الشرح الكبير على المقنع ت التركيكتاب الجنائز
أهل الأثرالأرشيف العلمي

. المجتبى 4/ 4، 5. وابن ماجه، في: باب ذكر الموت والاستعداد له، من كتاب الزهد.
سنن ابن ماجه 2/ 1422. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 293. كلهم بدون زيادة فما ذكر.
. . إلى آخره.
وبهذه الزيادة عزاه النبهانى في الفتح الكبير للبيهقى في شعب الإيمان وابن حبان والبزار.
الفتح الكبير 1/ 225. وانظر إرواء الغليل 3/ 145.

الجزء: 6 - الصفحة: 5

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويُسْتَحَبُّ الاسْتِعْدَادُ للمَوْتِ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ 1. وِإذا مَرِض الإِنْسَانُ اسْتُحِبَّ أن يَصْبِرَ؛ لِما وَعَد اللَّهُ الصَّابِرِينَ مِن الأجْرِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ 2. ويُكْرَهُ الأنِينُ؛ لأنَّه رُوِى عن طاوُسٍ كَراهَتُه.
ولا يَتَمَنَّى المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَل به؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أحْيِنِى مَا كانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِى، وَتَوَفَّنِى إِذَا كانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِى».
مُتَّفَقٌ عليه 3. وقال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ويُحْسِنُ ظَنَّه بِرَبِّه تعالى؛ لِما روَى جَابرٌ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قبلَ مَوْتِهِ بِثَلاثةِ أيَّامٍ يقولُ: «لَا يَمُوتَنَّ أحَدُكُمْ إلَّا وهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ باللهِ عَزَّ وَجَلَّ».
رواه مسلمٌ بمَعْناه، وأبو داودَ 4. وقال مُعْتَمِرٌ، عن أبيه، أنَّه قال عندَ مَوتِه: حَدِّثْنِى

الجزء: 6 - الصفحة: 6

تُسْتَحَبُّ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَتَذْكِيرُهُ التَّوْبَةَ وَالْوَصِيَّةَ،  بالرُّخَصَ.

721 -

مسألة: و (تُسْتَحَبُّ عِيادَةُ المَرِيضِ، وتَذْكِيرُه التَّوْبَةَ والوَصِيَّةَ)

عِيادَةُ المَرِيضِ مُسْتَحَبَّةٌ؛ لِما روَى البَرَاءُ، قال: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِسَبْعٍ، ونَهانا عن سَبْعٍ؛ أمَرَنا بعِيادَةِ المَرِيضِ، واتِّبَاعِ الجِنازَةِ.
وذَكَر الحديثَ.
رَواه البُخارىُّ، ورَواه مسلمٌ بمَعْناهُ 5. وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا، إلَّا ابْتَعَثَ اللَّهُ لَهُ سَبْعِينَ ألْفَ مَلَكٍ، يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، أىَّ سَاعَةٍ مِنَ النَّهارِ كَانَتْ حَتَّى يُمْسِىَ، وَأَىَّ سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ كَانَتْ حَتَّى = الجنائز.
سنن أبى داود 2/ 168. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب التوكل واليقين، من كتاب الزهد.
سنن ابن ماجه 2/ 1395. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 293، 315، 325، 330، 334، 390.

الحديث: 721 - الجزء: 6 - الصفحة: 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُصْبِحَ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجهْ، والتِّرْمِذِىُّ 6، وزاد: «وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ 7 في الْجَنَّةِ».
وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّماءِ: طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ

الجزء: 6 - الصفحة: 8

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَنْزِلًا».
رَواه التِّرْمِذِىّ، وابنُ ماجه 8، وهذا لَفْظُه.
وعنه قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ 9 مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِى.
قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أعُودُكَ وَأنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّ عَبْدِى فُلَانًا مَرِضَ، فَلَمْ تَعُدْهُ، أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِى عِنْدَهُ».
وذَكَر الحديثَ.
رَواه مسلمٌ 10. وِإذا دَخَل على المَرِيضِ سَأله 11 عن حالِه ودَعا له، وَرَقاه.
قال ثابِتٌ لأنَسٍ: يا أبا حَمْزَةَ، اشْتَكَيْتُ.
قال أنَسٌ: أفَلَا أرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: بلى، قال: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ الْبَاسِ، اشْفِ أنْتَ

الجزء: 6 - الصفحة: 9

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشَّافِى، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» 12. وروَى أبو سعيدٍ، قال: أتَى جِبْرِيلُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: يا محمدُ، اشْتَكَيْتَ؟ قال: «نَعَمْ».
قال: بِاسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَىْءٍ يُوذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ وَعَيْنِ

الجزء: 6 - الصفحة: 10

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَاسِدٍ 13 اللهُ يَشْفِيكَ» 14. قال أبو زُرْعَةَ: كلا الحَدِيثَيْن صحيحٌ 15. ورُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ، فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الْأَجَلِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ مِنْ قَضَاءِ اللهِ شَيْئًا، وَإنَّهُ يُطَيِّبُ نَفْسَ الْمَرِيضِ».
رواه ابنُ ماجه 16.

الجزء: 6 - الصفحة: 11

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُرَغِّبَه في التَّوْبَةِ مِن المَعاصِى، والخُرُوجِ مِن المَظالِمِ، وفي الوَصِيَّةِ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَا حَقُّ امْرِئ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، ولَهُ شَىْءٌ يُوصِى فِيهِ، إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 17.

الجزء: 6 - الصفحة: 12

فَإِذَا نَزَلَ بِهِ، تَعَاهَدَ بَلَّ حَلْقِهِ بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ، وَنَدَّى [38 و] شَفَتَيْهِ بِقُطْنَةٍ، وَلَقَّنَهُ قَوْلَ: لَا إلهَ إِلَّا اللهُ.
مَرَّةً،

722 - مسألة: (وإِذَا نَزَلَ به، تَعاهَدَ بَلَّ حَلْقِه بماءٍ أو شَرابٍ، ونَدَّى شَفَتَيْه بقُطْنَةٍ)

يُسْتَحَبُّ أن يَلِىَ المَرِيضَ أرْفَقُ أهْلِه به، وأعْلَمُهم بسِياسَتِه، وأتْقاهم للهِ تعالى.
فإذا رَآه مَنْزُولًا به تَعَاهَدَ بَلَّ حَلْقِه، بتَقْطِيرِ ماءٍ أو شَرابٍ فيه، ويُنَدِّى شَفَتَيْه بقُطْنَةٍ؛ لأنَّه رُبَّما يَنْشَفُ حَلْقُه مِن شِدَّةِ ما نَزَل به، فيَعْجِزُ عن الكَلامِ.

723 -

مسألة: (و)

يُسْتًحَبُّ أن (يُلَقِّنَه قَوْلَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ.
مَرَّةً)

الحديث: 722 - الجزء: 6 - الصفحة: 13

وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ، إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَهُ، فَيُعِيدَ تَلْقِينَهُ بِلُطْفٍ وَمُدَارَاةٍ.
لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلهَ إلَّا الله».
رَواه مسلمٌ (1). وقال الحسنُ: سُئِل رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: أىُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ فقال: «أنْ تَمُوتَ يَوْمَ تَمُوتُ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ».
رَواه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ.

724 -

مسألة: (ولا يَزِيدُ على ثَلاثٍ)

لئَلَّا يُضْجِرَه (إلَّا أن يَتَكَلَّمَ بعدَه) بشئٍ (فيُعِيدَ تَلْقِينَه بلُطْفٍ ومُدارَاةٍ) ليَكُونَ آخِرُ كَلامِه: «لا إلهَ إلَّا الله».
نَصَّ عليه أحمدُ.
ورُوِىَ عن عبدِ اللهِ بنِ المُبَارَكِ، أنَّه لمّا حضَرَه المَوْتُ جَعَلَ رجلٌ يُلَقِّنُه «لا إلهَ إلَّا اللهُ» فأكْثَرَ عليه، فقال له عبدُ اللهِ: إذا قُلْتُ مَرَّةً فأنا على ذلك ما لم أتَكَلَّمْ.
قال التِّرْمِذِىُّ 19: إنَّما أراد ما رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلهَ إلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ».
رَواه أبو داودَ 20. ورَوَى سعيدٌ 21، بإسْنادِه، عن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، أنَّه لمّا حَضَرَتْه الوَفاةُ، قال: أجْلِسُونى.18

الحديث: 724 - الجزء: 6 - الصفحة: 14

وَيَقْرَأُ عِنْدَهُ سُورَةَ يس,  فلمَّا أجْلَسُوه قال: كَلِمَةٌ سَمِعْتُها مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كُنْتُ أَخْبَوُّها, ولولا ما حَضَرَنى مِن المَوْتِ ما أخْبَرْتُكم بها، سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ كَانَ آخِرُ قَوْلِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ: أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إلَّا هَدَمَتْ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنَ الْخَطَايَا والذُّنُوبِ، فَلَقِّنُوهَا مَوْتَاكُمْ».
فَقِيلَ: يا رسولَ اللهِ، فكيف هي للأحْياءِ؟ قال: «هِىَ أهْدَمُ وَأهْدَمُ» (1).

725 -

مسألة: ويَقْرَأُ عِنْدَه سُورَةَ يَس) لِما روَى مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اقْرأُواْ يَس عَلَى مَوْتَاكُمْ». رَواه أبو داودَ

23. وقال أحمدُ: ويَقْرَءُون عندَ المَيِّتِ إذا حُضِرَ؛ ليُخَفَّفَ عنه بالقُرْآنِ، يَقْرَأُ يَس.
وأمَرَ بقِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ.
ورَوَى الِإمَامُ أحمدُ 24: «يَسَ قَلْبُ الْقُرْآنِ، لَا يَقْرَؤُهَا رَجُلٌ يُرِيدُ الله وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، إلَّا غُفِرَ لَهُ، وَاقْرَءُوهَا عَلَى مَرْضَاكُمْ».22

الحديث: 725 - الجزء: 6 - الصفحة: 15

وَيُوجِّهُهُ إِلى الْقِبْلَةَ،

726 - مسألة: (ويُوَجِّهُه إلى القِبْلَةِ)

التَّوْجِيهُ إلى القِبْلَةِ عندَ المَوْتِ مُسْتَحَبٌّ.
وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، ومالكٍ، وأهلِ المَدِينَةِ، والأوْزاعِىِّ، وأهلِ الشَّامِ، والشافعىِّ، وإسحاقَ.
وأنْكَرَه سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، فإنَّهم لمّا أرادُوا أنَّ يُحَوِّلُوه إلى القِبْلَةِ، قال: ألم أكُنْ على القِبْلَةِ إلى يَوْمِى هذا 25؟ والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ حُذَيْفَةَ، قال: وَجِّهُونى.
وقد رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ» 26. ولأنَّ فِعْلَهم ذلك بسعيدٍ دَلِيلٌ على أنَّه كان مَشْهُورًا بينَهم، يَفْعَلُه المُسْلِمُون بمَوْتاهم.
وصِفَةُ تَوْجِيهِه إلى القبْلَةِ أن يُوضَعَ على جَنْبِه الأيْمَنِ، كما يُوضَعُ في اللَّحْدِ، إن كان المَكانُ واسِعًا.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ هكذا اسْتَقْبَلَ المُصَلِّى على جَنْبِه.
وإن كان المَكانُ ضَيِّقًا جُعِل على ظَهْرِه، ويُجْعَلُ رَأْسُه على مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ؛ ليَتَوَجَّهَ نَحْوَ القِبْلَةِ.
هكذا ذَكَرَه القاضى.
ويَحْتَمِلُ أن يُجْعَلَ على ظَهْرِه بكلِّ حالٍ، ويَحْتَمِلُه كَلامُ الخِرَقِىِّ؛ لقَوْلِه: وجُعِل على بَطْنِه مِرْآةٌ أو غَيْرُها.
وإنَّما يُمْكِنُ ذلك إذا كان على ظَهْرِه.

الحديث: 726 - الجزء: 6 - الصفحة: 16

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويُسْتَحَبُّ تَطْهِيرُ ثِيابِ المَيِّتِ قبلَ مَوْتِه؛ لأنَّ أبا سعيدٍ لَمّا حَضَرَه المَوْتُ دَعا بثِيابٍ جُدُدٍ فلَبِسَها، ثم قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «الْمَيِّتُ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِى يَمُوتُ فِيهَا».
رَواه أبو داودَ 27.

الجزء: 6 - الصفحة: 17

فَإِذَا مَاتَ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، وَشَدَّ لَحْيَيْهِ، وَلَيَّنَ مَفَاصِلَهُ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ، وَسَجَّاهُ بِثَوْبٍ يَسْتُرُهُ، وَجَعَلَ عَلَى بَطْنِهِ مِرْآةً أَوْ نَحْوَهَا، وَوَضَعَهُ عَلَى سَرِيرِ غَسْلِهِ، مُتَوَجِّهًا، مُنْحَدِرًا نَحْوَ رِجْلَيْهِ.

727 - مسألة: (فإذا مات أغْمَضَ عَيْنَيْه، وشَدَّ لَحْيَيْه، ولَيَّنَ مَفاصِلَه، وخَلَع ثِيابَه، وسَجّاه بِثَوْبٍ يَسْتُرُه، وجَعَل على بَطْنِه مِرْآةً أو نَحْوَها، ووَضَعَه على سَرِيرِ غَسْلِه، مُتَوَجِّهًا، مُنْحَدِرًا نَحْوَ رِجْلَيْهِ)

يُسْتَحَبُّ تَغْمِيضُ المَيِّتِ عَقِيبَ المَوْتِ.
ويُسْتَحَبُّ لمَن حَضَر المَيِّتَ أن لا يَتَكَلَّمَ إلَّا بخَيْر؛ لِما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، قالت: دَخَل رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على أبِي سَلَمَةَ، وقد شَقَّ بَصَرُه 28، فأغْمَضَه، ثم قال: «إنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ».
فَضَجَّ ناسٌ مِن أهْلِه، فقال: «لَا تَدْعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ إلًّا بِخَيْرٍ، فَإنَّ الْمَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ».
ثم قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأبِى سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمُقَرَّبِينَ, وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَارَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ».
رَواه مسلمٌ 29. ورَوَى شَدَّادُ بنُ أوْسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا

الحديث: 727 - الجزء: 6 - الصفحة: 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَضَرْتُمْ مَوْتَاكُمْ فَأغْمِضُوا الْبَصَرَ، فَإنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ، وَقُولُوا خَيْرًا؛ فَإنَّه يُؤَمَّنُ عَلَى مَا قَالَ أهْلُ الْمَيِّتِ».
رَواه الِإمامُ أحمدُ في المُسْنَدِ 30. ويُسْتَحَبُّ شَدُّ ذَقَنِه بعِصابَةٍ عَرِيضَةٍ، يَرْبِطُها مِن فَوْقِ رَأْسِه؛ لأنَّ المَيِّتَ إذا كان مَفْتُوحَ العَيْنَيْن والفَمِ قَبُح مَنْظَرُه، ولا يُؤْمَنُ دُخُولُ الهَوامِّ فيه، والماءِ فِي وَقْتِ غَسْلِه.
قال بَكْرُ بنُ عبدِ الله اِلمُزَنِيُّ: ويقولُ الذي يُغْمِضُه: بسْمِ اللهِ، وعلى وَفاةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. ويُجْعَلُ على بَطْنِه شئٌ مِن الحَدِيدِ، كالمِرْآةِ ونَحْوِها, لِئَلَّا يَنْتَفِخَ بَطْنُه، ويُلَيِّنُ مَفاصِلَه، وهو أن يَرْدُدَ ذِراعَيْه إلى عَضُدَيْه، وعَضُدَيْه إلى جَنْبَيْه، ثم يَرْدُدَهما، ويَرُدَّ ساقَيْه إلى فَخِذَيْه، وفَخِذَيْه إلى بَطْنِه، ثم يَرْدُدَهما؛ ليكونَ ذلك أبْقَى للينِه، فيكونَ أمْكَنَ للغاسِلِ في تَمْكِينِه وتَمْدِيدِه.
قال أصْحابُنا: ويُسْتَحَبُّ ذلك عَقِيبَ مَوْتِه، قبلَ قَسْوَتِها ببُرُودَتِه.
فإن شَقَّ عليه ذلك تَرَكَه.
ويَخْلَعُ ثِيابَه، لِئَلَّا يَحْمَى فيُسْرِعَ إليه الفَسادُ والتَّغَيُّرُ، ويُسَجِّيهِ بِثَوْبٍ يَسْتُرُه؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ تُوُفِّىَ سُجِّىَ ببُرْدٍ حِبَرَةٍ 31. مُتَّفَقٌ

الجزء: 6 - الصفحة: 19

وَيُسَارِعُ فِي قَضَاء دَيْنِهِ،  عليه (1). ويُسْتَحَبُّ أن يَلِىَ ذلك منه أرْفَقُ النَّاسِ به، بأرْفَقِ ما يَقْدِرُ عليه.
قال أحمدُ: تُغْمِضُ المَرْأةُ عَيْنَيْه إذا كانت ذاتَ مَحْرَمٍ.
قال: ويُكْرَهُ للحائِضِ والجُنُبِ تَغْمِيضُه، وأن يَقْرَباه.
وكَرِه ذلك عَلْقَمَةُ.
ورُوِىَ نَحْوُه عن الشافعىِّ.
وكَرِه الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وعَطاءٌ، أن تُغَسِّلَ الحائِضُ والجُنُبُ المَيِّتَ.
ونَحْوَ قال مالكٌ.
وقال ابنُ المُنْذِر: يُغَسِّلُه الجُنُبُ؛ لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (2). ولا نَعْلَمُ بينَهم خِلافًا في صِحَّةِ تَغْسِيلِهما وَتغْمِيضِهما له، ولكنَّ الأوْلَى أن يكونَ المُتَوَلِّى لذلك طاهِرًا؛ لأنَّه أكمَلُ وأحْسَنُ.
ويُوضَعُ على سَرِيرِ غَسْلِه، أو لَوْحٍ؛ لأنَّه أحْفَظُ له، ولا يَدَعُه على الأرْضِ، لِئَلَّا يُسْرِعَ إليه التَّغَيُّرُ بسَبَبِ نَداوَةِ الأرْضِ.
ويكونُ مُتَوَجِّهًا مُنْحَدِرًا نَحْوَ رِجْلَيْه؛ ليَنْصَبَّ عنه ماءُ الغَسْلِ وما يَخْرُجُ منه، ولا يَسْتَنْقِعُ تحتَه فَيُفْسِدَه.

728 -

مسألة: (ويُسارِعُ في قَضَاءِ دَيْنِه)

لِما رُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ».
رَواه الِإمامُ أحمدُ،3233

الحديث: 728 - الجزء: 6 - الصفحة: 20

وَتَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ، وَتَجْهِيزِهِ إِذَا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ،  وابنُ ماجه، والتِّرْمِذِىُّ (1)، وقال: حديثٌ حسنٌ.
وعن سَمُرَةَ قال: صَلَّى نَبِىُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الصُّبْحَ، فقال: «ههُنا أحَدٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ؟» قالوا: نعم.
قال: «فَإِنَّ صَاحِبَكُم مُحْتَبَسٌ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ في دَيْنٍ عَلَيْهِ».
رَواه الِإمامُ أحمدُ (2). وإن تَعَذَّرَ إيفاءُ دَيْنِه في الحالِ، اسْتُحِبَّ لوارِثِه أو غيرِه أن يَتَكَفَّلَ به عنه، كما فَعَل أبو قَتادَةَ لمَّا اُّتِىَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بجِنازَةٍ، ولم يُصَلِّ عليها، قال أبو قَتادَةَ: صَلِّ عليها يا رسولَ اللهِ وعلىَّ دَيْنُه.
رَواه البخارىُّ (3).

729 -

مسألة: (و)

يُسارِعُ في (تَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ) ليَتَعَجَّلَ له ثَوابَها بجَرَيانِها على المُوصَى له.
730 - مسألة: (و) يُسْتَحَبُّ المُسارَعَةُ في (تَجْهِيزِه إذا تُيُقِّنَ مَوْتُه) لأنَّه أصْوَنُ له، وأحْفَظُ له مِن التَّغْيِيرِ.
قال أحمدُ: كرامَةُ المَيِّتِ343536

الحديث: 729 - الجزء: 6 - الصفحة: 21

بِانْخِسَافِ صُدْغَيْهِ، وَمَيْلِ أَنْفِه، وَانْفِصَالِ كَفَّيْهِ، وَاسْتِرْخَاءِ رِجْلَيْهِ.
تَعْجِيلُه.
لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنِّى لَأُرَى طَلْحَةَ 37 قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ، فَاذِنُونِي بِهِ، وَعَجِّلُوا، فإنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ أهْلِهِ».
رَواه أبو داودَ 38. ولا بَأْسَ أن يُنْتَظَرَ بها مِقْدارُ مَا = دين، من كتاب الجنائز، وفي: باب الكفالة بالدين، من كتاب البيوع.
المجتبى 4/ 52، 53، 7/ 279. والدارمى، في: باب في التشديد في الدين، من كتاب البيوع.
سنن الدارمى 2/ 221. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 330، 5/ 297، 302، 304، 311.

الجزء: 6 - الصفحة: 22

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَجْتَمِعُ لها جَماعَةٌ؛ لِما يُؤمَّلُ مِن الدُّعاءِ له، إذا صُلِّىَ عليه، ما لم يُخَفْ عليه، أو يَشُقَّ على النّاسِ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وإن شُكَّ في أمْرِ المَيِّتِ، اعْتُبِرَ بِظُهُورِ أماراتِ المَوْتِ، مِن انْفِصالِ كَفَّيْه، واسْتِرْخاءِ رِجْلَيْهِ، ومَيْلِ أنْفِه، وانْخِسافِ صُدْغَيْه وامْتِدادِ جِلْدَةِ وجْهِه.
فإن مات فَجْأةً، كالمَصْعُوقِ، أو خائِفًا مِن حَرْبٍ أو سَبُعٍ، أو تَرَدَّى مِن جَبَلٍ، إنْتُظِرَ

الجزء: 6 - الصفحة: 23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  به هذه العَلامَاتُ، حتى يُتَيَقَّنَ مَوْتُه.
قال الحسنُ في المَصعُوقِ: يُنْتَظَرُ به ثَلاثًا.
قال أحمدُ: ورُبَّما تَغَيَّرَ في الصَّيْفِ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ.
قِيلَ 39: فكيف تَقُولُ؟ قال: يُتْرَكُ بقَدْرِ ما يُعْلَمُ أنَّه مَيِّتٌ.
قِيلَ له: مِن غُدْوَةٍ إلى اللَّيْلِ؟ قال: نعم.

الجزء: 6 - الصفحة: 24

فَصْلٌ فِى غَسْلِ الْمَيِّتِ: غَسْلُ الْمَيِّتِ، وَتَكْفِينُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
فصلٌ في غَسْلِ المَيِّت

ِ: 731 - مسألة: (غَسْلُ المَيِّتِ ودَفْنُه وتَكْفِينُه والصلاةُ عليه، فَرْضُ كِفايَةٍ)

لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال في الذي وقَصَتْه

الجزء: 6 - الصفحة: 25

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  راحِلَتُه: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ 40». مُتَّفَقٌ

الجزء: 6 - الصفحة: 26

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه 41. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إلهَ إلَّا اللهُ» 42. ودَفْنُه

الجزء: 6 - الصفحة: 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَرْضُ كِفايَةٍ؛ لأنَّ في تَرْكِه أذًى للنَّاسِ به وهَتْكَ حُرْمَتِه.
وهذا مَذْهَبُ الشافِعىِّ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.

الجزء: 6 - الصفحة: 28

وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ وَصِيُّهُ، ثُمَّ أَبُوهُ، ثُمَّ جَدُّهُ، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ، ثُمَّ ذَوُو أَرْحَامِهِ، إِلَّا الصَّلَاةَ؛ فَإِنَّ الْأَمِيرَ أَحَقُّ بِهَا بَعْدَ وَصِيّهِ.

732 - مسألة: (وأحَقُّ النَّاسِ بِهِ وَصِيُّه، ثم أبوه، ثم جَدُّه، ثم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ مِن عَصَباتِه، ثم ذَوو أرْحامِهِ، إلَّا الصَّلاةَ عليه، فإنَّ الأمِيرَ أحَقُّ بها بعدَ وصِيِّه)

أحَقُّ النَّاسِ بغَسْلِ المَيِّتِ وَصِيُّه في ذلك.
وقال أصحابُ الشّافعىِّ: أوْلَى النّاسِ بغَسْلِ المَيِّتِ عَصَباتُه الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، فإن كان له زَوْجَةٌ، فهل تُقَدَّمُ على العَصَباتِ؟ فيه وَجْهان.
ولَنا، على تَقْدِيمِ الوَصِىِّ، أنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ الله عنه، أوْصَى أن تُغَسِّلَه امْرَأتُه أسْماءُ بنتُ عُمَيْسٍ.
وأوْصَى أنَسٌ أن يُغَسِّلَه محمدُ بنُ سِيرِينَ، فَقُدِّما بذلك.
ولا يُعْرَفُ لهما مُخالِفٌ في الصَّحابَةِ، ولأنَّه حَقٌّ للمَيِّتِ فَقُدِّمَ فيه وَصِيُّه على غيرِه، كتَفْرِيقِ ثُلُثِه.

الحديث: 732 - الجزء: 6 - الصفحة: 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن لم يكنْ له وَصِىٌّ فالعَصَباتُ أوْلَى النّاسِ به، وأوْلاهم أبوه، ثم جَدُّه وإن عَلا، ثم ابْنُه، ثم ابنُ ابْنِه وإن نزَل، ثم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ مِن عَصَباتِه، على تَرْتِيبِ المِيراثِ؛ لأنَّهم أحَقُّ بالصلاةِ عليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وأحَقُّ النّاسِ بالصلاةِ عليه, وَصِيُّه.
وهذا قولُ سعيدِ بنِ زَيدٍ، وأنَسٍ، وأبى بَرْزَةَ 43، وزيدِ بنِ أرْقَمَ 44، وأُمِّ سَلَمَةَ.
وقال الثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةَ: تُقَدَّمُ العَصَبَاتُ؛ لأنَّها وِلايَةٌ تَتَرَتَّبُ بتَرْتِيبِ العَصَبَاتِ، فالوَلِىُّ فيها أوْلَى، كوِلايةِ النِّكاحِ.
ولَنا، إجْماعُ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فإنَّ أبا بكرٍ أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه عُمَرُ.
قاله أحمدُ.
قال: وعُمَرُ أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه صُهَيْبٌ، وأُمُّ سَلَمَةَ أوْصَتْ أن يُصَلِّىَ عليها سعيدُ بنُ زَيْدٍ، وأبو بَكْرَةَ أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه أبو بَرْزَةَ.
وقال غيرُه: عائشةُ أوْصَتْ أن يُصَلِّىَ عليها أبو هُرَيْرَةَ، وابنُ مسعودٍ أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه الزُّبَيْرُ، وأبو سَرِيحَةَ 45 أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه زيدُ بنُ أرْقَمَ، فجاءَ عَمْرُو بنُ حُرَيْثٍ، وهو أميرُ الكُوفَةِ، لِيَتَقَدَّمَ فيُصَلِّىَ عليه 46، فقال ابنُه: أيُّها الأمِيرُ، إنَّ أبى أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه زيدُ بنُ أرْقَمَ.
فقَدَّمَ زيدًا.
وهذه قَضَايا اشْتَهَرَتْ، ولم يَظْهَرْ لها مُخالِفٌ، فكانت إجْماعًا.
ولأنَّه حَقٌّ لِلْمَيِّتِ، فإنَّها شَفاعَةٌ له، فَقُدِّمَ وَصِيُّه فيها، كتَفْرِيقِ

الجزء: 6 - الصفحة: 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثُلُثِه.
ووِلايَةُ النِّكاحِ يُقَدَّمُ عندَنا فيها الوَصِىُّ أيضًا على الصَّحِيحِ، وإن سُلِّمَتْ فليست حَقًّا له، إنَّما هي حَقٌّ للمُولَّى عليه، ولأنَّ الغَرَضَ في الصلاةِ الدُّعاءُ والشَّفاعَةُ إلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فالمَيِّتُ يَحْتَاجُ 47 لذلك مَن هو أظْهَرُ صَلاحًا، وأقْرَبُ إجابَةً، بخِلافِ وِلايةِ النِّكاحِ.
فإن كان الوَصِىُّ فاسِقًا أو مُبْتَدِعًا، لم تُقْبَلِ الوَصِيَّةُ، كما لو كان الوَصِىُّ ذِمِّيًّا.
وإن كان الأقْرَبُ إليه كذلك لم يُقَدَّمْ، وصلَّى غيرُه، كما يُمْنَعُ مِن التَّقْدِيمِ في الصَّلَواتِ الخَمْسَ 48. والأَمِيرُ أحَقُّ بالصلاةِ عليه بعدَ الوَصِىِّ.
وقال به أكْثَرُ أهلِ العِلْمِ.
وقال الشافعىُّ، في أَحَدِ قَوْلَيْه: يُقَدَّمُ الوَلِىُّ قِياسًا على تَقْدِيمِه في النِّكاحِ.
ولَنا، قَوْلُه - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِى سُلْطَانِهِ» 49. وقال أبو حازِمٍ: شَهِدْتُ حُسَيْنًا حينَ ماتَ الحسنُ يَدْفعُ في قَفا سعيدِ بنِ العاصِ، ويقولُ:

الجزء: 6 - الصفحة: 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَقَدَّمْ، لولا السُّنَّةُ ما قَدَّمْتُكَ 50. وسعيدٌ أمِيرُ المَدِينَةِ.
وهذا يَقْتَضِى سُنَّةَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وروَى أحمدُ، بإسْنادِه، عن عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هاشِمٍ، قال: شَهِدْتُ جِنازَةَ أُمِّ كُلْثُومٍ بنتِ علىِّ، وزيدِ بنِ عُمَرَ، فَصَلَّى عليهما سعيدُ بنُ العاصِ، وكان أمِيرَ المَدِينَةِ، وخَلْفَه يَوْمَئِذٍ ثَمَانُون مِن أصْحابِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، فيهم ابنُ عُمَرَ، والحسنُ، والحسينُ 51. وقال علىٌّ رَضِىَ اللهُ عنه: الِإمامُ أحَقُّ مَن صَلَّى على الجِنازَةِ 52. وعن ابنِ مسعودٍ نَحْوُ ذلك.
وهذا أشْهَرُ، ولم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا, ولأنَّها صلاةٌ شُرِعَتْ فيها الجَماعَةُ، فَقُدِّمَ فيها الأمِيرُ، كسائِرِ الصَّلَواتِ، وقد كان النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - وخُلَفاؤُه يُصَلُّونَ على الجَنائِزِ، ولم يُنْقَلْ إلينا أنَّهم اسْتَأْذَنُوا أوْلِياءَ المَيِّتِ في التَّقْدِيمِ.
والمُرادُ بالأمِيرِ ههُنا الِإمامُ، فإن لم يكنْ فالأمِيرُ مِن جِهَتِه، فإن لم يكنْ فالنَّائِبُ مِن قِبَلِه في الإِمامَةِ، فإن لم يكنْ فالحَاكِمُ.

الجزء: 6 - الصفحة: 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وأحَقُّ النَّاسِ بالصلاةِ بعدَ ذلك العَصَباتُ، وأحَقُّهم الأبُ، ثم الجَدُّ أبو الأبِ وإن عَلا، ثم الابنُ، ثم ابْنُه وإن نَزَل، ثم الأخُ العَصَبَةُ، ثم ابْنُه، ثم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، ثم المَوْلَى المُعْتقُ، ثم عَصَباتُه.
هذا الصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ.
وقال أبو بكرٍ: في تَقْدِيمِ الأخِ على الجَدِّ قَوْلَان.
وحُكِىَ عن مالِكٍ تَقْدِيمُ الابْنِ على الأبِ؛ لأنَّه أقْوَى تَعْصِيبًا منه، والأخِ على الجَدِّ؛ لأنَّه يُدْلِى بالابْنِ، والجَدُّ يُدْلِى بالأبِ.
ولَنا، أنَّهما اسْتَوَيَا فِى الِإدْلاءِ، والأبُ أرَقُّ وأشْفَقُ، ودُعاؤُه لابْنِه أقْرَبُ إلى الِإجابَةِ، فكان أوْلَى، كالقَرِيبِ مع البَعِيدِ، ولأنَّ المَقْصُودَ بالصلاةِ الدُّعاءُ للمَيِّتِ والشَّفاعَةُ له، بخِلافِ المِيراثِ.
فصل: وِإنِ اجْتَمَعَ زَوْجُ المَرْأةِ وعَصَبَاتُها، فأكْثَرُ الرِّواياتِ عن أحمدَ تَقْدِيمُ العَصَبَاتِ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، وقولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِىِّ، ومذْهَبُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، إلَّا أنَّ أبا حنيفَة يُقَدِّمُ زَوْجَ المرأةِ على ابْنِها منه.
ورُوِى عن أحمدَ تَقْدِيمُ العَصَبَاتِ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: وهي أصَحُّ؛ لأنَّ أبا بكرٍ صَلَّى على زَوْجَتِه، ولم يَسْتَأْذِنْ

الجزء: 6 - الصفحة: 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إخْوَتَهَا.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ.
وهو قَوْلُ الشَّعْبِىِّ، وعَطَاءٍ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، وإسْحاقَ.
ولَنا، أنَّه يُرْوَى عن عُمَرَ، أنَّه قال لأهْلِ امْرَأتِه: أنْتُمْ أحَقُّ بها 53. ولأنَّ الزَّوْجَ قد زَالَتْ زَوْجِيَّتُه بالمَوْتِ، فصار أجْنَبِيًّا، والقَرابَةُ لم تَزُلْ، فعلىِ هذه الرِّوايَةِ، إن لم يكنْ لها عَصَباتٌ، فالزَّوْجُ أوْلَى؛ لأنَّ له سَبَبًا وشَفَقَةَ، فكان أوْلَى مِن الأجْنَبِىِّ.
فصل: فإِنِ اجْتَمَعَ أخٌ مِن أبَوَيْنِ، وأخٌ مِن أبٍ، ففى تَقْدِيمِ الأخِ مِن الأبَوَيْن أو التَّسْوِيَةِ وَجْهان، بِناءً على الرِّوايتَيْنِ في وِلايَةِ النِّكاحِ.
والحُكْمُ في الأعْمامِ وأوْلادِهم وأوْلادِ الإِخْوَةِ كذلك.
فإنِ انْقَرَضَ العَصَبَةُ فالمَوْلَى المُنْعِمُ، ثم عَصَبَاتُه، ثم الرِّجالُ مِن ذَوِى أرْحامِه، ثم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، ثم الأجانِبُ.
فإنِ اسْتَوى وَلِيَّانِ في الدَّرَجَةِ، فأحَقُّهما

الجزء: 6 - الصفحة: 35

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أوْلاهما بالِإمامَةِ في المَكْتُوباتِ.
وقال القاضى: يَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ الأسَنِّ.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعىِّ؛ لأنَّه أقْرَبُ إلى إجابَةِ الدُّعاءِ، وأعْظَمُ عندَ اللهِ قَدْرًا.
والأوَّلُ أَوْلَى؛ لقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «يَؤُّمُّ القَوْمَ أقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ» 54.

الجزء: 6 - الصفحة: 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وفَضِيلَةُ السِّنِّ مُعارَضَةٌ بفَضِيلَةِ العِلْمِ، وقد رَجَّحَها الشَّارِعُ في سائِرِ الصَّلَواتِ، مع أنَّه يُقْصَدُ فيها إجابَةُ الدُّعاءِ، والحَظُّ للمَأْمُومِين، وقد رُوِىَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «أئِمَّتُكُمْ شُفَعَاؤُكُمْ» 55. ولا يُسَلَّمُ أنَّ المُسِنَّ الجاهِلَ أعْظَمُ قَدْرًا عندَ اللهِ مِن العالِمِ والأقْرَبُ 56 إجابَةً.
فإنِ اسْتَوَوْا وتَشَاحُّوا أُقْرِعَ بَيْنَهم، كما في سائِرِ الصَّلَواتِ.
فصل: ومَن قَدَّمَه الوَلِىُّ فهو بمَنْزِلَتِه؛ لأنَّها وِلايةٌ ثَبَتَتْ له، فكانت له الاسْتِنابَةُ فيها، كوِلايةِ النِّكاحِ.
فصل: وإن كان القَرِيبُ عَبْدًا، فالحُرُّ البَعِيدُ أوْلَى منه؛ لأنَّ العَبْدَ

الجزء: 6 - الصفحة: 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا وِلايَةَ له في النِّكاحِ ولا المالِ، كذلك هذا.
فإنِ اجْتَمَعَ صَبِىٌّ ومَمْلُوكٌ ونِسَاءٌ، فالمَمْلُوكُ أوْلَى؛ لأَنَّه تَصِحُّ إمامَتُه بهما، فإن لم يكنْ إلَّا نِساءٌ وصِبْيانٌ، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّه لا يَصِحُّ أن يَؤُمَّ أحَدُ الجِنْسَيْنِ الآخَرَ.
ويُصَلِّى كلُّ نَوْعٍ لأنْفُسِهم, وإمامُهم منهم، ويُصَلِّى النِّساءُ جَماعَةً وإمامَتُهُنَّ في وَسَطِهِنَّ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: يُصَلِّينَ مُنْفَرِداتٍ، لا يَسْبِقُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا، وإن صَلَّيْنَ جَماعَةً جاز.
ولَنا، أنَّهُنَّ مِن أهلِ الجَماعَةِ، فَسُنَّ أن يُصَلِّينَ جَماعَةً، كالرِّجالِ، وما ذَكَرُوه مِن كَوْنِهِنَّ مُنْفَرِداتٍ، لا يَسْبِقُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا تَحَكُّمٌ لا يُصارُ إليه إلَّا بِدَلِيلٍ، وقد صَلَّى أزْواجُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - على سعدِ ابنَ أبى وَقَّاصٍ.
رَواه مسلمٌ 57.

الجزء: 6 - الصفحة: 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإنِ اجْتَمَعَ جَنائِزُ، فتَشاحَّ أولِياؤُهم في مَن يَتَقَدَّمُ للصلاةِ عليهم، قُدِّمَ أوْلاهم بالِإمامَةِ في الفَرائِضِ.
وقال القاضى: يُقَدَّمُ مَن سَبَقَ مَيَتُه.
ولَنا، أنَّهم تَساوَوْا، فأشْبَهُوا الأوْلِياءَ إذا تَساوَوْا في الدَّرَجَةِ، مع قَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ».
وإن أراد وَلِىُّ كلِّ مَيِّتٍ إفْرادَ مَيِّتِهِ بصلاةٍ جاز.

الجزء: 6 - الصفحة: 39

وَغَسْلُ الْمَرْأَةِ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ الْأَقْرَبُ مِنْ نِسَائِهَا.

733 - مسألة: (وأحَقُّ النَّاسِ بغَسْلِ المَرْأةِ)

وَصِيُّها، ثم (الأقْرَبُ فالأقْرَبُ مِن نِسائِها) أُمَّهاتُها 58، ثم بِنْتُها، ثم بَنَاتُها، ثم أخَوَاتُها، كما ذَكَرْنا في حَقِّ الرجلِ.
وكلُّ مَن لها رَحِمٌ ومَحْرَمٌ، بحيث لوَ كانت رَجُلًا لم يَحِلَّ له نِكاحُها، أوْلَى بها ممَّن لا رَحِمَ لها وبعدَها التى لها رَحِمٌ وليست بمَحْرَمٍ، كبَناتِ العَمِّ، والعَمَّاتِ، وبَنَاتِ الخَالِ،

الحديث: 733 - الجزء: 6 - الصفحة: 40

وَلِكُلِّ واحدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ غَسْلُ صَاحِبِهِ [38 ظ] , فِى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ, وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ مَعَ سُرِّيَّتِهِ.
والخَالَةِ، فهُنَّ أوْلَى مِن الأجانِبِ.
وبهذا قال الشافعيُّ إن لم يكنْ لها زَوْجٌ.
فإن كان لها زَوْجٌ، فهل يُقَدَّمُ على النِّساءِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُقَدَّمُ؛ لأنَّه يَنْظُرُ منها إلى مالا يَنْظُرُ النِّساءُ.
والثَّانِي، يُقَدَّمُ النِّساءُ على الزَّوْجِ؛ لأنَّ الزَّوْجِيَّةَ تَزُولُ بالمَوْتِ، والرَّحِمَ لا يَزُولُ، كما ذَكرْنا في حَقِّ الرجلِ.

734 -

مسألة: (ولِكلِّ واحِدٍ مِن الزَّوْجَيْنِ غَسْلُ صاحِبهِ في إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ، كذلك السَّيِّدُ مع سُرِّيَّتِه)

اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ تعالى، في غَسْلِ كلِّ واحِدٍ مِن الزَّوْجَيْنِ الآخَرَ، فرُوِىَ عنه

الحديث: 734 - الجزء: 6 - الصفحة: 41

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الجَوازُ فيهما، نَقَلَها عنه حَنْبَلٌ.
ورُوِىّ عنه المَنْعُ مُطْلَقًا، حَكاها ابنُ المُنْذِرِ.
ورُوِى عنه التَّفْرِقَةُ، وهو جَوازُ غَسْلِ الزَّوْجِ دُونَ الزَّوْجَةِ.
والقولُ بجَوازِ غَسْلِ المرأةِ زَوْجَها قولُ أهلِ العلمِ، حَكاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا.
قالت عائشةُ: لو اسْتَقْبَلْنَا مِن أمْرِنا ما اسْتَدْبَرْنا ما غَسَّلَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلَّا نِساؤُه.
رَواه أبو داودَ 59. وأوْصَى أبو بكرِ، رَضِىَ اللهُ عنه، أن تُغَسِّلَه امْرَأتُه أسْماءُ بنتُ عُمَيْسٍ، فَفَعَلَتْ.
وغَسَّلَ أَبا موسى امْرَأَتُه أُمُّ عبدِ اللهِ 60. قال أحمدُ: ليس فيه اخْتِلافٌ بينَ الْنَّاسِ.
وعنه، لا يَجُوزُ.
حَكَى عنه صالِحٌ ما يَدُلُّ على ذلك؛ لأنَّها فُرْقَةٌ بينَ الزَّوْجَيْنِ، أشْبَهَتِ الطَّلاقَ، ولأنَّها أحَدُ الزَّوْجَيْن، أشْبَهَتِ الآخَرَ.

الجزء: 6 - الصفحة: 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والمَشْهُورُ عن أحمدَ جوازُ غَسْلِ الرجلِ زَوْجَتَه.
وهو قولُ عَلْقَمَةَ، وعبدِ الرحمنِ بنِ يَزيدَ 61، وجابِرِ بنِ زَيدٍ، وسُلَيْمانَ بنِ يَسارٍ، وأبى سَلَمَةَ، وأبى قَتَادَةَ، وحَمَّادٍ، ومالكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ ثانِيَةٌ، ليس للزَّوْجِ غَسْلُها.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ؛ لأنَّ المَوْتَ فُرْقَةٌ تُبِيحُ أُخْتَها، وأرْبَعًا سِواها، فحَرَّمَتِ اللَّمْسَ والنَّظَرَ، كالطَّلاقِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ المُنْذِرِ، أنَّ عليًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، غَسَّلَ فَاطِمَةَ، عليها السَّلامُ 62. واشْتَهَرَ ذلك، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْمَاعًا, ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشةَ: «لَوْ مِتِّ قَبْلِى لَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ».
رَواه ابنُ ماجه 63. والأصْلُ في إضَافَةِ الفِعْلِ إلى الشَّخْصِ أن يكونَ للمُباشَرَةِ، فإنَّ حَمْلَه على، الأمْرِ يُبْطِلُ فائِدَةَ

الجزء: 6 - الصفحة: 43

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  التَّخْصِيصِ، ولأنَّه أحَدُ الزَّوْجَيْنِ، فأُبِيحَ له غَسْلُ صاحِبِه، كالآخَرِ.
والمَعْنَى في ذلك أنَّ كلَّ واحِدٍ مِن الزَّوْجَيْن يَسْهُلُ عليه اطِّلاعُ الآخَرِ على عَوْرَتِه؛ لِما كان بَينَهما في الحياةِ، ويَأْتِي بالغَسْلِ على ما يُمْكِنُه، لِما كان بينَهما مِن المَوَدَّةِ والرَّحْمَةِ.
وما قَاسُوا عليه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَمْنَعُ الزَّوْجَةَ مِن النَّظَرِ، بخِلافِ هذا, ولأنَّه لا فَرْقَ بينَ الزَّوْجَيْن إلَّا بَقَاءُ العِدَّةِ.
ولو وضَعَتْ حَمْلَها عَقِيبَ مَوْتِهِ كان لها غَسْلُه وقد انْقَضَتْ عِدَّتُها.
فصل: فإن طَلَّقَ امْرَأتَه طَلاقًا بائِنًا، ثم مات أحَدُهما في العِدَّةِ، لم يَجُزْ لواحِدٍ منهما غَسْلُ الآخَرِ؛ لأنَّ اللَّمْسَ والنَّظَرَ مُحَرَّمٌ حالَ الحياةِ، فبعدَ المَوْتِ أوْلَى.
وإن كان الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، وقُلْنا: الرَّجْعِيَّةُ مُحَرَّمَةٌ.

الجزء: 6 - الصفحة: 44

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فكذلك.
وإن قُلْنَا: هي مُباحَةٌ، فحُكْمُها حُكْمُ الزَّوْجَيْن؛ لأنَّها تَرِثُه ويَرِثُها، ويُباحُ له وَطْؤُها والخَلْوَةُ والنَّظَرُ إليها، أشْبَهَ سائِرَ الزَّوْجَاتِ.
فصل: وحُكْمُ أُمِّ الوَلَدِ حُكْمُ الزَّوْجَةِ فيما ذَكَرْنا.
واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ أنَّه لا يَجُوزُ لها غَسْلُ سَيِّدِها؛ لأنَّها عَتَقَتْ بِمَوْتِهِ، ولم يَبْقَ عُلْقَةٌ مِن مِيراثٍ ولا غيرِه.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ الوَجْهَيْن لأصحابِ الشافعىِّ.
ولَنا، أنَّها في مَعْنَى الزَّوْجَةِ في اللَّمْسِ والنَّظَرِ والاسْتِمْتاعِ، فكذلك في

الجزء: 6 - الصفحة: 45

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الغَسْلِ، والمِيراثُ ليس مِن جُمْلَةِ المُقْتَضَى، بدَلِيلِ مالو كان أحَدُ الزَّوْجَيْن رَقِيقًا، والاسْتِبْراءُ ههُنا كالعِدَّةِ.
فأمَّا غيرُها مِن الِإماءِ، فيَجُوزُ

الجزء: 6 - الصفحة: 46

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لسَيِّدِها غَسْلُها في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن.
ذَكَرَه.
أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه يَلْزَمُه كَفَنُها ودَفْنُها ومُؤْنَتُها، فهى أوْلَى مِن الزَّوْجَةِ.
وهل يَجُوزُ لها غَسْلُ سَيِّدِها؟ قال شيخُنا 64: يَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ؛ لأنَّ المِلْكَ انْتَقَلَ فيها إلى غيرِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ ذلك لسُرِّيَّتِه؛ لأنَّها مَحَلُّ اسْتِمْتاعِه، ويَلْزَمُها الاسْتِبْرَاءُ بعدَ مَوْتِهِ، أشْبَهَتْ أُمَّ الوَلَدِ.
فإن ماتَ الزَّوْجُ قبلَ الدُّخُولِ بامْرَأتِه، احْتَمَل أن لا يُباحَ لها غَسْلُه؛ لأنَّه لم يكنْ بينَهم اسْتِمتاعٌ حالَ الحياةِ.
فصل: فإن كانتِ الزَّوْجَةُ ذِمِّيَّةً، فليس لها غَسْلُ زَوْجِها؛ لأنَّ الكافِرَ لا يُغَسِّلُ المُسْلِمَ؛ لأنَّ النِّيَّةَ واجِبَةٌ في الغَسْلِ، ولا تَصِحُّ مِن الكافِرِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 47

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال الشافعىُّ: يُكْرَهُ لها غَسْلُه، فإن غَسَّلَتْه جاز؛ لأنَّ القَصْدَ التَّنْظِيفُ، وليس لزَوْجِها غَسْلُها؛ لأنَّ المُسْلِمَ لا يُغَسِّلُ الكَافِرَ، ولا يَتَوَلَّى دَفْنَه على ما يَأْتِي، ولأنَّه لا مِيراثَ بينَهما, ولا مُوالاةَ، وقد انْقَطَعَتِ الزَّوْجِيَّةُ بالمَوْتِ.
ويَتَخَرَّجُ جَوازُ ذلك بِناءً على جَوازِ غَسْلِ المُسْلِمِ الكافِرَ، وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
فصل: وليس لغيرِ مَن ذَكَرْنا مِن الرِّجالِ غَسْلُ أحَدٍ مِن النِّساءِ، ولا لأحَدٍ مِن النِّساءِ غَسْلُ غيرِ مَن ذَكَرْنا مِن الرِّجالِ، وإن كُنَّ ذواتَ رَحِمٍ مَحْرَمٍ.
وهذا قَوْلُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه حُكِىَ له عن أبى قِلابَةَ غَسْلُ ابنَتِه 65، فاسْتَعْظَمَ ذلك، ولم يُعْجِبْه.
وذلك لأنَّها مُحَرَّمَةٌ حالَ الحياةِ، فلم يَجِبْ غَسْلُها، كالأجْنَبِيَّةِ، وأُخْتِه مِن الرَّضَاعِ.
فإن لم يُوجَدْ مَن يُغَسِّلُها مِن النِّساءِ، فقال مُهَنَّا: سَألْتُ أحمدَ عن الرجلِ يُغَسِّلُ أُخْتَه إذا لم يَجِدْ نِساءً.
قال: لا.
قُلْتُ: فكيف يَصْنَعُ؟ قال: يُغَسِّلُها وعليها ثِيَابُها، يَصُبُّ الماءَ صَبًّا.
قلتُ لأحمدَ: وكذلك كلُّ ذاتِ مَحْرَمٍ تُغَسَّلُ وعليها ثِيابُها؟ قال: نعم.
وذلك لأنَّه لا يَحِلُّ مَسُّها.
والأوْلَى أنَّها تُيَمَّمُ، كالأجْنَبيَّةِ؛ لأنَّ الغَسْلَ مِن غيرِ مَسٍّ لا يَحْصُلُ به التَّنْظِيفُ، ولا إزَالَةُ النَّجاسَةِ، بل رُبَّما كَثُرَتْ، أشْبَهَ ما لو عَدِمَ الماءَ.
وقال الحسنُ، ومحمدٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ: لا بَأْسَ بغَسْلِ ذاتِ مَحْرَمِه عندَ الضَّرُورَةِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 48

وَللِرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ غَسْلُ مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ.
وَفِى ابْنِ السَّبْعِ وَجْهَانِ,

735 - مسألة: (وللرجلِ والمرأةِ غَسْلُ مَن له دُونَ سَبْعِ سِنِينَ، وفي ابنِ السَّبْعِ وَجْهان)

أمَّا غَسْلُ النِّساءِ للطِّفْلِ الصَّغِيرِ فهو إجْماعٌ.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ.
واخْتَلَفَ أهلُ العلمِ في حَدِّه، فقال أحمدُ: لَهُنَّ غَسْلُ مَن له دُونَ سَبْعِ سِنِينَ.
وقال الحسنُ: إذا كان فَطِيمًا، أو فَوْقَه.
وقال الأَوْزاعِىُّ: ابن أرْبَعٍ أو خَمْسٍ.
وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: الذى لم يَتَكَلَّمْ.
ولَنا، أنَّ مَن له دُونَ سَبْعِ سِنِينَ لم يُؤْمَرْ بالصلاةِ، ولم يُخَيَّرْ بينَ أَبَوَيْه، ولا عَوْرَةَ له، أشْبَهَ ما لو سَلَّمُوه.
فأمَّا مَن بَلَغ السَّبْعَ، ففيه وَجْهان؛

الحديث: 735 - الجزء: 6 - الصفحة: 49

وَفِى غَسْلِ مَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَجْهَانِ.
أحَدُهما، يَجُوزُ.
اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، أشْبَهَ ما قبلَ السَّبْعِ والثَّانِى، لا يَجُوزُ.
اخْتارَه ابنُ حامِدٍ.
وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، وقيل: سُئِل عن غُلامٍ ابنِ سَبْعِ سِنِينَ تُغَسِّلُه المَرْأَةُ؟ فقال: هو ابنُ سَبْعٍ، وهو يُؤْمَرُ بالصلاةِ، ولو كان أقَلَّ مِن سَبْعٍ كان أهْوَنَ عِنْدِى.
وحَكَى أبو الخَطَّابِ في مَن بَلَغ السَّبْعَ [ولم يَبْلغْ] 66 رِوايَتَيْنِ.
والصَّحِيحُ أنَّ مَن بَلَغ عَشْرًا ليس للنِّساءِ غَسْلُه؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِى الْمَضَاجِعِ» 67. وأمَرَ بضَرْبِهم على الصلاةِ لعَشْرٍ.
فأمَّا مَن بَلَغَ السَّبْعَ والعَشْرَ، ففيه احْتِمَالان، ووَجْهُهما ما ذَكَرْنا.
وأمَّا الجارِيَةُ إذا لم تَبْلُغْ سَبْعًا، فقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: يَجُوزُ للرِّجالِ

الجزء: 6 - الصفحة: 50

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  غَسْلُها.
وقال الخَلَّالُ: القِياسُ التَّسْوِيَةُ بينَهما لكلِّ واحِدٍ منهما على الآخَرِ.
فعلى قَوْلِنا حُكْمُها حُكْمُ الغُلامِ.
ولا يُغَسِّلُ الرجلُ مَن بَلَغَتْ عَشْرًا؛ لِما ذَكَرْنَا في الصَّبِىِّ.
ويَحْتَمِلُ أن يُحَدَّ ذلك بِتِسْعٍ في حَقِّ الجَارِيَةِ؛ لقَوْلِ عائشةَ: إذا بَلَغَتِ الجارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فهى امْرَأةٌ 68. وفيما قبلَ ذلك الوَجْهانِ.
ونُقِل عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، كَراهَةُ ذلك، وقال: النِّساءُ أعْجَبُ إلىَّ.
وذُكِر له أنَّ الثَّوْرِيَّ قال: تُغَسِّلُ المرأةُ الصَّبِيَّ، والرجلُ الصَّبِيَّةَ.
فقال: لا بَأْسَ أن تُغَسِّلَ المَرْأةُ الصَّبِىَّ، وأمَّا الرجلُ يُغَسِّلُ الصَّبِيَّةَ فلا أجْتَرِئُ عليه، إلَّا أن يُغَسِّلَ الرجلُ ابْنَتَه الصَّغِيرَةَ.
ويُرْوَى عن أبى قِلابَةَ، أنَّه غَسَّلَ ابْنَةً له صَغِيرَةً 69. وهو قَوْلُ الحسنِ.
وكَرِه غَسْلَ الرجلِ الصَّغِيرَةَ سعيدٌ، والزُّهْرِيُّ.
وقال شيخُنا 70: وهذا أوْلَى مِن

الجزء: 6 - الصفحة: 51

وَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نِسْوَةٍ, أَوِ امْرَأَةٌ رِجَالٍ, أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٌ, يُمِّمَ فِى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَفِى الأُخْرَى, يُصَبُّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ مِنْ فَوْقِ الْقَمِيصِ, وَلَا يُمَسُّ,  قَوْلِ الأصْحابِ؛ لأنَّ عَوْرَةَ الجِارِيَةِ أفْحَشُ مِن عَوْرَةِ الغُلامِ، ولأنَّ العادَةَ مُباشَرَةُ المرأَةِ للغُلامِ الصَّغِيرِ، والنَّظَرُ إلى عَوْرَتِهِ في حالِ تَرْبِيَتِه، ومَسُّها، ولم تَجْرِ العادَةُ للرجلِ بمُباشَرَةِ عَوْرَةِ الجارِيَةِ حالَ الحَياةِ، فكذلك حالَةَ المَوْتِ.
وهذا اخْتِيارُ شيخِنا.
واللهُ أعلمُ.
فصل: ويَصِحُّ أن يُغَسِّلَ المُحْرِمُ الحَلالَ، والحَلالُ المُحْرِمَ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما تَصِحُّ طَهارَتُه وغَسْلُه.

