارِجُ مِن السَّبِيلَين، قَلِيلًا كان أَو كَثيِرًا، نادِرًا أو مُعْتادًا) وجُمْلَةُ ذَلِك، أنَّ الخارِجَ مِن السَّبِيلَين على ضَرْبَين؛ مُعْتادٍ، كالبَوْلِ، والغائِطِ، والمَذْي، والوَدْي، والرِّيحِ، فهذا يَنْقُضُ الوُضوءَ إجماعًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 5
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حكاه ابنُ المُنْذِرِ.
ودَمُ الاسْتِحاضَةِ يَنْقُضُ الطهارةَ في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا في قولِ رَبِيعَةَ.
الضَّرْبُ الثاني، نادِرٌ، كالدَّمِ، والدُّودِ، والحَصَى، والشَّعَرِ، فيَنْقُضُ الوُضُوءَ أيضًا.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقال قَتادَةُ، ومالكٌ: ليس في الدُّودِ يَخْرُجُ مِن الدُّبُرِ الوُضُوءُ.
ورُوي عن مالكٍ، أنَّه لم يُوجِبِ الوُضُوءَ مِن هذا الضَّرْبِ؛ لأنَّه نادِرٌ، أشْبَهَ الخارِجَ مِن غيرِ السَّبِيلِ.
ولَنا، أنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، أشْبَهَ المَذْيَ، ولأنَّه لا يَخْلُو مِن بِلَّةٍ تَتَعَلَّقُ به، وقد أمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المُسْتَحاضَةَ بالوُضُوءِ لكلِّ صلاةٍ، ودَمُها غيرُ مُعْتادٍ.
فصل: فإن خَرَجَتِ الرِّيحُ مِن قُبُلِ المرأةِ، وذَكَرِ الرجلِ، فقال القاضي: يَنْقُضُ الوُضُوءَ.
ونَقَل صالحٌ عن أبيه، في المرأةِ يَخْرُجُ مِن فَرْجِها الرِّيحُ: ما خَرَج مِن السَّبيلَين، ففيه الوُضوءُ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ الأَشْبَهُ بمَذْهَبِنا في الرِّيحِ الخارِجِ مِن الذَّكَرِ، أن لا يَنْقُضَ؛ لأنَّ المَثانَةَ ليس لها مَنْفَذٌ إلى الجَوْفِ،
الجزء: 2 - الصفحة: 6
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا جَعَلَها أصحابُنا جَوْفًا، ولم يُبْطِلُوا الصَّوْمَ بالحُقْنَةِ فيه.
قال شيخُنا 727: ولا نَعْلَمُ لهذا وجودًا في حَقِّ أحَدٍ.
وقد قِيلَ: إنَّه يُعْلَمُ بأن يُحِسَّ الإِنسانُ في ذَكَرِه دَبيبًا.
وهذا لا يَصِحُّ، لكَوْنِه لا يَحْصُلُ به اليَقِينُ، والطهارةُ لا تَبْطُلُ بالشَّكِّ.
فإن وُجِدَ ذلك يَقِينًا، نَقَض الطهارةَ، قِياسًا على سائِرِ الخارِجِ مِن السَّبِيلَين.
فصل: فإن قَطَّرَ في إحْلِييه دُهْنًا، ثم عادَ فخَرَجَ، نَقَض الوُضُوءَ، لأنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلَين، لا يَخْلُو مِن بِلَّةٍ نَجِسَةٍ تَصْحَبُه، فيَنْتَقِضَ بها الوُضُوءُ كما لو خَرَجَت مُنْفَرِدَةً.
وقال القاضي: لا يَنْقُضُ؛ لأَنَّه ليس بينَ الإِحْلِيلِ والمَثانَةِ مَنْفَذٌ، وإنَّما يَخْرُجُ البَوْلُ رَشْحًا، فإذا كان كذلك، لم يَصِلِ الدُّهْنُ إلى مَوْضِعٍ نَجِسِ، فإذا خَرَج فهو طاهِرٌ، فلم يَنْقُضْ،
الجزء: 2 - الصفحة: 7
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كسائِرِ الطّاهِراتِ إذا خَرَجَتْ مِن البَدَنِ.
والأوَّلُ أولَى.
وقَوْلُه: لا يَصِلُ الدُّهْنُ إلى مَوْضِعٍ نَجِسٍ.
مَمْنُوعٌ، فإنَّ باطِنَ الذَكَرِ نَجِسٌ مِن آثارِ البَوْلِ، والماءُ لا يَصِلُ إليه فيُطَهِّرُه، فيَتَنَجَّسُ به الدُّهْنُ.
ولو احْتَشَى قُطْنًا في ذَكَرِه، ثم أخْرَجَه وعليه بَلَلٌ، نَقَض الوُضُوءَ أَيضًا، كما لو خَرَج البَلَلُ مُنْفَرِدًا.
وإن خَرَج ناشِفًا، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، يَنْقُضُ، لأنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، أشْبَهَ سائِرَ الخارِجِ.
والثاني، لا يَنْقُضُ، لأنَّه ليس بينَ المَثانَةِ والجَوْفِ مَنْفَذٌ، ولم تَصْحَبْه نَجاسَةٌ، فلم يَنْقُضْ، كسائِرِ الطَّاهِراتِ.
ونَقَل القاضي في «المُجَرَّدِ» عن أحمدَ، في رِوايَةِ عبدِ اللهِ: إذا احْتَشَى القُطْنَ في ذَكَرِه وصَلَّى، ثم أخْرَجَه ووَجَد بَلَلًا، فلا بَأْسَ ما لم يَظْهَرْ.
يَعْنِي: جارِيًا.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ نَفْسَ البَلَلِ لا يَنْقُضُ.
ولو احْتَقَنَ في دُبُرِه، فرَجَعَتْ أجْزاءٌ مِن الحُقْنَةِ، فخَرَجَتْ مِن الفَرْجِ، نَقَضَتِ الوُضُوءَ.
وهكذا لو وَطِئَ امْرَأْتَه دُونَ الفَرْجِ، فدَبَّ ماؤُه فدَخَلَ الفَرْجَ
الجزء: 2 - الصفحة: 8
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم خَرَج، نَقَض الوُضُوءَ، وعليها 728 الاسْتِنْجاءُ؛ لأنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، لا يَخْلُو مِن بِلَّةٍ تَصْحَبُه مِن الفَرْجِ.
فإن لم يَعْلَمْ خُرُوجَ شيءٍ منه، احْتَمَلَ وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، النَّقْضُ فيهما؛ لأنَّ الغالِب أَنَّه لا يَنْفَكُّ عن الخُرُوجِ، فنَقَضَ كالنَّوْمِ.
والثاني، لا يَنْقُضُ، عَمَلًا بالأصْلِ.
لكنْ إن كان المُحْتَقِنُ قد أدْخَلَ رَأْسَ الزَّرَّاقَةِ ثم أخْرَجَه، نَقَض الوُضُوءَ، وكذلك إن أدْخَلَ فيه مِيلًا أو غيرَه ثم خَرَج؛ لأنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، فنَقَضَ كسائِرِ الخارِجِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 9
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: قال أبو الحارِثِ: سَألْتُ أحمدَ عن رجلٍ به عِلَّةٌ، رُبَّما ظَهَرَتْ مَقْعَدَتُه؟ قال: إن عَلِمَ أنَّه يَظْهَرُ معها نَدًى تَوَضَّأَ، وإن لم يَعْلَمْ فلا شيءَ عليه.
قال شيخُنا 729، رَحِمَه اللهُ: يحْتَمِلُ أنَّه إنَّما أرادَ نَدًى يَنْفَصِلُ عنها، فأمّا الرُّطُوبَةُ اللّازِمَةُ لها فلا تَنْقُضُ، لأنَّها لا تَنْفَكُّ عن رُطُوبَةٍ، فلو نَقَضَتْ لنَقَضَ خُرُوجُها على كلِّ حالٍ، وذلك لأنَّه شيءٌ لم ينْفَصِلْ عنها، فلم يَنْقُضْ كسائِرِ أجْزائِها، وقد قالوا في مَن أخْرَجَ لِسانَه وهو صائِمٌ، وعليه بَلَلٌ، ثم أدْخَلَه وابْتَلَعَ ذلك البَلَلَ: لم يُفْطِرْ، لأنَّه لم يَثْبُتْ له حُكْمُ الانْفِصالِ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: والمَذْيُ ما يَخْرُجُ عَقِيبَ الشَّهْوَةِ زَلِجًا مُتَسَبْسِبًا، فيَكُونُ على رَأسِ الذَّكَرِ، يَنْقُضُ الوُضُوءَ إجماعًا، وهل يَجِبُ غَسْلُ الذَّكَرِ والأُنْثَيَين منه؟ فيه رِوايتان؛ إحْداهُما، يُوجِبُ ذلك؛ لما رُوِيَ أنَّ عليًّا، رَضِي اللهُ عنه، قال: كُنتُ رجلًا مَذّاءً، فاسْتَحَيَتُ أن أسألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ لمَكانِ ابْنَتِه، فأمَرْتُ المِقْدادَ بنَ الأسْوَدِ فسألَه، فقال: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيهِ، وَيَتَوَضَّأُ».
رَواه أبو داودَ 730. وفي لفظٍ: «تَوَضَّأْ وَانْضَحْ
الجزء: 2 - الصفحة: 10
الثَّانِي، خُرُوجُ النَّجَاسَاتِ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ، فَإِنْ كَانَتْ غَائِطًا أو بَوْلًا نَقَضَ قَلِيلُهَا،
فَرْجَكَ».
رَواه مسلمٌ (1). والأمْرُ للوُجُوبِ، ولأنَّه خارِجٌ بسَبَبِ الشَّهْوَةِ، فأوْجَبَ غَسْلًا زائِدًا على مُوجَبِ البَوْلِ كالمَنِيِّ، فعلى هذا يُجْزِئُه غَسْلَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ المَأْمُورَ به غَسْلٌ مُطْلَقٌ، فيَكْفِي ما يَقَعُ عليه الاسمُ، وقد بَيَّنَه قولُه في اللَّفْظِ الآخَرِ: «وَانْضَحْ فَرْجَكَ».
وسَواءٌ غَسْلُه قبلَ الوُضُوءِ أو بعدَه؛ لأنَّه غَسْلٌ غيرُ مُرْتَبِطٍ بالوُضُوءِ، أشْبَهَ غَسْلَ النجاسةِ.
والثانيةُ، لا يُوجبُ إلَّا الاسْتِنْجاءَ والوُضوءَ.
رُوِيَ ذلك عنْ ابنِ عباسِ، وهو قولُ أكثرِ أَهلِ العلمِ؛ لما روَى سَهْلُ بنُ حُنَيفٍ، قال: كُنْتُ ألْقَى مِن المَذْيِ شِدَّةً وعَناءً، وكنتُ أُكْثِرُ منه الاغْتِسالَ، فذَكَرْتُ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «إنَّمَا يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ (2)، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
ولأنَّه خارِجٌ لا يُوجِبُ الغُسْلَ، أشْبَهَ الوَدْيَ، والأمْرُ بالنَّضْحِ والغَسْلِ في حديثِ عليٍّ مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبابِ.
وقولُه: «إنَّمَا يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ».
صَرِيحٌ في حُصُولِ الإِجْزاءِ به.
والوَدْيُ ماءٌ أَبْيَضُ، يَخْرُجُ عَقِيبَ البَوْلِ، ليس فيه وفي بَقِيَّةِ الخارِجِ إلَّا الوُضوءُ، سِوَى المَنِيِّ.
يُرْوَى ذلك عن ابنِ عباسٍ.
واللهُ أعلمُ.
132 -
مسألة: (الثاني، خُرُوجُ النَّجاساتِ مِن سائِرِ البَدَنِ، فإن
731732 الحديث: 132 - الجزء: 2 - الصفحة: 11
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كانتْ غائِطًا أو بَوْلًا، نَقَضَ قَلِيلُها) لا يَخْتَلِفُ المذهبُ في نَقضِ الوُضُوءِ بخُرُوجِ الغائِطِ والبَوْلِ؛ سَواءٌ كان مِن مَخْرَجِهِما، أو مِن غيرِه، ويَسْتَوِي قَلِيلُهما وكَثِيرُهما في ذلك، سَواءٌ كان السَّبِيلان مُنْسَدَّين أو مَفْتُوحَين، مِن فوقِ المَعِدَةِ أو مِن تحتِها.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إنِ انْسَدَّ المَخْرَجُ، وانْفَتَحَ آخَرُ دُونَ المَعِدَةِ، لَزِم الوُضُوءُ بالخارِجِ منه، قولًا واحدًا.
وإنِ انْفَتَح فوقَ المَعِدَةِ، ففيه قَوْلان.
وإن كان المَخْرَجُ مَفْتُوحًا، فالمَشْهُورُ أَنَّه لا يُنْقَضُ الوُضوءُ بالخارِجِ مِن غيرِه، وبَناه على أصْلِه في أنَّ الخارِجَ مِن غيرِ السَّبِيلَين لا يَنْقُضُ.
ولَنا، عُمُومُ قولِه تعالى: ﴿أوْ جَاءَ أحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ﴾ 733. وقولُ صَفْوانَ بنِ عَسّالٍ: أمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا كُنّا مُسافِرِين، أو سَفْرًا، أن لا نَنْزِعَ خِفافَنا ثلاثَةَ أَيَّامٍ ولَيالِيَهُنَّ، إلَّا مِن جَنابَةٍ، لكنْ مِن غائِطٍ وَبَوْلٌ ونَوْمٍ 734. هذا حديثٌ صحيحٌ.
قاله التِّرْمِذِيُّ.
ولأنَّه غائِطٌ وبَوْلٌ خارِجٌ مِن البَدَنِ، فنَقَضَ، كالخارِجِ مِن السَّبِيلَين.
= أبو داود، في: باب في المذي، من كتاب الطهارة.
سنن أبي داود 1/ 48.
الجزء: 2 - الصفحة: 12
وَإنْ كَانَتْ غَيرَهُمَا لَمْ يَنْقُضْ إلا كَثِيرُهَا، وَهُوَ مَا فَحُشَ في النَّفْسِ.
وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّ قَلِيلَهَا يَنْقُضُ.
133 - مسألة؛ قال: (وإن كَانَتْ غيرَهما، لم يَنْقُض إلَّا كَثِيرُها، وهو ما فَحُش في النَّفْسِ، وحُكِيَ عنه أنَّ قَلِيلَها يَنْقُضُ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الخارِجَ النَّجِسَ مِن غيرِ السَّبِيلَين، غيرَ البَوْلِ والغائِطِ، يَنْقُض كثيرُه بغيرِ خِلافٍ في المذهبِ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعطاءٍ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقال مالكٌ، والشافعيّ، ويَحْيى الأنْصارِيُّ 735 وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: لا وُضُوءَ فيه، لأنَّه خارِجٌ مِن غيرِ المَخْرَجِ مع بقاءِ المَخْرَج، فلم يَنْقُضْ،
الحديث: 133 - الجزء: 2 - الصفحة: 13
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالبُصاقِ.
ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الخارِجِ مِن السَّبِيلِ؛ لكَوْنِ الحُكْمِ فيه غيرَ مُعَلَّلٍ.
ولأنَّ الخارِجَ مِن السَّبِيلِ لا فَرْقَ بينَ قَلِيلِه وكَثِيرِه، وطاهِرِه ونَجسِه، وههُنا بخِلافِه، فامْتَنَعَ القِياسُ.
ولَنا، ما روَى أبو الدَّرْدَاءِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قاءَ فتَوَضَّأْ.
قال ثَوْبانُ: صَدَقَ، أنا سَكَبْتُ له وَضُوءَه.
رَواه التِّرْمِذِيُّ 736، وقال: هذا أصَحُّ شيءٍ في البابِ.
قِيلَ لأحمدَ: حديثُ ثَوْبانَ ثَبَتَ عِنْدَك؟ قال: نعم.
ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطِمَةَ: «إنَّهُ دَمُ عِرْقٍ، فَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 737. عَلَّلَ بكَوْنِه دَمَ عِرْقٍ وهذا كذلك.
ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم.
ولأنَّه خارِجٌ نَجِسٌ، فنَقَضَ، كالخارِجِ مِن السَّبِيلَين.
وقِياسُهُم مَنْقُوضٌ بِما إذا انْفَتَحَ مَخْرَجٌ دُونَ المَعِدَةِ، والبُصاق طاهِرٌ، بخِلافِ هذا.
الجزء: 2 - الصفحة: 14
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا القَلِيلُ، فظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه لا يَنْقُضُ الوُضُوءَ.
حَكاه القاضي رِوايَةً واحِدَةً.
وقال بَعْضُ أصْحابِنا: فيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ القَلِيلَ يَنْقُضُ، قِياسًا على الخارِجِ المُعْتادِ.
رُوِيَ ذلك عن مُجاهِدٍ.
وهذا قولُ أبي حَنِيفَةَ، وسعيدِ بن جُبَيرٍ، فيما إذا سالَ الدَّمُ.
قال: وإن وَقَف على رَأْسِ الجُرْحِ، لم يَجِبْ؛ لقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَاءَ أوْ رَعَفَ في صَلَاتِهِ، فَلْيَتَوَضَّأْ» 738. ووَجْهُ الرِّواية الأُولَى، أَنَّه قد رُوِيَ ذلك عن جَماعَةٍ مِن الصَّحابَةِ، قال أبو عبدِ اللهِ: عِدَّةٌ مِن الصَّحابَةِ تَكَلَّمُوا فيه، وأبو هُرَيرَةَ كان يُدْخِلُ أصابِعَه في أنْفِه، وابنُ عُمَرَ عَصَرَ بَثْرَةً، فخَرَجَ دَمٌ، فصَلَّى ولم يَتَوَضَّأَ، وابنُ أبي أوْفَى 739 عَصَرَ دُمَّلًا، وابنُ عباسٍ قال: إذا كان فاحِشًا فعليه الإِعادَةُ.
وجابرٌ أدْخَلَ أصابِعَه في أنْفِه.
ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم فكانَ إجماعًا وحَدِيثُهم لا نَعْرِفُ صِحَّتَه، ولم يَذْكُرْه أصحابُ السُّنَّنَ، وقد تَرَكُوا العَمَلَ به، فقالوا: إذا كان دُونَ مِلْءِ الفَمِ، لم يَجِبْ منه الوُضُوءُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 15
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ الكَثِيرَ الَّذي يَنْقُضُ الوُضوءَ، لا حَدَّ له إلَّا أنْ يَكُونَ فاحِشًا.
قيلَ: يا أبا عبدِ اللهِ، ما قَدْرُ الفاحِشِ؟ قال: ما فَحُشَ في قَلْبِك.
ورُوي نَحْوُ ذلك عن ابنِ عباسٍ.
قال الخَلّالُ: الَّذي اسْتَقَرَّتْ عليه الرِّوايَةُ عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّ الفاحِشَ ما يَسْتَفْحِشُه كلُّ إنْسانِ في نِفْسِه.
لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لا يَرِيبُكَ» 740. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّما يُعْتَبَرُ ما يَفْحُشُ في نُفُوسِ أوْساطِ الناسِ، لا المُتَبَذِّلِينَ، ولا المُوَسْوسِينَ كما رَجَعْنا في يَسِيرِ اللُّقَطَةِ إلى ما لا تَتْبَعُه نُفُوسُ أوْساطِ الناسِ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه سُئِل عن الكَثِيرِ، فقال: شِبْرٌ في شِبْرٍ.
وفي مَوْضِعٍ قال: قَدْرُ الكَفِّ فاحِشٌ.
وقال في موضعٍ: إذا كان مِقدارَ ما يَرْفَعُه الإِنْسانُ بأصابِعِه الخَمْسِ من القَيحِ، والصَّدِيدِ، وَالقَىْءِ، فلا بأْسَ به.
قيلَ له: فعَشْرُ أصابِعَ.
فرآه كَثِيرًا.
وقال قَتادَةُ
الجزء: 2 - الصفحة: 16
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في مَوْضِعٍ: الدِّرْهَمُ فاحِشٌ.
وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، وأصحاب الرَّأي؛ لأنه رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «تُعَادُ الصَّلَاةُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمَ مِنَ الدَّمِ» 741. والصَّحِيحُ أنَّ ذلك إنَّما يُرْجَعُ فيه إلى العُرْفِ، فإنَّه لا حَدَّ له في الشَّرْعِ، وما رَوَوْه فلا يَصِحُّ، قال الحافِظُ المَقْدِسِيُّ 742: هو مَوْضُوعٌ 743. وقال القاضي: إذا كان الدَّمُ قَطرةً أو قَطْرَتَين، لم يَنْقُضْ، وإن كان قَدْرُه إذا انْفَرَشَ شِبْرًا في شِبْرٍ، نَقَضَ، وما كان بَينَهما ففيه رِوايتان.
وقال في القَىْءِ: إن كان مِلْءَ الفَمِ نَقَض، وإن كان مِثْلَ الحِمَّصَةِ والنَّواةِ، لم يَنْقضْ، رِوايةً واحدةً فيهما، وما بيَنْهَما على رِوايَتَين، وما نَقَلَه الخَلّالُ عنه أوْلَى، لما ذَكَرْنا، ولأنَّ اعْتِبارَ حالِ الإِنْسانِ بما يَسْتَفْحِشُه غيرُه حَرَجٌ، فيَكُونُ مَنْفِيًّا.
الجزء: 2 - الصفحة: 17
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والقَيحُ والصَّدِيدُ كالدَّمِ فيما ذَكَرْنا.
قال أحمدُ: هما أخَفُّ حُكْمًا مِن الدَّمِ.
لوُقُوعِ الخِلافِ فيهما، فإنَّه رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ والحَسَنِ [أنَّهم لم يَرَوا] 744 القَيحَ والصَّدِيدَ كالدَّمِ.
وقال إسحاقُ: كلُّ ما سِوَى الدَّمِ لا يُوجِبُ وُضُوءًا.
وقال مُجاهِدٌ، وعطاءٌ، وعُرْوَةُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، والحَكَمُ: هو بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ.
واخْتِيارُ أبي عبدِ اللهِ مع ذلك إلْحاقُه بالدَّمِ وإثْباتُ مِثْلِ حُكْمِه فيه، قِياسًا عليه، لأنَّه خارِجٌ نَجِسٌ، أشْبَهَ الدَّمَ، لكن الَّذي يَفْحُشُ منه يَكُونُ أكثَرَ مِن الَّذي يَفْحُشُ مِن الدَّمِ.
والقَلْسُ كالدَّمِ، يَنْقُضُ الوُضُوءَ منه ما فَحُشَ.
قال الخَلّالُ: الَّذي أجْمَعَ عليه أصحابُ أبي عبدِ اللهِ، أنَّه إذا كان فاحِشًا أعادَ الوُضُوءَ.
وقد حُكِى عنه، إذا كان مِلْءَ الفَمِ نَقَض، وإن كان أقلَّ مِن نِصْفِ الفَمِ لا يَتَوَضَّأُ.
ومِمَّن كان يَأْمُرُ بالوُضُوءِ مِن القَىْءِ؛ عليٌّ، وابنُ عُمَرَ، وأبو هُرَيرَةَ،
الجزء: 2 - الصفحة: 18
الثَّالِثُ، زَوَالُ الْعَقْلِ إلا النَّوْمَ الْيَسِيرَ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا.
وَعَنْهُ، أَنَّ نَوْمَ الرَّاكِعِ وَالْسَّاجِدِ لَا يَنْقُضُ يسِيرُهُ.
والأوْزاعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
والمذهبُ إلْحاقُه بالدَّمِ؛ لأنَّه في مَعْناه.
وهذا قَوْلُ حَمّادِ بنِ أبي سُلَيمانَ (1). وكذلك الحُكْمُ في الدُّودِ الخارِجِ مِن الجُرُوحِ، لأنَّه خارِجٌ نَجِسٌ، أشْبَهَ الدَّمَ.
فأمّا الجُشاءُ والبُصاق، فلا وُضُوءَ فيه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وكذلك النُّخامَةُ، سَواءٌ خَرَجَتْ مِن الرَّأْسِ أو مِن الصَّدْرِ، لأنَّه لا نَصَّ فيها، ولا هي في مَعْنَى المَنْصُوصِ، ولأنَّها طاهِرَةٌ، أشْبَهَتِ البُصاقَ.
واللهُ أعلمُ.
134 -
مسألة؛ قال: (الثَّالِثُ، زَوالُ العَقْلِ، إلَّا النَّوْمَ اليَسِيرَ
745 الحديث: 134 - الجزء: 2 - الصفحة: 19
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جالسًا أو قائِمًا.
وعنه، أنَّ نَوْمَ الرّاكِعِ والسّاجِدِ لا يَنْقُضُ يَسِيرُه) زَوالُ العَقْلِ على ضَرْبَينِ؛ نَوْمٍ، وغيرِه.
فأمّا غيرُ النَّوْمِ، وهو الجُنُونُ والإِغْماءُ والسُّكْرُ، ونَحْوُه مِمّا يُزِيلُ العَقْلَ، فيَنْقُضُ الوُضُوءَ يَسِيرُه وكَثِيرُه إجْماعًا، ولأنَّ في إيجابِ الوُضُوءِ على النّائِمِ تَنْبِيهًا على وُجُوبِه بِما هو آكَدُ مِنه.
الضَّربُ الثاني، النَّوْمُ، وهو ناقِضٌ للوُضُوءِ في الجُمْلَةِ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا ما حُكِي عن أبي موسى الأشْعَرِيِّ وأبي مِجْلَزٍ 746، أنَّه لا يَنْقُضُ.
وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه كان يَنامُ مِرارًا مُضْطَجِعًا يَنْتَظِرُ الصلاةَ، ثم يُصَلِّي ولا يُعِيدُ الوُضُوءَ.
ولَعَلَّهم ذَهَبُوا إلى أنَّ النومَ ليس بحَدَثٍ في نَفْسِه، والحَدَثُ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «العَينُ وكَاءُ السَّهِ 747، فمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ».
رَواهُ الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجَة 748. وقولُ = سنة عشرين ومائة.
الجواهر المضية 2/ 150 - 152.
الجزء: 2 - الصفحة: 20
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَفْوانَ بنِ عَسّالٍ: لكنْ مِن غائطٍ وبَولٍ ونَوْمٍ.
حديثٌ صحيحٌ 749. ولأنَّ النومَ مَظِنَّةُ الحَدَثِ، فأُقِيم مُقامَه، كالْتِقاءِ الخِتانَين في وُجُوبِ الغُسْلِ، أُقِيم مُقامَ الإِنْزالِ.
إذا ثَبَت هذا، فالنَّوْمُ يَنْقَسِمُ ثلاثةَ أقْسامٍ: أحَدُها، نَوْمُ المُضْطَجِعِ، فيَنْقُضُ يَسِيرُه وكَثِيرُه، عندَ جَمِيعِ القائِلِين بنَقضِ الوُضُوءِ بالنَّوْمِ.
الثاني، نَوْمُ القاعِدِ، فإن كان كثيرًا نَقَض، رِوايَةً واحِدَةً، وإن كان يسيرًا لَم يَنْقُضْ.
وهذا قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقال قَوْمٌ: متى خالطَ النَّوْمُ القَلْبَ نَقَض بكلِّ حالٍ.
وهذا قولُ الحسنِ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيدٍ.
ورُوي مَعْنى ذلك عن أبي هُرَيرَةَ، وابنِ عباسٍ، وأنَسٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لعُمُوم الأحاديث الدَّالَّةِ على أنَّ النَّوْمَ يَنْقُضُ.
ولَنا، ما روَى مسلمٌ 750، عن أنَسٍ، قال: كان أصحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَنامُون، ثم يُصَلُّون ولا يَتَوَضَّئُون.
وعنه قال:
الجزء: 2 - الصفحة: 21
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كان أصحابُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على عَهْدِ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَنْتَظِرُون العِشاءَ الآخِرَةَ حتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُم، ثم يُصَلُّون ولا يَتَوَضَّؤُن.
رَواه أبو داودَ 751. ولأنَّ النَّوْمَ يَكْثُرُ مِن مُنْتَظِرِى الصلاةِ، فعُفِي عنه لمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ عنه.
وقال الشافعيُّ: لا يَنْقُضُ وإن كَثُرَ، إذا كان القاعِدُ مُتَمَكِّنًا مُفْضِيًا بمَحَلِّ الحَدَثِ إلى الأرضِ، لحَدِيثَيْ أنسٍ، وبهما يَتَخَصَّصُ عُمُومُ الحَدِيثَينِ الأوَّلَين، ولأنَّه مُتَحَفِّظٌ عن خُرُوجِ الحَدَثِ، فلم يَنْقضْ، كاليَسِيرِ.
ولَنا، عُمُومُ الحديثَين الأوَّلَين، خَصَّصْناهُما بحديثِ أنسٍ، وليس فيه بَيانُ كَثْرَةٍ ولا قِلَّةٍ، فحَمَلْناه على القَلِيلِ، لأنَّه اليَقِينُ، وما زادَ عليه مُحْتَمِلٌ لا يُتْرَكُ له العُمُومُ المُتَيَقَّنُ، ولأنَّ نَقْضَ الوُضُوءِ بالنَّوْمِ مُعَلَّلٌ بإِفْضائِه إلى الحَدَثِ، ومع الكَثْرَةِ والغَلَبَةِ لا يُحِسُّ بما يَخْرُجُ منه، بخِلافِ اليَسِيرِ، وبهذا فارَقَ اليَسِيرُ الكَثِيرَ، فلا يَصِحُّ قياسُه عليه.
الثالثُ، ما عدا ذلك، وهو نَوْمُ القائِمِ والرَّاكِعِ والسّاجِدِ، ففيه رِوايتَان؛ إحْداهما، يَنْقُضُ.
وهو قَوْلُ الشافعيِّ، لأنَّه لم يَرِدْ فيه نَصٌّ،
الجزء: 2 - الصفحة: 22
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ، لكَوْنِ القاعِدِ مُتَحَفِّظًا مُعْتَمِدًا 752 بمَحَلِّ الحَدَثِ على الأرضِ، فهو أبْعَدُ مِن خُرُوجِ الخارِجِ، بخِلافِ غيرِه.
والثانيةُ، حُكْمُه حُكْمُ الجالِسِ قِياسًا عليه، ولأنَّه على حالةٍ مِن أحْوالِ الصلاةِ، أشْبَهَ الجالِسَ.
والظّاهِرُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، التَّسْويَة بينَ نَوْمِ القائِمِ والجالِسِ.
وهذا قولُ الحَكَمِ، وسُفْيانَ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لما روَى ابنُ عباسٍ، قال: بِتُّ لَيلَةً عندَ خالتِي مَيمُونَةَ، فقُلتُ لها: إذا قامَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فأيقِظِيني.
فقامَ - صلى الله عليه وسلم -، فقُمْتُ إلى جَنْبِه الأيسَرِ، فأخَذَ بيَدِي فجَعَلَنِى في شِقِّه الأيمَنِ، فجَعَلْتُ إذا أغْفَيتُ يَأْخُذُ بشَحْمَةِ أُذُنِي.
رَواه مسلمٌ 753. ولأنَّهما يَشْتَبِهان في الانْخِفاضِ واجْتِماعِ المَخْرَجِ، ورُبَّما كان القائِمُ أبْعَدَ مِن الحَدَثِ، لكَوْنِه لو اسْتَثْقَل في النَّوْمِ سَقَط،
الجزء: 2 - الصفحة: 23
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأمّا الراكِعُ والسّاجدُ فالطاهِرُ إلْحاقُهُما بالمُضْطَجِعِ؛ لأنَّه يَنْفَرِجُ مَحَلُّ الحَدَثِ، فلا يَتَحَفَّظُ، فهو كالمُضْطَجعِ.
ويَحْتَمِلُ التَّفْرِقَةَ بينَ الرّاكِعِ والسّاجِدِ، فيُلْحَقُ الرّاكِعُ بالقائِمِ؛ لَكَوْنِه لا يَسْتَثْقِلُ في النَّوْمِ، إذْ لو اسْتَثْقَل سَقَط، فالظّاهِرُ أنَّه يُحِسُّ بما يَخْرُجُ منه، بخِلافِ السَّاجِدِ، فإنَّه يَعْتَمِدُ بأعْضائِه على الأرضِ ويَسْتَثْقِلُ في النَّوْم، فيُشْبِهُ المُضْطجِعَ، فلا يُحِسُّ بما يَخْرُجُ.
وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ روايةً عن أَحمدَ، أنَّه لا يَنْقُضُ إلَّا نَوْمُ السّاجِدِ وَحْدَه.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، في القاعِدِ المُسْتَنِدِ والمُحْتَبِي، فعنه: لا يَنْقُضُ يَسِيرُه، كالقاعِدِ الَّذي ليس بمُسْتَنِدٍ.
وعنه: يَنْقُضُ بكلِّ حالٍ.
وهو ظاهِرُ المذهبِ.
قال القاضي: متى نامَ مُضْطَجِعًا أو مُسْتَنِدًا، أو مُتَّكِئًا إلى شيءٍ، متى أُزِيلَ عنه سَقَط، نَقَض الوُضُوءَ قَلِيلُه وكَثِيرُه؛ لأنَّه
الجزء: 2 - الصفحة: 24
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُعْتَمِدٌ على شيءٍ، فهو كالمُضْطَجِعِ.
وعنه ما يَدُلُّ على التَّفْرِقَةِ بَينَ المُحْتَبِي والمُسْتَنِدِ، فإنَّه قال في روايَةِ أبي داودَ: المُتَسانِدُ كأنَّه أشَدُّ.
يَعْنِي مِن المُحْتَبِي.
قال شَيخُنا 754: والأوْلَى أنَّه متى كان مُعْتَمِدًا بمَحَلِّ الحَدَثِ على الأرضِ، أن لا يَنْقُضَ منه إلَّا الكثيرُ؛ لأنَّ دَلِيلَ انْتِفاءِ النَّقْضِ في القاعِدِ لا تَفْرِيقَ فيه، فيُسَوَّى بينَ أحْوالِه.
فصل: واخْتَلَفَ أصحابُنا في حَدِّ اليَسِيرِ مِن النَّوْمِ الَّذي لا يَنْقُضُ، فقال القاضي: ليس للقَلِيلِ حَدٌّ يُرْجَعُ إليه، فعلى هذا يُرْجَعُ إلى العُرْفِ.
وقِيلَ: حَدُّ الكَثِيرِ ما يَتَغَيَّرُ به النّائِمُ عن هَيئَتِه، مِثْلَ أن يَسْقُطَ على الأرضِ، أو يَرَى حُلْمًا.
قال شَيخُنا 755: والصَّحِيحُ أنَّه لا حَدَّ له؛ لأنَّ التَّحْدِيدَ إنَّما يُعْلَمُ بالتَّوْقِيفِ، ولا تَوْقِيفَ، فمتى وُجِدَ ما يَدُلُّ على الكَثْرَةِ، مِثْلَ سُقُوطِ المُتَمَكِّنِ، انتَقَض وُضُوءُه، وإلَّا فلا، وإن شَكَّ في كَثْرَتِه لم يَنْتَقِضْ؛ لأنَّ الأصْلَ الطهارةُ، فلا تَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 25
الرَّابِعُ، مَسُّ الذَّكَرِ بِيَدِهِ، بِبَطنِ كَفِّهِ، أَوْ بِظَهْرِهِ،
فصل: والنَّوْمُ الغَلَبَةُ علي العَقْلِ، فمَنْ لم يُغْلَبْ على عَقْلِه فلا وضوءَ عليه.
وقال بَعْضُ أهلِ اللُّغَةِ، في قولِهِ تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (1). السِّنَةُ ابْتِداءُ النُّعاسِ في الرَّأْسِ، فإذا وَصَل إلى القَلْبِ صارَ نَوْمًا، قال الشاعرُ (2):
وَسْنانُ أقْصَدَه النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ … في عَينِه سِنَةٌ وليس بنائِمِ
ولأنَّ النّاقِضَ زَوالُ العَقْلِ، فمتى كان العقلُ ثابِتًا وحِسُّه غيرَ زائِلٍ، مِثْلَ مَن يَسْمَعُ ما يُقالُ عندَه ويَفْهَمُه، لم يُوجَدْ سَبَبُ النَّقْضِ.
وإن شَكَّ في النَّوْمِ، أو خَطرَ ببالِه شيءٌ لا يَدْرِي أرُؤْيا أو حَدِيثُ نَفْسٍ، فلا وُضُوءَ عليه.
135 -
مسألة: (الرابعُ، مَسُّ الذَّكَرِ بيَدِه، ببَطنِ كَفِّه أو بظَهْرِه)
756757 الحديث: 135 - الجزء: 2 - الصفحة: 26
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في مَسِّ الذَّكَرِ على ثلاثِ رِواياتٍ، إحْداها، لا يَنْقُضُ بحالٍ.
رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وعَمّارٍ، وابنِ مسعودٍ، وحُذَيفَةَ 758، وعِمْرانَ بنِ حُصَينٍ 759، وأبي الدَّرْداءِ 760. وهو قولُ رَبِيعَةَ، والثَّوْرِيِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحاب الرَّأْي؛ لما روَى قَيسُ بنُ طَلْقٍ، عن أبيه، قال: كُنتُ جالِسًا عندَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال رجلٌ: مَسَسْتُ ذَكَرِي -أو- الرجلُ يَمَسُّ ذَكَرَه في الصلاةِ، عليه وُضُوءٌ؟ قال: «لَا، إنَّمَا هُوَ
الجزء: 2 - الصفحة: 27
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَضْعَةٌ مِنْكَ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ 761. ولأنَّه عُضْوٌ منه 762، فلم يَنْقضْ، كسائِرِ أعضائِه 763. والرِّوايَةُ الثانيةُ، يَنْقُضُ الوُضُوءَ بكلِّ حالٍ.
وهي ظاهِرُ المذهبِ.
وهو مذهبُ ابنِ عُمَرَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، وعُرْوَةَ، وسُلَيمانَ بنِ يَسارٍ 764، والزُّهْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وهو المَشْهُورُ عن مالكٍ؛ لما رَوَتْ بُسْرَةُ بنتُ صَفْوانَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ مَسَّ
الجزء: 2 - الصفحة: 28
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ».
وعن جابرٍ مِثْلُ ذلك.
رَواهُما ابنُ ماجَه 765. قال التِّرْمِذِيُّ: حديثُ بُسْرَةَ حسنٌ صحيحٌ.
وقال البُخارِيُّ: أصَحُّ شيءٍ في هذا البابِ حديثُ بُسْرَةَ.
وصَحَّحَه الإِمامُ أحمدُ.
فأمّا حديثُ قَيس، فقال أبو زُرْعةَ وأبو حاتِمٍ 766: قَيسٌ مِمَّن لا تَقُومُ برِوايَتِه حُجَّةٌ.
ووَهَّناه.
ولم يُثْبِتاه.
ثم إنَّ حَدِيثَنا مُتأخِّرٌ، لأنَّ أبا هُرَيرَةَ قد رَواه 767، وهو مُتأخِّرُ الإِسلام، إنَّما صَحِبَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أربعَ سِنِينَ، وكان قُدُومُ طَلْقٍ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهم يُؤْسِّسُونَ المسجدَ، فيَكُونُ حَدِيثُنا ناسِخًا له.
وقياسُ الذَّكَرِ على سائِرِ البَدَنِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَتَعَلَّقُ به أحكامٌ يَنْفَرِدُ بها؛ مِن وُجُوبِ الغُسْلِ بإيلاجِه والحَدِّ والمَهْرِ، وغيرِ ذلك.
والرِّوايَةُ الثالثةُ، لا يَنْقُضُ إلَّا أن يَقْصِدَ مَسَّه، قال أحمدُ بنُ الحُسينِ 768: قِيلَ
الجزء: 2 - الصفحة: 29
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأحمدَ: الوُضُوءُ مِن مَسِّ الذَّكَرِ؛ فقال: هكذا.
وقَبَض على يَدِه.
يَعْنِي إذا قَبَض عليه.
وهو قولُ مَكْحُولٍ.
وقال طاوُسٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وحُمَيدٌ الطَّويل 769: إن مَسَّه يُرِيدُ وُضُوءًا، وإلَّا فلا شيءَ عليه، لأنَّه لَمْسٌ، فلا يَنْقُضُ الوُضُوءَ لغيرِ قَصْدٍ كلَمْسِ النِّساءِ.
وسَواءٌ مَسُّه ببَطنِ كَفِّه أو بظَهْرِه.
وهذا قولُ عَطاءٍ، والأوْزاعِيِّ.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ: لا يَنْقُضُ مَسُّه بظاهِرِ الكَفِّ.
وحَكاه أبو الخَطابِ رِوايَةً عن أحمدَ؛ لأنَّه ليس بآلَةٍ للْمَسِّ، فأشْبَهَ ما لو مَسَّه 770 بفَخِذِه.
ولَنا، قَوْلُ
الجزء: 2 - الصفحة: 30
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أفْضَى بِيَدِهِ إلَى ذَكَرِهِ، لَيسَ دُونَه سِتْرٌ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيهِ الْوُضُوءُ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، والدّارَقُطْنِيُّ 771. وظاهِرُ كَفِّه مِن يَدِه، وإلإِفْضاءُ اللَّمْسُ مِن غيرِ حائِلٍ.
ولأنَّه جُزْءٌ مِن يَدِه أشْبَهَ باطِنَ الكَفِّ.
وإنَّما يَنْتَقِضُ وُضُوءُه إذا لَمَسَه مِن غيرِ حَائِلٍ؛ لِما ذَكَرْنا.
وذَكَر القاضي عن أحمدَ رِوايَةً، أنَّه لا يَنْقُضُ إلَّا مَسُّ الثَّقْبِ الَّذي في رَأْسِ الذَّكَرِ، ولا يَنْقُضُ لَمْسُ غيرِه.
قال: والأوَّلُ أصَحُّ؛ لعُمُوم الأحادِيثِ الدّالَّةِ على النَّقْضِ، وذكر أبو الخَطّابِ رِوايَةً عن أحمدَ 772، أنَّه لا يَنْقُضُ إلَّا لَمْسُ الحَشَفَةِ خاصَّةً.
والأوَّلُ أصَحُّ، لعُمُومِ النَّصِّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 31
وَلَا يَنْقُضُ مَسُّهُ بِذِرَاعِهِ.
136 - مسألة؛ قال: (ولا يَنْقُضُ مَسُّه بذِراعِه).
وعنه، يَنْقُضُ؛ لأنَّه مِن يَدِه، وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ.
والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ، لأنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ على مُطْلَقِ اليَدِ في الشَّرْعِ إنَّما يَنْصَرِف إلى الكُوعِ، بدَلِيلِ قَطْعِ السّارِقِ وغَسْلِ اليَدِ مِن نَوْمِ اللَّيلِ، ولأنَّه ليس بآلةٍ لِلْمَسِّ، أشْبَهَ العَضُدَ، وقِياسُهُم يَبْطُلُ بالعَضُدِ، فإنَّه لا خِلافَ بينَ العُلَماءِ فيه.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ ذَكَرِه وذَكَرِ غيرِه، خِلافًا لداودَ، قال: لأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد في ذَكَرِه.
ولَنا، أنَّه إذا نَقَض الوُضُوءَ مَسُّ ذَكَرِه مع كَوْنِ الحاجَةِ تَدْعُو إلى مَسِّه، وهو جائِزٌ، فَلَأنْ يَنْتَقِضَ بمَسِّ ذَكَرِ غيرِه مع كَوْنِه مَعْصِيَة أَولَى، ولأنَّ نَصَّه على نَقْضِ الوُضوءِ بمَسِّ ذَكَرِه مع أنِّه لم يَهْتِكْ حُرْمَةً، تَنْبِيهٌ على نَقْضِه بِمَسِّ ذَكَرِ غيرِه.
ولأنَّ في بَعْضِ ألْفاظِ خَبَرِ بُسْرَةَ: «مَنْ مَسَّ الذَّكَرَ فَلْيَتَوَضَّأْ».
وحُكْمُ ذَكَرِ الكِبيرِ والصَّغِيرِ واحِدٌ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال الزُّهْرِيُّ والأوْزاعِيُّ: لا يَنْقُضُ مَسُّ ذَكَرِ الصَّغِيرِ، لأنَّه يَجُوزُ مَسُّه، والنَّظر إليه، بخِلافِ الكبيرِ، ولما رُوِيَ أنَّه - صلى الله عليه وسلم - مَسَّ زُبَيبَةَ الحَسَنِ ولم يَتَوَضَّأْ 773. وذَكَرَه الآمِدِىُّ رِوايَةً عن أحمدَ.
ولَنا، عُمُومُ الأحاديثِ، وخَبَرُهم ليس بثابِتٍ، ثم ليس فيه
الحديث: 136 - الجزء: 2 - الصفحة: 32
وَفِي مَسِّ الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ وَجْهَانِ.
أنَّه صَلَّى ولم يَتَوَضَّأْ، فيَحْتَمِلُ أنَّه لم يَتَوَضَّأْ في مَجْلِسِه ذلك، وجَوازُ مَسِّه والنَّظرِ إليه يَبْطُلُ بذَكَرِ نَفْسِه.
وذَكَرُ المَيِّتِ كذَكَرِ الحَيِّ؛ لبَقاءِ الاسمِ والحُرْمَةِ، وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال إسحاقُ: لا وُضُوءَ عليه.
وهو قَوْلُ بَعْضِ أصحابِنا، كالمرأةِ المَيِّتَةِ.
137 -
مسألة: (وفي مَسِّ الذَّكَرِ المَقْطُوع وَجْهانِ)
أحَدُهما، ينْقُضُ، لبَقاءِ اسم الذَّكَرِ.
والثاني، لا يَنْقُضُ، لذَهابِ الحُرْمَةِ، فهو كيَدِ المرأةِ المَقْطُوعَةِ.
ولو مَسَّ القُلْفةَ التي تُقْطعُ في الخِتانِ قبلَ قَطْعِها، انْتَقَضَ وُضُوءُه، لأنَّها مِن جُمْلَةِ الذَّكَرِ، وإن مَسَّها بعدَ القَطْعِ، فلا وُضُوءَ عليه، لزَوالِ الاسمِ والحُرْمَةِ، وإنِ انْسَدَّ المَخْرَجُ وانْفَتَحَ غيرُه، لم يَنْقُضْ مَسُّه، لأنَّه ليس بفَرْجٍ.
الحديث: 137 - الجزء: 2 - الصفحة: 33
وَإذَا لَمَسَ قُبُلَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ وَذَكَرَهُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، فَإِنْ مَسَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَنْتَقِضْ، إلا أن يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ لِشَهْوَةٍ.
138 - مسألة: (وإذا لَمَسَ قُبُلَ الخُنْثَى المُشْكِلِ وذَكَرَه، انْتَقَضَ وُضُوءُه. وإن مَسَّ أحَدَهُما، لم يَنْتَقِضْ، إلَّا أن يَمَسَّ الرَّجلُ ذَكَرَه لشَهْوَةٍ)
لَمْسُ الخُنْثَى المُشْكِلِ يَنْقَسِمُ أربعةَ أقسامٍ، أحَدُها، أن يَمَسَّ فَرْجِ نَفْسِه، فمتى لَمَس أحَدَ فَرْجَيه لم ينْتَقِضْ وُضُوءُه؛ لِجَوَازِ أن يَكُونَ خِلْقَةَ زائِدَةً.
وإن لَمَسَهُما جميعًا، انْتَقَض وُضوءُه إن قُلْنا: إنَّ مَسَّ المرأةِ فَرْجَها يَنْقُضُ الوُضوءَ.
لأنَّ أحَدَهما فَرْجٌ بيَقِينٍ، وإلَّا فلا.
الثاني، أن يَكُونَ اللّامِسُ رجلًا، فإن مَمسَّهُما جميعًا لغيرِ شَهْوَةٍ، فهي كالتي قَبْلَها.
وإن مَسَّهُما لشهوةٍ، انْتَقَض وُضُوءُه في ظاهِرِ المذهبِ، لأنَّه إن كان رجلًا فقد مَسَّ ذَكَرَه، وإن كان أُنْثَى فقد مَسَّها لشهوةٍ، وكذلك الحُكْمُ إذا لَمَس ذَكَرَه لشَهْوَةٍ، لما ذَكَرْنا.
فأمّا إن مَسَّ القُبُلَ وَحْدَه، أو مَسَّ الذَّكَرَ لغيرِ شهوةٍ، لم يَنْتَقِضْ؛ لجَوازِ أن يَكُونَ خِلْقَةً زائِدَةً، إلَّا إذا قُلْنا: إنَّ المُلامَسَةَ تَنْقُضُ
الحديث: 138 - الجزء: 2 - الصفحة: 35
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوُضُوءَ بكلِّ حالٍ.
فإنَّه يَنْتَقِضُ بلَمْسِ الذَّكَرِ وَحْدَه؛ لأنَّه إن كان رجلًا فقد مَسَّ ذَكَرَه، وإن كانت أُنْثَى فقد مَسَّها.
الثالثُ، أن تكونَ امرأةً، فإن مَسَّتْهُما جميعًا انْتَقَضَ وُضُوءُها، إن قُلْنا: إنَّ مَسَّ فَرْجِ المرأةِ يَنْقُضُ الوُضوءَ.
وإلَّا فلا.
وإن مَسَّتْ أحَدَهُما لغيرِ شَهْوَةٍ لم يَنْتَقِضْ وُضُوءُها.
وكذلك إن مَسَّتِ الذَّكَرَ لشهوةٍ؛ لجَوازِ أن يَكُونَ خِلْقَةً زائِدَةَ مِن امرأةٍ.
وإن مَسَّتِ الفَرْجَ لشَهْوَةٍ، انْتَقَضَ وُضُوءُها في ظاهِرِ المَذْهَبِ، لأنَّه إن كان رجلًا فقد مَسَّتْه لشهوةٍ، وإن كانت أُنْثَى فقد مَسَّتْ فَرْجَها.
الرابعُ، أن يكونَ اللّامِسُ خُنْثَى مُشْكِلًا، فإن مَسَّ أحَدَهُما لم يَنْتَقِضْ، سَواءٌ كان لشَهْوَةٍ أوْ لا.
وإن مَسَّهما جَمِيعًا انتقَضَ وُضُوءُه، إذا قُلْنا: إنَّ مَسَّ الفَرْجِ يَنْقُضُ
الجزء: 2 - الصفحة: 36
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوْضوءَ.
وإن مَسَّ أحَدُ الخُنْثَيين ذَكَرَ الآخَرِ، ومَسَّ الآخَرُ فَرْجَه، وكان اللَّمْسُ لشَهْوَةٍ، انْتَقَض وُضوءُ أحَدِهِما قَطْعًا، لأنَّهما إن كانا ذَكَرَين فقد وُجِدَ بَينَهُما لمسُ ذَكَرٍ، وإن كانا أُنْثَيَين فقد وُجِد بينَهما مَسُّ فَرْجِ امرأة، وإن كانا ذَكَرًا وأُنْثَى فقد وُجِدَتْ بَينَهما مُلامَسَةٌ لشهْوَةٍ، ولا يُحْكَمُ بنَقْضِ وُضوءِ واحِدٍ منهما؛ لأنَّه مُتَيَقِّنُ الطهارةِ، شَاكٌّ في الحَدَثِ.
وإن كان لغيرِ شَهْوَةٍ لِم يَنْتَقضْ؛ لجَوازِ أن يَكُونَ المَمْسُوسُ ذَكَرُه امرأةً، والمَمْسُوسُ فَرْجُه رجلًا.
وإن مَسَّ كلُّ واحِدٍ منهما ذَكَرَ الآخَرِ أو قُبُلَه لم يَنْتَقِضْ؛ لاحْتِمالِ أن يَكُونا امرَأتَين في الأولَى ورَجُلَين في الثّانِيَةِ.
واللهُ أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 37
وَفِي مَسِّ الدُّبُرِ وَمَسِّ الْمَرْأةِ فْرْجهَا رِوَايَتَانِ.
139 - مسألة: (وفي مَسِّ الدُّبُرِ، ومَسِّ المرأةِ فَرْجَها رِوايَتان)
إحْداهُما، يَنْقُضُ الوُضُوءَ؛ لعُمُومِ قَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأ».
رواه ابنُ ماجَه عن أُمِّ حَبِيبَةَ 774. قال أحمدُ، وأبو زُرْعَةَ: حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ صَحِيحٌ.
وبه قال الشافعيّ في مَسِّ الدُّبُرِ.
ولأنَّه أحَدُ الفَرْجَين، أشْبَه الذَّكَرَ.
والثانيةُ، لا يَنْقُضُ.
قال الخَلّالُ: العَمَلُ والأشْيَعُ في قولِه، أنَّه لا يَتَوَضَّأ مِن مَسِّ الدُّبُرِ.
وكذلك روَى المَرُّوذيُّ، أنَّه قِيل لأحمدَ، في الجارِيِةَ إذا مسَّتْ فَرْجَها: عليها وُضُوء؟ قال: لم أسْمَعْ في هذا بشيء.
لأنَّ الحديثَ المَشْهُورَ إنَّما هو في مَسِّ الذَّكَرِ، وهذا ليس في مَعْناه؛ لأنَّه لا يَقْصِدُ مَسَّه، ولا يُفْضِي إلى خُرُوجِ خارِجٍ، فلم يَنْقُضْ، كلَمْسِ الأَنْثَيَين.
الحديث: 139 - الجزء: 2 - الصفحة: 39
وَعَنْهُ، لَا يَنْقُضُ مَسُّ الْفَرْجِ بِحَالٍ.
140 - مسألة؛ قال: (وعنه: لا يَنْقُضُ مَسُّ الفَرْجِ بحال)
لحَدِيثِ قَيسِ بن طَلْقٍ 775، وقِياسًا على سائِرِ الأعْضاءِ.
فصل: ولا يَنْتَقِضُ 776 الوُضُوءُ بِمَسِّ غيرِ الفرْجَين مِن البَدَنِ في قَوْلِ الأَكْثَرين، إلَّا أنَّه رُوِيَ عن عُرْوَةَ الوُضوءُ مِن مَسِّ الأنْثَيَين.
وقال عِكْرِمَةُ: مَن مَسَّ ما بينَ الفَرْجَين فليَتَوَضَّأ.
وقولُ الجُمْهُورِ أوْلَى؛ لأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعْنى المَنْصُوصِ.
ولا يَنْتَقِضُ وُضوءُ المَلْمُوسِ فَرْجُه أيضًا؛ لأنَّ السُّنَّةَ إنَّما وَرَدَتْ في اللّامِسِ.
ولا يَنْتَقِضُ بمَسِّ فَرْجِ البَهِيمَةِ.
وقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ: عليه الوُضُوءُ.
وما عليه الجُمْهُورُ أَوْلَى؛ لأنَّه ليس بمَنْصُوصِ، ولا هو 777 في مَعْناه.
الحديث: 140 - الجزء: 2 - الصفحة: 41
الْخَامِسُ، أَنْ تَمَسَّ بَشَرَتُهُ بَشَرَةَ أنْثَى لِشَهْوَةٍ.
وَعَنْهُ، لَا يَنْقُضُ.
وَعَنْهُ، يَنْقُضُ لَمْسُهَا بِكُلِّ حَالٍ.
141 - مسألة: (الخامسُ، أن تَمَسَّ بَشَرَتُه بَشَرَةَ أُنْثَى لشَهْوَةٍ. وعنه: لا يَنْقُضُ. وعنه: يَنْقُضُ لمْسُها بكلِّ حالٍ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رحمه الله، في المُلامَسَةِ، فرُوىَ عنه أنَّها تَنْقُضُ الوُضُوءَ بكلِّ حالٍ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ويُرْوَى إيجابُ الوُضُوءِ مِن القُبْلَةِ مُطْلَقًا عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، وعبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، والزُّهْرِيِّ، وعَطاءٍ، والشّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وسعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، والأوْزاعِيِّ، لعُمُومِ قَوْلِه تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ 778. قال ابنُ مسعودٍ: القُبْلَةُ مِن اللمْسِ وفِيها
الحديث: 141 - الجزء: 2 - الصفحة: 42
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوُضُوءُ.
رَواه الأثْرَمُ.
وروى عن أحمدَ رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّه لا يَنْقُضُ بحالٍ.
يُروَى ذلك.
عن ابنِ عباسٍ.
وهو قولُ طاوسٍ، والحسنِ، ومَسْرُوقٍ 779. وبه قال أبو حَنِيفَةَ وصاحِباه.
وقال قَوْمٌ: مَن قَبَّلَ حَلالًا فلا وُضُوءَ عليه، ومَن قَبَّل حَرامًا فعليه الوُضوءُ.
وهو قولُ عَطاءٍ.
فإن باشَرَ لشَهْوَةٍ وليس بينهما ثَوْبٌ، وانْتَشَرَ، فعليه الوُضُوءُ في قَوْلِ أبي حنيفةَ، ويعقوبَ.
وقال محمدٌ: لا وُضُوءَ عليه، إلَّا أن يَخْرُجَ منه شيءٌ؛ لِما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَبَّلَ عائِشَةَ، وصَلَّى ولم يَتَوَضَّأ.
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيّ 780 مِن رِواية التَّيمِيِّ 781، وقالا: لم يَسْمَعْ مِن عائشةَ.
وقال
الجزء: 2 - الصفحة: 43
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النَّسائِيّ: ليس في هذا البابِ شيءٌ أحْسَنُ من هذا الحديثِ، وإن كان مُرسَلًا.
وعن عائشةَ، رَضِي اللهُ عنها، قالت: فَقَدْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَيلَةً منِ الفِراش فالْتَمَسْتُه، فوَقَعَتْ يَدِي على بَطنِ قَدَمِه وهو في المسجدِ، وهما مَنْصُوبَتانِ.
رَواه مسلمٌ 782. وعنها، قالت: كُنتُ أنامُ بينَ يَدَي
الجزء: 2 - الصفحة: 44
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ورِجْلايَ في قِبْلَتِه، فإذا سَجَد غَمَزَنِي فقَبَضْتُ رِجْلَيَّ.
مُتَّفَقٌ عليه 783. وللنَّسائِيِّ: مَسَّنِي برِجْلِه 784. والآَيةُ أُرِيدَ بها الجِماعُ، قاله ابنُ عباسِ.
ولأنَّ المُرادَ بالمَسِّ الجِماعُ، فكذلك اللَّمْسُ.
ولأنَّه ذَكَره بلَفْظِ المُفاعَلَةِ، والمُفاعَلَةُ لا تَكُونُ مِن أقَلَّ مِن اثْنَين.
والرِّوايَةُ الثالثةُ وهي ظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّه يَنْقُضُ إذا كان لشَهْوةٍ ولا يَنْقُضُ لغَيرِها، جمْعًا بينَ الآية والأخبارِ.
ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى وهو حامِلٌ أُمامَةَ بنتَ أبي العاصِ
الجزء: 2 - الصفحة: 45
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنِ الرَّبِيعِ، إذا سَجَد وَضَعَها، وإذا قامَ حَمَلَها.
مُتَّفَقٌ عليه 785.
والظّاهِرُ أنَّه لا يَسْلَمُ مِن مَسِّها.
ولأنَّ اللَّمْسَ ليس بحَدَثٍ في نَفْسِه، وإنَّما هو داعٍ إلى الحَدَثِ، فاعْتُبِرَتِ الحالةُ التي يَدْعُو فيها إلى الحَدَثِ، وهي حالةُ الشَّهْوَةِ.
ولأنَّه لَمْسٌ لغيرِ شهوةٍ فلم يَنْقُضْ، كلَمْسِ ذَواتِ المَحارِمِ.
وهذا مذهبُ الشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والحَكَمِ، وحَمّادٍ، ومالكٍ، والثَّوْرِيّ، وإسحاقَ.
إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ، وذَواتِ المَحارِمِ وغَيرِهِنَّ.
وقال الشافعيُّ في أحَدِ
الجزء: 2 - الصفحة: 46
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَوْلَيه: لا يَنْقُضُ لمْسُ ذاتِ المَحْرَمِ، ولا الصَّغِيرَة؛ لأنَّ لَمْسهَما لا يُفْضِي إلى خُرُوجِ خارِج، أشْبَه لَمْسَ الرجلِ.
ولَنا، عُمُومُ النَّصِّ، واللَّمْسُ النّاقِضُ مُعْتَبَرٌ بالشَّهْوَةِ، فمتى وُجِدَتْ فلا فَرْقَ بينَ الجَمِيعِ.
فأمّا لَمْسُ المرأةِ المَيِّتةِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَنْقُضُ.
اخْتارَه القاضي؛ لعُمُومِ الآيةِ، وكما يَجِبُ الغُسْلُ بوَطْئِها.
والثاني، لا يَنْقُضُ.
اخْتارَه الشرَّيفُ أبو جَعفَرٍ، وابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّها ليست مَحَلًّا للشَّهْوَةِ، فهي كالرجلِ.
فصل: ولا يَخْتَصُّ اللَّمْسُ النّاقِضُ باليَدِ، بل أيُّ شيءٍ منه لاقَى شيئًا مِن بَشَرَتِها مع الشَّهْوَةِ، انْتَقَضَ الوُضُوءُ به، سَواءٌ كان عُضْوًا أصْلِيًّا، أو زائِدًا.
وحُكِي عن الأوْزاعِي، لا يَنْقُضُ اللّمْسُ إلَّا بأحَدِ أعْضاءِ الوُضوءِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لعُمُومِ النُّصُوصِ، والتَّخْصِيصُ بغيِر دَلِيلٍ تَحَكُّمٌ، فلا يُصارُ إليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 47
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن لَمَسَها مِن وراءِ حائِلٍ، لم يَنْتَقِضْ وُضُوءُه.
هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وقال مالكٌ واللَّيثُ: يَنْقُضُ إذا كان ثَوْبًا رَقِيقًا.
وكذلك قال رَبِيعَةُ: إذا غَمَزَها مِن وراءِ ثَوْبٍ رَقِيقٍ لشَهْوَةٍ، وذلك لأنَّ الشهوةَ مَوْجُودَةٌ.
ولَنا، أنَّه لَمْسٌ، فلم يَنْقُضْ مِن وراءِ حائِل، كلَمسِ الذَّكَرِ، ولأنَّه لم يَلْمِسْ جِسْمَ المرأةِ، أشْبَه ما لو لَمَس ثِيابَها لشَهْوَةٍ، والشهوةُ لا تُوجِبُ الوُضُوءَ بمُجَرَّدِها، كما لو وُجِدَتِ الشَّهْوَةُ بغيرِ لَمْسٍ.
فصل: فإن لَمَسَتِ المرأةُ رجلًا لشَهْوَةٍ، انْتَقَض وُضُوءُها في إحدَى الرِّوايَتَين، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ.
وقد سُئِل أحمدُ عن المرأةِ إذا مَسَّتْ زَوْجَها؟ قال: ما سَمِعْتُ فيه شَيئًا، ولكنْ هي شَقِيقَةُ الرجلِ، يُعْجِبُنِي أن تَتَوَضَّأَ؛ لأنَّها مُلامَسَةٌ تَنْقُضُ الوُضوءَ، فاسْتَوَى فيها الرجلُ والمرأةُ، كالجِماعِ.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا يَنْتَقِضُ وُضُوءُها.
وللشافعيِّ قَوْلان كالرِّوايَتَين؛ لأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد في الرِّجالِ، ولا يَصِحُّ قِياسها عليه؛ لأنَّ اللَّمْس مِن الرجلِ مع الشَّهْوَةِ مَظِنَّةٌ لخُرُوجِ المَذي النّاقِضِ، فأُقِيمَ مَقامَه، ولا يُوجَدُ ذلك في حَقِّ المرأةِ، وإذا لم يَكُنْ نَصٌّ ولا قِياسٌ فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 48
وَلَا يَنْقُضُ لَمْسُ الشَّعَرِ وَالسِّنِّ وَالظُفْرِ وَالأْمْرَدِ.
142 - مسألة: (ولا يَنْقُضُ لَمْسُ الشَّعَرِ والسِّنِّ والظّفْرِ)
وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ، وكذلك لَمْسُها بشَعَرِه وسِنِّه وظُفْرِه؛ لأنَّ ذلك مِمّا لا يَقَعُ عليه الطَّلاقُ بإيقاعِه عليه ولا الظِّهارُ، فأشْبَة الثَّوْبَ.
ويَتَخَرَّجُ أن يَنْقُضَ لَمْسُ السِّنِّ والشَعَرِ والظُّفْرِ والأمْرَدِ؛ إذا كان لشَهْوَةٍ، ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّ لمْسَ المرأةِ إنَّما نَقَض لوُجُودِ الشَّهْوَةِ الدّاعِيَةِ إلى خُرُوجِ المَذْي، ولا يَنْقض لمْسُ الأمْرَدِ، ولا لَمْسُ الرجلِ، ولا لَمْسُ المرأةِ المرأةَ؛ لأنَّه ليس بداخِلٍ في الآَيَة، ولا في مَعْناه؛ لكَوْنِه ليس مَحَلًّا لشَهْوَةِ الآخَرِ شَرْعًا.
وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: إذا لَمَسَ الرجلُ الرجلَ، أو المرأةُ المرأةَ، [وكان بَينَهما شهوةٌ] 786 انتقَض وُضُوءُه في قِياسِ المَذْهبِ.
والأوَّلُ أَولَى؛ لِما ذَكَرنا.
ولا يَنْتَقِضُ الوُضوءُ بلَمسِ
الحديث: 142 - الجزء: 2 - الصفحة: 49
وَفِي نَقْضِ وُضوءِ الْمَلْمُوس رِوَايَتَانِ.
البَهِيمَةِ؛ لِما ذَكَرنا، ولا بمَس خُنْثَى مُشْكِل؛ لأنَّه لا يَعلَمُ كَوْنَه رجلًا ولا امرأةً.
ولا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الخُنْثَى بمسَ امرأةٍ ولا رجلٍ؛ لأنَّه مُتَيَقِّن بالطهارةِ، شاكٌّ في الحَدَثِ، قال شَيخُنا: ولا أعلَمُ في هذا كله خِلافًا (1). كان مَس عُضْوَ امرأةٍ مَقْطُوعًا لم يَنْتَقِضْ وُضهوءُه؛ لأنَّه لا يَقَعُ عليه اسمُ المرأةِ، ولا هو مَحَلّ للشَّهْوَةِ.
143 -
مسألة: (وفي نَقْضِ وُضُوءِ المَلْمُوسِ رِوايَتان)،
إحداهُما، يَنْتَقِض، لأنَّ ما يَنْتَقض الْتِقاءِ البَشَرَتَين يَسْتَوى فيه اللّامِسُ والمَلْمُوسُ، كالجِماعِ.
والثانيةُ، لا يَنْتَقِضُ؛ لأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد بالنَّقْضِ في اللّامِسِ، فاخْتَصَّ به، كلَمس الذَّكَرِ، ولأنَّ الشَّهْوَةَ مِن اللّامِسِ أشَدُّ منها في المَلْمُوسِ فامتَنَعَ القِياسُ.
وللشافعيِّ قَوْلان كهذَينِ.787
الحديث: 143 - الجزء: 2 - الصفحة: 50
السَّادِسُ، غُسْل الْمَيِّت.
144 - مسألة: (السّادِسُ، غُسْلُ المَيِّتِ)
وهو ناقِضٌ للوُضُوءِ في قولِ أكْثَرِ الأصحابِ، سَواء كان المَغْسُولُ صغيرًا أو كبيرًا، ذَكَرًا أو أُنْثَى، مُسْلِمًا أو كافِرًا.
وهو قولُ النَّخَعِيِّ، وإسحاقَ، لأنَّ ابنَ عُمَرَ، وابنَ عباس، كانا يَأمُرانِ غاسِلَ المَيِّتِ بالوُضُوءِ.
وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: أقَلّ ما فيه الوُضوءُ.
ولا نَعلَمُ لهم مُخالِفًا في الصَّحابَةِ، فكان إجْماعًا، ولأنَّ الغاسِلَ لا يَسْلَمُ مِن مَسِّ عَوْرَةِ المَيِّتِ غالِبًا، فأقِيمَ مُقامَه؛ كالنَّوْم مع الحَدَثِ.
وقال أبو الحسنِ التَّمِيمِيّ: لا يَنْقُضُ.
وهو قولُ أكثرِ العُلَماءِ.
قال شيخُنا: وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللهُ؛ لأنَّه لم يَرِدْ فيه نَصٌّ
الحديث: 144 - الجزء: 2 - الصفحة: 52
السَّابعُ، أكْلُ لَحمِ الْجَزُورِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الإبِلِ، وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ».
صحيحٌ، ولا هو في مَعنَى المَنْصُوص عليه، ولأنَّه غُسْلُ آدَمِي، أشْبَه غُسْلَ الحَيِّ (1). وكلامُ أحمدَ يَدُلّ على أنه مُسْتَحَبٌّ غيرُ واجِب؛ فإنَّه قال: أحَبُّ إليَّ أن يَتَوَضَّأ.
وعَلَّلَ نَفْيَ وُجُوبِ الغُسْلِ مِن غُسْلِ المَيِّتِ، بكَوْنِ الخَبَرِ الوارِدِ فيه مَوْقُوفًا على أبي هُرَيرَةَ، فإذا لم يُوجِبِ الغُسْلَ بقَوْلِ أبي هُرَيرَةَ، مع احتِمالِ أن يكُونَ مَرفُوعًا، فلَأنْ لا يُوجِبَ الوُضُوءَ بقَوْلِه، مع عَدَمِ هذا الاحتِمالِ أوْلَى، ولأنَّ الأصلَ عَدَمُ وُجُوبِه، فيَبْقَى على الأصلِ.
145 -
مسألة: (السّابع، أكْلُ لَحمِ الجَزُورِ)
وجُملَةُ ذلك أنَّ أكْلَ لَحْمِ الإِبِلِ يَنْقُضُ الوُضُوءَ، سَواءٌ أنْ لَه عالِمًا أو جاهِلًا، نَيِّئًا أو788
الحديث: 145 - الجزء: 2 - الصفحة: 53
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَطْبُوخًا، في ظاهِرِ المَذْهبِ.
وهو قولُ جابِرِ بنِ سَمُرَةَ 789، ومحمدِ بنِ إسحاقَ 790، وأبي خَيثَمَةَ 791، ويَحيَى بن يَحيَى 792، وابنِ المُنْذِرِ، وأحدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
قال الخَطّابِيُّ: ذَهب إلى هذا عامَّةُ أصحابِ الحديثِ.
ورُوِيَ عن أبي عبدِ اللهِ أنَّه قال: إن كان لا يَعلَمُ، فليس عليه وُضُوءٌ، وإن كان قد عَلِمَ وسَمِعَ؛ عليه الوُضوءُ واجِبٌ، ليس هو كمَنْ لا يَعلَمُ.
قال الخَلّالُ: وعلى هذا اسْتَقَرَّ قَوْلُ أبي عبدِ اللهِ.
وقال الثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأيِ: لا وُضُوءَ عليه بحالٍ.
وحَكاه ابنُ عَقِيلٍ روايةً عن أحمدَ؛ لما روَى ابنُ عباس عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «الْوُضُوءُ
الجزء: 2 - الصفحة: 54
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِمَّا يَخْرُجُ لَا مِمَّا يَدخُلُ» 793. وقال جابِرٌ: كان آخِرَ الأمرَين مِن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تَركُ الوُضُوءِ مِمّا مسَّتِ النّارُ.
رَواه أبو داودَ 794. ولأنَّه مَأكُولٌ فلم يَنْقضْ، كسائِرِ المَأكُولاتِ.
ولنَا، ما روَى البَراءُ بنُ عازِبٍ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سُئِل: أنَتَؤَضَّأ مِن لُحُوم الإِبِلِ؟ قال: «نَعم».
قال: أفنَتَوَضّأ مِن لُحُوم الغَنَمِ؟ قال: «لَا».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجَه، والترمِذِيُّ 795. ورَوى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثْلَه.
أخْرَجَه مسلمٌ 796. قال أحمدُ: فيه حَدِيثان صَحِيحان؛
الجزء: 2 - الصفحة: 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حديثُ البَراءِ، وجابِرِ بنِ سَمُرَةَ.
فأمّا حديثُ ابنِ عباسٍ، فإنَّما هو مِن قَوْلِه، مَوْقُوفٌ عليه، ولو صَحَّ لوَجَبَ تَقْدِيمُ حَدِيثِنا عليه، لكَوْنِه أصَحَّ وأخَص، والخاصُّ يُقَدَّمُ على العامِّ.
وحديثُ جابِرٍ لا يُعارِضُ حَدِيثَنا أيضًا، لصِحَّتِه وخُصُوصِه.
فإن قِيلَ: فحَدِيثُ جابِرٍ مُتأخِّرٌ، فيَكُونُ ناسِخًا.
قُلْنا: لا يَصِحُّ أن يكُونَ ناسِخًا، لوُجُوهٍ أربعةٍ؛ أحَدُها، أنَّ الأمرَ بالوُضُوءِ مِن لُحُومِ الإِبِلِ مُتأخِّرٌ عن نَسْخِ الوُضوءِ مِمّا مَسَّتِ النّارُ، أو مُقارِن له، بدَلِيلِ أنه قَرَن الأمرَ بالوُضُوءِ مِن لُحُوم الإِبِلِ بالنَّهْي عن الوُضُوء مِن لُحُومِ الغَنَمِ، وهي مِمّا مَسَّتِ النَّارُ، فإمّا أن يَكُونَ النَّسْخُ حَصَل بهذا النَّهْي، أو بشيءٍ قبلَه، [فإن كان حَصَل به، كان الأمرُ بالوُضُوءِ مِن لحومِ الإِبِلِ مُقارِنًا لنَسْخِ الوُضوءِ مِمّا مَسَّتِ النّارُ، فلا] 797 يَكُونُ ناسِخًا له، إذ مِن شُرُوطِ النَّسْخِ تأخُّرُ النّاسِخِ، وكذلك إن كان بما قبلَه؛ لأنَّ الشيءَ لا يُنْسَخُ بما قبلَه.
الثاني، أنَّ النَّقْضَ بلُحُومِ الإِبِلِ يَتَناوَلُ ما مَسَّتِ النّارُ وغيرَه، ونَسخُ إحدَى الجِهاتِ لا يَثْبُتُ به نَسْخُ الأخْرَى، كما لو حُرِّمتِ المرأة بالرَّضاعِ، وبكَوْنِها رَبِيبَةً، فنَسْخُ تَحرِيمِ الرَّضاعِ لم يَكُنْ نَسْخا لتَحرِيمِ الرَّبِيبَةِ.
الثالثُ، أنَّ خَبرهم عامٌّ، وخَبَرُنا خاصٌّ، فالجَمعُ بَينَهما مُمكِنٌ بحَملِ خَبَرِهِم على ما سِوَى صُورَةِ التَّخْصِيصِ، ومِن شُرُوطِ النَّسْخِ تَعَذُّرُ الجَمع بينَ النَّصينِ.
الرابعُ، أنَّ خَبَرَنا أصَحُّ مِن خَبَرِهِم وأخصُ، والنّاسِخُ لا بدَّ أن يَكُونَ مُساويًا للمَنْسُوخِ، أو راجِحًا عليه.
فإن قِيلَ: الأمرُ بالوُضُوءِ في خَبَرِكُم يَحتَمِلُ الاسْتِحبابَ، ويَحتَمِل
الجزء: 2 - الصفحة: 56
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّه أرادَ بالوُضُوءِ غَسْلَ اليَدِ، لأنَّ إضافَتَه إلى الطَّعامِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ على ذلك،
كما كان - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُ بالوُضُوءِ قبلَ الطَّعام وبعدَه، وخُصَّ ذلك بلَحمَ الإِبِلِ؛
لأنَّ فيه مِن الحَرارَةِ والزُّهُومَةِ 798 مَا ليس في غيرِه.
قُلْنا: أمّا الأوَّل
فمُخالِفٌ للظّاهِرِ، مِن وجُوهٍ، أحَدُها، أنَّ مُقْتَضَى الأمرِ الوُجُوبُ.
الثاني، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن حُكْمَ هذا اللّحمَ، فأجابَ بالأمرِ بالوُضُوء منه، فلو حُمِل على غيرِ الوُجُوبِ كان تَلْبِيسًا لا جَوابًا.
الثالثُ، أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قَرَنَه بالنَّهْي عن الوُضُوءِ مِن لُحُومِ الغَنَمِ، والمُرَادُ بالنَّهْي ههُنا نَفْيُ الإِيجابِ لا التَّحريمُ، فتَعَيَّنَ حَملُ الأمرِ على الإِيجابِ؛ ليَحصُلَ الفَرقُ.
وأمّا الثاني، فلا يَصِحُّ؛ لوُجُوهٍ أربعةٍ؛ أحَدُها، أنَّه يَلْزَمُ منه حَملُ الأمرِ على الاسْتِحباب؛ لكَوْنِ غَسْلِ اليَدِ بمُفْرَدِها غيرَ واجِبٍ، وقد بَيَّنّا فَسادَه.
الثاني، أنَّ الوُضُوءَ في لِسانِ الشّارِعِ إنَّما يَنْصَرِفُ إلى المَوْضُوعِ الشَّرعِيِّ، إذ الظّاهِرُ منه التَّكَلُّمُ بمَوْضُوعاتِه.
الثالثُ، أنَّه خَرَج جَوابًا للسُّؤالِ عن حُكْمِ الوُضُوءِ مِن لُحُومِها، والصلاةِ في مَبارِكِها، فلا يُفهمُ مِن ذلك سِوَى الوُضُوءِ المُراد للصلاةِ ظاهِرًا.
الرابعُ، أنَّه لو أراد غَسْلَ اليَدِ لَما فَرَّقَ بينَه وبينَ لَحمِ الغَنَمِ؛ فإنَّ غَسْلَ اليَدِ منهما مُسْتَحَبٌّ، وما ذَكَرُوه مِن زِيادَةِ الزُّهُومَةِ مَمنُوعٌ، كان ثَبَت فهو أمرٌ يَسيرٌ، لا يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ، وصَرفُ اللَّفْظِ عن ظاهِره إنَّما يكُونُ بدَلِيلٍ قَوي بقَدرِ قُوَّةِ الظَّواهِرِ المَتْرُوكَةِ، وأقْوَى منها، فأمّا قِياسُهم فهو طَردِيٌّ لا مَعْنَى فيه، وانْتِفاء الحُكْمِ في سائِرِ المَأْكُولاتِ؛ لانْتِفاءِ المُقْتَضِي، لا لكَوْنِه
الجزء: 2 - الصفحة: 57
فَإِنْ شَرِبَ مِنْ لَبَنِها، فَعَلَى رِوَايَتَين،
مَأْكُولًا.
ومِن العَجَبِ أنَّ مُخالِفِينا في هذه المَسْأَلَةِ أوْجَبُوا الوُضُوءَ بأحادِيثَ ضَعِيفَةٍ تُخالِف الأصُولَ، فأبو حَنِيفَةَ أوْجَبَه بالقَهْقهةِ في الصلاةِ دُونَ خارِجِها، بحَدِيثٍ مُرسَلٍ من مَراسِيلِ أبي العالِيَةِ، ومالكٌ والشافعيُّ أوْجَباه بمَسِّ الذَّكَرِ، بحَدِيثٍ مُخْتَلَفٍ فيه، مُعارَضِ بمِثْلِه، دُونَ مَسِّ سائِرِ الأعضاءِ، وتَرَكُوا هذا الحديثَ الصَّحِيحَ الذي لا مُعارِضَ له، مع بُعدِه عن التَّأْويلِ وقوَّةِ دَلالتِه، لقِياس طَردِي لا مَعْنَى فيه.
146 -
مسألة: (فإن شَرِبَ مِن لَبَنِها، فعلى رِوايَتَين)
إحداهُما، يَنْقُضُ الوُضُوءَ، لِما روَى أسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سئُل عن ألبانِ الإِبِلِ، فقال: «تَوَضَّئُوا مِنْ ألْبَانها».
وسئُل عن ألبانِ الغَنَمِ، فقال:
الحديث: 146 - الجزء: 2 - الصفحة: 58
وَإنْ أكلَ مِنْ كَبِدِها أو طِحَالِها، فَعَلَى وَجْهينِ.
«لَا تَتَوضَّئُوا مِنْ ألْبَانِها».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وابنُ ماجه (1). وروَى عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ نَحوَه (2). والثانيةُ، لا وُضُوءَ فيه، لأنَّ الحديثَ الصَّحِيحَ إنَّما وَرَد في اللَّحمِ.
وحديثُ أسَيدِ بنِ حُضَيرٍ في طَرِيقه الحَجّاجُ بنُ أرطَاةَ، قال الإِمامُ أحمدُ والدّارَقُطْنِيُّ: لا يُحتَجُّ به.
وحديثُ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَواه ابنُ ماجَه مِن رِواية عَطاء بنِ السّائِبِ، وقد قِيلَ: عطاءٌ اخْتَلَطَ في آخِرِ عمرِه.
قال أحمدُ: مَن سَمِع منه قَدِيمًا فهو صَحِيحٌ، ومَن سَمِع منه حَدِيثًا لم يَكُنْ بشيءٍ.
والحُكْمُ في اللَّحمِ غيرُ مَعقُول، فيَجِبُ الاقْتِصارُ عليه.
147 -
مسألة: (وإن أكَلَ مِنْ كَبِدِها أو طِحالِها، فعلى وَجْهين)
أحَدُهُما، لا يَنْقُضُ، لأنَّ النَّصَّ لم يَتَناوَلْه.
والثاني، يَنْقُضُ؛ لأنَّه مِن799800
الحديث: 147 - الجزء: 2 - الصفحة: 59
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جملَةِ الجَزُورِ، واللَّحمُ يُعَبَّرُ به عن جُملَةِ الحَيَوانِ، فإنَّ تَحرِيمَ لَحم الخِنْزِيرِ يَتَناوَلُ جُملَتَه، كذلك ها هنا، وحُكْمُ سائِرِ أجْزائِه غيرِ اللَّحمِ؛ كالسَّنامِ، والكَرِشِ، والدُّهْنِ، والمَرَقِ؛ والمُصرانِ، والجِلْدِ، حُكْمُ الكَبِدِ والطِّحالِ؛ لِما ذَكَرنا.
فصل: ولا يَنْتَقِضُ الوُضُوءُ بِما سِوَى لَحمِ الجَزُورِ مِن الأطْعِمَةِ.
وهذا قَوْلُ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ، رَضِي اللهُ عنهم، ولا نَعلَمُ اليَوْمَ فيه خِلافًا.
وحَكَى ابنُ عَقِيلٍ، عن أحمدَ، رِوايَةً في نَقْضِ الوُضوءِ بأَكْلِ لَحم الخِنْزِيرِ، والصَّحِيحُ عنه الأوَّلُ؛ لأنَّ الوُجُوبَ مِن الشرعِ، ولم يَرِدْ.
وقد ذَهب حماعةُ مِن الصحابَةِ ومَن بَعدَهم إلى إيجابِ الوُضُوءِ مِمّا غَيَّرَتِ النّارُ؛ منهم ابنُ عُمَرَ، وزَيدُ بنُ ثابِتٍ، وأبو موسى، وأبو هُرَيرَةِ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والحسنُ، والزُّهرِي، وغَيرُهم؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ وعائِشَةُ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ».
رَواهُما
الجزء: 2 - الصفحة: 60
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مسلمٌ 801. ولَنا، قَوْلُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَتَوَضّأ مِنْ لُحُوم الغَنَمَ».
وحديثُ جابِرٍ: كان آخِرُ الأمرَين مِن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تَركَ الوُضُوءِ مِمّا مسَّتِ النّارُ.
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيُّ 802. وثَبَت أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أكَلَ مِن كَتِفِ شاةٍ، وصَلَّى ولم يَتَوَضَّأ.
مُتَّفَق عليه 803.
الجزء: 2 - الصفحة: 61
الثَّامِنُ، الرِّدَّة عَنِ الإسْلَامَ.
148 - مسألة: (الثامنُ، الرِّدَّةُ عن الإِسلام)
الرِّدَّةُ عن الإِسلام يَبْطُلُ بها الوُضُوءُ والتَّيَمُّمُ، وهي الإِتْيانُ بما يَخْرُجُ به عَن الإِسلامِ؛ نُطْقًا،
الحديث: 148 - الجزء: 2 - الصفحة: 62
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو اعتِقادًا، أو شَكًّا، فمتى عاوَدَ الإِسلامَ لم يُصلِّ كلِّ حتى يَتَوَضَّأَ.
وهذا قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ.
وقال أبو حَنِيفةَ، ومالك، والشافعي: لا يَبْطُلُ الوُضُوءُ بذلك.
وللشافعيِّ في بُطْلانِ التَّيَمُّمِ به قَوْلان، لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ 804. ولأنَّها طهارة، فلم تَبْطُلُ بالرِّدَّةِ، كالطهارةِ الكُبْرَى.
ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطنَّ عَمَلُكَ﴾ 805. والطهارةُ عَمَلٌ، وحكْمُها باقٍ، فيَجِب أن يَحْبَطَ بالآية، ولأنَّها عِبادَة يُفْسِدُها الحَدَثُ، فبَطَلَتْ بالشركِ، كالصلاةِ.
ولأنَّ الرِّدَّةَ حَدَث، لِما رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الْحَدَثُ حَدَثَانِ، حَدَثُ الْفَرجِ، وَحَدَثُ اللِّسَانِ.
[وَحَدَثُ اللِّسَانِ] 806 أشَدُّ مِنْ حَدَثِ الفَرجِ، وَفِيهِمَا الوُضُوءُ».
رَوَاه الشيخُ أبو الفَرَجِ ابنُ الجَوْزِيِّ في كتاب «التّحقِيقِ».
وتَكَلَّمَ فيه وقال: بَقِيَّةُ يُدَلَسُ 807. وما ذَكَرُوه تَمَسُّك بالمَفْهُومِ، والمَنْطُوقُ راجِحٌ عليه.
