كتابُ الظِّهَارِ
وَهُوَ مُحَرَّمٌ.
كتابُ الظِّهارِ
الظِّهارُ: مُشْتَقٌّ مِن الظَّهْرِ، وإنَّما خَصُّوا الظَّهْرَ بذلك مِن بينِ سائرِ الأعْضاءِ؛ لأنَّ كُلَّ مَرْكُوبٍ يُسَمَّى ظَهْرًا، لحُصُولِ الرُّكُوبِ على ظَهْرِه في الأغْلَبِ، فشَبَّهُوا الزَّوْجَةَ بذلك (وهو مُحَرَّم) لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ 1. ومعناه أنَّ الزَّوْجَةَ ليسَتْ كالأمِّ في التَّحْرِيمِ.
قال الله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (1). وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ 2. والأصْلُ في الظِّهار الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ؛ أمَّا الكِتابُ فقولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ 3 مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ 4. والآيَةُ التي بعدَها.
وأمَّا السُّنَّةُ، فروَى أبو داودَ 5،
الجزء: 23 - الصفحة: 225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بإسْنادِه عن خُوَيلَةَ بنتِ مالكِ بنِ ثَعْلَبَةَ، قالت: تَظاهَرَ مِنِّي أوسُ بنُ الصَّامِتِ، فجِئْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أشْكُو، ورسَولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُجادِلُنِي فيه 6، ويقولُ: «اتَّقِي الله فَإنَّه ابْنُ عَمِّكِ».
فما بَرِحْت حتى نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ 7. فقال: «يَعْتِقُ رَقَبَةً».
فقُلْتُ: لا يَجِدُ.
فقال: «يَصُومُ شَهْرَين مُتَتَابِعَين».
فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّه 8 شَيخٌ كبيرٌ ما به مِن صِيامٍ، قال: «فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا».
قلتُ: ما عندَه مِن شيءٍ يتصَدَّقُ به 9. قال: «فَإنِّي سَأعِينُه بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ».
فقُلْتُ: يا رسولَ الله، فإنِّي سأعِينُه بعَرَقٍ آخَرَ.
قال: «قَدْ أحْسَنْتِ، اذْهَبِي فَأطْعِمِي عنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وارْجِعِي إلَى ابْنِ عَمِّكِ».
قال الأصْمَعِيُّ: العَرَق، بفَتْحِ العَينِ والرَّاءِ: هو ما سُفَّ 10 مِن خُوصٍ، كالزِّنْبِيل الكبيرِ.
وروَى أيضًا 11، بإسْنادِه عن سليمانَ بنِ يسارٍ، عن سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ البَياضِيِّ، قال: كنت أصِيبُ مِن النِّساءِ ما لا يُصِيبُ غيرِي، فلمَّا دَخَلَ = في المسند 6/ 410، 411: وأصل الحديث عند البخاري معلقا، انظر: باب قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ من كتاب التوحيد.
صحيح البخاري 9/ 144.
الجزء: 23 - الصفحة: 226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَهْرُ رَمضانَ، خِفْتُ أن أصِيبَ مِن امرَأتِي شيئًا يَتَتايَعُ 12 حتى أصْبِحَ، فظاهَرْتُ منها حتى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمضانَ، فبَينا 13 هي تَخْدِمُنِي ذاتَ لَيلَةٍ، إذ تَكَشَّفَ لي منها شيءٌ، فلم ألْبَثْ أن نَزَوْتُ عليها 14، فلمَّا أصْبَحْتُ خَرَجْتُ إلى قَوْمِي، فأخْبَرْتُهم الخبرَ، وقُلْتُ: امْشُوا معي إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. قالُوا: لا واللهِ.
فانْطَلَقْت إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فأخْبَرْتُه الخبرَ، فقال: «أنْتَ بذَاكَ يَا سَلَمَةُ؟» 15 فقُلْتُ: أنا بذَاكَ يا رسولَ اللهِ، وأنا صابِر لحُكْمِ اللهِ، فاحْكُمْ فِيَّ ما أراكَ الله.
قال «حَرِّرْ رَقَبَةً» قُلْتُ: والذي بعثك بالحَقِّ ما أمْلِكُ رَقَبَةً غيرَها 16، وضَرَبْتُ صَفحَةَ رَقَبَتِي.
قال: «فَصُمْ شَهْرَينْ مُتَتَابعَين».
قُلْتُ: وهل أصَبْتُ [الذي أصَبْتُ] 17 إلَّا مِن الصِّيامِ؟ قال: «فَأَطْعِمْ وَسْقًا مِن تَمْر بَينَ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قُلْتُ: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ، لقد بِتْنا وَحْشَين 18، ما لنا طَعامٌ.
قال: «فَانْطَلِقْ إلى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيقٍ، فَلْيَدْفَعْهَا إلَيكَ».
قال: «فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِن تَمْر، وكُلْ أنْتَ وَعِيَالُكَ بَقِيتَّهَا».
فَرَجَعْتُ إلى قَوْمِي، فقلتُ: وَجَدْتُ عندَكُم الضِّيقَ وسُوءَ الرَّأي، وَوَجَدْتُ عندَ رسولِ اللهِ
الجزء: 23 - الصفحة: 227
وَهُوَ أنْ يُشَبِّهَ امْرَأتهُ أوْ عُضْوًا مِنْهَا، بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيهِ عَلَى التَّأبِيدِ، أوْ بِهَا أوْ بِعُضْوٍ مِنْهَا، فَيَقُولَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أمِّي.
أوْ: كَيَدِ أخْتِي.
أوْ: كَوَجْهِ حَمَاتِي.
أوْ: ظَهْرُكِ.
أوْ: يَدُكِ عَلَيَّ كَظَهْر أمِّي.
أوْ: كَيَدِ أخْتِي.
أوْ: خَالتِي.
مِنْ نَسَبٍ أوْ رَضَاعٍ.
- صلى الله عليه وسلم - السَّعَةَ وحُسْنَ الرَّأي، وقد أمَرَ لي بصَدَقَتِكُم.
3717 -
مسألة: (والظِّهارُ أن يُشَبِّهَ امْرأتَه أو عُضْوًا منها، بظَهْرِ مَن تَحرُمُ عليه على التَّأبِيدِ، أو بها أو بعُضْوٍ منها، فيَقُولَ: أنْتِ علَيَّ كظَهْرِ أمِّي.
أو: كَيَدِ أخْتِي.
أو: كوَجْهِ حَمَاتِي.
أو)
يَقُولَ: (ظَهْرُكِ.
أو: يَدُكِ عَلَيَّ كظهْرِ أمِّي.
أو: كيَدِ أخْتِي.
أو: خالتي.
مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ) فمتى شَبَّه امْرَأتَه بظَهْرِ مَن تَحْرُمُ عليه على التَّأبِيدِ، فقال: أنت عَلَيَّ كظَهْرِ أمِّي [أو أختي.
فهو مظاهِرٌ، وهُنَّ على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، أن يقولَ: أنتِ عليَّ كظهرِ أمِّي] 19. فَهذَا ظِهارٌ
الحديث: 3717 - الجزء: 23 - الصفحة: 228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إجْماعًا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العلمِ على أنَّ تَصْرِيحَ الظِّهارِ أن يقولَ: أنتِ عَلَيَّ كظَهْرِ أمِّي.
وفي حديثِ خُوَيلَةَ امرأةِ أوْسِ بنِ الصامت، أنه قال لها: أنتِ عَلَيَّ كظهرِ أمي.
فذَكَرَ ذلك لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأمَرَه بالكفَّارَةِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي، أن يُشَبِّهَها بظَهْرِ مَن تَحْرُمُ عليه مِن ذَوي رَحِمِه، كجَدَّتِه وعَمَّتِه وخالتِه واخْتِه.
فهذا ظِهار في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسَنُ، وعَطاءٌ، وجابرُ بنُ زيدٍ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، والثوْرِيُّ، والأوْزَاعِي، ومالك، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرّأي.
وهو جَدِيدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وقال في القَدِيمِ: لا يكونُ الظهارُ إلَّا بَامٍّ [أو جَدَّةٍ] 20؛ لأنَّها أم أيضًا؛ لأنَّ اللفْظَ الذي وَرَدَ به القُرآنُ مُخْتَصٌّ بالأمِّ، فإذا عدَلَ عنه، لم يتَعَلَّقْ به ما أوْجَبَه الله تعالى فيه.
ولَنا، أنَّهُن مُحَرماتٌ بالقَرابَةِ، فأشْبَهْنَ الأمَّ.
وأمَّا الآيَةُ فقد قال فيها: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾.
وهذا مَوْجُود في مَسْألتِنا، فجَرَى مَجْراه وتَعْليقُ الحُكمِ بالأمِّ لا يَمْنَعُ الحُكْمَ في غيرِها إذا كانت مِثْلَها.
الثالِثُ، أن يُشَبِّهَها بظَهْرِ مَن تَحْرُمُ عليه على التأبِيدِ سِوى الأقارِبِ، كالأمَّهَاتِ المُرْضِعاتِ، والأخَواتِ مِن الرَّضاعَةِ، وحلائلِ الآباءِ والأبناءِ، وأمهاتِ النِّساءِ، والرَّبائبِ اللاتِي
الجزء: 23 - الصفحة: 229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
دَخَلَ بأمِّهِنَّ، فهو ظِهار أيضًا.
والخِلافُ فيها كالتي قَبْلَها.
ووَجْهُ المذْهَبَينِ ما تَقَدَّمَ، ويَزِيدُ في الأمَّهاتِ المُرْضِعاتِ 21 دُخُولُها في عُمُومِ الأمَّهاتِ، وسائِرُهُنَّ في مَعْناها، فيَثْبُتُ فيهنَّ حُكْمُها.
فصل: فإن قال: أنتِ عندي.
أو: مِني.
أو: مَعِي كظَهْرِ أمِّي.
كان ظِهارًا بمَنْزِلَةِ «عَلَيَّ»؛ لأنَّ هذه الألْفاظَ في مَعْناه.
وإن قال: جُمْلتكِ.
أو: بَدَنُك 22. أو: جسْمُكِ.
أو: ذَاتُكِ 23. أو: كُلُّكِ 24 عَلَي كظَهْرِ أمِّي.
كان ظِهارًا؛ لأَنَّه أشار إليها، فهو كقولِه: أنتِ.
وإن قال: أنتِ كظَهْرِ أمِّي.
كان ظِهارًا؛ لأنه أتَى بما يَقتَضِي تَحْرِيمَها عليه، فانْصَرفَ الحكمُ إليه، كما لو قال: أنتِ طالق.
وقال بعضُ الشافِعِيَّةِ: ليس بظِهارٍ؛ لأنَّه أليس فيه ما يَدُلُّ على أنَّ ذلك في حَقِّه.
وليس بصَحِيحٍ؛ فإنَّها إذا كانت كظَهْرِ أمِّه، فظَهْرُ أمِّه مُحَرَّمٌ عليه.
وأمَّا إذا شَبَّهَ عُضْوًا مِن امْرأتِه بظَهْرِ أمِّه أو عُضْو 25 مِن أعْضائِها، فهو مُظاهِرٌ، فلو قال: فَرْجُكِ -أو- ظهْرُكِ -أو- رأسُكِ -أو- جلْدُكِ كظَهْرِ أمِّي -أو- بَدنِها -أو- رَأسِها -أو- يَدِها.
فهو مُظاهِرٌ.
وبهذا قال مالكٍ.
وهو
الجزء: 23 - الصفحة: 230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَصُّ الشافعيِّ.
وعن أحمدَ رِواية أخْرَى، أنَّه ليس بمُظاهِر حتى يُشَبِّهَ جُمْلَةَ امْرأتِه؛ لأنَّه لو حَلَفَ باللهِ لا يَمسُّ عُضْوًا منها, لا يَسْرِي إلى غيرِه، فكذلك المُظاهَرَةُ 26، ولأنَّ هذا ليس بمَنْصُوص عليه، ولا هو في مَعنى المَنْصُوصٍ؛ لأن تَشْبِيهَه بِجُمْلَتِها تَشْبِية بمَحَلِّ الاستِمْتاعِ بما يتَأكَّدُ تَحْريمُه، وفيه تحْريمٌ لجُمْلَتِها، فيكونُ آكَدَ.
وقال أبو حنيفةَ: إن شَبَّهَها بما يَحْرُمُ النَّظَرُ إليه مِن إلَّا، كالفَرْجِ والفَخِذِ ونحوهما، فهو مُظاهِرٌ، وإن لم يحْرُمِ النَّظَرُ إليه، كالرأسِ والوَجْهِ، لم يكُنْ مُظاهِرًا؛ لأنَّه شَبَّهَها بعُضْوٍ [لا يَحْرُمُ النَّظَرُ إليه، فلم يَكُنْ مُظاهِرًا، كما لو شَبَّهها بعُضْو زوجةٍ له أخْرَى.
ووَجْهُ الأولى، أنَّه شَبَّهَها بعُضْوٍ] 27 مِن أمِّه، فكان مُظاهِرًا، كما لو شَبهها بظَهْرِها، وفارَقَ الزَّوْجَةَ؛ فإنه لو شَبَّهَها بظَهْرِها لم يكُنْ مُظاهِرًا، والنظَرُ إن لم يَحْرُمْ، فإن التَّلَذُّذَ يَحْرُمُ، وهو المُسْتَفادُ بعَقْدِ النِّكاحِ.
فصل: فإن قال: كشَعَرِ أمِّي، أو: سنِّها، أو: ظُفُرِ ها.
أو شَبَّهَ شيئًا مِن ذلك مِن امْرأتِه بأمِّه، أو بعُضْوٍ مِن أعْضمائِها, لم يكُنْ مُظاهِرًا؛ لأنَّها ليستْ مِن أعْضاءِ الأمِّ الثابِتَةِ، ولا يقَعُ الطَّلاقُ بإضافَتِه إليها، فكذلك الظِّهارُ.
وكذلك إن قال: برُوحِ أمِّي.
فإنَّ الرُّوحَ لا تُوصَفُ بالتَّحْريمِ، ولا هي مَحَل للاسْتِمْتاعِ.
وكذلك الرِّيقُ، والعَرَقُ، والدَّمُ.
فإن قال:
الجزء: 23 - الصفحة: 231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَجْهِي مِن وَجْهِكِ حرامٌ.
فليس بظِهارٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ، وقال: هذا شيءٌ يقولُه النَّاسُ، ليس بشيءٍ.
وذلك لأن هذا يُسْتَعْمَلُ كثيرًا في غيرِ الظِّهارِ، ولا يُؤَدِّي مَعْنَى الظِّهارِ، فلم يكُنْ ظِهارًا، كما لو قال: لا أكَلِّمُكِ.
فصل: فإن قال: أنا مُظاهِر.
أو: عَلَى الظِّهارُ.
أو: عليَّ الحَرامُ.
أو: الحرامُ لِي لازِمٌ.
ولا [نِيَّةَ له] 28، لم يَلْزَمْه شيءٌ؛ لأنَّه ليس بصَريحٍ في الظِّهار، [ولا نوَى به الظِّهارَ] 29. وإن نَوَى به الظِّهارَ، أو اقْتَرنَت به قَرِينَة تدُلُّ على إرادَةِ الظِّهارِ، مثلَ أنْ يُعَلِّقَه على شَرْطٍ، مثِلَ أن يقولَ: علَيَّ الحرامُ إن كَلَّمْتُكِ.
احْتَمَلَ أن يكونَ ظِهارًا؛ لأنَّه أحَدُ نوْعَيْ تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، فصَحَّ بالكِنايَةِ مع النِّيَّةِ 30، كالطَّلاقِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَثْبُتَ الظِّهارُ به؛ لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما وَرَدَ به بصَرِيحِ لَفْظِه، وهذا ليس بصَريحٍ فيه، ولأنَّه يَمِينٌ مُوجِبَةٌ للكَفَّارَةِ، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه بغيرِ الصَّريحِ، كاليَمِينِ باللهِ تعالى.
فصل: يُكْرَهُ أن يُسَمِّيَ الرجلُ امْرأتَه بمَن تَحْرُمُ عليه، كأمّه، وأخْتِه، وبِنْتِه؛ لِمَا روَى أبو داودَ 31، بإسْنادِه عن أبي تَمِيمَةَ 32
الجزء: 23 - الصفحة: 232
وإنْ قَال: أنْتِ عَلَيَّ كَأمِّي.
كَانَ مُظَاهِرًا.
وَإنْ قَال: أرَدْتُ كَأمِّي في الْكَرَامَةِ، أَوْ نَحْوهِ.
دُيِّنَ.
وَهَلْ يُقْبَلُ في الْحُكْمِ؟ يُخَرجُ عَلَى رِوَايَتَينِ.
الهجَيمِيِّ، أنَّ رَجلًا قال لامْرأتِه: يا أُخَيَّةُ.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أخْتكَ هِيَ!».
فكَرِهَ ذلك، ونَهَى عنه.
ولأنه لَفْظٌ يُشْبهُ لَفْظَ الظِّهارِ (1). ولا تَحْرُمُ بهذا, ولا يَثْبُتُ حكمُ الظِّهارِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَقُلْ له: حَرُمَتْ عليكَ.
ولأنّ هذا اللّفْظَ ليس بصَريح في الظهار ولا نواه به، فلا يَثْبُت التَّحْريمُ.
وفي الحديثِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ إبراهيمَ عليه السَّلامُ أرْسَلَ إليه جَبَّارٌ، فسأله عنها -يَعْنِي عن سارَةَ- فقال: إنَّها أخْتِي (2). ولم يَعُدّ ذلك ظِهارًا.
3718 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ عَليَّ كأمِّي. كان مُظاهِرًا. فإن قال: أرَدْتُ كأمِّي في الكَرامَةِ، أو نَحْوهِ. دُيِّنَ. وهل يقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يُخرَّجُ على رِوايَتَين)
إذا قال: أنتِ عليَّ كأمِّي.
أو: مِثْلُ أمِّي.3334
الحديث: 3718 - الجزء: 23 - الصفحة: 233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونَوَى به 35 الظِّهارَ، فهو ظِهارٌ، في قولِ عامّةِ العُلَماءِ؛ منهم أبو حنيفةَ وصاحباه، والشافعيُّ، وإسحاقُ.
وإنْ أطْلَقَ، فقال أبو بَكْر: هو صَريحٌ في الظِّهارِ.
وهو قول مالكٍ، ومحمدِ بنِ الحسَنِ.
وقال ابن أبي موسى: فيه رِوايتان، أظْهَرهما أنه ليس بظِهارٍ حتى يَنْويَه.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّ هذا يسْتَعْمَلُ في الكَرامَةِ 36 أكثرَ ممَّا يُسْتعمل في التّحريمِ، فلم يَنصَرِفْ إليه بغير نِيَّةٍ، ككِناياتِ الطَّلاقِ.
والثَّانية هو ظِهارٌ؛ لأنَّه شَبَّهَ امْرأتَه بجُمْلَةِ أُمِّه، فكان مُشَبِّهًا لها بظَهْرِها، فيَثْبُت الظِّهارُ كما لو شَبَّهَهَا به مُنْفَرِدًا.
قال شيخُنا 37: والذي يَصِحُّ عندِي في قياسِ المذْهَبِ، أنه أن وُجِدَتْ قَرِينة تدلُّ على الظِّهارِ، مثلَ أن يُخْرِجَه مَخْرَجَ الحَلِفِ، فيقولُ: إن فعلتِ كذا فأنتِ عليَّ مثلُ أمِّي.
أو قال ذلك حال الخصُومَةِ والغَضَبِ، فهو ظِهارٌ؛ لأنه إذا أخْرَجَه مَخرَجَ الحَلِفِ،
الجزء: 23 - الصفحة: 234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فالحَلِفُ يرادُ للامْتِناعِ مِن شيءٍ أو الحَثِّ عليه، وإنَّما يحْصُلُ ذلك بتَحْريمِها عليه، ولأنَّ كَوْنَها مثلَ أمِّه في صِفَتِها وكرامَتِها, لا يتَعَلَّقُ بشَرْطٍ، فيدُلُّ على أنَّه إنَّما أراد الظِّهارَ؛ ووُقُوعُ ذلك في حالِ الخُصُومَةِ والغَضَبِ، دليلٌ على أنَّه أراد به ما يتَعَلَّقُ بأذاها 38، ويُوجِبُ اجْتِنابَها وهو الظِّهارُ.
وإن عُدِمَ ذلك فليس بظِهارٍ؛ لأنه مُحْتَمِل لغيرِه احْتِمالًا كثيرًا، فلا يتَعَيَّنُ الظِّهارُ فيه بغيرِ دليل.
ونحوُه قولُ أبي ثَوْرٍ.
فأمَّا إن قال: أرَدْتُ كأمِّي في الكرامَةِ، ونحو ذلك.
فإنَّه يُدَيَّنُ؛ لأنَّ ما قاله مُحْتَمِلٌ، ويُقْبَلُ في الحُكْمِ في أصَحِّ الرِّوايَتَين.
اخْتارَه شيخُنا 39؛ لأنَّه لمَّا احْتَمَلَ الظِّهارَ وغيرَه، ترَجَّحَ عَدَمُ الظِّهارِ بدَعْوَى الإرادَةِ.
والثَّانيةُ، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه لما قال: أنتِ علي كأمِّي.
اقْتَضَى أن يكونَ عليه فيها تحْرِيمٌ، فأشْبَهَ ما لو قال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
الجزء: 23 - الصفحة: 235
وَإنْ قَال: أَنْتِ كَأُمِّي.
أَوْ: مِثْلُ أمِّي.
فَذَكَرَ أبو الْخَطَّابِ فِيهَا رِوَايَتَينِ.
وَالأوْلَى أنَّ هَذَا لَيسَ بِظِهَارٍ، إلا أنْ يَنْويَهُ، أو يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ.
3719 - مسألة: (وإن قال: أنتِ كأمِّي. أو: مِثْلُ أمِّي)
ولم يَقُلْ: عَلَيَّ.
ولا: عِنْدِي.
فإن نَوَى 40 به الظِّهارَ، كان ظِهارًا؛ لأنه يَحْتَمِلُه.
قال شيخُنا 41: وحكْمُه؛ إذا قال: أنتِ عَلَيَّ كأمِّي.
أو قال: أنتِ أمي.
أو: امْرأتِي أمي (1). إن نواه، أو كان مع الدليلِ الصَّارِفِ له إلى الظِّهارِ، فهو ظِهارٌ، وإلَّا فلا.
(وذكَرَ أبو الخَطابِ فيها رِوايَتَين) مثلَ قَوْلِه: أنتِ علَيَّ كأمي (والأوْلَى أنَّ هذا ليس بظِهارٍ) إذا أطْلَقَ؛ لأنَّه ليس بصَريح في الظهارِ، لكَوْنِه غيرَ اللَّفْظِ المُسْتَعْملِ فيه، فلا يكونُ ظِهارًا بغيبرِ نِيَّةٍ، كما لو قال: أنتِ كبيرة مثلُ أمي.
ولأنَّه يَحْتَمِلُ التَّشْبيهَ في التَّحريمِ وغيرِه، فلا يجوزُ أن يَتَعَيَّنَ التحْريمُ بغيرِ نِيَّةٍ.
فأمَّا إن قال: أمي امْرأتِي.
أو: مِثْلُ امْرأتِي.
لم يكُنْ ظِهارًا؛ لأنَّه تَشْبِيهٌ لأمِّه، ووصْفٌ لها, وليس بوَصفٍ لامْرأتِه.
الحديث: 3719 - الجزء: 23 - الصفحة: 236
وَإِنْ قَال: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أبِي.
3720 - مسألة: (وإن قال: أنْتِ عَلَيَّ كظَهْرِ أبي)
ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، هو ظِهارٌ؛ لأنَّه شَبَّهَها بظَهْرِ مَن يَحْرُمُ عليه على التَّأبِيدِ، أشْبَهَ الأمَّ.
وكذلك إن شَبَّهَها بظَهْرِ غيرِه مِن الرِّجالِ، أو قال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ البَهِيمَةِ.
أو: أنتِ عليَّ كالمَيتَةِ والدَّمِ.
قال المَيمُونِيُّ:
الحديث: 3720 - الجزء: 23 - الصفحة: 237
أوْ: كَظَهْرِ أجْنَبِيَّةٍ.
أوْ: أُخْتِ زَوْجَتِي.
أوْ: عَمَّتِهَا.
أوْ: خَالتِهَا.
فَعَلَى رِوَايَتَينِ.
قلتُ لأحمدَ: إن ظاهرَ مِن ظَهْرِ الرجل؟ قال: فظَهْرُ الرجُلِ حَرامِّ، يكونُ ظِهارًا.
وبهذا قال ابنُ القاسمِ صاحبُ مالكٍ، فيما إذا قال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أبي.
ورُوِيَ ذلك عن جابرِ بنِ زَيدٍ.
والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، ليس بظِهارٍ.
وهو قولُ أكثرِ العُلماءِ؛ لأنَّه تَشْبِية بما ليس بِمَحَلٍّ للاسْتِمْتاعِ، أشبهَ ما لو قال: أنتِ عليَّ كمالِ زيدٍ.
وهل فيه كفَّارَة؟ على رِوايَتَين؛ إحداهُما، فيه كفارَة؛ لأنه نَوْعُ تَحْريم، أشْبَهَ ما لو حَرمَ ماله.
والثَّانية.
ليس فيه شيءٌ.
نقلَ ابنُ القاسمِ عن أحمدَ، في مَن شَبَّه امْرأتَه بِظَهْرِ الرجلِ: لا يكونُ ظِهارًا، ولم أرَ يَلْزَمُه فيه شيءٌ؛ وذلك لأنَّه تَشْبِية لامْرأتِه بما ليس بمَحَلٍّ للاسْتِمْتاعِ، أشْبَهَ التَّشْبِيهَ بمالِ غيرِه.
وإن قال: أنا عليكِ كظَهْرِ أَبِي (1). أو: حرامٌ.
ونَوَى به الظِّهارَ، فهل هو ظِهارٌ؟ على وَجْهَين.
ذكَرَه في «المُحَرَّرِ».
3721 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ عَلَيَّ كظَهْرِ أجْنَبِيَّةٍ. أو: أُخْتِ زَوْجَتِي. أوْ: عَمَّتِها. أو: خالتِها. فعلى رِوايَتَين)
إذا شَبَّهَ امْرأتَه بظَهْرِ مَن تَحْرُمُ عليه تحْريمًا مُؤَقَّتًا، كأخْتِ امْرأتِه، أو عَمَّتِها، أو الأجْنَبِيَّةِ،42
الحديث: 3721 - الجزء: 23 - الصفحة: 238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فعن أحمدَ فيه رِوايتانِ؛ إحداهما، أنَّه ظِهار.
اخْتارَه الخِرَقِيُّ.
وهو قولُ أصحاب مالكٍ.
والثَّانيةُ، ليس بظِهارٍ.
وهو مذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّها غيرُ مُحَرَّمَةٍ على التَّأبيدِ، فلا يكونُ التَّشْبِيهُ بها ظِهارًا، كالحائِضِ 43، والمُحْرِمَةِ مِن نِسائِه.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأولَى، أنَّه شَبَّهَها بمُحَرَّمَةٍ، فأشْبَهَ ما لو شَبَّهَها بالأمِّ، ولأنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِه: أنتِ عليَّ حرام.
إذا نَوَى به الظِّهارَ، ظِهارٌ 44، والتَّشْبِيهُ بالمُحَرَّمةِ تَحْريمٌ، فكان ظِهارًا.
فأمَّا الحائِضُ، فيُباحُ الاستِمْتاعُ بها في غيرِ الفَرْجِ، والمُحرِمَةُ يَحِلُّ النَّظَرُ إليها ولَمْسُها بغيرِ 45 شَهْوَةٍ، وليس في وَطْء واحدةٍ منهما حَدٌّ، بخِلافِ مَسْألتِنا.
واخْتارَ أبو بَكْر أنَّ الظِّهارَ لا يكونُ إلَّا مِن ذَواتِ المَحارِمِ.
[فقال: أصلُ الظِّهارِ 46 لا يكونُ إلا مِن ذَواتِ المحارِمِ] 47 مِن النِّساءِ، قال: فبهذا أقولُ.
الجزء: 23 - الصفحة: 239
وَإنْ قَال: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهرِ الْبَهِيمَةِ.
لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا.
وَإنْ قَال: أنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ.
فَهُوَ مُظَاهِرٌ، إلا أنْ يَنْويَ طَلَاقًا أو يمِينًا، فَهَلْ يَكُونُ ظِهَارًا أو مَا نَوَاهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
3722 - مسألةْ: (وإن قال: أنتِ عَلَيَّ كظَهْرِ البَهِيمَةِ. لم يَكُنْ مُظَاهِرًا لأنَّه ليس بمَحَلّ للاسْتِمْتاعِ. وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّه يكونُ مُظاهِرًا، كما لو شَبَّهَها بظَهْرِ أبِيه.
3723 -
مسألة: (وإن قال: أنت عَلَيَّ حَرامٌ. فهو ظِهارٌ، إلَّا أن يَنْويَ طَلاقًا أو يَمِينًا، فهل يَكُونُ ظِهارًا أو ما نواه؟ على رِوايَتَين)
إذا نَوَى به الظِّهارَ، فهو ظِهار، في قولِ عامَّتِهِم.
وبه يقولُ أبو حنيفةَ،
الحديث: 3722 - الجزء: 23 - الصفحة: 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشافعي.
وإن نَوَى به الطَّلاقَ، فقد ذَكَرْناه في بابِ صَرِيحِ الطَّلاقِ وكِنايته.
وإن أطْلَقَ، ففيه روايتان؛ إحداهما، أنَّه ظِهارٌ.
ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
ونصَّ عليه أحمدُ، في روايةِ جماعةٍ مِن أصحابِه.
وحكاه إبراهيمُ الحَرْبِيُّ، عن عثمانَ، وابنِ عباس، وأبي قِلابَةَ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، ومَيمُونِ بنِ مِهْرانَ، والبَتِّيِّ، أنَّهم قالوا: الحرامُ ظِهارٌ.
ورُوِيَ عن أحمدَ ما يدُلُّ على أن التَّحْريمَ يَمِينٌ.
ورُوِيَ عن ابنِ عباس أنَّه قال: إن 48 التَّحْرِيمَ يَمِينٌ في 49 كتاب اللهِ عزَّ وجل 50. قال اللهُ عزَّ وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ , ثُمَّ قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾ 51. وأكثرُ الفُقَهاءِ على أنَّ التَّحْريمَ إذا لم يَنْو به الظِّهارَ، فليس بظِهارٍ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ للآيَةِ المذْكُورَةِ، ولأنَّ التَّحْرِيمَ يَتَنَوَّعُ، منه ما هو ظِهارٍ 52 وبطلاقٍ وبحَيضٍ وإحرامٍ و [صيام، فلا] 53 يكونُ التَّحْريمُ صريحًا في واحدٍ منها, ولا يَنْصَرِفُ إليه بغيرِ نِيَّةٍ، كما لا يَنْصَرِفُ إلى تحْريمِ الطَّلاقِ.
ووَجْهُ الأولَى، أنَّه تَحْريمٌ أوْقَعَه في امْرأتِه، فكان بإطْلاقِه ظهارًا، كتَشْبِيهِها بظهرِ أُمِّه.
الجزء: 23 - الصفحة: 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قولُهم: إنَّ التَّحْريمَ يَتَنَوعُ.
قُلْنا: إلَّا أن تلك الأنْواعَ مُنْتَفِيَة، ولا يحْصُلُ بقَوْلِه منها إلَّا الطَّلاقُ، وهذا أوْلَى منه؛ لأنَّ الطَّلاق تَبِينُ به المرأةُ، وهذا يُحَرِّمُها 54 مع بقاءِ الزَّوْجِيَّةِ، فكان أدْنَى التَّحْريِمَين، فكان أوْلَى.
فأمَّا إن قال ذلك لمُحَرَّمَةٍ عليه بحَيض أو نحْوه، ونوَى الظِّهارَ، فهو ظِهارٌ، وإن قصَدَ أنَّها مُحَرَّمَةٌ عليه بذلك، فليس بظِهارٍ، [ولا شَيءَ فيه، وإن أطْلَقَ فليس بظِهارٍ] 55؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ الخبرَ عن حالِها، ويَحْتَمِلُ إنشاءَ التَّحْريمِ فيها بالظِّهارِ، فلا يتعَيَّنُ أحَدُهما بغيرِ تَعْيِينٍ.
فصل: فإن قال 56: الحِلُّ عليَّ حرامٌ.
أو: ما أحَلَّ الله عليَّ حرامٌ.
أو: ما أنْقلِبُ إليه حرامٌ.
وله امْرأة، فهو مُظاهِرٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ في الصُّوَرِ الثَّلاثِ؛ وذلك لأنَّ لَفْظَه يَقْتَضِي العُمُومَ، فيتَناولُ المرأةَ بعُمُومِه.
وإن صَرَّحَ بتَحْريمِ المرأةِ، أو نَواها، فهو آكَدُ.
قال أحمدُ في مَن قال: ما أحَلَّ اللهُ عليَّ حرامٌ مِن أهْلٍ ومالٍ: عليه كَفَّارَةُ الظِّهارِ، هو يَمِينٌ.
ويُجْزِئُه
الجزء: 23 - الصفحة: 242
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كفَّارَةٌ واحِدَةٌ، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ هذا واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ أنَّه يَلْزَمُه كفَّارتان للظِّهارِ ولتحْريمِ المالِ؛ لأنَّ التَّحْريمَ يتَناوَلُهما، وكُلُّ واحدٍ منهما لو انْفَرَدَ أوْجَبَ كفَّارَةً، فكذلك إذا اجْتَمَعا.
ولَنا، أنَّها يَمِينٌ واحِدَةٌ، فلا تُوجِبُ كفَّارَتَين، كما لو تَظاهَرَ مِن امْرَأتَين، أو حَرمَ مِن مالِه شَيئَين.
وما ذكَرَه مُنْتَقِضٌ بهذا.
وفي قولِ أحمدَ: هو يَمِينٌ.