736 -

مسألة: (وإذا مات رجلٌ بينَ نِسْوَةٍ، أو امرأةٌ بينَ رِجالٍ، أو خُنْثَى مُشْكِلٌ، يُمِّمَ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن. وفى الأُخْرَى، يُصَبُّ عليه الماءُ مِن فوقِ القَمِيصِ، ولا يُمَسُّ)

إذا مات رجلٌ بينَ نِسْوَةٍ أجانِبَ،

الحديث: 736 - الجزء: 6 - الصفحة: 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو امرأةٌ بينَ رِجالٍ أجانِبَ، أو مات خُنثَى مُشْكِلٌ، فإنَّه يُيَمَّمُ في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ.
وهذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والنَّخَعِىِّ، وحَمّادٍ، ومالكٍ، وأصحابِ الرَّأْىِ، وابنِ المُنْذِرِ، وهو أحَدُ الوَجْهَيْن لأصحابِ الشافعىِّ.
والوَجْهُ الثانِى، يُغَسَّلُ في قَمِيصٍ، ويَجْعَلُ الغاسِلُ على يَدِهِ خِرْقَةً.
وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يُغَسَّلُ مِن فوقِ القَمِيصِ، يُصَبُّ عليه الماءُ صَبًّا, ولا يُمَسُّ.
وهو قولُ الحسنِ، وإسحاقَ.
ولَنا، ما روَى واثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا مَاتَتِ الْمَرْأةُ مَعَ الرِّجَالِ، لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ مَحْرَمٌ، تُيَمَّمُ كَمَا يُيَمَّمُ الرِّجَالُ» 71. ولأنَّ الغَسْلَ مِن غيرِ مَسٍّ لا يَحْصُلُ به التَّنْظِيفُ ولا إزالةُ النَّجاسَةِ، بل رُبَّما كَثُرَتْ، ولا يَسْلَمُ مِن النَّظَرِ، فكان العُدُولُ إلى التَّيَمُّمِ أوْلَى، كما لو عَدِم الماءَ.
فأمَّا إن ماتَتِ الجارِيَةُ بينَ مَحارِمِها الرِّجالِ، فقد ذَكَرْناه.

الجزء: 6 - الصفحة: 53

وَلَا يُغْسِّلُ مُسْلِمٌ كَافِرًا, وَلَا يَدْفِنُهُ, إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يُوَارِيهِ غَيْرَهُ.

737 - مسألة: (ولا يُغَسِّلُ مُسْلِمٌ كَافِرًا, ولا يَدْفِنُه، إلَّا أن لا يَجِدَ مَن يُوارِيه غيرَه)

إذا مات كافِرٌ مع مُسْلِمِين لم يُغَسِّلُوه، سَواءٌ كان قَرِيبًا لهم أو لا, ولا يَتَوَلَّوْا دَفْنَه، إلَّا أن لا يَجِدُوا مَن يُوارِيه.
وهذا قولُ مالكٍ.
وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ: يَجُوزُ له غَسْلُ قَرِيبِه الكافِرِ، ودَفْنُه.
وحَكاه قَوْلًا لأحمدَ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لِما رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قلتُ للنَّبىّ - صلى الله عليه وسلم -: إنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قد مات، فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اذْهَبْ فَوَارِهِ».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ 72. ولَنا، أنَّه

الحديث: 737 - الجزء: 6 - الصفحة: 54

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يُصَلِّى عليه، ولا يَدْعُو له فلم يكنْ له غَسْلُه، كالأجْنَبِىِّ، والحَدِيثُ يَدُلُّ على مُواراتِه، وله ذلك إذا خاف مِن التَّغَيُّرِ به، والضَّرَرِ بِبَقائِه.
قال أحمدُ، في يَهُودِىٍّ أو نَصْرانِىٍّ مات، وله ولَدٌ مُسْلِمٌ: فَلْيَرْكَبْ دَابَّةً، ويَسِرْ أمامَ الجِنازَةِ، وإذا أراد أن يَدْفِنَ رَجَع مثلَ قولِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه 73.

الجزء: 6 - الصفحة: 55

وَإِذَا أَخَذَ فِى غَسْلِهِ, سَتَرَ عَوْرَتَهُ وَجَرَّدَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِى: يُغَسِّلُهُ فِى قَمِيصٍ خَفِيفٍ, وَاسِعِ الْكُمَّيْنِ,

738 - مسألة: (وِإذَا أَخَذَ فِى غَسْلِهِ، سَتَرَ عَوْرَتَهُ وَجَرَّدَهُ. وَقَالَ الْقَاضِى: يُغَسِّلُهُ 74 فِى قَمِيصٍ خَفِيفٍ 75، وَاسِعِ الْكُمَّيْنِ) يَجِبُ سَتْرُ عَوْرَةِ المَيِّتِ بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، وهو ما بينَ سُرَّتِه إلى رُكْبَتِه، وقد قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - لعلىٍّ: «لَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَىٍّ، وَلَا مَيِّتٍ». رَواه أبو داودَ 76. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: ورُوِىَ: «النَّاظِرُ مِنَ الرِّجَالِ إلَى فُرُوجِ الرِّجَالِ، كَالنَّاظِرِ مِنْهُمْ إلَى فُرُوجِ النِّسَاءِ، وَالمُتَكَشِّفُ مَلْعُونٌ» 77.

قال أبو داودَ: قلتُ لأحمدَ: الصَّبِىُّ يُسْتَرُ كما يُسْتَرُ الكَبِيرُ، أعْنِى الصَّبِىَّ المَيِّتَ، في الغَسْلِ؟ قال: أىُّ شئٍ يُسْتَرُ منه؟! ليست عَوْرَتُه بعَوْرَةٍ، ويُغَسِّلُه النِّساءُ.

الحديث: 738 - الجزء: 6 - الصفحة: 56

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويُسْتَحَبُّ تَجْرِيدُ المَيِّتِ عندَ غَسْلِه ما سوى عَوْرَتِه.
رَواه الأثْرَمُ عن أحمدَ.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، واخْتِيارُ أبى الخَطَّابِ، وإليه ذَهَب ابنُ سِيرِينَ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ.
وروَى المَرُّوذِىُّ، عن أحمدَ، أنَّه قال: يُعْجِبُنِي أن يُغَسِّلَ المَيِّتَ وعليه ثَوْبٌ، يُدْخِلُ يَدَه مِن تَحْتِ الثَّوْبِ.
قال: وكان أبو قِلابَةَ إذا غَسَّلَ مَيِّتًا جَلَّلَه بِثَوْبٍ.
وقال القاضى: السُّنَّةُ أَن يُغَسَّلَ في قَمِيصٍ رَقِيقٍ يَنْزِلُ الماءُ فيه، ولا يَمْنَعُ أن يَصِلَ إلى بَدَنِه.
ويُدْخِلُ يَدَه في كُمِّ القَمِيصِ فيُمِرُّها على بَدَنِه والماءُ يُصَبُّ، فإن كان القَمِيصُ ضَيِّقًا فَتَقَ رَأْسَ الدَّخارِيصِ 78، وأدْخَلَ يَدَه فيه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - غُسِّلَ في قَمِيصِه 79. وقال سعدٌ: اصْنَعُوا بى كما صُنِعَ برسولِ 80 اللهِ - صلى الله عليه وسلم - 81. قال أحمدُ: غُسِّلَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -

الجزء: 6 - الصفحة: 57

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في قَمِيصِه، وقد أرادُوا خَلْعَه، فَنُودُوا، ألَّا تَخْلَعُوه، واسْتُرُوا نَبِيَّكم 82. ولَنا، أنَّ تَجْرِيدَ المَيِّتِ أمْكَنُ لتَغْسِيلِه وتَطْهِيرِه، والحَىُّ يَتَجَرَّدُ إذا اغْتَسَلَ، فكذلك المَيِّتُ، ولأنَّه إذا غُسِّلَ 83 في ثَوْبِه يَنْجُسُ الثَّوْبُ بما يَخْرُجُ، وقد لا يَطْهُرُ بصَبِّ الماءِ عليه، فيَنْجُسَ المَيِّتُ به.
فأمَّا النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - فذلك خاصٌ له، ألا تَرَى أنَّهم قالُوا: نُجَرِّدُه كما نُجَرِّدُ مَوْتانا.
كذلك رَوَتْه عائشةُ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: رُوِىَ ذلك عنها مِن وجْهٍ صَحِيحٍ.
فالظاهِرُ أنَّ تَجْرِيدَ المَيِّتِ فيما عدا العَوْرَةَ كان مَشْهُورًا عندَهم، ولم يكنْ هذا ليَخْفَى عن النَّبِى - صلى الله عليه وسلم -، بل الظَّاهِرُ أنَّه كان بأمْرِه؛ لأنَّهم كانوا يَنْتَهُون إلى رَأْيِه، ويَصْدُرُون عن أمْرِه في الشَّرْعِيَّاتِ، واتِّباعُ أمْرِه وفِعْلِه أوْلَى مِن اتِّباعِ غيرِه.
ولأنَّ ما يُخْشَى مِن تَنْجيسِ قَمِيصِه بما يَخْرُجُ منه كان مَأْمُونًا في حَقِّ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّه طاهِرٌ حَيًّا ومَيِّتًا، بخِلافِ غيرِه، وإنَّما قال سعدٌ: الحَدُوا لى لَحْدًا، وانْصِبُوا علىَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كما صُنِع برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.

الجزء: 6 - الصفحة: 58

وَيُسْتَرُ الْمَيِّتُ عَنِ الْعُيُونِ.
وَلَا يَحْضُرُهُ إِلَّا مَنْ يُعِينُ فِى غَسْلِهِ.

739 - مسألة: (ويُسْتَرُ المَيِّتُ عن العُيُونِ، ولا يَحْضُرُه إلَّا مَن يُعِينُ في غَسْلِه)

يُسْتَحَبُّ سَتْرُ المَيِّتِ، وأن يُغَسَّلَ في بَيْتٍ إن أمْكَنَ؛ لأنَّه أسْتَرُ له، فإن لم يكنْ بَيْتٌ، جُعِل بينَه وبينَ السماءِ سِتْرًا.
وكان ابنُ سِيرِينَ يَسْتَحِبُّ أن يكونَ البَيْتُ الذى يُغَسَّلُ فيه مُظْلِمًا.
ذَكَرَه أحمدُ.
وروَى أبو داودَ 84، بإسْنادٍ له، قال: أوْصَى الضَّحّاكُ أخاه سالِمًا، قال: إذا

الحديث: 739 - الجزء: 6 - الصفحة: 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  غَسَّلْتَنِى فاجْعَلْ حَوْلِى سِتْرًا، واجْعَلْ بَيْنِى وبينَ السَّماءِ سِتْرًا.
وذَكَر القاضى، أنَّ عائشةَ قالت: أتانا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نُغَسِّلُ ابْنَتَه، فجَعَلْنَا بينَها وبينَ السَّقْفِ سِتْرًا 85. وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك لئلَّا يَسْتَقْبِلَ السَّماءَ بعَوْرَتِه، وإنَّما اسْتُحِبَّ سَتْرُ المَيِّتِ، وأن لا يَحْضُرَه إلَّا مَن يُعِينُ في غَسْلِه؛ لأنَّه يُكْرَهُ النَّظَرُ إلى المَيِّتِ إلَّا لحاجَةٍ؛ لأنَّه رُبَّما كان بالمَيِّتِ عَيْبٌ يَكْتُمُه، ويَكْرَهُ أن يُطَّلَعَ عليه بعدَ مَوْتِه، ورُبَّما حَدَث منه أمْرٌ يَكْرَهُ الحَىُّ أن يُطَّلَعَ منه على مِثْلِه، ورُبَّما ظَهَر فيه شئٌ هو في الظَّاهِرِ مُنْكَرٌ فيُتَحَدَّثُ به، فيكونُ فَضِيحَةً، ورُبَّما بَدَتْ عَوْرَتُه فشاهَدَها.
ويُسْتَحَبُّ للحاضِرِين غَضُّ أبْصارِهم عنه، إلَّا لحاجَةٍ كذلك، ولهذا أحْبَبْنا أن يكونَ الغاسِلُ ثِقَةً أمِينًا؛ ليَسْتُرَ ما يَطَّلِعُ عليه.
وفى الحَدِيثِ عن النَّبِى - صلى الله عليه وسلم -: «لِيُغَسِّلْ مَوْتَاكُمُ الْمَأْمُونُونَ».
رَواه ابنُ ماجه 86. وعن عائشةَ، عن النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لِيَلِهِ أقْرَبُكُمْ مِنْهُ إنْ كَانَ يَعْلَمُ، فَإنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ فَمَنْ تَرَوْنَ أنَّ 87 عِنْدَهُ حَظًّا مِنْ وَرَعٍ».
رَواه الِإمامُ أحمدُ 88. وقال القاضى: لوَلِيِّه أن

الجزء: 6 - الصفحة: 60

ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بِرِفْقٍ إِلَى قَرِيبٍ مِنَ الْجُلُوسِ، وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ عَصْرًا رَفِيقًا، وَيُكْثِرُ صَبَّ الْمَاءِ حِينَئِذٍ,  يَدْخُلَ كيف شاء.
والأَوْلَى ما ذَكَرْنا، إن شاء اللهُ؛ لأنَّ العِلَّةَ تَقْتَضِى التَّعْمِيمَ.

740 -

مسألة: (ثم يَرْفَعُ رَأْسَه برِفْقٍ إلى قَرِيبٍ مِن الجُلُوسِ، ويَعْصِرُ بَطْنَه عَصْرًا رَفِيقًا، ويُكْثِرُ صَبَّ الماءِ حِينَئِذٍ)

يُسْتَحَبُّ للغاسِلِ أن يَبْدَأَ فيَحْنِىَ المَيِّتَ حَنْيًا رَفِيقًا، لا يَبْلُغُ به الجُلُوسَ؛ لأنَّ في الجُلُوسِ أذِيَّةً، ثم يُمِرُّ يَدَه على بَطْنِه، يَعْصِرُه عَصْرًا؛ ليُخْرِجَ ما معه مِن نَجاسَةٍ، كيلا يَخْرُجَ بعدَ ذلك، ويُكْثِرُ صَبَّ الماءِ حِينَئِذٍ، ليُخْفِىَ مَا يَخرُجُ منه، ويَذْهَبَ به الماءُ.
ويُسْتَحَبُّ أن يكونَ بِقُرْبِهِ مِجْمَرٌ فيه بَخُورٌ حتَّى لا يَظْهَرَ منه رِيحٌ.
ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: لا يَعْصِرُ بَطْنَ المَيِّتِ في المَرَّةِ الأُولَى، ولكنْ في الثَّانِيَةِ.
وقال في موضِعٍ آخَرَ: يَعْصِرُ بَطْنَه في الثَّالِثَةِ، يَمْسَحُ مَسْحًا رَفِيقًا مَرَّةً واحِدَةً.
وقال أَيضًا: عَصْرُ بَطْنِ المَيِّتِ في الثَّانِيَةِ أمْكَنُ؛ لأنَّ المَيِّتَ لا يَلِينُ حتَّى يُصِيْبَه الماءُ.

الحديث: 740 - الجزء: 6 - الصفحة: 61

ثُمَّ يَلُفُّ عَلَى يَدِه خِرْقَةً، فَيُنَجِّيهِ بِهَا.
وَلَا يَحِلُّ مَسُّ عَوْرَتِه، وَيُسْتَحَبُّ أَلَّا يَمَسَّ سَائِرَ بَدَنِهِ إِلَّا بِخِرْقَةٍ.
فصل: فإن كانتِ امرأةً حامِلًا لم يَعْصِرْ بَطْنَهَا؛ لئَلَّا يُؤْذِيَ الوَلَدَ (1)، لِما رَوَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ، قالت: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا تُوُفِّيَتِ الْمَرْأةُ، فَأرَادُوا غَسْلَهَا، فَلْيَبْدَأْنَ بِبَطْنِهَا، فَلْيُمْسَحْ مَسْحًا رَفِيقًا إنْ لَمْ تَكُنْ حُبْلَى، فَإنْ كَانَتْ حُبْلَى فَلاَ يُحَرِّكْنَهَا».
رَواه الخَلَّالُ (2).

741 -

مسألة: (ثم يَلُفُّ على يَدِه خِرْقَةً، فَيُنَجِّيه. ولا يَحِلُّ مَسُّ عَوْرَتِه، ويُسْتَحَبُّ أن لَا يَمَسَّ سَائِرَ بَدَنِه إلَّا بخِرْقَةٍ)

يُسْتَحَبُّ للغاسِلِ إذا عَصَر بَطْنَ المَيِّتِ أن يُنَجِّيَه، فيَلُفَّ على يَدِه خِرْقَةً8990

الحديث: 741 - الجزء: 6 - الصفحة: 62

ثُمَّ يَنْوِى غَسْلَهُ، وَيُسَمِّى,  خَشِنَةً فيُنَجِّيَه (1) بها؛ لئَلَّا يَمَسَّ عَوْرَتَه؛ لأنَّ النَّظرَ إلى عَوْرَةِ المَيِّتِ حَرامٌ، فمَسُّها أوْلَى.
ويُزِيلُ ما على بَدَنِه مِن نَجاسَةٍ؛ لأنَّ الحَىَّ يَبْدَأُ بذلك في اغْتِسالِه مِن الجنابةِ.
ويُسْتَحَبُّ أن لا يَمَسَّ سائِرَ بَدَنِه إلَّا بخِرْقَةٍ؛ لِما رُوِىَ أنَّ عَلِيًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، غَسَّلَ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وبِيَدِه خِرْقَةٌ، يَمْسَحُ بها ما تحتَ القَمِيصِ (2). قال القاضى: يُعِدُّ الغاسِلُ خِرْقَتَيْن، يَغْسِلُ بإحْداهما السَّبِيلَيْن، وبالأُخْرَى سائِرَ بَدَنِه.

742 -

مسألة: (ثم يَنْوِى غَسْلَه 93، ويُسَمِّى) النِّيَّةُ في غَسْلِ المَيِّتِ واجِبَةٌ على الغاسِلِ، وفى وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ رِوايَتَانِ، كغُسْلِ9192

الحديث: 742 - الجزء: 6 - الصفحة: 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الجَنابَةِ، وإنَّما أوْجَبْناها على الغَاسِلِ لتَعَذُّرِها مِن الميِّتِ، ولأنَّ الحَىَّ هو المُخاطَبُ بالغَسْلِ.
وقال القاضى، وابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن لا تُعْتَبَرَ النِّيَّةُ؛ لأنَّ القَصْدَ التَّنْظِيفُ، فأشْبَهَ غَسْلَ النَّجاسَةِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّه لو كان كذلك لَما وَجَب غَسْلُ مُتَنَظِّفٍ، ولجاز غَسْلُه بماءِ الوَرْدَ، وكلِّ ما يَحْصُلُ به التَّنْظِيفُ، وإنَّما هو غَسْلُ تَعَبُّدٍ، فأشْبَهَ غُسْلَ الجَنابَةِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 64

وَيُدْخِلُ إِصْبَعَيْهِ مَبْلُولَتَيْنِ بِالْمَاءِ بَيْنَ شَفَتَيْهِ، فَيَمْسَحُ أَسْنَانَهُ، وَفِى مَنْخَرَيْهِ فَيُنَظِّفُهُمَا، وَيُوَضِّئُهُ، وَلَا يُدْخِلُ الْمَاءَ فِى فِيهِ وَلَا أَنْفِه,

743 - مسألة؛ قال: (ويُدْخِلُ إِصْبَعَيْه مَبْلُولَتَيْن بالماء بينَ شَفَتَيْه، فيَمَسَحُ أسْنَانَه، وفى مَنْخَرَيْه فيُنَظِّفُهما، ويوضِّئُه، ولا يُدْخِلُ الماءَ في فيه ولا أنْفِه)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا نَجَّى المَيِّتَ وأزال عنه 94 النَّجاسَةَ، بَدَأ بعدَ ذلك فوَضَّأه وُضُوءَ الصلاةِ، فيَغْسِلُ كَفَّيْه، ثم يَأْخُذُ خِرْقَةً خَشِنَةً فيَبُلُّها ويَجْعَلُها على إِصْبَعَيْه، فيَمْسَحُ أسْنانَه وأنْفَه، حتَّى يُنَظِّفَهما، ويكونُ ذلك في رِفْقٍ، ثم يَغْسِلُ وَجْهَه، ويُتَمِّمُ وُضُوءَه، لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - للنِّساءِ اللاتى غَسَّلْنَ ابْنَتَه: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 95. ولأنَّ الحَىَّ يَبدَأُ بالوُضُوءِ في غُسْلِه، ولا يُدْخِلُ الماءَ في فِيه ولا

الحديث: 743 - الجزء: 6 - الصفحة: 65

وَيَضْرِبُ السِّدْرَ، فيَغْسِلُ برَغْوَتِهِ رَأْسَه ولِحْيَتَهُ وَسَائِرَ بَدَنِهِ,  أنْفِه في قولِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ, وأبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: يُمَضْمِضُه ويُنْشِقُه كما يَفْعَلُ الحَىُّ.
ولَنا، أنَّ ذلك لا يُؤْمَنُ معه وُصُولُه إلى جَوْفِه، فَيُفْضى إلى المُثْلَةِ به، ولا يُؤْمَنُ مِن خُرُوجِه في أكْفانِه فيُفْسِدَها.

744 -

مسألة: (ثم يَضْرِبُ السِّدْرَ، فيَغْسِلُ برَغْوَتِهِ رَأْسَه ولِحْيَتَه

الحديث: 744 - الجزء: 6 - الصفحة: 66

ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ، ثُمَّ الْأَيْسَرَ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ, يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا,  وسائِرَ بَدَنِه، ثم يَغْسِلُ شِقَّه الأيْمَنَ، ثم الأيْسَرَ، يَفْعَلُ ذلك ثَلاثًا) يُسْتَحَبُّ أن يَبْدَأَ الغاسِلُ بعدَ وُضُوءِ المَيِّتِ بغَسْلِ رأْسِ المَيِّتِ، فيَغْسِلُه برَغْوَةِ السِّدْرِ، ويَغْسِلُ بَدَنَه بالثُّفْلِ 96، يَفْعَلُ ذلك ثَلاثًا.
والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّه يُسْتَحَبُّ أن يُغْسَلَ ثَلاثًا بماءٍ وسِدْرٍ.
قال صالحٌ: قال أبى: المَيِّتُ يُغَسَّلُ بماءٍ وسِدْرٍ، ثَلاثَ غَسَلَاتٍ.
قلتُ: فيَبْقَى عليه؟ قال: أىُّ شئٍ يكونُ هو أنْقى له.
وذُكِر عن عَطاءٍ، أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ قال له: إنَّه يَبْقَى عليه السِّدْرُ إذا غُسِّلَ به كلَّ مَرَّةٍ.
قال عَطاءٌ: هو طَهُورٌ.
واحْتَجَّ أحمدُ بحَدِيثِ أمِّ عَطِيَّةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُه قال: «اغْسِلْنَها ثَلاثًا، أو أربَعًا 97، أو خَمْسًا، أو أكثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأْيتُنَّ، بِمَاءٍ

الجزء: 6 - الصفحة: 67

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِى الآخِرَةِ كَافُورًا».
مُتَّفَقٌ عليه 98. [وقال في المُحْرِمِ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ».
مُتَّفَقٌ عليه] 99. وذَهَبَ كَثِيرٌ مِن أَصْحابِنا المُتَأَخِّرِينَ، إلى أنَّه لا يُتْرَكُ في الماءِ سِدْرٌ يُغَيِّرُه، ثم اخْتَلَفُوا، فقال ابنُ حامدٍ: يُطْرَحُ في كلِّ المِياهِ شئٌ يَسِيرٌ مِن السِّدْرِ لا يُغَيِّرُه ليَجْمَعَ بينَ العَمَلِ بالحديثِ، ويكونَ الماءُ باقِيًا على إطْلاقِه.
وقال القاضى، وأبو الخَطَّابِ: يُغَسَّلُ أوَّلَ مَرَّةٍ بالسِّدْرِ، ثم يُغَسَّلُ بعدَ ذلك بالماءِ القَراحِ 100،

الجزء: 6 - الصفحة: 68

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيكونُ الجَمِيعُ غَسْلَةً واحِدَةً، ويكونُ الاعْتِدادُ بالآخِرِ دُونَ الأوَّلِ؛ لأنَّ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، شَبَّهَ غَسْلَه بغُسْلِ الجَنَابَةِ، ولأنَّ السِّدْرَ إن غَيَّرَ الماءَ سَلَبَه الطُّهُورِيَّةَ، وإن لم يُغَيِّرْه فلا فائِدَةَ في تَرْكِ يَسِيرٍ لا يُؤثِّرُ.
والأوَّلُ ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ.
ويكونُ هذا مِن قَوْلِه دَالًّا على أنَّ تَغْيِيرَ الماءِ بالسِّدْرِ لا يُخْرِجُه عن طُهُورِيَّتِه.
فإن لم يَجِدِ السِّدْرَ غَسَّلَه بما يَقُومُ مَقامَه، ويَقْرُبُ منه، كالخِطْمِىِّ 101 ونَحْوِه؛ لحُصُولِ المَقْصُودِ به، وإن غَسَّلَه بذلك مع وُجُودِ السِّدْرِ جاز؛ لأنَّ الشَّرْعَ وَرَد بهذا لمَعْنًى مَعْقُولٍ، وهو التَّنْظِيفُ، فَيَتَعَدَّى إلى كل ما وُجِد فيه المَعْنَى.
قال أبو الخَطَّابِ: ويُسْتَحَبُّ أن يَخْضِبَ رَأْسَ المَرأَةِ، ولِحْيَةَ الرجلِ بالحِنَّاءِ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَبْدَأَ بشِقِّه الأيْمَنِ، فيَغْسِلَ وَجْهَه ويَدَه اليُمْنَى مِن المَنْكِبِ إلى الكَفَّيْنِ، وصَفْحَةَ عُنُقِه اليُمْنَى، وشِقَّ صَدْرِه، وَجَنْبَه، وفَخِذَه،

الجزء: 6 - الصفحة: 69

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وساقَه، وهو مُسْتَلْقٍ، ثم يَصْنَعَ ذلك بالجانِبِ الأيْسَرِ، ثم يَرْفَعَه مِن جانِبهِ، ولا يَكُبَّه لوَجْهِه، فيَغْسِلَ الظَّهْرَ وما هناك مِن وَرِكِه، وفَخِذِه، وساقِه، ثم يَعُودَ فَيَحْرِفَه على جَنْبِه الأيْمَنِ، ويَغْسِلَ شِقَّه الأيْسَرَ كذلك.
هكذا ذَكَرَه إبراهيمُ النَّخَعِىُّ، والقاضى؛ وذلك لقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا».
وهو أشْبَهُ بغُسْلِ الحَىِّ.
فصل: والواجِبُ غَسْلَةٌ واحِدَةٌ؛ لأنَّه غُسْلٌ واجِبٌ مِن غيرِ نَجاسَةٍ أصابَتْه، فكان مَرَّةً واحِدَةً، كغُسْلِ الجَنابَةِ.
قال عَطاءٌ: يُجْزِئُه غَسْلَةٌ واحِدَةٌ إن نَقَّوْه.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: لا يُعْجِبُنِى إن غُسِّلَ واحِدَةً؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أوْ خَمْسًا».
وهذا على سَبِيلِ الكَراهَةِ دُونَ الِإجْزاءِ؛ لِما ذَكَرْنا, ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال في المُحْرِمِ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» 102 ولم يَذْكُرْ عَدَدًا.
فصل: والحَائِضُ والجُنُبُ إذا ماتا كغيرِهما في الغَسْلِ، قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا قولُ مَن نَحْفَظُ عنه مِن عُلَماءِ الأمْصارِ.
وقد قال الحسنُ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: ما مات مَيِّتٌ إِلَّا جَنُبَ.
وقِيل عن الحسنِ: إنَّه

الجزء: 6 - الصفحة: 70

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُغَسَّلُ الجُنُبُ للجَنابَةِ، والحائِضُ للحَيْضِ، ثم يُغَسَّلانِ للمَوْتِ 103. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّهما خَرَجا مِن أحْكامِ التَّكْلِيفِ، ولم يَبْقَ عليهما عِبادَةٌ واجِبَةٌ، وإنَّما الغَسْلُ للمَيِّتِ تَعَبُّدٌ، وليَكُونَ في حالِ خُروجِه مِن الدُّنْيا على أكْمَلِ حالٍ مِن النَّظَافَةِ، وهذا يَحْصُلُ بغَسْلَةٍ واحِدَةٍ، ولأنَّ الغَسْلَ الواحِدَ يُجْزِئُ مَن وُجِد في حَقِّه شَيْئَان، كالحَيْضِ والجَنابَةِ، كذا هذا.

الجزء: 6 - الصفحة: 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وقال بعضُ أصحابِنا: يَتَّخِذُ الغاسِلُ ثَلَاثَةَ آنِيَةٍ؛ كبِيرًا يَجْمَعُ فيهِ الماءَ الذى يُغَسِّلُ به المَيِّتَ يَكونُ بالبُعْدِ منه، وإناءَيْن صَغِيرَيْن يَطْرَحُ مِن أحَدِهما على المَيِّتِ، والثَّالِثُ يَغْرِفُ به مِنَ الكَبِيرِ في الصَّغِيرِ الذى يُغَسِّلُ به المَيِّتَ، ليَكُونَ الكبيرُ مَصُونًا، فإذا فَسَدَ الماءُ الذى في الصَّغِيرِ، وطار فيه من رَشاشِ الماءِ، كان ما بَقِىَ في الكَبيرِ كافِيًا.
ويَسْتَعْمِلُ في كلِّ أُمُورِه الرِّفْقَ به في تَقْلِيبِه، وعَرْكِ أعْضائِه، وعَصْرِ بَطْنِه، وتَلْيِينِ مَفاصِلِه، وفى سائِرِ أُمُورِه، احْتِرامًا له، فإنَّه مُشَبَّه بالحَىِّ في حُرْمَتِه، ولا يَأْمَنُ إن عَنُفَ به أن يَنْفَصِلَ منه عُضْوٌ، فيكونَ مُثْلَةً به، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَىِّ» 104. وقال: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِى الْأمْرِ كُلهِ» 105.

الجزء: 6 - الصفحة: 72

يُمِرُّ فِى كُلِّ مَرَّة يَدَهُ، فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ بِالثَّلَاث،.
أَوْ خَرَجَ مِنْهُ شَىْءٌ، غَسَّلَهُ إِلَى خَمْسٍ، فَإِنْ زَادَ فَإِلَى سَبْعٍ،

745 - مسألة: (فإن لم يُنَقَّ بالثَّلاثِ، [أو خَرَجَ] 106 منه شئٌ، غَسَّلَه إلى خَمْسٍ، فإن زاد فإلى سَبْعٍ) إذا فَرَغ الغاسِلُ مِن الغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ، لم يُمِرَّ يَدَه على بَطْنِ المَيِّتِ، لِئَلَّا يَخْرُجَ منه شئٌ، فإن رَأى الغاسِلُ أنَّه لم يُنَقَّ بالثَّلاثِ غَسَّلَه خَمْسًا أو سَبْعًا، إن رَأى ذلك، ولا يَقْطَعُ إلَّا على وِتْر. قال الإِمامُ أحمدُ: ولا يُزادُ على سَبْع؛ لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاًثا، أوْ خَمْسًا، أوْ سَبْعًا». لم يَزِدْ على ذلك، وجَعَل ما أمَرَ به وِتْرًا. = الأدب. سنن أبى داود 2/ 554. والترمذى، في: باب ما جاء في التسليم على أهل الذمة، من أبواب الاستئذان. عارضة الأحوذى 10/ 175. وابن ماجه، في: باب الرفق، من كتاب الأدب. سنن ابن ماجه 2/ 1216. والدارمى، في: باب في الرفق، من كتاب الرقاق. سنن الدارمى 2/ 323.والإمام مالك، في: باب ما يؤمر به من العمل في السفر، من كتاب الاستئذان. الموطأ 2/ 979. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 112، 4/ 87، 6/ 37، 85، 199.

الحديث: 745 - الجزء: 6 - الصفحة: 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال أيضًا: «اغْسِلْنَهَا وِتْرًا» 107. فإن لم يُنَقَّ بالسَّبْعِ، فقالَ شيخُنا 108: الأَوْلَى غَسْلُه حتى يُنَقَّى؛ لقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أوْ خَمْسًا أوْ سَبْعًا، أوْ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيتُنَّ ذَلِكَ».
ولأنَّ الزِّيادَةَ على الثَّلاثِ إنَّما كانت للإِنْقاءِ أو للحاجَةِ إليها، فكذلك ما بعدَ السَّبْعِ، ولا يَقْطَعُ إلَّا على وِتْر؛ لِما ذَكَرْنا، ولم يَذْكُرْ أصحابُنا أنَّه يَزِيدُ على سَبْعٍ.
فصل: فإن خَرَج مِن المَيِّتِ نَجاسَةٌ بعدَ الثَّلاثِ، وهو على مُغْتَسَلِه مِن قُبُلِه أو دُبُرِه، غَسَلَه إلى خَمْسٍ، فإن خَرَج بعدَ الخَمْسِ، غَسَلَه إلى سَبْعٍ، ويُوَضِّئُه في الغَسْلَةِ التى تَلِى خُرُوجَ النَّجَاسَةِ.
قال صالِحٌ: قال أبى: يُوَضَّأُ المَيِّتُ مَرَّةً واحِدَةً، إلَّا أن يَخْرُجَ منه شئٌ، فيُعادَ عليه الوُضُوءُ.
وهذا قولُ ابنِ سِيرِينَ، وإسحاقَ.
واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه يُغْسَلُ مَوْضِعُ النَّجاسَةِ، ويُوَضَّأُ، ولا يَجِبُ إعادَةُ غَسلِه.
وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، ومالكٍ، وأبى حنيفةَ؛ لأنَّ خُرُوجَ النَّجاسَةِ مِن الحَىِّ

الجزء: 6 - الصفحة: 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بعدَ غُسْلِه لا يُبْطِلُه، فكذلك المَيِّتُ.
وللشافعىِّ قَوْلان كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا، أنَّ القَصْدَ مِن غَسْلِ المَيِّتِ أن يَكُونَ خاتِمَةُ أمْرِه الطهارةَ الكامِلَةَ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاًثا أوْ خْمَسًا أوْ سَبْعًا، إنْ رَأيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ».
فإن خَرَجَتْ منه نَجاسَةٌ مِن غيرِ السَّبِيلَيْنِ، فقالَ أحمدُ، في رِوايَةِ أبى داودَ: الدَّمُ أسْهَلُ مِن الحَدَثِ.
يَعْنِى الدَّمَ الذى يَخرُجُ مِن

الجزء: 6 - الصفحة: 75

وَيَجْعَلُ فِى الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ كَافُورًا.
أنْفِه أسْهَلُ مِن الحَدَثِ في أنَّه لا يُعادُ له الغَسْلُ، لأنَّ الحَدَثَ يَنْقُضُ الطهارةَ بالاتِّفاقِ، ويُسَوَّى بينَ قَلِيِلِه وكَثِيرِه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّ الغَسْلَ لا يُعادُ مِن يَسِيرِه، كما لا يَنْقُضُ الوُضُوءَ، بخِلافِ الخارِجِ مِن السَّبِيلَيْن.

746 -

مسألة: (ويَجْعَلُ في الغَسْلَةِ الأخِيرَةِ كافُورًا)

يُسْتَحَبُّ أن يَجْعَلَ في الغَسْلَةِ الأخِيرَةِ كافُورًا، ليَشُدَّه ويُبَرِّدَه ويُطَيِّبَه؛ لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، للنِّساء اللَّاِتى غَسَّلْنَ ابْنَتَه: «اغْسِلْنَهَا بالسِّدْرِ، وِتْرًا ثَلَاثًا، أوْ

الحديث: 746 - الجزء: 6 - الصفحة: 76

وَالْمَاءُ الْحَارُّ، وَالْخِلَالُ، وَالْأُشْنَانُ يُسْتَعْمَلُ إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ.
خَمْسًا، أو أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، واجْعَلْنَ فِى الْغَسْلَةِ الْأخِيرَةِ كَافُورًا».
وفى حديثِ أُمِّ سُلَيْمٍ: «فَإذَا كَانَ فِى آخِرِ غَسْلَةٍ مِنَ الثَّالِثَةِ أوْ غَيْرِهَا، فَاجْعَلْنَ مَاءً فِيهِ شىْءٌ مِنْ كَافُورٍ، وَشَىْءٌ مِنْ سِدْرٍ، ثُمَّ اجْعَلْن ذَلِكَ فِى جَرَّةٍ جَدِيدَةٍ، ثُمَّ أفْرِغْنَهُ عَلَيْهَا، وَابْدَئِى بِرَأْسِهَا حَتَّى يَبْلُغَ رِجْلَيْهَا».

747 -

مسألة: (والماءُ الحارُّ، والخِلالُ، والأُشْنَانُ 109، يُسْتَعْمَلُ إنِ احْتِيجَ إليه) هذه الثَّلاَثَةُ تُسْتَعْمَلُ عندَ الحاجَةِ إليها، مثلَ أن يُحْتاجَ إلى الماءِ الحارِّ لشِدَّةِ البَرْدِ، أو الوَسَخُ لا يَزُولُ إلَّا به، وكذلك الأُشْنانُ يُسْتَعْمَلُ إذا كان على المَيِّتِ وَسَخٌ. قال أحمدُ: إذا طال ضَنَى المَرِيضِ غُسِّلَ بالأُشْنَانِ. يَعْنِى أنَّه يَكْثُرُ وَسَخُه، فيَحْتاجُ إلى الأُشْنَانِ ليزِيلَه. والخِلالُ يُحْتاجُ إليه لإِخْرَاجِ شئٍ، والأَوْلَى أن يكونَ مِن شَجَرَةٍ كالصَّفْصافِ ونحوِه، ومِمّا يُنَقِّى ولا يَجْرَحُ، وإن جَعَلَ على رَأْسِه قُطْنًا،

الحديث: 747 - الجزء: 6 - الصفحة: 77

وَيَقُصُّ شَارِبَهُ، وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ، وَلَا يُسَرِّحُ شَعَرَهُ، وَلَا لِحْيَتَهُ.
فحَسَنٌ.
ويَتَتَبَّعُ ما تحتَ أظْفارِه فَيُنَقِّيه، فإن لم يَحْتَجْ إلى شئٍ مِن ذلك لم يُسْتَحَبَّ اسْتِعْمالُه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: والمُسَخَّن أوْلَى، لكنْ حالَ أنَّه يُنَقِّى ما لا يُنَقِّى البارِدُ.
ولَنا، أنَّ البارِدَ يُمْسِكُه والمُسَخَّنَ يُرْخِيه، ولهذا يُطْرَحُ الكافُورُ في الماءِ ليشُدَّه ويُبَرِّدَه، والانْقاءُ يَحْصُلُ بالسِّدْرِ إذا لم يَكْثُرْ وَسَخُه، فإن كَثُر ولم يَزُلْ إلَّا بالحَارِّ صار مُسْتَحَبًّا.

748 -

مسألة: (ويَقُصُّ شارِبَه، ويُقَلِّمُ أظْفارَه، ولا يُسَرِّحُ شَعَرَه، ولا لِحْيَتَه)

متى كان شارِبُ المَيِّتِ طَوِيلًا اسْتُحِبَّ قَصُّه.
وهذا قولُ الحسنِ، وبكرِ بنِ عبدِ اللهِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وإسْحاقَ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: لا يُؤْخَذُ مِن المَيِّت شئٌ؛ لأنَّه قَطْعُ شئٍ منه فلم يُسْتَحَبَّ، كالخِتانِ.
ولأصْحابِ الشافعىِّ اخْتلافٌ كالقَوْلَيْن.
ولَنا، قَوْلُ أنَس: اصْنَعُوا بِمَوْتاكُمْ مَا تَصْنَعُونَ بعَرَائِسِكُمْ 110. والعَرُوسُ يُحَسَّنُ، ويُزالُ عنه ما يُسْتَقْبَحُ مِن الشَّارِبِ وغيرِه، ولأنَّ تَرْكَه يُقَبِّحُ مَنْظَرَه، فشُرِع إزالَتُه، كفَتْحِ عَيْنَيْه وفَمِه، ولأنَّه فِعْلٌ مَسْنُونٌ في الحياةِ

الحديث: 748 - الجزء: 6 - الصفحة: 78

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا مَضَرَّةَ فيه، فشُرِع بعدَ المَوْتِ، كالاغْتِسالِ.
وعلى هذا يُخَرَّجُ الخِتانُ؛ لِما فيه مِن المَضَرَّةِ.
وإذا أُخِذ منه جُعِل مع المَيِّتِ في أكْفانِه، وكذلك كلُّ ما أُخِذ منه مِن شَعَرٍ أو ظُفْرٍ أو غيرِهما، فإنَّه يُغَسَّلُ ويُجْعَلُ معه في أكْفانِه؛ لأنَّه جُزْءٌ مِن المَيِّتِ، فأشْبَهَ أعْضاءَه.
فصل: فأمَّا قَصُّ الأظْفارِ إذا طالَتْ ففيها رِوايَتانِ؛ إحْداهما، لا تُقَلَّمُ، ويُنَقَّى وَسَخُها وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، لأنَّ الظُّفْرَ لا يَظْهَرُ كظُهُورِ الشَّارِبِ، فلا حاجَةَ إلى قَصِّه.
والثّانِيَةُ، يُقَصُّ إذا كان فاحِشًا.
نصَّ عليه؛ لأنَّه مِن السُّنَّةِ، ولا مَضَرَّةَ فيه، فيُشْرَعُ أخْذُه، كالشّارِبِ.
ويُمْكِنُ حَمْلُ الرِّوايَةِ الأولَى على ما إذا لم يَفْحُشْ.
ويُخَرَّجُ في نَتْفِ الِإبِطِ وَجْهان، بِناءً على الرِّوَايَتَيْنِ في قَصِّ الأظْفارِ؛ لأنَّه في مَعْناه.
فصل: فأمَّا العانَةُ ففيها وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تؤْخَذُ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخرَقِىِّ.
وهو قولُ ابنِ سِيرِينَ، ومالكٍ، وأبى حنيفةَ.
ورُوِىَ

الجزء: 6 - الصفحة: 79

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن أحمدَ، أنَّ أخْذَها مَسْنُونٌ.
وهو قولُ الحسنِ، وبكرِ بنِ عبدِ اللهِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرِ، وإسحاقَ؛ لأنَّ سعدَ بنَ أبى وَقَّاصٍ جَزَّ عانَةَ مَيِّتٍ 111. ولأنَّه شَعَرٌ يُسَنُّ إزالَتُه في الحياةِ، أشْبَهَ قَصَّ الشَّارِبِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّه يُحْتاجُ في أخْذِها إلى كَشْفِ العَوْرَةِ، ولَمْسِها، وهَتْكِ المَيِّتِ، وذلك مُحَرَّمٌ لا يُفْعَلُ لغيرِ واجِبٍ، ولأنَّ العانَةَ مَسْتُورَةٌ، يُسْتَغْنَى بسَتْرِها عن إزالَتِها؛ لأنَّها لا تَظْهَرُ، بخِلافِ الشَّارِبِ.
فإذا قُلْنا بأخْذِها، ففال أحمدُ: تُؤْخَذُ بالمُوسَى أو بالمِقْراضِ.
وقال القاضى: تُزالُ بالنُّورَةِ؛ لأنَّه أسْهَلُ، ولا يَمَسُّها.
ووَجْهُ قولِ أحمدَ أنَّه فِعْلُ سعدٍ، والنُّورَةُ لا يُؤْمَنُ أن تُتْلِفَ جِلْدَ المَيِّتِ.
ولأصْحَابِ الشافعىِّ وَجْهان كهذَيْن.

الجزء: 6 - الصفحة: 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمَّا الخِتانُ فلا يُشْرَعُ؛ لأنَّه إبانَةُ جُزْءٍ مِن أعْضائِه.
وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْم.
وحُكِىَ عن بعضِ أهْلِ العلم أنَّه يُخْتَنُ.
حَكاه الِإمامُ أحمدُ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْناه.
ولا يُحْلَقُ رَأْسُ المَيِّتِ.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعىِّ: يُحْلَقُ إذا لم يَكُنْ له جُمَّةٌ، للتَّنْظِيفِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه ليس مِن السُّنَّةِ في الحياةِ، وإنَّما يُرادُ لزِينَةٍ أو نُسُكٍ، ولا يُطْلَبُ شئٌ مِن ذلك ههُنا.

الجزء: 6 - الصفحة: 81

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن جُبِر عَظْمُه بعَظْمٍ فجَبَرَ، ثم مات، فإن كان طاهِرًا لم يُنْزَعْ، وإن كان نَجِسًا وأمْكَنَ إزالَتُه مِن غيرِ مُثْلَةٍ أُزِيلَ؛ لأنَّه نَجاسَةٌ مَقْدُورٌ على إزالَتِها مِن غيرِ ضرَرٍ.
وإن أفْضى إلى المُثْلَةِ لِم يُقْلَعْ، وإن كان في حُكْمِ الباطِنِ كالحَىِّ.
وإن كان عليه جَبِيرَةٌ يُفْضِى نَزْعُها إلى مُثْلَةٍ، مُسِح عليها، كحالِ الحياةِ، وإلَّا نَزَعَها وغَسَل ما تَحْتَهَا.
قال أحمدُ، في المَيِّت تَكُونُ أسْنانُه مَرْبُوطَةً بذَهَبٍ: إن قَدَر على نَزْعِه مِن غيرِ أن تَسْقُطَ بعضُ أسْنانِه نَزَعَه، وإن خاف سُقُوطَ بعضِها تَرَكَه.
فصل: ومَن كان مُشَنَّجًا، أو به حَدَبٌ، أو نحوُ ذلك، فأمْكَنَ تَمْدِيدُه بالتَّلْيِينِ والماءِ الحارِّ، فَعَل ذلك، وإن لم يُمْكِنْ إلَّا بعَسْفٍ، تَرَكَه بحالِه.
فإن كان على صِفَةٍ لا يُمْكِنُ تَرْكُه على النَّعْشِ إلَّا على وَجْهٍ يُشْهَرُ بالمُثْلَةِ، تُرِكَ في تابُوتٍ، أو تحتَ مِكَبَّةٍ،؛ يُصْنَعُ بالمَرْأةِ؛ لأنَّه أصْوَنُ له وأسْتَرُ.
ويُسْتَحَبُّ أن يُتْرَكَ فوقَ سَرِيرِ المرأةِ شئٌ مِن الخَشَبِ أو الجَرِيدِ مثلُ القُبَّةِ، ويُتْرَكَ فوقَه ثَوْبٌ، ليَكُونَ أسْتَرَ لها.
وقد رُوِىَ أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، رَضِىَ اللهُ.
عنها، أوَّلُ مَن صُنِعَ لها ذلك بأمْرِها.
فصل: فأمَّا تَسْرِيحُ رَأْسِه ولِحْيَتَهْ فكَرِهَه أحمدُ، وقد 112 قالَتْ

الجزء: 6 - الصفحة: 82

وَيُضْفَرُ شَعَرُ الْمَرْأَةِ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وُيَسْدَلُ مِنْ وَرَائِهَا،  عائشةُ: عَلامَ تَنُصُّونَ (1) مَيّتَكُم (2)؟ أى لا تُسَرِّحُوا رَأْسَه بالمُشْطِ، ولأنَّ ذلك يَقْطَعُ شَعَرَه ويَنْتِفُه.
وهذا مَذْهَبُ أبى حنيفةَ.
وقد رُوِىَ عن أُمِّ عَطِيَّةَ، قالَتْ: - مَشَطْناها ثَلاثَةَ قُرُونٍ.
مُتَّفَقٌ.
عليه (3). قال أحمدُ: إنَّما ضَفَرْنَ.
وأنْكَرَ المَشْطَ.
فكأنَّه تَأَوَّلَ قَوْلَهَا: مَشَطْناها.
على أنَّها أرادتْ ضَفَرْنَاهَا؛ لما ذَكَرْنا.
واللهُ أعلمُ.

