الشرح الكبير على المقنع ت التركيكتابُ النِّكاحِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتابُ النِّكاحِ النِّكاحُ في الشَّرْعِ عَقْدُ التَّزْويجِ، فعندَ إطْلاقِ لَفْظِه يَنْصَرفُ إليه، ما لم يَصرِفْه عنه دَلِيلٌ.
وقال القاضي: الأشْبَهُ بأصْلِنَا أنَّه حَقِيقَةٌ في العَقْدِ والوَطْءِ جميعًا؛ لقَولِنا 1 بتَحْرِيمِ مَوْطُوءَةِ الأبِ مِن غيرِ تَزويج.
استِدْلالًا بقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 2. وقيلَ: بل هو حَقِيقَةٌ في الوَطْءِ، مَجازٌ في العَقْدِ، تقولُ العربُ: أنْكَحْنا الْفِرَا، فسنَرَى.
أي أضْرَبْنا فَحْلَ حُمُرِ الوَحْشِ

الجزء: 20 - الصفحة: 5

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أُمَّه 3، فسَنَرَى ما يَتَوَلَّدُ منهما 4. يُضْرَبُ مَثَلًا للأمْرِ يَجْتَمِعون عليه، ثم يَتَفَرَّقونَ عنه 5. قال الشاعرُ: ومِن أَيِّمٍ قد أنْكَحَتْنا رِمَاحُنا 6 … وأُخْرَى على خالٍ وعَمٍّ تَلَهَّفُ قال شيخُنا 7: والصَّحيحُ ما قُلنا؛ لأنَّ الأشْهَرَ استِعمالُ لَفْظَةِ النِّكاحِ بإزاءِ العَقْدِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، لسانِ أهلِ العُرْفِ.
وقد قِيلَ: ليس في الكتابِ لَفْظُ نِكاحٍ بمَعْنَى الوَطْءِ إلَّا قولُه: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ 8. ولأنَّه يَصِحُّ نفْيُه عن الوَطْءِ؛ لأنَّه يُقالُ: هذا سِفَاحٌ وليس

الجزء: 20 - الصفحة: 6

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بنِكاحٍ.
ويُرْوَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ» 9. ويُقال عن السُّرِّيَّةِ: ليست بزَوْجَةٍ ولا مَنْكُوحَةٍ.
ولأنَّ النِّكاحَ أحَدُ اللَّفْظَين اللَّذَين يَنْعَقِدُ بهما عَقْدُ النِّكاحِ، فكان حقيقَةً فيه، كاللَّفْظِ الآخَرِ.
وما ذَكَرَه القاضي يُفْضِي إلى كَونِ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا، وهو على خِلافِ الأصْلِ، وما ذَكَرَه الآخَرون يَدُلُّ على الاسْتِعْمالِ في الجُمْلَةِ، والاستعمالُ فيما قُلْنا أكثرُ وأشهَرُ، ثم لو قُدِّرَ كَوْنُه مَجازًا في العَقْدِ، لَكان اسْمًا عُرْفِيًّا يَجِبُ صَرْفُ اللفظِ إليه عندَ الإِطْلاقِ؛ لشُهْرَتِه، كسائِرِ الأسماءِ العُرْفِيَّةِ.

الجزء: 20 - الصفحة: 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والأصلُ في مَشْرُوعِيَّتِه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقولُه تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 10. وقولُه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ 11. وأمَّا السُّنَّةُ فقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ، وأحْصَنُ للفَرْجِ، ومَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ

الجزء: 20 - الصفحة: 8

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [فعليه بالصَّوْمِ، فإنَّه] 12 لَهُ وجَاءٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 13. وقال عليه السَّلامُ: «إنِّي أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي» 14. وقال

الجزء: 20 - الصفحة: 9

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سعدٌ: رَدَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على عثمانَ بنِ مَظْعونٍ التَّبَتُّلَ، ولو أَذِنَ له لاخْتَصَينا.
مُتَّفَقٌ عليه 15. والتَّبَتُّلُ تَرْكُ النِّكاحِ.
وأجْمَعَ المسلمونَ على أنَّ النِّكاحَ مَشْرُوعٌ.

الجزء: 20 - الصفحة: 10

النِّكَاحُ سُنَّةٌ.

3054 - مسألة: وَ (النِّكَاحُ سُنَّةٌ)

لِما ذَكَرْنا مِن أدِلَّةِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ، وأدْناها الاسْتِحْبَابُ.

الحديث: 3054 - الجزء: 20 - الصفحة: 11

وَالاشْتِغَالُ بِهِ أفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ، إلا أنْ يَخَافَ عَلَى

3055 - مسألة: (وَالاشْتِغَالُ به أفْضَلُ مِن التَّخَلِّي لنَوافِل

الحديث: 3055 - الجزء: 20 - الصفحة: 13

نَفْسِهِ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ بِتَرْكِهِ، فَيَجِبُ عَلَيهِ.
العِبادَةِ، إلا أن يَخافَ على نَفْسِه مُواقَعَةَ المَحْظُورِ بِتَرْكِهِ، فَيجِبُ) الناسُ في النِّكاحِ على ثَلاثةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُها، مَن يَخافُ على نَفْسِه [الوُقُوعَ في] 16 المَحْظُورِ إن تَرَك النِّكاحَ، فهذا يَجِبُ عليه في قولِ عامَّةِ الفُقهاءِ؛ لأنَّه يَلْزَمُه إعْفافُ نفسِه، وصَرْفُها عن الحَرامِ، وطَرِيقُه النكاحُ.
الثاني، مَن يُسْتَحَبُّ له، وهو مَن له شَهْوَةٌ يَأْمَنُ معها الوُقُوعَ في مَحْظُورٍ، فهذا الاشْتِغالُ له 17 به أفضَلُ مِن التَّخَلِّي لنَوافِلِ العِبادةِ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي، وظاهِرُ أقوالِ الصَّحابةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، وفِعْلُهم.
قال ابنُ مسعودٍ: لو لم يَبْقَ مِن أَجَلِي إلَّا عشَرةُ أيامٍ، وأعْلَمُ أَنِّي أموتُ في آخِرِها يَوْمًا، لِي فيهِنَّ طَوْلُ النِّكاحِ، لتَزَوَّجْتُ مَخافَةَ الفِتْنَةِ 18. وقال ابنُ عباسٍ لسعيدِ بنِ جُبَيرٍ: تَزَوَّجْ، فإنَّ خَيرَ هذه الأمَّةِ أكثَرُها نِساءً 19. وقال إبراهيمُ بنُ مَيسَرَةَ: قال لي طاوسٌ: لَتَنْكِحَنَّ، أو لأقُولَنَّ لك ما قال عمرُ لأبي الزَّوائِدِ: ما يَمْنَعُكَ عن النِّكاحِ إلَّا عَجْزٌ أو فُجُورٌ 20. قال أحمدُ في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ: ليبستِ العُزْبَةُ مِن أمْرِ الإسلامِ في شيءٍ، ومَن دَعاك 21 إلى غيرِ التَّزْويجَ، فقد دَعاك (6) إلى غيرِ

الجزء: 20 - الصفحة: 14

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإِسلامِ، ولو تَزَوَّجَ بِشْرٌ 22 كان قد تَمَّ أمْرُه.
وقال الشافعيُّ 23: التَّخَلِّى لِعبادَةِ اللهِ أفْضَلُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى مَدَح يَحيى، عليه السّلامُ، بقولِه تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ 24. والحَصُورُ الذي لا يَأْتِي النِّساءَ، فلو كان النِّكاحُ أفْضَلَ لَما مَدَح بتَرْكِه.
وقال اللهُ تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ 25. وهذا في مَعْرِضِ الذَّم.
ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فكان الاشْتِغالُ بالعِبادَةِ أفْضَلَ منه، كالبَيعِ.
ولَنا، ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ اللهِ ورسولِه به، وحَثِّهِما عليه، وقولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: «لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي».
وقولُ سعدٍ: لقد رَدَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على عثمانَ بنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، ولو أَذِنَ 26 له لَاخْتَصَينَا.
مُتَفَقٌ عليهما.
وعن أنسٍ قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُ بالباءَةَ، ويَنهَى عن التَّبتُّل نَهْيًا شَديدًا، ويقولُ: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
رَواه سعيدٌ 27. وهذا حَثٌّ على النِّكاحِ شَدِيدٌ، ووَعِيدٌ على تَرْكِه، يُقَربُه إلى الوُجوبِ،

الجزء: 20 - الصفحة: 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  و 28 التَّخَلِّيَ منه إلى التَّحريمِ، ولو كان التَّخَلِّي أفْضَلَ [لانْعَكَسَ الأمْرُ] 29، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَزَوَّجَ، وبالغَ في العَدَدِ، وفَعَل ذلك أصحابُه، ولا يَشْتَغِلُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه إلَّا بالأَفْضَلِ، ولا يَجْتَمِعُ الصحابةُ على تَرْكِ الأفْضَلِ والاشْتِغالِ بالأدْنَى.
ومِن العَجَبِ أنَّ مَن يُفَضِّلُ التَّخَلِّيَ لم يَفْعَلْه، فكيف أجْمَعوا على النِّكاحِ في فِعْلِه، وخالفوا في فَضْلِه! أفما 30 كان فيهم مَنْ يَتْبَعُ الأفْضَلَ عندَه ويَعْمَلُ بالأَوْلَى؟ ولأنَّ مَصالِحَ النِّكاحِ أكثَرُ؛ فإنَّه يَشْتَمِلُ على تَحْصِينِ الدِّينِ وإحْرازِه، وتَحْصِينِ المرأةِ وحِفْظِها والقِيامِ بها، وإيجادِ النَّسْلِ وتَكْثِيرِ الأمَّةِ، وتَحْقِيقِ مُباهاةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وغيرِ ذلك مِن المَصالِحِ الرَّاجِحِ أحَدُها على نَفْلِ العِبادَةِ، فمَجْمُوعُها أَوْلَى.
وقد رَوَينا في أخْبارِ المُتَقدِّمِينَ أنَّ قَوْمًا ذَكَرُوا لنبيٍّ لهم فَضْلَ عابدٍ لهم، فقال: أمَّا إنَّه لتارِكٌ لشيءٍ مِن السُّنَّةِ.
فبَلَغ العابِدَ، فأتى النبيَّ 31 فسَألَه عن ذلك، فقال: إنَّك تَركْتَ التَّزْويجَ.
فقال: يا نَبيَّ اللهِ، وما هو إلَّا هذا! فلمَّا رَأَى النبيُّ احْتِقارَه لذلك، قال: أرَأَيتَ لو تَرَك الناسُ كُلهم التَّزْويجَ، مَن كان يَقُومُ بالجِهادِ، ويَنْفِي العَدُوَّ، و 32 يقومُ بفرائِضِ الله وحُدُودِه؟.
وأمَّا ما ذُكِرَ عن يَحيي، فهو شَرْعُه، وشَرْعُنا

الجزء: 20 - الصفحة: 16

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بخِلافِه، فهو أَوْلَى.
والبَيعُ لا يَشْتَمِلُ على مَصالِحِ النِّكاحِ، ولا يُقارِبُها.
القسمُ الثالثُ، مَن لا شَهْوَةَ له؛ إمَّا لأنَّه لا شَهْوَةَ له كالعِنِّينِ، أو ذَهَبَتْ شَهْوَتُه لمَرَضٍ أو كِبَرٍ ونحوه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهُما، يُسْتَحَبُّ له النِّكاحُ؛ لما ذَكَرْنا.
والثاني، التَّخَلِّى له أفْضَلُ؛ فإنَّه لا يُحَصِّلُ مَصالِحَ النِّكاحِ، ويَمْنَعُ زَوْجَتَه مِن التَّحْصِينِ بغيرِه، ويُضِرُّ بها بحَبْسِها على 33 نَفسِه، ويُعَرِّضُ نَفْسَه لواجِباتٍ وحُقُوقٍ لَعَلَّه لا يَقومُ بها، ويَشْتَغِلُ عن العِلْمِ والعِبادَةِ بما لا فائِدَةَ فيه، والأخبارُ تُحْمَلُ على مَن له شَهْوَةٌ؛ لِما فيها مِن القَرائِنِ الدَّالَّةِ عليها.
فصل: وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّه لا فَرْقَ بينَ القادِرِ على الإِنْفاقِ والعاجِزِ عنه، فإنَّه قال: يَنْبَغِي للرجلِ أن يَتَزَوَّجَ، فإن كان عندَه ما يُنْفِقُ أنْفَقَ، وإن لم يَكُنْ عندَه صَبَرَ، ولو تَزَوَّجَ بِشْرٌ كانَ قد تَمَّ أمْرُه.
واحْتَجَّ بأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -[كانَ يُصْبِحُ وما عندَهم شيءٌ، ويُمْسِي وما عندَهم شيءٌ 34. ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -] 35 زَوَّجَ رجلًا لم يَقْدِرْ 36 على خاتَمِ حَديدٍ، ولا وَجَد إلَّا إزارَه، ولم يَكُنْ له رِداءٌ.
أخْرَجَه البخاريُّ 37. قال أحمدُ في رجلٍ قَلِيلِ

الجزء: 20 - الصفحة: 17

وَعَنْهُ، أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الإطْلَاقِ.
الكَسبِ، يَضْعُفُ قَلْبُه عن العِيالِ: اللهُ يَرْزُقُهُم، التزويجُ أحْصَنُ له، رُبَّما أتَى عليه وَقْتٌ لا يُمْكِنُ قَلْبَه الصَّبْرُ.
وهذا في حَقِّ مَن يُمْكِنُه التَّزْويجُ، فأمَّا مَن لا يُمْكِنُه التَّزْويجُ (1)، فقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (2).

3056 -

مسألة: (وعن أحمدَ، أنَّ النِّكاحَ واجبٌ على الإِطْلَاقِ)

واخْتارَه أبو بَكْرٍ عبدُ العزيزِ، وحَكاه عن أحمدَ.
وحُكِي عن داودَ 40 أنَّه يَجِبُ في العُمُرِ مَرَّةً؛ للآيَةِ والخَبَرِ.
والمَشْهُورُ في المَذْهَبِ أنَّه ليس3839

الحديث: 3056 - الجزء: 20 - الصفحة: 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بواجِبٍ، إلَّا أن يَخافَ على نَفْسِه الوُقُوعَ في مَحْظُورٍ بتَرْكِه، فيَلْزَمُه إعْفافُ نَفْسِه.
وهو قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى حينَ أمَرَ به عَلَّقَه على

الجزء: 20 - الصفحة: 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الاسْتِطابَةِ بقولِه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 41.

الجزء: 20 - الصفحة: 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والواجِبُ لا يَقِفُ على الاستِطابَةِ.
وقال: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
ولا يَجِبُ ذلك بالاتِّفاقِ، فدَلَّ على أنَّ المُرادَ بالأمْرِ النَّدْبُ، وكذلك

الجزء: 20 - الصفحة: 21

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الخَبَرُ يُحْمَلُ على النَّدْبِ أو على 42 مَن يَخْشَى على نَفْسِه الوُقُوعَ في المَحْظُورِ بتَرْكِ النِّكاحِ.
قال القاضي: وعلى هذا يُحْمَلُ كلامُ أحمدَ وأبي بكر في إيجابِ النِّكاحِ.
والله أعلمُ.

الجزء: 20 - الصفحة: 22

وَيُسْتَحَبُّ تَخَيُّرُ ذَاتِ الدِّينِ، الْوَلُودِ، الْبِكْرِ، الْحَسِيبَةِ، الْأَجْنَبِيَّةِ.

3057 - مسألة: (وَيُسْتَحَبُّ تَخَيُّرُ ذَاتِ الدِّينِ، الوَلُودِ، البِكْرِ، الحَسِيبَةِ، الأجْنَبِيَّةِ)

لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِمَالِهَا، وَلحَسَبِهَا، وَلِجَمالِها، وَلدِليها، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ ترِبَت يَدَاكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 43. والأوْلَى أن لا يَزِيدَ على امرأةٍ واحِدَةٍ.
ذَكَرَه في «المُجَرَّدِ» 44؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.
[ولِقَولِه سُبحانه: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَينَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾] 45. وَيَخْتارُ الوَلُودَ؛ لما رَوَى أَنَسٌ، قال: كانَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقولُ: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ».
رَواه سعيدٌ 46. وروَى مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ، قال: جاء رجلٌ إلى

الحديث: 3057 - الجزء: 20 - الصفحة: 24

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنِّي أصَبْتُ امْرَأةً ذاتَ حَسَبٍ ومَنْصِبٍ، إلَّا أنَّها لَا تَلِدُ، أفَأَتزَوَّجُها؟ فنَهاه، ثم أتَاه الثَّانِيةَ، فنَهاه، ثم أَتاهُ الثالِثةَ، فقال: «تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ، فَإنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ» 47. رَواه النَّسائِيُّ 48. وعن عليِّ بنِ الحسينِ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «يَا بَنِي هَاشِم، عَلَيكُمْ بِنِسَاءِ الْأعَاجمِ، فَالْتَمِسُوا أوْلَادَهُنَّ، فَإنَّ فِي أرْحَامِهِنَّ الْبَرَكَةَ» 49. ويَخْتارُ 50 البَكرَ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أتَزَوَّجْتَ يَا جَابِرُ؟».
قال: قُلْتُ: نَعم.
قال: «بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟».
قال: قُلْتُ: بل ثَيِّبًا.
قال: «فَهَلَّا بكْرًا تُلاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟».
مُتَّفَقٌ عليه 51. وعن عَطاءٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه

الجزء: 20 - الصفحة: 25

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال: «عَلَيكُمْ بِالأبْكَارِ، فَإِنَّهُنَّ أَعذَبُ أَفوَاهًا، وأنْتَقُ 52 أرْحَامًا، وَأرْضَى بِالْيَسِيرِ».
وفي رِوايَةٍ: «وَأفْتَحُ أرْحَامًا».
رَواه الإمامُ أحمدُ 53. ويَخْتارُ الحَسِيبَةَ، ليَكونَ وَلَدُها نَجِيبًا، فإنَّه رُبَّما أشْبَهَ أهلَها ونَزَع إليهم.
وكانَ يُقالُ: إذَا أرَدْتَ أن تَتَزوَّجَ امرَأَةً، فانْظُرْ إلى أَبِيها وأَخِيها.
وعن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ 54، وَانْكِحُوا الأكْفَاءَ، وأَنْكِحُوا إِلَيهِم» 55. ويَخْتارُ الأجْنَبِيَّةَ؛ فإنَّ وَلَدَها أنْجَبُ، ولهذا يُقالُ: اغْتَرِبوا 56 لا تَضْوُوا.
يَعْنِي: انْكِحُوا الغَرائِبَ كي لا تَضْعُفَ أوْلادُكُم.
وقِيلَ: الغَرائِبُ أنْجَبُ، وبَناتُ العَمِّ أصْبَرُ.
ولأنَّه لا تُؤْمَنُ العَداوَةُ في النِّكَاحِ، وإفْضاؤُه إلى الطَّلاقِ، فإذا كان في قَرابَةٍ أفْضَى إلى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ المَأْمُورِ بصِلَتِها.
ويَخْتارُ الجَمِيلَةَ؛ لأنَّه أسْكَنُ لنَفْسِه (3)، وأغَضُّ لبَصَرِه، وأكْمَلُ

الجزء: 20 - الصفحة: 26

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لمَوَدَّتِه، ولذلك شُرِعَ النَّظَرُ قبلَ النِّكَاحِ، ورُوِيَ عن محمدِ بنِ أبي بكرِ [ابنِ محمدِ] 57 بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إِنَّمَا النِّسَاءُ لُعَبٌ، فَإِذَا اتَّخَذَ أحَدُكُمْ لُعْبَةً 58 فَلْيَسْتَحْسِنْهَا» 59. وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: قيلَ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ النِّساءِ خَيرٌ؟ قال: «الَّتِي تَسُرُّهُ إذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إذَا أَمرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَلَا في مَالِهِ بمَا يَكْرَهُ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، والنَّسائِيُّ 60. وعن يَحيى بنِ جَعْدَةَ 61، أَنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «خَيرُ فَائِدَةٍ أفَادَهَا المَرْءُ المُسْلِمُ بَعْدَ إسْلَامِهِ، امْرَأةٌ جَمِيلَةٌ تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ إِلَيهَا، وَتُطِيعُهُ إِذَا أمرَهَا، وَتَحْفَظُهُ فِي غَيبَتِهِ فِي مَالِهِ وَنَفْسِهَا».
رَواه سعيدٌ 62. ويَخْتارُ ذاتَ العَقْلِ، ويَجْتَنِبُ الحَمْقاءَ؛ لأنَّ النِّكاحَ يُرادُ للعشْرَةِ، ولا تَصْلُحُ العِشْرَةُ مع الحَمْقاءِ، ولا يَطِيبُ العَيشُ معها، ورُبَّما تَعَدَّى ذلك 63 إلى وَلَدِها.
وقد قِيلَ: اجْتَنِبُوا الحَمْقاءَ؛ فإنَّ وَلَدَها ضَيَاعٌ، وصُحْبَتَها بَلاءٌ.

الجزء: 20 - الصفحة: 27

وَيَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ خِطْبَةَ امْرأَةٍ النَّظرُ إِلَى وَجْهِهَا مِنْ غَيرِ خَلْوَةٍ بِهَا.
وَعَنْهُ، لَهُ النَّظرُ إِلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا؛ كَالرَّقَبَةِ، وَالْيَدَينِ، وَالْقَدَمَينِ.

3058 - مسألة: (وَيَجُوزُ لمَن أرادَ خِطْبَةَ امْرَأةٍ النَّظَرُ إلى وَجْهِها مِن غيرِ خَلْوَةٍ بها. وعنه، له النَّظَرُ إلى ما يَظْهَرُ غالِبًا؛ كالرَّقَبَةِ، واليَدَين، والقَدَمَين)

قال شيخُنا 64: لا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ في إباحَةِ النَّظَرِ إلى المَرأةِ لمَن أرادَ نِكاحَها خِلافًا؛ لِما روَى جابر قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا خَطَبَ أحَدُكُمُ المرأةَ، فَإنِ اسْتَطاعَ أن يَنْظُرَ إلى ما يَدْعُوهُ إلَى نِكَاحِهَا، فَلْيَفْعَلْ».
قال 65: فَخَطَبْتُ امرأةً، فكُنْتُ أتَخبَّأُ لها، حتى رَأَيتُ منها ما دَعانِي إلى نِكاحِها، فتَزَوَّجْتُها.
رَواه أبو داودَ 66. وفيه أحاديثُ كثيرَةٌ سِوَى هذا.
ولأنَّ النِّكاحَ عَقْدٌ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ، فكانَ للعاقِدِ النَّظَرُ إلى المَعْقُودِ عليه، كالأمَةِ المُسْتامةِ.
ولا بَأْسَ بالنَّظَرِ إليها بإذْنِها وغيرِ

الحديث: 3058 - الجزء: 20 - الصفحة: 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذْنِها؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَ بالنَّظَرِ وأطْلَقَ، وفي حَديثِ جابِرٍ: فكُنْتُ أتَخَبَّأُ لها.
وفي حديثِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ، أنَّه اسْتَأْذَنَ أبَوَيها في النَّظَرِ إليها، فكَرِها، فأذِنَتْ له المرأةُ.
رَواه سعيدٌ 67. ولا تَجُوزُ الخَلْوَةُ بها؛ لأنَّها مُحَرَّمَةٌ، ولم يَرِدِ الشَّرْعُ بغيرِ النَّظَرِ، فبَقِيَتْ على التَّحْرِيمِ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ مع الخَلْوَةِ مُواقَعَةُ 68 المَحْظُورِ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيطَانُ» 69. ولا يَنْظُرُ إليها نَظَرَ تَلَذُّذٍ وشَهْوَةٍ، ولا لرِيبَةٍ.
قال أحمدُ في رِوايَةِ صالحٍ: يَنْظُرُ إلى الوَجْهِ، ولا يكونُ على طَرِيقِ لَذَّةٍ.
وله تَكْرارُ النَّظَرِ إليها وتَأَمُّلُ مَحاسِنِها؛ لأنَّ

الجزء: 20 - الصفحة: 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَقْصُودَ إنَّما يَحْصُلُ بذلك.
فصل: ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في إباحَةِ النَّظَرِ إلى وَجْهِها؛ لأنَّه ليس بعَوْرَةٍ، وهو مَجْمَعُ المَحاسِنِ، ومَوْضِعُ النَّظَرِ.
ولا يُباحُ له النَّظرُ إلى ما لا 70 يَظْهَرُ عادَةً.
وحُكِيَ عن الأوْزاعِيِّ، أنَّه يَنْظرٌ إلى مَواضِعِ اللَّحْمِ.
وعن داودَ، أنَّه يَنْظرٌ إلى جَمِيعِها؛ لظاهِرِ قولِه عليه السَّلامُ: «انْظُرْ إِلَيهَا» 71. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ 72. رُوِيَ عن ابنِ عباس، أنَّه قال: هو الوَجْهُ وباطِنُ الكَفِّ.
ولأنَّ النَّظَرَ أُبِيحَ للحاجَةِ، فيَخْتَصُّ بما تَدْعو الحاجَةُ إليه، والحديثُ مُطْلَقٌ، ومَن نَظرَ إلى وَجْهِ إنسانٍ سُمِّيَ ناظِرًا إليه، ومَنْ رَآه وعليه ثِيابُه سُمِّيَ رائِيًا له، قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ 73. فأمَّا ما يَظْهَرُ غالِبًا سِوَى الوَجْهِ؛ كالكَفَّين 74 والقَدَمين ونحو ذلك مِمَّا تُظهِرُه

الجزء: 20 - الصفحة: 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المرأةُ في منزلِها، ففيه رِوايَتان، إحداهما، لا يُباحُ النَّظرُ إليه، لأنَّه عَوْرَةٌ، فلم يُبَحِ النَّظَرُ إليه، كالذي لا يَظْهَرُ، فإنَّ عبدَ اللهِ روَى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «المَرْأَةُ عَوْرَةٌ» 75. حديثٌ حسنٌ.
ولأنَّ الحاجَةَ تَنْدَفِعُ بالنَّظَرِ إلى الوَجْهِ، فبَقِيَ ما عَداه على التَّحْرِيمِ.
والثانيةُ، له النَّظَرُ إلى ذلك.
قال أحمدُ في رِوايَةِ حَنْبلٍ: لا بَأْسَ أن يَنظُرَ إليها [وإلى ما يَدْعُوه إلى نِكاحِها؛ مِن يَدٍ أو جِسْمٍ أو نَحْو ذلك.
قال أبو بكرٍ: لا بَأْسَ أن يَنْظُرَ إليها] 76 عندَ الخِطْبَةِ حاسِرَةً.
وقال الشافعيُّ: يَنْظُرُ إلى الوَجْهِ والكَفَّينِ.
ووَجْهُ جَوازِ النَّظَرِ إلى] 77 ما يَظْهَرُ غالبًا، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا 78 أذِن في النَّظَرِ

الجزء: 20 - الصفحة: 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إليها مِن غيرِ عِلْمِها، عُلِمَ أنَّه أذِنَ في النَّظرِ إلى جميعِ ما يَظهَرُ غالِبًا، إذْ لا يُمْكِنُ إفْرادُ الوَجْهِ بِالنَّظرَ مع مشاركةِ غيرِه له في الظُّهورِ، ولأنَّه يَظْهَرُ غالبًا، فأُبِيحَ النَّظرُ إليه كالوجهِ، ولأنَّها امرأةٌ أُبِيحَ له النَّظرُ إليها بأمْرِ 79 الشَّارِعِ، فأُبِيحَ النَّظرُ منها إلى ذلك، كذَواتِ المَحارِمِ.
وقد روَى سعيدٌ 80، عن سُفيانَ، عن عَمرِو بنِ دِينارٍ، عن أبي جَعفرٍ، قال:

الجزء: 20 - الصفحة: 32

وَلَهُ النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ، وَإلَى الرَّأْسِ وَالسَّاقَينِ مِنَ الأَمَةِ المُسْتَامَةِ وَمِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ.
وَعَنْهُ، لَا يَنْظُرُ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ، إلا الْوَجْهَ وَالْكَفَّينِ.
خَطَب عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ابْنَةَ عليٍّ، فذَكَرَ منها صِغَرًا، فقالوا له: إنَّما رَدَّكَ.
فعاوَدَه، فقال: نُرسِلُ بها إلَيكَ تَنْظُرُ إليها.
فرَضِيَها، فكشَفَ عن ساقِها.
فقالت: أرْسِلْ، لَولا أنَّكَ أمِيرُ المُؤمِنينَ للَطَمْتُ عَينَكَ.

3059 -

مسألة: (وله النَّظَرُ إِلى ذلك، وإلى الرَّأْسِ والسَّاقَين مِن الأمَةِ المُسْتامَةِ ومِن ذَواتِ مَحارِمِه. وعنه، لا يَنْظُرُ مِن ذَواتِ مَحارِمِه إلَّا)

إلى (الوَجْهِ وَالكَفَّين) يَجُوزُ له النَّظرُ إلى ذلك مِن الأمَةِ المُسْتامَةِ

الحديث: 3059 - الجزء: 20 - الصفحة: 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كما يَجُوزُ إلى مَن يُريدُ خِطْبَتَها، قِياسًا عليها، بل الأمَةُ المُسْتامَةُ أَوْلَى، لأنَّها تُرادُ للاسْتِمتاعِ وغيرِه، مِن التِّجارَةِ فيها، وحُسْنُها يَزِيدُ في ثَمَنِها.
فأمَّا ذَواتُ المَحارِم، فيَجُوزُ النَّظَرُ مِنْهُنَّ إلى ما يَظْهَرُ غالبًا، كالرَّقَبَةِ، والرَّأْسِ، والكَفَّينِ، والقَدَمينِ، ونحو ذلك، وليس له النَّظرُ إلى ما لا يَظهَرُ غالبًا، كالصَّدْرِ والظَّهْرِ ونحوهما.
قال الأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أبا عبدِ اللهِ عن الرَّجلِ يَنْظُرُ إلى شَعَرِ امرأةِ أَبيهِ، [فقال: هذا في القرآنِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾.
إلَّا لكذا وكذا.
قُلْتُ: فيَنْظُرُ إلى ساقِ امرأةِ أبيه] 81 وصَدْرِها؟ قال: لا، ما يُعْجِبُنِي.
ثم قال: أنا أكْرَهُ أن يَنْظُرَ مِن أُمِّه وأُختِه إلى مثلِ هذا، وإلى كلِّ شيءٍ لشَهْوَةٍ.
وذَكَر القاضِي أنَّ حُكْمَ الرجلِ مع ذَواتِ مَحارِمِه حُكْمُ الرجلِ مع الرجلِ، والمرأةِ مع المرأةِ.
وقال أبو بكرٍ: كَراهِيَةُ أحمدَ النَّظَرَ إلى ساقِ أمِّه وصَدْرِها على التَّوَقِّي، لأنَّه يَدْعُو إلى الشَّهْوَةِ.
يَعْنِي أنَّه يُكْرَهُ ولا يَحْرُمُ.
ومَنَع الحسنُ، والشَّعْبِيُّ، والضَّحَّاكُ، النَّظَرَ إلَى شَعَرِ ذَواتِ المَحارِمِ.
وهو إحدَى الرِّوايتَين عن أحمدَ.
[ورُوي عن هند] 82 بِنتِ المُهَلَّبِ، قالتْ: قلت للحسنِ: يَنْظُرُ

الجزء: 20 - الصفحة: 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرجلُ إلى قُرْطِ أُختِه، أو 83 إلى عُنُقِها؟ قال: لا، ولا كَرامَةَ.
وقال الضَّحَّاكُ 84: لو دَخَلْتُ على أُمِّي، لقُلْتُ: أَيَّتُها العَجُوزُ، غَطِّي شَعَرَك.
والصَّحِيحُ إباحَةُ النَّظَرِ إلى ما يَظْهَرُ غالبًا، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾.
الآية.
وقالت سَهْلَةُ بنتُ 85 سُهَيلٍ: يا رسولَ اللهِ، إنَّا كُنَّا نَرَى سالِمًا وَلَدًا، فكان يَأْوي معي ومع أبي حُذيفَةَ في بَيتٍ واحِدٍ، ويَرانِي فُضُلًا، وقد أنزَلَ اللهُ فيهم ما قد عَلِمْتَ، فكيفَ تَرَى فيه؟ فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أرْضِعِيهِ».
فأرْضَعَتْه خمسَ رَضَعاتٍ، فكان بمَنزِلَةِ وَلَدِها.
رَواه مُسلمٌ بمعناه، وأبو داودَ، [وغيرُه] 86. وهذا دَلِيل على أنَّه كان يَنظُرُ منها إلى ما يَظْهَرُ غالِبًا، فإنَّها قالت: يَرانِي فُضُلًا.
ومعناه في ثِيابِ البِذْلَةِ التي لا تَسْتُرُ أطْرافَها.
قال امْرؤُ القَيسِ 87: فجِئْتُ وقد نَضَتْ لِنَومٍ ثِيابَهَا … [لَدَى السِّترِ] 88 إلَّا لِبْسَةَ المُتَفَضِّلِ

الجزء: 20 - الصفحة: 35

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومثلُ هذا يَظْهَرُ منه الأطْرافُ والشَّعَرُ، فكان يَراها كذلك؛ إذ 89 اعْتَقَدَتْه وَلدًا، ثم دَلَّهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على ما يَسْتَدِيمونَ به ما كانوا يَعْتَقِدُونَه ويَفْعَلُونَه.
وروَى الشافعيُّ في «مُسْنَدِه» 90، عن زينبَ بنتِ أبي سَلَمَةَ 91، أنَّها ارْتَضَعَتْ مِن أسماءَ امرأةِ الزُّبَيرِ.
قالت: فكنتُ أراه أبًا، وكان يَدْخُلُ عليَّ وأنا أمْشُطُ رَأْسِي، فيَأْخُذُ ببعضِ قُرُونِ رأسِي ويقولُ: أقْبِلي عليَّ.
ولأنَّ التَّحَرُّزَ مِن هذا لا يُمْكِنُ، فأُبِيحَ كالوَجْهِ.
وما لا يَظْهَرُ غالبًا لا يُباحُ؛ لأنَّ الحاجَةَ لا تَدْعُو إليه، ولا تُؤْمَنُ معه الشَّهْوَةُ ومُواقَعَةُ المَحْظُورِ، فحَرُمَ النَّظرُ إليه كما تَحْتَ السُّرَّةِ.
فصل: وذَواتُ مَحارِمِه، كلُّ مَن حَرُمَ نِكاحُها على التَّأْبِيدِ، بنَسَبٍ أو رَضاعٍ، أو تَحْرِيمِ المُصاهَرَةِ بسَبَبٍ 92 مُباحٍ، لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ سالمٍ وزينبَ.
وعن عائشةَ، أنَّ أفْلَحَ أخا أبي القُعَيسِ 93،

الجزء: 20 - الصفحة: 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اسْتَأْذَنَ عليها بعدَ ما أُنْزِلَ الحِجابُ، فأبَتْ أن تَأْذَنَ له، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ائْذَنِي له، فَإِنَّهُ عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ» 94. وقد ذَكُر اللهُ تعالى آبَاءَ بُعُولَتِهِنَّ [وأبناءَ بُعُولَتِهنَّ] 95، كما ذَكَرَ آباءَهُنَّ وأبْناءَهُنَّ في إبْداءِ الزِّينَةِ لهم.
وتَوقَّفَ أحمدُ عن النَّظَرِ إلى شَعَرِ أمِّ المرْأةِ وبِنْتِها؛ لأنَّهما غيرُ مَذْكُورَتَين في الآيةِ.
قال القاضِي: إنَّما حَكَى قولَ سعيدِ بنِ جُبَيرٍ ولم يَأْخُذْ به.
وقد صَرَّحَ في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ أنَّه مَحْرَمٌ يَجُوزُ له المُسافَرَةُ بها.
وقال في رِوايةِ أبِي طالبٍ: ساعةَ يَعْقِدُ عُقْدَةَ النكاحِ تَحْرُمُ عليه أُمُّ امْرأَته، فله أن يَرَى شَعَرَها ومَحاسِنَها، ليست مثلَ التي يَزْنِي 96 بها، لا يَحِلُّ له

الجزء: 20 - الصفحة: 37

وَلِلْعَبْدِ النَّظَرُ إِلَيهِمَا مِنْ مَوْلَاتِهِ.
أبدًا أن يَنْظُرَ إلى شَعَرِها، ولا إلى شيءٍ مِن جَسَدِها، وهي حَرامٌ عليه.
فصل: فأمَّا أمُّ المَزْنِيِّ بها وابْنَتُها، فلا يَحِلُّ له النَّظَر إليهنَّ وإن حَرمَ نِكاحُهُنَّ؛ لأنَّ تَحْرِيمَهنَّ بسَبَبٍ مُحَرم، فلم يُفِدْ إباحَةَ النَّظرَ، كالمحَرَّمَةِ باللِّعانِ.
وكذلك بِنتُ المَوْطوءَةِ بشبْهَةٍ وأُمُّها، ليستْ مِن ذَواتِ مَحارِمِه.
وكذلك الكافِرُ ليس بمَحْرَمٍ لقَرَابَتِه المُسْلِمَةِ، قال أحمدُ في يَهُودِيٍّ أو نَصْرانِيٍّ أسْلَمَتْ بِنتُه: لا يُسافِر بها، ليس هو مَحْرَمًا لها.
[والظاهِرُ أنَّه إنَّما أرادَ أنَّه ليس مَحْرَمًا لها] (1) في السَّفَرِ، أمَّا النَّظَر، فلا يَجِبُ عليها الحِجابُ منه؛ لأنَّ أبا سُفْيانَ أتَى المدِينةَ وهو مُشْرِكٌ، فدَخَلَ على ابنتِه أمِّ حَبِيبَةَ، فطَوَتْ فِراشَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لِئَلَّا يَجْلِسَ عليه، ولم تَحْتَجِبْ منه، ولا أمَرَها به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - (2).

3060 -

مسألة: (وللعَبْدِ النَّظرُ إلَيهما مِن مَوْلَاتِهِ)

يَعْنِي إلى9798

الحديث: 3060 - الجزء: 20 - الصفحة: 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَجْهِ والكَفَّينِ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ﴾.
ولما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا كَانَ لإحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، فَمَلَكَ مَا يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» 99، قال التِّرمِذيُّ: هذا حديث حسنٌ صَحيحٌ.
وعن أنسٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أتى فاطِمَةَ بعَبْدٍ قد وَهَبَه لها، وعلى فاطِمَةَ ثَوْبٌ إذا قَنَّعَتْ به رَأْسَها لم يَبْلُغْ رِجْلَيها، وإذا غَطَّتْ به رِجلَيها لم يَبْلُغْ رَأْسَها، فلمَّا رَأى 100 رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ما تَلْقَى، قال: «إِنَّهُ لَيسَ عَلَيكِ بَأْسٌ، إنَّما هُوَ أَبُوكِ وغُلَامُكِ 101». رَواه أبو داودَ 102. وأمَّا النَّظَرُ

الجزء: 20 - الصفحة: 39

وَلِغَيرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ، كَالْكَبِيرِ وَالْعِنِّينِ وَنَحْوهِمَا، النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ.
وَعَنْهُ، لَا يُبَاحُ.
إلى شَعَرِها، فكَرِهَه أبو عبدِ اللهِ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وطاوسٌ، ومجاهِدٌ، والحَسَنُ.
وأباحَه ابنُ عباسٍ؛ لما ذَكَرْنا مِن الآيةِ والخَبَرَين، ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ إلى قولِه: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ وَلَا عَلَيهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (1). ولأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، فأُبِيحَ له ذلك كذَوى المحارِمِ.
وجَعَلَه بعضُ أصْحابِنا كالأجْنَبِيِّ.
والصَّحِيحُ ما قُلْنا إن شاءَ الله تعالى.

3061 -

مسألة: (ولغيرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِن الرِّجَالِ، كالكَبِيرِ والعِنِّينِ ونَحْوهما، النَّظَرُ إلى ذلك. وعنه، لا يُباحُ)

مَن لا شَهْوَةَ له مِن الرِّجالِ، كالمُخَنَّثِ، ومَن ذَهَبَتْ شَهْوَتُه لكِبَرٍ أو عُنَّةٍ أو مَرَضٍ لا يُرْجَى103

الحديث: 3061 - الجزء: 20 - الصفحة: 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بُرْؤُه، [أو الشَّيخِ الخَصِيِّ] 104، فحُكْمُه حُكْمُ ذِي المَحْرَمِ في النَّظَرِ؛ لقول اللهِ تعالى: ﴿أَو التَّابِعِينَ غَيرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ 105. أي غيرِ أُولِي الحاجَةِ إلى النِّساءِ.
قاله ابنُ عباس.
وعنه، هو المُخَنَّثُ الذي لا يَقُومُ زُبُّه 106. وعن مجاهدٍ وقَتادَةَ، الذي لا أرَبَ له في النِّساءِ.
فإن كان المُخَنَّثُ ذا شهوةٍ، ويَعْرِفُ أمْرَ النِّساء، فحُكْمُه حُكْمُ غيرِه؛ لأنَّ عائشةَ قالت: دَخَل على أزواجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُخَنَّثٌ، فكانوا يَعُدُّونَهُ مِن غيرِ أُولِي الإِرْبَةِ، فدَخَلَ علينا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وهو يَنْعَتُ امرأةً، أنَّها إذا أقْبَلَتْ أقبَلَتْ بأرْبَعٍ، وإذا أدْبَرَتْ أدْبَرَتْ بثَمانٍ.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ألا 107 أرَى هَدا يَعْلَمُ ما هَهُنَا؟ لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيكُمْ هَذَا».
فحَجَبُوه.
رَواه أبو داودَ، وغيرُه 108. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: ليس المُخَنَّثُ الذي تُعْرَفُ فيه

الجزء: 20 - الصفحة: 41

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفاحِشَةُ خاصَّةً، وإنّما التَّخْنِيثُ شِدَّةُ التَّأْنِيثِ في الخِلْقَةِ، حتى يُشْبِهَ المَرأةَ في اللِّينِ، والكلامِ، والنَّغَمَةِ، والنَّظرِ، والعَقْلِ، فإذا كان كذلك، لم يَكُنْ له في النِّساءِ إرْبٌ، وكان لا يَفْطِنُ لأمورِ النِّساءِ، فهو مِن غيرِ أُولِي الإِرْبَةِ الذين أُبِيحَ 109 لهم الدُّخُولُ على النِّساءِ، ألا تَرَى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَمْنَعْ ذلك المُخَنَّثَ مِن الدُّخولِ على نِسائِه 110، فلما سَمِعَه يَصِفُ ابْنَةَ غَيلان، وفَهِم أمْرَ النِّساءِ، أمَرَ بحَجْبِه.
وعنه، لا يُباحُ؛ لأنَّه ذَكَرٌ بالِغٌ أَجنبِيٌّ، فلم يُبَحْ له ذلك، كالذي له إِرْبٌ.

الجزء: 20 - الصفحة: 42

وَلِلشَّاهِدِ وَالْمُبْتَاعِ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الْمَشْهُودِ عَلَيهَا وَمَنْ تُعَامِلُهُ.

3062 - مسألة: (وللشَّاهِدِ النَّظَرُ إلى وَجْهِ المَشْهُودِ عليها)

لتكونَ الشَّهادَةُ واقِعَةً على عَينِها.
قال أحمدُ: لا يَشْهَدُ على امرأةٍ إلَّا أن يكونَ قد عَرَفَها بعَينِها.
وكذلك مَن يُعامِلُ 111 المرأةَ في بَيعٍ أو إجارَةٍ، فله النَّظرُ إلى وَجْهِها، ليَعْرِفَها بعَينِها، فيَرْجِعَ عليها بالدَّرَكِ 112. وقد رُوِيَ عن أحمدَ كَراهَةُ ذلك في حَقِّ الشابَّةِ دونَ العَجُوزِ.
ولَعَله كَرِهَه لمَن يَخافُ الفِتْنَةَ، أو يَسْتَغْنِي عن المُعامَلَةِ، فأمَّا مع الحاجَةِ وعَدَمِ الشَّهْوَةِ، فلا بَأْسَ.

الحديث: 3062 - الجزء: 20 - الصفحة: 43

وَلِلطَّبِيبِ النَّظَرُ إِلَى مَا تَدْعُو الْحَاجَة إِلَى نَظَرِهِ.
وَلِلصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ غَيرِ ذِي الشَّهْوَةِ النَّظَرُ إِلَى مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ.

3063 - مسألة: (وللطَّبِيبِ النَّظَرُ إلى ما تَدْعُو الحاجَةُ إلى نَظَرِهِ)

إِلَيه مِن بَدَنِهَا، مِن العَوْرَةِ وغيرِها؛ فإنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ، وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا حَكَّمَ سعدًا في بني قُرَيظَةَ، كان يَكْشِفُ عن مُؤْتَزَرِهم (1). وعن عثمانَ، أنَّه أُتِيَ بغُلامٍ قد سَرَقَ، فقال: انظُروا إلى مُؤْتَزَرِه.
فلم يَجِدُوه أنْبَتَ الشَّعَرَ، فلم يَقْطَعْه (2). 3064 -

مسألة: (وللصَّبِيِّ المُمَيِّزِ غَيرِ ذي الشَّهْوَةِ النَّظَرُ)

مِن 115 المرأةِ (إلى ما فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحتَ الرُّكْبَةِ) فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ؛113114

الحديث: 3063 - الجزء: 20 - الصفحة: 44

فَإِنْ كَانَ ذَا شَهْوَةٍ، فَهُوَ كَذِي الْمَحْرَمِ.
وَعَنْهُ، أنَّهُ كالأجْنَبِيِّ.
لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ وَلَا عَلَيهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (1). وقال: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (2). فدَلَّ على التَّفرِيقِ بينَ البالِغِ وغيرِه.
قال أبو عبدِ اللهِ: حَجَم أبو طَيبَةَ أزواجَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وهو غُلامٌ (3). والرِّوايَةُ الأُخْرَى، حُكْمُه حُكْمُ ذي المَحْرَم في النَّظَرِ، إذا كان ذا شَهْوَةٍ؛ لقَولِ الله تعالى: ﴿أَو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ (4). قيل لأَبي عبدِ اللهِ: متى تُغَطِّي المرأةُ رَأسَها مِن الغُلامِ؟ قال: إذا بَلَغ عشرَ سِنِينَ.

3065 -

مسألة: (فإن كان ذا شَهْوَةٍ، فهو كذي المَحْرَمِ)

لقولِه تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾.
الآية (وعنه، أَنَّه116117118119

الحديث: 3065 - الجزء: 20 - الصفحة: 45

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالأجْنَبِيِّ) لأنَّه في مَعْنَى البالِغِ في الشَّهْوَةِ، وهو المَعْنَى المُقْتَضِي للحِجاب وتَحْرِيمِ النَّظرِ، ولقولِه تعالى: ﴿أَو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾.
فأمَّا الغلامُ الطِّفْلُ غيرُ المُمَيِّزِ، فلا يَجِبُ الاسْتِتارُ منه في شيءٍ.

الجزء: 20 - الصفحة: 46

وَلِلْمَرأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ، وَالرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ، النَّظَرُ إِلَى مَا عَدَا مَا بَينَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
وَعَنْهُ، أَنَّ الْكَافِرَةَ مَعَ الْمُسْلِمَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ.

3066 - مسألة: (وللمرأةِ مع المرأةِ، والرجلِ مع الرجلِ، النَّظَرُ إلى ما عدا ما بينَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ. وعنه، أنَّ الكافِرَةَ مع المُسْلِمَةِ كالأجْنَبِيِّ)

يَجوزُ للرجلِ مع الرجلِ النَّظَرُ مِن صاحِبِه إلى ما ليس بعَوْرَةٍ.
وفيها رِوايتان؛ إحداهما، ما بينَ السُّرَّةِ والرُّكبَةِ.
والأُخْرَى، الفَرْجان.
وقد ذَكَرْناهما في بابِ سَتْرِ العَوْرَةِ 120. ولا فرْقَ بينَ الأمْرَدِ وذي اللِّحْيَةِ، إلَّا أنَّ الأمْرَدَ إذا كان جميلًا، يُخافُ الفِتْنَةُ بالنَّظرِ إليه، لم يَجُزْ تَعَمُّدُ النَّظَرِ

الحديث: 3066 - الجزء: 20 - الصفحة: 47

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إليه.
فقد رُوِيَ عن الشَّعْبِيِّ، قال: قَدِمَ وَفْدُ عبدِ القَيسِ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وفيهم غُلامٌ أمْرَدُ، ظاهِرُ الوَضاءَةِ، فأجْلَسَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وراءَ ظَهْرِه.
رَواه أبو حَفْصٍ 121. قال المَرُّوذِيُّ: سَمِعْتُ أبا بكرٍ الأَعْيَنَ 122 يقولُ: قَدِم علينا إنسانٌ مِن خُراسانَ، صَدِيقٌ لأبي عبدِ اللهِ، ومعه غلامٌ ابنُ أخْتٍ

الجزء: 20 - الصفحة: 48

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له، وكان جميلًا، فمَضَى إلى أبي عبدِ اللهِ فحَدَّثَه، فلَمّا قُمْنا [خَلا بالرجلِ] 123، وقال له: مَن هذا الغلامُ منك؟ قال: ابنُ أخْتِي.
قال: إذا جِئتَنِي لا يكونُ معك، والذي أرَى لك أن 124 لا يَمْشِيَ معك في طريقٍ.
فأمَّا الغلامُ قبلَ السَّبْعِ، فلا عَوْرَةَ له يَحْرُمُ النَّظَرُ إليها.
وقد رُوِيَ عن ابنِ أبِي لَيلَى، [عن أبيه] 125، قال: كنا جُلُوسًا عندَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: فجاءَ الحسنُ، فجَعَلَ يَتَمَرَّغُ عليه، فرَفَعَ مُقَدَّمَ قَمِيصِه، أُراه 126 قال: فقَبَّلَ زُبَيبَتَه 127. رَواه أبو حَفص 128. فصل: وحُكْمُ المرأةِ مع المرأةِ والرجلِ مع الرجلِ سَواءٌ، ولا فَرْقَ بينَ المُسْلِمَتَين 129، وبينَ المُسْلِمَةِ مع 130 الكافِرَةِ، كما لا فَرْقَ بينَ الرجلَين المسلمَين، وبينَ المُسْلِمِ والذِّمِّيِّ، في النَّظَرِ.
قال أحمدُ: ذَهَب بعضُ

الجزء: 20 - الصفحة: 49

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الناسِ إلى أنَّها لا تَضَعُ خِمارَها عندَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وأمّا أنا فأذْهَبُ إلى أنَّها لا تَنْظُرُ إلى الفَرْجِ، ولا تَقْبَلُها حينَ تَلِدُ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ المُسْلِمَةَ لا تَكْشِفُ قِناعَها عندَ الذِّمِّيَّةِ، ولا تَدْخُلُ معها الحَمَّامَ.
وهو قولُ مَكْحُولٍ، وسُليمانَ بنِ 131 مُوسَى؛ لقولِه تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ 132. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ النِّساءَ الكَوافِرَ 133 مِن اليَهُوديَّاتِ وغيرِهِنَّ، قد كُنَّ يَدْخُلْنَ على نِساءِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فلم يَكُنَّ يُحْجَبْنَ، ولا أُمِرْنَ بحِجابٍ، وقد قالت عائشةُ: جاءت يَهُودِيَّة تَسْألُها، فقالت: أعاذَكِ اللهُ مِن عَذابِ القَبْرِ: فسألتْ عائشةُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وذَكَر الحديثَ 134. وقالت أسماءُ: قَدِمَتْ عليَّ أمِّي، وهي راغِبَةٌ -يَعْنِي

الجزء: 20 - الصفحة: 50

وَيُبَاحُ لِلْمَرأةِ النَّظَرُ مِنَ الرَّجُلِ إِلَى غَيرِ الْعَوْرَةِ.
وَعَنْهُ، لَا يُبَاحُ.
عن الإِسلامِ- فسألتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أفأصِلُها؟ قال: «نَعَمْ» (1). ولأنَّ الحَجْبَ بينَ الرجالِ والنِّساءِ لمَعْنًى لا يُوجَدُ بينَ المسلمةِ والذِّمِّيَّةِ، فوَجَبَ أن لا يَثْبُتَ الحَجْبُ بينَهما، كالمسْلمِ مع الذِّمِّي، ولأنَّ الحِجابَ إمّا أن يَجبَ بنَصٍّ أو قياسٍ، ولم يُوجَدْ واحِدٌ منهما.
فأمّا قولُه: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾.
فيَحْتَمِلُ أن يكونَ أرادَ جُمْلَةَ النِّساءِ.

3067 -

مسألة: (ويُبَاحُ للمرأةِ النَّظَرُ مِن الرجلِ إلى غَيرِ العَوْرَةِ. وعنه، لا يُبَاحُ)

وهذه إحْدَى الرِّوايَتَين.
والأُخْرَى، لا يُباحُ لها النَّظَرُ مِن الرجلِ إلَّا إلى مثلِ ما يَنْظُرُ إليه منها.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
وهو أحدُ قولَي الشافعيِّ؛ لما روَى الزُّهْرِيُّ، عن نَبْهانَ، عن أمِّ سَلَمَةَ، قالت: كنتُ قاعِدَةً عندَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنا وحَفصَةُ، فاسْتَأْذَنَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «احْتَجِبْنَ مِنْهُ».
فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّهُ ضَرِيرٌ لَا يُبْصِرُ.
قال: «أَفعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا لَا تُبْصِرَانِه!».
رَواه أبو داودَ، وغيرُه 136.135

الحديث: 3067 - الجزء: 20 - الصفحة: 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ النِّساءَ بغَضِّ أبْصارِهِنَّ كما أمَرَ الرجال به، ولأنَّهنَّ أحدُ نوْعَي الآدَمِيِّينَ، فحَرُمَ عليهنَّ النَّظَرُ إلىِ النَّوْعِ الآخرِ قِياسًا على الرِّجالِ، يُحَقِّقُه أنَّ المَعْنَى المُحَرِّمَ على الرجلِ خوْفُ الفِتْنَة، وهذا في المرأةِ أبْلَغُ، فإنَّها أشَدُّ شَهْوَةً، وأقَلُّ عَقْلًا، فتَسارُعُ الفِتْنَةِ إليها أكثرُ.
ولَنا، قول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لفاطمةَ بنتِ قيسٍ: «اعْتَدِّي فِي بَيتِ ابْنِ 137 أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُل أَعمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ فَلَا يَرَاكِ».
وقالت عائشةُ: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتُرُنِي برِدائِه، وأنا أنظُرُ إلى الحَبَشَةِ يَلْعبونَ في المسجدِ.
مُتَّفَقٌ

الجزء: 20 - الصفحة: 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليهما 138. ولمَّا فَرَغ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِن خُطبَةِ العيدِ، مَضَى إلى النِّساءِ فذَكَّرهُنَّ، ومعه بلالٌ فأمَرَهُنَّ بالصَّدَقَةِ 139. ولأنَّهُنَّ لو مُنِعْنَ النَّظَرَ

الجزء: 20 - الصفحة: 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لوَجبَ على الرِّجالِ الحِجابُ كما وَجب على النِّساءِ، لِئلَّا يَنْظُرْن إليهم.
فأمّا حديثُ نَبْهانَ، فقال أحمدُ: نَبْهانُ روَى حَدِيثَينِ عَجِيبَين.
هذا الحديثُ، والآخرُ: «إِذَا كَانَ لإِحْدَاكُنَّ مُكاتَبٌ، فَلْتَحْتَجِبْ

الجزء: 20 - الصفحة: 54

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِنْهُ» 140. كأنَّه أشارَ إلى ضَعْفِ حَدِيثِه، إذ لم يَرْو إلَّا هذَين الحَديثَين المُخالفَين للأُصُولِ.
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: نَبْهانُ مَجْهُولٌ، لا يُعْرَفُ إلَّا برِوايَةِ الزُّهْرِيِّ عنه هذا الحَديثَ.
وحديثُ فاطمةَ صَحِيحٌ، فالحُجَّةُ به لازِمَةٌ، ثم يَحْتَمِلُ أنَّ حديثَ نَبْهانَ خاصٌّ لأزواجِ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. كذلك قال أحمدُ، وأبو داودَ.
قال الأثْرمُ: قُلْتُ لأَبي عبدِ اللهِ: كان حديثُ نَبْهانَ لأزواجِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خاصَّةً، وحديثُ فاطمةَ لسائِرِ النَّاسِ؟ قال: نعم.
وإن قُدِّرَ التَّعارُضُ فتَقْدِيمُ الأحاديثِ الصَّحِيحَةِ أوْلَى مِن الأخْذِ بحَديثٍ مُفْرَدٍ في إسنادِه مَقالٌ.

الجزء: 20 - الصفحة: 55

المقنع وَيَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى الْغُلَامِ لِغَيرِ شَهْوَةٍ.

3068 - مسألة: (ويَجُوزُ النَّظرُ إلى الغُلامِ لغَيرِ شَهْوَةٍ)

فأمَّا النَّظرُ إليه لشَهْوَةٍ فلا يُباحُ؛ لأنَّها تَدْعُو إلى الفِتْنَةِ، وقد ذَكَرْنا ذلك.

الحديث: 3068 - الجزء: 20 - الصفحة: 56

وَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى أَحدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا لِشَهْوَةٍ.

3069 - مسألة: (ولا يَجُوزُ النَّظَرُ إلى أحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنا لشَهْوَةٍ)

لِما ذَكَرْنا مِن خَوْفِ الفِتْنَةِ.
ومَعْنَى الشَّهْوَةِ، أنَّه يَتَلَذَّذُ بالنَّظَرِ إليه.
واللهُ أعلمُ.

الحديث: 3069 - الجزء: 20 - الصفحة: 57

وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَينِ النَّظَرُ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِ الْآخَرِ وَلَمْسُهُ، وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ مَعَ أمَتِهِ.

3070 - مسألة: (ولكلِّ واحِدٍ مِن الزَّوْجَين النَّظرُ إلى جَمِيعِ بَدَنِ الآخَرِ وَلَمْسُه، وكذلك السَّيِّدُ مع أمَتِه)

لما روَى بَهْزُ بنُ حَكيمٍ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، عَوْراتُنا ما نَأْتِي منها وما نَذَرُ 141؟ قال: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 142، وقال: حديث حسنٌ.
ولا فَرْقَ بينَ الفَرْجِ وغيرِه؛ لعُمُومِ الحديثِ، ولأنَّ الفَرْجَ يُباحُ الاسْتِمْتاعُ به، فجازَ النَّظرُ إليه ولَمْسُه، كبَقِيَّةِ البَدَنِ.
وقيل: يُكْرَهُ النَّظرُ إلى الفَرْجِ؛ لقولِ عائشةَ: ما رَأيتُ فَرْجَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَطُّ.
رَواه ابنُ ماجَه 143. وفي لفظٍ قالت: ما رَأْيتُه مِن رسولِ اللهِ

الحديث: 3070 - الجزء: 20 - الصفحة: 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى الله عليه وسلم -، ولا رآهُ منِّي.
قال أحمدُ في رِوايَةِ جَعْفَرِ بنِ محمدٍ، في المرأةِ تَقْعُدُ بينَ يَدَيْ زَوْجِها وفي بَيتِها مَكْشُوفَةً، في ثِيابٍ رقاقٍ: فلا بَأْسَ به.
قلتُ: تَخْرُجُ مِن الدَّارِ إلى بيتٍ مَكْشُوفَةَ الرأسِ، وليس في الدَّارِ إلَّا هي وزوجُها؟ فرَخَّصَ في ذلك.
فصل: وحُكْمُ السَّيِّدِ حُكْمُ الزَّوجِ فيها ذَكَرْنا، وسَواءٌ في ذلك سُرِّيَّته وغيرُها؛ لأنَّه يُباحُ له الاسْتِمتاعُ بجَمِيعِ بَدَنِها، فأُبِيحَ له النَّظَرُ إليه، فأمَّا إن زَوَّجَ أمَتَه، حَرُمَ عليه الاسْتِمْتاعُ بها والنَّظرُ منها إلى ما بينَ السُّرَّةِ

الجزء: 20 - الصفحة: 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والرُّكبَةِ؛ لما روَى عَمرُو بنُ شُعَيب، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا زَوَّجَ أحَدُكُمْ خَادِمَه 144 [عَبْدَهُ أو أَجيرَهُ] 145، فَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ، فَإِنَّهُ عَوْرَةٌ».
رَواه أبو داودَ 146. ومَفْهُومُه إباحَةُ النَّظَرِ إلى ما عَداه.
وأمَّا تَحْرِيمُ الاسْتِمتاعِ بها، فلا خِلافَ فيه، فإنَّها قد صارَتْ مُباحَةً للزَّوجِ، ولا تَحِلُّ امْرأةٌ لرَجُلَين.
فإن وَطِئَها، أثِمَ، وعليه التَّعْزِيرُ؛ لأنَّه فِعْلٌ مُحَرَّمٌ.
فإن أوْلَدَها، فقال أحمدُ: لا يَلْحَقُه نسَبُه؛ لأنَّها فِراشٌ لغيرِه، فلم يَلْحَقْه وَلَدُها، كالأَجْنَبِيَّةِ.
قلتُ: وقد ذَكَر في بابِ حُكْمِ أمَّهاتِ الأولادِ 147، أنَّه يَلْحَقُه النَّسَبُ؛ لأنَّه وَطْءٌ سَقَط فيه الحَدُّ لشُبْهَةِ المِلْكِ، أشْبَهَ وَطْءَ الجارِيَةِ المرْهُونَةِ.
واللهُ أعلمُ.

الجزء: 20 - الصفحة: 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمَّا نَظَرُ الرجُلِ إلى الأجْنَبِيَّةِ مِن غيرِ سَبَبٍ، فيَحْرُمُ عليه النظرُ إلى جَميعِها، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ، فإنَّه قال: لا يَأْكُلُ مع مُطَلَّقَتِه، هو أجنَبِيٌّ لا يَحِلُّ له أن يَنْظُرَ إليها، كيف يَأْكلُ معها يَنْظُرُ إلى كَفِّها! لا يَحِلُّ له ذلك.
وقال القاضِي: يَحْرُمُ عليه النَّظرُ إلى ما عَدا الوَجْهَ والكَفَّين؛ لأنَّه عَوْرَةٌ، ويُباحُ له النَّظرُ إليهما مع الكَراهَةِ إذا أمِنَ الفِتْنَةَ ونَظَر بغيرِ شَهْوَةٍ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال ابنُ عباسٍ: الوَجْهَ والكَفَّينِ.
ورَوَتْ عائشةُ أنَّ أسماءَ بنتَ أبي بكرِ دَخَلَتْ على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في ثيابٍ رِقاقٍ، فأعْرَضَ عنها، وقال: «يا أسْمَاءُ، إنَّ المَرْأةَ إذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أنْ يُرَى مِنْهَا إلَّا هَذَا وهَذَا».
وأشارَ إلى وَجْهِه وكَفَّيه.
رَواه أبو بكرٍ، وغيرُه 148. ولأنَّه ليس بعَوْرَةٍ، فلم يَحْرُمِ النَّظرُ إليه مِن غيرِ رِيبَةٍ،

الجزء: 20 - الصفحة: 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كوجْهِ الرجلِ.
ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ 149. وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا كَانَ لإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ فمَلَكَ مَا يُؤدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» 150. وكان الفَضْلُ بنُ عباسٍ رَدِيفَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فجاءَتْه الخَثْعَمِيَّةُ تَستَفْتِيهِ، [فجَعَل يَنْظُرُ إليها] 151 وتَنْظُرُ إليه، فصَرَفَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَجْهَه عنها 152. وعن جَرِيرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: سَألتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن نَظرَ الفَجْأَة، فأمَرَنِي أن أصْرِفَ بَصَرِي.
حديث صحيحٌ.
وعن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُتْبعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّمَا لَكَ الأُولَى، وَلَيسَتْ لك الآخِرَةُ».
رَواهما أبو داودَ 153. وفي إباحَةِ 154 النَّظرَ إلى المَرأةِ إذا أرادَ تَزَوُّجَهَا 155 دليلٌ على التَّحريمِ عندَ عَدَمِ ذلك، إذ لو كان مُباحًا على

الجزء: 20 - الصفحة: 64

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإِطْلاقِ، فما وَجْهُ التَّخْصيصِ لهذا الحالِ؟ وأمَّا حديثُ أسْماءَ -إن صَحَّ- فيَحْتَمِلُ أنَّه كان قبلَ نُزُولِ الحِجابِ، فيُحْمَلُ عليه.
فصل: فأمَّا العَجُوزُ التي لا تُشْتَهَى، فلا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلى ما يَظْهَرُ منها غالبًا؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ 156. الآية.
قال ابنُ عباسٍ في قولِه تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ 157 ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ 158. فنَسَخَ واستَثْنَى مِن ذلك: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾.
الآية.
وفي مَعْنَى ذلك الشَّوْهاءُ التي لا تُشْتَهَى.
فصل: والأَمَةُ يُباحُ النَّظَرُ مِنها إلى ما يَظْهَرُ غالبًا؛ كالوَجْهِ، والرَّأْسِ، واليَدَين، والسَّاقَين؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، رَأى أَمَةً مُتَكَمِّمَةً، فضَرَبَها بالدِّرَّةِ، وقال: يا لَكاعِ تَشَبَّهِينَ بالحَرائِرِ! وروَى أبو حَفْصٍ بإسْنادِه، أنَّ عُمَرَ كان لا يَدَعُ أَمَةً تَقَنَّعُ في خِلافَتِه، وقال: إنَّما القِناعُ للحَرائِرِ 159. ولو كان نَظَرُ ذلك منها محَرَّمًا لم يَمْنَعْ مِن سَتْرِه، بل أَمَرَ به.
وقد روَى أنَسٌ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا أخَذَ صَفِيَّةَ قال الناسُ: أجَعَلَها أُمَّ

الجزء: 20 - الصفحة: 65

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُؤمِنِينَ أَمْ أُمَّ وَلَدٍ؟ فقالوا: إن حَجَبَها فهي أُمُّ المؤمنينَ، وإن لم يَحْجُبْها فهىِ أُمُّ وَلَدٍ.
فلمّا رَكِبَ وَطَّأَ لها خَلْفَه، ومَدَّ الحِجابَ بينَه وبينَ الناسِ.
مُتَّفقٌ عليه 160. وهذا دليلٌ عَلى أنَّ عَدَمَ حَجْبِ الإِماءِ كان مُسْتَفيضًا بينَهما مَشْهُورًا، وأنَّ الحَجْبَ لغيرِهِنَّ كان مَعْلُومًا.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: يُباحُ النَّظَرُ منها إلى ما ليس بعَوْرَةٍ، وهو ما فوقَ السُّرَّةِ وتحتَ الرُّكْبَةِ.
وسَوَّى [بعضُ أصحاب الشافعيِّ] 161 بينَ الحُرَّةِ والأَمَةِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
الآية.
ولأنَّ العِلَّةَ في تَحْرِيمِ النَّظَرِ الخوفُ مِن الفِتْنَةِ، والفِتْنَةُ المَخُوفَةُ يَسْتَوي فيها الحُرَّةُ والأمَةُ، فإنَّ الحُرِّيَّةَ أمْرٌ 162 لا يؤَثِّرُ في الأمْرِ الطَّبِيعِيِّ.
وقد ذَكَرْنا ما يَدُلُّ على التَّخْصِيصِ ويُوجِبُ الفَرْقَ بينَهما، وإن إيَفتَرِقا فيما ذَكَرُوه، افْتَرَقا في الحُرْمَةِ ومَشَقَّةِ السَّترِ 163، لكن إن كانتِ الأمَةُ 164 جميلةً، يُخافُ الفِتْنَةُ

الجزء: 20 - الصفحة: 66

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بها، حَرُمَ النَّظَرُ إليها، كما يَحْرُمُ إلى الغُلامِ الذي تُخْشَى 165 الفِتْنَةُ بالنَّظَرِ إليه.
قال أحمدُ في الأَمَةِ إذا كانت جميلةً: تُنَقَّبُ، ولا يُنْظَرُ إلى المَمْلُوكَةِ، كم مِن نَظْرَةٍ قد ألْقَتْ في قَلْبِ صاحِبِها البَلابِلَ 166. فصل: والطِّفْلَةُ التي لا تَصْلُحُ للنِّكاحِ لا بَأْسَ بالنَّظَرِ إليها.
قال أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، في الرجلِ يَأْخُذُ الصَّغِيرَةَ فيَضَعُها في حِجْرِه ويُقَبِّلُها: فإن كان يَجِدُ شَهْوَةً، فلا، وإن كان لغيرِ شَهْوَةٍ، فلا بَأْسَ.
وقد روَى أبو بكرٍ، بإسنادِه عن عُمَرَ بنِ حفص المَدِينيِّ، أنَّ الزُّبَيرَ بنَ العوَّامِ أرْسَلَ بابْنَةٍ له إلى عمرَ بنِ الخطابِ مع مَوْلاةٍ له، فأخَذَها عمرُ بيَدِه، 7 وقال: ابنةُ أبي عبدِ اللهِ.
فتَحَرَّكَتِ الأجْراسُ مِن رِجلِها، فأخَذَها عمرُ فقَطَعَها، وقال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَعَ كُل جَرَسٍ شَيطَانٌ» 167. فأمَّا إذا بَلَغَتْ حَدًّا يَصْلُحُ لِلنِّكاحِ، [كابْنَةِ تِسْعٍ] 168، فإنَّ عَوْرَتَها مُخالِفَةٌ لعَوْرَةِ البالِغَةِ، بدليلِ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلا بِخِمَارٍ» 169. يدُلُّ على صِحَّةِ صلاةِ مَن لم تَحِضْ مَكشُوفَةَ الرَّأْسِ 170، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ حُكْمُها حكمَ ذَواتِ المَحارِمِ، كقَوْلِنا في الغُلامِ المُراهِقِ مع النِّساءِ.
وقد روَى أبو بكرٍ، عن ابنِ

الجزء: 20 - الصفحة: 67

فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ التَّصْرِيحُ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ، وَلَا التَّعْرِيضُ بِخِطْبَةِ الرَّجْعِيَّةِ.
جُرَيجٍ، قال: قالت عائشةُ: دَخَلَتْ عليَّ ابنةُ أخِي، فدَخَل عليَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فأعْرَضَ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّها ابنةُ أخِي وجارِيَةٌ.
فقال: «إذَا عَرَكَتِ (1) المَرْأةُ لَمْ يَجُزْ لَهَا أنْ تُظْهِرَ إلَّا وَجْهَهَا وَمَا دُونَ هَذَا».
وقَبَض على ذِراعِ نَفْسِه، فتَرَكَ بينَ قَبْضَتِه وبينَ الكَفِّ مثلَ قَبْضَةٍ أُخْرَى أو نحوَها (2). احتجَّ أحمدُ بهذا الحديثِ.
وتَخْصِيصُ الحائِضِ بهذا التحديدِ دَلِيل على إباحَةِ أكثرَ مِن ذلك في حَقِّ غيرِها.

3071 -

مسألة؛ قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (وَلَا يَجُوزُ التَّصْرِيحُ بخِطْبَةِ المُعْتَدَّةِ، ولا التَّعْرِيضُ بخِطْبَةِ الرَّجْعِيَّةِ)

أمَّا التَّصْرِيحُ بخِطْبَةِ المُعْتَدَّةِ، فلا يَجُوزُ؛ لأنَّ قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ 173. دَلِيلٌ على تَحْرِيمِ.
التَّصْرِيحِ؛ لأنَّ التَّصْرِيحَ لا يَحْتَمِلُ غيرَ النِّكاحِ، فلا يُؤْمَنُ أن يَحْمِلَها الحِرْصُ عليه على الإِخبارِ بانقِضاءِ عِدَّتِها قبلَ انْقِضائِها، والتَّعْريضُ بخِلافِه.171172

الحديث: 3071 - الجزء: 20 - الصفحة: 68

وَيَجُوزُ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَالْبَائِنِ.
بِطَلَاقٍ ثَلَاثٍ.
وَهَلْ يَجُوزُ فِي عِدَّةِ الْبَائِنِ بِغَيرِ الثَّلَاثِ؟ عَلَى وَجْهَين.

3072 - مسألة: فَأمَّا الرَّجْعِيَّةُ، فلا يَجُوزُ لأَحَدٍ التَّعْرِيضُ بخِطْبَتِها ولا التَّصْرِيحُ؛

لأنَّهَا في حُكْمِ الزَّوْجَاتِ، فهي كالتي في صُلْبِ نِكَاحِهِ.
3073 -

مسألة: (وَيَجُوزُ في عِدَّةِ الْوَفَاةِ، و)

في (البائنِ بطَلاقٍ ثَلَاثٍ) المُعْتَدَّاتُ على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ الرَّجْعِيَّةُ (1)، وحُكْمُها حُكْمُ مَن هي في صُلْبِ النِّكاحِ، وقد ذَكَرْناها.
الثاني، المُعْتَدَّةُ مِن وَفاةٍ، أو طَلاقٍ ثلاثٍ، أو فسْخٍ لتَحْرِيمِها على زَوْجِها، كالفَسْخِ برَضاعٍ أو لِعانٍ، ونحوه ممَّا لا تَحِلُّ بعدَه لزَوْجِها، فهذه يَجُوزُ التَّعْرِيضُ بخِطْبَتِها؛ للآيةِ، ولما رَوَتْ فاطِمَةُ بنتُ قَيسٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لها لمَّا طَلَّقَها زَوْجُها ثَلاثًا: «إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِيني».
وفي لفظٍ: «لَاتَسْبِقِيني بنَفْسِكِ» (2). وهذا تَعْرِيضٌ بخِطْبَتِها في عِدَّتِها.
3074 -

مسألة: (وهل يَجُوزُ في عِدَّةِ البَائِنِ بغيرِ الثَّلَاثِ؟ على

174175 الحديث: 3072 - الجزء: 20 - الصفحة: 69

وَالتَّعْرِيضُ نَحْوَ قَوْلِهِ: إِنِّي فِي مِثْلِكِ لَرَاغِبٌ.
وَ: لَا تَفُوتِيني بِنَفْسِكِ.
وَجْهَين) هذا الضَّربُ الثالِثُ، كالمُخْتَلِعَةِ (1)، والبائِنِ بفَسْخٍ، لعَيبٍ أو إعْسارٍ أو نحوه، فلزَوْجِها التَّصْرِيحُ بخِطْبَتِها والتَّعْرِيضُ؛ لأنَّه مُباحٌ له نِكاحُها في عِدَّتِها، فهي كغيرِ المُعْتَدَّةِ.
وهل يجُوزُ لغيرِه التَّعْرِيضُ بخِطْبتِها؟ فيه وَجْهان.
وللشافعيِّ فيه قولان؛ أحدُهما، يَجُوزُ؛ لعُمُوم الآيةِ، ولأنَّها بائِنٌ، فأشْبَهَتِ المُطَلَّقَةَ ثلاثًا.
والثاني، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ أن يَسْتَبِيحَها، فهي كالرَّجْعِيَّةِ.
والمرأةُ في الجَوابِ كالرجلِ في الخِطْبَةِ فيما (2) يَحِلُّ ويَحْرُمُ؛ لأنَّ الخِطْبَةَ للعَقْدِ، فلا يَخْتَلِفان في حِلِّهِ وحُرْمَتِه.

3075 -

مسألة: (وَالتَّعْرِيضُ قولُه: إنِّي فِي مِثْلِكِ لَراغِبٌ. و:

176177 الحديث: 3075 - الجزء: 20 - الصفحة: 70

وَتُجِيبُهُ: مَا يُرْغَبُ عَنْكَ.
وَ: إِنْ قُضِيَ شَيْءٌ كَانَ.
وَنَحْوُهُمَا.
لا تَفُوتِينِي بنَفْسِكِ) و: ما أحْوَجَنِي إلى مِثْلِكِ.
وقال الزُّهْرِيُّ: أنتِ مَرْغوبٌ فيك.
و: أنتِ جَمِيلَةٌ.
و: إذا حَلَلْتِ فآذِنِينِي.
ونحوُ ذلك.
قال مجاهِدٌ: مات رجلٌ، وكانتِ امرأتُه تَتْبَعُ (1) الجِنازَةَ، فقال لها رجلٌ: لا تَسْبِقينا بنفسِك.
فقالتْ: سَبَقَكَ غيرُك.

3076 -

مسألة: (وتُجيبُه)

المرأةُ: (ما يُرْغَبُ عنك.
و: إن قُضِيَ شيءٌ كان) وما أشْبَهَه.
فصل: فأمَّا التَّصْرِيحُ فهو اللفظُ الذي لا يَحْتَمِلُ غيرَ النِّكاحِ، نحوَ قولِه: زَوِّجيني نَفْسَكِ.
و: إذا انْقَضَتْ عِدّتُكِ تَزَوَّجْتُكِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ هذا مَعْنَى قولِه تعالى: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ 179. فإنَّ النِّكاحَ يُسَمَّى سِرًّا، قال الشاعرُ 180: فلَنْ تَطْلُبوا سِرَّها للغِنَى … ولنْ تُسلِمُوها لإِزْهادِها 181 وقال الشافعيّ: السِّرُّ: الجِماعُ.
وأنشَد لامْرِئِ القَيسِ 182: أَلَا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ القَوْمِ أنَّنِي … كَبِرْتُ وأن لا يُحْسِنَ السِّرَّ أمْثَالِي178

الحديث: 3076 - الجزء: 20 - الصفحة: 71

وَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَن يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخيهِ إِنْ أُجِيبَ، وَإنْ رُدَّ، حَلَّ، وَإنْ لَمْ يَعْلَمِ الْحَال فَعَلَى وَجْهَينِ.
ومُواعَدَةُ السِّرِّ أن يقولَ: عندِي جِماعٌ يُرْضِيكِ.
[ونحوُه قولُه: رُبَّ جِماعٍ يُرْضيكِ] (1). فنُهِيَ عنه لِما فيه مِن الهُجْرِ والفُحْشِ والدَّناءَةِ والسُّخْفِ.
فصل: فإن صَرَّحَ بالخِطْبَةِ، أو عَرَّضَ في مَوْضِعٍ يَحْرُمُ التَّعْرِيضُ، ثم تَزَوَّجَها بعدَ حِلِّها، صَحَّ نِكاحُه.
وقال مالِكٌ: يُطَلِّقُها تَطْلِيقَةً، ثم يَتَزَوَّجُها.
ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّ هذا المُحَرَّمَ لم يُقارِنِ (2) العَقْدَ، فلم يُؤثِّرْ فيه، كما في النِّكاحِ الثانِي، أو كما لو رَآها مُتَجَرِّدَةً ثم تَزَوَّجَها.

3077 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ للرجلِ أن يَخْطُبَ على خِطْبَةِ أخِيه إن أُجِيبَ، وإن رُدَّ، حَلَّ، وَإن لم يَعْلَمِ الحَال فعلى وَجْهَين)

الخطْبَةُ بالكَسْرِ: خِطْبَةُ الرجلِ المرأةَ ليَتَزَوَّجَها.
وبالضَّمَ: حَمْدُ اللهِ والتَّشَهُّدُ.
ولا يَخْلُو حالُ المَخْطُوبَةِ مِن ثَلاثةِ أقْسام:183184

الحديث: 3077 - الجزء: 20 - الصفحة: 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحَدُها، أن تَسْكُنَ إلى الخاطِبِ لها، فتُجِيبَه، أو تَأذَنَ لوَلِيِّها في إجابَتِه، فهذه يَحْرُمُ على غيرِه خِطْبَتُها؛ لما روَى ابنُ عُمرَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَخْطُبُ أحدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أخيهِ».
وعن أبي هُريرةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَخْطُبُ احدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أخِيهِ، حَتَّى يَنْكِحَ أو يَتْرُكَ».
مُتَّفَق عليهما 185. ولأنَّ في ذلك إفسادًا على الخاطِبِ الأوَّل، وإيقاعَ العَداوَةِ بينَ الناسِ، ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا بينَ أهلِ العِلْمِ، إلَّا أنَّ قَومًا حَمَلُوا النَّهْيَ على الكَراهَةِ، والأوَّلُ أوْلَى.

الجزء: 20 - الصفحة: 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القسمُ الثاني، أن تَرُدَّه أو 186 لا تَرْكَنَ إليه، فيجوزُ خِطبَتُها؛ لما رَوَتْ فاطِمَةُ بِنتُ قَيس أنها أتَتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرَتْ أنَّ مُعاويَةَ وأبا جَهْم خَطَباها، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أمَّا مُعاويَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَال له، وَأمَّا أبو جَهْم فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، انْكِحِي أسَامَةَ بنَ زَيدٍ».
مُتَّفَقٌ عليه 187. فخَطَبَها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدَ إخبارِها إيَّاه بخِطْبَةِ مُعاويَةَ وأبي جَهْم لها.
ولأنَّ تَحْرِيمَ خِطْبَتِها على هذا الوَجْهِ إضرارٌ بها؛ فإنَّه لا يَشاءُ أحَدٌ أن يَمْنَعَ المراة النِّكاحَ (1) إلَّا مَنَعَها بخِطْبَتِه إيَّاها.
وكذلك لو عَرَّضَ لها في عِدَّتِها بالخِطْبَةِ فقال: لا تَفُوتِيني بنَفْسِكِ.
وأشْبَاه هذا، لم تَحْرُمْ خِطْبَتُها؛ لأنَّ في قِصَّةِ فاطمةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِكِ».

الجزء: 20 - الصفحة: 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولم يُنْكرْ 188 خِطْبَةَ أبي جَهْم ومُعاويَةَ لها.
وذَكَر ابنُ عبدِ البَرِّ 189 أنَّ ابنَ وَهْبٍ روَى بإسنادِه عن الحارِثِ بنِ سعدِ بنِ أبي ذُبابٍ 190، أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ خَطَب امرأةً على جَريرِ بنِ عبدِ اللهِ، وعلى مَرْوانَ بنِ الحَكَمِ، وعلى عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، فدَخَلَ على المرأةِ وهي جالِسَةٌ في بيتها، فقال عمرُ: إنَّ جَرِيرَ بنَ عبدِ اللهِ خَطَب، وهو سَيِّدُ أهلِ المشرِقِ، ومروانَ يَخطُبُ، وهو سَيِّدُ شَبابِ قُرَيش، وعبد الله بِنَ عُمرَ، وهو مَن قد عَلِمْتم، وعمرَ بنَ الخطابِ.
فكَشَفَتِ المراة السِّتْرَ، فقالت: أجادٌّ أميرُ المؤمنينَ؟ فقال: نعم.
فقالت: قد أنْكحْتُ أميرَ المؤمنينَ، فأنْكحُوه.
فهذا عمرُ قد خَطَب على واحدٍ بعدَ واحدٍ، قبلَ أن يَعْلَمَ ما تقولُ المرأةُ في الأوَّلِ.