إشارةٌ إلى التَّعْليلِ بما ذَكَرْناه؛ لأنَّ اليَمِينَ الواحِدَةَ لا تُوجِبُ أكثرَ مِن كفَّارَةٍ 57. فإن نَوَى بقَوْلِه: ما أحَل اللهُ عليَّ حرامٌ -أو غيرِه من لَفَظاتِ العُمُومِ المال، لم يَلْزَمْه إلا كفَّارَةُ يَمِين؛ لأنَّ اللَّفْظَ العامَّ يَجوزُ اسْتِعْمالُه في الخاصِّ.
وعلى الرِّوايَةِ الأخْرَى التي تقولُ: إنَّ الحرامَ بإطلاقِه ليس بظِهارٍ.
لا يكونُ ها هُنا مُظاهِرًا، إلَّا أن يَنْويَ الظهارَ.
الجزء: 23 - الصفحة: 243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن قال: أنتِ عليّ كظَهْرِ 58 أمِّي حرامٌ.
فهو صَريحٌ في الظِّهارِ، لا ينْصَرِفُ إلى غيرِه، سواءٌ نَوَى الطَّلاقَ أو لم يَنْوه.
وليس فيه اخْتِلافٌ بحَمْدِ اللهِ؛ لأنَّه صَرَّحَ بالظِّهارِ، وبَيَّنَه بقَولِه: حرامٌ.
وإن قال: أنتِ عليَّ حرامٌ كظهرِ أمِّي.
أو: كأمِّي.
فكذلك.
وبه قال أبو حنيفةَ، وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
والقَوْلُ الثَّانِي، إذا نَوَى الطَّلاقَ فهو طَلاقٌ.
وهو قولُ أبي يوسُفَ ومحمدٍ، إلَّا أنَّ أبا يوسُفَ قال: لا أقْبَلُ قَوْلَه في نَفْي الظِّهارِ.
ووَجْهُ قوْلِهم، أنَّ قَوْلَه: أنتِ عليَّ حرام.
إذا نَوَى به الطَّلاقَ فهو طلاقٌ، وزِيادَةُ قَوْلِه: كظَهْرِ أمِّي.
بعدَ ذلك لا تَنْفِي الطَّلاقَ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ كظَهْرِ أمِّي.
ولَنا، أنَّه أتَى بصَريحِ الظِّهارِ، فلم يَكُنْ طَلاقًا، كالتي قَبْلَها.
وقَوْلُهم: إنَّ التَّحْريمَ مع نِيَّةِ الطَّلاقِ طَلاق.
لا نُسَلِّمُه.
وإن سَلَّمْناه لكنَّه فَسَّرَ لَفْظَه ها هُنا بصَرِيحِ الظِّهارِ بقولِه، فكان العملُ بصَرِيحِ القَوْلِ أولَى مِن العَملِ بالنيةِ.
فصل: وإن قال: أنتِ طالقٌ كظَهْرِ أمِّي.
طَلُقَتْ، وسَقَطَ قَوْلُه: كظَهرِ أمِّي.
لأنَّه أتَى بصَريحِ الطَّلاقِ أوَّلًا، وجَعَلَ قوْلَه: كظهرِ أمِّي.
صِفَة له.
فإن نَوَى بقولِه: كَظَهْرِ أمِّي.
تَأكِيدَ الطَّلاقِ، لم يكُنْ ظِهارًا، كما لو أطْلَقَ.
وإن نَوَى به الظِّهارَ، وكان الطَّلاقُ بائِنًا، فهو كالظهارِ مِن الأجْنَبِيَّةِ؛ لأنَّه أتَى به بعدَ بَينُونَتِها بالطَّلاقِ.
وإن كان رَجْعِيًّا، كان ظِهارًا صَحِيحًا.
ذكَرَه القاضي.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه أتَى بلَفْظِ الظهارِ
الجزء: 23 - الصفحة: 244
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في مَن 59 هي زَوْجَةٌ.
وإن نَوَى بقَوْلِه: أنتِ طالق.
الظِّهارَ، لم يَكُنْ ظِهارًا؛ لأنَّه نَوَى الظِّهارَ بصَريحِ الطَّلاقِ.
وإن قال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي طالقٌ.
وقعَ الظِّهارُ والطَّلاقُ معًا، سواء كان الطَّلاقُ بائِنًا أو رَجْعِيًّا؛ لأنَّ الظِّهارَ سَبَقَ الطلاقَ.
فصل: وإن قال: أنتِ عليَّ حرام.
ونَوَى الطَّلاقَ والظِّهارَ معًا، كان ظِهارًا، ولم يكُنْ طَلاقًا؛ لأنَّ اللَّفْظَ الواحِدَ لا يكونُ ظِهارًا وطلاقًا، والظِّهارُ أوْلَى بهذا اللَّفْظِ، فيَنْصَرِفُ إليه.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يقالُ له: اخْتَرْ أيهما شِئْتَ.
وقال بعْضُهم: إن قال: أرَدْتُ الطَّلاقَ والظِّهارَ.
كان طلاقًا؛ لأنَّه بَدَأ به.
وإن قال: أرَدْتُ الظِّهارَ والطَّلاقَ.
كان ظِهارًا؛ لأنَّه بَدَأ به، فيكونُ ذلك اخْتِيارًا له، ويَلْزَمُه ما بَدَأ به.
ولَنا، أنَّه أتَى بلَفْظةِ الحرامِ يَنْوي بها الظِّهارَ، فكانت ظِهارًا، كما لو انْفَرَدَ الظِّهارُ بنِيَّته، ولا يكونُ طَلاقًا؛ لأنَّه زاحَمَتْ نِيته نِيَّةَ الظِّهارِ، وتَعَذَّرَ الجَمْعُ، والظِّهارُ أوْلَى بهذه اللَّفْظَةِ؛ لأن مَعْناهما واحِدٌ، وهو التَّحْريمُ، فيجبُ أنْ يُغَلَّبَ ما هو الأولَى، أمَّا الطَّلاقُ فإنَّ معناه الاطْلاقُ، وهو حَلُّ قَيدِ النِّكاحِ، وإنَّما التَّحْريمُ حُكْم له في بعضِ أحْوالِه، وقد يَنْفَكُّ عنه؛ فإنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُطَلَّقَةٌ مُباحةٌ.
وأمّا التَّخْيِيرُ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ هذه اللَّفْظَةَ قد ثَبَتَ حكمُها حينَ لَفَظَ بها, لكَوْنِه أهْلًا والمَحَلِّ قابلًا, ولهذا لو حَكَمْنا بأنَّه طَلاق، لكانَتْ عِدَّتُها مِن حينَ أوْقَعَ الطَّلاقَ، وليس إليه رَفْعُ حُكْم ثَبَتَ
الجزء: 23 - الصفحة: 245
فَصْلٌ: وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ يَصِح طَلَاقُهُ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا.
وَالأقْوَى عِنْدِي أنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ ظِهَارٌ وَلَا إِيلَاءٌ؛ لأنهُ يَمِينٌ مُكَفرَةٌ، فَلَم تنْعَقِدْ في حَقهِ.
في المَحَلِّ باخْتِيارِه، وإبْدالِه بإرادَتِه.
والقولُ الآخَرُ مَبْنِي على أنَّ له الاخْتِيارَ.
وهو فاسِدٌ على ما ذَكَرْنا.
ثُمَّ إنَّ الاعْتبارَ بجَمِيعِ لَفْظِه، لا بما بَدَأ به، ولذلك 60 لو قال: طَلَّقْتُ هذه أو هذه.
لم يَلْزَمْه طَلاقُ الأولَى.
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه الله: (ويَصِحُّ مِن كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلاقُه، مُسْلِمًا كان أو ذِمِّيًّا) كُل زَوْج صَحَّ طَلاقُه صَحَّ ظِهارُه، وهو البالِغُ العاقِلُ، مسْلِمًا كان أو كافِرًا، حُرًّا أو عَبْدًا.
قال أبو بَكْر: وظِهارُ السَّكْرانِ مَبْنِي على طَلاقِه.
قال القاضي: وكذلك ظِهارُ الصَّبِيِّ مَبْنِي على طَلاقِه.
قال شيخُنا: (والأقْوَى عندِي أنَّه لا يَصِحُّ مِن الصَّبِيِّ ظهارٌ ولا إيلاءٌ؛ لأنَّها يَمِينٌ مُوجِبَةٌ للكفَّارَةِ، فلم تَنْعَقِدْ) منه 61، كاليَمِينِ باللهِ
الجزء: 23 - الصفحة: 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تعالى، ولأنَّ الكفَّارَةَ وجَبَتْ لِمَا فيه مِن قَوْلِ المُنْكَرِ والزُّورِ، وذلك مَرْفوعٌ عن الصَّبِيِّ؛ لكَوْنِ القَلَمِ مَرْفُوعًا عنه.
فأمَّا ظِهارُ 62 العَبْدِ، فهو صَحِيحٌ.
وقيلَ: لا يَصِحُّ ظِهارُه؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ 63. والعبدُ لا يَمْلِكُ الرِّقابَ.
ولَنا، عُمُومُ الآيَةِ، ولأنَّه مُكَلَّفٌ يَصِحُّ طَلاقُه، فصَحَّ ظِهارُه، كالحُرِّ.
وأمَّا إيجابُ الرَّقَبَةِ، فإنَّما هو على مَن يَجِدُها, ولا يُنْفَى الظِّهارُ في حَقِّ مَن لم يَجِدْها، كالمُعْسِرِ، فَرْضُه الصِّيامُ.
ويَصِحُّ ظِهارُ الذِّمِّيِّ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ منه 64؛ لأنَّ الكفَّارَةَ لا تَصِحُّ منه، وهي الرَّافِعَةُ للتَّحْريمِ، فلا يصِحُّ منه التَّحْرِيمُ، ودليلُ أنَّ الكفَّارَةَ لا تصِحُّ منه، أنَّها عبادةٌ (3) تَفْتَقِرُ إلى النيةِ، فلا تصِحُّ منه، كسائرِ العباداتِ.
ولَنا، أنَّ
الجزء: 23 - الصفحة: 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَن صَحَّ طلاقُه صَحَّ ظِهارُه، كالمسلمِ.
فأمَّا ما ذَكَرُوه فيَبْطُلُ بكفَّارَةِ الصَّيدِ إذا قَتَلَه في الحَرَم، وكذلك الحَدُّ يُقامُ عليه.
ولا نُسَلِّمُ أنَّ التَّكْفِيرَ لا يصِحُّ منه؛ فإنَّه يصحُّ منه العِتْقُ، وإنَّما لا يصِحُّ منه الصِّيامُ، فلا تمتنعُ صِحَّةُ الظِّهارِ بامْتِناعِ بعْضِ أنواعِ الكفَّارَةِ، كما في حَقِّ العَبْدِ.
والنيةُ إنَّما تُعْتَبَرُ لتَعْيينِ الفِعْلِ للكفَّارَةِ، فلا يَمْتَنِعُ ذلك في حَقِّ الكافِرِ، كالنيَّةِ في كِناياتِ الطَّلاقِ.
ومَن يُخْنَقٌ 65 في الأحْيانِ، يصِحُّ ظِهارُه في إفاقَتِه، كما يصِح طلاقُه فيه.
الجزء: 23 - الصفحة: 248
وَيَصِح مِن كل زَوْجَةٍ،
فصل: ومَن لا يصِحُّ طَلاقُه لا يصحُّ ظِهارُه، كالطِّفْلِ، والزَّائِل العَقْلِ بجُنونٍ، أو إغْماءٍ، أو نَوْم، أو غيرِه.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرأي.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا, ولا يصِحُّ ظِهارُ المُكْرَهِ.
وبه قال الشافعيّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو يوسفَ: يصِحُّ ظِهارُه.
والخِلافُ في ذلك مَبْنِي على الخِلافِ في صِحَّةِ طَلاقِه.
وقد مَضَى ذكْرُه (1).
3724 -
مسألة: (ويَصِحُّ مِن كلِّ زَوْجَةٍ)
كبِيرَةً كانت أو صَغِيرَةً، مُسْلِمَةً أوْ ذِمِّيَّةً، مُمْكِنًا وَطْؤهَا أو غيرَ مُمْكِن.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا يصِحُّ الظِّهارُ ممَّن لا يُمْكِنُ وَطْؤُها؛ لأن66
الحديث: 3724 - الجزء: 23 - الصفحة: 249
فَإِنْ ظَاهَرَ مِنْ أمَتِهِ، أوْ أُمِّ وَلَدِهِ، لَمْ يَصِحَّ، وَعَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ تَلْزَمَهُ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ.
الظِّهارَ لتَحْريمِ وَطْئِها، وهو مُمْتَنِعٌ منه بغيرِ اليَمِينِ.
ولَنا، عُمُومُ الآيَةِ، ولأنَّها زَوْجَةٌ يَصِحُّ طَلاقُها، فَصحَّ الظِّهارُ منها كغيرِها.
3725 -
مسألة: (فإن ظَاهرَ مِن أمَتِه، أو أمِّ وَلَدِه، لم يَصِحَّ، وعليه كَفَّارَةُ يَمِين. ويَحْتَمِلُ أن تَلزمَه كَفَّارَةُ ظِهَارٍ)
وممَّن رُوِيَ عنه أنَّه لا يصِحُّ الظِّهارُ منهما؛ ابنُ عمرَ، وعبدُ اللهِ بنُ عَمْرو، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، ورَبِيعَةُ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه.
ورُوِيَ عن الحسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخعِيِّ، وعمرِو بنِ دِينارٍ، وسليمانَ بنِ يَسارٍ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، والحَكَمِ، والثَّوْرِيِّ، ومالكٍ، في الظِّهارِ مِن الأمَةِ كفَّارَة تامَّةٌ؛ لأنَّها مُباحَة له، فصَحَّ الظِّهارُ منها كالزَّوْجَةِ.
وعن الحسَنِ، والأوْزَاعِيِّ، إن كان يَطَؤُها فهو ظِهارٌ،
الحديث: 3725 - الجزء: 23 - الصفحة: 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإلَّا فلا؛ لأنَّه إذا لم يَطَأها فهو كتَحْريمِ مالِه.
وقال عَطاءٌ: عليه نِصْفُ كفَّارَةِ حُرةٍ؛ لأنَّ الأمَةَ على النِّصْفِ مِن الحُرَّةِ في كثير مِن أحْكامِها، وهذا مِنِ أحْكامِها، فتكونُ على النِّصْفِ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ 67 مِنْ نِسَائِهِمْ﴾.
فخَصَّهُنَّ به، ولأنه لَفْظ تَعَلَّقَ به تَحْريمُ الزَّوْجَةِ، فلا تَحْرُمُ به الأمَةُ، كالطَّلاقِ، ولأنَّ الظِّهارَ كان طلاقًا في الجاهِلِيَّةِ، فنُقِلَ حُكْمُه وبَقِيَ مَحَلُّه.
قال أحمدُ: قال أبو قِلابَةَ، وقَتادَةُ: إنَّ الظِّهارَ كان طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ.
ويَلْزَمُه كفَّارَةُ يَمِين؛ لأنَّه تَحْريمٌ لمُباحٍ مِن مالِه، فكانت فيه كفَّارَةُ يَمِين, كتَحْريمِ سائِرِ مالِه.
قال نافع: حَرَّمَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جارِيَتَه، فأمَرَه الله أن يُكَفِّرَ يَمِينَه 68. وعن أحمدَ، عليه كفَّارَةُ ظِهارٍ؛ لأنَّه أتَى بالمُنْكَرِ مِن القَوْلِ والزُّورِ.
وكما لو قالتِ المرأةُ لزَوْجِها: أنتَ عليَّ كظَهْرِ أبي 69. قال أبو بَكْرٍ: لا يتَوَجهُ هذا على مَذْهَبه؛ لأنَّه لو كانت عليه كفَّارَةُ ظِهارٍ كان ظِهارًا.
ويحْتَمِل أن لا يَلْزَمَه شيءٌ.
قاله أبو الخَطَّابِ، بِناءً على قَوْلِه في المرأةِ إذا قالت لزَوْجِها: أنتَ
الجزء: 23 - الصفحة: 251
وَإنْ قَالتِ الْمَرأة لِزَوْجِهَا: أنت عَلَيَّ كَظَهْرِ أبي.
لَمْ تَكُنْ مُظَاهِرَةً،
عليَّ كظَهْرِ أبي.
لا يَلْزَمُها شيءٌ.
فإن قال لأمَتِه: أنتِ عليَّ حرامٌ.
فعليه كفَّارَةُ يَمِين؛ لقَوْلِ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوْلِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾.
نزَلَتْ في تَحْريمِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لجارِيته في قَوْلِ بعْضِهم.
ويُخَرَّجُ على الرِّوايَةِ الأخْرى أن تَلْزَمَه كفَّارَةُ ظِهارٍ؛ لأنَّ التَّحْرِيمَ ظِهارٌ.
والأوَّلُ هو الصحِيحُ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
3726 -
مسألة: (وإن قالتِ المرأةُ لزَوْجِها: أنتَ عَلَيَّ كظَهْرِ أبي. لم تَكُنْ مُظاهِرَةً)
وجملةُ ذلك، أنَّ المرأةَ إذا قالت لزَوْجِها 70: أنتَ عليَّ كظَهْرِ أبي.
أو قالت: إن تَزَوَّجْتُ فُلانًا فهو عَلَيَّ كظَهْرِ أبي.
فليس ذلك بظِهارٍ.
قال القاضي: لا تكونُ مُظاهِرَةً، رِوايةً واحِدَةً.
وهو قولُ أكثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٍ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأي.
وقال الزُّهْرِيُّ والأوْزَاعِيُّ: هو ظِهارٌ.
ورُوِيَ ذلك
الحديث: 3726 - الجزء: 23 - الصفحة: 252
وَعَلَيهَا كَفَّارَةُ ظِهَارٍ.
وَعَنْهُ، كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، لَا شَيْءَ عَلَيهَا.
عن الحسَنِ، والنَّخَعِيِّ، إلَّا أنَّ النَّخَعِيَّ قال: إذا قالت ذلك بعدَ ما تُزَوَّجُ 71 فليس بشيء 72. ولعَلَّهم يحْتَجُّونَ بأنها أحَدُ الزَّوْجَين ظاهَرَ مِن الآخرِ، فكان مُظاهِرًا كالرجل.
ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ 73 مِنْ نِسَائِهِمْ﴾.
فخصَّهُم بذلك، ولأنَّه قَوْل يُوجِبُ تَحْرِيمًا في الزَّوْجة، يملكُ الزَّوْجُ رَفْعَه، فاخْتَصَّ به الرجلُ، كالطلاقِ، ولأنَّ الحِلَّ في المرْأةِ حق للرّجُلِ، فلم تَمْلِكِ المرْأةُ إزالتَه، كسائِرِ حُقوقِه.
إذا ثَبَتَ ذلك، فاخْتُلِفَ عن أحمدَ في الكفَّارَةِ، فنقَلَ عنه جماعَة: عليها كفَّارَةُ الظِّهارِ؛ لِما روَى الأثْرَمُ بإسْنادِه عن إبراهيمَ، أنَّ عائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ قالت: إن تَزَوَّجْتُ مُصْعَبَ بنَ الزُّبَيرِ، فهو عليَّ كظَهْرِ أبي.
فسألتْ أهلَ المدينَةِ، فرَأوا أنَّ عليها الكفَّارَةَ.
ورَوى عليُّ بنُ مُسْهِر، عن الشَّيبانِيِّ، قال: كنتُ جالِسًا في المسْجِدِ، أنا وعبدُ الله بنُ المُغَفَّلِ المُزَنِي 74،
الجزء: 23 - الصفحة: 253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فجاء رجل حتى جلَسَ إلينا، فسألْتُه: مَن أنْتَ؟ فقال: أنا مَوْلًى لعائِشَةَ بنتِ طَلْحَةَ، أعْتَقَتْنِي عن ظِهارِها، خَطَبَها مُصْعَبُ بنُ الزُّبَيرِ، فقالت: هو عليّ كظَهْرِ أبي إن تزَوَّجْتُه.
ثم رَغِبَتْ فيه بَعْدُ، فاسْتَفْتَتْ أصحابَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهم يومَئذٍ كثير، فأمَرُوها أن تُعْتِقَ رَقَبَةً وتَتَزَوَّجَه، فَتَزَوَّجَتْه وأعْتَقَتْني.
ورَوى سعيدٌ 75 هذَينِ الخَبَرَين 76 مُخْتَصَرَين.
ولأنَّها زَوْجٌ أتَى بالمُنْكَرِ مِن القَوْلِ والزورِ، فلَزِمَه كفّارَةُ الظِّهارِ كالآخَرِ، ولأنَّ الواجِبَ كفَّارَةُ يَمِين، فاسْتَوَى فيها الزَّوْجانِ، كاليَمِينِ باللهِ تعالى.
والرِّوايَةُ الثَّانِيَةُ، عليها كفَّارَةُ يَمِينِ.
قال أحمدُ: قد ذهبَ عَطاءٌ مذْهَبًا حَسَنًا، جَعَلَه بمَنْزِلَةِ مَن حَرَّمَ على نفْسِه شيئًا [مثلَ الطَّعامِ] 77 وما أشْبَهَه.
وهذا أقْيَسُ على مذهبِ أحمدَ وأشْبَهُ بأصُولِه؛ لأنه ليس بظِهارٍ، ومُجَرَّدُ المُنْكَرِ مِن القَوْلِ والزورِ لا يُوجبُ كفَّارَةَ الظهارِ، بدليلِ سائرِ الكَذِبِ، والظِّهارِ قبلَ العَوْدِ، والظِّهارِ مِن أمَتِه وأمِّ وَلَدِه، ولأنَّه تحْريمٌ لا يُثْبِتُ التَّحْريمَ في المَحَلِّ، فلم يُوجب كفَّارَةَ الظهارِ، كتَحْريمِ سائرِ الحَلالِ، ولأنَّه ظِهارٌ مِن غيرِ امْرأتِه، فأشْبَهَ الظِّهارَ مِن
الجزء: 23 - الصفحة: 254
وَعَلَيهَا التَّمْكِينُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ.
أمَتِه، وما رُوِيَ عن عائشة بنتِ طلحةَ في عتْقِ الرَّقَبَةِ، فيَجُوزُ أن يكونَ إعْتاقُها تكْفِيرًا لِيَمينها، فإنَّ عِتْقَ الرَّقَبَةِ أحَدُ خِصَالِ كفَّارَةِ اليَمِينِ، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه على هذا؛ لكَوْنِ الموْجُودِ منها ليس بظِهارٍ، وكلامُ أحمدَ في روايةِ الأثْرَمِ، لا يَقْتَضِي وُجوبَ كفَّارَةِ الظِّهارِ، وإنَّما قال: الأحْوَطُ أن يُكَفِّرَ.
وكذا حكاه (1) ابنُ المُنْذِرِ.
ولا شَكَّ أنَّ الأحْوَطَ التَّكْفِيرُ بأغْلَظِ الكفَّاراتِ؛ ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ ثالثة، لا شيءَ عليها.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه قَوْلٌ مُنْكَرٌ وزُورٌ، وليس بظِهارٍ، فلم يُوجِبْ كفَّارَةً، كالسَّبِّ والقَذْفِ.
وإذا قُلْنا بوُجوبِ الكفَّارَةِ عليها، فلا تجبُ عليها حتى يَطَأها وهي مُطاوعَةٌ.
فإن طَلَّقَها، أو مات أحَدُهما قبلَ وَطْئِها، أو أكرَهَها على الوَطْءِ، فلا كفَّارَةَ عليها؛ لأنَّها يَمِينٌ، فلم تجبْ كفَّارَتُها قبلَ الحِنْثِ فيها، كسائِرِ الأيمانِ.
ويجوزُ تَقْدِيمُها لذلك.
3727 -
مسألة: (وعليها تَمْكِينُ)
زَوْجها مِن وَطْئِها (قبلَ التَّكْفِيرِ) لأنَّه حَق له عليها، فلا يَسْقُطُ بيَمِينها, ولأَنَّه ليس بظِهارٍ، وإنَّما هو تحْرِيمٌ للحَلالِ، فلا يُثْبِتُ تَحْرِيمَها، كما لو حَرَّمَ طعامَه.
وقيلَ: ظاهِرُ78
الحديث: 3727 - الجزء: 23 - الصفحة: 255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كلامِ أبي بَكْرٍ، أنَّها لا تمَكِّنُه قبلَ التَّكْفيرِ، إلْحاقًا بالرَّجلِ.
وليس بجَيِّدٍ؛ لأنَّ الرجلَ ظِهارُه صَحِيحٌ، وظِهارُ المرأةِ غير صَحِيح، ولأنَّ حِلَّ الوَطْءِ حَق للرَّجُلِ، فَمَلَكَ رَفْعَه، وهو حَق عليها، فلا تَمْلِكُ إزالتَه.
الجزء: 23 - الصفحة: 256
وَإنْ قَال لأجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أمِّي.
لَمْ يَطَأهَا إِنْ تَزَوَّجَهَا حَتى يُكَفِّرَ.
3728
- مسألة: (وَإن قال لأجْنَبِيَّةٍ: أنتِ عَلَيَّ كظَهْرِ أمِّي.
لم يَطَأها إن تَزَوَّجَها حَتَّى يُكَفِّرَ) الظِّهارُ مِن الأجْنَبِيَّةِ صحيحٌ، سواءٌ قال ذلك لامْرأةٍ بعَينها، أو قال: كُلُّ النِّساءِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
وسواءٌ أوْقَعَه مُطْلَقًا، أو عَلَّقَه على التَّزْويجِ، فقال: كُلُّ امرأةٍ أتزَوَّجُها فهي عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
ومتى تزَوَّجَ التي ظاهَرَ منها, لم يَطَأها حتى يُكَفِّرَ.
يُرْوَى نحوُ ذلك عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عنه.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةُ، وعَطاء، والحسَنُ، ومالك، وإسْحاقُ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَثْبُتَ حكمُ الظِّهارِ قبلَ التَّزْويجِ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
ورُوِيَ ذلك في ابنِ عباس؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ 79 مِنْ نِسَائِهِمْ﴾.
والأجْنَبِيَّةُ ليستْ مِن نِسائِه، ولأنَّ الظِّهارَ يَمِينٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بحُكْمِها مُقَيَّدًا بنِسائِه، فلم يَثْبُتْ حُكْمُها في الأجْنَبِيَّةِ،
الحديث: 3728 - الجزء: 23 - الصفحة: 257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالإيلاءِ، فإنَّ الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ 80 مِنْ نِسَائِهِمْ﴾.
كما قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ 81. ولأنَّها ليست بزَوْجَةٍ، فلم يَصِحَّ الظِّهارُ منها، كأمَتِه، ولأَنه حَرَّمَ مُحَرَّمَة، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو قال: أنتِ حرامٌ.
ولأَنه نَوْعُ تَحْريم، فلم يتَقَدَّمِ النِّكاحَ، كالطَّلاقِ.
ولَنا، ما روَى الإمامُ أحمدُ 82 بإسْنادِهِ، عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عنه، أَنه قال في رجل قال: إن تَزَوَّجْتُ فُلانةَ فهي عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
فتَزَوَّجَها.
قال: عليه كَفَّارَةُ الظِّهارِ.
ولأنَّها يَمِين مُكَفَّرَةٌ، فصَحَّ انْعِقَادُها قبلَ النِّكاحِ، كاليَمِينِ باللهِ تعالى.
وأمَّا الآيَةُ، فإنَّ التَّخْصِيصَ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالبِ، فإنَّ الغالِبَ أنَّ الانْسانَ إنَّما يُظاهِرُ من نِسائِه، فلا يُوجبُ تَخْصِيصَ الحُكْمِ بهنَّ، كما أنَّ تخْصِيصَ الرَّبِيبَةِ التي في حِجْرِه بالذِّكْرِ، لم يُوجِبِ اخْتِصاصَها بالتَّحْريمِ.
وأمَّا الإِيلاءُ، فإنَّما اخْتَصَّ حُكْمُه بنِسائِه؛ لكَوْنِه يَقْصِدُ الإِضْرارَ بهنَّ دُونَ غَيرِهنَّ، والكفَّارَةُ وجَبَتْ ها هُنا لقَوْلِ المُنْكَرِ والزُّورِ، فلا يَخْتَصُّ ذلك بنِسائِه، ويُفارِقُ الظِّهارُ الطَّلاقَ مِن وَجْهَين؛ أحدُهما، أنَّ الطَّلاقَ حَلُّ قَيدِ النكاحِ، ولا يُمْكِنُ حَلُّه قَبْلَ عَقْدِه، والظِّهارُ تحْريمٌ للوَطْءِ، فيَجوزُ تَقْدِيمُه على العَقْدِ
الجزء: 23 - الصفحة: 258
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالحَيضِ.
الثاني، أنَّ الطَّلاقَ يَرْفَعُ العَقْدَ، فلم يَجُزْ أن يَسْبِقَه، وهذا لا يَرْفَعُه، وإنَّما يُعَلِّقُ الإِباحةَ على شَرْطٍ، فجاز تَقَدُّمُه، وأمَّا الظِّهارُ مِن الأمَةِ، فقد انْعَقَدَ يَمِينًا وَجَبَتْ به الكفَّارَةُ، ولم تَجِبْ كفَّارَةُ الظِّهارِ؛ لأنَّها ليستِ امْرأةً له حال التَّكْفيرِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
فصل: إذا قال: كلُّ امْرأةٍ أتَزَوَّجُها، فهي عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
وقُلْنا بصِحَّة الظِّهارِ مِن الأجْنَبِيَّةِ، ثم تَزَوَّج نساءً، وأراد العَوْدَ، فعليه كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ، سواء تَزَوّجَهُنَّ في عَقْدٍ أو في عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ عُرْوَةَ، وإسْحاقَ؛ لأنَّها يَمِين واحِدَة، فكَفَّارَتُها واحِدَة.
كما لو ظاهَرَ مِن أرْبَعِ نساءٍ بكَلِمَةٍ واحدةٍ.
وعنه، أنَّ لكُل عَقْدٍ كَفَّارَةً؛ فلو تَزَوَّجَ اثْنَتَين في عَقْدٍ، وأراد العَوْدَ، فعليه, كفَّارَة واحدة، ثم إذا تزَوَّجَ أخْرَى، وأرادَ العَوْدَ، فعليه كفَّارَة أخْرَى.
ورُوِيَ ذلك عن إسْحاق؛ وإن المرأةَ الثّالثَةَ وُجِدَ العَقْدُ عليها الذي يَثْبُت به الظِّهارُ، وأرادَ العَوْدَ إليها بعدَ التكْفيرِ عن الأولَيَينِ، فكانت لها عليه كَفَّارَةٌ، كما لو ظاهَرَ منها ابْتِداءً.
فإن قال لأجْنَبِيّةٍ: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
وقال: أرَدْتُ أنَّها مِثْلُها في التَّحْريمِ في الحالِ.
دُيِّنَ في ذلك.
وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحدُهما، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه صَرِيحٌ للظِّهارِ، فلا يُقْبَلُ صَرْفُه إلى
الجزء: 23 - الصفحة: 259
وَإنْ قَال: أنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ.
يُرِيدُ في كُلِّ حَالٍ، فَكَذَلِكَ، وَإنْ أرَادَ في تِلْكَ الْحَالِ فَلَا شَيْءَ عَلَيهِ؛ لِأنَّهُ صَادِقٌ.
غيرِه.
والثَّانِي، يُقْبَلُ؛ لأنَّها حرامٌ عليه، كما أنَّ أمَّه عليه حرامٌ.
3729 -
مسألة: (وإن قال)
لأجْنَبِيَّةٍ: (أنتِ عَلَيَّ حَرام.
وأرادَ في تلك الحالِ، لم يَكُنْ عليه شَيءٌ؛ لأنَّه صادِقٌ) وإن أرادَ في كُلِّ حالٍ، لم يَطَأهَا إن تَزَوَّجَها حتى يُكَفِّرَ.
أمَّا إذا أراد تَحْرِيمَها في الحالِ، أو 83 أطْلَقَ، فلا شيءَ عليه؛ لذلك.
وإن أراد تَحْرِيمَها في كُلِّ حالٍ، فهو ظِهارٌ؛ لأنَّ لَفْظَةَ الحرامِ -إذا أرِيدَ بها الظِّهارُ- ظهارٌ في الزَّوْجَةِ، فكذلك في الأجْنَبِيَّةِ، وصار كقَوْلِه: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمي.
الحديث: 3729 - الجزء: 23 - الصفحة: 260
وَيَصِحُّ الظِّهَارُ مُعَجَّلًا وَمُعَلَّقًا بشَرْطٍ، وَمُطْلَقًا وَمُؤقَّتًا، نَحْوَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أمِّي شَهْرَ رَمَضَانَ.
أو: أَنْ دَخَلْتِ الدَّارَ.
فَمَتَى انْقَضَى الْوَقْتُ زَال الظِّهَارُ، وَإنْ أصَابَهَا فِيهِ، وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَيهِ.
3730 - مسألة: (ويَصِحُّ الظهارُ مُعَجَّلًا ومُعَلَّقًا بشَرْطٍ، ومُطْلَقًا ومُؤقَّتًا، نحوَ)
أن يَقُولَ: (أنتِ عَلَيَّ كظهْرِ أمِّي) في (شَهْرِ رَمَضانَ.
أو: إن دَخَلْتِ الدَّارَ.
فمتى انْقَضَى الوَقْتُ زال الظِّهارُ، وإن أصابَها فيه، وَجَبَتِ الكَفَّارَةُ عليه) أمَّا الظِّهارُ المُطْلَقُ فهو أن يقولَ: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
وقد سَبَقَ ذِكْرُه.
ويَصِحُّ مُؤَقَّتًا، مثلَ أن يقولَ: أنتِ علَيَّ كظَهْرِ أمِّي شَهْرًا.
أو: حتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمضانَ.
فإذا مَضَى الوَقْتُ زال الظِّهارُ، وحَلَّتْ بلا كفَّارَةٍ، ولا يكونُ عائِدًا إلَّا بالوَطْءِ في المُدَّةِ.
