الشرح الكبير على المقنع ت التركيكتاب العتق
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(1) العِتْقُ في اللُّغةِ: الخُلوصُ.
ومنه عِتاقُ الخيلِ، وعِتاقُ الطَّيرِ، أي خالِصَتُها، وسُمِّيَ البَيتُ الحَرامُ عَتِيقًا؛ لخُلوصِه مِن أيدِي الج

باب

رَةِ.
وهو في الشَّرْعِ: تحْرِيرُ الرَّقَبةِ وتخلِيصُها مِن الرِّقِّ.
يُقالُ: عَتَق العَبْدُ، وأعْتَقْته أنا، وهو عَتِيقٌ، ومُعْتَقٌ.
والأصْلُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ، فقولُ اللهِ تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ 2. وقال تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ 3. وأمّا السُّنَّةُ، فما روَى أبو هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ الله بكُلِّ إرْبٍ مِنْهَا إِرْبًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ، حَتَّى إنَّه ليعْتِقُ الْيَدَ بالْيَدِ، والرِّجْلَ بِالرِّجْلِ، والْفَرْجَ بالْفَرْجِ» مُتَّفَقٌ عليه 4. في أخبارٍ كثيرةٍ سِوَى هذا.
وأجْمَعَتِ الأمَّة على صِحَّةِ العِتْقِ وحُصُولِ القُرْبَةِ به.1

الجزء: 19 - الصفحة: 5

وَهُوَ مِنْ أفْضَلِ الْقُرَبِ.

2909 - مسألة: (وهو مِن أفْضَلِ القرَبِ)

لأنَّ اللهَ تعالى جعلَه، كفّارَةً للقَتْلِ، والوَطْء في رمضانَ، والأيمانِ، وجعلَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِكَاكًا لمُعْتِقِه مِن النَّارِ، ولأنًّ فيه تخليصَ الآدَمِيِّ المَعْصُومِ مِن ضَرَرِ الرِّقِّ، ومِلْكَ نَفْسِه ومنافِعِه، وتَكْمِيلَ أحْكامِه، وتَمْكِينَه مِن التصرُّفِ في نَفْسِه ومنافِعِه على حَسَبِ إرادَتِه واخْتِيارِه.

الحديث: 2909 - الجزء: 19 - الصفحة: 6

وَالْمُسْتَحَبُّ عِتْقُ مَنْ لَهُ كَسْبٌ.
فَأمَّا مَنْ لَا قُوَّةَ لَهُ وَلَا كَسْبَ، فَلَا يُسْتَحَبُّ عِتْقُهُ وَلَا كِتَابَتُهُ.
وإعْتاقُ الرَّجُلِ أفضلُ مِن إعْتاقِ المرأةِ؛ لِما روَى كَعْبُ بنُ مُرَّةَ البَهْزِيُّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «أَيُّمَا رَجُل أعْتَقَ رَجُلًا مُسْلِمًا كَانَ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ، يُجْزَى بِكُلِّ عَظْم مِنْ عِظامِه عَظْمًا مِنْ عِظامِهِ، وأَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأتَين مُسْلِمَتَينِ كانتا فِكاكَهُ مِن النَّارِ، يُجْزَى بكُلِّ عَظْمَينِ (1) مِنْ عِظَامِهما عَظْمًا مِنْ عِظامِه، وأيُّمَا امْرَأةٍ مُسْلِمَةٍ (2) أَعتَقَتِ امْرَأةً مُسْلِمَةً كانتْ فِكاكَهَا مِن النَّارِ، تُجْزَى بِكُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِها عَظْمًا مِنْ عِظَامِهَا» (3). وقِيلَ: عِتْقُ المرأةِ للمرأةِ أفْضَلُ.

2910 -

مسألة: (والمُسْتَحَبُّ عِتْقُ مَن له كَسْبٌ)

ودِينٌ يَنْتَفِعُ بالعِتْقِ، (فأمّا مَن لا قُوَّةَ له ولا كسْبَ، فلا يُسْتَحَبُّ عِتْقُه ولا كِتابَتُه)567

الحديث: 2910 - الجزء: 19 - الصفحة: 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [قد ذَكَرْنا أنَّ العِتْقَ إنَّما يُسْتَحَبُّ لمَن له كسْبٌ يَنْتَفِعُ بالعِتْقِ، فأمّا مَن يَتَضَرَّرُ به، كمَن لا كسْبَ لي] 8 لسُقُوطِ نَفَقَتِه عن سَيِّدِه بإعْتاقِه، = ماجه، في: باب العتق، من كتاب العتق.
سنن ابن ماجه 2/ 843. والإمام أحمد في: المسند 4/ 235، 321. واللفظ له.

الجزء: 19 - الصفحة: 8

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيَضِيعُ، أو يصيرُ كَلًّا على النَّاسِ ويَحْتاجُ إلى المَسْألَةِ، فلا يُسْتَحَبُّ عِتْقُه ولا كِتابَتُه.
فإن كان ممَّن يُخافُ عليه الرُّجُوعُ إلى دارِ الحَرْبِ وتَرْكُ إسْلامِه، أو يُخافُ عليه الفَسادُ، كمَن يُخافُ أنَّه إذا عَتَقَ فاحْتاجَ سَرَق أو فَسَق أو قَطَع الطَّرِيقَ، أو جارِيةٍ يُخافُ عليها الزِّنَى والفسادُ، كُرِهَ إعْتاقُه، فإن غَلَب على الظَّنِّ إفْضاوهُ إلى هذا كان مُحَرَّمًا، لأنَّ التَّوَسُّلَ إلى الحَرامِ حرامٌ.
فإن أعْتَقَه صَحَّ؛ لأنَّه إعْتاقٌ صَدَر مِن أهْلِه في مَحَلِّه، فصَحَّ، كعِتْقِ غيرِه.

الجزء: 19 - الصفحة: 9

وَيَحْصُلُ الْعِتْقُ بِالْقَوْلِ وَالْمِلْكِ؛ فَأمَّا الْقَوْلُ فَصَرِيحُهُ لَفْظُ الْعِتْقِ

2911 - مسألة: (ويحْصُلُ العِتْقُ بالقَوْلِ والمِلْكِ)

ولا يَحْصُلُ بالنِّيَّةِ المُجَرَّدَةِ؛ لأنَّه إزالةُ مِلْكٍ، فلا يَحْصُلُ بالنِّيَّةِ المُجَرَّدَةِ،

الحديث: 2911 - الجزء: 19 - الصفحة: 10

وَالْحُرِّيَّةِ، كَيفَ صُرِّفَا.
كالطَّلاقِ.
وألْفاظُهُ تَنْقَسِمُ إلى صريحٍ وكِنايَةٍ؛ فالصَّريحُ (لفْظُ العِتْقِ والحُرِّيَّةِ، كيف صُرِّفا) نحوَ: أنْت حُرٌّ -أو- مُحَرَّرٌ -أو- عَتِيقٌ -أو- مُعْتَقٌ -أو- أعْتَقْتُكَ.
لأنَّ هذين اللَّفْظَين ورَدَا في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهما يُسْتَعْمَلانِ في العِتْقِ عُرْفًا، فمتى أتَى بشيءٍ مِن هذه الألْفاظِ حَصَل به العِتْقُ، سواءٌ نَوَاه أو لم يَنْوه.
قال أحمدُ، في رجلٍ لَقِيَ امْرأةً في الطَّرِيقِ، فقال: تَنَحَّيْ يا حُرَّةُ.
فإذا هي جارِيَتُه، قال: قد عَتَقَتْ عليه.
وقال، في رجلٍ قال لخَدَمٍ قِيام في وَلِيمَةٍ: مُرُّوا، أنتم أحرارٌ.
و 9 كانت

الجزء: 19 - الصفحة: 11

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  معَهم أمُّ ولَدِه لم يَعْلَمْ بها، قال: هذا عندِي تَعْتِقُ أُمُّ ولَدِهِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لا تَعْتِقَ في هذين المَوْضِعَين؛ لأنَّه قَصَد باللَّفْظَةِ الأولَى غيرَ العِتْقِ، فلم تَعْتِقْ به، كما لو قال: عَبْدِي حُرٌّ.
يُرِيدُ أنَّه عَفِيفٌ كريمُ الأخلاقِ، وباللَّفْظَةِ الثَّانيةِ أراد غيرَ أُمِّ وَلَدِه، فأشْبَهَ ما لو نادَى امرأةً مِن نِسائِه، فأجابَتْه غيرُها، فقال: أنتِ طالِقٌ.
يَظُنُّها المُنادَاةَ، فإنَّها لا تَطْلُقُ، في رِوَايةٍ، فكذا ههُنا.
وأمّا إن قَصَد غيرَ العِتْقِ، كالرَّجُلِ يقولُ: عَبْدِي هذا حُرٌّ.
يُرِيدُ عِفَّتَه وكَرَمَ أخلاقِه.
أو يقولُ لعَبْدِه: ما أنتَ إلَّا حُرٌّ.
أي: إنَّكَ لا تُطِيعُني، ولا تَرَى لي عليك 10 حقًّا ولا طاعَةً.
فلا يَعْتِقُ في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
قال حَنْبَلٌ: سُئِلَ أبو عبدِ اللهِ، عن رجلٍ قال لغُلامِه: أنت حُرٌّ.
وهو يُعاتِبُهُ، قال: إذا كان لا يُرِيدُ بهِ العِتْقَ، يقولُ: كأنَّك حُرٌّ.
ولا يُرِيدُ أنَّ يكونَ حُرًّا، أو كلامًا شِبْهَ هذا، رَجَوْتُ أنَّ لا يَعْتِقَ، وأنا أهابُ المَسْألَةَ؛ لأنَّه نَوَى بكَلامِه ما يَحْتَمِلُه فانْصَرَفَ إليه، كما لو نوَى بكِنايَةِ 11 العِتْقِ العِتْقَ.
قال: وإن طُلِبَ اسْتِحْلافُه، حَلَفَ.
وبيانُ

الجزء: 19 - الصفحة: 12

وَكِنَايَتُهُ: خَلَّيتُكَ، وَالْحَقْ بِأَهْلِكَ، وَاذْهَبْ حَيثُ شِئْتَ، وَنَحْوُهَا.
وَفِي قَوْلِهِ: لَا سَبِيلَ لِي عَلَيكَ، وَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيكَ، وَلَا مِلْكَ لِي  احْتمالِ اللَّفْظِ لِما أرادَه، أنَّ المرأةَ الحُرَّةَ 12 تُمْدَحُ بهذا، يُقالُ: امْرأةٌ حُرَّةٌ.
يَعْنُون عفِيفَةً.
وتُمْدَحُ المَمْلُوكَةُ به أيضًا، ويُقالُ: للحَييِّ الكَرِيمِ الأخْلاقِ: حُرٌّ.
قالت سُبَيعَةُ 13 تَرْثِي عبدَ المُطَّلِبِ: وَلَا تَسْأْمَا أنْ تَبْكِيا كُلَّ لَيلَةٍ … ويَوْمٍ على حُرٍّ كَرِيمِ الشّمائِلِ وأمّا الكِنايَةُ فنحوُ قوْلِه: (خلَّيتُكَ، والحَقْ بأهْلِكَ، واذهَبْ حيثُ شِئْتَ.
ونحوُها).
وكذلك قَوْلُه: حَبْلُكَ على غارِبِكَ.
فهذا إن نَوَى به العِتْقَ عَتَق، وإن لم يَنْوه لم يَعْتِقْ، لأنَّه يَحْتَمِلُ غيرَه، ولم يَرِدْ به كتابٌ ولا سُنَّةٌ ولا عُرْفُ اسْتِعمالٍ.
(وفي قَوْلِه: لا سبيلَ لي عليكَ، [ولا سُلْطانَ لي عليكَ] 14،

الجزء: 19 - الصفحة: 13

عَلَيكَ، ولَا رِقَّ لِي عَلَيكَ، وَفَكَكْتُ رَقَبَتَكَ، وَأنْتَ مَوْلَايَ، وَأَنْتَ لِلَّهِ، وَأنْتَ سَائِبَةٌ.
رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، أَنَّهُ صَرِيحٌ.
وَالأُخْرَى، كِنَايَةٌ  ولا مِلْكَ لي علَيكَ، ولا رِقَّ لي عليكَ، وفكَكْتُ رقَبَتَكَ، وأنتَ مَوْلَاي، وأنتَ للهِ، وأنتَ سائِبةٌ.
رِوَايتان؛ إحْداهُما، أنَّه صريحٌ.
والأخْرَى، كنايَةٌ).
ذَكَر القاضي، وأبو الخَطَّابِ، في قَوْلِه: لا سبيلَ لي عليكَ، ولا سُلْطانَ لي عليكَ.
روايَتين؛ إحْداهُما، أنَّه صريحٌ.
والأخْرَى، كنايَةٌ.
قال شيخُنا 15: والصَّحيحُ أنَّه كِنايَةٌ؛ لِما ذَكَرْناه.
فأمّا قَوْلُه: لا مِلْكَ لي عليكَ، ولا رِقَّ لي عليكَ، وأنتَ للهِ.
فقال القاضي: هو صريحٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ فيه رِوايَتَين؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ غيرَ العِتْقِ.
ولا خِلافَ في المَذْهَب أنَّه يَعْتِقُ به إذا نوَى، ومِمَّن قال: يَعْتِقُ بقَوْلِه: أنتَ للهِ.
إذا نَوَى؛ الشَّعْبِيُّ، والمُسَيَّبُ

الجزء: 19 - الصفحة: 14

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنُ رافِعٍ، وحَمَّادٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَعْتِقُ به؛ لأنَّ مُقْتَضاه: أنتَ عَبْدٌ للهِ، أو مخلوقٌ للهِ.
وهذا لا يَقْتَضِي العِتْقَ.
ولَنا، أنَّه يَحْتَمِلُ: أنتَ حُرٌّ للهِ، أو عَتِيقٌ للهِ، أو عبدٌ للهِ وَحْدَه.
لستَ بعَبْدٍ لي ولا لأحَدٍ سِوَى اللهِ.
فإذا نَوَىْ الحُرِّيَّةَ به 16، وَقَعَتْ، كسائِرِ الكِناياتِ.
وما ذَكَرُوهُ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ احْتِماله لِما ذَكَرُوه لا يَمْنَعُ احْتِمالهُ لِما ذَكَرْناه، بدَلِيلِ سائِرِ الكِناياتِ، فإنَّها تَحْتَمِلُ العِتْقَ وغيرَه، ولو لم تَحْتَمِلْ إلَّا العِتْقَ لكانت صَرِيحةً فيه، وما احْتَمَلَ أمْرَين انْصَرَفَ إلى أحَدِهما بالنِّيَّةِ، وهذا شأْنُ الكِناياتِ.
وما ذَكَرُوه مِن الاحْتِمالِ يَدُلّ على أنَّ هذا ليس بصَرِيح، وإنَّما هو كِنايَةٌ.
وقَوْلُه: لا مِلْكَ لي عليكَ، ولا رِقَّ لي عليكَ.
خبرٌ عن انْتِفاءِ مِلْكِه ورِقِّه 17، لم يَرِدْ به شَرْعٌ، ولا عُرْفُ اسْتِعمالٍ في العِتْقِ، فلم يَكُنْ صَرِيحًا فيه، كقَوْلِه: ما أنتَ عَبْدِي ولا مَمْلُوكِي.
وقَوْلِه لامرأتِه: ما أنتِ امرأتِي ولا زَوْجَتِي.

الجزء: 19 - الصفحة: 15

وَفِي قَوْلِهِ لِأمَتِهِ: أنْتِ طَالِقٌ.
أوْ: أنْتِ حَرَامٌ.
رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا، أَنَّهُ كِنَايَةٌ.
وَالْأُخْرَى، لَا تَعْتِقُ بِهِ وَإنْ نَوَى.
وفي قولِه: فكَكْتُ رَقَبَتَكَ، وأنتَ سائِبة، وأنت مَوْلايَ، [ومَلَكْتَ رَقَبَتَكَ] (1). رِوايَتان؛ إحْداهُما، هو صريحٌ في العِتْقِ؛ لأنَّها تَتَضَمَّنُه، وقدْ جاءَ في كتابِ اللهِ تعالى: (فَكُّ رَقَبَةٍ).
يعني العِتْقَ، فكانتْ صريحةً، كقَوْلِه: أعْتَقْتُك.
والثانية، هي كِنايَةٌ؛ لأنَّها تَحْتَمِلُ غيرَ العِتْقِ.

2912 -

مسألة: (وفي قَوْلِه لأمَتِه: أنْتِ طالِق، وأنْتِ حَرامٌ. رِوايَتان؛ إحْداهُما، هي كِناية. والأخْرَى، لا تَعْتِقُ به [وإن نوى)

إذا قال لأمَتِه: أنتِ طالِقٌ.
ينوى به العِتْقَ، ففيه رِرايتان؛ إحْداهُما، لا تَعْتِقُ به] 19. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الطَّلاقَ لَفْظٌ وُضِع لإِزالةِ المِلْكِ عن المَنْفَعَةِ 20، فلم يَزُلْ به المِلْكُ عن الرَّقَبَةِ، كفَسْخِ الإِجارَةِ، ولأنَّ18

الحديث: 2912 - الجزء: 19 - الصفحة: 16

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِلْكَ الرَّقَبَةِ لا يُسْتَدْرَكُ بالرَّجْعَةِ، فلا يَنْحَلُّ بالطَّلاقِ 21، كسائِرِ الأمْلاكِ.
والثانيةُ، هو كِنايةٌ تَعْتِقُ به إذا نَوَاه.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّ الرِّقَّ أحَدُ المِلْكَين على الآدَمِيِّ، فيَزُولُ بلفظِ الطَّلاقِ، كالآخَرِ، أو فيكونُ اللَّفْظُ الموضوعُ لإِزالةِ أحَدِهما كنايةً في إزالةِ الآخَرِ، كالحُرِّيَّةِ في إزالةِ النِّكاحِ، ولأنَّ فيه مَعْنَى الإِطْلاقِ، فإذا نَوَى به إطْلاقَها مِن مِلْكِه، فقد نَوَى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُهُ، فتَحْصُلُ به الحُرِّيَّة، كسائِرِ كِناياتِ العِتْقِ.
فصل: وإن قال لأمَتِه: أنتِ حَرامٌ عليَّ (1). يَنْوي به العِتْقَ، عَتَقَتْ.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ أنَّ فيها رِوايَةً أخْرَى، لا تَعْتقُ، كقَوْلِه لها: أنتِ طالِقٌ.
والصَّحيحُ أنَّها تَعْتِقُ به؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّكِ حرامٌ عليَّ؛ لكَوْنِكِ حُرَّةً.
فتَعْتِقُ به، كقَوْلِه: لا سبيلَ لي عليكِ.

الجزء: 19 - الصفحة: 17

وَإنْ قَال لِعَبْدِهِ، وَهُوَ أكْبَرُ مِنْهُ: أنْتَ ابْنِي.
لَمْ يَعْتِقْ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ.

2913 - مسألة: (وإن قال لعَبْدِه، وهو أكبَرُ منه: أنت ابْنِي. لم يَعْتِقْ. ذَكَره القاضي. ويَحْتَمِلُ أنَّ يَعْتِقَ)

إذا قال لأكْبَرَ منه أو لِمَن لا يُولَدُ لمِثْلِه: هذا ابْنِي.
مثلَ أنَّ يقولَ مَن له عِشرون سَنَةً لِمَن له خَمْسَةَ عَشْرَةَ سَنَةً: هذا ابْنِي.
لم يَعْتِقْ، ولم يَثْبُتْ نَسَبُه.
وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ.
وخرَّجَه أبو الخَطَّاب وَجْهًا لَنا؛ لأنَّهْ اعْتَرَفَ بما تَثْبُت به حُرِّيَته، فأشْبَهَ مَا لو أقَرَّ بها.
ولَنا، أنَّه قولٌ يتَحَقَّقُ كَذِبُه فيه، فلم تَثْبُتِ الحُرِّيَّةُ، كما لو قال لطِفْلٍ: هذا أبي.
أو لطفْلَةٍ: هذه أُمِّي.
قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا مِن قول النُّعْمانِ شاذٌّ لم يَسْبِقْه 22 أحدٌ إليه ولا تَبعَه أحدٌ عليه، وهو مُحالٌ مِن الكَلامِ وكَذِبٌ يَقِينًا، ولو جاز هذا لجازَ أَن يقولَ الرجلُ لطِفلٍ: هذا أبي.
ولأنَّه لو قال لزَوْجَتِه، وهي أسَنُّ منه: هذه ابْنَتِي.
أو قال لها، [وهو أسَنُّ منها] 23: هذه أُمِّي.
لم تَطْلُقْ.
كذا هذا.

الحديث: 2913 - الجزء: 19 - الصفحة: 18

وَإذَا أعتَقَ حَامِلًا عَتَقَ جَنِينُهَا، إلا أن يَسْتَثْنِيَهُ.

2914 - مسألة: (وإن أعْتَقَ حاملًا عَتَق جَنِينُها، إلَّا أنَّ يَسْتَثْنِيَه)

لأنَّه يَتْبَعُها في البَيعِ والهِبَةِ، ففي العِتْقِ أوْلَى.
فإنِ اسْتَثْناه لِم يَعْتِقْ.
[رُوِيَ ذلك] 24 عن ابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيرَةَ، والنَّخَعِيِّ، وإسْحاق، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال ابنُ سِيرينَ: له ما اسْتَثْنَى.
وقال عَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ: إذا اسْتَثْنَى ما في بَطْنِها فله ثُنْيَاه.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ: لا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الجَنينِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن الثُّنْيَا إلَّا أنَّ تُعْلَمَ 25. وقِياسًا على اسْتِثْنائِه في البَيعِ، أشْبَهَ بعْضَ أعْضائِها.
ولَنا، أنَّه قولُ ابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيرَةَ.
قال أحمدُ: أذْهَبُ إلى حديثِ ابنِ عُمَرَ في العِتْقِ، ولا أذْهَبُ إليهِ في البَيعِ.
ولقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المُسْلِمُونَ على شُرُوطِهِمْ» 26.

الحديث: 2914 - الجزء: 19 - الصفحة: 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّه يَصِحُّ إفْرادُه بالعِتْقِ، فصَحَّ اسْتِثْناؤه، كالمُنْفَصِلِ.
وخَبَرُهم نقولُ به، والحَمْلُ مَعْلُومٌ، فصَحَّ اسْتِثْناؤُه؛ للحديثِ.
ويُفارِقُ البَيعَ؛ لأنَّه عقدُ مُعاوَضَةٍ، يُعْتَبَرُ فيه العِلْمُ بصِفاتِ العِوَضِ، ليُعْلَمَ هل قائِمٌ مَقامَ العِوَضِ أم لا؟ والعِتْقُ تَبَرُّعٌ لا تتَوَقَّفُ صِحَّتُه على مَعْرِفَةِ صِفاتِ المُعْتَقِ، ولا تُنافِيه الجَهالةُ به 27، ويَكْفِي العِلْمُ بوُجُودِه، وقد وُجِد، ولذلك صَحَّ إفْرادُ الحَمْلِ بالعِتْقِ، ولم يَصِحَّ بالبَيعِ، ولأنَّ اسْتِثْناءَه في البَيعِ إذا بَطَل بَطَل البَيعُ كلُّه، وههُنا إذا بَطَل اسْتِثْناؤُه لم يَبْطُلِ العِتْقُ في الأمَةِ ويَسْرِي الإِعْتاقُ إليه، [فكيفَ يَصِحُّ إلْحاقُه به مع تَضادِّ الحُكْمِ فيهما 28! ولا يَصِحُّ قِياسُه على بعضِ أعْضائِها؛ لأنَّه يَصِح انْفِرادُه] 29 بالحُرِّيَّةِ عن أُمِّه فيما إذا أعْتَقَه دُونَها، وفي وَلَدِ المَغْرُورِ بحُرِّيَّةِ أُمِّه، وفيما إذا وَطِئَ بشُبْهَةٍ، وفي وَلَدِ أُمِّ الوَلَدِ، وغيرِ ذلك.
ولا يَصِحّ ذلك في بعضِ أعْضائِها، ولأنَّ الوَلَدَ يَرِثُ ويُورَثُ ويُوصَى به، فكيفَ يَصِحُّ قِياسُه على

الجزء: 19 - الصفحة: 21

وَإنْ أعتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا دُونَها، عَتَقَ وَحْدَهُ.
بعضِ الأعْضاءِ؟ وروَى الأَثْرَمُ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه أعْتَقَ أمَةً واسْتَثْنَى ما في بَطْنِها (1). ولأنَّها ذاتُ حَمْل، فصَحَّ اسْتِثْناءُ حَمْلِها، كما لو باع نَخْلَةً لم تُؤَبَّرْ واشْتَرَط.
ثَمَرَتَها.
وقال القاضِي: يُخَرَّجُ على الرِّوايَتَين فيما إذا اسْتَثْنَى ذلك في البَيعِ.
والمَنْصُوصُ عنه ما ذَكَرْناه مِن أنَّه يَصِحُّ اسْتِثْناؤُه في العِتْقِ، ولا يَصِحُّ في البَيعِ؛ لِما ذَكَرْنا [مِن الفَرْقِ] (2) بينَهما.

2915 -

مسألة: (وإن أعْتَقَ ما في بَطْنِها دُونَها، عَتَقَ وَحْدَه)

لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
وهو قولُ سفيانَ، وأحمدَ، وإسْحاقَ؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ الإِنْسانِ المُنْفَرِدِ، ولهذا يُورَثُ الجنينُ إذا ضُرِب بَطْنُ امْرأةٍ فأسْقَطَتْ جَنِينًا، وَجَب فيه غُرَّةٌ مَوْرُوثَةٌ عنه، كأنَّه سَقَط حَيًّا، وتَصِحُّ الوَصِيَّةُ به وله، ويَرِثُ إذا مات مَوْرُوثُه قبلَ أنَّ يُولَدَ ثم وُلِد بَعْدَه، فصَحَّ عِتْقُه، كالمُنْفَصِلِ.3031

الحديث: 2915 - الجزء: 19 - الصفحة: 22

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يَصِحُّ العِتْقُ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ، فلا يَصِحُّ عِتْقُ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا قولُ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم الحسنُ، والشَّعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وذلك لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتى يَسْتَيقِظَ» 32. ولأنَّه تَبَرُّعٌ بالمالِ، فلم يَصِحَّ منهما 33 كالهِبَةِ.
ولا يَصِحُّ عِتْقُ المَحْجُورِ عليه للسَّفَهِ.
وهو قولُ القاسِمِ بنِ محمدٍ.
وعنه، يَصِحُّ، قِياسًا على طَلاقِه وتَدْبِيرِه.
ولَنا، أنَّه مَحْجور عليه في مالِه لحَظِّ نَفْسِه، فلم يَصِحَّ عِتْقُه، كالصَّبِيِّ، ولأنَّه تَصَرُّفٌ في المالِ في حياتِه، أشْبَهَ هِبَتَه وبَيعَه.
ويُفارِقُ الطَّلاقَ؛ لأنَّ الحَجْرَ عليه في مالِه، والطَّلاقُ ليس بتَصَرُّفٍ فيه.
ويُفارِقُ التَّدْبيرَ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ فيه بعدَ مَوْتِه وغِناه عنه بالمَوْتِ، ولهذا صَحَّتْ وَصِيَّتُه ولم تَصِحَّ هِبَتُه المُنْجَزَةُ.
وعِتْقُ السَّكْرانِ مَبْنِيٌّ على طلاقِه، وفيه مِن الخِلافِ ما فيه.
ولا يَصِحُّ عِتْقُ المُكْرَهِ، كما لا يَصِحُّ بَيعُه ولا تَصَرُّفاتُه، ولا يَصِحُّ عِتْقُ المَوْقُوفِ؛ لأنَّ فيه إبْطالًا لحقِّ البَطْنِ الثانِي منه، وليس له ذلك.

الجزء: 19 - الصفحة: 23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يَصِحُّ العِتْقُ مِن غيرِ المالِكِ بغَيرِ إذْنِه، فلو أعْتَقَ عَبْدَ ولَدِه الصَّغِيرِ، أو يَتِيمِه الذي في حِجْرِه، لم يَصِحَّ.
وبهذا قال الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مالكٌ: يَصِح عِتْقُ عبدِ وَلَدِه الصَّغِيرِ؛ لقَوْلِه، عليه الصلاة والسلامُ: «أنْتَ وَمَالُكَ لأبِيكَ» 34. ولأنَّ له عليه ولايةً، وله فيه حَقٌّ، فصَحَّ إعْتاقُهُ، كمالِه.
ولَنا، أنَّه عِتْقٌ مِن غيرِ مالِكٍ، فلم يَصِحَّ، كإعْتاقِ عَبْدِ وَلَدِه الكَبِيرِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لمَّا وَرَّثَ الله الأبَ مِن مالِ ابْنِه السُّدْسَ مع وَلَدِه، دَلَّ على أنَّه لا حَقَّ له في سائِره.
وقَوْلُه، عليه السلامُ: «أنْتَ وَمَالُكَ لأبِيكَ».
لم يُزِدْ به حقيقةَ المِلْكِ، وإنَّما أرادَ المُبالغَةَ في وُجُوبِ حَقِّه عليكَ، وإمْكانِ الأخْذِ مِن مالِكَ، وامتِناعِ مُطالبتِك إياه بما أخَذَ منه، ولهذا لم يَنْفُذْ إعْتاقُه لعَبْدِ وَلَدِه الكَبِيرِ الذي وَرَد الخبرُ فيه، وثُبُوتُ الولايةِ له على مالِ وَلَدِه أبْلَغُ في امْتِناعِ إعْتاقِ عبدِه؛ لأنَّه إنَّما أثبَتَ الولايةَ عليه لحَظِّ الصَّبِيِّ؛ ليَحْفَظَ ماله عليه، ويُنَمِّيَه له،

الجزء: 19 - الصفحة: 24

وَأمَّا الْمِلْكُ، فَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ عَلَيهِ.
وَعَنْهُ، لَا يَعْتِقُ إلا عَمُودَا النَّسَبِ.
ويقومَ بمصالحِه التي يَعْجِزُ الصَّبِيُّ عن القيامِ بها، وإذا كان مَقْصُودُ الولايَةِ الحِفظَ اقْتَضَتْ مَنْعَ التَّضْيِيعِ والتَّفْرِيطِ بإعْتاقِ رَقِيقِه والتَّبَرُّعِ بمالِه.
ولو قال رجلٍ لعَبْدٍ: أنت حُرٌّ مِن مالي.
فليس بشيءٍ، فإنِ اشتراه بعدَ ذلكَ فهو مَمْلُوكُه، ولا شيءَ عليه.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وعامَّةُ الفُقهاءِ.
ولو بَلَغ رجلًا أنَّ رجلًا قال لعَبْدِه: أنت حُرٌّ مِن مالي.
فقال: قد رضِيتُ.
فليس بشيء.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وإسحاق.

2916 -

مسألة: (وأمّا المِلْكُ، فمَن مَلَك ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَق عليه. وعنه، لا يَعْتِقُ إلَّا عَمُودا النَّسَبِ)

ذو الرَّحِمِ المَحْرَمُ: القَرِيبُ الذي يَحْرُمُ نِكاحُه عليه، لو كان أحَدُهما رجلًا والآخَرُ امرأةً، وهم الوالِدان وإن عَلَوْا مِن قِبَل الأبِ والأُمِّ جَميعًا، والوَلَدُ وإن سَفَل مِن

الحديث: 2916 - الجزء: 19 - الصفحة: 25

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَلَدِ البَنينَ والبَناتِ، والإِخْوَةُ والأخَواتُ، وأوْلادُهم وإن سَفَلُوا 35، والأعْمامُ والعمَّاتُ، والأخْوالُ والخالاتُ وإن عَلَوْا، دُونَ أوْلادِهم، فمتى مَلَك أحدًا مِنْهم عَتَق عليه.
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وابنِ مسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عنهما.
وبه قال الحسنُ، وجابرُ بنُ زيدٍ، وعطاءٌ، والحَكَمُ، وابن أبي لَيلَى والثَّوْرِيُّ، واللَّيثُ، وأبو حنيفةَ، والحسنُ بن صالح، وشَرِيكٌ، ويَحْيَى بنُ آدمَ.
وأعْتَقَ مالِكٌ الوالِدِين والمَوْلودِين وإن بَعُدُوا، والإخْوةَ والأخَواتِ دُونَ أولادِهم.
ولم يُعْتِقِ الشافعيُّ إلَّا عَمُودَي النَّسَبِ.
وعن أحمدَ كذلك.
ولم يُعْتِقْ داودُ وأهلُ الظّاهِرِ أحدًا حتى يُعْتِقَه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ والِدَهُ، إلَّا أنْ يَجِدَه مَمْلُوكًا فيَشْتَرِيَة فيُعْتِقَهُ».
رَواه مسلمٌ 36. ولَنا، ما روَى الحسن عن سَمُرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ».
رَواه

الجزء: 19 - الصفحة: 26

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 37. وقال: حديثٌ حسنٌ.
[وروَى ضَمْرَةُ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَن مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ» 38. وسئِل أحمدُ عن ضَمْرَةَ، فقال: ثِقَةٌ إلَّا أنَّه روَى حديثَين [لا أصل لهما] 39، أحَدُهما، هذا الحديثُ] 40. ولأنَّه ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فعَتَقَ عليه بالمِلْكِ، كعَمُودَي النَّسَبِ، وكالإِخوَةِ والأخواتِ عندَ مالكٍ.
فأمّا قَوْلُه: «حَتَّى يَشْتَرِيَه فيُعْتِقَه».
فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ فيَشْتَرِيَه فيُعْتِقَه بِشِرائه، كما يقالُ: ضَرَبَه فقَتَلَه.
والضرْبُ هو القَتْلُ؛ وذلك لأنَّ الشِّراءَ لمّا كان يَحْصُلُ به العِتْقُ تارةً دُونَ اخْرَى، جاز عَطْفُ صِفَتِه عليه، كما يقالُ: ضَرَبَه فأطار رأسَه.
وسواءٌ مَلَكَه بشِراءٍ، أو هِبَةٍ، أو غَنِيمَةٍ، أو إرْثٍ، أو غيرِه، لا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ فيه خِلافًا.
فصل: ولا خِلافَ في أنَّ المحارِمَ مِن غيرِ ذَوي الأرْحام لا يَعْتِقُونَ على سيِّدِهم، كالأُمِّ مِن الرَّضاعَةِ، والأخِ مِنْها 41، والرَّبِيبَةِ، وأُمِّ

الجزء: 19 - الصفحة: 27

وَإنْ مَلَكَ وَلَدَهُ مِنَ الزِّنَى لَمْ يَعْتِقْ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَعْتِقَ.
الزَّوْجَةِ، وابْنَتِها، إلَّا أنَّه حُكِيَ عن الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، وشَرِيكٍ، أنَّه لا يجوزُ بَيعُ الأخِ مِن الرَّضاعةِ.
ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه كَرِهَهُ.
والأوَّلُ أصَحُّ.
قال الزُّهْرِيُّ: جَرَتِ السُّنَّةُ بأن يُباعَ الأخُ والأخْتُ مِن الرَّضاعةِ.
ولأنَّهم لا نَصَّ في عِتْقِهم، ولا هم في مَعْنَى المَنْصوصِ عليه، فيَبْقُون على الأصْلِ، ولأنَّهما لا رَحِمَ بينَهما ولا تَوارُثَ، ولا تَلْزَمُه نَفَقَتُه، فأشْبَهَ الرَّبِيبَةَ وأمَّ الزَّوْجَةِ.

2917 -

مسألة: (وإن مَلَك وَلَدَهُ مِنَ الزِّنى لم يَعْتِقْ)

عليه (في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ) لأنَّ أحكامَ الوَلَدِ غيرُ ثابتةٍ فيه -وهي الميراثُ، والحجْبُ، والمَحْرَمِيَّةُ، ووُجُوبُ الإنْفاقِ، وثُبُوتُ الولايَةِ عليه- (ويَحْتَمِلُ أنَّ يَعْتِقَ) لأنَّه جُزْوه حَقِيقَةً، وقد ثَبَت فيه حُكْمُ تَحْرِيم التّزويجِ، ولهذا لو مَلَك وَلَدَه المُخالِفَ له في الدِّينِ عَتَق عليه مع انْتِفاءِ هذه الأحْكامِ.

الحديث: 2917 - الجزء: 19 - الصفحة: 28

وَإنْ مَلَكَ سَهْمًا مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيهِ بِغَيرِ الْمِيرَاثِ وَهُوَ مُوسِرٌ عَتَقَ عَلَيهِ كُلُّهُ، وَعَليهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ.
وَإنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَعْتِقْ عَلَيهِ إلا مَا مَلَكَ.
وَإنْ مَلَكَهُ بِالْمِيرَاثِ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ إلا مَا مَلَكَ، مُوسِرًا كَانَ أوْ مُعْسِرًا.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيهِ نَصِيبُ الشَّرِيكِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا.

2918 - مسألة: (وإن مَلَك سَهْمًا مِمَّن يَعْتِقُ عليه بغيرِ المِيراثِ وهو مُوسِرٌ عَتَق عليه كلُّه، وعليه قِيمَةُ نصيبِ شَريكِه.
وإن كان مُعْسِرًا لم يَعْتِقْ عليه إلَّا ما مَلَك.
وإن مَلَكَه بالمِيراثِ لم يَعْتِقْ منه إلَّا ما مَلَك، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا.
وعنه، أنَّه يَعْتِقُ عليه نَصِيبُ الشَّرِيكِ إن كان مُوسِرًا)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن مَلَك سَهمًا مِمَّن يَعْتِقُ عليه، فإَّنه يَعْتِقُ عليه ما مَلَك منه، سواءٌ مَلَكَه بعِوَض، أو بغيرِ عِوَض،

الحديث: 2918 - الجزء: 19 - الصفحة: 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [كالهِبَةِ، والاغْتِنامِ] 42 والوَصِيَّةِ، وسواءٌ مَلَكَه باخْتِيارِه، كالذي ذَكَرْنا، أو بغيرِ اخْتِيارِه، كالمِيراثِ؛ لأنَّ كلَّ ما يَعْتِقُ به الكُلُّ، يَعْتِقُ به البَعْضُ، كالإِعْتاقِ بالقولِ، ثم يُنْظَرُ؛ فإن كان مُعْسِرًا لم يَسْرِ العِتْقُ، واسْتَقَرَّ في ذلك الجُزْءِ ورَقَّ الباقِي؛ لأنَّه لو أعْتَقَه بقَوْلِه لم يَسْرِ إعْتاقُه بتَصْرِيحِه بالعِتْقِ وقَصْدِه إيّاهُ، فههُنا أوْلَى.
وإن كان موسِرًا وكان المِلْكُ 43 باخْتِيارِه، كالمِلْكِ بغيرِ المِيراثِ، سَرَى إلى باقِيه، فعَتَقَ جَمِيعُ العَبْدِ، ولَزِمَه لشَرِيكِه قِيمَةُ باقِيه، لأنَّه فَوَّتَه عليه.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُف.
وقال قَوْمٌ: لا يَعْتِقُ عليه إلَّا ما مَلَك، سواءٌ مَلَكَه بشراءٍ أو غَيره، لأنَّ هذا لم يَعْتِقْه، وإنَّما عَتَق عليه بحُكْمِ الشَّرْعِ، عن غيرِ اخْتِيارٍ منهُ، فلم يَسْرِ، كما لو مَلَكَه بالمِيراثِ، وفارَق ما أعْتَقَه، لأنَّه فَعَلَه باخْتِيارِه قاصِدًا إليه.
ولَنا، أنَّه فَعَل سبَبَ العِتْقِ اخْتِيارًا منه، وقَصَد إليه، فسَرَى ولَزِمَه الضَّمانُ، كما لو وَكَّلَ مَن أعْتَقَ نَصِيبَه.
وفارَقَ

الجزء: 19 - الصفحة: 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المِيراثَ، فإنَّه حَصَل بغيرِ فِعْلِه، ولا قَصْدِه، ولأنَّ مَن باشَرَ 44 سبَبَ السِّرايَةِ اخْتِيارًا لَزِمَه الضمانُ 45، كمَن جَرَح إنْسانًا فسَرَى جُرْحه، ولأنَّ مُباشَرَةَ ما يَسْرِي وتَسَبُّبَه 46 إليه في لُزُومِ حكْمِ السِّرايَةِ واحِدٌ، بدَلِيلِ اسْتِواءِ الحافِرِ والدافِعِ في ضَمانِ الواقِعِ، فأمّا إن مَلَكَه بالمِيراثِ، لم يَسْرِ العِتْقُ فيه، واسْتَقَرَّ فيما مَلَكَه، ورَقَّ الباقي، موسرًا كان أو مُعْسِرًا؛ لأنَّه لم يتَسَبَّبْ إلى إعْتاقِه، وإنَّما حَصَل بغيرِ اخْتِيارِه.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ.
وعن أحمدَ، ما يدُلُّ على أنَّه يَسْرِي إلى نَصِيبِ الشَّرِيكِ إذا كان موسِرًا، لأنَّه عَتَق عليه بَعْضه وهو موسِرٌ، فسَرَى إلى باقِيه، كما لو وَصَّى له به فقَبِلَه.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ لأنَّه لم يعْتِقْه ولا تَسَبَّبَ إليه، فلم يَضْمَنْ، ولم يَسْرِ، كالأجْنَبيِّ، وفارَقَ ما تَسَبَّبَ إليه.

الجزء: 19 - الصفحة: 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن وَرِث الصَّبِيُّ والمَجْنُونُ جُزْءًا ممَّن يَعْتِقُ عليهما، عَتَق ولم يَسْرِ إلى باقِيه، لأنَّه إذا لم يَسْرِ في حَق المُكَلَّفِ، ففي حَقِّهما أوْلَى.
وإن وُهِب لهما، أو وُصِّيَ لهما به وهما مُعْسِران، فعلى وَلِيِّهما قَبُولُه، لأنَّه نَفْعٌ لهما، بإعْتاقِ قَرِيبِهما مِن غيرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ قَريبَهما.
وإن كانا مُوسِرَين، ففيه وَجْهان، مَبْنِيَّان على أنَّه هل يُقَوَّمُ عليهما باقِيه إذا مَلَكا بَعْضَه؟ وفيه وجْهان، أحَدُهما، لا يُقَوَّمُ ولا يَسْرِي العِتْقُ إليه، لأنَّه يَدْخُلُ

الجزء: 19 - الصفحة: 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في 47 مِلْكِه بغيرِ اخْتِيارِه، أشْبَهَ ما لو وَرِثَه.
والثاني، يُقَوَّمُ عليه؛ لأنَّ قَبُولَ وَلِيِّه يقومُ مَقامَ قَبُولِه، فأشْبَهَ الوَكيلَ.
قعلى هذا الوَجْهِ، ليس لوَلِيِّه قَبُولُه؛ لِما فيه مِن الضَّرَرِ.
وعلى الأوَّلِ، يَلْزَمُه قَبُولُه؛ لأنَّه نَفْغ بغيرِ ضَرَرٍ، إذا كان مِمَّن لا تَلْزَمُه نَفَقَتُه، وإذا قُلْنا: ليس له إن يَقْبَلَه.
فقَبلَه، احْتَمَلَ أنَّ لا يَصِحَّ القَبُولُ 48؛ لأنَّه فَعَل ما لم يَأْذَنْ له الشَّرعُ فيه، فأشبَهَ ما لو باع ماله 49 بغَبْنٍ.
واحْتَمَلَ أنَّ يَصِحَّ وتكونَ الغرامةُ عليه؛ لأنَّه ألْزَمَه هذه الغرامةَ، فكانت عليه كنَفَقَةِ الحَجِّ إذا أحَجَّه.

الجزء: 19 - الصفحة: 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن باعَ عَبْدًا لذي رَحِمِه وأجْنَبِيٍّ صَفْقَةً واحِدَةً، عَتَق كلُّه إذا كان ذو رَحِمِه مُوسِرًا، وضَمِن لشَريكِه قِيمَةَ حَقِّه منه.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَضْمَنُ لشَرِيكِه شيئًا؛ لأنَّ مِلْكَه لم يَتِمَّ إلَّا بقَبُولِ شَرِيكِه، فصار كأنَّه أذِنَ له في إعْتاقِ نَصِيبِه [ولَنا، أنَّه عَتَق عليه نَصِيبُه] 50 بمِلْكِه باخْتِياره، فوَجَبَ أنَّ يُقَوَّمَ عليه باقِيه مع يَسارِه، كما لو انْفَرَدَ بشِرائِه، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يَصِحُّ قَبُولُه إلَّا بقَبُولِ شَرِيكِه.

الجزء: 19 - الصفحة: 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا كانت أمَةً 51 مُزَوَّجَةً، ولها ابنٌ مُوسِرٌ، فاشْتَراها هو وزَوْجُها وهي حامِلٌ منه، صَفْقَةً واحِدَةً، عَتَق نَصِيبُ الابْنِ مِن أُمِّه، وسَرَى إلى نصيبِ الزَّوْجِ، ويُقَوَّمُ عليه، وعَتَق الحَمْلُ عليهما معًا؛ لأنَّه ابنُ الزَّوْج وأخو الابْنِ، ولا يَجِبُ لأحَدِهما على الآخرِ منه شيءٌ؛ لأنَّه عَتَق عليهما في حالٍ واحِدَةٍ.
ولو كانتِ المسْألةُ بحالِها، فوُهِبَت لهما، أو وُصِّيَ لهما بها، فقَبِلاها في حالٍ واحِدَةٍ، فكذلك، وإن قَبِلَها أحَدُهما قبلَ الآخَرِ، نَظَرْنا؛ فإن قَبِل الابْنُ أوَّلًا، عَتَقَت عليه (1) الأُمُّ وحَمْلُها، وعليه قِيمَةُ باقِيهما للزَّوْجِ.
وإن قَبِل الزَّوْجُ أوَّلًا عَتَق عليه الحَمْلُ كلُّه.
ثم إذا قَبِل الابْنُ عَتَقَتْ عليه الأُمُّ كلُّها، ويَتقاصّان 52، ويَرُدُّ كلُّ واحِدٍ منهما الفَضْلَ على صاحِبِه.
ومَن قال في الوَصِيَّةِ: إنَّ المِلْكَ لا يَثْبُت فيها بالموتِ.
فالحُكْمُ فيهكما لو قَبِلاها دُفْعَةً واحِدَةً.

الجزء: 19 - الصفحة: 35

وَإنْ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ فَجَدَعَ أنْفَهُ أَوْ أُذُنَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، عَتَقَ عَلَيهِ.
نَصَّ

2919 - مسألة: (وإن مَثَّلَ بعَبْدِه فجَدَعَ أنْفَه أو أُذُنَه ونحوَ ذلك، عَتَق. نَصَّ عليه)

لِما روَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ عن أبِيه عن جَدِّه، أنَّ زِنْباعًا أبا رَوْحٍ وَجَد غُلامًا له مع جارِيَتِه، فقَطَعَ ذَكَرَه وجَدَعَ أنْفَه، فأتَى العَبْدُ

الحديث: 2919 - الجزء: 19 - الصفحة: 36

عَلَيهِ.
قَال الْقَاضِي: وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَعْتِقَ.
النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فذَكَرَ ذلك له، فقال له 53 النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟» قال: فَعَل كذا وكذا.
قال: «اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ» 54. (قال القاضي: والقِياسُ أنَّ لا يَعْتِقَ) لأنَّ سَيِّدَه لم يَعْتِقْه بلفْظٍ صريحٍ ولا كِنايةٍ.
وإذا ثَبَت الحديثُ وجَب العملُ به وتُرِكَ القِياسُ.

الجزء: 19 - الصفحة: 37

وَإذَا أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ فَمَالُهُ لِلسَّيِّدِ.

2920 - مسألة: (وإذا أعْتَقَ عَبْدًا فمالُه لسَيِّدِه)

رُوِيَ هذا عن

الحديث: 2920 - الجزء: 19 - الصفحة: 38

وَعَنْهُ، أَنَّهُ لِلعَبْدِ.
ابنِ مسعودٍ، وأبي أيُّوبَ، وأنسِ بنِ مالكٍ.
وبه قال قَتادةُ، والحَكَمُ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
ورُوِيَ ذلك عن حمّادٍ، والبَتِّيِّ، وداودَ بنِ أبي هِنْدٍ، وحُمَيدٍ.
(وعنه) رِواية أُخْرَى (أنَّه للعَبْدِ) وبه قال الحسنُ، وعطاء، [والشَّعْبِيُّ] 55، والنَّخَعِيُّ، ومالكٌ، وأهلُ المدينةِ: يَتْبَعُهُ؛ لِما روَى نافِعٌ، عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ أعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَالْمَالُ لِلْعَبْدِ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه 56، وغيرُه 57. وروَى حمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن أيُّوبَ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ، [أنَّه كان إذا أعْتَقَ عبدًا لم يَعْرِضْ لمالِه 58 ولَنا، ما روَى الأثْرَمُ بإسْنادِه عن ابنِ مسعودٍ] 59، أنَّه قال لغُلامِه عُمَيرٍ: يا عُمَيرُ، إنِّي

الجزء: 19 - الصفحة: 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أُريدُ أنَّ أُعْتِقَكَ عِتْقًا هَنِيئًا 60، فأخْبِرْني بمالِك، فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «أَيُّما رَجُل أعْتَقَ عَبْدَهُ أَوْ غُلَامَهُ فَلَمْ يُخْبِرْهُ بمَالِه فمَالُه لِسَيِّدِه» 61. ولأنَّ العبدَ وماله كانا للسَّيِّدِ، فأزال مِلْكَه عن أحدِهما، فبَقِيَ مِلْكُه في الآخَرِ، كما لو باعَه، وقد دَلَّ عليه حديثُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا ولَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ» 62. فأمّا حديثُ ابنِ عُمَرَ، فقال أحمدُ: يَرْويه عبدُ الله بِنُ أبي جَعْفَرٍ مِن أهلِ مِصْرَ، وهو ضَعِيفٌ في الحديثِ، كان صاحِبَ فِقْهٍ، فأمّا في إلحديثِ فليس هو فيه بالقَويِّ.
وقال أبو الوليدِ 63: هذا الحديثُ خَطَأٌ، فأمّا فِعْلُ ابنِ عُمَرَ، فهو تَفَضُّلٌ منه على مُعْتَقِه.
قِيلَ لأحمدَ: كان هذا عندَك على التَّفَضُّلِ؛ فقال: إي لَعَمْرِي على التَّفَضُّلِ.
قِيلَ له: فكأنَّه عندَك للسَّيِّدِ 64؟ فقال: نعم، للسَّيِّدِ، مثلُ 65 البَيعِ سَواءً.

الجزء: 19 - الصفحة: 40

فَصْلٌ: وَإذَا أعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ مُعَيَّنًا أوْ مُشَاعًا عَتَقَ كُلُّهُ.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ الله عنه: (وإذَا أعْتَقَ جُزْءًا مِن عَبْدِه مُعَيَّنًا أو كلُ مُشَاعًا عَتَق كُلُّه) أمّا إذا أعْتَقَ عَبْدَه وهو صحيحٌ جائزُ التَّصَرُّفِ، فإنَّه يَصِحُّ عِتقُه بإجْماعِ أهلِ العلمِ، فإنْ أعْتَقَ بَعْضَه عَتَق كُلُّه في قولِ جمهورِ العلماءِ.
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وابْنِه، رَضِيَ الله عنهما 66. وبه قال الحسنُ، والحَكَمُ، والأوْزَاعِي، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 67: عامَّةُ العلماءِ بالحجازِ والعراقِ قالوا: يَعْتِقُ كُلُّه إذا أعتَقَ نِصْفَه.
وقال طاوُسٌ: يَعْتِقُ في عِتْقِه، ويَرِقّ في رِقِّه.
وقال حمادٌ، وأبو حنيفةَ: يَعْتِقُ منه ما أُعْتِقَ، ويَسْعَى في باقِيهِ.
وخالفَ أبا حنيفةَ أصحابُه، فلم يَرَوْا عليه سِعايَةً.
ورُوِيَ عن مالكٍ في رجلٍ أعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ، ثم غَفَل عنه حتَّى مات، فقال: أرى نِصْفَه حُرًّا ونِصْفَه رقيقًا؛ لأنَّه تَصَرَّفَ في بَعْضِه، فلم يَسْرِ إلى باقِيه، كالبَيعِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَه في عَبْدٍ فَكَانَ مَعَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَه 68، قُومَ عَلَيهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ، وَعَتَقَ عَلَيهِ

الجزء: 19 - الصفحة: 41

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جَمِيعُ الْعَبْدِ» 69. وإذا أُعْتِقَ عليه 70 نَصِيبُ شَرِيكِه، كان تَنْبِيهًا على عِتْقِ جَميعِه إذا كان كُلُّه مِلْكًا له.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِهِ» 71. ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ عن بَعْضِ مَمْلُوكِه الآدَمِيِّ، فزال عنه جَميعُه، كالطَّلاقِ.
ويفارِقُ البَيعَ؛ فإنَّه لا يحتاجُ إلى السِّعايَةِ، ولا يُبْنَى على التَّغْليبِ والسِّرايةِ.
إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْق بينَ أنَّ يُعْتِقَ جُزءًا كَبيرًا، كنِصْفِه، أو ثُلُثِه، أو صغيرًا، كعُشْرِه، أو 72 عُشْرِ عُشْرِه.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا بينَ القَائِلين بسِرايَةِ العِتْقِ إذا كان مُشاعًا.
فصل: فإن أعْتَقَ جُزْءًا مُعَيَّنًا 73؛ كرَأْسِه، أو يَدِه، أو إصْبَعِه، عَتَق كُلُّه أيضًا.
وبهذا قال قتادةُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: إن أعْتَقَ رَأْسَه، أو ظَهْرَه، أو بَدَنَه، أو بَطْنَه، أو جَسَدَه، أو نَفْسَه، أو فَرْجَه، عَتَق كُلُّه؛ لأنَّ حَياتَه لا تَبْقَى بدُونِ ذلك،

الجزء: 19 - الصفحة: 42

وَإِنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، وَهُوَ مُوسِرٌ بِقِيمَةِ بَاقِيهِ، عَتَقَ كُلُّهُ، وَعَليهِ قِيمَةُ بَاقِيهِ يَوْمَ الْعِتْقِ لِشَرِيكِهِ.
وإن أعْتَقَ يَدَه، أو عُضوًا تَبْقَى حياتُه بدُونِها لم يَعْتِق؛ لأنَّه يُمْكِنُ إزالةُ ذلك مع بَقائِه، فلم يَعْتِقْ، كإعْتاقِه شَعَرَه [وسِنَّه] (1). ولَنا، أنَّه أعْتَقَ عُضوًا مِن أعْضائِه، فعَتَقَ جَميعُه، كرأْسِه.
فأمّا إذا أعْتَقَ شَعَرَه، أو سِنَّه، أو ظُفْرَه، لم يَعْتِقْ.
وقال قتادةُ، واللَّيثُ، في الرَّجُلِ يُعْتِقُ ظُفْرَ عَبْدِه: يَعْتِقُ كُلُّه؛ لأنَّه مِن أجْزائِه، أشْبَهَ إصْبَعَه.
ولَنا، أنَّ هذه الأشْياءَ تَزُولُ، ويَخْرُجُ غيرُها، فأشْبَهَتِ الشَّعَرَ، والرِّيقَ.
وسَنذْكُرُ ذلك في الطَّلاقِ، والعِتْقُ مِثْلُه.

2921 -

مسألة: (وإن أعْتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ، وهو مُوسِرٌ بقِيمَةِ باقِيه، عَتَق كُلُّه، وعليه قِيمَةُ باقِيهِ يَوْمَ العِتْقِ لشريكِه)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الشَّرِيكَ إذا أعْتَقَ نَصِيبَه مِن العَبْدِ عَتَقَ عليه.
لا نَعْلَمُ فيه خلافًا؛ لِما74

الحديث: 2921 - الجزء: 19 - الصفحة: 43

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذَكَرْنا مِن الأثَرِ، وإذا عَتَق نَصِيبُه سَرَى العِتْقُ إلى جَمِيعِه، فصار جَميعُه حُرًّا، وعلى المُعْتِقِ قِيمَةُ أنْصِباءِ شُرَكائِه، والولاءُ له.
هذا قولُ مالكٍ، وابنِ أبي لَيلَى، وابنِ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأبي يُوسُفَ، ومحمدٍ، وإسحاقَ.
وقال البَتِّيُّ: لا يَعْتِقُ إلَّا حِصَّةُ المُعْتِقِ، ونَصِيبُ الباقِينَ باقٍ على الرِّقِّ، ولا شيءَ على المُعْتِقِ؛ لِما روَى ابنُ 75 التَّلِبِّ، عن أبيهِ، أنَّ رجلًا أعْتَقَ شِقْصًا له في مَمْلُوكٍ، فلم يُضَمنْه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. رَواه الإِمامُ أحمدُ 76. ولأَنه لو باع نَصِيبَه لاخْتَصَّ البَيعُ به، فكذلِك العِتْقُ، إلَّا أنَّ تكونَ جَارِيةً نَفِيسَةً يُغالَى فيها، فيكون ذلك بمَنْزِلَةِ الجِنايَةِ مِن المُعْتِقِ؛ للضَّرَرِ الذي أدْخَلَه على شَريكِه.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَعْتِقُ إلَّا حِصَّةُ المُعْتِقِ، ولشَرِيكِه الخِيارُ في ثَلاثةِ أشْياءَ؛ إن شاء أعْتَقَ، وإن شاء اسْتَسْعَى العَبْدَ، وإن شاء ضَمَّنَ شرِيكَه، فيَعْتِقُ حِينَئِذٍ.
ولَنا، الحديثُ الذي رَوَيناه، وهو صحيحٌ، مُتَّفَقٌ عليه 77، ورَواه مالكٌ في

الجزء: 19 - الصفحة: 44

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُوَطَّئِه 78، عن نافِع، عن ابنِ عُمَرَ.
فأثْبَتَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - العِتْقَ في جَميعِه، وأوْجَبَ قِيمَةَ نَصيبِ شَريكِ 79 المُعْتِقِ عليه، ولم يَجْعَلْ له خِيَرَةً ولا لغيرِه.
وروَى قتادةُ، عن أبي المَليحِ، عن أبيه، أنَّ رجلًا مِن قَوْمِه، أعْتَقَ شِقْصًا له في مَمْلُوكٍ، فرُبعَ ذلك إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فجَعَلَ خَلَاصَه عليها في مالِه، وقال: «لَيسَ للهِ شَرِيكٌ» 80. قال أبو عبدِ اللهِ: الصَّحيحُ أنَّه عن أبي المَلِيحِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُرْسَلٌ، وليس فيه عن أبيه.
هذا مَعْنَى كلامِه.
وقولُ البَتِّيِّ شاذٌّ يُخَالِفُ الأخْبارَ كُلَّها، فلا يُعَوَّلُ عليه.
وحديثُ التَّلِبِّ يتَعَيَّنُ حَمْلُه على المُعْسِرِ، جمعًا بينَ الأحاديثِ.
وقياسُ العتق على البيعِ لا يصِحُّ؛ فإنَّ البيِعَ لا يَسري فيما إذا كان العبدُ كُلُّه له، والعِتْقُ يَسْرِي، فإنَّه لو باع نِصْفَ عَبْدِه لم يَسْرِ، ولو أعْتَقَه عَتَق كُلُّه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ ولاءَه يكونُ له؛ لأنَّه عَتَق بإعْتاقِه مِن مالِه، ولا خِلافَ في هذا عندَ مَن يَرَى عِتْقَه عليه.

الجزء: 19 - الصفحة: 45

وَإنْ أَعْتَقَهُ شَرِيكُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِيهِ عِتْقٌ.
فصل: ولا فَرْقَ في هذا بينَ أنَّ يكونَ الشركاءُ مسلمين أو كافرين، أو بعضُهم مسلمًا وبعضُهم كافرًا، ذَكَرَه القاضي.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ في الكافِرِ وَجْهًا أنَّه إذا أعْتَقَ نَصِيبَه مِن مُسْلِم، أنَّه لا يَسْرِي إلى باقِيه، ولا يُقَوَّمُ عليه؛ لأنَّه لا يَصِحُّ شِراءُ الكافِرِ عبدًا مسلمًا.
ولَنا، عُمُومُ الخَبَرِ، ولأنَّ ذلك ثَبَت لإِزالةِ الضَّرَرِ، فاسْتَوَى فيه المسلمُ والكافرُ، كالرَّدّ بالعَيبِ، والغَرَضُ ههُنا تَكْمِيلُ العِتْقِ ودَفْعُ الضَّرَرِ عن الشَّرِيكِ دُون التمْلِيكِ، بخِلافِ الشِّراءِ، ولو قُدِّرَ أنَّ ههُنا تمْلِيكًا، لكان تَقْديرًا في أدْنَى زمانٍ، حَصَل ضَرُورَةَ تحْصيلِ العِتْقِ، لا ضَرَرَ فيه، فإن قُدِّرَ فيه ضَرَرٌ، فهو مَغْمُورٌ بالنّسْبَةِ إلى ما يَحْصُلُ مِن العِتْقِ، فوُجُودُه كالعَدَمِ.
وقياسُ هذا على الشِّراءِ غيرُ صحيح؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ.

2922 -

مسألة: (فإن أعْتَقَه الشَّرِيكُ بَعْدَ ذلك)

وقبلِ أخْذِ القِيمَةِ (لم يَثْبُتْ له فيه عِتْقٌ) لأنَّه قد صار حُرًّا بعِتْقِ الأوَّلِ له، لأنَّ عِتْقَه حَصَل باللَّفْظِ، لا بدَفْعِ القِيمَةِ، وصار جميعُه حُرًّا، واسْتَقرَّتِ القِيمَةُ على المُعْتِقِ الأوَّلِ، فلا يَعْتِقُ بعدَ ذلك بعِتْقٍ غيرِه.
وبهذا قال ابنُ شُبْرُمَةَ، وابنُ أبي لَيلَى، والثَّوْرِيُّ، وأبو يُوسُف، ومحمدٌ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، والشافعيُّ في قولٍ له، اخْتارَه المُزَنيُّ.
وقال الزُّهْرِيُّ، وعمرُو بنُ دينارٍ، ومالكٌ، والشافعيُّ في قولٍ: لا يَعْتِقُ إلَّا بدَفْعِ القِيمَةُ، ويكون قَبْلَ ذلك مِلْكًا لصاحِبِه، يَنْفُذُ عِتْقُه فيه، ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفه فيه بغيرِ العِتْقِ.

الحديث: 2922 - الجزء: 19 - الصفحة: 46

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واحتجُّوا بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «قُوِّمَ عَلَيهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، [فأُعْطِيَ شُرَكَاؤه حِصَصَهم وعَتَق جَمِيعُ العَبْدِ» 81. وفي لفظٍ لأبي داودَ: «فإن كان مُوسِرًا يُقَوَّمُ عليه قِيمَةَ عَدْلٍ] 82، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، ثمَّ يَعْتِقُ».
فجَعَلَه عتيقًا بعدَ دَفْعِ القِيمَةِ.
ولأنَّ العِتْقَ إذا ثَبَت بعِوَض وَرَد الشَّرْعُ به مُطْلَقًا، لم يَعْتِقْ إلَّا بالأداءِ، كالمُكاتَبِ.
وللشافعيِّ قَوْلٌ ثالِثٌ، أنَّ العِتْقَ مُراعًى، فإن دَفَع القِيمَةَ تَبَينا أنَّ العِتْقَ كان حَصَل مِن حِينَ أعْتَقَ نصيبَه، وإن لم يَدْفَعِ القِيمَةَ تَبَيَّنّا أنَّه لم يَكُنْ عَتَق، لأنَّ فيه احْتِياطًا لهما جميعًا.
ولَنا، حديثُ ابنِ عُمَرَ، فإنَّه رُوِيَ بألفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ تَجْتَمِعُ في الدَّلالةِ على الحُرِّيَّةِ باللَّفْظِ، فرَوَى أيُّوبُ 83، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ، فَكَانَ له مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَهَ بقِيمَةِ العَدْلِ، فَهُوَ عَتِيقٌ».
رواه أبو دَوُادَ، والنَّسائيُّ.
وفي لَفظٍ رَواه ابنُ أبي مُلَيكَةَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمَرَ: «فَكَانَ لَهُ مَالٌ، فَقَدْ عَتَقَ كُلُّهُ».
وفي رِوايَةِ ابنِ أبي ذِئْبٍ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَرَ: «وكَانَ لِلَّذِي يُعْتِقُ ما يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بقِيمَةِ العَدْلِ، فَهُوَ 84 يَعْتِقُ كُلّه».
وروَى أبو داودَ 85 بإسنادِه عن أبي هرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أعْتَقَ شِقْصًا في

الجزء: 19 - الصفحة: 47

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَمْلُوكٍ فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِه».
وهذه نُصوصٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ، فإنَّه جَعَلَه حُرًّا وعَتِيقًا بإعْتاقِه، مَشْرُوطًا بكَوْنِه مُوسِرًا.
ولأنَّه عِتْق 86 بالسِّرايَةِ، فكانت حاصِلَةً مِن لَفْظِه عَقِيبَه، كما لو أعْتَقَ جُزْءًا مِن عَبْدِه، ولأنَّ القِيمَةَ مُعْتَبَرَة وَقْتَ الإعْتاقِ.
ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الشَّرِيكِ فيه بغيرِ الإِعْتاقِ.
وعندَ الشافعيِّ، لا يَنْفُذُ بالإِعْتاقِ أيضًا، فدَلَّ على أنَّ العِتْقَ حَصَل فيه بالإِعْتاقِ الأوَّلِ.
فأمّا حديثُهم، فلا حُجَّةَ لهم فيه، فإنَّ «الواو» لا تَقتَضِي تَرْتِيبًا، وأمّا العَطْفُ بـ «ثُم» في اللَّفْظِ الآخَرِ، فلم يُرِدْ بها التَّرْتِيبَ، فإنَّها قد تَرِدُ لغَيرِ التَّرْتيبِ، كقوْلِه تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ 87. فأمّا العِوَضُ، فإنَّما وَجَب عَنِ المُتْلَفِ بالإِعْتاقِ، بدَلِيلِ اعْتِبارِه بقِيمَتِه حينَ الإِعْتاقِ وعَدَمِ اعْتِبارِ التَّراضِي فيه، ووُجُوب القِيمَةِ مِن غَيرِ وَكْسٍ ولا شَطَطٍ، بخِلافِ الكِتابَةِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الشَّرِيكَ إذا أعْتَقَه بعدَ عِتْقِ الأوَّلِ وقَبْلَ أخْذِ القِيمَةِ لم يَثْبُتْ له فيه عِتْقٌ، ولا له عليه وَلاءٌ، ووَلَاؤُه كُلُّه للمُعْتِقِ الأوَّلِ، وعليه القِيمَةُ؛ لأنَّه قد صار حُرًّا بإعْتاقِه.
وعندَ مالكٍ، يكونُ وَلاؤُه بَينَهما على قَدْرِ مِلْكَيهما فيه، ولا شيءَ على المُعْتِقِ الأوَّلِ مِن القِيمَةِ، ولو أنَّ المُعْتِقَ الأوَّلَ لم يُودِّ القِيمَةَ حتى أفْلَسَ، عَتَق الْعَبدُ، وكانتِ القِيمَةُ في ذِمَّتِه دَينًا، يُزاحِمُ بها الشَّرِيكُ عندَنا.
وعندَ مالكٍ، لا يَعْتِقُ منه إلَّا ما عَتَق.
ولو كان المُعْتَقُ جارِيَةً حامِلًا، فلم يُؤَدِّ

الجزء: 19 - الصفحة: 48

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القِيمَةَ حتى وَضَعَتْ حَمْلَها، فليس على المُعْتِقِ إلَّا قِيمَتُها حينَ أعْتَقَها؛ لأنَّه حينَئِذٍ حَرَّرَها.
وعندَ مالكٍ، يُقَوَّمُ وَلَدُها أيضًا، ولو تَلِف 88 العَبْدُ قبلَ أداءِ القِيمَةِ، تَلِف حُرًّا، والقِيمَةُ على المُعْتِقِ؛ لأنَّه فَوَّتَ رِقَّه.
وعندَ مالكٍ، لا شيءَ على المُعْتِقِ، وما لم يُقَوَّمْ ويُحْكَمْ بقِيمَتِه، فهو في جَمِيعِ أحْكامِه عَبْدٌ.
فصل: والقِيمَةُ مُعْتَبَرَةٌ حينَ اللَّفْظِ بالعِتْقِ؛ لأنَّه حينُ الإِتْلافَ.
وهو قولُ الشافعيِّ على أقوالِه كُلِّها.
فإنِ اخْتَلَفا في قَدْرِها 89، رُجِع إلى قولِ المُقَوِّمِين.
فإن كان العَبْدُ قد مات أو غاب، أو تأخَّرَ تَقْويمُه زَمَنًا تختَلِفُ فيه القِيمُ، ولم تكُنْ بَيِّنَةٌ، فالقَوْلُ قولُ المعْتِقِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ للزِّيادَةِ، والأصْلُ بَرَاءَة ذِمَّتِه منها.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
فإنِ اخْتَلَفا في صِناعَةٍ في العَبْدِ توجِبُ زيادَةَ 90 القِيمَةِ، فالقَوْلُ قولُ المُعْتِقِ؛ لذلك، إلَّا أنَّ يكونَ العَبْدُ يُحْسِنُ الصِّناعَةَ في الحالِ، ولم يَمْضِ زَمَنٌ يُمْكِنُ تَعَلمُها فيه، فيكونَ القَوْلُ قَوْلَ الشَّرِيكِ؛ لعِلْمِنا بصدْقِه، وإن مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ حُدُوثُها فيه، ففيه وجهان؛ أحَدُهما، القَوْلُ قولُ المُعْتِقِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه.
والثاني، القَوْلُ قولُ الشَّرِيكِ؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ ما كان وعَدَمُ الحُدُوثِ.
وإنِ اخْتَلَفَا في عَيبٍ يَنْقُصُ قِيمَتَه؛ كسَرِقَةٍ، أوْ إباق، فالقَوْلُ

الجزء: 19 - الصفحة: 49

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قولُ الشَّرِيكِ؛ لأنَّ الأصْلَ السَّلامَةُ، فبالجِهَةِ التي رَجَّحْنَا قولَ المُعْتِقِ في نَفْي الصِّناعَةِ، يُرَجَّحُ قولُ الشَّرِيكِ في نَفْي العَيبِ.
وإن كان العَيبُ فيه حال الاخْتِلافِ، واخْتَلَفا في حُدُوثِه، فالقَوْلُ قولُ المُعْتِقِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه وبَقاءُ ما كان على ما كان وعَدَمُ حُدُوثِ العَيبِ فيه.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ القَوْلُ قَولَ الشَّرِيكِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَتُه مِن العَيبِ حينَ الإعْتاقِ.
فصل: والمُعْتَبَرُ في اليسارِ في هذا أنَّ يكونَ له فَضْلٌ عن قُوتِ يومِه ولَيلَتِه، وما يَحْتاجُ إليه مِن حَوائِجِه الأصْلِيَّةِ؛ مِن الكِسْوَةِ، [والمسكنِ] 91، وسائِرِ ما لا بُدَّ منه، ما يَدْفَعُه إلى شَرِيكِه.
ذَكَرَه أبو بكرٍ، في «التَّنْبِيهِ».
وإن وُجِد بعضُ ما يَدْفَعُه بالقِيمَةِ، قُوِّمَ عليه قَدْرُ ما يَمْلِكُه 92 منه.
ذَكَره أحمدُ، في روايَةِ ابنِ منصورٍ.
وهو قولُ مالكٍ.
وقال أحمدُ: لا تُبَاعُ فيه دَارٌ ولا رِباعٌ.
ومُقْتَضَى هذا أنَّ لا يُباعَ له أصْلُ مالٍ.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ: يُباعُ عليه سِوارُ بَيته، وما له بالٌ مِن كِسْوَتِه، ويُقْضَى عليه في ذلك كما يُقْضَى عليه في سائِرِ الدَّعاوَى.
والمُعْتَبَرُ في ذلك حالُ تَلَفُّظِه بالعِتْقِ؛ لأنَّه حالُ الوجُوبِ، فإن أيسَرَ المُعْسِرُ بعدَ ذلك لم يَسْرِ إعْتاقُه، وإن أعْسَرَ المُوسِرُ لم يَسْقُطْ ما وَجَب عليه؛ لأنَّه وَجَب عليه، فلم [يسْقُطْ بإعْسارِه] 93، كدَينِ الإِتْلافِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.

الجزء: 19 - الصفحة: 50

وَإنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَعْتِقْ إلا نَصِيبُهُ، وَيَبْقَى حَقُّ شَرِيكِهِ فِيهِ.
وَعَنْهُ، يَعْتِقُ كُلُّهُ، وَيُسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَةِ بَاقِيهِ غَيرَ مَشْقُوقٍ عَلَيهِ.

2923 - مسألة: (وإن كان مُعْسِرًا لم يَعْتِقْ إلَّا نصِيبُه، وبَقِيَ حَقُّ شَريكِه فيه. وعنه، يَعْتِقُ كُلُّه، ويُسْتَسْعَى العَبْدُ في قِيمَةِ باقِيه غيرَ مَشْقوقٍ عليه)

ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ المُعْسِرَ إذا أعْتَقَ نَصِيبَه مِن العَبْدِ، اسْتَقَرَّ فيه العِتْقُ، ولم يَسْرِ إلى نَصِيبِ شَريكِه، بل يَبْقَى على الرِّقِّ، فإذا أعْتَقَ شَريكُه، عَتَق عليه نَصيبُه.
وهذا قولُ إسحاقَ، وأبي عُبَيدٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وداودَ، وابنِ جريرٍ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، على ما بَيَّنّاه فيما مَضَى.
ورُوِيَ عن عُرْوَةَ، أنَّه اشْتَرَى عَبْدًا أُعْتِقَ نِصفه، فكان عُرْوَةُ يُشاهِرُه؛ شهْرَ عَبْدٍ وشَهْرَ حُرٍّ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ المُعْتِقَ إذا أعْتَقَ نَصِيبَه اسْتُسْعِيَ العَبْدُ في قِيمَةِ باقِيه حتى يُؤَدِّيَها، فيَعْتِقَ.
وهو قولُ ابنِ شُبْرُمَةَ، وابنِ أبي لَيلَى، والأوْزاعِيِّ، وأبي يُوسُفَ، ومحمدٍ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، فَعَلَيهِ أنْ يُعْتِقَهُ كُلَّهُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وإلَّا اسْتُسْعِيَ العَبْدُ غَيرَ

الحديث: 2923 - الجزء: 19 - الصفحة: 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَشْقُوقٍ عَلَيهِ».
مُتَّفَقٌ عليه، ورَواه أبو داودَ 94. قال ابنُ أبي لَيلَى، وابنُ شُبْرُمَةَ: فإذا اسْتُسْعِيَ في نِصْفِ قِيمَتِه، ثم أيسَرَ مُعْتِقُه، رَجَع عليه بنِصْفِ القِيمَةِ؛ لأنَّه هو ألْجأه إلى هذا وكَلَّفَه إيّاه.
وعن أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ، أنَّهما قالا: يَعْتِقُ جَمِيعُه، وتكونُ قِيمَةُ نَصيبِ الشَّرِيكِ في ذِمَّتِه؛ لأنَّ العِتْقَ لا يَتَبَعَّضُ، فإذا وُجِد في البَعْضِ سَرَى إلى جَمِيعِه، كالطَّلاقِ، وتَلْزَمُ المُعْتِقَ القِيمَةُ؛ لأنَّه المُتْلِفُ لنَصِيبِ صاحِبِه بإعْتاقِه، فوجَبَت قِيمَتُه في ذِمَّتِه، كما لو أتْلَفَه.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَسْرِي فيه العِتْقُ، وإنَّما يُسْتَحَقُّ به إعْتاقُ النَّصيبِ الباقِي، فيُخَيَّرُ شَرِيكُه بينَ إعْتاقِ نَصيبِه، ويكونُ الوَلاءُ بَينَهما، وبينَ أنَّ يُسْتَسْعَى العَبْدُ في قِيمَةِ نَصيبِه فإذا أدّاه إليه عَتَق، والوَلاءُ بَينَهما.
ولَنا، حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ 95، وهو حديث 96 صحيحٌ ثابِتٌ عندَ جَميعِ العُلَماءِ بالحَدِيثِ، ولأنَّ الاسْتِسْعاءَ إعْتاقٌ بعِوَضٍ، فلم يُجْبَرْ عليه، كالكِتابَةِ، ولأنَّ في الاسْتِسْعاءِ إضرارًا بالشَّرِيكِ

الجزء: 19 - الصفحة: 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والعَبْدِ؛ أمّا الشَّرِيكُ فإنّا نُحيلُه على سِعايَةٍ قد لا يَحْصُلُ منها 97 شيءٌ أصْلًا، وإن حَصَل، فالظّاهِرُ أنَّه يكون مُتَفَرِّقًا، ويَفُوتُ عليه مِلْكُه.
وأمّا العَبْدُ، فإنَّه يُجْبِرُه على سِعايَةٍ لم يُرِدْها وكَسْبٍ لم يَختَرْه، وهذا ضَرَر في حَقِّهما، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ 98». وقال سليمانُ بنُ حَرْبٍ: أليس الزِمَ 99 المُعْتِقُ ثَمَنَ ما بَقِيَ مِن العَبْدِ، لئَلَّا يَدْخُلَ على شَريكِه ضَرَرٌ، فإذا أمَروه بالسَّعْي، وإعْطائِه كُلَّ شهرٍ دِرْهَمَين، ولم يَقْدِرْ على تَمَلُّكِه، فأيُّ ضَرَرٍ أعْظَمُ مِن ذلك!.
فأمّا حديثُ الاسْتِسْعاءِ، فقال الأثْرَمُ: ذَكَرَه سليمانُ بنُ حَرْبٍ، فطَعَنَ فيه وضَعَّفَه.
وقال أبو عبدِ اللهِ: ليس في الاسْتِسْعاءِ ثَبَت عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَديثُ أبي هريرةَ يَرْويه ابنُ أبي عَرُوبَةَ، وأمّا شُعْبَةُ 100، وهشامٌ الدَّسْتُوائِي فلم يَذْكُراه 101. وحدَّث به مَعْمَر، ولم يَذْكُرْ فيه السِّعايَةَ.
قال أبو داودَ: وهَمّامٌ أيضًا لا يقُولُه.
قال المرُّوذِيُّ: وضَعَّفَ أبو عبدِ اللهِ حديثَ سعيدٍ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَصِحُّ حديثُ الاسْتِسْعاءِ.
وذَكَر هَمّامٌ أنَّ ذِكْرَ الاسْتِسْعاءِ مِن فُتْيا قَتادَةَ، وفرَّقَ بينَ الكلامِ الذي هو مِن قولِ رسولِ اللهِ

الجزء: 19 - الصفحة: 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى الله عليه وسلم - وقولِ قَتادَةَ.
قال بعدَ ذلك: فكان قَتادَةُ يقولُ:.
إن لم يَكُنْ له مَالٌ اسْتُسْعِيَ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 102: حديثُ أبي هُرَيرَةَ يَدورُ على قَتادَةَ، وقد اتَّفَقَ شُعْبَةُ وهِشامٌ وهَمّامٌ على تَرْكِ ذِكْرِه، وهم الحُجَّةُ في قَتادَةَ، والقولُ قَوْلُهم فيه عندَ جميعِ أهلِ العلمِ بالحديثِ 103 إذا خالفَهم غيرُهم.
فأمّا قولُ أبي حنيفةَ، وقولُ صاحِبَيه الأخير، فلا شيءَ معهم يَحْتَجُّون به مِن حديثٍ قَويٍّ ولا ضَعيفٍ، بل هو مُجَرَّدُ رَأْي وتَحَكُّم يُخالِفُ الحَدِيثَين جَميعًا.
قال ابن عبدِ البَرِّ 104: لم يَقُلْ أبو حنيفةَ وزُفَرُ بحديثِ ابنِ عُمَرَ، ولا بحديثِ أبي هُرَيرَةَ على وَجْهِه.
وكلُّ قولٍ خالفَ السُّنَّةَ، فمَرْدُودٌ على قائِلِه.
واللهُ المُسْتَعانُ 105. فصل: وإذا قُلْنا بالسِّعايَةِ، احْتَمَلَ أنَّ يَعْتِقَ كُلُّه وتكونَ القِيمَةُ في ذِمَّةِ العَبْدِ دَينًا يَسْعَى في أدائِها، وتكونَ أحْكامُه أحكامَ الأحْرارِ، فإن مات وفي يَدِه مالٌ، كان لسَيِّدِه بَقِيَّةُ السِّعايَةِ، وباقِي مالِه مَوْرُوثٌ، ولا يَرْجِعُ العَبْدُ على أحَدٍ.
وهو قولُ أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يَعْتِقَ حتى يُؤَدِّيَ السِّعايَةَ، فيكونَ حُكْمُه قبلَ أدائِها حُكْمَ مَن بَعْضُه رَقِيقٌ، إن مات فللشَّرِيكِ الذي لم يَعْتِقْ مِن مالِه مِثْلُ مأ يكونُ له، على قولِ مَن لم يَقُلْ بالسِّعايَةِ؛ لأنَّه إعْتاقٌ بأداءِ مالٍ، فلم يَعْتِقْ قبلَ أدائِه، كالمُكاتَبِ.
وقال

الجزء: 19 - الصفحة: 54

وَإذَا كَانَ الْعَبْدُ لِثَلَاثةٍ؛ لِأحَدِهِمْ نِصْفُهُ، ولآخَرَ ثُلُثُهُ، وَلِثَالِثٍ سُدْسُهُ، فَأَعْتَقَ صَاحِبُ النِّصْفِ وَصَاحِبُ السُّدْسِ مَعًا وَهُمَا مُوسِرَانِ، عَتَقَ عَلَيهِمَا وَضَمِنَا حَقَّ شَرِيكِهِمَا فِيهِ نِصْفَينِ، وَصَارَ وَلَاؤهُ بَينَهُمَا أَثلَاثًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَضْمَنَاهُ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيهِمَا فِيهِ.
ابنُ أبي لَيلَى، وابنُ شُبْرُمَةَ: يَرْجِعُ العَبْدُ على المُعْتِقِ إذا أيسَرَ؛ لأنَّه كَلَّفَه السِّعايَةَ بإعْتاقِه.
ولَنا، أنَّه حَق لَزِم العَبْدَ في مُقابَلَةِ حُرِّيَّتِه، فلم يَرْجِعْ به على أحَدٍ، كمالِ الكِتابَةِ، ولأنَّه لو رَجَع به على السَّيِّدِ، لكانَ هو السَّاعِيَ في العِوَضِ، كسائِرِ الحُقوقِ الواجِبَةِ عليه.

2924 -

مسألة: (وإذا كان العَبْدُ لثَلاثَةٍ؛ لأحَدِهم نِصْفُه، وللآخَرِ ثُلُثُه، ولثالثٍ سُدْسُه، فأعْتَقَ صَاحِبُ النِّصْفِ وصاحِبُ السُّدْسِ معًا وهما مُوسِران، عَتَق عليهما وضَمِنا حَقَّ شَرِيكِهما فيه نِصْفَين، وصار وَلاؤُه بَينَهما أثْلاثًا.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يَضْمَناه على قَدْرِ مِلْكِهما فيه)

إذا كان العَبْدُ مُشْتَرَكًا بينَ جَماعَةٍ، فأعْتَقَ اثْنان منهم [أو أكثَرُ] 106، وهم مُوسِرُون

الحديث: 2924 - الجزء: 19 - الصفحة: 55

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  معًا، سَرَى عِتْقُهم إلى باقِي العَبْدِ، ويكونُ الضَّمانُ بينَهم على عَدَدِ رُءوسِهم، يَتَساوون في ضَمانِه ووَلائِه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يُقْسَمَ بينَهم على قَدْرِ أمْلاكِهم.
وهو قولُ مالكٍ في إحْدَى الرِّوايَتَين عنه؛ لأنَّ السِّرايَةَ حَصَلَتْ 107 بإعْتاقِ مِلْكَيهما، وما وَجَب بسَبَبِ المِلْكِ كان على قَدْره، كالنَّفَقَةِ، واسْتِحْقاقِ الشّفْعَةِ.
ولَنا، أنَّ عِتْقَ النَّصِيبِ إتْلاف لرِقِّ الباقِي، وقد اشْتَركا فيه، فيَتَساوَيان في الضمانِ، كما لو جَرَح أحَدُهما جُرْحًا، والآخَرُ جُرحَين، فمات بهما، أو ألْقَى أحَدُهما جُزْءًا مِن النَّجاسَةِ في ماءٍ 108 وألقى الآخرُ جُزْاين.
ويُفارِقُ الشُّفْعَةَ، فإنَّها تَثْبُتُ لإزالةِ الضَّرَرِ عن نصيب الشَّريكِ الذي لم يَبعْ، فكان اسْتِحْقاقُه على قَدْرِ نَصيبِه، ولأنَّ الضَّمانَ هَهُنا لدَفْعِ الضَّرَرِ منهما، وفي الشُّفْعَةِ لدَفْعِ الضَّرَرِ عنهما، والضَّرَرُ منهما يَسْتَويان في إدْخالِه على الشَّريكِ، وفي

الجزء: 19 - الصفحة: 56

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشُّفْعَةِ، ضَرَرُ صاحِبِ النِّصْفِ أعْظَمُ مِن ضَرَرِ صاحِبِ السُّدْسِ، فاخْتَلَفا.
إذا ثَبَت هذا، كان وَلاؤُه بينَهما أثْلاثًا، لأنَّنا إذا حَكَمْنا بأنَّ الثُّلُثَ مُعْتَق عليهما نِصْفَين، فنِصْفُه سُدْسٌ، إذا ضَمَمْناه إلي النِّصْفِ الذي لأحَدِهما، صارا 109 ثُلُثَين، وإذا ضَمَمْنا السُّدْسَ الآخَرَ إلى سُدْسِ المُعْتِقِ صارا (1) ثُلُثًا.
وعلى الوَجْهِ الآخرِ، يَصِيرُ الوَلاءُ بينَهما أرْباعًا؛ لصاحِبِ السُّدْسِ رُبْعُه، ولصاحِبِ النِّصْفِ ثَلاثَةُ أرْباعِه، والضَّمانُ كذلك.
ويُشْتَرَطُ عِتْقُهما معًا، بأن يُوَكِّلا مَن يُعْتِقُه عنهما، أو يوَكِّلَ أحَدُهما الآخَرَ في عِتْقِ نَصِيبِه، أو 110 يتلَفَّظا به معًا، لأنَّه لو سَبَقَ أحدُهما صاحِبَه عَتَق عليه جميعُه، على ما ذَكَرْنا.
ويُشْتَرَطُ اليَسارُ أيضًا فيهما، فإن كان أحدُهما مُوسِرًا وَحْدَه، قُوِّمَ عليه نَصيبُ مَن لم يُعْتِقْ، لأنَّ المُعْسِرَ لا يَسْرِي عِتْقُه، فيكونُ الضَّمانُ على المُعْسِرِ خاصَّةً، فإن كان أحَدُهما مُوسرًا ببَعْضِ ما يَخُصُّه، قُوِّمَ عليه ذلك القَدْرُ، وباقِيه على الآخَرِ، مثلَ أنَّ يَجِدَ صاحِبُ السُّدْسِ قِيمَةَ نِصْفِ السُّدْسِ، فيُقَوَّمُ عليه، ويُقَوَّمُ الرُّبْعُ على صاحِبِ النِّصْفِ، ويَصِيرُ وَلاؤُه بينَهم أرْباعًا؛ لصاحِبِ السُّدْسِ رُبْعُه، وباقِيه

الجزء: 19 - الصفحة: 57

وَإِذَا أَعْتَقَ الْكَافِرُ نَصِيبَهُ مِنْ مُسْلِمٍ وَهُوَ مُوسِرٌ، سَرَى إِلى بَاقِيهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
لمُعْتِقِ النِّصْفِ؛ لأنَّه لو كان أحَدُهما مُعْسِرًا قُوِّمَ الجميعُ على الآخَرِ، فإذا كان مُوسِرًا ببَعْضِه قُوِّمَ الباقِي على صاحِبِ النِّصْفِ؛ لأنَّه مُوسِرٌ، وفيه اخْتلافٌ ذَكَرْناه مِن قَبْلُ.

2925 -

مسألة: (وإذا أعْتَقَ الكافِرُ نَصيبَه مِن مسلمٍ وهو موسِرٌ، سَرَى إلى باقِيه، في أحَدِ الوَجْهَين)

ذَكَرَه القاضي.
وهو قولُ الشافعيِّ، لأنَّه تَقْويمُ مُتْلَفٍ، فاسْتَوَى فيه المُسْلِمُ والكافِرُ، كتَقْويمِ المُتْلَفاتِ.
والوَجْهُ الثاني، لا يَسْرِي.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ فيه تَقْدِيرَ المِلْكِ، والكافِرُ لا يَجُوزُ أن يَتَمَلَّكَ المُسْلِمَ.
والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى.

الحديث: 2925 - الجزء: 19 - الصفحة: 58

وَإِذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَينِ أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْهُ، وَهُمَا مُوسِرَانِ، فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ حُرًّا لِاعْتِرَافِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُرِّيَّتِهِ، وَصَارَ مُدَّعِيًا عَلَى شَرِيكِهِ قِيمَةَ حَقِّهِ مِنْهُ.
وَلَا وَلَاءَ عَلَيهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.

2926 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى كلُّ واحِدٍ مِن الشَّريكَين أنَّ شَريكَه أعْتَقَ نَصيبَه وهما موسِران، فقد صار العَبْدُ حرًّا باعْتِرافِ كلِّ واحِدٍ منهما لحرِّيَّتِه 111، وصار مُدَّعيًا على شَرِيكِه قِيمَةَ حَقِّه منه. ولا وَلاءَ عليه لواحِدٍ منهما) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الشَّرِيكَين المُوسِرَين إذا ادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّ شَريكَه أعْتَقَ نَصيبَه، فكلُّ واحِدٍ منهما مُعْتَرِفٌ بحرِّيَّةِ نَصيبِه، شاهِدٌ

الحديث: 2926 - الجزء: 19 - الصفحة: 59

وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَينِ لَمْ يَعْتِقْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
على شَريكِه بحُرِّيَّةِ نِصْفِه الآخَرِ؛ لأنَّه يقولُ لشَريكِه: أعْتَقْتَ نَصِيبَك، فسَرَى العِتْقُ إلى نصِيبي، فعَتَقَ كُلُّه عليك، ولَزِمَك لي قِيمَةُ نَصِيبي.
فصارَ العَبْدُ حُرًّا؛ لاعْتِرافِهما بحُرِّيَّتِه، وبَقِيَ كلُّ واحِدٍ منهما يَدَّعِي قِيمَةَ حِصَّتِه على شَريكِه، فإن كانت لأحَدِهما بَيِّنَةٌ حُكِمَ له بها، وإن لم تَكُنْ بَيَنةٌ حَلَف كلُّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه وبَرئا.
فإن نَكَل أحَدُهما قُضِيَ عليه، وإن نَكَلا جَميعًا تَساقَطَ حَقّاهما؛ لتَماثُلِهما.
ولا وَلاءَ عليه لواحِدٍ منهما؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه.
ولا فَرْقَ في هذه الحالِ بينَ العَدْلَين والفاسِقَين، والمُسْلِمَين والكافِرَين؛ لتَساوي العَدْلِ والفاسِقِ، والمُسْلِمِ والكافِرِ، في الاعْتِرافِ والدَّعْوَى.
فإنِ اعْتَرَفَ أحَدُهما به بعدَ ذلك ثبَت له؛ لأنَّه لا مُسْتَحِقَّ له سِواه، وإنَّما لم يَثْبُتْ له لإِنْكارِه له، فإذا اعْتَرَف به زال الإِنْكارُ، فثَبَتَ له، ولَزِمَتْه قِيمَةُ نَصيبِ صاحِبِه (1) لاعْتِرافِه بها.

2927 -

مسألة: (وإن كانا مُعْسِرَين لم يَعْتِقْ على واحِدٍ منهما)

لأنَّه ليس في دَعْوَى أحَدِهما على صاحِبِه أنَّه أعْتَقَ نَصيبَه اعْتِرَافٌ بحُرِّيَّةِ112

الحديث: 2927 - الجزء: 19 - الصفحة: 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نَصيبِه، ولا ادِّعاءُ اسْتِحْقاقِ قِيمَتِها على المُعْتِقِ، لكَوْنِ 113 عِتْقِ المُعْسِرِ لا يَسْرِي إلى غيرِه، فلم يَكُنْ في دَعْواه أكْثَرُ مِن أنَّه شاهِدٌ على صاحِبِه بإعْتاقِ نَصيبه، فإن كانا فاسِقَين فلا أثَرَ لكَلامِهما في الحالِ، ولا عِبْرَةَ بقَوْلِهما؛ لأَنَّ غيرَ العَدْلِ لا تُقْبَلُ شهادَتُه، وإن كانا عَدْلَين فشَهادَتُهما مَقْبولَةٌ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما لا يَجُرُّ إلى نفسِه بشهادَتِه نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ عنها ضَرَرًا، وقد حَصَل للعَبْدِ بحُرِّيَّةِ كلِّ نِصْفٍ منه شاهِدُ عَدْلٍ.
فإن حَلَف معهما عَتَق كُلُّه، وإن حَلَف مع أحَدِهما عَتَق نِصْفُه، على الرِّوايَةِ التي تقولُ: إنَّ العِتْقَ يَثْبُتُ بشاهِدٍ ويَمينٍ.
وإن لم يَحْلِفْ لم يَعْتِقْ منه شيءٌ؛ لأنَّ العِتْقَ لا يَحْصُلُ بشاهِدٍ مِن غيرِ يَمِينٍ.
وإن كان أحَدُهما عَدْلًا دُونَ الآخَرِ، فله أن يَحْلِفَ مع شهادَةِ العَدْلِ، ويَصيرُ نِصْفُه حُرًّا، ويَبْقَى 114 الآخَرُ رَقِيقًا.
فصل: ومَن قال بالاسْتِسْعاءِ فقد اعْتَرَفَ بأنَّ نصيبَه خَرَج عن يدِه، فيَخْرُجُ العبدُ كلُّه، ويُسْتَسْعَى في قيمتِه؛ لاعترافِ كلِّ واحدٍ منهما بذلك في نصيبِه.

الجزء: 19 - الصفحة: 61

وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ، عَتَقَ حِينَئِذٍ وَلَمْ يَسْرِ إِلَى نَصِيبِهِ.
وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: يَعْتِقُ جَمِيعُهُ.

2928 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى أحَدُهما نَصِيبَ صاحِبِه عَتَق)

عليه (ولم يَسْرِ إلي) النِّصْفِ الذي كان له؛ لأنَّ عِتْقَه حَصَل باعْتِرافِه بحُرِّتَّيِه بإعْتاقِ شَرِيكِه، ولا يَثْبُتُ له عليه وَلاءٌ، لأنَّه لا يَدَّعِي إعْتاقَهُ، بل يَعْتَرِفُ بأنَّ المُعْتِقَ غيرُه، وإنَّما هو مُخَلِّصٌ له مِمَّن يَسْتَرِقُّه ظُلْمًا، فهو كمُخَلِّصِ الأسِيرِ مِن أيدِي الكُفّارِ (وقال أبو الخَطَّاب) يَسْرِي؛ لأنَّه شِراءٌ حَصَل به الإِعْتاقُ، فأشْبَهَ شِراءَ بعضِ وَلَدِه.
فإن أكْذَبَ نَفْسَه في شَهادَتِه على شَرِيكِه ليَسْتَرِقَّ ما اشْتَراه منه، لم يُقْبَلْ قَوْلُه 115؛ لأنَّه رُجُوعٌ عن الإِقْرارِ بالحُرِّيَّةِ، فلم يُقْبَلْ، كما لو أقَرَّ بحُرِّيَّةِ عَبْدِه ثم أكْذَب نَفْسَه.
وهل يَثْبُتُ له الوَلاءُ عليه إن أعْتَقَهُ؟ فيه احْتِمالان؛ أحَدُهما، لا يَثْبُتُ؛ لِما ذَكَرْناه.
والثانِي، يَثْبُتُ؛ لأنّا نَعْلَمُ أنَّ على العَبْدِ وَلاءً، ولا يَدَّعِيه أحَدٌ سِواه، ولا يُنازِعُه فيه، فوجَبَ أن يُقْبَلَ قَوْلُه فيه.
وإنِ اشْتَرَى كلُّ واحِدٍ منهما نَصِيبَ صاحِبِه صار العَبْدُ كُلُّه حُرًّا، ولا وَلاءَ عليه لواحِدٍ منهما.
فإن أعْتَقَ كلُّ واحِدٍ منهما ما اشْتَرَاه، ثم أكْذَبَ نَفْسَه

الحديث: 2928 - الجزء: 19 - الصفحة: 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في شَهادَتِه، فهل يَثْبُتُ له وَلاءُ ما أعْتَقَه؟ على وَجْهَين.
وإن أقَرَّ كلُّ واحِدٍ منهما بأنَّه كان أعْتَقَ نَصِيبَه، وصَدَّقَ الآخَرَ في شَهادَتِه، بَطَل البَيعان، وثَبَت لكُلِّ واحِدٍ منهما الوَلاءُ على نِصْفِه؛ لأنَّ أحدًا لا يُنازِعُه فيه، وكلُّ واحِدٍ منهما يُصَدِّقُ الآخَرَ في اسْتِحْقاقِ الوَلاءِ.
[ويَحْتَمِلُ أن يَثْبُتَ الولاءُ لهما] 116 وإن لم يُكَذِّبْ واحِدٌ منهما نَفْسَه؛ لأنّا نَعْلَمُ أنَّ الوَلاءَ عليه ثابتٌ لهما ولا يَخْرُجُ عنهما، وأنَّه بينَهما، إمّا بالعِتْقِ الأوَّلِ، وإمّا بالثانِي؛ لأَنَّهما إن كانا صادِقَين في شَهادَتِهما، فقد ثَبَت الوَلاءُ لكُلِّ واحِدٍ منهما على النِّصْفِ الذي أعْتَقَهُ أوَّلًا، وإن كانا كاذِبَين، فقد أعْتَقَ كلُّ واحِدٍ منهما نِصْفَه بعدَ أنِ اشْتراه، وإن كان أحَدُهما صادِقًا والآخَرُ كاذِبًا، فلا وَلاءَ للصّادِقِ منهما؛ لأنَّه لم يُعْتِقِ النِّصْفَ الذي كان له أولًا 117، ولا صَحَّ عِتْقُه في الذي اشْتَراه؛ لأنَّه كان حُرًّا قبلَ شِرائِه، والوَلاءُ كُلُّه للكاذِبِ؛ لأنَّه أعْتَقَ النِّصْفَ الذي كان له ثم اشْتَرَى النِّصْفَ الذي لشَرِيكِه، وكلُّ واحِدٍ منهما يُساوي صاحِبَه في الاحْتِمالِ، فيُقْسَمُ بينَهما.

الجزء: 19 - الصفحة: 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وكلُّ مَن شَهِد على سَيِّدِ عَبْدٍ بعِتْقِ عَبْدِه ثم اشْتراه، عَتَق عليه.
وإن شَهِد اثْنان عليه بذلك فرُدَّتْ شَهادَتُهما، ثم اشْتَرَياه أو أحَدُهما، عَتَق.
وبهذا قال مالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرٍ.
وهو قياسُ قولِ أبي حنيفةَ.
ولا يَثْبُتُ للمُشْتَرِي وَلاءٌ على العَبْدِ؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه، ولا للبائِعِ؛ لأنَّه يُنْكِرُ عِتْقَه.
ولو كان العَبْدُ بينَ شَريكَين، فادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّ شَرِيكَه أعْتَقَ حَقَّه منه، وكانا موسِرَين، فعَتَقَ عليهما، أو كانا مُعْسِرَين عَدْلَين، فحَلَفَ العَبْدُ مع كلِّ واحِدٍ منهما، [وعَتَق، أو شَهِد مع كلِّ واحدٍ منهما عَدْلٌ آخَرُ] 118 وعَتَق العَبْدُ، أو ادَّعَى عَبْدٌ أنَّ سَيِّدَه أعْتَقَه؛ فأنْكَرَ وقامَتِ البَيِّنَةُ بعِتْقِه، عَتَق.
ولا وَلاءَ على العَبْدِ في هذه المواضِعِ كُلِّها؛ لأنَّ أحَدًا لا يَدَّعِيه، ولا يَثْبُتُ لأحَدٍ حقٌّ 119 يُنْكِرُه، فإن عاد مَن [يُثْبتُ له عَتاقَه] 120 فاعْتَرَفَ به، ثَبَت له الوَلاءُ؛ لأنَّه لا مُسْتَحِقَّ له سِواه، وإنَّما لم 121 يَثْبُتْ له لإِنْكارِه له، فإذا اعْتَرَفَ زال الإنْكارُ وثَبَت له.
وأمّا الموسِران إذا عَتَق عليهما، فإن صَدَّقَ أحَدُهما صاحِبَه.
في أنَّه أعْتَقَ نَصيبَه وَحْدَه، أو أنَّه سَبَق بالعِتْقِ، فالوَلاء له، وعليه غَرامَةُ نَصِيبِ الآخَرِ.
وإنِ اتَّفَقا على أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما أعْتَقَ نَصِيبَه دَفْعَةً واحِدَةً

الجزء: 19 - الصفحة: 64

وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا، عَتَقَ نَصِيبُ الْمُعْسِرِ وَحْدَهُ.
فالوَلاءُ بينَهما.
وإنِ ادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه المُعْتِقُ وَحْدَه، أو أنَّه السّابِقُ، فأنْكَرَ الآخَرُ، تَحَالفا، والوَلاءُ بينَهما نِصْفَين.

2929 -

مسألة: (وإن كان أحَدُهما مُوسِرًا والآخَرُ مُعْسِرًا، عَتَق نَصِيبُ المُعْسِرِ وَحْدَه)

لاعْتِرافِه بأنَّ نَصِيبَه قد صار حُرًّا بإعْتاقِ شَريكِه المُوسِرِ الذي يَسْرِي عِتْقُه، ولم يَعْتِقْ نَصِيبُ المُوسِرِ؛ لأنَّه يَدّعِي أنَّ المُعْسِرَ الذي لا يَسْرِي عِتْقُه أعْتَقَ نَصِيبَه، فعَتَقَ وَحْدَه.
ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ المُعْسِرِ عليه؛ لأنَّه يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا، لكَوْنِه يوجِبُ 122 عليه بِشَهادَتِه قِيمَةَ حصَّتِه.
فعلى هذا، إن لم تَكُنْ للعَبْدِ بَيِّنَةٌ سِواه، حَلَف المُوسِرُ وبَرِئَ مِن القِيمَةِ والعِتْقِ جَميعًا، ولا وَلاءَ للمُعْسِرِ في نَصيبِه؛ لأنَّه لا يدَّعِيه، ولا للمُوسِرِ أيضًا؛ لذلك.
فإن عاد المُعْسِرُ فأعْتَقَه وادَّعاه، ثَبَت له.
وإن أقَرَّ المُوسِرُ بإعْتاقِ نَصِيبِه، وصَدَّقَ المُعْسِرُ، عَتَق نَصيبُه أيضًا، وعليه غرَامَةُ نَصِيبِ المُعْسِرِ، ويَثْبُتُ له الوَلاءُ.
وإن كان للعَبْدِ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بإعْتاقِ المُوسِرِ، وكانت عَدْلَين، ثَبَت العِتْقُ، ووَجَبَتِ القِيمَةُ للمُعْسِرِ عليه.
وإن كانت عَدْلًا واحِدًا، وحَلَف العَبْدُ معه، ثَبَت العِتْقُ في إحْدَى الرِّوايَتَين.
والأُخْرَى، لا يَثْبُتُ العِتْقُ، وللمُعْسِرِ أن يَحْلِفَ معه، ويَسْتَحِقُّ قِيمَةَ نَصِيبِه، سَواءٌ حَلَف العَبْدُ أو لم يَحْلِفْ؛ لأنَّ الذي يَدَّعِيه

الحديث: 2929 - الجزء: 19 - الصفحة: 65

وَإِذَا قَال أَحَدُ الشَّرِيكَينِ: إِذَا أعْتَقْتَ نَصِيبَكَ فَنَصِيبِي حُرٌّ.
فَأَعْتَقَ الْأَوَّلُ وَهُوَ مُوسِرٌ، عَتَقَ كُلُّهُ عَلَيهِ.
مالٌ يُقْبَلُ فيه شاهِدٌ ويَمِينٌ.
فصل: فإنِ ادَّعَى أحَدُ الشَّرِيكَين أنَّ شَرِيكَه أعْتَقَ نَصيبَه، وأنْكَرَ الآخَرُ، وكان المُدَّعَى عليه مُوسِرًا، عَتَق نَصيبُ المُدَّعِي وَحْدَه؛ لاعْترافِه بحُرِّيَّتِه بسِرايَةِ عِتْقِ شَرِيكِه، وصار مُدَّعِيًا نِصْفَ القِيمَةِ على شريكِه، ولا يَسْرِي؛ لأنَّه لا يَعْتَرِفُ أنَّه المُعْتِقُ له، إنَّما عَتَق باعْتِرافِه بحُرِّيَّتِه، لا بإعْتاقِه له، ولا وَلاءَ عليه؛ لإِنْكارِه له.
قال القاضي: ووَلاؤُه مَوْقُوفٌ.
وإن كان المُدَّعِي عَدْلًا لم تُقْبَلْ شَهادَتُه؛ لأنَّه يدَّعِي نِصفَ قِيمَتِه على شَرِيكِه، فيَجُرُّ بشَهادَتِه إليه نَفْعًا، ومَن شَهِد بشَهادَةٍ يَجُرُّ بها إليه نَفْعًا، بَطَلَتْ كُلُّها.
وأمّا إن كان المُدَّعَى عليه مُعْسِرًا، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه، ولا يَعْتِقُ منه شيءٌ.
فإن كان المُدَّعِي عَدْلًا، حَلَف العَبْدُ مع شَهادَتِه، وصار نِصْفُه حُرًّا.
وقال حَمّادٌ: إن كان المَشْهُودُ عليه مُوسِرًا سَعَى له، وإن كان مُعْسِرًا سَعَى لهما.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان مُعْسِرًا اسْتُسْعِيَ العَبْدُ، ووَلاؤُه بَينَهما، وإن كان مُوسِرًا فوَلاءُ نِصْفِه مَوْقوفٌ، فإنِ اعْتَرَفَ أنَّه أعْتَقَ اسْتَحَقَّ الوَلاءَ، وإلَّا كان الوَلاءُ لبَيتِ المالِ.

2930 -

مسألة: (وإذا قال أحَدُ الشَّرِيكَين: إذا أعْتَقْتَ نَصيبَك فنَصِيبِي حُرٌّ. فأعْتَقَ الأوَّلُ وهو مُوسِرٌ، عَتَق كلُّه عليه)

هذا اخْتِيارُ

الحديث: 2930 - الجزء: 19 - الصفحة: 66

وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبُهُ.
الأصحابِ، أنَّه يَعْتِقُ على الأوَّلِ، ويُقَوَّمُ عليه نَصيبُ الشَّرِيكِ إن كان مُوسِرًا، ولا يَقَعُ إعْتاقُ شَريكِه؛ لأنَّ السِّرايَةَ سَبَقَتْ، فمَنَعَتْ عِتْقَ الشَّرِيكِ.
قال شيخُنا (1): ويَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَ عليهما جَميعًا؛ لأنَّ عِتْقَ نَصيبِه سَبَبٌ للسِّرايَةِ وشَرْطٌ لعِتْقِ نَصيبِ الشَّرِيكِ، فلم يَسْبِقْ أحَدُهما الآخَرَ لوُجُودِهما في حالٍ واحِدَةٍ.
وقد يُرَجَّحُ وُقُوعُ عِتْقِ الشَّرِيكِ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ منه في مِلْكِه، والسِّرايَةُ تَقَعُ في غَيرِ مِلْكٍ على خِلافِ الأصْلِ، فكان نُفُوذُ عِتْقِ الشَّرِيكِ أوْلَى.
ولأنَّ سِرايَةَ العِتقِ على خِلافِ الأصْلِ؛ لكَوْنِها إتْلافًا لمِلْكِ المَعْصُومِ بغيرِ رِضاه، وإلْزامًا للمُعْتِقِ غَرامَةً لم يَلْتَزِمْها بغيرِ اختيارِه، وإنَّما ثَبَت لمَصْلَحَةِ تَكْمِيلِ العِتْقِ، فإذا حَصَلَتْ هذه المَصْلَحَةُ بإعْتاقِ المالِكِ (2)، كان أوْلَى.

2931 -

مسألة: (وإن كان مُعْسِرًا)

لم يَعتِقْ عليه إلَّا نَصِيبُه؛ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ عِتْقَ المُعْسِرِ لا يَسْرِي إلى نصِيبِ شَرِيكِه، ويَعْتِقُ نَصيبُ شَريكِه بالشَّرْطِ.123124

الحديث: 2931 - الجزء: 19 - الصفحة: 67

وَإِنْ قَال: إِذَا أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ فَنَصِيبِي حُرٌّ مَعَ نَصِيبِكَ.
فَأَعْتَقَ نَصِيبَهُ، عَتَقَ عَلَيهِمَا مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا.

2932 - مسألة: (وإن قال: إذا أعْتَقْتَ نَصيبَكَ فنَصِيبي حُرٌّ مع نَصيبِكَ. فأعْتَقَ نَصيبَه، عَتَق عليهما، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا)

ولم يَلْزَمِ المُعْتِقَ شيءٌ؛ لأنَّ العِتْقَ وُجِد منهما معًا، فهو كما لو وكَّلا رجلًا في إعْتاقِه عنهما [فأعْتَقَه بلفظٍ واحدٍ] 125. وقِيلَ: يَعْتِقُ كلُّه على المُعْتِقِ؛ لأنَّ إعْتاقَ نَصيبِه شَرْطُ عِتْقِ نَصيبِ شَرِيكِه، فيَلْزَمُ أن يكونَ سابِقًا عليه.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه أمْكَنَ العَمَلُ بمُقْتَضَى شَرْطِه، فوَجَبَ العَمَلُ به؛ لِما ذَكَرْناه.
فصل: فإن قال: إذا أعْتَقْتَ نَصيبَك فنَصِيبي حُرٌّ قبلَ إعْتاقِك.
وَقَعا معًا إذا أعْتَقَ نَصِيبَه.
هذا مُقْتَضَى قولِ أبي بكرٍ، والقاضي.
ومُقْتَضَى قَوْلِ ابنِ عَقِيلٍ، أن يَعْتِقَ كلّه على المُعْتِقِ، ولا يَقَعَ إعْتاقُ شَرِيكِه؛ لأنَّه إعْتاقٌ في زَمَنٍ ماضٍ.
ومُقْتَضَى قولِ ابنِ سُرَيجٍ 126 ومَن وَافَقَه، مِمَّن قال بسِرايَةِ العِتْقِ، أن لا يَصِحَّ إعْتاقُه؛ لأنَّه يَلْزَمُ مِن عِتْقِه 127 نصِيبَه تَقَدُّمُ

الحديث: 2932 - الجزء: 19 - الصفحة: 68

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عِتْقِ الشَّرِيكِ وسِرَايَتُه، فيَمْتَنِعُ إعْتاقُ نَصِيبِ هذا، ويَمْتَنِعُ عِتْق نَصِيبِ الشَّرِيكِ، ويُفْضِي إلى الدَّوْرِ، فيَمْتَنِعُ الجَمِيعُ.
وسَنَذْكُرُ ذلك في الطَّلاقِ، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: إذا كان لرجلٍ نِصْفُ عَبْدَين مُتَساويَين في القِيمَةِ، لا يَمْلِكُ غيرَهما، فأعْتَقَ أحَدَهما في صِحَّتِه، عَتَق، وسَرَى إلى نَصيبِ شَرِيكِه؛ لأنَّه مُوسِرٌ بالنِّصْفِ الذي له مِن العَبْدِ الآخَرِ، فإن أعْتَقَ النِّصفَ الآخَرَ، عَتَقَ؛ لأنَّ وُجُوبَ القِيمَةِ في ذِمَّتِه لا يَمْنَعُ صِحَّةَ عِتْقِه، ولم يَسْرِ؛ لأنَّه مُعْسِرٌ.
وإن أعْتَقَ الأوَّلَ في مَرَضِ مَوْتِه، لم يَسْرِ؛ لأنَّه إنَّما يَنْفُذُ عِتْقُه في ثُلُثِ مالِه، وثُلُثُ مالِه هو الثُّلُثُ مِن العَبْدِ الذي أعْتَقَ نِصْفَه، وإذا أعْتَقَ الثانِيَ وَقَف على إجازَةِ الوَرَثَةِ.
فإن أعْتَقَ الأوَّلَ في صِحَّتِه وأعْتَقَ الثانِيَ في مَرَضِه، لم يَنْفُذْ عِتْقُ الثاني؛ لأنَّ عليه دَينًا يَسْتَغْرِق قِيمَتَه، فيَمْنَعُ صِحَّةَ عِتْقِه، إلَّا أن يُجِيزَ الوَرَثَة.
فصل: إذا شَهِد شاهِدان على رجلٍ أنَّه أعْتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ فسَرَى إلى نَصِيبِ الشَّرِيكِ، وغَرِم له قِيمَةَ نَصِيبِه، ثم رَجَعا عن الشَّهادَةِ، غَرِ ما قِيمَةَ العَبْدِ جَمِيعِه.
وقال بعضُ أصْحاب الشافعيِّ: تَلْزَمُهما غَرامَةُ نَصِيبِه، دُونَ نَصِيبِ شَرِيكِه؛ لأنَّهما لم يَشْهَدا إلَّا بعِتْقِ نَصِيبِه، فلم تَلْزَمْهما غَرَامَةُ

الجزء: 19 - الصفحة: 69

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ما سِواه.
ولَنا، أنَّهما فَوَّتا عليه نَصِيبَه وقِيمَةَ نَصِيبِ شَرِيكِه، فلَزِمَهما ضَمانُه، كما لو فَوَّتَاه بفِعْلِهما، وكما لو شَهِدا عليه بجُرْحٍ ثم سَرَى الجُرْحُ وماتَ المَجْرُوحُ فضَمِنَ الدِّيَةَ ثم رَجَعا عن شَهادَتِهما.
فصل: وإن شَهِد شاهِدان على مَيِّتٍ بعِتْقِ عَبْدٍ 128 في مَرَضِ مَوْتِه، وهو ثُلُثُ مالِه، فحكَمَ الحاكِمُ بشَهادَتِهما، وعَتَق العَبْدُ، ثم شَهِد آخَران بعِتْقِ آخَرَ، وهو ثُلُثُ مالِه، ثم رَجَع الأوَّلان عن الشَّهادَةِ، نَظَرْنا في تاريخِ شَهادَتِهما؛ فإن كانت سابِقَةً ولم يُكَذِّبِ الوَرَثَة رُجُوعَهما، عَتَق الأوَّلُ، ولم يُقْبَلْ رُجُوعُهما، ولم يَغْرَما شيئًا.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَهما شِراءُ الثاني وإعْتاقُه؛ لأنَّهما مَنَعا عِتْقَه بشَهادَتِهما المَرْجُوعِ عنها.
وإن صَدَّقوهما في رُجُوعِهما وكَذَّبُوهما في شَهادَتِهما، عَتَق الثاني، ورَجَعُوا عليهما بقِيمَةِ الأوَّلِ؛ لأنَّهما فَوَّتا رِقَّه عليهمْ بشَهادَتِهما المَرْجُوعِ عنها، وإن كان تاريخُها 129 مُتَأخِّرًا عن الشَّهادَةِ الأُخْرَى بَطَل 130 عِتْقُ المَحْكُومِ بعِتْقِه؛

الجزء: 19 - الصفحة: 70

فَصْلٌ: وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ؛ كَدُخُولِ الدَّارِ، وَمَجِئِ الْأَمْطَارِ.
وَلَا يَمْلِكُ إِبْطَالهَا بِالْقَوْلِ.
وَلَهُ بَيعُهْ وَهِبَتُهُ وَوَقْفُهُ، وَغَيرُ ذَلِكَ، فَإِنْ عَادَ إِلَيهِ عَادَتِ الصِّفَةُ.
لأنَّنا تَبَيَّنّا أنَّ المَيِّتَ قد أعْتَقَ ثُلُثَ مالِه قبْلَ إعْتاقِه، ولم يَغْرَمِ الشّاهِدان شيئًا؛ لأنَّهما ما فَوَّتا شَيئًا، وإن كانَتا مُطْلَقَتَين أو إحْداهما، أو أتَّفَقَ تَارِيخُهما، أُقْرِعَ بَينَهما، فإن خَرَجَتْ على الثاني عَتَق، وبَطَل عِتْقُ الأوَّلِ، ولا شيءَ على الشّاهِدَين؛ لأنَّ الأوَّلَ باقٍ على الرِّقِّ، وإن خَرَجَتْ قُرْعَةُ الأوَّلِ عَتَق، ونَظَرْنا في الوَرَثَةِ، فإذا كَذَّبُوا الشّاهِدَين الأوَّلَين في شَهادَتِهما عَتَق الثاني، ورَجَعُوا على الشّاهِدَين بقِيمَةِ الأوَّلِ؛ لأنَّهما فَوَّتا رِقَّه بغيرِ حَقٍّ.
وإن كَذَّبُوهما في رُجُوعِهما لم يَرْجِعُوا عليهما بشيءٍ؛ لأنَّهم يُقِرُّون بعِتْقِ المَحْكُومِ بعِتْقِه.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (ويَصِحُّ تَعْلِيقُ العِتْقِ بالصِّفاتِ؛ كدُخُولِ الدّارِ، ومَجِئِ الأمْطارِ) لأنَّه عِتْق بصِفةٍ، فصَحَّ، كالتَّدْبِيرِ،

الجزء: 19 - الصفحة: 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإذا عَلَّقَ عِتْقَه على مَجئِ وَقْتٍ، كقَوْلِه: أنت حُرٌّ في رأْسِ الحَوْلِ.
لم يَعْتِقْ حتى يأْتِيَ 131 رَأْسُ الحَوْلِ (وله بَيعُه، وهِبَتُه) وإجارَتُه، وَوَطءُ الأمَةِ، كالتَّدْبِيرِ.
وبه قال الأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
قال أحمدُ: إذا قال لغُلامِه: أنت حُرٌّ إلى أن يَقْدَمَ فُلانٌ، ومَجئِ (1) فُلانٍ.
واحِدٌ 132، و: إلى رَأْسِ السَّنَةِ، وإلى رَأْسِ الشَّهْرِ.
إنَّما يُرِيدُ إذا جاء رَأْسُ السَّنَةِ، أو جاء رأْسُ الهِلالِ.
وإذا قال: أنتِ طالِقٌ إذا جاء الهِلالُ.
إنَّما تَطْلُقُ 133 إذا جاء رأْسُ الهِلالِ.
وقال إسحاقُ كما قال أحمدُ.
وحُكِيَ عن مالكٍ أنَّه قال: إذا قال لعَبْدِه: أنت حُرٌّ في رَأْسِ الحَوْلِ.
عَتَق في الحالِ.
والذي حكاه ابنُ المُنْذِرِ عنه، أنَّها إذا كانت جَارِيَةً لم يَطَأْها؛ لأنَّه لا يَمْلِكُها مِلْكًا تَامًّا، ولا يَهَبُها، ولا يَبِيعُها، وإن مات السَّيِّدُ قبلَ الوَقْتِ كانت حُرَّةً عندَ الوَقْتِ مِن رَأْسِ المالِ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه لا يَطَؤُها؛ لأنَّ مِلْكَه غيرُ تامٍّ عليها.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما رُوِيَ عن أبي ذَرٍّ، أنَّه قال لعَبْدِه: أنت عَتِيقٌ إلى رَأْسِ الحَوْلِ 134. فلَوْلَا أنَّ العِتْقَ يَتَعَلَّقُ

الجزء: 19 - الصفحة: 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالحَوْلِ لم يُعَلِّقْه عليه، ولأنَّه عَلَّقَ العِتْقَ بصِفَةٍ، فوَجَبَ أن يَتَعَلَّقَ بها، كما لو قال: إذا أدَّيتَ إليَّ ألفًا فأنْتَ حُرٌّ.
واسْتِحْقاقُه للعِتْقِ لا يَمْنَعُ إباحَةَ الوَطْءِ، كالاسْتِيلادِ.
فأمّا المُكاتَبَةُ، فإنَّما لم يُبَحْ وَطْؤُها؛ لأنَّها اشْتَرَتْ نَفْسَها مِن سَيِّدِها بعِوَضٍ، وزال مِلْكُه عن اكْتسابِها، بخِلافِ مَسْألتِنا.
ومتى جاء الوَقْتُ وهو في مِلْكِه عَتَق بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
فإن خَرَج عن مِلْكِه بِبَيعٍ أو مِيراثٍ، لم يَعْتِقْ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال النَّخَعِيُّ، وابنُ أبي لَيلَى: إذا قال لعَبْدِه: إن فَعَلْتَ كذا فأنْتَ حُرٌّ.
فباعَه بَيعًا صحِيحًا، ثم فَعَل ذلك، عَتَق وانْتَقَضَ البَيعُ.
قال ابنُ أبي لَيلَى: إذا حَلَف بالطَّلاقِ لا كَلَّمْتُ فُلانًا، ثم طَلَّقَها طَلاقًا بائنًا، ثم كَلَّمَه، حَنِث.
وعامَّةُ أهلِ العلمِ على خِلافِ [هذا القولِ؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال] 135: «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ وَلَا بَيعَ فِيما لَا يَمْلِكُ ابنُ آدَمَ» 136. ولأنَّه لا مِلْكَ له، فلم يَقَعْ طَلاقُه وعَتاقُه، كما لو لم يكُنْ له مالٌ مُتَقَدِّمٌ.