749 -

مسألة: (ويُضْفَرُ شَعَرُ المرأةِ ثَلاثَةَ قُرُونٍ، ويُسْدَلُ مِن وَرائِها)

يُسْتَحَبُّ ضَفْرُ شَعَرِ المرأةِ ثلاثةَ قُرُونٍ؛ قَرْنَيْها وناصِيَتَها، ويُلْقَى مِن خلفِها.
وبهذا قال الشافعىُّ، وِإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الأوْزاعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: لا يُضْفَرُ، ولكنْ يُرْسَلُ مع خَدَّيْها [مِن بينِ يَدَيْها] 116 مِن الجانِبَيْن، ثم يُرْسَلُ عليه الخِمارُ؛ لأنَّ ضَفْرَه يَحْتاجُ إلى113114115

الحديث: 749 - الجزء: 6 - الصفحة: 83

ثُمَّ يُنَشِّفُهُ بِثَوْبٍ.
فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَىْءٌ بَعْدَ السَّبْعِ حَشَاهُ بالْقُطْنِ،  تَسْرِيحِه، فَيَتَقَطَّعُ ويَتَنَتَّفُ (1). ولَنا، ما رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، قالَتْ: ضَفَرْنا شَعَرَها ثلاثَةَ قُرُونٍ، وألْقَيْناه خلفَها.
تَعْنِى بِنْتَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -. مُتَّفَقٌ عليه.
ولمسلمٍ: فضَفَرْنا شَعَرَها ثَلاثَةَ قُرُونٍ، قَرْنَيْها وناصِيَتَها.
وفى حديثِ أُّمِّ سُلَيْمٍ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «واضْفُرْنَ شَعَرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، قُصَّةً، وَقَرْنَيْنِ، وَلَا تُشَبِّهْنَهَا بِالرِّجَالِ» (2).

750 -

مسألة: (ثم يُنَشِّفُه بِثَوْبٍ)

وذلك مُسْتَحَبٌّ؛ لئَلَّا تَبْتَلَّ أكْفانُه، وفى حديثِ ابنِ عباسٍ في غَسْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: فجَفَّفُوه بِثَوْبٍ (3). ذَكَرَه القاضى.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
751 -

مسألة: (فإن خَرَج منه شئٌ بعدَ السَّبْعِ حَشَاه بالقُطْنِ،

117118119 الحديث: 750 - الجزء: 6 - الصفحة: 84

فَإِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ فَبِالطِّينِ الْحُرِّ، يُغْسَلُ الْمَحَلُّ، وَيُوَضَّأُ.
فإن لم يَسْتَمْسِكْ فبالطِّينِ الحُرِّ) متى خَرَجَتْ مِن المَيِّتِ نَجاسَةٌ بعدَ السَّبْعِ لم يَعُدْ إلى الغَسْلِ.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ إعادَةَ غَسْلِه يُفْضى إلى الحَرَجِ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ ثَلاثًا، أو خَمْسًا، أو سبْعًا، في حديثِ أُمِّ عَطِيَّةَ.
لكنْ يَحْشُوه بالقُطْنِ، أو يُلْجَمُ بالقُطْنِ كما تَفْعَلُ المُسْتَحاضَةُ، ومَن به سَلَسُ البَوْلِ، فإن لم يُمْسِكْه ذلك حُشِىَ بالطِّينِ الخالِصِ الصُّلْبِ الذى له قُوَّةٌ يُمْسِكُ المَحَلَّ.

752 -

مسألة: (ثم يُغْسَلُ المَحَلُّ ويُوَضَأُّ)

وقد ذُكِرَ عن أحمدَ، أنَّه لا يُوَضَّأُ.
وهو قولٌ لأصْحابِ الشافعىِّ.
والأوْلَى، إن شاء اللهُ، أنَّه يُوَضَّأُّ، كالجُنُبِ إذا أحْدَثَ بعدَ الغُسْلِ، لتَكُونَ طَهارَتُه كامِلَةً.

الحديث: 752 - الجزء: 6 - الصفحة: 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَىْءٌ بَعْدَ وَضْعِهِ فِى أَكْفَانِهِ، لَمْ يَعُدْ إِلَى الْغَسْلِ.

753 -

مسألة: (فإن خَرَج منه شئٌ بعدَ وَضْعِه في أكْفانِه، لم يَعُدْ إلى الغَسْلِ)

قال شيخُنا 120، رحِمَه اللهُ: لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا، إذا كان الخارِجُ يَسِيرًا؛ لِما في إعادَةِ الغَسْلِ مِن المَشَقَّةِ الكَثِيرَةِ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى إخْراجِه، وإعادَةِ غَسْلِه، وغَسْلِ أكْفانِه، وتَجْفِيفِها أو إبْدالِهَا، ثم لا يُؤْمَنُ مثلُ هذا في المَرَّةِ الثَّانِيَةِ والثَّالِثَةِ، فسَقطَ ذلك.
ولا يَحْتاجُ أيضًا إلى إعادَةِ وُضوئِه، ولا غَسْلِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ، دَفْعًا لهذه المَشَقَّةِ، ويُحْمَلُ بحالِه.
وقد رُوِىَ عن الشَّعْبِىِّ، أنَّ ابْنَةً له لمّا لُفَّتْ في أكفانِها، بَدَا منها شئٌ، فقالَ الشَّعْبِىُّ: ارْفَعُوا.
وإن كان كَثِيرًا، فالظَّاهِرُ عنه أنَّه يُحْمَلُ أيضًا؛ لِما ذَكَرْنا.
وعنه، أنَّه يُعادُ غَسْلُه، ويُطَهَّرُ كَفَنُهْ؛ لأنَّه يُؤْمَنُ مِثْلُه في الثَّانِى للتَّحَفُّظِ بالتَّلَجُّمِ والشَّدِّ.

الحديث: 753 - الجزء: 6 - الصفحة: 86

وَيُغَسَّلُ الْمُحْرِمُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَلَا يُلْبَسُ الْمَخِيطَ، وَلَا يُخَمَّرُ رَأسُهُ، وَلَا يُقْرَبُ طِيبًا.

754 - مسألة: (ويُغَسَّلُ المُحْرِمُ بِماءٍ وسِدْرٍ، ولا يُلْبَسُ المَخِيطَ، ولا يُخَمَّرُ رَأْسُه، ولا يُقْرَبُ طِيبًا)

إذا ماتَ المُحْرِمُ لم يَبْطُلْ حُكْمُ إحْرامِه بمَوْتِه، ويُجَنَّبُ ما يُجَنَّبُه المُحْرِمُ مِن الطيبِ، وتَغْطيَةِ الرَّأْس، ولُبْسِ المَخِيطِ، وقَطْعِ الشَّعَرِ.
رُوِىَ ذلك عن عثمانَ، وعليٍّ، وابنِ عباسٍ.
وبه قال عَطاءٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ.
وقال مالكٌ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ: يَبْطُلُ إحْرامُه بمَوْتِه، ويُصْنَعُ به ما يُصْنَعُ بالحَلالِ.
ورُوِى ذلك عن عائشةَ، وابنِ عُمَرَ، وطاوُسٍ؛ لأنَّها عِبادَةٌ شَرْعِيَّةٌ، فبَطَلَتْ بالمَوْتِ، كالصلاةِ والصيامِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ رجلًا وَقصَه بَعِيرُه 121، ونحن مع النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِى ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّدًا» 122. وفى رِوايَةٍ: «مُلَبِّيًا».
مُتَّفَقٌ عليه 123. فإن قِيلَ: هذا خَاصٌّ له؛ لأنَّه يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا.
قُلْنا: حُكْمُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - في واحِدٍ حُكْمُه في مِثْلِه، إلَّا أن

الحديث: 754 - الجزء: 6 - الصفحة: 87

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَرِدَ تَخْصِيصُه، ولهذا ثَبَت حُكْمُه في شُهَداءِ أُحُدٍ، وفى سائِرِ الشُّهَداءِ.
قال أبو داود: سَمِعْتُ أحمدَ يَقُولُ: في هذا الحديثِ خَمْسُ سُنَنٍ؛ كَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، أى يُكَفَّنُ في ثَوْبَيْنِ.
وأن يَكُونَ في الغَسَلاتِ كلِّها سِدْرٌ، ولا تُخَمِّرُوا رَأْسَه، ولا تُقَرِّبُوه طِيبًا، وكَوْنُ الكَفَنِ مِن جَمِيع المالِ.
قال أحمدُ في مَوْضِعٍ: يُصَبُّ عليه الماءُ صَبًّا، ولا يُغَسَّلُ يُغَسَّلُ الحَلالُ.
وإنَّما كُرِه عَرْكُ رَأْسِه ومَواضِعِ الشَّعَرِ، كيلا يَنْقَطِعَ شَعَرُه.
فصل: واخْتُلِفَ عن أحمدَ في تَغْطِيَةِ وَجْهِه، فعنه، لا يُغَطَّى.
نَقَلَها عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ؛ لأنَّ في بَعْضِ الحديثِ: «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ».
وعنه، لا بَأْسَ بتَغْطِيَةِ وَجْهِه.
نَقَلَها عنه سائِرُ أصْحابِه؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ المَذْكُورِ، فإنَّه أصَحُّ ما رُوِىَ فيه، وليس فيه سِوَى المَنْعِ مِن تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ.
ولا يُلْبَسُ المَخِيطَ؛ لأنَّه يَحْرُمُ عليه في حياتِه، فكذلك بعدَ المَوْتِ.
واخْتُلِفَ عن أحمدَ أيضًا في تَغْطِيَةِ رِجْلَيْه، فرَوَى حَنْبَلٌ عنه: لا تُغَطَّى رِجْلاه.
كذلك ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.

الجزء: 6 - الصفحة: 88

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال الخَلَّالُ: لا أعْرِفُ هذا في الأحادِيثِ، ولا رَواه أحَدٌ عن أبِى عبدِ اللهِ غيرُ حَنْبَلٍ، وهو عندى وَهَمٌ 124 مِن حَنْبَلٍ، والعَمَلُ على أنَّه يُغَطَّى جَمِيعُ المُحْرِمِ، إلَّا رَأْسَه، ولأنَّ المُحْرِمَ لا يُمْنَعُ مِن تَغْطِيَةِ رِجْلَيْه في حَياتِه، فكذلك بعدَ مَوْتِه.
فإن كان المَيِّتُ امرأةَ مُحْرِمَةً، أُلْبِسَتِ القَمِيصَ، وخُمِّرَتْ، كما تَفْعَلُ في حَياتِها، ولم تُقْرَبْ طِيبًا، ولم يُغَطَّ وَجْهُها؛ لأنَّه يَحْرُمُ عليها في حَياتِها، فكذلك بعدَ مَوْتِها.
فإن ماتَتِ المُتَوَفَّى عنها زَوْجُها في عِدَّتِها، احْتَمَلَ أن لا تُطَيَّبَ؛ لأنَّهَا مَمْنُوعَةٌ حالَ حَياتها، واحْتَمَلَ أن تطَيَّبَ؛ لأنَّ التَّطَيُّبَ إنَّما حَرُمَ لكَوْنِه يَدْعُو إلى نِكاحِها، وقد زال بالمَوْتِ.
وهو أصَحُّ.
ولأصحابِ الشافعىِّ وَجْهان.

الجزء: 6 - الصفحة: 89

وَالشَّهِيدُ لَا يُغَسَّلُ، إِلَّا أنْ يَكُونَ جُنُبًا،

755 - مسألة: (والشَّهِيدُ لَا يُغَسَّلُ، إلَّا أن يَكُونَ جُنُبًا)

إذا مات الشَّهِيدُ في المَعْرَكَةِ لم يُغَسَّلْ رِوايَةً واحِدَةً، إذا لم يَكُنْ جُنُبًا.
وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ، ولا نَعْلَمُ فيه 125 خِلَافًا، إلَّا عن الحسنِ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّب، فإنَّهُما قالا: يُغَسَّلُ، ما مات مَيِّتٌ إلَّا جُنُبًا.
ولَنا، ما روَى جابِرٌ، أَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بِدَفْنِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ في دِمائِهِم، ولم يُغَسِّلْهم، ولم يُصَلِّ عليهم.
مُتَّفَقٌ عليه 126. إذا ثَبَت هذا فيَحْتَمِلُ أنَّ تَرْكَ الغَسْلِ لِما يَتَضمَّنُه مِن إزالَةِ أثَرِ العِبادَةِ المُسْتطابِ شَرْعًا، فإنَّه جاء عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -

الحديث: 755 - الجزء: 6 - الصفحة: 90

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّه قال: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَا يُكْلَمُ 127 أحَدٌ في سَبِيلِ اللهِ، وَاللهُ أعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِى سَبِيلِه، إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ».
رَواه البخارىُّ 128. وروَى عبدُ اللهِ بنُ ثَعْلَبَةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِم، فَإنَّهُ لَيْسَ كَلْمٌ يُكْلَمُ فِى اللهِ إلَّا يَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى، لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ، وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ».
رَواه = يصل عليهم» وباب من يقدم في اللحد، باب اللحد والشق في القبر، من كتاب الجنائز، وفى: باب من قتل من المسلمين يوم أحد.
. . . إلخ، من كتاب المغازى.
صحيح البخارى 2/ 114، 115، 117، 5/ 131. كما أخرجه أبو داود بدون لفظ: «ولم يصل عليهم»، في: باب في الشهيد يغسل، من كتاب الجنائز.
سنن أبي داود 2/ 174. والترمذى، في: باب ما جاء في ترك الصلاة على الشهيد، من أبواب الجنائز.
عارضِة الأحوذى 4/ 253. والنسائي، في: باب ترك الصلاة عليهم، من كتاب الجنائز.
المجتبى 4/ 50. وابن ماجة, في: باب ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم، من كتاب الجنائز.
سنن ابن ماجه 1/ 485. والإِمام أحمد نحوه، في: المسند 1/ 247، 3/ 299.

الجزء: 6 - الصفحة: 91

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النَّسَائِىُّ 129. ويَحْتَمِلُ أنَّ الغَسْلَ لا يَجِبُ إلَّا مِن أجْلِ الصلاةِ، إلَّا أنَّ المَيِّتَ لا فِعْلَ له، فأُمِرْنا بغَسْلِه ليُصَلَّى عليه، فمَن لم تَجِبِ الصلاةُ عليه لم يَجبْ غَسْلُه، كالحَىِّ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ الشُّهَداءَ في المَعْرَكَةِ يَكْثُرُون، فيَشُقَّ غَسْلُهم، فعُفِىَ عنه لذلك.
فصل: فإن كان الشَّهِيدُ جُنُبًا غُسِّلَ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال مالكٌ: لا يُغَسَّلُ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ في الشُّهَداءِ.
وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ حَنْظَلَةَ بنَ الرَّاهِبِ قُتِل يَوْمَ أُحُدٍ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا شَأْنُ حَنْظَلَةَ؟ فَإِنِّى رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُةُ».
قالُوا: إنَّه جامَعَ، ثم سَمِع الهَيْعَةَ 130 فخَرَجَ إلى القِتالِ.
رَواه ابنُ إسحاقَ، في «المَغَازِى» 131. ولأنَّه غُسْلٌ واجِبٌ لغيرِ المَوْتِ، فلم يَسْقُطْ بالمَوْتِ، كغَسْلِ النَّجَاسَةِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 92

بَلْ يُنْزَعُ عَنْهُ السِّلَاحُ وَالْجُلُودُ، وَيُزَمَّلُ فِى ثِيَاْبِهِ،  وحَدِيثُهم وَرَد في شُهَداءِ أُحُدٍ، وحَدِيثُنا خاصٌّ في حَنْظَلَةَ، وهو مِن شُهَداءِ أُحُدٍ، فيَجِبُ تَقْدِيمُه.
وعلى هذا، كلُّ مَن وَجَب عليه الغُسْلُ بسَبَبٍ سابِقٍ على المَوْتِ، كالمرأةِ تَطْهُرُ مِن حَيْضٍ أو نِفاسٍ ثم تُقْتَلُ، فهى كالجُنُبِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن العِلَّةِ.
ولو قُتِلَتْ في حَيْضِها أو نِفاسِها لم يَجِبِ الغَسْلُ؛ لأنَّ الطُّهْرَ شَرْطٌ في الغُسْلِ، أو في السَّبَبِ المُوجِبِ، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ بدُونِه.
فإن أسْلَمَ، ثم اسْتُشْهِدَ قبِلَ الغُسْلِ، فلا غُسْلَ عليه؛ لأنَّه رُوِىَ أنَّ أُصيْرِمَ بَنِى عبدِ الأشْهَلِ (1) أَسْلَمَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثم قُتِل، فلم يؤْمَرْ بغُسْلٍ.

756 -

مسألة: (ويُنْزَعُ عنهُ السِّلاحُ والجُلُودُ، ويُزَمَّلُ فِى ثِيابِه،

132 الحديث: 756 - الجزء: 6 - الصفحة: 93

وَإِنْ أَحَبَّ كَفَّنَهُ [39 ظ] بِغَيْرِهَا.
وإن أَحَبَّ [كَفَّنَه بغيرِها] 133 أمَّا دَفْنُه في ثِيَابِه، فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، وقد ثَبَت بقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «ادْفِنُوهُمْ فِى ثِيَابِهِمْ» 134. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: أمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أن يُنْزَعَ عنهم الحَدِيدُ والجُلُودُ، وأن يُدْفَنُوا في ثِيابِهم، بدِمائهم.
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه 135. وليس ذلك بواجِبٍ.، لكنَّه الأوْلَى.
ويَجُوزُ للوَلِىِّ أن يَنْزِعَ ثِيابَه ويُكَفِّنَه بغيرِها.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْزِعُ ثِيَابَه؛ لظاهِرِ الخَبَرِ.
ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ صَفِيَّةَ أرْسَلَتْ إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - ثَوْبَيْنِ، ليُكَفِّنَ فيهما حَمْزَةَ، فكَفَّنَه في أحَدِهما، وكَفَّنَ في الآخَرِ رجلًا آخَرَ.
رَواه

الجزء: 6 - الصفحة: 94

وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، فِى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
يَعْقُوبُ بنُ شَيْبَةَ (1)، وقال: هو صالِحُ الإِسْنادِ.
وحَدِيثُهم يُحْمَلُ على الإِباحَةِ والاسْتِحْبابِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُنْزَعُ عنه ما لم يَكُنْ مِن عَامَّةِ لِباسِ النَّاسِ، مِن الجُلُودِ والفِراءِ والحَدِيدِ.
قال أحمدُ: لا يُتْرَكُ عليه فَرْوٌ، ولا خُفٌّ، ولا جِلْدٌ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وقال مالكٌ: لا يُنْزَعُ عنه فَرْوٌ ولا خُفٌّ ولا مَحْشُوٌّ، لعُمُوم الخَبَرِ وهو قولُه: «ادْفِنُوهُمْ فِى ثِيَابِهِمْ».
وما رَوَيْناه أخَصُّ، فكانَ أولَى.

757 -

مسألة: (ولا يُصَلَّى عليه، في أصَحِّ الرِّوايتَيْن)

وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ.
وعن أحمدَ، رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يُصَلَّى عليه.
اخْتارَهَا الخَلَّالُ.
وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ.
إلَّا أنَّ كلامَ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في هذه الرِّوايَةِ يُشِيرُ إلى أنَّ الصلاةَ عليه مُسْتَحَبَّةٌ غيرُ واجِبَةٍ، وقد صَرَّحَ بذلك في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ، فقال: الصلاةُ عليه136

الحديث: 757 - الجزء: 6 - الصفحة: 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أجْوَدُ، وإن لم يُصَلُّوا عليه أجْزَأ 137. وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: يُصَلَّى عليه، وأهلُ الحِجازِ لا يُصَلُّونَ عليه، وما تَضُرَّه الصَّلاةُ، لا بَأْسَ به.
فكَأنَّ الِّرَوايتَيْن في اسْتِحْباب الصلاةِ، لا في وُجُوبِها؛ إحْدَاهُما، يُسْتَحَبُّ؛ لِما روَى عُقْبَةُ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - خَرَج.
يَوْمًا، فصَلَّى على أهلِ اُّحُدٍ صلاتَه على المَيِّتِ، ثم انْصرَفَ إلى المِنْبَر.
مُتَّفَقٌ عليه 138. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى على قَتْلَى اُّحُدٍ 139. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى ما روَى جابِرٌ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بِدَفْنِ شُهَداءِ أُحُدٍ في دِمائِهم، ولم يُغَسِّلْهم، ولم يُصَلِّ عليهم.
مُتَّفَقٌ عليه 140. وحديثُ عُقْبَةَ مَخْصُوصٌ بِشُهَداءِ أُحُدٍ، فإنَّه صَلَّى عليهم في القُبُورِ بعدَ سِنِين، وهم لا يُصَلُّون على القَبْرِ أصلًا، ونحن لا نُصَلِّى عليه بعدَ شَهْرٍ.
وحديثُ ابنِ عباسٍ يَرْوِيه

الجزء: 6 - الصفحة: 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحسنُ بنُ عُمارَةَ، وهو ضَعِيفٌ، وقد أنْكَرَ عليه شُعْبَةُ رِوايَةَ هذا الحَديثِ.
إذا ثَبَت هذا، فيَحْتَمِلُ أن يَكُونَ سُقُوطُ الصلاةِ عليهم لكَوْنِهِم أحْياءً عندَ رَبِّهم، والصلاةُ إنَّما شُرِعَتْ في حَقِّ المَوْتَى، ويَحْتَمِلُ أنَّ ذلك لِغناهم عن الشَّفاعَةِ لهم، فإنَّ الشَّهِيدَ يُشَفَّعُ في سَبْعِين مِن أهْلِه، فلا يَحْتاجُ إلى شَفِيعٍ، والصَّلاةُ إنَّما شُرِعَتْ للشَّفاعَةِ.
فصل: والبالِغُ وغيرُه سَواءٌ في تَرْكِ غَسْلِه والصلاةِ عليه، إذا كان شَهِيدًا.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَثْبُتُ حُكْمُ الشَّهادَةِ لغيرِ البالِغِ؛ لأنَّه ليس مِن أهْلِ القِتالِ.
ولَنا، أنَّه مُسْلِمٌ قُتِل في مُعْتَرَكِ المُشْرِكِين بقِتَالِهِم، أشْبَهَ البالِغَ، ولأنَّه يُشْبِهُ البالِغَ في غَسْلِه والصلاةِ عليه إذا لم يَكُنْ شَهِيدًا، فيُشْبِهُه في سُقُوطِ ذلك عنه بالشَّهادَةِ، وقد كان في شُهَداءِ أُحُدٍ حارِثَةُ بنُ النُّعْمانِ، وهو صَغِيرٌ، والحديثُ عامٌّ في الكُلِّ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالنِّساءِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 97

وَإِنْ سَقَطَ منْ دَابَّتِهِ، أَوْ وُجدَ مَيَتًّا وَلَا أثَرَ بِهِ، أَوْ حُمِلَ فَأَكَلَ، أَوْ طَالَ بَقَاؤُهُ، غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ.

758 - مسألة: (وإن سَقَط مِن دَابَّتِه، [أو وُجِد مَيِّتًا ولا] 141 أثَرَ به، أو حُمِلَ فأَكَلَ، أو طال بَقَاؤُه، غُسِّلَ وصُلِّىَ عليه) إذا سَقَط مِن دَابَّتِه فمات، أو وُجِد مَيِّتًا ولا أثَرَ به، فإنَّه يُغَسَّلُ ويُصَلَّى عليه. نَصَّ عليه أحمدُ.

وتأوَّلَ الحديثَ: «ادْفِنُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ» 142. فإذا كان به كَلْمٌ لم يُغَسَّلْ.

الحديث: 758 - الجزء: 6 - الصفحة: 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهذا قولُ أبى حنيفةَ في الذى يُوجَدُ مَيَتًّا لا أثَرَ به.
وقال الشافعىُّ: لا يُغَسَّلُ بحالٍ؛ لأنَّه مات بسَبَبٍ مِن أسْبابِ القِتالِ.
ولَنا، أنَّ الأصْلَ وُجُوبُ الغَسْلِ، فلا يَسْقُطُ بالاحْتِمال، ولأنَّ سُقُوطَ الغَسْلِ في مَحَلِّ الوِفاقِ مَقْرُونٌ بمَن كُلِم، فلا يَجُوزُ تَرْكُ اعْتِبارِ ذلك.
فصل: وكذلك إن حُمِل، فأكَلَ، أو طال بَقَاؤُه، لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - غَسَّلَ سَعْدَ بنَ مُعاذٍ، وصَلَّى عليه، وكان شَهِيدًا، رَمَاه ابنُ العَرِقَةِ يَوْمَ الخَنْدَقِ بسَهْمٍ، فقَطَعَ أكْحَلَه 143، فحُمِلَ إلى المَسْجِدِ، فلَبِثَ فيه

الجزء: 6 - الصفحة: 99

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أيَّامًا، ثم مات 144. وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه متى طالَتْ حَياتُه بعدَ حَمْلِه غُسِّلَ، وصُلَّىَ عليه، وإن مات في المَعْرَكَةِ، أو عَقِبَ حَمْلِه، لم يُغَسَّلْ، ولم يُصَلَّ عليه.
وقال مالكٌ: إن أكَلَ، أو شَرِب، أو بَقِىَ يَوْمَيْن أو ثَلاَثةً، غُسِّلَ.
وقال أحمدُ في مَوْضِعٍ: إن تَكَلَّمَ، أو أَكَلَ، أو شَرِب، صُلِّىَ عليه.
وعن أحمدَ، أنَّه سُئِل عن المَجْرُوحِ إذا بَقِىَ في المَعْرَكَةِ يَوْمًا إلى اللَّيْلِ ثم مات، فرَأى أن يُصَلَّى عليه.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: إن مات حالَ الحَرْبِ، لم يُغَسَّلْ، ولم يُصَلَّ عليه، وإلَّا غُسِّلَ وصُلِّىَ عليه.
قال شيخُنا 145: والصَّحِيحُ التَّحْدِيدُ بما ذَكَرْنا مِن طُولِ الفَصْلِ والأكْلِ؛ لأنَّ الأكْلَ لا يَكُونُ إلَّا مِن ذِى حَياةٍ مُسْتَقِرَّةٍ، وطُولُ الفَصْلِ يَدُلُّ على ذلك، وقد ثَبَت اعْتِبارُهما في كَثِيرٍ مِن المَواضِعِ،

الجزء: 6 - الصفحة: 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأمَّا الكَلامُ والشربُ، وحالَةُ.
الحَرْبِ، فلا يَصِحُّ التَّحْدِيدُ بشئٍ منها؛ لِما رُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال يَوْمَ أُحُدٍ: «مَنْ يَنْظرُ مَا فَعَلَ سَعْدُ بنُ الرَّبِيعِ؟» فقال رَجُلٌ: أنا أنْظُرُ يا رسولَ اللهِ.
فنَظَرَ فوَجَدَه جَرِيحًا به رَمَقٌ، فقال له: إنَّ رسولَ الله أِمَرَنِى أن أَنْظُرَ في الأحْياءِ أنت أم في الأمْواتِ؟ قال: فأنا في الأمْواتِ، فأبْلِغْ رسولَ اللهَ - صلى الله عليه وسلم - عَنِّى السَّلامَ.
وذَكَر الحديثَ، قال: ثم لم أبْرَحْ أن مات 146. ورُوِىَ أنَّ أُصَيْرِمَ بَنِى عَبْدِ الأشْهَلِ وُجِد صَرِيعًا يَومَ أُحُدٍ، فقِيلَ له: ما جاء بك؟ قال: أسْلَمْتُ، ثم جِئْتُ.
وهما مِن شُهَداءِ أُحُدٍ، دَخَلا في عُمُومِ قولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «ادْفِنُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ».
ولم يُغَسَّلَا 147، ولم يُصَلَّ عليهما 148،

الجزء: 6 - الصفحة: 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد تَكَلَّما وماتا بعدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ.
وفى حديث أهلِ اليَمَامَةِ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه طاف في القَتْلَى، فوَجَدَ أبا عَقِيلٍ الأُنيْفِىَّ 149، قال: فسَقَيْتُه ماءً، وبه أرْبَعَةَ عَشَرَ جُرْحًا، كُلُّها قد خَلَص إلى مَقْتَلٍ، فَخَرَجَ الماءُ مِن جِراحاتِه كلِّها، فلم يُغَسَّلْ.
فصل: فإن كان الشَّهِيدُ قد عاد عليه سِلاحُه فقَتَلَه، فهِو كالمَقْتُولِ بأيْدِى العَدُوِّ.
وقال القاضى: يُغَسَّلُ، ويُصَلَّى عليه؛ لأنَّه مات بغيرِ أيْدِى المُشْرِكِين، أشْبَهَ مَن أصابَه ذلك في غيرِ المُعْتَرَكِ.
ولَنا، ما روَى أبو داودَ 150، عن رجل مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: أغَرْنَا على حَىٍّ مِن جُهَيْنَةَ 151، فطَلَبَ رجلٌ مِن المُسْلِمِينَ رجلًا منهم، فضَرَبَه فأخْطَأه، فأصاب نَفْسَه بالسَّيْفِ، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَخُوكُمْ يا

الجزء: 6 - الصفحة: 102

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ».
فابْتَدَرَه الناسُ، فوَجَدُوه قد مات، فلَفَّه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بثِيابِه ودِمَائِه، وصَلَّى عليه، فقالُوا: يارسولَ اللهِ، أشَهِيدٌ هو؟ قال: «نَعَمْ، وَأَنَا لَهُ شَهِيدٌ».
وعامِرُ بنُ الأكْوَعِ بَارَزَ مَرْحَبًا يومَ خَيْبَرَ، فذَهَبَ يَسْفُلُ 152 له، فرَجَعَ سَيْفُه على نَفْسِه، فكانت فيها نَفْسُه 153. فلم يُفْرَدْ عن الشُّهَداء بحُكْمٍ.
ولأنَّه شَهِيدُ المَعْركَةِ، أشْبَهَ مالو قَتَلَه الكُفَّارُ، وبهذا فارَقَ ما لَو كان في غيرِ 154 المُعْتَرَكِ.
فصل: ومَن قُتِل مِن أهلِ العَدْلِ 155 في المَعْرَكَةِ، فَحُكْمُه في الغَسْلِ حُكْمُ مَن قُتِل في مَعْرَكَةِ المُشْرِكِين.
وقال القاضى: يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن، كالمَقْتُولِ ظُلْمًا.
ولَنا، أنَّ عَلِيًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، لم يُغَسِّلْ مَن قُتِلَ معهَ، وعَمَّارٌ أوْصَى أن لا يُغَسَّلَ، وقال: ادْفِنُوني في ثِيابِى، فإنى مُخاصِمٌ.
ولأنَّه شَهِيدُ المَعْرَكَةِ، أشْبَهَ قَتِيلَ الكُفَّارِ.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: يُغَسَّلُون، لأنَّ أسْمَاءَ غَسَّلَتِ ابْنَها عبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيْرِ.
والأوَّلُ أوْلَى، لِما ذَكَرْنا، فأمَّا عبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيْرِ فإنَّه أُخِذ وصُلِب، فصار كالمَقْتُولِ ظُلْمًا، ولأنه ليس بِشَهِيدِ المَعْرَكَةِ.
وأمَّا الباغِى، فيَحْتَمِلُ أن يُغَسَّلَ، ويُصلَّى عليه.
اخْتارَه الخِرَقِىُّ،

الجزء: 6 - الصفحة: 103

وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا، فَهَلْ يُلْحَقُ بِالشَّهِيدِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
والقاضى.
ويَحْتَمِلُ إلْحَاقُه بأهِل العَدْلِ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ غَسْلُ أهْلِ الجَمَلِ وصِفَينَ (1) مِن الجَانِبَيْن، ولأنَّهم يَكْثُرُون في المُعْتَرَكِ، فيَشُقُّ عليهم غَسْلُهم، أشْبَهُوا أهلَ العَدْلِ.
وهل يُصَلَّى على أهْلِ العَدْلِ؟ فيه احْتِمَالَان؛ أحَدُهما، لا يُصلَّى عليهم؛ لأنَّهم أشْبَهُوا شُهَدَاءَ المُشْرِكِينَ.
ويَحْتَمِلُ أن يُصَلَّى عليهم؛ لأنَّ عليًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، صَلَّى عليهم.
والمَرْجُومُ يُغَسَّلُ، ويُصَلَّى عليه، وكذلك المَقْتُولُ قِصَاصًا، كسائِرِ المَوْتَى.

759 -

مسألة: (ومَن قُتِل مَظْلُومًا، فهل يُلْحَقُ بِالشَّهِيدِ؟ على رِوايَتَيْن)

إحْدَاهما، يُغَسَّلُ، ويُصَلَّى عليه.
اخْتارَها الخَلَّالُ.
وهو قولُ الحسنَ، ومَذْهَبُ مالكٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّ رُتْبَتَه دونَ رُتْبَةِ الشَّهِيدِ في المُعْتَرَكِ، أشْبَهَ المَبْطُونَ 157، ولأنَّ هذا لا يَكْثُرُ القَتْلُ فيه، فلم يَجُزْ156

الحديث: 759 - الجزء: 6 - الصفحة: 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلْحَاقُه بشَهِيدِ المُعْتَرَكِ.
والثَّانِيَةُ، حُكْمُه حُكْمُ الشَّهِيدِ.
وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وإسحاقَ في الغَسْلِ؛ لأنَّه شَهِيدٌ، أشْبَهَ شَهِيدَ المُعْتَرَكِ.
قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» 158.

الجزء: 6 - الصفحة: 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمَّا الشَّهِيدُ بغيرِ قَتْلٍ، كالمَطْعُونِ 159، والمَبْطُونِ، والغَرِقِ، وصاحِبِ الهَدْمِ، والنُّفَساءِ، فإنَّهم يُغَسَّلُون، ويُصَلَّى عليهم.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا أنَّه رُوِىَ عن الحسنِ: لا يُصَلَّى على النُّفَساءِ؛ [لأنَّها شَهِيدَةٌ] 160. ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلي على امْرَأةٍ ماتَت في نِفاسِها، فقامَ وَسَطَها.
مُتَّفَقٌ عليه 161. وصَلَّى المُسْلِمُون على عُمَرَ، وعليٍّ، رَضىَ اللهُ عنهما، وهما شَهِيدان.
وقال النبى - صلى الله عليه وسلم -: «الشُّهَدَاءُ خَمْسٌ؛ الْمَطْعُونُ، والْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصاحِبُ الْهَدْمِ،

الجزء: 6 - الصفحة: 106

وَإذَا وُلِدَ السِّقْطُ لأَكْثَرَ مِنْ أَربَعَةِ أَشْهُرٍ، غُسِّلَ وَصُلِّىَ عَلَيْهِ.
وَالشَّهِيدُ في سَبِيلِ اللهِ» (1). قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثُ حسنٌ صحيحٌ.
وكلُّهم، غيرَ الشَّهِيدِ في سَبِيلِ اللهِ، يُغَسَّلُون، ويُصَلَّى عليهم، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - تَرَك غَسْلَ شَهِيدِ المَعْرَكَةِ، لِما يَتَضَمَّنُه مِن إزالَةِ الدَّمِ المُسْتَطابِ شَرْعًا، أو لمَشَقَّةِ غَسْلِهم، لكَثْرَتِهم، أو لِما فيهم من الجِراحِ، ولا يُوجَدُ ذلك ههُنا.

760 -

مسألة: (وإذا وُلِد السِّقْطُ لأكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، غُسِّلَ

162 الحديث: 760 - الجزء: 6 - الصفحة: 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وِصُلِّى عليه) السِّقْطُ: الوَلَدُ 163 تَضَعُه المرأةُ لغيرِ تَمامِ، أو مَيِّتًا.
فإن خرَج حَيًّا واسْتَهَلَّ، غُسِّلَ وصُلِّىَ عليه، بغيرِ خِلافٍ.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا.
وإن خَرَج مَيَتًّا، فقال أحمدُ: إذا أتَى له أرْبَعَةُ أشْهُرٍ غُسِّلَ وصُلِّىَ عليه.
وهذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وابنِ سِيرِينَ، وإسحاقَ.
وصَلَّى ابنُ عُمَرَ على ابْنٍ لابنَتِه 164 وُلِدَ مَيَتًّا 165. وقال الحسنُ، وإبراهيمُ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ: لا يُصَلَّى عليه حتى يَسْتَهِلَّ.
وللشافعيِّ قَوْلانِ كالمَذْهَبَيْنِ، لِما رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «الطِّفْلُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يَرِثُ، وَلَاْ يُورَثُ، حَتَّى يَسْتَهِلَّ».
رَواه التِّرْمِذِىُّ 166. ولأنَّه لم يَثْبُتْ له حُكْمُ الحَياةِ، ولا يَرِث ولا يُورَثُ، فلا يُصَلَّى عليه، كمَن دُونَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ.
ولَنا، ما روَى المُغِيرَةُ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ».
رَواه أبو داودَ،

الجزء: 6 - الصفحة: 108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والتِّرْمِذِىُّ 167. وفى رِوايَةِ التِّرْمِذِىِّ: «وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ».
وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وذَكَرَه أحمدُ، واحْتَجَّ به، وبحديثِ أبي بكِرٍ الصِّدِّيقِ، أنَّه قال: ما أحَدٌ أحَقُّ أن يُصَلَّى عليه مِن الطِّفْلِ 168. ولأنَّه نَسَمَةٌ نُفِخ فيها الرُّوحُ، فيُصَلَّى عليه، كالمُسْتَهِلِّ، فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أخْبَرَ في حديثِ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ، أنَّه يُنْفَخُ فيه الرُّوحُ لأرْبَعَةِ أشْهُرٍ 169. وحَدِيثُهم، قال التِّرْمِذِيُّ: قد اضْطَرَبَ النَّاسُ فيه، فرَواه بعضُهم مَرْفوِعًا.
قال التِّرْمِذِىُّ: كأنَّ 170 هذا أصَحُّ مِن المَرْفُوعِ.
وإنَّما لم يَرِثْ؛ لأنَّه لا

الجزء: 6 - الصفحة: 109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُعْلَمُ حَياتُه حالَ مَوْتِ مُوَرِّثِه، وذلك مِن شَرْطِ الِإرْثِ، والصلاةُ مِن شَرْطِها أن تُصادِفَ مَن كانت فيه حَياةٌ، وقد عُلِم ذلك بما ذَكَرْنا مِن الحَديثِ، ولأن الصلاةَ دُعاءٌ له ولوالِدَيْه، فلم يُحْتَجْ فيها إلى الاحْتِياطِ واليَقِينِ، بخِلافِ المِيراثِ.
فأمَّا مَن لم يَبْلُغْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، فلا يُغَسَّلُ، ولا يُصلَّى عليه، ويُلَفُّ في خِرْقَةٍ، ويُدْفَنُ؛ لعَدَمِ وُجُودِ الحَياةِ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا عن ابنِ سِيرِينَ، فإنَّه قال: يُصَلَّي عليه إذا عُلِم أنَّه نُفِخَ فيه الرُّوحُ 171. وحديثُ الصّادِقِ المَصْدُوقِ يَدُلّ على أنَّه لا يُنْفَخُ فيه الرُّوحُ إلَّا بعدَ الأرْبَعَةِ أشْهُرِ، وقبلَ ذلك لا يَكُونُ نَسَمَةً، فلا يُصَلَّى عليه، كسائرِ الجَماداتِ، ذَكَرَه شيخُنا 172. وحَكَى ابنُ أبي موسى، أنَّه يُصَلَّى على السِّقْطِ إذا اسْتَبَانَ فيه بعضُ خَلْقِ الِإنْسانِ.
والأوَّلُ أوْلَى.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُسَمَّى السِّقْطُ؛ لأنَّه يُرْوَى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنَّه

الجزء: 6 - الصفحة: 110

وَمَنْ تَعَذَّرَ غَسْلُهُ يُمِّمَ.
قال: «سَمُّوا أسْقَاطَكُمْ، فَإنَّهُمْ أسْلَافُكُمْ» (1). رَواه ابنُ السَّمّاكِ (2) بإسْنادِهِ.
قِيل: إنَّهم يُسَمَّوْن ليُدْعَوْا يَوْمَ القِيامَةِ بأسْمائِهِم.
فإذا لم يُعْلَمْ أذَكَرٌ هو أم أُنْثَى، سُمِّىَ اسْمًا يَصْلُحُ لهما جَمِيعًا؛ كسَلَمَةَ، وقَتادَةَ، وهِبَةِ اللهِ، وما أشْبَهَه.

761 -

مسألة: (ومَن تَعَذَّرَ غَسْلُه يُمِّمَ)

مَن تَعَذَّرَ غَسْلُه لعَدَمِ الماءِ، أو للخَوْفِ عليه مِن التَّقَطُّعِ بالغَسْلِ، كالمَجُدُورِ، والغَرِيقِ،173174

الحديث: 761 - الجزء: 6 - الصفحة: 111

وَعَلَى الْغَاسِلِ سَتْرُ مَا رَآهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا.
والمُحْتَرِقِ يُمِّمَ إذا أمْكَنَ، كالحَىِّ العادِمِ للماءِ، أو الذى يُؤْذِيه الماءُ، وإن أمْكَنَ غَسْلُ بعضِه غُسِّلَ ويُمِّمَ للباقِى، كالحَىِّ.
ويَحْتَمِلُ ألَّا يُيَمَّمَ، ويُصَلَّى عليه على حَسَبِ حالِه، ذَكَرَه ابنُ عَقِيل، لأنَّ المَقْصُودَ بغَسْلِ المَيِّتِ التَّنْظِيفُ، ولا يَحْصُلُ ذلك بالتَيّمُّمِ.
والأوَّلُ أصَحُّ إن أمْكَنَ غَسْلُه بأن يُصَبَّ عليه الماءُ صَبًّا، ولا يُمَسَّ، غُسِّلَ كذلك.
واللهُ أعلمُ.

762 -

مسألة: (وعلى الغاسِلِ سَتْرُ ما رَآه إن لم يَكُنْ حَسَنًا)

يَنْبَغِى للغاسِلِ، ومَن حَضَر، إذا رَأى مِن المَيِّتِ شيئًا مِمَّا يُحِبُّ المَيِّتُ سَتْرَه أن يَسْتُرَه، ولا يُحَدِّثَ به، لِما رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، ثُمَّ لَمْ يُفْشِ مَا عَلَيْهِ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».
رواه

الحديث: 762 - الجزء: 6 - الصفحة: 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنُ ماجه 175. وقال: «مَنْ سَتَر عَوْرَةَ مُسْلِمٍ، سَتَرَهُ اللهُ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» 176. فإن رَأى حَسَنًا مثلَ أماراتِ الخَيْرِ، مِن وَضَاءَةِ الوَجْهِ، والتَّبَسَّمِ، ونَحْوِ ذلك، اسْتُحِبَّ إظْهارُه، ليُكْثُرَ التَّرَحُّمُ عليه، والتَّشَبُّهُ بجَمِيلِ سِيرَتِه.
قال ابنُ عَقِيلٍ: إلَّا أن يَكُونَ مَغْمُوصًا عليه في الدِّينِ والسُّنَّةِ، مَشْهُورًا ببِدْعَةٍ، فلا بَأسَ بإظْهَارِ الشَّرِّ عليه؛ لتُحْذَرَ طَرِيقَتُه.
وعلى هذا يَنْبَغِى أن يَكْتُمَ ما يَرَى عليه مِن أماراتِ الخَيْرِ، لئَلَّا يُغْتَرَّ به، فَيُقْتَدَى.
به في بِدْعَتِه.

الجزء: 6 - الصفحة: 113

فَصْلٌ فِىِ الْكَفَنِ: وَيَجِبُ كَفَنُ الْمَيِّتِ فِى مَالِهِ، مُقَدَّمًا عَلَى الدَّيْنَ وَغيْرِهِ،  فصلٌ في الكَفَن

ِ 763 - مسألة: (ويَجِبُ كَفَنُ المَيِّتِ في مالِه، مقَدَّمًا على الدَّيْنِ وغيرِه)

مِن الوَصِيَّةِ والمِيراثِ، لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ به، ولأنَّ سُتْرَتَه واجِبَةٌ في الحَياةِ، فكذلك بعدَ المَوْتِ.
ويَكُونُ ذلك مِن رَأْسِ مالِه؛ لأنَّ حَمْزَةَ ومُصْعَبًا، رَضِىَ اللهُ عَنهما، لم يُوجَدْ لكلِّ وَاحِدٍ منهما إلَّا ثَوْبٌ فكُفِّنَ فيه، ولأنَّ لِباسَ المُفْلِسِ مُقَدَّمٌ على قَضاءِ دَيْنِه، فكذلك كَفَنُ المَيِّتِ، ولا يَنْتَقِلُ إلى الوَرَثَةِ مِن مالِ المَيِّتِ إلَّا ما فَضلَ عن حاجَتِه الأصْلِيَّةِ.
وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، وفيه قَوْلانِ شاذَّان؛ أحَدُهما، قولُ خِلاسِ بنِ عَمْرٍو 177: إنَّ الكَفَنَ مِن الثُّلُثِ.
والآخَرُ، قال طاوسٌ: إن كان المالُ قَلِيلًا فمِن الثُّلُثِ 178. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرْنا.
وكذلك مَؤُونَةُ دَفْنِه وتَجْهِيزِه، وما لا بُدَّ للمَيِّتِ منه، قِياسًا على الكَفَنِ.
فأمَّا الحَنُوطُ والطِّيبُ فليس بِواجِبٍ، ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّه لا يَجِبُ في الحَياةِ،

الجزء: 6 - الصفحة: 114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فكذلك بعدَ المَوْتِ.
وقال القاضى: يَحْتَمِلُ أنَّه وَاجِبٌ؛ لأنَّه مما جَرَتِ العادَةُ به.
وليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّ العادَةَ جَرَت بتَحْسِينِ الكَفَنِ، وليس بواجبٍ.
ولأصحابِ الشافعىِّ وَجْهان كهَذَيْن.

الجزء: 6 - الصفحة: 115

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، إِلَّا الزَّوْجَ لَا يَلْزَمُهُ كَفَنُ امْرَأَتِهِ.