[وهذا قولُ ابنِ عباس، وعَطاءٍ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِيِّ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ.
وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وقال في الآخَرِ: لا يكونُ ظِهارًا] 84. وبه قال ابن أبي لَيلَى، واللَّيثُ؛ لأنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بلَفْظِ الظِّهارِ مُطْلَقًا، وهذا
الحديث: 3730 - الجزء: 23 - الصفحة: 261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يُطْلِقْ، فأشْبَهَ ما لو شَبَّهَها بمَن تَحْرُمُ عليه في وقْتٍ دُونَ وَقْتٍ.
وقال طاوُسٌ: إذا ظاهَرَ في وَقْتٍ، فعليه الكفَّارَةُ وإن بَرَّ.
وقال مالكٌ: يَسْقُطُ التَّأقِيتُ، ويكونُ مُظاهِرًا مُطْلَقًا؛ لأنَّ هذا لَفْظ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ، فإذا وَقَّتَه لم يَتَوَقَّتْ كالطلاقِ 85. ولَنا 86، حَدِيثُ سَلَمَةَ بنِ صخرٍ 87، وقولُه: ظَاهَرْتُ 88 مِن امْرأتِي حتى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمضانَ.
وأخْبَرَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه أصابَها في الشَّهْرِ، فأمره, بالكفَّارَةِ، ولم يُغَيِّرْ عليه تَقْيِيدَه، ولأنَّه مَنَعَ نفْسَه منْها بيَمِين لها كفَّارَة، فصَحَّ مُؤَقَّتًا كالإِيلاءِ، وفارَقَ الطَّلاقَ؛ فإنَّه يُزِيلُ المِلْكَ، وهذا يُوقِعُ تَحْرِيمًا يَرْفَعُه التَّكْفِيرُ، فجازَ تَأقِيتُه.
ولا يَصِحُّ قولُ مَن أوْجَبَ الكفَّارَة وإن بَرَّ؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما أوْجَبَ الكفَّارَةَ على الذين يَعُودُونَ لِما قالوا، ومَن بَرَّ وتَرَكَ العَوْدَ في الوَقْتِ الذي ظاهَرَ فيه، فلم يَعُدْ لِمَا قال، فلا تَجبُ عليه كفَّارَة (1). وفارَقَ التَّشْبِيهَ بمَن لا تَحْرُمُ عليه على التَّأبِيدِ؛ لأنَّ تَحْريمَها غيرُ كامِلٍ، وهذه حَرَّمَها في هذه المُدةِ 89 تَحْرِيمًا مُشَبَّهًا بتَحْريم ظَهْرِ أُمِّه.
على أنَّا نَمْنَعُ الحكمَ فيها.
إذا ثَبَتَ هذا، فإَّنه لا يكونُ عائِدًا إلَّا بالوَطْءِ في المُدَّةِ.
وهذا المَنْصُوصُ عن الشافعيِّ.
وقال بعْضُ أصحابِه: إن لم يُطَلِّقْها عَقِيبَ
الجزء: 23 - الصفحة: 262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الظِّهارِ، فهو عائِدٌ عليه الكفَّارَةُ.
وقال أبو عُبَيدٍ: إذا أجْمَعَ على غِشْيانِها في الوَقْت، لَزِمَتْه الكفَّارَةُ، وإلَّا فلا؛ لأنَّ العَوْدَ العَزْمُ على الوَطْءِ.
ولَنا، حَدِيثُ سَلَمَةَ بنِ صَخْر، وأنَّه لم يُوجِبْ عليه الكَفَّارَةَ إلَّا بالوَطْءِ، ولأنَّها يَمِينٌ لم يَحْنَثْ فيها، فلا يَلْزَمُه كفَّارَتُها، كاليَمِينِ باللهِ تعالى، ولأنَّ المُظاهِرَ في وَقتٍ, عازمٌ على إمْساكِ زَوْجَتِه في ذلك الوقتِ، فمَن أوْجَبَ عليه الكفَّارَةَ، كان قَوْلُه كقَوْلِ طاوُسٍ، فلا مَعْنَى لقَولِه: يَصِحُّ الظِّهارُ مُؤَقَّتًا؛ لعَدَمِ تَأثِيرِ التَّأقِيتِ.
فصل: ويصِحُّ تَعْلِيقُ الظِّهار [بالشُّرُوطِ] 90، نحوَ أن يقولَ الرجلُ 91: إن دَخَلْتِ الدَّارَ فأنْتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
أو: إن شاء زيدٌ فأنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
فمتى شاءَ زيدٌ أو دَخَلَتِ الدَّارَ، صارَ مُظاهِرًا، وإلَّا فلا.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأي؛ لأنَّه يَمِينٌ، فجازَ تَعْليقُه على شَرْطٍ كالإيلاءِ، ولأنَّ أصْلَ الظِّهارِ أنَّه كان طَلاقًا، والطَّلاقُ يصِحُّ تَعْليقُه بالشَّرْطِ، فكذلك الظِّهارُ، ولأنَّه قَوْلٌ تَحْرُمُ به الزَّوْجَةُ، فصَحَّ تَعْليقُه على شَرْطٍ كالطَّلاقِ.
ولو قال لامْرأتِه: إن تَظاهَرْتُ مِن امْرأتِي الأخْرَى، فأنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
ثم تظاهَرَ مِن الأخرَى، صار مُظاهِرًا منهما جميعًا.
وإن قال: إن تظاهَرْتُ مِن فُلانَةَ الأجْنَبِيَّةِ، فأنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
ثم قال للأجْنَبِيَّةِ: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
صار مُظاهِرًا مِن امرأتِه، عندَ مَن
الجزء: 23 - الصفحة: 263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَرَى الظِّهارَ مِن الأجْنَبِيةِ، ومَن لا فلَا.
وقد ذَكَرْنا ذلك.
فصل: وإن قال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي إن شاءَ الله.
لم يَنْعَقِدْ ظِهارُهْ.
نصَّ عليه أحمدُ، فقال: إذا قال: امْرَأتُه 92 عليه كظَهْرِ أُمِّه إن شاءَ الله.
فليس عليه شيءٌ، هي يَمِينٌ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: هو مُظاهِرٌ.
ذَكَرَه في «المُحَرَّرِ».
وإذا قال: ما أحَلَّ اللهُ عليَّ حرامٌ إن شاء الله.
وله أهلٌ، هي يَمِينٌ، ليس عليه شيءٌ.
وبهذا قال الشافعي، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأي.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ وذلك لأنَّها يَمِينٌ مُكَفَّرَة، فصَحَّ الاسْتِثْناءُ فيها، كاليَمِينِ باللهِ تعالى، أو كتَحْريمِ مالِه، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَن حَلَفَ على يَمِين، فقال: إن شاء اللهُ.
فلا حِنْثَ عَلَيهِ».
رَواه التِّرْمِذِيّ 93، وقال: حديث حسن غريبٌ.
وفي لفظٍ: «مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى، فإن شَاءَ فَعَلَ، وَإن شَاءَ رَجَعَ غَيرَ حِنْثٍ».
رَواه [الإِمامُ أحمدُ و] 94 أبو داودَ، والنَّسائِيُّ وإن قال: أنتِ عليَّ حرامٌ، واللهِ لا أكَلِّمُكِ إن شاءَ الله.
عادَ الاسْتِثْناءُ إليهِما، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ الاسْتِثْناءَ إذا تَعَقَّبَ جُمَلًا، عادَ إلى جَمِيعِها، إلَّا أن يَنْويَ الاسْتِثْناءَ في بعْضِها، فيعودُ إليه وحدَه.
وإن قال: أنتِ عليَّ حرام إذا شاءَ اللهُ.
أو: إلَّا ما شاءَ اللهُ.
أو: إلى أن يشاءَ الله.
أو: ما شاءَ اللهُ.
فكُله
الجزء: 23 - الصفحة: 264
فَصْلٌ في حُكْمِ الظِّهَارِ: يَحْرُمُ وَطْءُ الْمُظَاهَر مِنْهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ.
اسْتِثْناءٌ يَرْفَعُ حُكْمَ الظِّهارِ 95؛ [وإن قال: إن شاء الله فأنت حرامٌ.
فإنَّه اسْتثِناءٌ يَرْفعُ حُكْمَ الظِّهارِ] 96 لأنَّ الشَّرْطَ إذا تقَدَّمَ يُجابُ بالفاءِ.
وإن قال: إن شاءَ اللهُ أنتِ حرامٌ.
فهو اسْتثناءٌ؛ لأنَّ الفاءَ مُقَدَّرَةٌ.
وإن قال: إن شاءَ الله فأنتِ حرامٌ.
صحَّ أيضًا، والفاءُ زائِدَةٌ.
وإن قال: أنتِ حرامٌ إن شاءَ الله وشاءَ زَيدُ.
فشاءَ زيدٌ، لم يَكُنْ مُظاهِرًا؛ لأنَّه 97 علَّقَه على مَشِيئَتَين، فلا يحْصُلُ بإحداهما.
فصل في حُكْمِ الظِّهارِ: (يَحْرُمُ وَطْءُ المُظاهَرِ منها قبلَ التَّكْفيرِ) إذا كان التَّكْفِيرُ بالعِتْقِ أو بالصِّيامِ.
وليس في ذلك اخْتِلافٌ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ 98. وقولِه سبحانه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (4). وأكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّ التَّكْفِيرَ بالإِطْعامِ مِثْلُ ذلك؛ منهم عَطاءٌ،
الجزء: 23 - الصفحة: 265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والزُّهْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرأي.
وعن أحمدَ إباحَةُ الوَطْءِ قبلَ التَّكْفِيرِ بالإِطْعامِ؛ لأنَّ الله تعالى لم يَمْنَعِ المَسِيسَ قَبْلَه، كما في العِتْقِ والصِّيام.
اخْتارَه أبو بَكْرٍ.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لِما ذَكَرْنا.
ولَنا، ما روَى عِكرِمَةُ عن ابنِ عباس، أنَّ رَجلًا أتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي تَظاهَرْتُ مِن امْرأتِي، فَوَقَعْتُ عليها قبلَ أن أكَفِّرَ.
فقال: «مَا حَمَلَكَ عَلَى ذلِكَ، يَرْحَمُكَ اللهُ؟».
[قال: رأيتُ] 99 خَلْخالها في ضَوْءِ القَمَرِ.
فقال: «لا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أمرَكَ الله».
رَواه أبو داودَ، والترْمِذِيُّ 100، وقال: حديث حسن.
[ولأنَّه مُظاهرٌ لم يُكَفِّرْ] 101، فحرُمَ عليه جِماعُها، كما لو كانت كفَّارَتُه العِتْقَ أو 102 الصِّيامَ، وتَرْكُ النَّصِّ عليها لا يَمْنَعُ قِياسَها على المَنْصُوصِ الذي في مَعْناها.
الجزء: 23 - الصفحة: 266
وَهَل يَحْرُمُ الاسْتِمْتَاعُ مِنْهَا بِمَا دُونَ الْفَرْجِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَينِ.
وَعَنْهُ، لَا يَحْرُمُ وَطْؤُهَا إِذَا كَانَ التَّكْفِيرُ بِالإِطْعَامِ.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
3731 - مسألة: (وهل يَحْرُمُ الاسْتِمْتاعُ مِنها بما دُونَ الفَرْجِ؟ على رِوايَتَين)
إحداهما، يَحْرُمُ.
وهو قَولُ أبي بَكْرٍ.
وبه قال الزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، والأوزاعِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأن ما حَرَّمَ الوَطْءَ مِن القَوْلِ حَرَّمَ دَواعِيَه، كالطَّلاقِ والإحْرام.
والثَّانِيَةُ، لا يَحْرُمُ.
قال أحمدُ: أرْجُو ألّا يكونَ به بأْسٌ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وإسْحاقَ، وأبي حنيفةَ.
وحُكِيَ عن مالكٍ أيضًا.
وهو القولُ الثَّانِي للشافعيِّ؛ لأنه وَطْء يتَعَلَّقُ بتَحْريمِه مالٌ، فلم يَتَجاوَزْه التَّحْريمُ، كوَطْءِ الحائِضِ.
الحديث: 3731 - الجزء: 23 - الصفحة: 267
وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْعَوْدِ، وَهُوَ الْوَطْءُ.
نَصَّ عَلَيهِ أحْمَدُ، وَأنْكَرَ قَوْلَ مَالِكٍ أَنَّهُ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ.
وَقَال الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّاب: هُوَ الْعَزْمُ.
3732 - مسألة: (وتَجبُ الكَفَّارَةُ بالعَوْدِ، وهو الوَطْءُ. نَصَّ عليه أحمدُ، وأنْكَرَ قَوْلَ مالكٍ أَنَّه العَزْمُ على الوَطْءِ. [وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: هو العَزْمُ)
وجملةُ ذلك، أنَّ] 103 العَوْدَ هو الوَطْءُ عندَ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ.
فمتى وَطِيء لَزِمَتْه الكفَّارَةُ، ولا تَجِبُ قبلَ ذلك، إلَّا أنَّها شَرْط لحِلِّ الوَطْءِ، فيُؤْمَرُ بها مَن أرادَه ليَسْتَحِلَّه بها، كما يُؤْمَرُ بعَقْدِ النِّكاحِ مَن أرادَ حِلَّ المرْأةِ.
وحُكِيَ نحوُ ذلك عن الحسَنِ، والزُّهْرِيِّ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
إلَّا أنَّه لا يُوجبُ الكفَّارَةَ على مَن وَطِئَ، وهي 104 عندَه في حَقِّ مَن وَطِئَ كمَن لم يَطَأْ.
وقال القاضي وأصحابُه: العَوْدُ العَزْمُ على الوَطْءِ.
إلَّا أنَّهم لم يُوجِبُوا الكفَّارَةَ على العازِمِ [على الوَطْءِ] (1)، إذا مات أحَدُهما أو طَلَّقَ قبلَ الوَطْءِ، إلَّا أبا الخَطَّابِ،
الحديث: 3732 - الجزء: 23 - الصفحة: 268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنَّه قال: إذا ماتَ بعدَ العَزْمِ أو طَلَّقَ فعليه الكفَّارَةُ.
وهذا قولٌ مالكٍ، وأبي عُبَيدٍ.
وقد أنْكَرَ أحمدُ هذا، وقال: مالِكٌ يقولُ: إذا أجْمَعَ لَزِمَتْه الكفَّارَةُ.
فكيفَ يكونُ هذا! لو طَلَّقَها بعدَ ما يُجْمِعُ كان عليه كفَّارَةٌ! إلَّا أنَّ يكونَ يذْهَبُ إلى قَوْلِ طاوُسٍ: إذا تَكَلَّمَ بالظِّهارِ 105 لَزِمَه مِثْلُ الطَّلاقِ.
ولم يُعْجِبْ أحمدَ قولُ طاوُسٍ.
وقال أحمدُ، في قوله تعالى: [﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾.
قال: العَوْدُ الغِشْيانُ، إذا أرادَ أنَّ يَغْشَى كفَّرَ.
واحْتَجَّ مَن ذهبَ إلى هذا بقَوْلِه تعالى] 106: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾.
فأوْجَبَ الكفّارَةَ بعدَ العَودِ قبلَ التَّماسِّ، وما يَحْرُمُ قبلَ الكفَّارَةِ، لا يجوزُ كَوْنُه مُتَقَدِّمًا عليها، ولأنَّه قَصَدَ بالظِّهارِ تحْرِيمَها، فالعَزْمُ على وَطْئِها عَوْدٌ فيما قَصَدَه، ولأنَّ الظِّهارَ تَحْرِيمٌ، فإذا أرادَ اسْتِباحَتَها فقد رَجَعَ في ذلك التّحْرِيمِ، فكان عائِدًا.
وقال الشافعيُّ: العَوْدُ إمْسَاكُها بعدَ ظِهارِه زَمنًا يُمْكِنُه طَلاقُها فيه؛ لأنَّ ظِهارَه منها يَقْتَضِي إبانَتَها، فإمْساكُها عَوْدٌ فيما قال.
وقال داودُ: العَوْدُ تَكْرارُ الظِّهارِ مرَّةً ثانِيَةً؛ لأنَّ العَوْدَ في الشيءِ إعادَتُه.
ولَنا، أنَّ العَوْدَ فِعْلُ ضِدِّ قَوْلِه، ومنه العائِدُ في هِبَتِه، هو الرَّاجِعُ في المَوْهُوبِ، والعائِدُ في عِدَتِه، التَّارِكُ للوَفاءِ بما وَعَدَ، والعائِدُ فيما نُهِيَ عنه فاعِلُ المَنْهِيِّ عنه.
الجزء: 23 - الصفحة: 269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ 107. فالمُظاهِرُ مُحَرِّمٌ للوَطْءِ على نَفْسِه، ومانِعٌ لها منه، فالعَوْدُ فِعْلُه.
وقوْلُهم: إن العَوْدَ يَتَقَدَّمُ التَّكْفِيرَ، والوَطْءَ يتَأخَّرُ عنه.
قُلْنا: المُرادُ بقَوْلِه: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾.
أي يُرِيدُونَ العَوْدَ، كقَوْلِه تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ 108. أي أرَدْتُمْ ذلك.
وقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ 109. فإن قيلَ: هذا تأْويلٌ، وهو رُجُوع إلى وُجُوب الكفَّارَةِ بالعَزْمِ المُجَرَّدِ.
قُلْنا: دليلُ التاويلِ ما ذَكَرْنا، وأمَّا الأمْرُ بالكفَّارَةِ عندَ العَزْمِ، فإنَّما أمَرَ بها شَرْطًا للحِلِّ، كالأمْرِ بالطَّهارَةِ 110 لمَن أرادَ النَّافِلَةَ، والأمْرِ بالنيةِ لمن أرادَ الصيامَ.
فأمَّا الإِمْساكُ فليس بعَوْدٍ؛ لأنَّه ليس بعَوْدٍ في الظهارِ المُؤَقَّتِ، فكذلك في المُطْلَق، ولأنَّ العَوْدَ فِعْلُ ضِدِّ ما قاله، والإمْساكُ ليس بضِدٍّ له.
وقوْلُهم: إنَّ الظِّهارَ يَقْتَضِي إبانَتَها.
مَمْنُوعٌ، وإنَّما يَقْتَضِي تَحْرِيمَها واجْتِنابَها، ولذلك صَحَّ تَوْقِيتُه، ولأنَّه قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾.
و «ثُمَّ» للتَّراخِي، والإمْساكُ غيرُ مُتَراخٍ.
وأمَّا قولُ داودَ
الجزء: 23 - الصفحة: 270
وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، أو طَلَّقَهَا قَبْلَ الْوَطْءِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيهِ، فَإِنْ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا، لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ.
فلا يصِحُّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أوْسًا وسَلَمَةَ بنَ صَخْر بالكفَّارَةِ مِن غيرِ إعادَةِ اللَّفْظِ، ولأنَّ العَوْدَ إنَّما هو في مَقُولِه دُونَ قَوْلِه، كالعَوْدِ في العِدَةِ والهبَةِ، والعَوْدِ فيما نُهِيَ عنه، ويدُلُّ على إبطالِ هذه الأقْوالِ كُلِّها أنَّ الظِّهارَ يَمِينٌ مُكَفَّرَة، فلا تَجِبُ الكفَّارَةُ إلَّا بالحِنْثِ فيها، وهو فِعْلُ ما حَلَفَ على تَرْكِه كسائِرِ الأيمانِ، وتَجِبُ الكفَّارَةُ به كسائِرِ الأيمانِ، ولأنَّها يَمِين تَقْتَضِي تَرْكَ الوَطْءِ، فلا تَجِبُ كفَّارَتُها إلَّا به، كالإِيلاءِ.
3733 -
مسألة: (فإن مات أحَدُهما، أو طَلَّقَها قبلَ الوَطْءِ، فلا كَفَّارَةَ عليه، فإن عاد فتَزَوَّجَها، لم يَطَأْها حتى يُكَفِّرَ)
وجملةُ ذلك، أنَّ الكفارَةَ لا تَجِبُ بمُجَرَّدِ الظِّفارِ، فلو مات أحَدُهما أو فارَقَها قبلَ العَوْدِ، فلا كفَّارَةَ عليه.
وهذا قولُ عَطاءٍ، والنّخَعِيِّ، والحسَنِ، والأوْزَاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، ومالكٍ، وأبي عُبَيدٍ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقال طاوسٌ، ومُجاهِدٌ، والشعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ: عليه الكفَّارَةُ بمُجَرَّدِ الظِّهارِ؛ لأنَّه سَبَبٌ للكفَّارَةِ، وقد وُجِدَ، ولأنَّ الكفَّارَةَ وَجَبَتْ لقَوْلِ المُنْكَرِ والزُّورِ، وهذا يحْصُلُ بمُجَرَّدِ الظِّهارِ.
وقال الشافعيُّ: متى أمْسَكَها بعدَ ظِهارِه زَمَنًا يُمْكِنُه طَلاقُها فيه، فلم يُطَلِّقْها، فعليه الكفَّارَةُ؛
الحديث: 3733 - الجزء: 23 - الصفحة: 271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّ ذلك هو العَوْدُ عندَه.
ولَنا، قَولُ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ 111 مِن نسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾.
فأوْجَبَ الكفَّارَةَ بأمْرَين، ظِهارٍ وعَوْدٍ، فلا يَثْبُتُ بأحَدِهما، ولأنَّ الكفَّارَةَ في الظِّهارِ كفَّارَةُ 112 يَمِين، فلا تَجِبُ بغيرِ الحِنْثِ، كسائرِ الأيمانِ، والحِنْثُ فيها هو العَوْدُ، وذلك فِعْلُ ما حَلَفَ على تَرْكِه، وهو الجِماعُ.
وقد ذكَرْنا ذلك في المسْألةِ التي قَبْلَها.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا كفَّارَةَ عليه إذا مات أحدُهما 113 قبلَ وَطْئِها.
وكذلك إن فارَقَها، سواء كان ذلك مُتراخِيًا عن يَمينِه أو عَقِيبَه.
وأيُّهما ماتَ وَرِثَه صاحِبُه في قولِ الجُمْهُورِ.
وقال قَتادَةُ: إن ماتَتْ لم يَرِثْها حتى يُكَفِّرَ.
ولَنا، أنَّ مَن وَرِثَها إذا كفَّرَ وَرِثَها وإن لم يُكَفِّرْ، كالمُولِي منها.
ومتى طَلَّقَ مَن ظاهَرَ منها ثم تَزَوَّجَها، لم يَحِلَّ له وَطْؤُها حتى يُكَفرَ، سواءٌ كان الطَّلاقُ ثلاثًا أو أقَلَّ منه، وسواءٌ رَجَعَت إليه بعدَ زَوْجٍ آخَرَ أو قبلَه.
نصَّ عليه أحمدُ.
وهو قَوْلُ الحسَنِ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، والنَّخَعِيِّ، ومالكٍ، وأبي عُبَيدٍ.
وقال قَتادَةُ: إذا بانَتْ سَقَطَ الظِّهارُ، فإذا عادَ فنَكَحَهَا فلا كفَّارَةَ عليه.
الجزء: 23 - الصفحة: 272
وَإنْ وَطِيء قَبْلَ التَّكْفِيرِ، أَثِمَ، وَاسْتَقَرَّتْ عَلَيهِ الْكَفَّارَةُ.
وللشافعيِّ قَوْلانِ كالمذْهَبَين، وقولٌ ثالِثٌ، إن كانتِ البَينونَةُ بالثَّلاثِ، لم يَعُدِ الظِّهارُ، وإلَّا عاد.
وبناه على الأقاويلِ في عَوْدِ صِفَةِ الطَّلاقِ في النِّكاحِ الثَّانِي.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ (1) مِن نسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ من قَبْلِ أن يَتَمَاسَّا﴾.
وهذا قد ظاهَرَ مِن امْرأتِه، فلا يَحِلُّ (2) أنَّ يتَمَاسَّا حتى يُكَفِّرَ، ولأنَّه ظاهَرَ مِن امْرأتِه، فلا يَحِلُّ له مَسُّها فبلَ التَّكْفِيرِ، كالتي لم يُطَلِّقْها، ولأنَّ الظِّهارَ يَمِين مُكَفَّرَة، فلم يَبْطُلْ حُكْمُها بالطَّلاقِ، كالإِيلاءِ.
3734 -
مسألة: (وإن وَطِئَ قبلَ التَّكْفِيرِ، أثِمَ، وَاسْتَقَرَّتْ عليه الكفَّارَةُ)
قد ذَكَرْنا أنَّ المُظاهِرَ يَحْرُمُ عليه وَطْءُ زَوْجَتِه قبلَ التَّكْفِيرِ؛ لقَوْلِ الله تعالى في العِتْقِ والصِّيامِ: (مِن قَبْلِ أنَّ يَتَمَاسَّا).
فإن وَطِئَ عَصَى رَبَّه [لمُخالفةِ أمرِ] 116، وتَسْتقِرُّ الكفَّارَةُ في ذِمَّتِه، فلا تَسْقُطُ بعدَ ذلك114115
الحديث: 3734 - الجزء: 23 - الصفحة: 273
وَتُجْزِئُهُ كَفَّارَة وَاحِدَةٌ.
بمَوْتٍ، ولا طَلاقٍ، ولا غيرِه، وتَحْرِيمُ زوْجتِه عليه باقٍ عليه (1) حتى يُكَفِّرَ.
هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
رُوِيَ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاء، وطاوُسٍ، وجابرِ بنِ زيدٍ، ومُوَرِّقٍ (2) العِجْلِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وعبدِ اللهِ بنِ أُذَينَةَ (3)، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزَاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ.
وتَلْزَمُه الكفَّارَةُ إذا وَطِئَها وهو مَجْنون.
نصَّ عليه.
[مِن «المُحَرَّرِ»] (4).
3735 -
مسألة: (وتُجْزِئُه كَفَّارَة واحِدَة)
وهو قولُ الحسَنِ، وابنِ سِيرِينَ، وبَكْر المُزَنِيِّ، ومُوَرِّقٍ 121، وعَطاءٍ، وطاوسٍ، ومُجاهدٍ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ.
وحُكِيَ عن عمرِو بنِ العَاصِ، أنَّ عليه كفَّارَتَين.
ورُوِيَ ذلك عن قَبِيصَةَ، وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ، والزُّهْرِيِّ،117118119120
الحديث: 3735 - الجزء: 23 - الصفحة: 274
وَإنْ ظَاهَرَ مِنَ امْرَأتِهِ الْأمَةِ ثُمَّ اشْتَرَاهَا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ.
وقَال أَبُو بَكْرٍ: يَبْطُلُ الظِّهَارُ وَتَحِلُّ لَهُ، فَإِنْ وَطِئَهَا فَعَلَيهِ كَفَّارَةُ يمِينٍ.
وقَتادَةَ؛ لأنَّ الوَطْءَ يُوجِبُ كفَّارَةً، والظِّهارَ يُوجِبُ أُخْرَى.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَثْبُتُ الكفَّارَةُ في ذِمَّتِه، وإنَّما هي شَرْط للإِباحَةِ بعدَ الوَطْءِ، كما كانتْ قبْلَه.
وحُكِيَ عن بعْضِ العُلَماءِ أنَّ الكفَّارَةَ تَسْقُطُ، لأنَّه قد فات وقْتُها، لكَوْنِها وَجَبَتْ قبلَ المَسِيسِ.
ولَنا، حَدِيثُ سَلَمةَ بنِ صَخْرٍ، حينَ ظاهَرَ ثم وَطِيء قبلَ التَّكْفِيرِ، فأمَرَه النبي - صلى الله عليه وسلم - بكفَّارَةٍ واحدةٍ (1). ولأنَّه وُجِدَ الظِّهارُ والعَوْدُ، فيدخلُ في عُمومِ قولِه: (ثُمَّ يَعُودُون لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ).
فأمَّا قَوْلُهم: فات وَقْتُها.
فيَبْطُلُ بما ذَكَرْناه، وبالصَّلاةِ، وسائرُ العِبادَاتِ يَجِبُ قَضاؤُها بعدَ فَواتِ وَقْتِها.
3736 -
مسألة: (وإن ظاهَرَ مِن امْرأتِه الأمَةِ ثم اشْتَراها، لم تَحِلَّ له حتى يُكَفِّرَ. وقال [أبُو بَكْرٍ]
الحديث: 3736 - الجزء: 23 - الصفحة: 275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
ونصَّ عليه الشافعيُّ.
وقال القاضي: المذهبُ ما ذكَرَ الخِرَقِيُّ.
وهو قولُ أبي عبدِ الله بِنِ حامِدٍ؛ لقَوْلِ الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ 125 من نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أنَّ يَتَمَاسَّا﴾.
وهذا قد ظاهَرَ مِن امْرأتِه، فلم يَحِلَّ له مَسُّها حتى يُكَفِّرَ، ولأنَّ الظهارَ قد صَحَّ فيها، وحُكْمُه لا يَسْقُطُ بالطَّلاقِ المُزِيل للمِلْكِ 126 والحِلِّ، فبمِلْكِ اليَمِينِ أَوْلَى، ولأنَّها يَمِين انْعَقَدَتْ موجِبَةً لكفَّارةٍ 127، فوَجَبَتْ دُونَ غيرِها، كسائِرِ الأيمانِ.
وقال أبو بكْرٍ عبدُ العزِيزِ، وأبو الخَطَّابِ: يَسْقُطُ الظِّهارُ بمِلْكِه لها، وإن وَطِئَها حَنِثَ، وعليه كفَّارةُ يَمِين، كما لو تَظاهَرَ منها وهي أمَتُه.
ويَقْتَضِي 128 قولُ أبي بَكْرٍ وأبي الخَطَّابِ ههُنا أنْ تُباحَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ؛ لأنَّه أسْقَطَ الظِّهارَ، وجَعَلَه يَمِينًا، كتَحْريمِ أمَتِه.
فإنْ أعْتَقَها عن كفَّارَتِه، صَحَّ على القَوْلَين جميعًا 129. فإن تَزَوَّجَها بعدَ ذلك، حَلَّتْ له بغيرِ كفَّارَةٍ؛ لأنَّه كفَّرَ عن
الجزء: 23 - الصفحة: 276
وَإنْ كَرَّرَ الظِّهَارَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَعَنْهُ، إِنْ كَرَّرَهُ فِي مَجْلِس وَاحِدٍ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَإنْ كَرَّرَه فِي مَجَالِسَ فَكَفَّارَاتٌ.
ظِهارِه بإعْتاقِها، ولا يَمْتَنِعُ إجْزاوها عن الكفَّارَةِ التي وجَبَثْ بسَبَبِها، كما لو قال: إن مَلَكْتُ أمَةً فللَّهِ عليَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ.
فمَلَكَ أمَةً فأعْتَقَها.
وإن أعْتَقَها عن غَيرِ (1) الكفَّارَةِ، ثُمَّ تزَوَّجَها، لم تَحِلَّ له حتى يُكَفِّرَ.
3737 -
مسألة: (وإن كَرَّرَ الظِّهارَ قبلَ التَّكْفِيرِ فكَفَّارَةٌ واحِدَةٌ)
هذا ظاهِرُ المذهب، سواءٌ كان في مَجْلِس أو مَجالِسَ، يَنْوي به التَّأْكِيدَ، أو الاسْتِئْنافَ، أوَ أطْلَقَ.
نَقَلَه عن أحمدَ جماعة.
اخْتارَه أبو بكرٍ، وابنُ حامدٍ، والقاضي.
وبه قال مالكٌ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، والشافعيُّ في القَدِيمِ.
ونُقِلَ عن أحمدَ: مَنِ حَلَفَ أيمانًا كثيرةً، فأرادَ التَّأْكِيدَ، فكفَّارَةٌ واحدة.
فمَفْهُومُه أنَّه إن نوَى الاسْتِئْنافَ فكفَّارَتٌ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ في الجديدِ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: إن كان في مَجْلِس، فكفَّارَة واحدة، وإن كان في مَجالِسَ فكفَّارات.
وعن أحمدَ مثلُ ذلك.
ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وعمرِو بنِ دِينارٍ؛ لأنَّه قولٌ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ، فإذا نَوَى الاسْتِئْنافَ تعَلَّقَ بكُلِّ مَرَّةٍ حُكْم، كالطَّلاقِ.130
الحديث: 3737 - الجزء: 23 - الصفحة: 277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولَنا، أنَّه قولٌ لم يُؤثِّرْ [تَحْرِيمًا في] 131 الزَّوْجَةِ، فلم تَجِبْ به كفَّارَةُ الظِّهارِ، كاليَمِينِ باللهِ تعالى، ولا يَخْفَى أنَّه لم يُؤثر تَحْرِيمًا 132، فإنَّها حَرُمَتْ بالقَوْلِ الأوَّلِ، ولأنَّه لفْظ يَتَعَلَّقُ به كفَّارَة، فإذا تكَرَّرَ كَفاه كفَّارَة واحدة، كاليَمِينِ باللهِ تعالى.
وأمَّا الطَّلاقُ، فإن ما زاد منه على الثَّلاثِ، لا يَثْبُتُ له حُكْمٌ بالإجْماعِ، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذكَرُوه.
وأمَّا الثَّالِثَةُ، فإنَّها تُثْبِتُ تَحْرِيمًا زائِدًا، وهو التَّحْرِيمُ قبلَ زَوْجٍ وإصابَةٍ، بخِلافِ الظِّهارِ الثَّانِي، فإنَّه لا يَثْبُتُ به تَحْريم، فنَظِيرُ الظِّهارِ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ، لا يَثْبُتُ بما زادَ عليها تَحْرِيم، ولا يَثْبُتُ له حُكْم، كذلك الظِّهارُ.
فأمَّا إن كفَّرَ عن الأوَّلِ، ثم ظاهَرَ، لَقمَه للثَّانِي كفَّارَة، بلا خِلافٍ؛ لأنَّ الظِّهارَ الثَّانِيَ مِثْلُ الأوَّلِ، فإنَّه حَرَّمَ الزَّوْجَةَ المُحَلَّلَةَ، فأوْجَبَ الكفَّارَةَ كالأوَّلِ، بخِلافِ ما قبلَ التَّكْفِيرِ.