الجزء: 20 - الصفحة: 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القسمُ الثالثُ: أن يُوجَدَ مِن المرأةِ ما يَدُلُّ على الرِّضَا والسُّكُونِ، تَعْرِيضًا لا تَصْريحًا، كقولِها: ما أنْتَ إلَّا رِضًا.
و: ما عَنْكَ رَغْبَةٌ.
فهذا في حُكْمِ الأوَّلِ، لا يَحِلُّ لغيرِه خِطْبَتُها.
هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، فإنَّه قال: إذا رَكَن بعضُهم إلى بعضٍ، فلا يَحِلّ لأحدٍ أن يَخْطُبَ.
والرُّكُونُ يُسْتدلُّ عليه بالتَّعْرِيضِ تارَةً، وبالتَّصريح أخْرَى.
وقال القاضي: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ إباحَةُ خِطْبَتِها.
وهو مذهبُ الشافعي في الجديدِ؛ لحديثِ فاطمةَ، حيثُ خَطَبَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. وزَعَموا أنَّ الظاهِرَ مِن كلامِها رُكُونُها إلى أحَدِهِما.
واسْتَدَلَّ القاضي بخِطْبَتِه لها قبلَ سُوالِها هل وُجِد منها ما دلَّ على الرِّضَا أو لا.
ولَنا، عُمُومُ قولِه عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «لا يَخْطُبُ أحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أخيهِ».
ولأنَّه وُجِد منها 191 ما دَلَّ على الرِّضَا، فحَرُمَتْ خِطْبَتُها، كما لو صَرَّحَتْ بذلك.
وأمّا حديثُ فاطمةَ، فلا حُجَّةَ لهم فيه، فإنَّ فيه ما يَدُلَّ على أنَّها لم تَرْكَنْ إلى واحِدٍ منهما مِن وَجهَينَ؛ أحَدُهما، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -

الجزء: 20 - الصفحة: 76

وَالتَّعْويلُ فِي الرَّدِّ وَالإجَابَةِ إنْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً عَلَيهَا، وَإنْ كَانَتْ  قد كان قال لها: «لَا تَسْبِقِيني بِنَفْسِكِ».
وفي رِوايَةٍ: «إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِيني».
فلم تَكُنْ لتَفْتَاتَ بالإِجابَةِ قبلَ إذنِه.
الثاني، أنَّها ذَكَرَتْ ذلك لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كالمُسْتَشِيرَةِ له فيهما أو في العُدُولِ عنهما، وليس في الاسْتِشارَةِ دَلِيلٌ على تَرْجِيحِ (1) أحدِ الأمرَين، ولا مَيلٍ إلى أحَدِهِما، على أنَّها إنَّما ذَكَرَتْ ذلك لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لتَرْجِعَ إلى قولِه ورَأيه، وقد أشارَ عليها بتَركِهِما، لما ذَكَر مِن عَيْبهما، فجَرَى ذلك مَجْرَى رَدِّهَا لهما، وتَصْرِيحِها بمَنْعِهِما.
ومِن وَجْهٍ آَخَرَ، وهو أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد سَبَقَهُما بخِطْبَتِها تَعْرِيضًا (2) بقولِه لها ما ذَكَرْنا، فكانت خِطْبَتُه لها مَبْنِيَّةً على الخِطْبَةِ السَّابقةِ، بخِلافِ ما نحن فيه.
فإن لم يَعْلَمِ الحال فعلى وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا يَجُوزُ، لعُمومِ النَّهْي.
والثاني، يَجُوزُ، لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإجابَةِ المُحَرِّمَةِ.

3078 -

مسألة: (والتَّعْويلُ فِي الرَّدِّ والإِجابةِ عليها إن لم تَكُنْ

192193 الحديث: 3078 - الجزء: 20 - الصفحة: 77

مُجْبَرَةً، فَعَلَى الوَلِيِّ.
مُجْبَرَةً، وإن كانت مُجْبَرَةً، فعلى الوَلِيِّ) أمَّا إذا لم تَكُنْ مُجْبَرَةً؛ فلأنَّها أحَقُّ بنَفْسِها مِن وَلِيِّها، فإن أجابَ هو، وَرغِبَتْ عن النِّكاحِ، كان الأمْرُ أمرَها.
فإن أجابَ وَلِيُّها فرَضِيَتْ، فهو كإجابَتِها، وإن سَخِطَتْ فلا حُكْمَ لإِجابَتِه؛ لأنَّ الحَقَّ لها.
ولو أجابَ الوَلِيُّ في حَقِّ المُجْبَرَةِ، فكَرِهَتِ المُجابَ واخْتارَتْ غيرَه، سَقَط حُكْمُ إجابَةِ وَلِيِّها؛ لكَوْنِ اختِيارِها مُقَدَّمًا على اخْتِيارِه.
وإن كَرِهَتْه ولم تَخْتَرْ سِواه، فيَنْبَغِي أن يَسْقُطَ حُكْمُ الإِجابَةِ أيضًا؛ لأنَّه قد أُمِرَ باسْتِثمارِها، فلا يَنْبَغِي له أن يُكْرِهَها على مَن 194 لا تَرْضاه.
وإن أجابَتْ ثم رَجَعَتْ عن الإِجابَةِ وسَخِطَتْه، زال حُكْمُ الإِجابَةِ؛ لأنَّ لها الرُّجُوعَ.
وكذلك إذا رَجَع الوَلِيّ المُجْبِرُ عن الإِجابةِ، زال حُكْمُها؛ لأنَّ له النَّظَرَ في أمْرِ مُوَلِّيَته، ما لم يَقَعِ العَقْدُ.
وإن لم تَرْجِعْ هي ولا وَلِيُّها، لكنْ تَرَكَ الخاطِبُ الخِطْبَةَ، أو 195 أذِنَ فيها، جازت خِطْبَتُها؛ لما رُوِيَ في حديثِ ابنِ عمرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه نَهَى أن يَخْطُبَ الرجلُ على خِطْبَةِ أخِيه، حتى يَأذَنَ أو يَتْرُكَ.
رَواه البخاريُّ 196.

الجزء: 20 - الصفحة: 78

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وخِطْبَةُ الرجلِ على خِطبةِ أخيه 197 في مَوْضِعِ النَّهْي مُحَرَّمَة.
قال أحمدُ: لا يَحِلُّ لأحَدٍ أن يَخْطُبَ في هذه الحالِ.
وقال أبو حَفْص العُكْبَرِيُّ: هي مَكْرُوهَةٌ غيرُ مُحَرَّمَةٍ، وهذا نَهْيُ تَأدِيبٍ.
ولَنا، ظاهِرُ النَّهْي، فإنَّ مُقْتَضاه التَّحْرِيمُ، ولأنَّه نَهْيٌ عن الإِضْرارِ بالآدَمِيِّ المَعْصُومِ، فكان على التَّحْرِيمِ، كالنَّهْي عنِ أكْلِ مالِه.
فإن فَعَل فنِكاحُه صحيحٌ.
نصَّ عليه أحمدُ فقال: لا يُفرَّقُ بينَهما.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
ورُوِيَ عن مالكٍ، وداودَ، أنَّه لا يَصِحُّ.
وهو قياسُ قولِ أبي بكر؛ لأنَّه قال في البَيعِ على بَيعِ أخِيه: هو باطِل.
وهذا في مَعْناه؛ لأنَّه نِكاحٌ مَنْهِيٌّ عنه، فكان باطِلًا، كنِكاحِ الشِّغارِ.
ولَنا، أنَّ المُحَرَّمَ لم يُقارِنِ العَقْدَ، فلم يُؤثِّرْ، كما لو صَرَّحَ بالخِطْبَةِ في العِدَّةِ.
فصل: ولا يُكْرَهُ للوَلِيِّ الرُّجُوعُ عن الإجابَةِ 198 إذا رَأَى المَصْلَحَةَ لها في ذلك؛ لأنَّ الحَقَّ لها، وهو نائِب عنها في النَّظرَ لها، فلم يُكْرَهْ له الرُّجُوعُ إذا رَأى المَصْلَحَةَ، كما لو ساوَمَ في بَيعِ دارها، ثم رَأى المَصْلَحَةَ لها 199 في تَرْكِها.
ولا يُكْرَهُ لها أيضًا الرُّجُوعُ إذا كرِهَتِ الخاطِبَ؛ لأنَّه

الجزء: 20 - الصفحة: 79

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَقْدُ عُصر يَدُومُ الضَّرَرُ فيه، فكان لها الاحْتِياطُ لنَفْسِها، والنَّظرُ في خِطْبَتِها.
وإن رَجَعا عن ذلك لغيرِ غَرَض، كُرِهَ؛ لما فيه مِن إخْلافِ الوَعْدِ والرُّجُوعِ عن القولِ، ولم يَحْرُمْ؛ لأنَّ الحَقَّ بعدُ لم يَلْزَمْهما 200، كمَن ساوَمَ بسِلْعَتِه، ثم بدا له أن لا يَبِيعَها.
فصل: فإن كان الخاطِبُ الأوَّلُ ذِمِّيًّا، لم تَحْرُمِ الخِطْبَةُ على خِطْبَتِه.
نصَّ عليه أحمدُ، فقال: «لا يَخْطُبُ على خِطْبَةِ أخِيه، ولا يُساومُ على سَوْمِ أخيه».
إنَّما هو للمُسْلِمينَ، ولو خَطَب على خِطْبَةِ يَهُودِي أو نَصْرانِيٍّ، أو سام على سَوْمِهما، لم يَكُنْ داخلًا في ذلك؛ لأنَّهم ليسوا بإخْوَةٍ للمُسْلمِينَ.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا يَجُوزُ أيضًا؛ لأنَّ هذا خَرَجَ مَخْرَجَ 201 الغالِبِ، لا لتَخْصيص المُسْلِمِ به.
ولَنا، أنَّ لَفْظَ النَّهْي خاصٌّ في المسْلمينَ، وإلْحاقُ غيرِه به إنَّما يَصِحُّ إذا كان مثلَه، وليس الذِّمِّي كالمُسْلِم، ولا حُرْمَتُه كحُرْمَتِه، ولذلك لم تَجِبْ إجابَتُهم في دَعْوةِ الوَلِيمَةِ ونحوها.
وقولُه: خَرَج مَخْرَجَ (2) الغالِبِ.
قُلْنا: متى كان في المَخْصُوصِ بالذِّكْرِ 202 مَعْنًى يصْلُحُ أن يُعْتَبَرَ في الحُكْمِ، لم يَجُزْ حَذْفُه ولا تَعْدِيَةُ الحُكْمِ بدُونِه، والأخُوَّةُ الإسلامِيَّةُ لها تَأثِيرٌ في وُجُوبِ الاحْتِرامَ، وزِيادَةِ الاحْتِياطِ في رِعايَةِ حُقُوقِه، وحِفْظِ قَلْبِه، واسْتِيفاءِ 203 مَوَدَّتِه، فلا يَجُوزُ حَذْفُ ذلك.

الجزء: 20 - الصفحة: 80

وَيُسْتَحَبُّ عَقْدُ النِّكَاحِ مَسَاءَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ.
وَأنْ يُخْطَبَ قَبْلَ الْعَقْدِ بِخُطْبَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

3079 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ عَقْدُ النِّكاحِ مساءَ يَوْمِ الجُمُعَةِ)

لأنَّ جَماعَةً مِن السَّلَفِ اسْتَحَبُّوا ذلك؛ منهم ضَمْرَةُ بنُ حَبِيبٍ، وراشِدُ بنُ سَعْدٍ (1)، وحَبِيبُ بنُ عُتْبَةَ (2). ولأنَّه يومٌ شَرِيف ويومُ عيدٍ، وفيه خُلِقَ آدمُ - عليه السلام - (3). والمساءُ به (4) أوْلَى؛ فإنَّ أبا حَفْص روَى بإسنادِه، عن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَسُّوا بِالإمْلَاكِ، فَإِنَّهُ أعظَمُ لِلْبَرَكَةِ» (5). ولأنَّه أقْرَبُ إلى مَقْصُودِه، وأقلُّ لانتظارِه.
3080 -

مسألة: (و)

يُسْتَحَبُّ (أنْ يَخطُبَ قَبْلَ العَقْدِ بخُطْبَةِ ابن مسعودٍ) خُطْبَةُ العاقِدِ أو غيرِه قبلَ الإِيجابِ والقَبولِ مُسْتَحَبَّة، ثم يكون204205206207208

الحديث: 3079 - الجزء: 20 - الصفحة: 81

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العقدُ بعدَ ذلك، لقولِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّ أمْر ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ للهِ، فَهُوَ أقطَعُ» 209. وقال: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيسَ فِيهَا شَهَادَةٌ، فَهِيَ كالْيَدِ الْجَذْمَاءِ» 210. رَواهما ابنُ المُنْذِرِ.
ويُجْزِئُ مِن ذلك أن يَحْمَدَ اللهَ تعالى، ويَتَشَهَّدَ، ويُصَلِّيَ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ويُسْتَحَبُّ أن يَخْطُبَ بخُطْبَةِ ابنِ مسعودٍ، التي قال: عَلَّمَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - التَّشَهُّدَ في إلصلاةِ والتَّشَهُّدَ في الحاجَةِ، قال: التَّشَهُّدُ: [في الحاجَةِ.
أنِ] 211 الحمدُ للهِ نَحْمَدُه، ونَستَعينُه، ونَعُوذُ باللهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنا، مَن يَهْدِه اللهُ فَلَا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِيَ له، وأشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا الله، وأشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبْدُه ورسولُه، ويَقرَأ ثَلاثَ آيات: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.
الآية.
رَواه

الجزء: 20 - الصفحة: 82

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبو داودَ، والتِّرمِذِيّ 212، وقال: حديث حسن.
قال الخَلَّالُ: ثنا أبو سليمانَ 213 إمامُ طَرَسُوسَ، قال: كان أحمدُ بنُ حنبل إذا حَضَر عَقْدَ نِكاحٍ فلم يُخْطَبْ فيه 214 بخُطْبَةِ ابنِ مَسْعودٍ، قامَ 215 وتَركَهم.
وهذا كان مِن أبي عبدِ اللهِ على طَريقِ المُبالغَةِ في اسْتِحْبابِهَا، لا على الإِيجابِ لها؛ فإنَّ حَرْبَ بنَ إسماعيلَ قال: قُلْتُ لأحمدَ: فيَجِبُ أن تكونَ خُطْبَةُ النِّكاحِ مثلَ قولِ ابنِ مسعودٍ؛ فوَسَّعَ في ذلك.
وقد رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان إذا دُعِيَ لتَزْويجٍ، قال: لَا تَفْضُضُوا 216 علينا النَّاسَ، الحمدُ للهِ، وصلَّى اللهُ على محمدٍ، إنَّ فُلانًا يَخْطُبُ إليكم، فإن أنْكَحْتُمُوه فالحَمدُ للهِ، وإن رَدَدْتُمُوه فسُبْحانَ الله 217. والمُسْتَحَبُّ خُطبة واحِدَة 218 يَخْطُبُها

الجزء: 20 - الصفحة: 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَلِيُّ أو الزَّوجُ أو غيرُهما.
وقال الشافعيُّ: المَسْنُونُ خُطْبَتان.
هذه التي ذَكَرْناها في أوَّلِه، وخُطْبَةٌ مِن الزَّوجِ قبلَ قَبُولِه.
والمَنقولُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وعن السَّلَفِ، خُطْبَة واحِدَةٌ، وهو أوْلَى ما اتُّبعَ.
فصل: وليستِ الخُطبَةُ واجِبَةً عندَ أحَدٍ مِن أهلِ العِلمِ فيما عَلِمْنَا 219 إلَّا داودَ، فإنَّه أوْجَبَها، لما ذَكَرْناه.
ولَنا، أنَّ رجلًا قال للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: زَوِّجْنِيها.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ».
مُتَّفَقٌ عليه 220. ولم يَذْكُرْ خُطْبَةً.
وخُطِبَ إلى ابنِ عمرَ مَوْلاةٌ له، فما زادَ على أن قال: قد أنْكَحْتُك على ما أمَرَ اللهُ، على إمْساكٍ بمَعْرُوفٍ، أو تَسْرِيحٍ بإحسانٍ 221. وقال جَعْفَرُ بنُ محمدٍ عن أبِيه: إن كان الحُسَينُ ليزَوجُ بعضَ بَناتِ الحَسَنِ وهو 222 يَتَعَرَّقُ العَرْقَ 223. رَواهُما ابنُ المنذرِ.
وروَى أبو داودَ 224 بإسْنادِه، عن رجلٍ مِن بني

الجزء: 20 - الصفحة: 84

وَأنْ يُقَال لِلْمُتَزَوِّجِ: بَارَكَ اللهُ لَكُمَا وَعَلَيكُمَا، وَجَمَعَ بَينَكُمَا فِي خَيرٍ وَعَافِيَةٍ.
سُلَيمٍ، قال خَطَبْتُ إلى رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أُمامَةَ بنتَ عبدِ المُطَّلِبِ، فأنْكَحَنِي مِن غيرِ أن يَتَشَهَّدَ.
ولأَنَّه عَقْدُ مُعَارضَةٍ، فلم تَجِبْ فيه الخُطْبَةُ كالبَيعِ، وما اسْتَدَلُّوا به يَدُلُّ على عَدَمِ الكَمال بدونِ الخُطْبَةِ، لا على الوُجُوبِ.

3081 -

مسألة؛ (و)

يُسْتَحَبُّ (أن يُقَال للمُتَزَوِّجِ: بارَكَ اللهُ لكما، وعليكما، وجَمَع بينَكما في خَير وعافِيَةٍ) وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأى على عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ أثَرَ 225 صُفْرَةٍ، فقال: «مَا هَذَا؟».
قال: إنِّي تَزَوَّجْتُ على وَزْنِ نَواةٍ مِن ذَهَبٍ 226 قلل: «بَارَكَ اللهُ لَكَ، أوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ».
مُتَّفقٌ عليه 227. قال بعضُ أهلِ العلمِ: وَزْنُ

الحديث: 3081 - الجزء: 20 - الصفحة: 85

وَإذَا زُفَّتْ إِلَيهِ، قَال: اللَّهُمَّ إِنِّي أسْألكَ خَيرَهَا وَخَيرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيهِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيهِ.
نَواةٍ خَمْسَةُ دَراهِمَ، وذلك ثَلاثةُ مَثاقِيلَ ونِصفٌ مِن الذَّهَبِ.
وقال المُبَرِّدُ: الصَّوابُ عندَ أهلِ العَرَبِيَّةِ أن يُقال: على (1) نَواةٍ.
فحَسْبُ؛ فإنَّ النَّواةَ عندَهم اسْمٌ لخَمْسَةِ دَراهِمَ، كما أنَّ الأوقِيَّةَ أرْبَعون دِرْهَمًا، والنَّشَّ عِشْرُونَ.

3082 -

مسألة: (ويقُولُ إذا زُفَّتْ إليه: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألكَ خَيرَها وخَيرَ ما جَبَلْتَها عليه، وأعُوذُ بك مِن شَرِّها وشَرِّ ما جَبَلْتَها عليه)

لما روَى صالحُ بنُ أحمدَ، في «مَسائلِه»، عن أبيه، ثنا داودُ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ 229 مَوْلَى أبي أسَيدٍ، قال: تَزَوَّجَ 230، فحَضَرَه عبدُ الله بنُ مَسعودٍ، وأبو ذَرٍّ، وحُذَيفَةُ، وغيرُهم مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فحَضَرَتِ الصلاةُ، فقَدَّمُوه وهو مَمْلُوكٌ، فصَلَّى بهم، ثم قالوا228 = كما أخرجه أبو داود، في: باب قلة المهر، من كتاب النكاح.
سنن أبي داود 1/ 486. والترمذي، في: باب ما جاء في الوليمة، من أبواب النكاح.
عارضة الأحوذي 5/ 2، 3. وابن ماجه، في: باب الوليمة، من كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 615، والدارمي، في: باب في الوليمة، من كتاب الأطعمة، وكتاب النكاح 2/ 104، 143. والإمام مالك، في: باب ما جاء في الوليمة، من كتاب النكاح.
الموطأ 2/ 545. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 165، 190، 205، 271.

الحديث: 3082 - الجزء: 20 - الصفحة: 86

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له: إذا دَخَلْتَ على أهلِكَ فصَلِّ رَكعتَين، ثم خُذْ برَأْسِ أهْلِكَ، فقُلْ: اللَّهم بارِكْ لي في أهْلِي، وبارِكْ لأهْلِي فِيَّ، وارْزُقْهُم مِنِّي، وارْزُقنِي منْهم.
ثم شَأنَك وشَنَ أهلِكَ 231. وروَى أبو داودَ 232 بإسْنادِه عن عَمْرِو بنَ شُعيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إِذَا تَزَوج [أحَدُكُمُ امْرأةً أو] 233 اشْتَرَى خَادِمًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألكَ خَيرَهَا، وَخَيرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيهِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيهِ.
وإذَا اشْتَرَى بَعِيرًا، فَلْيَأخُذْ بِذُرْوَةِ سَنَامِهِ، وَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ».

الجزء: 20 - الصفحة: 87

بَابُ أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَشرُوطِهِ

فَأرْكَانُهُ الإيجَابُ وَالقَبُولُ.
وَلَا يَنْعَقِدُ الْإيجَابُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْويجِ بِالْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ يُحْسِنُهُمَا، أو بِمَعْنَاهُمَا الْخَاصِّ بِكُلِّ لِسَانٍ لِمَنْ لَا يُحْسِنُهُمَا.
بابُ أرْكَانِ النِّكَاحِ وَشُرُوطِه (أرْكانُه الإيجابُ والقَبُولُ، فلا يَنْعَقِدُ إلَّا بلَفْظِ النِّكَاحِ والتَّزْويج بالعَرَبيَّةِ لمَن يُحْسِنُهما، أو بمَعناهُما الخاصِّ بكلِّ لسانٍ لمَن لا يُحْسِنُهما) وجُملتُه، أنَّ النِّكاحَ يَنْعَقِدُ بلَفْظِ النكاحِ والتَّزْويجِ، والجَوابِ عنهما إجماعًا، وهما اللَّذانِ وَرَد بهما نصُّ الكتابِ في قولِه سبحانَه: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ 234. وقولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 235. وسَواءٌ اتَّفَقا مِن الجانِبَين أو اخْتَلَفا، مثلَ أن يقولَ:

الجزء: 20 - الصفحة: 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زَوَّجْتُكَ ابنتِي.
فيقولَ: قَبِلْتُ هذا النِّكاحَ -أو- هذا التَّزْويجَ.
و 236 لا يَنْعَقِدُ بغيرِ هَذَين اللَّفْظَين.
وبه قال عطاءٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِيّ، ورَبِيعَةُ، والشافعيُّ.
وقال الثَّوْرِيُّ، والحسنُ بنُ صالحٍ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيدٍ: يَنْعَقِدُ بلفظِ الهِبَةِ والصَّدَقَةِ والبَيعِ والتَّمْلِيكِ.
وفي لفظِ الإِجارَةِ عن أبي حنيفةَ رِوايَتان.
وقال مالكٌ: يَنْعَقِدُ بذلك إذا ذَكَر المَهْرَ.
واحْتَجُّوا بأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - زَوَّجَ رجلًا امرأةً فقال: «مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ».
رَواه البخاريُّ 237. ولأنَّه لَفْظ يَنْعَقِدُ به تَزْويجُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فانْعَقَدَ به نِكاحُ

الجزء: 20 - الصفحة: 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أُمَّتِه، كلَفْظِ الإِنْكاحِ والتَّزْويجِ، ولأنَّه أمْكَنَ تَصْحِيحُه بمَجازِه، فوَجَبَ تَصْحيحُه، كإيقاعِ الطَّلاقِ بالكِناياتِ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ إلى قولِه: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ 238. فذَكَرَ ذلك خالصًا لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. ولأنَّه لفظٌ يَنْعَقِدُ به غيرُ النِّكاحِ، فلم يَنْعَقِدْ به النِّكاحُ، كلَفْظِ [الإِجارَةِ و] 239

الجزء: 20 - الصفحة: 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإِباحَةِ والإِحلالِ، [ولأنَّه ليس بصَرِيحٍ النِّكاحِ، فلا يَنْعَقِدُ به، كالذي ذَكَرْنا] 240. وهذا لأنَّ الشَّهادَةَ شرْطٌ في النِّكاحِ، والكِنايَةُ إنَّما تُعْلَمُ 241 بالنيةِ، ولا يُمْكِنُ الشَّهادَةُ على النيةِ؛ لعَدَمِ اطِّلاعِهم طيها، فيَجِبُ أن لا يَنْعَقِدَ، وبهذا فارَقَ بَقِيَّةَ العُقُودِ والطَّلاقَ.
وأمَّا الخَبَرُ، فقد رُوِيَ: «زوَّجْتُكَهَا» و «أنْكَحْتُكَهَا» و

الجزء: 20 - الصفحة: 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «زَوَّجْنَاكَهَا».
مِن طُرُقٍ صحِيحَةٍ، والقِصَّةُ واحِدَةٌ، فالظاهِرُ أنَّ الرَّاويَ روَى بالمعنَى ظَنًّا منه أنَّ مَعْناهما واحِدٌ، فلا يكنُ حُجَّةً، وإن كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - جَمَعَ بينَ الألْفاظِ، فلا حُجَّةَ لهم فيه، لأنَّ النِّكاحَ انْعَقَدَ بأحَدِها 242، والباقي فَضْلَةٌ.

الجزء: 20 - الصفحة: 97

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومَن قَدَرَ على لَفْظِ النِّكاحِ بالعَرَبِيَّةِ، لم يَصِحَّ عَقْدُه بغيرِها.
وهذا أحَدُ أقْوالِ الشافعيِّ.
وعندَ أبي حنيفةَ يَنْعَقِدُ؛ لأنَّه أتَى بلَفْظِه الخاصِّ، فانْعَقَدَ به، كما يَنْعَقِدُ بالعَرَبِيَّةِ.
ولَنا، أنَّه عَدَل عن لَفْظِ الإِنْكاحِ والتَّزْويج مع القُدْرَةِ عليه، فلم يَصِحَّ، كلَفْظِ الإِحْلالِ، ولأنَّ الشَّهادَةَ شَرْط في النِّكاحِ، وهي واقِعَة على اللَّفْظِ، وغيرُ هذا اللَّفْظِ ليس بمَوْضُوع للنِّكاحِ، وإنَّما يُصْرَفُ إليه بالنيةِ، ولا شَهادَةَ عليها، فيَخْلُو النِّكاحُ عن الشَّهادَةِ.
وما قاله أبو حنيفةَ أقْيَسُ، قياسًا على سائِرِ العُقُودِ، وما ذَكَرُوه مِن تَعَذُّرِ 243 الشَّهادَةِ على غيرِ العَرَبِيَّةِ مُلْغًى بما إذا لم يُحْسِنِ العَرَبِيَّةَ.
فصل: فأمَّا مَن لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، فيَصِحُّ منه عَقْدُ النِّكاحِ بلِسانِه؛ لأنَّه عاجِزٌ عمِّا سِوَاه، فسَقَطَ عنه، كالأخْرَسِ، ويَحْتاجُ إلى أن يَأتِيَ بمَعْناهما الخاصِّ، بحيث يَشْتَمِلُ على مَعْنَى اللَّفْظِ العَرَبِيِّ.

الجزء: 20 - الصفحة: 98

فَإِنْ قَدَرَ عَلَى تَعَلُّمِهَا بِالْعَرَبِيَّةِ، لَمْ يَلْزَمْهُ فِي أحدِ الْوَجْهَينِ.
وَالْقَبُولُ أنْ يَقُولَ: قَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ.
أوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُحْسنُ.

3083 - مسألة: (فإن قَدَر على تَعَلُّمِهَا بالعَرَبِيَّةِ، لم يَلْزَمْه)

ذلك.
وفيه وَجْهٌ ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ، أنَّه يَلْزَمُه؛ لأنَّ ما كانتِ العَرَبِيَّة شَرْطًا فيه، لَزِمَه أن يَتَعَلَّمَها مع القُدْرَةِ، كالتَّكْبيرِ (1). ولَنا، أنَّ النِّكاحَ غيرُ واجِبٍ، فلم يَجِبْ تَعَلُّمُ أرْكانِه بالعَرَبِيَّةِ، كالبَيعِ، بخِلافِ التَّكْبيرِ.
3084 -

مسألة: (والقَبُولُ أن يَقُولَ: قَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ. أو ما يَقُومُ مَقامَه في حَقِّ مَن لا يُحْسِنُ)

فإن كان أحَدُ المُتَعاقِدَين يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ244

الحديث: 3083 - الجزء: 20 - الصفحة: 99

فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِ: قَبِلْتُ.
أوْ قَال الْخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ: أَزَوَّجْتَ؟  دُونَ الآخَرِ، أتَى الذي يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ بها، والآخَرُ يَأتِي بلِسانِه.
فإن كان أحَدُهما لا يُحْسِنُ لِسانَ الآخَرِ، احْتاجَ أن يَعْلَمَ أنَّ اللَّفْظَةَ التي أتَى بها صاحِبُه لَفْظَةُ الإِنْكاحِ، بأن يُخْبِرَه بذلك ثِقَةٌ يَعْرِفُ اللِّسَانَين جَمِيعًا.
فصل: فأمَّا الأخْرَسُ، فإن فُهِمَتْ إشارَتُه، صَحَّ نِكاحُه بها؛ لأنَّه مَعْنًى لا يُسْتَفادُ إلَّا مِن جِهَتِه، فصَحَّ بإشارَتِه، كبَيعِه وطَلاقِه ولِعانِه.
وفي كتابةِ (1) القادِرِ على النُّطْقِ وَجْهان، ذَكَرَهما في «المُجَرَّدِ»؛ أولَاهما (2)، عَدَمُ الصِّحَّةِ للاسْتِغْناءِ عنها.
وإن لم تُفْهَمْ إشارَتُه، لم يَصِحَّ منه، كما لا يَصِحُّ غيرُه مِن التَّصرُّفاتِ القَوْلِيَّةِ، ولأنَّ النِّكاحَ عَقْدٌ بينَ شَخْصَين، فلا بُدَّ مِن فَهْمِ كلِّ واحِدٍ منهما ما يَصْدُرُ عن صاحِبِه.
ولو فَهِم ذلك صاحِبُه العاقِدُ معه، لم يَصِحَّ حتى يَفْهَمَ الشُّهُودُ أيضًا، لأنَّ الشَّهادَةَ شَرْطٌ، ولا تَصِحُّ على ما لا يُفْهَمُ.
قال أحمدُ: لا يُزَوِّجُه وَلِيُّه.
يَعْنِي إذا كان بالِغًا؛ لأنَّ الخَرَسَ لا يُوجِبُ الحَجْرَ، كالصَّمَمِ.

3085 -

مسألة: (فإنِ اقْتَصَرَ على قَوْلِه: قَبِلْتُ)

بأن يَقُولَ الوَلي: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي.
فيَقُولَ: قَبِلْتُ.
صَحَّ وانْعَقَدَ النِّكاحُ.
وقال الشَّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيه: لا يَنْعَقِدُ حتى يقولَ: قَبِلْتُ هذا النِّكاحَ.
أو: هذا التَّزْويجَ.
لأنَّه كِنايَةٌ في النكاحِ يَفْتَقِرُ إلى النيةِ والإِضْمارِ، فلم يَنْعَقِدْ245246

الحديث: 3085 - الجزء: 20 - الصفحة: 100

قَال: نَعَمْ.
وَلِلْمُتَزَوِّجِ: أقبِلْتَ؟ قَال: نَعَمْ.
صَحَّ.
ذَكَرهَ الْخِرَقِيّ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَصِحَّ.
به، كلَفْظِ الهِبَةِ والبَيعِ.
ولَنا، أنَّ القَبُولَ صَرِيحٌ في الجَوابِ، فانْعَقَدَ به، كما يَنْعَقِدُ به البَيعُ وسائِرُ العُقُودِ.
وقولُهم: يَفْتَقِرُ إلى النيةِ.
مَمْنُوعٌ، فإنَّه جَوابٌ لا يَنْصَرِفُ إلَّا إلى المَذْكُورِ.
وكذلك (إن قال الخاطِبُ للوَلِيِّ: أزَوَّجْتَ؟ قال: نعم.
وللمُتَزَوِّجِ: أقَبِلْتَ؟ قال: نَعَمْ.
صَحَّ.
ذكره الخرقيُّ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ) لأنَّ النِّكاحَ إنَّما يَصِحُّ بلَفظ الإِنْكاحِ والتَّزْويجِ، وما نَطَق الوَلِيُّ بواحِدٍ منهما، ولا نَطَق المُتَزَوِّجُ بالقَبُولِ.
وقال الشافعيُّ: لا يَنْعَقِدُ حتى يقولَ معه: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي.
ويقولَ الزَّوْجُ: قَبِلْتُ هذا التَّزْويجَ.
لأنَّ هَذَين رُكْنَا العَقْدِ، فلا يَنْعَقِدُ بدُونِهما.
ولَنا، أنَّ «نعم» جَوابٌ لقَوْلِه: أزَوَّجْتَ 247 -وَقَبِلْتَ؟ والسُّؤالُ يكونُ 248 مُضْمَرًا في الجَوابِ، مُعادًا فيه، فيَكونُ مَعْنَى «نَعَمْ»

الجزء: 20 - الصفحة: 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن الوَلِيِّ: زَوَّجْتُه ابْنَتِي.
ومعنى «نَعَمْ» مِن المُتَزَوِّجِ: قَبلْتُ هذا التَّزْويجَ.
ولا احْتِمال فيه، فيَجبُ أن يَنْعَقِدَ به؛ ولذلك لمَّا قال اللهُ تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ 249. كان إقْرارًا منهم بوُجْدانِ ذلك أنَّهم وَجَدُوا ما وَعَدَهم رَبُّهم حَقًّا.
ولو قِيَل لرجل 250: لي عليكَ ألْفُ دِرْهَمٍ؟ قال: نعم.
كان إقْرارًا صَرِيحًا لا يَفْتَقِرُ إلى نِيَّةٍ، ولا يُرْجَعُ في ذلك إلى تَفْسِيرِه، وبمِثْلِه تُقْطَعُ اليَدُ في السَّرِقَةِ، وهو حَدٌّ يُدْرَأ بالشُّبُهاتِ، فوَجَبَ أن يَنْعَقِدَ به التَّزْويجُ، كما لو لَفَظ بذلك.

الجزء: 20 - الصفحة: 102

وَإنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ الإيجَابَ، لَمْ يَصِحَّ.

3086 - مسألة: (فإن تَقَدَّمَ القَبُولُ الإِيجابَ، لم يَصِحَّ)

سَواءٌ كان بلَفْظِ الماضِي، مثلَ أن يقولَ: تَزَوَّجْتُ ابْنَاتك 251. فيقولَ: زَوَّجْتُكَ.
أو بلَفْظِ الطَّلَبِ، كقَوْلِه: زَوِّجْنِي ابْنَاتَكَ.
فيَقُولُ: زَوَّجْتُكَها.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ: يَصِحُّ فيهما حميعًا؛ لأنَّه قد وُجِدَ الإِيجابُ والقَبُولُ، فصَحَّ، كما لو تَقَدَّمَ الإِيجابُ.
ولَنا، أنَّ القَبُولَ إنَّما يكونُ للإِيجابِ، فمتى وُجِدَ قبلَه 252، لم يَكُنْ قَبُولًا؛ لعَدَمِ مَعْناه، فلم يَصِحَّ، كما لو تَقَدَّمَ بلَفظِ الاسْتِفْهامِ، ولأنَّه لو تَأخَّرَ عن الإِيجابِ بلَفْظِ الطَّلَبِ، لم يَصِحَّ، فإذا تَقَدَّمَ كان أولَى، كصِيغَةِ 253 الاسْتِفْهامِ، ولأنَّه لو أتَى بالصِّيغَةِ المَشْرُوعَةِ مُتَقَدِّمَةً فقال: قَبِلْتُ هذا النِّكاحَ.
فقال الوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي.
لم يَصِحَّ، فلأن لا يَصِحَّ إذا أتَى بغيرِها أوْلَى.
فإن قالُوا: يَصِحُّ كالبَيعِ والخُلْعِ.
قُلْنا: البَيعُ لا يُشْتَرَطُ

الحديث: 3086 - الجزء: 20 - الصفحة: 103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيه صِيغَةُ الإِيجابِ، بل يَصِحُّ بالمُعاطَاةِ، ولا يَتَعَيَّنُ فيه لَفْظٌ، بل يَصِحُّ بأيِّ لَفْظٍ كان إذا أدَّى المَعْنَى، ولا يَلْزَمُ الخُلْعُ؛ لأنَّه يَصِحُّ تَعْلِيقُه على الشُّرُوطِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ إذا تَقَدَّمَ بلَفْظِ الطَّلبِ؛ لأنَّ في حديثِ المرأةِ التي وَهَبَتْ نَفْسَها للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقامَتْ طويلًا، فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، زَوِّجْنِيهَا إن لم يَكُنْ لك بها حاجَةٌ.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ».
وهو حديث صَحِيحٌ، رَواه البخارِي 254. ولم يُنْقَلْ أنَّه قال: قَبِلْتُ.
ولا ما يُودِّي مَعْناه، والظاهرُ أنَّه لو وُجِدَ منه لَفْظٌ لَنُقِلَ.
وعلى قياسِ ذلك إذا تَقدَّمَ بلَفْظِ الماضِى.
فصل: إذا عَقَد النِّكاحَ هازِلًا أو تَلْجِئةً، صَحَّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثَلَاثٌ هَزْلُهُنَّ جِدٌّ وَجِدُّهُنَّ جِدٌّ؛ الطَّلَاقُ، وَالنِّكَاحُ، والرَّجْعَةُ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 255. وعن الحسنِ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ

الجزء: 20 - الصفحة: 104

وَإنْ تَرَاخَى عَنْهُ، صَحَّ، مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يقطعهُ فَإِنْ تفَرَّقَا قَبْلَهُ، بَطَلَ الإيجَابُ.
وَعَنْهُ، لَا يَبْطُلُ.
نَكَحَ لَاعِبًا، أوْ طَلَّقَ لَاعِبًا، أوْ أعْتَقَ لَاعِبًا، جَازَ» (1). وقال عمرُ: أرْبَعٌ جائِزاتٌ إذا تُكلِّمَ بهِنَّ؛ الطَّلاقُ، والعَتَاقُ، والنِّكاحُ، والنَّذْرُ (2). وقال عليٌّ: أرْبَعٌ لا لَعِبَ فِيهِنَّ، الطَّلاقُ، والعَتَاقُ، والنِّكاحُ، والنَّذْرُ.

3087 -

مسألة: (وإن تَرَاخَى)

القَبُولُ (عن الإِيجابِ، صَحَّ، ما داما في المجْلِس ولم يَتَشاغَلا) عنه بغيرِه؛ لأنَّ حُكْمَ المَجْلِسِ حُكْمُ حانَةِ العَقْدِ، بدَلِيلِ صِحَّةِ القَبْضِ فيما يُشْتَرَطُ القَبْضُ فيه، وثُبُوتِ الخِيارِ في عُقُودِ المعاوَضَاتِ.
3088 -

مسألة: (فإن تَفَرَّقَا قبلَه، بَطَل الإِيجابُ)

لأنَّه لا يُوجَدُ256257

الحديث: 3087 - الجزء: 20 - الصفحة: 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَعْناه، فإنَّ الإِعْراضَ قد وُجِدَ مِن جهَتِه بالتَّفَرُّقِ، فلا يكُونُ قَبُولًا.
وكذلك إذا تَشاغَلا عنه 258 بما قَطَعَه؛ لأَنَّه مُعْرِضٌ عن العَقْدِ بالاشْتِغالِ عن قبُولِه (وعنه، لا يَبْطُلُ) فإنَّ أبا طالِبٍ نَقَل عن أحمدَ، في رجل مَشَى إليه قَوْمٌ، فقالوا له: زَوِّجْ فُلانًا.
قال: قد زَوَّجْتُه على ألْفٍ.
فرَجَعُوا إلى الزَّوْجِ فأخْبرُوه، فقال: قد قَبِلْتُ.
هل يَكونُ هذا نِكاحًا؟ قال: نعم.
قال القاضي: هذا مَحْمُول على أنَّه وَكَّلَ مَن قَبِلَ التَّزْويجَ في المجْلِسِ.
وقال أبو بكر: مسْألَةُ أبي طالِبٍ تَتَوَجَّهُ على قَوْلَين.
واختارَ أنَّه لا بدَّ مِن القَبُولِ في المَجْلِسِ، وهو الصحيحُ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: فإن أوْجَبَ النِّكاحَ ثم زال عَقْلُه بجُنُونٍ أو إغْماءٍ، بَطَل حُكْمُ الإِيجابِ، ولم يَنْعَقِدْ بالقَبُولِ بعدَه؛ لأنَّه ما لم يُضامَّه القَبُولُ لم يَكُنْ عَقْدًا، فبَطَلَ بزَوالِ العَقْلِ، كالعُقُودِ الجائِزَةِ تَبْطُلُ بالمَوْتِ والجُنُونِ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وإن نامَ لمْ يَبْطُلْ حُكْمُ الإِيجابِ؛ لأنَّه لا يُبْطِلُ العُقُودَ الجائزةَ، فكذلك هذا.
فصل: ولا يَثْبُتُ الخِيارُ في النِّكاحِ، وسَواءٌ في ذلك خِيارُ المَجْلِسِ وخِيارُ الشَّرْطِ.
ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالفَ في هذا؛ لأنَّ الحاجَةَ غيرُ داعِيَةٍ إليه، فإنَّه لا يَقَعُ في الغالِبِ إلَّا بعدَ رَويَّةٍ وفِكْرَةٍ، ومَسْألَةِ كلِّ واحِدٍ مِن الزَّوْجَين

الجزء: 20 - الصفحة: 106

فَصلٌ: وَشُرُوطُهُ خَمْسَةٌ؛ أَحَدُهَا، تَعْيِينُ الزَّوْجَينِ،  عن صاحِبِه، والمَعْرِفَةِ بحالِه، بخِلافِ البَيعِ الواقِعِ في الأسْواقِ مِن غيرِ فِكْرِ ولا رَويَّةٍ، ولأنَّ النِّكاحَ ليس بمُعاوَضَةٍ مَحْضةٍ، ولهذا لا يُعْتَبَرُ فيه العلمُ بالمَعْقُودِ عليه برُويَةٍ ولا صِفَةٍ، ويَصِحُّ مِن غيرِ تَسْمِيَةِ العِوَضِ ومع فَسادِه، ولأنَّ ثُبُوتَ الخِيارِ فيه يُفْضِي إلى فسْخِه بعدَ ابْتِذالِ المرأةِ، وفي فَسْخِه بعدَ العَقْدِ ضَرَرٌ بالمرأةِ، ولذلك أوْجَبَ الطَّلاقُ قبلَ الدُّخُولِ نِصْفَ الصَّداقِ.
فصل: قال الشَّيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (وشُرُوطُه خَمْسَةٌ؛ أحَدُها، تَعْيِينُ الزَّوْجَين) لأنَّ كلَّ عاقِدٍ ومَعْقُودٍ عليه يَجِبُ تَعْيِينُهما، كالمُشْتَرِي والمَبِيعِ، فإن كانتِ المرأةُ حاضِرَةً فقال: زَوَّجْتُكَ هذه.
صَحَّ، فإنَّ الإِشارَةَ تَكْفِي في التَّعْيِينِ، فإن زادَ على ذلك فقال 259: بِنْتِي هذه.
[أو: هذه] 260 فلانةَ.
كان تأكِيدًا.

الجزء: 20 - الصفحة: 107

فَلَو قَال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي.
وَلَهُ بَنَاتٌ، لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يُشِيرَ إِلَيهَا، أَوْ يُسَمِّيَهَا، أو يَصِفَهَا بِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ، صَحَّ.

3089 - مسألة: (فلو قال: زوَّجْتُكَ ابْنَتِي. وله بَناتٌ، لم يَصِحَّ حتى يُشِيرَ إليها، أو يُسَمِّيَها، أو يَصِفَها بما تَتَمَيَّزُ به، وإن لم يَكُنْ له إلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ، صَحَّ)

إذا كانتِ المعْقُودُ عليها غائِبَةً فقال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي.
وليس له سِوَاها، جازَ، فإن سَمَّاها كان تَأكِيدًا.
فإن كان له أكثرُ مِن بِنْتٍ واحِدَةٍ فقال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي.
لم يَصِحَّ حتى يَضُمَّ إلى ذلك ما تَتَمَيَّزُ به؛ مِن اسْم أو صِفَةٍ، فيقولَ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي الكُبْرَى.
أو: الوُسْطَى.
أو: الصُّغْرَى.
فإن سَمَّاها مع ذلك كان تَأكِيدًا.
وإن قال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي عائشةَ -أو- فاطمةَ.
صَحَّ.
فإن كانت له ابْنَة واحِدَة اسْمُها فاطمةُ فقال: زَوَّجْتُكَ فاطمةَ.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ 261 هذا الاسْمَ مُشْتَرَكٌ بينَها وبينَ سائِرِ الفَواطِمِ، حتى يقوكَ مع ذلك: بنْتِي.
وقال بعضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَصِحُّ إذا نَوَياهَا جَمِيعًا.
ولا يصحُّ هذا؛ لأنَّ النكاحَ تُعْتَبَرُ فيه الشَّهادَةُ على وَجْهٍ

الحديث: 3089 - الجزء: 20 - الصفحة: 108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُمْكِنُ أداؤها [إذا ثَبَت] 262 به العَقْدُ، وهذا مُتَعَذِّرٌ في النِّيَّة، ولذلك لو قال: زَوَّجْتُكَ ابنتي.
وله بَناتٌ، لم يَصِحَّ حتى يُمَيِّزَها بلَفْظِه.
وإن قال: زَوَّجْتُكَ فاطمةَ ابْنَةَ فُلانٍ.
احْتاجَ أن يَرْفعَ في نَسَبِها حتى يَبْلُغَ ما تَتَمَيَّزُ به عن النِّساءِ.
فصل: فإن كانت له ابْنَتان، كُبْرَى اسْمُها عائشةُ، وصُغْرَى اسْمُها فاطمةُ، فقال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي عائشةَ.
وقَبِل الزَّوْجُ ذلك، وهما يَنْويان الصُّغْرَى، لم يَصِحَّ.
ذَكَرَه أبو حَفْصٍ.
وقال القاضي: يَصِحُّ في التي نَوَياهَا.
وهذا غيرُ صَحيحٍ؛ لوَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّهما لم يَتَلَفَّظَا بما يَصِحُّ العَقْدُ بالشَّهادَةِ عليه، فأشْبَهَ ما لو قال: زَوَّجْتُكَ عائشةَ.
فقط، أو ما لو قال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي.
ولم يُسَمِّها، وإذا لم يَصِحَّ فيما إذا لم يُسَمِّها، ففيما إذا سَمَّاها بغيرِ اسْمِها أولَى أن لا يَصِحَّ.
الثاني، أنَّه لا يَصِحُّ النِّكاحُ حتى تُذْكَرَ المرأةُ بما تتَمَيَّزُ به، ولم يُوجَدْ ذلك، فإنَّ اسْمَ اخْتِها لا يُمَيِّزُها، بل يَصْرِفُ العَقْدَ عنها.
وإن كان الوَلِيُّ يُرِيدُ الكُبْرَى، والزَّوْجُ يَقْصِدُ الصُّغْرَى، لم يَصِحَّ، كما إذا خَطَب امْرأةً وزُوِّجَ غيرَها؛ لأنَّ القَبُولَ

الجزء: 20 - الصفحة: 109

وَلَوْ قَال: إِنْ وَضَعَتْ زَوْجَتِي ابْنَةً، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا.
لَمْ يَصِحَّ.
انْصَرَفَ إلى غيرِ مَن وُجِدَ الإيجابُ فيه.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ إذا لم يَتَقَدَّمْ ذلك ما يَصْرِفُ القَبُولَ إلى الصُّغْرَى، مِن خِطبَةٍ ونَحْوها، فإنَّ العَقْدَ بلَفْظِه مُتَناولٌ للكُبْرَى، ولم يُوجَدْ ما يَصْرِفُه عنها، فصَحَّ، كما لو نَوَياها.
ولو نَوَى الوَلِيُّ الصُّغْرَى، والزَّوْجُ الكُبْرى، أو نَوَى الوَلِيُّ الكُبْرَى، ولم يَدْرِ الزَّوْجُ أيَّتهما هي، فعلى الأوَّلِ، لا يَصِحُّ التَّزْويجُ؛ لعَدَمِ النِّيَّةِ منهما في التي تَناوَلَها لفْظُهُما.
وعلى الاحْتِمالِ الذي ذَكَرْناه، يَصِحُّ في المُعَيَّنَةَ باللَّفْظِ؛ لما ذَكَرْنا.
فصل: فإن كان له ابْنةٌ واحدةٌ، فقال لرجلٍ (1): زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي.
وسَمَّاها بغيرِ اسْمِها، فقال القاضي: يَصِحُّ.
وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ قولَه: بِنْتِي.
آكَدُ مِن التَّسْمِيَةِ؛ لأنَّها لا مُشارَكَةَ فيها، والاسْمُ مُشتَرَكٌ.
ولو قال: زَوَّجْتُكَ هذه.
وأشارَ إليها، وسَمَّاها بغيرِ اسْمِها، صَحَّ على هذا التَّعْليلِ.

3090 -

مسألة: (وإن قال: إن وَضَعَتْ زَوْجَتِي ابْنَةً، فقد زَوَّجْتُكَهَا. لم يَصِحَّ)

لأنَّه تَعْلِيقٌ للنِّكاحِ على شَرْطٍ، والنِّكاحُ لا يَتَعَلَّقُ263

الحديث: 3090 - الجزء: 20 - الصفحة: 110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على شَرْطٍ، ولأنَّ هذا مُجَرَّدُ وَعْدٍ لا يَنْعَقِدُ به عَقْدٌ.
وكذلك لو قال: زَوَّجْتُكَ حَمْلَ هذه المرأةِ.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّها لم يَثْبُتْ لها حُكْمُ البَناتِ قبلَ الظُّهُورِ في غيرِ الإِرْثِ والوَصِيَّةِ، ولأنَّه لم يَتَحَقَّقْ أنَّ في البَطْنِ بِنْتًا، فأشْبَهَ ما لو قال: زَوَّجْتُكَ مَن في هذه 264 الدَّارِ.
وهما لا يَعْلمان ما فيها.
فصل: فإن خَطَب امْرأةً فزُوِّجَ بغيرِ ها، مثلَ أن يَخْطُبَ الرجلُ امرأةً بعَينها، فيُجابَ إلى ذلك، ثم يُوجَبَ له النكاحُ في غيرِها، وهو يَعْتَقِدُ أنَّها التي خَطَبَها، فيَقْبَلُ، فلا يَنْعَقِدُ النِّكاحُ؛ لأنَّ القَبُولَ انْصَرَفَ إلى غيرِ مَن وُجِدَ الإِيجابُ فيه، فلم يَصِحَّ، كما لو ساومَه بثَوْبٍ وأوْجَبَ العَقْدَ في غيرِه بغيرِ عِلْمِ المُشْتَرِي.
فلو عَلِمَ الحال بعدَ ذلك فرَضِيَ، لم يَصِحَّ.
قال أحمدُ في 265 رجل خَطَب جارِيَةً، فزَوَّجُوه أخْتَها، ثم عَلِم بعدُ: يُفَرَّقُ بينَهما، ويكونُ الصَّداقُ على وَلِيِّها؛ لأنَّه غَرَّه، ويُجَهِّزُ إليه أُخْتَها التي خَطَبَها بالصَّداقِ الأوَّلِ، فإن كانت تلك قد وَلَدَت منه، لَحِق به الوَلَدُ.
قال شيخُنا 266: وقولُه: يُجَهِّزُ إليه أخْتَها.
يعني (1)، واللهُ أعلمُ، بعَقْدٍ جَدِيدٍ، بعدَ انْقِضاءِ عِدَّةِ هذه إن كان أصابَها؛ لأنَّ العَقْدَ الذي عَقَدَه لم يَصِحَّ في واحِدَةٍ منهما، لأنَّ الإِيجابَ صَدَر في إحْدَاهما [والقَبُولَ في الأخْرَى، فلم يَنْعَقِدْ في هذه ولا في تلك.
فإنِ اتَّفَقُوا على تَجْدِيدِ عَقْدٍ في إحْدَاهما] 267، أيتهما كان، جازَ.
وقال أحمد في رجلٍ تَزَوَّجَ امرأةً،

الجزء: 20 - الصفحة: 111

فَصْلٌ: الثَّانِي، رِضَا الزَّوْجَينِ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَيَا أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَصِحَّ،  فأدْخِلَتْ عليه أخْتُها: لها المَهْرُ بما أصابَ منها، ولأخْتِها المَهْرُ.
قيلَ: يَلْزَمُه مَهْران؟ قال: نعم، ويَرْجِعُ على وَلِيِّها، هذه مثلُ التي بها بَرَصٌ أو جُذَامٌ، عليٌّ يقولُ: ليس عليه غُرْمٌ.
وهذا يَنْبَغِي أن يكونَ في امْرأةٍ جاهِلَةٍ بالحالِ أو بالتَّحْريمِ، أمَّا إذا عَلِمَتْ أنَّها ليستْ زَوْجَةً، وأنَّها مُحَرَّمَةٌ عليه، وأمْكَنَتْه مِن نَفْسِها، فلا يَنْبَغِي أن يَجبَ لها صَداقٌ؛ لأنَّها زانِيَةٌ مُطاوعَةٌ.
فأمَّا إن جُهِلَ الحالُ، فلها المهْرُ، ويَرجِعُ به على مَنِ غَرَّه.
ورُوِيَ عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، في رَجُلَين تَزوَّجَا امرأتَين، فزُفت كُلُّ امْرأةٍ إلى زَوْجِ الأخْرَى: لهما الصَّداقُ، ويَعْتَزِلُ كلُّ واحِدٍ منهما امْرأتَه حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها 268. وبه قال النَّخَعِيّ، والشافعيّ، وإسحاقُ 269، وأصْحابُ الرّأي.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (الثَّانِي، رِضَا الزَّوْجَين، فإن لم يَرْضَيا أو أحَدُهما، لم يَصِحَّ) رِضَا الزَّوْجَين أو مَن يَقُومُ مَقامَهما شَرْطٌ في صِحَّةِ العَقْدِ؛ لأنَّ العَقْدَ لهما، فاعْتُبِرَ تَرَاضِيهما به، كالبَيعِ، فإن لم يَرْضَيَا أو أحَدُهما، لم يَصِحَّ العَقْدُ؛ لفَواتِ شَرْطِه.

الجزء: 20 - الصفحة: 112

إلا الْأَبُ لَهُ تَزْويجُ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَالْمَجَانِينِ وَبَنَاتِهِ الْأَبْكَارِ بِغَيرِ إِذْنِهِمْ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ تَزْويجُ ابْنَةِ تِسْعِ سِنِينَ إلا بِإِذْنِهَا.

3091 - مسألة: (إلَّا الأبُ له تَزْويجُ أولادِه الصِّغارِ والمَجانِينِ وبَناتِه الأبكارِ بغيرِ إِذْنِهِمِ)

أمَّا الغُلامُ العاقلُ، فلا نَعْلَمُ بين 270 أهلِ العلمِ خِلافًا 271، في أنَّ لأبِيه تزْويجَه.
كذلك قال ابنُ المُنْذِرِ.
وهذا قولُ الحسنِ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وإسْحاقَ، والشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأي؛ لِما رُوِيَ أنَّ ابنَ عمرَ زَوَّجَ ابْنَه وهو صَغِيرٌ، فاخْتَصَموا إلى زيدٍ، فأجازاه جَمِيعًا.
رَواه

الحديث: 3091 - الجزء: 20 - الصفحة: 113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأثْرَمُ 272. وأمَّا الغلامُ المَعْتُوهُ، فلأبِيه تَزْويجُه.
وقال الشَّافعيُّ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه يُلْزِمُه بالتَّزْويجِ حُقُوقًا مِن المَهْرِ والنَّفَقَةِ، مع عَدَمِ حاجَتِه، فلم يَجُزْ له، كغيرِه مِن الأوْلِيَاءِ.
ولَنا، أنَّه غيرُ بالِغٍ، فمَلَكَ الأبُ تَزْويجَه، كالعاقِلِ، ولأنَّه إذا جازَ تَزْويجُ العاقِلِ مع أنَّ له عندَ احْتِيَاجِه إلى التَّزْويجِ رَأيًا ونَظرًا لنَفْسِه، فلَأن يَجُوزَ تَزْويجُ مَن لا يُتَوَقَّعُ فيه ذلك أولَى.
ووَصِيُّ الأبِ يَقُومُ مَقامَه في ذلك كَوَكِيلِه، إذا قُلْنا بصِحَّةِ الوَصِيَّةِ في النِّكاحِ، وفيه اخْتِلاف نَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: وليس لغيرِ الأبِ أو وَصِيِّه تَزْويجُ الغُلامِ قبلَ بُلُوغِه.
وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: للحاكِمِ تَزْويجُه؛ لأنَّه يَلي ماله.
وقال الشافعيُّ: يَمْلِكُ وَلِيُّ الصَّبِيِّ تَزْويجَه، ليَألَفَ حِفْظَ فَرْجه عندَ بُلُوغِه.
وليس بسَدِيدٍ، فإنَّ غيرَ الأبِ لا يَمْلِكُ تَزْويجَ الجارِيَةِ الصَّغِيرَةِ، فالغُلامُ أوْلَى.
وفارَقَ الأبَ ووَصِيَّه؛ فإنَّ لهما تَزْويجَ الصَّغِيرَةِ وولايةَ الإِجْبارِ.
وسَواءٌ أذِنَ الغُلامُ في تَزْويجِه أو لم يَأذَنْ، لأنَّه لا 273 إذْنَ له.

الجزء: 20 - الصفحة: 114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وللأبِ تَزْويجُ البالِغِ المَعْتُوهِ، في ظاهِرِ كلام أحمدَ، والخِرَقِيِّ، مع ظُهُورِ أماراتِ الشَّهْوَةِ وعَدَمِها.
وقال القاضي: إنَّما يَجُوزُ تَزْويجُه إذا ظَهَرَتْ منه أماراتُ الشَّهْوَةِ باتِّباعِ النِّساءِ ونحوه.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، لأنَّ في تَزْويجِه مع عَدَم حاجَتِه إضْرارًا به، بإلْزامِه حُقُوقًا لا مَصْلَحَةَ له في إلْزامِها.
وقال أبو بكَرِ: ليس للأبِ تَزْويجُه 274 بحالٍ؛ لأنَّه رجلٌ، فلم يَجُزْ إجْبارُه على النِّكاحِ، كالعاقِلِ.
وقال زُفَرُ: إن طَرَأ عليه الجنُونُ بجدَ البُلُوغِ لم يَجُزْ، وإن كان مُسْتَدامًا جازَ.
ولَنا، أنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فجازَ لأبيه تَزْويجُه، كالصغيرِ، فإنَّه إذا جازَ تَزْويجُ الصَّغِيرِ مع عَدَمِ حاجَتِه في الخالِ وتَوَقُّعِ نَظَرِه، فعندَ الحاجَةِ أوْلَى.
ولَنا على التَّسْويَةِ بينَ الطَّارئ والمُسْتَدام، أنَّه مَعْنًى يُثْبِتُ الولايةَ، فاسْتَوَى طارِئُه ومُسْتَدامُه، كالرِّقِّ، ولأَنَّه جُنُونٌ يُثْبِتُ الو لايةَ على مالِه، فأثْبَتَها عليه في نِكاحِه، كالمُسْتَدام.
فأمَّا اعْتِبارُ الحاجَةِ، فلا بُدَّ منها، فإنَّه لا يَجُوزُ لوَلِيِّه تَزْويجُه إلَّا إذا رَأى المَصْلَحَةَ فيه، غيرَ أنَّ الحاجَةَ لا تَنْحَصِرُ في قَضاءِ الشَّهْوَةِ، بل قد تَكونُ حاجَتُه إلى الإِيواءِ والحِفْظِ، ورُبَّما كان دَواءً له يُتَرَجَّى به شِفاؤه، فجازَ التَّزْويجُ له، كقَضاءِ الشَّهْوَةِ.

الجزء: 20 - الصفحة: 115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومَن يُخْنَقُ 275 في الأحْيانِ لا يَجُوزُ تَزْويجُه إلَّا بإذْنِه؛ لأنَّ ذلك مُمْكِنٌ، ومَن أمْكَنَ أن يَتَزَوَّجَ لنَفْسِه، لم تَثْبُتِ الولايةُ عليه، كالعاقِلِ.
ولو زَال عَقْلُه ببِرْسَامٍ أو مَرَض مَرْجُوِّ الزَّوالِ، فهو كالعاقِلِ، فإنَّ ذلك لا يثبِتُ الولادةَ على مالِه، فعلى نَفْسِه أولَى.
وإن لم يُرْجَ زَوالُه، فهو داخِلٌ فيما ذَكَرْناه.
فصل: وليس لغيرِ الأبِ ووَصِيِّه تَزْويجُ المَعْتُوهِ البالِغِ.
وبه قال مالكٌ.
وقال أبو عبدِ اللهِ بن حامِدٍ: للحاكِمِ تَزْويجُه إذا ظَهَر منه شَهْوَةٌ للنِّساءِ، بأن يَتْبَعَهُنَّ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ ذلك مِن مَصالِحه، وليس له حالٌ يُنْتَظَرُ فيها إذْنُه.
وسنَذْكُرُ ذلك في تَزْويج المَجْنُونَةِ 276. ويَنْبَغِي أن يَجُوزَ تَزْويجُه إذا قال أهْلُ الطِّبِّ: إنَّ في ذلك ذَهابَ عِلَّتِه.
لأنَّه مِن أعْظَمِ مَصالِحِه.

الجزء: 20 - الصفحة: 116

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا زَوَّجَ الصغيرَ أو 277 المجنونَ، فإنَّه يَقْبَلُ لهما النِّكاحَ، ولا يَأذَنُ لهما في قَبُولِه؛ لأنَّهما ليسَا مِن أهلِ التَّصَرُّفِ.
فإن كان الغُلامُ ابنَ عَشْر، وهو مُمَيِّزٌ، فقِياس المذهبِ جَوازُ تَفْويضِ القَبُولِ إليه، حتى يتَوَلَّاهُ بنَفْسِه، كما يُفَوَّضُ أمْرُ البَيعِ 278 إليه.
وإن تَزَوَّجَ له الوَلِيّ جازَ، كما يَجُوزُ أن يَبْتاعَ له.
وهذا على الرِّوايَةِ التي تقولُ بصِحَّةِ بَيعِه ووُقُوعِ طَلاقِه.
فإن قُلْنا: لا يَصِحُّ ذلك منه.
فهذا أولَى.

الجزء: 20 - الصفحة: 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وذَكَر القاضي أنَّه لا يَجُوزُ أن يَتَزَوَّجَ لهما بأكثرَ مِن مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه مُعاوَضَةٌ في حَقِّ الغيرِ، فلم تَجُزِ الزِّيادَةُ فيها على عِوَضِ المِثْلِ، كبَيعِ مالِه.
وهذا مذهبُ الشافعي.
وإذا قُلْنا: إنَّ للأبِ تَزْويجَ ابْنَتِه 279 بدونِ صَداقِ مِثْلِها.
فهذا مِثْلُه، فإنَّه قد يَرَى المَصْلَحَةَ في ذلك، فجازَ له بَذْلُ المالِ فيه، كما يَجُوزُ في مُدَاوَاتِه، بل الجوازُ ههُنا أوْلَى؛ فإنَّ الغالِبَ أنَّ المرأةَ لا تَرْضَى بتَزْويجِ المجنونِ إلَّا أن تُرَغَّبَ بزِيادَةٍ على مَهْرِ مِثْنها، فيتَعَذَّرُ الوُصولُ إليه 280 بدونِ ذلك، بخِلافِ المرأةِ.
وذكَر القاضي في «المُجَرَّدِ»، أنَّ قِياسَ المذهبِ أنَّه لا يُزَوَّجُ 281 بأكثرَ مِن امرأةٍ واحِدَةٍ؛ لعَدَمِ حاجَتِه إلى زِيادَةٍ عليها، فيكونُ بَذْلًا لمالِه فيما لا حاجَةَ به إليه.
وذَكَر في «الجامِعِ»، أنَّ له تَزْويجَ ابْنِه الصغيرِ بأرْبَع؛ لأنَّه قد يَرَى المَصْلَحَةَ فيه.
وليس له تَزْويجُه بمَعِيبَةٍ عَيبًا يُرَد به النِّكاحُ؛ فإنَّ فيه ضَرَرًا به، وتَفْويتَ مالِه فيما لا مَصْلَحَةَ له فيه، فإن فَعَل، خُرِّجَ في صِحَّةِ النِّكاحِ وَجْهان؛ فإن قُلْنا: يَصِحُّ.
فهل للوَلِي الفَسْخُ في الحالِ؟ على وَجْهَين، نَذْكُرُ تَوْجِيهَهما في تَزْويجِ الصغيرةِ بمَعِيبٍ.
فإن لم يَفْسَخْ حتى بَلَغَ الصَّبِيُّ

الجزء: 20 - الصفحة: 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو عَقَل المجنونُ، فلهما الفَسْخُ.
وليس له تَزْويجُه بأمَةٍ؛ لأنَّ إباحَتَها مَشْرُوطَةٌ بخَوْفِ العَنَتِ، وهو مَعْدُومٌ في حَقِّ الصَّبِيِّ، غيرُ مَعْلوم في حَقِّ المجنونِ.
فصل: فأمَّا الإِناثُ، فللأبِ تَزْويجُ ابْنَتِه البِكْرِ الصغيرةِ التي لم تَبْلُغ تِسْع سِنِين، بغيرِ خلافٍ، إذا وَضَعَها في كَفاءَةٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُل مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، أنَّ نِكاحَ الأبِ ابْنَتَه الصغيرةَ جائِزٌ، إذا زَوَّجَها مِن كفْءٍ، يَجُوزُ له ذلك مع كَراهَتِها وامْتِناعِها.
وقد دَلَّ على جَوازِ تَزْويجِ الصغيرةِ قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ 282، فجعَلَ

الجزء: 20 - الصفحة: 119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لِلَّائِي لم يَحِضْنَ عِدَّةَ ثلاثةِ أشْهُرٍ، ولا تكونُ العِدَّةُ ثلاثةَ أشْهُر إلَّا مِن طَلاقٍ في نِكاحٍ [أو فسْخٍ] 283، فدَلَّ ذلك على [أنها تُزَوَّجُ] 284 وتُطلَّقُ، ولا إذْنَ لها يُعْتَبَرُ.
وقالت عائشةُ: تَزَوَّجَنِي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابْنَةُ سِتٍّ، وبَنَى بي وأنا ابنةُ تِسْعٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 285. ومَعْلُومٌ أنَّها لم تَكُنْ في تلك الحالِ مِمَّن يُعْتَبَرُ إذنها.
وروَى الأثْرَمُ أنَّ قُدامَةَ بن مظْعُونٍ تزَوَّجَ ابْنةَ الزُّبَيرِ حينَ نَفِسَتْ، فقِيلَ له، فقال: ابنةُ الزُّبَيرِ إن مِتُّ وَرِثَتْني، وإن عِشْتُ كانتِ امْرَأتِي.
وزَوَّجَ على ابْنَتَه أمَّ كُلْثُوم وهي صغيرة عمرَ بنَ الخَطَّابِ، رَضِيَ الله عنهما.
فصل: وفي البِكْرِ البالغةِ العاقلةِ رِوايتان، إحْدَاهما، إجْبارُها على النكاحِ.
وهذا مذهبُ مالكٍ، وابنِ أبي ليلَى، والشَّافعيِّ،

الجزء: 20 - الصفحة: 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [وإسْحاقَ] 286. والثانيةُ، ليس له ذلك.
اخْتارَها أبو بكر.
وهو مذهبُ الأوْزاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأي، وابنِ المُنْذِرِ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُنْكحُ الأيِّمُ حَتَّى تُسْتأمرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأذَنَ».
فقالوا: يا رسولَ اللهِ، فكيف إذنها؟ قال: «أَنْ تَسْكُتَ».
مُتَّفَقٌ عليه 287. وروَى أبو داودَ، وابنُ ماجَه 288، عن ابنِ عبّاسٍ، أنَّ جاريَةً بِكْرًا أتَتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرَتْ أنَّ أباهَا زَوَّجَها وهي كارِهَةٌ، فخَيَّرَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. ولأنَّها جائِزَةُ

الجزء: 20 - الصفحة: 121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  التَّصَرُّفِ في مالِها، فلم يَجُزْ إجْبارُها، كالثَّيِّبِ، والرجلِ.
ووَجْهُ الأولَى، ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الْأيمُ أحقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأمَرُ، وَإذنهَا صُمَاتُهَا».
رَواه أبو داودَ 289. فلمَّا قَسَمَ النِّسَاءَ قِسْمَين، وأثْبَتَ الحقَّ لأحَدِهما، دَلَّ على نَفْيِه عن الآخَرِ،

الجزء: 20 - الصفحة: 122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهو البِكْرُ، فيَكونُ وَلِيُّها أحَقَّ منها بها، ودَلَّ الحديثُ على أنَّ الاسْتِئْمارَ ههُنا، والاسْتِئْذانَ في حَدِيثهم مُسْتَحَبٌّ غيرُ واجِبٍ، كما روَى ابنُ عمرَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ».
رَواه أبو داودَ 290. وحديثُ التي خَيَّرَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُرْسَلٌ، ويَحْتَمِلُ أنَّها التي زَوَّجَها أبوها مِن ابنِ أخِيه ليَرْفَع بها خَسيستَه 291، فتَخْيِيرُها لذلك.

الجزء: 20 - الصفحة: 123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [ولأنَّ ما] 292 لا يُشْتَرَطُ في نِكاحِ [الصغيرةِ لا يُشترطُ في نكاحِ] 293 الكَبِيرَةِ، كالنُّطْقِ (وعن أحمدَ، لا يَجُوزُ تَزْويجُ ابْنَةِ تِسْعِ سِنِينَ بغيرِ إذْنِها) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في الجارِيَةِ إذا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ،

الجزء: 20 - الصفحة: 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فالمَشْهُورُ عنه أنَّها كمَن لم تَبْلُغْ تِسْعًا.
نصَّ عليه في رِوايَةِ الأثْرَم.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعي، وأبي حنيفةَ، وسائِرِ الفُقَهاءِ، قالوا: حُكمُ بِنْتِ تِسْع حُكْمُ بِنْتِ ثَمانٍ؛ لأنَّها غيرُ بالغةٍ، ولأنَّ إذنها لا يُعْتَبَرُ في سائِرِ التَّصَرُّفاتِ، فكذلك في النِّكاحِ.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، حُكْمُها حُكْمُ البالغةِ.
نَصَّ عليه في رِوايَةِ ابنِ مَنْصورٍ؛ لمَفْهُوم الآيَةِ، ولدَلالةِ الخَبَرَين بعُمُومِهما على أنَّ اليتيمَةَ تُنْكَحُ بإذْنِها، وإنَّ أبتْ فلا جَوازَ عليها، وقد انْتَفَى الإِذْنُ فيما دُرنَها، فيَجِبُ حَمْلُه على مَن بَلَغَتْ تِسْعًا.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، يَجُوزُ لغيرِ الأبِ تَزْويجُها بإذْنِها، وحُكْمُها حُكْمُ البالغةِ في

الجزء: 20 - الصفحة: 125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جَوازِ إجْبارِها، للأبِ فيه الرِّوايتان 294. وقد روَى الإِمامُ أحمدُ 295 بإسْنادِه عن عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّها قالتْ: إذا بَلَغَتِ الجارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فهي امْرأةٌ.
ورَواه القاضي بإسْنادِه عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - 296. ومَعْناه، واللهُ أعلمُ، في حُكْمِ المرأةِ.
ولأنَّها بَلَغَتْ سِنًّا يُمْكِنُ فيه حَيضُها، وتَحْدُثُ لها حاجَةٌ إلى النِّكاحِ، فيُباحُ تَزْويجُها، كالبالغةِ إذا زُوِّجَتْ.
وقد خَطَب عمرُ أمَّ كُلْثُومٍ بنتَ أبي بكرٍ بعدَ مَوْتِه إلى عائشةَ، فأجابَتْه، وهي لدُونِ عَشْر؛ لأنَّها إنَّما وُلِدَتْ بعدَ مَوْتَ أبِيها، وإنَّما كانت ولايةُ عمرَ عَشْرًا، فكَرِهَتْه الجارِيَةُ، فتَزَوَّجَها 297 طَلْحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، ولم يُنْكِرْه مُنْكِرٌ، فدَلَّ ذلك على اتِّفاقِهِم على صِحَّةِ تَزْويجِها قبلَ بُلُوغِها بولايةِ غيرِ أبِيها.

الجزء: 20 - الصفحة: 126

وَهَلْ لَهُ تَزْويجُ الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.

3092 - مسألة: (وهل له تَزْويجُ الثَّيَّبَ الصَّغِيرَةِ؟ على وَجْهَينِ)

أمَّا الثَّيِّبَ 298 الكَبِيرَةُ، فلا يَجُوزُ للأب ولا لغيرِه تَزْويجُها إلَّا بإذْنِها، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا الحسنَ فإنَّه قال: له تَزْويجُها وإن كَرِهَتْ.
والنَّخَعِيُّ قال: يُزَوِّجُ بِنْتَه إذا كانت في عِيالِه، فإن كانت بائِنَةً في بَيتها مع عِيالِها اسْتَأمَرَها.
قال إسماعيلُ بنُ إسْحاقَ 299: لا أعْلَمُ أحدًا قال في الثيب (1) بقَوْلِ الحسنِ.
وهو قولٌ شاذٌّ، خَالفَ فيه أهلَ العِلْمِ والسُّنَّةَ

الحديث: 3092 - الجزء: 20 - الصفحة: 127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثَّابِتَةَ، فإنَّ الخَنْساءَ ابْنَةَ خِذامٍ 300 الأنْصارِيَّةَ، رَوَتْ أنَّ أباهَا زَوَّجَها وهي ثَيِّبٌ 301، فكَرِهَتْ ذلك، فأتَتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فرَدَّ نِكاحَه.
رَواه البخاريّ وغيرُه 302. قال ابنُ عبدِ البَرِّ 303: هذا الحديثُ مُجْتَمَعٌ على صِحَّتِه، والقولِ به، ولا نَعْلَمُ مُخالِفًا له إلَّا الحسنَ، وكانتِ الخَنْساءُ مِن أهلِ قُباءَ تحتَ أُنَيْسِ بنِ قتادَةَ، فقُتِلَ عنها يومَ أحُدٍ، فزَوَّجَها أبوها رجلًا مِن بني عَمْرِو بنِ 304 عَوْفٍ، فكَرِهَتْه، وَشَكَتْ ذلك إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَرَدَّ نِكاحَها، ونَكَحَتْ أبا لُبَابَةَ بنَ عبدِ المُنْذِرِ.
وروَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «لا تنكح الأيم حتى تستأمر».
متفقٌ عليه 305. وقال: «الأيمُ أحقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا».
وروَى ابنُ عباس أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثيبِ أَمْر».
روَاهما النَّسائي، وأبو داودَ 306. ولأنَّها رَشِيدَةٌ عالِمَةٌ بالمَقْصُودِ مِن النِّكاحِ مُخْتَبرَةٌ، فلم يَجُزْ

الجزء: 20 - الصفحة: 128

وَالسَّيِّدُ لَهُ تَزْويجُ إمَائِهِ الأبْكَارِ والثيبِ وَعَبِيدِهِ الصِّغَارِ بِغَيرِ إِذْنِهِمْ،  إجْبارُها عليه، كالرجلَ.
فصل: فأمَّا الثيبُ (1) الصَّغِيرَهُّ، ففيها وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَجُوزُ تَزْويجُها.
وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ.
واخْتِيارُ ابنِ حامدٍ، وابنِ بَطَّةَ، والقاضي، ومَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لعُمُوم الأخْبارِ، ولأنَّ الإجْبارَ يَخْتَلِفُ بالبَكارَةِ والثيوبَةِ، لا بالصِّغَرِ والكِبَرِ، كما اخْتَلَفَ في صِفَةِ الإِذْنِ، ولأنَّ في تَأخِيرِها فائِدَةً، وهي أن تَبْلُغَ فتَخْتارَ لنَفْسِها ويُعْتَبَرَ إذنها، بخِلاف البِكْرِ.
الوَجْهُ الثاني، أنَّ لأبِيها تَزْويجَها، ولا يَسْتَأمِرُها.
اخْتارَه أبو بكر عبدُ العزيزِ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّها صغيرة، فجازَ إجْبارُها، كالبِكْرِ والغُلامِ.
يُحَقِّقُ ذلك أنَّها لا تَزِيدُ بالثيوبَةِ على ما حَصَل للغُلامِ بالذُّكُورِيَّةِ، ثم الغُلامُ يُجْبَرُ إذا كان صغيرًا، فكذلك هذه، والأخْبارُ مَحْمُولَة على الكبيرةِ، فإنَّه جَعَلَها أحَقَّ مِن وَلِيِّها، والصَّغِيرَةُ لا حَقَّ لها.
ويَتَخَرَّجُ وَجْهٌ ثالثٌ، وهو أنَّ ابْنَةَ تِسْع يُزَوِّجُها وَلِيُّها بإذْنِها، ومَن دُونَ ذلك على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ؛ لما ذَكَرْنا في البِكْرِ.
واللهُ أعلمُ.

3093 -

مسألة: (وللسَّيِّدِ تَزْويجُ إمائِه الثيبِ والْأبْكَارِ، وعَبِيدِه

307 الحديث: 3093 - الجزء: 20 - الصفحة: 129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصِّغَارِ، بغَيرِ إذْنِهِم) لا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّ 308 السَّيِّدَ إذا زَوَّجَ أمَتَه [بغيرِ إذْنِها] 309 أنَّه يَصِحُّ، ثيِّبًا كانت أو بِكْرًا، صغيرةً أو كبيرةً؛ وذلك لأنَّ مَنافِعَها مَمْلُوكَةٌ له، والنِّكاحُ عَقْد على مَنْفَعَتِها 310، فأشْبَهَ عَقْدَ الإِجارَةِ، ولذلك مَلَك الاسْتِمْتاعَ بها، وبهذا فارَقَتِ العَبْدَ، ولأنَّه يَنْتَفِعُ بذلك لِما يَحْصُلُ له مِن مَهْرِها ووَلَدِها، وتَسْقُطُ عنه نَفَقَتُها وكُسْوَتُها، بخلافِ العَبْدِ.
والمُدَبَّرةُ والمُعَلَّقُ عِتْقُها بصِفَةٍ وأمُّ الوَلَدِ كالأمَةِ في إجْبارِها على النِّكاحِ.
وقال مالك في آخِرِ أمْرِه: ليس له تَزْويجُ أمِّ وَلَدِه بغيرِ إذْنِها.
وكرهَه رَبِيعَةُ.
وللشافعيِّ قَوْلان.
وقد ذَكَرْنا ذلك فيما مَضَى.
ولَنا، أنَّها مَمْلُوكَتُه، يَمْلِك الاستِمْتاعَ بها وإجارَتَها، فمَلَكَ تَزْويجَها، كالقِنِّ.
وإذا مَلَك أخْتَه مِن الرَّضاعِ أو مَجُوسِيَّةً، فله تَزْويجُهما 311 وإن كانتا مُحَرَّمَتَين عليه، لأنَّ مَنافِعَهما مِلْكُه، وإنَّما حَرُمَتا عليه لعارِض.
فأمَّا التي بَعْضُها حُرٌّ، فلا يَمْلِكُ إجْبارَها؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ [جَمِيعَها.
ولا يَمْلِك] 312 إجْبارَ المُكاتَبَةِ؛ لأنَّها بمَنْزِلَةِ الخارِجَةِ عن مِلْكِه، ولذلك لا يملك إجارَتَها 313، ولا تَلْزَمُه نَفَقَتُها، ولا يَصِلُ إليه مَهْرُها.

الجزء: 20 - الصفحة: 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا اشْتَرَى عَبْدُه المَأذونُ أمَةً 314، ورَكِبَتْه ديُون، مَلَك سَيِّدُه تَزْويجَها وبَيعَها وإعْتاقَها.
نَصَّ عليه أحمدُ، وذَكَرَه أبو بكر، وقال: وللسَّيِّد.
وَطْوها.
وقال الشافعيُّ: ليس له شيء مِن ذلك؛ لِما فيه مِن الإضْرارِ بالغُرَماءِ.
وأصْلُ الخلافِ مَبْنِيٌّ 315 على دَينِ 316 المَأذُونِ له في التِّجارَة، فعندَنا يَلْزَمُ السَّيِّدَ 317، فلا يَلْحَقُ الغُرَماءَ ضَرَر بتَصَرُّفِ 318 السَّيِّدِ في الأمة، فإنَّ الدَّينَ ما تَعَلّقَ بها، وعندَه أنَّ الدَّينَ تَعَلَّقَ بالعَبْدِ وبما في يَدِه، فيَلْحَقُهم الضَّرَرُ.
والكَلامُ على هذا مَذْكُورٌ في مَوْضِعِه 319. فصل: وليس للسَّيِّدِ إكْراهُ أمَتِه عَلى التّزْويجِ بمَعِيبٍ عَيبًا يُرَدُّ به في النِّكاحِ؛ لأنَّه يُؤثِّرُ في الاسْتِمْتاعِ، وذلك حَق لها، ولذلك مَلَكَتِ الفَسْخَ بالجَبِّ والعُنَّةِ والامْتِناعِ مِن الفَيئَةِ دُونَ السَّيِّدِ.
وفارَقَ بَيعَها لمَعِيبٍ؛

الجزء: 20 - الصفحة: 131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّه لا يُرادُ للاسْتِمْتاعِ، ولهذا مَلَك شِراءَ الأمَةِ المُحَرَّمَةِ عليه، ولم تَمْلِكِ الأمَةُ 320 الفَسْخَ [لعَيبِه و] 321 لعُنَّتِه ولا إيلائه.
فإن زَوَّجَها مِن مَعِيبٍ فهل يَصِحُّ؟ على وَجْهَين، [فإنْ قُلْنا: يَصِحُّ.
فلها الفَسْخُ.
فإن كانت صغيرةً، فهل لها الفَسْخُ في الحالِ، أو يَنْتَظِرُ بُلُوغَها؟ على وَجْهَين] 322. ومَذْهَبُ الشافعيِّ هكذا في هذا 323 الفصلِ كلِّه.
فصل: وللسَّيدِ تَزْويجُ عَبْدِه الصغيرِ بغيرِ إذْنِه في قولِ أكثر أهلِ العلمِ، إلَّا أنَّ بعضَ الشّافِعِيَّةِ قال: فيه قَوْلان.
وقال أبو الخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ تَزْويجَه.
ولَنا، أنَّه إذا مَلَك تَرويجَ ابْنِه الصَّغيرِ، فعَبْدُه مع مِلْكِه إيَّاه وتَمامِ ولايته عليه أوْلَى.
وكذلك الحُكْمُ في عَبْدِه الصغيرِ المَجْنونِ 324.