764 - مسألة: (فإن لم يَكُنْ لهْ مالٌ، فعلَى مَن تَلْزَمُه نَفَقَتُه، إلَّا الزَّوْجَ لا يَلْزَمُه كَفَنُ امرأتِه)

إذا لم يَكُنْ للمَيِّتِ مالٌ، فكَفَنُه على مَن تَلْزَمُه

الحديث: 764 - الجزء: 6 - الصفحة: 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَؤُونَتُه في الحَياةِ، وكذلك دَفْنُه، وما لا بُدَّ للمَيِّتِ منه؛ لأنَّ ذلك يَلْزَمُه

الجزء: 6 - الصفحة: 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حالَ الحياةِ، فكذلك بعدَ المَوْتِ، إلَّا الزَّوْجَ لا يَلْزَمُه كَفَنُ امرأتِه.
وهذا قولُ الشَّعْبِىِّ، وأبي حنيفةَ، وبعضِ أصحابِ الشافعىِّ.
وقال بَعْضهم: يَجِبُ على الزَّوْجِ.
واخْتُلِفَ فيه عن مالكٍ.
واحْتَجُّوا بأنَّ كُسْوَتَها واجِبَةٌ عليه في الحَياةِ، فوَجَبَ عليه كَفَنُها، كسَيِّدِ العَبْدِ.
ولَنا، أنَّ النَّفَقَةَ والكُسْوَةَ وَجَبَتْ في النكاحِ للتَّمْكِينِ مِن الاسْتِمْتاعِ، ولهذا تَسْقُطُ بالنُّشُوزِ والبَيْنُونَةِ، وقِد انْقَطَعَ ذلك بالمَوْتِ، فأشْبَهَ ما لو انْقَطَعَ بالفُرْقَةِ في الحَياةِ، ولأنَّها بانتْ منه في المَوْتِ، فأشْبَهَتِ الأجْنَبِيَّةَ، وفارَقَتِ المَمْلُوكَ، فإنَّ نَفَقَتَه تَجِبُ بحَقِّ المِلْكِ لا بالانْتِفاعِ، ولهذا تَجِبُ نَفَقَةُ الآبِقِ وفِطْرَتُه، والوَلَدُ تَجِبُ نَفَقَتُه بالقَرابَةِ، ولا تَبْطُلُ بالمَوْتِ؛ بدَلِيل أنَّ السَّيِّدَ والوالِدَ أحَقُّ بدَفْنِه وتَوَلِّيه.
إذا تَقَرَّرَ هذا فإن لم يَكُنْ لها مالٌ، فعلى مَن تَلْزَمُه نَفَقَتُها مِن الأقارِبِ، فإن لم يَكُنْ ففى بَيْتِ المالِ، كمَن لا زَوْجَ لها.
فصل: ويُسْتَحَبُّ تَحْسِينُ الكَفَنِ؛ لِما روَى مسلمٌ 179، أنَّ النبىَّ

الجزء: 6 - الصفحة: 119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى الله عليه وسلم - ذَكَر رَجُلًا مِن أصحابِه، قُبِض فكُفِّنَ في كَفَن غيرِ طائِلٍ، فقال: «إذَا كَفَّنَ أحَدُكُمْ أخَاهُ، فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ».
فإن تَشَاحَّ الوَرَثَةُ، جُعِل بحَسَبِ حالِ الحياةِ، إن كان مُوسِرًا، كان حَسَنًا رَفِيعًا، على نحْوِ ما كان يَلْبَسُ في حال الحياةِ، وإن كان دُونَ ذلك، فعلى حَسَبِ حالِه، وليس لثَمَنِه حَدٌّ، لأَنَّ ذلك يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ البُلْدانِ والأوْقاتِ، ولأنَّ التَّحْدِيدَ إنَّما يَكُونُ بنَصٍّ أو إجْماعٍ، ولم يُوجَدْ واحِدٌ منهما.
وقال الخِرَقِيُّ: إذا تَشاحَّ الوَرَثَةُ في الكَفَنِ، جُعِل بثَلاثِينَ، وإن كان مُوسِرًا فبخَمْسِين.
وهذا مَحْمُولٌ على وَجْهِ التَّقْرِيبِ، ولعَلَّ الجَيِّدَ في زَمَنِه والمُتَوَسِّطَ كان يَحْصُلُ بهذا القَدْرِ.
وقد رُوِى عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه أوْصَى أن يُكَفَّنَ بنَحْوٍ مِن ثَلاثِين درْهَمًا 180. فصل: والمُسْتَحَبُّ أن يُكَفَّنَ في جَدِيدٍ، إلَّا أن يُوصِىَ المَيِّتُ بغيرِه، فتُمْتَثَلَ وَصِيَّتُه،؛ رُوِىَ عن الصِّدِّيقِ، رَضِىَ الله عنه، أنَّه قال: كَفِّنُونِى في ثَوْبَىَّ هَذَيْن، فإنَّ الحَىَّ أحْوَجُ إلى الجَدِيدِ مِن المَيِّتِ، وإنَّما هما للمُهْلَةِ 181 والتُّرابِ.
رَواه البخارىُّ بمَعْناه 182. وذَهَب ابنُ عَقِيل إلى أنَّ

الجزء: 6 - الصفحة: 120

وَيُسْتَحَبُّ تَكْفِينُ الرَّجُلِ فِى ثَلَاثِ لَفَائِفَ بيضٍ، يُبْسَطُ بَعْضُهَا فوْقَ بَعْضٍ بَعْدَ تجْمِيرِهَا،  التَّكْفِينَ في الخَلِيعِ (1) أوْلَى لهذا الخَبَرِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لدَلالَةِ قولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - وفِعْلَ أصحابِه به

765 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ تَكْفِينُ الرجلِ في ثَلاثِ لَفائِف بِيضٍ، يُبْسَطُ بَعْضُها فوقَ بَعْضٍ بعدَ تَجْمِيرِها)

الأفْضَلُ عندَ إمامِنا، رَحِمَه اللهُ، أن يُكَفَّنَ الرجلُ في ثَلاثِ لَفائِفَ بِيضٍ، ليس فيها قَمِيصٌ ولا عِمامَةٌ، لا يَزِيدُ عليها ولا يَنْقُصُ منها.
قال التِّرْمِذِيُّ 184: والعَمَلُ عليها عندَ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ مِن أصحاب النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - وغيرِهم.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
ويُسْتَحَبُّ كَوْنُ الكَفَنِ أبْيَضَ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كُفِّنَ في ثَلاثَةِ أثْوابٍ بِيضٍ 185. ولقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ،183

الحديث: 765 - الجزء: 6 - الصفحة: 121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَإنَّهُ أطْهَرُ وَأطْيَبُ، وَكَفِّنُوا فِيهِ مَوْتَاكُمْ».
رَواه النَّسَائِىُّ 186. وحُكِىَ عن أبي حنيفةَ، أنَّ المُسْتَحَبَّ أن يُكَفَّنَ 187 في إزارٍ ورِداءٍ وقَمِيصٍ، لِما روَى عبدٌ اللهِ بنُ المُغَفَّلِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كُفنَ في قَمِيصه 188. ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - ألْبَسَ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ قَمِيصَه.
رَواه النَّسَائِىُّ 189. ولَنا، قولُ عائشةَ: كُفِّنَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في ثَلاَثةِ أثْوابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ 190، ليس

الجزء: 6 - الصفحة: 122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيها قَمِيصٌ ولا عِمامَةٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 191 وهو أصَحُّ حديثٍ يُرْوَى في كَفَنِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وعائشةُ أقْرَبُ إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - وأعْرَفُ بأحْوالِه، ولهذا لمَّا ذُكِر لها قولُ النَّاسِ: إنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كُفِّنَ في بُرْدٍ، قالت: قد أُتِىَ بالبُرْدِ، ولكنَّهم لم يُكَفِّنُوه فيه، فحَفِظَتْ ما أغْفَلَه غيرُها.
وقالَتْ أيضًا: أُدْرِجَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في حُلَّةٍ يَمَنِيَّةٍ كانت لعَبْدِ اللهِ بنِ أبي بكرٍ، ثم نُزِعَتْ عنه، فرَفَعَ عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ الحُلَّةَ، وقال: أُكَفَّنُ فيها.
ثم قال: لم يُكَفَّنْ فيها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأُكَفَّنُ فيها.
فتَصَدَّقَ بها.
رَواه مسلمٌ 192. ولأنَّ حالَ الِإحْرَامِ أكْمَلُ أحْوالِ الحَىِّ، وهو لا يَلْبَسُ المَخِيطَ، فكذلك حالَةُ المَوْتِ.
وأمَّا إلْباسُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - عبدَ اللهِ بنَ أُبيٍّ قَمِيصَه، فإنَّما فَعَل ذلكَ تَكْرِمَةً لابْنِه عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أُبيٍّ؛ لأنَّه كان سأله ذلك، ليَتَبَرَّكَ به أبوه، ويَنْدَفِعَ عنه العَذابُ ببَرَكَةِ قَمِيصِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وقِيل: إنَّما فَعَل ذلك جَزاءً لعبدِ اللهِ بنِ أُبيٍّ عن كُسْوَتِه العباسَ قَمِيصَه يَوْمَ بَدْرٍ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ تَجْمِيرُ الأكْفانِ، وهوْ تَبْخِيرُها 193 بالعُودِ، فيُجْعَلُ العُودُ على النَّارِ في مِجْمَرٍ، ثم يُبَخَّرُ به الكَفَنُ حتى تَعْبَقَ رائِحَتُه، ويَكُونُ ذلك بعدَ أن يُرَشَّ عليه ماءُ الوَرْدِ؛ لتَعْلَقَ به الرَّائِحَةُ.
وقد رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إذَا أجْمَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَأجْمِرُوهُ ثَلَالًا».
رَواه الِإمامُ

الجزء: 6 - الصفحة: 123

ثُمَّ يُوضَعُ عَلَيْهَا مُسْتَلْقِيًا، وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ فِيمَا بَيْنَهَا، وَيُجْعَلُ مِنْهُ فِى قُطْنٍ يُجْعَلُ مِنْهُ بَيْنَ ألْيَتَيْهِ، وَيُشَدُّ فَوْقَهُ خِرْقَةٌ مَشْقُوقَة الطَّرَفِ كَالتُّبَّانِ، تَجْمَعُ أَلْيتَيْهِ وَمثَانَتَهُ، ويجْعَلُ الْبَاقِى عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ، وَمَوَاضِعِ سُجُودِهِ، وَإنْ طُيِّبَ جَمِيعُ بَدَنِه كَانَ حَسَنًا،  أحمدُ (1). وأوْصَى أبو سعيدٍ، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، أن تُجَمَّرَ أكْفانُهم بالعُودِ.
ولأنَّ هذا عادَةُ الحَيِّ عندَ غُسْلِه، وتَجْدِيدِ ثِيابِه، أن تُجَمَّرَ بالطِّيبِ والعُودِ، فكذلك المَيِّتُ.

766 -

مسألة:. (ثم يُوضَعُ عليها مُسْتَلْقِيًا، ويُجْعَلُ الحَنُوطُ 195 فيما بينَها، ويُجْعَلُ منه في قُطْن يُجْعَلُ بَيْنَ ألْيَتَيْه، ويُشَدُّ فوقَه خِرْقَة مَشْقُوقَةُ الطَّرَفِ كالتُّبّانِ، تَجْمَعُ ألْيَتَيْه ومَثَانَتَه، ثم يُجْعَلُ الباقِى على مَنافِذِ وَجْهِه، ومَواضِعِ سُجُودِه، وإن طَيَّبَهَ كلَّه كان حَسَنًا) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المُسْتَحَبَّ أن يُوخَذَ أوْسَعُ اللَّفائِفِ وأحْسَنُها، فتُبْسطَ أوَّلًا،194

الحديث: 766 - الجزء: 6 - الصفحة: 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لتَظْهَرَ للنَّاسِ؛ لأنَّ هذا عادَةُ الحَىِّ، يَجْعَلُ الظَّاهِرَ أفْخَرَ ثِيابِه.
ويَجْعَلُ عليها حَنُوطًا، ثم يَبْسُطُ الثانيةَ التى تَلِيها في الحُسْنِ والسَّعَةِ عليها، ويَجْعَلُ فوقَها حَنُوطًا وكافُورًا، ثم يَبْسُطُ فوقَها الثَّالِثَةَ، ويَجْعَلُ فوقَها حَنُوطًا وكافُورًا، ولا يَجْعَلُ على وَجْهِ العُلْيَا، ولا على النَّعْشِ شيئًا مِن الحَنُوطِ؛ لأنَّ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللهُ عنةْ، قال: لا تَجْعَلُوا على أكْفانِى حَنُوطًا 196. ثم يُحْمَلُ المَيِّتُ مَسْتُورًا بثَوْبٍ فيُوضعُ عليها مُسْتَلْقِيًا؛ لأنَّه أمْكَنُ لإدْراجِه فيها، ويُجْعَلُ مِن الحَنُوطِ والكافورِ في قُطْنٍ، ويُجْعَلُ منه بينَ ألْيَتَيْه برِفْقٍ، ويُكْثِرُ ذلك ليَرُدَّ شيئًا إن خَرَج منه حينَ تَحْرِيكِه، ويُشَدُّ فوقَه خِرْقَةٌ مَشْقُوقَةُ الطَّرَفِ كالتُّبّانِ، وهو السَّراوِيلُ بلا أكْمامٍ، ليَجْمَعَ ألْيَتَيْه ومَثانَتَه، ويُجْعَلُ بَاقِى الطِّيبِ على مَنافِذِ وَجْهِه،

الجزء: 6 - الصفحة: 125

ثُمَّ يُرَدُّ طَرَفُ اللِّفَافَةِ الْعُلْيَا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيُرَدُّ طَرَفُهَا الْآخَرُ فَوْقَهُ، ثُمَّ يُفْعَلُ [40 و] بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ كَذَلِكَ، وَيُجْعَلُ مَا عِنْدَ رَأْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يَعْقِدُهَا،  في فيه، ومَنْخَرِه، وعَيْنَيْه، لئَلَّا يَحْدُثَ منهنَّ حادِثٌ، وكذلك في الجِراحِ النَّافِذَةِ، ويُتْركُ منه على مَواضِعِ السُّجُودِ تَشْرِيفًا لهذه الأعْضاءِ المُخْتَصَّةِ بالسُّجُودِ، ويُطَيَّبُ رَأْسُه ولِحْيَتُه؛ لأنَّ الحَىَّ يَتَطَيَّبُ هكذا، وإن طَيَبّهَ كلَّه كان حَسَنًا.

767 -

مسألة: (ثم يُرَدُّ طَرَفُ اللِّفَافَةِ العُلْيا على شِقه الأيْمَنِ، ثم يُرَدُّ طَرَفُها الآخَرُ على شِقِّه الأيسَرِ)

وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك، لئَلَّا يَسْقُطَ عنه الطَّرَفُ الأيمَنُ إذا وُضِع على يَمِينِه في القَبْرِ (ثم يُفْعَلُ بالثَّانِيَةِ والثَّالِثَةِ كذلك، ويُجْعَلُ ما عندَ رَأْسِهِ أكْثَرَ مِمّا عندَ رِجْلَيْه) لأنَّه أحَقُّ بالسَّتْرِ مِن رِجْلَيْه، فالاحْتِيَاطُ لسَتْرِه بتَكْثِيرِ ما عندَه أوْلَى، ثم يَجْمَعُ ما فَضَل [عندَ رَأْسِه ورِجْلَيْه] 197، فيَرُدُّه عندَ رَاسِه ورِجْلَيْه، وإن خاف انْتِشَارَها عَقَدَها، فإذا وَضَعَه في قَبْرِه حَلَّها؛ لأنَّ عَقْدَ هذا إنَّما كان للخَوْفِ مِن

الحديث: 767 - الجزء: 6 - الصفحة: 126

وَتُحَلُّ الْعُقَدُ فِى الْقَبْرِ، وَلَا يُخْرَقُ الْكَفَنُ.
انْتِشارِها.
وقد أُمِن بِدَفْنِه.
وقد رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه لمَّا أدْخَلَ نُعَيْمَ ابنَ مسعودٍ الأشْجَعِىَّ القَبْرَ، نَزَع الأخِلَّةَ بفِيه 198. وعن ابنِ مسعودٍ، وسَمُرَةَ نَحْوُه (ولا يُخْرَقُ الكَفَنُ) لأنَّه إفْسَادٌ له.
فصل: وتُكْرَهُ الزِّيادَةُ في الكَفَنِ على ثَلاثَةِ أثْوابٍ، لِما فيه مِن إضاعَةِ المالِ، وقد نَهَى عنه عليه السَّلامُ.
ويَحْرُمُ تَرْكُ شئ مع المَيِّتِ مِن مالِه لغيرِ حاجَةٍ؛ لِما ذَكَرْنا، إلَّا مثلَ ما رُوِى عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه تُرِكَ تَحْتَه

الجزء: 6 - الصفحة: 127

وَإنْ كُفِّنَ فِى قَمِيصٍ وَمِئْزَرٍ وَلِفَافَةٍ، جَازَ.
قَطِيفَةٌ في قَبْرِه (1). فإن تُرِكَ نَحوُه فلا بَأْسَ.

768 -

مسألة: (وإن كُفّنَ في قَمِيصٍ ومِئْزَرٍ ولِفافَةٍ، جاز)

التَّكْفِينُ في القَمِيصِ واللِّفافَةِ والمِئْزَرِ جائِرٌ، إلَّا أنَّ الأوَّلَ أفْضَلُ، وهذا جائِزٌ لا كَرَاهَةَ فيه، فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - ألْبَسَ عبدَ اللهِ بنَ أُبَى قَمِيصَه لمَّا مات.
رَواه البخاريُّ 200. فيُؤْزَرُ بالمِئْزَرِ، ويُلْبَسُ القَمِيصَ، ثم يُلَفُّ باللِّفافَةِ بعدَ ذلك.
وقال أحمدُ: إن جَعَلُوه قَمِيصًا، فأحبُّ إلىَّ أن يَكُونَ مثلَ قَمِيصٍ له كُمَّان وتَخارِيصان 201 وأزْرارٌ، ولا يُزَرُّ عليه القَمِيصُ.
فصل: قال أبو داودَ: قُلْتُ لأحمدَ: يَتَّخِذُ الرجلُ كَفَنه يُصَلِّى فيه أيَّامًا.
أو قُلْتُ: يُحْرِمُ فيه، ثم يَغْسِلُه ويَضَعُه لكَفَنِه؟ فَرَآه حَسَنًا.
قال: يُعْجِبُنِى أن يَكُونَ جَدِيدًا أو غَسِيلًا.
وكَرِه أن يَلْبَسَه حتى يُدَنِّسَه.
فصل: ويَجُوزُ التَّكْفِينُ في ثَوْبَيْنِ، لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - في المُحْرِمِ الذى199

الحديث: 768 - الجزء: 6 - الصفحة: 128

وَتُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ فِى خَمْسَةِ اثوَابٍ، إِزَارٍ، وَخِمَارٍ، وَقَمِيصٍ، وَلِفَافَتَيْنِ.
وَقَصَتْه دَابَّتُه: «وَكَفِّنُوهُ فِى ثَوْبَيْنِ».
رَواه البخارىُّ (1).

769 -

مسألة: (وتُكَفَّنُ المرأةُ في خَمْسَةِ أثوابٍ، إزارٍ، وخِمارٍ، وقَمِيصٍ، ولِفافَتَيْن)

قال ابنُ المُنْذِرِ: أكْثَرُ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ يَرَى أن تُكَفَّنَ المرأةُ في خَمْسَةِ أثْوابٍ.
منهم الشَّعْبِىُّ، ومحمدُ بنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِىُّ، والأوْزَاعيُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وكان عَطاءٌ يَقُولُ: تُكَفَّنُ في ثَلاَثةِ أثْوابٍ، دِرْعٍ، وثَوْبٍ تحتَ الدِّرْعِ تُلَفُّ به، وثَوْبٍ فوقَه تُلَفُّ فيه 203. وقال سُلَيْمانُ بنُ موسى 204:202

الحديث: 769 - الجزء: 6 - الصفحة: 129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دِرْعٌ وخِمارٌ ولِفافَةٌ 205. والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك، لأنَّ المرأةَ تَزِيدُ في حالِ حَيَاتِها على الرجلِ في السَّتْرِ لزيادَةِ عَوْرَتِها على عَوْرَتِه، فكذلك بعدَ المَوْتِ، ولمَّا كانت تَلْبَسُ المَخِيطَ في إحْرامِها.
وهو أكْمَلُ أحْوالِ الحِىِّ، اسْتُحِبَّ إلْباسُها إيَّاهُ بعدَ مَوْتِها، بخِلافِ الرجلِ، وقد روَى أبو داودَ 206، بإسْنادِه عن لَيْلَى بنتِ قَانِفٍ الثَّقَفِيَّةِ، قالت: كُنْتُ في مَن غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومِ بِنْتَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عندَ وفاتِها، فكان أوَّلُ ما أعْطانا الحِقاءَ 207، ثم الدِّرْعَ، ثم الخِمارَ، ثم المِلْحَفَةَ 208،

الجزء: 6 - الصفحة: 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثم أُدْرِجَتْ بعدَ ذلك في الثَّوْبِ الآخَرِ.
قالت: ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عندَ البابِ معه كَفَنُها، يُناوِلُناها ثَوْبًا ثَوْبًا.
وَرَوَتْ امُّ عَطِيَّةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - ناوَلَها إزارًا، ودِرْعًا، وخِمارًا، وثَوْبَيْنِ 209. فصل: قال أحمدُ: يكَفَّنُ الصبِىُّ في خِرْقَةٍ، وإن كُفِّنَ في ثَلاثَةٍ فلا بَأسَ.
وكذلك قال إسحاقُ، ونَحْوَه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والثَّوْرىُّ، وأصحابُ الرَّأىِ، وغيرُهم.
لا اخْتِلافَ بينَهم في أنَّ ثَوْبًا يُجْزِئُه، وإن كُفِّنَ في- ثَلاَثةٍ فلا بَأسَ.
فصل: قال المَرُّوذِىُّ: سَألتُ أبا عبدِ اللهِ: في كم تُكَفَّنُ الجارِيَةُ إذا لم تَبْلُغْ؟ قال: في لِفَافَتَيْن، وقَمِيصٍ، لا خِمارَ فيه.
وكَفَّنَ ابنُ سِيرِينَ

الجزء: 6 - الصفحة: 131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بِنْتًا له قد أعْصَرَتْ، أى قارَبَتِ المَحِيضَ في قمِيصٍ ولِفافَتَيْن.
ورُوِىَ في بَقِيرٍ ولِفَافَتَيْن 210. قال أحمدُ: البَقيرُ القَمِيصُ الذى ليس له كُمَّان.
والحَدُّ الذى تَصِيرُ به الجارِيَةُ في حُكْمِ المرأةِ في الكَفَنِ هو البُلُوغُ.
هذا ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ، لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمارٍ» 211. مَفْهُومُه أنَّ غيرَها لا تَحْتاجُ إلى خِمارٍ في صلاتِها، كذلك في كَفَنِها.
وروَى عن أحمدَ أكثَرُ أصحابِه: إذا كانت بِنْتَ تِسْعٍ يُصْنَعُ بها ما يُصْنَعُ بالمرأةِ.
واحْتَجَّ بأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَل بعائشةَ وهى بِنْتُ تِسْعٍ 212. وقالت عائشةُ: إذا بَلَغَتِ الجارِيَةُ تِسْعًا فهى امرأةٌ 213. فصل: قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنى أن تُكَفَّنَ في شئٍ مِن الحَرِيرِ.
وكَرِه ذلك الحسنُ، وابنُ المُبارَكِ، وإسحاقُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا أحْفَظُ

الجزء: 6 - الصفحة: 132

وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ ثَوْبٌ يَستُرُ جَمِيعَهُ.
عن غَيْرِهم خِلافَهم.
وفى جَوازِ تَكْفِينِ المرأةِ بالحَرِيرِ احْتِمالانِ، أحَدُهما، الجَوازُ.
وهو أقْيَسُ، لأنَّه مِن لُبْسِها في حَياتِها.
والثَّانِى، المَنْعُ.
لأنَّها إنَّما تَلْبَسُه في حَياتِها، لأنَّها مَحَلٌّ للزِّينَةِ والشَّهوةِ، وقد زال ذلك.
وعلى كلِّ حالٍ فهو مَكْروهٌ.
وكذلك يُكْرَهُ تَكْفِينُها بالمُعَصْفَرِ، ونَحْوِه، لِما ذَكَرْنا.
قال الأوْزاعِىُّ: لا يُكَفَّنُ في الثِّيابِ المُصْبَغَةِ، إلَّا ما كان مِن العَصْبِ؛ يَعْنِى ما صُنِع بالعَصْبِ، وهو نَبْتٌ باليَمَنِ (1). فصل: وإن أحَبَّ أهلُ المَيِّتِ أن يَرَوْه لَمْ يُمْنَعُوا؛ لِما روَى جابرٌ، قال: لمّا قُتِل أبى جَعَلْتُ أكْشِفُ الثَّوْبَ عن وَجْهِه وأبكِى، والنبىُّ - صلى الله عليه وسلم - لا يَنْهاني (2). وقالت عائشةُ: رَأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُقَبِّلُ عثمانَ بنَ مَظْعُونٍ وهو مَيِّتٌ، حتى رَأيتُ الدُّمُوعَ تَسِيلُ (3). والحَدِيثان صَحِيحان.

770 -

مسألة: (والواجِبُ مِن ذلك ثَوْبٌ يَستُرُ جَمِيعَه)

لِما رَوَتْ214215216

الحديث: 770 - الجزء: 6 - الصفحة: 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أُمُّ عَطِيَّةَ، قالَتْ: لمّا فَرَغْنا، يَعْنِى مِن غَسْلِ ابْنَةِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، ألْقَى إلينا حَقْوَه، فقال: «أشْعِرْنَهَا إيَّاهُ».
ولم يَزِدْ على ذلك.
رَواه البخارىُّ 217. وقال: مَعْنى أشْعِرْنَها.
الْفُفْنَها فيه.
ولأنَّ العَوْرَةَ المُغَلَّظَةَ يُجْزِئُ في سَتْرِها ثَوْبٌ واحِدٌ، فكَفَنُ المَيِّتِ أوْلَى.
وهذا وَجْهٌ لأصحابِ الشافعىِّ.
وظاهِرُ مَذْهَبِهم أنَّ الواجِبَ ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ، كالحَىِّ.
وقال القاضى: لا يُجْزِئُ للقادِرِ أقَلُّ مِن ثَلاَثةِ أثْوابٍ.
ورُوِىَ نَحْوُه عن عائشةَ.
قال: لأنَّه لو أجْزَأ أقَلُّ منها، لم يَجُزِ التَّكْفِينُ بها في حَقِّ مَن له أيْتَامٌ، احْتِياطًا لهم.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
وما احْتَجَّ به القاضى لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَجُوزُ التَّكْفِينُ بالحَسَنِ مع حُصُولِ الِإجْزاءِ بما دُونَه.
فصل: فإن لم يَجِدْ ثَوْبًا يَسْتُرُ جَمِيعَه، سَتَر رَأْسَه، وجُعِلَ على رِجْلَيْه حَشِيشٌ أو وَرَقٌ، كَما رُوِىَ عن مُصْعَبٍ، أنَّه قُتِل يَوْمَ أُحُدٍ، فلم يُوجَدْ له شئٌ يُكَفَّنُ فيه، إلَّا نمِرَةً 218، فكانت إذا وُضِعَتْ على رَأْسِه بَدَتْ رِجْلاه، وإذا وُضِعَتْ على رِجْلَيْه خَرَج رَأْسُه، فأمَرَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُغَطَّى = في: باب ما جاء في تقبيل الميت، من كتاب الجنائز.
سنن ابن ماجه 1/ 468. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 43، 55، 56، 206.

الجزء: 6 - الصفحة: 134

فَصْلٌ فِى الصَّلاَةِ عَلَى الْمَيِّتِ:  رَأْسُه، ويُجْعَلَ على رِجْلَيْه الِإذْخِرُ 219. رَوَاه البخارىُّ 220. فإن لم يَجِدْ إلَّا ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ سَتَرَها، كحالِ الحَياةِ.
فإن كَثُر القَتْلَى، وقَلَّتِ الأكْفانُ، كُفِّنَ الرَّجُلانِ 221 والثَّلاثَةُ في الثَّوْبِ الواحِدِ.
قال أنَسٌ: كَثُر القتْلَى، وقَلَّتِ الثِّيابُ، يَعْنِى يَوْمَ أُحُدٍ، قال: فَكُفِّنَ الرَّجُلُ والرَّجُلان والثَّلاثَةُ في الثَّوْبِ الواحِدِ، ثم يُدْفَنُون في قَبْرٍ واحِدٍ.
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 222، وهذا لَفْظُه، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
فصلٌ في الصَّلاةِ على الميِّتِ: والصلاةُ على المَيِّتِ فَرْضُ

الجزء: 6 - الصفحة: 135

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كِفَايَةٍ؛ لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلهْ إلَّا الله» 223.

الجزء: 6 - الصفحة: 136

السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ، ووَسَطِ الْمَرْأَةِ ,

771 - مسألة: (السُّنَّةُ أن يَقُومَ الِإمامُ عندَ رَأْسِ الرجلِ، ووَسَطِ المرأةِ)

المُسْتَحَبُّ أن يَقُومَ الِإمامُ في صلاةِ الجِنازَةِ حِذاءَ رَأْسِ الرجلِ، ووَسَطِ المرأةِ.
وإن وقَفَ في غيرِ هذا المَوْضِعِ خالَفَ السُّنَّةَ، وصَحَّتْ صَلاتُه.
وبه قال إسحاقُ، والشافعىُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال الخِرَقِىُّ: يَقُومُ عندَ صَدْرِ الرجلِ.
وهو قَرِيبٌ مِن القَوْلِ الأوَّلِ؛ لقُرْبِ أحَدِهما مِن الآخَرِ، فالواقِفُ عندَ أحَدِهما واقِفٌ عندَ الآخَرِ.
وقال

الحديث: 771 - الجزء: 6 - الصفحة: 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبو حنيفةَ: يَقُومُ عندَ صَدْرِ الرجلِ والمرأةِ، لأنَّهما سواءٌ، فإذا وَقَف عندَ صَدْرِ الرجلِ، فكذلك المرأةُ.
وقال مالِكٌ: يقِفُ عندَ وَسَطِ الرجلِ، لأنَّ ذلك يُرْوَى عن ابنِ مسعودٍ، ويَقِفُ عندَ مَنْكِبِ المرأةِ، لأنَّ الوُقُوفَ عندَ أعالِيها أمْثَلُ وأسْلَمُ.
وروَى سعيدٌ، قال: حَدَّثَنى خالدُ ابنُ يَزِيدَ بنِ أبى مالِكٍ الدِّمَشْقِىُّ، قال: حَدَّثَنِى أبى، قال: رَأيْتُ واثِلَةَ ابنَ الأسْقَعِ يُصَلِّى على الجَنائِزِ، فإذا كانُوا رِجالًا صَفَّهم، ثم قام وَسَطَهُم، وإذا كانُوا رِجالًا ونِساءً جَعَل رَأْسَ أوَّلِ امرأةٍ عندَ رُكْبَةِ الرجلِ، ثم يَقُومُ وَسَطَ الرجال 224. ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ أنَسًا صَلَّى على رجلٍ، فقام عندَ رَأسِه، ثم صَلَّى على امرأةٍ، فقام حِيالَ وَسَطِ السَّريرِ، فقال له العَلاءُ بنُ زِيادٍ: هكذا رَأيْتَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قام على الجِنازَةِ مَقَامَك منها، ومِن الرجلِ مَقامَك منه؟ قال نعم.
فلمَّا فَرَغ، قال: احْفَظُوا.
قال

الجزء: 6 - الصفحة: 138

وَيُقَدَّمُ إِلَى الْإِمَامِ أَفْضَلُهُمْ، وَيُجْعَلُ وَسَطُ الْمَرْأَةِ حِذَاءَ رَأْسِ الرَّجُلِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: يُسَوَّى بَيْنَ رُءُوسِهِمْ.
التِّرْمِذِىُّ (1): هذا حديثٌ حسنٌ.
وعن سَمُرَةَ، قال: صَلَّيْتُ وَراءَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - على امرأةٍ ماتت في نِفاسِها، فقام وَسَطَهَا.
مُتَّفَقٌ عليه (2). والمرأةُ تُخالِفُ الرجلَ في مَوْقِفِ الصلاةِ، فجاز أن تُخالِفَه ههُنا، وقِيامُ الِإمامِ عندَ وَسَطِها أسْتَرُ لها، فكان أوْلَى.

772 -

مسألة: (ويُقَدَّمُ إلى الِإمامِ أفْضلُهُم، ويُجْعَلُ وَسَطُ المرأةِ حِذاءَ رَأسِ الرجلِ. وقال القاضى: يُسَوَّى بينَ رُءُوسِهم)

إذا كانَتِ225226

الحديث: 772 - الجزء: 6 - الصفحة: 139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الجَنائِزُ نَوْعًا واحِدًا، قُدِّمَ أفْضَلُهم إلى الِإمامِ، لأنَّ الأفْضَلَ يَلى الِإمامَ في صَفِّ المَكْتُوبَةِ، فكذلك هاهُنا.
وقد دَلَّ على الأصْلِ قَوْلُه عليه السَّلامُ: «لِيَلنِى مِنْكُمْ أولُو الْأحْلَامِ وَالنُّهَى» 227. فإن تَسَاوَوْا في الفَضْلِ، قُدِّمَ الأكبَرُ فَالأكْبَرُ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ المَيْمُونِى.
فإن تَساوَوا قُدِّمَ السَّابِقُ.
وقال القاضى: يُقَدَّمُ السابِقُ وإن كان صَبِيًّا، ولا تُقَدَّمُ المرأةُ وإن كانَتْ سابِقَةً، لمَوْضِعِ الذُّكُورِيَّةِ.
فإن تَساوَوْا قَدَّمَ الِإمامُ مَن شاء، فإن تَشاحُّوا أُقْرِعَ بينَهم.
فصل: فإن كانُوا أنْواعًا، كرِجالٍ وصِبْيانٍ وخَناثَى ونِساءٍ، قُدِّمَ الرِّجالُ، بغيرِ خِلافٍ في المَذْهَبِ، إلَّا ما حَكَيْنا مِن قَوْلِ القاضى، إذا سَبَق الصَّبِىُّ.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ.
ثم يُقَدَّمُ بعدَهم الصِّبْيانُ.
هذا المَنْصُوصُ عن أحمدَ، في رِوايَةِ الجَماعَةِ.
وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ،

الجزء: 6 - الصفحة: 140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشافعىُّ.
وقال الخِرَقِىُّ: يُقَدَّمُ النِّساءُ على الصِّبْيانِ، لأنَّ المرأةَ شَخْصٌ مُكَلَّفٌ، فهى أحْوَجُ إلى الشَّفاعَةِ.
وروَى عَمّارٌ مَوْلَى الحارِثِ بنِ نَوْفَلٍ، أنَه شَهِد جِنازَةَ امِّ كُلْثُوم وابْنِها، فجُعِلَ الغُلامُ مِمَّا يَلِى القِبْلَةَ، فأنْكَرْتُ ذلك، وفى القَوْمِ ابنُ عباسٍ، وأبو سعيدٍ، وأبو قَتادَةَ، وأبو هُرَيْرَةَ، فقالُوا: هذه السُّنَّةُ 228. ولَنا، أنَّهم يُقَدَّمُون عليهِنَّ في الصَّفِّ في الصلاةِ المَكْتُوبَةِ إذا اجْتَمَعُوا، فكذلك عندَ اجْتِماعِ الجَنائِزِ، كالرِّجالِ.
فأمَّا حديثُ عَمّارٍ، فالصَّحِيحُ فيه أنَّه جَعَلَها مِمّا يَلى القِبْلَةَ، وجَعَل ابْنَها مِمّا يَليه.
كذلك رَواه سعيدٌ، وعَمَّارٌ مَوْلَى بَنِى سَلَمَةَ، عن عَمّارٍ مَوْلَى بَنِى هاشِمٍ.
وأخْرَجَه كذلك أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، وغيرُهما 229. ولَفْظُه قال: شَهِدْتُ جِنازَةَ صَبِىٍّ وامرأةٍ، فقُدِّمَ الصَّبِىُّ مِمَّا

الجزء: 6 - الصفحة: 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَلِى القَوْمَ، ووُضِعَتِ المرأةُ وراءَه.
وفى القومِ أبو سعيدٍ الخُدْرِىُّ، وابنُ عباسٍ، وأبو قَتادَةَ، وأبو هُرَيْرَةَ، فقُلْنا لهم، فقالُوا: السُّنَّةُ.
أمّا الحديث الأوَّلُ فغيرُ صَحِيحٍ، فإنَّ زَيْدَ بنَ عُمَرَ هو ابنُ أُمِّ كُلْثُومٍ، الذى صُلِّىَ عليه معها، وكان رجلًا له أوْلادٌ كذلك قال الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ.
ولأنَّ زَيْدًا ضُرِب في حَرْبٍ كانت بينَ بَنِى عَدِىٍّ، في خِلافَةِ بعضِ بَنِى امَيَّةَ، فصُرِعَ وحُمِل، فمات.
ومثلُ هذا لا يَكُونُ إلَّا رجلًا.
فصل: ولا نعْلَمُ خِلافًا في تَقْدِيمِ الخُنْثَى على المرأةِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ رجلًا، وأدْنَى أحْوالِه مُساواتُه لها.
ويُقَدَّمُ الحُرُّ على العَبْدِ؛ لشَرَفِه وتَقْدِيمِه عليه في الِإمامَةِ.
وكذلك في تَقْدِيمِ الكَبيرِ على الصَّغِيرِ لذلك.
وقد روَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه، عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، في جِنازَةِ حُرٍّ وعَبْدٍ، ورجلٍ وامْرَأةٍ، وصَغِيرٍ وكَبِيرٍ، يُجْعَلُ الرجُلُ مِمّا يلِى الإمامَ،

الجزء: 6 - الصفحة: 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والمرأةُ أمامَ ذلك، والكَبِيرُ ممّا يَلى الِإمامَ، والصَّغِيرُ أمامَ ذلك، والحُرُّ مِمَّا يَلى الِإمامَ، والمَمْلُوكُ أمامَ ذلك.
فإنِ اجْتَمَعَ حُرٌّ صَغِيرٌ وعَبْدٌ كَبِيرٌ، فقال أحمدُ، في رِوايَةِ الحسنِ بنِ محمدٍ 230: يُقَدَّمُ الحُرُّ وإن كان غُلامًا.
ونَقَل أبو الحارِثِ: يُقَدَّمُ الأكْبَرُ.
قال شيخُنا 231: وهو أصَحُّ إن شاء اللهُ تعالى، لأنَّه يُقَدَّمُ في الصَّفِّ في الصلاةِ.
وقَوْلُ علىٍّ مُتَعارِضٌ؛ فإنَّه قد قال: يُقَدَّمُ الكَبِيرُ على الصَّغِيرِ، كقَوْلِه: يُقَدَّمُ الحُرُّ على العَبْدِ.
فصل: وإذا اجْتَمَعَ رجلٌ وامرأةٌ فصُلِّىَ عليهما جَمِيعًا، جُعِل رَأْسُ الرجلِ حِذاءَ وَسَطِ المرأةِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ عن أحمدَ.
اخْتارَه أبو الخَطَّابِ؛ ليَكُونَ مَوْقِفُ الِإمامِ عندَ رَأسِ الرَّجُلِ، ووَسَطِ المرأةِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والرِّوايَةُ الثَّانِيَةُ، يُسَوَّى بينَ رُءُوسِهم.
اخْتارَها القاضى.
وهو قولُ إبراهيمَ، وأهلِ مَكَّةَ، وأبى حنيفةَ، ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عُمَرَ 232. وروَى سعيدٌ، بإسْنادِه، عن الشَّعْبِىِّ، أنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بنتَ علىٍّ، وابْنَها زيدَ بنَ عُمَرَ تُوُفيا جَمِيعًا.، فأُخْرِجَتْ جِنازَتاهما، فصَلَّى عليهما أميرُ المَدِينَةِ، فسَوَّى بينَ رُءُوسِهما وأرْجُلِهما حينَ صَلَّى عليهما 233.

الجزء: 6 - الصفحة: 144

وَيُكَبِّرُ أرْبَعَ تَكْبِيراتٍ، يَقْرأُ في الأولَى الْفَاتِحَةَ، ويُصَلِّى عَلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - في الثَّانِيَةِ ,

773 - مسألة: (ثم يُكَبِّرُ أرْبَعَ تَكْبِيراتٍ، يَقْرأُ في الأُولَى الفاتِحَةَ، ويُصَلِّى على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - في الثانِيَةِ)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّ التَّكْبِيرَ على الجنازَةِ أرْبَعٌ، لا يَجُوزُ النَّقْصُ منها، ولا تُسَنُّ الزِّيادَةُ عليها؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَبَّرَ على النَّجاشِىِّ أرْبَعًا.
مُتَّفَقٌ عليه 234. فيُكَبِّرُ الأولَى، ثم يَسْتَعِيذُ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ.
وقال القاضى: يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن، كالاسْتِفْتاحِ.
ويَقْرَأُ الحَمْدَ، يَبْتَدِئُها بـ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»، كسائِرِ الصَّلَواتِ.
ولا يُسَنُّ الاسْتِفْتاحُ، في المَشْهُورِ عنه.
قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ يُسْألُ عن الرجلِ يَسْتَفْتِحُ الصلاةَ على الجِنازَةِ بـ «سُبْحانَكَ

الحديث: 773 - الجزء: 6 - الصفحة: 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللَّهُمَّ وبحَمْدِك»؟ قال: ما سَمِعْتُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: كان الثَّوْرِىُّ يَسْتَحِبُّ أن يَسْتَفْتِحَ في صلاةِ الجِنازَةِ، ولم نَجِدْه في كُتُبِ سائِرِ أهلِ العِلْمِ.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ مثلُ قَوْلِ الثَّوْرِىِّ؛ لأنَّ الاسْتِعاذَةَ فيها مَشْروعَةٌ، فسُنَّ فيها الاسْتِفْتاحُ، كسائِرِ الصَّلَواتِ.
ولَنا، أنَّ صلاةَ الجِنازَةِ شُرِع فيها التَّخْفِيفُ، ولهذا لا يُقْرَأُ فيها بعدَ الفاتِحَةِ بشئٍ، وليس فيها ركُوعٌ ولا سُجودٌ.
فأمَّا التَّعَوّذُ فهو سُنَّةٌ للقراءَةِ مُطْلَقًا في الصلاةِ وغيرِها؛ لقَوْلِ الله تِعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ 235. ولأصحابِ الشافعىِّ في الاسْتِعاذَةِ والاسْتِفْتاحِ وَجْهان.
فصل: وقِراءَةُ الفاتِحَةِ واجِبَةٌ في صلاةِ الجِنازَةِ.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ عباس.
وهو قولُ الشافعىِّ، وإسحاقَ.
وقال الثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، = باب ما جاء في الصلاة على النجاشى، من كتاب الجنائز.
سنن ابن ماجه 1/ 490. والإمام مالك، في: باب التكبير على الجنائز، من كتاب الجنائز.
الموطأ 1/ 226، 227. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 281، 438، 439.

الجزء: 6 - الصفحة: 146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يَقْرَأُ فيها بشئٍ؛ لأنَّ ابنَ مسعودٍ قال: إنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُوَقِّتْ فيها قَوْلًا ولا قِراءَةً.
ولأنَّ ما لا رُكُوعَ فيه لا قِراءَةَ فيه، كسُجُودِ التِّلاوَةِ.
ولَنا، ما رَوَتْ أُمُّ شَرِيكٍ، قالت: أمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن نَقْرَأَ على الجنازَةِ بفاتِحَةِ الكِتابِ.
رَواه ابنُ ماجه 236. وعن جابِر، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَبَّرَ على الجِنازَةِ أرْبعًا، وقَرَأ بفاتِحَةِ الكِتاب بعدَ التَّكْبِيرَةِ الأولَى.
رُواه الشافعىُّ في «مُسْنَدِهِ» 237. ثم هو داخِلٌ في عُمُومِ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ 238 يَقْرَأ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» 239. ولأنَّها صلاةٌ يَجِبُ فيها القِيامُ، فوَجَبَتْ فيها القِراءَةُ، كسائِرِ الصَّلَواتِ.
وحديثُ ابنِ مسعودٍ، إن صَحَّ، فإنَّمَا قال: لم يُوَقِّتْ.
أى لم يُقَدِّرْ.
ولا يَدُلّ هذا على نَفْىِ أصْلِ القِراءَةِ، وقد روَى عنه ابنُ المُنْذِرِ، أنَّه قَرِأَ على جِنازَةٍ بفاتِحَةِ الكِتابِ.
ثم لا يُعارِضُ ما رَويْنَاه؛ لأنَّه نَفْىٌ مُقَدَّمٌ عليه الِإثْباتُ، وفارَقَ سُجُودَ التِّلاوَةِ، فإنَّه لا قِيامَ فيه، والقِراءَةُ مَحَلُّها القِيامُ.
ويُسْتَحَبُّ إسْرارُ القِراءَةِ والدُّعاءِ والصلاةِ على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -

الجزء: 6 - الصفحة: 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيها.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، ولا يَقْرأُ بعدَ الفاتِحَةِ شيئًا.
وقد رُوِىَ عن ابن عباس، أنَّه جَهَر بفاتِحَةِ الكِتابِ في صلاةِ الجِنَازَةِ 240، قال أحمدُ: إنَّما جَهَر ليُعَلِّمَهم.
فصل: ويُكَبِّرُ الثَّانِيَةَ، ويُصَلِّى على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عباس، أنَّه صَلَّى على جِنازَةٍ بمَكَّةَ فَكَبَّرَ، ثم قَرَأ وجَهَر، وصَلَّى على النبى - صلى الله عليه وسلم -، ثم دَعا لصاحِبِها 241 فأحْسَنَ، ثم انْصَرَفَ، وقال: هكذا يَنْبَغِى أن تَكُونَ الصلاةُ.
على الجِنازَةِ 242. وعن أبى أُمامَةَ بنِ سَهْلٍ، أنَّه أخْبَرَه رجلٌ مِن أصحابِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ مِن السُّنَّةِ في الصلاةِ على الجِنازَةِ أن يُكَبِّرَ الإمامُ، ثم يَقْرَأَ بفاتِحَةِ الكِتابِ بعدَ التَّكْبِيرَةِ الأُولَى، يَقْرَأَ في نَفْسِه، ثم يُصَلِّىَ على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، ويُخْلِصَ الدُّعاءَ للجِنازَةِ في التَّكْبِيراتِ، لا يَقْرأُ في شئٍ مِنهُنَّ، ثم يُسَلِّمَ سِرًّا في نَفْسِه، رَواه الشافعىُّ في «مُسْنَدِه» 243. وصِفَةُ الصلاةِ على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - كصِفَةِ الصلاةِ عليه في

الجزء: 6 - الصفحة: 148

ويَدْعُو فِى الثَّالِثَةِ ,  التَّشَهُّدِ.
نَصَّ عليه أحمدُ: وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا سَألُوه: كيف نُصَلِّى عليك؟ عَلَّمَهم ذلك (1). وإن أتَى بها على غيرِ صِفَةِ التَّشَهُّدِ فلا بَأْسَ؛ لأنَّ القَصْدَ مُطْلَقُ الصلاةِ.
وقال القاضى، يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ على مَلائِكَتِك المُقَرَّبِين (2)، وأنْبِيائِك والمُرْسَلِين، وأهلِ طاعَتِك أجْمَعِين، مِن أهلِ السّماواتِ وأهْلِ الْأَرَضِين، إنَّك على كلِّ شئٍ قَدِيرٌ.
لأنَّ أحمدَ قال، في رِوايَةِ عبدِ اللهِ: يُصَلِّى على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - , ويُصَلِّى على المَلائِكَةِ المُقَرَّبِين.

774 -

مسألة: (ويَدْعُو في)

التَّكْبِيرَةِ (الثّالِثَةِ) لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى المَيِّتِ فَأخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ».
رَواه أبو244245

الحديث: 774 - الجزء: 6 - الصفحة: 149

فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا؛ إِنَّكَ تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا وَمَثْوَانَا، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ,اللَّهُمَّ مَنْ أحْيَيْتَهُ منَّا فَأحْيِهِ عَلى الإسْلامِ والسُّنَّةِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَيْهِمَا , [40 ظ]  داودَ 246. والدُّعاءُ هاهُنا واجِبٌ، لهذا الحديثِ، ولأنَّه المَقْصُودُ، فلا يَجُوزُ الِإخْلالُ به، ويَكْفِى أَدْنَى دُعاءٍ لهذا الحديثِ: قال أحمدُ: ليس على المَيِّتِ دُعاءٌ مُؤَقَّتٌ.
والأَوْلَى أن يَدْعُوَ لنَفْسِه ولوالِدَيْه وللمَيِّتِ وللمُسْلِمِين بما رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - , فرَوَى أبو إبراهيمَ الأشْهَلِىُّ، عن أبِيه، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا صَلَّى على الجِنازَةِ، قال: («اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا»).
قال التِّرْمِذِىُّ 247: هذا حديثٌ حسن صحِيحٌ.
وروَى أبو داودَ 248، عن أبى هُرَيْرَةَ مثلَ حديثِ أبى إبراهيمَ، وزاد: («اللَّهُمَّ مَنْ أحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأحْيِهِ عَلَى) الْإِيمَانِ، (وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ) عَلَى الإسْلامِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أجْرَهُ، وَلَا

الجزء: 6 - الصفحة: 150

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَأوْسِعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الذُّنُوْبِ وَالْخَطَايَا، كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَزَوْجًا خيْرًا مِنْ زَوْجهِ، وَأدْخِلْهُ الجَنَّةَ ,وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ النَّارِ , وَافْسَحْ لَهُ فِى قَبْرِهِ , وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ.
تُضِلَّنَا 249 بَعْدَهُ».
وفى حديثٍ آخَرَ، عن أبى هُرَيْرَةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ أنْتَ رَبُّهَا، وَأنْتَ خَلَقْتَهَا، وَأنْتَ هَدَيْتَهَا لِلْإِسْلَامِ، وَأَنْتَ قَبَضْتَهَا، وَأنْتَ أعْلَمُ بِسِرِّهَا وَعَلَانِيتِهَا، جِئْنَا شُفَعَاءَ، فَاغْفِرْ لَهُ».
رَواه أبو داودَ 250. وعن عَوْفِ بنِ مالكٍ الأشْجَعِىِّ، قال: صَلَّى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - على جِنازَةٍ فحَفِظْتُ مِن دُعائِهِ، وهو يَقُولُ: («اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأكْرِمْ نُزُلَهُ، وَأوْسِعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا، كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وأبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أهْلِهِ (وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ»).
حتى تَمَنَّيْتُ أن أكُونَ ذلك المَيِّتَ.
رَواه مسلمٌ 251. وذَكَر ابنُ أبى موسى، أنَّه يَقُولُ

الجزء: 6 - الصفحة: 151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مع ذلك: الحَمْدُ للهِ الذى أمات وأحْيا، الحَمْدُ للهِ الذى يُحْيى المَوْتَى، له العَظَمَةُ والكِبْرِياءُ، والمُلْكُ والقُدْرَةُ والسَّناءُ، وهو على كلِّ شئٍ قَدِيرٌ.
اللَّهُمَّ إنَّه عَبْدُك، ابنُ عَبْدِكَ، ابنُ أمَتِك، أنت خَلَقْتَه وَرَزَقْتَه، وأنت أمَتَّه وأنت تُحْيِيهِ، وأنت تَعْلَمُ سِرَّه، جِئْنَاك شُفَعاءَ له، فشَفِّعْنَا فيه، اللَّهُمَّ إنّا نَسْتَجِيرُ بحَبْلِ جِوارِكَ له، إنَّك ذو وَفاءٍ وذِمَّةٍ، اللَّهُمَّ وَقِه مِن فِتْنَةِ القَبْرِ، ومِن عَذابِ جَهَنَّمَ، اللَّهُمَّ إن كان مُحْسِنًا فجازِه بإحْسانِه، وإن كان مُسِيئًا فتَجاوَزْ عنه، اللَّهُمَّ قد نزَل بك، وأنت خَيْرُ مَنْزُولٍ به، فَقِيرًا إلى رَحْمَتِك، وأنت غَنِىٌّ عن عَذابِهِ، اللَّهُمَّ ثبِّتْ عندَ المَسْألَةِ مَنْطِقَه، ولا تَبْتَلِه في قَبْرِه.
وقال الخِرَقِىُّ: يَقُولُ في الدُّعاءِ: اللَّهُمَّ إنَّه عَبْدُك وابنُ أَمَتِك، نَزَل بِك وأنت خَيْرُ مَنْزُولٍ به، ولا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا.
وقَوْلُه: لا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا.
إنَّما يَقُولُه لمَن لم يَعْلَمْ منه شَرًّا، لِئَلَّا يَكُونَ كاذِبًا.
وقد روَى القاضى حديثًا، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارِثِ، عن أبيه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَّمَهم الصلاةَ على المَيِّتِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأحْيَائِنَا وَأمْوَاتِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، اللَّهُمَّ إنَّ عَبْدَكَ وَابْنَ عَبْدِكَ نَزَلَ بِفِنَائِكَ، فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا».
فقُلْتُ، وأنا أصْغَرُ الجَماعَةِ: يارسولَ اللهِ، وإن لم أعْلَمْ خَيْرًا؟ قال: «لَا تَقُلْ إلَّا مَا تَعْلَمُ» 252. وإنَّما شُرِع هذا للخَبَرِ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا أُثْنِىَ عندَه على

الجزء: 6 - الصفحة: 152

وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ , وَفَرَطاً وَأَجْراً ,  جِنازَةٍ بخَيْرٍ، قال: «وَجَبَتْ».
وأُثْنِىَ على جِنازَةٍ أُخْرَى بشَرٍّ، قال: «وَجَبَتْ».
ثم قال: «إنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ شُهَدَاءُ».
رَواه أبو داودَ (1). وفى حديثٍ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَشَهِدَ لَهُ اثْنَانِ مِنْ جِيرَانِهِ الْأدْنِينِ بِخَيْرٍ، إلَّا قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَدْ قَبِلْتُ شَهَادَةَ عِبَادِى عَلَى مَا عَلِمُوا، وَغَفرْتُ لَهُ مَا أعْلَمُ».
رَواه الِإمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ» (2). وفى لَفْظٍ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ رَجُلَانِ مِنْ جِيرَانِه الْأدْنِينَ، فيَقُولَانِ: اللَّهُمَّ لَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا.
إلَّا قَالَ الله تَعَالَى: قَدْ قَبِلْتُ شَهَادَتَهُمَا لِعَبْدِى، وَغَفَرْتُ لَهُ مَا لَا يَعْلَمَانِ».
أخْرَجَه.
اللَّالَكائِىُّ (3).