الجزء: 23 - الصفحة: 278
وَإنْ ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَكَفَّارَة وَاحِدَة، وَإِنْ كَانَ بِكَلِمَاتٍ، فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ.
3738 - مسألة: (وإن ظاهَرَ مِن نِسَائِه بكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، فكَفَّارَةٌ واحِدَةٌ، وإن كان بكَلِماتٍ، فلِكُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ)
إذا ظاهَرَ مِن نِسائِه بلَفْظٍ واحدٍ، فقال: أنْتُنَّ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي.
فليس عليه أكْثَرُ مِن كفَّارَةٍ، بغيرِ خِلافٍ في المذهَبِ.
لي هو قولُ عمرَ، وعلي، وعُرْوَةَ، وطاوُسٍ، وَعَطاءٍ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، والأوْزَاعِيِّ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، والشافعيِّ في القَديمِ.
وقال الحسَنُ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، ويحيى
الحديث: 3738 - الجزء: 23 - الصفحة: 279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأنْصَارِيُّ، والحَكَمُ، والثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، والشافعيُّ في الجَديدِ: عليه لِكُلِّ امرأةٍ كفَّارَة.
وعن أحمدَ مثلُ ذلك، مِن «المُحَرَّرِ»؛ لأنَّه وُجِدَ الظِّهارُ والعَوْدُ في حَقِّ كُلِّ امرأةٍ مِنهُنَّ، فوَجَبَ عليه لكُلِّ واحدةٍ كفَّارَة، كما لو أفْرَدَها به 133. ولَنا، قولُ عمرَ، وعليٍّ، رَضِيَ الله عنهما، رواه عنهما الأثْرَمُ 134، ولا نَعْرِفُ لهما في الصَّحابَةِ مُخالِفًا، فكان إجْماعًا، ولأنَّ الظِّهارَ كَلِمَة تَجِبُ بمخُالفَتِها الكفَّارَةُ، فإذا وُجِدَتْ في جَماعَةٍ أوْجَبَتْ كفَّارَةً واحِدَةً، كاليَمِينِ باللهِ تعالى.
وفارَقَ ما إذا ظاهَرَ بكلماتٍ؛ فإنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَقْتَضِي كفَّارَةً تَرْفَعُها، وتُكَفِّرُ إثْمَها، وههُنا الكَلِمَةُ واحِدَة، فالكفَّارَةُ الواحِدَةُ تَرْفَعُ حُكْمَها، وتَمْحُو إثْمَها، فلا يَبْقَى لها حُكْمٌ.
فأمَّا إن كَرَّرَه بكَلِماتٍ، فقال لِكُلِّ واحِدَةٍ: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي.
فإنَّ لِكلِّ يَمِين كفَّارَةً.
وهذا قَوْلُ عُرْوَةَ، وعَطاءٍ.
قال أبو عبدِ اللهِ ابنُ حامِدٍ: المذهب رواية واحدةٌ في هذا.
قال القاضي: المذهبُ عندِي ما ذَكَرَه الشَّيخُ أبو عبدِ اللهِ.
وقال أبو بكرٍ: فيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه يُجْزِئُه كفَّارَةٌ واحِدَة.
واخْتارَ ذلك، وقال: هذا الذي قُلْناه اتِّباعًا لعُمرَ بنِ الخَطَّابِ، والحسَنِ، وعَطاءٍ، وإبْراهيمَ، ورَبِيعَةَ،
الجزء: 23 - الصفحة: 280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقَبِيصَةَ، وإسْحاقَ؛ لأنَّ كفَّارَةَ الظِّهارِ حَق للهِ تعالى، فلم تَتَكَرَّرْ بتَكَرُّرِ سَبَبِها، كالحُدُودِ، وعليه يُحرَّجُ الطَّلاقُ.
ولَنا، أنَّها أيمانٌ مُتَكَرِّرَة على أعْيانٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فكان لِكُلِّ واحدةٍ كفَّارَةٌ، كما لو كفَّرَ ثم ظاهرَ، ولأنَّها أيمانٌ لا يَحْنَثُ في إحْداها بالحِنْثِ في الأخْرَى، فلا يُكَفِّرُها كفَّارَةٌ واحدةٌ، كالأصْلِ، ولأنَّ الظِّهارَ مَعْنًى يُوجِبُ الكفَّارَةَ، فتَتَعَدَّدُ الكفَّارَةُ بتَعَدُّدِه في المَحالِّ المُخْتَلِفَةِ، كالقَتْلِ، ويُفارِقُ الحَدَّ؛ فإنَّه عُقُوبَة تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ.
فصل: فإن قال: كُلُّ امرأةٍ أتَزَوَّجُها فهي عليَّ كظَهْرِ - رضي الله عنه - أُمِّي.
ثم تَزَوَّجَ نِساءً في عَقْدٍ واحدٍ، فكفَّارَة واحدة، وإن تَزَوَّجَهُنَّ في عُقُودٍ، فكذلك في إحْدَى الرِّوايَتَين؛ لأنَّها يَمِينٌ واحدة.
والأخْرَى، لِكُلِّ عَقْدٍ كفَّارَةٌ.
فعلى هذا، لو تَزَوَّجَ امْرأتَين في عَقْدٍ 135، وأُخْرَى في عَقْدٍ، لَزِمَتْه كفَّارَتان؛ لأنَّ لكُلِّ عَقْدٍ حُكْمَ نَفْسِه، فتَعَلَّقَ بالثانِي كفَّارَةٌ، كالأوَّلِ.
الجزء: 23 - الصفحة: 281
فَصْلٌ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا
كَفَّارَةُ الظِّهَارِ عَلَى التَّرْتِيبِ، فَيَجِبُ عَلَيهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَكَفّارَةُ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ مِثْلُهَا، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، فصلٌ في كفَّارَةِ الظِّهارِ وما في مَعْناها
3739 -
مسألة: (كَفَّارَةُ الظِّهارِ على التَّرْتِيبِ، فيَجِبُ عليه تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فإن لم يَجِدْ فصِيامُ شَهْرَين مُتَتابِعَين، فإن لم يَسْتَطِعْ فإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)
والأصْلُ في ذلك قولُ اللهِ تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ 136 مِن نسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ من قَبْلِ أنَّ يَتَمَاسَّا) الآيَتَينِ 137. وقولُ النبي - صلى الله عليه وسلم - لخَوْلَةَ حينَ ظاهرَ منها زوْجُها: «يُعْتِقُ رَقَبَةً».
قلتُ: لا يَجِدُ.
قال: «فَيَصُومُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ».
قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّه شَيخٌ كبيرٌ ما به صِيامٌ.
قال: «فَيُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا 138. وهذا التَّرْتِيبُ لا خِلافَ فيه إذا كان المُظاهِرُ حُرًّا، فأمَّا العَبْدُ، فنَذْكُرُ حُكْمَه إن شاءَ الله تعالى (وكَفَّارَةُ الوَطْءِ في) نَهارِ (رَمضانَ مِثْلُها، في ظاهرِ المذْهَبِ) لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رَجُلًا قال: يا رسولَ
الحديث: 3739 - الجزء: 23 - الصفحة: 282
وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ مِثْلُهُمَا، إلَّا فِي الْإطْعَامِ، فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ.
اللهِ، وَقَعْتُ على امْرأتِي وأنا صائِم.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟».
قال: لا.
قال: «فَهَلْ تَسْتَطِعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَين مُتَتَابِعَينِ؟».
قال: لا.
قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟».
وذكَرَ الحدِيثَ، وهو (1) صَحِيحٌ مُتَّفقٌ عليه (2). وفي كفَّارَةِ الوَطْءِ في رَمضانَ رِواية أنَّها على التَّخْيِيرِ، وقد ذَكَرْنا ذلك في الصَّوْم (3).
3740 -
مسألة: (وكَفارَةُ القَتْلِ مِثْلُهما)
لأنَّ التَّحْرِيرَ والصِّيامَ مَنْصُوصٌ عليهما في كتابِ اللهِ تعالى (إلَّا الإِطْعامَ، ففي وُجُوبِه رِوايَتان)139140141
الحديث: 3740 - الجزء: 23 - الصفحة: 283
وَالاعْتِبَارُ فِي الْكَفَّارَاتِ بِحَالِ الْوُجُوبِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
فَإِذَا
إحْداهما، لا يجبُ؛ لأنَّ الله تعالى لم يذْكُرْه في الكفَّارَةِ.
والثَّانِيَةُ، يَجِبُ، قِياسًا على كفَّارَةِ الظِّهار والجِماعِ في نَهارِ شَهْرِ رَمضانَ.
3741 -
مسألة: (والاعْتِبارُ في الكَفَّارَةِ بِحَالِ الوُجُوبِ في إحْدَى الرِّوايَتَين)
وهي ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه قال: إذا حَنِثَ وهو عَبْدٌ، فلم يُكَفِّرْ حتى عَتَقَ، فعليه الصَّوْمُ، لا يُجْزِئُه غيرُه.
وكذلك قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأَلُ عن عبدٍ حَلَفَ على يَمِين، فحَنِثَ فيها وهو عبدٌ، فلم يُكَفِّرْ حتى عَتَقَ، أيُكَفِّرُ كفارَةَ حُرٍّ أو كفَّارَةَ عَبْدٍ؟ قال: يُكَفِّرُ كفَّارَةَ عَبْدٍ؛ لأنَّه إنَّما يُكَفِّرُ ما وَجَبَ عليه يَوْمَ حَنِثَ، لا
الحديث: 3741 - الجزء: 23 - الصفحة: 284
وَجَبَتْ وَهُوَ مُوسِرٌ، ثُمَّ أَعْسَرَ، لَمْ يُجْزِئْهُ إلا الْعِتْقُ، وَإنْ وَجَبَتْ وَهُوَ مُعْسِر، فَأَيسَرَ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ، وَلَهُ الانْتِقَالُ إِلَيهِ إنْ شَاءَ.
يومَ حَلَفَ.
قلتُ له: حَلَفَ وهو عَبْدٌ، وحَنِثَ وهو حُرٌّ؟ قال: يومَ حَنِثَ.
واحْتَجَّ فقال: افْتَرَى وهو عَبْدٌ -أي 142 ثم أُعتِقَ- فإنَّما يُجْلَدُ جَلْدَ العَبْدِ.
وهذا أحدُ أقْوالِ الشافعيِّ.
فعلَى هذه الرِّوايَةِ، يُعتبَرُ يَسارُه وإعْسارُه حال وجُوبِها عليه، فإن كان مُوسِرًا حال الوُجوبِ، اسْتَقَرَّ وُجوبُ الرَّقَبَةِ عليه، فلم تَسْقُطْ بإعْسارِه بعدَ ذلك.
وإن كان مُعْسِرًا، ففَرْضُه الصَّوْمُ، فإذا أيسَرَ بعدَ ذلك، لم يَلْزَمْه الانْتِقالُ [إلى الرَّقَبَةِ] 143.
الجزء: 23 - الصفحة: 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والرِّوايةُ الثَّانِيَةُ، الاعْتِبارُ بأغْلَظِ الأحْوالِ مِن حينِ الوُجُوبِ إلى حينِ التَّكْفِيرِ، فمتى وَجَدَ رَقَبَةً فيما بينَ الوُجُوب إلى حينِ التَّكْفِيرِ، لم يُجْزِئه إلَّا 144 الإِعْتاقُ.
وهو قولٌ ثانٍ للشافعيِّ؛ لأنَّه حَقٌّ يَجِبُ في الذِّمَّةِ بوُجودِ مالٍ، فاعْتُبِرَ فيه أغْلَظُ الأحْوالِ كالحَجِّ.
وله قولٌ ثالِث، أنَّ الاعْتِبارَ بحالةِ الأداءِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ؛ لأنَّه حَق له بَدَلٌ مِن غيرِ جِنْسِه، فكان الاعْتِبارُ فيه بحالةِ الأداءِ، كالوُضُوءِ.
ولَنا، أنَّ الكفَّارَةَ تَجِبُ على وَجْهِ الطُّهْرَةِ، فكان الاعْتِبارُ فيها بحالةِ الوُجُوبِ كالحدِّ، أو نقُولُ: مَن وَجَبَ عليه الصِّيامُ في الكفَّارَةِ، لم يَلْزَمْه غيرُه، كالعَبْدِ إذا عَتَقَ.
ويُفارِق الوُضُوءَ، فإنَّه لو تَيَمَّمَ ثم وَجَدَ الماءَ 145، بَطَلَ تَيَمُّمُه، وههُنا لو صامَ، ثم قَدَرَ على الرَّقَبَةِ، لم يَبْطُلْ صَوْمُه، وليس الاعْتِبارُ في الوُضُوءِ بحالةِ الأداءِ، إنَّما الاعْتِبارُ بأداءِ الصَّلاةِ.
فأمَّا الحَجُّ فهو عبادةُ العُمْرِ، وجَمِيعُه وقتٌ لها، فمتى قَدَرَ عليه في جُزْءٍ مِن وَقْتِه، وَجَبَ، بخِلافِ مَسْألتِنا.
ثم يَبْطُلُ ما ذكَرُوه [بالعبدِ إذا عَتَقَ، فإنَّه لا يَلْزَمُه الانتقالُ إلى العِتْقِ مع ما ذَكَرُوه] 146. فإن قِيلَ: العبدُ كان مِمَّن لا تَجبُ عليه الرَّقَبَةُ، ولا تُجْزِئُه في حالِ رِقِّه، فلَمَّا لم تُجْزِئْه، لم تَلْزَمْه بتَغَيُّرِ الحالِ، بخلافِ مَسْألَتِنا.
قُلْنا: هذا 147 لا أثَرَ له.
الجزء: 23 - الصفحة: 286
وعنه في الْعَبْدِ إِذَا عَتَقَ، لَا يُجْزِئُهُ غَيرُ الصُّوْمِ.
وَالرِّوَايَةُ الثُّانِيَةُ، الاعْتِبَارُ بِأَغْلَظِ الْأحْوَالِ، فَمَنْ أمْكَنَهُ الْعِتْقُ مِنْ حِينِ الْوُجُوبِ إلَى حِينِ التَّكْفِيرِ، لَا يُجْزِئُهُ غَيرُهُ.
فصل: وإذا قُلْنا: إنَّ الاعْتِبارَ بحالةِ الوُجُوبِ.
وكان مُعْسِرًا، ثم يسَرَ، فله الانْتِقالُ إلى العِتْقِ إن شاءَ.
وهو قولُ الشافعيِّ، على القَوْلِ الذي يُوافِقُنا فيه، بأنَّ الاعْتِبارَ بحالةِ الوُجُوبِ؛ لأنَّ العِتْقَ هو الأصْلُ، فوَجَبَ أنَّ يُجْزِئَه كسائرِ الأصُولِ (وعن أحمدَ في العَبْدِ إذا عَتَق، لا يُجْزِئُه غيرُ الصَّوْمِ) وهذا على قَوْلِنا: إنَّ الاعْتِبارَ بحالةِ الوُجُوبِ.
وهي حينَ حَنِثَ.
[اخْتارَه الخِرَقِيُّ؛ لأنَّه حَنِثَ] 148 وهو عَبْدٌ، فلم يَكُنْ يُجْزِئُه إلَّا الصَّوْمُ، فكذلك بعدُ.
وقد نَصَّ أحمدُ على أنَّه يُكَفِّرُ كفَّارَةَ عبدٍ.
قال القاضي: وفي ذلك نَظَرٌ، ومَعْناه أنَّه لا يَلْزَمُه التَّكْفِيرُ بالمالِ، فإن كَفَّرَ به أجْزَأه.
وهذا مَنْصُوصُ الشافعيِّ.
ومِن أصحابِه مَن قال كقَوْلِ الخِرَقِيِّ.
ووَجْهُ ذلك، أنَّه حُكْم تَعَلَّقَ بالعَبْدِ في رِقِّه، فلم يتَغَيَّرْ بحُرِّيَّته،
الجزء: 23 - الصفحة: 287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالحدِّ.
وهذا على القَوْلِ الذي لا 149 يُجَوِّزُ للعَبْدِ التَّكْفِيرَ بالمال بإذْنِ سَيِّدِه.
فأمَّا على القَوْلِ الآخَرِ، فله التَّكْفِيرُ به 150 ههُنا بطَرِيقِ الأَوْلَى؛ لأنَّه إذا جازَ له في حالِ رِقِّه، ففي حالِ حُرِّيَّتِه [أوْلَى، وإنَّما احتَاج إلى إذنِ سيدِه حال رِقِّه؛ لأنَّ المال لسيدِه، أو لتَعَلًّقِ حَقه بمالِه، وبعدَ الحريةِ] 151 قد زال ذلك، فلا حاجَةَ إلى إذْنِه.
فأمَّا إن قُلْنا: الاعْتِبارُ في التَّكْفِيرِ بأغْلَظِ الأحْوالِ.
لم يَكُنْ له أنَّ يُكَفِّرَ إلَّا بالمالِ، إن كان له مالٌ.
فأمَّا إن حَلَفَ لي هو عَبْدٌ، وحَنِثَ وهو حُرٌّ، فحُكْمُه حُكْم الأحْرارِ؛ لأنَّ الكفَّارَةَ لا تَجِبُ قبلَ الحِنْثِ، وإنَّما وجَبَتْ 152 وهو حُرٌّ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 23 - الصفحة: 288
فَإِنْ شَرَعَ فِي الصَّوْم، ثُمَّ أيسَرَ، لَمْ يَلْزَمْهُ الانْتِقَالُ عَنْهُ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَلْزَمَهُ.
3742 - مسألة: (فإن شَرَعَ في الصَّوْمِ)
ثم قَدَرَ على العِتْقِ (لم يَلْزَمْه الانْتِقَالُ إليه) وبه قال الشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الحسَنِ (ويَحْتَمِلُ أنَّ يَلْزَمَه) وإليه ذهبَ ابنُ سِيرِينَ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِيُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأي؛ لأنَّه قَدَرَ على الأصْلِ قبلَ أداءِ فَرْضِه بالبَدَلِ، فلَزِمَه العَوْدُ إليه، كالمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الماءَ قبلَ الصَّلاةِ، أو في أثْنائِها.
ولَنا، أنَّه لم يَقْدِرْ على العِتْقِ قبلَ تَلبُّسِه بالصِّيامِ، فأشْبَهَ ما لو اسْتَمَرَّ العَجْزُ إلى ما 153 بعدَ الفَراغِ، ولأنَّه وَجَدَ المُبْدَلَ بعدَ الشُّرُوعِ في صَوْمِ البَدَلِ، فلم يَلْزَمْه الانْتِقالُ إليه، كالمُتَمَتِّعِ
الحديث: 3742 - الجزء: 23 - الصفحة: 289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَجِدُ الهَدْيَ بعدَ الشُّرُوعِ في صيامِ 154 الأيَّامِ السَّبْعَةِ 155، ويُفارِقُ ما إذا وَجَدَ الماءَ في الصَّلاةِ؛ فإنَّ الصَّلاةَ قَضاؤُها يَسِيرٌ، والمَشَقَّةُ في هذا أكْبَرُ.
فصل: وإذا قُلْنا: الاعْتِبارُ بحالةِ الوُجُوبِ.
فَوَقْتُه في الظِّهارِ مِن حينِ العَوْدِ، لا وقت المُظاهَرَةِ، لأنَّ الكفَّارَةَ لا تَجِبُ حتى يَعُودَ، ووَقْتُه في اليَمِينِ زَمَنُ 156 الحِنْثِ لا وقتُ اليَمِينِ، وفي القَتْلِ زمنُ الزُّهوقِ لا زمنُ الجَرْحِ، وتَقْديمُ الكفَّارَةِ قبلَ الوُجُوبِ تَعْجِيل لها قبلَ وُجُوبِها، لوُجودِ سَبَبِها، كتَعْجيلِ الزَّكاةِ قبلَ الحَوْلِ بعدَ كمالِ النِّصابِ.
فصل: إذا كان المُظاهِرُ ذِمِّيًّا، فتَكْفِيرُه بالعِتْقِ أو بالإطْعام؛ لأنَّه يصِحُّ منه في غيرِ الكفَّارَةِ، فصَحَّ منه فيها، وليس له الصِّيامُ؛ لأنَّه عِبادَةٌ مَحْضَةٌ، والكافِرُ ليس مِن أهْلِها، ولأنَّه لا يصِحُّ منه في غيرِ الكفَّارَةِ، فلا يَصِحُّ منه فيها، ولا يُجْزِئُه في العِتْقِ إلَّا عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فإن كانت في مِلْكِه أو وَرِثَها، أجْزَأتْ عنه، وإن لم تكُنْ كذلك، فلا سبيلَ له إلى شِراءِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ؛ لأنَّ الكافِرَ لا يصِحُّ منه شِراءُ المُسْلِمِ،
الجزء: 23 - الصفحة: 290
فصلٌ: فَمَنْ مَلَكَ رَقَبَةً، أو امكَنَهُ تَحْصِيلُهَا بِمَا هُوَ فَاضِلٌ عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ يَمُونُهُ عَلَى الدَّوَامِ، وَغَيرِهَا مِن حَوَائِجِهِ الأصْلِيَّةِ بِثَمَنِ مِثْلِهَا، لَزِمَهُ الْعِتْقُ.
وَيَتَعَيَّنُ تَكفِيرُه بالإِطْعامِ، إلَّا أنَّ يقولَ لمُسلِمٍ: أعْتِقْ عَبْدَك 157 عن كفَّارَتي وعَلَيَّ ثَمَنُه.
فيصِحُّ في إحدى الرِّوايَتَين.
وإن أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ قَبْلَ التَّكْفِيرِ بالإِطعَام، فحكْمُه حُكْمُ العبْدِ، يَعْتِقُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ بالصِّيامِ، على ما مَضَى؛ لَأنَّه في مَعْناه.
وإن ظاهَرَ وهو مُسْلِمٌ، ثم ارْتَدَّ، وصام في رِدَّتِه عن كَفَّارَته، لم يَصِحَّ.
وإن كَفَّرَ بعِتْق أو إطْعام، فقد أطْلَقَ أحمدُ القَوْلَ أنَّه لا يُجْزِئُه.
وقال القاضي: المذهبُ أنَّ ذلك مَوْقُوفٌ؛ فإن أسْلَمَ تَبَينا أنَّه أجْزاه، وإن مات أو قُتِلَ، تَبَّينَّا أنَّه لم يَصِحَّ منه، كسائرِ تصَرُّفاتِه.
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (فمَن مَلَكَ رَقَبَةً، أو أمْكَنَه تَحْصِيلُها فاضِلًا عن كِفايَتِه وكِفايَةِ مَن يَصونُه على الدَّوامِ، وغيرِها مِن حَوائِجهِ الأصْلِيَّةِ بثَمَنِ مِثْلِها، لَزِمَه العِتْقُ) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على ذلك، وأنَّه ليس له الانْتِقالُ إلى الصِّيامِ إذا كان مُسْلِمًا حُرًّا.
الجزء: 23 - الصفحة: 291
وَمَنْ لَهُ خَادِمٌ يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهِ.
3743 - مسألة: فإن كانت له رَقَبَةٌ يَحْتَاجُ إلى خِدْمَتِها؛ لكِبَرٍ، أو مَرَض، أو زَمَن
158، أو عِظَمِ خَلْقٍ، ونَحْوه مِمَّا يُعَجِّزُ عن خِدْمَةِ نَفْسِه، أو يَكُونُ مِمَّن لا يَخْدِمُ نَفْسَه في العادَةِ، وَلَا يَجِدُ رَقَبَةً فَاضِلَةً عن خِدْمَتِه، فليس عليه الإِعْتاقُ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والأوْزَاعِيُّ: متى وَجَدَ رَقَبَةً، لَزِمَه إعْتاقُها، ولم يَجُزْ له الانْتِقالُ إلى الصِّيامِ، سواءٌ كان مُحْتاجًا إليها 159 أو لم يَكُنْ؛ لأنَّ اللهَ تعالى شَرَطَ في الانْتِقالِ إلى الصِّيامِ أنَّ لا يَجِدَ رَقَبَة، بقَوْلِه تعالى: (فَمَن لمْ يَجِدْ) 160. وهذا واجِدٌ.
وإن وَجَدَ ثَمَنَها وهو مُحْتاجٌ إليه، لم يَلْزَمْه شِراؤُها.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال مالكٌ: يَلْزَمُه؛ لأنَّ وجْدانَ ثَمَنِها كوجْدانِها.
ولَنا، أنَّ ما اسْتَغْرَقَتْه حاجَةُ الإِنْسانِ، فهو كالمَعْدُومِ في
الحديث: 3743 - الجزء: 23 - الصفحة: 292
أَوْ دَارٌ يَسْكُنُهَا،
جَوازِ الانْتِقالِ إلى البَدَلِ، كمَن وَجَدَ ماءً يَحْتاجُ إليه للعَطَشِ، يَجوزُ له الانْتِقالُ إلى التَّيَمُّمِ.
فإن كان له خادِمٌ، وهو (1) مِمَّن يَخْدِمُ نفْسَه عادَةً، لَزِمَه إعْتَاقُها؛ لأنَّه فاضِلٌ عن حاجَتِه، بخِلافِ مَن لم تَجْرِ عادَتُه بخِدْمَةِ نَفْسِه، فإنَّ عليه مشَقَّةً في إعْتاقِ خادِمِه، وتَضْيِيعًا لِكَثِير مِن حَوائِجِه.
وإن كان له خادِم يَخْدِمُ امْرأتَه، وهي (1) مِمَّن عليه إخْدَامُها (2)، أو كان له رَقِيقٌ يَتَقَوَّتُ بخَراجِهم، لم يَلْزَمْه العِتْقُ؛ لِما ذَكَرْنا.
3744 -
مسألة: [وكذلك إن]
163 كان له (دَارٌ يَسْكُنُها) أو عَقارٌ يَحْتاجُ إلى غَلَّتِه لمُؤْنَتِه، أو عَرْضٌ للتِّجَارَةِ لا يَسْتَغْنِي عن رِبْحِه في مُؤْنَتِه (لمْ يَلْزَمْه العِتْقُ) وإنِ اسْتَغْنَى عن شيءٍ مِن ذلك ممَّا يُمْكِنُه أنَّ يَشْتَرِيَ به رَقَبَةً، لَزِمَه؛ لأنَّه واجِدٌ للرَّقَبَةِ.
وإن كالْت له رَقَبَةٌ تَخْدِمُه، يُمْكِنُه بَيعُها وشِراءُ رَقَبَتَين بثَمَنِها، يَسْتَغْنِي بخِدْمَةِ إحْداهما ويُعْتِقُ الأخْرَى، لَزِمَه؛ لأنَّه لا ضرَرَ في ذلك.
وهكذا لو كانت له ثِيابٌ فاخِرَةٌ تَزِيدُ على مَلابِسِ مِثْلِه، يُمْكِنُه بَيعُها، وشِراءُ ما يَكْفِيه في لِباسِه ورَقَبَةٍ يُعْتِقُها، لَزِمَه ذلك.
وكذلك إن كانت له دارٌ يُمْكِنُه بَيعُها، وشِرَاءُ ما يَكْفِيه لسُكْنَى مِثْلِه ورَقَبَةٍ، أو ضَيعَةٌ يَفْضُلُ منها عن كِفايَتِه ما يُمْكِنُه به شِراءُ رَقَبَةٍ.
وتُراعَى في ذلك الكِفايَةُ التي يَحْرُمُ معها أخْذُ الزَّكاةِ، فإذا161162
الحديث: 3744 - الجزء: 23 - الصفحة: 293
أو دابَّةٌ يَحْتَاجُ إِلَى رُكُوبِهَا، أوْ ثِيَاب يَتَجَمَّلُ بِهَا، أوْ كُتُبٌ يَحْتَاجُ إِلَيهَا، أوْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً إلا بِزِيَادَةٍ عَنْ ثَمَنِ مِثْلِهَا تُجْحِفُ بِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ.
وَإنْ وَجَدَهَا بِزِيَادَةٍ لَا تُجْحِفُ بِهِ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
فَضَلَ عن ذلك شيءٌ يُمْكِنُه شِراءُ رَقَبَةٍ به، لَزِمَتْه الكفَّارَةُ (وإن كان له دابَّة يَحْتاجُ إلى رُكُوبِها، أو كُتُبٌ يَحْتاجُ إليها، لم يَلْزَمْه العِتْقُ) ومذهبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ على نحو ما ذَكَرْنا.
وإن كانت له سُرِّيَّة، لم يَلْزَمْه إعْتاقُها؛ لأنَّه مُحْتاج إليها.
وإن أمْكَنَه بَيعُهَا، وشِراءُ سُرِّيَّةٍ أُخْرَى ورَقَبَةٍ يُعْتِقُها، لم يَلْزَمْه ذلك؛ لأنَّ الغَرَضَ قد يَتَعَلَّقُ بعَينها، فلا يَقُومُ غيرُها مَقامَها، سِيَّما إذا كان بدُونِ ثَمَنِها (1).
3745 -
مسألة: وإن وَجَدَ رَقَبَةً بِثَمَنِ مِثْلِها، لَزِمَه شِراؤُها.
وإن كانت بزيادَةٍ تُجْحِفُ بمالِه، لم يَلْزَمْه شِراؤُها؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا فِي ذلك.
وإن كانتِ الزِّيادَةُ لا تُجْحِفُ بمالِه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه؛ لأنَّه164
الحديث: 3745 - الجزء: 23 - الصفحة: 294
وَإنْ وُهِبَتْ لَهُ رَقَبَةٌ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا.
قَدَرَ على الرَّقَبَةِ بثَمَن يَقْدِرُ عليه، لا تُجْحِفُ به، فأشْبَهَ ما لو بِيعَتْ بثَمَنِ مِثْلِها.
والثَّانِي، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه لم يَجِدْ رَقَبَةً بثَمَنِ مِثْلِها، أشْبَهَ العادِمَ.
وأصْلُ الوجهَين، العادِمُ للماءِ إذا وجَدَه بزيادَةٍ على ثَمنِ مِثْلِه.
فإن وجَد رَقَبةً بِثَمنِ مثْلِهَا، إلَّا أنَّها رَقَبَةٌ رَفِيعَةٌ، يُمْكِنُ أنَّ يَشْتَرِيَ بثَمَنِها رِقابًا مِن غيرِ جِنْسِها، لَزِمَه شِراؤُها؛ لأنَّها بثَمَنِ مِثْلِها، ولا يُعَدُّ شِراؤُها بذلك الثَّمَنِ (1) ضَرَرًا، وإنَّما الضَّرَرُ في إعْتاقِها، وذلك لا يَمْنَعُ الوُجُوبَ، كما لو كان مالِكًا لها.
3746 -
مسألة: (وإن وُهِبَتْ له رَقَبَة، لم يَلْزَمْه قَبُولُها)
لأنَّ عليه مِنَّةً في قَبُولِها، وذلك ضَرَرٌ في حَقِّه.165
الحديث: 3746 - الجزء: 23 - الصفحة: 295
وَإنْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا وَأَمكَنَهُ شِرَاؤُهَا بِنَسِيئَةٍ، لَزِمَهُ.
3747 - مسألة: (وإن كان مالُه غَائِبًا وأمْكَنَه شراؤها بنَسِيئَةٍ)
فقد ذَكَرَ شَيخُنا 166 -فيما إذا عَدِمَ الماءَ، فَبُذِلَ له بثَمَن فِي الذِّمَّةِ يَقْدِرُ على أدائِه في بَلَدِه- وَجْهَين؛ أحدُهما، يَلْزَمُه شِراؤُه.
قاله القاضي؛ لأنَّه قادِرٌ على أخْذِه بما لا مَضَرَّةَ فيه.
وقال أبو الحسَنِ التَّمِيمِيُّ: لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في بَقاءِ الدَّينِ في ذِمَّتِه، ورُبَّما تَلِفَ مالُه قبلَ أدائِه.
فيُخَرَّجُ ههُنا على الوَجْهَين 167. والأوْلَى، إن شاءَ الله، أنَّه لا يَلْزَمُه؛ لذلك.
وإن كان مالُه غائِبًا، ولم يُمْكِنْه شِراؤُها نَسِيئَةً، فإن كان مَرْجُوَّ الحُضُورِ
الحديث: 3747 - الجزء: 23 - الصفحة: 296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَريبًا، لم يَجُزْ الانْتِقالُ إلى الصِّيامِ؛ [لأنَّ ذلك بمَنْزِلَةِ الانْتِظار لشِراءِ الرَّقَبَةِ.
وإن كان بَعِيدًا، لم يَجُزْ الانْتِقالُ إلى الصِّيامِ] 168 في غيرِ كفارَةِ الظِّهارِ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في الانْتظارِ.
وهل يجوزُ في كفَّارَةِ الظِّهارِ؟ على وَجْهَين؛ أحدُهما، لا يَجوزُ؛ لوُجُودِ الأصْلِ في مالِه، [فأشْبَه سائرَ] 169 الكفَّاراتِ.
والثاني، يَجوز؛ لأنَّه يَحْرُمُ عليه المَسِيسُ، فجازَ له الانْتِقالُ للحاجَةِ.
فإن قِيلَ: فلو عدِمَ الماءَ وثَمَنَه، جار له الانْتِقالُ إلى التَّيَمُّمِ، وإن كان قادِرًا عليهما في بَلَدِه.
قُلْنا: الطَّهارَةُ تَجِبُ لأجْلِ الصَّلاةِ، وليس له تأْخِيرُها عن وَقْتِها، فدَعَتِ الحاجَةُ إلى الانْتِقالِ، بخِلافِ مَسْألتِنا، ولأنَّنا لو مَنَعْناه مِن التَّيَمُّمِ لوُجُودِ القُدْرَةِ 170 على الماءِ في بَلَدِه، بَطَلَتْ رُخْصَةُ التَّيَمُّمِ، فإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَقْدِرُ على ذلك.
الجزء: 23 - الصفحة: 297
وَلَا يُجْزِئُهُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ إك رَقَبَة مُومِنَة.
وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
3748 - مسألة: (ولا تُجْزِئُ في كَفارَةِ القَتْلِ إلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ)
لقَوْلِ اللهِ تعالى: (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطئا فَتحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤمِنَةٍ) 171. (وكذلك في سائرِ الكفاراتِ، في ظاهرِ المذهبِ) وهو قَوْلُ الحسَن، و 172 مالكٍ، والشافعيِّ، وإسْحاقَ، وأبي عُبَيدٍ.
وعن أحمدَ روايةٌ ثانيةٌ، أنَّه يُجْزِئُ فيما عدا كفَّارَةَ القَتْلِ، مِنَ الظِّهارِ وغيرِه، عِتْقُ رَقَبَةٍ ذِمِّيَّةٍ.
وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والثَّوْرِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ الله تعالى أطْلَقَ الرقَبَةَ في كفَّارَةِ الظهارِ، فَوَجَبَ أنْ يُجْزِئَ ما تَناوَلَه الإِطْلاقُ.
ولَنا، ما روَى معاويةُ بنُ الحَكَمِ، قال: كانت
الحديث: 3748 - الجزء: 23 - الصفحة: 298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لي جارِيَةٌ، فأتَيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقلتُ: علَيَّ رَقَبَة أفأُعْتِقُها؟ فقال لها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أينَ الله؟» قالت: في السَّماء.
قال: «مَنْ أنا؟» قالتْ: أنتَ 173 رسولُ اللهِ.
فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أعْتِقْهَا؛ فَإنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».
أخْرَجَه مُسْلِم 174. فعَلَّلَ جَوازَ إعْتاقِها عن الرَّقَبَةِ التي عليه بأنَّها مُؤْمِنَةٌ، فدَلَّ على أنَّه لا يُجْزِئُ عن الرَّقَبَةِ التي هي 175 عليه إلَّا مُؤْمِنَةٌ، ولأنَّه عِتْقٌ في كفَّارَةٍ، فلا يُجْزِئُ فيه الكافِرَةُ، ككَفَّارَةِ القَتْلِ.
والجامِعُ بينَهما، أنَّ الإعْتاقَ يتَضَمَّنُ تَفْرِيغَ العَبْدِ الفسْلِمِ لعِبادَةِ رَبَّه، وتَكْمِيلَ أحْكامِه، وعِبادَتِه، وجِهَادِه، ومَعُونَةَ المُسْلِمِين، فناسبَ ذلك شَرْعُ إعْتاقِه في الكفَّارَةِ، تحْصِيلًا لهذه المصالحِ، والحُكْمُ مَقْرُون بها في كفَّارَةِ القَتْلِ
الجزء: 23 - الصفحة: 299
وَلَا يُجْزِئُهُ إلا رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا،
المَنْصُوصِ على الإيمانِ فيها، فيُعَلَّلُ بها، ويتَعَدَّى ذلك إلى كُلِّ عِتْقٍ في كفَّارَةٍ، فيَخْتَصُّ (1) بالمُؤْمِنَةِ لاخْتِصاصِها بهذه الحِكْمَةِ.
فأمَّا المُطْلَقُ الذي احْتَجُّوا به، فإنَّه يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ في كفَّارَةِ القَتْلِ، كما حُمِلَ مُطْلَقُ قَوْلِه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (2). على المُقَيَّدِ في قَوْلِه: (وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ) (3). وإن لم يُحْمَلْ عليه مِن جِهَةِ اللُّغَةِ، حُمِلَ عليه مِن جِهَةِ القِياسِ.
3749 -
مسألة: (ولا يُجْزِئُ إلَّا رَقَبَةٌ سَلِيمَة مِن العُيُوبِ المُضِرَّةِ بالعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا)
لأنَّ المقْصُودَ تَمْلِيكُ العَبْدِ مَنافِعَه، وتَمْكِينُه مِن التَّصَرُّفِ لنَفْسِه، ولا يَحْصُلُ هذا مع ما يَضُرُّ بالعَمَلِ ضَرَرًا176177178
الحديث: 3749 - الجزء: 23 - الصفحة: 300
كَالْعَمَى وَشَلَلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، أوْ قَطْعِهِمَا (1)،
بَيِّنًا، فلا يُجْزِيء الأعْمَى؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه العَمَلُ في أكْثَرِ الصَّنائِعِ، ولا المُقْعَدُ، وكذلك مَقْطُوعُ اليَدَينِ والرِّجْلَينِ، أو أشَلُّهُما؛ لأنَّ اليدَين آلةُ البَطْشِ، والرِّجْلَينِ آلةُ المَشْي، فلا يَتَهَيَّأُ له كَثِيرٌ مِن العَمَلِ مع تَلَفِهِما.
ولا يُجْزِئُ المجْنُونُ جُنونًا مُطْبِقًا؛ لأنَّه وُجِدَ فيه المَعْنَيانِ، ذَهابُ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ، وحُصُولُ الضَّرَرِ بالعَمَلِ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وحُكِيَ عن داودَ، أنه جَوَّزَ كُلَّ رَقَبَةٍ يَقَعُ عليها الاسْمُ، أخْذًا بإطْلاقِ اللَّفْظِ.
ولَنا، أنَّ هذا نَوْعُ كفَّارةٍ، فلم يُجْزِئُ مُطْلَقُ ما يقَعُ عليه الاسْمُ، كالإطْعامِ؛ فإنَّه لا يُجْزِئُ أنَّ يُطْعِمَ مُسَوَّسًا ولا عَفِنًا، وإن كان يُسَمَّى طَعامًا.
والآيةُ مُقُيَّدَة بما ذَكَرناه.
3750 -
مسألة: ولا يُجْزِيء مَقْطُوعُ اليَدِ، أو الرجلِ،
ولا179
الحديث: 3750 - الجزء: 23 - الصفحة: 301
أَوْ قَطْعِ إِبْهَامِ الْيَدِ، أَوْ سَبَّابَتِهَا، أَو الْوُسْطىَ، أَو الْخِنْصَرِ وَالْبِنْصَرِ مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ،
أشَلُّهُما 180، ولا مَقْطُوعُ إبْهامِ اليَدِ، أو سَبَّابَتِها، أو الوُسْطَى؛ لأنَّ نَفْعَ اليَدِ يَذْهَبُ بذَهابِ هؤلاءِ، ولا يُجْزِئُ مَقْطُوعُ (الخِنْصَرِ والبنْصَرِ مِن يَدٍ واحِدَةٍ) لأنَّ نَفْعَ اليَدِ يزُولُ أكْثَرُه بذلك.
وإن قطِعَتْ كُلُّ واحِدَةٍ منهما مِن يَدٍ، جازَ؛ لأنَّ نَفْعَ الكَفَّينِ باقٍ، وقَطْعُ أُنْمُلَةِ الإبْهامِ كقَطْعِها؛ لأنَّ نَفْعَها يَذْهَبُ بذلك، لكَوْنِها أُنْمُلَتَين.
وإن كان مِن غيرِ الإبْهامِ، لم يَمْنَعْ؛ لأنَّ مَنْفَعَتَها لا تَذْهَبُ، فإنَّها تَصِير كالأصابعِ القِصار، حتى لو كانت أصابعُه كلُّها غيرَ الإبهام قد قُطِعَتْ مِن كلِّ واحِدَةٍ منْهَا 181 أُنْمُلَةٌ، لم يَمْنَعْ.
وإن قطِعَ مِن الإصْبَعِ 182 أُنْمُلَتانِ، فهو كقَطْعِها؛ لأنَّه يَذْهَبُ بمَنْفَعَتِها.
وهذا كله مذْهَبُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُ مَقْطُوعُ إحْدَى اليَدَين وإحْدَى الرِّجْلَين، ولو قطِعَتْ يَدُه
الجزء: 23 - الصفحة: 302
وَلَا يُجْزِئُ الْمَرِيضُ الْمَأْيُوسُ مِنْهُ، وَلَا النَّحِيفُ الْعَاجِزُ عَنِ
ورِجْلُه جميعًا مِن خِلافٍ أجْزأ؛ لأنَّ مَنْفَعَةَ الجِنْسِ باقِيَة، فَأجْزَأَ في الكفَّارَةِ، كالأعْوَرِ، وأمَّا إن قُطِعَتا مِن وفاقٍ -أي مِن جانِبٍ واحدٍ- لم يُجْزِئ؛ لأنَّ مَنْفَعَةَ الشيءِ تَذْهَبُ.
ولَنا، أنَّ هذا يُؤَثِّرُ في العَمَلِ، ويَضُرُّ ضَرَرًا بَيِّنًا، فيَمْنَعُ، كما لو قُطِعَتَا مِن وفاقي.
ويُخالِفُ العَوَرَ؛ فإنَّه لا يَضُرُّ ضَرَرًا بَيِّنًا، ولَنا فيه مَنْعٌ، وإن سُلِّمَ، فالاعْتِبارُ بالضرَرِ أَوْلَى [مِن الاعْتِبارِ] (1) بمَنْفَعَةِ الجِنْسِ؛ فإَّنه لو ذَهَبَ شَمُّه، أو قُطِعَتْ أُذُناه معًا، أجْزَأَ مع ذَهابِ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ.
3751 -
مسألة: (ولا يُجْزِئُ المَرِيضُ المَأْيُوسُ مِن بُرْئِه)
كمَرضِ السُّلِّ؛ لأنَّ بُرْأه يَنْدُرُ، ولا يَتَمَكَّنُ مِن العَمَلِ مع بَقائِه.
وإن كان المرَضُ يُرْجَى زَوالُه، كالحُمَّى ونحو ما، لمْ يَمْنَعِ الإجْراءَ في الكفَّارَةِ (ولا) يُجْزِئُ (النَّحِيفُ العاجِزُ عن العَملِ) لأنَّه كالمَريض183
الحديث: 3751 - الجزء: 23 - الصفحة: 303
العَمَلِ، وَلَا غَائِبٌ لَا يُعْلَمُ خَبَرُهُ، المَأْيُوسِ مِن بُرْئِه، وإن كان يَتَمَكَّنُ مِن العَملِ، أجْزَأ.
3752 -
مسألة: (ولا)
يُجْزِئُ (غائِبٌ لا يُعْلَمُ خَبَرُه) لأنَّه
الحديث: 3752 - الجزء: 23 - الصفحة: 304
وَلَا مَجْنُونٌ مُطْبِقٌ، وَلَا أَخْرَسُ لَا تُفْهَمُ إِشَارَتُهُ،
مَشْكوكٌ في حَياتِه، والأصْلُ بَقاءُ شُغْلِ الذمةِ، فلا تَبْرأُ بالشَّكِّ، وهو مَشْكُوكٌ في وُجُودِه، فيُشَكُّ في إعْتاقِه.
فإن قيل: الأصْلُ حَياتُه.
قُلْنا: إنَّ المَوْتَ قد عُلِمَ أنَّه لا بُدَّ منه، وقد وُجِدَتْ دَلالة عليه، وهو انْقِطاعُ أخْبارِه.
فإنْ تَبَيَّنَ بعدَ هذا كَوْنُه حَيًّا، صَحَّ إعْتاقُه، وتَبَيَّنَّا بَراءَةَ ذِمَّتِه مِن الكفَّارَةِ، وإلَّا فلا.
وإن لم يَنْقَطِعْ خَبَرُه، أجْزأ عِتْقُه؛ لأنَّه عِتْقٌ صَحِيحٌ.
3753 -
مسألة: (ولا)
يُجْزِئُ (مَجْنُون مُطْبِق) لأَنه لا يَقْدِرُ على العَمَلِ.
3754 -
مسألة: ولا يُجْزِئُ الأصَمُّ
184 الأخْرَسُ.
وهو قَوْلُ القاضي، وبَعْضِ الشافعيةِ.
قال شَيخُنا 185: والأوْلَى أنَّه متى فهِمَتْ إشارَتُه، وفَهِمَ إشارَةَ غيرِه أنَّه يُجْزِئُ لأنَّ الإشارةَ تَقُومُ مَقامَ الكَلامِ في الإفْهامِ، وأحْكامُه كُلُّها تَثْبُتُ بإشارَته، فكذلك عِتْقُه.
وكذلك الأخْرَسُ الذي تُفْهَمُ إشارَتُه.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ.
وعن أحمدَ أنَّه لا يُجْزِئُ.
وبه قال أصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ مَنْفَعَةَ الجِنْسِ ذاهِبَة،
الحديث: 3753 - الجزء: 23 - الصفحة: 305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأشْبَهَ زائِلَ العَقْلِ، ولأنَّ الخَرَسَ نَقْصٌ كَثِيرٌ 186، يَمْنَعُ كثيرًا مِن الأحْكامِ، مثلَ القَضاءِ والشَّهادَةِ، وكثيرٌ مِن النَّاسِ لا يَفْهَمُ إشارَتَه، فيَتَضَرَّرُ بتَرْكِ اسْتِعْمالِه.
والأوَّلُ أوْلَى إن شاءَ الله؛ لِمَا ذَكَرْنا.
وذَهابُ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ لا يَمْنَعُ الإجْزاءَ، كذَهابِ الشمِّ، وذَهابُ الشَّمِّ لا يَمْنَعُ الإجْزاءَ؛ لأنَّه لا يَضُرُّ بالعَمل ولا بغيرِه.
ويُجْزِئُ مَقْطوعُ الأُذُنَين.
وبذلك قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال مالكٌ، وزُفَرُ: لا يُجْزِئُ 187. ولَنا، أنَّ قَطْعَهما لا يَضُرُّ بالعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنَّا، فلم يَمْنَعْ، كنَقْصِ السَّمْعِ، بخِلافِ قَطْعِ اليَدَين.
ويُجْزِيء مَقْطُوعُ الأنْفِ أيضًا 188 لذلك.
الجزء: 23 - الصفحة: 306
وَلَا عِتْقُ مَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ عِنْدَ وُجُودِهَا، وَلَا مَنْ يَعْتِقُ عَلَيهِ بِالْقَرَابَةِ،
3755
- مسألة: (ولا)
يُجْزِئُ (عِتْقُ مَن عُلِّقَ عِتْقُهُ بصِفَةٍ عندَ وُجُودِها) [لأن عِتْقَه مُسْتَحَق في غيرِ الكفّارَةِ، فلم يُجْزِه، كالذي اسْتُحِق عليه الإطْعامُ في النَّفَقَةِ، فدَفَعَه في الكفّارَةِ] 189. فأمَّا إن عَلَّقَ عِتْقَه للكفَّارَةِ، [أو أعْتَقَه قبلَ] 190 وُجُودِ الصِّفَةِ، أجْزَأه؛ لأنَّه أعْتَقَ عَبْدَه الذي يَمْلِكُه عن كفَّارَته 191.
3756 - مسألة: (ولا) يُجْزِئُ (مَن يَعْتِقُ عليه بالقرابَةِ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا اشْتَرَى مَن يَعْتِقُ عليه إذا مَلَكَه، يَنْوي بشِرائِه عِتْقَه عن الكفَّارَةِ، عَتَقَ، ولم يُجْزِئْه.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرَّأي: يُجْزِئُه اسْتِحْسانًا؛ لأنَّه يُجْزِئُ عن كفَّارَةِ البائِعِ، فأجْزَأ عن كفَّارَةِ المُشْتَرِي كغيرِه.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ).
والتَّحْرِيرُ فِعْلُ العِتْقِ، ولم يَحْصُلِ العِتْقُ ها هنا بتَحْرِير منه ولا إعْتاقٍ، فلم يكُنْ مُمْتَثِلًا للأمْرِ، ولأنَّ عِتْقَه مُسْتَحَقٌّ بسَبَبٍ آخَرَ، فلم يُجْزِئْه، كما لو وَرِثَه يَنْوي به العِتْقَ عن كفَّارَته، أو كأمِّ الوَلَدِ، ويُخالِفُ المشْتَرِي البائِع مِن وَجْهَينِ؛ أحدُهما، أنَّ البائِعَ يُعْتِقُه، والمُشْتَرِيَ لم يُعْتِقْه، وإنما يَعْتِقُ بإعْتاقِ الشَّرْعِ عن غيرِ اختِيارٍ منه.
الحديث: 3755 - الجزء: 23 - الصفحة: 307
وَلَا مَنِ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ،
الثَّاني، أنَّ البائِعَ لا يُسْتَحَقُّ عليه إعْتاقُه، والمُشْتَرِي بخِلافِ ذلك.
فصل: إذا اشْتَرَى عَبْدًا يَنْوي إعْتاقَه عن كفَّارَته، فوَجَدَ به عَيبًا لا يَمْنَعُ مِن الإجْزاءِ في الكفَّارَةِ، فأخَذَ أرْشَه، ثم أعْتَقَ العَبْدَ عن كفَّارَتِه، أجْزَأه، وكان الأرْشُ له؛ لأنَّ العِتْقَ إنَّما وَقَعَ على العَبْدِ المَعِيبِ دُونَ الأَرْشِ.
فإن أعْتَقَه قبلَ العِلْمِ بالعَيبِ، ثم ظَهَرَ على العَيبِ، فأخَذَ أَرْشَه، فهو له، كما لوْ أخَذَه قبلَ إعْتاقِه.
وعنه، أنَّه يَصْرِفُ الأرْشَ في الرِّقابِ؛ لأنَّه أعْتَقَه مُعْتَقِدًا أنَّه سَلِيم، فكان بمَنْزِلَةِ العِوَضِ عن حَقِّ اللهِ تعالى، فكان الأرْشُ مَصْرُوفًا في حَقِّ الله تعالى، كما لو باعَه كان الأرْشُ للمُشْتَرِي.
فإن عَلِمَ العَيبَ ولم يَأْخُذْ أرْضَه حتى أعْتَقَه، كان الأرْشُ للمُعْتِقِ؛ لأنَّه أعْتَقَه مَعِيبًا عالِمًا بعَيبِه، فلم يَلْزَمْه أرْشٌ، كما لو باعَه لِمَن يعْلَمُ عَيبَه.
3757 -
مسألة: (ولا)
يُجْزِيء (مَن اشْتَراه بشَرْطِ العِتْقِ في ظاهرِ المذْهَبِ) وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافعيِّ.
وقد رُوِيَ عن مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ ما يدُلُّ عليه؛ وذلك لأنَّه إذا اشْتَراه بشَرْطِ العِتْقِ، فالطاهِرُ أنَّ البائِعَ نَقَصَه مِن الثمَنِ لأجْلِ هذا الشَّرْطِ، [فكان آخِذًا] 192 عن العِتْقِ عِوَضًا،
الحديث: 3757 - الجزء: 23 - الصفحة: 308
وَلَا أُمُّ وَلَدٍ، فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ،
فلم يُجْزِئْه عن الكفَّارَةِ.
قال أحمدُ: إن كانت رَقَبَةً واجِبَةً، لم تُجْزِئْه؛ لأنها ليست رَقَبةً سليمةً، ولأنَّ عِتْقَها مُسْتَحَقُّ بسَبَبٍ آخَرَ، وهو الشَّرْطُ، فلم تُجْزِئْه، كما لو اشْتَرَى قَرِيبَه، فنَوَى بشِرائِه العِتْقَ عن الكفارَةِ، أو قال: إن دَخَلْتُ الدَّارَ فأنْتَ حُرٌّ.
ثم نوَى عندَ دُخُولِه أنَّه عن كفَّارَته.
فصل: ولو قال رجُلٌ له: أعْتِقْ عَبْدَك عن كفَّارَيكَ، ولك عَشَرَةُ دنانِيرَ.
ففَعَلَ، لم يُجْزِئْه عن الكفارَةِ؛ لأنَّ الرَّقَبَةَ لم تَقَعْ خالِصَةً عن الكفَّارَةِ.
وذكَرَ القاضي أنَّ العِتْقَ كله يَقَعُ عن باذِلِ العِوَضِ، وله وَلاؤُه.
وهذا فيه نَظرٌ؛ فإنَّ المعْتِقَ لم يُعْتِقْه عن باذِلِ العِوَض، ولا رَضِيَ بإعْتاقِه عنه، وباذِلُ العِوَضِ لم يَطْلُبْ ذلك، والصحِيحُ أنَّ إعْتاقَه عن المعْتِقِ، والوَلاءُ له.
فإن رَدَّ العَشَرَةَ على باذِلِها ليكونَ العِتْق عن الكفارَةِ، لم يُجْزِئْ عنها (1)؛ لأنَّ العِتْقَ إذا وقَعَ على صِفَةٍ، لم يَنْتَقِلْ عنها.
وإن قَصَدَ العِتْقَ عن الكفَّارَةِ وحدَها، وعَزَمَ على رَدِّ العَشَرَةِ، أو رَدَّ العَشَرَةَ قبلَ العِتْقِ، وأعْتَقَه عن كفَّارَته، أجْزَأه.
3758 -
مسألة: (ولا أُمُّ وَلَدٍ، فِي الصَّحِيحِ عنه)
هذا ظاهِر المذهبِ.
وبه قال الأوْزَاعِي، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وعن أحمدَ رِواية أُخْرَى، أنَّها تجْزِئُ.
يُرْوَى ذلك193
الحديث: 3758 - الجزء: 23 - الصفحة: 309
وَلَا مُكَاتَبٌ قَدْ أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ شَيئًا، فِي اخْتِيَارِ شُيُوخِنَا.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُ.
وَعَنْهُ، لَا يُجْزِئُ مُكَاتَبٌ بِحَالٍ.
عن الحسَنِ، وطاوُسٍ، والنَّخَعِيِّ، وعثمانَ البَتِّيِّ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: (فتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ).
ومُعْتِقُها قد حَرّرَها.
ولَنا، أنَّ عِتْقَها مُسْتَحَقٌّ بسَبَبٍ آخَرَ، فلم تُجْزِئْ عنه، كما لو اشْتَرَى قَرِيبَه، أو عَبْدًا يشَرْطِ العِتْقِ، فأعْتَقَه، وكما لو قال لعَبْدِه: أنتَ حُرُّ إن دَخَلْتَ الدَّارَ.
ونَوَى عِتْقَه عن كفَّارَته عندَ دُخُولِه.
والآيَةُ مَخْصُوصَة بما ذَكَرْنا، فنَقِيسُ عليه ما اخْتَلفْنا فيه.
ووَلَدُ أُمِّ الوَلَدِ الذي وَلَدَتْه بعدَ كَوْنِها أُمَّ وَلَدٍ، حُكْمُه حُكْمُها فيما ذَكَرْناه؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُها في العِتْقِ بمَوْتِ سَيِّدِها.
3759 -
مسألة: (ولا)
يُجْزِىُ (مُكاتَبٌ قد أدَّى مِن كِتابَتِه شَيئًا، فِي اخْتِيارِ شُيُوخِنَا.
وعنه، يُجْزِيءُ.
وعنه، لا يُجْزِئُ مُكاتَب بِحَالٍ) رُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في المُكَاتَبِ ثَلاث رِواياتٍ؛ إحْداهُن، يُجْزِئُ مُطْلَقًا.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
وهو مذهبُ أبي ثَورٍ؛ لأنَّ المُكاتَبَ عَبْدٌ يَجُوزُ بَيعُه، فأجْزَأ عِتْقُه، كالمُدَبَّرِ، ولأنَّه رَقَبَةٌ، فيَدْخُلُ
الحديث: 3759 - الجزء: 23 - الصفحة: 310
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في 194 مُطْلَقِ قَوْلِه سبحانَه: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ).
والثَّانِيَةُ، لا يُجْزِئُ مُطْلَقًا.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي عُبَيدٍ؛ لأنَّ عِتْقَه مُسْتَحَقٌّ بسَبَبٍ آخَرَ، ولهذا لا يَمْلِكُ إبْطال كِتالته، فأشْبَهَ أُمَّ الوَلَدِ.
والثَّالِثَةُ، إن كان أدَّى شيئًا مِن كِتابَتِه، لم يُجْزِئْه، وإلَّا أجْزَأه.
وبه قال اللَّيثُ، والأوْزَاعِيُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي.
قال القاضي: هو الصَّحِيحُ؛ لأنَّه إذا أدَّى شيئًا فقد حصل العِوَضُ عن بعضِه، فلم يُجْزِئ، كما لو أعْتَقَ بعْضَ رَقَبَةٍ، وإذا لم يُؤَدِّ، فقد أعْتَقَ رَقَبَةٌ كامِلَةً، مُؤْمِنَةً، سالمَةَ الخَلْقِ، تامَّةَ المِلْكِ، لم يحْصُلْ عن شيءٍ منها عِوَضٌ، فأجْزَأ عِتْقُها، كالمُدَبَّرِ.
ولو أعْتَقَ عَبْدًا على 195 مالٍ يَأْخُذُه من العبدِ، لم يُجْزِيء عن كفَّارَتِه، في قولِهم جميعًا.
فصل: ولا يُجْزِيء؛ إعْتاقُ الجَنِينِ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وبه يقولُ أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال أبو ثَوْرٍ: يُجْزِئُ؛ لأنَّه آدَمِيٌّ مَمْلُوكٌ،
الجزء: 23 - الصفحة: 311
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَصِحُّ إعْتاقُه، فصَحَّ عن الرَّقَبَةِ، كالمَوْلُودِ.
ولَنا، أنَّه لم يَثْبُتْ له أحْكامُ الدُّنْيا بعدُ؛ فإنَّه لا يَمْلِكُ إلَّا بالإرْثِ والوَصِيَّةِ، ولا يُشْتَرَطُ لهما كَوْنُه آدمِيًّا؛ لكَوْنِه يثْبُتُ له ذلك وهو نُطْفَةٌ أو عَلَقَةٌ، وليس بآدَمِيٍّ في تلك الحالِ.
فصل: فإن أعْتَقَ غيرُه عنه عبدًا بغيرِ أمْرِه، لم يَقَعْ عن المُعْتَقِ عنه إذا كان حَيًّا، ووَلاوه للمُعْتِقِ، ولا يُجْزِئُ عن كفَّارَتِه وإن نَوَى ذلك.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّه يُجْزِئُ إذا أعْتَقَ عن وَاجِبٍ على غيرِه بغيرِ إذْنِه؛ لأنَّه قَضَى عنه واجِبًا، فصَحَّ، كما لو قَضَى عنه دَينًا.
ولَنا، أنَّه عِبادَةٌ مِن شَرْطِها النِّيَّةُ، فلم يصِحَّ أداؤُها عمَّن وجَبَتْ عليه بغيرِ أمْرِه، مع كَوْنِه مِن أهلِ الأمْرِ، كالحَجِّ، ولأنَّه أحَدُ خِصالِ الكفَّارَةِ، فلم يَصِحَّ عن [المُكَفَّرِ عنه] 196 بغيرِ أمْرِه، كالصيامِ.
وهكذا الخِلافُ [في مَن] 197 كُفِّرَ عنه بالاطْعامِ.
فأمَّا الصيامُ، فلا يجوزُ أنَّ يَنُوبَ عنه بإذْنِه ولا بغيرِ إذْنِه؛ لأنَّه عِبادَة بدَنِيَّة، فلا تَدْخُلُها النِّيابَة.
فأمَّا إن أعْتَقَ عنه بأمْرِه، نَظَرْتَ؛ فإن جَعَلَ له 198 عِوَضًا، صَحَّ العِتْقُ عن المُعْتَقِ عنه، وله وَلاؤُه، وأجْزَأ عن كفَّارَتِه، بغيرِ خلافٍ عَلِمْناه.
وبه يقولُ أبو حنيفةَ 199، والشافعي، وغيرُهما 200؛ لأنَّه حَصَلَ العِتْقُ عنه
الجزء: 23 - الصفحة: 312
وَيُجْزِئُ الْأعْرَجُ يَسِيرًا، وَالْمُجَدَّعُ الْأنفِ وَالأذُنِ، وَالْمَجْبُوبُ
بمالِه، فأشْبَهَ ما لو اشْتَراه ووَكَّلَ البائِعَ في إعْتاقِه عنه.
وإن لم يَشْتَرِطْ عِوَضًا، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، يَقَعُ العِتْقُ عن المُعْتَقِ عنه، ويُجْزِيء عن كفَّارَته.
وهو قول مالكٍ، والشافعي؛ لأنَّه أعْتَقَ عنه بأمْرِه، فصَحَّ، كما لو شَرَطَ عِوَضًا.
والأخْرَى، لا يُجْزِئُ، ووَلاؤُه للمُعْتِقِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ العِتْقَ بعِوَضٍ كالبَيعِ، وبغيرِ عِوَضٍ كالهِبَةِ، ومِن شَرْطِ الهبَةِ القَبْضُ، ولم يَحْصُلْ، فلم يَقعْ عن المَوْهُوب له، ويُفارِقُ البَيعَ؛ لأَنَّه لا يُشْتَرَطُ فيه القَبْضُ.
فإن كان المُعْتَقُ عنه مَيِّتًا، وكان قد وَصَّى بالعِتْقِ عنه، صَحَّ؛ لأنَّه بأمْرِه، وإن لم يُوصِ فأعْتَقَ عنه أجْنَبِيٌّ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه ليس بنائِبٍ عنه.
وإن أعْتَقَ عنه وارِثُه؛ فإن لم يكُنْ عليه واجِبٌ، لم يصِحَّ العِتْقُ عنه، ووَقَعَ عن المُعْتِقِ، وإن كان عليه عِتْقٌ واجِبٌ، صَحَّ العِتْقُ عنه؛ لأنَّه نائِبٌ عنه في مالِه وأداءِ واجِباتِه.
فإن كانت عليه كفَّارَةُ يَمِين فأطْعَمَ عنه، جاز، وإن أعْتَقَ عنه، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، ليس له ذلك؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَيِّن، فجَرَى مَجْرَى التَّطَوُّعِ.
والثَّاني، يُجْزِئُ؛ لأنَّ العِتْقَ يَقَعُ واجِبًا؛ لأنَّ الوُجُوبَ يتَعَيَّنُ فيه بالفِعْلِ، فأشْبَهَ المُعَيَّنَ، ولأنَّه أحَدُ خِصالِ كفَّارَةِ اليَمِينِ، فجازَ أنَّ يَفْعَلَه عنه، كالإطْعامِ والكُسْوَةِ.
ولو قال مَن عليه الكفَّارَةُ: أطْعِمْ عن كفَّارَتِي.
أو: اكْسُ.
صَحَّ إذا فَعَلَ، رِوايةً واحِدَةً، سواء ضَمِنَ له عِوَضًا أو لا.
3760 -
مسألة: (ويُجْزِيء الأعْرَجُ يَسِيرًا)
لأنَّه قَلِيلُ الضَّرَرِ
الحديث: 3760 - الجزء: 23 - الصفحة: 313
وَالْخَصِيُّ، وَمَنْ يُخْنَقُ فِي الأحْيَانِ، وَالْأَصَمُّ وَالأخْرَسُ الَّذِي يَفْهَمُ الْإشَارَةَ وَتُفْهَمُ إِشَارَتُهُ،
بالعَمَلِ، فإن كان فاحِشًا كثيرًا، لم يُجْزِئْ؛ لأنَّه يَضُرُّ بالعَمَلِ، فهو كقَطعَ الرِّجْل.
(و) يجزِيء (المُجَدَّعُ الأنْفِ والأذُنِ) وفي مُجدَّعِ الأذُنين خِلاف ذَكَرْناه.
(و) يُجْزِئُ (المَجْبُوبُ، والخَصِيُّ، ومَنْ يُخْنَقُ في الأحْيانِ، والأصَمُّ) لأنَّ هذا لا يَضُرُّ بالعملِ، وتُجْزِئُ الرَّتْقاءُ، والكبيرةُ التي تَقْدِرُ على العملِ؛ لأنَّ ما لا يَضُرُّ بالعملِ لا يَمْنَعُ تَمْلِيكَ العَبْدِ مَنافِعَه، وتَكْمِيلَ أحْكامِه، فحصَلَ الإجْزاءُ به، كالسَّالِم مِن العُيُوبِ.
فصل: ويُجْزِئُ عتْقُ الجانِي، وإن قُتِل قِصاصًا، والمَرْهُونِ، وعِتْقُ المُفْلِسِ عبدَه، إذا قُلْنا بصِحَّةِ عِتْقِه.
فصل: ويُجْزِئُ الأعْوَرُ في قولِهم جيعًا.
وقال أبو بكرٍ: فيه قولٌ
الجزء: 23 - الصفحة: 314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
آخَرُ، لا يُجْزِئُ؛ لأنَّه نَقْصٌ يَمْنَعُ التَّضْحِيَةَ والإجْزاءَ في الهَدْي، فأشْبَهَ العَمَى.
والصَّحِيحُ ما ذَكَرْناه؛ فإنَّ المقْصُودَ تَمْلِيكُ العبدِ المنافِعَ، وتَكْمِيلُ الأحْكامِ، والعَوَرُ لا يَمْنَعُ ذلك، ولأنَّه لا يَضُرُّ بالعملِ، أشْبَهَ قَطْعَ إحْدَى الأُذُنَين.
ويُفارِقُ العَمَى، فإنَّه يَضُرُّ بالعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنَّا، ويَمْنَعُ كثيرًا مِن الصَّنائِعِ، ويَذْهَبُ بمَنْفَعَةِ الجِنْسِ.
ويُفارِقُ قَطْعَ إحْدَى اليَدَينِ أو الرِّجْلَين؛ فإنَّه لا يَعْمَلُ بإحْداهما ما يَعْمَلُ بهما، والأعْوَرُ يُدْرِكُ بإحْدَى العَينَين ما يُدْرِكُ بهما.
وأمَّا الأضْحِيَةُ والهَدْيُ، فإنَّه لا يَمْنَعُ منهما مُجَرَّدُ العَوَرِ، وإنَّما يَمْنَعُ انْخِسافُ العَينِ؛ لأنَّها عُضْوٌ مُسْتَطابٌ، ولأنَّ الأضْحِيَةَ يَمْنَعُ فيها قَطْعُ الأُذُنِ والقَرْنِ، والعِتْقُ لا يَمْنَعُ فيه إلَّا ما يَضُرُّ بالعَمَلِ.