الجزء: 20 - الصفحة: 132

وَلَا يَمْلِكُ إِجْبَارَ عَبْدِهِ الْكَبِيرِ.
وَيَحْتَمِلُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الصِّغَارِ أيضًا.

3094 - مسألة: (ولا يَمْلِكُ إجْبارَ عَبْدِه الكبيرِ)

إذا كان عاقِلًا.
وبهذا قال الشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: له ذلك؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ 325. ولأنَّه يَمْلِكُ رَقَبَتَه، فمَلَكَ إجْبارَه على النِّكاحِ، كالأمَةِ، ولأنَّه يَمْلِكُ إجارَتَه، فأشْبَهَ الأمَةَ.
ولَنا، أنَّه مُكَلَّف يَمْلِكُ الطَّلاقَ، فلا يُجْبَرُ على النِّكاحِ، كالحُرِّ، ولأنَّ النِّكاحَ خالِصُ حَقِّه، ونَفْعُه له، فأشْبَهَ الحُرَّ، والأمْرُ بإنْكاحِه مُخْتَصٌّ بحالِ طَلَبِه، بدليلِ عَطْفِه على الأيامَى، وإنَّما يُزَوَّجْنَ عندَ الطَّلَبِ، ولأنَّ مُقْتَضَى الأمْرِ الوُجُوبُ، وإنَّما يَجِبُ تَزْويجُه عندَ طَلَبِه، وأمَّا الأمَةُ فإنَّه يَمْلِكُ مَنافِعَ بُضعِها والاسْتِمْتاعَ بها، بخِلافِ العَبْدِ.
ويُفارِقُ النِّكاحُ الإِجارَةَ، لأنَّها عَقْدٌ على مَنافِعِ بَدَنِه، وهو يَمْلِكُ اسْتِيفاءَها (ويَحْتَمِلُ مثلُ ذلك في الصغيرِ أيضًا) قِياسًا على الكبيرِ، ويَقْوَى الاحْتِمالُ في حَقِّ المُمَيِّزِ إذا قُلْنا بصِحَّةِ

الحديث: 3094 - الجزء: 20 - الصفحة: 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  طَلاقِه؛ لأنَّه عاقِل مُمَيِّزٌ، يَمْلِكُ الطَّلاقَ، أشْبَهَ البالِغَ.
فصل: والمَهْرُ والنَّفَقَةُ على السَّيِّدِ، سَواءٌ ضَمِنَهُما 326 أو لا، وسَواءٌ باشَرَ العَقْدَ.
بنَفْسِه أو أذِنَ لعَبْدِه فعَقَدَه، مَأْذُونًا له في التِّجارَةِ أو مَحْجُورًا عليه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وعنه ما يَدُلُّ على أنَّ ذلك يَتَعَلَّقَ بكَسْبِه، فإنَّه قال: نَفَقَتُه مِن ضَرِيبَتِه.
وقال 327: إن كان بقِيمَةِ ضَرِيبَتِه، أنْفَقَ عليها، ولا يُعْطِي المَوْلَى، وإن لم يَكُنْ عندَه ما يُنْفِقُ، فُرِّقَ بينَهما.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وفائِدَةُ الخِلافِ أنَّ مَن ألْزَمَ السَّيِّدَ المَهْرَ والنَّفَقَةَ، أوْجَبَهما عليه وإن لم يَكُنْ للعبدِ كَسْبٌ، وليس للمرأةِ الفَسْخُ؛ لعَدَم كَسْبِ العبدِ، وللسَّيِّدِ استخدامُه ومَنْعُه الاكْتِسابَ، ومَن عَلَّقَه بكَسْبِه فلم يَكُنْ له كَسْبٌ، فللمرأةِ الفَسْخُ، وليس للسَّيِّدِ مَنْعُه مِن التَّكَسُّبِ.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ تَعَلَّقَ بالعَبْدِ 328 برِضَا سَيِّدِه، فتَعَلَّقَ بسَيِّدِه، وجازَ بَيعُه فيه، كما لو رَهَنَه بدَينٍ.
فعلى هذا، لو باعَه سَيِّدُه أو أعْتَقَه، لم يَسْقُطِ المَهْرُ عن السَّيِّدِ.
نصَّ عليه؛ لأنَّه حَقٌّ تَعَلَّقَ بذِمَّتِه، فلم يَسْقُطْ ببَيعِه وعِتْقِه، كأرْشِ جِنايَتِه، فأمَّا النَّفَقَةُ فإنَّها تَتَجَدَّدُ، فتكونُ في الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ على المُشْتَرِي أو على العَبْدِ إذا عَتَق.

الجزء: 20 - الصفحة: 134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَجُوزُ أن يَتَزَوَّجَ السَّيِّدُ لعَبْدِه بإذْنِه، وأن يَأْذَنَ للعَبْدِ فيَتَزَوَّجَ لنَفْسِه؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ يَصِحُّ طلاقُه، فكان مِن أهلِ مُباشَرَة العَقْدِ كالحُرِّ.
ويَجُوز أن يَأْذَن له مُطْلقًا ومُعَينًا، فإن عَيَّنَ له امرأةً، أو نِساءَ بَلَدٍ أو قَبِيلَةٍ، أو حُرَّةً أو أمَةً، فتَزَوَّجَ غيرَها، لم يَصِحَّ؛ لأَنه مُتَصَرِّفٌ بالإِذْنِ، فتَقييَّدَ 329 تَصَرُّفُه بما 330 أُذِنَ له فيه كالوَكِيلِ.
وإن أذِنَ له مُطْلَقًا، فله أن يَتَزَوَّجَ مَن شاءَ، لكنْ إن تَزَوَّجَ امرأةً مِن بَلْدَةٍ أُخْرَى، فلسَيِّدِه مَنْعُه مِن الخُرُوجِ إليها، وإن كانت في البَلَدِ، فعلى سَيِّدِه إرْسالُه لَيلًا للاسْتِمْتَاعِ.
وإن أحَبَّ سَيِّدُه أن يُسْكِنَها في مَسْكَنٍ مِن دارِه، فله ذلك إذا كان مَسْكَنَ مِثْلِها، ولا يَلْزَمُه إرْسالُه نَهارًا؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى اسْتِخْدامِه، وليس النَّهارُ مَحِلًّا للاسْتِمْتَاعِ غالبًا.
ولسَيِّدِه السَّفَرُ به، فإنَّ حَقَّ امرأةِ العبدِ عليه لا يَزِيدُ على حَقِّ امرأةِ الحُرِّ، والحُرُّ يَمْلِكُ السَّفَرَ وإن كَرِهَتِ امْرأتُه، كذا ههُنا.
فصل: وللسَّيِّدِ أن يُعَيِّنَ له المَهْرَ، وله أن يُطْلِقَ، فإن تَزَوَّجَ بما عَيَّنَه أو دُونِه، أو بمَهْرِ المِثْلِ عندَ الإِطْلاقِ أو دونِه، لَزِم المُسَمَّى، وإن تَزَوَّجَ بأكْثَرَ 331 مِن ذلك، لم تَلْزَمِ السَّيِّدَ 332 الزِّيادَةُ.
وهل يَتَعَلَّقُ برَقَبَةِ العَبْدِ أو ذِمَّتِه يُتْبَعُ بها بعدَ العِتْقِ؟ على رِوايَتَين، بِناءً (4) على اسْتِدانَةِ العَبْدِ

الجزء: 20 - الصفحة: 135

وَلَا يَجُوزُ لِسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ تَزْويجُ كَبِيرَةٍ إلا بِإِذنِهَا، إلا الْمَجْنُونَةَ، لَهُمْ تَزْويجُهَا إِذَا ظَهَرَ مِنْهَا الْمَيلُ إِلَى الرِّجَالِ.
المَحْجُورِ عليه، وقد ذَكَرْنا ذلك في كتابِ الحَجْرِ (1). فصل: وإذا تَزَوَّجَ أمَةً ثم اشْتَراها بإذْنِ سَيِّدِه لسَيِّدِه، لم يُوثِّرْ ذلك في نِكاحِه، وإنِ اشْتَراها لنَفْسِه وقُلْنا: إنَّه لا يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ.
[فكذلك، وإن قُلْنا: يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ] (2). انْفَسَخَ نِكاحُه، كما لو اشْتَرَى الحُرُّ امرأتَه (3). وله وَطْؤُها بمِلْكِ اليَمِينِ بإذْنِ سَيِّدِه، فإن كان بعضُه حُرًّا فاشْتَراها في ذِمَّتِه أو بما يَخْتَصُّ بمِلْكِه، انْفَسَخَ نِكاحُه؛ لأنَّه مَلَكَها وحَلَّتْ له بمِلْكِ يَمِينِه، وإن مَلَكَ بَعْضَها، انْفَسَخَ نِكاحُه ولم تَحِلَّ له؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ جَمِيعَها، وإنِ اشْتَرَاها بعَينِ مالٍ مُشتَرَكٍ (4) بينَه وبينَ سَيِّدِه بغيرِ إذْنِه وقُلْنا: إنَّه لا تُفَرَّقُ الصَّفْقَةُ.
لم يَصِحَّ البَيعُ، والنِّكاحُ بحالِه.
وإن قُلْنا بتَفْرِيقِها، صَحَّ في قَدْرِ مالِه، وانْفَسَخَ النِّكاحُ بمِلْكِه بَعْضَها.

3095 -

مسألة: (وليس لسائرِ الأوْلياءِ تَزْويجُ كبيرةٍ إلَّا بإذْنِها، إلَّا المجنونةَ، لهم تَزْويجُها إذا ظَهَر منها المَيلُ إلى الرِّجالِ)

ليس لسائِرِ الأوْلياءِ غيرِ الأبِ تَزْويجُ كبيرةٍ بغيرِ إذْنِها، جَدًّا كان أو غيرَه.
وبه قال مالكٌ،333334335336

الحديث: 3095 - الجزء: 20 - الصفحة: 136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأبو عُبَيدٍ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ أبي ليلَى.
وهو قولُ الشافعيِّ إلَّا في الجَدِّ، فإنَّه جَعَلَه كالأبِ؛ لأنَّ ولايَتَه ولايةُ إيلادٍ، فمَلَكَ الإِجْبارَ، كالأبِ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ».
فقالوا: يا رسولَ اللهِ، فكيف

الجزء: 20 - الصفحة: 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذْنُها؟ قال: «أنْ تسْكُتَ».
مُتَّفَقٌ عليه 337. ولأنَّ الجَدَّ قاصِرٌ عن الأبِ، فلم يَمْلِكِ الإِجْبارَ، كالعَمِّ، ولأنَّه يُدْلِي بغيرِه، فأشْبَهَ سائِرَ العَصَباتِ، وفارَقَ الأبَ؛ فإنَّه يُدْلِي بغيرِ واسِطَةٍ، ويُسْقِطُ الجَدَّ، ويَحْجُبُ الأمَّ عن ثُلُثِ المالِ إلى ثُلُثِ الباقي في زَوْجٍ وأبوَين، [أو امْرأةٍ وأبوَين] 338. فأمَّا المجنونةُ 339 فلهم تَزْويجُها إذا ظَهَر لهم منها المَيلُ إلى الرِّجالِ.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وقال القاضي: لا يُزَوِّجُها إلَّا الحاكِمُ؛ لأنَّه النَّاظِرُ لها في مالِها دُونَهم، فيَجِبُ أن يَخْتَصَّ بالولايَةِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ،

الجزء: 20 - الصفحة: 138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّ ولايتَهم مُقَدَّمَةٌ على ولايَةِ الحاكِمِ لو كانت عاقلةً، فكذلك إذا كانتْ مجنونةً.
وقال الشافعيُّ: لا يَجُوزُ تزْويجُها إلَّا أن يقولَ أهلُ الطِّبِّ: إنَّ عِلَّتَها تَزُولُ بذلك.
ولَنا، أنَّها مُحْتاجَةٌ إليه لدَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ عنها، وصِيانَتِها عن الفُجُورِ، وتَحْصِيلِ النَّفَقَةِ والمَهْرِ، فجازَ تَزْويجُها تحْصِيلًا لهذه المصالِحِ، كغيرِها.
فصل في تَزْويجِ المجنونةِ: إن كانت ممَّن تُجْبَرُ لو 340 كانت عاقلةً، جازَ تَزْويجُها لمَن يَمْلِكُ إجْبارَها؛ لأنَّه إذا مَلَك إجْبارَها مع عَقْلِها وامْتِناعِها، فمع عَدَمِه أوْلَى.
وإن كانت مِمَّن لا يُجْبَرُ، فهي ثَلاثةُ أقْسامٍ؛ أحَدُها، أن يكونَ وَلِيُّها الأبَ أو وَصِيَّه، كالثَّيِّبِ 341 الكبيرةِ، فهذه يَجُوزُ لوَلِيِّها تَزْويجُها.
ذَكَرَه القاضي.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه جَعَل للأبِ تَزْويجَ المَعْتُوهِ، فالمرأَةُ أوْلَى.
وهذا قول الشافعيِّ، وأبي حنيفةَ.
ومَنَع منه أبو بكرٍ؛ لأنَّها ولايةُ إجْبارٍ، وليس على الثَّيِّبِ 342 ولايَةُ إجْبارٍ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ ولايةَ الإِجْبارِ إنَّما انْتَفَتْ عن العاقلةِ بحُصُولِ المباشَرَةِ منها والخِبْرَةِ، وهذه بخلافِ ذلك.
وكذلك الحُكْمُ في

الجزء: 20 - الصفحة: 139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثَّيِّبِ 343 الصغيرةِ إذا قُلْنا بعَدَمِ الإِجْبارِ في حَقِّها، إذا كانت عاقلةً.
القسمُ الثاني، أن يكونَ وَلِيُّها الحاكمَ، ففيها وَجْهان؛ أحَدُهما، ليس له تَزْويجُها 344 بحالٍ؛ لأنَّ هذه ولايةُ إجْبارٍ، فلا تَثْبُتُ لغيرِ الأبِ، [كحالِ عَقْلِها] 345. والثاني، له تَزْويجُها إذا ظَهَر منها شَهْوَةُ الرِّجالِ، كبيرةً كانت أو صغيرةً.
وهو اخْتِيارُ ابنِ حامِدٍ، وأبي الخَطَّابِ، وقولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ لها حاجَةً إليه لدَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ عنها، وصِيانَتِها عن الفُجُورِ، وتَحْصِيلِ المَهْرِ والنَّفَقَةِ، والعَفافِ لي صِيانَةِ العِرْضِ، ولا سَبِيلَ إلى إذْنِها، فأُبِيحَ تَزْويجُها، كالثَّيِّبِ 346 مع أبِيها، وكذلك يَنْبَغِي أن يَمْلِكَ تَزْويجَها إن قال أهلُ الطِّب: إنَّ (2) عِلَّتَها تَزُولُ بتَزْويجِها؛ لأنَّ ذلك مِن أعْظَمِ مَصالِحِها.
وقال الشافعيُّ: لا يَمْلِكُ تَزْويجَ صغيرةٍ بحالٍ، ويَمْلِكُ تَزْويجَ الكبيرةِ إذا قال أهْلُ الطِّبِّ: إنَّ عِلَّتَها تَزُولُ بتَزْويجِها.
ولَنا، أنَّ المَعْنَى المُبِيحَ للتَّزْويجِ وُجِد في حَقِّ الصغيرةِ، فأُبِيحَ تَزْويجُها، كالكبيرةِ وإذا [ظَهَرَتْ منها] 347 شَهْوَةُ الرِّجالِ 348، ففي تَزْويجِها مَصْلَحَتُها ودَفْعُ حاجَتِها.
وتُعْرَفُ شَهْوَتُها مِن كلامِها، ومِن قَرائِنِ أحْوالِها، كَتَتَبُّعِها الرِّجال ومَيلِها إليهم، وأشْباهِ ذلك.
القسمُ الثالثُ، مَن وَلِيُّها غيرُ الأبِ والحاكِمِ، فقال القاضي: لا يُزَوِّجُها إلَّا الحاكِمُ.
فيكونُ حُكْمُها حُكْمَ

الجزء: 20 - الصفحة: 140

وَلَيسَ لَهُمْ تَزْويجُ صَغِيرَةٍ بِحَالٍ.
وَعَنْهُ، لَهُمْ ذَلِكَ، وَلَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ.
وَعَنْهُ، لَهُمْ تَزْويجُ ابْنَةِ تِسْعِ سِنِينَ بِإِذْنِهَا.
القِسْمِ الثاني على ما بَيَّنَّا.
وقال أبو الخَطَّابِ: لهم تَزْويجُها في الحالِ التي يَمْلِكُ الحاكمُ تَزْويجَ مُوَلِّيَته فيها.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ وِلايَتَهم مُقَدَّمَةٌ على ولايَةِ الحاكِم، فقُدِّمُوا عليه في التَّزْويجِ، كما لو كانت عاقلةً.
ووَجْهُ قولِ القاضي، أنَّ الحاكِمَ هو النَّاظِرُ في مالِها دُونَهم، فكان وَلِيًّا دُونهم، كتَزْويجِ أَمَتِها، ولأنَّ هذا دَفْعُ حاجَةٍ ظاهرةٍ، فكانت إلى الحاكِمِ، كدَفْعِ حاجَةِ الجُوعِ والعُرْيِ.
فإن كان وَصِيٌّ (1) في مالِها، لم يَمْلِكْ تَزْويجَها؛ لأنَّه لا ولايَةَ له (2)، والحكمُ في تَزْويجِها حُكْمُ مَن وَلِيُّها غيرُ الأبِ والحاكِمَ، كما ذكَرنا.

3096 -

مسألة: (وليس لهم تَزْويجُ صغيرةٍ بحالٍ)

لما رُوِيَ أنَّ قُدامَةَ بنَ مَظْعُونٍ زَوَّجَ ابْنَةَ أخِيه مِن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، فرُفِعَ ذلك إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إنَّهَا يَتِيمَةٌ وَلَا تُنْكَحُ إلَّا بإذْنِهَا» 351. [والصغيرةُ] 352 لا إذن لها (وعن أحمدَ) أنَّ (لهم ذلك، ولها الخِيارُ إذا بَلَغَتْ) وهو قولُ الحسنِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ،349350

الحديث: 3096 - الجزء: 20 - الصفحة: 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقَتادَةَ، وابنِ شُبْرُمَةَ، والأوْزاعِيِّ، وأبي حنيفةَ.
وقال هؤلاء غيرَ 353 أبي حنيفةَ: إذا زَوَّجَ الصَّغِيرَين غيرُ الأبِ، فلهما الخِيارُ إذا بَلَغَا؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 354. مَفْهُومُه أنَّه إذا لم يَخفْ فله تَزْويجُ اليَتِيمَةِ، واليَتِيمَةُ التي لم تَبْلُغْ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ» 355. قال عُرْوَةُ: سألتُ عائشةَ عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾.
قالتْ: يا ابنَ أُخْتِي، هذه اليَتِيمَةُ تكونُ في حِجْرِ وَلِيِّها، يُعْجِبُه مالُها وجمالُها، يُرِيدُ أن يَتَزَوَّجَها بغيرِ أن يُقْسِطَ في صَداقِها، فيُعْطِيَهَا مثلَ ما يُعْطِيها غيرُه، فنُهوا عن نِكاحِهِنَّ إلَّا أن يُقْسِطُوا فِيهنَّ، ويَبْلُغوا

الجزء: 20 - الصفحة: 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أعْلَى 356 سُنَّتِهِنَّ في الصَّداقِ.
مُتَّفَقٌ عليه 357. ورَوَتْ عائشةُ أنَّ جاريةً بِكْرًا زَوَّجَها أبُوها وهي كارِهَةٌ، فَخَيَّرَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - 358. الحدِيثُ مُرْسَلٌ.
والثالثةُ، لهم تَزْويجُها إذا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ؛ لقول رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إذْنُها، وإنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيهَا».
رَواه أبو داودَ 359. وقد انْتَفَى الإِذْنُ في مَن لم تَبْلُغْ تِسْعَ سِنِينَ، فيَجِبُ حَمْلُه على مَن بلَغَتْ تِسْعًا.

الجزء: 20 - الصفحة: 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويُسْتَحَبُّ للأبِ اسْتِئْذانُ ابْنَتِه البِكْرِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ به، ونَهَى عن الإِنْكاحِ بدُونِه، وأقَلُّ أحْوالِ ذلك الاسْتِحْبابُ، ولأنَّ فيه تَطْييبَ قَلْبِها، وخُرُوجًا مِن الخِلافِ، وقالت عائشةُ: سألتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الجارِيَةِ يُنْكِحُها أهْلُها 360، أتُسْتَأْمَرُ أم لا؟ فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «نَعَمْ، تُسْتَأْمَرُ» 361. وقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اسْتَأْمِرُوا النِّسَاءَ فِي أَبضَاعِهِنَّ».
قيل 362: فَإنَّ البِكْرَ تَسْتَحْيي فتَسْكُتُ.
قال (3): «فَهُوَ إذْنُهَا» 363. مُتَّفَقٌ عليهما 364. ورُوِيَ عن عطاءٍ قال: كان النبيُّ

الجزء: 20 - الصفحة: 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَأْمِرُ بَناتِه إذا أنْكَحَهُنِّ.
قال: كان يَجْلِسُ عندَ خِدْرِ المَخْطُوبَةِ فيقولُ: «إنَّ فُلَانًا يَذْكُرُ فُلَانةَ».
فإن حَرَّكَتِ الخِدْرَ لم يُزَوِّجْها، وإن سكَتَتْ زَوَّجَها 365. ويُسْتَحَبُّ اسْتِئْذانُ المرأةِ في تَزْويجِ ابْنَتِها؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ» 366. ولأنَّها تُشارِكُه في النَّظَرِ لبِنْتِها وتَحْصِيلِ المَصْلَحَةِ لها؛ لشَفَقَتِها عليها، وفي اسْتِئْذانِها تَطْيِيبُ قَلْبِها وإرْضاؤُها، فيكونُ أوْلَى.

الجزء: 20 - الصفحة: 145

وَإِذْنُ الثَّيِّبِ الْكَلَامُ، وَإذْنُ الْبِكْرِ الصُّمَاتُ.

3097 - مسألة: (وإذْنُ الثَّيِّبِ الكَلامُ، وإذْنُ البِكْرِ الصُّماتُ)

أمَّا الثِّيِّبُ 367، فلا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في أنَّ إذْنَها الكلامُ؛ للخَبَرِ، ولأنَّ اللِّسَانَ هو المُعَبِّرُ عمّا في القَلْبِ، وهو المُعْتَبَرُ في كُلِّ مَوْضِعٍ يُعْتَبَرُ فيه الإِذْنُ، غيرَ أشْياءَ يَسِيرَةٍ أُقِيمَ الصَّمْتُ فيها مُقامَه لعَارِضٍ.
وأمَّا البِكْرُ فإذْنُهَا صُماتُها في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم شُرَيحٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأبو حنيفةَ.
ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الوَلِيِّ أبًا أو غيرَه.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: في صَمْتِها في حَقِّ غيرِ الأب وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَكونُ إذْنًا؛ لأنَّ الصُّماتَ عَدَمُ الإِذْنِ، فلا يكَونُ إذْنًا، ولأنَّه مُحْتَمِلٌ للرِّضا [والحياءِ وغيرِهما] 368، فلا يكونُ إذْنًا، كما في حَقِّ الثَّيِّبِ، وإنَّما اكْتُفِيَ به في حَقِّ

الحديث: 3097 - الجزء: 20 - الصفحة: 146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأبِ؛ لأنَّ رِضَاها غيرُ مُعْتَبَرٍ.
وهذا شُذُوذٌ عن أهلِ العلمِ، وتَرْكٌ للسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّريحَةِ، يُصانُ الشافعيُّ عن إضافَتِه إليه، وجَعْلِه مذهبًا له، مع كَوْنِه مِن أتْبَعِ النَّاسِ لسُنَّةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، [ولا يُعَرِّجُ مُنْصفٌ على هذا القولِ، وقد تقَدَّمَتْ رِوايَتُنا عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -] 369 أنَّه قال: «لَا تُنْكَحُ الأيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، ولَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ».
فقالوا: يا رسولَ اللهِ، فكيف إذْنُها؟ قال: «أنْ تَسْكُتَ» 370. وفي روايةٍ عن عائشةَ أنَّها قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ البِكْرَ تَسْتَحْيي.
قال: «رِضَاؤُهَا صَمْتُهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 371. وفي رِوايَةٍ: «تُسْتَأمَرُ الْيَتيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إذْنُهَا» 372. وهذا صَرِيحٌ في غيرِ ذاتِ الأبِ.
والأخْبارُ

الجزء: 20 - الصفحة: 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في هذا كثيرةٌ.
ولأنَّ الحَيَاءَ عُقْلَةٌ على 373 لِسَانِها، يَمْنَعُها النُّطْقَ بالإِذْنِ، ولا تَسْتَحيي مِن إبائِها وامْتِناعِها، فإذا سَكَتَتْ غَلَب على الظنِّ أنَّه لرِضاها 374، فاكْتُفِيَ به.
وما ذَكَرُوه يُفْضِي إلى أن لا يكونَ صمْتُها إذْنًا في حَقِّ الأبِ أيضًا؛ لأنَّهم جَعَلُوا وُجُودَه كعَدَمِه، فيَكونُ إذًا رَدًّا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالكُلِّيَّةِ، واطِّرَاحًا للأخْبارِ الصَّرِيحةِ الجَلِيَّةِ، وخرْقًا لإِجْماعِ الأُمَّةِ.
فصل: فإن أذِنَتْ بالنُّطْقِ فهو أبْلَغُ وأتَمُّ، وإن ضَحِكَتْ أو بَكَت فهو بِمَنْزِلَةِ سُكُوتِها.
وقال أبو يوسف، ومحمدٌ: إن بَكَت فليس بإذْنٍ؛ لأنَّه يَدُلُّ على الكَراهَةِ، وليس بصَمْتٍ فيَدْخُلَ في عُمُومِ الحديثِ.
ولَنا، ما روَى أبو بكرٍ 375 بإسْنادِه عن أبي هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ، فَانْ بَكَتْ أو سَكَتَتْ فَهُوَ رِضَاهَا، وإنْ أبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيهَا».
ولأنَّها غيرُ ناطِقَةٍ بالامْتِناعِ مع سَماعِها للاسْتِئْذانِ، فكان إذْنًا منها، كالصُّماتِ أو 376 الضَّحِكِ، والبُكاءُ يَدُلُّ على فَرْطِ الحَيَاءِ، لا على الكَراهَةِ، ولو كَرِهَتْ لامْتَنَعَتْ، فإنَّها لا تَسْتَحْيي مِن الامْتِنَاعِ،

الجزء: 20 - الصفحة: 148

وَلَا فَرْقَ بَينَ الثُّيُوبَةِ بِوَطْءٍ مُبَاحٍ أوْ مُحَرَّمٍ،  والحديثُ يَدُلُّ بصَرِيحِه على أنَّ الصَّمْتَ إذْنٌ، وبمَعْناه على ما في مَعْناه مِن الضَّحِكِ والبُكاءِ، ولذلك أقَمْنا الضَّحِكَ مُقامَه.

3098 -

مسألة: (ولا فَرْقَ بينَ الثُّيُوبَةِ بوَطْءٍ مُباحٍ أو مُحَرَّمٍ)

وجُمْلته أنَّ الثِّيِّبَ المُعْتَبَرَ نُطْقُها، هي الموْطُوءَةُ في القُبُلِ، سَواء كان الوَطْءُ مُباحًا أو مُحَرَّمًا.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، في المُصابَةِ بالفُجُورِ: حُكْمُها حُكْمُ البِكْرِ في إذْنِها و 377 تَزْويجِها؛ لأنَّ عِلَّةَ الاكْتِفاءِ بصُماتِ البِكْرِ الحَيَاءُ، [والحَياءُ] 378 مِن الشيءِ لا يَزُولُ إلَّا بمُباشَرَتِه، وهذه لم تُباشِرِ الإِذْنَ في النِّكاحِ، فبَقِيَ حَياؤُها منه بحالِه.
ولَنا، قولُه عليه السَّلامُ: «الثَّيِّبُ 379 تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا» 380. ولأنَّ قولَه عليه السَّلامُ: «لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وإذْنُهَا أنْ تَسْكُتَ» 381. يَدُلُّ على أنَّه لا بدَّ مِن نُطْقِ الثَّيِّبِ؛ لأنَّه قَسَم النِّساءَ قِسْمَين، فجَعَلَ السُّكُوتَ إذْنًا لأحَدِهما، فوَجَب

الحديث: 3098 - الجزء: 20 - الصفحة: 149

فَأمَّا زَوَالُ الْبَكَارَةِ بِإِصْبَعٍ أَوْ وَثْبَةٍ، فَلَا يُغَيِّرُ صِفَةَ الإِذْنِ.
أن يكونَ الآخَرُ بخِلافِه، وهذه ثَيَّبٌ، فإنَّ الثَّيِّبَ المَوْطُوءَةُ في القُبُلِ، وهذه كذلك.
ولأنَّه لو وَصَّى لثَّيِّبِ النِّساءِ دَخَلَتْ في الوَصِيَّةِ، ولو وَصَّى للأبْكارِ لم تَدْخُلْ، ولو اشْتَرَطَها في التَّزْويجِ أو الشِّراءِ بِكْرًا (1) فوَجَدَها مُصابَةً بالزِّنَى، مَلَك الفَسْخَ، ولأنَّها مَوْطُوءَةٌ في القُبُلِ، أشْبَهَتِ المَوْطُوءَةَ بشُبْهَةٍ، والتَّعْلِيلُ بالحيَاءِ لا يَصِحُّ؛ فإنَّه أمْرٌ خَفِيٌّ لا يُمْكِنُ اعْتِبارُه بنَفْسِه، وإنَّما يُعْتَبَرُ بمَظِنَّتِه، وهي البَكارَةُ، ثم هذا التَّعْلِيلُ يُفْضِي إلى إبْطالِ مَنْطُوقِ الحديثِ، فيكونُ باطلًا في نَفْسِه.
ولا فَرْقَ بينَ المُكْرَهَةِ والمُطاوعَةِ، وعلى هذا ليس لأبِيها إجْبارُها إذا كانت بالِغَةً.
وفي تَزْويجِها إذا كانت صغيرةً وَجْهان.
قولُهم: إنَّها لم تُباشِرِ الإِذْنَ.
قُلْنا: يَبْطُلُ بالمَوْطُوءَةِ بشُبْهَةٍ، وبمِلْكِ يَمِينٍ، و (2) المُزَوَّجَةِ وهي صغيرةٌ.

3099 -

مسألة: (فأمَّا زَوالُ الْبَكارَةِ بإِصْبَعٍ أو وَثْبَةٍ، فلا يُغَيِّرُ صِفَةَ الإِذْنِ)

إذا ذَهَبَتْ بكارَتُها بغير الوَطْءِ؛ كالوَثْبَةِ، أو شِدَّةِ حَيضَةٍ،382383

الحديث: 3099 - الجزء: 20 - الصفحة: 150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو إصْبَعٍ، أو عُودٍ، فحُكْمُها حكمُ الأبْكارِ.
ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّها لم تَخْبُرِ 384 المَقْصُودَ، ولا وُجِد وَطْؤُها في القُبُلِ، فأشْبَهَتْ مَن لم تَزُلْ عُذْرَتُها.
وكذلك لو وُطِئَتْ في الدُّبُرِ؛ لأنَّها غيرُ مَوْطُوءَةٍ في القُبُلِ.
فصل: إذا اخْتَلَفَ الزَّوْجُ والمرأةُ في إذْنِها قبلَ الدُّخُولِ، فالقولُ قولُها في قولِ أكثرِ الفُقَهاءِ.
وقال زُفَرُ في الثَّيِّبِ كقَوْلِ الجماعةِ، وفي البِكْرِ: القولُ قولُ الزَّوْجِ؛ لأنَّ الأصْلَ السُّكُوتُ، والكلامُ حادِثٌ، والزَّوْجُ يَدَّعِي الأصْلَ، فالقولُ قولُه.
ولَنا، أنَّها مُنْكِرَةٌ للإِذْنِ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ، ولأنَّه يَدَّعِي أنَّها اسْتُؤُذِنتْ وسَمِعَتْ فصَمَتَتْ، والأصلُ عدَمُ

الجزء: 20 - الصفحة: 151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك، وهذا جَوابٌ عن قولِه 385. وإنِ اخْتَلَفا بعدَ الدُّخولِ ققال القاضي: القولُ 386 قولُ الزَّوْجِ؛ لأنَّ التَّمْكِينَ مِن الوَطْءِ دليلٌ على الإِذْنِ وصِحَّةِ النِّكاحِ 387، فكان الظَّاهِرُ معه.
وهل تُسْتَحْلَفُ المرأةُ إذا قُلْنا: القولُ قولُها؟ قال القاضي: قِياسُ المذهبِ أنَّه لا يَمِينَ عليها، كما لو ادَّعَى زَوْجِيَتَّهَا فأنْكَرَتْه.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال 388 الشَّافِعِيُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: تُسْتَحْلَفُ.
فإن نَكَلَتْ، فقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يَثْبُتُ النِّكاحُ.
وقال الشافعيُّ: يُسْتَحْلَفُ الزَّوْجُ، ويَثْبُتُ النِّكاحُ.
ولَنا، أنَّه اخْتِلافٌ في زَوْجِيَّةٍ 389، فلا يَثْبُتُ بالنُّكُولِ، كما لو ادَّعَى الزَّوْجُ أصْلَ التَّزْويجِ فأنْكَرَتْه.
فإن كانتِ المرأةُ ادَّعَتْ أنَّها أذِنَتْ وأنْكَرَ وَرَثَةُ الزَّوْجِ، فالقول قولُها؛ لأنَّه اخْتِلافٌ في أمْرٍ مُختصٍّ بها، صادِرٍ مِن جهتِها، فكان القولُ قولَها فيه، كما لو اخْتَلَفوا في نِيَّتِها فيما تُعْتَبَرُ فيه نِيَّتُها، ولأنَّها تَدَّعِي صِحَّةَ العَقْدِ وهم يَدَّعُونَ فَسادَه، فالظَّاهِرُ معها.

الجزء: 20 - الصفحة: 152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل في المَحْجُورِ عليه للسَّفَهِ: والكلامُ في نِكاحِه في ثلاثةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أنَّ لوَلِيِّه تَزْويجَه إذا عَلِم حاجَتَه إلى النِّكاحِ؛ لأنَّه نُصِبَ لمَصالِحِه، وهذا مِن مَصالِحِه، لأنَّه يَصُونُ به دِينَه وعِرْضَه ونَفْسَه، فإنَّه رُبَّما تَعَرَّضَ بتَرْكِ التَّزْويجِ للإِثْمِ بالزِّنَى المُوجِبِ للحدِّ، وهَتْكِ العِرْضِ، وسَواءٌ عَلِم بحاجَتِه بقولِه أو بغيرِ قولِه، وسَواءٌ كانت حاجَتُه إلى الاسْتِمْتاعِ أو إلى الخِدْمَةِ، فيُزَوجُه امرأةً لتَحِلَّ له؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى الخَلْوَةِ بها.
وإن لم يَكُنْ به حاجَةٌ إليه، لم يَجُزْ تَزْويجُه؛ لأنَّه تَلْزَمُه بالنِّكاحِ حُقُوقٌ؛ مِن المَهْرِ، والنفقةِ، والعِشْرَةِ، والمَبِيتِ، والسُّكْنَى، فيكونُ تَضْيِيعًا لمالِه ونَفْسِه في غيرِ فائدةٍ، فلم يَجُزْ، كتَبْذِيرِ مالِه.
وإذا أرادَ تَزْويجَه اسْتَأْذَنَه في تَزْويجه، فإن زَوَّجَه بغيرِ إذْنِه فقال أصحابُنا: يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فمَلَكَه الوَلِيُّ في حَقِّ المُوَلَّى عليه، كالبَيعِ، ولأنَّه مَحْجُوزٌ عليه، أشْبَهَ الصغيرَ والمجْنونَ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ تَزْويجَه بغيرِ إذْنِه؛ لأنَّه يَمْلِكُ الطَّلاقَ، فلم يُجْبَرْ على النِّكاحِ، كالرَّشِيدِ والعَبْدِ الكبيرِ، وذلك لأنَّ إجْبارَه على النِّكاحِ مع مِلْكِ الطَّلاقِ مُجَرَّدُ إضْرارٍ، فإنَّه يُطَلِّقُ فيَلْزَمُه الصَّداقُ مع فَواتِ النِّكاحِ، ولأنَّه قد يكونُ له غَرَضٌ في امْرَأةٍ، ولا يكونُ له في أُخْرِى، فإذا أُجْبرَ على مَن يَكْرَهُها لم تَحْصُلْ له المصلحةُ منها، وفاتَ عليه غرَضُه مِن الأخَرَى، فيَحْصُلُ مُجَرّدُ ضَرَرٍ مُسْتَغْنًى عنه.
وإنَّما جازَ ذلك في حَقِّ المَجْنُونِ والطفْلِ، لعَدَمِ إمْكانِ الوُصُولِ إلى ذلك مِن قولِهما، ولا يَتَعَذَّرُ ذلك ههُنا، فوَجَبَ

الجزء: 20 - الصفحة: 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أن لا يُفَوِّتَ ذلك عليه، كالرَّشِيدِ.
الحالُ الثاني، أنَّ للوَلِيِّ أن يَأْذَنَ له في التَّزْويجِ في الحالِ التي للوَلِيِّ تَزْويجُه فيها، وهي حالةُ الحاجَةِ؛ لأنَّه مِن أهلَ النِّكاحِ، فإنَّه عاقِلٌ مُكَلَّفٌ، ولذلك 390 يَمْلِكُ الطَّلاقَ والخُلْعَ، فجازَ أن يُفَوِّضَ إليه ذلك، وهو مُخَيَّرٌ بينَ أن يُعَيِّنَ له المرأةَ أو يَأْذَنَ له مُطْلَقًا.
وقال بغضُ الشافعيةِ: يَحْتاجُ إلى التَّعْيينِ له؛ لئلَّا يَتَزَوَّجَ شَرِيفَةً يَكْثُرُ مَهْرُها ونَفَقَتُها، فيَتَضَرَّرُ بذلك.
ولَنا، أَنَّه أذِنَ في النِّكاحِ، فجازَ مِن غيرِ تَعْيِينٍ، كالإِذْنِ للعَبْدِ، وبهذا يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه.
ولا يَتَزَوَّجُ إلَّا بمَهْرِ المِثْلِ، فإن زادَ على مَهْرِ المِثْلِ، بَطَلَتِ الزِّيادَةُ، لأنَّها مُحاباةٌ بمالِه، وهو لا يَمْلِكُها.
وإن نَقَص عن مَهْرِ المِثْلِ، جازَ؛ لأنَّه رِبْحٌ 391 مِن غيرِ خُسْرانٍ.
الحالُ الثالثُ، إذا تَزَوَّجَ بغيرِ إذْنٍ، فقال أبو بكرٍ: يَصِحُّ النِّكاحُ، أوْمَأ إليه أحمدُ.
قال القاضي: يَعْنِي إذا كان مُحْتاجًا، فإن عُدِمَتِ الحاجَةُ لم يَجُزْ، لأنَّه إتْلافٌ لمالِه في غيرِ فائدةٍ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن أمْكَنَه اسْتِئْذانُ وَلِيِّه لم يَصِحَّ إلَّا بإذْنِه؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه، فلم يَصِحَّ منه التَّصَرُّفُ بغيرِ إذْنِه، كالعَبْدِ، وإن طَلَب منه النِّكاحَ، فأبَى أن يُزَوِّجَه، ففيه وَجْهان.
ولَنا، أنَّه إذا احْتاجَ إلى النِّكاحِ فحَقه مُتَعَيِّنٌ فيه، فصَحَّ اسْتِيفاؤُه بنفسِه، كما لو اسْتَوْفَى دَينَه الحالَّ عندَ امْتِناعِ وَلِيِّه مِن اسْتِيفائِه.
فأمَّا إن تَزَوَّجَ مِن غيرِ حاجةٍ، لم يَصِحَّ، فإن وَطِئَ، فعليه مَهْرُ المِثْلِ للزوْجَةِ؛ لأنَّه أتْلَفَ بُضْعَها بشُبْهَةٍ، فلَزِمَه عِوَضُ

الجزء: 20 - الصفحة: 154

فَصْلٌ: الثَّالِثُ، الْوَلِيُّ، فَلَا نِكَاحَ إلا بِوَلِيٍّ، فَإِنْ زَوَّجَتِ الْمَرأَةُ نَفْسَهَا أَوْ غَيرَهَا، لَمْ يَصِحَّ.
ما أتْلَفَ، كإتْلافِ مالِها.
فصل: قال الشَّيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (الثَّالِثُ، الوَلِيُّ، فلا نِكاحَ إلَّا بوَلِيٍّ، فإن زَوَّجَتِ المرأةُ نَفْسَها أو غيرَها، لم يَصِحَّ) ولا تَمْلِكُ تَوْكِيلَ غيرِ وَلِيِّهَا [في تَزْويجِها] 392، فإن فَعَلَتْ، لم يَصِحَّ.
رُوِيَ ذلك عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ عبّاس، وأبي هُرَيرَةَ، وعائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وإليه ذَهَب سعيدُ بنُ المُسَيَّب، والحسنُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وجابِرُ بنُ زيدٍ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ أَبى ليلَى، وابنُ شُبْرُمَةَ، وابنُ المباركِ، وعُبَيدُ 393 اللهِ العَنْبَرِيُّ، [والشافعيُّ] (1)، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيدٍ.
ورُوِيَ عنِ ابنِ سِيرِينَ، والقاسمِ بنِ محمدٍ، والحسنِ بنِ صالحٍ، وأبي يوسف، لا يَجُوزُ لها ذلك بغيرِ إذْنِ الوَلِيِّ، فإن فَعَلَتْ كان مَوْقُوفًا على إجازَتِه.
وقال أبو حنيفةَ: لها أن تُزَوِّجَ نَفْسَها وغيرَها، وتُوَكِّلَ في النِّكاحِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ 394. أضافَ النِّكاحَ إليهِنَّ، ونَهَى عن مَنْعِهِنَّ منه 395، ولأنَّه خالِصُ حَقِّها، وهي مِن أهلِ

الجزء: 20 - الصفحة: 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُباشَرَةِ، فصَحَّ منها، كبَيعِ أمَتِها، ولأنَّها إذا مَلَكَتْ بَيعَ أَمتِها، وهو تَصَرُّفٌ في رَقَبَتِها وسائِرِ مَنافِعِها، ففي النِّكاحِ الذي هو عَقدٌ على بعضِ نَفْعِها أوْلَى.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ».
رَوَتْه عائشةُ، وأبو مُوسى، وابنُ عباسٍ 396. قال المَرُّوذِيُّ: سَألْتُ أحمدَ ويَحْيَى عن حديثِ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ».
فقالا: صَحِيحٌ.
ورُوِيَ عن عائشةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيرِ إذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ، فَإنْ أَصابَهَا فَلَهَا 397 المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وغيرُهما 398. فإن قِيلَ: فإنَّ الزُّهْرِيَّ راويه 399، وقد أنْكَرَه.
[قال ابنُ جُرَيجٍ: سَألْتُ الزُّهْرِيَّ عنه فلم يَعْرِفْه.
قُلْنا: لم يَنْقُلْ هذا عن ابنِ جُرَيجٍ غيرُ ابنِ عُلَيَّةَ، كذلك] 400 قال الإِمامُ أحمدُ ويَحيى،

الجزء: 20 - الصفحة: 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولو ثَبَت 401 هذا، لم يَكُنْ فيه حُجَّةٌ، لأنَّه قد نَقَلَه ثِقاتٌ عنه، فلو نَسِيَه الزُّهْرِيُّ لم يُضِرْه، لأنَّ النِّسْيانَ لم يُعْصمْ منه إنْسانٌ، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «نَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ» 402. ولأنَّها مُولًّى عليها في النِّكاحِ، فلا تَلِيهِ، كالصَّغيرةِ.
فأمَّا الآيَةُ، فإنَّ عَضْلَها الامْتِناعُ مِن تَزْويجِها، وهذا يَدُلُّ على أنَّ نِكاحَها إلى الوَلِيِّ، و 403 يَدُلُّ عليه 404 أنَّها نزَلَتْ في شَأْنِ مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ حينَ امْتَنَعَ مِن تَزْويجِ أختِه 405، فدَعاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فزَوَّجَها 406. وأضافَه إليها لأنَّها مَحَلٌّ له.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يَجُوزُ لها تَزْويجُ أحدٍ 407.

الجزء: 20 - الصفحة: 157

وَعَنْهُ، لَهَا تَزْويجُ أَمَتِهَا وَمُعْتَقَتِهَا.
فَيُخَرَّجُ مِنْهُ صِحَّةُ تَزْويجِ نَفْسِهَا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا، وَتَزْويجِ غَيرِهَا بِالْوَكَالةِ.
وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ.

3100 - مسألة: (وعن أحمدَ)

أنَّ (لها تَزْويجَ أمَتِها ومُعْتَقَتِها) وهذا يَدُلُّ على أنَّه تَصِحُّ عِبارَتُها 408 في النِّكاحِ (فيُخرَّجُ منه) أنَّ لها (تَزْويجَ نَفْسِها بإذْنِ وَلِيِّها، وغيرِها بالوَكالةِ) وهو مذهبُ 409 محمدِ بن الحسنِ.
ويَنْبَغِي أن يكونَ قوْلًا لابنِ سِيرينَ ومَن معه؛ لأنَّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيرِ إذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ».
يَدُلُّ بمَفْهُومِه على صِحَّتِه بإذْنِه.
ولأنَّها 410 إنَّما مُنِعَت الاسْتِقْلال بالنِّكاحِ لِقُصُورِ عَقْلِها، فلا يُؤْمَنُ انْخِداعُها ووُقُوعُه منها على وَجْهِ المَفْسَدَةِ، وهذا مَأْمُونٌ فيما إذا أذِنَ فيه وَلِيُّها (والمذهبُ الأوَّلُ) لعمومِ قولِه: «لَا نِكَاحَ إلَّا بوَلِيٍّ».
وهذا يُقَدَّمُ على دليلِ الخِطابِ،

الحديث: 3100 - الجزء: 20 - الصفحة: 158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والتَّخْصِيصُ ههُنا خَرَج مَخْرَجَ الغالِبِ، فإنَّ الغالِبَ أنَّها لا تُزَوِّجُ نَفْسَها إلَّا بغيرِ إذْنِ وَلِيِّها، والعِلَّةُ في مَنْعِها صِيانَتُها عن مُباشَرَةِ ما يُشْعِرُ بوَقاحَتِها ورُعُونَتِها 411 ومَيلِها إلى الرِّجالِ، وذلك يُنافِي حال أهلِ 412 الصِّيانَةِ والمُرُوءَةِ.

الجزء: 20 - الصفحة: 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن حَكَمَ بصِحَّةِ هذا العَقْدِ حاكِمٌ، أو كان المُتَوَلِّي لعَقْدِه حاكِمًا، لم يَجُزْ نَقْضُه، وكذلك سائِرُ الأنْكِحَةِ الفاسدةِ.
وخَرَّجَ القاضي وَجْهًا في هذا خاصَّةً أنَّه يُنْقَضُ.
وهو قولُ الإِصْطَخْرِيِّ مِن أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه خالفَ نَصًّا.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّها مَسألةٌ مُخْتَلَفٌ فيها، ويَسُوغُ فيها الاجْتِهادُ، فلم يَجُزْ نَقْضُ الحُكْمِ به، كما لو حَكَمَ بالشُّفْعَةِ للجارِ، وهذا النَّصُّ مُتَأَوَّلٌ، وفي صِحتِه كلامٌ، وقد عارَضَتْه ظواهِرُ.

الجزء: 20 - الصفحة: 160

وَأحَقُّ النَّاسِ بِنِكَاحِ الْمَرأَةِ الْحُرَّةِ أَبُوهَا،

3101 - مسألة: (وأحَقُّ النَّاسِ بِنِكَاحِ المرأةِ الحُرَّةِ أبُوها)

إنَّما قَيَّدَ المرأةَ بالحريَّةِ 413؛ لأنَّ الأمَةَ لا ولايةَ لأبِيها عليها، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
وأوْلَى النَّاسِ بتَزْويجِها أبُوها؛ لأنَّه 414 لا ولايَةَ لأحَدٍ معه.
وبهذا قال

الحديث: 3101 - الجزء: 20 - الصفحة: 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشافعيُّ.
وهو المَشْهُورُ عن أبي حنيفةَ.
وقال مالكٌ، والعَنْبَرِيُّ، وأبو يوسفَ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: الابنُ أَوْلَى.
وهي رِوايَةٌ عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّه أوْلَى منه بالمِيرَاثِ، وأقْوَى تَعْصِيبًا؛ لأنَّه يُسْقِطُ تَعْصِيبَ جَدِّه.
ولَنا، أنَّ الوَلَدَ مَوْهُوبٌ لأبِيه، قال اللهُ تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ 415. وقال زَكَرِيَّا: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ 416. وقال إبراهيمُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ 417. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبيكَ» 418. وإثْباتُ ولايَةِ المَوْهُوبِ له 419 على الهِبَةِ أوْلَى مِن العَكْسِ، ولأنَّ الأبَ أكْمَلُ نَظرًا، وأشَدُّ شَفَقَةً، فوَجَبَ تَقْدِيمُه في الولايَةِ، كتَقْدِيمِه على الجَدِّ، ولأنَّ الأبَ يَقُومُ على وَلَدِه في صِغَرِه وسَفَهِه وجُنُونِه، فَيَلِيه في سائِرِ ما تَثْبُتُ الولايَةُ عليه فيه، بخِلافِ الابنَ، ولذلك اخْتَصَّ بولايةِ المالِ، وجازَ له أن يَشْتَرِيَ لها مِن مالِه، وله مِن مالِها، إذا كانت صغيرةً، بخِلافِ غيرِه، ولأنَّ الولايَةَ احْتِكامٌ، وإحْكامُ الأصْلِ على فَرْعِه أَوْلَى مِن العَكْسِ، وفارَقَ المِيراثَ، فإنَّه لا يُعْتبَرُ له النَّظرُ، ولهذا يَرِثُ الصَّبِيُّ والمجْنُونُ، وليس فيه احْتِكامٌ ولا ولايةٌ على المَوْرُوثِ، بخِلافِ مما نحنُ فيه.

الجزء: 20 - الصفحة: 162

ثُمَّ أَبُوهُ وَإِنْ عَلا،

3102 - مسألة: (ثم أبُوه وإن عَلَا)

يَعْنِي أنَّ الجَدَّ أبَا الأبِ، وإن عَلَتْ دَرَجَتُه، أحَقُّ بالولايةِ مِن الابنِ وسائِرِ الأوْلِياءِ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ الابنَ مُقَدَّمٌ على الجَدِّ.
وهو قولُ مالكٍ ومَن وافَقَه؛ لما تَقَدَّمَ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّ الأخَ مُقَدَّمٌ على الجَدِّ؛ لأنَّ الجَدَّ يُدْلِي بأُبُوَّةِ الأبِ، والأخَ يُدْلِي بالبُنُوَّةِ، والبُنُوَّة مُقَدَّمَةٌ.
وعنه رِوايةٌ رابعةٌ، أنَّ الأخَ والجَدَّ سَواءٌ؛ لاسْتِوائِهما في المِيرَاثِ بالتَّعْصِيبِ، واسْتِواؤُهُما في القَرابَةِ يُوجِبُ اسْتِواءَهما في الولَايةِ، كالأخَوَين، ولأنَّهما عَصَبَتانِ لا يُسْقِطُ أحَدُهما الآخَرَ، فاسْتَوَيا في الولايةِ، كالأخوَين.
ولَنا، أنَّ الجَدَّ له إيلادٌ وتَعْصِيبٌ، فيُقَدَّمُ عليهما، كالأبِ، ولأنَّ الابنَ والأخَ يُقادان بها، والأخَ يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مالِها، بخِلافِ الجَدِّ، والجَدُّ لا يَسْقُطُ في المِيراثِ إلَّا بالأب، والأخُ يَسْقُطُ به وبالابنِ وابْنِه، وإذا ضاقَ المالُ وفي المسألةِ جَدٌّ وأَخٌ، سَقَط الأخُ وحدَه، فوَجَبَ تَقْدِيمُه عليهما، كالأبِ، وكتَقْدِيمِه على العَمِّ وسائِرِ العَصَباتِ.
إذا ثَبَت هذا، فالجَدُّ وإن عَلَا أوْلَى مِن جميعِ العَصَباتِ غيرَ الأبِ، وأوْلَى الأجْدادِ أقْرَبُهم، كالجَدِّ مع الأبِ.

الحديث: 3102 - الجزء: 20 - الصفحة: 163

ثُمَّ ابْنُهَا، ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ نزَلَ،

3103 - مسألة: (ثم ابْنُها، ثم ابْنُه وإن سَفَل)

متى عُدِمَ الأبُ وآبَاؤُه، فأوْلَى النَّاسِ بتَزْويجِ المرأةِ ابْنُها، ثم ابْنُه بعدَه وإن نَزَلَتْ دَرَجَتُه، الأقْرَبُ فالأقْرَبُ منهم.
وبه قال أصحابُ الرَّأْي.
وقال الشافعيُّ: لا ولايةَ للابْنِ إلا أن يكونَ ابْنَ عَم أو مَوْلًى أو حاكِمًا، فيَلِي بذلك لا بالبُنُوَّةِ، لأنَّه ليس بمُنَاسبٍ لها، فلا يَلِي نِكاحَها كخالِها 420، ولأنَّ طَبْعَه يَنْفِرُ مِن تَزْويجِها، فلا يَنْظُرُ لها.
ولَنا، ما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، أنَّها لمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُها، أرْسَلَ لها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُها فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، ليس أحَدٌ مِن أوْلِيَائِي شاهِدًا.
قال: «لَيسَ مِنْ أوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ وَلَا غَائِبٌ يَكْرَهُ ذلِكَ».
فقالتْ: قُمْ يا عُمَرُ 421 فزَوِّجْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -. فزَوَّجَه.
رَواه النَّسَائِي 422. قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: فحديثُ عُمَرَ بنِ أبي سَلَمَةَ حين زَوَّجَ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمَّه أُمَّ سَلَمَةَ، أليس كان صغيرًا؟ قال: ومَن يقولُ كان صغيرًا، ليس فيه بَيان.
[ولأنَّه] 423 عَدْلٌ مِن عَصَباتِها، فيَثْبُتُ له ولايَةُ

الحديث: 3103 - الجزء: 20 - الصفحة: 164

ثُمَّ أَخُوهَا لِأَبَوَيهَا، ثُمَّ لِأَبِيهَا.
تَزْويجِها، كأخِيها.
وقولُهم: ليس بمُناسبٍ لها.
مَمْنُوعٌ، وإن سُلِّمَ فهو يَبْطُلُ بالحاكِمِ (1) والمَوْلَى.
وقولُهم: إنَّ طَبْعَه يَنْفرُ مِن تزْويجِها.
قُلنا: هذا مُعارضٌ في الفَرْعِ ليس له أصْلٌ، ثم يَبْطُلُ بما إذا كان ابْنَ عَمٍّ أو مَوْلًى أو حاكِمًا.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُقَدَّمُ على الأخِ ومَن بعدَه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه عندَ مَن يقولُ بولايَتِه؛ لأنَّه أقْوَى منه تَعْصِيبًا، وقد اسْتَوَيَا في عَدَمِ الإِيلَادِ.

3104 -

مسألة: (ثُم أخوها لأبَوَيها، ثم لأبيها)

لا خِلافَ فِي تَقْديمِ الأخِ بعدَ عَمُودَي النَّسَبِ؛ لكَوْنِه أقْرَبَ العَصَباتِ بعدَهم، فإنَّه ابْنُ الأبِ، وأقْواهم تَعْصِيبًا، وأحَقُّهم بالمِيرَاثِ.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في الأخِ [للأبَوَين والأخِ] 425 للأبِ إذا اجْتَمَعَا، فعنه، أنَّهما سَواءً.
اخْتارَها الخِرَقِيُّ.
وبه قال أبو ثَوْرٍ، والشافعيُّ في القديمِ؛ لأنَّهما اسْتَوَيَا في الإِدْلاءِ بالجِهَةِ التي تُسْتَفادُ بها العُصُوبَةُ، وهي جِهَةُ الأبِ، فاسْتَوَيا في الولايةِ، كما لو كانا مِن أبٍ، وإنَّما رُجِّحَ الآخَرُ 426 في المِيرَاثِ بجِهَةِ الأمِّ، ولا مَدْخَلَ لها في الولايَةِ، فلم يُرَجَّحْ بها، كالعَمَّين أحدُهما خالٌ، وابْنَيْ عَمٍّ أحَدُهما أخٌ مِن أُمٍّ.
والرِّوايةُ الثانيةُ، الأخُ مِن الأبوَين أوْلَى.
اخْتارَها أبو بكرٍ.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ،424

الحديث: 3104 - الجزء: 20 - الصفحة: 165

وَعَنْهُ تَقْدِيمُ الابْنِ عَلَى الْجَدِّ، وَالتَّسْويَةُ بَينَ الْجَدِّ وَالْأخِ، وَبَينَ الْأَخِ لِلْأبَوَينَ وَالْأخِ لِلْأَبِ.
والشافعيِّ.
وهو الصَّحِيحُ، إن شاءَ الله تعالى؛ لأنَّه حَقٌّ يُسْتَفادُ بالتَّعْصِيبِ، فيُقَدَّمُ فيه الأخُ مِن الأبوَين، كالمِيراثِ، وكاسْتِحْقاقِ المِيراثِ بالوَلاءِ، فإنَّه لا مَدْخَلَ للنِّساءِ فيه، وقد قُدَّمَ الأخُ للأبَوَين فيه.
وبهذا يَبْطُلُ ما ذُكِرَ للرِّوايةِ (1) الأُولَى.
وهكذا الخِلافُ في بَنِي الإِخْوَةِ والأعْمامِ وبَنِيهم.
وأمَّا إذا كان ابْنَا عَم لأبٍ أحَدُهما أخٌ لأُمٍّ، فهما سَواءٌ؛ لأنَّهما اسْتَوَيا في التَّعْصِيبِ والإِرْثِ به.
وقال القاضي: فيهما مِن الخِلافِ مثلُ ما في ابْنِ عَمٍّ مِن أبَوَينِ وابن عَمٍّ مِن أبٍ؛ لأنَّه يُرَجَّحُ بجهةِ (2) أُمِّه.
وليس كذلك؛ لأنَّ جِهَةَ أُمِّه يَرِثُ بها مُنْفَرِدَةً، وما وَرِث بها مُنْفَرِدًا لم يُرَجَّحْ به، ولذلك (3) لم يُرَجَّحْ به في المِيراثِ بالوَلاءِ ولا في غيرِه.
فعلى هذا، إذا اجْتَمَعَ ابنُ عمٍّ مِن أبوَين وابْنُ عمٍّ مِن أبٍ هو أخٌ مِن أمٍّ، فالولايَةُ لابنِ العَمِّ مِن الأبوَين عندَ مَن يَرَى تَقْدِيمَ وَلَدِ الأبوَين.

3105 -

مسألة: (وعنه تَقْدِيمُ الابْنِ على الجَدِّ، والتَّسْويَةُ بينَ الجَدِّ والإِخْوَةِ، وبينَ الأخِ للأبَوَين والأخِ للأبِ)

وقد ذَكَرْناه.427428429

الحديث: 3105 - الجزء: 20 - الصفحة: 166

ثُمَّ بَنُو الإخْوَةِ وَإنْ سَفَلُوا، ثُمَّ الْعَمُّ، ثُمَّ ابْنُهُ، ثُمَّ الْأقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنَ الْعَصَبَاتِ، عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ.

3106 - مسألة: (ثم بَنُو الإِخْوَةِ وإن سَفَلُوا، ثم العَمُّ، ثم ابْنُه، ثُم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ مِن العَصَباتِ، على تَرْتِيبِ المِيرَاثِ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الولايةَ بعدَ الإِخْوَةِ تَتَرَتَّبُ على تَرْتِيبِ المِيراثِ بالتَّعْصِيبِ، فأحَقُّهم بالمِيراثِ أحَقُّهم بالولايةِ، فبعدَ الإِخْوَةِ بَنُوهم وإن سَفَلُوا، ثم بَنُو الجَدِّ وهم الأعمامُ 430، ثم بَنُوهم وإن سَفَلُوا، [ثم بنو جَدِّ الأبِ وهم أعمَامُ الأبِ، ثم بَنُوهم وإن سَفَلُوا] 431، [ثم بَنُو جَدِّ الجَدِّ، ثم بَنُوهِم] 432، وعلى هذا، لا يَلي بَنُو أبٍ أَعْلَى مع 433 بَنِي أبٍ أقْرَبَ منه وإن نزَلَتْ دَرَجَتُهم، وأَوْلَى وَلَدِ كُلِّ أبٍ أقْرَبُهم إليه؛ لأنَّ مَبْنَى الولايَةِ على النَّظَرِ والشَّفَقَةِ، وذلك مُعْتَبَرٌ بمَظِنَّتِه، وهي القَرابَةُ، فأقْرَبُهم أشْفَقُهم.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ.

الحديث: 3106 - الجزء: 20 - الصفحة: 167

ثُمَّ الْمَوْلَى الْمُنْعِمُ، ثُمَّ عَصَبَاتُهُ مِنْ بَعْدِهِ، الأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، ثُمَّ  فصل: ولا ولايةَ لغيرِ العَصَباتِ مِن الأقارِب؛ كالأخِ مِن الأمِّ، والخالِ، وعَمِّ الأمِّ، وأبي الأُمِّ، ونحوهم.
نَصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ في مَواضِعَ.
وهو قولُ الشافعيِّ، وإحْدَى الرِّوايَتَين عن أبي حنيفةَ.
والثانيةُ، أنَّ كلَّ مَن يَرِثُ بفَرْضٍ أو تَعْصِيبٍ يَلِي؛ لأنَّه يَرِثُها، فولِيَها كعَصَبَاتِها.
ولَنا، ما رُوِيَ عن علي، رَضِيَ الله عنه، أنَّه إذا بَلَغ النِّساءُ نَصَّ الْحَقَائقِ، فالعَصَبَةُ أوْلَى.
يَعْنِي إذا أدْرَكْنَ.
رَواه أبو عُبَيدٍ في «الغريبِ» (1). ولأنَّه ليس مِن عَصَباتِها، أشْبَهَ الأجْنَبِيَّ.

3107 -

مسألة: (ثم المَوْلَى المُنْعِمُ، ثم عَصَباتُه مِن بعدِه،

434 الحديث: 3107 - الجزء: 20 - الصفحة: 168

السُّلْطَانُ.
الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، ثم السُّلْطانُ) إذا لم يَكُنْ للمرأةِ عَصَبَةٌ مِن نَسَبِها، فوَلِيُّها مَولاها يُزَوِّجُها، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّ العَصَبَةَ المُناسِبَةَ أوْلَى منه، وذلك لأنَّه عَصَبَةُ مَوْلاتِه، يَرِثُها ويَعْقِلُ عنها عندَ عَدَم عَصَباتِها، فكذلك يُزَوِّجُها، وقُدِّمَ عليه المُناسِبُونَ كما قُدِّموا عليه في الإِرْثِ والعَقْلِ.
فإن عُدِمَ المَوْلَى أو لم يَكُنْ مِن أهلِ الولايَةِ، كالمرأةِ والطِّفْلِ والكافرِ، فعَصباتُه الأقْرَبُ منهم فالأقْرَبُ، على تَرْتيبِ المِيراثِ، ثم مَوْلَى المَوْلَى، ثم عَصَباتُه مِن بعدِه، كالمِيراثِ سَواءً.
فإنِ اجْتَمَعَ ابنُ المُعْتِقِ وأبُوه، فالابنُ أوْلَى، لأنَّه أحَقُّ بالميراثِ وأقْوَى [في التَّعْصِيبِ] 435، وإنَّما قُدِّمَ الأبُ المُناسِبُ على الابنِ المُناسِبِ، لزِيادَةِ شَفَقَتِه وفَضِيلَةِ ولادَتِه، وهذا مَعْدُومٌ في أبي المُعْتِقِ، فرُجِعَ فيه إلى الأصْلِ.
(ثم السُّلْطانُ) لا نعلمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ للسُّلْطانِ ولايةَ تَزْويجِ المرأةِ عندَ عَدَمِ

الجزء: 20 - الصفحة: 169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أوْلِيائِهَا أو عَضْلِهم.
وبه يقولُ مالكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
والأصْلُ فيه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَليَّ لَهُ» 436. وروَى أبو داودَ 437 بإسْنادِه عن أمِّ حَبِيبَةَ، أنَّ النَّجاشِيَّ زَوَّجَها رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت عندَه.
ولأنَّ للسُّلْطانِ ولايةً عامَّةً، بدليلِ أنَّه يَلِي المال ويَحْفَظُ الضَّوَالَّ، فكانت له الولايةُ في النِّكاحِ كالأبِ.
فصل: والسُّلطانُ ههُنا هو الإِمامُ، أو الحاكِمُ، أو مَن فَوَّضَا 438 إليه ذلك.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في والِي البَلَدِ، فقال في مَوْضِع: يُزَوِّجُ وَالِي البلدِ.
وقال في الرُّسْتَاقِ 439 يكونُ فيه الوالِي وليس فيه قاضٍ، قال: يُزَوِّجُ إذا احْتاطَ لها في المَهْرِ والكُفْءِ، أرجو أن لا يكونَ به بَأْسٌ؛ لأنَّه ذو سلطانٍ، فيَدْخُلُ في عُمومِ الحديثِ.
وقال في موضِعٍ آخَرَ، في المرأةِ إذا لم يَكُنْ لها وَلِيٌّ: فالسلطانُ المُسَلَّطُ على الشيءِ 440؛ القاضِي

الجزء: 20 - الصفحة: 170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَقْضِي في الفُرُوجِ والحُدُودِ والرَّجْمِ، وصاحِبُ الشُّرْطَةِ إنَّما هو مُسَلَّطٌ في الأدَبِ والجِنَايَةِ 441. وقال: ما للوالِي وذَا! إنَّما هو إلى القاضي.
وتَأَوَّلَ القاضي الرِّوايَةَ الأُولَى على أنَّ الوالِي أذِنَ له في التَّزْويجِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه جَعَل له ذلك إذا لم يَكُنْ في مَوْضِعِ ولايَتِه قاضٍ، فكأنَّه قد فَوَّضَ إليه النَّظَرَ فيما يَحْتاجُ إليه في ولايَتِه، وهذا منها.
فصل: إذا اسْتَوْلَى أهلُ البَغْي على بَلَدٍ، جَرَى حُكْمُ سُلْطانِهم وقَاضِيهم في ذلك مَجْرَى الإِمامِ وقاضِيه؛ لأنَّه أُجْرِىَ مُجْراه في قَبْضِ الصَّدَقاتِ و 442 الجِزْيَةِ والخَراجِ، فكذلك في هذا.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في المرأةِ تُسْلِمُ على يَدِ رجلٍ، فقال في مَوْضِعٍ: لا يكونُ وَلِيًّا لها، ولا يُزَوجُ حتى يَأْتِيَ السُّلطان؛ لأنَّه ليس مِن عَصَبَتِها، ولا يَعْقِلُ عنها، ولا يَرِثُها، فأشْبَهَ الأجنبيَّ.
وقال في روايةِ حَرْبٍ، في امرأةٍ أسْلَمَتْ على يَدِ رَجُلٍ: يُزَوِّجُها هو.
وهو قولُ إسْحاقَ.
ورُوِيَ عن ابنِ سِيرِينَ أنَّه لا يَفْعَل 443 ذلك حتى يَأْتِيَ السُّلطانَ.
وعن الحسنِ أنَّه كان لا يَرَى بَأْسًا في أن يُزَوِّجَها نَفْسَه؛ وذلك لِما روَى أبو

الجزء: 20 - الصفحة: 171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  داودَ 444 بإسْنادِه عن تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، ما السُّنَّةُ في الرَّجُلِ يُسْلِمُ على يَدِ الرَّجُلِ مِن المسلمينَ؟ قال: «هو أوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ».
إلَّا أنَّ هذا الحديث ضَعَّفَه أحمدُ، وقال: رِوَاية عبدِ العزيزِ 445 -يعني ابْنَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ- وليس هو مِن أهْلِ الحِفْظِ والإِتْقانِ.
فصل: فإن لم يُوجَدْ للمرأةِ وَلِيٌّ ولا ذو 446 سلطانٍ، فعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه يُزَوِّجُها رجلٌ عَدْلٌ بإذْنِها، فإنَّه قال في دُهْقانِ 447 قَرْيَةٍ: يُزَوِّجُ مَن لا وَلِيَّ لها إذا احْتاطَ لها في الكُفْءِ والمَهْرِ، إذا لم يَكُنْ في الرُّسْتاقِ قاضٍ.
قال ابنُ عَقِيل: أخذ قومٌ مِن أصْحابِنا مِن هذه الرِّوايةِ أنَّ النِّكاحَ لا يَقِفُ على وَلِيٍّ.
قال: وقال القاضي: نُصُوصُ أحمدَ تَمْنَعُ مِن ذلك.

الجزء: 20 - الصفحة: 172

فَأَمَّا الْأَمَةُ، فَوَلِيُّهَا سَيِّدُهَا، فَإِنْ كَانَتْ لِامْرأَةٍ، فَوَلِيُّهَا وَلِيُّ سَيِّدَتِهَا، وَلَا يُزَوِّجُهَا إلا بِإِذْنِهَا.
قال شيخُنا (1): والصَّحيحُ أنَّ هذا (2) القَوْلَ [مُخْتَصٌّ بحالِ] (3) عَدَمِ الوَلِيِّ والسلطانِ، لأنَّه شَرَط أنْ لا يكونَ في الرُّسْتاقِ قاضٍ.
[ووَجْهُ ذلك] (4) أنَّ اشْتِراطَ الوَلِيِّ ههُنا يَمْنَعُ النِّكاحَ بالكُلِّيَّةِ، فلم يَجُزْ، كاشْتِراطِ المُناسِبِ في حَقِّ مَن لا مُناسِبَ لها.
ورُوِيَ عنه أنَّه لا يَجُوزُ النِّكاحُ إلَّا بوَلِيٍّ، لعُمُومِ الأخْبارِ فيه.

3108 -

مسألة: (ووَلِيُّ الأمَةِ سَيِّدُها)

إذا كان مِن أهْلِ ولايَةِ التَّزْويجِ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، لأنَّه مالِكُها، وله التَّصَرُّفُ في رَقَبَتِها بالبَيعِ، ففي التَّزْويجِ أوْلَى، [وقد ذَكَرْنا ذلك] (5). 3109 -

مسألة: (فإن كانت لامرأةٍ، فَوَلِيُّها وَلِيُّ سَيِّدَتِها، ولا

448449450451452 الحديث: 3108 - الجزء: 20 - الصفحة: 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُزَوِّجُهَا إلَّا بإذْنِها) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في مَن يُزَوِّجُ أمَةَ المرأةِ، فرُويَ عنه أنَّه يَلِي نِكاحَها وَلِيُّ سَيِّدَتِها.
قال القاضي: هذا هو الصَّحيحُ.
اخْتارَه الخِرَقِيُّ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ مُقْتَضَى الدَّليلِ كَوْنُ الولايةِ لها، فامْتَنَعَتْ في حَقِّها لقُصُورِها، فتَثْبُتُ لأوْليائِها، كولايةِ نَفْسِها، ولأنَّهم يَلُونَها لو عَتَقَتْ، ففي حالِ رِقِّها أوْلَى.
فإن كانت سَيِّدَتُها رَشِيدَةً، لم يَجُزْ تَزْويجُ أمَتِها إلَّا بإذْنِها؛ لأنَّها مالُها، ولا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ في مالِ رَشِيدٍ بغيرِ إذْنِه، ويُعْتَبَرُ 453 نُطْقُها بذلك وإن [كانت بِكْرًا؛ لأنَّ صُمَاتَها إنَّما اكْتُفِيَ به في تَزْويجِ نَفْسِها لحيائِها، ولا تَسْتَحِي مِن تَزْويجِ غيرِها، وإن] 454 كانت صغيرةً أو مجنونةً أو سَفِيهةً، ولوَلِيِّها ولايةٌ على مالِها، فله تَزْويجُ أمَتِها إن كان الحَظُّ في تَزْويجِها، [وإلَّا لم يَمْلِكْ تَزْويجَها وكذلك الحكمُ في أمَةِ ابْنِه الصَّغِيرِ.
وقال بعضُ الشَّافِعِيَّةِ: ليس له تَزْويجُها بحالٍ، لأنَّ] (2) [فيه تَغْرِيرًا بمالِ الصغيرِ؛ لأنَّها رُبَّما حَمَلَتْ وتَلِفَتْ.
ولَنا، أنَّ له التَّصَرُّفَ بما فيه الحَظُّ، والتَّزْويجُ ههُنا] 455 فيه الحَظُّ، لأنَّ 456 الكلامَ فيه، فجازَ، كسائرِ التَّصَرُّفاتِ الجائِزَةِ، [واحتِمالُ المحظورِ] 457 مَرْجُوحٌ بما فيه مِن تَحْصِيلِ مَهْرِها ووَلَدِها وَكِفايَةِ

الجزء: 20 - الصفحة: 174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُؤْنَتِها، وصيانَتِها عن الزِّنَى المُوجِبِ للحَدِّث حَقِّها، ونَقْصِ قِيمَتِها، والمَرْجُوحُ كالمَعْدُومِ.
فإن كان وَلِيُّها في مالِها غيرَ وَلِيِّ تَزْويجِها، فولايَةُ تَزْويجِها للوَلِيِّ في المالِ دُونَ وَلِيِّ التَّزْويجِ؛ لأنَّه المُتَصَرِّف في المالِ، وهي مالٌ.
ورُوِيَ عن أحمدَ رِوايةٌ ثانيةٌ، أنَّ للمرأةِ أن تُوَلِّيَ أمْرَ أمَتِها رجلًا يُزَوِّجُها نَقَلَها عن أحمدَ جماعةٌ؛ لأنَّ سَبَبَ الولايةِ المِلْكُ، وقد تحَقَّقَ في المرأةِ، وامْتَنَعَتِ المُباشَرَةُ لنَقْصِ الأنُوثِيَّةِ، فمَلَكَتِ التَّوكِيلَ، كالرجلِ المريضِ 458 والغائِب.
ونُقِلَ عن أحمدَ كلام يَحْتَمِلُ رِواية ثالثةً، وهو أنَّ [سَيِّدَتها تُزَوِّجُها] 459، فإنَّه قِيلَ له: تُزَوِّجُ أَمَتَها؟ قال: قد قِيلَ ذلك، هي مالُها.
وهذا يَحْتَمِلُ أنَّه ذهَب إليه.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّها، تَمْلِكُها، وولايتُها تامَّةٌ عليها، فمَلَكَتْ تَزْويجَها، كالسَّيِّدِ، ولأنَّها تَمْلِكُ بَيعَها وإجارَتَها، فمَلَكَتْ تَزْويجَها، كسَيِّدِها، ولأنَّ الولايةَ إنَّما ثَبَتَتْ على المرأةِ لتَحْصِيلِ الكَفاءَةِ، صِيانَةً لحَظِّ الأوْلِياءِ في تَحْصِيلِها، فلا تَثْبُتُ عليها الولايةُ في أمَتِها؛ لعَدَمِ اعْتِبارِ الكَفاءَةِ، وعدمِ الحَقِّ للأوْلياءِ فيها 460. ويَحْتَمِلُ أنَّ أحمدَ قال هذا حِكايةً لمذهبِ 461 غيرِه، فإنَّه قال في سِياقِها: أحَبُّ إليَّ أن تَأْمُرَ زَوْجَها؛ لأنَّ النِّساءَ لا يَعْقِدْنَ.
وقد روَى أبو هُرَيرَةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَا تُنْكِحُ المَرأةُ

الجزء: 20 - الصفحة: 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَرأةَ» 462. وقالتْ عائشةُ: زَوِّجُوا، فإنَّ النِّساءَ لا يُزَوِّجْنَ، واعْقِدُوا، فإنَّ النِّساءَ لا يَعْقِدْنَ 463. ولأنَّ المرأةَ لا تَمْلِكُ تَزْويجَ نَفْسِها، فغيرها أوْلَى.
فصل: ويُزَوِّجُ عَتِيقَتَها 464 مَن يُزَوِّجُ أمَتَها.
ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
وفيها رِوَايتان؛ إحْدَاهما، لمَوْلاتِها أن تُوَكِّلَ رجلًا في تَزْويجها؛ لأنَّها عَصَبَتُها، وتَرِثُها، فأشْبَهَتِ المُعْتِقَ 465. والثانيةُ، يُزَوِّجُها وَلِيُّ سَيِّدَتِها.
وهي أصَحُّ؛ لأنَّ هذه ولايَةُ لنِكاحِ حُرَّةٍ 466، والمرأةُ ليست مِن أهلِ ذلك، فيكونُ إلى عَصَبَتِها؛ لأنَّهم الذين يَعْقِلُونَ عنها، ويَرِثُونَها بالتَّعْصِيبِ عندَ عَدَمِ سَيِّدَتِها، فكانوا أولياءَها، كما لو تَعَذَّرَ على المُعْتِقِ تَزْويجُ عَتِيقَتِه.
وقد ذَكَرْنا أنَّه إذا اتْقَرَضَ العَصَبَةُ مِن النَّسَبِ، وَلِيَ المَوْلَى المُعْتِقُ (4) ثم عَصَباتُه، الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، كذا ههُنا، إلَّا أنَّ الظَّاهِرَ مِن كلامِ الخِرَقِيِّ ههُنا تَقْدِيمُ أبي المُعْتِقَةِ على ابْنِها؛ لأنَّه أوْلَى بتَزْويجِها، وقد قال (5): يُزَوِّجُ مُعْتَقَتَها 467 مَن يُزَوِّجُ أمَتَها، ويُزَوِّجُ أمَتَها مَن

الجزء: 20 - الصفحة: 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُزَوِّجُها.
وقد ذَكَرْنا أنَّ ابنَ المُعْتِقَةِ أوْلَى بتَزْويجِ عَتِيقَتِها 468 مِن أبِيها.
ويُعْتَبَرُ في ولايَتِه 469 شَرْطان، أحَدُهما، عَدَمُ العَصَبَةِ مِن النَّسَب؛ لأنَّ المُناسِبَ أقْرَبُ مِن المُعْتِقِ وأوْلَى منه.
الثاني، إذْنُ المُزَوَّجَةِ، لأنَّها حُرَّةٌ وليست له ولايةُ إجْبارٍ، فإنَّه أبْعَدُ العَصَباتِ.
ولا [يَفْتَقِرُ إلى] 470 إذْنِ مَؤلاتِها؛ لأنَّه لا ولايةَ لها ولا مِلْكَ، فأشْبَهَتِ القَرِيبَ الطفْلَ إذا زَوَّجَ البعيدُ.
فصل: فإن كان للأمَةِ مَوْلًى، فهو وَلِيُّها، وإن كان لها مَوْليان، اشْتَركَا في الولايةِ، وليس لواحدٍ منهما الاسْتِقْلالُ بها بغيرِ إذْنِ صاحِبِه، لأنَّه لا يَمْلِكُ إلَّا بعضَها، وإنِ اشْتَجَرَا لم يَكُن للسلطانِ ولايةٌ؛ لأنَّ تَزْويجَها تَصَرُّفٌ في المالِ، بخِلافِ الحُرَّةِ، فإن نِكاحَها حَقٌّ لها، ونَفْعَهُ عائِد إليها، ونِكاحُ الأمَةِ حَقٌّ لسَيِّدِها، نَفْعُه عائِدٌ إليه، فلم يَنُبِ السُّلْطانُ عنه فيه.
فإن أعْتَقاهَا ولها عَصَبَةٌ مُناسِبٌ، فهو أوْلَى منهما، وإن لم يَكُنْ لها عَصَبَةٌ، فهُما وَلِيَّاهَا، ولا يَسْتَقِلُّ أحَدُهما بالتَّزْويجِ، لأنَّ ولايَتَه على بَعْضِها.
فإنِ اشْتَجَرَا، أقامَ الحاكِمُ مُقامَ المُمْتَنِعِ منهما، لأنَّها صارت حُرَّةً، وصار نِكاحُها حَقًّا لها.
وإن كان المُعْتِقُ أو المُعْتِقَةُ واحدًا، وله عَصبَتان، كالأبنَين والأخَوَين، فلأحَدِهما الاستِقْلالُ بتَزْويجِها، كما يَمْلِكُ تَزْويجَ سَيِّدَتِها.

الجزء: 20 - الصفحة: 177

وَيُشْتَرَطُ فِي الْوَلِيِّ الْحُرِّيَّةُ، وَالذُّكُوريَّةُ، وَاتِّفَاقُ الدِّينِ، وَالْعَقْلُ.