وأمّا غُسْلُ الجَنابَةِ فقد زال حُكْمُه، وعندَنا يَجِبُ الغُسْلُ على مَن أسْلَمَ أيضًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 63
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يَنْقُضُ الوُضُوءَ ما عدا الرِّدَّةَ مِن الكَذِبِ، والغِيبَةِ، والرَّفَثِ، والقَذفِ، ونَحوها.
نَصَّ عليه أحمدُ.
قال ابنُ المنذِرِ: أجْمَعَ مَن نَحْفَظُ قَوْلَه مِن علماءِ الأمصارِ على أنَّ القَذْفَ، وقَوْلَ الزُّورِ، والكَذِبَ، والغِيبَةَ، لا يُوجِبُ طهارةً ولا يَنْقُضُ وُضُوءًا.
وقد رَوَينا عن غيرِ واحِدٍ مِن الأوائِلِ، أنَّهم أمَرُوا بالوضوءِ مِن الكلامِ الخَبِيثِ، وذلك اسْتِحبابٌ عندَنا مِمَّن أمَرَ به، ولا نَعلَمُ حُجَّة تُوجِبُ وُضُوءًا في شيءٍ مِن الكلام، وقد ثَبَت أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال.: «مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ فَلْيَقُلْ: لَا إلَه إلَّا اللهُ».
ولم يَأمُر في ذلك بوُضُوءٍ.
رَواه البُخارِي 808.
الجزء: 2 - الصفحة: 64
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والقَهْقَهةُ لا تَنْقُضُ الوُضُوءَ بحالٍ.
رُوِيَ ذلك عن عُروَة؛ وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ،.
ومالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وابن المُنْذِرِ.
وذهب الثَّوْريُّ، والحسنُ، وأصحابُ الرَّأْي، إلى أنَّها تُبْطِلُ الوُضُوءَ داخِلَ الصلاةِ دُونَ خارِجها؛ لِما روَى أسامَةُ، عن أبيه، قال: بَينا نحن نُصَلِّي خلفَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، إذ أقْبَلَ رجلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ، فتَرَدَّى في حُفْرَةٍ، فضَحِكْنا منه، فأمَرَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بإعادَةِ الوُضُوءِ كامِلًا، وإعادَةِ الصلاةِ مِن أوَّلِها.
رَواه الدّارَقُطْنِيُّ 809 مِن طُرُقٍ كثيرةٍ، وضَعَّفَها وقال: إنَّما رُوِيَ هذا الحديثُ عن أبي العالِيَةِ 810 مُرسَلًا.
وقال نَحوَ ذلك الإِمامُ أحمدُ، وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيّ 811. ولَنا، أنَّه مَعْنًى لا يُبْطِل
الجزء: 2 - الصفحة: 65
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوُضُوءَ خارِج الصلاةِ، فلم يُبْطِلْه داخِلَها كالكلامِ، ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا في شيءٍ يُقاسُ عليه، وحَدِيثُهم قد ذَكَرنا الكلامَ عليه.
قال ابنُ سِيرِينَ: لا تَأخُذُوا بمَراسِيلِ الحسنِ وأبي العالِيَةِ؛ فإنَّهما لا يُبالِيان، عمَّن أخَذا.
والقَهْقَهةُ أن يَضْحَكَ حتى يَتَحَصَلَ مِن ضَحِكِه حَرْفان.
ذَكَره ابنُ عَقِيلٍ.
الجزء: 2 - الصفحة: 66
وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهارَةِ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ.
149 - مسألة: (ومَن تَيَقَّنَ الطهارةَ، وشَكَّ في الحَدَثِ، أو تَيَقَّنَ الحَدَثَ وشَكَّ في الطهارةِ، بَنَى على اليَقِينِ)
أنها إذا تَيَقَّنَ الحَدَثَ وشَكَّ في الطهارةِ، فهو مُحْدِثٌ يُلْغِي الشكَّ ويَبْنِي على اليَقِينِ.
لا نعلَمُ في ذلك خِلافًا.
فإن تَيَقَّنَ أنَّه تَوَضَّأ، وشَكَّ هل أحدَثَ أوْ لا، بَنَى على أنَّه مُتَطَهِّرٌ.
وبهذا قال عامَّةُ أهلِ العلمِ.
وقال الحسنُ: إن شَكَّ وهو في الصلاةِ، مَضَى فيها، وإن كان قبلَ الدُّخُولِ فيها، تَوَضَّأ.
وقال مالكٌ: إذا شَكَّ في الحَدَثِ إن كان يَلْحَقُه كثيرًا، فهو على وُضُوئِه، وإن كان لا يَلْحَقُه كثيرًا، تَوَضَّأَ؛
الحديث: 149 - الجزء: 2 - الصفحة: 67
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّه 812 لا يَدخُلُ في الصلاةِ مع الشَّكِّ.
ولَنا، ما روَى عبدُ الله بنُ زَيدٍ، قال: شُكِي إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، الرجلُ يُخَيَّلُ إليه وهو (1) في الصلاةِ أنَّه يَجِدُ الشيءَ، فقال: «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أوْ يَجدَ رِيحًا».
مُتَّفَقٌ عليه 813. وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا وَجَدَ 814
الجزء: 2 - الصفحة: 68
فَإِنْ تَيَقَّنَهُمَا، وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا، نَظرَ فِي حَالِهِ قَبْلَهُمَا؛ فَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ مُحدِثٌ، وَإنْ كَانَ مُحدِثًا فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ.
أحَدُكُم فِي بَطْنِهِ شَيئًا فَأشْكَلَ عَلَيهِ، أخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أم لَا (1)، فَلَا يَخْرُجُ (2) مِنَ الْمَسجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أوْ يَجِدَ رِيحًا».
رَواه مسلمٌ (3). ولأنَّه إذا شَكَّ تَعارَضَ عندَه الأمرانِ، فيَجِبُ سُقُوطُهُما، كالبَيَنتَينِ إذا تَعارَضَتا، ويَرجِعُ إلى اليَقِينِ، ولا فَرقَ بينَ أن يَغْلِبَ على ظَنِّه أحَدُهما، أو يَتَساوَى الأمرانِ، لأنَّ غَلَبَةَ الظنِّ إذا لم تَكُنْ مَضْبُوطَةً بضابطٍ شَرعِيٍّ، لم يُلْتَفَتْ إليها، كما لا يَلْتَفِتُ الحاكِمُ إلى قَوْلَ أحَدِ المُتَداعِيَين إذا غَلَب على ظَنِّه صِدقُه بغيرِ دَلِيلٍ.
150 -
مسألة: (فإن تَيَقَّنَهما، وشَكَّ في السّابِقِ منهما، نَظرَ في حالِه قَبْلَهما؛ فإن كان مُتَطَهِّرًا، فهو مُحْدِثٌ، وإن كان مُحدِثًا، فهو مُتَطَهِّرٌ)
مِثالُه أن يَتَيَقَّنَ أنَّه كان في وَقْتِ الظُّهْرِ مُتَطَهِّرًا مَرَّةً، ومُحدِثًا815816817
الحديث: 150 - الجزء: 2 - الصفحة: 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أُخْرَى، ولا يَعلَم أيهما كان قبلَ الآخَرِ، فإنَّه يَنْظرُ في حالِه قبلَ الزَّوالِ، فإن كان متَطَهِّرًا، فهو الآنَ مُحدِثٌ، لأنَّه تَيَقَّنَ زَوال تلك الطهارةِ بحَدَثٍ، ولم يَتَيَقَّنْ زَوال ذلك الحَدَثِ بطهارةٍ أخْرَى، لاحتِمالِ أن تَكُونَ الطهارةُ التي يَتَيَقَّنُها بعدَ الزَّوالِ هي التي كانت قبلَه، فلم يَزُلْ يَقِينُ الحَدَثِ بالشَّكِّ.
وإن كات مُحدِثًا قبلَ الزَّوالِ، فهو الآن مُتَطَهِّرٌ، لِما ذَكرنا في التي قَبلها.
فصل: فإن تَيَقَّنَ أنَّه نَقَض طَهارَتَه وتَوَضَّأ عن حَدَثٍ، في وَقْتٍ واحِدٍ، وشَكَّ في السّابِقِ مكما، نَظرَ في حالِه قَبْلَهُما، فإن كان مُتَطَهِّرًا، فهو الآنَ مُتَطَهِّرٌ، لأنَّه تَيَقَّنَ أنَّه نَقَض تلك الطهارةَ، ثم تَوَضَّأَ، إذ لا يُمكِنُ أن يَتَوَضَّأَ عن حَدَثِ مع بَقاءِ تلك الطهارةِ، ونَقْضُ هذه الطهارةِ الثّانِيَةِ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ.
وإن كان مُحدِثًا، فهِو الآنَ مُحدِثٌ، لأنَّه تَيَقَّنَ أنَّه انْتَقَلَ عنه إلى طهارةٍ ثم أحدَثَ منها، ولم يَتَيَقنْ بعدَ الحَدَثِ الثّاني طهارةً.
واللهُ أعلمُ.
فهذه جَمِيعُ نَواقِضِ الطهارةِ، ولا يَنْتَقِضُ بغَيرِها في قَوْلِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، إلَّا أنَّه قد حُكِي عن مُجاهِدٍ، والحَكَمِ، وحَمّادٍ، في قَصِّ الشّارِبِ، وتَقْلِيمِ الأظْفارِ، ونَتْفِ الإِبطِ، الوُضُوءُ.
وقَوْلُ جُمهُورِ العُلَماءِ بخِلافِهِم، وهو أوْلَى، ولا نَعلَمُ لهم فيما يَقُولُونَ حُجَّةً.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 70
وَمَنْ أحدَثَ حَرُمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ، وَالطَّوَافُ، وَمَسُّ الْمُصحَف.
151 - مسألة؛ قال: (ومَن أحدَثَ حَرُم عليه الصلاةُ والطَّوافُ ومَسُّ المصحفِ)
أنها الصلاةُ؛ فلقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقبَلُ اللهُ صَلَاةَ مَنْ أحدَثَ حتَّى يَتَوَضَّأَ».
مُتَّفَقٌ عليه 818. والطَّواف؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الطَّوَاف بِالْبَيتِ صَلَاةٌ، إلّا أنَّ الله أباحَ فِيهِ الْكَلَامَ».
رَواه الشافعيُّ في مسنده 819. ومسُّ المصحفِ، رُوِيَ هذا عن ابن عمَرَ، والحسنِ، وعَطاءٍ، وطاوُسِ، وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعي 820، وأصحابِ الرَّأي.
وقال داودُ: يُباحُ مَسُّه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَتَب في كتابِه إلى قَيصَرَ آيَةً مِن القرآنِ.
وأباحَ الحَكَم، وحَمّادٌ مَسَّه بظاهِرِ الكَفِّ؛ لأنَّ آلةَ
الحديث: 151 - الجزء: 2 - الصفحة: 71
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اللَّمسِ باطِنُ اليَدِ، فيَنْصَرِفُ إليه النَّهْيُ دُونَ غيرِه.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ 821. وفي كتابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لعَمرِو بنِ حَزْمٍ 822: «أنْ لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا وَأنتَ طَاهِرٌ».
رواه الأثْرَمُ 823. فأمّا الآيَة التي كَتَب بها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فإنَّما قَصَد بها المُراسلَةَ، والآيَةُ في الرِّسالةِ أو في كتابِ فِقْهٍ ونَحوه لا تَمنَعُ مَسَّه، ولا يَصِيرُ بها الكتابُ مصحفًا.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يَجُوزُ مَسُّه بشيءٍ مِن جَسَده قِياسًا على اليَدِ.
قَوْلُهم: إنَّ المَسَّ يَخْتَصُّ باطِنَ اليَدِ.
مَمنُوعٌ، بل كلّ شيءٍ لاقَى شَيئًا فقد مَسَّه.
الجزء: 2 - الصفحة: 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَجُوزُ حَمْلُه بعِلاقَتِه.
وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ.
ورُوي ذلك عن الحسنِ، وعَطاءٍ، والشَّعبِيِّ، وحَمّادٍ.
ومَنَع منه الأوزاعِيّ، ومالكٌ، والشافعيُ؛ تَعظِيمًا للقرآنِ.
ولأنَّه مكَلَّف مُحدِثٌ قاصِدٌ لحَملِ المصحفِ، فهو كما لو حَمَلَه مع مَسِّه.
ولَنا، أنَّه غيرُ ماسٍّ، فلم يُمنَع، كما لو حَمَلَه في رَحلِه، ولأنَّ النَّهْيَ إنَّما تَناوَلَ المَسَّ، والحَملُ ليس بمَسٍّ، وقِياسُهُم لا يَصِحُّ، لأنَّ العِلَّةَ في الأصلِ مَسُّه، وهو غيرُ مَوْجُودٍ في الفَرعِ، والحَملُ لا أثَرَ له، فلا يَصِحُّ التَّعلِيلُ به.
وعلى هذا لو حَمَلَه بحائِلٍ بَينَه
الجزء: 2 - الصفحة: 73
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبينَه مِما لا يَتْبَعُ في البَيعِ، جازَ، وعِنْدَهم لا يَجُوزُ.
ويجُوزُ تقْلِيبُه بعُودٍ ومَسُّه به، وكَتْبُ المصحفِ بيَدِه مِن غيرِ أن يَمَسَّه، وذَكر ابنُ عَقِيلٍ في ذلك كلِّه، وفي حَملِه بعِلاقَتِه رِوايَتَين.
وفي مَسِّه بكُمِّه رِوايَتان، ووَجْهُهُما ما تَقَدَّمَ.
والصَّحِيحُ في ذلك كلِّه الجَوازُ، قاله شَيخُنا؛ لأنَّ النَّهْيَ إنَّما تَناوَلَ مَسَّه، وهذا ليس بمَسٍّ 824.
الجزء: 2 - الصفحة: 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَجُوزُ مَس كُتُب الفِقْهِ والتَّفْسِيرِ، والرَّسائِلِ، وإن كان فيها آيات مِن القرآنِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَتَب إلى قَيصَرَ كِتابًا فيه آيَةٌ، ولأنَّها لا يَقَعُ عليها اسْمُ المُصحَفِ، ولا يَثْبُتُ لها حُرمَتُه.
وكذلك إن مَس ثَوْبًا مُطرًّزًا بآيةِ مِن القرآنِ.
وفي مَسِّ الصِّبْيانِ ألْواحَهُم التي فيها القُرآنُ وَجْهان؛ أحَدهما، الجَوازُ؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ، فلو اشْتَرَطْنا الطهارةَ أدَّى إلى تَنْفِيرِهم عن حِفْظِه.
والثاني، المَنْعُ؛ لعُمُومِ النَّصِّ.
وفي الدَّراهِم
الجزء: 2 - الصفحة: 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَكْتُوب عليها القُرآنُ وَجْهان؛ أحَدُهما، المَنْعُ، وهو مَذْهبُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّ القُرآنَ مَكْتُوبٌ عليها، أشبهتِ الوَرَقَ.
والثاني، الجَوازُ؛ لأنَّها لا يَقَعُ عليها اسْمُ المُصحَفِ، أشْبَهتْ كُتُبَ الفِقْهِ، ولأنَّ في الاحتِرازِ منها مَشَقَّةٌ، أشْبَهتْ ألْواحَ الصِّبْيانِ.
ومَن كانْ مُتَطَهِّرًا، وبَعْضُ أعضائِه
الجزء: 2 - الصفحة: 76
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَجِسٌ، فمَسَّ المصحفَ بالعُضْو الطّاهِرِ، جازَ؛ لأنَّ حُكْمَ النَّجاسَةِ لا يَتَعَدَّى مَحَلَّها، بخِلافِ الحَدَثِ.
وإنِ احتاجَ المُحْدِثُ إلى مَسِّ المصحف عندَ عَدَمِ الماءِ، تَيَمَّمَ ومَسَّه؛ لأنَّه يَقُومُ مَقامَ الماءِ.
ولو غَسَل المُحدِثُ بعضَ أعضاءِ الوُضُوءِ، لم يَجُز لهْ مَسُّه به قبلَ إتْمامِ وُضُوئِه؛ لأنَّه لا يَكونُ مُتَطَهِّرًا إلَّا بغَسْلِ الجَمِيعِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 77
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فصل: ولا يَجُوزُ المُسافَرَةُ بالمصحفِ إلى دارِ الحَربِ؛ لما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُسَافِرُوا بِالْقرآنِ إلَى أرضِ الْعَدُوِّ؛ مَخَافَةَ أنْ تَنَالهُ أيدِيهم» 825.
الجزء: 2 - الصفحة: 78
بَابُ الْغسْلِ
وَمُوجِبَاتُهُ سَبْعَةٌ؛ خُرُوجُ الْمَنِيِّ الدَّافِقِ بِلَذَّةٍ،
بابُ الغُسْلِ
(ومُوجباتُه سبعَةٌ) غَسْلُ الجنابَة، بفتح الغَين.
ذَكَره ابنُ بَرِّيٍّ 826. والغُسل بالضَّمِّ: الماءُ الذي يُغْتَسَلُ به.
قاله ابنُ السكِّيتِ 827. والغِسْلُ ما غُسِل به الرّأسُ.
أحَدُها (خُرُوجُ المَنِيِّ الدّافِقِ بلَذَّةٍ) وهو مُوجِبٌ للغُسْلِ من الرجلِ والمرأةِ، في اليَقَظَةِ والنَّوْمِ.
وهذا قَوْلُ عامَّةِ الفُقَهاءِ حَكاه الترمِذِيُّ 828. ولا نَعلَم فيه خِلافًا، وذلك لِما رُوِيَ أنَّ أمَّ سُلَيمٍ قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ الله لا يَسْتحيِي مِن الحَقِّ، هل على المرأةِ مِن غُسْلٍ إذا هي احتَلَمَتْ؟ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «نَعم، إذَا رَأتِ
الجزء: 2 - الصفحة: 79
فَإِنْ خَرَجَ لِغَيرِ ذلِكَ لَمْ يُوجِبْ.
الْمَاءَ».
مُتَّفَقٌ عليه (1). وماءُ الرجلِ غَلِيظٌ أبيَضُ، وماءُ المرأةِ رَقِيقٌ أصفَرُ؛ لأنَّ في حَدِيثِ أُمِّ سُلَيمٍ، في بَعضِ رِواياتِه: فقالت: وهل يكُون هذا؟ فقال نبيُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «نَعَم، فَمِن أينَ يَكُونُ الشَّبّه! إنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظ أبيض، وَمَاءُ الْمرأةِ رَقِيق أصفَرُ، فَمِنْ أيِّهِمَا عَلَا أوْ سَبَقَ، يَكُون مِنْهُ الشَّبّه».
رَواه مسلمٌ (2).
152 -
مسألة: (فإن خَرَجَ لغَيرِ ذلك لم يُوجِبْ)
يَعنِي إذا خَرجَ شَبِيهُ المَنِيِّ؛ لمَرَضٍ أو إِبْرَدَةٍ 831، مِن غيرِ شَهْوَةٍ.
وهذا قولُ أبي حَنِيفة829830
الحديث: 152 - الجزء: 2 - الصفحة: 80
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومالكٍ.
وقال الشافعيّ: يَجِبُ.
ويَحتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ، وذلك لقَوْلِه - عليه السلام -: «نعم، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ».
وقَوْلِه: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» 832.
ولأنَّه منيٌّ خارِجٌ فأوْجَبَ الغُسْلَ، كما لو خَرَج حال الإِغْماءِ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَصَف المَنِيَّ المُوجِبَ بأنَّه غَلِيظٌ أبْيَضُ، وقال لعَلِيٍّ «إذا فَضَخْتَ الْمَاءَ 833 فَاغْتَسِلْ».
رَواه أبو داودَ 834. والفَضْخُ خُرُوجُه على وَجْهِ الشِّدَّةِ.
وقال إبراهيمُ الحربِيّ 835: بالعجَلَةِ.
وقَوْلُه - عليه السلام -: «إذَا رَأتِ الْمَاءَ».
يَعنِي في الاحتِلام، وإنَّما يَخْرُجُ في الاحتِلامِ لشَهوَةٍ، والحَدِيثُ الآخَرُ مَنْسُوخٌ، ويُمكِنُ مَنْعُ كَوْنِ هذا مَنِيًّا؛ لأنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وَصَف المَنِيَّ بصِفَةٍ غيرِ مَوْجُودَةٍ في هذا.
الجزء: 2 - الصفحة: 81
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن رَأى أنَّه قد احتَلَمَ، ولم يَرَ بَللًا، فلا غُسْلَ عليه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ؛ لأنَّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «نَعم، إذَا رَأتِ الْمَاءَ».
يَدُلُّ بمَفْهُومِه 836 على أنَّه لم يَجِبْ إذا لم تَرَه، ورَوَتْ عائِشَةُ، قالت: سُئِل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجلِ يَجِدُ البَلَلَ، ولا يَذْكُرُ احتِلامًا، قال: «يَغْتَسِلُ».
وعن الرجلِ يَرَى أن قد احتَلَمَ، ولم يَجِدِ البلَلَ، قال:.
«لَا غُسْلَ عَلَيهِ».
قالت أمُّ سُلَيمٍ: المرأةُ تَرَى ذلك، أعليها غُسْلٌ؟ قال: «نَعَم، إنَّما النِّسَاءُ شَقَائِقُ
الجزء: 2 - الصفحة: 82
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرِّجَالِ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 837. وذَكَر ابنُ أبي موسى في مَن احتَلَمَ ووَجَدَ لذَّة الإِنْزالِ، ولم يَرَ بَلَلًا، رِوايَةً في وُجُوبِ الغُسْلِ عليه.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما ذَكَرنا مِن النَّصِّ والإِجماعِ، لكن إن مَشَى فخَرَجَ منه المَنِيُّ، أو خَرَج بعدَ اسْتِيقاظِه، فعليه الغُسْلُ.
نَصَّ عليه أحمدُ، لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه كان انْتَقَل، وتَخَلَّف خُرُوجُه إلى ما بعدَ الاسْتِيقاظِ، وإن انْتَبَه فرَأى مَنِيًّا، ولم يَذْكُرِ احتِلامًا، فعليه الغُسْلُ، قال شيخُنا: لا نَعلَمُ فيه خِلافًا 838. ورُوي نحوُ ذلك عن عُمَرَ، وعثمانَ.
وبه قال ابنُ عباسِ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، والشَّعبِي، والحسنُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاق؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ خُرُوجَه كان لاحتِلامٍ نَسِيَه؛ وذلك لِما ذَكَرنا مِن حديثِ عائشةَ.
الجزء: 2 - الصفحة: 83
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإنِ انْتَبَه مِن النَّوْمِ فوَجَدَ بَلَلًا، لا يَعلمُ هل هو مَنِيٌّ أو غيرُه، فقال أحمدُ: إذا وَجَد بِلَّةً اغْتَسَلَ، إلَّا أن يَكُونَ به إِبرِدَةٌ، أو لاعَبَ أهْلَه؛ فإنَّه رُبَّما خَرَج منه المَذْيُ، فأرجُو أن لا يكُون به بَأسٌ.
وكذلك إن كان انْتَشَرَ مِن أوَّلِ اللَّيلِ بتَذَكُّرٍ أو رُؤيَةٍ.
وهو قَوْلُ الحسنِ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه مَذْيٌ، لوُجُودِ سَبَبِه، فلا يَجِبُ الغُسْلُ بالاحتِمالِ.
وإن لم يَكُنْ وَجَد ذلك، فعليه الغُسْلُ؛ لحَدِيثِ عائِشَةَ.
وقد تَوَقَّف أحمدُ في هذه المَسْأَلَةِ.
وقال مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: لا غُسْلَ عليه حتى يُوقِنَ بالماءِ الدّافِقِ.
وهذا هو القِياس، والأوْلَى الاغْتِسالُ؛ لمُوافَقَةِ الخَبَرِ، وعَمَلًا بالاحتِياطِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 84
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن رَأى في ثَوْبِه مَنِيًّا، وكان لا يَنامُ فيه غيرُه، وهو مِمَّن يمكنُ أن يَحتَلِمَ، كابنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فعليه الغُسْلُ، وإلَّا فَلا؛ لأنَّ عُمَرَ وعثمانَ اغْتَسَلا حينَ رأياه في ثوبيهما، ولأنَّ الظّاهِرَ أنَّه مَنِيُّه 839، ويَلْزَمُه إعادَةُ الصلاةِ مِن أحدَث نَوْمَةٍ نامَها فيه، إلَّا أن يَرَى أمارَةً تَدُلُّ على أنَّه قَبْلَها، فيُعِيدَ مِن أدنَى نَوْمَةٍ يَحتَمِلُ أنَّه منها.
فأمّا إن كان يَنامُ فيه هو وغيرُه مِمَّن يَحتَلِمُ، فلا غُسْلَ على واحِدٍ منهما؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا 840 شاكٌّ فيما يُوجِبُ الغُسْلَ، والأصلُ عَدَمُ وُجْوبِه، وليس لأحَدِهما الائْتِمامُ بالآخَرِ؛ لأنَّ أحَدَهما جُنُبٌ يَقِينًا.
فصل: فإن وَطِئَ امرأته دُونَ الفَرجِ، فدَبَّ ماؤه إلى فَرجِها ثم خَرَج، أو وَطِئَها في الفَرجِ، فاغْتَسَلَتْ ثم خَرَج ماؤه مِن فَرجِها، فلا غُسْلَ عليها.
وبه قال قَتادَةُ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاق.
وقال الحسنُ: تَغْتَسِلُ؛ لأنَّه مَنِيٌّ خارِجٌ، فأشْبَه ماءَها.
والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّه ليس مَنِيَّها، أشْبَه غيرَ المَنِيِّ؛ ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعنى المَنْصُوصِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 85
وَإِنْ أحسَّ بِانْتِقَالِهِ فَأمسَكَ ذَكَرهُ، فَلَم يَخْرُجْ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ.
153 - مسألة: (فإنْ أحَسَّ بانْتِقالِه فأمسَكَ ذَكَرَه، فلم يَخْرُج، فعلى رِوايَتَين)
إحداهما، يَجِبُ عليه الغُسْل، وهو المَشْهُورُ عن أحمدَ، وأنْكَرَ أن يكُونَ الماءُ يَرجِعُ.
اخْتاره ابنُ عَقِيلٍ، والقاضي، ولم يَذْكُر فيه خِلافًا، قال: لأنَّ الجَنابَةَ تَباعُدُ الماءِ عن مَحَلِّه، وقد وُجِد، فتَكُونُ الجَنابَةُ مَوجُودَةً، فيَجِبُ بها الغُسْلُ.
ولأنَّ الغُسْلَ تُراعَى فيه الشَّهْوَةُ، وقد حَصَلَتْ بانْتِقالِه، أشْبَه ما لو ظَهر.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا غُسْلَ عليه، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِي، وقَوْلُ أكثَرِ الفقهاءِ، وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَّقَ الاغْتِسال على رُؤيةِ الماءِ بقَوْلِه: «إذَا رَأتِ الْمَاءَ».
وقَوْلِه: «إذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ».
فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ بدُونِه، وما ذَكَرُوه مِن الاشتِقاقِ مَمنُوعٌ؛ لأنَّه يَجُوزُ أن يُسَمَّي جُنُبًا لمُجانَبَتِه الماءَ، ولا يَحصُلُ إلَّا بخُرُوجِه، أو لمُجانَبَتِه الصلاةَ أو المسجدَ، وإذا سُمِّيَ بذلك
الحديث: 153 - الجزء: 2 - الصفحة: 86
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مع الخُرُوجِ لم يَلْزَم وُجُودُ التَّسْمِيَةِ مِن غيرِ خُرُوجٍ، فإنَّ الاشْتقاقَ لا يَلْزَمُ منه الاطِّرادُ، ومُراعاةُ الشَّهْوَةِ في الحُكْمَ لا يَلْزَمُ منه اسْتِقْلالُها به، فإنَّ أحَدَ وَصفَي العِلَّةِ وشَرطَ الحُكْمِ مُراعًى له، ولا يَسْتَقِلُّ بالحُكْمِ، ثم يَبْطُلُ ذلك [بلَمسِ النِّساء] 841، وبما لو وُجِدَتِ الشَّهْوَةُ مِن غيرِ انْتِقالٍ، فإنَّها لا تَسْتَقِلّ بالحُكْمِ، وكلامُ أحمدَ إنَّما يَدُلُّ على أنَّ الماءَ إذا انْتَقَلَ، لَزِم منه الخُرُوجُ، وإنَّما يَتأخَّرُ، وكذلك يَتأخَّرُ الغُسْلُ إلى حينِ خُرُوجِه.
الجزء: 2 - الصفحة: 87
فَإِنْ خَرَجَ بعدَ الْغُسْلِ، أَوْ خَرَجت بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ لَمْ يَجِبِ الْغُسْلُ.
وعَنْهُ، يَجِبُ.
وعَنْهُ، يَجِبُ إِذَا خَرَجَ قَبْلَ الْبَوْلِ، دُونَ مَا بَعدهُ.
154 - مسألة: (فإنْ خَرَجَ بعدَ الغُسْلِ)
وقُلْنَا: لا يَجِبُ الغُسْلُ بالانْتِقالِ.
لَزِمَه الغُسْلُ؛ لأنَّه مَنِيٌّ خَرَج بسَبَبِ الشهْوَةِ، فأوْجَبَ الغُسْلَ؛ لقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ».
ولحَدِيثِ أمِّ سُلَيمٍ، وكما لو خَرَج حال انْتِقالِه، وقد قال أحمدُ، في الرجلِ يُجامِعُ ولم يُنْزِلْ، فيَغْتَسِلُ
الحديث: 154 - الجزء: 2 - الصفحة: 88
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم يَخْرُجُ منه المَنِيُّ: عليه الغُسْلُ.
ولأنَّه لو لم يَجِبِ الغُسْلُ على هذه الرِّواية، أفْضَى إلى نَفْي الوُجوبِ عنه بالكُلِّيَّةِ، مع انْتِقالِ المَنِيِّ بشَهْوَةٍ وخُرُوجِه.
وإن قُلْنا: يَجِبُ الغُسْلُ بالانْتِقالِ.
لم يَجِبْ بالخُرُوجِ؛ لأنَّه تَعَلَّق بانْتِقالِه، وقد اغْتسل له، فلم يَجِبْ له غُسْل ثانٍ، كبَقِيَّةِ المَنِيِّ إذا خَرَجَتْ بعدَ الغُسْلِ.
وهكذا الحُكْمُ في بَقِيَّةِ المَنِيِّ إذا خَرَج بعدَ الغُسْلِ.
هذا هو المَشْهُورُ عن أحمدَ.
قال الخَلَّالُ: تَواتَرَتِ الرِّواياتُ عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّه ليس عليه إلَّا الوُضوءُ، بال أو لم يَبُلْ.
رُويَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ عباسِ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، واللَّيثِ، والثَّوْري.
ولأنَّه مَنِيٌّ خَرَج على غيرِ وَجْهِ الدَّفْقِ واللَّذَّةِ، أشْبَه الخارِجَ في المَرَضِ.
ولأنَّه جَنابَة واحِدَة، فلم يَجِبْ به غُسْلان، كما لو خَرَج دَفْعَةً واحِدَةً.
وفيه رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّه يَجِبُ بكلِّ حالٍ.
وهو مَذْهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الاعتِبارَ بخُرُوجِه كسائِرِ الأحداثِ.
قال شَيخُنا: وهذا هو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ الخُرُوجَ يَصلُحُ مُوجِبًا
الجزء: 2 - الصفحة: 89
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للغُسْلِ 842. قَوْلُهم: إنَّه جَنابَةٌ واحِدَة، فلم يَجبْ به غُسْلان.
يَبطُلُ بما إذا جامَعَ فلم يُنْزِلْ، فاغْتَسَلَ، ثم أنزَلَ، فإنَّ أَحمدَ قد نَصَّ على وُجُوبِ الغُسْلِ عليه بالإِنْزالِ مع وُجُوبِه بالْتِقاءِ الخِتانَين.
واخْتارَ القاضي الرِّوايَةَ الأُولَى، وحَمَل كلامَ أحمدَ في هذه المَسْأَلَةِ على أن تكُونَ قارَنتْه شَهْوَة حال خُرُوجِه، قال: فإن لم تُقارِنه شَهْوَةٌ فهو كبَقِيَّةِ المَنِيِّ إذا خَرَجَتْ.
وفيه رِوايَةٌ ثالثةٌ، أنَّه إن خَرَج قبلَ البَوْلِ، اغْتَسَل، وإن خَرَج بعدَه، لم يَغْتَسِلْ.
وهذا قولُ الأوْزاعِيِّ، وأبي حَنِيفَةَ، ونُقِل عن الحسنِ؛ لأنَّه قبلَ البَوْلِ بَقِيَّةُ ما خَرَج بالدَّفْقِ والشَّهْوَةِ، فأوْجَبَ الغُسلَ كالأوَّلِ، وبعدَ البَوْلِ لا يَعلَمُ أنَّه بَقِيَّةُ الأوَّلِ، لأنَّه لو كان بَقِيَّةَ الأوَّلِ لَما تَخَلَّفَ بعدَ البَوْلِ، وقد خَرَج بغيرِ دَفْقٍ وشَهْوَةٍ.
وذَكَر القاضي [في «المُجَرَّدِ»] 843 في هاتَين المَسْألَتَين؛ أنَّه إن خَرَج، بعدَ البَوْلِ لم يَجِبِ الغُسْلُ، رِوايَةً واحِدَةً، وإن خَرَج قبلَه، فعلى رِوايَتَين.
الجزء: 2 - الصفحة: 90
الثَّانِي، الْتِقَاءُ الْخِتَانَينِ؛ وَهُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفرجِ، قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا، مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ، حَيٍّ أو مَيِّتٍ.
155 - مسألة: (الثّانِي: الْتِقاءُ الخِتانَيْن، وهو تَغْيِيبُ الحَشَفَةِ في الفَرجِ، قُبُلًا كان أو دُبُرًا، مِن آدَمِيٍّ أو بَهيمَةٍ، حَيٍّ أو مَيِّتٍ)
معنَى الْتِقاءِ الخِتانَين: تَغْيِيبُ الحَشَفَةِ في الفَرجِ.
كما ذَكَر، سَواءٌ كانا مُخْتَتِنين أوْ لا، وسواءٌ مَسَّ خِتانُه خِتانَها أو لا، فهو مُوجِبٌ للغُسلِ، ولو مَسَّ الخِتانُ الخِتانَ مِن غيرِ إيلاجٍ، لم يَجبِ الغُسْلُ إجْماعًا.
واتَّفَقَ العُلَماءُ على وُجُوبِ الغُسْلِ في هذه المَسْأَلَةِ.
وقال داودُ: لا يَجِبُ؛ لقوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» 844. رُوِيَ نَحوُ ذلك عن جماعةٍ مِن الصَّحابَةِ.
ورُوي في ذلك أحادِيثُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وكانت رُخْصَةً أرخَصَ فيها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثم أمَرَ بالغُسلِ، فرُوي عن أُبَي بنِ كَعبٍ، قال: إنَّ الفُتْيا التي كانوا يَقُولُون: إنَّ «الماءَ مِن الماءِ» رُخْصَة، كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ فيها في أوَّلِ الإِسلامِ، ثم أمَرَ بالاغْتِسالِ بَعدَها.
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ،
الحديث: 155 - الجزء: 2 - الصفحة: 91
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والترمِذِيُّ 845، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
وروَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا جَلَسَ بَينَ شُعَبها الْأَربَعَ، ثمَّ جَهدها، فَقد وَجَبَ الغُسْلُ».
مُتَّفَقٌ عليه 846. زادَ مسلمٌ: «وَإنْ لَمْ يُنْزِلْ».
وحَدِيثُهم مَنسُوخٌ بحَدِيثِ أبَيِّ بنِ كَعبٍ.
فصل: ويَجِبُ الغُسْلُ على كُلِّ واطِئ ومَوْطُوءٍ، إذا كان مِن أهلِ الغُسْلِ، سَواءٌ كان في الفرجِ، قُبُلًا أو دُبُرًا، مِن آدَمِيٍّ أو بَهِيمَةٍ، حَيٍّ أو مَيِّتٍ، طائِعًا أو مُكْرَهًا، نائِمًا أو يَقْظانَ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَجبُ الغُسْلُ بوَطْءِ المَيِّتَةِ ولا البَهِيمَةِ، لأنَّه ليس بمَقْصُودٍ، ولأنَّه ليس بمَنْصُوصٍ، ولا في مَعْناه.
ولَنا، أنَّه إيلاجٌ في فَرجٍ، فوَجَبَ به الغُسْلُ، كوَطْءِ الآدَمِيَّةِ في حَياتِها، ووَطْءُ الآدَمِيةِ داخِلٌ في عُمُوم الأحادِيثِ، ما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالعَجُوزِ والشَّوْهاءِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 92
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن أوْلَجَ بَعْضَ الحَشَفَةِ، أو وَطِيء دُونَ الفرجِ، ولم يُنْزِلْ، فلا غُسْلَ عليه؛ لأنَّه لم يُوجَدِ الْتِقاءُ الخِتانَين ولا ما في مَعناه.
وإن انْقَطَعَتِ الحَشَفَةُ، فأوْلَجَ الباقِيَ مِن ذَكَرِه، وكان بقَدرِ الحَشَفَةِ، وَجَب الغُسْلُ، وتَعَلَّقَتْ به أحكامُ الوَطْءِ؛ مِن المَهْرِ وغيرِه.
وإن كان أقَلَّ مِن ذلك، لم يَجِبْ شيءٌ.
فصل: فإنْ أوْلَجَ في قُبُلِ خُنْثَى مُشْكِلٍ، أو أوْلَجَ الخُنْثَى ذَكَره في فَرجِ امرأةٍ، أو وَطِئَ أحَدُهما أو كلُّ واحِدٍ منهما الآخَرَ، لم يَجِبِ الغُسْلُ على واحِدٍ منهما؛ لاحتِمالِ أن يكُونَ خِلْقَةً زائِدَةً.
فإن أنْزَل الواطِيءُ أو أنْزَل المَوْطُوءُ مِن قُبُلِه، فعلى مَن أنزل الغُسْلُ.
ويَثْبُتُ لمَن أنزَل مِن ذَكَرِه حُكْمُ الرِّجالِ، ولمَن أنْزَل مِن فَرجِه حُكْمُ النِّساءِ؛ لأنَّ الله تعالى
الجزء: 2 - الصفحة: 93
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أجْرَى العادَةَ بذلك في حَقِّ الرجالِ والنِّساءِ.
وذَكَر القاضي في مَوْضِعٍ، أنَّه لا يُحْكَمُ له بالذُّكُورِية بالإِنْزالِ مِن ذَكَرِه، ولا بالأُنُوثِيَّةِ بالحَيضِ مِن فَرجِه، ولا بالبُلُوغِ بهذا.
ولَنا، أنَّه أمرٌ خَصَّ اللهُ تعالى به أحَدَ الصِّنْفَينِ، فكان دَلِيلًا عليه، كالبَوْلِ مِن ذَكَرِه أو مِن قُبُلِه.
ولأنَّه أنزَل الماءَ الدّافِقَ لشَهْوَةٍ، فوَجَبَ الغُسْلُ؛ لقَوْلِه عليه السّلامُ: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ».
الجزء: 2 - الصفحة: 94
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن كان الواطِئ أو المَوْطُوءَة صَغِيرًا، فقال أحمدُ: يَجِبُ عليهما الغُسْلُ.
وقال: إذا أتى على الصَّبِيَّةِ تِسْعُ سِنِينَ، ومِثْلُها يُوطأ، وَجَب عليها الغُسْلُ.
وسُئِل عن الغُلامِ يُجامِعُ مِثْلُه ولم يَبْلُغْ، فجامَعَ المرأةَ، يَكُونُ عليهما الغُسل؟ قال: نعم.
قِيل له: أنْزَلَ أو لم يُنْزِلْ؟ قال: نعم.
وقال: تُرَى عائِشَةَ حيث كان يَطَؤها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم تَكُنْ تغْتَسِلُ! ويروَى عنها: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ» 847. وحَمَل القاضي كلامَ أحمدَ على الاسْتحبابِ.
وهو قَوْلُ أصحابِ الرَّأي، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّ الصَّغِيرَ لا يَتَعَلَّقُ به المَأْثَمُ، ولا هو مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ، ولا تَجِبُ عليه الصلاةُ
الجزء: 2 - الصفحة: 95
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التي تَجبُ لها الطهارةُ، فأشْبَهتِ الحائِضَ.
قال شَيخنا: ولا يَصِحُّ حَملُ كلام أَحمدَ على الاسْتِحبابِ، لتَصرِيحِه بالوُجُوبِ، وذَمِّه قَول أصحابِ الرأي بقَوْلِه: هو قَوْلُ سَوْءٍ.
واحتَجَّ بفِعلِ عائشةَ، ورِوايَتها للحَدِيثِ العامِّ في حَقِّ الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، ولأنَّها أجابَتْ بفِعلِها وفِعلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، بقَوْلِها: فَعَلْتُه أنا ورسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فاغْتَسَلْنا.
فكَيفَ تَكُونُ خارِجَةً منه! وليس مَعنى وُجُوبِ الغُسْلِ في حَقِّ الصَّغِيرِ التَّأثِيمَ بتركِه، بل مَعناه أنَّه شَرطٌ لصِحَّةِ الصلاةِ، والطَّوافِ، وإباحَةِ قراءةِ القُرآنِ، وإنَّما يَأثَمُ البالِغُ بتأخِيرِه
الجزء: 2 - الصفحة: 96
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في مَوضِعٍ يَتأخَّرُ الواجِبُ بتَرْكِه، ولذلك لو أخَّره في غيرِ وَقْتِ الصلاةِ لم يَأْثَمْ، والصَّبِيُّ لا صلاةَ عليه، فلم يَأثَمْ بالتَّأْخِيرِ، وبَقِيَ في حَقِّه شَرْطًا، كما في حَقِّ الكَبِيرِ، فإذا بَلَغ كان حُكْمُ الحَدَثِ في حَقِّه باقِيًا، كالحَدَثِ الأصْغَرِ، يَنْقُضُ الطهارةَ في حَقِّ الصَّغِيرِ والكَبِيرِ.
واللهُ أعلمُ 848.
الجزء: 2 - الصفحة: 97
الثَّالِثُ، إسْلَام الْكَافِرِ، أصْلِيًّا كَانَ أو مُرْتَدًّا.
وَقَال أبو بَكْرٍ: لَا غسْلَ عَلَيهِ.
156 - مسألة: (الثالِثُ: إسلامُ الكافِرِ، أصْلِيًّا كانَ أو مُرتَدًّا. وقال أبو بَكْرٍ: لَا غُسْلَ عليه)
وجُمْلَتُه أنَّ الكافِرَ إذا أسْلَم وَجَب عليه الغُسْلُ، أصْلِيًّا كان أو مُرْتَدًّا، سَواءٌ اغْتَسَل قبلَ إسلامِه أو لا، وُجدَ منه في زَمَنِ الكُفْرِ ما يُوجِبُ الغُسلَ أو لم يُوجَدْ.
وهو قولُ مالكٍ، وأَبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال أبو بكرٍ: يُسْتَحَبُّ ولا يَجِبُ، إلَّا أن يكُونَ قد وُجِدَت منه جَنابَةٌ زَمَنَ كُفْرِه، فعليه الغُسْلُ إذا أسْلَم، وإن اغْتَسل قبلَ الإِسلامِ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.
وقال أبوْ حَنِيفَةَ: لا يجِبُ عليه الغُسل بحالٍ؛ لأنَّ العَدَدَ الكَثِيرَ والجَمَّ الغَفِيرَ أسْلَمُوا، فلو أُمِرَ كلُّ مَن أسْلِم بالغُسْلِ، لَنُقِلَ نَقْلًا مُتَواتِرًا أو ظاهِرًا، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ بَعَث مُعاذًا
الحديث: 156 - الجزء: 2 - الصفحة: 98
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى اليَمَنِ 849 لم يَذْكُرْ له الغُسْل، ولو كان واجِبًا لأمَرَهم به؛ لأنه أوَّلُ واجِباتِ الإِسلام.
ولنا، ما روَى قَيس بنُ عاصِمٍ 850، أنَّه أسْلَم، فأمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يَغتَسِلَ بماءٍ وسِدرٍ 851. رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِيُّ، والترمِذِيّ 852، وقال: حديث حسنٌ.
والأمْرُ
الجزء: 2 - الصفحة: 99
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للوُجُوبِ، وما ذَكَرُوه مِن قِلَّةِ النَّقْلِ، فلا يَصِحُّ مِمَّن أَوْجَبَ الغُسْلَ على مَن أسْلمَ بعدَ الجَنابَةِ في كُفْرِه؛ لأنَّ الظاهِرَ أن البالِغَ لا يَسْلَمُ منها، على أنَّ الخَبَرَ إذا صَحَّ كان حُجَّةً مِن غيرِ اعْتِبارِ شَرْطٍ آخَرَ.
وقد رُوِيَ أنَّ أُسَيْدَ بنَ حُضَيرٍ وسعدَ بنَ مُعاذ، حينَ أرادا الإِسلامَ، سألا مُصْعَبَ بنَ عُمَيرٍ: كيف تَصْنَعُونَ إذا دَخَلْتُم في هذا الأمْرِ؟ قال: نَغْتَسِلُ ونَشْهَدُ شَهادَةَ الحَقِّ 853. وهذا يَدُلُّ على أنَّه كان مُسْتَفِيضًا.
ولأنَّ الكافِرَ لا يَسْلَمُ غالِبًا مِن جَنابَةٍ تَلْحَقُه، ونَجاسَةٍ تُصحبُه، وهو لا يَصِحُّ غُسْلُه، فأقِيمَتِ المَظِنَّةُ مَقامَ حَقِيقَةِ الحَدَثِ، كما أُقِيمَ النَّومُ مَقامَ الحَدَثِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 100
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن أجْنَبَ الكافِرُ، ثم أسْلَمَ، لم يَلزَمْه غُسْلُ الجَنابَةِ، سَواءٌ اغْتَسَل في كُفْرِه أو لم يَغْتَسِلْ.
وهذا قَوْلُ مَن أوْجب غُسْلَ الإِسلام، وقولُ أبي حَنِيفَةَ.
وقال الشافعيّ: عليه الغُسْلُ.
وهو قَولُ أبي بكرٍ؛ لَأنَّ عَدَمَ التَّكْلِيفِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الغُسْلِ، كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، واغْتِسالُه في كُفْرِه لا يَرْفَعُ حَدَثَه، قِياسًا على الحَدَثِ الأصْغَرِ.
وحُكِيَ عن أبي حَنِيفَةَ، وأحَدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشافعيِّ، أنَّه يَرْتَفِعُ حَدَثُه؛ لأنَّه أصَحُّ نِيَّةً مِن الصَّبِيِّ.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ الطهارةَ عِبادَةٌ مَحْضَةٌ، فلم تَصِحَّ مِن الكافِرِ، كالصلاةِ.
ووجْه الأولَ أنه لم يُنْقَلْ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أحَدًا مِمَّن أسْلَم بغُسْلِ الجَنابَةِ، مح كَثْرَةِ مَن أسْلَمَ مِن الرِّجالِ والنِّساءِ البالِغِين المُتَزَوِّجِين، ولأنَّ المظِنَّةَ أُقِيمَتْ مَقامَ حَقِيقَةِ الحَدَثِ، فسَقَطَ حُكمُ الحَدَثِ، كالسَّفَرِ مع المَشَقَّةِ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَغْتَسِلَ بماءٍ وسِدْرٍ , كما في حَدِيثِ قَيسٍ.
ويُسْتَحَبُّ إزالةُ شَعَرِه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لرجلٍ أسْلَم: «ألْقِ عَنْكَ شَعَرَ الْكُفْرِ وَاختَتِنْ».
رواه أبو داودَ 854.
الجزء: 2 - الصفحة: 101
الرابع، الموت.
والخامس، الحيض.
السادس، النِّفاسُ.
157 - مسألة: (الرّابِعُ، المَوْتُ. الخامِسُ، الحَيضُ. السّادِسُ، النِّفاسُ).
وسيُذْكَرُ ذلك في مَواضِعه إن شاءَ اللهُ تعالى.
الحديث: 157 - الجزء: 2 - الصفحة: 102
وفي الولادَةِ العارية عن الدَّمِ وَجْهان.
158 - مسألة؛ قال: (وفي الولادَةِ وَجْهان)
يَعْنِي إذا عَرِيَتْ عن الدَّمِ، أحَدُهما، يَجِبُ الغُسْلُ، لأنَّها مَظِنَّةُ النِّفاسِ المُوجِبِ، فأُقِيمَتْ مُقامَه، كالْتِقاءِ الخِتانَين، ولأنَّه يَحْصُلُ بها بَراءَةُ الرَّحِمِ، أشْبَهَتِ الحَيضَ.
ولأصحاب الشافعيِّ فيها وَجْهان.
والثاني، لا يَجِبُ.
وهو ظاهِرُ قَوْلَ الخِرَقِي؛ لأنَّ الوُجُوبَ مِن الشرع، ولم يَرِدْ بالغُسْلِ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ.
قَوْلُهم: إنَّ ذلك مَظِنَّةٌ.
قلْنا: إنَّما يُعْلَمُ جَعْلُها مَظِنَّةً بنَصٍّ أو إجماعٍ ولم يُوجَدْ واحِدٌ منهما، والقِياسُ الآخَرُ مُجَرَّدُ طَرْدٍ لا مَعْنَى تَحْتَه، ثم قد اخْتَلَفا في كَثِيرِ مِن الأحْكامِ، فليس تَشْبِيهُه في هذا الحُكْمِ أوْلَى مِن مُخالفَتِه في غيرِه.
وهذا الوَجْهُ أوْلَى.
الحديث: 158 - الجزء: 2 - الصفحة: 105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن كان على الحائِضِ جَنابَةٌ، فليس عليها أن تَغْتَسِلَ حتى يَنْقَطِعَ حَيضُها في المَنْصُوصِ.
وهو قَوْلُ إسحاقَ؛ لأنَّ الغُسْلَ لا يفيدُ شيئًا مِن الأحْكامِ.
وعنه، أن عليها الغُسْلَ قبلَ الطُّهْرِ.
ذَكَرَها ابنُ أبي موسى، والصَّحِيحُ الأوَّلُ، لما ذَكَرْناه.
فإنِ اغْتَسَلَتْ للجَنابَةِ في زَمَنِ حَيضِها،
الجزء: 2 - الصفحة: 106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَحَّ غُسْلُها، وزال حُكْمُ الجَنابَةِ، وبَقِي حُكْمُ الحَيضِ لا يزُولُ حتى يَنْقَطِعَ الدَّمُ.
نَصَّ عليه أحمدُ، قال: ولا أعْلَمُ أحَدًا قال: لا تَغتَسِلُ.
إلَّا عَطاءً، ثم رَجَع عنه.
وهذا لأنَّ بَقاءَ أحَدِ الحَدَثَين لا يَمْنَعُ ارْتِفاعَ الآخر، كما لو اغْتَسَل المُحْدِثُ الحَدَثَ الأصْغَرَ.
الجزء: 2 - الصفحة: 107
ومَن لَزِمَه الغُسْلُ حَرُمَ عليه قِراءَةُ آيَةٍ فصاعِدًا.
159 - مسألة؛ قال: (ومَن لَزِمَه الغُسْلُ حَرُم عليه قِراءَةُ آيَةٍ فصاعِدًا، وفي بَعْضِ آيةٍ رِوايَتانِ)
رُويَتِ الكَراهَةُ لذلك عن عُمَرَ، وعليٍّ، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرأي.
وقال الأوْزاعِيُّ: لا يَقْرأ إلَّا آيَةَ الرُّكُوبِ والنزول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ 855. ﴿وَقُل ربِّ أنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ 856. وقال ابنُ عباسٍ:
الحديث: 159 - الجزء: 2 - الصفحة: 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَقْرَأُ ورْدَه.
وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: يَقْرَأ القُرْآنَ، ألَيسَ هو في جَوْفِه! وحُكِي عن مالكٍ جَوازُ القِراءَةِ للحائِضِ دُونَ الجُنُبِ؛ لأنَّ إيامَها تَطُولُ، فلو مَنَعْناها مِن القُرْآنِ نَسِيَتْ.
ولَنا، ما روَى عليٌّ، رَضِي اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَكُنْ يَحْجُبُه، أو قال: يَحْجُزُه، عن قِراءَةِ القُرْآنِ شيءٌ، ليس الجَنابَةَ.
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيّ، وابنُ ماجه، والتِّرمِذِي 857 بمَعْناه، وقال: حسن صحيح.
وعن جابرٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَقْرأ الْحَائِضُ ولا النُّفَسَاءُ شَيئًا مِنَ الْقُرْآنِ».
رواه الدَّارَقُطْنِيُّ 858.
الجزء: 2 - الصفحة: 109
وفي بعضِ آيةٍ روايتان.
فصل: ويَحْرُمُ عليه قِراءَةُ آية فصاعِدًا، لِما ذَكَرْنا، فأمّا بَعْضُ الآية؛ فإن كان مِمّا لا يَتَمَيَّز به القُرْآنُ عن غيرِه؛ كالتَّسْمِيَةِ، والحَمْدِ للهِ، وسائِرِ الذِّكْرِ، فإن لم يَقْصِدْ به القُرْآنَ، فهو جائِزٌ، فإنَّه لا خِلافَ في أنَّ لهم ذِكْرَ اللهِ تعالى، ولأنَّهم يَحْتاجُون إلى التَّسْمِيَةِ عندَ اغْتِسالِهم، وقد رَوَتْ عائِشَةُ، قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَذْكُرُ الله على كلِّ أحْيانِه.
رَواه مسلم 859. وإن قَصَدُوا به القِراءَةَ، أو كان ما قَرَءُوه يتَمَيَّزُ به القرآنُ عن غيرِه، ففيه رِوايَتان؛ أظْهَرُهما أنه لا يَجُوزُ؛ لعُمومِ النَّهْي، ولِما رُوِيَ
الجزء: 2 - الصفحة: 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ عليًّا، رَضِي الله عنه، سُئِل عن الجُنُبِ يَقْرأ القرآنَ؟ فقال: لا، ولا حَرْفًا 860. وهذا مذهبُ الشافعي.
ولأنَّه قُرْآنٌ، فمُنِعَ منه كالآية.
والثانيةُ، لا يُمْنَعُ.
وهو قولُ أبي حَنِيفةَ؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ به الإِعْجازُ، ولا يُجْزِئ في الخُطْبَةِ، أشْبَهَ الذِّكْرَ، ولأنَّه يَجُوزُ إذا لم يَقْصِدْ به القُرْآنَ، فكذلك إذا قَصَد.
الجزء: 2 - الصفحة: 111
ويَجُوزُ له العُبُورُ في المسجدِ، ويَحْرُمُ عليه اللّبْثُ فيه، إلَّا أن يَتَوَضَّأ.
160 - مسألة: (ويَجُوزُ له العُبُورُ في المسجدِ، ويَحْرُمُ عليه اللّبْثُ فيه، إلَّا أن يَتَوَضَّأ)
يَحْرُمُ عليه اللّبْثُ في المسجدِ؛ لقولِ الله تِعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ 861. ولقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا أحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِض وَلَا جُنُبٍ».
رَواه أبو داودَ 862. فإن خاف على نَفْسِه أو مالِه، أو لم يُمْكِنْه الخُرُوجُ أو الغُسْلُ والوُضُوءُ، تَيَمَّمَ وأقامَ في المسجدِ؛ لأنَّه رُويَ عن عليٍّ وابنِ عباس، في قَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾: يَعْنِي مُسافِرِين لا يَجِدُونْ ماءً، فيَتَيَمَّمُون.
وقال بَعْضُ
الحديث: 160 - الجزء: 2 - الصفحة: 112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أصحابنا: يَلْبثُ بغَيرِ تَيَمُّمٍ؛ لأنَّه لا يَرْفَعُ الحَدَثَ.
وهو غيرُ صحيحٍ؛ لمُخالفَتِه قَوْلَ الصَّحابَةِ، ولأنَّه أمْرٌ تُشْتَرَطُ له الطهارةُ، فوَجَبَ له التَّيَمُّم عندَ العَجْزِ عنه، كسائِرِ ما تُشْتَرَطُ له الطهارةُ.
ويُباحُ له العُبُورُ في المسجدِ، للآية، وإنَّما يُباحُ العُبُورُ للحاجَةِ؛ مِن أخْذِ شيءٍ أو تَرْكِه في المسجدِ، أو كوْنِ الطرَّيقِ فيه، فأمّا لغَيرِ ذلك فلا.
ومِمَّن رُويَتْ عنه الرُّخْصَةُ في العُبُورِ ابنُ مسعودٍ، وابنُ عباسِ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، ومالكٌ، والشافعيُّ.
وقال الثَّوْرِيُّ وإسحاقُ: لا يَمُرُّ في المسجدِ إلَّا أن لا يَجِدَ بُدًّا، فيَتَيَمَّمَ.
وهو قوْلُ أصحابِ الرَّأي؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا أحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ»، رَواه أبو داودَ.
ولنا، قَوْلُ الله تِعالى: ﴿إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
والاسْتِثناءُ مِن النَّهْي إباحَةٌ،
الجزء: 2 - الصفحة: 113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ورَوَتْ عائِشَةُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «نَاولِيني الْخُمْرَةَ 863 مِنَ الْمَسْجدِ».
قالت: إنِّي حائِضٌ.
قال: «إنَّ حَيضَتَكِ لَيسَتْ فِي يَدِكِ».
رَواه مسلمٌ 864. وعن زَيدِ بنِ أسْلَمَ، قال: كانْ أصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَمْشُون في المسجدِ وهم جُنُبٌ.
رَواه ابنُ المُنْذِرِ.
وهذا إشارَةٌ إلى
الجزء: 2 - الصفحة: 114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جَمِيعِهم، فيَكُونُ إجْماعًا.
فإن تَوَضَّأ الجُنُبُ فله اللّبْثُ في المسجدِ عندَ أصحابِنا.
وهو قوْلُ إسحاقَ.
وقال الأكْثَرُون: لا يَجُوز؛ للآية والخَبَرِ.
ووَجْهُ الأوَّلَ ما روَى زيدُ بنُ أسْلَمَ، قال: كان أصحابُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَحَدَّثُون في المسجدِ على غيرِ وُضُوءٍ، وكان الرجلُ يَكُونُ جُنُبًا فيَتَوَضَّأ، ثم يَدْخُلُ فيَتَحَدَّثُ.
وهذا إشارَة إلى جَمِيعِهم، فيَخُصُّ عُمُومَ الحَدِيثِ.
وعن عَطاءِ بنِ يَسارٍ قال: رَأيتُ رِجالًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَجْلِسُونَ في المسجدِ وهم مُجْنِبُون؛ إذا تَوضَّئُوا وُضُوءَ الصلاةِ.
رَواه سعيدُ بنُ منصورٍ والأثْرَمُ.
وحُكْمُ الحائِض إذا انْقَطَعَ حَيضُها حُكْمُ الجُنُبِ، فأمّا في حالِ حَيضِها فلا يُباحُ لها اللّبْثُ؛ لأنَّ وُضُوءَها لا يَصِحُّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 115
فصل: والأغْسالُ المُسْتَحَبَّةُ ثلاثةَ عَشَرَ غُسْلًا؛ لِلجُمُعَةِ،
فصل: فأمّا المُستَحاضَةُ، ومَن به سَلَسُ البَوْلِ، فلهم العُبُورُ في المسجدِ واللُّبْثُ فيه، إذا أمِنُوا تَلْويثَه؛ لما رَوَتْ عائِشَةُ، أنَّ امرأةً مِن أزْواج النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - اعْتَكَفَتْ معه وهي مُسْتَحاضَةٌ، فكانَتْ تَرَى الحُمْرَةَ والصُّفْرَةَ، ورُبَّما وَضَعْنا الطَّسْتَ تَحْتَها وهي تُصَلِّي.
رَواه البُخارِي 865. فأمّا إن خاف تَلْويثَ المسجدِ، أو خَشِيَتِ الحائِضُ ذلك بالعُبُورِ فيه، حَرُم عليهما؛ لأنَّ المسجدَ يُصانُ عن هذا، كما يصانُ عن البَوْلِ فيه.
فصل: (والأغْسالُ المسْتَحَبَّةُ ثَلاثَةَ عَشَرَ غُسْلًا) أحَدها، غُسْلُ
الجزء: 2 - الصفحة: 116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجُمُعَةِ، وهو مُسْتَحَب بغير خِلافٍ، و «فيه آثارٌ كَثِيرة صحيحةٌ؛ منها ما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أتى مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ».
مُتَّفَقٌ عليه 866. وروَى سَلْمانُ الفارِسِيُّ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ويَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أوْ يَمسُّ مِنْ طِيبِ بَيتهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفرِّق بَينَ اثْنَينِ، وَيُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الإمَامُ، إلَّا غُفِرَ لَهُ
الجزء: 2 - الصفحة: 117
والعيدين، والاستسقاء، والكسوف، ومِنْ غُسْلِ الميت،
مَا بَينَهُ وَبَينَ الْجُمُعَةِ الأخْرَى».
رَواه البُخارِي 867. وليس ذلك بواجِبٍ في قَوْلِ أكثَرِ أهْلِ العِلْمِ، وقد قِيل: إنَّه إجْماعٌ.
حكاه ابنُ عبدِ البَرِّ، وسيُذْكَرُ ذلك في مَوْضِعِه بأبسَطَ مِن هذا، إن شاء الله تعالى.
الثاني، غُسْلُ العِيدَين، مُسْتَحَب؛ لما روَى ابنُ عباس والفاكِهُ بنُ سعدٍ 868، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يَغْتَسِلُ يومَ الفِطر والأضْحَى.
رَواه ابنُ ماجَه 869. الثالثُ، الاسْتِسْقاء؛ لأنَّها عِبادَةٌ يَجْتَمِعُ لها النّاس، فاسْتُحِبَّ لها الغُسْلُ، كالجُمُعَةِ.
الرابعُ، الكُسُوف؛ لأنَّه كالاسْتِسْقاءِ.
الخامسُ، الغُسْلُ مِن غُسْلِ المَيِّتِ، وهو مُسْتَحَبٌّ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
الجزء: 2 - الصفحة: 118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: «مَنْ غَسَّل مَيَّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأ» 870. قال الترمِذِيُّ: هذا حديث حسنٌ.
وليس بواجِبٍ، يروَى ذلك عن ابنِ
الجزء: 2 - الصفحة: 119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عباس، وابنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ، والحسنِ، والنَّخَعِي، والشافعي، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحابِ الرَّأي.
ورُوي عن عليٍّ، وأبي هُرَيرَةَ، أنَّهما قالا: مَن غَسَّلَ مَيِّتًا فليَغْتَسِلْ.
وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِيُّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ.
وذَكر أصحابُنا في وُجُوبِ الغُسْلِ مِن غُسْلِ المَيِّتِ الكافِرِ رِوايَتَين؛ إحداهما، لا يَجِبُ، كالمُسْلِمِ.
والثانيةُ، يَجِبُ؛ لِما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر عليًّا أن يَغْتَسِلَ حينَ غَسَّلَ أباه 871. ولَنا، قَوْلُ صَفْوانَ بنِ عَسّالٍ: أمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، إذا كُنَّا مُسافِرِين، أن لا نَنْزِعَ خِفافَنا ثلاثةَ أيام ولَيالِيَهُنَّ، إلَّا مِن جَنابَةٍ 872. حديث حسنٌ.
ولأنَّه غسْلُ آدَمِي، فلم يُوجِبِ الغُسْلَ، كغُسْلِ الحَيِّ.
وحَدِيثُهم مَوْقُوفٌ على أبي هُرَيرَةَ، قاله أحمدُ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: ليس في هذا حديث يَثْبُتُ، ولذلك لم يُعْمَلْ به في وُجُوبِ الوُضُوءِ على حامِلِه، لا نَعْلَمُ به قائِلًا.
وأمّا حديثُ عليٍّ، فقال أبو إسحاقَ الجُوزجانِيّ: ليس فيه أنَّه غَسَّل أبا طالِبٍ، إنَّما قال له النبيّ - صلى الله عليه وسلم -:
الجزء: 2 - الصفحة: 120
والمَجْنُونُ، والمُغْمَى عليه، إذا أفاقا مِن غَيرِ احْتِلامِ،
«اذْهَبْ فَوَارِه، وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيئًا حَتَّى تَأْتِيَني».
قال: فأتَيتُه فأخْبَرْتُه، فأمَرَنِي فاغْتَسَلْتُ.
وذَكَر بَعْضُ أصحابِنا رِوايَةً في وُجُوبِ الغُسْلِ مِن غُسْلِ الحَيِّ الكافِرِ، قِياسًا على المَيِّتِ، والصَّحِيحُ أنَّه لا يَجِبُ؛ لأنَّ الوُجُوبَ مِن الشمرعِ، ولم يَرِدْ به، وقِياسُه على المَيِّتِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُسْلِمَ المَيِّتَ يَجبُ مِن غُسْلِه الوُضُوءُ، بخِلافِ الحَيِّ، وهذا يَدُلُّ على افْتِراقِ حالِ المَيِّتِ والحَيِّ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا قال به مِن العُلَماءِ.
السادسُ، الغُسْلُ مِن الإِغْماءِ والجُنُونِ، إذا أفاقا مِن غيرِ احْتِلامٍ،
الجزء: 2 - الصفحة: 121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّه رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه اغْتَسَل للإِغْماءِ.
مُتَّفَقٌ عليه 873. ولأنَّه لا يُؤمَنُ أن يَكُونَ قد احْتَلَمَ ولم يَشْعُرْ، والجُنُونُ في مَعْناه، بل أوْلَى؛ لأنَّ مُدَّتَه تَطُولُ، فيَكُونُ وُجودُ الاحْتِلامِ فيه أكْثَرَ، ولا يجِبُ الغُسْلُ لذلك.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا.
وذَكَر أبو الخَطّابِ فيه رِوايَتَين؛ إحْداهما، يجِب؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَه.
والثانيةُ، لا يجبُ، وهي أصَحُّ؛ لأنَّ زَوال العَقْلِ بنَفْسِه ليس مُوجبًا للغُسْلِ، والإِنْزالُ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ عن اليقِينِ بالشَّكِّ، فإن تُيُقِّنَ منهما الإِنْزالُ، فعَلَيهِما الغُسْلُ؛ لأنَّه
الجزء: 2 - الصفحة: 122
وغُسْلُ المُسْتَحاضَةِ لكلِّ صلاةٍ،
مِن جُمْلَةِ المُوجِباتِ 874. السابعُ، غُسْلُ المُسْتَحاضَةِ لكلِّ صلاةٍ، مُستحَبٌّ؛ لما روَى أبو داودَ، أنَّ امرأةً كانت تُهَرَاقُ الدَّمَ على عهدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فأمَرَها أن تَغْتَسلَ عندَ كلِّ صلاةٍ 875. وقد ذَهَب بعضُ أهلِ العلمِ إلى وُجُوبِه؛ لما ذَكَرْنا مِن ألحدِيثِ، وسنَذْكُرُه في مَوْضِعِه، إن شاء الله.
وذَكَر ابنُ أبي موسى أنَّ انْقِطاعَ دَمِ الاسْتِحاضَةِ يُوجِبُ الغُسْلَ.
الجزء: 2 - الصفحة: 123
والغسل للإحرام، ودُخُول مَكَّةَ، والوُقُوف بعَرَفَةَ.
والمَبِيت بمُزْدَلِفَةَ، ورمي الجمار، والطواف.
الثامنُ، الغُسْلُ للإِحْرامِ، وهو مُسْتَحَبٌّ، لِما روَىْ زَيدُ بنُ ثابِتٍ، أنَّه رأى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَجَرَّدَ لإِهْلَالِهِ واغْتَسَل.
رَواه الترمِذِي 876، وقال: حديثٌ حسنٌ.
التاسعُ، دُخُول مَكَّةَ.
العاشرُ، الوُقُوف بعَرَفَةَ.
الحادِي عَشرَ، المَبِيت بمُزْدَلِفَةَ.
الثانِي عَشر، رَمْي الجِمارِ.
الثالثَ عَشر، الطَّواف.
وسنَذْكُرُ ذلك في مَوْضِعِه، إن شاء الله تعالى، وقد روَى البُخاري عن ابنِ عُمَرَ، أنه كان يَغْتَسِلُ، ثم يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهارًا، ويَذْكُرُ
الجزء: 2 - الصفحة: 124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه فَعَلَه 877. ورُوي الغُسْلُ للوُقُوفِ بعَرَفَةَ عن علي، وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، واسْتَحَبَّه الشافعيُّ.
ورُوي عن ابنِ عُمَرَ أنَّه كان يَغْتَسِلُ لإِحْرامِهِ قبلَ أن يُحْرِمَ، ولدُخُولِه مَكَّةَ، ولوُقُوفِه عَشِيَّةَ عَرَفَةَ.
رَواه مالكٌ في «المُوَطَّأ» 878. ولأنَّها أنْساكٌ تَجْتَمِعُ لها النّاس، فاسْتُحِبَّ لها الغُسْلُ، كالإِحْرامِ، ودُخُولِ مَكَّةَ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يُسْتَحَبُّ الغُسْلُ مِن الحِجامَةِ، وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ في اسْتِحْبابِه رِوايَتَينِ؛ إحْداهُما، يُسْتَحَبُّ؛ لأنَّه يُرْوَى عن علي، وابنِ عباس، ومُجاهِدٍ، أنَّهم كانوا يَفْعَلُون ذلك.
والثانيةُ، لا يُسْتَحَبُّ؛ لأنَّه دَمٌ خارِجٌ، أشْبَهَ الرُّعافَ، واللهُ أعلمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 126
فَصْلٌ فِي صِفَةِ الْغسْلِ وَهُوَ ضَرْبَانِ؛ كَامِلٌ يأتي فِيهِ بِعَشرةِ أشيَاءَ، النيةِ، والتسمِيَةِ، وَغَسْل يَدَيه ثَلَاثًا، وغَسْلِ مَا بِهِ مِنْ أذى، وَالْوُضُوءِ، ويَحْثِي عَلَى رَأسِهِ ثَلَاثًا، يُرَوِّى بِهَا أصُولَ الشَّعَرِ، وَيفيض الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِه ثَلاثًا، وَيَبْدَأ بِشِقِّهِ الْأيمَنِ، وَيَدْلُكُ بَدَنَهُ بيَدَيهِ، وَيَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَيَغْسِلُ قَدَمَيهِ.
فصلٌ في صِفَةِ الغُسْلِ:
(وهو ضَرْبان؛ كامِلٌ) ومُجْزِئٌ، فالكامِلُ (يأتي فيه بعَشَرَةِ أشْياءَ؛ النِّيَّةِ، والتسْمِيَةِ، وغَسْلِ يَدَيه.
ثلاثًا، وغَسْلِ ما به مِن أذًى) وقد ذَكَرْنا الدلِيلَ على ذلك (والوُضُوءِ، ويَحْثِي على رَأسِه ثلاثًا، يُرَوِّي بها أصُولَ الشَّعَرِ، ويفيضُ الماءَ على سائِرِ جَسَدِه ثلاثًا، ويَبْدَأ بشِقِّه الأيمَنِ، ويَدْلُكُ بَدَنَه بيَدَيه، ويَنْتَقِلُ مِن مَوْضِعِ غُسْلِه فيَغْسِلُ قَدَمَيه) ويُسْتَحَبُّ أن يُخَلِّلَ أصُولَ شَعَرِ رأسه ولِحْيتِه بماء قبلَ إفاضَتِه عليه؛
الجزء: 2 - الصفحة: 127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ووَجْهُ ذلك ما روَتْ عائِشَةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا اغْتَسَلَ مِن الجَنابَةِ، غَسَل يَدَيه ثلاثًا، وتَوَضَّأ وُضُوءَه للصلاةِ، ثم يُخَلِّلُ شَعَرَه بيَدَيه 879، حتى إذا ظَنَّ أنَّه قد أرْوَى بَشَرَتَه، أفاضَ عليه الماءَ ثلاثَ مَرّاتٍ، ثم غَسَل سائِرَ جَسَدِه.
مُتَّفقٌ عليه 880. وقالت مَيمُونَةُ.
وَضَع رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَضُوءَ الجَنابَةِ فأفْرَغَ على يَدَيه فغَسَلَهُما مَرَّتَين أو ثلاثًا، ثم أفْرَغَ بيَمِينه على شِمالِه، فغَسَلَ مَذاكِيرَه، ثم ضرَب بيده الأرضَ أو
الجزء: 2 - الصفحة: 128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحائِطَ مَرَّتَين أو ثلاثًا، ثم تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ، وغَسَل وَجْهَه وذِراعَيه، ثم أفاضَ على رأسه، ثم غَسَل جَسَدَه، فأتَيتُه بالمنْدِيلِ فلم يُرِدْها، وجَعَل يَنْفُضُ الماءَ بيَدَيه.
مُتَّفقٌ عليه 881. وفي رِواية للبخارِيِّ: ثم تَنَحَّى فغَسَلَ قَدَمَيه.
ففي هَذَين الحَدِيثَين كَثِيرٌ مِن الخِصالِ المُسَمّاةِ.
والبدايَةُ بشِقِّه الأْيمَنِ؛ لأنَّه قد رُوِيَ في حَدِيثٍ عن عائِشَةَ؛ كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا اغْتَسَل مِن الجَنابَةِ، دَعا بشيءٍ نَحْوَ الحِلابِ 882 فأخَذَ بكَفَّيه، بَدَأ بشِقِّ رأسه الأْيمَنِ، ثم الأْيسَرِ، ثم أخَذَ بكَفَّيه، فقال بهما على رأسه.
مُتَّفَقٌ
الجزء: 2 - الصفحة: 129
وَمُجْزِئ؛ وَهُوَ أنْ يَغْسِلَ مَا بِهِ مِنْ أذًى، وَيَنْوِي، وَيَعُمَّ بَدَنَهُ بِالْغَسْلِ،
عليه (1). وقد اخْتَلَفَ (2) عن أحمدَ في غَسْلِ الرِّجْلَين، فقال في رِوايةٍ: بَعْدَ الوُضُوءِ على حَدِيثِ مَيمُونَةَ.
وقال في رواية: العَمَلُ على حديثِ عائِشَةَ.
وفيه أنَّه تَوَضَّأ للصلاةِ قبلَ اغْتِسالِه.
وقال في مَوْضِعِ: غَسْلُ رِجْلَيه في مَوْضِعِه وبعده وقبلَه، سَواءٌ.
ولَعَلَّه ذَهَب إلى أنَّ اخْتِلافَ الأحادِيثِ فيه يَدُلُّ على أنَّ مَوْضِعَ الغَسْلِ ليس بمَقْصُودٍ، وإنَّما المَقْصودُ أصْلُ الغَسْلِ.
161 -
مسألة؛ قال: (ومُجْزِئ وهو أن يَغْسِلَ ما به مِن أذًى، ويَنْوِي، ويَعُمَّ بَدَنَه بالغَسْلِ)
مثلَ أن يَنْغَمِسَ في ماء راكِدٍ، أو جارٍ غامِر،883884
الحديث: 161 - الجزء: 2 - الصفحة: 130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو يَقِفَ تحتَ صَوْب المَطرَ، أو مِيزابٍ، حتى يَعُمَّ الماءُ جَمِيعَ جَسَدِه، فيُجْزِئَه؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ 885. وقَوْلِه: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ 886. وقد حَصَلَ الغُسْلُ، فتُباحُ له الصلاةُ؛ لأنَّ الله تعالى جَعَل الغُسْلَ غايةً للمَنْعِ مِن الصلاةِ، فيَقْتَضِي أن لا يُمْنَعَ منها بعدَ الاغْتِسال.
فصل: ويُسْتَحَبُّ إمْرارُ يَدِه على جَسَدِه في الغُسْلِ والوُضُوءِ، ولا يجِبُ إذا تَيَقَّنَ أو غَلَب على ظنِّه وُصُولُ الماءِ إلى جَمِيعِ جَسَدِه.
وهذا قولُ الحسنِ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيّ، والثَّوْرِيِّ، والشافعي، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأي.
وقال مالكٌ: إمْرارُ يده على بَدَنِه إلى حيث تَنالُ واجِبٌ.
ونَحْوَه قال أبو العالِيَةِ.
قالوا: لأنَّ الله تعالى قال: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.
ولا يُقالُ: اغتَسَل.
إلَّا لمَن دَلَك نَفْسَه، ولأنَّها طهارة عن حَدَثٍ، فوَجَبَ فيها إمْرارُ اليَدِ، كالتَّيَمُّمِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأمِّ سَلَمَةَ في
الجزء: 2 - الصفحة: 131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
غُسْلِ الجَنابَةِ: «إنَّمَا يَكْفِيكِ أنْ تَحْثِي عَلَى رَأسِكِ.
ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيكِ الْماءَ فَتَطْهُرِينَ».
رَواه مسلم 887. ولأنَّه غُسْلٌ واجِبٌ فلم يَجِبْ فيه إمْرارُ اليَدِ، كغَسْلِ النَّجاسَةِ، وما ذَكَرُوه مَمْنُوع، فإنَّه يُقالُ: غَسَل الإِناءَ.
وإن لم يَدْلُكْه.
والتَّيَمُّمُ أمِرْنا فيه بالمَسْحِ؛ لأنّها طهارة بالتُّرابِ، ويتَعَذَّرُ في الغالِبِ إمْرارُ التُّرابِ إلَّا باليَدِ.
فصل: ولا يَجِبُ الترتِيبُ في غُسْلِ الجَنابَةِ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
وقال: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.
فكَيفَما اغتَسَل فقد حَصَل التَّطَهُّرُ 888 ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
ولا يَجِبُ فيه مُوالاةٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال حَنْبَلٌ: سألتُ أحمدَ عَمَّن اغْتَسَل وعليه خاتَمٌ ضَيِّقٌ؟ قال: يَغْسِلُ مَوْضِعَ الخاتَمِ.
قلتُ: فإن جَفَّ غُسْلُه؛ قال: يَغْسِلُه، ليس هو بمَنْزِلَةِ الوُضُوءِ.
قلتُ: فإن صَلَّى، ثم ذَكَر؛ قال: يَغْسِلُ مَوْضِعَه، ثم يُعِيدُ الصلاةَ.
وهذا قَوْلُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وقال رَبِيعَةُ: مَن تَعَمَّدَ ذلك أعادَ الغُسْلَ.
وهو قولُ اللَّيثِ.
واخْتَلَفَ فيه عن مالكٍ.
وفيه وَجْهٌ لأصحابِ الشافعيِّ قِياسًا على الوُضُوءِ.
وذَكَر الشيخُ أبو الفَرَجِ في «الإِيضاحِ»، أنَّه شَرْطٌ.
والأوْلَى قولُ الجُمْهُور؛ لأنَّها طهارةٌ لا تَرْتيِبَ فيها، فلم تَجِبْ فيها مُوالاةٌ، كغَسْلِ النَّجاسَةِ.
فعلى هذا تَكُونُ واجِباتُ الغُسْلِ شَيئَين؛ النيةَ، وتَعْمِيمَ البَدَنِ بالغَسْلِ، وقد ذَكَرْنا الاخْتِلافَ في التَّسْمِيَةِ فيما مَضَى.
الجزء: 2 - الصفحة: 133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإنِ اجْتَمَع شَيئان يُوجِبان الغُسْلَ؛ كالحَيضِ والجَنابَةِ، والْتِقاءِ الخِتانَين والإِنْزالِ، فنَواهُما بغُسْلِه، أجْزأه عنهما.
وهو قَوْلُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأي.
ورُوي عن الحسنِ والنَّخَعِيِّ، في الحائِضِ الجُنُبِ 889: تَغْتَسِلُ غُسْلَين.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَكُنْ يَغْتَسِلُ مِن الجِماعَ إلَّا اغْتِسالًا 890 واحِدًا، وهو يَتَضَمَّنُ الْتِقاءَ الخِتانَين والإِنْزال غالِبًا، ولأنَّهما سَبَبان يُوجبان الغُسْلَ، فأجْزَأ الغُسْلُ الواحِدُ عنهما، كالحَدَثِ والنَّجاسَةِ.
وهكَذا الحُكْمُ إِنِ اجْتَمَعَتْ أحْداثٌ تُوجِبُ الطهارةَ الصُّغْرَى؛ كالنَّوْمِ واللَّمْسِ وخُرُوجِ النَّجاسَةِ، فنَواها بطَهارَتِه.
وإن نَوَى أحَدَها ففيه وَجْهان، مَضَى ذِكْرُهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا بَقِيَتْ لُمْعَةٌ مِن جَسَدِه لم يُصِبْها الماءُ، فمَسَحَها بيَدِه أو بشَعَرِه، أو عَصَر شَعَرَه عليها، فقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ فيه عن أحمدَ؛ فرُوِيَ أنَّه سُئِل عن حديثِ العَلاءِ بنِ زِيادٍ 891، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اغْتَسَلَ، فرَأى لُمْعَةً لم يُصِبْها الماءُ فدَلَكَها بشَعَرِه.
قال: نعم، آخُذُ به 892. [ورُوي عن علي] 893، قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنِّي اغْتَسَلْتُ مِن الجَنابَةِ، وصَلَّيتُ الفَجْرَ، ثم أصْبَحْتُ فرَأيتُ قَدْرَ مَوْضِعِ الظُّفْرِ لم يُصِبْه ماءٌ.
فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو كنت مَسَحْتَ عَلَيهِ بِيَدِكَ، أجْزَأكَ».
رَواه ابنُ ماجه 894. ورُوي عن أحمدَ أنَّه قال: يَأخُذُ لها ماءً جَدِيدًا، فيه حَدِيثٌ لا يَثْبُتُ بعَصْرِ شَعَرِه.
وذُكِرَ له حديثُ ابنِ عباس؛ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَصَر لِمَّتَه على لُمْعَةٍ كانت في جَسَدِه 895. فضَعَّفَه، ولم يُصَحِّحْه.
قال
الجزء: 2 - الصفحة: 135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَيْخُنا: والصحِيحُ أنَّ ذلك يُجْزِئُه إذا كان مِن بَلَلِ الغَسْلَةِ الثانيةِ أو الثالثةِ، وجَرَى ماؤُه 896 على اللُّمْعَةِ؛ لأنَّه كغَسْلِها بماءٍ جديدٍ، على ما فيه مِن الأحاديثِ 897. فإن لم يَجْرِ الماءُ، فالأوْلَى غَسْلُها بماءٍ جَدِيدٍ.
ويُمْكِنُ حَمْلُ المَسْحِ على الغَسْلِ الخَفِيفِ في الحَدِيثِ، فإنَّ الغَسْلَ الخَفِيفَ يُسَمَّى مَسْحًا.
وإن عَصَر شَعَرَه في الغَسْلَةِ الأولَى، انْبَنَى على المُسْتَعْمَلِ في رَفْعِ الحَدَثِ، على ما مَضَى.
الجزء: 2 - الصفحة: 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يَجِبُ على المرأةِ نَقْضُ شَعَرِها لغُسْلِها مِن الجَنابَةِ، رِوايَةً واحِدَةً، إذا رَوَّتْ أصُولَه.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا، إلَّا أنَّه رُوِيَ عن ابنِ عَمْرٍو، أنه كان يَأمُرُ النِّساءَ بذلك.
وهو قَوْلُ النَّخَعِي.
ولا نَعْلَمُ أحدًا وافَقَهُما على ذلك.
ووَجْهُ الأوَّلِ ما رَوَتْ أمُّ سَلَمَةَ، أنَّها قالت: يا رسولَ الله، إنِّي امرأةٌ أشُدُّ ضَفْرَ رَأسِي، أفأنْقُضُه للجَنابَةِ؟ قال: «لَا، إنَّمَا يكفيك أنْ تَحْثِي عَلَى رَأسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ».
رَواه مسلمٌ 898. وعن عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ 899، قال: بَلَغ عائشَةَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عَمْرٍو يَأمُرُ النِّساءَ إذا اغْتَسَلْنَ أن يَنْقُضْنَ رُوُّوسَهُنَّ.
فقالت:
الجزء: 2 - الصفحة: 137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يا عَجَبِي لابنِ عَمْرٍو هذا، يَأْمُرُ النِّساءَ إذا اغْتَسَلْنَ أن يَنْقُضْنَ رُووسَهُنَّ، أفلا يَأْمُرُهُنَّ أن يَحْلِقْنَ رُؤوسَهُنَّ، لقد كنتُ أغْتَسِلُ أنا ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِن إِناءٍ واحِدٍ، وما أزِيدُ على أن أفْرِغَ على رَأسِي ثلاثَ إفْراغاتٍ.
رَواه مسلم 900. إلَّا أن يَكُونَ في رأس المرأةِ حَشْوٌ أو سِدْرٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الماءِ إلى ما تحتَه، فتجِبُ إزالتُه، وإن كان خَفِيفًا لا يَمْنَعُ، لم تَجِبْ.
فصل: فأمّا غُسْلُ الحَيضِ، فنَصَّ أحمدُ على أنها تَنْقُضُ شَعَرَها فيه.
قال مُهَنّا: سَألْتُ أحمدَ عن المرأةِ، تَنْقُضُ شَعَرَها مِن الحَيضِ؟ قال: نعم.
فقُلْتُ له: كيف تَنْقُضُه مِن الحَيض، ولا تَنْقُضُه مِن الجَنابَةِ؟ فقال: حَدِيثُ أسماءَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «تَنْقُضُهُ» 901. واخْتَلَفَ فيه
الجزء: 2 - الصفحة: 138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أصحابُنا؛ فمنهم مَن أوْجَبَه، وهو قَوْلُ الحسنِ وطاوُس؛ لِما رُوِيَ عن عائِشَةَ، رَضِي الله عنها، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لها، إذْ كانت حائِضًا: «خُذِي مَاءَكِ وَسِدْرَكِ وامْتَشِطِي» 902. ولا يَكُونُ المَشْطُ إلَّا في شَعَرٍ غيرِ مَضْفُورٍ.