الجزء: 23 - الصفحة: 315
وَالْمُدَبَّرُ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ،
3761
- مسألة: (و)
يُجْزِئُ عِتْقُ (المُدَبَّرِ) وهذا قولُ طاوسٍ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال مالكٌ، والأوْزَاعِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي: لا يُجْزِئُ لأنَّ عِتْقَه مُسْتَحَقٌّ بسَبَبٍ آخَرَ، فأشْبَهَ أمَّ الوَلَدِ، ولأنَّ بَيعَه عندَهم غيرُ جائز، فهو كأمِّ الوَلَدِ.
ولَنا، قولُه تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ).
وقد حَرَّرَ رَقَبَةً، ولأنَّه عَبْدٌ كامِلُ المَنْفَعَةِ، لم يحْصُلْ عن شيءٍ منه عِوَضن، فجازَ عِتْقُه، كالقِنِّ، ولأنَّه يجوزُ بَيعُه، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - باعِ مُدَبَّرًا 201. وقد ذَكَرْنا ذلك، ولأنَّ التَّدْبِيرَ إمَّا أنَّ يكونَ وَصِيَّةً أو عِتْقًا بصِفةٍ، وأيُّهما كان، فلا يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ بإعْتاقِه قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، والصِّفَةُ ههُنا الموتُ، ولم توجَدْ.
(و) يُجْزِئُ (المُعَلَّقُ عِتْقُه بصِفَةٍ) قبلَ وُجُودِها؛ لأنَّ مِلْكَه فيه تامٌّ، ويَجُوزُ بَيعُه.
الحديث: 3761 - الجزء: 23 - الصفحة: 316
وَوَلَدُ الزِّنَى،
3762
- مسألة: (و)
يُجْزِئُ 202 عِتْقُ (وَلَدِ الزِّنَى) وهذا قولُ أكثرِ أهلَ العلمَ.
رُوِيَ ذلك عن فَضالةَ بنَ عُبَيدٍ، وأبي هُرَيرَةَ.
وبه قال ابنُ المُسَيَّبِ، والحسَنُ، وطاوُسٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
ورُوِيَ عن عَطاءٍ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والأوْزَاعِيِّ، وحَمَّادٍ، أنَّه لا يُجْزِئُ؛ لأنَّ أبا هُرَيرَةَ، رَضِيَ اللهُ عنه، روَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «وَلَدُ الزِّنَى شَرُّ الثَّلاثَةِ».
قال أبو هُرَيرَةَ: ولأنْ أُمَتِّعَ 203 بسَوْطٍ في سبيلِ اللهِ، أحَبُّ إليَّ منه.
رواه أبو داودَ 204. ولَنا، دُخُولُه في مُطْلَقِ قولِه تعالى (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ).
ولأنَّه مَمْلُوكٌ مسلمٌ كامِلُ العَمَلِ، لم يُعْتَضْ 205 عن شيءٍ منه 206، ولا اسْتُحِقَّ
الحديث: 3762 - الجزء: 23 - الصفحة: 317
وَالصَّغِيرُ.
وَقَال الْخِرَقِيُّ: إِذَا صَلَّى.
عِتْقُه بسَبَبٍ آخَرَ، فأجْزَأ عِتْقُه، كوَلَدِ الرّشدَةِ (1). فأمَّا الأحادِيثُ الوارِدَةُ في ذَمِّه، فاخْتَلَفَ أهلُ العلمِ في تَفْسيرِها؛ فقال الطَّحاويُّ (2): وَلَدُ الزِّنى هو المُلازِمُ للزِّنَى، كما يقالُ: ابنُ السَّبِيلِ المُلازِمُ لها، ووَلَدُ اللَّيلِ الذي لا يَهابُ السَّيرَ فيه.
وقال الخَطابِي (3)، عن بعْضِ أهلِ العلمِ، قال: هو شَرُّ (4) الثَّلاثَةِ أصْلًا وعُنْصُرًا ونَسَبًا؛ لأنَّه خُلِقَ مِن ماءِ الزِّنى، وهو خَبِيثٌ.
وأنْكَرَ قَوْمٌ هذا التَّفْسِيرَ، وقالُوا: ليس عليه مِن وزْرِ والِدَيه شيءٌ، قال اللهُ تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَة وزْرَ أُخْرَى) (5). وقد جاء في بعْضِ الأحاديثِ: «هُوَ شَرُّ الثَّلَاثَةِ إذَا عَمِلَ عَمَلَهُمْ» (6). فإن صَحَّ ذلك، انْدَفَعَ الإشْكالُ.
وفي الجُملَةِ، هذا يَرْجِعُ إلى أحْكامِ الآخِرَةِ، أمَّا أحْكامُ الدُّنْيا فهو كغَيرِه في صِحَّةِ إمامَتِه، وبَيعِه، وعِتْقِه، وقَبُولِ شَهادَتِه، فكذلك في إجْزاءِ عِتْقِه عن الكفَّارَةِ؛ لأنَّه مِن أحْكامِ الدُّنْيا.
3763 -
مسألة: (و)
يُجْزِيء (الصَّغِيرُ) وقال الخِرَقِيُّ: لا207208209210211212
الحديث: 3763 - الجزء: 23 - الصفحة: 318
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُجْزِئُ حتى يُصَلِّيَ ويَصُومَ.
قال القاضي: لا يجوزُ إعْتاقُ مَن له دُونَ سَبْعِ سِنِينَ؛ لأنَّه لا تصِحُّ منه العِباداتُ، في ظاهرِ كلام أحمدَ.
وظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ أنَّ المُعْتَبَرَ الفِعْلُ 213 دُونَ السِّنِّ، فمَن صَلَّىَ وصامَ ممَّن له عقْلٌ يَعْرِفُ الصَّلاةَ والصِّيامَ، ويتَحَقَّقُ منه 214 الإتْيانُ به بنِيَّته وأرْكانِه، فإنَّه يُجْزِئُ في الكفَّارَةِ وإن لم يَبْلُغِ السَّبْعَ، وإن لم يُوجَدْ منه، لم يُجْزِئْ الكفَّارَةِ وإن كان كبيرًا.
وقال أبو بكرٍ وغيرُه مِن أصحابِنا: يجوزُ إعْتاقُ الطِّفلِ في الكفَّارَةِ.
وهو قولُ الحسَنِ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ المُرادَ بالإيمانِ ههُنا الإسْلامُ، بدليلِ إعْتاقِ الفاسِقِ.
قال الثَّوْرِيُّ: المُسْلمون كلُّهم مُؤْمِنُون عندَنا في الأحْكامِ، ولا نَدْرِي ما هم عندَ اللهِ.
وبهذا تَعَلَّقَ حُكْمُ القَتْلِ بكُلِّ مسلمٍ، بقولِه تعالى: (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا) 215. والصَّبِيُّ محْكومٌ بإسْلامِه، يَرِثُه المسلمون ويَرِثُهم، ويُدْفَنُ في مَقابِرِ المسلِمين، ويُغَسَّلُ، ويُصَلَّى عليه.
الجزء: 23 - الصفحة: 319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن سُبِيَ مُنْفَرِدًا عن أبوَيه، أجزَأ 216 عِتْقُه؛ لأنَّه محْكوم بإسْلامِه، وكذلك إن سُبِيَ مع أحَدِ أبَوَيه، ولو كان أحَدُ أبوَيِ الطِّفل -مُسْلِمًا والآخَرُ كافِرًا، أجْزَأ إعْتاقُه؛ لأنَّه محْكومٌ بإسْلامِه.
قال القاضي في مَوْضِعٍ: يُجْزِئُ؛ إعْتاقُ الصَّغيرِ في جميعِ الكفَّاراتِ، إلَّا كفَّارَةَ القَتْلِ، فإنَّها على رِوايَتَين.
وقال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ: ما كان في القُرْآنِ مِن رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فلا يُجْزِئُ إلَّا مَن صامَ وصَلَّى، وما كان في القُرآنِ رَقَبَةً ليست بمُؤْمِنَةٍ، فالصَّبِيُّ يُجْزِئُ 217. ونحوُ هذا قولُ الحسنِ (2). ووَجْهُ قولِ الخِرَقِيِّ، أنَّ الواجِبَ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ، والإيمانُ قولٌ وعملٌ، فما لم تحْصُل الصَّلاةُ والصِّيامُ، لا يحْصُلُ العَمَلُ.
قال مُجاهدٌ، وعَطاءٌ، في قولِه: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤمِنَةٍ).
قالا 218: قد صَلَّتْ.
ونحوُ هذا قولُ الحسنِ، وإبراهيمَ.
وقال مَكْحُولٌ: إذا وُلِدَ المَوْلُودُ فهو نَسَمَة، فإذا تَقَلَّبَ ظَهْرًا لبَطْن فهو رَقَبَةٌ، فإذا صَلَّى فهو مُؤْمِنَةٌ.
ولأنَّ الطِّفْلَ لا تصِح منه عِبادَة؛ لأنَّه لا نِيَّةَ له، فلم يُجْزِئْ في الكفَّارَةِ، كالمَجْنُونِ، ولأنَّ
الجزء: 23 - الصفحة: 320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الصَّبى فيه] 219 يَسْتَحِقُّ به النَّفَقَةَ على القَرابَةِ، فأشْبَهَ الزَّمانَةَ.
قال شيخُنا 220: والقَوْلُ الآخَرُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ والصِّحَّةِ، إن شاءَ اللهُ؛ لأنَّ الإيمانَ الإسْلامُ، وهو حاصِل في حَقِّ الصَّبِيِّ الصَّغيرِ، ويدُلُّ على هذا أنَّ مُعاويَةَ بنَ الحَكَمِ السُّلَمِيَّ أتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بجارِيَةٍ [فقال لها: «أينَ اللهُ؟».
قالت: في السَّماءِ.
قال: «مَنْ أنا؟».
قالت: أنت رسولُ اللهِ.
قال: «أعْتِقْهَا، فإنَّها مُؤْمِنَةٌ».
رواه مسلمٌ 221. وفي حديثٍ عن أبي هريرةَ، أنَّ رجلًا أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بجاريةٍ] 222 أعْجَمِيَّةٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إن عليَّ رَقَبةً مُؤْمِنَةً.
فقال لها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أينَ اللهُ؟».
فأشارت برأشِها إلى السماءِ.
قال: «مَنْ أنا؟».
فأشارت إلى رسولِ اللهِ وإلى السماءِ، أي: أنتَ رسولُ اللهِ.
قال: «أعْتِقْها، فإنَّها مُؤْمِنَةٌ» 223. فحكَمَ لها بالإيمانِ بهذا القولِ.
الجزء: 23 - الصفحة: 321
وَإنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ وَهُوَ مُعْسِرٌ، ثُمَّ اشْتَرَى بَاقِيَهُ، فَأَعْتَقَهُ أَجْزأَهُ، إلا عَلَى رِوَايَةِ وُجُوبِ الاسْتِسْعَاءِ، وَإنْ أَعْتَقَة وَهُوَ مُوسِرٌ، فَسَرَى، لَمْ يُجْزِئْهُ.
نَصَّ عَلَيهِ.
3764 - مسألة: ولو مَلَكَ نِصْفَ عَبْدٍ، فأعْتَقَه عن كَفَّارَته (ثم اشْتَرَى بَاقِيَه فأعْتَقَه، أجْزَأه)
لأنَّه أعْتَقَ رَقَبَةً كامِلَةً في وَقْتَين، فأجزَأ، كما لو أطْعَمَ المساكينَ في وَقْتَين (إلَّا على روايَةِ وُجُوبِ الاسْتسْعاءِ) والصَّحِيحُ في المذهبِ خِلافُها.
3765 -
مسألة: (فإن أعْتَقَه)
عن كَفَّارَتِه (وهو مُوسِرٌ، فَسَرَى) إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، عَتَقَ و (لم يُجْزِئْه) عن كفَّارَتِه، في قول أبي بكرٍ الخَلَّالِ وصاحِبِه، وحكاه عن أحمدَ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، لأنَّ عِتْقَ نَصِيبِ شَرِيكِه لم يحْصُلْ بإعْتاقِه، إنَّما حصَلَ بالسِّرايَةِ، وهي غيرُ فِعْلِه، وإنَّما هي مِن آثارِ فِعْلِه، فأشْبَه ما لو اشْتَرَى مَن يَعْتِقُ عليه يَنْوي به الكفَّارَةَ، يُحَقِّقُ هذا، أنَّه لم يُباشِرْ بالإِعْتاقِ إلَّا نَصِيبَه، فسَرَى إلى نَصِيبِ 224 غيرِه، ولو خَصَّ نَصِيبَ غيرِه بالإعْتاقِ، لم يَعْتِقْ منه شيءٌ،
الحديث: 3764 - الجزء: 23 - الصفحة: 322
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأنَّه إنَّما يَمْلِكُ إعْتاقَ نَصِيبِه، لا نَصِيبَ غيرِه.
وقال القاضي: قال غيرُهما مِن أصحابِنا: يُجْزِئُه إذا نَوَى إعْتاقَ جَمِيعِه عن كفَّارَتِه.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه أعْتَقَ عَبْدًا كامِلَ الرِّقِّ، سَليِمَ الخَلْقِ، غيرَ مُسْتَحِقِّ العِتْقِ، ناويًا به 225 الكفَّارَةَ، فأجْزَأه، كما لو كان الجمِيعُ مِلْكَه.
والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى، ولا نُسَلِّمُ أنَّه أعْتَقَ العَبْدَ كلَّه، وإنَّما أعْتَقَ نِصْفَه، وعَتَقَ الباقِي عليه، فأشْبَهَ شِراءَ قَرِيبِه، ولأن إعْتاقَ باقِيه مُسْتَحَقٌّ بالسِّرايَةِ، فهو كالقَرِيبِ.
فعلى هذا، هل يُجْزِئُه عِتْقُ نِصْفِه الذي هو مِلْكُه 226، ويُعْتِقُ نِصْفًا آخَرَ، وتَكْمُلُ الكفَّارَةُ؛ ينْبَنيِ على ما إذَا أَعْتَقَ نِصْفَيْ عبْدَينِ.
وسنذْكُرُ ذلك.
فأمَّا إن نوَى عِتْقَ نصِيبِه عنِ الكفَّارَةِ، ولِم يَنْو ذلك في نَصِيبِ شَرِيكِه، لم يُجْزِئْه في نَصِيبِ شَرِيكِه.
وفي نَصِيبِ نفْسِه ما سَنَذْكُرُه، إن شاء الله تعالى.
فصل: فإن كان العَبْدُ كله له، فأعْتَقَ جُزْءًا منه مُعَيَّنًا أو مُشاعًا،
الجزء: 23 - الصفحة: 323
وَيَحْتَمِلُ أنْ يُجْزِئَهُ.
وَإنْ أعْتَقَ نِصْفًا آخَرَ، أجْزأهُ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ.
عَتَقَ جَمِيعُه.
فإن نَوَى به الكفَّارَةَ، أجْزأَ عنه؛ لأنَّ إعْتاقَه بعْضَ العَبْدِ إعْتاقٌ لجَمِيعِه، وإنْ نوَى إعْتاقَ الجُزْءِ الذي باشَرَه بالإِعْتاقِ عن الكفَّارَةِ دُونَ غيرِه، [لم يُجْزِئْه عِتْقُ غيرِه] (1). وهل يُحْتَسبُ له بما نَوَى به الكفَّارَةَ؟ على وَجْهَينِ.
3766 -
مسألة: ولو أعْتَقَ نِصْفَيْ عَبْدَين، أو نِصْفَيْ أمَتَين، أو نِصْفَ عَبْدٍ ونِصْفَ أمَةٍ، أجْزَأ عنه.
ذكَرَه الخِرَقِيُّ.
قال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ: هذا قولُ أكثرِهم.
وقال أبو بكرٍ بنُ جَعْفرٍ: لا يُجْزِئُ؛ لأنَّ227
الحديث: 3766 - الجزء: 23 - الصفحة: 324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المقْصُودَ مِن العِتْقِ تَكْمِيلُ الأحْكامِ، ولا يحْصُلُ مِن إعْتاقِ نِصْفَين.
واخْتَلَفَ أصحابُ الشافعيِّ على ثلاثَةِ أوْجُهٍ؛ أحدُها، كقَوْلِ الخِرَقِيِّ.
والثاني، كقَوْلٍ أبي بكرٍ.
والثَّالِثُ، إن كان نِصْفُ الرَّقِيقِ حورًا، أجْزَأ؛ لأنَّه يحْصُلُ تَكْمِيلُ الأحْكامِ، وإن كان رَقِيقًا، لم يُجْزِ؛ لأنَّه لا يحْصُلُ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ الأشْقاصَ كالأشْخاصِ فيما لا يَمْنَعُ منه العَيبُ اليَسِيرُ، [ونَعْنِي به] 228 الزَّكاةَ إذا كان له نِصْفُ ثمانين شاةً مُشاعًا، وجَبَتِ 229 الزَّكاةُ، كما لو مَلَكَ أرْبَعِين مُنْفَرِدَةً 230، وكالهدايا والضَّحايا إذا اشْتَرَكُوا فيها.
قال شيخُنا 231: والأوْلَى أنَّه لا يُجْزِئُ إعتاقُ 232 نِصْفَين، إذا لم يَكُن الباقِي منهما حُرًّا؛ لأنَّ إطْلاقَ الرَّقَبَةِ إنَّما ينْصَرِفُ إلى إعْتاقِ الكامِلَةِ،
الجزء: 23 - الصفحة: 325
فصلٌ: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ، فَعَلَيهِ صِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَين كَانَ أوْ عَبْدًا.
ولا يحْصُلُ مِن الشَّخْصَين ما يحْصُلُ مِن الرَّقَبَةِ الكامِلَةِ في تَكْمِيل الأحْكامِ، وتخْليصِ الآدَمِيِّ مِن ضَرَرِ الرِّقِّ ونَقْصِه، فلا يَثْبُتُ به مِن الأحْكامِ ما يَثْبُتُ بإعْتاقِ رَقَبَةٍ كامِلَةٍ، ويَمْتَنِعُ قِياسُ الشَّخْصَين على الرَّقَبَةِ الكامِلَةِ، ولهذا لو أمَرَ إنْسانًا بشِراءِ رَقَبَةٍ أو بَيعِها، أو بإهْداءِ حيوانٍ أو بالصَّدَقَةِ به 233، لم يكُنْ له أنْ يُشَقِّصَه، كذا ههُنا.
فصل: (فمَن لم يَجِدْ، فعليه صِيامُ شَهْرَين مُتَتابِعَين) إذا قَدَرَ على الصِّيامِ.
وهذا إجْماعٌ مِن أهلِ العلمِ؛ لقَوْلِ الله تعالى: (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ مِن قَبْلِ أن يَتَمَاسَّا) 234. ولحَدِيثِ أوْسِ بنِ الصَّامِتِ 235، وسَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ 236 (حُرًّا كانْ أو عَبْدًا) ويَسْتَوي
الجزء: 23 - الصفحة: 326
وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ التَّتَابُعِ،
في ذلك الحُرُّ والعَبْدُ عندَ أهلِ العلمِ، لا نعلمُ فيه خلافًا.
وأجْمَعُوا على وُجوبِ التَّتابُعِ 237 في الصِّيام، وقد تَناوَلَه نَصُّ القُرآنِ والسُّنَّةِ، ومَعْنى التَّتابُعِ المُوَالاةُ بينَ صِيامِ أيَّامِهما 238، فلا يُفْطِرُ فيهما 239 ولا يَصُومُ عن غيرِ الكفَّارَةِ (ولا تَجِبُ نِيَّةُ التَّتابُعِ) ويَكْفِي فِعْلُه؛ لأنَّه شَرْطٌ، وشَرائِطُ العِباداتِ لا تَحْتاجُ إلى نِيَّةٍ، وإنَّما تَجِبُ النِّيَّةُ لأفْعالِها.
وهذا أحَدُ الوُجُوهِ 240 لأصحابِ الشافعيِّ.
والوَجْهُ الآخَرُ، أنَّها واجِبَةٌ لكُلِّ لَيلَةٍ؛ لأنَّ ضَمَّ العِبادَةِ إلى العِبادَةِ إذا كان شَرْطًا، وجَبَت النِّيَّةُ فيه، كالجَمْعِ بينَ الصَّلاتين.
والثالِثُ، تَكْفِي نِيَّةُ التَّتابُعِ في اللَّيلَةِ الأُولَى.
ولَنا، أنَّه تَتابُع واجِبٌ في العِبادَة، فلم يَفْتَقِرْ إلى نِيَّةٍ، كالمتابعةِ 241 بينَ الرَّكعاتِ.
ويُفارِقُ الجَمْعَ بينَ الصَّلاتين، فإنَّه رُخْصَةٌ، فافْتَقَرَ إلى نِيَّةِ التَّرَخُّصِ.
وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالمُتابَعَةِ بينَ الرَّكَعاتِ.
الجزء: 23 - الصفحة: 327
فَإنْ تَخَلَّلَ صَوْمَهَا صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ، أوْ فِطْرٌ وَاجِبٌ كَفِطْرِ الْعِيدِ، أَو الْفِطْرِ لِحَيضٍ أوْ نِفَاسٍ،
3767 - مسألة: (فإن تخَلَّلَ صَوْمَها صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ، أو فِطْرٌ واجِبٌ كفِطْرِ العيدِ، أو الفِطْرِ لحَيضٍ أو نِفاسٍ، لَم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ)
ويَبْنِى على ما مَضَى مِن صِيامِه.
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا تَخَلَّلَ صومَ الظِّهارِ زَمانٌ لا يصِحُّ صَوْمُه فيه عن الكفَّارَةِ، مِثْلَ أن يَبْتَدِئَ الصَّوْمَ مِن أوَّلِ شعبانَ، فيَتَخَلَّلَه رَمضانُ ويومُ الفِطْرِ، أو يَبْتَدِئ مِن ذِي الحِجَّةِ، فيَتَخَلَّلَه يومُ النَّحْرِ وأيَّامُ التَّشْرِيقِ، فإنَّ التَّتابُعَ لا يَنْقَطِعُ بهذا، ويَبْنِي على ما مَضَى مِن صِيامِه.
وقال الشافعيُّ: يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ، ويَلْزَمُه الاسْتِئْنافُ؛ لأنَّه أفْطَرَ في أثْناءِ الشَّهْرَين بما كان يُمْكِنُه التَّحَرُّزُ منه، فأشْبَهَ إذا أفْطَرَ لغيرِ ذلك، أو صامَ عن نَذْرٍ أو كفَّارَةٍ أُخْرَى.
ولَنا، أنَّه زَمَن منَعَه الشَّرْعُ عن صَوْمِه في الكفَّارَةِ، فلم يَقْطَعِ التَّتابُعَ، كالحَيضِ والنِّفاسِ.
فإن قالوا: الحَيضُ
الحديث: 3767 - الجزء: 23 - الصفحة: 328
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والنِّفاسُ غيرُ مُمْكِنٍ التَّحَرُّزُ منه.
قُلْنا: قد يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِن النِّفاسِ، بأن لا تَبْتَدِئَ الصَّومَ في حالِ الحَمْلِ، ومِن الحَيضِ إذا كان طُهْرُها يَزِيدُ على الشَّهْرَين، بأن تَبْتَدئَ الصَّومَ عَقِيبَ طُهْرِها مِن الحَيضَةِ، ومع هذا لا يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ به، ولا يجوزُ للمَأْمُوم مُفارَقَةُ إمامِه لغيرِ عُذْرٍ، ويَجوزُ أن يَدْخُلَ معه المَسْبُوقُ، مع عِلْمِه بلُزومِ مُفارَقَتِه قبلَ إتْمامِها.
ويتَخَرَّجُ في أيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَصُومُها عنِ الكفَّارَةِ، ولا يُفْطِرُ إلَّا يومَ النَّحْرِ وحدَه.
فعلَى هذا، إن أفْطَرَ ما اسْتَأْنَف؛ لأنَّها أيَّامٌ أمْكَنَه صِيامُها في الكفَّارَةِ، فَفِطْرُها يقْطَعُ التَّتابُعَ كغيرِها.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إنِ ابْتَدَأَ الصَّوْمَ مِن أوَّلِ شعبانَ، أجْزَأه صومُ شعبانَ عن شهر، وإن كان ناقِصًا، وأمَّا شَوَّالٌ، فلا يجوزُ أن يَبْتَدِئَ مِن أوَّلِه؛ لأنَّ أوَّلَه يومُ الفِطْرِ، وصومُه حرامٌ، فيَشْرَعُ فيه مِن اليومِ الثَّانِي، ويُتَمِّمُ شَهْرًا بالعَدَدِ ثلاثين، وإن بَدَأ مِن أوَّلِ ذِي الحِجَّةِ إلى آخِرِ المُحَرَّمِ، قَضَى أرْبَعَةَ أيَّامٍ، وأجْزَأه؛ لأنَّه بَدَأ الشهرين 242 مِن أوَّلِهما.
ولو ابْتَدَأ صَوْمَ الشَّهْرَين مِن يومِ الفِطْرِ، لم يَصِحَّ صَوْمُ يومِ الفِطْرِ، ويصِحُّ صَوْمُ بَقِيَّةِ الشَّهْر، وصَوْمُ ذِي القَعْدَةِ، ويُحتَسَبُ له بذِي القَعْدَةِ، وإن كان ناقِصًا؛ لأَنَه بَدَأه مِن أوَّلِه، وأمَّا شَوَّالٌ، فإن كان تامًّا صامَ يومًا مِن ذي الحِجَّةِ، وإن كان ناقِصًا، صامَ يَوْمَين؛ لأنَّه لم يَبْدَأه مِن أوَّلِه.
وإنَّ بَدَأ بالصِّيامِ مِن أوَّلِ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، وقُلْنا: يَصِحُّ صَوْمُها عن الفَرْضِ.
فإنَّه يُحْتَسَبُ له
الجزء: 23 - الصفحة: 329
أَوْ جُنُونٍ، أَوْ مَرَضٍ مَخوفٍ،
بالمُحَرَّمِ، ويُكْمِلُ صومَ ذِي الحِجَّةِ بتَمامِ (1) ثلاثين يومًا مِن صَفَر.
وإن قُلْنا: لا يَصِحُّ صومُها (2) عن الفَرْضِ.
صامَ مكانَها مِن صَفَرٍ.
فصل: وإنْ أفْطَرت لحَيضٍ أو نِفاسٍ، فقد أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ (1) الصَّائِمَةَ مُتتابعًا، إذا حاضَتْ قبلَ إتْمامِه، تَقْضِي إذا طَهُرَتْ، وتَبْنِي.
وذلك لأنَّ الحَيضَ لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه في الشَّهْرَين إلّا بتأْخِيرِه إلى الإياسِ، وفيه تَغْرِيرٌ بالصَّوْمِ؛ لأنَّها رُبَّما ماتَتْ قبلَه.
والنِّفاسُ كالحَيضِ، في أنَّه لا يَقْطَعُ التَّتابُعَ، في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَتِه في أحْكامِه، ولأنَّ الفِطْرَ لا يحْصُلُ فيهما بفِعْلِهما، وإنَّما ذلك الزَّمانُ كزَمانِ اللَّيلِ في حَقِّهِما.
والثَّانِي، أنَّ النِّفاسَ يَقْطَعُ التَّتابُعَ؛ لأنَّه فِطْرٌ أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منه، لا يَتَكَرَّرُ في العامِ، فقَطَعَ التَّتابُعَ، كالفِطْرِ لغيرِ عُذْرٍ.
ولا يصِحُّ قِياسُه على الحَيضِ؛ لأنَّه أنْدَرُ منه، ويُمْكِنُ التحَرُّزُ منه.
3768 -
مسألة: فإن أفْطَرَ (لمرَض مَخُوفٍ، أو جنُونٍ)
لم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عباس.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسَنُ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، ومالكٌ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، والشافعي في القَدِيمِ.
وقال في الجَديدِ: يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ.
وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، والحَكَمِ،243244
الحديث: 3768 - الجزء: 23 - الصفحة: 330
أَوْ فِطْرِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ؛ لِخَوْفِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، لَمْ يَنْقَطِع التَّتَابُعُ،
والثَّوْرِيِّ، وأصحاب الرَّأْي، لأنَّه أفْطَرَ بفعْلِه، فلَزِمَه الاسْتِئْنافُ، كما لو أفْطَرَ لسَفَرٍ.
ولَنا، أنَّه أفْطَرَ بسَبَبٍ لا صُنْعَ له فيه، فلم يَقْطَعِ التَّتابُعَ، كإفْطارِ المَرْأةِ للحَيضِ.
وما ذَكَرُوه مِن الأصْلِ مَمْنُوعٌ.
وإن أفْطَرَ لجُنُونٍ، أو إغْماءٍ، لم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ، لأنَّه لا صُنْعَ له فيه، فهو كالحَيضِ.
3769 -
مسألة: وكذلك (فِطْرُ الحامِلِ، والمُرْضِعِ؛ لخَوْفِهِما على أنْفُسِهما)
لأنَّهما كالمريضِ.
الحديث: 3769 - الجزء: 23 - الصفحة: 331
وَكَذَلِكَ إِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيهِمَا.
وَيَحْتَمِلُ أن يَنْقَطِعَ.
3770 - مسألة: (فإن خافتَا على وَلَدَيهِما)
فأفْطَرَتا، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ.
اخْتارَه أبو الخَطَّابِ، لأنَّه فِطْرٌ أُبِيحَ لهما بِسَببٍ لا يَتَعَّلقُ باخْتِيارِهما، فلم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ، كما لو أفْطَرَتا خَوْفًا على أنْفُسِهما.
والثَّانِي، يَنْقَطِعُ، لأنَّه لأجْلِ الخَوفِ على غَيرِهما، ولذلك تَلْزَمُهما الفِدْيَةُ مع القَضاء.
الحديث: 3770 - الجزء: 23 - الصفحة: 332
وَإنْ أَفْطَرَ لِغَيرِ عُذْرٍ، أَوْ صَامَ تَطَوُّعًا، أَوْ قَضَاءً، أوْ عَنْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أُخْرَى، لَزِمَهُ الاسْتِئْنَافُ.
3771 - مسألة: (وإن أفْطَرَ لغَيرِ عُذْرٍ، أو صامَ تَطَوُّعًا، أو قَضَاءً، أو عَن نَذْرٍ أو كفَّارَةٍ أُخْرَى، لَزِمَه الاسْتِئْنافُ)
لأنَّه أخَلَّ بالتَّتابُعِ المَشْرُوطِ، ويَقَعُ صَوْمُه عمَّا نَواه؛ لأنَّ هذا الزَّمانَ ليس بمُسْتَحَقٍّ مُعَيَّنٍ للكفَّارَةِ، ولهذا يجوزُ صَوْمُها في غيرِه، بخلافِ شَهْرِ رمضانَ؛ فإنَّه مُتَعَيِّنٌ لا يَصْلُحُ لغيرِه.
وإذا كان عليه نَذْرُ صَوْمٍ غيرِ مُعَيَّنٍ، أخَّرَه إلى فَراغِه مِن الكفَّارَةِ، وإن كان مُتَعَيِّنًا، أخَّرَ الكفَّارَةَ عنه، أو قَدَّمَها عليه إن أمْكَنَ.
وإن كان أيَّامًا مِن كُلِّ شَهْر، كيَوْمِ الخَميسِ، أو أيَّامِ البيضِ، قَدَّمَ الكفَّارَةَ عليه، وقَضاه بعدَها؛ لأنَّه لو وَفَّى بنَذْرِه انْقَطَعَ التَّتابُعُ ولَزِمَه الاسْتِئْنافُ، فيُفْضِي إلى أن لا يَتَمَكَّنَ مِن التَّكْفِيرِ، والنَّذْرُ يُمْكِنُ قَضاؤُه، فيكوْنُ هذا عُذْرًا في تأْخِيرِه كالمرضِ.
الحديث: 3771 - الجزء: 23 - الصفحة: 333
وَإنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ، كَالسَّفَرِ، وَالْمَرَضِ غَيرِ الْمَخُوفِ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
3772 - مسألة: (وإن أفْطَرَ لعُذْرٍ يُبِيحُ الفِطْرَ، كالسَّفَرِ، والمَرَضِ غَيرِ المخُوفِ، فعلى وَجْهَين)
إذا أفْطَرَ لمَرضٍ 245 غيرِ مَخُوفٍ يُبِيحُ الفِطْرَ، ففيه وَجْهان، ذَكَرَهما أبو الخَطَّابِ؛ أحَدُهما، لا يَقْطَعُ التَّتابُعَ؛ لأنَّه مَرَضٌ أباحَ الفِطْرَ، أشْبَهَ المَخُوفَ.
والثَّانِي، يَقْطَعُ التَّتابُعَ؛ لأنَّه أفْطَرَ اخْتِيارًا، فانْقَطَعَ التَّتابُعُ، كما لو أفْطَرَ لغيرِ عُذْرٍ.
فإن [أفْطَرَ لسفر] 246 مُبِيحٍ للفِطْرِ، فكلامُ أحمدَ يحْتَمِلُ الأمْرَين، وأظْهَرُهما، أنَّه لا يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ؛ فإنَّه قال في رِوايَةِ الأثْرَمِ: كأنَّ 247 السَّفَرَ غيرُ المَرَضِ، وما يَنْبَغِي أن يكونَ أوْكَدَ مِن رَمضانَ.
فظاهِرُ هذا أنَّه لا يَقْطَعُ التَّتابُعَ.
وهذا قولُ الحسَن.
ويَحْتَمِلُ أن يَنْقَطِعَ التَّتابُعُ.
وهو قول مالكٍ،
الحديث: 3772 - الجزء: 23 - الصفحة: 334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأصحابِ الرَّأْي.
واخْتَلَفَ أصحابُ الشافعيِّ، فمنهم مَن قال: فيه قَوْلان كالمَرَضِ.
ومِنهم مَن يقولُ: يَقْطَعُ التَّتابُعَ، وَجْهًا واحِدًا، لأنَّ السَّفَرَ يحْصُلُ باخْتِيارِه، فقَطَعَ التَّتابُعَ، كما لو أفْطَرَ لغيرِ عُذْرٍ.