3110 - مسألة: (ويُشْتَرَطُ في الوَلِيِّ الحُرِّيَّةُ، والذُّكُورِيَّةُ، واتِّفَاقُ الدِّينِ، والعَقْلُ)

وجُمْلته، أنَّه يُعْتَبَرُ لثُبُوتِ الولايةِ سِتَّةُ شُروطٍ؛ العَقْلُ، والحُرِّيَّةُ، والإسْلامُ إذا كانتِ المرأةُ مُسْلِمَةً، والذُّكُورِيَّةُ، والبُلُوغُ، والعَدالةُ، على اخْتِلافٍ نَذْكُرُه.
فأمَّا العَقْلُ، فهو شَرْطٌ بغيرِ خلافٍ؛ لأنَّ الولايةَ إنَّما ثَبَتَتْ نَظرًا للمُوَلَّى عليه عندَ عَجْزِه عن النَّظرَ لنَفْسِه، ومَن لا عَقْلَ له لا يُمْكِنُه النَّظرُ، ولا يَلي نَفْسَه، فغيرُه أوْلَى، وسَواءٌ في هذا مَن لا عَقْلَ له لصِغَرِه، أو مَن ذَهَب عَقْلُه بجُنونٍ أو كِبَرٍ، كالشَّيخِ إذا أفْنَدَ 471. قال القاضي: والشَّيخُ الذي قد كَبِرَ، فلا يَعْرِفُ مَوْضِعَ الحَظِّ لها، لا ولايةَ له.
فأمَّا الإغْماءُ، فلا يُزِيلُ الولايةَ؛ لأنَّه يَزُولُ عن قَرِيبٍ، فهو كالنَّوْمِ، ولذلك 472 لا تَثْبُتُ الولايةُ عليه،

الحديث: 3110 - الجزء: 20 - الصفحة: 178

وَهَلْ يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ وَعَدَالتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ويَجُوزُ على الأنْبِيَاءِ عليهم السلامُ.
ومَن كان يُجَنُّ في الأحْيَانِ، لم تَزُلْ ولايتُه، لأنَّه لا يَدُومُ زَوالُ عَقْلِه، فهو كالإِغْماءِ.
الشرطُ الثاني، الحُرِّيَّة، فلا ولايةَ لعَبْدٍ في قولِ جماعةِ أهلِ العلمِ، فإنَّ العَبْدَ لا ولايةَ له على نَفْسِه، فعلى غيرِه أوْلَى.
وقال أصحابُ الرَّأْي: يَجُوزُ أن يُزَوِّجَها العَبْدُ بإذْنِها.
بِنَاءً منهم على أنَّ المرأةَ تُزَوِّجُ نَفْسَها.
وقد مَضَى الكلامُ في هذه المسْألَةِ.
الشَّرْطُ الثالثُ، الإِسْلامُ، فلا يَثْبُتُ للكافِرِ ولايةٌ على مُسْلِمَةٍ.
وهو قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عامَّةُ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على هذا.
وفيه وَجْهٌ، أنَّ الكافِرَ يُزَوِّجُ أمَّ وَلَدِه المُسْلِمَةَ.
وسوف نَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ تعالى.
قال أحمدُ: بَلَغَنا أنَّ عَلِيًّا أجازَ نِكاحَ أخٍ، ورَدَّ نِكاحَ الأبِ وكان نَصْرانِيًّا.
الشَّرْطُ الرَّابعُ، الذُّكُورِيَّةُ، وهي شَرْطٌ للولايةِ في قولِ الجميعِ؛ لأنَّه يُعْتَبَرُ فيها الكَمالُ، والمرأةُ ناقِصَةٌ قاصرةٌ، تَثْبُتُ الولايةُ عليها لقُصُورِها عن النَّظَرِ لنَفْسِها، فلأنْ لا يَثْبُتَ لها ولايَةٌ على غيرِها أوْلَى.
وعن أحمدَ، أنَّها تَلِي تَزْويجَ 473 أمَتِها ومُعْتَقَتِها 474. وقد ذكَرْناه.
الشَّرْطُ الخامسُ، البُلُوغُ، وهوْ شَرْطٌ في ظاهرِ المذهبِ.
قال

الجزء: 20 - الصفحة: 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحمدُ: لا يُزَوِّجُ الغُلامُ حتى يَحْتَلِمَ، ليس لهْ أمْرٌ.
وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأبي ثَوْرٍ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه إذا بَلَغَ عَشْرًا زَوَّجَ، وتَزَوَّجَ، وطَلَّقَ، وأُجِيزَتْ وَكالتُه في الطَّلاقِ.
ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ؛ لتَخْصِيصِه المَسْلُوبَ الولايةِ بكَوْنِه طِفْلًا.
ووَجْهُ ذلك أنَّه يَصِحُّ بَيعُه وطَلاقُه ووَصِيَّتُه، فثَبَتَتْ له الولايةُ كالبالغِ.
والأوَّلُ اخْتِيارُ أبي بكرٍ، وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ الولايةَ يُعْتَبَرُ لها كَمالُ الحالِ؛ لأنَّها تُفِيدُ التَّصَرُّفَ في حَقِّ غيرِه، اعْتُبِرَتْ نَظرًا له، والصَّبِيُّ مُوَلًّى عليه لقُصُورِه، فلا تَثْبُتُ له الولايةُ، كالمرأةِ، والأصولُ المَقِيسُ عليها مَمْنُوعَةٌ.
السَّادِسُ، العَدالةُ.
وفي كَوْنِها شَرْطًا رِوَايتان؛ إحْدَاهما، هي شَرْطٌ.
قال أحمدُ: إذا كان القاضي مثلَ ابنِ الخَلَنْجى 475 وابنِ الجَعْدِ 476،

الجزء: 20 - الصفحة: 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اسْتَقْبَلَ النِّكاحَ.
فظاهِرُ هذا أنَّه أفْسَدَ النِّكاحَ لانْتِفاء عَدالةِ المُتَوَلِّي له.
وهذا قولُ الشافعيِّ؛ لا رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: لا نِكاحَ إلَّا بشَاهِدَيْ عَدْلٍ ووَلِيٍّ مُرْشِدٍ 477. قال أحمدُ: أصَحُّ شيءٍ في هذا قولُ ابنِ عباسٍ.
[يَعْني وقد روَى ابنُ عباسٍ] 478 قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وأيُّمَا امْرَأةٍ أنْكَحَهَا وَلِيٌّ مَسْخُوطٌ عَلَيهِ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» 479. وروَى البَرْقَانِيُّ 480 بإسْنادِه عن جابرٍ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» 481. ولأنَّها ولايةٌ نَظَرِيَّةٌ 482، فلا يَسْتَبِدُّ بها الفاسِقُ، كولايةِ المالِ.
والرِّوايةُ الأُخْرَى، ليست شَرْطًا.
نَقَل مُثَنَّى بنُ جامِعٍ أنَّه سألَ أحمدَ: إذا تَزَوَّجَ بوَلِيٍّ 483 وشُهودٍ غيرِ عُدُولٍ 484؟ فلم يَرَ أنَّه يَفْسُدُ مِن

الجزء: 20 - الصفحة: 181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النِّكاحِ شيءٌ.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه ذَكَر الطِّفْلَ والعبدَ والكافِرَ، ولم يَذْكُرِ الفاسِقِ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ.
وأحدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّه يَلِي نِكاحَ نفْسِه، فثَبَتَتْ له الولايةُ على غيرِه، كالعَدْلِ، [ولأنَّ سَبَبَ] 485 الولايةِ القرابةُ، وشَرْطُها النَّظرُ، وهذا قَرِيبٌ ناظِرٌ، فَيلِي كالعَدْلِ.

الجزء: 20 - الصفحة: 182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يُشْتَرَطُ أن يكونَ بَصِيرًا؛ لأنَّ شُعَيبًا زَوَّجَ ابْنَتَه وهو أعْمَى 486. ولأنَّ المَقْصُودَ في النِّكاحِ يُعْرَفُ بالسَّماعِ والاسْتِفاصةِ، فلا يَفْتَقِرُ إلى النَّظَرِ.
ولا يُشْتَرَطُ النُّطْقُ، بل يَجُوزُ أن يَلِيَ الأخْرَسُ إذا فُهِمَتْ إشارَتُه؛ لأنَّها تَقُومُ مَقامَ نُطْقِه في سائرِ العُقُودِ والأحْكامِ، فكذلك النِّكاحُ.

الجزء: 20 - الصفحة: 183

فَإِنْ كَانَ الْأقْرَبُ طِفْلًا أوْ كَافِرًا أوْعَبْدًا، زَوَّجَ الْأَبْعَدُ.
وإنْ عَضَلَ الْأَقْرَبُ، زَوَّجَ الْأبْعَدُ.
وَعَنْهُ، يُزَوجُ الْحَاكِمُ.

3111 - مسألة: (فإن كان الأقْرَبُ طِفْلًا أو كافِرًا أو عَبْدًا، زَوَّجَ الأبعَدُ)

لأنَّ الولايةَ لا تَثْبُت لطفلٍ ولا عبدٍ ولا كافرٍ على مُسْلِمَةٍ، فعندَ ذلك يكونُ وُجُودُهم كعَدَمِهم، فتَثْبُتُ الولايةُ لمَن هو (1) أبعدُ منهم إذا كَمَلَتْ فيه الشُّرُوطُ، كما لو ماتوا.
3112 -

مسألة: (وإن عَضَل الأَقْرَبُ، زَوَّجَ الأبعَدُ. وعنه، يُزَوِّجُ الحاكِمُ)

العَضْلُ مَنْعُ المرأةِ مِن التَّزْويجِ بكُفْئِها إذا طَلَبَتْ ذلك، ورَغِبَ كُلُّ واحدٍ منهما في صاحِبِه، فمتى وُجِدَ ذلك انْتَقَلَتِ الولايةُ إلى الأبعدِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وعنه رِوايةٌ أُخْرَى، تَنْتَقِلُ إلى السلطانِ.
وهو اخْتِيارُ أبي بكرٍ.
وذُكِر ذلك عن عُثمانَ بنِ عَفَّانَ، وشُرَيح.
وبه قال487

الحديث: 3111 - الجزء: 20 - الصفحة: 184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشَّافعيُّ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِنِ اشْتَجَرُوا، فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» 488. ولأنَّ ذلك حَقٌّ عليه امْتَنَعَ مِن أدائِه، فقامَ الحاكِمُ مَقامَه، كما لو كان عليه دَينٌ فامْتَنَعَ مِن قَضائِه.
ولَنا، أنَّه تَعَذَّرَ التَّزْويجُ مِن جِهَةِ الأقْرَبِ، فمَلَكَه الأبعَدُ، كما لو جُنَّ.
ولأنَّه يَفْسُقُ بالعَضْلِ، فتَنْتَقِلُ الولايةُ عنه، كما لو شَرِبَ الخَمْرَ.
فإن عَضَل الأوْلياءُ كلُّهم زَوَّجَ الحاكمُ.
والحديثُ حُجَّةٌ لنا؛ لقولِه: «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَن لا وَلِيَّ لَهُ».
وهذه لها وَلِيٌّ.
ويُمْكِنُ حَمْلُه على ما إذا عَضَل الكُلُّ؛ لأنَّ قوْلَه: «فإنِ اشْتَجَرُوا».
ضَمِيرُ جَمْعٍ يَتَناوَلُ الكُلَّ.
والولايةُ تُخالِفُ الدَّينَ مِن وُجُوهٍ ثلاثةٍ؛ أحَدُها، أنَّها حَقٌّ للوَلِيِّ، والدَّينُ عليه.
الثاني، أنَّ الدَّينَ لا يَنْتَقِلُ عنه، والولايةُ تَنْتَقِلُ عنه لعارِضٍ؛ مِن جُنُونِ الوَلِيِّ وفِسْقِه.
الثالثُ، أنَّ الدَّينَ لا تُعْتَبَرُ في بَقائِه العَدَالةُ، والولايةُ يُعْتَبَرُ لها ذلك، وقد زالتِ العَدالةُ بما ذَكَرْناه.
فإن قيلَ: لو زالتْ ولايتُه لَما صَحَّ منه التَّزْويجُ إذا أجابَ إليه.
قُلْنا: فِسْقُه بامْتِنَاعِه، فإذا أجابَ فقد نَزَع عن المَعْصِيَةِ، وراجَعَ الحَقَّ، فزال فِسْقُه، فلذلك 489 صَحَّ تَزْويجُه.
وقد رُوِيَ عن مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ،

الجزء: 20 - الصفحة: 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال: زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِن رجلٍ، فطَلَّقَها، حتى إذا انْقَضَتْ عِدَّتُها جاءَ يَخْطُبُها، فقلتُ له: زَوَّجْتُكَ، وأَفْرَشْتُكَ، وأكْرَمْتُكَ، فطَلَّقْتَها، جِئْتَ تَخْطُبُها! لا والله لِا تَعُودُ إليك أبدًا، وكان رَجُلًا لا بَأْسَ به، وكانتِ المرأةُ تُرِيدُ أن تَرْجِعَ إليه، فأنْزَلَ الله، هذه الآيةَ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ 490. فقلتُ: الآنَ أفْعَلُ يا رسولَ اللهِ.
قال: فَزَوَّجَهَا إيَّاهُ.
رَواه البخاريُّ 491. فصل: وسَواءٌ طَلَبَتِ التَّزْويجِ بمَهْرِ مِثْلِها أو دُونِه.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: لهم 492 مَنْعُها مِن التَّزْويجِ بدُونِ مَهْرِ مِثْلِها؛ لأنَّ عليهم في ذلك عارًا، وليه ضَرَرٌ على نِسائِها، لنَقْصِ مَهْرِ مِثلِهِنَّ.
ولَنا، أنَّ المَهْرَ خالِصُ حَقِّها، و 493 عِوَضٌ يَخْتَصُّ بها، فلم يَكُنْ لهم الاعْتِراضُ عليها فيه، كثَمَنِ عَبْدِها وأَجْرِ دارِها، ولأنَّها لو أسْقَطَتْه بعدَ وُجُوبِه، سَقَط كلُّه، فبعضُه أَوْلَى، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لرجلٍ أرادَ أن يُزَوِّجَه: «الْتَمِسْ وَلوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» 494. وقال لامْرَأةٍ زُوِّجَت بنَعْلَيْن: «أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ بنَعْلَين؟» قالتْ: نعم.
فأجازَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - 495. وقولُهم: فيه عارٌ عليهم.
ليس كذلك، فإنَّ عمرَ قال: لو

الجزء: 20 - الصفحة: 186

وَإنْ غَابَ غَيبَةً مُنْقَطِعَةً زَوَّجَ الْأَبْعَدُ، وَهِيَ مَا لَا تُقْطَعُ إلا بكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَقَال الخرَقِيُّ: مَا لَا يَصِلُ إلَيهِ الْكِتَابُ، أوْ يَصِلُ فَلَا يُجِيبُ عَنْهُ.
وَقَال الْقَاضِي: مَا لَا تَقْطَعُهُ  كان مَكْرُمَةً في الدُّنْيَا، أو تَقْوَى عندَ اللهِ، كان أوْلَاكُم به رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - 496. يَعْنِي غُلُوَّ الصَّداقِ.
فإن رَعبَتْ في رجلٍ بعَينِه، وهو كُفْءٌ، فأرادَ تَزْويجَها لغيرِه مِن اكْفَائِها، وامْتَنَعَ مِن تَزْويجِها مِن الذي أرادَتْه، كان عاضِلًا لها.
فإن طَلَبَتِ التَّزْويجَ بغيرِ كُفْءٍ، فله مَنْعُها منه، ولا يكونُ عاضِلًا بذلك؛ لأنَّها لو زُوِّجَتْ بغيرِ كُفْئِها كان له فَسْخُ النِّكاحِ، فلأنْ يَمْنَعَ منه ابْتِداءً أوْلَى.

3113 -

مسألة: (وإن غاب غَيبَةً مُنْقَطِعَةً زَوَّجَ الأبعَدُ، وهي ما لا تُقْطَعُ إلَّا بكُلْفَةٍ ومَشَقَّةٍ، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ.
وقال الخِرَقِيُّ: مَا لَا يَصِلُ إلَيهِ الكِتابُ، أو يَصِلُ فلا يُجِيبُ عنه.
وقال القاضي: ما لا تَقْطَعُه

الحديث: 3113 - الجزء: 20 - الصفحة: 187

الْقَافِلَةُ فِي السَّنَةِ إلا مَرَّةً.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللهُ، إِذَا كَانَ الْأبُ بَعِيدَ السَّفَرِ، زَوَّجَ الْأَبْعَدُ.
فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ.
القافِلَةُ في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً.
وقد قال أحمدُ: إذَا كان الأبُ بَعِيدَ السَّفَرِ، زَوَّجَ الأبْعَدُ) قال أبو الخَطَّابِ: (فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ) بالسَّفَرِ البَعِيدِ (ما تُقْصَرُ فيه الصلاةُ) الكلامُ في هذه المسألةِ في 497 أمْرَين؛ أحَدُهما، أنَّ الأقْرَبَ إذا غاب غَيبَةً مُنْقَطِعَةً، زَوَّجَ الأبعَدُ دُونَ الحاكمِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: يُزَوِّجُها الحاكمُ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ الوُصُولُ إلى النِّكاحِ مِن الأقْرَبِ مع بَقاءِ ولايَتِه، فيَقُومُ الحاكمُ مَقَامَه، كما لو عَضَلَها، ولأنَّ الأبعَدَ مَحْجُوبٌ بولايةِ الأقْرَبِ، فلا يَجُوزُ له التَّزْويجُ، كما لو كان حاضِرًا، ودَلِيلُ بَقاءِ ولايَتِه أنَّه لو زَوَّجَ مِن حيثُ هو أو وَكَّلَ، صَحَّ.
ولَنا، قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ 498».

الجزء: 20 - الصفحة: 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهذه لها وَلِيٌّ، فلا يكونُ السُّلطانُ وَلِيًّا لها، ولأنَّ الأقْرَبَ تَعَذَّرَ حُصُولُ التَّزْويجِ منه، فتَثْبُتُ الولايةُ لمَن يَلِيه مِن العَصَباتِ، كما لو جُنَّ أو مات، ولأنَّها حالةٌ يَجُوزُ فيها التَّزْويجُ لغيرِ الأقْرَبِ، فكان ذلك للأبْعَدِ، كالأصْلِ، وإذا عَضَلَها فهي كمَسْألَتِنا.
الفصل الثاني: في الغَيبَةِ المُنْقَطِعَةِ التي يَجُوزُ للأبْعَدِ التَّزْويجُ في مِثْلِها.
ففي قولِ الخِرَقِيِّ: هي ما لا يَصلُ إليه الكتابُ، أو يَصلُ فلا يُجِيبُ عنه؛ لأنَّ مثلَ هذا تَتَعَذَّرُ مُراجَعَتُه بالكُلِّيَّةِ، فتكونُ مُنْقَطِعَةً، أي تَنْقَطِعُ عن إمْكانِ تَزْويجِها.
وقال القاضي: يَجِبُ أن يكونَ حَدُّ المسَافَةِ أن لا ترَدَّدَ القَوافِلُ فيه في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً؛ لأنَّ الكُفْءَ يَنْتَظِرُ سنةً ولا يَنْتَظِرُ أكثرَ منها، فيَلْحَقُ الضَّرَرُ بتَرْكِ تَزْويجِها.
وقد قال أحمدُ في موضِعٍ: إذا كان الأبُ بعيدَ السَّفَرِ، يُزَوِّجُ الأبعَدُ 499. فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ ما تُقْصَرُ فيه 500 الصَّلاةُ؛ لأنَّ ذلك هو السَّفَرُ البعيدُ الذي عُلِّقَتْ عليه الأحْكامُ.
وذَهَب 501 أبو بكرٍ [أنَّ حَدَّها] 502 ما لا يُقْطَعُ إلَّا بكُلْفَةٍ ومَشَقَّةٍ؛ لأنَّ أحمدَ قال: إذا لم يَكُنْ

الجزء: 20 - الصفحة: 189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَلِيٌّ حاضِرٌ مِن عَصَبَتِها، كَتَب إليهم حتى يَأْذَنُوا، إلَّا أن تكونَ غَيبَةً مُنْقَطِعَةً لا تُدْرَكُ إلَّأ بكُلْمْةٍ ومَشَقَّةٍ، فالسُّلْطانُ وَلِيُّ مَن لا وَلِيَّ له.
قال شيخُنا 503: وهذا القولُ، إن شاءَ اللهُ، أقْرَبُها إلى الصَّوابِ، فإن التَّحْدِيداتِ بابُها التَّوْقِيفُ، ولا تَوْقِيفَ في هذه المسألةِ، فتُرَدُّ إلى ما يَتَعارَفُه النَّاسُ بينَهم، ممَّا لم تَجْرِ العادَةُ بالانْتِظارِ فيه، ويَلْحَقُ المرأةَ الضَّرَرُ بمَنْعِها مِن التَّزْويجِ في مثلِه، فإنَّه يَتَعَذَّرُ في ذلك الوُصُولُ إلى المَصْلَحَةِ مِن نَظَرِ الأقْرَبِ، فيكونُ كالمَعْدُومِ، والتَّحْدِيدُ بالعَامِ كثيرٌ؛ فإنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ بالانْتِظَارِ في مثلِ ذلك، ويَذْهَبُ الخاطِبُ، ومَن لا يَصِلُ منه كِتاب أبْعَدُ،

الجزء: 20 - الصفحة: 190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومَن هو على مَسافَةِ القَصْرِ 504 لا تَلْحَقُ المَشَقَّةُ بمُكاتَبَتِه، فكان التَّوَسُّطُ أوْلَى.
واخْتَلَفَ أصحابُ أبي حنيفةَ في الغَيبَةِ المُنْقَطِعَةِ، فقال بعضُهم كقوْلِ القاضي، وبعضُهم قال: مِن الرَّيِّ إلى بَغْدادَ.
وقال بعضُهم: مِن الرَّقَّةِ إلى البَصْرةِ.
وهذان القَوْلان يُشْبِهان قولَ أبي بكرٍ.
واخْتَلَفَ أصحابُ الشافعيِّ في الغَيبَةِ المنقطعةِ 505 التي يُزَوِّجُ فيها الحاكمُ، فقال بعضُهم: مسافةُ القَصْرِ.
وقال بعضُهم: يُزَوِّجُها الحاكمُ وإن كان الوَلِيُّ قرِيبًا.
وهو مَنْصُوصُ الشافعيِّ.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه إذا كانتِ الغَيبَةُ غيرَ مُنْقَطِعَةٍ، أنَّه يُنْتَظَرُ ويُراسَلُ حتى يَقْدَمَ أو يُوَكِّلَ.
فصل: فإن كان القريبُ أسِيرًا أو مَحْبوسًا في مسافَةٍ قَرِيبَةٍ، لا تُمْكِنُ مُراجَعَتُه، فهو كالبَعِيدِ، فإنَّ [البَعِيدَ لا] 506 يُعْتَبَرُ لعَينِه، بل لتَعَذُّرِ الوُصُولِ إلى التَّزْويجِ بنَظَرِه، وهذا مَوْجُودٌ ههُنا، وكذلك إن كان

الجزء: 20 - الصفحة: 191

وَلَا يَلي كَافِرٌ نِكَاحَ مُسْلِمَةٍ بِحَالٍ، إلا إِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِهِ، فِي  غائِبًا لا يُعْلَمُ أقَرِيبٌ هو أم بَعِيدٌ، أو عُلِمَ أنَّه قَرِيبٌ، ولم يُعْلَمْ مَكانُه، فهو كالبَعِيدِ.

3114 -

مسألة: (ولا يَلِي كَافِرٌ نِكاحَ مُسْلِمَةٍ بحَالٍ، إلَّا إذا

الحديث: 3114 - الجزء: 20 - الصفحة: 192

وَجْهٍ.
أسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِه، في وَجْهٍ) أمَّا الكافِرُ فليس له ولاية على مُسْلِمَةٍ بحالٍ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ.
وذَكَر شيخُنا ههُنا أنَّ فيه وَجْهًا، أنَّ الكافِرَ يَلِي نِكاحَ أمِّ وَلَدِه إذا أسْلَمَتْ.
وذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّها مَمْلُوكَتُه، فيَلِي نِكاحَها كالمُسْلِمِ، ولأنَّه عَقْدٌ عليها، فيَلِيه كإجارَتِها.
والثاني، لا يَليه؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ 507. ولأنَّها مُسْلِمَةٌ فلا يَلِي نِكاحَها

الجزء: 20 - الصفحة: 193

وَلَا يَلِي مُسْلِمٌ نِكَاحَ كَافِرَةٍ، إلا سَيِّدَ الْأَمَةِ أَوْ وَلِيَّ سَيِّدَتِهَا أَو السُّلْطَانَ.
كابْنَتِه.
فعلى هذا، يُزَوِّجُها الحاكِمُ.
وهذا الوَجْهُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا مِن الإجْماعَ.

3115 -

مسألة: (وَلَا يَلِي مُسْلِمٌ نِكَاحَ كَافِرَةٍ، إلا سَيِّدَ الْأَمَةِ أَوْ وَلِيَّ سَيِّدَتِهَا أَو السُّلْطَانَ)

[وذلك] 508 لقولِ اللهِ تعالى: {وَالَّذِينَ

الحديث: 3115 - الجزء: 20 - الصفحة: 194

وَيَلي الذِّمِّيُّ نِكَاحَ مُوَلِّيَتِهِ الذِّمِّيَّةِ مِنَ الذِّمِّيِّ.
وَهَلْ يَلِيهِ مِنْ مُسْلِمٍ؟  كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}.
ولأنَّ مُخْتَلِفِي الدِّينِ لا يَرِثُ أحَدُهما الآخرَ، ولا يَعْقِل عنه، فلم يَلِ عليه، كما لو كان أحَدُهما رَقِيقًا.
فأمَّا سَيِّدُ الأمَةِ الكافِرَةِ، فله تَزْويخها الكافِرَ؛ لكَوْنِها لا تَحِلُّ للمسْلِمِينَ، وكذلك وَلِيُّ (1) سَيِّدَةِ (2) الأمَةِ الكافرد يَلِي تَزْويجَها لكافر (3)، لأنَّها ولايةٌ بالمِلْكِ، فلم يَمْنَعْها كَوْنُ سَيِّدِ الأمَةِ الكافرةِ مُسْلِمًا، كسائرِ الولاياتِ، ولأنَّ هذه تَحْتاجُ إلى التَّزْويجِ، ولا وَلِيَّ لها غير سَيِّدِها.
فأمَّا السُّلطانُ، فله الولاية على مَن لا وَلِيَّ لها مِن أهلِ الذِّمَّةِ، لأنَّ ولايَتَه عامَّةٌ على أهلِ دارِ الإِسْلامِ، وهذه مِن أهِلِ الدَّارِ، فثَبَتَتْ له الولاية عليها، كالمُسْلِمَةِ.
وتَثْبُتُ الولايةُ للكافرِ على أهلِ دِيِنِه، على حَسَبِ ما ذَكَرْناه في المسلمينَ، وتعْتَبَر فيهم الشُّروطُ المُعْتَبَرَةُ في المسلمينَ.
[وتُعْتَبَر عَدالتُه في دِيِنِه في أحَدِ الوَجْهَين، بِناءً على الرِّوايَتَين في اعْتِبارِها في المُسْلِمِينَ] (4).

3116 -

مسألة: (وَيَلي الذِّمِّيُّ نِكَاحَ مُوَلِّيَتِهِ الذِّمِّيَّةِ مِنَ الذِّمِّيِّ. لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (وَهَلْ يَلِيهِ مِنْ

509510511512 الحديث: 3116 - الجزء: 20 - الصفحة: 195

مُسْلِمٍ؟ عَلَي وَجْهَينَ.
مُسْلِمٍ؟ عَلَي وَجْهَينَ) أحَدُهما، يَلِيه.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه وَلِيُّها، فصَحَّ تَزْويجُه لها، كما لو زَوَّجَها كافِرًا، ولأنَّها امرأةٌ لها وَلِيٌّ مُناسِبٌ، فلم يَجُزْ أن يَلِيَهَا غيرُه، كما لو تَزَوَّجَها ذِمِّيٌّ.
والثاني، لا يُزَوِّجُها إلَّا الحاكمُ.
قاله القاضي، لأنَّ أحمدَ قال: لا يَعْقِدُ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ عَقْدَ نِكاحٍ لمُسْلِم ولا مُسْلِمَةٍ.
ووَجْهُه أنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى شَهادَةِ مُسْلِمَين، فلم يَصِحَّ بولايةِ كافرٍ، كنِكاحِ المسلمينَ.
والأوَّلُ أصَحُّ، [والشُّهودُ يُرادُون] 513 لإِثْباتِ النِّكاحِ عندَ الحاكمِ، بخِلافِ الولايةِ.

الجزء: 20 - الصفحة: 196

وإذا زَوَّجَ الْأبْعَدُ مِنْ غَيرِ عُذْرٍ لِلْأَقْرَبِ، أَوْ زَوَّجَ أَجْنَبِيٌّ، لَمْ يَصِحَّ.
وَعَنْهُ، يَصِحُّ وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ.

3117 - مسألة: (وإذا زَوَّجَ الْأبْعَدُ مِنْ غَيرِ عُذْرٍ لِلْأَقْرَبِ، أَوْ زَوَّجَ أَجْنَبِيٌّ، لَمْ يَصِحَّ. وَعَنْهُ، يَصِحُّ وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ)

الحديث: 3117 - الجزء: 20 - الصفحة: 197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الكلامُ في هذه المسْألةِ في فصْلَين؛ أحدُهما، أنَّه إذا زَوَّجَها الأبْعَدُ مع حُضُورِ الأقْرَبِ، وأجابَتْه إلى تَزْويجِها مِن غيرِ إذْنِه، لم يَصِحَّ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال مالكٌ: يَصِحّ؛ لأنَّ هذا وَلِيٌّ، فصَحَّ أن يُزَوِّجَها بإذْنِها كالأقْرَبِ.
ولَنا، أنَّ هذا مُسْتَحَقٌّ بالتَّعْصِيبِ، فلم يَثْبُتْ للأبْعَدِ مع وُجُودِ الأقْرَبِ، كالمِيراثِ، وبهذا فارَقَ القَرِيبُ البعيدَ.
الفصلُ الثاني، أنَّ هذا العَقْدَ يَقَعُ فاسِدًا، لا يَقِفُ على الإجازَةِ، ولا يَصِيرُ بالإِجازَةِ صَحِيحًا، وكذلك الحكمُ إذا زَوَّجَ الأجنَبِيُّ، أَو زُوِّجَتِ المرأةُ المُعْتَبَرُ إذْنُها بغيرِ إذْنِها، أو تَزَوَّجَ العَبْدُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، فالنِّكاحُ في هذا كلِّه باطِلٌ، في أصَحِّ الرِّوايَتَين.
نصَّ عليه أحمدُ في مَواضِعَ.
وهذا قولُ الشَّافعيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وأبي ثَوْرٍ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخرَى، أنَّه يَقِفُ على الإِجازَةِ؛ فإن أجازَه، جاز، وإن لم [يُجِزْه، فَسَد.
قال أحمدُ في صَغيرٍ زَوَّجَه عَمُّه: فإن رَضِيَ به في وَقْتٍ مِن الأوْقاتِ، جازَ، وإن لم] 514 يَرْضَ، فَسَخ.
وإذا زُوِّجَتِ اليَتِيمَةُ، فلها الخيارُ إذا بَلَغَتْ.
وقال: إذا تَزَوَّجَ 515 العَبْدُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، ثم عَلِم السَّيِّدُ، فإن شاء أن يُطَلِّقَ عليه، فالطَّلاقُ بيَدِ السَّيِّدِ،

الجزء: 20 - الصفحة: 198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإن أَذِنَ في التَّزْويجِ فالطَّلاقُ بيَدِ العَبْدِ.
وهذا قولُ أصحابِ الرَّأْي، في كُلِّ مَسْألَةٍ يُعْتَبَرُ فيها الإِذْنُ.
ورُوِيَ ذلك في النِّكاحِ بغيرِ وَلِيٍّ عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، [وعنِ ابنِ سِيرِينَ] 516، والقاسمِ بنِ محمدٍ، والحسنِ بنِ صالحٍ، وإسحاقَ، وأبي يوسفَ، ومحمدٍ؛ لِما رُوِيَ أنَّ جارِيَة بِكْرًا أتَتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرَتْ له 517 أنَّ أباها زَوَّجَها وهي كارِهَةٌ، فخَيَّرَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجة 518. ورُوِيَ أنَّ فَتاةً جاءَتْ إِلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقالتْ: إنَّ أبي زَوَّجَنِي من ابنَ أخِيه، ليَرْفَعَ بي خَسِيسَتَه 519. قال: فجَعَلَ الأمْرَ إليها.
فقالت: قد أجَزْتُ ما صَنَع أبي، ولكنْ أرَدْتُ أن أعْلَمَ أنَّ للنِّساءِ مِن الأمْرِ شيئًا 520. ولأنَّه عَقْدٌ يَقِفُ على الفَسْخِ، فوَقَفَ على الإِجازَةِ، كالوَصِيَّةِ.
ووَجْهُ الأُولَى قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَيَّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيرِ إذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا باطِلٌ» 521. وقال: «إذَا نَكَحَ العَبْدُ بِغَيرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ».

الجزء: 20 - الصفحة: 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجة 522. إلَّا أنَّ أبا داودَ قال: هو مَوْقُوفٌ على ابنِ عمرَ.
ولأنَّه عَقْدٌ لا تَثْبُتُ فيه أحْكامُه؛ مِن الطَّلاقِ، والخُلْعِ، واللِّعَانِ، والتَّوارُثِ، فلم يَنْعَقِدْ، كنِكاحِ المُعْتَدَّةِ.
فأمَّا حديثُ المرأةِ التي خَيَّرَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فهو مُرْسَلٌ عن عِكْرِمَةَ، روَاه النَّاسُ كذلك، ولم يذْكُروا ابنَ عباس.
قاله أبو داودَ.
ثم يَحْتَمِلُ أنَّ هذه المرأةَ هي التي قالت: زَوَّجَنِي أبي مِن ابنِ أخِيه ليَرْفَعَ لي 523 خَسِيسَتَه.
فخَيَّرَها 524 لتَزْويجِها مِن غيرِ كُفْئِها، وهذا يُثْبِتُ الخِيارَ، ولا يُبْطِلُ النِّكاحَ، والوَصِيَّة يَتَراخَى فيها القَبُولُ، وتَجُوزُ بعدَ الموتِ، فهي مَعْدُولٌ بها عن سائرِ التَّصَرُّفاتِ.
ولا تَفْرِيعَ على هذه الرِّوايَةِ لوُضُوحِها.
فأمَّا على الرِّوايةِ الأخْرَى، فإنَّ الشَّهادَةَ تعْتَبَرُ في العَقْدِ؛ لأنَّها شَرْطٌ له، فيُعْتَبَرُ وُجُودُهُ معه، كالقَبُولِ، ولا تُعْتَبَرُ في الإِجازَةِ؛ لأنَّها ليست بعَقْدٍ، ولأنَّها إذا وُجِدَت، اسْتَنَد المِلْكُ إلى حايَةِ العَقْدِ، حتَّى لو كان في الصَّداقِ نماءُ مِلْكٍ مِن حينِ العَقْدِ لا مِنِ حينِ الإِجازَةِ.
وإن مات أحَدُهما قبلَ الإِجازَةِ، لم يَرِثْه الآخَرُ؛ لأنَّه [مات قبلَ تَمامِ العَقْدِ وصِحَّتِه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه إن كان مِمّا لو رَجَع إلى الحاكِمِ أجازَه، وَرِثَه الآخرُ؛ لأنَّه] 525 عَقْدٌ تَلْزَمُه

الجزء: 20 - الصفحة: 200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إجازَتُه، فهو كالصَّحِيحِ، وإن كان ممَّا لا يُجِيزُه، لم يَرِثْه.
فصل: ومتى تَزَوَّجَتِ المرأةُ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّها، أو الأمَةُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها، فقد ذَكَرَه أصحابُنا مِن [الصُّوَرِ التي فيها الرِّوايتان] 526. قال شَيخُنا 527: والصَّحيحُ عندِي أنَّه لا يَدْخُلُ فيها، لتَصْرِيحِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فيه بالبُطْلانِ.
ولأنَّ الإِجازَةَ إنَّما تكونُ لعَقْدٍ صَدَر مِن أهْلِه في مَحَلِّه، فأمَّا ما لم يَصْدُرْ مِن الأهْلِ، كالذي عَقَدَه المَجْنُونُ أو الطِّفْل، فلم يَقِفْ على الإِجازَةِ، وهذا عَقْدٌ لم يَصْدُرْ مِن أهْلِه، فإنَّ المرأةَ ليست أهْلًا له، بدَلِيلِ أنَّه لو أذِنَ لها فيه؛ لم يَصِحَّ [منها، وإذا لم يَصِحَّ] 528 مع الإِذْنِ المُقارِنِ، فلَأن لا يَصِحِّ بالإِجازَةِ المُتَأَخِّرَةِ أَوْلَى.
ولا تَفْرِيعَ على هذا القولِ.
فأمَّا على القَوْلِ الآخرِ، فمتى تَزَوَّجَتِ المرأةُ 529 بغيرِ إذْنِ الوَلِيِّ، فرُفِع إلى الحاكمِ، لم يَمْلِكْ إجازَتَه، والأمْرُ فيه إلى الوَلِيِّ، فمتى رَدَّه بَطَل؛ لأنَّ مَن وَقَف الحُكْمُ 530 على إجازَتِه، بَطَل برَدِّه، كالمرأةِ إذا زُوِّجَتْ بغيرِ إذْنِها.
وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّه إذا كان الزَّوْجُ كُفْئًا، أمَرَ الحاكِمُ الوَلِيَّ بإجازَتِه، فإن لم

الجزء: 20 - الصفحة: 201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَفْعَلْ، أجازَه الحاكمُ؛ لأنَّه لو 531 امْتَنَعَ [مِن الإِجازَةِ] 532 صارَ عاضِلًا، فانْتَقَلَتِ الولايةُ عنه إلى الحاكمِ، كما 533 في ابْتِداءِ العَقْدِ.
ومتى حَصَلَتِ الإِصابَةُ قبلَ الإِجازَةِ ثم أُجِيزَ، فالمَهْرُ واحدٌ؛ إمَّا المُسَمَّى، وإما مَهْرُ المِثْلِ إن لم يَكُنْ مُسَمًّى؛ فإنَّ الإِجازَةَ مُسْتَنِدَةٌ إلى حالةِ العَقْدِ، فيَثْبُتُ الحِل والمِلْكُ مِن حينِ العَقْدِ، كما فيَ ذَكَرْنا في البَيعِ، ولذلك لم يَجبِ الحَدُّ.
ومتى تَزَوَّجَتِ الأمَةُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها، ثم خرَجَتْ مِن مِلْكِه قبلَ الإِجازَةِ إلى مَن تَحِلُّ له، انْفَسَخَ النِّكاح؛ لأنَّه قد طَرَأَتِ اسْتِباحَةٌ صَحِيحَةٌ على مَوْقُوفَةٍ فأبْطَلَتْها؛ لأنَّها أقْوَى فأَزالتِ الأضْعَف، كما لو طَرَأ مِلْكُ اليَمِينِ على مِلْكِ النِّكاحِ.
وإن خَرَجَتْ إلى مَن لا (3) تَحِلُّ له، كالمرأةِ أو اثنَين 534، فكذلك أيضًا؛ لأنَّ العَقْدَ إذا وَقَف على إجازَةِ شَخْص، لم يَجُزْ بإجازَةِ غيرِه، كما لو باعَ أمَةَ غيرِه ثم باعَها المالِكُ، فأجاز 535 المُشْتَرِي الثاني بَيعَ 536 الأجْنَبِيِّ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَجُوزُ بإجازَةِ المالكِ الثاني؛ لأنَّه يَمْلِكُ ابْتِداءَ العَقْدِ، فمَلَكَ إجازَتَه، كالأوَّلِ.
ولا فَرْقَ بينَ أن تَخْرُجَ ببَيع أو هِبَةٍ أو إرْثٍ أو غيرِه.
فأمَّا إن أعْتَقَها السَّيِّدُ، احْتَمَلَ

الجزء: 20 - الصفحة: 202

وَوَكِيلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يَقومْ مَقَامَه وَإنْ كَانَ حَاضِرًا، وَوَصِيُّهُ  أن يَجُوزَ النِّكاحُ؛ لأنَّه إنَّما وَقَفَ لحَقِّ الوَلِيِّ (1)، فإذا أعتقَ سَقَط حَقّه، فصَحَّ، واحْتَمَلَ أن لا يَجُوزَ؛ لأنَّ إبْطال حَقِّ الوَلِيِّ ليس بإجازَةٍ، ولأنَّ حَقَّ المَوْلَى إن بَطَل مِن المِلْكِ، لم يَبْطُلْ مِن ولايةِ التَّزْويجِ، فإنَّه يَلِيها بالوَلاءِ.
فصل: وإذا زُوِّجَتِ (2) التي يُعْتَبَرُ إذْنُها بغيرِ إذْنِها، وقُلْنا: يَقِفُ على إجازَتِها.
فإجازَتُها بالنُّطْقِ، أو ما يَدُلُّ على الرِّضَا؛ مِن التَّمْكِينِ مِن الوَطْءِ والمُطالبَةِ بالمَهْرِ و (3) النَّفَقَةِ.
ولا فَرْقَ في ذلك بينَ البِكْرِ والثَّيِّبَ؛ لأنَّ أدِلَّةَ الرِّضَا تَقُومُ مَقامَ النُّطْقِ به، ولذلك قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لبَرِيرَةَ: «إنْ وَطِئَكِ زَوْجُكِ، فَلَا خِيَارَ لَكِ» (4). جَعَل تَمْكِينَها دَلِيلًا على إسْقَاطِ حَقها، والمطالبَةُ بالمَهْرِ و (3) النَّفَقَةِ والتَّمْكِين مِن الوَطْءِ دليلٌ على الرِّضَا، لأنَّ ذلك مِن خَصائِصِ العَقْدِ الصَّحِيحِ، فوُجُودُه مِن المرأةِ دليلُ رِضَاها به.

3118 -

مسألة: (ووَكِيلُ كَلِّ واحِدٍ مِن هؤلاءِ يَقُومُ مَقامَه وإن

537538539540 الحديث: 3118 - الجزء: 20 - الصفحة: 203

في النِّكَاحِ بِمَنْزِلَتِهِ.
كان حاضِرًا، ووَصِيُّه في النِّكَاحِ بمَنْزِلَتِه) يَجُوزُ التَّوْكِيلُ في النِّكاحِ، سَواءٌ كان الوَلِيُّ حاضِرًا أو غائِبًا، مُجْبَرًا أو غيرَ مُجْبَرٍ؛ لأنَّه رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَكَّلَ أبا رافِعٍ في تَزْويجِه مَيمُونَةَ، ووَكَّلَ عَمْرَو بنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ في تَزْويجِه أُمَّ حَبِيبَةَ 541. ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فجازَ التَّوْكيلُ [فيه كالبَيعِ] 542. ولأصحّاب الشافعيِّ في تَوْكِيلِ غيرِ الأبِ والجَدِّ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يجُوزُ؛ لأنَّه يَلي بالإذْنِ، فلم يَجُزْ له التَّوْكِيلُ، كالوَكيلِ.
ولَنا، أنَّه يَلي شَرْعًا، فكان له التَّوْكِيلُ كالأب، ولا يَصِحُّ قولُهم: إنَّه يَلي بالإِذْنِ.
فإنَّ ولايتَه ثابِتَةٌ قبلَ إذْنِها، وإنَّما إذنها 543 شَرْط لصِحَّةِ تَصَرُّفِه، فأشْبَهَ ولايةَ الحاكمِ عليها، ولا خِلافَ في أنَّ للحاكمِ أن يَسْتَنِيبَ في التَّزْويجِ مِن غيرِ إذْنِ المرأةِ، ولأنَّ المرأةَ لا ولايةَ لها على نَفْسِها، فكيف تَثْبُت لنائِبِها 544 مِن قِبَلِها! = 3/ 294. والبيهقي في: السنن الكبرى 7/ 225. والتخريج المتقدم يأتي في حديث آخر في صفحة 251.

الجزء: 20 - الصفحة: 204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَجُوزُ التوكيلُ مُطْلقًا ومُقَيَّدًا، فالمُقَيَّدُ التوكيلُ في تَزْويج رجل بعَينِه، والمُطْلَقُ التَّوكيلُ في تَزْويجِ مَن يَرْضاه أو مَن شاءَ.
قال أحمدُ، في رِوايةِ عبدِ اللهِ، في الرجلِ يُوَلِّي على أُخْتِه أو 545 ابْنَتِه، يقولُ: إذا وَجَدْتَ مَن تَرْضَاه 546 فَزَوِّجْه.
فتَزْويجُه جائِزٌ.
ومَنَع بعضُ الشافعيةِ التوكيلَ المُطْلَقَ.
ولا يَصِحُّ؛ فإنَّه رُوِيَ أنَّ رجلًا مِن العَرَبِ تَرَك ابْنَتَه عندَ عمرَ وقال: إذا وَجَدْت لها كُفْئًا فزَوِّجْه، ولو بشِراكِ نَعْلِه.
فزَوَّجَها عمرُ 547 عثمانَ بنَ عَفَّانَ، [فهي أُمُّ عمرَ بنِ عثمانَ 548. واشْتَهَرَ ذلك فلم يُنْكَرْ.
ولأنَّه إذْن في النِّكاحِ، فجازَ مُطْلَقًا، كإذْنِ المرأةِ، أو عَقْدٌ] 549،

الجزء: 20 - الصفحة: 205

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فجازَ التَّوْكِيلُ فيه مُطْلَقًا كالبَيْعِ 550. فصل: ولا يُعْتَبَرُ في صِحَّةِ 551 الوَكالةِ إذْنُ المرأةِ في التَّوْكِيلِ، سَواءٌ كان المُوَكِّلُ أَبا أو غيرَه.
ولا يَفْتَقِرُ إلى حُضورِ 552 شاهِدَينِ.
وقال بعضُ الشافعيةِ: لا يَجُوزُ لغيرِ المُجْبِرِ التَّوْكيلُ إلَّا بإذْنِ المرأةِ.
وخرَّجَه القاضي على الرِّوايَتَين في تَوْكِيلِ الوَكيلِ مِن غيرِ إذْنِ المُوَكِّلِ.
وحُكِيَ عن الحسنِ بنِ صالحٍ، أنَّه لا يَصِحُّ إلَّا بحَضْرَةِ شاهِدَين، لأنَّه يُرادُ لحِلِّ الوَطْءِ، فافْتَقَرَ إلى الشَّهادَةِ، كالنِّكاحِ.
ولَنا، أنَّه إذْنٌ مِن الوَلِيِّ في التَّزْويجِ، فلم يَفْتَقِرْ إلى إذْنِ المرأةِ ولا إشْهادٍ، كإذْنِ الحاكمِ.
وقد بَيَّنَّا أنَّ الوَلِيَّ ليس بوَكِيلَ المرأةِ، ولو كان وَكِيلَها لتَمَكَّنَتْ مِن عَزْلِه، وهذا التَّوْكِيلُ لا يُمْلَكُ به البُضْعُ، فلم يَفْتَقِر إلى إشْهادٍ، بخِلافِ النِّكاحِ.
ويَبْطُلُ ما ذَكَره الحسنُ بنُ صالحٍ بالتَّوْكِيلِ في شِراءِ الإِماءِ للتَّسَرِّي.

الجزء: 20 - الصفحة: 206

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَثْبُتُ للوَكيلِ ما يَثْبُتُ للمُوَكِّلِ، فإن كان للوَلِيِّ 553 الإِجْبارُ، ثَبَت ذلك لوَكِيلِه، وإن كانت ولايَتُه ولايةَ مُراجَعَةٍ، احْتاجَ الوكيلُ إلى مُراجَعَةِ المرأةِ؛ لأنَّه نائِبٌ فيَثْبُتُ له مثلُ ما يَثْبُت للمَنُوبِ عنه.

الجزء: 20 - الصفحة: 207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وكذلك الحكمُ في السلطانِ والحاكِمَ يَأْذَنُ لغيرِه في التَّزْويجِ، فيكونُ المأْذُونُ له قائِمًا مَقامَه.

الجزء: 20 - الصفحة: 208

وَعَنْهُ، لَا تُسْتَفَادُ ولَايةُ النِّكَاحِ بِالْوَصِيَّةِ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَصِحُّ إلا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ عَصَبَة.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، هل تُسْتَفادُ ولايةُ النِّكاحِ بالوَصِيَّةِ؟ فرُوِيَ أنَّها تسْتَفادُ بها.
اخْتارَه الخِرَقِيُّ.
وهذا قولُ الحسنِ، وحَمَّادِ بنِ أبي سليمانَ، ومالكٍ.
(و) رُوِيَ (عنه، لا تُسْتَفادُ بالوَصِيَّةِ) وبه قال الثَّوْرِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والحارِثُ العُكْلِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وابن المُنْذِرِ؛ لأنَّها كولايةٌ تَنْتَقِلُ إلى غيرِه شَرْعًا، فلم يَجُزْ 554 أن يُوصِيَ بها، كالحَضانَةِ، ولأنه لا ضَرَرَ على الوَصِيِّ في تَضْييعِها ووَضْعِها عندَ مَن لا يُكافِئُها، فلا تَثْبُتُ له الولايةُ كالأجْنَبِيِّ، ولأنَّها ولايةُ نِكاحٍ، فلم تَجُزِ الوَصِيَّةُ بها، كولايةِ الحاكمِ.
وقال أبِو عبدِ اللهِ بن حامِدٍ: إن كان لها عَصَبَةٌ، لم تَجُزِ الوَصِيَّةُ بنِكاحِها؛ لأنه

الجزء: 20 - الصفحة: 209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَسْقِط حَقَّهم بوَصِيَّتِه، وإن لم يَكنْ عَصَبَةٌ، جازَ لعدَمِ ذلك.
ولَنا، أنَّها ولايةٌ ثابِتَة 555 للأبِ، فجازَتْ وَصِيَّته بها، كولايَةِ المالِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُل بولايةِ المالِ، ولأنَّه يَجُوزُ أن يَسْتَنِيبَ فيها في حَياتِه، فيكونُ نائِبُه قائِمًا مَقامَه، فجازَ أن يَسْتَنِيبَ فيها بعدَ مَوْتِه، كولايةِ المالِ.
فعلى هذا، تَجُوز الوَصِيَّةُ بالنِّكاحِ مِن كلِّ ذِي ولاية، سَواءٌ كان مُجْبِرًا كالأبِ، أو غيرَ مجْبرٍ كالأخِ، ووَصِيُّ كلِّ وَلِيٍّ يَقُومْ مَقَامَه، فإن كان الوَلِيُّ له الإِجْبارُ، فكذلك لوَصِيِّه.
وإن كان يَحْتاجُ إلى إذْنِها فوَصِيُّه كذلك؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَه، فهو كالوَكِيلَ.
وقال مالكٌ: إن عَيَّنَ الأبُ الزَّوْجَ، مَلَك 556 إجْبارَها، صَغيرةً كانت أو كبيرةً، وإن لم يُعَيِّنِ الزَّوْجَ، وكانت بنْتُه كبيرةً، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ، واعْتبِرَ إذنها، وإن كانت صَغِيرَةً، انْتَظَرْنا بُلُوغَها، فإذا أَذْنَتْ، جازَ أن يُزَوِّجَها بإذْنِها.
ولَنا، أنَّ مَن مَلَك التَّزْويجَ إذا عُيِّنَ له الزَّوْجُ، مَلَك مع الإِطْلاقِ، كالوكيلِ، ومتى زَوَّجَ وَصِيُّ الأبِ الصغيرةَ فبَلَغَتْ، فلا خِيارَ لها؛ لأنَّ الوَصِيَّ قائِمٌ مَقامَ الموصِي، فلم يَثْبُتْ في تَزْويجِه خِيارٌ، كالوَكيلِ.

الجزء: 20 - الصفحة: 210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومَن لم تَثْبُتْ له الولايةُ، لا يَصِحُّ تَوْكِيلُه؛ لأنَّ وكيلَه قائِمٌ مَقامَه، فإن وَكَّلَه الوَلِيُّ 557 في تَزْويجِ مُوَلِّيَتِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّها ولايةٌ، وليس هو مِن أهْلِها، ولأنَّه لمَّا لم يَمْلِكْ تَزْويجَ مُناسِبتِه بولايةِ النَّسَبِ، فلأن لا يَمْلِكَ تَزْويجَ 558 مُناسِبَةِ غيرِه بالتَّوْكيلِ أوْلَى.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ تَوْكِيلُ العَبْدِ والفاسِقِ والصَّبِيِّ المُمَيِّزِ في العَقْدِ؛ لأنَّهم مِن أهلِ اللَّفْط به، وعباراتُهم فيه صَحِيحَةٌ، ولذلك صَحَّ 559 قَبُولُهم النِّكاحَ لأنْفسِهم، وإنَّما سُلِبُوا الولايةَ؛ لأنَّه يُعْتَبَرُ لها الكَمالُ، ولا حاجَةَ إليه في اللَّفْظِ.
وإن وَكَّلَه الزَّوْجُ في قَبُولِ النِّكاحِ، صَحَّ، وكذلك إن وَكَّلَه الأبُ في قَبُول النِّكاحِ لأبنِه الصغيرِ؛ لأنَّه يَصِحُّ قَبُولُهم لأنْفُسِهم، فجازَ أن

الجزء: 20 - الصفحة: 211

وَإذَا اسْتَوَى الأوْلِيَاءُ فِي الدَّرَجَةِ، صَحَّ التَّزْويجُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ  يَنُوبُوا فيه عن غيرِهم، كالبَيعِ.
وقال بعضُ أصحابِنا: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه أحَدُ طَرَفَي العَقْدِ، أشْبَهَ الإِيجابَ.
والأوَّلُ أوْلَى.

3119 -

مسألة: (وإذا اسْتَوَى الأَوْلِياءُ في الدَّرَجَةِ)

كالإِخْوَةِ

الحديث: 3119 - الجزء: 20 - الصفحة: 212

مِنْهُمْ، وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ أَفْضَلِهِم ثُمَّ أَسَنِّهِمْ،  والأعْمامِ وَبَنِيهِم (صَحَّ التَّزْويجُ مِن كلِّ واحِدٍ منهم) لأنَّ سَبَبَ الولايَةِ مَوْجُودٌ في كلِّ (1) واحِدٍ منهم.

3120 -

مسألة: والأوْلَى تَقْدِيمُ أَكْبَرِهِم وأفْضَلِهم؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا تَقَدَّمَ إليه

560 مُحَيِّصَةُ وحُوَيِّصَةُ وعبدُ الرحمنِ بنُ سَهْل، فتَكَلَّمَ عبدُ الرحمنِ بنُ سَهْلٍ، وكان أصْغَرَهُم، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «كَبِّرْ كَبِّرْ».
أي قَدِّمِ الأكبرَ، فتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ 561. ولأنَّه أحْوَطُ للعَقْدِ في

الحديث: 3120 - الجزء: 20 - الصفحة: 213

فَإِنْ تَشَاحُّوا، أُقْرِعَ بَينَهُمْ، فَإِنْ سَبَقَ غَيرُ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَزَوَّجَ، صَحَّ في أَقْوَى الْوَجْهَينَ.
اجْتِماعِ شُرُوطِه، والنَّظَرِ في الحَظِّ (فإن تَشَاحُّوا، أُقْرِعَ بينَهم) لأنَّهم تَساوَوْا في الحَقِّ، وتَعَذَّرَ الجَمْعُ، فيُقْرَعُ بينَهم، كالمرأتَين، وقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا أرادَ سَفَرًا أَقرَعَ بينَ نِسائِه (1)؛ لتَساوي حُقُوقِهِنَّ.
كذا هذا.

3121 -

مسألة: (فَإِنْ سَبَقَ غَيرُ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَزَوَّجَ، صَحَّ)

تَزْويجه (في أَقْوَى الْوَجْهَينَ) إذا زَوَّجَ كُفْئًا بإذْنِ المرأةِ؛ لأنَّه تَزْويجٌ صَدَر مِن وَلِيٍّ كاملِ الولايةِ بإذنِ مُوَلِّيَتِه، فصَحَّ، كما لو انْفَرَدَ، وإنَّما القُرْعَةُ لإِزالةِ المُشَاحَّةِ 563. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَصِحُّ.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ، [لأنَّه بالقُرْعَةِ صار أوْلَى] 564، فلم يَصِحَّ تَزْويجُه، كالأبْعَدِ مع لأقرَبِ.562

الحديث: 3121 - الجزء: 20 - الصفحة: 214

وَإنْ زَوَّجَ اثْنَانِ، وَلَمْ يُعْلَمِ السَّابِقُ مِنْهُمَا، فُسِخَ النِّكَاحَانِ.

3122 - مسألة: (وإذا زَوَّجَ)

الوَلِيَّان (اثْنَين، ولم يُعْلَمِ السَّابِقُ منهما، فُسِخَ النِّكَاحان) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المرأةَ إذا كان لها وَلِيَّان، فأذِنَت

الحديث: 3122 - الجزء: 20 - الصفحة: 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لكلِّ واحدٍ منهما 565 في تَزْويجِها، جازَ، سَواءٌ أذِنَتْ في رجلٍ مُعَيَّنٍ أو مُطْلَقًا، فإذا زَوَّجَها الوَلِيَّان لرَجُلَين، وعُلِمَ السَّابِقُ منهما، فالنِّكاحُ له، سَواءٌ دَخَل بها الثَّانِي أو لم يَدْخُلْ.
هذا قولُ الحسنِ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، وابنِ سِيرِينَ، والأوْزاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وأصحابِ الرَّأْي.
وبه قال عطاءٌ، ومالكٌ، ما لم يَدْخُلْ بها الثاني، فإن دَخَل بها الثاني صارَ أوْلَى؛ لقَوْلِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه: إذا أنْكَحَ الوَلِيَّان، فالأوَّلُ أحَقُّ ما لم يَدْخُلْ بها الثاني 566. ولأنَّ الثانيَ اتَّصَلَ بعَقْدِه القَبْضُ، فكان أحَقَّ.
ولَنا، ما روَى سَمُرَةُ، وعُقْبَةُ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «أَيُّمَا امْرَاة زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ، فَهِيَ لِلأَوَّلِ».
أخْرَجَ حديثَ سَمُرَةَ أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ، وأخْرَجَه النَّسَائِيُّ عنه وعن عُقْبَةَ 567. ورُوِيَ نحوُ ذلك

الجزء: 20 - الصفحة: 216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن عليٍّ، وشُرَيحٍ 568. ولأنَّ الثانِي تَزَوَّجَ امرأةً في عِصْمَةِ زَوْجٍ، فكان باطِلًا، كما لو عَلِم الحال، ولأنَّه نِكاحٌ باطِلٌ لو عَرِىَ عن الدُّخولِ، فكان باطِلًا وإن دَخَل، كنِكَاحِ المُعْتَدَّةِ.
وأمَّا حديثُ عمرَ، فلم يُصَحِّحْه أصْحابُ الحديثِ، وقد خالفَه قولُ عليِّ، وجاء على خِلافِ حديثِ 569 النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وما ذَكَرُوه مِن القَبْضِ لا مَعْنَى له؛ فإنَّ النِّكاحَ يَصِحُّ بغيرِ قَبْضٍ، مع أنَّه لا أصْلَ له فيُقاس عليه، ثم يَبْطُلُ بسائِرِ 570 الأنْكِحَةِ الفاسِدَةِ.
فصل: فإن دَخَل بها الثانِي وهو لا يَعْلَمُ أنَّها ذاتُ زَوْجٍ، فُرِّقَ بينَهما، وكان لها عليه مَهْرُ مِثْلِها، ولم يُصِبْها زَوْجُها حتَّى تَحِيضَ ثلاثَ حِيَض بعدَ وَطْئِها مِن الثَّانِي.
فأمَّا إن عَلِمَ بالحال قبلَ وَطْءِ الثانِي لها، فإنَّها تُدْفَعُ إلى الأوَّلِ، ولا شيءَ على الثاني؛ لأنَّ عَقْدَه عَقْدٌ باطِل لا يُوجِبُ شيئًا.

الجزء: 20 - الصفحة: 217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإن وَطِئَها الثاني وهو لا يَعْلَمُ، فهو وَطْءٌ بشُبْهَةٍ، يَجِبُ لها به المَهْرُ، وتُرَدُّ إلى الأوَّلِ، ولا يَحِلُّ له وَطْؤُها حتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها.
وهو قولُ قَتادَةَ، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
قال أحمدُ: لها صَداقٌ بالمَسِيسِ، وصَداقٌ [مِن هذا] 571. ولا يُرَدُّ الصَّداقُ الَّذي يُؤْخَذُ مِن الدَّاخِلِ بها على مَن دُفِعَتْ إليه؛ لأنَّ الصَّداقَ في مُقابَيَةِ الاسْتِمْتاعِ بها 572، فكان لها دُونَ زَوْجِها، كما لو وُطِئَتْ بشُبْهَةٍ أو مُكْرَهَةً.
ولا يَحْتاجُ النِّكَاحُ الثاني إلى فَسْخٍ؛ لأنَّه باطِلٌ، ولا يَجِبُ لها المَهْرُ إلَّا بالوَطْءِ دُون مُجَرَّدِ الدُّخُولِ والوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ، لأنَّه نِكاحٌ باطِلٌ لا حُكْمَ له.
ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّه يَجِبُ بالإِصابَةِ لا بالتَّسْمِيَةِ.
وذَكَر أبو بكرٍ أنَّ الواجِبَ المُسَمَّى.
قال القاضي: هو قِياسُ المذهبِ.
والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ؛ لما قُلْنا.
فصل: فإن جُهِلَ الأوَّلُ منهما، فُسِخَ النِّكاحان، ولا فَرْقَ بينَ أن لا يُعْلَمَ كَيفِيَّةُ وُقُوعِهما، أو يُعْلَمَ أنَّ أحَدَهما قبلَ الآخَرِ لا بعَينِه، أو يُعْلَمَه

الجزء: 20 - الصفحة: 218

وَعَنْهُ، يُقْرَعُ بَينَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ، أَمَرَ الآخَرَ بِالطَّلَاقِ، ثُمَّ يُجَدِّدُ الْقَارِعُ نِكَاحَهُ.
بعَينِه ثم يُشْكِلَ، والحُكْمُ في جميعِها واحِدٌ، وهو أن يَفْسَخَ الحاكمُ النِّكاحَين جميعًا.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ الجماعةِ.
ثم تَتَزَوَّجُ مَن شاءَت منهما أو مِن غيرِهما (وعن أحمدَ) رِوايةٌ أُخرَى، أنَّه (يُقرَعُ بينَهما) فمَن وَقَعَتْ له القُرْعَةُ امرَ صاحبَه بالطَّلاقِ (ثم يُجَدِّدُ القارِعُ نِكاحَه) لأنَّه إن كانت زَوْجَتَه لم يُضِرْه تَجْدِيدُ النِّكاحِ، وإن كانت زَوْجَةَ الآخَرِ، بانَتْ بالطَّلاقِ، وصارَتْ زَوْجَةَ هذا بعَقْدِه الثاني؛ لأنَّ القُرْعَةَ تَدْخُلُ لتَمْيِيزِ الحُقُوقِ عندَ التَّساوي، كالسَّفَرِ بإحْدَى نِسائِه، والبَداءَةِ بالمَبِيتِ عندَ إحْدَاهُنَّ، وتَعْيِينِ 573 الأنْصِباءِ في القِسْمَةِ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو ثَوْرٍ: يُجْبِرُهما السلطانُ على أن يُطَلِّقَ كُلُّ واحدٍ منهما طَلْقَةً، فإن أبيَا فَرَّقَ بينَهما.

الجزء: 20 - الصفحة: 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهو قريبٌ مِن القولِ الأوَّلِ، لأنَّه تَعَذَّرَ إمْضاءُ العَقْدِ الصَّحِيحِ، فوَجَبَ إزالةُ الضَّرَرِ بالتَّفْرِيقِ.
وقال الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: النِّكاحُ مَفْسُوخٌ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ إمْضاؤُه.
ولا يَصِحُّ هذا؛ فإنَّ العَقْدَ الصَّحِيحَ لا يَبْطُلُ بمُجَرَّدِ إشْكالِه، كما لو اخْتَلَفَ المُتَبايِعان في قَدْرِ الثَّمَنِ، فإنَّ العَقْدَ لا يَزُولُ إلَّا بفَسْخِه، كذا ههُنا.
ورُوِيَ عن شُرَيحٍ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وحَمَّادِ بنِ أبي سليمانَ، أنَّها تُخَيَّرُ، فأيُّهما اخْتارَتْه، فهو زَوْجُها.
وهذا فاسِدٌ، فإنَّ أحَدَهما ليس بزَوْج لها، فلم تُخَيَّرْ بينَهما، كما لو لم يَعْقِدْ إلَّا أحَدُهما، أو كما لو أشْكَلَ على الرجلَ امرأتُه في النِّساءِ، أو على المرأةِ زَوْجُها، إلَّا أن يُرِيدوا بقَوْلِهم أنَّها إذا اخْتارَتْ أحَدَهما، فُرِّقَ بَينَها 574 وبينَ الآخَرِ، ثم عَقَد المُخْتارُ نِكاحَها، فهذا حَسَنٌ، فإنَّه يُسْتَغْنَي بالتَّفْرِيقِ بَينَها 575 وبين أحَدِهما عن التَّفْرِيقِ بينَها (2) وبينهما جميعًا، ويفسْخِ أحَدِ النِّكاحَين عن فَسْخِهما.
فإن أردتْ أن تَخْتارَ، لم تُجْبَرْ.
وكذلك يَنْبَغِي إذا أُقْرِعَ بينَهما فوَقَعَتِ القُرْعَةُ لأحَدِهما، لم تُجْبَرْ على نِكاحِه، لأنَّه لا يُعْلَمُ [أنَّه زَوْجُها] 576، فيَتَعَيَّنُ إذًا فَسْخُ النِّكاحَين، ولها أن تَتَزَوَّجَ مَن شاءَت منهما أو مِن غيرِهما في الحالِ، إن كان قبلَ الدُّخُولِ، وبعدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ إن كان دَخَل بها أحَدُهما.

الجزء: 20 - الصفحة: 220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإنِ ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنَّه السَّابِقُ بالعَقْدِ، ولا بَيِّنَةَ لهما، لم يُقْبَلْ قَوْلُهما.
فإن أقَرَّتِ المرأةُ لأحَدِهما، لم يُقْبَل إقْرارُها.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: يُقْبَلُ، كما لو أقَرَّتِ ابْتِداءً.
ولَنا، أنَّ الخَصْمَ الزَّوْجُ الآخَرُ 577 في ذلك، فلم يُقْبَلْ إقْرارُها 578 في إبْطالِ حَقِّه، كما لو أقَرَّتْ عليه بطَلاقٍ.
وإنِ ادَّعَى الزَّوْجان على المرأةِ أنَّها تَعْلَمُ السَّابِقَ منهما، فأنْكَرَتْ، لم تُسْتَحْلَفْ لذلك.
وقال أصحابُ الشافعيِّ:

الجزء: 20 - الصفحة: 221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تُسْتَحْلَفُ.
بِناءً منهم على أنَّ إقْرارَها مَقْبُولٌ.
فإن فُرِّقَ بينَها 579 وبينَ أحَدِهما، لِاخْتِيارِها لصاحِبِه، أو لوُقُوعِ القُرْعَةِ له، وأقَرَّتْ له أنَّ عَقدَه سابِقٌ، فيَنْبَغِي أن يُقْبَلَ إقْرارُها 580، لأنَّهما اتَّفَقَا على ذلك مِن غيرِ خَصْمٍ مُنازِعٍ، فأشبَهَ ما لو لم يَكُنْ صاحِبُ عَقْدٍ آخَرُ.

الجزء: 20 - الصفحة: 222

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن عُلِمَ أنَّ العَقْدَين وَقَعَا معًا 581، لم يَسْبِقْ أحَدُهما الآخَرَ، فهما باطِلَان، لا حاجَةَ إلى فَسْخِهِما؛ لأنَّهما باطِلان مِن أصْلِهما، ولا مَهْرَ لها على واحِدٍ منهما، ولا مِيراثَ لها منهما، ولا يَرِثُها واحِدٌ منهما؛ لذلك.
وإن لم يُعْلَمْ ذلك ففُسِخَ 582 نِكاحُهُما، فروِيَ عن أحمدَ، أنَّه يَجِبُ لها نِصْفُ المَهْرِ، ويَقْتَرِعانِ عليه؛ لأنَّ عَقْدَ أحَدِهما صَحِيحٌ، وقد

الجزء: 20 - الصفحة: 223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  انْفَسَخَ نِكاحُه 583 قبلَ الدُّخُولِ، فوَجَبَ عليه نِصْفُ مَهْرِها، كما لو خالعَها 584. وقال أبو بكر: لا مَهْرَ لها؛ لأنَّهما مُجْبَران على الطَّلاقِ 585، فلم يَلْزَمْهما مَهْرٌ، كما لو فَسَخ الحاكمُ نِكاحَ رجلٍ لعُسْرَتِه أو غَيبَتِه.
وإن ماتَتْ قبلَ الفَسْخِ أو الطَّلاقِ، فلأحَدِهما نِصْفُ مِيرِاثِها، فيُوقَفُ الأمْرُ حتَّى يَصْطَلِحَا عليه.
وقيلَ: يُقْرَعُ بينَهما، فمَن خرَجَتْ له القُرْعَةُ، حَلَف أنَّه المُسْتَحِقُّ، ووَرِثَ.
وإن مات الزَّوْجان، فلها رُبْعُ مِيراثِ أحَدِهما.
فإن كانت قد أقَرَّتْ أنَّ أحَدَهما سابِقٌ بالعَقْدِ، فلا مِيراثَ لها مِن الآخَرِ، وهي تَدَّعِي رُبْعَ 586 مِيراثِ مَن أقَرَّتْ له.
فإن كان 587 قد ادَّعَى ذلك أيضًا، دُفِع إليها رُبْعُ مِيراثِه، وإن لم يَكُنِ ادَّعَى ذلك، وأنْكَرَ الوَرَثَة، فالقَوْلُ قولُهم مع أيمانِهِم، فإن نَكَلُوا قُضِيَ عليهم.
وإن لم تَكُنِ المرأةُ أقَرَّتْ بسَبْقِ أحَدِهما، احْتَمَلَ أن يَحْلِفَ وَرَثَةُ كُلِّ واحِدٍ منهما ويَبْرَأَ 588، واحْتَمَلَ أن يُقْرَعَ بينَهما، فمَن خَرَجَتْ قُرْعَتُه (6) فلها رُبْعُ مِيراثِه.
وقد

الجزء: 20 - الصفحة: 224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  روَى حَنْبَلٌ عن أحمدَ، أنَّه سُئِلَ عن رجل له ثلاثُ بناتٍ، زَوَّجَ إحْدَاهُنَّ مِن رجلٍ، ثم ماتَ الأبُ، ولم يُعْلَمْ أيُّتُهُنَّ زَوَّجَ: يُقْرَعُ بينَهُنَّ، فأيُّتُهُنَّ أصابَتْها القُرْعَة، فهي زَوْجَتُه، وإن ماتَ الزَّوْجُ فهي التي تَرِثُه.
فصل: وإنِ ادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه السَّابِقُ، فأقَرَّتْ لأحَدِهما، ثم فُرِّقَ بينَهما، وقُلْنا بوُجُوبِ المَهْرِ، وَجَب على المُقَر له دونَ صاحِبِه؛ لإِقْرارِه لها به، وإقْرارِها ببَراءَةِ صاحِبِه.
وإن ماتا، وَرِثَتِ المُقَرَّ له دُونَ

الجزء: 20 - الصفحة: 225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  صاحِبِه؛ لذلك.
وإن ماتت هي قبلَهما 589، اختَمَلَ أن يَرِثَها المُقَرُّ له؛ تَرِثُه، واحْتَمَلَ أن لا يُقْبَلَ إتْرارُها له، كما لم يَقْبَلْه في نَفْسِها.
وإن لم تُقِرَّ لأحَدِهما إلَّا بعدَ مَوْتِه، فهو كما لو أقَرَّتْ في حَياتِه.
وليس لوَرَثَةِ واحدٍ منهما الإِنْكارُ لاسْتِحْقاقِها؛ لأن مَوْرُوثَه قد أقَرَّ لها بدَعْواه 590 صِحَّةَ نِكاحِها وسَبْقَه بالعَقْدِ عليها.
وإن لم تُقِرَّ لواحدٍ منهما، أُقْرِعَ بينَهما، وكان لها مِيراثُ مَن تَقَعُ القُرْعَةُ عليه.
وإن كان أحَدُهما قد أصابَها، وكان هو المُقَرَّ له، أو كانت لم تُقِرَّ لواحدٍ منهما، فلها المُسَمَّى؛ لأنَّه مُقِرٌّ لها به، وهي لا تَدَّعِي سِواه، وإن كانت مُقِرّةً للآخَرِ، فهي تَدَّعِي مَهْرَ المِثْلِ، وهو يُقِرُّ لها 591 بالمُسَمَّى.
فإنِ اسْتَوَيا أو اصْطَلَحا، فلا كلامَ،

الجزء: 20 - الصفحة: 226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن كان مَهْرُ المِثْلِ أكْثَرَ، حَلَف على الزَّائدِ، وسَقَط.
وإن كان المُسَمَّى

الجزء: 20 - الصفحة: 227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لها أكْثَرَ، فهو مُقِرٌّ لها بالزِّيادَةِ، وهي تُنْكِرُها، فلا تَسْتَحِقُّها.

الجزء: 20 - الصفحة: 228

وَإذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ مِنْ أَمَتِهِ، جَازَ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ، وَكَذَلِكَ وَلِيُّ الْمَرْأَة -مِثْلَ ابْنِ الْعَمِّ وَالْمَوْلَى وَالْحَاكِمُ- إِذَا أَذِنَتْ

3123 - مسألة: (وَإذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ مِنْ أَمَتِهِ، جَازَ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ)

لأنَّه مَلَكَ بحُكْمِ المِلْكِ لا بحُكْمِ الإِذْنِ، في قَوْلِهم جَمِيعًا.
فإن كان مالِكًا لأحَدِ طَرَفَيِ العَقْدِ فوَكَّلَه مالِكُ الطَّرَفِ الآخَرِ فيه، أو وَكَّلَه المُوَلَّى في الإِيجابِ والزَّوْجُ في القَبُولِ، خُرِّجَ فيه وَجْهان؛ بِناءً على الرِّوايَتَين اللَّتَين نَذْكُرُهما في المسألةِ التي تَلِيها؛ لأنَّه مَلَك ذلك بالإِذْنِ.
وإن زَوَّجَ ابْنَتَه الكبيرةَ عبدَه الصغيرَ، لم يَجُزْ ذلك إلَّا برِضَاها؛ لأنَّه لا (1) يُكافِئُها.
ويُخَرَّجُ فيه أيضًا وَجْهان.
وإن زَوَّجَه ابْنَتَه الصغيرةَ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ له تَزْويجُها مِمَّن لا يُكافِئُها.
وعنه، يَجُوزُ.
3124 -

مسألة: (وكذلك وَلِيُّ المرأةِ -مِثْلَ ابنِ العَمِّ والمَوْلَى

592 الحديث: 3123 - الجزء: 20 - الصفحة: 229

لَهُ في نِكَاحِهَا، فَلَهُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ حَتَّى يُوَكِّلَ غَيرَهُ في أَحَدِ الطرَّفَينِ.
والحاكِمِ- إذا أَذِنَتْ له في تَزَوُّجِها.
وعنه، لا يَجُوزُ حَتَّى يُوَكِّل في أَحَدِ الطَّرَفَين) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ وَلِيَّ المَرأةِ التي يَحِلُّ له نِكاحُها إذا أَذِنَتْ له أن يُزَوِّجَها 593، فله ذلك، وهل له أن يَليَ طَرَفَى العَقْدِ بنَفْسِه؛ فيه رِوايتان؛ إحداهما، له ذلك.
وهو قولُ الحسنَ، وابنَ سِيرِينَ، ورَبيعَةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لِما روَى البخاريُّ 594، قال: قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ لأُمِّ حَكِيمٍ ابنةِ 595 قارظٍ 596: أتَجْعَلِينَ أمْرَكِ إليَّ؟ قالتْ: نعم.
قال: قد تَزَوّجْتُكِ.
ولأنَّه يَمْلِكُ الإِيجابَ والقَبُولَ، فجازَ أن يَتَولَّاهُما، كما لو زَوَّجَ أمَتَه عبدَه الصغيرَ، ولأنَّه عَقْدٌ وُجِدَ فيه الإِيجابُ مِن وَلِيٍّ ثابتِ الولايةِ،

الجزء: 20 - الصفحة: 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والقَبُولُ مِن زَوْجٍ هو أهْلٌ للقَبُولِ، فصَحَّ، كما لو وُجِدَا مِن رَجُلَين.
وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعْتَقَ صَفِيَّةَ، وجَعَل عِتْقَها صَدَاقَها 597. فإن قيلَ: فقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «كُلُّ نِكَاحٍ لَا يَحْضُرُهُ أرْبَعَةٌ فَهُوَ سِفَاحٌ؛ زَوْجٌ، وَوَلِيٌّ، وشَاهِدَانِ» 598. قُلْنا: هذا لا نَعْرِف صِحَّتَه، ولو صَحَّ كان مَخْصُوصًا بما إذا زَوَّجَ السَّيِّدُ عبدَه الصغيرَ أمَتَه، فيَتَعَدَّى التَّخْصِيصُ إلى مَحَلِّ النِّزاعِ.
وهل 599 يَفْتَقِرُ إلى ذِكْرِ الإِيجابِ والقَبُولِ، وهل 600 يُكْتَفَى بمُجَرَّدِ الإِيجابِ؟ [فيه وجهان؛ أحدُهما، يَحْتاجُ أن يقولَ: زَوَّجْتُ نَفْسِي فلانةَ، وقَبِلْتُ هذا النِّكاحَ] 601. لأنَّ ما

الجزء: 20 - الصفحة: 231

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  افْتَقَرَ إلى الإِيجابِ افْتَقَرَ إلى القَبُولِ، كسائِرِ العُقُودِ.
والثاني، يَكْفِيه أن يقولَ: زَوَّجْتُ نَفْسِي فُلانَةَ.
أو: تَزَوَّجْتُ فُلانَةَ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ؛ لحديثِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ، ولأنَّ إيجابَه يَتَضَمَّنُ القَبُولَ، فأشْبَهَ إذا تَقَدَّمَ الاسْتِدْعاءُ، ولهذا قُلْنا: إذا قال لأمَتِه: أعْتَقْتُكِ، وجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ.
انْعَقَدَ النِّكاحُ بمُجَرَّدِ هذا القولِ.
والرِّوايةُ الثانيةُ، لا يَجُوزُ أن يَتَوَلَّى طَرَفَيِ العَقْدِ، ولكنْ يُوَكِّلُ رجلًا يُزَوِّجُه إياها بإذْنِها.
ذَكَرَها الخِرَقِيُّ.
قال أحمدُ في رِوايةِ ابنِ مَنْصورٍ: لا يُزَوِّجُ نَفْسَه حتَّى يُوَلِّيَ رجلًا، على حديثِ المُغِيرَةِ بنِ شعْبَةَ.
وهو ما روَى أبو داودَ 602 بإسْنادِه عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيرٍ، أنَّ المُغِيرَةَ بنَ شُعْبَةَ أمَرَ رجلًا يُزَوِّجُه امْرأةً المُغِيرَةُ أوْلَى بها منه.
ولأنَّه عَقْدٌ مَلَكَه بالإِذْنِ، فلم يَجُزْ أن يَتَوَلَّى طَرَفَيه، كالبَيعِ.
وبهذا فارَقَ ما إذا زَوَّجَ أمَتَه عبدَه الصغيرَ.
وعلى هذه الرِّوايةِ، إن وَكَّلَ مَن يَقْبَلُ له النِّكاحَ، وتوَلَّى هو الإيجابَ، جازَ.
وقال الشافعيُّ في ابنِ العَمِّ والمَوْلَى: لا يُزَوِّجُهما إلَّا الحاكِمُ، ولا يَجُوزُ أن

الجزء: 20 - الصفحة: 232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَتَوَلَّى طَرَفَيِ العَقْدِ، ولا أن يُوَكِّلِ مَن يُزَوِّجُه؛ لأنَّ وَكِيلَه بمَنْزِلَتِه، وهذا عَقْدٌ مَلَكَه بالإِذْنِ، فلا يَتَوَلَّى طَرَفيه، كالبَيعِ، ولا يَجُوزُ أن يُزَوِّجَه مَن هو أَبْعَدُ منه مِن أوْليائِها؛ لأنَّه لا ولايةَ لهم مع وُجُودِه.
ولَنا، ما ذَكَرْناه مِن فِعْلِ الصَّحابةِ، ولم يَظْهَرْ خِلافُه، ولأن وَكِيلَه يَجُوزُ أن يَلِيَ العَقْدَ عليها لغيرِه، فصَحَّ أن يَلِيَه عليها له إذا كانت تَحِلُّ له، كالإِمامِ إذا أرادَ أن يَتَزَوَّجَ مُوَلِّيَتَه، ولأنَّ هذه امرأةٌ لها وَلِيٌّ حاضرٌ غيرُ عاضِل، فلم يَلِه الحاكمُ، كما لو أرادَ أن يُزَوِّجَها غيرُه.
ومَفْهُومُ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «السُّلْطَانُ وَلِيّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» 603. أنَّه لا ولايةَ له على هذه، والبَيعُ مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ الوَكِيلَ يَجُوزُ أن يَشْتَرِيَ ما وُكِّلَ في بَيعِه بإذْنِ المُوَكِّلِ.
فصلِ: فأمَّا إن أذِنَتْ له في تَزْويجِها، ولم تُعَيِّنِ الزَّوْجَ، لم يَجُزْ أن يُزَوِّجَها نفْسَه؛ لأنَّ إطْلاقَ الإِذْنِ يَقْتَضِي تَزْويجَها غيرَه، ويَجوزُ تزْويجُها لوَلَدِه؛ لأنَّه غيرُه.
فإن زَوَّجَها لابنه الكبيرِ، قَبِلَ لنَفْسِه، وإن زَوَّجَها

الجزء: 20 - الصفحة: 233

وَإِذَا قَال السَّيِّدُ لِأَمَتِهِ: أَعْتَقْتُكِ، وَجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ.
صَحَّ.
وَإنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ عَلَيهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا.
لابنه الصَّغيرِ، ففيه الرِّوايَتان في تَوَلِّي طَرَفَيِ العَقْدِ؛ فإن قُلْنا: لا يَتَوَلَّاه.
فوَكَّلَ رجلًا يُزَوِّجُها لوَلَدِه، وقَبِل هو النِّكَاحَ له، افْتَقَرَ إلى إذْنِها للوَكِيلِ، على ما قَدَّمْنا في أنَّ الوَكِيلَ لا يُزَوِّجُها إلَّا بإذْنِها.
وإن وَكَّلَ رجلًا يَقْبَلُ النَّكاحَ لوَلَدِه، وأوْجَبَ هو النِّكاحَ، لم يَحْتَجْ إلى إذْنِها؛ لأنَّها قد أذِنَتْ له.