775 -

مسألة: (وإن كان صَبِيًّا)

جَعَل مَكانَ الاسْتِغْفارِ لَهُ (اللَّهُمَّ253254255

الحديث: 775 - الجزء: 6 - الصفحة: 153

وَشِفِيعاً مُجَاباً.
اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا , وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا , وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِينَ , وَاجْعَلْهُ فِى كَفَالَةِ إِبْرَاهِيمَ , وَقِهِ بِرَحْمَتِكَ عَذَاْبَ الْجَحِيمِ.
اجْعَلْه ذُخْرًا لوالِدَيْه، وفَرَطًا 256 وأجْرًا، وشَفِيعًا مُجابًا، اللَّهُمَّ ثَقِّلْ به مَوازِينَهما، وَأعْظِمْ به أُجُورَهما، واجْعَلْه في كَفالَةِ أَبيه إبراهيمَ، وألْحِقْه بصالِحِ سَلَفِ المُؤْمِنِين، وقِهِ برَحْمَتِك عَذاْبَ الجَحِيمِ) اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأسْلافِنا، وأفْراطِنا، ومَن سَبَقَنَا بالِإيمانِ.
وبأىِّ شئٍ دَعا مِمّا ذَكَرْنا أو نَحْوَه، أجْزَأَ.
= وتوفى سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة.
اللباب 3/ 300.

الجزء: 6 - الصفحة: 154

وَيَقِفُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَلِيلاً , وَيُسَلِّمُ تَسْليمَةً واحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ ,

776 - مسألة: (ثم يَقِفُ بعدَ الرّابِعَةِ قَلِيلًا، ويُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً واحِدَةً عن يَمِينِه)

ظاهِرُ كَلامِ شيخِنا 257، رَحِمَه اللهُ، أنَّه لا يَدْعُو بعدَ الرّابِعَةِ.
نَقَل ذلك عن أحمدَ جَماعَةٌ مِن أصحابِه، أنَّه قال: لا أعْلَمُ فيه شيئًا، لأنَّه لو كان فيه دُعاءٌ مَشْرُوعٌ لنُقِلَ.
وعن أحمدَ أنَّه يَدْعُو، ثم يُسَلِّمُ، لأنَّه قِيامٌ في صلاةِ الجِنازَةِ، فكان فيه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، كالذى قبلَ الرَّابِعَةِ.
قال ابنُ أبى موسى، وأبو الخَطَّابِ: يَقُولُ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 258 وقِيلَ: يَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنا أجْرَه، ولا تَفْتِنَّا بعدَه، واغْفِرْ لنا وله.
والخِلافُ هاهُنا في الاسْتِحْبابِ، ولا خِلافَ في المَذْهَبِ أنَّه غيرُ واجِبٍ.
وقد روَى الجُوزَجَانِىُّ،

الحديث: 776 - الجزء: 6 - الصفحة: 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بإسْنادِه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُكَبِّرُ أرْبَعًا، ثم يَقُولُ ما شاء اللهُ، ثم يَنْصرِفُ 259. قال الجُوزَجَانِىّ: أحْسَبُ هذه الوَقْفَةَ ليُكَبِّرَ آخِرُ الصُّفُوفِ، فإنَّ الِإمامَ إذا كبَّرَ ثم سَلَّمَ، خِفْتُ أن يَكُونَ تَسْلِيمُه قبلَ أن يُكَبِّرَ آخِرُ الصُّفُوفِ، فإن كان هكذا فاللهُ عَزَّ وَجَلَّ المُوَفِّقُ له، وإن كان غيرَ ذلك فإنى أبرَأُ إلى اللهَ عَزَّ وَجَلَّ مِن أن أتَأوَّلَ على رسولِ اللهَ - صلى الله عليه وسلم - أمرًا لم يُرِدْه، أو أراد خِلافَه.

الجزء: 6 - الصفحة: 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والتَّسْلِيمُ واجِبٌ فيها؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» 260. والسُّنَّةُ أن يُسَلِّمَ على الجِنازَةِ تَسْلِيمَةً واحِدَةً.
قال أحمدُ: التَّسْلِيمُ على الجِنازَةِ تَسْلِيمَةٌ واحِدَةٌ، عن سِتَّةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وليس فيها اخْتِلافٌ إلَّا عن إبراهيمَ.
رُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وجابِرٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وأنَسٍ، وابنِ أبى أوْفَى، وواثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ.
وبه قال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ،

الجزء: 6 - الصفحة: 157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأبو أُمَامَةَ بنُ سَهْلٍ 261، والقاسِمُ بنُ محمدٍ، وإبراهيمُ النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ عُيَيْنَةَ 262، وابنُ المُبارَكِ، وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىِّ وإسحاقُ.
قال ابنُ المُبارَكِ: مَن سَلَّمَ على الجِنازَةِ تَسْلِيمَتَيْن فهو جاهِلٌ جاهِلٌ.
واخْتارَ القاضى أنَّ المُسْتَحَبَّ تَسْلِيمَتان، ووَاحِدَةٌ تُجْزِئُ.
وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، قِياسًا على سائِرِ الصَّلَواتِ.
ولَنا، ما روَى عَطَاءُ بنُ السَّائِبِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - سَلَّمَ على الجِنازَةِ تَسْلِيمَةً واحِدَةً 263. رَواه الجُوزَجَانِىُّ.
ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابَةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا.
واخْتِيارُ القاضى في هذه المَسْألةِ مُخالِفٌ لقَوْلِ إمامِه وأصحابِه، ولِإجْماعِ الصحابةِ والتَّابِعِين، رَحْمَةُ الله عليهم.
ويُسْتَحَبُّ أن يُسَلِّمَهَا عن يَمِينه، وإن سَلَّمَ تِلْقاءَ وَجْهِه فلا بَأْسَ.
وسُئِل أحمدُ: يُسَلِّمُ تِلْقَاءَ وجْهِه؟ قال: كلُّ هذا جائِزٌ، وأكثَرُ ما رُوِىَ فيه عن يَمِينه.
قِيلَ: خُفْيَةً؟ قال: نعم.
يَعْنِى أنَّ الكلَّ جائِزٌ، والتَّسْلِيمُ عن يَمِينه أوْلَى، لأنَّه أكثَرُ ما رُوِىَ، وهو أشْبَهُ بسائِرِ الصَّلَواتِ.
قال

الجزء: 6 - الصفحة: 158

وَيَرْفَعُ يَدَيهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ.
أحمدُ: يَقُولُ: السَّلامُ عليكم ورَحْمَةُ اللهِ.
وروَى عنه علىُّ بنُ سعيدٍ، أنَّه قال: إذا قال: السَّلامُ عليكم.
أجْزَأه.
وروَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن علىِّ بنِ أبى طالِبٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه صَلَّى على يَزِيدَ بنِ المُكَفِّفِ، فَسَلِّمَ واحِدَةً عن يَمِينِه: السَّلَامُ عليكم (1). فصل: ورُوِىَ عن مُجاهِدٍ، أنَّه قال: إذا صَلَّيْتَ فلا تَبْرَحْ مُصَلَّاكَ حتى تُرْفَعَ.
قال: ورَأيْتُ عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ لا يَبْرَحُ مُصَّلاه، إذا صلَّى على جِنازَةٍ حتى يَراها على أيْدِى الرِّجالِ.
قال الأوْزاعِىُّ: لا تُنْقَضُ الصُّفُوفُ حتى تُرْفَعَ الجِنازَةُ.

777 -

مسألة: (ويَرْفَعُ يَدَيْه مع كلِّ تَكْبِيرَةٍ)

أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ علِى أنَّ المُصَلِّىَ على الجِنازَةِ يَرْفعُ يَدَيْه في التَّكْبِيرَةِ الأولَى، ويُسْتَحَبُّ أن يَرْفَعَ يَدَيْه في كُلِّ تَكْبِيرَةٍ.
يُرْوَى ذلك.
عن سالِمٍ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وعَطاءٍ، وقَيْسِ بنِ أبِى حازِمٍ 265، والزُّهْرِىِّ، وإسحاقَ، وابنِ264

الحديث: 777 - الجزء: 6 - الصفحة: 159

وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ , الْقِيَامُ , والتَّكْبِيراتُ , وَالْفَاتِحَةُ , والصَّلاةُ عَلَى النَّبىِّ - صلى الله عليه وسلم - , وَأدْنَى دُعَاءٍ لِلميِّتِ , وَالسَّلامُ.
المُنْذِرِ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ.
وقال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا يَرْفَعُ يَدَيْه إلَّا في الأُولَى؛ لأنَّ كلَّ تَكْبِيرَةٍ مَقامُ رَكْعَةٍ، ولا تُرْفَعُ الأَيْدِى في جَمِيعِ الرَّكَعاتِ.
ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَرْفَعُ يَدَيْه في كلِّ تَكْبِيرَةٍ (1). رَواه.
ابنُ أبى موسى.
وعن ابنِ عُمَرَ، وأنَسٍ، أنَّهُما كانا يَفْعَلان ذلك.
ولأنَّها تَكْبِيرَةٌ حالَ الاسْتِقْرارِ، أشْبَهَتِ الأُولَى، وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يَحُطُّ يَدَيْه إذا رَفَعَهما عندَ انْقِضاءِ التَّكْبِيرَةِ، ويَضَعُ يَدَه اليُمْنَى على اليُسْرَى، كما في بَقِيَّةِ الصَّلَواتِ.
وفيما روَى ابنُ أبى موسى، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى على جِنازَةٍ، فوَضَعَ يَمِينَه على شِمالِه (2).

778 -

مسألة: (والواجِبُ مِن ذلك، التَّكْبِيراتُ، والقِيامُ و)

قِراءَةُ (الفاتِحَةِ، والصلاةُ على النبى - صلى الله عليه وسلم -، وأدْنَى دُعاءٍ للمَيِّتِ،266267

الحديث: 778 - الجزء: 6 - الصفحة: 160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والسَّلَامُ) لِما ذَكَرْنا مِن قبلُ.
ويُشْتَرَطُ لها النِّيَّةُ، وسائِرُ شُرُوطِ المَكْتُوبَةِ قِياسًا عليها، إلَّا الوَقْتَ.، يسْقُطُ بعضُ واجِباتِها عن المَسْبُوقِ، على ما

الجزء: 6 - الصفحة: 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَيَأْتِى.
ولا يُجْزِئُ أن يصلِّىَ على الجِنازَةِ راكِبًا؛ لأنَّه يُفَوِّتُ القِيامَ الواجِبَ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُصَفَّ في الصلاةِ على الجِنازَةِ ثَلَاثةُ صُفُوفٍ؛ لِما روَى الخَلَّالُ، بإسْنَادِه، عن مالكِ بنِ هُبَيْرَةَ، وكانت له صُحْبَةٌ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ فَقَدْ أوْجَبَ».
قال: فكان مالكُ بنُ هُبَيْرَةَ إذا اسْتَقَلَّ أهلَ الجِنازَةِ جَزَأهم ثَلاثَةَ أجْزاءٍ.
قال التِّرْمِذِىُّ 268: هذا حديثٌ حسنٌ.
قال أحمدُ: أُحِبُّ إذا كان فيهم قِلَّةٌ

الجزء: 6 - الصفحة: 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أن يَجْعَلَهم ثَلاثَةَ صُفُوفٍ.
قِيلَ له: فإن كان وراءَه أرْبَعَةٌ؟ قال: يَجْعَلُهم صفَّيْن، في كلِّ صَفٍّ رَجُلَيْن.
وكَرِه أن يَكُونَ في صَفٍّ رجلٌ واحِدٌ.
وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ أنَّ عَطَاءَ بنَ أبى رَباحٍ روَى، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى على جِنازَةٍ، فكانُوا سَبْعَةً، فجَعَلَ الصَّفَّ الأوَّلَ ثَلاثَةً، والثّانِىَ اثْنَيْنِ، والثّالِثَ واحِدًا.
قال ابنُ عَقِيل: ويُعايَى 269 بها، فيُقالُ: أين تَجِدُون فذًّا، انْفِرادُه أفْضَلُ؟ قال شيخُنا 270: ولا أحْسَبُ هذا الحَديثَ صَحِيحًا، فإنَّنى لم أرَه في غيرِ كتابِ ابنِ عَقِيلٍ، وقد صار أحمدُ إلى خِلافِه، ولو عَلِم فيه حديثًا لم يَعْدُه إلى غيرِه.
والصَّحِيحُ في هذا أن يَجْعَلَ كُلَّ اثْنَيْنِ صَفًّا.
فصل: ويُسْتَحَبُّ تَسْوِيَةُ الصَّفِّ في صلاةِ الجِنازَةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقِيلَ لعَطَاءٍ: أُخِذَ على النَّاسِ أن يُصَفُّوا على الجِنازَةِ كما يُصَفُّون في الصلاةِ؟ قال: لا، قَوْمٌ يَدْعُون ويَسْتَغْفِرُونَ 271. وكَرِه أحمدُ قَوْلَ عَطاءٍ هذا.
وقال: يُسَوُّونَ صُفُوفَهم، فإنَّها صلاةٌ.
ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَعَى النَّجاشِىَّ في اليومِ الَّذي مات فيه، وخَرَج إلى المُصَلَّى، فصَفَّ بهم وكَبَّرَ أرْبَعًا.
مُتَّفَقٌ عليه 272. وعن أبى المَلِيحِ 273، أنَّه صَلَّى على جِنازَةٍ، فالْتَفَتَ،

الجزء: 6 - الصفحة: 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقال: اسْتَوُوا، ولْتَحْسُنْ شَفاعَتُكم.

الجزء: 6 - الصفحة: 164

وَإنْ كَبَّرَ الإمَامُ خَمْسًا كُبِّرَ بِتَكْبِيرِهِ.
وَعَنْهُ، لَا يُتَابَعُ في زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ.
وَعَنْهُ، يُتَابَعُ إِلَى سَبْعٍ.

779 - مسألة: (وَإنْ كَبَّرَ الإمَامُ خَمْسًا كُبِّرَ بِتَكْبِيرِهِ. وَعَنْهُ، لَا يُتَابَعُ في زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ. وَعَنْهُ، يُتَابَعُ إِلَى سَبْعٍ.)

لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّه لا تَجُوزُ الزِّيادَةُ على سَبْعِ تَكْبِيراتٍ، ولا النَّقْصُ مِن أرْبَعٍ، والأوْلَى أن لا يُزادَ على أرْبَعٍ.
فإن كَبَّرَ الإِمَامُ خَمْسًا تابَعَه المَأمُومُ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، ولا يُتابِعُه فيما زاد عليها.
كذلك رَواه الأثْرَمُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وعنه، لا يُتابِعُه في زِيادَةٍ على أرْبَعٍ، ولكنْ لا يُسَلِّمُ إلَّا مع الإِمامِ.
نَقَلَها عنه حَرْبٌ.
اخْتارَها ابنُ عَقِيلٍ.
وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ،

الحديث: 779 - الجزء: 6 - الصفحة: 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومالكٍ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ، لأنَّها زِيادَةٌ غيرُ مَسْنُونَةٍ للإِمامِ، فلا يُتابِعُه المَأْمُومُ فيها، كالقُنُوتِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى.
والرِّوايَةُ الأُولى هي الصَّحِيحَةُ.
قال الخلَّالُ: كلُّ مَن روَى عن أبى عبدِ اللهِ يُخالِفُ حَرْبًا.
ولَنا، ما رُوِىَ عن زيدِ بنِ أرْقَمَ، أنَّه كَبَّرَ على جِنازَةٍ خَمْسًا، وقال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُكَبِّرُها.
أخْرَجَه مسلمٌ، ورَواه سعيدٌ 274. وفيه: فسُئِلَ عن ذلك، فقال: سُنَّةُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وروَى سعيدٌ، بإسْنادِه، عن مَوْلًى لحُذَيْفَةَ، أنَّه كَبَّرَ على جِنازَةٍ خَمْسًا، فقِيلَ له؛ فقال: مَوْلاىَ ووَلِىُّ نِعْمَتِى صَلَّى على جِنازَةٍ وكَبَّرَ عليها خَمْسًا.
وذَكَر حُذَيْفَةُ، أنَّ النبيَّ فَعَل ذلك 275. وبإسْنادِه، أنَّ عليًّا صلَّى على سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ، فكَبَّرَ عليه خَمْسًا.
وروَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه [عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ] 276، قال:

الجزء: 6 - الصفحة: 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كلُّ ذلك قد كان، أرْبَعًا، وخَمْسًا، وأمَرَ النَّاسَ بأرْبَعٍ 277. قال أحمدُ، في إسْنادِ حديثِ زيدِ بنِ أرْقَمَ: إسْنادُه جَيِّدٌ.
ومَعْلُومٌ أنَّ المُصَلِّين معه كانُوا يُتابِعُونه.
وهذا أوْلَى مِمّا ذَكَرُوه.
فأمّا إن زاد على خَمْسٍ، ففيه أيضًا رِوايَتان، إحْدَاهما، لا يُتابِعُه المَأْمُومُ، لأنَّ المَشْهُورَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه خِلافُها.
والثانيةُ، يُتابِعُه إلى سَبْعٍ.
قال الخَلَّالُ: ثَبَت القَوْلُ عن أبى عبدِ اللهِ أنَّه يُكَبِّرُ مع الإِمامِ إلى سَبْعٍ ثم لا يُزادُ عليه.
وهذا قولُ بَكْرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزَنِىِّ، لأنَّه رُوِىَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كَبَّرَ على حَمْزَةَ سَبْعًا.
رَواه ابنُ شاهِينَ 278. وَكَبَّرَ عليٌّ على أبى قَتادَةَ 279 سَبْعًا 280، وعلى سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ سِتًّا، وقال: إنَّه بَدْرِيٌّ 281. ورُوِىَ أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ

الجزء: 6 - الصفحة: 167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللهُ عنه، جَمَع النَّاسَ فاسْتَشارَهم، فقال بَعْضُهم: كَبَّرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - سَبْعًا.
[وقال بَعْضُهم: خَمْسًا] 282. وقال بَعْضُهم: أرْبَعًا.
فجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ على أرْبَعِ تَكْبِيراتٍ، وقال: هو أطْوَلُ الصلاةِ 283. وإذا قُلْنا: لا يُتابِعُه.
لم يُسَلِّمْ حتَّى يُسَلِّمَ إمامُه.
قال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَخْتَلِفُ قولُ أحمدَ إذا كَبَّرَ الإِمامُ زِيادَةً على أرْبَعٍ، أنَّه لا يُسَلِّمُ قبلَ إمامِه، على الرِّواياتِ الثَّلاثِ، بل يَقِفُ ويُسَلِّمُ معه.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وقال الثَّوْرِىّ، وأبو حنيفةَ: يَنْصَرِفُ، كما لو قام الإِمامُ إلى خامِسَةٍ.
قال أبو عبدِ اللهِ: ما أعْجَبَ حالَ الكُوفِيِّين، سُفْيَانُ يَنْصَرِفُ إذا كَبَّرَ الخامِسَةَ، والنبىُّ - صلى الله عليه وسلم - كَبَّرَ خَمْسًا، وفَعَلَه زيدُ بنُ أرْقَمَ، وحُذَيْفَةُ.
وقال ابنُ مسعودٍ: كَبِّرْ ما كَبَّرَ إمامُكَ.
ولأنَّ هذه زِيادَةٌ مُخْتَلَفٌ فيها، فلم يُسَلِّمْ قبلَ إمامِه إذا اشْتَغَلَ به، كما لو صَلَّى خلفَ مَن يَقْنُتُ في صلاةٍ يُخالِفُه المَأْمُومُ في القُنُوتِ فيها.
وهذا يُخالِفُ ما قاسُوا عليه مِن وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ زِيادَةَ الرَّكْعَةِ الخامِسَةِ لا خِلافَ فيه.
الثَّانِى، أنَّ الرَّكْعَةَ زِيادَةُ فِعْلٍ، وهذه زِيادَةُ قولٍ.
وكلُّ تَكْبِيرَةٍ قُلْنا يُتابَعُ الإمامُ فيها فله فِعْلُها، وما لا فلا.

الجزء: 6 - الصفحة: 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن زاد على سَبْعٍ لم يُتابعْه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال، في رِوايَةِ أبي داودَ: إن زاد على سَبْعٍ فيَنْبَغِى أَن يُسَبَّحَ به، ولا أعْلَمُ أحَدًا قال بالزِّيَادَةِ على سَبْعٍ إلَّا عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ.
قال عَلْقَمَةُ: رُوِىَ أنَّ أصحابَ عبدِ اللهِ، قالُوا له: إنَّ أصحابَ مُعاذٍ يُكَبِّرُون على الجَنائِزِ خَمْسًا، فلو وَقَّتَ لنا وَقْتًا 284. فقال: إذا تَقَدَّمَكم إِمامٌ، فَكَبِّرُوا ما يُكَبِّرُ، فإنَّه لا وَقْتٌ، ولا عَدَدٌ.
رَواه سعيدٌ، والأثْرَمُ 285. والصَّحِيحُ أنَّه لا يُزادُ عليها؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ ذلك عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أحَدٍ مِن أصحابِه، ولكنْ لا يُسَلِّمُ حتَّى يُسَلِّمَ إمامُه؛ لِما ذَكَرْناه.
فصل: والأفْضَلُ أن لا يَزِيدَ على أرْبَعٍ؛ لأنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ، وأكْثَرُ أهلِ العِلْمِ يَرَوْن التَّكْبِيرَ أرْبَعًا؛ منهم عُمَرُ وابْنُه، وزيدُ بنُ ثابِتٍ، وجابِرٌ، وابنُ أبي أوْفَى، والحسنُ بنُ عليٍّ، والبَراءُ بنُ عازِبٍ، وأبو هُرَيْرَةَ، وعُقْبَةُ بنُ عامِر، وابنُ الحَنَفِيَّةِ، وعَطاءٌ، والأوْزَاعِيُّ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَبَّرَ

الجزء: 6 - الصفحة: 169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على النَّجاشِىِّ أرْبعًا.
مُتَّفَقٌ عليه 286. وكَبَّرَ على قَبْرِ بعدَ ما دُفِن أرْبَعًا 287. وجَمَع عُمَرُ النّاسَ على أرْبَعٍ.
ولأنَ أكْثَرَ الفَرائِضِ لا يَزِيدُ على أرْبَعٍ.
فصل: ولا يَجُوزُ النَّقْصُ مِن أرْبَعٍ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه كَبَّرَ على الجِنازَةِ ثَلاثًا 288. ولم يُعْجِبْ ذلك أبا عبدِ اللهِ.
وقال: قد كَبَّرَ أنَسٌ ثَلاثًا.
ناسِيًا، فأعاد.
ولأنَّه خِلافُ ما نُقِل عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولأنَّ الصلاةَ الرُّبَاعِيَّةَ إذا نَقَص 289 منها رَكْعَةً، بَطَلَتْ، كذا هُنا.
فعلى هذا إن نَقَص منها تَكْبيرَةً عَامِدًا بَطَلَتْ؛ لأنَّه تَرَك واجِبًا فيها عَمْدًا.
وإن تَرَكَها سَهْوًا احْتَمَلَ أَن يُعِيدَها، كما فَعَلَ أنَسٌ، واحْتَمَلَ أن يُكَبِّرَها، ما لم يَطُلِ الفَصْلُ، كما لو نسِىَ رَكْعَةً، ولا يُشْرَعُ لها سُجُودُ سَهْوِ في المَوْضِعَيْنِ.
فصل: قال أحمدُ: يُكَبِّرُ [على الجِنازَةِ فيَجِيئُون بأُخْرَى، يُكَبِّرُ] 290 إلى سَبْعٍ، ثم يَقْطَعُ لا يَزِيدُ على ذلك حتَّى تُرْفَعَ الأرْبَعُ.
قال أصحابُنا:

الجزء: 6 - الصفحة: 170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا كَبَّرَ على جِنازَةٍ، ثم جِئَ بأُخْرَى، كَبَّرَ الثانيةَ عليهما، و 291 يَنْوِيهما، فإن جِئَ بثالِثَةٍ كَبَّرَ الثَّالِثَةَ عليهِنَّ، ونَواهُنَّ، فإن جِئَ برابِعَةٍ، كَبَّرَ الرّابعَةَ عليهنَّ، ونَواهُنَّ، ثم يُكْمِلُ التَّكبِيرَ عليهِنَّ إلى سَبْعٍ، ليَحْصلَ للرّابعَةِ أَرْبَعٌ، إذ لا يَجُوزُ النُّقْصانُ منهُنَّ، ويَحْصُلُ للأُولَى سَبْعٌ، وهو أكْثَرُ ما يَنْتَهِى إليه التَّكْبيرُ، فإن جِئَ بخامِسَةٍ لم يَنْوِها بالتَكْبِيرِ، لأنَه دائِرٌ بينَ أن يَزِيدَ على سَبْعٍ أَو يَنْقُصَ في تَكْبِيرِها عن أرْبَعٍ، وكلاهما لا يَجُوزُ.
وهكذا إن جِئَ بثانِيَةٍ بعدَ أن كَبَّرَ الرّابِعَةَ، لم يَجُزْ أن يُكَبِّرَ عليها الخامِسَةَ، لِمَا بَيَّنَّا.
فإن أراد أهلُ الجِنازَةِ الأولَى رَفْعَها قبلَ سَلام الإِمامِ لم يَجُزْ، لأنَّ السَّلامَ رُكنٌ لا تَتِمُّ الصلاةُ إلَّا به.
إذْا تَقَرَّرَ هذا، فإنَّه يَقْرَأُ في التَّكْبِيرَةِ الخامِسَةِ الفاتِحَةَ، ويُصَلِّى على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في السّادِسَةِ، ويَدْعُو للمَيِّتِ

الجزء: 6 - الصفحة: 171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في السَّابِعَةِ، ليُكْمِلَ لجَمِيعِ الجَنائِزِ القِراءَةَ والأذْكارَ، كما كَمَّلَ لهُنَّ التَّكْبِيراتِ.
وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ وَجْهًا، قال: يَحْتَمِلُ أن يُكَبِّرَ ما زاد على الأرْبَعِ مُتَتابِعًا، كما قُلْنا في القَضاءِ للمَسْبُوقِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ، لأنَّ ما بعدَ الأُولَى 292 جَنائِزُ، فاعْتُبِرَ في الصلاةِ عليهِنَّ شُرُوطُ الصلاةِ، كالأُولَى.

الجزء: 6 - الصفحة: 172

وَمَنْ فَاتَهُ شَىْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ [41 و]، قَضَاهُ عَلَى صِفَتِهِ.
وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: يَقضِيهِ مُتَتَابعًا.

780 - مسألة: (ومَن فاتَه شيءٌ مِن التَّكْبِيرِ، قَضاه على صِفَتِه. وقال الخِرَقِىُّ: يَقْضِيه مُتَتابِعًا)

يُسْتَحَبُّ للمَسْبُوقِ في صلاةِ الجِنازَةِ قَضاءُ ما فاتَه منها.
وهذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ،

الحديث: 780 - الجزء: 6 - الصفحة: 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والزُّهْرِىِّ، وابنِ سِيرِينَ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأصحابِ الرَّأْىِ؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «فَمَا أدْرَكْتُمْا فَصلُّوا» 293. وفى لَفْظٍ: «فَأَتِمُّوا» 294. وقِياسًا على سائِرِ الصَّلَواتِ.
ويَكُونُ القَضاءُ على صِفَةِ الأَداءِ؛ لِما ذَكَرْنا.
فعلى هذا إذا أدْرَكَ الإِمام في الدُّعاءِ تابَعَه فيه، فإذا سَلَّمَ الإِمامُ كَبَّرَ، وقَرَأ الفاتِحَةَ، ثم كَبَّرَ وصَلَّى على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثم كَبَّرَ وسَلَّمَ.
وقال الشافعىُّ: متى دَخَل المَسْبُوقُ في الصلاةِ ابْتَدَأ الفاتِحَةَ، ثم أَتَى بالصلاةِ في الثانِيَةِ.
وَوجْهُ الأُولَى أنَّ المَسْبُوقَ في سائِرِ الصلواتِ يَقْرَأُ فيما يَقْضيه الفاتِحَةَ، وسُورَةً على صفَةِ ما فاتَه، فيَنْبَغِى أن يَأْتِىَ ههُنا بالقِراءَةِ على صفَةِ ما فاتَه قِياسًا عليه.
وقال الخِرَقِىُّ: يَقْضِيه مُتَتابِعًا.
وكذلك رُوِىَ عن أحمدَ، وحَكاه عن إبراهيمَ، قال: يُبادِرُ بالتَّكْبِيرِ مُتَتابِعًا؛ لِما روَى نافِعٌ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه قال:

الجزء: 6 - الصفحة: 174

فَإِنْ سَلَّمَ وَلَمْ يَقْضِهِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
لا يَقْضِى (1) -: فإن كَبَّرَ مُتَتابِعًا فلا بَأْسَ.
ولم يُعْرَفْ له مُخالِفٌ في الصحابةِ، فكان إجْماعًا.
وكذا قال ابنُ المُنْذِرِ: يَقْضِيه مُتَوالِيًا.
وقال القاضى، وأبو الخَطّابِ: إن رُفِعَتِ الجِنازَةُ قبلَ إتْمَامِ التَكْبِيرِ قَضاه مُتَوالِيًا، وإن لم تُرْفَعْ قَضاه على صِفَتِه، كما سَبَق.

781 -

مسألة: (فإن سَلَّمَ ولم يَقْضِه.، فعلى رِوايَتَيْن)

إحْدَاهما، لا تَصِحُّ.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ والمَعْنَى.
والثانيةُ، تَصِحُّ، اخْتارَهَا الخِرَقِىُّ، لما ذَكَرْنا مِن حديثِ ابنِ عُمَرَ.
وقد رُوِىَ عن عائشةَ، أنَّها قالت: يارسولَ اللهِ، إنى أُصلِّى على الجِنازَةِ، ويَخْفَى علىَّ بعضُ التَّكْبِيرِ؟ قال: «مَا سَمِعْتِ فَكَبِّرِى، وَمَا فَاتَكِ فَلَا قَضاءَ عَلَيْكِ» 296. وهذا صَرِيحٌ، ولأنَّها295

الحديث: 781 - الجزء: 6 - الصفحة: 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَكْبِيراتٌ مُتَوالِياتٌ حالَ القِيامِ، فلم يَجِبْ قَضاءُ ما فات منها، كتَكْبِيراتِ العِيدِ.
وحَدِيثُهم وَرَد في الصَّلَواتِ الخَمْسِ، بدَلِيلِ قَوْلِه في صَدْرِ الحَدِيثِ: «فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ».
وفى رِوايَةٍ، سَعَى في جِنازَةِ سعدٍ حتَّى سَقَط رِداؤُه عن مَنْكِبَيْه، فعُلِمَ أنَّه لم يُرِدْ بالحَدِيثِ هذه الصلاةَ.
والقِياسُ على سائِرِ الصَّلَواتِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَقْضِى في شيءٍ مِن الصَّلوَاتِ التَّكْبِيرَ المُنْفَرِدَ، ويَبْطُلُ بِتَكْبِيراتِ العِيدِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 176

وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ، صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إِلَى شَهْرٍ،  فصل: إذا أدْرَكَ الإِمامَ بينَ تَكْبيرَتَيْنِ، فعن أحمدَ، أنَّه يَنْتَظِرُ الإِمامَ حتَّى يُكَبِّرَ معه.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ؛ لأنَّ التَّكْبِيراتِ كالرَّكَعاتِ، ثم لو فاتَتْه رَكْعَةٌ، لم يَتَشاغَلْ بِقَضائِهَا، كذلك التَّكْبِيرَةُ.
والثانيةُ، يُكَبِّرُ ولا يَنْتَظِرُ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه في سائِرِ الصَّلَواتِ إذا أدْرَكَ الإِمامَ، كَبَّرَ معه، ولم يَنْتَظِرْ، وليس هذا اشْتِغالًا بقَضاءِ ما فاتَه، وإنَّما يُصَلِّى معه ما أدْرَكَه، فيُجْزِئُه ذلك، كالذى يَتَأخَّرُ عن تَكْبِيرِ الإِمامِ قَلِيلًا.
وعن مالكٍ كالرِّوايَتَيْن.
قال ابنُ المُنْذِرِ: سَهَّلَ أحمدُ في القَوْلَيْن جَمِيعًا.
ومتى أدْرَكَ الإِمامَ في التَّكْبِيرَةِ الأُولَى فَكَبَّرَ، وشَرَع في القِراءَةِ، ثم كَبَّرَ الإِمامُ قبلَ أن يُتِمَّها، فإنَّه يُكَبِّرُ ويُتابِعُه، ويَقْطَعُ القِراءَةَ، كالمَسْبُوقِ في بَقِيَّةِ الصَّلَواتِ، إذا رَكَع الإِمامُ قبلَ إتْمَامِه القِراءَةَ.

782 -

مسألة: (ومَن فاتَتْه الصلاةُ على الجِنازَةِ، صَلَّى علَى القَبْرِ إلى شَهْرٍ)

مَن فاتَتْه الصلاةُ على الجِنازَةِ، فله أن يُصَلِّىَ عليها، ما لم تُدْفَنْ، فإن دُفِنَتْ، فله أن يُصَلِّىَ على القَبْرِ إلى شَهْرٍ.
هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ.

الحديث: 782 - الجزء: 6 - الصفحة: 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رُوِىَ ذلك عن أبى موسى، وابنِ عُمَرَ، وعائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم.
وهو مَذْهَبُ الأوْزَاعِىِّ، والشافعىِّ.
وقال النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا تُعادُ الصلاةُ على المَيِّتِ، إلَّا للوَلِىِّ إذا كان غائِبًا، ولا يُصلَّى على القَبْرِ إلَّا كذلك، ولو جاز ذلك، لصُلِّىَ على قَبْرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في جَمِيعِ الأعْصارِ.
ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَر رجلًا مات، فقال: «فَدُلُّونِى عَلَى قَبْرِهِ».
فأتَى قَبْرَه، فصَلَّى عليهِ.
مُتَّفَقٌ عليه 297. وعن ابنِ عباس، أنَّه مَرَّ مع النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - بِقَبْر مَنْبُوذٍ، فأمَّهم وصَلَّوْا خلفَه 298. قال أحمدُ: ومَن يَشُكُّ في الصلاةِ على القَبْرِ! يُرْوَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من سِتَّةِ وُجُوهٍ، كلُّها حِسانٌ.
ولأنَّ غيرَ الوَلِىِّ مِن أهلِ الصلاةِ، فسُنَّتْ له الصلاةُ، كالوَلِىِّ، وإنَّما لم يُصَلَّ على قَبْرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، لأنَّه لا يُصَلَّى على القَبْرِ بعدَ شَهْرٍ.

الجزء: 6 - الصفحة: 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يُصَلَّى على القَبْرِ بعدَ شَهْرٍ، ويُصَلَّى قبلَه.
وبهذا قال بعضُ 299 أصحابِ الشافعيِّ.
وقال بَعْضُهم: يُصلَّى عليه أَبدًا.
واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، صَلَّى على شُهَداءِ أُحُدٍ بعدَ ثَمانِى سِنِين.
حديثٌ صحيحٌ 300. وقال بعضُهم: يُصَلَّى عليه ما لم يَبْلَ جَسَدُه.
وقال أبو حنيفةَ: يُصَلِّى عليه الوَلِيُّ خاصَّةً إلى ثَلاثٍ.
وقال

الجزء: 6 - الصفحة: 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إسحاقُ: يُصَلِّى عليه الغائِبُ إلى شَهْرٍ، والحَاضِرُ إلى ثَلاثٍ.
ولَنا، ما روَى سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أُمَّ سعدٍ ماتَتْ والنبىُّ - صلى الله عليه وسلم - غائِبٌ، فلمَّا قَدِم صَلَّى عليها، وقد مَضَى لذلك شَهْرٌ 301. قال أحمدُ: أَكْثَرُ ما سَمِعْتُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى على أُمِّ سعدِ بنِ عُبادَةَ بعدَ شَهْرٍ.
ولأنَّها مُدَّةٌ يَغْلِبُ على الظَنِّ بَقاءُ المَيِّتِ فيها، أشْبَهَتِ الثَّلاثَةَ، أو كالغائِبِ.
وتَجْوِيزُ الصلاةِ عليه مُطلَقًا باطِلٌ، بأنَّ قَبْرَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، لا يُصَلَّى عليه الآن إجْماعًا، وكذلك التَّحْدِيدُ ببِلَى المَيِّتِ؛ لكَوْنِه عليه السَّلامُ لا يَبْلَى.
فإن قِيلَ: فالخَبَرُ دَلَّ على الصلاةِ بعدَ شَهْرٍ، فكيف مَنَعْتُموه؛ قُلْنا: تَحْدِيدُه بالشَّهْرِ يَدُلُّ على أنَّ صَلاتَه، عليه الصلاةُ والسَّلامُ، كانت عندَ رَأْسِ الشَّهْرِ؛ لِيَكُونَ مُقَارِبًا للحَدِّ.
وتَجُوزُ الصلاةُ بعدَ الشَّهْرِ قَرِيبًا منه؛ لدَلالَةِ الخَبَرِ عليه، ولا يَجُوزُ بعدَ ذلك؛ لعَدَمِ وُرُودِه فيه.

الجزء: 6 - الصفحة: 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومَن صَلَّى عليها مَرَّةً، فلا تُسَنُّ له إعادَةُ الصلاةِ عليها.
وإذا صُلِّىَ على الجِنازَةِ، لم تُوضَعْ لأَحَدٍ يُصَلِّى عليها، ويُبادَرُ بِدَفْنِها.
قال القاضي: إلَّا أن يُرْجَى مَجِئُ الوَلِىِّ فَتُؤخَّرُ، إلَّا أن يُخافَ تَغَيُّرُه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يُنْتظَرُ به أحَدٌ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال في طَلْحَةَ بنِ البَرَاءِ: «عَجِّلُوا بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِى لجِيفَةِ مُسْلِمٍ أنْ تحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ أهْلِهِ» 302. وأمّا مَن أدْرَكَ الجِنازَةَ مِمَّن لم يُصَلِّ، فله أن يُصَلِّىَ عليها، فَعَلَه علىٌّ، وأنَسٌ، وسَلْمانُ بنُ رَبِيعَةَ 303، وأبو حَمْزَةَ 304، رَضِىَ اللهُ عنهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 181

وَيُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ بالنِّيَّةِ، فَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِ جَانِبَىِ الْبَلَدِ، لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ، في أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
فصل: ويُصَلَّى على القَبْرِ، وتُعادُ عليه الصلاةُ جَماعَةً وفُرادَى.
نَصَّ عليهما أحمدُ.
وقال: وما بَأْسٌ بذلك، قد فَعَلَه عِدَّةٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وفى حديثِ ابنِ عباسٍ، قال: انْتَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى قَبْرِ رَطْبٍ، فصَفّوا خلفَه، فكَبَّرَ أرْبَعًا.
مُتَّفَقٌ عليه (1).

783 -

مسألة: (وَيُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ بالنِّيَّةِ، فَإِنْ كَانَ في أَحَدِ جَانِبَىِ الْبَلَدِ، لَمْ يُصَلَّ 306 عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ، في أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ). تَجُوزُ الصلاةُ على الغائِبِ في بَلَدٍ آخَرَ بالنِّيَّةِ، بَعِيدًا كان البَلَدُ أو قَرِيبًا، فيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ،305

الحديث: 783 - الجزء: 6 - الصفحة: 182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويُصَلِّى عليه كصلاتِه على الحاضِرِ، وسَواءٌ كان المَيِّتُ في جِهَةِ القِبْلَةِ أو لم يَكُنْ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ.
وحَكَى ابنُ أبى موسى، عن أحمدَ رِوايَةً كقَوْلِهما، لأنَّ 307 مِن شَرْطِ الصلاةِ على الجِنازَةِ حُضُورَهَا، بدَلِيلِ ما لو كان في البَلَدِ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَعَى النَّجاشِىَّ صاحِبَ الحَبَشَةِ في اليومِ الَّذي مات فيه، وصَلَّى بهم بالمُصلَّى، فكَبَّرَ عليه أرْبَعًا.
مُتَّفَقٌ عليه 308. فإن قِيلَ: فيَحْتَمِلُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - زُوِيَتْ له الأرْضُ، فأُرِىَ الجِنازَةَ.
قُلْنا: «لم يُنْقَلْ ذلك، ولو كان لأخْبَرَ به، ولَنا، الاقْتِداءُ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ما لم يَثْبُتْ ما يَقْتَضِى اخْتِصاصَه، ولأنَّ المَيِّتَ مع البُعْدِ لا تَجُوزُ الصلاةُ عليه وإن رُئِىَ، ثم لو اخْتَصَّتِ الرُّؤْيَةُ بالنبىِّ - صلى الله عليه وسلم - لاخْتَصَّتِ الصلاةُ به، وقد صَفَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه فصَلَّى بهم.
فإن قِيلَ: لم يَكُنْ بالحَبَشَةِ مَن يُصَلِّى عليه.
قُلْنَا: ليس هذا مَذْهَبَكم، فإنَّكم لا تُجِيزُونَ الصلاةَ على الغَرِيقِ، والأسِيرِ، وإن كان لم يُصَلَّ عليه، ولأنَّ هذا بَعِيدٌ، لأنَّ النَّجاشِىَّ كان مَلِكَ الحَبَشَةِ، وقد أظْهَرَ إسْلامَه، فيَبْعُدُ أنَّه لم يُوافِقْه أحَدٌ يُصَلِّى عليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان المَيِّتُ في أحَدِ جانِبَىِ البَلَدِ، لم يُصَلِّ عليه مَن في الجانِبِ الآخَرِ، في أصَحِّ الوَجْهَيْنِ.
اخْتارَه أبو حَفْصٍ البَرْمَكِىُّ، لأنَّه يُمْكِنُه الحُضُورُ للصلاةِ عليه، أو على قَبْرِه، أشْبَهَ ما لو كانا في جانِبٍ واحِدٍ.
والثَّانِى، يَجُوزُ كما لو كان في بَلَدٍ آخَرَ.
وقد رُوِىَ عن ابنِ حامِدٍ، أنَّه صَلَّى على مَيِّتٍ مات في أحَدِ جانِبَى بَغْدادَ، وهو في الآخَرِ.
فصل: وتَتَوَقَّتُ الصلاةُ على الغائِبِ بشَهْرٍ، كالصلاةِ على القَبْرِ، لأنَّه لا يُعْلَمُ بَقاؤُه مِن غيرِ تَلاشٍ أكْثَرَ مِن ذلك.
فعلى هذا قال ابنُ عَقِيلٍ

الجزء: 6 - الصفحة: 184

وَلَا يُصَلِّى الإْمَامُ عَلَى الْغَالِّ، وَلَا عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ.
، في أكِيلِ السَّبُعِ، والمُحْتَرِقِ بالنّارِ: يَحْتَمِلُ أن لا يُصَلَّى عليه؛ لذَهابِه، ويُصَلَّى على الغَرِيقِ، إذا غَرِق قبلَ الغُسْلِ، كالغائِبِ البَعِيدِ، لأنَّ الغُسْلَ تَعَذَّرَ لمانِعٍ، أشْبَهَ الحَىَّ إذا عَجَز عن الغُسْلِ والتَيّمَّمِ، صَلَّى على حَسَبِ حالِه.

784 -

مسألة: (ولا يُصَلِّى الإِمامُ على الغالِّ، ولا مَن قَتَل نَفْسَه)

الغَالُّ، هو الَّذي يَكْتُمُ غَنِيمَتَه أو بعضَها، ليَأْخُذَها لنَفْسِه ويَختَصَّ بها.

الحديث: 784 - الجزء: 6 - الصفحة: 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فهذا لا يُصَلِّى عليه الإِمامُ، ولا على قاتِلِ نَفْسِه عَمْدًا.
ويُصَلِّى عليهما سائِرُ النّاسِ.
نَصَّ على هذا أحمدُ.
وقال عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، والأوْزاعِىُّ: لا يُصَلَّى على قاتِلِ نَفْسِه بحالٍ؛ لأنَّ مَن لا يُصلِّى عليه الإِمامُ لا يُصَلِّى عليه غيرُه، كشَهِيدِ المَعْرَكَةِ.
وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والشافعىُّ: يُصَلِّى الإِمامُ وغيرُه على جَمِيعِ المُسْلِمِين؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلهَ إِلَّا اللهُ».
رَواه الخَلَّالُ بإسْنَادِه 309. ولَنا، ما روَى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - جاءُوه برجلٍ قد قَتَل نَفْسَه بمَشاقِصَ 310، فلم يُصَلِّ عليه.
رَواه مسلمٌ (3). وروَى أبو داودَ نحوَه 311. وعن زيدِ بنِ خالِدٍ الجُهَنِىِّ، قال: تُوُفِّىَ رجلٌ مِن جُهَيْنَةَ يومَ خَيْبَرَ، فذُكِرَ ذلك لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «صَلُّوا عَلَى صاحِبِكُمْ».
فتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ القَوْمِ.
فلمّا

الجزء: 6 - الصفحة: 186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَأى ما بهم قال: «إنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ» 312. احْتَجَّ به أحمدُ.
واخْتَصَّ الامْتِناعُ بالإِمامِ، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا امْتَنَعَ مِن الصلاةِ على الغالِّ، قال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ».
ورُوِىَ أنَّه أمَرَ بالصلاةِ على قاتِلِ نَفْسِه، وكان - صلى الله عليه وسلم - هو الإمامَ، فأُلحِقَ به مَن ساواه في ذلك، ولا يَلْزَمُ مِن تَرْكِ صلاةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - تَرْكُ صلاةِ غيرِه؛ فإنَّه كان في بَدْءِ الإِسْلامِ لا يُصَلِّى على مَن عليه دَيْنٌ لاوَفاءَ له، ويَأْمُرُهم بالصلاةِ عليه.
فإن قِيلَ: هذا خاصٌّ بالنبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، لأنَّ صَلَاتَه سَكَنٌ.
قُلْنا: ما ثَبَت في حَقِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثَبَت في حَقِّ غيرِه، ما لم يَقُمْ على اْختِصاصِه به دَلِيلٌ.
فإن قِيلَ: فقد تَرَك النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - الصلاةَ على مَن عليه دَيْنٌ.
قُلْنا: ثم صَلَّى عليه بعدُ، فرَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُؤْتَى بالرجلِ المُتَوَفَّى عليه الدَّيْنُ، فيَقُولُ: «هَلْ تَرَكَ لِدَينِهِ مِنْ وَفَاءٍ؟».
فإن حُدِّثَ أنَّه تَرَك وَفاءً صَلَّى عليه، وإلَّا قال للمُسْلِمِين: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ».
فلمَّا فَتَح الله الفُتوحَ قام، فقالَ: «أنَا أوْلَى بِالْمُومِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّىَ مِنَ الْمُومِنِينَ، وَتَرَكَ دَيْنًا

الجزء: 6 - الصفحة: 187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» 313. قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ صحِيحٌ.
ولولا النَّسْخُ كان كمَسْأَلَتِنا، وهذه الأحادِيثُ خاصَّةٌ، فيَجِبُ تَقْدِيمُها على قَوْلِه: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلهَ إلَّا اللهِ».
فصل: قال أحمدُ: لا أشْهَدُ الجَهْمِيَّةَ 314 ولا الرَّافِضَةَ 315، ويَشْهَدُه مَن شاء، قد تَرَك النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - الصلاةَ على أقَلَّ مِن ذا؛ الدَّيْنِ، والغُلُولِ، وقاتِلِ

الجزء: 6 - الصفحة: 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نَفْسِه.
وقال: لا يُصَلَّى على الرَافِضِىِّ.
وقال أبو بكرِ بنُ عَيّاشٍ: لا أُصَلِّى على رافِضِىٍّ، ولا حَرُورِىٍّ 316. وقال الفِرْيابِىُّ 317: مَن شَتَم أبا بكرٍ فهو كافِرٌ، لا يُصَلَّى عليه.
قِيلَ له: فكيف تَصْنَعُ به، وهو يَقُولُ: لا إلهَ إلاَّ اللَهُ؟ قال: لا تَمَسُّوه بأيْدِيكم، ادْفَعُوه بالخُشُبِ حتَّى تُوارُوه.
وقال أحمدُ: أهلُ البِدَعِ لا يُعادُون إن مَرِضُوا، ولا تُشْهَدُ جَنائِزُهم إن ماتُوا.
وهو قَوْلُ مالكٍ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وسائِرُ العُلَماءِ يُصَلُّون على أهلِ البِدَعِ والخَوَارِجِ وغيرِهم، لعُمُومِ قولِه عليه السَّلامُ: «صَلُّوا عَلَى مَن قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ» 318. ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَرَك الصلاةَ بأدْوَنَ مِن هذا، فأوْلَى أن تُتْرَكَ الصلاةُ به، وروَى ابنُ عُمَرَ أنَّ رسولَ اللهَ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسًا، وإنَّ مَجُوسَ أُمَّتِى الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا قَدَرَ، فَإنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإنْ مَاتُوا فلا تَشْهَدُوهُمْ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ 319.

الجزء: 6 - الصفحة: 189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يُصَلَّى على أطْفالِ المُشْرِكِين، لأنَّ لهم حُكْمَ آبَائِهم، إلَّا مَن حَكَمْنا؛ بإسْلامِه، بأن يُسْلِمَ أحدُ أبَوَيْه، أو يَمُوتَ، أو يُسْبَى مُنْفَرِدًا مِن أَبوَيْه، أو مِن أحَدِهما، فإنَّه يُصَلَّى عليه.
وقال أبو ثَوْرٍ، في مَن سُبِىَ مع أحَدِ أبَوَيْه: لا يُصَلَّى عليه، حتَّى يَخْتارَ الإِسْلَامَ.
ولَنا، أنَّه مَحْكُومٌ بِإسْلامِهِ، أشْبَهَ مَن سُبِىَ مُنْفَرِدًا منهما.
فصل: ويُصَلَّى على سائِرِ المُسلمين، أهْلِ الكَبائِرِ، والمَرْجُومِ في الزِّنَا، وغيرِهم.
قال أحمدُ: مَن اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وصَلَّى صَلاتَنا، نُصَلِّى عليه ونَدْفِنُه.
ويُصَلَّى على وَلَدِ الزِّنا، والزّانِيَةِ، والذي يُقادُ منه في القِصاصِ، أو يُقْتَلُ في حَدٍّ.
وسُئِل عمَّن لا يُعْطِى زَكاةَ مالِه، قال: يُصَلَّى عليه، ما نَعْلَمُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَرَك الصلاةَ على أحَدٍ، إلَّا على قاتِلِ نَفْسِه والغالِّ.
وهذا قولُ عَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: لا يُصَلَّى على البُغاةِ، ولا على المُحارِبِين، لأنَّهم بايَنُوا أهلَ الإِسْلامِ، أشْبَهُوا أهلَ دارِ الحَرْبِ.
وقال مالكٌ: لا يُصَلَّى على مَن قُتِل في حَدٍّ، لأنَّ أبا بَرْزَةَ الأسْلَمِىَّ قال: لم يُصَلِّ رسولُ اللهِ

الجزء: 6 - الصفحة: 190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى الله عليه وسلم - على ماعِزِ بنَ مالكٍ، ولم يَنْهَ عن الصلاةِ عليه.
رَواه أبو داودَ 320. ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا الله».
رَواه الخَلَّالُ.
وروَى عن أبى شُمَيْلَةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - خَرَج إلى قُباءَ، فاسْتَقْبَلَه رَهْطٌ مِن الأنْصارِ، يَحْمِلُون جِنازَةً على بابِ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا هذَا؟» قالُوا: مَمْلُوكٌ لآلِ فُلانٍ.
قال: «أكَانَ يَشْهدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّااللهُ؟» قالُوا: نعم، ولكنَّه كان وكان.
فقالَ: «أكَانَ يُصَلِّى؟» قالُوا: قد كان يُصَلِّى ويَدَعُ.
فقالَ لهم: «ارْجِعُوا بِهِ، فَغَسِّلُوهُ، وَكَفِّنُوهُ، وَصَلُّوا عَلَيْهِ، وَادْفِنُوهُ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَقَدْ كَادَتِ الْمَلَائِكَةُ تَحُولُ بَيْنِى وبَيْنَهُ» 321. وأمّا أهلُ الحَرْبِ فلا يُصَلَّى عليهم؛ لكُفْرِهم، لا تُقْبَلُ فيهم شَفاعَةٌ، ولا يُسْتَجابُ فيهم دُعاءٌ، وقد نُهِينا عن الاسْتِغْفارِ لهم.
وأمّا تَرْكُ الصلاةِ على ماعِزِ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - تَرَك الصلاةَ عليه لعُذْرٍ؛ بدَلِيلِ أنَّه صَلَّى على الغامِدِيَّةِ، فقالَ له عُمَرُ: تَرْجُمُها، وتُصَلِّى عليها؟ فقالَ: «لَقَد تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ عَلَى أهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ» 322. كذلك

الجزء: 6 - الصفحة: 191

وَإنْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ، غُسِّلَ وَصُلِّىَ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ، لَا يُصَلَّى عَلَى الْجَوَارِحِ،  رَواه الأوْزاعِىُّ.
وروَى مَعْمَرٌ، وهِشامٌ، أنَّه أمَرَهم بالصلاةِ عليها.
واللهُ أعلمُ.