وللبُخارِي 903: «انْقُضِي رَأسَكِ وَامْتَشِطِي».
ولأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ نَقْضِ الشَّعَرِ، ليُتَيَقَّنَ وُصُولُ الماء إلى ما تحتَه، فعُفِىَ عنه في غُسْلِ الجَنابَةِ؛ لأنَّه يَكْثُرُ، فيَشُقُّ ذلك، بخِلافِ الحَيض.
وقال بَعْضُ أصحابِنا: هو مُسْتَحَب غيرُ واجِبٍ.
رُوِيَ ذلك عن عائِشَةَ، وأمِّ سَلَمة.
وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي، وأكْثَرِ العلماءِ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ في بَعْضِ ألفاظِ حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ: أفأنْقُضُه للحَيضَةِ
الجزء: 2 - الصفحة: 139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والجَنابَةِ؟ قال: «لَا».
رَواه مسلمٌ 904. وهذه زِيادَةٌ يَجِبُ قَبُولُها.
وهذا صَرِيحٌ في نَفْي الوُجُوبِ، فأمّا حديثُ عائشةَ الذي رَواه البُخارِيُّ، فليس فيه أمْرٌ بالغُسْلِ، ولو كان فيه أمْر لم يَكُنْ فيه حُجَّةٌ؛ لأنَّ ذلك ليس هو غُسْلَ الحَيضِ، إنَّما أمِرَتْ بالغُسْلِ في حالِ الحَيضِ للإِحْرامِ بالحَجِّ.
ولو ثَبَت الأمْرُ بالغُسْلِ، حُمِل على الاسْتِحبابِ؛ جَمْعًا بينَ الحَدِيثَين، ولأنَّ فيه ما يَدُلُّ على الاسْتِحْبابِ، وهو المَشْطُ والسِّدْرُ، وليس بواجِبٍ، فما هو مِن ضَرُورَتِه أوْلَى.
فصل: ويَجِبُ غَسْلُ بَشَرَةِ الرَّأْسِ، كَثِيفًا كان الشَّعَرُ أو خَفِيفًا، وكذلك كلُّ ما تحتَ الشَّعَرِ، كجِلْدِ اللِّحْيَةِ؛ لِما رَوَتْ أسماءُ، قالت: سألْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عن غُسْلِ الجَنابَةِ، فقال: «تَأخُذُ مَاءً فَتَطهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، أوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا، فَتَدْلُكُهُ حَتَّى يَبْلُغَ شُوونَ رَأسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيهِ الْمَاءَ».
رَواه مسلمٌ.
وعن عليٍّ، رَضِي الله عنه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «مَنْ تَركَ مَوْضِعَ شَعَرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فُعِلَ بِهِ مِنَ النَّارِ كَذَا وَكَذَا».
قال عليٌّ: فَمِنْ ثَمَّ عادَيتُ شَعَرِي.
قال: وكان يَجُزُّ شَعَرَه.
رَواه أبو داودَ 905.
الجزء: 2 - الصفحة: 140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا غَسْلُ ما اسْتَرْسَلَ مِن الشَّعَرِ، وبَلُّ ما على الجَسَدِ منه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَجِبُ.
وهو ظاهِرُ قَوْلِ أصحابنا، ومَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تَحْتَ كُلِّ شَعَرَةٍ جَنَابَةٌ فَبِلُّوا الشَّعَرَ، وَأنْقُوا الْبَشَرَةَ».
رَواه أبو داودَ 906. ولأنَّه شَعَرٌ نابِتٌ في مَحَلِّ الفَرْضِ، فوَجَبَ غَسْلُه، كشَعَرِ الحاجبَين.
والثاني، لا يَجِبُ.
وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «يكْفِيكِ أنْ تَحْثِي عَلَى رَأسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ».
مع إخْبارِها إيّاه بشَدِّ ضَفْرِ رَأسِها، ومِثْلُ هذا لا يَبُلُّ الشَّعَرَ المَشْدُودَ ضَفْرُه في العادَةِ، ولو وَجَب غَسْلُه لوَجَبَ نَقْضُه؛ ليُعْلَمَ أنَّ الماءَ قد وَصَل إليه، ولأنَّ الشَّعَرَ ليس مِن الحَيَوانِ؛ بدَلِيلِ أنَّه لا يَنْقُضُ مَسُّه مِن المرأةِ، ولا تَطْلُقُ بإيقاعِ الطَّلاقِ عليه، فلم يَجِبْ غَسْلُه كثَوْبِها.
وأمّا حَدِيثُ: «بِلُّوا الشَّعَرَ».
فيَرْويه الحارِثُ بنُ وَجيهٍ 907 وَحْدَه، وهو
الجزء: 2 - الصفحة: 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ضَعِيفُ الحَدِيثِ، عن مالكِ بنِ دِينارٍ 908. والحاجِبانِ إنَّما وَجَبَ غَسْلُهما مِن ضَرُورَةِ غَسْلِ بَشَرَتِهما، وكذلك كلُّ شَعَرٍ لا يُمْكِنُ غَسْلُ بَشَرَتِه إلَّا بغَسْلِه، لأنَّه مِن قَبِيلِ ما لا يَتمُّ الواجِبُ إلَّا به.
فإن قُلْنا بوُجُوبِ غَسْلِه، فتَرَكَ غَسْلَ شيءٍ منه، لم يَتمَّ غُسْلُه.
فإن قَطَع المَتْرُوكَ، ثم غَسَلَه، أجْزأه؛ لأنَّه لم يَبْقَ في بَدَنِه شيءٌ غيرُ مَغْسُول.
ولو غَسَلَه، ثم تَقَطعَ، لم يَجِبْ غَسْلُ مَوْضِعِ القَطْعِ، كما لو قَصَّ أظْفارَه بعدَ الوُضُوءِ.
فصل: وغُسْلُ الحيض كغُسْلٍ الجَنابَةِ، إلَّا أنَّه يُسْتَحَبُّ أن تَغْتَسِلَ بماءٍ وسِدْرٍ، وتَأخُذَ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فتَتَّبعَ بها مَجْرَى الدَّمِ، والمَوْضِعَ الذي يَصِلُ إليه الماءُ مِن فَرْجِها؛ ليَزُولَ عنها زُفُورَةُ الدَّمِ، فإن لم تَجِدْ مِسْكًا فَغَيرُه مِن الطِّيبِ، فإن لم تَجِدْ فالماءُ كافٍ؛ لأنَّ في حديثِ أسماءَ: «تَأخُذُ إحْدَاكُنَّ سِدْرَتَهَا وَمَاءَهَا فَتَطَهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، [ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا، حَتَّى تَبْلُغَ شُؤونَ رَأسِهَا، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيهِ الْمَاءَ، ثُمَّ تَأخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرُ بِهَا»] 909. قالت أسماءُ: وكيف
الجزء: 2 - الصفحة: 142
ويتوضأ بالمد , ويغتسل بالصاع , فإن أسبغ بدونهما أجزأه.
تَطَهَّرُ بها؟ فقال: «سُبْحَانَ الله، تَطَهَّرِينَ بِهَا».
فقالت عائِشَةُ: تَتَبَّعِينَ بها أثَرَ الدَّمِ.
رَواه مسلمٌ (1). الفِرْصَةُ: هي القِطْعَةُ مِن كلِّ شيءٍ.
والمِسْكُ: الأذْفَرُ الخالِصُ.
162 -
مسألة؛ قال: (ويَتَوَضَّأ بالمُدِّ، ويَغْتَسِلُ بالصّاعِ، فإن أسْبَغَ بدُونِهما أجْزأه)
المُدُّ رَطْلٌ وثُلُثٌ بالعِراقِيِّ، والصّاعُ أربعةُ أمْدادٍ،910
الحديث: 162 - الجزء: 2 - الصفحة: 143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو خمسةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ، وهو بالرَّطْلِ الدِّمَشقِيِّ، الذي هو سِتُّمائَةِ دِرْهَمٍ، رَطل وسُبْعٌ، والمُدُّ رُبْعُه، وهو ثلاثُ أواقٍ، وثلاثةُ أسْباع أوقِيَّةٍ.
والرَّطْلُ العِراقِيّ مِائَةُ دِرْهَمٍ وثمانيةٌ وعِشْرُون دِرْهَمًا وأربعةُ أسْباعِ دِرْهَم، وذلك تِسْعُون مِثْقالًا.
والمِثْقالُ دِرْهَمٌ وثلاثةُ أسباع دِرْهَم 911. ولا خِلافَ في حُصُولِ الإِجْزاءِ بالمُدِّ في الوُضُوءِ، والصّاعِ في الغُسْلِ، في ما عَلِمْنا؛ وذلك لِما روَى أنسٌ، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأ بالمُدِّ، ويَغْتَسِلُ بالصّاعِ إلى خمسةِ أمْدادٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 912. وعن سَفِينَةَ، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُغَسِّلُه الصّاعُ [مِن الماءِ] 913 مِن الجَنابَةِ،
الجزء: 2 - الصفحة: 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويُوَضِّئُه المُدُّ.
رَواه مسلمٌ 914. وفي حديثِ جابِرٍ، أنه سُئِل عن غُسْلِ الجَنابَةِ، فقال: يَكْفِيك صاعٌ.
فقال رجلٌ: ما يَكْفِيني.
فقال جابرٌ: كان يَكْفِي مَن هو أوْفَى منك شَعَرًا، وخيرٌ منك.
يَعْنِي النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -. مُتَّفَقٌ عليه 915. والصّاعُ والمُدُّ ما ذَكَرْنا.
وهذا قوْلُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاق، وأبي عُبَيدٍ، وأبي يُوسُفَ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: الصّاعُ ثمانيةُ أرْطالٍ، والمُدُّ رَطْلان؛ لأنَّ أنَسَ بنَ مالكٍ قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأُ بالمُدِّ.
وهو رَطْلانِ.
ويَغْتَسِلُ بالصّاعِ.
ولَنا، ما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لكَعْبِ بنِ عُجْرَةَ 916: «أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ.
فَرَقًا مِنْ طَعَام».
مُتَّفَقٌ عليه 917. قال أبو عُبَيدٍ: لا اخْتِلافَ بينَ النَّاسِ أعْلَمُه في أنَّ الفَرَقَ
الجزء: 2 - الصفحة: 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثلاثةُ آصُعٍ، والفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا، فثَبَتَ أنَّ الصّاعَ خمسةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ.
ورُوي أنَّ أبا يُوسُفَ دَخَل المَدِينَةَ، فسألَهُم عن الصّاعِ، فقالوا،: خمسةُ أرْطالٍ وثُلُث.
فطالبَهم بالحُجَّةِ، فقالُوا: غَدًا.
فجاءَ مِن الغَدِ سَبْعُون شَيخًا، كلٌّ منهم آخِذ صاعًا تحتَ رِدائِه، فقال: صاعِي وَرِثتُه مِن أبي، عن جَدِّي، حتى انْتَهَوْا به إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. فرَجَعَ أبو يُوسُفَ عن قَوْلِه.
وهذا تَواتُرٌ يَحْصُلُ به القَطْعُ، وقد ثَبَت أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أهْلِ الْمَدِينَةِ» 918. وحَدِيثُهم تَفَرَّدَ به موسى بنُ نَصْر، وهو ضَعِيف الحَدِيثِ.
قاله الدّارَقُطْنِي 919.
فصل: فإن أسْبَغ بدُونِهما أجْزأه.
مَعْنَى الإِسْباغِ، أن يَعُمَّ جَمِيعَ الأعْضاءِ بالماءِ بحيث يَجْرِي عليها؛ لأَنَّ هذا هو الغُسْلُ، وقد أُمِرْنا بالغَسْلِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ وأكثَرِ أهلِ العلمِ.
وقد قِيل: لا يُجْزِئ في الغُسْلِ دُونَ الصّاعِ، ولا في الوُضُوءِ دونَ المُدِّ.
وحُكِي ذلك عن أبي حنيفةَ؛ لأَنَّ جابرًا، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «يُجْزِئ مِنَ الْوُضُوءِ مُدٌّ، وَمِنَ الْجَنَابَةِ صَاعٌ» 920. والتَّقْدِيرُ بهذا يَدُلُّ على أنه لا
الجزء: 2 - الصفحة: 146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَحْصُلُ الإِجْزاءُ بدُونِه.
ولَنا، أنَّ الله تعالى أمَرَ بالغسْلِ، وقد أتى به، وقد رُوِيَ عن عائِشةَ، أنها كانت تَغْتَسِلُ هي والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - مِن إناءٍ واحِدٍ، يَسَعُ ثلاثةَ أمْدادٍ، أو قَرِيبًا مِن ذلك.
رَواه مسلمٌ 921. وعن عبدِ الله بنِ زَيدٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ بثُلُثَيْ مُدٍّ 922. وحَدِيثُهم إنَّما يَدُلّ بمَفْهُومِه، وهم لا يَقُولُون به، وإن ذَكَرُوه على وَجْهِ الإِلْزام فما ذَكَرْناه مَنْطُوقٌ، وهو راجِحٌ عليه.
وقد رُوِيَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: إنَّ لِي رَكْوَةً 923 أو قَدَحًا، ما يَسَعُ إلَّا نِصْفَ المُدِّ أو نَحْوَه، ثم أبولُ، ثم أتوَضَّأ، وأفْضُل منه فَضْلًا.
قال عبدُ الرحمنِ 924: فذَكَرْتُ هذا الحديثَ لسُلَيمانَ بنِ يَسارٍ، فقال سُلَيمَانُ: وأنا يَكْفِيني مِثْلُ ذلك.
فذَكَرْتُ ذلك لأبي عُبَيدَةَ بنِ عَمّارِ بنِ ياسِرٍ 925، فقال أبو عُبَيدَةَ: وهكذا سَمِعْنا مِن أصحابِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال إبراهيمُ النَّخَعيُّ: إنِّي لأتوَضَّأ مِن كُوزِ الحُبِّ مَرَّتَين.
فصل: فإذا زاد على المُدِّ في الوُضُوءِ، وعلى الصّاعِ في الغُسْلِ، جاز؛ فإِنَّ عائِشَةَ قالت: كنتُ أغْتَسِلُ أنا ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِن إناءٍ واحِدٍ، مِن
الجزء: 2 - الصفحة: 147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَدَحٍ يُقالُ له الفَرَق 926. والفَرَقُ ثلاثةُ آصُعٍ.
وقال أنسٌ: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَغْتَسِلُ بالصّاعِ إلى خمسةِ أمْدادٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 927. وعن أنس قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأ بإناءٍ 928 يَسَعُ رَطْلَين.
رَواه أبو داودَ 929. ويكره الإِسْرافُ في الماءِ، والزِّيادَةُ الكَثيرَةُ فيه؛ لِما رَوينا مِن الآثارِ.
وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بسَعْدٍ، وهو يَتَوَضَّأ، فقال: «مَا هَذَا السَّرَفُ»؟ فقال: أفي الوُضُوءِ إسْرافٌ؟ قال: «نَعَمْ، وَإنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ».
رَواه ابنُ ماجه 930. وعن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، قال: قال
الجزء: 2 - الصفحة: 148
وَإذَا اغْتَسلَ يَنْوي الطَّهَارَتَينِ أجزأ عَنْهُمَا.
وَعَنْهُ، لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَتَوَضَّأ عَنْهُمَا.
رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ للْوُضُوءِ شَيطَانًا، يُقَالُ لهُ وَلَهَانُ، فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ».
رَواه أحمدُ وابنُ ماجَه (1).
163 -
مسألة: (وإذا اغْتَسَلَ يَنْوي الطَّهارَتَين أجْزأ عنهما. وعنه: لا يُجْزِئُه حتى يَتَوَضَّأ)
ظاهِرُ المذهبِ أنه يُجْزِئُه الغُسْلُ عن الطَّهارَتَين إذا نَواهُما.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وعنه: لا يُجْزِئُه حتى يَتَوَضَّأَ قبلَ الغُسْلِ، أو بعدَه، وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَل ذلك، ولأنَّ الجَنابَةَ والحَدَثَ وُجِدا منه، فوَجَبَ لهما الطَّهارَتان , كما لو كانا مُنْفَرِدَين.
ووَجْهُ الأولَى قَوْلُه تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾.
إلى قَوْلِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ 932. جَعَل الغُسْلَ غايَةً للمنْعِ مِن الصلاةِ، فإِذا اغْتَسَلَ يَجِبُ أن لا يُمْنَعَ منها، ولأنَّهُما عِبادَتان مِن جِنْسٍ، فدَخَلَتِ الصُّغْرَى في الكُبْرَى، في الأفعالِ دُونَ النيةِ؛ كالحَجِّ931
الحديث: 163 - الجزء: 2 - الصفحة: 149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والعُمْرَةِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 933: المُغْتَسِلُ [مِن الجَنابَةِ إِذا لم يَتَوَضَّأ، وعَمَّ جَمِيعَ بَدَنِه، فقد أدَّى ما عليه؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما افْتَرَضَ على الجُنُبِ الغُسْلَ] 934 مِن الجَنابَةِ، دونَ الوُضُوءِ، بقولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ 935. وهو إجْماعٌ لا خِلافَ فيه بينَ العلماء، إلَّا أنَّهُم أجْمَعُوا على اسْتِحْبابِ الوُضُوءِ قبلَ الغُسْلِ تَأسِّيًا برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد رَوَتْ عائِشَةُ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان لا يَتَوَضَّأ بعدَ الغُسْلِ مِن الجَنابَةِ.
رَواه الإِمامُ أحمدُ والترمِذِي 936.
الجزء: 2 - الصفحة: 150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن لم يَنْو الوُضُوءَ، لم يُجْزِه إلَّا عنْ الغُسْلِ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى» 937. فإن نَواهُما، ثم أحْدَثَ في أثْناءِ غُسْلِه، أتمَّ غُسْلَه، ثم يَتَوَضَّأ.
وقال الحسنُ: يَسْتَأْنِفُ الغُسْلَ.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ الحَدَثَ الأصْغَرَ لا يُنافِي الغُسْلَ، فلا يُؤَثرُ وُجُودُه فيه، كغير الحَدَثِ.
فصل: ويَسْقُطُ الترتِيبُ والمُوالاةُ في أعْضاءِ الوُضُوءِ، إِذا قُلْنا: الغُسْلُ يُجْزء عنهما.
لأنَّهما عِبادَتان دَخَلَتْ إِحْداهُما في الأخْرَى، فسَقَطَ حُكْمُ الصُّغْرَى، كالعُمْرَةِ مع الحَجِّ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
فلو اغْتَسَلَ إلَّا أعْضاءَ الوُضُوءِ، لم يَجِبِ الترتِيبُ فيها؛ لأنَّ حُكْمَ الجَنابَةِ باقٍ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ والآمِدِيُّ، في مَن غَسَل جَمِيعَ بَدَنِه إلا رِجْلَيه، ثم أحْدَثَ: يَجبُ الترتِيبُ في الأعْضاءِ الثلاثةِ؛ لانْفِرادِها في الحَدَثِ الأصْغَرِ دُونَ الرِّجْلَين؛ لاجْتمِاعِ الحَدَثَين فيهما.
ويُعايَى بها، فيُقالُ: طهارةٌ يَجِبُ الترتِيبُ في بَعْضِها، ولا يَجِبُ في البَعْضِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 151
وَيُسْتَحَبُّ لِلْجُنُب إِذَا أرَادَ النَّوْمَ، أو الْأكْلَ، أو الْوَطْءَ ثَانِيًا أَن يَغْسِلَ فَرْجَهُ وَيَتَوَضَّأ.
164 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ للجُنُبِ إِذا أرادَ النَّوْمَ أو الأكْلَ أو الوَطْءَ ثانيًا، أن يَغْسِلَ فَرْجَه ويَتَوَضَّأَ)
ورُوي ذلك عن علي، وعبدِ الله بنِ عَمْرٍو 938. وكان ابنُ عُمَرَ يَتَوَضَّأ إلَّا غَسْلَ قَدَمَيه.
وقال ابنُ
الحديث: 164 - الجزء: 2 - الصفحة: 152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُسَيَّبِ: إذا أرادَ أن يَأكلَ، يَغْسِلُ كَفَّيه، ويَتَمَضْمَضُ.
وحُكِى نَحْوُه عن إمامِنا، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقال مُجاهِدٌ: يَغْسِلُ كَفَّيه؛ لِما رُوِيَ عن عائِشَةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أنْ يَأكل وهو جُنُبٌ , غَسَلَ يَدَيه.
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيّ، وابنُ ماجه 939. وقال مالك: يَغْسِلُ يَدَيه إن كان أصابَهُما أذًى.
وقال ابنُ المُسَيَّبِ، وأصحابُ الرَّأي: يَنامُ، ولا يمس ماءً؛ لِما رَوَتْ عائِشَةُ، قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، يَنامُ وهو جُنُبٌ، ولَا يَمسُّ ماءً.
رَواه أبو داودَ وابنُ ماجه 940. ولَنا، أنَّ عُمَرَ سَأل
الجزء: 2 - الصفحة: 153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: أيرْقُدُ أحَدُنا وهو جُنُبٌ؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ».
مُتَّفَقٌ عليه 941. وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتَى أَحَدُكُمْ أهْلَهُ، ثُمَّ أرَادَ أنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأ».
رَواه مسلمٌ 942. وعن عائِشَةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذَا أراد أن يَأْكُلَ، أو يَنامَ، تَوَضَّأ.
يَعْنِي وهو جُنُبٌ.
رَواه أبو داودَ 943. فأمّا أحادِيثُهم؛ فأحادِيثُنا أصَحُّ، ويُمْكِنُ الجمْعُ بَينَها بحَمْلِها على الجَوازِ وحَمْلِ أحادِيثنا على الاسْتِحْبابِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا غَمَسَتِ الحائِض، أو الجُنُبُ، أو الكافِرُ، أيدِيَهُم في الماءِ، فهو طاهِرٌ ما لم يَكُنْ على أيدِيهِم نَجاسَةٌ؛ لأنَّ أبدانَهُم طاهِرَةٌ، وهذه الأحْداثُ لا تَقْتَضِي تَنْجِيسَ الماءِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوامُّ أهلِ العلمِ على أنَّ عَرَقَ الجُنُبِ طاهِرٌ.
يُرْوَى ذلك عن عائشةَ، وابنِ عباس، وابنِ عُمَرَ.
وهو قَوْلُ مالكٍ والشافعيِّ، ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافًا.
وقد روَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لَقِيَه في بعضِ طُرُقِ المَدِينَةِ، قال: فانْخَنَسْت منه، فذَهَبْتُ فاغْتَسَلْتُ، ثم جِئْتُ، فقال: «أينَ كُنْتَ يَا أبا هُرَيرَةَ»؟ قال: يا رسولَ الله، كُنْتُ جُنُبًا، فكَرِهْتُ أن أجالِسَك وأنا على غيرِ طهارةٍ، فقال: «سُبْحَانَ الله، إِنَّ الْمُؤمِنَ لَا يَنْجُسُ».
مُتَّفقٌ عليه 944. ورُوي أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَدَّمَتْ إليه امرأةٌ مِن نِسائِه قَصْعَةً ليتَوَضَّأَ منها، فقالتِ امرأةٌ: إنِّي غَمَسْتُ يَدَىَ فيها وأنا جُنُبٌ.
فقال: «الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ» 945. وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَشْرَبُ مِن سُورِ عائشةَ وهي حائِضٌ.
وتَوَضَّأ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِن مَزادَةِ مُشْرِكَةٍ.
مُتَّفَقٌ عليه.
وأجاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم -
الجزء: 2 - الصفحة: 155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَهُودِيًّا أضافَه بخُبْزٍ وإهالةٍ سَنِخَةٍ 946. قال شَيخُنا 947: ويَتَخَرَّجُ التَّفْرِيقُ بينَ الكِتابِيِّ الذي لا يَأكُلُ المَيتَةَ والخِنْزِيرَ، وبينَ غيرِه مِمَّن يَأكُلُ ذلك، ومَن لا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهم، كقَوْلِنا في آنِيَتهِم، وقد ذَكَرْناه 948.
فصل: فأمّا طُهُورِيَّةُ الماءِ، فإِنَّ الحائِضَ والكافِرَ لا يُؤثِّرُ غَمْسهما أيدِيَهما في الماءِ؛ لأنَّ حَدَثَهما لا يَرْتَفِعُ، وأمّا الجُنُبُ، فإن لم يَنْو بغَمْسِ.
يَدِه في الماءِ رَفْعَ الحَدَثِ عنها، فكَذلِك، بدَلِيلِ حَدِيثِ المرأةِ التي قالت: غَمَسْتُ يَدَيَّ في الماءِ وأنا جُنُبٌ.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ».
ولأنَّ الحَدَثَ لا يَرْتَفِعُ مِن غيرِ نِيَّةٍ، أشْبَهَ غَمْسَ الحائِض.
وإن نَوَتْ رَفْعَ حَدَثِها، فحُكْمُ الماءِ حُكْمُ ما لو اغْتَسَلَ الجُنُبُ فيه للجَنابَةِ، كذا ذَكَرَه شَيخُنا 949. وفي هذا نَظر؛ فإنَّهم قد قالوا: إنَّ الماءَ المُسْتَعْمَلَ إذا اخْتَلَطَ
الجزء: 2 - الصفحة: 156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالماءِ الطَّهُورِ، إنَّما يُؤَثِّرُ فيه إِذا كان بحيث لوْ كان مائِعًا آخَرَ غَيَّرَه، والمُنْفَصِلُ عن اليَدِ ها هنا يَسِيرٌ، فيَنْبَغِي إِذا كان الماءُ كَثِيرًا، بحيث لا يُؤَثِّرُ فيه المُنْفَصِلُ عن غَسْلِ اليَدِ لو غُسِلَتْ مُنْفَرِدَةً بماءٍ، ثم صُبَّ فيه، أن لا يُؤثِّرَ ها هنا؛ لأنَّه في مَعْناه.
وإن كان الماءُ يَسِيرًا، بحيث يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّ قَدْرَ المُنْفَصِلِ عن اليَدِ يُؤَثِّرُ فيه لو غُسِلَتْ مُنْفَرِدَةً، ثم صُبَّ فيه، أثَّرَ ها هنا.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على هذا؛ فإنَّه سُئِل عن جُنُبٍ، وُضِع له ماءٌ، فأدْخَلَ يَدَه يَنْظرٌ حَرَّه مِن بَرْدِه، قال: إن كان أُصْبُعًا فأرْجُو أن لا يَكُونَ به بَأْسٌ، وإن كانتِ اليَدَ أجْمَعَ.
فكأنَّه كَرِهَه.
فصل: قال بَعْضُ أصحابِنا: إِذا نَوَى رَفْعَ الحَدَثِ، ثم غَمَس يَدَه في الماءِ؛ ليَغْرِفَ بها، صار الماءُ مُسْتَعْمَلًا.
قال شَيخُنا 950: والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ، أنَّ ذلك لا يُؤَثِّرُ؛ لأنَّ قَصْدَ الاغْتِرافِ مَنَع قَصْدَ غَسْلِها،
الجزء: 2 - الصفحة: 157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على ما بَيَّنّاه في المُتَوَضِّئِ إِذا اغْتَرَفَ مِن الإِناءِ لغَسْلِ يَدَيه بعدَ وَجْهِه.
وإنِ انْقَطَع حَيضُ المرأةِ فهي قبلَ الغُسْلِ كالجُنُبِ في ما ذَكَرْنا مِن التَّفْصِيلِ.
وقد اخْتَلَف 951 عن أحمدَ في هذا؛ فقال في مَوْضِعٍ، في الجُنُبِ والحائِضِ يَغْمِسُ يَدَيه في الإِناءِ: إذا كانا نَظِيفَين، فلا بَأْسَ به.
وقال في مَوضِع: كُنْتُ لا أرَى به بَأْسًا، ثم حُدِّثْتُ عن شُعْبَةَ، عن مُحارِبِ بنِ دِثارٍ، عن ابنِ عُمَرَ، وكأنِّي تَهَيَّبْتُه.
وسُئِل عن جُنُبٍ وُضِعَ له ماءٌ، فوَضَعَ يَدَه فيه يَنْظُرُ حَرَّه مِن بَرْدِه، فقال: إن كان أُصْبُعًا فأرْجُو أن لا يَكُونَ به بَأْسٌ، وإن كانتِ اليَدَ أجْمَعَ.
فكأنَّه كَرِهَه.
وسُئِل عن الرجل يَدْخُلُ الحَمّامَ، وليس معه ما يَصُبُّ به الماءَ على يَدِه، تَرَى له أن يَأْخُذَ بفِيه؟ فقال: لا، يَدُه وفَمُه واحِدٌ.
وقِياسُ المذْهبِ ما ذَكَرْنا، وكَلامُ أحمدَ مَحْمُولٌ على الكَراهَةِ؛ لِما فيه مِن الخِلافِ.
وقال أبو يُوسُفَ: إن أدْخَلَ الجُنُبُ يَدَه في الماءِ لم يَفْسُدْ، وإن أدْخَلَ رِجْلَه فَسَد؛ لأنَّ الجُنُبَ نَجِسٌ،
الجزء: 2 - الصفحة: 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فعُفِيَ عن يَدِه؛ لمَوْضِعِ الحاجَةِ.
وكَرِهَ النَّخَعِيُّ الوُضُوءَ بسُؤْرِ الحائِضِ.
وأكْثَرُ أهلِ العلمِ لا يَرَوْنَ به بَأْسًا؛ منهم الحسنُ، ومُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ.
وقد دَلَّلْنا على طهارةِ الجُنُبِ والحائِضِ، والتَّفْرِيقُ بينَ اليَدِ والرِّجْلِ لا يَصِحُّ؛ لاسْتِوائِهما فيما إذا أصابَتْهما نَجاسَةٌ، كذلك في الجَنابَةِ.
قال شَيخُنا 952: ويَحْتَمِلُ أن نَقُولَ به؛ لأنَّ اليَدَ يُرادُ بها الاغْتِرافُ، وقَصْدُه هو المانِعُ مِن جَعْلِ الماءِ مُسْتَعْمَلًا، وهذا لا يُوجَدُ في الرِّجْلِ، فيُؤثِّرَ غَمْسُها في الماءِ.
واللهُ أعلمُ.
فُصُولٌ في الحَمّامِ: بناءُ الحَمّامِ، وكِراؤُه، وبَيعُه، وشِراؤُه، مَكْرُوهٌ عندَ أبي عبدِ اللهِ؛ فإِنَّه قال في الذي يَبْنِي حَمّامًا للنِّساءِ: ليس بعَدْلٍ.
وإنَّما كَرِهَه؛ لِما فيه مِن كَشْفِ العَوْرَةِ، والنَّظرَ إِليها، ودُخُولِ النِّساء إليه.
فصل: فأمّا دُخُولُ الحَمّام، فإِن دَخَل رجلٌ، وكان يَسْلَمُ مِن النَّظرَ إِلى عَوْراتِ النّاسِ، ونَظرَهِم إِلىَ عَوْرَتِه، فلا بَأْسَ به؛ فإنَّه يُرْوَى أنَّ ابنَ عباسٍ دَخَل حَمّامًا بالجُحْفَةِ.
ويُرْوَى ذلك عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وكان الحسنُ وابنُ سِيرِينَ يَدْخُلان الحَمّامَ.
رَواه الخَلّالُ.
وإن خَشِيَ أن لا يَسْلَمَ مِن ذلك، كُرِهَ له؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ وُقُوعَه في المَحْظُورِ، وهو النَّظرُ إِلى عَوْراتِ النّاسِ، ونَظرُهم إلى عَوْرَتِه، وهو مُحَرَّمٌ؛ بدَلِيلِ قَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا
الجزء: 2 - الصفحة: 159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَنْظرٌ الرَّجُلُ إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا تَنْظرٌ الْمَرْأةُ إلَى عَوْرَةِ الْمَرْأةِ».
وقَوْلِه - عليه السلام - «لَا تَمْشُوا عُرَاةً».
رَواهما مسلمٌ 953. قال أحمدُ: إن عَلِمْتَ أنَّ كلَّ مَن في الحَمّام عليه إزارٌ فادْخُلْه، وإلَّا فلا تَدْخُلْ.
فصل: فأمّا النِّساءُ فليس لَهُنَّ دُخُولُه، مع ما ذَكَرْنا مِن السِّتْرِ، إلَّا لعُذْرٍ؛ مِن حَيضٍ، أو نِفاسٍ، أو مَرَضٍ، أو حاجَةٍ إلى الغُسْلِ، ولا يُمْكِنُها أن تَغْتَسِلَ في بَيتها، لتَعَذُّرِ ذلك عليها، أو خَوْفِها مِن مَرَضٍ، أو ضَرَرٍ، فيُباحُ لها إذا سَتَرَتْ عَوْرَتَها، وغَضَّتْ بَصَرَها.
ولا يَجُوزُ مِن غيرِ عُذْرٍ، لِما رُوِيَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «سَتُفْتَحُ أرْضُ الْعَجَمِ، وَسَتَجِدُونَ فِيهَا حَمَّامَاتٍ، فَامَنْعُوا نِسَاءَكُمْ، إلَّا حَائِضًا أوْ نُفَساءَ».
ورُوي أنَّ عائِشَةَ دَخَل عليها نِساءٌ مِن أهْلِ حِمْصَ، فقالت: لَعَلَّكُنَّ مِن النِّساءِ اللَّاتِي يَدْخُلْنَ الحَمّاماتِ، سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «إنَّ الْمَرْأةَ إذَا خَلَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيرِ بَيتِ زَوْجِهَا هَتَكَتْ سِتْرَهَا بَينَهَا وَبَينَ اللهِ تَعَالى».
رَواهما ابنُ ماجه 954.
الجزء: 2 - الصفحة: 160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ومَن اغْتَسَلَ عُرْيانًا بينَ النّاسِ لم يَجُزْ؛ لِما ذَكَرْنا، وإن كان وَحْدَه جاز؛ لأنَّ موسى، - عليه السلام -، اغْتَسَلَ عُرْيانًا، وأيُّوبَ اغْتَسَلَ عُرْيانًا.
رَواهما البُخارِيُّ 955. وإن سَتَرَه إنسانٌ بثَوْبٍ، فلا بَأْسَ، فقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَتِرُ بثَوْبٍ، ويَغْتَسِلُ.
مُتَّفَقٌ عليه 956. ويُسْتَحَبُّ التَّسَتُّرُ وإِن كان خالِيًا، لقَوْلَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَاللهُ أحَقُّ أنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ مِنَ النَّاسِ» 957. وقد قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنِي أنْ يَدْخُلَ الماءَ إلَّا = عن دخول المرأة الحمام، من كتاب الاستئذان.
سنن الدارمي 2/ 281. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 41. 173، 199، 267.
الجزء: 2 - الصفحة: 161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُسْتَتِرًا، إِنَّ للماءِ سُكّانًا.
لأنَّه يُرْوَى عن الحسنِ، والحُسَينِ، أنَّهما دَخَلا الماءَ وعليهما بُرْدان، فقِيلَ لهما في ذلك، فقالا: إنَّ للماءِ سُكّانًا.
ولأنَّ الماءَ لا يَسْتُرُ فتَبْدُوَ عَوْرَةُ مَن دَخَلَه عُرْيانًا.
واللهُ أعلمُ.
فصل: ويُجْزِئُه الوُضُوءُ والغُسْلُ مِن ماءِ الحَمّامِ.
قال أحمدُ: لا بَأْسَ بالوُضُوءِ مِن ماءِ الحَمّام؛ وذلك لأنَّ الأصْلَ الطهارةُ.
ورُوي عن أحمدَ، أنَّه قال: لا بَأْسَ أن يَأخُذَ مِن الأُنْبُوبَةِ.
وهذا على سَبِيلِ الاحْتِياطِ، ولو لم يَفْعَلْه جاز؛ لأنَّ الأَصلَ الطهارةُ.
وقد قال أحمدُ: ماءٌ الحَمّامِ عِنْدِي طاهِرٌ، وهو بمَنْزِلَةِ الماءِ الجارِي.
وهل يُكْرَهُ اسْتِعْمالُه؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُكْرَهُ، لأنَّه يُباشِرُه مَن يَتَحَرَّى ومَن لا يَتَحَرَّى.
وحَكاه ابنُ عَقِيلٍ رِوايَةً عن أحمدَ.
وقد روَى الأثْرَمُ عن أحمدَ، قال: منهم مَن يُشَدِّدُ فيه، ومنهم مَن يقولُ: هو بمَنْزِلَةِ الماءِ الجارِي.
والثاني، لا يُكْرَهُ؛ لكَوْنِ الأصلِ طَهارَتَه، فهو كالماءِ الذي شَكَكْنا في نَجاسَتِه.
واللهُ أعلمُ.
قال شيخُنا 958: وقَوْلُه: هو بمَنْزِلَةِ الماءِ الجارِي.
فيه دَلِيلٌ على أنَّ الماءَ الجارِيَ لا يَنْجُسُ إلا بالتَّغْيِيرِ؛ لأنَّه لو تَنَجَّسَ بمُجَرَّدِ المُلاقاةِ لم يكُنْ لكَوْنِه جاريًا أثَرٌ، وإنَّما جَعَلَه بمَنْزِلَةِ الماءِ الجارِي إذا كان الماءُ لفيضُ مِن الحَوْضِ ويَخْرُجُ، فإنَّ الذي يَأْتِي أخِيرًا يَدْفَعُ ما في الحَوْضِ، ويَثْبُتُ مَكانَه؛ بدَلِيلِ أنَّه لو كان ما في الحَوْضِ كَدِرًا، وتتابَعَتْ عليه دُفَعٌ مِن الماءِ صافِيًا، لزالتْ كُدُورَتُه.
= باب التستر عند النكاح.
من كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 618. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 3، 4. وروى البخاري طرفه «الله أحق أن يستحيى منه من الناس».
في: باب من اغتسل عريانا وحده في الخلوة ومن تستر فالتستر أفضل، من كتاب الغسل (الترجمة).
صحيح البخاري 1/ 78.
الجزء: 2 - الصفحة: 162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا بَأْسَ بذِكْرِ اللهِ في الحَمّامِ؛ فإنَّ ذِكْرَه سبحانه حَسَنٌ في كلِّ مَكانٍ، ما لم يَرِدِ المَنْعُ منه، وقد رُوِيَ أنَّ أبا هُرَيرَةَ دَخَل الحَمّام، فقال: لا إلهَ إلَّا اللهُ.
ورَوَتْ عائشةُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَذْكُرُ اللهَ على كلِّ أحْيانِه.
رَواه مسلمٌ 959. فأمّا قِراءَةُ القُرْآنِ فيه، فكَرِهَها أبو وائِلٍ 960، والشَّعْبِيُّ، والحسنُ، ومَكْحُولٌ.
وحَكاه ابنُ عَقِيلٍ عن عليٍّ وابنِ عُمَرَ؛ لأنَّه مَحَلٌّ للتَّكَشُّفِ، ويُفْعَلُ فيه ما لا يَحْسُنُ في غيرِه، فاسْتُحِبَّ صِيانَةُ القُرْآنِ عنه.
ولم يَكْرَهْه النَّخَعِيُّ، ومالكٌ، لأنّا لا نَعْلَمُ حُجَّةً تُوجِبُ الكَراهَةَ، فأمّا رَدُّ السَّلامِ، فقال أحمدُ: ما سَمِعْتُ فيه شَيئًا.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ.
والأوْلَى جَوازُه مِن غيرِ كَراهَةٍ؛ لعُمُومِ قَوْلِه - عليه السلام -: «أفْشُوا السَّلَامَ بَينَكُمْ» 961. ولأنَّه لم يَرِدْ فيه نَصٌّ، والأشْياءُ على الإِباحَةِ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 163
بَابُ التَّيَمُّمِ
وَهُوَ بَدَلٌ لَا يَجُوزُ إلا بِشَرْطَينِ؛ أَحَدُهُمَا، دُخُولُ الْوَقْتِ.
بابُ التَّيَمُّمِ
التَّيَمُّمُ في اللُّغَةِ: القَصْدُ.
قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (1). وقال امْرُؤُ القَيسِ (2):
تَيَمَّمَتِ العَينَ التي عندَ ضارِجٍ … يَفِئُ عليها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامِى (3)
وقولُ اللهِ تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (4). أي: اقْصِدُوه.
ثم نُقِلَ في عُرْفِ الفُقَهاءِ إلى مَسْحِ الوَجْهِ واليَدَين بشيءٍ مِن الصَّعِيدِ، والأصْلُ فيه الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ، فقوْلُه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُمْ مِنْهُ﴾.
وأمّا السُّنَّةُ، فحَدِيثُ عَمّارٍ وغيرِه (5)، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على جَواز التَّيمُّمِ في الجُمْلَةِ، وله شُرُوطٌ، وفَرائِضُ، وسُنَنٌ، ومُبْطِلاتٌ، تَأْتِي في أثْناءِ البابِ، إن شاء اللهُ تعالى.
165 -
مسألة؛ قال: (وهو بَدَلٌ، لا يَجُوزُ إلا بشَرطَين؛
962963964965966 الحديث: 165 - الجزء: 2 - الصفحة: 165
فَلَا يَجُوزُ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَلَا لِنَفْلٍ فِي وَقْتِ النَّهْي عَنْهُ.
أحَدُهما، دُخُولُ الوَقْتِ، فلا يجوزُ لفَرْضٍ قبلَ وَقْتِه، ولا لنَفْلٍ في وَقْتِ النَّهْي عنه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عن الماءِ، إنَّما يَجُوزُ عندَ تَعَذُّرِ الطهارةِ بالماءِ؛ لعَدَمِه، أو مَرَضٍ، أو خَوْفٍ، أو نَحْوه؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
ولقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «التُّرَابُ كَافِيكَ ما لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ» 967. ولحَدِيثِ صاحِبِ الشَّجَّةِ 968، وحديثِ عَمْرِو بنِ العاصِ 969، وغيرِ ذلك.
ويُشْتَرَطُ له ثلاثةُ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، دُخُولُ الوَقْتِ، فلا يَجُوزُ لصلاةٍ مَفْرُوضَةٍ قبلَ دُخُولِ وَقْتِها، ولا لنافِلَةٍ في وَقتِ النَّهْي عنها؛ لأَنَّه ليس بوَقْتٍ لها، ولأَنَّه مُسْتَغْنٍ عن التَّيمُّمِ فيه، فأشْبَهَ ما لو تَيَمَّمَ عندَ وُجُودِ الماءِ، وإن كانت فائِتَةً، جازَ التَّيَمُّمُ لها في كلِّ وقتٍ؛ لجَوازِ فِعْلِها فيه.
وهذا قَوْلُ مالكٍ والشافعيِّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ التَّيَمُّم قبلَ وقتِ الصلاةِ؛ لأنَّها طهارةٌ مُشْتَرَطَةٌ للصلاةِ، فأُبِيحَ تَقْدِيمُها
الجزء: 2 - الصفحة: 166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على الوَقْتِ، كسائِرِ الطَّهاراتِ.
ورُوي عن أحمدَ، أنَّه قال: القِياسُ أنَّ التَّيَمُّمَ بمَنْزِلَةِ الطهارةِ حتى يَجدَ الماءَ، أو يُحْدِثَ.
فعلى هذا يَجُوزُ قبلَ دُخُولِ الوَقْتِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّها طهارةُ ضَرُورَةٍ، فلم تَجُزْ قبلَ الوَقتِ، كطهارةِ المُسْتَحاضَةِ.
وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بطهارةِ المُسْتَحاضَة، ويُفَارِقُ التَّيَمُّمُ سائِرَ الطَّهاراتِ؛ لكَوْنِها ليست لضَرُورَةٍ.
الجزء: 2 - الصفحة: 167
الثَّانِي، الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِعَدَمِهِ،
الشَّرْطُ (الثاني، العَجْزُ عن اسْتِعْمالِ الماءِ لعَدَمِه) لِما ذَكَرْنا.
وعَدَمُ الماءِ إِنَّما يُشْتَرَطُ لمَن تَيَمَّمَ لعُذْرِ عَدَمِ الماءِ، دُونَ مَن تَيَمَّمَ لغيرِه مِن الأعْذارِ.
الشَّرْطُ الثالثُ، طَلَبُ الماءِ، وفيه خِلافٌ نَذْكُرُه، إن شاء اللهُ.
فصل: وعَدَمُ الماءِ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ في السَّفَرِ الطَّويلِ والقَصِيرِ.
والطَّويلُ ما يُبِيحُ القَصْرَ، والقَصِيرُ ما دُونَه، مِثْلَ أن يَكُونَ بينَ قَرْيَتَين مُتَباعِدَتَين أو مُتَقارِبَتَين.
قال القاضي: لو خَرَج إلى ضَيعَةٍ له تُفارِقُ البُنْيانَ والمنازِلَ، ولو بخمْسِين خُطْوَةً، جاز له التَّيَمُّمُ، والصلاةُ على الرّاحِلَةِ، وأكْلُ المَيتَةِ للضَّرُورَةِ.
وهذا قَوْلُ مالكٍ والشافعيِّ.
وقال قَوْمٌ: لا يُباحُ إلَّا في الطَّويلِ، قِياسًا على سائِرِ رُخَصِ السَّفَرِ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾.
إلى قَوْلِه: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ 970. فإِنَّه يَدُلُّ بمُطْلَقِه على إباحَةِ التَّيَمُّمِ في كلِّ سَفَرٍ، ولأنَّ السفرَ القَصِيرَ يَكْثُرُ، فيكثُرُ عَدَمُ الماءِ
الجزء: 2 - الصفحة: 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيه، فيُحْتاجُ إِلى التَّيَمُّمِ فيه، فيَنْبَغِي أن يَسْقُطَ به الفَرْضُ، كالطَّويلِ.
والقِياسُ على رُخَصِ السَّفَرِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ يُباحُ في الحَضَرِ، على ما يَأْتِي، ولأنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ، لا يَجُوزُ تَرْكُه، بخِلافِ سائِرِ الرُّخَصِ، [ولا فرْقَ بينَ سَفَرِ الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ، لا يَجُوزُ تَرْكُه، بخِلافِ بَقِيَّةِ الرُّخَصِ] 971. فإن تَيَمَّمَ وصَلَّى، فهل يُعِيدُ؟ ذَكَر القاضي فيه احْتِمالين؛ أَوْلاهُما، لا يُعِيدُ؛ لأنَّه عَزِيمَةٌ.
فصل: فإن عَدِمَ الماءَ في الحَضَرِ، بأن انْقَطَع عنهم الماءُ، أو حُبِس وعَدِم الماءَ، تَيَمَّمَ وصَلَّى.
وهذا قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ.
وقال أبو حَنِيفةَ، في رِوايَةٍ عنه: لا يُصَلِّي؛ لأنَّ اللهَ تعالى شَرَطَ السَّفَرَ لجَوازِ التَّيَمُّمِ، فلا يَجُوزُ في غيرِه.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه سُئِل عن رجلٍ حُبِسَ في دارٍ، أو أُغْلِقَ 972 عليه البابُ [بمَنْزِلِ المُضِيفِ] 973،
الجزء: 2 - الصفحة: 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أيتَيَمَّمُ؟ قاك: لا.
ولَنا، ما روَى أبو ذَرٍّ، أنّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَإنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيرٌ» 974. قال التِّرْمِذِيُّ: حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ.
وهذا عامٌّ في السَّفَرِ وغيرِه، ولأنَّه عادِمٌ للماءِ، أشْبَهَ المُسافِرَ.
فأمَّا الآيَةُ، فلَعَلَّ ذِكْرَ السَّفَرِ فيها خَرَج مَخْرَجَ الغالِبِ؛ لكَوْنِ الغالِبِ أنَّ الماءَ إنَّما يُعْدَمُ فيه, كما ذُكِر السَّفَرُ، وعَدَمُ وُجُودِ الكاتِبِ في الرَّهْنِ، ولَيسا شَرْطَين فيه، ثم إنَّ الآيةَ إنَّما تَدُلُّ على ذلك بدَلِيلِ الخِطابِ، وأبو حَنِيفَةَ لا يَقُولُ به، ولو كان حُجَّةً فالمَنْطُوقُ راجِحٌ عليه.
فعلى هذا إذا تَيَمَّمَ في الحَضَرِ لعَدَمِ الماءِ، وصَلَّى، فهل يُعِيدُ إذا قَدَر على الماءِ؟ على رِوايَتَين؛ إحْداهُما، يُعِيدُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، لأنَّه عُذْرٌ نادِرٌ، فلا يَسْقُطُ به القَضاءُ، كالحَيضِ في الصَّوْمِ.
والثانيةُ، لا يُعيدُ.
وهو مذهبُ مالكٍ، لأنَّه أَتَى بما أُمِرَ به، فخَرَجَ عن العُهْدَةِ، ولأنَّه صَلَّى بالتَّيَمُّمِ المَشْرُوعِ على الوَجْهِ المشروعِ، فأشْبَهَ المَرِيضَ والمُسافِرَ، مع أنَّ عُمُومَ الخَبَرِ يَدُلُّ عليه.
وقال أبو الخَطّابِ: إِن حُبِسَ في المِصْرِ صَلَّى.
ولم
الجزء: 2 - الصفحة: 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَذْكرْ إعادَةً.
وذَكَر الرِّوايَتَين في غيرِه.
قال شَيخُنا 975: ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان عَدِمَ الماءَ لعُذْرٍ نادِرٍ، أو يَزُولُ قَرِيبًا، كرجلٍ أُغْلِقَ عليه البابُ، مِثْلَ الضَّيفِ وما أشْبَهَ هذا، فعليه الإِعادَةُ؛ لأنَّ هذا بمَنْزِلَةِ المُتَشاغِلِ بطَلَبِ الماءِ وتَحْصِيلِه.
وإن كان عُذْرًا مُمْتَدًّا ويُوجَدُ كَثِيرًا؛ كالمَحْبُوسِ، ومَن انْقَطَعَ الماءُ مِن قَرْيَتِه، واحْتاجَ إلى اسْتِقاءِ الماءِ مِن مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، فله التَّيَمُّمُ، ولا إعادَةَ عليه؛ لأنَّ هذا عادِمٌ للماءِ بِعُذْرٍ مُتَطاولٍ مُعْتادٍ، فهو كالمُسافِرِ، ولأنَّ عَدَمَ هذا للماءِ 976 أكْثَرُ مِن عَدَمِ المُسافِرِ له، فالنَّصُّ على التَّيَمُّمِ للمسافِرِ تَنْبِيهٌ على التَّيَمُّمِ ههُنا.
وما قاله صحيحٌ.
واللهُ تعالى أعلمُ.
فصل: ومَن خَرَج مِن المِصْرِ إلى أرْضٍ مِن أعْمالِه؛ كالحَرّاثِ، والحَصّادِ، والحَطّابِ، وأشْباهِهم مِمَّن لا يُمْكِنُه حَمْلُ الماءِ معه لوُضُوئِه، فحَضَرَتِ الصلاةُ ولا ماءَ معه، ولا يُمْكِنُه الرُّجُوعُ ليَتَوَضَّأَ إلَّا بتَفْويتِ حاجَتِه، فله أن يُصَلِّيَ بالتَّيَمُّمِ، ولا إعادَةَ عليه؛ لأنَّه مُسافِرٌ، أشْبَهَ الخارِجَ إلى قَرْيَةٍ أُخْرَى.
ويَحْتَمِلُ أن تَلْزَمَه الإِعادَةُ؛ لكَوْنِه في أرْضٍ مِن عَمَلِ المِصْرِ، أشْبَهَ المُقِيمَ فيه.
فإن كانتِ الأرضُ التي خَرَج إليها مِن غيرِ أرْضِ قَرْيَتِه 977، فلا إعادةَ عليه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه مُسافِرٌ.
الجزء: 2 - الصفحة: 171
أوْ لِضَرَرٍ فِي اسْتِعْمَالِهِ، مِنْ جُرْحٍ، أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ، أَوْ مَرَضٍ يَخْشَى زِيَادَتَهُ أَوْ تَطَاوُلَهُ،
فصل: فإن لم يَجِدْ إلَّا ماءً وَلَغَ فيه بَغْلٌ أو حِمارٌ، فرُوى عن أحمدَ، أنَّه قال: إِذا لم يَجِدْ غيرَ سُؤْرِهما تَيَمَّمَ معه، فيُقَدِّمُ الوُضُوءَ، ثم يَتَيَمَّمُ.
نَصَّ عليه أحمدُ، ليَكُونَ عادِمًا للماءِ بيَقِينٍ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحْتَمِلُ في المَذْهَبِ أن يُصَلِّيَ بكلِّ واحِدٍ منهما، ليَحْصُلَ له تَأْدِيَةُ فَرْضِه بيَقِينٍ.
فعلى هذا يُقَدِّمُ التَّيَمُّمَ، ويُصَلِّي ثم يَتَوَضَّأُ، لجَوازِ أن يكُونَ الماءُ نَجِسًا، ولا يَضُرُّ ههُنا تَقْدِيمُ التَّيَمُّمِ مع كَوْنِه مُسْقِطًا للفَرْضِ، كما إِذا اشْتَبَهَتِ الثِّيابُ.
فإن أراد أن يُصَلِّيَ صلاةً أُخْرَى في وَقْتٍ واحِدٍ، لم يَحْتَجْ إِلى إعادَةِ الوُضُوءِ إذا لم يُحْدِثْ، لأنَّ الماءَ إن كان طاهِرًا، فالوُضُوءُ بحالِه، وإن كان نَجِسًا، فلا حاجَةَ إلى تَكْرارِ الوُضُوءِ بماءٍ نَجسٍ، ولا يَحْتاجُ في الصلاةِ الثانيةِ إِلى أن يَفْعَلَها مَرَّتَين؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ له تأْدِيَة فَرْضِه بيَقِينٍ؛ لأنَّ أعْضاءَه قد تَنَجَّسَتْ بالماءِ على تَقْدِيرِ نَجاسَتِه، هذا إذا كان مُسْتَدِيمًا للطهارةِ الأُولَى.
ذَكَره ابنُ عَقِيلٍ، قال: ويُمْكِنُ تَأْدِيَتُه بيَقِين، بأن يَتَيَمَّمَ للحَدَثِ والنَّجاسَةِ، ويُصَلِّيَ؛ لأنَّه إن كان الماءُ طاهِرًا، فقد صَحَّتْ صَلاُته، وإن كان نَجِسًا، فقد تَيَمَّمَ للنَّجاسَةِ لي الحَدَثِ، فتَصِحُّ صلاتُه.
166 -
مسألة؛ قال: (أو لضَرَرٍ في اسْتِعْمالِه؛ مِن جُرْحٍ، أو بَرْدٍ شَدِيدٍ، أو مَرَضٍ يَخْشَى زِيادَتَه أو تَطاوُلَه)
هذه تَشْتَمِلُ على مَسائِلَ؛
الحديث: 166 - الجزء: 2 - الصفحة: 172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحَدُها، التَّيَمُّمُ لخَوْفِ البَرْدِ، متى أمْكَنَه تَسْخِينُ الماءِ، أو اسْتِعْمالُه على وجْهٍ يَأْمَنُ الضَّرَرَ، مثْلَ أنْ يَغْسِلَ عُضْوًا عضوًا، كُلَّما غَسَل شيئًا سَتَره، لَزِمَه ذلك.
وإن لم يَقْدِرْ، تَيَمَّمَ وصَلَّى، في قَوْلِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وقال عَطاءٌ والحسنُ: يَغْتَسِلُ وإن مات.
ومُقْتَضَى قَوْلِ ابنِ مسعودٍ نَحْوُ ذلك.
ووَجْهُ الأوَّلِ قَوْلُه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ 978. ولِما روَى عَمْرُو بنُ العاصِ، قال: احْتَلَمْتُ في لَيلَةٍ بارِدَةٍ في غَزْوَةِ ذاتِ السَّلاسِلِ، فَأشْفَقْتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أن أهْلِكَ، فتَيَمَّمْتُ، ثم صَلَّيتُ بأصحابِي الصُّبْحَ، فذَكَرُوا ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «يَا عَمْرُو، صَلَّيتَ بِأصْحَابِكَ، وَأنْتَ جُنُبٌ»؛ فأخْبَرْتُه بالذي مَنَعَنِي مِن الاغْتِسالِ، وقُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ اللهَ عزَّ وجَلَّ يقُولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
فضَحِكَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولم يَقُلْ شيئًا.
رَواه الخَلّالُ، وأبو داودَ 979.
الجزء: 2 - الصفحة: 173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسُكُوتُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدُلُّ على الجَوازِ؛ لأنَّه لا يُقِرُّ على الخَطَأ.
ولأنَّه خائِفٌ على نَفْسِه، أشْبَهَ المَرِيضَ.
وهل تَلْزَمُه الإِعادَةُ، إذا قَدَر على اسْتِعْمالِ الماءِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا تَلْزَمُه، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، ومالكٍ، وأبي حَنِيفَةَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لحديثِ عَمْرٍو، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَأْمُرْه بإعادَةٍ، ولو وَجَبَتْ لَأمَرَه بها، فإنَّه لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ.
ولأنَّه خائِفٌ على نَفْسِه، أشْبَهَ المَرِيضَ.
والثانيةُ، تَلْزَمُه الإِعادَةُ في الحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ.
وهو قولُ أبي يُوسُفَ، لمحمدٍ؛ لأنَّه عُذْرٌ نادِرٌ غيرُ مُتَّصِلٍ، فلم يَمْنَعِ الإِعادَةَ، كنِسْيانِ الطهارةِ.
قال الشيخُ 980: والأوَّلُ أصَحُّ.
ويُفارِقُ نسْيانَ الطهارةِ، فإنَّه لم يَأْتِ بما أُمِرَ به، وإنما ظَنَّ أنَّه أتَي به، بخِلافِ مَسْأَلَتِنا.
وقال الشافعيُّ: يُعِيدُ الحاضِرُ.
لِما ذَكَرْنا، وفي المُسافِرِ قَوْلان.
فصل: الثاني، الجَرِيحُ والمَرِيضٌ إذا خاف على نَفْسِه مِن اسْتِعْمالِ الماءِ، فله التَّيَمُّمُ.
هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ عباسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وطاوُسٌ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ, ومالكٌ، والشافعيُّ.
وقال عَطاءٌ والحسنُ: لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلَّا عندَ عَدَمِ الماءِ.
ولَنا، قَوْلُ الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
وحديثُ عَمْرِو بنِ العاصِ حينَ تَيَمَّمَ مِن خَوْفِ البَرْدِ.
وحَدِيثُ صاحِبِ الشَّجَّةِ 981. ولأنَّه يُباحُ له التَّيَمُّمُ إذا خاف العَطَشَ، أو خاف مِن سَبُعٍ، فكذلك ههُنا؛ لأنَّ الخَوْفَ لا يَخْتَلِفُ،
الجزء: 2 - الصفحة: 174
أْو عَطَشٍ يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ رَفِيقِهِ، أَوْ
إنَّما اخْتَلَفَتْ جِهاتُه.
واخْتَلَفُوا في الخَوْفِ المُبِيحِ للتَّيَمُّمِ؛ فرُويَ عن أحمدَ: لا يُبِيحُه إلَّا خَوْفُ التَّلَفِ.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
والصَّحِيحُ مِن لمَذْهَبِ، أنَّه يُباحُ له التَّيَمُّمُ إذا خاف زِيادَةَ المَرَضِ، أو تَباطُؤَ البُرْء، أو خاف شَيئًا فاحِشًا، أو ألَمًا غيرَ مُحْتَمَلٍ.
وهذا مذهبُ أَبي حَنِيفَةَ، والقَوْلُ الثاني للشافعيِّ؛ لعُمُومِ قَوْلِه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ (1). ولأنَّه يَجُوزُ له التَّيَمُّمُ إذا خاف ذهابَ شيءٍ مِن مالِه، أو ضَرَرًا في نَفْسِه؛ مِن لِصٍّ، أو سَبُعٍ، أو لم يَجِدِ الماءَ إلَّا بزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ على ثَمَنِ مِثْلِه، فلَأن يَجُوزَ ههُنا أوْلَى.
ولأنَّ تَرْكَ القِيامِ في الصلاةِ، وتَأْخِيرَ الصومِ في المَرَضِ، لا يَنْحَصِرُ في خَوْفِ التَّلَفِ، فكذا ههُنا.
فأمّا المَرِيضُ والجَرِيحُ.
الذي لا يَخافُ الضَّررَ باسْتِعْمالِ الماءِ، مِثْلُ مَن به الصُّداعُ والحُمَّى الحارَّةُ، وأمْكَنَه اسْتِعْمالُ الماءِ الحارِّ (2)، ولا ضَرَرَ عليه فيه، لَزِمَه ذلك؛ لأنَّ إباحَةَ التَّيَمُّمِ لنَفْي الضَّرَرِ، ولا ضَرَرَ عليه.
وحُكِيَ عن مالكٍ وداودَ، إباحَةُ التَّيَمُّمِ للمَرِيضِ مُطْلَقًا؛ لظاهِرِ الآيَةِ.
ولَنا، أنَّه قادِرٌ على اسْتِعْمالِ الماءِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، فأشْبَهَ الصَّحِيحَ، والآيَةُ اشْتُرِطَ فيها عَدَمُ الماءِ، فلم يَتَناوَلْ مَحَلَّ النِّزاعِ، على أنَّه لابُدَّ مِن إضْمارِ الضَّرُورَةِ، والضَّرورَةُ إنَّما تكُون عندَ الضَّرَرِ.
167 -
مسألة: (أو عَطَشٍ يَخافُه على نَفْسِه، أو رَفِيقِه، أو
982983 الحديث: 167 - الجزء: 2 - الصفحة: 175
بَهِيمَتِهِ،
بَهيمَتِه) متى خاف العَطَشَ على نَفْسِه، جازَ له التَّيَمُّمُ، ولا إعادَةَ عليه إجْماعًا، قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ المُسافِرَ إذا كان معه ماءٌ، وخَشِيَ العَطَشَ، أنَّه يُبْقِي الماءَ للشُّرْبِ، ويَتَيَمَّمُ، منهم عليٌّ، وابنُ عباسٍ، والحسنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهُم.
وإن خاف على رَفِيقِه، أو رَقِيقِه، أو بَهائِمِه، فهو كما لو خاف على نَفْسِه؛ لأنَّ حُرْمَةَ رَفِيقِه كحُرْمَةِ نَفْسِه، والخائِفُ على بَهائِمِه خائِفٌ مِن ضَياعِ مالِه، وعليه ضَرَرٌ فيه، فجازَ له التَّيَمُّمُ، كالمَرِيضِ.
وإن وَجَد عَطْشانَ يَخافُ تَلَفَه، لَزِمَه سَقْيُه، ويَتَيَمَّمُ.
قِيلَ لأحمدَ: رجلٌ معه إداوَةٌ مِن ماءٍ للوُضُوءِ، فيَرَى قَوْمًا عِطاشًا، أحَبُّ إليك أن يَسْقِيَهُم، أو يَتَوَضَّأَ؟ قال: لا، بل يَسْقِيهِم.
ثم ذَكَر عِدَّةً مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَيَمَّمُون، ويَحْبِسُون الماءَ لشِفاهِهم.
وقال أبو بكرٍ والقاضي: لا يَلْزَمُه بَذْلُه، لأنَّه مُحْتاجٌ إليه.
ولَنا، أنَّ حُرْمَةَ الآدَمِيِّ تُقَدَّمُ
الجزء: 2 - الصفحة: 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على الصلاةِ؛ بدَلِيلِ ما لو رأى حَرِيقًا، أو غَرِيقًا، عندَ ضِيقِ وَقْتِ الصلاةِ، لَزِمَه تَرْكُ الصلاةِ، والخُرُوجُ لإِنْقاذِه، فلَأَن يُقَدِّمَها على الطهارةِ بالماءِ أوْلَى، وقد رُويَ في حديثِ البَغِيِّ أنَّ اللهَ غَفَر لها بسَقْي الكَلْبِ عندَ العَطَشِ 984، فإذا كان في سَقْي الكَلْبِ فالآدَمِيُّ أوْلَى.
الجزء: 2 - الصفحة: 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا وَجَد الخائِفُ مِن العَطَشِ ماءً طاهِرًا، وماءً نَجِسًا، يَكْفِيه أحَدُهما لشُرْبِه، فإنَّه يَحْبِسُ الطّاهِرَ لشُرْبِه، ويُرِيقُ النَّجِسَ إنِ اسْتَغْنَى عنه.
وقال القاضي: يَتَوَضَّأُ بالطّاهِرِ، ويَحْبِسُ النَّجسَ لشُرْبِه؛ لأنَّه وَجَدَ ماءً طاهِرًا يَسْتَغْنِي عن شُرْبِه، أشْبَهَ ما لو كان الكلَّ طاهِرًا.
ولنا، أنَّه لا يَقْدِرُ على ما يَجُوزُ شُرْبُه والوُضُوءُ به إلَّا الطّاهِرَ، فجازَ له حَبْسُه لشُرْبِه، كما لو انْفَرَدَ.
وإن وَجَدهُما وهو عَطْشانُ، شَرِب الطّاهِرَ، وأراقَ النَّجِسَ إذا اسْتَغْنَى عنه، سَواءٌ كان في الوَقْتِ أو قبلَه.
وقال بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ: إن كان في الوَقْتِ شَرِب النَّجسَ؛ لأنَّ الطّاهِرَ مُسْتَحِقٌّ للطهارةِ، فهو كالمَعْدُومِ.
ولا يَصِحُّ، لَأنَّ شُرْبَ النَّجِسِ حَرامٌ، وإنَّما يَصِيرُ الطّاهِرُ مُسْتَحِقًّا.
للطهارةِ إذا اسْتَغْنَى عن شُرْبِه، وهذا غَيرُ مُسْتَغْنٍ عن شُرْبِه، فوُجُودُ النَّجِسِ كعَدَمِه.
الجزء: 2 - الصفحة: 178
أَوْ خَشْيَةً عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ فِي طَلَبِهِ،
168 - مسألة؛ قال: (أو خَشْيَةً على [نَفْسِه أو] 985 مالِه في طَلَبِه) متى خاف على نَفْسِه، أو مالِه في طَلَبِ الماءِ، كمَن بينَه وبينَ الماءِ سَبُعٌ أو عَدُوٌّ، أو حَرِيقٌ، أو لِصٌّ، فهو كالعادِمِ؛ لأنَّه خائِفٌ للضَّرَرِ باسْتِعْمالِه أو التَّلَفِ، فهو كالمَرِيضِ. ولو كان الماءُ بمَجْمَعِ الفُسّاقِ، تَخافُ المرأةُ على نَفْسِها منهم، فهي كالعادِمَةِ. وقد تَوَقَّفَ أحمدُ عن هذه المسألةِ. وقال ابنُ أبي موسى: تَتَيَمَّمُ، ولا إعادَةَ عليها في أصَحِّ الوَجْهَين. قال شَيخُنا 986: والصَّحِيحُ جَوازُ التَّيَمُّمِ لها، وَجْهًا واحِدًا، ولا إعادَةَ
الحديث: 168 - الجزء: 2 - الصفحة: 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليها، بل لا يَحِلُّ لها الخُرُوجُ إلى الماء؛ لِما فيه من التَّعَرُّضِ للزِّنَى، وهَتْكِ نَفْسِها وعِرضها، وتَنْكِيسِ رُؤُوسِ أَهْلِها، ورُبَّما أفْضَى إلى قَتْلِها، وقد أُبِيحَ لها التَّيَمُّمُ حِفْظًا للقَلِيلِ مِن مالِها المُباحِ لها بَذْلُه، وحِفْظَ نَفْسِها مِن زِيادَةِ مَرَضٍ، أو تباطُؤِ بُرْءٍ، فههُنا أوْلَى.
وكذلك إن كان يَخافُ إذا ذَهَب إلى الماءِ شُرُودَ دابَّتِه، أو سَرِقَتَها، أو يَخافُ على أهْلِه لِصًّا، أو سَبُعًا، فهو كالعادِمِ؛ لِما ذَكَرْنا.
فإن كان خَوْفُه جُبْنًا، لا عن سَبَبٍ يُخافُ مِن مِثْلِه، كالذي يَخافُ باللَّيلِ وليس شيءٌ يُخافُ منه، لم يَجُزْ له التَّيَمُّمُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
قال شَيخُنا 987: ويَحْتَمِلُ أن يُباحَ له التَّيَمُّمُ ويُعِيدَ، إِذا اشْتَدَّ خَوْفُه؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ الخائِفِ لسَبَب.
ومَن كان خَوْفُه لسَبَبٍ ظَنَّه، مِثْلَ مَن رَأى سَوادًا ظَنَّه عَدُوًّا، فتَبَيَّنَ أنَّه ليس بعَدُوٍّ، أو رَأى كَلْبًا فظَنَّه نَمِرًا، فتَيَمَّمَ وصَلَّى، فبانَ خِلافُه، فهل تَلْزَمُه الإِعادَةُ؟ على وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا تَلْزَمُه الإِعادَةُ؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به، فخَرَجَ عن عُهْدَتِه.
والثاني، تَلْزَمُه؛ لأنَّه تَيَمَّمَ مِن غيرِ سَبَبٍ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، أشْبَهَ مَن نَسِيَ الماءَ بمَوْضِعٍ يُمْكِنُه اسْتِعْمالُه.
الجزء: 2 - الصفحة: 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ومَن كان مَرِيضًا لا يَقدِرُ على الحَرَكَةِ، ولا يَجِدُ مَن يُناولُه الماءَ، فهو كالعادِمِ.
قاله ابنُ أبي موسى.
وهو قولُ الحسنِ؛ لأنَّه لا سَبِيلَ له إلى الماءِ، أَشْبَهَ مَن وَجَدَه في بِئرٍ ليس له ما يَسْتَقِى به [منها.
وإن وَجَد مَن يُناولُه قبلَ خُرُوجِ الوَقْتِ، فهو كالواجِدِ في الحالِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ مَن يَجِدُ ما يَسْتَقِي به] 988 في الوَقْتِ.
وإن خاف خُرُوجَ الوَقْتِ قبلَ مَجِيئِه، فقال ابنُ أبي موسى والحسنُ: له التَّيَمُّمُ، ولا إعادةَ عليه.
لأنَّه عادِمٌ في الوَقْتِ، أشْبَهَ العادِمَ مُطْلَقًا، ويَحْتَمِلُ أن يَنْتَظِرَ مَجِئَ مَن يُناولُه؛ لأنَّه حاضِرٌ يَنْتَظِرُ حُصُولَ الماءِ، أَشْبَهَ المُشْتَغِلَ باسْتِقاءِ الماءِ وتَحْصِيلِه.
الجزء: 2 - الصفحة: 181
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا وَجَد بِئْرًا، وقَدَر على النُّزُولِ إلى مائِها مِن غيرِ ضَرَرٍ، أو الاغْتِرافِ بشيءٍ أو ثَوْبٍ يَبُلُّه ثم يَعْصِرُه، لَزِمَه ذلك وإن خاف فَوْتَ الوَقْتِ؛ لأنَّ الاشْتِغال به كالاشْتِغالِ بالوُضُوءِ.
وحُكْمُ مَن في السَّفِينَةِ في الماءِ، كحُكْمِ واجِدِ البِئْرِ، إن لم يُمْكِنْه الوُصُولُ إلى الماءِ إلَّا بمَشَقَّةٍ، أو تَغْرِيرٍ بالنَّفْسِ، فهو كالعادِمِ.
وهذا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ.
[وإذا كان الماءُ مَوْجُودًا، إلَّا أنَّه إنِ اشْتَغَلَ بتَحْصِيله واسْتِعْمالِه فات الوَقْتُ، لم يُبَحْ له التَّيَمُّمُ، سَواءٌ كان حاضِرًا أو مُسافِرًا، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأْي.
وعن الأوْزاعِيِّ والثَّوْرِيِّ، أنَّه يَتَيَمَّمُ.
رَواه عنهما الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ 989. ورُوي عن مالكٍ وابنِ أبي ذِئْبٍ 990، كقَوْلِ الجُمْهُورِ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ 991. وهذا واجِدٌ، ولقَوْلِه، عليه السَّلامُ: «التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ» 992. ولأنَّه قادِرٌ على الماءِ، فلم يَجُزْ له التَّيَمُّمُ، كما لو لم يَخَفْ فَوْتَ الوَقْتِ] 993.
الجزء: 2 - الصفحة: 182
أَوْ تَعَذُّرِهِ إلا بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ، أَوْ ثَمَنٍ يَعْجِزُ عَنْ أَدَائِهِ.
169 - مسألة؛ قال: (أو تَعَذُّرِه إلَّا بزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ على ثَمَنِ مِثْلِه، أو ثَمَنٍ يَعْجِزُ عن أدائِه)
وجُمْلَتُه، أنَّه متى وَجَد ماءً بثَمَنِ مِثْلِه في مَوْضِعِه، لَزِمَه شِراؤُه إذا قَدَر على الثَّمَنِ مع اسْتِغْنائِه عنه، لقُوتِه ومُؤْنَةِ سَفَرِه؛ لأنَّه قادِرٌ على اسْتِعْمالِه مِن غيرِ ضَرَرٍ.
وكذلك إن كانتِ الزِّيادَةُ يَسِيرةً لا تُجْحِفُ بمالِه.
ذَكَرَه أبو الخَطّاب؛ لِما ذَكَرْنا.
وقال الشافعيُّ: لا يَلْزَمُه شِراوُّه مع الزِّيادَةِ، قَلِيلَةً كانت أَو كَثِيرَةً؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في الزِّيادَةِ، أشْبَهَ ما لو خاف لِصًّا يَأْخُذُ مِن مالِه ذلك المِقْدارَ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
وهذا واجِدٌ، فإِنَّ القُدْرَةَ على ثَمَنِ العَينِ كالْقُدْرَةِ على العينِ، في المَنْعِ مِن الانْتِقالِ إلى البَدَلِ، كما لو بِيعَتْ بثَمَنِ
الحديث: 169 - الجزء: 2 - الصفحة: 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِثْلِها؛ لأنَّ ضَرَرَ المالِ دُونَ ضَرَرِ النَّفْسِ، وقد قالوا في المَرِيضِ: يَلْزَمُه الغُسْلُ ما لم يَخَفِ التَّلَفَ.
فتَحَمُّلُ الضَّرَرِ اليَسِيرِ في المالِ أحْرَى.
وما ذَكَرُوه مِن الدَّلِيلِ يَبْطُلُ بما إذا كان بثَمَنِ المِثْلِ، فإن كان عاجِزًا عن الثَّمَنِ، فهو كالعادِمِ؛ [لأنَّهْ عاجِزٌ عن اسْتِعْمالِ الماءِ.
وإن بُذِلَ له ثَمَنُه، لم يَلْزَمْه قَبُولُه؛ لأَنَّ فيه مِنَّةً.
فأمّا إن وُهِبَ له ماءٌ، لَزِمَه قَبُولُه] 994، لأنَّه قادِرٌ على اسْتِعمالِ الماءِ، ولا مِنَّةَ في ذلك في العادَةِ.
فأمّا إن كانتِ الزِّيادَةُ كَثِيرَةً تُجْحِفُ بمالِه، لم يَلْزَمْه شِراؤُه، لأنَّ عليه ضَرَرًا كَثِيرًا، وإن كانت كثيرةً لا تُجْحِفُ يمالِه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه شِراؤُه، لأنَّه واجِدٌ للماءِ، قادِرٌ عليه مِن غيرِ إجْحافٍ بمالِه، فلَزِمَه اسْتِعْمالُه، للآيَةِ، وكما لو كانتِ الزِّيادَةُ يَسِيرَةً.
والثاني، لا يَلْزَمُه، لأنَّ فيه ضَرَرًا، ولِما ذَكَرْنا في الزِّيادَةِ اليَسِيرَةِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن بُذِلَ له بثَمَنِ في الذِّمَّةِ يَقْدِرُ على أدائِه في بَلَدِه، فقال القاضي: يَلْزَمُه شِراؤُه، لأنَّه قادِرٌ على أخْذِه بما لا مَضَرَّةَ فيه.
وقال الآمِدِيُّ: لا يَلْزَمُه، لأنَّ عليه ضَرَرًا في بَقاءِ الدَّينِ في ذِمَّتِه، ورُبَّما تَلِفَ مالُه قبلَ أدَائِه.
وهو الصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ تعالى.
وإن لم يَكُنْ له في بَلَدِه ما يُؤدِّي ثَمَنَه، لم يَلْزَمْه شِراؤُه، لأنَّ عليه ضَرَرًا.
وإن لم يَبْذُلْه له، وكان فاضِلًا عن حاجَتِه، لم يَجُزْ له أخْذُه منه قَهْرًا؛ لأنَّ الضَّرُورَةَ لا تَدْعُو إليه، ولأنَّ هذا له بَدَلٌ، وهو التَّيَمُّمُ، بخِلافِ الطَّعامِ في المَجاعَةِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 185
فَإِنْ كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ جَرِيحًا تَيَمَّمَ لَهُ وَغَسَلَ الْبَاقِيَ.
170 - مسألة: (فإن كان بَعْضُ بَدَنِه جَرِيحًا، تَيَمَّمَ له وغَسَل الباقِيَ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الجَرِيحَ والمَرِيضَ إذا أمْكَنَه غَسْلُ بَعْضِ بَدَنِه دُونَ بعضٍ، لَزِمه غَسْلُ ما أمْكَنَه غَسْلُه، وتَيَمَّمَ للباقِي.
وهو قَوْلُ
الحديث: 170 - الجزء: 2 - الصفحة: 186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشافعيِّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ ومالكٌ: إن كان أكثَرُ بَدَنِه صَحِيحًا، غَسَلَه ولا يَتَيَمَّمُ، وإن كان أكثرُه جَرِيحًا، تَيَمَّمَ ولا غُسْلَ عليه؛ لأنَّ الجَمْعَ بينَ البَدَلِ والمُبْدَلِ لا يَجِبُ، كالصِّيامِ والإِطْعامِ.
ولَنا، ما روَى جابِرٌ، قال: خَرَجْنا في سَفَرٍ، فأصابَ رَجُلًا مِنّا شَجَّةٌ في وَجْهِه، ثم احْتَلَمَ، فسأل أصْحابَه: هل تَجِدُونَ لي رُخْصَةً في التَّيَمُّمِ؟ قالوا: ما نَجِدُ لك رُخْصَةً، وأنت تَقْدِرُ على الماءِ.
فاغْتَسَلَ، فمات، فلَمّا قَدِمْنا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أُخْبِرَ بذلك، فقال: «قَتَلُوهُ، قَتَلَهُمُ اللهُ، ألَّا سَألُوا إذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فإنَّمَا شِفَاءُ الْعيِّ السُّؤّالُ، إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصبَ عَلَى جُرْحِهِ، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيهِ، ثُمَّ يَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ».
رَواه أبو داودَ 995. ولأنَّها شَرْطٌ مِن شَرائِطِ الصلاةِ، فالعَجْزُ عن بَعْضِها لا يُسْقِطُ جَمِيعَها، كالسِّتارَةِ، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالمَسْحِ على الخُفَّين مع غَسْلِ بَقِيَّةِ الأعْضاءِ.
فأمّا الذي قاسُوا عليه، فإنَّه جَمْعٌ بينَ البَدَلِ والمُبْدَلِ في مَحلِّ
الجزء: 2 - الصفحة: 187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واحِدٍ، بخِلافِ مَسْألَتِنا، فإنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَمّا لم يُصِبْه الماءُ 996. وكلُّ ما لا يُمْكِنُ غَسْلُه مِن الصَّحِيحِ إلَّا بانْتِشارِ الماءِ إلى [الجَرِيحِ، حُكْمُه حُكْمُ الجَرِيحِ، فإِن لم يُمْكِنْه ضَبْطُه، وقَدَر أن يَسْتَنِيبَ مَن يَضْبِطُه، لَزِمَه ذلك، فإن] 997 عَجَز تَيَمَّم، وصَلَّى، وأجْزأه، لأنَّه عَجَز عن غَسْلِه، فأجْزأه التَّيَمُّم عنه، كالجَرِيحِ.
فصل: ولا يَلْزَمُه أن يَمْسَحَ على الجُرْحِ بالماءِ إذا أمْكَنَه ذلك، سَواءٌ كان مَعْصُوبًا أوْ لا.
هذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ.
وقال ابنُ عَقِيل: نَصَّ أحمدُ في رِوايَةِ صالِحٍ، في المَجْرُوحِ إذا خاف: مَسَح مَوْضِعَ الجُرْحِ، وغَسَلَ ما حَوْلَه.
لقَوْلِه - عليه السلام -: «إذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» 998. لأنَّه عَجَز عن غَسْلِهَ، وقَدَر على مَسْحِه، وهو بَعْضُ
الجزء: 2 - الصفحة: 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الغَسْلِ، فوَجَبَ الإِتْيانُ بما قَدَر عليه، كمَن عَجَز عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وقَدَر على الإِيماءِ.
ووَجْهُ القوْلِ الأوَّلِ؛ أنَّه مَحَلٌّ واحِدٌ، فلا يَجْمَعُ فيه بينَ المَسْحِ والتَّيَمُّمِ، كالجَبِيرَةِ، فإذا قُلْنا: يَجِبُ المَسْحُ على مَوْضِعِ الجُرْحِ، فهل يَتَيَمَّمُ معه؟ على رِوايَتَين؛ إحْداهُما، لا يَتَيَمَّمُ، كالجُرْحِ المَعْصُوبِ عليه، والجَبِيرَةِ على الكَسْرِ.
والثانيةُ، عليه التَّيَمُّمُ؛ لأنَّ المَسْحَ بَعْضُ الغَسْلِ، فيَجِبُ أن يَتَيَمَّمَ للباقِي.
ويُفارِقُ هذا الجَبِيرَةَ؛ لأنَّ الفَرْضَ فيها انْتَقَلَ إلى الحائِلِ، فهي كالخُفَّينِ.
فصل: فإن كانت جميعُ أعْضاءِ الوُضُوءِ قَرِيحَةً، تَيَمَّمَ لها، فإن لم يُمْكِنْه التَّيَمُّمُ، صَلَّى على حَسَبِ حالِه، وفي الإِعادةِ رِوايَتان، كمَن عَدِمَ الماءَ والتُّرابَ، وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاء اللهُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا كان الجَرِيحُ جُنُبًا فهو مُخَيِّرٌ، إن شاء قَدَّمَ التَّيَمُّمَ على الغُسْلِ، وإن شاء أخَّرَه، بخِلافِ ما إذا كان التَّيَمُّمُ لعَدَمِ ما يَكْفِيه لطَهارَتِه، فإنَّه يَلْزَمُه اسْتِعْمالُ الماءِ أوَّلًا، لأنَّ التَّيَمُّمَ للعَدَم، ولا يَتَحَقَّقُ مع وُجُودِ الماءِ، وههُنا التَّيَمُّمُ للعَجْزِ، وهو مُتَحَقِّقٌ على كلِّ حالٍ.
ولأنَّ الجَرِيحَ يَعْلَمُ أنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عن غَسْلِ الجُرْحِ، والعادِمُ لا يَعْلَمُ القَدْرَ الذي يَتَيَمَّمُ له إلَّا بعدَ اسْتِعْمالِ الماءِ، فلَزِمَه تَقْدِيمُ اسْتِعْمالِه.
وإن كان الجَرِيحُ يَتَطَهَّرُ للحَدَثِ الأصْغَرِ، فذَكَرَ القاضي أنَّه يَلْزَمُه الترتِيبُ، فيَجْعَلُ التَّيَمُّمَ في مَكانِ الغَسْلِ الذي يَتَيَمَّمُ بَدَلًا عنه.
فإن كان الجُرْحُ في الوَجْهِ، بحيث لا يُمْكِنُه غَسْلُ شيءٍ منه، تَيَمَّمَ أوَّلًا، ثم أتمَّ الوُضُوءَ.
وإن كان في بَعْضِ وَجْهِه خُيِّر بينَ غَسْلِ الصَّحِيحِ مِنه ثم يَتَيَمَّمُ وبينَ التَّيَمُّمِ، ثم يَغْسِلُ صَحِيحَ وَجْهِه ويُتِمُّ الوُضُوءَ.
وإن كان الجُرْحُ في عُضْوٍ آخَرَ، لَزِمَه غَسْلُ ما قَبْلَه، ثم كان فيه على ما ذَكَرْنا في الوَجْهِ.
وإن كان في وَجْهِه ويَدَيه ورِجْلَيه، احْتاجَ في كلِّ عُضْوٍ إلى تَيَمُّمٍ في مَحَلِّ غَسْلِه، ليَحْصُلَ التَّرتِيبُ، ولو غَسَل صَحِيحَ وَجْهِه، ثم تَيَمَّم له وليَدَيه تَيَمُّمًا واحِدًا، لم يُجْزِه؛ لأنَّه
الجزء: 2 - الصفحة: 190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُؤَدِّي إلى سُقُوطِ الفَرْضِ عن جُزْءٍ مِن الوَجْهِ واليَدَين في حالٍ واحِدَةٍ.
فإن قِيل: هذا يَبْطُلُ بالتَّيَمُّمِ عن جُمْلَةِ الطهارةِ، [حيث يَسْقُطُ الفَرْضُ عن جميعِ الأعْضاءِ جُمْلَة واحِدَةً.
قُلْنا: إذا كان عن جُمْلَةِ الطهارةِ] 999، فالحُكْمُ له دُونَها، وإن كان عن بَعْضِها، نابَ عن ذلك البَعْضِ، فاعْتُبِر فيه ما يُعْتَبَرُ فيما يَنُوبُ عنه مِن الترتِيب.