3125 -

مسألة: (وَإِذَا قَال السَّيِّدُ لِأَمَتِهِ: أَعْتَقْتُكِ، وَجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ. صَحَّ فإنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ عَلَيهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا)

وكذلك إن قال: جَعَلْتُ عِتْقَ أَمَتِي صَدَاقَها.
ظاهِرُ المذهبِ أنَّ الرجلَ متى أعْتَقَ أمَتَه، وجَعَل عِتْقَها صَداقَها، فهو نِكاحٌ صَحِيحٌ.
نصَّ عليه أيدُ في روايةِ جماعةٍ.
ورُوِيَ ذلك عن علي، رَضِيَ الله عنه.
وفَعَلَه أنَسُ بنُ مالكٍ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، والحسنُ، والزُّهْرِيُّ، وإسْحاقُ.

الحديث: 3125 - الجزء: 20 - الصفحة: 234

وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ حَتَّى يَسْتَأَنِفَ نِكَاحَهَا بِإِذْنِهَا، فَإِنْ أَبَتْ ذَلِكَ فَعَلَيهَا قِيمَتُهَا.

3126

  • مسألة: (وَ عَنْهُ، لَا يَصِحُّ حَتَّى يَسْتَأَنِفَ نِكَاحَهَا بِإِذْنِهَا، فَإِنْ أَبَتْ ذَلِكَ فَعَلَيهَا قِيمَتُهَا) قال الأوْزَاعِيُّ: يَلْزمُها أن تَتَزَوَّجَه.
    ورَوَى المَرُّوذِيُّ عن أحمدَ، إذا أعْتَقَ أمَتَه، وجَعَل عِتْقَها صَداقَها، يُوَكِّلُ رجلًا يُزَوِّجُه.
    فظاهِرُ هذا أنَّه لم يَحْكُمْ بصِحَّةِ النِّكاحِ.
    قال أبو الخطَّابِ: هي الصحيحةُ.
    واخْتارَها القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.
    وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ، ومالكٍ، لأنَّه لم يُوجَدْ إيجابٌ وقَبُولٌ، فلم يَصِحَّ لعَدَمِ أرْكانِه، كما لو قال: أعْتَقْتُكِ.
    وسَكَت، ولأنَّها بالعِتْقِ تَمْلِكُ نَفسَها،

الحديث: 3126 - الجزء: 20 - الصفحة: 235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيَجِبُ أن يُعْتَبَرَ رِضَاها، كما لو فَصَل بينَهما، ولأنَّ العِتْقَ يزِيلُ مِلْكَه عن الاسْتِمْتاعِ بحُكْمِ المِلْكِ، فلا يَجُوزُ أَن يَسْتَبِيحَ الوَطْءَ بنَفْسِ المُسَمَّى، فإنَّه لو قال: بِعْتُكَ هذه الأمَةَ على أن تُزَوِّجَنِيها بالثَّمَنِ.
لم يَصِحَّ.
ولَنا، ما روَى أنَسٌ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أعْتَقَ صَفِيَّةَ، وجَعَل عِتْقَها صَدَاقَها.
مُتَّفَقٌ عليه 604. وفي لَفْظٍ: أعْتَقَها وتَزَوَّجَها.
فقلتُ: يا أبا حَمْزَةَ، ما أصْدَقَها؟ قال: نَفْسَها، عِتْقها.
وروَى الأثْرَمُ بإسْنادِه عن صَفِيَّةَ، قالتْ: أعْتَقَنِي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وجَعَل عِتْقِي صَدَاقِي 605. وبإسنْادِه عن علي، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه كان يقولُ: إذا أعْتَقَ الرجلُ أمَّ وَلَدِه، فجعَلَ عِتْقَها صَداقَها، فلا بَأْسَ بذلك.
ومتى ثَبَت العِتْقُ صَداقًا، ثَبَت النِّكاحُ؛ لأنَّ 606 الصَّداقَ لا يَتَقَدَّمُ النِّكاحَ، ولو تَأَخَّرَ العِتْقُ عن النِّكاحِ لم يَجُزْ،

الجزء: 20 - الصفحة: 236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فدَلَّ على أنَّه انْعَقَدَ بهذا اللَّفْظِ، ولأنَّه لم يُنْقَلْ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه اسْتَأْنَفَ عَقْدًا، ولو اسْتَأْنَفَه لظَهَرَ، ونُقِلَ كما نُقِلَ غيرُه، ولأنَّ مَن جازَ له تَزْويجُ امرأةٍ لغيرِه مِن غيرِ قَرابَةٍ، جازَ له أن يَتَزَوَّجَها، كالإِمامِ.
وقولُهم: لم يُوجَدْ إيجاب ولا قَبُولٌ.
عَدِيمُ الأثَرِ، فإنَّه لو وُجِدَ لم يَحْكُموا بصِحَّتِه، وعلى أنَّه إن لم يُوجَدْ فقد وُجِدَ ما يَدُلُّ عليه، وهو جَعْلُ العِتْقِ صَداقًا، فأشْبَهَ ما 607 لو تَزَوَّجَ امرأةً هو وَلِيُّها، أو 608 قال الخاطِبُ للوَلِي: أزَوَّجْتَ؟ قال: نعم 609. عندَ أصْحابِنا، وكما لو أتَى بالكِناياتِ عندَ أبي حنيفةَ ومَن وافَقَه.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ أن يقولَ: أعْتَقْتُكِ وجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَداقَكِ، وتَزَوَّجْتُكِ.
أو لا يقولَ: وتَزَوَّجْتُكِ.
وكذلك قولُه: جَعَلْتُ عِتْقَكِ صَداقَكِ.
أو 610: جَعَلْتُ صَداقَكِ عِتْقَكِ.
كذلك ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.

الجزء: 20 - الصفحة: 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ونَصَّ أحمدُ في روايةِ صالحٍ: إذا قال: جَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ.
أو: صَداقَكِ عِتْقَكِ.
كلُّ 611 ذلك جائز.
ويُشْتَرَطُ لصِحَّةِ النِّكاحِ أن لا يكونَ بينَهما فَصْلٌ، فلو قال: أعْتَقْتُكِ.
وسَكَت سُكوتًا يُمْكِنُه الكلامُ فيه، أو تَكَلَّمَ بكلامٍ أجْنَبِيٍّ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ؛ لأنَّها صارتْ بالعِتْقِ حُرَّةً، فتَحْتاجُ 612 أن يَتَزَوَّجَها برِضَاها بعَقْدٍ وصَداقٍ جديدٍ.
ولا بُدَّ مِن حُضُورِ شاهِدَين إذا قُلْنا باشْتِراطِ الشَّهادَةِ في النِّكاحِ.
نصَّ على ذلك في رِوايةِ الجماعةِ؛ لقولِه: «لا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِي وَشَاهِدَينِ» 613. فصل: وإذا قُلْنا بصِحَّةِ النَّكاحِ، فطَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، رَجَع عليها

الجزء: 20 - الصفحة: 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بنِصْفِ قِيمَتِها؛ لأنَّ الطَّلاقَ قبلَ الدُّخولِ يُوجِبُ الرُّجُوعَ في نِصْفِ ما فَرَض لها، وقد فَرَض لها نَفْسَها، ولا سَبِيلَ إلى الرُّجُوعِ في الرِّقِّ بعدَ زَوالِه، فرَجَعَ بنِصْفِ قِيمَةِ نَفْسِهَا.
وبهذا قال الحسنُ، والحَكَمُ 614. وقال الأوْزاعِيّ: يَرْجِعُ بقِيمَتِها 615. ولَنا، أنَّه طَلان قبلَ الدُّخُولِ، فأوْجَبَ الرُّجُوعَ بالنِّصْفِ، كسائِرِ الطَّلاقِ.
وتُعْتَبَرُ القِيمَةُ حالةَ الإِعْتاقِ؛ لأنَّها حالةُ الإِتْلافِ.
فإن لم تَكُنْ قادِرَةً على نِصفِ القِيمَةِ، فهل تُسْتَسْعَى فيها،

الجزء: 20 - الصفحة: 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو تكونُ دَينًا تُنْظرُ به إلى حالةِ القُدْرَةِ؟ على رِوايَتَين.
وإن قُلْنا: إنَّ النِّكاحَ لا يَنْعَقِدُ بهذا القولِ.
فعليها قِيمَةُ نَفْسِها؛ لأنَّه أزال مِلْكَه بعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، فرَجَعَ إلى قِيمَةِ المُفَوَّتِ، كالبَيعِ الفاسِدِ.
وكذلك إن قُلْنا: إنَّ النِّكاحَ انْعَقَدَ به.
فارْتَدَّتْ [قبلَ الدُّخُولِ] 616، أو فَعَلَتْ ما يَنْفَسِخُ به نِكاحُها، مثلَ أن أرْضَعَتْ زَوْجَةً له صغيرةً، ونحو ذلك، انْفَسَخَ نِكاحُها، وعليها قِيمَةُ نَفْسِها.

الجزء: 20 - الصفحة: 240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن قال لأمَتِه: أعْتَقْتُكِ على أن تُزَوِّجِينِي نَفْسَكِ، ويَكُونَ عِتْقُكِ صَداقَكِ.
أو لم يَقُلْ: ويكونَ عِتْقُكِ صَداقَكِ 617. فَقَبِلَتْ، عَتَقَتْ، ولم يَلْزَمْهَا أن تُزَوِّجَه نَفْسَها؛ لأنَّه سَلَفٌ في نِكاحٍ، فلم يَلْزَمْها، كما لو أسْلَفَ حُرَّةً ألْفًا على أن يَتَزَوَّجَها، ولأنَّه أسْقَطَ حُقها 618 مِن الخِيارِ قبلَ وُجُودِ سَبَبِه، فلم يَسْقُطْ، كالشَّفِيعِ يُسْقِطُ شُفْعَتَه قبلَ البَيعِ.
ويَلْزَمُها قِيمَةُ نَفْسِها.
أوْمَأ إليه أحمدُ في رِوايةِ عبدِ اللهِ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه أزال مِلْكَه منها بشَرْطِ عِوَض لم يُسَلَّمْ له (1)، فاسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بقِيمَتِه، كالبَيعِ الفاسدِ إذا تَلِفَتِ السِّلْعَةُ في يَدِ المُشْتَرِي،

الجزء: 20 - الصفحة: 241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والنِّكاحِ الفاسدِ إذا اتَّصَلَ به الدُّخُولُ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَها شيءٌ، بِناءً على ما إذا قال لعَبْدِه: أعْتَقْتُكَ على أن تُعْطِيَنِي ألْفًا.
وهذا قولُ مالكٍ، وزُفرَ؛ لأنَّ هذا ليس بلَفْظِ شَرْطٍ، فأشْبَهَ ما لو قال: أعْتَقْتُكِ، وزُوِّجِينِي نَفْسَكِ.
وتُعْتَبَرُ القِيمَةُ حالةَ العِتْقِ، ويُطالِبُها في الحالِ إن كانت قادِرةَ عليها.
وإن كانت مُعْسِرَةً، فهل تُنْظرُ إلى المَيسَرَةِ أو تُجْبَرُ على الكَسْبِ؟ على وَجْهَين، أصْلُهما في المُفْلِسِ هل يُجْبَرُ على الكَسْبِ؟ على رِوايتَين 619. فصل: وإنِ اتَّفَقَ السَّيِّدُ والأمَةُ على أن يُعْتِقَها وتُزَوِّجَه نَفْسَها، فتَزَوَّجَها على ذلك، صَحَّ، ولا مَهْرَ لها غيرَ ما شرَط مِن العِتْقِ.
وبه قال أبو يُوسُفَ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: لا يكونُ العِتْقُ صَداقًا، لكنْ إن تَزَوَّجَها على القِيمَةِ التي له 620 في ذِمَّتِها، وهما يَعْلَمان القِيمَةَ، صَحَّ الصَّداقُ.
ولَنا، أنَّ العِتْقَ صَلَح 621 صَدَاقًا في حَقِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فيَجُوزُ في حَقِّ أُمَّتِه، كالدَّراهِمِ، ولأنَّه يَصْلُحُ عِوَضًا في البَيعِ، فإنَّه لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ على ألفٍ.
جازَ، فلأنْ يكونَ عِوَضًا في النِّكاحِ أوْلَى؛ فإنَّ النِّكاحَ لا يُقْصَدُ فيه العِوَضُ.
وعلى هذا، لو تَزَوَّجَها على أن يُعْتِقَ أَبَاها، صَحَّ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ عبدِ اللهِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ العِتْقَ يَصِيرُ صَدَاقًا،

الجزء: 20 - الصفحة: 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كما لو دَفَع إليها مالًا ثم تَزَوَّجَها عليه.
فإن بَذَلَتْ له نَفْسَها ليَتَزَوَّجَها فامْتَنَعَ، لم يُجْبَرْ، وكانت له القِيمَةُ؛ لأنَّها إذا لم تُجْبَرْ على تَزْويجِه نَفْسَها، لم يُجْبَرْ هو على قَبُولِها.
وحُكْمُ المُدَبَّرَةِ والمُعَلَّقِ عِتْقُها بصِفَةٍ 622 وأُمِّ الوَلَدِ، حُكْمُ الأمَةِ القِنِّ في جَمِيعِ ما ذَكَرْناه.
فصل: ولا بَأْسَ أن يُعْتِقَ الرَّجلُ الأمَةَ ثم يَتَزَوَّجَها، سواءٌ أعْتَقَها لوَجْهِ الله تعالى، أو أعْتَقَها ليتَزَوَّجَها.
وكَرِهَ أنَسٌ تَزَوُّجَ 623 مَن أعْتَقَها لوَجْهِ اللهِ تعالى.
قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: روَى شُعْبَة، عن قَتادَةَ، عن أنَسٍ، أنَّه كَرِه أن يُعْتِقَ الأمَةَ ثم يَتَزوَّجَها 624؟ قال: نعم، ذاكَ إذا أعْتَقَها للهِ، كَرِهَ أن يَرْجعَ في شيءٍ منها 625. ولَنا، ما روَى أبو موسى، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَت عِنْدَهُ جَارِيَة، فَعَلَّمَهَا، وَأَحسَنَ إلَيهَا، ثُمَّ أعتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا، فَذَلِكَ لَهُ أجْرَانِ».
مُتَّفَقٌ عليه 626. ولأنَّه إذا

الجزء: 20 - الصفحة: 243

فَصْلٌ: الرَّابِعُ، الشَّهَادَةُ.
فَلَا يَنْعَقِدُ إلا بِشَاهِدَينِ عَدْلَين ذَكَرَينِ، بَالِغَينِ، عَاقِلَينِ، وَإنْ كَانَا ضَرِيرَينِ.
تَزَوَّجَها، فقد أحْسَنَ إليه بإعْفافِها 627 وصِيانَتِها، فلم يُكْرَهْ، كما لو زَوَّجَها غيرَه، وليس في هذا رُجُوعٌ فيما جُعِلَ للهِ؛ فإنَّه إنَّما يَتَزَوَّجُها بصَداقِها، فهو بمَنْزِلَةِ مَنِ اشْتَرَى منها شيئًا.
فصل: وإذا قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ على أن أُزَوِّجَكَ ابْنَتِي.
فأعْتَقَه، لم يَلْزَمْه أن يُزَوِّجَه ابْنَتَه 628؛ لأنَّه سَلَفٌ في نِكاح، وعليه قِيمَةُ العبدِ 629. وقال الشافعيُّ في أحَدِ القَوْلَين: لا يَلْزَمُه شيء؛ لأنَّه لا فائدةَ له في العِتْقِ.
ولَنا، أنَّه أزَال مِلْكَه عن عَبْدِه بعِوَض شَرَطَه، فلَزِمَه عِوَضُه، كما لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي وعليَّ ثَمَنُه.
وكما لو قال: طَلِّقْ زَوْجَتَكَ و 630 عليَّ ألْفٌ.
فطَلَّقَها.
أو: ألْقِ مَتاعَكَ في البَحْرِ وعليَّ ثَمَنُه.
وبهذه الأُصُولِ يَبْطُلُ قَوْلُهم: إنَّه لَا فائِدَةَ له في العِتْقِ.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (الرَّابِعُ، الشَّهَادَةُ.
فَلَا يَنْعَقِدُ إلا بِشَاهِدَينِ عَدْلَين ذَكَرَينِ بَالِغَينِ عَاقِلَينِ، وَإنْ كَانَا ضَرِيرَينِ) المشْهُورُ عن أحمدَ، = المسند 4/ 395، 398، 402، 414.

الجزء: 20 - الصفحة: 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَحِمَه اللهُ، أنَّ الشَّهادَةَ شرْطٌ لصِحَّةِ النِّكاحِ.
رُوِيَ ذلك عن عمرَ، وعليٍّ.
وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وجابِرِ بنِ زيدٍ، والحسنُ بنُ عليٍّ، وابنُ الزُّبَيرِ، وسالمٌ وحَمْزَةُ ابْنَا ابنِ عمرَ.
وبه قال عبدُ اللهِ بنُ إدْرِيسَ 631، وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، ويزيدُ بنُ هارونَ، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وعن أحمدَ، أنَّه يَصِحُّ بغيرِ شُهُودٍ.
فَعَلَه ابنُ عمرَ، والعَنْبَرِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وهو قولُ الزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، إذا أعْلَنُوه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَثْبُتُ في الشَّاهِدَين في النِّكاحِ خبَرٌ.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ 632: وقد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِي وشَاهِدَينِ عَدْلَينِ».
مِن حديثِ ابنِ عباس، وأبي هُرَيرَةَ، وابنِ عمرَ 633، إلَّا أنَّ في نَقَيَةِ ذلك ضَعْفًا، فلم أذْكُرْه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: وقد أعْتَقَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - صَفِيَّةَ بنتَ حُيَيٍّ وتَزَوَّجَها بغيرِ شُهودٍ 634. قال أنَسُ بنُ مالِكٍ: اشْتَرَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جارِيَةً بسَبْعَةِ أرْؤُسٍ، قال النَّاسُ: ما نَدْرِي أتَزَوَّجَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أم جَعَلَها أُمَّ وَلَدٍ؟ فلمَّا أرادَ

الجزء: 20 - الصفحة: 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أن يَرْكَبَ حَجَبَها، فَعلِمُوا أنَّه تَزَوَّجَها.
مُتَّفَقٌ عليه 635. قال: فاسْتَدَلُّوا على تَزْويجها بالحِجَابِ.
وقال يزيذ بنُ هارونَ: أمَرَ الله بالإِشْهادِ في البَيعِ دُونَ النِّكَاحَ، فاشْتَرَطَ أصحابُ الرَّأْي الشَّهادَةَ للنِّكاحِ 636، ولم يَشْتَرِطُوها للبَيعَ 637! ووَجْهُ الأُولَى أنَّه قد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ، وشَاهِدَي عَدْلٍ».
رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه 638. وروَى الدَّارَقُطنيُّ 639 عن عائشةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَابُدَّ في النِّكَاحِ مِنْ أرْبَعَةٍ؛ الوَلِي، والزَّوْجُ، والشَّاهِدَانِ».
ولأنَّه يَتَعَلَّقُ به حَقُّ غيرِ 640 المُتَعاقِدَين، وهو الوَلَدُ، فاشْتُرِطَتِ الشَّهادَةُ فيه؛ لئلَّا يَجْحَدَه أَبُوه، فيَضِيعَ نَسَبُه، بخِلافِ البَيعِ.
فأمَّا نِكاحُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بغيرِ وَلِيٍّ ولا شُهودٍ، فمِن خَصائِصِه في النِّكاحِ، فلا يُلْحَقُ به غيرُه.
فصل: ويُشْتَرَطُ في الشُّهودِ الذّكُورِيَّةُ، والعَدالةُ، والعَقْلُ،

الجزء: 20 - الصفحة: 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والبُلُوغُ، والإِسْلامُ، فأمَّا الذّكُورِيَّةُ، فقال أحمدُ: إذا تَزَوَّجَ بشَهادَةِ نِسْوَةٍ، لم يَجُزْ ذلك؛ لما روَى أبو عُبَيدٍ 641 في «الأمْوالِ» عن الزُّهْرِيِّ، قال: مَضَتِ السُّنَّةُ مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن لا تَجُوزَ شَهادَةُ النِّساءِ في الحُدُودِ، ولا في النِّكاحِ، ولا في الطَّلاقِ.
ولأنَّه عَقْدٌ ليس بمالٍ، ولا المَقْصُودُ منه المال، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ في غالِبِ الأحْوالِ، فلم يَثْبُتْ بشَهادَتِهِنَّ كالحُدُودِ.
الثاني، العَدالةُ، وفي انْعِقادِ النِّكَاحِ بشهادَةِ الفاسِقَين رِوايتَان؛ إحْدَاهما، لا يَنْعَقِدُ.
وهو مذهبُ الشَّافعيِّ؛ للخَبَرِ.
ولأنَّ النِّكاحَ لا يَثْبُتُ بشَهادَتِهما، فلم يَنْعَقِدْ بحُضُورِهما، كالمَجْنُونَين.
والثانيةُ، يَنْعَقِدُ بشَهادَتِهما.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه تَحَمُّلٌ، فصَحَّتْ مِن الفاسِقِ، كسائرِ التَّحَمُّلاتِ.
وعلى كلتا الرِّوَايتَين لا تُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ العَدالةِ، بل يَنْعَقِدُ بشَهادَةِ مَسْتُورِي الحالِ؛ لأنَّ النِّكاحَ يكونُ في القُرَى والبَوادِي، وبينَ عامَّةِ النَّاسِ ممَّن 642 لا يَعْرِفُ حقيقةَ العَدالةِ، فاعْتِبارُ ذلك يَشُقُّ، فاكْتُفِيَ بظاهرِ الحالِ، وكَوْنِ الشَّاهِدِ مَسْتُورًا لم يَظْهَرْ فِسْقُه، فإن تَبَيَّنَ بعدَ العَقْدِ أنَّه كان فاسِقًا، لم يُؤثِّرْ في العَقْدِ؛ لأنَّ الشَّرْطَ العَدَالةُ ظاهِرًا، وهو أن لا يكونَ ظاهِرَ الفِسْقِ، وقد تَحَقَّقَ ذلك.
وقيل: نَتَبَيَّنُ أنَّ النِّكَاحَ كان فاسِدًا؛ لعَدَمِ الشَّرْطِ.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو كانتِ العَدالةُ

الجزء: 20 - الصفحة: 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الباطِنَ شَرطًا، لَوَجَبَ الكَشْفُ عنها؛ لأنَّه مع الشّكِّ فيها يكونُ الشَّرْطُ مَشْكُوكًا فيه، فلا يَنعَقِدُ 643 النِّكاحُ، ولا تَحِلُّ المرأةُ مع الشَّكِّ في صِحَّةِ نِكَاحِها.
وإن حَدَث الفِسْقُ فيهما، لم يُؤثِّرْ في صِحَّةِ النِّكاحِ؛ لأنَّ الشَّرْطَ إنَّما يُعْتَبَرُ حالةَ العَقْدِ.
ولو أقَرَّ رجلٌ وامرأة أنَّهما نَكَحَا بوَلِيٍّ وشاهِدَيْ عَدْلٍ، قُبِلَ منهما، وثَبَت النَّكاحُ بإقْرارِهما 644. الثالثُ العَقْلُ، فلا يَنْعَقِدُ بشَهادَةِ مَجْنُونَين ولا طِفْلَين؛ لأنَّهما ليسا مِن أهلِ الشَّهادَةِ، ولا لهما قولٌ يُعْتَبَرُ.
الرابعُ البُلُوغُ، فلا يَنْعَقِدُ بشهادةِ صَبِيَّين؛ لأنَّهما ليسا مِن أهلِ الشَّهادَةِ، أشْبَها الطِّفْلَ.
(و) عنه، أنَّه يَنْعَقِدُ بشَهادَةِ (مُراهِقَين عاقِلَين) بِناءً على أنَّهما مِن أهلِ الشَّهادَةِ.
الخامسُ، الإِسْلامُ، فلا يَنْعَقِدُ النَّكاحُ بشهادةِ كافِرَين، سَواءٌ كان الزَّوْجان مُسْلِمَين، أو الزَّوْجُ مُسْلِمًا وحدَه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ الشافعِيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا كانتِ المرأةُ ذِمِّيَّةً، صَحَّ بشَهادَةِ ذِمِّيَّين.
ويَتَخرَّجُ لنا مثلُ ذلك، بِناءً على الرِّوايةِ التي تقولُ بقَبُولِ شَهادَةِ بعضِ أهلِ الذِّمَّةِ على بعض.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ، وشَاهِدَيْ عَدْلٍ».
ولأنَّه نِكاحُ مُسْلِم، فلم يَنْعَقِدْ بشهادةِ ذِمِّيَّين، كنِكاحِ المُسْلِمَين.

الجزء: 20 - الصفحة: 248

وَعَنْهُ، يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ فَاسِقَينِ، وَرَجُلٍ وَامْرأتَينِ، وَمُرَاهِقَينِ  فصل: ويَنْعَقِدُ بشَهادَةِ ضَرِيرَين.
وللشَّافِعِيَّةِ في ذلك وَجْهان.
ولَنا، أنَّها شهادة على قولٍ، فقُبِلَتْ مِن الضَّرِيرِ، كالشَّهادةِ بالاسْتِفاضَةِ.
ويُعْتَبَرُ أن يَتَيَقَّنَ الصَّوْتَ على وَجْهٍ لا يَشُكُّ فيهما، كما يَعْلَمُ ذلك مَن رآهما.
ويَنْعَقِدُ بشهادةِ عَبْدَين.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: لا يَنْعَقِدُ.
والخِلافُ في ذلك مَبْنِيٌّ على الخلافِ في قَبُولِ شَهادَتِهِما في سائِرِ الحُقُوقِ، وسنَذْكُرُ ذلك في مَوْضِعِه إن شاءَ الله (وعنه، يَنْعَقِدُ بحُضُورِ فاسِقَين) وقد ذَكَرْنا ذلك (ورجل وامْرأَتين) ظاهِرُ المذهبِ أنَّ النِّكاحَ لا يَنْعَقِدُ برجل وامْرأَتينِ.
وهو قولُ النَّخَعِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ.
وعن أحمدَ أنَّه قال: إذا تَزَوَّجَ بشَهادَةِ نِسْوَةٍ، لم يَجُزْ، فإن كان معهنَّ رجلٌ، فهو أهْوَنُ.
فيَحْتَمِلُ أنَّ هذا رِوايةٌ أُخْرى في انْعِقادِه بذلك.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأي.
ويُرْوَى عن الشَّعْبِيِّ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فانْعَقَدَ (1) بشَهادَتِهِنَّ [مع الرِّجالِ] (2)، كالبَيعِ.
ولَنا، الخَبَرُ المَذْكُورُ، ولأنَّه عَقْدٌ ليس المَقْصُودُ منه المال، ويَحْضُرُه الرِّجالُ، فلم يُقْبَلْ فيه شهادةُ النِّساءِ، كالحُدُودِ، [ولهذا فارَقَ البَيع] (3).

3127 -

مسألة: (و)

عنه، [أنَّ النِّكاحَ] 648 يَنْعَقِدُ بحُضُورِ645646647

الحديث: 3127 - الجزء: 20 - الصفحة: 249

عَاقِلَينَ.
(مُرَاهِقَين عاقِلَين) وقد ذَكَرْناه.

الجزء: 20 - الصفحة: 250

وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ مُسْلِمٍ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّينِ، وَيَتَخَرَّجُ أنْ يَنْعَقِدَ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذِمِّيَّةً.
وَلَا يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ أصَمَّينِ وَلَا أَخْرَسَينِ.

3128 - مسألة: (وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ مُسْلِمٍ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّينِ. وَيَتَخَرَّجُ أنْ يَنْعَقِدَ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذِمِّيَّةً).

وقد ذَكَرْنا ذلك.
3129 -

مسألة: (ولا يَنْعَقِدُ بحُضُورِ أَصَمَّين ولا أخْرَسَين)

لأنَّ الأصَمَّين لا يَسْمَعان، والأَخْرَسَين يَتَعَذَّرُ الأَدَاءُ منهما.
وفي انْعِقادِه بشَهادَةِ أهلِ الصَّنائِعِ الزَّريَّةِ 649، كالحَجَّامِ ونحوه، وَجْهان، بِناءً على قَبُولِ شَهادَتِهم.

الحديث: 3128 - الجزء: 20 - الصفحة: 251

وَهَلْ يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ عَدُوَّينِ، أَو ابْنَيِ الزَّوْجَينِ أَو أَحدِهِمَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وَعَنْهُ، أنَّ الشَّهَادَةَ لَيسَتْ مِنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ.

3130 - مسألة: وَهَلْ يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ عَدُوَّينِ، أَو ابْنَي الزَّوْجَينِ أَو أَحدِهِمَا؟ عَلَى وَجْهَينِ) أحَدُهما، ينْغقِدُ.
اخْتارَه أبو عبدِ اللهِ بنُ بَطَّةَ؛ لعُمُومِ قولِه: «وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ».
ولأنَّه يَنْعَقِدُ بهما نِكاحُ غيرِ هذا الزَّوْجِ، فانْعَقَدَ بهما نِكاحُه، كسائِرِء العُدُولِ.
والثاني، لا يَنْعَقِدُ؛ لأنَّ العَدُوَّ لا تُقْبَلُ شَهادَتُه على عَدُوِّه، والابنَ لا تُقْبَلُ شهادَتُه لوالِدِه (وعنه، أنَّ الشَّهادَةَ ليست مِن شُرُوطِ النِّكاحِ)

وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في ذلك.
واللهُ أعلمُ.

الحديث: 3130 - الجزء: 20 - الصفحة: 252

فَصْلٌ: الْخَامِسُ، كَوْنُ الرَّجُلِ كُفْئًا لَهَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ، فَلَوْ رَضِيَتِ الْمَرْأةُ وَالأوْلِيَاءُ بِغَيرِهِ، لَمْ يَصِحَّ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَهُ اللهُ: (الخامِسُ، كَوْنُ الرجلِ كُفْئًا لها في إحْدَى الرِّوايتَين، فلو رَضِيَتِ المرأةُ والأوْلِياءُ بغيرِه، لم يَصِحَّ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في اشْتِراطِ الكَفاءَةِ لصِحَّةِ النِّكاحِ، فرُوِيَ عنه أنَّها شَرْطٌ؛ فإنَّه قال: إذا تَزَوَّجَ المَوْلَى العَرَبِيَّةَ فُرِّقَ بينَهما.
وهذا قولُ سُفْيانَ.
وقال أحمدُ في الرجلِ يَشْرَبُ الشَّرابَ: ما هو بكُفْءٍ لها، يُفَرَّقُ بينَهما.
وقال: لو كان المُتَزَوِّجُ حائِكًا فَرَّقْتُ بينَهما؛ لقولِ عمرَ، رَضِيَ

الجزء: 20 - الصفحة: 253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللهُ عنه: لأمْنَعَنَّ تَزْويجَ 650 ذَواتِ الأحْسابِ إلَّا مِن الأكْفاءِ.
رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه 651. وعن أبي إسْحاقَ الهَمْدَانِيِّ، قال: خَرَجَ سَلْمانُ وجَرِيرٌ في سَفَرٍ، فأُقِيمَتِ الصلاةُ، فقال جَرِيرٌ لسَلْمانَ: تَقَدّمْ.
فقال سَلْمانُ: بل أنتَ تَقَدَّمْ، فإنَّكُم -مَعْشَرَ العَرَبِ- لا نَتَقَدَّمُ في صَلاتِكِم ولا نَنْكِحُ نِساءَكم، إنَّ اللهَ فَضَّلَكمِ علينا بمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وجَعَلَه فيكم 652. ولأنَّ التَّزْويجَ مع فَقْدِ الكَفاءَةِ تصَرُّفٌ في حَقِّ مَن يَحْدُثُ مِن 653 الأوْلِياءِ بغيرِ إذْنِه، كما لو زَوَّجَها بغيرِ إذْنِها، فلم يَصِحَّ.
وقد روَى الدَّارَقُطْنِيُّ 654 عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا [تُنْكِحُوا النِّسَاءَ] 655 إلَّا الأَكْفَاءَ، وَلَا يُزَوِّجُهُنَّ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ».
إلَّا أنَّ ابنَ عبدِ البَرِّ قال 656: هذا ضعيفٌ لا أصلَ له، ولا يُحْتَجُّ

الجزء: 20 - الصفحة: 254

وَالثَّانِيَةُ، لَيسَ بِشَرْطٍ.
وَهِيَ أَصَحُّ.
بمِثْلِه.
فلو رَضِيَتِ المرأةُ والأوْلِياءُ بغيرِ كُفْءٍ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ؛ لفَواتِ شَرْطِه.
وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ.
وإذا قُلْنا با شْتِراطِها، فإنَّما يُعْتَبَرُ وُجودُها حال العَقْدِ، فإن عُدِمَتْ بعدَه، لم يَبْطُلِ النِّكاحُ، فإن كانت مَعْدُومَةً حال العَقْدِ، فهو فاسِدٌ، حُكْمُه حكمُ العُقُودِ الفاسدةِ، على ما نَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ تعالى (والثانيةُ، ليست شَرْطًا) في النِّكاحِ (وهي أصَحُّ) وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
رُوِيَ نحوُه عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وعُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ، وحَمَّادِ بنِ أبي سليمانَ، وابنِ سِيرِينَ، وابنِ عَوْنٍ، ومالكٍ، والشافعيِّ، أصحابِ الرَّأْي؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ 657. وقالت عائشةُ: إنَّ أبا حُذَيفَةَ بنَ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ تَبَنَّى سالمًا، وأنْكَحَه ابْنَةَ أخِيه هِنْدَ ابنَةَ الوَليدِ بنِ عُتْبَةَ، وهو مَوْلًى لامْرأةٍ مِن الأنْصارِ.
أخْرَجَه البُخَارِيُّ 658. وأمَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فاطمةَ بنتَ قَيسٍ أن

الجزء: 20 - الصفحة: 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَنْكِحَ أُسامَةَ بنَ زَيدٍ مَوْلاه، فنَكَحَها بأمْرِه.
مُتَّفَقٌ عليه 659. وزَوَّجَ أباه 660 زيدَ بنَ حارثَةَ ابْنةَ عَمَّتِه 661 زَينَبَ بنتَ جَحْشٍ الأسَدِيَّةَ 662. وقال ابنُ مسعودٍ لأُخْتِه 663: أنْشُدُكِ اللهَ أن لا 664 تَتَزَوَّجِي 665 إلَّا مُسْلِمًا، وإن كان أحْمَرَ رُومِيًّا، أو أسْوَدَ حَبَشِيًّا 666. ولأنَّ الكَفاءَةَ لا تَخْرُجُ عن كَوْنِها حَقًّا للمرأةِ أو للأوْلِياء، أو لهما، فلم يُشْتَرَطْ وُجودُها، كالسَّلامَةِ مِن العُيُوب.
ورُوِيَ أَنَّ أبا هِنْدٍ حَجَم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في اليَافُوخِ 667، فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «يا بَنِي بَيَاضَةَ، أنْكِحُوا أبَا هِنْدٍ، وأنْكِحُوا إلَيهِ».
رَواه أبو داودَ 668، إلَّا أن أحمدَ ضَعَّفَه، وأنْكَرَه إنْكارًا

الجزء: 20 - الصفحة: 256

لَكِنْ إِنْ لَمْ تَرضَ الْمَرأةُ وَالأوْلِيَاءُ جَمِيعُهُمْ، فَلِمَنْ لَمْ يَرْضَ الْفَسْخُ،  شَدِيدًا.
قال شَيخُنا (1): والصَّحِيحُ أنَّها غيرُ مُشْتَرَطَةٍ، وما رُوِيَ فيها يَدُلُّ على اعْتِبارِها في الجملةِ، ولا يَلْزَمُ منه اشتِراطُها.

3131 -

مسألة: (لَكِنْ إن لم تَرْضَ المرأةُ والأوْلِياءُ جَمِيعُهم، فلمَن لم يَرْضَ الفَسْخُ)

لأنَّ للزَّوْجَةِ ولكل واحدٍ مِن الأوْلِياءِ فيها حَقًّا، ومَن لم يَرْضَ منهم فله الفَسْخُ.
ولذلك لمَّا زَوَّجَ رجلٌ ابْنَتَه مِن ابنِ أخِيه ليَرْفَعَ بها خَسِيسَتَه، جَعَلَ لها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الخِيارَ، فاخْتارَتْ ما صَنَعَ أبُوها 670. ولو فُقِدَ الشَّرْطُ لم يَكُنْ لها خِيارٌ.
فصل: وإذا قُلْنا: ليست شَرْطًا.
فرَضِيَتِ المرأةُ والأوْلِياءُ جَمِيعُهم، صَحَّ النِّكاحُ، وإن لم يَرْضَ بعضُهم، فقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ العَقْدَ يَقَعُ باطِلًا مِن أصْلِه، لأنَّ الكفاءةَ حَقٌّ لجميعِهم، والعاقِدُ مُتَصرِّفٌ فيها بغيرِ رِضاهُم، فلم يَصِحَّ، كتَصَرُّفِ الفُضُولِيِّ.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وظاهِرُ 671 المذهَبِ أنَّ العَقْدَ يَقَعُ صَحِيحًا، ويَثْبُتُ لمَن لم يَرْضَ الفَسْخ؛ لِما ذَكَرْنا مِنِ حديثِ المرأةِ التي رَفَعَتْ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ أبَاها زَوَّجَها بغيرِ كُفْئِها 672، خيَّرها ولم يُبْطِلِ النِّكاحَ مِن أصْلِه.
ولأنَّ العَقْدَ وَقَع بالإِذْنِ،669

الحديث: 3131 - الجزء: 20 - الصفحة: 257

فَلَوْ زَوَّجَ الْأبُ بِغَيرِ كُفْءٍ بِرِضَاهَا، فَلِلْإِخْوَةِ الْفَسْخُ.
نَصَّ عَلَيهِ.
والنَّقصُ الموْجُودُ فيه لا يَمْنَعُ صِحَّتَه، وإنَّما يُثْبِتُ الخِيَارَ، كالعَيبِ مِن العُنَّةِ وغيرِها.
فعلى هذه الرِّوايةِ، يَثْبُتُ الفَسْخُ لمَن لم يَرْضَ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا رَضِيَتِ المرأةُ وبعضُ الأوْلِياءِ، لم يَكُنْ لباقِي الأوْلِياءِ فَسْخٌ؛ لأنَّ هذا الحَقَّ لا يَتَجَزأُ، وقد أسْقَطَ بعضُ الشُّرَكاءِ بَعْضَه، فسَقَطَ جَمِيعُه، كالقِصاصِ.
ولَنا، أنَّ كلَّ واحدٍ مِن الأوْلِياءِ يُعْتَبَرُ رِضاه، فلم يَسْقُطْ برِضَا غيرِه، كالمرأةِ مع الوَلِيِّ، فأمَّا القِصاصُ، فلا يَثْبُتُ لكلِّ واحدٍ كامِلًا، فإذا سَقَط بَعْضُه، تَعَذَّرَ اسْتِيفاؤُه، وههنا بخِلافِه، ولأنَّه لو زَوَّجَها بدُونِ مَهْرِ مِثْلِها، مَلَك الباقُونَ عندَهم (1) الاعْتِراضَ، مع أنَّه خالِصُ حَقِّها، فههُنا مع أنَّه حَقٌّ لهم أوْلَى.

3132 -

مسألة: (فلو زَوَّجَ الأبُ بغَيرِ كُفْءٍ برِضاها، فللإخْوَةِ الفَسْخُ. نَصَّ عليه)

وقال مالكٌ، والشافعيُّ: ليس لهم فَسْخٌ إذا زَوَّجَ673

الحديث: 3132 - الجزء: 20 - الصفحة: 258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأقْرَبُ؛ لأنَّه لا حَقَّ للأبْعَدِ معه، فرِضَاه 674 لا يُعْتَبَرُ، كالأجْنَبِيِّ.
ولَنا، أنَّه وَلِيٌّ في حالٍ يَلْحَقُه العارُ بعَدَمِ 675 الكفاءَةِ، فمَلَكَ الفَسْخَ، كالمُتَساويَين.

الجزء: 20 - الصفحة: 259

وَالْكَفَاءَةُ، الدِّينُ وَالْمَنْصِبُ،

3133 - مسألة: (والكَفاءَةُ؛ الدِّينُ والمَنْصِبُ)

يَعْني بالمَنْصِبِ النَّسَبَ.
اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في شَرْطِ الكفاءةِ، فعنه، أنَّها شَرْطان؛ الدِّينُ، والمَنْصِبُ، لا غيرُ.
وعنه، أنَّها 676 خَمْسَةٌ؛ هذان، والحُرِّيَّةُ، والصِّناعَةُ، واليَسارُ.
وذَكَر القاضي، في «المُجَرَّدِ» أنَّ فَقْدَ هذه الثَّلاثةِ لا يُبْطِلُ النِّكاحَ، رِوايةً واحدةً، إنَّما الرِّوايتان في الشَّرْطَين الأوَّلَين.
قال: ويَتَوَجَّه أنَّ المُبْطِلَ عدَمُ الكفاءةِ في النَّسَبِ، لا غيرُ؛ لأنَّه نَقصٌ لازِم، وما عَدَاه غيرُ لازِمٍ، ولا يَتَعَدَّى نَقْصُه إلى الوَلَدِ.
وذَكَر في «الجامِعِ» الرِّوايَتَين في جميعِ الشُّروطِ.
وذَكَرَه أبو الخَطَّابِ أيضًا.
وقال مالكٌ: الكفاءةُ في الدِّينِ لا غيرُ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 677: هذا جُمْلَةُ مذهبِ مالكٍ وأصْحابِه.
وعن الشافعيِّ كقَوْلِ

الحديث: 3133 - الجزء: 20 - الصفحة: 260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مالكٍ، وقولٌ آخَرُ أنَّها الخَمْسَةُ التي ذكَرْناها، والسَّلامَةُ مِن العُيُوبِ الأرْبَعَةِ، فتكونُ سِتَّةً.
وكذلك قولُ أبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ، والحسنِ بنِ حَيٍّ 678، إلَّا في الصَّنْعَةِ، والسَّلامَةِ مِن العُيُوبِ.
ولم يَعْتَبِرْ محمدُ بنُ الحسنِ الدِّينَ إلَّا أن يكونَ ممَّن يَسْكَرُ ويَخْرُجُ ويَسْخَرُ منه الصِّبْيانُ، فلا يكونُ كُفْئًا؛ لأنَّ الغالِبَ على الجُنْدِ 679 الفِسْقُ، ولا يُعَدُّ ذلك نَقْصًا.
والدَّلِيلُ على اعْتِبارِ الدِّينِ قولُ اللهِ تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ 680. ولأنَّ الفاسِقَ مَرْذُولٌ مَرْدُودُ الشَّهادَةِ والرِّوايةِ،

الجزء: 20 - الصفحة: 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  غيرُ مَأْمُونٍ على النَّفْسِ والمالِ، مَسْلُوبُ الولايَاتِ، ناقِصٌ عندَ اللهِ وعندَ خَلْقِه، قليلُ الحَظِّ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، فلا يَجُوزُ أن يكونَ كُفْئًا لعَفِيفَةٍ، ولا مُساويًا لها، لكنْ يكونُ كُفْئًا لمِثْلِه.
فأمَّا الفاسِقُ مِن الجُنْدِ 681، فهو ناقِصٌ عندَ أهل الدِّينِ والمُرُوءاتِ.
والدَّليلُ على اعْتِبارِ النَّسَبِ في الكَفاءَةِ قولُ عمرَ: لأمنَعَنَّ تَزْويجَ 682 ذَواتِ الأحْسَابِ إلَّا مِن الأكْفاءِ.
قال: قلتُ: وما الأكْفاءُ؟ قال: في الحَسَبِ.
رَواه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ

الجزء: 20 - الصفحة: 262

فَلَا تُزَوَّجُ عَفِيفَةٌ بِفَاجِرٍ، ولَا عَرَبِيَّةٌ بِعَجَمِيٍّ.
وَالْعَرَبُ بَعْضهُمْ لِبَعْضٍ أكْفَاءٌ، وَسَائِرُ النَّاسِ بَعْضُهُمْ  بإسْنادِه (1). ولأنَّ العَرَبَ يَعُدُّونَ الكَفاءَةَ في النَّسَبِ، ويَأْنَفُونَ مِن نِكاحِ المَوَالِي، ويَرَوْنَ ذلك نَقْصًا وعارًا، فإذا أُطْلقَتِ الكفاءةُ، وَجَب حَمْلُها على المُتَعارَفِ، ولأنَّ في فَقْدِ ذلك نَقْصًا وعارًا، فوَجَبَ أن يُعْتَبَرَ في الكفاءةِ كالدِّينِ.
فعلى هذا (لا تُزَوَّجُ عَفِيفَةٌ بفاجِرٍ) لِما ذكَرْنا (ولا عَرَبِيَّةٌ بِعَجَمِيٍّ) فلا يكونُ المَوْلَى ولا العَجَمِيُّ كُفئًا لعَرَبَيَّةٍ بم لِما ذَكَرْنا مِن قولِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه.
وقال سَلْمانُ لجرير: إنَّكم (2) -مَعْشَرَ العربِ- لا نَتَقَدَّمُ في صلاتكم، ولا نَنْكِحُ نِساءَكُم، إنَّ اللهَ فَضَّلَكم علينا بمُحمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وجَعَلَه فيكهم (3).

3134 -

مسألة: (العَرَبُ بعضُهم لبعضٍ أكْفَاءٌ، وسائِرُ النَّاسِ

683684685 الحديث: 3134 - الجزء: 20 - الصفحة: 263

لِبَعْضٍ أكْفَاءٌ.
وَعَنْهُ، لَا تُزَوَّجُ قُرَشِيَّةٌ لِغَيرِ قُرَشِيٍّ، وَلَا هَاشِمِيَّةٌ لِغَيرِ هَاشِمِيٍّ.
بعضُهم لبعضٍ أكْفاءٌ.
وعنه، لا تُزَوَّجُ قُرَشِيَّةٌ لغيرِ قُرَشِيٍّ، ولا هاشِميةٌ لغَيرِ هاشِمِيٍّ) اخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه الله، في ذلك، فرُويَ عنه، أنَّ غيرَ قُرَيشٍ 686 لا يُكافِئُها، وغيرَ بني هاشم لا يُكافِئُهم.
وهو قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعيِّ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -[أنَّه قال] 687: «إنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قرَيشٍ بَنِي هَاشِمٍ، واصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» 688. ولأنَ العَرَبَ فَضَلَتِ الأُمَمَ برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقُرَيشٌ أخَصُّ به مِن سائرِ العَرَبِ، وبنو هاشمٍ أخَصُّ به مِن قُرَيشٍ.
ولذلك قال عثمانُ، وجُبَيرُ بنُ مُطْعِمٍ: إنَّ إخْوانَنا مِن بني هاشمٍ لا نُنْكِرُ فَضْلَهم علينا، لمَكانِكَ الذي وَضَعَكَ اللهُ به منهم 689. وقال أبو حنيفةَ: لا يُكافِئ

الجزء: 20 - الصفحة: 264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العَجَمُ العَرَبَ ولا العَرَبُ قُرَيشًا، وقُرَيشٌ كلُّهم أكْفَاءٌ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ قال: قُرَيشٌ بعضُهم لبعضٍ أكْفاءٌ.
والرِّوايةُ الثانيةُ، أنَّ العَرَبَ بعضُهم لبعضٍ أكْفاءٌ، والعَجَمَ بعضُهم لبعضٍ أكْفاءٌ؛ لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - زَوَّجَ ابْنَتَيه 690 عُثمانَ، وزَوَّجَ أبا العاصِ بنَ الرَّبيعِ زَينَبَ، وهما مِن بَني عبدِ شَمْسٍ، وزَوَّجَ عليٌّ عمرَ ابْنَتَه أُمَّ كُلْثُومٍ، وتَزَوَّجَ عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ عثمانَ فاطمةَ ابْنَةَ الحُسَينِ بنِ عليٍّ، وتَزَوَّجَ مُصْعَبُ بنُ الزُّبَيرِ أُخْتَها سُكَينَةَ، وتَزَوَّجَها أيضًا عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ بنِ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ، وتَزَوَّجَ المِقْدادُ بنُ الأسْوَدِ ضُبَاعَةَ ابنةَ الزُّبَيرِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، وزَوَّجَ أبو بكرٍ،

الجزء: 20 - الصفحة: 265

وَعَنْهُ، أَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالصِّنَاعَةَ وَالْيَسَارَ مِنْ شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ، فَلَا تُزَوَّجُ حُرَّةٌ بِعَبْدٍ، وَلَا بِنْتُ بَزَّازٍ بِحَجَّام، وَلَا بِنْتُ تَانِئٍ بِحَائِكٍ، وَلَا مُوسِرَةٌ بِمُعْسِرٍ.
رَضِيَ اللهُ عنه،، أخْتَه أمَّ فَرْوَةَ الأشْعَثَ بنَ قَيسٍ، وهما كِنْدِيَّان، وتزَوَّجَ أُسامَةُ بنُ زَيدٍ فاطِمَةَ بنتَ قَيسٍ الفِهْرِيَّةَ، [وهي قُرَشِيَّةٌ] (1)، ولأنَّ العَجَمَ والمَوَالِيَ بعضُهم لبعض أكْفاءٌ، وإن تَفاضَلُوا وشَرُفَ بعضُهم على بعضٍ، فكذلك العَرَبُ.
وهذه الرِّوايةُ هي الصَّحِيحَةُ، إن شاءَ اللهُ تعالى.

3135 -

مسألة: (وعنه، أنَّ الحُرِّيَّةَ والصِّناعَةَ واليَسارَ مِن شُرُوطِ الكَفاءَةِ، فلا تُزَوَّجُ حُرَّةٌ بعَبْدٍ، ولا بِنْتُ بزَّازٍ بحَجَّام، ولا بِنْتُ تانِئٍ 692 بِحَائِكٍ، ولَا مُوسِرَةٌ بمُعْسِرٍ) أمَّا الحرِّيَّةُ، فالصَّحِيحُ أنَّها مِن شُروطِ691

الحديث: 3135 - الجزء: 20 - الصفحة: 266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الكَفاءةِ، فلا يكونُ العَبْدُ كُفْئًا لحُرَّةٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خَيَّرَ بَرِيرَةَ حينَ عَتَقَتْ تحتَ عَبْدٍ 693. فإذا ثَبَت الخِيارُ بالحُرِّيَّةِ الطَّارِئَةِ فبالحُرِّيَّةِ المُقارِنَةِ أوْلَى.
ولأنَّ نَقْصَ الرِّقِّ كبيرٌ، وضَرَرَه بَيِّنٌ؛ فإنَّه مَشْغُولٌ عن امْرأتِه بحُقُوقِ سَيِّدِه، ولا يُنْفِقُ نَفَقَةَ المُوسِرينَ، ولا يُنْفِقُ على وَلَدِه، وهو كالمَعْدُومِ بالنِّسْبَةِ إلى نَفْسِه.
ولا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكاحِ؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لبَرِيرَةَ: «لَوْ رَاجَعْتِيه».
قالت: يا رسولَ اللهِ، أتَأْمُرُنِي؟ قال:

الجزء: 20 - الصفحة: 267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «إنَّمَا أنَا شَفِيعٌ».
قالتْ: فلا حاجةَ لي فيه.
رَواه البخاريُّ 694. ومُراجَعَتُها إيَّاه ابْتِداءُ نِكاحٍ، فإنَّ نِكاحَها قد انْفَسَخَ باخْتِيارِها، ولا يَشْفَعُ إليها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في أنْ تَنكِحَ عَبْدًا إلَّا والنِّكاحُ صَحِيحٌ.
فأمَّا اليَسارُ، ففيه رِوايتان، إحْداهما، هو شَرْطٌ، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الحَسَبُ المَالُ» 695. وقال: «إنَّ أَحْسَابَ النَّاسِ بَينَهُمْ هَذَا المَالُ» 696. وقال لفاطمةَ بنتِ قَيسٍ حينَ أخْبَرَتْه أنَّ مُعاويَةَ [خَطَبَها: «أمَّا مُعاويَةُ] 697 فَصُعْلُوك لَا مَال لَهُ» 698. ولأنَّ على المُوسِرةِ ضَرَرًا في إعْسارِ زَوْجِها؛

الجزء: 20 - الصفحة: 268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لإِخْلالِه بنَفَقَتِها ومُؤْنَةِ أوْلادِه، ولهذا مَلَكَتِ الفَسْخَ بإخْلالِه بالنَّفَقَةِ، فكذلك إذا كان مُقارِنًا، ولأنَّ ذلك مَعْدُودٌ نَقْصًا في عُرْفِ النَّاسِ، يَتَفاضَلُونَ فيه كتَفاضُلِهم في النَّسَبِ وأْبلَغُ، قال نُبَيهُ بنُ الحَجَّاجِ السَّهْمِيُّ 699: سألَتَانِي الطَّلاقَ أنْ رَأَتانِي … قَلَّ مَالِي قد جِئْتُمانِي بِنُكْرِ وَيكَأنْ مَنْ يَكُنْ 700 لَهُ نَشَبٌ يُحـ … ـبَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيشَ ضُرِّ 701 فكان مِن شُروطِ الكفاءَةِ، كالنَّسَب.
والثانيةُ، ليس بشَرْطٍ؛ لأنَّ الفَقْرَ شَرَفٌ في الدِّينِ، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ أحْيِني مِسْكِينًا، وأمِتْنِي مِسْكِينًا» 702. وليس هو لازِمًا، فأشْبَهَ العافِيَةَ مِن المرَضِ.
واليَسَارُ المُعْتَبَرُ ما يَقْدِرُ به على الإِنْفاقِ عليها، حَسَبَ ما يَجِبُ لها، ويُمْكِنُه أداءُ مَهْرِها.
وأمَّا الصِّناعَةُ، ففِيها أيضًا رِوَايتان؛ إحْداهما، أنَّها شَرْطٌ، فمَن كان مِن أهلِ الصَّنائِعِ الدَّنِيئَةِ؛ كالحائِكِ، والحَجَّامِ، والحارِسِ،

الجزء: 20 - الصفحة: 269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والكَسَّاحِ، والدَّبَّاغِ، [وقَيِّمِ الحَمّامِ] 703، والزَّبَّالِ، فليس بكُفْءٍ لبناتِ ذوي المُرُوءاتِ، كأصحابِ الصَّنائِعِ الجَلِيلَةِ، كالتِّجارَةِ والبِنايَةِ؛ لأنَّ ذلك نَقْصٌ في عُرْفِ النَّاسِ، فأشْبَهَ نَقْصَ النَّسَبِ، وقد جاءَ في حديثٍ: «العَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْض أكْفَاءٌ، إلَّا حَائِكًا أو حَجَّامًا» 704. قيلَ لأحمدَ: وكيفَ تَأْخُذُ به وأنتَ تُضَعِّفُه؟ قال: العَمَلُ عليه.
يعني أنَّه وَرَد مُوافِقًا لأهْلِ العُرْفِ.
ورُوِيَ أنَّ ذلك ليس بنَقْصٍ.
ويُرْوَى نحوُ ذلك عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّ ذلك ليس بنَقْصٍ في الدِّينِ، ولا هو لازِمًا، فأشْبَهَ الضَّعْفَ والمرَضَ، قال بَعْضُهم 705: ألَا إنَّما التَّقْوَى هي العِزُّ والكَرَمْ … وحُبُّكَ للدُّنْيَا هو الذُّلُّ والسَّقَمْ ولَيسَ على عَبْدٍ تَقِيٍّ نَقِيصَةٌ … إذا حَقَّقَ التَّقْوَى وإن حَاكَ أو حَجَمْ وأما السَّلامةُ مِن العُيوبِ، فليست مِن شُروطِ الكفاءَةِ، فإنَّه لا خِلافَ في 706 أنَّه لا يَبْطُل النِّكاحُ بها، ولكنَّها تُثْبِتُ الخِيَارَ للمرأةِ دُونَ الأوْلِياءِ؛ لأنَّ ضَرَرَه يَخْتَصُّ بها.
ولوَلِيِّها مَنْعُها مِن نِكاحِ المَجْذُوم والأبرَصِ والمَجْنُونِ، وما عدا هذا فليس بمُعْتَبَرٍ في الكفاءةِ.

الجزء: 20 - الصفحة: 270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومَن أسْلَمَ أو عَتَقَ مِن العَبِيدِ، فهو كُفْءٌ لمَن له أبَوان في الإِسْلامِ والحُرِّيَّةِ.
وقال أبو حنيفةَ: ليصر بكُفْءٍ.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ الصَّحابةَ أكْثَرُهُم أسْلَمُوا، وكانوا أفْضَلَ الأمَّةِ، فلا يَجُوزُ أن يُقال: إنَّهم غيرُ أكْفاءٍ للتَّابِعِينَ.
فصل: ووَلَدُ الزِّنَى قد قيل: إنَّه كُفْءٌ لذاتِ نَسَب.
وعن أحمدَ أنَّه ذُكِر له أنَّه يَنْكِحُ ويُنْكَحُ إليه، فكأنَّه لم يُحِبَّ ذلك؛ لأنَّ المرأةَ تُعَيَّرُ 707 به هي وأوْلِياؤُها، ويَتَعَدَّى ذلك إلى وَلَدِها، وليصر هو كُفْئًا للعَرَبِيَّةِ بغَيرِ إشْكالٍ فيه؛ لأنَّه أدْنَى حالًا مِن المَوْلَى.
فصل: والمَوالِي أكْفاءٌ بعضُهم لبعضٍ، وكذلك العَجَمُ، قال أحمدُ، في رجل مِن بَنِي هاشمٍ له مَوْلَاةٌ: يُزَوِّجُها 708 الخراسانِيَّ، وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَوْلَى القَوْمِ مِنْهم» 709. هو في الصَّدَقَةِ، فأمَّا في النِّكاحِ، فلا.
وذَكَر القاضي رِوايةً عن أحمدَ، أنَّ مَوْلَى

الجزء: 20 - الصفحة: 271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القَوْمِ يُكَافِئُهم؛ لهَذا الخَبرِ، ولأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - زَوَّجَ زَيدًا وأُسَامَةَ عَرَبِيَّتَين 710، ولأنَّ مَوالِيَ بَنِي هاشمٍ ساوَوْهُم في حِرْمَانِ الصَّدَقَةِ، فساوَوْهُم في الكَفاءَةِ.
وهذا لا يَصِحُّ؛ فإنَّه يُوجِبُ أن يكونَ المَوَالِي أكْفَاءً للعربِ، فإنَّ المَوْلَى إذا كانَ كُفْءَ سَيِّدِه، كان كُفْئًا لِمَن يُكَافِئُه سيدُه، فيَبْطُلُ اعْتِبارُ المَنْصِبِ، ولهذا لا يُساوُونهم في اسْتِحْقاقِ الخُمْسِ، ولا في الإِمامةِ، ولا في الشَّرَفِ، وأمّا زَيدٌ وأسامةُ، فقد اسْتُدِلَّ بِنكاحِهِما عَرَبِيَّتين على أنَّ فَقْدَ الكَفاءَةِ لا يُبْطِلُ النِّكاحَ، واعْتَذَرَ أحمدُ عن تَزْويجهما بأنَّهُما مِن كَلْبٍ، فهما عَرَبيَّان، وإنَّما طَرَأَ عليهِما رِقٌّ.
فعلى هذا، يكَونُ حُكْمُ كُلِّ عَرَبِيِّ الأصْلِ كذلك.
فصل: فأمَّا أهْلُ البِدَعِ، فإنَّ أحمدَ قال في الرَّجُلِ يُزَوِّجُ الجَهْمِيَّ: يُفَرَّقُ بينَهما.
وكذلك إذا زَوَّجَ الوَاقِفِيَّ، إذَا كان يُخاصِمُ ويَدْعُو، وإذا زَوَّجَ أُخْتَه مِن هؤلاءِ اللَّفْظِيَّةِ، وقد كَتَب الحديثَ، فهذا شَرٌّ مِن جَهْمِيٍّ، يُفرَّقُ بينَهما.
وقال: لا يُزَوِّجُ بِنْتَه مِن حَرُورِيٍّ مَرَق مِن الدِّينِ، ولا مِن الرَّافِضِيِّ، ولا مِنَ القَدَرِيِّ، فإذا كان لا يَدْعُو، فلا بَأْسَ.
وقال: مَن لم يُرْبعْ 711 بعليٍّ في الخلافةِ، فَلَا تُناكِحُوه، ولا تُكَلِّمُوه.
قال القاضي: المُقَلِّدُ منهم يَصِحُّ تَزْويجُه، ومَن كان دَاعِيَةً منهم، فلا يَصِحُّ تَزْويجُه.

الجزء: 20 - الصفحة: 272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإنَّما تُعْتَبَرُ الكَفاءَة في الرجلِ دونَ المرأةِ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لا مُكَافِئَ له، وقد تَزَوَّجَ مِن أحْياءِ العربِ، وتَزَوَّجَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ 712، وتَسَرَّى بالإِماءِ، وقال: «مَنْ كانَتْ عِنْدَهُ جَارِيَة فَعَلَّمَهَا، وَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، وَأحْسَنَ إلَيهَا، ثُمَّ أعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أجْرَانِ».
متفقٌ عليه 713. ولأنَّ الوَلَدَ يَشْرُفُ بشَرَفِ أَبيه لا بأُمِّه، فلم يُعْتَبَرْ ذلك في الأُمِّ.

الجزء: 20 - الصفحة: 273

بَابُ الْمُحَرَّمَاتِ فِي النِّكَاحِ

وَهُنَّ ضَرْبَانِ؛ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى الْأَبَدِ، وَهُنَّ أرْبَعَةُ أقْسَامٍ؛ أحَدُهَا، الْمُحَرَّمَاتُ بِالنَّسَبِ، وَهُنَّ سَبْعٌ؛ الأمَّهَاتُ، وَهُنَّ الْوَالِدَةُ، وَالْجَدَّاتُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالأُمِّ، وَإنْ عَلَوْنَ، وَالْبَنَاتُ  بابُ المُحرَّماتِ في النِّكاحِ (وهُنَّ ضَرْبان؛ مُحَرَّماتٌ على الأبَدِ، وهُنَّ أرْبَعَةُ أقْسامٍ، أحَدُها، المُحَرَّماتُ بالنَّسَبِ، وهُنَّ سَبْعٌ) ذَكَرَهُنَّ الله سبحانَه في قولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ 714. فأمَّا الأمَّهاتُ، فهُنَّ كُلُّ مَن انْتَسَبْتَ إليها بولادَة، سَواءٌ وَقَعَ عليها اسمُ الأُمِّ حَقِيقَةً، وهي التي وَلَدَتْكَ، أو مَجازًا، وهي التي وَلَدَتْ مَن وَلَدَكَ 715 وإن عَلَتْ، ومِن ذلك جَدَّتاك 716؛ أُمُّ أُمِّكَ وأُمُّ أبِيكَ، وجَدَّتَا أُمِّك وجَدَّتَا أبِيكَ، [وجَدَّاتُ جَدَّاتِكَ] 717 وجَدَّاتُ أجْدَادِك وإن عَلَوْنَ، وارِثاتٍ كُنَّ أو غيرَ وارِثاتٍ، كُلُّهُنَّ اُّمَّهاتٌ

الجزء: 20 - الصفحة: 275

مِنْ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ، وَبَنَاتُ الْأوْلَادِ، وإِنْ سَفَلُوا، وَالْأخَوَاتُ مِنَ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ، وَبَنَاتُ الأَخِ، وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأَوْلَادُهُمْ، وَإنْ سَفَلُوا، وَالْعَمَّاتُ وَالْخَالاتُ، وَإنْ عَلَوْنَ، وَلَا تحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ.
مُحَرَّماتٌ، ذَكَر أبو هُرَيرَةَ 718 هاجَرَ أُمَّ إسماعيلَ، فقال: تِلْكَ أُمُّكُم يا بَنِي ماءِ السَّماءِ 719. وفي الدُّعاء المَأْثُورِ: اللَّهُمَّ صَلِّ على أبِينَا آدَمَ وأُمِّنَا حَوَّاءَ.
والبناتُ، وهُنَّ كلُّ أُنْثَى انْتَسَبَتْ إليك بولادَتِك، كابْنَةِ الصُّلْبِ، وبَناتِ البَنِين والبناتِ وإن نزَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ، وارِثاتٍ أو غيرَ وارِثاتٍ، كُلُّهُنَّ بناتٌ مُحَرَّماتٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾.
فإنَّ كُلَّ امرأةٍ بنتُ آدَمَ، كما أنَّ كلَّ رجلٍ ابنُ آدَمَ 720، قال الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ 721. والأخَواتُ مِن الجِهَاتِ الثَّلاثِ، مِن الأبَوَينِ، أو مِن الأبِ، أو مِن الأُم؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾.
ولا تَفرِيعَ

الجزء: 20 - الصفحة: 276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليهِنَّ.
والعَمَّاتُ أخواتُ الأبِ مِن الجهاتِ الثَّلاثِ، وأخواتُ الأجْدَادِ مِن قِبَلِ الأَب ومِن قِبَلِ الأُمِّ، قَرِيبًا كان الجَدُّ أو بعيدًا، وارِثًا أو غيرَ وارثٍ، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾.
والخالاتُ أخواتُ الأُمِّ مِن الجهاتِ الثلاثِ، وأخواتُ الجَدَّاتِ وإن عَلَوْنَ، وقد ذَكَرْنا أنَّ كلَّ جَدَّةٍ أُمٌّ، فكذلك كلُّ أختٍ لجَدَّةٍ خالةٌ مُحَرَّمَةٌ، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَخَالاتُكُمْ﴾.
وبناتُ الأخِ، كُلُّ امْرَأَةٍ انْتَسَبَتْ إلى أخٍ بولادَةٍ 722، فهي بِنْتُ أخٍ مُحَرَّمَةٌ مِن أيِّ جِهَةٍ كان الأخُ 723، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾.
وبناتُ الأخْتِ كذلك أيضًا مُحَرَّماتٌ، لقولِه تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾.
فهؤلاء المُحَرَّماتُ بالنَّسَبِ.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ النَّسَبِ الحاصِلِ بنِكاحٍ، أو مِلْكِ يَمِينٍ، أو وَطْءِ شُبْهَةٍ، أو حَرامٍ، فتَحْرُمُ عليه ابنتُهُ مِن الزِّنى، لدُخُولِها في عُمومِ اللَّفْظِ، وأنَّها مَخْلُوقَةٌ مِن مائِه، فحَرُمَتْ، كتَحْرِيمِ الزَّانِيَةِ على وَلَدِها، وتحْرِيمِ المَنْفِيَّةِ باللِّعانِ، لأنَّها رَبِيبَتُه 724، ولاحْتِمالِ أن تكونَ ابْنَتَه،

الجزء: 20 - الصفحة: 277

الْقِسْمُ الثَّانِي، الْمُحَرَّمَاتُ بِالرَّضَاعِ.
وَيَحْرُمُ بِهِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ سَوَاءً.
وفيه اخْتِلافٌ نَذْكُرُه إن شاء اللهُ تعالى.
(القسمُ الثاني، المُحَرَّماتُ بالرَّضاعِ، فيَحْرُمُ به ما يَحْرُمُ بالنسَبِ سَواءً) والذي ذَكَرَه اللهُ تعالى اثْنَتان فقال سبحانَه: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾.
فالأُمَّهاتُ اللَّاتي أرْضَعْنَك وأُمَّهاتُهنَّ وجَدَّاتُهُنَّ وإن عَلَتْ دَرَجتُهُنَّ، على حَسَبِ ما ذَكَرْناه في النَّسَبِ، مُحَرَّماتٌ بالآيَةِ.
وأمَّا الأخَوَاتُ، فهي كلُّ امرأةٍ أرْضَعَتْكَ أُمُّها، أو أرْضعَتْها أُمُّكَ، أو أرْضَعَتْكَ وإيَّاها امرأةٌ واحدةٌ، أو ارْتَضعْتَ أنت وهي مِن لَبَنِ رجلٍ واحدٍ، كرَجُلٍ له امْرأتان لهما منه لَبَنٌ، أرْضَعَتْكَ إحدَاهُما وأرْضَعَتْها الأُخْرَى، فهي أُخْتُكَ، مُحرَّمَةٌ عليك بالآيةِ.

الجزء: 20 - الصفحة: 278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وكذلك كلُّ امرأةٍ حَرُمَتْ عليك بالنَّسَب 725، حَرُمَ مِثْلُها مِن الرَّضاعِ؛ كالعَمَّةِ، والخالةِ، والبنْتِ، وبِنْتِ الأَخِ، وبِنْتِ الأُخْتِ، على ما ذَكَرْنا، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ».
متفقٌ عليه 726. وفي رِوايةٍ لمسلمٍ: «الرَّضَاعُ يُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الولَادَةُ».
ولأنَ الأمَّهاتِ والأخَوَاتِ مَنْصوصٌ عليهِنَّ، والباقِياتُ يُقَسْنَ عليهِنَّ، ولا نَعْلَمُ في هذا خلافًا.

الجزء: 20 - الصفحة: 279

الْقِسْمُ الثَّالِثُ، الْمُحَرَّمَاتُ بِالْمُصَاهَرَةِ، وَهُنَّ أرْبَعٌ؛ أُمَّهَاتُ  (القسمُ الثالثُ، تَحْرِيمُ المُصَاهَرَةِ، وهُنَّ أرْبَعٌ؛ أُمَّهاتُ النِّساءِ) فمَن تَزَوجَ امرأةً حَرُمَ عليه كلُّ أُمٍّ لها مِن نَسَبٍ أو رَضَاعٍ، قَرِيبَةٍ أو بَعِيدَةٍ، بمُجَرَّدِ العَقْدِ.
نَصَّ عليه أحمدُ وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ مسعودٍ، وابنُ عمرَ، وجابرٌ، وعِمْرانُ بنُ حُصَينٍ، وكثيرٌ مِن التابعين.
وبه يقولُ مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرأي.
وحُكِيَ عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّها لا تَحْرُمُ إلَّا بالدُّخُولِ بابْنَتِها، كما لا تَحْرُمُ ابْنَتُها إلَّا بالدُّخُولِ بها.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾.
والمَعْقُودُ عليها مِن نِسائِه، فتَدْخُلُ أُمُّها في عُمُومِ الآيةِ.
قال ابنُ عباسٍ: أبْهِمُوا ما أبْهَمَ القرآنُ 727. يعني عَمِّمُوا حُكْمَها في كلِّ حالٍ، ولا تَفْصِلُوا بينَ المَدْخُولِ بها وبينَ غيرِها.
وروَى عمرُو بنُ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه،

الجزء: 20 - الصفحة: 280

نِسَائِهِ، وَحَلَائل آَبائِهِ  أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن تَزَوَّجَ امْرَاةً فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِهَا، لَا بَأْسَ أن يَتَزَوَّجَ رَبِيبَتَه، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها».
رَواه أبو حَفْصٍ بإسْنادِه 728. وقال زَيدٌ: تَحْرُمُ بالدُّخُولِ أو بالموتِ؛ لأنَّه يَقُومُ مَقامَ الدُّخُولِ.
وقد ذَكَرْنا ما يُوجِبُ التَّحْرِيمَ مُطْلَقًا، سَواءٌ وُجِدَ الدُّخُولُ أو الموتُ أو لم يُوجَدْ، ولأنَّها حَرُمَتْ بالمُصاهَرَةِ بقولٍ مُبْهَمٍ، فحَرُمَت بنَفْسِ العَقْدِ، كحَلِيلةِ الابْنِ والأبِ.
الثانيةُ (حَلائِلُ الآباءِ) يَعْنِي أزْوَاجَهم، سُمِّيَتِ امرأةُ الرَّجُلِ حَلِيلَةً؛ لأنَّها مَحَلُّ إزارِ زَوْجِها، وهي مُحَلَّلَةٌ له، فتَحْرُمُ على الرجلِ امرأةُ أبِيه، قَرِيبًا كان أو بَعيدًا، وارِثًا أو غيرَ وارِثٍ، مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 729. وقال البَراءُ بنُ عازِبٍ: لَقِيتُ خَالِي ومعه الرَّايَةُ، قال: أرْسَلَنِي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى رجلٍ تَزَوَّجَ امرأةَ أبيه مِن بعدِه، أن أضْرِبَ عُنُقَه أو أَقتُلَه.
رَواه النَّسَائيُّ 730. وفي رِوَايةٍ: لَقِيتُ عَمِّيَ

الجزء: 20 - الصفحة: 281

وَأَبْنَائِهِ، فَيَحْرُمْنَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ دُونَ بَنَاتِهِنَّ،  الحارِثَ بنَ عمرٍو، [ومعه الرَّايَةُ] 731. فذَكَرَ الخَبَرَ.
رَواه كذلك سعيدٌ، وغيرُه 732. وسَواءٌ في هذا امرأةُ أبيه، أو امرأةُ جَدِّه لأبِيه، وجَدِّه لأُمِّه، قَرُبَ أم بَعُدَ، وليس في هذا بينَ أَهلِ العلمِ اخْتِلافٌ فيما عَلِمْنا.
وتَحْرُمُ عليه 733 مَن وَطِئَها أبوه بمِلْكِ يَمِين أو شُبْهَةٍ، كما يَحْرُمُ عليه مَن وَطِئَها في عَقْدِ نِكاحٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: المِلْكُ في هذا والرَّضَاعُ بمَنْزِلَةِ النَّسَبِ، ومِمَّن حَفِظْنا ذلك عنه؛ عطاءٌ، وطاوسٌ، والحسنُ، وابنُ سيرينَ، ومكحولٌ، وقَتادَةُ، والثوريُّ، والأوزاعِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي، ولا نَحْفَظُ عن [أحَدٍ خِلافَهم] 734 الثالثةُ، حَلائِلُ الأبْناءِ، فتَحْرُمُ على الرجلِ زَوْجَةُ ابْنِه، وابْنِ ابْنَتِه، مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ، قريبًا كان أو بعيدًا، بمُجَرَّدِ العَقْدِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾.
ولا نَعْلَمُ في هذا خلافًا.
ولا تَحْرُمُ بَناتُهنَّ، فيَحِلُّ له نِكاحُ رَبِيبَةِ ابْنِه وأَبيه؛ = في من تزوج امرأة أبيه، من أبواب الأحكام.
عارضة الأحوذي 6/ 117. وابن ماجه، في: باب من تزوج امرأة أبيه من بعده، من كتاب الحدود.
سنن ابن ماجه 2/ 869. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 292، 297.

الجزء: 20 - الصفحة: 282

وَالرَّبَائِبُ؛ وَهُنَّ بَنَاتُ نِسَائِهِ اللَّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ دُونَ الَّلاتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ،  لقولِه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ 735. الرابعةُ، بناتُ النِّسَاءِ اللَّاتِي دَخَل بِهِنَّ، وهُنَّ الرَّبَائِبُ، فلا يَحْرُمْنَ إلَّا بالدُّخُولِ بأُمَّهاتِهِنَّ، وهُنَّ كُل بِنْتٍ للزَّوْجَةِ، مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ، قريبةً أو بعيدةً، وارِثَةً أو غيرَ وارثةٍ، على حَسَبِ ما ذَكَرْنا في البناتِ، فإذا دَخَل بالأُمِّ، حَرُمَتْ عليه، سَواءٌ كانت في حِجْرِه، أو لم تَكُنْ في حِجْرِه، [في قول عامَّةِ الفُقَهاءِ، إلَّا أنَّه رُوِيَ عن عمرَ، وعلي، رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّهما رَخَّصا فيها إذا لم تَكُنْ في حِجْرِه] 736. وهو قولُ داودَ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾.
قال ابنُ المُنذِرِ: وقد أجْمَعَ علماءُ الأمْصارِ على خِلافِ هذا القَوْلِ.
وذَكَرْنا حديثَ عمرِو بنِ شُعَيبٍ في

الجزء: 20 - الصفحة: 283

فَإِنْ مِتْنَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهَلْ تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
هذا، وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -[لأُمِّ حَبِيبَةَ] (1): «لا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أخَوَاتِكُنَّ» (2). ولأنَّ التَّرْبِيَةَ (3) لا تَأْثِيرَ لها في التَّحْرِيمِ، كسائِرِ المُحَرَّماتِ.
فأمَّا الآيَةُ، فلم تَخْرُجْ مَخْرَجَ الشَّرْطِ، وإنَّما وَصَفَها بذلك تَعْريفًا لها بغالبِ حالِها، وما خَرَجِ مَخْرَجَ الغالبِ، لا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بمَفهُومِه.
وإن لم يَدْخُلْ بالمرأةِ، لم تحْرُمْ عليه بناتُها، في قولِ عامَّةِ علماءِ الأمصارِ، إذا بانتْ مِن نِكاحِه.

3136 -

مسألة: (فإن مِتْنَ قبلَ الدُّخُولِ، فهل تَحْرُمُ بَناتُهُنَّ؟ على رِوايَتَين)

إحْدَاهُما، تَحْرُمُ ابْنَتُها.
وبه قال زيدُ بنُ ثابتٍ.
وهي اختيارُ737738739

الحديث: 3136 - الجزء: 20 - الصفحة: 284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبي بكرٍ؛ لأنَّ المَوْتَ أُقِيمَ مُقامَ الدُّخُولِ في تَكْمِيلِ العِدَّةِ والصَّداقِ، فيَقُومُ مَقامَه في تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ.
والثانيةُ، لا تَحْرُمُ.
وهو قولُ عليٍّ، وعامَّةِ العلماءِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوامُّ علماءِ الأمصارِ، أنَّ الرجلَ إذا تَزَوَّجَ المرأةَ ثم طَلَّقَها، أو ماتَتْ قَبْلَ أن يَدْخُلَ بها، حَلَّ له أن يَتَزَوَّجَ ابْنَتَها، كذلك قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، ومَن تَبِعَهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾.
وهذا نَصٌ يُتْرَكُ بقياسٍ ضعيفٍ، وقد ذَكَرْنا حديثَ عمرِو بنِ شُعَيبٍ، ولأنَّها فُرْقَةٌ قَبْلَ الدُّخولِ، فلم تُحَرِّمِ الرَّبِيبَةَ،

الجزء: 20 - الصفحة: 285

وَيَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ بِالْوَطْءِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ،  كفُرْقَةِ الطَّلاقِ، والموتُ لا يَجْرِي مَجْرَى الدُّخولِ في الإِحْصانِ والإحْلالِ، وقيامُه مَقامَه مِن وَجْهٍ ليس بأَولَى مِن مُفارَقَتِه إيَّاه مِن وَجْهٍ آخَرَ، ولو قام مَقَامَه مِن كلِّ وَجْهٍ فلا يُتْرَكُ صَرِيحُ (1) نصِّ اللهِ تعالى و (2) نَصِّ رسولِه لقياس ولا غيرِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الدُّخُولَ بها وَطْؤُها، كنى عنه بالدُّخُولِ، فإن خَلَا بها ولم يَطَأْها، لم تَحْرُم ابْنَتُها؛ لأنَّها غيرُ مَدْخولٍ بها.

3137 -

مسألة: (ويَثْبُتُ تَحْرِيمُ المُصَاهَرَةِ بالوَطْءِ الحَلالِ

740741 الحديث: 3137 - الجزء: 20 - الصفحة: 286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والحَرامِ) فإذا زَنَى بامرأَةٍ حَرُمَتْ على أبِيه وابْنِه، وحَرُمَتْ عليه أُمُّها وابْنَتُها، كما لو وَطِئَها بشُبْهَةٍ أو حَلالًا.
ولو وَطِئَ أُمَّ امْرأتِه أو ابْنَتَها، حَرُمَتْ عليه امرأتُه.
نَصَّ أحمدُ على هذا في روايةِ جماعةٍ.
ورُوِيَ نحوُ ذلك عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ.
وبه قال الحسنُ، وطاوسٌ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنَّ وَطْءَ الحَرام لا يُحَرِّمُ 742. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ويَحْيىَ بنُ يَعْمُرَ، وعُرْوَة، والزُّهْرِي، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَا يُحَرِّمُ الحَرَامُ الحَلَال» 743. ولأنَّه وَطْءٌ لا تَصِيرُ به المَوْطُوءَةُ فِرَاشًا، [فلا يُحَرِّمُ] 744، كوَطْءِ الصَّغِيرةِ.
ولَنا، قولُه سبحانَه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
والوَطْءُ يُسَمَّى نِكاحًا، قال الشاعرُ: إذا زَنَيتَ فأجِدْ نِكاحًا

الجزء: 20 - الصفحة: 287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيَدْخُلُ في عُمُومِ الآيَةِ، وفي الآيَةِ قَرِينةٌ تَصْرِفُه إلى الوَطْءِ، وهو قولُه سبحانَه: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
وهذا التَّغْلِيظُ إنَّما يكونُ في الوَطْءِ.
ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَا يَنْظُرُ الله إلى رَجُلٍ نَظَرَ إلى فَرْجِ امْرأةٍ وابْنَتِها» 745. وروَى الجُوزْجانِيُّ بإسنادِه عن وَهْبِ بنِ مُنَبِّهٍ قال: مَلْعُونٌ مَن نَظَر [إلى فَرْجِ] 746 امرأةٍ وابْنَتِها 747. فذَكَرْتُه لسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، فأعْجَبَه.
ولأنَّ ما تَعَلَّقَ مِن التَّحْرِيمِ بالوَطْءِ المُباحِ 748، تَعَلَّقَ بالمَحْظُورِ، كوَطْءِ الحائِضِ، ولأنَّ النِّكاحَ عَقْدٌ يُفْسِدُه الوَطْءُ بالشُّبْهَةِ، فأفْسَدَه الوَطْءُ الحَرامُ، كالإحْرامِ.
وحَدِيثُهم لا نَعْرِفُ صِحَّتَه، وإنَّما هو مِن كلام ابنِ أشْوَعَ 749 بعضِ قُضاةِ العِراقِ، كذلك قال الإمامُ أحمدُ.
وقيلَ: إنَّه مِن قولِ ابنِ عباسٍ.
ووَطْءُ

الجزء: 20 - الصفحة: 288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصغيرةِ مَمْنُوعٌ، ثم 750 يَبْطُلُ بوَطْءِ الشُّبْهَةِ.
فصل: والوَطْءُ على ثلاثةِ أضْرُبٍ، مُباحٌ، وهو الوَطْءُ مِن نِكاحٍ صحيح أو مِلْكِ يمينٍ، فيَتَعَلَّقُ به تَحْرِيمُ المُصاهَرَةِ بالإِجْماعِ، ويصيرُ مَحْرَمًا لمَن حَرُمَتْ عليه؛ لأنَّها حَرُمَتْ عليه على التَّأْبِيدِ بسَبَبٍ مُباحٍ، أشْبَهَ النَّسَبَ.
الثاني، الوَطْءُ بالشُّبْهَةِ، وهو الوَطْءُ في نِكاح فاسِدٍ، أو شِراءٍ فاسِدٍ، أو وَطْءُ امرأةٍ ظَنَّها امرأتَه أو أمَتَه، أو وَطْءُ الأمَةِ التي له 751 فيها شِرْكٌ، وأشباهُ ذلك، فيَتَعَلَّقُ به التَّحْرِيمُ كتَعَلُّقِه بالوَطْءِ المُباحِ إجماعًا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ

الجزء: 20 - الصفحة: 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على أنَّ الرجلَ إذَا وَطِئ امرأةَ بنِكاح فاسِدٍ أو شِراءٍ فاسِدٍ، أنَّها تَحْرُمُ على أبِيه وابْنِه، وأجْدادِه ووَلَدِ وَلَدِه.
وهذا مذهبُ مالكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي، لأنَّه وَطْءٌ يَلْحَقُ به النَّسَبُ، فأثْبَتَ التَّحْرِيمَ، كالوَطْءِ المُباحِ.
ولا يَصِيرُ به الرجلُ مَحْرَمًا لمَن حَرُمَتْ عليه، ولا يُباحُ له النَّظَرُ إليها بذلك، لأنَّ 752 الوَطْءَ ليس بمُباحٍ، والمَحْرَمِيَّةُ تَتَعَلَّقُ بكَمالِ حُرْمَةِ الوَطْءِ؛ لأنَّها إباحَةٌ، ولأنَّ المَوْطُوءَةَ لم يَسْتَبِحِ النَّظَرَ إليها، فلأن لا يَسْتَبِيحَ النَّظَرَ إلى غيرِها به 753 أَولَى.
الثالثُ، الحَرَامُ المَحْضُ، وهو الزِّنى، فيَثْبُتُ به التَّحْرِيمُ، على الخِلافِ المذكورِ، ولا تَثْبُتُ به المَحْرَمِيَّةُ، ولا إباحَةُ النَّظرَ؛ لأنَّها إذا لم تَثْبُتْ بوَطء الشُّبْهَةِ، فبالحَرامِ المَحْضِ أوْلى، ولا يَثْبُتُ به النَّسَبُ، ولا يَجِبُ به المَهْرُ للمُطاوعَةِ إذا كانت حُرَّةً.