الجزء: 19 - الصفحة: 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا قال لعَبْدِه: إن لم أضْرِبْك عَشَرَةَ أسْواطٍ فأنت حُرٌّ.
ولم يَنْو وَقْتًا بعَينِه، لم يَعْتِقْ حتى يموت، وإن باعَه قبلَ ذلك صَحَّ بَيعُه، ولم يُفْسَخْ، في قولِ أكْثرِ أهلِ العِلْمِ.
وقال مالكٌ: ليس له بَيعُهُ، فإن باعَهُ فُسِخ البَيعُ.
ولَنا، أنَّه باعَه قبلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، فلم يُفسَخْ، كما لو قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ فأنت حُرٌّ.
وباعَه قبلَ دُخولِها.

2933 -

مسألة: وإذا عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِه بشَرْطٍ، كقَوْلِه: إن أدَّيتَ إليَّ ألْفًا فأنت حرٌّ. أو: إن دَخَلْتَ الدّارَ فأنت حُرٌّ. فهي صِفَةٌ لازِمَةٌ، ألْزَمَها نَفْسَه (ولا يَمْلِكُ إبْطالها بالقَوْلِ)

قِياسًا على النَّذْرِ، ولذلك إنِ اتَّفَقَ السَّيِّدُ والعَبْدُ على إبْطالِها لم تَبْطُلُ؛ لذلك.
ولو أبْرَأَهُ السَّيِّدُ مِن الألْفِ لم يَعْتِقْ بذلك، ولم يَبْطُلَ التَّعْلِيقُ؛ لأنَّه لا حَقَّ له في ذِمَّتِه يُبْرِئه منه.
فصل: ولا يَعْتِقُ قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ بكَمالِها، [كالجُعْلِ في الجَعالةِ] 137، فلو قال لعَبْدِه: إذا أدَّيتَ إليَّ ألْفًا فأنت حُرٌّ.
لم يَعْتِقْ حتى يُؤَدِّيَ الألْفَ جَميعَها.
وذَكَرَ القاضي أنَّ مِن أصْلِنا أنَّ العِتْقَ المُعَلَّقَ بصِفَةٍ يوجَدُ بوُجُودِ بَعْضِها، كما لو قال: أنت حُرٌّ إن أكَلْتَ رَغيفًا.
فأكَلَ نِصْفَه.
ولا يَصِحُّ ذلك لوُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ أداءَ الألفِ شَرْطُ العِتْقِ، وشُرُوطُ الأحْكامِ يُعْتَبَرُ وُجُودُها بكمالِها لثُبُوتِ الأحْكامِ، وتَنْتَفِي بانْتِفائِها، كسائِرِ شرُوطِ الأحْكامِ.
الثاني، أنَّه إذا عَلَّقَه عَلى

الحديث: 2933 - الجزء: 19 - الصفحة: 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَصْفٍ ذِي عَدَدٍ، فالعَدَدُ وَصْفٌ في الشَّرْطِ، ومَن عَلَّقَ الحُكْمَ علِى شرطٍ ذي وَصْفٍ، لم يَثْبُتْ ما لم تُوجَدِ الصِّفَةُ، كقَوْلِه لعَبْدِه: إن خرَجْتَ عارِيًا فأنت حُرٌّ.
فخَرَجَ لابِسًا، لم يَعْتِقْ، فكذلك العَدَدُ.
الثّالِثُ، أنَّه متى كان في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ على الكُلّ، لم يَحْنَثْ بفِعْلِ البَعْضِ، كما لو حَلَف: لا صَلَّيتُ صلاةً.
أو: لا صُمْتُ صِيامًا.
لم يَحْنَثْ حتىِ يَفرَغَ ممّا يُسَمَّى صلاةً ويَصُومَ يومًا.
ولو قال لامْرَأتِه: إن حِضْتِ حَيضَةً فأنتِ طالِقٌ.
لم تَطْلُقْ حتى تَطْهُرَ مِن الحَيضَةِ.
وذِكْرُ الألْفِ ههُنا يَدُلُّ على أنَّه أرادَ ألْفًا كامِلَةً.
الرّابعُ، أنَّ الأصْلَ الذي ذَكَرَه، فيما إذا قال: إذا أكَلْتَ رَغِيفًا فأنت حُرٌّ.
أنَّه يَعْتِقُ بأكْلِ بَعْضِه، مَمْنُوعٌ.
وإنَّما إذا حَلَف لا يَفْعَلُ شَيئًا، فَفَعَلَ بَعْضَه، يَحْنَثُ، في رِوايَةٍ، في مَوْضِعٍ يَحْتَمِلُ إرادَةَ البَعْضِ ويَتناوَلُه اللَّفْظُ، كَمن حَلَف لا يصَلِّي، فشَرَعَ في الصَّلاةِ، أو لا يَصُومُ، فشَرَعَ في الصَّومِ، أو لا يَشْرَبُ مَاءَ هذا الإِناءِ، فشَرِبَ بَعْضَه.
ونحوَ هذا؛ لأنَّ الشّارِعَ في الصلاةِ والصيامِ قد صَلَّى وصامَ ذلك الجُزْءَ الذي شَرَع فيه، والقَدْرَ الذي شَرِبَه مِن الإِناءِ هو ماءُ الإِناءِ، وقَرِينَةُ حالِه تَقْتَضِي المَنْعَ مِن الكُلِّ، فتَقْتَضِي الامْتِناعَ مِن الكُلِّ، ومتى فَعَل البَعْضَ فما امْتَنَعَ مِن الكُلِّ، فحنِثَ؛ لذلك.
ولو حَلَف على فِعْلِ شيءٍ لم يَبَرَّ إلَّا بفِعْلِ الجَمِيعِ.
وفي مَسْألَتِنا، تَعْلِيقُ الحُرِّيَّةِ على أداءِ الألْفِ يَقْتَضِي وُجُودَ أدائِها، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ المُعَلَّقُ عليها دُونَ أدائِها، كمَن حَلَف ليُؤَدِّيَنَّ ألْفًا، لا يَبَرُّ حتى يؤُدِّيَها.
الخامِسُ، أنَّ موضوعَ الشَّرْطِ في الكِتابِ

الجزء: 19 - الصفحة: 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والسُّنَّةِ وأحْكامِ الشريعَةِ، على أنَّه لا يَثْبُتُ المَشْرُوطُ بدُونِ شَرْطِه، كقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَال: لَا إِلَهَ إلا اللهُ.
دَخَلَ الْجَنَّةَ» 138. فَلَو قال بعضَها لم يَسْتَحِقَّ إلَّا العُقُوبَةَ.
وقَوْلِه: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ» 139. لا تكونُ له بشُرُوعِه في الإِحْياءِ.
ولو قال في المُسابَقَةِ: مَن سَبَق إلى خَمْسِ إصاباتٍ فهو سابِقٌ.
لم يَكُنْ سابقًا إذا سَبَق إلى أرْبَعٍ.
ولو قال: مَن رَدَّ ضالَّتِي فله دِينَارٌ.
لم يَسْتَحِقَّه بالشُّرُوعِ في رَدِّها.
فكيف يخالِفُ موضوعاتِ الشَّرْعِ واللُّغَةِ بغيرِ دَلِيلٍ؟ وإنَّما الرِّوايَةُ التي جاءت عن أحمدَ في الأيمانِ، في مَن حَلَف أن لا يَفْعَلَ شيئًا، ففَعَلَ بَعْضَه، يَحْنَثُ؛ لأنَّ اليَمِينَ على التَّرْكِ يُقْصَدُ بها المَنْعُ، فنُزِّلَتْ مَنْزِلَةَ النَّهْي، والنَّهْيُ عن فِعْلِ شَيءٍ يَقْتَضِي المَنْعَ مِن بَعْضِه، بخِلافِ تَعْلِيقِ المَشْرُوط 140 على الشَّرْطِ.
فصل: وما يَكْتَسِبُه العَبْدُ قبلَ وُجُودِ الشَّرْطِ فهو لسَيِّدِه، لأنَّه لم يُوجَدْ عَقْدٌ يَمْنَعُ كَوْنَ كَسْبِه لسَيِّدِه، إلَّا أنَّه إذا عَلَّقَ عِتْقَه على أداءِ مالٍ معلومٍ،

الجزء: 19 - الصفحة: 76

إلا أَنْ تَكُونَ قَدْ وُجِدَتْ مِنْهُ فِي حَالِ زَوَالِ مِلْكِهِ، فَهَلْ تَعُودُ بِعَوْدِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
فما أخَذَه السَّيِّدُ حَسَبَه مِن المالِ، فإذا كَمَل أداءُ المالِ، عَتَق، وما فَضَل في يَدِه لسَيِّدِه؛ لأنَّه كَسْبُ عَبْدِه.
وإن كان المُعَلَّق عِتْقُه أمَةً، فوَلَدَتْ، لم يَتْبَعْها وَلَدُها، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّها أمَةٌ قِنٌّ، فأشْبَهَ ما لو قال: إن دَخَلْتِ الدّارَ فأنتِ حُرَّةٌ.
ولا تَجِبُ عليها قِيمَةُ نَفْسِها؛ لأنَّه عِتْقٌ مِن السَّيِّدِ، فأشْبَهَ ما لو باشَرَ العِتْقَ.
فصل: إذا عَلَّقَ عِتْقَه بصِفَةٍ، ثم باعَه، ثم اشْتَراه، ووُجِدَتِ الصِّفَةُ، عَتَق.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: فيها قوْلان؛ أحَدُهما، لا يَعْتِقُ؛ لأنَّ مِلْكَه فيه مُتَأخِّرٌ عن عَقْدِ الصِّفَةِ، فلم يَقَعِ العِتْقُ فيه، كما لو عَقَد الصِّفَةَ في حالِ زوالِ مِلْكِه عنه.
ولَنا، أنَّه عَلَّقَ الصِّفَةَ في مِلْكِه، وتَحَقَّقَ الشَّرْطُ في مِلْكِه، فوَجَبَ أن يَعْتِقَ، كما لو لم يَزُلْ مِلْكُه عنه.
وفارَقَ ما إذا عَلَّقَها في حالِ زوالِ مِلْكِه؛ لأنَّه لو نَجَز العِتْقَ لم يَقَعْ، فإذا عَلَّقَه كان أوْلَى بعدَمِ الوُقُوعِ، بخِلافِ مسألَتِنا.

2934 -

مسألة: (إلَّا أن تَكُونَ)

الصِّفَةُ (وُجِدَتْ منه في حالِ زَوال مِلْكِه، فهل تَعُودُ بعَوْدِه؟ على رِوايَتَين) إحْداهما، لا تَعُودُ؛ لأنَّها انْحَلَّتْ بوُجُودِها، فلم تَعُدْ، كما لو انْحَلَّتْ بوجُودِها في مِلْكِه.
والثانِيَةُ،

الحديث: 2934 - الجزء: 19 - الصفحة: 77

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَعُودُ؛ لأنَّه لم تُوجَدِ الصِّفَةُ التي يَعْتِقُ بها، فأشْبَهَ ما لو عاد إلى مِلْكِه قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، ولأنَّ المِلْكَ مُقَدَّرٌ في الصِّفَةِ، فكأنَّه قال: إذا دَخَلْتَ الدّارَ وأنتَ في مِلْكِي فأنت حُرٌّ.
ولم يُوجَدْ ذلك.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، في الطَّلاقِ، أنَّه يَقَعُ؛ لأنَّ التَّعْلِيقَ والشَّرْطَ وُجِدَا في مِلْكِه، فأشبَهَ ما لو لم يَتَخَلَّلْهما دُخُولٌ.
ومَن نَصَر الرِّوايَةَ الأُولَى قال: إنَّ العِتْقَ مُعَلَّقٌ بشَرْطٍ لا يَقْتَضِي التَّكْرارَ، فإذا وُجِد مَرَّةً انْحَلَّتِ اليَمِينُ، وقد وُجِد الدُّخُولُ في مِلْكِ غيرِه فانْحَلَّتِ اليَمِينُ، فلم يَقَعِ العِتْقُ به بعدَ ذلك، ويفارِقُ العِتْقُ الطَّلاقَ مِن حيثُ إنَّ النِّكاحَ الثانِيَ يَنْبَنِي على النِّكاحِ الأوَّلِ، بدَلِيلِ أنَّ طَلاقَه في النِّكاحِ الأوَّلِ يُحْسَبُ عليه في النِّكاحِ الثانِي، ويَنْقُصُ به عَدَدُ طلاقِه، والمِلْكُ باليَمينِ بخِلافِه.

الجزء: 19 - الصفحة: 78

وَتَبْطُلُ الصِّفَةُ بِمَوْتِه.
فَإِنْ قَال: إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ بَعْدَ مَوْتِي فَأَنْتَ حُرٌّ.
أَوْ: أنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ.
فَهَلْ يَصِحُّ ويَعْتِقُ بِذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

2935 - مسألة: (وتَبْطُلُ الصِّفَةُ بالمَوْتِ)

لأنَّ مِلْكَه يَزُوْلُ بمَوْتِه، فتَبْطُلُ تَصَرُّفاتُه بزَوالِه، كالبَيعِ.
2936 -

مسألة: (فإن قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ [فأنت حُرٌّ بعدَ مَوْتِي] 141. أو: أنت حُرٌّ بعَد مَوْتِي بشَهْرٍ. فهل يَصِحُّ ويَعْتِقُ بذلك؟ على روايتين) إذا قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ بعَد مَوْتِي فأنت حُرٌّ. لم تَنْعَقِدْ هذه الصِّفَةُ 142؛ لأنَّه عَلَّقَ عِتْقَه على صِفَةٍ تُوجَدُ بعدَ زَوالِ مِلْكِه، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ بعدَ بَيعِي إيّاك فأنت حُرٌّ. ولأنَّه إعْتاقٌ له بعدَ قَرارِ مِلْكِ غيرِه عليه، فلم يَعْتِقْ به، كالمُنْجَزِ. والثانِيَةُ، يَعْتِقُ. ذَكَرَه القاضي. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه صَرَّحَ بذلك، فحُمِلَ عليه، كما

الحديث: 2935 - الجزء: 19 - الصفحة: 79

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لو وَصَّى بإعْتاقِه، وكما لو وَصَّى ببيعِ سِلْعةٍ ويُتصَدَّقُ 143 بثَمَنِها، ويُفارِقُ التَّصرُّفَ بعدَ البَيعِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى جَعَل للإِنْسانِ التَّصرُّفَ بعدَ مَوْتِه في ثُلُثِه، بخِلاف ما بعدَ البَيعِ.
والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى.
ويُفارِقُ الوَصِيَّةَ بالعِتْقِ وبَيعَ السِّلْعَةِ؛ لأنَّ المِلْكَ لا يَسْتَقِرُّ للوَرَثَةِ فيه، ولا يَمْلِكُونَ التَّصرُّفَ فيه، بخِلافِ مَسْألتِنا.
وسَنَذْكُرُ ذلك بأبْسَطَ مِن هذا في التَّدْبِيرِ، إن شاء اللهُ تعالى.
وعنه، يَصِحُّ؛ لأنَّه إعْتاقٌ بعدَ الموتِ، فصَحَّ، كما لو قال: أنتَ حُرٌّ بعدَ مَوْتِي.
فإن قال: أنت حُرٌّ بعدَ مَوْتِي بشَهْرٍ.
فقد رُوِيَ عن أحمدَ في رِوايَةِ مُهَنّا، أنَّه لا يَعْتِقُ، ولا تَصِحُّ هذه الصِّفَةُ.
وقال أيضًا: سألتُ أحمدَ عن رجلٍ قال: أنتَ حُرٌّ بعدَ مَوْتِي

الجزء: 19 - الصفحة: 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بشهرٍ، بألْفِ دِرْهَم.
فقال لي 144: هذا كُلُّه لا يكونُ شَيئًا بعدَ مَوْتِه.
وهذا اخْتِيارُ أبي بكرٍ.
وذَكَر القاضي، وابنُ أبي مُوسَى رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه يَعْتِقُ إذا وُجِدَتِ الصِّفتان 145؛ الموتُ، ومُضِيُّ المُدَّةِ المذْكورةِ.
وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، وأبي يُوسُفَ، وإسحاقَ.
ووَجْهُهما ما تقَدَّمَ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: لا يَعْتِقُ حتى يُعْتِقَه الوارِثُ.
وعلى قولِ مَن قال: يَعْتِقُ.
يكونُ قبلَ العِتْقِ مِلْكًا للوارِثِ، وكَسْبُه له، كأُمِّ الوَلَدِ، والمُدَبَّرِ في حياةِ السَّيِّدِ، [وإن كان أمَةً، فوَلَدتْ قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ] 146، فوَلَدُها يَتْبَعُها في التَّدْبِيرِ، ويَعْتِقُ بوُجُودِ الصِّفَةِ، كَما تَعْتِقُ هي.
واللهُ سبحانه أعلمُ.

الجزء: 19 - الصفحة: 81

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا قال لعَبْدٍ له مُقَيَّدٍ: هو حُرٌّ إن حَلَّ قَيدَهُ.
ثم قال: هو حُرٌّ إن لم يَكُنْ في قَيدِه عَشَرةُ أرْطالٍ.
فشَهِدَ شاهدان عندَ الحاكِمِ أنَّ وَزْنَ قَيْدِه خَمْسَةُ أرْطالٍ، فحَكَمَ بعِتْقِه، وأمَرَ بحَلِّ قَيدِه، فوُزِنَ فوُجِدَ وَزْنُهُ عَشَرَةَ أرْطالٍ، عَتق العبدُ بحَلِّ قَيدِه، وتَبَيَّنّا أنَّه ما عَتَق بالشَّرْطِ الذي حَكَم الحاكمُ بعِتْقِه به.
وهل يَلْزَمُ الشاهِدَين ضَمانُ قِيمَتِه؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُهما؛ لأنَّ شهادَتَهما الكاذِبَةَ سَبَبُ عِتْقِه وإتْلافِه، فضَمِناه، كالشَّهادَةِ المَرْجُوعِ عنها، ولأنَّ عِتْقَه حُكِم بحُكْمِ الحاكِمِ المَبْنِيِّ على الشَّهادَةِ الكاذِبَةِ، فأشْبَهَ الحُكْمَ بالشَّهادَةِ التي يَرْجعان عنها.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ.
والثاني، لا ضَمانَ عليهما.
وهو قولُ أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ؛ لأنَّ عِتْقَه لم يَحْصُلْ بالحُكْمِ المَبْنِيِّ على شهادَتِهما، وإنَّما حَصَل بحَلِّ قَيدِه، ولم يَشْهَدا به، فوَجَبَ أن لا يضْمَنا، كما لو لم يَحْكُمِ الحاكِمُ.

الجزء: 19 - الصفحة: 82

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن قال لعَبْدِه: أنت حُرٌّ متى شِئْتَ.
لم يَعْتِقْ حتى يشاءَ بالقَوْلِ، فمتى شاء عَتَق، سواءٌ كان على الفورِ 147 أو التّراخِي.
وإن قال: أنت حُرٌّ إن شِئْتَ.
فكذلك.
ويَحْتَمِلُ أن يَقِفَ على المَجْلِسِ؛ لأنَّ ذلك بمَنْزِلَةِ التَّخْيِيرِ، ولو قال لامْرَأتِه: اخْتارِى نَفْسَكِ.
لم يَكُنْ لها الاخْتِيارُ إلَّا على الفورِ 148، فإن تراخَى ذلك بَطل خِيارُها، كذا تَعْلِيقُه بالمَشِيئَةِ.
وإن قال: أنتَ حُرٌّ كيفَ شِئْتَ.
احْتَمَلَ أن يَعْتِقَ في الحالِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ «كيف» لا 149 تَقْتَضِي شَرْطًا ولا وَقْتًا ولا مَكانًا، فلا تَقْتَضِي تَوْقِيفَ العِتْقِ، وإنَّما هي صِفَةٌ للحالِ، فتَقْتَضِي 150

الجزء: 19 - الصفحة: 83

وَإِنْ قَال: إِنْ دَخَلْتَهَا فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي.
فَدَخَلَهَا فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ، صَارَ مُدَبَّرًا، وَإِلَّا فَلَا.
وُقُوعَ الحُريَّةِ على أيِّ حالٍ كان.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَعْتِقَ حتى يشاءَ.
وهو قولُ أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ؛ لأنَّ المَشِيئَةَ تَقْتَضِي الخِيارَ، فتَقْتَضِي أن لا (1) يَعْتِقَ قبلَ اخْتِيارِه، كما لو قال: أنت حُرٌّ متى شِئْتَ.
لأنَّ «كيف» تُعْطِي ما تُعْطِي «متى» (2)، و «أيَّ»، فحُكْمُهما حُكْمُها.
وقد ذَكَر أبو الخَطّابِ في الطَّلاقِ، أنَّه إذا قال لزَوْجَتِه: أنتِ طالقٌ متى شِئْتِ، وكيفَ شِئْتِ، وحيثُ شِئْتِ.
لم تَطلُقْ حتى تشاءَ، فيَجِئُ ههُنا مِثْلُه.

2937 -

مسألة: (وإن قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ فأنت حُرٌّ بعدَ مَوْتِي. فدَخَلَ في حَياةِ السَّيِّدِ، صار مُدَبَّرًا)

لأنَّه وُجِد شَرْطُ التَّدْبِيرِ،151152

الحديث: 2937 - الجزء: 19 - الصفحة: 84

وَإِنْ قَال: إِنْ مَلَكْتُ فُلَانًا فَهُوَ حُرٌّ.
أَوْ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ.
فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
وهو دُخُولُ الدّارِ.
وإن لم يَدْخُلْ حتى مات بَطَلَتِ الصِّفَةُ؛ لأنَّه يَزُولُ به المِلْكُ، ولم يُوجَدِ التَّدبِيرُ؛ لعدَمِ شَرْطِه.
وسَنَذكُرُ ذلك في التَّدْبِيرِ.
[بأبْسَطَ مِن هذا] (1)، إن شاء اللهُ تعالى.

2938 -

مسألة: (وإذا قال: إن مَلَكْتُ فُلانًا فهو حُرٌّ. أو: كلُّ مملُوكٍ أمْلِكُه فهو حُرٌّ. فهل يَصِحُّ؟ على روايتين)

إحْداهما، لا يَصِحُّ، ولا يَعْتِقُ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعطاءٌ، وعُرْوَةُ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
ورَواه التِّرْمِذِيُّ، عن عليٍّ، وجابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، وعليِّ بنِ الحسينِ، وشُرَيحٍ، وغيرِ واحدٍ مِن التّابِعِين، قال: وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لِما روَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، ولا طَلَاقَ لابنِ آدَمَ فِيما لا يَمْلِكُ» 154. قال153

الحديث: 2938 - الجزء: 19 - الصفحة: 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  التِّرْمِذِيُّ: وهو حديثٌ حسنٌ، وهو أحسنُ ما رُوِيَ في هذا الباب.
وعن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا طَلَاقَ فِيمَا لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ وإنْ عَيَّنَها».
رواه الدّارَقُطْنِي 155. وعن عليِّ [بنِ أبي طالبٍ] 156، رَضِيَ اللهُ عنه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ» 157. قال أحمدُ: هذا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وعِدَّةٍ مِن الصَّحابَةِ.
ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مخالفًا، فكان إجْماعًا.
وهذا ظاهِرُ المَذْهب.
ولأنَّه لا يَمْلِكُ تنجيزَ 158 العِتْقِ، فلمْ يَمْلِكْ تَعْلِيقَه، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ».
رَواه أبو داودَ الطيالِسِيُّ 159. والثانِيَةُ، يَعْتِقُ إذا مَلَكَه؛ لأنَّه أضافَ العِتْقَ إلى حالٍ يَمْلِكُ عِتْقَه فيه، فأشْبَهَ ما لو كان التَّعْلِيقُ في

الجزء: 19 - الصفحة: 86

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِلْكِه.
وروَى أبو طالبٍ، عن أحمدَ، أنَّه قال: [إذا قال] 160: إنِ اشتريتُ هذا الغُلامَ فهو حُرٌّ.
فاشتراهُ، عَتَق.
قال أبو بكرٍ في كتابِ «الشَّافي»: لا يَخْتَلِفُ قولُ أبي عبدِ اللهِ أنَّ العَتاقَ يَقَعُ، إلَّا ما روَى محمدُ بنُ الحسنِ بنِ هارونَ في العِتْقِ، أنَّه لا يَقَعُ، وما أرَاه إلَّا غَلَطًا، فإن كان قد حَفِظ فهو قَوْلٌ آخَرُ.
ولأنَّه لو قال لأمَتِه: أوَّلُ وَلدٍ تَلِدِينَه فهو حُرٌّ.
فإنَّه يَصِحُّ، كذلك هذا.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّه يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ على الأخْطارِ، فصَحَّ تَعْلِيقُه علِى حُدُوثِ المِلْكِ، كالوَصِيَّةِ، والنَّذْرِ، واليَمِينِ.
وقال مالكٌ: إن خصَّ جِنْسًا مِن الأجْناسِ أو عَبْدًا بعَينِه، عَتَق إذا مَلَكَه، وإن قال: كُلُّ عَبْدٍ أمْلِكُه.
لم يَصِحَّ.
والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى؛ لأنَّه تَعْلِيقُ العِتْقِ قبلَ المِلْكِ، فأشْبَهَ ما لو قال لأمَةِ غيرِه: إن دَخَلْتِ الدّارَ فأنتِ حُرَّةٌ.
ثم مَلَكَها ودَخَلَتِ الدّارَ، ولِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ.
واللهُ أعلمُ.

الجزء: 19 - الصفحة: 87

وَإِنْ قَالهُ الْعَبْدُ لَمْ يَصِحَّ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَينِ.

2939 - مسألة: فإن قال العَبْدُ ذلك ثم عَتَق ومَلَك،

عَتَق في أحَدِ الوَجْهَين، قِياسًا على الحُرِّ.
والثاني، لا يَعْتِقُ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ العَبْدَ لا يَصِحُّ العِتْقُ منه حينَ التَّعْلِيقِ، لكَوْنِه لا يَمْلِكُ، وإنْ مَلَك فهو مِلْكٌ ضَعِيفٌ غيرُ مُسْتَقِرٌّ، لا يَتَمَكَّنُ مِن التَّصَرُّفِ فيه، وللسَّيِّدِ انْتِزاعُه منه، بخِلافِ الحُرِّ.

الحديث: 2939 - الجزء: 19 - الصفحة: 88

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا قال الحُرُّ: أوَّلُ غُلام أمْلِكُه فهو حُرٌّ.
انْبَنَى ذلك على العِتْقِ قبلَ المِلْك، وفيه رِوَايتان ذَكرْناهما، فإن قُلْنا: يَصِحُّ عِتْقُ أوَّلِ مَن يَمْلِكُه لوُجُودِ الشَّرْطِ.
فإن مَلَك اثنَين معًا، عَتَق أحَدُهما بالقُرْعَةِ، في قِياسِ قولِ أحمدَ، فإنَّه قال، في روايةِ مُهَنّا: إذا قال: أوَّلُ مَنْ يَطْلُعُ مِن عبِيدِي فهو حرٌّ.
فطَلَعَ اثْنان 161، أو جَميعُهم، فإنَّه يُقْرَعُ بينَهم.
ويَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَا جميعًا؛ لأنَّ الأوَّلِيّةَ وُجِدَتْ فيهما جَمِيعًا، فثَبَتَتِ الحُرِّيَّةُ فيهما، كما لو قال في المُسابَقَةِ: مَن سَبَق فله عَشرةٌ.
فسَبَقَ اثنان، اشْتَرَكا في العشرةِ.
وقال النَّخَعِيُّ: يُعْتِقُ أيَّهما شاء.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَعْتِقُ واحدٌ منهما؛ لأنَّه لا أوَّلَ فيهما؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما مُساوٍ للآخَرِ، ومِنْ شَرْطِ الأوَّلِيَّةِ سَبْقُ الأوَّلِ.
ولَنا، أنَّ هذَين لم يَسْبِقْهُما غَيرُهما، فكانا أوَّلَ، كالواحدِ، وليس مِن شَرْطِ الأوَّلِ أن يَأْتِيَ بعدَه ثانٍ، بدليلِ ما لو مَلَك واحِدًا ولم يَمْلِكْ بعدَه شيئًا، وإذا وُجِدَتِ الصِّفَةُ فيهما، فإمّا أن يَعْتِقا جميعًا، أو يَعْتِقَ أحَدُهما، وتُعَيِّنُه القُرْعةُ، على ما نَذكُرُه بعدُ 162. وكذلك الحكمُ فيما إذا قال: أوَّلُ ولَدٍ تَلدِينَه فهو حُرٌّ.
فولَدَتِ اثْنَين خَرَجا معًا.

الجزء: 19 - الصفحة: 89

وَإِنْ قَال: آخِرُ مَمْلُوكٍ أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ.
وَقُلْنَا بِصِحَّةِ الصِّفَةِ، فَمَلَكَ عَبِيدًا، ثُمّ مَاتَ، فَآخِرُهُمْ حُرٌّ مِنْ حِينِ الشِّرَاءِ، وَكَسْبُهُ لَهُ.

2940 - مسألة: (فإن قال: آخِرُ مملوكٍ أشْتَرِيه فهو حُرٌّ. فمَلَك عَبِيدًا)

لم [يُحْكَمْ بعِتْقِ] 163 واحدٍ منهم حتى يَمُوتَ؛ لأنَّه ما دام حَيًّا فهو 164 يَحْتَمِلُ أن يَشْتَرِيَ عبدًا يكونُ هو الآخِرَ، فإذا مات عَتَق آخِرُهُم، وتَبَيَّنا أنَّه كان حُرًّا حينَ مَلَكَه، فيكونُ اكْتِسابُه له.
وإن كان أمَةً، كان أولادُها أحرارًا مِن حينَ وَلَدتْهُم؛ لأنَّهم أولادُ حُرَّةٍ، وإن كان وَطِئَها فعليه مَهْرُها؛ لأنَّه وَطِئَ حُرَّةً أجْنَبِيَّةً، ولا يَحِلُّ له أن يَطَأَها إذا اشْتَراها حتى يَشْتَرِيَ بعدَها غيرَها؛ لأنَّه ما لم يَشتَرِ بعدَها غيرَها، فهي آخِرٌ في الحالِ، وإنَّما يَزُولُ ذلك بشِراءِ غيرِها، فوَجَبَ أن يَحْرُمَ الوَطْءُ.
وإنِ اشْتَرَى اثْنَين دَفْعةً واحدةً، ثم مات، فالحُكْمُ في عِتْقِهِما كالحُكْمِ فيما إذا مَلَك اثْنَين في الفصلِ الذي قَبْلَه.

الحديث: 2940 - الجزء: 19 - الصفحة: 90

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا قال: أوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَه فهو حُرٌّ.
فوَلَدَتِ اثْنَين، وأشْكَلَ أوَّلُهُما خُرُوجًا، أُخْرِجَ بالقُرْعَةِ، كالتي قبلَها.
فإن عُلِم أوَّلُهما خُرُوجًا عَتَق وَحْدَه.
وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأبي هاشمٍ 165، والشافعيِّ، وابْنِ المُنْذِرِ.
وقال الحسنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ: إذا وَلِدَتْ وَلَدَين في بَطْنٍ فهما حُرّانِ.
ولَنا، أنَّه إنَّما أعْتَقَ الأوَّلَ، والذي خرَج سابِقًا هو الأوَّلُ مِن الموْلُودَين، فاخْتَصَّ العِتْقُ به 166، كما لو وَلَدَتْهُما في بَطنَين.
فإن وَلَدَتِ الأوَّلَ ميِّتًا والثانِيَ حَيًّا، فذَكَرَ الشريفُ، أنَّه يَعْتِقُ الحيُّ منهما.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، والشافعيُّ: لا يَعْتِقُ واحدٌ منهما.
وهو الصَّحيحُ.
قاله شَيخُنا 167؛ لأنَّ شَرْطَ العِتْقِ إنَّما

الجزء: 19 - الصفحة: 91

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وُجِد في المَيِّتِ، وليس بمَحَلٍّ للعِتْقِ، فانْحَلَّتِ اليَمِينُ به.
وإنَّما قُلْنا: إنَّ شَرْطَ العِتْقِ وُجِدَ فيه؛ لأنَّه أوَّلُ وَلَدٍ، بدَلِيلِ أنَّه إذا قال لأمَتِه: إذا وَلَدْتِ فأنتِ حُرَّةٌ.
فوَلَدَتْ وَلَدًا مَيِّتًا، عَتَقَتْ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ العِتْقَ يَسْتَحِيلُ في المَيِّتِ، فتَعَلَّقَتِ اليَمِينُ بالحَيِّ، كما لو قال: إن ضَرَبْتَ فُلانًا فعَبْدِي حُرٌّ.
فضَرَبَه حَيًّا، عَتَق، وإن ضَرَبَه مَيِّتًا لم يَعْتِقْ.
ولأنَّه معلومٌ مِن طَريقِ العادةِ أنَّه قَصَد عَقْدَ يَمِينِه على وَلَدٍ يَصِحُّ العِتْقُ فيه، وهو أن يكونَ حَيًّا، فتصيرُ الحياةُ مَشْرُوطَةً فيه، فكأنَّه قال: أوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَه حَيًّا.
فصل: فإن قال لأمَتِه: كلُّ ولَدٍ تَلِدِينَه فهو حُرٌّ.
عَتَق كل وَلدٍ وَلَدَتْه، في قولِ جُمْهورِ العلماءِ؛ منهم مالكٌ، والأوْزاعِيُّ، واللَّيثُ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أحْفَظُ 168 عن غيرِهِم خِلافَهم.
فإن باع الأمَةَ، ثم وَلَدَتْ، لم يَعْتِقْ وَلَدُها؛ لأنَّها وَلَدَتْهُم بعدَ زوالِ مِلْكِه.

الجزء: 19 - الصفحة: 92

وَإِنْ قَال لِأَمَتِهِ: آخِرُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ.
فَوَلَدَتْ حَيًّا ثُمَّ مَيِّتًا، لَمْ يَعْتِقِ الْأَوَّلُ.
وَإِنْ وَلَدَتْ مَيِّتًا ثُمَّ حَيًّا عَتَقَ الثَّانِي.
وَإِنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَينِ، فَأَشْكَلَ الْآخِرُ مِنْهُمَا، أُقْرِعَ بَينَهُمَا.

2941 - مسألة: (فإن قال لأمَتِه: آخِرُ وَلَدٍ تَلدِينَه فهو حرٌّ. فوَلَدَتْ حَيًّا ثم مَيِّتًا، لم يَعْتِقِ الأوَّلُ)

لأنَّه لم يُوجَدْ شَرْطُ عِتْقِه، وعلى قِياسِ قولِ الشريفِ، وأبي حنيفةَ، فيما إذا قال: أوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَه، فهو حُرٌّ.
فوَلَدَتْ مَيِّتًا ثُمَّ حَيًّا، يَعْتِق الحيُّ (وإن وَلَدَتْ مَيِّتًا ثم حَيًّا، عَتَق الثانِي) لوُجُودِ شَرْطِه (وإن وَلَدَتْ تَوْأَمَين، فأشْكَلَ الآخِرُ منهما، [أُقْرِعَ بينَهما) لأنَّ] 169 أحَدَهما اسْتَحَقَّ العِتْقَ، ولم يُعْلَمْ 170 بعَينِه، فوَجَبَ إخْراجُه بالقُرْعَةِ، وسيأْتِي ذلك، إن شاء اللهُ تعالى.

الحديث: 2941 - الجزء: 19 - الصفحة: 93

وَلَا يَتْبَعُ وَلَدُ الْمُعْتَقَةِ بِالصِّفَةِ أُمَّهُ فِي الْعِتْقِ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَينِ، إلا أنْ تَكُونَ حَامِلًا بِهِ حَال عِتْقِهَا، أَوْ حَال تَعْلِيقِ عِتْقِهَا.

2942 - مسألة: (ولا يَتْبَعُ وَلَدُ المُعْتَقَةِ بالصِّفَةِ أُمَّه في العِتْقِ، في أصَحِّ الوَجْهَين، إلَّا أن تكونَ حامِلًا به حال عِتْقِها، أو حال تَعْلِيقِ عِتْقِها)

إذا عَلَّقَ عِتْقَ أَمَتِه 171 بصِفَةٍ وهي حامِلٌ، تَبِعَها ولَدُها في ذلك؛ لأنَّه كعُضْوٍ مِن أعضائِها، فإن وضَعَتْه قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، ثم وُجِدَتِ الصِّفَةُ، عَتَق؛ لأنَّه تابعٌ في الصِّفَةِ، فأشْبَهَ ما لو كان في البَطْنِ.
وإن كانتْ حائِلًا حينَ التَّعْلِيقِ، ثم وُجِدَتِ الصِّفَةُ وهي حاملٌ، عَتَقَتْ هي وحَمْلُها؛ لأنَّ العِتْقَ وُجِدَ فيها وهي حامِلٌ، فتَبِعَها ولَدُها، كالمُنْجَزِ.
فإن حَمَلَتْ بعدَ التَّعْلِيقِ، ووَضَعَتْ 172 قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، ثم وُجِدَت بعدَ ذلك، لم يَعْتِقِ

الحديث: 2942 - الجزء: 19 - الصفحة: 95

وَإِنْ قَال لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيكَ أَلْفٌ.
أَوْ: عَلَى أَلْفٍ.
عَتَقَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيهِ، وَعَنْهُ، إِنْ لَمْ يَقْبَلِ العَبْدُ لَمْ يَعْتِقْ.
وَالصَّحِيحُ فِي قَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ.
أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ حَتَّى يَقْبَلَ.
الوَلَدُ؛ لأنَّ الصِّفَةَ لم تَتَعَلَّقْ به في حالِ التَّعْلِيقِ [ولا في حالِ العِتْقِ] (1). وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه يَتْبَعُها في العِتْقِ، [قِياسًا على ولَدِ المدَبَّرَةِ.
وإن بَطَلَتِ الصِّفَةُ بِبَيعٍ أو موتٍ لم يَعْتِقِ الوَلَدُ؛ لأنَّه إنَّما تَبِعَها في العِتْقِ] (1) لا في الصِّفَةِ، فإذا لم تُوجَدْ فيها لم يُوجَدْ (2) فيه، بخِلافِ وَلَدِ المُدَبَّرةِ؛ فإنَّه تَبِعَها في التَّدْبِيرِ، فإذا بَطَل فيها بَقِيَ فيه.

2943 -

مسألة: (وإذا قال لعبدِه: أنت حُرٌّ وعليك ألْفٌ. أو: على ألْفٍ. عَتَق، ولا شيءَ عليه. وعنه، إن لم يَقْبَلْ لم يَعْتِقْ)

إذا قال لعبدِه: أنت حُرٌّ وعليك ألْفٌ.
عَتَق، ولا شيءَ عليه؛ لأنَّه أعْتَقَه بغيرِ173174

الحديث: 2943 - الجزء: 19 - الصفحة: 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شَرْطٍ، وجَعَل عليه عِوَضًا لم يَقْبَلْه، فعَتَقَ، ولم يَلْزَمْه الألْفُ.
هكذا ذَكَر المتأخِّرُون مِن أصْحابِنا.
ونَقل جعفرُ بنُ محمدٍ، قال: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ، قِيلَ له: إذا قال: أنت حُرٌّ وعليك ألفُ دِرْهَمٍ.
فقال: جَيِّدٌ 175. قِيلَ له: فإن لم يَرْضَ العَبْدُ؟ قال: لا يَعْتِقُ، إنَّما قال له على أن يُؤَدِّيَ إليه ألفًا، فإن لم يَؤُدِّ فلا شيءَ.
فإن قال: أنت حُرٌّ على ألْفٍ.
فكذلك في إحْدَى الرّوايَتَين؛ لأنَّ «على» ليست مِن أدَواتِ الشَّرْطِ ولا البَدَلِ، فأشْبَهَ قولَه: وعليك ألْفٌ.
والثانيةُ، إن قَبِل العَبْدُ 176 عَتَق ولَزِمَتْه الألْفُ، وإن لم يَقْبَلْ لم 177 يَعْتِقْ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي

الجزء: 19 - الصفحة: 97

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حنيفةَ.
وهذه الرِّوايَةُ هي الصَّحيحةُ؛ لأنَّه أعْتَقَه بعِوَضٍ، فلم يَعْتِقْ بدُونِ قَبُولِه، كما لو قال: أنت حُرٌّ بألْفٍ.
ولأنَّ «على» تُسْتَعْمَلُ للشَّرْطِ والعِوَضِ، قال اللهُ تعالى: ﴿قَال لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ 178. وقال: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَينَنَا وَبَينَهُمْ سَدًّا﴾ 179. وقال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ 180. ولو قال في النِّكاحِ: زَوَّجْتُكَ فُلَانَةَ ابْنَتِي على خَمْسِمائةِ دِرْهَمٍ.
فقال الآخَرُ: قَبِلْت.
صَحَّ 181 النِّكاحُ، ووَجَبَ الصَّداقُ.

الجزء: 19 - الصفحة: 98

وَإنْ قَال: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَنْ تَخْدِمَنِي سَنَةً.
فَكَذَلِكَ.
وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَقْبَلْ لَمْ يَعْتِقْ.
رِوَايَةً وَاحِدَةً.

2944 - مسألة: (وإن قال: أنت حُرٌّ على أن تَخْدِمَني سَنَةً. فكذلك. وقِيلَ: إن لم يَقْبَلْ لم يَعْتِقْ. رِوايَةً واحِدَةً)

فعلى هذا، إذا قَبِل العَبْدُ عَتَق في الحالِ، ولَزِمَتْه خِدْمَتُه سنةً.
فإن مات السَّيِّدُ قبلَ كمالِ السَّنَةِ رُجِع على العبدِ بقِيمَةِ ما بَقِيَ مِن الخِدْمَةِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تُقَسَّطُ قِيمَةُ العَبدِ على خِدْمَةِ السَّنَةِ، فيُسْقَطُ منها بقَدْرِ ما مَضَى،

الحديث: 2944 - الجزء: 19 - الصفحة: 99

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويُرْجَعُ عليه بما بَقِيَ مِن قِيمَتِه.
ولَنا، أنَّ العِتْقَ عَقْدٌ لا يَلْحَقُه الفَسْخُ، فإذا تَعَذَّر فيه اسْتِيفاءُ العِوَضِ رُجِع إلى قِيمَتِه، كالخُلْعِ في النِّكاحِ، والصُّلْحِ في دَمِ العمدِ 182. فإن قال: أنْتَ حُرٌّ على أن تُعْطِيَنِي ألْفًا.
فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَعْتِقُ حتى يَقْبَلَ.
فإذا قَبِل عَتق ولَزِمَتْه الألْفُ.
فأمّا إن قال: أنتَ حُرٌّ بألْفٍ.
لم يَعْتِقْ حتى يَقْبَلَ، وتَلْزَمُه الألْفُ.

الجزء: 19 - الصفحة: 100

فصْلٌ: وَإِذَا قَال: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ.
عَتَقَ عَلَيهِ مُدَبَّرُوهُ، وَمُكَاتَبُوهُ، وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ، وَشِقْصٌ يَمْلِكُهُ.
فصل: قال، رَضِيَ الله عنه: (وإذا قال: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِيَ حُرٌّ.
عَتَق عَلَيه مُكَاتَبُوهُ، وَمُدَبَّروهُ، وَأُمَّهاتُ أوْلادِه، وشِقْصٌ يَمْلِكُه) لأنَّ لَفْظَه عامٌّ فيهم، فعَتَقوا، كما لو عَيَّنَهُم.
وذَكَر ابنُ أبي مُوسَى في «الإِرْشادِ»، أنَّ الشِّقْصَ لا يَعْتِقُ إلَّا أن يَنْويَه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُه كُلَّه.
والأوَّلُ المَذْهَبُ.

الجزء: 19 - الصفحة: 102

وَإِنْ قَال: أَحَدُ عَبْدَيَّ حُرٌّ.
أُقْرِعَ بَينَهُمَا، فَمَنْ تَقَعُ عَلَيهِ القُرْعَةُ فَهُوَ حُرٌّ مِنْ حِينَ أَعْتَقَهُ.

2945 - مسألة: (وإن قال: أحَدُ عَبْدَيَّ حُرٌّ. أُقْرِعَ بَينَهما، فمَن وَقَعَتْ له القُرْعَةُ فهو حُرٌّ مِن حِينَ أعْتَقَه)

إذا قال: أحَدُ عَبْدَيَّ حُرٌّ.
ولم يَنْو واحدًا بعَينِه، عَتَق أحَدُهم بالْقُرْعَةِ، وليس للسَّيِّدِ التَّعْيِينُ، ولا

الحديث: 2945 - الجزء: 19 - الصفحة: 103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للوارِثِ بعدَه.
فإن قال: أرَدْتُ هذا بعَينِه.
قُبِل منه، وعَتَق؛ لأنَّ ذلك إنَّما يُعْرَفُ مِن جِهَتِه.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: للمُعْتِقِ التَّعْيِينُ، ويُطالبُ بذلك، فيَعْتِقُ مَن عَيَّنَهَ وإن لم يكُنْ نَواه حالةَ القَوْلِ، وإذا عَتَق بتَعْيِينِه فليسَ لسائِرِ العَبيدِ الاعتراضُ عليه؛ لأنَّ له تَعْيِينَ العِتْقِ ابْتِداءً، فإذا أوْقَعَه غَيرَ مُعَيَّنٍ، كان له تَعْيِينُه، كالطَّلاقِ.
ولَنا، أنَّ مُسْتَحِقَّ العِتْقِ غير مُعَيَّنٍ، فلم يَمْلِكْ تَعْيِينَه، ووَجَبَ أن يُمَيَّزَ بالقرْعَةِ، كما لو أعْتَقَ الجميعَ في مَرضِه ولم يَخْرجوا مِن الثُّلُثِ، وكما لو أعْتَقَ مُعَيَّنًا ثم نَسِيَه، والطَّلاقُ كمَسألَتِنا.
فإن مات المُعْتِقُ ولم يُعَيِّنْ،

الجزء: 19 - الصفحة: 104

وَإِنْ مَاتَ أَقْرَعَ الْوَرَثَةُ.
فالحُكْمُ عندَنا لا يَخْتَلِفُ، وليس للوَرَثَةِ التَّعْيِينُ، بل يُخْرَجُ المُعْتَقُ (4) بالقُرْعَةِ.
وقد نَصَّ الشافعيُّ على هذا إذا قالوا: لا نَدْرِي أيَّهم أعْتَقَ.
وقال أبو حنيفةَ: لهمُ التَّعْيِينُ؛ لأنَّهم يقُومون مَقامَ موْرُوثِهم.
وقد سَبَق الكلامُ في المُعْتَقِ 183. فصل: ولو أعْتَقَ إحْدَى إمائِه [غيرَ معيَّنةٍ] 184، ثم وَطِئَ إحْداهُنَّ، لم يَتَعيَّنِ الرِّقُ فيها.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: يَتَعَيَّنُ الرِّقُ فيها.
لأنَّ الحُرِّيَّةَ عندَه تَتَعَيَّنُ بتَعْيينِه، ووَطْؤُه دليلٌ على تَعْيينِه.
وقد سَبَق الكلامُ معه.
فصل 185: وقَوْلُه: مِن حينَ أعتَقَه.
يُريدُ أنَّ العَبْدَ إن كان اكْتَسبَ مَالًا بعدَ 186 العِتْقِ، فهو له دُونَ سَيِّدِه؛ لأنَّا تَبَيَّنّا 187 أنَّه اكْتَسَبَه في حالِ الحُرِّيَّةِ.

2946 -

[مسألة: (فإن مات أقْرَعَ الوَرَثَةُ) لِما ذَكَرْنا.
في المُعْتَقِ]

188.

الحديث: 2946 - الجزء: 19 - الصفحة: 105

وَإِنْ مَاتَ أَحدُ الْعَبْدَينِ أُقْرِعَ بَينَهُ وَبَينَ الْحَيِّ.

2947 - مسألة: (وإِن مات أحَدُ العَبْدَينِ أُقْرِعَ بَينَه وبينَ الحيِّ)

فإن وقَعَتِ القُرْعَةُ على المَيِّتِ حسَبْناه مِن التَّرِكَةِ، وقَوَّمْناه حينَ الاعْتاقِ، سواءٌ مات في حياةِ سَيِّدِه أو بعدَه قَبْلَ القُرْعَةِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال مالكٌ: إن ماتَ قبلَ مَوْت سَيِّدِه، فالحيُّ جميعُ التركةِ، لا يَعْتِقُ إلَّا ثُلُثُه، ولا يُعتَبَرُ الميِّتُ؛ لأنَّه ليس بمحْسُوبٍ مِن التَّرِكَةِ، ولهذا لو أعْتَقَ الحيَّ بعدَ مَوْتِه لأعْتَقْنا ثُلُثَه.
ولَنا، أنَّ المَيِّتَ أحدُ المُعْتَقَين، فوَجَبَ أن يُقْرَعَ بينَه وبينَ الحيِّ، كما لو مات بعدَ سَيِّدِه، ولأنَّ المَقْصُودَ مِن العِتْقِ تَحْصِيلُ ثَوابِه، وهو يَحْصُلُ في حَقِّ المَيِّتِ، فيَدْخُلُ في القُرْعَةِ، كالذي مات بعدَ سيِّدِه.
فعلى هذا، إنْ خَرَجَتِ القُرْعَةُ على المَيِّتِ حَسَبْناه مِن التَّرِكَةِ، وقَوَّمْناه حينَ الإِعْتاقِ؛ لأنَّه حينُ الإِتْلافِ.
وإن وقَعَتْ على الحيِّ، نَظَرْتَ في المَيِّتِ؛ فإن كان مَوْتُه قبلَ مَوتِ سَيِّدِه، أو بعدَه قبلَ قَبْضِ الوارِثِ له، لم نَحْسُبْه مِن التَّرِكَةِ؛ لأنَّه لم يَصِلْ إلى الوارِثِ، فتكونُ التَّرِكَةُ الحيَّ وَحْدَه، فيَعْتِقُ ثُلُثُه، وتُعْتَبَرُ قِيمَتُه حينَ الإِعْتاقِ؛ لأنَّه حينُ إتْلافِه، وتُعْتَبَرُ قِيمَةُ التَّرِكَةِ بأقَلِّ الأمْرَينِ مِن حينِ الموتِ إلى حينِ قَبْضِ الوارِثِ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ تَجَدَّدَت على مِلْكِ الوارثِ، فلم تُحْسَبْ عليه مِن التَّرِكَةِ، والنُّقْصانُ قبلَ القَبْضِ، فلم يَحْصُلْ له، فأشْبَهَ الشارِدَ والآبِقَ، وإنَّما يُحْسَبُ عليه ما حَصَل في يَدَيهِ، ولا يُحْسَبُ المَيِّتُ مِن التَّرِكَةِ؛ لأنَّه

الحديث: 2947 - الجزء: 19 - الصفحة: 106

وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدًا ثُمَّ أُنْسِيَهُ، أَخْرَجَ بِالْقُرْعَةِ.
[ما وَصَل إلى الوَرثَةِ، وإن كان مَوْتُه بعدَ قَبْضِ الوَرَثَةِ له، حُسِب مِن التَّرِكَةِ؛ لأنَّه] (1) وَصَلَ إليهم، وجَعَلْناه كالحيِّ في تَقْويمِه معه، والحُكْمِ بإعْتاقِه إن وقَعَتِ القُرْعَةُ عليه، أو مِن الثُّلُثَين إن وقَعَتِ القُرْعَةُ على غِيرِه، وتُحْسَبُ قِيمَتُه أقَلَّ الأمْرَين مِن حينِ مَوْتِ سَيِّدِه إلى حينِ قَبْضِه.
فصل: فإن دَبَّرَ ثَلاثةَ أعْبُدٍ، أو وَصَّى بعِتْقِهم، فماتَ أحَدُهم في حَياتِه، بَطَل تَدْبِيرُه والوَصيَّةُ فيه، وأُقْرِعَ بينَ الحَيَّين، وأُعْتِقَ مِن أحَدِهما ثُلُثُهما؛ لأنَّ المَيِّتَ لا يُمْكِنُ الحُكْمُ بوُقوعِ العِتْقِ فيه، لكَوْنِه مات قبلَ الوقتِ الذي يَعْتِقُ فيه، وقبلَ تَحَقُّقِ شَرْطِ العِتْقِ، بخِلافِ التي قبلَها، فإنَّ العِتْقَ حَصَل مِن حينِ الإِعْتاقِ، وإنَّما القُرْعَةُ تُبَيِّنُه وتَكْشِفُه، ولهذا يُحْكَمُ بعِتْقِه مِن حينِ الإِعْتاقِ، ويكونُ كَسْبُه له، وحُكْمُه حُكْمُ الأحْرارِ في سائِرِ أحْوالِه.
وإن مات المُدَبَّرُ بعدَ مَوْتِ سَيِّدِه أُقْرِعَ بينَه وبينَ الأحْياءِ؛ لأنَّ العِتْقَ حَصَل مِن حينِ موتِ السَّيِّدِ.

2948 -

مسألة: (وإنْ أعْتَقَ عَبْدًا وأُنْسِيَه، أَخْرَجَ بالقُرْعَةِ)

هذا قياسُ قولِ أحمدَ.
وهو قولُ اللَّيثِ.
وقال الشافعيُّ: يَقِفُ الأمْرُ حتى يَذْكُرَ، فإن مات قبلَ أن يُبَيِّنَ أَقْرَعَ الوَرَثَةُ بينَهم.
وقال ابنُ وَهْبٍ: يَعْتِقُونَ189

الحديث: 2948 - الجزء: 19 - الصفحة: 107

فَإِنْ عَلِمَ بَعْدَهَا أَنَّ الْمُعْتَقَ غَيرُهُ، عَتَقَ.
وَهَلْ يَبْطُلُ عِتْقُ الْأوَّلِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
كُلُّهم.
وقال مالكٌ: إنْ أعْتَقَ عَبْدًا له، ومات ولم يُبَيِّنْ، وكانوا ثلاثةً، عَتَق منهم بقَدْرِ ثُلُثِهم، وإنْ كانوا أربعةً، عَتَق منهم بقَدْرِ رُبْعِ قِيمَتِهم.
وعلى هذا، فيُقْرَعُ بينَهم، فإن خرَجَتِ القُرْعَةُ على مَن قِيمَتُه أقَلُّ بِن الرُّبْعِ أُعِيدَتِ القُرْعَةُ حتى يَكْمُلَ.
وقال أصْحابُ الرَّأْي: إن قال الشُّهودُ: نَشْهَدُ أنَّ فُلانًا أعْتَقَ [أحدَ عَبِيدِه ولم يُسَمِّ.
عَتَق ثُلُثُ كلِّ واحدٍ، وسَعَى في باقِيه، أو رُبْعُ كلِّ واحدٍ منهم إن كانوا أرْبَعَةً.
وإن قالوا: نَشْهَدُ أنَّ فُلانًا أعْتَقَ] (1) بَعْضَ عَبِيدِه ونَسِيناه.
فشهادَتُهم باطِلَةٌ.
ونحوُ هذا قولُ الشَّعْبِيِّ، والأوْزاعِيِّ، ولم يَذْكُروا ما ذَكَرَه أصْحابُ الرَّأْي في الشَّهادَةِ.
ولَنا، أنَّ مُسْتَحِقَّ العِتْقِ غَيرُ مُعَيَّنٍ، فأشْبَهَ ما لو أعْتَقَ جَمِيعَهم في مَرَضِ مَوْتِه.

2949 -

مسألة: (فإن عَلِم بعدُ أنَّ المُعْتَقَ غيرُه، عَتَق. وهل يَبْطُلُ عِتْقُ الأوَّل؟ على وَجْهَين)

أحَدُهما، يَبْطُلُ ويُرَدُّ إلى الرِّقِّ، ويَعْتِقُ الذي عَيَّنَه؛ لأنَّه تَبَيَّنَ له المُعْتَقُ، فيَعْتِقُ دُونَ غيرِه، كما لو لم يُقْرَعْ.190

الحديث: 2949 - الجزء: 19 - الصفحة: 108

فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ، اعْتُبِرَ مِنْ ثُلُثِهِ.
والثانِي، يَعْتِقان معًا.
قاله اللَّيثُ، ومُقْتَضَى قولِ ابنِ حامِدٍ؛ لأنَّ الأوَّلَ ثَبَتَتِ الحريةُ فيه بالقُرْعَةِ، فلا تَزُولُ، كسائِرِ الأحْرارِ، ولأنَّ قَوْلَ المُعْتِقِ: ذَكَرْتُ مَن كُنْتُ نَسِيتُه.
يَتَضَمَّنُ إقْرارَه بحُرِّيَّةِ مَن ذَكَره وإقرارًا على غيرِه، فقُبِلَ إقرارُه على نَفْسِه دُونَ غيرِه.
أمّا إذا لم يُقْرَعْ، فإنَّه يُقْبَلُ قَوْلُه، فيَعْتِقُ مَن عَيَّنَهَ، ويَرِقُّ غيرُه، فإذا قال: أعْتَقْتُ هذا.
عَتَق، ورَقَّ الباقُونَ، وإن قال: أعْتَقْتُ هذا، لا بَلْ هذا.
عَتَقا جميعًا؛ لأنَّه أقرَّ بعِتْقِ الأوَّلِ، فلَزِمَه، ثم أقرَّ بعِتْقِ الثانِي، فلَزِمَه، ولم يُقْبَلْ رُجُوعُه عن إقرارِه الأوَّلِ.
وكذلك الحُكْمُ في إقْرارِ الوارِثِ.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (وإنْ أعْتَقَ في مَرَضِ مَوْتِه، ولم يُجِزِ الوَرَثَةُ، اعْتُبِرَ مِن ثُلُثِه) إذا أعْتَقَ في مَرَضِ المَوْتِ المَخُوفِ، اعْتُبِرَ مِن الثُّلُثِ إذا لم يُجِزِ الوَرَثَةُ، وكذلك التَّدْبِيرُ، والوَصِيَّةُ بالعِتْقِ؛

الجزء: 19 - الصفحة: 109

فَإِنْ أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ فِي مَرَضِهِ، أَوْ دَبَّرَهُ، وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُ جَمِيعَهُ، عَتَقَ جَمِيعُهُ.
وَعَنْهُ، لَا يَعْتِقُ إلا مَا أَعْتَقَ.
لأنَّه تَبَرُّعٌ بمالٍ، أشْبَهَ الهِبَةَ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُجِزْ مِن عِتْقِ الذي أعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِين في مَرَضِه إلَّا ثُلُثَهم (1). وما زادَ على الثُّلُثِ، إن أجازُوه جاز (2)، فإن رَدُّوه بَطَل؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، فجازَ بإجازَتهم وبَطَل برَدِّهم.

2950 -

مسألة: (وإن أعْتَقَ جُزْءًا مِن عبدِه، أو دَبَّرَه)

وهو أن يقولَ: إذا مِتُّ فنِصْفُ عَبْدِي حُرٌّ.
ثم ماتَ، فإن كان النِّصْفُ المُدَبَّرُ ثُلُثَ مالِه مِن غيرِ زِيادةٍ، عَتَق، ولم يَسْرِ؛ لأنَّه لو دَبَّرَه كلَّه لم يَعْتِقْ منه إلَّا ثُلُثُه، فإذا لم يُدَبِّرْ إلَّا ثُلُثَه كان أوْلَى.
وإن كان العَبْدُ كلُّه يَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، ففي تَكْمِيلِ الحُرِّيَّةِ رِوايتَان؛ إحْداهما، تُكمَّلُ.
وهو قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ منهم أبو حنيفةَ وأصْحابُه؛ لأنَّهم يَرَوْن التَّدْبِيرَ كالعِتْقِ في191192

الحديث: 2950 - الجزء: 19 - الصفحة: 110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  السِّرايَةِ.
وهو أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّه [إعْتاقٌ لبعضِ] 193 عبدِه، فعَتَقَ جَمِيعُه، كما لو أعْتَقَه في حياتِه.
والثانِيةُ، لا يُكَمَّلُ العِتْقُ فيه؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ جَوازَ البَيعِ، فلم يَسْرِ، كتَعْلِيقِه بالصِّفَةِ في الحياةِ.
فأمّا إن أعْتَقَ بعضَ عَبدِه في مَرَضِه، فهو كعِتْقِ جَمِيعِه، إن خرَج مِن الثُّلُثِ عَتَق جَمِيعُه، وإلَّا عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلُثِ؛ لأنَّ الإِعْتاقَ في المَرَضِ كالإِعْتاقِ في الصحَّةِ، إلَّا في اعْتِبارِه مِن الثُّلُثِ.
وتَصَرُّفُ المريضِ في ثُلُثِه في حَقِّ الأجْنَبِيِّ كتصرُّفِ الصحيحِ في جميعِ مالِه.
(وعنه، لا يَعْتِقُ منه إلَّا ما أعْتَقَ) كما لو أعْتَقَ شِرْكًا له في عبدٍ وثُلُثُه يَحْتَمِلُ جَمِيعَه.
فصل: وإذا دَبَّرَ أحَدُ الشَّرِيكَين نَصِيبَه صَحَّ، ولم يَلْزَمْه لشَرِيكِه في الحالِ شيءٌ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
فإذا ماتَ عَتَق الجُزءُ المُدبَّرُ إذا خَرَج مِن ثُلُثِه.
وفي سِرايَتِه إلى نَصِيبِ الشَّرِيكِ ما ذَكَرْنا في المسألةِ قبلَها.
وقال مالكٌ: إذا دَبَّرَ نَصِيبَه تَقاوَماه، فإن صار للمُدَبِّرِ، صار مُدَبَّرًا كُلُّه، وإن

الجزء: 19 - الصفحة: 111

وَإِنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، أَوْ دَبَّرَهُ، وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُ بَاقِيَه، أُعْطِيَ الشَّرِيكُ، وَكَانَ جَمِيعُهُ حُرًّا، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
وَالْأُخْرَى، لَا يَعْتِقُ إلا مَا مَلَكَ مِنْهُ.
صار للآخَرِ، صارَ رَقِيقًا كلُّه.
وقال اللَّيثُ: يَغْرَمُ المُدَبِّرُ لشَرِيكِه قِيمَةَ نَصِيبِه، ويَصِيرُ العبدُ كلُّه مُدَبَّرا، فإن لم يكُنْ له مالٌ، سَعَى العبدُ في قِيمَةِ نَصِيبِ الشَّريكِ، فإذا أدَّاها، صار مُدَبَّرًا كلُّه.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَضْمَنُ المُدَبِّرُ للشَّرِيكِ قِيمَةَ حَقِّه، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا، ويَصِيرُ المُدَبَّرُ له.
وقال أبو حنيفةَ: الشَّرِيكُ بالخِيارِ؛ إن شاء دَبَّرَ، وإن شاء أعْتَقَ، وإن شاء اسْتَسْعَى العَبْدَ، وإن شاء ضَمَّنَ صاحِبَه إن كان مُوسِرًا.
ولَنا، أنَّه تَعْلِيقُ العِتْقِ على صِفَةٍ، فصَحَّ في نَصِيبِه، كما لو عَلَّقَه بمَوْتِ شَرِيكِه.

2951 -

مسألة: (وإن أعْتَقَ في مَرَضِه شِرْكًا له في عبدٍ، أو دَبَّرَهُ، وثُلُثُه يَحْتَمِلُ باقِيَه، أُعْطِيَ الشَّرِيكُ، وكان جَمِيعُه حُرًّا، في إحْدَى الرِّوايَتَين.
والأُخْرَى، لا يَعْتِقُ إلَّا ما مَلَك منه)

وجُمْلَتُه، أنَّه إذا مَلَك شِقْصًا مِن عبدٍ، فأعْتَقَه في مَرَضِ مَوْتِه، أو دَبَّرَه، أو وَصَّى بعِتْقِه، ثم

الحديث: 2951 - الجزء: 19 - الصفحة: 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مات، ولم يَفِ ثُلُثُ مالِه بقِيمَةِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ، لم يَعْتِقْ إلَّا نَصِيبُه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه، إلَّا قَوْلًا شاذًّا، أو قولَ مَن يَرَى السِّعايَةَ؛ وذلك لأنَّه ليس له مِن مالِه إلَّا الثُّلُثُ الذي اسْتَغْرَقَتْه قِيمَةُ الشِّقْصِ، فيَبْقَى مُعْسِرًا، بمَنْزِلَةِ مَن أعْتَقَ في صِحَّتِه شِقْصًا وهو مُعْسِرٌ.
فإن كان ثُلُثُ مالِه يَفِي بقِيمَةِ حِصَّةِ شَريكِه، سَرَى إلى نَصِيبِ الشَّرِيكِ -في إحْدَى الرِّوايَتَين- فيَعْتِقُ العَبْدُ كُلُّه، ويُعْطَى الشَّرِيكُ قِيمَةَ نَصِيبِه مِن الثُّلُثِ؛ لأنَّ مِلْكَ المُعْتِقِ لثُلُثِ المالِ تامٌّ، له التَّصَرُّفُ فيه بالتَّبَرُّعِ وغيرِه، فهو كمالِ الصَّحيحِ، فأشْبَهَ عِتْقَ الصَّحيحِ المُوسِرِ.
والثانِيةُ، لا يَعْتِقُ إلَّا حِصَّتُه؛ لأنَّ مِلْكَه يَزُولُ إلى وَرَثَتِه بمَوْتِه، فلا يَبْقَى شيءٌ يُقْضَى منه الشَّرِيكُ.
وبه قال الأوْزاعِيُّ.
وقال القاضي: ما أعْتَقَه في مَرَضِ مَوْتِه سَرَى، وما دَبَّرَه أو وَصَّى بعِتْقِه لم يَسْرِ، فالرِّوايَةُ في سِرايَةِ العِتْقِ في حالِ الحياةِ أصَحُّ، والروايةُ في وُقُوفِه في التُّدْبِيرِ أصَحُّ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ العِتْقَ في الحياةِ يَنْفُذُ في حالِ مِلْكِ المُعْتِقِ وصِحَّةِ تَصَرُّفِه، وتَصَرُّفُه في ثُلُثِه كتَصَرُّفِ الصحيحِ في مالِه كُلِّه، فأمّا التَّدْبِيرُ والوَصيَّةُ، فإنَّما يَحْصُلُ العِتْقُ به في حالِ زَوالِ مِلْكِ المُعْتِقِ وتَصَرُّفاتِه.

الجزء: 19 - الصفحة: 113

وَلَوْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ، وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُهُمْ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيهِ دَينٌ يَسْتَغْرِقُهُمْ، بِيعُوا فِي دَينِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ ثُلُثُهُمْ.

2952 - مسألة: (وإن أعْتَقَ في مَرَضِه سِتَّةَ أعْبُدٍ قِيمَتُهم سواءٌ، وثُلُثُه يَحْتَمِلُهم، ثم ظَهر عليه دَينٌ يَسْتَغْرِقُهم، بِيعُوا في دَينِه. ويَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَ ثُلُثُهم)

وجملةُ ذلك، أنَّ المريضَ إذا أعْتَقَ عَبِيدَه في مَرَضِه، أو دَبَّرَهم، أو وَصَّى بعِتْقِهم، وهم يَخْرُجونَ مِن ثُلُثِه في الظّاهِرِ، فأعْتَقْناهم، ثم مات، فظَهَرَ عليه دَينٌ يَسْتَغْرِقُهم، تَبَيَّنًا بُطْلانَ عِتْقِهم وبَقاءَ رِقِّهِم، فيُباعُون في الدَّينِ، ويكونُ عِتْقُهم وَصِيَّةً، والدَّينُ يُقَدَّمُ على الوَصِيَّةِ.
قال عليٌّ، رَضِيَ اللهُ عنه: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى بالدَّينِ قبلَ الوصِيَّةِ 194. ولأنَّ الدَّينَ يُقَدَّمُ على المِيراثِ بالاتِّفاقِ، ولهذا تُباعُ التَّرِكةُ في قَضَاءِ الدَّينِ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ 195. والمِيراثُ مُقَدَّمٌ على الوَصِيَّةِ في الثُّلُثَين، فما يُقَدَّمُ على المِيراثِ يَجبُ أن يُقَدَّمَ على الوَصِيَّةِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
ورَدَّ ابنُ أبي لَيلَى عَبْدًا أعْتَقَه سَيِّدُه عندَ المَوْتِ وعليه دَينٌ.
قال أحمدُ: أحْسَنَ ابنُ أبي لَيلَى.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ رِوايةً أُخْرَي، في الذي يُعْتِقُ عَبْدَه في مَرَضِه

الحديث: 2952 - الجزء: 19 - الصفحة: 114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعليه دَينٌ، أنَّه يَعْتِقُ منه بقَدْرِ الثُّلُثِ، ويُرَدُّ الباقِي؛ لأنَّ تَصَرُّفَ المريضِ في ثُلُثِه كتَصَرُّفِ الصحيحِ في جميعِ مالِه، وكما لو لم يكُنْ عليه دَينٌ.
وقال قَتادَةُ، وأبو حنيفةَ، وإسحاقُ: يَسْعَى العَبْدُ في قِيمَتِه.
ولَنا، أنَّه تَبَرَّعَ في مَرَضِ مَوْتِه بما يُعْتَبَرُ خُرُوجُه مِن الثُّلُثِ، فقُدِّمَ عليه الدَّينُ، كالهِبَةِ، ولأنَّه مُعْتَبَرٌ مِن الثُّلُثِ، فقُدِّمَ عليه الدَّينُ، كالوَصِيَّةِ.
وخَفاءُ الدَّينِ لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِه، ولهذا يَمْلِكُ الغَرِيمُ اسْتِيفاءَه.
فتَبَيَّنَ أنَّه أعْتَقَهُم وقد اسْتَحَقَّهُم الغَرِيمُ بدَينِه، فلم يَنْفُذْ عِتْقُه، كما لو أعْتَقَ مِلْكَ غيرِه.
فإن قال الوَرَثةُ: نحنُ نَقْضِي الدَّينَ ونُمْضِي العِتْقَ.
لم يَنْفُذْ، في أحَدِ الوَجْهَين، حتى يَبْتَدِئُوا العِتْقَ؛ لأنَّ الدَّينَ كان مانِعًا منه، فيكونُ باطلًا، ولا يَصِحُّ بزَوالِ المانِعِ بعدَه.
والثانِي، يَنْفُذُ العِتْقُ؛ لأنَّ المانِعَ منه إنَّما هو الدَّينُ، فإذا سَقَط وَجَب نُفُوذُه، كما لو أسْقَطَ الورَثةُ حُقُوقَهم مِن ثُلُثَيِ التَّرِكَةِ، نَفَذ 196 العِتْقُ في الجَميعِ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان، كهَذين.
وقِيلَ: إنَّ أصْلَ الوَجْهَين، إذا تَصَرَّفَ الوَرَثَةُ في التَّرِكَةِ ببَيعٍ أو غيرِه وعلى المَيِّتِ دَينٌ، وقُضِيَ الدَّينُ، هل يَنْفُذُ؟ فيه وَجْهان.

الجزء: 19 - الصفحة: 115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن أعْتَقَ المريضُ ثَلاثَةَ أعْبُدٍ لا مال له غيرُهم، فأقْرَعَ الوَرَثَةُ، فأعْتَقُوا واحدًا وأرَقُّوا اثْنَين، ثم ظَهَر عليه دَينٌ يَسْتَغْرِقُ نِصْفهم، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَبْطُلُ القُرْعَةُ؛ لأنَّ الدَّينَ شَرِيكٌ في الإِقْراعِ، فإذا حَصَلَتِ القِسْمَةُ مع عَدَمِه كانت باطِلةً، كما لو قَسَم شَرِيكان دُونَ شَرِيكِهما الثّالِثِ.
والثانِي، يَصِحُّ الإِقْراعُ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ إمْضاءُ القِسْمَةِ وإفْرادُ حِصَّةِ الدَّينِ مِن كلِّ واحدٍ مِن النَّصِيبَين؛ لأنَّ القُرْعَةَ دَخَلَتْ لأجْلِ العِتْقِ دونَ الدَّينِ، فيُقالُ للوَرَثَةِ: اقْضُوا ثُلُثَيِ الدَّينِ.
وهو بقَدْرِ قِيمَةِ نِصْفِ العَبْدَين اللَّذَين بَقِيَا؛ إمّا مِن العَبيدِ، وإمّا مِن غيرِهم، ويَجِبُ رَدُّ نِصْفِ العَبْدِ الذي عَتَق، فإن كان الذيَ أعْتَقَ عَبْدَين، أقْرَعْنا بينَهما، فإذا خَرَجَتِ

الجزء: 19 - الصفحة: 116

وَإِنْ أَعْتَقَهُمْ، فَأَعْتَقْنَا ثُلُثَهُمْ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ يَخْرُجُونَ مِنْ ثُلُثِهِ، عَتَقَ مَنْ أُرِقَّ مِنْهُمْ.
القُرْعَةُ على أحَدِهما، وكان بقَدْرِ السُّدْسِ مِن التَّرِكَةِ، عَتَق، وبِيعَ الآخَرُ في الدَّينِ، وإن كان أكثرَ منه، عَتَق منه بقَدرِ السُّدْسِ، وإن كان أقلَّ، عَتَق، وعَتَق مِن الآخَرِ تَمامُ السُّدْسِ.

2953 -

مسألة: (وإن أعْتَقَهم، فأعْتَقْنا ثُلُثَهم، ثم ظَهر له مالٌ يَخْرُجُون مِن ثُلُثِه، عَتَق مَن أُرِقَّ مِنْهُم)

وحملتُه، أنَّه إذا أعْتَقَ عَبِيدَه في مَرَضِه، أو دَبَّرَهم، أو وَصَّى بعِتْقِهم، لم يَعْتِقْ منهم إلَّا الثُّلُثُ، ويَرِقُّ الثُّلُثان، إذ لم يُجِزِ الورَثَةُ عِتْقَهم، فإذا فَعَلْنا ذلك، ثم ظَهَر له مالٌ بقَدْرِ مِثْلَيهم 197، تَبَيَّنا أنَّهم قد عَتَقُوا مِن حينَ أعْتَقَهم، أو مِن حينِ مَوْتِه إن كان دَبَّرَهم أو وَصَّى بعِتْقِهم؛ لأنَّ تَصَرُّفَ المريضِ في ثُلُثِ مالِه نافِذٌ، وقد بان أنَّهم ثُلُثُ مالِه، وخَفاءُ ذلك علينا لا يَمْنَعُ كَوْنَه مَوْجُودًا، فلا يَمْنَعُ كَوْنَ العِتْقِ واقعًا.
فعلى هذا، يَكونُ حُكْمُهم حُكْمَ الأحْرارِ مِن حينَ أعْتَقَهم، فيكونُ كَسْمبُهم لهم.
وإن كانوا قد تُصُرِّفَ فيهم ببَيعٍ أو هِبَةٍ أو رَهْنٍ أو تَزْويجٍ بغيرِ إذنٍ، كان باطِلًا.
وإن كانوا قد تَصَرَّفُوا، فحُكْمُ تَصَرُّفِهم حكمُ تصَرُّفِ الأحرارِ، فلو تَزَوَّجَ عَبْدٌ منهم بغيرِ إذْنِ 198 سَيِّدِه، كان نِكاحُه صَحِيحًا، ووَجَبَ عليه المَهْرُ.
وإن ظَهَر له مالٌ بقَدْرِ قِيمَتِهم،

الحديث: 2953 - الجزء: 19 - الصفحة: 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَتَق ثُلثاهُم؛ لأنَّه ثُلُثُ جميعِ المالِ، فيُقْرَعُ بينَ الذين وُقِفُوا، فيَعْتِقُ مَن تَقَعُ له القُرْعَةُ إن وَفَّى الثُّلُثان بقِيمَتِه وقِيمَةِ الأوَّلِ، وإلَّا عَتَق منه تَمامُ الثُّلُثَين.
وإن ظَهَر له مالٌ بقَدْرِ نِصْفِهم، عَتَق نِصْفُهم، وإن كان بقَدْرِ ثُلُثِهم، عَتَق أرْبعةُ أتْساعِهم، وعلى هذا الحِسابُ.
فصل: وإن وَصَّى بعِتْقِ عبدٍ له يَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، وَجَب على الوَصِيِّ إعْتاقُه، فإن وَصَّى بذلك ورَثَتَه لَزِمَهم إعْتاقُه، فإنِ امْتَنَعُوا أجْبَرَهم السُّلْطانُ أو مَن يَنوبُ مَنابَه كالحاكِمِ؛ لأنَّ هذا حَقٌّ للهِ تعالى وللعَبْدِ، ومَن وَجَب عليه ذلك ناب السُّلطانُ عنه أو نائِبُه، كالزَّكاةِ والدُّيونِ.
فإذا أعْتَقَه الوارِثُ أو السلطانُ عَتَق، وما اكْتَسَبَه في حياةِ المُوصِي فهو للمُوصِي، يكونُ مِن تَرِكَتِه إن بَقِيَ بعدَه؛ لأنَّه كَسْبُ عبدِه القِنِّ، وما كَسَبَه بعدَ موتِه وقبلَ إعْتاقِه فهو للوارِثِ.
وقال القاضِي: هو للعَبْدِ؛ لأَنَّه كَسَبَه بعدَ اسْتِقْرارِ سَبَبِ العِتْقِ، فكانْ له، ككَسْبِ المُكاتَبِ.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: فيه قَوْلان، مَبْنِيَّان على القَوْلَين في كَسْبِ العَبْدِ المُوصَى به قبلَ قَبولِ الوَصِيَّةِ 199. ولَنا، أنَّه عَبدٌ قِنٌّ، فكان كَسْبُه للوَرَثةِ، كغيرِ المُوصَى بعِتْقِه، وكالمُعَلَّقِ عِتْقُه بصِفَةٍ، وفارَقَ المُكاتَبَ؛ فإنَّه يَمْلِكُ كَسْبَه قبلَ عِتْقِه، فكذلك بعدَه، ويَبْطُلُ ما ذَكَرُوه بأُمِّ الوَلَدِ؛ فإنَّ عِتْقَها قد اسْتَقَرَّ سَبَبُه في حياةِ سَيِّدِها، وَكَسْبُها

الجزء: 19 - الصفحة: 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له، والمُوصَى به مَمْنُوعٌ، وإن سَلَّمْناه، فالفَرْقُ بينَهما أنَّ المُوصَى به قد تَحَقَّقَ فيه سَبَبُ المِلْكِ، وإنَّما وُقِفَ على شَرْطٍ هو القَبولُ، فإذا وُجِدَ الشَّرْطُ اسْتَنَدَ الحُكْمُ إلى ابْتداءِ السَّبَبِ، وفي الوَصِيَّةِ بالعِتْقِ ما وُجِد السَّبَبُ، وإنَّما أوْصَى بإيجادِه، وهو العِتْقُ، فإذا وُجِد لم يَجُزْ أن يَثْبُتَ حُكْمُه سابقًا عليه، ولهذا يَمْلِكُ المُوصَى له القَبُولَ 200 بنَفْسِه.
والعبدُ ههُنا لا يَمْلِكُ أن يُعْتِقَ نَفْسَه.
فإن مات العبدُ قبلَ مَوْتِ سَيِّدِه، وقبلَ إعْتاقِه، فما كَسَبَه للوَرَثَةِ على قَوْلِنا، ولا نعلمُ قولَ مُخالِفِينا فيه.
فصل: فإن عَلَّقَ عِتْقَ عبدِه على شَرْطٍ في صِحَّتِه، فوُجِدَ في مَرَضِه، اعْتُبِرَ خُرُوجُه مِن الثُّلُثِ.
قاله أبو بكرٍ، قال 201: وقد نَصَّ أحمدُ على مِثْلِ هذا في الطَّلاقِ.
وقال أبو الخَطَّاب: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَعْتِقُ مِن رأسِ المالِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأَنَّه لا (2) يُتَّهَمُ فيه، فأشْبَهَ العِتْقَ في صِحَّتِه.
ولَنا، أنَّه عَتَق في حالِ تَعَلُّقِ حَقِّ الوَرَثَةِ بثُلُثَيْ مالِه، فاعْتُبِرَ مِن الثُّلُثِ، كالمُنْجَزِ.
وقَوْلُهمْ لا يُتَّهَمُ فيه.
قُلْنا: وكذلك العِتْقُ المُنْجَزُ لا يُتَّهَمُ فيه؛ فإنَّ الإنْسانَ لا يُتّهَمُ بمُحاباةِ غيرِ الوارثِ وتَقْدِيمِه على وارِثِه، وإنَّما مُنِع منه لِما فيه مِن الضَّرَرِ بالوَرَثَةِ، وهو حاصِلٌ ههُنا.
ولو قال: إذا قَدِم زَيدٌ وأنا مَرِيضٌ فأنْتَ حُرٌّ.
فقَدِمَ وهو مَرِيضٌ، كان مُعْتَبَرًا مِن الثُّلُثِ، وَجْهًا واحِدًا.

الجزء: 19 - الصفحة: 119

وَإنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ جَزَّأنَاهُمْ ثَلَاثَةَ أجْزاءٍ؛ كُلَّ اثْنَينِ جُزْءًا، وَأَقْرَعْنَا بَينَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَسَهْمَيْ رِقٍّ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ عَتَقَ، وَرَقَّ الْبَاقُونَ.

2954 - مسألة: (وإن لم يَظْهَرْ له مالٌ جَزَّأْناهم ثلاثَةَ أجْزاءٍ؛ كلَّ اثْنَين جُزْءًا، وأقْرَعْنا بينَهم بسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وسَهْمَيْ رِقٍّ، فمن خَرَج له سَهْمُ الحرِّيَّةِ عَتَق، ورَقَّ الباقُونَ)

وبه قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وأبانُ بنُ عثمانَ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وداودُ، وابنُ جرِيرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ مِن كل واحدٍ ثُلُثُه، ويُسْتَسْعَى في باقِيه.
ورُوِيَ نحوُ هذا عن سَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وشُرَيحٍ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وقتادَةَ، وحَمّادٍ؛ لأنَّهم تَساوَوْا في سَبَبِ الاسْتِحْقاقِ، فيَتَساوَوْن في الاسْتِحْقاقِ، كما لو كان يَمْلِكُ 202 ثُلُثَهم وَحْدَه، وهو ثُلُثُ مالِه، أو كما لو وَصَّى بكُلِّ واحدٍ منهم لرجلٍ.
وأنْكَرَ أصْحابُ أبي حنيفةَ القُرْعَةَ، وقالوا: هي مِن القِمارِ وحُكْم الجاهِليَّةِ.
ولَعَلَّهم يَرُدُّون الخبرَ الوارِدَ في هذه المسْأَلةِ لمُخالفَتِه قياسَ الأُصُولِ.
وذُكِرَ الحديثُ لحَمّادٍ، فقال: هذا قولُ الشَّيخِ.
يَعْنِي إبْلِيسَ، فقال له محمدُ بنُ ذَكْوانَ: وُضِع القَلَمُ عن ثَلاثةٍ؛ أحَدُهم المجْنونُ حتى يُفِيقَ.
يَعْنِي -إنَّك مَجْنونٌ.
فقال له حَمّادٌ: ما دَعاك إلى هذا؟ فقال له 203 محمدٌ: وأنت ما دَعاك إلى هذا؟

الحديث: 2954 - الجزء: 19 - الصفحة: 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهذا قَليلٌ في جوابِ حَمَّادٍ، وكان حَرِيًّا أن يُسْتَتابَ عن هذا، فإنْ تابَ وإلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُه 204. ولَنا، ما روَى عِمْرانُ بنُ حُصَينٍ، أنَّ رجلًا مِن الأنْصارِ أعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِين في مَرَضِه لا مال له غيرُهم، فجَزَّأَهم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سِتَّةَ أجْزاءٍ، فأعْتَقَ اثْنَين، وأرَقَّ أرْبَعَةً 205. وهذا نَصٌّ في مَحَلِّ النِّزاعِ، وحُجَّة لَنا في الأمْرَين المُخْتَلَفِ فيهما، وهما جَمْعُ الحُرِّيَّةِ واسْتِعْمالُ القُرْعَةِ، وهو حديثٌ صَحيحٌ، رَواه مسلمٌ، وأبو داودَ، وسائِرُ أصْحابِ السُّنَنِ.
ورَواه عن عِمْرانَ: الحسنُ، وابنُ سِيرين، وأبو المُهَلَّبِ، ثلاثَةُ أئِمَّةٍ.
ورَواه الإِمامُ أحمدُ 206، عن إسْحاق بنِ عيسَى، عن هُشَيمٍ، عنْ خالدٍ الحَذَّاء، عن أبي قِلابَةَ، عن أبي زَيدٍ الأنْصارِيِّ، رجلٍ مِن أصْحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ورُوِيَ نحوُه عن أبي هُرَيرَةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - 207. ولأنَّه حَقٌّ في تَفرِيقِه ضَرَرٌ، فوَجَبَ جَمْعُه بالقُرْعَةِ، كقِسْمَةِ الإِجْبارِ إذا طَلَبَها أحدُ الشُّرَكاءِ، ونَظِيرُه مِن القِسْمَةِ ما لو كانتْ دارٌ بينَ اثْنَين؛ لأحَدِهما ثُلُثُها وللآخرِ ثُلُثاها، وفيها ثلاثةُ مَساكِنَ مُتساويَةٌ لا ضَرَرَ في قِسْمَتِها، فطَلَبَ أحَدُهما القِسْمَةَ، فإنَّه يُجْعَلُ كُل بَيتٍ سَهْمًا 208،

الجزء: 19 - الصفحة: 121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويُقْرَعُ بينَهم بثَلاثةِ أسْهُمٍ؛ لصاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمٌ، ولِلآخَرِ سَهْمان.
وقَوْلُهم: إنَّ الخبرَ يُخالِفُ قياسَ الأُصُولِ.
نَمْنَعُ ذلك، بل هو مُوافِقٌ لِما ذَكَرْناه.
وقياسُهم فاسِدٌ؛ لأنَّه إذا كان مِلْكُه 209 ثُلُثَهم وَحْدَه، لم [يُمْكِنْ جَمْعُ] 210 نَصِيبِه، والوَصِيَّةُ لا ضَرَرَ في تَفْرِيقِها، بخِلافِ مَسْأَلتِنا.
وإن سَلَّمْنا مُخالفَتَه قِياسَ الأُصُولِ، فقَوْلُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - واجِبُ الاتِّباعِ، سَواءٌ وافَقَ القِياسَ أو خالفَه؛ لأنَّه قولُ المَعْصُومِ الذي جَعَل الله تعالى قَوْلَه حُجَّةً على الخلْقِ أجْمعين، وأمَرَ باتِّباعِه وطاعَتِه، وحَذَّرَ العِقابَ في مُخالفَةِ أمْرِه، وجَعَل الفَوْزَ في طاعَتِه والضَّلال في مَعْصِيَته.
وتَطرُّقُ الخَطَأَ إلى القائِسِ في قِياسِه أغْلَبُ مِن تَطرُّقِ الخَطَأ إلى أصْحاب رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - والأئِمَّةِ بعدَهم في رِوايَتهمْ، على أنَّهم قد خالفوا قِياسَ الأُصُولِ بأحاديثَ ضَعِيفةٍ، فأوْجَبوا الوُضوءَ بالنَّبِيذِ في السَّفَرِ دُونَ الحَضَرِ، ونَقَضُوا الوُضُوءَ بالقَهْقَهَةِ في الصَّلاةِ دُونَ خارِجِها، وقَوْلُهم في مَسْألَتِنا في مُخالفةِ القِياسِ والأصُولِ أشَدُّ وأعْظَمُ، والضَّرَرُ في مَذْهَبِهم أعْظَمُ؛ وذلك لأنَّ الإجْماعَ مُنْعَقِدٌ على أنَّ صاحِبَ الثُّلُثِ في الوَصِيَّةِ وما في مَعْناها، لا يَحْصُلُ له شيءٌ [حتى يَحْصُلَ للوَرَثَةِ مِثْلاه، وفي مَسْألَتِنا يُعْتِقُون الثُّلُثَ، ويَسْتَسْعُون العَبْدَ في الثُّلُثَين، فلا يَحْصُلُ للوَرَثَةِ شيءٌ] 211 في

الجزء: 19 - الصفحة: 122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحالِ، ويُحِيلُونَهم على السِّعايَةِ، فرُبَّما لا يَحْصُلُ منها شيءٌ أصْلًا، ورُبَّما لا يَحْصُلُ منها في الشَّهْرِ إلَّا اليَسِيرُ، كالدِّرْهَمِ والدِّرْهَمَين، فيكونُ هذا كمَن لم يَحْصُلْ 212 له شيءٌ، وفيه ضَرَرٌ على العَبِيدِ؛ لأنَّهم يُجْبِرونَهم على الكَسْبِ والسِّعايَةِ مِن غيرِ اخْتيارِهم، وربما كان المُجْبَرُ 213 جارِيَةً، فيَحْمِلُها ذلك على البِغاءِ، أو عَبْدًا، فيَسْرِقُ أو يَقْطَعُ الطَّريقَ، وفيه ضَرَرٌ على المَيِّتِ، حيثُ أفْضَوْا بوَصِيَّته إلى الظُّلْمِ والإضْرارِ، وتَحْقيقِ ما يُوجِبُ له العِقابَ مِن رَبِّه والدُّعاءَ عليه مِن عَبيدِه ووَرَثَتِه.
وقد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الحديثِ الذي ذَكَرْناه في حَقِّ الذي فَعَل هذا، قال: «لَوْ شَهِدْتُه 214 لمْ يُدْفَنْ في مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ» 215. قال ابنُ عبدِ البَرِّ 216: في قَوْلِ الكُوفِيِّين ضُروبٌ مِن الخَطَأ والاضْطِرابِ، مع مُخَالفَةِ السُّنَّةِ الثابِتَةِ.
وأشارَ إلى ما ذَكَرْناه.
وأمّا إنْكارُهم القُرْعَةَ، فقد جاءتْ في الكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ 217. وقال سبحانه: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ 218. وأمّا السُّنَّةُ، فقال أحمدُ: في القُرْعَةِ خَمْسُ سُنَنٍ؛

الجزء: 19 - الصفحة: 123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أقْرَعَ بينَ نِسائِه 219. وأقْرَعَ في سِتَّةِ مَمْلُوكِين 220. وقال لرَجُلَين: «اسْتَهِمَا» 221. وقال: «مَثَلُ الْقَائِمِ بحُدُودِ اللهِ والْمُدَاهِنِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْم اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ» 222. وقال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما في النِّدَاءِ والصَّفِّ الأُوَّلِ لاسْتَهَمُوا عَلَيهِ» 223. وفي حديثِ الزُّبَيرِ، أنَّ صَفِيَّةَ جاءَتْ بثَوْبَينِ ليُكَفَّنَ فيهما حَمْزَةُ، فَوَجَدْنا إلى جَنْبِه قَتِيلًا، فقُلْنا: لحمزَةَ ثَوْبٌ وللأنْصارِيِّ ثَوْبٌ.
فَوَجَدْنا أحَدَ الثَّوْبَين أوْسَعَ مِنَ الآخَرِ، فَأَقرَعْنَا عَليهما، ثم كَفَّنَّا كُلَّ وَاحِدٍ في الثَّوْبِ الذي صارَ 224 له 225. وتَشاحَّ النَّاسُ يَوْمَ القادِسِيَّةِ في الأذانِ، فأقْرَعَ بينَهم سَعْدٌ 226. وأجْمَعَ العُلماءُ على اسْتِعْمالِها في القِسْمَةِ، ولا نَعْلَمُ بينَهم خِلافًا في أنَّ الرجلَ يُقْرِعُ بينَ نِسائِه إذا أرادَ السَّفَرَ بإحْداهُنَّ، وإذا أرادَ البِدَايةَ في القِسْمَةِ بَينهُنَّ، وبَينَ الأوْلِياءِ إذا تَشاحُّوا في مَن يَتولَّى التَّزْويجَ، أو مَن يتولَّى اسْتيفاءَ القِصاصِ، وأشباهِ هذا.

الجزء: 19 - الصفحة: 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل في كيفيَّةِ القُرْعَةِ: قال أحمدُ: قال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: يُقْرَعُ بينَهم بالخواتِيمِ.
أقْرَعَ بينَ اثْنَين في ثَوْبٍ، فأخْرَجَ خاتِمَ هذا [وخاتمَ هذا] 227. ثم قال: يَخْرُجُون بالخَواتِيمِ ثم تُدْفَعُ إلى رجلٍ، فيُخْرِجُ منها وَاحدًا.
قال أحمدُ: بأيِّ شيءٍ خَرَجَتْ ممَّا يتَّفقان عليه وَقَع الحُكْمُ به، سواءٌ كان رِقاعًا أو خَواتِيمَ.
وقال أصحابُنا المُتَأخِّرون: الأوْلَى أن يَقْطَعَ رِقاعًا صِغارًا مُسْتَويةً، ثم تُجْعَلَ في بنادِقِ شَمْعٍ أو غيرِه، متساويةِ القَدْرِ والوَزْنِ ثم تُلْقَى في حِجْرِ رَجُلٍ لم يَحْضُرْ، ويُغَطَّى عليها بثَوْبٍ، ثم يُقالُ له: أدْخِلْ يَدَكَ فأخْرِجْ بُنْدُقَةً.
فيَفُضُّها ويَعْلَمُ ما فيها.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وفي كَيفِيَّةِ القُرْعَةِ والعِتْقِ سِتُّ مَسائِلَ؛ أحَدُها، أن يُعْتِقَ عَددًا من العَبِيدِ لهم ثُلُثٌ صحيحٌ، كثلاثةٍ أو تِسْعَةٍ أو سِتَّةٍ و 228 قِيمَتُهم مُتَساويةٌ، ولا مال له غيرُهم، فيُجَزَّءون ثَلاثَةَ أجْزاءٍ؛ جُزْءًا للحُرِّيَّةِ، وجُزْأَين للرِّقِّ، ويُكْتَبُ ثلاثُ رِقاعٍ؛ في واحِدةٍ حُرِّيَّةٌ، وفي اثْنَين رِقٌّ، وتُتْرَكُ في ثلاثِ بَنادِقَ، وتُغَطَّى بثَوْبٍ، ويُقالُ لرَجُلٍ لم يَحْضُرْ: أخْرِجْ على اسْمِ هذا الجُزْءِ.
فإن خرَجَتْ قُرْعَةُ الحُرِّيَّةِ، عَتَق، ورَقَّ الجُزْءان الآخران، وإن خَرَجَتْ قُرْعةُ 229 رِقٍّ، رَقَّ وأُخْرِجَتْ أُخْرَى على جُزْءٍ آخَرَ، فإن

الجزء: 19 - الصفحة: 125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خَرَجَتْ رقعةُ الحريَّةِ، عَتَقَ، ورقَّ الجزْءُ الثَّالِثُ، وإن خَرَجَتْ رُقْعَةُ 230 الرِّقِّ، رَقَّ، وعَتَق الجُزْءُ الثَّالِثُ؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ تَعَيَّنَتْ فيهم، وإن شِئتَ كَتَبْتَ اسْمَ كُلِّ جُزْءٍ في رُقْعَةٍ، ثم أخْرَجْتَ رُقْعَةً على الحُرِّيَّةِ، فإذا أخْرَجْتَ رُقْعَةً، عَتَق المُسَمَّوْن فيها، ويَرِقُّ الباقُون، وإنْ أخْرَجْتَ رُقْعَةً على الرِّقِّ، رَقَّ المُسَمَّوْن فيها، [ثم تُخْرِجُ أُخْرَى على الرِّقِّ، فَيَرِقُّ المُسَمَّوْن فيها، ويَعْتِقُ الجُزْءُ الثَّالِثُ، وإنْ أخْرَجْتَ الثَّانِيَةَ على الحُرِّيَّةِ، عَتَق المُسَمَّوْن فيها] 231، ورَقَّ الثّالِثُ.
المسألةُ الثَّانِيةُ، أن تُمْكِنَ قِسْمَتُهم أثْلاثًا، وقِيمَتُهم مُخْتَلِفَةٌ يُمْكِنُ تَعْدِيلُهم بالقِيمَةِ، كسِتَّةٍ؛ قِيمَةُ اثْنَين منهم ثلاثةُ آلافٍ [ثَلاثَةُ آلافٍ] 232، وقيمةُ اثنين ألفان ألفان 233 وقيمَةُ اثْنَين ألْفٌ ألفٌ (4)، فتجْعَلُ الاثْنَين الأوْسَطَين جُزْءًا، وتَجْعَلُ اثْنَين قِيمَةُ أحَدِهما ثلاثةُ آلافٍ مع آخَرَ قِيمَتُه ألْفٌ جُزْءًا، والآخَرَين جُزْءًا، فيكونُونَ 234 ثلاثةَ أجْزاءٍ مُتَساويَةٍ في العَدَدِ والقِيمَةِ، على ما قَدَّمْناه في المَسأَلةِ الأُولَى.
قِيلَ لأحمدَ: لم يسْتَوُوا في القِيمَةِ؟ قال: يُقَوَّمُون بالثَّمَنِ.
المسألةُ الثَّالِثةُ، أن يَتَساوَوْا في العَدَدِ ويَخْتَلِفوا في القِيمَةِ، ولا يُمْكِنُ

الجزء: 19 - الصفحة: 126

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الجَمْعُ بينَ تَعْدِيلِهم بالعَدَدِ والقِيمَةِ معًا، ولكن يُمْكِنُ تَعْدِيلُهم بكُلِّ واحدٍ منهما مُنْفَرِدًا، كسِتَّةِ أعْبُدٍ، قِيمَةُ أحَدِهم ألْفٌ، وقِيمَةُ اثْنَين ألفٌ، وقِيمَةُ ثلاثةٍ ألفٌ، فإنَّهم يُعَدَّلُونَ بالقِيمَةِ دُونَ العَدَدِ.
نصَّ عليه أحمدُ، فقال: إذا كانت قِيمةُ واحدٍ مثلَ اثْنَين قُوِّمَ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَقَعَ العِتْقُ في أكثرَ مِن الثُّلُثِ ولا أقَلَّ، وفي قِسْمَتِه بالعَدَدِ تَكْرارُ القُرْعةِ، وتَبْعِيضُ العِتْقِ حتى يَكْمُلَ الثُّلُثُ، فكانَ التَّعْدِيلُ بالقِيمَةِ أوْلَى.
بَيانُ ذلك، أنَّا لو جَعَلْنا مع الذي قِيمَتُه ألفٌ آخَرَ، فخَرَجَتْ قُرْعَةُ الحُرِّيَّةِ لهما، احْتَجْنا أن نُعِيدَ القُرْعَةَ بينَهما، فإذا خَرَجَتْ على القليلِ القِيمَةِ عَتَق، وعَتَق مِن الذي قِيمَتُه ألفٌ تَمامُ الثُّلُثِ.
وإن وَقَعَتْ قُرْعَةُ الحُرِّيَّةِ على اثْنَين قِيمَتُهما دُونَ الثُّلُثِ عَتَقا، ثم أعِيدَت لتَكْمِيلِ الثُّلُثِ، فإذا وَقَعَتْ على واحدٍ، كَمَلَتِ الحُرِّيَّةُ منه، فحَصَلَ ما ذَكَرْناه مِن التَّبعِيضِ والتَّكْرارِ، ولأنَّ قِسْمَتَهم بينَ المُشْتَرِكِين فيهم، إنَّما يُعَدَّلُون فيها بالقِيمَةِ دُونَ الأجْزاءِ.
فعلى هذا، تَجْعَلُ الذي قِيمَتُه ألفٌ جُزْءًا، والاثْنَين اللَّذَين قِيمَتُهما ألفٌ جُزْءًا، والثَّلاثةَ الباقِين جُزْءًا، ثم يُقْرَعُ بينَهم، على ما ذَكَرْنا.
[المسألةُ الرابعةُ: أمْكَنَ تَعْدِيلُهم بالقيمةِ دونَ العَدَدِ، كسَبْعَةٍ قِيمَةُ واحِدٍ ألْفٌ، وقيمةُ اثنين ألفٌ، وقيمةٌ أربعةٍ ألفٌ، فَيُعَدَّلُون بالقيمةِ دون العَدَدِ، كما ذكرنا] 235.

الجزء: 19 - الصفحة: 127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المسألةُ الخامسةُ، أمْكَنَ تَعْدِيلُهم بالعَددِ دونَ القِيمَةِ، كسِتَّةِ أعْبُدٍ، قِيمَةُ اثْنَين ألفٌ، وقِيمَةُ اثنين سَبْعُمائةٍ، وقِيمَةُ اثْنَين خَمْسُمائةٍ، فههُنا، تُجَزِّئُهم بالعَددِ؛ لتَعَذُّرِ تجْزِئَتِهم بالقِيمَةِ، فتَجْعَلُ كلَّ اثْنَين جُزْءًا، وتَضُمُّ كل واحدٍ مِمَّن قِيمَتُهما قليلةٌ إلى واحدٍ ممَّن قِيمَتُهما كثيرةٌ، وتَجْعَلُ المُتَوَسِّطَين جُزْءًا، وتُقْرِعُ بينَهم، فإن وَقَعَتْ قُرْعَةُ الحُرِّيَّةِ على حرٍّ قِيمَّتُه أكثرُ مِنِ الثُّلُثِ أُعِيدَتِ القُرْعَةُ بينَهما، فيَعْتِقُ مَن تَقَعُ له قُرْعَةُ الحرِّيَّةِ، ويَعْتِقُ مِن الآخرِ تَتِمَّةُ الثُّلُثِ ويَرِقُّ باقِيه والباقُون، وإن وَقَعَتِ الحُرِّيَّةُ على جُزْءٍ أقَلَّ مِن الثُّلُثِ، عَتَقا جميعًا، ثم يَكْمُلُ الثُّلُثُ مِن الباقِين بالقُرْعَةِ.
المسألةُ السادسةُ، لم يُمْكِنْ تَعْدِيلُهم بالعَددِ ولا بالقِيمَةِ، كخَمْسةِ أعْبُدٍ، قِيمَةُ أحدِ هم ألفٌ، واثْنان ألفٌ، واثْنان ثلاثةُ آلافً، فيَحْتَمِلُ أن تُجَزِّئَهم ثلاثةَ أجْزاءٍ، فتَجْعَلَ أكْثَرَهم قِيمةً 236 جزءًا، وتَضُمَّ إلى الثاني 237 أقَلَّ الباقِين قِيمةً، وتجْعَلَهُما جُزْءًا والباقِين جُزْءًا، وتُقْرِعَ بينَهم بسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وسهْمَيْ رِقٍّ؛ لأنَّ هذا أقْرَبُ إلى ما فَعَلَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ويُعَدَّلَ الثُّلُثُ بالقِيمَةِ على ما تَقدَّم، ويَحْتَمِلُ أن لا يُجَزِّئَهم، بل تُخْرَجُ القُرْعَةُ على واحدٍ واحدٍ، حتى يَسْتَوْفِيَ الثُّلُثَ، فيَكْتُبَ خَمْسَ رِقاعٍ بأسْمائِهم، ثم يُخْرِجُ رُقْعة على الحُرِّيَّةِ، فمَن خَرَج اسْمُه فيها عَتَق، ثم يُخْرِجُ الثانيةَ، فمَن خرَج اسْمُه فيها عَتَق منه تَمامُ الثُّلُثِ.

الجزء: 19 - الصفحة: 128

فَإِنْ كَانُوا ثَمَانِيَةً، فَإِنْ شَاءَ أقْرَعَ بَينَهُمْ بِسَهْمَيْ حُرِّيَّةٍ، وَخَمْسَةِ رِقٍّ، وَسَهْمٍ لِمَنْ ثُلُثَاهُ حُرٌّ.
وَإنْ شَاءَ جَزَّأهُمْ أرْبَعَةَ أجْزَاءٍ، وَأقْرَعَ بَينَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ، وَثلَاثَةِ رِقٍّ، ثُمَّ أعَادَ الْقُرْعَةَ بَينَهُمْ لإخْرَاجِ مَنْ ثُلُثَاهُ حُرٌّ.
وَإن فَعَل غَيرَ ذَلِكَ جَازَ.

2955 - مسألة: (وإن كانوا ثمانيةً، فإن شاءَ أقْرَعَ بينَهم بسَهْمَيْ حُرِّيَّةٍ، وخمسةِ رِقٍّ، وسهمٍ لمَن ثُلُثاه حُرٌّ.
وإن شاء جَزَّأهُم أرْبَعَةَ أجْزاءٍ، فأقْرعَ بينَهم بسَهْمَ حُرِّيَّةٍ، وثَلاثَةِ رقٍّ، ثم أعادَ القُرْعَةَ لإخراجِ مَن ثُلُثاه حُرٌّ.
وإن فَعَل غيرَ ذلك جازَ)

بأن يَجْعَلَ ثَلاثَةً جُزْءًا، وثَلاثةً جُزْءًا، واثْنَين جُزْءًا، فإن خَرَجَتِ القُرْعةُ 238 على الاثْنَين عَتَقَا، وكُمِّلَ الثُّلُثُ بالقُرْعَةِ مِن الباقِين، وإن خَرَجَت لثَلاثَةٍ 239 أقْرِعَ بينَهم بسَهْمَيْ حُرِّيَّةٍ، وسَهْمِ رِقٍّ، فإن كان جَمِيعُ مالِه عَبْدَينِ، أقْرَعْنا بينَهم بسَهْم حُرِّيَّةٍ وسَهْمَ 240 رِقٍّ على كل حالٍ.
فصل: قد ذَكَرْنا أنَّه إذا كان للمُعْتِقِ مالٌ غيرَ العَبيدِ مِثْلَا قِيمَةِ العَبيدِ عَتَقُوا جَمِيعُهم؛ لخُرُوجِهم مِن الثُّلُثِ، وإن كان أقَلَّ مِن مِثْلَيهِم، عَتَق مِن العَبيدِ قَدْرُ ثُلُثِ المالِ كلِّه، فإذا كان العَبِيدُ نِصْفَ المالِ عَتَق ثُلُثاهُم، وإن كانوا ثُلُثَيِ المالِ عَتَق نِصْفُهم، وإن كانوا ثلاثةَ أرْباعِه عَتَق أرْبَعةُ

الحديث: 2955 - الجزء: 19 - الصفحة: 129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أتْساعِهم.
وطَرِيقُهُ أن تَضْرِبَ قِيمَةَ العَبيدِ في ثلاثةٍ، ثم تَنْسِبَ إليه مَبْلَغَ التَّرِكَةِ، فما خَرَج بالنِّسْبَةِ عَتَق مِن العَبِيدِ مِثْلُها، فإذا كانت قِيمَةُ العَبيدِ ألفًا، وباقِي التَّرِكَةِ ألْفَين، ضَرَبْتَ قِيمَةَ العَبيدِ في ثلاثةٍ، تكُنْ ثلاثةَ آلافٍ، ثم تَنْسِبُ إليها الألْفَين، تكُنْ ثُلُثَيها، فيَعْتِقُ ثُلُثاهُم، وإن كانت قِيمَةُ العَبيدِ ثلاثةَ آلافٍ، وباقِي التَّرِكَةِ ألفٌ، ضَرَبْنا قِيمَتَهم في ثلاثةٍ، تكُنْ تِسْعَةً، وتَنْسِبُ إليها التَّرِكَةَ كلَّها، تكُنْ أرْبَعَةَ أتْساعِها.
وإن كانت قِيمَتُهم أرْبَعةَ آلافٍ، وباقي التَّرِكَةِ ألفٌ، ضَرَبتَ قِيمَتَهم في ثلاثةٍ، تَكُنِ اثْنَيْ عَشَرَ، ونَسبْتَ إليها خَمسةَ آلافٍ، تَكُنْ رُبْعَها وسُدْسَها، فيَعْتِقُ رُبْعُهم وسُدْسُهم.
فصل: فإن كان على المَيِّتِ دَينٌ يُحِيطُ ببَعْضِ التَّرِكَةِ، قُدِّمَ الدَّينُ؛ لأنَّ العِتْقَ وَصِيَّةٌ، وقد قَضَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الدَّينَ قبلَ الوَصِيَّةِ 241. ولأنَّ قَضاءَ الدَّينِ واجِبٌ، وهذا تَبَرُّع، وتَقْدِيمُ الواجِبِ مُتَعَيِّنٌ.
فإن كان الدَّينُ بقَدْرِ نِصْفِ العَبيدِ، جُعِلُوا جُزْأَين، وكُتِبَتْ رُقْعَتان؛ رُقْعَة للدّينٍ، ورُقْعَةٌ للتَّرِكَةِ.
وتُخْرَجُ واحدةٌ 242 منهما على أحَدِ الجُزْأَين، فمَن خرَجَتْ عليه رُقْعَةُ الدَّينِ بِيعَ فيه، وكان الباقِي جَمِيعَ التَّرِكَةِ، يَعْتِقُ ثُلُثُهم بالقُرْعَةِ، على ما تَقدَّم.
وإن كان الدَّينُ بقَدْرِ ثُلُثِهم، كُتِب ثَلاثُ رِقاعٍ؛ رُقْعَةٌ للدَّينِ، واثْنتان للتَّرِكَةِ.
وإن كان بقَدْرِ رُبْعِهم، كُتِبَ

الجزء: 19 - الصفحة: 130

وَإنْ أعتَقَ عَبْدَينِ، قِيمَةُ أحدِهِمَا مِائَتَانِ وَالْآخَرِ ثَلَاثُمِائَةٍ، جَمَعْتَ قِيمَتَهُمَا، وَهِيَ خَمْسُمِائَةٍ، فَجَعَلْتَهَا الثُّلُثَ، ثُمَّ أَقرَعْتَ بَينَهُمَا، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الَّذِي قِيمَتُهُ مِائَتَانِ، ضَرَبْتَهُ في ثَلَاثَةٍ، تَكُنْ سِتَّمِائَةٍ، ثُمَّ نَسَبْتَ مِنْهُ خُمْسَ الْمِائَةِ، يَكُنِ الْعِتْقُ فِيهِ خَمْسَةَ  أرْبَعُ رِقاعٍ؛ رُقْعَة للدَّينِ وثَلاث للتَّرِكَةِ، ثم يُقْرَعُ بينَ مَن خَرَجتْ له رِقاعُ التَّرِكَةِ.
وإن كُتِبَ رُقْعَة للدَّينٍ، ورُقْعَةٌ للحُرِّيَّةِ، ورقْعَتَان للتَّرِكَةِ، جاز.
وقِيلَ: لا يجوزُ؛ لِئَلَّا تخْرُجَ رُقْعَة الحُرِّيَّةِ قبلَ قَضاءِ الدَّينِ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه إنَّما يُمْنَعُ مِن قَبْلِ قَضاءِ الدَّينِ إذا لم يَكُنْ له وَفاءٌ، فأمّا إن كان له وَفاء لم يُمْنَعْ منه، بدَليلِ ما لو كان العِتْقُ في أقَلَّ مِن ثُلُثِ الباقِي بعدَ وفَاءِ الدَّينِ، فإنَّه لا يُمْنَعُ مِن العِتْقِ قبلَ (1) وفائِه.