قال شَيخُنا 1000: ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ هذا التَّرتِيبُ؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ طهارة مُفْرَدَة، فلا يَجِبُ الترتِيبُ بينَها وبينَ الطهارةِ الأُخْرَى،؛ لو كان الجَرِيحُ جُنُبًا، ولأنَّه تَيَمَّمَ عن الحَدَثِ الأصْغَرِ، فلم 1001 يَجِبْ أن يَتَيَمَّمَ عن كلِّ عُضْوٍ في مَوْضِع غَسْلِه، كما لو تَيَمَّمَ عن جُمْلَةِ الوُضُوءِ، ولأنَّ فيه حَرَجًا، فيَنْدَفِعُ بقَوْلِه تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 1002. وحَكَى الماوَرْدِيُّ 1003، عن مَذْهَبِ الشافعيِّ مِثْلَ هذه، وحَكَى ابنُ الصَّبّاغِ 1004 عنه مِثْلَ القَوْلِ الأوَّلِ.
والله تعالى أعلمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن تَيَمَّمَ الجَرِيحُ لجُرْحٍ في بعضِ أعْضائِه، ثم خَرَج الوَقْتُ، بَطَل تَيَمُّمُه، ولم تَبْطُلْ طَهارَتُه بالماءِ إن كان غُسْلًا للجَنابَةِ أو نَحْوها؛ لأنَّ الترتِيبَ والمُوالاةَ غيرُ واجِبَين فيها.
وإن كانت وُضُوءًا، وكان الجُرْحُ في وَجْهِه، فإن قُلْنا: يَجِبُ التَّرْتِيبُ بينَ التَّيَمُّمِ والوُضُوءِ.
بَطَل الوُضوءُ ههُنا؛ لأنَّ طهارةَ العُضْو الذي نابَ التَّيَمُّمُ عنه بَطَلَتْ، فلو لم يَبْطُلْ [ما بعدَه لتَقَدَّمَتْ طهارةُ ما بعدَه عليه، فيَفُوتُ التَّرتِيبُ.
فإن قُلْنا: لا يَجِبُ التَّرتِيبُ.
لم يَبْطُلِ] 1005 الوُضُوءُ، ويجوزُ 1006 له التَّيَمُّمُ لا غيرُ.
وإن كان الجُرْحُ في رِجْلَيه، فعلى قَوْلِنا: لا يَجِبُ التَّرْتِيبُ.
لا تَجِبُ المُوالاةُ بينَهما أيضًا، وعليه التَّيَمُّمُ وَحْدَه.
وإن قُلْنا: يَجِسبُ التَّرْتِيبُ.
فيَنْبَغِي أن يُخَرَّجَ وُجُوبُ المُوالاةِ ههُنا على وُجُوبِها في الوُضُوءِ، وفيها رِوايَتان؛ فإن قُلْنا: تَجِبُ في الوُضُوءِ.
بَطَل الوُضُوءُ ههُنا؛ لفَواتِها، وإن قُلْنا: لا تَجِبُ.
كَفاه التَّيَمُّمُ وَحْدَه، قال شَيخُنا 1007: ويَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ المُوالاةُ بينَ الوُضُوءِ والتَّيَمُّمِ وَجْهًا واحِدًا، لأنَّهُما.
طَهارَتان، فلم تَجِبِ المُوالاةُ بَينَهما، كسائِرِ الطَّهاراتِ، ولأنَّ في إيجابِها حَرَجًا، فيَنْتَفِي بقَوْلِه تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
الجزء: 2 - الصفحة: 192
وَإنْ وَجَدَ مَاءً يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي إِنْ كَانَ جُنُبًا، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهَلْ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
171 - مسألة؛ قال: (وإن وَجَدَ فاءً يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِه، لَزِمَه اسْتِعْمالُه، وتَيَمَّمَ للباقِي إنْ كان جُنُبًا. وإن كان مُحْدِثًا، فهل يَلْزَمُه اسْتِعْمالُه؟ على وَجْهَين)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا وَجَد الجُنُبُ ماءً يَكْفِي بَعْضَ
الحديث: 171 - الجزء: 2 - الصفحة: 193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَدَنِه، لَزِمَه اسْتِعْمالُه، وتَيَمَّمَ للباقِي.
نَصَّ عليه أحمدُ، في مَن وَجَد ماءً يَكْفِيه لوُضُوئِه وهو جُنُبٌ، قال: يَتَوَضَّأُ، ويَتَيَمَّمُ.
وهذا قَوْلُ عَطاءٍ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وقال الحسنُ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، وأصحابُ الرَّأْي، وابنُ المُنْذرِ،.
والقَوْلُ الثاني للشافعي: يَتَيَمَّمُ ويَتْرُكُهُ، لأنَّ هذا الماءَ لا يُطَهِّرُه، فلم يَلْزَمْه اسْتِعْمالُه، كالمُسْتَعْمَلِ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
وخَبَرُ أبي ذَرٍّ 1008، شَرَط في التَّيَمُّمِ عَدَمَ الماءِ.
وقَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أمَرتُكُمْ بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ».
رَواه البُخارِيُّ 1009. ولأنَّه وَجَد ما يُمْكِنُه اسْتِعْمالُه في بَعْضِ جَسَدِه، أشْبَهَ ما لو كان أكثَرُ جَسَدِه صَحِيحًا وباقِيه جَرِيحًا؛ ولأنَّه قَدَر على بَعْضِ الشَّرْطِ، فلَزِمَه؛ كالسُّتْرَةِ، وإزالةِ النَّجاسَةِ، والحُكْمُ الذي ذَكَرُوه في المُسْتَعْمَلِ مَمْنُوعٌ، وإن سُلِّم؛ فلأنَّه لا يُطَهِّرُ شيئًا منه، بخِلافِ هذا.
ويجِبُ عليه اسْتِعْمالُ الماءِ قبلَ التَّيَمُّم؛ ليَتَحَقَّقَ العَدَمُ، وقد ذَكَرْناه.
الجزء: 2 - الصفحة: 194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن وَجَدَه المُحْدِثُ الحَدَثَ الأصْغَرَ، فهل يَلْزَمُه استعمالُه؟ على وَجْهَين، أحَدُهما، يَلْزَمُه اسْتِعْمالُه.
اخْتارَه القاضي، لِما ذَكَرْنا في الجُنُبِ، وكما لو كان بَعْضُ بَدَنِه صَحِيحًا، وبَعْضُه جَرِيحًا.
والثاني، لا يَلْزَمُه، لأنَّ المُوالاةَ شَرْطٌ فيه، فإذا غَسَل بَعْضَ الأعْضاءِ دُونَ بعضٍ، لم يُفِدْ، بخِلافِ الجَنابَةِ.
وكذلك لو وَجَد الماءَ في الجَنابَةِ، أجْزأه غَسْلُ ما لم يَغْسِلْه فقط، وفي الحَدَثِ الأصْغَرِ يَلْزَمُه اسْتِئْنافُ الطهارةِ، وفارَقَ ما إذا كان بَعْضُ أعْضائِه صَحِيحًا وبعْضُه جَرِيحًا، لأنَّ العَجْزَ ببعضِ البَدَنِ يُخالِفُ العَجْزَ ببعضِ الواجِبِ، لأنَّ مَن بَعْضُه حُرٌّ إذا مَلَك بجُزْئِه الحُرِّ رَقَبَةً لَزِمَه إعْتاقُها في كَفَّارَتِه، ولو مَلَك الحُرُّ بَعْضَ رَقَبَةٍ لم يَلْزَمْه إعْتاقُه.
وللشافعيِّ قَوْلان كَهذَين.
والصَّحِيح أنَّه يَلْزَمُه اسْتِعْمالُه، لِما ذَكَرْنا مِن
الجزء: 2 - الصفحة: 195
ومَن عَدِم الماءَ لَزِمَه طَلَبُه في رَحْلِه،
الأدِلَّةِ فيما إذا كان جُنُبًا قِياسًا عليه، وكما لو كان بَعْضُ أعْضائِه صَحِيحًا، وما ذَكَرُوه؛ مِن أنَّ العَجْزَ ببَعْضِ الواجِبِ يُخالِفُ العَجْزَ ببعضِ البَدَنِ، يَبْطُل بالجُنُبِ.
وقَوْلُهم: إنَّه إذا وَجَد الماءَ في الحَدَثِ الأصْغَرِ، يَلْزَمُه اسْتِئْنافُ الطهارةِ.
قُلْنا: هذا لا يَمْنَعُ وُجُوبَ اسْتِعْمالِ الماءِ، كالجَرِيحِ.
وإن مَنَعُوا ذلك ثَمَّ، فهذا في مَعْناه.
واللهُ أعلمُ.
وإن قُلْنا: لا تَجِبُ المُوالاةُ في الوُضُوءِ.
فهو كالجُنُبِ سَواءٌ.
172 -
مسألة، قال: (ومَن عَدِم الماءَ لَزِمَه طَلَبُه في رَحْلِه، وما
الحديث: 172 - الجزء: 2 - الصفحة: 196
وَمَا قَرُبَ مِنْهُ، فَإِنْ دُلَّ عَلَيهِ قَرِيبًا لَزِمَهُ قَصْدُهُ.
وَعَنْهُ، لَا يَجِبُ الطَّلَبُ.
قَرُبَ منه، فَإِنْ دُلَّ عليه قَرِيبًا، لَزِمَه قَصْدُه.
وعَنْه، لا يَجِبُ الطَّلَبُ) المَشْهُورُ عن أحمدَ، رَحِمه اللهُ، اشْتِراطُ طَلَبِ الماء؛ لصِحَّةِ التَّيَمُّمِ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
ورُوي عنه: لا يُشْتَرَطُ الطَّلَبُ.
وهو مذهبُ أَبي حنيفةَ؛ لقَوْلِه، عليه السَّلامُ: «التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ» 1010. ولأنَّه غيرُ واجِدٍ للماءِ قبلَ الطَّلَبِ، أشْبَهَ مَن طَلَب فلم يَجِدْ، ووَجْهُ الأولَى قَوْلُه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
ولا
الجزء: 2 - الصفحة: 197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُقالُ: لم يجدْ.
إلَّا لمَن طَلَب؛ لجَوازِ أن يكُونَ بقُرْبِه ماءٌ لا يَعْلَمُه، ولأنَّه بَدَلٌ فلم يَجُزِ العُدُولُ إليه قبلَ طَلَبِ المُبْدَلِ، كالصيامِ في الظِّهارِ، ولأنَّه سَبَبٌ للصلاةِ 1011 مُخْتَصٌّ بها، فلَزِمَه الاجْتِهادُ في طَلَبِه عندَ الإِعْوازِ، كالقِبْلَةِ.
إذا ثَبَت هذا فصِفَةُ الطَّلَبِ أن يَطْلُبَ في رَحْلِه، وما قَرُب منه، وإن رَأى خُضْرَةً أو شَيئًا يَدُلُّ على الماءِ قَصَده فاسْتَبْرَأه، وإن كان بقُرْبِه رَبْوَةٌ أو شيءٌ قائِمٌ أتاه فطَلَبَ عندَه، ويَنْظرٌ وراءَه وأمامَه، وعن يَمِينِه وشِمالِه، وإن كانت له رُفْقَةٌ يُدِلُّ عليهم طَلَب منهم، وإن وَجَد مَن له خِبْرَةٌ بالمَكانِ سَألَه، فإن لم يَجِدْ تَيَمَّمَ، فإن دُلَّ على ماءٍ قَرِيبٍ لَزِمَه قَصْدُه، ما لم يَخَفْ على نَفْسِه أو مالِه، أو يَخْشَى فَواتَ رُفْقَتِه، ولم يَفتِ الوَقْتُ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإنَّما يكونُ الطَّلَبُ بعدَ الوَقْتِ، فإن طَلَب قبلَه، لَزِمَه إعادَةُ الطَّلَبِ بعدَه.
ذَكَره ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّه طَلَب قبلَ المُخاطَبَةِ بالتَّيمُّمِ، فلم يَسْقُطْ فَرْضُه، كالشَّفِيعِ إذا طَلَب الشُّفْعَةَ قبلَ البَيعِ.
وإن طَلَب بعدَ الوَقْتِ، ولم يَتَيَمَّمْ عَقِيبَه، جاز التَّيَمُّمُ بعدَ ذلك مِن غيرِ تجْدِيدِ طَلَبٍ.
فصل: إذا كان معه ماءٌ فأراقَه قبلَ الوَقْتِ، أو مَرَّ بماءٍ قبلَ الوقتِ، فتَجاوَزَه، وعَدِم الماءَ في الوَقْتِ، صَلَّى بالتَّيمُّمِ مِن غيرِ إعادَةٍ.
وهو قَوْلُ
الجزء: 2 - الصفحة: 199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشافعيِّ.
وقال الأوْزاعِيُّ: إن ظَنَّ أنَّه يُدْرِكُ الماءَ في الوَقْت، كقَوْلِنا 1012، وإلَّا صَلَّى بالتَّيَمُّمِ 1013 وعليه الإِعادَةُ؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ.
ولَنا، أنَّه لم يَجِبْ عليه اسْتِعْمالُه، أشْبَهَ ما لو ظَنَّ أنَّه يُدْرِكُ الماءَ في الوَقْتِ.
فأمّا إن أراقَ الماءَ في الوَقْتِ، أو مَرَّ به في الوَقْتِ فلم يَسْتَعْمِلْه، ثم عَدِم الماءَ، تَيَمَّمَ وصَلَّى.
وفي الإِعادَةِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يُعِيدُ؛ لأنَّه صَلَّى بتَيَمُّمٍ صَحِيحٍ، فهو كما لو أراقَه قبلَ الوَقْتِ.
والثاني، يُعِيدُ؛ لأنَّه وَجَبَتْ عليه الصلاةُ بوُضُوءٍ، وهو فَوَّتَ القُدْرَةَ على نَفْسِه، فبَقِيَ في عُهْدَةِ الواجِبِ،
الجزء: 2 - الصفحة: 200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن وَهَبَه بعدَ دُخولِ الوَقْتِ لم تَصِحَّ الهِبَةُ.
ذَكَرَه القاضي؛ لأنَّه تَعَلَّقَ به حَقُّ الله تِعالى، فلم تَصِحَّ هِبَتُه، كالأُضْحِيَةِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ.
والأوَّلُ أوْلَى.
فإن تَيَمَّمَ مع بَقاءِ الماءِ لم يَصِحَّ تَيَمُّمُه، لأنَّه واجِدٌ للماءِ، وإن تَصَرَّفَ فيه المَوْهُوبُ له 1014، فهو كما لو أراقَه، إلَّا أن يَهَبَه لمُحْتاجٍ إلى شُرْبِه مِن العَطَشٍ، وقد ذَكَرْناه.
الجزء: 2 - الصفحة: 201
وَإِنْ نَسِي الْمَاءَ بِموْضِعٍ يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ وَتَيَمَّمَ لَمْ يُجْزِئْهُ.
173 - مسألة: (وإن نَسِىَ الماءَ بمَوْضِعٍ يُمْكِنُه اسْتِعْمالُه، وتَيَمَّمَ، لم يُجْزِئْه)
نَصَّ عليه أحمدُ، وقَطعَ أنَّه لا يُجْزِئُه، وقال: هذا واجِدٌ للماءِ.
ورُوي عنه التَّوَقُّفُ في هذه المسأَلةِ.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ.
وهو آخِرُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ وابنُ المُنْذِرِ: يُجْزِئه.
وعن مالكٍ كالمَذْهَبين.
وعنه، أنَّه يُعِيدُ ما دام في الوَقْتِ؛ لأنَّه مع النِّسْيانِ غيرُ قادِرٍ على اسْتِعْمالِ الماءِ، أشْبَهَ العادِمَ.
ولنا، أنَّها طهارةٌ تَجِبُ مع الذِّكْرِ، فلم تَسْقُطْ بالنِّسْيانِ، كما لو صَلَّى ناسِيًا لحَدَثِه، ثم ذَكر، أو صَلَّى الماسِحُ، ثم بان له انْقِضاءُ مُدَّةِ المَسْحِ قبلَ الصلاةِ، ويُفارِقُ ما قاسُوا عليه؛ فإنَّه غيرُ مُفَرِّطٍ، وههُنا هو 1015 مُفَرِّطٌ بتَرْكِ الطَّلَبِ.
الحديث: 173 - الجزء: 2 - الصفحة: 202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن ضَلَّ عن رَحْلِه الذي فيه الماءُ، أو كان يَعْرِفُ بِئْرًا فضاعَتْ عنه، ثم وَجَدَها، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن يكُونَ كالنَّاسِي.
والصَّحِيحُ أنَّه لا إعادَةَ عليه.
وهو قولُ الشافعيِّ، لأنَّه ليس بواجدٍ للماءِ، فيَدْخُل في عُمُومِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ولأنَّه غيرُ مُفَرِّطٍ، بخِلافِ النّاسِي.
وإن كان الماءُ مع عَبْدِه، فنَسِيَه العبدُ حتى صَلَّى سَيِّدُه، احْتَمَلَ أن يكونَ كالنّاسِي، واحْتَمَل أن لا يُعِيدَ، لأنَّ التَّفْرِيطَ مِن غيرِه.
فإن صَلَّى، ثم بأن أنَّه كان بقُرْبِه بِئْرٌ أو ماءٌ، فإن كانت أعْلامُه ظاهِرَةً، فعليه الإِعادَةُ، لأنَّه مُفَرِّطٌ، وإن كانت خَفِيَّةً، وطَلَب فلم يَجِدْها، فلا إعادَةَ عليه؛ لعَدَمِ التَّفْرِيطِ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 203
وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ لجَمِيعِ الْأَحدَاثِ، وَلِلنَّجَاسَةِ عَلَى جُرْحٍ تَضُرُّهُ إِزَالتُهَا.
174 - مسألة: (ويَجُوزُ التَّيَمُّمُ لجَميعِ الأحْداثِ، وللنَّجاسَةِ على جُرْحٍ تَضُرُّه إزالتُها)
يجُوزُ التَّيَمُّمُ للحَدَثِ الأصْغَرِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، إذا وُجِدَتِ الشَّرائِطُ، لِما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ.
ويَجُوزُ للجَنابَةِ، في قَوْلِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عليٌّ، وابنُ عباسٍ، وعَمْرُو بنُ العاصِ، وأبو موسى الأشْعَرِيُّ، وعَمّارٌ.
وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي.
وكان ابنُ مسعودٍ لا يَرَى التَّيَمُّمَ للجُنُبِ،
الحديث: 174 - الجزء: 2 - الصفحة: 204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ورُوِيَ نَحْوُه عن عُمَرَ 1016، رَضِي اللهُ عنهما.
والدَّلِيلُ على إباحَتِه ما رَوَى عِمْرانُ بنُ حُصَينٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا مُعْتَزِلًا، لم يُصَلِّ مع القَوْمِ، فقال: «يَا فُلَانُ، مَا مَنَعَكَ أنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ»؟ فقال: أصابَتْنِي جَنابَةٌ، ولا ماءَ.
فقال: «عَلَيكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 1017. وحَدِيثُ أبي ذَرٍّ 1018، وعَمْرِو بنِ العاصِ 1019، وحديث صاحِبِ الشَّجَّةِ 1020، ولأنَّه حَدَثٌ أشْبَهَ الحَدَثَ الأصْغَرَ.
وحُكْمُ الحائِضِ إذا انْقَطع دَمُها حُكْمُ الجُنُبِ.
فصل: ويَجُوزُ التَّيَمُّمُ للنَّجاسَةِ على بَدَنِه إذا عَجَز عن غَسْلِها؛ لخَوْفِ الضَّرَرِ، أو لعَدَمِ 1021 الماءِ، قال أحمدُ: هو بمنزِلَةِ الجُنُبِ، يَتَيَمَّمُ.
رُوِيَ نَحْوُ ذلك عن الحسنِ.
وقال الأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو ثَوْرٍ: يَمْسَحُها بالتُّرابِ ويُصَلِّي، لأنَّ طهارةَ النَّجاسَةِ إنَّما تكُونُ في مَحَلِّ النَّجاسةِ دُونَ غيره.
وقال أكثرُ الفُقَهاءِ: لا يَتَيَمَّمُ للنَّجاسَةِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما وَرَد بالتَّيَمُّمِ للحَدَثِ، وغَسْلُ النَّجاسَةِ ليس في مَعْناه؛ لأنَّ الغَسْلَ إنَّما يكونُ
الجزء: 2 - الصفحة: 205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في مَحَلِّ النَّجاسَةِ دُون غيرِه، ولأنَّ مَقْصُودَ الغَسْلِ إزالةُ النَّجاسَةِ، ولا يَحْصُلُ ذلك بالتَّيَمُّمِ.
ووجْهُ الأوَّلِ، قَوْلُه عليه السَّلامُ: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ» 1022. وقَوْلُه: «جُعِلَتْ لِيَ الْأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» 1023. ولأنَّها طهارةٌ في البَدَنِ تُرادُ للصلاةِ، فجاز لها التَّيَمُّمُ قِياسًا على الحَدَثِ.
ويُفارِقُ الغَسْلُ التَّيَمُّمَ؛ فإنَّه في طهارةِ الحَدَثِ يُؤْتَى به في غيرِ مَحَلِّه، فيما إذا تَيَمَّمَ لجُرْحٍ في رِجْلِه، بخِلافِ الغَسْلِ.
قَوْلُهم: لم يَرِدْ به الشَّرْعُ.
قُلْنا: هو داخِلٌ في عُمُومِ الأخْبارِ.
إذا ثَبَت هذا، فتَيَمَّمَ وصَلَّى، فهل تَلْزَمُهْ الإِعادَةُ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا تجِبُ عليه الإِعادَةُ؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به.
والثانيةُ، تجبُ عليه؛ لأنَّه صلَّى مع النَّجاسَةِ، أشْبَهَ إذا لم يَتَيَمَّمْ.
واخْتارَ أبو الخَطّابِ وُجوب الإِعادةِ فِيما إذا تَيَمَّمَ لعَدَمِ الماءِ، بخِلافِ ما إذا كانتِ النَّجاسَةُ على جُرْحٍ؛ لأنَّه خائِفٌ للضَّرَرِ باسْتِعْمالِ الماءِ، أشْبَهَ المَرِيضَ.
وقال أصحابُنا: لا تَلْزَمُه الإِعادَةُ فيهما؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «التُّرَابُ كَافيكَ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ».
وقِياسًا على طهارةِ الحَدَثِ، وكما لو تَيَمَّمَ للنَّجاسَةِ على الجُرْحِ عندَ أبي الخَطّابِ.
فأمّا إن كانتِ النَّجاسَةُ على ثَوْبِه، لو يَتَيَمَّمْ لها؛ لأنَّ التَيّمَّمَ طهارةٌ في البَدَنِ، فلا تَنُوبُ عن غيرِ البَدَنِ، كالغَسْلِ.
فصل: إذا ثبت أنه تيمم للنجاسة، فقال القاضي: يحتمل أن لا يحتاج
الجزء: 2 - الصفحة: 206
وَإنْ تَيَمَّمَ لِلنَّجَاسَةِ لِعَدَمِ الْمَاءِ وَصَلَّى، فَلَا إِعَادَةَ عَلَيهِ، إلا عِنْدَ أَبي الْخَطَّابِ.
إلى نِيَّةٍ، لأنَّ غَسْلَها لا يَفْتَقِرُ إلى نِيَّةٍ، كذلك التَّيَمُّمُ لها، وقِياسًا على الاسْتِجْمارِ.
قال ابنُ عَقِيل: ويَحْتَمِلُ أنْ يُشْتَرَطَ، لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» 1024. ولأنَّ التَّيَمُّمَ طهارةٌ حُكْمِيَّةٌ، وغَسْلُ النَّجاسَةِ بالماءِ طهارةٌ عَينِيَّةٌ، فجاز أن تُشْتَرَطَ النِّيَّةُ في الحُكْمِيَّةِ دُونَ العَينِيَّةِ؛ لِما بَينَهما مِن الاخْتِلافِ.
فصل: وإن اجْتَمَعَ عليه نَجاسَةٌ وحَدَثٌ، ومعه ماءٌ يَكْفِي أحَدَهما حَسْبُ، قَدَّمَ غَسْلَ النَّجاسَةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، ورُوي عن سُفْيانَ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، لأنَّ التَّيَمُّمَ للحَدَثِ ثابِتٌ بالإِجْماعِ، والتَّيَمُّمُ للنَّجاسَةِ مُخْتَلَفٌ فيه.
وإن كانتِ النَّجاسَةُ على ثَوْبِه، قَدَّمَ غَسْلَها، وتَيَمَّمَ للحَدَثِ.
وحُكِي عن أحمدَ، أنَّه يَدَعُ الثَّوْبَ ويَتَوَضَّأُ، لأنَّه واجِدٌ للماءِ، والوُضوءُ أشَدُّ مِن الثَّوْبِ.
وحَكاه أبو حنيفةَ، عن حَمّادٍ في الدَّم.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لما ذَكَرْنا، ولأنَّه إذا قُدِّمَتْ نَجاسَةُ البَدَنِ مع أنَّ للتَّيَمُّمِ فيها مَدْخَلًا، فتَقْدِيمُ طهارةِ الثَّوْبِ وليس له فيها مَدْخَلٌ أوْلَى.
وإنِ اجْتَمَعَ نَجاسَةٌ على الثَّوْبِ، ونجاسةٌ على البَدَنٍ، غَسَل الثَّوْبَ، وتَيَمَّمَ لنَجاسَةِ البدنِ، لأنَّ للتَّيَمُّمِ فيها مَدْخَلًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 207
وَإنْ تَيَمَّمَ في الْحَضَرِ خَوْفًا مِنَ الْبَرْدِ وَصَلَّى، فَفِي وُجُوبِ الإعَادَةِ رِوَايَتَانِ.
175 - مسألة: (وإن تَيَمَّم في الحَضَرِ خَوْفًا مِن البَرْدِ وصَلَّى، ففي وُجُوبِ الإِعادَةِ رِوايَتان)
إحْداهُما؛ تجبُ عليه الإِعادَةُ؛
الحديث: 175 - الجزء: 2 - الصفحة: 209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّ الحَضَرَ مَظِنَّةُ إسْخانِ الماءِ، ودُخُولِ الحَمّاماتِ، فهو عُذْرٌ نادِرٌ، بخِلافِ السَّفَرِ.
والثانيةُ، لا إعادَةَ عليه، لأنَّه خائِفٌ، أشْبَهَ المَرِيضَ والمُسافِرَ.
الجزء: 2 - الصفحة: 210
وَلَوْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرابَ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ،
176 - مسألة: (فإن عَدِم الماءَ والتُّرابَ، صَلَّى على حَسَبِ حالِه)
في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ.
وهو قَوْلُ الشافعيِّ.
ورُوي عن أحمدَ، أنَّه لا يُصَلِّي حتى يَقْدِرَ على أحَدِهما.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والْأوزاعِيِّ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّها عِبادَة لا تُسْقِطُ القَضاءَ، فلم تَجِبْ، كصِيامِ الحائِضِ.
وقال مالكٌ: لا يُصَلِّي، ولا يَقْضِي؛ لأنَّه عَجَز عن الطهارةِ، فلم تَجِبْ عليه الصلاةُ، كالحائِضِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذه رِوايَة مُنْكَرَةٌ عن مالكٍ.
وذَكَر عن أصحابِه قَوْلَين؛ أحَدُهما كقَوْلِ أبي حنيفةَ.
والثّاني، يُصَلِّي
الحديث: 176 - الجزء: 2 - الصفحة: 211
وَفِي الإعَادَةِ رِوَايَتَانِ.
ويُعِيدُ.
ولَنا، ما روَى مسلمٌ في «صَحِيحِه» 1025، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَث أُناسًا لطَلَب قِلادَةٍ أضَلَّتْها عائشةُ، فحَضَرتِ الصلاةُ، فصَلَّوْا بغيرِ وُضُوءٍ، فأتَوْا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فذَكَرُوا ذلك له، فنَزَلَتْ آيةُ التَّيَمُّم، ولم يُنْكِرِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ولا أمَرَهم بإعادَةٍ، فدَلَّ على أنَّها غيرُ واجِبَةٍ.
ولأنَّ الطهارةَ شَرْطٌ فلم تُوخَّرِ الصلاةُ عندَ عَدَمِه، كالسُّتْرَةِ.
إذا ثَبَت هذا، فصَلَّى، ثم وَجَد الماءَ أو 1026 التُّرابَ، لم تَجِبْ عليه الإِعادَةُ في أصَحِّ الرِّوايَتَين؛ لِما ذَكَرْنا مِن الخَبَرِ، ولأنَّه أتَى بما أُمِرَ، فوَجَب أن يَخْرُجَ عن العُهْدَةِ، ولأنَّه أحَدُ شُرُوطِ الصلاةِ، فسَقَطَ عندَ العَجْزِ، كسائِرِ شُرُوطِها.
والثانيةُ، تجبُ عليه الإِعادَةُ.
وهو مذهبُ الشافعيُّ؛ لأنَّه فَقَد شَرْطَ الصلاةِ، أشْبَهَ ما لو صَلَّى بالنَّجاسَةِ.
والأولَى أوْلَى؛ لما ذَكَرْنا، وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.
الجزء: 2 - الصفحة: 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأمّا قِياسُ أبي حنيفةَ على الحائِضِ في تَأْخِيرِ الصيامِ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ الصومَ يَدْخُلُه التَّأْخِيرُ، بخِلافِ الصلاةِ؛ لأنَّ المُسافِرَ يُؤخِّرُ الصومَ دُونَ الصلاةِ.
ولأنَّ عَدَمَ الماءِ لو قام مُقامَ الحَيضِ لأسْقَطَ الصلاةَ بالكُلِّيَّةِ؛ لأنَّ قِياسَ الصلاةِ على جِنْسِها أوْلَى مِن قِياسِها على الصومِ، وقِياسُ مالكٍ لا يَصِحُّ؛ لمُخالفَتِه لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» 1027. ولأنَّ قِياسَ الطهارةِ على شَرائِطِ الصلاةِ أوْلَى مِن قِياسِه على الحائِضِ، والحَيضُ عُذْرٌ مُعْتادٌ يَتَكَرَّرُ، والعَجْزُ ههُنا عُذْرٌ نادِرٌ، فلا يَصِحُّ إلْحاقُه بالحَيضِ؛ لأنَّ النّادِرَ لا يَشُقُّ إيجابُ القَضاءِ فيه، بخِلافِ المُعْتادِ، ولأنَّه عُذْرٌ نادِرٌ فلم يُسْقِطِ الفَرْض، كنِسْيانِ الصلاةِ وفَقْدِ سائِرِ الشُّرُوطِ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 213
وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلا بِتُرَابٍ طَاهِرٍ لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِاليَدِ،
177 - مسألة: (ولا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلَّا بتُرابٍ طاهِرٍ له غُبارٌ يَعْلَقُ باليَدِ)
لأنَّ الله تعالى قال: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ
الحديث: 177 - الجزء: 2 - الصفحة: 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَأَيدِيكُمْ مِنْهُ}.
قال ابنُ عباسٍ: الصَّعِيدُ: تُرابُ الحَرْثِ، والطَّيِّبُ: الطّاهِرُ.
وقال سبحانه: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُمْ مِنْهُ﴾.
وما لا غُبارَ له،.
لا يُمْسَحُ بشيءٍ منه.
وبه قال الشافعيِّ، وإسْحاقُ، وأبو يُوسُفَ، وداودُ.
وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: يَجُوزُ بكلِّ ما كان مِن جِنْسِ الأرْضِ، كالنُّورَةِ، والزِّرْنِيخَ 1028، والحِجارَةِ.
وقال الأوْزاعِيُّ: الرَّمْلُ مِن الصَّعِيدِ.
وقال حَمّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ: لا بَأْسَ أن يَتَيَمَّمَ بالرُّخامِ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «جُعِلَتْ لِيَ الْأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
رَواه البخاري 1029. ولأنَّه مِن جِنْسِ الأرْضِ، فجاز التَّيَمُّمُ به، كالتُّرابِ.
ولَنا، أنَّ الله تعالى أمَر بالصَّعيدِ، وهو التُّرابُ، وقال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُمْ مِنْهُ﴾.
ولا يَحْصُلُ المَسْحُ بشيءٍ منه، إلَّا أن يكُونَ ذا غُبارٍ يَعْلَقُ باليَدِ، وعن عليٍّ رَضِي اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ مِنْ أنْبِيَاءِ اللهِ؛ جُعِلَ لِيَ التُّرَابُ طَهُورًا».
وذَكر الحَدِيثَ، رَواه الشافعيُّ في «مُسْنَدِه» 1030. ولو كان غيرُ التُّرابِ
الجزء: 2 - الصفحة: 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طَهُورًا، ذَكَرَه فيما مَنَّ اللهُ به عليه.
ولأنَّ الطهارةَ اخْتَصَّتْ بأعَمِّ المائِعاتِ وُجُودًا، وهو الماءُ، فَتخْتَصُّ بأعَمِّ الجامِداتِ وُجودًا، وهو التُّرابُ، وحَدِيثُهم نَخُصُّه بحَدِيثنا.
فصل: فأمّا السَّبَخةُ، فعن أحمدَ، أنَّه يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بها.
رَواها عنه أبو الحارِثِ، أنَّه قال: أرْضُ الحَرْثِ أحَبُّ إليَّ، وإن تَيَمَّمَ مِن أرْضِ السَّبَخةِ أجْزأه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، والأوْزاعِيِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقوْلِه عليه السلامُ: «وَجُعِلَتْ تربَتُهَا طَهُورًا» 1031. وعن أحمدَ، في الرَّمْلِ، والنُّورَةِ، والجِصِّ، نَحْوُ ذلك.
وحَمَل القاضي قولَ أحمدَ، في جَوازِ التَّيَمُّم بذلك إذا كان له غُبارٌ، والمَوْضِع الذي مَنَع إذا لم يَكُنْ لها غُبارٌ.
وعنه قولٌ ثالِثٌ، أنه يجوزُ ذلك مع الاضْطِرارِ خاصَّةً.
رَواه عنه
الجزء: 2 - الصفحة: 216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سِنْدِيٌّ 1032. وقال الخَلّالُ: إنَّما سَهَّل أحمدُ فيها مع الاضْطِرارِ، إذا كانت غبَرَةً كالتُّرابِ، فأمّا إذا كانت قَحْلَةً 1033 كالمِلْحِ، فلا يَتَيَمَّمُ بها أصْلًا.
وقال ابنُ أبي موسى: يَتَيَمَّمُ عندَ عَدَم التُّرابِ بكلِّ طاهِرٍ تَصاعَدَ على وَجْهِ الأرْضِ، مِثْلَ الرَّمْلِ والسَّبَخَةِ والنُّورَةِ والكُحْلِ، وما في مَعْنَى ذلك، ويُصَلِّي، وهل يُعِيدُ؟ على رِوايَتَين.
فصل: وإن دُقَّ الخَزَفُ أو الطِّينُ المُحْرَقُ لم يَجُزِ التَّيَمُّم به، لأنَّ الطَّبْخَ أخْرَجَه عن أن يَقَعَ عليه اسمُ التُّرابِ، وكذا إن نُحِت المَرْمَرُ والكذّانُ 1034 حتى صار غُبارًا، لم يَجُزِ التَّيَمُّم به، لأنَّه غيرُ تُرابٍ.
وإن دُقَّ الطِّينُ الصُّلْبُ كالأرْمَنِيِّ، جازَ التَّيَمُّم 1035 به، لأنَّه تُرابٌ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُخَرَّجُ عندِي فيه وَجْهان، لشَبَهِه بالمَعادِنِ، فهو كالنُّورَةِ.
وإن ضَرَب بيَدِه على لِبْدٍ، أو ثَوْبٍ، أو في شَعِيرٍ، أو نَحْوه، فعَلِقَ بيَدَيه غُبارٌ، فتَيَمَّمَ به، جازَ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وكذلك لو ضَرَب بيَدِه على صَخْرَةٍ
الجزء: 2 - الصفحة: 217
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو حائِطٍ أو حَيَوانٍ، أو أيِّ شيءٍ كان، فصارَ على يَدَيه غُبارٌ، بدَلِيلِ ما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ضَرَب يَدَيه على الحائِطِ، ومَسَح بهما وَجْهَه، ثم ضَرَب ضَرْبَةً أخْرَى، فمَسَحَ ذِراعَيه.
رَواه أبو داودَ 1036. ولأنَّ المَقْصُودَ التُّرابُ الذي يَمْسَحُ به وَجْهَه ويَدَيه، وقد رُوِيَ عن مالكٍ وأبي حنيفةَ، التَّيَمُّم بصَخْرَةٍ لا غُبارَ عليها، وتُرابٍ نَدِء لا يَعْلَقُ باليَدِ منه غُبار.
وأجازَ مالك التَّيَمُّمَ بالثَّلْجِ والحَشِيش، وكلِّ ما تَصاعَدَ على وَجْهِ الأرْضِ، ومَنَع مِن التَّيَمُّمِ بغُبارِ اللِّبْدِ والثَّوْبِ، قال: لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا ضَرب بيَدَيه نَفَخَهُما.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأيدِيكُم مِنْهُ﴾.
و «مِنْ» للتبعِيضِ، فيَحْتاجُ أن يَمْسَحَ بجُزْءٍ منه، والنَّفْخُ لا يُزِيل الغُبارَ المُلاصِقَ، وذلك يَكْفِي.
وروَى الأثرَمُ، عن عُمَرَ أنَّه قال: لا يَتَيَمَّمُ بالثَّلْجِ، فإنْ لم يَجِدْ فضَفَّةُ 1037 فرَسِه أو مَعْرَفَةُ 1038 دابَّتِه.
الجزء: 2 - الصفحة: 218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا التُّرابُ النَّجِسُ فلا يجُوزُ التَّيَمُّم به، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا أنَّ الأوْزاعِيَّ قال: إن تَيَمَّمَ بتُرابِ المَقْبَرَةِ وصَلَّى، مَضَتْ صَلاتُه.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًّا﴾.
والنَّجِسُ ليس بطَيِّبٍ.
ولأنَّ التَّيَمُّمَ طهارةٌ، فلم تَجُزْ بغيرِ طاهرٍ، كالوُضُوءِ، فأمّا المَقْبَرةُ، فإن كانت لم تُنْبَشْ، فتُرابُها طاهِرٌ، وإن تَكَرَّرَ نَبْشُها والدَّفْنُ فيها، لم يَجُزِ التَّيَمُّم بتُرابِها، لاخْتِلاطِه بصَدِيدِ المَوْتَى ولُحُومِهم.
ذَكَر ذلك شَيخُنا 1039. وقال ابنُ عَقِيلٍ، في التُّربَةِ المَنْبُوشَةِ: لا يجُوزُ التَّيَمُّم منها، سَواءٌ تَكَرَّرَ النبشُ، أم لا.
وإن شَكَّ في ذلك، أو في نَجاسَةِ التُّرابِ الذي يَتَيَمَّمُ به، جاز التَّيَمُّم به، لأنَّ الأصْلَ الطهارةُ، فهو كما لو شَكَّ في نَجاسَةِ الماءِ.
وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ، فيما إذا لم يَعْلَمْ حال المَقْبَرَةِ، وَجْهَين؛ أحَدُهما، يَجُوزُ، لِما ذَكَرْنا.
والثاني، لا يجوزُ، لأنَّ الظّاهِرَ مِن الدَّفْنِ فيها حُصُولُ النَّجاسة في بَعْضِها، فيَشْتَبِهُ بغيرِه، والمُشْتَبِهُ لا تَجُوزُ الطهارةُ به، كالأوانِي.
قال ابنُ عَقِيلٍ: ويُكْرَهُ الوُضوءُ مِن البِئْرِ التي في المَقْبَرَةِ، وأكْلُ البَقْلِ وثَمَرِ الشَّجَرِ الذي فيها، كالزُّرُوعِ التي تُسَمَّدُ بالنَّجاسَةِ، وكالجَلالةِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 219
فإِنْ خَالطَهُ ذُو غُبَارٍ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّم بِهِ، كَالْجَصِّ وَنَحْوهِ، فَهُوَ كَالْمَاءِ إذَا خَالطَتْهُ الطَّاهِرَاتُ.
فصل: ويَجُوزُ أن يَتَيَمَّمَ جماعة مِن مَوْضِعِ واحدٍ، بغيرِ خِلافٍ، كما يجوزُ أن يَتَوَضَّئُوا مِن حَوْض واحدٍ، فأمّا التُّرابُ الذي يَتَناثر مِن الوَجْهِ واليَدَين بعدَ مَسْحِهِما به، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، يَجُوزُ التَّيَمُّم به؛ لأنَّه لم يَرْفَع الحَدَثَ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
والثاني، لا يَجُوزُ، لأنَّه مُسْتَعْمَلٌ في طهارةٍ أباحَتِ الصلاةَ، أشْبَهَ الماءَ المُسْتَعْمَلَ في الطهارةِ.
وللشافعيِّ وَجْهَان كهَذَين.
وكذلك التُّرابُ الذي بَقِي على وَجْهِ المُتَيَمِّمِ ويَدَيه، إذا مَسَح غيرُه به أعْضاءَ تَيَمُّمِه، كالماءِ المُسْتَعْمَلِ.
178 -
مسألة: (فإن خالطَه ذُو غُبارٍ لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ به، كالجَصِّ ونَحْوه، فهو كالماءِ إذا خالطَتْه الطاهِراتُ)
إن كانتِ الغَلَبَةُ للتُّرابِ جازَ، وإن كانت للمُخَالِطِ لم يَجُزْ.
ذَكَره القاضي وأبو الخَطّابِ، قِياسًا على
الحديث: 178 - الجزء: 2 - الصفحة: 220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الماءِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَمْنَعُ التَّيَمُّمَ به، وإن كان قَلِيلًا.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، لأنَّه رُبَّما حَصَل في العُضْو، فمَنَعَ وُصُولَ التُّرابِ إليه، بخِلافِ الماءِ، فإنَّ المائِعَ يُسْتَهْلَكُ فيه، فلا يَجْرِى على العُضْو إلَّا ومعه جزْءٌ مِن الماءِ.
فأمّا إن كان المُخالِطُ لا يَعْلَقُ باليَدِ، لم يَمْنَعْ؛ لأنَّ أحمدَ قد نَصَّ على جَوازِ التَّيَمُّمِ مِن الشَّعِيرِ، وذلك لأنَّه لا يَحْصُلُ على اليَدِ مِنه ما يَحُولُ بينَ الغُبارِ وبينَها.
فصل: فإن خالطَه نَجاسَةٌ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يجُوزُ التَّيَمُّم به، وإن كَثُر التُّرابُ، لأنَّ الترابَ لا يَدْفَعُ النَّجاسَةَ عن نَفْسِه، فهو كالمائِعاتِ، تَتَنَجَّسُ بالنَّجاسَةِ وإن كَثُرَتْ.
فصل: وإن كان في طِين لا يَجِدُ تُرابًا، فحُكِيَ عن ابنِ عباس أنَّه يَأخُذُ الطِّينَ، فيَطْلِي به جَسَدَه، فإذا جَفَّ تَيَمَّمَ به.
وإن خاف فَواتَ الوَقْتِ قبلَ جَفافِه، فهو كالعادَةِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان يَجِفُّ قَرِيبًا، انتظَرَ جَفافَه وإن فاتَ الوَقْتُ، كالمُشْتَغِلِ بتَحْصِيلِ الماءِ مِن بِئْرٍ ونَحْوه.
وإن لَطَخ وَجْهَه بطِينٍ، لم يُجْزِه، لأنَّه لا يَقَعُ عليه اسمُ الصَّعِيدِ، ولأنَّه لا غُبارَ فيه، أشْبَهَ التُّرابَ النَّدِي.
الجزء: 2 - الصفحة: 221
فَصْلٌ: وَفَرَائِضُ التَّيَمُّمِ أرْبَعَةٌ؛ مَسْحُ جَمِيعِ وَجْهِهِ، وَيَدَيهِ إِلَى كُوعَيهِ، والترتِيبُ، وَالمُوَالاةُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
فصل: (وفَرائِضُ التَّيَمُّمِ أربعةٌ، مَسْحُ جَمِيعِ وَجْهِه، ويَدَيه إلى كُوعَيه، والترتِيبُ، والمُوالاةُ على إحْدَى الرِّوايَتَين) لا خِلافَ في وُجُوبِ مَسْحِ الوَجْهِ والكَفَّين في التَّيَمُّمِ، لقَوْلِه تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُم منْهُ﴾.
ويَجِبُ اسْتِيعابُ الوَجْهِ والكَفَّين بالمَسْحِ، فيَمْسَحُ ما يَأتِي عليه الماءُ، إلَّا المَضْمَضَةَ والاسْتِنْشاقَ، وما تحتَ الشُّعُور
الجزء: 2 - الصفحة: 222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخَفِيفَةِ.
وهذا قولُ الشافعي.
وقال سُلَيمانُ بنُ داودَ 1040: يُجْزِئُه إذا لم يُصِبْ إلا بَعْضَ (1) وَجْهِه وبعضَ كَفَّيه.
ولَنا، قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُم﴾.
والباءُ للإِلْصاقِ، فصار كأنَّه قال: فامْسَحُوا وُجُوهكم وأيدِيَكُم.
فيَجِبُ تَعْمِيمُهما، كما وَجَب تَعْمِيمُهما بالغَسْلِ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأيدِيَكُم إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.
فإن بَقِي مِن مَحَلِّ الفَرْضِ شيءٌ لم يَصِلْه التُّرابُ، أمَرَّ يَدَه عليه ما لم يَفْصِلْ راحَتَه، فإن فَصَل راحَتَه، وكان قد بَقِى عليها غُبارٌ، جاز أن يَمْسَحَ بها، وإن لم يَبْقَ عليها غُبارٌ، احْتاجَ إلى ضَرْبَةٍ أخْرَى.
وإن كان المَتْرُوكُ مِن الوَجْهِ، مَسَحَه وأعاد مَسْحَ يَدَيه؛ ليَحْصُلَ الترتِيبُ.
وإن تَطاوَلَ الفَصْلُ بَينَهما، وقُلْنا بوُجُوبِ المُوالاةِ، اسْتَأنَفَ التَّيَمُّمَ.
ويُرْجَعُ في طُولِ الفَصْلِ وقِصَرِه
الجزء: 2 - الصفحة: 223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى القَدْرِ الذي ذَكَرْناه في الطهارةِ؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ فَرْعٌ عليها.
وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في وُجوبِ الترتِيبِ والمُوالاةِ في الوُضُوءِ، وذَكَرْنا الدَّلِيلَ بما يُغْنِي عن إعادَتِه، والتَّيَمُّمُ مَبْنيٌّ عليه؛ لأنَّه بَدَلٌ عنه، ومَقِيسٌ عليه، وظاهِرُ المَذْهَبِ وُجُوبُهما في الوُضوءِ، كذلك ههُنا.
والحُكْمُ في التَّسْميَةِ ها هنا كالحُكْمِ في التسميةِ في الوُضوءِ، علي ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ فيه.
فصل: ويَجِبُ مَسْحُ اليَدَين إلى المَوْضِعِ الذي يُقْطَعُ منه السّارِقُ.
أوْمَأ إليه أحمدُ، وقال: قال اللهُ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أيدِيَهمَا﴾ 1041 مِن أين تُقْطَع 1042 يَدُ السّارِقِ؟ ألَيسَ مِن ههُنا؟ وأشارَ إلى الرُّسْغ.
وقد رَوَينا عن ابنِ عباس نَحْوَ هذا.
وقال الشافعيّ: يجِبُ المَسْحُ إلى المِرْفَقَين، كالوُضُوءِ.
وسنَذْكر ذلك إن شاء الله تعالى.
فإن كان أقْطَعَ مِن فوقِ الرُّسْغِ سَقَط مَسْحُ اليَدَين، وإن كان مِن دُونِه مَسَح ما بَقِيَ، وإن كان مِن المَفْصِلِ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَمْسَحُ مَوْضِعَ القَطْع
الجزء: 2 - الصفحة: 224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال 1043: ونَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ الرُّسْغَين في التَّيَمُّمِ كالمِرْفَقَين في الوُضوءِ، فكما أنَّه إذا قُطِع مِن المِرْفَقَين في الوُضُوءِ غَسَل ما بَقِيَ، كذلك ههُنا يَمسحُ العَظْمَ الباقِيَ.
وقال القاضي: يَسْقُطُ الفَرْضُ؛ لأنَّ مَحَلَّه الكَفُّ الذي يُوخَد في السَّرِقَةِ، وقد ذَهَب، لكنْ يُسْتَحَبُّ إمْرارُ التُّرابِ عليه.
ومَسْحُ العَظْمِ الباقِي مع بَقاءِ اليَدِ، إنَّماكان ضَرُورَةَ اسْتِيعابِ الواجِبِ، لأنَّ الواجِبَ لا يتمُّ إلَّا به، فإذا زال الأصْلُ سَقَطَ ما هو مِن ضَرُورَتِه، كمَن سَقَط عنه غَسْلُ الوَجْه، لا يَجِبُ عليه غَسْلُ جُزْءٍ مِن الرَأسِ.
فصل: وإن أوْصَلَ التُّرابَ إلى مَحَلِّ الفَرْض بخِرْقَةٍ أو خَشَبَةٍ، فقال القاضي: يُجْزِئُه، لأنَّ اللهَ تعالى أمَر بالمَسْحِ، ولم يُعَيِّنْ آلتَه.
وقال ابنُ عَقِيل: فيه وَجْهان، بِناءً على مَسْحِ الرَّأسِ بخِرْقَةٍ رَطْبَةٍ.
وإن مَسَح مَحَلَّ الفَرْض بيَدٍ واحِدَةٍ، أو ببَعْضِ يَده، أجْزأه.
وإن يَمَّمَه غيرُه جاز، كما لو وَضَّأه، وتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ في المُتَيَمِّمِ دُونَ المُيَمِّمِ، لأنَّه الذي يَتَعَلَّقُ به الإِجْزاءُ والمَنْعُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 225
وَيَجِبُ تَعْيِينُ النيةِ لِمَا يَتَيَمَّمُ لَهُ مِنْ حَدَثٍ أوْ غَيرِهِ.
179 - مسألة: (ويَجِبُ تَعْيِينُ النيةِ لِما يَتَيَمَّمُ له، مِن حَدَثٍ أو غيرِه)
وجُمْلته أنَّ النيةَ شَرْطٌ للتَّيَمُّمِ، وهو قولُ أكثَر أهلِ العلمِ؛ منهم اللَّيثُ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، والشافعيّ، وأصحابُ الرَّأي، وابنُ المُنْذِرِ.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم، إلَّا ما حُكِي عن الأوْزاعِيِّ والحسنِ بنِ صالحٍ، أنه يَصِحُّ بغيرِ نِيَّةٍ.
وقد ذَكَرْنا قولَ القاضي في التَّيَمُّمِ للنَّجاسَةِ.
وسائِرُ أهلِ العلمِ على خِلافِهم؛ لقَوْلِه - عليه السلام -: «وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى».
ويَنْوى به اسْتِباحَةَ الصلاةِ.
فإن نَوَى رَفْعَ الحَدَثِ لم يَصِحَّ تَيَمُّمُه؛ لأنَّه لا يَرْفَعُ الحَدَثَ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 1044: أجْمَعَ العلماءُ على أنَّ طهارةَ التَّيَمُّمِ لا تَرْفَعُ الحَدَثَ إذا وَجَد الماءَ.
بل إذا وَجَدَه أعادَ الطهارةَ، جُنُبًا كان أو مُحْدِثًا.
وهذا مذهبُ مالكٍ والشافعي، وغيرِهما.
وحُكِي
الحديث: 179 - الجزء: 2 - الصفحة: 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن أبي حنيفةَ أنَّه يَرْفَعُ الحَدَثَ.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على ذلك؛ لأنَّها طهارةٌ عن حَدَثٍ تُبِيحُ الصلاةَ، فرَفَعَتِ الحَدَثَ، كطَهارَةِ الماءِ.
ولنا، أنه لو وَجَد الماءَ لَزِمَه اسْتِعْمالُه لرَفْعِ، الحَدَثِ الذي كان قبلَ التَّيَمُّمِ، إن 1045 كان جُنُبًا، أو 1046 مُحْدِثًا، أو امرأةً حائِضًا، ولو رَفَع الحَدَثَ لَاسْتَوَى الجَمِيعُ، لاسْتِوائِهم في الوجْدانِ، ولأنَّها طهارةُ ضَرُورَةٍ، فلم تَرْفَعِ الحَدَث، كطَهارَةِ المُسْتَحاضَةِ، وبهذا فارَقَ الماءَ.
فصل: ويَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِما يَتَيَمَّمُ له مِن الحَدَثِ الأصْغَرِ، والجَنابَةِ، والحَيضِ، والنَّجاسَةِ، وإن كان التَّيَمُّم عن جُرْحٍ في عُضْوٍ مِن أعْضائِه، نَوَى التَّيَمُّمَ عن غَسْلِ ذلك العضْو، لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنياتِ، وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى».
الجزء: 2 - الصفحة: 228
فَإنْ نَوَى جَمِيعَهَا جازَ، وَإنْ نَوَى أحدَهَا لَمْ يُجْزِئْهُ عَنِ الآخَرِ.
180 - مسألة: (فإن نَوى جَمِيعَها، جاز)
لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى».
ولأنَّ فِعْلَه واحِدٌ، أشْبَهَ ما لو كانت عليه أحْداثٌ تُوجِبُ الوُضُوءَ أو الغُسْلَ، فنَواها.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: إذا كان عليه حَدَثٌ ونَجاسَةٌ، هل يَكْتَفِي بتَيَمُّمٍ واحِدٍ؟ يُبْنَى على تَداخُلِ الطَّهارَتَين في الغُسْلِ، فإن قُلنا: لا يَتَداخَلان ثَمَّ.
فأوْلَى أن لا يَتَداخَلا ههُنا؛ لكَوْنِهما مِن جِنْسَين، وإن قُلْنا: يَتَداخَلان.
فقال القاضي ههُنا كذلك قِياسًا عليه.
فعلى هذا يَتَيَمَّمُ لهما تَيَمُّمًا واحِدًا.
قال: والأشْبَهُ عِنْدِي أنهما لا يَتَداخَلان، كالكَفّاراتِ، والحُدُودِ، إذا (1) كانت مِن جِنْسَين.
والأوَّلُ أصَحُّ.
181 -
مسألة؛ قال: (وإن نَوَى أحَدَها، لم يُجْزِئْه عن الآخَرِ)
وبهذا قال مالكٌ وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حَنيفَةَ والشافعي: يُجْزِئه، لأنَّ1047
الحديث: 180 - الجزء: 2 - الصفحة: 229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طَهارَتَهما واحِدَةٌ، فسَقَطَتْ إحْداهما بفِعْلِ الأخْرَى، كالبَوْلِ والغائِطِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَإنَّما لِامْرِئٍ مَا نَوَى».
فيَدُلُّ على أنه لا يَحْصُلُ له ما لم يَنْوه، ولأنَّها أسْبابٌ مُخْتَلِفَةٌ، فلم تُجْزِيء نِيَّةُ بَعْضِها عن الآخَرِ، كالحجِّ والعُمْرَةِ.
وهذا يُفارِقُ ما قاسُوا عليه؛ فإنَّ حُكْمَهما واحِدٌ وهو الحَدَثُ الأصْغَرُ، ولهذا تُجْزِيء نِيَّةُ أحَدِهما عن نِيَّةِ الآخَرِ في طهارةِ الماءِ.
فصل: إذا تَيَمَّمَ للجَنابَةِ دُونَ الحَدَثِ الأصْغَرِ، أبِيحَ له ما يُباحُ للمُحْدِثِ، مِن قِراءةِ القرآنِ، واللُّبْثِ في المسجدِ، ولم تُبَحْ له الصلاةُ، والطَّوافُ، ومَس المُصْحَفِ.
فإن أحْدَثَ لم يُؤثِّرْ ذلك في تَيَمُّمِه، كما لا يُؤثر في الغُسْلِ.
وإن تَيَمَّمَ للْجَنابَةِ والحَدَثِ، ثم أحْدَثَ، بَطَل تَيَمُّمُه للْحَدَثِ، وبقِيَ تَيَمُّمُ الجَنابَةِ بحالِه.
ولو تَيَمَّمَتِ المرأةُ بعدَ طُهْرِها مِن حَيضِها للحَيضِ، ثم أجْنَبَتْ، لم يَحْرُمْ وَطْؤها، لأنَّ حُكْمَ تَيَمُّمِ الحَيضِ باقٍ، ولا يَبْطُلُ بالوطْءِ، لأنَّه إنَّما يُوجِبُ حَدَثَ الجَنابَةِ.
وقال ابنُ عَقِيل: إن قُلْنا: كلُّ صلاةٍ تَحْتاجُ إلى تَيَمُّمٍ.
احْتاجَ كلُّ وَطْء إلى تَيَمُّمٍ يَخُصُّه.
والأوَّلُ أصَحُّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 230
وَإِن نَوَى نَفْلًا، أوْ أطْلَقَ النِّيَّةَ لِلصَّلَاةِ لَمْ يُصَل إلا نَفْلًا.
182 - مسألة: (وإن نَوَى نَفْلًا، أو أطْلَقَ النيةَ للصلاةِ، لم يُصَلِّ إلَّا نَفْلًا)
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حَنِيفةَ: له أن يُصَلِّيَ بها ما شاء.
ويَتَخَرَّجُ لنا مِثْلُ ذلك إذا قُلْنا: إنَّ التَّيَمُّمَ لا يَبْطُلُ بخُرُوجِ الوَقْتِ.
فيَكُونُ
الحديث: 182 - الجزء: 2 - الصفحة: 231
وَإنْ نَوَى فَرْضًا فَلَهُ فِعْلُهُ، وَالْجَمْعُ بَينَ الصَّلَاتَينِ، وَقَضَاءُ الْفَوَائِتِ، وَالتَّنفُّلُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ.
حُكْمُه حُكْمَ طهارةِ الماءِ؛ لأنَّها طهارةٌ يَصِحُّ بها النَّفْلُ، فأشْبَهَتْ طهارةَ الماءِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنياتِ، وإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى».
وهذا ما نَوَى الفَرْضَ، فلا يَحْصُلُ له، وفارَقَ طهارةَ الماءِ؛ لأنَّها تَرْفَعُ الحَدَثَ المانِعَ مِن فِعْلِ الصلاةِ، فيُباحُ له جَمِيعُ ما يَمْنَعُه الحَدَثُ، ولا يَلْزَمُه اسْتِباحَةُ النَّفْلِ بنِيَّةِ الفَرْض؛ لأنَّ الفَرْضَ أعْلَى ما في البابِ، فنِيَّتُه تَضَمَّنَتْ نِيَّةَ ما دُونَه، فإذا استباحَه استباحَ ما دُونَه تَبَعًا.
183 -
مسألة؛ قال: (وإن نَوَى فَرْضًا فله فِعْلُه، والجَمْعُ بينَ الصَّلاتين، وقَضاءُ الفَوائِتِ، والتَّنَفُّلُ إلى آخِرِ الوَقْتِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنه متى نَوَى بتيَمُّمه فَريضةً، سَواء كانت مُعَيَّنَّةَ أو مُطْلَقَةً، فله أن يُصَلِّيَ
الحديث: 183 - الجزء: 2 - الصفحة: 232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما شاء مِن الصَّلَواتِ؛ فيُصَلِّيَ الحاضِرَةَ، ويَجْمَعَ بينَ الصلاتَين، ويَقْضِيَ فَوائِتَ إن كانت عليه، ويَتَطَوَّعَ قبلَ الصلاةِ وبعدَها، إلى آخِرِ الوَقْتِ.
هذا قولُ أبي ثَوْرٍ.
وقال مالكٌ والشافعي: لا يُصَلِّي به فَرْضَين.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنه قال: لا يُصَلِّي بالتَّيَمُّم إلَّا صلاةً واحِدَةً، ثم يَتَيَمَّمُ للأخْرَى.
وهذا يَحْتَمِلُ أن يكُونَ مِثْلَ قَوْلِهما؛ لِما رُوِيَ عن 1048 ابنِ عباس، أنه قال: مِن السنةِ أن لا يُصَلِّيَ بالتَّيَمُّم إلَّا صَلاةً واحِدَةً، ثم يَتَيَمَّمُ للأخْرَى.
وهذا مُقْتَضَى سُنَّةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأنَّها طهارةُ ضَرُورَةٍ فلا يَجْمَعُ فيها بينَ فَرِيضتين، كما لو كانا في وَقْتَين.
ولنا، أنها طهارة
الجزء: 2 - الصفحة: 233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَحِيحَةٌ أباحَتْ فَرْضًا، فأباحَتْ فَرْضَين، كطَهارَةِ الماءِ، ولأنَّه بعدَ الفَرْضِ الأوَّلِ تَيَمُّمٌ صحيحٌ مُبِيحٌ للتَّطَوُّعِ نَوَى به المَكْتُوبَةَ، فكانَ له أن يُصَلِّيَ به فَرْضًا، كحالةِ ابْتِدائِه.
ولأنَّ الطهارةَ في الأصُولِ إنَّما تَتَقَيَّدُ بالوَقْتِ دُونَ الفِعْلِ، كطَهارَةِ الماسِحِ على الخُفِّ، وهذه في النَّوافِلِ، وطهارةِ المُسْتَحاضَةِ.
ولأنَّ كلَّ تَيَمُّم أباحَ صلاةً أباحَ ما هو مِن نَوْعِها، بدَلِيلِ النَّوافِلِ.
وأمّا حديثُ ابنِ عباس، فيَرْويه الحسنُ بنُ عُمارَةَ 1049، وهو ضَعِيفٌ، ثم يَحْتَمِلُ أنه أرادَ أن لا يُصَلِّيَ به صَلاتَين في وَقْتَين؛ بدَلِيلِ أنَّه يَجُوزُ أن يُصلِّيَ به صلواتٍ 1050 مِن التَّطَوُّعِ، وإنَّما امْتَنَعَ أن يُصَلِّيَ به فَرْضَين في وَقْتَين؛ لبُطْلانِ التَّيَمُّمِ بخُرُوجِ الوَقْتِ، ولذلك لا تَصِحُّ به نافِلة، بخِلافِ هذا.
الجزء: 2 - الصفحة: 234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا تَيَمَّمَتِ الحائِضُ عندَ انْقِطاعِ دَمِها، وقُلْنا: إنَّ التَّيَمُّمَ لا يَبْطُلُ إلَّا بالحَدَثِ.
جاز له وَطْؤها ما لم تَحِضْ، وإن قُلنا: يَبْطُلُ بخُرُوجٍ الوقتِ.
فمتى خَرَج احْتاجَتْ إلى تَيَمُّمٍ للوَطْءِ، وإن قلنا: يَتَيَمَّمُ لكلِّ فرِيضَةٍ.
احْتاجَ كلُّ وَطْءٍ إلى تَيَمُّم.
ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ.
فصل: إذا نَوَى الفَرْضَ اسْتَباحَ كلَّ ما يُباحُ بالتَّيَمُّمِ؛ مِن النَّفْلِ قبلَ الفَرْضِ وبعدَه، وقِراءَةِ القرآنِ، ومَسِّ المُصْحَفِ، واللُّبْثِ في المَسْجِدِ.
وهذا قولُ الشافعي، وأصحابِ الرَّأي.
وقال مالكٌ: لا يَتطَوَّعُ قبلَ الفَرِيضَةِ بصلاةٍ غيرِ راتِبَةٍ.
ورُوي ذلك عن أحمدَ؛ لأنَّ النَّفْلَ تَبَع للفَرْضِ، فلا يَتَقَدَّمُ المَتْبُوعَ.
ولَنا، أنه تَطَوُّعٌ، فأبِيحَ له فِعْلُه إذا نَوَى الفَرْضَ، كالسننِ الرّاتِبَةِ وكما بعدَ الفَرْض.
وقَوْلُه: إنَّه تَبَع.
قُلْنا: إنَّما هو تَبَع في
الجزء: 2 - الصفحة: 235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الاسْتِباحَةِ، لا في الفِعْلِ، كالسُّنَنَ الرّاتِبَةِ، وقِراءَةِ القُرْآنِ، وغيرِهما.
وإن نَوَى نافِلَةً، أُبِيحَ له قِراءَةُ القرآنِ، ومَسُّ المُصْحَفِ، والطَّوافُ؛ لأنَّ النّافِلَةَ آكَدُ مِن ذلك كلِّه؛ لكَوْنِ الطهارةِ مُشْتَرَطَةً لها بالإِجْماعِ، وفيما سِواها خِلافٌ، فدَخَلَ في نِيَّتها كدُخُولِ النّافِلَةِ في الفَرِيضَةِ، ولأنَّ النّافِلَةَ تَشْتَمِلُ على قِراءَةِ القُرْآنِ.
وإن نَوَى شَيئًا مِن ذلك، لم تُبَحْ له النّافِلَةُ؛ لأنَّها أعْلَى منه؛ لِما بَيَّنا.
وإن نَوَى الطَّوافَ، أبِيحَ له قِراءَةُ القرآنِ، واللُّبْثُ في المَسْجِدِ؛ لأنَّه أعْلَى منهما؛ فإنَّه صلاة، وله نَفْل وفَرْضٌ، ويَدْخُلُ في ضِمْنِه اللُّبْثُ في المسجدِ؛ لأنَّه إنَّما يكُونُ في المسجدِ.
وإن نَوَى أحَدَهما لم يَسْتَبِحِ الطَّوافَ؛ لأنَّه أعْلَى منهما.
وإن نَوَى فَرْضَ الطَّوافِ، اسْتَباحَ نَفْلَه، ولا يَسْتَبِيحُ الفَرْضَ منه بنيَّةِ النَّفْلِ كالصلاةِ.
وإن نَوَى قِراءَةَ القرآنِ لكَوْنِهِ جُنُبًا، أو مَسَّ المُصْحَفِ، أو اللُّبْثَ في المَسْجِدِ، لم يَسْتَبِحْ غيرَ ما نَواه، لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى».
الجزء: 2 - الصفحة: 236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن تَيَمَّمَ الصَّبِيُّ لإِحْدَى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، ثم بَلَغ، لم يَسْتَبِحْ بتَيَمُّمِه فَرْضًا؛ لأنَّ ما نَواه كان نَفْلًا، ويُباحُ له أن يتَنَفَّلَ به، كما لو 1051 نَوَى به البالِغُ النَّفْلَ.
فأمّا إن تَوَضَّأ قبلَ البُلُوغِ، ثم بلَغ، فله أن يُصَلِّيَ به فَرْضًا ونَفْلًا؛ لأنَّ الوُضُوءَ للنَّفْلِ يُبِيحُ فِعْل الفَرْضِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 237
وَيَبْطُلُ التَّيَمُّم بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَوُجُودِ الْمَاءِ، وَمُبْطِلَاتِ الْوُضُوءِ.
فصل: وإذا قُلْنا: يَجُوزُ أن يُصَلِّيَ بالتَّيَمُّمِ فَرائِضَ إلى آخِرِ الوَقْتِ.
جاز أن يَطُوفَ طَوافَيْ فَرْض، وطَوافَيْ فَرْض ونَذْرٍ، وأن يُصَلِّيَ على جَنائِزَ إذا تَعَيَنَّتْ عليه.
وإن فاتَته صلاةٌ لا يَعْلَمُ عَينَها، كَفاه تَيَمُّمٌ واحِدٌ، يُصَلِّي به خَمْسَ صَلَواتٍ، وإن قُلْنا: لا يُصَلِّي به إلَّا فَرْضًا واحِدًا.
فيَنْبَغِي أن يَحْتاجَ كلُّ واحِدٍ مِمّا ذَكَرْنا إلى تَيَمُّمٍ، قِياسًا عليه.
184 -
مسألة: (ويَبْطُلُ التَّيَمُّم بخُرُوجِ الوَقْتِ، ووُجُودِ الماءِ، ومُبْطِلاتِ الوُضُوءِ)
مُبْطِلاتُ التَّيَمُّمِ ثَلاثَةٌ، كما ذَكَر، وزاد بَعْض أصحابِنا ظَنَّ وُجُودِ الماءِ، على ما يَأتِي ذِكْرُه.
وخُرُوجُ الوقتِ مُبْطل للتَّيَمُّمِ في ظاهِرِ المَذْهَبِ، فلا يَجوزُ أن يُصَلِّيَ بالتَّيَمُّمِ صَلاتَين في وَقتَين.
رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباس، رَضِي اللهُ عنهم.
وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، والشافعي، وإسحاقَ.
وروَى المَيمُونِي عن أحمدَ، أنه قال في المُتَيَمِّمِ: إنَّه ليُعْجِبُنِي أن يَتَيَمَّمَ لكلِّ
الحديث: 184 - الجزء: 2 - الصفحة: 238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صلاةٍ، ولكنَّ القِياسَ أنَّه بمَنْزِلَةِ الطهارةِ حتى يَجدَ الماءَ أو يُحْدِثَ؛ لحَدِيثِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الجُنُبِ، يَعْنِي قَوْلَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يا أبا ذَرٍّ، الصَّعِيد الطيبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَإنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، وَإذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأمِسَّهُ بَشَرَتَكَ» 1052. وهذا مذهبُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، والزُّهْرِى، والثَّوْرِي، وأصحابِ الرَّأي.
ورُوي عن ابنِ عباس؛ لِما 1053 ذَكرنا، ولأنَّها طهارة تُبِيحُ الصلاةَ، فلم تَتَقَدَّرْ بالوَقتِ، كطَهارةِ الماء.
ولَنا أنه رُوِيَ عن علي وابنِ عُمَرَ أنه قال: يَتَيَمَّمُ لكلِّ صلاةٍ ولأنَّها طهارةُ ضرُورَةٍ، لتَقَيَّدَتْ بالوَقْتِ، كطَهارَةِ المُسْتَحاضةِ، وطهارةُ الماءِ لَيسَتْ للضرورَةِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
والحديثُ أرادَ به أنه يُشبِهُ الوُضُوءَ
الجزء: 2 - الصفحة: 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في إباحَةِ الصلاةِ، ولا يَلْزَمُ التَّساوي في سائِرِ الأحكامِ.
الثاني، وُجُود الماءِ المَقْدُورِ على اسْتِعْمالِه مِن غيرِ ضَرَرٍ، على ما مَرَّ في مَوْضِعِه، وهو مُبْطل للتَّيَمُّمِ خارجَ الصلاةِ إجْماعًا، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ، وإن وَجَدَه في الصلاةِ، ففيه اخْتِلافٌ نَذْكُرُه في مَوْضِعِه،
الجزء: 2 - الصفحة: 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إن شاء اللهُ تعالى.
الثالثُ، مُبْطِلاتُ الوُضُوءِ، وهو مُبْطِلٌ للتَّيَمُّمِ عن الحَدَثِ الأصْغَرِ؛ لأنَّه بَدَلٌ عنه، فإذا أبطَلَ الأصْلَ أبطَلَ البَدَلَ، بطرَيقِ الأوْلَى.
فأمّا التَّيَمُّمُ عن الجَنابَةِ، فلا يَبْطُل إلَّا بخُرُوجِ الوَقْتِ، ووُجُودِ الماءِ،
الجزء: 2 - الصفحة: 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومُوجِباتِ الغُسْلِ، وكذلك التَّيَمُّم لحَدَثِ الحَيض النِّفاسِ لا يَزُولُ حُكْمُه إلَّا بحَدَثِهما، أو بأحَدِ الأمْرَين.
الجزء: 2 - الصفحة: 242
قال الشيخ رحمه الله: فَإِنْ تَيَمَّمَ وَعَلَيهِ مَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيهِ، ثُمَّ خَلَعَهُ، لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ.
وَقَال أصْحَابُنَا: يَبْطُلُ.
185 - مسألة: (فإن تَيَمَّمَ وعليه ما يَجُوزُ المَسْحُ عليه، ثم خَلَعَه، لم يَبْطُلْ تَيَمُّمُه. وقال أصحابُنا: يَبْطُلُ)
إذا تَيَمَّمَ وعليه خُفٌّ أو عِمامَةٌ يَجُوزُ المَسْحُ عليها، ثم خَلَعَها، أو خَلَع الخُفَّ، لم يَبْطُلْ تَيَمُّمُه في اخْتِيارِ شيخِنا 1054. وقال أصحابُنا: يَبْطُلُ.
قال بَعْضُهم: نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه مُبْطِل للوُضُوءِ، فأبطَلَ التَّيَمُّمَ كسائِرِ مُبْطِلاتِه، وهذا يَخْتَص التَّيَمُّمَ عن الحَدَثِ الأصْغَرِ على ما ذَكَرْنا.
والصحيحُ ما اخْتارَه شيخُنا،
الحديث: 185 - الجزء: 2 - الصفحة: 243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَحِمَه الله.
وهو قولُ سائِرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ طهارةٌ لم يَمْسَحْ فيها عليه، فلا يَبْطُل بنَزْعِه، كطَهارَةِ الماءِ، وكما لو كان المَلْبُوسُ مِمّا لا يَجُوزُ المَسْحُ عليه، ولا يَصِحُّ قَوْلُهم: إنَّه مُبْطِل للوُضُوءِ.
لأنَّ مُبْطِل الوُضوءِ نَزْعُ ما هو مَمْسُوحٌ عليه فيه، ولم يُوجَدْ ها هنا، ولأنَّ إباحَةَ المَسْحِ لا يَصِيرُ بها ماسِحًا، ولا بمَنْزِلَةِ الماسِحِ، كما لو لَبِس عِمامَةً يجُوزُ المَسْحُ عليها، ومَسَح على رَاسِه مِن تَحْتِها، فإنَّ الطهارةَ لا تَبْطُلُ بنَزْعِها، كذلك هذا.
فصل: ويَجُوزُ التَّيَمُّمُ لكلِّ ما يُتَطَهَّرُ له مِن نافِلةٍ، أو مَسِّ مُصْحَفٍ، أو قِراءَةِ قُرْآن، أو سُجُودِ تِلاوَةٍ أو شُكْرٍ، أو لُبْثٍ في مَسْجد.
قال أحمدُ: يَتَيَمَّمُ ويَقْرأ جزْأه.
يَعْنِي الجُنُبَ.
وبذلك قال عطاءٌ، ومَكْحُول، والزُّهْرِي، ومالكٌ، والشافعي، والثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأي.
وقال أبو مِجْلَزٍ: لا يَتَيَمَّمُ إلَّا لمَكْتُوبَةٍ.
وكَرِه الأوْزاعِي أن يَمَسَّ المتَيمِّمُ المُصْحَفَ.
ولَنا، حديثُ أبي ذَرٍّ، وقولُه عليه السَّلامُ: «جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» 1055. ولأنَّه يُسْتَباحُ بطهارَةِ الماءِ، فيُسْتَباحُ بالتَّيَمُّمِ، كالمَكْتُوبَة.
فصل: فإن تَيَمَّمَ، ثم رَأى رَكْبًا يَظنُّ أنَّ معه ماءً، أو خُضْرَةً، أو ما يَدُل على الماءِ، وقُلْنا بوُجُوبِ الطَّلَب، بَطَل تَيَمُّمُه.
وكذلك إن رَأى سَرابًا ظَنَّه ماءً.
وهو قَوْلُ الشافعي؛ لأَنَّه لَمّا وَجَب الطَّلَبُ بَطَل التَّيَمُّم.
الجزء: 2 - الصفحة: 244
وإنْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَمْ تَجِبْ إِعَادَتُهَا، وسَواءٌ تَبَيَّنَ له خِلافُ ظنِّه أوْ لا، قال شَيخُنا (1): ويَحْتَمِلُ أن لا يَبْطُلَ تَيَمُّمُه؛ لأنَّ الطهارةَ المُتَيَقَّنَةَ لا تَبْطُلُ بالشَّكِّ، كطَهارَةِ الماءِ، ووُجوبُ الطَّلَبِ لا يُبْطِلُ التَّيَمُّمَ؛ لأنَّ كَوْنَه مُبْطِلًا إنَّما ثَبَت بدَلِيل شَرْعِي، وليس ها هنا نَصٌّ، ولا مَعْنَى نَصٍّ، فَيَنْتَفِىَ الدَّلِيلُ.
186 -
مسألة: (وإن وَجَد الماءَ بعدَ الصلاةِ، لم تَجِبْ إعادتُها)
وجُمْلَتُه أنَّ العادِمَ للماءِ في السَّفَرِ إذا وَجَد الماءَ بعدَ خُروجِ الوَقْتِ، وكان قد صَلَّى بالتَّيَمُّمِ، لم تَجِبْ عليه إعادَةُ الصلاةِ إجْماعًا.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ.
وإن وَجَد في الوَقْتِ لم يَلْزَمْه أيضًا إعادَةٌ، سَواءٌ يئس مِن وُجُودِ الماءِ في الوقتِ، أو ظَنَّ وُجودَه فيه.
وهذا قوْلُ أبي سَلَمَةَ 1057، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، ومالكٍ، والشافعي، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحابِ الرَّأي.
وقال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، والقاسِمُ بنُ محمدٍ، وابنُ1056
الحديث: 186 - الجزء: 2 - الصفحة: 245
وَإنْ وَجَدَهُ فِيهَا بَطَلَتْ.
وَعَنْهُ، لَا تَبْطُلُ.
سِيرِينَ، والزُّهْرِيُّ: يُعِيدُ الصلاةَ.
ولَنا، ما روَى أبو داودَ، عن أبي سعيدٍ، أنَّ رَجُلَين خَرَجا في سَفرٍ، فحَضَرَتِ الصلاةُ وليس معهما ماءٌ، فتَيَمَّما صَعِيدًا، فصَلَّيا، ثم وَجَدا الماءَ في الوَقْتِ، فأعادَ أحَدُهما الوُضُوءَ والصلاةَ، ولم يُعِدِ الآخَرُ، ثم أتيا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرا له ذلك، فقال للذي لم يُعِدْ: «أصبْتَ السُّنَّةَ (1)، وَأجْزأتكَ صَلَاتُكَ».
وقال للذي أعادَ: «لَكَ الْأجْرُ مَرَّتَين» (2). واحْتَجَّ أحمدُ بأنَّ ابنَ عُمَرَ تَيَمَّمَ وهو يَرَى بُيُوتَ المَدينَةِ، فصَلَّى العَصْرَ، ثم دَخَل المدينةَ والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، فلم يُعِدْ.
ولأنَّه أدَّى فَرْضَه؛ كما أمِرَ، فلم تَلْزَمْه الإِعادَةُ، كما لو وَجَدَه بعدَ الوَقْتِ، ولأنَّ عَدَمَ الماءِ عُذْرٌ مُعْتادٌ، فإذا تَيَمَّمَ معه يَجِبُ أنْ يُسْقِطَ فَرْضَ الصلاة كالمَرَيض، وكما لو وَجَدَه بعدَ الوَقْتِ.
187 -
مسألة: (وإن وَجَدَه فيها، بَطَلَتْ. وعنه، لا تَبْطُل)
ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ المُتَيَمِّمَ إذا قَدَر على اسْتِعْمالِ الماءِ وهو في الصلاةِ، بَطَل10581059
الحديث: 187 - الجزء: 2 - الصفحة: 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَيَمُّمُه وبَطَلَتْ صَلاتُه، لبُطْلانِ طَهارَتِه، فيَتَوَضَّأُ إن كان مُحْدِثًا، ويَغْتَسِلُ إن كان جُنُبًا، ويَسْتَقْبِلُ الصلاةَ.
ويَتَخَرَّجُ أن يَبْنِىَ على ما مَضَى مِن صَلاتِه، كمَن سَبَقَه الحَدَثُ، وفيه رِوايَتان؛ أصَحُّهما أنَّه يَسْتَقْبِلُ الصلاةَ.
وههُنا أوْلَى؛ لأنَّ ما مَضَى مِن صَلاتِه انْبَنَى على طهارةٍ ضَعِيفَةٍ، فلم يَكُنْ له البِناءُ عليه، كطهارةِ المُسْتَحاضَةِ، بخِلافِ مَن سَبَقَه الحَدَثُ.
والقَوْلُ ببُطْلانِ الصلاةِ قولُ الثَّوْرِيِّ وأبي حَنِيفَةَ.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: لا تَبْطُلُ الصلاةُ.
ورُوِيَ عن أحمدَ نَحْوُ ذلك.
ورُوِيَ عنه أنَّه قال: كنتُ أقول يَمْضِي، تم تَدَبَّرْتُ فإذا أكْثَرُ الأحادِيثِ على أنَّه يَخْرُجُ.
وهذا يَدُلُّ على رُجُوعِه عن هذه الرِّوايَةِ.
واحْتَجُّوا بأنَّه وَجَد المُبْدَلَ بعدَ تَلبُّسِه بمَقْصُودِ البَدَلِ، فلم يَلْزَمْه الخُرُوجُ، لو وَجَد الرَّقَبَةَ بعدَ التَّلَبُّسِ بالصيامِ، ولأنَّه غيرُ قادِرٍ على اسْتِعْمالِ الماءِ؛ لأنَّ قُدْرَتَه تَتَوَقَّفُ على إبْطالِ الصلاةِ، وهو مَنْهِيٌّ عن إبْطالِها
الجزء: 2 - الصفحة: 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بقَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ﴾ 1060. ولَنا، قَوْلُه عليه السَّلامُ: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَإنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ».
أخْرَجَه أبو داودَ والنَّسائِيُّ 1061. دَلَّ بمَفْهُومِه على أنَّه لا يَكُونُ طَهُورًا عندَ وُجُودِ الماءِ، وبمَنْطُوقِه على وُجوبِ اسْتِعْمالِه عندَ وُجودِه.
ولأنَّه قَدَر على اسْتِعْمالِ الماءِ فبَطَلَ تَيَمُّمُه، كالخارِجِ مِن الصلاةِ، ولأنَّ التَّيَمَّمَ طهارةُ ضَرُورَةٍ، فبَطَلَتْ بزَوالِ الضَّرُورَةِ كطَهارَةِ المُسْتَحاضَةِ إذا انْقَطعَ دَمُها.
وقِياسُهم لا يَصِحُّ، فإنَّ الصومَ هو البَدَلُ نَفْسُه، فنَظِيرُه إذا قَدَر على الماءِ بعدَ تَيَمُّمِه، ولا خِلافَ في بُطْلانِه.
ثم الفَرْقُ بَينَهما أنَّ مُدَّةَ الصيامِ تَطُولُ، فيَشُقُّ الخُرُوجُ منه؛ لِما فيه مِن الجَمْعِ بينَ فَرْضَين شَاقَّين، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
وقَوْله: هو غيرُ قادِرٍ.
غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّ الماءَ قَرِيبٌ، وآلتَهُ 1062 صَحِيحَةٌ، والمَوانِعَ مُنْتَفِيَةٌ.
قَوْلُهم: إنَّه مَنْهِيٌّ عن إبْطالِ الصلاةِ.
قُلْنا: لم يُبْطِلْها، وإنَّما هي بَطَلَتْ بزَوالِ الطهارةِ، كما في نَظائِرِها.
الجزء: 2 - الصفحة: 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن وَجَد ماءً قد وَلَغ فيه بَغْلٌ أو حِمارٌ، أو شيءٌ مِن سِباعِ البَهائِمِ، وقُلْنا: إنَّه مَشْكُوكٌ فيه.
لم يَلْزَمْه الخُرُوجُ؛ لأنَّه دَخَل في الصلاةِ بطهارةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، فلم يَخْرُجْ بأمْرٍ مَشْكُوكٍ فيه.
ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ، قال: ويَحْتَمِلُ أن يَخْرُجَ, كما لو وَجَد ماءً طاهِرًا.
والأوَّلُ أوْلَى.
وكذلك إن رَأى رَكْبًا، أو خُضْرةً، أو ما يَدُلُّ على الماءِ في الصلاةِ، لم تَبْطُلْ صَلاتُه ولا تَيَمُّمُه؛ لأنَّه دَخَل فيها بطَهارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ.
فصل: والمُصَلِّي على حَسَبِ حالِه بغيرِ وُضُوءٍ، ولا تَيَمُّمٍ، إذا وَجَد ماءً في الصلاةِ أو تُرابًا، خَرَج مِنها بكلِّ حالٍ، لأنَّها صلاةٌ بغيرِ طهارةٌ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَخْرُجَ مِنها إذا قُلْنا: لا تَلْزَمُه الإِعادَةُ.
كما في المُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ في الصلاةِ، ولأنَّ الطهارةَ شَرْطٌ سَقَط اعْتِبارُه، فأشْبَهَتِ السُّتْرَةَ إذا عَجَز عنها، فصَلَّى عُرْيانًا، ثم وَجَد السُّتْرَةَ في أثْناءِ الصلاةِ قَرِيبًا منه.
وكلُّ صلاةٍ تَلْزَمُه إعادَتُها، فإنَّه يَلْزَمُه الخُرُوجُ منها إذا زال العُذْرُ فيها، ويَلْزَمُه اسْتِقْبالُها.
الجزء: 2 - الصفحة: 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولو يَمَّمَ المَيِّتَ، ثم قَدَر على الماءِ في أثْناءِ الصلاةِ عليه، لَزِمَه الخُرُوجُ؛ لأنَّ غُسْلَ المَيِّتِ مُمْكِنٌ غيرُ مُتَوَقِّفٍ على إبْطالِ المُصَلِّي صَلاته، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
ويَحْتَمِلُ أن يكُونَ كمَسْألَتِنا؛ لأنَّ الماءَ وُجِد بعدَ الدُّخُولِ في الصلاةِ.
فصل: وإذا قُلْنا: لا يَلْزَمُ المُصَلِّيَ الخُرُوجُ لرُؤْيَةِ الماءِ، فهل يَجُوزُ له الخُرُوجُ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، له ذلك؛ لأنَّه شَرَع في مَقْصُودِ البَدَلِ، فجازَ له الُّرجُوعُ إلى المُبْدَلِ، كمَن شَرَع في صَوْمِ الكَفّارَةِ، يَجُوزُ له الانْتِقالُ إلى العِتْقِ.