الجزء: 20 - الصفحة: 290

فَإِنْ كَانَتِ الْمَوْطُوءَةُ مَيِّتَةً أوْ صَغِيرَةً، فَعَلَى وَجْهَينِ،  فصل: ويَسْتَوي في ذلك الوَطْءُ في القُبُلِ والدُّبُرِ؛ لأنَّه يَتَعَلَّقُ به التَّحْرِيمُ إذا وُجِدَ في الزَّوجَةِ والأَمَةِ، فكذلك في الزِّنَى.

3138 -

مسألة: (فإن كانتِ المَوْطُوءَةُ مَيِّتَةً أو صَغِيرَةً)

لا يُوطَأُ مِثْلُها (فعلى وَجْهَين) أحَدُهما، أنَّ وَطْءَ المَيِّتَةِ يَنْشُرُ 754 الحُرْمَةَ؛ لأنَّه مَعْنًى يَنْشُرُ الحُرْمَةَ المُؤَبَّدَةَ، فلم يَخْتَصَّ بالحَياةِ، كالرَّضاعِ.
والثاني، لا يَنْشُرُها.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّه ليسَ بسَبَبٍ للبَضْعِيَّةِ، ولأنَّ التَّحْرِيمَ يَتَعَلَّقُ باسْتِيفاءِ مَنْفَعَةِ الوَطْءِ،

الحديث: 3138 - الجزء: 20 - الصفحة: 291

وَإنْ بَاشَرَ امْرَأَةً أَوْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِهَا، أَوْ خَلَا بِهَا لِشَهْوَةٍ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ،  والموتُ يُبْطِلُ المَنافِعَ.
وأمَّا الرَّضاعُ، فيُحَرِّمُ؛ لِما (1) يَحْصُلُ به مِن إنْباتِ اللَّحْمِ وإنْشازِ العَظْمِ، وهذا يَحْصُلُ مِن لَبَنِ المَيِّتَةِ.
وفي وَطْءِ الصغيرةِ أيضًا وَجْهان، أحَدُهما، يَنْشُرُ.
وهو قولُ أبي يُوسُفَ، لأنَّه وَطْءٌ لآدَمِيَّةٍ حَيَّةٍ في القُبُلِ، أشْبَهَ وَطْءَ الكبيرةِ (2). والثاني، لا يَنْشُرُها.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه ليس بسَبَب للبَضْعِيَّةِ (3)، أشْبَهَ وَطْءَ المَيِّتَةِ.

3139 -

مسألة: (وإن باشَرَ امرأةً، أو نَظَر إلى فَرْجِها، أو خَلَا بها لشَهْوَةٍ، فعلى رِوايَتَين)

إذا باشَرَ فيما دونَ الفَرْجِ لغيرِ شَهْوةٍ، لم يَنْشُرِ755756757

الحديث: 3139 - الجزء: 20 - الصفحة: 292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحُرْمَةَ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
وإن كان لشهوةٍ، وكان في أجْنَبِيَّةٍ، لم يَنْشُرِ الحُرْمَةَ أيضًا.
قال الجُوزْجانِيُّ: سألتُ أحمدَ عن رجلٍ نَظَر إلى أُمِّ امْرَأَتِه مِن شهوةٍ، أو قَبَّلَها، أو باشَرها.
فقال: أنا أقُولُ: لا يُحَرِّمُه شيءٌ مِن ذلك إلَّا الجماعُ.
وكذلك نَقَل أحمدُ بنُ القاسمِ، وإسحاقُ بنُ منصورٍ.
وإن كانتِ المُباشَرَةُ لامرأةٍ مُحَلَّلَةٍ له، كامرأتِه ومَمْلُوكَتِه، لم تَحْرُمْ عليه ابْنَتُها.
قال ابنُ عباسٍ: لا يُحَرِّمُ الرَّبِيبَةَ إلَّا الجِماعُ 758. وبه قال طاوُسٌ، وعمرُو بنُ دِينارٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾.
وهذا ليس بدُخُولٍ، فلا يُتْرَكُ النَّصُّ الصريحُ مِن أجْلِه.
وأمَّا تَحْرِيمُ أُمِّها، وتَحْرِيمُها على أبي الرجلِ المباشِرِ لها، وابنِه، فإنَّها في النِّكاحِ تَحْرُمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ قبلَ المباشَرَةِ، فلا يَظْهَرُ للمُباشَرَةِ أثَرٌ.
وأمَّا الأمَةُ، فمتى باشَرَها دُونَ الفَرْجِ لشَهْوَةٍ، فهل يَثْبُتُ تَحْرِيمُ المُصاهَرَةِ؟ فيه رِوايتَان؛ إحدَاهما، يَنْشُرُها.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَمْرٍو، ومَسْرُوقٍ.
وبه قال القاسمُ، والحسنُ، ومكحولٌ، والنَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، وعليُّ بنُ المَدِينِيِّ.
وهو أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّه نوْعُ اسْتِمْتاعٍ، فيَتَعَلَّقُ به

الجزء: 20 - الصفحة: 293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَحْرِيمُ المُصاهَرَةِ، كالوَطْءِ.
والثانيةُ، لا يَثْبُتُ بها التَّحْرِيمُ؛ لأنَّها مُلامَسَة لا تُوجِبُ الغُسْلَ، فلم يَثْبُتْ بها التَّحْرِيمُ، كما لو لم تَكُنْ لشَهْوةٍ 759، ولأنَّ ثُبوتَ التَّحريمِ إمَّا أن يكونَ بنَصٍّ أو قِياسٍ على المَنْصُوصِ، ولا نَصَّ في هذا، ولا هو في معنى المنْصوصِ عليه ولا المُجْمَعِ عليه، فإنَّ الوَطْءَ يَتَعَلَّقُ به مِن الأحْكامِ اسْتِقْرارُ المَهْرِ، والإحْصانُ، والاغْتِسالُ، والعِدَّةُ، وإفْسادُ الإحْرامِ والصِّيامِ، بخِلافِ اللَّمْسِ.
وذَكَر أصحابُنا الرِّوايَتَين في جيعِ الصُّوَرِ مِن غيرِ تَفْصِيلٍ.
قال شيخُنا 760: وهذا الذي ذَكَرْنا أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: ومَنْ نَظرَ إلى فَرْجِ امرأةٍ لشَهْوةٍ فهو كَلَمْسِها لشهوةٍ، فيه

الجزء: 20 - الصفحة: 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أيضًا رِوايَتان؛ إحْدَاهما، يَنْشُرُ الحُرْمَةَ في مَوْضِعِ يَنْشُرُها اللَّمْسُ.
رُوِيَ عن عمرَ، وابنِ عمرَ، وعامرِ بنِ رَبِيعَةَ 761، وكان بَدْرِيًّا، وعبدِ اللهِ بِنِ عمرٍو، في مَن يَشْتَرِي الخادِمَ، ثم يُجَرِّدُها أو يُقَبِّلُها، لا يحِلُّ لابنِه 762 وَطْؤُها.
وهو قولُ القاسمِ، والحسنِ، ومجاهدٍ، ومكحولٍ، وحمادِ بنِ أبي سليمانَ، وأبي حنيفةَ؛ لِما روَى عبدُ الله بنُ مسعودٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ نَظَرَ إلى فَرْجِ امْرَأةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّها وَبِنْتُها» 763. وفي رِوَايةٍ: «لا يَنْظُرُ اللهُ إلى رَجُلٍ نَظَرَ إلى فَرْجِ امْرَأَةٍ وابْنَتِها» (3) والثانيةُ، لا يَتَعَلَّقُ به التَّحْرِيمُ.
وهو قول الشافعيِّ، وأكثرِ أهلِ العلمِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
ولأنَّه نَظَرٌ مِن غيرِ مُباشَرَةٍ، فلم يُوجِبِ التَّحْرِيمَ، كالنَّظَرِ إلى الوَجْهِ، والخَبرُ ضعيفٌ.
قاله الدَّارَقُطْنِيُّ.
وقيل: هو موقوفٌ على ابنِ مسعودٍ.
ثم يَحْتَمِلُ أنَّه كَنَى بذلك عن الوَطْءِ.
وأمَّا النَّظرُ إلى سائرِ البَدَنِ، فلا يَنْشُر حُرْمَة.
وقال بعضُ أصحابِنا: لا فَرْقَ بينَ النظر إلى الفَرْجِ وسائِرِ البَدَنِ

الجزء: 20 - الصفحة: 295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لشَهْوةٍ.
والصحيحُ خِلافُ هذا، فإنَّ غيرَ الفَرْجِ لا يُقاسُ عليه؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ.
ولا خِلافَ نَعْلَمُه في أنَّ النَّظَرَ إلى الوَجْهِ لا يُثْبِتُ الحُرْمَةَ، فكذلك غيرُه، ولا خِلافَ أيضًا في 764 أنَّ النَّظَرَ إذا وَقَع مِن غيرِ شَهْوَةٍ لا يَنْشُرُ الحُرْمَةَ؛ لأنَّ اللَّمْسَ الذي هو أبْلَغُ منه، لا يُؤثِّرُ إذا لم يَكُنْ لشهوةٍ، فالنَّظَرُ أَوْلَى.
ومَوْضِعُ الخِلافِ في اللَّمْسِ والنَّظَرِ في مَن بَلَغَتْ تِسْعَ سنينَ فما زادَ، فأمَّا الطِّفْلَةُ فلا يَثْبُتُ فيها ذلك.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ في بِنْتِ سَبْعٍ: إذا قَبَّلَها حَرُمتْ عليه (1) أُمُّها.
قال القاضي: هذا عندي مَحْمولٌ على السِّنِّ الذي تُوجَدُ معه الشَّهْوةُ.
فصل: فإن نَظَرَتِ المرأةُ إلى فَرْجِ رجلٍ لشَهْوَةٍ، فحكمُه في التَّحْرِيم حكمُ نَظَره إليها.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه مَعْنًى يُوجِبُ التَّحْرِيمَ، فاسْتَوَى فيه الرجلُ والمرأةُ، كالجِماعِ.
وكذلك يَنْبَغِي أن يكونَ حكمُ لَمْسِها له وقُبْلَتِها إيّاه لشَهْوَةٍ؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: والصَّحيحُ أنَّ الخَلْوَةَ بالمرأةِ لا تَنْشُرُ الحُرْمَةَ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ: إذا خَلَا بالمرأةِ وَجَب الصَّداقُ والعِدَّةُ، ولا يَحِلُّ له أن يَتَزَوَّجِ أُمَّها وابْنَتَها.
قال القاضي: هذا مَحْمُولُ على أنَّه حَصَل مع الخَلْوَةِ مُباشرَةٌ.

الجزء: 20 - الصفحة: 296

وَإنْ تَلَوَّطَ بِغُلَامٍ، حَرُمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُمُّ الْآخَرِ وَابْنَتُهُ.
وَعِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ، هُوَ كَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ.
فيُخَرَّجُ كلامُه على إحْدَى الرِّوايَتَين اللَّتَين ذَكَرْناهما، فأمَّا مع خُلُوِّهِ مِن ذلك، فلا يُؤثِّرُ في تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ؛ لِما في ذلك مِن مُخالفَةِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾.
وأمَّا الخَلْوَةُ بأجْنَبِيَّةٍ أو أمَتِه، فلا تَنْشُرُ تَحْرِيمًا.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.

3140 -

مسألة: (ومَن تَلَوَّطَ بغُلامٍ، حَرُمَ على كلِّ واحدٍ منهما أُمُّ الآخَرِ وابْنَتُه)

قاله بعضُ أصحابِنا، قال: ونَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ الأوْزَاعِيِّ؛ لأنَّه وَطْءٌ في الفَرْجِ، فنَشَرَ الحُرْمَةَ، كوَطْءِ المرأةِ، ولأنَّها بنْتُ مَن وَطِئَه أو أُمُّه، فحَرُمَتا عليه، كما لو كانتِ المَوْطُوءَةُ أُنْثَى.
وقال أَبو الخَطَّابِ: يكونُ ذلك 765 كالمُباشرَةِ فيما دُونَ الفَرْجِ، فيكون فيه

الحديث: 3140 - الجزء: 20 - الصفحة: 297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرِّوايَتان.
والصحيحُ أنَّ هذا لا يَنْشُرُ الحُرْمَةَ 766، فإنَّ هؤلاء غيرُ مَنْصُوصٍ عليهنَّ في التّحْرِيمِ، فيَدْخُلْن في عُمومِ قولِه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
ولأنَّهُنَّ غيرُ مَنْصوصٍ عليهنَّ، ولا هنَّ في معنى المَنْصُوصِ عليه، فوَجَبَ أن لا يَثْبُتَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ فيهِنَّ، فإنَّ المَنْصُوصَ عليهنَّ في هذا حلائِلُ الأبناءِ ومَن نَكَحَهُن الآباءُ، وأمهاتُ النساءِ وبناتُهُنَّ، وليس هؤلاءِ منهنَّ، ولا في مَعْناهُنَّ؛ لأنَّ الوَطْءَ في المرأَةِ يكونُ سَبَبًا للبَضْعِيَّةِ، ويُوجِبُ المَهْرَ، ويَلْحَقُ به النَّسَبُ، وتَصِيرُ به المرأةُ فِرَاشًا، ويُثْبِتُ أحكامًا لا يُثْبِتُها اللِّواطُ، فلا يَجُوزُ إلْحاقُه بهنَّ؛ لعَدَمِ العِلَّةِ، وانْقِطاعِ الشَّبَهِ، ولذلك لو أرْضَعَ الرجلُ طِفْلًا، لم يَثْبُتْ به حُكْمُ التَّحْرِيمِ، فههُنا أوْلَى.
وإن قُدِّرَ بينَهما شَبَهٌ مِن وَجْهٍ ضَعِيفٍ، فلا يجوزُ تَخْصِيصُ عُمومِ الكتابِ به، واطِّرَاحُ النَّصِّ بمِثْلِه.

الجزء: 20 - الصفحة: 298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَحْرُمُ على الرجلِ نِكاحُ بِنْتِه مِن الزِّنَى، وأُخْتِه، وبِنْتِ ابْنِه، وبنتِ بِنْتِه، وبنتِ أخِيه 767 وأُخْتِه مِن الزِّنَى، في قولِ عامَّةِ الفُقَهاءِ.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ في المشهورِ مِن مَذْهَبِه: يجوزُ ذَلِك 768؛ لأنَّها أجْنَبيَّةٌ منه، لا تُنْسَبُ إليه شَرْعًا، ولا يَجْرِي التَّوارُثُ بينَهما، ولا تَعْتِقُ عليه إذا مَلَكَها، ولا تَلْزَمُه نَفَقَتُها، فلم تَحْرُمْ عليه، كسائِرِ الأجانبِ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾.
وهذه بِنْتُه، فإنَّها أُنْثَى 769 مَخْلُوقَةٌ مِن مائِه، وهذه حقيقةٌ لا تَخْتَلِفُ بالحِلِّ والحُرْمَةِ، و 770 يَدُلُّ على ذلك قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في امرأةِ هِلَالِ بنِ أُمَيَّة 771: «انْظُرُوهُ» يَعْنِي وَلَدَها «فَإنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَي صِفَةِ كذا فَهُوَ لشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ».
يعني الزَّانِيَ 772. ولأنَّها مخلوقةٌ مِن مائِه، فأشْبَهَتِ المخلوقةَ مِن وَطْءِ الشُّبْهَةِ، ولأنَّها بَضْعَةٌ منه، فلم تَحِلَّ له، كبنْتِه مِن النِّكاحِ، وتَخَلُّفُ بعضِ الأحْكامِ لا يَنْفِي كَوْنَها بِنْتًا، كما لو تَخَلَّفَ لرِقٍّ أو اخْتِلافِ دِينٍ.
إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ عِلْمِه بكَوْنِها منه، مثلَ أن يَطَأَ امرأةً في طُهْرٍ

الجزء: 20 - الصفحة: 299

الْقِسْمُ الرَّابِعُ، الْمُلَاعِنَةُ تَحْرُمُ عَلَى الْمُلَاعِنِ عَلَى التَّأْبِيدِ، إلا أَنْ يُكْذِبَ نَفْسَهُ، فَهَلْ تَحِلُّ له؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
لم يُصِبْها فيه غيرُه، ثم يَحْفَظَها حتى تَضَعَ، أو يَشْتَرِكَ جماعةٌ في وَطْءِ امرأةٍ، فتَأْتِيَ بوَلَدٍ لا يُعْلَمُ هل هو منه أو مِن غيرِه؟ فإنَّها تَحْرُمُ على جميعِهِم لوَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّها بِنْتُ مَوْطُوءَتِهم.
والثاني، أنّا نَعْلَمُ أنَّها بِنتُ بَعْضِهم، فتَحْرُمُ على الجميعِ، كما لو زَوَّجَ الوَلِيَّان ولم يُعْلَمِ السَّابِقُ منهما.
وتَحْرُمُ على أولادِهِم؛ لأنَّها أختُ 773 بعْضِهم غيرَ معلومٍ، فإن ألحَقَتْها القافةُ بأحَدِهم، حَلَّتْ لأولادِ الباقِين.
(القسمُ الرابعُ، المُلَاعِنَةُ، تَحْرُمُ على المُلاعِنِ على التَّأْبِيدِ) أمَّا إذا لم يُكْذِبْ نفْسَه، فلا نَعْلَمُ أحدًا قال بخِلافِ ذلك إلَّا قولًا شاذًّا، فإن

الجزء: 20 - الصفحة: 300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أكْذَبَ نَفْسَه، فالمَشْهُورُ في المذهبِ أنَّها بَاقِيَةٌ على التَّحْرِيمِ المُؤبَّدِ.
وعن أحمدَ رِواية شاذَّة، أنَّها تَحِلُّ له، وتَعُودُ فِراشًا له، إذَا لم يَكنْ وُجِدَ منه ما يُبينُها 774؛ لأنَّه رَجَع عن المَعْنَى المُحَرّمِ، فزَال التَّحْرِيمُ، ولذلك

الجزء: 20 - الصفحة: 301

فَصْل: الضَّرْبُ الثَّانِي، الْمُحَرَّمَاتُ إِلَى أَمَدٍ، وَهُنَّ نَوْعَانٍ؛ أَحدُهُمَا، المُحَرَّمَاتُ لأجْلِ الْجَمْعِ، فَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَينَ الأُخْتَينَ،  يُحَدُّ ويَلْحَقُه نَسَبُ الوَلَدِ، وهذه الرِّوايَةُ شَذَّ بها حَنْبَلٌ عن أصحابِه، وتفَرَّدَ بها، والعَمَلُ على الرِّوايةِ الأُولَى، وهذا يذْكَرُ في بابِ اللِّعَانِ مَبْسُوطًا، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (الضَّرْبُ الثَّانِي، المُحَرَّماتُ إلى أمَدٍ، وهُنَّ نَوْعان؛ أحدُهما، المُحَرَّماتُ لأجْلِ الجَمْعِ، فيَحْرُمُ الجَمْعُ بينَ الأُخْتَين) سَواء كَانَتَا مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ، حُرَّتَين كانَتَا أو أمَتَين، أو حُرَّةً وأَمةً، مِن أبَوَين كانَتا أو مِن أَبٍ أو أُمٍّ، وسَواءٌ

الجزء: 20 - الصفحة: 302

وَبَينَ الْمَرأةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالتِهَا،  في هذا ما قبلَ الدُّخُولِ أو بعدَه؛ لعُمُومِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ﴾.

3141 -

مسألة: (و)

يَحْرُمُ الجَمْعُ (بينَ المرأةِ وعَمَّتِها أو خالتِها) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على القولِ به، وليس فيه بحمدِ اللهِ اخْتِلافٌ، إلَّا أنَّ بعضَ أهلِ البِدَعِ مِمَّن لا تُعَدُّ مُخالفَتُه خِلافًا، وهم الرَّافِضَةُ والخَوَارِجُ، لم يُحَرِّمُوا ذلك، ولم يَقُولُوا بالسُّنَّةِ الثَّابتَةِ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. وهي ما روَى أبو هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَجْمَعُوا بَينَ المرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَينَ المَرْأَةِ وَخَالتِهَا».
متفقٌ عليه 775. وفي روايةِ

الحديث: 3141 - الجزء: 20 - الصفحة: 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبي داودَ 776: «لا تُنْكَحُ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا العَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخيها 777، ولا المَرْأَة على خَالتِها، ولا الخَالةُ على بِنْتِ أُخْتِها، لا تُنْكَحُ الكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى، ولا الصُّغْرَى على الكُبْرَى».
ولأنَّ العِلَّةَ في تَحْرِيمِ الجَمْعِ بينَ الأُخْتَين إيقاعُ العَداوَةِ بينَ الأقارِبِ، وإفْضاؤُه إلى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ المَحْرَم.
فإنِ احْتَجُّوا بعُمُومِ قولِه سبحانَه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
خَصَصْنَاه بما رَوَيناه.
وبَلَغَنا أنَّ رَجُلَين مِن الخَوَارِجِ أَتَيا عمرَ بنَ عبدِ العزيز، فكانَ مِمَّا أنْكَرَا عليه رَجْمُ الزَّانِيَين، والجمعُ بينَ المرأَةِ وعَمَّتِها، وبينَها 778 وبينَ خَالتِها، وقَالا: ليس هذا في كتابِ اللهِ تعالى.
فقال لهما: كم فَرَضَ الله عليكم مِن الصَّلاةِ 779؟ قالا:

الجزء: 20 - الصفحة: 304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خَمْسَ صَلَوَاتٍ في اليومِ واللَّيلةِ.
وسَأَلهُما عن عَدَدِ رَكَعَاتِها، فأخْبَرَاه بذلك.
وسأَلَهُما عن مِقْدَارِ الزَّكَاةِ ونُصُبِها، فأخْبَرَاه.
فقال: وأين تجِدَان ذلك في كتابِ اللهِ؟ قالا: لا نَجِدُه في كتابِ اللهِ.
قال: فَمِن أين صِرْتُما [إلى ذلك] 780؟ فقالا: فَعَلَه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون بعدَه.
قال: فكذلك هذا.
ولا فَرْقَ بينَ الخالةِ والعَمَّةِ، حقيقةً أو مَجازًا، كعَمَّاتِ آبائِها وخالاتِهِم، وعَمَّاتِ أُمَّهاتِها وخَالاتِهِنَّ، وإن عَلَتْ دَرَجتُهُنَّ، مِن نَسَبٍ كان ذلك أو رَضاعٍ، فكُلُّ شَخصَين لا يَجُوزُ لأحَدِهما أن يَتَزَوَّجَ الآخَرَ، لو كان أحَدُهما ذَكَرًا والآخَرُ أُنْثَى لأجْلِ القَرابَةِ، لا يَجُوزُ الجَمْعُ بَينَهما؛ لتَأْدِيَةِ ذلك إلى قَطْعِ الرَّحِمِ القَرِيبَةِ، لِما في الطِّباعِ مِن التَّنافُسِ والغَيرَةِ مِن الضَّرائرِ.
ولا يجوزُ الجمعُ بينَ المرأةِ وأُمِّها في العَقْدِ؛ لِما ذَكَرْناه، ولأنَّ الأمَّ إلى ابْنَتِها أقْرَبُ مِن الأُختَين، فإذا لم يُجْمَعْ بينَ الأُختَين، فالمرأةُ وبِنْتُها أوْلَى.

الجزء: 20 - الصفحة: 305

فَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ، لَمْ يَصِحَّ،  فصل: ولا يَحْرُمُ الجمعُ بينَ ابْنَتَي العَمِّ، وابْنَتَي الخالِ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ لعَدَمِ النَّصِّ فيهما بالتَّحْرِيمِ، ودُخُولِهما في عُمُوم قولِه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
ولأنَّ إحْدَاهما تَحِلُّ لها الأُخْرَى لو كانت ذَكَرًا.
وفي كَراهَةِ ذلك رِوَايتان؛ إحْدَاهما، يُكْرَهُ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ.
وبه قال جابرُ بنُ زيدٍ، وعطاءٌ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ.
وروَى أبو حفص بإسنادِه عن عيسى بنِ طلحةَ قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن تُزَوَّجَ المرأةُ على ذي قَرابتِها، مَخافَةَ القَطِيعَةِ (1). ولأنه مُفْضٍ إلى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ المَأمُورِ بصِلَتِها، فأقَلُّ أحْوالِه الكَراهَةُ.
والأُخْرَى، لا يُكْرَهُ.
وهو قولُ سليمانَ بنِ يَسارٍ، والشَّعْبِيِّ، وحسنِ بنِ حسنٍ (2)، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيدٍ؛ لأنَّه ليست بينَهما قَرابة تُحَرِّمُ الجمعَ، فلا يَقْتَضِي كَراهَةً، كسائرِ الأقارِبِ.

3142 -

مسألة: (فإن جَمَع بينَهما في عَقْدٍ)

واحدٍ (لم يَصِحَّ)781782

الحديث: 3142 - الجزء: 20 - الصفحة: 306

وَإنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَينِ، أَوْ تَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا فِي عِدَّةِ الأُخْرَى، سَوَاءٌ كَانَتْ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيَّةً، فَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلٌ.
[إذا جَمَعَ] (1) بَينَ الأخْتَين في عَقْدٍ واحدٍ (2)، أو جَمَعَ بينَ المرأَة وعَمَّتِها أو خَالتِها في عَقْدٍ، فعَقَدَ (3) عليهما معًا، لم يَصِحَّ العَقْدُ في واحدةٍ منهما؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَصْحيحُه فيهما، ولا مَزِيَّةَ لأحَدِهما على الآخَرِ (4)، فيَبْطُلُ فيهما، كما لو زُوِّجَتِ المرأةُ لِرَجُلَين (5)، وكذا لو تَزَوَّجَ خَمْسًا في عَقْدٍ واحدٍ، بَطَل في الجميعِ لذلك.

3143 -

مسألة: (وإن تَزَوَّجَهما في عَقْدَين، أو تَزَوَّجَ إحداهما في عِدَّةِ الأُخْرَى، سَواءٌ كانت بائِنًا أو رَجْعِيَّةً، فنِكاحُ الثانيةِ باطِلٌ)

أمّا783784785786787 = مع صدقه وجلالته، توفي سنة تسع وتسعين وقيل: في سنة سبع وتسعين.
سير أعلام النبلاء 4/ 483 - 487.

الحديث: 3143 - الجزء: 20 - الصفحة: 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا تَزَوَّجَهما في عَقْدَين وعَلِمَ الأُولَى منهما 788، فَنِكاحُها 789 صَحِيحٌ؛ لأنَّه لا جَمْعَ فيه، ونِكاحُ الثَّانِيةِ باطلٌ؛ لأنَّ الجمعَ يَحْصُلُ به، وبالعَقْدِ على الأُولَى تَحْرُمُ الثانيةُ، فلا يَصِحُّ عَقْدُه عليها حتى تَبِينَ الأولَى وتَنْقَضِيَ عِدَّتُها.
فصل: فإنْ لم يَعْلَمْ أُولاهما، فعليه فُرْقَتُهما بعًا.
قال أحمدُ، في رَجُلٍ تَزَوَّجَ أُختَين، لا يَدْرِي أيَّتَهما تَزَوَّجَ أولًا: يُفَرَّقُ بينَه وبينَهما؛ لأنَّ إحْدَاهما مُحَرَّمَة عليه، ونِكاحُها باطلٌ، ولا يَعْرِفُ المُحلَّلَةَ له، فقد اشْتَبَها عليه، ونِكاحُ إحْدَاهما صَحِيحٌ، ولا تُتَيَقَّنُ بَينُونَتُها منه إلَّا بطَلاقِهما جميعًا أو فَسْخِ نِكاحِهِما، فوَجَبَ ذلك، كما لو زَوَّجَ الوَلِيَّان ولم يُعْرَفِ الأوَّلُ منهما.
وإن أحَبَّ أن يُفارِقَ إحداهما، ثم يُجَدِّدَ عَقْدَ الأُخْرَى ويُمْسِكَها، فلا بَأْسَ، وسَواءٌ فَعَل ذلك بقُرْعَةٍ أو بغيرِها، ولا يَخْلُو مِن ثلاثةِ أقسامٍ؛

الجزء: 20 - الصفحة: 308

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحدُها، أن لا يكونَ دَخَل بواحدةٍ منهما، فله أن يَعْقِدَ على إحداهما في الخالِ بعدَ فِراقِ الأُخْرَى.
الثاني، إذا دَخَل بإحدَاهما، فإن أرادَ نِكاحَها فارَقَ التي لم يُصِبْها بطَلْقَةٍ، ثم تَرَك المُصابَةَ حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، ثم نَكَحَها؛ لأنَّنا لا نَأْمَنُ أن تكونَ هي الثانيةَ، فيكونَ قد أصابَها في نِكاحٍ فاسِدٍ، فلهذا اعْتَبَرْنا انْقِضاءَ عِدَّتِها.
ويَحْتَمِلُ جَوازُ العَقْدِ عليها في الحالِ؛ لأنَّ النَّسَبَ لاحِقٌ به، فلا يُصانُ ذلك عن مائِه.
فإن أحَبَّ نِكاحَ الأُخْرَى، فارَقَ المُصابَةَ بطَلْقَةٍ، ثم انْتَظَرَها حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، ثم تَزَوَّجَ أُخْتَها.
القسمُ الثالثُ، إذا دَخَل بهما، فليس له نِكاحُ واحدةٍ منهما حتى يُفارِقَ الأخْرَى، وتَنْقَضِيَ عَدَّتُها مِن حِينِ فُرْقَتِها، وتَنْقَضِيَ عِدَّةُ الأُخْرَى مِن حِينَ أصابَها.
وإن وَلَدَتْ منه 790 إحْدَاهما، أو هما جميعًا، فالنَّسَبُ [لاحِقٌ به] 791، لأنَّه إمَّا مِن نِكاحٍ صحيحٍ أو نِكاحٍ فاسدٍ، وكلاهما يَلْحَقُ النَّسَبُ فيه.
وإن لم يُرِدْ نِكاحَ واحدةٍ منهما، فَارَقَهُما بِطَلْقَةٍ طَلْقةٍ.
فصل: فأمَّا المَهْرُ، فإن لم يَدْخُلْ بواحدةٍ منهما، فلإحْدَاهما نِصْفُ المَهْرِ، ولا نَعْلَمُ مَن يَسْتَحِقَّه منهما، فيَصْطَلِحان عليه، فإن لم يَفْعَلَا، أُقْرِعَ بينَهما، فكانَ لمَن خَرَجَتْ قُرْعَتها مع يَمِينِها.
وقال أبو بكرٍ:

الجزء: 20 - الصفحة: 309

وَإنِ اشْتَرى أُخْتَ امْرَأَتِهِ، أوْ عَمَّتَهَا، أوْ خَالتَهَا، صَحَّ، وَلَمْ يَحِلَّ  اخْتِياري أن يَسْقُطَ المَهْرُ إذا كان مُجْبَرًا على الطَّلاقِ قبلَ الدُّخُولِ.
وإن دَخَل بواحدةٍ منهما أُقْرِعَ بينَهما، فإن وَقَعَتْ لغيرِ المُصابَةِ، فلها نِصْفُ المَهْرِ، وللمُصابةِ مَهْرُ المِثْلِ بما اسْتَحَلَّ مِن فَرْجِها، وإن وَقَعَتْ على المُصابةِ، فلا شيءَ للأُخرَى، وللمُصابَةِ المُسَمَّى جَمِيعُه.
وإن أصابَهُما معًا (1)، فلإِحْدَاهما المُسَمَّى، وللأُخْرَى مَهْرُ المِثْلِ، يُقْرَعُ بينَهما فيه إن قُلْنا: الواجِبُ في النِّكاحِ الفاسِدِ مَهْرُ المِثْلِ.
وإن قُلْنا بوُجُوبِ المُسَمَّى فيه، وَجَب ههُنا لكلِّ واحدةٍ (2) منهما.
فصل: قال أحمدُ: إذا تَزَوَّجَ امرأةً، ثم تَزَوَّجَ أُخْتَها، ودَخَل بها (3)، اعْتَزَلَ زَوْجَتَه حتى تَنْقَضِيَ عِدَّة الثَّانيةِ.
إنَّما كان كذلك؛ لأنَّه لو أرادَ العَقْدَ على أُخْتِها في الحالِ، لم يَجُزْ له حتى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ المَوْطُوءَةِ، فكذلك (4) لا يَجُوزُ له وَطْءُ امرأتِه حتى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ أخْتِها التي أصابَها.

3144 -

مسألة: (وإنِ اشْتَرَى أُخْتَ امرأتِه، أو عَمَّتَها، أو خالتَها، صَحَّ)

لأنَّ الشِّراءَ يُرادُ للاسْتِمْتاعِ ولغيرِه، ولذلك 796 صَحَّ792793794795

الحديث: 3144 - الجزء: 20 - الصفحة: 310

لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يُطَلِّقَ امْرأته وَتَنْقَضِيَ عِدَّتهَا، وَإنِ اشْتَرَاهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، صَحَّ،  شِراءُ مَن لا تَحِلُّ له، كالمَجُوسِيَّةِ وأُخْتِه مِن الرَّضاعِ (ولا يَحِلُّ له وَطْؤُها حتى يُطَلِّقَ امرأتَه وتَنْقَضِيَ عِدَّتُها) لِئَلَّا يكونَ جامعًا بينَهما في الفِراشِ، أو جامعًا ماءَه في رَحِمِ أُخْتَين، وذلك لا يَحِلُّ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ كَانَ يُومِنُ بِاللهِ وَاليَوْم الآخَرِ، فَلَا يَجْمَعْ مَاءَهُ في رَحِمِ أُخْتَينَ» (1).

3145 -

مسألة: (وإنِ اشْتَراهُنَّ في عَقْدٍ واحِدٍ، صَحَّ)

لما ذَكَرْنا، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في ذلك.
ولو اشْتَرَى جارِيَة ووَطِئَها، حَلَّ له شِراءُ أُخْتِها وعَمَّتِها وخالتِها، وقد ذَكَرْناه.
كما يَحِلُّ (2) له شِراءُ المُعْتَدَّةِ والمُزَوَّجَةِ، مع أنَّها لا تَحِلُّ له.
3146 -

مسألة: وله وَطْءُ إحْدَاهُما؛ لأنَّ الأُخْرَى لم تَصِرْ فِرَاشًا.

وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وقال الحكمُ، وحَمّادٌ: لا يَقْرَبُ واحِدَةً منهما.
ورُوِيَ ذلك عن النَّخَعِيِّ.
وذَكَرَه أبو الخطابِ مذهبًا لأحمدَ.
ولَنا،797798

الحديث: 3145 - الجزء: 20 - الصفحة: 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّه لم يَجْمَعْ بينَهما في الفِراشِ، فلم يَحْرُمْ 799، كما لو كان في مِلْكِه إحْدَاهما وحْدَها.
فصل: وليس له الجَمْعُ بينَ الأُخْتَين مِن إمائِه في الوَطْءِ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ الجماعةِ.
وكَرِهَه عمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وعمارٌ، وابنُ عمرَ، وابنُ مسعودٍ.
ومِمَّن قال بتَحْرِيمِه؛ [عبدُ اللهِ بنُ عُتْبَةَ] 800، وجابرُ بنُ زيدٍ، وطاوُسٌ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال: أحلَّتْهُما آيَةٌ، وحَرَّمَتْهُما آيةٌ، ولم أكُنْ لأفْعَلَه.
ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ أيضًا 801. يُريدُ بالمُحَرِّمَةِ قولَه تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ﴾.
وبالمُحَلِّلَةِ قولَه تعالى: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ 802. وروَى ابنُ منصورٍ عن أحمدَ، وسأله عن الجَمْعِ بينَ الأُخْتَين المَمْلُوكَتَين، أحَرامٌ هو؟ قال: لا [أقولُ حَرامٌ، ولكنْ يُنْهَى عنه.
وظاهرُ هذا أنَّه مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّمٍ.
وقال داودُ، وأهلُ الظاهرِ: لا] 803 يَحْرُمُ.
اسْتِدْلالًا بالآيةِ المُحَلِّلةِ؛ لأنَّ حُكْمَ الحَرائرِ في الوَطْءِ مُخالِفٌ لحُكْمِ الإِماءِ، ولهذا تَحْرُمُ الزيادةُ على أرْبَعٍ في الحَرائرِ، وتُباحُ في الإِمَاءِ بغيرِ حَصْرٍ.
والمذهبُ تَحْرِيمُه؛ للآيةِ المُحَرِّمَةِ، فإنَّه يُرِيدُ بها الوَطْءَ والعَقْدَ جميعًا، بدليلِ أنَّ سائرَ المَذْكوراتِ

الجزء: 20 - الصفحة: 312

فَإِنْ وَطِيء إِحدَاهُمَا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ الأخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ الأولَى بِإِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ تَزْويجٍ، وَيَعلَمَ أنها لَيسَتْ بِحَامِل.
في الآيةِ يحرُمُ وَطْؤهُنَّ والعقدُ عليهنَّ، وآيةُ الحِلِّ مَخْصُوصَةٌ بالمُحَرَّماتِ جميعِهِنَّ، وهذه منهُنَّ، ولأنَّها امرأةٌ صارت فِراشًا، فحَرُمَتْ أُخْتُها، كالزَّوْجَةِ.

3147 -

مسألة: (فإنْ وَطِيء إحدَاهُما، فليس له وَطْءُ الأخْرَى حتى يُحَرِّمَ المَوْطوءَةَ على نَفْسِه بإخْرَاج عن مِلْكِه أو تَزْويج)

هذا قولُ علي، وابنِ عمرَ، والحسنِ، والأوْزاعِيِّ، وإسحاقَ، والشافعي.
فإن رَهنَها، لم تَحِلَّ له أخْتُها؛ لأنَّ مَنْعَه مِن وَطْئِها لحقِّ المُرتَهِنِ لا لتَحرِيمِها، ولهذا يَحِلُّ له بإذْنِ المرتَهِنِ فيه، ولأنَّه يَقْدِرُ على فَكِّها متى شاءَ واسْتِرجاعِها إليه.
وقال قتادةُ: إنِ اسْتَبْرَأها، حَلَّتْ له أخْتُها؛ لأنَّه قد زال فِراشُه، ولهذا لو أتَتْ بوَلَدٍ، فنَفَاه بدَعوَى الاسْتِبْراءِ انْتَفَى، فأشْبَه ما لو زَوَّجَها.
ولَنا، قولُ علي، وابنِ عمرَ، ولأنَّه لم يَزُلْ مِلْكُه عنها، ولا حِلُّها له، فأشْبَه ما لو وُطِئَتْ بشُبْةٍ فاسْتَبْرَأها مِن ذلك الوَطْءِ، ولأنّ

الحديث: 3147 - الجزء: 20 - الصفحة: 313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك لا يَمنَعُه وَطْأها، فلا يَأمَن 804 عَوْدَه إليها، فيكونُ ذلك 805 ذَرِيعَةً إلى الجَمعِ بينَهما.
كان حَرَّمَ إحدَاهما [على نَفْسِه، لم تُبَحِ الأخْرَى؛ لأنَّ هذا لا يُحَرِّمُها، إنَّما هو يَمِينٌ يُكَفَّرُ، ولو كان يُحَرِّمُها إلَّا أنَّه لعارِض، متى شاء أزاله بالكَفّارَةِ، فهو كالحَيضِ والنِّفاسِ والإِحرامِ والصيامِ.
فإن كاتَبَ إحداهما] 806، فظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ أنَّه لا تَحِل له الأخْرَى، وهو مُقْتَصى كلام شيخِنا في الكَتابِ المشرُوحِ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: تَحِل له الأخرَى؛ لأنَّها حَرُمَتْ عليه بسَبَبٍ لا يَقْدِرُ على رَفْعِه، فأشْبَه التَّزْويجَ.
ولَنا، أنَّه [بسَبِيل مِن اسْتِباحَتِها] 807 بما لا يَقِفُ على غيرِهما 808.

الجزء: 20 - الصفحة: 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا أخْرَجَها مِن مِلْكِه، لم تَحِلَّ له أخْتُها حتى يَسْتَبْرئ المُخْرَجَةَ ويَعلَمَ براءَتَها مِن الحَملِ 809. فإن كانت حامِلًا منه، لم تَحِلَّ له أخْتُها حتى تَضَعَ حَملَها، لأنَّه يكونُ جامِعًا ماءَه 810 في رَحِمِ أخْتَين، فهو بمَنْزِلَة نِكاحِ الأخت في عِدة أخْتِها.

الجزء: 20 - الصفحة: 315

فَإِنْ عَادَتْ إِلَى مِلْكِهِ، لَمْ يُصِبْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ

3148 - مسألة: (فإن عادَتْ إلى مِلْكِه، لم يَطَأ واحِدَةً منهما حتى

الحديث: 3148 - الجزء: 20 - الصفحة: 317

الأخْرَى.
وَعَنْهُ، لَيسَ بِحَرَام، وَلَكِنْ يُنْهى عَنْهُ.
يُحَرِّمَ الأخْرَى) متى زال مِلْكُه عن المَوْطُوءَةِ زَوالًا أحَلَّ له أخْتَها، فوَطِئَها، ثم عادت الأولَى إلى مِلْكِه، فليس له وَطْءُ إحدَاهما حتى يُحَرِّمَ الأخْرَى بإخْراج عن مِلْكِه أو تزويج.
نَصَّ عليه أحمدُ 811. وقال أصحابُ الشافعيّ: لا تَحرُمُ عليه واحدةٌ منهما؛ لأنَّ الأولَى لم تَبْقَ فِراشًا، فأشْبَه ما لو وَطِئ أمَةً ثم اشْتَرَى أخْتَها.
ولَنا، أنَّ هذه صارت فِراشًا، وقد رَجَعَتْ إليه التي كانت فِرَاشًا، فحَرُمَتْ كلُّ واحدةٍ منهما بكَوْنِ أخْتِها فِرَاشًا، كما لو انْفَرَدَتْ به.
فأمَّا إذا وطيء أمَةً ثم اشْتَرَى أُخْتَها، فإنَّ المُشْتَرَاةَ لم تَكُنْ فِراشًا له، لكنْ هي مُحَرَّمَة عليه باسْتِفْرَاشِ أخْتِها.
ولو أخْرَج المَوْطوءَةَ عن مِلْكِه، ثم عادت إليه قبلَ وَطْء أخْتِها، فهي حَلَالٌ له 812، وأخْتُها مُحَرَّمَة عليه؛ لأنَّ أخْتَها فِراشُه.
(و) قد رُوِيَ (عن أحمدَ) أنَّ الجَمعَ بينَ الأخْتَين في الوَطْءِ بمِلْكِ اليَمِينِ، (لا يحرُمُ، بل يُنْهى عنه) فيكونُ مَكْرُوهًا، وقد ذَكرناه.
والمذهبُ أنَّ ذلك حَرامٌ.
واللهُ أعلمُ.

الجزء: 20 - الصفحة: 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن وَطِئ أمَتَيه الأخْتَين 813 معًا، فوَطْءُ الثَّانيةِ مُحَرَّمٌ، ولا حَدَّ فيه؛ لأنَّها مِلْكُه، ولأنَّ 814 في حِلِّها اخْتِلافًا، وله سَبِيلٌ إلى اسْتِباحَتِها، بخِلافِ أخْتِه مِن الرَّضاعِ المَملُوكَةِ له.
ولا يحِل له وَطْءُ واحدةٍ منهما 815 حتى يُحَرِّمَ الأخرَى ويَسْتَبْرِئَها.
وقال القاضي، وأصحابُ الشافعيِّ: الأولَى باقِيَةٌ على الحِلِّ؛ لأنَّ الوَطْءَ الحَرامَ لا يُحَرِّمُ الحَلال.
إلَّا أنَّ القاضيَ قال: لا يَطَؤها حتى يَسْتَبْرِيء الثانيةَ.
ولَنا، أنَّ الثانيةَ قد صارتْ فِراشًا له، يَلْحَقُه نسَبُ وَلَدِها، فحَرُمَتْ عليه أخْتُها، كما لو وَطِئَها ابْتِدَاءً.
وقولُهم: إنَّ الحَرامَ لا يُحَرِّمُ الحلال.
ليس بخبر صحيحٍ، وهو مَتْرُوكٌ بما لو وَطِئ الأولَى في حَيضٍ أو نِفَاسٍ أو إحرامٍ، فإنَّ أختَها تَحرُمُ عليه، وتَحرُمُ عليه أمُّها وابْنَتُها على التأبيدِ، وكذلك لو وَطِئ بشُبْهةٍ في هذه الحالِ.
ولو وَطِئ امرأتَه، حَرُمَتْ عَليه ابْنَتُها، سَواء وَطِئَها حَرامًا أو حَلالًا.

الجزء: 20 - الصفحة: 319

وَإنْ وَطِئ أمَتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَ أخْتها، لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ.
وَظَاهِرُ  فصل: وحُكْمُ المُباشَرَةِ مِن الإِمَاءِ فيما دُونَ الفَرجِ، والنَّظرَ إلى الفَرجِ لشَهْوةٍ، فيما يَرجِعُ إلى تَحرِيمِ الأُخْتِ، كحُكْمِه في تَحرِيمِ الرَّبِيبَةِ.
والصحيحُ أنَّها لا تُحَرِّمُ، لأنَّ الحِلَّ ثابِت بقولِه تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ (1). ومُخالفَةُ ذلك إنَّما تَثْبُتُ بقولِه تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ﴾.
والمُرادُ به الجَمعُ في العَقْدِ أو الوَطْءِ، ولم يُوجَدْ واحدٌ منهما، ولا ما في مَعناهما.

3149 -

مسألة: (وإن وَطِئ أمَتَه ثم تَزَوَّجَ أخْتَها، لم يَصِحَّ عندَ أبي بكر)

وقد سُئِلَ أحمدُ عن هذا، فقال: لا يَجْمَعُ بينَ الأُخْتَين الأمَتَين.
فيَحتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّ النِّكاحَ لا يَصِحُّ.
وهو إحدَى الرِّواياتِ 817 عن مالكٍ.
قال القاضي: هو ظاهرُ كلام أحمدَ؛ لأنَّ النِّكاحَ تَصِيرُ به المرأةُ فِراشًا،816

الحديث: 3149 - الجزء: 20 - الصفحة: 320

كَلامِ أحمَدَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّهُ يَصِحُّ، وَلَا يَطَؤها حَتَّى يُحَرِّمَ  فلم يَجُزْ أن تَردَ على فِراشِ الأخْتِ، كالوَطْءِ، ولأنَّه فِعل في الأخْتِ 818 يُنافِي إباحَةَ أختِها المُفْتَرَشَةِ 819، فلم يَجُزْ، كالوَطْءِ (وظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه يَصِحُّ) ذَكَرَه أبو الخطابِ (ولا يَطَؤها حتىِ يُحَرِّمَ المَوْطُوءَة) وهو مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه سَبَبٌ يُسْتَباحُ به الوَطْءُ، فجازَ أن يَردَ على وَطْءِ الأخْتِ (2)، وَلَا يُبِيح كالشِّرَاءِ.
وقال الشافعيُّ: يَصِحُّ النِّكاحُ، وتَحِلُّ له المَنْكُوحَةُ، وتَحرُمُ أخْتُها؛ لأنَّ النِّكاحَ أقْوَى مِن الوَطءِ بمِلْكِ اليَمِينِ، فإذا اجْتَمَعَا وَجَب تقديمُ الأقْوَى.
ووَجْهُ الأولَى ما ذَكَرناه، ولأنَّ وَطْءَ مَملُوكَتِه مَعنى يُحَرِّمُ أخْتَها لعِلَّةِ الجمعِ، فمَنَعَ صِحَّةَ

الجزء: 20 - الصفحة: 321

الْمَوْطُوءَةَ، فَإِنْ عَادَتْ إِلَى مِلْكِهِ، لَمْ يَطأ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الأخرَى.
النِّكاحِ، كالزَّوْجِيَّةِ 820، ويُفارِقُ الشِّراءَ، فإنَّه لا يَنْحَصِرُ في الوَطْءِ، ولهذا صَحَّ شِراءُ الأُخْتَين ومَن لا تَحِلّ له.
وقولُهم: النِّكاحُ أقْوَى مِن الوَطْءِ.
ممنوعٌ.
وإن سُلِّمَ، فالوَطْءُ أسْبَقُ، فيُقَدَّمُ ويمنَعُ صِحَّةَ ما يَطْرأ عليه مِمَّا يُنافِيه، كالعِدَّةِ تمنَعُ ابْتِداء نِكاحِ الأُخْتِ، وكذلك وَطْءُ الأمَةِ، يُحَرِّمُ نِكاحَ ابْنَتِها وأمِّها، ولأنَّ هذا بمَنْزِلَةِ نِكاحِ الأُخْتِ في عِدَّةِ أخْتِها، لكَوْنِه لم يَسْتَبْرِيء 821 المَوْطُوءَةَ (فإن عادَتْ إلى مِلْكِه، لم يَطأ واحدةً منهما حتى يُحَرِّمَ الأخْرَى) إذا قُلْنا بصِحَّةِ.
النِّكاحِ؛ لأنَّ الأولَى عادت إلى الفِراشِ، فاجْتمَعَا فيه، فلم [تُبَح له] 822 واحدةٌ منهما قبلَ إخْراجِ الأخْرَى عن الفِراش.

الجزء: 20 - الصفحة: 322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن زَوَّجَ الأمةَ المَوْطُوءَةَ أو أخْرَجَها عن مِلْكِه، فله نِكاحُ أُخْتِها، فإن عادتِ الأمَةُ إلى مِلْكِه، فالزَّوْجِيَّةُ بحالِها، وحِلّها باقٍ؛ لأنَّ النِّكاحَ صحيحٌ، وهو أقْوَى، ولا تَحِلّ له 823 الأَمَةُ.
وعنه، أنَّه يَنْبَغِي أن تَحرُمَ إحداهما؛ لأنَّ أمَتَه التي كانت فراشًا قد عادت إليه، في المنكوحةُ مُسْتَفْرَشَةٌ، فأشْبَه أمَتَيه اللتين 824 وطئ إحداهما بعدَ تَزْويجِ الأخرَى، ثم طَلَّقَ 825 الزوجُ اُّخْتَها.
فإن تَزَوّجَ امرأةً ثم اشْتَرَى أخْتَها، صَحَّ الشِّراءُ، ولم تَحِلَّ له؛ لأنَّ النِّكاحَ كالوَطْءِ، فأشْبَه ما لو وَطِئ أمَتَه ثم اشْتَرَى أخْتَها، فإن وَطِئ أمَتَه 826 حَرُمَتَا عليه حتى يَسْتَبْرِئ الأمَةَ، ثم تَحِلّ له زَوْجَتُه دونَ أمَتِه؛ لأنَّ النِّكاحَ أقْوَى وأسْبَقُ، وإنَّما وَجَب الاسْتِبْرَاءُ لِئَلَّا يكونَ جامِعًا ماءَه في رَحِمِ أخْتَين.
ويحتَمِلُ أن تَحرُمَا عليه جميعًا حتى يُحَرِّمَ إحداهما، كالأمَتَين.
وحُكْمُ عَمَّةِ المرأةِ وخالتِها، كأخْتِها في تَحرِيمِ الجمعِ بينَهما في الوَطْءِ، والتَّفْصيلُ [فيها كالتفصيلِ] 827 في الأخْتَيَن، على ما ذُكِرَ.

الجزء: 20 - الصفحة: 323

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا بَأسَ أن يَجْمَعَ بينَ مَن كانت زَوْجَةَ رَجُلٍ 828 وابْنَتَه مِن غيرها.
هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، يَرَوْنَ الجَمعَ بينَ المرأةِ ورَبِيبَتِها في النِّكاحِ.
فَعَلَه عبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ، وعبدُ اللهِ بنُ صَفْوانَ بنِ أمَيَّةَ 829. وهو قولُ سائرِ الفقهاءِ، إلا الحسنَ، وعِكْرِمةَ، وابنَ أبي لَيلَى، فإنَّهم كَرِهُوه؛ لأنَّ إحداهما لو كانت ذَكَرًا حَرُمَتْ عليه الأخْرَى، فأشْبَه المرأةَ وعَمَّتَها.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ 830. ولأنَّهما لا قَرابَةَ بينَهما، فأشْبَها الأجْنَبِيَتين، ولأنَّ الجمعَ حَرُمَ خوْفًا مِن

الجزء: 20 - الصفحة: 324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قَطِيعَةِ الرَّحِمِ القَرِيبةِ بينَ المُتَناسِبَين، ولَا قَرابَةَ بينَ هاتَين، وبهذا يُفارِقُ ما ذَكَرُوه.
فصل: ولو كان لرجل ابنٌ مِن غيرِ زَوْجَتِه، ولها بِنْتٌ مِن غيرِه، أو كان له بِنْتٌ ولها ابنٌ، جاز تزويجُ أحدِهما مِن الآخَرِ في قولِ عامَّةِ الفقهاءِ.
وحُكِيَ عن طاوُس كَرَاهِيتُه إذا كان مِمّا وَلَدَتْه المرأةُ بعدَ وَطْءِ الزَّوْجِ لها.
وإلأوَّلُ أولَى؛ لعمومِ الآيةِ والمَعنَى الذي ذَكَرناه، فإنَّه ليس بينَهما قَرابَةٌ ولا سَبَبٌ يَقْتَضِي التحريمَ، وكونُه أخًا لأخْتِها، لم يَرِدِ الشّرعُ بأنَّه سَبَبٌ للتّحريمِ، فيَبْقَى على الإِباحَةِ؛ لعمومِ الآيةِ.
ومتى وَلَدَتِ المرأةُ مِن ذلك الرجلِ وَلَدًا، صار عَمّا [لوَلَدَ وَلَدَيهما] 831 وخالًا.
فصل: إذا تَزَوَّجَ امرأةً لم تَحرم أمُّها ولا ابْنَتُها على أبِيه ولا ابْنِه، فمتى تَزَوَّجَ امرأةً وزَوَّجَ ابنَه 832 أمَّها، جازَ؛ لعَدَمِ أسبابِ التَّحرِيمِ، فإذا وُلِدَ لكلِّ واحدٍ منهما 833 وَلَدٌ، كان وَلَدُ الأبِ عَمَّ وَلَدِ الابنِ 834، ووَلَدُ الابنِ خَال وَلَدِ الأبِ.
ويُروَى أنَّ رجلًا أتَى عبدَ الملكِ بن مَروانَ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنِّي تَزَوَّجْتُ امرأةً، وزَوَّجْتُ ابْنِي بأمِّها، فأجِزْنا 835.

الجزء: 20 - الصفحة: 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقال عبدُ الملكِ: إن أخْبَرتَنِي بقَرابةِ وَلَدِك مِن وَلَدِ ابنِك 836 أجَزْتُكَ 837. فقال الرجلُ: يا أميرَ المؤمنين، هذَا العُريانُ بنُ الهيثَمِ الذي وَلَّيتَه قائِمَ سَيفِكَ، إن عَلِم ذلك فلا تُجِزْنِي.
فقال العُريانُ: أحدُهما عَمُّ الآخَرِ، والآَخرُ خَالُه.
فصل: إذا تَزَوَّجَ رجلٌ امرأةً، وزَوَّجَ ابنَه بِنْتَها أو أمَّها، فزُفَّتِ امرأةُ كل واحدٍ منهما إلى صاحِبِه، فوَطِئَها، فإنَّ وَطْءَ الأوَّلِ يُوجِبُ عليه مَهْرَ مِثْلِها؛ لأنَّه وَطْءُ شُبْهةٍ، ويُفْسَخُ به نِكاحُها مِن زَوْجِها؛ لأنَّها صارَتْ بالوَطْءِ حَلِيلَةَ أبِيه أو ابنه، ويَسْقُطُ به مَهْرُ الموْطُوءَةِ عن زَوْجِها؛ لأنَّ الفَسْخَ جاء 838 مِن قِبَلِها بتَمكنِها مِن وَطْئِها، ومُطاوَعَتِها عليه، ولا شيءَ لزَوْجِها على الواطئ؛ لأنَّه لم يَلْزَمه شيءٌ يَرجِعُ به، ولأنَّ المرأةَ مُشارِكةٌ 839 في إفْسادِ نِكاحِها بالمُطاوَعةِ، فلم يَجِبْ على زَوْجِها شيءٌ، كما لو انْفَرَدَتْ به.
ويحتَمِلُ أن يَجِبَ علْيه لزَوْجها نِضفُ مَهْرِ مِثْلِها؛ لأنَّه أفْسَدَ نِكاحَها قبلَ الدخولِ، أشْبَه المرأةَ تُفْسِدُ نِكاحَه بالرَّضاعِ، ويَنْفَسِخُ نِكاحُ الواطِيء أيضًا؛ لأنَّ امرَأتَه صارت أمًّا لمَوطوءتِه أو بِنْتًا لها، ولها نِصف المُسَمَّى.
فأما وَطْءُ الثاني، فيُوجِبُ مهرَ المِثْلِ للموطوءةِ خاصَّةً.
فإن أشْكَلَ الأوَّلُ، انْفَسَخَ النِّكاحانِ، ولكلِّ واحدةٍ مَهْرُ مِثْلِها على واطِئِها، ولا يَثْبُتُ

الجزء: 20 - الصفحة: 326

وَلَا يَحِلُّ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ بَينَ أكثَرَ مِنْ أَربَعٍ، وَلَا لِلْعَبْدِ أنْ يَتَزَوَّجَ أكثَرَ مِنَ اثْنَتَينِ، وَإنْ طَلَّقَ إحدَاهُنَّ، لَمْ يَجُزْ أن يَتَزَوَّجَ أخْرَى حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها.
رُجُوعُ أحدِهما على الآخَرِ، ويَجِبُ لامرأةِ كل واحدٍ منهما على الآخرِ نِصف المُسَمَّى، ولا يَسْقُطُ بالشَّكِّ.

3150 -

مسألة: (ولا يَحِلُّ للحُرِّ أن يَجْمَعَ بينَ أكثرَ مِن أربَعٍ، ولا للعَبْدِ أن يَتَزَوَّجَ أكثرَ مِن اثْنَتَين، فإن طَلَّقَ إحدَاهُنَّ، لم يَتَزَوَّجْ أخرَى حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها)

أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الحُرَّ لا يَحِلُّ له أن يَجْمَعَ بينَ أكثرَ مِن أربَعِ زوجاتٍ.
لا نَعلَمُ أحدًا منهم خالفَ في ذلك، إلَّا شيئًا يُحكَى عن القاسمِ بنِ إبراهيمَ 840، أنَّه أباحَ تِسْعًا؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾ 841. والواوُ للجَمعِ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ماتَ عن تِسْع.
وهذا خَرقٌ للإِجْماعِ وتركٌ للسُّنَّةِ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لغَيلَانَ بنِ سَلَمَةَ، حينَ أسْلَمَ وتَحتَه عَشْرُ نِسْوةٍ: «أمسِكْ أربَعًا وفَارِقْ سَائِرَهُنَّ».
وقال نَوْفَلُ بنُ مُعاويةَ: أسْلَمتُ وتَحتِي

الحديث: 3150 - الجزء: 20 - الصفحة: 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خَمسُ نِسْوَةٍ، فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فَارِقْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ».
رَواهما الشافعيُّ في «مُسْنَدِه» 842. وإذا مُنِعَ مِن اسْتِدامَةِ زِيادَةٍ على أربَعٍ، فالابتِداءُ أوْلَى، والآيةُ أرِيدَ بها التَّخْيِيرُ بينَ اثْنَتَين وثلاثٍ وأربَع، كما قال: ﴿أوْلِي أجْنِحَةٍ مثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ 843. ولم يُرد أنَّ لكلِّ مَلَكٍ تِسْعَةَ أجْنِحَةٍ، ولو أراد ذلك لقال: تِسْعَة.
ولم يَكُنْ للتَّطْويلِ معنًى، ومَن قال غيرَ ذلك فقد جَهِل اللُّغَةَ العربيةَ.
وأمَّا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فمَخْصُوص بذلك، ألا تَرَى أنَّه جَمَع بينَ أكثر مِن تِسْع.
فصل: وليس للعَبْدِ أن يَزِيدَ على [أكثر مِن] 844 اثْنَتَين، ولا خِلافَ في

الجزء: 20 - الصفحة: 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جَوازِ الجمعِ بينَ اثْنَتَين له، واخْتَلَفُوا في إباحَةِ الأربَعِ له، فمذهبُ أحمدَ أنَّه لا يُباحُ له إلَّا اثْنَتَان.
وهذا قولُ عمرَ بنِ الخطابِ، وعلي، وعبدِ الرحمنِ بن عَوْفٍ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال عطاء، والحسنُ، والشعبِي، وقَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، والشافعي، وأصحابُ الرأي.
وقال القاسِمُ بنُ محمدٍ، وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، ومالك، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ: له نِكاحُ أربَع؛ لعمومِ الآيةِ، ولأنَّ هذا طَرِيقُه اللَّذَّةُ والشَّهْوَةُ، فساوَى العَبْدُ فيه الحُرَّ، كالمَأكُولِ.
ولَنا، أنَّه قولُ مَن سَمَّينَا مِن الصَّحابةِ، ولم يُعرَفْ لهم مُخالِف في عَصرِهِم، فكان إجماعًا.
وقد روَى لَيثُ بنُ أبي سُلَيم عن الحَكَمِ بنِ عُتَيبَةَ 845، قال: أجْمَعَ أصحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، على أنَّ العَبْدَ لا يَنْكِحُ أكثرَ مِن اثْنَتَين 846. ويُقَوِّى هذا ما 847 روَى 848 الإمامُ أحمدُ بإسْنادِه عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، أنَّ عمرَ سَألَ

الجزء: 20 - الصفحة: 329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الناسَ: كم يَتَزَوَّجُ العَبْدُ؟ فقال عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ: ثِنْتَين، وطَلاقُه ثِنْتَين 849. فدَلَّ هذا على أن ذلك كان بمَحضر مِن الصَّحابةِ وغيرِهم، فلم يُنْكر، وهذا يَخُصُّ عُمُومَ الآيةِ، على أنَّ فيها ما يَدُلُّ على إرادَةِ الأحرارِ، وهو قولُه تعالى: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أيمَنُكم﴾ 850. ويُفارِقُ النِّكاحُ المأكُولَ، فإنَّه مَبْنِيٌّ على التَّفْضِيلِ، ولهذا فارَقَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه أمته، ولأنَّ فيه مِلْكًا، والعَبْدُ يَنْقُصُ في المِلْكِ عن الحُرِّ.
فصل: إذا تَزَوَّجَ الرجلُ امرأةً، حَرُمَتْ عليه أخْتُها وعمَّتُها وخالتُها وبِنْتُ أخيها [وبنتُ أخْتِها تَحرِيمَ جَمع] 851، وكذلك إذا تَزَوَّجَ الحُرُّ أربعًا، حَرُمَتِ الخامِسَةُ تَحرِيمَ جمع.
وإن تَزَوَّجَ العَبْدُ اثْنَتَين، حَرُمَتِ الثالثةُ تحريمَ جَمع.
فإذا طَلَّقَ زَوْجَتَه طَلاقًا رَجْعِيًّا، فالتَّحرِيمُ باقٍ بحالِه في قولِهم جميعًا، وإن كان الطَّلاقُ بائِنًا أو فَسْخًا، فكذلك حتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها.
يروَى ذلك عن علي، وابنِ عباس، وزيدِ بنِ ثابتٍ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأي.

الجزء: 20 - الصفحة: 330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال القاسِمُ بنُ محمدٍ، وعروةُ، وابنُ أبي لَيلَى، ومالكٌ، والشافعيّ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ: له نِكاحُ جميعِ مَن سَمَّينَا في تَحرِيم الجمعِ 852. ورُوِيَ ذلك عن [زيدِ بنِ] 853 ثابتٍ؛ لأنَّ المُحَرَّمَ الجمعُ بينَهما في النِّكاحِ، بدَلِيلِ قولِه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُم أُمَّهاتُكُم﴾.
أي نِكاحُهُنَّ.
وقال: ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَينَ الأخْتَينِ﴾.
معطوفًا عليه.
والبائِنُ ليست في نِكاحِه، ولأنَّها بائِنٌ، فأشْبَهتِ المُطَلَّقَةَ قبلَ الدُّخولِ 854. ولَنا، قولُ علي، وابنِ عباس، ورُوِيَ عن عَبِيدَةَ السَّلْمانيِّ أنَّه قال (1): ما أجْمَعَتِ الصَّحابَةُ على شيءٍ كإجْماعِهم على أربَع قَبْلَ الظُّهْرِ وأن لا تُنْكَحَ المرأةُ في عِدَّةِ أخْتِها.
ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَوْم الآخِرِ، فَلَا يَجْمَع مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَينِ» 855. ورُوِيَ عن أبي الزِّنادِ، قال: كان للوليدِ بنِ عبدِ الملكِ أربَعُ نِسْوَةٍ، فطَلَّقَ واحدةً الْبَتَّةَ، وتَزَوَّجَ قبلَ أن تَحِلَّ، فعابَ ذلك كثيرٌ

الجزء: 20 - الصفحة: 331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن الفُقَهاءِ، وليس كُلُّهُم عابَه 856. قال سعيدُ بنُ منصورٍ: إذا عابَ عليه سعيدُ بنُ المُسَيَّب فَأيُّ شيءٍ بَقِيَ! ولأنَّها مَحبُوسَة عن النِّكاحِ لحقِّه، أشْبَه ما لو كان الطَّلاقُ رَجْعِيًّا 857، وفارَقَ المُطَلَّقَةَ قبلَ الدُّخولِ بهذا 858. فصل: ولو أسْلَمَ زَوْجُ المجُوسِيَّةِ أو الوَثَنِيَّةِ، أو انْفَسَخَ النِّكاحُ بينَ الزَّوْجَين بخُلْعٍ أو رَضاع، أو فَسْخ بعَيبٍ أو إغسارٍ أو غيرِه، لم يَكُنْ له أنْ يَتَزَوَّجَ أحدًا مِمَّن يَحرُمُ الجمعُ بينَه وبينَ زَوْجَتِه حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، سَواء قُلْنا بتعجِيلِ الفرقَةِ أو لم نَقُلْ.
فإن أسْلَمَتْ زَوْجَتُه فتَزَوَّجَ أُخْتَها في عِدَّتِها، ثم أسْلَمَا، اخْتارَ منهما واحدَةً، كما لو 859. تَزَوَّجَهُما معًا، وإن أسْلَمَ بعدَ انْقِضاءِ عِدَّةِ الأولَى، بانتْ، وثَبَت نِكاحُ الثَّانِيةِ.
فصل: إذا أعتَقَ أمَّ وَلَدِه، أو أمَةً كان يُصِيبُها، فليس له أن يَتَزَوَّجَ أخْتَها حتى يَنْقَضِيَ اسْتِبْراؤها.
نصَّ عليه أحمدُ في أمِّ الوَلَدِ.
وقال أبو يوسف، ومحمدُ بنُ الحسنِ: يَجُوزُ؛ لأنَّها ليست بزَوْجَةٍ، ولا في عِدَّةٍ مِن نِكاح.
ولَنا، أنَّها مُعتَدَّة منه، فلم يَجُزْ له نِكاحُ أخْتِها، كالمُعْتَدَّةِ

الجزء: 20 - الصفحة: 332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن نِكاح أو وَطْءٍ بشُبْهةٍ، ولأنَّه لا يَأمَنُ أنْ يكونَ ماؤه في رَحِمِها، فيكونَ داخلًا في عُمُومِ مَن جَمَع ماءَه في رَحِمِ أخْتَين، ولا يُمنَعُ مِن نِكاحِ أربَعٍ سِواها.
ومَنَعَه زُفَرُ.
وهو غَلَط؛ لأنَّ ذلك جائِز قبلَ إعتاقِها، فبعدَه أوْلَى.
فصل: ولا يمنَعُ مِن نِكاحِ أمةٍ في عِدَّةِ حرَّةٍ بائِنٍ.
ومَنَعَه أبو حنيفةَ، كما يَحرُمُ عليه أن يَتَزَوَّجَها في صُلْبِ نِكاحِها.
ولَنا، أنَّه عادِمٌ للطَّوْلِ، خائِف للعَنَتِ، فأُبِيحَ له نِكاحُها؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ 860 الآية.
ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يَجُوزُ في صُلْبِ نِكاحِ الحُرَّةِ، بل يَجُوزُ إذا تَحَقَّقَ الشَّرطان.
فصل: وإن زَنَى بامرأةٍ، فليس له أن يَتَزَوَّجَ أخْتَها حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، وحُكْمُ العِدَّةِ مِن الزنَى والعِدَّةِ مِن وَطْءِ الشُّبْهةِ حُكْمُ العِدَّةِ مِن النِّكاحِ، على ما نَذْكُرُه إن شاءَ الله تعالى.
فإن زَنى بأخْتِ امرأتِه، فقال أحمدُ: يُمسِكُ عن وَطْءِ امرأتِه حتَّى تَحِيضَ ثَلاثَ حِيَض.
وعنه، حَيضَةً.
ويَحتَمِلُ أن لا تَحرُمَ بذلك أخْتُها ولا أربَعٌ سِواها؛ لأنها ليست مَنْكُوحَةً، ومُجَرَّدُ الوَطْءِ لا يمنَعُ، بدلِيلِ الوَطْءِ في مِلْكِ اليَمِينِ، فإنَّه لا يَمنَعُ أربَعًا سِواها.
فصل: إذا ادَّعَى الزوجُ أنَّ امرأتَه أخْبَرَتْه بانْقِضاءِ عِدَّتِها في 861 مُدَّةٍ

الجزء: 20 - الصفحة: 333

فصل: النَّوْعُ الثَّانِي، مُحَرَّمَات لِعَارِضٍ يَزُولُ، فَيَحرُمُ عَلَيهِ نِكَاحُ زَوْجَةِ غَيرِهِ، وَالْمُعتَدَّةُ مِنْهُ، وَالْمُسْتَبْرئة مِنه،  يَجُوزُ انْقِضاؤها فيها، وكَذَّبَتْه، أبِيحَ له نِكاحُ أخْتِها وأربَعٍ سِواها في الظَّاهِرِ، فأمّا في الباطِنِ، فيَنْبَنِي 862 على صِدقِه في ذلك؛ لأنَّه حَقّ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فيُقْبَلُ قَولُه فيه، ولا يُصَدَّقُ في نَفْي نَفَقَتِها وسُكْناها ونَفْي 863 النسَبِ؛ لأنَّه حق لها ولوَلَدِها، فلا يُقْبَلُ قولُه فيه.
وبه قال الشافعي، وغيرُه.
وقال زُفَرُ: لا يُصَدَّقُ في شيءٍ؛ لأنَّه قول واحدٌ لا يُصَدَّقُ في بعضِ حُكْمِه، فلا يُصَدَّقُ في البعضِ الآخَرِ، قِياسًا للبعضِ على البعضِ؛ وذلك لأنَّه لا يُمكِنُ أن يكونَ القولُ الواحدُ صِدقًا كَذِبًا.
ولَنا، أنَّه قولٌ يَتَضَمَّنُ إبْطال حقٍّ لغيرِه، وحقًّا له لا ضَرَرَ على غيرِه فيه، فوَجَبَ أن يُصَدَّقَ في أحَدِهما دونَ الآخَرِ، كما لو اشْتَرَى عبدًا ثم أقَرَّ أنَّ البائِعَ كان أعتَقَه، صُدِّقَ في حُرِّيته ولم يُصَدَّقْ في الرُّجوعِ بثَمَنِه.
وكذلك لو أقَرَّ أنَّ امرأتَه أخْتُه مِن الرَّضاعِ قبلَ الدُّخولِ، صُدِّقَ 864 في بَينُونَتِها وتَحرِيمِها عليه، ولم يَسْقُطْ مَهْرُها إذا كَذَّبَتْه.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (النوعُ الثاني، مُحَرَّمَاتٌ لعارِض يَزُول، فيَحرُمُ عليه نِكاحُ زَوْجَةِ غيرِه) بغيرِ خِلافٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى:

الجزء: 20 - الصفحة: 334

وَتحرُمُ الزَّانِيَةُ حَتَّى تَتُوبَ وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُها،  ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ (والمُعتَدَّةُ منه) لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (1). (و) تَحرُمُ (المُسْتَبْرِئَةُ منه) لذلك، ولأن تَزْويجَها يُفْضِي إلى اخْتِلاطِ المِياهِ واشْتِباهِ الأنْسابِ.
وسَواءٌ في ذلك المُعتَدَّةُ مِن وَطْءٍ مُباحٍ أو مُحَرَّم، أو مِن غيرِ وَطْءٍ؛ لأنَّه لا يُؤمَنُ أن تكونَ حامِلًا، فلو أبحنا تَزْويجَها لاخْتَلَطَ نَسَبُ المُتَزَوِّجِ بنَسبِ الوَاطِيء الأوَّلِ.
ولا يَجُوزُ نِكاحُ المُرتابَةِ بعدَ العِدَّةِ بالحملِ (2)؛ ذلك.

3151 -

مسألة: (وتَحرُمُ الزَّانِيَةُ حتى تتوبَ وتَنْقَضيَ عِدَّتُها)

إذا زَنَتِ المرأةُ، لم يَحِلَّ نِكاحُها لمَن 867 يَعلَمُ ذلك إلَّا بشَرطَين؛ أحَدُهما، انْقِضاءُ عِدَّتِها بوَضْعِ الحملِ [إن حَمَلَتْ] 868 مِن الزِّنَى، ولا يَحِل نِكاحُها قبلَ الوَضْعِ.
وبهذا قال مالكٌ، وأبو يوسفَ.
وهو إحدى الرِّوايَتَين عن أبي حنيفةَ.
وقال في الأخْرَى: يَحِلُّ نِكاحُها ويَصِحُّ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه وَطْءٌ لا يَلْحَقُ به النَّسَبُ، فلم يُحَرِّمِ النِّكاحَ،865866

الحديث: 3151 - الجزء: 20 - الصفحة: 335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كما لو لم تَحمِلْ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلَا يَسْقِي مَاءَهُ.
زَرعَ غَيرِهِ» 869. يعني وَطْءَ الحَوامِلِ.
وقَول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُوطَأ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ» 870. حديث صحيحٌ، وهو عام.
ورُوِيَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّب، أنَّ رجلًا تَزَوَّجَ امرأةً، فلمَّا أصابَها وَجَدَها حُبْلَى، فرُفِعَ ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ففَرَّقَ بينَهما، وجَعَل لها الصَّداقَ، وجَلَدَها مائةً.
رَواه سعيدٌ 871. ورَأى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - امرأةً مُجِحًّا 872 على بابِ فُسْطَاطٍ، فقال: «لَعَلَّهُ يرِيدُ أنْ يلمَّ بِها 873؟» قالوا: نعم.
قال: «لَقَد همَمتُ أنْ ألْعَنَهُ لَعنَةً تَدخُلُ مَعَه قَبْرَهُ، كَيفَ يَسْتَخْدِمُه وَهُوَ لا يَحِلُّ لَهُ؟ أم كَيفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟».
أخْرَجَه مسلم 874. ولأنَّها حامِلٌ مِن غيرِه، فحَرُمَ عليه نِكاحُها، كسائرِ

الجزء: 20 - الصفحة: 336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحَوامِلِ.
وإذا ثَبَت هذا، لَزِمَتْها العِدَّةُ، وحَرُمَ النِّكاحُ فيها؛ لأنَّها في الأصلِ لمعرِفةِ بَراءَةِ الرَّحِمِ، ولأنَّها قبلَ العِدَّةِ يَحتَمِلُ أن تكونَ حامِلًا، فلم يَصِحَّ نِكاحُها، كالمَوْطُوءَةِ بشُبْهةٍ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعي: لا عِدَّةَ عليها؛ لأنَّه وَطْءٌ لا تَصِيرُ به فِراشًا، فأشْبَه وَطْءَ الصَّغِيرِ.
ولَنا، ما ذَكَرناه، وإذا لم يَصِحَّ نِكاحُ الحاملِ، فغيرُها أوْلَى؛ لأنَّ وَطْءَ الحاملِ لا يُفْضِي إلى اشْتِباهِ النَّسَبِ، وغيرُها يَحتَمِلُ أن يكُونَ وَلَدُها مِن الأوَّلِ، ويَحتَمِلُ أن يكونَ مِن الثاني، فيُفْضِي إلى اشْتِباه الأنْسابِ، فكان بالتَّحرِيم أوْلَى، ولأنَّه وَطء في القُبُلِ، فأوْجَبَ العِدَّةَ، كوَطْء الشُّبْهةِ، ولا نُسَلِّمُ وَطْءَ الصغيرِ الذي يمكِنُه الوَطْءُ.
والشَّرطُ الثاني، أنَّ تتوبَ مِن الزنَى.
وبه قال قَتادَةُ، وإسحاق، وأبو عُبَيدٍ.
وقال أبو حنيَفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ: لا يُشْتَرَطُ ذلك؛ لِما روِيَ أنَّ عمرَ ضَرَب رجلًا وامرأةً في الزِّنَى، وحَرَص أن يَجْمَعَ بينَهما، فأبَى الرجلُ 875. ورُوِيَ أنَّ رجلًا

الجزء: 20 - الصفحة: 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سأل ابنَ عباس عن نِكاحِ الزَّانِيَةِ، فقال: يجوزُ، أرَأيتَ لو سَرَقَ مِنْ كَرم، ثم ابْتاعَه، أكان يجوزُ؟ ولَنا، قولُ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤمِنِينَ﴾ 876. وهي قبلَ التَّوبَةِ في حُكْمِ الزِّنَى، فإذا تابَتْ 877 زال ذلك؛ لقولِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» 878. وقولِه: «التَّوْبَةُ تَمْحُو الْحُوبَةَ» 879. ورُوِيَ أنَّ مَرثَدًا الغَنَويَّ دَخَل مَكَّةَ، فرأى امرأةً فاجرةً يُقال لها: عَنَاق.
فَدَعَتْهُ إلى نَفْسِها، فلم يُجِبْها، فلمَّا قَدِم المدينةَ سألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: أنْكِحُ عَنَاقًا؟ فلم يُجِبْه، فنزلَ قولُه تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ 880. فدَعاه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَتَلا عليه الآيةَ وقال: «لا تَنْكحها» 881. ولأنَّها إذا كانَتْ مُقِيمَةً على الزِّنَى لم يَأمَنْ أن تُلْحِقَ

الجزء: 20 - الصفحة: 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  به وَلَدًا مِن غيرِه، وتُفْسِدَ فِراشَه.
فأمَّا حديثُ عمرَ، فالظاهِرُ أنَّه اسْتَتَابَهما، وحديثُ ابنِ عباسٍ ليس فيه بَيان، ولا تَعَرُّضَ له بمَحَلِّ النِّزاعِ.
إذا ثَبَت هذا، فعِدَّةُ الزَّانِيَةِ كعِدَّةِ المُطلَّقةِ؛ لأنَّه اسْتِبْرَاءٌ لحُرَّةٍ، أشْبَه عِدَّةَ المَوْطُوءَةِ بشُبْهةٍ.
وحكى ابنُ أبي موسى عن أحمدَ، أنَّها تُسْتَبْرأ بحَيضَةٍ؛ لأنَّه ليس مِن نِكاح ولا شُبْهةِ نِكاح، فأشْبَه اسْتِبْراءَ أمِّ الوَلَدِ إذا عَتَقَتْ.
وأمَّا التَّوْبَةُ، فهي الاسْتِغْفارُ والنَّدَمُ والاقْلاعُ عن الذَّنْبِ، كالتَّوْبَةِ مِن سائرِ الذّنُوبِ.
ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه قِيلَ له: كيف تعرَفُ تَوْبَتُها؟ قال: يُرِيدُها على ذلك، فإن طاوَعَتْه فلم تَتُبْ، وإن أبتْ فقد تَابتْ.
فصار أحمدُ إلى قولِ ابنِ عمرَ اتباعًا له.
قال شيخُنا 882: والصحيحُ الأولُ، فإنَّه لا ينبغِي لمُسْلم أن يَدعُوَ امرأةً إلى الزِّنَى، ويَطْلُبَه منها، فإنَّ طَلَبَه منها إنَّما يكونُ في خَلْوَةٍ، [ولا تَحِلُّ الخَلْوَةُ] 883 بأجْنَبِيَّةٍ ولو كان في تَعلِيمِها القرآنَ، فكيف تحِلُّ 884 في مُراوَدَتِها على الزِّنَى! ثم 885 لا يَأمَنُ إن أجابَتْه إلى ذلك أن تَعُودَ إلى المَعصِيَةِ، فلا

الجزء: 20 - الصفحة: 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَحِلُّ التَّعَرُّضُ لمثلِ هذا، ولأنَّ التَّوْبَةَ مِن سائرِ الذُّنُوبِ، في حَقِّ سائرِ الناسِ، بالنِّسْبةِ إلى سائرِ الأحكامِ، على غيرِ هذا الوَجْهِ، [فكذلك هذا] 886. فصل: وإذا وُجِدَ الشّرطان حَلَّ نِكاحُها للزَّانِي وغيرِه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم أبو بكر، وعمرُ، وابْنُه، وابنُ عباس، وجابرٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعطاء، والحسنُ، والزُّهْرِيّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأي.
و 887 رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، والبَرَاءِ بنِ عازبٍ، وعائشةَ، أنَّها لا تَحِلُّ للزَّانِي بحالٍ، قالوا: لا يَزَالان زَانِيَين ما اجْتَمَعَا، لعُمُومِ الآيةِ والخَبَرِ 888. فيَحتَمِلُ أنَّهم أرادُوا بذلك ما كان قبلَ التَّوْبَةِ، أو قبلَ اسْتِبْرائِها، فيكونُ كقَوْلِنا.
فأمَّا تَحرِيمُها على الإِطْلاقِ فلا يَصِحُّ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ 889. ولأنَّها مُحَلَّلة لغيرِ الزَّانِي، فحَلَّتْ له، كغيرِها.