2956 -

مسألة: (وإن أعْتَقَ عَبْدَين، قِيمَةُ أحَدِهما مائَتان والآخَرِ ثَلاثُمائةٍ)

فأجاز الوَرَثَةُ عِتْقَهما، عَتَقا، وإن لم يُجزِ الوَرَثَةُ، عَتَق ثُلُثُهما، وكُمِّلَ الثُّلُثُ في أحَدِهما، فتُجْمَع قِيمَتُهما فتكوَنُ خَمْسَمائَةٍ، ثم يُقرَعُ بينَهما، فمَن خَرَج له سَهْمُ الحُرِّيَّةِ ضَرَبْنا قِيمَتَه في ثَلاثةٍ، ونَسَبْنا قِيمَتَهما إلى المُرْتَفعِ بِالضَّرْبِ، فما خَرَج مِن النِّسبَةِ عَتَق من العَبْدِ بقَدْرِه.
فإن وقَعَتْ على الذي قِيمَتُه مائتان، ضَرَبْنا في ثَلاثةٍ، صار سِتَّمائَةٍ، ونَسَبْنا243

الحديث: 2956 - الجزء: 19 - الصفحة: 131

أَسْدَاسِهِ، وَإنْ وَقَعَتْ عَلَى الْآخَرِ، عَتَقَ مِنْهُ خَمْسَةُ أَتْسَاعِهِ.
وَكُلُّ شَيْءٍ يَأتِي مِنْ هَذَا، فَسَبِيلُهُ أَنْ يُضْرَبَ في ثَلَاثَةٍ؛ لِيَخْرُجَ بِلَا كَسْرٍ.
وَإنْ أعْتَقَ وَاحِدًا مِنْ ثَلَاثَةِ أعْبُدٍ، فَمَاتَ أحَدُهُمْ في حَيَاتِهِ، أَقْرَعَ  قِيمَتَهما إلى ذلك، تكُنْ خَمْسَةَ أسْداسِه، فيَعْتِقُ منه كذلك، وإن وقَعَتْ على الآخَرِ، ضَرَبْنا قِيمَتَه في ثَلاثةٍ، تكُنْ تِسعَمائةٍ، ونَسَبْنا قِيمَتَهما، وهي خَمْسُمائةٍ إلى ذلك، نَجِدْها خَمْسَةَ أتْساعِه، فيَعْتِقُ منه ذلك، وهو ثُلُثُ الجَمِيعِ؛ لأنَّنا إذا ضَرَبْنا قِيمَةَ العَبْدَين، وهي خَمسُمائةٍ، في ثَلاثةٍ، كانتْ ألْفًا وخَمْسَمائةٍ، وهي جميعُ المالِ، فالخَمْسُمائةٍ بالنِّسبَةِ إليها ثُلُثٌ، وبالنِّسبَةِ إلى الذي قِيمَتُه مائَتان، خَمْسَةُ أسْداسِه بعدَ الضَّرْبِ، وإلى الآخَرِ خَمْسَةُ أتْساعِه (وكُلُّ شيءٍ أتَى مِن هذا، فسَبِيلُه أن يُضْرَبَ في ثَلاثةٍ؛ ليَخْرُجَ بلا كَسْرٍ) وهذا قولُ مَن يَرَى [جميع العِتْقِ في بعضِ العَبيدِ] (1) بالقُرْعَةِ.
وعندَ أبي حنيفةَ ومَن وافَقَه، يَعْتِقان فيُسْتَسْعَيان في باقِي قِيمَتِهما.
وقد مَضَى الكلامُ مَعهم.
والله أعلمُ.

2957 -

مسألة: (وإن أعْتَقَ وَاحِدًا مِن ثلاثةِ أعْبُدٍ)

غيرَ مُعَيَّنٍ (فمات أحَدُهُم في حياةِ السَّيِّدِ، أَقرَعَ بَينَه وبينَ الحَيَّين، فإن وَقَعَتْ)244

الحديث: 2957 - الجزء: 19 - الصفحة: 132

بَينَهُ وَبَينَ الْحَيَّينِ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْمَيِّتِ، رَقَّ الْآخَرَانِ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى أَحدِ الْحَيَّينِ، عَتَقَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ.
وإنْ أَعْتَقَ الثَّلَاثَةَ في مَرَضِهِ، فَمَاتَ أحَدُهُمْ في حَيَاةِ السَّيِّدِ، فَكَذَلِكَ في قَوْلِ أَبي بَكْر.
وَالْأوْلَى أَنْ يُقْرِعَ بَينَ الْحَيَّينِ، وَيَسْقُطَ حُكْمُ الْمَيِّتِ.
رُقْعَةُ العِتْقِ (على المَيِّتِ رَقَّ الآخَران) لأنَّ القُرْعَةَ يُبَيَّنُ بها مَن وَقَع عليه العِتْقُ، فوَجَبَ أن يُقْرَعَ بينَهم، كما لو كانوا أحياءً، فإذا وَقَعَتِ القُرْعَةُ على المَيِّتِ تَبَيَّنَ رِقُّ الآخَرَين؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ إنَّما تَقَعُ على المُعْتَقِ، وهذان لم يُعْتَقْ واحدٌ منهما.
وإن وَقَعَتْ على أحَدِ الحَيَّين عَتَق، إن خَرَج مِن الثُّلُثِ.
وقد سَبَق شَرْحُ هذا، فيما إذا قال: أحَدُ عَبْدَيَّ حُرٌّ.
وذَكَرْنا الخِلافَ فيه 245. وإن أعْتَقَ الثَّلاثَةَ في مَرَضِه، فماتَ أحَدُهم في حياةِ السَّيِّدِ، فكذلك، في قولِ أبي بكرٍ؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ إنَّما تَنْفُذُ في الثُّلُثِ، فأشْبَهَ ما لو أعْتَقَ واحدًا منهم.
قال شيخُنا: (والأوْلَى أن يُقْرِعَ بينَ الحَيَّين، ويَسْقُطَ حكْمُ الميِّتِ) لأنَّه أعْتَقَ الثَّلاثةَ، والاعْتِبارُ في خُرُوجِه مِن الثُّلُثِ

الجزء: 19 - الصفحة: 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بحالةِ الموتِ، وحالةُ الموتِ إنَّما كان له العَبْدَان الحيَّان، وهما كلُّ مالِه، فيُقْرَعُ بَينَهما، فمَن وَقَعَتْ عليه القُرْعَةُ، عَتَق، إن خَرَج مِن الثُّلُثِ، وإِلَّا عَتَق منه بقَدْرِ الثُّلُت، وإن بَقِيَ مِن الثُّلُثِ شيءٌ بعدَ عِتْقِه، عَتَق مِن الآخَرِ بقَدْرِ ما بَقِيَ مِن الثُّلُثِ، وصارَ بمنزلَةِ ما لو أعْتَقَ العَبْدَين في مَرَضِه ولم يكُنْ له مالٌ غيرُهم.
فصل: إذا دَفَع العَبْدُ إلى رَجُلٍ مالًا، فقال: اشْتَرِني مِن سَيِّدِي بهذا المالِ فأعْتِقْني.
ففَعَلَ، لم يَخْلُ مِن أن يَشْتَرِيَه بعَينِ المالِ، أو في ذِمَّتِه ثم ينْقُدَ 246 المال، فإنِ اشْتَراه في ذِمَّتِه ثم أعْتَقَه، صَحَّ الشِّراءُ ونَفَذ العِتْق؛ لأنَّه مَلَكَه بالشِّراءِ، فنَفذ عِتْقُه له، وعلى المُشْتَرِي أداءُ الثَّمَنِ الذي اشْتَراه

الجزء: 19 - الصفحة: 134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  به؛ لأنَّه لَزِمَه الثَّمَنُ بالبَيعِ، والذي دَفَعَه إلى السَّيِّدِ كان مِلْكًا له، لا يَحْتَسِبُ له به مِن الثَّمَنِ، فبَقِيَ الثَّمَنُ واجِبًا عليه، يَلْزَمُه أداؤُه، وكان العِتْقُ مِن مالِه، والولاءُ له.
وبه قال الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
فأمّا إنِ اشْتراه بعَينِ المالِ، فالشِّراءُ باطِلٌ، ولا يَصِحّ العِتْق؛ لأنَّه اشْتَرَى بعَينِ مالِ غيرِه شيئًا بغيرِ إذْنِه، فلم يَصِحَّ الشِّراءُ، ولم يَنْفُذِ العِتْقُ؛ لأنَّه أعْتَقَ مَمْلوكَ غيرِه بغيرِ إذْنِه، ويكونُ السَّيِّدُ قد أخَذَ ماله؛ لأنَّ ما في يَدِ العَبْدِ مَحْكُومٌ به لسَيِّدِه.
فأمّا على الرِّوايةِ التي تقولُ: إنَّ النُّقُودَ لا تَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ، فإنَّه يكونُ الحُكْمُ فيه كما لو اشْتَراه في ذِمَّتِه.
ونحوَ هذا قال النَّخَعِيُّ، وإسْحاقُ، فإنَّهما قالا: الشِّراءُ والعِتْقُ جائِزان، ويرُدُّ المُشْتَرِي مِثْلَ الثَّمَنِ.
مِن غيرِ تَفْرِيقٍ.
وقال الحسنُ: البَيعُ والعِتْقُ باطِلان 247. وقال الشَّعْبِيُّ: لا يجوزُ ذلك، ويُعاقَبُ مَن فَعَلَه.
مِن غيرِ تَفْرِيقٍ أيضًا.
وقد ذَكَرْنا ما يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ، وفيه تَوَسُّطٌ بينَ المَذْهَبَين، فكان أوْلَى، إن شاءَ الله تعالى.

الجزء: 19 - الصفحة: 135

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولو كان العبدُ بينَ شَرِيكَين، فأعْطَى العَبْدُ لأحَدِهما خَمْسِينَ دينارًا على أن يُعْتِقَ نَصِيبَه منه، فأعْتَقَه، عَتَق، وسَرَى إلى باقِيه إن كان مُوسِرًا، ورَجَع عليه شَرِيكُه بنِصْفِ الخَمْسِين، وبنِصفِ قِيمَةِ العَبْدِ؛ لأنَّ ما في يَدِ العَبْدِ يكونُ بينَ سَيِّدَيه، لا يَنْفَرِدُ به أحَدُهما عنٍ الآخَرِ، إلَّا أنَّ نَصيبَ المُعْتِقِ يَنْفُذُ فيه العِتْقُ، وإن كان العِوَضُ مُسْتَحَقًّا، إذا لم يقعِ العِتْقُ على عَينِها، وإنَّما سَمَّى خَمْسِين ثم دَفَعَها إليه.
وإن أوْقَعَ العِتْقَ على عَينِها، يَجِبُ أن يَرْجِعَ على العَيدِ بقِيمَةِ ما أعْتَقَه بالعِوَضِ المُسْتَحَقِّ، ويَسْرِي العِتْقُ إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، ويكونُ وَلاؤُه للمُعْتِقِ.
فصل: ولو وَكَّلَ أحَدُ الشَّرِيكَين شَرِيكَه في عِتْقِ نَصِيبِه، فقال الوَكِيلُ: نَصِيبِي حرٌّ.
عَتَق، وسَرَى إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، والوَلاءُ له.
وإن أعْتَقَ نَصِيبَ المُوَكِّلِ، عَتَق، وسَرَى إلى نَصِيبِه، إن كان مُوسِرًا، والوَلاءُ للمُوَكِّلِ.
فإن أعْتَقَ نِصْفَ العَبْدِ ولم يَنْو شيئًا، احْتَمَلَ أن يَنْصَرِفَ إلى نَصِيبِه؛ لأنَّه لا يَحْتاجُ إلى نِيَّةٍ، ونَصِيبُ شَرِيكِه يَفْتَقِرُ إلى النِّيَّةِ، ولم يَنْو.
ويَحْتَمِلُ أن يَنْصَرِفَ إلى نصِيبِ شَرِيكِه.
لأَنه أمَرَه بالإِعْتاقِ، فانْصَرَفَ إلى ما أُمِرَ به.
ويَحْتَمِلُ أن يَنْصَرِفَ إليهما؛ لأنَّهما تَساوَيا.
وأيُّهما حكَمْنا بالعِتْقِ عليه ضَمِن نصِيبَ شَرِيكِه.
ويَحْتَمِل أن لا يَضْمَن؛ لأنَّ الوَكِيلَ إذا أعْتَقَ نَصِيبَه فسَرَى إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه

الجزء: 19 - الصفحة: 136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مأْذُونٌ له في العِتْقِ، وقد أُعْتِقَ بالسِّرايةِ، فلم يَضْمَنْ، كمَن أُذِنَ له في إتْلافِ شيءٍ، فإنَّه لا يَضْمَنُه وإن أتْلَفَه بالسِّرايَةِ.
وإذا أعْتَقَ نَصِيبَ شَرِيكِه لم يَلْزَمْ شَرِيكَه الضَّمانُ؟ لأنَّه مُباشِرٌ لسَبَبِ الإِتْلافِ، فلم يَجبْ له ضَمانُ ما تَلِف به، كما لو قال له أجْنبيٌّ: أعْتِقْ عَبْدَك.
فأعْتَقَه.
والله تعالى أعلمُ.

الجزء: 19 - الصفحة: 137

بَابُ التَّدْبِير

وَهُوَ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ.
بابُ التَّدْبِير (وهو تَعْلِيقُ العِتْقِ بالموتِ) وسُمِّيَ تَدْبِيرًا؛ لأنَّ الوفاةَ دُبُرُ الحياةِ.
يُقالُ: دابَرَ الرجلُ يُدابرُ مُدابَرَةً.
إذا مات، فسُمِّيَ العِتقُ بعدَ المَوتِ تَدْبِيرًا.
والأصْلُ فيه السُّنَّةُ والإِجْماعُ.: أمّا السُّنَّةُ، فما روَى جابرٌ، أنَّ رجلًا أعْتَقَ مملوكًا له عن دُبُرٍ، فاحتاجَ، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟».
فباعَه مِن نُعَيمِ بنِ عبدِ اللهِ بثَمانِمائَةِ دِرْهَمٍ، فدَفَعَها إليه، وقال: «أنْتَ أحْوَجُ مِنْهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 248. وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن أحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ مَن دَبَّرَ عَبدَه أو أمَتَه، ولم يَرْجِعْ عن ذلك حتى مات -والمُدَبَّرُ يَخْرُجُ مِن ثُلثِ مالِه، بعدَ قَضاءِ دَينٍ إن كان عليه، وإنفاذ وَصاياه إن كان وَصَّى، وكان السيدُ بالِغًا جائِز الأمرِ- أنَّ الحريةَ تَجبُ له أو لها.

الجزء: 19 - الصفحة: 139

وَيُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ.

2958 - مسألة: (ويُعْتَبَرُ مِن الثُّلُثِ)

إنَّما يَعْتِقُ المُدَبَّرُ إذا خَرَج مِن الثُّلُثِ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
يُرْوَى ذلك عن عليٍّ، وابنِ عمرَ 249. وبه قال شُرَيحٌ، وابنُ سيرينَ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ومكْحولٌ، والزُّهْرِيُّ، وقتادَةُ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، وأهلُ المدينةِ، والثَّوْرِيُّ، وأهلُ العراقِ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
ورُوِيَ عن 250 ابنِ مسعودٍ 251، ومَسْروق، ومُجاهدٍ، والنَّخَعِيِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ، أنَّه يَعْتِقُ مِن رأسِ المالِ، قِياسًا على أمِّ الوَلَدِ، وكما لو أعْتَقَ في الصِّحَّةِ.
ولَنا، أنَّه تَبَرُّعٌ بعدَ الموتِ، فكان مِن الثُّلُثِ، كالوَصِيَّةِ.
ويُفارِقُ العِتْقَ في الصِّحَّةِ، فإنَّه لم يَتَعَلَّقْ به حَقُّ غيرِ المُعْتِقِ، فنَفَذَ في الجميعِ، كالهِبَةِ المُنْجَزَةِ.
والاسْتِيلادُ أقْوَى مِن التَّدْبِيرِ؛ لأنَّه يَنْفُذُ مِن المجْنُونِ، بخِلافِ التَّدْبِيرِ.
ونَقَل حَنْبَلٌ عن أحمدَ، أنَّه يَعْتِقُ مِن رأسِ المالِ.
ولا عَمَلَ عَليها.
قال أبو بكرٍ: هذا قولٌ قديمٌ رَجَع عنه إلى ما رَواه الجماعةُ.

الحديث: 2958 - الجزء: 19 - الصفحة: 140

وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ مَنْ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ.
فصل: فإنِ اجْتَمَعَ العِتْقُ في المَرضِ، والتَّدْبِيرُ، قُدِّمَ العِتْقُ، لأنَّه أسْبَقُ.
وإنِ اجْتَمَعَ التَّدْبيرُ والوَصِيَّةُ بالعِتقِ، تَساوَيا؛ لأنَّهما جميعًا عتقٌ بعدَ المَوتِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُقَدَّمَ التدبِيرُ؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ تَقَعُ فيه عَقِيبَ المَوتِ مِن غيرِ تَأخُّرٍ، والوَصِيَّةُ تَقِف على الإِعْتاقِ بعدَه.

2959 -

مسألة: (ويَصِحُّ مِن كلِّ مَن تَصِحُّ وَصِيَّتُه)

لأنَّه تَبَرُّعٌ بالمالِ بعدَ الموتِ، أشْبَهَ الوَصِيَّةَ.
وقال الخِرَقِيُّ: يَصِحُّ تَدْبيرُه إذا جاوزَ العَشْرَ وكان يَعْرِفُ التدبِيرَ.
وكذلك الجارِيَةُ إذا جاوزتِ التِّسْعَ.
وقال

الحديث: 2959 - الجزء: 19 - الصفحة: 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه: يَصِحُّ تدبيرُ الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ.
قال بعضُ أصحابِه: هو أصَحُّ قَوْلَيه.
وهو إحْدَى الرِّوايتين عن مالكٍ.
ورُوِيَ ذلك عن شرَيحٍ، وعبدِ الله بِنِ عُتْبَةَ.
وقال الحسنُ، وأبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ تدبيرُه.
وهو إحْدَى الرِّوايَتَين عن مالكٍ، والقولُ الثاني للشافعيِّ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ إعْتاقُه، فلم يَصِحَّ تَدبيرُه، كالمَجنونِ.
ولَنا، أنَّ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أجازَ وَصِيَّةَ غُلامٍ مِن الأنْصارِ لأخْوالِه مِن غَسَّانَ بأرْض يُقالُ لها: بِئْرُ جُشَمَ 252، قُوِّمَتْ بثَلاثينَ ألْفًا.
رواهُ سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ 253. وكان الغُلامُ ابنَ عَشْرِ سِنِين، ورُوِيَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ.
ولم يُعْرَفْ له مُخالِفٌ.
والتدبِيرُ في معنى الوَصِيَّةِ.
وقد ذكَرْنا ذلك في كتابِ الوَصايا.
ويُخالِفُ التدبيرُ العِتْقَ في الحياةِ؛ لأنَّ فيه تَفْويتًا لمالِه في حياتِه ووقْتِ حاجَتِه.
والوَصِيَّة والتدبيرُ، لَا ضَرَرَ عليه فيهما، فإنَّه إن عاش لم يذْهَبْ شيءٌ مِن مالِه.
وإن مات فهو غيرُ مُسْتَغْنٍ عن الثوابِ، فيكونُ ذلك زيادَةً في رَفْعِ دَرَجَتِه.
وإنَّما خَصَّ الخِرَقِيُّ ابنَ عَشْرِ سِنِينَ؛ لأنَّه يُؤْمَرُ بالصَّلاةِ، والجارِيَةَ بتِسْعٍ؛ لقولِ عائشَةَ: إذا بَلَغَتِ الجارِيَةُ تِسْعَ سِنين فهي امرأةٌ 254. ولأنَّه سِنٌّ يمكِنُ بُلوغُها فيه، ويَتَعَلَّقُ به أحكامٌ غيرُ ذلك.
فأمّا المجْنونُ فلا يَصِحُّ شيءٌ مِن تَصَرُّفاتِه، فلذلك لم يَصِحَّ [تدْبيرُه.
ويَصِحُّ] 255

الجزء: 19 - الصفحة: 142

وَصَرِيحُهُ لَفْظُ الْعِتْقِ وَالْحُرِّيَّةِ الْمُعَلَّقَينِ بِالْمَوْتِ، وَلَفْظُ التَّدْبِيرِ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهَا (1).  تدْبيرُ المَحْجور عليه للسَّفَهِ، لِما ذَكَرْنا لي الصَّبيِّ، بل هو أوْلَى بالصِّحة مِن الصَّبِيِّ، لأنَّه مُكَلَّفٌ، وحاجَتُه إلى الثَّوابِ أكثر مِن حاجةِ الصبيِّ.
وصحَّةُ تدْبيرِ السَّكْرانِ مَبْنيَّةٌ (2) على صِحَّةِ وَصِيَّتِه، وقد ذَكَرْناه.
وكلُّ مَن صَحَّ تَدْبيرُه، فهو كالمكَلَّفِ في صِحَّة رُجُوعِه قياسًا عليه.
فصل: ويَصِحُّ تَدْبِيرُ الكافِرِ، ذِمِّيًّا كان أو حَرْبِيًّا، في دارِ الإسْلامِ وغيرِها، لأنَّ له مِلْكًا صَحِيحًا، فصَحَّ تَصَرُّفُه فيه، كالمسلمِ.
فإن قيلَ: لو كان مِلْكُه صَحِيحًا لم يُمْلَكْ عليه بغيرِ اخْتيارِه.
قلنا: هذا لا يُنافِي المِلْكَ، بدليلِ أَنه يَمْلِكُ في النِّكاحِ، وتُمْلَكُ عليه زوجَتُه بغيرِ اخْتيارِه.
وحُكْمُ تدبيرِه حُكْمُ تَدبيرِ المسلمِ، على ما نذْكُرُه.

2960 -

مسألة: (وصَرِيحُه لفْظُ العِتْقِ والحُرِّيةِ المُعَلَّقَين بالموتِ)

كقَولِه: أنتَ حُرٌّ، أو عَتِيقٌ، أوْ مُعْتَقٌ، أو مُحَرَّرٌ256257

الحديث: 2960 - الجزء: 19 - الصفحة: 143

وَيَصِحُّ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا، بِأَنْ يَقُولَ: إِنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا، أوْ: عَامِي هَذَا، فَأَنْتَ حُرٌّ.
أَوْ: مُدَبَّرٌ.
بعدَ موتي.
فيَصِيرُ بذلك مُدَبَّرًا، بلا خِلافٍ نَعْلَمُه.
وكذلك إن قال: أنتَ مُدَبَّرٌ، أو قد دَبَّرتُك.
فإنَّه يَصِيرُ مُدَبَّرًا بمُجَرَّدِ اللفظِ، وإن لم يَنْوه.
هذا منصوصُ الشافعيِّ.
وقال أصحابُه: فيه قولٌ آخَرُ؛ أنَّه ليس بصَرِيحٍ، ويَفْتَقِرُ إلى النِّيةِ؛ لأنَّهما لفْظان لم يَكْثُرِ استعمالُهما، فافْتَقَرا إلى النِّيةِ، كالكِناياتِ.
ولَنا، أنَّهما لفْظان وُضِعَا لهذا العَقْدِ، فلم يَفْتَقِرْ إلى النِّيةِ، كالبَيعِ، بخِلافِ الكِناياتِ، فإنَّها غيرُ موضوعةٍ له، ويُشارِكُها فيه غيرُها، فافْتَقَرت إلى النِّيةِ للتَّعْيِينِ وتَرْجِيحِ أحَدِ المُحْتَمَلَين، بخِلافِ الموضوعِ، فإنَّه لا يَفْتَقِرُ إلى النِّيةِ، كلَفْظِ العِتْقِ.

2961 -

مسألة: (ويَصِح مُطْلَقًا ومُقَيّدًا)

فالمُطْلَقُ تَعْلِيقُ العِتْقِ بالمَوتِ مِن غيرِ شَرْطٍ آخَرَ.
والمُقَيَّدُ ضَرْبانِ؛ أحدُهما، خاصٌّ مثلَ (أن يقولَ: إن مِتُّ مِن مَرَضِي هذا) أو في بلَدي هذا (أو) في (عامِي هذا، فأنْتَ حُرٌّ) فهذا جائِزٌ على ما قال، إن مات على الصِّفَةِ التي شَرَطها عَتَقَ العَبدُ، وإلَّا فلا.
وقال مُهَنَّا: سألتُ أحمدَ عمَّن قال لعَبدِه: أنتَ مُدَبَّرٌ.
قال: يكونُ مُدَبَّرًا ذلك اليومَ، فإن مات في ذلك اليومِ صار حرًّا.
يعني

الحديث: 2961 - الجزء: 19 - الصفحة: 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا مات السيدُ.
الثاني، أن يُعَلِّقَ التدبيرَ على صِفَةٍ، مثلَ أن يقولَ: إن دَخَلْتَ الدارَ فأنتَ مُدَبَّرٌ، أو إن قَدِمَ زَيدٌ، أو إن شَفَى اللهُ مريضِي، فأنت حُرٌّ بعدَ مَوتي.
فهذا لا يَصِيرُ مُدَبَّرًا في الحالِ؛ لأنَّه عَلَّقَ التدبِيرَ على شَرْطٍ.
فإذا وُجِدَ صار مُدبَّرًا وعَتَق بموتِ سَيِّدِه.
وإن لم يُوجَدْ في حياةِ السَّيِّدِ ووُجِدَ بعدَ موتِه لم يَعْتِقْ؛ لأنَّ إطْلاقَ الشرطِ يَقْتَضِي وُجُودَه في الحياةِ، بدليلِ ما لو عَلَّقَ عليه عِتْقًا مُنْجَزًا، فقال: إذا دَخَلْتَ الدارَ فأنتَ حُرٌّ.
فدَخَلَها بعدَ مَوتِه، لم يَعْتِقْ.
ولأنَّ المُدَبَّرَ مَن عُلِّقَ عِتْقُه بالمَوتِ، وهذا قبلَ المَوت لم يكنْ مُدَبَّرًا.
وبعدَ المَوتِ لا يُمْكِنُ حُدوثُ التدبيرِ فيه.
فصل: فإن قال لعبْدِه: إذا قرأتَ القرآنَ فأنتَ حر بعدَ مَوتِي.
فقرأ القرآنَ جَمِيعَه، صار مدَبَّرًا.
وإن قرأ بَعْضَه لم يَصِرْ مُدَبَّرًا.
وإن قال: إذا قرأتَ قُرْآنًا فأنتَ حُرٌّ بعدَ مَوتِي.
فقرأ بَعْضَ القرآنِ، صار مُدَبَّرًا؛ لأنَّه في الأُولَى عَرَّفَه بالألفِ واللامِ المُقْتَضِيَةِ للاسْتغْراقِ، فعاد إلى جَمِيعِه، وههنا نَكَّرَه، فاقْتَضَى بعضَه.
فإن قيلَ: فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ 258. ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَينَكَ وَبَينَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ 259. ولم يُرِدِ القرآنَ جميعَه.
قلنا: قَضِيَّةُ اللفظِ تَتَناولُ جميعَه؛ لأن الألفَ واللامَ للاسْتِغْراقِ، وإنَّما حُمِلَ على بعضِه بدَلِيل، فلا يُحْمَلُ

الجزء: 19 - الصفحة: 145

وَإنْ قَال: مَتَى شِئْتَ فَأنْتَ مُدَبَّرٌ.
فَمَتَى شَاءَ في حَيَاةِ السَّيِّدِ صَارَ مُدَبَّرًا.
على البعضِ في غيرِ ذلك الموضعِ بغيرِ دليل.
ولأنَّ قَرِينَةَ الحالِ تَقْتَضِي قِراءةَ جَميعِه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه أراد تَرْغِيبَه في قِراءةِ القرآنِ، فتَتَعَلَّقُ الحُرِّيةُ به، أو مُجازاتَه على قِراءَتِه بالحُرِّيةِ.
والظاهِرُ أنَّه لا يُجازَى بهذا الأمرِ الكثيرِ ولا يُرَغَّبُ به إلَّا فيما يَشقُّ، أمَّا قِراءةُ آيةٍ أو آيَتَين فلا.

2962 -

مسألة: (وإن قال: متى شِئْتَ فأنتَ مدَبَّرٌ)

أو: أنت حُرٌّ بعدَ مَوتِي.
أو: إذا شِئْتَ.
أو: أيَّ وقتٍ شِئتَ، فهو تَدْبيرٌ بصِفَةٍ (فمتى شاء في حياةِ سَيِّدِه صار مُدَبَّرًا) يَعْتِقُ بموتِه؛ لأنَّ المشِيئةَ هُنا على التَّراخِي، فمتى وُجِدَت المَشِيئَةُ وُجِدَ الشرطُ، فهو كما لو قال: إن دخلْتَ الدارَ فأنتَ حُرٌّ بعدَ مَوتِي.
فدَخَلَها في حياةِ السَّيِّدِ، وإن مات السيدُ قبلَ مَشِيئَتِه بَطَلَتِ الصِّفَةُ، كما لو مات في المسألةِ الأخْرَى قبلَ دُخُولِ الدارِ.
وإن قال: متى شْئتَ بعدَ مَوتِي فأنتَ حُرٌّ، أو أيَّ وَقْتٍ شئتَ بعدَ مَوْتِي.
فهو تَعْلِيق للعِتْقِ على صِفَةٍ بعدَ الموتِ.
وقد ذَكَرْنا أنَّه لا يَصِحُّ.
وقال القاضي: يَصِحُّ.
فعلى قولِه، يكونُ ذلك على التَّراخِي، فمتى شاء [بعدَ مَوتِ سَيِّدِه] 260 عَتَق.
وما كَسَب قبلَ مَشِيئَتِه فهو لوَرَثَةِ سَيدِه؛ لأنَّه عبدٌ

الحديث: 2962 - الجزء: 19 - الصفحة: 146

وَإنْ قَال: إِنْ شِئْتَ فَأنْتَ مُدَبَّرٌ.
فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ كَذَلِكَ.
وَقَال أبُو الْخَطَّابِ: إِنْ شَاءَ في الْمَجْلِسِ صَارَ مُدَبَّرًا، وإلَّا فَلَا.
قبلَ ذلك، بخِلافِ المُوصَى به، فإنَّ في كَسْبِه قبلَ القَبولِ وَجْهَين؛ أحدُهما، يكون للمُوصَى له؛ لأنَّا تَبَينَّا مِلْكَه حينَ الموتِ، وههنا لا يَثْبُت المِلْكُ قبلَ المَشِيئَةِ وجهًا واحدًا؛ لأنَّه عِتْقٌ مُعَلَّقٌ على شَرْطٍ، فلا يَثْبُتُ العِتْق قبلَ الشَّرْطِ وجهًا واحدًا.

2963 -

مسألة: (وإن قال: إن شِئْتَ فأنتَ مُدَبَّرٌ. فقِياسُ المذهبِ)

أنَّه على التَّراخِي كقولِه: متى شِئْتَ.
(وقال أبو الخَطَّابِ: إن شاء في المجْلِسِ صار مُدَبَّرًا، وإلَّا فلا) وكذلك قال القاضي في قولِه: إذا شِئْتَ، وإن شِئْتَ، فأنتَ حُرٌّ بعدَ مَوْتِي.
على أنَّه على الفَوْرِ، إن شاء في المجْلِسِ صار مُدَبَّرًا، وإلَّا بَطَلَتِ الصِّفَة ولم يَصِرْ مُدَبَّرًا بالمشِيئَةِ بعدَه، بِناءً على قولِه: اخْتارِي نَفْسَكِ.
فإنَّه يَقِفُ على المجلسِ، وهذا في مَعْناه.
وإن قال: إن شِئْتَ بعدَ مَوتِي، أو إذا شِئْتَ بعدَ موتَي، فأنتَ حُرٌّ.
كان

الحديث: 2963 - الجزء: 19 - الصفحة: 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على الفَوْرِ أيضًا.
فمتى شاء عَقِيبَ مَوتِ سَيِّدِه، أو في المجلسِ، صار حُرًّا.
وإن تَراخَتْ مَشِيئَتُه عن المجلِسِ، لم يَثْبُتْ فيه حُرِّيةٌ.
وذَكَر في الطَّلاقِ، أنَّه إذا قال: أنتِ طالِقٌ إن شئتِ وشاء أبُوكِ.
فشاءا معًا، وقَعَ الطَّلاقُ، سواءٌ شاءا 261 على الفَوْرِ أو التَّراخِي، أو شاء أحَدُهما على الفَوْرِ والآخَرُ على التَّراخِي.
وهذا مِثلُه، فيُخَرَّجُ في كل مَسْألةٍ مثلُ ما ذَكَرَه في الأُخْرَى.
فصل: وإذا قال لعبدِه: إذا متُّ فأنتَ حُرٌّ.
أوْ لا؟ أو قال: أنتَ حرٌّ أو لستَ بحُرٍّ؟ لم يَصِرْ مُدَبَّرًا؛ لأنَّه اسْتفهامٌ، ولم يَقْطَعْ بالعِتْقِ.
فهو كما لو قال لزوجتِه: أنتِ طالِق أوْ لا؟ وسَنَذْكُرُ ذلك في الطَّلاقِ.

الجزء: 19 - الصفحة: 148

وَإذَا قَال: قَدْ رَجَعْتُ في تَدْبِيرِي.
أو: قَدْ أبطَلْتُهُ.
لَمْ يَبْطُلْ؛ لأنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ بِصِفَةٍ.
وَعَنْهُ، يَبْطُلُ، كَالْوَصِيَّةِ.

2964 - مسألة: (وإذا قال: قد رَجَعْتُ في تَدبيرِي. أو: أبْطَلْتُه. لم يَبْطُلْ؛ لأنَّه تَعْلِيقٌ للعِتْقِ بصِفَةٍ. وعنه، أنَّه يَبْطُلُ، كالوَصِيَّةِ)

اخْتَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في بُطْلانِ التدبيرِ بالرُّجُوعِ فيه قولًا.
فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَبْطُلُ؛ لأنَّه عَلَّقَ العِتْقَ بصِفةٍ فلا يَبْطُلُ، كما لو قال: إن دَخَلْتَ الدارَ فأنتَ حُرٌّ.
والثانيةُ، يَبْطُلُ؛ لأنَّه جَعَل له نَفْسَه بعدَ مَوتِه، فكانَ ذلك وَصِيَّةً، فجاز الرُّجُوعُ فيه بالقولِ، كما لو وَصَّى له بعبدٍ آخَرَ.
وهو قولُ الشافعيِّ القَدِيمُ.
وقولُه الجديدُ كالرِّوايةِ الأُولَى.
وهو الصحيحُ، كتَعْلِيقِه بصِفةٍ في الحياةِ.
ولا يَصِحُّ القولُ بأنَّه وَصِيَّةٌ به لنَفْسِه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ نَفْسَه، وإنَّما تَحْصُلُ فيه الحُرِّيةُ ويَسْقُطُ عنه الرِّقُّ، ولهذا لا تَقِفُ الحُرِّيةُ على قَبُولِه واخْتِيارِه، وتَنْجَزُ عَقِيبَ الموتِ، كتَنْجِيزِ ها عَقِيبَ سائِرِ الشُّرُوطِ.
ولأنَّه غيرُ مُمْتَنِعٍ أن يَجْمَعَ الأمْرَين، فيَثْبُتَ فيه حُكْمُ التَّعْلِيقِ في امْتِناعِ الرُّجُوعِ، ويَجْتَمِعان في حُصُولِ العِتْقِ بالموتِ.

الحديث: 2964 - الجزء: 19 - الصفحة: 149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا قال السَّيِّدُ لمُدَبَّرِه: إذا أدَّيتَ إلى وَرَثَتِي كذا فأنْتَ حُرٌّ.
فهو رُجُوعٌ عن التَّدْبيرِ، ويَنْبَنِي على الرِّوايَتَين؛ إن قُلْنا: إنَّ له الرُجُوعَ بالقولِ.
بَطَل التَّدْبيرُ.
وإن قُلْنا: ليس له الرُّجوعُ.
لم يُؤثِّرْ هذا القولُ شيئًا.
وإن دَبَّرَه كلَّه ثم رَجَع في نِصْفِه، صَحَّ إذا قُلْنا بصِحَّةِ الرُّجُوعِ في جميعِه؛ لأنَّه لمَّا صَحَّ أن يُدَبِّرَ نِصْفَه ابْتِداءً، صَحَّ أن يَرْجِعَ في تَدْبيرِ نِصْفِه.
وإن غَيَّرَ التَّدْبِيرَ، فكان مُطْلَقًا، فجَعَلَهُ مُقَيَّدًا [صار مُقَيَّدًا] 262، إن قُلْنا: يَصِحُّ الرجوعُ.
وإلَّا فلا.
فإن كان مُقَيَّدًا فأطْلَقَه، صَحَّ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّه زيادةٌ فلا يُمْنَعُ منها.
وإذا دَبَّرَ الأخْرَسُ، وكانت إشارَتُه أو كِتابَتُه مَعْلُومةً، صَحَّ تَدْبِيرُه.
ويَصِحُّ رُجُوعُه، إن قُلْنا بصِحَّةِ الرُّجوعِ في التَّدْبِيرِ؛ لأنَّ إشارَتَه وكِتابَتَه تقومُ مَقامَ نُطْقِ النَّاطقِ في أحْكامِه، وإن دَبَّرَ وهو نَاطِقٌ، ثم خَرَس، صَحَّ رُجُوعُه بإشارَتِه المعلومةِ أو كِتابَتِه.
وإن لم تُفْهَمْ إشارَتُه، فلا عِبْرَةَ بها؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ رُجُوعُه.

الجزء: 19 - الصفحة: 150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا رُهِنَ المُدَبَّرُ لم يَبْطُلْ تَدْبِيرُه؛ لأنَّه تَعْلِيقٌ للعِتْقِ بصِفَةٍ.
فإن مات السيدُ وهو رَهْنٌ عَتَق، وأُخِذَ مِن تَرِكَتِه قِيمَتُه، فتكونُ رَهْنًا مَكانَه؛ لأنَّ عِتْقَه بسَبَبٍ مِن جِهَةِ سيدِه، فأشبَهَ ما لو باشَرَه بالعِتْقِ نَاجِزًا.

الجزء: 19 - الصفحة: 151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن ارْتَدَّ المُدَبَّرُ ولَحِقَ بدارِ الحَرْبِ لم يَبْطُلْ تَدْبِيرُه؛ لأنَّ مِلْكَ سيدِه باقٍ عليه، ويَصِحُّ تَصَرُّفه فيه بالعِتْقِ والهِبَةِ والبَيعِ، إن كان مَقْدُورًا عليه.
فإن سَباه المسلمون لم يَمْلِكُوه؛ لأنَّه مَمْلُوكٌ لمَعْصُومٍ، ويُرَدُّ إلى سَيِّدِه إن عُلِمَ به قبلَ قَسْمِه.
ويُسْتَتابُ فإن تاب وإلَّا قُتِلَ، وإن لم يُعْلَمْ به حتى قُسِمَ، لم يُرَدَّ إلى سَيِّدِه، في إحْدَى الرِّوايَتَين.
والأُخرَى، إنِ اخْتارَ سَيِّدُه أخْذَه بالثَّمَنِ الذي حُسِبَ به على آخِذِه أخَذَه وإن لم يَختَرْ أخْذَه، بَطَل تَدْبِيرُه.
ومتى عاد إلى سَيِّدِه بوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ، عادَ تَدْبِيرُه.
وإن لم يَعُدْ إلى سَيدِه، بَطَل تَدْبِيرُه، كما لو بِيعَ وكان رقِيقًا لمَن هو في يَدِه.
وإن مات سَيِّدُه قبلَ سَبْيِه عَتَقَ.
فإن سُبِيَ بعدَ هذا لم يُرَدَّ إلى وَرَثَةِ سَيِّدِه؛ لأنَّ مِلْكَه زال عنه بحُرِّيتِه، فصار كأحْرارِ دارِ الحَرْبِ، ولكن يُسْتَتابُ، فإن تاب وأسْلَمَ صارَ رَقِيقًا، يُقْسَمُ بينَ الغانِمينَ.
وإن لم يَتُبْ قُتِلَ، ولم يَجُزِ اسْتِرْقاقُه؛ لأنَّه لا يُقَرُّ على كُفْرِه.
وقال القاضي: لا يَجُوزُ اسْتِرْقاقُه إذا أسْلَمَ.
وهو قولٌ للشافعيِّ؛ لأنَّ في اسْتِرْقاقِه إبطَال ولاءِ المسلمِ

الجزء: 19 - الصفحة: 152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الذي 263 أعْتَقَه.
ولَنا، أنَّ هذا لا يَمْنَعُ قَتْلَه، وإذْهابَ نفسِه وولائه، فلأنْ لا يَمْنَعَ تَمَلُّكَه أوْلَى، ولأنَّ المَمْلُوكَ الذي لم 264 يُعْتِقْه سيدُه يَثْبُتُ المِلْكُ فيه للغانِمين إذا لم يُعْرَفْ مالِكُه بعَينِه، ويَثْبُتُ فيه إذا قُسِمَ قبلَ العِلْمِ بمالِكِه، والمِلْكُ آكَدُ مِن الولاءِ، فلأنْ يَثْبُتَ مع الولاءِ وحدَه أوْلَى.
فعلى هذا، لو كان المُدَبَّرُ ذِميًّا فلَحِقَ بدارِ الحربِ، ثم مات سَيدُه، أو أعْتَقَه، ثم قَدَر عليه المسلمون فسَبَوْه، ملَكُوه وقَسَمُوه.
وعلى قولِ القاضي، وقولِ الشافعيِّ، لا يَمْلِكُونه.
فإن كان سَيدُه ذِميًّا، جاز اسْتِرْقاقُه في قولِ القاضي.
ولأصحاب الشافعيِّ في اسْتِرْقاقِه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يجوزُ.
وهذا حُجَّةٌ عليهم؛ لأنَّ عِصْمَةَ مالِ الذِّميِّ كعِصْمَةِ مالِ المسلمِ، بدليلِ قَطعِ سارِقِه 265 سواءٌ كان مسلمًا أو ذِميًّا، ووُجُوبِ ضَمانِه، وتَحْرِيم تَمَلكِ مالِه إذا أخَذَه الكفارُ ثم قَدَر عليه المسلمون فأدْرَكَه صاحِبُه قبلَ

الجزء: 19 - الصفحة: 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القِسْمةِ.
قال القاضي: الفَرْقُ بينَهما أنَّ سَيِّدَه ههُنا لو لَحِقَ بدارِ الحربِ جازَ تَمَلُّكُه، فجازَ تَمَلُّكُ عَتيقِه؛ بخِلافِ المسلمِ.
قُلْنا: إنَّما جاز اسْتِرْقاقُ سَيِّدِه؛ لزوالِ عِصْمَتِه، وذَهابِ عاصِمِه، وهو ذِمَّتُه وعَهْدُه، وأمَّا إذا ارْتَدَّ مُدَبَّرُه، فإنَّ عِصْمةَ ولائِه ثابتةٌ بعِصْمَةِ مَن له وَلاؤُه، وهو والمسلمُ في ذلك سواءٌ، فإذا جاز إبْطالُ أحَدِهما، جاز في الآخرِ مثلُه.
فصل: فإنِ ارْتَدَّ سَيِّدُ المُدَبَّرِ، فذكَرَ القاضي أنَّ المذهبَ أنَّه يكونُ مَوْقوفًا، فإن عاد إلى الإسلامِ فالتَّدْبِيرُ باق بحالِه؛ لأنَّا 266 تَبَينا أنَّ مِلْكَه لم يَزُلْ، وإن قُتِلَ أو مات على رِدَّتِه لم يَعْتِقِ المُدَبَّرُ؛ لأنَّا تَبَّينّا أن مِلْكَه زال برِدَّتِه.
وقال أبو بكرٍ: قياسُ قولِ أبي عبدِ اللهِ، أنَّ تَدْبِيرَه يَبْطُلُ

الجزء: 19 - الصفحة: 154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالرِّدَّةِ، فإن عاد إلى الإِسْلام استأْنَف التَّدْبيرَ.
وقال الشافعيُّ: التَّدْبِيرُ باقٍ، ويَعْتِقُ بمَوتِ سَيِّدِه؛ لَأنَّ تَدْبِيرَه سَبَقَ رِدَّتَه، فهو كبَيعِه وهِبَتِه قبلَ ارْتِدادِه.
وهذا يَنْبَني على القولِ في مالِ المُرْتَدِّ، هل هو باق على مِلْكِه، أو قد زال برِدَّتِه؟ وسيُذْكَرُ في بابِ المُرْتَدِّ.
فأمّا إن دَبَّرَ في حالِ رِدَّتِه، فتَدْبِيرُه مُراعًى؛ إن عاد إلى إلإِسْلامِ تَبَيَّنّا أنَّ تَدْبِيرَه وَقَعَ صَحِيحًا، وإن قُتِلَ أو مات تَبَيَّنّا أنَّه وَقَعَ بَاطِلًا، ولم يَعْتِقِ المُدَبَّرُ.
وقال ابنُ أبي موسى: تَدْبِيرُه باطلٌ.
وهو قولُ أبي بكرٍ؛ لأنَّ المال يزولُ بالرِّدَّةِ، وإذا أسْلَمَ رُدَّ إليه تَملُّكًا 267 مُسْتَأنَفًا.

الجزء: 19 - الصفحة: 155

وَلَهُ بَيعُ الْمُدَبَّرِ وَهِبَتُهُ.
وَإنْ عَادَ إِلَيهِ عَادَ التَّدْبِيرُ.
وَعَنْهُ، لَا يُبَاعُ إلا في الدَّينِ.
وَعَنْهُ، لَا تُبَاعُ الْأمَةُ خَاصَّةً.

2965 - مسألة: (وله بَيعُ المُدَبَّرِ وَهِبَتُهُ. وإن عاد إليه عاد التَّدْبِيرُ. وعنه، لا يُباعُ إلَّا في الدَّينِ. وعنه، لا تُباعُ الأمَةُ خاصَّةً)

اخْتَلَفْتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في بَيعِ المُدَبَّرِ؛ فنَقَل عنه جَماعَةٌ جوازَ بَيعِه مُطْلَقًا، في الدَّينِ وغيرِه، مع الحاجَةِ وعَدَمِها.
قال إسماعيلُ بنُ سعيدٍ 268: سألتُ أحمدَ عن بَيعِ المُدَبَّرِ إذا كان بالرجلِ

الحديث: 2965 - الجزء: 19 - الصفحة: 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حاجَةٌ إلى ثَمَنِه، فقال: له أن يَبِيعَه، مُحْتاجًا كان أو غيرَ محتاجٍ.
قال شيخُنا 269: وهذا هو الصَّحِيحُ.
ورُوِيَ مثلُ هذا عن عائشةَ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وطاوُس، ومُجاهِدٍ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وكَرِهَ بَيعَه ابنُ عُمَرَ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وابنُ سيرينَ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأي، ومالكٌ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ روَى، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يُباعُ المُدَبَّرُ ولا يُشْتَرَى» 270. ولأنَّه اسْتَحَقَّ العِتْقَ بمَوتِ سَيِّدِه، أشْبَهَ أمَّ الوَلَدِ.
ولَنا، ما روَى جابِرٌ أنَّ رَجُلًا أعْتَقَ مَمْلُوكًا له عن دُبُرٍ، فاحْتاجَ، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟» فباعَه مِن نُعَيمِ بنِ عبدِ اللهِ بثَمانِمائةِ دِرْهَمٍ، فدَفَعَها إليه، وقال: «أنتَ أحْوَجُ مِنْهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 271. قال جابرٌ: عَبْدٌ قِبْطِيٌّ مات عامَ أولَ في إمارةِ ابنِ الزُّبَيرِ.
قال أبو إسْحاقَ الجُوزْجانِيُّ: صَحَّت أحادِيثُ بَيعِ المُدَبَّرِ باسْتِقامَةِ الطرُّقِ.
والخَبَرُ إذا ثَبَتَ اسْتُغْنِيَ به عن غيرِه مِن رَأيِ الناسِ.
ولأنَّه عِتْقٌ بصِفَةٍ ثَبَتَ بقولِ المُعْتِقِ، فلم يَمْنَع البَيعَ، كما لو قال: إن دَخَلْتَ الدارَ فأنْتَ حُرٌّ.
ولأنَّه تَبَرُّع بمالٍ بعدَ الموتِ،

الجزء: 19 - الصفحة: 157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلَم يَمْنَعِ البَيعَ في الحياةِ، كالوَصِيِّةِ.
قال أحمدُ: هم يقولون: مَن قال: غُلامِي حُرٌّ رأسَ الشَّهْرِ.
فله بَيعُه قبلَ رأسِ الشهرِ.
فإن قال: غدًا.
فله أن يبيعَه اليومَ.
وإن قال: إذا مِتُّ.
قال: لا يَبِيعُه.
فالموتُ أكبرُ 272 مِن الأجَلِ، ليس هذا قِياسًا، إن جاز أن يَبِيعَه قبلَ رأسِ الشَّهْرِ، فله أن يَبِيعَه قبلَ مَجئِ الموتِ، وهم يقولون في مَن قال: إن مِت مِن مَرَضِي هذا فعَبْدي حرٌّ.
ثم لم يَمُت مِن مَرَضِه ذلك، فليس بِشَيءٍ.
فإن قال: إن مِتُّ فهو حرٌّ.
لا يُباعُ.
هذا مُتناقِضٌ، إنَّما أصْلُه الوَصِيِّةُ مِن الثُّلُثِ، فله أن يُغيِّرَ وصِيَّتَه ما دام حَيًّا.
فأمَّا خَبَرُهُم، فلم يَصِحَّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، إنَّما هو مِن قولِ ابنِ عمرَ.
قال الطَّحاويُّ: هو عِن ابنِ عمرَ، وليس بمُسْنَدٍ عن رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد بعدَ الموتِ، أو على الاستِحْبابِ.
ولا يَصِحُّ قياسُه على أمِّ الوَلَدِ؛ لأنَّ عِتْقَها يثْبُتُ بغيرِ اخْتِيارِ سَيِّدِها، وليس بتَبَرُّع، ويكونُ مِن جميعِ المالِ، ولا يُمْكِنُ إبْطالُه بحالٍ، والتَّدْبِيرُ بخِلافِه.
والهِبَةُ كالبَيعِ؛ لأنَّها تَمْلِيكٌ في الحياةِ، فأشْبَهَتِ البَيعَ.
ورُوِيَ [عن أحمدَ] 273 رِوايةٌ ثانيةٌ، أنَّه لا يُباعُ إلَّا في الدَّينِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وقال مالكٌ: لا يُباعُ إلَّا في دَين يَغْلِبُ رَقَبَةَ العَبْدِ.
فإذا

الجزء: 19 - الصفحة: 158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كان العَبدُ يُساوي ألفًا، وكان عليه خَمْسُمائةٍ، لم يُبَعْ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: أنا أرَى بَيعَ المُدَبَّرِ في الدَّينِ، وإذا كان فَقِيرًا لا يَمْلِكُ شيئًا رأيتُ أن أبِيعَه؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - باع المُدَبَّرَ لمَّا عَلِمَ أنَّ صاحِبَه لا يَمْلِكُ شيئًا غيرَه، باعَه النبي - صلى الله عليه وسلم - لِما علِمَ [مِن حاجَتِه] 274. وهذا قولُ إسحاقَ، وأبي أيوبَ، وأبي خَيثَمَةَ 275، وقالا 276: إن باعه مِن غيرِ حاجةٍ أجَزْناه.
وهذا مِثلُ الرِّوايةِ الأولَى.
ووَجْهُ قولِ الخِرَقِيِّ والرِّوايةِ التي قال أحمدُ أنَّه يَرَى بَيعَه في الدَّينِ وإذا كان صاحِبُه فَقِيرًا لا يَمْلِكُ غيرَه، حَدِيثُ 277 جابرٍ المَذْكُورُ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - باع المُدَبَّرَ عندَ الحاجةِ، فلا يُتَجاوَزُ به مَوْضِعَ الحاجةِ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ رابعة، أنَّ الأمَةَ لا تُباعُ خاصَّةً.
قال شيخُنا 278: لا نَعْلَمُ هذا التَّفْرِيقَ بينَ المُدَبَّرِ والمُدَبَّرَةِ عن

الجزء: 19 - الصفحة: 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  غيرِ إمامِنا، رحِمَه الله، وإنَّما احْتاطَ في روايَةِ المَنْعِ مِن بَيعِها؛ لأنَّ فيه إباحةَ فَرْجِها، وتَسْلِيطَ مُشْتَرِيها علي وَطْئِها مع الخِلافِ في بَيعِها وحِلِّها، فكرِه الإِقْدَامَ على ذلك مع الاخْتِلافِ فيه، والظاهِرُ أنَّ المَنْعَ منه كان على سَبِيلِ الوَرَعِ لا على التَّحْريمِ؛ فإنَّه إنَّما قال: لا يُعْجِبُنِي بَيعُها.
والصَّحِيحُ جَوَازُ بَيعِها، فإنَّ عائِشَةَ باعَتْ مُدَبَّرَةً لها سَحَرَتْها.
ولأنَّ المُدَبَّرَةَ في مَعْنَى المُدَبَّرِ، فما ثَبَتَ فيه ثَبَتَ فيها.

2966 -

مسألة: (وإن عاد إليه عاد التَّدْبِيرُ)

لأنَّه عَلَّقَ عِتْقَه بصِفَةٍ 279 فإذَا باعه [ثم عاد إليه] 280، عادت الصِّفَةُ إليه 281، كما لو قال: أنتَ حُرٌّ إن دَخَلْتَ الدارَ.
فباعه ثم اشْتَراه.
وذَكَرَ القاضي، أن هذا مَبْنِيٌّ على أنَّ التَّدْبِيرَ تَعْلِيقٌ بصِفَةٍ.
وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه وَصِيَّةٌ، فيَبْطُلُ بالبَيعِ، ولا يَعُودُ؛ لأنَّه لو وَصَّى بشيءٍ ثم باعه بَطَلَتِ الوَصِيَّةُ، ولم تَعُدْ بشِرائِه.

الحديث: 2966 - الجزء: 19 - الصفحة: 160

وَمَا وَلَدَتِ الْمُدَبَّرَةُ بَعْدَ تَدْبِيرِهَا فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهَا، وَلَا يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا مِنْ قَبْلِ التَّدْبِيرِ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ، إلَّا أنَّ عَوْدَ الصِّفَةِ بعدَ الشِّراءِ له فيه قولان.
والصَّحِيحُ أنَّ الصِّفَةَ تَعُودُ بِعَوْدِه إلى مِلْكِه؛ لأنَّ التَّدْبِيرَ وُجِدَ فيه التَّعْلِيقُ بصِفَةٍ (1)، فلا يَزُولُ حُكْمُ التَّعْلِيقِ بوُجُودِ مَعْنى الوَصِيِّةِ فيه، بل هو جامِعٌ للأمْرَين (2)، وغيرُ مُمْتَنِعٍ وُجُودُ الحُكْمِ بسَبَبَين، فيَثْبُتُ حُكْمُهما فيه.

2967 -

مسألة: (ومَا ولدتِ المُدَبَّرَةُ بعدَ تَدْبيرِها فهو بمَنْزِلَتِها، ولا يَتْبَعُها وَلَدُها مِن قبلِ التَّدْبِيرِ)

وجملةُ ذلك، أنَّ الولدَ الحادِثَ مِن المُدَبَّرَةِ بعدَ تَدْبِيرِها لا يَخْلُو مِن حالينِ؛ أحَدُهما، أن يكونَ مَوْجودًا حال تَدْبِيرِها، ويُعْلَمُ ذلك بأن تَأتِيَ به لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهرٍ مِن حينِ282283

الحديث: 2967 - الجزء: 19 - الصفحة: 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  التَّدْبِيرِ، فهذا يَدْخُلُ معها في التَّدْبيرِ بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه كعُضْوٍ مِن أعْضَائِها، فإن بَطَلَ التَّدْبِيرُ في الأَمِّ لِبَيعٍ أو مَوْتٍ، أو رُجُوعٍ بالقولِ، لم يَبْطُلْ في الوَلَدِ؛ لأنَّه ثَبَتَ أصْلًا.
الحالُ الثاني، أن تَحْمِلَ به بعدَ التَّدْبِيرِ، فهذا يَتْبَعُ أمَّهُ في التَّدْبِيرِ، ويكونُ حُكْمُه حُكْمَها في العِتْقِ بمَوتِ سَيِّدِها، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ 284، وابنِ عمرَ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، والقاسمُ، ومجاهدٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والحسنُ بنُ صالحٍ، وأصحابُ الرَّأي.
وذكَرَ القاضي أنَّ حَنْبَلًا نَقَلَ عن أحمدَ، أنَّ وَلدَ المُدَبَّرَةِ عبدٌ إذا لم يَشْرُطِ المَوْلَى.
قال: فظاهِرُ هذا أنَّه لا يَتْبَعُها، ولا يَعْتِقُ بمَوتِ سَيدِها.
وهذا قولُ جابرِ بنِ زيدٍ، وعطاءٍ.
وللشافعيِّ قوْلان كالمَذْهَبَين؛ أحَدُهما، لا يَتْبَعُها.
وهو اخْتِيارُ المُزَنِيِّ؛ لأنَّ عِتْقَها مُعَلَّقٌ بصِفَةٍ، ثَبَتَ بقولِ المُعْتِقِ وَحْدَه، فأشْبَهَتْ مَن عُلِّقَ عِتْقُها بدُخولِ الدارِ.
قال جابرُ بنُ زيدٍ: إنَّما هو بمَنْزِلةِ الحائطِ تَصَدَّقْتَ به إذا مِتَّ، فإنَّ ثَمَرَتَه لك ما عِشْتَ.
ولأنَّ التدبيرَ

الجزء: 19 - الصفحة: 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَصِيَّةٌ، وولدُ المُوصَى بها قبلَ الموتِ لسيدِها.
ولَنا، ما رُوِيَ عن عمرَ، وابنِ عمرَ، وجابرٍ 285، أنَّهم قالوا: ولَدُ المُدَبَّرَةِ بمَنْزِلَتِها.
ولم نَعْرِفْ لهم في الصحابةِ مُخَالفًا، فكان إجْماعًا، ولأنَّ الأمَّ اسْتَحَقَّتِ الحُرِّيةَ بموتِ سَيدِها، فيَتْبَعُها ولَدُها، كأُمِّ الولدِ.
ويُفارِقُ التَّعْلِيقَ بصِفَةٍ في الحياةِ، والوَصِيَّةَ؛ لأنَّ التَّدْبِيرَ آكَدُ مِن كلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّه اجْتَمَعَ فيه الأمرانِ 286، وما وُجِدَ فيه سببان آكَدُ ممَّا وُجِدَ فيه أحَدُهما، ولذلك لا يَبْطُلُ بالمَوْتِ، ولا بالرُّجُوعِ عنه.
فعلى هذا، إن بَطَلَ التَّدْبِيرُ في الأُمِّ لمعنًى اخْتَصَّ بها مِن بَيعٍ، أو مَوْتٍ، أو رُجُوعٍ، لم يَبْطُلْ في وَلَدِها، ويَعْتِقُ بمَوتِ سَيدِها، كما لو كانت أمُّه باقِيَةً على التَّدْبِيرِ.
فإن لم يَتَّسِع الثُّلُثُ لهما جميعًا أُقْرِعَ بينَهما، فأيُّهما خَرَجَتِ القُرْعَةُ له عَتَق إنِ احْتَمَلَه الثُّلُثُ، وإلَّا عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلُثِ.
وإن فَضَلَ مِن الثُّلُثِ بعدَ عِتْقِه شيءٌ كُمِّلَ مِن الآخَرِ، كما لو دَبَّرَ عَبْدًا و 287 أمَةً معًا.

الجزء: 19 - الصفحة: 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأمَّا الولدُ الذي وُجِدَ قبلَ التَّدْبِيرِ، فلا يَتْبَعُها؛ لأنَّه لا يَتْبَعُ في العِتْقِ المُنْجَزِ، ولا في حُكْمِ الاسْتِيلادِ، ولا في الكِتابةِ، فلأنْ 288 لا يَتْبَعَ في التَّدْبيرِ أوْلى، فإنَّ المَيمُونِيَّ قال: قلتُ لأحمدَ: ما كان مِن ولَدِ المُدَبَّرَةِ قبلَ أَن تُدَبَّرَ.
[قال: لا] 289 يَتْبَعُها مِن ولَدِها ما كان قبلَ ذلك، إنَّما يَتْبَعُها

الجزء: 19 - الصفحة: 164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ما كان بعدَ ما دُبِّرَتْ.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ رِوايةً أُخْرَى، أنَّه يَتْبَعُها في التَّدْبِيرِ، كالموْلودِ 290 بعدَه؛ لأنَّ حَنْبَلًا قال: سَمِعْت عَمِّي يقولُ في الرجلِ يُدَبِّرُ الجارِيَةَ ولها ولَدٌ، قال: ولَدُها معها.
قال شيخُنا 291: وهذا بَعِيدٌ، والظاهِرُ أنَّ أحمدَ إنَّما أراد وَلَدَها بعدَ التَّدْبِيرِ، على ما صَرَّحَ به في غيرِ هذه الرِّوايةِ، فإنَّ ولدَها لا يَتْبَعُها في شيءٍ مِن 292 الأسْبابِ التي تَنْقُلُ المِلْكَ في الرِّقَبَةِ، مِن البَيعِ، والهِبَةِ، والوَقْفِ، ولا يَتْبَعُها في الاسْتِيلادِ الذي هو آكَدُ مِن التَّدْبِيرِ، فلأنْ 293 لا يَتْبَعَها في التَّدْبِيرِ أوْلَى.
فصل: فأمّا ولَدُ المُدَبَّرِ، فحُكْمُه حُكْمُ أمِّه، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
وهو قولُ ابنِ عمرَ، وعطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، واللَّيثِ؛ لأنَّ الولَدَ يَتْبَعُ الأمَّ في الرِّقِّ والحُرِّيةِ.
فإن تَسَرَّى المُدَبَّرُ بإذنِ سَيِّدِه فوُلدَ له،

الجزء: 19 - الصفحة: 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فرُوِي عن أحمدَ، أنَّهم يَتْبَعُونَه في التَّدْبِيرِ.
ورُوِيَ ذلك عن مالكٍ.
وهو أحدُ الوَجْهَين لأصْحاب الشافعيِّ؛ لأنَّ إباحةَ التَّسَرِّي تَنْبَني على ثُبوتِ المِلْكِ، ووَلَدُ الحُرِّ مِن أَمَتِه يَتْبَعُه في الحُرِّيةِ دُونَ أُمَّه، كذلك ولدُ المُدَبَّرِ مِن 294 أمَتِه يَتْبَعُه دُونَها، ولأنَّه وَلَدُ مَن يَسْتَحِقُّ الحُرِّيَّةَ مِن أمَتِه، فيَتْبَعُه في ذلك، كولدِ المُكاتَبِ مِن أمَتِه.
فصل: وإذا وَلَدَتِ المُدَبَّرَةُ، فرَجَعَ في تَدْبِيرِها، وقُلْنا بصِحَّةِ الرُّجُوعِ، لم يَتْبَعْها ولدُها؛ لأنَّ الولدَ المُنْفَصِلَ لا يَتْبَعُ في الحُرِّيةِ ولا في التَّدْبِيرِ، ففي الرُّجوعِ أوْلَى.
وإن رَجَع في [تدبيرِه وحدَه جاز؛ لأنَّه إذا جاز الرُّجُوعُ في الأمِّ المباشَرةِ بالتَّدْبِيرِ، ففي غيرِها أوْلَى.
فإن رجَع في] 295 تدبيرِهما، جاز، كما لو دَبَّرَها وابنَها 296 المُنْفَصِلَ.
وإن دَبَّرَها حامِلًا، ثم رَجَع في تَدْبِيرِها حال حَمْلِها، لم يَتْبَعْها الولَدُ في الرُّجُوعِ؛ لأنَّ التَّدْبِيرَ إعْتاقٌ، والإعْتاقُ مَبْنِيٌّ على التَّغْلِيبِ والسِّرايةِ، والرُّجُوعُ عنه

الجزء: 19 - الصفحة: 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بعَكْس ذلك، فلم يَتْبَعْ الولَدُ فيه.
وهذا كما لو وُلِدَ له تَوْأمان، فأقَرَّ بأحَدِهما، لحِقاه جميعًا، وإن نَفَى 297 أحَدَهُما، لم يَنْتَفِ الآخَرُ، وإن رَجَعَ في أحدِهما دُونَ الآخَرِ، جاز.
وإن دَبَّرَ الولَدَ دُونَ أمِّه، أو الأمَّ دُونَ ولدِها، جاز؛ لأنَّه يجوزُ أن يُعْتِقَ كلَّ واحدٍ منهما دُونَ صاحِبِه، فجَوازُ أن يُدَبِّرَ أحَدَهما دُونَ صاحِبِه أوْلَى، ولأنَّه تَعْلِيقٌ للعِتْقِ بصِفَةٍ، فجاز في أحَدِهما دُونَ الآخَرِ، كالتَّعْلِيقِ بدُخُولِ الدارِ.
وإن دَبَّرَ أمَتَه ثم قال: إن دَخَلْتِ الدارَ فقد رَجَعْتُ في تَدْبيرِي.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الرجوعَ لا يَصِحُّ تَعْلِيقُه بصِفَةٍ 298. وإن قال: كلَّما ولَدْتِ وَلَدًا فقد رَجَعْتُ في تدبِيرِه.
لم يَصِحَّ؛ لذلك.
فصل: إذا اخْتَلَفتِ المدَبَّرَةُ ووَرَثَةُ سيدِها في ولَدِها، فقالت: ولَدْتُهم بعدَ تَدْبِيرِي، فعَتَقُوا مَعِي.
وقال الوَرَثَةُ: بل ولدتِيهم 299 قبلَ تَدْبِيرِكِ، فهم مَمْلُوكُون لنا.
فالقولُ قولُ الوَرَثَةِ مع أْيمانِهم؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ رِقِّهم

الجزء: 19 - الصفحة: 167

وَلَهُ إِصَابَةُ مُدَبَّرَتِهِ، فَإِنْ أولَدهَا بَطَلَ تَدْبِيرُهَا.
وانتفاءُ الحُرِّيةِ عنهم، فإذا لم تكنْ بَيَنة، فالقَوْلُ قولُ من يُوافِقُ قولُه الأصْلَ.
فصل: وكَسْبُ المُدَبَّرِ في حَياةِ سَيِّدِه لسيدِه، له أخْذُه منه؛ لأنَّ التَّدْبِيرَ لا يخْرُجُ عن شِبْههِ بالوَصِيَّةِ بالعِتْقِ، أو بالتَّعْلِيقِ له على صِفَةٍ، أو بالاسْتِيلادِ، وكلُّ هؤلاء كَسْبُهم لسيدِهم، فكذلك المدَبَّرُ.
فإنِ اختَلَفَ هو ووَرَثَةُ سيدِه فيما (1) بيَدِه بعدَ عِتْقِه، فقال: كَسبْتُه بعدَ حرِّيَّتي.
وقالوا: بل قبلَها.
فالقولُ قولُه؛ لأنَّه في يَدِه، ولم يثْبُتْ مِلكُهمٍ عليه، بخِلافِ الولَدِ، فإنَّه كان رقيقًا لهم.
فإن أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنةً بدَعْواه، قُدِّمتْ بَيِّنَةُ الوَرَثَةِ عندَ مَن يَرَى تَقْدِيمَ بَيِّنةِ الخارِجِ، وبَيِّنَةُ المُدَبَّرِ عندَ مَن يُقَدِّمُ بَيَنةَ الدَّاخِلِ.
فإن أقَرَّ المُدَبَّرُ أن ذلك كان في يَدِه في حياةِ سيدِه، ثم تَجَدَّدَ مِلْكُه عليه بعدَ موتِه، فالقولُ قولُ الوارِثِ؛ لأنَّ الأصْلَ معهم (2). وإن أقام المُدَبَّرُ بَيِّنةً بدَعْواه، قُبِلَتْ، وتُقَدَّمُ على بَينةِ الوَرَثةِ إن كانت لهم بَينةٌ؛ لأنَّ بَيِّنَتَه تَشْهَدُ بزِيادةٍ، وإن لم يُقِرَّ المُدَبَّرُ بأنَّه كان له في حياةِ سَيِّدِه، فأقام الورثةُ بَيِّنةً به، فهل تُسْمَعُ بَيِّنتُهم؟ على وَجْهَين.

2968 -

مسألة: (وله إصابَةُ مُدَبَّرَتِه، فإن أوْلَدَها بَطَلَ تَدْبِيرُها)

300301 الحديث: 2968 - الجزء: 19 - الصفحة: 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يباحُ وَطْءُ أمَتِه المُدَبَّرَةِ.
وقد رُوِيَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه دَبَّرَ أمَتَين، وكان يَطَؤُهما 302. ومِمَّن رأى ذلك ابنُ عباس، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعطاءٌ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ.
قال أحمدُ: لا أعْلَمُ أحدًا كَرِهَ ذلك غيرَ الزُّهْرِيِّ.
وحُكِيَ عن الأوْزَاعِيِّ، أنَّه كان يقولُ: إن كان يطؤُها قبلَ تَدْبِيرِها فلا بأْسَ بوَطْئِهَا بعدَه، وإن كان لا يَطَؤُها قَبلَه لم يَطَأْها بعدَ التَّدْبِيرِ.
ولَنا، أنَّها مَمْلُوكَتُه، لم تَشْتَرِ نَفْسَها منه، فحلَّ له وَطْؤُها، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ﴾ 303. وقياسًا على أُمِّ الوَلَدِ.
فصل: وابنةُ المُدَبَّرَةِ مِثْلُها في حِلِّ وَطْئِها، إن لم يكنْ وَطِئَ أمَّها.
وعنه، ليس له وَطْؤُها؛ لأنَّ حَقَّ الحُرِّيةِ ثَبَت لها تَبَعًا، أشْبَهَ ولَدَ المُكاتَبةِ.
ولَنا، أنَّ مِلْكَ سَيِّدِها تام فيها، فحَلَّ له وَطْؤُها؛ للآيةِ، وكأُمِّها.
واسْتِحْقاقُها الحُرِّيةَ لا يَزيدُ على استِحْقاقِ أُمِّها، ولم يَمْنَعْ ذلك وَطْأَها.
وأمَّا وَلَدُ المُكاتَبةِ، فأُلحِقَتْ بأُمِّها، وأُمُّها يَحْرمُ وَطْؤُها، فكذلك

الجزء: 19 - الصفحة: 169

وَإنْ كَاتَبَ الْمُدَبَّرَ، أوْ دَبَّرَ الْمُكَاتَبَ، جَازَ.
ابْنَتُها، وأُمُّ هذه يَحِلُّ وَطْؤُها، فيَجِبُ إلْحاقُها بها.
وكلامُ أحمدَ مَحْمولٌ على أنَّه وَطِئَ أمَّها.
فصل: فإن أولَدَها بَطَلَ تَدْبِيرُها، لأنَّ مُقْتَضَى التَّدْبِيرِ العِتْقُ مِن الثُّلُثِ بعدَ الموتِ، والاستِيلادُ يَقْتَضِي ذلك، مع تأَكُّدِه وقُوَّتِه، فإنَّها تَعْتِقُ مِن رأسِ المالِ، وإن لم يَمْلِكْ غيرَها.
ولا يَمْنَعُ الدَّينُ عِتْقَها، فوَجَبَ أن يَبْطُلَ به التَّدْبِيرُ، كمِلْكِ الرَّقَبَةِ إذا طرأ على مِلْكِ النِّكاحِ، أبطَلَه.

2969 -

مسألة: (وإن كاتَبَ المُدَبَّرَ، أو دَبَّرَ المُكاتَبَ، جاز)

أما تَدْبِيرُ المُكاتَبِ، فهو صَحِيحٌ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، لأنَّه تَعْلِيقٌ لعِتْقِه بصِفَةٍ، وهو يَمْلِكُ إعْتاقَه، فيَمْلِكُ التَّعْلِيقَ.
وإن كان وَصِيَّةً، فهو وَصِيَّةٌ بما يَمْلِكُ وهو الإِعْتاقُ.
وتَصِحُّ كِتابةُ المُدَبَّرِ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ ابنِ مسعودٍ، وأبي هُرَيرَةَ، والحسنِ.
ولَفط حَدِيثِ أبي هُرَيرَةَ، عن مُجاهِدٍ، قال 304: دَبَّرَتِ امرَأةٌ مِن قُرَيش خادمًا لها، ثم أرادت أن تكاتِبَه، قال: فكنتُ 305 الرَّسولَ إلى أبي هُرَيرَةَ، فقال: كاتِبيه 306، فإن

الحديث: 2969 - الجزء: 19 - الصفحة: 170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أدَّى كِتابَتَه فذاك، وإن حَدَثَ بكِ حَدَث عَتَقَ.
قال: وأُراه قال: ما كان عليه له 307. ولأنَّ التَّدْبِيرَ إن كان عِتْقًا بصِفَةٍ، لم يَمْنَعِ الكِتابَةَ، كالذي عَلق عِتْقَه بدُخُولِ الدارِ.
وإن كان وَصِيَّةً، لم يَمْنَعْها، كما لو وَصَّى بعِتْقِه ثم كاتَبَه.
ولأنَّ التَّدْبِيرَ والكِتابةَ سَبَبان للعِتْقِ، فلم يَمْنَعْ أحَدُهما الآخَرَ، كتَدْبِيرِ المُكاتَبِ.
وذكر القاضي أنَّ التَّدْبِيرَ يَبْطُلُ 308 بالكِتابةِ، إذا قُلْنا: هو وَصِيَّةٌ.
كما لو وَصَّى به لرِجلٍ ثم كاتَبَه.
وهذا يُخالِفُ ظاهِرَ كلام أحمدَ، وهو غيرُ صَحِيح في نفْسِه.
ويُفارِقُ التَّدْبِيرُ الوَصِيَّةَ به لرجلٍ؛ لأنَّ مَقْصُودَ الكِتابةِ والتَّدْبِيرِ لا يَتَنافَيان، إذ كان المقصودُ منهما جميعًا العِتْقَ، فإذا اجْتَمَعا كانا آكَدَ لحُصُولِه، فإنَّه متى فات عِتْقُه بأحَدِهما حَصَل بالآخرِ، وأدلهما وُجِدَ قبلَ صاحِبِه حَصَل العِتْقُ به، ومَقْصُودُ الوَصِيَّةِ به والكِتابةِ يَتنافيان؛ لأنَّ الكِتابَةَ تُرادُ للعِتْقِ، والوَصِيَّةَ تُرادُ لحُصُولِ المِلْكِ فيه للمُوصَى له، ولا يَجْتَمِعان.

الجزء: 19 - الصفحة: 171

فَإِنْ أَدَّى عَتَقَ، وَإنْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَ الأدَاءِ عَتَقَ، إِنْ حَمَلَ الثُّلُثُ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ، وَإلَّا عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَيسقَطَ مِنَ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ، وَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ فِيمَا بَقِيَ.

2970 - مسألة: (فإن أدَّى عَتَقَ)

بالكِتابةِ، وبَطَلَ التَّدْبِيرُ (وإن مات سيدُه قبلَ الأدَاءِ عَتَقَ، إن حَمَلَ الثُّلُثُ ما بَقِيَ مِن كِتابتِهِ) وبَطَلَت الكِتابةُ، وإن لم يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ (عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلُثِ، وسَقَط مِن الكِتابةِ بقَدْرِ ما عَتَقَ) منه وكان (على الكِتابةِ فيما بَقِيَ).
فصل: ومتى عَتَق بالتَّدْبِيرِ، كان ما في يَدِه لسيدِه؛ لأنَّه كان له قَبْلَ العِتْقِ، فيكُونُ له بعدَ العِتْقِ، كما لو لم يكنْ مُكاتَبًا وبَطَلَتِ الكِتابةُ.
ذَكره أصحابُنا.
ومذهبُ الشافعيِّ، أنَّ ما في يدِه له إذا لم يكنْ عَجَزَ.
قال شيخُنا: وعندي أنَّه يَنْبَغِي أن يَعْتِقَ ويَتْبَعَه وَلَدُه وأكسابُه 309؛ لأنَّ السيدَ لا يَمْلِكُ إبْطال كِتابَتِه؛ لكونِها عقْدًا لازِمًا مِن جِهَتِه، وإنَّما يمْلِكُ إسْقاطَ حَقِّه عليه.
فأمَّا ما يَسْتَحِقه المُكاتَبُ مِن أولادِه وأكْسابِه، فلا يَتَمَكَّنُ السيدُ مِن أخْذِه، ويَصِيرُ كما لو أبرأه مِن مال الكِتابةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُريدوا 310 بالبُطلانِ زوال العَقْدِ دُونَ سُقُوطِ أحْكامِه.
والله أَعلمُ.

الحديث: 2970 - الجزء: 19 - الصفحة: 172

وَإذَا دَبَّرَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ لَمْ يَسْرِ إِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَإنْ أعْتَقَ شَرِيكُهُ سَرَى إِلَى الْمُدَبَّرِ، وَغَرِمَ قِيمَتَهُ لِسَيِّدِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَن يَسْرِيَ

2971 - مسألة: (وإذا دَبَّرَ شِرْكًا له في عبدٍ لم يَسْرِ إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، وإن أعْتَقَ شَرِيكُه سَرَى إلى المُدَبَّرِ، وغَرِمَ قِيمَتَه لسيدِه.

الحديث: 2971 - الجزء: 19 - الصفحة: 173

في الْأوَّلِ دُونَ الثَّاني.
ويَحْتَمِلُ أن يَسْرِيَ في الأوَّلِ دُونَ الثاني) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا دَبَّرَ أحدُ الشَّرِيكَين نَصِيبَه، لم يَسْرِ التَّدْبِيرُ إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا.
وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ وجْهًا، أنَّه يَسْرِي تَدْبيرُه إذا كان مُوسِرًا، ويُقَوَّمُ عليه نَصِيبُ شَريكِه.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ العِتْقَ بمَوْتِ سيدِه، فسرَى ذلك فيه، كالاسْتِيلادِ.
وللشافعيِّ قولانِ، كالمَذْهَبَين.
ولَنا، أَنه تَعْلِيقٌ للعِتْقِ بصِفَةٍ فلم يَسْرِ، كتَعْلِيقِه بدُخُولِ الدارِ، ويفارِقُ الاسْتِيلادَ، فإنَّه آكَدُ، ولهذا يَعْتِقُ مِن جميعِ المالِ، ولو قَتَلَت سيدَها لم يَبْطُلْ حُكْمُ اسْتِيلادِها، والمُدَبَّرُ بخِلافِ ذلك.
فعلى هذا، إن مات المُدَبرُ عَتَقَ نَصِيبُه إن خَرَجَ مِن الثُّلُثِ، وهل يَسْرِي إلى نصِيبِ شَرِيكِه إن كان مُوسِرًا؟ فيه روايتان، ذَكَرْناهما في كتابِ العِتْقِ 311. فإنْ أعتَقَ الشَّرِيكُ نَصِيبَه قبلَ موتِ السيدِ وهو مُوسِرٌ، عَتَقَ وسَرَى إلى نَصِيبِ المُدَبِّرِ.
وذَكَر القاضي، وأبو الخَطَّابِ فيه 312 وَجْهَين.
وللشافعي فيها قولان؛ أحدُهما، كقولِنا.
والثاني، لا يَسْرِي عِتْقُه.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ في 313 المُدَبَّرِ قد انْعَقَدَ له 314 سَبَبُ الوَلاءِ علي العَبْدِ، فلم يكُنْ للآخَرِ

الجزء: 19 - الصفحة: 174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إبْطالُه.
ولَنا، حَدِيثُ ابنِ عمرَ الذي ذَكَرْناه في سِرايَةِ العِتْقِ إلى نَصِيبِ الشَّرِيكِ إذا كان مُوسِرًا 315، ولأنَّه إذا سَرَى إلى إبْطالِ المِلْكِ الذي هو آكَدُ مِن الوَلاءِ، فالوَلاءُ أوْلَى، وما ذكَرُوه لا أصْلَ له، ويَبْطُلُ بما إذا عَلَّقَ عِتْقَ نَصِيبِه بصِفَةٍ 316. فصل: إذا دَبَّر كلُّ واحدٍ مِن الشَّرِيكَين نَصِيبَه، فمات أحَدُهما، عَتَقَ نَصِيبُه، وبَقِيَ نَصِيبُ الآخَرِ على التَّدْبِيرِ إن لم يَفِ ثُلُثُه بقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِه، وإن كان يَفِي به، فهل يَسْرِي؟ على رِوايَتَين، ذكرناهما.
وإن قال كلُّ واحدٍ منهما: إذا مِتْنَا فأنت حُرٌّ.
فقال أبو بكرٍ: قال أحمدُ: إذا مات أحَدُهما فنَصِيبُه حُرٌّ.
فظاهِرُ هذا أنَّ أحمدَ جَعَلَ هذا اللفظَ تَدْبيرًا مِن كلِّ واحدٍ منهما لنَصِيبِه، ومَعْناه: إذا مارت كلُّ واحدٍ مِنَّا فنَصِيبُه حرٌّ، فإنَّه قابَلَ الجُمْلَةَ بالجملةِ، فيَنْصَرِفُ إلى مُقابَلةِ البعضِ بالبعضِ؛ كقَولِه: رَكِبَ الناسُ دَوابَّهمْ ولَبِسُوا ثِيابَهُم وأخَذُوا رِماحَهم.
يُريدُ: لَبِسَ كل إنْسانٍ ثَوْبَه، ورَكِبَ دابَّته، [وأخذ رمحَه] 317. وكذلك لو قال: أعْتَقُوا عَبِيدَهم.
كان معناه: أعْتَقَ كلُّ واحدٍ عَبْدَه.
وقال القاضي: هذا تَعْلِيقٌ للحُرِّيةِ بمَوتِهما جميعًا، وإنَّما قال أحمدُ: يَعْتِقُ نَصِيبُه.
بناءً

الجزء: 19 - الصفحة: 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على أنَّ وُجُودَ بعضِ الصِّفَةِ يقومُ مَقامَ جَميعِها.
قال شيخُنا 318: ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّه لو كانت هذه العِلَّةَ لعَتَقَ العَبْدُ كلُّه؛ لوُجُودِ بعضِ صِفَةِ كلِّ واحدٍ 319 منهما.
وسنُبَيِّنُ بُطلانَ (2) هذا القولِ بما نَذْكُرُ مِن بعدُ.
ومُقْتَضَى قولِ القاضي أن لا يَعْتِقَ شيءٌ منه قبلَ موتِهما جميعًا.
فإن قال كلُّ واحدٍ منهما: أرَدْتُ أنَّ ألعَبْدَ حُرٌّ بعدَ آْخِرِنا مَوتًا.
انْبَنَى هذا على تَعْلِيقِ الحُرِّيةِ على صِفَةٍ تُوجَدُ بعدَ المَوتِ.
وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في ذلك.
فإن قُلْنا بجَوازِ 320 ذلك عَتَقَ بعدَ مَوتِ الآخِرِ منهما عليهما جميعًا.
وإن قُلْنا: لا يَصِحُّ.
عَتَقَ نَصِيبُ الآخِرِ منهما بالتَّدْبيرِ.
وفي سِرايَتِه إلى باقِيه إن كان ثلُثُه يَحْتَمِلُ ذلك روايتان.
وإن قال كلُّ واحدٍ منهما: إذا مِتُّ قبل شَرِيكي فنَصِيبي له، فإذا مات فهو حُر، وإن مِتُّ بعدَه، فنَصِيبي حُرٌّ.
فقد وَصَّى كلُّ واحدٍ منهما للآخَرِ، فإذا مات أحَدُهما صار العَبدُ كله للآخَرِ، فإذا مات، عَتَقَ كُلُّه عليه، وصار وَلاؤُه له كلُّه، إن قُلْنا: لا يَصِحُّ تَعْلِيقُ العِتْقِ على صِفَةٍ بعدَ الموتِ.
وإن قُلْنا: يَصِحُّ.
عَتَقَ عليهما، ووَلاؤه بينَهما.

الجزء: 19 - الصفحة: 176

وَإذَا أسْلَمَ مُدَبَّرُ الْكَافِرِ لَمْ يُقَرَّ في يَدهِ، وَتُرِكَ في يَدِ عَدْلٍ يُنْفِقُ عَلَيهِ مِنْ كَسْبِهِ، وَمَا فَضَلَ لِسَيِّدِهِ، وإنْ أعوَزَ فَعَلَيهِ تَمَامُهُ، إلا أنْ يَرْجِعَ في التَّدْبِيرِ، وَنَقُولَ بِصِحَّةِ رُجُوعِهِ، فَيُجْبَرُ عَلَى بَيعِهِ.

2972 - مسألة: (وإذا أسْلَمَ مُدَبَّرُ الكافرِ لم يُقَرَّ في يَدِه، وتُرِكَ في يَدِ عَدْلٍ يُنفقُ عليه مِن كَسْبِه، وما فَضَلَ لسيدِه، وإن أعْوَزَ فعَلَيه تَمامُه، إلَّا أن يَرْجِعَ في التَّدْبِيرِ، ونقولَ بصِحَّةِ رُجُوعِه، فيُجْبَرُ على بَيعِه)

وجملتُه، أنَّه إذا أسْلَمَ مُدَبَّرُ الكافِرِ أُمِرَ بإزالةِ مِلْكِه عنه، لئلَّا يَبقَى الكافِرُ مالِكًا لمسلمٍ، كغيرِ المُدَبَّرِ إذا قُلْنا بجوازِ بَيعِه.
ويَحْتَمِلُ أن يُتْرَكَ في يَدِ عَدْلٍ، ويُنْفِقَ عليه مِن كَسْبِه، فإن لم يكُنْ له كَسْب أُجْبِرَ سيدُه على الإنْفاقِ عليه؛ لأنه مِلْكُه.
وبهذا 321 قال أبو حنيفةَ، والشافعي، في أحدِ قَوْلَيه؛ بناءً على أنَّ المُدَبَّرَ لا يجوزُ بَيعُه.
ولأنَّ في بَيعِه إبطال سَبَبِ العِتْقِ، فكان إبْقاؤُه أصْلَحَ، فتَعَيَّنَ 322، كأُمِّ الولَدِ.
فإن قُلْنا ببيعِه، فباعَه، بَطَلَ تَدْبِيرُه.
وإن قُلْنا: يُتْرَكُ في يَدِ عَدْلٍ.
فإنّه يَسْتَنِيبُ مَن يَتَوَلَّى اسْتِعْماله واسْتِكْسابَه 323، ويُنْفِقُ عليه مِن كَسْبِه، وما فَضَلَ فلسيدِه، وإن لم يَفِ

الحديث: 2972 - الجزء: 19 - الصفحة: 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كسْبُه بنَفَقَتِه فالباقي على سيدِه.
وإنِ اتَّفَقَ هو وسيدُه على المُخارَجَةِ جاز، ويُنْفِقُ على نَفسِه ممَّا فَضَل مِن كَسْبِه.
فإذا مات سيدُه عَتَق إن خَرَجَ مِن الثُّلُثِ، وإلَّا عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلُثِ، وبِيعَ الباقِي على الوَرَثَةِ إن كانوا كُفَّارًا، وإن أسلموا بعدَ المَوتِ، تُرِكَ، فإن رجَع سيدُه في تَدْبِيرِه، وقُلْنا: يَصِحُّ 324 رُجُوعُه.
بيعَ عليه.
وإن كان المُدَبَّرُ مُسْتأْمَنًا، فأرَادَ الرُّجُوعَ به إلى دارِ الحَربِ، ولم يكن أسلمَ، لم نَمْنَعْه منه.
وإن كان قد أسلمَ، مُنِعَ؛ لأنَّنا نَحُولُ بينَه وبينَه في دارِ الإِسْلامِ، فأوْلَى أن يُمْنَعَ مِن التَّمَكُّنَ منه في دارِ الحربِ.

الجزء: 19 - الصفحة: 178

وَمَنْ أنْكَرَ التَّدْبِيرَ، لَمْ يُحْكَمْ عَلَيهِ إلا بِشَاهِدَينِ.
وَهَلْ يُحْكَمُ عَلَيهِ بِشَاهِدٍ وَامْرأتَينِ، أوْ شَاهِدٍ وَيَمِينِ الْعَبْدِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

2973 - مسألة: (ومَن أنْكَرَ التَّدْبِيرَ، لم يُحْكَمْ عليه إلَّا بشاهِدَين. وهل يُحْكَمُ بشاهِدٍ وامْرَأتَين، أو شاهِدٍ ويَمِينِ العبدِ؟ على روايتين)

إذا ادَّعَى العَبدُ على سَيِّدِه أنَّه دَبَّره، صَحَّتْ دَعْواه؛ لأنَّه يَدَّعِي اسْتِحْقاقَ العِتْقِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَصِحَّ الدَّعْوَى؛ لأنَّ السيِّدَ إذا أنْكَرَ التَّدْبِيرَ، كان بمَنْزِلَةِ إنْكارِ الوَصِيَّةِ، وإنْكارُ الوَصِيَّةِ رُجُوعٌ عنها، في أحَدِ الوَجْهَين، فيكونُ إنْكارُ التَّدْبِيرِ رُجُوعًا عنه، والرُّجُوعُ عنه يُبْطِلُه، في إحْدَى الروايتين.
والصَّحِيحُ أنَّ الدَّعْوى صَحِيحَةٌ؛ لأنَّ الرُّجُوعَ عن

الحديث: 2973 - الجزء: 19 - الصفحة: 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  التَّدْبِيرِ لا يُبْطِلُه، في الصَّحِيحِ مِن المذْهَبِ.
ولو أبْطَلَه، فما ثَبَتَ كَوْنُ الإِنْكار رُجُوعًا، ولو ثَبَتَ ذلك، فلا يَتَعَيَّنُ الإِنْكارُ جَوابًا للدَّعْوَى؛ فإنَّه يجُوزُ أن يُقِرَّ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإن أقَرَّ السيدُ فلا كَلامَ، وإن أنْكَرَ ولم تكُنْ للعبدِ بَيِّنَةٌ، فالقولُ قولُ السيدِ مع يَميِنه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه.
فإن كانت للعَبْدِ بَيِّنَةٌ حُكِمَ بها، ويُقْبَلُ فيها شاهدان عَدْلان، بغيرِ خِلافٍ.
فإن لم يكُنْ إلَّا شاهِدٌ واحدٌ، وقال: أنا أحْلِفُ معه.
أو شاهدٌ وامْرأتان، لم يُحْكَمْ له به، في إحْدَى الرِّوايَتَين.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الثابتَ به الحُرِّيةُ، وكمالُ الأحْكامِ، وهذا ليس بمالٍ، ولا المَقْصُودُ منه المالُ، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ في غالبِ الأحْوالِ، فأشْبَهَ النِّكاحَ والطَّلاقَ.
والثانيةُ، يَثْبُتُ بذلك؛ لأنَّه لَفْظ يَزُولُ به مِلْكُه عن مَمْلُوكِه، فأشْبَهَ البَيعَ.
وهذا أجْوَدُ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ إنَّما تُرادُ لإثْباتِ الحُكْمِ على المَشْهُودِ عليه، وهو في حَقِّه إزالةُ مِلْكِه عن مالِه، فيَثْبُتُ بهذا.
وإن حَصَلَ به غَرَضٌ آخَرُ للمَشْهُودِ له، فلا يَمْنَعُ ذلك مِن ثُبُوتِه بهذه البَيِّنَةِ.
ولأنَّ العِتْقَ ممَّا يُتَشَوّفُ إليه، ويَنْبَنِي على التَّغْلِيبِ والسِّرايةِ، فيَنْبَغِي أن يُسَهَّلَ طريقُ إثْباتِه.
وإن كان الاختلافُ بينَ العبدِ ووَرَثَةِ السيدِ بعدَ موتِه، فهو كما لو كان الاختلافُ 325

الجزء: 19 - الصفحة: 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مع السيدِ، إلَّا أنَّ الدَّعْوَى صَحِيحةٌ بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّهم لا يَمْلِكُونَ الرُّجُوعَ، وأيمانُهم على نَفْي العِلْمِ؛ لأنَّ الخِلافَ في فِعْلِ مَوْرُوثِهم، وأيمانُهُم على نَفْى فِعْلِه.
وتَجِبُ اليَمينُ على كُلِّ واحدٍ مِن الوَرَثَةِ، ومَن نكَل منهم عَتَقَ نَصِيبُه ولم يَسْرِ إلى باقِيه، وكذلك إن أقَرَّ؛ لأنَّ إعْتاقَه بفعْلِ المَوْرُوثِ، لا بفِعْلِ المُقِرِّ ولا النَّاكِلِ.
فصل: إذا دَبَّرَ عبدَه ومات، وله مالٌ سِواه يَفِي بثُلُثَيْ مالِه، إلَّا أنَّه غائِبٌ، أو دَينٌ في ذِمَّةِ إنْسانٍ، لم يَعْتِقْ مِن المُدَبَّرِ إلَّا ثُلُثُه؛ لجوازِ أن يَتْلَفَ الغائِبُ، أو يَتَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ الدَّينِ، فيكونُ العبدُ جَميعَ التَّرِكَةِ، وهو شَرِيكُ الوَرَثَةِ فيها، له ثُلُثُها ولهم ثُلُثاها، فلا يجوزُ أن يَحْصُلَ على جَمِيعِها، لكِنَّه يَسْتَحِقُّ عِتْقَ ثُلُثِه ويَبْقَى ثُلُثاه مَوْقُوفًا 326؛ لأنَّ ثُلُثَه حُرٌّ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ أسْوَأَ 327 الأحْوالِ أن لا يَحْصُلَ مِن سائرِ المالِ شيءٌ، فيكونُ العبدُ جَمِيعَ التَّرِكَةِ، فيَعْتِقَ ثُلُثُه، وفي ذلك خِلافٌ ذَكَرْناه في بابِ المُوصَى به، فيما إذا وَصَّى له بمُعَيَّنٍ، ولم يكُنْ له سِوَى المعَيَّنِ إلَّا مالٌ غائبٌ، أو دَينٌ، وهذا مثلُه في اعْتِبارِه مِن الثُّلُثِ.
إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ العبدَ إذا عَتَقَ كلُّه بقُدُومِ الغَائِبِ، أو اسْتِيفاءِ الدَّينِ، تَبَيَّنًا أنَّه كان حُرًّا حينَ الموتِ، فيكُونُ كَسْبُه له؛ لأنَّه إنَّما عَتَقَ بالتَّدْبِيرِ ووُجُودِ الشَّرْطِ الَّذي عَلَّقَ عليه السيدُ حُرِّيتَه، وهو الموتُ، وإنَّما أوْقَفْناه للشَّكِّ في خُرُوجِه

الجزء: 19 - الصفحة: 181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن الثُّلُثِ، فإذا زال الشَّكُّ تَبَيَّنّا أنَّه كان حاصِلًا قبلَ زوالِ الشَّكِّ.
وإن تَلِفَ المالُ تَبَيَّنّا أنَّه كان ثُلُثاه رَقِيقًا، ولم يَعْتِقْ منه سِوَى ثُلُثِه.
وإن تَلِفَ بعضُ المالِ رَقَّ مِن المُدَبَّرِ ما زاد على قَدْرِ ثُلُثِ الحاصِلِ مِن المالِ.
فصل: فإن دَبَّرَ عبدين، وله دَينٌ يَخْرُجان مِن ثُلُثِ المالِ إذا حَصَل، أقْرَعْنا بَينَهما، فيَعْتِقُ ممَّن تَخْرُجُ له القُرْعَةُ قَدْرُ ثُلُثِهما وكان باقِيه والعبدُ 328 الآخَرُ مَوْقُوفًا، فإذا اسْتُوفِيَ مِن الدَّين شيءٌ، كُمِّلَ مِن عِتْقِ مَن وَقَعَتْ له القُرْعَةُ قَدْرُ ثُلُثِه، وما فَضَلَ عَتَقَ مِنَ الآخرِ، كذلك حتَّى يَعْتِقا جميعًا أو مِقْدارُ الثُّلُثِ منهما.
فإن تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ الدَّينِ، لم يَزِدِ العِتْقُ على مِقْدارِ ثُلُثِهما.
فإن خَرَج الَّذي 329 وَقَعَتْ له القُرْعَةُ مُسْتَحَقًّا بَطَلَ العِتْقُ فيه، وعَتَقَ مِن الآخَرِ ثُلُثُه.
فصل: إذا دَبَّرَ عبدًا قِيمَتُه مائةٌ، وله مائةٌ دَينًا، عَتَقَ ثُلُثُه ورَقَّ ثُلُثُه، ووَقَفَ ثُلُثُه على اسْتِيفاءِ الثُّلُثِ 330 الباقِي.
وإن كانت له مائةٌ حاضرةٌ مع ذلك، عَتقَ مِن المُدَبَّرِ ثُلُثاه، ووقَف [عِتْقُ ثُلُثِه] 331 على اسْتِيفاءِ الدَّينِ.
فصل: وإن دَبَّرَ عبدَه، وقِيمَتُه مائةٌ، وله ابنانِ، وله (3) مائتان دَينًا على أحَدِهما، عَتَقَ مِن المُدَبَّرِ ثُلُثاه؛ لأنَّ حِصَّةَ الَّذي عليه الدَّينُ منه

الجزء: 19 - الصفحة: 182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [كالمُسْتَوْفَى، ويَسْقُطُ عن الَّذي عليه الدَّينُ منه] 332 نِصْفُه؛ لأنَّه قَدْرُ حِصَّتِه مِن المِيراثِ، ويَبْقَى للآخَرِ عليه مائةٌ، كلما اسْتَوفَى منها شيئًا عَتَقَ قَدْرُ ثُلُثِه.
فإن كانت المائتان دَينًا على الاثْنَين بالسَّويَّةِ عَتَقَ المُدَبَّرُ كلُّه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما عليه قَدْرُ حَقِّه، وقد حَصَلَ له ذلك بسُقوطِه مِن دَينِه.
فصل: إذا دَبَّرَ عبدًا قِيمَتُه مائةٌ، وخَلَّفَ ابنين ومائَتَيْ في دِرْهم دَينًا له على أحَدِهما، ووَصَّى لرجل بثُلثِ مالِه، عَتَقَ مِن المُدَبَّرِ ثُلُثُه، وسَقَطَ عن الغَرِيمِ مائةٌ، وكان للوَصِيِّ سُدْسُ العبدِ، وللابنِ ثُلُثُه، ويَبْقَى سُدْسُ العبدِ مَوْقُوفًا؛ لأنَّ الحاصِلَ مِن المالِ ثُلُثاه، وهو العبدُ والمائةُ الساقِطةُ عن الغَرِيمِ، وثُلُثُ ذلك مَقْسُومٌ بينَ المُدَبَّرِ والوَصِيِّ نِصْفَينِ؛ فحِصَّةُ المُدَبَّرِ منه ثُلُثُه، يَعْتِقُ في الحالِ، ويَبْقَى له [سُدْسٌ مَوْقُوفٌ] 333، فكلَّما اقْتُضِيَ مِن المائةِ الباقِيةِ شيءٌ عَتَقَ مِن المُدَبَّرِ قَدْرُ سُدْسِه، ويكونُ المُسْتَوْفَى بينَ الابنِ والوَصِيِّ أثْلاثًا، فإذا اسْتُوفِيَتْ كلُّها حَصَلَ للابنِ ثُلُثاها وثُلُثُ العبدِ وهو قَدْرُ حَقِّه، وكُمِّلَ للمُدَبَّرِ عِتْقُ نِصْفِه، وحَصَلَ للوَصِيِّ ثُلُثُ المائةِ وسُدْسُ العبدِ، وهو قَدْرُ حَقِّه.
وإن كان الدَّينُ على أجْنَبِيٍّ، لم يَعْتِقْ مِن المُدَبَّرِ إلَّا سُدْسُه؛ لأنَّ الحاصِلَ مِن التَّرِكَةِ هو العبدُ، وثُلُثُه بينَه وبينَ الوَصِيِّ الآخَرِ، وللوَصِيِّ سُدْسُه، ولكلِّ ابن سُدْسُه، ويَبْقَى

الجزء: 19 - الصفحة: 183

وَإذَا قَتَلَ الْمُدَبَّرُ سَيِّدَهُ بَطَلَ تَدْبِيرُهُ.
ثُلُثُه مَوْقُوفًا، فكلَّما اقْتُضِيَ مِن الدَّينِ شيءٌ عَتَقَ مِن المُدَبَّرِ قَدْرُ سُدْسِه، وكان المُسْتَوْفَى بينَ الابنينِ والوَصِيِّ أسْداسًا؛ للوَصِيِّ سُدْسُه، ولهما خمسةُ أسْداسِه، فيَحْصُلُ لكلِّ واحدٍ نِصْفُ المائةِ وثُلُثُها وسُدْسُ العَبْدِ، وهو قَدْرُ حَقِّه، ويَحْصُلُ للوَصِيِّ [سُدْسُ المائتين و] (1) سُدْسُ العَبْدِ وهو قَدْرُ حَقِّه، ويَعْتِقُ مِن المُدَبَّرِ نِصْفُه، وهو قَدْرُ حَقِّه.

2974 -

مسألة: (وإذا قَتَلَ المُدَبَّرُ سيدَه بَطَلَ تَدْبِيرُه)

[إنَّما بَطَلَ تَدْبيرُه] 334 لأمْرَين؛ أحدُهما، أنَّه قَصَدَ اسْتِعْجال العِتْقِ بالقَتْلِ المُحَرَّمِ، فعُوقِبَ بنَقِيضِ قَصْدِه، وهو إبْطالُ التَّدْبِيرِ، كمَنْعِ المِيراثِ بقَتْلِ المَوْرُوثِ.
ولأنَّ العِتْقَ فائدةٌ تَحْصُل بالموتِ، فتنتَفِي بالقَتلِ، كالإرْثِ والوَصِيِّةِ.
والثاني، أنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ، فيَبْطُلُ بالقَتْلِ، كالوَصِيَّةِ بالمالِ.
ولا يَلْزَمُ على هذا عِتْقُ أُمِّ الولَدِ؛ لكَوْنِها آكَدَ، فإنَّها صارَت

الحديث: 2974 - الجزء: 19 - الصفحة: 184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالاسْتِيلادِ بحالٍ لا يُمْكِنُ نَقْلُ المِلْكِ فيها، ولذلك لم يَجُزْ بَيعُها، ولا هِبَتُها، ولا رَهْنُها، ولا الرُّجُوعُ عن ذلك بالقولِ 335، ولا غيرِه.
والإِرْثُ نوعٌ مِن النَّقْلِ، فلو لم تَعْتِقْ [بموتِ سَيدِها، انْتَقَلَ] 336 المِلْكُ فيها إلى الوارثِ، ولا سَبِيلَ إليه، بخِلافِ المُدَبَّرِ، ولأنَّ سَبَبَ حُرِّيةِ أُمِّ الوَلَدِ الفِعْلُ والبَعْضِيَّةُ التي 337 حَصَلَتْ بينَها وبينَ سيدِها بواسِطَةِ ولَدِها، وهو آكَدُ مِن القولِ، ولهذا نَفَذَ اسْتِيلادُ المَجْنُونِ، ولم يَنْفُذْ إعْتاقُه ولا تَدْبِيرُه، وسَرَى حُكْمُ اسْتِيلادِ المُعْسِرِ إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، بخِلافِ الإعْتاقِ، وعَتَقَت مِن رأسِ المالِ.
والتَّدْبِيرُ لا يَنْفُذُ 338 إلَّا في الثُّلُثِ، ولا يَمْلِكُ الغُرَماءُ إبْطال عِتْقِها وإن كان سيدُها مُفلِسًا، بخِلافِ المُدَبَّرِ، ولا يَلْزَمُ [مِن] 339 الحُكْمِ في مَوْضِع تأَكُّدُ الحُكْمِ فيما دُونَه؛ كما لم 340 يَلْزَمْ إلْحاقه به في

الجزء: 19 - الصفحة: 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هذه المَواضِعِ التي افْتَرَقَا فيها.
إذا ثَبَتَ هذا، فلا فَرْقَ بينَ [كَونِ القتلِ] 341 عمدًا أو خَطَأً؛ كما لا فَرْقَ بينَ 342 ذلك في حِرْمانِ الإِرْثِ، وإبْطالِ وَصِيَّةِ القَاتِلِ.
فصل: فأمَّا سائِرُ جناياتِه غيرَ قتلِ سَيدِه، فلا تُبْطِلُ تَدْبِيرَه، لكن إن كانت جِنايةً مُوجِبَةً للمالِ أو للقِصاصِ، فَعَفا الوَلِيُّ إلى المالِ، تَعَلَّقَ المالُ بِرَقَبتِه، فمَن جَوَّزَ بَيعَه جَعَلَ سيدَه بالْخِيَارِ بينَ تَسْلِيمِه فيُباعُ في الجِنايَةِ وبينَ فِدائِه؛ فإن سَلَّمه في الجِنايَةِ فبِيعَ فيها بَطَلَ تَدْبِيرُه، وإن عاد إلى سيدِه عاد تَدْبِيرُه.
وإنِ اخْتارَ فِداءَه وفَداهُ بما يُفْدَى به العبدُ 343، فهو مُدَبَّرٌ بحالِه، ومَن لم يُجِزْ بَيعَه أوْجَبَ فداءَه على سيدِه، كأُمِّ الولَدِ وإن كانتِ الجِنايَةُ مُوجِبَة للقِصاصِ، فاقْتُصَّ منه في النَّفْسِ، بَطَلَ تَدْبِيرُه.
وإنِ اقْتُصَّ منه في الطَّرْفِ فهو مُدَبَّرٌ بحالِه.
وإذا مات سيدُه بعَد جِنايَتِه وقبلَ اسْتِيفائِها، عَتَقَ على كلِّ حالٍ، سواءٌ كانت مُوجِبةً للمالِ أو للقِصاصِ، لأنَّ صِفَةَ العِتْقِ وُجِدَتْ فيه، فأشْبَهَ ما لو باشَرَه به.
فإن كان (3) الواجِبُ قِصاصًا، اسْتُوفِيَ، سواءٌ كانت جِنايَتُه على عبدٍ أو حُرٍّ، لأنَّ القِصاصَ قد اسْتَقَرَّ وُجُوبُه عليه في حالِ رِّقه، فلا يَسْقُطُ بحُدُوثِ الحُرِّيةِ فيه.
وإن كان الواجِبُ عليه مالًا في رَقَبَتِه، فُدِيَ بأقَلِّ الأمْرين مِن قِيمَتِه [أو أرْشِ] 344

الجزء: 19 - الصفحة: 186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [جِنايَتِه.
وإن جُنِيَ على المُدَبَّرِ، فأرْشُ الجِنايةِ لسيدِه.
فإن كانت الجنايةُ على نَفْسِه، وَجَبَتَ قِيمَتُه] 345 لسيدِه، وبَطَلَ التَّدْبِيرُ بهَلاكِه.
فإن قِيلَ: فهلَّا جَعَلْتُمْ قِيمَتَه قامْةً مَقامَه، كالعبدِ المَرْهُونِ والمَوْقُوفِ؟ قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما مِن ثلاثةِ أوْجُهٍ؛ أحدُها، أنَّ كُلَّ واحدٍ مِن الوَقْفِ والرَّهْنَ لازمٌ، فتَعَلَّقَ الحَقُّ ببَدَلِه، والتَّدْبِيرُ غيرُ لازم؛ لأنَّه يُمْكِنُ إبْطالُه بالبَيعِ وغيرِه، فلم يتَعَلَّقِ الحَقُّ ببَدَلِه.
الثاني، أنَّ الحَقَّ في التَّدْبِيرِ للمُدَبَّرِ، فبَطَلَ حَقُّه بفَواتِ مُسْتَحِقِّه، والبَدَلُ لا يَقومُ مَقامَه في الاسْتِحقاقِ، والحَقُّ في الوَقْفِ للمَوْقُوفِ عليه، وفي الرَّهْنِ للمُرْتَهِنِ، وهو باقٍ، فثَبَتَ حَقه في بَدَلِ محَلِّ حَقِّه.
الثالثُ، أنَّ المُدَبَّرَ إنَّما ثَبَتَ حَقُّه بوُجُودِ موتِ سيدِه، فإذا هَلَكَ قبلَ سيدِه فقد هَلَكَ قبلَ ثُبُوتِ الحَقِّ له، فلم يَكُنْ له بَدَلٌ، بخِلافِ الرَّهْنِ والوَقْفِ، فإنَّ الحَقَّ ثابِتٌ فيهما، فقامَ بدَلُهُما مَقامَهما، وبينَ الرَّهْنِ والمُدَبَّرِ فَرْقٌ رابعٌ، وهو أنَّ الواجِبَ القِيمةُ، ولا يُمْكِنُ وجودُ التَّدْبيرِ فيها، ولا قِيامُها مَقامَ المُدَبَّرِ فيه.
وإن أخَذَ عبدًا مكانَه، فليس هو البَدَلَ، إنَّما هو بَدَلُ القِيمَةِ، بخِلافِ الرَّهْنِ؛ فإنَّ القِيمَةَ يجوزُ أن تكونَ رَهْنًا.
فإن قِيلَ: فهذا يَلْزَمُ عليه المَوْقُوفُ، فإَّنه إذا قُتِلَ 346 اخِذَتْ قِيمَتُه فاشْترِيَ بها عبدٌ يكونُ وَقْفًا مكانَه.
قلْنا: قد حَصَلَ الفَرْقُ بينَ المُدَبَّرِ والرَّهْنِ من الوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ، وكَوْنُه لا يَحْصُلُ الفَرْقُ بينَه وبينَ الوَقْفِ مِن هذا الوَجْهِ، لا يَمْنَعُ أن يَحْصُلَ الفَرْقُ بينَه وبينَ الرَّهْنِ به.
والله أعلمُ.

الجزء: 19 - الصفحة: 187

بَابُ الْكِتَابَةِ

وَهِيَ بَيعُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ بِمَالٍ في ذِمَّتِهِ.
بابُ الكِتابَةِ الكِتابَةُ: إعْتاقُ السيدِ عَبدَه على مالٍ (في ذِمَّتِه) يُؤَدَّى مُؤجَّلًا 347 في نُجُومٍ.
سُمِّيَتْ كِتابةً؛ لأنَّ السيدَ يَكْتُبُ بينَه وبينَه كِتابًا بما اتَّفقا عليه.
وقيل: سُمِّيَتْ كِتابةً مِن الكَتْبِ، وهو الضَّمُّ؛ لأنَّ المُكاتَبَ يَضُمُّ بعضَ النُّجُومِ إلى بعضٍ، ومنه سُمِّيَ الخَرْزُ كِتابًا؛ لأنَّه يُضَمُّ أحَدُ طَرَفَيه إلى الآخَرِ بخَرْزِه.
قال الحَرِيريُّ 348: وكاتِبينَ وما خَطَّتْ أنامِلُهم … حَرْفًا ولا قَرءُوا ما خُطَّ في الكُتبِ وقال ذو الرُمَّةِ 349: وَفْراءَ غَرْفِيَّةٍ أثْأى خَوارِزُها … مُشَلْشِلٌ ضَيَّعَتْه بينَها الكُتَبُ 350

الجزء: 19 - الصفحة: 189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَصِفُ قِرْبَةً يَسيلُ الماءُ مِن بينِ خُرَزِها.
وسُمِّيتِ الكَتِيبةُ كَتِيبةً؛ لانْضِمامِ بعضِها إلى بعض.
والمُكاتَبُ يَضُمُّ [بعض نُجُومِه] 351 إلى بَعْضٍ.
والنُّجُومُ ههُنا الأوْقاتُ المُخْتَلِفةُ؛ لأنَّ العربَ كانت لا تَعْرِفُ الحِسابَ.
وإنَّما تَعْرِفُ الأوْقاتَ بطُلُوعِ النُّجُومِ، كما قال بعضُهم 352: إذا سُهَيلٌ أوَّلَ اللَّيلِ طلَعْ … فابنُ اللَّبُونِ الحِقُّ والحِقُّ جَذَعْ 353 فسُمِّيَتِ الأوْقاتُ نُجُومًا.
والأصْلُ في الكِتابةِ الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ.
أمَّا الكِتابُ، فقولُ اللهِ تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ 354. وأمَّا السُّنَّةُ، فروَى سعيدٌ، عن سُفيانَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن نَبْهانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عن أُمِّ سَلمَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذا كان لإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، [وكان عِنْدَه] 355 ما يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ».

الجزء: 19 - الصفحة: 190

وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ لِمَنْ يُعْلَمُ فِيهِ خَيرٌ، وَهُوَ الْكَسْبُ وَالْأمَانَةُ.
وعَنْهُ، أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، إِذَا ابْتَغَاهَا مِنْ سَيِّدِهِ أُجْبِرَ عَلَيهَا.
رواه [أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِيُّ، وابنُ ماجة، والتِّرْمِذِيُّ] (1)، وقال: حسنٌ صَحيحٌ.
وروَى سَهْلُ (2) بنُ حُنَيفٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «مَنْ أَعانَ غَارِمًا أَوْ غَازِيًا أَوْ مُكَاتبًا في كِتَابَتِه، أَظلَّهُ اللهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه» (3). في أحادِيثَ كثيرةٍ سواهما.
وأجْمَعَتِ الأمَّةُ على مَشْرُوعِيَّةِ الكِتابَةِ.

2975 -

مسألة: (وهي مُسْتَحَبَّةٌ لمَن يُعْلَمُ فِيه خَيرٌ، وهو الكَسْبُ والأمَانَةُ. وعنه، أنَّها وَاجِبَةٌ إذا ابْتَغَاها مِن سَيدِه أُجْبِرَ عليها)

إذا سألَ العَبْدُ سَيِّدَه مُكاتَبَتَه، اسْتُحِبَّ له إجابَتُه إذا عَلِمَ فيه خَيرًا.
ولم يَجِبْ ذلك، في ظاهِرِ المذهبِ.
وهو قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، والشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وعن أحمدَ، أنَّها356357358

الحديث: 2975 - الجزء: 19 - الصفحة: 191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَاجِبَةٌ إذا دَعَى العَبْدُ المُكْتَسِبُ الصدوقُ 359 سيدَه إليها.
وهو قولُ عَطاءٍ، والضَّحاكِ، وعمرِو بنِ دِينارٍ، وداودَ.
وقال إسحاقُ: أخْشَى أن يأْثَمَ إن لم يَفْعَلْ، ولا يُجْبَرُ عليها.
ووَجْهُ ذلك، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغونَ الْكِتَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾.
وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ.
ورُوِيَ أنَّ 360 سِيرِينَ أبا محمدِ بنِ سِيريِنَ كان عبدًا لأنسِ بنِ مالكٍ، فسألَه أن يُكاتِبَه، فأبَى، فأخْبَرَ سيرِينُ عمرَ بنَ الخَطَّابِ بذلك، فرَفَعَ الدِّرَّةَ على أنس، وقَرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾.

الجزء: 19 - الصفحة: 192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فكاتَبَهَ أنَسٌ 361. ولَنا، أنَّه إعْتاقٌ بعِوَضٍ، ولم يَجِبْ عليه، كالاسْتِسْعاءِ.
والآيةُ مَحْمُولَةٌ على النَّدْبِ، وقولُ عمرَ يُخالِفُه فِعْلُ أنَسٍ.
قال أحمدُ: الخَيرُ: صِدْقٌ وصَلاحٌ ووَفاءٌ بمالِ الكِتابَةِ.
ونحوَ هذا قال إبراهيمُ، وعمرُو بنُ دِ ينارٍ، وغيرُهما، وعِباراتُهم 362 في ذلك مُخْتَلِفَةٌ.
وقِيلَ: قوةٌ على الكَسْبِ والأمانَةُ.
قاله 363 الشافعيُّ.
وقال ابنُ عباسٍ: غِنًى وإعْطاءُ المالِ.
وقال مُجاهِدٌ: غِنًى وأدَاءٌ.
وقال النَّخَعِيُّ: صِدقٌ ووَفاءٌ.
فلا خِلافَ بَينَهم في أنَّ مَن لا خيرَ فيه لا تَجِبُ إجابَتُه.

الجزء: 19 - الصفحة: 193

وَهَلْ تُكْرَهُ كِتَابَةُ مَنْ لَا كَسْبَ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

2976 - مسألة: (وهل تُكْرَهُ كِتابَةُ مَن لا كَسْبَ له؟ على رِوايَتَين)

قال القاضي: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ كَرَاهَتُه.
وكان ابنُ عمرَ يَكْرَهُه 364. وهو قولُ مسروقٍ، والأوْزَاعِيِّ.
وعن أحمدَ، أنَّه لا يُكْرَه.
ولم يَكْرَهْه الشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وطائفةٌ مِن أهلِ العلمِ؛ لأنَّ جُوَيرِيَةَ بنتَ الحارِثِ، كاتَبَها ثابتُ بنُ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، فأتتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَسْتَعِينُه في كِتابَتِها، فأدَّى عنها كِتابَتَها وتَزَوَّجَها 365. واحْتَجَّ ابنُ المُنْذِرِ بأنَّ بَرِيرةَ كاتَبَت ولا حِرْفَةَ لها، فلم يُنْكِرْ ذلك رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - 366. ووَجْهُ الأوَّلِ ما ذَكَرْنا في عِتْقِه 367. قال شيخُنا 368: ويَنْبَغِي أن يُنْظرَ في المُكاتَبِ، فإن كان ممَّن يتَضَرَّرُ بالكِتابَةِ ويَضِيعُ؛ لِعَجْزِه عن الإِنْفاقِ على نَفْسِه، ولا يَجِدُ مَن يُنْفِقُ عليه، كُرِهَتْ

الحديث: 2976 - الجزء: 19 - الصفحة: 194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كِتابَتُه، وإن كان يَجِدُ مَن يَكْفِيه مُؤْنَتَه لم تُكْرَهْ كِتابَتُه؛ لحُصُولِ النَّفْعِ بالحُرِّيةِ مِن غيرِ ضَرَرٍ.
فأمَّا جُوَيريَةُ 369 فإنَّها كانت ذاتَ أهلٍ، وكانت ابنةَ سيدِ قَوْمِه، فإذا عَتَقَتْ رَجَعَتْ إلى أهْلِها، فأخْلَفَ اللهُ لها خيرًا مِن أهلِها، فتَزَوَّجَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وصارت إحْدَى أمَّهاتِ المومنينَ، وأعْتَقَ الناسُ ما 370 كان بأيدِيهم مِن قَوْمِها حينَ بَلَغَهم أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَزَوَّجَها، وقالوا: أصْهارُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فلم يُرَ امرأةٌ أعْظَمَ بَرَكَةً على قَوْمِها مِنها.
وأمَّا بَرِيرَةُ، فإنَّ كِتابَتَها تَدُلُّ على إباحَةِ ذلك وأنَّه ليس بمُنْكَرٍ، ولا خِلافَ فيه، وإنَّما الخِلافُ في كَرَاهَتِه.
قال مَسْرُوقٌ: إذا سأل العبدُ مَوْلاه المُكاتَبَةَ، فإن كان له مَكْسَبَةٌ أو كان له مالٌ فلْيُكاتِبْه، وإن لم يَكنْ له مالٌ ولا مَكْسَبَةٌ، فَلْيُحْسِنْ مَلْكَتَه، ولا يُكَلفْه إلَّا طَاقَتَه.