[والصَّحِيحُ الأوَّلُ، لأنَّه أفْطَرَ لعُذْرٍ يُبيحُ الفِطْرَ في رَمضانَ، فلم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ، كإفْطارِ المرْأةِ للحَيضِ، وفارَقَ الفِطْرَ لغيرِ عُذْرٍ] 248، فإنَّه لا يُباحُ.
فإن أكَلَ يَظُنُّ أن الفَجْرَ لم يَطْلُعْ، وكان قد طَلَعَ، أو أفْطَرَ يَظُنُّ أنَّ الشَّمْسَ قد غابَتْ، ولم تَغِبْ، أفْطَرَ.
ويَتَخَرَّجُ في انْقِطاعِ التَّتابُعِ وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَنْقَطِعُ، لأنَّه فِطْر لعُذْرٍ.
والثَّانِي، يَنقَطِعُ التَّتابُعُ، لأنَّه بفِعْلٍ أخْطأ فيه، فأشْبَهَ ما لو ظَنَّ أنَّه قد أتَمَّ الشَّهْرَين، [فبان بخِلافِه.
وإن أفْطَرَ ناسيًا لوجوبِ التَّتابُعِ، أو جاهلًا به، أو ظنًّا أنَّه قد أتَمَّ الشَّهْرَين] 249، انْقَطَعَ التَّتابُعُ، لأنَّه أفْطَرَ لجَهْلِه، فقَطَعَ التَّتابُعَ، كما لو ظَنَّ أن الواجِبَ شَهْرٌ واحدٌ.
وإن أُكْرِه على الأكْلِ والشُّرْبِ، بأَنْ أُوجِرَ الطَّعامَ أو الشَّرابَ، لم يُفْطِرْ.
وإن أكَلَ خَوْفًا، فقال القاضي: لا يُفْطِرُ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُفْطِرُ.
فعلى ذلك، هل يَقْطَعُ التَّتابُعَ؟ فيه وَجْهانِ، أحدُهما، لا يَقْطَعُه، لأنه عُذْرٌ مُبِيحٌ للفِطْرِ، أشْبَهَ المَرَضَ.
والثَّانِي، يَقْطَعُه.
وهو مذهب الشافعيِّ، لأنَّه أفْطَرَ بفِعْلِه لعُذْرٍ نادِرٍ.
والأوَّلُ أوْلَى.
الجزء: 23 - الصفحة: 335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويجوزُ أن يَبْتَدِئَ صَوْمَ الشَّهْرَين مِن أوَّلِ شَهْرٍ، ومِن أثْنائِه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِما بينَ الهِلالين ولثلاثين 250 يومًا.
فأيُّهما صامَ فقد أدَّى الواجِبَ، فإن بَدَأ مِن أوَّلِ شَهْرٍ، فصامَ شَهْرَين بالأهِلَّةِ، أجْزَأه ذلك، وإن كانا ناقِصَين، إجْماعًا.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأهْلُ العِراقِ، ومالكٌ في أهلِ الحِجَازِ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيدٍ، وغيرُهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ﴾.
وهذان شَهْران مُتَتابعانِ.
وإنْ بَدَأ مِن أثْناءِ شَهْرٍ، فصامَ سِتِّينَ يَوْمًا، أجْزَأه، بغيرِ خلافٍ أيضًا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على هذا.
فأمَّا إن صامَ شَهْرًا بالهِلَالِ، وشَهْرًا بالعَدَدِ، فصامَ خمْسَةَ عَشَرَ يومًا مِن المُحَرَّمِ، وصَفَرَ 251 جَمِيعَه، وخمسةَ عشرَ مِن رَبِيعٍ، فإنَّه يُجْزِئُه، سواءٌ كان صَفَرُ تامًّا أو ناقِصًا؛ لأنَّ الأصْلَ اعْتِبارُ الشُّهورِ بالأهِلَّةِ، لكن تَرَكْناه في الشَّهْرِ الذي بَدَأ مِن
الجزء: 23 - الصفحة: 336
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَسَطِه لِتَعَذُّرِه، ففي الشَّهْرِ الذي أمْكَنَ اعْتِبَارُه وَجَبَ أنْ يُعْتَبَرَ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
ويَتَوَجَّهُ أن لا يُجْزِئَه إلَّا شَهْرانِ بالعَدَدِ؛ لأنَّنا لمَّا ضَمَمْنا إلى الخَمْسَةَ عشَرَ مِن المُحَرَّم خمْسَةَ عشَرَ مِن صَفَر، فصارَ ذلك شَهْرًا، صارَ ابْتِداءُ صومِ الشَّهْرِ الثَّانِي مِن أثْناءِ شَهْرٍ أيضًا.
وهذا قولُ الزُّهْرِيِّ.
فصل: فإن نَوَى صَوْمَ 252 شهرِ رَمضانَ عن الكفَّارَةِ، لم يُجْزِئْه عن رَمضانَ ولا عن الكفَّارَةِ، وانْقَطَعَ التَّتابُعُ، حاضِرًا كان أو مُسافِرًا؛ لأنَّه تَخَلَّلَ صَوْمَ الكفَّارَةِ فِطْر غيرُ مَشْروعٍ.
وقال مُجاهِدٌ، وطاوُسٌ: يُجْزِئُه عنهما.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان حاضِرًا، أجْزَأه عن رَمضانَ دُونَ الكفَّارَةِ؛ لأنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ غيرُ مُشْتَرَطٍ لرمضانَ، وإن كان في سَفَرٍ، أجْزَأه عن الكفَّارَةِ دُونَ رمضانَ.
وقال صاحباه: يُجْزِئُ عن الكفَّارَةِ دُونَ رمضانَ 253، حَضَرًا و 254 سَفَرًا.
ولَنا، أنَّ رمضانَ مُتَعَيِّنٌ لصَوْمِه، مُحَرَّمٌ صَوْمُه عن غيرِه، فلم يُجْزِئه عن غيرِه، كيَوْمَي العِيدَين، ولا يُجْزِئُ عن رمضانَ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّما الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّما لامْرِئٍ مَا نوَى» 255. وهذا ما نَوَى رمضانَ، فلا يُجْزِئه، ولا فَرقَ بينَ الحَضَرِ والسَّفَرِ؛ لأنَّ الزَّمانَ مُتَعَيِّنٌ، وإنَّما جازَ فِطْرُه في السَّفَرِ رُخْصَةً، فإذا
الجزء: 23 - الصفحة: 337
وَإنْ أصَابَ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا لَيلًا أوْ نَهَارًا، انْقَطَعَ التَّتَابُعُ.
وَعَنْهُ، لَا يَنْقَطِعُ بِفِعْلِهِ نَاسِيًا.
تَكَلَّفَ وصامَ، رَجَعَ إلى الأصْلِ.
فإن سافَرَ في رَمضانَ المُتَخَلِّلِ لصَوْمِ الكفَّارَةِ وأفْطَرَ، لم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ؛ لأنَّه زَمَن لا يُسْتَحَقُّ صَوْمُه عن الكفَّارَةِ، فلم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ بفِطْرِه كاللَّيلِ.
3773 -
مسألة: (وإن أصاب المُظاهَرَ منها لَيلًا أو نَهَارًا، انْقَطَعَ التَّتابُعُ)
وبهذا قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ 256. فأمَرَ بهما خالِيَين عن وَطْءٍ، ولم يَأْتِ بهما على ما أُمِرَ، فلم يُجْزِئه، كما لو وَطِئَ نهارًا ذاكِرًا، ولأنَّه تَحْرِيمٌ للوَطْءِ لا يَخْتَصُّ النَّهارَ، فاسْتَوَى فيه اللَّيلُ والنَّهارُ، كالاعْتِكافِ.
ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّ التَّتابُعَ لا يَنْقَطِعُ بالوَطْءِ ليلًا.
وهو مذهبُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه وَطْءٌ لا يُفْسِدُ الصَّوْمَ، فلا يُوجِبُ الاسْتِئْنافَ، كوَطْءِ غيرِها، ولأنَّ التَّتابُعَ في الصِّيامِ عِبارةٌ عن إتْباعِ صَوْمِ يوم لِلَّذِي قَبْلَه مِن غيرِ فارِقٍ،
الحديث: 3773 - الجزء: 23 - الصفحة: 338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا مُتَحَقِّقٌ وإن وَطِئَ ليلًا، وارْتِكابُ النَّهْي في الوَطْءِ قبلَ إتْمامِه، إذا لم يُخِلَّ بالتَّتابُعِ المُشْتَرَطِ، لا يَمْنَعُ صِحَّتَه وإجْزاءَه، كما لو وَطِئَ قبلَ الشَّهْرَين، أو لو وَطِئَ ليلةَ أوَّلِ الشَّهْرَينِ وأصْبَح صائِمًا، والإِتْيانُ بالصِّيامِ قبلَ التَّماسِّ 257 لا سَبِيلَ إليه، سواءٌ بَنَى أو اسْتَأْنفَ.
وإن وَطِئَها أو وَطِئَ غيرَها في نَهارِ الشَّهْرَين عامِدًا، أفْطَرَ، وانْقَطَعَ التَّتابُعُ، إجْماعًا، إذا كان غيرَ مَعْذُورٍ.
وإن وَطِئَها أو وَطِئَ غيرَها نهارًا ناسِيًا، أفْطَرَ، وانْقَطَعَ التَّتابُعُ، في إحدَى الرِّوايتَين؛ لأنَّ الوَطْءَ لا يُعْذَرُ فيه بالنِّسْيانِ.
وعن أحمدَ، رواية أخرى، لا يُفْطِر، ولا يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه فَعَلَ المُفْطِرَ ناسِيًا، أشْبَهَ ما لو أَكَلَ ناسِيًا.
وإن أُبِيحَ له الفِطْرُ لعُذْرٍ، فوَطِئَ غيرَها نهارًا، لم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ؛ لأنَّ الوَطْءَ لا أثَرَ له في قَطْعِ التَّتابُعِ.
وإن 258 وَطِئَها، كان كوَطْئِها ليلًا، هلْ يَنْقَطِعُ 259 التَّتابُعُ؟ على وَجْهَين.
الجزء: 23 - الصفحة: 339
وَإنْ أَصَابَ غَيرَهَا لَيلًا لَمْ يَنْقَطِعْ.
3774 - مسألة: (وإن وَطِئَ غيرَها لَيلًا، لم يَنقَطِعِ)
التَّتابُعُ؛ لأنَّ ذلك غيرُ مُحَرَّمٍ عليه، ولا هو مُخِلُّ بإتْباعِ الصَّوْمِ، فلم يَقْطَع التَّتابُعَ، كالأكْلِ.
وليس في هذا اخْتِلافٌ نعْلَمُه.
فإن لَمَسَ المُظاهَرَ منها، أو باشَرَها دُونَ الفَرْجِ على وَجْهٍ يُفْطِرُ به، قَطَعَ التَّتابُعَ؛ لإِخْلالِه بمُوالاةِ الصِّيامِ، وإلَّا لم يَنْقَطِعْ.
والله أعلمُ.
الحديث: 3774 - الجزء: 23 - الصفحة: 340
فَصلٌ: فَإِنْ لَم يَسْتَطِعْ، لَزِمَهُ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا مُسْلِمًا حُرًّا، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، إِذَا أَكلَ الطَّعَامَ.
260 فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (فإن لم يَسْتَطِعْ، لَزِمه إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، مُسْلِمًا حُرًّا، صَغِيرًا كان أو كَبِيرًا، إذا أَكَلَ الطَّعامَ) أجْمَعَ أهْلُ العلمِ على أنَّ المُظاهِرَ إذا لم يَجِدِ الرَّقَبَةَ، ولم يَسْتَطِع الصِّيامَ، أنَّ فَرْضَه إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، على ما أمَرَ اللهُ تعالى في كتابِه، وجاءَ في سُنَّةِ نَبِيِّه - صلى الله عليه وسلم -، سَواءٌ عَجَزَ عن الصِّيامِ لِكِبَرٍ، أو مَرَضٍ يَخافُ بالصَّوْمِ تَباطُؤُه 261 أو الزِّيادَةَ فيه، أو الشَّبَقِ فلا يَصْبِرُ فيه عن الجِماعِ، فإنَّ أوْسَ بنَ الصَّامِتِ، لمَّا أمَرَه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالصَّوْمِ، قالتِ امْرَأتُه: يا رسولَ اللهِ، إنَّه شَيخٌ كبيرٌ، ما به مِن صِيامٍ.
قال: «فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» 262. ولمَّا أمَرَ سَلَمَةَ بنَ صَخْرٍ بالصِّيامِ، قال: وهل أصَبْتُ ما أصبْتُ إلَّا مِن الصِّيامِ! قال: «فَأطْعِمْ» 263. فنَقَلَه إلى الإطْعامِ لمَّا
الجزء: 23 - الصفحة: 341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أخْبَرَه أنَّ به مِن الشَّبَقِ والشَّهْوَةِ ما يَمْنَعُه مِن الصِّيامِ.
وقِسْنَا على هذين ما يُشْبِهُهُما في مَعْناهما.
ويجوزُ أنْ يَنْتَقِلَ إلى الإِطْعامِ إذا عَجَزَ عن الصِّيامِ للمَرَضِ وإن كان مَرْجُوَّ الزَّوالِ؛ لدُخُولِه في قَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾.
ولأنَّه لا يَعْلَمُ أنَّ له نِهايةٌ، فأشْبَهَ الشَّبَقَ.
ولا يجوزُ أن يَنْتَقِلَ الأجْلِ السَّفَرِ؛ لأنَّ السَّفَرَ لا يُعْجِزُه عن الصِّيامِ، وله نِهايَة يَنْتَهِي إليها، وهو مِن أفْعالِه الاخْتِيَارِيَّةِ.
والواجِبُ إطْعامُ سِتِّينَ مِسكينًا، لا يُجْزِئُه أقَلُّ مِن ذلك.
وقال أبو حنيفةَ: لو أطْعَمَ مِسكينًا واحدًا في سِتِّينَ يومًا، أجْزَأه.
وسَنذْكُرُ ذلك، إن شاءَ اللهُ تَعالى.
الجزء: 23 - الصفحة: 342
وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى مُكَاتَبٍ،
فصل: ويُشْتَرَطُ في المساكِينِ ثلاثَةُ شُرُوطٍ؛ الإِسْلامُ، والحُرِّيَّةُ، وأن يكونَ قد أكَلَ الطَّعامَ.
والمساكينُ هم الذين تُدْفَعُ إليهم الزَّكاةُ، لحاجَتِهم، المذْكُورُون في أَبوابِ الزَّكاةِ، ويَدْخُلُ في ذلك الفُقَراءُ؛ لأنَّهم وإن كانوا في الزَّكاةِ صِنْفَين، فهما في غيرِها صِنْفٌ واحدٌ؛ لكَوْنِهم يأْخُذُونَ لحاجَتِهم إلى ما يَكْفِيهم، أو لِما تَتِمُّ به كِفَايَتُهم.
أحدُها، إسْلامُهم، فلا يجوزُ دَفْعُها.
إلى كافِرٍ، ذِمِّيًّا كان أو حَرْبِيًّا.
وبذلك قال الحسنُ، والنَّخَعِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيدٍ.
وقال أبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي: يجوزُ دَفْعُها إلى الذِّمِّيِّ؛ لدُخُولِه في اسْمِ المساكينِ، فيَدْخُلُ في عُمُوم الآيَةِ، ولأنَّه مسكينٌ مِن أهْلِ دارِ الإسْلامِ، فأجْزَأ الدَّفْعُ إليه مِن الكفَّارَةِ، كالمُسْلِمِ.
ورُوِيَ نحوُه عن الشَّعْبِيِّ.
وخَرَّجَه أبو الخَطَّابِ وَجْهًا في المذهبِ، بِناءً على جَوازِ إعْتاقِه في الكفَّارَةِ.
وقال الثَّوْرِيُّ: يُعْطِيهِم إذا لم يَجِدْ غيرَهم.
ولَنا، أنَّهم كُفَّارٌ، فلم يَجُزْ إعْطاؤُهم، كمَساكِينِ أهْلِ الحَرْبِ، والآيَةُ مَخْصُوصةٌ بهذا، فنَقِيسُ عليه.
الثَّانِي، أن يكونوا أحْرارًا (فلا يجوزُ دَفْعُها إلى) عَبْدٍ، ولا (مُكاتَبٍ) ولا أُمِّ وَلَدٍ، ولا خِلافَ في أنَّه لا يجوزُ دَفْعُها إلى عَبْدٍ؛ لأنَّ نفَقَتَه واجِبَةٌ على سَيِّدِه، ولا إلى أُمِّ ولَدٍ؛ لذَلكَ.
وبهذا قال
الجزء: 23 - الصفحة: 343
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مالكٌ، والشافعيُّ.
واختارَ الشَّريفُ أبو جَعْفَرٍ جوازَ دَفْعِها إلى مُكاتَبِه وغيرِه.
وقال أبو الخَطَّابِ: يَتَخرَّجُ دَفْعُها إليه، بِنَاءً على جَوازِ إعْتاقِه؛ لأنَّه فِيأْخُذُ مِن الزَّكاةِ حاجَتَه، فأشْبَهَ المسكِينَ.
ولَنا، أنَّ اللهَ تعالى عَدَّه صِنْفًا في الزَّكاةِ غير صنفِ المسَاكِينِ، ولا هو في مَعْنَى المسَاكِينِ؛ لأنَّ حاجَتَه مِن غيرِ جِنْسِ حاجَتِهم، فيَدُلُّ على أنَّه ليس بمِسْكِين، والكفَّارَةُ إنَّما هي للمَساكِينِ، بدَليلِ الآيَةِ، ولأنَّ المِسْكِينَ يُدْفَعُ إليه لتَتِمَّ كِفايَتُه، والمُكاتَبُ إنَّما يَأْخُذُ لِفَكاكِ رَقَبَتِه، وأمَّا كِفايَتُه، فإنَّها حاصِلَةٌ بكَسْبِه ومالِه، فإن لم يَكُنْ له كَسْبٌ ولا مالٌ، عَجَّزَه سيِّدُه، ورَجَعَ إليه فاسْتَغْنَى بإنْفاقِه عليه، ويُفارِقُ الزَّكاةَ، فإنَّها تُصْرَفُ إلى الغَنِيِّ، والكفَّارةُ بخِلافِها.
الثَّالِثُ، أنْ يكونُوا أكلُوا الطَّعامَ، فإن كان طِفْلًا لم يَأْكل الطَّعامَ، لم يُدْفَعْ إليه.
في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وهو قولُ القاضي.
وهو ظاهِرُ قولِ مالكٍ، فإنَّه قال: يَجُوزُ الدَّفْعُ إلى الفَطِيمِ.
وهذا إحْدَى الرِّوايَتَين عن أحمدَ.
والثَّانِيَةُ، يَجُوزُ دَفْعُها إلى الصَّغِيرِ الذي لم يَطْعَمْ 264، ويَقْبِضُ له وَلِيُّه.
وهذا الذي ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ المذهبَ.
الجزء: 23 - الصفحة: 344
وَلَا إِلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ،
وهو مذهبُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
قال أبو الخَطَّابِ: وهو قولُ أكثر الفُقهاءِ؛ لأنَّه حُرٌّ مُسْلِمٌ مُحْتاجٌ، فأشْبَهَ الكَبِيرَ، ولأنَّ أكلَه للكفَّارَةِ ليس بشَرْطٍ، وهدْا يَصْرِفُ الكفَّارَةَ إلى ما يحتاجُ إليه ممَّا تَتِمُّ به كِفايَتُه، فأشْبَهَ الكبِيرَ.
ولَنا، قوْلُه تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (1). وهذا يَقْتَضِي أكْلَهُم له، فإذا لم يُعْتَبَرْ حَقِيقَةُ أكْلِهم، وَجَبَ اعْتِبارُ إمْكانِه ومَظِنَّتِه، ولا تَتَحَقَّقُ مَظِنَّتُه في مَن لا يَأْكُلُ، ولأنَّه لو كان المقْصُودُ دَفْعَ حاجَتِه؛ لجاز دَفْعُ القِيمَةِ، ولم يتَعَيَّنِ الإِطْعامُ، وهذا يُقَيِّدُ (2) ما ذَكَرُوه.
فإذا اجْتَمَعَتْ هذه الأوْصافُ في واحدٍ، جاز الدَّفْعُ إليه، كبيرًا كان أو صَغِيرًا، مَحْجُورًا عليه أو غيرَ مَحْجُورٍ عليه، إلَّا أن مَن لا حَجْرَ عليه يقْبِضُ لنَفْسِه، أو يَقْبِضُ له وَكِيلُه، والمَحْجُورُ عليه كالصَّغِيرِ والمَجْنُونِ، يَقْبِضُ له وَلِيُّه.
3775 -
مسألة: ولا يَجُوزُ دَفْعُها إلى كافرٍ. وقد ذَكَرْناه (ولا إلى مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه)
وقد ذَكَرْنا ذلك في الزَّكاةِ 267. وفي دَفْعِها إلى الزَّوْجِ وَجْهانِ؛ بِناءً على دَفْعِ الزَّكاةِ إليه 268.265266
الحديث: 3775 - الجزء: 23 - الصفحة: 345
وَإنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ يَظُنُّهُ مِسْكِينًا، فَبَانَ غَنِيًّا، فَعَلَى رِوَايَتَينِ.
وَإنْ رَدَّدَهَا عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ سِتِّينَ يَوْمًا، لَمْ يُجْزِئْهُ، إلا أَنْ لَا يَجِدَ غَيرَهُ، فَيُجْزِئُهُ في ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، لَا يُجْزِئُهُ.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُ وَإنْ وَجَدَ غَيرَهُ.
3776 - مسألة: ويَجُوزُ دَفْعُ الكَفَّارَةِ إلى مَن ظاهِرُه الفَقْرُ.
فإن بان غَنِيًّا، فهل يُجْزِئُه؟ فيه وَجْهان، بناءً على الرِّوايَتَين في الزَّكاةِ.
وإن بان كافرًا أو عَبْدًا، لم يُجْزِئْه، وَجْهًا واحِدًا.
3777 -
مسألة: (وإن رَدَّدَهَا على مِسْكِينٍ واحِدٍ سِتِّين يَوْمًا، لم يُجْزِئْه، إلَّا أن لا يَجِدَ غيرَه، فيُجْزِئُه في ظَاهِرِ المذْهَب. وعنه، لا يُجْزِئُه. وعنه، يُجْزِئُ وإن وَجَدَ غيرَه)
وجملةُ ذلك، أنَّ الواجِبَ في كفَّارَةِ الظِّهارِ إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكينًا؛ للآيَةِ، لا يُجْزِئُه أقَلُّ مِن ذلك.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه أن يُطْعِمَ مسكينًا واحدًا في سِتِّينَ يومًا.
ورُوِيَ ذلك عن أحمدَ.
حكاه القاضي أبو الحُسَينِ؛ لأنَّ هذا المسكينَ لم يَسْتَوْفِ 269 قُوتَ يَوْمِه مِن هذه الكفَّارَةِ، فجاز أن يُعْطَى
الحديث: 3776 - الجزء: 23 - الصفحة: 346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منها، كاليَوْم الأوَّلِ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ ثالِثَةٌ، أنَّه 270 إن وجَدَهم لم يُجْزئْه؛ لأنَّه أمكَنَه امْتِثالُ الأمْر بصُورَته ومَعْناه، وإن لم يَجدْ غيرَه أجْزَأه؛ لتَعَذُّرِ المساكينِ.
ووَجْهُ الأُوَلَى، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ 271. وهذا يُطْعِمْ إلَّا واحِدًا، فلم يَمْتَثِلِ الأمْرَ، ولأنَّه لم يُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فلم يُجْزِئْه، كما لو دَفَعَها إليه في يَوْمٍ واحدٍ، ولأنَّه لو جازَ الدَّفْعُ إليه في أيَّامٍ؛ لجازَ الدَّفْعُ إليه في يَوْمٍ واحدٍ، كالزَّكاةِ وصدقةِ الفِطْرِ، يُحَقِّق هذا أن الله تعالى أمَرَ بعدَدِ المساكينِ، لا بعَدَدِ الأيَّامِ، وقائِل هذا يَعْتَبِر عدَدَ الأيَّامِ دُونَ عدَدِ المساكينِ، والمَعْنى في اليومِ الأوَّلِ، أنَّه لم يَسْتَوف حَقَّه من هذه الكفَّارَةِ، وفي اليومِ الثَّانِي قد اسْتَوْفَى حقَّه، وأخَذَ منها قوتَ يَوْمٍ، فلم يَجُزْ أن يَدْفَعَ إليه في اليومِ الثَّانِي، كما لو أوْصَى إنْسانٌ بشيءٍ لسِتِّين مسكينًا.
الجزء: 23 - الصفحة: 347
وَإِنْ دَفَعَ إِلَى مِسْكِينٍ في يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ كَفَّارَتَينِ، أَجْزأهُ.
وَعَنْهُ، لَا يُجْزِئُهُ.
3778 - مسألة: (وإن دَفَعَ إلى مِسْكِينٍ في يَوْم واحدٍ مِن كَفّارَتَين، أجْزَأه)
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه دَفَعَ القَدْرَ الواجِبَ إلى العَدَدِ الواجِبِ، فأجْزَأ، كما لو دَفَعَ إليه المُدُيَّن في يَوْمَين.
وفيه رِواية أخْرَى، أنَّه (لا يُجْزِئُه) وهو قول أبي حنيفةَ؛ لأنَّه اسْتَوْفَى قوتَ 272 يومٍ مِن كفَّارَةٍ، فلم يَجُزِ الدَّفْعُ إليه ثانيًا، كما لو دَفَعَها إليه مِن كفَّارةٍ واحدةٍ.
فعلى هذه الروايَةِ، يُجْزِئُه عن إحْدَى الكفَّارَتَين.
وهل له الرُّجُوعُ في الأُخْرَى؟ يُنْظَر؛ فإن كان أعْلَمَه أنَّها عن كفَّارَتَين 273، فله الرُّجُوعُ، وإلَّا فلا.
وَيَتَخَرَّجُ أن لا يَرْجِع بشيءٍ، على ما ذَكَرْنا في الزَّكاةِ.
والرِّوايَة الأولَى أقْيَسُ وأصحُّ، فإنَّ اعْتِبارَ عَدَدِ المساكينِ أَوْلَى مِن اعْتِبارِ عَددِ الأيَّامِ، ولو دَفَعَ إليه ذلك في يَومَين 274
الحديث: 3778 - الجزء: 23 - الصفحة: 348
وَالْمُخْرَجُ في الْكَفَّارَةِ مَا يُجْزِئُ في الْفِطْرَةِ.
وَفِي الْخُبْزِ رِوَايَتَانِ.
أجْزَأه، ولأنَّه لو كان الدَّافِعُ اثْنَين، أجْزَأ عنهما، فكذلك إذا كان الدَّافِعُ واحدًا.
ولو دَفَعَ سِتِّينَ مُدًّا إلى ثلاثين مسكينًا مِن كفَّارَةٍ واحدةٍ، أجْزَأه من ذلك ثلاثون، ويُطْعِمُ ثلاثين آخَرِين، فإن دَفَعَ السِّتِّينَ مِن كفَّارَتَين، خُرِّجَ على الرِّوايَتَين في المسْأَلةِ قبلَها، وهي إذا أطْعَمَ مسكينًا واحدًا مُدَّين مِن كفَّارَتَين في يومٍ واحدٍ.
3779 -
مسأَلة: (والمُخْرَجُ في الكَفَّارَةِ مَا يُجْزِئُ في الفِطْرَةِ)
وهو البُرُّ، والشَّعِيرُ، والتَّمْرُ، وَالزَّبِيبُ، سَواءٌ كان قُوتَ بَلَدِه أو لم يَكُنْ.
وما عداها، فقال القاضي: لا يُجْزِئُ إخْراجُه، سواءٌ كان قُوتَ بَلَدِه أو لم يكُنْ؛ لأنَّ الخبَرَ وَرَدَ بإخْراجِ هذه الأصْنافِ (1) على ما جاءَ في الأحاديثِ التي نَذْكُرُها، ولأنَّه الجِنْسُ المُخْرَجُ في الفِطْرَةِ، فلم يُجْزِئُ غيرُه، كما لو لم يكُنْ قُوتَ بَلَدِه.
3780 -
مسألة: (وفي الخُبْزِ رِوايَتان)
إحداهما، يُجْزِئُ.
اخْتارَها الخِرَقِيُّ.
ونصَّ عليه أحمدُ، في روايةِ الأثْرَمِ، فإنَّه قال: قلتُ275
الحديث: 3779 - الجزء: 23 - الصفحة: 349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأبي عبدِ اللهِ: رجُلٌ أخَذَ ثلاثةَ عشَرَ رَطْلًا وثُلُثًا دَقِيقًا، وهو كفَّارَةُ اليَمِينِ، فخَبَزَه للمساكينِ، وقَسَمَ الخُبْزَ على عشَرةِ مَساكِينَ، أيُجْزِئُه ذلك؟ قال: ذلك أعْجَبُ إليَّ، والذي جاءَ فيه الحَدِيثُ أن يُطْعِمَهُم مُدَّ بُرٌّ، وهذا إن فَعَلَ فأرْجُو أن يُجْزِئَه.
قلتُ: إنَّما قال اللهُ تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾.
فهذا قد أطْعَمَهم، وأوْفَاهم المُدَّ.
قال: أرْجُو أن يُجْزِئَه.
وهذا قولُ بعْضِ أصحابِ الشافعيِّ.
ونَقَلَ الأثْرَمُ، في موضِعٍ آخَرَ، أنَّ أحمدَ سألَه رجلٌ عن الكفَّارَةِ، قال: أُطْعِمُهم خُبْزًا وتَمْرًا؟ قال: ليس فيه تَمْرٌ.
قال: فخُبْزٌ؟ قال: لا، ولكن بُرًّا أو دَقِيقًا بالوَزْنِ، رَطْلٌ وثُلُثٌ لكُلِّ مِسْكينٍ.
فظاهِرُ هذا أنَّه لا يُجْزِئُه.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه خرَجَ عن حالةِ الكَمَالِ والادِّخارِ، فأَشْبَه الهَرِيسَة.
قال شيخُنا 276: والأوَّلُ أحْسَنُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾.
وهذا مِن أوْسَطِ ما يُطْعِمُ أهْلَه، وليس الادِّخارُ مقْصُودًا في الكفَّارَةِ، فإنَّها مُقَدَّرَة بما يَقُوتُ المسكينَ في يومِه، فيدُلُّ ذلك على أنَّ المقْصُودَ كفَايَتُه في يومِه، وهذا قَد هَيَّأَه للأكْلِ
الجزء: 23 - الصفحة: 350
وَإنْ كَانَ قُوتُ بَلَدِهِ غَيرَ ذَلِكَ، أَجْزَأَهُ مِنْهُ؛ لِقَوْلِ الله تِعَالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾.
وَقَال الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُهُ.
المُعْتادِ لِلاقْتِياتِ، وكَفاهم مُؤْنَتَه، فأشْبَهَ ما لو نَقَّى الحِنْطَةَ وغَسَلَها.
وأمَّا الهَرِيسَةُ والكَبُولا (1) ونَحْوُهما، فلا يُجْزِئُ؛ لأنَّهما خرُجَا عن الاقْتِياتِ المُعْتادِ إلى حَيِّزِ الإدام.
وأمَّا السَّويقُ، فيَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئ؛ لذلك.
ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئ؛ لأَنَّه يُقْتاتُ في بعضِ البُلْدانِ، ولأنَّ السَّويقَ يُجْزِئُ في الفِطْرَةِ، فأجْزَأ (2) ههُنا.
3781 -
مسألة: (فإن كان قُوتُ بَلَدِه غيرَ ذلك)
كالذُّرةِ، والدُّخْنِ، والأرُزِّ، لم يُجْزِئُ إخْراجُه، على قَوْلِ القاضِي.
وقال أبو277278
الحديث: 3781 - الجزء: 23 - الصفحة: 351
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخَطَّابِ: عندِي أنَّه يجْزِئُه الإِخْراجُ مِن جميعِ الحُبُوب التي هي قُوتُ بَلَدِه؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ 279. وهذا ممَّا يُطْعِمُه أهْلَه، فوَجَبَ أن يُجْزِئَه بظاهرِ النَّصِّ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
فإن أخْرَجَ عن 280 قُوتِ بَلَدِه، أجْوَدَ منه، فقد زادَ خيرًا.
فصل: وإخْراجُ الحَبِّ أفْضَلُ عندَ أبي عبدِ اللهِ؛ لأنَّه يَخْرُجُ به مِن الخِلافِ، وهي حالة كَمالِه؛ لأنَّه يُدَّخَر فيها، ويَتَهَيَّأُ لمنافِعِه كُلِّها، بخِلافِ غيرِه.
فإن أخْرَجَ دَقِيقًا، جاز، لكنْ يَزِيدُ على المُدِّ قَدْرًا يَبْلُغُ المُدَّ حَبًّا، أو يُخْرِجُه بالوَزْنِ؛ لأنَّ الحَبَّ يَرُوعُ 281، فيكونُ في مِكْيَالِ الحَبِّ أكثرُ ممَّا يكونُ في مِكْيالِ الدَّقِيقِ.
قال الأثْرَمُ: قِيل لأبي عبدِ اللهِ: فيُعْطِي البُرَّ والدَّقِيقَ؟ قال: أمَّا الذي جاءَ فالبُرُّ، ولكن إن أعْطاهُم الدَّقِيقَ بالوزنِ، جازَ.
وقال الشافعيُّ: لا يُجْزِئُ؛ لأنَّه ليس بحَالِ الكَمالِ، لأجْلِ ما يَفوتُ به مِن وُجُوهِ الانْتِفاعِ، فأشْبَهَ الهَرِيسَةَ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾.