الجزء: 20 - الصفحة: 340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن زَنَتِ امرأةُ رجل، أو زَنَى زَوْجُها، لم يَنْفَسِخِ النِّكاحُ، سَواء كان قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم عطاءٌ، والنَّخَعِيّ، والثوْرِيّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرأي.
وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّ المرأةَ إذا زَنَتْ يُفَرَّقُ بينَهما، وليس لها شيءٌ.
وكذلك رُوِيَ عن الحسنِ.
ورُوِيَ عن علي، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه فرَّقَ بينَ رجلٍ وامرأتِه، زَنَى قبلَ أن يَدخُلَ بها 890. واحتُجَّ لهم بأنَه لو قَذَفَها ولاعَنَها بانتْ منه؛ لتَحَقُّقِه الزِّنَى عليها، فدَلَّ على أنَّ الزِّنَى يُبِينها.
ولَنا، أنَّ دعواه الزِّنَى عليها لا يُبِينُها، ولو كان النِّكاحُ يَنْفسِخ به لانْفَسَخَ بمُجَرَّدِ دَعواه، كالرَّضاعِ، ولأنَّها معصِيَة لا تُخْرِجُ عن الإِسلام، فأشبَهتِ السَّرِقَةَ، فأمَّا اللِّعانُ فإنَّه يَقْتَضِي الفَسْخَ بدُونِ الزِّنَى، بدَليلِ أَنها إذا لاعَنَتْه

الجزء: 20 - الصفحة: 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقد قابَلَتْه، فلم يَثْبُتْ زِناها، ولذلك أوْجَبَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الحَدَّ على مَن قَذَفَها، والفَسْخُ واقِعٌ، ولكنَّ أحمدَ اسْتَحَبَّ للزَّوْجِ مُفارَقَةَ امرأتِه إذا زَنَتْ، وقال: لا أرَى أن يُمسِكَ مثلَ هذه؛ لأنَّه، لا يُؤمَنُ أن تُفْسِدَ فِراشَه، وتُلْحِقَ به وَلَدًا ليس منه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لَعَلَّ مَن كَرِه هذه المرأةَ إنَّما كَرِهها على غيرِ وجْهِ التَّحرِيمِ، فيكون مثلَ قولِ أحمدَ.
ولا يَطؤها حتى يَسْتَبْرِئَها بثلاثِ حِيَض؛ لِمَا روَى رُوَيفِعُ بنُ ثابتٍ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ [يومَ حُنَين: «لَا يَحِلُّ لامرِئ يُومِنُ باللهِ وَاليَوْم الآخِرِ] 891 يَسْقِي مَاءَهُ زَرعَ غَيرِه».
يَعنِى إتْيانَ الحَبالى.
ولأَنَّها ربَّما تأتِي بوَلَدٍ مِن الزِّنَى فَيُنْسَبُ إليه.
والأوْلَى أنَّه يَكْفِي اسْتِبْراؤها 892 بِحَيضَةٍ واحدَةٍ؛ لأنَّها تكْفِي في اسْتِبْراءِ الإماءِ، وفي أمِّ الوَلَدِ إذا عَتَقَتْ بمَوْتِ سَيِّدِها أو بإعتاقِه، فكَفَى ههُنا، ولأَنَّ المَقْصُودَ مُجَرَّدُ الاسْتِبْراءِ، وقد حَصَل بحَيضَةٍ، فاكْتُفِي بها.

الجزء: 20 - الصفحة: 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا عَلِمَ الرجلُ مِن أمَتِه الفُجُورَ، فقال أحمدُ: لا يَطَؤُها؛ لَعَلَّها 893 تُلْحِقُ به ولدًا ليس منه.
قال ابنُ مسعودٍ: أكْرَهُ أن أطَأَ أَمَتِي وقد بَغَتْ 894. وروَى مالكٌ 895، عن يَحْيَى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه كان يَنْهى أن يَطَأَ الرجلُ أمَتَه وفي بَطْنِها ولدٌ جَنِينٌ لغيرِه.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 896: هذا مُجْمَعٌ على تَحْرِيمِه.
وكان ابنُ عباسٍ يُرَخِّصُ

الجزء: 20 - الصفحة: 343

وَمُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثًا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ، وَالْمُحْرِمَةُ حَتَّى تَحِلَّ.
في وَطْءِ الأَمةِ الفاجِرَةِ (1). ورُوِيَ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ.
ولَعَّلَ مَن كَرِه ذلك كَرِهَه قبلَ الاسْتِبْراءِ، أو (2) إذا لم يُحَصِّنْها ويَمْنَعْها مِن الفُجُورِ، وَمَن أباحَهُ، أباحَه بعدَهما، فيكونُ القَولان مُتَّفِقَين.
والله أعلمُ.

3152 -

مسألة: (و)

تَحْرُمُ (مُطَلَّقَتُه ثَلاثًا حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه) لقولِ الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ 899. بعد قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ 900. وسنَذْكُرُ هذا في بابِ الرَّجْعَةِ، بأبْسَطَ مِنْ هذا، إن شاء الله تعالى.
3153 - مسألة: (و) تَحْرُمُ (المُحْرِمَةُ حتى تَحِلَّ) يَحْرُمُ نِكاحُ المُحْرِمَةِ، ويَحْرُمُ على المُحْرِمِ أن يَعْقِدَ النِّكاحَ في حالِ إحْرامِه، فإن897898

الحديث: 3152 - الجزء: 20 - الصفحة: 344

وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحُ كَافِرٍ بِحَالٍ، وَلَا لِمُسْلِمٍ نِكَاحُ كَافِرَةٍ، إلا حَرَائِرَ أَهْلَ الْكِتَابِ،  عَقَد أحَدٌ نِكاحًا لمُحْرِم أو على مُحْرِمَةٍ، أو عَقَد المُحْرِمُ نِكاحًا لنفسِه أو لغيرِه، لم يَصِحَّ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ».
رَواه مسلمٌ (1). وعنه، أنَّ عَقْدَ المُحْرِمِ النِّكاحَ لغيرِه صحيحٌ؛ لأنَّه حَرُمَ عليه، لكَوْنِه مِن دَواعِي الوَطْءِ، ولا يَحْصُلُ ذلك بكونِه وَليًّا.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لعُمُومِ الخَبَرِ.
وقد ذَكَرْنا هذه المسألةَ في الحَجِّ، وذكرنا الاخْتِلافَ فيها.

3154 -

مسألة: (ولا يَحِلُّ لمُسْلِمَةٍ نِكاحُ كافِرٍ بحالٍ)

لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ 902. ولقولِه سبحانه: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ 903. ولا نَعْلَمُ خِلافًا في ذلك.
3155 - مسألة: (ولا) يَحِلُّ (لمُسْلِمٍ نِكاحُ كافِرَةٍ بحالٍ، إلَّا حَرائِرَ أهْلِ الكِتابِ) ليس بينَ أهلِ العلمِ، بحمدِ اللهِ، اخْتِلافٌ في حِلِّ حَرائِرِ 904 أهلِ الكتابِ للمُسْلِمِ، ومِمَّن رُوِيَ عنه ذلك؛ عمرُ،901

الحديث: 3154 - الجزء: 20 - الصفحة: 345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعثمانُ، وطلحةُ، وحذيفةُ، وسلمانُ، وجابرٌ، وغيرُهم.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَصِحُّ عن أحدٍ مِن الأوائِلِ أنَّه حَرَّمَ ذلك.
وروَى الخَلَّالُ بإسنادِه، أنَّ حُذيفَةَ، وطلحةَ، والجارودَ بنَ المُعَلَّى، وأُذَينَةَ العَبْدِيَّ، تَزَوَّجوا نساءً مِن أهلِ الكتابِ.
وبه قال سائِرُ أهلِ العلمِ، ولم يُنْقَلْ تَحْرِيمُه إلَّا عن الإِمَامِيَّةِ، تَمَسُّكًا بقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾.
و: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.
ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾.
إلى قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 905. وإجْماعُ الصحابةِ.
فأَمَّا قولُه سبحانَه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾.
فرُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّها نُسِخَتْ بالآيةِ التي في سورةِ المائِدَةِ.
وكذلك يَنْبَغِي أن يكونَ ذلك في الآيةِ الأُخْرَى؛ لأنَّهُما مُتَقَدِّمتان، والآيَةُ التي في المائِدَةِ مُتأخِّرَةٌ عنهما.
وقال آخرون: ليس هذا نَسْخًا، فإنَّ لَفْظَةَ

الجزء: 20 - الصفحة: 346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُشْرِكين [بإطلَاقِها، لا تَتَناوَلُ أهلَ الكتابِ، بدلِيلِ قولِه سبحانه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ] 906 مُنْفَكِّينَ﴾ 907. وقال: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ 908. وقال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ 909. وقال: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ 910. وسائِرُ آيِ 911 القرآنِ يَفْصِلُ بينَهما 912، فدَلَّ على أنَّ لَفْظَةَ المشركين بإطلاقِها لا تَتَناوَلُ أهلَ الكتابِ خاصَّةً 913، وهذا مَعْنَى قول سعيدِ بنِ جُبَيرِ، وقَتادَةَ، ولأنَّ ما احْتَجُّوا به عامٌّ في كلِّ كافِرَةٍ 914، [وآيَتُنا خاصَّةٌ] 915 في حِلِّ 916 نساءِ أهلِ الكتابِ، والخاصُّ يَجِبُ

الجزء: 20 - الصفحة: 347

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَقْدِيمُه.
إذا ثَبَت هذا، فالأَوْلَى أن لا يَتَزَوَّجَ كِتابِيَّةً؛ لأنَّ عمرَ قال للَّذينَ تَزَوَّجُوا نساءً مِن 917 أهلِ.
الكتابِ: طَلِّقُوهُنَّ.
فَفَعَلُوا إلَّا حُذَيفَةَ، فقال له عمرُ: طَلِّقْها.
قال: أتَشْهَدُ أنَّها حرامٌ؟ قال: هي جَمْرَةٌ 918، طَلِّقْها.
قال: تَشْهدُ أنَّها حرامٌ؟ قال: هي جَمْرةٌ (2). قال: قد عَلِمْتُ أنَّها جَمْرةٌ (2)، ولكنَّها لي حلالٌ.
فلما كان بعدُ طَلَّقَها، فَقِيلَ له: أَلَا طَلَّقْتَها حينَ أمَرَكَ عمرُ؟ قال: كَرِهْتُ أن يَرَى النَّاسُ أنِّي رَكِبْتُ أمْرًا لا يَنْبَغِي لي 919. ولأنَّه رُبَّما مال إليها قَلْبُه 920 فَفَتَنَتْه، ورُبَّما كان بينَهما وَلَدٌ فيَمِيلُ إليها.
فصل: وأهْلُ الكتابِ الذِينَ هذا حُكْمُهم، أهلُ التَّوْراةِ والإِنْجِيلِ، قال اللهُ تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَينِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ 921. فأهلُ التَّوْراةِ اليَهُودُ والسَّامِرَةُ، وأهلُ الإِنْجِيلِ النَّصارَى ومَن وافَقَهم مِن [الإِفْرنْجِ و] 922 الأرْمَنِ، وغيرِهم.
وأمّا الصَّابِئونَ فاخْتَلَفَ فيهم السَّلَفُ كثيرًا، فرُوىَ عن أحمدَ أنَّهم جِنْسٌ مِن النَّصارَى.

الجزء: 20 - الصفحة: 348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ونَصَّ عليه الشافعيُّ، وعَلَّقَ القولَ فيهم في موضعٍ آخَرَ.
وعن أحمدَ قال: بَلَغَنِي أنَّهم يَسْبِتُونَ، فهؤلاءِ إذًا يُشْبِهُون اليَهُودَ.
والصحيحُ فيهمِ أنَّهم إن 923 كانوا يُوافِقون اليهودَ أو النَّصارَى في أصْلِ دِينِهم، ويُخالِفُونهمَ في فُرُوعِه 924، فهم مِمَّن وَافَقُوه 925، وإن خَالفُوهم في أصلِ الدِّينِ، فليس هم منهم.
فأمّا مَن سِوَى هؤلاء مِن الكفارِ، مثلَ المُتَمَسِّكِ بصُحُفِ إبراهيمَ وشِيثٍ، وزَبُورِ دَاودَ، فليسوا بأهلِ كتابٍ، لا تَحِلُّ مُناكَحَتُهم ولا ذَبائِحُهُم.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وذَكَر القاضي فيه وَجْهًا آخَرَ، أنَّهم مِن أهلِ الكتابِ، تَحِلُّ ذَبائِحُهُم، ونِكاحُ نسائِهم، ويُقَرُّونَ بالجِزْيَةِ؛ لأنَّهم تَمَسَّكُوا بكتابٍ مِن كُتُبِ اللهِ، فأشْبَهوا اليهودَ والنَّصارَى.
[ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَينِ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
ولأنَّ تلك الكُتُبَ كانت مواعِظَ وأمْثَالًا، [لا أحكامَ فيها] 926، فلم يَثْبُتْ لها حكمُ الكُتُبِ المُشْتَمِلَةِ على الأحْكامِ] 927.

الجزء: 20 - الصفحة: 349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأَمَّا المَجُوسُ، فليس لهم كتابٌ، ولا تَحِلُّ ذَبائِحُهم، ولا نِكاحُ نسائِهم.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ عامَّةِ العلماءِ، إلَّا أبا ثَوْرٍ، فإنَّه أباحَ ذلك؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «سُنُّوا بِهِم سُنَّةَ أهْلِ الْكِتَابِ» 928. ولأنَّه يُرْوَى أنَّ حُذَيفَةَ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً 929. ولأنَّهم يُقَرُّونَ بالجِزْيَةِ، فأشْبَهُوا اليهودَ والنَّصارَى.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ 930. وقولُه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ 931. فخصَّ 932 مِن 933 ذلك أهلَ الكِتابِ، فمَن عدَاهُم يَبْقَى على العُمُومِ، ولم يَثْبُتْ أنَّ للمَجُوسِ كتابًا.
وسُئِلَ أحمدُ: أيَصِحُّ 934 أنَّ للمَجُوسِ كِتَابًا؟ فقال: هذا باطلٌ.
واسْتَعْظَمَه جدًّا.
ولو ثَبَت أنَّ لهم كِتابًا، فقد بَيَّنَّا أنَّ

الجزء: 20 - الصفحة: 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حُكْمَ أهلِ الكتابِ لا يَثْبُتُ لغَيرِ 935 أهلِ الكِتابَين.
وقولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: «سُنُّوا بِهِم سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ».
دليلٌ على أنَّه لا 936 كِتابَ لهم، وإنَّما أرادَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في حَقْنِ دِمائِهم وإقْرَارِهم بالجِزْيَةِ لا غيرُ، وذلك أنَّهم لمّا كانت لهم شُبْهَةُ كتابٍ، غُلِّبَ ذلك في تَحْرِيمِ دِمائِهم، فيجِبُ أن يُغَلَّبَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ لنسائِهم وذبائحِهم، فإنَّا إذا غَلَّبْنَا الشُّبْهَةَ في التَّحريمِ، فتَغْلِيبُ الدليلِ الذي عارضتْه الشُّبْهَةُ في التَّحريمِ أوْلَى، ولمِ يَثْبُتْ أنَّ حُذَيفَةَ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً، [وضَعَّفَ أحمدُ روايةَ مَن روَى عن حُذيفَةَ أنَّه تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةَ] 937، وقال: أبو وائِلٍ يقولُ: تَزَوَّجَ بيَهُودِيَّةٍ.
وهو أوْثَقُ مِمَّن روَى عنه أنَّه تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً.
وقال ابنُ سيرينَ: كانتِ امرأةُ حُذَيفَةَ نَصْرَانِيَّةً.
ومع 938 تعارُضِ الرِّواياتِ لا يَثْبُتُ حكمُ إحدَاهُنَّ إلَّا بتَرْجيحٍ، ولو ثَبَت عن حُذَيفَةَ، لم يَجُزْ الاحْتِجاجُ به مع مُخالفَةِ الكِتابِ وقولِ سائِرِ العلماءِ.
وأمّا إقْرَارُهم بالجِزْيَةِ، فلأنَّنا غَلَّبْنَا حكمَ التَّحْريم [لدِمائِهم، فيَجِبُ أن نُغَلِّبَ حُكْمَ التَّحْريمِ] 939 في ذَبائحِهِم ونسائِهم.

الجزء: 20 - الصفحة: 351

فَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيهَا غَيرَ كِتَابِيٍّ، أَوْ كَانَتْ مِنْ نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ، فَهَلْ تَحِلُّ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

3156 - مسألة: (فإن كان أحَدُ أُبوَيها غيرَ كِتابِيٍّ، أو كانت مِن نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ، فهل تَحِلُّ)

له؟ (على رِوايَتَين) إذا كان أحدُ أُبوَيِ الكافِرَةِ كِتابيًّا والآخَرُ غيرَ كِتابِيٍّ، لم يَحِلَّ نِكاحُها، في إحْدَى الرِّوايَتَين.
اخْتارَها الخِرَقِيُّ، سَواءٌ كان وَثَنِيًّا أو مَجُوسِيًّا أو مُرْتَدًّا.
وبهذا قال الشافعيُّ فيما إذا كان الأبُ غيرَ كتابِيٍّ؛ لأنَّ الوَلَدَ يَنْتَسِبُ إلى أبِيه، ويَشْرُفُ بشَرَفِه، ويَنْتَسِبُ إلى قَبِيلَتِه، وإن كانتِ الأمُّ.
فله فيه قَوْلان.
ولَنا، أنَّها غيرُ مُتَمَحِّضَةٍ مِن أهلِ الكتابِ، أشْبَهَ ما لو كان أبوها وَثَنِيًّا، ولأنَّها مُتَوَلِّدَة بينَ مَن يَحِلُّ وبينَ 940 مَن لا يَحِلُّ، [فلم يَحِلَّ] 941،

الحديث: 3156 - الجزء: 20 - الصفحة: 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالسِّمْعِ 942 والبَغْلِ.
وفيه رِوايةٌ ثانيةٌ، أنَّها تَحِلُّ بكلِّ حالٍ؛ لدخُولِها في عُمُومِ الآيةِ المُبِيحَةِ، ولأنَّها كِتابِيَّةٌ، فأشْبَهَتْ مَن أبَواها كِتابيَّان.
وعلى هذا، فالحُكْمُ في مَن أبَواها غيرُ كِتابِيَّين، كالحكمِ في مَن أحَدُ أبوَيها

الجزء: 20 - الصفحة: 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  غيرُ كتابِيٍّ؛ لأنَّها إذا حَرُمَتْ بكونِ أحَدِ أبوَيها وَثَنِيًّا، فلَأن تَحْرُمَ إذا كانا وَثَنِيَّينِ أوْلَى.
وعلى الرِّوايةِ التي تقولُ: لا تَحْرُمُ.
فهو مُتَحَقِّقٌ وإن كان أبَوَاها وَثَنِيَّين، اعْتِبارًا بحالِ نفسِها دونَ أبَوَيها.
فصل: فإن كانت مِن نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ، ففيها أيضًا روايتان؛ إحْدَاهما، تَحِلُّ.
وهي أصَحُّ؛ لدُخُولِها في قولِه تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ

الجزء: 20 - الصفحة: 354

وَلَيسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا نِكَاحُ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ.
أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} (1). وهم اليهُودُ والنَّصارَى.
والثانيةُ، تَحْرُمُ نِساءُ بَنِي تَغْلبَ؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ دُخُولَهم في دِينِهم قبلَ تبْدِيلِ كِتابِهم.
فصل: وسائرُ الكفَّارِ غيرُ أهلِ الكتابِ، كمَن عَبَد ما اسْتَحْسَنَ مِن الأصنامِ والأحجارِ والشَّجَرِ والحيوانِ، فلا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في تَحْرِيمِ نِسائِهِم وذبائِحِهم؛ وذلك لِما ذَكَرْنا مِن الآيَتَين، وعَدَمِ المُعارِضِ لهما.
والمُرْتَدَّةُ يَحْرُمُ نِكاحُها على أيِّ دِينٍ كانت؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ لها حكمُ أهلِ الدِّينِ الذي انْتَقَلَتْ إليه بإقْرارِها عليه، ففي حِلِّها أوْلَى.

3157 -

مسألة: (وليس للمُسْلِمِ وإن كان عَبْدًا نِكاحُ أمَةٍ كِتَابِيَّةٍ. وعنه، يَجُوزُ)

ظاهرُ مذهبِ أحمدَ أنَّ ذلك لا يَجُوزُ، رَواه عنه جماعةٌ.
وهو قولُ الحسنِ، والزُّهْرِيِّ، ومَكْحُولٍ، ومالكٍ،943

الحديث: 3157 - الجزء: 20 - الصفحة: 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشافعيِّ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزَاعِيِّ، واللَّيثِ، وإسحاقَ.
ورُوِيَ ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، ومجاهدٍ.
وقال أبو مَيسَرَةَ، وأبو حنيفةَ: يجوزُ للمُسْلِمِ نِكاحُها؛ لأنَّها تَحِلُّ بمِلْكِ اليَمِينِ، فحَلَّتْ بالنِّكاحِ، كالمُسْلمَةِ.
ونُقِلَ ذلك عن أحمدَ، قال: لا بَأْسَ بِتَزْويجِها.
إلَّا أنَّ الخَلَّال رَدَّ هذه الرِّوايةَ وقال: إنَّما تَوَقَّفَ أحمدُ فيها، ولم يَنْفذْ له قولٌ، ومَذْهَبُه أنَّها لا تَحِلُّ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ 944. فشَرَطَ في إباحَةِ نِكاحِهِنَّ الإِيمانَ، ولم يُوجَدْ، وتُفارِقُ المُسْلِمَةَ؛ لأنَّه لا يُؤَدِّي إلى اسْتِرقاقِ الكافرِ وَلَدَها، لأنَّ الكافِرَ لا يُقَرُّ مِلْكُه على مُسْلِمَةٍ، والكافرةُ تكونُ مِلْكًا لكافرٍ، ويُقَرُّ مِلْكُه عليها، ووَلَدُها مَمْلُوك لسَيِّدِها، ولأنَّه [قد اعْتَوَرَها] 945 نَقْصان؛ نَقْصُ الكُفْرِ والمِلْكِ، فإذا اجْتَمَعَا مَنَعَا، كالمَجُوسِيَّةِ لمَّا اجْتَمَعَ فيها نَقْصُ الكُفْرِ 946 وعَدَمُ الكِتابِ، لم يُبَحْ نِكاحُها.
ولا فَرْقَ بينَ الحُرِّ والعَبْدِ في تَحْرِيمِ نِكاحِها؛ لعُمُومِ ما ذَكَرْنا مِن الدليلِ، ولأنَّ ما حَرُمَ على الحُرِّ تَزْويجُه 947 مِن أجْلِ دِينِه، حَرُمَ على العَبْدِ، كالمَجُوسِيَّةِ.

الجزء: 20 - الصفحة: 356

وَلَا يَحِلُّ لِحُرٍّ مُسْلِم نِكَاحُ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ، إلا أَنْ يَخَافَ الْعَنَتَ، وَلَا يَجِدَ طَوْلَا لِنِكَاحِ حُرَّةٍ، وَلَا ثَمَنَ أَمَةٍ.

3158 - مسألة: (ولا يَحِلُّ لحُرِّ نِكاحُ أمَةٍ مُسْلِمَةٍ، إلَّا أن يَخافَ العَنَتَ، ولا يَجِدَ طَوْلًا لنِكاحِ حُرَّةٍ، ولا ثَمَنَ أَمَةٍ)

الكلامُ في هذه المسألةِ في فَصْلَين؛ أحَدُهما، أنَّه يَحِلُّ له نِكاحُ الأمَةِ المُسْلِمَةِ إذا وُجِدَ فيه الشَّرْطان؛ خَوْفُ العَنَتِ، وعَدَمُ الطَّوْلِ.
وهذا قولُ عامَّةِ العلماءِ، لا نَعْلَمُ بينَهم فيه اخْتِلافًا، لقولِ اللهِ سبحانَه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾.
الآية.
والصَّبْرُ عنها مع ذلك خَيرٌ وأفْضَلُ، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيرٌ لَكُمْ﴾.
الفصلُ الثاني، إذا عُدِمَ الشَّرْطان أو أحَدُهما، لم يَحِلَّ نكاحُها لِحُرٍّ.
رُوِيَ ذلك 948 عن جابِرٍ، وابنِ عباس.
وبه قال عطاءٌ، وطاوُسٌ، والزُّهْرِيُّ، وعَمْرُو بنُ دِينارٍ، ومَكْحُولٌ، ومالكٌ، والشافعيُّ، [وإسحاقُ] 949. وقال مجاهدٌ: مِمّا وَسَّعَ اللهُ على هذه الأُمَّةِ نِكاحُ الأمَةِ وإن كان مُوسِرًا.
وبه قال أبو حنيفةَ، إلَّا أن يكونَ تَحْتَه حُرَّةٌ، لأنَّ القُدْرَةَ على النِّكاحِ لا تَمْنَعُ النِّكاحَ، كما يَمْنَعُه

الحديث: 3158 - الجزء: 20 - الصفحة: 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وُجُودُ النِّكاحِ، كنِكاحِ الأُخْتِ والخامِسَةِ.
وقال قَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ: إذا خَافَ العَنَتَ، حَلَّ له نِكاحُ الأمَةِ [وإن وَجَد الطَّوْلَ؛ لأنَّ إباحَتَها لضَرُورَةِ خَوْفِ العَنَتِ، وقد وُجِدَتْ، ولا يَنْدَفِعُ إلَّا بنِكاحِ الأمَةِ] 950، فأشْبَهَ عدمَ الطَّوْلِ.
ولَنا، قولُ اللهِ سبحانَه وتعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾.
فشَرَطَ في نِكاحِها عَدَمَ اسْتِطاعَةِ الطَّوْلِ، فلم يَجُزْ مع الاسْتِطاعَةِ، لفَواتِ شَرْطِه، وكالصَّوْمِ في كَفّارَةِ الظِّهارِ مع استِطاعةِ الإِعْتاقِ.
ولأنَّ في تَزْويجِ الأمَةِ إرقاقَ وَلَدِه مع الغِنَى عنه، فلم يَجُزْ، كما لو كان تَحْتَه حُرَّةٌ.
وقياسُهم لا يَصِحُّ؛ لأنَّ نِكاحَ الخامسةِ والأُختِ إنَّما حَرُمَ لأجْلِ الجَمْعِ، وبالقُدْرَةِ على الجَمْعِ لا يَصِيرُ جامِعًا، والعِلَّةُ ههُنا هو الغِنَى عن إرْقاقِ وَلَدِه، وذلك يَحْصُلُ بالقُدْرَةِ على نِكاحِ الحُرَّةِ.
وأمّا مَن يَجِدُ 951 الطَّوْلَ ويَخافُ العَنَتَ، فإن كان ذلك لكَوْنِه لا يَجِدُ إلَّا حُرَّةً صغيرةً أو غائبةً أو مَريضةً لا يُمْكِنُ وَطؤُها، أو وَجَد مالًا ولم يُزَوَّجْ لقُصُورِ نَسَبِه، فله نِكاحُ الأمَةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ في الغائبةِ.

الجزء: 20 - الصفحة: 358

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافعيِّ.
وقال بعضُهم: لا يجوز؛ لوُجْدانِ الطَّوْلِ.
ولَنا، أنَّه غيرُ مستطيعٍ للطَّوْلِ إلى حُرَّةٍ تُعِفُّه، فأشْبَهَ مَن لا يَجِدُ شيئًا، ألا تَرَى أنَّ الله سبحانه نَزَّلَ ابنَ السَّبِيلِ الذي له اليَسارُ في بَلَدِه فَقِيرًا؛ لعَدَمِ قُدْرَتِه عليه في الحالِ.
وإن كانت له حُرَّةٌ يتَمَكَّنُ مِن وَطْئِها والعِفَّةِ بها، فليس بخائِفٍ للعَنَتِ.
فصل: فإن قَدَر على شِراء أمَةٍ تُعِفُّه، فهو كما لو وَجَد طَوْلَ الحُرَّةِ، لا يَحِلُّ له نِكاحُ الأمَةِ؛ لأنَّه أمْكَنَه صِيانَةُ وَلَدِه عن الرِّقِّ، فأشْبَهَ القادِرَ على طَوْلِ الحُرَّةِ، وكذلك إن قَدَر على تَزْويجِ كِتابِيَّةٍ تُعِفُّه.
وهذا ظاهرُ

الجزء: 20 - الصفحة: 359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مذهبِ الشافعيِّ، وذَكَرُوا وَجْهًا آخَرَ أنَّه [يجوزُ له] 952؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
وهذا غيرُ مستطيعٍ لذلك.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾.
وهذا غيرُ خائِفٍ له، ولأنَّه قَدَر على صِيانةِ وَلَدِه مِن الرِّقِّ، فلم يَجُزْ له إرْقاقُه، كما لو قَدَر على نِكاحِ مُؤْمِنَةٍ.
فصل: ومَن كانت تحتَه حُرَّةٌ يُمْكِنُ أن يَسْتَعِفَّ بها، لم يَجُزْ له نِكاحُ أمَةٍ، لا نعلمُ في هذا خِلافًا، ولافَرقَ بينَ المُسْلِمَةِ والكِتابِيَّةِ في ذلك؛ لِما ذَكَرْنا مِن قبلُ.

الجزء: 20 - الصفحة: 360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومَن يَجِدْ طَوْلًا، لكنْ وَجَد مَن يُقْرِضُه ذلك، لم يَلْزَمْه؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في بَقاءِ الدَّين في ذِمَّتِه، ولصاحِبِه مُطَالبَتُه [به في الحالِ.
وكذلك إن رَضِيَتِ الحُرَّةُ بتَأْخِيرِ صَداقِها، أو تَفْويضِ بُضْعِها 953؛ لأنَّ لها مُطالبَتَه] 954 بفَرْضِه 955. وكذلك إن بَذَل له باذِلٌ 956 أن يَزِنَهُ 957 عنه، أو يَهَبَه إيَّاه، لم يَلْزَمْه؛ لِما عليه مِن ضَرَرِ المِنَّةِ، [وله في ذلك كلِّه] 958 نِكاحُ الأمَةِ.
فإن لم يَجِدْ مَن يُزَوِّجُه إلَّا بأكثرَ مِن مَهْرِ المِثْلِ، وكان قادِرًا عليه، ولا يُجْحِفُ به، لم يَكُنْ له نِكاحُ الأمَةِ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: له ذلك، كما لو لم يَجدِ الماءَ إلَّا بِزيادَةٍ على ثَمَنِ المِثْلِ، فله التَّيَمُّمُ.
ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾.
وهذا مُسْتَطِيعٌ، ولأنَّه

الجزء: 20 - الصفحة: 361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قادِرٌ على نِكاحِ حُرَّةٍ بما لا يَضُرُّه، فلم يَجُزْ له إرْقاقُ وَلَدِه، كما لو كان بمَهْرِ مِثْلِها، وما ذَكَرُوه مَمْنُوعٌ، ثم إنَّ هذا مُفارِقٌ للتَّيَمُّمِ مِن وَجْهين؛ أحَدُهما، أنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ عامَّةٌ، وهذا أُبِيحَ للضَّرُورَةِ، ومع القُدْرَةِ على الحُرَّةِ لا ضَرُورَةَ.
الثاني، أنَّ التَّيَمُّمَ يَتَكَرَّرُ، فإيجابُ شِرائِه بزِيادَةٍ على ثَمَنِ المِثْلِ يُفْضِي إلى الإِجْحافِ به، وهذا لا 959 يَتَكَرَّرُ، فلا ضَرَرَ فيه.
فصل: فإن كان في يَدِه مالٌ فذَكرَ أنَّه مُعْسِرٌ، وأنَّ المال لغيرِه، فالقولُ قولُه؛ لأنَّه حُكْمٌ بينَه وبينَ اللهِ سبحانَه وتعالى، فقُبِلَ قولُه فيه، كما لو ادَّعَى مَخافَةَ العَنَتِ.
ومتى تَزَوَّجَ الأمَةَ، ثم ذَكَر أنَّه كان مُوسِرًا حال النِّكاحِ،

الجزء: 20 - الصفحة: 362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فُرِّقَ بينَهما؛ لأنَّه أقَرَّ بفَسادِ نِكاحِه.
وهكذا إن أقَرَّ أنَّه لم يَكُنْ يَخْشَى العَنَتَ، فإن كان قبلَ الدُّخُولِ فصَدَّقَه السَّيِّدُ، فلا مَهْرَ، وإن كَذَّبَه، فله نِصْفً المَهْرِ؛ لأنَّه يَدَّعِي صِحَّةَ النِّكاحِ، والأصْلُ معه.
وإن كان بعدَ الدُّخُولِ، فعليه المُسَمَّى جميعُه.
فإن كان مَهْرُ المِثْلِ أكثرَ مِن المُسَمَّى، فعلى قولِ مَن أوجَبَ مَهْرَ المِثْلِ في النِّكاحِ الفاسِدِ، يَلْزَمُه مَهْرُ المِثْلِ 960، لإِقْرارِه به.
وإن كان المُسَمَّى أكثرَ، وَجَب [للسَّيِّدِ، إلَّا أن] 961 يُصَدِّقَه فيما قال، فيكونُ له مِن [مَهْرِ المِثْلِ] 962 ما يَجِبُ في النِّكاحِ الفاسِدِ.
وهل ذلك المُسَمَّى أو مَهْر المِثْلِ؟ على رِوايَتَين.

الجزء: 20 - الصفحة: 363

وَإنْ تَزَوَّجَهَا وَفِيهِ الشَّرْطَانِ، ثُمَّ أَيسَرَ، أَوْ نَكَحَ حُرَّةً، فَهَلْ يَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَمَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

3159 - مسألة: (وإن تَزَوَّجَها وفيه الشَّرْطان، ثم أيسَرَ، أو نَكَح حُرَّةً، فهل يَبْطُلُ نِكاحُ الأمَةِ؟ عَلَى رِوايَتَين)

أمَّا إذا أيسَرَ، فظاهرُ المذهبِ أنَّه لا يَنْفَسِخُ نِكاحُ الأمَةِ.
وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.
وفيه رِوايةٌ، أنَّه يَفْسُدُ نِكاحُ الأمَةِ.
وهو قولُ المُزَنِيِّ؛ لأنَّه إنَّما أُبِيحَ للحاجَةِ، فإذا زالتِ الحاجَةُ، لم يَجُزِ اسْتِدامَتُه، كمَن أُبِيحَ له أكْلُ المَيتَةِ للضَّرُورَةِ، فإذا وَجَد الحَلَال لم يَسْتَدِمْه.
ولَنا، أنَّ فَقْدَ الطَّوْلِ أحدُ شَرْطَيْ إباحَةِ نِكاحِ الأمَةِ، فلم تُعْتَبَرِ اسْتِدَامَتُه،

الحديث: 3159 - الجزء: 20 - الصفحة: 364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كخَوْفِ العَنَتِ، ويُفارِقُ أَكْلَ المَيتَةِ، فإنَّ أكْلَها بعدَ القُدْرَةِ ابْتِدَاءٌ للأكلِ، وهذا لا يَبْتَدِئُ النكاحَ، إنَّما يَسْتَدِيمُه، والاسْتِدَامَةُ للنِّكاحِ تُخالِفُ ابْتِداءَه، بدَلِيلِ أنَّ العِدَّةَ والرّدَّةَ وأمْنَ العَنَتِ يَمْنَعْنَ ابْتِداءَه دُونَ اسْتِدامَتِه.
فصل: فإن تَزَوَّجَ على الأمَةِ حُرَّةً، صَحَّ.
وفي بُطْلانِ نِكاحِ الأمَةِ رِوايَتان؛ إحداهما، لا يَبْطُلُ.
وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعطاءٍ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
ورُوِيَ مَعْنَى ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ الله عنه.
والثانيةُ، يَنْفَسِخُ نِكاحُ الأمَةِ.
وهو قولُ ابنِ عباسٍ، ومَسْرُوقٍ،

الجزء: 20 - الصفحة: 365

وَإنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً أَوْ أَمَةً فَلَمْ تُعِفَّهُ، وَلَمْ يَجِدْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ  وإسحاقَ، والمُزَنِيِّ.
ووَجْهُ الرِّوايَتَينِ [ما تقدَّم] (1) في المسألةِ قبلَها.
وقال النَّخَعِيُّ: إن كان له مِن الأمَةِ وَلَدٌ، لم يُفارِقْها، وإلَّا فارَقَها.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ ماكان مُبْطلاً للنِّكاحِ في غيرِ ذاتِ الوَلَدِ، أبْطَلَه في ذاتِ الوَلَدِ، كسائرِ مُبْطِلاته، ولأنَّ وَلَدَه منها مَمْلُوكٌ لسَيِّدِها، ونَفَقَتُه عليه.
وقد اسْتُدِلَّ على بَقاءِ النِّكاحِ بما رُوِيَ عن عليٍّ، كرَّمَ الله وَجْهَه، أنَّه قال: إذا تَزَوَّجَ الحُرَّةَ على الأمَةِ، قَسَمَ للحُرَّةِ لَيلَتَين، وللأمَةِ لَيلَةً (2). ولأنَّه لو بَطَل بنِكاحِ الحُرَّةِ لبَطَلَ بالقُدْرَةِ عليه، فإنَّ القُدْرَةَ على المُبْدَلِ كاسْتِعْمالِه، بدليلِ الماءِ مع التُّرَابِ.

3160 -

مسألة: (وإن تَزَوَّجَ حُرَّةً أو أمَةً فلم تُعِفَّه، ولم يَجِدْ طَوْلًا

963964 الحديث: 3160 - الجزء: 20 - الصفحة: 366

أُخْرَى، فَهلْ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ أُخْرَى؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
لحُرَّةٍ أُخْرَى، فهل له نِكاحُ أمَةٍ أُخْرَى؟ على رِوايتَين) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه الله، في إباحَةِ أكثرَ مِن أمَةٍ إذا لم تُعِفَّه، فعنه أنَّه قال: إذا خَشِيَ العَنَتَ تَزَوَّجَ أرْبعًا، إذا لم يَصْبِرْ كيف يَصْنَعُ؟ وهذا قولُ الزُّهْرِيِّ، والحارثِ العُكْلِيِّ، ومالكٍ، وأصحابِ الرَّأْي.
وعنه أنَّه قال: لا يُعْجِبُنِي أن يَتَزَوَّجَ إلَّا أمَةً واحدةً.
يَذْهبُ إلى حديثِ ابنِ عباسٍ، قال: الحُرُّ لا يَتَزَوَّجُ مِن الإِماءِ إلَّا واحدةً.
وقَرَأَ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ 965. وبه قال قَتادَةُ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، لأنَّ 966 مَن له زَوْجَةٌ يُمْكِنُه وَطْؤُها لا يَخاف العَنَتَ.
ووَجْهُ الأُولَى قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية.
وهذا داخِلٌ في عُمُومِها.
ولأنَّه عادِمٌ

الجزء: 20 - الصفحة: 367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للطَّوْلِ، خائِفٌ للعَنَتِ، فجازَ له نِكاحُ أمَةٍ، كالأُولَى.
وقوْلُهم: لا يَخْشَى العَنَتَ.
قُلْنا: الكلامُ في مَن يَخْشَاه 967. وقولُ ابنِ عباسٍ يُحْمَلُ على مَن لم يَخْشَ العَنَتَ، وكذلك الرِّوَايةُ الأُخْرَى عن أحمدَ.
فإن كان تَحْتَه حُرَّةٌ لم تُعِفَّه، ففيها الرِّوَايتانِ أيضًا، مثلَ نِكاحِ الأمَةِ، ذَكَرَهما أبو الخطّابِ، إذا لم تُعِفَّه الأمَةُ، لِما ذَكَرْنا.
فإن كانَتِ الحُرَّةُ 968 تُعِفُّه، [أو كان تحتَه أمَةٌ تُعِفُّه] 969، فلا خِلافَ في تَحْرِيمِ نِكاحِ الأمَةِ الأُخْرَى.

الجزء: 20 - الصفحة: 368

قَال الْخِرَقِيُّ: وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنَ الإمَاءِ أَرْبَعًا إِذَا كَانَ الشَّرْطَانِ فِيهِ قَائِمَينِ.
فإن نَكَح أمَتَين في عَقْدٍ، وهو يَسْتَعِفُّ بواحدةٍ، فنِكاحُهُما باطلٌ؛ لأنَّه يَبْطُل في إحْداهما، وليست بأوْلَى مِن الأُخْرَى، فَبَطَلَ، كما لو جَمَع بينَ أُخْتَين.

3161 -

مسألة: (قال الخِرَقِيُّ: وله أن يَتَزَوَّجَ مِن الإِماءِ أرْبَعًا، إذا كان الشَّرْطان فيه قَائِمَين)

لِما ذَكَرْنا.

الحديث: 3161 - الجزء: 20 - الصفحة: 369

وَلِلْعَبْدِ نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا عَلَى حُرَّةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

3162 - مسألة: (وللعَبْدِ نِكاحُ الأَمَةِ)

وإن فُقِدَ فيه الشَّرْطان؛ لأنَّه مُساوٍ لها، فلم يُعْتَبَرْ فيه هذان الشَّرْطان، كالحُرِّ مع الحُرَّةِ، وله نِكاحُ أمَتَين مَعًا، وواحدَةٍ بعدَ واحدَةٍ؛ لأنَّ خَشْيَةَ العَنَتِ غيرُ مَشْرُوطَةٍ فيه.
3163 -

مسألة: (وهل له أنْ يَنْكِحَها على حُرَّةٍ؟ على رِوايَتَين)

الحديث: 3162 - الجزء: 20 - الصفحة: 370

وَإنْ جَمَعَ بَينَهُمَا فِي الْعَقْدِ، جَازَ،  إحداهما، له ذلك.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّها مساويَةٌ له، فلم يُشْتَرَطْ لصِحَّةِ نِكاحِها عَدَمُ الحُرَّةِ، كالحُرِّ مع الحُرَّةِ، ولأنَّه لو اشْتُرِطَ عَدَمُ الحُرَّةِ، لاشْتُرِطَ عَدَمُ القُدْرَةِ عليها، كما في حَقِّ الحُرِّ.
والثانيةُ، لا يجوزُ؛ وهو قولُ أصحاب الرَّأْي؛ لأنَّه يُرْوَى عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ أنَّه قال: تُنْكَحُ الحُرَّةُ على الأَمَةِ، ولا تُنْكَحُ الأمَةُ على الحُرَّةِ.
ولأنَّه مالِكٌ لبُضْعِ حُرَّةٍ، فلم يَكُنْ له أن يَتَزَوَّجَ أمَةً، كالحُرِّ.

3164 -

مسألة: (وإن جَمَع بينَهُمَا في العَقْدِ، جاز)

لأنَّ كلَّ واحدةٍ منهما يجوزُ إفْرادُها بالعَقْدِ 970، فجازَ الجَمْعُ بينَهما، كالأَمتَين،

الحديث: 3164 - الجزء: 20 - الصفحة: 371

وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَجُوزَ.
هذا إذا قُلْنا: ليست حُرِّيَّةُ الزَّوْجِ شَرْطًا في نِكاحِ الحُرَّةِ (ويَتَخَرَّجُ أن لا يَجُوزَ) بِناءً على قولِه: لا يجوزُ نِكاحُ الأمَةِ على حُرَّةٍ.
ولأنَّه لا يَجُوزُ نِكاحُ الأمَةِ على الحُرَّةِ، فحَرُمَ عليه الجَمْعُ بينَهما، كالأُخْتَين.

الجزء: 20 - الصفحة: 372

وَلَيسَ لَهُ نِكَاحُ سَيِّدَتِهِ، وَلَا لِلْحُرِّ أن يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ، وَلَا أمةَ ابْنِهِ،

3165 - مسألة: (وليس للعَبْدِ نِكاحُ سَيِّدَتِه)

قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ نِكاحَ المرأةِ عَبْدَها باطِلٌ؛ لأنَّ أحكامَ المِلْكِ والنِّكاحِ تَتَناقَضُ، إذ مِلْكُها إيَّاه يَقْتَضِي وُجُوبَ نَفَقَتِه عليها، وسَفَرَه بسَفَرِها، وطاعَتَه إيَّاها، ونِكاحُه إيَّاها يُوجب عَكْسَ ذلك، فيَتَنافَيَان، ولِما روَى الأثْرَمُ بإسنادِه عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرٍ، أنَّه سَألَه عن العَبْدِ يَنْكِحُ سَيِّدَتَه، فقال: جاءَتِ امرَأة إلى عمرَ بنِ الخطابِ ونحنُ بالجابِيَةِ (1) وقد نَكَحَتْ عَبْدَها، فانْتَهَرَها عمرُ، وهَمَّ أن يَرْجُمَها، وقال: لا يَحِلُّ لكِ (2). 3166 -

مسألة: (وليس للحُرِّ أن يَتَزَوَّجَ أمَتَه)

لأنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ يُفِيدُ (3) مِلْكَ المَنْفَعَةِ، وإباحَةَ البُضْعِ، فلا يَجْتَمِعُ معه عَقْدٌ أضْعَفُ منه.
ولا يجوزُ أن يَتَزَوَّجَ أمَةً له فيها مِلْكٌ.
ولا يَتَزَوَّجُ مُكاتَبَتَه؛ لأنَّها مَمْلُوكَتُه.
3167 -

مسألة: (ولا)

يَجُوزُ للحُرِّ أن يَتَزَوَّجَ (أمَةَ ابْنِه) لأنَّ971972973

الحديث: 3165 - الجزء: 20 - الصفحة: 373

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له فيها شُبْهَةَ مِلْكٍ.
وهذا قولُ أهلِ الحجازِ.
وقال أهلُ العراقِ: له ذلك، لأنَّها ليستْ مَمْلُوكَةً له، ولا تَعْتِقُ بإعْتاقِه إيَّاها.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أنْتَ وَمَالُكَ لأبِيكَ» 974. ولأنَّه لو مَلَك جُزْءًا مِن أمَةٍ، لم يَصِحَّ نِكاحُه

الجزء: 20 - الصفحة: 374

وَيَجُوزُ لِلْعَبْدِ نِكَاحُ أَمَةِ ابْنِهِ.
لها، فما هي مُضافَةٌ بجُمْلَتِها شَرْعًا أوْلَى بالتَّحرِيمِ.
وكذلك لا يَجُوزُ للعبْدِ نِكاحُ أمِّ (1) سَيِّدِه أو سَيِّدَتِه، مع ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ.

3168 -

مسألة: (ويجوز للعبدِ نِكاحُ أمَةِ ابْنِه)

لأنَّ الرِّقَّ قَطَع ولايتَه عن ابْنِه ومالِه، ولهذا 976 لا يَلِي ماله ولا نِكاحَه، ولا يَرِثُ أحدُهما975

الحديث: 3168 - الجزء: 20 - الصفحة: 375

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  صاحِبَه، فهو كالأجْنَبِيِّ منه.
فصل: وللابْنِ نِكاحُ أمَةِ أبيه؛ لأنَّه لا مِلْكَ له فيها، ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ , فأشْبَهَ الأجْنَبِيَّ، وكذلك سائرُ القَراباتِ.
ويجوزُ للرجلِ أن يُزَوِّجَ ابْنَتَه لمَمْلُوكِه.
ومتى ماتَ الأبُ فوَرِثَ أحدُ الزَّوْجَين صاحِبَه أو جُزْءًا منه، انْفَسَخَ النِّكاحُ.
وكذلك إن مَلَكَه أو جُزْءًا منه بغيرِ الإِرْثِ، لا نعلمُ فيه خِلافًا، إلَّا أنَّ الحسنَ قال: إذا اشْتَرَى امرأتَه للعِتْقِ، فأعْتَقَها حينَ مَلَكَها، فهما على نِكاحِهما.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّهما مُتَنافِيان، فلا يَجْتَمِعان قليلًا ولا كثيرًا، فبِمُجَرَّدِ المِلْكِ لها انْفَسَخَ نِكاحُها سابقًا على عِتْقِها.

الجزء: 20 - الصفحة: 376

وَإنِ اشْتَرَى الْحُرُّ زَوْجَتَهُ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَإنِ اشْتَرَاهَا ابْنُهُ، فَعَلَى وَجْهَينِ.

3169 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى الحُرُّ زَوْجَتَه)

أو جُزْءًا منها، أو 977 مَلَكَه بغيرِ الشِّراءِ (انْفَسَخَ نِكاحُها) وكذلك إن مَلَكَتِ المرأةُ زَوْجَها، أو جُزْءًا منه، ولا نَعْلَمُ في ذلك اخْتِلافًا؛ لِما ذكَرْناه (وإنِ اشْتَرَاها ابْنُه، فعلى وَجْهَين) أحَدُهما، يَنْفَسِخُ النِّكاحُ؛ لأنَّ مِلْكَ الابنِ كمِلْكِه في إسْقاطِ الحَدِّ، وحُرْمَةِ الاسْتِيلادِ 978، فكان كمِلْكِه في إبْطالِ

الحديث: 3169 - الجزء: 20 - الصفحة: 377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النِّكاحِ.
والثاني، لا يَبْطُلُ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُها بمِلْكِ الابنِ، فلم يَبْطُلْ نِكاحُه، كالأجْنَبِي.
فصل: وإذا مَلَكَتِ المرأةُ زَوْجَها أو بعضَه فانْفَسَخَ نِكاحُها، فليس ذلك طَلَاقًا، فمتى أعْتَقَتْه ثم تَزَوَّجَها، لم تُحْتَسَبْ عليه 979 بتَطْلِيقَةٍ.
وبهذا قال الحَكَمُ، وحَمّادٌ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وإسحاقُ.
وقال الحسنُ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، والأوْزَاعِيُّ: هي 980

الجزء: 20 - الصفحة: 378

وَمَنْ جَمَعَ بَينَ مُحَرَّمَةٍ وَمُحَلَّلَةٍ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَهَلْ يَصِحُّ فِي مَنْ تَحِلُّ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
تَطْلِيقَةٌ.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه لم يَلْفِظْ بطَلاقٍ صَريحٍ ولا كِنايَةٍ، وإنَّما فُسِخَ النِّكاحُ بوُجُودِ ما يُنافِيه، فأشْبَهَ انْفِساخَه بإسْلامِ أحَدِهما [أو رِدَّتِه] (1). فصل: ولو مَلَك الرجلُ بعضَ زَوْجَتِه، انفسخَ نِكاحُها، وحَرُمَ وَطْؤها، في قولِ عامَّةِ المُفْتِينَ، حتى يَسْتَخْلِصَها، فيَحِلُّ له وَطْؤها بمِلْكِ اليمينِ.
ورُوِيَ عن قَتادَةَ أنَّه قال (2): لم يَزِدْه مِلْكُه فيها إلَّا قرْبًا.
وليس بصحيحٍ؛ لأنَّ النِّكاحَ لا يَبْقَى في بعضِها، ومِلْكَه لم يَتِمَّ عليها، ولا يَثْبُتُ الحِلُّ فيما لا يَمْلِكُه ولا نِكاحَ فيه.

3170 -

مسألة: (ومَنْ جَمَع بينَ مُحَلَّلَةٍ ومُحَرَّمَةٍ فِي عَقْدٍ واحِدٍ، فهل يَصِحُّ في مَن تحِلُّ؟ على رِوايَتَين)

وإذا عَقَد النِّكاحَ على أُخْتِه وأجْنَبِيَّةٍ مَعًا، بأن يكونَ لرجلٍ أُخْتٌ وابنةُ عَمٍّ، إحدَاهُما رَضِيعَةٌ981982

الحديث: 3170 - الجزء: 20 - الصفحة: 379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للمتزَوِّجِ 983، فيقولَ له: زَوَّجْتُكَهُما.
فيَقْبَلُ ذلك، فالمنصوصُ صِحَّةُ نِكاحِ الأجْنَبيَّةِ، فيما ذَكَره الخِرَقِيّ.
ونَصَّ في مَن تَزَوَّجَ حُرَّةً وأمَةً، أنَّه يَثْبُتُ نِكاحُ الحُرَّةِ، ويُفارِقُ الأمَةَ.
وذَكَر شيخُنا 984 فيه رِوَايَتَين؛ إحداهما، يَفْسُدُ فيهما.
وهو أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ، [واختيارُ أبِي بكرٍ] 985؛ لأنَّه عَقْدٌ واحدٌ جَمَع حَلالًا وحَرامًا، فلم يَصِحَّ، كما لو جَمَع بينَ أُخْتَين.
والثانيةُ، يَصِحُّ في الحُرَّةِ.
وهي أظهرُ الرِّوايَتَين.
وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأي؛ لأنَّها مَحَلٌّ قابِلٌ للنِّكاحِ، أُضِيفَ إليها عَقْدٌ صادِرٌ مِن أهْلِه، لم يَجْتَمِعْ معها فيه مِثْلُها، فصَحَّ، كما لو انْفَرَدَتْ به، وفارَقَ العَقْدَ على الأخْتَين؛ لأنَّه لا مَزِيَّةَ [لإِحداهما على الأُخْرَى] 986، وهاهُنا قد تَعَيَنّتِ التي بَطَل النِّكاحُ فيها.
فعلى هذا القولِ،

الجزء: 20 - الصفحة: 380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يكونُ لها مِن المُسَمَّى بقِسْطِ مَهْرِ مِثْلِها منه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ لها نِصْفَ المُسَمَّى.
وأصْلُ هذين الوَجْهَين، إذا تَزَوَّجَ امرأتين يجوزُ له نِكاحُهُما بمَهْرٍ واحدٍ، هل يكونُ بينَهما على قَدْرِ صَدَاقِهِما، أو نِصْفَين؟ على وَجْهَين، يَأتِي ذِكْرُهما إن شاء الله تَعالى.
فصل: ولو تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً ومَجُوسِيَّةً، أو مُحَلَّلَةً [ومُحَرَّمةً] 987، في عقدٍ واحدٍ، فَسَدَ في المَجوسِيَّةِ والمُحَرَّمَةِ، وفي الأُخْرَى وَجْهان.
وإن نَكَح أرْبَعَ حَرَائِرَ وأمَةً، فَسَد في الأمَةِ، وفي الحَرائِرِ وَجْهان.
وإن نَكَح العَبْدُ حُرَّتَين وأمَةً، بَطَل نِكاحُ الجميعِ.
وإن تَزَوَّجَ امرأةً وابْنَتَها فَسَد فيهما؛ لأنَّ الجمعَ بينَهما مُحَرَّمٌ، فلم يَصِحَّ فيهما 988، كالأُختَين.

الجزء: 20 - الصفحة: 381

وَمَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا، حَرُمَ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِين، إلا إِمَاءَ أهْلِ الْكِتَابِ.

3171 - مسألة: (و)

كلُّ (مَن حَرُم نِكاحُها حَرُم وَطْؤُها بمِلْكِ اليمينِ، إلَّا إماءَ أهْلِ الكتابِ) الكلامُ في هذه المسألةِ في فصلَين؛ أحدُهما، أنَّ إماءَ 989 أهلِ الكتاب حَلالٌ.
وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا الحسنَ، فإنَّه كَرِهَه؛ لَأنَّ الأمَةَ الكِتابِيَّةَ يَحْرُمُ نِكاحُها، فحَرُمَ التَّسَرِي بِها، كالمَجُوسِيَّةِ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَو مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ﴾ 990. ولأنَّها مِمَّن يَحِلُّ نِكاحُ حَرائِرِهم، فحَلَّ له التَّسَرِي بِها، كالمُسْلِمَةِ.
فأمَّا نِكاحُها، فيَحْرُمُ؛ لأنَّ فيه إرْقاقَ وَلَدِه، وإبْقَاءَه مع كافِرَةٍ، بخِلافِ التَّسَرِي.
الفصلُ الثاني، أنَّ مَن حَرُمَ نِكاحُ حَرائِرِهم مِن المَجُوسِيَّاتِ وسائرِ الكَوافِرِ سِوَى أهلِ الكتابِ، لا يُبَاحُ وَطْءُ الإماءِ منهنَّ بمِلْكِ اليمينِ.
في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الزُّهْرِيُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 991: على هذا جَماعَةُ فُقَهاءِ الأمصارِ، وجمهورُ العلماءِ، وما خالفَه فشُذُوذٌ لا يُعَدُّ خِلافًا، ولم يَبْلُغْنا إباحَةُ ذلك إلَّا عن طاوُسٍ؛ لقولِه تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ

الحديث: 3171 - الجزء: 20 - الصفحة: 382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ} 992. وقولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ 993 الآية.
وروَى أبو سعيدٍ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَث يَوْمَ حُنَينٍ 994 بَعْثًا قِبَلَ أوْطَاسٍ 995، فأصابُوا لهم سَبَايَا، [فكان ناسٌ] 996 مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَحَرَّجُوا مِن غِشْيَانِهِنَّ مِن أجْلِ أزواجهنَّ مِن المشْرِكِينَ، فأنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾.
قال: فهُنَّ لهم حلالٌ إذا انْقَضَتْ عِدَّتُهنَّ.
وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال في سَبَايَا أوْطاسٍ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا [غَيرُ ذَاتِ حَمْلٍ] 997 حتَّى تَحِيضَ حَيضَةً».
رَواهما أبو داودَ 998. وهذا حديثٌ 999 صحيحٌ.
وهم

الجزء: 20 - الصفحة: 383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَبَدَةُ أوْثَانٍ وهذا ظاهرٌ في إباحَتِهِنَّ، ولأنَّ الصحابةَ في عصرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كان أكثرُ سَبَايَاهُم مِن كُفَّارِ العَرَبِ، وهم عَبَدَةُ الأوثانِ، فلم يكُونُوا يَرَوْنَ تَحْرِيمَهُنَّ ذلك، ولا نُقِلَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - تَحْرِيِمُهُنَّ، ولا أمَرَ الصحابةَ باجْتِنَابِهِنَّ، وقد دَفَع أبو بَكْرٍ إلى سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ امرأةً مِن بعضِ السَّبْيِ، نَفَلَه إيَّاها، وأخَذَ عمرُ وابنُه مِن سَبْي هَوازِنَ، وكذلك غيرُهما مِن الصحابةِ، وأُمُّ محمدِ بنِ الحَنَفِيَّةِ مِن سَبْي بَنِي حنيفةَ، وأخَذَ الصَّحابةُ سَبَايَا فارِسَ، وهم مَجُوسٌ، فلم يَبْلُغْنا أنّهم اجْتَنَبُوهُنَّ، وهذا ظاهِرٌ في إباحَتِهِنَّ، لولا اتِّفَاقُ سائِرِ أهلِ العلمِ على خِلافِه.
وقد أجَبْتُ عن حديث أبي سعيدٍ بأجْوبَةٍ، منها، أنَّه يَحْتَمِلُ أنَّهُنَّ أسْلَمْنَ، كذلك رُوِيَ عن أحمدَ، حينَ سَألَه محمدُ بنُ الحَكَمِ، قال: قلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: فهَوازِنُ 1000: أليسَ كانوا عَبَدَةَ أوثانٍ؟ قال: لا أدْرِي، كانوا أسْلَمُوا 1001 أو لا.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: إباحَةُ وَطْئِهِنَّ مَنْسُوخَةٌ بقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ 1002.

الجزء: 20 - الصفحة: 384

فَصْلٌ: وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أمْرُهُ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَقَال الْخِرَقِيّ: إِذَا قَال: أنَا رَجُلٌ.
لَمْ يُمْنَعْ مِنْ نِكَاحِ النِّسَاء، وَلَمْ يَكُنْ لَهْ أَنْ يَنْكِحَ بِغَيرِ ذَلِكَ بَعْدُ، وَإنْ قَال: أنَا امْرأةٌ.
لَمْ يَنْكِحْ إلّا رَجُلًا.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ولا يَحِلُّ نِكاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ حتى يَتَبَيَّنَ أمرُه.
نَصَّ عليه) في رِوايةِ المَيمُونِيِّ.
وذَكَرَه أبو إسحاقَ مذهبًا للشافعيِّ؛ وذلك لأنَّه لم يَتَحَقَّقْ وُجُودُ ما يُبِيحُ له النِّكاحَ، فلم يُبَحْ له، كما لو اشْتَبَهَتْ عليه أُخْتُه بنِسْوَةٍ، ولأنَّه قد اشْتَبَهَ المُباحُ بالمحظورِ في حَقِّه، فحَرُمَ؛ لِما ذَكَرْنا (وقال الخِرَقِي: إذَا قال: أنا رجلٌ.
لم يُمْنَعْ مِن نِكاحِ النِّساءِ، ولم يَكُنْ له أن يَنْكِحَ بغيرِ ذلك بعدُ، وإن قال: أنا امرأةٌ.
لم يَنْكِحْ إلَّا رجلًا) وذلك لأنَّه لا يَخْلُو مِن أن يكُونَ رَجلًا أو امرأةً، قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ 1003. وقال تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ 1004. فليس ثَمَّ خَلْقٌ ثالثٌ.

الجزء: 20 - الصفحة: 385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإذا كان مُشْكِلًا لم يَظْهَرْ فيه علاماتُ الرجالِ ولا النِّساءِ، فقد اخْتَلَف فيه أصحابُنا، واختارَ الخِرَقِيُّ، أنَّه يُرْجَعُ إلى قولِه، فإن 1005 ذَكَر أنَّه رجلٌ، وأنَّه يَمِيلُ طَبْعُه إلى نِكاحِ النِّساءِ، فله نِكاحُهُنَّ، وإن ذَكَر أنَّه امرأةٌ، يَمِيلُ طبْعُه إلى الرجالِ، زُوِّجَ رجلًا؛ لأنَّه مَعْنًى لا يُتَوَصَّلُ إليه إلَّا مِن جِهَتِه، وليس فيه إيجابُ حَقٍّ على 1006 غيرِهِ، فقُبِلَ قولُه فيه، كما يُقْبَلُ قولُ المرأةِ في حَيضِها وعِدّتِها، وقد يَعْرِفُ نفْسَه بِمَيلِ طبعِه إلى أحدِ الصِّنْفَين، وشَهْوَتِه له، فإنَّ اللهَ تعالى أجْرَى العادَةَ في الحيواناتِ بِمَيل الذَّكَرِ إلى الأنْثَى، ومَيلها إليه، وهذا المَيلُ أمرٌ في النَّفْسِ والشَّهْوَةِ، لا يَطَّلِعُ عليه غيرُه، وقد تَعَذَّرَتْ علينا مَعْرِفَةُ عَلاماتِه الظاهرةِ، فيُرْجَعُ فيه إلى الأمورِ الباطِنَةِ فيما يَخْتَصُّ هو بحُكْمِه.
وأمّا الميراثُ والدِّيَةُ، فإن أقَرَّ على نَفْسِه بما يُقَلِّلُ 1007 مِيراثَه أو دِيَتَه، قُبِلَ منه، وإنِ ادَّعَى ما يَزِيدُ ذلك،

الجزء: 20 - الصفحة: 386

فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرأةً ثُمَّ قَال: أنَا امْرَأَةٌ.
انْفَسَخَ نِكَاحُهُ،  لم يُقْبَلْ، لأنَّه مُتَّهَم فيه فلا يُقْبَلُ قولُه على غيرِه.
وما كان مِن عِباداتِه وسُتْرَتِه وغيرِ ذلك، فيَنْبَغِي أن يُقْبَلَ قولُه فيه، لأنَّه حُكْمٌ بَينَه وبينَ اللهِ تعالى.
قال القاضي: ويُقْبَلُ قولُه في الإِمامَةِ، وولايةِ النِّكاحِ، وما لا يُثْبِتُ حقًّا (1) [على غيرِه.
وإذا زُوِّجَ امرأةً أو (2) رجلًا، ثم عاد فقال خلافَ قولِه الأَوَّلِ، لم يُقْبَلْ قولُه في التَّزْويجِ] (3) بغيرِ الجِنْسِ الذي زُوِّجَه أوَّلًا، لأنَّه مُكَذِّبٌ لنَفْسِه، ومدَّعٍ ما يُوجِبُ الجَمْعَ بينَ تَزْويجِ الرجالِ والنساءِ.

3172 -

مسألة: (فإن تَزَوَّجَ امرأةً ثم قال: أنا امرأةٌ. انْفَسَخَ نِكاحُه)

لإِقْرارِه ببُطلانِه، ولَزِمَه نصْفُ المَهْرِ إن كان قبلَ الدُّخُولِ، وجَميعُه إن كان بعدَه، ولا يَحِلُّ له بعدَ ذلك أن يَنْكِحَ، لأنَّه أقَرَّ بقولِه: أنا رجلٌ.
بتَحرِيمِ الرجالِ، وأقرَّ بقوله: أنا امرأةٌ.
بتحرِيمِ النِّساءِ.100810091010

الحديث: 3172 - الجزء: 20 - الصفحة: 387

وَلَوْ زُوِّجَ بِرَجُلٍ ثُمَّ قَال: أَنَا رَجُلٌ.
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ.

3173 - مسألة: (وإن تَزَوَّجَ رجلًا ثم قال: أنا رجلٌ. لم يُقْبَلْ قولُه في فَسْخِ نِكاحِه)

لأنَّه حَقٌّ 1011 عليه.
فإذا زَال نِكاحُه فلا مَهْرَ له لأنَّه يُقِرُّ أنَّه لا يَسْتَحِقُّه، وسَواءٌ دُخِلَ به 1012 أو لم يُدْخَلْ.
ويَحْرُمُ عليه 1013 النِّكاحُ بعدَ ذلك؟ لِما ذَكَرْنا.
واللهُ أعلمُ.

الحديث: 3173 - الجزء: 20 - الصفحة: 388

بَابُ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ

باب الشُّرُوطِ في النِّكاحِ

الجزء: 20 - الصفحة: 389

وَهِيَ قِسْمَانِ، صَحِيحٌ، مِثْلَ اشْتِرَاطِ زِيَادَةٍ فِي الْمَهْرِ أو نَقْدٍ مُعَيَّن، أوْ أَن لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا، أو لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيهَا، أوْ لَا يَتَسَرَّى، فَهَذَا صَحِيحٌ لَازِمٌ، إِنْ وَفَّى بِهِ، وَإلَّا فَلَهَا  (وهي قِسْمان؛ صحيحٌ) وفاسدٌ، فالصحيحُ نوعان؛ أحدُهما، يَقْتَضِيه العَقْدُ، كتَسْلِيمِ المرأةِ إليه وتَمْكِينه (1) مِن الاسْتِمْتاعِ بها، فهذا لا يُؤثِّرُ في العَقْدِ، وُجُودُه كعدَمِه.
الثاني، شَرْطُ ما تَنْتَفِعُ به المرأةُ، كزيادَةٍ على مَهْرِها (أو نَقْدٍ مُعَيَّن) فهو صحيحٌ يَجبُ الوَفاءُ به، كالثَّمَنِ في البَيعِ (2).

3174 -

مسألة: (فإن شَرَط أن لا يُخْرِجَها مِن دارِها أو بَلَدِها، أو لا يَتَزَوَّجَ عليها، أو لا يَتَسَرَّى، فهو صحيحٌ لازِمٌ إن وَفَّى به، وإلَّا

10141015 الحديث: 3174 - الجزء: 20 - الصفحة: 390

الْفَسْخُ.
فلها الفَسْخُ) يُرْوَى ذلك عن عمرَ بنِ الخطابِ، وسعدِ بنِ أبي وَقّاص، ومعاويةَ، وعمرِو بنِ العاصِ، رَضِيَ الله عنهم.
وبه قال شُرَيحٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيز، وجابرُ بنُ زيدٍ، وطاوُسٌ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ.
وأبطَلَ هذه الشُّرُوطَ الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، وهشامُ بنُ عُرْوَةَ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والثَّوْريُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأي.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: يَفْسُدُ المَهْرُ، ولها مَهْرُ المِثْلِ.
واحْتَجُّوا بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّ شَرْطٍ لَيسَ في كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ» 1016. وهذا ليس في كتابِ اللهِ؛ لأن الشَّرْعَ لا يَقْتَضِيه.
وبقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إلَّا شَرْطًا أحَلَّ حَرَامًا، أو حَرَّمَ حَلَالًا» 1017. وهذا يُحَرِّمُ الحَلال، وهو التزويجُ والتَّسَرِّي والسَّفَرُ،

الجزء: 20 - الصفحة: 391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّ هذا شَرْطٌ ليس مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ ولا مُقْتَضاه، ولم يُبْنَ على التَّغْلِيبِ والسِّرَايةِ، فكان فاسِدًا، كما لو شَرَطَتْ أن لا تُسَلِّمَ نَفْسَها.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ أحَقَّ ما وَفَّيتُمْ بِهِ مِنَ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ».
رَواه سعيدٌ 1018. وفي لَفْظٍ: «إنَّ أحَقَّ الشُّرُوطِ أنْ تُوفُوا بِهَا، مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ».
مُتَّفَقٌ عليه 1019. وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ».
ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينَا مِن الصحابةِ، ولا يُعْرَفُ لهمِ مُخالفٌ في عَصْرِهم، فكان إجماعًا.
وروَى الأثرَمُ بإسْنادِه، أنَّ رجلًا تزَوَّجَ امرأةً، وشَرَط لها دارَها، ثم أراد نَقْلَها، فخاصَمُوه إلى عمرَ، فقال: لها شَرْطُها.
فقال الرجل: إذًا يُطَلِّقْنَنا.
فقال عمرُ: مَقَاطِعُ الحُقُوقِ عندَ الشُّرُوطِ 1020. ولأنَّه شَرْطٌ لها 1021 فيه مَنْفَعَةٌ ومَقْصُودٌ لا يَمْنَعُ

الجزء: 20 - الصفحة: 392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَقْصُودَ مِن النِّكاحِ، فكان لازِمًا، كما لو اشْتَرَطَتْ زِيادَةً في المَهْرِ أو غيرَ نَقْدِ البَلَدِ.
وأمّا قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّ شَرْطٍ لَيسَ فِي كِتَابِ اللهِ فهُوَ بَاطِلٌ».
أي ليس في حُكْمِ اللهِ وشَرْعِه، وهذا مَشْرُوعٌ، قد ذَكَرنا ما دَلَّ على مَشْرُوعِيَّته، وعلى مَن نَفَى ذلك الدليلُ.
وقولُهم: إنَّ هذا يُحَرِّمُ الحَلال.
قُلْنا: لا يُحَرمُ حلالًا، وإنَّما يُثْبِتُ للمَرْأةِ خِيارَ الفَسْخِ إن لم يَفِ لها به.
وقولُهم: ليس مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ.
مَمْنُوعٌ، فإنَّه مِن مَصْلَحَةِ المَرْأةِ، وما كان مِن مصلحةِ العاقِدِ كان مِن مصلحةِ عَقْدِه، كاشْتِرَاطِ

الجزء: 20 - الصفحة: 393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرَّهْنِ والضَّمِينِ [في البَيعِ] 1022، ثم يَبْطُلُ بالزِّيادَةِ على مَهْرِ المِثْلِ.
وإذا ثَبَت أنَّه شَرْطٌ لازِمٌ فلم يَفِ به، فلها الفَسْخُ، ولهذا قال عمرُ للذي قَضَى عليه بلُزُومِ الشَّرْطِ -حينَ قال: إذًا يُطَلِّقْنَنا-: مَقاطِعُ الحُقُوقِ عندَ الشُّرُوطِ.
ولم يَلْتَفِتْ إلى قولِه.
ولأنَّه شَرْطٌ لازِم في عَقْدٍ، فيَثْبُتُ حَقُّ الفَسْخِ بتَرْكِ 1023 الوَفاءِ به، كالرَّهْنِ في البَيعِ.

الجزء: 20 - الصفحة: 394

وَإنْ شَرَطَ لَهَا طَلَاقَ ضَرَّتِهَا، فَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ صَحِيحٌ.
وَيَحْتَمِلُ أنَّهُ بَاطِلٌ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِيء مَا فِي صَحْفَتِهَا وَلْتَنْكِحْ، فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا».

3175 - مسألة: (وإن شَرَط لَها طَلاقَ ضَرَّتِها، فقال أبو الخطابِ: هو صَحِيحٌ)

لأنَّه شَرْطٌ لا يُنافِي العَقْدَ، ولها فيه فائِدَةٌ، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَتْ عليه أن لا يَتَزَوَّجَ عليها.
قال شيخُنا 1024: ولم أرَ هذا لغيرِه (ويَحْتَمِلُ أنَّه باطِلٌ) وهو الصَّحِيح، لِما روَى أبو هريرةَ، قال: نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن تَشْتَرطَ المرأةُ طَلاقَ أُخْتِها.
وفي لَفْظٍ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: («لَا تَسْأل المَرْأة طَلَاقَ أُخْتِها لِتَكْتَفِيء مَا في صَحْفَتِها 1025، وَلْتَنْكِحْ،

الحديث: 3175 - الجزء: 20 - الصفحة: 395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَها»).
رَواهما البخاريُّ 1026. والنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسادَ المَنْهِيِّ عنه.
ولأنَّها شَرَطَت عليه فَسْخَ عَقْدِه، وإبْطال حَقِّه وحَقِّ امْرَأتِه، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَتْ عليه 1027 فسْخَ بَيعِه.
وعلى قِياسِ هذا ما لو شَرَطَتْ عليه [بَيعَ أمَتِه] 1028.

الجزء: 20 - الصفحة: 396

فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّانِي، فَاسِدٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ أحَدُهَا، مَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أشْيَاءَ؛ أحَدُهَا، نِكَاحُ الشِّغَارِ، وَهُوَ أنْ يُزَوِّجَهَ وَلِيَّتَه عَلَى أنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ وَلِيَّته وَلَا مَهْرَ بَينَهُمَا،

3176 - مسألة؛ قال، رَحِمَه الله: (القِسْمُ الثاني، فاسِدٌ، وهو ثلاثةُ أنواعٍ؛ أحَدُها، ما يُبْطِلُ النِّكاحَ، وهو ثلاثةُ أشياءَ؛ أحدُها، نِكاحُ الشِّغَارِ، وهو أن يُزَوِّجَه وَلِيَّته على أن يُزَوِّجَه الآخَرُ وَلِيَّتَه ولا مَهْرَ

الحديث: 3176 - الجزء: 20 - الصفحة: 398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بينَهما) قِيلَ: إنَّما سُمِّيَ هذا النِّكاحُ شِغارًا لقُبْحِه، تَشْبِيهًا برَفْعِ الكَلْبِ رِجْلَه ليَبُولَ، في القُبْحِ 1029. يُقالُ: شَغَر الكَلْبُ.
إذا رَفَع رِجْلَه ليَبُولَ.
وحُكِيَ عنِ الأصْمَعِيِّ أنَّه قال: الشغارُ الرَّفْعُ.
فكأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما رَفَع رِجْلَه للآخرِ 1030 عمَّا يُرِيدُ.
ولا تَخْتَلِفُ الرِّوايةُ عن أحمدَ في أنَّ نِكَاحَ الشِّغارِ فاسدٌ.
رَواه عنه جماعة.
قال أحمدُ: ورُوِيَ عن عمرَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّهما فَرَّقَا فيه.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ.
وحُكِيَ عن عطاءٍ، وعمرِو بنِ دينارٍ، ومكحولٍ، والزُّهْرِيِّ، والثَّوْرِيِّ، أنَّه يَصِحُّ، وتَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ الفَسادَ مِن قِبَلِ المَهْرِ لا يُوجِبُ فَسادَ العَقْدِ، كما لو تَزَوَّجَ على خَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ، [وهذا] 1031 كذلك.
ولَنا، ما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن الشِّغارِ.
متَّفَقٌ عليه 1032. وروَى أبو هريرةَ مثلَه.
أخْرَجَه مسلمٌ 1033.

الجزء: 20 - الصفحة: 399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وروَى الأثْرَمُ بإسنادِه عن عِمْرانَ بنِ حُصَين، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا جَلَبَ 1034، ولا جَنَبَ 1035، وَلَا شِغَارَ فِي الإِسْلَامِ» 1036. ولأنَّه جَعَل كُلَّ واحدٍ مِن العَقْدَين سَلَفًا في الآخَرِ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بِعْنِي ثَوْبَك على أن أبِيعَكَ ثَوْبِي.
قولُهم: إنَّ فَسادَه مِن قِبَلِ التَّسْمِيَة.
قُلْنا: بل فَسادُه مِن جِهَةِ أنَّه وَقَفه على شَرْطٍ فاسدٍ.
ولأنَّه شَرَط تَمْلِيكَ البُضْعِ لغيرِ الزَّوْجِ، فإنَّه جَعَل تَزْويجَه إيَّإها مَهْرًا للأخْرَى، فكأنَّه مَلَّكَه إيّاه بشَرْطِ انْتِزاعِه منه.
إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ أن يقولَ: على أنَّ صَداقَ كُلِّ واحدةٍ منهما بُضْعُ الأخْرَى.
أو 1037 لم يَقُلْ ذلك.
وقال الشافعيُّ: هو أن يقولَ ذلك ولا يُسَمِّيَ لكلِّ واحدةٍ صَداقُا؛ لِما روَى ابنُ عمرَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن الشِّغارِ.
والشِّغارُ أن يقولَ الرجُلُ للرجلِ: زَوَّجْتكَ ابْنَتِي = كما أخرجه النسائي، في: باب تفسير الشغار، من كتاب النكاح.
المجتبى 6/ 92. وابن ماجه، في: باب النهي عن الشغار، من كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 606. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 286، 439، 496.