الجزء: 19 - الصفحة: 195

وَلَا تَصِحُّ إِلا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ.
وَإنْ كَاتَبَ الْمُمَيِّزُ عَبْدَهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، صَحَّ.
وَيَحْتمِلُ أَلَّا يَصِحَّ.

2977 - مسألة: (ولا تَصِحُّ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ)

فأمَّا المجْنونُ والطِّفْلُ، فلا تَصِحُّ مُكاتَبَتُهما لرَقِيقِهما، ولا مُكاتَبةُ سَيدِهما لهما، لأنَّ الكِتابَةَ نَقْلُ المِلْكِ بعِوَضٍ، فلا تَصِحُّ منهما (1)، كالبَيعِ.
2978 -

مسألة: (وإن كاتَبَ المُمَيِّزُ عبدَه بإذْنِ وَلِيِّه، صَحَّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ)

بناءً على قولِنا: إنَّه لا يَصِحُّ بَيعُه بإذْنِ وَلِيِّه.
ولأنَّه عَقْدُ إعْتاقٍ، فلم يَصِحَّ منه، كالعِتْقِ بغيرِ مالٍ.
ولا يَصِحُّ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه بحالٍ.371

الحديث: 2977 - الجزء: 19 - الصفحة: 196

وَإنْ كَاتَبَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْمُمَيِّزَ، صَحَّ.

2979 - مسألة: (وإن كاتَبَ السيدُ عبدَه المُمَيَّزَ، صَحَّ)

وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: لا يَصِحُّ [فيهما جميعًا] 372 بحالٍ؛ لأنه ليس بمُكَلَّفٍ، أشْبَهَ المَجْنونَ.
ولَنا، أنَّه يَصِحُّ تَصرُّفُه وبَيعُه بإذْنِ وَلِيِّه، فصَحَّتْ منه الكِتابَةُ بذلك، كالمُكَلَّفِ.
ودليلُ صِحَّةِ تصرُّفِه قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ 373. والابتِلاءُ: الاخْتِبارُ له بتَفْويضِ التصرُّفِ إليه؛ ليُعْلَمَ هل يَقَعُ منه على وَجْهِ المَصْلَحَةِ أو لا، وهل يُغْبَنُ في بَيعِه وشِرائِه أو لا.
وإيجابُ السيدِ لعبدِه المُمَيِّزِ المُكاتَبَةَ إذْنٌ له فِي قَبُولِها.
إذا ثَبَتَ هذا، فإن كان السيدُ المُكاتِبُ طفلًا أو مجنونًا، فلا حُكْمَ لتصرُّفِه ولا قَوْلِه.

الحديث: 2979 - الجزء: 19 - الصفحة: 197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن كاتَبَ المُكَلَّفُ عبدَه الطفلَ 374 أو المجنونَ، لم يَثْبُتْ لهذا التَّصَرُّفِ حكمُ المُكاتَبَةِ الصَّحِيحَةِ ولا الفاسِدَةِ؛ لأنَّه لاحُكْمَ لقولِهما، لكن إن قال: إن أدَّيتُما إليَّ فأنْتُما حُرَّان.
فأدَّيا، عَتَقَا بالصِّفَةِ لا بالكِتابَةِ، وما في أيدِيهما لسيدِهما، وإن لم يَقْلُ ذلك لم يُعْتَقَا.
ذَكَرَه أبو بكرٍ.
وقال القاضي: يُعْتَقانِ.
وهو مذهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الكِتابَةَ تَتَضَمَّنُ مَعْنَى الصِّفَةِ، فيَحْصُلُ العِتْقُ ههُنا بالصِّفَةِ المَحْضةِ، كمالو قال: إن أدَّيتَ إليَّ فأنتَ حُرٌّ.
ولَنا، أنَّه ليسَ بصِفَةٍ صريحًا ولا مَعْنًى، وإنَّما هو عَقْدٌ باطلٌ، فأشْبَهَ البَيعَ الباطِلَ.
فصل: إذا كاتَبَ الذِّمِّيُّ عبدَه ثم أسْلَمَا، صَحَّ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ أو عِتْقٌ بِصفَةٍ 375، وكلاهُما يَصِحُّ منه.
فإذا تَرافَعا إلى الحاكمِ بعدَ الكِتابَةِ، نَظَرَ في العَقْدِ؛ فإن كان موافقًا للشَّرْعِ أمْضاه، وإن كانت كِتابَتُه فاسدةً، مثلَ أن يكونَ العِوَضُ خَمْرًا أو خِنْزِيرًا، أو غيرَ ذلك مِن أنْواعِ الفسادِ، ففيه ثلاثُ مَسائِلَ؛ أحدُها، أن يكونَا قد تَقابَضا حال الكُفْرِ،

الجزء: 19 - الصفحة: 198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فتكونَ الكِتابَةُ ماضِيَةً والعِتقُ حاصلًا؛ لأنَّ ما تَمَّ في حالِ الكُفْرِ لا يَنْقُضُه الحاكِمُ، ويَحْكُمُ بالعِتْقِ، سواءٌ تَرافَعا قبَل الإِسْلامِ أو بعدَه الثانيةُ، تَقَابَضا بعدَ الإِسْلامِ، ثم تَرافَعا إلى الحاكمِ، فإنَّه يَعْتِقُ أيضًا 376؛ لأنَّ هذه كِتابَةٌ فاسِدَةٌ، ويكونُ حكمُها حكمَ الكِتابَةِ الفاسِدَةِ المَعقودةِ في الإسْلامِ، على ما سَنَذْكره، إن شاء اللهُ تعالى.
الثالثةُ، تَرافَعا قبلَ قَبْضِ العِوَضِ الفاسِدِ، أو قَبْضِ بعضِه، فإنَّ الحاكمَ يَرْفَعُ هذه الكِتابَةَ ويُبْطِلُها؛ لأنَّها كتابةٌ فاسِدةٌ لم يَتَّصِلْ 377 بها قَبْضٌ تَنبَرِمُ به.
ولا فَرْقَ بينَ إسْلامِهما أو إسْلامِ أحَدِهما فيما ذَكَرْناه مِن التَّغليبِ بحُكْمِ الإسْلام.
وقال أبو حنيفةَ: إذا كاتَبَه علي خَمْرٍ ثم أسْلَما لم يَفْسُدِ العَقْدُ، ويُؤَدِّي قِيمَةَ الخمرِ؛ لأنَّ الكِتابَةَ كالنِّكاحِ، ولو مَهَرَها خَمْرًا ثم أسْلَما لم يَفْسُدِ العَقْدُ، ويَبْطُلُ الخَمْرُ.
ولَنا، أنَّ هذا عَقْدٌ لو عَقْدٌ المُسْلِمُ كان فاسِدًا، فإذا أسْلَما قبلَ التَّقابُضِ، أو أحَدُهما، حُكِمَ بفَسادِه، كالبَيعِ الفاسِدِ.
ويُفارِقُ النِّكَاحَ، فإنَّه لو عَقَدَه المسلمُ بخَمْرٍ كان صَحِيحًا.
وإن أسْلَمَ مُكاتَبُ الذِّمِّيِّ لم تَنْفَسِخِ الكِتابةُ؛ لأنَّها وقَعَتْ صحيحةً، ولا يُجْبَرُ على إزالَةِ مِلْكِه؛ لأنَّه خارجٌ بالكِتابةِ عن تصَرُّفِ الكافِرِ فيه، فإن 378 عَجَزَ أُجْبِرَ على إزالةِ مِلْكِه عنه حِينَئذٍ.
فإنِ اشتَرَى مسلمًا فكاتَبَه، لم تَصِحَّ الكتابةُ؛

الجزء: 19 - الصفحة: 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّ الشِّراءَ باطِلٌ لم يَثْبُتْ له به مِلْكٌ.
وإن أسْلَمَ عبدُه فكاتَبَه بعدَ إسْلامِه، لم تَصِحَّ كِتابَتُه 379؛ لأنَّ الكِتابَةَ لا تُزِيلُ المِلْكَ.
وقال القاضي: له ذلك.
وقد ذَكَرْناه [في كِتابِ البَيعِ] 380، فإن عَجَزَ عاد رَقِيقًا قِنًّا، وأُجْبِرَ على إزالةِ مِلْكِه عنه.
فصل: وتَصِحُّ كِتابَةُ الحَرْبِيِّ عبدَه في دارِ الحربِ وفي دارِ الإسْلامِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَصِحُّ؛ لأنَّ مِلْكَه ناقِصٌ.
وحُكِيَ عن مالكٍ، أَنَّه لا يَمْلِكُ ذلك، بدليلِ أنَّ [المسلم يَمْلِكُه] 381 عليه.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وأَمْوَالهُمْ﴾ 382. وهذه الإضافةُ إليهم تَقْتَضِي صِحَّةَ أمْلاكِهم، فتَقْتَضِي صِحَّةَ تَصَرُّفاتِهم.
إذا ثَبَتَ هذا، فإذا كاتَبَ عبدَه فدَخَلا مُسْتأْمَنَين إلينَا، لم يَتَعَرُّضِ الحاكِمُ لهما.
وإن تَرافَعا إليه نَظَرَ بَينَهما؛ فإن كانت كِتابَتُهما صَحِيحةً ألْزَمَهُما حُكْمَها، وإن كانت فاسِدةً بَيّنَ لهما فسادَها.
وإن جاءا وقد قَهَرَ أحَدُهما صاحِبَه بَطَلَتِ الكِتابَةُ؛ لأنَّ العبدَ إن قَهَرَ سيدَه مَلَكَه، فبَطَلَتْ كِتابَتُه؛ لخُرُوجِه عن مِلْكِ سيدِه 383. وإن قَهَرَه السيدُ على إبْطالِ الكِتابَةِ وَرَدَّه رَقِيقًا، بَطَلَتْ؛ لأنَّ دارَ الكُفْرِ دارُ قَهْرٍ وإباحَةٍ، ولهذا لو قَهَرَ حُرٌّ حُرًّا

الجزء: 19 - الصفحة: 200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على نَفسِه مَلَكَه.
وإن دَخَلا مِن غَيرِ قَهْرٍ، فقَهَرَ أحَدُهما الآخَرَ في دارِ الإِسْلامِ، لم تَبْطُلِ الكِتابَةُ وكانا على ما كانا عليه قبلَه؛ لأنَّ دارَ الإسْلامِ دارُ حَظْرٍ، لا يُوثِّرُ فيها القَهْرُ إلَّا بالحَقِّ.
وإن دَخَلا مُسْتَأْمَنَين ثم أرادَا الرُّجُوعَ إلى دارِ الحربِ 384، لم يُمْنَعا.
وإن أرادَ السيدُ الرُّجُوعَ وأخْذَ المُكاتَبَ معه، فأبَى المُكاتَبُ الرُّجُوعَ معه، لم يُجْبَرْ، لأنَّه بالكِتابَةِ زال سُلْطانُه، وإنَّما له في ذِمَّتِه حَقٌّ، ومَن له دَينٌ في ذِمَّةِ غيرِه لا يَمْلِكُ إجْبارَه على السَّفَرِ معه لأجْلِه.
ويقالُ للسيدِ: إن أردتَ الإِقَامَةَ في دارِ الإِسْلامِ لتَسْتَوْفيَ 385 مال الكِتابَةِ فاعْقِدِ الذِّمَّةَ وأقِمْ، إن كانت مُدَّتُها طويلةً، وإن أردتَ تَوْكِيلَ مَن يَقْبِضُ لك نُجومَ الكِتابَةِ فافْعَلْ.
فإذا أدَّى نُجومَ الكتابةِ عَتَقَ، وهو مُخَيَّرٌ، إن أحَبَّ المُقامَ في دارِ الإِسْلامِ عَقَد على نَفْسِه الذِّمَّةَ، وإن أحَبَّ الرُّجُوعَ لم يُمْنَعْ.
وإن عَجَزَ وفَسَخَ السيدُ كِتابَتَه عادَ رَقِيقًا، ويُرَدُّ إلى سَيدِه، والأمانُ له 386 باقٍ؛ لأنه مِن مالِ سَيِّدِه، وسَيِّدُه عقدَ الأمانَ لنفسِه ومالِه، فإذا انْتَقَضَ الأمانُ في نَفْسِه بعَوْدِه لم يَنْتَقِضْ في مالِه.
وإن كاتَبَه في دارِ الحَرْبِ فهَرَبَ ودَخَلَ إلينا، بَطَلَتِ الكتابةُ، لأنَّ مِلْكَه زال بقَهْره على نَفْسِه، فأشْبَهَ ما لو قَهَرَه على غيره مِن مالِه.
وسَواءٌ جاءَنا مُسْلِمًا أو غيرَ مُسلمٍ.
وإن جاء بإذنِ سيدِه فالكِتابَةُ بحالِها، لأنَّه لم يَقهَرْ

الجزء: 19 - الصفحة: 201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سيدَه، فإذا دَخَلَ إلينَا بأمانٍ بإذْنِ سيدِه ثم سَبَى المسلمونَ سيدَه وقُتِلَ، انْتَقَلَتِ الكِتابَةُ إلى وَرَثَتِه، كما لو ماتَ حَتْفَ أنْفِه، وإن مَنَّ عليه الإِمامُ أو فاداه أو هَرَبَ، فالكِتابَةُ بحالِها.
وإنِ اسْتَرَقَّه الامامُ، فالمُكاتَبُ مَوْقُوفٌ، [إن عَتَقَ السيدُ فالكِتابَةُ بحالِها، وإن مات أو قُتِلَ فالمُكاتَبُ للمسلمين، مُبقًى على ما بَقِيَ مِن كِتابَتِه، يَعْتِقُ] 387 بالأداءِ إليهم، ووَلاؤُه لهم، وإن عَجَزَ فهو رَقِيقٌ لهم.
فإن أرادَ المُكاتَبُ الأداءَ قبلَ عِتْقِ سيدِه وموتِه، أدَّى إلى الحاكمِ أو إلى أمِينِه، وكان المالُ المَقْبُوضُ مَوْقُوفًا، على ما ذَكَرْناه، ويَعْتِقُ المُكاتَبُ بالأداءِ، وسيدُه رَقِيقٌ، لا يَثْبُت له وَلاءٌ.
قال أبو بكرٍ: يكونُ الولاءُ للمسلمين.
وقال القاضي: يكونُ مَوْقُوفًا، فإن عَتَقَ سيدُه فهو له، وإن مات رَقيقًا فهو للمسلمينَ، وإن كان اسْتِرْقاقُ سيدِه بعدَ عِتْقِ المُكاتَبِ وثُبُوتِ الوَلاءِ عليه، فقالِ القاضي: يكونُ وَلاؤُه مَوْقُوفًا، فإن عَتَقَ السيدُ كان الوَلاءُ له، وإن قُتِلَ أو مات على رِقِّه بَطَلَ الوَلاءُ؛ لأنَّه رقِيقٌ لا يُورَثُ، فبَطَل الوَلاءُ؛ لعَدَمِ مُسْتَحِقِّه.
ويَنْبَغِي أن يكونَ للمسلمينَ؛ لأنَّ مال مَن لا وارِثَ له للمسلمين، فكذلك الوَلاءُ.
والله أعلمُ.
فصل: وإن كاتَبَ المُرْتَدُّ عبدَه، فعلى قولِ أبي بكرٍ، الكتابةُ باطلةٌ؛ لأنَّ مِلْكَه زال برِدَّتِه.
وعلى ظاهِرِ المذهبِ، كتابَتُه مَوْقُوفَةٌ؛ إن أسْلَمَ 388

الجزء: 19 - الصفحة: 202

وَلَا تَصِحُّ إلا بِالْقَوْلِ.
وَتَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ: كَاتَبْتُكَ عَلَى كَذَا.
تَبَيَّنّا أنَّها كانت صحيحةً، وإن مات على رِدَّتِه أو قُتِلَ بَطَلَتْ.
وإن أدَّى في رِدَّتِه لم يُحْكَمْ بعِتْقِه ويكونُ مَوْقُوفًا، فإن أسْلَم سَيِّدُه تَبَيَّنّا صِحَّةَ الدَّفْعِ إليه وعِتْقِه، وإن مات على رِدّتِه أو قُتِلَ فهو باطِلٌ والعبدُ رقيقٌ.
وإنَّ كاتَبَه وهو مسلمٌ ثم (1) ارْتَدِّ وحُجِرَ عليه، لم يَكُنْ للعبدِ الدَّفْعُ إليه، ويُؤَدِّي إلى الحاكِمِ، ويَعْتِقُ بالأداءِ.
وإن دَفَعَ إلى المُرْتَدِّ، كان مَوْقوفًا، كما ذَكَرْنا.
وإن كاتَبَ المسلمُ عبدَه المُرْتَدَّ صَحَّتْ كِتابَتُه؛ لأنَّه يَصِحُّ بَيعُه، فإن أدَّى عَتَقَ، وإن أسْلَمَ فهو على كِتابَتِه.
فصل: وكتابةُ المريضِ صَحِيحةٌ، قإن كانَ مَرَضُ الموتِ الْمَخُوفُ اعْتُبِرَ مِن الثُّلثِ؛ لأنَّه بَيعُ مالِه بمالِه، فجَرَى مجْرَى الهِبَةِ.
ولذلك ثَبَتَ الوَلاءُ على المُكاتَبِ؛ لكَوْنِه مُعْتَقًا.
فإن خَرَجَ مِن الثُّلُثِ كانت الكتابةُ لازِمةً، وإن لم يَخْرُجْ مِن الثُّلثِ، لَزِمَتْ في قَدْرِ الثُّلُثِ، وباقِيه موقوفٌ على إجازَةِ الوارثِ (2)، تَصِحُّ بإجازَتِه وتَبْطُلُ برَدِّه.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو الخَطَّابِ، في «رُءُوسِ المسائِلِ»: تجوزُ الكِتابَةُ مِن رَأسِ المال؛ لأنَّه عَقْدُ معاوَضَةٍ، أشْبَهَ البَيعَ.
والأوَّلُ أوْلَى.

2980 -

مسألة: (ولا تَصِحُّ إلا بالقولِ. وتَنْعَقِدُ بقولِه: كَاتَبْتُكَ

389390 الحديث: 2980 - الجزء: 19 - الصفحة: 203

وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: فَإِذَا أَدَّيتَ إِلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يُشْتَرَطَ قَوْلُهُ أَوْ نِيَّتُهُ.
على كذا) لأنَّه لَفْظُها الموْضُوعُ لها، فانْعَقَدَتْ بمجرَّدِه، كَلَفْظِ النِّكاحِ فيه.

2981 -

مسألة: ولا يَفْتَقِرُ إلى قولِه: (وإن أَدَّيتَ إليَّ فأنْتَ حُرٌّ)

بل متى أدَّى عَتَقَ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: لا يَعْتِقُ حتَّى يَقُولَ ذلك، أو يَنْويَ بالكِتابةِ الحُرِّيَّةَ.
ويَحْتَمِلُ مثلُ ذلك عندَنا، لأنَّ لَفْظَ الكِتابَةِ يَحْتَمِلُ المُخارَجَةَ، ويَحْتَمِلُ العِتْقَ بالأداءِ، فلا بُدَّ مِن تَمْيِيزِ أحَدِهما عن الآخَرِ، ككِتاباتِ العِتْقِ.
ولَنا، أنَّ الحُرِّيةَ مُوجَبُ عَقْدِ

الحديث: 2981 - الجزء: 19 - الصفحة: 204

وَلَا تَصِحُّ إلا عَلَى عِوَضٍ مَعْلُومٍ، مُنَجَّمٍ، نَجْمَينِ فَصَاعِدًا،  الكِتابَة، فثَبَتَتْ عندَ تَمامِه، كسائِرِ أحْكامِه.
ولأنَّ الكِتابَةَ عَقْدٌ وُضِعَ للعِتْقِ، فلم يَحْتَجْ إلى لَفْظِ العِتْقِ ولا نِيَّتِه، كالتَّدْبِيرِ.
وما ذَكَرُوه من اسْتِعمالِ الكتابةِ في المُخارَجةِ، إن ثَبَتَ فليس بمَشْهُورٍ، فلم يَمْنَعْ وُقوعَ الحُرِّية به، كسائِرِ الألْفاظِ الصَّريحةِ، على أنَّ اللَّفْظَ المُحْتَمِلَ يَنْصَرِف بالقرائِنِ إلى أحَدِ مُحْتَمِلَيه، كلَفْظِ التَّدْبِيرِ؛ فإنَّه يَحْتَمِلُ التَّدْبيِرَ في مَعاشِه، وغيرِه، وهو صَرِيحٌ في الحُرِّيةِ، كذلك هذا.

2982 -

مسألة: (ولا تَصِحُّ إلَّا على عِوَضٍ مَعْلُوم مُنجَّمٍ، نَجْمَين فصاعدًا)

لا تَصِحُّ إلَّا على عِوَضٍ مَعْلُومٍ؛ لأنَّها عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أشْبَهَتِ البَيعَ.
ولا تَجُوزُ إلَّا مُنَجَّمَةً مُؤَجَّلَةً.
هذا ظاهِرُ المذهبِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: تجوزُ حالَّةً؛ لأنَّه عَقْدٌ على عَينٍ، فإذا كان عِوَضُه في الذِّمَّةِ، جازَ أن يكونَ حالَّا، كالبَيعِ.
ولَنا، أنَّه قد رُوِيَ عن جماعةٍ مِن الصَّحابةِ أنَّهم عَقَدُوا الكتابةَ، ولم يُنْقَلْ عن واحدٍ منهم عَقْدُها حالَّةً، ولو جازَ ذلك لم يَتَّفقُوا على تَرْكِه.
ولأنَّ الكِتابَةَ عَقْدُ معاوضَةٍ يَعْجِزُ عن أداءِ عِوَضِها في الحالِ، فكان مِن شَرْطِها التَّأْجيلُ،

الحديث: 2982 - الجزء: 19 - الصفحة: 205

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالسَّلَمِ على أبي حنيفةَ.
ولأنَّها عَقْدُ مُعاوَضَةٍ يَلْحَقُه الفَسْخُ، مِن شَرْطِه ذِكْرُ العِوَضِ، فإذا وَقَعَ على وَجْهٍ يَتَحَقَّقُ فيه العَجْزُ عن العِوَضِ لم يَصِحَّ، كما لو أسْلَمَ في شيءٍ لا يُوجَدُ عندَ مَحِلِّه.
ويُفارِقُ البَيعَ؛ لأنَّه لا يَتحَقَّقُ فيه العَجْزُ عن العِوَضِ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ يَمْلِكُ المَبيعَ، والعَبْدَ لا يَملِكُ شيئًا، وما في يَدِه لسيدِه.
وفي التَنْجِيمِ، إذا كان أكثَرَ مِن نَجْمٍ، حِكْمَتانِ 391؛ إحداهُما تَرْجِعُ إلى المُكاتَبِ، وهو التَّخْفِيفُ عليه؛ لأنَّ الأداءَ مُفَرَّقًا أسْهَلُ، ولهذا تُقَسَّطُ الدُّيُونُ على المُعْسِرينَ عادةً، تخْفيفًا عليهِم.
والأخْرَى للسيدِ، وهي أنَّ مُدَّةَ الكِتابةِ تَطُولُ غَالِبًا، فلو كانت على نجْمٍ واحدٍ لم يَظْهَرْ عَجْزُه إلَّا في آخِرِ المُدَّةِ، فإذا عَجَزَ عادَ إلى الرِّقِّ، وفاتَتْ مَنافِعُه في مُدَّةِ الكتابةِ كلِّها على السيدِ 392، مِن غيرِ نَفْعٍ حَصَلَ له.
وإذا كانت مُنَجَّمةً نُجُومًا، فعَجَزَ عن النَّجْمِ الأوَّلِ فمُدَّتُه يَسِيرَةٌ، وإن عَجَزَ عمَّا بعدَه فقدَ حَصَلَ للسيدِ نَفْعٌ بما أخَذَ مِن النُّجومِ قبلَ عَجْزِه.
إذا ثَبَتَ ذلك، فأقَلُّه نَجْمان فصاعدًا.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
ونُقِلَ عن أحمدَ، أنَّه قال: مِن النَّاس من يقولُ: نَجْمٌ واحدٌ.
ومنهم مَن يقولُ: نجْمانِ.
ونَجْمانِ أحَبُّ إليَّ 393. وهذا يَحْتَمِلُ أن يكونَ معناه أنِّي أذهَبُ

الجزء: 19 - الصفحة: 206

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلى أنَّه لا يجوزُ إلَّا نَجْمانِ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ المُسْتَحَبُّ نَجْمَين، ويجوزُ نَجْمٌ واحدٌ.
قال ابنُ أبي موسى: هذا على طريقِ الاخْتِيارِ، وإن جَعَلَ المال كُلَّه في نَجْمٍ واحدٍ جازَ؛ لأنَّه عَقْدٌ يُشْتَرَطُ فيه التَّأْجيلُ، فجازَ أن يكونَ إلى أجلٍ واحدٍ، كالسَّلَمِ، ولأنَّ اعْتِبارَ التَّأْجِيلِ ليتَمَكَّنَ مِن تَسْلِيم العِوَضِ، وهذا يَحْصُلُ بنَجْمٍ واحدٍ.
ووَجْهُ الأولِ، ما رُوِيَ عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: الكِتابةُ على نجْمَين، والإِيتَاءُ مِن الثَّانِي 394. وهذا يَقْتَضِي أنَّ هذا أقَلُّ ما تجوزُ عليه الكتابةُ؛ لأنَّ أكْثَرَ مِن نجْمَين جائزٌ بالإِجْماعِ.
ورُوِيَ عن عثمانَ أنَّه غَضِبَ على عبدٍ له، فقال: لأُعاقِبَنَّكَ، ولأُكاتبَنَّكَ على نجْمَين.
ولو جازَ أقَلُّ مِن هذه لعاقَبَه به في الظاهِرِ.
وفي حديثِ بَريرَةَ، أنَّها أتَتْ عائشةَ، فقالت: يا أُمَّ المؤمنين، إني كاتَبْتُ أهْلِي على تِسْعِ أواقٍ، في كلِّ عامٍ أُوقِيَّةٌ، فأعِينِيني 395. ولأنَّ الكِتابةَ مُشْتَقّةٌ مِن الضَّمِّ، وهو ضَمُّ نَجْمٍ إلى نجْمٍ، فدَلَّ ذلك على افْتِقارِها إلى نَجْمَين.
والأوَّلُ أقْيَسُ.

الجزء: 19 - الصفحة: 207

يَعْلَمُ قَدْرَ مَا يُؤَدِّي في كُلِّ نَجْمٍ.
وَقِيلَ: تَصِحُّ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ.
وَقَال الْقَاضِي: تَصِحُّ عَلَى عَبْدٍ مُطْلَقٍ، وَلَهُ الْوَسَطُ.

2983 - مسألة: ويُشْتَرَطُ عِلْمُ ما يُؤَدَّى إليه، في كُلِّ نَجْمٍ، كالثَّمَنِ في البَيعِ، ولِئلَّا يُفْضِيَ إلى التَّنازعِ

396 والاخْتِلافِ.
ولا يُشْتَرَطُ تَساوي النُّجُوم، فإذا قال: كاتبْتُك على ألْفٍ إلى عَشْرِ سِنينَ، تُؤَدِّي عندَ انْقِضاءِ كُلِّ سَنَةٍ مائةً.
أو قال: تُؤَدِّي منها مائةً عندَ انْقِضاءِ خَمْسِ سِنِينَ، وباقِيَها عندَ تَفامِ العَشَرَةِ.
أو قال: تُؤَدِّي في آخِرِ العامِ الأوَّلِ مائةً، وتِسْعَمائةٍ عندَ انْقِضاءِ السَّنةِ العاشرةِ.
فكلًّ ذلك جائِزٌ.
فإن قال: تُؤَدِّي في كُلِّ عام مائةً.
جازَ، ويكونُ أجَلُ كُلِّ مائةٍ عندَ 397 انْقِضاء السَّنةِ 398. وظاهِرُ قولِ القاضي، وأصحابِ الشافعيِّ، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لم 399 يُبَيِّنْ وقْتَ الأداءِ مِن العامِ.
ولَنا، قولُ بَرِيرَةَ: كاتَبْتُ

الحديث: 2983 - الجزء: 19 - الصفحة: 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أهْلِي على تِسْعِ أوَاقٍ، في كلِّ عام أُوقِيَّة.
ولأنَّ الأجَلَ إذا عُلِّقَ بمُدَّةٍ، تَعَلَّقَ بأَحَدِ طَرَفَيها.
فإن كان بحَرفِ «إلى» تَعَلَّقَ بأوَّلِها، كقولِه: إلى شَهْرِ رَمضانَ.
وإن كان بحَرفِ «في»، كان إلى آخرِها؛ لأنَّه جعَل جميعَها وقْتًا لأدائِها، فإذا أدَّى في آخرِها كان مُؤَدِّيًا لها في وَقْتِها، فلم يَتَعَيّنْ عليه الأداءُ قبلَه، كتأْدِيةِ الصلاةِ في آخِرِ وَقْتِها.
وإن قال: تُؤَدِّيها في عَشْرِ سِنينِ.
أو: إلى عَشْرِ سِنينَ.
لم يَجُز؛ لأنَّه نَجْمٌ واحدٌ.
ومَن أجازَ الكِتابَةَ على نجْمٍ واحدٍ أجازَة.
وإن قال: تؤدِّي بَعْضَها في نِصْفِ المُدَّةِ، وباقِيَهَا في آخِرِها.
لم يَجُزْ؛ لأنَّ البَعْضَ يَقَعُ على القَلِيلِ والكَثيرِ، فيكونُ مَجْهُولًا.
فصل: وتجوزُ الكِتابةُ على كلِّ 400 مالٍ يجوزُ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّه مالٌ يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ مُؤَجَّلًا في مُعاوَضَةٍ، فجاز ذلك فيه، كعَقْدِ السَّلَمِ.
فإن كان مِن الأثْمانِ، وكان في البَلَدِ نَقْدٌ واحدٌ، جازَ إطْلاقُه؛ لأنَّه يَنْصَرِفُ إليه، فأشْبَهَ البَيعَ.
وإن كان فيه نُقُودٌ بَعْضُها أغْلَبُ في الاسْتِعمالِ، جاز الإِطْلاقُ أيضًا، وانْصَرَفَ إليه عندَ الإِطْلاقِ، كما لو انْفَرَدَ.
وإن كانت مُخْتَلفةً

الجزء: 19 - الصفحة: 209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُتَساويةً في الاسْتِعمالِ، وَجَبَ بَيانُه بما يَتَمَيَّزُ به مِن 401 غيرِه مِن النُّقودِ.
وإن كان مِن غيرِ الأثْمانِ، وَجَبَ وَصْفُه بما يُوصَف به في السَّلَم.
فأمَّا ما لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه (1)، فلا يجوزُ أن يكونَ عِوَضًا في الكِتابةِ؛ لأَنَّه عَقْدُ مُعَاوضةٍ يَثْبُتُ عِوَضُه في الذِّمَّةِ، فلم يَجُزْ بعِوَض مَجْهُولٍ، كالسَّلَمِ.
(وقال القاضي: تَصِحُّ على عبدٍ مُطْلَقٍ، وله الوَسَطُ) إذا كاتَبَه على عبدٍ مُطْلَقٍ، لم يَصِحَّ.
ذَكَرَه أبو بكرٍ.
وهو قولُ الشافعيِّ، [وقال القاضي] 402: يجوزُ في أحَدِ الوَجْهَين.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ؛ لأنَّ العِتْقَ لا يَلْحَقُه الفَسْخُ، فجازَ أن يكونَ الحيَوانُ المُطْلَقُ عِوَضًا فيه، كالعَقْلِ.
ولَنا، أنَّ ما لا يجوزُ أن يكونَ عِوَضًا في البَيعِ والإِجارةِ لا يجوزُ

الجزء: 19 - الصفحة: 210

وَتَصِحُّ عَلَى مَالٍ وَخِدْمَةٍ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَتِ الْخِدْمَةُ أَوْ تَأْخَّرَتْ.
أن يكونَ عِوَضًا في الكِتابةِ، كالثَّوْبِ المُطْلَقِ، ويُفَارِقُ العَقْلَ؛ لأنَّه بَدَلُ مُتْلَفٍ مْقَدَّرٌ في الشَّرْعِ، وههُنا عِوَضٌ في عَقْدٍ، أشْبَه البَيعَ.
ولأنَّ الحيوانَ الواجبَ في العَقْلِ ليسَ بحيوانٍ مُطْلَقٍ، بل هو مُقَيَّدٌ بجِنْسِه وسِنِّه، فلم يَصِحَّ الإِلْحاقُ به، ولأنَّ الحيوانَ المُطْلَقَ لا تجوزُ الكِتابةُ عليه بغيرِ خِلافٍ عَلمْناه، وإنَّما الخِلاف في العبدِ المُطْلَقِ، ولم يَرِدِ الشَّرْعُ به بَدَلًا في مَوْضِع عَلِمْناه.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ مَن صَحَّح (1) الكِتابةَ به أوْجَبَ له عَبْدًا وسطًا، وهو السِّنْدِيُّ، ويكونُ وَسَطًا مِن السِّنْديِّين في قِيمَتِه، كقَوْلِنا في الصَّدَاقِ.
ولا تصِحُّ الكِتابةُ على حيوانٍ مُطْلَقٍ غيرِ العبدِ، فيما عَلِمْنا، ولا على ثَوْبٍ، ولا دارٍ.
ولذلك لا تجوز على ثَوْبٍ مِن ثِيابِه، ولا عِمامةٍ مِن عَمائِمه، ولا غيرِ ذلك مِن المَجْهُولاتِ.
وممَّن اخْتارَ الكِتابَةَ على العبدِ، الحسَنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وابن سيرينَ.
ورُوِيَ عن أبي بَرْزَةَ، وحَفْصَةَ، رَضِيَ اللهُ عنهما.

2984 -

مسألة: (وتَصِحُّ على مالٍ وخِدْمةٍ، سواءٌ تَقَدَّمَتِ الخِدْمَةُ أو تَأَخَّرَتْ)

تجوز الكِتابةُ على المنافِعِ المُباحَةِ؛ لأنَّها403

الحديث: 2984 - الجزء: 19 - الصفحة: 211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحَدُ العِوَضَين في الإِجَارَةِ، فجاز أن تكونَ عِوَضًا في الكتابةِ، كالأثْمانِ.
ويُشْتَرَط العِلْمُ بها كما يُشْتَرَطُ في الإِجَارَةِ؛ فإن كاتَبَه على خِدْمة.
شَهْرٍ ودِينارٍ، صَحَّ، ولا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ الشهرِ وكَونِه عَقِيبَ العَقْدِ؛ لأنَّ الإِجارَةَ تَقْتَضِيه.
فإن عَيَّنَ الشَّهْرَ بوقتٍ لا يَتَّصِل بالعَقْدِ، مثلَ أن يُكاتِبَه في المُحَرَّمِ على خِدْمَتِه في رَجَبٍ ودِينارٍ، صَحَّ أيضًا، كما يجوزُ أن يُؤْجِرَه دارَه شَهرَ رَجَبٍ في المُحَرَّمِ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يجوزُ على شَهْرٍ لا يَتَّصِلُ بالعَقْدِ.
ويَشْتَرِطونَ ذِكْرَ ذلك، ولا يُجَوِّزُونَ إطْلاقَه، بناءً على قَوْلِهم في الإِجَارَةِ.
وقد سَبَقَ الكلامُ فيه، والخِلافُ في باب الإِجَارَةِ 404. ويُشْتَرَطُ كونُ الدِّينارِ المذْكُورِ مُؤَجَّلًا؛ لأنَّ الأجَلَ شَرْطٌ في عَقْدِ الكتابةِ.
فإن جعَل مَحِلِّ الدِّينارِ بعدَ الشَّهْرِ بيومٍ أو أَكْثَرَ، صَحَّ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
وإن جَعَلَ محِلَّه في الشَّهْرِ أو بعدَ انْقِضائِه، صَحَّ أيضًا.
وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال القاضي: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يكونُ نَجمًا واحدًا.
وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الخِدْمَةَ كُلَّها لا تكونُ في وَقْتِ مَحِلِّ الدِّينارِ، وإنَّما يُوجَدُ جُزْءٌ منها يَسِير مُقارِبًا له، وسائِرُها فيما سِواه، ولأنَّ الخِدْمَةَ بمَنْزِلَةِ العِوَضِ الحاصِلِ في ابْتِداءِ مُدَّتِها، ولهذا يَسْتَحِقُّ عِوَضَها

الجزء: 19 - الصفحة: 212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جميعَه، ويكونُ مَحِلُّها غير مَحِلِّ الدِّينارِ، وإنَّما جازَتْ 405 حالَّةً؛ لأنَّ المَنْعَ مِن الحُلولِ في غيرِها؛ لأجْلِ العَجْزِ عنه في الحالِ، وهذا غيرُ مَوْجُودٍ في الخِدْمَةِ، فجازَتْ حالَّةً.
وإن جَعَلَ مَحلَّ الدِّينارِ قبلَ الخِدْمَةِ، وكانتِ الخِدْمَةُ غيرَ مُتَّصِلةٍ بالعَقْدِ، بحيثُ يكونُ الدِّينارُ مُؤَجَّلًا والخِدْمَةُ بعدَه، جازَ.
وإن كانتِ الخِدْمَةُ مُتّصِلةً بالعَقْدِ، لم يُتَصَوَّرْ كونُ الدِّينارِ قبلَه، ولم يَجُزْ في أوَّلِه؛ لأنَّه يكونُ حالًا.
ومن شَرْطِه 406 التّأجِيلُ.
فصل: إذا كاتَبَ السيدُ عبدَه على خِدْمَةٍ مُفْرَدَةٍ في مُدَّةٍ واحدِةٍ، مثلَ أن يُكاتِبَه على خِدْمَةِ شَهْرٍ بعَينِه، أو سَنَةٍ مُعَيَّنَةَ، فحُكْمُه حُكْمُ الكِتابةِ على نَجْمٍ واحدٍ، على ما مَضَى مِن القولِ فيه 407. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ كالكِتابةِ على أنْجُمٍ؛ لأنَّ الخِدْمَةَ تُسْتَوْفَى في أوقاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ 408، بخِلافِ المالِ.
وإن جَعَلَه على شَهْرٍ بعدَ شَهْرٍ، كأن كاتَبَه في أوَّلِ المُحرَّمِ على خِدْمَتِه فيه وفي رَجَبٍ، صَحَّ؛ لأنَّه على نجْمَين.
وإن كاتَبَه على مَنْفَعَةٍ في الذِّمَّةِ مَعْلُومَةٍ، كخِياطَةِ ثَوْبٍ عَيَّنَه، أو بناءِ حائِطٍ وَصَفَه، صَحَّ أيضًا، إذا كانت على نَجْمَينِ.
وإن قال: كاتَبْتُكَ على أن تَخْدُمَنِي هذا الشَّهْرَ، وخِيَاطَةِ كذا 409 عَقِيبَ الشَّهْرِ.
صَحَّ في قولِ الجَميعِ.
وإن قال: على

الجزء: 19 - الصفحة: 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أن تَخْدِمَنِي شَهْرًا مِن وَقْتِي هذا، وشهرًا عَقِيبَ هذا الشهرِ.
صَحَّ أيضًا.
وعندَ الشافعيِّ، لا يَصِحُّ.
ولَنا.
أنَّه كاتَبَه على نَجْمَين، فصَحَّ، كالتي قبلَها.
فصل: وإذا كاتَبَ العبدَ وله مالٌ، فمالُه لسَيدِه؛ إلَّا أن يَشْتَرِطَه المُكاتَبُ.
[فإن كان] 410 له سُرِّيَّةٌ أو وَلَدٌ، فهو لسيدِه.
وبهذا قال الثوْرِيُّ، والحسنُ بنُ صالِحٍ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، والشافعيُّ.
وقال الحسنُ، وعطاءٌ، والنَّخَعِيُّ، وسُليمانُ بنُ موسى، وعمرُو بنُ دينارٍ، ومالكٌ، وابنُ أبي لَيلَى، في المكاتَبُ: مالُه له.
ووافَقَنا 411 عَطاءٌ، وسليمانُ بنُ موسى، والنَّخَعِيُّ، وعمرُو بنُ دينارٍ، ومالكٌ، في الوَلَدِ، واحْتُجّ لهم بما روَى ابنُ عمرَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَن أعْتَقَ عَبْدًا ولَهُ مالٌ، فالمالُ للِعَبْدِ» 412. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وله مالٌ، فَمَالهُ للبَائِعِ، إلَّا أن يَشْتَرِطَه المُبْتَاعُ» مُتَّفَقٌ عليه 413، والكِتابةُ بَيعٌ.
ولأنَّه باعة نفْسَه، فلم يَدْخُلْ معه غيرُه، كوَلَدِه و 414 أقارِبِه، ولأنَّه هو ومالُه كانا لسيدِه، فإذا وَقعَ العَقْدُ على أحَدِهما بَقِيَ

الجزء: 19 - الصفحة: 214

وَإذَا أدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيهِ، أَوْ أُبْرِئ مِنْهُ، عَتَقَ،  الآخَرُ على ما كان عليه، كما لو باعه لأجْنَبِيٍّ.
وحديثُهم ضَعِيفٌ، قد ذَكَرنا ضَعْفه.

2985 -

مسألة: (وإذا أدَّى ما كُوتِبَ عليه، أو أُبْرِئ منه، عَتَقَ)

لأنَّه لم يَبْقَ لسيدِه عليه شيءٌ، ولا يَعْتِقُ قبلَ أداءِ جَمِيعِ الكِتابةِ.
هذا ظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ؛ لمَا روَى عمرُو بنُ شُعَيبٍ عن أبِيه عن جَدِّه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «المُكاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ».
رَواه أبو داودَ 415. دَلَّ بمَنْطُوقِه على أنَّه لا يَعْتِقُ حَتَّى يَؤدِّيَ جَمِيع كِتابتِه، وبمفهُومِه على أنَّه إذا أدَّى كتابَتَه لا يَبْقَى عَبْدًا.
قال أحمدُ في عبدٍ بينَ 416 رَجُلَينَ كاتَباه على ألفٍ فأدَّى تِسْعَماثةٍ، ثم أعْتَقَ أحَدُهما نَصِيبَه، قال: يَعْتِقُ إلَّا نِصْفَ المائةِ.
وقد رُوِيَ عن عمرَ، وابنِه، وزَيدِ بنِ ثابتٍ،

الحديث: 2985 - الجزء: 19 - الصفحة: 215

وَمَا فَضَلَ في يَدِهِ فَهُوَ لَهُ.
وَعَنْهُ، أنَّه إِذَا مَلَكَ مَا يُؤدِّي صَارَ حُرًّا، وَيُجْبَرُ عَلَى أَدَائِهِ.
وعائشةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِيِّ، أنَّهم قالوا: المُكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ.
رَواه عنهم الأثرَمُ (1). وبه قال القاسمُ، [وسالم] (2)، وسليمانُ بنُ يَسارٍ، وعطاءٌ، وقَتادةُ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، ومالكٌ، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْيِ.
ورُوِيَ ذلك عن أُمِّ سَلَمَةَ.
وروَى سَعيدٌ بإسْنادِه، عن أبي قِلابَةَ، قال: كُنَّ (3) أزواجَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لا يَحْتَجِبْنَ مِن مُكاتَب ما بَقِيَ عليه دينارٌ (4). وبإسْنادِه عن عَطاءٍ، أن ابنَ عمرَ كاتَبَ غُلامًا على ألفِ دينارٍ، فأدى إليه تِسْعَمائةِ دينارٍ، وعَجَزَ عن مائةِ دِينارٍ، فرَدَّهُ ابنُ عمرَ في الرِّقِّ (5).

2986 -

مسألة: (وما فَضَلَ في يَدِه فهو له)

لأنَّه كان له قبلَ العِتْقِ، فَبَقِيَ على ما كان (وعنه، أنَّه إذا مَلَكَ ما يُؤَدِّي صار حرًّا) لما417418419420421

الحديث: 2986 - الجزء: 19 - الصفحة: 216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَوَتْ أُمُّ سَلمَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إِذا كان لإحْداكُنَّ مُكَاتَبٌ، فكانَ عندَه ما يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 422. وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
فأمَرَهُنَّ بالحِجابِ بمُجَرَّدِ مِلْكِه لما يُؤَدِّيه.
ولأنَّه مالِكٌ لمالِ الكِتابةِ، أشْبَهَ ما لو أدَّاه.
فعلى هذا، متى امْتَنَعَ مِن الأداءِ، أجْبَرَه الحاكِمُ عليه، كسائِرِ الدُّيونِ الحالَّةِ على القَادِرِ عليها.
فإن هَلَكَ ما في يَدَيه قبلَ الأداءِ صار دَينًا في ذِمَّتِه، وقد صار حُرًّا.
والصَّحِيحُ أنَّه لا يَعْتِقُ حتَّى يُؤَدِّيَ.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حدِيثِ عمرِو بنِ شُعَيبٍ.
ورَوَى سَعيدٌ 423 بإسْنادِه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «أَيُّما عَبْدٍ كانَتْ عليه مائةُ أوقِيَّةٍ فأدَّاهَا إلَّا عَشْرَةَ أوَاقٍ، فهو عَبْدُ، [وأيُّما عَبْدٍ كاتَبَ على مائةِ دِينارٍ، فأدّاها إلَّا عَشَرَةَ دنانيرَ، فهو عبدٌ] 424». وفي رِوايةٍ «مَن كاتَبَ عَبْدَه على مائةِ أوقِيَّةٍ، فأدَّاها إلَّا عَشْرَ أواقٍ -أو قال- إلَّا عَشَرَةَ دَراهِمَ، ثم عَجَزَ، فهو رَقِيقٌ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 425. وقال: هذا حديثٌ غريبٌ.
ولأنَّه عِتْق عُلِّقَ

الجزء: 19 - الصفحة: 217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بعِوَضٍ، فلم يَعْتِقْ قبلَ أدائِه، كما لو قال: إذا أدَّيتَ إليَّ ألفًا فأنتَ حُرٌّ.
فعلى هذه الرِّوايةِ، إذا أدَّى عَتَقَ، وإن لم يُؤَدِّ لم يَعْتِقْ.
فإنِ امْتَنَعَ مِن الأداءِ، فقال أبو بكرٍ: يُؤَدِّيهِ الإمامُ عنه، ولا يكونُ ذلك عَجْزًا، ولا يَمْلِكُ السيدُ الفَسْخَ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا لم يُؤَدِّ عَجَّزَهُ السيدُ إن أحَبَّ، وعاد عَبْدًا غيرَ مُكاتَبٍ.
ونحوَه قال الشافعيُّ، فإنَّه قال: إن شاء عَجَّزَ نَفْسَه وامْتَنَعَ مِن الأداءِ.
ووَجْهُ ذلك، أنَّ العَبْدَ لا يُجْبَرُ على اكْتِسَابِ ما يُؤَدِّيه في الكِتابَةِ، فلا يُجْبَرُ على الأداءِ، كسائِرِ العُقُودِ الجائِزَةِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه قد ثَبَتَ للكبدِ اسْتِحْقاقُ الحُرِّيةِ بمِلْكِ ما يُؤَدِّي، فلم يَمْلِكْ إبْطالها، كما لو أدَّى.
فإن تَلِفَ المالُ قبلَ أدائِه جازَ تَعْجِيزُه واسْتِرْقَاقُه، وَجْهًا واحدًا.
فصل: إذا أَبْرأهُ السيدُ مِن مالِ الكِتابةِ، بَرِئَ وعَتَقَ؛ لأنَّ ذِمتَّهَ خَلَتْ مِن مالِ الكِتابةِ، فأشْبَهَ ما لو أدَّاه.
وإن أبْرأه مِن بعضِه، بَرِئَ منه، وهو على الكِتابةِ فيما بَقِيَ؛ لأنَّ الإِبراءَ كالأداءِ.
فإن كاتَبَه على دنانِيرَ فأبْرأه مِن دَراهِمَ، أو بالعَكْسِ، لم تَصِحَّ البراءَةُ؛ لأنَّه أَبْرأهُ ممَّا لا يَجبُ عليه، إلَّا أن يُرِيدَ بقَدْرِ ذلك مما لِيَ عليك.
فإنِ اخْتَلَفا، فقال المُكَاتَبُ: إنَّما أرَدْتَ مِن قِيمَةِ ذلك.
وقال السيدُ: بل ظَنَنْتُ أنَّ لِي عليك النَّقْدَ الَّذي برأتُكَ منه، فلم تَقَعِ البراءَةُ مَوضِعَها.
فالقولُ قولُ السيدِ مع يَمينه؛ لأنَّه أعْرَفُ بِنيَّته.
فإن مات السيدُ واخْتَلَفَ المُكاتَبُ والوَرَثَةُ، فالقولُ قولُهم مع أيْمانِهم ويَحْلِفونَ على نَفْي العِلْمِ.
وإن مات المُكاتَبُ واخْتَلَفَ وَرَثته وسَيدُه، فالقولُ قولُ السيدِ؛ لِما ذَكَرْنا.

الجزء: 19 - الصفحة: 218

فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الأَدَاءِ كَانَ مَا في يَدِهِ لِسَيِّدِهِ، في الصَّحِيحِ عَنْهُ.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الأُخْرى، لِسَيِّدِهِ بَقِيَّةُ كِتَابَتِهِ، وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ.

2987 - مسألة: (فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الأَدَاءِ كَانَ مَا في يَدِهِ لِسَيِّدِهِ، في الصَّحِيحِ عَنْهُ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الأُخْرى، لِسَيِّدِهِ بَقِيَّةُ كِتَابَتِهِ، وَالْبَاقِي لوَرَثتِه)

هذه المسألةُ تُشْبِهُ أن تكونَ مَبْنِيَّةٌ على المسألةِ التي قبلَها، إن قُلْنا: إنَّه [لا يَعْتِقُ] 426 بمِلْكِ ما يُؤَدِّي.
فقد ماتَ رَقِيقًا وانْفَسخَتِ الكِتابةُ 427 بمَوتِه، وكان ما في يَدِه لسيدِه.
وإن قُلْنا: إنَّه عَتَقَ بملكِ ما يُؤَدِّي.
فقد مات حرا، وعليه لسيدِه بَقِيَّةُ كِتابته؛ لأنَّه دَينٌ له عليه، والباقِي لوَرَثَتِه.
قال القاضي: الأصَحُّ أنَّ الكِتابةَ تَنْفَسِخ بموتِه، ويموتُ عَبدًا، وما في يَدِه لسيدِه.
رَواه الأثْرَمُ بإسْنادِه، عن عمرَ، وزيدٍ، والزُّهْرِيِّ 428. وبه قال: إبراهيمُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وقَتادةُ، والشافعيُّ؛ لِما ذَكَرْناه في التي قَبلَها.
ولأنَّه مات قبلَ أداءِ مال الكتابةِ، فوَجَبَ أن تَنْفَسِخَ، كما لو لم يكُنْ له مالٌ، وكما لو عَلَّقَ عِتْقَه بأدَاءِ ألفٍ فماتَ قبلَ أدائِها.
وعنه، أنَّه يَعْتِقُ ويمُوتُ حُرًّا، فيكونُ لسيدِه بَقيَّةُ كتابتِه، والباقِي لوَرَثَتِه.
رُوِيَ

الحديث: 2987 - الجزء: 19 - الصفحة: 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، ومعاويةَ 429. وبه قال عطاءٌ، والحسنُ، وطاوُسٌ، وشرَيحٌ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والحسنُ بنُ صالحٍ، وماللث، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: يكون حُرًّا في آخِرِ جُزْءٍ مِن حَياتِه.
وهذا قولُ القاضيِ.
ووَجْهُ هذهِ الرِّوايةِ، ما تَقَدَّمَ في التي قبلَها.
و 430 لأنَّها مُعاوَضَةٌ لا تَنْفسِخُ بموتِ أحَدِ المُتَعاقِدَين، فلا تَنْفَسِخُ بمَوتِ الآخَرِ، كالبَيعِ، ولأنَّ العَبْدَ أحدُ مَن تَمَّتْ به الكِتابةُ، فلم تنْفسِخْ بموتِه، كالسيدِ.
والأوَّلُ أوْلَى.
وتُفَارِق الكِتابةُ البَيعَ؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ مِن المُتَعاقِدَين غيرُ مَعْقُودٍ عليه، ولا يَتَعَلَّقُ العَقْدُ بعَينِه، فلم يَنْفَسِخْ بتَلَفِه، والمُكاتَبُ هو المعقودُ عليه، والعَقدُ مُتَعَلِّق بعَينِه، فإذا تَلِفَ قبلَ تَمامِ الأداءِ انْفَسَخَ العَقْدُ، كما لو تَلِفَ المَبِيعُ قبلَ قَبضِه، ولأنَّه مات قبلَ وُجُودِ شَرْطِ حُرِّيتِه، ويَتَعَذَّرُ وُجُودُها بعدَ موتِه.
فأمَّا إن مات ولم يُخَلِّف وفاءً، فلا خِلافَ في المذهبِ أنَّ الكتابةَ تَنْفسخُ بمَوتِه، ويَمُوتُ عَبْدًا.
وما في يَدِه لسيدِه.
وهو قولُ أهلِ الفَتاوى مِن

الجزء: 19 - الصفحة: 220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أئِمةِ الأمْصارِ، إلَّا أن يَمُوتَ بعدَ أداءِ ثَلاثَةِ أرْباعِ الكِتابةِ عندَ أبي بكرٍ، والقاضي، ومَن وافَقَهُما، فإنَّه يَمُوتُ حُرًّا في مقْتضَى قولِهم، وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاء الله تعالى.
وقال مالكٌ: إن كان له وَلَدٌ حرٌّ انْفَسَخَتِ الكِتابةُ، وإن كان مَمْلوكًا في كتابَتِه أُجْبِرَ على دَفْعِ المالِ إن كان لَه مالٌ، وإن لم يَكُنْ له أُجْبِرَ على الاكْتِسَابِ والأداءِ.
فصل: ولا تَنْفَسِخُ الكِتابةُ بالجُنونِ؛ لأنَّها عَقْدٌ [لازمٌ، فلم] 431 تَنْفَسِخْ بالجُنُونِ، كالرَّهْنِ.
وفارَقَ الموتَ؛ لأنَّ العَقْدَ على العَينِ، والموتُ يُفَوِّتُ العَينَ، بخِلافِ الجُنُونِ، ولأنَّ القَصْدَ مِن الكِتابةِ العِتْقُ، والموتُ يُنافِيه، ولهذا لا يَصِحُّ عِتْقُ المَيِّتِ والجُنونُ لا يُنافِيه، بدليلِ صِحَّةِ عِتْقِ المجْنُونِ.
فعلى هذا، إْن أدَّى إليه المال عَتَقَ؛ لأنَّ السيدَ إذا قَبَضَ منه فقدِ اسْتَوْفَى حَقَّه الَّذي كان عليه، وله أخْذُ المالِ مِن يَدِه، فيَتَضَمَّنُ ذلك بَراءَتَه مِن المالِ، فيَعْتِقُ بحكمِ العَقْدِ، وإن لم يُؤَدِّ إليه، كان للسيدِ أن يُحْضِرَه عندَ الحكمِ.
وتَثْبُتُ الكِتابَةُ بالبَيِّنَةِ، فيَبْحَثُ الحاكمُ عن مالِه، فإن وَجَدَ له مالًا سَلَّمَه في الكِتابَةِ وعتَقَ، وإن لم يَجِدْ له مالًا جعَلَ له أن

الجزء: 19 - الصفحة: 221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُعَجِّزَه، ويُلْزِمَه الإنْفاقَ عليه؛ لأنَّه عاد قِنًّا، ثم إن وَجَدَ له الحاكمُ بعدَ ذلك مالًا يَفِي بمالِ الكِتابةِ، أَبْطَلَ فَسْخَ السيدِ؛ لأنَّ [الباطنَ بان] 432 بخِلافِ ما حَكَمَ به، فبَطَلَ حُكْمُه، كما إذا أخَطأ النَّصَّ وحَكَم بالاجْتِهادِ، إلَّا أنَّه يَرُدُّ على السيدِ ما أنْفَقَه مِن حينِ الفَسْخِ؛ لأنَّه لم يكُنْ مُسْتَحَقًّا عليه في الباطِنِ.
وإن أفاقَ، فأقامَ البَيِّنَةَ أنَّه كان 433 قد دَفَعَ إليه مال الكِتابةِ، بَطَلَ أيضًا، ولا يَرُدُّ عليه ما أنْفَقَه؛ لأنَّه أنْفَقَ عليه مع عِلْمِه بحُرِّيتِه، فكان مُتَطَوِّعًا بذلك، فلم يَرْجِعْ به: ويَنْبَغِي أن يَسْتَحْلِفَ الحاكمُ السيدَ أنَّه ما اسْتَوْفَى مال الكِتابةِ.
وهذا قولُ أصحابِ الشافعيِّ.
ولم يذكُرْه أصحابُنا، وهو حسنٌ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه اسْتَوْفاه، والمجْنُونُ لا يُعَبِّرُ عن نَفْسِه فيَدَّعِيه، فيقومُ الحاكِمُ مَقامَه في اسْتِحْلافِه عليه.
فصل: وقَتْلُ المُكاتَبِ كمَوْتِه في انْفِساخِ الكِتابةِ، على ما أسْلَفْنا مِن الخِلافِ، سواء كان القَاتِلُ السيدَ، أو الأجْنَبِيَّ؛ ولا قِصاصَ على قاتِلِه الحُرِّ، لأنَّ المُكاتَبَ عبدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ، للحدِيثِ 434. فإن كان القَاتِلُ سيدَه، ولم يُخَلِّفْ وَفَاءً، انْفَسَخَتِ الكِتابةُ.، وعادَ ما في يَدِه إلى سَيدِه، ولم يَجِبْ عليه شيءٌ؛ لأَنه لو وَجَبَ لوَجَبَ له.
فإن قِيلَ: فالقاتِلُ

الجزء: 19 - الصفحة: 222

وَإذَا عُجِّلَتِ الْكِتَابَةُ قَبْلَ مَحِلِّهَا، لَزِمَ السَّيِّدَ الْأَخْذُ، وَعَتَقَ.
لا يَسْتَحِقُّ بالقَتلِ شيئًا مِن تَرِكَةِ المقْتُولِ.
قُلْنا: ههُنا لا يَرْجِعُ إليه مال المُكاتَبِ مِيراثًا، بل بحُكْمِ مِلْكِه عليه لزوالِ الكِتابةِ، وإنَّما يُمْنَعُ القَاتِلُ الميراثَ خاصَّةً، ألا تَرَى أنَّ مَن له دَينٌ مُؤَجَّل، إذا قَتَلَ مَن عليه الحَقُّ حلَّ الدَّينُ، في رِوايَةٍ، وأُمَّ الوَلَدِ إذا قَتَلَتْ سيدَها عَتَقَتْ.
وإن كان المُكاتَبُ قد خَلَّفَ وفاءً، وقُلْنا: إن الكِتابَةَ تَنْفَسِخُ بمَوتِه.
فالحُكْمُ كذلك.
وإن قُلْنا: لا تَنْفسِخُ.
فله القِيمَةُ على سيدِه، تُصْرَفُ إلى وَرَثَتِه، كما لو كانتِ الجِنايَةُ على بَعضِ أطْرافِه في حَياتِه.
وإن كان الوَفاءُ يَحْصُلُ بإيِجابِ القِيمَةِ، ولا يَحْصُلُ بدُونِها، وَجَب، كما لو خَلَّفَ وَفاءً؛ لأنَّ دِيَةَ المَقْتُولِ كتَرِكَتِه في قَضاءِ دُيُونِه منها، وانْصِرافِها إلى وُرَّاثِه بَينَهم على فَرائِضِ اللهِ تعالى.
ولا فَرْقَ فيما ذكَرْنا بين أن يُخَلِّفَ وارِثًا أو لا يُخَلِّفَ وارِثًا.
وذكر القاضي أنَّه إذا لم يُخَلِّف وارِثًا سِوى سيدِه، لم تَجِبِ القِيمَةُ عليه بحالٍ.
ولَنا، أنَّه مَن لا وارِثَ له يُصْرَفُ مالُه إلى المسلمين، ولا حَقَّ لسيدِه فيه؛ لأنَّ صَرْفَه إلى سيدِه بطريقِ الإِرْثِ، والقاتِلُ لا مِيرَاثَ له.
وإن كان القاتِلُ أجْنَبِيًّا وجَبَتِ القِيمَةُ للسيدِ، إلَّا في الموضِعِ الَّذي لا تَنْفَسخُ الكِتابةُ، تَجِبُ لوَرَثَتِه.

2988 -

مسألة: (وَإذَا عُجِّلَتِ الْكِتَابَةُ قَبْلَ مَحِلِّهَا، لَزِمَ السَّيِّدَ

الحديث: 2988 - الجزء: 19 - الصفحة: 223

وَيَحْتَمِلُ ألَّا يَلْزَمَهُ ذَلِكَ، إذَا كَانَ في قَبْضِهِ ضَرَرٌ.
الأخْذُ وعَتَقَ) هذا المنصوصُ عن أحمدَ 435 (ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه ذلك إذا كان في قَبْضِه ضَرَرٌ) وذكر أبو بكرٍ فيه رِوايةً أُخْرَى، أنَّه لا يَلْزَمُه قَبُولُ المالِ إلَّا عندَ نُجُومِه؛ لأنَّ بَقَاءَ المُكاتَبِ في هذه المُدَّةِ في مِلْكِه حَقٌّ له، ولم يَرْضَ بزَوالِه، فلم يَزُلْ، كما لو عَلَّقَ عِتْقَه على شَرْطٍ، لم يَعْتِقْ قبلَه 436. والصَّحيحُ في المذهَبِ الأوَّلُ.
وهو مذهَبُ الشافعيِّ، إلَّا أنَّ القاضيَ قال: أطْلَقَ أحمدُ والخِرَقِي هذا القَوْلَ، وهو مُقَيَّد بما لا ضَرَرَ في قَبْضِه قبلَ مَحِلِّه، كالذي لا يَفْسُدُ ولا يَخْتَلِفُ قَدِيمُه وحَدِيثُه، ولا يَحْتاجُ إلى مُؤْنَةٍ في حِفْظِه، ولا يَدْفَعُه في حالِ خَوْفٍ يَخافُ ذَهابَه، فإنِ اخْتَلَّ أحدُ هذه الأمورِ، لم يَلْزَمْه قَبْضُه، مثلَ أن يكونَ ممَّا يَفْسُدُ 437؛ كالعِنَبِ، والرُّطَبِ، والبِطِّيخِ، أو يَخافُ تَلَفَه، كالحيوانِ، فإنَّه ربَّما تَلِفَ قبلَ المَحِلِّ، ففاتَه مَقْصُودُه.
وإن كان ممَّا يكونُ حَدِيثُه خَيرًا مِن قَدِيمِه لم يَلْزَمه أيضًا أخْذُه؛ لأنَّه 438 يَنْقضُ إلى حينِ الحُلُولِ.
وإن كَان ممَّا يَحْتاجُ إلى مَخْزَنٍ، كالطعامِ والقُطْنِ، لم يَلْزَمْه أيضًا؛ لأنَّه يحتاجُ في إبْقائِه إلى وَقْتِ المَحِلِّ إلى مُؤْنةٍ، فيَتَضَرَّرُ بها.
ولو كان غيرَ هذا إلَّا أنَّ البلدَ مَخُوفٌ، لم يَلْزَمْه أخْده؛ لأنَّ في أخْذِه ضَرَرًا لم يَرْضَ بالْتِزَامِه،

الجزء: 19 - الصفحة: 224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وكذلك لو سَلَّمَه إليه في طَرِيقٍ مَخُوفٍ، أو في مَوْضِعٍ يَتَضَرَّرُ بقَبْضِه فيه، لم يَلْزَمْه قَبْضُه، ولم يَعْتِقِ المُكاتَبُ.
قال القاضي: والمذهبُ عِندِي أنَّ فيه تَفْصِيلًا، على حَسَبِ ما ذَكَرْناه في السَّلَمِ.
ولأنَّه لا يَلْزَمُ الإِنْسانَ الْتِزَامُ ضَرَرٍ لم يَقْتَضِه العَقْدُ ولا رَضِيَ بالتِزامِه، وأمَّا ما لا ضَرَرَ في قَبْضِه، فإذا عَجَّلَه لَزِمَ السيدَ أخْذُه.
وذَكَرَ أبو بكرٍ، أنَّه يَلْزَمُه قَبولُه مِن غيرِ تَفْصِيل، اعْتِمادًا على إطْلاقِ أحمدَ القولَ في ذلك.
وهو ظاهِرُ إطْلاقِ الخِرَقِيِّ، لما روَى الأثْرَمُ بإسْنادِه، عن أبي بكرِ ابنِ حَزْم، أنَّ رجلًا أتَى عمَرَ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنِّي كاتَبْت على كذا كذا، وإنِّي أيسَرْت بالمالِ وأتَيتُه به، فزَعَمَ أنَّه لا يَأْخُذُها إلَّا نُجُومًا.
فقال عمرُ، رَضِيَ اللهُ عنه: [يا يَرْفَأُ، خُذْ] 439 هذا المال فاجْعَلْه في بيتِ المالِ، وأدِّ إليه نُجُومًا في كُلِّ عام، وقد عَتَقَ هذا.
فلما رَأى ذلك سيدُه أخَذَ المال 440. وعن عثمانَ، رَضِيَ الله عنه، نحوُ هذا 441. ورَواه سعيدُ بنُ مَنْصورٍ، في «سُنَنِه» عن عمرَ وعثمانَ جميعًا، [قال: ثَنا] 442 هُشَيمٌ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، أنّ عثمانَ قَضَى بذلك.
ولأنّ الأجَلَ حَق لمَن عليه الدَّينُ، فإذا قَدَّمَه فقد رَضِيَ 443 بإسْقاطِ حَقِّه، فسَقَطَ، كسائِرِ

الجزء: 19 - الصفحة: 225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحُقُوقِ.
فإن قيل: إذا عَلَّقَ عِتْقَ عبدِه على فعل في وقتٍ ففَعَلَه في غيرِه، لم يَعْتِقْ.
قُلْنا: ظك صِفَة مُجَرَّدَةٌ لا يَعْتِقُ إلَّا بوجودِها.
والكتابةُ مُعاوَضَةٌ يَبْرأُ 444 فيها بأداءِ العِوَضِ، فافْتَرقا، ولذلك لو أَبْرَأه مِن العِوَضِ في الكِتابةِ عَتَقَ، ولو أبرأه مِن المالِ في الصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ لم يعْتِقْ.
قال شيخُنا 445: والأوْلَى، إن شاء اللهُ، ما قاله القاضي، في أنَّ ما كان في قبْضِه ضَرَر لم يَلْزَمْه قَبْضُه، ولم يَعْتِقْ ببَذْلِه؛ لِما ذَكَرَه مِن الضَّرَرِ الَّذي لم يَقْتضِه العَقْدُ.
وخَبَرُ عمرَ لا دَلالة فيه على وُجُوبِ قَبْضِ ما فيه ضَرَر.
ولأنَّ أصحابَنا قالوا: لو لَقِيَه في بلدٍ آخَرَ فدَفَعَ إليه نُجُومَ الكِتابةِ أو بَعضَها، فامْتَنَعَ مِن أخْذِها لضَرَرٍ فيه؛ مِن خَوْفٍ أو مُؤْنَةِ حَمْل، لم يَلْزَمْه قَبُولُه؛ لما عليه مِن الضَّرَرِ فيه، وإن لم يكُنْ فيه ضَرَرٌ لَزِمَه قَبْضُه.
كذا ههُنا.
وكلامُ أحمدَ مَحْمُولٌ على [ما إذا] 446 لم يكنْ في قَبْضِه ضَرَرٌ.
وكذلك قولُ الخِرَقِيِّ وأبي بكرٍ.
فصل: إذا أحْضَرَ المُكاتَبُ مال الكِتابةِ أو بَعْضَه ليُسَلِّمَه، فقال السيدُ: هذا حَرَامٌ، أو غَصْبٌ، لا أقْبَلُه منك.
سُئِلَ العَبدُ عن ذلك، فإن أقَرَّ به لم يَلْزَمِ السيدَ قَبُولُه؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه أخْذُ المُحَرَّمِ، ولا يَجُوزُ

الجزء: 19 - الصفحة: 226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له.
وإن أنْكَرَ، وكانت للسيدِ بَيِّنَةٌ بدَعْواه، لم يَلْزَمْه قَبُولُه وتُسْمَعُ بَيِّنَتُه؛ لأنَّ له حَقًّا في أن لا يَقْتَضِيَ دَينَه مِن حرامٍ، ولا يَأْمَنُ أن يَرْجِعَ صاحِبُه عليه به.
وإن لم تكُنْ له بَيِّنَةٌ، فالقولُ قولُ العَبْدِ مع يَمِينِه، فإن نَكَلَ عن اليَمِينِ لم يَلْزَمِ السيدَ قَبولُه أيضًا.
وإن حَلَفَ، قيل للسيدِ: إمَّا أن تَقْبِضَه، وإما أن تُبْرِئَه ليَعْتِقَ.
فإن قَبَضَه وكان تَمامَ كتابتِه عَتَقَ، ثم يُنْظَرُ؛ فإنِ ادَّعَى أنَّه حرامٌ مُطْلَقًا، لم يُمْنَعْ منه؛ لأنَّه لم يُقِرَّ به لأحدٍ، وإنَّما تَحْرِيمُه فيما بَينَه وبينَ اللهِ تعالى.
وإنِ ادَّعَى أنَّه غَصبَه مِن فُلانٍ، لَزِمَه دَفْعُه إليه؛ لأنَّ قولَه وإن لم يُقْبَلْ في حَقِّ المُكاتَبِ، فإنَّه يُقْبَلُ في حَقِّ نَفْسِه، كما لو قال رَجُلٌ لعبدٍ في يَدِ غيرِه: هذا حُر.
وأنْكَرَ ذلك مَن العبدُ في يَدِه، لم يُقْبَلْ قولُه عليه، فإنِ انْتَقَلَ إليه بسَبَبٍ مِن الأسبابِ، لَزِمَتْه حُرِّيَّتُه.
فإن أَبرَأه مِن مالِ الكِتابةِ، لم يَلْزَمْه قَبْضُه؛ لأنَّه لم يَبْقَ له عليه حَقٌّ.
وإن لم يُبْرِئْه ولم يَقْبِضْه، كان له دَفْعُ ذلك إلى الحاكِمِ، ويُطالِبُه بقَبْضِه، فينُوبُ الحاكِمُ في قَبْضِه عنه، ويَعْتِقُ العبدُ كما رَوَيناه عن عمرَ، وعثمانَ، رَضِيَ الله عنهما، في قَبْضِهِما مال الكتابةِ، حينَ امْتَنَعَ المُكاتِبُ مِن قَبْضِه.

الجزء: 19 - الصفحة: 227

وَلَا بَأَسَ أن يُعَجِّلَ الْمُكَاتَبُ لِسَيِّدِهِ، وَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ.
فصل: إذا كاتَبَه على جِنْسٍ لم يَلْزَمْه قَبْضُ غيرِه، فلو كاتَبَه على دَنانِيرَ لم يَلْزَمْه قَبْضُ دَراهِمَ ولا عَرْض.
وإن كاتَبَ (1) على عَرْضٍ مَوْصُوفٍ لم يَلْزَمْه قَبْضُ غيرِه.
وإن كاتبه (1) على نَقْدٍ، فأعْطاه مِن جِنْسِه خَيرًا منه، وكان يُنْفَقُ فيما يُنْفَقُ فيه الَّذي كاتَبَه عليه، لَزِمَه أخْذُه؛ لأنَّه زاده خيرًا، وإن كان لا يُنْفَقُ في بَعْضِ البُلْدانِ التي يُنْفَقُ فيها ما كاتَبَه عليه لم يَلْزَمْه قَبُولُه، لأنَّ عليه في ضَرَرًا.

2989 -

مسألة: (ولا بَأْسَ أن يُعَجِّلَ المُكاتَبُ لسيدِه، ويَضَعَ عنه بَعْضَ كتابَتِه)

مثلَ أن يُكاتِبَه على ألفٍ في نَجْمَين إلى سنةٍ، ثم قال: عَجِّلْ لي خَمْسَمائةٍ حتَّى أضَعَ عنك الباقِي.
أو: حتَّى أُبْرِئَك مِن الباقِي.
أو قال: صَالِحْنِي منه على خَمْسِمائَةٍ مُعَجَّلَةٍ.
جاز ذلك.
يقول طاوسٌ، والزُّهْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وأبو حنيفةَ.
وكَرِهَهُ الحسنُ، وابنُ447

الحديث: 2989 - الجزء: 19 - الصفحة: 228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سِيرِينَ، والشَّعْبِيُّ.
وقال الشافعيُّ: لا يجوزُ؛ لأنَّ هذا بَيعُ ألفٍ بخَمْسِمائَةٍ، وهو رِبا الجاهليةِ؛ وهو أن يَزِيدَ في الدَّينِ لأجْلِ الأجَلِ، وهذا أيضًا هِبَةٌ.
و 448 لأنَّ هذا لا يجوزُ بينَ الأجَانِبِ، والرِّبَا يَجْرِي بينَ المُكاتَبِ وسيدِه، فلم يَجُزْ هذا بينَهما، كالأجانِبِ.
ولَنا، أنَّ مال الكِتابةِ غيرُ مُسْتَقِرٍ، ولا هو [دَين صَحِيحٌ] 449، بدليلِ أنَّه لا يُجْبَرُ على أدائه، وله أن يَمْتَنِعَ مِن أدَائِه، ولا تَصِحُّ الكَفالةُ به، وما 450 يُؤَدِّيه إلى سيدِه كسْبُ عبدِه، وإنَّما جَعَل الشَّرْعُ هذا العَقْدَ وَسِيلَةً إلى العِتْقِ، وأوْجَبَ فيه التَّأْجِيلَ مُبالغةً في تَحْصِيلِ العِتْقِ، وتَخْفِيفًا على المُكاتَبِ.
فإذا أمْكَنَه التَّعْجيلُ على وَجْهٍ يُسْقِطُ عنه بعضَ ما عليه، كان أبلَغَ في حُصُولِ العِتْقِ، وأخَفَّ على العَبْدِ، ويَحْصُلُ مِن السيدِ إسْقَاطُ بعضِ مالِه على عبدِه، ومِن اللهِ تعالى إسْقاطُ بعضِ 451 ما أوْجَبَه عليه مِن الأجَلِ لمصْلَحَتِه.
ويُفارِقُ سائرَ الدُّيُونِ بما ذَكَرنا، ويُفارِقُ الأجَانِبَ، مِن حيث إنَّ هذا عبدُه، فهو أشْبَهُ بعَبدِه القِنِّ.
وأمَّا قولُهم: إنَّ الرِّبا يَجْرِي بينَهما.

الجزء: 19 - الصفحة: 229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيَمْنَعُه 452 ما ذَكَرَه ابنُ أبي موسى 453، وإن سَلَّمْنا، فإنَّ هذا مُفارِقٌ لسائِرِ 454 الرِّبا بما ذَكَرْناه، وهو يُخالِفُ رِبا الجاهِلِيَّةِ؛ فإنَّه إسْقاطٌ لبعضِ.
الدَّينِ، ورِبَا الجاهِليَّةِ زِيادَة في الدَّينِ تُفْضِي إلى نَفادِ مالِ المَدِينِ وتَحَمُّلِه ما يَعْجِزُ عن أدائِه 455 مِن الدَّينِ، فيُحْبَسُ مِن أجْلِه، وهذا يُفْضِي إلى تَعْجِيلِ عِتْقِ المُكاتَبِ وخَلاصِه مِن الرِّقِّ والتَّخْفِيفِ عنه، فافْتَرَقا.
فصل: فإنِ اتَّفَقا على الزِّيادَةِ في الأجَلِ والدَّينِ، مثلَ أن يُكاتِبَه على ألْفٍ في نَجْمَين إلى سنَةٍ يُؤَدِّي خَمسَمائةٍ في نِصْفِها والباقِيَ في 456 آخِرِها، فيَجْعَلانِها إلى سَنَتَين بألْفٍ ومائَتَين، في كلِّ سَنَةٍ سِتُّمائةٍ، أو مثلَ أن يَحِلَّ عليه نَجمٌ، فيقولَ: أخِّرْنِي إلى كذا وأزِيدُك كذا.
فلا يجوزُ؛ لأنَّ الدَّينَ (5) المُؤَجَّلَ إلى وَقْتٍ لا يَتَأْخرُ أجَلُه عن وَقْتِه باتفاقِهما عليه، ولا يَتَغَيَّرُ أجَلُه بتَغْييرِه، وإذا لم يَتأخَّرْ عن وَقْتِه لم تَصِحَّ الزِّيادَةُ التي في

الجزء: 19 - الصفحة: 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُقابَلَتِه، ولأنَّ هذا يُشْبِهُ رِبَا الجاهِليَّةِ المُحَرَّمَ، وهو الزِّيادَةُ في الدَّين للزِّيادَةِ في الأجَلِ.
ويُفارِقُ المسألَةَ الأُولَى مِن هذين الوَجْهَين.
فإن قِيلَ: فكما أنَّ الأجَلَ لا يَتَأخَّرُ، فكذلك لا يَتَعَجَّلُ، ولا يَصِيرُ المُؤَجَّلُ حالًا، فلِمَ جاز في المسألَةِ الأُولَى؟ قُلْنا: إنَّما جاز في المسألةِ الأُولَى بالتَّعْجِيلِ فِعْلًا، فإنَّه إذا دَفَعَ إليه الدَّينَ المُؤَجَّلَ قبلَ مَحِلِّه جازَ، وجاز للسيدِ إسقاطُ باقِي حَقِّه عليه، وفي هذه المسألةِ يأْخُذُ أكْثَرَ ممَّا وَقَعَ عليه العَقْدُ، فهو ضِدُّ المسألةِ الأُولَى.
وهو مُمْتَنِعٌ مِن وَجْهٍ آخَرَ، لأنَّ في ضِمْنِ الكتابةِ إنَّكَ متى أدَّيتَ إلَيَّ كذا فأنتَ حُرٌّ.
فإذا أدَّى إليه ذلك فيَنْبَغِي أن يَعْتِقَ.
فإن قِيلَ 457: فإذا غُيِّرَ الأجَلُ والعِوَضُ، فكأنَّهما فَسَخا الكِتابَةَ الأُولَى وجَعَلا كتابةً ثانِيةً.
قُلْنا: لم يَجْرِ 458 بينَهما فَسْخٌ؛ وإنَّما قَصَدا تَغْيِيرَ العِوَضِ والأجَلِ على وَجْهٍ لا يَصِحُّ، فبَطَلَ التَّغْيِيرُ وبَقِيَ العَقْدُ بحالِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ ذلك، كما في المسألَةِ الأُولَى.
فعلى هذا، لو اتَّفَقَا على ذلك ثم رَجَعَ أحَدُهما قبلَ التَّعْجِيلِ، فله الرُّجُوعُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ الدَّينَ المُؤَجَّلَ 459 لا يَتَأخَّرُ عن أجَلِه، ولا يَتَقَدَّمُ، وإنَّما له أن يُؤَدِّيَه قبلَ مَحِلِّه.
ولمَن له الدَّينُ تَرْكُ قَبْضِه في مَحِلِّه، وذلك إلى اخْتِيارِه.
فإذا وَعَد به ثم رَجَع قبلَ الفِعلِ فله ذلك.

الجزء: 19 - الصفحة: 231

وَإذَا أَدَّى وَعَتَقَ، فَوَجَدَ السَّيِّدُ بِالْعِوَضِ عَيبًا، فَلَهُ أَرْشُهُ أَوْ قِيمَتُهُ، وَلَا يَرْتَفِعُ الْعِتْقُ.
فصل: وإن صالحَ المُكاتَبُ سيدَه عمَّا (1) في ذِمَّتِه بغيرِ جِنْسِه، مثْلَ أن يُصالِحَ عن النُّقودِ بحِنْطَةٍ أو شَعيرٍ، جاز، إلَّا أنَّه لا يَجُوزُ أن يُصالِحَه على شيءٍ مؤَجَّلٍ، لأنَّه يكونُ بَيعَ دَينٍ بدَينٍ.
وإن صالحَه عن الدَّراهِمِ بدنانِيرَ، أو عن الحِنْطَةِ بشَعيرٍ، لم يَجُزِ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ، لأنَّ هذا بَيعٌ في الحقيقَةِ فيُشْتَرَطُ له القبضُ في المجلِسِ.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أنْ لا تَصِحَّ هذه المُصالحةُ مُطْلَقًا، لأنَّ هذا دَينٌ (2) مِن شَرْطِه التَّأجِيلُ، فلم تَجُزِ المُصالحَةُ عليه بغيرِه، ولأنَّه دَينٌ غيرُ مُسْتَقِرٍّ، فهو كدَينِ السَّلَمِ.
وقال ابنُ أبي موسى: لا يجري الرِّبَا بينَ المُكاتَبِ وسيدِه.
فعلى قولِه: تجوزُ المُصالحَةُ كيفَما كانت كما تَجُوز بينَ العبدِ القِنِّ وسيدِه.
والأَوْلَى ما ذَكَرْناه.
ويُفارِقُ دَينُ الكِتابةِ دَينَ السَّلَمِ، فإنَّه يُفارِقُ سائِرَ الدُّيُونِ بما ذَكَرْنا في هذه المسألةِ، فمُفارَقَتُه لدَينِ السَّلَمِ أعْظَمُ.

2990 -

مسألة: (وإذا أدَّى وعَتَقَ، فوجَدَ السيدُ بالعِوَضِ عيبًا، فله أَرْشُه أو قِيمَتُه، ولا يَرْتَفِعُ العِتْقُ)

وجملةُ ذلك، أنَّ المُكاتَبَ إذا دَفَعَ460461

الحديث: 2990 - الجزء: 19 - الصفحة: 232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العِوَضَ في الكتابةِ فبانَ مُسْتَحَقًّا، تَبَيَّنَ أنَّه لم يَعْتِقْ، وكان وُجُودُ هذا الدَّفع كعدَمِه، لأنَّه لم يُؤَدِّ الواجِبَ عليه، وقيلَ له: إن أدَّيتَ الآنَ، وإلَّا فُسِخت كِتابتُك.
وإن كان قد مات بعدَ الأداءِ، فقد مات عَبْدًا، فإن بانَ مَعِيبًا، مثلَ أن كاتَبَه على عُرُوضٍ مَوْصُوفَةٍ، فقَبَضَها، فأصابَ بها عَيبًا بعدَ قَبْضِها، نَظَرْتَ؛ فإن رَضِيَ بذلك وأمْسَكَها اسْتَقَرَّ العِتْقُ.
فإن قيل: كيف 462 يَسْتَقِرُّ العِتْقُ ولم يُعْطِه جَمِيعَ ما وَقَعَ عليه العَقْدُ؛ فإنَّ ما يُقابِلُ العَيبَ لم يَقْبِضْه، فأشْبَهَ ما لو كاتَبَه على عَشرَةٍ، فأعْطاه تِسْعَةً.
قُلْنا: إمساكُه العَيبَ راضِيًا به رضًا منه بإسقاطِ حَقِّه، فجرَى مَجرَى إبْرائِه مِن بَقِيَّةِ كِتابَتِه.
وإنِ اخْتارَ إمساكَه وأخْذَ أَرْشِ العَيبِ.، أو رَدَّه، فله ذلك.
قال أبو بكرٍ: وقياسُ قولِ أحمدَ أنَّه لا يَبْطُلُ العِتْقُ، وليس له الرَّدُّ وله الأرْشُ، لأنَّ العِتْقَ إتْلافٌ واسْتِهلاك، فإذا حُكِمَ بوُقوعِه لم يَبْطُلْ، كعَقْدِ الخُلْعِ، ولأنَّه ليس المَقْصُودُ منه المال، فأشْبَهَ الخُلْعَ.
وقال القاضي:

الجزء: 19 - الصفحة: 233

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يتَوَجَّهُ أنَّ له الرَّدَّ، ويُحْكَمُ بارتفاعِ العِتْقِ الواقِعِ؛ لأنَّ العِتْقَ إنَّما يَسْتَقِرُّ باسْتِقْرارِ الأَدَاءِ، وقد ارْتَفَعَ الأداءُ، فارْتَفَعَ العِتْقُ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الكِتابَةَ عَقْدُ مُعاوَضَةٍ يلْحَقُه الفَسْخُ بالتَّراضِي، فوَجَبَ أن يُفْسَخَ بوُجودِ العَيبِ، كالبَيعِ.
وإنِ اخْتارَ إمساكَه وأخْذَ الأَرشِ فله ذلك، وتَبَيَّنَ أنَّ العِتقَ لم يَقَعْ؛ لأنَّنا تَبَيَّنًا أنَّ ذِمَّتَه لم تَبْرَأْ مِن مالِ الكِتابةِ، ولا يَعْتِقُ [قبلَ ذلك، وظَنُّ] 463 وُقُوعِ العِتْقِ لا يُوقِعُه إذا بأن الأمْرُ بخِلافِه؛ كما لو بأن العِوَضُ مُسْتَحَقًّا.
وإن تَلِفَتِ العَينُ عندَ السيدِ، أو حَدَثَ بها عندَه عَيبٌ، اسْتَقَرَّ أَرشُ العَيبِ، والحُكْمُ في ارتِفَاعِ العِتْقِ على ما ذَكَرنا فيما مَضَى.
ولو قال السيدُ لعبدِه: إن أعْطَيتَنِي عبدًا فأنتَ حُرٌّ.
فأعْطاه عبدًا، فبان حرًّا أو مُسْتَحَقًّا، لم يَعْتِقْ بذلك؛ لأنَّ معناه: إن أعْطَيتَنِيه مِلْكًا، ولم يُعْطِه إيَّاه مِلْكًا، ولم يُمَلِّكْه إيَّاه.

الجزء: 19 - الصفحة: 234

فَصْلٌ: وَيَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ أَكْسَابَهُ، وَمَنَافِعَهُ، وَالشِّرَاءَ، وَالْبَيعَ، وَالإِجَارَةَ، وَالاسْتِئْجَارَ، وَالسَّفَرَ، وَأَخْذَ الصَّدَقَةِ، وَالإِنْفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَرَقِيقِهِ، وَكُلَّ مَا فِيهِ صَلَاحُ المَالِ.
فصل: وإذا دَفَعَ إليه مال الكتابةِ ظاهِرًا، فقال له السيدُ: أنتَ حُرٌّ.
أو قال: هذا حُرٌّ.
ثم بان العِوَضُ مُسْتَحَقًّا، لم يَعْتِقْ بذلك، لأنَّ ظاهِرَه الإِخْبارُ عمَّا حَصَلَ له بالأداءِ، فلو ادَّعَى المُكاتَبُ أنَّ السيدَ قَصَدَ بذلك عِتْقَه، وأنْكَرَ السيدُ، فالقولُ قولُ السيِّدِ مع يَمينه؛ لأنَّ الظاهِرَ معه، وهو أَخبَرُ بما نوى.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (وَيَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ أَكْسَابَهُ، وَمَنَافِعَهُ، وَالشِّرَاءَ، وَالْبَيعَ، وَالإِجَارَةَ، وَالاسْتِئْجَارَ، وَالسَّفَرَ، وَأَخْذَ الصَّدَقَةِ، وَالإِنْفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَرَقِيقِهِ، وَكُلَّ مَا فِيهِ صَلَاحُ المَالِ)

الجزء: 19 - الصفحة: 235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَمْلِكُ المُكاتَبُ أَكْسابَه ومنافِعَه، والشراءَ والبَيعَ، بإِجْماعِ أهلِ العلمِ؛ لأنَّ عَقْدَ الكِتابةِ لتَحْصِيلِ العِتْقِ، ولا يَحْصُلُ إلَّا بأداءِ عِوَضِه، ولا يُمْكِنُه الأداءُ إلَّا بالاكْتِسابِ، والبَيعُ والشِّراءُ مِن أقْوَى جِهَاتِ الاكتِسابِ، فإنَّه قد جاء في بعضِ الآثارِ أنَّ تِسْعَةَ أعشار الرِّزْقِ في التجارَةِ 464، ويَمْلِكُ الإِجارَةَ والاسْتِئْجارَ قِياسًا على البَيعِ والشِّراءِ، ويَمْلِكُ السَّفَرَ قَرِيبًا كان أو بَعيدًا.
وهذا قولُ الشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والحسنِ بنِ صالح، وأبي حنيفةَ.
وقد أطْلَقَ أصْحابُنا القولَ في ذلك، ولم يُفَرِّقُوا بينَ السَّفَرِ الطويل وغيرِه.
وقياسُ المذهبِ، أنَّ له مَنْعَه مِن سَفرٍ تَحِلُّ نُجُومُ كتابتِه قبلَه؛ لأنَّه يَتَعَذَّرُ معه اسْتِيفاءُ النُّجُومِ في وَقْتِها والرُّجُوعُ في رِقِّه عندَ عَجْزِه، فمُنِعَ منه، كالغَرِيمِ الَّذي يَحِلُّ الدَّينُ عليه قبلَ مُدَّةِ سَفرِه.
واخْتَلَفَ [قولُ الشافعيِّ] 465، فقال في موضع: له السَّفَرُ.
وقال في موضعٍ: ليس

الجزء: 19 - الصفحة: 236

فَإِنْ شَرَطَ عَلَيهِ أَلَّا يُسَافِرَ، وَلَا يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ، فَهَلْ يَصِحُّ الشَّرْطُ؟ عَلَى وَجْهَينَ.
له السَّفَرُ، [فيكونُ فيها قولان، قاله بعضُ أصحابِه.
وقال بعضُهم: ليست على قولين، إنما هي على اختلافِ حالين؛ فالوضِعُ الَّذي قال: له السفرُ] (1). إذا كان قصيرًا؛ لأنَّه في حُكْمِ الحَاضِرِ، والموْضِعُ الَّذي مَنَعَ منه، إذا كان بعيدًا يَتَعَذَّرُ معه اسْتِيفاءُ نُجُومِه والرُّجُوعُ في رِقِّه عندَ عَجْزِه.
ولَنا، أنَّ المُكاتَبَ في يَدِ نَفْسِه، وإنَّما للسيدِ عليه دَينٌ، فأشْبَهَ الحُرَّ المَدِينَ، وما ذَكَروه لا أصْلَ له، ويَبْطُلُ بالحُرِّ الغَرِيمِ.
وله أخْذُ الصَّدَقَةِ الواجِبَةِ والمُسْتَحَبَّةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى جَعَل للمُكاتَبِينَ الأخْذَ مِن الواجِبَةِ.
وإذا جاز الأخْذُ مِن الواجِبَةِ فالمُسْتَحَبَّةُ أوْلَى.

2991 -

مسألة: (وَإِنْ شَرَطَ عَلَيهِ أَلَّا يُسَافِرَ، وَلَا يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ، فَهَلْ يَصِحُّ الشَّرْطُ؟ عَلَى وَجْهَينَ)

إذا شَرَطَ السيدُ على مُكاتَبِه أن لا يسافِرَ، فقال القاضي: الشَّرْطُ باطِلٌ.
وهو قولُ الحسنِ، وسعيدِ بن جُبَيرٍ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّه يُنافِي مُقْتَضَى العقْدِ، فلم يَصِحَّ شَرْطُه، كشَرْطِ تَرْكِ الاكتسابِ، ولأنَّه غرِيمٌ، فلم يَصِحَّ466

الحديث: 2991 - الجزء: 19 - الصفحة: 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شَرْطُ 467 تَرْكِ السَّفَرِ عليه، كما لو أقْرَضَ لرجلٍ قَرْضًا بشَرْطِ أن لا يسافِرَ.
وقال أبو الخَطَّابِ: يَصِحُّ الشَّرْطُ، وله مَنْعُه مِن السَّفَرِ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» 468. ولأنَّه شَرْطٌ له فيه فائِدَةٌ، فلَزِمَ، كما لو شَرَطَ نَقْدًا مَعْلومًا.
وبيانُ فائِدَتِه، أنَّه لا يأْمَنُ إباقَه وأنَّه لا يَرْجِعُ إلى سيدِه، فيَفُوتُ العَبْدُ والمالُ الذي عليه.
ويُفارِقُ القَرْضَ، فإنَّه عَقْدٌ جائِزٌ مِن جانِبِ المُقْرِضِ، متى شاء طالبَ بأخذِه ومَنَعِ الغَرِيمَ السَّفَرَ قبلَ إيفائِه 469، فكان المَنْعُ مِن السَّفَرِ حاصِلًا بدُونِ شرْطِه، بخِلافِ الكِتابَةِ، فإنَّه لا يُمْكِنُ السيدَ مَنْعُه مِن السَّفَرِ إلَّا بشَرْطِه، وفِيه حِفْظُ عبدِه ومالِه، فلا يُمْنَعُ مِن تَحْصِيلِه.
وهذا أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى.
فعلى هذا الوَجْهِ، لسيدِه مَنْعُه مِن السَّفَرِ فإن سافر بغيرِ إذْنِه فله رَدُّه إن أمْكَنَه، وإن لم يُمْكِنْه رَدُّه، احْتَمَلَ أنَّ له تَعْجِيزَه ورَدَّه إلى الرِّقِّ؛ لأنَّه لم يَفِ بما شُرِط عليه، أشْبَه ما لو لم يَفِ بأداءِ الكِتابَةِ، واحْتَمَلَ أن لا يَمْلِكَ ذلك، لأنَّه مُكاتَبٌ كِتابةً، صَحِيحةً لم يَظْهَرْ عَجْزُه، فلم يَمْلِكْ تَعْجِيزَه، كما لو لم يَشْرُطْ عليه.

الجزء: 19 - الصفحة: 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن شَرَطَ عليه أن لا يسألَ الناسَ، فقال أحمدُ: قال جابرُ بنُ عبدِ اللهِ: هم على شُرُوطِهِم.
إن رأيتَه يسألُ تنهاهُ، فإن قال: لا أعُودُ.
لم يَرُدَّه عن كِتابتِه في مَرَّةٍ.
فظاهِرُ هذا، أنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ لازِم، وأنَّه إن خالفَ مَرَّةً لم يُعَجِّزْه، وإن خالفَ مَرَّتَين أو أكثرِ فله تَعْجِيزُه.
قال أبو بكرٍ: إذا رآه يسألُ مَرَّةً في مَرَّةٍ عَجَّزَه، كما إذا حَلَّ نجْمٌ في نَجْمٍ عَجَّزَه.
فاعْتَبَرَ المُخالفَةَ في مَرَّتَين كحُلولِ نَجْمَين، وإنَّما صَحَّ الشَّرْطُ، لقولِه،

الجزء: 19 - الصفحة: 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه الصلاة والسلامُ: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهم».
ولأنَّ له في هذا فَائِدَةً وغَرَضًا صَحِيحًا، وهو أن لا يكونَ كَلًّا على الناسِ، ولا يُطْعِمَه مِن صَدَقَتِهم وأوْساخِهِم.
وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ، أنَّه لا يَصِحُّ الشَّرْطُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ للمُكاتَبِ سَهْمًا مِن الصَّدَقَةِ، بقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (1). وهم المُكاتَبون، فلا يَصِحُّ اشْتِراطُ تَرْكِ طَلَب ما جَعَلَه اللهُ له.

2992 -

مسألة: وله الإِنْفاقُ على نَفْسِه وولَدِه ورَقِيقِه، وكلِّ ما فيه صَلاحُ المالِ؛

لأنَّ له التَّصَرُّفَ في المالِ بما يَعودُ بمصْلَحَتِه ومَصْلَحةِ مالِه، والإِنْفاق على نَفْسِه ووَلَدِه ورَقِيقِه مِن أهمِّ المصالِحِ، فيُنْفِقُ عليهم ما يحتاجون إليه؛ من مأكَلِهم ومَشربِهم وكِسْوَتِهم بالمَعْرُوفِ، ممَّا لا غِنَى لهم عنه، والحيوانِ الذي له.
وله تأدِيبُ عَبيدِه وتعزِيرُهم، إذا فَعَلوا ما يَسْتَحِقُّون ذلك؛ لأنَّه مِن مَصْلَحَةِ مِلْكِه، فمَلَكَه، كالنَّفَقَةِ عليهم، ولا يَمْلِكُ إقامَةَ الحدِّ عليهم؛ لأنَّه مَوْضِعُ ولايَةٍ، وما هو مِن أهْلِها.
وله أن يَخْتِنَهم؛ لأنَّه مِن مَصْلَحَتِهم.
وله المُطَالبَةُ بالشُّفْعَةِ، والأخْذُ بها؛ لأنَّه نَوْعُ شِراءٍ، فإن كان المُشْتَرِي للشِّقْصِ سيدَه فله أخذُه منه؛ لأنَّ له أن يشتريَ منه.
وإنِ اشْتَرَى المُكاتَبُ شِقْصًا لسيدِه فيه شَرِكَةٌ، فله أخْذُه مِن المُكاتَبِ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّه مع سيدِه في بابِ البَيعِ والشِّراءِ كالأجْنَبِيِّ.470

الحديث: 2992 - الجزء: 19 - الصفحة: 240

وَلَيسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ، وَلَا يَتَسَرَّى، وَلَا يَتَبَرَّعَ، وَلَا يُقْرِضَ، وَلَا يُحَابِيَ، وَلَا يَقْتَصَّ مِنْ عَبْدِهِ الْجَانِي عَلَى بَعْضِ رَقِيقِهِ، وَلَا يُعْتِقَ وَلَا يُكَاتِبَ إلا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَوَلَاءُ مَنْ يُعْتِقُهُ وَيُكَاتِبُهُ لِسَيِّدِه.
وإن وَجَبَتْ للسيدِ على مُكاتَبه شُفْعَةٌ، فأدَّعَى المُكاتَبُ أنَّ سيدَه عَفا عنها، سُمِعَتْ دَعْواه.
وإن أنْكَرَه السيدُ، كان عليه اليَمِينُ.
وإن أذِنَ السيدُ لمُكاتَبِه في البَيعِ بالمحاباةِ، صَحَّ منه، وكان لسيدِه الأخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ بَيعَه بالمحاباةِ مع إذنِ 471 سيدِه فيه صَحِيحٌ.
ويَصِحُّ إقرارُ المُكاتَبِ بالبَيعِ والشِّراءِ والعَيبِ والدَّينِ؛ لأنَّه يَصِحُّ تصَرُّفُه فيه بذلك، ومَن مَلَكَ شيئًا مَلَكَ الإِقْرارَ به.

2993 -

مسألة: (وليس له أن يَتَزَوَّجَ، ولا يَتَسَرَّى، ولا يَتَبرعَ، وَلَا يُقْرِضَ، ولا يحابِيَ، ولا يَقْتَصَّ عبدِه الجانِي على بَعْضِ رَقِيقِه، وَلَا يُعْتِقَ ولا يُكاتِبَ إلَّا بإذْنِ سَيدِه، وولاءُ من يُعْتِقُه ويُكاتِبُه لسيدِه)

وجملةُ ذلك، أنَّ المُكاتَبَ ليس له أن يَتَزَوَّجَ إلَّا بإذْنِ سيدِه.

الحديث: 2993 - الجزء: 19 - الصفحة: 241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهو قولُ الحسنِ، ومالكٍ، واللَّيثِ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وأبي يوسفَ.
وقال الحسنُ بنُ صالحٍ: له ذلك؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أشْبَهَ البَيعَ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ بغَيرِ إذْنِ مَوَالِيهِ 472 فَهُوَ عَاهِرٌ» 473. ولأنَّ على السيدِ فيه 474 ضَرَرًا، لأنَّه إن عَجَزَ رَجَعَ إليه ناقِصَ القِيمَةِ، ويَحْتاجُ أن يُؤَدِّيَ المَهْرَ والنَّفَقَةَ مِن كَسْبِه، فيَعْجِزُ عن أداءِ نُجُومِه، فيُمْنَعُ مِن ذلك، كالتَّبَرُّعِ به.
فعلى هذا، إذا تَزَوَّجَ لم يَصِحَّ.
وقال الثَّوْرِيُّ: نِكاحُه مَوْقُوفٌ، إن أدَّى تَبَيَّنّا أنَّه كان صَحِيحًا، وإن عَجَزَ فنِكاحُه باطِلٌ.
ولَنا، الخبرُ، ولأنَّه تَصَرُّفٌ مُنِعَ منه للضَّرَرِ، فلم يَصِحَّ، كالهِبَةِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُفَرَّقُ بينَهما، ولا مَهْرَ لها إن كان قبلَ الدُّخُولِ، وإن كان بعدَه فعليه مَهْرُ المِثْلِ، يُؤَدَّى مِن كَسْبِه، كجِنايَتِه.
فإن أتَتْ بولدٍ، لَحِقَه نَسبُه؛ لأنَّه مِن وَطْءٍ في نِكاحٍ فاسِدٍ.
فإن كانتِ المرأةُ حُرَّةً فهو حُرٌّ.
وإن كانت أمةً فهو رَقيقٌ لسيدِها.
فإن أذِنَ له سيدُه

الجزء: 19 - الصفحة: 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في النِّكاحِ صَحَّ، في قولِ الجميعِ؛ فإنَّ الخَبَرَ يَدُلّ بمَفْهُومِه على أنَّه يَصِحُّ إذا أذِنَ له؛ لأنَّ المَنْعَ مِن نِكاحِه لِحَقِّ السيدِ، فإذا أذِنَ فيه زال المَانِعُ.
وقياسًا على ما إذا أذِنَ لعبدِه القِنِّ.
فصل: وليس له التَّسَرِّي بغيرِ إذْنِ سيدِه؛ لأنَّ مِلْكَه نَاقِصٌ.
وقال الزُّهْرِيُّ: لا يَنْبَغِي لأهلِه أن يَمْنَعُوه مِن التَّسَرِّي.
ولَنا، أنَّ على السيدِ فيه ضررًا، فمُنِعَ منه، كالتَّزْويجِ.
وبيانُ الضَّرَرِ، أنَّه ربَّما أحْبَلَها، والحَمْلُ عَيبٌ في بَناتِ آدمَ، وربَّما تَلِفَتْ، ورُبَّما وَلَدت فصارَت أُمَّ وَلَدٍ، يَمْتَنِعُ عليه بَيعُها في أداءِ كِتابَتِه، فإن عَجَزَ 475 رَجَعَتْ إلى سيدِه 476 ناقِصَةً.
وإذا مُنِعَ مِن التِّزويجِ لضَرَرِه، فهذا أوْلَى.
فإن أذِنَ له سيدُه جاز.
وقال الشافعيُّ: لا يَجُوزُ.
في أحدِ القَوْلين، لأنَّه أمرٌ يَضُرُّ به، ورُبَّما أفْضَى إلى مَنْعِه مِن العِتْقِ، فلم يَجُزْ بإذْنِ السيدِ.
ولَنا، أنَّه [ناقِصُ المِلْكِ، فلم يَجُزْ له التَّسَرِّي، كوَطْءِ الجاريةِ المشترَكَةِ.
ولَنا على الشافعيِّ، أنَّه] 477 لو أذِنَ لعَبدِه القِنِّ في التَّسَرِّي جاز، فالمُكاتَبُ 478 أوْلَى.
ولأنَّ المَنْعَ كان

الجزء: 19 - الصفحة: 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [لضَرَرِ السيدِ] 479، فجاز بإذْنِه كالتَّزْويجِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن تَسَرَّى بإذنِ سيدِه أو بغيرِ إذْنِه، فلا حَدَّ عليه؛ لشُبْهَةِ المِلْكِ، ولا مَهْرَ عليه؛ لأنَّه لو وَجَبَ لوَجَبَ له، ولا يَجِبُ على الإِنسانِ شيءٌ لنَفْسِه.
فإن وَلَدَتْ فالنَّسَبُ لاحِقٌ به؛ لأنَّ الحَدَّ إذا سَقَطَ للشُّبْهَةِ لَحِقَه النَّسَبُ، ويكونُ الوَلَدُ مَمْلُوكًا له؛ لأنَّه ابنُ أمَتِه، ولا يَعْتِقُ عليه، لأنَّ مِلْكَه غيرُ تامٍّ، وليس له بَيعُه؛ لأنَّه وَلَدُه، ويكونُ مَوْقُوفًا على كِتابَتِه.
فإن أدَّى عَتَقَ وعَتَقَ الوَلَدُ؛ لأنَّه مِلْكٌ لأبِيه الحُرِّ، وإن عَجَزَ وعاد إلى الرِّقِّ، فولَدُه رَقِيقٌ أيضًا، ويكونان مَمْلُوكَين للسيدِ.
فصل: وليس له 480 أن يُزَوِّجَ عَبِيدَه وإماءَه بغيرِ إذْنِ سيدِه.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وذُكِرَ عنِ مالكٍ، أنَّ له ذلك، إذا كان على وَجْهِ النَّظَرِ؛ لأنَّه عَقْدٌ على منْفعَةٍ، فمَلَكَه، كالإِجارَةِ.
وحُكِيَ عن القاضِي أنَّه قال في «الخِصالِ»: له تَزْويجُ الأمَةِ دُونَ العَبْدِ؛ لأنَّه يأخُذ عِوَضًا عن تَزْويجِها، بخِلافِ العَبْدِ، ولأنه عَقْدٌ على منافِعِها، أشْبَهَ إجارَتَها.
ولَنا، أنَّ على السيدِ فيه [ضَرَرًا؛ لأنَّه] 481 إِن

الجزء: 19 - الصفحة: 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زَوَّجَ العَبْدَ لَزِمَتْه نَفَقَةُ امرَأتِه ومَهْرُها، وشَغَلَه بحقوقِ النِّكاحِ، ونَقَصَ قِيمَتَه، وإن زَوَّجَ الأمَةَ مَلَكَ الزَّوْجُ بُضْعَها، ونَقَصَتْ قِيمَتُها؛ وقَلَّتِ الرَّغَباتُ 482 فيها.
وربَّما امْتَنَعَ بَيعُها بالكُليَّةِ، وليس ذلك مِن جِهاتِ المَكاسِبٍ، فربَّما أعْجَزَه ذلك عن أداءِ نُجُومِه، وإن عَجَزَ عاد رَقيقًا للسيدِ مع ما تَعَلَّقَ بهم مِن الحقوقِ ولَحِقَهم مِن النَّقْصِ.
وفارَقَ الإِجارَةَ، فإنَّها مِن جهاتِ المَكاسِبِ عادةً.
فعلى هذا، إن وَجَبَ تَزْويجُهم لطَلَبِهم ذلك 483 وحاجَتِهم إليه، باعَهُم، فإن العبدَ متى طَلَبَ التَّزْويجَ خُيِّرَ سيدُه بينَ بَيعِه وتَزْويجِه، وإن أذِنَ السيدُ في ذلك جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ له، والمَنْعَ منه.
فصل: وليس له اسْتِهْلاك مالِه ولا هِبَتُه.
وبهذا 484 قال الحسنُ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ فيه مخالفًا 485، لأنَّ حَقَّ سيدِه لم يَنْقَطِعْ عنه، لأنَّه قد يَعْجِر فيَعُودُ إليه، ولأنَّ

الجزء: 19 - الصفحة: 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القَصْدَ مِن الكتابَةِ تَحْصيلُ العِتْقِ بالأداءِ، وهِبَةُ مالِه تُفَوِّتُ ذلك، وتَجُوزُ بإذْنِ سيدِه.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَجُوزُ؛ لأنَّه يَفُوتُ المقصودُ بالكِتابَةِ.
وعن الشافعيِّ، كالمذهبين.
ولَنا، أنَّ الحَقَّ لا يَخْرُجُ عنهما، فجاز باتِّفاقِهما، كالراهِنِ والمُرْتَهِنِ.
ولا تَصِحُّ الهِبَةُ بالثَّوابِ.
وقال الشافعيُّ في أحَدِ قوْلَيه: تَصِحُّ؛ لأنَّ فيها مُعاوَضَة.
ولَنا، أنَّ الاخْتِلافَ في تَقْديرِ الثَّوابِ يُوجِبُ الغَرَرَ، ولأنَّ عِوَضَها يتأخَّرُ، فهو كالبَيعِ نَسِيئةً.
وإن أذِنَ [السيدُ فيها] 486 جازَت، ولذلك إن وَهَبَ لسيدِه أو لابنِ سيدِه الصَّغيِرِ جاز؛ لأنَّ قَبُولَه للهِبَةِ إذْنٌ فيها.
وليس له أن يُحابِىَ في البيعِ، ولا يَزِيدَ في الثَّمنِ الذي اشْتَرَى به؛ لأنَّه إتْلافٌ للمالِ على سيدِه، فأشبَهَ الهِبَةَ.
ولا يجوزُ له أن يُعِيرَ دابَّتَه، ولا يُهْدِيَ هَدِيَّةً.
وأجاز ذلك أصحابُ الرَّأْي.
ويَحْتَمِلُ جوازُ إعارَةِ دابَّتِه وهَدِيَّةِ المأكولِ، ودُعائِه إليه، كالمأذُونِ له؛ لأنَّ المُكاتَبَ لا يَنْحَطُّ عن دَرَجَتِه.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه تَبَرُّعٌ

الجزء: 19 - الصفحة: 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بمالِه، فلم يَجُزْ، كالهِبَةِ.
وليس له أن يُوصِيَ بمالِه، ولا يَحُطَّ عن المُشْتَرِي شيئًا، ولا يُقْرِضَ، لأنَّه يُعَرِّضُه للإتلافِ، ولا يَضْمَنَ، ولا يتَكَفَّلَ بأخْذٍ.
وبه قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ ذلك تَبَرُّعٌ بمالِه، فهو كالهِبَةِ، ولا يَقْتَصُّ 487 مِن عبدِه الجاني على بعضِ رَقِيقِه.
ذَكَره أبو بَكْرٍ [وأبو الخَطَّاب] 488؛ لأنَّ فيه إتْلافَ المالِ على سيدِه.
وقال القاضي: له أن يَقْتَصَّ (1) مِن الجُناةِ عليه وعلى رَقِيقِه، ويأْخُذَ الأرْشَ؛ لأنَّ فيه مَصْلَحَتَه.
فصل: ولا يُعْتِقُ رَقِيقَه إلَّا بإذْنِ سيدِه.
وبه قال الحسنُ، والأوْزَاعِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا على سيدِه بتَفْويتِ مالِه فيما لا يَحْصلُ له به مالٌ، أشْبَهَ الهِبَةَ.
فإن أعْتَقَ لم يَصِحَّ إعْتاقُه.
ويَتَخَرَّجُ أن يَصِحَّ ويَقِفَ على إذْنِ سيدِه.
وقال أبو بكرٍ: هو مَوْقُوفٌ على آخِرِ أمرِ المُكاتَبِ، فإن أدَّى عَتَقَ مُعْتَقُه، وإن لم يُؤَدِّ رَقَّ.

الجزء: 19 - الصفحة: 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال القاضي: هذا قياسُ المذهبِ، كقَوْلِنا في ذَوي الأرْحامِ أنَّهم مَوْقُوفُونَ.
ولَنا، أنَّه تَبَرُّعٌ بمالِه بغَيرِ إذْنِ سيدِه، فكان باطِلًا، كالهِبَةِ.
ولأنَّه تَصَرَّفَ تَصَرُّفًا مُنِعَ منه لِحَقِّ سيدِه، فكان باطِلًا، كسائِرِ ما مُنِعَ منه.
ولا يَصِحُّ قياسُه على ذَوي أرْحامِه؛ لأنَّ عِتْقَهم ليس بتَصَرُّفٍ منه، وإنَّما يُعْتِقُهم الشَّرْعُ على مالِكِهم بمِلْكِهم، والمُكاتَبُ مِلْكُه نَاقِصٌ، فلم يَعْتِقُوا به، فإذا عَتَقَ كَمَلَ مِلْكُه، فعَتَقُوا حِينَئِذٍ.
والمُعْتَقُ إنَّما يَعْتِقُ بالإعْتاقِ الذي كان باطِلًا، فلا تَتَبَيَّنُ صِحَّتُه إذا كَمَلَ المِلْكُ، لأنَّ كمال المِلْكِ في الثاني لا يُوجِبُ كونَه كامِلًا حينَ الإعْتاقِ، ولذلك لا يَصِحُّ سائِرُ تَبَرُّعاتِه بأدائِه، فإن أذن فيه سيدُه صَحَّ.
وقال الشافعيُّ، في أحدِ قولَيه: لا يصحُّ، لأنَّ تَبَرُّعَه بمالِه يُفَوِّتُ المَقْصُودَ مِن كِتابَتِه، وهو العِتْقُ

الجزء: 19 - الصفحة: 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الذي هو حَقٌّ لله تعالى أو فيه حَقٌّ له، فلا يجوزُ تَفْويتُه، ولأنَّ العِتْقَ لا يَنْفَكُّ مِن الولاءِ، وليس مِن أهلِه، ولأنَّ مِلْكَ المكاتَبِ نَاقِصٌ، والسيدُ لا يَمْلِكُ إعْتاقَ ما في يَدِه ولا هِبَتَه، فلم يَصِحَّ إذْنُه فيه.
ولَنا، أنَّ الحَقَّ لا يَخْرُجُ عنهما، فإذا اتَّفَقَا على التَّبَرُّعِ به جازَ، كالرَّاهِنِ والمُرْتَهِنِ.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالنِّكاحِ؛ فإنَّه لا يَمْلِكُه ولا يَمْلِكُه السيدُ عليه، وإذا أذِنَ فيه جازَ.
وأما الولاءُ فإنَّه يكونُ مَوْقُوفًا؛ فإن عَتَقَ 489 المُكَاتَبُ كان 490 له، وإلَّا فهو لسيدِه، كما يَرِقُّ ممالِيكُه مِن ذَوي أرْحامِه.
هذا قولُ القاضي.
وقال أبو بكرٍ: يكونُ لسيدِه؛ لأنَّ 491 إعْتاقَه إنَّما صَحَّ 492 بإذْنِ سيدِه، فكان كنائِبهِ.

الجزء: 19 - الصفحة: 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: قال شيخُنا 493: وليس له أن يَحُجَّ إذا احْتاجَ إلى إنْفاقِ مالِه فيه.
وذَكَرَ في كِتابِ الاعتِكافِ 494، أنَّ له أن يَحُجَّ بغَيرِ إذْنِ سيدِه؛ لأنَّه كالحُرِّ المَدينِ 495. ونَقَل المَيمُونِيُّ عن أحمدَ، أنَّ للمُكاتَبِ أن يَحُجَّ مِن المالِ الذي جَمَعَه إذا لم يَأْتِ نَجْمُه.
قال شيخُنا 496: وذلك مَحْمُول على أنَّه يَحُجُّ بإذْنِ سيدِه، أمَّا بغيرِ إذْنِه فلا يَجُوزُ؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ بما يُنْفِقُ ماله فيه، فلم يَجُزْ، كالعِتْقِ.
فأمّا إن أمْكَنَه الحَجُّ مِن غيرِ إنْفاقِ مالِه، كالذي يَتَبَرَّعُ له إنْسانٌ بإحْجاجِه، أو يَخْدُمُ مَن يُنْفِقُ عليه، فيجوزُ إذا لم يأتِ نَجْمُه؛ لأنَّ هذا يَجْرِي مَجْرَى تَرْكِه المكْسَبَ 497، وليس ذلك ممَّا يُمْنَعُ منه.

الجزء: 19 - الصفحة: 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وليس للمُكاتَبِ أن يُكاتِبَ إلَّا بإذْنِ سيدِه.
وهذا قولُ الحسنِ، والشافعيِّ؛ لأنَّ الكِتابَةَ نَوْعُ إعْتاقٍ، فلم تَجُزْ مِن المُكاتَبِ، كالمُنْجَزِ.
ولأنَّه لا يَمْلِكُ الإِعْتاق، فلم يَمْلِكِ الكِتابَةَ، كالمأْذُونِ واخْتار (1) القاضي جوازَ الكِتابَةِ.
وهو الذي ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ، في «رُءُوسِ المسائِلِ».
وهو قولُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزَاعِيِّ؛ لأنَّه نوْعُ مُعاوَضَةٍ، فأشْبَهَ البَيعَ.
وقال أبو بكرٍ: هو مَوْقُوفٌ.
كقَوْلِه في العِتْقِ المُنْجَزِ، فإن أذِنَ فيها السيدُ صَحَّت.
وقال الشافعيُّ: فيها قولان.
وقد ذَكَرْنا ذلك فيما تَقَدَّمَ.