والثاني، لا يجُوزُ له الخُرُوجُ.
وهو أوْلَى؛ لأنَّ ما لا يُوجِبُ الخُرُوجَ مِن الصلاةِ لا يُبِيحُه، كسائِرِ الأشياءِ، ولأنَّ فيه إبْطالًا للعَمَلِ 1063، فلم يَجُزْ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ﴾.
ولأصحابِ الشافعيَّ وَجْهان كهذَين.
فصل: إذا رَأى ماءً في الصلاةِ، ثم انْدَفَقَ 1064 قبلَ اسْتِعْمالِه، بَطَل تَيَمُّمُه وصَلاتُه إن قُلْنا: يَلْزَمُه الخُرُوجُ منها.
ويَلْزَمُه اسْتِئْنافُ التَّيَمُّمِ والصلاةِ.
وإن قُلْنا: لا يَبْطُلُ.
وانْدَفقَ وهو في الصلاةِ، فقال ابْنُ عَقِيلٍ: ليس له أن يُصَلِّيَ بذلك التَّيَمُّمِ صلاةً أُخْرَى.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ
الجزء: 2 - الصفحة: 250
وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ، لِمَنْ يَرْجُو وُجُودَ الْمَاءِ.
رُؤْيَةَ الماءِ حَرَّمَتْ عليه افْتِتاحَ صلاةٍ أُخْرَى.
ولو تَلَبَّسَ بنافِلَةٍ ثم رأى ماءً، فإن كان نَوَى عَدَدًا، أتَى به، وإن لم يَكُنْ نَوَى عَدَدًا، لم يكنْ له أن يَزِيدَ على رَكْعتَين؛ لأنَّه أقَلُّ الصلاةِ على ظاهِرِ المذهبِ، قال شيخُنا (1): ويَقْوَى عِنْدِي أنَّنا إذا قُلْنا: لا تَبْطُل الصلاةُ برُؤْيَةِ الماءِ.
فله افْتِتاحُ صلاةٍ أُخْرَى؛ لأنَّ رُؤْيَةَ الماءِ لم تُبْطِلِ التَّيَمُّمَ في الصلاةِ، ولا وُجِد بعدَها ما يُبْطِلُه، فأشْبَهَ ما لو رَآه وبينَه وبينَه سَبُعٌ، ثم انْدَفَقَ قبلَ زَوالِ المانِعِ، فعلى هذا له أن يُصَلِّيَ ما يَشاءُ, لو لم يَرَ (2) الماءَ.
واللهُ أعْلَمُ.
فصل: وإن خَرَج الوَقْتُ وهو في الصلاةِ، بَطَل تَيَمُّمُه وصَلاتُه؛ لأنَّ طَهارَتَه انْتَهَتْ بانْتِهاءِ وَقْتِها، فبَطَلَتْ, كما لو انْقَضَتْ مُدَّةُ المَسْحِ وهو في الصلاةِ.
188 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ إلى آخِرِ الوَقْتِ، لمَن يَرْجُو وُجُودَ الماءِ)
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وإن يَئس مِن وُجودِه، اسْتُحِبَّ تَقدِيمُه.
وهذا مذهبُ مالكٍ.
وقال الشافعيُّ في أحدِ قَوْلَيه: التَّقْدِيمُ أفْضَلُ، إلَّا أن يكُونَ واثِقًا بوُجودِ الماءِ في الوَقْتِ؛ لأنَّ أوَّلَ الوَقْتِ فَضِيلَةٌ10651066
الحديث: 188 - الجزء: 2 - الصفحة: 251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُتَيَقَّنَةٌ، فلا تُتْرَكُ لأمْرٍ مَظْنُونٍ.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ اسْتِحْبابُ تَأْخِيرِ التَّيَمُّمِ بكلِّ حالٍ، وهو قولُ القاضي.
نَصَّ عليه أحمدُ.
رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وعَطاءٍ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والزُّهْرِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأصحاب الرَّأْي؛ لقولِ عليٍّ، رَضِي اللهُ عنه، في الجُنُبِ: يَتَلَوَّمُ 1067 ما بينَه وبينَ آخِرِ الوَقْتِ، فإن وَجَد المَاءَ، وإلَّا تَيَمَّمَ.
ولأنَّه يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الصلاةِ إلى بعدِ العشاءِ وقَضاءِ الحاجةِ كَيلا يَذْهَبَ خُشُوعُها وحُضُورُ القَلْبِ فيها، ويُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُها لإِدْراكِ الجَماعَةِ، فتَأْخِيرُها لإِدْراكِ الطهارةِ المشْتَرَطَةِ أوْلَى.
الجزء: 2 - الصفحة: 252
وَإنْ تَيَمَّمَ وصَلَّى في أَوَّلِ الْوَقْتِ أَجْزأَةُ.
189 - مسألة: (فإن تَيَمَّمَ في أوَّلِ الوَقْتِ وصَلَّى أجْزأه)
ولا تَجِبُ عليه الإعادَةُ، سَواءٌ وَجَد الماءَ في الوَقْتِ، أو لم يَجِدْ، وقد ذَكَرْنا ذلك.
ولأنَّه أتَى بما أُمِرَ به 1068 في حالِ العُذْرِ، فلم تَجِبْ عليه الإِعادَةُ بزَوالِ العُذْرِ، كمَن صَلَّى عُرْيانًا، ثم قَدَر على السُّتْرَةِ، وكمَن صَلَّى جالِسًا لمَرَضٍ، ثم بَرَأ في الوَقْتِ.
واللهُ أعلم.
الحديث: 189 - الجزء: 2 - الصفحة: 253
وَالسُّنَّةُ فِي التَّيَمُّمِ أَن يَنْويَ، وَيُسَمِّيَ، وَيَضْرِبَ بِيَدَيهِ مُفَرَّجَتَيِ الأَصَابعِ عَلَى التُّرَابِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، فَيَمْسَحَ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ، وَكَفَّيهِ بِرَاحَتَيهِ.
190 - مسألة: (والسُّنَّةُ في التَّيَمُّمِ أن يَنْويَ ويُسَمِّيَ ويَضْرِبَ بيَدَيه مُفَرَّجَتَيِ الأصابعِ على التُّرابِ ضَرْبَةً واحِدَةً، فيَمْسَحَ وَجْهَه بباطِنِ أصابِعِه وكَفَّيْه براحَتَيه)
المَسْنُونُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، التَّيَمُّمُ بضَرْبَةٍ واحِدَةٍ، قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ واحِدَةٌ؟ فقال: نعم، للوَجْهِ والكَفَّين، ومَن قال: ضَرْبَتَين.
فإنَّما هو شيءٌ زادَه.
قال التِّرمِذِيُّ 1069: وهو قَوْلُ غيرِ واحِدٍ مِن أهلِ العِلمِ مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وغيرِهم؛ منهم عليٌّ، وعَمّارٌ، وابنُ عباسٍ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والأوْزاعِيُّ، ومالكٌ، وإسحاقُ.
وقال الشافعيُّ: لا يُجْزِيء التَّيَمُّمُ إلَّا بضَرْبَتَين؛ للوَجْهِ واليَدَين إلى المِرْفَقَين.
ورُوي ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِه سالمٍ، والحسنِ،
الحديث: 190 - الجزء: 2 - الصفحة: 254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لِما روَى ابنُ الصِّمَّةِ 1070، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَيَمَّمَ، فمَسَحَ وَجْهَه وذِراعَيه 1071. وروَى ابنُ عُمَرَ، وجابِرٌ، وأبو أُمامَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَة لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَينِ إِلَى المِرْفَقَينِ» 1072. ولأنَّه بَدَلٌ يُؤْتَى به في مَحَلِّ مُبْدَلِه، فكان حَدُّه فيهما واحِدًا كالوَجْهِ.
ولَنا، ما روَى عَمّارٌ، قال: بَعَثَنِي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في حاجَةٍ،
الجزء: 2 - الصفحة: 255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأَجْنَبْتُ، فلم أجِدِ الماءَ، فتَمَرَّغْتُ في الصَّعِيدِ كما تَمَرَّغُ الدّابَّةُ، ثم أتَيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فذَكَرْتُ ذلك له، فقال.: «إنَّمَا يَكْفِيكَ أنْ تَقولَ بِيَدَيكَ هَكَذَا».
ثم ضَرَب بيَدَيه الأرْضَ ضَرْبَةً واحِدَةً، ثم مَسَح الشِّمال على اليَمِينِ، وظاهِرَ كَفَّيه ووَجْهَه.
مُتِّفَقٌ عليه 1073. ولأنَّه حُكْمٌ عُلِّقَ على مُطْلَقِ اليَدَين، فلم يَدْخُلْ فيه الذِّراعُ، كقَطْعِ السّارِقِ، ومَسِّ الفَرْجِ، وقد احْتَجَّ ابنُ عباسٍ بهذا.
وأمّا أحادِيثُهم فضَعِيفَةٌ، قال الخَلّالُ: الأحادِيثُ في ذلك ضِعافٌ جِدًّا، ولم يَرْو أصحابُ السُّنَنِ منها إلَّا حديثَ ابنِ عُمَرَ.
وقال أحمدُ: ليس بصَحِيحٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وهو عندَهم حديثٌ
الجزء: 2 - الصفحة: 256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُنْكَرٌ.
قال الخَطَّابِيُّ 1074: يَرْويه محمدُ بنُ ثابتٍ، وهو ضَعِيفٌ 1075. وحديثُ ابنِ الصِّمَّةِ صَحِيحٌ، لكنْ إنَّما جاء في المُتَّفَقِ عليه: فمَسَحَ وَجْهَه ويَدَيه.
فيَكُونُ حُجَّةً لَنا؛ لأنَّ ما عَلِق على مُطْلَقِ اليَدَين لا يَتَناوَلُ الذِّراعَين.
ثم أحادِيثُهم لا تُعارِضُ حَدِيثنا؛ لأنَّها تَدُلُّ على جَوازِ التَّيَمُّمِ بضَرْبَتَين، ولا يَنْفِي ذلك جَوازَ التَّيَمُّمِ بضَرْبَةٍ، كما أنَّ وُضُوءَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثلاثًا لا يَنْفِي الإِجْزاءَ بمَرَّةٍ.
فإن قِيل: فقد رُوِيَ في حديثِ عَمّارٍ: «إلى المِرْفَقَينِ».
فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بالكَفَّين اليَدَين إلى المِرْفَقَين.
قُلْنا: حديثُ: «إلى المِرْفَقَينِ»، لا يُعَوَّلُ عليه، إنَّما رَواه سَلَمَةُ 1076، وشَكَّ فيه.
ذَكَر ذلك النَّسائِيُّ 1077. فلا يَثْبُتُ مع الشَّكِّ، مع أنَّه قد أُنْكِر عليه،
الجزء: 2 - الصفحة: 257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وخالفَ به سائِرَ الرُّواةِ الثِّقاتِ، فكيف يُلْتَفَتُ إلى مِثْلِ هذا؟ وأمّا التَّأْويلُ فباطِلٌ، لأمُورٍ: أحَدُها، أنَّ عَمَّارًا الرّاويَ له الحاكِيَ فِعْلَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أفْتَى بعدَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في التَّيَمُّمِ للوَجْهِ والكَفَّين، عَمَلًا بالحديثِ.
وقد شاهَدَ فِعْلَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، والفِعْلُ لا احْتِمال فيه.
الثاني, أنَّه قال: ضَرْبَةً واحِدَةً.
وهم يقولون: ضَرْبَتان.
الثالثُ، أنّا لا نَعْرِفُ في اللُّغَةِ التَّعْبِيرَ بالكَفَّين عن الذِّراعَين.
الرابعُ، أنَّ الجَمْعَ بينَ الخَبَرَين بما ذَكَرْناه، مِن أنَّ كلَّ واحِدٍ من الفِعْلَين جائِزٌ، أقْرَبُ مِن تَأْويلِهم وأسْهَلُ.
وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالتَّيَمُّم عن الغُسْلِ الواجِبِ، فإنَّه يَنْقُضُ عن المُبْدَلِ، وكذلك في الوُضُوءِ، فإنَّه في عُضْوَين، وكذا في الوَجْهِ، فإنَّه [لا يَجِبُ] 1078 مَسْحُ ما تحتَ الشُّعُورِ الخَفِيفَةِ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّه يُجْزِئُ التَّيَمُّمُ بضَرْبَةٍ واحِدَةٍ وبضَرْبَتَين، وإن تَيَمَّمَ بأكْثَرَ مِن ضَرْبَتَين جاز؛ لأنَّ المَقْصُودَ إيصالُ التُّرابِ إلى مَحَلِّ الفَرْضِ، فكَيفَما حَصَل جاز، كالوُضُوءِ.
فإن تَيَمَّمَ
الجزء: 2 - الصفحة: 258
وَقَال الْقَاضِي: الْمَسْنُونُ ضَرْبَتَانِ، يَمْسَحُ بإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ، وَبِالأُخْرَى يَدَيهِ إِلَى الْمِرْفَقَينِ، فَيَضَعُ بُطُونَ أصَابِعِ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ أصَابِعِ الْيُمْنَى، وَيُمِرُّهَا إِلَى مِرْفَقِهِ، ثُمَّ يُدِيرُ بَطْنَ كَفِّهِ إلَى بَطنِ الذِّرَاعِ ويُمِرُّهَا عَلَيهِ،
بضَرْبَةٍ، فإنَّه يَمْسَحُ وَجْهَه بباطِنِ أصابِعِه، وظاهِرَ كَفَّيهِ إلى الكُوعَين بباطِنِ راحَتَيه، ويُسْتَحَبُّ أنْ يَمْسَحَ إحْدَى الرّاحَتَين بالأُخْرَى، ولا يَجبُ ذلك؛ لأنَّ فَرْضَ الرَّاحَتَين قد سَقَط بإمْرارِ كلِّ واحدَةٍ على ظَهْرِ الكَفِّ.
ويُفَرِّقُ أصابِعَه عندَ الضَّربِ؛ ليَدْخُلَ الغُبارُ فيما بَينَها.
وإن كان التُّرابُ ناعِمًا، فوَضَعَ اليَدَين عليه وَضْعًا، أجْزأَة.
وإن مَسَح بضَرْبَتَين، مَسَح بإحْداهما وَجْهَه، وبالأُخْرَى يَدَيه.
قال ابنُ عَقِيلٍ: رَأيتُ التَّيَمُّمَ بضَرْبَةٍ واحِدَةٍ قد أسْقَطَ تَرْتِيبًا مُسْتَحَقًّا في الوُضُوءِ، وهو أنَّه يَعْتَدُّ بمَسْحِ باطِنِ أَصابِعِه مع مَسْحِ وَجْهِه، وكَيفَما مَسَح بعدَ أن يَسْتَوْعِبَ مَحَلَّ الفَرْضِ أَجْزأه.
فصل: والمَسْنُونُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، التَّيَمُّمُ بضَرْبَةٍ كما وَصَفْنا.
نَصَّ عليه.
(وقال القاضِي): التَّيَمُّمُ بضَرْبَةٍ إلى الكُوعَين صِفَةُ الإِجْزاءِ و (المَسْنُونُ ضَرْبَتان؛ يَمْسَحُ بأُولاهُما وَجْهَه، وبالأُخْرَى يَدَيه إلى المِرْفَقَين، فيَضَعُ بُطُونَ أَصابعِ اليُسْرَى على ظَهْرِ أصابِعِ اليُمْنَى ثم يُمِرُّها إلى مِرْفَقِه، ثم يُدِيرُ بَطنَ كَفِّه إلى بَطنِ الذِّراعِ، ويمِرُّها عليه،
الجزء: 2 - الصفحة: 259
ويُمِرُّ إِبْهَامَ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ إِبْهَامِ الْيُمْنَى، وَيَمْسَحُ الْيُسْرَى بالْيُمْنَى كَذَلِكَ، وَيَمْسَحُ إِحْدَى الرَّاحَتَينِ بِالأخْرَى، وَيُخَلِّلُ الأصَابِعَ.
ويُمِرُّ إبْهامَ اليُسْرَى على ظَهْرِ إبهامِ اليُمْنَى، ثم يَمْسَحُ يَدَه اليُسْرَى بيَدِه اليُمْنَى كذلك، ويَمْسَحُ إحْدَى الرّاحَتَين بالأُخْرَى) ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُ الأصابِعِ قِياسًا على الوُضُوء، وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك لوَجْهَين؛ أحَدُهما، أَنَّه قد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه تَيَمَّمَ بضَرْبَتَين إلى المرْفقَين، وأقلُّ أحْوالِ فِعْلِه إذا يَدُلَّ على الإِيجابِ الاسْتِحْبابُ.
الثاني، أنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ.
وإنَّما اخْتارَ الإِمامُ أحمدُ الأوَّلَ؛ لأنَّ الأحادِيثَ الصَّحِيحةَ إنَّما جاء فيها المَسْحُ إلى الكُوعَين.
فصل: وإذا وَصَل التُّرابُ إلى وَجْهِه ويَدَيه بغيرِ ضَرْبٍ، نَحْوَ أنْ نَسَفَتِ الرِّيحُ عليه غُبارًا، فإن لم يَكُنْ قَصَد الرِّيحَ ولا صَمَد لها، فمَسَحَ وَجْهَه بما عليه لم يُجْزِه؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمَر بقَصْدِ الصَّعِيدِ، ولم يُوجَدْ، وإن مَسَح وَجْهَه بغيرِ ما عليه أجْزأه؛ لأنَّه قد أخَذَ التُّرابَ لوَجْهِه، فلا فرْقَ بينَ أن يَأْخُذَه مِن ثِيابِه، أو مِن الأرْضِ، وإن كان صَمَد للرِّيحِ، وأحْضَرَ النِّيَّةَ، فقال القاضي والشَّرِيفُ أبُو جَعْفَرٍ: يُجْزِئُه كما لو صَمَد للمَطرَ حتى جَرَى على أعْضائِه.
قال شيخُنا 1079: والصَّحِيحُ أنَّه لا يُجْزِئُه.
وهو اخْتِيارُ ابنِ عَقِيل؛ لأنَّه لم يَمْسَحْ، وقد أمَرَ اللهُ تعالى بالمَسْحِ.
فعلى هذا، إن مَسَح وَجْهَه بما عليه أجْزأه؛ لحُصُولِ المَسْحِ،
الجزء: 2 - الصفحة: 260
وَمَنْ حُبِسَ فِي الْمِصْرِ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيهِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئَه؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بقَصْدِ الصَّعِيدِ والمَسْحِ به.
واللهُ أعلمُ.
فصل: وإذا عَلا على يَدَيه تُرابٌ كَثِيرٌ، لم يُكرَهْ نَفْخُه؛ لأنَّ في حَدِيثِ عَمّارٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ضَرَب بيَدَيه الأرْضَ، ونَفَخ فيهما.
قال أحمدُ: لا يَضُرُّه، فَعَل أو لم يَفْعَلْ.
وهذا قولُ ابنِ المُنْذِرِ.
ومِمَّن لم يَكْرَهْ نَفْخَ اليَدَين ونَفْضَهما الشَّعْبِيُّ.
وقال مالكٌ: نَفْضًا خَفِيفًا.
وقال الشافيُّ: لا بَأْس به إذا بَقِي على يَدَيه غُبارٌ.
وهو قولُ إسحاقَ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: يَنْفُضُهما.
وكان ابنُ عُمَرَ لا يَنْفُضُ يَدَيه.
وذَكَر القاضي وابنُ عَقِيلٍ رِوايَةً، أنَّه يُكْرَهُ, كما يُكْرَهُ نَفْضُ الماءِ عن اليَدَين في الوُضوءِ.
فإن كان التُّرابُ خَفِيفًا، فقال أصحابُنا: يُكْرَهُ نَفْخُه، روايةً واحِدَةً.
فإن ذَهَب ما عليهما بالنَّفْخِ، أعاد الضَّرْبَ؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بالمَسْحِ بشيءٍ مِن الصَّعِيدِ.
191 -
مسألة: (ومَن حُبِس في المِصْرِ صَلَّى بالتَّيَمُّمِ، ولا إعادَةَ عليه)
قد ذَكَرْنا أنَّ مَن صَلَّى بالتَّيَمُّمِ في الحَضَرِ لعَدَمِ الماءِ،
الحديث: 191 - الجزء: 2 - الصفحة: 261
وَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِ الْمَاءِ التَّيَمُّمُ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ وَلَا الْجِنَازَةِ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ لِلْجِنَازَةِ.
هل تَجِبُ عليه الإِعادَةُ؟ فيه رِوايَتان على الإِطْلاقِ؛ إحْداهما، لا تَجِبُ عليه الإِعادَةُ.
وهو مذهبُ مالكٍ، قِياسًا على السَّفَرِ.
والثانيةُ، تَجِبُ عليه.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه عُذْرٌ نادِرٌ، فلا يُلْحَقُ بالغالِبِ.
وعنه، لا يُصَلِّي حتى يَجِدَ الماءَ، أو يُسافِرَ.
ذَكَره في «المُحَرَّرِ» (1). وقال أبو الخَطّابِ: لا تَجِبُ عليه الإِعادَةُ في هذه المَسْألَةِ.
وهو الصحيحُ، إن شاء اللهُ تعالى، وذَكَر في غيرِها رِوايَتَين.
ووَجْهُ قولِ أبي الخَطّابِ أنَّ هذا عادِمٌ للماءِ بعُذْرٍ مُتَطاولٍ مُعْتادٍ، أشْبَهَ المُسافِرَ.
192 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ لواجِدِ الماءِ التَّيَمُّمُ خَوْفًا مِن فَواتِ المَكْتُوبَةِ، ولا الجِنازَةِ. وعنه، يَجُوزُ للجِنازَةِ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا كان الماءُ مَوْجُودًا، إلَّا أنَّه إن اشْتَغَلَ بتَحْصِيلِه واسْتِعْمالِه فات الوَقْتُ، لم يُبَحْ له التَّيَمُّمُ، سَواءٌ كان حاضِرًا أو مُسافِرًا، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشافيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأْي.
وعن الأوزْاعِيِّ،1080
الحديث: 192 - الجزء: 2 - الصفحة: 262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثَّوْرِيِّ: له التَّيَمُّمُ.
ورُوي عن مالكٍ، وسعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، نَحْوُ القَوْلِ الأوَّلِ؛ لقَوْلِ الله تِعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
وحَدِيثِ أبي ذَرٍّ، وهذا واجِدٌ للماءِ، ولأنَّه قادِرٌ على الماءِ، فلم يَجُزْ له التَّيَمُّمُ, لو لم يَخَفْ فوْتَ الوَقْتِ.
ولأنَّ الطهارةَ شَرْطٌ، فلم يُبَحْ تَرْكُها خِيفةَ فَوْتِ وَقْتِها، كسائِرِ شَرْائِطِها.
وإن خاف فَوْتَ العِيدِ فكذلك.
وقال الأوْزاعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي: له التَّيَمُّمُ؛ لأنَّه يَخافُ فَوْتَها بالكُلِّيَّةِ، فأشْبَهَ العادِمَ.
ووَجْهُ الأوَّلَ، ما ذَكَرْنا مِن الآيَة، والمَعْنَى.
فأمّا إن خاف فَوْتَ الجِنازَةِ، ففيه رِوايَتان؛ أظْهَرُهما، لا يَجُوزُ له التَّيَمُّمُ؛ لِما ذَكَرْنا.
وهو قولُ الشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
والثانيةُ، يَجُوزُ.
يُرْوَى ذلك عن ابنِ عُمَرَ،
الجزء: 2 - الصفحة: 263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وابنِ عباسٍ.
وبه قال النَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، والحسنُ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اسْتِدْراكُها بالوُضُوءِ، أشْبَهَ العادِمَ.
وقال الشَّعْبِيُّ: يُصَلِّي عليها مِن غيرِ وُضُوءٍ ولا تَيَمُّمٍ؛ لأنَّه لا رُكُوعَ فيها ولا سُجُودَ، أشْبَهَتِ الدُّعاءَ في غيرِ الصلاةِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيرِ طَهُورٍ» 1081. ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾.
الآيةُ، ثم أباحَ تَرْكَ الغَسْلِ مَشْرُوطًا بعَدَمِ الماءِ، بقولِه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
ليَبْقَى فيما عَداه على قَضِيَّةِ العُمُومِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 264
وَإنِ اجْتَمَعَ جُنُبٌ، وَمَيِّتٌ، وَمِنْ عَلَيهَا غُسْلُ حَيضٍ، فَبُذِلَ مَاءٌ يَكْفِي أَحَدَهُمْ لأَوْلَاهُمْ بِهِ، فهُوَ لِلْمَيِّتِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ لِلْحَيِّ.
وَأَيُّهُمَا يُقَدَّمُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
193 - مسألة: (وإنِ اجْتَمَعَ جُنُبٌ ومَيِّتٌ ومَن عليها غُسْلُ حَيضٍ، فبُذِلَ ماءٌ يَكْفِي أحَدَهم، لأوْلاهُم به، فهو للمَيِّتِ. وعنه، أنَّه للحَيِّ. وأيُّهما يُقدّمُ؟ فيه وَجْهان)
وجُمْلَتُه، أنَّه إذا اجْتَمَعَ جُنُبٌ ومَيِّت ومَن عليها غُسْلُ حَيضٍ، ومعهم ماءٌ لا يَكْفِي إلَّا أحَدَهم؛ فإن كان مِلْكًا لأحَدِهم، فهو أحَقُّ به؛ لأنَّه مُحْتاج إليه لنَفْسِه، ولا يَجُوزُ له بَذْلُه لغيرِه.
وإن كان الماءُ لغيرِهم، فأرادَ أن يَجُودَ به على أوْلاهُم به، ففيه رِوايَتان؛ أُولاهُما، أنَّ المَيِّتَ أحَقُّ به؛ لأنَّ غُسْلَه خاتِمَة طَهارَتِه،
الحديث: 193 - الجزء: 2 - الصفحة: 266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وصاحِباه يَرْجِعان إلى الماءِ فيَغْتَسِلان، ولأنَّ القَصْدَ بغُسْلِ المَيِّتِ تَنْظِيفُه، ولا يَحْصُلُ بالتَّيَمُّمِ، والحَيُّ يُقْصَدُ بغُسْلِه إباحَةُ الصلاةِ، وذلك يَحْصُلُ بالتُّرابِ.
والثانيةُ، الحَيُّ أوْلَى؛ لأنَّه مُتَعَبِّدٌ بالغُسْلِ مع وُجُودِ الماءِ، والمَيِّتُ قد سَقَط الفَرْضُ عنه بالمَوْتِ، ولأنَّ الحَيَّ يَسْتَفِيدُ ما لا يَستَفِيدُ المَيِّتُ؛ مِن قِراءَةِ القرآنِ، ومَسِّ المُصْحَفِ، والوَطْءِ.
اخْتارَها الخَلّالُ.
وهل يُقَدَّمُ الجُنُبُ أو الحائِضُ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، الحائِضُ، لأنَّها تَقْضِي حَقَّ اللهِ تعالى، وحَقَّ زَوْجِها في إباحَةِ وَطْئِها.
والثاني، الجُنُبُ أحَقُّ إذا كان رجلًا؛ لأنَّه يَصْلُحُ إمامًا لها، ولا تَصْلُحُ لإِمامَتِه.
وإن كان على أحَدِهم نَجاسَةٌ فهو أوْلَى؛ لأنَّ طهارةَ الحَدَثِ لها
الجزء: 2 - الصفحة: 267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَدَلٌ مُجْمَعٌ عليه، بخِلافِ النَّجاسَةِ.
وإن وَجَدُوا الماءَ في مَكانٍ، فهو للأحْياءِ؛ لأنَّه لا وجْدانَ للمَيِّتِ.
وإن كان للمَيِّتِ ففَضَلَتْ منه فَضْلَةٌ، فهو لوَرَثَتِه، فإن لم يَكُنْ له وارِثٌ حاضِرٌ، فللحَيِّ أخْذُه بقِيمَتِه؛ لأنَّ في تَرْكِه إتْلافَه.
وقال بَعْضُ أصحابِنا: ليس له أخْذُه؛ لأنَّ مالِكَه لم يَأْذَنْ فيه، إلَّا أن يَحْتاجَ إليه للعَطَشِ، فيَأخُذَه بشَرْطِ الضَّمانِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإنِ اجْتَمَع جُنُبٌ ومُحْدِثٌ، وكان الماءُ لا يَكْفِي الجُنُبَ، فهو أوْلَى؛ لأنَّه يَسْتَفِيدُ به ما لا يَسْتَفِيدُه المُحْدِث.
وإن كان فوقَ حاجَةِ المُحْدِثِ فهو أوْلَى به؛ لأنَّه يَسْتَفِيدُ به طهارةً كامِلَةً.
وإن كان لا يَكْفِي واحِدًا منهما، فالجُنُبُ أوْلَى به، لأنَّه يَسْتَفِيدُ به تَطْهِيرَ بَعْضِ أعْضائِه.
وإن كان يَفْضُلُ عن كلِّ واحدٍ منهما فَضْلَةٌ لا تَكْفِي صاحِبَه، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، يُقَدَّمُ الجُنُبُ؛ لأنَّه يَسْتَفِيدُ بغُسْلِه ما لا يَسْتَفِيدُه المُحْدِثُ.
والثاني، يُقَدَّمُ المُحْدِثُ؛ لأنَّ فَضْلَتَه يَلْزَمُ الجُنُبَ اسْتِعْمالُها، رِوايةً واحِدَةً.
والثالثُ، التَّسْويَةُ؛ لأنَّه تَقابَلَ التَّرْجِيحان فتَساوَيا، فيُدْفَعُ إلى أحَدِهما، أو يُقْرَعُ بينَهما، وإذا تَغَلَّبَ مَن غيرُه أوْلَى منه على الماءِ، فاسْتَعْمَلَه، كان مُسِيئًا، وأجْزأه، لأنَّ الآخَرَ لم يَمْلِكْه، وإنَّما رَجَح لشِدَّةِ حاجَتِه.
الجزء: 2 - الصفحة: 269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وهل يُكْرَهُ للعادِمِ جِماعُ زَوْجَتِه إذا لم يَخَفِ العَنَتَ؟ فيه رِوايَتان: إحْداهما، يُكْرَهُ.
يُرْوَى نَحْوُه عن مالكٍ؛ لأنَّه يُفَوِّتُ على نَفْسِه طهارةً مُمْكِنًا بَقاؤُها.
والثانية، لا يُكْرَهُ.
رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ مسعودٍ، رَضِي اللهُ عنهم.
وهو قولُ الزُّهْرِيِّ، وجابرِ بنِ زيدٍ 1082، والحسنِ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ.
وحُكِي عن عَطاءٍ: إن كان بينَه وبينَ الماءِ أرْبَعُ لَيالٍ فأَكْثَرُ فليُصِبْ أهْلَه، وإن كان ثلاث لَيالٍ فما دُونَها، فلا يُصِبْها.
وقال الزُّهْرِيُّ: إن كان في سَفَرٍ فلا يَقْرَبْها حتى يَأْتِيَ الماءَ، وإن كان الماءُ مُعْزِبًا فلا بَأْسَ أن يُصِيبَها.
والأوْلَى جَوازُ وَطْئِها مُطْلَقًا
الجزء: 2 - الصفحة: 270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن غيرِ كَراهَةٍ؛ لأنَّ أبا ذَرٍّ قال للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنِّي أعْزُبُ عن الماءِ ومعي أهْلِي، فتُصِيبُنِي الجَنابَةُ، فأُصَلِّي بغيرِ طَهُورٍ؟ فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورٌ».
رَواه أبو داودَ والنَّسائِيُّ 1083. وأصاب ابنُ عباسٍ جارِيَةً له رُومِيَّةً، وهو عادِمٌ للماءِ، وصَلَّى بأصحابِه وفيهم عَمّارٌ، فلم يُنْكِرْه 1084. قال إسحاقُ بنُ راهُويَه: هو سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في أبي ذَرٍّ وعَمّارٍ وغيرِهما.
فإذا فَعَلا ووَجَدا مِن الماءِ ما يَغْسِلان به فَرْجَيهِما، غَسَلاهما ثم تَيَمَّما، وإن لم يَجدا تَيَمَّما للجَنابَةِ والحَدَثِ الأصْغَرِ والنَّجاسَةِ، وصَلَّيا.
ويَجُوزُ للمُتَيَمِّمِ أَن يُصَلِّيَ بالمُتَوَضِّئِين، لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ عَمْرِو بنِ العاصِ، رَضِي اللهُ عنه.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 271
بَابُ إِزَالةِ النَّجَاسَةِ
لَا تَجُوزُ إِزَالتهَا بِغَيرِ الْمَاء.
وَعَنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّهَا تُزَالُ بِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ مُزِيل؛ كَالْخَلِّ، وَنَحْوهِ.
بابُ إزالةِ النَّجاسَةِ
(لا تَجُوزُ إزالتُها بغيرِ الماءِ) في المَشْهُورِ مِن المَذْهَبِ.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، وزُفَرُ.
ورُوِيَ عن أحمدَ (ما يَدُلُّ على أنَّها تُزالُ بكلِّ مائِعٍ طاهِرٍ مُزِيلٍ) للعَينِ والأثَرِ، (كالخَلِّ، ونَحْوه) وماءِ الوَرْدِ، وماءِ الشَّجَرِ ونَحْوه.
وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِناءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا».
مُتَّفَقٌ عليه 1085.
الجزء: 2 - الصفحة: 275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أطْلَقَ الغَسْلَ فتَقْيِيدُه بالماءِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، ولأنَّه مائِعٌ طاهِرٌ مُزِيلٌ، فجازَتْ إزالةُ النَّجاسةِ به، كالماءِ.
ولَنا، قَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأسماءَ 1086: «إِذَا أصَابَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الْحَيضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ، ثمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّ بِهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 1087. وعن أنَسِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بذنُوبٍ مِن ماءٍ فأُهْرِيقَ على بَوْلِ الأعْرابِيِّ 1088. وهذا أمْرٌ يَقْتَضِي الوُجُوبَ،
الجزء: 2 - الصفحة: 276
وَيَجِبُ غَسْلُ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ سَبْعًا، إحدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ،
ولأنَّها إحدَى الطَّهارَتَين المُشْتَرَطَةُ للصلاةِ، فأشْبهتْ طهارةَ الحَدَثِ، ومُطْلَقُ حَدِيثهم مُقَيَّدٌ بحَدِيثنا، والماءُ مُخْتَصٌّ بإحْدَى الطَّهارَتَين، فكذلك الأخْرَى، فأمّا ما لا يُزِيلُ كالمَرَقِ واللَّبَنِ والدُّهْنِ ونَحوه، فلا خِلافَ في أنَّ النَّجاسَةَ لا تَزُولُ (1) به.
واللهُ أعلمُ.
194 -
مسألة: (ويَجِبُ غَسْلُ نَجاسَةِ الكَلْبِ والخِنْزِيرِ سَبْعًا، إحداهُنَّ بالتُّرابِ)
لا يَخْتَلِف المَذْهبُ في نَجاسَةِ الكلبِ والخِنْزِيرِ وما تَوَلَّد منهما، أنَّه نَجِسٌ، عَينُه وسُورُه وعَرَقُه، وكلُّ ما خَرَج منه.
رُوِيَ ذلك عن عُرْوَةَ.
وهو قَوْلُ الشافعيِّ، وأبي عُبَيدَةَ.
وبه قال أبو حَنِيفةَ في السُّورِ.
وقال مالكٌ، والأوْزاعِيُّ، وداودُ: سُورُهما طاهِرٌ، يَتَوَضَّأُ منه، وإن وَلَغا في طعامٍ لم يحرُم أكْلُه.
وقال الزُّهْرِيُّ: يَتَوَضّأ منه إذا لم يَجِد1089
الحديث: 194 - الجزء: 2 - الصفحة: 277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
غيرَه.
وقال عَبْدَةُ بنُ أبي لُبَابَةَ 1090، والثَّوْرِيُّ، وابنُ الماجِشُون: يَتَوَضّأ، ويَتَيَمَّمُ.
قال مالك: ويَغْسِلُ الإِناءَ الذي وَلَغ فيه الكلبُ، تَعَبُّدًا.
في احْتَجَّ بَعضُهم على طَهارَتِه، بأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ﴾ 1091. ولم يَأمر بغَسْلِ أثَرِ فَمِه.
وروَى أبو سعيدٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن الحِياضِ التي بينَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، تَرِدُها السِّباعُ والكلابُ والحُمُرُ، وعن الطهارةِ بها، فقال: «لَها مَا حَمَلَتْ فِي بُطونِها، وَلَنا مَا غَبَرَ طَهُورٌ».
رَواه ابنُ ماجَه 1092. ولأنَّه حَيَوانٌ يَجُوزُ اقْتِناؤه، ويَشُقُّ الاحتِرازُ منه، فكان طاهِرًا كالهِرِّ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أحَدِكُم فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا».
مُتَّفَقٌ عليه.
ولمسلم: «فَلْيُرِقْهُ، ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ».
ولو كان سُؤرُه طاهرًا لم
الجزء: 2 - الصفحة: 278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَجُزْ إراقَتُه، ولا وَجَب غَسْلُه.
فإن قالوا: إنَّما وَجَب غَسْلُه تَعَبُّدًا، كما تُغْسَلُ أعضاءُ الوُضوءِ، وتُغْسَلُ اليَدُ مِن نَوْمِ اللَّيلِ.
قُلْنا: الأصلُ وُجوبُ الغَسْلِ عن النَّجاسَةِ، كما في سائِرِ الغَسْلِ، ثم لو كان تَعَبُّدًا لَما أمَرَ بإراقَةِ الماءِ، ولَما اخْتَصَّ للغَسْلَ بمَوْضِع الوُلُوغِ؛ لعُمُومِ اللَّفْظِ في الإِناءِ كله، وأمّا غَسْلُ اليَدِ مِن نَوْمِ اللَّيلِ، فإنَّما أمَرَ به للاختِياطِ؛ لاحتِمالِ النَّجاسَةِ، والوُضُوءُ شُرِع للوَضاءَةِ والنَّظافَةِ؛ ليَكُونَ العَبْدُ في حالِ قِيامِه بينَ يَدَيِ الله تِعالى على أحسَنِ حالٍ وأكْمَلِها، ثم إن سَلّمنا ذلك، فإنَّما عَهِدنا التَّعَبُّدَ في غَسْلِ البَدَنِ أنها الآنِيَةُ والثِّيابُ فإنَّما يَجِبُ غَسْلُها مِن النَّجاساتِ، وقد رُوِيَ في لَفْظٍ: «طَهُورُ إنَاءِ أحدِكُم إِذَا، وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا».
أخْرَجَه أبو داودَ 1093. ولا يَكُونُ الطَّهُورُ إلَّا في مَحَلِّ الطَّهارَةِ.
وقَولُهم: إنَّ الله تعالى أمَرَ بأكْلِ ما أمسَكَه الكلبُ قبلَ غَسْلِه.
قُلْنا: اللهُ تعالى أمَر بأكْلِه، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بِغَسْلِه، فيُعمَلُ بأمرِهما.
وإن سَلَّفنا أنه لا يجبُ غَسْلُه، فلأنَّه يَشُقُّ، فعُفِيَ عنه، وحَدِيثُهم قَضِيَّة في عَين؛ يَحْتَمِلُ أنَّ الماءَ المَسْئُولَ عنه كان كَثِيرًا، ولذلك قال في مَوْضِعٍ آخَرَ،
الجزء: 2 - الصفحة: 279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حينَ سُئِل عن الماءِ، وما يَنُوبُه مِن السِّباعِ فقال: «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَينِ لَمْ يَحمِلِ الْخَبَثَ» 1094. ولأنَّ لَنا رِوايَةً أنَّ الماءَ لا يَنْجُسُ إلَّا بالتَّغَيُّرِ 1095، فلذلك 1096 لا يُنَجِّسُ الماءَ شُربُها منه، وقِياسُهم على الهِرِّ في مُعارَضة النَّصِّ لا يَصِحُّ، والفَرقُ بينَهما، أنَّ الكلبَ يَأكُلُ النَّجاساتِ عادَةً، بخِلافِ الهِرِّ.
واللهُ أعلم.
وإذا ثَبَتَتْ نَجاسَةُ الكلبِ، ثَبَتَتْ نَجاسَةُ الخِنْزِيرِ بطرِيقِ التنبِيهِ؛ لأنَّه شَرٌّ منه، وقد نَصَّ الشّارِعُ على تَحرِيمِه، فكان تَنْجِيسُه أوْلَى.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَجِبُ غَسْلُها إذا كانت على غيرِ الأرض سَبْعًا إحداهُنَّ بالتُّرابِ، ومِمَّن قال: يُغْسَلُ سَبْعَ مَرّاتٍ.
أبو هُرَيرَةَ، وابنُ
الجزء: 2 - الصفحة: 280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عباسٍ، وعُروَةُ، وطاوُسٌ، وعَمرُو بنُ دِينارٍ 1097، والأوْزاعِيُّ، والشافعيّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الزُّهْري: يُغْسَلُ ثلاثَ مَرّاتٍ.
وقال عَطاءٌ: كلٌّ قد سَمِعْتُ، ثَلاثًا، وخَمْسًا، وسَبْعًا.
وعن أحمدَ، أنه يَجِبُ غَسْلُها ثَمانِيًا، إحداهُنَّ بالتُّرابِ.
وهو رِوايَةٌ عن الحسنِ، لأنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإنَاءِ، فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتراب».
رَواه مسلمٌ 1098. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأولَى، ما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي
الجزء: 2 - الصفحة: 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إنَاءِ أحَدِكم فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا، أُولاهُنَّ بِالترابِ».
رَواه مسلم.
وهذه الرِّوايَةُ أصَحُّ.
ويُحمَلُ هذا الحَدِيثُ على أنه عَدَّ التُّرابَ ثامِنَةً؛ لكَوْنِه جِنْسًا آخَرَ، جَمعًا بينَ الخَبَرَين.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَجِبُ العَدَدُ في شيءٍ مِن النَّجاساتِ، إنَّما يُغْسَلُ حتى يَغْلِبَ على الظنِّ نَقاؤه من النَّجاسَة، لأنَّه رُوِيَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال في الكلبِ يَلَغُ في الإِناءِ: «يُغْسَلُ ثَلَاثًا، أو خَمسًا، أو سَبْعًا» 1099. فلم يُعَيِّنْ عَدَدًا، ولأنَّها نَجاسَة فلم يَجِبْ فيها العَدَدُ،؛ لو كانت على الأرضِ.
ولَنا، ما ذَكَرنا مِن الحَدِيثَين، وحَدِيثُهم يَرويه عبدُ الوَهّابِ بنُ الضَّحّاكِ 1100، وهو ضَعِيفٌ، فلا يُعارِضُ حَدِيثَنا.
وقد روَى غيرُه مِن الثقاتِ: «فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا».
وعلى أنَّه يَحتَمِلُ الشَّكَّ مِن الرّاوي، فيَنْبغي أن يُتَوَقَّفَ فيه، والأرضُ سُومِحَ في غَسْلِها للمَشَقَّةِ، بخِلافِ غيرِها.
الجزء: 2 - الصفحة: 282
فَإِنْ جَعَلَ مَكَانَهُ أُشنَانًا أَوْ نحوَهُ، فَعَلَى وجهينِ.
195 - مسألة: (فإن جَعَل مَكانَه أُشْنانًا أو نَحوَه، فعلى وَجْهين)
يَعنِي إن جَعَل مكانَ التُّرابِ، في غَسْلِ نَجاسَةِ الكَلْبِ، غيره مِن الأشْنانِ والصّابُونِ والنُّخالةِ 1101، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، لا يُجْزِئُه، لأنَّه طهارةٌ أُمِر فيها بالتُّرابِ، فلم يَقُم غيرُه مَقامَه، كالتَّيَمُّمِ، ولأن الأمرَ به تَعَبُّدٌ، فلا يُقاسُ عليه، والثاني، يُجْزِئُه، لأنَّ هذه الأشْياءَ أبلَغُ مِن التُّرابِ في الإزالةِ، فنَصُّه على التُّرابِ تَنْبِيهٌ عليها، ولأنَّه جامِدٌ أُمِر به في إزالةِ النَّجاسَةِ، فألحِقَ به ما يُمَاثِلُه، كالحَجَرِ في الاستِجْمارِ.
وقال ابنُ حامِدٍ: إنَّما يَجُوزُ العُدُولُ إلى غيرِ التُّرابِ عندَ عَدَمِه، أو فَسادِ المَحَلِّ المَغْسُولِ به، فأمّا
الحديث: 195 - الجزء: 2 - الصفحة: 283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مع وُجُودِه، وعَدَمِ الضَّرَرِ فلا.
فإن جَعَل مَكانَه غَسْلَةً ثامِنَةً، فقال بَعْضُ أصحابِنا: فيه وَجْهان.
والصحيحُ أنها لا تَقومُ مُقامَ التُّرابِ، لأنَّه إن كان القَصدُ به تَقْويةَ الماءِ في الإِزالةِ، فذلك لا يَحصُلُ مِن الثّامِنَةِ، وإن وَجَب تَعَبُّدًا، امتَنَع إبْدالُه، والقِياسُ عليه.
والله أعلمُ.
وهذا اخْتِيارُ شيخِنا 1102.
فصل: ولا فَرقَ بينَ غَسْلِ النَّجاسةِ مِن وُلُوغِ الكَلْبِ، أو يَده أو رِجْلِه، أو شَعَرِه، أو غيرِ ذلك مِن أجْزائِه، قِياسًا على السُّؤرِ، ولأنَّ ذلك حُكْمُ غيرِه مِن الحيواناتِ، فكذلك الكلبُ.
وحُكْمُ الخِنْزِيرِ في سُورِه، وسائِرِ أجْزائِه، حُكْمُ الكلبِ، على ما فَصَّلْنا، لأنَّه شَرٌّ منه، وقد نَصَّ الشّارِعُ على تَحْرِيمهِ، وأجْمَعَ المُسْلِمون عليه، ولا يُباحُ اقْتِناؤه بحَالٍ، فثَبَتَ الحُكْمُ فيه بطرَيِقِ الأوْلَى.
الجزء: 2 - الصفحة: 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا وَلَغ في الإِناءِ كِلابٌ، أو أصاب المَحَلَّ نَجاساتٌ مُتَساويَةٌ في الحُكْمِ، فهي كنَجاسَةٍ واحِدَةٍ، وإن كان بَعضُها أغْلَظَ، كالوُلُوغِ مع غيرِه، فالحُكْمُ لأغْلَظِها، ويَدْخُلُ فيه ما دُونَه.
ولو غَسَل الإناءَ دُونَ السبع، ثم وُلِغَ فيه مَرَّةً أخْرَى، فغَسَلَه سَبْعًا أجْزأ؛ لأنَّه إذا أَجْزأ عَمّا يُماثِلُ، فعَمّا دُونَه أوْلَى.
فصل: والمُسْتَحَبُّ أن يَجْعَلَ التُّرابَ في الغَسْلَةِ الأولَى؛ لمُوافَقَةِ لَفْظِ الخَبَرِ، وليَأتِيَ الماءُ بعدَه فيُنَظِّفَه، ومتي غَسَل به أجْزأه، لأنه رُوِيَ في حديثٍ: «إحدَاهُنَّ».
وفي حديثٍ: «أولاهُنَّ».
وفي حديثٍ: «في الثَّامِنَةِ».
فيَدُلُّ على أنَّ مَحَلَّ التُّرابِ مِن الغَسَلاتِ غيرُ مَقْصُودٍ.
فصل: وإذا غَسَل مَحَلَّ الوُلُوغِ، فأصابَ ماءُ بَعْضِ الغَسَلاتِ مَحَلًّا آخَرَ قبلَ إتْمامِ السَّبْعِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَجبُ غَسْلُه سَبْعًا.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِي، واخْتِيارُ ابنِ حامد؛ لَأنَّها نَجاسَةٌ، فلا يُراعَى فيها حُكْمُ المَحَلِّ الذي انْفَصَلَتْ عنه، كنَجاسَةِ الأرضِ، ومَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ.
والثاني، يجبُ غَسْلُه مِن الأولَى سِتًّا، ومِن
الجزء: 2 - الصفحة: 285
وَفِي سَائِرِ النَّجَاسَاتِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ؛ إِحدَاهُنَّ،
الثانية خمسًا، كذلك إلى آخِرِه؛ لأنَّها (1) نَجاسَة تَطْهُرُ في مَحلها بدونِ السبعِ، فطَهُرتْ به في مِثْلِه قِياسًا عليه، وكالنَّجاسَةِ على الأرضِ.
وتُفارِق المُنْفَصِلَ عن الأرض ومَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ؛ لأنَّ العِلَّةَ في خِفَّتِها المَحَلُّ، وقد زالتْ عنه، فزال التَّخْفِيفُ، والعِلَّةُ في تَخْفِيفِها ههُنا قُصُورُ حُكْمِها بما مَرَّ عليها مِن الغَسْلِ، وهذا لازِمٌ لها حَيثُما كانت.
ثم إن كانت قد انْفَصَلَتْ عن مَحَل غُسِل (2) بالتُّرابِ، غُسِل مَحَلُّها بغيرِ تُرابٍ، وإن كانت الأولَى بغيرِ تُرابٍ، غُسِلَتْ هذه بالتُّرابِ.
وهذا اخْتِيارُ القاضي، وهو أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى.
196 -
مسألة: (وفي سائِرِ النَّجاساتِ ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحداهُنَّ،
11031104 الحديث: 196 - الجزء: 2 - الصفحة: 286
يَجبُ غَسْلُها سَبْعًا.
وهلْ يُشْتَرَطُ التُّرَابُ؟ عَلَى وَجْهينِ.
وَالثَّانِيَةُ، ثَلَاثًا.
والثَّالِثَةُ، تُكَاثر بِالْمَاءِ مِنْ غَيرِ عَدَدٍ، كَالنَّجَاسَاتِ كلها إِذَا كَانَتْ عَلَى الأرضِ.
يَجِبُ غَسْلُها سَبْعًا، وهل يُشْتَرَطُ التُّرابُ؟ على وَجْهين.
والثانيةُ، ثلاثًا.
والثالثةُ، تُكاثر بالماءِ مِن غيرِ عَدَدٍ، كالنجاساتِ كلِّها إذا كانت على الأرضِ) وجُملَةُ ذلك، أنَّ في سائِرِ النَّجاساتِ، غيرَ نَجاسَةِ الكلبِ والخِنْزِيرِ، إذا كانت على غيرِ الأزضِ ثلاثَ رِواياتٍ، إحداهُنَّ، يَجِبُ غَسْلها سَبْعًا، قِياسًا على نَجاسَةِ الكلبِ والخِنْزِيرِ، ولِما 1105 رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ أنَّه قال: أُمِرْنا بغَسْلِ الأنْجاسِ سَبْعًا.
فيَنْصَرِفُ إلى أمرِ النبي - صلى الله عليه وسلم -
الجزء: 2 - الصفحة: 287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فعلى هذا، هل يُشْتَرَطُ التُّرابُ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهُما، يَجبُ قِياسًا على الوُلُوغِ.
وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ.
والثاني، لا يُشْتَرَطُ، لأَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بالغَسْلِ للدَّمِ وغيرِه، ولم يَأمُر بالتُّرابِ، إلَّا في نَجاسَةِ الكلبِ، فوَجَبَ أن يُقْتَصَرَ عليه، ولأنَّ الأمرَ بالتُّرابِ إن كان تَعَبُّدًا وَجَب قَصرُه على مَحَلِّه، وإن كان لمَعْنًى في نَجاسَةِ الوُلُوغِ مِن اللزوجَةِ التي لا تَنْقَلِعُ إلَّا بالتُّرابِ، فذلك 1106 لا يُوجَدُ في غيرِه.
وفي هذا الدَّلِيلِ نَظرٌ؛ لأنَّه غيرُ مَوْجُودٍ في نَجاسَةِ الكلبِ غيرُ الوُلُوغِ، وقد قالوا بُوجُوبِ التُّرابِ فيه.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، يَجِبُ غَسْلُها ثلاثًا؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا قامَ أحَدُكْمُ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمس يَدَهُ فِي الإنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَها ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدرِى أينَ بَاتَتْ يَدُه».
الجزء: 2 - الصفحة: 288
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَواه مسلمٌ 1107. أمَرَ بغَسْلِها ثَلاثًا؛ ليَرتَفِعَ وَهْمُ النَّجاسَةِ، ولا يَرفَعُ وَهْمَ النَّجاسَةِ إلَّا ما يرفَعُ الحَقِيقَةَ.
والثالثةُ، تُكاثر بالماءِ مِن غيرِ عَدَدٍ، حتى تَزُولَ عَينُ النَّجاسَةِ.
وهذا مَذْهبُ الشافعي؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: كان [الغُسْلُ مِن الجَنابَةِ سَبْعَ مَرّاتٍ، و] 1108 غَسْلُ الثَّوْبِ مِن البَوْلِ سَبْعٍ مَرّاتٍ، فلم يَزَل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْألُ حتى جعِل [الغُسْلُ مِن الجَنابَةِ مَرَّة، و] (2) غَسْلُ الثَّوْبِ مِن البَوْلِ مَرَّةً.
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 1109. إلَّا أنَّ في رُواتِه أيوبَ بنَ جابرٍ، وهو ضَعِيف.
ولأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأسماءَ في الدَّمِ: «اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ» 1110. ولم يَذْكُر عَدَدًا، ولأنَّها نَجاسَةٌ، فلم
الجزء: 2 - الصفحة: 289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَجِبْ فيها العَدَدُ، كنَجاسَةِ الأرضِ.
وقد رُوِيَ أنَّ النجاسَةَ في مَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ تَطْهُرُ بثَلاثٍ، وفي غيرِه بسَبْعٍ، لأنَّ مَحَلَّ الاسْتِنْجاءِ تَتَكَرَّرُ النَّجاسَةُ فيه، فاقْتَضَى ذلك التَّخْفِيفَ، ولأنَّه قد اجْتُزِيَ فيها بثَلاثَةِ أحْجارٍ، فأوْلَى أن يُجْتَزَا فيها بثَلاثِ غَسَلاتٍ، لأنَّ الماءَ أبلَغُ مِن الأحْجارِ.
وفيه رِوايَة خامسةٌ، أنَّ العَدَدَ لا يَجِبُ في نَجاسَةِ البَدَنِ، ويَجِبُ في غيرِها، لأنَّ الأبدانَ تَعُمُّ البَلْوَى فيها بمُلاقاةِ النَّجاسَةِ، تارَةً مِنها، وتارةً مِن غيرِها، فخُفِّفَ أمرُها لأجْلِ المَشَقَّةِ.
ذَكَرَها ابنُ عَقِيلٍ.
وذَكَر القاضي رِوايَةً، أنَّ العَدَدَ لا يُعْتَبَرُ في غيرِ مَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ مِن البَدَنِ، ويَجِبُ في مَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بعَدَدِ الحْجارِ فيه، ولا 1111 يَجِبُ في سائِرِ المَحالِّ.
وقال الخَلّالُ: هذه الروايَةُ وَهْمٌ.
ولمَ يُثْبِتْها.
الجزء: 2 - الصفحة: 290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا أصابَتِ النَّجاسَةُ الأجْسامَ الصَّقِيلَةَ، كالمِرآةِ ونَحْوها، وَجَب غَسْلُه، ولم يَطْهُرُ بالمسحِ؛ لأنَّه مَحَلٌّ لا تَتَكَرَّرُ 1112 فيه النَّجاسَةُ، فلم يَجُزْ فيه المَسْحُ، كالأوانِي.
فصل: وغَسْلُ النَّجاسَةِ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ مَحَلِّها؛ فإِن كان جِسْمًا لا يَتَشرَّبُ النَّجاسَةَ كالآِيَةِ، فغَسْلُه بإمرارِ الماءِ عليه كلَّ مرَّةٍ غَسْلَةٌ، سَواءٌ كان بفِعلِ الآدَمِيِّ أوْ لا، مِثْلَ أن يَنْزِلَ عليه ماءُ المَطرَ، أو يَجْرِيَ عليه الماءُ، فكلُّ جِرية تَمُرُّ عليه غَسْلَةٌ؛ لأنَّ القَصدَ غيرُ مُعْتَبَرٍ، أشْبَه ما لو صَبَّه آدَمِيٌّ بغيرِ قَصدٍ، كان وَقَع في ماءٍ راكِدٍ قَلِيلٍ، نَجَّسَه ولم يَطْهُر، وإن كان كثِيرًا اعتُبرَ وَضْعُه فيه ومُرُورُ الماءِ على أجْزائِه غَسْلَةً، وإن حَرَّكَه في الماء بحيث تَمَرُّ عليه أجْزاءٌ غيرُ التي كانت مُلاقِيَةً له، احتُسِبَ بذلك غَسْلَةً ثانيةً، كما لو مَرَّتْ عليه جِرْياتٌ مِن الماءِ الجارِي.
وإن كان المَغْسُولُ إناءً، فطُرِحَ فيه الماءُ، لم يُحتَسَبْ به غَسْلَةً حتى يُفْرِغَه منه؛ لأنَّه العادَةُ في
الجزء: 2 - الصفحة: 291
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
غَسْلِه.
فإن كان الإِناءُ يَسَعُ قُلَّتَين فَصاعِدًا فمَلَأه، احتَمَلَ أنَّ إدارَةَ الماءِ فيه تُجْرَى مُجْرَى الغَسَلاتِ؛ لأنَّ أجْزاءَه تَمُرُّ عليها جِرْياتٌ مِن الماءِ غيرُ التي كانت مُلاقِيَةً لها، أشْبَه ما لو مَرَّتْ عليه جِزياتٌ مِن الماءِ الجارِي.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَكُونُ غَسْلَةً إلَّا بتَفْرِيغِه أيضًا.
وإن كان المَغْسُولُ جسْمًا تَدْخُلُ فيه أجْزاءُ النَّجاسَةِ، كالثَّوْبِ، لم يُحتَسَبْ برَفْعِه مِن الماءِ غَسْلَةٌ حتى يَعصِرَه، وعَصْرُ كلِّ شيءٍ بحَسَبه؛ فإن كان بِساطًا ثَقِيلًا، أو نَحوَه، فعَصرُه بتَقْلِيبِه ودَّقه حتى يَذْهبَ أكْثَرُ ما فيه مِن الماءِ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: إذا أصاب ثوْبَ المرأةِ دَمُ حَيضِها، اسْتُحِبَّ أن تَحُتَّه بظُفْرِها؛ لتَذْهبَ خُشُونَتُه، ثم تَقْرُصَه برِيقها لَيلينَ للغَسْلِ، ثم تَغْسِلَه بالماءِ؛ لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - لأسْماء في دَمِ الحَيضِ: «حُتِّيهِ، ثُمَّ اقْرُصِيهِ، ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ» 1113. وإن اقْتَصَرَتْ على الماء جاز، وإن لم يَزُلْ لَوْنُه، وكانت إزالته تَشُقُّ أو تُتْلِف الثَّوْبَ، أو تَضُرُّه؛ لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وَلَا يَضُرُّكِ أثرهُ».
رواه أبو داودَ 1114. وإن اسْتَعمَلَتْ في إِزالتِه شيئًا يُزِيلُه، كالمِلْحِ وغيرِه، فحَسَنٌ؛ لِما روَى [الإِمامُ أحمدُ و] 1115 أبو داودَ 1116، عن امرأةً مِن غِفارٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أردَفَها على حَقِيبَةِ رَحلِه 1117 فحاضَتْ، قالت:
الجزء: 2 - الصفحة: 292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَنَزَلْتُ فإذا بها دَمٌ مِنِّي، فقال: «مَا لكِ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ»؟ قالت: نعم.
قال: «فَأصلِحِي مِنْ نَفْسِكِ، ثُمّ خُذِي إِنَاءً مِنْ مَاءٍ فَاطْرَحِي فِيهِ مِلْحًا، ثُمَّ اغْسِلِي مَا أصَابَ الْحَقِيبَةَ مِنَ الدَّمِ».
قال الخَطّابيُّ 1118: فيه مِن الفِقْهِ جَوازُ اسْتعمالِ المِلْحِ وهو مَطْعُوم في غَسْلِ الثَّوْبِ، وتنقِيَته مِن الدَّمِ، فعلى هذا يَجُوزُ غَسْلُ الثِّيابِ بالعَسَلِ إذا كان الصّابُونُ يُفْسِدُه، وبالخَل إذا أصابَه الحِبْرُ، والتَّدَلُّكُ بالنُّخالةِ، وغَسْلُ الأيدِي بها، وبالبِطِّيخِ ودَقِيقِ الباقِلّاءِ، وغيرِها مِن الأشْياءِ التي لها قُوَّةُ الجِلاءِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن كان في الإِناءِ خَمرٌ أو شِبْهُه مِن النَّجاساتِ التي يَتَشَرَّبُها الإِناءُ، ثم متى جُعِل فيها مائِعٌ سِواه، ظَهَر فيه طَعمُ النَّجاسَةِ أو لَوْنُها، لم يَطْهُرُ بالغَسْلِ، لأنَّ الغَسْلَ لا يَسْتأصِلُ أجْزاءَ النَّجاسَةِ مِن جِسْمِ الإِناءِ، فلم يُطَهِّره، كالسِّمسِمِ الذي ابْتَلَّ بالنَّجاسَةِ.
قال الشيخُ أبو الفَرَجِ المَقْدِسِيُّ في «المُبْهِجِ» 1119: آنِيَةُ الخَمْرِ منها المُزَفَّتُ، فيَطْهُرُ بالغَسْلِ؛ لأنَّ الزِّفتَ يَمنَعُ وُصُولَ النَّجاسَةِ إلى جِسْمِ الإِناءِ، ومنها ما ليس بمُزَفَّتٍ فيَتَشَرَّبُ أجْزاءَ النَّجاسَةِ، فلا يَطْهُرُ بالتَّطْهِيرِ، فإنَّه متى تُرِك فيه مائِعٌ، ظَهر فيه طَعمُه أو لَوْنُه.
الجزء: 2 - الصفحة: 294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصلٌ في تطهيرِ النَّجاسَةِ على الأرضِ: متى تَنَجَّسَتِ الأرضُ بنَجاسَةٍ مائِعَةٍ، أي نَجاسَةٍ كانت؛ كالبَوْلِ والخَمرِ ونَحوهما، فطُهُورُها أن يَغْمُرَها بالماءِ، بحيث يَذْهبُ لَوْنُ النَّجاسَةِ ورِيحُها، فإن لم يَذْهبا، لم تَطْهُرْ؛ لأنَّ بَقاءَهما دَلِيلُ بَقاءِ النَّجاسَةِ.
فإن كانت مِمّا لا يزولُ لَوْنُها أو رائِحَتُها إلَّا بمَشَقَّةٍ، سَقَط ذلك كما قُلْنا في الثَّوْبِ.
والدَّلِيلُ على أنَّ الأرضَ تَطْهُرُ بذلك، ما روَى أنسٌ قال: جاء أعرابِي فبال في طائِفةٍ مِن المسجدِ، فزَجَرَه النّاسُ، فنَهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلمَّا قَضَى بولَه، أمَر بذَنُوبٍ مِن ماءٍ فأهْرِقَ عليه.
متَّفَقٌ عليه 1120. ولا نَعلَمُ في ذلك خِلافًا.
فصل: إذا أصابَ الأرضَ ماءُ المَطرَ، أو السيولُ، فغَمَرَها وجَرَى عليها، فهو كما لو صُبَّ عليها؛ لأنَّ تَطْهِيرَ النَّجاسَةِ لا تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ فيه، فاسْتَوَى ما صَبَّه الآدَمي وغيرُه.
قال أحمدُ، في البَوْلِ يكونُ في الأرض فتُمطِرُ عليه السَّماءُ: إذا أصابَه مِن المَطرَ بقَدرِ ما يكونُ ذَنُوبًا، كما أمَرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُصَبَّ على البَوْلِ، فقد طَهُرَ.
وقال المَرُّوذِيُّ: سُئِل أبو عبدِ اللهِ عن ماءِ المَطرَ يَخْتَلِطُ بالبَوْلِ، فقال: ماء المَطرَ عِنْدِي لا يُخالِطُ شيئًا إلَّا طَهَّرَه، إلَّا العَذِرَةَ فَإِنَّها تَنْقَطِعُ.
وسُئِلَ عن ماءِ المَطرَ يُصِيبُ الثَّوْبَ، فلم يَرَ به بأسًا، إلَّا أن يكُونَ بِيلَ فيه بعدَ المَطرَ، وقال: كلُّ
الجزء: 2 - الصفحة: 295
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما يَنْزِلُ مِن السَّماءِ إلى الأرضِ فهو نَظِيفٌ، داسَتْه الدَّوابُّ أو لم تَدُسْه.
وقال في المِيزابِ: إذا كان في المَوْضِعِ النَّظِيفِ، فلا بأسَ بما قَطرَ عليك مِن المَطرَ إذا لم تَعلم.
قِيل له: فأسْألُ عنه؟ قال: لا، وما دَعاك إلى السُّؤالِ؟ واحتَجَّ في طهارةِ طِينِ المَطرَ بحديثِ الأعرابِي، وبأنَّ أصحابَ النبي - صلى الله عليه وسلم - والتّابِعِين كانوا يَخُوضُون المَطرَ في الطرقاتِ، فلا يَغْسِلُون أرجُلَهم.
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعليٍّ، رَضِي اللهُ عنهما.
قال ابنُ مسعودٍ: كُنّا لا نَتَوَضّأ مِن مَوْطئٍ.
ونَحوُه عن ابنِ عباس.
وهذا قَوْلُ عَوامِّ أهلِ العلمِ؛ لأنَّ الأصلَ الطهارةُ، فلا تَزُولُ بالشَّكِ.
فصل: فإن كانتِ النَّجاسَةُ ذاتَ أجْزاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ، كالرَّمِيمِ، والدَّمِ إذا جَفَّ 1121، والرَّوْثِ، فاخْتَلَطَتْ بأجْزاءِ الأرضين، لم تَطْهُر بالغَسْلِ؛
الجزء: 2 - الصفحة: 296
وَلَا تَطْهُرُ الأرضُ النَّجِسَةُ بِشَمس وَلَا رِيحٍ.
لأنَّ عَينَها لا تَنْقَلِبُ، ولا تَطْهُرُ إلَّا بإزالةِ أجْزاءِ المَكانِ، بحيثُ يُتَيَقَّنُ زَوالُ أجْزاءِ النَّجاسَةِ.
ولو بادَرَ البَوْلَ وهو رَطْبٌ، فقَلَعَ التُّرابَ الذي عليه أثره، فالباقي طاهِرٌ؛ لأنَّ النَّجِسَ كان رَطْبًا، وقد زال؛ وإن جَفَّ فأزال ما وَجَد عليه الأثَرَ، لم يَطْهُرْ؛ لأنَّ الأثَرَ إنَّما يَبِينُ على ظاهِرِ الأرضِ، لكنْ إن قَلَع ما تَيَقَّنَ به زَوال ما أصابَه البَوْلُ، فالباقي طاهِرٌ.
197 -
مسألة: (ولا تَطْهُرُ الأرضُ النَّجِسَةُ بشمس ولا رِيح)
1122 ومِمَّن رُوِيَ عنه ذلك أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، والشافعي في أحدِ قَوْلَيه.
وقال أبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: تَطْهُرُ إذا ذَهب أثر النَّجاسَةِ.
وقال أبو قِلابَةَ 1123: جَفاف الأرضِ طَهُورُها؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ روَى أنَّ الكِلابَ كانت تَبُولُ، وتُقْبِلُ وتُدبِرُ في المَسْجِدِ، فلم يَكُونُوا يَرُشُّون شيئًا مِن
الحديث: 197 - الجزء: 2 - الصفحة: 297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك.
رَواه أبو داودَ 1124. ولَنا، قَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «صُبّوا عَلَى بَوْلِ الأعرَابِيِّ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» 1125. والأمرُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ، ولأنَّه مَحَلٌّ نَجِسٌ، فلم يَطْهُر بغيرِ الغَسْلِ، كالثِّيابِ.
فأمّا حديثُ ابنِ عُمَرَ، فرَواه البُخاري 1126، وليس فيه ذِكْرُ البَوْلِ.
ويَحتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّها كانت تَبُولُ، ثم تُقْبِلُ وتدبِرُ في المَسْجِدِ، فيكونُ إقْبَالُها وإدبارُها فيه بعدَ بَوْلِها.
الجزء: 2 - الصفحة: 298
وَلَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ بِالاسْتِحَالةِ، إلا الْخمرَةَ إِذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِها،
198 - مسألة: (ولا يَطْهُرُ شَيءٌ مِن النَّجاساتِ بالاسْتِحالةِ، إلَّا الخمرَةَ إذا انْقَلَبَتْ بنَفْسِها)
فلو أُحْرِقَ السِّرجِينُ 1127 فصار رَمادًا، أو وَقَع كلبٌ في مَلّاحَةٍ فصارَ مِلْحًا، لم يَطْهُرْ 1128، كالدَّمِ إذا اسْتَحال قَيحًا أو صَدِيدًا.
ولأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نَهى عن أكْلِ لَحمِ 1129 الجَلّالةِ وألْبانِها؛ لأكْلِها النَّجاسَةَ، فلو كانتِ النجاسةُ تَطْهُرُ بالاسْتِحالةِ، لم يُؤثِّر أكلُها النَّجاسَةَ، لأنَّها تَسْتَحِيلُ.
ويَتَخَرَّجُ أن تَطْهُرَ النَّجاساتُ كلّها بالاسْتِحالةِ قِياسًا على الخَمرَةِ إذا انْقَلَبَتْ، وجُلُودِ المَيتَةِ إذا دُبِغَتْ، والجَلّالةِ إذا حُبِست.
الحديث: 198 - الجزء: 2 - الصفحة: 299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ودُخانُ النَّجاسَةِ وغُبارُها نَجِسٌ، فإنِ اجْتَمَعَ منه شيءٌ، أو لاقَى جِسْمًا صَقِيلًا، فصارَ ماءً، فهو نَجِسٌ، إلَّا إذا قُلْنا: إنَّ النَّجاسَةَ تَطْهُرُ بالاسْتِحالةِ.
وما أصابَ الإِنْسانَ مِن دُخانِ النَّجاسَةِ وغُبارِها فلم يَجْتَمِع منه شيءٌ، ولا ظَهرَتْ له صِفَةٌ، فهو طاهِرٌ؛ لعَدَمِ إمكانِ التَّحَرُّزِ منه.
فأمّا الخَمرَةُ إذا انْقَلَبَتْ بنَفْسِها خَلًّا فإنَّها تَطْهُرُ، لا نعلَمُ في ذلك خِلافًا؛ لأنَّ نَجاسَتَها لشِدَّتِها المُسكِرَةِ الحادِثَةِ لها، وقد زال ذلك مِن غير
الجزء: 2 - الصفحة: 300
فَإِنْ خُلِّلَتْ لَمْ تَطْهُر.
نَجاسَةٍ خَلَّفَتْها، فوَجَب أن تَطهرَ، كالماءِ الذي تَنَجَّسَ (1) بالتَّغْيِيرِ إذا زال تَغَيُّره (2) بنَفْسِه، ولا يَلْزَمُ عليه سائِرُ النَّجاساتِ؛ لكَوْنِها لا تَطْهُرُ بالاستِحالةِ، لأنَّ نَجاسَتَها لعَينها، والخمرُ نَجاسَتُها لأمرٍ زال بالانْقِلابِ.
199 -
مسألة: (فإن خُلِّلَتْ لم تَطْهُر)
في ظاهِرِ المذهبِ.
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وهو قَوْلُ مالكٍ.
وقال الشافعي: إن أُلقِي فيها شيءٌ كالمِلْحِ فتَخَلَّلَتْ، لم تَطْهُرْ، وإن نُقِلَتْ مِن شمس إلى ظِلٍّ أو بالعَكْسِ فتَخَلَّلتْ، ففي إباحَتِها قوْلان.
ويُخَرَّجُ لنا أيضًا فيها احتِمالان؛ أحَدُهما، تَطهُرُ، كما لو نَقَلها لغيرِ قَصدِ التَّخْلِيلِ فتَخَلَّلتْ، فإنه لا فَرقَ بينَهما سوى النيةِ.
والثاني، لا تَطْهُرُ، كما لو وُضِعَ فيها شيء فتَخَلَّلتْ؛ لِما رُوِيَ أنَّ11301131
الحديث: 199 - الجزء: 2 - الصفحة: 301
وَقِيلَ: تَطْهُرُ.
أبا طَلْحَةَ سأل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن أيتام وَرِثُوا خَمرًا، فقال: «أهْرِقْها».
قال: أفلا أُخَلِّلُها؟ قال: «لَا».
مِن «المُسْنَدِ»، رَواه الترمِذِيُّ 1132. ولو جاز التَّخْلِيلُ، لم يَنْهَ عنه، ولم تُبَحْ إراقَتُه.
(وقِيل: تَطْهُرُ) لأنَّ عِلَّةَ التحرِيمِ زالتْ، أشْبَه ما لو تَخَلَّلَتْ بنَفْسِها، ولأنَّ التَّطْهِيرَ لا فَرقَ
الجزء: 2 - الصفحة: 302
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيه بينَ ما حَصَل بفِعلِ اللهِ تعالى وفعلِ العَبْدِ، كتَطْهِيرِ الثَّوْبِ والأرضِ.
وهذا قولُ أبي حَنِيفَةَ.
ورُوي نَحوه عن عَطاء، وعَمرِو بن دينارٍ، والحارثِ العُكْلِيِّ 1133.
الجزء: 2 - الصفحة: 303
وَلَا تَطْهُرُ الأدهانُ، النَّجِسَةُ.
200 - مسألة: (ولا تَطْهُرُ الأدهانُ النَّجِسَةُ)
بالغَسْلِ في ظاهِرِ المَذْهبِ، اخْتارَه القاضي وابنُ عَقِيل.
قال ابنُ عَقِيلٍ: إلَّا الزِّئبَقَ، فإنَّه
الحديث: 200 - الجزء: 2 - الصفحة: 304
وَقَال أبو الْخَطَّابِ: يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ مِنْها مَا يَتَأتَّي غَسْلُهُ.
لقُوَّتِه وتَمَاسُكِه يُجْرَى مُجْرَى الجامِدِ.
(وقال أبو الخَطّابِ: يَطْهُرُ بالغَسْلِ منها ما يَتَأتَّى غَسْلُه) كالزَّيتِ ونَحوه؛ لأنَّه يمكِنُ غَسْلُه بالماءِ، فطَهُرَ به كالجامِدِ.
وطَرِيقُ تَطْهِيرِه أن يُجْعَلَ في ماء كَثِيرٍ، ويُحَرَّكَ حتى يُصِيبَ الماءُ جَمِيع أجْزائِه، ثم يُتركَ حتى يَعلُوَ على الماءِ، فيُؤخَذَ، وإن تَرَكَه في جَرَّةٍ، وصَبَّ عليه ماءً وحَرَّكَه فيه، وجَعَل لها بُزَالًا 1134 يَخْرُجُ منه الماءُ، جاز.
ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن السَّمْنِ إذا وَقَعَتْ فيه الفَأرَةُ؟ فقال: «إِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ».
رَواه أبو داودَ 1135. ولو كان يُمكِنُ تَطْهِيره لم يأمُر بإراقَتِه.
ومَن نَصَر قَوْلَ أبي الخَطّابِ.
قال: الخَبَرُ وَرَد في السَّمنِ، ولَعَلَّه لا يمكِنُ تَطْهِيرُه؛ لأنَّه يَجْمُدُ، ويَحْتَمِلُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَرَك الأمرَ بغَسْلِه، لمَشَقَّةِ ذلك، وقِلَّةِ وُقُوعِه.
الجزء: 2 - الصفحة: 305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا وقَعَتِ النَّجاسَةُ في غيرِ الماءِ وكان مائِعًا، نَجُسَ.
وقد ذَكَرنا الخِلافَ فيه.
وإن كان جامِدًا كالسَّمنِ الجامِدِ، أُخِذَتِ النَّجاسَةُ فما حَوْلَها فأُلقِيَتْ، والباقي طاهِرٌ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن الفَأرَةِ تَمُوتُ في السَّمنِ، فقال: «إنْ كَانَ جَامِدًا فألقُوها وَمَا حَوْلها، وَإنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ».
مِن «المُسْنَدِ» 1136. وإسْنادُه على شَرطِ الصَّحِيحَين: وحَدُّ الجامِدِ؛ الذي لا تَسْرِي النَّجاسَةُ إلى جَمِيعِه، الذي يَكُونُ فيه قُوَّةٌ تمنَعُ انْتِقال أجْزاءِ النَّجاسَةِ مِن المَوْضِعِ الذي وَقَعتْ فيه النَّجاسَةُ إلى ما سِواه.
وقال ابنُ عَقِيل: الجامِدُ؛ الذي إذا فُتِح وعاؤه، لم تَسِلْ أجْزاؤه.
والظّاهِرُ خِلافُ هذا؛ لأنَّ سَمنَ الحِجازِ لا يَكادُ يَبْلُغُه، ولأنَّ المَقْصُودَ بالجُمُودِ أن لا تَسْرِي أجْزاءُ النَّجاسَةِ، وهذا حاصِلٌ بما ذَكَرناه، فنَقْتَصِرُ عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 306
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن تَنَجَّسَ العَجِينُ ونَحْوُه، لم يَطْهُرْ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ غَسْلُه، وكذلك إن نُقِعَ شيءٌ مِن الحُبُوبِ في الماءِ النَّجِسِ، حتى انْتفَخَ وابْتَلَّ.
نَصَّ عليه أحمدُ، أنَّه لا يَطْهُرُ، وإن غُسِل مِرارًا.
إذا ثَبَت ذلك، فقال أحمدُ في العَجِينِ: يُطْعَمُ النَّواضِحَ 1137. وقال الشافعيُّ: يُطْعَمُ البَهائِمَ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيدٍ: يُطْعَمُ الدَّجاجَ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: لا يُطْعَمُ شيئًا؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن شُحُوم.
المَيتَةِ تُطْلَى بها السُّفُن، ويَسْتَصْبِحُ بها النّاسُ، قال: «لَا، هو حَرَامٌ» 1138. وهذا في مَعْناه.
ولَنا، ما روَى أحمدُ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ قَوْمًا اخْتَبَزُوا مِن آبارِ الذين مُسِخُوا، فقال عليه السلامُ: «اعْلِفُوهُ النَّوَاضِحَ» 1139. وقال في كَسْبِ الحَجّامِ: «اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ أو رَقِيقكَ» 1140. احْتَجَّ به أحمدُ، وقال: ليس هذا بمَيتَةٍ، والنَّهْيُ إنَّما تَناوَلَ المَيتَةَ.
ولأنَّ اسْتِعْمال شُحُومِ المَيتَةِ فيما سُئِل عنه النبيُّ
الجزء: 2 - الصفحة: 307
وَإِذَا خَفِيَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ لَزِمَهُ غَسْلُ مَا يَتَيَقَّنُ بِهِ إزَالتَهَا.
- صلى الله عليه وسلم - يُفْضِي إلى تَعَدِّي نَجاسَتِها، وهذا لا يَتَعدَّى أكْلَه.
قال أحمدُ: ولا يُطْعَمُ لشئٍ يُؤْكَلُ في الحال،؟ ولا يُحْلَبُ لَبَنُهُ؛ لِئَلّا يَتَنَجَّسَ به، ويَصِيرَ كالجلّالةِ.
201 -
مسألة: (وإذا خَفِيَتِ النَّجاسَةُ، لَزِمَه غَسْلُ ما يَتَيَقَّنُ به إزالتَها)
متى خَفِيَتِ النَّجاسَةُ في بَدَنٍ، أو ثَوْبٍ، وأراد الصلاةَ فيه، لم يَجُزْ له حتى يَتَيَقَّنَ زَوالها، وإنَّما يَتَيَقَّنُ ذلك بغَسْلِ كلِّ مَحَلٍّ يَحْتَمِلُ أنَّ النَّجاسَةَ أصابَتْه، فإن لم يَعْلَمْ جِهَتَها مِن [الثَّوْبِ، غَسَلَه كُلَّه] 1141، وإن = 5/ 277، 278. وابن ماجه، في: باب كسب الحجام، من كتاب التجارات.
سنن ابن ماجه 2/ 732. والإمام مالك، في: باب ما جاء في الحجامة وأجرة الحجام، من كتاب الاستئذان.
الموطأ 2/ 974. والإمام أحمد، في المسند 3/ 307، 381، 4/ 141، 5/ 435، 436.
الحديث: 201 - الجزء: 2 - الصفحة: 308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَلِمَها في أحَدِ الكُمَّين غَسَلَهما، وإن رآها في بَدَنِه، أو ثَوْبِه الذي عليه، غَسَل كلَّ ما يُدْرِكُه بَصَرُه منه.
وبذلك قال النَّخَعيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال ابنُ شُبْرُمَةَ 1142: يَتَحَرَّى مكانَ النَّجاسَةِ فيَغْسِلُه.
وقال عَطاءٌ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ: إذا خَفِيَتِ النَّجاسَةُ في الثَّوْبِ نَضَحَه كلَّه؛ وذلك لحديثِ سَهْلِ بنِ حُنَيفٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في المَذْي، قال: قُلْت: يا رسولَ اللهِ، فكيف بما أصاب ثَوْبِي منه؟ قال: «يُجْزِئُكَ أنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ، فَتَنْضَحَ بِهِ حَيثُ تَرَى أنَّه أَصابَ مِنْهُ» 1143. فأمَرَ بالتَّحَرِّي والنَّضْحِ.
ولَنا، أنَّه تَيَقَّنَ المانِعَ مِن الصلاةِ، فلم تُبَحْ له الصلاةُ إلا بيَقِينِ زَوالِه، كمَن تَيَقَّنَ الحَدَثَ وشَكَّ في الطهارةِ.
والنَّضْحُ لا يُزِيلُ النَّجاسَةَ، وحديثُ سَهْلٍ مَخْصُوصٌ بالمَذْي دُونَ غيرِه؛ لأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، فلا يَتَعَدَّى حُكْمُه إلى غيرِه؛ لأنَّ أحْكامَ النَّجاساتِ تَخْتَلِفُ.
وقَوْلُه: «حَيثُ تَرَى أنَّهُ أَصَابَ مِنْهُ».
مَحْمُولٌ على مَن ظَنَّ أنَّه أصاب ناحِيَةً مِن ثَوْبِه، مِن غيرِ يَقينٍ، فيُجْزِئُه نَضْحُ المكانِ، أو غَسْلُه.
فصل: فإن خَفِيَتِ النَّجاسَةُ [في فَضاءٍ] 1144 واسِعٍ، صَلَّى حيثُ شاء،
الجزء: 2 - الصفحة: 309
وَيُجْزِئُ فِي بَوْلِ الْغلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ النَّضْحُ.
ولا يَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِه؛ لأنَّ ذلك يَشُقُّ، فلو مُنِع مِن الصلاةِ، أفْضَى إلى أن لا يَجِدَ مَوْضِعًا يُصَلِّي فيه.
فإن كان المَوْضِعُ صغيرًا، كالبَيتِ ونَحْوه، غَسَلَه كلَّه، كالثَّوْبِ.
202 -
مسألة: (ويُجْزِئُ في بَوْلِ الغُلامِ الذي لم يَأكُلِ الطَّعامَ، النَّضْحُ)
معنى النَّضْحِ أن يَغْمُرَه بالماءِ، وإن لم يَنْزِلْ عنه، ولا يَحْتاجُ إلى مَرْسٍ 1145 وعَصْرٍ.
فأمّا بَوْلُ الجارِيَةِ، فيُغْسَلُ وإن لم تَأْكُلْ.
وهذا قَوْلُ عليٍّ، رضي اللهُ عنه، وبه قال عَطاءٌ، والحسنُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ.
وحُكِي عن الحسنِ، أنَّ بَوْلَ الجارِيَةِ يُنْضَحُ ما لم تَطْعَمْ، كالصَّبِيِّ.
قال القاضي: رأيتُ لأبي إسحاقَ بنِ شَاقْلا كلامًا يَدُلُّ على طهارةِ بَوْلِ الغُلامِ؛ لأنَّه لو كان نَجِسًا لوَجَبَ غَسْلُه، كسائِرِ النَّجاساتِ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حَنِيفَةَ: يُغْسَلُ بَوْلُ الغُلامِ، كبَوْلِ الجارِيَةِ، بالقِياسِ عليه، ولأنَّه
الحديث: 202 - الجزء: 2 - الصفحة: 310
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بالنَّجاسَةِ، فاسْتَوَى فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى، كسائِر أحْكامِها.
ولَنا، ما رَوَتْ أُمُّ قَيسٍ بنتُ مِحْصَنٍ، أنَّها أتَتْ بابنٍ لها صَغِيرٍ، لم يَأْكُلِ الطَّعامَ، إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأجْلَسَه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في حِجْره، فَبال على ثَوْبِه، فدَعا بماءٍ، فنَضَحَه، ولم يَغْسِلْه.
مُتَّفَقٌ عليه 1146. وعن لُبابَةَ بنتِ الحارِثِ، قالت: كان الحُسَينُ بنُ عليٍّ في حِجْرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فبال عليه، فقلتُ: الْبَسْ ثَوْبًا آخَرَ، وأعْطِنِي إزارَكَ حتى أغْسِلَه.
قال: «إنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى، وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ».
رَواه أبو داودَ 1147. وعن عليٍّ، رَضِي اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «بَوْلُ الْغُلَامِ يُنْضَحُ، وَبَوْلُ الْجَارِيَةِ يُغْسَلُ».