785 -

مسألة: (وإن وُجِد بَعْضُ المَيِّتِ، غُسِّلَ وصُلِّىَ عليه.

وعَنْهُ، لا يُصَلَّى على الجَوارِحِ) هذا المَشْهُورُ في المَذْهبِ.
هو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وعنه، لا يُصَلَّى على الجَوارِحِ.
نَقَلَهَا عنه ابنُ مَنْصُورٍ.
قال الخَلَّالُ: ولَعَلَّه قولٌ قَدِيمٌ لأبي عبدِ اللهِ، والأوَّلُ الذى اسْتَقَرَّ عليه قَوْلُه.

الحديث: 785 - الجزء: 6 - الصفحة: 192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: إن وُجِد الأكْثَرُ صُلِّىَ عليه، وإلَّا فلا؛ لأنَّه بَعْضٌ لا يَزِيدُ على النِّصْفِ، فلم يُصَلَّ عليه، كالذى بان في حَياةِ صاحِبِه، والشَّعَرِ والظُّفْرِ.
ولَنا، إجْماعُ الصحابةِ، رَضِىَ الله عنهم، قال أحمدُ: صَلَّى أبو أيُّوبَ على رِجْل، وصَلَّى عُمَرُ على عِظامٍ بالشّامِ، وصَلَّى أبو عُبَيْدَةَ على رُءوس بالشامِ.
رَواهما عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ، بإسْنادِه 323. وقال الشافعىُّ: ألْقَى طائِرٌ يَدًا بمَكَّةَ مِن وَقْعَةِ الجَمَلِ، عُرِفَتْ بالخَاتمِ، وكانت يدَ عبدِ الرحمنِ بنِ عَتّابِ بنِ أسِيدٍ، فصَلَّى عليها أهلُ مَكَّةَ 324. وكان ذلك بمَحْضَرٍ مِن الصحابةِ، ولم نَعْرِفْ مِن الصحابةِ مُخالِفًا في ذلك، ولأنَّه بعضٌ مِن جُمْلَةٍ تَجِبُ الصلاةُ عليها، فيُصَلَّى عليه، كالأكْثَرِ، وفارَقَ ما بان في الحَياةِ، لأنَّه مِن جُمْلَةٍ لا يُصَلَّى عليها، والشَّعَرُ.
والظُّفْرُ لا حَياةَ فيه.

الجزء: 6 - الصفحة: 193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن وُجد الجُزْءُ بعدَ دَفْنِ المَيِّتِ، غُسِّل وصُلِّىَ عليه، ودُفِن إلى جانِبِ القَبْرِ، أَو نُبِش بعضُ القَبْرِ ودُفِن فيه، ولا حاجَةَ إلى كَشْفِ المَيِّتِ؛ لأنَّ ضَرَرَ نَبْشِ المَيِّتِ وكَشْفِه أعْظَمُ مِن الضَّرَرِ بِتَفْرِقَةِ أجْزائِه.

الجزء: 6 - الصفحة: 194

وَإنِ اخْتَلَطَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِمَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، صُلِّىَ عَلَى الْجَمِيعِ، يَنْوِى مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ.

786 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَطَ مَن يُصَلَّى عليه بمَن لا يُصَلَّى عليه، صُلِّىَ على الجَمِيعِ، يَنْوِى مَن يُصَلَّى عليه)

قال أحمدُ: ويَجْعَلُهم بينَه وبينَ القِبْلَةِ، ثم يُصَلِّى عليهم.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان المسلمون أكْثَرَ، صَلَّى عليهم، وإلَّا فلا؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بالأكْثَرِ؛ بدَلِيلِ أنَّ دارَ المسلمين الظّاهِرُ فيها الِإسْلامُ؛ لكَثْرَةِ المسلمين بها، وعَكْسُها دارُ الحَرْبِ؛ لكَثْرَةِ الكُفّارِ بها.
ولَنا، أنَّه أمْكَنَ الصلاةُ على المسلمين مِن غيرِ ضَرَرٍ، فوَجَبَ، كما لو كانُوا أكْثَرَ، ولأنَّه إذا جاز أن يَقْصِدَ بصَلاِته ودُعائِه الأكْثَرَ، جاز أن يَقْصِدَ الأقَلَّ، ويِبْطُلُ ما قالُوه بما إذا اخْتَلَطَتْ أُخْتُه بأجْنَبِيّاتٍ، أو مَيْتَةٌ بمُذَكَّياتٍ، فإنَّه يَثْبُتُ الحُكْمُ للأقَلِّ، دُونَ الأكْثَرِ.
فصل: وإن وُجِد مَيِّتٌ، فلم يُعْلَمْ أمُسْلِمٌ هو أم كافِرٌ؟ نَظَر إلى العَلاماتِ؛ مِن الخِتانِ، والثِّيابِ، والخِضابِ، فإن لم يَكُنْ عليه عَلامَةٌ، وكان في دارِ الِإسْلامِ غُسِّلَ، وصُلِّىَ عليه.
وإن كان في دارِ الكُفْرِ، لم يُغَسَّلْ، ولم يُصَلَّ عليه.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ الأصْلَ أنَّ مَن كان في دارٍ، فهو مِن أهْلِها، يَثْبُتُ له حُكْمُهم مالم يَقُمْ على خِلافِه دَلِيلٌ.

الحديث: 786 - الجزء: 6 - الصفحة: 195

وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِى الْمَسْجِدِ.

787 - مسألة: (ولا بَأْسَ بالصلاةِ على المَيِّتِ في المَسْجِدِ)

[تَجُوزُ الصلاةُ على المَيِّتِ في المَسْجِدِ] 325 إذا لم يُخَفْ تَلْوِيثُه.
وبهذا قال الشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ.
وكَرِه ذلك مالكٌ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّه رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ صَلَّى عَلَىِ جنَازَةٍ فِى الْمَسْجِدِ فَلَا شَىْءَ لَهُ».
رَواه أحمدُ في «المُسْنَدِ» 326. ولَنا، ما روَى مسلمٌ 327 وغيرُه.، عن عائشةَ، رَضىَ اللهُ عنها، قالَتْ: ما صَلَّى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على سُهيْلِ بنِ بَيْضَاءَ إلَّا في المَسْجِدِ.
وروَى سعيدٌ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ العزِيزِ بنُ محمدٍ، عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، قال: صُلِّىَ على أبى بكر في المَسْجِدِ 328. وقال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن نافِعٍ، عن ابنِ

الحديث: 787 - الجزء: 6 - الصفحة: 196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عُمَرَ، قال: صُلِّىَ على عُمَرَ بالمَسْجِدِ 329. وهذا كان بمَحْضَرٍ مِن الصحابةِ، رَضِىَ الله عنهم، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا، ولأنَّها صلاةٌ فلم يُمْنَعْ منها في المَسْجِدِ، كسائِرِ الصَّلواتِ، وحديثُهم يَرْوِيه صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأمَةِ.
وقد قال فيه ابنُ عبدِ البَرِّ: مِن أهلِ العلمِ مَن لا يَحْتَجُّ بحَدِيثه أصْلًا؛ لضَعْفِه، ومنهمِ مَن يَقْبَلُ منه ما رَواه عن ابنِ أبى ذِئْبٍ خاصَّةً.
ثم يُحْمَلُ على مَن خِيفَ منه الانْفِجارُ، وتَلْوِيثُ المَسْجِدِ.
فصل: فأمَّا الصلاةُ على الجنازَةِ في المَقْبَرَةِ، ففيها رِوايتان؛ إحْداهما، لا بَأْسَ بها؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -صَلَّى على قَبْرِ وهو في المَقْبَرَةِ 330. وقال ابنُ المُنْذِرِ: ذَكَر نافِعٌ، أنَّه صُلِّىَ على عائشةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ وَسَطَ قُبُورِ البَقِيعِ؛ صَلِّى على عائشةَ أبو هُرَيْرَةَ، وحَضَر ذلك ابنُ عُمَرَ 331، وفَعَلَه عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ.
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ، يُكْرَهُ.
رُوِىَ ذلك عن عَلىٍّ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ، وابنِ عباس، وبه قال عَطَاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْأرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةَ والْحَمَّامَ» 332. ولأنَّه ليس بمَوْضِعٍ لصلاةٍ غيرِ صلاةِ

الجزء: 6 - الصفحة: 197

وِإنْ لَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُ النِّسَاءِ صَلَّيْنَ عَلَيْهِ.
الجِنازَةِ، فَكُرِهَتْ فيه صلاةُ الجِنازَةِ، كالحَمَّامِ.

788 -

مسألة: (وإن لم يَحْضُرْه إلَّا النِّسَاءُ صَلَّيْنَ عليه)

لأنَّ عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أمَرَتْ أن يُؤْتَى بسعدِ بنِ أبى وَقَّاصٍ؛ لتُصَلِّىَ عليه.
ولأنَّ الصلاةَ على المَيِّتِ صلاةٌ مَشْرُوعَةٌ، فتُشْرَعُ في حَقِّهِنَّ، كسائِرِ الصَّلَواتِ.

الحديث: 788 - الجزء: 6 - الصفحة: 198

فَصْلٌ فِى حَمْلِ الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ: يُسْتَحَبُّ التَّرْبِيعُ فِى حَمْلِهِ، وَهُوَ أَنْ يَضَعَ قَائِمَةَ السَّرِيرِ الْيُسْرَى الْمُقَدَّمَةَ عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَنْتَقِلَ إِلَى الْمُؤَخِّرَةِ، ثُمَّ يَضَعِ قَائِمَتَهُ الْيُمْنَى الْمُقَدَّمَةَ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَنْتَقِلَ إِلَى الْمُؤَخرَةِ،  فصلٌ في حَمْلِ المَيِّتِ وَدفْنِه

: 789 - مسألة: (يُسْتَحَبُّ التَّرْبِيعُ في حَمْلِهِ)

ومَعْناه الأخْذُ بقَوائِمِ السَّرِيرِ الأرْبَعِ.
وهو سُنَّةٌ؛ لقَوْلِ ابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللهُ عنه: إذَا اتَّبَعَ أحَدُكم جِنازَةً، فلْيَأْخُذ بجَوانِبِ السَّريرِ الأرْبعِ، ثم لْيَتَطَوَّعْ بعدُ أو لِيَذَرْ، فإنَّه مِن السُّنَّةِ.
رَواه سعيدٌ، في «سُنَنِه» (1). وهذا يَقْتَضِى سنَّةَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -. 790 -

مسألة؛ قال: (وهو أن يَضَعَ قائِمَةَ السَّرِيرِ اليُسْرَى المُقَدَّمَةَ

333 الحديث: 790 - الجزء: 6 - الصفحة: 199

وَإنْ حَمَلَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ فَحَسَنٌ.
على كَتِفِه اليُمْنَى، ثم يَنْتَقِلَ إلى المُؤَخَّرَةِ، ثم يَضَعَ قَائِمَتَه اليُمْنَى المُقَدَّمَةَ على كَتِفِه اليُسْرَى، ثم يَنْتَقِلَ إلى المُؤخَّرَةِ) هذا صِفَةُ التَّرْبِيعِ في المَشْهُورِ في المَذْهبِ.
اخْتارَه الخِرَقِىُّ، وإليه ذَهَب أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وعن أحمدَ، أنَّه يَدُورُ عليها، فيأخُذُ بعدَ يَاسِرَةِ المُؤخَّرَةِ يامِنَةَ المُؤخَّرَةِ ثم المُقَدَّمَةَ.
وهو مَذْهبُ إِسحاقَ.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عُمَرَ، وسعيدِ بن جُبَيْرٍ، وأيُّوبَ.
ولأنَّه أخَفُّ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه أحَدُ الجانِبَيْن، فيَنْبَغِى أَن يَبْدأ فيه بمُقَدَّمِه، كالأوَّلِ.

791 -

مسألة: (وإن حَمَل بينَ العَمُودَيْن فحَسَنٌ)

حَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن عثمانَ، وسعدِ بنِ مالكٍ، وابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيْرَةَ، وابن

الحديث: 791 - الجزء: 6 - الصفحة: 200

وَيُسْتَحَبُّ الإسْرَاعُ بِهَا،  الزُّبَيْرِ.
وقال به الشافعىُّ، وأحمدُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وكَرِهَه النَّخَعِىُّ، والحسنُ، وأبو حنيفةَ، وإسحاقُ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الصحابةَ، رَضِىَ الله عنهم، فَعَلُوه، وفيهم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
وقال مالكٌ: ليس في حَمْلِ المَيِّتِ تَوْقِيتٌ، يَحْمِلُ مِن حيث شاء.
ونَحْوَه قال الأوْزاعِىُّ.
واتِّباعُ الصحابةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فيما فَعَلُوه وقالُوه أحْسَنُ.

792 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ الِإسْراعُ بها)

لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا بينَ الأئِمَّةِ، رَحِمَهم الله؛ وذلك لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ،

الحديث: 792 - الجزء: 6 - الصفحة: 201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَإنْ تَكُنْ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ».
مُتَّفَقٌ عليه 334. واخْتَلَفُوا في الِإسْراعِ المُسْتَحَبِّ، فقال القاضى: هو إسْراعٌ لا يَخْرُجُ عن المَشْىِ المُعْتادِ.
وهو قولُ الشافعىِّ.
وقال أصحابُ الرَّأْىِ: يَخُبُّ ويَرْمُلُ؛ لِما روَى أبو داودَ 335، عن عُيَيْنَةَ ابنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه.
قال: كُنَّا في جنازَةِ عثمانَ بنِ أبى العاصِ، وكُنَّا نَمْشِى مَشْيًا خَفِيفًا؛ فلَحِقَنا أبو بَكْرَةَ 336، فرَفَعَ سَوْطَه، فقال: لقد رَأيْتُنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَرْمُلُ رَمَلًا.
ولَنا، ما روَى أبو سعيد، عن النبيِّ

الجزء: 6 - الصفحة: 202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه مُرَّ عليه بجِنازَةٍ تُمْخَضُ مَخْضًا 337، فقالَ: «عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِى جَنَائِزِكُمْ».
رَواه الِإمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ» 338. ولأنَّ الِإسْرافَ في الِإسْراعِ يَمْخُضُها، ويُوْذِى حامِلِيها ومُتَّبِعِيها، ولا يُؤْمَنُ على المَيِّتِ.
وقال ابنُ عباس في جِنازَةِ مَيْمُونَةَ: لا تُزَلْزِلُوا، وارْفُقُوا، فإنَّها أمُّكُمْ 339. فصل: واتِّباعُ الجَنائِزِ سُنَّةٌ؛ لقَوْلِ البَراءِ: أمَرَنا النبي - صلى الله عليه وسلم - باتِّباعِ الجَنائِزِ.
مُتَّفَقٌ عليه 340. واتِّبَاعُ الجَنائِزِ على ثَلاَثةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُها، أن يُصَلِّىَ عليها ثم يَنْصَرِفَ.
قال زيدُ بنُ ثابِتٍ: إذا صَلَّيْتَ فقد قَضَيتَ الذى عليك 341. وقال أبو داودَ: - رَأيْتُ أحمدَ مالا أُحْصِى صَلَّى على جَنائِزَ، ولم يَتْبَعْها إلى القَبْرِ، ولم يَسْتأْذِنْ.
الثانِى، أن يَتْبَعَها إلى القَبْرِ، ثم يَقِفَ حتى تُدْفَنَ؛ لقَوْلِ رسوَلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصِلِّىَ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ».
قِيلَ: وما القِيرَاطَان؟ قال:

الجزء: 6 - الصفحة: 203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ».
مُتَّفَقٌ عليه 342. الثالثُ، أن يَقِفَ بعدَ الدَّفْنِ، فيَسْتَغْفِرَ له، ويَسْألَ اللهَ له التَّثْبِيتَ، ويَدْعُوَ له بالرَّحْمَةِ، فإنَّه رُوِىَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان إذا دَفَن مَيِّتًا وَقَف، فقالَ: «اسْتَغْفِرُوا لَهُ 343، وَاسْألُوا الله لَهُ التَّثبِيتَ، فإنَّهُ الْآنَ يُسْألُ».
رَواه أبو داودَ 344. ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يقْرَأُ عندَه عندَ الدَّفْنِ أوَّلَ البَقَرَةِ وخاتِمَتَها.
ويُسْتَحَبُّ لمُتَّبعِ الجنازَةِ أن يَكُونَ مُتَخَشِّعًا، مُتَفَكِّرًا في مَآلِه 345 مُتَّعِظًا بالمَوْتِ، وبما يَصِيرُ إليه المَيِّتُ، لا يَتَحَدَّثُ بأحَاديثِ الدُّنْيَا، ولا يَضْحَكُ.
قال سعدُ بنُ مُعاذٍ: ما تَبِعْتُ جِنازَةً فحَدَّثْتُ نَفْسِى بغيرِ ما هو مَفْعُولٌ بها.
ورَأى بعضُ السَّلَفِ رجلًا يَضْحَكُ في جِنازَةٍ، فقالَ: تَضْحَكُ وأنت تَتْبَعُ الجنازَة؟! لا كَلَّمْتُك أبَدًا.

الجزء: 6 - الصفحة: 204

وَيَكُونُ الْمُشَاةُ أَمَامَهَا، وَالرُّكْبَانُ خَلْفَهَا [41 ظ]،

793 - مسألة: (و)

يُسْتَحَبُّ أن (يَكُونَ المُشاةُ أمامَها، والرُّكْبانُ خلفَها) أكْثَرُ أهلِ العلمِ يَرَوْن الفَضِيلَةَ للماشِى أن يَكُونَ أمامَ الجِنَازَةِ، رُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ، وعُمَرَ، وعثمانَ، وابن عُمَرَ، وأبى هُرَيْرَةَ، والحسنِ بنِ علىٍّ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأبي قَتادَةَ، وأبي أَسِيدٍ، وشرَيْحٍ، والقَاسِمِ بنِ محمدٍ، وسالمٍ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ.
وقال الأوْزاعِىُّ، وأصحابُ الرّأْىِ: المَشْىُ خلفَها أفْضَلُ، لِما روَى ابنُ مسعودٍ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «الجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ، وَلَا تَتْبَعُ، لَيْسَ مِنْها 346 مَنْ تَقَدَّمَهَا» 347. وقال علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه: فَضْلُ الماشِى خلفَ الجِنازَةِ على الماشِى قُدّامَها، كفَضْل المَكْتُوبَةِ على التَّطَوُّعِ، سَمِعْتُه مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - 348. ولأنَّها مَتْبُوعَةٌ فيَجِبُ أن تُقَدَّمَ

الحديث: 793 - الجزء: 6 - الصفحة: 205

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالِإمامِ في الصلاةِ، ولهذا قال في الحديثِ الصَّحِيحِ: «مَنْ تَبعَ جِنَازَةً» 349. ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: رَأيْتُ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكرٍ، وعُمَرِ، يَمْشُون أمامَ الجِنازَةِ.
رَواه أبو داودَ، والتِّرمِذِىُّ 350، وعن أنَس نَحْوُه، رَواه ابنُ ماجه 351. قال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَت أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعُمَرَ، كانُوا يَمْشُون أمامَ الجِنازَةِ.
وقال أبو صالِحٍ: كان أصحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَمْشُون أمامَ الجِنازَةِ.
ولأنَّهم شُفَعاءُ له؛ بدَلِيلِ قَوْلِهِ عليه السّلامُ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّى عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَبْلُغُون مِائَةً، كُلُّهُمْ 352 يَشْفَعُونَ لَهُ، إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ».
رَواه مسلمٌ 353. والشَّفِيعُ يَتَقَدَّمُ المَشْفُوعَ له، وحديثُ ابنِ مسعودٍ يَرْوِيه أبو ماجِدٍ، وهو مَجْهُولٌ.
قِيلَ ليَحْيىَ: مَن أبو ماجِدٍ هذا؟ قال: طائِرٌ طار.

الجزء: 6 - الصفحة: 206

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال التِّرْمِذىُّ: سَمِعْتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ يُضَعِّفُ هذا الحَدِيثَ.
والحَدِيثُ الآخَرُ لم يَذْكُرْه أصحابُ السُّنَنِ.
وقالُوا: هو ضَعِيفٌ.
ثُم نَحْمِلُه على مَن تَقَدَّمَهَا إلى مَوْضِعِ الصلاةِ أو الدَّفْنِ، ولمِ يَكُنْ معها.
وقِياسُهم يَبْطُلُ بسُنَّةِ الصُّبْحِ والظُّهْرِ، فإنَّها تابعَةٌ لهما، وَتتَقَدَّمُهما في الوُجُودِ.
فصل: ويُكْرَهُ الرُّكُوبُ في اتِّباعِ الجَنائِزِ؛ لِما روَى ثَوْبانُ، قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في جنازَةٍ، فرَأى ناسًا رُكْبانًا، فقالَ: «ألَا تَسْتَحْيُونَ أَنَّ مَلَائِكَةَ اللهِ عَلَى أقْدَامِهمْ، وَأنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ».
رَواه التِّرْمِذِىُّ 354. فإن رَكِب، فالسُّنَّةُ أن يَكُونَ خلف الجِنازَةِ.
قال الخَطّابِىُّ 355 في الرّاكِبِ: لا أعْلَمُهم اخْتَلَفُوا في أنَّه يَكُونُ خلفها؛ [لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -] 356: «الرَّاكِبُ يمْشِى خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِى يَمشِى خَلْفَهَا وَأمَامَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا، قَرِيبًا مِنْها».
رَواه أبو

الجزء: 6 - الصفحة: 207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  داودَ 357، التِّرْمِذِىُّ، ولَفْظُه: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِى حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ» 358. وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ.
ولأنَّ سَيْرَ الرَّاكِبِ أمامَها يُؤْذِى المُشاةَ.
فأمّا الرُّكُوبُ في الرُّجُوعَ مِن الجِنازَةِ فلا بأْسَ به.
قال جابِرُ بنُ سَمُرَةَ: إنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - اتَّبَعَ جِنازَةَ ابنِ الدّحْداحِ ماشِيًا، ورَجَع على فَرَسٍ.
قال التِّرْمِذِىُّ 359: هذا حديثٌ صحيحٌ.
فصل: ويُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ عندَ الجَنائِزِ، لنَهْىِ النبى - صلى الله عليه وسلم - أن تُتْبَعَ

الجزء: 6 - الصفحة: 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الجَنائِزُ بصَوْتٍ 360. قال ابنُ المُنْذِرِ: رَوَيْنا بن قَيْسِ بنِ عُبَادٍ 361، أنَّه قال: كان أصحابُ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَكْرَهُون رَفْعَ الصَّوْتِ عندَ ثَلاثٍ؛ عندَ الجَنائِزِ، وعندَ الذِّكْرِ، وعندَ القِتالِ 362. وكَرِه سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسعيدُ بنُ جُبَيْر، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، وإمامُنا، وإسحاقُ، قول القائِلِ خلفَ الجِنازَةِ: اسْتَغْفِرُوا له.
وقال الأوْزاعِىُّ: بِدْعَةٌ.
وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ في مَرَضِه: إيّاىَ وحَادِيهم، هذا الذى يَحْدُو لهم، يَقُولُ: اسْتَغْفِرُوا له، غَفَر الله لكم.
وقال فُضَيْلُ بنُ عَمْرِو: بَيْنَا ابنُ عُمَرَ في جِنازَةٍ، إذْ سَمِع قائِلًا يَقُولُ: اسْتَغْفِرُوا له، غَفَرَ اللهُ لكم.
فقال ابنُ عُمَرَ: لا غَفَر اللهُ لك.
رَواهما سعيدٌ.
قال أحمدُ: ولا يَقُولُ خلفَ الجِنازَةِ: سَلِّمْ رَحِمَك الله.
فإنَّه بِدْعَةٌ.
ولكنْ يَقُولُ: بسمِ اللهِ، وعلى مِلَّةِ رسولِ اللهِ.
ويَذْكُرُ الله إذا تَناوَلَ السَّرِيرَ.
ومَسُّ الجِنازَةِ بالأيْدِى والأكْمامِ والمَنادِيل مُحْدَثٌ مَكْرُوهٌ، ولا يُؤْمَنُ معه فَسادُ المَيِّتِ، وقد مَنَع العُلَماءُ مَسَّ القَبْرِ، فمَسُّ الجَسَدِ مع احْتِمالِ الأذَى أوْلَى بالمَنْعِ.
فصل: ويُكْرَهُ اتِّبَاعُ المَيِّتِ بِنارٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: يَكْرَهُ ذلك كلُّ

الجزء: 6 - الصفحة: 209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  من نَحْفَظُ 363 عنه من أهلِ العلمِ.
رُوىَ عن ابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيْرَةَ، وعبدِ اللهِ بنِ مُغَفَلٍ، ومًعْقِلِ بنِ يًسارٍ 364، وأَبى سعيدٍ، وعائشةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّهم وَصَّوْا أن لا يُتْبَعُوا بنارٍ.
وروَى ابنُ ماجه 365، أنَّ أبا موسى حينَ حَضَرَه المَوْتُ، قال: لا تَتْبَعُونِى بمِجْمَرٍ.
قالُوا له: أوَ سَمِعْتَ فيه شيئًا؟ قال: نعم، مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وروَى أبو داودَ 366، بإسْنادِه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تُتْبَعُ الْجِنازَةُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ».
فإن دُفِن لَيْلًا فاحْتاجُوا إلى ضَوْءِ، فلا بَأْسَ به، إنَّما كُرِة المَجَامِرُ فيها البَخُورُ.
وفى حديثٍ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه دَخَل قَبْرًا لَيْلًا، فأُسْرِجَ له سِراجٌ 367. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ.
فصل: ويُكْرَهُ اتِّباعُ النِّساءِ الجَنائِزَ؛ لِما رُوِىَ عن أُمِّ عَطِيَّةَ، قالت: نُهِينا عن اتِّباعِ الجَنائِزِ، ولم يُعْزَمْ علينا.
مُتَّفَقٌ عليه 368. كَرِه ذلك ابنُ مسعودٍ، وابنُ عُمَرَ، وأبو أُمَامَةَ، وعائشةُ، ومَسْرُوقٌ، والحسنُ،

الجزء: 6 - الصفحة: 210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والنَّخَعِىُّ، والأوزاعِىُّ، وإسحاقُ.
ورُوِى أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - خَرَج فإذا نِسوَةٌ جُلُوسٌ، قال: «مَا يُجْلِسُكُنّ؟».
قُلْنَ: نَنْتَظِرُ الجِنازَةَ.
قال:.
«هَلْ تُغَسِّلنَ؟».
قُلْنَ: لا.
قال: «هل تَحْمِلْنَ؟».
قُلْنَ: لا.
قال: «هل تُدْلِينَ فىَ من يُدْلِى؟».
قُلْنَ: لا.
قال: «فَارْجعْنَ مأْزُورَاتٍ، غَيْرَ مأْجُورَاتٍ».
رَواهُ ابن ماجه 369، ورُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لَقِىَ فاطمةَ، قال: «مَا أخْرَجَكِ يَا فَاطِمَةُ مِنْ بَيْتِكِ؟».
قالَتْ: يارسولَ اللهِ أتَيْتُ أهْلَ هذا البَيْتِ، فرَحَّمتُ إليهما مَيِّتَهم، أو عَزَّيْتُهم به.
قال لها رسوا اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَلَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى» 370. قالت: مَعاذَ اللهِ، وقد سَمِعْتُك تَذكُرُ فيها ما تَذْكُرُ.
قال: «لَوْ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى».
فذَكَرَ تَشْدِيدًا.
رَواه أبو داودَ 371. فصل: فإن كان مع الجِنازَةِ مُنْكَرٌ يَراه أو يَسْمَعُه، فإن قَدَر على إنْكارِه وإزالَتِه أزالَه.
وإن لم يَقْدِرْ على إزالَتِهِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُنْكِرُه، ويَتْبَعُها.
فيَسْقُطُ فَرْضُه بالِإنْكارِ، ولا يَتْرُكُ حَقًّا لباطِلٍ.
والثانِى، يَرْجِعُ.
لأنَّه يُؤدِّى إلى اسْتِماعِ مَحْظُورٍ ورُؤْيَتِه، مع قُدْرَتِه على تَرْكِ ذلك.
= داود، في: باب في اتباع النساء الجنائز، من كتاب الجنائز.
سنن أبى داود 2/ 180.: وابن ماجه، في: باب ما جاء في أتباع النساء الجنائز، من كتاب الجنائز.
سنن ابن ماجه 1/ 502. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 408.

الجزء: 6 - الصفحة: 211

وَلَا يَجْلِسُ مَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُوضَعَ،

794 - مسألة: (ولا يَجْلِسُ مَن تَبِعَها حتى تُوضَعَ)

ومِمَّن رَأى أن لا يَجْلِسَ حتى تُوضَعَ عن أعْناقِ الرِّجالِ الحسنُ بنُ علىِّ، وابنُ عُمَرَ، وأبو هُرَيْرَةَ، وابنُ الزُّبَيْرِ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ.
ووَجْهُ ذلك ما روَى مسلمٌ 372، بإسْنادِه، عن أبى سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا اتَّبَعْتُمُ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ».
وقال الشافعىُّ: هذا مَنْسُوخٌ بقَوْلِ علىٍّ: قام رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثم قَعَد.
رَواه مسلمٌ 373. قال إسحاقُ: مَعْنَى قَوْلِ علىٍّ: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا رَأى الجِنازَةَ قام، ثم تَرَك ذلك بعدُ.
وعلى هذا التَّفْسِيرِ لا يَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ.
وليس في اللَّفْظِ عُمُومٌ فيَعُمُّ الأمْرَيْن جَمِيعًا، فلم يَجُزِ النَّسْخُ بأمْرِ مُحْتَملٍ، ولأنَّ قَوْلَ علىٍّ: قام رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثم قَعَد.
يَدُلُّ على ابْتِداءِ

الحديث: 794 - الجزء: 6 - الصفحة: 212

وَإنْ جَاءَتْ وَهُوَ جَالِسٌ لَمْ يَقُمْ لَهَا.
فِعْلِ القِيامِ، وههُنا إنَّما وُجِدَتْ منه الاسْتِدَامَةُ.
إذا ثَبَت هذا، فأظْهَرُ الرِّوايُتَيْن أنَّه أُرِيدَ وَضْعُها عن أَعْناقِ الرِّجالِ.
وهو قولُ مَن ذَكَرْنا مِن قبلُ.
وقد رُوِىَ الحديثُ: «إذَا اتَّبَعْتُمُ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرضِ».
ورَواه أبو مُعاوِيَةَ: «حَتَّى تُوضَعَ فِى اللَّحْدِ».
وحديثُ سُفْيانَ أصَحُّ.
فأمَّا مَن تَقَدَّمَ الجِنازَةَ فلا بَأسَ أن يَجْلِسَ قبلَ أن تَنْتَهِىَ إليه.
قال التِّرْمِذِىُّ (1): رُوِىَ عن بعضِ أهلِ العلمِ من أصحابِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهم كانُوا يَتَقَدَّمُون الجِنازَةَ، فيَجْلِسُون قبلَ أن تَنْتَهِىَ إليهم.
وإذا جاءَتْ وهو جالِسٌ لم يَقُمْ لها.
لِما يأْتِى بعدُ.

795 -

مسألة: (وإن جاءَتْ وهو جالِسٌ لم يَقُمْ لها)

لِما ذَكرْنا مِن حديثِ عَلىٍّ، وقد فَسَّرَه إسْحاقُ بِما حَكَيْنا.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إن قام لم أَعِبْه، وإن قَعَد فلا بَأسَ.
وذَكَر ابنُ أبى موسى، والقاضى، أنَّ القِيامَ مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا رأَى أحَدُكُمُ الْجِنَازَةَ فَلْيَقُمْ حينَ يَرَاهَا، حَتَّى تَخْلُفَهُ».
رَواه مسلمٌ 375؛ وقد ذَكَرْنا374

الحديث: 795 - الجزء: 6 - الصفحة: 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّ آخِرَ الأمْرَيْن مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَرْكُ القيامِ لها، والأخْذُ مِن آخِرِ أمْرِه أوْلَى.
وقد رُوِىَ في حديثٍ، أنَّ يَهُودِيًّا رَأَى النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَام للجِنازَةِ، فقالَ: يا محمدُ، هكذا نَصْنَعُ.
فتَرَكَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - القِيامَ لها 376. = وأبو داود، في: باب القيام للجنازة، من كتاب الجنائز.
سنن أبى داود 2/ 181. والترمذي، في: باب ما جاء في القيام للجنازة، من أبواب الجنائز.
عارضة الأًحوذى 4/ 263، 264. والنسائى، في: باب الأمر بالقيام للجنازة، من كتاب الجنائز.
المجتبى 4/ 36. وابن ماجه، في: باب ما جاء في القيام للجنازة، من كتاب الجنائز.
سنن ابن ماجه 1/ 492. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 445.

الجزء: 6 - الصفحة: 214

وَيُدْخَلُ قَبْرَهُ مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ، إِنْ كَانَ أَسْهلَ عَلَيْهِم،

796 - مسألة: (ويُدْخَلُ قَبْرَه من عندِ رِجْلِ القَبْرِ، إن كان أسْهَلَ عليهم)

المُسْتَحَبُّ أن يُوضَعَ رَأسُ المَيِّتِ عندَ رِجْلِ القَبْرِ، ثم يُسَلَّ سَلًّا إلى القَبْرِ.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وأنَسٍ، وعبدِ اللهِ بنِ يَزيدَ الأنْصارِىِّ 377، والنَّخَعِىِّ، والشَّعبِىِّ، والشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: تُوضَعُ الجِنازَةُ على جانِبِ القَبْرِ مِمَّا يَلى القِبْلَةَ، ثم يُدْخَلُ القَبْرَ مُعْتَرِضًا؛

الحديث: 796 - الجزء: 6 - الصفحة: 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّه يُرْوَى عن علىًّ، رَضِىَ اللهُ عنه.
وقال النَّخَعِىُّ: حَدَّثَنِى مَن رَأَى أهلَ المَدِينَةِ في الزَّمَنِ الأوّلِ يُدْخِلُونَ مَوْتاهم مِن قِبَلِ القِبْلَةِ، وأنَّ السَّلَّ شىْءٌ أحْدَثَه أهل المَدِينَةِ.
لَنا، أنَّ الحارِثَ أوْصَى أن يَلِيَه عندَ مَوْتِه عبدُ اللهِ ابنُ يزِيدَ الأنْصَارِىُّ، فصَلَّى 378 عليه، ثم دَخَل القَبْرَ، فأدْخَلَه مِن رِجْلَىِ القَبْرِ، وقال: هذه السُّنَّةُ 379. وهذا يَقْتَضى سنَّةَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. رَواه الِإمام أحمدُ 380. وروَى ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - سُلَّ مِنِ قِبَلِ رَأْسِه سَلَّا 381. وما ذُكِر عن النَّخَعِىِّ لا يَصِحُّ، لأنَّ مَذْهَبه بخِلافِه، ولأنَّه لا يَجُوزُ على العَدَدِ الكَثِيرِ أن يُغَيِّرُوا سُنَّةً [ظاهِرةً في الدَّفْنِ] 382 إلَّا بسَبَبٍ ظاهِرٍ، أو سُلْطَانٍ قاهِرٍ.
ولم يُنْقَلْ شئٌ مِن

الجزء: 6 - الصفحة: 216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك، ولو نُقِلَ فسُنَّةُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - مُقَدَّمَةٌ على فِعْلِ أهْلِ المَدِينَةِ.
فأمّا إن كانْ أخْذُه مِن قِبَلِ القِبْلَةِ، أو مِن رأْاسِ القَبْرِ أسْهَلَ عليهم، فلا حَرَجَ فيه؛ لأنَّ اسْتِحْبَابَ أخْذِه مِن عندِ رِجْلِ القَبْرِ، إنَّما كان طَلَبًا للأسْهَلِ.
قال أحمدُ: كُلٌّ لا بأْسَ به.

الجزء: 6 - الصفحة: 217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: قال أحمدُ: يُعَمَّقُ القَبْرُ إلى الصَّدْرِ، الرجلُ والمرأةُ في ذلك سَواءٌ.
كان الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ يَسْتَحِبّان ذلك.
وروَى سعيدٌ، بإسْنادِه، أنَّ عُمَرَ بنَ عبدِ العزِيزِ لمّا مات ابْنُه، أمَرَهم أن يَحْفِرُوا قَبْرَه إلى السُّرَّةِ، ولا يُعَمِّقُوا، فإنَّ ما على ظَهْرِ الأرْضِ أفْضَلُ مِمّا سَفُلَ منها.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ أنَّه يُسْتَحَبُّ أن يُعَمَّقَ قَدْرَ قامَةٍ وبَسْطَةٍ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «احْفِرُوا، وَأوْسِعُوا، وَأعْمِقُوا».
رَواه أبو داودَ 383. ولأنَّ ابنَ عُمَرَ أوْصَى بذلك.
والمَنْصُوصُ عن أحمدَ ما ذَكَرْنا أوَّلًا؛ لأنَّ التَّعْمِيقَ قَدرَ قامَةٍ وبَسْطَةٍ يَشُقُّ، ويَخْرُجُ عن العادَةِ.
وقَوْلُه - صلى الله عليه وسلم -: «أَعْمِقُوا» ليس فيه بَيانُ قَدْرِ التَّعْمِيقِ، ولم يَصِحَّ مَا رَوَوه عن ابنِ عُمَرَ، ولو صَحَّ عندَ أحمدَ لم يَعْدُه إلى غيرِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُسْتَحَبُّ تَحْسِينُه وتَعْمِيقُه وتَوْسِيعُه؛ للخَبَرِ.
وقد روَى زيدُ بنُ أسْلَمَ،

الجزء: 6 - الصفحة: 218

وَلَا يُسَجَّى الْقَبْرُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِامْرأةٍ.
وَيَلْحَدُ لَهُ لَحْدًا، وَيَنْصِبُ عَلَيْهِ اللَّبِنَ نَصْبًا،  قال: وَقَف رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - علىِ قَبْرٍ، فقالَ: «اصْنَعُوا كَذَا، اصْنَعُوا كَذَا»، ثم قال: «مَابِى أنْ يَكُون يُغْنِى عَنْهُ شَيْئًا، وَلَكِنَّ الله يُحِبُّ إذَا عُمِلَ العَمَلُ أنْ يُحْكَمَ».
قال مَعْمَرٌ: وبَلَغَنِى أنَّه قَالَ: «وَلَكِنَّهُ أطْيَبُ لِأنْفُسِ أهْلِهِ».
رَواه عبدُ الرَّزّاقِ، في كتابِ الجَنَائِزِ (1).

797 -

مسألة؛ قال: (ولا يُسَجَّى القَبْرُ، إلَّا أن يَكُونَ لامرأةٍ)

قال الشَّيْخُ (2)، رَحِمَه اللهُ، لا نَعْلَمُ في اسْتِحْبابِ تَغْطِيَةِ قَبْرِ المرأةِ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ.
وقد روَى ابنُ سِيرِينَ أنَّ عُمَرَ قال: يُغَطَّى قَبْرُ المرأةِ.
ومَرَّ علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه، بقَوْمٍ قد دَفَنُوا مَيَتّاً، وبَسَطُوا على قَبْرِه الثَّوْبَ، فَجَذَبَه، وقال: إنَّما يُصْنَعُ هذا بالنِّساءِ (3). ولأنَّ المرأةَ عَوْرَةٌ، ولا يُؤْمَنُ أن يَبْدُوَ منها شئٌ فيَرَاه الحاضِرُون.
فأمَّا قَبْرُ الرجلِ فيُكْرَهُ سَتْرُه، لِما ذَكَرْنا، وكَرِهَه عبدُ الله بِنُ يَزِيدَ، ولم يَكْرَهْه أصحابُ الرَّأْىِ، وأبو ثَوْرٍ.
والأوَّلُ أوْلَى، لأنَّ فِعْلَ علىٍّ يَدُلُّ على كَراهتِه، ولأنَّ كَشْفَه أمْكَنُ وأبْعَدُ مِن التَّشَبُّهِ بالنِّساءِ، مع ما فيه مِن اتِّباعِ أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.

798 -

مسألة: (ويَلْحَدُ له لَحْدًا، ويَنْصِبُ عليه اللَّبِنَ نَصْبًا)

384385386 الحديث: 797 - الجزء: 6 - الصفحة: 219

وَلَا يُدْخِلُهُ خَشَبًا، وَلَا شَيْئًا مَسَّتْهُ النَّارُ،  لقوْلِ سعدِ بنِ أبِى وَقّاصٍ: الْحِدُوا لى لَحْدًا، وانْصِبُوا علىَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كما صُنِعَ برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. رَواه مسلمٌ (1). ومَعْنَى اللَّحْدِ: أنَّه إذا بَلَغ أرْضَ القَبْرِ حَفَر فيه مِمَّا يَلِى القِبْلَةَ مَكانَا يُوضَعُ فيه المَيِّتُ، فإن كانَتِ الأرْضُ رُخْوَةً جَعَلَ شِبْة اللّحْدِ مِن الحِجارَةِ.
قال أحمدُ: وَلا أُحِبُّ الشَّقَّ، لِما روَى ابنُ عَبّاسٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِى، والتِّرْمِذِىُّ (2). وقال: غريبٌ.
فإن عَجَز عن اللَّحْدِ شَقَّ له في الأرضِ، ومَعْنَى الشَّقِّ: أن يَحْفِرَ في أرضِ القَبْرِ شَقًّا يَضَعُ المَيِّتَ فيه، ويَسْقُفُه عليه بشئٍ.

799 -

مسألة: (ولا يُدْخِلُ القَبْرَ خَشَبًا، ولا شيئًا مَسَّتْه النّار)

387388 الحديث: 799 - الجزء: 6 - الصفحة: 220

وَيَقُولُ الَّذِى يُدْخِلُهُ: بِسْمِ اللهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ.
قال إبراهيمُ: كانُوا يَسْتَحِبُّونَ اللَّبِنَ، ويَكْرَهُون الخَشَبَ (1). ولا يُستَحَبُّ الدَّفنُ في تابُوتٍ؛ لأنَّه خَشَبٌ، ولم يُنْقَلْ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابِه، وفيه تَشَبُّهٌ بأهلِ الدُّنْيَا، والأرْضُ أنْشَفُ لفَضَلاتِه.
ويُكْرَهُ الآجُرُّ، وسائِرُ ما مَسَّتهُ النّارُ، تَفاؤُلًا أن لا تَمَسَّه النّارُ.

800 -

مسألة: (ويَقُولُ الذى يُدْخِلُه: بسْمِ اللهِ، وعلى مِلَّةِ رسولِ اللهِ)،

لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أدْخلَ المَيِّتَ القَبْرَ، قال: «بسْمِ اللهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ».
ورُوِىَ: «390 وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ».
قال التِّرمِذِىُّ 391: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وروَى389 = وقد عزاه ابن حجر في: تلخيص الحبير 2/ 137 للإمام أحمد.
وانظر: نصب الراية للزيلعى 2/ 296، والفتح الربانى 8/ 52، 53. وأخرجه الإمام أحمد من طريق جرير بن عبدالله.
المسند 4/ 357، 359.

الحديث: 800 - الجزء: 6 - الصفحة: 221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنُ ماجه 392، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: حَضَرْتُ ابنَ عُمَرَ في جِنازَةٍ، فلَمّا وَضَعَها في اللَّحْدِ، قال: بِسْمِ اللهِ، [وفى سَبِيلِ الله] 393، وعلى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ.
فلمّا أخَذَ في تَسْوِيَةِ اللَّبِنِ على اللّحْدِ، قال: اللَّهُمَّ أَجِرْهْا من الشَّيْطانِ، ومِن عَذابِ القَبْرِ، اللَّهُمَّ جَافِ الأرْضَ عن جَنْبَيْها، وصَعِّدْ رُوحَها، ولَقِّها منك رِضْوانًا.
قُلْتُ: يا ابْنَ عُمَرَ أشئٌ سَمِعْتَه مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أم قُلْتَه برَأْيِكَ؟ قال: إنِّى إذًا لقادِرٌ على القَوْلِ! بل سَمِعْتُه مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. ورُوِىَ عن عُمَرَ، أنَّه كان إذا سَوَّى على المَيِّتِ قال: اللَّهُمَّ أسْلَمَه إليك الأهلُ والمالُ والعَشِيرَةُ، وذَنْبُهُ عَظِيمٌ، فاغْفِرْ له.
رَواه ابنُ المُنْذِرِ 394. فصل: وإذا مات في سَفِينَةٍ في البَحْرِ، فقالَ أحمدُ: يُنْتَظَرُ به إن كانُوا يَرْجُون أن يَجِدُوا له مَوْضِعًا يَدْفِنُونه، حَبَسُوه يَوْمًا أو يَوْمَيْن، ما لم يَخافُوا عليه، فإن لم يَجِدُوا غُسِّلَ، وكُفِّنَ، وحُنِّطَ، ويُصَلَّى عليه، ويُثَقَّلُ بِشئٍ، ويُلْقَى في الماءِ.
وهذا قولُ عَطاءٍ.
قال الحسنُ: يُتْرَكُ في

الجزء: 6 - الصفحة: 222

وَيَضَعُهُ فِى لَحْدِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَن، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ،  زِنْبِيلٍ (1)، ويُلْقَى في البَحْرِ.
وقال الشافعىُّ: يُرْبَطُ بينَ لَوْحَيْنِ؛ ليَحْمِلَه البَحْرُ إلى السّاحِلِ، فرُبَّما وَقَع إلى قَوْمٍ يَدْفِنُونَه، وإن ألْقَوْه في البَحْرِ لم يَأْثَمُوا.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه يَحْصُلُ به السَّتْرُ المَقْصُودُ مِن دَفْنِه، وإلْقَاؤُه بينَ لَوْحَيْن يَعْرِضُ له التَّغَيُّرُ والهَتْكُ، ورُبَّما بَقِىَ على السّاحِلِ مَهْتُوكًا عُرْيانًا، ورُبَّما وَقَع إلى قَوْمٍ مِن المُشْرِكِين، فكان ما ذَكَرْنا أوْلَى.

801 -

مسألة: (وَيَضَعُه في لَحْدِه على جَنْبِه الأيْمَنِ، مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ)

بوَجْهِه؛ لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا نَامَ أحَدُكُمْ فَلْيَتَوَسَّدْ يَمِينَهُ» 396. ويُسْتَحَبُّ أن يَضَع تحتَ رَأْسِه لَبِنَةً، أو حَجَرًا، أو شَيْئًا مُرْتَفِعًا، كما يَصْنَعُ الحَىُّ.
وإن ترَكَه فلا بَأْسَ؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضىَ اللهُ عنه، قال: إذا جَعَلْتُمُونِى في اللَّحْدِ فأفْضُوا بِخَدِّى إلى الأرْضِ.
ويُدْنَى من الحائِطِ؛ لِئَلَّا يَنْكَبَّ على وَجْهِه، ويُسْنَدُ مِن وَرائِه بتُرابٍ؛ لِئَلَّا يَنْقَلِبَ.395

الحديث: 801 - الجزء: 6 - الصفحة: 223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال أحمدُ: ما أُحِبُّ أن يُجْعَلَ في القَبْرِ مُضَرَّبَة 397، ولا مِخَدَّةٌ.
وقد جُعِلَ في قَبْرِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَطِيفَةٌ حَمْراءُ 398، فإن جَعَلُوا قَطِيفَةً فلِعِلَّةٍ.
فإذا فَرَغُوا نَصَبُوا عليه اللَّبِنَ نَصْبًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ سَعْدٍ 399. ويُسَدُّ عليه بالطِّينِ لِئَلَّا يَصِلَ إليه التُّرابُ، وإن جَعَل مَكانَ اللَّبِنِ قَصَبًا،.
فحَسَنٌ؛ لأنَّ الشَّعْبِىَّ، قال: جُعِل على لَحْدِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - طُنُّ 400 قَصَبٍ 401. قال الخَلَّالُ: كان أبو عبدِ الله يِمِيلُ إلى اللَّبِنِ، ويَخْتارُه على القَصَبِ، ثم تَرَك ذلك ومال إلى اسْتِحْبابِ القَصَبِ على اللَّبِنِ، وأمّا الخَشَبُ فكَرِهَه على كلِّ حالٍ، ورَخَّصَ فيه عنْدَ الضَّرُورَةِ.
قال شيخُنا 402: وأكْثَرُ الرِّواياتِ عن أحمدَ اسْتِحْبَابُ اللَّبِنِ، وتَقْدِيمُه على القَصَبِ؛ لحَديثِ سَعْدٍ، وقَوْلُه أوْلَى مِن قولِ الشَّعْبِىِّ؛ لأنَّ الشَّعْبِىَّ لم يَرَ، ولم يَحْضُرْ، وكِلاهُما حَسَنٌ.

الجزء: 6 - الصفحة: 224

وَيَحْثُو التُّرَابَ فِى الْقَبْرِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، وَيُهَالُ عَلَيْهِ التُّرَابُ،  قال حَنْبَلٌ: قُلْتُ لأَحمدَ: فإن لم يَكُنْ لَبِنٌ؟ قال: يُنْصَبُ عليه القَصَبُ والحَشِيشُ، وما أمْكَنَ مِن ذلك.

802 -

مسألة: (ويَجْثُو التُّرابَ في القَبْرِ ثَلاثَ حَثَياتٍ، ويُهالُ عليه التُّرابُ)

رُوِىَ عن أبى عبدِ اللهِ، أنَّه حَضَر جِنازَةً، فلَمَّا أُلْقِىَ عليها التُّرَابُ، قام إلى القَبْرِ فَحَثَى عليه ثَلاثَ حَثَياتٍ ثم رَجَع إلى مَكانِه.
وقال: قد جاء عن علىٍّ وصَحَّ، أنَّه حَثَى على قَبْرِ ابْنِ المُكَفِّفِ 403. ورُوِىَ عنه

الحديث: 802 - الجزء: 6 - الصفحة: 225

وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ عَنِ الْأرْضِ قَدْرَ شِبْرِ مُسَنَّمًا،  أنَّه قال: إن فَعَل فحَسَنٌ، وإن لم يَفْعَلْ فلا بَأْسَ.
ووَجْهُ اسْتِحْبابِه ما رُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلّى على جِنازَةٍ، ثم أتَى قَبْرَ المَيِّتِ مِن قِبَلِ رَأْسِه، فحَثَى عليه ثَلاثًا.
أخْرَجَه ابنُ ماجه (1). وعن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - حَثَى على المَيِّتِ ثَلاثَ حَثَياتٍ بيَدَيْه جَمِيعًا.
رَواه الشافعىُّ (2). وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه لَمّا دَفَن زيدَ بنَ ثابِتٍ، حَثَى في قَبْرِه ثَلاثًا، وقال: هكذا يَذْهبُ العِلْمُ (3). فإذا فَرَغ مِن لَحْدِه أهالَ عليه التُّرابَ؛ لأنَّ دَفْنَه واجِبٌ، وذلك يَحْصُلُ بإهالَةِ التُّراب عليه.