2994 -

مسألة: (وولاءُ مَن يُعْتِقُه ويُكاتِبُه لسيدِه)

إذا كاتَبَ عبدَه فعَجَزا جَمِيعًا صارا رَقِيقَين للسيدِ.
وإن أدَّى المُكاتَبُ الأوَّلُ، ثم498

الحديث: 2994 - الجزء: 19 - الصفحة: 251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أدَّى الثانِي، فوَلاءُ كلِّ واحدٍ منهما لمُكاتِبِه.
وإن أدَّى الأولُ وعَجَز الثاني صار رَقِيقًا للأولِ.
وإن عجز الأولُ وأدَّى الثاني فولاؤُه للسيِدِ الأولِ.
وإن أدَّى الثاني قبلَ عِتْقِ الأوَّلِ عَتَقَ.
قال أبو بكر: ووَلاوه للسيدِ.
وهو قول أبي حنيفةَ؛ لأنَّ العِتْقَ لا يَنْفَكُّ عن الوَلاءِ.
والولاءُ لا يُوقَفُ؛ لأنَّه سَبَبٌ يُورَثُ به، فهو كالنَّسَبِ، ولأنَّ المِيراثَ لا يَقِفُ، كذلك سَبَبُه.
وقال القاضي: هو مَوْقُوفٌ؛ إن أدَّى عَتَقَ والولاءُ له، وإلَّا فهو للسيدِ.
وهذا أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ» 499. ولأنَّ العَبْدَ ليس بمِلْكٍ له، ولا يجوزُ أن يَثْبُتَ له الوَلاءُ على مَن لم يَعْتِقْ في مِلْكِه.
وقولُهم: لا يجوزُ أن يَقِفَ كما لم يَقِفِ النَّسَبُ والميراثُ.
ليس كذلك؛ فإنَّ النَّسَبَ يَقِفُ على بُلُوغِ الغُلامِ وانْتِسابه إذا لم تُلْحِقْه القَافَةُ بأحدِ الواطِئين، وكذلك المِيراثُ يُوقَفُ، على أَنَّ 500 الفَرْقَ بينَ النَّسَبِ والميراثِ وبينَ الولاءِ، أنَّ الوَلاءَ يجوزُ أن يَقَعَ لشَخْصٍ ثم يَنْتَقِلَ، وهو ما يَجُرُّه مَوْلَى الأبِ مِن مَوْلَى الأُمِّ، فجازَ أن يكونَ مَوْقُوفًا.
والنَّسَبُ والمِيراثُ بخلافِ ذلك.
فإن مات المُعْتَقُ قبل عتْقِ المُكاتَبِ، وقُلْنا: الوَلاءُ للسيدِ.
وَرِثَه.
وإن قُلْنا: هو موقوفٌ.
فمِيراثُه أيضًا مَوْقوفٌ.

الجزء: 19 - الصفحة: 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وليس له أن يَبِيعَ نَسِيئَةً وإن باع السِّلْعَةَ بأضْعافِ قِيمَتِها.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ فيه تَغْريرًا بالمالِ، وهو مَمْنوعٌ منه؛ لتَعَلُّقِ حَقِّ السيدِ به.
قال القاضي: ويَتَخرَّجُ الجوازُ، بِناءً على المُضَارِبِ أنَّ له البَيعَ نَسِيئَةً، في إحْدَى الرِّوايَتَين، فيُخرَّجُ ههُنا مثلُه.
وسواءٌ أخَذَ ضَمِينًا 501 أو رَهْنًا 502 أو لم يَأْخُذْ؛ لأنَّ الغَرَرَ باقٍ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَتْلَفَ الرَّهْنُ ويُفْلِسَ الغَرِيمُ والضَّمِينُ.
ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ مع الرَّهْنِ والضَّمِينِ؛ لأنَّ الوَثِيقَةَ قد حَصَلَتْ به، والعَوارِضُ نادِرَةٌ على خِلافِ الأصْلِ.
فإن باع بأكْثَرَ مِن قِيمَتِه حالًّا، وجَعَلَ الزِّيادَةَ مُؤَجَّلَةً، جازَ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ رِبْحٌ.

الجزء: 19 - الصفحة: 253

وَلَا يُكَفِّرُ بِالْمَالِ.
وَعَنْهُ، لَهُ ذَلِكَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
وإنِ اشْتَرَى نَسِيئةً جازَ؛ لأنَّه لا (1) غَرَرَ فيه.
ولا يجوزُ أن يدْفَعَ به رَهْنًا، لأنَّ الرَّهْنَ أمَانَةٌ، وقد يَتْلَفُ أو يَجْحَدُه الغَرِيمُ.
وليس له أن يَدْفَعَ ماله سَلَمًا (2)؛ لأنَّه في مَعْنَى البَيعِ نَسِيئَةً.
وله أن يَسْتَسْلِفَ في ذِمَّتِه، لأنَّه في مَعْنَى الشِّراءِ نَسِيئَةً.
وله أن يَقْتَرِضَ؛ لأنَّه يَنْتَفِعُ بالمالِ.
وليس له أن يَدْفَعَ ماله مُضَارَبةً؛ لأنَّه يُسَلمُه إلى غيرِه، فيُغَرِّرُ به.
وفي الرَّهْنِ والمُضارَبَةِ وجْهٌ آخَرُ، أنَّه يجوزُ (3). وله أن يأخُذَ قِراضًا؛ لأنَّه مِن أنْواعِ الكَسْبِ.
ومذهبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ كلِّه على ما ذَكَرْنا.

2995 -

مسألة: (ولا يُكَفِّرُ بالمالِ. وعنه، له ذلك بإذْنِ سيدِه)

إذا لَزِمَتِ المُكاتَبَ كَفَّارَةُ ظِهارٍ، أو جِماعٍ في رَمضانَ، أو قَتْلٍ، أو كَفَّارَةُ يَمِينٍ، لم يَكُنْ له التَّكْفِيرُ بالمالِ؛ لأنَّه عَبْدٌ، ولأنَّه في حُكْمِ المُعْسِرِ، بدليلِ أنَّه لا تَلْزَمُه زَكاةٌ، ولا نَفَقَةُ قَرِيبٍ، وله أخْذُ الزَّكاةِ لحاجَتِه.
وكَفَّارَةُ العَبْدِ والمُعْسِرِ الصِّيامُ.
وإن أذِنَ له سيدُه في التَّكْفِيرِ503504505

الحديث: 2995 - الجزء: 19 - الصفحة: 254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالمالِ جازَ؛ لأَنه بمَنْزِلَةِ التَّبرُّعِ، ولأنَّ المَنْعَ لِحَقِّه، وقد أذِن فيه.
ولا يَلْزَمُه التَّكْفِيرُ بالمالِ وإن أذِنَ فيه السيدُ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا لمَا يُفْضِي إليه مِن تَفْويتِ حُرِّيتِه، كما أنَّ التبرعَ لا يَلْزَمُه بإذْنِ سيدِه.
وقال القاضي: المُكاتَبُ كالعبدِ القِنِّ في التَّكْفِيرِ.
ومتى أذِنَ له سيدُه في التَّكْفِيرِ بالمالِ 506 انْبنى على مِلْكِ العبدِ بالتَّمْلِيكِ.
فإن قُلْنا: لا يَمْلِكُ.
لم يَصِحَّ تَكْفِيرُه بغيرِ الصِّيامِ، سواءٌ أذَنِ فيه أو لم يأْذَنْ؛ لأنَّه يُكَفِّرُ بما ليس بمَمْلوكٍ له (1). وإن قُلْنا: يَمْلِكُ بالتُّمْلِيكِ.
صَحَّ تَكْفِيرُه بالإطْعامِ، إذا أذِن فيه السيدُ.
وإن أذِن له في التَّكْفِيرِ بالعِتْقِ، فهل يَصِحُّ؟ على رِوايَتَين نَذْكُرُهما في تَكْفِيرِ العَبْدِ، إن شاء اللهُ تعالى.
قال شيخُنا 507: والصَّحيحُ أنَّ هذا التَّفْصِيلَ لا يَتَوَجَّهُ في المُكاتَبِ؛ لأنَّه يَمْلِكُ المال بغيرِ خِلافٍ؛ وإنَّما مِلْكُه ناقِصٌ؛ لتَعَلُّقِ حَقِّ سيدِه به، فإذا أذِن له سيدُه فيه، صَحَّ، كالتَّبَرُّعِ.

الجزء: 19 - الصفحة: 255

وَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ أَوْ يُضَارِبَ بِمَالِهِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ.

2996 - مسألة: (وهل له أن يَرْهَنَ أو يُضارِبَ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين)

أحَدُهما، لا يجوزُ؛ لأنَّ في دَفْعِ مالِه إلى غيرِه تَغْرِيرًا به، وفي الرَّهْنِ خَطَرٌ؛ لأنَّه قد يَتْلَفُ أو يَجْحَدُه الغَرِيمُ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
والثاني، يجوزُ؛ لأنَّه قد يَرَى الحَظَّ فيه، بدليلِ أنَّ لِوَلِيِّ اليَتِيمِ أن يَفْعَلَه في مالِ اليَتِيمِ، فجازَ، كإجارَتِه.

الحديث: 2996 - الجزء: 19 - الصفحة: 256

وَلَيسَ لَهُ شِرَاءُ ذَوي رَحِمِهِ إلا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
وَقَال الْقَاضِي: لَهُ ذَلِكَ.

2997 - مسألة: (وليس له شِراءُ ذَوي رَحِمِه إلَّا بإذْنِ سيدِه)

الحديث: 2997 - الجزء: 19 - الصفحة: 257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [ذَكَره أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه] 508 تَصَرُّفٌ يُؤَدِّي إلى إتْلافِ مالِه، لأنَّه يُخْرِجُ مِن مالِه ما يجوزُ التَّصَرُّفُ فيه في مُقابَلَةِ ما لا يجوزُ له التَّصَرُّفُ فيه، أشْبَهَ الهِبَةَ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
(وقال القاضي: له ذلك) وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّه اشْتَرَى مَمْلُوكًا لا ضَرَرَ على السيدِ في شِرائِه، فصَحَّ، كالأجْنَبِيِّ.
وبَيانُه أنَّه يأخُذُ كَسْبَهم، وإن عَجَزَ صاروا رَقِيقًا لسيدِه، ولأنَّه يَصِحُّ أن يَشتَرِيَه غيرُه، فصَحَّ شِراؤُه له، كالأجْنَبِيِّ.
ويُفارِقُ الهِبَةَ، لأنَّها تُفَوِّتُ المال بغيرِ عِوَض ولا نَفعٍ يَرْجِعُ إلى المُكاتَبِ [ولا السيدِ] 509. ولأنَّ السببَ تَحَقَّقَ، وهو صُدُورُ التَّصَرُّفِ مِن أهْلِه في مَحَلِّه، ولم يَتَحَقَّقِ المانِعُ؛ لأنَّ ما ذَكَرُوه لا نَصَّ فيه، ولا له أصْلٌ يُقاسُ عليه.
فإن أذِنَ فيه سيدُه جازَ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ المَنْعَ لِحَقِّ سيدِه، فجاز بإذْنِه.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال بعضُهم: فيه قولان.

الجزء: 19 - الصفحة: 258

وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَهُمْ إِذَا وُهِبُوا لَهُ، أوْ وُصِّيَ لَهُ بِهِمْ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ بِمَالِهِ.

2998 - مسألة: (وله أن يَقْبَلَهم إذا وُهِبُوا له، أو وُصِّيَ له بِهم)

لأنَّه إذا مَلَكَ شِراءَهم مع ما فيه مِن بَذْلِ 510 مالِه، فلَأن يجوزَ بغيرِ عِوَض أوْلَى.
وعندَ مَن لا يَرى جَوازَ شِرائِهم بغيرِ إذْنِ السيدِ، لا يجوزُ قَبُولُهم، إلَّا (إذا لم يكُنْ فيه ضَرَر بمالِه) كما قالوا في وَلِيِّ اليَتِيمِ إذا وَصَّى لليَتِيمِ بمَن يَعْتِقُ عليه.

الحديث: 2998 - الجزء: 19 - الصفحة: 259

وَمَتَى مَلَكَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيعُهُمْ، وَلَهُ كَسْبُهُمْ، وَحُكْمُهُمْ حُكْمُهُ، فَإِنْ عَتَقَ عَتَقُوا، وَإنْ رَقَّ صَارُوا رَقِيقًا لِلسَّيِّدِ.

2999 - مسألة: (وإذا مَلَكَهُم فليس له بَيعُهم)

ولا هِبَتُهم، ولا إخْراجُهم عن مِلْكِه.
وقال أصحابُ الرَّأْي: له بَيعُ مَن 511 عدا الوالِدِين والمَولودِين؛ لأنَّهم ليست قَرَابَتُهم قَرابَةً جُزْئيةً ولا بَعْضِيَّةً، فأشْبَهُوا الأجانِبَ.
ولَنا، أنَّه ذو رَحِم يَعْتِقُ عليه إذا عَتَقَ، فلا يجوزُ بَيعُه، كالوالِدِين والمَوْلُودِين.
ولأنَّه لا يَمْلِكُ بَيعَهم إذا كان حرًّا، فلا يَمْلِكُه مُكاتَبًا، كوالِدَيه.
فصل: ولا يَعْتِقُونَ بمُجَرَّدِ مِلْكِه لهم؛ لأنَّه لوَ باشَرَهم بالعِتْقِ أو أعْتَقَ غيرَهم، لم يَقَعِ العِتْقُ، فَلَأن لا يَقَعَ بالشراءِ الذي أُقِيمَ مُقامَه أوْلَى.
ومتى أدَّى وهُم في مِلْكِه عَتَقُوا؛ لأنَّه كَمُلَ مِلْكُه فيهم، وزال تَعَلُّقُ حَقِّ سيدِه عنهم، فعَتَقُوا حينَئِذٍ، وولاؤُهم له دُونَ سيدِه؛ لأنَّهم عَتَقُوا عليه بعدَ زَوالِ مِلْكِ سيدِه عنه، فصاروا بمَنْزِلَةِ ما لو اشْتَراهم بعدَ عِتْقِه.
وإنْ عَجَز ورُدَّ في الرِّقِّ صاروا عَبيدًا للسيدِ؛ لأنَّهم مِن مالِه، فيَصِيرُون للسيدِ بعَجْزِه، كعَبِيدِه الأجانِبِ، (وله كَسْبُهم) لأنَّهم ممالِيكُه، أشْبَهَ

الحديث: 2999 - الجزء: 19 - الصفحة: 260

وَكَذَلِكَ الْحُكمُ فِي وَلَدِهِ مِنْ أَمَتِهِ.
الأجانِبَ، ونَفَقَتُهم عليه بحكمِ المِلْكِ لا بحُكْمِ القرابَةِ (وكذلك الحُكْمُ في وَلَدِه مِن أمَتِه) قِياسًا عليهم.
فصل: فإن أعْتَقَهُم السيدُ لم يَعْتِقُوا؛ لأنَّه لا يَمْلِكُهم، فلم 512 يَمْلِكِ التَّصَرُّفَ فيهم.
وإن أعْتَقَهم المُكاتَبُ بغيرِ إذْنِ سيدِه لم يَعْتِقُوا؛ لتَعَلُّقِ حَقِّ سيدِه بهم، وإن أعْتَقَهم بإذْنِه عَتَقُوا، كما لو أعْتَقَ غيرَهم مِن عَبِيدِه.

الجزء: 19 - الصفحة: 261

وَوَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ الَّذِي وَلَدَتْهُ فِي الْكِتَابَةِ يَتْبَعُهَا.
وإن أعْتَقَه سيدُه عَتَقَ، وصارُوا رَقِيقًا للسيدِ، كما لو عَجَزَ؛ لأنَّ كِتابَتَه تَبْطُلُ بعِتْقِه، كما تَبْطُلُ بموتِه.
وعلى ما اخْتارَه شيخُنا يَعْتِقُون؛ لأنَّه عَتَقَ قبلَ فَسْخِ الكِتابَةِ، فوَجَبَ أن يَعْتِقُوا، كما لو عَتَقَ بالإِبْراءِ مِن مالِ الكِتابَةِ، أو بأدَائِه، يُحَقِّقُ هذا أنَّ الكِتابَةَ عَقْدٌ لازِمٌ، يَسْتَفِيدُ بها المُكاتَبُ مِلْكَ رَقِيقِه وأكسابَه، ويَبْقَى حَقُّ السيدِ في مِلْكِ رَقَبَتِه على وجْهٍ لا يَزُولُ إلَّا بالأداءِ (1)، أو ما يقومُ مَقامَه، فلا يَتَسَلَّطُ السيدُ على إبْطالِها فيما يَرْجِعُ إلى إبْطالِ حَقِّ المُكاتَبِ، وإنَّما يَتَسَلَّطُ على إبْطالِ حَقِّه منِ رَقَبَةِ المُكاتَبِ، فيَنْفُذُ في مالِه دُونَ مال المُكاتَبِ.
وقد ذَكَرْنا مثْلَ هذا فيما مَضَى.
وإن مات المُكاتَبُ ولم يُخَلِّفْ وَفَاءً عادوا رَقِيقًا.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَسْعَوْنَ في الكِتابَةِ على نُجُومِها، وكذلك [أُمُّ وَلَدِه] (2). وقال أبو حنيفةَ، في الوَلدِ خاصَّةً: إن جاء بالكتابةِ حالَّةً قُبِلَتْ منه، وعَتَقَ.
ولَنا، أنَّه عَبْدٌ للمُكاتَبِ، فصارَ بموتِه لسيدِه إذا لم يُخَلِّفْ وَفَاءً، كالأخنَبِيِّ.
وإن خَلَّفَ وَفَاءً، انْبَنَى على الرِّوايَتَين في فَسْخِ الكِتابَةِ، على ما تَقَدَّمَ.

3000 -

مسألة: (ووَلَدُ المُكاتَبَةِ الذي وَلَدَتْه في الكِتابَةِ يَتْبَعُها)

تَصِحُّ كِتابَةُ الأمَةِ كما تَصِحُّ كتابةُ العبدِ، بغيرِ خِلافٍ.
وقد دَلَّ عليه حَدِيث513514

الحديث: 3000 - الجزء: 19 - الصفحة: 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بَرِيرَةَ 515، وحديثُ جُوَيرِيةَ 516 بنتِ الحارِثِ، ولأنَّها داخِلَةٌ في عُمُومِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ 517. فإذا أتَتِ المُكاتَبَةُ بوَلَدٍ مِن غيرِ سيدِها مِن نِكاحٍ أو غيرِه، فهو تَابعٌ لها، فإن عَتَقَتْ بالأداءِ أو بالإِبْراءِ عَتَقَ، وإن فُسِختْ كِتابَتُها وعادَتْ إلى الرِّقِّ، عادَ رَقِيقًا قِنًّا.
وهذا قولُ شُرَيحٍ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ، وإسحاقَ.
وسواءٌ في هذا ماكان حَمْلًا حال الكِتابَةِ، أو حَدَثَ بَعدَها.
وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: هو عَبْدٌ قِنٌّ، لا يَتبعُ أُمَّه.
وللشافعيِّ قوْلان، كالمَذْهَبَين.
واحْتَجُّوا بأنَّ الكِتابَةَ غيرُ لازِمَةٍ مِن جِهَةِ العَبْدِ، فلا تَسْرِي إلى الوَلَدِ، كالتعليقِ بالصفةِ.
ولَنا، أنَّ الكِتابَةَ سَبَبٌ ثابِتٌ للعِتْقِ لا يجوزُ إبْطالُه، فسَرَى إلى الولدِ، كالاسْتِيلادِ، ويُفارِقُ التعليقَ بالصِّفَةِ، فإنَّ السيدَ يَمْلِكُ إبْطاله بالبَيعِ.

الجزء: 19 - الصفحة: 263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا ثَبَتَ هذا، فالكلامُ في الولدِ في فُصُولٍ أرْبَعَةٍ: في قِيمَتِه إذا تَلِفَ، وفي كَسْبه، وفي نَفَقَتِه، وفي عِتْقِه.
أما قِيمَتُه إذا تَلِفَ، فقال أبو بكرٍ: هي 518 لأُمِّهِ، تَسْتَعِينُ بها على كِتابَتِها؛ لأنَّ السيدَ لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيه مع كونِه عبدًا، فلا يَسْتَحِقُّ قِيمَتَه؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ جُزْءٍ منها ولو جُنِيَ على جُزْءٍ منها، كان أرْشُه لها، كذلك وَلَدُها، وإذا لم يَسْتَحِقَّها هو كانت لأمِّه؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَخْرُجُ عنهما، ولأنَّ وَلَدَها لو مَلَكَتْه بهِبَةٍ وشراءٍ فَقُتِلَ 519، كانت قِيمَتُه لها، فكذلك إذا تَبِعَها.
يُحَقِّقُه أنَّه إذا تَبِعَها صار حُكْمُه حُكْمَها، فلا يَثْبُت مِلْكُ السيدِ في مَنافِعِه ولا في أرْشِ الجنايَةِ عليه، كما لا يَثْبُتُ له ذلك فيها.
وقال الشافعيُّ، في أحَدِ قولَيه: تكَونُ القِيمَةُ لسيدِها؛ لأنَّها لو قُتِلَتْ كانت قِيمَتُها لسيدِها، فكذلك وَلَدُها.
والفَرْقُ بينَهما أنَّ الكِتَابَةَ تَبْطُلُ بقَتْلِها، فيَصِيرُ 520 مالُها لسيدِها، بخِلافِ وَلَدِها، فإنَّ العَقْدَ باقٍ بعدَ قَتْلِه، فنَظِيرُ هذا إتْلافُ بعضِ أعْضائِها.

الجزء: 19 - الصفحة: 264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والحُكْمُ في إتْلافِ بَعْضِ أعْضائِه، كالحُكْمِ في إتْلافِه.
وأمَّا كَسْبُه وأَرشُ الجِنايَةِ عليه، فيَنْبَغِي أن يكونَ لأُمِّه أيضًا؛ لأنَّ وَلَدَها جُزْءٌ منها تابعٌ لها، فأشْبَهَ بَقِيَّةَ أجْزائِها، ولأنَّ أداءَها لكِتابتِها سَبَبٌ لعِتْقِه وحُصُولِ الحُرِّيَّةِ له، فيَنْبَغِي أن يُصْرَفَ ذلك فيه؛ [لأنَّ صرفَه فيه] 521 بمَنْزِلَةِ صَرْفِه إليه، إذ في عَجْزِها رِقُّه وفَواتُ كَسْبِه عليه.
وأمَّا نَفَقَتُه، فعلى أمِّه؛ لأنَّها تابِعَةٌ لكَسْبِه، وكَسْبُه لها، ونَفَقَتُه عليها.
وأمَّا عِتْقُه، فإَّنه يَعْتِقُ بأدائِها أو إبْرائِها، ويَرِقُّ بِعَجْزِها؛ لأنَّه تَابعٌ لها.
وإن ماتَتِ المُكاتَبَةُ في كِتابَتِها بَطَلَتِ كِتابَتُها، وعاد رَقِيقًا قِنًّا، إلَّا أن تُخلِّفَ وَفَاءً، فيكونَ على الرِّوايَتَين.
وإن أعْتَقَها سَيدُها لم يَعْتِقْ وَلَدُها؛ لأنَّه إنَّما تَبِعَها في حُكْمِ الكِتابَةِ، وهو العِتْقُ 522 بَالأداءِ، وما حَصَلَ الأداءُ، إنَّما حَصَل عِتْقُها بأمرٍ 523 لا يَتْبَعُها فيه، فأشْبَهَ ما لو لم 524

الجزء: 19 - الصفحة: 265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَكُنْ مُكاتَبَةً.
ومُقْتَضَى قولِ أصحابِنا الذين قالوا: تَبْطُلُ كِتابَتُها بعِتْقِها.
أنْ يَعُودَ وَلَدُها رَقِيقًا.
ومُقْتَضَى قولِ شيخِنا، أنَّه 525 يَبْقَى على حُكْمِ الكِتابَةِ، ويَعْتِقُ بالأداءِ؛ لأنَّ العَقْدَ لم يوجَدْ ما يُبْطِلُه، وإنَّما سَقَط الأداءُ عنها؛ لحُصُولِ الحُرِّيَّةِ بدُونِه، فإذا لم يكنْ لها وَلَدٌ يَتْبَعُها في الكِتابَةِ، ولا في يَدِها مالٌ يأخُذُه، لم يَظْهَرْ حُكْمُ بَقاءِ العَقْدِ، ولم يكُنْ في بقائِه فائِدَةٌ (1)، فانْتَفَى [لانْتِفاءِ فائِدَتِه، وفي مسألتِنا] 526، في بقائه فائِدَةٌ؛ لإِفْضائِه إلى عِتْقِ وَلَدِها، فيَنْبَغِي أنْ يَبْقَى.
ويَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَ بإعْتاقِها؛ لأنَّه جَرَى مَجْرَى إبْرائِها مِن المالِ، والحُكْمُ فيما إذا عَتَقَتْ باسْتِيلادٍ أو تَدْبِيرٍ أو تَعْلِيقٍ بصِفةٍ 527 كالحُكْمِ فيما إذا أعْتَقَها؛ لأنَّها عَتَقَتْ بغيرِ الكِتابَةِ.
وإن أعْتَقَ السيدُ الوَلَدَ دُونَها صَحَّ عِتْقُه.
نَصَّ عليه أحمدُ، في روايةِ مُهَنَّا؛ لأنَّه مَمْلوكٌ له (1)، فصَحَّ عِتْقُه، كأُمِّه 528، ولأنَّه لو أعْتَقَه مَعَها صَحَّ عِتْقُه، ومَن صَحَّ عِتْقُه مع غيرِه صَحَّ مُفْرَدًا، كسائِرِ ممالِيكِه.
قال القاضي: وقد كان يَجِبُ أنْ لا يَنْفُذَ عِتْقُه؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا بأُمِّه؛ لتَفْوِيتِ كَسْبِه عَلَيها، فإنَّها كانت تَسْتَعِينُ به في كِتابَتِها، ولعلَّ أحمدَ نَفَّذَ عِتْقَه تَغْلِيبًا للعِتْقِ، والصَّحِيحُ أنَّه يَعْتِقُ، وما ذَكَرَه القاضي مِن الضَّرَرِ لا يَصِحُّ؛ لِوجُوهٍ: أحدُها، أنَّ الضَّرَرَ إنَّما يَحْصُلُ في حَقِّ مَن له كَسْبٌ

الجزء: 19 - الصفحة: 266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَفْضُلُ عن نَفَقَتِه، فأمَّا مَن لا كَسْبَ له، فتَخْلِيصُها مِن نفَقَتِه نَفْعٌ مَحْضٌ، ومَن له كَسْبٌ لا يَفْضُلُ عن نَفَقَتِه، فلا ضَرَرَ في إعْتاقِه؛ لأنَّه لا يَفْضُلُ لها مِن كَسْبِه شَيءٌ تَنْتَفِعُ به، فكان يَنْبَغِي أنْ يُقَيِّدَ الحُكْمَ الذي ذَكَرَه بهذا القَيدِ.
الثاني، أنَّ النَّفْعَ بكَسْبِة ليس بواجِبٍ لها؛ لأنَّها لا تَمْلِكُ إجْبارَه على الكَسْبِ، فلم يكنِ الضَّرَرُ بفَواتِه مُعْتَبَرًا في حَقِّها.
الثالثُ، أنَّ مُطْلَقَ الضَّرَرِ لا يَكْفِي في مَنْعِ العِتْقِ الذي تحَقَّق مُقتَضِيه، ما لم يكُنْ له أصْلٌ يَشْهَدُ له بالاعْتِبارِ، ولم يَذْكُرْ له أصْلًا، ثم هو مُلْغًى بعِتْقِ المُفْلِسِ والرَّاهِنِ وسِرايَةِ العِتْقِ إلى مِلْكِ الشَّرِيكِ، فإنَّه يَعْتِقُ مع وُجودِ الضَّرَرِ بتَفْويتِ الحَقِّ اللَّازِمَ، فهذا أوْلَى.
فصل: فأمَّا وَلَدُ وَلَدِها، فإنَّ ولَدَ ابنِها حُكْمُه حُكْمُ أُمِّه، لأنَّ وَلَدَ المكاتَبِ لا يَتْبَعُه، وأمَّا وَلَدُ بِنْتِها فهو كبِنْتِها.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَسْرِي الكِتابَةُ إليه؛ لأنَّ السِّرايَةِ إنَّما تكونُ مع الاتِّصالِ، وهذا وَلَدٌ مُنْفَصِلٌ، فلا يَسْرِي إليه، بدَلِيلِ أنَّ ولدَ 529 أُمِّ الوَلدِ قبلَ أن يَسْتَوْلِدَها لا يَسْرِي إليه الاسْتِيلادُ، وهذا الولَدُ اتَّصَلَ بأُمِّه دُونَ جَدَّتِه.
ولَنا، أنَّ ابْنَتَها ثَبَتَ 530 لها حُكْمُها تَبَعًا، فيَجِبُ أن يَثْبُتَ لابْنَتِها حُكْمُها تَبَعًا، كما ثَبَتَ لها حكمُ أمِّها.
ولأنَّ البِنْتَ تَبِعَتْ أمَّها، فيَجِبُ أنْ يَتْبَعَها وَلَدُها؛ لأنَّ عِلَّةَ إتْباعِها لأُمِّها مَوْجُودَةٌ في وَلَدِها، ولأنَّ البِنْتَ تَعَلَّقَ بها حَقُّ العِتْقِ، فيجبُ أن يَسْرِيَ إلى وَلَدِها، كالمُكاتَبَةِ.
وهذا

الجزء: 19 - الصفحة: 267

وَإنِ اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ زَوْجَتَهُ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا.
وَإنِ اسْتَوْلَدَ أَمَتَهُ، فَهَلْ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ يَمْتَنِعُ عَلَيهِ بَيعُهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
الخِلافُ في وَلَدِ البِنْتِ التَّابِعَةِ لأُمِّها في الكِتابَةِ، فأمَّا المَوْلُودَةُ قبلَ الكِتابَةِ، فلا تَدْخُلُ في الكِتابَةِ فابنُها (1) أوْلَى.

3001 -

مسألة: (وإنِ اشْتَرَى زَوْجَتَه)

صَحَّ، و (انْفَسَخَ نِكاحُها) يجوزُ للمُكاتَبِ شِراءُ امرأتِه، وللمُكاتَبةِ شِراءُ زَوْجِها؛ لأنَّ ذلك يجوزُ لغيرِ المُكاتَبِ، [فجاز للمُكاتَبِ] (2)، كشِراءِ الأجانِبِ، ويَنْفَسِخُ النِّكاحُ بذلك.
[وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ] (3): لا يَنْفسِخُ؛ لأنَّ المُكاتَبَ لا يَمْلِكُ، بدليلِ أنَّه لا يجوزُ له التَّسَرِّي (4)، ولا يَعْتِقُ والِدُه وولدُه إذا اشْتَراهُ، فأشْبَهَ العبدَ القِنَّ.
ولَنا، أنَّ المُكاتَبَ يَمْلِكُ ما اشْتَراهُ، [بدليلِ أنَّه تَثْبُتُ له الشُّفْعَةُ على سيدِه، ولسيدِه عليه، ويَجْرِي الرِّبا بينَه وبينَه، وإنَّما مُنِعَ التَّسَرِّيَ] (2)؛ لتَعَلُّقِ حَقِّ سيدِه بما في يَدِه، كما يُمْنَعُ الرَّاهِنُ مِن الوَطْءِ معَ ثُبُوتِ مِلْكِه، ولذلك لم يَعْتِقْ عليه ذَوُو رَحِمِه.
وإذا اشْتَرَى أحدُهما الآخرَ فله التَّصَرُّفُ فيه؛ لأنَّه أجْنَبِيٌّ منه.
3002 -

مسألة: (وإنِ اسْتَوْلَدَ أمَتَه، فهل تَصِيرُ أمَّ وَلَدٍ يَمْتَنِعُ عليه

531532533534 الحديث: 3001 - الجزء: 19 - الصفحة: 268

فَصْلٌ: وَلَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ شَيئًا مِنْ كَسْبِهِ، وَلَا يَبِيعُهُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَينِ.
بَيعُها؟ على وَجْهَين) إذا اسْتَوْلَدَ المُكاتَبُ أمَتَه قبلَ عِتْقِه وعَجْزِه، فإنَّها تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ للمُكاتَبِ، وليس له بَيعُها.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ وَلَدَها له حُرْمَةُ الحُرِّيةِ، ولا يجوزُ بَيعُه، ويَعْتِقُ بعِتْقِ أبيه، وكذلك أُمُّه.
فعلى هذا، لا يجوزُ بَيعُها، وتكونُ مَوْقُوفَةً مع المُكاتَبِ، إن أُعْتِقَ فهي أُمُّ ولَدِه، وإن رَقَّ رَقَّتْ.
وقال القاضي في مَوْضِعٍ: لا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ بحالٍ، وله بَيعُها، لأنها حَمَلَتْ بِمَمْلُوكٍ في مِلْكٍ غيرِ تامٍّ.
وللشافعيِّ قوْلان، كهذين الوَجْهَين.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ولا يَمْلِكُ السيدُ شيئًا مِن كَسْبِه، ولا يَبِيعُه دِرْهَمًا بدِرْهَمَين) ولا يَمْلِكُ السيدُ 535 شيئًا مِن كَسْبِ

الجزء: 19 - الصفحة: 269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُكاتَبِ؛ لأنَّه اشْتَرَى نَفْسَه مِن سيدِه ليَمْلِكَ ماله وكَسْبَه ومَنافِعَه، فلا يَبْقَى 536 ذلك لبائِعِه، كسائِرِ المَبِيعاتِ.
ويَجْرِي الرِّبا بينَه وبينَ سيدِه؛ لأنَّه معه في باب المُعاوَضَةِ كالأجْنَبِيِّ.
وقال ابنُ أبي موسى: لا رِبا بينَهما؛ لأنَّه عَبدٌ في الأَظْهَرِ مِن قولِه، ولا رِبا بينَ العبدِ وسيدِه، ولهذا جاز أن يُعَجِّلَ لسيدِه، ويَضَعَ عنه بعضَ كِتابَتِه، وله وَطْءُ مُكاتَبَتِه إذا شَرَط، ولو حَمَلَتْ منه صَارَتْ له بذلك أُمَّ وَلَدٍ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ السيدَ مع مُكاتَبِه في بابِ المُعامَلَةِ كالأجْنَبِيِّ؛ بدليلِ أنَّ لكلِّ وَاحِدٍ منهما الشُّفْعَةَ على صاحِبِه، ولا يَمْلِكُ كلُّ واحدٍ منهما التَّصَرُّفَ فيما بَيدِ صاحِبِه، وإنَّما يَتَعَلَّقُ لسيدِه حَقٌّ فيما بيَدِه؛ لكونِه بعَرَضِيَّةِ 537 أن يَعْجِزَ 538 فيَعودَ إليه.
وهذا لا يَمْنَعُ جَرَيانَ الرِّبَا بينَهما، كالأبِ مع ابنِه.
فعلى هذا القولِ، لا يجوزُ التَّفاضُلُ بينَهما فيما يَحْرُمُ التَّفاضُلُ فيه بينَ الأجْنَبِيَّين، ولا النَّسَاءُ فيما يَحْرُمُ فيه النَّساءُ بينَ الأجانِبِ.

الجزء: 19 - الصفحة: 270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان لكُلِّ واحدٍ منهما على صاحِبِه دَينٌ، مثلَ أن كان للسيدِ على مُكاتَبِه دَينٌ مِن الكِتابَةِ أو غيرِها، وللمُكاتَبِ على سيدِه دَينٌ، وكانا نَقْدًا مِن جِنْس واحدٍ، حالَّينِ، أو مُؤَجَّلَين أجَلًا واحدًا، تَقَاصَّا وتَساقَطا؛ لأنَّهما إذا تَساقَطَا بينَ الأجانِبِ، فمعَ 539 السيدِ ومُكاتَبِه أوْلَى.
وإن كانا نَقْدًا مِن جِنْسَين، كدَراهِمَ ودَنانِيرَ، فقال ابنُ أبي موسى: لو كان له على سيدِه ألفُ دِرْهَمٍ، ولسيدِه عليه مائَة دِينارٍ، فجعلها قِصَاصًا بها، جاز، بخِلافِ الحُرَّينِ.
وقال القاضي: لا يجوزُ هذا، لأنَّه بَيعُ دَين بِدَينٍ، وقد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ 540. ولأنَّه لا يجوزُ بينَ الأجْنَبِيَّين، فلم يَجُزْ بينَ المُكاتَبِ وسيدِه، كسائِرِ المُحَرَّمات.
وفارَقَ العبدَ القِنَّ، فإنَّه باقٍ في تَصَرُّفِ سيدِه، وما في يَدِه مِلْكٌ خَالِصٌ لسيدِه، له 541 أخْذُه والتَّصَرُّفُ فيه.
فعلى هذا لا يجوزُ وإن تَرَاضَيَا به.
وعلى قولِ ابنِ أبي موسى، يجوزُ إذا تَراضَيَا بذلك وتَبايَعاه، ولا يَثْبُتُ التَّقَاصُّ قبلَ تَراضِيهما به؛ لأنَّه بَيعٌ 542. فإن كانا عَرْضَين أو [عَرْضًا ونَقْدًا] 543، لم تَجُزِ المُقاصَّةُ فيهما بغيرِ تَراضِيهما بحالٍ، سواءٌ كان العَرْضُ

الجزء: 19 - الصفحة: 271

وَإنْ جَنَى عَلَيهِ، فَعَلَيهِ أَرشُ جِنَايَتِهِ.
مِن جِنْسِ حَقِّه أو مِن غيرِ جِنْسِه.
وإن تَرَاضَيا بذلك لم يَجُزْ أيضًا؛ لأنَّه بَيعُ دَينٍ بِدَينٍ، وإن قَبَضَ أحَدُهما مِن الآخَرِ حَقَّه، ثم دَفَعَه إلى الآخَرِ عِوَضًا عن ما لَه في ذِمَّتِه، جاز، إذا لم يكُنِ الثَّابِتُ في الذمَّةِ عن سَلَمٍ.
فإن كان ثَبَتَ عن سَلَمٍ، لم يَجُزْ أخْذُ عِوَضِه قبلَ قَبْضِه.
وفي الجُمْلَةِ، إنَّ حُكْمَ المُكاتَبِ مع سيدِه في هذا حُكْمُ الأجانِبِ، إلَّا على قولِ ابنِ أبي موسى الذي ذَكَرْناه.

3003 -

مسألة: (وإن جَنَى عليه، فعليه أَرْشُ جِنايَتِه)

إذا جَنَى السيدُ على مُكاتَبِه، فلا قِصاصَ عليه؛ لأمْرَين: أحدُهما، أنَّه حُرٌّ والمُكاتَبُ عَبْدٌ.
والثاني، أنَّه مِلْكُه، ولا يُقْتَصُّ مِن المالِكِ لممْلُوكِه، ولكَنْ يَجِبُ الأرْشُ، ولا يَجِبُ إلَّا بانْدِمالِ الجُرْحِ؛ لأنَّه قبلَ الانْدِمالِ لا يُؤْمَنُ سِرايَتُه إلى نفْسِه، فيَسْقُطُ أرْشُه، ومتى سَرَى الجُرْحُ إلى نَفْسِه انْفَسخَتِ الكِتابَةُ، وكان كقَتْلِه.
فإذا انْدَمَلَ الجُرْحُ وجَبَ له أَرْشُه حِينَئِذٍ.
فإن كان مِن جِنْسِ مالِ الكِتابَةِ، وقد حَلَّ عليه نجْمٌ، تَقَاصَّا.
وإن كان مِن غيرِ جِنْسِ مالِ الكِتابَةِ، أو كان النَّجْمُ لم يَحِلَّ، لم يَتَقاصَّا.
ولكُلِّ واحدٍ منهما مُطالبَةُ صاحِبِه بما يَسْتَحِقُّه.
فإن رَضِيَ المُكاتَبُ

الحديث: 3003 - الجزء: 19 - الصفحة: 272

وَإنْ حَبَسَهُ مُدَّةً، فَعَلَيهِ أَرْفَقُ الأمْرَين بِهِ، مِنْ إِنْظَارِهِ مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ، أوْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ.
بتَعْجِيلِ الواجِبِ له عَمَّا (1) لم يَحِلَّ مِن نُجُومِه، جاز إذا كان مِن جِنْسِ مالِ الكِتابَةِ.

3004 -

مسألة: (وإن حَبَسَه مُدَّةً، فعليه أرْفَقُ الأمْرَينِ به، مِن إنْظارِه مثلَ تِلك المُدَّةِ، أو أُجْرَةِ مِثْلِه)

إذا حَبَسَه سيدُه فقد أساء، ولا يَحْتَسِبُ عليه بمُدَّتِه، في أحَدِ الوُجُوهِ.
والثاني، يَحْتَسِبُ عليه بمُدَّتِه؛ لأنَّ مال الكِتابَةِ دَينٌ مُؤَجَّلٌ، فَيَحْتَسِبُ بمُدَّةِ الحَبْسِ مِن الأجَلِ، كسائِرِ الدُّيُونِ المُؤَجَّلَةِ.
فعلى هذا الوَجْهِ، يَلْزَمُه أجْرُ مِثْلِه في المدَّةِ التي حَبَسَه فيها.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ على سَيِّدِه تَمْكِينَه مِن التَّصَرُّفِ مُدَّةَ كِتابَتِه،544

الحديث: 3004 - الجزء: 19 - الصفحة: 273

وَلَيسَ لَهُ أَنْ يَطَأَ مُكَاتَبَتَهُ إلا أَنْ يَشْتَرِطَ،  فإذا حَبَسَه مُدَّةً وَجَبَ عليه تأْخِيرُه (1) مثلَ تلك المُدَّةِ؛ ليَسْتَوْفِيَ الواجِبَ له، ولأنَّ حَبْسَه يُفْضِي (2) إلى إبْطالِ الكِتابَةِ وتَفْويتِ مَقْصُودِها ورَدِّهِ إلى الرِّقِّ، ولأنَّ (3) عَجْزَه عن أداءِ نُجُومِه في مَحِلِّها، بسَبَبٍ مِن سيدِه، فلم يَسْتَحِقَّ به (4) فَسْخَ العَقْدِ، كما لو مَنَعَ البائِعُ المُشْتَرِيَ مِن أداءِ الثَّمنِ لم يَسْتَحِقَّ فَسْخَ البَيعِ لذلك، ولو مَنَعَتِ المرأةُ زَوْجَها مِن الإِنْفاقِ عليها، لم تَسْتَحِقَّ فَسْخَ العَقْدِ لذلك.
والثالثُ، أن يَلْزَمَ سَيِّدَه أرْفَقُ الأمْرَين به، مِن إنْظارِه مثلَ تلك المُدَّةِ، أو أُجْرَةِ مِثْلِه فيها؛ لأنَّه وُجِدَ سَبَبُهما، فكان للمُكاتَبِ أنْفَعُهما.

3005 -

مسألة: (وليس له أن يَطَأَ مُكاتَبَتَه إلَّا أن يَشْتَرِطَ)

وَطْءُ المُكاتَبَةِ مِن غيرِ شَرْطٍ حَرامٌ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقيل: له وَطْؤُها في الوَقْتِ الذي لا يَشْغَلُها الوَطْءُ عن السَّعيِ عمَّا هي فيه، لأنَّها مِلْكُ يَمينِه، فتَدْخُلُ في عُمُومِ قولِه545546547548

الحديث: 3005 - الجزء: 19 - الصفحة: 274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ 549. ولَنا، أنَّ الكِتابَةَ عَقْدٌ 550 أزال مِلْكَ اسْتِخْدامِها، ومِلْكَ عِوَضِ مَنْفَعةِ بُضْعِها فيما إذا وُطِئَتْ بشُبْهةٍ، فأزال حِلَّ وَطْئِها، كالبَيعِ، والآيَةُ مَخْصُوصةٌ بالمُزَوَّجَةِ، فنَقِيسُ عليها مَحَلَّ النِّزاعِ، ولأنَّ المِلْكَ ههُنا ضَعِيفٌ؛ لأنَّه قد زال عن مَنافِعِها جُمْلَةً؛ ولهذا لو وُطِئَتْ بشُبْهَةٍ كان المَهْرُ لها، وتُفارِقُ أُمَّ الوَلَدِ، فإنَّ مِلْكَه باقٍ عليها؛ وإنَّما يَزُولُ بموتِه، فأشْبَهَتِ المُدَبَّرَةَ والمُوصَى بها، وإنَّما امْتَنَعَ البَيعُ؛ لأنَّها اسْتَحَقَّتِ العِتْقَ بموتِه، اسْتِحْقاقًا لازِمًا لا يُمْكِنُ زَوالُه.
فصل: فإن شَرَطَ وَطْأَها فله ذلك.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ.
وقال سائِرُ مَن ذَكَرْنا: ليس له وَطْؤُها؛ لأنَّه لا يمْلِكُه مَع إطْلاقِ العَقْدِ، فلم

الجزء: 19 - الصفحة: 275

فَإِنْ وَطِئَهَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ، أَوْ وَطِئَ أَمَتَهَا، فَلَهَا عَلَيهِ  يَمْلِكْه بالشَّرْطِ،؛ لو زَوجَها أو أعْتَقَهَا.
وقال الشافعيُّ: إذا شَرَطَ ذلك في عَقْدِ الكِتابَةِ فَسَدَ؛ لأنَّه شَرْطٌ فاسِدٌ، فأفْسَدَ العَقْدَ، كما لو شَرَط عِوَضًا فاسِدًا.
وقال مالكٌ: لا يَفْسُدُ العَقْدُ به، لأنَّه لا يُخِلُّ برُكْنِ العَقْدِ ولا شَرْطِه، فلم يَفْسُدْ، كالصَّحِيحِ.
ولَنا، قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهمْ» (1). ولأنَّها مَمْلُوكَةٌ، له شَرْطُ نَفْعِها، فصَحَّ، كشَرْطِ اسْتِخْدَامِها.
يُحَقِّقُ هذا أنَّ مَنْعَه مِن وَطْئِها مع بَقاءِ مِلْكِه عليها ووُجُودِ المُقْتَضِي لحِلِّ وَطْئِها، إنَّما كان لحَقِّها، فإذا اشْتَرَطَه عليها جاز، كالخِدْمَةِ، ولأنَّه اسْتَثْنَى بعْضَ ما كان له، فصَحَّ، كاشْتِراطِ الخِدْمةِ، وفارَقَ البَيعَ، فإنَّه يُزِيلُ مِلْكَه عنها.

3006 -

مسألة: (وإن وَطِئَها ولم يَشْتَرِطْ، أو وَطِئَ أمَتَها،

551 الحديث: 3006 - الجزء: 19 - الصفحة: 276

الْمَهْر، وَيُؤَدَّبُ، وَلَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ.
وَإنْ شَرَطَ وَطْئَهَا فَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيهِ.
أُدِّبَ، ولم يَبْلُغْ به الحَدَّ) إذا وَطِئَها مِن غيرِ شَرْطٍ لم يَجِبْ عليه الحَدُّ؛ لشُبْهَةِ المِلْكِ، في قولِ عامةِ الفقهاءِ.
ورُوِيَ عن الحسنِ، والزُّهْرِيِّ، أنَّهما قالا: عليه الحَدُّ؛ لأنَّه عَقَدَ عليها عَقْدَ مُعاوَضَةٍ يُحَرِّمُ الوَطْءَ، فأوْجَبَ الحَدَّ بوطْئِها، كالبَيعِ.
ولَنا، أنَّها مَمْلوكَتُه، فلم يَجِبْ عليه الحَدُّ بوَطْئِها، كالمرْهُونَةِ والمُسْتَأجَرَةِ، ويُخالِفُ البَيعَ، فإنَّه يُزِيلُ المِلْكَ، والكِتابَةُ لا تُزِيلُه، بدليلِ قولِه - عليه السلام -: «المُكاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ» 552. وعليه مَهْرُها إذا وَطِئَها بغيرِ شَرْطٍ؛ لأنَّه اسْتَوْفَى مَنْفَعَتَها المَمْنوعَ مِن اسْتِيفائِها، فأشْبَهَ مَنَافِعَ بَدنِها، فإن كانا

الجزء: 19 - الصفحة: 277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عالِمَين عُزِّرا، وإن كانا جاهِلَين عُذِرَا 553، وإن كان أحَدُهما عالمًا والآخَرُ جاهِلًا، عُزِّرَ العالِمُ وعُذِرَ 554 الجاهِلُ.
ولا تَخْرُجُ بالوَطْءِ عن الكِتابَةِ.
وقال اللَّيثُ: إن طاوَعَتْه فقد فَسَخَتْ كِتابَتَها وعادَتْ قِنًّا.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، فلم يَنْفَسِخْ بالمُطاوَعةِ على الوَطْءِ، كالإِجارَةِ والبَيعِ بعدَ لُزومِه.
ويَجِبُ لها المَهْرُ، مُطَاوعَةً له 555 كانت أو مُكْرَهَةً.
وبه قال الحسنُ، والثَّوْرِيُّ، والحسنُ بنُ صالِحٍ، والشافعيُّ.
وقال قَتادةُ: يَجِبُ إذا أكْرَهَها، ولا يَجِبُ إذا طَاوَعَتْه.
ونَقَلَه المُزَنِيُّ عن الشافعيِّ، لأنَّ المُطاوعَةَ بَذَلَتْ نَفْسَها بغيرِ عِوَضٍ، فصارَتْ كالزَّانِيَةِ.
ومَنْصُوصُ الشافعيِّ، وُجُوبُه في الحالين.
وأنْكَرَ أصحابُه ما نقله المُزَنِيُّ، وقالوا: لا يُعْرَفُ.
وقال مالكٌ: لا شيءَ عليه؛ لأنَّها مِلْكُه.
ولَنا، أنَّه عِوَضُ مَنْفَعَتِها، فوَجَبَ لها، كعِوَضِ بَدَنِها، ولأنَّ المُكاتَبَةَ في يَدِ نَفْسِها، ومَنافِعُها لها؛ ولهذا لو وَطِئَها أجْنَبِيٌّ كان المَهْرُ لها، وإنَّما وَجَبَ في حالِ المُطاوَعَةِ؛ لأنَّ الحَدَّ سَقَطَ عنه للشُّبْهَةِ، فوَجَبَ لها المَهْرُ؛ لو وَطِئَ امرأةً بشُبْهَةِ عَقْدٍ مُطاوعَةً.
فإن تَكَرَّرَ وَطْؤُها، وكان قد أدَّى مَهْرَ الوَطْءِ الأوَّلِ، فللثاني مَهْرٌ أيضًا؛ لأنَّ الأداءَ قَطَعَ حُكْمَ الوَطْءِ، وإن لم يكُنْ أدَّى عن الأوَّلِ، لم يَجِبْ إلَّا مَهْر واحدٌ؛ لأنَّ هذا عن وَطءِ الشُّبْهَةِ، فلم يَجِبْ إلَّا مَهْرٌ واحدٌ، كالوَطْءِ في النِّكاحِ الفاسِدِ.

الجزء: 19 - الصفحة: 278

وَمَتَى وَلَدَتْ مِنْهُ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ،  فصل: فأمَّا إن وَطِئَها مع الشَّرْطِ، فلا حَدَّ عليه، ولا مَهْرَ، ولا تَعْزِيرَ؛ لأنَّه وَطْءٌ يَمْلِكُه ويُبَاحُ له، فأشْبَهَ وَطْأَها قبلَ كِتابَتِها.
وإذا وَجَبَ لها المَهْرُ بالوَطْءِ؛ فإن كان لم يَحِلَّ عليها نَجْمٌ فلها المُطالبَةُ، وإن كان قد حَلَّ عليها، وكان المَهْرُ مِن غيرِ جِنْسِه، فلها المُطالبَةُ أيضًا به، وإن كان مِن جِنْسِه تَقَاصَّا، وأخذ ذو الفَضْلِ فَضْلَه.

3007 -

مسألة: فإن أوْلَدَها (صارت أُمَّ وَلَدٍ له)

سَواءٌ وَطِئَها بشَرْطٍ أو بغيرِ شَرْطٍ؛ لأنَّه أحْبَلَهَا بحُرٍّ في مِلْكِه، فكانت أُمَّ وَلَدٍ، كغيرِ المُكاتَبةِ، والوَلَدُ حُرٌّ؛ لأنَّه وَلَدُه مِن مَمْلُوكَتِه، ويَلْحَقُه نَسَبُه؛ لذلك، ولأنَّه مِن وَطْءٍ سَقَطَ فيه الحَدُّ للشُّبْهَةِ، فأشْبَهَ وَلَدَ المَغْرُورِ 556، ولا تَلْزَمُه قِيمَتُه؛ لأنَّها وَضَعَتْه 557 في مِلْكِه.

الحديث: 3007 - الجزء: 19 - الصفحة: 279

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وليس له وَطْءُ بنْتِ مَكاتَبَتِه، لأنَّها تابِعَةٌ لها مَوْقُوفَةٌ معها، فلمِ يُبَحْ 558 وَطْؤُها، كأُمِّها، ولا يُبَاحُ ذلك بالشَّرْطِ؛ لأنَّ حُكْمَ الكتابَةِ ثَبَتَ فيها تَبَعًا، ولم يكنْ وطؤُها مُباحًا حال العَقْدِ فيَشْتَرِطَه 559. فإن وَطِئَها فلا حَدَّ عليه، ويَأْثَمُ ويُعَزَّرُ؛ لأنَّه وَطِئَ وَطْئًا مُحَرَّمًا، ولها المَهْرُ، حُكْمُه حُكْمُ كَسْبِها، يكونُ لأُمِّها تَسْتعينُ به في كِتابَتِها؛ لأنَّ ذلك سَبَبُ حُرِّيَتِها 560. فإن أحْبَلَها صارت أُمَّ وَلَدٍ له، والوَلَدُ حُرٌّ؛ لأنَّه أحْبَلَها بِحُرٍّ في مِلْكِه، ويَلْحَقُه نَسَبُه، ولا تجِبُ عليه قِيمَتُها؛ لأنَّ أُمَّها لا تَمْلِكُها، ولا قيمَةُ وَلَدِها؛ لأنَّها وَضَعَتْه 561 في مِلْكِه.
فصل: وليس له وَطْءُ جاريَةِ مُكاتَبِه ولا مُكاتَبَتِه اتِّفاقًا.
فإن فَعَلَ، أثِمَ وعُزِّرَ، ولا حَدَّ عليه؛ لشُبْهَةِ المِلْكِ؛ لأنَّه يَمْلِكُ مالِكَها، وعليه مَهْرُها لسيدِها، ووَلَدُه منها حُرٌّ يَلْحَقُه نَسَبُه؛ لأنَّ الحَدَّ سَقَطَ لشُبْهَةِ المِلْكِ، وتَصِيرُ أُمَّ ولدٍ له، وعليه قِيمَتُها لسيدها؛ لأنَّه أخْرَجَها بِوَطْئِه عن مِلْكِه، ولا تَجبُ عليه قِيمَةُ الوَلَدِ؛ لأنَّها وَضَعَتْه في مِلْكِه.
ويَحْتَمِلُ أن تَلْزَمَه قِيمَتُه؛ لأَنَّه أخْرَجَه بوَطْئِه عن أن يكونَ مَمْلُوكًا لسيدِها، فأشْبَهَ

الجزء: 19 - الصفحة: 280

فَإِنْ أَدَّتْ عَتَقَتْ، وَإنْ مَاتَ قَبْلَ أَدَائِهَا عَتَقَتْ، وَسَقَطَ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهَا، وَمَا فِي يَدِهَا لَهَا، إلا أن يَكُونَ بَعْدَ عَجْزِهَا.
وَقَال  وَلَدَ المَغْرُورِ (1). فصل: ولا يَمْلِكُ السيدُ إجْبارَ مُكاتَبَتِه ولا ابْنَتِها ولا أمَتِها على التَّزْويجِ؛ لأنَّه زال مِلْكُه بعَقْدِ الكِتابَةِ عن نَفْعِها ونَفْعِ بُضعِها (2)، وعن عِوَضِه.
وليس لواحدةٍ منهنَّ التَّزَوُّجُ (3) بغيرِ إذْنِه؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في ذلك، فإنَّه يُثْبتُ حَقًّا للزَّوْجِ فيها، فرُبَّما عَجَزَتْ وعادت إليه على وَجْهٍ لا يَمْلِكُ وَطْأهَا، فإن تَراضَيا بذلك جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَخْرُجُ عنهما، وهو وَلِيُّها (4) ووَلِيُّ ابْنَتِها وجارِيَتِها جميعًا؛ لأنَّ المِلْكَ له، فأشبَهَ الجارِيَةَ القِنَّ.
والمَهْرُ للمُكاتَبَةِ، على ما ذَكَرْنا في مَهْرِهِنَّ إذا وَطِئَهُنَّ السيدُ.

3008 -

مسألة: (فإن أدت عَتَقَتْ، وإن مات)

سيدُها (قبلَ أدائِها عَتَقَتْ، وسَقَطَ ما بَقِيَ مِن كِتابَتِها، وما في يَدِها لها، إلَّا أن يكونَ562563564565

الحديث: 3008 - الجزء: 19 - الصفحة: 281

أَصْحَابُنَا: هُوَ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهَا.
بعدَ عَجْزِها.
وقال أصحابُنا: هو لوَرَثَةِ سيدِها.
وكذلك الحُكْمُ فيما إذا أعْتَقَ المُكاتَبَ سيدُه) قد ذَكَرْنا أنَّ السيدَ إذا اسْتَوْلَدَ مكاتَبَتَه صارت أُمَّ وَلَدٍ له، والوَلَدُ حُرٌّ، ونَسَبُه لاحِقٌ به، ولا تَبْطُلُ كِتابَتُها بذلك؛ لأنَّها عَقْدٌ لازِمٌ مِن جهةِ سيدِها، وقد اجْتَمَعَ لها شبَبانِ يقْتَضِيان العِتْقَ، أيُّهما سَبَقَ صاحِبَه ثَبَتَ حُكْمُه.
هذا قولُ الزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، واللَّيثِ، والثَّوْرِيِّ والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال الحَكَمُ 566: تَبْطُلُ كِتابَتُها؛ لأنَّها سَبَبٌ للعِتْقِ، فتَبْطُلُ 567 بالاسْتِيلادِ، كالتَّدْبِيرِ.
ولَنا، أنَّها عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فلا تَبْطُلُ بالوَطْءِ، كالبَيعِ، ولأنَّها سَبَبٌ للعِتْقِ لا يَمْلِكُ السيدُ الرُّجُوعَ عنه، فلم تَبْطُلْ بذلك، كالتَّعْلِيقِ بصِفَةٍ، وما ذَكَرَه يَبْطُلُ بالتَّعْلِيقِ بالصِّفَةِ.
وتُفارِقُ الكِتابَةُ التَّدْبِيرَ مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ حُكْمَ التَّدْبِيرِ والاسْتِيلادِ واحدٌ، وهو العِتْقُ عَقِيبَ الموتِ، والاسْتِيلادُ أقْوَى؛ لأنَّه يُعْتَبَرُ مِن رأسِ المالِ، ولا سَبِيلَ إلى إبْطالِه بحالٍ، فاسْتُغْنِيَ به عن التَّدْبِيرِ، والكِتابَةُ سَبَبٌ يُتَعَجَّلُ به 568 العِتْقُ

الجزء: 19 - الصفحة: 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالأداءِ، ويكونُ ما فَضَلَ مِن كَسْبِها لها، وتَمْلِكُ بها منَافِعَها وكَسْبَها، وتَخْرُجُ عن تَصَرُّفِ سيدِها.
وهذا لا يَحْصُلُ بالاسْتِيلادِ، فيَجِبُ أن تَبْقَى لبَقاءِ فائِدَتِها.
الثاني، أنَّ الكتابَةَ أقْوَى مِن التَّدْبِيرِ، للُزومِها، وكَونِها لا تَبْطُلُ بالرُّجُوعِ عنها، ولا بَيعِ المُكاتَبِ ولا هِبَتِه.
الثالثُ، أنَّ التَّدْبِيرَ تَبرُّعٌ، والكِتابَةَ عَقْدُ مُعاوَضَةٍ لازِمٌ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَجْتَمِعُ لها سَبَبان، كلُّ واحدٍ منهما يَقْتَضِي الحُرِّيَّةَ، فأيُّهما تَمَّ قبلَ صاحِبِه، ثَبَتَتِ الحُرِّيَّةُ به، كما لو انْفَرَدَ، لأنَّ انْضِمامَ أحَدِهما إلى الآخَرِ مع كَونِه لا يُنافِيه، لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِه، فإن أدَّتْ عَتَقَتْ بالكِتابَةِ، وما فَضَلَ مِن كَسْبِها فهو لها، لأنَّ المُعْتَقَ بالكِتابَةِ له ما فَضَلَ مِن نُجُومِه، وإن عَجَزَتْ 569 وَرُدَّتْ في الرِّقِّ بَطَلَ حُكْمُ الكِتابَةِ، وبَقِيَ لها 570 حُكْمُ الاسْتِيلادِ منفَرِدًا، كما لو لم تكُنْ مُكاتَبَةً، وله وَطْؤُها، وتَزْويجُها، وإجارَتُها، وتَعْتِقُ بمَوْتِه، وما في يدِها لوَرَثَةِ سيدِها.
فإن مات سيدُها

الجزء: 19 - الصفحة: 283

وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إِذَا أَعْتَقَ الْمُكَاتَبَ سَيِّدُهُ.
قَبلَ عَجْزِها عَتَقَتْ بأنَّها أُمُّ وَلَدٍ، وتَسْقُطُ (1) الكِتابَةُ؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ حَصَلَتْ، فسَقَطَ العِوَضُ المبْذُولُ في تَحْصِيلِها، كما لو باشَرَها سيدُها بالعِتْقِ، وما في يَدِها لوَرَثَةِ سيدِها، في قولِ الخِرَقِيِّ، وأبي الخَطَّابِ؛ لأنَّها عَتَقَتْ بحُكْمِ الاسْتِيلادِ، فبَطَلَ حُكْمُ الكِتابَةِ، فأشْبَهَت غيرَ المُكاتَبَةِ.
وقال القاضي، في «المُجَرَّدِ»، وابنُ عَقِيلٍ، في «الفُصُولِ»: ما فَضَلَ في يَدِها لها.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ العِتْقَ إذا وَقَعَ في الكِتابَةِ لا يُبْطِلُ حُكْمَها، كالإبراءِ مِن مالِ الكِتابَةِ، ولأنَّ مِلْكَها كان ثابتًا على ما في يَدِها، ولم يَحْدُثْ إلَّا ما يُزِيلُ حَقَّ سيدِها عنها، فيَقْتَضِي زَوال حَقِّه عمَّا في يَدِها وتَقْرِيرَ مِلْكِها وخُلُوصَه لها، كما اقْتَضَى ذلك في نَفْسِها، وهذا أصَحُّ.

3009 -

مسألة: (وكذلك الحُكْمُ فيما إذا أعْتَقَ المُكاتَبَ سيدُه)

يكونُ كَسْبُه له.
في قولِ القاضي ومَن وافَقَه.
وعلى قياسِ قولِ الخِرَقِيِّ ومَن وافَقَه يكونُ لسيدِه، كما لو عَتَقَتِ الأمَةُ المُكاتَبَةُ بالاسْتيلادِ 572. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ لسيدِها أيضًا، على قولِ الخِرَقِيِّ ومَن وَافَقَه؛ لأنَّ السيدَ571

الحديث: 3009 - الجزء: 19 - الصفحة: 284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أعْتَقَه برِضاه، فيكونُ رِضًا منه بإعْطائِه ماله، بخِلافِ العِتْقِ بالاسْتِيلادِ؛ فإنَّه حَصَلَ بغيرِ رِضَى الوَرَثَةِ واخْتِيارِهم، ولأنَّه لو كان مالُ المُكاتَبِ يَصِيرُ إلى السيدِ بإعْتاقِه، لتَمَكَّنَ السيدُ مِن أخْذِ مالِ المُكاتَبِ متى شاء، فمتى كان له غَرَضٌ في أخْذِ مالِه؛ إمَّا لكَونِه يَفْضُلُ عن نُجُوم كِتابَتِه، وإمَّا لغَرَض له في بعضِ أعيانِ مالِه، أو لكونِه يَتَعَجَّلُه قبلَ أَن [يَحِلَّ نَجْمُ] 573 الكِتابةِ، أَعْتَقَه 574 وأخَذَ ماله.
وهذا ضَرَرٌ على المُكاتَبِ لم يَرِدِ الشَّرْعُ به، ولا يَقْتَضِيه عَقْدُ الكِتابةِ، فوَجَبَ أن لا يُشْرَعَ.
فصل: وإن أتَتِ المُكاتَبَةُ بوَلَدٍ مِن غيرِ سَيدِها بعدَ اسْتيلادِها، فله حُكْمُها [في العِتْقِ] 575 بكلِّ واحدٍ مِن السَّببَين، أيُّهما سَبَقَ 576 عَتَقَ به، كالأُمِّ سَواءً؛ لأنَّه تابعٌ [فله حكمُها] 577، فيَثْبُتُ له ما يَثْبُتُ 578 لها.
وإن ماتَتِ المُكاتبَةُ بَقِيَ للوَلَدِ سَبَبُ الاسْتِيلادِ وحدَه، فإنِ اخْتَلَفا

الجزء: 19 - الصفحة: 285

وَإنْ كَاتَبَ اثْنَانِ جَارِيَتَهُمَا، ثُمَّ وَطِئَاهَا، فَلَهَا الْمَهْرُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
في وَلَدِها، فقالت: وَلَدْتُه بعدَ كِتابَتِي، أو بعدَ ولادَتِي.
وقال السيدُ: بل قبلَه.
فقال أبو بكرٍ: القَوْلُ قولُ السيدِ مع يَمينِه.
وهذا قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الأصْلَ كَونُ الأمَةِ ووَلَدِها رَقِيقًا لسيدِها، له التَّصَرُّفُ فيهما، وهي تَدَّعِي ما يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ 579. وإن زَوَّجَ مُكاتَبَه أمَتَه، ثم باعَها منه، واخْتَلَفا في ولَدِها.
فقال السيدُ: هو لِي؛ لأنَّها وَلَدَتْه قبلَب بَيْعِها لك.
وقال المُكاتَبُ: بل بعدَه.
فالقولُ قولُ المُكاتَبِ؛ لأنَّهما اخْتَلَفا في مِلْكِه، ويَدُ المُكاتَبِ 580 عليه، فكان القولُ قولَ صاحبِ اليدِ مع يَمينِه، كسائِرِ الأمْوالِ، ويُفارِقُ وَلَدَ المُكاتَبَةِ 581؛ لأنَّها لا تَدَّعى مِلْكَه.
فصل: (وإن كاتَبَ اثْنان جارِيَتَهما) ثم وَطِئَها أحَدُهما، أُدِّبَ فوقَ أدَبِ الواطِئِ لمُكاتَبَتِه الخالِصَةِ له؛ لأنَّ الوَطْءَ ههُنا حَرُمَ مِن وَجْهَين؛

الجزء: 19 - الصفحة: 286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشَّرِكَةُ والكِتابَةُ، فهو آكَدُ وإثْمُه أعْظَمُ، وعليه لها مَهْرُ مِثْلِها، على ما أسْلَفناه فيما إذا كان السيدُ واحِدًا، فإن لم يَكُنْ حَلَّ نَجْم قَبَضَتِ المَهْرَ، فإذا حَلَّ نَجْمُها سَلَّمَتْه إليهما، وإن حَلَّ نَجْمُها وهو مِن جِنْسِ مالِ الكِتابَةِ 582، وكان في يَدِها بقَدْرِه، دَفَعَتْه إلى الذي لم يَطَأْها، واحْتُسِبَ على الواطِئِ بالمَهْرِ.
وإن لم يكُنْ في يَدِها شيءٌ، وكان بقدْرِ نَجْمِها أو دُونَه، أخَذَتْ مِن الواطئ نِصْفَه، وسَلَّمَتْه إلى الآخرِ، وإن لم يكُنْ مِن جِنْسِ مالِ الكِتابةِ، فاتَّفَقَا على أخْذِه عِوَضًا عن مالِ الكِتابةِ، فالحكمُ فيه كما لو كان مِن جِنْسِها.
وإن لم يَتَّفِقا قَبَضَتْ ودَفَعَت ما عليها 583 مِن مالِ الكِتابَةِ مِن عِوَضِه أو غيرِه.
وإن عَجَزَتْ ففَسَخَا 584 الكِتابَةَ، وكان في يَدِها بقَدْرِ المَهْرِ، أخَذَه الذي لم يَطأْ، وسَقَطَ المَهْرُ مِن ذِمَّةِ الواطئِ، وإن لم يَكُنْ في يَدِها شيءٌ، كان للذي لم يَطأْ أن يَرْجِعَ على الواطئِ بنِصْفِه؛

الجزء: 19 - الصفحة: 287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّه وَطِئَ جارِيةً مُشْتَرَكَةً بينَهما، فإن حَبَلَتْ منه صارت أُمَّ وَلَدٍ له، وعليه نِصْفُ قِيمَتِها لشَرِيكِه مع نِصْفِ المَهْرِ الواجبِ لها، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا، فإن كان مُوسِرًا أدَّاهُ في الحالِ، وإنَّ كان مُعْسِرًا فهو في ذِمَّتِه.
هذا ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
فعلى هذا، تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ للواطئِ، ومُكاتَبَةً له كأنَّه اشْتَرَاها، وتكونُ مُبْقاةً على ما بَقِيَ مِن كِتابَتِها، وتُعْتَبَرُ قِيمَتُها مُكاتَبَةً مُبْقاةً على ما بَقِيَ عليها 585 مِن كِتابَتِها.
واختار القاضي أنَّه إن كان مُعْسِرًا لم يَسْرِ الاحْبالُ؛ لأنَّه بمَنْزِلةِ الإِعْتاقِ بالقولِ، يُعْتَبرُ اليَسارُ في سِرايَتِه، ونَصِيبُ الواطئِ قد ثَبَتَ له حكمُ الاسْتِيلادِ وحُكْمُ الكِتابةِ، ونَصِيبُ شَريكِه لم يَثْبُتْ له إلَّا حُكْمُ الكِتابةِ، فإن أدَّتْ إليهما عَتَقَتْ وبَطَلَ حكمُ الاسْتيلادِ، [وإن عَجَزَت وفَسَخا الكِتابةَ، ثَبَتَ لنِصْفِها حُكْمُ الاسْتيلادِ] 586، ونِصْفُها قِنٌّ لا يُقَوَّمُ على الوارِثِ وإن كان مُوسِرًا؛ لأنَّه ليس بعِتْقٍ.
وإن مات الواطئُ قبلَ عَجْزِها، عَتَقَ نَصِيبُه، وسَقَطَ حُكْمُ الكِتابةِ فيه، وكان الباقي مُكاتَبًا.
وإن كان الواطئُ مُوسِرًا، فقد ثَبَتَ لنِصْفِها حُكْمُ الاسْتيلادِ، ونِصْفُها الآخَرُ مَوْقُوفٌ، فإن أدَّتَ إليهما عَتَقَتْ كلُّها، وولاوها لهما، وإن عَجَزَتْ وفُسِخَتِ الكِتابَةُ، قَوَّمْناها حينَئِذٍ على الواطئِ، فيَدْفَعُ إلى شَرِيكِه قِيمةَ نَصِيبِه، ويَصِيرُ جَمِيعُها

الجزء: 19 - الصفحة: 288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أُمَّ ولَدٍ له.
فإن مات عَتَقَتْ عليه، وكان ولاؤُها له.
وهذا مَذهبُ الشافعيِّ، وله قولٌ آخَرُ، أنَّها تُقَوَّمُ على المُوسِرِ، وتَبْطُلُ الكِتابَةُ في نِصْفِ الشَّرِيكِ، ويَصِيرُ جَمِيعُها أمَّ وَلَدٍ، ونِصْفُها مُكاتبًا للواطئَ، فإن أدَّتْ نَصِيبَه إليه عَتَقَتْ وسَرَى إلى الباقِي، لأنَّه مِلْكُه، وعَتَقَ جَمِيعُها، وإن عَجَزَتْ، ففَسَخَ 587 الكِتابةَ، كانت أُمَّ وَلَدٍ له خَاصَّةً، فإذا مات عَتَقَتْ كُلُّها.
ولَنا، أنَّ بَعْضَها أُمُّ وَلَدٍ، فكان جَمِيعُها كذلك، كما لو كان الشَّرِيكُ مُوسِرًا 588، يُحَقِّقُ هذا أنَّ الولَدَ حاصِلٌ مِن جَمِيعِها، وهو كلُّه مِن الواطئِ، ونَسَبُه لاحِقٌ به، فيَنْبَغِي أن يَثْبُتَ ذلك لجميعِها، ويُفارِقُ الإِعْتاقَ، فإنَّه أضْعَفُ، على ما بَيَّنّا مِن قبلُ.
ولَنا على أنَّ الكِتابةَ لا تَبْطُلُ بالتَّقْويمِ، أنَّها [عَقْدٌ لازمٌ] 589، فلا تَبْطُل مع بَقائِها بفِعْل صَدَرَ منه، كما لو اسْتَوْلَدَها وهي في مِلْكِه، أو كما لو لم تَحْبَلْ منه، وأمَّا الولَدُ، فإنَّه حُرٌّ، لأنَّه مِن وَطْءٍ فيه شُبْهةٌ، ونَسَبُه لاحِقٌ به، لذلك، ولا تَلْزَمُه قِيمَتُه، لأنَّها وضَعَتْه 590 في مِلْكِه.
ورُوِيَ عن أحمدَ في هذا رِوايتان، إحداهما، لا تَجِبُ قِيمَتُه، لأنَّ نَصِيبَ شَرِيكِه انتقلَ إليه مِن حينِ العُلُوقِ، وفي تلك الحالِ لم تكُنْ له قِيمةٌ، فلم يَضْمَنْه.
والثانيةُ، عليه نِصْفُ قِيمَتِه، لأنَّه كان مِن سبيلِ هذا النِّصفِ أن يكونَ مملوكًا لشريكِه، فقد أتْلَفَ رِقَّه عليه،

الجزء: 19 - الصفحة: 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فكان عليه نصفُ قيمتِه.
قال القاضي: هذه الرِّوايَةُ أصَحُّ على (1) المذهبِ.
وذكَر هاتَين الرِّوايَتَين أبو بكرٍ، واخْتار (2) أنَّها إن وَضَعَتْه بعدَ التَّقْويمِ فلا شيءَ على الواطئِ، وإن وَضَعَتْه قبلَ التَّقْويمِ غَرِمَ نِصْفَ قِيمَتِه، فإنِ ادَّعَى الواطئُ (3) الاسْتِبْراءَ، فأتَتْ بالوَلَدِ لأكثرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حينِ الاسْتِبْراءِ، لم يَلْحَقْ به، ولم تَصِرْ أُمَّ ولدٍ، وكان حُكْمُ ولدِها حُكْمَها.
وإن أتَتْ به لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِن حينِ الاسْتِبْراءِ، لَحِقَ به، كما لو كان قبلَ الاسْتِبْراءِ؛ لأنَّا تَبَيَّنَا أنَّها كانت حَامِلًا وَقْتَ الاسْتِبْراءِ، فلم يَكُنْ ذلك اسْتِبْراءً.

3010 -

مسألة: وإن (وَطِئَاها)

جميعًا، فقد وَجَبَ لها (على كلِّ واحدٍ منهما) مَهْرُ مِثْلِها.
فإن كانت في الحالين على صِفَةٍ واحدةٍ، فهما سَواءٌ في الواجِبِ عليهما.
وإن كانت بِكْرًا حين وَطِئَها الأوَّلُ، فعليه مَهْرُ بكرٍ، وعلى الآخَرِ مَهْرُ ثَيِّبٍ، فإن كان نَجْمُها لم يَحِلَّ، فلها مُطالبَتُهما بالمَهْرَين.
وإن كان قد حَلَّ، وهو مِن جِنْسِ المَهْرِ، تَقَاصَّا، على ما ذَكَرْنا في المُقاصَّةِ.
فإن أدَّتْ إليهما عَتَقَتْ، وكان لها المُطالبَةُ بالمَهْرَين، وإن عَجَزَتْ نَفْسُها، وفَسَخا الكِتابةَ بعدَ قَبْضِها المَهْرَين، وكانا سواءً، لم يَمْلِكْ أحَدُهما مُطالبةَ الآخَرِ بشيءٍ؛ لأنَّها قَبَضَتْهما وهي مُسْتَحِقَّةٌ591592593

الحديث: 3010 - الجزء: 19 - الصفحة: 290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لذلك.
فإن كان في يَدِها اقْتَسَماهما، وإن تَلِفا أو بعضُهما، فلا شيءَ لهما، لأنَّ السيدَ لا يَثْبُتُ له دَينٌ على مَمْلُوكِه.
وإن كان الفَسْخُ قبلَ قَبْضِ المَهْرَين، وهما سَواءٌ، سَقَطَ عن كلِّ واحدٍ منهما 594 ما عليه، وإن كان أحَدُهما أقلَّ مِن الآخرِ، تقاصَّ 595 منهما بقَدْرِ أقَلِّهما، ويَرْجِعُ مَن عليه أقَلُّهما على الآخرِ بنِصْفِ الزِّيادَةِ، وإن قَبَضَتْ مِن أحَدِهما دُون الآخَرِ، رَجَعَ المَقْبوضُ منه على الآخَرِ بنِصْفِ ما عليه، وإن قَبَضَتِ البعضَ مِن أحَدِهما دونَ الآخَرِ، أو قَبَضَتْ مِن أحَدِهما أكثرَ مِن الآخَرِ، رَجَعَ مَن قُبِضَ منه الأكْثرُ على الآخَرِ بنِصْفِ الزِّيادَةِ التي أدَّاها.
فإن أفْضاها أحَدُهما بوَطْئِه، فعليه لها ثُلُثُ قِيمَتِها؛ لأنَّ الإِفْضاءَ في الحُرَّةِ يُوجِبُ ثُلثَ دِيَتِها، فيُوجِبُ في الأمَةِ ثُلُثَ قِيمَتِها [مع المَهْرِ، ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه في الإفضاءِ ثُلُثُ نقصِها.
وقال القاضي: يَلْزَمُهُ قِيمتها] 596. وهو مذهبُ الشافعيِّ.
وهذا الخِلافُ مَبْنِيٌّ على الواجِبِ في إفْضاءِ الحُرَّةِ.
وسنذْكُره إن شاء اللهُ تعالى.
فإن فُسِخَتِ الكِتابَةُ، رَجَعَ مَن لم يُفْضِها على الآخَرِ بنِصْفِ قِيمَةِ الإفْضاءِ، على الخِلافِ المذكورِ.
فإنِ ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما على الآخَرِ أنَّه الذي أفْضاها، أو وَطِئَها، حَلَفَ كل واحدٍ منهما، وبَرِئَ.
وإن نَكَلَ أحَدُهما قُضِيَ عليه.
وإن كان الخِلافُ [في ذلك] (3) قبلَ

الجزء: 19 - الصفحة: 291

فَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ أحدِهِمَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَيَغْرَمُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهَا، وَهَلْ يَغْرَمُ نِصْفَ قِيمَةِ وَلَدِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
عَجْزِها، فادَّعَتْ على أحَدِهما، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه.
وإنِ ادَّعَتْ على أحدِهما غيرَ مُعَيَّنٍ، لم تُسْمَعِ الدَّعْوَى.

3011 -

مسألة: (وإن وَلَدَتْ مِن أحَدِهما، صارت أُمَّ وَلَدٍ له، ويَغْرَمُ لشَرِيكِه نِصْفَ قِيمَتِها. وهل يَغْرَمُ نِصْفَ قِيمَةِ وَلَدِها؟ على رِوايَتَين)

وقد ذَكَرْنا ذلك والخِلافَ فيه، فيما إذا وَطِئَها أحَدُهما.

الحديث: 3011 - الجزء: 19 - الصفحة: 292

وَإنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ فَأُلحِقَ بِهِمَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا، يَعْتِقُ نِصْفُهَا بِمَوْتِ أحَدِهِمَا، وَبَاقِيهَا بِمَوْتِ الْآخَرِ.
وَعِنْدَ الْقَاضِي، لَا يَسْرِي اسْتِيلَادُ أَحدِهِمَا إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ، إلا أَنْ يَعْجِزَ، فَيُنْظَرَ حِينَئِذٍ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ، وإلَّا فَلَا.

3012 - مسألة: (وإن أتتْ بوَلَدٍ وأُلحِقَ بهما، صارت أمَّ وَلَدٍ لهما، يَعْتِقُ نِصْفُها بموتِ أحَدِهما، وباقِيها بموتِ الآخَرِ)

كما لو كان سيدُها واحدًا واسْتَوْلَدَها، فإنَّها تَعْتِقُ بموتِه (وعندَ القاضي، لا يَسْرِي اسْتِيلادُ أحَدِهما إلى نَصِيبِ شَرِيكِه) لأنَّه انْعَقَدَ له سَبَبُ اسْتِحْقاقِه للولاءِ على نَصِيبِه بالكِتابَةِ، فلم يَجُزْ إبْطالُه بالسِّرَايَةِ (إلَّا أن يَعْجِزَ، فيُنْظَرَ حِينَئذٍ، فإن كان مُوسِرًا قُوِّمَ عليه نَصِيبُ شَرِيكِه، وإلَّا فلا) وقد ذَكَرْنا قولَ القاضي، وأجَبْنا عنه فيما سَبَقَ.
فصل: فأمَّا إن أوْلَدَها كلُّ واحدٍ منهما، واتَّفَقَا علِى السَّابِقِ منهما، فعلى قولِ الخِرَقِيِّ، تَصِيرُ أمَّ وَلدٍ له، ووَلَدُه حُرٌّ، يَلْحَقُه نسَبُه، والخِلافُ في ذلك كالخِلافِ فيما إذا انْفَرَدَ بإيلادِها سَواءً.
وأمَّا الثاني، فقد وَطِئَ

الحديث: 3012 - الجزء: 19 - الصفحة: 293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أُمَّ وَلَدِ غيرِه بشُبْهَةٍ وأوْلَدَها، فلا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له؛ لأنَّها مَمْلوكةُ غيرِه، فأشْبَهَ ما لو باعها ثم أوْلَدَها، وعليه مَهْرُها لها؛ لأنَّ الكِتابةَ لم تَبْطُلْ.
والوَلَدُ حُرٌّ؛ لأنَّه مِن وَطْءِ شُبْهَةٍ، وعليه قِيمَتُه للأوَّلِ؛ لأنَّه فَوَّتَ رِقَّه عليه، وكان مِن سَبِيلِه أن يكونَ رَقِيقًا له، حُكْمُه حُكْمُ أُمِّه، فتَلْزَمُه قِيمَتُه على هذه الصِّفةِ.
وقد ذَكَرْنا في وُجُوبِ نِصْفِ قِيمةِ الأوَّلِ خِلافًا.
فإن قُلْنا بوُجُوبِها، تقاصَّا بما لواحدٍ منهما على صاحِبِه في القَدْرِ الذي تَساوَيا فيه، ويَرْجِعُ ذو الفَضْلِ بفَضْلِه، وتُعْتَبَرُ القِيمةُ يومَ الولادةِ؛ لأنَّها أوَّلُ حالٍ أمْكَنَ التَّقْويمُ فيها.
وذكَرَ القاضي في المسألةِ أرْبعةَ أحْوالٍ؛ أحدُها، أن يكونا مُوسِرَين، فالحُكْمُ على ما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّه جَعَلَ المَهْرَ الواجِبَ على الثاني للأوَّلِ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّ الكِتابَةَ لا تَبْطُلُ بالاسْتِيلادِ، ومَهْرُ المُكاتَبَةِ لها دونَ سَيِّدِها، ولأنَّ سيدَها لو وَطِئَها وَجَبَ عليه المهرُ لها 597، فلَأَن لا يَمْلِكَ المَهْرَ الواجِبَ على غيرِه أوْلَى، ولأنَّه عِوَضُ نَفْعِها، فكان لها، كأُجْرَتِها.
الثاني، أن يكونَ الأوَّلُ مُوسِرًا والثاني مُعْسِرًا، فيكونُ كالحالِ الأوَّلِ سَواءً.
قال القاضي: إلَّا أنَّ وَلَدَه يكونُ مَمْلُوكًا؛ لإِعْسارِه بقِيمَتِه.
وهذا غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الوَلَدَ لا يَرِقُّ بإعْسارِ وَالدِهِ، بدليلِ ولَدِ المَغْرُورِ مِن أمَةٍ، والوَاطِئِ بشُبْهَةٍ.
وكلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنا بحُرِّيَّةِ الوَلَدِ، لا يَخْتَلِفُ بالإعْسارِ واليَسارِ، وإنَّما يُعْتَبَرُ اليسارُ في سِرايةِ العِتْقِ، وليس عِتْقُ هذا بطريقِ السِّرايَةِ، إنَّما هو

الجزء: 19 - الصفحة: 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأجْلِ الشُّبْهَةِ في الوَطْءِ، فلا وَجْهَ لاعْتِبارِ اليسارِ 598 فيه، والصَّحِيحُ أنَّه حُرٌّ، وتَجِبُ قِيمَتُه في ذِمِّةِ أبِيه.
الحالُ الثالثُ، أن يكونَا مُعْسِرَين، فإنَّها تصيرُ أُمَّ ولَدٍ [لهما جميعًا، نِصْفُها أمُّ وَلدٍ] 599 للأوَّلِ، ونِصْفُها للثَّاني.
قال: وعلى كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُ مَهْرِها لصاحِبِه، وفي وَلَدِ كُلِّ واحدٍ منهما وَجْهان؛ أحدُهما، أن يكونَ كلُّه حُرًّا، وفي ذِمَّةِ أبيه نِصْف قِيمَتِه لشَرِيكِه.
والثاني، نِصْفُه حُرٌّ، وباقيه عَبْدٌ لشَريكِه، إلَّا أَنَّ نِصْفَ الوَلَدِ الأوَّلِ عَبْدٌ قِنٌّ؛ لأنَّه تابعٌ للنِّصْفِ الباقِي مِن الأُمِّ، وأمَّا النِّصْفُ الباقي مِن وَلَدِ الثاني، فحُكْمُه حكمُ أُمِّه؛ لأنَّه وُلِدَ منها بعدَ أن ثَبَتَ لنِصْفِها حُكْمُ الاسْتِيلادِ للأوَّلِ، فكان نِصْفُه الرَّقِيقُ تابعًا لها في ذلك.
ولعلَّ القاضيَ أراد ما إذا عَجَزَتْ وفُسِخَتِ الكِتابَةُ، فأمَّا إِذا كانتْ باقِيةً على الكِتابةِ، فلها المَهْرُ كامِلًا على كلِّ واحدٍ منهما، وإذا حُكِمَ بِرِقِّ نِصْفِ ولَدِها، وجَبَ أن يكونَ له حُكْمُها في الكِتابَةِ؛ لأنَّ وَلَدَ المُكاتَبةِ يكونُ تابعًا لها.
الحالُ الرابعُ، أن يكونَ الأوَّلُ مُعْسِرًا والثاني مُوسِرًا، فحُكْمُه حكمُ الثالثِ سَواءً، إلَّا أنَّ وَلَدَ الثاني حُرٌّ؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ تَثْبُتُ لنِصْفِه بفِعْلِ أبِيه، وهو مُوسِرٌ، فسَرَى إلى جَمِيعِه، وعليه نِصْفُ قِيمَتِه لشَرِيكِه، ولم تُقَوَّمْ عليه الأمُّ؛ لأنَّ نِصْفَها أُمُّ وَلَدٍ للأوَّلِ.
ولو صَحَّ هذا لوَجَبَ أن لا يُقَومَ عليه نِصْفُ الوَلَدِ؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ أُمِّه في هذا، فإذا مَنَعَ حُكْمُ الاسْتِيلادِ

الجزء: 19 - الصفحة: 295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  السِّرايَةَ في الأُمِّ، مَنَعَه فيما هو تابعٌ لها.
ومَذهبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ قَرِيبٌ مما ذَكَرَ القاضِي.
فصل: وإنِ اخْتَلَفا في السَّابِقِ منهما، فادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنَّه السَّابِقُ، فعلى قَوْلِنا، لها المَهْرُ على كلِّ واحدٍ منهما، وكلُّ واحدٍ منهما يُقِرُّ لصاحِبِه بنِصْفِ قِيمَةِ الجارِيةِ؛ لأنَّه يَقُولُ: صارت أُمَّ ولَدٍ لي 600 بإحْبالِي إيَّاها، ووَجَبَ لشَرِيكِي عليَّ نِصْفُ قِيمَتِها، ولي عليه قِيمَةُ ولَدِه؛ لأنَّه يقول: أوْلَدْتُها بعدَ أن صارت أمَّ وَلَدٍ لي.
وهل يكونُ مُقِرًّا له 601 بنِصْفِ قيمةِ ولَدِها؟ على وَجْهَين سَبَقَ ذِكْرُهما.
فعلى هذا، إنِ اسْتَوَى ما يَدَّعِيه وما يُقِرُّ به، تَقَاصَّا وتَساقَطا، ولا يَمِينَ على صاحِبِه؛ لأنَّه يقولُ: لي عليكَ مثلُ ما لَكَ عليَّ.
والجِنْسُ واحدٌ، فتساقَطَا، وإن زاد ما يُقِرُّ به، فلا شيءَ عليه؛ لأنَّ خَصْمَه يُكَذِّبُه في إقْرارِه.
وإن زاد ما يَدَّعِيه، فله اليَمِينُ على صاحِبِه في الزِّيادةِ، ويَثْبُتُ للأَمَةِ حُكْمُ العِتْقِ في نَصِيبِ كلِّ واحدٍ منهما بموتِه؛ لإِقْرارِه بذلك، ولا يُقْبَلُ قولُه على شرِيكِه في إعْتاقِ نَصِيبه.
وقال أبو بكرٍ: في الأمَةِ قولان؛ أحدُهما، أن يُقرَعَ بينَهما، فتكونَ أُمَّ وَلَدٍ لمَن تَقَعُ القُرْعةُ له.
والثاني، تكونُ أُمَّ ولَدٍ لهما، ولا يَطَؤُها واحدٌ منهما.
قال: وبالأوَّلِ أقولُ.
وأمَّا القاضي فاخْتارَ أنَّهما إن كانا مُوسِرَين، فكلُّ واحدٍ منهما يَدَّعِي المَهْرَ على صاحِبِه، ويُقِرُّ له

الجزء: 19 - الصفحة: 296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بنِصْفِه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المَهْرَ عندَهم لسيدِها دُونَها، ولا يَعْتِقُ شيءٌ منها بموتِ الأوَّلِ، لاحْتِمالِ أن تكونَ أُمَّ ولدٍ للآخَرِ، فإذا مات الآخَرُ عَتَقَتْ، لأنَّ سيدَها قد مات يَقِينًا.
وإن كانا مُعْسِرَين، فكلُّ واحدٍ منهما يُقِرُّ بأنَّ نِصْفَها أُمُّ ولَدِه، ويُصَدِّقُه الآخَرُ؛ لأنَّ الاسْتِيلادَ لا يَسْرِي مع الإِعْسارِ، وكلُّ واحدٍ منهما يُقِرُّ لصاحِبِه بنِصْفِ المَهْرِ، والآخرُ يُصَدِّقُه، فيتَقاصَّان إن تَساوَيا، وإن فَضَلَ أحَدُهما صاحِبَه، نَظَرْتَ؛ فإن كان كلُّ واحدٍ منهما يَدَّعِي الفَضْلَ، تحالفَا 602 وسَقَطَ، وإن كان كلُّ واحدٍ منهما يُقِرُّ بالفَضْلِ، سَقَطَ؛ لتَكْذِيبِ المُقَرِّ له به.
وفي الولَدِ وَجْهان؛ أحدُهما، يكونُ حُرًّا، فيكونُ كلُّ واحدٍ منهما يَدَّعِي على الآخرِ نِصْفَ قِيمَةِ الوَلَدِ.
والوَجْهُ الثاني، نِصْفُه حُرٌّ، فيُقِرُّ بأنَّ نِصْفَ الولدِ مَمْلوكٌ لشَرِيكِه، فيكونُ الوَلَدان 603 بينَهما مِن غيرِ يَمينٍ، وعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَتَقاصَّان إنِ اسْتَوَتْ قِيمَةُ الوَلَدَين.
ولا يَمِينَ في المَوْضِعَينِ، وأيُّهما مات، عَتَقَ 604 نَصِيبُهُ، ووَلاوه له.
وإن كان أحَدُهما مُوسِرًا والآخَرُ مُعْسِرًا، فالمُوسِرُ يُقِرُّ للمُعْسِرِ بنِصْفِ قِيمَةِ الأمَةِ ونِصْفِ مَهْرِ مِثْلِها، ويَدَّعِي عليه جَمِيعَ المَهْرِ وقِيمةَ الوَلَدِ، والمُعْسِرُ يُقِرُّ للمُوسِرِ بنِصْفِ المَهْرِ ونِصْفِ قِيمَةِ الولدِ، فيَسْقُطُ إقْرارُ المُوسِرِ للمُعْسرِ بنِصْفِ قِيمَةِ الجارِيَةِ؛ لكَونِه لا يَدَّعِيه ولا يُصَدِّقُه فيه، ويَتقاصَّان بالمَهْرِ،

الجزء: 19 - الصفحة: 297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لاسْتِوائِهما فيه، ويَدْفَعُ المُعسِرُ إلى المُوسِرِ نِصْفَ قِيمَةِ الوَلَدِ؛ لإِقْرارِه به، ويَحْلِفُ على ما يَدَّعِيه عليه مِن الزِّيادةِ؛ لأنَّه ادَّعَى عليه جميعَ قِيمةِ الوَلَدِ فأقَرَّ له بنِصْفِها، ويَحْلِفُ له المُوسِرُ على نِصْفِ قِيمَةِ الولَدِ الذي ادَّعاه المُعْسِرُ عليه.
وأمَّا الجاريةُ، فإنَّ نَصِيبَ المُوسِرِ منها أُمُّ ولَدٍ بغيرِ خِلافٍ بينَهما فيه، وباقِيَه يتَنازَعانِه، فإن مات المُوسِرُ أوَّلًا عَتَقَ نَصِيبُه، ووَلاؤُه لوَرَثَتِه، فإذا ماتَ المُعْسِرُ عَتَقَ باقِيها، وإن مات المعسرُ أوَّلًا لم يَعْتِقْ منها شيء، فإذا مات المُوسِرُ عَتَقَ جَمِيعُها.
ويَجِئُ على قولِ أبي بكر، أن يُقْرَعَ بينَهما على 605 النِّصْفِ المُخْتَلَفِ فيه.
فصل: فإن وَطِئَاها معًا، فأتَت بولَدٍ، لم يَخْلُ مِن ثلاثةِ أقْسامٍ؛ أحدُها، أن لا يُمْكِنَ أنْ يكُونَ مِن واحدٍ منهما، مثلَ أن تَأتِيَ به 606 بعدَ اسْتِبْرائِها منهما، أو بعدَ أرْبعِ سنين منذُ وَطِئَهَا كلُّ واحدٍ منهما، [أو قبلَ مُضِيِّ سِتَّةِ أشْهُر منذُ وَطِئَها كلُّ واحدٍ منهما] 607 فيكونُ مَنْفِيًّا عنهما، مَمْلُوكًا لهما 608، حُكْمُه حُكْمُ أمِّه في العِتْقِ بأدائِها.
وتُقْبَلُ دَعْوَى الاسْتِبْراءِ مِن كل واحدٍ منهما؛ لأنَّ دَعْوَى الاسْبْراءِ في الأمَةِ كاللِّعانِ في الحُرَّةِ.

الجزء: 19 - الصفحة: 298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القسمُ الثاني، أن يكونَ مِن أحَدِهما بعَينِه دُونَ صاحِبِه، فالحُكْمُ فيه حُكْمُ ما إذا ولَدَتْ مِن أحَدِهما بعَينِه، مِن وُجُوبِ المَهْرِ لها، وقِيمَةِ نِصْفِها لشَرِيكِه، مع الخِلافِ في ذلك.
فأمَّا الذي لم تَحْبَلْ مِن وَطْئِه، فإن كان الأوَّلَ، فعليه المَهْرُ لها، وإن كان الثانىَ فقد وَطِيء أمَّ وَلَدِ غيرِه، فإن كانتِ الكِتابةُ باقِيةً، فعليه المَهْرُ لها أيضًا، وإن كانت قد فُسِخَتْ، فالمَهْرُ للذي اسْتَوْلَدَها، وقد وَجَب للثاني على الأوَّلِ نِصْفُ قِيمَتِها.
وفي قِيمَةِ نِصْفِ الوَلَدِ رِوايتان.
فإن كان المَهْرُ للأوَّلِ، تَقَاصَّا بقَدْرِ أقَلِّ الحَقَّين، وإن كان المهرُ لها، رَجَعَ بحَقِّه على الذي أحْبَلَها.
وأمَّا القاضي، فقال في هذا القسمِ: الحكمُ في الأوَّلِ كالحُكْمِ فيه إذا انْفَرَدَ بالوَطْءِ، على ما مَضَى مِن التَّفْصِيلِ، وأمَّا الثاني، فإن وَطِئَها بعدَ ولادَتِها مِن الأوَّلِ، نَظَرْنا؛ فإن وَطِئَها بعدَ الحُكمِ بكَونِها أُمَّ ولَدٍ للأوَّلِ، فعليه مَهْرُ مِثْلِها، فإن كان فَسَخَ الكِتابَةَ في حَقِّ نفْسِه لعَجْزِها، فالمَهْرُ له؛ لأنَّها أُمُّ ولَدِه، وإن كان لم يَفسَخْ، فالمَهْرُ بَينَه وبينَها نِصْفَين، وإن وَطِئَها بعدَ زوالِ الكِتابَةِ في حَقه، وقبلَ الحُكْمِ بأنَّها أم وَلَدٍ للأوَّلِ، سَقَطَ عنه نِصْفُ مَهْرِها؛ لأنَّ نِصْفَها قِنٌّ له، وعليه النِّصْفُ لها، إن لم يكنِ الأوَّلُ فَسَخَ الكِتابَةَ، أو له إن كان 609 فَسَخَ.
وإن كان الأوَّلُ مُعْسِرًا، فنَصِيبُه منها أُمُّ ولَدٍ له، ولها عليهما المَهْران، والحُكْمُ فيما إذا عَجَزَتْ أو أدَّتْ قد تَقَدَّمَ.
فأمَّا إن كان الوَلَدُ مِن الثاني، فالحُكْمُ في وَطْءِ الأوَّلِ كالحُكْمِ فيه إذا وَطِئ مُنْفَرِدًا

الجزء: 19 - الصفحة: 299

فَصْلٌ: وَيَجُوزُ بَيعُ الْمُكَاتَبِ.
وَمُشْتَرِيهِ يَقُومُ مَقَامَ الْمُكَاتِبِ.
ولم يُحْبِلْها.
وأمَّا الثاني، فإن كان مُوسِرًا قُوِّمَ عليه نَصِيبُ شَرِيكِه عندَ العَجْزِ، فإن فَسَخا الكِتابَةَ قَوَّمْناها عليه، وصارَت أمَّ وَلَدٍ له، وإن رَضِيَ الثاني بالمُقامِ على الكِتابَةِ، قَوَّمْنا عليه نَصِيبَ الأوَّلِ، وصارَتْ كُلُّها أُمَّ وَلَدٍ له، ونِصْفُها مُكاتَبٌ، ويَرْجِعُ الأوَّلُ على الثاني بنِصْفِ المَهْرِ ونِصْفِ قِيمَةِ الولَدِ، على إحدى الرِّوايَتَين.
ويرجعُ الثاني على الأوَّلِ بنصْفِ المَهْرِ، فيتَقاصَّان به، إن كان باقِيًا عليهما، وإن كان الثاني مُعْسِرًا، فالحُكْمُ فيهكما لو ولَدَتْ مِن الأوَّلِ وكان مُعْسِرًا، لا فَضْلَ بينَ المسْألَتَين.
القِسمُ الثالثُ، أمْكَنَ أن يكونَ الولدُ مِن كلِّ واحدٍ منهما، فيُرَى القافةَ معهما، فيُلْحَقُ بمَن ألْحَقُوه به [منهما، فمَن أُلْحِقَ به] (1)، فحكمُه حكمُ ما لو عَرَف أنَّه منه بغير قافةٍ.

3013 -

مسألة: (ويَجُوزُ بَيعُ المُكاتَبِ. ومُشْتَرِيه يَقُومُ مَقامَ المُكاتِبِ)

ومِمَّن قال بجوازِ بَيعِ المُكاتبِ، عطاءٌ، والنَّخَعِي، واللَّيثُ، وابنُ المُنْذِرِ، وهو قَدِيمُ قَولَي الشافعيِّ.
قال: ولا وَجْهَ لقولِ مَن قال:610

الحديث: 3013 - الجزء: 19 - الصفحة: 300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يجوزُ.
وحكى أبو الخَطَّابِ رِوَايةً أخْرَى عن أحمدَ، أنَّه لا يجوزُ بَيعُه.
وهو قولُ مالكٍ، وأصحابِ الرَّأي، والجَديدُ مِن قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَمْنَعُ اسْتِحْقاقَ كَسْبِه، فمَنَعَ بَيعَه، كبَيعِه لأجْنَبِي، وعِتْقِه.
وقال الزُّهْرِيُّ، وأبو الزِّناد: يجوزُ بَيعُه برِضاهُ، ولا يجوزُ بغيرِه.
وحُكِيَ ذلك عن أبي يوسف؛ لأنَّ بَرِيرَةَ إنَّما بِيعَت برِضاها وطَلَبِها 611، ولأنَّ لسيدِه اسْتيفاءَ مَنافِعِه برِضاه، ولا يجوزُ بغيرِ رِضاه، كذلك بَيعُه.
ولَنا، ما روَى عُرْوَةُ عن عائشةَ، أنَّها قالت: جاءت بَرِيرَةُ إليَّ، فقالت: يا عائشة، إنِّي كاتَبْتُ أهْلِي على تِسْعِ أواقٍ، في كُلِّ عام أوقِيَّةٌ، فأعِينيني.
ولم تَكُنْ قَضَتْ مِن كتابتِها شَيئًا، فقالت لها عائشةُ، ونَفِسَت 612 فيها: ارْجِعِي إلى أهْلِكِ، إن أحَبُّوا أن أعْطِيَهم ذلك جميعًا فَعَلْتُ.
فذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلى أهْلِها، فعَرَضَتْ عليهم ذلك، فأبَوْا، وقالُوا: إن شاءت أن تَحْتَسِبَ عليكِ فلتَفْعَلْ، ويكونُ ولاؤكِ لنا.
فذَكَرَتْ ذلك عائشةُ لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لا يَمْنَعُكِ ذلِكَ مِنْهَا، ابْتاعِي وأعْتِقِي، إنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ».
فقام رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الناسِ، فحمِدَ الله وأثْنَى عليه، ثم قال: «أمَّا بَعْدُ، فما بَالُ نَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا ليسَتْ في كِتَابِ اللهِ، مَنِ

الجزء: 19 - الصفحة: 301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اشْتَرطَ شَرْطًا لَيسَ في كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِل، وإن كان مائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أحَقُّ، وشَرْطُهُ أوْثَقُ، وإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ».
مُتَّفَق عليه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: بيعَتْ بَرِيرَةُ بعِلْمِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وهي مُكاتَبَةٌ، لم يُنْكِرْ ذلك، ففي ذلك أبيَنُ البَيانِ أنَّ بَيعَه جائِز، ولا أعْلَمُ خَبَرًا يُعارِضُه، ولا أعلمُ في شيءٍ مِن الأخْبارِ دليلًا على عَجْزِها.
وتأوَّلَه الشافعيُّ على أنَّها كانت قد عَجَزَتْ، وكان بَيعُها فَسْخًا لكتابَتِها.
وهذا التَّاويلُ بعيدٌ يَحْتاجُ إلى دليلٍ في غايةِ القُوَّةِ، وليس في الخبرِ ما يدُلُّ عليه 613، بل قَوْلُها: أعِينيني على كِتابَتِي.
دليلٌ على بَقائِها على الكتابةِ، ولأنَّها أخْبَرَتْها أنَّ نجومَها في كُلِّ 614 عامٍ أُوقِيَّةٌ، فالعَجْزُ إنَّما يكونُ بمُضِيِّ عامَين عندَ مَن لا يَرَى العَجْزَ إلَّا بحُلولِ نَجْمَين، أو بمُضِيِّ عام عندَ الآخَرِين، والظَّاهِرُ أنَّ شِراءَ عائشةَ لها كان في أوَّلِ كِتابَتِها, ولا يَصِحُّ قِياسُه على أمِّ الوَلَدِ؛ لأنَّ سَبَبَ حرِّيَّتِها مُسْتَقِرٌّ (2) على وَجْهٍ لا يُمْكِنُ فسْخُه بحالٍ، فأشْبَهَ الوَقْفَ، والمُكاتَبُ يَجُوزُ رَدُّه إلى الرِّقِّ وفَسْخُ كِتابَتِه إذا عَجَزَ، فافْتَرَقا.
قال ابنُ

الجزء: 19 - الصفحة: 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبي موسى: هل للسيدِ أن يبيعَ المُكاتَبَ بأكثرَ ممَّا كاتَبَ 615 عليه؟ على رِوايَتَين.
ولأنَّ المُكاتَبَ عَبْدٌ مملوكٌ لسيدِه لم يتَحَتَّمْ عِتْقُه، فجازَ بَيعُه، كالمُعلَّقِ عِتْقُه بصِفَةٍ، والدليلُ على أنَّه مَمْلوكٌ قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: [«المُكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ» 616. ولأنَّ مَوْلاتَه لا يَلْزَمُها أن تحْتجِبَ منه إذا لم يَمْلِك ما يُؤَدِّي؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -] 617: «إِذَا كَانَ لإحْدَاكُنَّ مُكاتَبٌ فمَلَكَ مَا يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» 618. يدُلّ بمفهومِه على أنَّها لا تَحْتَجِبُ منه قبل ذلك، وإنَّما سَقَطَ الحِجابُ عنه؛ لكَونِه مَمْلوكَها, ولأنَّه يصِحُّ عِتْقُه، ولا يصِحُّ عِتْقُ مَن ليس بمَمْلوكٍ، ولأنَّه يَرْجِعُ عندَ العَجْزِ إلى كَونِه قِنًّا, ولو صارَ حُرًّا ما عاد إلى الرِّقِّ، ويُفارقُ إعْتاقَه؛ لأنَّه يُزِيلُ الرِّقَّ بالكُليَّةِ، وليس بعَقْدٍ، إنَّما هو إسْقاطٌ للمِلْكِ فيه، وأمَّا بَيعُه، فلا يُمْنَعُ المُشْتَرِي بَيعَه، وأمَّا البائِعُ، فلم يَبْقَ له فيه مِلْكٌ، بخِلافِ مَسألَتِنا.
فصل: وتجوزُ هِبَتُه، والوَصِيَّةُ به.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه مَنَعَ هِبَتَه؛ لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما وَرَدَ ببَيعِه.
والصَّحِيحُ جَوازُها؛ لأنَّ ما كان في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه ثَبَت الحكمُ فيه.
فصل: ومُشْتَرِيه يَقُومُ فيه مَقامَ المُكاتِبِ.
وجملةُ 619 ذلك، أنَّ

الجزء: 19 - الصفحة: 303

فَإِنْ أَدَّى إِلَيهِ عَتَقَ، وَوَلَاؤهُ لَهُ، وَإنْ عَجَزَ عَادَ قِنًّا لَهُ، وَإنْ لَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ مُكَاتَبٌ، فَلَهُ الرَّدُّ أو الْأَرْشُ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ بَيعُهُ.
الكِتابَةَ لا تنْفَسِخُ فيه (1) بالبَيعِ، ولا يجوزُ إبْطالُها.
لا نعلمُ في هذا خِلافًا.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على أنَّ بَيعَ السيدِ مُكاتَبَه على أن يُبْطِلَ (2) كتابَتَه ببَيعِه، إذا كان ماضِيًا فيها، مؤَدَيًا ما يجبُ عليه مِن نُجومِه في أوْقاتِها، غيرُ جائِزِ؛ وذلك لأنَّها عَقْدٌ (3) لازِمٌ، فلا يبْطُلُ بالبَيعِ، كالإِجارَةِ والنِّكاحِ، ويَبْقَى على كتابَتِه عندَ المُشْتَرِي وعلى نُجومِه، كما كان عندَ البائِعِ، مُبْقًى على ما بَقِيَ مِن كتابَتِه، يُؤَدِّي إلى (4) المُشْتَرِي ما كان يُؤَدِّي إلى البائِع.

3014 -

مسألة: (فإن أدَّى عَتَقَ، ووَلاؤُه له، وإن عجز عاد قِنًّا له، وإن لم يَعْلَمْ أنَّه مُكاتَبٌ، فله الرَّدُّ أو (5) الأرْشُ) إذا أدَّى إلى المُشْتَرِي عَتَقَ؛ لأنَّ حقَّ المُكاتِبِ فيه انْتَقَلَ إلى المُشْتَرِي، فصار المُشْتَرِي 623 هو المُعْتِقَ، وولاؤُه له؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ». وقد دَلَّ [على ذلك] 625 حديثُ بَرِيرَةَ؛ لأنَّه جَعَلَ620621622624

الحديث: 3014 - الجزء: 19 - الصفحة: 304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولاءَها لعائشةَ حينَ اشْتَرَتْها وأعْتَقتْها.
وإن عَجَزَ عاد قِنًّا له؛ لأنَّه صار سيدَه، فقامَ مَقَامَ المُكاتِبِ، وإن لم يَعْلَمْ أنَّه مُكاتبٌ، ثم عَلِمَ ذلك، فله فَسْخُ البَيعِ، أو أخْذُ الأرْشِ؛ لأنَّ الكتَابَةَ عَيبٌ 626، لكَونِ المُشْتَرِي لا يقْدِرُ على التَّصَرُّفِ فيه، ولا يَسْتَحِقُّ كَسْبَه ولا اسْتِخْدامَه، ولا الوَطْءَ إن كانت أمَةً، فمَلَكَ الفَسْخَ، كشراءِ الأمَةِ المُزَوَّجَةِ، فيُخَيَّرُ حِينَئذٍ بينَ الفَسْخِ والرُّجُوعِ بالثَّمَنِ، وبينَ الإِمْساكِ مع الأرْش، على ما ذَكَرْنا في البَيع.
فصل: فأمَّا بَيعُ الدَّينِ الذي على المُكاتَبِ كان نُجُومِه، فلا يَصِحُّ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال عطاءٌ، وعمرُو بنُ دينارٍ، ومالكٌ: يَصِحُّ؛ لأنَّ السيدَ يَمْلِكُها في ذِمَّةِ المُكاتَبِ، فجاز بَيعُها، كسائِرِ أمْوالِه.
ولَنا، أنَّه دَين غيرُ مُسْتَقِرٍّ, فلم يَجُزْ بَيعُه، كدَين السَّلَمِ، ودليلُ عَدَمِ الاسْتِقْرارِ، أنَّه مُعَرَّص للسُّقُوطِ بِعَجْزِ المُكاتَبِ، [ولأنَّه] 627 لا يَمْلِكُ السيدُ إجْبارَ العبدِ على أدائِه ولا إلْزَامَه بتَحْصِينه، فلم يجُزْ بَيعُه، كالعِدَةِ بالتَّبَرُّعِ، ولأنَّه في، مَقبُوضٍ، وقد نَهَى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعِ ما لم يُقْبَضْ 628. فإن باعه فالبَيعُ باطِلٌ، وليس للمُشْتَرِي مُطالبَةُ المُكاتَبِ بتَسْلِيمِه إليه، وله الرُّجوعُ بالثَّمَنِ على البائِع

الجزء: 19 - الصفحة: 305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إن كان دَفَعَه إليه.
وإن سلَّمَ المُكاتَبُ إلى المُشْتَرِي نُجومَه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَعْتِقُ؛ لأنَّ البَيعَ تَضَمَّنَ الإِذْنَ في القَبْضِ، فأشْبَهَ قَبْضَ الوَكِيلِ.
والثاني، لا يَعْتِقُ؛ لأنَّه لم يَسْتَنِبْه في القَبْضِ، وإنَّما قَبَضَ لِنَفْسِه بحُكْمِ البَيعِ الفاسِدِ، فكان القَبْضُ فاسِدًا، فلم يَعْتِقْ، بخِلافِ وَكيله، فإنَّه اسْتَنابَه.
ولو صَرَّحَ بالإِذْنِ لم يكُنْ مُسْتَنِيبًا له في ألقَبْضِ، وإنَّما إذنه في القَبْضِ بحُكْمِ المُعاوَضَةِ، فلا فَرْقَ بينَ التَّصْرِيحِ وعَدَمِه.
فإن قُلْنا: يَعْتِقُ بالأداءِ.
بَرِئ المُكاتَبُ مِن مالِ الكِتابَةِ، ويَرْجِعُ السيدُ على المُشْتَرِي بما قَبَضَه؛ لأنَّه كالنَّائِبِ عنه، فإن كان مِن جِنْسِ الثَّمَنِ، وكان قد تَلِفَ، تَقَاصَّا بقَدْرِ أقَلِّهما، ورجَعَ ذو الفَضْلِ بفَضْلِه.
وإن قُلْنا: لا يَعْتِقُ بذلك.
فمالُ الكِتابَةِ باقٍ في ذِمَّةِ المُكاتَبِ، ويَرْجِعُ المُكاتَبُ على المُشْتَرِي بما دَفَعَه إليه، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي على البائِعِ.
فإن سَلَّمَه المُشْتَرِي إلى البائِعِ، لم يَصِحَّ تَسْلِيمُه؛ لأنَّه قَبَضَه بغيرِ إذْنِ المُكاتَبِ، فأشْبَهَ ما لو أخَذَه مِن مالِه بغيرِ إذْنِه.
وإن كان مِن غَيرِ جِنْسِ مالِ الكتابَةِ، تَرَاجَعا بما لِكُلِّ واحدٍ منهما على الآخَرِ.
وإن باعَهُ [ما أخَذَه بما لَه] 629 في ذِمَّتِه، وكان ممَّا يجوزُ البَيعُ فيه، جاز إذا كان ما قَبَضَه السيدُ باقِيًا، وإن كان قد تَلِفَ ووَجَبَتْ قِيمَتُه، وكانت 630 مِن جِنْسِ مالِ الكتابَةِ، تَقاصَّا، وإن كان المقبوضُ مِن جِنْسِ مالِ الكتابَةِ، فتَحاسَبا به، جاز.

الجزء: 19 - الصفحة: 306

وَإنِ اشْتَرَى كُلّ وَاحِدٍ منَ الْمُكَاتَبَينِ الْآخَرَ، صَحَّ شِرَاءُ الْأَوَّلِ، وَبَطَلَ شِرَاءُ الثَّانِي، سَوَاءٌ كَانَا لِوَاحِدٍ أوْ لِاثْنَينِ.
فصل: وإذا كان للمُكاتَبِ وَلَدٌ يَتْبَعُه في الكِتابَةِ، فباعَهُما، صَحَّ؛ لأنَّهما مِلْكُه، ولا مانِعَ مِن بَيعِهما، ويكونان عندَ المُشْتَرِي كما كانا عندَ البائِعِ سَواءً.
وإن باع أحَدَهما دُونَ صاحِبِه، أو باع أحَدَهما لرجُلٍ، وباع الآخرَ لغيرِه، لم يَصِحَّ؛ لوَجْهَين؛ أحدُهما، أنَّه لا يجوزُ التَّفْرِيقُ بينَ الوَالِدِ ووَلَدِه في البَيعِ إلَّا بعدَ البُلُوغِ؛ على إحْدَى الرِّوايَتَين.
والثاني، أنَّ الولدَ تابعٌ لوالِدِه، وله كَسْبُه، وعليه نَفَقَتُه، فصارَ في مَعْنى مَمْلوكِه، فلم يَجُزِ التَّفْرِيقُ بَينَهما.
وعلى الروايةِ الأخْرَى، يَحْتَمِلُ أن يجوزَ بَيعُه بعدَ البُلُوغِ؛ لأنَّه مَحَلٌّ للبَيعِ، صَدَرَ فيه التَّصَرُّفُ مِن أهْلِه، ويكونُ عندَ مَن هو عندَه على ما كان عليه قبلَ بَيعِه، لوالِدِه كَسْبُه، وعليه نَفَقَتُه وأرْشُ جِنايته، ويَعْتِقُ بعِتْقِه، كما لو بِيعَ مع والدِه.
فصل: وتَصِحُّ الوَصيَّةُ لمُكاتَبِه؛ لأنَّه مع سيدِه في المُعامَلَةِ كالأجْنَبِيِّ، ولذلك جازَا دفْعُ زَكاتِه إليه.
فإن قال: ضَعُوا عن مُكاتَبِي بعضَ كِتابَتِه، أو: بعضَ ما عليه.
وَضَعُوا ما شاءُوا، قليلًا كان أو كثيرًا.
وقد ذَكَرْنا نَحْوَه في الوَصايَا (1).