قال قَتادَةُ: هذا ما لم يَطْعَما الطَّعامَ، فإذا طَعِما غُسِل بَوْلُهما.
رَواه الإِمامُ أحمدُ 1148. وهذه نُصُوصٌ صحيحةٌ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فاتِّباعُها أوْلَى مِن القِياسِ، وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُقَدَّمٌ على مَن خالفَه.
الجزء: 2 - الصفحة: 311
وَإِذَا تَنَجَّسَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَو الْحِذَاءِ وَجَبَ غَسْلُهُ.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُ دَلْكُهُ بِالْأَرْضِ.
وَعَنْهُ، يُغْسَلُ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَيُدْلَكُ مِنْ غَيرِهِمَا.
فصل: قال أحمدُ: الصَّبِيُّ إذا طَعِم الطعامَ، وأرادَه واشْتَهاه، غُسِل بَوْلُه.
وليس إذا أُطْعِمَ (1)؛ لأنَّه قد يُلْعَقُ العَسَلَ ساعَةَ يُولَدُ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حَنَّكَ بالتَّمْرِ (2). فعلى هذا، ما يُسْقاه الصَّبِيُّ أو يُلْعَقُه للتَّداوي، لا يُعَدُّ طَعامًا يُوْجِبُ الغَسْلَ، وما يَطْعَمُه لغذائِه، وهو يُرِيدُه ويَشْتَهِيه، يُوجِبُ الغَسْلَ.
واللهُ أعلمُ.
203 -
مسألة: (وإذا تَنَجَّسَ أسْفَلُ الخُفِّ أو الحِذاءِ، وَجَب غَسْلُه. وعنه: يُجْزِيءُ دَلْكُه بالأرضِ. وعنه: يُغْسَلُ مِن البَوْلِ والغائِطِ، ويُدْلَكُ مِن غيرِهما)
وجُمْلَتُه، أنَّه إذا تَنَجَّسَ أسْفَلُ الخُفِّ أو11491150 = أبواب الجمعة.
عارضة الأحوذي 3/ 88. وأبو داود، في: باب بول الصبي يصيب الثوب، من كتاب الطهارة.
سنن أبي داود 1/ 90.
الحديث: 203 - الجزء: 2 - الصفحة: 312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحِذاءِ 1151، ففيه ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، يَجِبُ غَسْلُه؛ قِياسًا على الثَّوْبِ والرِّجْلِ وغَيرِهما 1152. وهو قولُ الشافعيِّ ومحمدِ بنِ الحسنِ 1153. والثانية، يُجْزىِءُ دَلْكُه بالأرضِ حتى تَزُولَ عَينُ النَّجاسَةِ، وتُباحُ الصلاةُ فيه.
وهذا قولُ الأوْزاعِيِّ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا وَطِئَ 1154 أحَدُكُمُ الْأَذى بخُفَّيهِ، فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ».
وفي لفظٍ: «إِذَا وَطِئَ أحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الْأَذى، فَإنَّ التُّرابَ لَهُ طَهُورٌ».
وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأى فِي نَعْلَيهِ قَذَرًا أوْ أذًى، فَلْيَمْسَحْهُ، وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا».
روَى هذه الأحادِيثَ أبو
الجزء: 2 - الصفحة: 313
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
داودَ 1155. ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه كانوا يُصَلُّون في نِعالِهم، والظّاهِرُ أنَّ النَّعْلَ لا تَخْلُو مِن نَجاسَةٍ تُصِيبُها، فلو لم يَجُزْ دَلْكُها، لم تَصِحَّ الصلاةُ فيها.
والثالثةُ، يُغْسَلُ مِن البَوْلِ والغائِطِ؛ لفُحْشِهما وتَغْلِيظِ نَجاسَتهما، ويُدْلَكُ مِن غيرِهما؛ لِما ذَكَرْنا.
وهو قَوْلُ إسحاقَ.
والأوْلَى أنَّه يُجْزِئُ فيه الدَّلْكُ مُطْلَقًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ.
فإن قِيل: فقَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في نَعْلَيهَ، وأنَّ 1156 فيهما قَذَرًا 1157. يَدُلُّ على أنَّه لا يُجْزِئُ دَلْكُهما، ولم يَزُلِ القَذَرُ منهما.
قُلْنا: لا دَلالةَ في هذا؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ أنَّه دَلَكَهما، والظّاهِرُ أنَّه لم يَدْلُكْهُما؛ لأنَّه لم يَعْلمْ بالقَذَرِ فيهما، حتى أخْبَرَه جِبرِيُل عليه السلامُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا ثَبَت أنَّه يُجْزِئُ الدَّلْكُ، فهل يُحْكَمُ بطَهارَتِهما، ويُحْكَمُ 1158 بطهارةِ مَحَلِّ الاسْتِجْمارِ بعدَ الإِنْقاءِ واسْتِيفاءِ العَدَدِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُحْكَمُ بطَهارَتِه.
اخْتارَه ابنُ حامدٍ؛ لظاهِرِ الأخْبارِ التي ذَكَرْناها، وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قال في المُسْتَجْمِرِ يَعْرَقُ في سَراويِله: لا بَأْسَ به؛ لأنَّ قَوْلَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الرَّوْثِ والرِّمَّةِ: «إنَّهُمَا لا يُطَهِّرَانِ» 1159. مَفْهُومُه أنَّ غيرَهما يُطَهِّرُ، ولأنَّه مَعْنًى يُزِيلُ حُكْمَ النَّجاسَةِ، فطَهَّرَها كالماءِ.
وقال أصحابُنا المُتَأخِّرُون: لا يَطْهُرُ المَحَلُّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلو قَعَد المُسْتَجْمِرُ في ماءٍ يَسيرٍ نَجَّسَه، ولو عَرِق كان عَرَقُه نَجِسًا؛ لأنَّ المَسْحَ لا يُزِيلُ أجْزاءَ النَّجاسَةِ كلَّها، فالباقي منها نَجِسٌ، لأنَّه عَيْنُ النَّجاسَةِ، فأشْبَهَ ما لو وُجِد في المَحَلِّ وَحْدَه.
وقال القاضي في الخُفَّين: إنَّما يُجْزِئُ دَلْكُهما بعدَ جَفافِ نَجاسَتِهما؛ لأنَّه لا يَبْقَى لها أثَرٌ، ولا يُجْزِئُ قبلَ الجَفافِ.
وبه قال أبو حنيفةَ في الرَّوْثِ، والعَذِرَةِ، والدَّمِ، والمَنِيِّ.
وقال في البَوْلِ: لا يُجْزِئُه حتى يُغْسَلَ وإن يَبِس؛ لأنَّ رُطُوبَةَ النَّجاسَةِ باقِيَةٌ، فلَا يُعْفَى عنها.
وظاهِرُ الأخْبارِ لا فَرْقَ 1160 بينَ رَطْبٍ ولا جافٍّ، ولأنَّه مَحَلٌّ اجْتُزِئَ فيه بالمَسْحِ؛ فجاز 1161 مع رُطُوبَةِ الممسُوحِ، كمَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ، ولأنَّ رُطُوبَةَ المَحَلِّ مَعْفُوٌّ عَنها إذا جَفَّتْ قبلَ الدَّلْكِ، فعُفِيَ عنها إذا جَفَّتْ به، كالاسْتِجْمارِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 316
وَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَاتِ إلا الدَّمَ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ؛ مِنَ الْقَيحِ، وَالصَّدِيدِ، وَأَثَرَ الاسْتِنْجَاءِ.
204 - مسألة؛ قال: (ولا يُعْفَى عن يَسِيرِ شيءٍ مِن النَّجاساتِ، إلَّا الدَّمَ، وما تَوَلَّد منه مِن القَيحِ والصَّدِيدِ، وأثَرَ الاسْتِنْجاءِ)
أراد أثَرَ الاسْتِجْمارِ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في العَفْو عنه بعدَ الإِنْقاءِ واسْتِيفاءِ العَدَدِ، وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في طَهارتِه.
فصل: فأمّا الدَّمُ والقَيحُ، فأكْثَرُ أهلِ العلمِ يَرَوْن العَفْوَ عن يَسِيرِه، ومِمَّن رُوِيَ عنه ذلك ابنُ عباسٍ، وأبو هُرَيرَةَ، وجابرٌ، وابنُ أبي أوْفَى، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وابنُ جُبَيرٍ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، وعُرْوَةُ، والنَّخَعِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يَنْصَرِفُ مِن قَلِيلِه وكَثِيرِه.
ونَحْوُه عن الحسنِ، وسُلَيمانَ التَّيمِيِّ 1162؛ لأنَّه نَجِسٌ، أشْبَهَ البَوْلَ.
ولَنا، ما رُوِيَ عن عائشةَ، قالت: قد يكُونُ
الحديث: 204 - الجزء: 2 - الصفحة: 317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لإِحْدانا الدِّرْعُ، فيه تَحِيضُ، وفيه تُصِيبُها الجَنابَةُ، ثم تَرَى فيه قَطرةً مِن دَمٍ فتَقْصَعُه 1163 برِيقِها.
وفي رِوايَةٍ: بَلَّتْه برِيقِها، ثم قَصَعَتْه بظُفْرِها.
رَواه أبو داودَ 1164. وهذا يَدُلُّ على العَفْو عنه؛ لأنَّ الرِّيقَ لا يُطَهِّرُه، ويَتَنَجَّسُ به ظُفْرُها، وهو إخْبارٌ عن دَوامِ الفِعْلِ، ومِثْلُ هذا لا يَخْفَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يَصْدُرُ إلَّا عن أمْرِه، ولأنَّه قَوْلُ مَن سَمَّينا مِن الصَّحابَةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ.
وما رُويَ عن ابنِ عُمَرَ فقد رُويَ عنه خِلافُه، فرَوَى عنه الأثْرَمُ بإسْنادِه، أنَّه كان يَسْجُدُ فيُخْرجُ يَدَيه، فيَضَعُهما بالأرضِ وهما يَقْطرُان دَمًا مِن شُقاقٍ 1165 كان في يَدَيه، وعَصَر بَثْرَةً فخَرَجَ منها دَمٌ، فمَسَحَه بيَدِه، وصَلَّى ولم يَتَوَضَّأْ.
وانْصِرافُه عنه في بَعْضِ الحالاتِ لا يُنافِي ما رَوَيناه عنه، فقد يَتَوَرَّعُ الإِنسانُ عن بعضِ ما يَرَى جَوازَه، ولأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه فعُفِيَ عنه، كأثَرِ الاسْتِجْمارِ.
وحَدُّ اليَسِيرِ المَعْفُوِّ عنه، هو الذي لا يَنْقُضُ الطهارةَ، وقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيه في نَواقِضِ الوُضُوءِ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 318
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والقَيحُ والصَّدِيدُ مِثْلُه، إلا أنَّ أحمدَ قال: هو أسْهَلُ مِن الدَّمِ؛ لأنَّه رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ والحسنِ أنَّهما لم يَرَياه كالدَّمِ.
قال أبو مِجْلَزٍ، في الصَّدِيدِ: إنَّما ذَكَر الله الدَّمَ المَسْفُوحَ.
وقال أُمَيُّ بنُ رَبيِعَةَ 1166: رَأيتُ طاوُسًا كأنَّ إزارَه نِطْعٌ 1167 مِن قُرُوحٍ كانت برِجْلَيه.
ونَحْوُه عن مُجاهِدٍ.
وقال إبراهيمُ، في الذي يَكُونُ به الحُبُونُ 1168: يُصَلِّي، ولا يَغْسِلُه، فإذا بَرَأ غَسَلَه.
ونَحْوُه قَوْلُ عُرْوَةَ.
فعلى هذا يُعْفَى منه عن أكْثَرَ مِمّا يُعْفَى عن مِثْلِه مِن الدَّمِ؛ لأنَّ هذا لا نَصَّ فيه، وإنَّما ثَبَتَتْ نَجاسَتُه لاسْتِحالتِه مِن الدَّمَ.
الجزء: 2 - الصفحة: 319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الدَّمِ مُجْتَمِعًا أو مُتَفَرِّقًا فإذا 1169 جُمِع بَلَغ هذا القَدْرَ.
ولو كانتِ النَّجاسَةُ في شيءٍ صَفِيقٍ 1170 قد نَفَذَتْ منه 1171 مِن الجانِبَينِ، فاتَّصَلَتْ، فهي نَجاسَةٌ واحِدَةٌ، وإن لم تَتَّصِلْ، بل كان بينَهما شيءٌ لم يُصِبْه الدَّمُ فهما نَجاسَتان، إذا بَلَغَا لو جُمِعا قَدْرًا لا يُعْفَى عنه، لم يُعْفَ عنهما 1172، كجانِبَيِ الثَّوْبِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ودَمُ الحَيضِ في العَفْو عنه كغيرِه؛ لحديثِ عائشةَ الذي ذَكَرْناه، وكذلك سائِرُ فِي دِماءِ الحَيَواناتِ الطّاهِراتِ.
فأمّا دَمُ الكلبِ والخِنْزِيرِ، وما تَوَلَّدَ منهما، أو مِنِ أَحَدِهما، فلا يُعْفَى عن يَسِيرِه؛ لأنَّ رُطُوباتِه الطّاهِرَةَ مِن غيرِه، لا يُعْفى عن يَسِيرِها، فدَمُه أوْلَى.
فأمّا دَمُ البَغْلِ، والحِمارِ، وسِباعِ البَهائِمِ، والطَّيرِ، إن قُلْنا بطَهارَتِها، عُفِي عن يَسِيرِ دِمائِها، كسائِرِ الحيواناتِ الطّاهِراتِ، وإن قُلْنا بنَجاسَتِها، وقُلْنا: لا يُعْفَى عن يَسِيرِ شيءٍ مِن رُطُوباتِها، كالرِّيقِ، والعَرَقِ.
فأَوْلَى أن لا يُعْفَى عن دَمِها، كدَمِ الكلبِ والخِنْزِيرِ.
ولأنَّ دَمَها لابُدَّ أن يُصِيبَ جِسْمَها، فلم يُعْفَ عنه، كالماءِ، وهكذا حُكْمُ كلِّ دَم أصاب نَجاسَةً غيرَ مَعْفُوٍّ عنها، لم يُعْفَ عن شيءٍ منه؛ لذلك 1173. وإن قُلْنا: يُعْفَى عن يَسِيرِ رِيقِها، وعَرَقِها.
احْتَمَلَ أن يُعْفَى عن يَسِيرِ دَمِها، قِياسًا عليه.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 321
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ودَمُ ما لا نَفْسَ له سائِلَةً؛ كالبَقِّ، والبَراغِيثِ، والذُّبابِ، ونَحْوه، طاهِرٌ في ظاهِرِ المذهبِ.
ومِمَّن رَخَّصَ في دَمِ البَراغِيثِ؛ عَطاءٌ، وطاوُسٌ، والحسنُ، والشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ؛ لأنَّه لو كان نَجِسًا لنَجَّسَ الماءَ اليَسِيرَ إذا مات فيه، فإنَّه إذا مَكَث في الماءِ، لا يَسْلَمُ مِن خُرُوجِ فَضْلَةٍ منه، ولأنَّه ليس بدَمٍ مَسْفُوحٍ، وإنَّما حَرَّمَ اللهُ سبحانه الدَّمَ المَسْفُوحَ.
ورُوي عن أحمدَ، أنَّه قال في دَمِ البَراغِيثِ: إنِّي لأفْزَعُ منه إذا كَثُر.
وقال النَّخَعِيُّ: اغْسِلْ ما اسْتَطَعْتَ.
وقال مالكٌ، في دَمِ البَراغِيثِ: إذا كَثُر وانْتَشَرَ، فإنِّي أرَى أن يُغْسَلَ.
والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقولُ أحمدَ ليس فيه تَصْرِيحٌ بنَجاسَتِه، بل هو دلِيلُ التَّوَقُّفِ، ولأنَّ المَنْسُوبَ إلى دَمِ البَراغِيثِ إنَّما هو بَوْلُها في الظّاهِرِ، وبَوْلُ هذه الحَشَراتِ ليس بنَجِسٍ.
الجزء: 2 - الصفحة: 322
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا دَمُ السَّمَكِ، فقال أبو الخَطّابِ: هو طاهِرٌ.
وهذا قَوْلُ الحسنِ 1174؛ لأنَّ إباحَتَه لا تَقِفُ على سَفْحِه، ولو كان نَجِسًا، لوَقَفَتِ الإِباحَةُ على إراقَتِه بالذَّبْحِ، كحَيَوانِ البَرِّ، ولأنَّه إذا تُرِك اسْتَحال ماءً.
وقال أبو ثَوْرٍ: هو نَجِسٌ؛ لأنَّه مَسْفُوحٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ الآيةِ.
والعَلَقَةُ نَجِسَةٌ؛ لأنَّها دَمٌ خارِجٌ مِن الفَرْجِ، أشْبَهَ دَمَ الحَيضِ.
وعنه، أنَّها طاهِرَةٌ؛ لأنَّه بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، أشْبَهَتِ المَنِيَّ.
قال شَيخُنا 1175: والصَّحِيحُ نَجاسَتُها؛ لأنَّها دَمٌ، أشْبَهَتْ سائِرَ الدِّماءِ، ولأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ فيها بطَهارَةٍ، فتَدْخُلُ في عُمُومِ النَّصِّ.
وما يَبْقَى في اللَّحْمِ مِن الدَّمِ مَعْفُوٌ عنه، ولو عَلَتْ 1176 حُمْرَةُ الدَّمِ في القِدْرِ، لم يَكُنْ نَجِسًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه.
وإذا أصابَ الأجْسامَ الصَّقِيلَةَ، كالسَّيفِ والمِرْآةِ، نَجاسَةٌ يُعْفَى عن يَسِيرِها، كالدَّمِ، عُفِى عن كَثِيرِها بالمَسْحِ؛ لأنَّ الباقِي بعدَ المَسْحِ يَسِيرٌ.
وإن كَثُر مَحَلُّه؛ يُعْفَى 1177 عنه، كيَسِيرِ غيرِه.
الجزء: 2 - الصفحة: 323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فصل: وإنَّما يُعْفَى عن يَسِيرِ الدَّمِ في غيرِ المائِعاتِ، فلو وَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِن دَمٍ في مائِعٍ يَسِيرٍ تَنَجَّسَ، وصار حُكْمُه حُكْمَ الدَّمِ في العَفْو عن يَسِيرِه؛ لأنَّه فَرْعٌ عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 324
وَعَنْهُ، فِي الْمَذْي، وَالْقَىْءِ، وَرِيقِ الْبَغْلِ، وَالْحِمَارِ، وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ، وَالطَّيرِ، وَعَرَقِهَا، وَبَوْلِ الْخُفَّاشِ، وَالنَّبِيذِ، وَالْمَنِيِّ، أَنَّهُ كَالدَّمِ.
وَعَنْهُ، فِي الْمَذْي، أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ النَّضْحُ.
205 - مسألة: (وعنه، في المَذْي، والقَىْءِ، ورِيقِ البَغْلِ، والحِمارِ، وسِباعِ البَهائِمِ، والطَّيرِ، وعَرَقِها، وبَوْلِ الخُفّاشِ، والنَّبِيذِ، والمَنِيِّ؛ أنَّه كالدَّمِ.
وعنه، في المَذْي؛ أنَّه يُجْزِئُ فيه النَّضْحُ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رحَمِه اللهُ، في ذلك، فرُوِي عنه في المَذْي، أنَّه قال:
الحديث: 205 - الجزء: 2 - الصفحة: 326
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُغْسَلُ ما أصابَ الثَّوْبَ منه، إلَّا أن يكُونَ يَسِيرًا.
وروَى الخَلّالُ بإسْنادِه، قال: سُئِل سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةُ بنُ الزُّبَيرِ، وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحْمنِ، وسُلَيمانُ بنُ يَسارٍ عن المَذْي، فكلُّهم قال: إنَّه بمَنْزِلَةِ القُرْحَةِ؛ فما عَلِمْتَ منه فاغْسِلْه، وما غَلَبَك 1178 منه فدَعْه.
ولأنَّه 1179 يَخْرُجُ مِن [الشّبابَ كَثِيرًا] 1180 فيَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، فعُفِيَ عن يَسِيرِه كالدَّمِ.
وعن أحمدَ، أنَّه كالمَنِيِّ؛ لأنَّه خارِجٌ بسَبَبِ الشَّهْوَةِ، أشْبَهَ المَنِيَّ.
وعنه، أنَّه يُجْزىِءُ فيه النَّضْحُ؛ لأنَّ في حديثِ سَهْلِ بنِ حُنَيفٍ، قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، فكَيفَ بما أصابَ ثَوْبِي منه؟ قال: «إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ، فتَنْضَحَ بِهِ حَيثُ تَرَى أَنَّهُ أَصابَ مِنْهُ» 1181. قال التِّرمِذِيُّ: حديثٌ صحيحٌ.
والرِّوايَةُ الأُخْرَى، يَجِبُ غَسْلُه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر بغَسْلِ الذَّكَرِ منه 1182. ولأنَّه نَجاسَةٌ خارِجَةٌ مِن الذَّكَر، أشْبَهَ البَوْلَ.
يُرْوَى ذلك عن عُمَرَ، وابنِ عباسٍ.
وهو مذهَبُ
الجزء: 2 - الصفحة: 327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشافعيِّ، وإسحاقَ، وكثيرٍ مِن أهلِ العلمِ.
وكذلك المَنِيُّ إذا قُلْنا بنَجاسَتِه؛ لِما ذَكَرْنا في المَذْي.
فأمّا الوَدْيُ، فهو نَجِسٌ لا يُعْفَى عنه في الصحيح؛ لأنَّه خارِجٌ مِن مَخْرَجِ 1183 البَوْلِ، فهو كالبولِ.
وعن أحمدَ أنَّه كالمَذْي.
وأمّا القَيْءُ، فرُوىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: هو عندِي بمَنْزِلَةِ الدَّمِ، لَأنَّه خارِجٌ نَجِسٌ مِن غيرِ السَّبيلِ، أشْبَهَ الدَّمَ.
ورُوي عن أحمدَ في رِيقِ البَغْلِ والحِمارِ، وعَرَقِهما، أنَّه يُعْفَى عنه إذا كان يَسِيرًا، وهو الظّاهِرُ عن أحمدَ.
قال الخَلّالُ: وعليه مذهبُ أبي عبدِ اللهِ، لأنَّه
الجزء: 2 - الصفحة: 328
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَشُق التَّحَرُّزُ منه.
قال أحمدُ: مَن يَسْلَمُ مِن هذا مِمَّن يَرْكَبُ الحَمِيرَ؟ إلَّا أنِّي أرْجُو أن يكُونَ ما خَفَّ 1184 منه أسْهَلَ.
قال القاضي: وكذلك ما كان في مَعْناهما مِن سِباعِ البَهائِمِ، سوى الكلبِ والخِنْزِيرِ.
وكذلك الحُكْمُ في أرْواثِها.
وكذلك الحُكْمُ في سِباعِ الطَّيرِ؛ لأنَّها في مَعْنَى سِباعِ البَهائِمِ، وبَوْلِ الخُفّاشِ.
قال الشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، وحَبِيبُ بنُ أبي ثابِتٍ 1185: [لا بَأسَ ببَوْلِ الخُفّاشِ] 1186، والخُطّافِ؛ لأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، فإنَّه في المَساجِدِ كَثِيرٌ، فلو لم يُعْفَ عن يَسِيرِه، لم يُقَرَّ في المَساجِدِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكذلك النَّبيذُ، لوُقُوعِ الخِلافِ في نَجاسَتِه.
وكذلك بَوْلُ ما يُؤْكَلُ لَحْمُه، إذا قُلْنا بنَجاسَتِه؛ لأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، لكَثْرَتِه.
وعن أحمدَ، لا يُعْفَى عن يَسِيرِ شيءٍ مِن ذلك؛ لأنَّ الأصْلَ أن لا يُعْفَى عن شيءٍ مِن النَّجاسَةِ، خُولِفَ في الدَّمَ وما تَوَلَّدَ منه، فيَبْقَى ما عَداه على الأصْلِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يُعْفَى عن يَسِيرِ شيءٍ مِن النَّجاساتِ غيرَ ما ذَكَرْنا، ومِمَّن قال: لا يُعْفَى عن يَسِيرِ البَوْلِ.
مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو
الجزء: 2 - الصفحة: 331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حنيفةَ: يعْفَى عن يَسِيرِ جَمِيعِ النَّجاساتِ؛ لأنَّها يُكْتَفَى فيها بالمَسْحِ في مَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ، فلوْ لم يُعْف عن يَسِيرِها، لم يَكْفِ فيها المَسْحُ، ولأنَّه
الجزء: 2 - الصفحة: 332
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَشُقُّ التَّحَرُّز منه، أشْبَهَ الدَّمَ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ 1187. وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلِ، فَإنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» 1188. ولأنَّها نَجاسَةٌ لا تَشُقُّ إزالتُها، فوَجَبَتْ كالكَثِيرِ، وأمّا
الجزء: 2 - الصفحة: 333
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الدَّمُ فإنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، فإنَّ الإِنْسانَ لا يكادُ يَخْلُو مِن بَثْرَةٍ، أو حَكَّةٍ، أو دُمَّلٍ، ويَخْرُجُ مِن أنْفِه وغيرِه، فيَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِن يَسِيرِه أكْثَرَ مِن كَثِيرِه، ولهذا فُرِّقَ في الوُضُوءِ بينَ قَلِيلِه وكَثِيرِه.
الجزء: 2 - الصفحة: 334
وَلَا يَنْجُسُ الآدمي بالْمَوْتِ، وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً؛ كَالذُّبَاب وَغَيرِه
206 - مسألة: (ولا يَنْجُسُ الآدمي بالمَوْتِ، ولا ما لا نَفْسَ له سائِلَةً، كالذُّبابِ وغيرِه)
ظاهِرُ المذهبِ أنَّ الآدَمِيّ طاهِرٌ حَيًّا ومَيتًا؛ لقَوْلِ النبيِّ - صَلَّى الله عليه وسلم -: «الْمُؤمِنُ لَا يَنْجُسُ».
مُتَّفَقٌ عليه 1189. وعن أحمدَ، أنه سُئِل عن بِئْرٍ وَقَع فيها إنْسان، فماتَ، فقال: تُنْزَحُ حتَّى تَغْلِبَهمْ.
وهو مذهبُ أبي حنيفةَ، قال: ينجس، ويَطْهُرُ بالغَسْلِ؛ لأنَّه حَيَوانٌ له نَفسٌ سائِلَة، فنَجُس بالمَوْتِ، كسائِرِ الحيواناتِ.
وللشافعي قَوْلان، كالرِّوايَتَين.
والصحيحُ الأوَّلُ؛ للخَبَرِ، ولأنَّه آدَمِيٌّ، فلم يَنْجُسْ بالمَوْتِ، كالشَّهِيدِ، ولأنَّه لو نَجُسَ بالمَوتِ، لم يَطْهُرْ بالغَسْلِ، كالحيواناتِ التي تَنْجُسُ بالموتِ.
الحديث: 206 - الجزء: 2 - الصفحة: 338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولم يُفَرِّقْ أصحابُنا بينَ المسلمِ والكافرِ؛ لاسْتِوائِهما في حالِ الحياةِ، قال شيخُنا 1190: ويَحْتَمِلُ أن يَنْجُسَ الكافِرُ بموتِه؛ لأنَّ الخَبَرَ إنَّما وَرَد في المسلم، ولا يُقاسُ الكافرُ عليه؛ لأنَّه لا يُصَلَّى عليه، ولا حُرْمَةَ له كالمسلمَ.
فصل: وحُكْمُ أجزاءِ الآدَمِي وأُبعاضِه حُكْمُ جُمْلَتِه، سَواء انْفَصَلَتْ في حَياتِه أو بعدَ مَوْتِه؛ لأنَّها أجْزاءٌ مِن جُمْلَةٍ 1191، فكانَ حُكْمُها [كحُكْمِها، كسائِرِ] 1192 الحيواناتِ الطّاهِرَةِ والنَّجِسَةِ.
وذَكَر القاضي أنها نَجِسَة، رِوايَةً واحِدةً؛ لأنَّه لا حُرمَةَ لها، بدَلِيلِ أنها لا يُصَلَّى عليها.
وما ذكره مَمْنُوع؛ لأنَّ 1193 لها حُرْمَة؛ فإن كَسْرَ عَظْمِ المَيِّتِ ككَسْرِه وهو حَيٌّ، ولأنَّه يُصَلَّى عليها إذا وُجِدَتْ مِن المَيِّتِ، ثم يَبْطُلُ بشَهِيدِ المَعْرَكَةِ، فإنَّه لا يُصَلَّى عليه، وهو طاهِرٌ.
الجزء: 2 - الصفحة: 339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وما لا نَفْسَ له سائِلَةً، لا يَنْجُسُ بالمَوتِ، والمُرادُ بالنَّفْسِ الدَّمُ، فإن العَرَبَ تُسَمِّي الدَّمَ نَفْسًا، قال الشاعر 1194:
نُبِّئْتُ أنَّ بني سُحَيم أدْخَلُوا … أبياتَهُمْ تامُورَ نَفْس المُنْذِرِ
أي دَمِه 1195. ومِنه قِيل للمرأةِ: نُفَساءُ؛ لسيلانِ دَمِها عندَ الولادَةِ، ويقال: نَفِسَتِ 1196 المرأةُ.
إذا حاضَتْ.
فكلُّ ما ليس له دَمٌ سائِلٌ مِن حَيَوانِ البَرِّ والبَحْرِ، مِن العَلَقِ، والدِّيدانِ، والسَّرَطانِ، ونَحْوها، لا
الجزء: 2 - الصفحة: 340
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَنْجُسُ بالمَوْتِ، ولا يُنَجِّسُ الماءَ إذا ماتَ فيه، في قَوْلِ عامَّةِ العلماءِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ في ذلك خِلافًا، إلَّا ما كان مِن أحدِ قَوْلَي الشافعيِّ، فإن عندَه في تَنْجِيسِ الماءِ إذا ماتَ فيه قَوْلَين.
فأمّا الحَيَوانُ في نَفسِه، فهو عندَه نَجِسٌ، قولًا واحِدًا؛ لأنَّه حيوانٌ لا يُؤكَلُ، لا لحُرْمَتِه، فنَجُس بالمَوْتِ، كالبَغْلِ والحِمارِ.
ولَنا، قَوْلُ النبيِّ - صَلَّى الله عليه وسلم -: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أحَدِكُمْ، فَلْيَمْقُلْهُ، فَإِنَّ فِي أحَدِ جَنَاحَيهِ دَاءً، وَفِي الآخَرِ شِفَاءً».
رَواه البُخارِيُّ.
وفي لَفْظٍ: «فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لْيَطرحْهُ» 1197.
وقال الشافعي: مَقْلُه ليس بقَتْلِه 1198. قُلْنا: اللَّفْظُ عام في كل شَرابٍ بارِدٍ، أو حار، أو دُهْن، مِمّا يَمُوتُ بغَمْسِه فيه، فلو كان يُنَجِّسُ الشَّرابَ كان أمْرًا بإفْسادِه، وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لسَلْمانَ: «يَا سَلْمَانُ،
الجزء: 2 - الصفحة: 341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أيُّمَا طَعَام أَوْ شَرَابٍ مَاتَتْ فيهِ دَابَّةٌ، لَيسَ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَة، فَهُوَ الْحَلَالُ؛ أكْلُهُ، وشُرْبُه، وَوُضُوءُهُ» 1199. وهذا صَرِيحٌ.
أخْرَجَه الدّارقُطْنِي 1200. قال الترمِذِيُّ: يَرْويه بَقِيَّةُ 1201، وهو يُدَلِّسُ، فإذا روَى عن الثِّقاتِ جَوَّدَ.
ولأنَّه لا نَفْس له سائِلَةً، أشْبَهَ دُودَ الخَلِّ إذا مات فيه، فإنَّهم سَلَّمُوا أنَّ ذلك لا يُنَجِّسُ إلَّا أن يُؤخَذَ ويُطرحَ فيه، أو يَشُقَّ الاحْتِرازُ منه، أشْبَهَ ما ذَكَرْنا، وإذا ثَبَت أنه لا يُنَجِّسُ الماءَ، لَزِمَ أن لا يكُونَ نَجِسًا، وإلَّا لنَجَّسَ الماءَ كسائِرِ النَّجاساتِ.
فصل: فأمّا إن كان مُتَوَلِّدًا مِن النَّجاساتِ كدُودِ الحُشِّ 1202، وصَراصِرِه، فهو نَجِسٌ حيًّا ومَيتًا.
[إلَّا إذا قُلْنا: إنَّ النَّجاسَةَ تَطْهُرُ بالاسْتِحالةِ] 1203؛ لأنَّه مُتَوَلِّدٌ مِن النَّجاسَةِ، فكان نَجِسًا، كالمُتَوَلِّدِ مِن الكلبِ والخِنْزِيرِ.
قال المَرُّوذِيُّ: قال أحمدُ: صَراصِرُ الكَنِيفِ والبالُوعَةِ إذا وَقَعِ في الإِناءِ صُبَّ، وصَراصِرُ البِئْرِ ليس هي بقَذِرَةٍ؛ لأنَّها لا تَأكلُ العَذِرَة.
الجزء: 2 - الصفحة: 342
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وما له نَفْسٌ سائِلَةٌ مِن الحَيَوانِ غيرَ الآدَمِيِّ، يَنْقَسِمُ قِسْمَين؛ أحَدُهما، [ما مَيتَتُه] 1204. طاهِرَةٌ، وهو السَّمَكُ وسائِرُ حيوانِ البَحْرِ الذي لا يَعِيشُ إلَّا في الماءِ، فهو طاهِرٌ حَيًّا ومَيِّتًا، لأنَّه لو كان نَجِسًا لم يُبَح أكلُه.
القِسْمُ الثاني، ما لا تُباحُ مَيتَتُه غيرَ الآدَمِيِّ؛ كحَيَوانِ البَرِّ المَأكُولِ، وغيرِه، وحيوانِ البَحْرِ الذي يَعِيشُ في البَرِّ، كالضُّفْدَعِ، والحَيَّةِ، والتِّمْساحِ، ونَحْوه، فكلُّ ذلك يَنْجُسُ بالمَوْتِ، ويُنَجِّسُ الماءَ القَلِيلَ إذا مات فيه، والكَثِيرَ إذا غَيَّرَه.
وهذا قَوْلُ ابنِ المُبارَكِ، والشافعيِّ، وأبي يوسفَ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، في الضُّفْدَعِ: لا تُفْسِدُ الماءَ إذا ماتَتْ فيه؛ لأنَّها تَعِيشُ في الماءِ، أشْبَهَتِ السَّمَكَ.
ولَنا، أنَّها تُنَجِّسُ غيرَ الماءِ، فنَجَّسَتِ الماءَ، كحَيَوانِ البَرِّ، ولأنَّه حيوانٌ له نَفْسٌ سائِلَةٌ لا تُباحُ مَيتَتُه 1205، أشْبَهَ طَيرَ الماءِ، وبهذا فارَقَ السَّمَكَ.
الجزء: 2 - الصفحة: 343
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وفي الوَزَغِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَنْجُسُ بالمَوْتِ؛ لأنَّه لا نَفْسَ له سائِلَةً، أشْبَهَ العَقْرَبَ.
والثاني، أنَّه نَجِسٌ؛ لأنَّ عَلِيًّا، رَضِي الله عنه، كان يقولُ: إن ماتَتِ الوَزَغَةُ أو الفَأْرَةُ في الحُبِّ 1206 يُصَبُّ ما فيه، وإن ماتَتْ في بِئْرٍ فانْتَزِحْها 1207 حتَّى تَغْلِبَكَ.
فصل: [وإذا ماتَ الحَيَوانُ في ماءٍ لا نَعْلَمُ] 1208، هل يَنْجُسُ بالمَوْت أم لا؟ فالماءُ طاهِرٌ، لأنَّ الأصْلَ طَهارَتُه، والنَّجاسَةُ مَشْكُوكٌ فيها.
وكذلك إن شَرِب مِنه حَيَوانٌ يُشَكُّ في نَجاسَةِ سُؤرِه وطَهارَتِه، لِما ذَكَرْنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 344
وَبَوْلُ مَا يُؤكَلُ لَحْمُهُ، وَرَوْثُهُ، وَمَنِيُّهُ طَاهِرٌ.
وَعَنْهُ، إنَّهُ نَجِسٌ.
207 - مسألة: (وبَوْلُ ما يُؤكَلُ لَحْمُه، ورَوْثُه، ومَنِيُّه طاهِرٌ. وعنه، أنَّه نَجسٌ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في بَوْلِ ما يُؤكَلُ لَحْمُه، ورَوْثِه، فرُوِي عن أحمدَ، أَنَّه طاهِرٌ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، ومالكٍ.
ورَخَّصَ في أبوال الغَنَمِ الزُّهْرِيُّ، ويَحْيى الأنْصارِيُّ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمٍ على إباحَةِ الصلاةِ في مَرابِض الغَنَمِ، إلَّا الشافعيِّ، فإنَّه اشْتَرَطَ أن تكُون سَلِيمَةً مِن أبعارِها وأبوالِها.
ورَخَّص في ذرْقِ 1209 الطّائِرِ الحَكَمُ، وحَمّادٌ، وأبو حنيفةَ.
وعن أحمدَ، أنَّ ذلك نَجِسٌ.
وهو قَوْل الشافعيِّ،
الحديث: 207 - الجزء: 2 - الصفحة: 345
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأبي ثَوْرٍ.
ونَحْوُه عن الحسنِ؛ لعُمُومِ قَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلَ» 1210. ولأنَّه رَجِيعٌ، فأشْبَهَ رَجِيعَ الآدَمِيِّ.
ولَنا؛ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر العُرَنِيِّينَ أن يَشربُوا مِن أبْوالِ الإِبِلِ 1211. والنَّجِسُ لا يُباحُ شُرْبُه، ولو
الجزء: 2 - الصفحة: 346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أُبِيحَ للضَّرورَة لأمَرَهم بغَسْلِ أثَرِه إذا أرادُوا الصلاةَ.
وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي في مَرابِضِ الغَنَمِ، وأمَرَ بالصلاةِ فيها.
مُتَّفَقٌ عليه 1212. وصَلَّى أبو موسى في مَوْضِعٍ فيه أبعارُ الغَنَمِ، فقِيلَ له: لو تَقَدَّمْتَ إلى ههُنا؟ فقال: هذا وذاك واحِدٌ.
ولم يكن للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه ما يُصَلُّون عليه مِن الأوْطِئَةِ والمُصَلَّياتِ، وإنَّما كانوا يُصَلُّون على الأرضِ.
ومَرابِضُ الغَنَمِ لا تَخْلُو مِن أبعارِها وأبوالها، فدَلَّ على أنَّهم كانوا يُباشِرُونها في صَلاتِهم، ولأنَّه لو كان نَجِسًا لتَنَجَّسَتِ الحُبُوبُ التي تَدُوسُها البَقَرُ، فإنَّها لا تَسْلَمُ مِن أبوالِها، فيَتَنَجَّسُ بَعْضُها، فيَخْتَلِطُ النَّجسُ بالطّاهِرِ، فيَصِيرُ حُكْمُ الجَمِيع حُكْمَ النَّجِسِ.
وحُكْمُ قَيئِه ومَنِيِّهَ حُكْمُ بَوْلِه، لأنَّه في مَعْناه.
الجزء: 2 - الصفحة: 347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: في الخارِجِ مِن الحَيَوانِ الذي لا يُؤكَلُ لَحْمُه، وهو أرْبعةُ أقْسامٍ؛ أحَدُها، الآدَمِيُّ، فالخارِجُ منه ثلاثةُ أنواعٍ، أحدُها، رِيقُه وعَرَقُه ودَمْعُه ومُخاطُه ونُخامَتُه، فهو طاهِرٌ، لأنَّه جاءَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في يَوْمِ الحُدَيبِيَةِ، أنَّه ما تَنَخَّمَ نُخامَةً إلَّا وَقَعَتْ في كَفِّ رجلٍ منهم، فدَلَكَ بها وَجْهَه.
رَواه البُخارِيُّ 1213. وفي حديثِ أبي هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأى نُخامَةً في قِبْلَةِ المسجدِ، فأقْبَلَ على النّاس، فقال: «مَا بَالُ أحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ، فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ، أَيُحِبُّ أَنْ يُسْتَقبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإذَا تَنَخَّعَ أحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ، أوْ تَحْتَ قَدَمِه، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا».
ووَصَف القاسِمُ، فتَفَلَ في ثَوْبِه، ثم مَسَح بَعْضَه ببَعْضٍ.
رَواه مسلمٌ 1214. ولو كانت نَجِسَةً لَما أمَرَ بمَسْحِها في ثَوْبه وهو في الصلاةِ، ولا تحتَ قَدَمِه.
وسَواءٌ في ذلك البَلْغَمُ الخارِجُ مِن الرَّأسِ والصَّدْرِ.
ذَكَره القاضي.
وهو مذهبُ أبي حنيفةَ.
وقال أبو الخَطّابِ: البَلْغَمُ نَجسٌ، لأنَّه اسْتَحال في المَعِدَةِ، أشْبَهَ القَيءَ.
ولَنا، عُمُومُ الخَبَرَين، ولأنَّه أحَدُ نَوْعَي النُّخامَةِ، أشْبَهَ الآخَرَ، ولأنَّه لو كان نَجِسًا، لنَجَّسَ الفَمَ ونَقَضَ الوُضُوءَ، ولم يُنْقَلْ عن الصَّحابَةِ،
الجزء: 2 - الصفحة: 348
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَضِي اللهُ عنهم، فيما عَلِمْنا، شيءٌ مِن ذلك، مع عُمُومِ البَلْوَى به.
وقَوْلُهم: إنَّه طعامٌ اسْتَحال في المَعِدَةِ.
مَمْنُوعٌ، إنَّما هو مُنْعَقِدٌ مِن الأبخِرَةِ، فهو كالمُخاطِ.
ولأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنه، أشْبَهَ المُخاطَ.
النَّوْعُ الثاني، قَيؤُه ودَمُه، و 1215 ما تَوَلَّدَ منه مِن القَيحِ والصَّدِيدِ، فهو نَجِسٌ، وقد ذَكَرْنا حُكْمَه فيما مَضَى.
النَّوْعُ الثالث، الخارِجُ مِن السَّبِيلَين؛ مِن البَوْلِ، والغائِطِ، والمَذْي، والوَدْي، والدَّمِ، وغيرِه، فلا نَعْلَمُ في نَجاسَتِه خِلافًا، إلَّا ما ذَكَرْنا في المَذْي 1216، وسيَأتِي حُكْمُ المَنِي، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: القِسْمُ الثاني، البَغْلُ والحِمارُ، وسِباعُ البَهائِم، والطَّيرِ؛ فإن قُلْنا بطَهارَتِها، فحُكْمُها حُكْمُ الآدَمِيِّ، على ما بَيَّنّا، إلَّا في مَنِيِّها، فإن حُكْمَه حُكْمُ بَوْلِها.
وإن قُلْنا بنَجاسَتِها، فجَمِيعُ أجْزائِها وفَضَلاتِها نَجسَةٌ، إلَّا السِّنَّوْرَ وما دُونَها في الخِلْقَةِ، وسيَأتِي بَيانُ حُكْمِها، إن شاءَ اللهُ تعالى.
القِسْمُ الثالثُ، الكلبُ والخِنْزِيرُ وما تَوَلَّدَ مِنهما، أو مِن أحَدِهما، فهو نَجِسٌ بجَمِيِع أجْزائِه وفَضَلاتِه، وما يَنْفَصِلُ عنه.
القِسْمُ الرابعُ، ما لا نَفْسَ له سائِلَةً، فهو طاهِرٌ بجَمِيع أجْزائِه وفَضَلاتِه المُتَّصِلَةِ والمُنْفَصِلَةِ، إلَّا أن يكُونَ مُتَوَلِّدًا مِن النَّجاسَةِ، وقد ذكَرْناه.
الجزء: 2 - الصفحة: 349
وَمَنِيُّ الآدَمِيِّ طَاهِرٌ.
وَعَنْهُ، إنَّهُ نَجِسٌ.
وَيُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِهِ.
208 - مسألة: (ومَنِيُّ الآدَمِيِّ طاهِرٌ. وعنه، أنَّه نَجِسٌ، وَيُجْزِئُ فَرْكُ يابِسِه)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في المَنِيِّ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، فرُوِيَ عنه أنَّه طاهِرٌ، وهو ظاهِرُ المذهبِ.
ورُوي عنه، أنَّه كالدَّمِ نَجسٌ، يُعْفَى عن يسِيرِه.
ورُوي عنه، أنَّه كالبَوْلِ، ويُجْزِئُ فَرْكُ يابِسِه بَكلِّ حالٍ؛ لحديثِ عائشةَ، والرِّوايَةُ الأولَى المَشْهُورَةُ في المَذْهَبِ.
وهو قَوْلُ سعدِ بنِ أبي وَقّاصٍ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ.
ونَحْوُه قَوْلُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ.
وهو مذهبُ الشَّافعي، وأبي ثوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال أصْحابُ الرَّأْي: هو نَجِسٌ، ويُجْزِئُ فَرْكُ يابِسِه.
وقال مالكٍ: غَسْلُ الاحْتِلامِ أمْرٌ واجِبٌ.
وهو مذهبُ الثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، أنَّها كانت تَغْسِلُ المَنِيَّ مِن ثَوْبِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - 1217. وهو
الحديث: 208 - الجزء: 2 - الصفحة: 350
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حديثٌ صحيحٌ.
ولأنَّه خارِجٌ مُعْتادٌ مِن السَّبِيلِ، أشْبَهَ البَوْلَ.
ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كُنْتُ أفْرُكُ المَنِيَّ مِن ثَوْبِ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَرْكًا، فيُصَلِّي فيه.
مُتَّفَقٌ عليه 1218. وقال ابنُ عباسٍ: امْسَحْه عنك بإذْخِرَة أو خِرْقَةٍ، ولا تَغْسِلْه، إنَّما هو كالبُزاقِ.
رَواه 1219 الدّارَقُطْنِيّ مَرْفوعًا 1220، [ورَواه الإِمامُ أحمدُ بمَعْناه] 1221. ولأنَّه لا يَجبُ غَسْلُه إذا جَفَّ، فأشْبَهَ المُخاطَ، ولأنَّه بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، أشْبَهَ الطِّينَ.
وبهذا فارَقَ البَوْلَ.
فصل: وإن خَفِيَ مَوْضِعُ المَنِي، فَرَكَ الثَّوْبَ كلَّه، إن قُلْنا بنَجاسَتِه.
وإن قُلنا بطَهارَتِه، اسْتُحِبَّ فرْكُه، وإن صَلَّى مِن غَيرِ فَرْكٍ أجْزأه.
وهو قَوْلُ الشافعيِّ، ومَن قال بالطهارةِ.
وقال ابنُ عباسِ، وعائِشَةُ، وعَطاءٌ: يَنْضَحُ الثَّوْبَ كلَّه.
وقال ابنُ عُمَرَ، وأبو هُرَيرَةَ، والحسنُ: يَغْسِلُه كلَّه.
ولَنا، أنَّ فَرْكَه يُجْزِيء إذا عُلِم مَكانُه، فكذلك إذا خَفِيَ، وأمّا النَّضْحُ فلا يفِيدُ؛ لأنَّه لا يُطَهِّرُه إذا عُلِم مَكانُه، فكذلك إذا خَفِيَ.
قال أحمد: إنَّما يُفْرَك مَنِيُّ الرجلِ خاصَّةً؛ لأنَّ الذي للرجلِ ثخِينٌ، والذي للمرأةِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 351
وَفِي رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأةِ رِوَايَتَانِ.
رَقِيقٌ.
والمعنى في هذا أنَّ الفَرْكَ يُرادُ للتَّخْفِيفِ، والرقيقُ لا يَبْقَى له جِسْمٌ بعدَ جَفافِه، فلا يفيدُ (1) فيه الفَرْكُ.
فعلى هذا، إن قُلْنا بنَجاسَتِه، فلا بُدَّ مِن غَسْلِه رَطْبًا كان أو يابِسًا، كالبَوْلِ.
وإن قُلنا بطَهارَتِه، اسْتُحِبَّ غَسْلُه، كما يُسْتَحَبُّ فَرْكُ مَنِيِّ الرجلِ.
فأمَّا الطهارةُ والنَّجاسَةُ فلا يَفْتَرِقان فيه؛ لأنَّه مَنِيٌّ خارجٌ مِن السَّبِيلِ بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ.
فصل: ومَن أمْنَى وعلي فَرْجِه نَجاسَةٌ، نَجُسَ مَنِيُّه؛ لإِصابَتِه النَّجاسَةَ.
وذَكَر القاضي في المَنِيِّ مِن الجِماعِ أنَّه نَجِسٌ؛ لأنَّه لا يَسْلَمُ مِن المَذْي.
وهذا فاسِدٌ، فإن مَنِيَّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما كان مِن جِماعٍ؛ لأنَّ الأنْبِياءَ لا يَحْتَلِمُون.
وهو الذي وَرَدَتِ الأخْبارُ بفَرْكِه، والطهارةُ لغيرِه فَرْعٌ عليه.
واللهُ أعلمُ.
209 -
مسألة: (وفي رُطُوبَةِ فَرْجَ المرأةِ رِوايَتان)
إحْداهما، نَجاسَتُه؛ لأنَّه بلَلٌ في الفَرْجِ لا يُخْلَقُ منه الوَلَدُ، أشْبَهَ المَذْيَ.
والثانيةُ،1222
الحديث: 209 - الجزء: 2 - الصفحة: 352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طَهارَتُه؛ لأنَّ المَنِيَّ طاهِرٌ؛ لِما بَيَّنّا، وإذا كان مِن جِماعٍ، فلابُدَّ أن يُصِيبَ رُطُوبَةَ الفَرْجِ، ولأنَّنا لو حَكَمْنا بنَجاسَتِه لحَكَمْنا بنَجاسَةِ مَنِيِّها؛ لأنَّه يَتَنَجَّسُ برُطُوبَةِ فَرْجِها؛ لخُرُوجِه منه.
وقال القاضي: ما أصابَ منه في حالِ الجِماعِ، فهو نَجِسٌ؛ لأنَّه لا يَسْلَمُ مِن المَذْي.
وهذا مَمْنُوعٌ؛ فإن الشهْوَةَ إذا اشْتَدَّتْ، خَرَج المَنِيُّ دُونَ المَذْي، كحالةِ الاحتِلامَ.
الجزء: 2 - الصفحة: 353
وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ وَالطَّيرِ، وَالْبَغْلُ وَالْحِمَارُ الأهْلِي نَجسَةٌ.
وَعَنْهُ، أنَّهَا طَاهِرَةٌ.
210 - مسألة: (وسِباعُ البَهائِمِ والطَّيرِ، والبَغْلُ، والحِمارُ الأهْلِيّ، نَجِسَةٌ. وعنه، أنَّها طاهِرَةٌ)
رُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَة اللهُ، في سِباعِ البهائمِ وجَوارِحِ الطَّيرِ، ما خَلا الكَلْبَ، والخِنْزِيرَ، والسِّنَّوْرَ، وما دُونَها في الخِلْقَةِ، رِوايَتان؛ إحْداهُما، أنَّ سُورَها وعَرَقَها نَجِسٌ.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ؛ لِما رُوِيَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه سُئِل عن الماءِ وما يَنُوبُه مِن السِّباعِ؛ فقال: «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَينِ، لَمْ يَنْجُس» 1223. ولو كانت طاهِرَةً لم يُحَدَّ بالقُلَّتَين، ولأنَّه حَيَوانٌ حَرُمَ أكلُه، لا لحُرْمَتِه، يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عنه غالِبًا، أشْبَهَ الكلبَ، ولأنَّ الغالِبَ عليها أكْلُ المَيتاتِ
الحديث: 210 - الجزء: 2 - الصفحة: 354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والنَّجاساتِ، فيَنْبَغِي أن يُقْضَى بنَجاسَتِها، كالكلابِ.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، أنَّها طاهِرَة.
رَواها عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ.
يُرْوَى ذلك عن الحسنِ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، والشافعي، وابنِ المُنْذِرِ؛ لمِا روَى أبو سعيدٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن الحِياضِ التي بينَ مَكَّةَ والمدينةِ، تَرِدُها السِّباعُ والكِلابُ والحُمُرُ، وعن الطهارةِ بها؟ فقال: «لَهَا مَا أخذَتْ في أفْوَاهِهَا، وَلَنا مَا غَبَرَ طَهُورٌ».
رَواه ابنُ ماجَه 1224. ومَرَّ عُمَرُ وعَمْرُو بنُ العاص بحَوْض، فقال عَمْرُو: يا صاحِبَ الحَوْضِ، تَرِدُ على حَوْضِكَ السِّباعُ؟ فقأل عُمَرُ: يا صاحِبَ الحَوْضِ، لا تُخْبِرْنا، فإنّا نَرِدُ عليها وتَرِدُ علينا.
رَواه مالكٌ 1225 في «المُوَطَّأ».
ولأنَّه حيوانٌ يَجُوزُ بَيعُه، فكان طاهِرًا، كبَهِيمَةِ الأنْعامِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وفي البَغْلِ والحِمارِ ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداها، أنَّها نَجِسَةٌ.
تروَى كَراهَتُها عن ابنِ عُمَرَ.
وهو قَوْلُ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وإسحاقَ؛ لِما ذَكَرْنا في السِّباعِ، ولقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّها رِجْسٌ» 1226. والثانية، أنَّه مَشْكُوك فيها؛ لأنَّ أحمدَ قال في البَغْلِ والحِمارِ: إذا لم يَجِدْ غيرَ سُورِهما، تَيَمَّمَ معه.
وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ، والثَّوْرِي؛ لأنَّه تَرَدَّدَ بينَ أمارَةِ تَنْجِيسِه وأمارَةِ تَطْهِيرِه.
فأمارَةُ تَنْجِيسِه، إنّه محرّمٌ، أشبهَ الكلب.
وأمارَةُ تَطْهيره، أنَّه ذُو حافِر يَجُوزُ بيعُه، أشْبهَ الفَرَسَ.
والثالثةُ، أنَّه طاهِرٌ، وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا اخْتِيارُ شَيخِنا 1227؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَرْكَبُهما وتُرْكَبُ في زَمَنِه، ولو كان نَجِسًا لبَيَّنَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لهم ذلك، ولأنَّهما لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منهما لمُقتنيهِما، فأشْبَها السنوْرَ، فأمّا قَوْلُه - صلى الله عليه وسلم - «إنَّهَا رِجْس».
أراد به التَّحْرِيمَ، كقَوْلِ اللهِ تعالى في الأنْصابِ والأزْلامِ إنَّها ﴿رِجْسٌ﴾ 1228. ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد لَحْمَها الذي كان في قُدُورِهم، فإنَّه نَجِس؛ لأنَّ ذَبْحَ ما لا يُباحُ أكْلُه لا يُطَهِّرُه.
فصل: وفي الجَلّالةِ رِوايَتان؛ إحْداهما، نَجاسَتُها؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن رُكُوبِ الجَلّالةِ وألْبانِها.
رواه أبو داودَ 1229. ولأنَّها تَنَجَّسَتْ بالنَّجاسَةِ، والرِّيقُ لا يَطْهُرُ.
والثانيةُ، أنَّها طاهِرَة؛ لأنَّ الهِرَّ والضبعَ يَأكلان النَّجاسَةَ، وهما طاهِران، وحُكْمُ أجْزاء الحيوانِ؛ مِن شَعَرِه ورِيشِه وجِلْدِه ودَمْعِه وعَرَقه، حُكْمُ سورِه؛ لأَنَّه 1230 مِن أجْزائِه، فأشْبَهَ السُّؤرَ 1231 في الطهارةِ والنَّجاسَةِ؛ لأنَّه في مَعْناه.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 357
وَسُؤرُ الْهِرَّةِ وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ طَاهِرٌ.
211 - مسألة: (وسُؤرُ الهِرَّةِ وما دُونَها في الخِلْقَةِ طاهِرٌ)
سُؤرُ الهِرَّةِ وما دُونَها في الخِلْقَةِ؛ كابنِ عِرْس 1232 والفَأرَةِ، ونَحْو ذلك مِن حَشَراتِ الأرضِ طاهِرٌ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا في المَذْهَبِ، أنَّه يَجُوزُ شُرْبُه والوُضُوءُ به، ولا يُكْرَهُ.
هذا قَوْلُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ مِن الصَّحابَةِ، والتَّابِعِين، ومَن بعدَهم، إلَّا أبا حنيفةَ، فإنَّه كَرِه الوُضُوءَ بسُؤرِ الهِرِّ، فإن فَعَل أجْزأه، ورُويَتْ كَراهَتُه عن ابنِ عُمَرَ، ويَحْيَى الأنْصارِيِّ، وابنِ أبي لَيلَى.
وقال أبو هُرَيرَةَ: يُغْسَلُ مَرَّةً أو مَرَّتَين.
وهو قولُ ابنِ المُسَيَّبِ.
الحديث: 211 - الجزء: 2 - الصفحة: 358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونَحْوُه قَوْلُ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ؛ لِما روَى أبو داودَ 1233، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الْهِرُّ 1234 يُغْسَلُ مَرَّةً».
وقال طاوُسٌ: يُغْسَلُ سَبْعًا، كالكَلْبِ.
ولَنا، ما رُوِيَ عن كَبْشَةَ بنتِ كَعْبِ بنِ مالكٍ، أنَّ أبا قَتادةَ دَخَل عليها، فسَكَبَتْ له وَضُوءًا، قالت: فجاءَتْ هِرَّةٌ فأصغَى لها الإِناءَ 1235 حتَّى شَرِبَتْ، قالت كَبْشَةُ: فرآنِي أنظرٌ إليه، قال: أتعْجَبِين يا ابْنَةَ أخِي؟ فقُلتُ: نعم.
فقال: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّها لَيسَتْ بِنَجَس، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ».
الجزء: 2 - الصفحة: 359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أخْرَجَه أبو داودَ، والنَّسائِيّ، والترمِذِيّ 1236، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
دَلَّ بلَفْظِه علي نَفْىِ الكَراهَةِ عن سُؤرِ الهِرِّ، وبتَعْلِيله علي نَفْي الكراهةِ عَمّا دُونَها مِمّا يَطُوفُ علينا.
وعن عائشةَ، أنها قالت: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّها لَيسَتْ بِنَجَس، إنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيكُمْ».
وقد رَأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأ بفَضْلِها.
رَواه أبو داودَ 1237. وحَدِيثُهم ليس فيه تَصْرِيحٌ بنَجاسَتِها مع صِحَّةِ حَدِيثنا واشْتِهارِه.
الجزء: 2 - الصفحة: 360
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا أكَلَتِ الهِرَّةُ نَجاسَةً، ثم شَرِبَتْ مِن مائِعِ بعدَ الغَيبَةِ، فهو طاهِرٌ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَفَى عنها النَّجاسَةَ، وتَوَضَّأ بفَضْلِها، مع عِلْمه بأكْلِها النَّجاساتِ.
وإن شَرِبَتْ قبلَ الغَيبَةِ، فقال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ: يَنْجُسُ؛ لأنَّه مائِعٌ وَرَدَتْ عليه نَجاسَةٌ مُتَيَقَّنَةٌ.
وقال أبو الحسنِ الآمِدِيُّ: ظاهِرُ قَوْلِ أصحابِنا طَهارَتُه؛ لأنَّ الخَبَرَ دَلَّ على العَفْو عنها مُطْلَقًا، وعَلَّل بعَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ عنها، ولأنَّنا حَكَمْنا بطَهارَتِها بعدَ الغَيبَةِ في مَكانٍ لا يَحْتَمِلُ وُرُودَها على ماءٍ كَثِيرٍ يُطَهِّرُ فاها، ولو احْتَمَل ذلك فهو شَكّ لا يُزِيلُ يَقِينَ النَّجاسَةِ، فوجَبَ إحالةُ الطهارةِ على العَفْو عنها، وهو شامِلٌ لِما قبلَ الغَيبَةِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 361
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والخَمْرُ نَجسٌ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ﴾.
إلى قولِه: ﴿رِجْسٌ﴾ 1238. ولأنَّه يَحْرُمُ تَناوُلُه مِن غيرِ ضَرَرٍ، أشْبَهَ الدَّمَ.
وكذلك النَّبِيذُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَام».
رَواه مسلمٌ 1239. ولأنَّه شَراب فيه شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ، أشْبَهَ الخَمْرَ.
واللهُ تعالى أعلمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 362
باب الحيض
وهو دمُ طبيعةٍ وجِبِلَّةٍ، باب الحيض
212 -
مسألة؛ قال: (وهو دَمُ طَبِيعَةٍ وجِبِلَّةٍ)
الحَيضُ: دَمٌ يُرْخِيه الرَّحِمُ إذا بَلَغَتِ المرأةُ، في أوقاتٍ مُعْتادَةٍ.
وهو دَمٌ طَبَع اللهُ النساءِ وجَبَلَهُنَّ عليه، وليس بدَمِ فسادٍ، بل خَلقَه الله تعالى لحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الوَلَدِ، فإذا حَمَلَتِ المرأةُ، انْصَرَفَ ذلك بإذنِ اللهِ تعالى إلى غِذائِه؛ ولذلك لا تَحِيضُ الحامِلُ، فإذا وَضَعَتِ الوَلَدَ قَلَبَه اللهُ بحِكْمَتِه لَبَنًا، ولذلك قَلَّما تَحِيضُ المُرْضِعُ، فإذا خَلَتِ المرأةُ مِن الحَمْلِ والرَّضاعِ، بَقِى الدَّمُ لا مَصْرِفَ له، فيَسْتَقِرُّ في مكانٍ، ثم يَخْرُجُ في الغالِبِ في كلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ
الحديث: 212 - الجزء: 2 - الصفحة: 363
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أيامٍ أو سبْعَةً، وقد يَزِيدُ على ذلك، ويَقِلُّ ويَطُولُ شَهْرُ المرأةِ ويَقْصُرُ، على حَسَبِ ما رَكَّبَه اللهُ تعالى في الطباعِ.
وسُمِّيَ حَيضًا، مِن قَوْلِهم: حاضَ الوادِي.
إذا سالَ.
وتقولُ العَرَبُ: حاضَتِ الشجرةُ.
إذا سال مِنها الصَّمْغُ الأحْمَرُ، وهو مِن السَّيَلَانِ.
والأصْلُ فيه قولُه تعالى: ﴿وَيَسْئلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ 1240. وقال أحمدُ، رَحِمه اللهُ: الحَيضُ يَدُورُ على ثلاثةِ أحاديثَ؛ حديثِ فاطِمَةَ، وأمِّ حَبِيبَةَ، وحَمْنَةَ.
وفي رِوايةِ: وحديثِ أم سَلَمَةَ.
مكانَ حديثِ أم حَبِيبَةَ.
وسنَذْكُرُ هذه الأحاديثَ في مَواضِعِها، إن شاء اللهُ.
فصل: واخْتَلَفَ النّاسُ في المَحِيض، فقال قَوْمٌ: المَحِيضُ والحَيضُ واحِدٌ مَصْدَران، بدَلِيلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾.
والأذَى إنَّما هو الدَّمُ، وهو الحَيضُ، وكذلك قولُه تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ 1241. وإنَّما يَئسْنَ مِن الحيضِ.
وقال ابنُ
الجزء: 2 - الصفحة: 364
وَيَمْنَعُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ؛ فِعْلَ الصَّلَاةِ، وَوُجُوبَهَا،
عَقِيلٍ: المَحِيضُ مَكانُ الحَيضِ، كالمَقِيلِ والمَبِيتِ، مكانُ القَيلُولَةِ والبيتُوتَةِ، وما جاء في القرآنِ يُحْمَلُ على المَجازِ.
وفائِدَةُ الخِلافِ أنا إذا قُلْنا: المَحِيضُ اسْمٌ لمَكانِ الحَيضِ.
اخْتَصَّ التَّحْرِيمُ به، وإذا قُلْنا: اسْمٌ للدَّم.
جاز أن يَنْصَرِفَ إلى ما عَداه لأجْلِه.
213 -
مسألة: (ويَمْنَعُ عَشَرَةَ أشْياءَ)؛
أحَدُها، (فِعْلُ الصلاةِ).
والثاني، (وُجُوبها) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَع أهلُ العلمِ على إسْقاطِ فَرْضِ الصلاةِ عن الحائِضِ في أيامِ حَيضِها، وعلى أنَّ قَضاءَ ما تَرَكَتْ من الصلاةِ في أيامِ حَيضِها غيرُ واجبٍ؛ وذلك لقولِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ فاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش: «إذا أقبَلَتِ الْحَيضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ».
مُتَّفَقٌ
الحديث: 213 - الجزء: 2 - الصفحة: 365
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه 1242. ولما رَوَت مُعاذَةُ، قالت: سَألْتُ عائشةَ: ما بالُ الحائِضِ تَقْضِي الصومَ ولا تقضي الصلاةَ؟ فقالت: أحَرُورِيَّةٌ 1243 أنتِ؟ فقُلتُ: لَسْتُ بحَرُورِيةٍ، ولَكِنِّي أسأل.
فقالت: كُنّا نَحِيضُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فنُؤمَرُ بقَضاءِ الصومِ، ولا نُؤمَرُ بقضاءِ الصلاةِ.
مُتَّفقٌ عليه 1244. إنَّما قالت لها عائشةُ ذلك؛ لأنَّ الخَوارِجَ يَرَوْنَ على الحائِض
الجزء: 2 - الصفحة: 366
وَفِعْلَ الصِّيامِ، وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَمَسَّ الْمُصْحَفِ،
قَضاءَ الصلاةِ.
الثالثُ، (فِعْلُ الصِّيامِ) ولا يُسْقِطُ وُجُوبَه؛ لِما ذَكَرنا مِن الحديثِ، وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ألَيسَتْ إحْدَاكُنَّ إِذا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟».
قُلْنَ: بَلَى.
رَواه البُخارِيُّ 1245. وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ أنَّ الحائِضَ عليها قضاءُ الصوم إجْماعًا.
الرابع، (قراءةُ القرآنِ)؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَقْرَإِ الحَائِضُ وَلَا الجُنُبُ شَيئًا مِنَ القُرْآنِ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 1246. والخامسُ، (مَسُّ المُصْحَفِ) لقَوْلِه تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ (79)﴾ 1247. ولقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في كتابِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا وَأنْتَ طَاهِرٌ».
= ما جاء في قضاء رمضان، من كتاب الصيام.
سنن ابن ماجه 1/ 207، 533. والدارمي، في: باب في الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، من كتاب الوضوء.
سنن الدارمي 1/ 233. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 143، 232.
الجزء: 2 - الصفحة: 367
واللُّبْثَ في الْمَسْجِدِ، وَالطَّوَافَ، وَالْوَطْءَ في الْفَرْجِ، وَسُنَّةَ الطَّلاقِ، وَالاعْتِدَادَ بِالْأشْهُرِ.
رَواه الأَثْرَمُ 1248. والسادسُ، (اللُّبْثُ في المَسْجدِ) لِما ذَكَرْنا في بابِ الغُسْلِ.
والسابعُ، (الطَّوافُ) لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لعائشةَ إذ حاضَتْ: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيرَ أنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيتِ حَتَّى تَطْهُرِي».
مُتَّفَقٌ عليه 1249. والثامنُ، (الوَطْءُ في الفَرْجِ) لقَوْلِه تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ 1250. التاسعُ، (سُنَّةُ الطَّلاقِ) يَعْنِي أنَّ طَلاقَ الحائِضِ مُحَرَّم، وهو طلاقُ بِدْعَةٍ؛ لِما نَذْكُرُه في مَوْضِعه.
العاشِرُ، (الاعْتِدادُ بالأشْهُرِ) لقَوْلِه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 1251. فأوْجَبَ العِدَّةَ بالقُرُوءِ، وقَوْلِه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ 1252. شَرَط في العِدَّةِ بالأشْهُرِ عَدَمَ الحَيضِ.
ويَمْنَعُ أيضًا صِحَّةَ الطهارةِ؛ لأنَّ خُرُوجَ الدَّمِ يُوجِبُ الحَدَثَ، فمَنَعَ اسْتِمْرارُه صِحَّةَ الطهارةِ، كالبَوْلِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 368
وَيُوجِبُ الْغُسْلَ، والْبُلُوغَ، وَالاعْتِدَادَ بِهِ،
214 - مسألة: (ويُوجِبُ الغُسْل)
عندَ انْقِطاعِه؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسلِي وَصَلِّي».
مُتَّفَقٌ عليه 1253. ويُوجِبُ (البُلُوغَ) لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلا بِخِمَارٍ» 1254. ويُوجِبُ (الاعْتِدادَ به) لِما ذَكَرْنا.
وأكْثَرُ هذه الأحْكامِ مُجْمَعٌ عليها.
الحديث: 214 - الجزء: 2 - الصفحة: 370
وَالنِّفَاسُ مِثْلُهُ إلا في الاعْتِدادِ.
215 - مسألة: (والنِّفاسُ مِثْلُه إلَّا في الاعْتِدادِ)
يَعْنِي أنَّ حُكْمَ النِّفاس حكمُ الحَيضِ فيما يَجِبُ به ويَحْرُمُ، وما يَسْقُطُ عنها، لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
والخِلافُ في وُجُوبِ الكَفّارَةِ بوَطْئِها كالحائِضِ، وكذلك إباحَةُ الاسْتِمْتاعِ فيما دُونَ الفَرْجِ؛ لأنَّه دَمُ.
الحَيضِ احْتَبَسَ لأجْلِ الحَمْلِ، ثم خَرَج، فثَبَتَ حُكْمُه، إلَّا في الاعْتِدادِ، لأنَّ الاعْتِدادَ بالقُرُوءِ، والنِّفاسُ ليس بقُرُوءٍ، ولأنَّ العِدَّةَ تَنْقَضِي بالحَمْلِ.
ويُفارِقُه أيضًا في كَوْنِه لا يَدُلُّ على البُلُوغِ؛ لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ؛ لحُصُولِه 1255 بالحَمْلِ قبلَه.
الحديث: 215 - الجزء: 2 - الصفحة: 371
وَإذَا انْقَطَعَ الدَّمُ أُبِيحَ فِعْلُ الصِّيَام وَالطَلاقُ، وَلَمْ يُبَحْ غَيرُهُمَا حَتَّى تَغْتَسِلَ.
216 - مسألة: (فإذا انْقَطعَ الدَّمُ أُبِيحَ فِعْلُ الصيامِ، والطَّلاقُ، ولم يُبَحْ غيرُهما حتى تَغْتَسِلَ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه متى انْقَطَعَ دَمُ الحائِضِ ولَمّا تَغْتَسِلْ، زال مِن الأحْكام المُتَعَلِّقَةِ بالحَيضِ أرْبَعَةُ أحْكامٍ؛ أحَدُها، سُقُوطُ فَرْضِ الصلاةِ، لأَنَّ سُقُوطَه بالحَيضِ، وقد زال.
الثاني، مَنْعُ صِحَّةِ الطهارةِ لذلك.
الثالثُ، تَحْرِيمُ الصِّيامِ؛ لأنَّ وُجُوبَ الغُسْلِ لا يَمْنَعُ فِعْلَه، كالجَنابَةِ.
الرابعُ، إِباحَةُ الطَّلاقِ؛ لأنَّ تَحْرِيمَه لتَطْويل العِدَّةِ، أو لأجْلِ الحَيضِ، وقد زال ذلك.
وسائِرُ المُحَرَّماتِ باقِيَةٌ؛ لأنَّها تَحْرُمُ على الجُنُبِ، فَهاهُنا أوْلَى.
فصل: فأمّا الوَطْءُ قبلَ الغُسْلِ، فهو حَرامٌ في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
قال ابنُ المُنْذرِ: هذا كالإِجماعِ.
وقال أبو حنيفةَ: إنِ انْقَطعَ الدَّمُ لأكْثَرِ الحَيضِ، حَلَّ وَطْؤُها، وإلَّا لم يُبَحْ حتى تَغتسِلَ، أو تَتَيَمَّمَ، أو يَمْضِيَ عليها وَقْتُ صلاةٍ، لأن وُجُوبَ الغُسْلِ لا يَمْنَعُ الوَطْءَ، كالجَنابَةِ.
ولَنا،
الحديث: 216 - الجزء: 2 - الصفحة: 372
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ 1256. قال مُجاهدٌ: حتى يَغْتَسِلْنَ.
وقال ابنُ عباسٍ: فإذا اغْتَسَلْنَ.
ولأنَّه قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾.
والتَّطَهُّرُ تَفَعُّلٌ، والتَّفَعُّلُ إِذا أُضِيفَ إلى مَن يَصِحُّ منه الفِعْلُ اقْتَضَى إيجادَ الفِعْلِ منه، كما في النَّظائِرِ، وانْقِطاعُ الدَّمِ غيرُ مَنْسُوبٍ إليها، ولأنَّ الله سُبحانه وتعالى شَرَط لحِلِّ الوَطْء شَرْطَين؛ انْقِطاعَ الدَّمِ، والغُسْلَ، فلا يُباحُ بدُونِهما.
ولأنَّها مَمْنُوعَةٌ مِن الصلاةِ؛ لحَدَثِ 1257 الحَيضِ، فمُنِعَ وَطْؤُها، كما لو انْقَطَعَ لأقَلِّ الحَيضِ.
وبهذا يَنْتَقِضُ قِياسُهم، وحَدَثُ الحَيضِ آكَدُ مِن حَدَثِ الجَنَابَةِ، فلا يَصِحُّ الإِلْحَاقُ.
فصل: وانْقِطاعُ الدَّمِ الذي تَتَعَلَّقُ به هذه الأحْكامُ، الانْقِطاعُ الكَثِيرُ، الذي يُوجِبُ عليها الغُسْلَ والصلاةَ؛ فأمّا الانقطاعُ اليَسِيرُ في أثناءِ الحَيضِ، فلا حُكْمَ له؛ لأنَّ العادَةَ أنَّ الدَّمَ يَنْقَطِعُ تارَةً، ويَجْرِي أُخْرى، وسنَذْكُرُ ذلك، إن شاءَ اللهُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 373
وَيَجُوزُ أنْ يَسْتَمْتِعَ مِنَ الْحَائِضِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ،
217 - مسألة: (ويجُوزُ الاسْتِمْتاعُ مِن الحَائِضِ بما دُونَ الفَرْجِ)
الاسْتِمْتاعُ مِن الحائِضِ بما فوقَ السُّرَّةِ وتحتَ الرُّكْبَةِ جائِزٌ بالإِجْماعِ والنَّصِّ، والوَطْءُ في الفَرْجِ مُحَرَّمٌ بهما.
والاخْتِلافُ في الاسْتِمْتاعِ بما بَينَهما؛ فذَهَبَ 1258 إمامُنا، رحَمِه اللهُ، إلى جَوازِه.
وهو قولُ عِكْرِمَةَ،
الحديث: 217 - الجزء: 2 - الصفحة: 374
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعَطاءٍ، والشَّعْبِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ: لا يُباحُ؛ لأنَّ عائشةَ، رَضِي اللهُ عنها، قالت: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُنِي فأتَّزِرُ، فيُباشِرُنِي وَأنَا حائِضٌ.
رَواه البُخارِيُّ، ومسلمٌ بمَعْناه 1259. وعن عبدِ اللهِ بنِ سعدٍ الأنْصارِيِّ، أنَّه سأل رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَا يَحِلُّ لِي مِن امْرَأتِي وهي حائِضٌ؟ قال: «مَا فَوْقَ الإزَارِ».
رَواه البَيهَقِيُّ 1260 ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾.
وهو اسمٌ لمَكانِ الحَيضِ، كالمَقِيلِ والمَبِيتِ، فتَخْصِيصُه مَوْضِعَ الدَّمِ بالمَنْع يَدُلُّ على إباحَتِه فيما عَداه.
فإن قِيل: بل المَحِيضُ الحَيضُ، بدَلِيلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾.
والأذَى: هو الحَيضُ.
وقولِه تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾.
وإنَّما يئسْنَ من الحَيضِ.
قُلْنا: يُمْكِنُ حَمْلُه على ما ذَكَرْنا، وهو أوْلَى؛
الجزء: 2 - الصفحة: 375
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لوَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّه لو أرادَ الحَيضَ لكان أمْرًا باعْتِزالِ النِّساء في مدَّةِ الحَيْضِ بالكُلِّيَّةِ، ولا قائِلَ به.
الثاني، أنَّ سَبَبَ نزولِ الآية، أنَّ اليَهُودَ كانوا إذا حاضَتِ المرأةُ اعْتَزَلُوها، فلم يُؤاكِلُوها ولم يُشارِبُوها، ولم يَجْتَمِعوا معها في البَيتِ، فسأل أصحابُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فنَزَلَتْ هذه الآيَةُ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ غَيرَ النِّكَاحِ».
رَواه مسلمٌ 1261. وهذا تَفْسِير لمُرادِ اللهِ تعالى؛ لأنَّه لا تَتَحَقَّق مُخالفَةُ اليهودِ بإرادَةِ الحَيضِ؛ لأنَّه يكُونُ مُوافِقًا لهم، ومِن السُّنَّةِ هذا الحديثُ.
وعن عِكْرِمَةَ، عن بعْضِ أزواجِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنه كان إذا أرادَ مِن الحائِضِ شَيئًا أَلْقَى على فرْجِها خِرقَةً.
رَواه أبو داودَ 1262. ولأنَّه وَطْءٌ مُنِع للأذَى، فاخْتَصَّ بمَحَلِّه كالدُّبُرِ، وحديثُ عائِشَةَ ليس فيه دَلِيلٌ على تَحْرِيمِ ما تحتَ الإِزارِ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد يَتْرُكُ بعضَ المُباحِ تَقَذُّرًا، كتَرْكِه أكْلَ الضَّبِّ، والحديثُ الآخَر يَدُلُّ بالمَفْهُومِ، والمَنْطُوقُ راجِحٌ عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 376
فَإِنْ وَطِئَهَا في الْفَرْجِ فَعَلَيهِ نِصْف دِينَارٍ كَفَّارَةً.
وعَنْهُ، لَيسَ عَلَيهِ إلا التَّوْبَةُ.
218 - مسألة: (فإن وَطِئَها في الفَرْجِ، فعليه نِصْفُ دِينارٍ كَفّارَةً. وعنه، ليس عليه إلَّا التَّوْبَةُ)
اخْتَلَفَتِ الروايَةُ في وُجُوبِ الكَفَّارَةِ بوَطْءِ الحائِضِ في الفَرْجِ؛ فرُويَ عنه، أنّ عليه الكَفّارَةَ.
وهو المَشْهُورُ في المذهبِ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الذي يَأْتِي امْرَاتُه وهي حائِضٌ، قال: «يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أوْ نِصْفِ دِينَارٍ».
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ والنّسائِيُّ 1263. والثانيةُ، لا كَفّارَةَ عليه.
وهو قولُ مالكٍ، وأبي حنيفة، وأكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وللشافعيِّ قَوْلان
الحديث: 218 - الجزء: 2 - الصفحة: 377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالمَذْهَبَين؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَتى حَائِضًا أو امْرَأَةً في دُبُرِهَا، أو كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -».
رَواه ابنُ ماجَه 1264. ولم يَذْكُرْ كَفّارَةً، إلَّا أنَّ البُخارِي ضَعَّفَ هذا الحديثَ.
حَكاه التِّرْمِذِيُّ 1265. ولأنَّه وَطْءٌ نُهِيَ عنه لأجْلِ الأذَى، أشْبَهَ الوَطْءَ في الدُّبُرِ.
وحديثُ الكَفّارَةِ مَدارُه على عبدِ الحميدِ بنِ زَيدِ بنِ الخَطّابِ، وقد قِيلَ لأحمدَ: في نَفْسِك منه شيءٌ؟ قال: نعم.
وقال: لو صَحَّ ذلك الحديثُ كُنّا نَرَى عليه الكَفّارَةَ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إن كانت له مَقْدِرَةٌ تَصَدَّقَ بما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وكَلامُه هذا يَدُلُّ على أنَّ المُعْسِرَ لا شيءَ عليه.
قال أبو عبدِ اللهِ بنُ حامِدٍ: كَفّارَةُ وَطْءِ الحائِضِ تَسْقُطُ بالعَجْزِ عنها، أو عن بَعْضِها، ككَفَّارَةِ الوَطْءِ في رمضانَ.
الجزء: 2 - الصفحة: 378
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وظاهِرُ المذهبِ في الكَفَّارَةِ، أنَّها دِينارٌ، أو نِصْفُ دينارٍ، على وَجْهِ التَّخْيِيرِ.
يُرْوَى ذلك عن ابنِ عباسٍ؛ لظاهِرِ الحديثِ.
قال أبو داودَ: هكذا الرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ.
قال: دِينارٌ أو نصفُ 1266 دينارٍ.
ولأنَّه مَعْنًى تَجِبُ الكَفّارَةُ بالوَطْءِ فيه، فاسْتَوَى الحالُ فيه بينَ إقْبالِه وإدْبارِه، كالإِحْرامِ.
وعنه: إن كان الدَّمُ أحْمَرَ فدِينارُ، وإنْ كان أصفرَ فنِصْفُ دينارٍ.
وهو قولُ إسحاقَ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إنْ كَانَ دَمًا أحْمَرَ فَدِينَارٌ، وَإنْ كَانَ دَمًا أصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ».
رواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 1267. إلَّا أنَّ أبا داودَ قال: هو مَوْقُوف مِن قولِ ابنِ عباسٍ 1268. والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا، فإن قِيل: فكيفَ يُخَيَّرُ بينَ شيءٍ ونِصْفِه؟ قُلْنا: كما خُير المُسافِرُ بينَ القَصْرِ والإتْمامِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 379
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن وَطِئَها بعدَ الطُّهْرِ، قبلَ الغُسْلِ، فلا كَفّارَةَ عليه.
وقال قَتادَةُ، والأوْزاعِيُّ: عليه نِصْفُ دِينارٍ؛ لأنَّه حُكْمٌ تَعَلَّقَ بالوَطْء في الحَيضِ، فلم يَزُلْ إلا بالغُسْلِ، كالتَّحْرِيمِ.
ولَنا، أنَّ وُجوبَ الكَفَّارَةِ مِن الشِّرْعِ، ولم يَرِدْ بذلك إلَّا في الحائِضِ، وقِياسُهم يَبْطُل بما لو حَلَف لا يَطَأُ حائِضًا، فإنَّه يَحْنَثُ بالوَطْءِ في الحَيضِ، ولا يَحْنَثُ بالوَطْءِ قبلَ الغُسْلِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وهل تَجِبُ الكَفّارَةُ على الجاهِلِ والنّاسِي؟ على وَجْهَين؛ أحَدُهما، تَجِبُ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، وقِياسًا على الوَطْء في الإحْرامِ.
والثاني، لا تَجِبُ؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الخَطَأ والنِّسْيانِ» 1269. ولأنَّها وَجَبَتْ لمَحْو الإِثْمِ، فأشْبَهَتْ كَفّارَةَ اليَمِينِ.
فإن وَطِئ طاهِرًا، فحاضَتْ في أثْناءِ وَطْئِه، لم تَجِبْ عليه الكَفَّارَةُ على الوَجْهِ الثاني، وتَجِبُ على الأوَّلِ، وهو قولُ ابنِ حامِدٍ.
وإن وَطِئ الصَّبِيُّ لَزِمَتْه الكَفّارَةُ عندَ ابنِ حامِدٍ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، وكالوَطْءِ في الإحْرامِ.
قال شَيخُنا 1270: ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه؛ لأنَّها مِن فُرُوعِ التَّكْلِيفِ، وهو غيرُه مُكَلَّفٍ.
الجزء: 2 - الصفحة: 381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وتَجِبُ الكَفّارَةُ على المرأةِ في المَنْصُوصِ؛ لأنَّه وَطْءٌ يُوجِبُ الكَفّارَةَ، فأوْجَبَها على المرأةِ، كالوَطْءِ في الإِحْرامِ.
وقال القاضي: فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تَجِبُ؛ لأنَّ الوُجُوبَ مِن الشَّرْعِ، ولم يَرِدْ.
فإن كانت مُكْرَهَةً أو غيرَ عالِمَةٍ، فلا كَفّارَةَ عليها، لقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِيَ لأمَّتِي عَنِ الخَطَأ والنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ».
وحُكْمُ النُّفَساءِ حُكْمُ الحائِضِ في ذلك؛ لأنَّها في مَعْناها.
ويُجْزِيء نِصْفُ دِينارٍ مِن أيِّ ذَهَبٍ كان، إذا كان صافِيًا، ويَسْتَوى التِّبْرُ والمَضْرُوبُ؛ لوُقُوعِ الاسْمِ عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويُجْزِئُّ إخْراجُ القِيمَةِ في أحَدِ الوَجْهَين، لأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ بها، فجازَ مِن أيِّ مالٍ كان، كالخَراجِ.
والثاني، لا يَجُوزُ، لأنَّه كَفّارَةٌ، فاخْتَصَّ ببَعْضِ الأنواعِ، كسائِرِ الكَفّاراتِ.
فعلى هذا الوَجْهِ هل يَجُوزُ إخْراجُ الدَّراهِمِ؟ يَنْبَنِى على جَوازِه في الزَّكاةِ، والصَّحِيحُ جوازُه، لِما ذَكَرْنا، واخْتارَه شَيخُنا 1271. ومَصْرِفُها إلى المَساكِينِ، كسائِرِ الكَفّاراتِ، واللهُ أعلمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 383
وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِينَ،
219 - مسألة: (وأقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ له المرأةُ تِسْعُ سِنِينَ)
هذه المسألةُ تَشْتَمِلُ على أمْرَين؛ أحَدُهما، أنَّ الصَّغِيرَةَ إذا رَأَتْ دَمًا لدُونِ تِسْعِ سِنِينَ،
الحديث: 219 - الجزء: 2 - الصفحة: 384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فليس بحَيضٍ.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا في المذهبِ؛ لأنَّ الصغيرةَ لا تَحِيضُ، لقَوْلِه سبحانه: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾.