803 -

مسألة: (ويُرْفَعُ القَبْرُ عن الأَرْضِ قَدرَ شِبْرِ مُسَنَّمًا)

يُسْتَحَبُّ رَفْعُ القَبْرِ عن الأرْضِ، ليُعْرَفَ أنَّه قَبْرٌ، فيُتَوَقَّى، ويُتَرَحَّمَ على صاحِبِه وقد روَى السّاجِىُّ، عن جابِرِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رُفِع قَبْرُه عن404405406

الحديث: 803 - الجزء: 6 - الصفحة: 226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأرْضِ قَدرَ شِبْرٍ 407. وروَى القاسِمُ بنُ محمدٍ، قال: قُلْتُ لعائشةَ: يا أُمَّهْ، اكْشِفِى لى عن قَبْرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وصاحِبَيْه.
فكَشَفَتْ لى عن ثَلاثَةِ قُبُورٍ، لا مُشْرِفَةٍ ولا لاطِئَةٍ 408؛ مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحاءِ العَرْصَةِ الحَمْراءِ.
رَواه أبو داودَ 409. ولا يُسْتَحَبُّ رَفْعُه أكْثَرَ مِن ذلك؛ لِما ذَكَرْنَا، ولقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - لعلىٍّ: «لَا تَدَعْ تِمْثَالًا إلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ».
رَواه مسلمٌ 410، وغيرُه.
والمُشْرِفُ ما رُفِع كَثِيرًا، بدَلِيلِ قولِ القاسِمِ في صِفَةِ قَبْرِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - وصاحِبَيْه: لا مُشْرِفَةٍ، ولا لاطِئَةٍ.
ولا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ القَبْرِ بأكْثَرَ مِن تُرابِه.
نَصَّ عليه أحمدُ، وِرَواه عن عُقْبَةَ بنِ عامِرِ.
وروَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه، عن جابِرٍ، قال: نهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُزادَ على القَبْرِ على حُفْرَتِه 411. فصل: وتَسْنِيمُ القَبْرِ أفْضَلُ مِن تَسْطِيحِه.
وبه قال مالكٌ، وأبو

الجزء: 6 - الصفحة: 227

وَيُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ،  حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ.
وقال الشافعىُّ: تَسْطِيحُه أفْضَلُ.
قال: وبَلَغَنا أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - سَطَّحَ قَبْرَ ابْنِه إبراهيمَ (1). وعن القاسِمِ، قال: رأيْتُ قَبْرَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - وأبى بكرٍ، وعُمَرَ مُسَطَّحَةٌ (2). ولَنا، ما روَى سُفْيانُ التَّمّارُ، أنَّه قال: رَأَيْتُ قَبْرَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - مُسَنَّمًا.
رَواه البُخَارِىُّ (3). وعن الحسنِ مِثْلُه.
ولأنَّ التَّسْطِيحَ أشْبَهُ بأبْنِيَةِ أهلِ الدُّنْيا، وهو أشْبَهُ بشِعارِ أهلِ البِدَعِ، فكان مَكْرُوهًا.
وحَدِيثُنا أثْبَتُ مِن حَدِيثِهم وأصَحُّ، فكان أوْلَى.

804 -

مسألة: (ويُرَشُّ عليه الماءُ)

ليَتَلَبَّدَ تُرابُه.
قال أبو رافِعٍ: سَلَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سعدًا، ورَشَّ على قَبْرِه ماءً.
رَواه ابنُ ماجه 415. وعن جابِرِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رُشَّ على قَبْرِه ماءٌ 416. رَواه الخَلَّالُ.
فصل: ولا بَأْسَ بِتَعْلِيمِ القَبْرِ بحَجَرِ أو خَشَبَةٍ، يَعْرِفُه بها.
نَصَّ عليه أحمدُ، لِما روَى أبو داودَ 417، بإسْنادِه؛ عن المُطَّلِبِ 418، قال: لَمّا412413414

الحديث: 804 - الجزء: 6 - الصفحة: 228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مات عثمانُ بنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ بجِنازَتِه فدُفِنَ، أمَرَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلًا 419 أن يَأْتِيَه بَحَجَرٍ، فلم يَسْتَطِعْ حَمْله، فقام رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فحَسَرَ عن ذِراعَيْه، ثم حَمَلَها فوَضَعَها عندَ رَأْسِه، وقال: «أُعلِّمُ 420 بِها قَبْرَ أخِى، وأدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِهِ».
ورَواه ابنُ ماجه 421، عنه عليه السَّلامُ، مِن رِوايَةِ أنَسً.
فصل: فأمّا التَّلْقِينُ بعدَ الدَّفْنِ، فقال شيخُنا 422: فلم نَسْمَعْ فيه عن أحمدَ شيئًا، ولا أعْلَمُ فيه للأئِمَّةِ قَوْلًا، سِوَى ما رَواه الأَثْرَمُ، قال: قُلْتُ لأبى عبدِ اللهِ: فهذا الذى يَصْنَعُون إذا دُفِن المَيِّتُ، يَقِفً الرجلُ، فيَقُولُ يا فُلانُ ابن فُلانَةَ 423، اذْكرْ ما فارَقْتَ عليه، شَهادَةَ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ؟

الجزء: 6 - الصفحة: 229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقالَ: ما رَأيْتُ أحَدًا فَعَل هذا إلَّا أهلَ الشّامِ، حينَ مات أبو المُغِيرَةِ 424 جاء إنْسانٌ، فقالَ ذلك.
قال: وكان أبو المُغِيرَةِ يَرْوِى فيه عن أبى بكرِ ابنِ أبى مَرْيَمَ، عن أشْياخِهم، أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونه.
وقال القاضى، وأبو الخَطّاب: يُسْتَحَبُّ ذلك.
ورَوَيا فيه عن أبى أُمامَةَ الباهِلِىِّ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا مَاتَ أحَدُكمْ، فَسَوَّيْتُم عَلَيْهِ التُّرَابَ، فَلْيَقُمْ أحَدُكُمْ عِنْدَ رأُسِ قَبْرِهِ، ثُمَّ لْيَقُلْ: يَا فُلَانُ ابنَ فُلَانةَ.
فَإنَّهُ يَسْمَعُ وَلَا يُجِيبُ، ثُمَّ لْيَقُل: يَا فُلانُ ابنَ فُلَانَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَسْتَوِى قَاعِدًا، ثُمَّ لْيَقُل: يا فُلَانُ ابنَ فُلَانةَ.
فإنَّهُ يَقُولُ: أرْشِدْنَا يَرْحَمْكَ اللهُ.
وَلَكِنْ لَا تَسْمَعُون.
فَيَقُولُ: اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا، شَهادَةَ أنْ لَا إلَه إلَّا اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأنَّكَ رَضِيتَ بالله رَبًّا، وَبِالْإسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبيًّا، وَبالْقُرْآنِ إمَامًا.
فَإنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَتَأخَّرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فيَقُولُ: انْطَلِقْ فَمَا يُقْعِدُنَا عِنْدَ هذَا وَقَد لُقِّنَ حُجَّتَهُ.
وَيَكُونُ اللهُ تَعَالَى حُجَّتَهُ دُونَهُمَا».

الجزء: 6 - الصفحة: 230

وَلَا بَأْسَ بِتَطْيينِهِ،  فقالَ رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ، فإن لم يَعْرِفِ اسْمَ أُمِّه؟ قال: «فَلْيَنْسِبْهُ إلَى حَوَّاءَ».
رَواه ابنُ شاهِينَ، بإسْنادِه (1)، في «كِتَابِ ذِكْرِ المَوْتِ».

805 -

مسألة: (ولا بَأْسَ بتَطْيِيِنه)

ومِمَّن رَخَّصَ في ذلك الحسنُ، والشافعىُّ.
وروَى أحمدُ، بإسْنادِه، عن نافِعٍ، قال: تُوُفِّىَ ابنٌ لعَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ وهو غائِبٌ، فقَدِمَ فسَألَنَا عنه، فدَلَلْناه عليه، فكانَ يَتَعاهَدُ القَبْرَ، ويأْمُرُ بإصْلاحِه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: رُوِىَ عن جَعْفَرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رُفِع قَبْرُه مِن الأرْضِ شِبْرًا، وطُيِّنَ بطِينٍ أحْمَرَ مِن العَرْصَةِ، وجُعِل عليه مِن الحَصْباءِ.
وإن تَرَكَه كان حَسَنًا؛ لِمْا روَى الحسنُ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:425

الحديث: 805 - الجزء: 6 - الصفحة: 231

وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُهُ، وَالْبِنَاءُ وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ، وَالْجُلُوسُ، وَالْوَطْءُ عَلَيْهِ، وَالِاتِّكَاءُ إِلَيْهِ.
«لَا يَزَالُ المَيِّتُ يَسْمَعُ الأذانَ مَالَمْ يُطَيَّنْ قَبْرُهُ».
أو قال: «مَالَمْ يُطْوَ قَبْرُهُ» (1).

806 -

مسألة: (ويُكْرَهُ تَجْصِيصُه، والبِناءُ عليه، والجُلُوسُ، والوَطْءُ عليه، والاتِّكاءُ إليه، والكِتابَةُ عليه)

لِما روَى جابِرٌ، قال: نَهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يُجَصَّصَ القَبْرُ، وأن يُبْنَى عليه، وأن يُقْعَدَ عليه.
رَواه مسلمٌ، والترمِذِىُّ 427. وزاد: وَأن يُكْتَبَ عليها.
وقال:426

الحديث: 806 - الجزء: 6 - الصفحة: 232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ولأنَّ ذلك من زِينَةِ الدُّنْيَا، فلا حاجَةَ بالمَيِّتِ إليه.
وكَرِه أحمدُ أن يُضْرَبَ على القَبْرِ فُسْطاطٌ؛ لأنَّ أبا هُرَيْرَةَ- أوْصَى حينَ حضَره المَوْتُ أن لا تَضْرِبُوا علىَّ فُسْطَاطًا.
وروَى أبو مَرْثَدٍ الغَنَوىُّ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا».
رَواه مسلمٌ 428. وقال الخَطّابىُّ: ثَبَت أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهى أن تُوطَأَ القُبُورُ.
قال 429: ورُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأى رجلًا قد اتَّكَأ على قَبْرٍ، فقالَ: «لَا تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ» 430. وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:

الجزء: 6 - الصفحة: 233

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «لَأنْ يَجْلِسَ أحَدُكمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ».
رَواه مسلمٌ 431. ويُكْرَهُ التَّغَوُّطُ بينَ القُبُورِ؛ لِما روَى عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَأَنْ أَطَأ عَلَى جَمْرَةٍ، أوْ سَيْفٍ، أحَبُّ إلىَّ مِنْ أنْ أطَأَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ، وَلَا أُبَالِى أوَسَطَ الْقُبُورِ قضَيْتُ حَاجَتى، أوْ وَسَطَ السُّوقِ».
رَواه الخَلَّالُ، وابنُ ماجه 432.

الجزء: 6 - الصفحة: 234

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يَجُوزُ اتِّخاذُ السُّرُجِ على القُبُورِ، لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَعَنَ اللهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذَاتِ عَلَيْهنَّ 433 المَسَاجِدَ والسُّرُجَ».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، بمَعْناه 434. ولو أَبِيحَ لم يَلْعَنِ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - مَن فَعَلَه، ولأنَّ.
فيه تَضْيِيعًا للمال في غيرِ فائدَةٍ.
ولا يَجُوزُ اتخاذُ المَساجِدِ على القُبُورِ، لهذا الخَبَرِ، ولأنَّ النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَعَنَ الله اليَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهمْ مَسَاجِدَ».
يُحَذِّرُ مثلَ ما صَنَعُوا.
مُتَّفَقٌ عليه 435. ولأنَّ تَخْصِيصَ القُبُورِ بالصلاةِ عندَها يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الأصْنامِ بالسُّجُودِ لها.
وقد رُوِىَ أنَّ ابْتِداءَ عِبادَةِ الأَصْنامِ تَعْظِيمُ الأمْواتِ،.
باتِّخاذِ صُوَرِهم، ومَسْحِها، والصلاةِ عندَها 436.

الجزء: 6 - الصفحة: 235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويُسْتَحَبُّ خَلْعُ النِّعالِ لمَن دَخَل المَقَابرَ؛ لِما روَى بَشِيرُ بنُ الخَصاصِيَةِ، قال: بَيْنَا أنا أُماشِى رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا رجلٌ يَمْشِى في القُبُورِ، عليه نَعْلان، فقالَ له: «يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَتّيْنِ 437، أَلْقِ سِبْتِيَتّيْكَ».
فنَظَرَ الرجلُ، فلَمّا عَرَف رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - خَلَعَهما، - فرمَى بهما.
رَواه أبو داودَ 438. قال أحمدُ: إسْنادُه جَيِّدٌ، [أذْهَبُ إليه] 439. وأكْثَرُ أهلِ العلمِ لا يَرَوْن بذلك بَأْسًا.
قال جَرِيرُ بنُ حازِمٍ: رَأَيْتُ الحسنَ، وابنَ سِيرِينَ، يَمْشِيان بينَ القُبُورِ بنِعالِهما.
ومنهم مَن احْتَجَّ بقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في المَيِّت إذا دُفِنَ، وتَوَلَّى عنه أصْحَابُه: «إنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ

الجزء: 6 - الصفحة: 236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نعَالِهِم».
رَواه البُخارِىّ 440. وقال- الخَطّابِىُّ 441: يُشْبِهُ أن يَكُونَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما كَرِه للرجلِ المَشْىَ في نَعْلَيْه؛ لِما فيه مِن الخُيَلاءِ، فإنَّ نِعالَ السِّبْتِ مِن لِباسِ أهلِ التَّنَعَّمِ، قال عَنْتَرَةُ 442:

  • يُحْذَى نِعَالَ السِّبْتِ ليس بتَوْأمِ * ولَنا، أمْرُه عليه السَّلامُ في الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ، وأدْنَى أحْوالِ الأمْرِ النَّدْبُ، ولأنَّ خَلْعَ النَّعْلَيْن أقْرَبُ إلى الخُشُوعِ، وزِىِّ أهْلِ التَّواضُعِ، واحْتِرامِ أمْوَاتِ المُسْلِمِينَ.
    وإخْبارُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهم لا يَنْفِى الكَراهَةَ، إنَّما يَدُلّ على وُقوع هذا منهم، ولا نِزاعَ فيه.
    فأمّا إن كان للماشِى عُذْرٌ يَمْنَعُه مِن الخَلْعِ؛ مِن شَوْكٍ يَخافُ منه على قَدَمَيْه، أو نَجاسَةٍ تَمَسُّهما، لم يُكْرَهِ المَشْىُ فيهما؛ لأنَّ العُذْرَ يَمْنَعُ الوُجُوبَ في بعضِ الأحْوالِ، فالاسْتِحْبابُ أوْلَى.
    ولا يَدْخُلُ في

الجزء: 6 - الصفحة: 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الاسْتِحْبابِ نَزْعُ الخِفافِ؛ لأنَّه يَشُقُّ.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه كان إذا أراد أن يَخْرُجَ إلى الجِنازَةِ لَبس خُفَّيْه، مع أمْرِه بخَلْعِ النِّعالِ.
فأمّا غيرُ النِّعالِ ممّا يُلْبَسُ كالتُّمُشْكَاتِ 443 وغيرِها، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُخْلَعُ قِياسًا على النِّعالِ.
والثانِى، أنَّ الكرَاهَةَ لا تَتَعَدَّى النِّعالَ.
ذَكَرَه القاضى؛ لأنَّ النَّهْىَ غيرُ مُعَلَّل، فلا يَتَعَدَّى مَحَلَّه.
فصل: والدَّفْنُ في مَقابِرِ المسلمين أعْجَبُ إلى أبى عبدِ اللهِ مِن الدَّفْنِ في البُيُوتِ؛ لأنَّه أقَلّ ضرَرًا على الأحْياءِ مِن الوَرَثةِ، وأشْبَهُ بمَساكنِ الآخِرَةِ، وأكْثَرُ للدُّعاءِ له، والتَّرَحُّمِ عليه.
ولم يَزَل الصحابةُ والتّابِعُون ومَن بعدَهم يُقْبَرُون في الصَّحارَى.
فأمّا النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - فإنَّما قُبِر فِى بَيْتِه، قالَتْ عائشةُ: لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُه مَسْجِدًا.
رَواه البُخارىُّ» 444. ولأَّنه - صلى الله عليه وسلم - كان يَدْفِنُ أصْحابَه في البَقِيعِ، وفِعْلُه أوْلَى مِن فِعْلِ غيرِه، وإنَّما أصحابُه رَأَوْا تَخْصِيصَه بذلك.
ولأنَّه رُوِىَ: «يُدْفَنُ الأنْبِيَاءُ حَيْثُ يَمُوتُونَ» 445. وصِيانَةً له عن كَثْرَةِ الطُّرَّاقِ، وتَمْيِيزًا له عن غيرِه - صلى الله عليه وسلم - فصل: ويُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ في المَقْبَرَةِ التى يَكْثُرُ فيها الصّالِحُون؛ لتَنَالَه بَرَكَتُهم، وكذلك في البِقاعِ الشَّرِيفَةِ.
فقد رَوَى 446 البُخَارِىُّ،

الجزء: 6 - الصفحة: 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومسلمٌ 447، أنَّ موسى عليه السَّلامُ لَمّا حَضرَه المَوْتُ، سَأل الله تَعالَى أن يُدْنِيَه إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بحَجَرِ.
فصل: وجَمْعُ الأقَارِبِ في الدَّفْنِ حسنٌ، لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ حَضَر عثمان بنَ مَظْعُونٍ: «أدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِهِ 448». ولأنَّه أسْهَلُ لزِيارَتِهم، وأكْثَرُ للتَّرَحُّمِ عليهم.
ويُسَنُّ تَقْدِيمُ الأبِ ثم مَن يَلِيه في السِّنِّ والفَضِيلَةِ إذا أمْكَنَ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ دَفْنُ الشَّهِيدِ حيت قُتِل.
قال أحمدُ: أمّا القَتْلَى فعلى حديثِ جابِرِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ادْفِنُوا الْقَتْلَى فِى مَصَارِعِهمْ» 449. وروَى ابنُ ماجه 450، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بقَتْلَى أُحُدٍ أن يُرَدُّوا إلى مَصارِعِهم.
ولا يُنْقَلُ المَيِّتُ مِن بَلَدٍ إلى آخَرَ، إلَّا لغَرَض صَحِيح.
وهذا قولُ الأوْزاعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
قال عبدُ اللهِ بنُ أبى مُلَيْكَةَ: تُوُفِّىَ عبدُ الرحمنِ بنُ أبى بكر بالحُبْشِى 451، فحُمِلَ إلي مَكَّةَ، فدُفِنَ، فلَمّا قَدِمَتْ

الجزء: 6 - الصفحة: 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عائشةُ أتَتْ قَبْرَه، ثم قالَتْ: واللهِ لو حَضَرْتُك ما دُفِنْتَ إلَّا حيثُ مُتَّ، ولو شَهِدْتُك ما زُرْتُك 452. ولأنَّ ذلك أخَفُّ لمُؤْنَتِه وأسْلَمُ له مِن التَّغْيِيرِ.
فأمّا إن كان فيه غَرَضٌ صحيحٌ جاز.
قال أحمدُ: ما أعْلَمُ بنَقْلِ الرجلِ يَمُوتُ في بَلَدِه إلى بَلْدَةٍ أُخْرَى بَأْسًا.
وسُئِل الزُّهْرىُّ عن ذلك، فقالَ: قد حُمِل سعدُ بنُ أبى وَقَّاصٍ، وسَعِيدُ بنُ زيدٍ مِن العَقِيقِ 453 إلى المَدِينَةِ.
وقال ابنُ عُيَيْنَةَ: ماتَ ابنُ عُمَرَ ههُنا، فأوْصَى أن لا يُدْفَنَ ههُنا، وأن يُدْفَنَ بسَرِفٍ 454. فصل: وإذا تَنازَعَ اثْنان مِن الوَرَثَةِ، فقالَ أحَدُهما: يُدْفَنُ في المَقْبَرَةِ المُسَبَّلَةِ.
وقال الآخرُ: يُدْفَنُ في مِلْكِه.
دُفِن في الُمسَبَّلَةِ؛ لأنَّه لا مِنَّةَ فيها، وهو أقَلُّ ضرَرًا على الوارِثِ 455. فإن تَشاحّا في الكَفَنِ، قُدِّمَ قولُ مَن قال نُكَفِّنُه مِن مِلْكِه؛ لأنَّ ضرَرَه على الوارِثِ بلُحُوقِ المِنَّةِ، وتَكْفِينُه مِن مالِه قَلِيلُ الضَّرَرِ.
وسُئِل أحمد عن الرجلِ يُوصِى أن يُدْفَنَ في دارِه.
= أميال.
معجم البلدان 2/ 197.

الجزء: 6 - الصفحة: 240

وَلَا يُدْفَنُ فِيهِ اثْنَانِ إِلَّا لِضَرورَةٍ، وَيُجْعَلُ بَيْنَ كلِّ اثْنَيْن حَاجزٌ مِنَ التُّرَابِ.
قال: يُدْفَنُ في المَقابِرِ مع المسلمين، وإن دُفِن بدارِه أضَرَّ بالوَرَثَةِ.
وقال: لا بأْسَ أن يَشتَرِىَ الرجلُ مَوْضِعَ قَبْرِه، ويُوصِىَ أن يُدْفنَ فيه، فَعَل ذلك عثمانُ، وعائشةُ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، رَضِىَ الله عنهم.
وإذا تَشاحَّ اثْنان في الدَّفْنِ في المَقْبَرَةِ المُسَبَّلَةِ، قُدِّمَ أسْبَقُهما، كما لو تَنازَعا في مَقاعِدِ الأسْواقِ، ورِحابِ المَساجِدِ، فإن تَساوَيا أُقْرِعَ بَيْنَهما.
فصل: وإن تَيَقَّنَ أنَّ المَيِّتَ قد بَلِىَ وصار رَمِيمًا، جاز نَبْشُ قَبْرهِ، ودَفْنُ غيرِه فيه.
وإن شَكَّ في ذلك رَجَع إلى قولِ أهلِ الخِبْرَةِ.
فإن حَفَر، فوَجَدَ فيها عِظامًا دَفَنَهَا، وحَفَر في مَكانٍ آخَرَ.
نَصَّ عليه.
واسْتَدلَّ بأنَّ كَسْرَ عَظْمِ المَيِّتِ ككَسْرِه وهو حَىٌّ.
وسُئِل أحمدُ عن المَيِّتِ يُخْرَجُ مِن قَبْرِه إلى غيرِه.
فقال: إذا كان شئٌ يُؤْذِيه، قد حُوِّلَ طَلْحَةُ، وحُوِّلَتْ عائشةُ.
وسُئِل عن قَوْم دُفِنُوا في بَساتِينَ ومَواضِعَ رَدِيئَةٍ.
فقالَ: قد نَبَش مُعاذ امرأتَه وقد كانَتْ كُفنَتْ في خُلْقَان، فكَفَّنَهَا.
ولم يَرَ أبو عبدِ اللهِ - بَأْسًا أن يُحَوَّلُوا.

807 -

مسألة: (ولا يُدْفَنُ فِيهِ اثْنان إلَّا لضَرُورَةٍ، ويُقَدَّمُ الأفْضَلُ إلى القِبْلَةِ ويُجْعَلُ بينَ كلِّ اثْنَيْن حاجِزٌ مِن التُّرابِ)

لا يُدْفَنُ في القَبْرِ أكْثَرُ

الحديث: 807 - الجزء: 6 - الصفحة: 241

وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ إلَى الْقِبْلَةِ،  مِن واحِدٍ، إلَّا لضَرُورَةٍ.
وسُئِل أحمدُ عن الاثْنَيْن والثَّلاَثَةِ يُدْفَنُون في قَبْرٍ واحِدٍ.
قال: أمّا في مِصْرٍ فلا، ولكنْ في بِلادِ الرُّومِ تكْثُرُ القَتْلَى.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -كان يَدْفِنُ كلَّ مَيِّتٍ في قَبْرٍ، ولأنَّه لا يَتَعَذَّرُ في الغالِبِ إفْرادُ كلِّ واحِدٍ بقَبْرِ في المصْرِ، ويتَعَذَّرُ ذلك غالِبًا في دارِ الحَرْبِ، وفى مَوْضِعِ المُعْتَرَكِ.
فإن وُجِدَتِ الضَّرُورَةُ جاز دَفْنُ الاثْنَيْن والثَّلاثَةِ، سَواءٌ كان في مِصْرٍ أو غيرِه للحاجَةِ.
ومتى دُفِنُوا في قَبْر واحِدٍ قُدِّمَ الأفْضَلُ إلى القِبْلَةِ، ثم الذى يَلِيه، على حَسَبِ تَقْدِيمِهم إلى الِإمامِ في الصلاةِ عليهم، على ما ذَكَرْنا؛ لِما روَى هِشامُ بنُ عامِر قال: شُكِىَ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الجِراحاتُ يَوْمَ أُحُدٍ، فقالَ: «احْفِرُوا، وَأوْسِعُوا، وَأحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِى قَبر وَاحِدٍ، وَقَدِّمُوا أكثَرَهُمْ قُرْآنًا».
رَواه التِّزمِذِىُّ 456، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

الجزء: 6 - الصفحة: 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَنْبَغِى أن يُجْعَلَ بين كلِّ اثْنَيْن حاجِزٌ مِن تُرابٍ؛ لأنَّ الكَفَنَ حائِلٌ غيرُ حَصِينٍ.
قال أحمدُ: ولو حَفَر لهم شِبْة النَّهْرِ، وجَعَل رَأْسَ أحَدِهم عندَ رِجْلِ الآخَرِ، وجَعَل بينَهما حاجِزًا مِن تُرابٍ، لم يَكُنْ به بأْسٌ.
فصل: فإن مات له أقارِبُ بَدَأ بمَن يَخافُ تَغَيُّرَه، فإنِ اسْتَوَوْا في ذلك بَدَأ بأقْرَبِهم إليه، على تَرْتِيبِ النَّفَقاتِ، فإنِ اسْتَوَوْا في القُرْبِ، قَدَّمَ أَسَنَّهم وأفْضَلَهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 243

وَإنْ وَقَعَ فِى الْقَبْرِ مَالَهُ قِيمَةٌ.، نُبِشَ وَأُخِذَ.

808 - مسألة: (وإن وَقَعَ في القَبْرِ ماله قِيمَةٌ، نُبِش وأُخِذَ)

قال أحمدُ: إذا نَسِىَ الحَفَّارُ مِسْحاتَه 457 في القَبْرِ جاز أن يَنْبُشَ عنها.
قِيلَ: فإن أعْطاه أوْلِياءُ المَيِّتِ؟ قال: إن أعْطَوْه حَقَّه أىَّ شئٍ يُرِيدُ! وقد رُوِىَ أنَّ

الحديث: 808 - الجزء: 6 - الصفحة: 244

وَإنْ كُفِّنَ بِثَوْبٍ غَصْبٍ، أَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ، غَرِمَ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ وَقِيلَ: يُنْبَشُ، وَيُؤْخَذُ الْكَفَنُ، وَيُشَقُّ جَوْفُهُ فَيُخْرَجُ.
المُغيرَةَ بنَ شُعْبَةَ طَرَحِ خاتَمَه في قَبْرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: خَاتَمِى.
ففُتِحَ مَوْضِعٌ منه، فأخذَ المُغِيرَةُ خاتَمَه، وكان يَقُولُ: أنا أقْرَبُكم عَهْدًا برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - (1). ولأنَّه أمْكَنَ رَدُّه إلى صاحِبِه مِن غيرِ ضَرَرٍ، فوَجَبَ.

809 -

مسألة: (وإن كُفِّنَ بِثَوْبٍ غَصْبٍ، أو بَلَع مالَ غيرِه، غَرِم ذلك مِن تَرِكَتِه. وقِيلَ: يُنْبَشُ، ويُؤْخَذُ الكَفَنُ، ويُشَقُّ جَوْفُه فيُخْرَجُ)

إذا بَلَع المَيِّتُ مالًا، لم يَخْلُ مِن أن يَكُونَ له أو لغيرِه، فإن كان له لم يُشقَّ بَطْنُه؛ لأنَّه اسْتَهْلَكَه في حَياتِه، ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان كَثِيرَ القِيمَةِ، شُقَّ بَطْنُه وأُخْرِجَ؛ لأنَّ فيه حِفْظَ المالِ عن الضَّياعِ، ونَفْعَ الوَرَثَةِ الذين تَعَلَّقَ458

الحديث: 809 - الجزء: 6 - الصفحة: 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَقُّهم بمالِه في مَرَضِه.
وإن كان المالُ لغيرِه، وابْتَلَعَه بإذْنِه، فهو كمالِه؛ لأنَّ صاحِبَه أذِنَ في إتْلافِه.
وإنِ ابْتَلَعَه غَصْبًا، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يُشَقُّ بَطْنُهُ، ويُغْرَمُ مِن تَرِكَتِه؛ لِما في ذلك مِن المُثْلَةِ، ولأنَّه إذا لم يُشَقَّ بَطْنُ الحامِلِ مِن أجْلِ الوَلَدِ المَرْجُوِّ حياتُه، فمِن أجْلِ المالِ أوْلَى.
والثّانِى، يُشَق إن كَثُرَتْ قِيمَتُه؛ لأنَّ فيه دَفْعَ الضَّرَرِ عن المالِكِ برَدِّ مالِه إليه، وعن المَيِّتِ بإبْراءِ ذمَّتِه، وعن الوَرَثَةِ بحِفْظِ التَّرِكَةِ لهم.
ويُفارِقُ الجَنِينَ مِن وَجْهيْن؛ أحَدُهما، أنَّه لا يَتَحَققُ حَياتَه.
والثّانِى، أنَّه ما حَصَلَ

الجزء: 6 - الصفحة: 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بجِنايَتِه.
فإن لم يَكُنْ له تَرِكَةٌ، ولم يَتَبَرَّعْ إنْسان بتَخْلِيصِ ذِمَّتِه، شُقَّ بَطْنُه على كلا الوَجْهيْن.
وعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، إذا بَلِىَ جَسَدُه، وغَلَب على الظَّنِّ ظُهُورُ المالِ وتَخْلِيصُه مِن أعْضاءِ المَيِّتِ جاز نَبْشُه وإخْراجُه،

الجزء: 6 - الصفحة: 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لِما روَى أبو داودَ 459، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «هذَا قَبْرُ أبِى رِغَالٍ 460، وَآيَةُ ذَلِكَ أنَّ مَعَهُ غُصْنًا مِنْ ذَهبٍ، إنْ أنْتُمْ نَبَشْتُم عَنْهُ أصَبْتُمُوهُ مَعَهُ».
فابْتَدَرَه النّاسُ، فاسْتَخْرَجُوا الغُصْنَ.
ولو كان في أُذُنِ المَيِّتِ حَلَقٌ، أو في أُصْبُعِه خاتَمٌ أُخِذَ.
فإن صَعُبَ أخْذُه بُرِد، وأُخِذَ؛ لأنَّ تَرْكَه تَضْيِيعٌ للمالِ.
وإن كُفِّنَ بثَوْبٍ مَغْصُوبٍ غَرِم قِيمَتَه مِن تَرِكَتِه، ولا يُنْبَشُ.
ذَكَرَه القاضى؛ لِما فيه مِن هَتْكِ حُرْمَتِه مع إمْكانِ دَفْعِ الضَّرَرِ بدُونِها.
ويَحْتَمِلُ أن يُنْبَشَ إن كان الكَفَنُ باقِيًا بحالِه، ليُرَدَّ إلى مالِكِه عَيْنُ مالِه، وإن كان بالِيًا فقِيمَتُه في تَرِكَتِه وإن دُفِن في أرْضٍ غَضبٍ، أو أرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ بينَه وبينَ غيرِه بغيرِ إذْنِ الشَّرِيك، نُبِش وأُخْرِج؛ لأنَّ القَبْرَ في الأرْضِ يَدُومُ ضَرَرُه، ويَكْثرُ، بخِلافِ الكَفَنِ، وإن أَذِنَ المالِكُ في الدَّفْنِ في أرْضِه، ثم أراد إخْراجَه لم يَمْلِكْ ذلك؛ لأنَّ في ذلك ضَرَرًا.
وإن بَلِىَ المَيِّتُ وعاد تُرابًا، فلصاحِب الأرْضِ أخْذُها.
وكلُّ مَوْضِع أجَزْنا نَبْشَه لحُرْمَةِ مِلْكِ الآدَمِىِّ، فالأفْضَلُ تَرْكُه.

الجزء: 6 - الصفحة: 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن دُفِن مِن غيرِ غَسْل، أو إلى غيرِ القِبْلَةِ نُبِش، وغُسِّلَ، ووُجِّة، إلأ أن يُخافَ عليه أن يَتَفسَّخَ، فيُتْرَكُ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُنْبَشُ؛ لأنَّ النَّبْشَ مُثْلَةٌ، وقد نُهِىَ عنها.
ولَنا، أنَّ هذا واجِبٌ فلا يَسْقُطُ بذلك، كإخْراجِ له قِيمَةٌ.
وقَوْلُهم: إنَّ النَّبْشَ مُثْلَةٌ.
قُلْنا: إنَّمَا هو مُثْلَةٌ في حَقِّ مَن تغَيَّرَ، وهو لا يُنْبَشُ.
فصل: وإن دُفِن قبلَ الصلاةِ عليه، فرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه يُنْبَش ويُصَلَّى عليه.
وعنه، إن صُلِّىَ على القَبْرِ جاز.
واخْتارَ القاضى أنَّه يُصلَّى على القَبْر، ولا يُنْبَشُ.
وهو مَذْهبُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ، لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى على قَبْرِ المِسْكِينَةِ ولم يَنْبُشْها 461. ولَنا، أنَّه دُفِن قبلَ واجِبٍ، أشْبَهَ

الجزء: 6 - الصفحة: 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مالو دُفِن مِن غيرِ غَسْلٍ، وإنَّما يُصَلَّى على القَبْرِ عندَ الضَّرُورَةِ.
وأمَّا المِسْكِينَةُ فقد كان صُلِّىَ عليها، فلم تَبْقَ الصلاةُ عليها واجِبَةً، فلذلك لم تُنْبَشْ.
فإن تَغَيَّرَ المَيِّتُ، لم يُنْبشْ بحالٍ.
فصل: وإن دُفِن بغيرِ كَفَنٍ ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُتْرَكُ؛ لأنَّ القَصْدَ بالكَفَنِ سَتْرُه، وقد حَصَل بالتُّرابِ.
والثّانِى، يُنْبَشُ ويُكَفَّنُ؛ لأنَّ التَّكْفِينَ واجِبٌ، فأشْبَة الغَسْلَ.
والله أعلمُ.
فصل: ولا يَجُوزُ الدَّفْنُ في السّاعاتِ التى نَهى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عن الدَّفْنِ فيها في حَدِيثِ عُقْبَةَ بنِ عامِرِ، وهو قَوْلَه: ثَلاثُ ساعاتٍ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَنْهانا عن الصلاةِ فيهِنَّ، وأن نَقْبُرَ فيهِنَّ مَوْتانا، حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بازِغَةً حتى تَرْتَفِعَ، وحينَ يَقُومُ قائِمُ الظَّهِيرَةِ، وحِينَ تَتَضَيَّف الشَّمْسُ للغُرُوبِ حتى تَغْرُبَ.
رَواه مسلمٌ 462. ومَعْنَى تَتَضَيَّفُ: أى تَجْنَحُ وتَمِيلُ للغُرُوبِ، مِن قَوْلِك: تَضَيَّفْتُ فُلانًا، إذا مِلْتَ إليه.
فأمّا في غيرِ هذه الأوْقاتِ فيَجُوزُ الدَّفْنُ لَيْلًا ونَهارًا.
قال أحمدُ في الدَّفْنِ باللَّيْلِ: وما بأْسٌ بذلك، أبو بكر دُفِن لَيْلًا، وعلىٌّ دَفَن فاطمةَ لَيْلًا.
وحَدِيثُ عائِشةَ: كُنّا سَمِعْنا صَوْتَ المَساحِى مِن آخِرِ اللَّيْلِ في دَفْنِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - 463. ودُفِن

الجزء: 6 - الصفحة: 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عثمانُ، وعائشةُ لَيْلًا.
وهذا قولُ عُقْبَةَ بنٍ عامِر، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، والثَّوْرىِّ، والشافعىِّ، وإسحاق.
وعنه، أنَّه يُكْرَهُ.
وهو قولُ الحسنِ؛ لِما روَى مسلمٌ 464، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَر رجلًا مِن أصحابِه قُبِض، فكُفِّنَ في كَفَنٍ غيرِ طائِلٍ، ودُفِن لَيْلًا، فزَجَرَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُقْبَرَ الرجلُ باللَّيْلِ، إلَّا أن يُضْطَرَ إنْسانٌ إلى ذلك.
ووَجْهُ الأوَّلِ ما ذَكَرْنا مِن فِعْلِ الصحابةِ.
وروَى ابنُ مسعودٍ، قال: واللهِ لَكَأنِّى أسْمَعُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهو في قَبْرِ ذى البِجَادَيْن 465، وأبو بكرٍ وعُمَرُ، وهو يقولُ: «أدْنِيَا مِنِّى أخَاكُمَا حَتَّى أَسْنُدَهُ فِى لَحْدِهِ».
ثم قال لَمّا فَرَغ مِن دَفْنِه، وقام على قَبْرِه مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ: «اللَّهُمَّ إنِّى أمْسَيْتُ عَنْهُ رَاضِيًا فَارْضَ عَنْهُ».
وكان ذلك لَيْلًا، قال: فواللهِ لقد رَأيْتُنِى ولوَدَدْتُ أنِّى مَكَانَه، ولقد أسْلَمْتُ قبلَه بخَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً، وأخَذَه مِن قِبَلِ القِبْلَةِ.
رَواه الخَلَّالُ في «جامِعِه» 466. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَل قَبْرًا لَيْلًا، فأُسْرِجَ له سِراجٌ، فأخَذَ مِن قِبَلِ القِبْلَةِ، وقال: «رَحِمَكَ اللهُ، إنْ كُنْتَ لَأوَّاهًا تَلَّاءً لِلْقُرْآنِ» 467. قال التِّرْمِذِىُّ: حديثٌ حسنٌ.

الجزء: 6 - الصفحة: 251

وَإنْ مَاتَتْ حَامِلٌ لَمْ يُشَقَّ بَطْنُهَا، وَتَسْطُو عَلَيْهِ الْقَوَابِلُ فَيُخْرِجْنَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يُشَقَّ بَطنُهَا، إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَحْيَا.
ولأنَّه أحَدُ الزَّمانَيْن، فجاز الدَّفْنُ فيه كالنَّهارِ.
وحَدِيثُهم مَحْمُولٌ على التَّأدِيبِ، والدَّفْنُ بالنَّهارِ أوْلَى؛ لأنَّه أسْهَلُ على مُتَّبِعِها، وأكثَرُ للمُصَلِّين عليها، وأمْكَنُ لاتِّباعِ السُّنَّةِ في دَفْنِه وإلحادِه.

810 -

مسألة: (وإن ماتَتْ حامِلٌ لم يُشَقَّ بَطْنُها، وتَسْطُو عليه القَوابِلُ، فيُخْرِجْنَه)

إذا ماتَتْ حامِلٌ، وفى بَطْنِها وَلَدٌ يَتَحَرَّكُ وتُرْجَى حَياتُه، لم يُشَقَّ بَطْنُها، مُسْلِمَةً كانت أو ذِمِّيَّةً، ويُدْخِلُ القَوابِلُ أيْدِيَهُنَّ في فَرْجِها، فيُخْرِجْن الوَلَدَ مِن مَخْرَجِه.
فإن لم يُوجَدْ نِساءٌ لم يَسْطُ الرجالُ عليه؛ لِما فيه مِن هَتْكِ المَيِّتةِ وتُتْرَكُ حتى يُتَيَقَّنَ مَوْتُه.
ومَذْهَبُ مالكٍ، وإسحاقَ نَحْوُ هذا (وَيحْتَمِلُ أن يُشَقَّ بَطْنُها، إذا غَلَب على الظَّنِّ أنّه يَحْيا) وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ، لأنَّه إتْلافُ جُزْءٍ مِن المَيِّتِ لِإبْقاءِ حَىٍّ، فجاز، كما لو خَرَج بعْضُه حَيًّا، ولم يُمْكِنْ خُرُوجُ باقِيه إلَّا بالشَّقِّ، ولأنَّه يُشَقُّ لِإخْراجِ المالِ، فإبْقاءُ الحَىِّ أوْلَى.
ولَنا، أنَّ هذا

الحديث: 810 - الجزء: 6 - الصفحة: 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَلَدَ لا يَعِيشُ عادَةً، ولا يَتَحَقَّقُ أنَّه يَحْيا، فلا يَجُوزُ هَتْكُ حُرْمَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ لأمْرٍ مَوْهُومٍ، وقد قال عليه السَّلامُ: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَىِّ».
رَواه أبو داودَ 468. وفيه مُثْلَةٌ، وقد نَهَى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عن المُثْلَةِ 469. وفارَقَ الأصْلَ؛ فإنَّ حَياتَه مُنْتَفِيَةٌ 470، وبَقاؤُه مَظْنُونٌ.
فعلى هذا إن خَرَج بعضُ الوَلَدِ حَيًّا، ولم يُمْكِنْ إخْراجُه إلَّا بالشَّقِّ، شُقَّ المَحَلُّ، وأُخْرِجَ؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن مات على حالِه، فأَمْكَنَ إخْراجُه، أُخْرِجَ وغُسِّلَ، وإن تَعَذَّرَ خُرُوجُه غُسِّلَ ما ظَهَر مِن الوَلَدِ، وما بَقِىَ ففى حُكْمِ الباطِنِ لا يَحْتاجُ إلىْ تَيَمُّمٍ؛ لأنَّ الجَمِيعَ كان في حُكْمِ الباطِنِ، وظَهَر البَعْضُ، فتَعَلَّقَ الحُكْمُ به، وما بَقِىَ فهو على ما كان عليه.
ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ، وقال: هى حادِثَةٌ سُئِلْتُ عنها.

الجزء: 6 - الصفحة: 253

وَإنْ مَاتَتْ ذِمِّيَّةٌ حَامِلٌ مِنْ مُسْلِمٍ، دُفِنَتْ وَحْدَهَا، وَيجْعَلُ ظَهْرُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ.

811 - مسألة: (وإن ماتَتْ ذِمِّيَّةٌ حامِلٌ مِن مُسْلِمٍ دُفِنَتْ وَحْدَها، ويُجْعَلُ ظَهْرُها إلى القِبْلَةِ)

وإنَّما اخْتارَ أحمدُ ذلك؛ لأنَّها كافِرَةٌ، فلا تُدْفَنُ في مَقْبَرَةِ المسلمين، ووَلَدُها مَحْكُومٌ بإسْلامِه، فلا يُدْفَنُ بينَ الكُفَّارِ، مع أنَّ ذلك رُوِىَ عن واثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ، وعن عُمَرَ، أنَّها تُدْفَنُ في مَقابِرِ المسلمين 471. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَثْبُتُ ذلك.
قال أصحابُنا: ويُجْعَلُ

الحديث: 811 - الجزء: 6 - الصفحة: 254

وَلَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ، فِى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
ظَهْرُها إلى القِبْلَةِ علىِ جانِبِها الأيْسَرِ، ليَكُونَ وَجْهُ الجَنِينِ إلى القِبْلَةِ على جانِبِه الأيْمَنِ؛ لأنَّ وَجْهَ الجَنِينِ إلى ظَهْرِها.

812 -

مسألة: (ولا تُكْرَهُ القِراءَةُ على القَبْرِ، في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن)

هذا هو المَشْهُورُ عن أحمدَ، فإنَّه رُوِىَ عنه، أنَّه قال: إذا دَخَلْتُم المَقابِرَ اقْرَأُوا آيَةَ الكُرْسِىِّ، وثَلاثَ مِرارٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثم قُلْ: اللَّهُمَّ إنَّ فَضْلَه لأهْلِ المَقابِرِ.
ورُوِىَ عنه، أنَّه قال: القِراءَةُ عندَ القَبْرِ بِدْعَةٌ،

الحديث: 812 - الجزء: 6 - الصفحة: 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ورُوِىَ ذلك عن هُشَيْمٍ.
قال أبو بكرٍ: نَقَل ذلك عن أحمدَ جَماعَةٌ، ثم رَجَع رُجُوعًا أبانَ به عن نَفْسِه.
فَرَوَى جَماعَةٌ، أنَّ أحمدَ نَهَى ضَرِيرًا يَقْرَأُ عندَ القَبْرِ، وقال له: القِراءَةُ عندَ القَبْرِ بِدْعَةٌ.
فقالَ له محمدُ بنُ قُدامَةَ الجَوْهَرِىُّ 472: يا أبا عبدِ اللهِ: ما تَقُولُ في مُبَشرٍ الحَلَبِىِّ 473؟ قال: ثِقَةٌ.
قال: فأخْبَرَنِى مُبَشِّرٌ، عن أبيه، أنَّه أوْصَى إذا دُفِن أن يُقْرَأَ عندَه بفاتِحَةِ البَقَرَةِ وخاتِمَتِها، وقال: سمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يُوصِى بذلك.
فقالَ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ: فارْجِعْ فقُلْ للرجلِ يَقْرَأَ.
وقال الخَلَّالُ: حَدَّثَنِى أبو علىٍّ الحسنُ ابنُ الهَيْثَمِ البَزَّارُ 474، شيخُنا الثِّقَةُ المَأْمُونُ، قال: رَأيْتُ أحمدَ بنَ حَنْبَلٍ يُصلِّى خَلْفَ ضَرِيرٍ يَقْرَأُ على القُبُورِ.
وقد رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:

الجزء: 6 - الصفحة: 256

وَأَىُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ، نَفَعَهُ ذَلِكَ.
«مَنْ زَارَ قَبْرَ وَالِدَيْهِ أوْ أحَدِهِمَا، فَقَرَأ عِنْدَهُ أوْ عِنْدَهُمَا يسَ، غُفِرَ لَهُ» (1). ورُوِىَ عنه، عليه السَّلامُ، أنَّه قال: «مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأ سُورَةَ يسَ، خُفِّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ» (2).

813 -

مسألة: (وأىُّ قُرْبَةٍ فَعَلَها وجَعَل ثَوابَها للمَيِّتِ المُسْلِمِ، نَفَعَه ذلك)

أمّا الدُّعاءُ، والاسْتِغْفارُ، والصَّدَقَةُ، وقَضاءُ الدَّيْنِ، وأداءُ475476

الحديث: 813 - الجزء: 6 - الصفحة: 257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الواجِباتِ، فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إذا كانتِ الواجِباتُ مِمّا يَدْخُلُه النِّيابَةُ، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ 477 وقال سبحانه: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ 478. ودُعاءُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - لأبى سَلَمَةَ حينَ مات 479، وللمَيِّتِ الذى صَلَّى عليه 480، ولذى البِجادَيْن 481 حينَ

الجزء: 6 - الصفحة: 258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دَفَنَه 482. وشَرَع اللهُ تعالى ذلك لكلِّ مَن صَلَّى على مَيِّتٍ.
وسَأل رجلٌ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: يارسولَ اللهِ، إنَّ أُمِّى ماتَتْ، أَيَنْفَعُها إن تَصَدَّقْتُ عنها؟ قال: «نَعَمْ».
رَواه أبو داودَ 483. وجاءَتِ امرأةٌ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - فقالَتْ: يارسولَ اللهِ، إنَّ فَرِيضَةَ اللهِ في الحَجِّ أدْرَكَتْ أبى شَيْخًا كَبِيرًا، لا يَسْتَطِيعُ أن يَثْبُتَ على الرّاحِلَةِ، أفَأحُجُّ عنه؟ قال:

الجزء: 6 - الصفحة: 259

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «أرَأيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أبِيكِ دَيْنٌ أكُنْتِ قَاضِيَتَهُ».
قالَتْ: نعم.
قال: «فَدَيْنُ اللهِ أحَقُّ أنْ يُقْضَى» 484. وقال في الذى سَألَه، إنَّ أُمِّى ماتَتْ وعليها صَوْمُ شَهْرٍ، أفَأصُومُ عنها؟ قال: «نَعَمْ» 485. وكلُّها أحادِيثُ صِحاحٌ، وفيها دَلالَةٌ على انْتِفَاعِ المَيِّتِ بسائِرِ القُرَبِ، لأنَّ الصومَ،

الجزء: 6 - الصفحة: 260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والحَجَّ، والدُّعاءَ، والاسْتِغْفَارَ، كلُّها عِباداتٌ بَدَنِيَّةٌ، وقد أوْصَلَ اللهُ نَفْعَها إلى المَيِّتِ، فكذلك ما سِواها، مع ما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ في ثَوابِ مَن قَرَأ يسَ، وتَخْفِيفِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عن أهلِ المَقابِرِ بقِراءَتِه.
ولأنَّه عَمَلُ بِرٍّ وطاعَةٍ، فوَصَلَ نَفْعُه وثَوابُه، كالصَّدَقَةِ، والصيامِ، والحَجَّ الواجِبِ.
وقال الشافعىُّ: ما عَدَا الواجِباتِ، والصَّدَقَةَ، والدُّعاءَ، والاسْتِغْفَارَ، لا يُفْعَلُ عن المَيِّتِ، ولا يَصِلُ ثَوابُه إليه؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ 486. وقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ؛ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، أوْ ولَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» 487. ولأن نَفْعَه لا يَتَعَدَّى فاعِلَه، فلا يَتَعَدَّاه ثَوابُه.
وقال بعضُهم: إذا قُرِئ القُرْآنُ عندَ المَيِّتِ، أو أُهْدِىَ إليه ثَوابُه، كان الثَّوابُ لقارِئِه، ويَكُونُ المَيِّتُ كأنَّه حاضِرُها، فتُرْجَى له الرَّحْمَةُ.
ولَنا، ما ذَكَرْناه، وأنَّه إجْماعُ المُسْلِمِين؛ فإنَّهم في كلِّ عَصْرٍ

الجزء: 6 - الصفحة: 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومِصْرٍ يَجْتَمِعُون ويَقْرَءُون القُرْآنَ، ويُهْدُون ثَوابَه إلى مَوْتاهم مِن غيرِ نَكِيرٍ.
ولأنَّ الحَدِيثَ صَحَّ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أهلِهِ عَلَيْهِ» 488. واللهُ أكْرَمُ مِن أْن يُوصِلَ عُقُوبَةَ المَعْصِيَةِ إليه، ويَحْجُبَ عنه المَثُوبَةَ.
والآيةُ مَخْصُوصَةٌ بما سَلَّمُوه، فيُقاسُ عليه ما اخْتَلَفْنَا فيه؛ لكَوْنِه في مَعْناه.
ولا حُجَّةَ لهم في الخَبَرِ الذى احْتَجُّوا به؛ لأنَّه إنَّمَا دَلَّ على انْقِطاعِ عَمَلِه، وليس هذا مِن عَمَلِه فلا دَلالَةَ فيه عليه، ولو دَلَّ عليه كان مَخْصُوصًا بما سَلَّمُوه، فيَتَعَدَّى إلى ما مَنَعُوه، وما ذَكَرُوه مِن المَعْنَى غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّ تَعَدِّىَ الثَّوابِ ليس بفَرْعٍ لتَعَدِّى النَّفْعِ، ثم هو باطِلٌ بالصومِ والدُّعاءِ والحَجِّ، وليس له أصْلٌ يُعْتَبَرُ به.
واللهُ أعلمُ.