3015 -

مسألة: (وإنِ اشْتَرَى كلُّ واحدٍ مِن المُكاتَبَين الآخَرَ، صَحَّ شِرَاءُ الأوَّلِ، وبَطَلَ شِرَاءُ الثاني، وسَواءٌ كانا لواحِدٍ أو لاثْنَين)

631 الحديث: 3015 - الجزء: 19 - الصفحة: 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا خِلافَ في أنَّ المُكاتَبَ يَصِحُّ شِراؤه للعبِيدِ 632، والمُكاتَبُ يجوزُ بَيعُه على ما ذَكرْنا، في الصَّحِيحِ مِن المذهبِ.
فإذا اشْتَرَى أحَدُهما الآخرَ، صَحَّ شِراؤُه، ومَلَكَه؛ لأنَّ التَّصَرُّفَ صَدَرَ مِن أهلِه في مَحَلِّه، وسَواءٌ كانا مُكاتَبَين لسيدٍ واحدٍ أو لاثْنَين.
فإن عاد الثاني فاشْتَرَى الذي اشْتَراه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه سيدُه ومالِكُه، وليس للمَمْلُوكِ أن يَمْلِكَ مالِكَه؛ لأنَّه يُفْضِي إلى تَناقُضِ الأحْكامِ، إذْ كلُّ واحِدٍ منهما يقولُ لصاحِبِه: أنا سيدُكَ، ولي عليك مالُ الكتابَةِ تُؤَدِّيه إليَّ، وإن عَجَزْتَ فلي فَسْخُ كتابَتِكَ ورَدُّكَ إلى أن تكونَ رَقِيقًا لي 633. وهذا تناقُضٌ، وإذا [تنافى أنَّ تَمْلِكَ] 634 المرأةُ زَوْجَها مِلْكَ اليَمِين؛ لثُبُوتِ مِلْكِه عليها في النِّكاحِ، فها هُنا أوْلَى، ولأنَّه لو صَحَّ هذا، [لتَقاصَّ الدَّينان] 635 إذا تساوَيا، وعَتَقَا جَمِيعًا.
إذا ثَبَتَ هذا، فشراءُ الأوَّلِ صحيحٌ، والمَبِيعُ منهما باقٍ على كتابتِه، فإن أدَّى عَتَقَ، ووَلاؤُه مَوْقُوفٌ، فإن أدَّى سيدُه كتابَتَه، كان الوَلاءُ له؛ لأنَّه عَتَقَ بأدائِه إليه، وإن عَجَزَ، فوَلاؤُه لسيدِه؛ لأنَّ العبدَ لا يثْبُتُ له ولاءٌ (2)، وَلأنَّ السيدَ يأخُذُ ماله، فكذلك حُقُوقُه.
هذا مُقْتَضَى قولِ

الجزء: 19 - الصفحة: 308

وَإنْ جُهِلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا فَسَدَ الْبَيعَانِ.
القاضِي.
ومُقْتَضَى قَولِ أبي بكر، أنَّ الوَلاءَ لسيدِه؛ لأنَّ المُكاتَبَ عَبْدٌ لا يثْبُتُ له الوَلاءُ، فيثْبُتُ لسيده.
ذكَرَا (1) ذلك (2) فيما إذا أعْتَقَ (3) بإذْنِ سيدِه، أو كاتَبَ عَبْدَه فأدَّىَ كتابَتَه، وهذا نَظِيرُه.
ويَحْتَمِلُ أن يُفَرَّقَ بينَهما، لكونِ العِتْقِ ثَمَّ (4) بإذْذِا السيدِ، فيَحْصُلُ الإِنْعامُ عنه بإذْنِه فيه، وها هنا لا يفْتَقِرُ إلى إذْنِه، فلا نعمَةَ له عليه، فلا يكونُ له عليه وَلاءٌ، ما لم يُعَجِّزْه (5) سيدُه.

3016 -

مسألة: فإن لم يُعْلَمِ السَّابِقُ مِنْهُما (فَسَدَ البَيعَان)

وهذا قولُ أبي بكر، ويُرَدُّ كلُّ كل واحد منهما إلى كِتايَته؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما مَشْكوكٌ في صِحَّةِ بَيعِه، فيُرَدُّ إلى اليَقينِ.
وذَكَرَ القاضي أنَّه يَجْرِي مَجْرَى636637638639640

الحديث: 3016 - الجزء: 19 - الصفحة: 309

وَإنْ أسَرَ الْعَدُوُّ الْمُكَاتَبَ، فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ، فَأحَبَّ سيِّدُهُ، أخَذَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ، وَإلَّا فَهُوَ عِنْدَ مُشْتَرِيهِ، مُبْقًى عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ، يَعْتِقُ بِالْأدَاءِ، وَوَلَاؤُهُ لَهُ.
ما إذا زَوَّجَ الوَلِيَّان فأشْكَلَ الأوَّلُ منهما.
فيَقْتَضِي هذا أن يُفْسَخَ البَيعَانِ كما يُفْسَخُ النِّكاحَان.
وعلى قولِ أبي بكرٍ، لا يُحْتاجُ إلى الفَسْخِ؛ لأنَّ النِّكاحَ إنَّما احْتِيجَ فيه (1) إلى الفَسْخِ مِن أجْل المرِأةِ؛ فإنَّها مَنْكُوحَةٌ نِكاحًا صحيحًا لواحدٍ منهما يَقِينًا، فلا يَزُولُ إلَّا بفسْخٍ، وفي مسألتِنا لم يَثْبُتْ تَعَيُّنُ (2) البَيعِ في واحدٍ بعَينِه، فلم يَفْتَقِرْ إلى فَسْخٍ.
والله أعلمُ.

3017 -

مسألة: (وإن أسَرَ العَدُوُّ المُكاتَبَ، فاشْتَراه رجلٌ، فأحَبَّ سيدُه، أخَذَه بما اشْتَراه، وإلَّا فهو عندَ مُشْتَرِيه، مُبْقًى على ما بَقِيَ مِن كِتابَتِه، يَعْتِقُ بالأداءِ، ووَلاؤُه له)

إذا أسَرَ 643 الكُفَّارُ مُكاتبًا، ثم اسْتَنْقَذَه المسلمون، فالكتابةُ بحالِها.
فإن أُخِذَ في الغَنائِم فعُلِمَ بحالِه، أو أدْرَكَه سيدُه قبلَ قَسْمِه، أخَذَه بغيرِ شيءٍ، وهو على كتابتِه، كمَن لم641642

الحديث: 3017 - الجزء: 19 - الصفحة: 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُؤْسَرْ، وإن لم يُدْرِكْه حتى قُسِمَ، وصار في سَهْمِ بعضِ الغانِمين، أو اشْتَراه رجلٌ مِن الغَنِيمَةِ قبلَ قَسْمِه، أو مِن المشركين، وأخْرَجَه إلى سيدِه، فإنَّ السيدَ أحَقُّ به بالثَّمَنِ الذي ابْتاعَه به.
وفيما إذا كان غَنِيمَةً رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه إذا قُسِمَ فلا حَقَّ لسيدِه فيه بحالٍ.
فيُخَرَّجُ في المُشْتَرَى مثلُ ذلك.
وعلى كلِّ تَقْديرٍ، فإنَّ سيدَه إن أخَذَه، فهو مُبْقىً على ما بَقِيَ مِن كتابَتِه، وإن تَرَكَه، فهو في يَدِ مُشْتَرِيه، مُبْقًى على ما بَقِيَ مِن كِتابَتِه، يَعْتِقُ بالأداءِ في المَوْضِعَين، ووَلاؤُه لمَن يُؤَدِّي إليه، كما لو اشْتَراه مِن سيدِه.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: لا يَثْبُتُ عليه مِلْكُ الكُفَّارِ، ويُرَدُّ إلى سيدِه بكلِّ حالٍ.
ووافَقَ أبو حنيفةَ الشافعيَّ 644، في المُكاتَبِ والمُدَبَّرِ خاصَّةً؛ لأنَّهما عندَه لا يجوزُ بَيعُهما ولا نَقْلُ 645 المِلْكِ فيهما، فأشْبَها أمَّ الوَلَدِ.
وقد تَقَدَّمَ الكلامُ في الدَّلالةِ على أنَّ 646 ما أدْرَكَه صاحِبُه مَقْسُومًا لا يَسْتَحِقُّ صاحِبُه أخْذَه بغيرِ شيءٍ 647، وكذلك ما اشْتَراهُ مُسْلِمٌ مِن دارِ الحَرْبِ، وفي أنَّ المُكاتَبَ والمُدَبَّرَ يجوزُ بَيعُهما، بما يُغْنِي عن إعادَتِه ها هُنا.

الجزء: 19 - الصفحة: 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وهل يَحْتَسِبُ عليه بالمدَّةِ التي كان فيها عندَ الكُفَّارِ؟ على وَجْهَين؛ أحدُهما، لا يَحْتَسِبُ عليه بها؛ لأنَّ الكِتابَةَ اقْتَضَتْ تَمْكِينَه مِن التَّصَرُّفِ والكَسْبِ في هذه المدَّةِ، فإذا لم يَحْصُلْ ذلك لم يَحْتَسِبْ، [كما لو حَبَسَه] 648 سيدُه.
فعلى هذا، يَبْنِي على ما مَضَى مِن المُدَّةِ قبلَ الأسْرِ، وتُلْغَى مُدَّةُ الأسْرِ، كأنَّها لم تُوجَدْ.
والثاني، يَحْتَسِبُ عليه بها؛ لأنَّها مِن مُدَّةِ الكِتابَةِ، مَضَتْ [مِن غيرِ] 649 تَفْرِيطٍ مِن سيدِه، فاحْتَسَبَ عليه بها، كمرضِه، ولأنَّه مَدِينٌ مَضَتْ مُدَّةٌ مِن أجَلِ دَينه في حَبْسِه، فاحْتَسَبَ عليه، كسائِرِ الغُرَماءِ، وفارَقَ ما إذا حَبَسه سيدُه بما ذَكَرْناه.
فعلى هذا، إذا حلَّ عليه نَجْمٌ عندَ اسْتِنقاذِه جازَتْ مُطالبَتُه به.
وإن حَلَّ ما يجوزُ تَعْجيزُه بتَرْكِ أدائِه فلسيدِه تَعْجِيزُه وردُّه إلى الرِّقِّ.
وهل له 650 ذلك بنَفْسِه أو بحُكْمِ الحاكمِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، له ذلك؛ لأنَّه تَعَذَّرَ عليه الوُصولُ إلى المالِ في وَقْتِه، أشْبَهَ ما لو كان حاضِرًا، [يُحَقِّقُه أنَّه لو كان حاضِرًا] 651

الجزء: 19 - الصفحة: 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والمالُ غائِبًا يَتَعَذَّرُ إحْضارُه وأداؤُه في مُدَّةٍ قَريبَةٍ، كان لسيدِه الفَسْخُ، والمالُ ها هنا إمَّا مَعْدومٌ وإمَّا غائِبٌ يَتَعَذَّرُ أداؤُه، وفي كِلا الحالين يجوزُ الفَسْخُ.
والثاني، ليس له ذلك إلَّا بحُكْمِ الحاكِمِ؛ لأنَّه مع الغَيبَةِ يحْتاجُ إلى أن يَبْحَثَ، هل له مالٌ أم لا, وليس كذلك إذا كان حاضِرًا، فإنَّه يُطالبُه، فإن أدَّى، وإلَّا فقد عَجَّزَ نَفْسَه، فإن فَسَخَ الكتابَةَ بِنَفْسِه أو بحُكْمِ الحاكِمِ، ثم خَلَص المُكاتَبُ، وادَّعَى أنَّ له مالًا في وَقْتِ الفَسْخِ يَفِي 652 بما عليه، وأقامَ بذلك بَيَنةً، بَطَلَ الفَسْخُ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يبْطُلَ حتى يَثْبُتَ أنَّه كان 653 يمْكنه أداؤُه؛ لأنَّه إذا كان مُتَعَذِّرَ الأداءِ، كان وُجودُه كعَدَمِه.

الجزء: 19 - الصفحة: 313

فَصْلٌ: وَإنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ، أوْ أجْنَبيٌّ، فَعَلَيهِ فِدَاءُ نَفْسِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الكِتَابَةِ.
وَقَال أبو بَكْرٍ: يَتَحَاصَّانِ.
فصل: قال الشيخُ، رَضيَ الله عنه: (وإن جَنَى على سيدِه، أو أجْنَبِي، فعليه فِداءُ نَفْسِه مُقَدَّمًا على الكِتابَةِ.
وقال أبو بكر: يتَحاصَّان) وجملةُ ذلك، أنَّ المُكاتَبَ إذا جَنَى جِنايةً مُوجِبةً للمالِ 654، تَعَلَّقَ أرشُها برَقَبَتِه، ويُؤَدِّي مِن المالِ الذي في يَدِه.
وبهذا قال الحسنُ، والحَكَمُ، وحمادٌ، والأوْزَاعِيُّ، ومالكٌ، والحسنُ بنُ صالح، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال عطاء، والنَّخَعِي، وعمرُو بنُ دِينارٍ: جنايَتُه على سيدِه.
وقال عَطاءٌ: ويَرْجِعُ سيدُه بها عليه.
وقال الزُّهْرِيُّ: إذا قَتَلَ رَجُلا خَطَأ، كانت كِتابَتُه ووَلاؤُه لوَلِيِّ المَقْتُولِ، إلَّا أن يَفْدِيَه سيدُه.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَجْنِي جَانٍ إلَّا عَلَى نَفْسِه» 655. ولأنَّها جِنايةُ عَبْدٍ، فلم تَجِبْ في ذِمَّةِ سيدِه، كالقِنِّ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَبْدا بأداءِ

الجزء: 19 - الصفحة: 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الجِنايةِ قبلَ الكِتابة، سَواءٌ حَلَّ عليه نَجْمٌ أبي لم يَحِلَّ.
نصَّ عليه أحمدُ، وهو المَعْمُولُ به في المذهبِ.
وذكر أبو بكر قولًا آخرَ، أنَّ السيدَ يُشارِكُ ولِيَّ الجِنايةِ، فيضْرِبُ بما حَلَّ مِن نُجُوم كِتابتِه؛ لأنَّهما دَينان، فيتَحاصَّان، قياسا على سائِرِ الدُّيُونِ.
ولَنا، أنَّ أرشَ الجِنايَةِ مِن العبدِ يُقَدَّمُ على سائِرِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقةِ به، ولذلك قُدِّمَتْ على حَقِّ المالكِ وحَقِّ المُرْتَهِنِ، وغيرهما، فوَجَبَ أن تُقَدَّمَ ها هُنا.
يُحَقِّقُه أنَّ [أرْشَ الجِنايةِ] 656 مُقَدَّمٌ على مِلْكِ السيدِ في عبدِه، فيَجِبُ تقديمُه على عِوَضِه، وهو مالُ الكِتابَة، بطرِيقِ الأوْلَى؛ لأنَّ المِلْكَ فيه قبلَ الكِتابةِ كان مُسْتَقِرًا، ودَين الكتابةِ غيرُ مُسْتَقِرٍّ، فإذا قُدِّمَ على المُسْتَقِرِّ، فعلى غيرِه أوْلَى.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَفْدِي نَفْسَه بأقَلِّ الأمْرَين؛ مِن قِيمَتِه أو أرْشِ جِنايَته؛ لأنَّه إن كان أرشُ الجنايةِ أقَلَّ، فلا يَلْزَمُه أكْثرُ مِن مُوجَب جِنايَته، وهو أرْشُها، وإن كان أكثرَ، لم يكُنْ عليه أكثرُ مِن قِيمَتِه؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه أكثرُ مِن بَذْلِ 657 المَحَلِّ الذي تَعَلَّقَ به الأرْشُ.
فإن بدأ بدَفْعِ المالِ إلى وَلِيِّ الجِنايَةِ، فوَفَّى بأرْشِ الجِنايةِ، وإلَّا باع الحاكِمُ منه بما بقِيَ 658 مِن

الجزء: 19 - الصفحة: 315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أرْشِها، [وبَطَلَ الكِتابَةُ فيما باع منه] 659، وباقِيه باقٍ على كِتابَتِه.
وإنِ اختار السيدُ الفَسْخَ فله ذك، ويَعُودُ عَبْدًا قِنًّا مُشْتَرَكًا بينَ السيدِ والمُشْتَرِي.
وإن أبقاه السيدُ على الكِتابَةِ، فأدَّى، عَتَقَ بالكِتابَةِ، وسَرَى العِتْقُ إلى باقِيه إن كان المُكاتَبُ مُوسِرًا، ويُقَوَّمُ عليه، وإن كان مُعْسِرًا، عَتَقَ منه ما عَتَقَ، وباقِيه رَقِيقٌ.
فإن لم يكُنْ في يَدِه مالٌ، ولم يفِ بالجِنايةِ إلَّا قِيمَتُه كلُّها، بِيعَ كُلُّه فيها، وبَطَلَتْ كِتابَتُه.
فصل: وإن بَدَأ بدَفْعَ المالِ إلى سيدِه، وكان وَلِيُّ الجِنَايةِ سألَ الحاكمَ فحَجَرَ على المُكاتَبِ، ثَبَتَ الحَجْرُ عليه، وكان النَّظرُ فيه إلى الحاكمِ، فلا يَصِحُّ دَفْعُه إلى سيدِه، ويَرْتَجِعُه الحاكمُ، ويُسَلِّمُه إلى وَلِيِّ الجنايةِ، فإن وَفَّى، وإلَّا كان الحُكْمُ فيه على ما ذَكَرْنا مِن قبلي.
وإن لم يكُنِ الحاكمٌ حَجَرَ عليه صَحَّ دَفْعُه إلى السيدِ؛ لأنَّه يَقضِي حَقًّا عليه، فجاز، كما لو قَضَى بعضَ غُرَمائِه قبلَ الحَجْرِ عليه.
فإن كان ما دَفَعَه إليه جميعَ مالِ الكتابةِ عَتَقَ.

الجزء: 19 - الصفحة: 316

وَإنْ عَتَقَ، فَعَلَيه فِدَاءُ نَفْسِهِ، وَإنْ عَجَزَ، فَلِسَيِّدِهِ تَعْجِيزُهُ، إِنْ كَانت الْجِنَايَةُ علَيهِ.
وَإنْ كَانت عَلَى أَجْنَبِي، فَفَدَاهُ سَيِّدُهُ، وَإلَّا فُسِخَتِ الْكِتَابَا, وَبِيعَ في الجِنَايَةِ.

3018 - مسألة: (وعليه فداءُ نَفْسِه)

ويكونُ الأرْشُ في ذِمَّتِه، فيَضْمَنُ ما كان عليه قبلَ العِتْقِ، ويَفْدِيه بأقَلِّ الأمْرَين مِن قِيمَتِه أو أَرْشِ جِنايته؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه أكثرُ مما كان واجبًا عليه بالجنايةِ، فإن أعْتَقَه السيدُ، فعليه فداؤُه بذلك،؛ لأنَّه أتْلَفَ مَحَلَّ الاسْتِحْقاقِ، فأشْبَهَ ما لو قَتَلَه.
3019 -

مسألة: (وإن عَجَزَ، فلسيدِه تَعْجِيزُه)

ويَفْدِيه أيضًا بما ذَكَرْناه.
وقال أبو بكرٍ: فيه رِوايةٌ أخْرَى، أنه يَفْدِيه بأَرْشِ الجِنايةِ، بالغةً ما بَلَغَتْ؛ لأنه لو سَلَّمَه احْتَمَلَ أن يَرْغَبَ فيه راغبٌ بأكثرَ مِن قِيمَتِه، فقد فَوَّتَ تلك الزِّيادَةَ بإعْتاقِه.

الحديث: 3018 - الجزء: 19 - الصفحة: 317

وَإنْ أعْتَقَهُ السَّيِّدُ، فَعَلَيه فِدَاؤُهُ، وَالْوَاجِبُ في الْفِدَاءِ أقلُّ الْأمْرَينِ؛ مِنْ قِيمَتِهِ، أوْ أرْشِ جِنَايتهِ.
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ فِدَاؤُهُ بِأرْشِ الْجِنَايَةِ كَامِلَةً.
فصل: فإن كانتِ الجِنايةُ على سيدِه فيما دُونَ النَّفْسِ، فالسيدُ خَصْمُه فيها، فإن كانتْ مُوجِبَةً للقِصاصِ، فلسيدِه القِصاصُ، كما يَجبُ على عبدِه القِنِّ؛ لأنَّ القِصاصَ يَجِبُ للزَّجْرِ، فيَحْتاجُ إليه العبدُ في حَقِّ سيدِه، وإن عَفا على مالٍ، أو كانت مُوجِبَة للمالِ، وَجَبَ له؛ لأنَّ المُكاتَبَ مع سيدِه كالأجْنَبِيِّ، يَصِحُّ أنْ يُبايِعَه، ويَثْبُتُ له في ذِمَّتِه المالُ والْحُقُوقُ، كذلك الجِنايةُ، ويَفْدِي نَفْسَه بأقَلِّ الأمْرَين، كالجِنايَةِ على الأجْنَبِيِّ.
وعنه، يَفْدِيه بأرْشِ الجِنايةِ كله.
فإن وَفَى ما في يَدِه بما عليه فلسيدِه مُطالبَتُه به [وأخْذُه] 660، وإن لم يَفِ به (فلسيدِه تَعْجِيزُه) فإذا عَجَّزَه وفَسَخَ الكِتابةَ سَقَطَ عنه مالُ الكِتابةِ وأرْشُ الجِنايةِ، وعاد عَبدًا قِنًّا, ولا يَثْبُتُ للسيدِ على عبدِه القِنِّ مالٌ.
وإن أعْتَقَه سيدُه ولا مال في يَدِه سَقَطَ الأرْشُ؛ لأنَّه مُتَعَلِّق برَقَبَتِه، وقد أتْلَفَها.
وإن كان في يَدِه مال لم يسْقُطْ؛ لأنَّ الحَقَّ كان مُتَعَلِّقًا بالذِّمَّةِ وما في يَدِه مِن المالِ، فإذا تَلِفَتِ الرَّقَبَةُ بَقِيَ الحَقُّ مُتَعَلِّقًا بالمالِ، فاسْتُوفِي منه، كما لو عَتَقَ بالأداءِ.
وهل يَجِبُ (أقَل الأمْرَين) أو (أرْشُ الجِناية) كلّه؟ على وَجْهَينِ.

الجزء: 19 - الصفحة: 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَسْتَحِقُّ السيدُ مُطالبَتَه بأرْشِ الجِنايةِ قبلَ أداءِ مالِ الكِتابةِ؛ لمَا ذَكَرْنا مِن قبلُ في حَقِّ الأجْنَبِيِّ.
وإنِ اختار تَأخيرَ الأرْش والبدايةَ بِقَبْضِ مالِ الكتابةِ جازَ.
ويَعْتِقُ إذا قَبَضَ مال الكتابةِ [كلَّه.
وقال أبو بكرٍ: لا يَعْتِقُ بالأداءِ قبلَ أرْشِ الجِنايةِكما لوُجُوبِ تَقْدِيمِه على مالِ الكِتابة] 661. ولَنا، أنَّ الحَقَّين جميعًا للسيدِ، فإذا تَراضَيَا على تَقْدِيمِ أحَدِهما على الآخَرِ جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لهما لا يَخْرجُ عنهما, ولأنَّه لو بَدَأ بأداءِ مالِ الكِتابةِ في حَقِّ الأجْنَبِيِّ عَتَقَ، ففي حَقِّ السيدِ أوْلَى، ولأنَّ أرْش الجِنايةِ لا يَلْزَمُ أداؤُه قبلَ انْدِمالِ الجُرحِ، فيُمْكِنُ تقْديمُ وُجُوبِ الأداءِ عليه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا أدَّى عَتَقَ، ويَلْزَمُه أرْشُ الجِنايةِ، سَواءٌ كان في يَدِه مالٌ أو لم يَكُنْ، لأنَّ عِتْقَه بسَبَب مِن جِهَتِه، فلم يَسْقُطْ ما عليه، بخِلافِ ما إذا أعْتَقَه سيدُه، فإنَّه أتْلَفَ مَحَلَّ 662 حَقِّه، بخِلافِ هذا.
وهل يَلْزَمُه.
أقَلُّ الأمْرَين، أو جَميعُ الأرْشِ؟ على وَجْهَين.
وإن كانت جِنايَتُه على نَفْس سيدِه، فلِوَرَثَتِه القِصاصُ في العَمْدِ، والعَفْوُ على مالٍ.
وفي الخطأَ، المالُ.
وحُكْمُ الوَرَثَةِ مع المُكاتَبِ حكمُ سيدِه معه؛ لأنَّ الكتابةَ انْتَقَلَتْ إليهم، والعَبْدُ لو عاد قِنًّا كان لهم.
وإن جَنَىَ على مَوْرُوثِ سيدِه، فوَرِثَه سيدُه، فالحكمُ فيه كما لو كانتِ الجِنايةُ على سيدِه فيما دُونَ النَّفْسِ، على مَا مَضَى.

الجزء: 19 - الصفحة: 319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن جَنَى المُكاتَبُ جِناياتٍ تَعَلَّقَتْ برَقَبَتِه 663، واسْتَوَى الأوَّلُ والآخِرُ في الاسْتِيفاءِ، ولم يُقَدَّمِ الأوَّلُ على الثاني إن كانت مُوجِبَةً للمالِ؛ لأنَّها تَعَلَّقَتْ بمَحَلٍّ واحدٍ، وكذا إن كان بعضُها في حالِ كِتابَتِه وبعضُها بعدَ تَعْجِيزِه، فهي سَواءٌ، ويتَعَلَّقُ جَمِيعُها بالرَّقَبَةِ، فإن كان فيها ما يُوجِبُ القِصاصَ، فلِوَلِيِّ الجِنايةِ اسْتِيفَاؤُه، وتَبْطُلُ حقُوقُ الآخَرِين.
فإن عَفَا إلى مالٍ، صارَ حُكْمُه حُكْمَ الجِنايةِ المُوجِبَةِ للمال.
فإن أبرأه بَعْضُهم اسْتَوْفَى الباقون؛ لأنَّ حَقَّ كلِّ واحدٍ منهم 664 يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه، يَسْتَوفِيه إذا انْفَرَدَ، فإذا اجْتَمَعُوا تزاحَمُوا 665، فإذا أبرأه بعضُهم سَقَطَ حَقُّه وتَزاحَمَ الباقُونَ، كما لو انْفَرَدُوا، كما في الوَصَايا ودُيُونِ المَيِّتِ.
فإن أدَّى وعَتَقَ فالضَّمانُ عليه، وإن أعْتَقَه سيدُه فعليه الضَّمانُ، وأيُّهما ضَمِنَ فالواجِبُ عليه أقَلُّ الأمْرَين، كما ذَكَرْنا في الجِنايةِ الواحدةِ، ولأنَّه لو عَجَّزَه الغُرَماءُ وعاد قِنًّا بِيعَ وتحَاصُّوا في ثَمَنِه، كذلك ها هُنا.
فأمَّا إن عَجَّزَه سيدُه وعادَ قِنًّا، خُيِّرَ بينَ فِدَائِه وتَسْلِيمِه، فإن اختارَ فِداءَه فدَاه بأقَلِّ الأمْرَين، كما لو أعْتَقَه أو قَتَلَه.
وفيه رِوايةٌ أخْرَى، أنَّه يَلْزَمُه أرشُ

الجزء: 19 - الصفحة: 320

وَإنْ لَزِمَتْهُ دُيُون تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ، يُتْبَعُ بِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ.
الجِنايةِ كُله؛ لأنَّه لو سَلَّمَه احْتَمَلَ أن يَرْغَبَ فيه راغِبٌ بأكْثَرَ مِن قِيمَتِه، فقد فَوَّتَ تلك الزِّيادَةَ باخْتِيارِه إمْساكَه، فكان عليه جَمِيعُ الأرْشِ.
ويُفارِقُ ما إذا أعْتَقَه أو قَتَلَه؛ لأنَّ المَحَلَّ تَلِفَ فتَعَذَّرَ تَسْلِيمُه، فلم يَجِبْ أكثرُ مِن قِيمَتِه، والمَحَلُّ ها هُنا باقٍ يُمْكِنُ تَسْلِيمُه وبَيعُه، وقد ذَكَرْناه.
وإن أراد المُكاتَبُ فِداءَ نَفْسِه قبلَ تَعْجِيزِه أو عِتْقِه (1)، ففيما تُفْدَى به نَفْسُه وَجْهان، بِناءً على ما إذا عَجَّزَه سيدُه.
والله أعلمُ.

3020 -

مسألة: (وإن لَزِمَتْه دُيُون تَعَلَّقَتْ بذِمَّتِه، يُتبعُ بها بعدَ العِتْقِ)

إذا اجْتَمَعَ على المُكاتَبِ ثَمَنُ مَبِيعٍ، أو عِوَضُ قَرْض، أو غيرُهما مِن الدُّيُونِ مع مالِ الكِتابةِ، وفي يَدِه ما يَفي بها، فله أداؤُها، ويَبْدَأ بأيِّها شاء، كالحُرِّ.
وإن لم يَفِ بها ما في يَدِه، وكُلُّها حالَّة، ولم يَحْجُرِ الحاكِمُ666

الحديث: 3020 - الجزء: 19 - الصفحة: 321

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه، فخَصَّ بعضَهم بالقَضاءِ، صَحَّ، كالحُرِّ.
وإن كان فيها مُؤَجَّلٌ، فعَجَّلَه بغيرِ إذْنِ سيدِه، لم يَجُزْ؛ لأنَّ تَعْجِيلَه تَبَرُّعٌ، فلم يَجُزْ بغيرِ إذْنِ سيدِه، كالهِبَةِ.
وإن كان بإذْنِ سيدِه جاز، كالهِبَةِ.
وإن كان التَّعْجِيلُ للسيدِ، فقَبُولُه بمَنْزِلَةِ إذْنِه، وإن كان الحاكمُ قد حَجَرَ عليه بسُؤالِ غُرَمائِه، فالنَّظرُ إلى الحاكِمِ، وإنَّما بحْجُرُ عليه بسُؤَالِهم.
فإن حَجَرَ عليه بغيرِ سُؤَالِهم لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، فلا يُسْتَوْفَى بغيرِ إذْنِهم.
وإن سأله سيدُه الحَجْرَ عليه لم يُجِبْه إلى ذلك؛ لأنَّ حَقَّه غيرُ مُسْتَقِرٍّ، فلا يَحْجُرُ عليه مِن أجْلِه.
وإذا حَجَرَ عليه بسُؤَالِ الغُرَماءِ، فقال القاضي: عِندي أنَّه يَبْدَأ بقَضاءِ ثَمنِ المَبِيعِ وعِوَضِ القَرْضِ، يُسَوِّي بينَهما، ويقَدِّمُهما على أرْش الجِنايةِ ومالِ الكِتابةِ؛ لأنَّ أرشَ الجِنايَةِ مَحَلُّه الرَّقَبَةُ، فإذا لم يَحْصُلْ ممَّا في يَدِه اسْتُوْفِيَ مِن رَقَبَتِه.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وقد ذَكَرْنا أنَّ أصحابَنا والشافعيَّ اتَّفَقُوا على تَقْدِيمِ أَرْشِ الجِنايةِ على مالِ الكِتابةِ، فيما مَضَى.
وإذا لم يَحْجُرْ عليه، [ودَفَعَ] 667 إلى السيدِ مال الكِتابةِ، عَتَقَ، وبَقِيَّةُ الدُّيُونِ في ذِمَّتِه، يُتْبَعُ بها بعدَ العِتْقِ؛ لأنَّه صار حُرًّا، فهو كالأحْرارِ، ولأنَّ المُدايِنَ رَضِيَ بذِمَّتِه حينَ أدائِه، فكان له ما رَضِيَ به، كالحُرِّ.

الجزء: 19 - الصفحة: 322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا جَنَى بَعضُ عَبيدِ المُكاتَبِ جِنايةً تُوجِبُ القِصاصَ، فللمَجْنِيِّ عليه الخِيارُ بينَ القِصاصِ والمالِ، فإنِ اختار المال، و 668 كانتِ الجنايةُ خطأً أو شِبْهَ عَمْدٍ أو إتْلافَ مالٍ، تَعَلَّقَ أرْشُها برَقَبَتِه، وللمُكاتَبِ فداؤُه بأقَلِّ الأمْرَين؛ مِن قيمَتِه أو أرْشِ جِنايته؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ شِرائِه، وليس له فِداؤُه بأكثرَ مِن قِيمَتِه، كما لا يجوزُ له أن يشْتَرِيَه بذلك إلَّا أن يأذَنَ فيه سيدُه، فإن كان الأرْشُ أقَلَّ مِن قِيمَتِه لم يكُنْ له تَسْلِيمُه؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ بالزَّائِدِ.
وإن زادَ الأرْشُ على قِيمَتِه، فهل يَلْزَمُه تَسْلِيمُه أو يَفْدِيه بأقَلِّ الأمْرَين؟ لها رِوايَتَين.

الجزء: 19 - الصفحة: 323

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن مَلَك المُكاتَبُ ابنَه أو بعضَ ذَوي رَحِمِه المَحْرَمِ، أو ولِدَ له ولدٌ مِن أمَتِه، فجَنَى جِنايَةً تَعَلَّقَ أرشُها برَقَبَتِه، [فللمُكاتَبِ فِداؤُه] 669 بغيرِ إذْنِ سيدِه، كما يَفْدِي غيرَه مِن عَبِيدِه.
وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: ليس له فِداؤُه بغير إذْنِه.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه إتْلافٌ [لمالِه، فإنَّ] 670 ذَوي رَحِمِه ليسوا بمالٍ له، ولا يتَصَرَّفُ فيهم، فلم يَجُزْ له إخْراج مالِه في مُقابَلَتِهم، ولا شِراؤهم، كالتبرعِ، ويُفارِقُ العَبدُ الأجْنَبِيَّ؛ فإنه يَنْتَفِعُ به، وله صَرْفُه في كِتابَتِه، فكان له فِداؤُه وشِراؤه، كسائِرِ أموالِه، ولكن إن كان لهذا الجاني كَسْبٌ فُدِيَ منه، وإن لم يكُنْ له كَسْب بِيعَ في الجنايةِ إنِ اسْتَغْرَقَتْ قِيمَتَه، وإن لم تَسْتَغْرِقْها بِيعَ بَعْضُه فيها، وما بَقِيَ للمُكاتَبِ.
ولَنا، أنَّه عَبدٌ له جَنَى 671، فمَلَكَ فِداءَه، كسائِرِ عَبِيدِه، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يَمْلِكُ شِراءَه.
وقولُهم: لا يتَصَرَّفُ فيه.

الجزء: 19 - الصفحة: 324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قُلْنا: إلَّا أنَّ كَسْبَه له، فإن عَجَزَ المُكاتَبُ صار رَقِيقًا معه لسيدِه، وإن أدَّى المُكاتَبُ لم يتَضَرَّرِ السيدُ بعِتْقِهم، وانْتَفَعَ به المُكاتَبُ، وإذا دار أمْرُه بينَ نَفْعٍ وانْتِفاءِ ضَرَرٍ، وجَبَ أن لا يُمْنَعَ منه.
وفارَقَ التبرعَ؛ فإنَّه يُفَوِّتُ المال على السيدِ.
فإن قيل: فيه ضَرَرٌ، وهو مَنْعُه مِن أداءِ الكِتابةِ، فإنَّه إذا صَرَفَ المال فيه، ولم يَقدِرْ على صَرْفِه في الكِتابةِ، عَجَزَ عنها.
قُلْنا: هذا الضَّرَرُ لا يُمْنَعُ المُكاتَبُ منه، بدليلِ ما لو تَرَك الكَسْبَ مع إمْكانِه، أو امْتَنَعَ مِن الأداءِ مع قُدْرَتِه عليه، فإنَّه لا يُمْنَعُ منه ولا يُجْبَرُ على كَسْبٍ ولا أداءٍ، فكذلك لا يُمْنَعُ ممَّا هو في مَعْناه ولا ممَّا يُفْضِي إليه، ولأنَّ غايةَ الضَّرَرِ في هذا المَنْعُ مِن إتْمامِ الكِتابةِ، وليس إتْمامُها واجبًا عليه، فأشْبَهَ تَرْكَ الكَسْبِ، بل هذا أوْلَى، لوَجْهَين: أحدُهما، أنَّ هذا فيه نَفْعٌ للسيدِ، لمَصِيرِهم عَبِيدًا له.
والثاني، أنَّ فيه نَفْعًا للمُكاتَبِ بإعْتاقِ ولَدِه وذَوي رَحِمِه، ونَفْعًا لهم بالإِعْتاقِ على تَقْدِيرِ الأداءِ، فإذا لِم يُمْنَعْ ممَّا يُساويه في المَضَرَّةِ مِن غيرِ نَفْعٍ فيه، فلان لا يُمْنَع ممَّا فيه نفْعٌ لازِمٌ لإِحْدَى الجِهَتين أوْلَى.
ووَلَدُ المُكاتَبَةِ يدخلُ في كِتابَتِها، والحكمُ في جِنايته كالحُكْمِ في ولَدِ المُكاتَبِ سَواءٌ.
فصل: وإن جَنَى بعضُ عَبِيدِ المُكاتَبِ على بعض جِنايةً مُوجَبُها المالُ، لم يَثْبُتْ لها حكمٌ؛ لأنَّه لا يَجِبُ للسيدِ على عبدِه مالٌ.
وإن كان مُوجَبُها القِصاصَ، فقال أبو بكر: ليس له القِصاصُ؛ لأنَّه إتْلافٌ لمالِه باخْتِيارِه.
وهذا الذي ذَكَرَهُ شَيخُنا في الكِتابِ المشْرُوحِ، وذَكَرَه أبو

الجزء: 19 - الصفحة: 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الخَطَّابِ في «رُءُوسِ المسائِلِ».
وقال القاضي: له القِصاصُ؛ لأنَّه مِن مَصْلَحَة مِلْكِه، فإنَّه لو لم يَقْتَصَّ أفْضَى إلى إقْدامِ بَعْضِهم على بعضٍ.
وليس له العَفْوُ على مالٍ؛ لِما ذَكَرْنا.
ولا يجوزُ بَيعُه في أرْش الجِنايَةِ؛ لأنَّ الأرْش لا يَثْبُت له في رَقَبَةِ عبدِه.
فإن كان الجانِي مِن عَبِيدِه ابته، لم يَجُزْ بَيعُه؛ لذلك.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: يجوزُ بَيعُه.
في أحدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ بَيعَه قبلَ جِنايته، فيَسْتَفِيدُ بالجنايةِ مِلْكَ بَيعِه.
ولَنا، أنَّه عبدُه، فلم يَجِبْ له عليه أرْشٌ، كالأجْنَبِيِّ، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالرَّهْنِ إذا جَنَى على رَاهنِه.
فصل: فإن جَنى عبدُ المُكاتَبِ عليه جِنايةً مُوجَبُها المالُ، كانت هَدْرًا؛ لِما ذَكَرْنا، وإن كان مُوجَبُها القِصاصَ 672، فله أنْ يَقتَصَّ فيما دُونَ النَّفْسِ؛ لأنَّ العَبْدَ يُقْتَصُّ منه لسيدِه، وإن عَفا على مالٍ، سَقَط القِصاصُ ولم يَجِبِ المالُ.
فإن كان الجاني أباه، لم يُقْتَصَّ منه؛ لأنَّ الوالِدَ لا يُقْتَلُ بوَلَدِه.
وإن جَنَى المُكاتَبُ عليه، لم يُقْتَصَّ منه؛ لأنَّ السيدَ لا يُقْتَصُّ منه لعَبْدهِ.
وقال القاضي: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُقْتَصُّ منه؛ لأنَّ حكْمَ الأبِ معه حُكْمُ الأحرارِ، بدِليلِ أنَّه لا يَمْلِكُ بَيعَه والتَّصَرُّفَ فيه، وجُعِلَتْ حُرِّيتُه مَوْقوفةً على حُرِّيته.
قال القاضي 673: ولا نَعْلَمُ مَوْضِعًا يَقْتَصُّ فيه المَمْلوكُ مِن مالِكِه غيرَ هذا المَوْضِعِ.

الجزء: 19 - الصفحة: 326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن جُنِيَ على المُكاتَبِ فيما دُونَ النَّفْس, فأرْشُ الجِنايةِ له دُونَ سيدِه، لثَلاثَةِ مَعانٍ؛ أحَدُها، أنَّ كَسْبَه له، وذلك عِوَضٌ عمَّا يَتَعَطَّلُ بقَطْعِ يَدِه مِن كَسْبِه.
والثاني، أنَّ المُكاتَبَةَ تَسْتَحِقُّ المَهْرَ في النِّكاحِ، لتَعَلُّقِه بعُضْوٍ مِن أعضائِها، كذلك بَدَل العُضو.
الثالثُ، أنَّ السيدَ أخَذَ مال الكِتابةِ بَدَلًا عن نَفْسِ المُكاتبِ، فلا يجوزُ أن يَسْتَحِقَّ عنه عِوَضًا آخَرَ.
ثم لا يَخْلُو مِن ثلاثَةِ أحْوالٍ: أحدُها، أن يكونَ الجانِي سيدَه، فلا قِصاصَ عليه لأمْرَين؛ أحدُهما، أنَّه حُرٌّ والمُكاتَبُ عَبْدٌ.
والثاني، أنَّه مالِكُه 674، ولا يُقْتَصُّ مِن المالِكِ لمَمْلُوكِه، ولكن يَجِبُ الأرْشُ إذا انْدَمَلَ الجُرْحُ، على ما يُذْكَرُ في الجِناياتِ.
ولأنَّه قبلَ الانْدِمالِ لا تُؤمَنُ سِرايَتُه إلى نفْسِه، فيَسْقُطُ أرْشُه.
فإذا ثَبَتَ هذا، فسَرَى الجُرْحُ إلى نَفْسِه، انْفَسخَتِ الكِتابةُ، وكان الحُكْمُ فيه كما لو قَتَلَه، وإنِ انْدَمَلَ الجُرْحُ وجب له أرشُه على سيدِه، ويَتقاصَّان إن كان مِن جِنْسِ مال الكِتابةِ وقد حَلَّ عليه نَجم، وإن كان مِن غيرِ جِنْسِ مالِ الكِتابةِ أو لم يَحِلَّ عليه نَجْمٌ، لم يتَقاصَّا، ويُطالِبُ كلُّ واحدٍ منهما بما يَسْتَحِقُّه، فإنِ اتَّفَقا على أنْ يُجْعَلَ أحَدُهما عِوَضًا عن الآخرِ، وكانا مِن جِنْسَينِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، فإن قَبضَ أحَدُهما حَقَّه، ثم دَفَعَه إلى الآخرِ عِوَضًا عن حَقه، جاز.
وإن رَضِيَ المُكاتَبُ بتَعْجِيلِ الواجب له عما لم يَحِلَّ مِن نُجُومِه، جاز،

الجزء: 19 - الصفحة: 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا كان مِن جنْسِ مالِ الكِتابةِ.
الحالُ الثانيةُ، إذا كان الجانِي أجْنَبِيًّا حُرًّا، فلا قِصاصَ؛ [لأنَّ الحُرَّ] 675 لا يُقْتَلُ بالعبدِ، فإن سَرَى الجُرْحُ إلى نَفْسِه انْفَسَخَتْ كِتابَتُه، وعلى الجاني قِيمَتُه لسيدِه، وإنِ انْدَمَلَ الجُرْحُ فعليه أرْشُه له، فإن أدَّى الكِتابَةَ وعَتَقَ، ثم سَرَى الجُرْحُ إلى نَفْسِه، وجَبَتْ دِيَتُه؛ لأنَّ اعْتِبارَ الضَّمانِ بحالةِ الاسْتِقْرارِ، ويكونُ ذلك لوَرَثَتِه.
فإن كان الجاني السيدَ أو غيرَه مِن الوَرَثَةِ، لم يَرِثْ منه شيئًا؛ لأنَّ القَاتِلَ لا يَرِثُ، ويكونُ لبيتِ المالِ إن لم يكُنْ له وارِثٌ.
ومَن اعْتَبَرَ الجِنايَةَ بحالةِ ابْتِدائِها، أوْجَبَ على الجانِي قِيمَتَه، ويكونُ أيضًا لوَرَثَتِه.
الحالُ الثالثُ، إذا كان الجانِي عَبْدًا أو مُكاتبًا، فإن كان مُوجَبُ الجِنايةِ القِصاصَ، وكانت على النَّفْسِ، انْفَسَخَتِ الكِتابَةُ، وسَيدُه بالخِيارِ بينَ القِصاصِ والعَفْو على مالٍ يَتَعَلَّقُ برَقَبَةِ الجانِي.
وإن كانت فيما دُون النَّفْسِ، كقَطْعِ يَدِه، فللمُكاتَبِ اسْتيفاءُ القِصاصِ، وليس لسيدِه مَنعُه، كما أنَّ المريضَ يَقْتصُّ 676 ولا يَعْتَرِضُ عليه وَرَثَتُه، والمُفْلِسَ يَقْتصُّ (2) ولا يَعْتَرِضُ عليه غُرَماؤُه.
وإنْ عَفا على مالٍ، ثَبَتَ له، وإن عَفا مُطْلَقًا [أو إلى غيرِ مالٍ] (1)، انْبَنَى على الرِّوايَتَين في مُوجَبِ العَمْدِ؛ إن قُلْنا: مُوجَبُه القِصاصُ عَينًا.
صَحَّ، ولم يثْبُتْ له مالٌ، وليس لسيدِه

الجزء: 19 - الصفحة: 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مطالبَته باشتراطِ مالٍ؛ لأنَّ ذلك تكَسُّبٌ، ولا يَمْلِكُ السيدُ 677 إجْبارَه على الكَسْب.
وإن قُلْنا: الواجِبُ أحد أمْرَين.
ثَبَتَ له دِيَة الجُرْحِ؛ لأنه لمَّا سَقَطَ 678 القِصاصُ، تَعَيَّنَ 679 المالُ، ولا يَصِحُّ عَفْوُه عن المالِ؛ لأنَّه لا يَمْلِك التبرعَ بغيرِ إذْنِ سيدِه.
وإن صالحَ على بعضِ الأرْشِ، فحكمه حكم العَفْو إلى غير مالٍ.
فصل: وإذا مات المُكاتَبُ وعليه ديون وأروش جِناياتٍ، ولم يكُنْ مَلَكَ ما يُؤَدِّي في كتابَتِه، انْفَسَخَتِ الكِتابة، وسَقَطَ أرْشُ الجناياتِ؛ لأنَّها مُتعلِّقَةٌ برَقَبته وقد تَلِفَت، وتُسْتَوْفَى دُيُونه ممَّا كان في يَدِه، فإن لم يَفِ بها سَقَطَ الباقِي.
قال أحمد: ليس على سيدِه قَضاءُ دينه، هذا كان يَسْعَى لِنَفْسِه.
وإن كان قد مَلَكَ ما يؤَدِّي في كِتابَتِه، انْبَنَى ذلك على الرِّوايَتَين في عِتْقِ المكاتَبِ بمِلْكِ ما يؤَدِّيه، وقد ذَكَرْنا فيه رِوايَتَين، الظَّاهِرُ منهما أنَّه لا يَعْتِقُ بذلك، فتَنْفَسِخ الكِتابَة أيضًا، ويُبْدَأ بقَضاءِ الدَّينِ، على ما ذَكَرْنا في الحالِ الأوَّلِ.
وهذا قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ, وشُرَيح، وعَطَاءٍ، وعَمرِو بنِ دينارٍ، وأبي الزِّنادِ، ويحيى الأنْصارِيِّ، ورَبِيعَةَ، والأوْزَاعِيِّ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
والثانيةُ، أنَّه إذا مَلَكَ ما يُؤَدِّي صار حُرًّا.
فعلى هذا، يضْرِبُ السيدُ معَ الغرَماءِ بما حَلَّ مِن نُجُومِه.
رُويَ نحوُ هذا عن شُرَيح، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ،

الجزء: 19 - الصفحة: 329

فَصْلٌ: وَالْكِتَابَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنَ الطَّرَفَين، لَا يَدْخُلُهَا خِيَارٌ، وَلَا يَمْلِكُ أحَدُهُمَا فَسْخَهَا.
والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، وابنِ أبي لَيلَى، والثَّوْرِيِّ، والحسنِ بنِ صالحٍ؛ لأنَّه دَينٌ له 680 حَالٌّ، فيَضْرِبُ به، كسائِرِ الدُّيُونِ.
ويَجِئُ على قول مَن قال: إنَّ الدَّينَ يَحِلّ بالموتِ.
أن يَضْرِبَ بجميعِ مالِ الكتابَةِ؛ لأنَّهَ قد حَلَّ بالموْتِ.
والمذهبُ الأوَّلُ، الذي نَقَلَه الجماعَةُ عن أحمدَ.
وقد روَى سعيدٌ في «سُنَنِه»: ثنا هُشَيمٌ، ثَنا مَنْصُورٌ وسَعِيدٌ، عن قتادَةَ، قال: ذَكَرْتُ لسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ قولَ شُرَيح في المُكاتَبِ إذا مات وعليه دَينٌ وبَقِيَّةٌ مِن مُكاتَبَتِه، فقلت: إنَّ شُرَيحًا قَضَى أنَّ مَوْلاه يَضْرِبُ مع الغُرماءِ.
فقال سعيدٌ: أخْطَأ شُرَيحٌ، قَضَى زيدٌ بالدَّينِ قبلَ المُكاتَبَةِ 681. فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (والكتابةُ عَقْدٌ لازِمٌ مِن الطَّرَفَين، لا يَدْخُلُها خِيارٌ، ولا يَمْلِكُ أحدُهما فَسْخَها) وجملة ذلك، أنَّ الكِتابَةَ عَقْدٌ لازِمٌ من الطرَفَين؛ لأنَّها عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أشْبَهَ عَقْدَ النِّكاحِ

الجزء: 19 - الصفحة: 330

وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقبَلٍ.
وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ وَلَا جُنُونِهِ، وَلَا الْحَجْرِ عَلَيهِ.
والبَيعِ، ولا يَدْخُلُها خِيارٌ؛ لأنَّ الخِيارَ شُرِعَ لدفْعِ الغَبْنِ عن المالِ، والسيدُ دَخَلَ على بَصِيرَةِ أنَّ (1) الحظَّ لعبده، فلا مَعْنَى للخيارِ.
ولا يَمْلِكُ أحدُهما فَسْخها، قياسًا على سائِرِ العُقُودِ اللازِمَةِ.
وعنه، أنَّ العبدَ يَمْلِكُ ذلك، وسَنَذكُرُه إن شاء اللهُ (ولا يجوزُ تَعلِيقُها على شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ) كسائِرِ عُقُودِ المُعاوَضاتِ.

3021 -

مسألة: (ولا تَنْفَسِخُ بمَوتِ السيدِ)

لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا (ولا) تَنْفَسِخُ (بجُنُونِه، ولا الحَجْرِ عليه) لأنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، أشْبَهَ البَيعَ.682

الحديث: 3021 - الجزء: 19 - الصفحة: 331

وَيَعْتِقُ بِالأدَاءِ إِلَى سَيِّدِهِ، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنَ الْوَرَثَةِ وَغَيرِهِمْ.

3022 - مسألة: (ويَعْتِقُ بالأداءِ إلى سيدِه، [وإلى مَن يَقُومُ مَقامَه مِن الوَرَثَةِ وغيرِهم)

ولا خلافَ في أنَّه يَعْتِق بالأداءِ إلى سيدِه] 683، وقد ذَكَرْنا ذلك.
وبالأداءِ إلى الوَرَثَةِ؛ لأنَّه انْتَقَلَ إليهم مع بقاءِ الكِتابةِ، فهو كالأداءِ إلى مَوْرُوثِهم، ويكونُ مَقْسُومًا بينَهم على قَدْرِ موارِيثهم، كسائِرِ دُيُونِه، فإذا كان له أولادٌ ذكورٌ وإناثٌ، فللذَّكَرِ مِثْلُ حَظ الأنْثَيَين.
ولا يَعْتِق حتى يُؤَدِّيَ إلى كلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّه.
فإن أدَّى إلى بعضِهم دُونَ بعضٍ لم يَعْتِقْ، كما لو كان بينَ شُرَكَاءَ، فأدَّى إلى بعضِهم، فإن كان بعضُهم غائِبًا، [وله وَكِيلٌ، دَفعَ نَصِيبَه إلى وكِيله، وإن لم يكُنْ له وكيلٌ، دَفَعَ نَصِيبَه إلى الحاكمِ، وعَتَقَ.
وإن كان مُوَلَّيًا عليه] 684، دَفَعَ إلى وَلِيِّه؛ إمَّا أبيه أو وَصِيِّه أو الحاكِمِ أو أمِينه، فإن كان له وَصِيَّان، لم يَبْرَأ إلَّا بالدَّفْعِ إليهما معًا.
وإن كان الوارِثُ رَشِيدًا قَبَضَ لنَفْسِه، ولا تَصِحُّ الوَصِيَّةُ [إلى غيرِه] (1) ليَقْبِضَ له؛ لأنَّ الرَّشِيدَ وَلِيُّ نَفْسِه، وإن كان بعضُهم رَشِيدًا وبعضُهم مُوَلَّيًا عليه، فحكمُ كلِّ واحدٍ منهم حُكْمُه لو انْفَرَدَ.
فإن أذِنَ بعضُهم في الأداءِ إلى الآخَرِ، وكان الذي أذِنَ رَشِيدًا، فأدَّى إلى الآخَرِ

الحديث: 3022 - الجزء: 19 - الصفحة: 332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جَمِيعَ حَقِّه، عَتَقَ نَصِيبُه، ولا يَسْرِي إلى نَصِيبِ شَرِيكِه إن كان مُعْسِرًا، ويَسْرِي إليه إن كان مُوسِرًا، ويُقَوَّمُ 685 عليه نَصِيبُ شَرِيكِه كلُّه، كما لو كان بينَ شَرِيكَين فأعْتَقَ أحَدُهما نَصِيبَه.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وقال القاضي: لا يَسْرِي عِتْقُه وإن كان مُوسِرًا.
وهو القولُ الثاني للشافعي.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَعْتِقُ إلَّا بأداءِ جَمِيعِ مالِ الكِتابةِ؛ لأنَّه أدَّى بعضَ مالِ الكِتابةِ، فأشبَهَ ما لو أدَّاه إلى السيدِ.
فإن أبرءوه من مال الكتابة برئَ منه وعَتَقَ، وإن أبرَأه بعضُهم عَتَقَ نَصيبُه، وكذلك إن أعتَقَ نَصِيبَه منه عَتَقَ.
والخِلافُ في هذا كلِّه كالخِلافِ فيما إذا أدَّى إلى بعضِهم بإذْنِ الآخَرِ.
ولَنا على أنَّه يَعْتِقُ نَصيبُ مَن أبرَأ مِن حَقَه عليه أو اسْتَوْفَى نَصيبَه بإذْن شُرَكائه، أنَّه أبرَأه من جَميع ما لَه عليه، فوَجَبَ أن يَلْحَقَه العِتْقُ، كما لو أبرَأه سيدُه مِن جميعِ مالِ الكتابةِ، وفارَقَ ما إذا أبرَأه سيدُه مِن بعض مالِ الكِتابةِ؛ لأنَّه ما أبرأه مِن جميع حَقه.
ولَنا على سِرايةِ عِتْقِه، أنَّه إعْتاقٌ لبعضِ العبدِ الذي يجوزُ إعْتاقُه مِن مُوسِرٍ جائِزِ التَّصَرُّفِ غيرِ مَحْجُورٍ عليه، فوَجَبَ أن يَسْرِيَ عِتْقُه، كما لو كان قِنًّا, ولأنَّه عِتْق حَصَلَ بفِعْلِه واخْتِيارِه، فسَرَى، كمحَل الوفاقِ.
فإن قيل: في السِّرايَةِ إضْرَارٌ بالشُّرَكاءِ؛ لأنَّه قد يَعْجِزُ فيُرَدُّ إلى

الجزء: 19 - الصفحة: 333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرِّق.
قُلْنا: إذا كان العِتْقُ في مَحَلِّ الوفاقِ [يُزِيلُ الرِّقَّ المُتَمَكِّنَ الذي لا كِتابَةَ فيه، فَلأن يُزِيل عَرَضِيَّةَ ذلك بطريقِ الأوْلَى.
فصل: وإذا عَتَق بالأداءِ] 686 إلى الوَرَثَةِ، فوَلاؤُه لسيدِه في إحدَى الرِّوايَتَين.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ.
يَختَصُّ به عَصَباتُه دُونَ أصْحابِ الفُروضِ.
وهذا قولُ أكثرِ الفُقهاءِ.
واختاره أبو بكر.
ونقله 687 إسحاقُ بنُ مَنْصورٍ عن أحمدَ، وإسحاقَ.
وروَى حَنْبَل، وصالحُ بن أحمدَ، عن أبِيه، يأتي: اخْتَلَفَ النَّاسُ في المُكاتَبِ يَمُوتُ سيدُه وعليه بَقِيَّة مِن كِتابتِه؛ قال بعضُ الناسِ: الوَلاءُ للرِّجَالِ والنِّساءِ.
وقال بعضُهم: لا وَلاءَ للنِّساءِ؛ لأنَّ هذا إنَّما هو دَينٌ على المُكاتَبِ، ولا يَرِثُ النِّساءُ من الولاء إلَّا ما كاتَبْنَ أو أعْتَقْنَ.
والذي يَغْلِبُ عليَّ أنَّهُنَّ يَرِثْنَ؛ [وذلك لأنَّ المُكاتَبَ لو عَجَزَ] 688 بعدَ وَفاةِ السيدِ رُدَّ رَقِيقًا.
وهذا قولُ طاوس، والزُّهْرِيِّ؛ لأنَّ المُكاتَبَ انْتَقَلَ إلى الوَرَثَةِ بموتِ المكاتِبِ 689، بدليلِ أنَّهم لو أعْتَقُوه نَفَذ 690 عِتْقُهم، فكان ولاؤه لهم، كما لو انْتَقَلَ بالشِّراءِ، ولأنَّه يُؤَدِّي إلى الوَرَثَةِ، فكان وَلاؤه لهم، كما لو أدَّى إلى المُشْتَرِي.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّ السيدَ هو المُنْعِمُ بالعِتْقِ، فكان الولاءُ له، كما لو أدَّى إليه، ولأنَّ

الجزء: 19 - الصفحة: 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَرَثَةَ إنَّما يَنْتَقِلُ إليهم ما بَقِيَ للسيدِ، وإنَّما بَقِيَ له دَينٌ في ذِمَّةِ المكاتَبِ، والفَرْقُ بينَ المِيراثِ والشِّراءِ، أنَّ السيدَ نَقَل حَقَّه في البَيعِ باخْتِيارِه، فلم يَبْقَ له فيه حَقٌّ مِن وَجْهٍ، والوارِثُ يَخْلُف المَوْرُوث ويَقُومُ مَقَامَه، [ويَبْنِي على ما فَعَلَه] 691 مَوْرُوثُه، [ولا] 692 يَنْتَقِلُ إليه شَيءٌ أمْكَنَ بَقاؤه لمَورُوثِه، والولاءُ ممَّا أمْكَنَ بقاؤه للمَوْرُوثِ، فوَجَبَ أن لا يَنْتَقِلَ عنه.
وقد ذَكَرْنا ذلك في بابِ الوَلاءِ.
فصل: فإن أعْتَقَه الوَرَثةُ صَحَّ عِتْقُهم؛ لأنَّه مِلْكٌ لهم، فصَحَّ عِتْقُهم له، ولأنَّ السيدَ لو أعْتَقَه نَفَذَ عِتْقُه، وهم يقُومونَ مَقامَ مَوْرُوثِهم.
ووَلاؤُه لهم، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ» 693. وإن أعْتَقَ بَعْضُهم نَصِيبَه فعَتَقَ عليه كلُّه بالسِّرايَةِ، قُوِّمَ عليه نَصِيبُ شُرَكائِه، و 694 كان وَلاؤه له، وإن لم يَسْرِ لكَوْنِه مُعْسِرًا أو لغيرِ ذلك، فله وَلاءُ ما أعْتَقَه؛ للخَبَرِ، ولأنَّه مُنْعِمٌ عليه، فكان الوَلاءُ له، كغيرِ المُكاتَبِ.
وقال القاضي: إن أعْتَقُوه كُلّهم قبلَ عَجْزِه، كان الوَلاءُ للسيدِ، وإن أعْتَقَ بعضُهم لم يَسْرِ عِتْقُه، ثم يُنْظرُ، فإن أدَّى إلى الباقِين عَتَقَ كلّه،

الجزء: 19 - الصفحة: 335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وكان وَلاؤه للسيدِ، وإن عَجَزَ فرَدُّوه إلى الرِّقِّ، كان وَلاءُ نَصِيبِ المُعْتِقِ له؛ لأنَّه لولا إعْتاقُه لعاد سَهْمُه رَقِيقًا كسِهامِ سائِرِ الوَرَثَةِ، فلمَّا أعْتَقَه كان هو المُنْعِمَ عليه، فكان الوَلاءُ له دُونَهم.
فأمَّا إن أبرأه الوَرَثَةُ كلُّهم عَتَقَ، وكان وَلاؤه على الرِّوايَتَين اللَّتَين ذَكَرْناهما فيما إذا أدَّى إليهم؛ لأنَّ الإِبراءَ جَرَى مَجْرَى أداء ما عليه.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ الوَلاءُ لهم؛ لأنَّهم أنْعَمُوا عليه بما عَتَقَ به، أشبَهَ ما لو أعْتَقُوه، وإن أبرأه بعضُهم مِن نَصِيبِه، كان في وَلائِه ما ذَكَرْناه مِن الخِلافِ.
فصل: إذا باع الوَرَثَةُ المُكاتَبَ أو وَهَبُوه، صَحَّ بَيعُهم وهِبَتُهم؛ لأنَّهم يَقُومُونَ مَقامَ مَوْرُوثِهم، وهو يَمْلِكُ بَيعَه وهِبَتَه، كذلك وَرَثته، ويكونُ عندَ المُشْتَرِي والمَوْهُوبِ له مُبْقًى على ما بَقِيَ مِن كِتابتِه، إن عَجَزَ فعَجَّزَه، عاد رَقِيقًا له، وإن أدَّى [وعَتَقَ، كان] 695 وَلاؤه لمَن يُؤَدَّى إليه، على الرِّوايةِ التي تقولُ: إنَّ وَلاءَه للوَرَثَةِ إذا أدَّى إليهم.
وأمَّا على الرِّوايَةِ الأخْرَى، فيَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ بَيعُه ولا هِبَتُه؛ لأنَّ ذلك يَقْتَضِي إبْطال سَبَبِ ثُبُوتِ الوَلاءِ للسيدِ الذي كاتَبَه، وليس ذلك [للوَرَثَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ، ويكونَ الوَلاءُ للسيدِ إن أُعْتِقَ بالكِتابَةِ؛ لأنَّ السيدَ عَقَدَها، فعَتَقَ بها، فكان وَلاؤه] 696 له، ويُفارِقُ ما باعَه السيدُ؛ لأنَّ السيدَ ببَيعِه أبطَلَ حَقَّ نَفْسِه، وله ذلك، بخِلافِ الوَرَثَةِ، فإنَّهم لا يَمْلِكُونَ إبْطال حَقِّ مَوْرُوثِهم.

الجزء: 19 - الصفحة: 336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا وصَّى السيدُ بمالِ الكِتابَةِ صَحَّ.
فإن سَلَّمَ مال الكِتابَةِ إلى المُوصَى له، أو وَكِيله، أو وَلِيِّه إن كان مَحْجُورًا عليه، بَرِئ منه، وعَتَقَ، ووَلاؤُه لسيدِه الذي كاتَبَه؛ لأنَّه المُنْعِمُ عليه، وإن أبرأه مِن المالِ، عَتَقَ؛ لأنَّه بَرِئ مِن مالِ الكِتابَةِ، فأشْبَهَ ما لو أدَّى، وإن أعْتَقَه، لم يَعْتِقْ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ رَقَبَتَه، وإنَّما وَصَّى له بالمالِ الذي عليه، وإن عَجَزَ ورُدَّ في الرِّق، صارَ عَبْدًا للوَرَثَةِ، وما قَبَضَه المُوصَى له مِن المالِ فهو له؛ لأنَّه قَبَضَه بحُكْمِ الوَصِيَّةِ الصَّحيحَةِ، والأمْرُ في تَعْجِيزِه إلى الوَرَثَةِ؛ لأنَّ الحَقَّ يَثْبُتُ لهم بتَعْجِيزِه ويَصِيرُ عبدًا لهم، فكانت الخِيَرَةُ في ذلك إليهم، وتَبْطُلُ وَصِيَّة المُوصَى له بتَعْجِيزِه.
وإن وَصَّى بمالِ الكِتابةِ للمساكِينِ، ووَصَّى إلى مَن يقْبضُه ويُفَرِّقُه بينَهم، صَحَّ، ومتى سَلَّمَ المال إلى الوصِيِّ بَرِيء وعَتَقَ.
وإن أبرَأه منه لم يَبْرأ؛ لأنَّ الحَقَّ لغيرِه.
فإن دَفَعَه المُكاتَبُ إلى المساكِينِ لم يَبْرأ منه ولم يَعْتِقْ؛ لأنَّ التَّعْيِينَ إلى الوَصِيِّ دُونَه.
وإن وَصَّى بدَفْعِ المالِ إلى غُرَمائِه، تَعَيَّنَ القَضَاءُ منه، كما لو وَصَّى به عَطيَّةً لهم، فإن كان إنَّما وَصَّى بقَضاءِ دُيُونِه مُطْلَقًا، كان على المُكاتَب أن يَجْمَعَ بينَ الوَرَثَةِ والوَصِيِّ بقَضَاءِ الدَّينِ، ويدْفَعَه إليهم بحَضْرَتِه؛ لأَنَّ المال للوَرَثَةِ، ولهم قَضاءُ الدَّينِ منه ومِن غيرِه، وللوَصِيِّ في قَضَاءِ الدَّينِ حَقٌّ؛ لأن له مَنْعَهم مِن التَّصرُّفِ في التَّرِكَةِ قبلَ قَضاءِ الدَّينِ.
فصل: إذا مات رجلٌ وخَلَّفَ ابْنَين وعَبْدًا، فادَّعَى العبدُ أنَّ سَيدَه كاتَبَه، فصَدَّقاه، ثَبَتتِ الكِتابَةُ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما.
وإن أنْكَراه،

الجزء: 19 - الصفحة: 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وكانت له بَيَنةٌ، ثَبَتَتِ الكِتابَةُ، وعَتَقَ بالأداءِ إليهما.
وإن عَجَزَ، فلهما رَدُّه إلى الرِّقِّ.
وإن لم يُعَجِّزاه، وصَبَرا عليه، لم يَمْلِكِ الفَسْخَ.
وإن عَجَّزَه أحَدُهما، وأبى الآخَرُ تَعْجِيزَه، بَقِيَ نِصْفُه على الكِتابةِ، ورَقَّ النِّصْفُ الآخَرُ.
فإن لم تكُنْ له بَيَنة، فالقولُ قولُهما مع أيمانِهما؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الرِّق وعَدَمُ الكِتابَةِ، وتكونُ أيمانُهما على نَفْي العِلْمِ؛ لأنَّها يَمِينٌ على نَفْي فِعْلِ الغيرِ، فإن حَلَفا ثَبَتَ رِقُّه، وإن نَكَلَا قُضِيَ عليهما، أو رُدَّتِ اليَمِينُ عليه عندَ مَنِ يَرَى رَدَّها، فيَحْلِفُ العبدُ وتَثْبُتُ الكِتابَة.
وإن حَلَفَ أحَدُهما ونَكَلَ الآخرُ، قُضِيَ برِقِّ نِصْفِه وكِتابةِ نِصْفِه.
وإن صَدَّقَه أحَدُهما وكَذَّبَه الآخرُ، ثَبَتَتِ الكِتابَةُ في نِصْفِه، وعليه البَينةُ في نِصْفِه الآخَرِ، فإن لم تكُنْ بَيَنةٌ، وحَلَفَ المُنْكِرُ، صارَ نِصْفُه مُكاتَبًا ونِصْفُه رَقيقًا قِنًّا.
فإن شَهِدَ المُقِرُّ على أخِيه، قُبِلَتْ شَهادَتُه؛ لأنَّه لا يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا, ولا يَدْفَعُ عنها ضَرَرًا، فإن كان معه شاهِدٌ آخَرُ، كَمَلَتِ الشَّهادَةُ، وثَبَتَتِ الكِتابَةُ في جَمِيعِه.
وإن لم يَشْهَدْ غَيرُه، فهل يَحْلِفُ العبدُ معه؟ على رِوايَتَين.
وإن لم يكُنْ عَدْلًا، أو لم يَحْلِفِ العَبْدُ معه، وحَلَف المُنْكِرُ، كان نِصْفُه مُكاتبًا ونِصْفُه رَقِيقًا، ويكونُ كَسْبُه بينَه وبينَ المُنْكِرِ نِصْفَين، ونَفَقَتُه مِن كَسْبِه؛ لأنَّها على نَفْسِه وعلى مالكِ نِصْفِه، فإنْ لم يَكُنْ له كَسْبٌ، كان على المُنْكِرِ نِصْفُ نفقتِه، ثم إنِ اتَّفَقَ هو ومالِكُ نِصْفِه على المُهايأةِ مياوَمَةً 697، أو مُشَاهَرَةً، أو كيفَما كان، جاز، فإن طَلَبَ

الجزء: 19 - الصفحة: 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحَدُهما ذلك وامْتَنَعَ الآخَرُ، أُجْبِرَ عليها، في ظاهِرِ كلام أحمدَ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ المَنافِعَ مُشْتَرَكَةٌ بينَهما، فإذا أراد أحَدُهما حِيازَةَ نَصِيبِه مِن غيرِ ضَرَرٍ لَزِمَ الآخَرَ إجَابَتُه، كالأعْيانِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْبَرَ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المُهايأةَ تَأخِيرُ حَقِّهِ الحالِّ، لكونِ المَنافِع في هذا اليومِ مُشْتَرَكَةً بينَهما، فلا تَجِبُ الإِجابةُ إليه، كتَأخِيرِ دَينه الحال.
فإنِ اقْتَسَما الكَسْبَ مُناصَفَةً أو مُهايأة، جازَ، فإن لم يَفِ بأداءِ نُجُومِه، فللمُقِرِّ رَدُّه في الرِّقِّ، وما في يَدِه له خاصَّةً؛ لأنَّ المُنْكِرَ قد أخَذَ حَقَّه مِن الكَسْبِ.
وإنِ اخْتَلَفَ المُنْكِرُ والمُقِرُّ فيما في يَدِ المُكاتَبِ، فقال المُنكرُ: هذا كان في يَدِه قبلَ دَعْوَى الكِتابَةِ -أو- كَسَبَه في حياةِ أبِينا.
وأنْكر ذلك المُقِرُّ، فالقولُ قولُه مع يَمينه؛ لأنَّ المُدَّعِيَ يَدَّعِي كَسْبَه في وَقْتٍ الأصْلُ عَدَمُه فيه، ولأنَّه لو اخْتَلَفَ هو والمُكاتَبُ في ذلك، كان القَوْلُ قول المُكاتَبِ، فكذلك مَنِ يقومُ مَقامَه.
وإن أدَّى الكِتابَةَ، عَتَقَ نَصِيبُ المُقِرِّ خاصَّةً، ولم يَسْرِ إلى نصِيبِ شَرِيكِه؛ لأنَّه 698 لم يُباشِرِ العِتْقَ، ولم يُنْسَبْ إليه، وإنَّما كان السَّبَبُ 699 من أبِيه، وهذا حَاكٍ 700 عن أبِيه مُقِرٌّ بفِعْلِه، فهو كالشاهدِ، ولأنَّ المُقِرَّ يَزْعُمُ أنَّ نَصِيبَ أخِيه حُرٌّ أيضًا؛ لأنَّه قَد قَبَضَ مِن العَبْدِ مثلَ ما قَبَضَ، فقد حَصَلَ أداءُ مالِ الكِتابَةِ

الجزء: 19 - الصفحة: 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إليهما جميعًا 701، فعَتَقَ كلُّه بذلك، ووَلاءُ النِّصْفِ للمُقِرِّ؛ لأنَّ أخاه لا يَدَّعِيه، والمُقِرُّ يَدَّعِي أنَّه كلُّه عَتَقَ بالكِتابَةِ وهذا الوَلاءُ الذي على هذا النِّصْفِ نصِيبِي 702 مِن الوَلاءِ.
وقال أصحابُ الشافعي: في ذلك وَجْهانِ.
أحدُهما، كقَوْلِنا.
والثاني، أنَّ الوَلاءَ بينَ الابْنَين؛ لأنَّه يَثْبُتُ لمَوْرُوثِهما، فكان لهما بالمِيرَاثِ.
قال شيخُنا 703: والصَّحيحُ ما قُلْناه؛ لما ذَكَرْنا, ولا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الوَلاءِ للأب واخْتِصاصُ أحَدِ الابنَين به، كما لو ادَّعَى أحَدُهما دَينًا لأبِيه على إنْسانٍ، وأَنْكَرَه الآخَرُ، فإنَّ المُدَّعِيَ يَأخذ نَصِيبَه مِن الدَّينِ ويَخْتَصُّ به دُونَ أخِيه، وإن كان يَرِثُه عن الأبِ، وكذلك 704 لو ادَّعَياه مَعًا، وأقاما به شاهِدًا واحدًا، فحلَفَ أحَدُهما مع الشاهِدِ، وأبَى الآخَرُ.
فإن أعْتَقَ أحَدُهما حِصَّتَه، عَتَقَ، وسَرَى إلى باقِيه إن كان مُوسِرًا.
هذا قولُ الخِرَقِيِّ؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ، وَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ العَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيهِ قِيمَةَ العَدْلِ، وأعْطى شُرَكَاءَه حِصَصَهُمْ» 705. ولأنَّه مُوسِرٌ عَتَقَ نَصِيبُه مِن عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ، فسَرَى إلى باقِيه، كغيرِ المُكاتَبِ.
وقال أبو بكر، والقاضي: لا يَعْتِقُ إلَّا حِصتُه؛ لأنَّه إنْ كان المُعْتِقُ المُقِرَّ، فهو مُنَفِّذٌ، وإن كان

الجزء: 19 - الصفحة: 340

فَإِن حَلَّ نَجْمٌ فَلَمْ يُودِّهِ، فَلِلسَّيِّدِ الْفَسْخُ.
وَعَنْهُ، لَا يَعْجِزُ حَتَّى يَحِلَّ نَجْمَانِ.
وَعَنْهُ، لَا يَعْجِزُ حَتَّى يَقُولَ: قَدْ عَجَزْتُ.
المُنْكِرَ، لم يَسْرِ إلى نَصِيبِ المُقِرِّ؛ لأنَّه مُكاتَبٌ لغيرِه، وفي سِرايةِ العِتْقِ إليه إبْطالُ سَبَبِ الوَلاءِ عليه، فلم يَجُزْ ذلك.

3023 -

مسألة: (وإن حَلَّ نَجْمٌ فلم يُؤَدِّه، فللسيدِ الفَسْخُ. وعنه، لا يَعْجِزُ حتى يَحِلَّ نَجْمانِ. وعنه، لا يَعْجِزُ حَتَّى يقولَ: قد عَجَزْتُ)

اخْتَلَفتِ الرِّوَايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه الله، فيما يجوزُ للسيدِ به فَسْخُ الكِتابةِ، فرُوِيَ عنه أنَّه يجوزُ له الفَسْخُ إذا عَجَزَ عن نَجْم واحدٍ.
وهو قولُ الحارثِ العُكْلِيِّ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّ السيدَ دَخَلَ على أن يُسَلِّمَ له مال الكِتابةِ على الوَجْهِ الذي كاتَبَه عليه، ويَدْفَعَ إليه المال في نُجُومِه، فإذا لم يُسَلِّمْ له لم يَلْزَمْه عِتْقُه.
ولأنَّه عَجَزَ عن أداءِ النَّجْمِ في وَقْتِه 706، فجازَ فسْخُ كِتابَتِه، كالنَّجْمِ الأخِيرِ.
ولأنَّه تَعَذَّرَ العِوَضُ في عَقْدِ مُعاوَضَةٍ، ووَجَدَ عينَ مالِه، فكان له الرُّجُوعُ، كما لو باع سِلْعَةً فأفْلَسَ المُشْتَرِي قبلَ نَقْدِ ثَمَنِها.
والروايةُ الثانيةُ، أنَّ السَّيِّدَ لا يَمْلِكُ الفَسْخَ حتَّى يَحِلَّ نَجْمانِ قبلَ أدائِهما.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
قال القاضي: وهو ظاهِرُ كلامِ أصحابِنا.
رُوِيَ ذلك عن الحكمِ، وابنِ أبي لَيلَى،

الحديث: 3023 - الجزء: 19 - الصفحة: 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأبي يوسفَ، والحسنِ بنِ صالحٍ؛ لما رُوِيَ عن علي، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: لا يُرَدُّ المُكاتَبُ في الرِّقِّ حتَّى يَتَوالى عليه نَجْمان 707. ولأنَّ ما بينَ النَّجْمَين مَحِلٌّ لأداءِ الأوَّلِ، فلا يتَحَقَّقُ العَجْزُ عنه حتى يَفُوتَ مَحِلُّه بحُلُولِ الثاني.
والروايةُ الثالثةُ، أنَّه لا يَعْجِزُ حتى يقولَ: قد عَجَزْتُ.
رَواها عنه ابنُ أبي موسى.
وروى عنه أنَّه إذا أدَّى أكثرَ مالِ الكِتابةِ، لم يُرَدَّ إلى الرِّقِّ، واتْبعَ بما بَقِيَ.
وإذا قُلْنا: للسيدِ الفَسْخُ.
لم تَنْفَسِخِ الكِتابةُ بالعَجْزِ، بل له مُطالبَةُ المُكاتَبِ بما حَلَّ مِن نُجُومِه؛ لأنَّه دَينٌ له حَلَّ، فأشْبَهَ دَينَه على الأجْنَبِيِّ، [وله] 708 الصَّبْرُ عليه وتأخِيرُه به، سَوَاءٌ كان قادِرًا على الأداءِ أو عاجِزًا؛ لأنَّه حَقٌّ له سَمَحَ بتأخِيرِه، أشْبَهَ الدَّينَ على الأجْنَبِيِّ.
فإنِ اختار الصَّبْرَ عليه لم يَمْلِكِ [العَبْدُ الفَسْخَ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ، على أنَّ] 709 المُكاتَبَ إذا حَلَّ عليه نَجْمٌ، [أو نَجْمان] 710، أو نُجُومُه كُلُّها، فوَقَفَ 711 السَّيِّدُ عن مُطالبَتِه وتَرَكَه بحالِه، أنَّ الكِتابَةَ لا تَنْفَسِخُ،

الجزء: 19 - الصفحة: 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ما داما ثابتَين على العَقْدِ الأوَّلِ.
وإن أجَّلَه به ثم بَدا له الرُّجُوعُ، فله ذلك؛ لأنَّ الحالَّ لا يتَأجَّلُ بالتَّأجِيلِ، كالقَرْضِ.
وإنِ اخْتار السيدُ فَسْخَ كِتابتِه ورَدَّه إلى الرِّقِّ، فله ذلك، بغيرِ حُضُورِ حاكمٍ ولا سُلْطانٍ، ولا تَلْزَمُه الاسْتِنابَةُ.
فعَل ذلك [ابنُ عُمَرَ] 712. وهو قولُ شُرَيحٍ، والنَّخَعِيِّ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
وقال ابنُ أبي لَيلَى: لا يكونُ عَجْزُه إلَّا عندَ قاضٍ.
وحُكِيَ نحوُه عن مالكٍ.
وقال الحسنُ: إذا عَجَزَ اسْتُؤْنِي 713 بعدَ العَجْزِ سَنَتَين.
وقال الأوْزَاعِيُّ: شَهْرَين.
ولَنا، ما روَى سعيدٌ بإسنادِه عن ابنِ عمرَ، أنَّه كاتَبَ عبدًا له على ألفِ دِينارٍ، وعَجَزَ عن مائةِ في ينارٍ، فرَدَّه في الرِّقِّ 714. وبإسنادِه عن عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ، عن ابنِ عمرَ، أنَّه كاتَبَ عبدَه على عشرينَ ألْفًا، فأدَّى عَشَرةَ آلافٍ، ثم أتاهُ، فقال: إني طُفْتُ العِراقَ والحِجازَ، فرُدَّنِي في الرِّقِّ.
فرَدَّه.
ورُوِيَ عنه أنَّه كاتَبَ عبدًا له على ثَلاثِينَ ألْفًا، فقال له: أنا عاجِزٌ.
فقال له: امْحُ كِتابَتَك.
فقال: امْحُ أنتَ 715.

الجزء: 19 - الصفحة: 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وروَى سعيدٌ، بإسْنادِه عن عمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَطَبَ، فقال: «أيُّمَا رَجُل كَاتَبَ غُلَامَهُ عَلَى مِائَةِ أوقِيَّةٍ، فَعَجَزَ عَنْ عَشْرِ أراقٍ، فَهُوَ رَقِيقٌ» 716. ولأنَّه عَقْد عَجَزَ عن عِوَضِه، فمَلَكَ مُسْتَحِقُّه 717 فَسْخَه، كالسَّلَمِ إذا تَعَذَّرَ المُسْلَمُ فيه.
فإن قيل: فلِمَ كانتِ الكِتابةُ لازِمَةً مِنِ جِهَةِ السيدِ، غيرَ لازِمَةٍ مِن جِهَةِ العبدِ؟ قُلْنا: بل هي لازِمَةٌ مِن الطرفين، ولا يَمْلِكُ العبدُ فَسْخَها، وإنَّما له أن يُعَجِّزَ نَفْسَه، ويَمْتَنِعَ مِن الكَسْبِ، وإنَّما جاز له ذلك لوَجْهَين: أحدُهما، أنَّ الكِتابةَ تَتَضَمَّنُ إعْتاقًا بصِفَةٍ، ومَن عُلِّقَ عِتْقُه بصِفةٍ لم يَمْلِكْ إبْطالها، ويَلْزَمُ وقوعُ العِتْقِ بالصِّفَةِ، ولا يَلْزَمُ العَبْدَ الإتيانُ بها ولا الإِجْبارُ عليها.
الثاني، أنَّ الكِتابَةَ لحظِّ العبدِ دُونَ سيدِه، فكان لازِمًا، كمَن 718 ألزَمَ نَفْسَه حَظَّ غيرِه، وصاحِبُ الحَط بالخِيارِ فيه، كمَن ضَمِنَ لغيرِه شيئًا أو كَفَلَ له أو رَهَنَ عندَه رَهْنًا.

الجزء: 19 - الصفحة: 344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا حَلَّ النَّجْمُ على المُكاتَبِ ومالُه حاضِرٌ عندَه، طُولِبَ به، ولم يَجُزِ الفَسْخُ قبلَ الطَّلَبِ، كما لا يجوزُ فَسخُ البَيعِ والسَّلَمِ بمُجَرَّدِ وُجُوبِ الدَّفْعِ قبلَ الطَّلَبِ.
فإن طُلِبَ منه، فذكَرَ أنَّه غائِبٌ عن المجْلِس في ناحِيةٍ مِن نواحِي البَلَدِ، أو قَرِيبٌ منه على مسافةٍ لا تُقْصَرُ فيها الصَّلاةُ يُمْكِنُ 719 إحْضارُه قَرِيبًا، لم يَجُزْ فَسْخُ الكِتابَةِ، وأمْهِلَ بقَدْرِ ما يَأتِي به إذا طَلَبَ الإِمْهال؛ لأنَّ هذا يَسِيرٌ لا ضَرَرَ فيه.
وإن كان معه مالٌ مِن غيرِ جِنْسِ مالِ الكِتابَةِ، فطَلَبَ الإِمْهال ليَبِيعَه بجِنْسِ مالِ الكِتابَةِ، أمْهِلَ.
وإن كان المالُ غائِبًا أكثرَ مِن مسافَةِ القَصْرِ لم يَلْزَمِ الإِمْهالُ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان له مالٌ حاضِرٌ، أو غائِبٌ يَرْجُو قُدُومَه، [اسْتُؤْنِي يَوْمَين وثَلاثةً] 720، لا أزيدُه على ذلك.
لأنَّ الثلاثةَ آخِرُ حَدِّ القِلّةِ والقُرْب؛ لِما بَيَّنَّاه فيما مَضَى، وما زاد عليها في حَدِّ الكَثْرَةِ 721. وهذا كله قريبٌ بعضُه مِن بعض.
فأمَّا إذا كان قادرًا على الأداءِ واجِدًا لما يُؤَدِّيه، فامْتَنَعَ مِن أدائِه، و 722 قال: قد عجَزْتُ.
فقال الشَّرِيف أبو جَعْفَرٍ، وجماعةٌ مِن 723 أصْحابِنا المتَأخِّرين: يَمْلِكُ

الجزء: 19 - الصفحة: 345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  السيدُ الفَسْخَ.
وهو الذي ذَكَرَه شيخُنا في الكتابِ المَشْرُوحِ، وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وقال أبو بكرِ بنُ جَعْفَرٍ: ليس له ذلك، ويُجْبَرُ على تَسْلِيمِ العِوَضِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والأوْزَاعِيِّ.
وقد ذُكِرَ ذلك في كتابِ البَيعِ.
وفيه رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه إذا قَدَرَ على أداءِ المالِ كُلِّه، أنَّه يَصِيرُ حُرًّا بِمِلْكِ ما يُؤَدِّي.
وقد ذَكَرناها.
فصل: فإن حَلَّ النَّجْمُ والمُكاتَبُ غائِبٌ بغيرِ إذْنِ سيدِه، فله الفَسْخُ.
وإن كان غاب بإذْنِه، لم يكنْ له أن يَفْسَخَ؛ لأنَّه أذِنَ في السَّفَرِ المانِعِ مِن الأداءِ، لكنْ يُرْفَعُ الأمْرُ إلى الحاكِمِ، ليَجْعَلَ للسيدِ فَسْخَ الكِتابةِ.
وإن كان قادِرًا على الأداءِ، طالبَه بالخُرُوجِ إلى البَلَدِ الذي فيه السيدُ ليُؤَدِّيَ مال الكِتابَةِ، أو يُوَكِّلَ مَن يَفْعَلُ ذلك، فإن فَعَلَه في أوَّلِ حالِ الإِمكانِ عندَ خُرُوجِ القافلةِ، إن كان لا يُمْكِنُه الخروجُ إلَّا معها, لم يَجُزِ الفَسْخُ، [وإن أخَّرَه مع الإِمكانِ، ومَضَى زَمَنُ المَسِيرِ، ثَبَتَ للسيدِ خيارُ الفسْخِ، وإن كان قد جَعَلَ للوكيلِ الفَسْخَ] 724 عندَ امتناعِ المُكاتَبِ مِن الدَّفْعِ إليه، جازَ، وله الفَسْخُ إذا ثَبَتَتْ وَكالتُه ببَينةٍ، بحيث يَأمَنُ المُكاتَبُ إنْكارَ السيدِ، فإن لم يَثْبُتْ ذلك، لم يَلْزَمِ المُكاتَبَ الدَّفْعُ إليه، وكان

الجزء: 19 - الصفحة: 346

وَلَيسَ لِلْعَبْدِ فَسْخُهَا بِحَالِ.
وَعَنْهُ، لَهُ ذَلِكَ.
له عُذْرٌ يَمْنَعُ جوازَ الفَسْخِ؛ لأنَّه لا يَأمَنُ أن يُسَلِّمَ إليه فيُنْكِرَ السيدُ وكالتَه ويَرْجِعَ على المُكاتَبِ بالمالِ، وسَواءٌ صَدَّقَه في أنَّه وكيل أو كَذَّبَه.
فإن كَتَبَ حاكِمُ البَلَدِ الذي فيه السيدُ إلى حاكِمِ البَلدِ الذي فيه المُكاتَبُ ليَقْبِض منه المال، لم يَلْزَمْه ذلك؛ لأنَّ هذا تَوْكِيلٌ لا يَلزَمُ الحاكمَ الدُّخُولُ فيه، فإنَّ الحاكمَ لا يُكَلَّفُ القَبْضَ للبالغِ الرَّشِيدِ، فإنِ اخْتار القَبْضَ جَرَى مَجْرَى الوَكِيلِ، ومتَى قَبَضَ منه المال عَتَقَ.

3024 -

مسألة: (وليس للعبدِ فَسْخُها بحالٍ)

لأنَّها عَقْدٌ لازِمٌ، ومَقْصُودُها ثُبُوتُ الحُرِّيَّةِ في العبدِ، وذلك حَقٌّ لله تعالى، فلا يَمْلِد العَبْدُ فَسْخَه وإن كان له فيه حَظٌّ (وعنه، له ذلك) لأنَّ العَقْدَ لحظه، فمَلَكَ فَسْخَه، كالمُرْتَهِنِ له فَسْخُ الرَّهْنِ دونَ الرَّاهِنِ، وإنِ اتَّفَقَ هو والسيدُ على فَسْخِها جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، فجازَ باتِّفاقِهِما، كفَسْخِ البَيعِ والإِجَارَةِ.

الحديث: 3024 - الجزء: 19 - الصفحة: 347

وَلَوْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ مُكَاتَبِهِ، ثُمَّ مَاتَ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ.
وَيَحْتَمِلُ إلا يَنْفسِخَ حَتَّى يَعْجِزَ.

3025 - مسألة: (ولو زَوَّجَ ابْنَتَه مِن مُكاتَبِه، ثم مات، انْفَسخَ النِّكاحُ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَنْفَسِخَ حَتى يَعْجِزَ)

إذا زَوَّجَ السيدُ ابْنَتَه مِن مُكاتَبِه برِضاها، ثم مات السيدُ وكانت مِن الوَرَثَةِ، انْفَسَخَ النِّكاحُ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
[وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْفَسِخُ النكاحُ] 725؛ لأنَّها لا تَرِثُه، وإنَّما تَمْلِكُ نَصيبَها مِن الدَّينِ الذي عليه، بدَليلِ أنَّ الوارِثَ لو أبرأ المُكاتَبَ مِن الدَّينِ عَتَقَ، وكان الوَلاءُ للمَيِّتِ لا للوَارِثِ، فإن عَجَزَ وعادَ رَقِيقًا قِنا 726 انْفَسَخَ النِّكاحُ حِينَئذٍ؛ لأنَّها مَلَكَتْ نَصِيبَها منه.
ولَنا، أنَّ المُكاتَبَ مَملوكٌ لسَيِّدِه، لا يَعْتِقُ بمَوْتِه، فوجَبَ أن يَنْتَقِلَ إلى وَرَثَتِه، كسائِرِ أمْلاكِه، ولأنَّها لا يجوزُ لها ابْتِداءُ نِكاحِه؛ لأجْلِ المِلْكِ، فانْفَسَخَ نِكاحُها بتَجَدُّدِ ذلك فيه، كالعبدِ القِنِّ.
وأمَّا كونُ الولاءِ للمَيِّتِ، فلأنَّ السَّبَبَ وُجِدَ منه، فنُسِبَ العِتْقُ إليه، وثَبَتَ الولاءُ له.
إذا ثَبَتَ هذا،

الحديث: 3025 - الجزء: 19 - الصفحة: 348

وَيَجِبُ عَلَى سَيِّدِهِ أنْ يُؤتِيَهُ رُبْعَ مَالِ الْكِتَابَةِ، إِنْ شَاءَ وَضَعَهُ عَنْهُ، وَإنْ شَاءَ قَبَضَهُ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَيهِ.
فلا فَرْقَ بينَ أن تَرِثَه كلَّه أو تَرِثَ بعضَه؛ لأنَّها إذا مَلَكَتْ منه جُزْءًا انْفَسَخَ النِّكاحُ فيه، فبَطَلَ في باقِيه؛ لأنَّه لا يتَجَزأ (1). فإن كانت لا تَرِثُ أباها لمانِع مِن مَوانِعِ الميراثِ، فنِكاحُها باقٍ بحالِه.
والحكْمُ في سائِرِ الوَرَثَةِ مِن النِّساءِ كالحكمِ في البنتِ.
وكذلك لو تَزَوَّجَ رجلٌ مُكاتَبَةً، فوَرِثَها أو بعضَها، انْفَسَخَ نِكاحُه؛ لذلك.

3026 -

مسألة: (ويَجِبُ على السيدِ أن يُؤْتِيَه رُبْعَ مالِ الكِتابَةِ، إن شاء وَضَعَه عنه، وإن شاء قَبَضَه ثم دَفَعَه إليه)

الكلامُ في الإِيتاءِ في خمسةِ فُصُولٍ: وُجُوبِه، وقَدْرِه، وجِنْسِه، ووَقْتِ جَوازِه، وَوَقْتِ وُجُوبِه.727

الحديث: 3026 - الجزء: 19 - الصفحة: 349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفصل الأوَّلُ: أنَّه يَجِبُ على السيدِ إيتاءُ المُكاتَبِ شيئًا ممَّا كُوتِبَ عليه.
رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه.
وبه قال الشافعيُّ، وإسحاق.
وقال بُرَيدَةُ، والحسنُ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ: ليس بواجِبٍ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فلا يَجبُ فيه الإِيتاءُ، كسائِرِ عُقُودِ المُعاوَضاتِ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ 728. وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ.
قال عليٌّ، رَضِيَ اللهُ عنه: ضَعُوا عنهمِ 729 رُبْعَ مالِ الكِتابَةِ 730. وعن ابنِ عباس، قال: ضَعُوا عنهم مِن مُكاتبَتِهم 731 شيئًا 732. وتُفارِق الكِتابَةُ سائِرَ العُقُودِ، فإنَّ القَصْدَ بها رِفْقُ العبدِ، بخِلافِ غيرِها, ولأنَّ الكِتابَةَ يَسْتَحِقُّ بها الوَلاءَ على العبدِ مع المُعاوَضَةِ، فكذلك يَجِبُ أن يَسْتَحِقَّ العبدُ على السيدِ شيئًا.
فإن قِيلَ: المُرادُ بالإِيتاءِ إعْطاؤه سهْمًا مِن الصَّدَقَةِ، والنَّدْبُ إلى التَّصَدُّق عليه، وليس ذلك وَاجِبًا، بدليلِ أنَّ العَقْدَ يُوجِبُ العِوَضَ عليه، فكيف يَقْتَضِي إسْقاطَ شيءٍ منه؛ قُلْنا: أمَّا الأوَّلُ، فإنَّ عَلِيًّا، وابنَ عباس، رَضِيَ الله

الجزء: 19 - الصفحة: 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عنهما، فسَّراه بما ذَكرناه، وهما أعْلَمُ بتأويلِ القُرآنِ، وحَمْلُ الأمْرِ على النَّدْبِ يُخالِفُ مُقْتَضَى الأمْرِ، فلا يُصارُ إليه إلَّا بدليلٍ.
وقولُهم: إنَّ العَقْدَ يُوجِبُ عليه، فلا يَسْقُطُ عنه.
قُلْنا: إنَّما يَجِبُ الرِّفْقُ به عندَ آخِرِ كِتابَتِه، [رفْقًا به] 733، ومُواساةً له، وشكرًا لنِعْمَةِ اللهِ تعالى، كما تَجِبُ الزَّكاةُ مُواساةً مِن النِّعْمَةِ التي أنْعَمَ الله تعالى بها على عَبْدِه.
ولأنَّ العَبْدَ وَلِيَ جَمْعَ 734 هذا المالِ وتَعِبَ فيه فاقْتَضَى الحالُ مُواساتَه منه، كما أمَر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بإطْعام عَبْدِه مِن الطَّعامِ الذي وَلِيَ حَرَّه ودُخَانَه 735. واخْتَصَّ هذا بالوُجُوبِ؛ لأَنَّ فيه مَعُونَةً على العِتْقِ، وإعانَةً لمن يَحِقُّ على اللهِ تعالى عَوْنُه، فإنَّ أبا هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللهِ

الجزء: 19 - الصفحة: 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَعَالى عَوْنُهُم؛ المُجَاهِدُ في سَبِيلِ اللهِ، والمُكاتَبُ الَّذي يُرِيدُ الأدَاءَ، والنَّاكِحُ الذِى يُرِيدُ العَفَافَ».
قال التِّرْمِذِيُّ 736: هذا حَدِيث حَسَنٌ.
الفصل الثاني: في قَدْرِه، وهو الرُّبْعُ.
ذَكَرَه الخِرَقِي، وأبو بكر، وغيرُهما مِن أصْحابِنا.
رُوِيَ ذلك عن علي، رَضِيَ الله عنه.
وقال قتادَة: العُشْرُ.
وقال الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: يُجْزِئ ما يَقَعُ عليه.
الاسْمُ.
وهو قولُ مالكٍ، إلَّأ أنَّه عِندَه مُسْتَحَب؛ لقولِ الله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
و «مِن» للتبعِيضٍ، والقَلِيلُ بعضٌ، فيُكْتَفَى به.
وقال ابنُ عباس: ضَعُوا عَنْهم مِن مُكاتبَتِهم شيئًا.
ولأنَّه قد ثَبَتَ أنَّ المُكاتَبَ لا يعْتِقُ حتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ الكِتابَةِ، بما ذَكَرْنا مِن الأخْبارِ، ولو وَجَبَ إيتاؤه الرُّبْعَ، لوَجَبَ أن يَعْتِقَ إذا أدَّى ثَلاثةَ أرْباعِ الكِتابةِ، ولا يَجِبُ عليه أداءُ مالٍ يجبُ رَدُّه إليه.
وقد رُوِيَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه كاتَبَ عبْدًا له على خَمْسَةٍ وثلاثينَ ألْفًا، فأخَذَ منه ثلاثين، وتَرَكَ له خَمْسةً 737. ولَنا، ما روَى أبو بكر بإسْنادِه عن علي، رَضِيَ الله عنه، عن - صلى الله عليه وسلم -:

الجزء: 19 - الصفحة: 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
قال: «رُبْعُ المُكاتَبةِ 738» 739. ورُوِيَ مَوْقُوفًا على 740 علي، رَضِيَ الله عنه.
ولأنَّه مالٌ يَجبُ إيتاؤُه مُواساةً بالشرْعِ، فكان مُقَدَّرًا، كالزَّكاةِ، ولأنَّ حِكْمَةَ إيجابِه الرِّفْقُ بالمُكاتَبِ وإعانَتُه على تَحْصِيلِ العِتْقِ، وهذا لا يَحْصُلُ باليَسيرِ الذي هو أقَلُّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ، فلم يَجُزْ أن يكونَ هو الواجبَ، وقولُ الله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
إذا وَرَدَ غيرَ مُقَدَّرٍ فيه، فإنَّ السنةَ بَيَّنَتْه وقدَّرَته، كالزَّكاةِ.
الفصل الثالث: في جِنْسِه، إن قَبَضَ مال الكِتابةِ، ثم أعْطاه منه، أجْزأ؛ لأنَّ الآيةَ تَقْتَضِيه.
وإن وَضَعَ عنه ممَّا وَجَبَ عليه جاز؛ لأنَّ الصَّحابَةَ، رَضِي اللهُ عنهم، فَسَّرُوا الآيَةَ بذلك، ولأنَّه أْبلَغُ في النَّفْعِ، وأعْوَنُ على حُصُولِ العِتْقِ، فيكونُ أفْضَلَ مِن الإِيتاءِ، وتَدُلُّ الآية عليه مِن طَرِيقِ التنبيهِ.
وإن أعْطاه من جِنْسِ مالِ الكتابةِ من غيرِه جاز.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزمَ المُكاتَبَ قَبُولُه.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الله تعالى أمَرَ بالإِيتاء منه.
ولَنا، أنَّه لا فَرْقَ في المعنى بينَ الإِيتاءِ منه والإِيتاءِ

الجزء: 19 - الصفحة: 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  من غيرِه، إذا كان مِن جِنْسِه، فوَجَبَ أن يَتَساوَيا في الإِجْزاءِ، كالزَّكاةِ، وغيرُ المَنْصُوصِ إذا كان في مَعْناه الحِقَ به، ولذلك جاز الحَطُّ عنه، وليس هو بإيتاءٍ، لمَّا كان في مَعْناه.
وإن آتاه مِن غيرِ جِنْسِه، مثلَ أن يُكاتِبَه على دَراهِمَ، فيُعْطِيَهُ دَنانِيرَ أو عُرُوضًا، لم يَلْزَمْه قَبُوله؛ لأنَّه لم يُؤتِه منه ولا مِن جِنْسِه.
ويَحْتَمِلُ اللُّزُومَ، لحصولِ الرِّفْقِ به، فإنْ رَضِيَ المُكاتَبُ بها جازَ.
الفصل الرابع؛ في وَقت جوازِه، وهو مِن حينِ العَقْدِ، [لقولِ اللهِ تعالى] 741: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا وَآتُوهُمْ﴾.
وذلك يَحْتاجُ إليه مِن حينِ العَقْدِ، وكلَّما عَجَّلَه كان أفْضَلَ؛ لأنَّه يكونُ أنْفَعَ، كالزَّكاةِ.
الفصل الخامس: في وقتِ وُجُوبه، وهو حينَ العِتْقِ؛ لأنَّ الله تعالى أمَرَ بإيتائِه مِن المالِ الذي آتاه، وإذا آتَى المال عَتَقَ، فيَجِبُ إيتاؤه حينَئِذٍ.
قال عليٌّ، رَضِيَ اللهُ عنه: الكِتابةُ على نَجْمَين، والإِيتاءُ مِن الثاني 742. فإن مات السيدُ قبلَ إيتائِه فهو دَينٌ في تَرِكَتِه؛ لأنَّه حَقٌّ واجِب، فهو كسائِرِ دُيُونِه، فإن ضاقَت التَّركَةُ عنه وعن غيرِه مِن الدُّيُونِ، تحاصُّوا في الترِكَةِ

الجزء: 19 - الصفحة: 354

فَإِنْ أدَّى ثَلاثَةَ أرْبَاعَ مَال الْكِتَابَةِ وَعَجَزَ عَنَ الرُّبْع، عَتَقَ، وَلَمْ تَنْفَسِخِ الْكتَابَةُ في قَوْلِ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ.
بقَدْرِ حُقُوقهم، ويُقَدَّمُ على الوَصايَا؛ لأنَّه دَينٌ، وقد قَضَى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الدَّينَ قبل الوَصِيَّةِ (1).

3027 -

مسألة: (فإن أدَّى ثلاثةَ أرْباعِ الكتابةِ وعَجَزَ عن الرُّبْعِ، عَتَقَ، ولم تَنْفَسِخ، الكِتابَةُ في قَوْل القاضِي وأصحابِه)

وهو قوله أبي بَكْرِ؛ لأنَّه يَجِبُ رَدُّه إليه، فلا يُرَدُّ إلى الرِّقِّ لعَجْزِه عنه؛ لأنَّه عَجَزَ عن أداءِ حَقِّ هو له 744 لا حَقَّ للسيدِ فيه، فلا مَعْنَى لتَعْجِيزِه فيما يَجِبُ رَدُّه إليه.
وقال عليٌّ، رَضِيَ الله عنه: يَعْتِقُ بقَدْرِ ما أدَّى 745. لما روَى ابنُ عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إِذا أصَابَ المُكاتَبُ حَدًّا أو مِيرَاثًا، وَرِثَ بحِسَابِ ما عَتَقَ مِنْهُ، ويُؤَدِّي المُكاتَبُ بحِصَّةِ ما أدَّى دِيَةَ حُرٍّ، ومَا بَقِيَ دِيَةَ عَبْدٍ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 746. وقال: حديثٌ حَسَنٌ.
ورُوِيَ عن عمرَ، وعلي، أنَّه إذا أدَّى الشَّطْرَ فلا رِقَّ عليه 747. ورُوِيَ ذلك عن743

الحديث: 3027 - الجزء: 19 - الصفحة: 355

وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أنهُ لَا يَعْتِقُ حَتَّى يُؤدِّيَ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ.
النَّخَعِيِّ.
وقال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: إذا أدَّى قَدْرَ قِيمَتِه فهو غَرِيمٌ (وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه لا يَعْتِقُ حتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ الكِتابَةِ) وروَى الأثْرَمُ، عن عمرَ وابْنِه، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وعائشةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِيِّ، أنَّهم قالوا: المُكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ.
وهو قولُ القاسمِ، وسالم، وسليمانَ بنِ يسارٍ، وعطاءٍ، وقتادَةَ، والثَّوْرِي، وابنِ شُبْرُمَةَ، ومالكٍ، والأوْزَاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأي.
ورُوِيَ ذلك عن أمِّ سَلَمَةَ؛ لِما روَى سعيدٌ بإسْنادِه 748: ثنا هُشَيمٌ، عن حَجَّاجٍ، عن عمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما رَجُل كاتَبَ غُلَامَهُ عَلَى مِائَةِ أوقِيَّةٍ، فَعَجَزَ عَنْ عَشْرِ أوَاقٍ، فَهُوَ رَقِيقٌ» 749. وعن عمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبِيه عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «المُكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ».
رَواه أبو داودَ 750. ولأنَّه عِوَضٌ عن المُكاتَبِ، فلا يَعْتِقُ قبلَ أدائِه،

الجزء: 19 - الصفحة: 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالقَدْرِ المُتَّفَقِ عليه، ولأنَّه لو عَتَقَ بَعْضُه لسَرَى إلى باقِيه، كما لو باشَرَه بالعِتْقِ.
فأمَّا حديثُ ابنِ عباسٍ، فمَحْمُولٌ على مُكاتَبٍ لرَجُلٍ مات وخَلَّفَ ابْنَين، فأقَرَّ أحَدُهما بكتابَتِه وأنْكَرَ الآخَرُ، فأدَّى إلى المُقِرِّ، [وما أشْبَهَها] 751 مِن الصُّوَرِ، جَمْعًا بينَ الأخْبارِ، وتَوْفِيقًا بينَها وبينَ القِياسَ، ولأنَّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا كانَ لإِحْدَاكُنَّ مُكاتَبٌ، [وكان عِندَه] 752 ما يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ منه» 753. دليلٌ على اعْتِبارِ جميعِ ما يُؤَدِّي.
وروَى سعيدٌ بإسْنادِه عن أبي قِلابَةَ قال: كُنَّ -أزْوَاجُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لا يَحْتَجبْنَ منِ مُكاتَبٍ 754 ما بَقِيَ عليه دِينارٌ 755. ويجوزُ أن يَتَوقَّفَ العِتْقُ على أَداءِ الجميعِ وإن وَجَب رَدُّ البَعْضِ إليه، كما لو قال: إذا أديت إليَّ فأنْتَ حُر، وللهِ عليَّ رَدُّ رُبْعِها إليك.
فإنَّه لا يَعْتِقُ حتَّى يُؤَديها، وإن وَجَبَ عليه رَدُّ بعضِها.

الجزء: 19 - الصفحة: 357

فَصْلٌ: وَإِذَا كَاتَبَ عَبِيدًا لَهُ كِتَابَةً وَاحِدَةً بِعِوَضٍ وَاحِدٍ صَحَّ،  فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ الله عنه: (وإذا كاتَبَ عَبِيدًا له كتابَةً واحدَةً بعِوَضٍ واحِدٍ صَحَّ) [وذلك] 756 مثل أن يُكاتِبَ ثَلاثَةَ أعْبُدٍ له بألفٍ، فيَصِحُّ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عطاءٌ، وسليمانُ بنُ موسى، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، والحسنُ بنُ صالحٍ، وإسحاقُ.
وهو المنْصُوصُ عن الشافعيِّ.
وقال بعضُ أصحابِه: فيه قولٌ آخَرُ، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ العَقْدَ مع ثلاثَةٍ كعُقُودٍ ثَلاثةٍ، وعِوَضُ كُلِّ واحِدٍ منهمِ مَجْهُولٌ، فلم يَصِحَّ، كما لو باعَ كلَّ واحِدٍ منهم لواحِدٍ صَفْقَةً واحدةَ بعِوَضٍ واحِدٍ.
ولَنا،

الجزء: 19 - الصفحة: 358

وَيُقَسَّطُ الْعِوَضُ بَينَهُمْ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمْ، وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ منْهُمْ مُكَاتَبًا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، يَعْتِقُ بِأَدَائِهَا، وَيَعْجِزُ بِالْعَجْزِ عَنْهَا وَحْدَهُ.
أنَّ جُملةَ العِوَضِ مَعْلُومَةٌ، وإنَّما جَهِلَ تَفْصِيلُه، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ العَقْدِ، كما لو باعَهُم لواحِدٍ.
وعلى قولِ مَن قال: إنَّ العِوَضَ يكونُ بينَهم على السَّوَاءِ.
فقد عُلِمَ أيضًا تَفْصِيلُ العِوَضِ، وعلى كلِّ واحدٍ منهم ثُلُثٌ، وكذا يقولُ فيما لو باعَهم لِثلاثةٍ.

3028 -

[مسألة: (ويُقَسَّطُ العِوَضُ بينَهم على قَدْرِ قِيمَتِهم، ويكونُ كلُّ واحدٍ منهم مُكاتَبًا بقَدْرِ حِصَّتِه، يَعْتِقُ بأدائِها, ويَعْجزُ بالعَجْزِ عنها وحدَه)]

757. إذا ثَبَتَ هذا، [فإنَّ كلَّ] 758 واحِدٍ منهم 759 مُكاتَبٌ بحِصَّتِه مِن الألْفِ، يُقْسَمُ بينَهم على قَدْرِ قِيمَتِهم حينَ العَقْدِ؛ لأنَّه حينُ المُعاوضَةِ وزوالِ سُلْطانِ السيدِ عنهم، فإذا أدَّاة عَتَقَ.
وهذا قولُ عَطاءٍ،

الحديث: 3028 - الجزء: 19 - الصفحة: 359

وَقَال أبُو بَكْرٍ: الْعِوَضُ بَينَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ، وَلَا يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَتَّى تُؤَدَّى جَمِيعُ الْكِتَابَةِ.
وسليمانَ بنِ موسى، والحسنِ بنِ صالحٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ.
(وقال أبو بكرٍ) عبد العزيزِ: يَتَوَجَّه لأبي عبدِ الله قِولٌ آخر، أنَّ (العِوَضٍ بينَهم) على عَدَدِ 760 رُءوسِهم، فيَتَساوَوْن فيه؛ لأنَّه أُضِيفَ إليهم إضافَةً واحِدَةً، فكان بينَهم بالسَّويَّةِ, كما لو أقَرَّ لهم بشيءٍ.
ولَنا، أنَّ هذا عِوَضٌ، فيَتَقَسَّطُ على المُعَوِّضِ, كما لو اشْتَرَى شِقْصًا وسَيفًا، وكما لو اشْتَرَى عَبِيدًا فرَدَّ واحدًا منهم بعَيبٍ، أو تَلِفَ أحدُهم ورَدَّ الآخَرَ.
ويُخالِفُ الإِقْرارَ؛ فإنَّه ليس بعِوَضٍ.
إذا ثَبَتَ ذلك، فأيُّهم أدَّى حِصَّتَه عَتَقَ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقال ابن أبي موسى: (لا يَعْتِق واحدٌ منهم حتى تُؤَدَّى جَمِيعُ الكِتابةِ) وحُكِيَ ذلك عن أبي بكرٍ.
وهو قولُ مالكٍ.
وحُكِيَ عنه،

الجزء: 19 - الصفحة: 360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّه 761 إذا امْتَنَعَ أحدُهم عن 762 الكَسْب مع القُدْرَةِ عليه أُجْبِرَ عليه الباقُون.
واحْتَجُّوا بأنَّ الكِتابَةَ واحِدَةٌ؛ بدليلِ أنَّه لا يَصِحُّ مِن كلِّ واحِدٍ منهم الكتابةُ بقَدْرِ حِصَّتِه دُونَ الباقِين، ولا يَحْصُلُ العِتْقُ إلَّا بأداءِ جميعِ الكِتابةِ, كما لو كان المُكاتَبُ واحِدًا.
وقال أبو حنيفةَ: إن لم يقُلْ لهمُ السيدُ: إن أدَّيتُم عَتَقْتم.
فأيُّهم أدَّى بحِصَّتِه عَتَقَ، وإن أدَّى 763 جَمِيعَها، عَتَقُوا كلُّهم، ولم يَرْجِعْ على صَاحِبِه بشيءٍ.
وإن قال لهم: إن أدَّيتُمْ عَتَقْتُم.
لم يَعْتِقْ واحِدٌ منهم حتى يُؤَدِّيَ الكِتابَةَ كُلَّها، ويكونُ بعضُهم حَمِيلًا عن بعض، ويأخُذُ أيُّهم شاء بالمالِ، وأيُّهم أدَّاها عَتَقُوا كُلُّهم، ويَرْجِعُ على صَاحِبَيه بحِصَّتِهما.
ولَنا، أنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ مع ثلاثةٍ، فيَبْرأُ كلُّ واحِدٍ منهم بأداءِ حِصَّتِه، كما لو اشْتَرَوْا عبدًا 764، وكما لو لم يَقُلْ لهم: إن أدَّيتُم عَتَقْتُم.
على أبي حنيفةَ، فإنَّ قولَه ذلك لا يُؤَثِّرُ؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَ العِتْقِ بأداءِ العِوَضِ، لا بهذا القولِ، بدَليلِ أنَّه يَعْتِقُ بالأداءِ بدُونِ هذا القولِ، ولم يَثْبُتْ كونُ هذا القولِ مانِعًا مِن العِتْقِ.
وقولُه: إنَّ هذا العَقْدَ كِتابةٌ واحِدَةٌ.
مَمْنُوعٌ، فإنَّ العَقْدَ مع جماعةٍ عُقُودٌ، بدليلِ البَيعِ.
ولا يَصِحُّ القِياسُ

الجزء: 19 - الصفحة: 361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على كتابةِ الواحِدِ؛ لأنَّ ما قَدَّرَه في مُقابَلَةِ عِتْقِه، وههُنا في مُقابَلَةِ عِتْقِه ما 765 يَخُصمه، فافْتَرَقَا.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن شَرَطَ عليهم في العَقْدِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ منهم ضامِنٌ عن (1) الباقِين، فَسَدَ الشَّرْطُ، والعَقْدُ صَحِيحٌ.
وقال أبو الخَطَّابِ: فيه رِوَايةٌ أُخْرَى، أنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ.
وخَرَّجَهُ ابنُ حامِدٍ وَجْهًا، بِناءً على الرِّوايَتَين في ضَمانِ الحُرِّ لمالِ الكتابةِ.
وقال الشافعيُّ: العَقْدُ والشَّرْطُ فاسِدان؛ لأنَّ الشَّرْطَ فاسِدٌ، ولا يُمْكِنُ تَصحيحُ العَقْدِ بدُونِه؛ لأنَّ السيدَ إنَّما رَضِي بالعَقْدِ بهذا الشَّرْطِ، فإذا لم يَثْبُتْ لم يكُنْ راضِيًا بالعَقْدِ، وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: العَقْدُ والشَّرْطُ صَحِيحانِ؛ لأنَّه مِن مُقْتَضَى العَقْدِ عِنْدَهما.
ولَنا، أنَّ مال الكِتابَةِ ليسِ بلازِمٍ، ولا مآلُه إلى اللُّزُومِ، فلم يَصِحَّ ضَمانه، كما لو جَعَلَ المال صِفَةً مجَرَّدَةً في العِتْقِ، فقال: إن أدَّيتَ إليَّ ألفًا فأنْتَ حرٌّ.
ولأنَّ الضَّامِنَ لا يَلْزَمُه أكثرُ [ممَّا يَلْزَمُ] 766 المَضْمُونَ عنه، ومالُ الكِتابَةِ لا يَلْزَمُ المُكاتَبَ، فلا يَلْزَمُ الضَّامِنَ، ولأنَّ الضَّمانَ تَبَرُّعٌ، وليس للمُكاتَبِ التَّبَرُّعُ، ولأنَّه لا يَمْلِكُ الضَّمانَ عن حُرٍّ، ولا عمَّن ليس معه في الكتابةِ، فكذلك مَن معه.
وأمَّا العَقْدُ فصَحِيحٌ، بدَلِيلِ أنَّ الكِتابَةَ لا تَفْسُدُ بفَسادِ الشَّرْطِ، بدَليلِ خبَرِ بَرِيرَةَ 767، [وسَنَذْكُرُه فيما بعدُ، إن شاء الله] 768.