ولأنَّ المَرْجِعَ فيه إلى الوُجُودِ، ولم يُوجَدْ مِن النِّساءِ مَن تَحِيضُ عادَةً فيما دُونَ هذه السِّنِّ، ولأنَّ الله سبحانَه خَلَق دَمَ الحَيضِ لحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الوَلَدِ، وهذه لا تَصْلُحُ للحَمْلِ، فلا تُوجَدُ فيها حِكْمَتُه، فيَنْتَفِيَ لانْتِفاءِ حِكْمَتِه.
الأمْرُ الثاني، أنَّها إذا رَأتْ دَمًا يَصْلُحُ أن يكُونَ حَيضًا، ولها تِسْعُ سِنِينَ، حُكِمَ بكَوْنِه حَيضًا، وحُكِم ببُلُوغِها، وثَبَت في حَقِّها أحْكامُ الحَيضِ كلُّها؛ لأنَّه رُوِيَ عن عائشةَ، أنَّها قالت: إذا بَلَغَتِ الجارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فهي امرأةٌ 1272. ورُوي ذلك مَرْفُوعًا مِن رِوايَةِ ابنِ عُمَرَ.
والمُرادُ به؛ حُكْمُها حُكْمُ المرأةِ.
وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ، أنَّ نِساءَ تِهامَةَ يَحِضْنَ لتِسْعِ سِنِينَ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقد حُكِي عنه،
الجزء: 2 - الصفحة: 385
وَأَكْثَرُهُ خَمْسُونَ سَنَةً.
وَعَنْهُ، سِتُّونَ في نِسَاءِ الْعَرَبِ.
أنَّه قال: رَأَيتُ جَدَّةً بنْتَ إحْدَى وعشْرينَ سَنَةً.
وهذا يَدُلُّ على أنَّها حَمَلَتْ لدُونِ عَشْرِ سنينَ، وكذلك بنتُها.
وحكَى المَيمُونِيُّ، عن أحمدَ، في بنتِ عَشْرٍ رَأَت الدَّمَ، قال ليس بحَيضٍ.
قال القاضي: فيَجِبُ على هذا أن يُقال: أوَّل زَمَنٍ يَصِحُّ فيه وُجُودُ الحَيضِ عَشْرَةَ سنةً، لأنَّه الزَّمانُ الذي يَصِحُّ فيه بُلُوغُ الغُلامِ.
والأوَّلُ أصَحُّ.
220 -
مسألة؛ قال: (وأكثَرُه خَمْسُونَ سَنَةً. وعنه: سِتُّونَ في نِساءِ العَرَبِ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في حَدِّ السِّنِّ الذي تَيأسُ فيه المرأةُ مِن الحَيضِ؛ فرُوِي عنه أنَّه خَمْسُونَ سَنَةً.
وهذا قولُ إسحاقَ.
ويكُونُ حُكْمُها فيما تَراه مِن الدَّمِ بعدَ الخَمْسِينَ حُكْمَ المُسْتَحاضَةِ، لأنَّ
الحديث: 220 - الجزء: 2 - الصفحة: 386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عائِشَةَ، رَضِي الله عنها، قالت: إذا بَلَغَتْ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِن حَدِّ الحَيضِ.
ورُوي عنها أنَّها قالت: لن تَرَى المرأةُ في بَطْنِها ولدًا بعدَ الخَمْسِين.
ورُوي عنه 1273، أنَّها لا تَيأسُ مِن الحَيضِ يَقِينًا إلى سِتِّينَ سَنَةً، وما تَراه فيما بينَ الخَمْسِين والستِّيِّن حَيضٌ مَشْكُوكٌ فيه، لا تَتْرُكُ الصلاةَ ولا الصومَ؛ لأنَّ وُجُوبَهما مُتَيَقَّنٌ، فلا يَسْقُطُ بالشَّكِّ.
وتَقْضِي الصومَ المَفْرُوض احْتِياطًا؛ لأنَّه واجبٌ في ذِمَّتِها بيَقِينٍ، فلا يَسْقُطُ بأمْرٍ مَشْكُوكٍ فيه.
هكذا رَواه الخِرَقِيُّ.
ورُوي عنه، أنَّ نِساءَ العَجَمِ تَيأسُ في خَمْسِين، ونساءَ قُرَيشٍ وغيرِهم مِن العَرَبِ إلى سِتِّين.
وهذا قولُ أهلِ المَدِينَةِ؛ لأنَّهُنَّ أقْوَى جبلَّةً.
وروَى الزُّبَيرُ بنُ بَكّارٍ 1274، في كتابِ «النَّسَبِ» عن بعضِهم، أَنَّه قال: لا تَلِدُ لخَمْسِين سَنَةً إلَّا عَرَبِيَّةٌ، ولا تَلِدُ لسِتِّين إلَّا قُرَشِيَّةٌ.
وقال: إنَّ هِنْدَ بِنْتَ أبي عُبَيدَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ زَمْعَةَ،
الجزء: 2 - الصفحة: 387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَلَدَتْ موسى بنَ عبدِ اللهِ بنِ حسنِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، ولها سِتُّونَ.
قال أحمدُ، في امرأةٍ مِن العَرَبِ رَأتِ الدَّمَ بعدَ الخَمْسِين: إن عاوَدَها مَرَّتَين أو ثلاثًا فهو حَيضٌ.
وذلك لأنَّ المَرْجِعَ في ذلك إلى الوُجُودِ، وقد وُجِدَ حَيضٌ مِن نِساءٍ ثِقاتٍ أخْبَرْنَ عن أنْفُسِهِنَّ بعدَ الخَمْسِين، فأشْبَهَ ما قبلَ الخَمْسين؛ لأنَّ الكَلامَ فيما إذا وُجِدَ مِن المرأةِ دَمٌ في زَمَنِ عادَتِها بعدَ الخَمْسِين، كما كانت تَراه قبْلَها.
قال شيخُنا 1275: والصَّحِيحُ أنَّه لا فَرْقَ بينَ نِساءِ العَرَبِ وغيرِهِنَّ؛ لأنَّهُنَّ سَواء في سائِرِ أحْكامِ الحَيضِ، كذلك هذا، وما ذُكِر عن عائشةَ لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ الحَيضَ أمْرٌ حَقِيقِيٌّ، المَرْجِعُ فيه إلى الوُجُودِ، وقد وُجِدَ بخِلافِ ما قالت، على ما حَكاه الزُّبَيرُ بنُ بَكّارٍ.
وإن قِيلَ: هذا الدَّمُ ليس بحَيضٍ.
مع كَوْنِه على صِفَته وفي وَقْتِه وعادَتِه، بغيرِ نَصٍّ، فهو تَحَكُّمٌ.
فأمّا بعدَ السِّتِّين، فلا خِلافَ في المذهبِ أنَّه ليس بحَيضٍ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ، وقد عُلِم أنَّ للمرأةِ حالًا تَيأسُ فيه مِن الحَيضِ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾.
قال أحمدُ في المرأةِ
الجزء: 2 - الصفحة: 388
وَالحَامِلُ لَا تَحِيضُ.
الكبيرةِ تَرَى الدَّمَ: هو بمَنْزِلَةِ الجُرْحِ.
وقال عَطاءٌ: هي بمَنْزِلَةِ المُسْتَحاضَةِ.
وذلك لأنَّ هذا الدَّمَ إذا لم يَكُنْ حَيضًا، فهو دَمُ فَسادٍ، حُكْمُه حُكْمُ دَمِ الاسْتِحاضَةِ ومَن به سَلَسُ البَوْلِ، وسنَذْكُرُه فيما بعدُ، إن شاء اللهُ تعالى.
221 -
مسألة: (والحامِلُ لا تَحِيضُ)
فإن رَأتْ دَمًا، فهو دَمُ فَسادٍ.
وهذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، والحسنِ، وعِكْرِمَةَ، والشَّعْبِيِّ، وحَمّادٍ، والثَّوْرِي، والأوْزاعِي، وأبي حنيفةَ، وابنِ المُنْذِرِ،
الحديث: 221 - الجزء: 2 - الصفحة: 389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأبي عُبَيدٍ.
ورُوي عن عائِشةَ.
والصحيحُ عنها، أنَّها إذا رَأتِ الدَّمَ لا تُصَلِّي.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ، واللَّيثُ: ما تَراه مِن الدَّمِ حَيضٌ إذا أمْكَن.
ورُوي ذلك عن الزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، وإسحاقَ؛ لأنَّه دَمٌ صادَفَ العادَةَ فكان حَيضًا كغيرِ الحامِلِ.
ولَنا قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ 1276 حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيضَةٍ» 1277. جَعَل وُجُودَ الحَيضِ عَلَمًا على بَراءَةِ الرَّحِمِ، فدَلَّ على أنَّه لا يَجْتَمِعُ معه.
ولأنَّ ابنَ عُمَرَ لَمّا طَلَّقَ امْرَأتَه وهي حائِضٌ؛ قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لعُمَرَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُطَلِّقْهَا
الجزء: 2 - الصفحة: 390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طَاهِرًا أوْ حَامِلًا» 1278. فَجَعَلَ الحَمْلَ عَلَمًا على عَدَمِ الخيضِ، كالطُّهْرِ.
احْتَجَّ بذلك أحمدُ.
ولأنَّه زَمَنٌ لا تَرَى الدَّمَ فيه غالِبًا، فلم يَكُنْ ما تَراه حَيضًا، كالآيسَةِ.
قال أحمدُ: إنَّما يَعْرِفُ النِّساءُ الحَمْلَ بانْقِطاعِ الدَّمِ.
وقولُ عاثشةَ يُحْمَلُ على التي قارَبَتِ الوَضْعَ، جَمْعًا بينَ قَوْلَيها.
فصل: فإن رَأتْه قبلَ ولادَتِها قَرِيبًا مِنها فهو نِفاسٌ، تَدَعُ الصلاةَ والصومَ.
قال يعقوبُ بنُ بختانَ 1279: سألتُ أحمدَ، عن المرأةِ إذا ضَرَبَها المَخَاضُ قبلَ الولادَةِ بيَوْم أوْ يَوْمَينِ، تُعِيدُ الصلاةَ؟ قال: لا.
وهذا قولُ إسحاقَ.
وقال الحسنُ: إذا رَأتِ الدَّمَ على الوَلَدِ، أمْسَكَتْ عن
الجزء: 2 - الصفحة: 391
وَأَقلُّ الْحَيضٍ يَوْمٌ وليلَةٌ.
وَعَنْه، يَوْمٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَعَنْهُ، سَبْعَة عَشَرَ.
الصلاةِ.
وقال النَّخَعِيُّ: إذا ضَرَبَها المَخاضُ فَرَأت الدَّمَ.
قال: هو حَيضٌ.
وهذا قولُ أهلِ المدينةِ، والشافعيِّ.
وقال عَطاءٌ: تُصَلِّي، ولا تَعُدُّه حَيضًا ولا نِفاسًا.
ولَنا، أنَّه دَمٌ خَرَج بسَبَبِ الولادَةِ، فكان نِفاسًا، كالخارجَ بعدَه.
فصل: وإنَّما يُعْلَمُ أنَّه بسَبَبِ الولادَةِ إذا كان قَرِيبًا منها، ويُعْلَمُ ذلك برُؤْيَةِ أمارَتِها في وَقْتِه، فأمّا إن رَأتِ الدَّمَ مِن غيرِ عَلامَةٍ على قُرْبِ الوَضْع، لم تَتْرُكْ له العِبادَةَ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه دَمُ فَسادٍ، فإن تَبَيَّنَ كَوْنُه قَرِيبًا مِن الوَضْع؛ لوَضْعِها بعدَه بيوم أو يَوْمَين، أعادَتِ الصومَ المَفْرُوضَ الذي صامَتْه فيه، وإن رَأتْه عندَ العَلامَةِ، تَرَكَتِ العِبادَةَ، فإن تَبَيَّنَ بُعْدُه غنها، أعادَتْ ما تَرَكَتْه مِن العِباداتِ الواجِبَةِ؛ لأنَّه تَبَيَّنَ أنَّه ليس بحَيضٍ ولا نِفاسٍ.
واللهُ أعلمُ.
222 -
مسألة: (وَأقَلُّ الحَيضِ يَوْم وَلَيلَةٌ. وعنه: يَوْمٌ. وأكْثَرُه خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وعنه: سَبْعَةَ عَشَرَ)
المَشْهُورُ في المذهبِ، أنَّ أقلَّ الحَيضِ يَوْمٌ ولَيلَة، وأكْثَرَه خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا.
هذا قولُ
الحديث: 222 - الجزء: 2 - الصفحة: 392
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، وأبي ثَوْرٍ.
ورُوي عن أحمدَ، أنَّ أقَلَّه يومٌ، وأنَّ أكْثَرَه سَبْعَةَ عَشَرَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: بَلَغَنِي أنَّ نِساءَ آلِ الماجِشُون كُنَّ يَحِضْنَ سَبْعَةَ عَشَرَ يومًا.
قال الخَلّالُ: مذهبُ أبي عبدِ اللهِ، لا اخْتِلافَ فيه أنَّ أقَلَّ الحَيضِ يومٌ، وأكْثَرَه خَمْسَةَ عَشَرَ.
ومذهبُ الشافعيِّ نَحْوُ هذا في أقَلِّه وأكْثَرِه.
وقال الثَّوْرِيُّ، والنُّعْمانُ، وصاحِباه: أقَله ثلاثةُ أيَّامٍ، وأكثَرُه عَشَرَةٌ؛ لِما روَى واثِلَةُ بن الأسْقَعِ، أنَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَقَلُّ الحَيضِ ثَلَاثَةُ أيَّامٍ وَأكْثَرُهُ عَشَرَةٌ» 1280. وقال أنَسٌ: قُرْءُ المرأةِ ثَلاثٌ، أرْبَعٌ، خَمْسٌ، سِتٌّ، سَبْغ، ثَمانٍ، تِسْعٌ، عَشْرٌ.
ولا يَقُولُ ذلك إلَّا تَوْقِيفًا.
وقال مالكٌ: ليس لأقَلِّه حَدٌّ، ولو كان لأقَلِّه حَدٌّ، لكانَتِ المرأةُ لا تَدَعُ الصلاةَ حتى يَمْضِي ذلك، الحَدُّ.
ولَنا، أنَّ ذِكْرَ الحَيضِ وَرَد في الشَّرْعِ مُطْلَقًا مِن غيرِ تَحْدِيدٍ، ولا حَدَّ له في اللُّغَةِ، فَرُجِعَ فيه إلى العُرْفِ والعادَةِ، كالقَبْضِ والإِحْرازِ والتَّفَرُّقِ، وقد وُجِدَ حَيضٌ مُعْتاد أقَلُّ مِن ثَلاثَةٍ وأَكْثَرُ مِن عَشَرَةٍ.
قال عَطاءٌ: رَأيتُ مِن النِّساء مَن تَحِيضُ يَوْمًا، وتَحيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ.
وقال شَرِيكٌ 1281: عِنْدَنا امرأةٌ تَحِيضُ كلَّ شَهْرٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَيضًا مُسْتَقِيمًا.
وقال أبو عبدِ اللهِ الزُّبَيرِيُّ: كان في نِسائِنا مَن تَحِيضُ يَوْمًا، وتَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا.
وقال الشافعيُّ: رَأْيتُ امرأةً
الجزء: 2 - الصفحة: 393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أُثْبِتَ لي عنها أنَّها لم تَزَلْ تَحِيضُ يَوْمًا، لا تَزِيدُ عليه، وأثْبِتَ لي عن نِساءٍ، أَنَّهُنَّ لم يَزَلْنَ يَحِضْنَ أقَلَّ مِن ثلاثةِ أيَّامٍ.
وقَوْلُهُنَّ يَجِبُ الرُّجُوعُ إليه، لقَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ 1282. فلولا أنَّه مَقْبُولٌ.
ما حَرَّمَ عليهِنَّ الكِتْمانَ، وجَرَى ذلك مَجْرَى الشَّهادَةِ.
ولم يُوجَدْ حَيضٌ مُعْتادٌ أقَلّ مِن ذلك في عَصْرٍ مِن الأعْصارِ، فلا يكُونُ حَيضًا بحالٍ.
وحديثُ واثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ يَرْويه محمدُ بنُ أحمدَ الشّامِيُّ، وهو ضَعِيفٌ، عن حَمّادِ بنِ المِنْهالِ، وهو مَجْهُولٌ، وحديثُ أنَسٍ رَواه الجَلْدُ بنُ أيُّوبَ، وهو ضَعِيفٌ.
قال ابنُ عُيَينَةَ: هو مُحَدِّثٌ لا أصْلَ له.
وقال يَزِيدُ بنُ زُرَيع: ذاك أبو حنيفةَ، لم يَحْتَجَّ إلَّا بالجَلْدِ بنِ أيُّوبَ.
وحديثُ الجَلْدِ، ولو صَحَّ، فقد رُوِيَ عن عليٍّ، رَضِي اللهُ عنه، ما يُعارِضُه، فإنَّه قال: ما زادَ على خَمْسَ عَشْرَةَ اسْتِحاضَةٌ، وأقَلُّ الحَيضِ يَوْمٌ ولَيلَةٌ.
الجزء: 2 - الصفحة: 394
وَغَالِبُهُ سِتٌّ أوْ سَبْعٌ.
وأقَلُّ الطُّهْرِ بَينَ الْحَيضَتَينِ ثَلَاثَةَ عَشرً يَوْمًا.
223 - مسألة: (وغالِبُه سِتٌّ أو سَبْعٌ)
لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لحَمْنَةَ: «تَحَيَّضِي في عِلْمِ اللهِ سِتَّةَ أيَّامٍ، أوْ سَبْعَةَ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وصَلِّي أرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، أوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، كَمَا تَحِيضُ النِّساءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ، لِمِيقَاتِ حَيضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» (1). حديثٌ حسنٌ.
224 -
مسألة: (وأَقَلُّ الطُّهْرِ بينَ الحَيضَتَينِ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا)
لأنَّ كَلامَ أحمدَ لا يَخْتَلِفُ أنَّ العِدَّةَ يَصِحُّ أن تَنْقَضِيَ في شَهْرٍ إذا قامَتْ به البَيِّنةُ.
قال إسحاقُ: تَوْقِيتُ هؤلاء بالخَمْسَةَ عَشَرَ باطِلٌ.
وقال أبو بَكْرٍ: أقَلُّ1283
الحديث: 223 - الجزء: 2 - الصفحة: 395
وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ، وَلَا حَدَّ لأكْثَرِهِ.
الطُّهْرِ مَبْنِيٌّ على أكْثَرِ الحَيضِ، فإن قُلْنا: أكْثَرُه خَمْسَةَ عَشَرَ.
فأقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ.
وإن قُلْنا: أكْثَرُه سَبْعَةَ عَشَرَ.
فأقَلُّ، الطّهْرِ ثلاثةَ عَشَرَ.
وهذا بَناه على أنَّ شَهْرَ المرأةِ لا يَزِيدُ على ثَلاثِين يَوْمًا، يَجتَمِعُ فيه حَيضٌ وطُهْرٌ، وأمّا إذا زاد شَهْرُها على ذلك، فلا يَلْزَمُ ما قال.
وقال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ: أقَلّه خَمْسَةَ عَشَرَ 1284. وعن أحمدَ نَحْوُ ذلك، لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «تَمْكُثُ إحْدَاكُنَّ شَطر عُمْرِهَا لَا تُصَلِّي» 1285. ولَنا، ما روَى الإِمامُ أحمدُ، عن عليٍّ، رَضِي اللهُ عنه، أنَّ امرأةً جاءَتْه، وقد طَلَّقَها زَوْجُها، فزَعَمَتْ أنَّها حاضَتْ في شَهْرٍ ثلاثَ حِيَضٍ، طَهُرَتْ عندَ كلِّ قُرْءٍ وصَلَّتْ، فقال عليٌّ لشُرَيحٍ: قُلْ فيها.
فقال شُرَيحٌ: إن جاءت ببَيِّنةٍ مِن بِطانَةِ أهْلِها مِمَّن يرضَى دِينُه وأمانَتُه، فشَهِدَتْ بذلك، وإلَّا فهي كاذِبَةٌ.
فقال عليٌّ: قَالُون.
يَعْنِي: جَيِّدٌ، بالرُّومِيَّةِ.
ولا يقُولُ مِثْلَ هذا إلَّا تَوْقِيفًا، ولأنَّه قولُ صَحابِيٍّ انْتَشَرَ، ولم يُعْلَمْ خِلافُه،
الجزء: 2 - الصفحة: 396
فَصْلٌ: وَالْمُبْتَدَأَةُ تَجْلِسُ يَوْمًا وَلَيلَةً، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، فَإنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لأكْثَرِهِ فَمَا دُونَ، اغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ، وَتَفْعَل ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَإنْ كَانَ في الثَّلَاثِ عَلَى قَدْرٍ وَاحِدٍ صَارَ عَادَةً، وَانْتَقَلَتْ إِلَيهِ، وَأَعَادَتْ مَا صَامَتْهُ مِنَ الْفَرْضِ فِيهِ.
وَعَنْهُ، يَصِيرُ عَادَةً بِمَرَّتَينِ.
ولا يُتَصَوَّرُ إلَّا على قَوْلِنا: أقَلُّه ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وأقَلُّ الحَيضِ يومٌ.
وهذا في الطُّهْرِ بينَ الحَيضَتَين، فأَمَّا الطُّهْرُ بينَ الحَيضَةِ فسيَأْتِي حُكْمُه.
وغالبُ الطُّهْرِ أربعةٌ وعِشْرُون، أو ثلاثةٌ وعِشْرُون، لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لحَمْنَةَ: «ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي أرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، أوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، كَمَا يَحِيضُ النِّساءُ، وَكَمَا يَطْهُرْنَ».
ولا حَدَّ لأَكْثَرِه، لأنَّ التَّحْدِيدَ مِن الشَّرْعِ ولم يَرِدْ به، ولا نَعْلَمُ له دَلِيلًا.
واللهُ أعلمُ.
225 -
مسألة: (والمُبْتَدَأَةُ تَجْلِسُ يَوْمًا ولَيَلَةً ثم تَغْتَسِلُ وتُصَلِّي، فإنِ انْقَطَعَ دَمُها لأكْثَرِه فما دُونَ، اغْتَسَلَتْ عندَ انْقِطاعِه، وتَفْعَلُ ذلك ثلاثًا.
فإن كان في الثَّلاثِ على قَدْرٍ واحِدٍ، صار عادَةً وانتقَلَتْ إليه، وأعادَتْ ما صامَتْه مِن الفَرضِ فيه.
وعنه: يَصِيرُ عادَةً بمَرَّتَين)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المُبْتَدَأةَ أوَّلَ ما تَرَى الحَيضَ ولم تَكُنْ
الحديث: 225 - الجزء: 2 - الصفحة: 397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حاضَتْ قبلَه، إذا كان في وَقْتٍ يُمْكِنُ حَيضُها وهي التي لها تِسْعُ سِنِينَ فصاعِدًا، إذا انْقَطَعَ لأقَلَّ مِن يَوْم ولَيلَةٍ، فهو دَمُ فَسادٍ، وإن كان يَوْمًا ولَيلَةً فما زادَ، فإنَّها تَدَعُ الصومَ والصلاةَ، لأنَّ دَمَ الحَيضِ جِبِلَّةٌ وعادَةٌ، ودَمُ الاسْتِحاضَةِ لعارِضٍ، الأصْلُ عَدَمُه.
وظاهِرُ المذهبِ أنَّها تَجْلِسُ يَوْمًا ولَيلَةً، ثم تَغْتَسِلُ وتَتَوَضَّأُ لوَقْتِ كلِّ صلاةٍ، وتُصَلِّي، وتَصُومُ.
فإذا انْقَطعَ دَمُها لأكْثَرِ الحَيضِ فما دُونَ، اغْتَسَلَتْ غُسْلًا ثانِيًا عندَ انْقِطاعِه، ثم تَفْعَلُ ذلك في الشَّهْرِ الثاني والثالثِ، فإن كان في الأشْهُرِ الثَّلاثَةِ مُتَساويًا، صارَ ذلك عادَةً، وعَلِمْنا أنَّها كانت حَيضًا، فيَجِبُ عليها قَضاءُ ما صامَتْه مِن الفَرْضِ فيه، لأنَّنا تَبَيَّنَا أنَّها صامَتْهْ في زَمَنِ الحَيضِ.
وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ.
قال القاضي: المذهبُ عِنْدِي في هذا رِوايَةٌ واحِدَةٌ.
وذلك لأنَّ العِبادَةَ واجِبَةٌ في ذِمَّتِها بيَقِينٍ، فلا تَسْقُط بأمْرٍ مَشْكُوكٍ فيه أوَّلَ مَرَّةٍ، كالمُعْتَدَّةِ لا نَحْكُمُ ببَراءَةِ ذِمُّتِها مِن العِدَّةِ بأوَّلِ حَيضَةٍ، ولا يَلْزَمُ عليه اليَوْمُ واللَّيلَةُ، لأنَّها اليَقِينُ، فلو لم نُجْلِسْها ذلك أدَّى إلى أنْ لا نُجْلِسَها أصْلًا، وقد نُقِل عن أحمدَ فيها ثَلاثُ رِواياتٍ أُخَرُ، إحْداها، أنَّها تَجْلِسُ سِتًّا أو سَبْعًا: نَقَلَها عنه صالِحٌ على حديثِ حَمْنَةَ، لأنَّه أكثَرُ ما تَجْلِسُه النِّساءُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 398
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثانيةُ، تَجْلِسُ عادَةَ نِسائِها، كأَنَّها وأُخْتِها وعَمَّتِها وخالتِها.
وهذا قول عَطاءٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّها تُشْبِهُهُنَّ في ذلك.
وهو قولُ إسحاقَ.
غيرَ أنَّه قال: فإِن لم تَعْرِفِ الأُمَّ والخالةَ أو العَمَّةَ، فإنَّها تَجْلِسُ سِتَّةَ أَيَّامٍ، أو سَبْعَةً، كما في حديثِ حَمْنَةَ.
والثالثةُ، أنَّها تَجْلِسُ ما تَراه مِن الدَّم، ما لم يُجَاوزْ أكْثَرَ الحَيضِ.
وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعيِّ.
اخْتارها شَيخُنا 1286. فإنِ انْقَطَعَ لأكْثَرِه [فما دُونَ] 1287، فالجمِيعُ حَيضٌ، لأنَّنا حَكَمْنا بأنَّ ابْتِداءَ الدَّمِ حَيضٌ، مع جَوازِ أن يكُونَ اسْتِحاضَةً، فكذلك باقِيه.
ولأنَّ دَمَ الحَيضِ دَمُ جِبِلَّةٍ، والاسْتِحاضَةُ دَمٌ عارِضٌ، والأصْلُ فيها الصِّحَّةُ والسَّلامَةُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 399
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: لا يَخْتَلِفُ المذهبُ أنَّ العادَةَ لا تَثْبُتُ بمَرَّةٍ، وظاهِرُ مذهب الشافعي أنها تَثْبُتُ بمَرَّةٍ؛ لأنَّ المرأةَ التي اسْتَفْتَتْ لها أمُّ سَلَمَةَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَدَّها إلى الشَّهْرِ الَّذي يَلي شهرَ الاسْتِحاضَةِ؛ لأنَّ ذلك أقْرَبُ إليها، فوَجَبَ رَدُّها إليه.
ولَنا، أنَّ العادَةَ مأخُوذَةٌ مِن المُعاوَدَةِ، ولا تَحْصُلُ بمَرَّةٍ، والحديثُ حُجَّةٌ لَنا؛ لأنَّه قال: «لِتَنْظر عِدَّةَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أصَابَهَا» 1288. و «كان» يُخْبَرُ بها عن دَوامِ الفِعْلِ وتَكْرارِه، ولا يُقالُ لمَن فَعَل شيئًا مَرَّةً: كان يَفْعَلُ.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ؛ هل تَثْبُتُ العادَةُ بمَرَّتَين، أو ثلاثٍ؟ فعنه، أنَّها تَثْبُتُ بمَرَّتَين؛ لأنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن المُعاوَدَةِ، وقد عاوَدَتْها في المَرَّةِ الثانيةِ.
وعنه، لا تَثْبُتُ إلَّا بثَلاثٍ.
وهو
الجزء: 2 - الصفحة: 400
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَشْهُورُ في المذهبِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «تَدَعُ الصَّلَاةَ أيَّامَ أقْرَائِهَا» 1289. والأقْراءُ جَمْعٌ، وأقَلُّه ثلاثةٌ، ولأنَّ العادَةَ إنَّما تُطْلَقُ على ما كَثُرَ، ولأنَّ ما اعْتُبِرَ له التَّكْرارُ اعْتُبِرَ ثَلاثًا، كخِيارِ المُصرِّاةِ.
فإن قُلْنا بهذه الرِّواية، لم تَنْتَقِلْ عن اليَقِينِ في الشَّهْرِ الثالثِ.
وإن قُلْنا بالرِّوايَةِ الأُولَى، انْتَقَلَتْ إليه في الشَّهْرِ الثالثِ.
وعلى قَوْلِنا: إنَّها تَجْلِسُ أقَلَّ الحَيضِ أو غالِبَه أو عادَةَ نِسائِها، إذا انْقطَعَ الدَّمُ لأكْثَرِ الحَيضِ فما دُونَ، وكان في الأشْهُرِ الثَّلاثَةِ.
على قَدْرٍ واحِدٍ، أو في شَهْرَين، على اخْتِلافِ الرِّوايَتَين.
انتقَلَتْ إليه وعَمِلَتْ عليه، وأعادَتْ ما صامَتْه مِن الفَرْضِ فيه؛ لأنَّنا 1290 تَبَيَّنَا أنَّها صامَتْه في حَيضِها.
الجزء: 2 - الصفحة: 401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ومتى أجْلَسْناها يَوْمًا ولَيلَةً، أو سِتًّا، أو سَبْعًا، أو عادَةَ نِسائِها، فرَأتِ الدَّمَ أكْثَرَ مِن ذلك، لم يَحِلَّ لزَوْجِها وَطْؤُها حتَّى يَنْقَطِعَ، أو يُجاوزَ أكْثَرَ الحَيضِ، لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه حَيضٌ، وإنَّما أمَرْناها بالعبادَةِ فيه احْتِياطًا لبَراءَةِ ذِمَّتِها، فيَجِبُ تَرْكُ وَطْئِها احْتِياطًا أيضًا.
وإنِ انْقَطَعَ الدَّمُ، واغْتَسَلَتْ، حَلَّ وَطْؤُها، ولم يُكْرَهْ، لأنَّها رَأتِ النَّقاءَ الخالِصَ.
وعنه، يُكْرَهُ، لأنَّا لا نَأْمَنُ مُعاوَدَةَ الدَّمِ، فكُرِهَ وَطْؤُها، كالنُّفَساءِ إذا انْقَطَعَ دَمُها لأقَلَّ مِن أرْبَعِين يَوْمًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 402
وَإنْ جَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيضِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، فَإِنْ كَانَ دَمُهَا مُتَمَيِّزًا؛ بَعْضُهُ ثَخِينٌ أسْوَدُ مُنْتِنٌ، وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ أَحمَرُ، فَحَيضُهَا زَمَنَ الدَّمِ الأسْوَدِ، وَمَا عَدَاهُ اسْتِحَاضَةٌ،
226 - مسألة: (فإن جاوَزَ أكْثَرَ الحَيضِ، فهي مُسْتَحاضَةٌ)
لأنَّ الدَّمَ كلَّه لا يَصْلُحُ أن يكُونَ حَيضًا.
227 -
مسألة: (فإن كان دَمُها مُتَمَيِّزًا؛ بعضُه أسْوَدُ ثَخِينٌ مُنْتِنٌ، وبعضُه رَقِيقٌ أَحْمَرُ، فحَيضُها زَمَنَ الدَّمِ الأسْوَدِ، وما عَداه اسْتِحاضَةٌ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المُبْتَدَأةَ إذا جاوَزَ دَمُها أكْثَرَ الحَيضِ، لم تَخْلُ مِنْ
الحديث: 226 - الجزء: 2 - الصفحة: 403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حالَيْن؛ أحَدُهما، أن تكُونَ مُمَيِّزةً، وهي أن يكُونَ بَعْضُ دَمِها أسْوَدَ ثَخِينًا مُنْتِنًا، وبَعْضُه أحْمَرَ رَقِيقًا، أو أصْفَرَ لا رائِحةَ له، ويكُونَ الدَّمُ الأسْوَدُ أو الثَّخِينُ لا يَزِيدُ على أكثَرِ الحَيضِ، ولا يَنْقُصُ عن أقَلِّه، فحُكْمُ هذه أنَّ حَيضَها زَمَنَ الدَّمِ الأسْوَدِ والثَّخِينِ، فإذا انْقَطعَ فهي مُسْتَحاضَةٌ وتَغْتَسِلُ للحَيضِ، وتَتَوَضَّأْ لكلِّ صلاةٍ، وتُصَلِّي.
وبهذا قال مالكٌ والشافعيُّ؛ لِما رَوَتْ عائِشةُ، قالت: جاءت فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيشٍ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنِّي اسْتَحاضُ.
فلا أطْهُرُ، أفأدَعُ الصلاةَ؟ فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيسَ بِالْحَيضَةِ، فَإذَا أقْبَلَتِ الْحَيضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإذَا أدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي».
مُتَّفَقٌ عليه 1291. وللنَّسائِيِّ وأبي داودَ 1292: «إذَا كَانَ دَمُ الحَيضِ فَإنَّه أسْوَدُ يُعْرَفُ، فَأمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي فَإنَّمَا هُوَ عِرْقٌ».
وقال ابنُ عباسٍ:
الجزء: 2 - الصفحة: 404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أمّا ما رَأتِ الدَّمَ البَحْرانِيَّ 1293 فإنَّها تَدَعُ الصلاةَ، إنَّها واللهِ لن تَرَى الدَّمَ بعدَ أيَّامِ مَحِيضِها إلَّا كغُسالَةِ ماءِ اللَّحْمِ.
ولأنَّه خارِجٌ مِن الفَرْجِ يُوجِبُ الغُسْلَ؛ فرُجِعَ إلى صِفَتِه عندَ الاشْتِباهِ، كالمَنِيِّ والمَذْي.
فصل: وظاهِرُ كلامِ شَيخِنا 1294، رَحِمه اللهُ، ها هنا، أنَّ المُمَيِّزةَ إذا عَرَفَتِ التَّمْيِيزَ جَلَسَتْه مِن غيرِ تَكْرارٍ.
وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، والخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ ابنِ عَقِيلٍ؛ لأنَّ مَعْنَى التَّمْيِيزِ أن يَتَمَيَّزَ أحَدُ الدَّمَين عن الآخَرِ في الصِّفَةِ، وهذا يُوجَدُ بأوَّلِ مَرَّةٍ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقال القاضي، وأبو الحسنِ الآمِدِيُّ: إنَّما تَجْلِسُ المُمَيِّزَةُ مِن التَّمْيِيزِ ما تَكَرَّرَ مَرَّتَين أو ثلاثًا، بِناءً على الرِّوايَتَين، فيما تَثْبُتُ به العادَةُ.
ولَنا، قولُ النبيِّ: - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أقْبَلَتِ الْحَيضَةُ فَاتْركِي الصَّلَاةَ، فَإذَا أدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي».
أمَرَها بتَرْكِ الصلاةِ إذا أقْبَلَتِ الحَيضَةُ، مِن غيرِ اعْتِبارِ أمْرٍ آخَرَ، ثم مَدَّه إلى حينِ إدْبارِه؛ ولأنَّ 1295 التَّمْيِيزَ أمارَةٌ بمُجَرَّدِه، فلم يَحْتَجْ إلى
الجزء: 2 - الصفحة: 405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ضَمِّ غيرِه إليه، كالعادَةِ.
وعندَ القاضي: لا تَجْلِسُ مِن التَّمْيِيزِ إلّا ما تَكَرَّرَ.
فعلى هذا، إذا رَأتْ في كلِّ شَهْرٍ خَمْسَةً أحْمَرَ، ثم خَمْسَةً أسْوَدَ، ثم أحْمَرَ، واتَّصَلَ، جَلَسَت زَمانَ الأسْوَدِ، فكان حَيضَها، والباقي اسْتِحاضَةً.
وهل تَجْلِسُ الأسْوَدَ في الشَّهْرِ الثاني أو الثالثِ أو الرابعِ؟ يُخَرَّجُ ذلك على الرِّواياتِ الثَّلاثِ.
وكذلك لو رَأتْ عَشَرَةً أحْمَرَ، ثم خَمْسَةً أسْوَدَ، ثم أحْمَرَ، فإنِ اتَّصَلَ الأسْوَدُ وعَبَر أكْثَرَ الحَيضِ، فليس لها تَمْيِيزٌ وحَيضُها 1296 مِن الأسْوَدِ؛ لأنَّه أشْبَهُ بدَمِ الحَيضِ.
ولو رَأتْ أقَلَّ مِن يَوْمٍ ولَيلَةٍ أشودَ، فلا تَمْييزَ لها؛ لأنَّه لا يَصْلُحُ حَيضًا.
وإن رَأتْ في الشَّهْرِ الأولِ أحْمَرَ كلَّه، وفي الثاني والثالثِ والرابع خَمْسَةً أسْوَدَ، وفي الخامِسِ كلِّه أحْمَرَ، فإنّها تَجْلِسُ في الأشْهُرِ الثَّلَاثَةِ اليَقِينَ، على قَوْلِنا: يُعْتَبَرُ التَّكْرارُ في المُمَيِّزَةِ.
وفي الرابعِ أيَّامَ الدَّمِ الأسودِ في قَوْلِ شَيخِنا 1297، وفي الخامِسِ تَجْلِسُ خَمْسَةً أيضًا.
وقال القاضي: لا تَجْلِسُ
الجزء: 2 - الصفحة: 406
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن الرابع إلَّا اليَقِينَ، إلَّا أن نقُولَ: تَثْبُتُ العادَةُ بمَرَّتَين.
قال شيخُنا: وفيه نَظرٌ، فإنَّ أكْثَرَ ما يُقَدَّرُ فيها أنَّها لا عادةَ لها ولا تَمْيِيزَ، ولو كانت كذلك لجَلَسَتْ سِتًّا أوْ سَبْعًا، في أصَحِّ الرِّواياتِ.
فكذا ههُنا.
قُلتُ: فيَنْبَغِي على هذا أن لا تَجْلِسَ بالتَّمْيِيزِ، وإنَّما تَجْلِسُ غالِبَ الحَيضِ؛ لِما ذَكَرَه.
ومَن لم يَعْتَبِرِ التَّكْرارَ في التَّمْيِيزِ فهذه مُمَيِّزَةٌ، ومَن قال: إنها تَجْلِسُ بالتَّمْيِيزِ في الشَّهْرِ الثاني، قال: إنَّها تَجْلِسُ الدَّمَ الأسْوَدَ في الشَّهْرِ الثالثِ؛
الجزء: 2 - الصفحة: 407
وَإنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا قَعَدَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ غَالِبَ الْحَيضِ، وَعَنْهُ، أَقَلَّهُ.
وَعَنْهُ، أكْثَرَهُ.
لأنَّها لا تَعْلَمُ أنَّها مُمَيِّزَةٌ قَبْلَه.
الحالُ الثاني، أن لا يكونَ دَمُها مُتَمَيِّزًا على ما مَضى، ففيها أربعُ رِواياتٍ، إحْداها، أنَّها تَجْلِسُ غالِبَ الحَيضِ مِن كلِّ شَهْرٍ، وذلك سِتَّةُ أَيَّام أو سَبْعَةٌ.
وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه غالِبُ عَاداتِ النِّساءِ، فيَجِبُ رَدُّها إليه، كرَدِّها في الوَقْتِ إلى حَيضِها في كلِّ شَهْرٍ.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، أنَّها تَجْلِسُ أقَلَّ الحَيضِ لأنَّه اليَقِينُ.
وللشافعيِّ قَوْلان كهاتَين الرِّوايَتَين.
والثالثةُ، أنَّها تَجْلِسُ أكْثَرَ الحَيضِ.
وهو قَوْلُ أبي
الجزء: 2 - الصفحة: 408
وَعَنْهُ، عَادَةَ نِسَائِهَا؛ كَأُمِّهَا، وَأُخْتِهَا، وَعَمَّتِهَا، وَخَالتِهَا.
حنيفةَ؛ لأنَّه زَمَانُ الحَيضِ، فإذا رَأتِ الدَّمَ فيه جَلَسَتْه كالمُعْتادَةِ.
والرابعةُ أنَّها تَجْلِسُ عادَةَ نِسائِها كَأُمِّهَا، وَأُخْتِهَا، وَعَمَّتِهَا وخالتِها.
وهو قولُ عَطاء، والثَّوْرِي، والأوْزاعِي؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أسنَها تُشْبِهُهُنَّ في ذلك.
والأوَّلى أصَحُّ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِحَمْنَةَ: «تَحَيَّضِي في عِلْمِ اللهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أوْ سَبْعَةً، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وَصَلِّي أرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا أوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ، كما يَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْن، لِمِيقَاتِ حَيضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» 1298.
حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
رَدَّها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك، ولم يَرُدَّها إلى غيرِه مِمّا ذَكَرُوا 1299، ولأنَّ هذه تُرَدُّ إلى غالِبِ عاداتِ النِّساءِ في وَقْتِها، بمَعْنَى أنَّها تَجْلِسُ في كلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فكذلك في عَدَدِ أيَّامِها، وبهذا يَبطُلُ ما ذُكِر؛ لليَقِينِ، ولعادَةِ نِسائِها.
الجزء: 2 - الصفحة: 409
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وهل تُرَدُّ إلى ذلك إذا اسْتَمَرَّ بها الدَّمُ في الشَّهْرِ الرابعِ أو الثاني؟ المَنْصُوصُ أنَّها لا تُرَدُّ إلى سِتٍّ أو سَبْعٍ إلَّا في الشَّهْرِ الرابعِ؛ لأنّا لا نُحَيِّضُها أكْثَرَ مِن ذلك إذا لم تَكُنْ مُسْتَحاضَةً، فأوْلَى أن نَفْعَلَ ذلك إذا كانت مُسْتَحاضَةً.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن تَنْتَقِلَ إليها في أيَّامِ الشَّهْرِ الثاني بغيرِ تَكْرارٍ؛ لأنّا قد عَلِمْنا اسْتِحاضَتَها، فلا مَعْنَى للتَّكْرارِ في حَقِّها.
وهو أصَحُّ إن شاء اللهُ؛ لظاهِرِ حديثِ حَمْنَةَ.
الجزء: 2 - الصفحة: 410
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، في الْمُبْتَدَأة أَوَّلَ مَا تَرَى الدَّمَ الرِّوَايَاتِ الْأَرْبَعَ.
228 - مسألة: (وذَكَر أبو الخَطَّابِ في المُبْتَدَأةِ أوَّلَ ما تَرَى الدَّمَ الرِّواياتِ الأربعَ)
إحْداها، تَجْلِسُ أقَلَّ الحَيضِ؛ لأنَّه اليَقِينُ.
والثانيةُ، تَجْلِسُ [سِتًّا أو سَبْعًا] 1300؛ لأنَّه الغالِبُ.
والثالثةُ، تَجْلِسُ عادَةَ نِسائِها؛ لأنَّ الظَّاهِرَ شِبْهُها بِهِنَّ.
والرابعةُ، تَجْلِسُ ما تَراه مِن الدَّمِ، ما لم يُجاوزْ أكْثَرَ الحَيضِ، قِياسًا على اليَوْمِ واللَّيلَةِ، وقد ذَكَرْنا ذلك.
الحديث: 228 - الجزء: 2 - الصفحة: 411
وَإنِ اسْتُحِيضَتِ الْمُعْتَادَةُ رَجَعَتْ إِلَى عَادَتِهَا، وَإنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً.
وَعَنْهُ، يُقَدَّمُ التَّمْيِيزُ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ.
229 - مسألة: (وإنِ اسْتُحِيضَتِ المُعْتادَةُ، رَجَعَتْ إلى عادَتِها وإن كانت مُمَيِّزَةً. وعنه: يُقَدَّمُ التَّمْيِيزُ. وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ)
وإن نَسِيَتِ العادَةَ عَمِلَتْ بالتَّمْيِيزِ، فإن لم يَكُنْ لها تَمْيِيزٌ جَلَسَتْ غالِبَ الحَيضِ مِن كلِّ شَهْرٍ.
وعنه، أقَلَّه.
وقِيلَ فيها الرِّواياتُ الأرْبَعُ وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المُعْتادَةَ إذا اسْتُحِيضَتْ لم تَخْلُ مِن أربعةِ أقْسام؛ أحَدُها، أن تكُونَ مُعْتادَةً ولا تَمْيِيزَ لها؛ لكَوْنِ دَمِها على صِفَةٍ لا يَخْتَلِفُ ولا يَتَمَيَّزُ بَعْضُه مِن
الحديث: 229 - الجزء: 2 - الصفحة: 412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعضٍ، أو بأن يكُونَ الدَّمُ الَّذي يَصْفحُ للحَيضِ يَنْقُصُ عن أقَلِّ الحَيضِ أو يَزِيدُ على أكْثَرِه، فهذه تَجْلِسُ أيَّامَ عادَتِها، ثم تَغْتَسِلُ عندَ انْقِضائِها، وتَتَوَضَّأُ بعدَ ذلك لوَقْتِ كلِّ صلاةٍ وتُصَلِّي.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
وقال مالكٌ: لا اعْتِبارَ بالعادَةِ، إنَّما الاعْتِبارُ بالتَّمْيِيزِ، فإن لم تَكُنْ مُمَيِّزَةً اسْتَطْهَرَتْ بعدَ زَمانِ عادَتِها بثلاثَةِ أيَّام، إن لم تُجاوزْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثم هي بعدَ ذلك مُسْتَحاضَةٌ.
واحْتَجَّ بحديثِ فاطمةَ الَّذي ذَكَرْناه.
ولَنا، ما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، أنَّ امرأةً كانت تُهَرَاقُ الدِّماءَ على عهدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لِتَنْظر عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ قَبْلَ أنْ يُصِيِبَهَا الَّذِي أصَابَها، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لْتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، ثُمَّ لْتُصَلِّ» 1301. رواه أبو داودَ، والنَّسائِيُّ.
وقد روى في حديث فاطمةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لها: «ودَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي
الجزء: 2 - الصفحة: 413
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَصَلِّي».
مُتَّفَق عليه 1302. ورَوَتْ أُمُّ حَبيبَةَ، أَنَّها سألَتْ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الدَّمِ، فقال لها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي».
رَواه مسلمٌ 1303. ولا حُجَّةَ له في الحديثِ على تَرْكِ العادَةِ في حَقِّ مَن لا تَمْيِيزَ لها.
فصل: لا يَخْتَلِفُ المذهبُ أنَّ العادَةَ لا تَثْبُتُ بمَرَّةٍ؛ لأنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن المُعاوَدَة.
وهل تَثْبُتُ بمَرَّتَين أو بثَلاثٍ؟ على رِوايَتَين، وقد ذَكَرْناه.
وتَثْبُتُ العادَةُ بالتَّمْيِيزِ، فإذا رَأتْ دَمًا أسْوَدَ خَمْسَةَ أيَّام في ثلاثةِ أشْهُرٍ أو شَهْرَين، على إحْدَى الرِّوايَتَين، ثم صار أحْمَرَ، واتَّصَلَ، ثم صار في سائِرِ الأشْهُرِ دَمًا مُبْهَمًا، كانت على عادَتِها زَمَنَ الدَّمِ الأسْوَدِ.
فصل: والعادَةُ على ضَرْبَين؛ مُتَّفِقَةٍ، ومُخْتَلِفَةٍ، فالمُتَّفِقَةُ أن تكُونَ أيَّامًا مُتَساويةً، كخَمْسَةٍ في كلِّ شَهْرٍ، فإذا اسْتُحِيضَتْ جَلَسَتْها فقط.
وأمّا المُخْتَلِفَةُ فإن كانت على تَرتِيبٍ، مثلَ أن تَرَى في شَهْرٍ ثلاثةً، وفي الثاني أربعةً، وفي الثالثِ خَمْسَةً، ثم تَعُودَ إلى ثلاثةٍ، ثم إلى أربعةٍ، ثم إلى خمسةٍ على ما كانت، فهذه إذا اسْتُحِيضَتْ في شَهْرٍ، فعَرَفَتْ نَوْبَتَه عَمِلَتْ
الجزء: 2 - الصفحة: 414
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه، ثم علي الَّذي بعدَه، [وعلى الَّذي] 1304 بعدَه على العادَةِ.
وإن نَسِيَتْ نَوْبَتَه حَيَّضْناها على اليَقِينِ، وهو ثلاثةُ أيَّام، ثم تَغْتَسِلُ، وتُصَلِّي بَقِيَّةَ الشَّهْرِ.
وإن عَلِمَتْ أنَّه غيرُ الأوَّلِ، وشَكَّتْ؛ هل هو الثاني أو الثالثُ؟ جَلَسَتْ أربعةً؛ لأنَّها اليَقِينُ، ثم تَجْلِسُ مِن الشَّهْرَين الآخَرَين ثلاثَةً ثلاثةً، وتَجْلِسُ في الرابعِ أربعةً، ثم تَعْودُ إلى الثلاثةِ كذلك أبدًا، ويُجْزِئُها غُسْلٌ واحِدٌ عندَ انْقِضاءِ المُدَّةِ التي جَلَسَتْها، كالنّاسِيَةِ إذا جَلَسَتْ أقَلَّ الحَيضِ؛ لأنَّ ما زاد على اليَقِينِ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَجبٌ عليها الغسْلُ بالشَّكِّ.
قال شيخُنا 1305: ويَحْتَمِلُ وُجوبَ الغُسْلِ عليها أَيضًا عندَ مُضِيِّ أكْثَرَ عادَتِها؛ لأنَّ يَقينَ الحَيضِ ثابِتٌ، وحُصولَ الطهارةِ بالغسْلِ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ، ولأنَّ هذه مُتَيَقِّنَةٌ وُجوبَ الغُسْلِ عليسا في أحَدِ الأيَّامِ الثلاثةِ في اليومِ الخامِسِ، وقد اشْتَبَه عليها، وصِحَّة صَلا تها تَقِفُ على الغسْلِ، فيَجِبُ عليها؛ لتَخْرُجَ عن العُهْدَةِ بيَقِين.
وهذا الوَجْهُ أصَحُّ لذلك.
وتُفارِقُ هذه النَّاسِيَةَ؛ لأنَّها لا تَعْلَمُ لها حَيضًا زائِدًا على ما جَلَسَتْه، وهذه تَعْلَم لها حَيضًا زائِدًا تَقِفُ صِحَّةُ صَلاتها على غُسْلِها منه، فوَجَبَ ذلك، فعلى هذا يَلْزَمُها غُسْلٌ ثانٍ، عَقِيبَ اليَوْمِ الخامِسِ في كلِّ شَهْرٍ.
وإن جَلَسَتْ في رمضانَ ثلاثَةَ أيَّام، قَضَتْ خَمْسَةَ أيَّام؛ لأنَّ الصومَ كان ذِمَّتِها، ولا تَعْلَم أنَّ اليَوْمَين اللَّذَين صامَتْهما أسْقَطا الفَرْضَ مِن ذِمَّتِها، ويَحْتَمِلُ أنَّه يَلْزَمُها في كلِّ شَهْرٍ ثلالةُ أغْسالٍ؛ غسْلٌ عَقِيبَ
الجزء: 2 - الصفحة: 415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اليَوْمِ الثالثِ والرابع، والخامس؛ لأنَّ عليها عَقِيبَ الرابعِ غسْلًا في بَعْضِ الأشْهُرِ، وكلُّ شَهْرٍ يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ هو الشهرَ الَّذي يَجِبُ الغُسْلُ فيه بعدَ الرابع، فيَلْزَمُها ذلك؛ قُلْنا في الخامِسِ.
فصل: وإن كان الاخْتِلافُ على غيرِ تَرْتِيبٍ، مِثْلَ أن تَحِيضَ مِن شَهْرٍ ثلاثَةً، ومِن الثاني خَمْسَةً، ومِن الثالثِ أربعةً، وأشْباهَ ذلك، فإن أمْكَنَ ضَبْطُه بحيث لا يَخْتَلِفُ، فهي كالتي قَبْلَها، وإن لم يُمْكِنْ ضَبْطُه، جَلَسَتِ الأقَلَّ مِن كلِّ شَهْرٍ، واغْتَسَلَتْ عَقِيبَه.
وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ في هذا الفَصْلِ، أنَّ قِياسَ المذهبِ أن تَجْلِسَ أكْثَرَ عادَتِها في كلِّ شَهْرٍ، كالنّاسِيَةِ للعَدَدِ، تَجْلِسُ أكْثَرَ الحَيضِ في إحْدَى الرِّواياتِ.
قال شيخُنا 1306: وهذا لا يَصِحُّ، إذ فيه أمْرُها بتَرْكِ الصلاةِ، وإسْقاطُها عنها مع يَقينِ وُجُوبِها عليها فإنَّنا متى أجْلَسْناها خَمْسًا مِن كلِّ شَهْرٍ، ونحن نَعْلَمُ وُجُوبَ الصلاةِ عليها يَوْمَين منها في شَهْرٍ، ويَوْمًا في شَهْرٍ آخَرَ، فقد أمَرْناها بتَرْكِ الصلاةِ الواجِبَةِ يقينًا، [وذلك لا يَحِلُّ؛ فإنَّ الصلاةَ لا تَسْقُطُ بالاشْتِباهِ، كمَن نَسِيَ صلاةً لا يَعْلَمُ عَينَها، وهذه بخِلافِ النَّاسِيَةِ، فإنّا لا نَعْلَمُ عليها صلاةً واجِبَةً يَقينًا] 1307، والأصْلُ بَقاءُ الحَيضِ، فتَبْقَى عليه.
فصل: ولا تكُونُ المرأةُ مُعْتادَةً حتَّى تَعْرِفَ شَهْرَها، وتَعْرِفَ وَقْتَ حَيضِها منه وطُهْرِها.
وشَهْرُ المرأةِ عِبارَةٌ عن المُدَّةِ التي لها فيها حَيضٌ وطُهْرٌ، وأقَلُّ ذلك أربْعَةَ عَشرً يَوْمًا، أو سِتَّةَ عَشَرَ يومًا، إن قُلْنا: أقَلُّ
الجزء: 2 - الصفحة: 416
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الطُّهْرِ خَمْسَ عَشَرَ.
ولا حَدَّ لأكْثَرِه؛ لأنَّ أكْثَرَ الطهْرِ لا حَدَّ له، وغالِبُه الشَّهْرُ المَعْرُوفُ بينَ النّاس، فإذا عَرَفَتْ أنَّ شَهْرَها ثَلاثُون يَوْمًا، وأنَّ حَيضَها منه خَمْسَةُ أيَّام، وأنَّ طُهْرَها خمسةٌ وعِشْرُون يومًا، وعَرَفتْ أوَّلَه، فهي مُعْتادَةٌ، وإن عَرَفَتْ أيَّامَ حَيضِها، وأيَّامَ طُهْرِها، فقد عَرَفَتْ شَهْرَها، وإن عَرَفَتْ أيَّامَ حَيضِها، ولم تَعْرِفْ أيَّامَ طُهْرِها، أو بالعَكْسِ، فلَيسَتْ مُعْتادَةً، لكنَّها متى جَهِلَتْ شَهْرَها رَدَدْناها إلى الغالِبِ، فحَيَّضْناها مِن كلِّ شَهْرٍ حَيضَةً؛ رَدَدْناها في عَدَدِ أيَّام الحَيضِ إلى الغالِبِ.
فصل: القِسْمُ الثاني؛ أن يكونَ لها عادَةٌ وتَمْيِيزٌ، فإن كان الدَّمُ الَّذي يَصْلُحُ للحَيضِ في زَمَنِ العادَةِ، فقد اتَّفَقَتِ العادَةُ والتَّمْيِيزُ في الدَّلالةِ، فتَعْمَلُ بهما، وإن كان أكْثَرَ مِن العادَةِ أو أقَلَّ، ولم يَنْقُصْ عن أقَلِّ الحَيضِ ولا زاد على أكْثَرِه، ففيه رِوايتان، إحْداهما، يُقَدَّمُ التَّمْيِيزُ.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، وظاهِرُ مذهبِ الشافعيِّ؛ لِما ذَكَرْناه مِن الأدِلَّةِ، ولأنَّ صِفَةَ الدَّمِ أمارَةٌ قائِمَةٌ به، والعادَةُ زَمانٌ مُنْقَضٍ، ولأنَّه خارِجٌ يُوجِبُ الغُسْلَ، فرَجَعَ إلى صِفَتِه عندَ الاشْتِباهِ، كالمَنِيِّ.
والثانيةُ، تُقَدَّمُ العادَةُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، وقولُ أكْثَرِ الأصْحابِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَدَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، والمرأةَ التي اسْتَفْتَتْ لها أُمُّ سَلَمَةَ إلى العادَةِ، ولم يَسْتَفْصِلْ عن كَوْنِها مُمَيِّزةً أو غيرَها، وحديثُ فاطمةَ قد رُوِيَ عنه 1308 فيه رَدُّها إلى العادَةِ أيضًا، فتَعارَضَتْ رِوايَتاه 1309، وبَقِيَتْ أحادِيثُنا خالِيَةً عن مُعارِضٍ.
على
الجزء: 2 - الصفحة: 417
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ حديثَ فاطمةَ قَضِيَّةٌ في عَينٍ، يَحْتَمِلُ أنَّها أخْبَرَتْه أن لا عادَةَ لها، أو عَلِم ذلك مِن غيرِها، وحديثُ عَدِيِّ بنِ ثابِتٍ عامٌّ في كلِّ مُسْتَحاضَةٍ، فيَكُونُ أوْلَى، ولأنَّ العادَةَ أقْوَى؛ لكَوْنِها لا تَبْطُلُ دَلالتُها، واللَّوْنُ إذا زاد على أكْثَرَ الحَيضِ، بَطَلَتْ دَلالتُه، فما لا تَبْطُلُ دَلالتُه أوْلَى.
فصل: ومَن كان حَيضُها خَمْسَةَ أيَّامَ مِن أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ، فاسْتُحِيضَتْ، وصارَتْ تَرَى ثلاثَةً دَمًا أسْوَدَ في أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ، فمَن قَدَّمَ العادَةَ، قال: تَجْلِسُ في كلِّ شَهْير خَمْسَةً، كما كانت قبلَ الاسْتِحاضَةِ.
ومَن قَدَّمَ التَّمْييزَ، جَعَل حَيضَها الثَّلَاثَةَ التي فيها الأسْوَدُ، إلَّا أَنَّها إنَّما تَجْلِسُ الثلاثةَ في الشَّهْرِ الثاني؛ لأنّا لا نَعْلَمُ أَنَّها مُسْتَحاضَة إلُّا بتَجاوُزِ الدَّمِ أكُثَرَ الحَيضِ، ولا نَعْلَمُ ذلك في الشَّهْرِ الأوَّلِ.
فإن رَأتْ في كلِّ شَهْر عَشَرَةً دَمًا أسْوَدَ، ثم صار أحْمَرَ واتَّصَل، فمَن قال: إنَّها لا تَلْتَفِتْ إلى ما زاد على العادَةِ حتَّى يَتَكَرَّرَ.
لم يُحَيِّضْها في الشَّهْرَين الأوَّلَين أو الثلاثةِ على اخْتِلافِ الرِّوايَتَين إلَّا خَمْسَةً، قَدْرَ عادَتِها.
ومَن قال: إنَّها إذا زادَتْ على العادَةِ جَلَسَتْه بأوَّلِ مَرَّةٍ.
أجْلَسَها في الشَّهْرِ الأوَّلِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثم تَغْتَسِلُ وتُصَلِّي، وفي الثاني تَجْلِسُ أيَّامَ العادَةِ، وهي الخمسةُ الأُولَى مِن الشَّهْرِ عندَ مَن يُقَدِّمُ العادَةَ على التَّمْيِيزِ، ومَن قَدَّمَ التِّمْيِيزَ ولم يَعْتَبِرْ فيه التِّكْرارَ، أجْلَسَها العَشَرَةَ كلَّها.
فإذا تَكَررَ ثَلَاثَةَ أشْهُرٍ على هذا الوَصْفِ، فقال القاضي: تَجْلِسُ العَشَرَةَ في الشَّهْرِ الرابع، على الرِّوايَتَين جَمِيعًا؛ لأنَّ الزِّيادَةَ على العادَةِ ثَبَتَتْ بتَكْرارِ الأسْوَدِ.
وقال شيخُنا 1310: ويَحْتَمِلُ
الجزء: 2 - الصفحة: 418
وَإنْ نَسِيَتِ الْعَادَةَ عَمِلَتْ بِالتَّمْيِيزِ،
أن لا تَجْلِسَ زِيادَةً على عادَتِها عندَ مَن يُقَدِّمُ العادَةَ؛ لأَنَّنَا لو جَعَلْنا الزّائِدَ على العادَةِ مِن التَّمْيِيزِ حَيضًا بتَكَرُّرِه، لَجَعَلْنا النّاقِصَ عنها اسْتِحاضَةً بتَكَرُّرِه، فكانت لا تَجْلِسُ فيما إذا رَأتْ ثلاثةً أسْوَدَ ثم صار أحْمَرَ، أكْثَرَ مِن الثَّلَاثةِ، والأمْرُ بخِلافِ ذلك.
فصل: فإن كان حَيضُها خَمْسًا مِن أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ فاسْتُحِيضَتْ، فصارَتْ تَرَى خَمْسَةً أسْوَدَ، ثم يَصِيرُ أحْمَرَ، ويَتَّصِلُ، فالأسْوَدُ حَيضٌ بالاتِّفاقِ؛ لمُوافَقَتِه زَمَنَ العادَةِ والتَّمْييزَ، وإن رَأتْ مكانَ الأسْوَدِ أحْمَرَ، ثم صار أسودَ، وعَبَر، سَقَط حُكْمُ الأسْوَدِ، لعُبُورِه أكْثَرَ الحَيضِ، وكان حَيضُها الأحْمَرَ؛ لمُوافَقَتِه زَمَنَ العادَةِ.
وإن رَأتْ مكانَ العادَةِ أحْمَرَ، ثم رَأتْ خَمْسَةً أسْوَدَ، ثم صار أحْمَرَ واتَّصَلَ، فمَن قَدَّمَ العادَةَ أجْلَسَها أيَّامَها.
وإذا تَكَرَّرَ الأسْوَدُ، فَقال القاضي: يَصِيرُ حَيضًا.
ومَن قَدَّمَ التَّمْيِيزَ، جَعَل الأسْوَدَ وَحْدَه حَيضًا.
230 -
مسألة؛ قال: (وإن نَسِيَتِ العادَةَ عَمِلَتْ بالتَّمْيِيزِ).
وهذا القِسْمُ الثالثُ مِن أقْسامِ المُسْتحاضَةِ، وهي التي لها تَمْيِيزٌ وقد نَسِيَتِ
الحديث: 230 - الجزء: 2 - الصفحة: 419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العادَةَ.
ومَعْنى التَّمْيِيزِ، أن يَتَمَيَّزَ بَعْضُ دَمِها عن بعضٍ؛ فيَكُونَ بَعْضُه أسْوَدَ ثَخِينًا مُنْتِنًا، وبَعْضُه أحْمَرَ رَقِيقًا، أو أصْفَرَ ولا رائِحَةَ له، ويكُونَ الأسْوَدُ أو الثَّخِينُ لا يَزِيدُ على أكْثَرِ الحَيضِ ولا يَنْقُصُ عن أقَلِّه.
فحُكْمُ هذه أنَّ حَيضَها زَمَنَ الأسْوَدِ الثَّخِين أو المُنْتِنِ، فإذا انْقَطَعَ فهي مُسْتَحاضةٌ، تَغْتَسِلُ للحَيضِ وتَتَوَضَّأْ لوَقْتِ كلِّ صلاةٍ بعدَ ذلك، وتُصَلِّي.
وذَكَر أحمدُ المُسْتَحاضَةَ، فقال: لها سُنَنٌ.
فذَكَرَ المُعْتادَةَ، ثم قال: وسُنَّةٌ أُخْرَى، إذا جاءَتْ فزَعَمَتْ أنَّها تُسْتَحاضُ فلا تَطْهُرُ، قِيل لها: أنتِ الآنَ ليس لك أيَّامٌ مَعْلُومَةٌ فتَجْلِسِينَها، ولكنِ انْظُرِي إلى إقْبالِ الدَّمِ وإدْبارِه، فإذا أقْبَلَتِ الحَيضَةُ، وإقْبالُها أن تَرَىْ دَمًا أسْوَدَ يُعْرَفُ، فإذا تَغَيَّرَ دَمُها وكان إلى الصُّفْرَةِ والرِّقَّةِ، فذلك دَمُ اسْتِحاضَةٍ، فاغْتَسِلِي، وصَلِّي.
وهذا مذهبُ مالكٍ، والشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا اعْتِبارَ بالتَّمْيِيزِ، إنَّما الاعْتِبارُ بالعادَةِ خاصَّةً؛ لِما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، أنَّ امرأةً كانت تُهَرَاقُ الدَّمَ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لِتَنْظر عِدَّةَ الأيَّامِ وَاللَّيَالِي
الجزء: 2 - الصفحة: 420
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ قَبْلَ أن يُصِيبَهَا الَّذِى أصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لْتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، ثمَّ لْتُصَلِّ».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه 1311. وهذا أحَدُ الأحاديثِ الثلاثةِ التي قال الإِمامُ أحمدُ: إنَّ الحَيضَ يَدُورُ عليها.
ولَنا، قَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لفاطمةَ بنتِ أبي حُبَيشٍ: «فَإذَا أقْبَلَتِ الْحَيضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا أدْبَرَتْ فَاغْسِلي عَنْكِ الدَّمَ، وَصَلِّي».
مُتَّفَقٌ عليه 1312. ولأبي داودَ والنَّسائِيِّ 1313: «إذَا كَانَ دَمُ الحَيضَةُ فَإنَّهُ دَمٌ أسْوَدُ يُعْرفُ، فأمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَّوَضَّئِي، فَإنَّما هُوَ عِرْقٌ».
وحديثُ أُمِّ سَلَمَةَ يَدُلُّ على اعْتِبارِ العادَةِ، ولا نِزاعَ فيه، وهذه لا عادَةَ لها.
فصل: وقد اخْتَلَفُوا؛ هل يُعْتَبَرُ للتَّمْيِيزِ التَّكْرارُ، أم لا؟ فظاهِرُ كلامِ شَيخِنا ههُنا 1314، أنَّه لا يُعْتَبَرُ له التَّكْرارُ، بل متى عَرَفَتِ التَّمْيِيزَ جَلَسَتْه.
وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، والخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ ابنِ عَقِيلٍ، وهو مَذْهَب الشافعيِّ.
وقال القاضي، والآمِديُّ: يُعْتَبَرُ له التَّكْرارُ مَرَّتَين أو ثلَاثًا، على اخْتِلافِ الرِّوايَتَين فيما تَثْبُتُ به العادَةُ.
وقد ذَكَرْنا ذلك في المُبْتَدَأةِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 421
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن لم يَكنِ الأسْوَدُ مُخْتَلِفًا، مِثْلَ أن تَرَى في كلِّ شَهْرٍ ثَلَاثةً أسْوَدَ، ثم يَصِير أحْمَرَ، ويَعْبُرُ أكْثَرَ الحَيضِ، فالأسْوَدُ حَيضٌ وَحْدَه.
وإن كان مُخْتَلِفًا، مِثْلَ أن تَرَى في الشَّهْرِ الأوَّلِ خَمْسَةً أسْوَدَ، وفي الثاني أربعةً، وفي الثالثِ ثَلاثَةً، أو في الأوَّلَ خمسةً، وفي الثاني سِتًّا، وفي الثالثِ سَبْعَةً، أو غيرَ ذلك مِن الاخْتِلافِ؛ فعلى قولِ شَيخِنا، الأسْوَدُ حَيضٌ في كلِّ حالٍ.
وعلى قولِ القاضي، الأسْوَدُ حَيضٌ فيما تَكَرَّر، وهو ثَلاثٌ في الأولَى، وخَمْسٌ في الثّانِيَة، وما زاد عليه يكونُ حَيضًا إذا تَكَرَّرَ، وإلَّا فلا.
ولا تَجْلِسُ عندَ القاضي في الشَّهْرِ الأوَّلِ والثاني إلَّا اليَقِينَ الَّذي تَجْلِسُه مَن لا تَمْيِيزَ لها.
وإن كانت مُبْتَدَأةً، لم تَجْلِسْ إلَّا يومًا ولَيلَةً.
وهل تَجْلِسُ الَّذي يَتَكَرَّرُ في الشَّهْرِ الثالثِ أو الرَّابعِ؟ يَنْبَنِي على الرِّوايَتَين فيما تَثْبُتُ به العادَة، ويكُونُ حُكْمُها حُكْمَ المُبْتَدَأةِ التي تَرَى 1315 دَمًا لا يَعْبُرُ أكْثَرَ الحَيضِ؛ الأسْوَدُ كالدَّمِ، والأحْمَرُ 1316 كالطُّهْرِ هناك.
فإن كانت ناسِيَةً، وكان الأسْوَدُ في أثْناءِ الشَّهْرِ، وقلْنا: إنَّ النَّاسِيَةَ تَجْلِسُ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ.
جَلَسَتْ هاهنا مِن أوَّلِ الشَّهْرِ ما تَجْلِسُه النّاسِيَة، ولا تَنْتَقِل إلى الأسْوَدِ حتَّى يَتَكَرَّرَ فتَنْتَقِلَ إليه، وتَعْلَمَ أنَّه حَيضٌ، فتَقْضِيَ ما صامَتْه مِن الفَرْضِ فيه، كما ذُكِر في المُبْتَدَأةِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن رَأتْ أسْوَدَ بينَ أحْمَرَين، أو أحْمَرَ بينَ أسْوَدَين، وانْقَطَعَ لدُونِ أكُثَرِ الحَيضِ، فالجَمِيعُ حَيضٌ إذا تَكَرَّرَ؛ لأنَّ الأحْمَرَ أشْبَهُ بالحَيضِ مِن الطُّهْرِ.
وإن عَبَر أكْثَرَ الحَيضِ، وكان الأسْوَدُ بمُفْرَدِه يَصْلُحُ أن يكُونَ حَيضًا، فهو حَيضٌ، والأحْمَرُ كلُّه اسْتِحاضَةٌ، لأنَّ الأحْمَرَ الأوَّلَ أشْبَهُ بالأحمرِ الثاني الَّذي حَكَمْنا بأنَّه اسْتِحاضَة؛ وتُلَفِّقُ الأسْوَدَ إلى الأسودِ، فيَكُونُ حَيضًا.
ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الأسْوَدِ قليلًا أو كثيرًا إذا كان بانْضِمامِه إلى بَقِيَّةِ الأسودِ يَبْلُغُ أقَلَّ الحَيضِ، ولا يَزِيدُ على أكْثَرِه، ولا يكُونُ بينَ طَرَفَيهِما زَمَنٌ يَزِيدُ 1317 على أكْثَرِ الحَيضِ.
وكذلك لا فَرْقَ بينَ أن يكونَ الأحْمَرُ قَلِيلًا أو كَثِيرًا إذا كان زَمَنُه يَصْلُحُ أن يكُونَ طُهْرًا، فأمّا إن كان زَمَنُه لا يَصْلُحُ أن يكُونَ طُهْرًا، مِثْلَ الشئِ اليَسِيرِ أو ما دُونَ اليَوْمِ، على إحْدَى الرِّوايَتَين، فإنَّه يُلْحَقُ بالدَّمَين الَّذي 1318 هو بَينَهما؛ لأنَّه لو كان الدَّمُ مُنْقَطِعًا، لم يُحْكَمْ بكَوْنِه طُهْرًا، فإذا كان الدَّمُ جارِيًا كان أوْلَى، فلو رَأتْ يومًا دَمًا أسْوَدَ، ثم رَأتِ الثانيَ أحْمَرَ، ثم رأتِ الثّالِثَ أسودَ، ثم صار أحمرَ وعَبَر، لَفَّقَتِ الأسْوَدَ إلى الأسودِ، فصار حَيضًا، وباقي الدَّمِ اسْتِحاضَةٌ.
وإن رَأتْ نِصْفَ يومٍ أسْوَدَ، ثم صار أحمرَ، ثم رَأتِ الثّانِيَ كذلك، ثم رأتِ الثّالِثَ كلَّه أسْوَدَ، ثم صار أحْمَرَ وعَبَر، فإن قُلْنا: إنَّ
الجزء: 2 - الصفحة: 423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الطُّهْرَ يكُونُ أقَلَّ مِن يَوْم.
لَفَّقَتِ الأسْوَدَ إلى الأسودِ فصار حَيضُها يَوْمَين، وإن قُلْنا: لا يكُونُ أقَلَّ مِنِ يومٍ.
فحَيضُها الأيَّامُ الثَّلاثَةُ الأُوَلُ، والباقي اسْتِحاضَةٌ.
ولو رَأتْ نِصْف يَوْمٍ أسْوَدَ، ثم صار أحْمَرَ إلى العاشِرِ، ثم 1319 رَأْتْه كُلَّه أسودَ، ثم صار أحمرَ، وعَبَر، فالأسْوَدُ كلُّه حَيضٌ، الثّانِي والأوَّلُ.
ولو رَأتْ بينَ الأسْوَدِ والأحْمَرِ نَقاءً يَوْمًا أو أكْثَرَ، لم يَتَغَيَّرِ الحُكْمُ الَّذي ذَكَرْناه، لأنَّ الأحمرَ مَحْكُومٌ بأنَّه اسْتِحاضَةٌ، مع اتِّصالِه بالأسودِ، فمع انْفِصالِه عنه أوْلَى.
فصل: إذا رَأتْ في شَهْرٍ خَمْسَةً أسْوَدَ، ثمْ صار أحْمَرَ، واتَّصَل، وفي الثّانِي كذلك، ثم صار الثّالِثُ كلُّه أحْمَرَ، ورَأتْ في الرّابِعِ كالأوَّلِ، ثم رأتْ في الخامِسِ خَمْسَةً أحْمَرَ، ثمْ صار أسْوَدَ، واتَّصَلَ، فحَيضُها الأسْوَدُ مِن الأوَّلِ والثّانِي والرّابِعِ، وأمّا الثّالِثُ والخامِسُ فلا تَمْيِيزَ لها فيهما؛ لأنَّ حُكْمَ الأسْوَدِ في الخامسِ سَقَط لعُبُورِه.
فإن قُلْنا: العادَةُ تَثْبُتُ بمَرَّتَين.
جَلَسَتْ ذلك مِن الثّالثِ والرابعِ والخامِسِ، وإن قُلْنا: لا تَثْبُتُ إلَّا بثَلَاثةٍ.
جَلَسَتْه مِن الخامسِ؛ لأنَّها قد رَأتْ ذلك في ثلاثةِ أشْهُرٍ، وتَجْلِسُ في الثّالِثِ ما تَجْلِسُه مَن لا عادَةَ لها، ولا تَمْييزَ 1320 وقِيلَ: لا تَثْبُتُ لها عادَةٌ، وتَجْلِسُ ما تَجْلِسُه مِن الخامِس مِن الدَّمِ الأسْوَدِ؛ لأنَّه أشْبَهُ بدَمِ الحَيضِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 424
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ، جَلَسَتْ غَالِبَ الْحَيضِ في كُلِّ شَهْرٍ.
وَعَنْهُ أقَلَّهُ.
وَقِيلَ: فِيهِ الرِّوَايَاتُ الْأرْبَعُ.
231 - مسألة: (فإن لم يَكُنْ لها تَمْيِيزٌ جَلَسَتْ غالِبَ الحَيضِ مِن كلِّ شَهْرٍ. وعنه: أقَلَّه. وقِيل: فيها الرِّواياتُ الأرْبَعُ)
وهذا القِسْمُ الرَّابِعُ مِن أقْسامِ المُسْتَحاضَةِ، وهي مَن لا عادَةَ لها ولا تَمْيِيزَ، ولها ثَلاثةُ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن تكُونَ ناسِيَةً لوَقْتِها وعَدَدِها، وهذه تُسَمَّى المُتَحَيِّرَةَ، وحُكْمُها أنَّها تَجْلِسُ في كلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أيَّامٍ أو سَبْعَةً، في ظاهِرِ المَذْهَب، وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، فإن كانَتْ تَعْرِفُ شَهْرَها، جَلَسَتْ ذلك منه؛ لأنَّه عادَتُها فتُرَدُّ إليه؛ تُرَدُّ المُعْتادَةُ إلى عادَتِها، إلَّا أنَّه متى كان
الحديث: 231 - الجزء: 2 - الصفحة: 425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَهْرها أقَلَّ مِن عِشْرِين 1321 يَوْمًا لم تَجْلِسْ منه أكْثَرَ مِن الفاضِلِ عن ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أو خَمْسَةَ عَشَرَ؛ لِئَلّا يَنْقصَ الطُّهْرُ عن أقَلِّه، ولا سَبِيلَ إليه.
وإن لم تَعْرِفْ شَهْرَها جَلَسَتْ مِن الشَّهْرِ المُعْتادَ؛ لِما رَوَتْ حَمْنَةُ بنتُ جَحْشٍ، قالت: كُنتُ أُسْتَحاضُ حَيضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً، فأتَيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أسْتَفْتِيه، فوَجَدْتُه في بَيتِ أُخْتِي، فقلْت: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أُسْتَحاضُ حَيضَةً كَبيرَةً شَدِيدَةً، فما تَأْمُرُنِي فيها؟ قد مَنَعَتْنِي الصيامَ والصلاةَ، فقال: «أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ، فَإَّنه يُذْهِبُ الدَّمَ».
قلت: هو أكْثَرُ من ذلك، إنَّما أثُجُّ ثَجًّا.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أيَّامٍ، أوْ سَبْعَةَ أيَّامٍ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإذَا رَأيتِ أنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأتِ فَصَلِّي أرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيلَةً، أوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيلَةً وَأيَّامَهَا، وَصُومِي، فَإنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي، كَمَا يَحِيضُ النِّسَاءُ، وَكَمَا يَطْهُرْنَ، لمِيقَاتِ حَيضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» 1322. رَواه أبو داودَ،
الجزء: 2 - الصفحة: 426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والتِّرْمِذِيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقال الشافعيُّ في هذه: لا حَيضَ لها بيَقِين، وجَمِيعُ زَمَنِها مَشْكُوكٌ فيه، تَغْتَسِلُ لكلِّ صلاةٍ، وتُصَلِّي وتَصُومُ، ولا يَأْتِيها زَوْجُها.
وله قَوْلٌ: إنَّها تَجْلِسُ اليَقِينَ.
وقال بَعْضُ أصْحابِه: الأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذه لها أيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ، ولا يُمْكِنُ رَدُّها إلى غيرِها، فجَمِيعُ زمانِها مَشْكُوكٌ فيه، وقد رَوَتْ عائِشَةُ، أنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فسألتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ صَلِّي».
فكانت تَغْتَسِلُ عندَ كلِّ صلاةٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 1323.
الجزء: 2 - الصفحة: 427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن حديثِ حَمْنَةَ، وهو بظاهِرِه يُثْبِتُ الحُكْمَ في حَقِّ النّاسِيَةِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَسْتَفْصِلْها، هل هي مُبْتَدَأةٌ، أو ناسِيَةٌ؟ ولو افْتَرَقَ الحالُ لاسْتَفْصَلَ.
واحْتِمالُ أن تكُونَ ناسِيَةً أكْثَرُ، فإنَّ حَمْنَةَ امرأةٌ كَبِيرَةٌ، كذلك قال أحمدُ.
ولم يَسْألْها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن تَمْيِيزِها؛ لأنَّه قد جَرَى مِن كلامِها مِن تَكْثِيرِ الدَّمِ وصِفَتِه ما أغْنَى عن السُّؤالِ عنه، ولم يَسْألْها، هل لها عادَةٌ فيَرُدُّها إليها؟ لاسْتِغْنائِه عن ذلك بعِلْمِه إيّاه، إذ كان مُشْتَهِرًا، وقد أمَرَ به أُخْتَها أُمَّ حَبِيبَةَ، فلم يَبْقَ إلَّا أن تَكُونَ ناسِيَةً، ولأنَّها لا عادَةَ لها ولا تَمْيِيزَ، أشْبَهَتِ المُبْتَدَأةَ.
قَوْلُهم: لها أيّامٌ مَعْرُوفَةٌ.
قُلْنا: قد زالتِ المَعْرِفَةُ، فصار وُجُودُها كعَدَمِها.
وأمّا أُمُّ حَبِيبَةَ فكانت مُعْتادَةً رَدَّها إلى عادَتِها؛ لأنَّه قد روَى مسلمٌ، أنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ شَكَتْ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال لها: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبسُكِ حَيضَتُكِ، ثم اغْتَسِلِي» 1324. فكانت تَغْتَسِلُ عندَ كلِّ صلاةٍ، فيَدَلُّ على أنَّها إنَّما كانت تَغْتَسِلُ لكلِّ صلاةٍ في غيرِ وَقْتِ الحَيضِ، وأمّا وُجُوبُ غُسْلِ المُسْتَحاضَةِ لكلِّ صلاةٍ، فسيُذْكَرُ في المُسْتَحاضَةِ، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: قَوْلُه: سِتًّا أو سَبْعًا.
الظّاهِرُ أنَّه رَدَّها إلى اجْتِهادِها، فيما يَغْلِبُ على ظَنَّها أنَّه عادَتُها، أو ما يُشْبِهُ أن يكُونَ حَيضًا.
ذَكَرَه القاضي، وذَكَر في مَوْضِع آخَرَ أنَّه على وَجْهِ التَّخْيِيرِ بينَ السِّتِّ والسَّبْعِ، كما خَيَّرَ واطِئَ الحَيضِ في التَّكْفِيرِ بدِينارٍ أو نِصْفِ دِينارٍ؛ لأنَّ حَرْفَ «أو» للتَّخْيِيرِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 428
وَإنْ عَلِمَتْ عَدَدَ أيَّامِهَا، وَنَسِيَتْ مَوْضِعَهَا
قال شَيخُنا (1): والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّنا لو خَيَّرْناها، أَفْضَى إلى أن نُخَيِّرَها في اليَوْمِ السّابعِ بينَ كَوْنِ الصلاةِ عليها مُحَرَّمَةً أو واجِبَةً، وليس لها في ذلك خِيَرَةٌ بحالٍ.
وأمّا التَّكْفِيرُ ففِعْلٌ اخْتِيارِيٌّ، فأمّا «أو» فقد تكُونُ للاجْتِهادِ، كقَوْله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (2). و «إمّا» كـ «أوْ» في وَضْعِها، وليس للإِمامِ إلَّا فِعْلُ ما يُؤدِّيه إليه اجْتِهادُه أنَّه الأصْلَحُ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: وهل تَجْلِسُ أيّامَ حَيضِها مِن أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ أو بالتَّحَرِّي؟ فيه وَجْهان، أوْجَهُهما ما يَأتِي.
وعنه، أنَّها تَجْلِسُ أقَلَّ الحَيضِ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشافعيِّ؛ لأنَّه اليَقِينُ، وما زاد عليه مَشْكُوكٌ فيه، فلا تَدَعُ العِبادَةَ لأجْلِه.
وعنه رِوايَةٌ ثالثةٌ، أنَّها تَجْلِسُ عادَةَ نِسائِها؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّها تُشْبِهُهُنَّ.
وعنه، تَجْلِسُ أكْثَرَ الحَيضِ؛ لأنَّه يُمْكِنُ أن يكُونَ حَيضًا، أشْبَهَ ما قَبْلَه.
والأوَّلُ أصَحُّ؟ لحديثِ حَمْنَةَ.
واللهُ أعلمُ.
232 -
مسألة: (وإن عَلِمَتْ عَدَدَ أيّامِها ونَسِيَتْ مَوْضِعَها،
13251326 الحديث: 232 - الجزء: 2 - الصفحة: 429
جَلَسَتْهَا مِنْ أوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ، وَفِي الآخَرِ تَجْلِسُهَا بِالتَّحَرِّي.
جَلَسَتْها مِن أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ، في أحَدِ الوَجْهَين.
وفي الآخَرِ، تَجْلِسُها بِالتَّحَرِّي) وهذا الحالُ الثاني مِن أحوالِ النّاسِيَةِ وهي تَتَنَوَّعُ نَوْعَين، النَّوْعُ الأوَّلُ، أن لا تَعْلَمَ لها وَقْتًا أصْلًا، مِثْلَ أن تَعْلَمَ أنَّ حَيضَها خَمْسَةُ أيّامٍ، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، تَجْلِسُه مِن أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ إذا كان يَحْتَمِلُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لحَمْنَةَ: «تَحَيَّضِي سِتَّةَ أيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةَ أيَّامٍ، في عِلْمِ اللهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وَصَلِّي أرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيلَةً، أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيلَةً وَأيَّامَهَا، وَصُومِي» 1327. فقَدَّمَ حَيضَها على الطُّهْرِ، ثم أمَرَها بالصلاةِ والصومِ في بَقِيَّةِ الشَّهْرِ، ولأنَّ المُبْتَدَأةَ تَجْلِسُ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ، مع أنَّها لا عادَةَ لها، فكذلك النّاسِيَةُ، ولأنَّ دَمَ الحَيضِ دَمُ جِبِلَّةٍ، والاسْتِحاضَةُ عارِضَةٌ، فإذا رَأتِ الدَّمَ، وَجَب تَغْلِيبُ دَم الحَيضِ الثاني، أنَّها تَجْلِسُ بالتَّحَرِّي والاجْتِهادِ.