الجزء: 6 - الصفحة: 262

ويُسْتَحَبُّ أَنْ يُصْلَحَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامٌ يُبْعَثُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُصْلِحُونَ هُمْ طَعَامًا لِلنَّاسِ.

814 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أنْ يُصْلَحَ لأهلِ المَيِّتِ طَعامٌ، يُبْعَثُ إليهم، ولا يُصْلِحُون هم طَعامًا للنّاسِ)

لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ جَعْفَرٍ، قال: لَمّا جاء نَعْىُ جَعْفَرٍ، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «اصْنَعُوا لآلِ جَعْفرٍ طَعَامًا، فَقَدْ جَاءَهُمْ أمْرٌ شَغَلَهُمْ».
رَواه أبو داودَ 489. ويُرْوَى عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ، أنَّه قال: فما زالَتِ السُّنَّةُ فينا، حتى تَرَكَها مَن تَرَكَها.
ولأنَّ أهلَ المَيِّتِ رُبَّما اشْتَغَلُوا بمُصِيبَتِهم وبمَن يَأْتِى إليهم عن

الحديث: 814 - الجزء: 6 - الصفحة: 263

فصل: وَيُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ زِيَارَةُ الْقبُورِ.
وَهَلْ تُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ.
إصْلاحِ طَعامٍ لهم، ولأنَّ فيه جَبْرًا لقُلُوبِهم.
فأمّا إصْلاحُ أهلَ المَيِّتِ طَعامًا للنّاسِ فَمَكْرُوهٌ؛ لأنَّه زِيادَةٌ على مُصِيبَتِهم، وشُغْلٌ لهم إلى شُغْلِهِم، وتَشْبِيهٌ بصَنِيعِ أهلِ الجَاهِلِيَّةِ.
وقد رُوِىَ أنَّ جَرِيرًا وَفَد على عُمَرَ، فقالَ: هل يُناحُ على مَيِّتِكم؟ قال: لا.
قال: فهل يَجْتَمِعُون عندَ أهْلِ المَيِّتِ، ويَجْعَلُون الطَّعامَ؟ قال: نعم.
قال: ذلك النَّوْحُ 490. وإن دَعَتِ الحاجَةُ 491 إلى ذلك جاز؛ فإنَّه رُبَّما جاءَهم مَن يَحْضُرُ مَيِّتَهم مِن أهلِ القُرَى البَعِيدَةِ، ويَبِيتُ عندَهم، فلا يُمْكِنُهم إلَّا أن يُطْعِمُوه.
(فصل: ويُسْتَحَبُّ للرِّجالِ زِيارَةُ القُبُورِ.
وهل تُكْرَهُ للنِّساءِ؟ على رِوايَتَيْنِ) لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ في اسْتِحْبابِ زِيارَةِ الرجالِ

الجزء: 6 - الصفحة: 264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القُبُورَ.
قال علىُّ بنُ سعيدٍ: قُلْتُ لأحمدَ: زِيارَةُ القُبورِ أفْضَلُ أم تَرْكها؟ قال: زِيارَتُها.
وقد صَحَّ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا؛ فَإنَّها تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» 492. وللتِّرْمِذِىِّ:

الجزء: 6 - الصفحة: 265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «فَإنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ».
فأمّا زِيارَةُ القُبُورِ للنِّساءِ ففيها رِوايَتانِ؛ إحْداهما، الكَراهَةُ؛ لِما رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، قالَتْ: نُهِينَا عن زِيارَةِ القُبُورِ، ولم يُعْزَمْ علينا.
مُتَّفَقٌ عليه 493. ولقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: - «لَعَنَ اللهُ زَوَّارَاتِ 494 القُبُورِ» 495. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا 496 حَدِيثٌ صحيحٌ.
وهذا خاصٌّ في النِّساءِ، والنَّهْىُ المَنْسُوخُ كان عامًّا للرجالِ والنِّساءِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه كان خاصًّا للرِّجالِ.
ويَحْتَمِلُ كَوْنَ الخَبَرِ في لَعْنِ زَوّاراتِ القُبُورِ بعدَ أمْرِ الرِّجالِ بزِيارَتِها، فقد دار بينَ الحَظْرِ والِإباحَةِ، فأقَلُّ أحْوالِه الكَراهَةُ.
ولأنَّ المرأةَ قَلِيلَةُ الصَّبْرِ، كَثِيرَةُ الجَزَعِ، وفى

الجزء: 6 - الصفحة: 266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زِيارَتِها للقَبْرِ تَهْيِيجٌ لحُزْنِها 497، وتَجْدِيدٌ لذِكْرِ مُصابِها، فلا يُؤْمَنُ أن يُفْضِىَ بها ذلك إلى فِعْل ما لا يَحِلُّ، بخِلافِ الرجلِ، ولهذا اخْتَصَصْنَ بالنَّوْحِ والتَّعْدِيدِ، وخُصِصْنَ بالنَّهْىِ عن الحَلْقِ والصَّلْقِ 498 ونحوِهما.
والرِّوايةُ الثَّانِيَةُ، لا يُكْرَهُ؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا».
وهو يَدُلُّ على سَبْقِ النَّهْىِ ونَسْخِه، فيَدْخُلُ فيها الرجالُ والنِّساءُ.
وروَى ابنُ أبى مُلَيْكَةَ، عن عائشةَ، أنَّها زارَتْ قَبْرَ أخِيهِا، فقالَ لها: قد نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن زِيارَةِ القُبُورِ.
قَالَتْ: نعم قد نهَى، ثم أمَرَ بزِيارَتِها 499. وروَى التِّرْمِذِىُّ، أنَّ عائشةَ زارَتْ قَبْرَ أخِيها.
وروَى عنها أنَّها قالَتْ: لو شَهِدْتُه ما زُرْتُه 500.

الجزء: 6 - الصفحة: 267

وَيَقُولُ إِذَا زَارَهَا أَوْ مَرَّ بِهَا: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ،

815 - مسألة: (ويَقُولُ إذا زارَها، أو مَرَّ بها)

ما روَى مسلم 501، عن بُرَيْدَةَ، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُعَلِّمُهم إذَا خَرَجُوا إلى المَقابِرِ، فكان قَائِلُهم يَقُولُ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ الدِّيارِ مِن الْمُؤْمِنِينَ

الحديث: 815 - الجزء: 6 - الصفحة: 268

وَإنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، وَيَرْحَمُ الله الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ.
والْمُسْلِمِينَ، وَإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ 502، نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ».
وفى حَدِيثِ عائشةَ: «وَيَرْحَمُ الله المُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ 503». وفى حَدِيثٍ آخَرَ: «اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أجْرَهُمْ، ولا تَفْتِنَّا بَعْدَهُم 504». وإن زاد: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا ولهم.
كان حَسَنًا.

الجزء: 6 - الصفحة: 269

وَيسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ،

816 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أهْلِ المَيِّتِ)

لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، وسَواءٌ في ذلك قبلَ 505 الدَّفْنِ وبعدَه، إلَّا أنَّ الثَّوْرِىَّ قال: لا يُسْتَحَبُّ بعدَ الدَّفْنِ؛ لأنَّه خَاتِمَةُ أمْرِه.
ولَنا، قَوْلُه عليه السَّلامُ: «مَنْ عَزَّى مُصَابًا، فَلَهُ مِثْلُ أجْرِهِ» 506. قال التِّرْمِذِىُّ: حديثٌ غريبٌ.

الحديث: 816 - الجزء: 6 - الصفحة: 270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وروَى ابنُ ماجه 507، بإسْنادِه، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّى أخَاهُ بِمُصِيبَةٍ، إلَّا كَسَاهُ الله مِن حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
والمقْصُودُ بالتَّعْزِيَةِ تَسْلِيَةُ أهْلِ المُصِيبَةِ، وقَضاءُ حُقُوقِهم، وسَواءٌ في ذلك قبلَ الدَّفْنِ وبعدَه.
ويُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ كلِّ أهْلِ المُصِيبَةِ؛ كِبارِهم وصِغارِهم، ويَبْدَأُ بخِيارِهم والمَنْظُورِ إليه منهم؛ لِيَسْتَنَّ به غيرُه، وذى الضَّعْفِ منهم عن تَحَمُّلِ المُصِيبَةِ؛ لحاجَتِه إليها.
ولا يُعَزِّى الرجلُ الأجْنَبِىُّ شَوابَّ النِّساءِ؛ مَخافَةَ الفِتْنَةِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 271

وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لَهَا.
فصل: (ويُكْرَهُ الجُلُوسُ لها) وذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه مُحْدَثٌ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ الاجْتِماعُ بعدَ خُرُوجِ الرُّوحِ؛ لأنَّ فيهْ تَهْيِيجًا للحَزْنِ.
وقال أحمدُ: أكْرَهُ التَّعْزِيَةَ عندَ القَبْرِ، إلَّا لمَن لم يُعَزِّ، فيُعَزِّى إذا دُفِن المَيِّتُ، أو قبلَه.
وقال: إن شِئْتَ أخَذْتَ بيَدِ الرجلِ في التَّعْزِيَةِ وإن شِئْتَ فلا.
وإذا رَأى الرجلَ قد شَقَّ ثَوْبَه على المُصِيبَةِ عَزّاه، ولم يَتْرُكْ حَقًّا لباطِلٍ، وإن نَهاه فحَسَنٌ.

الجزء: 6 - الصفحة: 272

وَيَقُولُ فِى تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ: أعْظَمَ اللهُ أجْرَكَ، وَأحْسَنَ عَزَاءَك، وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ،

817

  • مسألة: (و يَقُولُ في تَعْزِيَةِ المُسْلِمِ بالمُسْلِمِ: أعْظَمَ 508 الله أجْرَكَ، وأحسَنَ عَزاءَكَ، ورَحِم مَيِّتَك) هكذا ذَكَرَه بعضُ أصحابِنا.
    قال شيخُنا 509: ولا أعْلَمُ في التَّعْزِيَةِ شيئًا مَحْدُودًا، إلَّا أنَّه يُرْوَى أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - عَزَّى.
    رجلًا، فقال: «رَحِمَكَ الله وآجَرَكَ».
    رَواه الِإمامُ.
    أحمدُ 510. وعَزَّى أحمدُ أبا طالِبٍ، فوَقَفَ على بابِ المَسْجِدِ، فقالَ:

الحديث: 817 - الجزء: 6 - الصفحة: 273

وَفِى تَعْزِيَتِهِ عَنْ كَافِرٍ: أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ، وَأحْسَنَ عَزَاءَكَ.
وَفِى تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِمُسْلِمٍ: أَحْسَنَ اللهُ عَزَاءَكَ، وغَفَرَ لِميِّتِكَ.
وَفِى [42 ظ] تَعْزِيَتِهِ عَنْ كَافِرٍ: أَخْلَفَ اللهُ عَلَيْكَ، وَلَا نَقَصَ عَدَدَكَ.
أعْظَمَ الله أجْرَكم، وأحْسَنَ عَزاءَكم.
واسْتَحَبَّ بعضُ أهلِ العلمِ أن يَقُولَ ما روَى جَعْفَرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: لَمّا تُوفِّىَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وجاءَتِ التَّعْزِيَةُ، سَمِعُوا قَاِئلًا يَقُولُ: إنَّ في الله عَزاءً مِن كلِّ مُصِيبَةٍ، وخَلَفًا مِن كلِّ هالِكٍ، ودَرَكًا مِن كلِّ ما فات، فبالله فِثِقُوا، وإيّاهُ فارْجُوا، فإنَّ المُصابَ مَن حُرِم الثَّوابَ.
رَواه الشافعىُّ (1) في «مُسْنَدِه».
وإن عَزَّى مُسْلِمًا بكافِرٍ، قال: (أعْظَمَ اللهُ أجْرَك، وأحْسَنَ عَزاءَك).

818 -

مسألة: (و)

يَقُولُ (في تَعْزِيَةِ الكافِرِ بالمُسْلِمِ: أحْسَنَ الله عَزاءَك، وغَفَر لِمَيِّتِك.
وفى تَعْزِيَتِه عن كافِرٍ: أخْلَفَ الله عليك ولا نَقَص عَدَدَك) تَوَقَّفَ أحمدُ عن تَعْزِيَةِ أهلِ الذِّمَّةِ، وهى511

الحديث: 818 - الجزء: 6 - الصفحة: 274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تُخَرَّجُ على عِيادَتِهم، وفيها رِوايَتان، إحْداهما، لا نَعُودُهم، لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَبْدَءُوهُمْ بالسَّلَامِ» 512. وهذا في مَعْناه.
والثانيةُ، نَعُودُهم؛ لأنَّ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أتَى غُلامًا مِن اليَهُودِ كان مَرِض يَعُودُه، فقَعَدَ عندَ رَأْسِه، فقال له: «أسْلِمْ».
فنَظَرَ إلى أبيه وهو عندَ رَأْسِه، فقال له 513: أطِعْ أبا القاسِمِ.
فأسْلَمَ، فقام النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - وهو يَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِى أنْقَذَهُ بِى مِنَ النَّارِ».
رَواه البُخارِىُّ 514. فعلى هذا يُعَزِّيهم،

الجزء: 6 - الصفحة: 275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَقُولُ ما ذَكَرْنا، ويَقْصِدُ بقولِه: لا نَقَصَ عَدَدَكَ: زِيادَةَ عَدَدِهم؛ لتَكْثُرَ جزْيَتُهم.
وقال أبو عبدِ اللهِ ابنُ بَطَّةَ: يَقُولُ: أعْطَاكَ الله على مُصِيبَتِك أفْضَلَ ما أعْطَى أحَدًا مِن أهلِ دِينك.
فصل: فأمّا الرَّدُّ مِن المُعَزَّى، فرُوِىَ عن أحمدَ بنِ الحسينِ 515، قال: سَمِعْتُ أبا عبدِ الله، وهو يُعَزَّى في عَبْثَرٍ ابنِ عَمِّه، وهو يَقُولُ: اسْتَجابَ الله دُعاءَك، ورَحِمَنا وَإيّاك.

الجزء: 6 - الصفحة: 276

وَيَجُوزُ الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ، وَأَنْ يَجْعَلَ الْمُصَابُ عَلَى رَأْسِهِ ثَوْبًا يُعْرَفُ بِهِ.

819 - مسألة: (ويَجُوزُ البُكاءُ على المَيِّتِ، وأن يَجْعَلَ المُصابُ على رَأْسِه ثَوْبًا يُعْرَفُ به)

ليُعَزَّى.
البُكاءُ بمُجَرَّدِه.
لا يُكْرَهُ في حالٍ.
وقال الشافعىُّ: يُباحُ قبلَ المَوْتِ، ويُكْرَهُ بعدَه؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ عَتِيكٍ 516، قال: جاء 517 رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى عبدِ اللهِ بنِ ثابِتٍ يَعُودُه، فوَجَدَه قد غُلِب، فصاح به فلم يُجِبْه، فاسْتَرْجَعَ، وقال: «غُلِبْنَا عَلَيْكَ يَا أبَا الرَّبِيعِ».
فصاح النِّسْوَةُ، وبَكَيْنَ، فجَعَلَ ابنُ عَتِيكٍ يُسْكِتُهُنَّ.
فقالَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «دَعْهُنَّ، فَإذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ» 518. يَعْنِى إذا

الحديث: 819 - الجزء: 6 - الصفحة: 277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ماتَ.
ولَنا، ما روَى أنَسٌ، قال: شَهِدْنا بنتَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، ورسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جالِسٌ على القَبْرِ، فرَأيْتُ عَيْنَيْه تَدْمَعَان 519. وقَبَّلَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عثمانَ بنَ مَظْعُونٍ وهو مَيِّتٌ، وعَيْناه تُهَرَاقان 520. وقالَتْ عائشةُ: دَخَل أبو بكرٍ، فكَشَفَ عن وَجْهِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقَبَّلَه، ثم بَكَى 521. وكلُّها أحاديثُ صِحاحٌ.
ورُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَل على سعدِ بنِ عُبادَةَ، وهو في غاشِيَتِه، فبَكَى، وبَكَى أصحابُه، وقال: «ألَا تَسْمَعُونَ؟ إنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ القَلْبِ، ولَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذا، وأشار إلى لِسانِه، أوْ يَرْحَمُ».
مُتَّفَقٌ عليه 522. وحَدِيثُهم مَحْمُولٌ على رَفْعِ

الجزء: 6 - الصفحة: 278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصَّوْتِ، والنَّدْبِ، وشِبْهِهما، بدَلِيلِ ما روَى جابِرٌ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أخَذَ ابْنَه، فوَضَعَه في حِجْرِه، فبَكَى، فقالَ له عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ: أتَبْكِى! أوَ لم تَكُنْ نَهَيْتَ عن البُكاءِ؟ قال: «لَا، وَلَكِنْ نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ؛ صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، وَخَمْشِ وُجُوهٍ، وَشَقِّ جُيُوبٍ، وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ» 523. حديثٌ حسنٌ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يَنْهَ عن مُطْلَقِ البُكاءِ، إنَّما نَهَى عنه مَوْصُوفًا بهذه الصِّفاتِ.
وْقال عُمَرُ: ما على نِساءِ بَنِى المُغِيرَةِ أن يَبْكِينَ على أبى سُليمانَ، ما لم يَكُنْ نَقْعٌ أو لَقْلَقَةٌ 524. اللَّقْلَقَةُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، والنَّقْعُ: التُّرابُ.

الجزء: 6 - الصفحة: 279

وَلَا يَجُوزُ النَّدْبُ، وَلَا النِّيَاحَةُ، وَلَا شَقُّ الثِّيَابِ، وَلَا لَطْمُ الْخُدُودِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

820 - مسألة: (ولا يَجُوزُ النَّدْبُ، ولا النِّياحَةُ، ولا شَقُّ الثِّيابِ، ولَطْمُ الخُدُودِ، وما أشْبَهَ ذلك)

النَّدْبُ هو تَعْدادُ مَحاسِنِ المَيِّتِ، وما يَلْقَوْنَ بعدَه، بلَفْظِ النُّدْبَةِ، كقَوْلِهم: وارَجُلاهُ، واجَبَلاهُ، وانْقِطَاعُ ظَهْراهُ.
فهذا وأشْباهُه مِن النَّوْحِ، وشَقِّ الجُيُوبِ، ولَطْمِ الخُدُودِ، والدُّعاءِ بالوَيْلِ والثُّبُورِ ونَحْوِه لا يَجُوزُ.
وقال بعضُ أصحابِنا: هو مَكْرُوهٌ.
ونَقَل حَرْبٌ عن أحمدَ كَلامًا يَحْتَمِلُ إباحَةَ النَّوْحِ والنَّدْبِ.
واخْتارَه الخَلَّالُ وصاحِبُه؛ لأنَّ واثِلَةَ بنَ الأسْقَعِ، وأبا وائِلٍ، كانا يَسْتَمِعان النَّوْحَ ويَبْكِيان 525. وقال أحمدُ: إذا ذَكَرَتِ المرأةُ مثلَ ما حُكِىَ عن فاطمةَ، في مثلِ الدُّعاءِ لا يكونُ مثلَ النَّوْحِ.
يَعْنِى لا بَأْسَ به.
ورُوِىَ

الحديث: 820 - الجزء: 6 - الصفحة: 280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن فاطمةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّها قالت: يا أبَتاهُ، مِن رَبِّه ما أدْناهُ، إلى جِبْرِيلَ أنْعاهُ، يا أبَتاهُ، أجاب رَبّاً دَعاهُ 526. ورُوِىَ عن علىٍّ، عن فاطمةَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّها أخَذَت قَبْضَةً مِن تُرابِ قَبْرِ النبىِّ -صلى الله عليه وسلم-، فوَضَعَتْها على عَيْنِها، ثم قالت: ماذا على مُشْتَمِّ تُرْبَةِ أحْمَدٍ … أن لا يَشَمَّ مَدَى الزَّمانِ غَوالِيا صُبَّتْ عَلَىَّ مَصائِبٌ لو أنَّها … صُبَّتْ على الأيّامِ عُدْنَ لَيالِيا ووَجْهُ الأُولَى أنَّ النبىَّ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عنها في حديثِ جابِرٍ الذى ذَكَرْناه 527، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ 528. قال أحمدُ: هو النَّوْحُ.
ولَعَن رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- النَّائِحَةَ والمُسْتَمِعَةَ 529. وقالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: أخَذَ علينا رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عندَ البَيْعَةِ أن لا نَنُوحَ.
مُتَّفَقٌ

الجزء: 6 - الصفحة: 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه 530. وعن أبي موسى، أنَّ النبىَّ -صلى الله عليه وسلم- بَرِئَ مِن الحالِقَةِ والصَّالِقَةِ والشّاقَّةِ.
الصّالِقَةُ؛ التي تَرْفَعُ صَوْتَها.
وعن ابنِ مسعودٍ، أنَّ النبىَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ 531 الْخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ».
مُتَّفَقٌ عليهما 532. ولأنَّ ذلك يُشْبِهُ التَّظَلُّمَ والاسْتِغَاثَةَ والتَّسَخُّطَ بقَضاءِ اللهِ، ولأنَّ شَقَّ الجُيُوبِ إفْسادُ المالِ [لغيرِ حاجَةٍ] 533.

الجزء: 6 - الصفحة: 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَنْبَغِى للمُصابِ أن يَسْتَعِينَ باللهِ، ويَتَعَزَّى بعَزائِه، ويَمْتَثِلَ أمْرَه في الاسْتِعانَةِ بالصَّبْرِ والصلاةِ، ويَسْتَنْجِزَ ما وَعَدَ اللهُ الصّابِرينَ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ الآيَتَيْن 534. ويَسْتَرْجِعَ ويَقُولَ: اللَّهُمَّ أْجُرْنِى في مُصِيبتى، واخْلُفْ لى خَيْراً منها؛ لقَوْل أُمِّ سَلَمَةَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ إِنَّا لِلهِ وَإَّنا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِى فِى مُصِيبَتِى، وَاخْلُفْ لِى خَيْراً مِنْهَا، إلَّا آجَرَهُ اللهُ فِى مُصِيبَتِهِ، وَأخْلَفَ لَهُ خَيْراً مِنْهَا».
قُلْتُ: فلَمّا مات أبو سَلَمَةَ، قُلْتُ كما أمَرَنِى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فأخْلَفَ اللهُ لى خَيْراً منه، رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-.
رَواه مسلمٌ 535. ولْيَحْذَرْ أن يَتَكَلَّمَ بشئٍ يُحْبِطُ أجْرَه ويُسْخِطُ

الجزء: 6 - الصفحة: 283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَبَّه، ممَّا يُشْبِهُ التَّظَلُّمَ والاسْتِغاثَةَ، فإنَّ اللهَ عَدْلٌ لا يَجُورُ، له ما أخَذَ، وله ما أعْطَى، ولا.
يَدْعُو على نَفْسِه، فإنَّ النبىَّ -صلى الله عليه وسلم- قال، لَمّا مات أبو سَلَمَةَ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أنْفُسِكُم؛ فَإنَّ الْمَلَاِئكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» 536. ويَحْتَسِبُ ثَوابَ اللهِ تعالى ويَحْمَدُه؛ لِما روَى أبو موسى، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى لِمَلَاِئِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِى؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ.
فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فيَقُولُونَ: نَعَمْ.
فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِى؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ، وَاسْتَرْجَعَ.
فَيَقُولُ: ابْنُوا لِعَبْدِى بَيْتاً فِى الْجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ» 537. حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
فصل: وقد صَحَّ عن النبىَّ -صلى الله عليه وسلم-، أنَّه قال: «إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِى قَبْرِهِ بِمَا يُنَاحُ عَلَيْهِ».
وفى لَفْظٍ: «إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ».
مُتَّفَقٌ عليهما 538. واخْتَلَفَ أهلُ العلمِ في مَعْنَى الحَدِيثِ، فحَمَله قَوْمٌ على

الجزء: 6 - الصفحة: 284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ظاهِرِه، وقالُوا: يَتَصَرَّفُ اللهُ سبحانه في خَلْقِه بما يَشَاءُ.
وأيَّدُوا ذلك بما روَى أبوِ موسى، أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ بَاكِيهِمْ فَيَقُولُ: وَاجَبَلَاهُ، وَاسَيِّدَاهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، إلَّا وَكَّلَ اللهُ بهِ مَلَكَيْنِ يَلْهَزَانِهِ 539: أهَكَذَا كُنْتَ؟» 540. حديثٌ حسنٌ.
وروَى النُّعْمانُ بنُ بَشِيرٍ، قال: أُغْمِىَ على عبدِ اللهِ بنِ رَواحَةَ، فجَعَلَتْ أُخْتُه عَمْرَةُ تَبْكِى؛ واجَبَلاهُ، واكَذا، واكَذا.
تُعَدِّدُ عليه.
فقالَ حينَ أفاقَ: ما قُلْتِ شيئاً إلَّا قِيلَ لى 541: أنت كذاك؟ فلمّا مات لم تَبْكِ عليه.
أخْرَجَه البُخارِىُّ 542 وأنْكَرَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، حَمْلَه على ظاهِرِه، ووافَقَها ابنُ عباسٍ، فقالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ عُمَرَ، واللهِ ما حَدَّثَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ = والثانى تقدم تخريجه في صفحة 262.

الجزء: 6 - الصفحة: 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ».
ولكنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَاباً بِبُكَاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ».
وقالَتْ: حَسْبُكم القُرْآنُ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ 543. وذَكَر ذلك ابنُ عباسٍ لابنِ عُمَرَ، حينَ روَى حَدِيثَه، فما قال شيئاً.
رَواه مسلمٌ 544. وحَمَلَه قَوْمٌ علىْ مَن كان النَّوْحُ سُنَّتَه، ولم يَنْهَ عنه أهْلَه، لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ 545. وقولِ النبىِّ -صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه» 546. وحَمَلَه آخَرُون على مَن

الجزء: 6 - الصفحة: 286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أوْصَى بذلك في حَياتِه، كقَوْلِ طَرَفَةَ 547: إذا مُتُّ فانْعِينِى بما أنا أهْلُهُ … وشُقِّى عَلَىَّ الجَيْبَ يا ابْنَةَ مَعْبدِ وقال آخَرُ: مَنْ كان مِن أُمَّهاتِى بَاكِياً أبَداً … فاليَوْمَ إنِّي أرَانِى اليَوْمَ مَقْبُوضَا ولابُدَّ مِنِ حَمْلِ البُكاءِ في هذا الحَدِيثِ على البُكاءِ الذى معه نَدْبٌ ونِياحَةٌ، ونحْوُ هذا؛ بدَلِيلِ ما قَدَّمْنا مِن الأحاديثِ.
فصل: ويُكْرَهُ النَّعْىُ، وهو أن يَبْعَثَ مُنادِياً يُنَادِى في النَّاسِ: إنَّ فُلاناً مات.
ليَشْهَدُوا 548 جِنازَتَه؛ لِما روَى حُذَيْفَةُ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَنْهَى عن النَّعْىِ.
قال التِّرْمِذِىُّ 549: هذا حديثٌ حسنٌ.
واسْتَحَبَّ جَماعَةٌ مِن أهلِ العلمِ أن لا يُعْلَمَ الناسُ بجَنائِزِهم؛ منهم ابنُ مسعودٍ،

الجزء: 6 - الصفحة: 287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعَلْقَمَةُ، والرَّبِيعُ بنُ خُثَيْمٍ، وعَمْرُو بنُ شُرَحْبِيلَ 550، قال: إذا أنا مُتُّ فلا أُنْعَى.
وقال كَثِيرٌ مِن أهلِ العلمِ: لا بَأْسَ مِن أن يُعْلَمَ بالرجلِ إخْوانُه ومَعارِفُه وذوو الفَضْلِ، من غيرِ نِداءٍ.
قال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ: لا بَأْسَ أن يُعْلِمَ الرجلُ إخْوانَه وأصْحابَه، إنَّما كانُوا يَكْرَهُون أن يُطافَ في المَجالِسِ: أنْعِى فُلاناً.
كفِعْلِ أهلِ الجاهِليَّةِ 551. ومِمَّن رَخَّصَ في هذا؛ أبو هُرَيْرَةَ، وابنُ عُمَرَ، وابنُ سِيرِينَ.
فرُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه لَمّا نُعِىَ له رافِعُ بنُ خَدِيجٍ، قال: كيف تُرِيدُون أن تَصْنَعُوا به؟ قالُوا: نَحْبِسُه حتى نُرْسِلَ إلى قُباءَ، وإلى قُرَياتٍ 552 حَوْلَ المَدِينَةِ، ليَشْهَدُوا جِنازَتَه.
قال: نِعْمَ ما رَأيْتُم 553. وقال النبىُّ -صلى الله عليه وسلم- في الذى دُفِن لَيْلاً: «ألَا آذَنْتُمُونِى» 554. وقد صَحَّ أنَّ النبىَّ -صلى الله عليه وسلم- نَعَى النَّجاشِىَّ، في اليَوْمِ الذى مات فيه.
مُتَّفَقٌ عليه 555. ولأنَّ في كَثْرَةِ المُصَلِّين عليه أجْراً لهم،

الجزء: 6 - الصفحة: 288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ونَفْعاً للميِّتِ، فإنَّه يَحْصُلُ لكلِّ مُصَلٍّ منهم قِيراطٌ مِن الأجْرِ.
وروَى الإِمامُ أحمدُ 556، بإسْنادِه، عن أبى المَلِيحِ، أنَّه صَلَّى على جِنازَةٍ، فالْتَفَتَ فقالَ: اسْتَوُوا, ولْتَحْسُنْ شَفَاعَتُكُمْ، ألا وإنَّه حَدَّثَنِى عبدُ اللهِ بنُ سَلِيطٍ، عن إحْدَى أُمَّهاتِ المؤمنين، وهى مَيْمُونَةُ، وكان أخاها مِن الرَّضاعَةِ، أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّى عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ النَّاسِ إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ».
فسَألْتُ أبَا المَلِيحِ عن الأُمَّةِ؟ فقالَ: أرْبَعُونَ.
آخِرُ الصلاةِ.
والحَمْدُ للهِ ربِّ العالَمِين.

الجزء: 6 - الصفحة: 289

فصول الكتاب · 40 فصل
فصول الشرح الكبير على المقنع ت التركي
المقدمةمقدمة التحقيقكِتَابُ الطَّهارةكِتابُ الصَّلَاةِكتاب الجنائز
مسألة: و (تُسْتَحَبُّ عِيادَةُ المَرِيضِ، وتَذْكِيرُه التَّوْبَةَ والوَصِيَّةَ)722 - مسألة: (وإِذَا نَزَلَ به، تَعاهَدَ بَلَّ حَلْقِه بماءٍ أو شَرابٍ، ونَدَّى شَفَتَيْه بقُطْنَةٍ)مسألة: (و)مسألة: (ولا يَزِيدُ على ثَلاثٍ)مسألة: ويَقْرَأُ عِنْدَه سُورَةَ يَس) لِما روَى مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اقْرأُواْ يَس عَلَى مَوْتَاكُمْ». رَواه أبو داودَ726 - مسألة: (ويُوَجِّهُه إلى القِبْلَةِ)مسألة: (ويُسارِعُ في قَضَاءِ دَيْنِه)مسألة: (و)ِ: 731 - مسألة: (غَسْلُ المَيِّتِ ودَفْنُه وتَكْفِينُه والصلاةُ عليه، فَرْضُ كِفايَةٍ)732 - مسألة: (وأحَقُّ النَّاسِ بِهِ وَصِيُّه، ثم أبوه، ثم جَدُّه، ثم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ مِن عَصَباتِه، ثم ذَوو أرْحامِهِ، إلَّا الصَّلاةَ عليه، فإنَّ الأمِيرَ أحَقُّ بها بعدَ وصِيِّه)733 - مسألة: (وأحَقُّ النَّاسِ بغَسْلِ المَرْأةِ)مسألة: (ولِكلِّ واحِدٍ مِن الزَّوْجَيْنِ غَسْلُ صاحِبهِ في إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ، كذلك السَّيِّدُ مع سُرِّيَّتِه)735 - مسألة: (وللرجلِ والمرأةِ غَسْلُ مَن له دُونَ سَبْعِ سِنِينَ، وفي ابنِ السَّبْعِ وَجْهان)مسألة: (وإذا مات رجلٌ بينَ نِسْوَةٍ، أو امرأةٌ بينَ رِجالٍ، أو خُنْثَى مُشْكِلٌ، يُمِّمَ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن. وفى الأُخْرَى، يُصَبُّ عليه الماءُ مِن فوقِ القَمِيصِ، ولا يُمَسُّ)737 - مسألة: (ولا يُغَسِّلُ مُسْلِمٌ كَافِرًا, ولا يَدْفِنُه، إلَّا أن لا يَجِدَ مَن يُوارِيه غيرَه)738 - مسألة: (وِإذَا أَخَذَ فِى غَسْلِهِ، سَتَرَ عَوْرَتَهُ وَجَرَّدَهُ. وَقَالَ الْقَاضِى: يُغَسِّلُهُ [^fn5004] فِى قَمِيصٍ خَفِيفٍ [^fn5005]، وَاسِعِ الْكُمَّيْنِ) يَجِبُ سَتْرُ عَوْرَةِ المَيِّتِ بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، وهو ما بينَ سُرَّتِه إلى رُكْبَتِه، وقد قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - لعلىٍّ: «لَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَىٍّ، وَلَا مَيِّتٍ». رَواه أبو داودَ [^fn5006]. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: ورُوِىَ: «النَّاظِرُ مِنَ الرِّجَالِ إلَى فُرُوجِ الرِّجَالِ، كَالنَّاظِرِ مِنْهُمْ إلَى فُرُوجِ النِّسَاءِ، وَالمُتَكَشِّفُ مَلْعُونٌ» [^fn5007].739 - مسألة: (ويُسْتَرُ المَيِّتُ عن العُيُونِ، ولا يَحْضُرُه إلَّا مَن يُعِينُ في غَسْلِه)مسألة: (ثم يَرْفَعُ رَأْسَه برِفْقٍ إلى قَرِيبٍ مِن الجُلُوسِ، ويَعْصِرُ بَطْنَه عَصْرًا رَفِيقًا، ويُكْثِرُ صَبَّ الماءِ حِينَئِذٍ)مسألة: (ثم يَلُفُّ على يَدِه خِرْقَةً، فَيُنَجِّيه. ولا يَحِلُّ مَسُّ عَوْرَتِه، ويُسْتَحَبُّ أن لَا يَمَسَّ سَائِرَ بَدَنِه إلَّا بخِرْقَةٍ)مسألة: (ثم يَنْوِى غَسْلَه [^fn5023]، ويُسَمِّى) النِّيَّةُ في غَسْلِ المَيِّتِ واجِبَةٌ على الغاسِلِ، وفى وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ رِوايَتَانِ، كغُسْلِ[^fn5021][^fn5022]743 - مسألة؛ قال: (ويُدْخِلُ إِصْبَعَيْه مَبْلُولَتَيْن بالماء بينَ شَفَتَيْه، فيَمَسَحُ أسْنَانَه، وفى مَنْخَرَيْه فيُنَظِّفُهما، ويوضِّئُه، ولا يُدْخِلُ الماءَ في فيه ولا أنْفِه)مسألة: (ثم يَضْرِبُ السِّدْرَ، فيَغْسِلُ برَغْوَتِهِ رَأْسَه ولِحْيَتَه745 - مسألة: (فإن لم يُنَقَّ بالثَّلاثِ، [أو خَرَجَ] [^fn5036] منه شئٌ، غَسَّلَه إلى خَمْسٍ، فإن زاد فإلى سَبْعٍ) إذا فَرَغ الغاسِلُ مِن الغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ، لم يُمِرَّ يَدَه على بَطْنِ المَيِّتِ، لِئَلَّا يَخْرُجَ منه شئٌ، فإن رَأى الغاسِلُ أنَّه لم يُنَقَّ بالثَّلاثِ غَسَّلَه خَمْسًا أو سَبْعًا، إن رَأى ذلك، ولا يَقْطَعُ إلَّا على وِتْر. قال الإِمامُ أحمدُ: ولا يُزادُ على سَبْع؛ لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاًثا، أوْ خَمْسًا، أوْ سَبْعًا». لم يَزِدْ على ذلك، وجَعَل ما أمَرَ به وِتْرًا. = الأدب. سنن أبى داود 2/ 554. والترمذى، في: باب ما جاء في التسليم على أهل الذمة، من أبواب الاستئذان. عارضة الأحوذى 10/ 175. وابن ماجه، في: باب الرفق، من كتاب الأدب. سنن ابن ماجه 2/ 1216. والدارمى، في: باب في الرفق، من كتاب الرقاق. سنن الدارمى 2/ 323.والإمام مالك، في: باب ما يؤمر به من العمل في السفر، من كتاب الاستئذان. الموطأ 2/ 979. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 112، 4/ 87، 6/ 37، 85، 199.مسألة: (ويَجْعَلُ في الغَسْلَةِ الأخِيرَةِ كافُورًا)مسألة: (والماءُ الحارُّ، والخِلالُ، والأُشْنَانُ [^fn5039]، يُسْتَعْمَلُ إنِ احْتِيجَ إليه) هذه الثَّلاَثَةُ تُسْتَعْمَلُ عندَ الحاجَةِ إليها، مثلَ أن يُحْتاجَ إلى الماءِ الحارِّ لشِدَّةِ البَرْدِ، أو الوَسَخُ لا يَزُولُ إلَّا به، وكذلك الأُشْنانُ يُسْتَعْمَلُ إذا كان على المَيِّتِ وَسَخٌ. قال أحمدُ: إذا طال ضَنَى المَرِيضِ غُسِّلَ بالأُشْنَانِ. يَعْنِى أنَّه يَكْثُرُ وَسَخُه، فيَحْتاجُ إلى الأُشْنَانِ ليزِيلَه. والخِلالُ يُحْتاجُ إليه لإِخْرَاجِ شئٍ، والأَوْلَى أن يكونَ مِن شَجَرَةٍ كالصَّفْصافِ ونحوِه، ومِمّا يُنَقِّى ولا يَجْرَحُ، وإن جَعَلَ على رَأْسِه قُطْنًا،مسألة: (ويَقُصُّ شارِبَه، ويُقَلِّمُ أظْفارَه، ولا يُسَرِّحُ شَعَرَه، ولا لِحْيَتَه)مسألة: (ويُضْفَرُ شَعَرُ المرأةِ ثَلاثَةَ قُرُونٍ، ويُسْدَلُ مِن وَرائِها)مسألة: (ثم يُنَشِّفُه بِثَوْبٍ)مسألة: (فإن خَرَج منه شئٌ بعدَ السَّبْعِ حَشَاه بالقُطْنِ،مسألة: (ثم يُغْسَلُ المَحَلُّ ويُوَضَأُّ)مسألة: (فإن خَرَج منه شئٌ بعدَ وَضْعِه في أكْفانِه، لم يَعُدْ إلى الغَسْلِ)754 - مسألة: (ويُغَسَّلُ المُحْرِمُ بِماءٍ وسِدْرٍ، ولا يُلْبَسُ المَخِيطَ، ولا يُخَمَّرُ رَأْسُه، ولا يُقْرَبُ طِيبًا)755 - مسألة: (والشَّهِيدُ لَا يُغَسَّلُ، إلَّا أن يَكُونَ جُنُبًا)مسألة: (ويُنْزَعُ عنهُ السِّلاحُ والجُلُودُ، ويُزَمَّلُ فِى ثِيابِه،مسألة: (ولا يُصَلَّى عليه، في أصَحِّ الرِّوايتَيْن)758 - مسألة: (وإن سَقَط مِن دَابَّتِه، [أو وُجِد مَيِّتًا ولا] [^fn5071] أثَرَ به، أو حُمِلَ فأَكَلَ، أو طال بَقَاؤُه، غُسِّلَ وصُلِّىَ عليه) إذا سَقَط مِن دَابَّتِه فمات، أو وُجِد مَيِّتًا ولا أثَرَ به، فإنَّه يُغَسَّلُ ويُصَلَّى عليه. نَصَّ عليه أحمدُ.مسألة: (ومَن قُتِل مَظْلُومًا، فهل يُلْحَقُ بِالشَّهِيدِ؟ على رِوايَتَيْن)مسألة: (وإذا وُلِد السِّقْطُ لأكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، غُسِّلَمسألة: (ومَن تَعَذَّرَ غَسْلُه يُمِّمَ)مسألة: (وعلى الغاسِلِ سَتْرُ ما رَآه إن لم يَكُنْ حَسَنًا)ِ 763 - مسألة: (ويَجِبُ كَفَنُ المَيِّتِ في مالِه، مقَدَّمًا على الدَّيْنِ وغيرِه)764 - مسألة: (فإن لم يَكُنْ لهْ مالٌ، فعلَى مَن تَلْزَمُه نَفَقَتُه، إلَّا الزَّوْجَ لا يَلْزَمُه كَفَنُ امرأتِه)مسألة: (ويُسْتَحَبُّ تَكْفِينُ الرجلِ في ثَلاثِ لَفائِف بِيضٍ، يُبْسَطُ بَعْضُها فوقَ بَعْضٍ بعدَ تَجْمِيرِها)مسألة:. (ثم يُوضَعُ عليها مُسْتَلْقِيًا، ويُجْعَلُ الحَنُوطُ [^fn5125] فيما بينَها، ويُجْعَلُ منه في قُطْن يُجْعَلُ بَيْنَ ألْيَتَيْه، ويُشَدُّ فوقَه خِرْقَة مَشْقُوقَةُ الطَّرَفِ كالتُّبّانِ، تَجْمَعُ ألْيَتَيْه ومَثَانَتَه، ثم يُجْعَلُ الباقِى على مَنافِذِ وَجْهِه، ومَواضِعِ سُجُودِه، وإن طَيَّبَهَ كلَّه كان حَسَنًا) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المُسْتَحَبَّ أن يُوخَذَ أوْسَعُ اللَّفائِفِ وأحْسَنُها، فتُبْسطَ أوَّلًا،[^fn5124]مسألة: (ثم يُرَدُّ طَرَفُ اللِّفَافَةِ العُلْيا على شِقه الأيْمَنِ، ثم يُرَدُّ طَرَفُها الآخَرُ على شِقِّه الأيسَرِ)مسألة: (وإن كُفّنَ في قَمِيصٍ ومِئْزَرٍ ولِفافَةٍ، جاز)مسألة: (وتُكَفَّنُ المرأةُ في خَمْسَةِ أثوابٍ، إزارٍ، وخِمارٍ، وقَمِيصٍ، ولِفافَتَيْن)مسألة: (والواجِبُ مِن ذلك ثَوْبٌ يَستُرُ جَمِيعَه)771 - مسألة: (السُّنَّةُ أن يَقُومَ الِإمامُ عندَ رَأْسِ الرجلِ، ووَسَطِ المرأةِ)مسألة: (ويُقَدَّمُ إلى الِإمامِ أفْضلُهُم، ويُجْعَلُ وَسَطُ المرأةِ حِذاءَ رَأسِ الرجلِ. وقال القاضى: يُسَوَّى بينَ رُءُوسِهم)773 - مسألة: (ثم يُكَبِّرُ أرْبَعَ تَكْبِيراتٍ، يَقْرأُ في الأُولَى الفاتِحَةَ، ويُصَلِّى على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - في الثانِيَةِ)مسألة: (ويَدْعُو في)مسألة: (وإن كان صَبِيًّا)776 - مسألة: (ثم يَقِفُ بعدَ الرّابِعَةِ قَلِيلًا، ويُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً واحِدَةً عن يَمِينِه)مسألة: (ويَرْفَعُ يَدَيْه مع كلِّ تَكْبِيرَةٍ)مسألة: (والواجِبُ مِن ذلك، التَّكْبِيراتُ، والقِيامُ و)779 - مسألة: (وَإنْ كَبَّرَ الإمَامُ خَمْسًا كُبِّرَ بِتَكْبِيرِهِ. وَعَنْهُ، لَا يُتَابَعُ في زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ. وَعَنْهُ، يُتَابَعُ إِلَى سَبْعٍ.)780 - مسألة: (ومَن فاتَه شيءٌ مِن التَّكْبِيرِ، قَضاه على صِفَتِه. وقال الخِرَقِىُّ: يَقْضِيه مُتَتابِعًا)مسألة: (فإن سَلَّمَ ولم يَقْضِه.، فعلى رِوايَتَيْن)مسألة: (ومَن فاتَتْه الصلاةُ على الجِنازَةِ، صَلَّى علَى القَبْرِ إلى شَهْرٍ)مسألة: (وَيُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ بالنِّيَّةِ، فَإِنْ كَانَ في أَحَدِ جَانِبَىِ الْبَلَدِ، لَمْ يُصَلَّ [^fn5236] عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ، في أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ). تَجُوزُ الصلاةُ على الغائِبِ في بَلَدٍ آخَرَ بالنِّيَّةِ، بَعِيدًا كان البَلَدُ أو قَرِيبًا، فيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ،[^fn5235]مسألة: (ولا يُصَلِّى الإِمامُ على الغالِّ، ولا مَن قَتَل نَفْسَه)مسألة: (وإن وُجِد بَعْضُ المَيِّتِ، غُسِّلَ وصُلِّىَ عليه.786 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَطَ مَن يُصَلَّى عليه بمَن لا يُصَلَّى عليه، صُلِّىَ على الجَمِيعِ، يَنْوِى مَن يُصَلَّى عليه)787 - مسألة: (ولا بَأْسَ بالصلاةِ على المَيِّتِ في المَسْجِدِ)مسألة: (وإن لم يَحْضُرْه إلَّا النِّسَاءُ صَلَّيْنَ عليه): 789 - مسألة: (يُسْتَحَبُّ التَّرْبِيعُ في حَمْلِهِ)مسألة؛ قال: (وهو أن يَضَعَ قائِمَةَ السَّرِيرِ اليُسْرَى المُقَدَّمَةَمسألة: (وإن حَمَل بينَ العَمُودَيْن فحَسَنٌ)مسألة: (ويُسْتَحَبُّ الِإسْراعُ بها)793 - مسألة: (و)794 - مسألة: (ولا يَجْلِسُ مَن تَبِعَها حتى تُوضَعَ)مسألة: (وإن جاءَتْ وهو جالِسٌ لم يَقُمْ لها)796 - مسألة: (ويُدْخَلُ قَبْرَه من عندِ رِجْلِ القَبْرِ، إن كان أسْهَلَ عليهم)مسألة؛ قال: (ولا يُسَجَّى القَبْرُ، إلَّا أن يَكُونَ لامرأةٍ)مسألة: (ويَلْحَدُ له لَحْدًا، ويَنْصِبُ عليه اللَّبِنَ نَصْبًا)مسألة: (ولا يُدْخِلُ القَبْرَ خَشَبًا، ولا شيئًا مَسَّتْه النّار)مسألة: (ويَقُولُ الذى يُدْخِلُه: بسْمِ اللهِ، وعلى مِلَّةِ رسولِ اللهِ)،مسألة: (وَيَضَعُه في لَحْدِه على جَنْبِه الأيْمَنِ، مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ)مسألة: (ويَجْثُو التُّرابَ في القَبْرِ ثَلاثَ حَثَياتٍ، ويُهالُ عليه التُّرابُ)مسألة: (ويُرْفَعُ القَبْرُ عن الأَرْضِ قَدرَ شِبْرِ مُسَنَّمًا)مسألة: (ويُرَشُّ عليه الماءُ)مسألة: (ولا بَأْسَ بتَطْيِيِنه)مسألة: (ويُكْرَهُ تَجْصِيصُه، والبِناءُ عليه، والجُلُوسُ، والوَطْءُ عليه، والاتِّكاءُ إليه، والكِتابَةُ عليه)مسألة: (ولا يُدْفَنُ فِيهِ اثْنان إلَّا لضَرُورَةٍ، ويُقَدَّمُ الأفْضَلُ إلى القِبْلَةِ ويُجْعَلُ بينَ كلِّ اثْنَيْن حاجِزٌ مِن التُّرابِ)808 - مسألة: (وإن وَقَعَ في القَبْرِ ماله قِيمَةٌ، نُبِش وأُخِذَ)مسألة: (وإن كُفِّنَ بِثَوْبٍ غَصْبٍ، أو بَلَع مالَ غيرِه، غَرِم ذلك مِن تَرِكَتِه. وقِيلَ: يُنْبَشُ، ويُؤْخَذُ الكَفَنُ، ويُشَقُّ جَوْفُه فيُخْرَجُ)مسألة: (وإن ماتَتْ حامِلٌ لم يُشَقَّ بَطْنُها، وتَسْطُو عليه القَوابِلُ، فيُخْرِجْنَه)811 - مسألة: (وإن ماتَتْ ذِمِّيَّةٌ حامِلٌ مِن مُسْلِمٍ دُفِنَتْ وَحْدَها، ويُجْعَلُ ظَهْرُها إلى القِبْلَةِ)مسألة: (ولا تُكْرَهُ القِراءَةُ على القَبْرِ، في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن)مسألة: (وأىُّ قُرْبَةٍ فَعَلَها وجَعَل ثَوابَها للمَيِّتِ المُسْلِمِ، نَفَعَه ذلك)814 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أنْ يُصْلَحَ لأهلِ المَيِّتِ طَعامٌ، يُبْعَثُ إليهم، ولا يُصْلِحُون هم طَعامًا للنّاسِ)815 - مسألة: (ويَقُولُ إذا زارَها، أو مَرَّ بها)816 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أهْلِ المَيِّتِ)مسألة: (و)819 - مسألة: (ويَجُوزُ البُكاءُ على المَيِّتِ، وأن يَجْعَلَ المُصابُ على رَأْسِه ثَوْبًا يُعْرَفُ به)820 - مسألة: (ولا يَجُوزُ النَّدْبُ، ولا النِّياحَةُ، ولا شَقُّ الثِّيابِ، ولَطْمُ الخُدُودِ، وما أشْبَهَ ذلك)
كِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الاعتكافكِتَابُ الْمَنَاسِكِكتاب الجهادكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْحَجْركِتَابُ الشَّركَةِكِتَابُ العَارِيَّةِكتَابُ الْغَصْبِكتابُ الْوَقْفِكتابُ الوَصاياكتاب الفرائضكتاب العتقكتابُ النِّكاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الْخُلْعِكِتَابُ الطَّلَاقِكتابُ الرَّجْعَةِكتابُ الإِيلاءِكتابُ الظِّهَارِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكتاب الرضاعكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الجِنَايَاتِكتاب الدياتكِتَابُ الْحُدُودِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الصَّيدِكِتَابُ الْأَيْمَانِكتاب القضَاءِكِتَابُ الشَّهادَاتِكِتَابُ الْإِقْرَارِ
جارٍ التحميل