الجزء: 19 - الصفحة: 362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا مات بعضُ المُكاتَبِين سَقَطَ قَدْرُ حِصَّتِه.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ.
وكذلك إن أُعْتِقَ بَعْضُهم.
وعن مالكٍ، إن أعْتَقَ السيدُ أحَدَهم، وكان مُكْتَسِبًا، [لم يَنْفُذْا] 769 عِتْقُه؛ [لأنَّه يَضُرُّ بالباقين.
وإن لم يكنْ مُكْتَسِبًا نَفَذَ 770 عِتْقُه] 771، لعَدَمِ الضَّرَرِ فيه.
وهذا مَبْنِيٌّ على أنَّه لا يَعْتِقُ واحِدٌ منهم حتى يُؤَدِّيَ جَميعَ مالِ الكتابةِ، وقد مَضَى الكلامُ فيه.
فصل: فإن أدَّى أحَدُ المُكاتَبَين عن صاحِبِه، أو عن مُكاتَبٍ آخَرَ، قبلَ أداءِ ما عليه، بغيرِ عِلْمِ سيدِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ هذا تَبَرُّعٌ، وليس له التَّبَرُّعُ بغيرِ إذْنِ سيدِه، وإن كان قد حَلَّ عليه 772 نَجْمٌ صُرِفَ ذلك فيه.
وإن لم يكُنْ حَلَّ عليه نَجْمٌ فله الرُّجُوعُ فيه.
وإن عَلِمَ السيدُ بذلك ورَضِيَ بقَبْضِه عن الآخَرِ، صَحَّ؛ لأنَّ قَبْضَه 773 له راضِيًا مع العِلْمِ دليلٌ على الإِذْنِ فيه، فجاز، كما لو أذِنَ فيه صَرِيحًا.
وإن كان الأداءُ بعدَ أن عَتَقَ، صَحَّ، سَواءٌ عَلِمَ السيدُ، أو لم يَعْلَمْ.
فإن أرادَ الرُّجُوعَ على صاحِبِه بما أدَّى عنه، وكان قد قَصَدَ التَّبَرُّعُ عليه، لم يَرْجِع به.
وإن أدَّاه مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ عليه بإذْنِ المُؤَدَّى عنه، رَجَعَ عليه؛ لأنَّه قَرْضٌ.
وإن كان بِغَيرِ إذْنِه لم يَرْجِعْ عليه؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ عليه بأداء ما لا يَلْزَمُه أداؤُه بغيرِ إذْنِه، فلم يَرْجِعْ عليه، كما لو تَصَدَّقَ عنه صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ.
وبهذا فارقَ

الجزء: 19 - الصفحة: 363

وَإِذَا اخْتَلَفُوا بَعْدَ الْأَدَاءِ في قَدْرِ مَا أَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي أَدَاءَ قَدْرِ الْوَاجبِ عَلَيهِ.
سائِرَ الدُّيونِ.
وإن كان بإذْنِه، وطلبَ اسْتِيفاءَه، قُدِّمَ على أداءِ مالِ الكتابةِ، كسائِرِ الديونِ.
وإن عَجَزَ عن أدائِه فحُكْمُه حكمُ سائِرِ الدُّيونِ.
وهذا كلُّه مذهبُ الشافعيِّ.

3029 -

مسألة: (وإنِ اخْتَلَفُوا بعدَ الأداءِ في قَدْرِ ما أدَّى كلُّ واحِدٍ منهم، فالقولُ قولُ مَن يَدَّعِي أداءَ قَدْرِ الواجِبِ عليه)

وهذا إذِا أدَّوْا وعَتَقُوا، فقال مَن كَثُرَتْ قِيمَتُه: أدَّينا على قَدْرِ قِيمَتِنا.
وقال الآخرُ 774:

الحديث: 3029 - الجزء: 19 - الصفحة: 364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بل أدَّينَا على السَّواءِ، فبَقِيَتْ لنا على الأكْثَرِ بَقِيَّةٌ.
فمَن جَعَلَ العِوَضَ بينَهم على عَدَدِهم، قال: القولُ قولُ مَن يدَّعِي التَّسْويَةَ.
ومَن جَعَلَ على كلِّ واحِدٍ قَدْرَ حِصَّتِه، فعندَه فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، القولُ قولُ مَن يَدَّعِي التَّسْويَةَ؛ لأنَّ أيدِيَهم على المالِ، فيتَساوَوْن فيه.
والثاني، قولُ مَن يدَّعِي أداءَ قَدْرِ الوَاجِبِ عليه، لأنَّ الظاهِرَ أنَّ الإِنسانَ لا يُؤَدِّي إلَّا ما عليه.
فصل: فإن جَنَى بَعْضُهم، فجِنايَتُه عليه دُونَ صاحِبِه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال مالكٌ: يُؤَدُّون كلُّهم أَرْشَه، فإن عَجَزُوا رقُّوا.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ 775. وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَجْني جَانٍ إلَّا على نَفْسِه» 776. ولأنَّه لو اشتَرَكَ رجلان وتعاقَدا، لم يَحْمِلْ أحَدُهما جِنايَةَ صاحِبِه، فكذا ههُنا، ولأنَّ ما لا يَصِحُّ، لا يَتَضَمَّنُه عَقْدُ الكِتابةِ، ولا يَجِبُ على أحَدِهما بفِعْلِ الآخَرِ، كالقِصاصِ، وقد بَيَّنَّا أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مُكاتَبٌ بقَدْرِ حِصَّتِه، فهو كالمُنْفَرِدِ بعَقْدِه.
فصل: إذا شَرَطَ المُكاتَبُ في كِتابَتِه أن يُوالِيَ مَن شاء، فالشَّرْطُ بَاطِلٌ، والوَلاءُ لِمن أعْتَقَ، لا نَعْلَمُ في بُطْلانِ الشَّرْطِ خِلافًا؛ لمَا رَوَتْ عائشةُ، رَضِيَ اللهُ عَنها، قالت: كانت في بَرِيرَةَ ثَلاثُ قَضِيَّاتٍ، أراد أهْلُها أن يَبِيعُوها ويَشْتَرِطُوا الوَلاءَ، فذكَرْتُ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «اشْتَرِيها واشْتَرِطِي لهم الوَلاءَ، فإنَّما الوَلاءُ لمَن أعْتَقَ».
فقامَ رسولُ

الجزء: 19 - الصفحة: 365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في النَّاسِ، فحَمِدَ الله وأثْنَى عليه، ثم قال: «أمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ أُناسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيسَتْ في كِتابِ اللهِ! مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا ليس في كِتابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وإنْ كانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أحَقُّ، وشَرْطُ اللهِ أوْثَقُ، وإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ».
مُتَّفَقٌ عليه 777. ولأنَّ الوَلاءَ لا يَصِحُّ نَقْلُه، بدليلِ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الوَلاءِ وهِبَتِه 778. وقال: «إِنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
ولأنَّه لُحْمَةٌ كلُحْمَةِ النَّسَبِ، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُه لغيرِ صاحِبِه، كالقَرابةِ، ولأنَّه حكمٌ للعِتْقِ، فلم يصِحَّ اشْتِراطُه لغيرِ 779 المُعْتِقِ، كما لا يَصِحُّ اشْتِراطُ حُكْمِ النِّكاحِ لغيرِ (3) النَّاكِحِ، ولا حُكْمِ البَيعِ لغيرِ العاقِدِ.
وسَواءٌ شَرَطَ أنْ يُوَالِيَ مَن شاءَ، أو شَرَطَه لبائِعِه، أو لرجُلٍ آخَرَ بعَينِه.
ولا تفْسُدُ الكتابةُ بهذا الشَّرْطِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال الشافعيُّ: تفْسُدُ به، كما لو شَرَطَ عِوَضًا مَجْهولًا.
ويتَخَرَّجُ لنا مثلُ ذلك، بِناءً على الشُّروطِ الفاسِدَةِ في البَيعِ.
ولَنا، حديثُ بَرِيرَةَ، فإنَّ أهْلَها اشْتَرطُوا لهمُ الوَلاءَ، فأمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بشِرَائِها مع هذا الشَّرْطِ، وقال: «إِنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
ويُفارِق جَهالةَ العِوَضِ، فإنَّه رُكْنُ العَقْدِ، لا يُمْكِنُ تصْحِيحُ العَقْدِ بدُونِه 780، ورُبَّما أفْضَتْ جَهالتُه إلى التَّنازُعِ والاخْتِلافِ، وهذا شَرْطٌ زائِدٌ، فإذا حَذَفْناه بَقِيَ العَقْدُ

الجزء: 19 - الصفحة: 366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  صَحِيحًا بحالِه.
فإن قيلَ: المُرادُ بقولِه - عليه السلام -: «اشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاءَ».
أي عليهم؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لا يأْمُرُ بالشَّرْطِ الفاسِدِ، واللَّامُ تُسْتَعْمَلُ بمعنى «على»، كقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ 781. قُلْنا: لا يَصِحُّ؛ لثلاثَةِ وُجوهٍ؛ أحدُها، أنَّه يُخالفُ، وَضْعَ اللَّفْظِ والاسْتِعمال.
والثاني، أنَّ أهْلَ بَرِيرَةَ أبَوْا هذا الشَّرْطَ، فكيفَ يأْمُرُها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بشرطٍ لا يَقْبَلُونَه؟ الثالثُ، أنَّ ثُبُوتَ الوَلاءِ لها لا يَحْتَاجُ إلى شَرْطٍ؛ لأنَّه مُقْتَضَى العِتْقِ وحُكْمُه.
ولأنَّ في بَعْضِ الألْفاظِ: «لا يَمْنَعُكِ 782 هذا الشَّرْطُ مِنْهَا، ابْتَاعِي وأعْتِقِي».
وإنَّما أمَرَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالشَّرْطِ تَعْرِيفًا لنا أنَّ وُجودَ هذا الشَّرْطِ كعَدَمِه، وأنَّه لا يَنْقُلُ الوَلاءَ عن المُعْتِقِ.
فصل: فإن شَرَطَ السيدُ على المُكاتَبِ أن يَرِثَه دُونَ وَرَثَتِه، أو مُزَاحَمَتَهم في موارِيثِهم، فهو شَرْطٌ فاسِدٌ، في قَوْلِ عامَّةِ العُلَماءِ؛ منهم الحسنُ، وَعطاءٌ، وشُرَيحٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، والنَّخَعِيُّ، وإسحاقُ.
وأجازَ إياسُ بنُ مُعاويَةَ أن يَشْرُطَ شَيئًا مِن مِيراثِه.
ولا يَصِحُّ، لأنَّه يخالِفُ كتابَ اللهِ، وكُلُّ شَرْطٍ ليس في كتابِ اللهِ تعالى فهو باطِلٌ [بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -] 783. وروَى سعيدٌ: ثنا هُشَيمٌ: ثنا 784 منْصُورٌ، عن ابنِ

الجزء: 19 - الصفحة: 367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سِيرِينَ 785، أنَّ رَجُلًا كاتَبَ مَمْلُوكَهُ واشْتَرَطَ مِيرَاثَه، فلمَّا ماتَ المُكاتَبُ خَاصَمَ ورَثَتَه إلى شُرَيحٍ، فقَضَى شُريحٌ بمِيراثِ المُكاتَبِ لوَرَثَتِه، فقال الرجلُ: ما يُغْنِي شَرْطِي منذُ عِشْرِينٍ سَنَةَ؟ فقال شُرَيحٌ: كتابُ اللهِ أنْزَلَه على نبيِّه قبلَ شَرْطِك بخمْسِينَ سَنَة 786. ولا تَفْسُدُ الكتابةُ بهذا الشَّرْطِ، كالذي قبلَهُ.
فصل: فإن شَرَطَ عليه خِدْمَةً معلومَةً بعدَ العِتْقِ جازَ.
وبه قال عَطاءٌ، وابنُ شُبْرُمَةَ.
وقال مالكٌ، والزُّهْرِيُّ: لا يَصِحُّ، لأنَّه يُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، أشْبَهَ ما لو شَرَطَ مِيرَاثَه.
ولَنا، أنَّه رُويَ عن عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه أعْتَقَ كلَّ مَن يُصَلِّي مِن سَبْي العربِ، وشَرَطَ عليهم، [أنَّهم يَخْدِمُونَ] 787 الخليفةَ مِن بَعْدِي ثَلاثَ سَنَواتٍ 788. ولأنَّه اشْتَرَطَ خِدْمَةً في عَقْدِ الكِتابةِ، أشْبَهَ ما لو شَرَطَها قبلَ العِتْقِ، ولأنَّه شَرَطَ نَفْعًا مَعْلُومًا، أشْبَهَ ما لو شَرَطَ عِوَضًا معلومًا، ولا نُسَلِّمُ أنَّه يُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ؛ فإنَّ مُقْتَضَاه العِتْقُ عندَ الأداءِ، وهذا لا يُنافِيه.

الجزء: 19 - الصفحة: 368

وَيَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَ بَعْضَ عَبْدِهِ، فَإِذَا أَدَّى عَتَقَ كُلُّهُ.
فصل: إذا كاتَبَه على ألْفَين، في رأْسِ كلِّ شَهْرٍ ألفٌ، وشَرَطَ أنْ يَعْتِقَ عندَ أداءِ الأوَّل، صَحَّ في قِياسِ المذهبِ، ويَعْتِقُ عندَ أدائِه؛ لأنَّ السيدَ لو أعْتَقَه بغيرِ أداءِ شيءٍ صَحَّ، فكذلك إذا أعْتَقَه عندَ أدَاءِ البَعْضِ، ويَبْقَى الآخَرُ دَينًا عليه بعد عِتْقِه، كما لو باعه نَفْسَه به.

3030 -

مسألة: (وتجوزُ كِتَابَةُ بعضِ عبدِه، فإذا أدَّى عَتَقَ كلُّه)

قاله أبو بكرٍ؛ لأنَّها مُعاوَضَةٌ، فصَحَّتْ في بعضِه، كالبَيعِ، فإذا أدَّى جميعَ كِتابَتِه، عَتَقَ كلُّه؛ لأنَّه إذا سَرَى العِتْقُ فيه إلى مِلْكِ غيرِه، فإلى مِلْكِه أوْلَى.
ويَجِبُ أن يُؤَدِّيَ إلى سيدِه مِثْلَيْ كِتابَتِه؛ لأنَّ نِصْفَ كَسْبِه يَسْتَحِقُّه سيدُه بما فيه مِن الرِّقِّ، ونِصْفَه يُؤَدَّى في الكِتابَةِ إلَّا أنْ يَرْضَى سيدُه بتأْدِيَةِ الجميعِ في الكِتابةِ فيَصِحُّ، وإذا اسْتَوْفَى المال كلَّه عَتَقَ نِصْفُه بالكِتابةِ وباقِيه بالسِّرايةِ.

الحديث: 3030 - الجزء: 19 - الصفحة: 369

وَتَجُوزُ كِتَابَةُ حِصَّتِهِ مِنَ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ بِغَيرِ إِذْنِ شَرِيكِهِ.

3031 - مسألة: (وتجوزُ كِتابَةُ حِصَّتِه مِن العبدِ المُشْتَرَكِ بغيرِ إذْنِ شَرِيكِه)

إذا كان لرجُلٍ نِصْفُ عبدٍ، فكاتَبَه، صَحَّ، سَواءٌ كان باقِيه حُرًّا أو مَمْلوكًا لغيرِه، وسواءٌ أذِنَ الشَّرِيكُ أو لم يَأْذَن.
وهذا ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ، وأبي بكرٍ.
وهو قولُ الحَكَمِ، وابنِ أبي لَيلَى.
وحُكِيَ عن الحسنِ البَصْرِيِّ، والحسنِ بنِ صالحٍ، ومالكٍ، والعَنْبَرِيِّ.
وكَرِه الثَّوْرِيّ وحَمَّادٌ كِتابَتَه بغيرِ إذْنِ شَرِيكِه.
وقال الثَّوْرِيُّ: إن فَعَلَ رَدَدْتُه، إلَّا أن يكونَ نَقَدَه 789، فيَضْمَنُ لشَرِيكِه نِصْفَ ما في يَدِه.
وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ بإذْنِ الشَّرِيكِ، ولا يَصِحُّ بغيرِ إذْنِه.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: الإِذْنُ في ذلك إذْنٌ في تأْدِيَةِ مالِ الكِتابَةِ مِن جَمِيعِ كَسْبه، ولا يَرْجِعُ الإِذْنُ بشيءٍ منه.
وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: يكونُ جَمِيعُه مُكَاتَبًا.
وقال الشافعيُّ في أحَدِ قولَيهِ: إن كان باقِيه حُرًّا، صَحَّتْ كِتابَتُه، وإن كان مِلْكًا لم تَصِحَّ، سَواءٌ أذِنَ فيه الشَّرِيكُ أم لم يأْذَنْ؛ لأنَّ كِتابَتَه تَقْتَضِي إطْلاقَه في الكَسْبِ والسَّفَرِ، ومِلْكُ نِصْفِه يَمْنَعُ ذلك، ويَمْنَعُه أخْذَ نَصِيبِه مِن الصَّدَقاتِ؛ لِئَلَّا يَصِيرَ كَسْبًا، فيَسْتَحِقَّ سيدُه

الحديث: 3031 - الجزء: 19 - الصفحة: 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نِصْفَه، ولأنَّه إذا أدَّى عَتَقَ جَمِيعُه، فيُفْضِي إلى أن يُؤَدِّيَ نِصْفَ كِتابَتِه ثم يَعْتِقَ جَمِيعُه.
ولَنا، أنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ على نَصِيبِه، فصَحَّ، كبَيعِه، ولأنَّه مِلْكٌ له، يَصِحُّ بَيعُه وهِبَتُه، فصَحَّتْ كِتابَتُه، كما لو مَلَكَ جَمِيعَه، ولأنَّه يَنْفُذُ إعْتاقُه، فصَحَّت كِتابَتُه، كالعبدِ الكاملِ، وكما لو كان باقِيه حُرًّا عندَ الشافعيِّ، أو أذِنَ فيه الشَّرِيكُ عندَ الباقِينَ.
وقولُهم: إنَّه يَقْتَضِي المُسافَرَةَ والكَسْبَ وأخْذَ الصَّدَقَةِ.
قُلْنا: أمَّا المُسافَرَةُ فليست مِن المُقْتَضَياتِ الأصْلِيَّةِ، فوُجُودُ مانعٍ منها لا يَمْنَعُ أصْلَ العَقْدِ.
وأمَّا الكَسْبُ وأخْذُ الصَّدَقَةِ، فإنَّه لا يَمْتَنِعُ كَسْبُه وأخْذُه الصَّدَقَةَ بجُزْئِه المُكاتَبِ.
ولا يَسْتَحِقُّ الشَّرِيكُ شيئًا منه؛ لأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ ذلك بالجُزْءِ المُكاتَبِ، ولا حَقَّ للشَّرِيكِ فيه، فكذلك ما حَصَلَ به، كما لو وَرِثَ شيئًا بجُزْئِه الحُرِّ.
وأمَّا الكَسْبُ، فإن هايَأَه مالِكُ نِصْفِه، فكَسَبَ في نَوْبَتِه شيئًا، لم يُشارِكْه فيه أيضًا، وإن لم يُهايِئْه، فكَسَبَ بجُمْلَتِه شيئًا، كان بينَهما، له بقَدْرِ ما فيه مِن الجُزْءِ المُكاتَبِ، ولسيدِه الباقِي؛ لأنَّه كَسَبَه بجُزْئِه المَمْلوكِ فيه، فأشْبَهَ ما لو كَسَبَ قبلَ كِتابَتِه فَقُسِمَ بينَ سيدَيه.
وقَوْلُهم: إنَّه يُفْضِي إلى أن يُؤَدِّيَ بعضَ الكِتابةِ فيَعْتِقَ جَمِيعُه.
قُلْنا: يَبْطُلُ هذا بما لو عَلَّقَ عِتْقَ نَصِيبِه على أداءِ مالٍ، فإنَّه يُؤَدِّي عِوَضَ البَعْضٍ ويَعْتِقُ الجميعُ، على أنَّا نقولُ: لا يَعْتِقُ حتى يُؤَدِّيَ جميعَ الكِتابَةِ.
فإنَّ جَميعَ الكِتابَةِ هو الذي كاتَبَه عليه مالِكُ نِصْفِه، ولم يَبْقَ منها شيءٌ، فلا يَعْتِقُ حتى يُؤَدِّيَ جَمِيعَها، ولأنَّه لا يَعْتِقُ الجميعُ بالأداءِ، وإنَّما يَعْتِقُ الجُزْءُ

الجزء: 19 - الصفحة: 371

فَإِذَا أَدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيهِ، وَمِثْلَهُ لِسَيِّدِهِ الْآخَرِ، عَتَقَ كُلُّهُ، إِنْ كَانَ الَّذِي كَاتَبَة مُوسِرًا، وَعَلَيهِ قِيمَةُ حِصَّةِ شَرِيكِهِ.
المُكاتَبُ لا غيرُ، وباقِيه إن كان المُكاتِبُ مُعْسِرًا لم يَعْتِقْ، وإن كان مُوسِرًا عَتَقَ بالسِّرايَةِ لا بالكِتابَةِ، ولا يَمْتَنِعُ هذا, كما لو أعْتَقَ بعضَه عَتَقَ جَمِيعُه، وإذا جاز عِتْقُ جَمِيعِه بإعْتاقِ بعضِه بطرِيقِ السِّرايَةِ، جازَ ذلك فيما يَجْرِي مَجْرَى العِتْقِ.

3032 -

مسألة: (وإذا أدَّى ما كُوتِبَ عليه، ومثلَه لسيدِه الآخَرِ، عَتَقَ كلُّه، إن كان الذي كاتَبَه مُوسِرًا، وعليه قِيمَةُ حِصَّةِ شَرِيكِه)

وجملةُ ذلك، أنَّ أحَدَ الشَّرِيكَين إذا كاتَبَ نَصِيبَه لم تَسْرِ الكِتابةُ، ولم يَتَعَدَّ الجُزْءَ 790 الذي كاتَبَه؛ لأنَّ الكِتابَةَ عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فلم تَسْرِ، كالبَيعِ.
وليس للعبدِ أن يُؤَدِّيَ إلى مُكاتِبِه شيئًا حتى يُؤَدِّيَ إلى شَرِيكِه مثلَه، سَواءٌ أذِنَ الشَّرِيكُ في كِتابَتِه أو لم يأْذَنْ؛ لأنَّه إنَّما أذِنَ في كِتابةِ نَصِيبِ شَرِيكِه، وذلك يَقْتَضِي أن يكونَ نَصِيبُه باقِيًا له، هذا إذا كان الكَسْبُ بجميعِه 791، فإنْ أدَّى الكِتابَةَ مِن جميعِ كَسْبِه لم يَعْتِقْ؛ لأنَّ

الحديث: 3032 - الجزء: 19 - الصفحة: 372

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الكِتابَةَ الصَّحِيحَةَ تَقْتَضِي العِتْقَ ببراءَتِه مِن العِوَضِ، وذلك لا يَحْصُلُ بدَفْعِ ما ليس له.
وإن أدَّى إليهما جَمِيعًا عَتَقَ كلُّه؛ لأنَّ نصْفَه يَعْتِقُ بالأداءِ، فإذا عَتَقَ سَرَى إلى سائِرِه إن 792 كان الذي كاتَبَه مُوسِرًا، وتَلْزَمُه قِيمَةُ نَصِيبِ شَريكِه؛ لأنَّ عِتْقَه بسَبَبٍ مِن جِهَتِه، أشْبَهَ ما لو باشَرَه بالعِتْقِ أو عَلَّقَ 793 عِتْقَ نَصِيبِه بصِفَةٍ فعَتَقَ بها.
فأمَّا إن مَلَكَ العبدُ 794 شيئًا بجُزْئِه المُكاتَبِ، كمَن هايَأَه سيدُه فكَسَبَ شيئًا في نَوْبَتِه، أو أُعْطِيَ مِن الصَّدَقَةِ مِن سهْمِ الرِّقابِ، فلا حَقَّ لسيدِه فيه، وله أداءُ جَميعِه في كِتابَتِه، لأنَّه [إنَّما اسْتَحَقَّ] 795 ذلك بما فيه مِن الكِتابَةِ، فأَشْبَهَ النِّصْفَ الباقِيَ بعدَ إعْطاءِ الشَّرِيكِ حَقَّه.
ولو كان ثُلُثُه حُرًّا وثُلُثُه مُكاتَبًا وثُلُثُه رَقِيقًا، فوَرِثَ بجُزْئِه الحُرِّ مِيرَاثًا، وأخَذَ بجُزْئِه المُكاتَبِ مِن سَهْمِ الرِّقابِ، فله دَفْعُ ذلك كلِّه في كِتابَتِه؛ لأنَّه ما اسْتَحَقَّ بجُزْئِه الرَّقِيقِ شيئًا منه، فلا يَسْتَحِقُّ مالِكُه منه شيئًا، وإذا أدَّى جَمِيعَ كِتابَتِه عَتَقَ.
فإن كان الذي كاتَبَه مُعْسِرًا لم يَسْرِ العِتْقُ، ولم يَتَعَدَّ نَصِيبَه، كما إذا واجَهَه بالعِتْقِ، إلَّا على الرِّوايةِ التي نقولُ فيها بالاسْتِسْعاءِ، فإنَّه يُسْتَسْعَى في نَصِيبِ الذي لم يُكاتِبْ، وإن كانَ مُوسِرًا سَرَى إلى باقِيه.

الجزء: 19 - الصفحة: 373

فَإِنْ أَعْتَقَ الشَّرِيكُ قَبْلَ أَدَائِهِ، عَتَقَ عَلَيهِ كُلُّهُ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَعَلَيهِ قِيمَةُ نَصِيبِ الْمُكَاتِبِ.
وَقَال الْقَاضِي: لَا يَسْرِي إِلَى النِّصْفِ الْمُكَاتَبِ إلا أَنْ يَعْجِزَ، فَيُقَوَّمُ عَلَيهِ حِينَئِذٍ.

3033 - مسألة: (وإن أعْتَقَ الشَّرِيكُ قبلَ أدائِه، عَتَقَ عليه كلُّه إن كان مُوسِرًا، وعليه قِيمَةُ نَصِيبِ المُكاتِبِ. وقال)

أبو بكرٍ و (القاضي: لا يَسْرِي إلى النِّصْفِ المُكاتَبِ) لأنَّه قد انْعَقَدَ للمُكاتِبِ سَبَبُ الولاءِ، فلا يَجُوزُ إبْطالُه (إلَّا أن يَعْجِزَ، فيُقَوَّمُ عليه حِينَئذٍ) وقال ابنُ أبي لَيلَى: عِتْقُ الشَّرِيكِ مَوْقُوفٌ حتى يُنْظَرَ ما يَصْنَعُ في الكِتابَةِ، فإن أدَّاها عَتَقَ، وكان المُكاتِبُ ضامِنًا لقِيمَةِ نَصِيبِ شَرِيكِه، ووَلاؤُه كلُّه للمُكاتِبِ، وإن عَجَزَ سَرَى عِتْقُ الشَّرِيكِ، وضَمِنَ نِصْفَ القِيمَةِ للمكاتِبِ، وولاؤُه كلُّه له.
وأمَّا الشافعيُّ، فلا يُجَوِّزُ كِتابَتَه إلَّا بإذْنِ شَرِيكِه، في أحَدِ قولَيه.
فإن كاتَبَه بإذْنِ شَرِيكِه، فأعْتَقَ الذي لم يُكاتِبْ، فهل يَسْرِي في الحالِ، أو يَقِفُ على العَجْزِ؟ فيه قولانِ.
ولَنا، أنَّه عِتْقٌ

الحديث: 3033 - الجزء: 19 - الصفحة: 374

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لجُزْءٍ مِن العبدِ مِن مُوسِرٍ غيرِ محْجُورٍ عليه، فسَرَى إلى باقِيه، كالقِنِّ.
وقولُهم: إنَّه يُفْضِي إلى إبْطالِ الوَلاءِ.
قُلْنا: إذا كان العِتْقُ يُؤَثِّرُ في إبْطالِ المِلْكِ الثَّابتِ الذي الولاءُ مِن بعضِ آثارِه، فَلأنْ يُؤَثِّرَ في نَقْلِ الوَلاءِ بمفْرَدِه أوْلَى، ولَأنَّه لو أعْتَقَ عَبْدًا له أوْلادٌ مِن مُعْتَقَةِ قَوْمٍ، نَقَلَ وَلاءَهم [إليه، فإذا نَقَلَ ولاءَهم] 796 الثَّابتَ بإعْتاقِ غيرِهم، فَلأَنْ يَنْقُلَ ولاءً لم يَثْبُتْ بعدُ بإعْتاقِ مَن عليه الوَلاءُ أوْلَى.
ولأنَّه نَقَلَ الولاءَ ثَمَّ 797 عمَّن لم يَغْرَمْ له عِوَضًا، فَلأنْ يَنْقُلَه بالعِوَضِ أوْلَى.
فانْتِقالُ 798 الوَلاءِ في مَوْضِعِ جَرِّ الوَلاءِ يُنَبِّهُ على سِرايَةِ العِتْقِ وانْتِقالِ الوَلاءِ إلى المُعْتِقِ؛ لكونِه أوْلَى منه (2) مِن ثَلاثةِ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، أنَّ الوَلاءَ ثَمَّ ثابِتٌ، وهذا بعَرَضِ الثُّبُوتِ.
الثَّاني، أنَّ النَّقْلَ حَصَلَ ثَمَّ بإعْتاقِ غيرِه، وههُنا بإعْتاقِه.
الثالثُ، أنَّه انْتَقَلَ بغيرِ عِوَضٍ، وههنا بعِوَضٍ.

الجزء: 19 - الصفحة: 375

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن كان المُعْتِقُ مُعْسِرًا لم يَسْرِ عِتْقُه، وكان نَصِيبُه حُرًّا، وباقِيه على الكِتابَةِ، فإن أدَّى عَتَقَ عليهما، وكان وَلاؤُه بَينَهما، وإن عَجَزَ عاد الجُزْءُ المُكاتَبُ رَقِيقًا قِنًّا، إلَّا على الرِّوايَةِ التي تقولُ: يُسْتَسْعَى العَبْدُ.
فإنَّه يُسْتَسْعَى عندَ عَجْزِه في قِيمَةِ باقِيه، ولا يُسْتَسْعَى في حالِ الكِتابَةِ؛ لأنَّ الكتابَةَ سِعايَةٌ فيما اتَّفَقَا عليه، فاسْتُغْنِيَ بها عن السِّعايَةِ فيما يَحْتاجُ إلى التَّقْويمِ، فإذا عَجَزَ وفُسِخَتِ الكِتابَةُ، بَطَلَتْ، ورَجَعَ إلى السِّعايَةِ في القِيمةِ.
[وحديثُ ابنِ عمرَ حُجَّةٌ لمَا ذَهَبْنا إليه، وهو] 799 ما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ، فَإنْ كانَ معه ما يَبْلُغُ قِيمَةَ العَبْدِ قُوِّمِ عليه قِيمَةَ العَدْلِ، وأَعْطىَ شُرَكَاءَه 800 حِصَصهم، وَعَتَقَ جَمِيعُ العَبْدِ، وإلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ».
مُتَّفَقٌ عليه 801. ورَواه مالكٌ في «المُوَطَّأ» عن نافِعٍ عن ابنِ عمرَ.
وهذا الحديثُ حُجَّةٌ على مَن خَالفَه.
وهذا قولُ الخِرَقِيِّ.
واللهُ تعالى أعلمُ.

الجزء: 19 - الصفحة: 376

وَإِنْ كَاتَبَا عَبْدَهُمَا جَازَ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى التَّسَاوي أَو التَّفَاضُلِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيهِمَا إلا عَلَى التَّسَاوي، فَإِذَا كَمَلَ أَدَاؤُهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَبْلَ الْآخَرِ عَتَقَ كُلُّهُ عَلَيهِ، وَإنْ أَدَّى إِلَى أَحَدِهِمَا دُونَ صَاحِبِهِ لَمْ يَعْتِقْ، إلا أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ الْآخَرِ، فَيَعْتِق.
وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَعْتِقَ.

3034 - مسألة: (وإن كاتَبا عبدَهما جار، سَواءٌ كان على التَّساوي أو التَّفاضُلِ. ولا يجوزُ أن يُؤَدِّيَ إليهما إلَّا على التَّساوي)

إذا كان العبدُ لرَجُلَين، فكاتَباه معًا، سَواءٌ تَساوَيَا في العِوَضِ أو اخْتَلَفا فيه، وسَواءٌ اتَّفَقَ نَصِيباهُما [أو اخْتَلَف] 802، وسواءٌ كان في عَقْدٍ واحدٍ أو عَقْدَين، صَحَّ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: لا يجوزُ أن يتَفَاضَلا في المالِ مع التَّساوي في المِلْكِ، ولا التَّساوي في المالِ معَ التَّفاضُلِ في المِلْكِ؛ لأنَّ ذلك يُؤَدِّي إلى أن يَنْتَفِعَ أحَدُهما بمالِ الآخَرِ، لأنَّه إذا دَفَعَ

الحديث: 3034 - الجزء: 19 - الصفحة: 377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلى أحَدِهما [أكْثَرَ مِن قَدْرِ مِلْكِه ثِم عَجَزَ، رَجَعَ عليه الآخَرُ بذلك.
ولَنا، أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَعْقِدُ على نصِيبِه عَقْدَ مُعاوَضةٍ، فجاز أنْ يَخْتَلِفا في العِوَضِ، كالبَيعِ.
وما ذَكَرَه لا يَلْزَمُ، لأنَّ انْتِفاعَ أحَدِهما] 803 بمالِ الآخَرِ إنَّما يكونُ عندَ العَجْزِ، وليس ذلك مِن مُقْتَضَياتِ العَقْدِ، وإنَّما يكونُ عندَ زَوالِه، فلا يَضُرُّ 804. ولأنَّه إنَّما يُؤَدِّي إليهما على التَّساوي، فإذا عَجَزَ قُسِمَ ما كَسَبَه بَينَهما على قَدْرِ المِلْكَين، فلم يكُنْ أحَدُهما مُنْتَفِعًا إلَّا بما يُقابِلُ مِلْكَه، وعاد الأمْرُ بعدَ زَوالِ الكِتابَةِ إلى حُكْمِ الرِّقِّ، كأنَّه لم يَزُلْ.

الجزء: 19 - الصفحة: 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإن قيل: فالتَّساوي في المِلْكِ يَقْتَضِي التَّساويَ في أدائِه إليهما، ويَلْزَمُ منه وَفاءُ كِتابةِ أحَدِهما قبلَ الآخَرِ، فيَعْتِقُ نَصِيبُه، ويَسْرِي إلى نَصِيبِ صاحِبِه، ويَرْجِعُ الآخَرُ عليه بنِصْفِ قِيمَتِه.
قُلْنا: يُمْكِنُ أداءُ كِتابَتِه إليهما دَفْعَةً واحدةً، فيَعْتِقُ عليهما، ويُمْكِنُ أن يُكاتِبَ أحدَهما على مائةٍ في نَجْمَين، في كلِّ نَجْمٍ خَمْسُونَ، ويُكاتِبَ الآخَرَ على مائتينِ في نجْمَين، في الأوَّلِ خَمْسُونَ وفي الثَّاني 805 مائةٌ وخَمْسُونَ، فيكونُ وقْتُهُما واحدًا، فيُؤَدِّي إله كلِّ واحدٍ منهما حَقَّه.
على أنَّ 806 أصْحابَنا قد قالوا: لا يَسْرِي العِتْقُ إلى نَصِيبِ الآخَرِ ما دام مُكاتبًا.
فلا يُفْضِي إلى ما ذَكَرُوه، وإن قُدِّرَ إفْضاؤُه إليه، فلا مانِعَ فيه مِن صِحَّةِ الكِتابةِ، فإنَّه لا يُخِلُّ بمَقْصودِ الكِتابةِ، وهو العِتْقُ بها، ويُمْكِنُ سِرايَةُ العِتْقِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، بأن يُكاتِبَه على مِثْلَيْ قِيمَتِه، فإذا عَتَقَ عليه غَرِمَ لشَرِيكِه نِصْف قِيمَتِه، وسَلَّمَ إليه باقِيَ المالِ، وحَصَلَ له ولاءُ العبدِ، ولا ضَرَرَ في هذا، ثم لو كان فيه ضَرَرٌ، لكنَّه قد رَضِيَ به حينَ كِتابَتِه على أقَلَّ ممَّا كاتَبَه به شَرِيكُه، والضَّرَرُ المَرْضِيُّ به من جِهَةِ المَضْرُورِ لا عِبْرَةَ به, كما لو باشَرَه بالعِتْقِ أو أبْرَأَه مِن مالِ الكِتابةِ، فإنَّه يَعْتِقُ عليه، ويَسْرِي عِتْقُه، ويَغْرَمُ لشَرِيكِه، وهو جائِزٌ، فهذا أوْلَى بالجَوازِ.

الجزء: 19 - الصفحة: 379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يجوزُ أن يَخْتَلِفا في التَّنْجِيمِ، ولا في 807 أن يكونَ لأحَدِهما في النُّجُومِ قبلَ النَّجْمِ الأخيرِ أكثرُ مِن الآخَرِ، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يُؤَدِّيَ إليهما إلَّا على السَّواءِ، ولا يجوزُ تقديمُ أحَدِهما بالأداءِ 808 على الآخَرِ، واخْتِلافُهما في ميقاتِ النُّجُومِ وقَدْرِ المُؤَدَّى يُفْضِي إلى ذلك.
والثاني، يجوز؛ لأنَّه يُمْكِنُ أن يُعَجِّلَ لمَن تأخَّرَ نَجْمُه قبلَ مَحِلِّه، ويُعْطِيَ مَن قَلَّ نَجْمُه أكثرَ مِن الواجِبِ له، ويُمْكِنُ أن يَأْذَنَ له أحَدُهما في الدَّفْعِ إلى الآخَرِ قبلَه، أو أكثرَ منه، ويُمْكِنُ أن يُنْظِرَه مَن حَلَّ نَجْمُه، أو يَرْضَى مَن له الكثيرُ بأخْذِ دُونِ حَقِّه، وإذا أمْكَنَ إفْضاءُ العَقْدِ إلى مَقْصُودِه، فلا نُبْطِلُه باحْتمالِ عَدَمِ الإِفْضاءِ إليه.
فصل: وليس للمُكاتَبِ أنْ يُؤَدِّيَ إلى أحَدِهما أكثرَ مِن الآخَرِ، ولا يُقَدِّمَ أحَدَهُما على الآخَرِ.
ذكره القاضي.
وهو مذهبُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
قال شيخُنا 809: لا أعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّهما سَواءٌ

الجزء: 19 - الصفحة: 380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيه، فيَسْتَويانِ في كَسْبِه، وحَقُّهما مُتَعَلِّقٌ بما في يَدِه تَعَلُّقًا واحدًا، فلم يَكُنْ له أنْ يَخُصَّ أحَدَهما بشيءٍ منه دُونَ الآخَرِ، ولأنَّه رُبِّما عَجَزَ، فيَعُودُ إلى الرِّقِّ ويَتَساوَيان في كَسْبِه، فيَرْجِعُ أحَدُهما على الآخَرِ بما في يَدِه مِن الفَضْلِ بعدَ انْتِفاعِه به مُدَّةً.
فإن قَبَضَ أحَدُهما دُونَ الآخَرِ شيئًا لم يَصِحَّ القَبْضُ، وللآخَرِ أن يأْخُذَ منه حِصَّتَه إذا لم يَكُنْ أذِنَ في القَبْضِ.
فإن أذِنَ فيه، ففيه وَجْهانِ، ذَكَرَهُما أبو بكرٍ؛ أحَدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّ المَنْعَ لحَقِّه، فجازَ بإذْنِه، كما لو أذِنَ المُرْتَهِنُ للراهِنِ في التَّصَرُّفِ فيه، أو أذِنَ [البائعُ للمُشْتَرى] 810 في قَبْضِ المَبِيعِ قبلَ تَوْفِيَةِ 811 ثَمَنِه، أو أذِنَا للمُكاتَبِ في التبرعِ، ولأنَّهما لو أذِنا له في الصَّدَقَةِ بشيءٍ، صَحَّ قَبْضُ

الجزء: 19 - الصفحة: 381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُتَصَدَّقِ 812 عليه له، كذلك ههُنا.
والثاني، لا يَجُوزُ.
وهو اخْتِيارُ أبي بكرٍ، ومذهبُ أبي حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلِي الشافعيِّ، واخْتِيارُ المُزَنِيِّ؛ لأنَّ ما في يَدِ المُكاتَبِ مِلْكٌ له، فلا يَنْفُذُ إذْنُ غيرِه فيه، وإنَّما حَقُّ سيدِه في ذِمَّتِه.
والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاء الله تعالى؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، لا يَخْرُجُ عنهم، فإذا اتَّفَقُوا على شيءٍ فلا وَجْهَ للمَنْعِ.
وقولُهم: إنَّه مِلْكٌ للمُكاتَبِ.
تَعْلِيقٌ على العِلَّةِ ضِدَّ ما تَقْتَضِيه؛ لأنَّ كونَه مِلْكًا له يَقْتَضِي جَوازَ تَصَرُّفِه 813 فيه على حَسبِ اخْتِيارِه، وإنَّما المَنْعُ لتَعَلُّقِ حَقِّ سيدِه به، فإذا أذِنَ زال المانِعُ، فصَحَّ القَبْضُ 814؛ لوُجُودِ مُقْتَضِيه، وخُلُوِّه مِن المانِعِ، ثم يَبْطُلُ بما ذكرنا مِن المسائِلٍ.
فعلى هذا الوَجْهِ، إذا دَفَعَ إلى أحَدِهما مال الكِتابَةِ بإذْنِ صَاحِبِه، عَتَقَ نصِيبُه مِن المُكاتَبِ؛ لأنَّه اسْتَوْفَى

الجزء: 19 - الصفحة: 382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَقَّه، ويَسْرِي العِتْقُ إلى باقِيه إن كان مُوسِرًا، وعليه قِيمَةُ حِصَّةِ شَرِيكِه؛ لأنَّ عِتْقَه بسَبَبِه.
وهذا قولُ الخِرَقِيِّ.
ويَضْمَنُه في الحالِ بنِصْفِ قِيمَتِه مُكاتَبًا مُبْقًى على ما بَقِيَ مِن كِتابَتِه، وولاؤُه كلُّه له، وما في يَدِه مِن المالِ للذي 815 لم يَقْبِضْ منه بقَدْرِ ما قَبَضَه صاحِبُه، والباقِي بينَ العبدِ وبينَ سيدِه الذي عَتَقَ عليه؛ لأنَّ نِصْفَه عَتَقَ بالكِتابَةِ ونِصْفَه بالسِّرايةِ، فحِصَّة ما عَتَقَ بالكِتابَةِ للعَبْدِ، وحَصَّةُ ما عَتَقَ بالسِّرايةِ للسيدِ.
وعلى ما اخْتارَه شيخُنا، يكونُ الباقِي كلُّه للعَبْدِ، لأنَّ الكَسْبَ كان مِلْكًا له، فَلا يَزُولُ مِلْكُه عنه بعِتْقِه، كما لو عَتَقَ بالأداءِ.
وقال أبو بكرٍ، والقاضي: لا يَسْرِي العِتْقُ في الحالِ، وإنَّما يَسْرِي عندَ عَجْزِه.
فعلى قولِهما، يكونُ باقِيًا على الكِتابَةِ، فإن أدَّى إلى الآخرِ عَتَقَ عليهما، ووَلاؤُه لهما، وما يَبْقَى في يَدِه مِن كَسْبِه فهو له، وإن عَجَزَ وفُسِخَتْ كِتابتُه قُوِّمَ على الذي أدَّى إليه، وكان وَلاؤُه كلُّه له، وتَنْفَسِخُ الكِتابَةُ في نِصْفِه، وإن مات فقد مات ونِصْفُه حُرٌّ ونِصْفُه رَقِيقٌ، ولسيدِه الذي لم يُعْتِقْ نصيبَه أن يأْخُذَ مِمَّا خَلَّفَه مِثْلَ ما أخَذَه شَرِيكُه مِن مالِ الكِتابَةِ، وله نِصْفُ ما بَقِيَ، والباقِي

الجزء: 19 - الصفحة: 383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لوَرَثَةِ العبدِ.
فإن لم يَكُنْ له وَارِثٌ مِن نَسَبِه، فهو للذي أدَّى إليه بالوَلاءِ.
وإن قُلْنا: لا يَصِحُّ القَبْضُ.
فما أخَذَه القابِضُ بَينَه وبينَ شَرِيكِه، ولا تَعْتِقُ حِصَّتُه مِن المُكاتبِ؛ لأنَّه لم يَسْتَوْفِ عِوَضَه، ولغيرِ القابِضِ مُطَالبةُ القابِضِ بنَصِيبِه ممَّا قَبَضَه, كما لو قَبَضَ بغيرِ إذْنِه.
وإن لم يَرْجِعْ غيرُ القَابِضِ بنَصِيبِه حتى أدَّى المُكاتَبُ إِليه كِتابَتَه، صَحَّ، وعَتَقَ عليهما جميعًا، وإن مات العبدُ قبلَ اسْتِيفَاءِ الآخَرِ حَقَّه فقد مات عبدًا، ويَسْتَوْفِي الذي لم يَقْبِضْ مِن كَسْبِه بقَدْرِ ما أخَذَ صاحِبُه، والباقي بينَهما.
قال أحمدُ في رِوايةِ ابنِ منصورٍ، في عبدٍ بينَ رَجُلَين كاتَباه، فأدَّى إلى أحَدِهما كِتابَتَه، ثم مات وهو يَسْعَى للآخَرِ، لمَن مِيرَاثُه؟ قال أحمدُ: كلُّ ما كَسَبَ العبدُ في كِتابَتِه، فهو بينَهما، ويَرْجِعُ هذا على الآخَرِ بنَصِيبِه ممَّا أخَذَ، ومِيراثُه بينَهما.
قال ابنُ منصورٍ: قال إسحاقُ بنُ راهُويَه كما قال.
فصل: فإن عَجَز مُكاتبهما فلهما الفَسْخُ والإِمْضاءُ، فإن فسَخا جَميعًا أو أمْضَيَا الكِتابَةَ جاز ما اتَّفقا عليه، وإن فَسَخَ أحَدُهما وأمْضَى الآخَرُ جاز، وعاد نِصْفُه رَقِيقًا قِنًّا ونِصْفُه مُكاتَبًا.
وقال القاضي: تَنْفَسخُ الكتابَةُ في جَمِيعِه.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الكِتابَةَ لو بَقِيَتْ في نِصْفِه لعاد مِلْكُ الذي فَسَخَ الكِتابَةَ إليه ناقِصًا.
ولَنا، أنَّها كِتابةٌ عن مِلْكِ أحَدِهما، فلم تَنْفَسِخْ بفَسْخِ الآخَرِ, كما لو انْفَرَدَ بكِتابَتِه، ولأنَّهما عَقْدان مُفْرَدانِ،

الجزء: 19 - الصفحة: 384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلم يَنْفَسِخْ أحَدُهما بفَسْخِ الآخَرِ، كالبَيعِ، وما حَصَلَ مِن النَّقْصِ 816 لا يَمْنَعُ؛ لأنَّه إنَّما حَصَلَ ضِمْنًا لتَصَرُّفِ الشَّرِيكِ في نَصِيبِه، [فلم يَمْنَعْ، كإعْتاقِ الشَّريكِ.
ولأنَّ مِن أصْلِنا أن تَصِحَّ مُكاتَبَةُ أحدِهما نَصِيبَه] 817، فإذا لم يُمْنَعِ العَقْدُ في ابْتِدائِه، فلأنْ لا يُبْطِلَه في دَوامِه أوْلَى.
ولأنَّ ضَرَره حَصَلَ بعَقْدِه وفَسْخِه، فلا يَزولُ 818 بفَسْخِ عقدِ غيرِه.
ولأنَّ في فَسْخِ الكِتابةِ ضَرَرًا بالمُكاتَبِ وسيدِه، وليس دَفْعُ الضَّرَرِ عن الشَّرِيكِ الذي فَسَخَ بأوْلَى مِن دَفْعِ الضَّرَرِ عن الذي لم يَفسَخْ، [بك دَفْعُ الضَّرَرِ عن الذي لم يَفْسَخْ أوْلَى] (2)، لوُجُوهٍ ثَلاثةٍ؛ أحدُها، أنَّ ضَرَرَ الذي فَسَخَ حَصَلَ ضِمْنًا؛ لبَقاءِ عَقْدِ شَرِيكِه في مِلْكِ نَفْسِه، وضَرَرُ شَرِيكِه يزُولُ بزوالِ عَقْدِه وفَسْخِ تَصَرُّفِه في مِلْكِه.
الثَّاني، أنَّ ضَرَرَ الذي فسَخَ لم يَعْتَبرْه الشَّرْعُ في مَوْضِعٍ، ولا أصْلَ لما ذَكَرُوه مِن الحُكْمِ، ولا [يُعْرَفُ له نَظِيرٌ، فيكونَ] 819 بمَنْزِلَةِ المَصالِحِ المُرْسَلَةِ التي وَقَعَ الإِجْماعُ على اطِّراحِها، وضَرَرُ شَرِيكِه بفَسْخِ عَقْدِه معْتَبَرٌ في سائِرِ عُقُودِه؛ مِن بَيعِه، وهِبَتِه [ورَهْنِه] (2)، وغيرِ ذلك، فيكونُ أوْلَى.
الثالثُ، أنَّ ضَرَرَ

الجزء: 19 - الصفحة: 385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفَسْخِ يَتَعَدَّى إلى المُكاتَبِ، فيكونُ ضَرَرًا باثْنَين، وضَرَرُ الفاسِخِ لا يَتَعَدَّاه، ثم لو قُدِّرَ تَساوى الضَّرَرَين، لوَجَبَ إبْقاءُ الحُكْمِ على ما كان عليه، ولا يجوزُ إحْداثُ الفَسْخِ مِن غيرِ دليلٍ راجِحٍ.
فصل: وإذا عَجَزَ المُكاتَبُ ورُدَّ في الرِّقِّ، وكان في يَدِه مالٌ، فهو لسيدِه، سَواءٌ كان مِن كَسْبِه أو مِن 820 صَدَقَةِ تَطَوُّعٍ أو وَصِيَّةٍ.
وما كان مِن صَدَقَةٍ مَفْروضَةٍ ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، هو لسيدِه.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وقال عطاءٌ: يَجْعَلُه في السَّبِيلِ أحَبُّ إليَّ، وإن أمْسَكَه فلا بأْسَ.
والروايةُ الثانية، يُؤْخَذُ ما بَقِيَ في يَدِه فيُجْعَلُ في المُكاتَبِين.
نَقَلَها حنْبَلٌ.
وهو قولُ شُرَيحٍ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ.
واخْتارَ أبو بكرٍ والقاضي أنَّه يُرَدُّ إلى أرْبابِه.
وهو قولُ إسحاقَ, لأنَّه إنَّما دُفِعَ إليه ليُصْرَفَ في العِتْقِ، فإذا لم يُصْرَفْ فيه وَجَبَ رَدُّه، كالغازِي والغارِمِ وابنِ السَّبِيلِ.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، أنَّ ابنَ عمرَ رَدَّ مُكاتَبًا في الرِّقِّ، فأمْسَكَ ما أخَذَه منه 821. ولأنَّه يأْخُذُ لحاجتِه، فلم يَرُدَّ ما أخَذَه، كالفقيرِ والمسكينِ.

الجزء: 19 - الصفحة: 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأمَّا الغازِي فإنَّه يأْخُذُ لحاجَتِنا 822 إليه بقَدْرِ ما يَكْفِيه لغَزْوه.
وأمَّا الغارِمُ فإن غَرِمَ لإِصْلاحِ ذاتِ البَينِ، فهو كالغازِي، يأخذُ لحاجتِنا إليه، وإن غَرِمَ لمَصْلَحَةِ نفسِه فهو كمسألتِنا، لا يَرُدُّه.
فصل: فأمَّا ما أدَّاه إلى سيدِه قبلَ عَجْزِه، فلا يَجبُ رَدُّه بحالٍ؛ لأنَّ المُكاتَبَ صَرَفَه في الجِهَةِ التي أخَذَه لها، وثبَتَ مِلْكُ سيدِه عليه مِلْكًا مُسْتَقِرًّا، فلم يَزُلْ مِلْكُه عنه، كما لو عَتَقَ المُكاتَبُ.
ويُفارِقُ ما في يَدِ المُكاتَب، فإنَّ مِلْكَ سيدِه لم يَثْبُتْ عليه قبلَ هذا، والخِلافُ في ابْتِداءِ ثُبُوتِه.
وَما تَلِفَ في يَدِ المُكاتَبِ لم يَرْجِعْ به 823 عليه، سَواءٌ عَجَزَ أو أدَّى؛ لأنَّ ماله تَلِفَ في يَدِه، أشْبَهَ ما لو تَلِفَ [في يَدِ] 824 سائِرِ أصْنافِ الصَّدَقَةِ.
وإنِ اشْتَرَى به عَرْضًا، وعَجَزَ والعَرْضُ في يَدِه، ففيه مِن الخِلافِ مثلُ ما لو وَجَدَه بعَينِه؛ لأنَّ العَرْضَ عِوَضُه وقائِمٌ مَقامَه، فأشْبَهَ ما لو أُعْطِيَ الغازِي مِن الصَّدَقَةِ ما اشْتَرَى به فَرَسًا وسِلاحًا ثم فَضَلَ عن حاجتِه.
فصل: ومَوْتُ المُكاتَبِ قبلَ الأداءِ كعَجْزِه فيما ذَكَرْنا؛ لأنَّ سيدَه يأْخُذُ ما في يَدِه قبلَ حُصولِ مَقْصودِ الكتابةِ.
وإن أدَّى وبَقِيَ في يَدِه شيءٌ فحكمُه في رَدِّه وأخْذِه حكمُ سيدِه فيه ذلك عندَ عَجْزِه؛ لأنَّه مالٌ لم يُؤَدِّه

الجزء: 19 - الصفحة: 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في كتابتِه، بَقِيَ بعدَ 825 زَوالِها.
فإن كان قد اسْتَدانَ ما أدَّاه في الكتابةِ، وبَقِيَ عندَه مِن الصَّدَقَةِ بقَدْرِ 826 ما يَقْضِي به دَينَه، لم يَلْزَمْه رَدُّه؛ لأنَّه مُحْتاجٌ إليه بسَبَبِ الكتابةِ، فأشْبَهَ ما يَحْتاجُ إليه في أدائِها.
فصل: إذا قال السيدُ لمُكاتَبِه: متى عَجَزْتَ بعدَ مَوْتِي فأنتَ حُرٌّ.
فهذا تَعْلِيقٌ للحُرِّيةِ 827 على صِفَةٍ تَحْدُثُ بعدَ الموتِ.
وفيه اخْتِلافٌ ذَكَرْناه 828. فإن قُلْنا: لا يَصِحُّ.
فَلا كلامَ.
وإن قُلْنا: يَصِحُّ.
فمتى عَجَزَ بعدَ الموتِ صار حُرًّا بالصِّفَةِ.
فإنِ ادَّعَى العَجْزَ قبلَ حُلُولِ النَّجْمِ لم يَعْتِقْ؛ لأنَّه لم يجِبْ عليه شيءٌ يَعْجِزُ عنه.
وإن كان بعدَ حُلُولِه ومعه ما يُؤَدِّيه لم يُقْبَلْ قوْلُه؛ لأنَّه غيرُ عاجِزٍ، وإن لم يَكُنْ معه مالٌ ظاهِرٌ، فصَدَّقَه الوَرَثَةُ، عَتَقَ، وإن كذَّبُوه فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ المالِ وعَجْزُه، فإذا حَلَفَ عَتَقَ.
وإذا عَتَق بهذِه الصِّفَةِ، كان ما في يَدِه له إن لم تَكُنْ كِتابَتُه فُسِخَتْ؛ لأنَّ العَجْزَ لا تَنْفَسِخُ به الكِتابَةُ 829، وإنَّما يَثْبُتُ به اسْتِحْقاقُ الفَسْخِ، والحُرِّيةُ تَحْصُلُ به بأوَّلِ وُجُودِه، فتكونُ الحُرِّيةُ قد حَصَلَتْ له في حالِ كِتابَتِه، فيكونُ ما في يَدِه له، كما لو عَتَقَ بالإِبْراءِ مِن مالِ الكِتابةِ.
ومُقْتَضَى قولِ 830 أصْحابِنا، أنَّ

الجزء: 19 - الصفحة: 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كِتابَتَه تَبْطُلُ، ويكونُ ما في يَدِه لوَرَثَةِ سيدِه.
فصل: إذا كاتَبَ عَبْدًا في صِحَّتِه، ثم أعْتَقَه في مرَضِ موتِه، أو أبْرَأه مِن مالِ الكتابةِ، فإن كان يَخْرُجُ مِن ثُلُثِه الأقَلُّ مِن قِيمَتِه أو مالِ كتابَتِه عَتَقَ، مثلَ أن يكونَ له سِوَى المُكاتَبِ مائتان، وقِيمةُ المُكاتَبِ مائةٌ، ومالُ الكتابَةِ مائةٌ وخمسون، فإنَّا نَعْتَبرُ قِيمتَه دُونَ مالِ الكِتابَةِ، وهي تَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ.
وإن كان بالعكسِ اعْتَبَرْنا مال الكِتابَةِ ونَفَذَ العِتْقُ، ويُعْتَبَرُ الباقي مِن مالِ الكِتابَةِ دُونَ ما أدَّى منها، وإنَّما اعْتَبَرْنا الأقَلَّ 831؛ لأنَّ قِيمَتَه إن كانت أقَلَّ فهي قِيمَةُ ما أتْلَفَ بالإِعْتاقِ, ومالُ الكِتابَةِ ما اسْتَقَرَّ عليه, فإنَّ للعَبْدِ إسْقَاطَه بتَعْجِيزِ نَفْسِه, أو يَمْتَنِعُ مِن أدائِه, فلا يُجْبَرُ عليه، فلم يُحْتَسَبْ له به، وإن كان عِوَضُ الكِتابَةِ أقلَّ اعْتَبَرْناه؛ لأنَّه يَعْتِقُ بأدائِه، ولا يَسْتَحِقُّ السيدُ عليه سِواه، وقد ضَعُف 832 مِلْكُه فيه وصار عِوَضَه.
وإن كان كلُّ واحدٍ منهما لا يَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، مثلَ أن يكونَ مالُه سِوَى المُكاتَبِ مائةً، فإنَّا نَضُمُّ الأقَلَّ مِن قِيمَتِه أو مالِ الكِتابَةِ، ونَعْمَلُ بحسابِه، فيَعْتِقُ منه ثُلُثاه، ويَبْقَى ثُلُثُه بثُلُثِ مالِ الكِتابةِ، فإنْ أدَّاه عَتَقَ، وإلَّا رَقَّ منه ثُلُثُه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا كان مالُ الكِتابَهِّ مائَةً وخمسين، فيَبْقَى 833 ثُلُثُه بخَمْسِين فأدَّاها، أن نقولَ: قد زاد مالُ المَيِّتِ؛ لأنَّه

الجزء: 19 - الصفحة: 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حُسِبَ على الوَرَثَةِ بمائةٍ، وحَصَلَ لهم بثُلُثِه 834 خَمْسونَ، فقد زاد مالُ المَيِّتِ، فيَنْبَغِي أن يَزِيدَ ما يَعْتِقُ منه؛ لأنَّ هذا المال يَحْصُلُ لهم بعَقْدِ السيدِ والإِرْثِ عنه.
ويجبُ أن يكونَ المُعْتَبَرُ مِن مالِ الكِتابَةِ ثلاثةَ أرْباعِه؛ لأنَّ رُبْعَه يجِبُ إيتاؤُه للمُكاتَبِ 835، فلا يُحْسَبُ مِن مالِ المَيِّتِ.
فإن كان ثلاثةُ أرْباعِ مالِ الكتابةِ مائةً وخمسين، وقِيمةُ العَبْدِ مائةً، وللمَيِّتِ مائةٌ أُخْرَى، عَتَقَ مِن العبدِ ثُلُثاه، وحَصَلَ للوَرَثَةِ مِن كِتابَةِ العبدِ خمْسونَ، عن ثُلُثِ العبدِ المَحْسُوبِ عليهم بثُلُثِ 836 المائةِ، فقد زاد لهم ثُلُثُ الخَمْسين، فيَعْتِقُ مِن العبدِ قَدْرُ ثُلُثِها، وهو تُسْعُ الخَمْسين، وذلك نِصْفُ تُسْعِه، فصار العِتْقُ ثابِتًا في ثُلُثَيه ونِصْفِ تُسْعِه، وحصلَ للورَثَةِ المائةُ وثمانِيَةُ أتْساعِ الخَمْسين، وهو مِثْلا ما عَتَقَ منه.
فإن قِيل: لِمَ أعْتَقْتُمْ بَعْضَه، وقد بَقِيَ عليه بَعْضُ مالِ الكِتَابةِ، [وقد قُلْتُمْ: إن المُكاتَبَ لا يَعْتِقُ منه شَيءٌ حتى يُؤَدِّيَ جميعَ مالِ الكتابةِ] 837؟ قُلْنا: إنَّما أعْتَقْنا بَعْضَه ههُنا بإعْتاقِ سيدِه، لا بالكتابَةِ، ولمّا كان العِتْقُ في مرَضِ مَوْتِه، نَفَذَ في ثُلُثِ مالِه، وبَقِيَ باقِيه لِحَقِّ الوَرَثَةِ، والمَوْضِعُ الذي لا يَعْتِقُ 838 إلَّا بأداءِ جَمِيعِ مالِ 839 الكِتابةِ، إذا كان عِتْقُه بها؛ لأنَّه إذا بَقِيَ عليه شيءٌ،

الجزء: 19 - الصفحة: 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فما حصَلَ الاسْتِيفاءُ يَخُصُّ المُعاوضَةَ، فلم تثْبُتِ الحُرِّيةُ في العِوَضِ.
فصل: فإن وَصَّى سيدُه بإعْتاقِه، أو إبْرائِه مِن الكِتابةِ، وكان يَخرُجُ مِن ثُلُثِه أقَلُّ الأمْرَين مِن قِيمَتِه أو مال الكِتابَةِ، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ فيما إذا أعْتَقَه في مَرَضِه، أو أبْرأه، إلَّا أنَّه لا يَحْتاجُ ههُنا إلى إيقاعِ العِتْقِ؛ لأنَّه أوْصَى به.
وإن لم يَخْرُجِ الأقَلُّ منهما مِن ثُلُثِه, عَتَقَ 840 منه بقَدْرِ الثُّلُثِ، ويَسْقُطُ مِن الكِتابةِ بقَدْرِ ما عَتَقَ، ويَبْقَى باقِيه على باقي الكِتابَةِ، فإذا أدَّاه عَتَقَ جَمِيعُه، وإن عَجَزَ عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلُثِ ورَقَّ الباقي.
وقياسُ المذهبِ أن يتَنَجَّزَ عِتْقُ ثُلُثِه في الحالِ وإن لم يَحْصُلْ للوَرَثةِ في الحالِ شيءٌ؛ لأنَّ حَقَّ الوَرَثَةِ مُتَحَقِّقُ الحصولِ، فإنَّه إن أدَّى وإلَّا عاد البَاقِي قِنًّا.
وذكَرَ القاضي فيه وجْهًا آخَرَ، أنَّه لا يَتَنَجَّزُ عِتْقُ شيءٍ منه إذا لم يكُنْ للمَيِّتِ مالٌ سِواهُ؛ لئلَّا يَتَنَجَّزَ للوَصِيَّةِ ما عَتَقَ منه 841 ويتأخَّرَ حَقُّ الوارِثِ، ولذلك لو كان له مالٌ غائبٌ، أو دَينٌ حاضِرٌ، لم تَتَنَجَّزْ وَصِيَّتُه مِن الحاضِرِ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لما ذَكَرْناه.
وأمَّا الحاضِرُ والغائِبُ، فإنَّه إن كان مُوصًى له بالحاضِرِ أخَذَ ثُلُثَه في الحالِ، ووَقَفَ الباقِي على قُدومِ الغائِبِ، فقد حَصَلَ للمُوصَى له ثُلُث الحاضِرِ، ولم يَحْصُلْ للوَرَثَةِ شيءٌ في الحالِ، فهي كمسألتِنا، ولم يَكْمُلْ له جميعُ وَصِيَّتِه؛ [لأنَّ الغائِبَ] 842 غيرُ مَوْثوقٍ 843 بحُصولِه، فإنَّه

الجزء: 19 - الصفحة: 391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ربَّما تَلِفَ، بخِلافِ ما نحن فيه، فأمّا الزِّيادَةُ الحاصلَةُ بزيادَةِ مالِ الكِتابَةِ، فإنَّها تَقِفُ على أدائِه.
فصل: قال الخِرَقِيُّ: وإذا كان العبدُ لثَلاثَةٍ، فجاءَهُم بثلاثِمائَةِ دِرْهَمٍ، فقال: بِيعُوني نفْسِي بها.
فأجابُوه، فلمَّا عاد إليهم ليكْتُبوا له كِتابًا، أنْكَرَ أحَدُهم أن يكونَ أخَذَ شيئًا، وشَهِدَ الرَّجُلانِ عليه بالأخْذِ، فقد صار العَبْدُ حُرًّا بشهادَةِ الشَّرِيكَين إذا كانا عَدْلَين، ويُشارِكُهُما فيما أخَذَا مِن المالِ، وليس على العبدِ شيءٌ.
اعْتُرِضَ على الخِرَقِيِّ في هذه المسألةِ، حيث أجاز له شِراءَ نَفْسِه بعَينِ ما في يَدِه، مع أنَّه قد ذكَرَ في بابِ العِتْقِ: إذا قال العبدُ لرَجُل: اشْتَرِني مِن سيدِي بهذا المالِ وأعْتَقْنِي.
فاشْتَراهُ بعينِ المال، كان الشِّراءُ والعِتْقُ باطِلًا، ويكونُ السيدُ قد أخَذَ ماله.
فأجابَ القاضي عن هذا الإِشْكالِ بوُجوهٍ: منها، أن يكونَ مُكاتَبًا، وقولُه: بيعُونِي نَفْسِي بهذه.
أي أُعَجِّلُ لكم الثَّلاثَمِائة وتَضْعُونَ عنِّي ما بَقِيَ مِن كِتابَتِي، ولهذا ذَكرها في بابِ المُكاتَبِ.
الثَّاني، أن يكُون [المالُ في يَدِ] 844 العبدِ لأجْنَبِيٍّ قال له: اشْتَرِ نَفْسَكَ بها.
مِن غيرِ أن يُمَلِّكَه إيَّاها.
الثالثُ، أن [يكونَ عِتْقًا بِصفةٍ] 845، تقْدِيرُه: إذا قَبَضْنا منك هذه الدَّراهِمَ فأنت حُرٌّ.
الرابعُ، أن يكونَ سادَتُه رَضُوا ببَيعِه نَفْسَه بما في يَدِه، وفِعْلُهم ذلك معه 846 إعْتاقٌ منهم مشْرُوطٌ بتَأْدِيَةِ ذلك إليهم،

الجزء: 19 - الصفحة: 392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فتكونُ صُورَتُه صُورةَ البَيعِ، ومعناه العِتْقُ بشَرْطِ الأداءِ، كما لو قال: بِعْتُك نَفْسَك بخِدْمَتِي سَنَةً.
فإنَّ مَنافِعَه مَمْلُوكَةٌ لسيدِه، وقد صَحَّ هذا فيها 847، فكذا ههُنا.
قال شيخُنا 848: وهذا الوَجْهُ أظْهَرُها 849، إن شاء اللهُ تعالى؛ لأنَّه لا يَحْتَاجُ إلى تأْويلٍ، ومتى أمْكَنَ حَمْلُ الكلامِ علِى ظاهِرِه لم يَجُزْ تَأْويلُه بغيرِ دليلٍ.
إذا تَقَرَّرَ هذا، فمتى اشْتَرَى العبدُ نفْسَه مِن سادَتِه عَتَقَ؛ لأنَّ البَيعَ يُخْرِجُه مِن 850 مِلْكِهم، ولا يَثْبُتُ عليه مِلْكٌ آخَرُ، إلَّا أنَّه ههُنا لا يَعْتِقُ إلَّا بالقَبْضِ؛ لأنَّا جَعَلْناه عِتقًا مشْرُوطًا به.
ولهذا قال الخِرَقِيُّ: وقد صار العَبْدُ حُرًّا بشَهادَةِ الشَّرِيكَين اللذين شَهِدا بالقَبْضِ.
ولو عَتَقَ بالبَيعِ، لعَتَقَ باعْترافِهم به، لا بالشَّهادَةِ بالقَبْضِ.
ومتى أنْكَرَ أحَدُهم أخْذَ نصِيبِه مِن الثَّمَنِ، فشَهِدَ عليه شَرِيكاه، وكانا عَدْلَين، قُبِلَتْ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما شَهِدا للعبدِ بأداءِ ما يَعْتِقُ به، فقُبِلَتْ شهادَتُهما، كالأجْنَبِيَّين، ويَرْجِعُ المشهودُ عليه عليهما فيُشارِكُهما فيما أخَذَاه؛ لأنَّهما اعْتَرَفا بأخْذِ مائَتَين مِن ثَمَنِ العبدِ، والعبدُ مُشْتَرَكٌ بينَهم، فثَمَنُه 851 يجبُ أنْ يكونَ بينَهم، ولأنَّ ما في يَدِ العبدِ لهم، والذي أخَذاه كان في يَدِه، فيجِبُ أن يَشْتَرِكَ فيه الجميعُ ويكونَ بينَهم بالسَّويَّةِ،

الجزء: 19 - الصفحة: 393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وشَهادتُهما فيما لهما فيه نَفْعٌ غيرُ مَقْبُولَةٍ، ودَفْعُ مُشارَكَتِه لهما فيه نَفْعٌ لهما، فلم تُقْبَلْ شَهادتُهما فيه، وقُبِلَتْ فيما يَنْتَفِعُ به العبدُ دُونَ ما يَنْتَفِعان به، كما لو أقَرَّ بشيءٍ لغيرِهما [ضَرَرٌ و] 852 لهما 853 فيه نَفْعٌ، فإنَّ إقْرارَهما يُقْبَلُ فيما عليهما دُونَ ما لهما.
وقياسُ المذهبِ أن لا تُقْبَلَ شَهادَتُهما على شَرِيكِهما بالقَبْضِ؛ لأنَّهما يَدْفَعان بها عن أنْفُسِهما [ضَرَرًا و] 854 مَغْرَمًا، ومَن شَهِدَ بشهادَةٍ يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا بَطَلَتْ شَهادَتُه في الكُلِّ، وإنَّما يُقْبَلُ ذلك في الإِقْرارِ؛ لأنَّ العدالةَ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ فيه، والتُّهْمَةُ لا تَمْنَعُ مِن صِحَّتِه، بخِلافِ الشهادَةِ.
فعلى هذا القياسِ، يَعْتِقُ نَصِيبُ إلشاهِدين بإقْرارِهما، ويَبْقَى نَصيبُ المشهودِ عليه موْقُوفًا على القَبْضِ، وله مطالبَتُه بنَصِيبِه أو مُشارَكَةُ صَاحِبَيه 855 بما أخَذَا 856، فإن شَارَكَهُما أخَذَ منهما ثُلُثَيْ مائَةٍ، ورَجَعَ على العبدِ بتَمام المائَةِ، ولا يَرْجِعُ المأخُوذُ منه 857 على الآخَرِ بشيءٍ؛ لأنَّه إن أخَذَ مِن العَبدِ، فهو يقولُ: ظَلَمَنِي، وأخَذَ مِني مَرَّتَين.
وإن أخَذَ مِن الشَّاهِدَين، فهما يقُولانِ: ظَلَمَنا وأخَذَ منَّا ما لا يَسْتَحِقُّه علَينا.
ولا يَرْجِعُ المظْلُومُ على غيرِ ظَالِمه.
وإن كانا غيرَ عَدْلَين فكذلك، سواءٌ قُلْنا: إنَّ شَهادَةَ العَدْلَين مَقْبُولَةٌ.
أو لا؛ لأنَّ غيرَ العَدْلِ لا تُقْبَلُ شَهادَتُه، وإنَّما يؤاخَذُ بإقرارِه.
وإن أنْكَرَ الثَّالثُ البَيعَ فنَصِيبُه باقٍ على

الجزء: 19 - الصفحة: 394

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرِّقِّ إذا حَلَفَ، إلَّا أنْ يَشْهَدا عليه بالبَيعِ، ويَكونانِ عَدْلَين، فتُقْبَلُ شهادَتُهما؛ لأنَّهما لا يَجُرَّان إلى أنْفُسِهما بهذه الشَّهادَةِ نَفْعًا.
فصل: وإذا كان العبدُ بينَ شَرِيكَين، فكاتَباه بمائةٍ، فادَّعَى دَفْعَها إليهما، وصَدَّقاه، عَتَقَ، وإن أنْكَراه، ولم تكُنْ بَيِّنَةٌ، فالقولُ قولُهما مع أيمانِهما.
وإنْ أقَرَّ أحدُهما وأنْكَرَ الآخرُ، عَتَقَ نَصِيبُ المُقِرِّ، وأمَّا المُنْكِرُ، فعلى قولِ الخِرَقِيِّ، تُقْبَلُ شَهادةُ شَرِيكِه 858 عليه إذا كان 859 عَدْلًا، فيَحْلِفُ العبدُ مع شَهادَتِه 860، ويصِيرُ حُرًّا، [ويَرْجِعُ] 861 المُنْكرُ على الشَّاهِدِ، فيُشارِكُه فيما أخَذَه.
وأمَّا القِياسُ فيَقْتَضِي أن لا تُسْمَعَ شهادَةُ شَريكِه عليه؛ لأنَّه يَدْفَعُ بشهادَتِه عن نَفْسِه مَغرَمًا، والقولُ قول السَّيدِ مع يَمِينِه، فإذا حَلَفَ، فله مُطالبَةُ شَرِيكِه بنِصْفِ ما اعْتَرَفَ به، وهو خَمْسَةٌ وعشرون؛ لأنَّ ما قَبَضَه كَسْبُ العَبْدِ، وهو مُشْتَرَكٌ بينَهما.
فإن قِيلَ: فالمُنْكِرُ يُنْكِرُ قَبْضَ شَرِيكِه، فكَيفَ يَرْجعُ عليه؟ قُلْنا: إنَّما يُنْكِرُ قَبْضَ نَفْسِه، وشَرِيكُه مُقِرٌّ بالقَبْضِ، ويجوزُ أنَّ يكونَ قَد قَبَضَ فلم يَعْلَمْ به، وإذا أقَرَّ بمُتَصَوَّرٍ لَزِمَه حُكْمُ إقْرارِه، ومِن حُكْمِه جَوازُ رُجوعِ شَرِيكِه عليه.
فإن قيلَ.
لو كان عليه دَينٌ لاثْنَين فَوَفَّى أحَدَهما، لم يَرْجِعِ

الجزء: 19 - الصفحة: 395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الآخَرُ على شَرِيكِه، فلِمَ رَجَعَ ههُنا؟ قُلْنا: إن كان الدَّينُ ثابِتًا بسَبَبٍ واحِدٍ، فما قَبَضَ أحدُهما منه رَجَعَ به الآخَرُ عليه، كمسألتِنا، وعلى أنَّ هذا يُفارِقُ الدَّينَ، لكونِ الدَّينِ لا يَتَعَلَّقُ بما في يَدِ الغَرِيمِ، إنَّما يَتَعَلَّقُ بذِمَّتِه حَسْبُ، والسيدُ يتَعَلَّقُ حَقُّه بما في يَدِ المُكاتَبِ، فلا يَدْفَعُ شيئًا منه إلى أحَدِهما، إلَّا كان حَقُّ الآخَرِ ثابتًا فيه.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن رَجَعَ على العبدِ بخَمْسِين، اسْتَقَرَّ مِلْكُ الشَّرِيكِ على ما أخَذَه، ولم يَرْجِعِ العبدُ عليه بشيءٍ؛ لأنَّه إنَّما قَبَضَ حَقَّه، وإن رَجَعَ على الشَّرِيكِ، رَجَعَ عليه بخَمْسَةٍ وعِشْرِين، وعلى العَبْدِ بخَمْسةٍ وعِشْرِين، ولم يَرْجِعْ أحَدُهما على الآخَرِ بما أخَذَه منه؛ لما 862 ذَكَرْنا مِن قبلُ.
وإن عَجَزَ العبدُ [عن أداءِ] 863 ما يَرْجِعُ به عليه، فله تَعْجِيزُه واسْتِرْقاقه، ويكونُ نِصْفه حُرًّا ونِصْفه رَقِيقًا، ويَرْجِعُ على الشَّرِيكِ بنِصْفِ ما أخَذَه، ولا تَسْرِي الحُرِّيةُ فيه؛ لأنَّ الشَّرِيكَ والعبدَ يَعْتَقِدان أنَّ الحُرِّيةَ ثابِتَةٌ في جميعِه، وأنَّ المُنْكِرَ غاصِبٌ لهذا النِّصْفِ الذي اسْتَرَقَّه ظَالِمٌ باسْتِرْقاقِه، والمُنْكِرُ يَدَّعِي رِقَّ العبدِ جميعِه، ولا يَعْتَرِفُ بحُرِّيةِ شيءٍ منه؛ لأنَّه يَزْعُمُ أنَّني 864 ما قَبَضْتُ نَصِيبي 865 مِن كتابتِه، وشَرِيكي إن قَبَضَ شيئًا [فقد قَبَضَ شيئًا] 866 اسْتَحَقَّ نِصْفَه بغيرِ إذْنِي، فلا يَعْتِقُ شيءٌ منه بهذا القَبْضِ.
وسِرايةُ العِتْقِ مُمْتَنِعَةٌ

الجزء: 19 - الصفحة: 396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على كلا القَوْلَين؛ لأنَّ 867 السِّرايةَ إنَّما تكونُ فيما إذا أُعْتِقَ بعضُه وبَقِيَ بعضُه رَقِيقًا، وجَمِيعُهم متَّفِقونَ على خِلافِ ذلك.
وهذا مَنْصوصُ الشافعيِّ.
فصل: فإنِ ادَّعَى العبدُ أنَّه دَفَعَ المائَةَ إلى أحَدِهما؛ ليَدْفَعَ إلى شَرِيكِه حَقَّه ويأْخُذَ الباقِيَ، فأنْكَرَ المُدَّعَى عليه، حَلَفَ وبَرِئَ.
فإن قال: إنَّما دَفَعْتَ إليَّ حَقِّي، وإلى شَرِيكي حَقَّه.
ولا بَيِّنَةَ للعبدِ، فالقولُ قولُ المدَّعَى عليه، في أنَّه لم يَقْبِضْ إلَّا قَدْرَ حَقِّه، مع يَمِينِه، ولا نزاعَ بينَ العبدِ وبينَ الآخَرِ؛ لأنَّه لم يَدَّعِ عليه شيئًا، وله مُطالبَةُ العبدِ بجميعِ حَقِّه، وله مُطالبَتُه بنِصْفِه، ومُطالبَةُ القابضِ بنِصْفِ ما قَبَضَه، فإنِ اختار مُطالبَةَ العبدِ، فله القَبْضُ منه بغيرِ يَمِينٍ، وإنِ اخْتارَ الرُّجُوعَ على شَرِيكِه بنِصْفِه، فللشَّرِيكِ عليه اليَمِينُ أنَّه لم يَقْبِضْ مِن المُكاتَبِ شيئًا؛ لأنَّه لو أقَرَّ بذلك لسَقَطَ حَقُّه مِن الرُّجُوعِ، فإذا أنْكَرَه لَزِمَتْه اليَمِينُ.
فإن شَهِدَ القابِضُ على شَرِيكِه بالقَبْضِ لم تُقْبَلْ شهادَتُه؛ لمعْنَيَين؛ أحدُهما، أنَّ المُكاتَبَ لم يَدَّعِ عليه شيئًا، وإنَّما تُقْبَلُ البَيِّنَةُ إذا شَهِدَت بصِدْقِ المدَّعِي.
الثَّاني، أنَّه يَدْفعُ عن نَفْسِه مَغْرَمًا.
فإن عَجَزَ العَبْدُ فلغيرِ القابِضِ أن يَسْتَرِقَّ نِصْفَه، ويُقَوَّمُ عليه نَصِيبُ شَرِيكِه؛ لأنَّ العبدَ مُعْتَرِفٌ برِقِّه، غيرُ مُدَّعٍ لحُرِّيةِ هذا النَّصِيبِ، بخِلافِ التي قَبْلَها.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُقَوَّمَ أيضًا؛ لأنَّ القابضَ يَدَّعِي حُرِّيةَ جَمِيعِه، والمُنْكِرُ يَدَّعِي ما يُوجِبُ رِقَّ جَمِيعِه، فإنَّهما

الجزء: 19 - الصفحة: 397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يقُولان: ما قَبَضَه قَبَضَه بغيرِ حَقٍّ، فلا يَعْتِقُ حتى يُسَلِّمَ إليَّ مِثْلَ ما سَلَّمَ إليه.
وإذا كان أحَدُهما يَدَّعِي رِقَّ 868 جَمِيعِه، والآخرُ يَدَّعِي [حُريةَ جميعِه] 869، فما اتَّفَقا على حُرِّيةِ البعضِ دُونَ البَعْضِ.
فصل: وإنِ اعْتَرَفَ المُدَّعَى [عَلَيهِ] 870 بقَبْضِ المائةِ، على الوَجْهِ الذي ادَّعاهُ المُكاتَبُ، وقال: قد دَفَعْتُ إلى شَريكي نِصْفَها.
فأنْكَرَ الشَّرِيكُ، فالقولُ قولُه مع يَمينِه، وله مُطالبَةُ مَن شاءَ منهما بجَمِيعِ حَقِّه، وللمَرْجُوعِ عليه أن يُحَلِّفَه، فإن رَجَعَ على الشَّرِيكِ فأخَذَ منه خمْسِينَ، كان له ذلك؛ لأنَّه اعْتَرَفَ بقَبْضِ المائةِ كُلِّها، ويَعْتِقُ المُكاتَبُ؛ لأنَّه وَصَل إلى كلِّ واحِدٍ منهما قَدْرَ حَقِّه مِن الكِتابَةِ، ولا يَرْجِعُ الشَّرِيكُ عليه بشيءٍ؛ لأنَّه يَعْتَرِفُ له بأداءِ ما عليه وبَراءَتِه منه، وإنَّما يَزْعُمُ أنَّ شَرِيكَه ظَلَمَه، فلا يَرْجِعُ على غيرِ ظالِمِه.
وإن رَجَعَ على العبدِ، فله أن يأخُذَ منه الخمسين؛ لأنَّه يزْعُمُ أنَّه ما قَبَضَ شيئًا مِن كتابَتِه، وللعبدِ الرُّجُوعُ على القابِضِ بها، سَواءٌ صَدَّقَه في دَفْعِها إلى المُنْكِرِ أو كَذَّبَه؛ لأنَّه وإن دَفَعَها فقد دَفَعَها دَفْعًا غيرَ مُبْرٍ، فكان مُفَرِّطًا، ويَعْتِقُ العبدُ بأدائِها، فإن عَجَزَ عن أدائِها فله أن يأْخُذَها مِن القابِضِ ثم يُسَلِّمَها، فإن تَعَذَّرَ ذلك، فله تَعْجِيزُه واسْتِرْقاقُ نِصْفِه ومُشارَكَةُ القابِضِ في الخمسين التي قَبَضَها

الجزء: 19 - الصفحة: 398

فَصْلٌ: وَإِنِ اخْتَلَفَا في الْكِتَابَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُهَا.
عِوَضًا عن نَصِيبِه، ويُقَوَّمُ على الشَّرِيكِ القابِضِ إن كان مُوسِرًا، إلَّا أن يكونَ العبدُ يُصدِّقُه في دَفْعِ الخمسين إلى شَرِيكِه، فلا يُقَوَّمُ؛ لأنَّه يَعْتَرِفُ أنَّه حُرٌّ وأنَّ هذا ظَلَمَه باسْتِرْقاقِ نِصْفِه الحُرِّ.
وإن أمْكَنَ الرُّجُوعُ على القابِضِ بالخَمْسِين ودَفْعُها إلى المُنْكِرِ، فامْتَنَعَ مِن ذلك، فهل يَمْلِكُ المُنْكِرُ تَعْجِيزَه واسْتِرْقاقَ نِصْفِه؟ على وَجْهَين، بِناءً على القَولِ في تَعْجِيزِ العَبْدِ نَفْسَه مع القُدْرَةِ على الأداءِ، إن قُلْنا: له ذلك.
فللمُنْكِرِ اسْتِرْقاقُه.
وإن قُلْنا: ليس له ذلك.
فليس للمُنْكِرِ اسْتِرْقاقُه؛ لأنَّه قادِرٌ على الأداء.
فإن قيل: فلِمَ لا يَرْجِعُ المُنْكِرُ على القابِضِ بنِصْفِ ما قَبَضَه إذا اسْتَرَقَّ نِصْفَ العبدِ؟ قُلْنا: لأنَّه لو رَجَعَ بها لكان قابِضًا جميعَ حَقِّه مِن مالِ الكتابةِ، فيَعْتِقُ المُكاتَبُ بذلك، إلَّا أن يَتَعَذَّرَ قَبْضُها في نُجومِها، فتَنْفَسِخُ الكِتابةُ، ثم يُطالِبُ بها بعدَ ذلك، فيكونُ له الرُّجُوعُ بنِصْفِها، كما لو كانت غائِبَةً في بلدٍ آخَرَ، وتَعَذَّرَ تَسْلِيمُها حتى فُسِخَتِ الكتابةُ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ الله عنه: (وإنِ اخْتَلَفا في الكِتابَةِ، فالقولُ قولُ مَن يُنْكِرُها) لأنَّ الأصْلَ مَعَه.

الجزء: 19 - الصفحة: 399

وَإنِ اخْتَلَفَا في قَدْرِ عِوَضِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَينَ.

3035 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في قَدْرِ عِوَضِها، فالقولُ قولُ السيدِ في إحْدَى الرِّوايَتَين)

إذا اخْتَلَفا في عِوَضِ الكتابةِ، فقال السيدُ: كاتَبْتُكَ على ألْفَين.
وقال المُكاتَبُ: على ألْفٍ.
فعنه ثلاثُ رِواياتٍ؛ أحدُها، القولُ قولُ السيدِ.
ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
قال القاضي: هذا المذهبُ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الكَوْسَجِ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والأوْزَاعِيِّ، وإسحاقَ.
وقال أبو بكرٍ: اتَّفَقَ أحمدُ والشافعيُّ على أنَّهما يَتَحالفان ويتَرادَّان.
وهو قولُ أبي يوسفَ ومحمدٍ؛ لأنَّهما اخْتَلَفا في عِوَضِ العَقْدِ القائِمِ بينَهما، فيَتَحالفانِ إذا لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ، كالمُتَبايِعين.
وحُكِيَ عن أحمدَ رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّ القولَ قَوْلُ المُكاتَبِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ للألْفِ الزَّائِدِ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ؛ لأنَّه مُدَّعًى عليه، فيَدْخُلُ في عُمُومِ قولِه عليه السَّلامُ: «ولَكِنَّ اليَمِينَ على المُدَّعَى عليه» 871. ووَجْهُ الأُولَى، أنَّه اخْتِلافٌ في الكِتابَةِ، فالقولُ قولُ السيدِ فيه، كما لو اخْتَلَفا في أصْلِها، ويُفارِقُ البَيعَ مِن وَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّ الأصْلَ في البَيعِ عَدَمُ

الحديث: 3035 - الجزء: 19 - الصفحة: 400

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِلْكِ كلِّ واحِدٍ منهما لما صار إليه، والأصْلُ في المُكاتَبِ وكَسْبِه أنَّه لسيدِه، فالقولُ قولُه فيه.
الثاني، أنَّ التَّحالُفَ في البَيعِ مُفِيدٌ، ولا فائِدَةَ في التَّحالُفِ في الكتابةِ، فإنَّ الحاصِلَ منه يَحْصُلُ بيَمِينِ السيدِ وحْدَه، وبَيانُ ذلك أنَّ الحاصِلَ بالتَّحالُفِ فَسْخُ الكِتابَةِ ورَدُّ العَبْدِ إلى الرِّقِّ إذا لم يَرْضَ بما حَلَفَ عليه سيدُه، وهذا يَحْصُلُ عندَ مَن جَعَلَ القولَ قولَ السيدِ مع يَمِينِه، فلا يُشْرَعُ التَّحالُفُ مع عَدَم فائِدَتِه.
وإنَّما قَدَّمْنا قولَ المُنْكِرِ في سائِرِ الموَاضِعِ؛ لأنَّ الأصْلَ مَعه، والأَصْلُ ههُنا مع السيدِ؛ لأنَّ الأصْلَ مِلْكُه للعبدِ وكَسْبِه.
إذا ثَبَتَ هذا، فمتى حَلَفَ السيدُ ثَبَتتِ الكتابةُ بألْفَين, كما لو اتَّفَقا عليها، وسَواءٌ كان اخْتِلافُهما قبلَ العِتْقِ أو بعدَه، مِثلَ أن يدفَعَ إليه ألْفَين فيَعْتِقَ، ثُم يدَّعِيَ المُكاتَبُ أنَّ أحَدَهما عن الكتابةِ والآخَرَ ودِيعَةٌ، ويقولَ السيدُ: بل هما 872 جميعًا مالُ الكتابةِ.
ومَن قال بالتَّحالُفِ، قال: إذا تحَالفا فلكُلِّ واحِدٍ منهما فَسْخُ الكتابةِ، إلَّا أن يَرْضَى بقولِ صاحِبِه، وإن كان التَّحالُفُ بعدَ العِتْقِ في مثلِ الصُّورَةِ التي ذَكَرْناها لم ترتَفِعِ الحُرِّيةُ؛ لأنَّها لا يُمْكِنُ رَفْعُها بعدَ حُصُولِها ولا إعادَةُ الرِّق بعدَ رَفْعِه، ولكن يَرْجِعُ السيدُ بقِيمتِه، ويَرُدُّ عليه ما أدَّى إليه، فإن كانا مِن جِنْسٍ واحِدٍ تَقاصَّا بقَدْرِ أقَلِّهِمَا، وأخَذَ ذُو الفَضْلِ فَضْلَه.

الجزء: 19 - الصفحة: 401

وَإِنِ اخْتَلَفَا في وَفَاءِ مَالِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ.

3036 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في وَفاءِ مالِها)

873 فقال العبدُ: أدَّيتُ وعَتَقْتُ.
وأنْكَرَ السيدُ (فالقولُ قولُ السيدِ) مع يَمِينِه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ.
وإنِ اخْتَلَفا في إبْرائِه مِن مالِ الكتابةِ أو شيءٍ منه، فالقَولُ قَولُ السيدِ مع يَمِينِه؛ لذلك.
فصل: إذا كاتَبَ عَبْدَين، واسْتَوْفَى مِن أحَدِهما، ولم يَدْرِ أيَّهما اسْتَوْفَى، فقياسُ المذهبِ أن يُقْرَعَ بينَهما، فمَن خَرَجَتْ له القُرْعَة عَتَقَ، ورَقَّ الآخَرُ، كما لو أعْتَقَ عبدًا مِن عَبِيدِه وأُنْسِيَهُ.
وإنِ ادَّعَى الآخَرُ عليه أنَّه أدَّى، فعليه اليَمِينُ أنَّه ما أدَّى، فإن نَكلَ عَتَقَ الآخرُ، وإن مات السيدُ قبلَ القُرْعَةِ أقْرَعَ الوَرَثَةُ.
فإنِ ادَّعَى الآخَرُ عليهم أنَّه المُؤَدِّي، فعليهم اليَمِينُ

الحديث: 3036 - الجزء: 19 - الصفحة: 402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّهم لا يَعْلَمُون أنَّه أدَّى؛ لأنَّها يَمِينٌ على نَفْي فِعْلِ الغيرِ.
فإن أقام أحَدُ العَبْدَين بيِّنَةً أنَّه أدَّى عَتَقَ، سَواءٌ كان قبلَ القُرْعَةِ أو بَعْدَها، في حياةِ سيدِه أو بعدَ مَوْتِه.
وإن كان ذلك قبلَ القُرْعَةِ، تَعَيَّنَتَ الحُرِّيةُ فيه ورَقَّ الآخَرُ.
فإن كان بعدَها، فكذلك؛ لأنَّ القُرْعَةَ ليست عِتْقًا، وإنَّما هي مُعَيِّنَةٌ للعِتْقِ، والبَيِّنَةُ أقْوَى منها، فيَثْبُتُ بها خَطَأُ القُرْعَةِ، فيَتَبَيَّنُ بَقاءُ الرِّقِّ في الذي ظَنَنَّا حُرِّيَّتِه، كما تَبَيَّنَّا حُرِّيةَ مَن ظَنَنَّا رِقَّه.
ولأنَّ مَن لم يُؤَدِّ لا يَصِيرُ مُؤَدِّيًا بوُقوعِ القُرْعَةِ له، فلا يُوجَدُ حُكْمُه الذي هو العِتْقُ.
ويتَخَرَّجُ على قولِ أبي بكرٍ وابنِ حامدٍ، أن يَعْتِقا، على ما نذْكُرُ في الطلاقِ.
وكذلك الحُكْمُ فيما إذا ذَكَرَ السيدُ المؤدِّيَ منهما، ومتى ادَّعى الآخَرُ أنَّه أدَّى فله اليمينُ على المدَّعَى عليه، مِن السيدِ والورثةِ، إلَّا أنَّ السيدَ يَحْلِفُ على البَتِّ، وأمَّا الوَرَثَةُ فإنِ ادَّعَى أنَّه دَفَعَ إلى مَوْرُوثِهم حَلَفُوا على نَفْي العِلْمِ، وإنِ ادَّعَى أنَّه دَفَعَ إليهم حَلَفُوا على البَتِّ، وعلى كُلِّ واحِدٍ منِ الوَرَثَةِ يَمِينٌ، لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهم مُدَّعًى عليه، فلَزِمَتْه اليَمِينُ، كما لو انْفَرَدَ بالدَّعْوَى.
فصل: إذا كان للمُكاتَبِ أولادٌ مِن مُعْتَقَةِ غيرِ سيدِه، فقال سيدُه: قد أدَّى إليَّ وعَتَقَ، فانْجَرَّ ولاءُ وَلدِه إليَّ.
فأنْكَرَ ذلك مَوْلَى أُمِّهم وكان المُكاتَبُ حَيًّا، صار حُرًّا بهذا القَولِ؛ لأنَّه إقْرارٌ مِن سيدِه بعِتْقِه، ويَنْجَرُّ وَلاءُ ولدِه إليه، وإن كان مَيِّتًا فالقولُ قَوْلُ مَوْلَى أُمِّهم، لأنَّ الأصْلَ بقاءُ الرِّقِّ وبقاءُ وَلائِهم له، فيَحْلِفُ، ويَبْقَى وَلاؤُهم له.

الجزء: 19 - الصفحة: 403

فَإِنْ أَقَامَ الْعَبْدُ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ، أوْ شَاهدًا وَامْرَأَتَينِ, ثَبَتَ الأَدَاءُ وَعَتَقَ.

3037 - مسألة: (وإن أقام العبدُ شاهِدًا وحَلَفَ معه، أو شاهِدًا وامرأتَين، ثَبَتَ الأداءُ وعَتَقَ)

وهذا قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ النِّزاعَ بينَهما في أداءِ المالِ، والمالُ يُقْبَلُ فيه الشاهِدُ واليَمِينُ، والرَّجُلُ والمرأتان.
فإن قيل: القَصْدُ مِن هذه الشَّهادَةِ العِتْقُ، وهو لا يَثْبُتُ بشاهِدٍ ويَمينٍ.
قُلْنا: بل يَثْبُتُ بشاهِدٍ ويَمِينٍ في رِوايَةٍ.
وإن سَلَّمْنا أنَّ الشهادَةَ لا تُثْبِتُ، لكنَّ الشهادةَ ههُنا بأداءِ المالِ، والعِتْقُ يَحْصُلُ عندَ أدائِه بالعَقْدِ الأوَّلِ، ولم يَشْهَدِ الشاهِدُ به، ولا بينَهما فيه نِزاعٌ.
ولا يَمْتَنِعُ أن يَثْبُتَ بشَهادةِ الواحِدِ ما يَتَرتَّبُ عليه أمْرٌ لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَين، كما أنَّ الولادَةَ تَثْبُتُ بشَهادةِ النِّساءِ، ويَتَرَتَّبُ عليها ثُبوتُ النَّسَبِ الذي لا يَثْبُتُ بشَهادَةِ النِّساءِ، ولا بشاهِدٍ واحِدٍ.
فصل: فإن لم يَكُنْ للعبدِ شاهِدٌ، وأنْكَرَ السيدُ، فالقولُ قولُه، فإن

الحديث: 3037 - الجزء: 19 - الصفحة: 404

فَصْلٌ: وَالْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ -مِثْلَ أنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى خَمْرٍ،  قال: لي شاهِدٌ غائِبٌ.
أُنْظِرَ ثَلاثًا، فإن جاء، وإلَّا حَلَفَ السيدُ.
ثم متى جاءَ شاهِدُه وأدَّى الشَّهادَةَ، ثَبَتَتْ حُرِّيتُه.
وإن جُرِحَ شاهِدُه، فقال: لي شاهِدٌ آخَرُ.
أُنْظِرَ ثَلاثًا، لِما ذَكَرْناه.
فصل: وإن أقَرَّ السيدُ بقَبْضِ مالِ الكتابةٍ عَتَقَ العبْدُ، إذا كان ممَّن يَصِحُّ إقْرارُه.
وإن أقَرَّ بذلك في مَرَضِ مَوْتِه قُبِلَ؛ لأنَّه إقْرارٌ لغَيرِ وارِثٍ، فيُقْبَلُ.
وإن قال: اسْتَوْفَيتُ كِتابَتِي كُلَّها.
عَتَقَ العبدُ.
وإن قال: اسْتَوْفَيتُها كُلَّها إن شاء الله.
أو: إن شاء زيدٌ.
عَتَقَ، ولم يُؤَثِّرْ الاسْتِثْناءُ؛ لأنَّ هذا الاسْتِثْناءَ لا مَدْخَلَ له في الإِقْرارِ.
قال أحمدُ في رِوايَةِ أبي طالِبٍ: إذا قال: له ألْفٌ إن شاء الله.
كان مُقِرًّا بها.
ولأنَّ هذا الاسْتِثْناءَ تَعْلِيقٌ بشَرْطٍ، والذي يَتَعَلَّقُ بالشَّرطِ إنَّما هو المُسْتَقْبَلُ، وأمَّا الماضِي فلا يُمْكِنُ تَعْلِيقُه؛ لأنَّه قد وَقَعَ على صِفَةٍ لا يَتَغَيَّرُ عنها بالشَّرْطِ، وإنَّما يدُلُّ الشَّرْطُ على الشَّكِّ فيه، فكأنَّه قال: اسْتَوْفَيتُ كِتابَتِي، وأنا أشُكُّ فيه.
فيَلْغُو الشَّكُّ، ويَثْبُتُ الإِقْرارُ.
وإن قال: اسْتَوْفَيتُ آخِرَ كتابَتِي.
وقال: إنَّما أرَدْتُ أنَّى اسْتَوْفَيتُ النَّجْمَ الآخِرَ دُونَ ما قبلَه.
وادَّعَى العبدُ إقْرارَه باسْتِيفاءِ الكلِّ، فالقولُ قولُ السيدِ؛ لأنَّه أعْرَفُ بمُرادِه.
واللهُ أعلمُ.
فصل: قال رَضِيَ اللهُ عنه: (والكِتابةُ الفاسِدَةُ -مثلَ أن يُكاتِبَه على

الجزء: 19 - الصفحة: 405

أَوْ خِنْزِيرٍ- يُغَلَّبُ فِيهَا حُكْمُ الصِّفَةِ، في أَنَّه إِذَا أَدَّى عَتَقَ، وَلَا يَعْتِقُ بِالْإِبْرَاءِ.
خَمْرٍ، أو خِنْزِيرٍ - يُغَلَّبُ فيها حُكْمُ الصِّفَةِ، في أنَّه إذا أدَّى عَتَقَ، ولا يَعْتِقُ بالإِبراءِ) إذا كاتَبَه كِتابَةً فاسِدَةً على عِوَضٍ مَجْهُولٍ، أو حلٍّ، أو مُحَرَّمٍ، كالخَمْرِ والخِنْزِيرِ، فقد رُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، ما يَدُلُّ على أنَّ الكِتابَةَ على العِوَضِ المُحَرَّمِ باطِلَةٌ، لا يَعْتِقُ بالأداءِ فيها.
اخْتارَه أبو بكرٍ؛ فإنَّه روَى عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا كاتَبَه كِتابَةً فاسِدَةً، فأدَّى ما كُوتِبَ عليه، عَتَقَ، ما لم تَكُنِ الكِتابَةُ مُحَرَّمَةً.
فحَكَمَ بالعِتْقِ بالأداءِ، إلَّا في المُحَرَّمَةِ.
واخْتارَ القاضِي أنَّه يَعْتِقُ بالأداءِ، كسائِرِ الكتاباتِ الفَاسِدَةِ.
ويُمْكِنُ حَمْلُ كلامِ القاضِي على ما إذا جَعَل السيدُ الأداءَ شَرْطًا للعِتْقِ، فقال: إذا أدَّيتَ لي فأنْتَ حُرٌّ.
فأدَّى، فإنَّه يَعْتِقُ بالصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ، لا بالكِتابَةِ، ويَثْبُتُ في هذه الكِتابةِ حكمُ الصِّفَةِ في العِتْقِ بوُجُودِها، لا حُكْمُ الكتابَةِ.
فأمَّا إن شَرَطَ في الكتابَةِ شَرْطًا فاسِدًا، فالمنصُوصُ أنَّه لا يُفْسِدُها، لكن يَلْغُو الشَّرْطُ وتَصِحُّ الكتابةُ.
ويتَخَرَّجُ أن يُفْسِدَها؛ بِناءً على الشروطِ الفاسِدَةِ في البَيعِ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.
وقد ذَكَرْناهُ.

الجزء: 19 - الصفحة: 406

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأمَّا الكِتَابةُ الفاسِدَةُ التي لا [يكونُ عِوَضُها] 874 مُحَرَّمًا، فإنَّها تُساوي الصَّحِيحَةَ في أرْبَعَةِ أحْكَامٍ؛ أحدُها, أنَّه يَعْتِقُ بأداءِ 875 ما كُوتِبَ عليه، سَواءٌ صَرَّحَ بالصِّفَةِ، بأن يَقُولَ: إذا أدَّيتَ إليَّ فأنْتَ حُرٌّ.
أو لم يَقُلْ؛ لأنَّ مَعْنَى الكِتابةِ يَقْتَضِي هذا، فيصيرُ كالمُصَرَّحِ به، فيَعْتِقُ بوُجودِه، كالصَّحِيحَةِ.
الثَّاني، إذا أعْتَقَه بالأداءِ لم تَلْزَمْه قِيمةُ نَفْسِه، ولم يَرْجِعْ على سيدِه بما أعطاه.
ذَكَرَه أبو بكرٍ.
وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ.
وقال الشافعيُّ: يتَراجَعان، فيجبُ على العبدِ قِيمَتُه وعلى السيدِ ما أخَذَه، فيتَقاصَّان بقَدْرِ أقَلِّهِما إن كانَا مِن جِنْسٍ واحِدٍ، ويأخُذُ ذو الفَضْلِ فَضْلَه؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ فاسِدٌ، فوجَبَ التَّراجُعُ فيه، كالبَيعِ الفاسِدِ.
ولَنا، أنَّه عَقْدُ كِتابَةٍ حَصَلَ العِتْقُ فيه بالأداءِ، فلم يَجِبِ التَّراجُعُ, كما لو كان العَقْدُ

الجزء: 19 - الصفحة: 407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  صَحِيحًا، ولأنَّ ما يأخُذُه السيدُ فهو مِن كَسْبِ عَبْدِه الذي يَمْلِكُ 876 كَسْبَه، فلم يجِبْ رَدُّه، والعبدُ عَتَقَ بالصِّفَةِ، فلم تجِبْ عليه قِيمَتُه، كما لو قال: إن دَخَلْتَ الدَّارَ فأنْتَ حُرٌّ.
وأمَّا البَيعُ الفاسِدُ، فإنَّه إن كان بينَ هذا وسيدِه، فلا رُجُوعَ على السيدِ 877 بما أخَذَه.
وإن كان بينَه وبينَ غيرِه، فإنَّه أخَذَ ما لا يَسْتَحِقُّه ودَفَعَ إلى الآخَرِ ما لا يَسْتَحِقُّه، بعَقْدٍ المَقْصُودُ منه المُعاوَضَةُ، بخِلافِ هذا في مسألَتِنا.
الثالثُ، أنَّ المُكاتَبَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في كَسْبِه؛ لأنَّ عَقْدَ الكِتابَةِ تَضَمَّنَ الإِذْنَ في ذلك، وله أخْذُ الصَّدَقاتِ والزَّكواتِ؛ لأنَّه مُكاتَبٌ يَعْتِقُ بالأدَاءِ، أشْبَهَ الكِتابَةَ الصَّحِيحَةَ.
الرابعُ، أنَّه إذا كاتَبَ جماعَةً كِتابَةً فاسِدَةً، فأدَّى أحدُهم حِصَّتَه 878، عَتَقَ، على قولِ مَن قال: إنَّه يَعْتِقُ [في الكِتابَةِ] 879 الصَّحِيحَةِ بأداء حِصَّتِه؛ لأنَّ مَعْنَى العَقْدِ أنَّ كلَّ واحِدٍ منهم مكاتَبٌ بقَدْرِ حِصَّتِه، متى أَدَّى إليَّ كلُّ واحِدٍ منكم 880 قَدْرَ حِصَّتِه فهو حرٌّ.
ومَن قال: لا يَعْتِقُ في الصَّحِيحَةِ (5) إلَّا أن يُؤَدِّيَ جَمِيعهم.
فههنا أوْلَى.

الجزء: 19 - الصفحة: 408

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وتُفارِقُ الصَّحيحَةَ في ثَلاثَةِ أحْكامٍ؛ أحدُها، أنَّ السيدَ إذَا أبْرَأه مِن المالِ لم تَصِحَّ البَراءَةُ، ولم يَعْتِقْ بذلك؛ لأنَّ المال غيرُ ثابِتٍ في العَقْدِ، بخِلافِ الكتابةِ الصَّحِيحَةِ، وصار هذا كالصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ في قولِه: إذا أدَّيتَ إليَّ ألفًا، فأنتَ حُرٌّ.
الثَّاني، أنَّ (لِكُلِّ واحِدٍ مِن) السيدِ والمُكاتَبِ (فَسْخَها) سَواءٌ كان ثَمَّ صِفَةٌ أو لم تَكُنْ.
وهذا قولُ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الفاسِدَ لا يَلْزَمُ حُكْمُه، والصِّفَةُ ههُنا مَبْنِيَّةٌ على المُعاوَضَةِ وتابِعَةٌ لها؛ لأنَّ المُعاوَضَةَ هي المَقْصُودُ 881، فلمَّا أبْطَلَ المُعاوَضَةَ التيِ هي الأصْلُ، بَطَلَتِ الصِّفَةُ المَبْنِيَّةُ عليها، بخِلافِ الصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ، ولأنَّ السيدَ لم يَرْضَ بهذه الصِّفَةِ إلَّا بأن يُسَلَّمَ له العِوَضُ المُسَمَّى، فإذا لم يُسَلَّمْ كان له إبْطالُها، بخِلافِ الصَّحِيحَةِ، فإنَّ العِوَضَ سُلِّمَ له، فكان العَقْدُ لازِمًا له.
الثالثُ، أنَّه لا يَلْزَمُ السيدَ أن يُؤَدِّيَ إليه شيئًا مِن الكِتابَةِ؛ لأنَّ العِمقَ ههُنا بالصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ، فأشْبَهَ ما لو قال: إذا أدَّيتَ إليَّ ألْفًا فأنْتَ حُرٌّ.

الجزء: 19 - الصفحة: 409

وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، وَجُنُونِهِ، وَالْحَجْرِ لِلسَّفَهِ [وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا] (1).

3038 - مسألة: (وتَنْفَسِخُ بمَوْتِ السيدِ، وجُنُونِه، والحَجْرِ للسَّفَهِ)

اخْتُلِفَ في انْفِساخِها بمَوْتِ السيدِ، فذهبَ القاضي وأصحابُه إلى بُطْلانِها به.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه عَقْدٌ جائِزٌ مِن الطَّرَفَين، لا يَئُولُ882

الحديث: 3038 - الجزء: 19 - الصفحة: 410

وَيَمْلِكُ السَّيِّدُ أَخْذَ مَا في يَدِهِ، وَإِنْ فَضَلَ عَنِ الْأَدَاءِ فَضْلٌ  إلى اللُّزومِ، فبَطَلَ بالمَوْتِ، كالوَكالةِ، ولأنَّ المُغَلَّبَ فيها حكمُ الصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ، والصِّفَةُ تَبْطُلُ بالمَوْتِ، كذلك هذه الكِتابَةُ.
وقال أبو بكرٍ: لا تَبْطُلُ بالمَوْتِ، ويَعْتِقُ بالأداءِ إلى الوارِثِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، لأنَّه مُكاتَبٌ يَعْتِقُ بالأداءِ إلى السيدِ، فيَعْتِقُ بالأداءِ إلى الوارِثِ، كالكتابةِ الصَّحِيحَةِ، [ولأنَّ الفاسدةَ كالصحيحةِ] 883 في بابِ العِتْقِ بالأداءِ، فكذلك في هذا.
واخْتُلِفَ في انْفِساخِها بجُنُونِ السيدِ والحَجْرِ عليه للسفَهِ 884، والخلافُ فيه كالخلافِ في بُطلانِها بمَوْتِه.
قال شيخُنا 885: والأوْلَى أنَّها لا تَبْطُلُ ههُنا؛ [لأنَّ الصِّفَةَ] 886 المُجَرَّدَةَ لا تَبْطُلُ (2) بذلك، والمُغَلُّبُ في هذه الكتابةِ حكمُ الصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ، فلا تَبْطُلُ به.
فعلى هذأ، لو أدَّى إلى سيدِه بعدَ ذلك عَتَقَ، ولا يَعْتِقُ عندَ مَن أبْطَلَها.
فصل: (ويَمْلِكُ السيدُ أخْذَ ما في يَدِه، وإن فَضَلَ عن الأداءِ فَضْلٌ

الجزء: 19 - الصفحة: 411

فَهُوَ لِسَيِّدِهِ.
وَهَلْ يَتبَعُ الْمُكَاتَبَةَ وَلَدُهَا فِيهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وَقَال  فهو لسيدِه) هذا قولُ أبي الخَطَّابِ؛ لأنَّ كَسْبَ العبْدِ لسيدِه بحكمِ الأصْلِ، والعَقْدُ ههُنا فاسدٌ، لم يثْبُتِ الحُكْمُ في وُجوبِ العِوَضِ في ذِمَّتِه، فلم يُنْقَلِ المِلْكُ في المُعَوَّضِ، كسائِرِ العُقُودِ الفاسِدَةِ، ولأنَّ المُغَلَّبَ فيها حُكْمُ الصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ، وهي لا تَثْبُتُ له في كَسْبِه، فكذا ههُنا.
وفارَقَ الكِتَابَةَ الصَّحِيحَةَ، فإنَّها أثْبَتَتِ المِلْكَ (1) في العِوَضِ فأثْبَتَتْه في المُعَوَّضِ.
وقال القاضي: ما في يَدِ المُكاتَبِ وما يَكْسِبُه وما يَفْضُلُ في يَدِه بعدَ الأداءِ له.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّها كِتابَةٌ يَعْتِقُ بالأداءِ فيها، فيَثْبُتُ هذا الحُكْمُ فيها، كالصَّحِيحَةِ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِمَا بينَ الفاسِدَةِ والصَّحِيحَةِ مِن الفُرُوقِ.

3039 -

مسألة: (وهل يَتْبَعُ المُكاتَبَةَ وَلَدُها فيها؟ على وَجْهَين)

887 الحديث: 3039 - الجزء: 19 - الصفحة: 412

أَبُو بَكْرٍ: لَا تَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ وَلَا الْجُنُونِ وَلَا الْحَجْرِ، وَيَعْتِقُ بِالأَدَاءِ إِلَى الْوَارِثِ.
أحدُهما، يَتْبَعُها؛ لأنَّها كِتابَةٌ تَعْتِقُ فيها بالأداءِ، فيَعْتِقُ وَلَدُها به، كالكِتابَةِ الصَّحِيحَةِ.
والثاني، لا يَتْبَعُها.
وهو أقْيَسُ وأصَحُّ؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ الرِّقِّ فيه، فلا يَزُولُ إلَّا بنَصٍّ ومَعْنَى نَصٍّ، وما وُجِدَ واحِدٌ منهما، ولا يَصِحُّ القِياسُ على الكتابةِ (1) الصَّحِيحَةِ؛ لما ذَكَرْنا مِن الفَرْقِ بَينَهما فيما تَقَدَّم، فيَبْقَى على الأصْلِ.

3040 -

مسألة: (وقال أبو بكرٍ: لا تَنْفَسِخُ)

بمَوْتِ السيدِ، ولا جُنُونِه، ولا الحَجْرِ عليه للسَّفَهِ.
وقد ذَكَرْناه.
واللهُ أعلمُ.888

الحديث: 3040 - الجزء: 19 - الصفحة: 413

بَابُ أحْكَامَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ

بابُ أحْكامَ أُمَّهاتِ الأوْلادِ أُمُّ الوَلَدِ هي التي وَلَدَتْ مِن سَيِّدِها في مِلْكِه.
ولا خِلافَ في إباحَةِ التَّسَرِّي ووَطْءِ الإِماءِ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ﴾ 889. وقد كانت مارِيَةُ القِبْطِيَّةُ أُمَّ ولَدٍ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، [وهي أُمُّ] 890 إبراهيمَ [بن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -] (2) التي قال فيها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَعْتَقَها وَلَدُها» 891. وكانت هاجَرُ سُرِّيَّةَ إبْراهِيمَ عليه الصلاةُ والسلامُ، أُمُّ إسماعيلَ - عليه السلام -. وكان لعمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عنه، أُمَّهاتُ أوْلادٍ أوْصَى لكُلِّ واحِدَةٍ منهنَّ بأرْبَعِمائةٍ 892، وكان لعليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أُمَّهاتُ أوْلادٍ 893، ولكثيرٍ مِن الصحابَةِ.
وكان عليُّ بنُ الحسينِ، والقاسِمُ بنُ محمدٍ، وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ، مِن أُمَّهاتِ أوْلادٍ.
ويُرْوَى أنَّ النَّاسَ لم يكونُوا يَرْغَبُونَ في أمَّهاتِ الأوْلادِ

الجزء: 19 - الصفحة: 415

وَإِذَا عَلِقَتِ الْأَمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا، فَوَضَعَتْ مِنْهُ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ بَعْضُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، صَارَتْ لَهُ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ، فَإِذَا مَاتَ  حتى وُلِدَ هؤلاء الثَّلاثةُ، فرَغِبَ النَّاسُ فِيهِنَّ.
ورُوِيَ عن سالِم بنِ عبدِ اللهِ، قال: كان لابنِ رَواحَةَ جارِيَةٌ، وكان يُرِيدُ الخَلْوَةَ بها، وكانتِ امْرَأتُه تَرْصُدُه، فخَلَا البَيتُ فَوَقَعَ عليها، فنَذِرَتْ به (1) امْرَأتُه، فقالت: أفَعَلْتَها؟ قال: ما فَعَلْتُ.
قالت: فاقْرأْ إذًا.
فقال: شَهدْتُ بأنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ … وأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الكافرِينا (2) وأَنَّ العَرْشَ فَوْقَ الماءِ طافٍ … وفَوْقَ العَرْشِ رَبُّ العَالمِينا وتَحْمِلُه مَلائِكةٌ شِدادٌ … مَلائِكَةُ الإِلهِ مُسَوّمِينا (3) قالت: أما إذْ قَرأْتَ فاذْهَبْ.
فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فأخْبَرَه، قال: فلقد رَأيتُه يَضْحَكُ حتى تَبْدُوَ (4) نَواجِذُه، ويقولُ: «هِيهِ، كَيفَ قُلْتَ؟».
فأُكرِّرُه عليس، فيَضْحَكُ (5).