والدَّقِيق مِن أوْسَطِ ما يُطْعِمُه أهلَه، ولأنَّ الدَّقِيقَ أجْزَاءُ الحِنْطَةِ، وقد كَفاهم مُؤْنَتَه وطَحْنَه، وهَيَّأه وقَرَّبَه مِن الأكْلِ، وفارَقَ
الجزء: 23 - الصفحة: 352
وَلَا يُجْزِئُ مِنَ الْبُرِّ اقَلُّ مِنْ مُدٍّ، وَلَا مِنْ غَيرِهِ أقَلُّ مِنْ مُدَّينِ، الهَرِيسَةَ، فإنَّها تَفْسُدُ عن قَرِيبٍ، ولا يُمْكِنُ الانْتِفاعُ بها في غيرِ الأكْلِ في تلك الحالِ، بخلافِ مَسْأَلتِنا.
3782 -
مسألة: (ولا يُجْزِئُ مِن البُرِّ أقَلُّ مِن مُدٍّ، ولا مِن غَيرِه أقَلُّ مِن مُدَّين)
وجملةُ ذلك، أنَّ قَدْرَ الطَّعامِ في الكفَّاراتِ مُدٌّ مِن بُرٍّ لكُلِّ مسكينٍ، أو نصفُ صاعِ تَمْرٍ أو شعيرٍ.
ومِمَّن قال: مُدُّ بُرٍّ.
زيدُ بنُ ثابتٍ، وابنُ عباسٍ، وابنُ عمرَ.
حَكاه عنهم الإمامُ أحمدُ، ورواه عنهم الأثْرَمُ، وعن عطاءٍ، وسليمانَ بنِ موسى.
وقال سليمانُ بنُ يَسارٍ: أدْرَكْتُ النَّاسَ إذا أعْطَوْا في كفَّارَةِ اليَمِينِ، أعْطَوْا مُدًّا مِن حِنْطَةٍ بالمُدِّ الأصْغَرِ، مُدِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - 282. وقال أبو هُرَيرَةَ: يُطْعِمُ مُدًّا مِن أيِّ الأنْواعِ كان.
وبه قال عَطاء، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ؛ لِما روَى أبو داود 283 بإسْنادِه، عن أوْس أخِي 284 عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -
الحديث: 3782 - الجزء: 23 - الصفحة: 353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أعْطاه -يَعني المُظاهِرَ- خمسةَ عَشَرَ صاعًا مِن شَعِيرٍ، إطْعامَ سِتِّينَ مسكينًا.
وروَى الأثْرَمُ 285 بإسْنادِه، عن أبي هُرَيرَة، في حَدِيثِ المُجامِعِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُتِىَ بِعَرَقٍ فيه خمسةَ عَشَرَ صاعًا، فقال: «خُذْه وَتَصَدَّقْ به».
وإذا ثَبَتَ هذا 286 في المُجامِعِ بالخَبَرِ، ثَبَتَ في المُظاهِرِ قِياسًا عليه، ولأنَّه إطْعامٌ واجبٌ، فلم يَخْتَلِفْ باخْتلافِ أنْواعِ المُخْرَجِ، كالفِطْرَةِ.
وقال مالكٌ: لكُلِّ مِسكينٍ مُدَّان مِن جيعِ الأنْواعِ.
وممَّن قال: مُدَّان مِن قَمْحٍ.
مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ؛ لأنَّها كفَّارَةٌ تَشْتَمِلُ على صِيَام وإطْعامٍ، فكان لكُلِّ مِسكين نِصْفُ صاعٍ، كفِدْيَةِ الأذَى.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرّأْيِ: مِن القمحِ مُدَّان، ومِن التَّمْرِ والشَّعِيرِ صاعٌ لكُلِّ مسْكِينٍ؛ لقوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَدِيثِ سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ: «فَأطْعِمْ وَسْقًا مِن تَمْرٍ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وغيرُهما 287. وروَى الخَلَّالُ 288 بإسْنادِه، عن يُوسفَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ، عن خُوَيلَةَ: فقال لي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ».
وفي روايةِ أبي داودَ 289: والعَرَقُ سِتُّونَ صاعًا.
وروَى
الجزء: 23 - الصفحة: 354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنُ ماجه 290 بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ، قال: كَفَّرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بصَاعٍ مِن تَمْرٍ، وأمَرَ النَّاسَ، فَمَن لم يَجِدْ فنِصْفُ صَاعٍ مِن بُرٍّ.
[وروَى الأثْرَمُ بإسْنادِه، عن عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، قال: أطْعِمْ عَنِّي صَاعًا مِن تَمْرٍ أو شَعِيرٍ، أو نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ] 291. ولأنَّه إطْعامٌ للمساكِينِ، فكان صاعًا مِن التَّمْرِ والشَّعِيرِ، أو نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ، كصَدَقَةِ الفِطْرِ.
ولَنا، ما روَى الإِمامُ أحمدُ، ثنا إسماعيلُ، ثنا أيُّوبُ، عن أبي يَزِيدَ المَدَنِيِّ، قال: جاءتِ امْرَأةٌ مِن بني بَياضَةَ بنِصْفِ وَسْقِ شَعِيرٍ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للمُظاهِرِ: «أطْعِمْ هذا؛ فَإنَّ مُدَّىْ شَعِيرٍ مَكَان مُدِّ بُرٍّ» 292. وهذا نَصٌّ.
ولأنَّه قَوْلُ زَيدٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، وأبي هُرَيرَةَ، ولم نَعْرِفْ لهم في الصَّحابَةِ مُخَالِفًا، فكان إجْماعًا.
وعلى أنَّه نِصْفُ صاع مِن التَّمْرِ والشَّعِيرِ، ما روَى عطاءُ بنُ يَسارٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لخَوْلَةَ 293 امْرَأةِ أوْسِ بنِ الصَّامِتِ: «اذْهَبِي إلى فُلانٍ الأنْصَارِيِّ، فإنَّ عِنْدَهُ شَطْرَ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ، أخْبَرَنِي أنَّه يُرِيدُ أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، فَلْتَأْخُذِيه، فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ عَلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا» 294. وفي حديثِ
الجزء: 23 - الصفحة: 355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أوْسِ بنِ الصَّامِتِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ».
قلتُ: يا رسولَ اللهِ: فإنِّي سأُعِينُه بعَرَقٍ آخَرَ.
قال: «أحْسَنْتِ، اذْهَبِي فَأطْعِمِي بِهَا عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَارْجِعِي إلَى ابْنِ عَمِّكِ».
وروَى أبو داودَ 295 بإسْنادِه، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، أنَّه قال: العَرَقُ زِنْبِيلٌ يَأْخُذُ خمسةَ عَشَرَ صاعًا.
فالعَرَقان ثلاثونَ صاعًا، لكُلِّ مِسْكينٍ نِصْف صاعٍ.
ولأنَّها كفَّارَة تَشْتَمِلُ على صِيامٍ وإطْعامٍ، فكان لكُلِّ مِسْكينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن التَّمْرِ 296 والشَّعِيرِ، كفِدْيَةِ الأذَى.
فأمَّا رِوايَةُ أبي داودَ أنَّ الْعَرَقَ سِتُّون صاعًا.
فقد ضَعَّفَها، وقال: غيرُها أصَحُّ منها.
وفي الحديثِ ما يدُلُّ على الضَّعْفِ؛ لأنَّ ذلك في سياقِ قَوْلِه: «إنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ».
فقالتِ امْرأتُه: إنِّي سأُعِينُه بعَرَقٍ آخَرَ.
قال: «فأَطْعِمِي بها عنه سِتِّينَ مِسْكِينًا».
فلو كان العَرَقُ سِتِّينَ صاعًا، لكانتِ الكفَّارَةُ مائةً وعشرين صاعًا، ولا قائِلَ به.
وأمَّا حَدِيثُ المُجامِعِ الذي أعْطاه خمسةَ عَشَرَ صاعًا، فقال: «تَصَدَّقْ بِهِ».
فيَحْتَمِلُ أنَّه اقْتَصَرَ عليه إذ 297 لم يَجِدْ سِواه، ولذلك لمَّا أخْبَرَه بحاجَتِه إليه أمرَه بأكْلِه.
وفي الحديثِ المُتَّفَقِ عليه 298: «قَرِيبٌ مِن عِشْرِينَ صاعًا».
وليس ذلك مَذْهَبًا لأحَدٍ، فيَدُلُّ
الجزء: 23 - الصفحة: 356
وَلَا مِنَ الْخُبْزِ أَقلُّ مِنْ رَطْلَينِ بِالْعِرَاقِيِّ، إلَّا أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ مُدٌّ.
على أنَّه اقْتَصَرَ على البَعْضِ الذي لم يَجِدْ سواه.
وحَدِيثُ أوْسٍ أخِي (1) عُبادَةَ مُرْسَلٌ، يَرْويه عنه عَطاءٌ، ولم يُدْرِكْه، على أنَّه حُجَّةٌ لنا؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعْطاه عَرَقًا، وأعانَتْه امْرَأتُه بعَرقٍ آخَرَ، فصارا جَمِيعًا ثلاثين صاعًا، كما فَسَّرَه أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ.
وسائِرُ الأحادِيثِ يُجْمَعُ بينَها وبينَ أخْبارِنا بحملِها على الجوازِ، وأخْبارُنا على الإجْزاءِ، وقد عَضَد هذا أنَّ ابنَ عباسٍ رَاوي (2) بعْضِها، ومذْهَبُه أنَّ المُدَّ مِن البُرِّ يُجْزِئُ، وكذلك أبو هُرَيرَةَ، وسائِرُ ما ذَكَرْنا مِن الأخْبارِ، مع الإجْماعِ الذي نَقَلَه سليمانُ بنُ يَسارٍ.
3783 -
مسألة: (ولا)
يُجْزِئُ (مِن الخُبْزِ أقَلُّ مِن رَطْلَينِ بالعراقِيِّ، إلَّا أن يَعْلمَ أنَّه مُدٌّ) وجملةُ ذلك، أنَّه [إذا أعْطى] 301 المسْكِينَ299300 = من عشرين صاعا، كما أورده الشارح.
وأخرجه ابن خزيمة، في: باب ذكر قدر مكيل التمر.
. .، من كتاب الصيام.
صحيح ابن خزيمة 3/ 221. وأبو داود في: باب كفارة من أتى أهله في رمضان، من كتاب الصيام.
سنن أبي داود 1/ 558. والبيهقي، في: باب رواية من روى الأمر بقضاء يوم.
. .، من كتاب الصيام.
السنن الكبرى 4/ 227. وعبد الرزاق، في: باب من يبطل الصيام.
. .، من كتاب الصيام.
المصنف 4/ 195. وانظر الكلام على طرق الحديث في فتح الباري 4/ 169.
الحديث: 3783 - الجزء: 23 - الصفحة: 357
وَإنْ أُخرَجَ الْقِيمَةَ، أَوْ غَدَّى الْمَسَاكِينَ أَوْ عَشَّاهُمْ، لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ.
رَطْلَيْ خُبْزٍ بالعِراقِيِّ، أجْزَأه.
ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
وذلك بالرَّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ الذي هو سِتُّمائةِ دِرْهَمٍ، خَمْسُ أواقٍ وسُبْعُ أُوقِيَّةٍ؛ لأنَّ ذلك لا يكونُ من (1) أقَلَّ مِن مُدٍّ.
قال القاضي: المُدُّ يَجِئُ منه رَطْلان؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّ رَطْلَين مِن الخُبْزِ لا يَكونُ مِن (1) أقَلَّ مِن مُدٍّ.
فأمَّا إن عَلِمَ أنَّه مُدٌّ، بحيثُ يَأْخُذُ مُدًّا مِن حِنْطَةٍ، فيَطْحَنُه، ويَخْبِزُه، أو رَطْلًا وثُلُثًا مِن دَقِيقِ الحِنْطَةِ، ويَصنَعُه خُبْزًا، فيُجْزِئُه.
وهذا في البُرِّ.
فأمَّا إن كان مِن الشَّعِيرِ، فلا يُجْزِئُه إلَّا ضِعْفُ [ذلك على ما قَرَّرْنا] (2)، أو يَخْبِزُ نِصْفَ صاعِ شعيرٍ.
كما قُلْنا في البُرِّ، ويُخْرِجُه، فيُجْزِئُه.
3784 -
مسألة: (فإن أخْرَجَ القِيمَةَ، أو غَدَّى المساكِينَ أو عَشَّاهم، لم يُجْزِئْه)
ويَحْتَمِلُ أنْ يُجْزِئَه.
لا يُجْزِئُ إخْراجُ القِيمَةِ في الكَفَّارَةِ.
نَقَلهَا المَيمُونِيُّ، والأثْرَمُ.
وهو مذهبُ مالكٍ، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وهو الظَّاهِرُ مِن قولِ عمرَ بنِ الخَطَّابِ، وابنِ عباسٍ.302303
الحديث: 3784 - الجزء: 23 - الصفحة: 358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأجازَه الأوْزاعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ المقْصُودَ دَفْعُ حاجَةِ المساكينِ، وهو يَحْصُلُ بذلك.
وخرَّجَ بعْضُ أصحابِنا مِن كلامِ أحمدَ روايةً أُخْرَى، أنَّه يُجْزِئُه.
وهو ما روَى الأثْرَمُ، أنَّ رَجُلًا سأل أحمدَ، قال: أعْطَيتُ في كفَّارَةٍ خَمْسَ دَوانِيقَ؟ فقال: لو اسْتَشَرْتَني قبلَ أن تُعْطِيَ، لم أُشِرْ عليك، ولكن أعْطِ ما بَقِيَ مِن الأثْمانِ على ما قُلتُ لك.
وسَكَتَ عن الذي أعْطىَ.
وهذا ليس بروايةٍ، إنَّما سَكَتَ عن الذي أعْطى؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ فيه، فلم يَرَ التَّضْيِيقَ عليه فيه.
والمذهبُ الأوَّلُ؛ لظاهِرِ قولِه سبحانه: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾.
ومَن أخْرَجَ القِيمَةَ، لم يُطْعِمْ.
وقد ذَكَرْناه في الزَّكاةِ.
3785 -
مسألة: (وإن غَدَّى المَساكِينَ أو عَشَّاهُمْ، لم يُجْزِئْه. وعنه، يُجْزِئُه)
ظاهِرُ المذْهَبِ في كيفِيَّةِ إطْعامِ المساكينِ، أنَّ الواجِبَ أنْ يُمَلِّكَ كلَّ إنْسانٍ مِن المساكينِ القَدْرَ الواجِبَ مِن الكفَّارَةِ، فلو غَدَّى المساكِينَ أو عشَّاهُم، لم يُجْزِئه، سواءٌ [فَعَل ذلك بالقَدْرِ] 304 الواجب، أو أقلَّ، أو أكْثَرَ، ولو غَدَّى كلَّ واحدٍ بمُدٍّ 305، لم يُجْزِئْه، إلَّا أن يُمَلِّكه إيَّاه.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أنَّه يُجْزِئُه إذا أطْعَمَهم القَدْرَ الواجِبَ لهم.
وهو قولُ النَّخَعِيِّ، وأبي حنيفةَ.
وأطْعَمَ أنَسٌ
الحديث: 3785 - الجزء: 23 - الصفحة: 359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في فِدْيَةِ الصِّيامِ 306. قال أحمدُ: أطْعَمَ شيئًا كَثِيرًا، وَضَعَ الجِفانَ.
وذكَرَ حَدِيثَ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عن ثابتٍ، عن أنَسٍ؛ وذلك لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾.
وهذا قد أطْعَمَهُم، فيَنْبَغِي أن يُجْزِئَه، ولأنَّه أطْعَمَ المساكينَ، فأجْزَأه، كما لو مَلَّكَهم.
ووَجْهُ الأُولَى، أنَّ المَنْقُولَ عن الصَّحابةِ إعْطاؤُهم، ففي قولِ زيدٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمَرَ، وأبي هُرَيرَةَ، مُدٌّ لكُلِّ فَقِيرٍ.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لكَعْبٍ، في فِدْيَةِ الأذَى: «أطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ، بَينَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ» 307. ولأنَّه مالٌ وَجَبَ للفُقَراء شَرْعًا، فوجَبَ تَمْلِيكُهم إيَّاه كالزَّكاةِ.
فإن قُلْنا: يُجْزِئُ.
اشْتُرِطَ أَن يُغَديهم سِتِّينَ مُدًّا 308 فصَاعِدًا، ليكونَ قد أطْعَمَهم قَدْرَ الواجِبِ.
وإن قُلْنا: لا يُجْزِئُ أن يُغَدِّيَهُم.
فَقدَّمَ إليهم سِتِّينَ مُدًّا، وقال: هذا بينَكم بالسَّويَّةِ.
فقَبِلُوه، أجْزَأ، لأنَّه مَلَّكَهم التَّصَرُّفَ فيه والانتِفاعَ 309 قَبْلَ القِسْمَةِ.
وهذا ظاهِرُ مذْهَبِ الشافعيِّ.
وقال أبو عبدِ اللهِ بنُ حامدٍ: يُجْزِئُه، وإن لم يَقُلْ: بالسَّويَّةِ، لأنَّ قَوْلَه: خُذُوها عن كَفَّارَتِي.
يَقْتَضِي التَّسْويَةَ، لأنَّ ذلك حُكْمُها.
وقال
الجزء: 23 - الصفحة: 360
فَصْلٌ: وَلَا يُجْزِئُ الإخْرَاجُ إلا بِنِيَّةٍ، وَكَذَلِكَ الإعْتَاقُ وَالصِّيَامُ.
القاضي: إن عَلِمَ أنَّه وَصَلَ إلى كلِّ واحدٍ قَدْرُ حَقِّه، أجْزَأ، وإن لم يَعْلَمْ، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ الأصْلَ شَغْلُ ذِمَّتِه، ما لم يَعْلَمْ وُصُولَ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّه.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه دَفَعَ الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّه مُشَاعًا، فقَبِلُوه، فبَرِئَ منه، كدُيُونِ غرَمائِه.
فصل: ولا يَجِبُ التّتابُعُ في الإطْعامِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في روايةِ الأثْرَمِ، وقيل له: يكونُ عليه كفَّارَةُ يَمِينٍ، فيُطْعِمُ الصَوْمَ واحِدًا، والآخَرَ بعدَ أيَّامٍ، وآخَرَ بَعْدُ حتى يَسْتَكْمِلَ عَشَرَةً؟ فلم يَرَ بذلك بأْسًا؛ وذلك لأنَّ اللهَ تعالى لم يَشْتَرِطِ التَّتابُعَ فيه.
ولو وَطِئَ في أثْناءِ الإطْعامِ، لم تَلْزَمْه إعادَةُ ما مَضَى منه.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال مالكٌ: يَسْتَأْنِفُ؛ لأنَّه وَطِئَ في أثْناءِ الكفَّارَةِ، فوَجَبَ الاسْتِئْنافُ كالصِّيامٍ.
ولَنا، أنَّه وَطِئَ في أثْناءِ ما لا يُشْتَرَطُ التَّتابُعُ فيه، فلم يُوجِبْ الاسْتِئْناف، كوَطْءِ غيرِ المُظاهَرِ منها، أو كالوَطْءِ 310 في كفَّارَةِ اليَمِينِ، وبهذا فارَقَ الصِّيامَ.
فصل: (ولا يُجْزِئُ الإخْراجُ إلَّا بنِيَّةٍ، وكذلك الإعْتاقُ والصِّيامُ) لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا الأعْمَالُ بالنِّيَّاتِ» 311. ولأنَّ العِتْقَ يَقَعُ مُتَبَرِّعًا
الجزء: 23 - الصفحة: 361
فَإِنْ كَانَ عَلَيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، فَنَوَى عَنْ كَفَّارَتِي، أَجْزَأَةُ، وَإنْ كَانَ عَلَيهِ كَفَّارَاتٌ مِنْ جِنْسٍ، فَنَوَى إِحْدَاهَا، أَجْزأَهُ عَنْ وَاحِدَةٍ.
به، وعن كفَّارَةٍ أُخْرَى، أو نَذْرٍ، فلم يَنْصَرِفْ الن هذه الكفَّارَةِ إلَّا بنِيَّةٍ، وصِفَتُها أن يَنْويَ العِتْقَ، أو الإطْعامَ، أو الصِّيامَ عن الكفَّارَةِ، فإن زادَ الواجبَةَ فهو تأْكيدٌ، وإلَّا أجْزَأتْ نِيَّةُ الكفَّارَةِ.
وإن نَوَى وُجُوبَها، ولم يَنْو الكفَّارَةَ، لم تُجْزِئْه؛ لأنَّ الوُجُوبَ يَتَنَوَّعُ عن كفَّارَةٍ ونَذْرٍ، فَوجَبَ تَمْيِيزُه.
ومَوْضِعُ النِّيَّةِ مع التَّكْفِيرِ، أو قَبْلَه بيَسِيرٍ.
وهذا الذي نَصَّ عليه الشافعيُّ، وقال به بعضُ أصحابه.
وقال بعضُهم: لا يُجْزِئُ حنى يَسْتَصْحِبَ النِّيَّةَ.
وإن كانتِ الكفَّارَةُ صِيامًا، اشْتُرِطَتْ نِيَّةُ الصِّيام عن الكفَّارَةِ في كلِّ لَيلَةٍ؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيلِ» (1).
3786 -
مسألة: (فإن كانت عليه كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ، فَنَوَى عن كَفَّارَتِي، أجْزَأه)
لأنَّ النِّيَّةَ تَعَينَّتْ لها (وإن كان عليه كفَّاراتٌ مِن جنْسٍ) وَاحِدٍ، لم يَجِبْ تَعْيِينُ سَبَبِها.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصَحابُ الرَّأْي.
ولا نعلمُ فيه مُخالِفًا.
فعلى هذا، لو كان مُظاهِرًا مِن أرْبَعِ نِساءٍ،312
الحديث: 3786 - الجزء: 23 - الصفحة: 362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأعْتَقَ عبدًا عن ظِهارِه، أجْزَأه عن إحْداهُنَّ، وحَلَّتْ له واحدةٌ غيرُ مُعَينَّةٍ؛ لأنَّه وَاجِبٌ مِن جِنْس واحِدٍ، فأجْزَأتْه نِيَّةٌ مُطْلَقَة، كما لو كان عليه صَوْمُ يَوْمَينِ مِن رَمضانَ.
وقِياسُ المذهبِ أن يُقْرِعَ بَينَهُنَّ، فتُخْرَجَ المُحَلَّلَةُ مِنْهُنَّ بالقُرْعَةِ.
وهذا قولُ أبي ثَوْرٍ.
وقال الشافعيُّ: له أن يَصْرِفَها إلى أيَّتِهِنَّ شاءَ، فَتَحِل.
وهذا يُفْضِي إلى أنَّه يَتَخَيَّرُ بينَ كَوْنِ هذه المرأةِ مُحَلَّلَةً له أو مُحَرَّمَةً عليه.
وإن كان الظِّهارُ مِن ثَلاثِ نِسْوَةٍ، فأعْتَقَ عبدًا عن إحْداهُنَّ، ثم صامَ شَهْرَينِ عن أُخْرَى، ثم مَرِض، فأطْعَمَ سِتِّينَ مسكينًا عن أُخْرَى، أجْزَأه، وحَلَّ 313 له الجَمِيعُ مِن غيرِ قُرْعَةٍ ولا تَعْيِينٍ.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال أبو ثَوْرٍ: يُقْرِعُ بَينَهُنَّ، فمَنْ تَقَعُ لها القُرْعَةُ، فالعِتْقُ لها، ثم يُقْرِعُ بينَ الباقِيَتَين، فمن تَقَعُ لها القُرْعَةُ فالصِّيامُ لها، والإطْعامُ عن الثَّالثةِ؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ مِن هذه الخِصالِ لو انْفَرَدَتْ، احْتاجَتْ إلى قُرْعَةٍ، فكذلك إذا اجْتَمَعَتْ.
ولَنا، أنَّ التَّكْفِيرَ قد حَصَلَ عن الثَّلاثِ، وزالتْ حُرْمَةُ الظِّهارِ، فلم يَحْتَجْ إلى قُرْعَةٍ، كما لو أعْتَقَ ثلاثةَ أعْبُدٍ (1) عن ظِهارِهِنَّ، دَفْعَةً واحِدَةً.
الجزء: 23 - الصفحة: 363
وَإنْ كَانَتْ مِنْ أجْنَاسٍ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ.
وَعِنْدَ الْقَاضِي، لَا تُجْزِئُهُ حَتَّى يُعَيِّنَ سَبَبَهَا.
فَإنْ كَانَتْ عَلَيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ نَسِيَ سَبَبَهَا، أَجْزأَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْوَجْهِ الأوَّلِ.
وَعَلَى الثَّانِي، يَجِبُ عَلَيهِ كَفَّارَاتٌ بِعَدَدِ الأسْبَابِ.
وَاللهُ أَعْلَمُ.
3787 - مسألة: (وإن كانت مِن أجْناسٍ)
كظِهارٍ، وقَتْلٍ، وجِماعٍ في رَمَضانَ، ويَمِينٍ، فقال أبو الخَطَّابِ: لا تَفْتَقِرُ 314 إلى تعْيِينِ السَّبَبِ.
[وهذا مذهبُ] 315 الشافعيِّ؛ لأنَّها عِبادَةٌ واجِبَةٌ، فلم تَفْتَقِرْ صِحَّةُ أدائِها إلى تَعْيِينِ سَبَبِها، كما لو كان مِن جِنْسٍ واحِدٍ.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن يُشْتَرَطَ تَعْيينُ سَبَبها، ولا يُجْزِئُ بنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ.
وحَكاه بعْضُ أصحابِ الشافعيِّ، عن أحمدَ.
وهو مذهبُ إلى حنيفة؛ لأنَّهما عِبادتان مِن جِنْسَين، فوَجَبَ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لهما، كما لو وَجَبَ عليه صَوْمٌ مِن قَضَاءٍ ونَذْرٍ.
فعلى هذا، لو كانت عليه كفَّارَةٌ واحدةٌ لا يَعْلَمُ سَبَبَها، أجْزَأتْه كفَّارَةٌ واحدةٌ، على الوَجْهِ الأوَّلِ.
قاله أبو بكرٍ.
وعلى الوَجْهِ الثَّانِي يَنْبَغِي أن تَلْزَمَه (كفَّاراتٌ بعَدَدِ الأسْبابِ) كُلُّ واحدةٍ عن سَبَبٍ، كمَن نَسِيَ صلاةً مِن يومٍ لا يَعْلمُ عَينَها، فإَّنه يَلْزَمُه خمسُ صلواتٍ، ولو عَلِمَ أنَّ عليه يومًا، لا يَعْلَمُ هل هو مِن قَضاءٍ أو مِن نَذْرٍ، لَزِمَه صَوْمُ يَوْمَين.
الحديث: 3787 - الجزء: 23 - الصفحة: 364
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن كان عليه صِيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ، لا يَدْرِي أهي مِن كفَّارةٍ، أو نَذْرٍ، أو قَضاءٍ، لَزِمَه صيامُ تِسْعَةِ أيَّامٍ، كلُّ ثلاثةٍ عن واحدةٍ مِن الجِهاتِ الثَّلاثِ.
فصل: إذا كان على رجلٍ كفَّارَتان، فأعْتَقَ عنهما عَبْدَين، لم يَخْلُ مِن أرْبَعةِ أحْوالٍ؛ أحدُها، أن يَقُولَ: أعْتَقْتُ هذا عن هذه الكفَّارَةِ، وهذا عن هذه.
فيُجْزِئُه، إجْماعًا.
الثَّانِي، أن يَقُولَ: أعْتَقْتُ هذا عن إحْدَى الكفَّارَتَينِ، وهذا عن الأُخْرَى.
مِن غيرِ تَعْيينٍ؛ وإنْ كانا مِن جِنْسٍ واحدٍ، ككَفَّارَتَيْ ظِهارٍ، أو قَتْل، أجْزَأه.
وإنْ كانتا مِن جِنْسَين، ككَفارَةِ ظِهارٍ، وكفَّارَةِ قَتْل، خُرِّجَ على وَجْهَينِ في اشْتِراطِ تَعْيِينِ السَّبَب؛ فإن قُلْنا: يُشْتَرَطُ.
لم يُجْزِئْه واحدٌ منهما.
وإن قُلْنا: لا يُشْتَرَطُ.
أجزَأه عنهما.
الثَّالِثُ، أن يقولَ: أعْتَقْتُهما عن الكفَّارَتَين.
الجزء: 23 - الصفحة: 365
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن كانتا مِن جِنْسٍ، أجْزَأ عنهما، ويَقَعُ كلُّ واحدٍ عن كفَّارَةٍ؛ لأنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ والاسْتِعْمالِ إعْتاقُ الرَّقَبَةِ عن الكفَّارَةِ، فإذا أطْلَقَ ذلك، وَجَبَ حَمْلُه عليه، وإن كانا مِن جِنْسَين، خُرِّجَ على الوَجْهَين.
الرَّابعُ، أن يُعْتِقَ كلَّ واحدٍ منهما عنهما جميعًا، فيَكون مُعْتِقًا عن كلِّ واحدةٍ مِن الكفَّارَتَينِ نِصْفَ العَبْدَين 316، فيَنْبَنِي ذلك 317 على أصْلٍ آخَرَ، وهو إذا أعْتَقَ نِصْفَ رَقَبَتَين عن كفَّارَةٍ 318، هل يُجْزِئُه أو لا؟ فعلى قَوْلِ الخِرَقِيِّ، يُجْزِئُه؛ لأنَّ الأشْقاصَ بمَنْزِلَةِ الأشْخاصِ، فيما لا يَمْنَعُ منه العَيبُ اليَسِيرُ، بدليلِ الزَّكاةِ، فإنَّ مَن مَلَكَ نِصْفَ ثمانينَ شاةً، كان كمَن مَلَكَ أرْبَعِينَ، ولا تَلْزَمُ الأُضْحِيَةُ، فإنَّه يَمْنَعُ منها العَيبُ اليَسِيرُ.
وقال أبو بكرٍ، وابنُ حامدٍ: لا يُجْزِئُه.
وهو قولُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّ ما أُمِرَ بصَرْفِه إلى شَخْصٍ في الكفَّارَةِ، لم يَجُزْ تَفْرِيقُه على اثْنَين، كالمُدِّ في الإِطْعامِ.
ولأصحاب الشافعيِّ كهذين الوَجْهَين، ولهم وَجْهٌ ثالِثٌ، وهو أنَّه إن كان باقِيهما حُرًّا، أجْزَأ، وإلَّا فلا؛ لأنَّه متى كان باقِيهما
الجزء: 23 - الصفحة: 366
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حُرًّا، حَصَلَ تَكْمِيلُ الأحْكام والتَّصَرُّفُ.
وخَرَّجَه القاضي وَجْهًا لنا أيضًا، إلَّا أنَّ للمُعْتَرِضِ عليه أَن يقولَ: إنَّ تَكْمِيلَ الأحْكامِ ما حَصَلَ بعِتْقِ هذا، وإنّما حَصَلَ بانْضِمامِه إلى عِتْقِ النِّصْفِ الآخَرِ، فلم يُجْزِئْه.
فإذا قُلْنا: لا يُجْزِيء عِتْقُ النِّصْفَين.
لم يُجزِئْ في هذه المسْأَلةِ عن شيءٍ مِن الكفَّارَتَين.
وإن قُلْنا: يُجْزِئُ.
وكانتِ الكفَّارَتان مِن جِنْسٍ، أجْزَأ العِتْقُ عنهما.
وإن كانتا مِن جِنْسَين، فقد قِيلَ: يُخَرَّجُ على الوَجْهَين.
والصَّحِيحُ أنَّه يُجْزِئُ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ عِتْقَ النِّصْفَين عنهما، كعِتْقِ عَبْدَين عنهما.
فصل: ولا يجوزُ تَقْدِيمُ كفَّارَةِ الظِّهارِ قَبْلَه؛ لأنَّ الحُكْمَ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُه على سَبَبِه، فلو قال لعَبْدِه: أنت حُرٌّ السَّاعَةَ إن تَظَهَّرْتُ 319. عَتَقَ، ولم يُجْزِئْه عن ظِهارِه إن تَظَهَّرَ 320؛ لأنَّه قَدَّمَ الكفَّارَةَ على سَبَبِها المُخْتَصِّ؛ فلم يَجُزْ، كما لو قَدَّمَ كفَّارَةَ [اليَمِينِ عليها، أو كفَّارَةَ] 321 القَتْلِ على الجَرْحِ.
ولو قال لامْرأتِه: إن دَخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي.
لم يَجُزِ التَّكْفِيرُ قبلَ دُخُولِ الدَّارِ؛ لأنَّه تَقْدِيمٌ للكفَّارَةِ قبلَ الظِّهارِ.
فإن أعْتَقَ عَبْدًا عن ظِهارِه، ثم دَخَلَتِ الدَّارَ، عَتَقَ العَبْدُ، وصارَ مُظاهِرًا،
الجزء: 23 - الصفحة: 367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولم يُجْزِئْه؛ لأنَّ الظِّهارَ مُعَلَّقٌ على شَرْطٍ، [فلا يُوجَدُ قبلَ وجودِ شَرْطِه] 322. وإن قال لعَبْدِه: إن تَظَهَّرْتُ 323 فأنتَ حُرٌّ عن ظِهارِي.
ثم قال لامْرأتِه: أنتِ عليَّ كظَهْر أُمِّي.
عَتَقَ العبدُ؛ لوُجُودِ الشَّرْطِ.
وهل يُجْزِئُه عن الكفَّارَةِ؟ فيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يُجْزِئه؛ لأنَّه عَتَقَ بعدَ الظِّهارِ، وقد نَوَى إعْتاقَه عن الكفَّارَةِ.
والثَّانِي، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ عِتْقَه مُسْتَحَقٌّ بسَبَبٍ آخَرَ، وهو الشَّرْطُ، ولأنَّ النِّيَّةَ لم تُوجَدْ عندَ عِتْقِ العَبْدِ، والنِّيَّةُ عندَ التَّعْلِيقِ لا تُجْزِئُ؛ لأنّه تَقْدِيمٌ لها على سَبَبِها.
والله سبحانه وتعالى أعْلَمُ.
الجزء: 23 - الصفحة: 368