اخْتارَه أبو بكرٍ، وابنُ أبي موسى؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَدَّها إلى اجْتِهادِها في القَدْرِ، فكذلك في الوَقْتِ، ولأنَّ للتَّحَرِّي مَدْخَلًا في الحَيضِ؛ لأنَّ المُمَيزةَ تَرْجِعُ إلى صِفَةِ الدَّم، فكذلك في زَمَنِه، فإن لم يَغْلِبْ على ظَنِّها شيءٌ، تَعَيَّنَ إجْلاسُها مِن أوَّلِ الشَّهْرِ، لعَدَمِ الدَّلِيلِ فيما سِواه.
الجزء: 2 - الصفحة: 430
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي مَوْضِعِ حَيضِ مَنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ.
وَإنْ عَلِمَتْ أَيَّامَهَا فِي وَقْتٍ مِنَ الشَّهْرِ، كَنِصْفِهِ الْأوَّلِ، جَلَسَتْهَا فِيهِ إِمَّا مِنْ أوَّلِهِ، أوْ بِالتَّحَرِّي، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَينِ.
233 - مسألة: (وكذلك الحُكْمُ في مَوْضِع حَيضِ مَن لا عادَةَ لها ولا تَمْيِيزَ)
يَعْنِي أنَّ فيه الوَجْهَين اللَّذَين ذَكَرَهما، وَجْهُهما ما تَقَدَّمَ.
234 -
مسألة: (وإن عَلِمَتْ أيّامَها في وَقْتٍ مِن الشَّهْرِ، كنِصْفِه الأوَّلِ، جَلَسَتْها فيه؛ إمّا مِن أوَّلِه، أو بالتَّحَرِّي، على اخْتِلافِ الوَجْهَين)
الحديث: 233 - الجزء: 2 - الصفحة: 433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذا النَّوْعُ الثاني، وهو أن تَعْلَمَ أنَّها كانَتْ تَحِيضُ أيّامًا مَعْلُومَةً مِن العَشْرِ الأُوَلِ، فإنَّها تَجْلِسُ عَدَدَ أيّامِها مِن ذلك الوَقْتِ دُونَ غيرِه، إمّا مِن أوَّلِه، أو بالتَّحَرِّي فيه، ثم لا يَخْلُو عَدَدُ أيّامِها، إمّا أن يكُونَ زائِدًا على نِصْفِ ذلك الوَقْتِ، أوْلا، فإن كان زائِدًا على نِصْفِه، مِثْلَ أن تَعْلَمَ أنَّ حَيضَها سِتَّةُ أيّامٍ مِن العَشْرِ الأُوَلِ، أضْعَفْنا الزّائِدَ، فجَعَلْناه حَيضًا بيَقِينٍ، وتَجْلِسُ بَقِيَّةَ أيّامِها مِن أوَّلِ العَشْرِ في أحَدِ الوَجْهَين، وفي الآخَرِ بالتَّحَرِّي.
ففي هذه المسألةِ، الزّائِدُ يَوْمٌ وهو السّادِسُ فنُضَعِّفُه، ويكُون الخامِسُ والسّادِسُ حَيضًا بيَقِينٍ، يَبْقَى لها أرْبَعَةُ أيّامٍ، فإن جَلَسَتْها مِن الأوَّلِ، كان حَيضُها مِن أوَّلِ العَشْرِ إلى آخِرِ السّادِسِ، منها يَوْمان حَيضٌ بيَقِينٍ، والأرْبَعَةُ حَيضٌ مَشْكُوكٌ فيه، والأربعةُ الباقِيَةُ طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فيه.
وإن جَلَسَتْها بالتَّحَرِّي، فأدّاها اجْتِهادُها إلى أنَّها مِن أوَّلِ العَشْرِ، فهي كالتي قَبْلَها.
وإن جَلَسَتِ الأرْبَعَةَ مِن آخِرِ العَشْرِ 1328، فهي عَكْسُ التي قَبْلَها، وعلى هذا فقِسْ.
وسائِرُ الشَّهْرِ طُهْرٌ غيرُ مَشْكُوكٍ فيه.
وحُكْمُ الحَيضِ المَشْكُوكِ فيه حُكْمُ المُتَيَقَّنِ، في تَرْكِ العِباداتِ.
وحُكْمُ الطُّهْرِ المَشْكُوكِ فيه حُكْمُ الطُّهْرِ المُتَيَقَّنِ، في وُجُوبِ العِباداتِ.
وإن كان حَيضُها نِصْفَ الوَقْتِ فما دُونَ، فليس لها حَيضٌ بيَقِين؛ لأنَّها
الجزء: 2 - الصفحة: 434
وَإنْ عَلِمَتْ مَوْضِعَ حَيضِهَا وَنَسِيَتْ عَدَدَهُ، جَلَسَتْ فِيهِ غَالِبَ الْحَيضِ، أَوْ أَقَلَّهُ، عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَينِ.
متى كانَتْ تَحِيضُ خَمْسَةَ الأيَّامِ مِن العَشْرِ، احْتَمَلَ أن تكُونَ الخَمْسَةَ الأولَى، واحْتَمَلَ أن تكُونَ الثّانِيَةَ، واحْتَمَل أن يكُونَ بعضُها مِن الأولَى وبعضُها مِن الثانيةِ، فتَجْلِسُ بالتَّحَرِّي، أو مِن أوَّلِه على اخْتِلافِ الوَجْهَين.
ولا يُعْتَبَرُ التَّكْرارُ في النّاسِيَةِ؛ لأنَّها عَرَفَتِ اسْتِحاضَتَها في الشَّهْرِ الأوَّلِ، فلا مَعْنَى للتَّكْرارِ.
235 -
مسألة: (وإن عَلِمَتْ مَوْضِعَ حَيضِها ونَسِيَتْ عَدَدَه، جَلَسَتْ فيه غالِبَ الحَيضِ أو أقَلَّه، على اخْتِلافِ الرِّوايَتَين)
هذا الحالُ الثالثُ مِن أحْوالِ النّاسِيَةِ، وهي أن تَعْلَمَ أنَّ حَيضَها في العَشْرِ الأوَلِ، ولا تَعْلَمُ عَدَدَها، فحُكْمُها في قَدْرِ ما تَجْلِسُه حُكْمُ المُتَحَيِّرةِ.
الصَّحِيحُ أنَّها تَجْلِسُ سِتًّا أو سَبْعًا، ويُخَرَّجُ فيها الرِّواياتُ الأرْبَعُ، إلَّا أنَّها تَجْلِسُها مِن العَشْرِ دُونَ غيرِها، وهل تَجْلِسُها مِن أوَّلِه أو بالتَّحَرِّي؟ على الوَجْهَين.
وإن قالت: أعْلَمُ أنَّنِي كُنْتُ أوَّلَ الشَّهْرِ حائِضًا، ولا أعْلَمُ آخِرَه.
أو أَنَّنِي كُنْتُ آخِرَ الشَّهْرِ حائِضًا، ولا أعْلَمُ أوَّلَه.
أوْ لا أعْلَمُ هل كان ذلك أوَّلَ
الحديث: 235 - الجزء: 2 - الصفحة: 435
وَإنْ تَغَيَّرَتِ الْعَادَةُ بِزِيَادَةٍ أَوْ تَقَدُّمٍ، أَوْ تَأَخُّرٍ، أَو انْتِقَالٍ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إِلَى ما خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَينِ، عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَينِ.
حَيضِي أو آخِرَه؟ حَيَّضْناها الذي عَلِمَتْه، وأتَمَّتْ بَقِيَّةَ حَيضِها مِمّا بعدَه في الصُّورَةِ الأُولَى، ومِمّا قَبْلَه في الثانيةِ، وبالتَّحَرِّي في الثالثةِ، أو مِمّا يَلِي أوَّلَ الشَّهْرِ، على اخْتِلافِ الوَجْهَين.
فصل: وإذا ذَكَرَتِ النّاسِيَةُ عادَتَها بعدَ جُلُوسِها في غيرِها، رَجَعَتْ إلى عادَتِها؛ لأنَّ تَرْكَها لعارِضِ النِّسْيانِ، وإذا زال العارِضُ عادَتْ إلى الأصْلِ.
وإن تَبَيَّنَ أنَّها كانت تَرَكَتِ الصلاةَ في غيرِ عادَتِها، لَزِمَها إعادَتُها وقَضاءُ ما صامَتْه مِن الفَرْضِ في عادَتِها، فلو كانت عادَتُها خَمْسَةً مِن آخِرِ العَشْرِ الأُوَلِ، فجَلَسَتْ سَبْعًا مِن أوَّلِه مُدَّةً، ثم ذَكَرَتْ، لَزِمَها قَضاءُ ما ترَكَتْ مِن الصلاةِ والصيامِ المَفْرُوضِ في الخَمْسَةِ الأُولَى، وقَضاءُ ما صامَتْ مِن الفَرْضِ في الثلاثةِ الأيّامِ الأخِيرَةِ؛ لأنَّها صامَتْه في زَمَنِ حَيضِها.
236 -
مسألة: (وإن تَغَيَّرَتِ العادَةُ، بزيادَةٍ أو تَقَدُّم أو تَأخُّرٍ أو انْتِقالٍ، فالمَذْهَبُ أنَّها لا تَلْتَفِتُ إِلى ما خَرَج عن العادة حتى يَتَكَرَّرَ ثلاثًا أو مَرَّتَين، على الاخْتِلافِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المرأةَ إذا كانت لها عادَةٌ مُسْتَقِرَّة في الحَيضِ، فرَأتِ الدَّمَ في غيرِ عادَتِها، لم تَلْتَفِتْ إليه حتى يَتَكَرَّرَ، فتَنْتَقِلُ إليه، وتَصِيرُ عادَةً لها، وتَتْرُكُ العادَةَ الأُولَى، إلَّا أنَّها إذا رَأتْه زائِدًا
الحديث: 236 - الجزء: 2 - الصفحة: 436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن عادَتِها، تَغْتَسِلُ غُسْلًا ثانِيًا عندَ انْقِطاعِه، لجَوازِ أن يكُونَ حَيضًا 1329، كما قُلْنا في المُبْتَدَأةِ، وكذلك ما تَقَدَّم عن العادَةِ.
ويَجِبُ عليها قَضاءُ ما صامَتْه مِن الفَرْضِ في المَرّاتِ التي أمَرْناها بالصيامِ فيها؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّها صامَتْه في حَيضٍ، ولا تَقْضِي الصلاةَ؛ لأنَّ الحائِضَ لا تَقْضِي الصلاةَ.
قال أبو عبدِ اللهِ: لا يُعْجِبُنِى أن يَأْتِيَها زَوْجُها في الأيّامِ التي تُصَلِّي فيها، مع رُؤْيَةِ الدَّمِ قبلَ أن تَنْتَقِلَ إليها، لاحْتِمالِ أن يكونَ حَيضًا، فيَجِب تركُ وَطْئِها احْتِياطًا، كما وَجَبَتِ الصلاةُ احْتِياطًا للعِبادَةِ.
وفي قَدْرِ التَّكْرارِ رِوايَتان، أشْهَرُهُما، أنَّه ثَلاثٌ، فعلى هذه الرِّوايَةِ لا تَنْتَقِلُ إليه إلَّا في الشَّهْرِ الرّابعِ.
والثانيةُ، أنَّه اثْنَتان، فتَنْتَقِلُ في الشَّهْرِ الثّالِثِ.
نَقَل الفَضْلُ بنُ زِيادٍ 1330 عنه هاتَين الرِّوايَتَين، وقد ذَكَرْنا وَجْهَهما في المُبْتَدَأةِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونَقَل حَنْبَلٌ عنه، في امرأةٍ لها أَيَّامٌ مَعْلُومَةٌ، فتَقَدَّمَتِ الحَيضَةُ قبلَ أيَّامِها، لم تَلْتَفِتْ إليها، تَصُومُ وتُصَلِّي، فإن عاوَدَها مِثْلُ ذلك في الثانيةِ، فإنَّه دَمُ حَيضٍ مُنْتَقلٌ.
فيَحْتَمِلُ أنَّها تَنْتَقِلُ إليه في المَرَّةِ الثانيةِ، وتَحْسُبُه مِن حَيضِها، والرِّوايَةُ الأولَى أشْهَرُ.
مِثالُ ذلك، امرأة لها عادَةٌ، ثلاثةُ أيّامٍ مِن أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ، فرَأتْ خَمْسَةً في أوَّلِ الشَّهْرِ، أو رَأتْ 1331 يَوْمَين مِن آخِرِ الشَّهْرِ الذي قبلَه، ويَوْمًا مِن شَهْرِها، أو طَهُرَتِ اليَوْمَ الأوَّلَ ورَأتِ الثَّلاثَةَ بعدَه، أو طَهُرَتِ الثلاثةَ الأُوَلَ، وَرأَتْ ثَلاثَةً بعدَها أو أكْثَرَ، وما أشْبَهَ ذلك، فإنَّها لا تَجْلِسُ في جَمِيعِ ذلك إلَّا وَقْتَ الدَّمِ الذي تَراه في الثَّلاثَةِ الأوَلِ حتى يَتَكَرَّرَ، لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «امْكُثِى قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيضَتُكِ» 1332. رَواه مسلمٌ.
ولأنَّ لها عادَةً، فرُدَّتْ إليها، كالمُسْتَحاضَةِ.
وقال أبو حنيفةَ: إن رَأتْه قبلَ العادَةِ فليس بحَيضٍ، حتى
الجزء: 2 - الصفحة: 438
وَعِنْدِي أنَّهَا تَصِيرُ إِلَيهِ مِنْ غَيرِ تَكْرَارٍ.
يَتَكَرَّرَ مَرَّتَين، وإن رَأتْه بعدَها فهو حَيضٌ.
قال شيخُنا 1333، رحِمَه اللهُ: (وعِندِي أنَّها تَصِيرُ إليه مِن غيرِ تَكرارٍ).
وبه قال الشافعيُّ؛ لأنَّ النِّساءَ كُنَّ يَبْعَثْنَ إلى عائشةَ بالدِّرَجَةِ فيها الصُّفْرَةُ والكُدْرَةُ، فتَقُولُ: لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَينَ القَصَّةَ البَيضاءَ 1334. مَعْناه: لا تَعْجبْنَ بالغُسْلِ.
ولو لم تَعُدَّ الزِّيادَةَ حَيضًا، لَلَزِمَها الغُسْلُ عندَ انْقِضاءِ العادَةِ وإن لم تَرَ القَصَّةَ.
ومعنى القَصَّةِ أن تُدْخِلَ القُطْنَةَ في فَرْجِها فتَخْرُجَ بَيضاءَ نَقِيَّةً.
ولأنَّ الشّارِعَ عَلَّقَ على الحَيضِ أحْكامًا، ولم يَحُدَّه، فعُلِمَ أنَّه رَدَّ النّاسَ فيه إلى عُرْفِهم، والعُرْفُ بينَ النِّساءِ أنَّ المرأةَ متى رَأتْ دَمًا يَصْلُحُ أن يكُونَ حَيضًا، اعْتَقَدَتْه حَيضًا.
ولو كان عُرْفُهُنَّ اعْتِبارَ العادَةِ على الوَجْهِ المَذْكُورِ لنُقِلَ ظاهِرًا، ولذلك لَمّا كان بَعْضُ أزْواجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الخَمِيلَةِ، فجاءَها الدَّمُ، فانْسَلَّتْ مِن الخمِيلَةِ، فقال لها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا لَك؟ أَنَفِسْتِ» 1335؟ قالت: نعم.
فأمَرَها أن تَأْتَزِرَ 1336. ولم يَسْألْها: هل وافَقَ
الجزء: 2 - الصفحة: 439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العادَةَ أو خالفَها؟ ولا هي سَأَلَتْ عن ذلك، وإنَّما اسْتَدَلَّتْ على ذلك بخُرُوجِ الدَّمِ، فأقَرَّها عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وكذك حينَ حاضَتْ عائشةُ في عُمْرَتِها في حَجَّةِ الوَداعِ 1337، إنَّما عَرَفَتِ الحَيضَةَ برُؤْيَةِ الدَّمِ لا غيرُ، والظَّاهِرُ أنَّه لم يَأْتِ في العادَةِ؛ لأنَّها اسْتَنْكَرَتْه، وبَكَتْ حينَ رَأتْه، وقالت: وَدَدْتُ أنِّي لم أكُنْ حَجَجْتُ العامَ.
ولو كانت لها عادَةٌ تَعْلَمُ مَجِيئَه فيها، لَما أنْكَرَتْه، ولا شَقَّ عليها.
ولأنَّ العادَةَ لو كانت مُعْتَبَرَةً على المَذْكُورِ = الصوم.
وفي: باب من ذبح ضحية غيره، من كتاب الأضاحي.
صحيح البخاري 1/ 83، 88، 3/ 39، 132. ومسلم، في: باب الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد، من كتاب الحيض.
صحيح مسلم 1/ 243. والنسائي، في: باب مضاجعة الحائض، من كتاب الطهارة، وفي: باب مضاجعة الحائض في ثياب حيضها، من كتاب الحيض.
المجتبى 1/ 123، 154. وابن ماجه، في: باب ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا، من كتاب الطهارة.
سنن ابن ماجه 1/ 209. والدارمي، في: باب مباشرة الحائض، من كتاب الطهارة.
سنن الدارمي 1/ 243. والإمام مالك، في: باب ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض، من كتاب الطهارة.
الموطأ 1/ 58. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 294، 300، 318.
الجزء: 2 - الصفحة: 440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في المَذْهَب، لبَيَّنَهَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأُمَّتِه، ولَما وَسِعَه تَأْخِيرُ بَيانِه؛ لأنَّ حاجَةَ النِّساءِ داعِيَةٌ إليه في كلِّ وَقْتٍ، ولا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِه.
والظّاهِرُ أنَّهُنَّ جَرَينَ على العُرْفِ في اعْتِقادِ ما يَرَينَه مِن الدَّمِ حَيضًا، ولم يَأْتِ مِن الشّرْعِ تَغْيِيرُه، ولذلك أجْلَسْنا المُبْتَدَأةَ مِن غيرِ تَقَدُّمِ عادَةٍ، ورَجَعْنا في أكْثَرِ أحْكامِ الحَيضِ إلى العُرْفِ، والعُرْفُ أنَّ الحَيضَةَ تَتَقَدَّمُ وتَتَأخَّرُ، وتَزِيدُ وتَنْقُصُ، ولم يُنْقَلْ عَنْهُنَّ، ولا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ذِكْرُ العادَةِ، ولا بَيانُها، إلَّا في حَقِّ المُسْتَحاضَةِ، وأمّا امرأةٌ طاهِرٌ تَرَى الدَّمَ في وَقْتٍ يُمْكِنُ أن يكُونَ حَيضًا، ثم يَنْقَطِعُ عنها، فلم يَذْكُرْ في حَقِّها عادَةً أصْلًا.
وفي اعْتِبارِ العادَةِ على هذا الوَجْهِ إخْلاءُ بَعْضِ المُنْتَقِلاتِ عن الحَيضِ بالكُلِّيَّةِ، مع رُؤْيَتِهِنَّ الدَّمَ في زَمَن الحَيضِ، وصَلاحِيَتِه له، وهذا لا سَبِيلَ إليه، كامرأةٍ رَأتِ الدَّمَ في غيرِ أيّامِ عادَتِها، وطَهُرَتْ أيّامَ عادَتِها ثَلاثَةَ أشْهُرٍ، فإنَّها لا تَدَعُ الصلاةَ، فإذا انْتَقَلَتْ في الشَّهْرِ الرّابعِ إلى أيّام أُخَرَ، لم نُحَيِّضْها أيضًا ثلاثةَ أشْهُرٍ، وكذلك أبَدًا.
فعلى هذا تَجْلِسُ 1338 ما تَراه مِن الدَّمِ قبلَ العادَةِ وبعدَها، ما لم يُجاوزْ أكْثَرَ الحَيضِ، فإن جاوَزَ أكثرَ الحَيضِ، عَلِمْنا اسْتِحاضَتَها، فتَرْجِعُ إلى عادَتِها وتَقضِي ما تَرَكَتْه مِن الصلاةِ والصيامِ فيما سوى العادَةِ؛ لأنَّنَا تَبَيَّنّا أنَّه اسْتِحاضَةٌ.
فصل: فإن كانت عادَتُها ثَلاثَةً مِن كلِّ شَهْرٍ، فرَأتْ في شَهْرٍ خَمْسَةَ
الجزء: 2 - الصفحة: 441
وَإنْ طَهُرَتْ فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ، فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ فِي الْعَادَةِ فَهَلْ تَلْتَفِتُ إِلَيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
أيّام، ثم اسْتُحِيضَتْ في الشَّهْرِ الآخَرِ، فإنَّها لا تَجْلِسُ مِمّا بعدَه مِن الشُّهُورِ إلَّا ثَلاثَة ثلاثةً.
وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ.
وقال الشافعيُّ: تَجْلِسُ خَمْسًا مِن كلِّ شَهْرٍ.
وهذا مَبْنِيٌّ على أنَّ العادَةَ تَثْبُتُ بمَرَّةٍ.
وإن رَأتْ خَمْسَةً في شَهْرَين، خُرِّجَ على الرِّوايَتَين فيما تَثْبُتُ به العادَةُ.
وإن رَأتْها في ثلاثةِ أشْهُرٍ، ثم اسْتُحِيضَتْ، انتقَلَتْ إليها، وجَلَسَتْ مِن كلِّ شَهْرٍ خَمْسَةً، بغيرِ خِلافٍ بَينَهم.
واللهُ أعلمُ.
237 -
مسألة: (وإن طَهُرَتْ في أثْناءِ عادَتِها، اغْتَسَلَتْ وصَلَّتْ. فإن عاوَدَها الدَّمُ في العادَةِ، فهل تَلْتَفِتُ إليه؟ على رِوايَتَين)
هذه المسألةُ تَشْتَمِلُ على فَصْلَين، أحَدُهما، في حُكْمِ الطُّهْرِ في زَمَنِ العادَةِ.
والثاني،
الحديث: 237 - الجزء: 2 - الصفحة: 442
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في حُكْمِ الدَّمِ العائِدِ بعدَه.
فمتى رَأتِ الطُّهْرَ فهي طاهِرٌ، تَغْتَسِلُ، وتُصَلِّي وتَصُومُ.
ولم يُفَرِّقْ أصْحابُنا بينَ قَلِيلِ الطُّهْرِ وكَثِيرِه، لقَوْلِ ابنِ عباسٍ: أمّا ما رَأتِ الطُّهْرَ ساعَةً فلتَغْتَسِلْ.
فأمّا إن كان النَّقاءُ أقَلَّ مِن ساعَةٍ، فالظّاهِرُ أنَّه ليسن بطهْرٍ؛ لأن الدَّمَ يَجْرِي تارَةً ويَنْقطِعُ أُخْرَى، وقد قالت عائِشَةُ: لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَينَ القَصَّةَ البَيضاءَ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ النُّفَساءَ إذا رَأتِ النَّقاءَ دُونَ يَوْمٍ، لا تَثْبُتُ لها أحْكامُ الطّاهِراتِ.
فيُخَرَّجُ ها هُنا مِثْلُه، قال شَيخُنا 1339: وهو الصَّحِيحُ إن شاء اللهُ تعالى؛ لأنَّ العادَةَ أنَّ الدَّمَ يَجْرِى تارَةً ويَنْقَطِعُ أُخْرَى، وفي إيجابِ الغُسْلِ على مَن تَطْهُرُ ساعَةً بعدَ ساعةٍ حَرَجٌ مَنْفِيٌّ بقَوْلِه تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 1340. ولأنَّنا لو جَعَلْنا انْقِطاعَ الدَّمِ ساعَةً طُهْرًا، ولا تَلْتَفِتُ إلى الدَّمِ بَعْدَه أفْضَى إلى أن لا يَسْتَقِرَّ لها حَيضٌ 1341، فعلى هذا لا يكُونُ انْقِطاعُ
الجزء: 2 - الصفحة: 443
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدَّمِ دُونَ يَوْمٍ طُهْرًا، إلَّا أن تَرَى ما يَدُلُّ عليه، مِثْلَ أن يكونَ انْقِطاعُه في آخِرِ عادَتِها، أو تَرَى القَصَّةَ البَيضاءَ، وهو شيءٌ يَتْبَعُ الحَيضَ أبْيَضُ، يُسَمَّى التَّرِيَّةَ.
رُوِيَ ذلك عن إمامِنا.
وهو قَوْلُ مالكٍ.
ورُوي عنه، أنَّ القَصَّةَ البَيضاءَ هي القُطْنَةُ التي تَحْشُوها المرأةُ، إذا خَرَجَتْ بَيضاءَ كما دَخَلَتْ لا تَغَيُّرَ عَليها.
حُكِي ذلك عن الزُّهْرِيِّ.
وقال أبو حَنِيفةَ: ليس النَّقاءُ بينَ الدَّمَينِ طُهْرًا، بل لو صامَتْ فيه فَرْضًا لم يَصِحَّ، ولا تَجبُ عليها فيه صلاة، ولا يَأْتِيها زَوْجُها.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّ الدَّمَ يَسِيلُ تارَةً ويَنْقَطِعُ أُخْرَى، ولأنَّه لو لم يَكُنْ مِن الحَيضِ لم يُحْتَسَبْ مِن مُدَّتِه.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ 1342. وَصَف الحَيضَ بكَوْنِه أذًى، فإذا ذَهَب الأذَى وَجَب زَوالُ الحَيضِ.
وقال ابنُ عباسٍ: إذا رَأتِ الطُّهْرَ ساعَةً فلْتَغْتَسِلْ.
وقالت عائشةُ: لَا تَعْجَلْنَ حتى تَرَينَ القَصَّةَ البَيضاءَ.
ولأنَّها صامَتْ وهي طاهِرٌ، فلم يَلْزَمْها القَضاءُ، كما لو لم يَعُدِ الدَّمُ.
فأمّا قَوْلُهم: إنَّ الدَّمَ يَجْرِي تارَةً ويَنْقَطِعُ أُخْرَى.
قُلْنا: لا عِبْرَةَ بالانْقِطاعِ اليَسِيرِ، وإنَّمَا إذا وُجِد انْقِطاع كَثِيرٌ
الجزء: 2 - الصفحة: 444
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تُمْكِنُ فيه الصلاةُ والصيامُ، وتَتَأدَّى العِبادَةُ فيه، وَجَبَتْ عليها، لعَدَمِ المانِع مِن وُجُوبِها.
الفصلُ الثاني، إذا عاوَدَها الدَّمُ، فإن عاوَدَها في العادَةِ ولم يَتَجاوَزْها، ففيه رِوايَتان، إحْداهما، أنَّه مِن حَيضِها؛ لأنَّه صادَفَ زَمَنَ العادَةِ، فأشْبَهَ ما لو لم يَنْقَطِعْ.
وهذا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
والثانيةُ، ليس بحَيضٍ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ ابنِ أبي موسى؛ لأنَّه عاد بعدَ طُهْرٍ صَحِيح، أَشْبَهَ ما لو عاد بعدَ العادَةِ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ يكُونُ حُكْمُه حُكْمَ ما لو عاد بعدَ العادَةِ، على ما يَأْتِي.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّها تَصُومُ وتُصَلي، وتَقْضِي الصومَ المَفْرُوضَ على سَبِيلِ الاحْتِياطِ، كدَمِ النُّفَساءِ العائِدِ في مُدَّةِ النِّفاسِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 445
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن رَأتْه في العادَةِ، وتَجاوَزَ العادَةَ، فإن عَبَر أكثَرٍ الحَيضِ، فليس بحَيضٍ؛ لأنَّ بَعْضَه ليس بحَيضٍ، فيكُونُ كلُّه اسْتِحاضَةً، لاتِّصالِه به وانْفِصالِه عن الحَيضِ، فكان إلْحاقُه بالاسْتِحاضَةِ أوْلَى.
وإن إنْقَطع لأكْثَرِه فما دُونَ، فمَن قال: إنَّ ما لم يَعْبُرِ العادَةَ ليس بحَيضٍ.
فها هُنا أوْلَى، ومَن قال: هو حَيضٌ.
ففي هذا على قَوْلِه ثلاثةُ أوْجُهٍ، أحَدُها، أنَّ جَمِيعَه حَيضٌ، لِما ذَكَرْنا في أنَّ الزّائِدَ على العادَةِ حَيضٌ، ما لم يَعْبُرْ أكْثَرَ الحَيضِ.
والثّانِي، أنَّ ما وافَقَ [العادَةَ حَيضٌ] 1343؛ لمُوافَقَتِه العادَةَ، وما زاد عليها ليس بحَيضٍ، لخُرُوجِه عنها.
والثالثُ، أنَّ الجَمِيعَ ليس بحَيضٍ، لاخْتلاطِه بما ليس بحَيضٍ.
فإن تَكَرَّرَ فهو حَيضٌ، على الرِّوايَتَين جميعًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 446
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن رَأتْه بعدَ العادَةِ ولم يُمْكِنْ أن يَكُونَ حَيضًا، لعُبُوره أكْثَرَ الحَيضِ، وأنَّه ليس بَينَه وبينَ الدَّمِ الأوَّلِ أقَلُّ الطُّهْرِ، فهو اسْتِحاضَةٌ، سَواءٌ تَكَرَّرَ أولًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ جَعْلُ جَمِيعِه حَيضًا، فكان كلُّه اسْتِحاضَةً؛ لأنَّ إلْحاقَ بَعْضِه ببعضٍ أوْلَى مِن إلْحاقِه بغيرِه.
فصل: وإن أمْكَنَ كَوْنُه حَيضًا، وذلك يُتَصَوَّرُ في حالين، أحَدُهما، أن يكُونَ بضَمِّه إلى الدَّمِ الأوَّلِ، لا يكُونُ بينَ طَرَفَيهِما أكثَرُ مِن خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فإذا تَكَرَّر جَعَلْناهما حَيضَةً واحِدَةً، ويُلَفَّقُ أحَدُهما إلى الآخَرِ، ويكُونُ الطُّهْرُ الذي بَينَهما طُهْرًا في خِلالِ الحَيضَةِ.
الحالُ الثاني، أن يكُونَ بَينَهما أقَلُّ مِن الطُّهْرِ، ويكُونُ كلُّ واحِدٍ مِن الدَّمَين يَصْلُحُ أن يكُونَ حَيضًا بمُفْرَدِه، بأن يكونَ يَوْمًا ولَيلَةً، فصاعِدًا، فهذا إذا تَكَرَّر كان الدَّمان حَيضَتَين، وإن نَقَص أحَدُهما عن أقَلِّ الحَيضِ، فهو دَمُ فَسادٍ، إذا لم يُمْكِنْ ضَمُّه إلى ما بعدَه.
ومِثالُ ذلك، ما لو كانت عادَتُها عَشَرَةً مِن أوَّلِ الشَّهْرِ، فرَأتْ خَمْسَةً منها دَمًا، وطَهُرَتْ خمسةً، ثم رأتْ خمسةً دَمًا، وتَكَرَّر ذلك، فالخَمْسَةُ الأولَى والثانيةُ حَيضَةٌ واحِدة تُلَفِّقُ الدَّمَ الثّانيَ إلى الأوَّلِ.
وإن رَأتِ الثانيَ سِتَّةً أو أكْثَرَ، لم يُمْكِنْ أن يكُونَ الدَّمان
الجزء: 2 - الصفحة: 447
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حَيضَةً؛ لأنَّ بينَ طَرَفَيهما أكْثَرَ مِن خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ولا حَيضَتَين؛ لأنَّه ليس بَينَهما أقَلُّ الطَّهْرِ.
وإن رَأتْ يَوْمًا دَمًا وثَلاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثم رأتْ يومًا دَمًا، وَتَكَرَّرَ ذلك، كانا حَيضَتَين، وصار شَهْرُها أرْبَعَةَ عَشَرَ يومًا.
وكذلك إن رَأتْ يَوْمَين دَمًا وثَلاثةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثم رَأتْ يَوْمَين دَمًا، وتَكَرَّرَ، ويكونُ شَهْرها خَمْسَةَ عَشَرَ.
وإن كان الطُّهْرُ بَينَهما أحدَ عَشَرَ يومًا فما دُونَ، وتَكَرَّرَ، فهما حَيضَةٌ واحِدَةٌ؛ لأنَّه ليس بينَ طَرَفَيهِما أكْثَر مِن خَمْسَةَ عَشَرَ 1344، ولا بَينَهما أقَلُّ الطُّهْرِ.
وإن كان بينَهما اثْنا عَشَرَ يومًا، لم يُمْكِنْ كَوْنهما جَمِيعًا حَيضَةً، لزِيادَتِهما بما بَينَهما مِن الطُّهْرِ على خَمْسَةَ عَشَرَ، ولا يُمكِنُ جَعْلُهما حَيضَتَين؛ لأنَّه ليس بَينَهما أقَلُّ الطُّهْرِ.
فعلى هذا يكونُ حَيضُها منهما ما وافَقَ العادَةَ، والآخَر اسْتِحاضَةً.
وعلى هذا كلُّ ما يَتَفَرَّغ مِن المَسائِلِ، إلَّا أنَّها لا تَلْتَفِت إلى ما رَأتْه بعدَ الطُّهْرِ فيما خَرَج عن العادَةِ حتى يَتَكَرَّرَ مَرَّتَين أو ثلاثًا، فإن تَكَرَّرَ، وأمْكَنَ جَعلُه حَيضًا، فهو حَيضٌ، وإلَّا فلا.
الجزء: 2 - الصفحة: 448
وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فِي أَيَّامِ الْحَيضِ، مِنَ الْحَيضِ.
238 - مسألة، قال: (والصُّفْرَةُ والكُدْرَةُ في أيّامِ الحَيضِ مِن الحَيضِ)
متى رَأتْ في أيّامِ عادَتِها صُفْرَةً أو كُدْرَةً، فهو حَيضٌ، وإن رَأتْه بعدَ أيّامِ حَيضِها، لم تَعْتَدَّ به.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو مذهبُ الثَّوْرِيِّ، ومالكٍ، والشافعيِّ.
وقال أبو يُوسُفَ، وأبو ثَوْرٍ: لا يَكُونُ حَيضًا، إلَّا
الحديث: 238 - الجزء: 2 - الصفحة: 449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن يَتَقَدَّمَه دَمٌ أسْوَدُ؛ لأنَّ أَمَّ عَطِيَّةَ قالت: كُنّا لا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ بعدَ الطُّهْرِ 1345 شيئًا.
رَواه أبو داودَ 1346. ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ 1347. وهذا يَتَناولُ الصُّفْرَةَ والكُدْرَةَ، ولأنَّ النِّساءَ كُنَّ يَبْعَثْنَ إلى عائشةَ بالدِّرَجَةِ 1348 فيها الصُّفْرَةُ والكُدْرَةُ، فتَقُولُ: لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَينَ القَصَّةَ البَيضاءَ.
تُرِيدُ بذلك الطُّهْرَ مِن الحَيضَةِ.
وحديثُ أُمِّ عَطِيَّةَ إنَّما يَتَناوَلُ ما بعدَ الطُّهْرِ والاغْتِسالِ، ونحن نَقُولُ به، ويَدُلُّ عليه قَوْلُ عائشةَ: ما كُنّا نَعُدُّ الكُدْرَةَ والصُّفْرَةَ حَيضًا 1349. مع قَوْلِها المُتَقَدِّمَ.
الجزء: 2 - الصفحة: 450
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وحُكْمُها حُكْمُ الدَّمِ العَبِيطِ 1350 في أنَّها في أيّامِ الحَيضِ حَيضٌ، وتَجْلِسُ مِنها المُبْتَدَأةُ كما تَجْلِسُ مِن غيرِها.
وإن رَأتها بعدَ العادَةٍ مُتَّصِلَةً بها، فهو كما لو رَأتْ غيرَها، على ما بَيَّنا.
وإن طَهُرَتْ ثم رَأتْ كُدْرَة أو صُفْرَةً، لم تَلْتَفِتْ إليها، لحديثِ أمِّ عَطِيَّةَ وعائشةَ، وقد روَى النَّجّادُ 1351 بإسْنادِه، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن فاطمَةَ، عن أسْماءَ، قالتْ: كُنّا في حِجْرِها مع بَناتِ بِنْتِها 1352، فكانت إحْدانا تَطهُرُ ثم تُصَلِّي، ثم تُنْكَسُ بالصُّفْرَةِ اليَسِيرَةِ، فنَسْألها، فتَقُولُ: اعْتَزِلْنَ الصلاةَ حتى لا تَرَينَ إلَّا البَياضَ خالِصًا 1353. والأوَّلُ أوْلَى، لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أُمِّ عَطِيَّةَ وعائشةَ، وهو أوْلَى مِن قولِ أسْماءَ.
وقال القاضي: مَعْنَى هذا أنَّها لا تَلْتَفِتُ إليه قبلَ التَّكْرارِ، وقَوْلُ أسْماءَ فيما إذا تَكَرَّرَ، فجَمَعَ بينَ الأخْبارِ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 451
وَمَنْ كَانتْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا طُهْرًا، فَإِنَّهَا تَضُمُّ الدَّمَ إِلى الدَّمِ فَيَكُونُ حَيضًا، وَالْبَاقِي طُهْرًا، إلا أَنْ يُجَاوزَ أَكْثَرَ الْحَيضِ، فَتَكُونَ مُسْتَحَاضَةً.
239 - مسألة: (ومن كانت تَرَى يَوْمًا دَمًا ويومًا طُهْرًا، فإنَّها تَضُمُّ الدَّمَ إلى الدَّمِ فيكونُ حَيضًا، والباقِي طُهْرًا، إلَّا أن يُجاوزَ أكْثَرَ الحَيضِ فتكونَ مُسْتَحاضَةً)
قد ذَكَرْنا أنَّ الطُّهْرَ في أثناءِ الحَيضَةِ طُهْرٌ صَحِيحٌ، فإذا رَأتْ يَوْمًا دَمًا ويومًا طُهْرًا، فإنَّها تَضُمُّ الدَّمَ إلى الدَّمِ، فيكونُ حَيضًا، وما بَينَهما مِن النَّقاءِ طُهْرٌ، على ما ذَكَرْنا.
ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ زَمَنِ الدَّمِ أكثَرَ مِن زمنِ الطُّهْرِ، أو مِثْلَه، أو أقَلَّ منه، فإنَّ جَمِيعَ
الحديث: 239 - الجزء: 2 - الصفحة: 452
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدَّمِ حَيضٌ إذا تَكَرَّرَ ولم يُجاوزْ أكْثَرَ الحيضِ.
فإن كان الدَّمُ أقلَّ مِن يَوْمٍ، مِثْلَ أن تَرَى نِصْفَ يوم دَمًا ونِصْفًا طُهْرًا، أو ساعَةً وساعةً، فقال أصحابُنا: هو كالأيّامِ، تَضُمُّ الدَّمَ إلى الدَّمِ، فيَكُونُ حَيضًا، وما بَينَهما طُهْرٌ، إذا بَلَغ المُجْتَمِعُ مِنه أقلَّ الحَيضِ، فإن لم يَبْلُغْ ذلك فهو دَمُ فَسادٍ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا يكونُ الدَّمُ حَيضًا، إلَّا أن يَتَقَدَّمَه حَيضٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ.
وهذا كُلُّه مذهبُ الشافعيِّ.
وله قَوْلٌ آخَرُ 1354: إنَّ النَّقاءَ بينَ الدَّمَين حَيضٌ.
وقد ذَكَرْناه، وذكرْنا أيضًا لنا وَجْهًا في أنَّ النَّقاءَ إذا نَقَص عن يَوْم، لم يَكُنْ طُهْرًا.
فعلى هذا، متى نَقَصَ عنه، كان الدَّمُ 1355 وما بعدَه حَيضًا كلُّه.
الجزء: 2 - الصفحة: 453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن جاوَزَ أكثَرَ الحَيضِ، مثلَ أن تَرَى يومًا دَمًا ويومًا طُهْرًا إلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ، فهي مُسْتَحاضَةٌ، تُرَدُّ إلى عادَتِها إن كانت مُعْتادَةً.
فإن كانت عادَتُها سَبْعَةَ أيّامٍ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ، فإنَّها تَجْلِسُ أَوَّلَ يَوْمٍ تَرَى الدَّمَ فيه في العادَةِ، وتَغْتَسِلُ، وما بعدَه مَبْنِيٌّ على الرِّوايَتَين في الدَّمِ الذي تَراه بعدَ الطُّهْرِ في أثناءِ الحَيضَةِ، فإن قُلْنا: ليس بحَيضٍ.
فحَيضُها اليَوْمُ الأوَّلُ خاصَّةً، وما بعدَه اسْتِحاضَةٌ.
وإن قُلْنا: إنَّه حَيضٌ.
فحَيضُها اليَوْمُ الأوَّلُ، والثّالِثُ، والخامِسُ، والسّابعُ، فيَحْصُلُ لها مِن عادَتِها أرْبَعَةُ أيّام، والباقِي اسْتِحاضَةٌ.
وإن لم تَرَ الدَّمَ إلَّا في اليَوْمِ الثّانِي جَلَسَتْه والرّابع والسّادِسَ، فيَحْصُلُ لها ثلاثة أيّامٍ، وفيه وَجهٌ آخَرُ، أنَّه تُلَفِّقُ لها السَّبْعَةَ مِن أيّام الدَّم جَمِيعِها، فتَجْلِسُ التاسِعَ 1356، والحادِيَ عشَرَ والرّابع عَشَرَ.
وَالصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ هذه الأيامَ ليس مِن عادَتِها، فلم تَجْلِسْها، كغيرِ المُلَفِّقَةِ.
وإن كانت ناسِيَةً فأجْلَسْناها سبعةَ أيّامٍ، فكذلك.
وإن كانت مُمَيِّزَةً جَلَسَتْ زَمانَ الدَّمِ الأسْوَدِ، والباقي اسْتِحاضَةٌ، وإن كانت مُبْتَدَأةً جَلَسَتِ اليَقِينَ في ثلاثةِ أشْهُرٍ، أو في 1357 شَهْرَين مِن أوَّلِ دَمٍ تَراه، ثم تَنْتَقِلُ بعدَ ذلكَ إلى غالِبِ الحَيضِ.
وهل تُلَفِّقُ لها السَّبْعَةَ مِن خَمْسَةَ
الجزء: 2 - الصفحة: 454
فَصْلٌ: وَالْمُسْتَحَاضَةُ تَغْسِلُ فَرْجَهَا وَتَعْصِبُهُ، وَتَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ
عَشَرَ يَوْمًا، أو تَجْلِسُ أرْبَعَةً مِن سَبْعَةٍ؟ على وَجْهَين، كالمُعْتادَةِ.
وقال القاضي في المُعْتادَةِ كما ذَكَرْنا.
وفي غيرِها: ما عَبَر الخَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحاضَة، وأيّامُ الدَّمِ مِن الخمسةَ عشرَ كلُّها حَيضٌ إذا تَكَرَّرَ، فإن كان يَوْمًا ويومًا، فلها ثَمانِيَةُ أيّامٍ حَيضًا، وإن كانت أنْصافًا، فلها سَبْعَةٌ ونِصْفٌ حَيضًا ومِثْلُها طُهْرًا؛ لأنَّ الطُّهْرَ في اليَوْمِ السّادِسَ عَشَرَ يَفْصِلُ بينَ الحَيضِ وما بعدَه؛ لأنَّها فيما بعدَه في حُكْمِ الطّاهِراتِ، تَصُومُ وتُصَلِّي.
فصل؛ قال: (والمُسْتَحاضَةُ تَغْسِلُ فَرْجَها وتَعْصِبُه، وتَتَوَضَّأُ لوَقْتِ
الجزء: 2 - الصفحة: 455
كُلِّ صَلَاةٍ، وَتُصَلِّي مَا شَاءَتْ مِنَ الصَّلَوَاتِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَالْمَذْيُ، وَالرِّيحُ، وَالْجَرِيحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ دَمُهُ، وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ.
كلِّ صلاةٍ، وتُصَلِّي ما شاءَتْ مِن الصَّلَواتِ، وكذلك مَن به سَلَسُ البَوْلِ والمَذْيُ والرِّيحُ، والجَرِيحُ الذي لا يَرْقَأُ دَمُه، والرُّعافُ الدّائِمُ) المُسْتَحاضَةُ التي تَرَى دَمًا لا يَصْلُحُ أن يكونَ حَيضًا ولا نِفاسًا، حُكْمُها حُكْمُ الطّاهِراتِ في وُجُوبِ العِباداتِ وفِعْلِها؛ لأنَّها نَجاسَةٌ غيرُ مُعْتادَةٍ، أشْبَهَ سَلَسَ البولِ.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّ المُسْتَحاضَةَ، ومَن في مَعْناها مِمَّن ذَكَرْنا، وهو مَن لا يُمْكِنُه حِفْظُ طَهارَتِه، لاسْتِمْرارِ الحَدَثِ، يَجِبُ عليه غَسْلُ مَحَلِّ الحَدَثِ، والتَّحَرُّزُ مِن خُروجِ الحَدَثِ بما أمْكَنَه، فالمُسْتَحاضَةُ تَحْشُوه بالقُطنِ وما أشْبَهَه، فإن لم يَرُدَّ الدَّمَ، اسْتَثْفَرَتْ
الجزء: 2 - الصفحة: 456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بخِرْقَةٍ مَشْقُوقَةِ الطَّرَفَين، تَشُدُّهما على جَنْبَيها، ووَسَطَها على الفَرْجِ؛ لأنَّ في حَديثِ أمِّ سَلَمَةَ: «لتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ» 1358. وقال لحَمْنَةَ، حينَ شَكَتْ إليه كَثْرَةَ الدَّمِ: «أَنْعَتُ لَكِ الكُرْسُفَ» يَعْنِي القُطنَ تَحْشِينَ بِهِ المكانَ.
قالت: إنَّه أكثر مِن ذلك.
قال: «تَلَجَّمِي» 1359. فإذا فَعَلَتْ ذلك، وتَوَضَّأتْ، ثم خَرَج الدَّمُ لرَخاوَةِ الشَّدِّ، فعليها إعادَةُ الشَّدِّ والوُضُوءِ، وإن كان لغَلَبَةِ الخارِجِ وقوَّتِه، لم تَبْطُلِ الطهارةُ، لعَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه، قالت عائشةُ: اعتَكَفَتْ مع رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - امرأة مِن أزْواجِه، فكانت تَرَى الدَّمَ والصُّفرَةَ، والطَّسْتُ تحتَها وهي تُصَلِّي.
رَواه البُخارِي 1360. وفي لفظٍ 1361: «صَلِّي، وَإنْ قَطرَ الدَّمُ عَلَى الحَصِيرِ».
والمُبْتَلَى بسَلَسِ البَوْلِ، أو كَثْرَةِ المَذْي، يَعْصِبُ
الجزء: 2 - الصفحة: 457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَأسَ ذَكَرِه بخِرْقَةٍ، ويَحْتَرِسُ حَسْبَما أمكَنَه، وكذلك مَن به جُرْحٌ أو رِيحٌ، أو نَحْوُه مِن الأحْداثِ، فإن كانَ مِمَّا لا يُمْكِنُ عَصْبُه، كالجرْحِ الذي لا يُمْكِنُ شَدُّه، أو مَن به باسُورٌ أو ناصُور لا يُمْكِنُ عَصْبُه، صَلَّى على حَسَبِ حالِه، لأنَّ عُمَرَ، رَضِي اللهُ عنه، صَلَّى وجُرْحُه يَثْعَبُ 1362 دَمًا.
فصل: ويَجِبُ على كلِّ واحِدٍ مِن هؤلاء الوُضُوءُ لوَقْتِ كلِّ صلاةٍ، إلَّا أن لا يَخْرُجَ منه شَئٌ.
وهو قَوْلُ الشافعي، وأصحابِ الرَّأي.
وقال مالكٌ: لا يَجِبُ الوُضُوءُ على المُسْتَحاضَةِ.
ورُوي ذلك عن عِكْرِمَةَ، ورَبِيعَةَ.
واسْتَحَبَّ مالك لمَن به سَلَسُ البَوْلِ أن يَتَوَضَّأ لكلِّ صلاةٍ، إلَّا أن يُؤذِيَه البَرْدُ، فإن آذاه فأرْجُو أن لا يكونَ عليه ضيقٌ.
واحْتَجُّوا بأنَّ في حديثِ هشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال
الجزء: 2 - الصفحة: 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لفاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش: «فَاغْتَسِلِى وَصَلِّي» 1363. فلم يَأمُرْها بالوُضُوءِ.
ولأنَّ ليس بمَنْصُوص عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ؛ لأنَّه غيرُ مُعْتادٍ.
ولَنا، ما روَى عَدِيُّ بنُ ثابِتٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، [عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -] 1364 في المستحاضَةِ: «تَدَعُ الصلَاةَ أيامَ أقرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي، وَتَتَوَضَّأ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» 1365. رَواه أبو داودَ، والترمِذِيُّ.
وعن عائشةَ، قالت: جاءَتْ فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرَتْ خَبَرَها، ثم قال: «وَتَوَضئِى لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِئَ ذَلِكَ الْوَقْتُ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمِذِي 1366، وقال: حديثٌ حسن صحيحٌ.
وهذه زِيادَةٌ يَجِبُ قَبُولُها.، ولأنَّه حَدَث خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، فنَقَضَ الوُضُوءَ، كالمَذْيِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ طهارةَ هؤلاء مُقَيَّدَةٌ بالوَقْتِ؛ لقَوْلِه: «تَتَوَضَّأ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ».
وقولِه: «ثمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ».
ولأنَّها طهارةُ عُذْرٍ وضَرُورَةٍ، فقُيِّدَتْ بالوَقْتِ، كالتيمم.
فعلى هذا، إذا تَوَضَّأ أحَدُ هؤلاء قبلَ الوَقْتِ، ثم دَخَل الوقتُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَطَلَتْ طهارتُه؛ لأنَّ دُخُولَه يَخْرُجُ به الوَقْتُ الذي تَوَضَّأ فيه.
وكذلك إن خَرَج منه شيءٌ؛ لأنَّ الحَدَثَ مُبْطل للطهارةِ، وإنَّما عُفِي عنه مع الحاجَةِ إلى الطهارةِ، ولا حاجَةَ قبلَ الوَقْتِ.
وإن تَوَضَّأ بعدَ الوَقتِ، صَحَّ وُضُوءُه، ولم يُؤثرْ فيه ما يَتَجَدَّدُ مِن الحَدَثِ الذي لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه؛ لِما ذَكَرْنا.
فإن صَلَّى عَقِيبَ الطهارةِ، أو أخَّرَها لِما يَتَعَلَّقُ بمَصْلَحَةِ الصلاةِ؛ كلُبْسِ الثِّيابِ، وانتظارِ الجَماعَةِ، أو لم يَعْلَمْ أنه خَرَج منه شيءٌ، جازَ.
وإن أخَّرَها لغيرِ ذلك، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، الجَوازُ، قِياسًا على طهارةِ التَّيَمُّمِ.
والثاني، لا يَجوزُ؛ لأنَّه إنَّما أبِيحَ له الصلاةُ بهذه الطهارةِ مع وُجُودِ الحَدَثِ للضرورَةِ، ولا ضَرُورَةَ ههُنا.
وإن خَرَج الوَقْتُ بعدَ أن خَرَج منها شيءٌ، أو إحدَثَ حَدَثًا غيرَ هذا الخارِجِ، بَطَلَتِ الطهارةُ 1367.
الجزء: 2 - الصفحة: 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَجُوزُ للمُسْتَحاضَةِ ومَن في مَعْناها الجَمْعُ بينَ الصَّلاتين، وقَضاءُ الفَوائِت، والتَّنَفُّلُ إلى خُرُوجِ الوَقْتِ، قال أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ: إنَّما آمُرُها أن تَتَوَضَّأ لكلِّ صلاةٍ، فتُصَلِّيَ بذلك الوُضُوءِ النّافِلَةَ والصلاةَ الفائتَةَ، حتى يَدْخُلَ وَقْتُ الصلاةِ الأخْرَى، فتَتَوضَّأ أيضًا.
وهذا يَقْتَضِي إلحاقَها بالتَّيَمُّمِ.
وقال الشافعي في المُسْتَحاضَةِ: لا تَجْمَعُ بينَ فَرْضَين بطهارةٍ واحِدَةٍ، ولا تَقْضِي به فَوائِتَ.
كقَوْلِه في التَّيَمُّمِ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ».
ولَنا، أنه قد رُوِيَ في بَعْضِ ألْفاظِ حديثِ فاطمةَ: «تَوَضَّئِى لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» 1368. وحَدِيثُهم مَحْمُول على الوَقْتِ، كقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «أينَمَا أدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ» 1369. أي وَقْتُها.
ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ حَمْنَةَ بالجَمْع بينَ الصَّلاتين بغُسْلٍ واحدٍ، وأمَرَ به سَهْلَةَ بنتَ سُهَيلٍ 1370، ولم يَأمُرْها بوُضُوءٍ، لأنَّ الظّاهِرَ أنه لو أمَرَها بالوُضُوءِ بَينَهما لنُقِلَ، ولأنَّ هذا مِمّا يَخْفَى ويَحْتاجُ إلى بَيانٍ، فلا يَجُوزُ تَأخِيرُه عن وَقْتِ الحاجَةِ، وغيرُ المُسْتَحاضَةِ مِن أهْلِ الأعْذارِ مَقِيسٌ عليها.
الجزء: 2 - الصفحة: 461
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا تَوَضَّأتِ المُسْتَحاضَةُ، ثم انْقَطَعَ دَمُها، فإنِ اتَّصَلَ الانْقِطاعُ، بَطَل وُضُوءُها بانْقِطاعِه؛ لأنَّ الحَدَثَ الخارِجَ منها مُبْطلٌ للطهارةِ عُفِي عنه للعُذْرِ، فإذا زال العُذْرُ، ظَهَر حُكْمُ الحَدَثِ.
وإن عاد الدَّمُ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا عِبْرَةَ بهذا الانْقِطاعِ.
قال أحمدُ بنُ القاسِمِ: سَألتُ أبا عبدِ اللهِ، فقُلْتُ: إنَّ هؤلاء يَتَكَلَّمُون بكَلامٍ كَثِيرٍ، ويُوَقِّتُون بوَقْتٍ، يَقُولُون: إذا تَوَضَّأتْ للصلاةِ، وقد انْقَطَعَ الدَّمُ، ثم سال بعدَ ذلك قبلَ أن تَدْخُلَ في الصلاةِ، تُعِيدُ الوُضُوءَ.
ويَقُولُون، إذا تَطَهَّرَتْ 1371 والدَّمُ سائِلٌ، ثم انْقَطَعَ الدَّمُ، قَوْلًا آخَرَ.
قال: لَسْتُ أنظرٌ في انْقِطاعِه حينَ تَوَضَّأتْ سال أم لم يَسِلْ، إنَّما آمُرُها أن تَتَوَضَّأ لكلِّ صلاةٍ، فتُصَلِّيَ بذلك الوُضُوءِ النّافِلَةَ والفائتةَ، حتى يَدْخُلَ وَقْتُ الصلاةِ الأخْرَى.
وقال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ: إن تَطَهَّرَتْ
الجزء: 2 - الصفحة: 462
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حال جَرَيانِ الدَّمِ، ثم انْقَطعَ قبلَ دُخُولِها في الصلاةِ، ولم يَكُنْ لها عادَةٌ بانْقِطاعِه، لم يكنْ لها الدُّخُولُ في الصلاةِ حتى تَتَوَضَّأ؛ لأنَّها طهارة عُفِيَ عن الحَدَثِ فيها للضرورَةِ، فإذا زالتْ ظَهَر حُكْمُ الحَدَثِ، كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ.
فإن دَخَلَتْ في الصلاةِ، فاتَّصَلَ الانْقِطاعُ بحيثُ يَتَّسِعُ للوُضُوءِ والصلاةِ، فالصلاةُ باطِلَةٌ؛ لأنَّنا تَبَينا بُطْلانَ الطهارةِ بانْقِطاعِه، وإلَّا فطَهارَتُها صَحِيحَة؛ لأنَّنا تَبَينا عَدَمَ الانْقِطاعِ المُبْطِلِ، أشْبَهَ ما لو ظَنَّ أنه أحْدَثَ، ثم بانَ بخِلافِه.
وفي صِحَّةِ الصلاةِ وَجْهَان؛ أحَدُهما، تَصِحُّ؛ بِناءً على صِحَّةِ الطهارةِ؛ لبَقاءِ الاستحاضَةِ.
والثاني، لا تَصِحُّ؛ لأنَّها صَلَّتْ بطهارةٍ لم يَكُنْ لها [أن تُصَلِّيَ بها، فلم تَصِحَّ،؛ لو تَيَقنَ الحَدَثَ وشَكَّ في الطهارةِ وصَلَّى، ثم تَبَيَّنَ أنَّه كان مُتَطَهِّرًا.
وإن عاوَدَها] 1372 الدَّمُ قبلَ دُخُولِها في الصلاةِ لمُدَّةٍ تَتَّسِعُ للطهارةِ والصلاةِ، بَطَلَتِ الطهارةُ، وإن كانت لا تَتَّسِعُ، لم تَبْطُلْ؛ لِما ذَكَرْنا، وإن كان انْقِطاعُه في الصلاةِ واتَّصَلَ، انْبَنَى على المُتَيَمِّمِ يَجِدُ الماءَ في الصلاةِ.
ذَكَرَه
الجزء: 2 - الصفحة: 463
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنُ حامِدٍ.
وإن عاوَدَها الدَّمُ، فهو كما لو انْقَطعَ خارِجَ الصلاةِ، على ما مَضَى.
وإن تَوَضَّأتْ وهو مُنْقَطِع، ثم عاد قبلَ الصلاةِ أو فيها، وكانت مُدَّةُ انْقِطاعِه تَتَّسِعُ للطهارةِ والصلاةِ، بَطَلَتْ طَهارَتُها 1373 بعَوْدِه؛ لأنَّها صارَتْ بهذا الانْقِطاعِ في حُكْمِ الطّاهِراتِ، فصارَ عَوْدُ الدَّمِ كسَبْقِ الحَدَثِ.
وإن لم يَتَّسِعْ، لم يُوثِّرْ هذا الانْقِطاعُ.
وهذا قَوْلُ الشافعي 1374. وقد ذَكَرْنا أنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ، رَحِمَه الله، أنه لا عِبْرَةَ بهذا الانْقِطاعِ، بل متى كانت مُسْتَحاضَةً، أو مَن في مَعْناها، فتَحَرَّزَتْ وتَطَهَّرَتْ، فطَهارَتُها صَحِيحَةٌ، ما لم تَبْرأ أو يَخْرُجِ الوَقْتُ، أو تُحْدِثْ حَدَثًا آخَرَ، وهو أوْلَى؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ المُسْتَحاضَةَ بالوُضُوءِ لكلِّ صلاةٍ مِن غيرِ تَفْصِيلٍ، فالتَّفْصِيلُ يُخالِفُ مُقْتَضَى الخَبَرِ، ولأنَّ هذا لم يَرِدِ الشَّرعُ به، ولا سأل عينه النبي - صلى الله عليه وسلم - المُسْتَحاضَةَ التي اسْتَفْتَتْه، ولم يُنْقَلْ عنه، ولا عن أحَدٍ مِن أصحابِه هذا التَّفْصِيلُ، وذلك يَدُلُّ ظاهِرًا على عَدَمِ اعْتِبارِه، ولأنَّ اعْتِبارَ هذا يَشُقُّ، والعادَةُ في المُسْتَحاضَةِ ونَحْوها أنَّ
الجزء: 2 - الصفحة: 464
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخارِجَ يَجْرِي ويَنْقَطِعُ، واعْتِبارُ مُدَّةِ الانْقِطاعِ بما يُمْكِنُ فيه فِعْلُ العِبادة يَشُقُّ، وإيجابُ الوُضُوءِ به حَرَجٌ مَنْفِيٌّ بقَوْلِه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 1375. وكذلك فيما إذا كان لها عادَةٌ بانْقِطاعِهِ زَمَنًا لا يَتَّسِعُ للطهارةِ والصلاةِ، على ما مَضَى مِن الخِلافِ فيه.
فصل: فإن كان للمُسْتَحاضَةِ عادَةٌ بانْقِطاعِ الدَّمِ زَمَنًا لا يَتَّسِعُ للطهارةِ والصلاةِ، فتَوَضَّأتْ، [ثم انْقَطَعَ] 1376، لم يُحْكَمْ ببُطْلانِ طَهارَتِها، ولا صَلاتِها، إن كانت فيها، لأنَّ هذا الانْقِطاعَ لا يَحْصُلُ به المَقْصُود.
وإنِ اتَّصَلَ الانْقِطاعُ وبَرَأتْ، وكان قد جَرَى مِنها دَمٌ بعدَ الوُضُوءِ، بَطَلَتِ الطهارةُ والصلاةُ، لأنّا تَبَينا أنها صارَتْ في حُكْمِ الطّاهِراتِ بالانْقِطاعِ.
وإنِ اتَّصَلَ زَمَنًا يَتَّسِعُ للطهارةِ والصلاةِ، فالحُكْمُ فيه كالتي لم تَجْرِ لها عادةٌ بانْقِطاعِه، على ما ذَكَرْنا.
وإن كانت لها عادَةٌ بانْقِطاعِه زَمَنًا يَتَّسِعُ للصلاةِ والطهارةِ، لم تُصَلِّ حال جَرَيانِ الدمِ، وتَنْتَظِرُ انْقطاعَه، إلَّا أن تَخْشَى خُرُوجَ الوَقْتِ، فتَتَوَضَّأ وتُصَلِّيَ.
فإن شَرَعَتْ في الصلاةِ في آخِرِ الوَقْتِ
الجزء: 2 - الصفحة: 465
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بهذه الطهارةِ، فأمْسَكَ الدَّمُ عَنها، بَطَلَتْ طَهارَتُها؛ لأنَّها أمْكَنَتْها الصلاةُ بطَهارَةٍ صَحِيحَةٍ، أشْبَهَتْ غيرَ المُسْتَحاضَةِ.
وإن كان زَمَنُ إمْساكِه يَخْتَلِفُ، فتارَةً يَتَّسِعُ، وتارَةً لا يَتَّسِعُ، فهي كالتي قبلَها، إلَّا أن تَعْلَمَ أنَّ هذا الانْقِطاعَ لا يَتَّسِعُ.
قال شيخُنا 1377: ويَحْتَمِلُ أنَّها إذا شَرَعَتْ في الصلاةِ، ثم انْقَطَعَ الدَّمُ، لم تَبْطُلْ صَلاتُها، لأنَّها شَرَعَتْ فيها بطهارةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، وانْقِطاعُ الدَّمِ يَحْتَمِلُ أن يكُونَ مُتَّسِعًا، فتَبْطُلَ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ ضَيِّقًا، فلا تَبْطُلَ، فلا تَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ.
وإنِ اتَّصَلَ الانْقِطاعُ، تَبَينا أنَّه كان مُبْطِلًا، فبَطَلَتِ الصلاةُ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ للمُسْتَحاضَةِ أن تَغْتَسِلَ لكلِّ صلاةٍ.
وذَهَب بَعْضُ العلماءِ إلى وُجُوبِه، رُوِيَ ذلك عن علي، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسِ، وابنِ الزُّبَيرِ.
وهو أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ في المُتَحَيِّرةِ، لأنَّ أمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِين، فأمَرَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فكانت تَغْتَسِلُ عندَ كلِّ صلاةٍ 1378.
الجزء: 2 - الصفحة: 466
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وروَى أبو داودَ 1379، أنَّ امرأةً كانت تُهَرَاقُ الدِّماءَ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَها أن تَغْتَسِلَ عندَ كلِّ صلاةٍ.
وقال بَعْضُهم: تَغْتَسِلُ كلَّ يَوْمٍ غُسْلًا.
رُوِيَ ذلك عن عائشةَ، وابنِ عُمَرَ، وأنس.
وقال بعضُهم: تَجْمَعُ بينَ كلِّ صَلاتَي جَمع بغُسْلٍ واحِدٍ، وتَغْتَسِلُ للصُّبْحِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لحَمْنَةَ 1380: «فَإنْ قَويتِ أنْ تُؤخِّرِى الظّهْرَ، وتُعَجِّلِي العَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وتَجْمَعِينَ بَينَ الصَّلَاتَينِ الظّهْرِ وَالْعَصْرِ حِينَ تَطْهُرِينَ، وتُصَلِّينَ الظّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤخِّرِينَ الْمَغْرِبَ، وتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَينَ الصَّلَاتَينِ، وَتَغْتَسلِينَ لِلصبحِ، فَافْعَلِي، وَصُومِي إنْ قَويتِ عَلَى ذَلِكَ».
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «وَهُوَ أعْجَبُ الْأَمْرَينِ إِلَيَّ».
وأمَرَ به سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيلٍ 1381. وبه قال عَطاءٌ، والنَّخَعي.
وأكْثَرُ أهلِ العلم على أنَّها تَغْتَسِلُ عندَ انْقِضاءِ الحَيضِ، ثم عليها الوُضُوءُ لكلِّ صلاةٍ؛ لقَوْلِ النبيِّ
الجزء: 2 - الصفحة: 467
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَيسَتْ بالْحَيضَةِ، فَإِذَا أقْبَلَتْ فَدَعِي الصَّلَاةَ، فَإذَا أدبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي، وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» 1382. وقد ذَكَرْنا حديثَ عَدِيِّ بنِ ثَابِتٍ 1383، وهذا يَدُلُّ على أنَّ الغُسْلَ المَأمُورَ به أمْرُ اسْتِحْبابٍ جَمْعًا بينَ الأحادِيثِ، والغُسْلُ لكلِّ صلاةٍ أفْضَلُ، لأنَّه أحْوَطُ، وفيه خُرُوج مِن الخِلافِ، ويَليه في الفَضْلِ الجَمْعُ بينَ الظُّهْرِ والعصْرِ بغُسْلٍ 1384، والمَغْرِب والعِشاءِ بغُسْلٍ، والغُسْلُ للصبحِ، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَينِ إلَيَّ».
ويَليه الغُسْلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً، ثم بعدَه الغُسْلُ عندَ انْقِطاعِ الدَّمِ، والوُضُوءُ لكلِّ صلاةٍ، وذلك مُجْزِئ إن شاءَ اللهُ تعالى.
الجزء: 2 - الصفحة: 468
وَهَلْ يُبَاحُ وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الْفَرْجِ مِنْ غَيرِ خَوْفِ الْعَنَتِ؛ عَلَى رِوَايَتَينِ.
240 - مسألة: (وهل يُباحُ وَطْءُ المُسْتَحاضَةِ في الفَرْجِ مِن غيرِ خَوْفِ العَنَتِ؟ على رِوايَتَين)
إحْداهُما، لا يُباحُ إلَّا أن يَخافَ على نَفسِه الوُقُوعَ في المَحْظُورِ.
وهو مذهبُ ابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ؛ لأن عائشةَ يُرْوَى عنها أنها قالت: المُسْتَحاضَةُ لا يَغْشاها زَوْجُها 1385. ولأنَّ بها أذى، فيَحْرُمُ وَطْؤها كالحُيَّضِ 1386؛ لأنَّ الأذَى عِلَّة لتَحْرِيمِ الوَطْءِ؛ لأنَّ الشّارِعَ ذَكَرَه عَقِيبَه بفاءِ التَّعْقِيبِ، فكان عِلَّةً له، كقَوْلِه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ 1387. والأذَى مَوْجُودٌ في المُستحاضَةِ 1388، فمُنِعَ وَطْؤها، كالحائِضِ.
والثانيةُ، يُباحُ وَطْؤها
الحديث: 240 - الجزء: 2 - الصفحة: 469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُطْلَقًا.
وهو قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، لِما روَى أبو داودَ 1389، عن عِكْرِمَةَ، عن حَمْنَةَ بنتِ جَحْش، أنَّها كانَتْ مُسْتَحاضَةً، وكان زَوْجُها يُجامِعُها.
وقال 1390: إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ كانت تُسْتَحاضُ، وكان زَوْجُها يَغْشاها.
وقد كانت حَمْنَةُ تحتَ طَلْحَةَ، وأمُّ حَبِيبَةَ تحتَ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، وقد سَألَتا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن أحْكامِ المُسْتَحاضَةِ، فلو كان حَرامًا لبَيَّنَه لهما.
فأمّا إن خاف على نَفْسِه العَنَتِ، أُبِيحَ على الرِّوايَتَين، لأنَّ حُكْمَه أخَفُّ مِن حُكْمِ الحَيضِ، ومُدَّتَه تَطُولُ، فإن وَطِئَها لغيرِ ذلك، وقُلْنا بالتَّحْرِيمِ، لم يَكُنْ عليه كَفّارَةٌ؛ لأنَّ الشرعَ لم يَرِدْ بها، وقد فَرَّقْنا بينَه وبينَ الحَيْضِ.
فإنِ انْقَطَع دَمُها أُبِيحَ وَطْؤها قبلَ الغُسْلِ، لأنَّه غيرُ واجِبٍ عليها، أشْبَهَ سَلَسَ البَوْلِ.
فصل: قال أحمدُ: لا بَأْسَ أن تَشْرَبَ المرأةُ دَواءً يَقْطَعُ عنها الحَيضَ، إذا كان دَواءً مَعْرُوفًا.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 470
فَصل: وَأَكْثَرُ النِّفَاسِ أربَعُونَ يَوْمًا، فصل: قال: (وأكثرُ النِّفاسِ أرْبَعُون يَوْمًا) هذا قولُ أكثَرِ أهلِ العلمِ، رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعلى، وابنِ عباس، وعثمانَ بنِ أبي
الجزء: 2 - الصفحة: 471
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العاص 1391، وعائِذِ بنِ عَمْرٍو 1392، وأنس، وأمِّ سَلَمَةَ، رَضِي اللهُ عنهم.
وبه قال الثَّوْرِي، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأي.
وقال الحسنُ البَصْرِي: النُّفَساءُ لا تكادُ تُجاوزُ الأرْبَعِين، فإن جاوَزَتِ الخَمْسِين، فهي مُسْتَحاضَةٌ.
وقال مالكٌ والشافعيّ: أكْثَرُه سِتُّون.
وحَكاه ابنُ عَقِيلٍ رِوايَةَ عن أحمدَ؛ لأنه رُوِيَ عن الأوزاعِي أنه قال: عِنْدَنا امرأةٌ تَرَى النِّفاسَ شَهْرَين.
ورُوي نَحْوُ ذلك عن عَطاءٍ، والمَرْجِعُ في ذلك إلى الوُجُودِ.
قال الشافعيّ: وغالِبُه أرْبَعُون يَوْمًا.
ولَنا، ما روَى أبو داودَ والترمِذِي، عن مُسَّةَ الأَزْدِية، عن أمِّ سَلَمَةَ، رَضِي اللهُ عنها، قالت: كانَتْ النُّفَساءُ تَجْلِسُ على عَهْدِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم أرْبَعِين يومًا 1393. قال الترمِذِيُّ.
لا نَعْرِفُ هذا الحَدِيثَ إلَّا مِن حديثِ أبي سَهْلٍ، وهو ثِقَةٌ.
قال الخَطّابِيُّ: أثْنَى محمدُ بنُ إسماعيلَ على هذا الحديثِ 1394. ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيناه مِن الصَّحابَةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِف في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا.
قال
الجزء: 2 - الصفحة: 472
وَلا حَدَّ لِأقَلِّهِ،
الترمِذِيُّ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ مِن أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ومَن بعدَهم على أنَّ النُّفَساءَ تَدَعُ الصلاةَ أرْبَعين يومًا، إلَّا أن تَرَى الطُّهْرَ قبلَ ذلك، فتَغْتَسِلَ وتُصَلِّيَ.
قال أبو عُبَيدٍ: وعلى هذا جَماعَةُ النّاسِ.
وما حَكَوْه عن الأوْزاعِيِّ يَحْتَمِلُ أنَّ الزِّيادَةَ كانَتْ حَيضًا أو اسْتِحاضَةً، كما لو زاد دَمُها على الستين، فعلى هذا إن زاد دَمُ النُّفَساءِ على أرْبَعِين، وصادَفَ عادَةَ الحَيض، فهو حَيض، وإلَّا فهو اسْتِحاضَةٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه لا يَخْلُو مِن أحَدِهما.
واللهُ أعلمُ.
241 -
مسألة؛ قال: (ولا حَدَّ لأقَلِّه)
وبه قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ.
وقال أبو الخَطّابِ: أَقَلُّه قَطرةٌ.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ، وأبو ثَوْرٍ: أقَلُّه ساعَةٌ.
وقال أبو عُبَيدٍ: أقَلُّه خَمْسَةٌ وعِشْرُون يومًا.
وقال يَعْقوبُ 1395: أدْناه أحَدَ عَشَرَ يومًا.
ولَنا، أنَّه لم يَرِدْ في الشرعَ تَحْدِيدُه، فيُرْجَعُ فيه إلى الوُجُودِ، وقد وُجِدَ قليلًا وكثيرًا، وقد رُوِيَ أنَّ امرأةً وَلَدَتْ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فلم تَرَ دَمًا، فسُمِّيَتْ ذاتَ الجُفُوفِ.
ولأنَّ اليَسِيرَ دَمٌ وُجِد عَقِيبَ سَبَبِه، فكان نِفاسًا، كالكَثِيرِ.
الحديث: 241 - الجزء: 2 - الصفحة: 473
أَيَّ وَقْتٍ رَأَتِ الطُّهْرَ فَهِيَ طاهرٌ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي.
242 - مسألة: (أيَّ وَقْتٍ رَأتِ الطُّهْرَ، فهي طاهِرٌ، تَغْتَسِلُ وتُصلِّي)
إذا كان الطّهْرُ أقَلَّ مِن ساعَةٍ، فيَنْبَغِي أن لا تَلْتَفِتَ إليه، لِما ذَكَرْنا مِن قولِ ابنِ عباسِ في الحَيضِ.
وإن 1396 كان أكثَرَ مِن ذلك، فظاهِرُ قَوْلِه ههُنا أنَّها تَغْتَسِلُ وتُصَلِّي، لقولِ 1397 ابنِ عباسِ.
وهذا قولُ أكْثَرِ أصحابِنا 1398، لقولِ علي، رَضِي اللهُ عنه: لا يَحِلُّ للنُّفَساءِ إذا رَأتِ الطّهْرَ إلَّا أن تُصَلِّيَ 1399. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّها إذا رَأتِ النَّقاءَ أقَلَّ مِن يَوْمٍ 1400 لا يَثْبُتُ لها أحْكامُ الطّاهِراتِ.
رَواه يعقوبُ عنه.
فعلى هذا لا يَثْبُتُ لها حُكْمُ الطّاهِراتِ إلَّا أن تَرَى الطُّهْرَ يومًا كامِلًا، لأنَّ الدَّمَ يَجْرِى تارَةً، ويَنْقَطِعُ اخْرَى، فلم يُمْكِنِ اعْتِبارُ مُجَرَّدِ الانْقِطاعِ، فلا بُدَّ مِن ضابِطٍ للانقِطاعِ المَعْدُودِ طُهْرًا، واليَوْمُ يَصْلُحُ أن يكُونَ ضابِطًا، فتَعَلَّق 1401 الحُكْمُ به.
واللهُ أعلمُ.
الحديث: 242 - الجزء: 2 - الصفحة: 474
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا فِي الْفَرْجِ حَتَّى تُتِمَّ الْأَرْبَعِينَ.
243 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن لا يَقْرَبَها في الفَرْجِ حتى تُتمَّ الأرْبَعِين)
متى طَهُرَتِ النُّفَساءُ في مُدَّةِ الأرْبَعِين أكثَرَ مِن يَومٍ، لَزِمَها الصومُ والصلاةُ بعدَ أن تَغْتَسِلَ.
وإن كان أقَلَّ مِن يومٍ فقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيه.
ويُسْتَحَبُّ لزَوْجِها أن لا يَطَأها في الفَرْجِ وهي طاهِرَةٌ، حتى تُتِمَّ الأرْبَعِين.
قال أحمدُ: ما يُعْجبُنِي أن يَأتِيَها زَوْجُها، على حَدِيثِ عثمانَ بنِ أبي العاصِ، أنها أتتْه قبلَ الأُرْبَعِين، فقال: لا تَقْرَبِيني.
ولأنَّه لا يَأمَنُ عَوْدَ الدَّمِ في زَمَنِ الوَطْءِ، فيكُونُ واطِئًا في نِفاس، ولا يَحْرُمُ وَطْؤها، لأنَّها في حُكْمِ الطّاهِراتِ، ولذلك تَجِبُ عليها العِباداتُ.
وذَكَر القاضي في تَحْرِيمِه رِوايَتَين في «المُجَرَّدِ».
والصَّحِيحُ أنَّه لا يَحْرُمُ، لِما ذَكَرْنا.
الحديث: 243 - الجزء: 2 - الصفحة: 475
وَإذَا انْقَطعَ دَمُهَا فِي مُدَّةِ الْأرْبَعِينَ، ثُمَّ عَادَ فِيهَا فَهُوَ نِفَاسٌ.
وَعَنْهُ، أنَّهُ مَشكُوكٌ فِيهِ، تَصُومُ، وَتُصَلِّي، وَتَقْضِي الصَّوْمَ الْمَفْرُوضَ.
244 - مسألة: (فإنِ انْقَطع دَمُها في مُدَّةِ الأرْبَعِين، ثم عاد فيها فهو نِفاسٌ. وعنه، أنه مَشْكُوكٌ فيه، تَصُومُ وتُصَلِّي وتَقْضِي الصومَ المَفْرُوضَ)
متى انْقَطع دَمُها في مُدةِ الأرْبَعِين انْقِطاعًا تَجِبُ عليها فيه العِباداتُ، ثم عادَ في مُدَّةِ الأرْبَعِين، ففيه رِوايَتان؛ إحداهما، هو نِفاسٌ، تَدَعُ له الصومَ والصلاةَ.
نَقَلَها عنه أحمدُ بنُ القاسِمِ.
وهذا قولُ عَطاءٍ، والشَّعْبِيِّ؛ لأنَّه دَمٌ في مُدَّةِ النِّفاس، أشْبَهَ ما لو اتَّصَلَ.
والثانيةُ، هو مَشكُوكٌ فيه.
وهي أشْهَرُ، نَقَلَها عنه الأثْرَمُ وغيرُه، فعلى هذا تَصُومُ
الحديث: 244 - الجزء: 2 - الصفحة: 476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وتُصَلِّي، لأنَّ سَبَط العِبادَةِ مُتَيَقَّنٌ، وسُقُوطَها بهذا الدَّمِ مَشْكُوكٌ فيه.
ويَجِبُ عليها قَضاءُ الصوم احْتِياطًا، لأنَّ الصومَ واجِبٌ عليها بيَقِينٍ، وسُقُوطَه بهذا الفِغلِ مَشْكُوكٌ فيه.
ولا يَقْرَبُها زَوْجُها احْتِياطًا، بخِلافِ النّاسيَةِ إذا جَلَسَتْ سِتًّا أو سَبْعًا، فإنَّه لا يَجِبُ عليها قَضاءُ الصومِ الذي صَامَتْه مع 1402 الشكِّ فيه.
والفَرْقُ بَينَهما أنَّ الغالِبَ منِ عاداتِ النِّساءِ سِتٌّ أو سَبْعٌ، وما زاد عليه نادِرٌ، بخِلافِ النِّفاسِ، ولأن الحَيضَ يَتَكَرَّرُ، فيَشُقُّ ذلك فيه، وكذلك الدَّمُ الزّائِدُ عن العادَةِ في الحَيضِ.
وقال مالكٌ: إن رَأتِ الدَّمَ بعدَ يَوْمَين أو ثلاثةٍ، فهو نِفاسٌ، وإن تَباعَدَ، فهو حَيضٌ.
ولأصحابِ الشافعي فيما إذا رَأتِ الدَّمَ يومًا وليلةً بعدَ طُهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ، هل هو حَيضٌ أو نِفاسٌ؟ قَوْلان.
وقال القاضي: إن رَأتِ الدَّمَ أقَلَّ مِن يَوْم ولَيلَةٍ بعدَ طُهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا (1)، فهو دَمُ فَسادٍ، تَصُومُ وتُصَلِّي، ولا تَقْضِي.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ.
وإن كان الدَّمُ
الجزء: 2 - الصفحة: 477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثّانِي يومًا وليلةً، فهو مَشْكُوك فيه، ذَكَرْنا حُكْمَه.
ولَنا، أنَّه دَمٌ صادَفَ زَمَنَ النِّفاسِ، فكان نِفاسًا، كما لو اسْتَمَرَّ أو رَأتْه قبلَ مُضِي يَوْمَين، ويَنْبَغِي أن لا يُفَرَّقَ بينَ قَلِيلِه وكَثِيرِه، لِما ذَكَرْنا، ومَن قال: هو حَيض.
فهو نِزاع في عِبارَةٍ، لاسْتِواء حُكْمِ الحَيضِ والنِّفاسِ، فأمّا ما صامَتْه في زَمَنِ الطّهْرِ، فلا يَجِبُ قَضاؤه، لأنَّه صَوْمٌ صَحِيحٌ.
فصل: إذا رَأتِ المرأةُ الدَّمَ بعدَ وَضْع شيءٍ يَتَبَيَّنُ فيه شيءٌ مِن خَلْقِ الإِنْسانِ، فهو نِفاسٌ 1403. نَصَّ عليه.
وإن رَأتْه بعدَ إلْقاءِ نُطْفَةٍ أو عَلَقَةٍ 1404، فليس بنِفاسٍ.
وإن كان جِسْمًا لا يَتَبَيَّنُ فيه شيء مِن خَلْق الإِنْسانِ، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، هو نِفاسٌ، لأنَّه بَدْءُ خَلْقِ آدَمِي، أشْبَهَ ما لو تَبَيَّنَ.
والثاني، ليس بنِفاسٍ؛ لأنَّه لم يَتَبَيَّنْ، أشْبَهَ النُّطْفَةَ والعَلَقَةَ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 478
وَإنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَينِ فَأولُ النِّفَاسِ مِن الأوَّلِ، وَآخِرُهُ مِنْهُ.
وَعَنْهُ، أنَّهُ مِنَ الْأَخِيرِ.
وَالْأَوَّلُ أصَحُّ.
245 - مسألة: (وإنْ وَلَدَتْ تَوْأمَين، فأوَّلُ النِّفاسِ مِن الأوَّلِ، وآخِرُه منه. وعنه، أنه مِن الأخِيرِ. والأوَّلُ أصَحُّ)
ذَكَر أصحابُنا عن أحمدَ، رَحِمه اللهُ، في هذه المسألةِ رِوايَتَين، إحْداهما، أنَّ أوَّلَ النِّفاسِ
الحديث: 245 - الجزء: 2 - الصفحة: 479
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وآخِرَه مِن الأوَّلِ.
وهذا قولُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ.
فعلى هذا متى انْقَضتْ مُدَّةُ النِّفاس مِن حينِ وَضْعِ الأوَّلِ، لم يَكُنْ ما بعدَه نِفاسًا، لأنَّ ما بعدَ الأوَّلِ دَمٌ بعدَ الولادَة، أشْبَهَ المُنْفَرِدَ، وإذا كان أوَّلُه منه، كان آخِرُه منه، كالمُنْفَرِدِ.
والرِّوايَةَ الثانيةُ، اخْتَلَف فيها أصحابُنا، فقال الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ، وأبو الخَطّابِ في «رُؤوس المَسائِلِ»: هي أنَّ أوَّلَه مِن الأوَّلِ وآخِرَه 1405 مِن الثّانِي.
وذَكَرَه القاضي، في كتابِ «الرِّوايَتَين»، لأنَّ الثّانِيَ وُلِد، فلا تَنْقَضِي مُدَّةُ النفاسِ قبلَ انْتِهائِها منه،
الجزء: 2 - الصفحة: 480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالمُنْفَرِدِ، فعلى هذا تَزيدُ مُدَّة النفاس على الأرْبَعِين في حَقِّ مَنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَين.
وقال القاضي أبو الحسينِ، وأبو الخَطّابِ في «الهِدايَة»: هي أنَّ أوَّلَ النِّفاسِ وآخِرَه مِن الثّانِي حَسْبُ.
وهذا قولُ زُفَرَ؛ لأنَّ مُدَّةَ النِّفاسِ تَتَعَلَّقُ بالولادَةِ، فكان ابْتِداؤها وانْتِهاؤها مِن الثاني، كمُدَّةِ العِدَّةِ.
فعلى هذا ما تَراه مِن الدَّمِ قبلَ ولادَةِ الثاني لا يكونُ نِفاسًا.
ولأصحابِ الشافعي ثلاثةُ أوْجُهٍ، كالأقْوالِ الثلاثةِ.
وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: النِّفاسُ
الجزء: 2 - الصفحة: 481
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عنهما، رِوايَةً واحِدَةً 1406، وإنَّما الروايَتان في وَقْتِ الابتداءِ، هل هو عَقِيبَ انْفِصالِ الأوَّلِ أو الثاني؟ قال شيخُنا 1407: وهذا ظاهِرُه إنْكار لروايَة مَن روَى أنَّ آخِرَه مِن الأوَّلِ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 482
آخر الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث، وأوله: كتاب الصلاة والْحَمْدُ لله حِقَّ حَمْده
الجزء: 2 - الصفحة: 525
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1414 هـ - 1993 م
المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756
المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة
الجزء: 3 - الصفحة: 2
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
الجزء: 3 - الصفحة: 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