3041 -

مسألة: (إذا حَمَلَتِ الأمَةُ مِن سيدِها، فوضَعَتْ منه ما يَتَبَيَّنُ فيه بعضُ خَلْقِ الإِنْسانِ، صارت له بذلك أُمَّ وَلَدٍ، فإذا ماتَ عَتَقَتْ

894895896897898 الحديث: 3041 - الجزء: 19 - الصفحة: 416

عَتَقَتْ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيرَهَا.
وإن لم يَمْلِكْ غَيرَها) ذَكَر ههُنا لمَصِيرِ الأمَةِ أُمَّ وَلَدٍ شَرْطَين؛ أحدُهما، أن تَحْمِلَ به في مِلْكِه، سواءٌ كان مِن وَطْءٍ مُباحٍ، أو مُحَرَّمٍ؛ كالوَطْءِ في الحَيضِ، والنِّفاسِ، والإِحْرامِ، والظِّهارِ.
فأمَّا إن عَلِقَتْ منه في غيرِ مِلْكِه لم تصِرْ بذلك أُمِّ ولدٍ، سَواءٌ عَلِقَت منه بمَمْلوكٍ، مثلَ أن يَطَأَها في مِلْكِ غيرِه بنِكاحٍ أو زِنًى، أو عَلِقَتْ بحُرٍّ، مثلَ أن يَطَأَها بشُبْهَةٍ، أو غُرَّ مِن أمَةٍ، فتَزَوَّجَها على أنَّها حُرَّةٌ فاسْتَوْلَدَها، أو اشْتَرَى جارِيَةً فاسْتَوْلَدَها ثم ظَهَرَتْ مُسْتَحَقَّةً، فإنَّ الولدَ حُرٌّ، ولا تَصِيرُ الأمَةُ أُمَّ وَلَدٍ في هذه المواضِعِ بحالٍ.
فإن مَلَكَها بعدَ ذلك، ففيه اخْتِلافٌ، يُذْكَرُ إنْ شاء اللهُ تعالى.
الشرطُ الثَّاني، أن تَضَعَ ما يَتَبَيَّنُ فيه شيءٌ مِن خَلْقِ الإِنْسانِ، من رَأْسٍ، أو يَدٍ، أو رِجْلٍ، أو تَخْطيطٍ 899، سواءٌ وضَعَتْه حيًّا أو مَيِّتًا، وسواءٌ أسْقَطَتْه أو كان تَامًّا.
قال عمرُ، رَضِيَ اللهُ عنه: إذا وَلَدَتِ الأمَةُ مِن سيدِها فقد عَتَقَتْ، وإن كان سَقْطًا 900. وروَى الأثْرَمُ بإسْنادِه

الجزء: 19 - الصفحة: 417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن ابنِ عمرَ 901، أنَّه قال: أعْتَقَها وَلَدُها وإن كان سَقْطًا.
وقال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: أُمُّ الولدِ إذا أسْقَطَتْ لا تَعْتِقُ؟ فقال: إذا تَبَيَّنَ فيه يَدٌ أو رِجْلٌ أو شيءٌ مِن 902 خَلْقِه فقد عَتَقَتْ.
هذا قولُ الحسنِ، والشافعيِّ.
وقال الشَّعْبِيُّ: إذا نَكَس في الخَلْقِ الرابِعِ فكان مُخَلَّقًا، انْقَضَتْ به عِدَّةُ الحُرَّةِ، وأُعْتِقَتْ به الأمَةُ.
قال شيخُنا 903: ولا أعْلَمُ في هذا خِلافًا بينَ مَن قال بِثُبُوتِ حكمِ الاسْتِيلادِ.
فأمَّا إن ألْقَتْ نُطْفَةً أو عَلَقَةً، لم يثْبُتْ به شيءٌ مِن أحْكامِ الولادَةِ؛ لأنَّه ليس بولدٍ.
وروَى يُوسُف بنُ موسى، أنَّ أبا عبدِ اللهِ قيل له: ما تقولُ في الأمَةِ إذا ألْقَتْ مُضْغَةً أو عَلَقَةً؟ قال: تَعْتِقُ.
وهذا قولُ إبراهيمَ النَّخَعِيِّ 904. وذَكَرَ الخِرَقِيُّ لمصيرِها أُمَّ وَلَدٍ شَرْطًا ثَالِثًا، وهو أن تحْمِلَ بحُرِّ.
ويُتَصَوَّرُ ذلك في المِلْكِ في مَوْضِعَين؛ أحدُهما، في العبدِ إذا مَلَّكَه سيِّدُه أمةً 905، وقُلْنا:

الجزء: 19 - الصفحة: 418

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إنَّه يَمْلِكُ.
فوَطِئَ أمَتَه، فاسْتَوْلَدَها، فوَلَدُه مَمْلوكٌ، ولا تَصِيرُ الأمَةُ به أمَّ وَلَدٍ يثْبُتُ لها حُكمُ الاسْتِيلادِ بذلك، وسَواءٌ أذِنَ له سيدُه في التَّسَرِّي بها أو لم يَأْذَنْ.
الثاني، إذا اسْتَوْلَدَ المُكاتَبُ أمَتَه، فإنَّ ولدَه مَمْلوكٌ له، ولا يثْبُتُ للأمَةِ أحْكامُ أُمِّ الوَلَدِ في العِتْقِ بمَوْتِه في الحالِ؛ لأنَّ المُكاتَبَ ليس بحُرٍّ، وكذلك وَلَدُهُ منها، فأوْلَى أن لا تَتَجَرَّرَ هي.
ومتى عَجَزَ المُكاتَبُ وعاد إلى الرِّقِّ، أو ماتَ قبلَ أداءِ كِتابَتِه، فهي أمَةٌ قِنٌّ، كالعبدِ القِنِّ.
وهل يَمْلِكُ المُكاتَبُ بَيعَها؟ فيه خِلافٌ ذَكَرْناه في بابِ المُكاتَبِ.

3042 -

مسألة: وتَعْتِقُ بمَوْتِ سيدِها مِن رَأْسِ المَالِ، وإن لم يَمْلِكْ سواها.

وهذا قولُ كلِّ مَن رَأَى عِتْقَهُنَّ، لا نَعْلَمُ بينَهم خِلافًا في

الحديث: 3042 - الجزء: 19 - الصفحة: 419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك.
وسَواءٌ وَلَدَت في الصِّحَّةِ أو المرضِ، لأنَّه حاصِل بالْتِذاذِه وشَهْوَتِه، وما يُتْلِفُه 906 في لذَّاتِه، يَسْتَوي فيه حالُ الصِّحَّةِ والمرضِ، كالذي يأكُلُه ويَلْبَسُه.
ولأنَّ عِتْقَها بعدَ الموتِ، وما يكونُ بعدَ الموتِ يَسْتَوي فيه المَرَضُ والصِّحَّةُ، كقَضاءِ الدَّينِ، والتَّدْبِيرِ، والوَصِيَّةِ.
قال سعيدٌ 907: حدثنا سُفْيان 908، عن يَحْيَى بنِ سعيدٍ، عن نافع، قال: أدْرَكَ ابنَ عمرَ رجلانِ، فقالا: إنَّا تَرَكْنا هذا الرجلَ يَبِيعُ أُمَّهاتِ الأوْلادِ.
يَعْنِيانِ ابنَ الزُّبَيرِ.
فقال ابنُ عمرَ، أتَعْرِفان أبا حَفْصٍ؟ فإنَّه قَضَى في أُمَّهاتِ الأولادِ أن لا يُبَعْنَ، ولا يُوهَبْنَ، يَسْتَمْتِعُ بها صاحِبُها، فإذا مات فهي حُرَّةٌ.
وقال 909: حدثنا عتابٌ 910، عن خُصَيفٍ، عن عِكْرمَةَ، عن ابن عباس، قال: قال عمرُ: ما مِن رَجُلٍ كان يُقِرُّ بأنَّه كان 911 يَطَأُ

الجزء: 19 - الصفحة: 420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جارِيَتَه، يموتُ، إلَّا أعْتَقَها 912 [إذا وَلَدَتْ] 913، وإنْ كان سَقْطًا.
وروَى ابنُ ماجه 914 عن ابنِ عباس، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَيُّما أمَةٍ وَلَدَتْ مِن سَيِّدِها، فهي حُرَّةٌ عن دُبُرٍ 915 منه».
فصل: وإذا عَتَقَتْ بمَوْتِ سيدِها، فما كان في يَدِها مِن شيءٍ فهو لوَرَثَةِ سيدِها؛ لأنّ أُمُّ الوَلَدِ أمَةٌ، وكَسْبُها لسيدِها، وسائِرُ ما في يَدِها له، فإذا مات سيدُها فعَتَقَتْ، انْتَقَلَ ما في يَدِها إلى ورَثَتِه، كسائِرِ مالِه، وكما في يَدِ المُدَبَّرَةِ، بخِلافِ المُكاتَبَةِ، فإنَّ كَسْبَها في حياةِ سيدِها لها، فإذا عَتَقَتْ بَقِيَ لها كما كان لها قبلَ العِتْقِ.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ المُسْلِمَةِ والكافِرَةِ، والعَفِيفَةِ والفاجِرَةِ، ولا بينَ المسلمِ والكافِرِ، والعَفِيفِ والفَاجِرِ، في هذا، في قولِ أهلِ الفَتْوَى مِن أهلِ الأمْصارِ؛ لأنَّ ما يتعلَّقُ به العِتْقُ يَسْتَوي فيه المسلمُ والكافِرُ، كالتَّدْبِيرِ والكتابَةِ، ولأنَّ عِتْقَها بسَبَبِ اخْتلاطِ دَمِها بدَمِه ولحمِها بلَحْمِه، فإذا اسْتَوَيا [في النسبِ، استويا] 916 في حُكْمِه.
وقد روَى سعيدٌ 917، حدثنا

الجزء: 19 - الصفحة: 421

وَإنْ وَضَعَتْ جِسْمًا لَا تَخْطِيطَ فِيهِ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ.
هُشَيمٌ، حدثنا منصور، عن ابن سِيرِين، عن أبي عَطِيَّةَ الهَمْدانِيِّ، عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، قال في أُمِّ الولدِ: إن أسْلَمَتْ وأحْصَنَتْ وعَفَّت (1)، أُعْتِقَتْ، وإن كَفَرَتْ وفَجَرَتْ وغَدَرَتْ، رَقَّتْ.
وقال (2): حدثنا (3) هشَيمٌ، حدثنا يحيى بنُ آدمَ، عن أُمِّ وَلَدِ رجلٍ ارْتَدَّتْ عن الإِسلامِ، فكُتِبَ في ذلك إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، فكَتَبَ عمرُ أن يبيعُوها [بأرضٍ ليس بها] (4) أحَدٌ بِن أهلِ دِينِها.
فعلى هذا الحديثِ، يَنْبَغِي أن يَخْتَصَّ العِتْقُ بالمُسْلِمَةِ العَفِيفَةِ، وتَرِقَّ الكافرةُ الفاجرةُ.
واللهُ أعلمُ.

3043 -

مسألة: (وإن وَضَعَتْ جسْمًا لا تَخْطيطَ فيه، فعلى رِوايَتَين)

أمَّا إذا وَضَعَتْ مُضْغَةً لم يظْهَرْ فيها شيءٌ مِن خَلْقِ الآدَمِيِّ، فشَهِدَ ثِقاتٌ مِن القَوابِلِ أنَّ فيها صُورَةً خَفِيَّةً، تَعَلَّقَتْ بها الأحْكامُ؛ لأنَّهُنَّ اطَّلَعْنَ918919920921

الحديث: 3043 - الجزء: 19 - الصفحة: 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على الصُّورَةِ التي خَفِيَتْ على غَيرِهِنَّ.
وإن لم يَشْهَدْن بذلك، لكنْ عُلِمَ أنَّه مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيِّ بشَهادَتِهنَّ أو غيرِ ذلك، ففيه رِوايَتان؛ إحداهُما، لا تصِيرُ به الأمةُ أُمَّ وَلَدٍ، ولا تَنْقَضِي به عِدَّةُ الحُرَّةِ، ولا يجبُ على الضَّارِبِ المُتْلِفِ له غُرَّةٌ ولا كفَّارَةٌ.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، والشافعيِّ، وظاهِرُ ما نَقَلَه الأثْرَمُ عن أحمدَ، وظاهِرُ قَوْلِ الحسنِ، والشَّعْبِيِّ، وسائِرِ مَن اشْتَرَطَ أنْ يَبِينَ فيه شيءٌ مِن خَلْقِ الآدَمِيِّ.
والثانِيَةُ، تَتَعَلَّقُ به الأحْكامُ الأرْبَعةُ؛ لأنَّه مُبْتَدَأ خَلْقِ آدَمِيِّ، أشْبَهَ إذا تَبَيَّنَ.
وخرَّجَ أبو عبدِ اللهِ بنُ حامِدٍ رِوايَةً ثالِثَةً، وهي أنَّ الأمَةَ تصيرُ به 922 أُمَّ ولدٍ، ولا تَنْقَضِي به عِدَّةُ الحُرَّةِ؛ لأنَّه رُوِيَ عن أحمدَ، إذا وَضَعَتْ شيئًا، فمَسَّتْه القَوابِلُ فعَلِمْنَ أنَّه لحمٌ ولم يَتَبَيَّنْ لحمُه، فيُحْتَاطُ في العِدَّةِ بأُخْرَى، ويُحْتاطُ بعِتْقِ الأمَةِ.
فظاهِرُ هذا أنَّه حَكَمَ بعِتْقِ الأمَةِ، ولم يَحْكُمْ بانْقِضاءِ العِدَّةِ؛ لأنَّ عِتْقَ

الجزء: 19 - الصفحة: 423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأمَةِ تحصِيلٌ للحُرِّيةِ، فاحْتيطَ بتَحْصِيلها، والعِدَّةُ يتَعَلَّقُ بها تَحْرِيمُ التَّزَوُّجِ وحُرْمَةُ الفَرْجِ، فاحْتِيطَ بإبْقائِها.
وقال بعضُ الشافعِيَّةِ بالعَكْسِ: لا تجبُ العِدَّةُ، ولا تصيرُ الأمَةُ أُمَّ ولدٍ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ كلِّ واحِدٍ منهما، فيَبْقَى على أصْلِه.
ولا يَصِحُّ، لأنَّ العِدَّةَ كانتْ ثابتَةً، والأصْلُ بقاؤها على ما كانت عليه، والأصْلُ في الآدَمِيِّ الحُرِّيةُ، فيُغَلَّبُ 923 ما يُفْضِي إليها.

الجزء: 19 - الصفحة: 424

وَإنْ أَصَابَهَا فِي مِلْكِ غَيرِهِ بِنِكَاحٍ أَوْ غَيرِهِ، ثُمَّ مَلَكَهَا حَامِلًا، عَتَقَ الْجَنِينُ، وَلَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ.
وَعَنْهُ، تَصِيرُ.

3044 - مسألة: (وإن أصابها في مِلْكِ غيرِه بنِكاحٍ أو غيرِه، ثم مَلَكَها حَامِلًا، عَتَقَ الجَنِينُ، ولم تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ)

له (وعنه، تَصِيرُ) وسَواءٌ مَلَكَها حامِلًا فوَلَدَت في مِلْكِه، أو مَلَكَها بعدَ ولادَتِها.
وبه قال الشافعيُّ؛ لأنَّها عَلِقَت منه بمَمْلوكٍ، فلم يثْبُتْ لها حكمُ الاسْتِيلادِ، كما لو زَنَى بها ثم اشْتَراها؛ لأنَّ الأصْلَ 924 الرِّقُّ، وإنَّما خولِفَ هذا الأصْلُ فيما إذا حَمَلَت منه في مِلْكِه، بقولِ الصَّحابَةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، ففيما عَداهُ يَبْقَى على الأصْلِ.
ونَقَلَ ابنُ أبي موسى عن أحمدَ، أنَّها تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ في الحالين.
وهو قولُ الحسنِ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّها أُمُّ وَلَدِه، وهو مالِكٌ لها، فيثْبُتُ لها حُكْمُ الاسْتِيلادِ، كما لو حَمَلَتْ في مِلْكِه.
قال شيخُنا 925: ولم أجِدْ هذه الرِّوايةَ عن أحمدَ فيما إذا مَلَكَها بعدَ ولادَتِها، إنَّما نُقِلَ عنه التَّوقُّف عنها، في رِوايةِ مُهَنَّا، فقال: لا أقُولُ فيها شيئًا.

الحديث: 3044 - الجزء: 19 - الصفحة: 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وصَرَّحَ في رِوايَةِ سِواه بجَوازِ بَيعِها، فقال: لا أرَى بَأْسًا أن يبِيعَها، إنَّما الحسنُ وَحْدَه قال: إنَّها أُمُّ وَلَدٍ.
وقال: أكثرُ ما سَمِعْنا فيه مِن التَّابِعين يقولون: إنَّها لا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ حتى تَلِدَ عندَه وهو يَمْلِكُها.
كان عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ يقولُ ببَيعِها، وشُرَيحٌ، وإبراهيمُ، والشَّعْبِيُّ 926. أمَّا إذا مَلَكَها حامِلًا، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّها تصِيرُ أُمَّ ولدٍ.
وهو مذهبُ مالكٍ؛ لأنَّها وَلَدَت منه في مِلْكِه، فأشْبَهَ ما لو أحْبَلَها في مِلْكِه.
وقد صَرَّحَ أحمدُ في رِوايَةِ إسْحاقَ بنِ منصورٍ، أنَّها لا تكونُ أُمَّ ولدٍ حتى تُحْدِث عندَه حَمْلًا.
وروَى عنه ابنُه صالحٌ، قال: سألتُ أبي عن الرجلِ يَنْكِحُ الأمَةَ فتَلِدُ منه، ثم يَبْتاعُها.
قال: لا تكونُ أُمَّ ولدٍ له.
قُلْتُ: فإنِ اشْتَراها وهي حامِلٌ منه.
قال: إذا كان الوَطْءُ يَزِيدُ في الولدِ، وكان يَطَؤُها بعد ما اشْتَرَاها وهي حامِلٌ، كانتْ أُمَّ ولدٍ له.
قال ابنُ حامِدٍ: إنْ وطِئَها في ابْتداءِ حَمْلِها أو بواسِطَةٍ، صارت له بذلك أُمَّ ولدٍ؛ لأنَّ الماءَ يَزِيدُ في سَمْعِ

الجزء: 19 - الصفحة: 426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الولدِ وبَصَرِه.
وقال القاضي: إن مَلَكَها حامِلًا، فلم يَطَأْها حتى وَضَعَت، لم تَصِرْ أُمَّ ولدٍ، وإن وَطِئَها حال حَمْلِها، نَظَرْنا؛ فإن كان بعدَ أن كَمَلَ الولَدُ، وصارَ له خَمْسَةُ أشْهُرٍ، لم تَصِرْ بذلك أُمَّ ولدٍ، وإن وَطِئَها قبلَ ذلك، صارَت له بذلك أُمَّ ولدٍ؛ لأنَّ عمرَ قال: أبعدَ ما اخْتَلَطَتْ دِماؤُكم ودماؤُهُنَّ، ولُحومُكُم ولُحومُهنَّ، بِعْتُمُوهُنَّ 927! فعلَّلَ بالمُخالطَةِ، والمُخالطَةُ ههُنا حاصِلَةٌ؛ لأنَّ الماءَ يَزِيدُ في الولدِ، ولأن لحُريَّةِ البَعْضِ أثَرًا في تَحْرِيرِ الجميعِ، بدليلِ ما لو أعْتَقَ أحَدُ الشَّرِيكَين نَصِيبَه مِن العبدِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: إن وَطِئَها بعدَ الشِّراءِ فهي أُمُّ وَلَدٍ.
وكلامُ الخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أن لا تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ، إلَّا أن تَحْبَلَ منه في مِلْكِه.
وهو الذي رَواه إسحاقُ بنُ منصورٍ عن أحمدَ.
وهو ظاهِرُ المذهبِ؛ لأنَّها لم تَعْلَقْ منه 928 بحُرٍّ، فلم يثْبُت له حكمُ الاسْتِيلادِ، كما لو زَنَى بها ثم اشْتَراها، ولأنَّ حَمْلَها منه إذا لم يُفِدِ الحُرِّيةَ لوَلَدِها، فلَأن لا يُفِيدَها الحُرِّيةَ أوْلَى.
ويفارِقُ هذا ما إذا حَمَلَت منه في مِلْكِه، فإنَّ الولدَ حُرٌّ،

الجزء: 19 - الصفحة: 427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَتتَحَرَّرُ 929 بتَحْرِيرِه.
وما ذَكَرُوه مِن أنَّ الوَلَدَ يَزِيدُ فيه الوَطْءُ، غيرُ مُسْتَيقَنٍ، فلا يثْبُتُ الحكمُ بالشَّكِّ، ولو ثَبَتَ أنَّه زاد، لم يثْبُتِ الحكمُ بهذه الزِّيادَةِ، بدليلِ ما لو مَلَكَها وهي حامِلٌ منه مِن زِنَى أو مِن غيرِه، فوَطِئَها، لم تَصِرْ أُمَّ وَلدٍ وإن زادَ الولَدُ به.
ولأنَّ حُكْمَ الاسْتِيلادِ إنَّما ثَبَتَ بالإِجْماعِ في حَقِّ مَن حَمَلَتْ منه في مِلْكِه، وما عَداه ليس في مَعْناه، وليس فيه نَصٌّ ولا إجْماعٌ، فوجَبَ أن لا يثْبُتَ هذا الحكمُ.
ولأنَّ الأصْلَ الرِّقُّ، فتَبْقَى على ما كانت عليه.
فصل: قال أحمدُ، في مَن اشْتَرَى جارِيَةً حامِلًا مِن غيرِه، فوَطِئَها قبلَ وَضْعِها: فإنَّ الولدَ لا يَلْحَقُ بالمُشْتَرِي، ولا يَبِيعُه، لكنْ يُعْتِقُه، لأنَّه قد شَرِكَ فيه؛ لأنَّ الماءَ يَزِيدُ في الولدِ.
وقد رُوِيَ عن أبي الدَّرْداءِ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه مَرَّ بامرأةٍ مُجِحٍّ 930 على بابِ فُسْطاطٍ، فقال: «لَعَلَّهُ يُرِيدُ أن يُلِمَّ بهَا؟».
قالوا: نَعَم.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ ألْعَنَه لَعْنًا يَدْخُل مَعَهُ قَبْرَه، كَيفَ يُوَرِّثُه وهو لا يَحِلُّ له؟ أمْ كَيفَ يَسْتَخْدِمُه وَهُوَ لا يَحِلُّ له؟».
رَواه أبو داودَ 931. يعني أنَّه إنِ

الجزء: 19 - الصفحة: 428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اسْتَلْحَقَه وشَرِكَه في مِيرَاثِه لم يَحِلَّ لهِ؛ لأنَّه ليس بولدِه، وإنِ اتَّخَذَه مَمْلُوكًا يَسْتَخْدِمُه لم يَحِلَّ له؛ لأنَّه قد شَرِكَ فيه؛ لكَوْنِ الماءِ يَزِيدُ في الولدِ.
فصل: إذا وَطِئَ الرَّجُلُ جارِيَةَ وَلَدِه، فإن كان قد تَمَلَّكَها وقَبَضَها، ولم يكُنِ الولدُ وَطِئَها، ولا تَعَلَّقَتْ بها حاجَتُه، فقد ملَكَها الأبُ بذلك وصارَتْ جاريَتَه، والحكمُ فيها كما لو اشْتَرَاها.
وإنْ وَطِئَها قبلَ تَمَلُّكِها، فقد فَعَلَ مُحَرَّمًا؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ 932. وهذه ليست زَوْجَتَه ولا مِلْكَ يَمِينِه.
فإن قيلَ: فقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَنْتَ ومَالُكَ لأبِيكَ» 933. فأضافَ مال الابنِ إلى أبِيه بلام المِلْكِ والاسْتِحْقاقِ، فيَدُلُّ على أنَّه مِلْكُه.
قُلْنا: لم يُرِدِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حَقيقَةَ المِلْكِ، بدليلِ أنَّه أضاف إليه الولدَ، وليس بمَمْلُوكٍ، وأضافَ إليه ماله في حالِ إضافَتِه إلى الولدِ، ولا يكونُ الشيءُ مِلْكًا لمالِكَين حَقِيقَةً، بدليلِ أنَّه يَحِلّ له وَطْءُ إمائِه،

الجزء: 19 - الصفحة: 429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والتَّصَرُّفُ في مالِه، وصِحَّةُ بَيعِه وهِبَتِه وعِتْقِه، ولأنَّ الولَد لو مات لم يَرِثْ أبُوه منه إلَّا ما قُدِّرَ له، ولو كان ماله لاخْتَصَّ به، ولو مات الأبُ لم يَرِثْ ورَثتُه مال ابْنِه 934، ولا يجبُ على الأبِ حَجٌّ ولا زَكاةٌ ولا جِهادٌ بيَسارِ ابنِه، فعُلِمَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما أراد التَّجَوُّزَ بتَشبِيهِه بمالِه في بعضِ أحْكامِه.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا حَدَّ على الأبِ؛ للشُّبْهَةِ؛ لأنَّه إذا لم يَثْبُتْ له حقيقةُ المِلْكِ، فلا أقَلَّ مِن أن يكونَ شُبْهَةً تَدْرَأُ الحَدَّ، فإنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولكن يُعَزَّرُ؛ لأنَّه وَطِيء وَطْئًا مُحَرَّمًا، فأشْبَهَ وَطْءَ الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يُعَزَّرُ؛ لأنَّ مال ولَدِه كما لِه.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ ماله مُباحٌ له، غيرُ مَلُوم عليه، بخِلافِ وَطْءِ الأبِ، فإنَّه عادٍ فيه مَلُومٌ عليه.
فإن عَلِقَتْ منه، فالولدُ حُرٌّ؛ لأنَّه مِن وَطْءٍ دُرِئَ فيه الحَدُّ لِشُبْهَةِ المِلْكِ، فكان حُرًّا، كولدِ الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ، ولا تَلْزَمُه قِيمَتُه؛ لأنَّ الجارِيَةَ تَصِيرُ مِلْكًا له بالوَطْءِ، فيَحْصُلُ عُلوقُها بالولدِ وهي مِلْكُه، وتَصِيرُ أُمَّ ولدٍ له، تَعْتِقُ بمَوْتِه وتَنْتَقِلُ إلى مِلْكِه، فيَحِلُّ له وَطْؤُها بعدَ ذلك.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، في أحَدِ قولَيه.
وقال في الآخَرِ: لا تَصِيرُ أُمَّ ولَدٍ له،

الجزء: 19 - الصفحة: 430

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا يَمْلِكُها؛ لأنَّه اسْتَوْلَدَها في غيرِ مِلْكِه، فأشْبَهَ الأجْنَبِيَّ، ولأنَّ ثُبوتَ أحْكامِ الاسْتِيلادِ إنَّما كان بالإِجْماعِ فيما إذا اسْتَوْلَدَ مَمْلُوكَتَه، وهذه ليستْ [مَمْلوكةً له] 935، ولا في مَعْنَى مَمْلوكَتِه؛ لأنَّها مُحَرَّمَةٌ عليه، فوجَبَ أن لا يثْبُتَ لها هذا الحكمُ؛ لأنَّ الأصْلَ الرِّقُّ، فيَبْقَى على الأصلِ، ولأنَّ الوَطْءَ المُحَرَّمَ لا يَنْبَغِي أن يكونَ سَبَبًا للمِلْكِ الذي هو نِعْمَةٌ وكَرَامَةٌ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى تَعاطِي المُحَرَّماتِ.
ولَنا، أنَّها عَلِقَتْ منه بحُرٍّ لأجْلِ المِلْكِ، فصارَتْ أُمَّ ولدٍ له، كالجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ، وبهذا فارَقَ وَطْءَ الأجْنَبِيِّ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يَلْزَمُه مَهْرُها ولا قِيمَتُها.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَلْزَمُه مهرُها، وتَلْزَمُه قِيمَتُها؛ لأنَّه أخْرَجَها عنِ مِلْكِ سيدِها بفِعْلٍ مُحَرَّم، أشْبَهَ ما لو قَتَلَها، وإنَّما لم يَلْزَمْه مَهْرُها؛ لأنه إذا ضَمِنَها فقد دَخَلَتْ قِيمةُ البُضْعِ في ضَمانِها، فلم يَضْمَنْه ثانيًا، كما لو قَطَعَ يَدَها فسَرَى القَطْعُ إلى نَفْسِها فإنَّه يضْمَنُ قِيمةَ النَّفْسِ دُونَ قِيمَةِ اليَدِ.
وقال الشافعيُّ: يَلْزَمُه مَهْرُها؛ لأنَّه وَطِئَ جارِيَةَ غيرِه وَطْئًا مُحَرَّمًا، فلَزِمَه مَهْرُها، كالأجْنَبِيِّ، وتَلْزَمُه قِيمَتُها، على القولِ بكَونِها أمَّ ولدٍ، كما يَلْزَمُ

الجزء: 19 - الصفحة: 431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحَدَ الشَّرِيكَين قيمةُ 936 نَصِيبِ شَرِيكِه إذا اسْتَوْلَدَ الجاريَةَ المُشْتَرَكَةَ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أنْتَ ومَالُكَ لأبِيكَ».
ولأنَّه لا يَلْزَمُه قِيمَةُ ولدِها، فلم يَلْزَمْه مَهْرُها ولا قِيمَتُها، كمَمْلُوكَتِه، ولأنَّه وَطْءٌ صارتْ به المَوْطُوءَةُ أُمَّ ولدٍ لأمْرٍ لا يَخْتَصُّ ببَعْضِها، فأشْبَهَ اسْتِيلادَ مَمْلُوكَتِه.
فصل: فإن كان الابنُ قد وَطِئَ جارِيَتَه، ثم وَطِئَها أبوه فأوْلَدَها؛ فقد رُوِيَ عن أحمدَ في مَن وَقَعَ على جارِيَةِ ابنِه: إن كان الأبُ قَابِضًا لها، ولم يكُنْ الابنُ وَطِئها، فهي أُمُّ ولَدِه، فليس للابنِ فيها شيءٌ.
قال القاضي: فظاهِرُ هذا، أنَّ الابنَ إن كان قَدْ وَطِئَها، لم تَصِرْ أمَّ ولدٍ للأبِ باسْتِيلادِها؛ لأنَّها تَحْرُمُ عليه تحْرِيمًا مُؤَبَّدًا بوَطْءِ ابْنِه لها (1)، ولا تَحِلُّ له بحالٍ، فأشْبَهَ وَطْءَ الأجْنَبِيِّ.
فعلى هذا القولِ، لا يَمْلِكُها، ولا تَعْتِق

الجزء: 19 - الصفحة: 432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بمَوْتِه.
فأمَّا ولدُها، فيَعْتِقُ على أخِيه؛ لأنَّه ذو رَحِمِه.
[ويَحْتَمِلُ أن يَثْبُتَ لها حُكْمُ الاستيلادِ مِن غيرِ أن تَحِلَّ له] 937، كما لو اسْتَوْلَدَ مَمْلُوكَتَه التي وَطِئَها ابنُه، فإنَّها تَصِيرُ أُمَّ ولدٍ له مع تحْرِيمِها عليه على التَّأْبِيدِ، فكذلك ههُنا؛ لأنَّه وَطْءٌ يُدْرَأُ فيه الحَدُّ بشُبْهَةِ المِلْكِ، فصارَتْ به أُمَّ ولدٍ، كما لو لم يطَأَها الابنُ.
فصل: فإن وَطِئَ الابنُ جارِيَةَ أبِيه فهو زانٍ، عليه الحَدُّ إذا كان عالمًا بالتَّحْرِيمِ، ولا تَصِيرُ أُمَّ ولدٍ له، ويَلْزَمُه مَهْرُها، ويَعْتِقُ ولَدُه على جَدِّه؛ لأنَّه ابنُ ابنِه، إذا قُلْنا: إنَّ ولدَ الزِّنى يَعْتِقُ على أبِيه.
وتَحْرُمُ الجارِيَةُ على الأبِ على التَّأْبِيدِ، ولا تَجبُ قِيمَتُها على الابنِ؛ لأنَّه لم يُخرِجْها عن مِلْكِ أبِيه، ولم يَمْنَعْه بَيعَها ولا التَّصَرُّفَ فيها بغيرِ الاسْتِمتاعِ.
فإنِ اسْتَوْلَدَها الأبُ بعدَ ذلك فقد فَعَلَ مُحَرَّمًا، ولا حَدَّ عليه؛ لأنَّه وَطْءٌ صادَفَ مِلْكًا، وتَصِيرُ أُمَّ ولَدٍ له؛ لأنَّه اسْتَوْلَدَ مَمْلوكَتَه، فأشْبَهَ ما لو وَطِئَ أمَتَه المَرْهُونَةَ.
فصل: فإن وَطِئَ أمَتَه وهي مُزَوَّجَةٌ، فقد فَعَلَ مُحَرَّمًا، ولا حَدَّ عليه؛ لأنَّها مَمْلوكَتُه، ويُعَزَّرُ.
قال أحمدُ: يُجْلَدُ، ولا يُرْجَمُ.
يعني

الجزء: 19 - الصفحة: 433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّه يُعَزَّرُ بالجَلْدِ؛ لأنَّه لو وَجَبَ عليه الحَدُّ، لوَجَبَ الرَّجْمُ إذا كان مُحْصَنًا.
فإن أوْلَدَها صارَتْ أُمَّ ولدٍ له؛ لأنَّه اسْتَوْلَدَ مَمْلُوكَتَه، وتَعْتِقُ بمَوْتِه، وولدُه حُرٌّ، وما وَلَدَت بعدَ ذلك مِن الزَّوْجِ فحُكْمُه حكمُ أُمِّه.
فصل: ولو مَلَكَ رَجُلٌ أُمَّه مِن الرَّضاعِ، أو أُخْتَه، أو ابْنَتَه، لم يَحِلَّ له وَطْؤُها.
فإن وَطِئَها فلا حَدَّ عليه، في أصَحِّ الرِّوايَتَين؛ لأنَّها مَمْلوكَتُه، ويُعَزَّرُ.
وإنْ وَلَدَتْ منه فالوَلَدُ حُرٌّ، ونَسَبُه لاحِقٌ به، وهي أُمُّ وَلَدِه.
وكذلك 938 لو مَلَكَ أمَةً مَجُوسِيَّةً، أو وَثَنِيَّةً، فاسْتَوْلَدَها، أو مَلَكَ الكافِرُ أمةً مُسْلِمَةً فاسْتَوْلَدَها، فلا حَدَّ عليه، ويعَزَّرُ، ويَلْحَقُه نسَبُ وَلَدِه، وتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له 939، تَعْتِقُ بمَوْتِه؛ لِما ذَكَرْنا.
وكذلك لو وَطِئَ أمَتَه المَرْهُونَةَ، أو وَطِئَ رَبُّ المالِ أمَةً مِن مالِ المُضارَبَةِ فأوْلَدَها، صارَتْ له بذلك أُمَّ ولدٍ، وخرجت مِن الرَّهْنِ والمُضارَبَةِ، [وتَنْفَسِخُ المُضارَبةُ به فيها] 940، وإن كان فيها رِبْحٌ جُعِلَ الرِّبْحُ في مالِ المُضارَبَةِ، وعليه قِيمَتُها.
للمُرْتَهِنِ، تُجْعَلُ مَكانَها رَهْنًا، أو يُوَفيه عن دَينِ الرَّهْنِ.
واللهُ أعلمُ.

الجزء: 19 - الصفحة: 434

وَأحْكَامُ أُمِّ الْوَلَدِ أحْكَامُ الْأَمَةِ، فِي الإِجَارَةِ، وَالاسْتِخْدَام، وَالْوَطْءِ، وَسَائِرِ أُمُورِهَا، إلا فِيمَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ فِي رَقَبَتِهَا؛ كَالْبَيعَ، وَالْهِبَةَ، وَالْوَقْفِ، أَوْ مَا يُرَادُ لَهُ؛ كَالرَّهْنَ.
وَعَنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ بَيعِها مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَلَا عَمَلَ عَلَيهِ.

3045 - مسألة: (وأحكامُ أُمِّ الوَلَدِ أحْكامُ الأمَةِ، في الإِجارَةِ، والاسْتِخْدامِ، والوَطْءِ، وسائِرِ أمُورِهَا، إلَّا فيما يَنْقُلُ المِلْكَ في رَقَبَتِها؛ كالبَيعِ، والهِبَةِ، والوَقْفِ، أو ما يُرادُ له؛ كالرَّهْنِ.
وعنه، ما يَدُلُّ على جَوازِ بَيعِها مع الكَراهَةِ.
ولا عَمَلَ عليه)

وجملةُ ذلك، أنَّ الأمَةَ إذا حَمَلَتْ مِن سيدِها، ووَلَدَتْ منه، ثَبَتَ لها حُكْمُ الاسْتِيلادِ، وحُكْمُها حكمُ الإِماءِ في حِلِّ وَطْئِها لسيدِها، واسْتِخْدامِها، ومِلْكِ كَسْبِها، وتَزْويجِها، وإجارَتِها، وعِتْقِها، وتَكْلِيفِها، وحَدِّها، وعَوْرَتِها.

الحديث: 3045 - الجزء: 19 - الصفحة: 435

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهذا 941 قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّه لا يَمْلِكُ إجارَتَها وتَزْويجَها؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ بَيعَها، فلا يَمْلِكُ تَزْويجَها وإجارَتَها، كالحُرَّةِ.
ولَنا، أنَّها مَمْلوكَةٌ يُنْتَفَعُ بها، فيَمْلِكُ سيدُها تَزْويجَها وإجارَتَها، كالحُرَّةِ، وإنَّما منِعَ بَيعَها؛ لأنها اسْتَحَقَّتْ أن تَعْتِقَ بمَوْتِه، وبَيعُها يَمْنَعُ ذلك، بخِلافِ التَّزْويجِ والإِجارَةِ.
ويبْطُلُ دليلُهم بالمَوْقوفَةِ والمُدَبَّرَةِ عندَ مَن مَنَعَ بَيعَها.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّها تُخالِفُ الأمَةَ القِنَّ، في أنَّها تَعْتِقُ بمَوْتِ سيدِها مِن رأسِ المالِ، ولا يجوزُ بَيعُها، ولا التَّصَرُّفُ فيها بما يَنْقُلُ المِلْكَ، مِن الهِبَةِ والوَقْفِ، ولا ما يُرادُ للبَيعِ، وهو الرَّهْنُ، ولا تُورَثُ؛ لأنَّها تَعْتِقُ بمَوْتِ سيدِها ويَزُولُ المِلْكُ عنها.
رُوِيَ هذا عن عمرَ، وعثمانَ، وعائشةَ، وعامَّةِ الفُقهاءِ.
ورُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبَيرِ، إباحَةُ بَيعِهنَّ.
وإليه ذَهَبَ داودُ.
[قال سعيدٌ] 942: حدثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، في أُمِّ الولدِ، قال:

الجزء: 19 - الصفحة: 436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بِعْهَا كما تَبِيعُ ثِيابَك أو بَعِيرَكَ.
قال 943: وحدثنا أبو عَوَانَةَ، عن مُغِيرَةَ، عن الشَّعْبِيِّ، عن عَبِيدَةَ، قال: خَطَبَ عَليٌّ الناسَ، فقال: شاوَرَنِي عمرُ في أُمَّهاتِ الأولادِ، فرَأَيتُ أنا وعمرُ أن أعْتِقَهُنَّ، فقَضَى به عمرُ حَياتَه، وعثمانُ حياتَه، فلمَّا وَلِيتُ رأيتُ أن أُرِقَّهُنَّ.
قال عَبِيدَةُ: فرَأْيُ عمرَ وعليٍّ في الجماعَةِ أحَبُّ إلينا مِن رَأْيِ عَلِيٍّ وحْدَه.
وقد روَى صالِحُ بنُ أحمدَ، قال: قُلْتُ لأبي: إلى 944 أيِّ شيءٍ تَذْهَبُ في بَيعِ أُمَّهاتِ الأوْلادِ؟ قال: أكْرَهُه، وقد باعَ عليُّ بنُ أبي طالِبٍ.
وقال في رِوايةِ إسحاقَ بنِ منصورٍ: لا يُعْجِبُنِي بَيعُهنَّ.
قال أبو الخَطَّابِ: وظاهِرُ هذا أنَّه يَصِحُّ بَيعُهُنَّ مع الكَراهَةِ.
فجعلَ هذا رِوَايةً ثانيةً 945 عن أحمدَ.
قال شيخُنا 946: والصَّحِيحُ أنَّ هذا ليس برِوايةٍ مخالِفَةٍ لقولِه: إنَّهُنَّ لا يُبَعْنَ.
لأنَّ السَّلَفَ، رَحْمَةُ اللهِ عليهم، كانوا يُطْلِقُونَ الكَراهَةَ على التَّحْرِيم كثيرًا، ومتى كان التَّحْرِيمُ والمَنْعُ مُصَرَّحًا به في سائِرِ الرِّواياتِ عنه، وَجَبَ حَمْلُ هذا اللَّفْظِ المُحْتَمِلِ على المُصَرَّحِ به، ولا يُجْعَلُ ذلك اخْتِلافًا.
وحُجَّةُ مَن أجاز بَيعَهُنَّ، ما روَى جابرٌ، قال: بِعْنَا أُمَّهاتِ الأوْلادِ على

الجزء: 19 - الصفحة: 437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكر، [فلمَّا كان عمرُ، نَهانَا، فانْتَهَينا 947. وما كان جائِزًا في عَهْدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكرٍ] 948، لم يَجُزْ نَسْخُه بقول عمرَ ولا غيرِه، ولأنَّ نَسْخَ الأحكامِ إنَّما يجوزُ في عصرِ 949 النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، لأنَّ النَّصَّ إنَّما يُنْسَخُ بنَصٍّ.
وأمَّا قولُ الصَّحابيِّ، فلا يَنْسَخُ، ولا يُنْسَخُ به، فإنَّ أصْحابَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كانوا يَتْرُكُونَ أقْوالهم لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يَتْرُكُونَها بأقْوالِهم، وإنَّما تُحْمَلُ مُخالفَةُ عمرَ لهذا النَّصِّ على أنَّه لم يَبْلُغْه، ولو بَلَغَه لم يَعْدُه إلى غيرِه.
لأنَّها مَمْلوكَة لم يُعْتِقْها سيدُها، ولا شيئًا منها، ولا قرابَةَ بينَه وبينَها، فلم تَعْتِقْ، كما لو ولَدَتْ مِن أبيه 950 في نِكاح أو غيرِه.
ولأنَّ الأصْلَ الرِّقُّ، ولم يَرِدْ بِزَوالِه نصٍّ ولا إجْماعٌ ولا ما في مَعْنَى ذلك، فوجَبَ البقاءُ عليه.
ولأنَّ ولادَتَها لو كانت مُوجِبَةً لعِتْقِها، لَثَبَتَ العِتْقُ بها حينَ وُجودِها، كسائِرِ أسْبابِه.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ رِوَايةٌ أُخْرَى، أنَّها تُجْعَلُ في سَهْمِ وَلَدِها لتَعْتِقَ عليه 951. قال سعيدٌ 952: حدثنا سُفيانُ، حدثنا الأعْمَشُ، عن زيدِ بنِ وَهْبٍ، قال: مات

الجزء: 19 - الصفحة: 438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رجلٌ مِنَّا وتَرَكَ أُمَّ وَلَدٍ، فأراد الوَليدُ بنُ عُقْبَةَ أن يَبِيعَها في دَينِه، فأتَينا 953 عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ فَذَكَرْنا 954 ذلك له، فقال: إن كان ولابُدَّ، فاجْعَلُوها مِن نَصِيبِ أولادها.
ولَنا، ما روَى عِكْرِمَةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَيُّما أَمةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِها، فهي حُرَّةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ».
وقال ابنُ عباسٍ: ذُكِرَتْ أُمُّ إبراهيمَ عندَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «أعْتَقَها ولَدُها».
روَاهما ابنُ ماجَه 955. وذكَر الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ في «مسائِلِه»، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه نَهَى عن بَيعِ أُمَّهاتِ الأوْلادِ، ولا يُبَعْنَ، ولا يُرْهَنَّ، ولا يَرِثْنَ، يَسْتَمْتِعُ بها سيدُها ما بدا له، فإن ماتَ فهي حُرَّةٌ 956. قال شيخُنا 957: وهذا فيما أظُنُّ عن عمرَ، ولا يَصِحُّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابَةِ، رَضِيَ الله عنهم، بدَليلِ قولِ عليٍّ: كان رَأْيي ورَأْيُ عمرَ، أن لا تُباعَ أمَّهاتُ الأوْلادِ.
وقولِه: فقَضَى به عمرُ حياتَه، وعثمانُ حياتَه.
وقولِ عَبيدَةَ: رأْيُ عليٍّ في الجماعَةِ أحَبُّ إلينا مِن رَأْيِه وَحْدَه.
ورَوَى عِكْرِمَةُ عن ابنِ عباسٍ،

الجزء: 19 - الصفحة: 439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال: قال عمرُ: ما مِن رَجُلٍ كان 958 يُقِرُّ بأنَّه يَطَأُ جارِيَةً ثم يمُوتُ، إلَّا أعْتَقَها إذا وَلَدَت، وإن كان سَقْطًا 959. فإن قيلَ: فكيف تَصِح دَعْوَى الإِجْماعِ مع مُخالفَةِ علي وابنِ عباسٍ وابنِ الزُّبَيرِ.
قُلْنا: قد رُوِيَ عنهم الرُّجوعُ عن المُخالفَةِ، فروَى عَبِيدَةُ، قال: بَعَثَ إليَّ عليٌّ وإلى شُرَيحٍ، فقال 960: اقْضُوا كما كُنْتُم تَقْضُون، فإنِّي أُبْغِضُ الاخْتلافَ 961. وابنُ عباسٍ قال: وَلَدُ أُمِّ الولدِ بمَنْزِلتِها.
وهو الرَّاوي لحديثِ عِتْقِهنَّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وعن عمرَ، فيَدُلُّ على مُوافَقَتِه لهم.
ثم قد ثَبَتَ الإِجْماعُ باتِّفاقِهم قبلَ المُخالفَةِ، واتِّفاقُهم مَعْصومٌ عن الخَطَأْ، فإنَّ الأمَّةَ لا تَجْتَمِعُ على ضَلالةٍ، ولا يجوزُ أنْ يَخْلُوَ زَمَنٌ عن قائِمٍ للهِ بحُجَّتِه، ولو جازَ 962 ذلك في بعضِ العَصْرِ لجازَ في جَميعِه، ورَأيُ المُوافِقِ في زَمَنِ الاتِّفاقِ خيرٌ مِن 963 رَأْيِه في الخلافِ بعدَه، فيكونُ الاتِّفاقُ حُجَّةً على المُخالِفِ له منهم، كما هو حُجَّةٌ على غيرِه.
فإن قيلَ: فلو كان الاتِّفاقُ في بعضِ العَصْرِ إجْماعًا حَرُمَتْ مُخالفَتُه، فكيف خالفَه هؤلاء الأئمّةُ الذين لا تجوزُ نِسْبَتُهم إلى ارْتكابِ الحرَامِ؟ قُلْنا: الإِجْماعُ يَنْقَسِمُ إلى مَقْطوعٍ به ومَظْنُونٍ،

الجزء: 19 - الصفحة: 440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهذا مِن المَظْنُونِ، فتُمْكِنُ [المُخالفَةُ منهم] 964، مع كَوْنِه حُجَّةً، كما وَقَعَ منهم مُخالفَةُ النُّصُوصِ الظَّنِّيَّةِ، ولم تَخْرُجْ بمُخالفَتِهم 965 عن كَوْنِها حُجَّةً، كذا ههُنا.
فأمّا قولُ جابِرٍ: بعْنا أُمَّهاتِ الأوْلادِ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكرٍ.
فليس فيه تَصْرِيحٌ بأنَّه كان بعِلْمِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولا عِلْمِ أبي بكرٍ، فيكونُ ذلك وَاقِعًا منهم على انْفِرادِهم، فلا تكونُ فيه حُجَّةٌ، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُ الأمْرِ على هذا؛ لأنَّه لو كان هذا واقِعًا بعِلْمِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكرٍ، وأقَرَّا عليه، لم تَجُزْ مُخالفَتُه، ولم يُجْمِعِ الصَّحابَةُ بعدَهُما على مُخالفَتِهما، ولو فعلُوا ذلك لم يَخْلُ مِن مُنْكِرٍ عليهم، ويَقولُ: كيف تُخالِفُون فِعْلَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وفعلَ صاحِبهِ 966؟ وكيف تَتْرُكُونَ سُنتَّهَما، وتُحَرِّمُونَ ما أحَلًّا؟ ولأنَّه لو كان ذلك واقِعًا بعِلْمِهما، لاحْتَجَّ به عليٌّ حينَ رأى بَيعَهُنَّ، واحْتَجَّ به كلُّ مَن وَافَقَه على بَيعِهِنَّ، ولم يَجْرِ شيءٌ مِن هذا، فوجَبَ أنْ يُحْمَلَ الأمْرُ على ما حَمَلْناه عليه، فلا يكونُ فيه إذًا حُجَّةٌ.
ويَحْتَمِلُ أنَّهم باعُوا أمَّهاتِ الأوْلادِ في النِّكاحِ لا في المِلْكِ.
فصل: ومَن أجازَ بَيعَهُنَّ، فعلى قولِه، إن لم يَبِعْها سَيدُها حتى مات، ولم يكُنْ له وارِث إلَّا ولدَها، عَتَقَتْ عليه، وإن كان له وارِثٌ سِوَى وَلدِها حُسِبَتْ مِن نصِيبِه، فعَتَقَتْ، وكان له ما بَقِيَ مِن مِيراثِه، وإن لم يَبْقَ شيءٌ

الجزء: 19 - الصفحة: 441

ثُمَّ إِنْ وَلَدَتْ مِنْ غَيرِ سَيِّدِهَا، فَلِوَلَدِهَا حُكْمُهَا فِي العِتْقِ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا، سَوَاءٌ عَتَقَتْ أوْ مَاتَتْ قَبْلَهُ.
فلا شيءَ له.
وإن كانت أكْثَرَ مِن نَصِيبِه عَتَقَ منها قَدْرُ نَصِيبِه، وبَاقِيها رَقِيقٌ لسائِرِ الوَرَثَةِ، إلَّا على قولِ مَن قال: إنَّه إذا وَرِثَ سَهْمًا ممَّن يَعْتِقُ عليه سَرَى العِتْقُ إلى باقِيه.
فإنَّه يَعْتِقُ إن كان مُوسِرًا.
وإن لم يَكُنْ لها وَلَدٌ مِن سَيدِها ورِثَها وَرَثَتُه، كسائِرِ رَقِيقِه.

3046 -

مسألة: (وإن وَلَدَتْ مِن غيرِ سيدِها، فلوَلَدِها حُكْمُها في العِتْقِ بمَوْتِ سيدِها، سَواءٌ عَتَقَتْ أو ماتَتْ قبلَه)

إذا وَلَدَتْ أُمُّ الوَلَدِ بعدَ ثُبُوتِ حُكْمِ الاسْتِيلادِ لها مِن غيرِ سيدِها، مِن زَوْج أو غيرِه، فحُكْمُه حُكْمُها، في أَنه يَعْتِقُ بمَوْتِ سيدِها، ويجوزُ فيه مِن التَّصَرُّفاتِ ما يجوزُ فيها، ويَمْتَنِعُ فيه 967 ما يَمْتَنِعُ فيها.
قال أحمدُ: قال [ابنُ عُمَرَ] 968، وابنُ عباسٍ، وغيرُهما: وَلَدُها بمَنْزِلَتِها.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا بينَ القائِلين

الحديث: 3046 - الجزء: 19 - الصفحة: 442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بِثُبُوتِ حُكْمِ الاسْتِيلادِ، إلَّا أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، قال: هم عَبِيدٌ.
فيَحْتَمِلُ أنَّه أراد أنَّهم لا يَثْبُتُ لهم حُكْمُ أُمِّهم؛ لأنَّ الاسْتِيلادَ يَخْتَصُّ بها، فيُخَصُّ بحُكْمِه، كوَلَدِ مَن عُلِّقَ عِتْقُها بِصِفَةٍ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد أنَّهم عَبِيدٌ، حُكْمُهم حكمُ أُمِّهم، مِثلُ قولِ الجماعةِ؛ لأنَّ الوَلَدَ يَتْبَعُ أمَّه في الرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، فيَتْبَعُها في سَبَبِه إذا كان مُتَأكَّدًا، كولَدِ المُكاتَبَةِ والمُدَبَّرَةِ، بل ولدُ أُمِّ الولدِ أوْلَى؛ لأنَّ سَبَبَ العِتْقِ فيها مُسْتَقِرٌّ لا سَبِيلَ إلى إبْطالِه بحالٍ.
وإن ماتَتْ أُمُّ الولدِ قبلَ سيدِها، لم يَبْطُلْ حُكْمُ الاسْتِيلادِ في الوَلَدِ، [ويَعْتِقُ بمَوْتِ سيدِه] 969؛ لأنَّ السَّبَبَ لم يَبْطُلْ، وإنَّما لم تَثْبُتِ الحُريَّةُ فيها؛ لأنَّها لم تَبْقَ محَلًّا.
وكذلك وَلَدُ المُدَبَّرَةِ، لا يَبْطُلُ الحُكْمُ فيه بمَوْتِ أمِّه.
وأمَّا وَلَدُ المُكاتَبَةِ إذا ماتَتْ، فإنَّه يَعُودُ رَقِيقًا؛ [لأنَّ العَقْدَ بَطَلَ] 970

الجزء: 19 - الصفحة: 443

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بمَوْتِها، فلم يَبْقَ حُكْمُه فيه.
وفي ذلك اخْتِلاف ذَكَرْناه في بَابِه.
فإن أعْتَقَ السَّيِّدُ أُمَّ الوَلدِ أو المُدَبَّرَةَ، لم يَعْتِقْ وَلَدُها؛ لأنَّها عَتَقَتْ بغيرِ السَّبَبِ الذي تَبِعَها فيه، ويَبْقَى عِتْقُه مَوْقُوفًا على مَوْتِ سيدِه.
وكذلك إنْ أعْتَقَ وَلَدَهما، لم يَعْتِقا بعِتْقِه.
وإن أعْتَقَ المُكاتَبَ، فقد قال أحمدُ، وسفيانُ، وإسحاقُ: المُكَاتَبَةُ إذا أدَّتْ أو أُعْتِقَتْ عَتَقَ وَلَدُها، وأُمُّ الوَلَدِ والمُدَبَّرَةُ، إذا أُعْتِقَتْ لم يَعْتِقْ وَلَدُها حتى يَمُوتَ السَّيِّدُ.
فظاهِرُ هذا أنَّ وَلَدَ المكاتَبَةِ إذا أعْتَقَها سَيدُها، أنَّه يَتْبَعُها في العِتْقِ؛ لأنَّه في حُكْمِ مالِها، تَسْتَحِقُّ كَسْبَه، فيَتْبَعُها في العِتْقِ، كمالِها، ولأنَّ إعْتاقَها يَمْنَعُ أداءَها بِسَبَبٍ مِن السَّيِّدِ، فأشْبَهَ ما لو أبْرَأها مِن مالِ الكِتابَةِ.
فصل: فأمَّا ولدُ أُمِّ الولَدِ قبلَ اسْتِيلادِها، وولدُ المُدَبَّرَةِ قبلَ تَدْبِيرِها، وولَدُ المُكاتَبَةِ قبلَ كِتابَتِها، فلا يَتْبَعُها؛ لوُجودِه قبلَ انْعِقادِ السَّبَبِ فيها، وزوالِ حُكْمِ التَّبَعَيَّةِ عنه قبلَ تحقُّقِ السَّبَبِ في أمِّه.
ولهذا لا يَتْبَعُها في العِتْقِ

الجزء: 19 - الصفحة: 444

وَإنْ مَاتَ سَيِّدُهَا وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ، فَهَلْ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ لِمُدَّةِ حَمْلِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
المُنْجَزِ، ففيِ السَّبب أوْلَى.
وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ في وَلَدِ المُدَبَّرَةِ قبلَ التَّدْبِيرِ رِوايَتَين، فيُخرجُ هَهُنا مثلُه وهذا بَعِيدٌ؛ لأنَّ الولدَ المُنْفَصِلَ لا يَتْبَعُها في عِتْقٍ، ولا بَيعٍ، ولا هِبَةٍ، ولا في شيءٍ مِن الأحْكامِ، سِوَى الإِسلامِ بشَرْطِ كَوْنِه صغيرًا، فكيفَ يَتْبَعُ في التَّدْبِيرِ! ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا قِياسَ يَقْتَضِيه، فيَبْقَى بحالِه.

3047 -

مسألة: (وإن مات سيدُها وهي حامِلٌ منه، فهل تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ لمدَّةِ حَمْلِها؟ على رِوايَتَين)

هذا يُشْبِهُ ما إذا مات عن امرأةٍ حامِلٍ، هل تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ لمدَّةِ حَمْلِها؟ على رِوايَتَين.
ومَبْنَى الخِلافِ على الخِلافِ في نفقةِ الحامِلِ، هل هي للحَمْلِ أو للحَامِلِ؟ فإن قُلْنا: هي للحَمْلِ.
فلا نَفَقَةَ لها، ولا للأمَةِ الحامِلِ؛ لأنَّ الحَمْلَ له نَصِيبٌ في

الحديث: 3047 - الجزء: 19 - الصفحة: 445

وَإِذَا جَنَتْ أُمُّ الْوَلَدِ، فَدَاهَا سَيِّدُهَا بِقِيمَتِهَا أَوْ دُونِهَا.
وَعَنْهُ، عَلَيهِ فِدَاؤُهَا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ كُلِّهِ.
المِيرَاثِ، فتجبُ نَفَقَتُه في نَصِيبِه، لا في أنْصباءِ شُرَكائِه.
وإن قُلْنا: للحامِلِ.
فالنَّفَقَةُ على الزَّوْجِ والسَّيِّدِ، لأنَّهما [شَغَلاها بِحَمْلِها] (1)، فكانَ عِوضُ ذلك عليهما، كما لو اسْتأْجَرَا دارًا كانَتْ أُجْرَتُها عليهما.

3048 -

مسألة: (وإذا جَنَتْ أُمُّ الوَلَدِ، فَدَاها سيدُها بقِيمَتِها أو دُونِها. وعنه، يَفْدِيها بأَرْشِ الجِنايَةِ كُلِّه)

إذا جَنَتْ أُمُّ الوَلَدِ تَعَلَّقَ أَرْشُ جِنايَتِها برقَبَتِها، وعلى السَّيِّدِ أن يَفْدِيَها بأقَلِّ الأمْرين مِن قيمَتِها أو دُونِها.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وحكى أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ قَوْلًا آخَرَ، أنَّه يَفْدِيها بأرْشِ جِنايتِها بالِغةً ما بَلَغتْ؛ لأنَّه لم يُسَلِّمْها في الجِنايَةِ، فلَزِمَه أرْشُ جِنايتها بالِغَةً ما بَلَغَتْ، كالقِنِّ.
وقال أبو ثَوْرٍ، وأهلُ الظاهِرِ: ليس عليه971

الحديث: 3048 - الجزء: 19 - الصفحة: 446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فِداؤْها، وجِنَايَتُها في ذِمَّتِها، تُتْبَعُ بها 972 إذا عَتَقَتْ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ بَيعَها، فلم يكنْ عليه فِداؤُها، كالحُرَّةِ.
ولَنا، أنَّها مَمْلُوكَةٌ له، يَمْلِكُ كَسْبَها، لم يُسَلِّمْها، فلَزِمَه أَرْشُ جِنايَتِها، كالقِنِّ، ولا تَلْزَمُه زِيادَةٌ على قِيمَتِها؛ لأنَّه لم يَمْتَنِعْ مِن تَسْلِيمِها، وإنَّما الشَّرْعُ مَنَعَ مِن 973 ذلك؛ لكَوْنِها لم تَبْقَ مَحَلًّا للبَيعِ، ولا لِنَقْلِ المِلْكِ فيها.
وأمَّا القِنُّ إذا لم يُسَلِّمْها، قلْنا 974: فيه مَنْعٌ.
وإن سُلِّمَ، فلأنَّ القِنَّ أمْكَنَ أن يُسَلِّمَها للبَيعِ، فربَّما زاد فيها رَاغِبٌ أكثرَ مِن قِيمَتِها، فإذا امْتَنَعَ مالِكُها مِن تَسْليمِها أوْجَبْنا عليه الأَرْشَ بكَمالِه، بخِلافِ أُمِّ الوَلَدِ، فإنَّ ذلك لا يَحْتَمِلُ فيها؛ لأنَّها 975 لا يجوزُ بَيعُها، فلم يَكُنْ عليه أكثَرُ مِن قِيمَتِها.
فصل: فإن ماتَتْ قبلَ فِدائِها فلا شيءَ على سيدِها؛ لأنَّه لم يَتَعَلَّقْ بذِمَّتِه شيءٌ، وإنَّما تَعَلَّقَ برَقَبتِها، فإذا ماتَتْ سَقَطَ الحقُّ؛ لتَلَفِ مُتَعَلَّقِه.
وإن نَقَصَتْ قِيمَتُها قبلَ فِدائِها وجَبَ فِداؤُها بِقيمَتِها يومَ الفِدَاءِ؛ لأنَّها لو تَلِفَتْ جَمِيعُها لسَقَطَ الفِداءُ، فيَجِبُ أن يَسْقُطَ بعضُه بتَلَفِ بعضِها، وإن زادَتْ

الجزء: 19 - الصفحة: 447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قِيمَتُها زاد فِداؤُها، لأنَّ مُتَعَلَّقٍ الحقِّ زاد، فزاد الفِداءُ بزيادَتِه، كالقِنِّ.
ويَنْبَغِي أن تَجِبَ قِيمَتُها مَعِيبةً بعَيبِ الاسْتِيلادِ، لأنَّ ذلك يَنْقُصُها، فاعْتُبِرَ، كالمَرضِ وغيرِه مِن العُيوبِ، ولأنَّ الواجِبَ قِيمَتُها في حالِ فِدائِها، وقِيمَتُها ناقِصَةٌ عن قِيمَةِ غيرِ 976 أُمِّ الولَدِ، فيَجِبُ أن يَنْقُصَ فِدَاؤُها، وأن يكونَ مُقَدِّرًا بقِيمَتِها في حالِ كَوْنِها أُمَّ ولدٍ.
والحُكْمُ في المُدَبَّرَةِ كالحُكْمِ في أُمِّ الوَلَدِ، إنْ قُلْنا: لا يجوزُ بَيعُها.
وإن قُلْنا: يجوزُ بَيعُها.
فيُمْكِنُ تَسْلِيمُها للبَيعِ إنِ اخْتارَ سيدُها.
فإنِ امْتَنَعَ منه، فهل يَفْدِيها بقِيمَتِها أو أَرْشِ الجِنايَةِ [بالِغًا ما بَلَغَ] 977؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَين.
فصل: فإن كَسَبَتْ بعدَ جِنايتها شيئًا فهو لسيدِها، لأنَّ المِلْكَ ثابِت له دُونَ المَجْنِيِّ عليه.
وكذلك وَلَدُها؛ لأنَّه مُنْفَصِلٌ عنها، فأشْبَهَ الكَسْبَ.
وإن فَداها في حالِ حَمْلِها فعليه قِيمَتُها حامِلًا، لأنَّ الولَدَ مُتَّصِل بها، أشْبَهَ سِمَنَها.
وإن أتْلَفَها سيدُها فعليه قِيمَتُها، لأَنه أتْلَفَ حَقَّ غيرِه، أشْبَهَ إتْلافَ الرَّهْنِ.
وإنْ نَقَصَها فعليه نَقْصُها؛ لأنَّه لمَّا ضَمِنَ العَينَ ضَمِنَ أجْزاءَها.

الجزء: 19 - الصفحة: 448

وَإنْ عَادَتْ فَجَنَتْ، فَدَاهَا أَيضًا.
وَعَنْهُ، يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِذِمَّتِهَا.

3049 - مسألة: (فإن عادَتْ فجَنَتْ، فَدَاهَا أيضًا. وعنه، يَتَعَلَّقُ ذلك بذِمتِها)

فأمَّا إن جَنَتْ جِناياتٍ، فإن كانتِ الجِناياتُ كُلُّها قبلَ فداءِ شيءٍ منها، تَعَلَّقَ أَرْشُ الجميعِ برَقَبَتِها، ولم يَكُنْ عليه فيها كُلِّها إلَّا قِيمَتُها، أو 978 أَرْشُ جَمِيعِها، وعليه الأقَلُّ منهما 979، ويشْتَرِكُ المَجْنِيُّ عليهم في الواجِبِ لهم، فإن لم يَفِ بها تحاصُّوا فيها بقَدْرِ أُرُوشِ جِناياتِهم.
وإن كانتِ الجِنايةُ الثانيةُ بعدَ فِدائِه مِن الأولَى، فعليه فِداؤُها مِن التي بَعْدَها، كالأُولَى.
وحَكَى أبو الخَطَّابِ رِوايَةً ثانيةً عن أحمدَ، أنَّه إذا فَداها بقِيمَتِها مَرَّةً لم يَلْزَمْه فِدَاؤُها بعدَ ذلك؛ لأنَّها جانِيةٌ، فلم يَلْزَمْه أكثرُ مِن قِيمَتِها، كما لو لم يَكُنْ فَدَاها.
وقال الشافعي في أحَدِ قَوْلَيه: لا يَضْمَنُها

الحديث: 3049 - الجزء: 19 - الصفحة: 449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثانِيًا، ويشَارِكُ الثانِي الأوَّلَ فيما أخَذَه، كما لو كانتِ الجِناياتُ 980 قبلَ فدائِها.
ولَنا، أنَّها أُمُّ ولدٍ جَانِيةٌ، فلَزِمَه فِداؤُها، كالأُولَى، ولأنَّ ما أخَذَه الأوَّلُ عِوَضُ جِنايَتِه 981، أخَذَه بحَقٍّ، فلم يَجُزْ أن يُشارِكَه غيرُه فيه، كأرْشِ جِنايَةِ الحُرِّ أو الرَّقِيقِ القِنِّ.
وفارَقَ ما قبلَ الفِداء؛ لأنَّ أَرْشَ الجناياتِ تَعَلَّقَ برَقَبتِها في وَقْتٍ واحدٍ، فلم يَلْزَمِ السَّيِّدَ أكْثَرُ مِن قِيمَةِ واحِدَةٍ، كما لو كانتِ الجِناياتُ على واحدٍ.
فصل: فإن أبرَأ بعضُهم مِن حَقِّه، تَوَفَّرَ الواجِبُ على الباقِينَ، إذا كانت كُلُّها قبلَ الفِداءِ، وإن كانَتِ [الجنايةُ] 982 المَعْفوُّ عنها بعدَ فِدائِه، تَوَفَّرَ أَرشُها على سيدِها.

الجزء: 19 - الصفحة: 450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وللسيدِ تَزْويجُها وإن كَرِهَتْ 983. وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ، واخْتيارُ المُزَنِيِّ.
وقال في القديمِ: ليس له تَزْويجُها [إلَّا برِضَاها؛ لأنَّه قد ثَبَتَ لها حكمُ الحُرِّيَّةِ على وَجْهٍ لا يَمْلِكُ السَّيِّدُ إبْطالها، فلم يَمْلِكْ تَزْويجَها] 984 بغيرِ رِضَاها، كالمُكاتَبةِ.
وقال في الثَّالِثِ: ليس له تَزْويجُها وإن رَضِيَتْ؛ لأنَّ مِلْكَه فيها قد ضَعُفَ، وهي لم تَكْمُلْ، فلم يَمْلِكْ تَزْويجَها، كاليَتِيمَةِ.
وهل يُزَوِّجُها الحاكِمُ على هذا القَوْلِ؟ فيه خِلافٌ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قِيلَ له 985: إنَّ مَالِكًا لا يَرَى تَزْويجَها.
فقال: وما يَصْنَعُ مالِكٌ! هذا ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ، يقولان: إذا وَلَدَتْ مِن غيرِه كان لوَلَدِها حُكْمُها 986 ولَنا، أنَّها أمَةٌ يَمْلِكُ الاسْتِمْتاعَ بها 987 واسْتِخْدامَها، فمَلَكَ تَزْويجَها، كالقِنِّ،

الجزء: 19 - الصفحة: 451

وَإنْ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَمْدًا فَعَلَيهَا الْقِصَاصُ، وَإنْ عَفَوْا عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً، فَعَلَيهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا، وَتَعْتِقُ فِي الْمَوْضِعَينِ.
وفارَقَ المُكاتَبَةَ، فإنَّه لا يَمْلِكُ ذلك منها.
والقَوْلُ الثالثُ فاسِدٌ؛ لذلك، ولأنَّه يُفْضِي إلى مَنْعِ النِّكاحِ لامْرَأةٍ بالِغَةٍ مُحْتاجَةٍ إليه.
وقوْلُهم: يُزَوِّجُها الحاكِمُ.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الحاكِمَ لا يزوِّجُ إلَّا عندَ عَدَم الوَلِيِّ أو غَيبَتِه أو عَضْلِه، ولم يُوجَدْ واحِدٌ منها.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا زَوَّجَها فالمَهْرُ له؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ كَسْبِها، وكَسْبُها له.

3050 -

مسألة: (وإن قَتَلَتْ سيدَها عَمْدًا فعلَيها القِصاصُ، وإن عَفَوْا على مالٍ، أو كانتِ الجِنايَةُ خَطَأً، فعليها قِيمَةُ نَفْسِها، وتَعْتِقُ في المَوْضِعَين)

إذا قَتَلَتْ أُمُّ الوَلَدِ سيدَها عَمْدًا، فعليها القِصاصُ لوَرَثَةِ سيدِها، إن لم يَكُنْ له منها وَلَا، كما لو لم تكُنْ أُمَّ وَلَدٍ.
وإن كان له منها وَلَدٌ، وهو الوارِثُ وَحْدَه، لم يَجِبْ عليها القِصاصُ؛ لأنَّه لو وَجَبَ لوَجَبَ

الحديث: 3050 - الجزء: 19 - الصفحة: 452

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لوَلَدِها، ولا يَجِبُ للوَلَدِ على أمِّه قِصاصٌ، وقد تَوَقَّفَ أحمدُ عن هذه المسألَةِ في رِوايَةِ مُهَنَّا، وقال: دَعْنا مِن هذه المسائِلِ.
وقياسُ مَذهَبِه ما ذَكَرْناه.
وإن كان مع ولَدِه منها أوْلادٌ له مِن غيرِها، لم يَجِبِ القِصاصُ أيضًا؛ لأنَّ حَقَّ وَلَدِها مِن القِصاصِ يَسْقُطُ، فيَسْقُطُ كلُّه.
ونَقَلَ مُهَنَّا عن أحمدَ، أنّه يَقْتُلُها أولادُه مِن غيرِها.
وهذه الرِّوايَةُ تُخالِفُ أصُولَ مَذْهَبِه.
والصّحِيح أنَّه لا قِصاصَ عليها.
وإذا لم يَجِبِ القِصاصُ، فعليها قِيمَةُ نَفْسِها.
وهذا قولُ أبي يوسفَ.
وقال الشافعيُّ: عليها الدِّيَةُ؛ لأنَّها تَصِيرُ حُرَّةً، ولذلك لَزِمَها مُوجَبُ جِنايَتِها، والواجِبُ على الحُرِّ بقَتْلِ

الجزء: 19 - الصفحة: 453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحُرِّ دِيَتُه.
ولَنا، أنَّها جِنايَةٌ مِن أُمِّ وَلَدٍ، فلم يَجِبْ بها أكثرُ مِن قيمتِها، كما لو جنَتْ 988 على أجْنَبِيٍّ، ولأنَّ اعْتِبارَ الجِنايَةِ في حَقِّ الجانِي بحالِ الجنايَةِ، بدليلِ ما لو جَنَى عَبْدٌ فأعْتَقَه سيدُه، وهي في حالِ الجِنايَةِ أمَة، فإنَّها إنَّما عَتَقَتْ بالمَوْتِ الحاصِلِ بالجِنايَةِ، فيكونُ عليها فِداءُ نَفْسِها بقِيمَتِها، كما يفْدِيها سيدُها إذا قَتَلَتْ غَيرَه 989، ولأَنَّها ناقِصَةٌ بالرِّقِّ، أشْبَهَتِ القِنَّ، وتُفارِقُ الحُرَّ؛ فإَّنه جَنَى وهو كاملٌ، وإنَّما تَعَلَّقَ مُوجَبُ الجنايَةِ بها؛ لأنَّها فوَّتَتْ رِقَّها بقَتْلِها سيدَها، فأشْبَهَ ما لو فَوَّتَ المُكاتَبُ الجانِي رِقَّه بأدائِه.

الجزء: 19 - الصفحة: 454

وَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهَا.
وَعَنْهُ، عَلَيهِ الْحَدُّ.

3051 - مسألة: (ولا حَدَّ على قَاذِفِها. وعنه، عليه الحَدُّ)

والأوَّلُ قَوْلُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ عليه الحَدَّ؛ لأنَّ ذلك يُرْوَى عن ابنِ عمرَ 990. ولأنَّ قَذْفَها قَذْفٌ لوَلَدِها الحُرِّ، وفيها مَعْنَى مَنَعَ بَيعَها، أشْبَهَتِ الحُرَّةَ.
والأوَّلُ أصَحُّ، لأنَّها أمَةٌ، حكمُها حكمُ الإِماءِ في أكثرِ أحكامِها، ففي الحَد أوْلَى، [لأنَّ الحُدودَ تُدْرَأُ] 991 بالشُّبُهاتِ، ويُحْتاطُ لإِسْقَاطِها، و 992 لأنَّها أمَةٌ تَعْتِقُ بالموتِ، أشْبَهَتِ المُدَبَّرَةَ، وتُفارِقُ الحُرَّةَ، فإنَّها كامِلةٌ.
فصل: ولا يَجِبُ القِصاصُ على الحُرَّةِ بقَتْلِها، لعَدَمِ المكافأةِ.
فإن كان القاتِلُ لها 993 رَقِيقًا، وجَبَ القِصاصُ عليه (3)، لأنَّها أكْمَلُ منه.
وإن جَنَتْ على عبدٍ أو أمَةٍ جنايَةً فيها القِصاصُ، لَزِمَها القِصاصُ، لأنَّها أمَةٌ، أحْكامُها أحْكامُ الإماءِ، واسْيحْقاقُها العِتْقَ لا يَمْنَعُ القِصاصَ، كالمُدَبَّرَةِ.

الحديث: 3051 - الجزء: 19 - الصفحة: 455

فَصْلٌ: إِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الْكَافِرِ، أوْ مُدَبَّرَتُهُ، مُنِعَ مِنْ غِشْيانِها، وَحِيلَ بَينَهُ وَبَينَهَا، وَأُجْبِرَ عَلَى نَفَقَتِهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ، فَإِنْ أَسْلَمَ حَلَّتْ لَهُ، وَإنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ عَتَقَتْ.
وَعَنْهُ، أَنَّهَا تُسْتَسْعَى فِي حَيَاتِهِ، وَتعْتِقُ.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ الله عنه: (وإذا أسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الكافِرِ، أو مُدَبرَتُه، مُنِعَ مِن غِشْيانِها، وحِيلَ بَينَه وبَينَها، وأُجْبِرَ على نَفَقَتِها إن لم يَكُنْ لها كَسْبٌ.
[وإن أسْلَمَ، حَلَّتْ له] 994. وإن مات قبلَ ذلك عَتَقَتْ.
وعنه، أنَّها تُسْتَسْعَى في حياتِه، وتَعْتِقُ) يَصِحُّ اسْتِيلادُ الكافِرِ لأمَتِه، كما يَصِحُّ منه عِتْقُها.
وإذا اسْتَوْلَدَ أمَتَه ثم أسْلَمَتْ، لم تَعْتِقْ في الحالِ.
وبه قال الشافيُّ.
وقال مالكٌ: تَعْتِقُ؛ إذْ لا سَبِيلَ إلى بَيعِها، ولا إلى

الجزء: 19 - الصفحة: 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إقْرارِ مِلْكِه عليها؛ لِما فيه من إثْباتِ مِلْكِ كافِرٍ على مُسْلِمَةٍ، فلم يَجُزْ، كالأمَةِ القِنِّ.
ونَقَلَ مُهَنَّا عن أحمدَ مثلَ ذلك.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّها تُسْتَسْعَى، فإن أدَّتْ عَتَقَتْ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ فيه جَمْعًا بينَ الحَقَّين، حَقِّها في أن لا يَبْقَى مِلْكُ الكافِرِ عليها 995، وحَقِّه في حُصولِ عِوَضِ مِلْكِه، فأشْبَهَ بَيعَها إذا لم تكُنْ أُمَّ ولدٍ.
ولَنا، أنَّه إسلامٌ طَرَأ على مِلْكٍ، فلم يُوجِبْ عِتْقًا ولا سِعايةً، كالعيدِ القِنِّ.
وما ذَكَرُوه مُجَرَّدُ 996 حِكْمَةٍ لم يُعْرَفْ مِن الشارِعِ اعْتبارُها، ويُقابِلُها ضَرَرٌ، فإنَّ في إعْتاقِها مجَّانًا إضْرارًا بالمالِكِ، بإزالةِ مِلْكِه بغيرِ عِوَضٍ، وفي الاسْتسْعاءِ إلْزامُها 997 الكَسْبَ بغيرِ رِضاها، وتَضِييعٌ لحقِّ سيدِها، لأنَّ فيه إحالةً على

الجزء: 19 - الصفحة: 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سِعايةٍ لا يُدْرَى هلِ يَحْصُلُ منها شيءٌ أو لا، وإن حَصَل، فالظاهِرُ أنَّه يكونُ يَسِيرًا في أوْقاتٍ مُتَفرِّقَةٍ، وُجودُه قريبٌ مِن عَدَمِه.
والأوْلَى أن يَبْقَى المِلْكُ على ما كان عليه، ويُمْنَعَ مِن وَطْئِها والتَّلَذُّذِ بها، كى لا يَفْعَلَ ذلك وهو مُشْرِكٌ، ويُحالُ بينَه وبينَها، ويُمْنَعُ الخَلْوَةَ بها؛ لئَلَّا يُفْضِيَ إلى الوَطْءِ المُحَرَّمِ.
ويُجْبَرُ على نَفَقَتِها على التَّمامِ؛ لأنَّها مَمْلوكَتُه، ومَنْعُه مِن وَطْئِها بغيرِ مَعْصِيَةٍ منها، فأشْبَهَتِ الحائِضَ والمريضَةَ، وتُسَلَّمُ إلى امْرَأةٍ ثِقَةٍ، تكونُ عندَها، لتَحْفَظَها وتَقُومَ بأمْرِها.
وإنِ احْتاجَتْ إلى أجْرٍ أو أجْرِ مَسْكَنٍ فعلى سيدِها.
وذَكَرَ القاضي، أنَّ نَفَقَتَها في كَسْبِها، والفاضِلَ منه 998 لسيدِها.
فإن عَجَزَ كَسْبُها عن نَفَقَتِها، فهل يَلْزَمُ سيدَها تمامُ نَفَقَتِها؟ على رِوايَتَين.
ونحوُ هذا مذهبُ الشافعيِّ.
قال شيخُنا 999: والصَّحِيحُ أنَّ نَفَقَتُها على سيدِها، وكَسْبَها له، يَصْنَعُ به ما شاء، وعليه نَفَقَتُها على التَّمامِ، سَواءٌ كان لها كَسْبٌ أو لم يكُنْ؛ لأنَّها مَمْلُوكَتُه، ولم يَجْرِ بَينَهما عَقْدٌ يُسْقِطُ نَفَقَتَها، ولا تمْلِكُ به كَسْبَها، فهي كأمَتِه القِنِّ، أو ما قبلَ إسْلامِها، ولأنَّ المِلْكَ سَبَبٌ لهذَينِ الحُكْمَين، والحادثُ

الجزء: 19 - الصفحة: 458

وإذَا وَطِئَ أَحَدُ الشَّرِيكَينِ الْجَارِيَةَ، فَأوْلَدَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ  منهما (1) لا يصْلُحُ مانِعًا؛ لأنَّ الاسْتِيلادَ لا يَمْنَعُ منها، بدليلِ ما قبلَ إسْلامِها (2)، والإِسْلامُ لا يَمْنَعُ، بدليلِ ما لو وُجِدَ قبلَ ولادَتِها، واجتماعُهما لا يَمْنَعُ؛ لأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعْنَى المنْصُوصِ عليه؛ لأنَّه (3) إذا لم تَلْزَمْه نَفَقَتُها، ولم يكُنْ لها كَسْبٌ، أفْضَى إلى هَلاكِها وضَياعِها، ولأنَّه يَمْلِكُ فاضِلَ كَسْبِها، فلَزِمَه فَضْلُ نَفَقَتِها، كسائِرِ مماليكِه.

3052 -

مسألة: (وإذا وَطِئَ أحَدُ الشَّرِيكَيْن الجارِيَةَ وأوْلَدَها،

100010011002 الحديث: 3052 - الجزء: 19 - الصفحة: 459

لَهُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعِلَيهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، كَانَ فِي ذِمَّتِهِ.
صارت أُمَّ وَلَدٍ له، ووَلَدُه حُرٌّ، وعليه قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِه، فإن كان مُعْسِرًا، كان في ذِمَّتِه) وَطْءُ الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ مُحَرَّمٌ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه بينَ أهلِ العلمِ.
ولا حَدَّ فيه، في قول أكثرِ أهلِ العلمِ.
وقال أبو ثَوْرٍ: يَجِبُ عليه الحَدُّ؛ لأنَّه وَطْءٌ مُحَرَّمٌ، فأَشْبَهَ وَطْءَ الأمَةِ الأجْنَبِيَّةِ.
ولَنا، أنَّه وَطْءٌ صادَفَ مِلْكَه، فلم يَجِبْ به 1003 الحَدُّ، كوَطْءِ زَوْجَتِه الحائِضِ، ويُفارِقُ ما لا مِلْكَ له فيها 1004، فإنَّه لا شُبْهَةَ له فيها، ولهذا لو سَرَقَ عينًا له فيها شِرْكٌ لم يُقْطَعْ، ولو لم يكنْ له فيها مِلْكٌ قُطِعَ.
ويَجِبُ

الجزء: 19 - الصفحة: 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه التَّعْزِيرُ بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لما ذَكَرْنا في حُجَّةِ أبي ثَوْرٍ.
فإن وَطِئَها ولم تَحْمِلْ منه، فهي باقِيَة على مِلْكِهما، وعليه نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِها؛ لأنَّه وَطْءٌ سَقَطَ فيه الحَدُّ للشُّبْهَةِ، فأوْجَبَ مَهْرَ المِثْلِ، كما لو وَطِئَها يَظُنُّها امْرَأتَه.
وسواءٌ طاوعَتْه أو أكْرَهَها؛ لأنَّ وَطْءَ جاريةِ الغيرِ يُوجِبُ المهرَ وإن طاوَعتْ، لأنَّ المهرَ لسيدِها، لا يَسْقُطُ بمطاوَعَتِها، كما لو أذِنَتْ في قَطْعِ بعضِ أعْضائِها.
والوَاجِبُ عليه مِن المَهْرِ بقَدْرِ مِلْكِ الشَّرِيكِ فيها.
فأمَّا إن أحْبَلَها، وَوَضَعَتْ ما يَتَبَيَّنُ فيه بعضُ خَلْقِ الإِنْسانِ، فإنَّها تصيرُ بذلك أُمَّ ولَدٍ للواطِئِ، كما لو كانَتْ خَالِصَةً له، وتَخْرُجُ بذلِك عن مِلْكِ الشَّرِيكِ، كما 1005 تخْرُجُ بالإعْتاقِ، مُوسِرًا كان الواطِئُ أو مُعْسِرًا؛ لأنَّ الإيلادَ أقْوَى مِن الإِعْتاقِ.
وهذا قولُ الخِرَقِيِّ.
ويَلْزَمُه نِصْفُ قِيمَتِها؛ لأنَّه أخْرَجَ نِصْفَها مِن مِلْكِ الشَّرِيكِ، فلَزِمَتْه قِيمَتُه، كما لو أخْرَجَه بالإِعْتاقِ أو الإِتْلافِ، فإن كان مُوسِرًا أدَّاه، وإن كان مُعْسِرًا فهو في ذمَّتِه، كما لو أتْلَفَها.
والوَلَدُ حُرٌّ، يَلْحَقُ نَسَبُه بوالِدِه؛ لأنَّه مِن وَطْءٍ في مَحَلٍّ له فيه

الجزء: 19 - الصفحة: 461

فَإِنْ وَطِئَهَا الثَّانِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَولَدَهَا، فَعَلَيهِ مَهْرُهَا، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا، فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ، وَإنْ جَهِلَ إيَلادَ شَرِيكِهِ، أَوْ أَنَّهَا صَارَت أُمَّ وَلدٍ لَهُ، فَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعَلَيهِ فِدَاؤُهُ يَوْمَ الْولَادَةِ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ.
مِلْكٌ، فأشْبَهَ ما لو وَطِئَ زَوْجَتَه.
فعلى هذا القولِ (إن وَطِئَها الثاني بعدَ ذلك، فأوْلَدَها، فعليه مَهْرُها) لأنَّه وَطْءٌ صادَفَ مِلْكَ [الغيرِ، فأشْبَهَ وَطْءَ] 1006 الأمَةِ الأجْنَبِيَّةِ (فإن كان عالِمًا، فولَدُه رَقِيقٌ) لأنَّه وَطْءٌ في غيرِ مِلْكٍ ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ، فهو كوَطْءِ مَمْلُوكَةِ غيرِه (وإن جَهِلَ إيلادَ شَرِيكِه، وأنَّها صارَتْ أُمَّ وَلدٍ له، فولَدُه حُرٌّ) لأنَّه مِن وَطْءِ شُبْهَةٍ (وعليه فِدَاؤُه) بقِيمَتِه (يومَ الولادَةِ) لأنَّه الوقْتُ الذي يُمْكِنُ فيه التَّقْويمُ (ذَكَرَه الخِرَقِيُّ) ومَال القاضي: الصَّحِيحُ عندِي أنَّ الأوَّلَ لا يَسْرِي اسْتِيلادُه

الجزء: 19 - الصفحة: 462

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا كان مُعْسِرًا، ولا يُقَوَّمُ عليه نَصِيبُ شَرِيكِه، بل يَصِيرُ نِصْفُها أُمَّ وَلَدٍ ونِصْفُها قِنٌّ باقٍ على مِلْكِ الشَّرِيكِ؛ لأنَّ الإِحْبال كالعِتْقِ، ويجري مَجْراه في التَّقْويمِ والسِّرايَةِ، فاعْتُبِرَ في سِرايَتِه اليَسارُ، كالعِتْقِ.
وهو قولُ أبي الخَطَّابِ، ومذهبُ الشافعيِّ.
فعلى هذا، إذا وَلَدَتْ، يَحْتَمِلُ أن يكونَ الولَدُ كلُّه حُرًّا، واحْتَمَلَ أنْ يكونَ نِصْفُه حُرًّا ونِصْفُه رَقِيقًا، كأُمِّه، ووَلَدِ المُعْتَقِ بعْضُها.
وبهذا يَتَبَيَّنُ أنَّه لم يسْتَحِلَّ انْعقادَ الوَلَدِ 1007 مِن حُرٍّ وقِنٍّ.
ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ، أنَّ الاسْتِيلادَ أقْوَى مِن العِتْقِ، ولهذا ينْفُذُ مِن رَأْسِ المالِ مِن المريضِ ومِن المَجْنُونِ، بخِلافِ الإِعْتاقِ.
فصل: وهل يَلْزَمُه نِصْفُ قِيمَةِ الولَدِ؟ على وَجْهَين، ذَكَرَهُما أبو الخَطَّابِ؛ أحَدُهما، لا يَلْزَمُه.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأن الولَدَ خُلِقَ حُرًّا، فلم يَلْزَمْه قِيمَةُ وَلَدِه الحُرِّ.
والثاني، يَلْزَمُه نِصْفُ قِيمَتِه لشَرِيكِه؛ لأنَّ الوَطْءَ صادَفَ مِلْكَ غيرِه، وإنَّما انْتَقَلَتْ بالوَطْءِ المُوجب للمَهْرِ،

الجزء: 19 - الصفحة: 463

وَعِنْدَ الْقَاضِي، وَأَبِي الْخَطَّابِ، إِنْ كَانَ الْأوَّلُ مُعْسِرًا لَمْ يَسْرِ اسْتِيلَادُهُ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا، يَعْتِقُ نِصْفُهَا بِمَوْتِ أحَدِهِمَا.
وَإنْ أَعْتَق أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ مُوسِرٌ، فَهَلْ يُقَوَّمُ عَلَيهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فيكونُ الوَطْءُ سَبَبَ المِلْكِ، ولا يَثْبُتُ المِلْكُ (1) إلَّا بعد تَمامِ سَبَبِه، فيَلْزَمُ حينئذٍ تَقَدُّمُ الوَطْءِ على مِلْكِه، فيكونُ في مِلْكِ غيرِه، وفِعْلُه ذلك مَنَع (2) انْخِلاقَ الوَلَدِ على مِلْكِ الشَّرِيكِ، فيَجِبُ عليه نصْفُ قِيمَتِه، كولَدِ المغْرُورِ.
وقال القاضي: إن وَضَعَتِ الوَلَدَ بعدَ التَّقْويمِ، فلا شيءَ على الوَاطئ؛ لأنَّها وضَعَتْه في مِلْكِه، ووَقْتُ الوُجُوبِ حالةُ الوَضْعِ، ولا حَقَّ للشَّرِيكِ فيها ولا في وَلَدِها.
وإن وَضَعَتْه قبلَ التَّقْويم، فهل تَلْزَمُه قِيمَةُ نِصْفِه؟ على رِوايَتَين، ذكَرَهُما أبو بكرٍ، واخْتارَ أنَّه لا يَلْزَمُه.

3053 -

مسألة: (وعندَ القاضي، وأبي الخَطَّابِ، إن كان الأوَّلُ مُعْسِرًا لم يَسْرِ اسْتِيلادُه، وتَصِيرُ أُمَّ ولَدٍ لهما، يَعْتِقُ نِصْفُها بمَوْتِ أحَدِهما)

لأنَّها أَمُّ وَلَدٍ له، وقد ذَكَرْنا ذلك (وإنْ أعْتَقَ أحَدُهما نَصِيبَه بعدَ ذلك وهو مُوسِرٌ، فهل يُقَوَّمُ عليه نَصِيبُ شَرِيكِه؟ على وَجْهَين) أحَدُهما،10081009

الحديث: 3053 - الجزء: 19 - الصفحة: 464

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يَسْرِي عِتْقُه؛ لأنَّه 1010 يُبْطِلُ حَقَّ صاحِبِه مِن الوَلاءِ الذي قد انْعَقَدَ سَبَبُه بالاسْتِيلادِ.
والثاني، يُقَوَّمُ عليه؛ لحديثِ ابنِ عمرَ 1011. وهو أوْلَى وأصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ أن يكونَ له 1012 في الأمَةِ مِلْكٌ قَلِيلٌ أو كثيرٌ، فالحُكْمُ لي ذلك واحِدٌ؛ لأنَّ مالكَ اليَسِيرِ يَمْلِكُ بَعْضَها، أشْبَهَ الكثيرَ.
والله سبحانه وتعالى أعلمُ.

الجزء: 19 - الصفحة: 465

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1416 هـ - 1996 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

الجزء: 20 - الصفحة: 2

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

الجزء: 20 - الصفحة: 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصول الكتاب · 40 فصل
فصول الشرح الكبير على المقنع ت التركي
المقدمةمقدمة التحقيقكِتَابُ الطَّهارةكِتابُ الصَّلَاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الاعتكافكِتَابُ الْمَنَاسِكِكتاب الجهادكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْحَجْركِتَابُ الشَّركَةِكِتَابُ العَارِيَّةِكتَابُ الْغَصْبِكتابُ الْوَقْفِكتابُ الوَصاياكتاب الفرائضكتاب العتق
باب2909 - مسألة: (وهو مِن أفْضَلِ القرَبِ)مسألة: (والمُسْتَحَبُّ عِتْقُ مَن له كَسْبٌ)2911 - مسألة: (ويحْصُلُ العِتْقُ بالقَوْلِ والمِلْكِ)مسألة: (وفي قَوْلِه لأمَتِه: أنْتِ طالِق، وأنْتِ حَرامٌ. رِوايَتان؛ إحْداهُما، هي كِناية. والأخْرَى، لا تَعْتِقُ به [وإن نوى)2913 - مسألة: (وإن قال لعَبْدِه، وهو أكبَرُ منه: أنت ابْنِي. لم يَعْتِقْ. ذَكَره القاضي. ويَحْتَمِلُ أنَّ يَعْتِقَ)2914 - مسألة: (وإن أعْتَقَ حاملًا عَتَق جَنِينُها، إلَّا أنَّ يَسْتَثْنِيَه)مسألة: (وإن أعْتَقَ ما في بَطْنِها دُونَها، عَتَقَ وَحْدَه)مسألة: (وأمّا المِلْكُ، فمَن مَلَك ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَق عليه. وعنه، لا يَعْتِقُ إلَّا عَمُودا النَّسَبِ)مسألة: (وإن مَلَك وَلَدَهُ مِنَ الزِّنى لم يَعْتِقْ)2919 - مسألة: (وإن مَثَّلَ بعَبْدِه فجَدَعَ أنْفَه أو أُذُنَه ونحوَ ذلك، عَتَق. نَصَّ عليه)2920 - مسألة: (وإذا أعْتَقَ عَبْدًا فمالُه لسَيِّدِه)مسألة: (وإن أعْتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ، وهو مُوسِرٌ بقِيمَةِ باقِيه، عَتَق كُلُّه، وعليه قِيمَةُ باقِيهِ يَوْمَ العِتْقِ لشريكِه)مسألة: (فإن أعْتَقَه الشَّرِيكُ بَعْدَ ذلك)2923 - مسألة: (وإن كان مُعْسِرًا لم يَعْتِقْ إلَّا نصِيبُه، وبَقِيَ حَقُّ شَريكِه فيه. وعنه، يَعْتِقُ كُلُّه، ويُسْتَسْعَى العَبْدُ في قِيمَةِ باقِيه غيرَ مَشْقوقٍ عليه)مسألة: (وإذا أعْتَقَ الكافِرُ نَصيبَه مِن مسلمٍ وهو موسِرٌ، سَرَى إلى باقِيه، في أحَدِ الوَجْهَين)2926 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى كلُّ واحِدٍ مِن الشَّريكَين أنَّ شَريكَه أعْتَقَ نَصيبَه وهما موسِران، فقد صار العَبْدُ حرًّا باعْتِرافِ كلِّ واحِدٍ منهما لحرِّيَّتِه [^fn14515]، وصار مُدَّعيًا على شَرِيكِه قِيمَةَ حَقِّه منه. ولا وَلاءَ عليه لواحِدٍ منهما) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الشَّرِيكَين المُوسِرَين إذا ادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّ شَريكَه أعْتَقَ نَصيبَه، فكلُّ واحِدٍ منهما مُعْتَرِفٌ بحرِّيَّةِ نَصيبِه، شاهِدٌمسألة: (وإن كانا مُعْسِرَين لم يَعْتِقْ على واحِدٍ منهما)2928 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى أحَدُهما نَصِيبَ صاحِبِه عَتَق)مسألة: (وإن كان أحَدُهما مُوسِرًا والآخَرُ مُعْسِرًا، عَتَق نَصِيبُ المُعْسِرِ وَحْدَه)مسألة: (وإذا قال أحَدُ الشَّرِيكَين: إذا أعْتَقْتَ نَصيبَك فنَصِيبِي حُرٌّ. فأعْتَقَ الأوَّلُ وهو مُوسِرٌ، عَتَق كلُّه عليه)مسألة: (وإن كان مُعْسِرًا)2932 - مسألة: (وإن قال: إذا أعْتَقْتَ نَصيبَكَ فنَصِيبي حُرٌّ مع نَصيبِكَ. فأعْتَقَ نَصيبَه، عَتَق عليهما، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا)مسألة: وإذا عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِه بشَرْطٍ، كقَوْلِه: إن أدَّيتَ إليَّ ألْفًا فأنت حرٌّ. أو: إن دَخَلْتَ الدّارَ فأنت حُرٌّ. فهي صِفَةٌ لازِمَةٌ، ألْزَمَها نَفْسَه (ولا يَمْلِكُ إبْطالها بالقَوْلِ)مسألة: (إلَّا أن تَكُونَ)2935 - مسألة: (وتَبْطُلُ الصِّفَةُ بالمَوْتِ)مسألة: (فإن قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ [فأنت حُرٌّ بعدَ مَوْتِي] [^fn14545]. أو: أنت حُرٌّ بعَد مَوْتِي بشَهْرٍ. فهل يَصِحُّ ويَعْتِقُ بذلك؟ على روايتين) إذا قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ بعَد مَوْتِي فأنت حُرٌّ. لم تَنْعَقِدْ هذه الصِّفَةُ [^fn14546]؛ لأنَّه عَلَّقَ عِتْقَه على صِفَةٍ تُوجَدُ بعدَ زَوالِ مِلْكِه، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ بعدَ بَيعِي إيّاك فأنت حُرٌّ. ولأنَّه إعْتاقٌ له بعدَ قَرارِ مِلْكِ غيرِه عليه، فلم يَعْتِقْ به، كالمُنْجَزِ. والثانِيَةُ، يَعْتِقُ. ذَكَرَه القاضي. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه صَرَّحَ بذلك، فحُمِلَ عليه، كمامسألة: (وإن قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ فأنت حُرٌّ بعدَ مَوْتِي. فدَخَلَ في حَياةِ السَّيِّدِ، صار مُدَبَّرًا)مسألة: (وإذا قال: إن مَلَكْتُ فُلانًا فهو حُرٌّ. أو: كلُّ مملُوكٍ أمْلِكُه فهو حُرٌّ. فهل يَصِحُّ؟ على روايتين)2939 - مسألة: فإن قال العَبْدُ ذلك ثم عَتَق ومَلَك،2940 - مسألة: (فإن قال: آخِرُ مملوكٍ أشْتَرِيه فهو حُرٌّ. فمَلَك عَبِيدًا)2941 - مسألة: (فإن قال لأمَتِه: آخِرُ وَلَدٍ تَلدِينَه فهو حرٌّ. فوَلَدَتْ حَيًّا ثم مَيِّتًا، لم يَعْتِقِ الأوَّلُ)2942 - مسألة: (ولا يَتْبَعُ وَلَدُ المُعْتَقَةِ بالصِّفَةِ أُمَّه في العِتْقِ، في أصَحِّ الوَجْهَين، إلَّا أن تكونَ حامِلًا به حال عِتْقِها، أو حال تَعْلِيقِ عِتْقِها)مسألة: (وإذا قال لعبدِه: أنت حُرٌّ وعليك ألْفٌ. أو: على ألْفٍ. عَتَق، ولا شيءَ عليه. وعنه، إن لم يَقْبَلْ لم يَعْتِقْ)2944 - مسألة: (وإن قال: أنت حُرٌّ على أن تَخْدِمَني سَنَةً. فكذلك. وقِيلَ: إن لم يَقْبَلْ لم يَعْتِقْ. رِوايَةً واحِدَةً)2945 - مسألة: (وإن قال: أحَدُ عَبْدَيَّ حُرٌّ. أُقْرِعَ بَينَهما، فمَن وَقَعَتْ له القُرْعَةُ فهو حُرٌّ مِن حِينَ أعْتَقَه)2947 - مسألة: (وإِن مات أحَدُ العَبْدَينِ أُقْرِعَ بَينَه وبينَ الحيِّ)مسألة: (وإنْ أعْتَقَ عَبْدًا وأُنْسِيَه، أَخْرَجَ بالقُرْعَةِ)مسألة: (فإن عَلِم بعدُ أنَّ المُعْتَقَ غيرُه، عَتَق. وهل يَبْطُلُ عِتْقُ الأوَّل؟ على وَجْهَين)مسألة: (وإن أعْتَقَ جُزْءًا مِن عبدِه، أو دَبَّرَه)2952 - مسألة: (وإن أعْتَقَ في مَرَضِه سِتَّةَ أعْبُدٍ قِيمَتُهم سواءٌ، وثُلُثُه يَحْتَمِلُهم، ثم ظَهر عليه دَينٌ يَسْتَغْرِقُهم، بِيعُوا في دَينِه. ويَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَ ثُلُثُهم)مسألة: (وإن أعْتَقَهم، فأعْتَقْنا ثُلُثَهم، ثم ظَهر له مالٌ يَخْرُجُون مِن ثُلُثِه، عَتَق مَن أُرِقَّ مِنْهُم)2954 - مسألة: (وإن لم يَظْهَرْ له مالٌ جَزَّأْناهم ثلاثَةَ أجْزاءٍ؛ كلَّ اثْنَين جُزْءًا، وأقْرَعْنا بينَهم بسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وسَهْمَيْ رِقٍّ، فمن خَرَج له سَهْمُ الحرِّيَّةِ عَتَق، ورَقَّ الباقُونَ)مسألة: (وإن أعْتَقَ عَبْدَين، قِيمَةُ أحَدِهما مائَتان والآخَرِ ثَلاثُمائةٍ)مسألة: (وإن أعْتَقَ وَاحِدًا مِن ثلاثةِ أعْبُدٍ)بَابُ التَّدْبِير2958 - مسألة: (ويُعْتَبَرُ مِن الثُّلُثِ)مسألة: (ويَصِحُّ مِن كلِّ مَن تَصِحُّ وَصِيَّتُه)مسألة: (وصَرِيحُه لفْظُ العِتْقِ والحُرِّيةِ المُعَلَّقَين بالموتِ)مسألة: (ويَصِح مُطْلَقًا ومُقَيّدًا)مسألة: (وإن قال: متى شِئْتَ فأنتَ مدَبَّرٌ)مسألة: (وإن قال: إن شِئْتَ فأنتَ مُدَبَّرٌ. فقِياسُ المذهبِ)2964 - مسألة: (وإذا قال: قد رَجَعْتُ في تَدبيرِي. أو: أبْطَلْتُه. لم يَبْطُلْ؛ لأنَّه تَعْلِيقٌ للعِتْقِ بصِفَةٍ. وعنه، أنَّه يَبْطُلُ، كالوَصِيَّةِ)2965 - مسألة: (وله بَيعُ المُدَبَّرِ وَهِبَتُهُ. وإن عاد إليه عاد التَّدْبِيرُ. وعنه، لا يُباعُ إلَّا في الدَّينِ. وعنه، لا تُباعُ الأمَةُ خاصَّةً)مسألة: (وإن عاد إليه عاد التَّدْبِيرُ)مسألة: (ومَا ولدتِ المُدَبَّرَةُ بعدَ تَدْبيرِها فهو بمَنْزِلَتِها، ولا يَتْبَعُها وَلَدُها مِن قبلِ التَّدْبِيرِ)مسألة: (وله إصابَةُ مُدَبَّرَتِه، فإن أوْلَدَها بَطَلَ تَدْبِيرُها)مسألة: (وإن كاتَبَ المُدَبَّرَ، أو دَبَّرَ المُكاتَبَ، جاز)2970 - مسألة: (فإن أدَّى عَتَقَ)2971 - مسألة: (وإذا دَبَّرَ شِرْكًا له في عبدٍ لم يَسْرِ إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، وإن أعْتَقَ شَرِيكُه سَرَى إلى المُدَبَّرِ، وغَرِمَ قِيمَتَه لسيدِه.2973 - مسألة: (ومَن أنْكَرَ التَّدْبِيرَ، لم يُحْكَمْ عليه إلَّا بشاهِدَين. وهل يُحْكَمُ بشاهِدٍ وامْرَأتَين، أو شاهِدٍ ويَمِينِ العبدِ؟ على روايتين)مسألة: (وإذا قَتَلَ المُدَبَّرُ سيدَه بَطَلَ تَدْبِيرُه)بَابُ الْكِتَابَةِمسألة: (وهي مُسْتَحَبَّةٌ لمَن يُعْلَمُ فِيه خَيرٌ، وهو الكَسْبُ والأمَانَةُ. وعنه، أنَّها وَاجِبَةٌ إذا ابْتَغَاها مِن سَيدِه أُجْبِرَ عليها)2976 - مسألة: (وهل تُكْرَهُ كِتابَةُ مَن لا كَسْبَ له؟ على رِوايَتَين)2977 - مسألة: (ولا تَصِحُّ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ)مسألة: (وإن كاتَبَ المُمَيِّزُ عبدَه بإذْنِ وَلِيِّه، صَحَّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ)2979 - مسألة: (وإن كاتَبَ السيدُ عبدَه المُمَيَّزَ، صَحَّ)مسألة: (ولا تَصِحُّ إلا بالقولِ. وتَنْعَقِدُ بقولِه: كَاتَبْتُكَمسألة: ولا يَفْتَقِرُ إلى قولِه: (وإن أَدَّيتَ إليَّ فأنْتَ حُرٌّ)مسألة: (ولا تَصِحُّ إلَّا على عِوَضٍ مَعْلُوم مُنجَّمٍ، نَجْمَين فصاعدًا)2983 - مسألة: ويُشْتَرَطُ عِلْمُ ما يُؤَدَّى إليه، في كُلِّ نَجْمٍ، كالثَّمَنِ في البَيعِ، ولِئلَّا يُفْضِيَ إلى التَّنازعِمسألة: (وتَصِحُّ على مالٍ وخِدْمةٍ، سواءٌ تَقَدَّمَتِ الخِدْمَةُ أو تَأَخَّرَتْ)مسألة: (وإذا أدَّى ما كُوتِبَ عليه، أو أُبْرِئ منه، عَتَقَ)مسألة: (وما فَضَلَ في يَدِه فهو له)2987 - مسألة: (فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الأَدَاءِ كَانَ مَا في يَدِهِ لِسَيِّدِهِ، في الصَّحِيحِ عَنْهُ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الأُخْرى، لِسَيِّدِهِ بَقِيَّةُ كِتَابَتِهِ، وَالْبَاقِي لوَرَثتِه)مسألة: (وَإذَا عُجِّلَتِ الْكِتَابَةُ قَبْلَ مَحِلِّهَا، لَزِمَ السَّيِّدَمسألة: (ولا بَأْسَ أن يُعَجِّلَ المُكاتَبُ لسيدِه، ويَضَعَ عنه بَعْضَ كتابَتِه)مسألة: (وإذا أدَّى وعَتَقَ، فوجَدَ السيدُ بالعِوَضِ عيبًا، فله أَرْشُه أو قِيمَتُه، ولا يَرْتَفِعُ العِتْقُ)مسألة: (وَإِنْ شَرَطَ عَلَيهِ أَلَّا يُسَافِرَ، وَلَا يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ، فَهَلْ يَصِحُّ الشَّرْطُ؟ عَلَى وَجْهَينَ)مسألة: وله الإِنْفاقُ على نَفْسِه وولَدِه ورَقِيقِه، وكلِّ ما فيه صَلاحُ المالِ؛مسألة: (وولاءُ مَن يُعْتِقُه ويُكاتِبُه لسيدِه)مسألة: (ولا يُكَفِّرُ بالمالِ. وعنه، له ذلك بإذْنِ سيدِه)2996 - مسألة: (وهل له أن يَرْهَنَ أو يُضارِبَ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين)2997 - مسألة: (وليس له شِراءُ ذَوي رَحِمِه إلَّا بإذْنِ سيدِه)2998 - مسألة: (وله أن يَقْبَلَهم إذا وُهِبُوا له، أو وُصِّيَ له بِهم)2999 - مسألة: (وإذا مَلَكَهُم فليس له بَيعُهم)مسألة: (ووَلَدُ المُكاتَبَةِ الذي وَلَدَتْه في الكِتابَةِ يَتْبَعُها)مسألة: (وإنِ اشْتَرَى زَوْجَتَه)مسألة: (وإنِ اسْتَوْلَدَ أمَتَه، فهل تَصِيرُ أمَّ وَلَدٍ يَمْتَنِعُ عليهمسألة: (وإن جَنَى عليه، فعليه أَرْشُ جِنايَتِه)مسألة: (وإن حَبَسَه مُدَّةً، فعليه أرْفَقُ الأمْرَينِ به، مِن إنْظارِه مثلَ تِلك المُدَّةِ، أو أُجْرَةِ مِثْلِه)مسألة: (وليس له أن يَطَأَ مُكاتَبَتَه إلَّا أن يَشْتَرِطَ)مسألة: (وإن وَطِئَها ولم يَشْتَرِطْ، أو وَطِئَ أمَتَها،مسألة: فإن أوْلَدَها (صارت أُمَّ وَلَدٍ له)مسألة: (فإن أدت عَتَقَتْ، وإن مات)مسألة: (وكذلك الحُكْمُ فيما إذا أعْتَقَ المُكاتَبَ سيدُه)مسألة: وإن (وَطِئَاها)مسألة: (وإن وَلَدَتْ مِن أحَدِهما، صارت أُمَّ وَلَدٍ له، ويَغْرَمُ لشَرِيكِه نِصْفَ قِيمَتِها. وهل يَغْرَمُ نِصْفَ قِيمَةِ وَلَدِها؟ على رِوايَتَين)3012 - مسألة: (وإن أتتْ بوَلَدٍ وأُلحِقَ بهما، صارت أمَّ وَلَدٍ لهما، يَعْتِقُ نِصْفُها بموتِ أحَدِهما، وباقِيها بموتِ الآخَرِ)مسألة: (ويَجُوزُ بَيعُ المُكاتَبِ. ومُشْتَرِيه يَقُومُ مَقامَ المُكاتِبِ)مسألة: (فإن أدَّى عَتَقَ، ووَلاؤُه له، وإن عجز عاد قِنًّا له، وإن لم يَعْلَمْ أنَّه مُكاتَبٌ، فله الرَّدُّ أو (5) الأرْشُ) إذا أدَّى إلى المُشْتَرِي عَتَقَ؛ لأنَّ حقَّ المُكاتِبِ فيه انْتَقَلَ إلى المُشْتَرِي، فصار المُشْتَرِي [^fn15027] هو المُعْتِقَ، وولاؤُه له؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ». وقد دَلَّ [على ذلك] [^fn15029] حديثُ بَرِيرَةَ؛ لأنَّه جَعَلَ[^fn15024][^fn15025][^fn15026][^fn15028]مسألة: (وإنِ اشْتَرَى كلُّ واحدٍ مِن المُكاتَبَين الآخَرَ، صَحَّ شِرَاءُ الأوَّلِ، وبَطَلَ شِرَاءُ الثاني، وسَواءٌ كانا لواحِدٍ أو لاثْنَين)مسألة: فإن لم يُعْلَمِ السَّابِقُ مِنْهُما (فَسَدَ البَيعَان)مسألة: (وإن أسَرَ العَدُوُّ المُكاتَبَ، فاشْتَراه رجلٌ، فأحَبَّ سيدُه، أخَذَه بما اشْتَراه، وإلَّا فهو عندَ مُشْتَرِيه، مُبْقًى على ما بَقِيَ مِن كِتابَتِه، يَعْتِقُ بالأداءِ، ووَلاؤُه له)3018 - مسألة: (وعليه فداءُ نَفْسِه)مسألة: (وإن عَجَزَ، فلسيدِه تَعْجِيزُه)مسألة: (وإن لَزِمَتْه دُيُون تَعَلَّقَتْ بذِمَّتِه، يُتبعُ بها بعدَ العِتْقِ)مسألة: (ولا تَنْفَسِخُ بمَوتِ السيدِ)3022 - مسألة: (ويَعْتِقُ بالأداءِ إلى سيدِه، [وإلى مَن يَقُومُ مَقامَه مِن الوَرَثَةِ وغيرِهم)مسألة: (وإن حَلَّ نَجْمٌ فلم يُؤَدِّه، فللسيدِ الفَسْخُ. وعنه، لا يَعْجِزُ حتى يَحِلَّ نَجْمانِ. وعنه، لا يَعْجِزُ حَتَّى يقولَ: قد عَجَزْتُ)مسألة: (وليس للعبدِ فَسْخُها بحالٍ)3025 - مسألة: (ولو زَوَّجَ ابْنَتَه مِن مُكاتَبِه، ثم مات، انْفَسخَ النِّكاحُ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَنْفَسِخَ حَتى يَعْجِزَ)مسألة: (ويَجِبُ على السيدِ أن يُؤْتِيَه رُبْعَ مالِ الكِتابَةِ، إن شاء وَضَعَه عنه، وإن شاء قَبَضَه ثم دَفَعَه إليه)مسألة: (فإن أدَّى ثلاثةَ أرْباعِ الكتابةِ وعَجَزَ عن الرُّبْعِ، عَتَقَ، ولم تَنْفَسِخ، الكِتابَةُ في قَوْل القاضِي وأصحابِه)مسألة: (وإنِ اخْتَلَفُوا بعدَ الأداءِ في قَدْرِ ما أدَّى كلُّ واحِدٍ منهم، فالقولُ قولُ مَن يَدَّعِي أداءَ قَدْرِ الواجِبِ عليه)مسألة: (وتجوزُ كِتَابَةُ بعضِ عبدِه، فإذا أدَّى عَتَقَ كلُّه)3031 - مسألة: (وتجوزُ كِتابَةُ حِصَّتِه مِن العبدِ المُشْتَرَكِ بغيرِ إذْنِ شَرِيكِه)مسألة: (وإذا أدَّى ما كُوتِبَ عليه، ومثلَه لسيدِه الآخَرِ، عَتَقَ كلُّه، إن كان الذي كاتَبَه مُوسِرًا، وعليه قِيمَةُ حِصَّةِ شَرِيكِه)3033 - مسألة: (وإن أعْتَقَ الشَّرِيكُ قبلَ أدائِه، عَتَقَ عليه كلُّه إن كان مُوسِرًا، وعليه قِيمَةُ نَصِيبِ المُكاتِبِ. وقال)3034 - مسألة: (وإن كاتَبا عبدَهما جار، سَواءٌ كان على التَّساوي أو التَّفاضُلِ. ولا يجوزُ أن يُؤَدِّيَ إليهما إلَّا على التَّساوي)3035 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في قَدْرِ عِوَضِها، فالقولُ قولُ السيدِ في إحْدَى الرِّوايَتَين)3036 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في وَفاءِ مالِها)3037 - مسألة: (وإن أقام العبدُ شاهِدًا وحَلَفَ معه، أو شاهِدًا وامرأتَين، ثَبَتَ الأداءُ وعَتَقَ)3038 - مسألة: (وتَنْفَسِخُ بمَوْتِ السيدِ، وجُنُونِه، والحَجْرِ للسَّفَهِ)مسألة: (وهل يَتْبَعُ المُكاتَبَةَ وَلَدُها فيها؟ على وَجْهَين)مسألة: (وقال أبو بكرٍ: لا تَنْفَسِخُ)بَابُ أحْكَامَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِمسألة: (إذا حَمَلَتِ الأمَةُ مِن سيدِها، فوضَعَتْ منه ما يَتَبَيَّنُ فيه بعضُ خَلْقِ الإِنْسانِ، صارت له بذلك أُمَّ وَلَدٍ، فإذا ماتَ عَتَقَتْمسألة: وتَعْتِقُ بمَوْتِ سيدِها مِن رَأْسِ المَالِ، وإن لم يَمْلِكْ سواها.مسألة: (وإن وَضَعَتْ جسْمًا لا تَخْطيطَ فيه، فعلى رِوايَتَين)3044 - مسألة: (وإن أصابها في مِلْكِ غيرِه بنِكاحٍ أو غيرِه، ثم مَلَكَها حَامِلًا، عَتَقَ الجَنِينُ، ولم تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ)مسألة: (وإن وَلَدَتْ مِن غيرِ سيدِها، فلوَلَدِها حُكْمُها في العِتْقِ بمَوْتِ سيدِها، سَواءٌ عَتَقَتْ أو ماتَتْ قبلَه)مسألة: (وإن مات سيدُها وهي حامِلٌ منه، فهل تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ لمدَّةِ حَمْلِها؟ على رِوايَتَين)مسألة: (وإذا جَنَتْ أُمُّ الوَلَدِ، فَدَاها سيدُها بقِيمَتِها أو دُونِها. وعنه، يَفْدِيها بأَرْشِ الجِنايَةِ كُلِّه)3049 - مسألة: (فإن عادَتْ فجَنَتْ، فَدَاهَا أيضًا. وعنه، يَتَعَلَّقُ ذلك بذِمتِها)مسألة: (وإن قَتَلَتْ سيدَها عَمْدًا فعلَيها القِصاصُ، وإن عَفَوْا على مالٍ، أو كانتِ الجِنايَةُ خَطَأً، فعليها قِيمَةُ نَفْسِها، وتَعْتِقُ في المَوْضِعَين)3051 - مسألة: (ولا حَدَّ على قَاذِفِها. وعنه، عليه الحَدُّ)مسألة: (وإذا وَطِئَ أحَدُ الشَّرِيكَيْن الجارِيَةَ وأوْلَدَها،مسألة: (وعندَ القاضي، وأبي الخَطَّابِ، إن كان الأوَّلُ مُعْسِرًا لم يَسْرِ اسْتِيلادُه، وتَصِيرُ أُمَّ ولَدٍ لهما، يَعْتِقُ نِصْفُها بمَوْتِ أحَدِهما)
كتابُ النِّكاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الْخُلْعِكِتَابُ الطَّلَاقِكتابُ الرَّجْعَةِكتابُ الإِيلاءِكتابُ الظِّهَارِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكتاب الرضاعكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الجِنَايَاتِكتاب الدياتكِتَابُ الْحُدُودِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الصَّيدِكِتَابُ الْأَيْمَانِكتاب القضَاءِكِتَابُ الشَّهادَاتِكِتَابُ الْإِقْرَارِ
جارٍ التحميل