الجزء: 20 - الصفحة: 400

فَإِنْ سَمَّوْا مَهْرًا، صَحَّ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَقَال الْخِرَقِيّ: لَا يَصِحُّ.
على أن تُزَوِّجَنِي ابْنَتَك.
ويكونُ بُضْعُ كُلِّ واحدةٍ منهما [مَهْرَ الأخْرَى] 1038. ولَنا، ما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن الشِّغارِ.
والشِّغارُ أن يُزَوِّجَ الرجلُ ابْنَتَه على أن يُزَوِّجَه الآخَرُ ابْنَتَه، وليس بينَهما صَداقٌ.
هذا لفْظُ الحديثِ الصَّحِيحِ المُتَّفَقِ عليه.
وفي حديثِ أبي هريرةَ: [والشِّغارُ] 1039 أن يقولَ الرجلُ للرجلِ: زَوجْنِي ابْنَتَكَ وأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي، وزَوجْنِي أُخْتَك وأزَوِّجكَ أُخْتِي.
رَواه مسلمٌ.
وهذا يَجِبُ تَقْدِيمُه لصِحَّتِه، وعلى أنَّه قد أمْكَنَ الجمعُ بينهما بأن يُعْمَلَ بالجميعِ.
ويَفْسُدُ النِّكاحُ بأيِّ ذلك كان.
ولأنَّه إذا شَرَط في نِكاحِ إحدَاهما تَزْويِجَ الأخْرَى، فقد جَعَل بُضْعَ كل واحدةٍ منهما صَداقَ الأخْرَى، ففسَدَ، كما لو لَفَظ به 1040. فصل: فإن سَمَّيَا مع ذلك مَهْرًا، فقال: زَوَّجْتُك ابْنتي على أن

الجزء: 20 - الصفحة: 401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تُزَوِّجَنِي ابنتَك، ومَهْرُ كلِّ واحدةٍ منهما مِائَةٌ -أو- مَهْرُ ابْنَتِي مِائَةٌ، ومَهْرُ ابْنَتِك خَمْسونَ.
أو أقلُّ أو أكثرُ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ صِحَّتُه.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لِما تَقَدَّمَ مِن حديثِ ابنِ عمرَ، ولأنَّه 1041 قد سَمَّى صَداقًا، فصَحَّ، كما لو لم يَشرُطْ ذلك (وقال الخِرَقِيُّ: لا يَصِحُّ) لحديثِ أبي هُرَيرَةَ، ولما روَى أبو داودَ 1042 عن الأعْرَجِ، أنَّ العباسَ بنَ عبدِ اللهِ بن العباسِ، أنْكَحَ عبدَ الرحمنِ بنَ الحَكَمِ ابْنَتَه، وأنكَحَه عبدُ الرحمنِ ابْنَتَه، وكانا جَعَلَا صَداقًا، فكَتَبَ مُعاويَةُ إلى مَرْوَانَ، فأمرَه أن يُفَرِّقَ بينَهما، وقال في كِتابِهِ: هذا الشِّغَارُ الذي نَهَى عنه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. ولأنَّه شَرَط نِكاحَ إحدَاهما لنِكاحِ 1043 الأخْرَى، فلم يَصِحَّ، كما

الجزء: 20 - الصفحة: 402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لو لم يُسَمِّيا صَداقًا.
يُحَقِّقُه أنَّ عَدَمَ التَّسْمِيَةِ ليس بمُفْسِدٍ للعَقْدِ، بدَليلِ نِكاحِ المُفَوّضَةِ، فدَلَّ على أنَّ المُفْسِدَ هو الشَّرْطُ، وقد وُجِدَ، ولأنَّه سَلَفٌ 1044 في عَقْدٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بِعْتُكَ ثَوْبِي بعَشَرَةٍ على أن تَبِيعَنِي ثَوْبَكَ بعِشْرِينَ.
وهذا [الاخْتِلافُ فيما] 1045 إذا لم يُصَرِّحْ بالتَّشْرِيكِ، فأما إن قال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي على أن تُزَوِّجَنِي ابْنَتَك 1046، ومَهْرُ كلِّ واحدَةٍ منهما مائَةٌ وبُضْعُ الأخْرَى.
فالنِّكاحُ فاسِدٌ؛ لأنَّه صَرَّحَ بالتَّشْرِيكِ، فلم يَصِحَّ العَقْدُ، كما لو 1047 لم يَذْكُرْ مُسَمًّى.
فصل: ومتى قُلْنا بصِحَّةِ العَقْدِ إذا سَمَّيَا صَداقًا، ففيه وجْهان؛ أحدُهما، تَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ.
وهذا قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما لم يَرْضَ بالمُسَمَّى إلَّا بِشَرْطِ أن يَتَزَوَّجَ وَلِيَّةَ 1048 صاحبِه،

الجزء: 20 - الصفحة: 403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَنَقَص المَهْرُ لهذا الشَّرْط، وهو باطلٌ، فإذا احْتَجْنا إلى ضَمانِ النَّقْصِ، صار المُسَمَّى مَجْهُولًا، فبَطَلَ.
والوَجْهُ الثاني ذَكَرَه القاضي في «الجامعِ»، أنَّه يَجِبُ المُسَمَّى؛ لأنَّه ذَكَر قَدْرًا مَعْلُومًا يَصْلُحُ 1049 أن يكونَ مَهْرًا، فصَحَّ، كما لو قال: زَوَّجْتُك ابْنَتِي 1050 على ألفٍ، على أنَّ لي منها مِائَةً.
فصل: فإن سَمَّى لإِحْداهما مَهْرًا دونَ الأخْرَى، فقال أبو بكرٍ: يَفْسُدُ النِّكاحُ فيهما؛ لأنَّه فَسَد في إحْدَاهما، ففَسَدَ في الأخْرَى.
والأوْلَى أنَّه يَفْسُدُ في التي لم يُسَمِّ لها صَداقًا؛ لأنَّ نِكاحَها خَلَا مِن صَداقٍ سِوَى نِكاحِ الأخْرَى.
ويكونُ في التي سَمَّى لها صَدَاقًا رِوايتان؛ لأنَّ فيه تَسْمِيَةً وشَرْطًا، فأشْبَهَ ما لو سَمَّى لكُلِّ واحدةٍ منهما مهرًا.
ذَكَرَه القاضي هكذا.
فصلِ: فإن قال: زَوَّجْتُك جارِيَتي هذه على أن تُزَوجَنِي ابْنَتَك، [وتكون رَقَبَتُها] 1051 صَداقًا لابنتِك.
لم يَصِحَّ تَزْويجُ الجاريةِ، في قِياسِ المذهبِ؛ لأنَّه لم يَجْعَلْ لها صَداقًا سِوَى تَزْويجِ ابْنَتِه.
وإذا زَوَّجَه ابْنَتَه على أن يَجْعَلَ رَقَبَةَ الجاريةِ صَداقًا لها، صَحَّ؛ لأنَّ الجاريةَ تَصْلُحُ أن تكونَ

الجزء: 20 - الصفحة: 404

وَالثَّانِي، نِكَاحُ الْمُحَلِّل، وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أنَّهُ إِذَا أحَلَّهَا طَلَّقَهَا.
صَدَاقًا.
وإن زَوَّجَ عَبْدَه امْرَأةً، وجَعَلَ رَقَبَتَه صَداقًا لها، لم يَصِحَّ الصَّداقُ؛ لأنَّ مِلْكَ المَرأةِ زَوْجَها يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكاحِ، فيَفْسُدُ الصّداقُ، ويَصِحُّ النِّكاحُ، ويَجِبُ مَهرُ المِثْلِ.
(الثاني، نِكاحُ المُحَلِّلِ، وهو أن يَتَزَوَّجَها على أنَّه إذا أحَلَّها طَلَّقَها) نِكاحُ المُحَلِّلِ باطلٌ حَرامٌ، في قول عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ المباركِ، والشافعيُّ.
وسَواءٌ قال: زَوَّجْتُكَها إلى أن تَطَأها.
أو شَرَط أنَّه إذا أحَلَّها فلا نِكاحَ بينَهما، أو إذا أحَلَّها للأوَّلِ طَلَّقَها.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ أنَّه يَصِحُّ النِّكاحُ، ويَبْطُلُ الشَّرْطُ.
وقال الشافعيُّ في الصُّورَتُين الأولَيَين: لا يَصِحُّ.
وفي الثالثةِ: على قَوْلَين ولَنا، ما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِيُّ 1052، وقال: حديث حَسَنٌ صَحِيحٌ، والعَمَلُ عليه عند

الجزء: 20 - الصفحة: 405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أهلِ العلمِ مِن أصْحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ منهم عمرُ بنُ الخَطَّابِ، وعثمانُ، [وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ] 1053، وهو قولُ الفُقَهاءِ مِن التابِعِينَ.
ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ.
وقال ابنُ مسعودٍ: المُحَلِّلُ والمُحَلَّلُ لَهُ مَلْعُونون، على لسانِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - 1054. وروَى ابنُ ماجَه 1055 عن عُقْبَةَ بنَ عامر، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا أخْبِرُكُمْ بِالتَّيسِ المُسْتَعَار».
قالوا: بَلَى يا رسولَ اللهِ.
قال: «هو المُحَلِّلُ 1056، لَعَنَ الله المُحلِّلَ (4) = كما أخرجه النسائي، في: باب إحلال المطلقة ثلاثا.
. . .، من كتاب الطلاق، وفي: باب الموتشمات.
. . .، من كتاب الزينة.
المجتبى 6/ 121، 8/ 127. والدارمي، في: باب في النهي عن التحليل، من كتاب النكاح.
سنن الدارمي 2/ 158. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 83، 87، 88، 93، 107، 121، 133, 150, 158, 450, 451, 462, 2/ 22.

الجزء: 20 - الصفحة: 406

فَإِنْ نَوَى ذَلِكَ مِنْ غَيرِ شَرْطٍ، لَمْ يَصِحَّ أَيضًا، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: يُكْرَهُ وَيَصِحُّ.
والمُحَلَّلَ لَهُ».
وروى (1) الأثْرَمُ بإسْنادِه، عن قَبِيصَةَ عن جابرٍ، قال سَمِعْتُ عمرَ [وهو] (2) يَخْطُبُ الناسَ وهو يقولُ: واللهِ لا أوتَى بمُحِلٍّ (3) ولا مُحَلَّل لَهُ إلَّا رَجَمْتُهُما (4). ولأنَّه نِكاحٌ إلى مُدَّةٍ، أو فيه شَرْطٌ يَمْنَعُ بَقَاءَه، فأشْبَهَ نِكاحَ المُتْعَةِ.

3177 -

مسألة: (فإن نَوَى ذلك مِن غيرِ شَرْطٍ، لم يَصِحَّ أيضًا، في ظاهِرِ المذهبِ. وقِيلَ: يُكْرَهُ ويَصِحُّ)

إذا تَوَاطَآ عليه قَبْلَ العَقْدِ، ولم يُذْكَر [في العَقْدِ ونَواه] 1061، أو نَوَى التَّحَلُّلَ 1062 مِن غيرِ شَرْطٍ، فالنِّكاحُ باطِل أيضًا.
قال إسماعيلُ بنُ سعيدٍ: سَألْتُ أحمدَ عن الرَّجلِ يَتَزَوَّجُ المرأة، وفي نَفْسِه أن يُحَلِّلَها 1063 لزَوْجِها الأوَّلِ، ولم تَعْلَمِ المرأَةُ بذلك.
قال: هو1057105810591060

الحديث: 3177 - الجزء: 20 - الصفحة: 407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُحَلِّلٌ إذا أرادَ بذلك الإِحْلال، [وهو] 1064 مَلْعُونٌ.
وهذا ظاهرُ قولِ الصّحابةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، فرَوَى نافِعٌ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رجلًا قال له: امرأةٌ تَزَوَّجْتُها أُحِلُّها لزَوْجِها، لم يَأمُرْنِي، ولم يَعْلَمْ.
قال: لا، إلَّا 1065 نِكاح رَغْبةٍ، إن أعْجَبَتْكَ أمْسِكْها، وإن كَرِهْتَها فارِقْها.
قال: وإن كُنَّا نَعُدُّه على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سِفَاحًا.
وقال: لا يَزَالان زَانِيَين وإن مَكَثَا عِشْرِينَ سنةً، إذا عَلِم أنَّه يُرِيدُ أن يُحِلَّها 1066. وهذا قولُ عثمانَ بنِ عفانَ، رَضِيَ الله عنه.
وجاء رجلٌ إلى ابنِ عباس، فقال: إن عَمِّي طَلَّقَ امْرَأتَه ثَلاثًا، أيُحِلُّها له رجلٌ؟ قال: مَن يُخادِعِ اللهَ يَخْدَعْهُ 1067. وهذا قولُ الحَسَنِ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِي، وقَتادَةَ، وبكر المُزَنيِّ، واللَّيثِ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: العَقْدُ صحيحٌ.
وذَكَر القاضي في صِحَّتِه وَجْهًا مثلَ قَوْلِهما، لأنَّه خَلَا عن شَرْطٍ يُفْسِدُه، فأشبَهَ ما لو نَوَى طَلاقَها لغيرِ الإِحْلالِ، أو ما لو نَوَتِ

الجزء: 20 - الصفحة: 408

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المرأةُ ذلك، ولأنَّ العَقْدَ إنَّما يَبْطُلُ بما شُرِطَ لا بما قُصِدَ، بدليلِ ما لو اشْتَرَى عبدًا بشَرْطِ أن يَبِيعَه، لم يَصِحَّ، ولو نَوَى ذلك لم يَبْطُلْ، ولأنَّه قد رُوِيَ عن عمرَ، رَضِيَ الله عنه، ما يَدُلُّ على إجازَته، فرَوَى أبو حَفْص بإسْنادِه عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، قال: قَدِمَ مَكَّةَ رجلٌ ومعه إخْوَة له صِغَارٌ، وعليه إزارٌ، مِن بينِ يَدَيه رُقْعَة، ومِن خَلْفِه رُقْعَة، فسألَ عمرَ، فلم يُعْطِه شيئًا، فبينما هو كذلك إذ نَزَغ الشَّيطانُ بينَ رجل مِن قريش وبينَ امْرَأتِه فطَلَّقَها، فقال لها: هل لكِ أن تُعْطِي ذا الرُّقْعَتَين شيئًا، ويُحِلَّكِ 1068 لي؟ قالت: نعم، إن شِئْتَ.
فأخْبرُوهُ بذلك.
قال: نعم.
فتَزَوَّجَها ودَخَلَ بها.
فلما أصْبَحَتْ أدْخَلَتْ إخْوَتَه 1069 الدّارَ، فجاء القرَشِيّ يَحُومُ حَوْلَ الدّارِ، ويقولُ: يا وَيلَه، غُلِبَ على امرأتِه 1070. فأتَى عمرَ، فقال: يا أمِيرَ المؤمنينَ، غُلِبْتُ على امْرَأتي.
قال: مَن غَلَبَكَ؟ قال: ذو الرُّقْعَتَين.
قال: أرْسِلُوا إليه.
فلما جاءَه الرسولُ، قالت له المرأةُ: كيف مَوْضِعُكَ مِن قَوْمِكَ؟ قال: ليس بمَوْضِعِي 1071 بَأسٌ.
قالتْ 1072: إنَّ أمِيرَ المؤمنينَ يقولُ لك: طَلِّقِ امْرأتَكَ.
فقُلْ 1073: لا، واللهِ

الجزء: 20 - الصفحة: 409

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا أُطَلِّقُها.
فإنَّه لا يُكْرِهُكَ.
فألْبَسَتْه حُلَّةً، فلمَّا رَآه عمرُ من بعيدٍ، قال: الحمدُ للهِ الذي رَزَق ذا الرُّقْعَتَين.
فدَخَلَ عليه، فقال: أتُطَلقُ امْرَأَتَكَ؟ قال: لا، واللهِ لا أُطَلِّقُها.
قال عمرُ: لو طَلَّقْتَها لأوْجَعْتُ رَأْسَكَ بالسَّوْطِ.
ورَواه سعيدٌ 1074، عن هُشَيمٍ، عن يُونسَ بنِ عُبَيدٍ، عن ابنِ سِيرِينَ، نحوًا مِن هذا، وقال: مِن أهلِ المَدِينةِ.
وهذا قد تَقَدَّمَ فيه الشَّرْطُ على العَقْدِ، ولم يَرَ به عمرُ بَأسًا.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ وَالمُحَلَّلَ لَهُ».
وقولُ مَن سَمَّينا مِن الصحابةِ، ولا مُخالِفَ لهم، فيكونُ إجْماعًا، ولأنَّه قَصَد به التَّحْلِيلَ، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَه.
أمَّا حديثُ ذِي الرُّقْعَتَين، فقال أحمدُ: ليس له إسْنَادٌ.
يَعْنِي أنَّ ابنَ سِيرِينَ لم يَذْكُرْ إسْنادَه إلى عمرَ.
وقال أبو عُبَيدٍ: هو مُرْسَلٌ.
فأين هو مِن الذي سَمِعُوه يَخْطُبُ به على المِنْبَرِ: لا أُوتَى بمُحَلِّلٍ ولا مُحَلَّل له إلَّا رَجَمْتُهُما.
ولأنَّه ليس فيه أنَّ ذا الرُّقْعَتَين قَصَد التَّحْلِيلَ، ولا نَواه، وإذا كان كذلك، لم يَتَنَاوَلْ مَحَلَّ النِّزَاعِ.
فصل: فإن شُرِطَ عليه أن يُحِلَّها قبلَ العَقْدِ، فنَوَى بالعَقْدِ غيرَ ما شَرَطُوا عليه، وقَصَد نِكاحَ رَغْبَةٍ، صَحَّ العقدُ؛ لأنَّه خَلَا عن نِيَّةِ التَّحْلِيلِ وشَرْطِه، فصَحَّ، كما لو لم يُذْكَرْ ذلك، وعلى هذا يُحْمَلُ حديث ذي الرُّقْعَتَين.
فإن قَصَدَتِ المرأةُ أو وَلِيُّها التَّحْليلَ دُونَ الزَّوْجِ، لم يُؤثِّرْ ذلك

الجزء: 20 - الصفحة: 410

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في العَقْدِ.
وقال الحسنُ، وإبراهيمُ: إذا هَمَّ أحَدُ الثَّلَاثَةِ، فَسَد النِّكاحُ.
قال أحمدُ: كان الحسنُ وإبراهيمُ والتابعون، يُشَدِّدُونَ [في ذلك] 1075. قال أحمدُ: الحَدِيثُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أتُرِيدِينَ أنْ تَرْجعِي إلَى رِفَاعَةَ؟» 1076. ونِيَّةُ المرأةِ ليس بشيءٍ، إنَّما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ».
ولأنَّ العقدَ إنَّما يَبْطُلُ بنِيَّةِ الزَّوْجِ؛ لأنَّه الذي إليه المُفارَقَةُ والإِمْساكُ، أمَّا المرأةُ فلا تَمْلِكُ رَفْعَ العَقْدِ، فوُجُودُ نِيَّتها وعَدَمُها سَواءٌ، وكذلك الزَّوْجُ الأوَّلُ لا يَمْلِكُ شيئًا مِن العَقْدِ، ولا مِن رَفْعِه، فهو أجْنَبِيٌّ كسائرِ الأجانِبِ.
فإن قِيلَ: فكَيفَ لَعَنَه النبي - صلى الله عليه وسلم - قلنا: إنَّما لَعَنَه إذا رَجَع إليها بذلك التَّحْلِيلِ؛ لأنَّها لم تَحِلَّ له، فكان زانِيًا، فاسْتَحَقَّ اللَّعْنَةَ لذلك.

الجزء: 20 - الصفحة: 411

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإنِ اشْتَرَى عبدًا فزَوَّجَها إيَّاه، ثم وَهَبَها العَبْدَ أو بَعْضَه ليَنْفسِخَ النِّكاحُ بمِلْكِها، لم يَصِحَّ.
قال أحمدُ في روايةِ حَنْبَل: إذا طَلَّقَها ثَلاثًا، وأرادَ أن يُراجِعَها، فاشترَى عبدًا وزَوَّجَها إيَّاه، فهذا الذي نَهَى عنه عمرُ، يُؤدَّبان جَمِيعًا، وهذا فاسدٌ، ليس بكُفْءٍ، وهو شِبْهُ المُحَلِّلِ.
وعَلّلَ أحمدُ فَسادَه بشَيئَين؛ أحَدُهما، أنَّه شِبْهُ المُحَلِّلِ؛ لأنَّه إنَّما زَوَّجَها إيَّاه ليُحِلَّها 1077 له.
والثاني، كَوْنُه ليس بكُفْءٍ لها.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ النِّكاحُ إذا لم يَقْصِدِ العَبْدُ التَّحْلِيلَ؛ لأنَّ المُعْتَبَر في الفَسادِ نِيَّةُ الزَّوْجِ لا نِيَّةُ غيرِه، [ولم يَنْو] 1078.

الجزء: 20 - الصفحة: 412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ونِكاحُ المُحَلِّلِ فاسِدٌ، تَثْبُتُ فيه أحكامُ العُقُودِ الفاسدةِ 1079، ولا يَحْصُلُ به الإِحْصانُ، ولا الإِباحَةُ للزَّوْجِ الأوَّل، كما لا يَثْبُتُ في سائِرِ العُقُودِ الفاسدةِ.
فإن 1080 قيلَ: قد سَمَّاه النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مُحَلَّلًا، [وسَمَّى الزَّوْجَ مُحَلَّلًا له، ولو لم يَحْصُلِ الحِلّ لم يَكُنْ مُحَلَّلًا ولا مُحَلَّلًا له.
قُلْنا: سَمَّاه مُحَلَّلًا] 1081 لأنَّه قَصَد التَّحْلِيلَ في مَوْضِعٍ لا

الجزء: 20 - الصفحة: 413

الثَّالِثُ، نِكَاحُ الْمُتْعَةِ، وَهُوَ أن يَتَزَوَّجَهَا إِلَى مُدَّةٍ،  يَحْصُلُ فيه الحِلُّ، كما قال: «مَا آمَنَ بالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ» 1082. وقال اللهُ تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ 1083. ولو كان مُحَلَّلًا 1084 في الحقيقةِ والآخرُ مُحَلَّلًا له، لم يكونا مَلعُونين.
(الثالثُ، نِكاحُ المُتْعَةِ، وهو أن يَتَزَوَّجَها إلى مُدَّةٍ) مثلَ أن يقولَ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي شَهْرًا -أو- سَنَةً -أو- إلى انْقِضاءِ المَوْسِمِ -أو 1085 - قُدُومِ الحاجِّ.
وشِبْهه، سَواءٌ كانتِ المُدَّةُ مَعْلُومَةً أو مَجْهُولَةً، فهو باطِلٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: نِكاحُ المُتْعَةِ حَرامٌ.
وقال أبو بكْرٍ: فيها رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّها مَكْرُوهَةٌ غيرُ حرام، لأنَّ ابنَ مَنْصُورٍ سَأل أحمدَ عنها، فقال: يَجْتَنِبُها أحَبُّ إليَّ.
قال: فظاهِرُ هذا الكَرَاهةُ دُونَ التَّحْريمِ.
وغيرُ أبي بكرٍ مِن أصْحابِنا يَمْنَعُ هذا، ويقولُ: المسألةُ روايةٌ واحدةٌ في تَحْرِيمِها.
وهذا قولُ عامَّةِ الصحابةِ والفُقَهاءِ.
ومِمَّن رُوِيَ 1086 عنه

الجزء: 20 - الصفحة: 414

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَحْرِيمُها؛ عمرُ، وعليٌّ، [وابنُ عمرَ] 1087، وابنُ مسعودٍ، وابنُ الزُّبَيرِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 1088: وعلى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ مالكٌ، وأهلُ المدينةِ، وأبو حنيفةَ في أهلِ الكوفةِ، والأوْزاعِيُّ في أهلِ الشامٍ، واللَّيثُ في أهلِ مصْرَ، والشافعي، وسائِرُ أصحابِ الآثارِ.
وقال زُفرُ: يَصِحُّ النِّكاحُ، ويَبْطُلُ الشَّرْطُ.
وحُكِيَ [عن ابنِ عباسٍ، أنَّها جائزةٌ.
وعليه أكثَرُ أصْحابِه؛ عطاء، وطاوسٌ.
وبه قال ابنُ جُرَيجٍ.
وحُكِيَ] 1089 ذلك عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، وجابر.
وإليه ذَهَب الشِّيعَةُ؛ لأنَّه قد ثَبَت أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أذِنَ فيها.
ورُوِيَ أنَّ عمرَ قال: مُتْعَتان كانَتَا على عهدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنا أنهَى عنهما، وأُعاقِبُ عليهما؛ مُتْعَةُ النساءِ، ومُتْعَةُ الحَجِّ 1090. ولأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعَةٍ، فجازَ مُؤقَّتًا، كالإِجارَةِ.
ولَنا، ما روَى الرَّبِيعُ بنُ سَبْرَةَ أنَّه قال: أشْهَدُ على أبي، أنَّه حَدَّث أنَّ رسولَ اللهِ

الجزء: 20 - الصفحة: 415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عنه 1091 في حَجَّةِ الوَداعِ 1092. وفي لَفْظٍ: أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَرَّم مُتْعَةَ النساء.
رَواه أبو داودَ 1093. وفي لفظٍ رَواه ابنُ ماجَه 1094، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «يَا أيُّها النَّاسُ، إنِّي كُنْتُ قد 1095 أذِنْتُ لَكُمْ فِي الاسْتِمْتَاعِ، ألا وإنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَهَا إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
وروَى سَبْرَةُ: أمَرَنَا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالمُتْعَةِ عامَ الفَتْحِ حينَ دخَلْنا مَكَّةَ، فلَم نَخْرُجْ حتى نَهانا عنها.
رَواه مسلم 1096. ورِوَى عليُّ بنُ أبي طالبٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن مُتْعَةِ النِّساءِ يَوْمَ خيبَرَ، وعن لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ.
مُتَّفَقٌ عليه، ورَواه مالكٌ في «المُوَطَّأ»، وأخْرَجَه الأئِمَّةُ، النَّسَائِيُّ

الجزء: 20 - الصفحة: 416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وغيرُه 1097. واخْتَلَفَ أهلُ العلمِ في الجَمْعِ بينَ هذين الخَبَرَين، فقال قومٌ: في حديثِ عليٍّ تَقْدِيمٌ وتَأخِيرٌ، وتقديرُه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ يومَ خيبَرَ، ونهَى عن مُتْعَةِ النِّساءِ، ولم يَذْكُرْ مِيقاتَ النَّهْي عنها، وقد بَيَّنه الرَّبيعُ بنُ سَبْرَةَ في حَدِيثه، أنَّه كان في حَجَّةِ الوَداعِ.
حَكاه الإِمامُ أحمدُ عن قومٍ، وذَكَرَه ابنُ عبدِ البَرِّ 1098. وقال الشافعيُّ: لا أعْلَمُ شيئًا أحَلَّه اللهُ ثم حَرَّمَهُ، ثم أحَلَّه [ثم حَرَّمَه] 1099، إلَّا المُتْعَةَ.
فحَمَلَ الأمْرَ على ظاهِرِه، وأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حَرَّمَها يَوْمَ خيبرَ، ثُم أحَلَّها في حَجَّةِ الوَداعِ ثَلاثَةَ أيامٍ، ثم حَرَّمَها.
ولأنَّه لا 1100 يَتَعَلَّقُ بها أحكامُ النِّكاحِ؛ مِن

الجزء: 20 - الصفحة: 417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الطَّلاقِ، والظِّهارِ، واللِّعانِ، والتَّوَارُثِ، فكان باطِلًا، كسائرِ الأنْكِحَةِ الباطلةِ.
وأمَّا قولُ ابنِ عباسٍ، فقد حُكِيَ عنه الرُّجُوعُ عنه 1101، فرَوَى أبو بكرٍ، بإسنادِه عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ لقد [أكْثَرَ النَّاسُ] 1102 في المُتْعَةِ، حتى قال فيها الشاعرُ 1103: أقولُ وقد طال الثَّواءُ بِنَا مَعًا … يا صَاحِ هَلْ لكَ في فُتْيَا ابنِ عباسِ هَل لَكَ في رَخْصَةِ الأطْرَافِ آنِسَةٍ … تكونُ مَثْواكَ حتى مَصْدَرِ الناسِ 1104 فقام خَطِيبًا، فقال: إنَّ المُتْعَةَ كالمَيتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ 1105. وعن محمدِ بنِ كعبٍ، عنِ ابنِ عباسٍ، قال: إنَّماكانتِ المُتْعَةُ في أوَّلِ الإِسْلامِ، كان الرجلُ يَقْدَمُ البَلْدَةَ ليس فيها مَعْرِفَةٌ، فيَتَزَوَّجُ المرأةَ بقَدْرِ ما يَرَى 1106 أنَّه يُقِيمُ، فتَحْفَظُ له مَتاعَه، وتُصْلِحُ له شَيئَه 1107، حتى نَزَلَتْ

الجزء: 20 - الصفحة: 418

وَنِكَاحٌ شَرَطَ فِيهِ طَلَاقَهَا فِي وَقْتٍ  هذه الآيَةُ: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ (1). قال ابنُ عباسٍ: فكلُّ فرْجٍ سِوَاهُما حَرامٌ.
رَواه التِّرْمِذِيُّ.
فأمَّا إذْنُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فيها، فقد ثَبَت نَسْخُه، وأمَّا حديثُ عمرَ -إن صَحَّ عنه- فالظاهرُ أنَّه إنَّما قَصَد الإِخْبارَ عن تَحْرِيمِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لها ونَهْيِه عنها، إذْ لا يَجُوزُ أن يَنْهَى عمَّا كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أباحَه وبَقِيَ على إباحَتِه.
فصل: فإن تَزَوَّجَها بغيرِ (2) شَرْطٍ، إلَّا أنَّ في نِيَّته طَلاقَها بعدَ شَهْرٍ، أو إذا انْقَضَتْ حاجَتُه، فالنِّكاحُ صَحِيحٌ، في قول عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا الأوْزاعِيَّ، قال: هو نِكاحُ مُتْعَةٍ.
والصَّحِيحُ أنَّه لا بَأسَ به، ولا تَضُرُّ نيَّته، وليس على الرجل أن يَنْوِيَ حَبْسَ امْرَأَتِه (3) إن وَافَقَتْه، وإلَّا طَلَّقَها.

3178 -

مسألة: وكذلك إن شَرَط أن يُطَلِّقَها في وَقْتٍ بعَينِه، فلا يَصِحُّ النِّكاحُ، سَواءٌ كان معلومًا أو مجهولًا،

مثلَ أن يُشتَرَطَ عليه طَلاقَها110811091110

الحديث: 3178 - الجزء: 20 - الصفحة: 419

أَوْ عَلَّقَ ابْتِدَاءَهُ عَلَى شَرْطٍ، كَقَوْلِهِ: زَوَّجْتُكَ إِذَا جَاءَ رَأسُ الشَّهْرِ.
أَوْ: إِنْ رَضِيَتْ أُمُّهَا.
فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ.
إن قَدِمَ أبوها أو أخُوها.
ويَتَخَرَّجُ أن يَصِحَّ النِّكاحُ ويَبْطُلَ الشَّرْطُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأظْهَرُ قَوْلَي الشافعيِّ.
قاله في عامَّةِ كُتُبِه، لأنَّ النِّكاحَ وَقَع مُطْلَقًا، وإنَّما شَرَط على نفْسِه شَرْطًا، وذلك لا يُوثِّرُ فيه، كما لو شَرَط أن لا يَتَزَوَّجَ عليها ولا يُسَافِرَ بها.
ولَنا، أنَّ هذا شَرْطٌ مانِعٌ مِن بَقاءِ النِّكاحِ، فأشْبَهَ نِكاحَ المُتْعَةِ، ولأنَّه شَرَط انْتِفاءَ النِّكاحِ في وَقْتٍ بعينِه، أشْبَهَ نِكاحَ المُتْعَةِ، ويُفارِقُ ما قاسُوا عليه، فإنَّه لم يَشْتَرِطْ قَطْعَ النِّكاحِ.

3179 -

مسألة: (وإن عَلَّقَ ابْتِدَاءَه على شَرْطٍ، كقَوْلِه: زَوَّجْتُكَ إذا جاء رَأسُ الشَّهْرِ. أو: إن رَضِيَتْ أُمُّها. فهذا كلُّه باطِلٌ مِن أصْلِه)

لأنَّه عَقْدُ مُعاوضَةٍ، فلم يَصِحَّ تَعْلِيقُه على شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، كالبَيعِ، ولأنَّه وَقَف النِّكاحَ علي شَرْطٍ، ولا يَجُوزُ وَقْفُه على شرطٍ.
وهو قولُ الشافعيِّ.

الحديث: 3179 - الجزء: 20 - الصفحة: 420

النَّوْعُ الثَّانِي، أنْ يَشْتَرِطَ أنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا وَلَا نَفَقَةَ، أوْ يَقْسِمَ لَهَا أَكْثَرَ مِن امْرأتهِ الأُخْرَى أَوْ أقَلَّ، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ.
وعن مالكٍ نحوُه.
وذَكَر أبوالخطاب فيما إذا شَرَط إن رَضِيَتْ أُمُّها، رِوايَةً أنّ النكاحَ صحيحٌ؛ لأنَّه يَصِحُّ مع 1111 الجَهْلِ بالعِوَضِ، فلم يَبْطُلْ بالشَّرْطِ الفاسِدِ، كالعِتْقِ، ويَبْطُلُ الشرْطُ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما ذَكَرْنا.
(النوعُ الثاني، أن يَشْرُطَ أنَّه لا مَهرَ لها ولا نَفَقَةَ، أو يَقْسِمَ لها أكثرَ مِن امرأتِه الأُخْرَى أو أقَلَّ، فالشَّرْطُ باطِلٌ، ويَصِحُّ النِّكاحُ) وكذلك إن شَرَط

الجزء: 20 - الصفحة: 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّه إن أصْدَقَها رَجَعَ عليها، أو تَشْرُطُ عليه أن لا يَطَأها، أو يَعْزِلَ عنها، أو لا يكونَ عندَها في الجُمُعَةِ إلَّا ليلةً، أو شَرَط لها النّهارَ دونَ الليلِ، أو شَرَط على المرأةِ أن تُنْفِقَ عليه، أو تُعْطِيَه شيئًا، فهذه الشُّرُوطُ كلُّها باطِلة في نَفْسِها، لأنَّها تُنافِي مُقْتَضَاه، وتَتَضَمَّنُ إسْقاطَ حُقُوقٍ تَجِبُ بالعَقْدِ قبلِ انْعِقادِه، فلم يَصِحَّ، كما لو أسْقَطَ الشَّفِيعُ شُفْعَتَه قبلَ البَيعِ.
فأمَّا العقدُ في نفْسِه فهو صَحِيحٌ؛ لأنَّ هذه الشروطَ تَعُودُ إلى مَعْنًى زائدٍ في العَقْدِ، لا يُشتَرَطُ ذِكْرُه، ولا يَضُرُّ الجَهْلُ به، فلم يُبْطِلْه، كما لو شَرَط في العَقْدِ صَدَاقًا مُحَرَّمًا.
ولأنَّ النِّكاحَ يَصِحُّ مع الجَهْلِ بالعِوَضِ، فجازَ أن يَنْعَقِدَ مع الشَّرطِ الفاسدِ، كالعَتاقِ.
وقد نَصَّ أحمدُ، في مَن تَزَوَّجَ امرأةً وشَرَط عليها أن يَبِيتَ عندَها في كلِّ جُمُعَةٍ ليلةً، ثم رَجَعَتْ وقالتْ: لا أرْضَى إلَّا ليلةً وليلةً.
فقال: لها أن تَتْرُكَ 1112 بطِيبِ نفْسٍ منها، فإنَّ ذلك جائزٌ.

الجزء: 20 - الصفحة: 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن قالتْ: لا أرْضَى إلَّا بالمُقاسَمَةِ كان ذلك حَقًّا لها، تُطالِبُه به إن شاءتْ.
ونَقَل عنه الأثْرَمُ، في الرجلِ يَتَزَوَّجُ المرأةَ ويَشْرُطُ عليها أن يَأتِيَها في الأَيَّامِ: يَجُوزُ الشَّرْطُ، فإن شاءَتْ رَجَعَت.
وقال في الرجلِ يَتَزَوَّجُ المرأةَ على أن تُنْفِقَ عليه في كلِّ شهرٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، أو عَشَرَةَ دَرَاهِمَ: النِّكاحُ جائزٌ، ولها أن تَرْجِعَ في هذا الشَّرْطِ.
ونُقِلَ عن أحمدَ كلامٌ في بعضِ هذه الشُّروطِ يَحْتَمِلُ إبْطال العَقْدِ، فنَقَلَ عنه المَرُّوذِيُّ في النَّهاريَّاتِ واللَّيليَّاتِ: ليس هذا مِن نِكاحِ أهلِ الإِسْلامِ.
ومِمَّن كَرِهَ تَزْويجَ النَّهارِيَّات؛ حَمَّادُ بنُ أبي سُليمانَ، وابنُ شُبْرُمَةَ.
وقال الثَّوْرِيُّ: الشَّرْطُ باطِل.
وقال أصحابُ الرَّأي: إذا سَأَلتْه أن يَعْدِلَ لها، عَدَل.
وكان الحَسَنُ، وعطاءٌ، لا يَرَيان بنِكاحِ النَّهاريّاتِ بَأسًا.
وكان الحسنُ لا يَرَى بَأسًا أن يَتَزَوَّجَها ويَجْعَلَ لها مِن الشَّهْرِ أيَّامًا مَعْلُومَةً.
قال شيخُنا 1113: ولَعَلَّ كَراهةَ مَنْ كَرِه ذلك، راجِعٌ إلى إبْطالِ الشَّرْطِ، وإجَازَةَ مَن أجازَه، راجعٌ إلى أصْلِ النِّكاحِ، فتكونُ أقوالُهم مُتَّفِقَةً على صِحَّةِ النِّكاحِ وإبْطالِ الشَّرْطِ، كما قُلْنا، واللهُ أعلمُ.
وقال القاضِي: إنَّما كَرِه أحمدُ هذا النِّكاحِ؛ لأنَّه يَقَعُ على وَجْهِ 1114 السِّرِّ، وهو مَنْهِيٌّ عنه.
فإن شُرِطَ عليه ترْكُ

الجزء: 20 - الصفحة: 423

الثَّالِثُ، أَنْ يَشْتَرِطَ الْخِيَارَ، أَوْ إِنْ جَاءَهَا بِالْمَهْرِ فِي وَقْتٍ، وَإلَّا فَلَا نِكَاحَ بَينَهُمَا , فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَفِي صِحَّةِ النِّكَاحِ رِوَايَتَانِ.
الوَطْءِ، احْتَمَلَ أن يَفْسُدَ العَقْدُ؛ لأنَّه شُرِط ما يُنافِي المقصودَ مِن النِّكاحِ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وكذلك إن شُرِطَ عليه أن لا تُسَلَّمَ إليه، فهو بمَنْزِلَةِ مَن اشْتَرَى شيئًا على أن لا يَقْبِضَهُ.
وإن شَرَط عليها أن لا يَطَأها 1115، لم يَفْسُدْ؛ لأنَّ الوَطْءَ حَقُّه عليها.
ويَحْتَمِلُ أن يَفْسُدَ؛ لأنَّ لها فيه حَقًّا، ولذلك تَمْلِكُ مُطالبَته به إذا آلى، والفَسْخَ إذَا تَعَذَّرَ بالجَبِّ والعُنَّةِ.
(الثالثُ، أن يَشْرُطَ الخيارَ، أو إن جاءَها بالمَهْرِ في وَقْتٍ، وإلَّا فلا نِكاحَ بينَهما، فالشَّرْطُ باطِلٌ، وفي صِحَّةِ النِّكاحِ رِوايتان) إحدَاهما، النِّكاحُ صحيحٌ، والشَّرْطُ باطلٌ.
وبه قال أبو ثَوْرٍ، فيما إذا شَرَط الخيارَ.
وحَكاه عن أبي حنيفةَ.
وزَعَم أنَّه لا خِلافَ فيه.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: قال أحمدُ، وإسحاقُ -إذا تَزَوَّجَها على أنَّه إن جاءَها بالمَهْرِ في وَقْتِ كذا، وإلَّا فلا نِكاحَ بينَهما: الشَّرْطُ باطلٌ والعقدُ جائزٌ.
وهو قولُ عطاء،

الجزء: 20 - الصفحة: 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ، والأوْزَاعِي.
ورُوِيَ ذلك عن الزُّهْرِيِّ؛ لأنَّ النِّكاحَ عقدٌ لازمٌ، لا يَدْخُلُه خِيارٌ؛ لما في ذلك مِن المَفْسَدَةِ والضَّرَرِ على الحرائرِ، لكَوْنِها تُرَدُّ بعدَ ابْتِذالِها 1116 بعقدِ النِّكاحِ، والشَّناعَةِ 1117 عليها بأنَّها رُدَّتْ رَغْبَةً عنها لدَناءَتِها، والشَّرْطُ الآخَرُ تعليق للنِّكاحِ على شَرْطٍ، فهو في 1118 معنى الخِيارِ، ويَصِحُّ النِّكاحُ؛ لأنَّ النِّكاحَ يَصِحُّ في المجهُولِ، فلم يَفْسُدْ بالشَّرْطِ الفاسدِ، كالعِتقِ.
وروَى ابنُ منصورٍ عن أحمدَ في هذا، أنَّ الشَّرْطَ والعقدَ جائِزان؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المُسْلِمُونَ عَلى شُرُوطِهِم» 1119 وذَكَر القاضِي في كتابِه «الرِّوايَتَين والوَجْهَين»: أمّا صِحَّةُ العقدِ، فلأنَّ اللَّفْظَ الذي يَقْتَضِي الدَّوامَ قد وُجِدَ، وإنَّما حَصَل الشَّرْطُ في المَهْرِ، فلم يُؤثِّرْ في العقدِ، وأمّا المَهْرُ، فإنها لَمَّا مَلَكَتْ فَسْخَ النِّكاحِ عندَ تَعَذُّر 1120 تَسْلِيمِ المَهْرِ، جاز أن يُشتَرَطَ هذا

الجزء: 20 - الصفحة: 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المعنى في العقدِ، ولا يُؤثِّرَ فيه.
والرِّوايةُ الأخْرَى، يَبْطُلُ العقدُ في هذا كُلِّه؛ لأنَّ النِّكاحَ لا يكونُ إلَّا لازِمًا، وهذا يُوجِبُ جَوازَه، ولأنَّه وَقَفَه على شَرْطٍ، ولا يجوزُ وَقْفُه على شَرْطٍ، كالبَيعِ.
وهذا قولُ الشافعيِّ، ونحوُه عن مالِكٍ وأبي عُبَيدٍ.
فصل: فإن شَرَط الخِيارَ في الصَّداقِ خاصَّةً، لم يَفْسُدِ النِّكاحُ؛ لأنَّ النِّكاحَ يَنْفرِدُ عن ذِكْرِ الصَّداقِ، لا يَفْسُدُ النِّكاحُ بفَسادِهِ، فبأن لا يَفْسُدَ بشرطِ الخِيارِ فيه أوْلَى، بخِلافِ البَيعِ، فإنَّه إذا فَسَد أحدُ العِوَضَين فَسَد الآخَرُ.
إذا ثَبَت هذا، ففي الصَّداقِ ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يَصِحُّ الصَّداقُ ويَبْطُلُ شَرْطُ الخِيارِ، كما يَفْسُدُ الشَّرْطُ في النِّكاحِ ويَصِحُّ النِّكاح.
والثاني، يَصِحُّ، ويَثْبُتُ الخِيارُ فيه؛ لأنَّ عَقْدَ الصَّداقِ عَقْدٌ مُنْفَرِدٌ،

الجزء: 20 - الصفحة: 426

فَصْلٌ: فَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَبَانَتْ كِتَابِيَّةً، فَلَهُ الْخِيَارُ، وَإنْ شَرَطَهَا كِتَابِيَّةً فَبَانَتْ مُسْلِمَةً، فَلَا خِيَارَ لَهُ.
وَقَال أبو بَكْرٍ: لَهُ الْخِيَارُ.
يَجْرِي مَجْرَى الأثْمانِ (1)، ويَثْبُتُ فيه الخيارُ كالبِيَاعاتِ.
والثالثُ، يَبْطُلُ الصَّداقُ؛ لأنَّها لم تَرْضَ به، فلم يَلْزَمْها، كما لو لم تُوافِقْه على شيءٍ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله تَعالى: (فإن تَزَوَّجَهَا على أنَّها مُسْلِمَةٌ فَبَانَتْ كِتابِيَّةً، فله الخِيارُ) لأنَّه نَقْصٌ وضَرَرٌ يَتَعَدَّى إلى الوَلَدِ، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَها حُرَّةً فبانَتْ أمَةً.

3180 -

مسألة: (فإن شَرَطَها كِتابِيَّةً فَبَانَتْ مُسْلِمَةً، فلا خِيارَ له)

لأنَّها زِيادَةٌ (وقال أبو بكرٍ: له الخِيارُ) لأنَّه قد يكونُ له غَرَضٌ في عَدَمِ وُجُوبِ العِباداتِ عليها.
والأوَّلُ أوْلَى.1121

الحديث: 3180 - الجزء: 20 - الصفحة: 427

وَإنْ شَرَطَهَا أَمَةً، فَبَانَتْ حُرَّةً، فَلَا خِيَارَ لَهُ،  فصل: (وإن شَرَطَها أمَةً فبانَتْ حُرَّةً) وكان مِمّن 1122 له نِكاحُ الإِمَاءِ (فلا خِيارَ له) لأنَّ وَلَدَه يَسْلَمُ مِنِ الرِّقِّ، ويَتَمَكَّنُ مِن الاسْتِمْتاعِ بها ليلًا ونَهارًا، وكذا لو شَرَطَها ذاتَ نسَبٍ فبانت أشْرَفَ منه، أو على صِفَةٍ دَنِيَّةٍ 1123 فبانت خيرًا مِن شَرْطِه؛ لأنَّها زِيادَةٌ.

الجزء: 20 - الصفحة: 428

وَإِنْ شَرَطَهَا بِكْرًا، أوْ جَمِيلَةً، أوْ نَسِيبَةً، أو شَرَطَ نَفْيَ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا يَنْفَسِخُ بِهَا النِّكَاحُ، فَبَانَتْ بِخِلَافِهِ، فَهَلْ لَهُ الْخِيَارُ؟ عَلَى وَجْهَينَ.

3181 - مسألة: (وإن شَرَطَها بِكْرًا)

فبانَتْ ثَيِّبًا، فعن أحمدَ كلامٌ يَحْتَمِلُ أمْرَين؛ أحَدُهما، لا خِيارَ له؛ لأنَّ النِّكاحَ لا يُرَدُّ فيه بعَيب سِوَى العُيُوبِ الثمانيةِ، ولا يَثْبُتُ فيه الخِيارُ، فلا يُرَدُّ بمُخالفَةِ الشَّرْطِ.
والثاني، له الخِيارُ؛ [لأنَّه شَرَط صِفَةً مَقْصُودَةً فبانَ خِلافُها، فيَثْبُتُ له الخِيارُ] 1124، كما لو شَرَط الحُرِّيَّةَ.
وكذلك لو شَرَطَها حَسْناءَ فبانت شَوْهاءَ، أو ذَاتَ نَسَبٍ فبانتْ دُونَه، أو بيضاءَ فبانَتْ سوداءَ، أو طَويلةً فبانَتْ قَصِيرةً، خُرِّجَ في ذلك كلِّه وَجْهان.
ونحوُ هذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وكذلك لو (شَرَط نَفْيَ العيوبِ التي لا يَنْفَسِخُ بها النِّكاحُ) كالعَمَى، والخَرَسِ، والصَّمَمِ،

الحديث: 3181 - الجزء: 20 - الصفحة: 429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ونحوه، فبانَ بخِلافِ ذلك ففيه الوَجْهان.
ومِمَّن ألزمَ الزَّوْجَ مَن هذه صِفَتُها؛ الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأي.
حَكاهُ ابنُ المُنْذِرِ.
وروَى الزُّهْرِيُّ أنَّ رجلًا تَزَوَّجَ امرأةً فلم يَجِدْها عَذْراءَ، وكانتِ الحَيضَةُ خَرَقَتْ عُذْرَتَها، فأرْسَلَتْ إليه عائشةُ: إنَّ الحَيضَةَ تَذْهَبُ بالعُذْرَةِ 1125. وعن الحسنِ، والشَّعْبِيِّ، وإبراهيمَ، في الرجلِ إذا لم يَجِدِ امرأتَه عَذْراءَ: ليس عليه شيءٌ للعُذْرَةِ، إنَّ الحَيضَةَ تُذْهِبُ العُذْرَةَ، والوَثْبَةُ، والتَّعَنُّسُ 1126، والحِمْلُ الثقِيلُ 1127. فصل: إذا تَزَوَّجَ امرأةً يَظُنُّها مُسلمةً فبانَتْ كَافِرةً، فله الخِيارُ.
وهذا

الجزء: 20 - الصفحة: 430

وَإنْ تَزَوَّجَ أمَةً يَظُنُّهَا حُرَّةً، فَأصَابَهَا، وَوَلَدَتْ مِنْهُ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَيَفْدِيهِمْ بِمِثْلِهِمْ يَوْمَ ولَادَتِهِمْ، وَيَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، وَيُفَرَّقُ بَينَهُمَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الإمَاءِ، وَإنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، فَلَهُ الْخِيَارُ، فَإِنْ رَضِيَ بِالْمُقَامِ مَعَهَا، فَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ رَقِيقٌ،  قولُ الشَّافعيِّ، كما إذا شَرَطَ ذلك.

3182 -

مسألة: (وإن تَزَوَّجَ أمَةً يَظُنُّها حُرَّةً)

أو على أنَّها حُرَّة (فأصابَها، وَوَلدت منه، فالوَلَدُ حُرٌّ، ويَفْدِيهم بمِثْلِهِم يَوْمَ ولادَتِهم، ويَرْجِعُ بذلك على مَن غَرَّه، ويُفَرَّقُ بينَهما إن لم يَكُنْ مِمّن يجوزُ له نِكاحُ الإماءِ، وإن كان مِمَّن يجوزُ له) نِكاحُ الإِماءِ (فله الخِيارُ، فإن رَضِيَ بالمُقامِ معها، فما وَلَدَتْ بعدَ ذلك فهو رَقِيقٌ) الكلامُ في هذه المسألةِ في فصولٍ.

الحديث: 3182 - الجزء: 20 - الصفحة: 431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحَدُها، أنَّ النِّكاحَ لا يَفْسُدُ بالغُرُورِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وقال الشافعي في أحدِ قَوْلَيه: يَفْسُدُ، لأنَّه عَقَدَ على حُرَّةٍ، ولم تُوجَدْ، فأشْبَهَ ما لو قال: بِعْتُكَ هذا الفَرَسَ.
فإذا هو حمارٌ.
ولَنا، أنَّ المَعْقُودَ عليه في النِّكاحِ الشَّخْصُ دُونَ الصِّفاتِ، فلا يُؤَثِّرُ عَدَمُها في صِحَّتِه، كما لو قال: زَوَّجْتُكَ هذه الحسناءَ.
فإذا هي شَوْهاءُ 1128. وكذا نقولُ في الأصلِ الذي ذَكَرُوه: إنَّ العَقْدَ صَحِيحٌ، لأنَّ المَعْقُودَ عليه العَينُ المُشارُ إليها.
وإن سَلَّمْنا، فالفَرْقُ بينَهما مِن وَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّ ثَمَّ فاتتِ 1129 الذاتُ، فإنَّ ذاتَ الفَرَسِ غيرُ ذاتِ الحمارِ، وهاهُنا اخْتَلَفَا في الصِّفَاتِ.
والثاني، أنَّ البَيعَ يُؤثِّرُ فيه فَواتُ الصِّفاتِ، بدَليلِ أنَّه يُرَدُّ بفَوَاتِ أيِّ شيءٍ كان فيه نَفْعٌ منها، والنِّكاحُ بخِلافِه.

الجزء: 20 - الصفحة: 432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفصل الثاني: أنَّ أوْلادَه منها أحْرارٌ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه اعْتَقَدَ حُرِّيَّتَها، فكان وَلَدُه أحرارًا؛ لاعْتِقادِه 1130 ما يَقْتَضِي حُرِّيَّتَهم، كما لو اشْتَرَى جارِيَةً يَظُنُّها مِلْكًا لبائِعِها، فبانتْ مَغْصُوبَةً بعدَ أن أوْلَدَها.

الجزء: 20 - الصفحة: 433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفصل الثالث: أنَّ على الزَّوْجِ فِداءَ أوْلادِه.
كذلك قَضَى عمرُ، وعليٌّ، وابنُ عباس.
وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعَيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، ليس عليه فِدَاؤُهُم؛ لأنَّ الوَلَدَ يَنْعَقِدُ حُرَّ الأصْلِ، فلم يَضْمَنْه لسَيِّدِ الأمَةِ 1131؛ لأنَّه لم يَمْلِكْه.
وعنه أنَّه يُقالُ له: [افْتَدِ أوْلادَكَ] 1132، وإلَّا فهم يَتْبَعُونَ الأُمَّ.
فظاهِرُ هذا أنَّه خَيَّرَه بينَ فِدَائِهِم وبينَ تَرْكِهِم رَقِيقًا؛ لأنَّهم رَقِيقٌ بحُكْمِ الأصْلِ، فلم يَلْزَمْه فِداؤُهم، كما لو وَطِئَها وهو يَعْلَمُ رِقَّها.
قال الخَلَّالُ:

الجزء: 20 - الصفحة: 434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اتُّفِقَ عن أبي عبدِ اللهِ أنَّه يَفْدِي وَلَدَه، وقال إسحاقُ عنه في موضعٍ: إنَّ الوَلَدَ له، وليس عليه أن يَفْدِيَهُم.
وأحْسَبُه قولًا أوَّلَ لأبي عبدِ اللهِ.
والصَّحيحُ أنَّ عليه فِداءَهم؛ لقَضاءِ الصحابةِ به، ولأنَّه نَماءُ الأمَةِ المَمْلُوكَةِ، فسَبِيلُه أن يكونَ مَمْلوكًا لمالِكِها، وقد فَوَّتَ رِقَّه باعْتِقادِ الحُريَّةِ، فلَزِمَه ضَمانُهم، كما لو فَوَّتَ رِقَّهُم بفِعْلِه.
وفي فِدائِهم ثلاثُ مَسائلَ؛ الأُولَى، في وَقْتِه، وذلك حينَ وَضْعِ الوَلَدِ.
قَضَى بذلك عمرُ، وعليٌّ، وابنُ عباس.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو بكر، والثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي: يَضْمَنُهُم بقِيمَتِهم يومَ الخُصُومَةِ؛ لأنَّه إنَّما يَضْمَنُهم بالمَنْعِ، ولم يمْنَعْهُم إلَّا حال الخُصُومَةِ.
ولَنا، أنَّه مَحْكُومٌ بحُرِّيَّتِه عندَ الوَضْعِ، فوَجَبَ أن يَضْمَنَه حِينَئِذٍ؛ لأنَّه فات رِقُّه مِن حِينِئذٍ، ولأنَّ القِيمَةَ التي تزِيدُ بعدَ الوَضْعِ لم تَكُنْ مَمْلُوكَةً لمالِكِ الأمَةِ، فلم يَضْمَنْها، كما بعدَ الخُصُومةِ.
فإن قِيلَ: فقد كان مَحْكُومًا بحُرِّيَّتِه وهو [حينَ العُلُوقِ] 1133. قُلْنا: إنَّه لم يُمْكِنْ 1134 تَضْمِينُه حينَئذٍ؛ لعَدَمِ قِيمَتِه والاطِّلاعِ عليه، فأوْجَبْنا ضَمانَه في أوَّلِ حالٍ أمْكَنَ تَضْمِينُه، وهو حالُ الوَضْعِ.

الجزء: 20 - الصفحة: 435

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المسألةُ الثانيةُ، في صِفَةِ الفِداءِ، وفيها ثلاثُ رِواياتٍ، إحْداهُنَّ، بقِيمَتِهم.
وهو قولُ أكثرِ الفقهاءِ؟ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أعْتَقَ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ، قُوِّمَ عَلَيهِ نصِيب شَرِيكِهِ» 1135. ولأنَّ الحَيَوانَ مِن المُتَقَوَّماتِ، لا مِن ذَواتِ الأمْثالِ، فيَجِبُ ضَمانُه بقِيمَتِه، كما لو أتْلَفَه.
والثانيةُ، يَضْمَنُهُم بمِثْلِهِم عَبِيدًا، الذَّكَرُ بذَكَرٍ، الأُنْثَى بأْنْثَى؛ لِما روَى سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، قال: أَبقَتْ 1136 جارِيةٌ لرجل مِن العَرَب، وانْتَمَتْ إلى بعضِ العَرَبِ، فتَزَوَّجَها رجلٌ مِن بَنِي عُذْرَةَ، ثم إنَّ سَيِّدَها دَبَّ، فاسْتاقَها واسْتَاقَ وَلَدَها، فاخْتَصَمُوا إلى عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عنه، فقَضَى للعُذْرِيِّ بفِداءِ وَلَدِه بغُرَّةٍ 1137 غُرَّةٍ؛ مَكانَ كلِّ غُلامٍ بغُلامٍ، ومَكانَ كلِّ جارِيةٍ بجارِيةٍ، وكان عمرُ يُقَومُ الغُرَّةَ على أهلِ القُرَى ومَن لم يَجِدْ غُرَّةً سِتِّينَ دِينارًا.
ولأنَّ وَلَدَ المَغْرُورِ حُرٌّ، فلا يُضْمَنُ بِقيمَتِه، كسائرِ الأحْرارِ.
فعلى هذه الرِّوايةِ، يَنْبَغِي أن يُنْظَرَ إلى مِثْلِهِم في الصِّفاتِ

الجزء: 20 - الصفحة: 436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تقريبًا؛ لأنَّ الحَيَوانَ ليس مِن ذَواتِ الأمْثالِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ مِثْلُهُم في القِيمَةِ.
وهو قولُ أبي بكرٍ.
والثالثةُ، هو مُخَيَّرٌ بينَ فِدائِهم بمِثْلِهِم أو قِيمَتِهم.
قال أحمدُ في روايةِ المَيمُونِيِّ: إمَّا القِيمَةُ أو رَأْسٌ برَأْسٍ؛ لأنَّهما جميعًا يُرْوَيان عن عمرَ، ولكن لا أَدْرِى أيُّ الإِسْنادَين أقْوَى.
وهذا اختيارُ أبي بكرٍ.
قال في «المُقْنِعِ»: الفِدْيَةُ غُرَّةٌ بقَدْرِ القِيمةِ، أو القِيمةُ، وأيُّهما أعْطَى أجْزَأَ.
ووَجْهُ ذلك أنَّه تَرَدَّدَ بينَ الجَنِينِ الذي يُضْمَنُ بغُرَّةٍ، وبينَ إلْحاقِه بغيرِه 1138 مِن المَضْموناتِ، فاقْتَضَى التَّخْيِيرَ بينَهما.
والصحيحُ أنَّه يُضْمَنُ بالقِيمَةِ، كسائرِ المَضْمُوناتِ المُتَقَوَّماتِ.
وقولُ عمرَ قد اخْتُلِفَ عنه فيه، قال أحمدُ في روايةِ أبي طالبٍ: وعليه قِيمَتُهُم، مثل قولِ عمرَ.
وإذا تعارَضَتِ الرِّواياتُ عنه، وَجَب الرُّجُوعُ إلى القِياسِ.
المسألة الثالثة 1139: في مَن يُضْمَنُ منهم، وهو 1140 مَن وُلِدَ حَيًّا في وَقْتٍ يعيشُ لمِثْلِه، سَواءٌ عاش أو مات بعدَ ذلك.
وقال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ،

الجزء: 20 - الصفحة: 437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي: لا ضَمانَ على الأبِ لمَن ماتَ منهم قبلَ الخُصُومَةِ.
وهذا يَنْبَنِي على وَقْتِ الضَّمانِ 1141، وقد ذكَرْناه.
فأمَّا السَّقْطُ ومَن وُلِدَ لوَقْتٍ لا يَعِيشُ [في مِثْلِه] 1142، وهو دون سِتَّةِ أشْهُرٍ، فلا ضَمانَ له؛ لأنَّه لا قِيمَةَ له.
فصل في المَهْرِ: ولا يَخْلُو أن يكونَ مِمَّن يَجُوزُ له نِكاحُ الإِماءِ أو لا؛ فإن كان مِمَّن يَجُوزُ له ذلك، وقد نَكَحَها نِكاحًا صحيحًا، فلها المُسَمَّى، فإن كان لم يدْخُلْ بها واختارَ الفَسْخَ، فلا مَهْرَ لها؛ لأنَّ الفَسْخَ لعُذْرٍ مِن جِهَتِها، فهي كالمَعِيبَةِ يُفْسَخُ نِكَاحُها، وإن كان مِمَّن لا يجوزُ له 1143 نِكاحُ الإِمَاءِ، فالعَقْدُ فاسِدٌ مِن أصْلِه، ولا مَهْرَ فيه إن كان قبلَ الدُّخولِ، فإن دَخَل بها، فعليه مَهْرُها.
وهل يَجبُ المُسَمَّى أو مَهْرُ المِثْلِ؟ على روايتَين، يُذْكَران في الواجِبِ في النِّكَاحِ الفاسدِ، إن شاء اللهُ تعالى.
وكذلك إن كان مِمَّن يجوزُ له نِكاحُ الإِمَاءِ، لكن تَزَوَّجَها بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها، أو نحو ذلك ممّا يَفْسُدُ به النِّكاحُ.

الجزء: 20 - الصفحة: 438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفصل الرابع: أنَّه يَرْجِعُ بما غَرِمَه على مَن غَرَّه، مِن المَهْرِ وقِيمةِ الأوْلادِ.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، وروايةٌ عن أحمدَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: كذلك قَضَى عمرُ، وعليٌّ، وابنُ عباسٍ، وبه قال الشافعيُّ في القدِيمِ.
وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، لا يَرْجِعُ بالمَهْرِ.
اخْتارَه أبو بكرٍ، قال 1144: وهو قولُ عليٍّ.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي، والشافعيُّ في الجديدِ؛ لأنَّه وَجَب عليه في مُقابَلةِ نَفْعٍ وَصَل إليه، وهو الوطءُ، فلم يَرْجِعْ به، كما لو اشْتَرَى مَغْصُوبًا فأكَلَه، بخِلافِ قِيمةِ الوَلَدِ، فإنَّه لم يَحْصُلْ في مُقَابَلتِه عِوَضٌ؛ لأنَّها وَجَبَتْ بحُرِّيَّةِ الوَلَدِ، وحُرِّيَّةُ الولدِ له لا لأبيه.
وقال القاضي: الأظْهَرُ أنَّه 1145 يَرْجِعُ بالمَهْرِ؛ لأنَّ أحمدَ قال: كنتُ أذهبُ إلى حديثِ عليٍّ، ثم إنِّي هِبْتُه، وكأنِّي أمِيلُ إلى حديثِ عمرَ.
يعني في الرُّجُوعِ.
ولأنَّ العاقِدَ ضَمِن له سلامَةَ الوَطْءِ، كما ضَمِن له سلامةَ الوَلَدِ، فكما يَرْجِعُ عليه بقِيمَةِ الوَلَدِ كذلك يَرْجِعُ بالمَهْرِ.
قال: وعلى

الجزء: 20 - الصفحة: 439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هذا الأصلِ يَرْجِعُ بأُجْرةِ الخِدْمَةِ إذا غَرِمَها.
قال شيخُنا 1146: ولا أعْرِفُ عن أصحابِنا بينَهما فَرْقًا.
إذا ثَبَت هذا، وكان الغُرُورُ مِن السَّيِّدِ، عَتَقَت، وإن كان بلَفْظٍ غيرِ هذا لم تَثْبُتْ به الحُرِّيَّةُ، فلا شيءَ له؛ لأنَّه لا فائدةَ في أن يَجِبَ له ما يَرْجِعُ به عليه.
وإن كان الغرورُ مِن وَكِيِله، رَجَع عليه في الحالِ، وكذك إن كان مِن أجنبيٍّ.
وإن كان منها، فليس لها في الحالِ مالٌ، فيُخَرَّجُ فيها وَجْهان، بناءً على دَينِ العبدِ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، هل يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه، أو بِذِمًّتِه يُتْبَعُ به بعدَ العِتْقِ؟ قال القاضِي: قِياسُ قولِ الخِرَقِيِّ أنَّه يَتَعَلَّقُ بذِمَّتِها؛ لأنَّه قال في الأمَةِ إذا خَالعَتْ زَوْجَها [بغيرِ إذْنِ] 1147 سَيِّدِها: يَتْبَعُها به إذا عَتَقَتْ.
كذا ههُنا، ويَتْبَعُها 1148 بجَمِيعِه.
وظاهرُ كلام أحمدَ أنَّ الغُرُورَ إذا كان مِن الأمَةِ، لم يَرْجِعْ على أحدٍ؛ فإنَّه قال، إذا جَاءتِ الأمَةُ 1149 فقالت: إنِّي حُرَّةٌ.
فولَّتْ أمْرَها رجلًا، فَزَوَّجَها [مِن رجلٍ، ثم ظَهَر عليها مَوْلاها، قال: فِكاكُ وَلَدِه على الأبِ؛ لأنَّه لم يَغُرَّه أحَدٌ.
أمّا إذا غَرَّه رجلٌ فزَوَّجَها] 1150 على أنَّها حُرَّةٌ، فالفِداءُ على مَن غَرَّه.
يُرْوَى هذا عن عليٍّ، وإبراهيمَ، وحَمَّادٍ.
وكذلك قال الشَّعْبِيُّ.
وإن قُلْنا: يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِها 1151. فالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بينَ فِدائِها

الجزء: 20 - الصفحة: 440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بقِيمَتِها إن كانت أقَلَّ ممَّا يَرْجِعُ به عليها، أو يُسَلِّمُها 1152، فإنِ اخْتارَ فِداءَها بقِيمَتِها، سَقَط قَدْرُ ذلك عن الزَّوْجِ، فإنَّه لا فائدةَ في أن يُوجِبَه عليه ثم يَرُدَّه إليه.
وإنِ اختارَ تَسْلِيمَها، سَلَّمَها وأخَذَ ما وَجَب له.
وذَكَر القاضي أنَّ الغُرُورَ المُوجِبَ للرُّجُوعِ، أن يكونَ اشْتِراطُ الحُرِّيَّةِ مُقارِنًا للعَقْدِ، فيقولَ: زَوَّجْتُكَها على أنَّها حُرَّةٌ.
وإن لم يَكُنْ كذلك، لم يَمْلِكِ الفَسْخَ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
والصحيحُ خِلافُ هذا، فإنَّ الصحابةَ الذين قَضَوْا بالرُّجُوعِ لم يُفَرِّقُوا بينَ أنواعِ الغُرُورِ، ولم يَسْتَفْصِلُوا، والظَّاهرُ أنَّ العَقْدَ لم يَقَعْ هكذا، ولم تَجْرِ به العادةُ في العُقُودِ، ولا يجوزُ حَمْلُ 1153 قَضَائِهم 1154 المُطْلَقِ على صُورةٍ نادرةٍ لم تُنْقَلْ، ولأنَّ الغرورَ 1155 قد يكونُ مِن المرأَة، ولا لَفْظَ لها في العَقْدِ، ولأنَّه متى أخْبَرَه بحُرِّيَّتِها أو أوْهَمَه ذلك بقَرائِنَ تُغَلِّبُ على ظَنِّه حُرِّيِّتِها، فنَكَحَها على ذلك، ورَغِب فيها، وأصْدَقَها صَداقَ الحَرائِرِ، ثم لَزِمَه الغُرْمُ، فقد اسْتَضَرَّ بِناءً على قولِ المُخْبِرِ له والغَارِّ، فتَجِبُ إزالةُ الضَّرَرِ عنه بإثْباتِ الرُّجُوعِ على مَن غَرَّه وأضَرَّ به.
فعلى هذا، إن كان الغُرُورُ مِن اثْنَين أو أكْثَرَ، فالرُّجُوعُ على جَميعِهم، وإن كان الغُرُورُ منها ومِن الوَكِيلِ، فعلى كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُه.
الفصل الخامس: أنَّه إن كان الزَّوْجُ مِمَّن يَحْرُمُ عليه نِكاحُ الإِمَاءِ،

الجزء: 20 - الصفحة: 441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنَّه يُفَرَّقُ بينَهما؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّ النكاحَ فاسدٌ مِن أصْلِه؛ لعَدَمِ شَرْطِه.
وهكذا إن كان تَزْويجُها بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها، أو اخْتَلَّ شرطٌ مِن شُرُوطِ النِّكاحِ، فهو فاسدٌ، يُفَرَّقُ بينَهما.
والحكمُ في الرُّجُوعِ على ما ذَكَرْنا.
وإن كان مِمَّن يجوزُ له نِكاحُ الإِمَاءِ، وكانتِ الشَّرَائِطُ مُجْتَمِعَةً، فالعَقْدُ صحيحٌ، وللزَّوْجِ الخِيارُ بينَ الفَسْخِ والمُقامِ على النِّكاحِ.
وهذا معنى قول الخِرَقِيِّ، وظاهِرُ مذهبِ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا خِيارَ له؛ لأنَّ الكَفاءَةَ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ في جانبِ المرأةِ، ولأنَّه يَمْلِكُ الطَّلاقَ، فَيُسْتَغْنى به عن الفَسْخِ.
ولِنا، أنَّه عَقْدٌ غُرَّ فيه أحدُ الزَّوْجَينِ بحُرِّيَّةِ الآخَرِ، فيَثْبُتُ له الخيارُ كالآخَرِ، ولأنَّ الكَفاءةَ وإن لم تُعْتَبَرْ، فإنَّ عليه ضَرَرًا في اسْتِرْقاقِ وَلَدِه ورِقِّ امْرَأَتِه، وذلك أعْظَمُ مِن فَقْدِ الكَفاءةِ.
فأمَّا الطَّلاقُ فلا يَنْدَفِعُ به الضَّرَرُ؛ فإنَّه يُسْقِطُ نِصْفَ المُسَمَّى، والفَسْخُ يُسْقِطُ جَمِيعَه.
فإذا فَسَخ قبلَ الدُّخُولِ فلا مَهْرَ لها، وإن رَضِيَ بالمُقامِ معها، فله ذلك؛ لأنَّه يَحِلُّ له نِكاحُ الإِمَاءِ، وما.
وَلَدَتْ بعدَ ذلك فهو رَقِيقٌ لسَيِّدِها؛ لأنَّ المانِعَ مِن رِقِّهِم في الغُرُورِ اعْتِقادُ الزَّوْجِ حُرِّيَّتَها، وقد زال ذلك بالعِلْمِ.
ولو وَطِئَها قبلَ العِلْمِ فعَلِقَتْ منه، ثم عَلِم قبلَ الوَضْعِ، فهو حُرٌّ؛ لأنَّه وَطِئَها مُعْتَقِدًا حُرِّيَّتَها.
فصل: والحكمُ في المُدَبَّرَةِ وأُمِّ الوَلَدِ [والمُعْتَقَةِ بصِفَةٍ] 1156، كالأمَةِ

الجزء: 20 - الصفحة: 442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القِنِّ؛ لأنَّها ناقِصَةٌ بالرِّقّ، إلَّا أنَّ وَلَدَ أُمِّ الوَلَدِ 1157 يُقَوَّمُ كأنَّه عَبْدٌ له حُكْمُ أُمِّه، وكذلك مَن أُعْتِقَ بعضُها، إلَّا أنَّه إذا فَدَى الوَلَدَ، لم يَلْزَمْه إلَّا فِداءُ ما فيه مِن الرِّقِّ؛ لأنَّ بَقِيَّتَه حُرٌّ بِحُرِّيَّةِ أُمِّه، لا باعْتِقادِ الوَاطِئ.
فإن كانت مُكاتَبَةً، فكذلك، إلَّا أنَّ مَهْرَها لها؛ لأنَّه مِن كَسْبِها، وكَسْبُها لها، وتَجِبُ قِيمَةُ وَلَدِها على الرِّوايةِ المشهورةِ.
قال أبو بكرٍ: ويكونُ ذلك تَسْتَعِينُ به في كِتابَتِها.
فإن كان الغُرُورُ منها، فلا شيءَ لها، إذ لا فائدةَ في إيجابِ شيءٍ 1158 لها يَرْجِعُ به عليها، وإن كان الغُرُورُ مِن غيرِها، غَرِمَه لها، ورَجَع به على مَن غرَّه.
فصل: ولا يَثْبُتُ أنَّها أمَةٌ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، ويَثْبُتُ بالبَيِّنَةِ.
فإن أقَرَّتْ أنَّها أمَةٌ، فقال أحمدُ في رِوايةِ أبي الحارثِ: لا يَسْتَحِقُّها بإقْرارِها؛ لأنَّ إقْرارَها يُزِيلُ النِّكاحَ عنها، ويُثْبِتُ حَقًّا على غيرِها، فلم يُقْبَلْ، كإقْرارِها بمالٍ على غيرِها.
وقال في رِوايةِ حَنْبَلٍ: لا شيءَ حتى تَثْبُتَ له، أو تُقِزَّ هي أنَّها أمَتُه.
فظاهِرُ هذا أنَّه يُقْبَلُ إقْرارُها؛ لأنَّها مُقِرَّةٌ على نَفْسِها بالرِّقِّ، أشْبَهَ غيرَ الزَّوْجَةِ.
والأوَّلُ أوْلَى.
ولا نُسَلِّمُ أنَّه يُقْبَلُ مِن غيرِ ذاتِ الزَّوْجِ إقْرارُها بالرِّقِّ بعدَ إقْرارِها بالحُرِّيَّةِ؛ لأنَّها أقَرَّتْ بما يَتَعَلَّقُ به حَقُّ الله تعالى.
فصل: فإن حَمَلَتِ المَغْرُورُ بها، فضَرَبَها ضارِبٌ فألْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا،

الجزء: 20 - الصفحة: 443

وَإِنْ كَانَ الْمَغْرُورُ عَبْدًا، فَوَلَدُهُ أَحْرَارٌ، وَيَفْدِيهِمْ إِذَا عَتَقَ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنَ غَرَّهُ.
فعلى الضاربِ غُرَّةٌ؛ لأنَّه محكومٌ بحُرِّيَّتِه، ويَرِثُها وَرَثَتُه (1). فإن كان الضاربُ أباه، لم يَرِثْه.
ولا يَجِبُ بَدَلُ (2) هذا الولدِ (3) للسَّيِّدِ؛ لأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ بَدَلَ (2) حَيٍّ، وهذا مَيِّتٌ.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ له عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لأنِّ الواطئَ فَوَّتَ ذلك عليه [باعْتِقادِ الحُرِّيَّةِ، ولَوْلاه لوَجَبَ ذلك له] (4). فصل: ويَثْبُت له الخِيارُ إذا ظَنَّها حُرَّةً فبانَتْ أمَةً، كما إذا شَرَط ذلك.
وقال الشافعيُّ: لا خِيارَ له.
ووَافَقَنا (5) فيما إذا ظَنَّ أنَّها مُسْلِمَةٌ فبانَتْ كافِرَةً، أنَّه يَثْبُتُ له الخِيارُ.
وقال بَعْضُهم: فيهما (6) جميعًا قَوْلان.
ولَنا، أنَّ نَقْصَ الرِّقِّ أعْظَمُ ضَرَرًا، فإنَّه يُؤَثِّرُ في رِقِّ وَلَدِه، ومَنْعِ كمالِ اسْتِمْتاعِه، فكان له الخِيارُ، كما لو كانت كافرةً.

3183 -

مسألة: (وإن كان المَغْرُورُ عَبْدًا، فوَلَدُه أحْرارٌ، ويَفْدِيهم إذا عَتَقَ، ويَرْجِعُ به على مَن غَرَّه)

وجملةُ ذلك، أنَّ حُكْمَ العبدِ115911601161116211631164

الحديث: 3183 - الجزء: 20 - الصفحة: 444

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَغْرُورِ حُكْمُ الحُرِّ في حُرِّيَّةِ أولادِه.
وقال أبو حنيفةَ: وَلَدُه رَقِيقٌ؛ لأنَّ أبَوَيه رقِيقٌ.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّه وَطِئَها مُعْتَقِدًا حُرِّيَّتَها، فأشْبَهَ الحُرَّ، فإنَّ هذا هو العِلَّةُ المُقْتَضِيَةُ للحُرِّيَّةِ في مَحَلِّ الوفاقِ، ولولا ذلك لكان رَقِيقًا، فإنَّ عِلَّةَ رِقِّ الوَلَدِ رِقُّ الأُمِّ خَاصَّةً، ولا عِبْرَةَ بالأبِ، بدلِيلِ وَلَدِ الحُرِّ مِن الأمَةِ، ووَلَدِ الحُرَّةِ مِن العَبْدِ.
وعلى العَبْدِ فِداؤُهم؛ لأنَّه فَوَّتَ رِقَّهُم باعْتِقادِه وفِعْلِه، ولا مال له في الحالِ، فيُخرَّجُ في ذلك وَجْهان؛ أحدُهما، يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه كجِنايَته.
والثاني، بذِمَّتِه يُتْبَعُ به بعدَ العِتْقِ.
وهو قولُ الخِرَقِيِّ، فيكُونُ بمَنْزِلَةِ الخُلْعِ مِن الأمَةِ إذا بَذَلَتْه بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها.
ويُفارِقُ الاسْتِدانةَ والجِنايةَ؛ لأنَّه إذا 1165 اسْتَدانَ أتْلَفَ مال الغَرِيمِ، فكان جِنايةً منه، وههُنا لم يَجْنِ في الأوْلادِ جنايةً، وإنَّما عَتَقُوا مِن طَرِيقِ الحُكْمِ، وما حَصَل له 1166 منهم عِوَضٌ، فيَكونُ ذلك في ذِمَّتِه يُتْبَعُ به بعدَ

الجزء: 20 - الصفحة: 445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العِتْقِ، ويَرْجِعُ به حينَ يَغْرَمُه، فإنَّه لا يَنْبَغِي أن يَجِبَ له بَذْلُ ما لم يَفُتْ 1167 عليه، وأمَّا الحُرِّيَّةُ فتُتَعَجَّلُ في الحالِ.
وإن قُلْنا: إنَّ الفِداءَ يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه.
وَجَب في الحال، ويَرْجعُ به سَيِّدُه في الحالِ، ويَثْبُتُ للعبدِ الخِيارُ، كثُبُوتِه للحُرِّ الذي يَحِلُّ له نِكاحُ الإِمَاءِ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في رِقِّ وَلَدِه، ونقصًا في اسْتِمْتاعِه، فإنَّها لا تكونُ عندَه ليلًا ونهارًا، ولم يَرْضَ به.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَثْبُتَ له خِيارٌ؛ لأنَّه فَقَد 1168 صِفَةً لا يَنْقُصُ بها عن رُتْبَتِه، فأشْبَهَ ما لو شَرَط نَسَبَ امرأةٍ 1169 فبانَتْ بخِلافِه؛ لأنَّها مُسَاويةٌ لنَسَبِه،

الجزء: 20 - الصفحة: 446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بخِلافِ تَغْرِيرِ الحُرِّ.
وقال بعضُ الشافعيةِ: لا خِيارَ له.
وقال بعضُهم: فيه قَوْلان.
والأَوْلَى ما ذَكَرْناه.
وإذا اخْتارَ الإِقامَةَ، فالمَهْرُ واجِبٌ، لا يَرْجِعُ به على أحَدٍ، وإنِ اختارَ الفَسْخَ قبلَ الدُّخُولِ، فلا مَهْرَ، وإن كان بعدَه والنِّكاحُ بإذْنِ سَيِّدِه، فالمَهْرُ واجِبٌ عليه، وفي الرُّجُوعِ اخْتِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى.
وإن كان بغيرِ إذْنِه، فالنِّكاحُ فاسدٌ.
فإن دَخَل بها، ففي قَدْرِ ما يَجِبُ به وَجْهان؛ أحدُهما، مَهْرُ المِثْلِ.
والثاني، الخُمْسانِ.
وهل يَرْجِعُ به؟ على وَجْهِين.

الجزء: 20 - الصفحة: 447

وَإِنْ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ، أَوْ تَظُنُّهُ حُرًّا، فَبَانَ عَبْدًا، فَلَهَا الْخِيَارُ.

3184 - مسألة: (وإن تَزَوَّجَتِ)

المرأةُ (عبدًا على أنَّه حُرٌّ، أو

الحديث: 3184 - الجزء: 20 - الصفحة: 449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَظُنُّه حُرًّا، فبانَ عَبْدًا، فلها الخِيارُ) أمّا النِّكاحُ فهو صحيحٌ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأحدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّ اخْتِلافَ الصِّفَةِ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ العَقْدِ، كما لو تَزَوَّجَ أمَةً على أنَّها حُرَّةٌ.
وهذا إذا كَمَلَتْ شُرُوطُ النِّكاحِ، وكان بإذْنِ سَيِّدِه 1170. وإن كانتِ المرأةُ حُرَّةً، وقُلْنا: الحُرِّيَّةُ ليست مِن شُرُوطِ الكَفاءةِ.
أو 1171: إنَّ فَقْدَ الكَفاءَةِ لا يُبْطِلُ النِّكاحَ.
فهو صحيحٌ، و 1172 للمرأةِ الخِيارُ بينَ الفَسْخِ والإِمْضاءِ، فإنِ اخْتارَتْ إمْضاءَه 1173، فلأَولِيائِها الاعْتراضُ عليها؛ لعَدَمِ الكَفاءَةِ.
وإن كانت أمَةً فيَنْبَغِي أن يكونَ لها الخِيارُ أيضًا؛ لأنَّه لمَّا ثَبَت الخِيارُ للعَبْدِ إذا غُرَّ مِن أمَةٍ، ثَبَت للأَمَةِ إذا غُرَّتْ بعَبْدٍ.
وكلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنا بفَسادِ العَقْدِ به ففُرِّقَ بينَهما قبلَ الدُّخُولِ، فلا مَهْرَ لها، وإن كان بعدَه فلها مَهْرُ المِثْلِ أو المُسَمَّى، على ما قَدَّمْنا مِن الاخْتِلافِ.
وكلُّ مَوْضِعٍ فُسِخَ النِّكاحُ مع القولِ بصِحَّتِه قبلَ الدُّخُولِ، فلا شيءَ لها، وإن كان بعدَه فلها المُسَمَّى؛ لأنَّه فَسْخٌ طَرَأ على نِكاحٍ 1174، فأشْبَهَ الطَّلاقَ.

الجزء: 20 - الصفحة: 450

فَصْلٌ: وَإِنْ عَتَقَتِ الْأَمَةُ وَزَوْجُهَا حُرٌّ، فَلَا خِيَارَ لَهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ،  فصل: فإن غَرَّها بنَسَبٍ فبانَ دُونَه، وكان ذلك مُخِلًّا بالكَفاءَةِ، وقُلْنا بصِحَّةِ النِّكاحِ، فلها الخِيارُ، فإنِ اخْتارتِ الإِمْضاءَ، فلأوْلِيائِها الاعْتِراضُ عليها، وإن لم يُخِلَّ بالكفاءةِ، فلا خِيارَ لها؛ لأنَّ ذلك ليس بمُعْتَبَرٍ في النِّكاحِ، فأشبَهَ ما لو شَرَطَتْه فَقِيهًا فبَانَ بخِلافِه.
وكذلك إنِ اشْتَرَطَتْ غيرَ النَّسَبِ، فإن كان ممَّا يُعْتَبَرُ في الكَفاءةِ، فهو كما لو تَبَيَّنَ أنَّه غيرُ مُكافِئ، لها في النَّسبِ، وإن لم يُعْتَبَرْ في الكَفاءةِ، كالفِقْهِ والجَمالِ وأشْباهِ ذلك، فلا خِيارَ لها؛ لأنَّ ذلك ممّا لا يُؤثِّرُ في النِّكاحِ، [فلا يُؤثِّرُ اشْتِرَاطُه.
[وذُكِرَ فيما] 1175 إذا بان نَسَبُه دونَ ما ذَكَرَه، وَجْهٌ في ثُبُوتِ الخِيارِ لها] 1176 وإن لم يُخلَّ بالكَفاءة.
والأَوْلَى ما ذَكَرْناه.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ الله عنه: (وإن عَتَقَتِ الأمَةُ وزَوْجُها حُرٌّ، فلا خِيارَ لها في ظاهِرِ المذهبِ) هذا قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وسعيدِ

الجزء: 20 - الصفحة: 451

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، وعطاءٍ، وسليمانَ بنِ يسارٍ، وأبي قِلابَةَ، وابنِ أبي لَيلَى، ومالكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ.
وقال طاوُسٌ، وابنُ سِيرِينَ، ومجاهدٌ، والنَّخَعِيُّ، وحَمَّادُ بنُ أبي سليمانَ، والثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأي: لها الخِيارُ؛ لِما روَى الأسْوَدُ عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خَيَّرَ بَرِيرَة، وكان زَوْجُها حرًّا.
رَواه النَّسائِيُّ 1177. ولأنَّها كَمَلَتْ بالحُرِّيَّةِ، فكان لها الخِيارُ، كما لو كان زَوْجُها عَبْدًا.
ورُوِيَ ذلك عن أحمدَ.
ولَنا، أنَّها كافَأَت زَوْجَها في الكَمالِ، فلم يَثْبُتْ لها الخِيارُ،

الجزء: 20 - الصفحة: 452

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كما لو أسْلَمَتِ الكِتابِيَّةُ تحتَ المُسْلِم.
فأمَّا خبرُ الأسودِ عن عائشةَ، فقد روَى عنها القاسمُ بنُ محمدٍ، وعُرْوَةُ، أنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كان عبدًا 1178. وهما أخَصُّ بها مِن الأسْوَدِ؛ لأنَّهما ابنُ أخِيها وابنُ أُخْتِها.
وقد روَى [الأعْمَشُ، عن إبراهيمَ، عن الأسْوَدِ] 1179، عن عائشةَ، أنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كان عبدًا.
فتعارضَتْ رِوايتَاه.
وقال ابنُ عباسٍ: كان زَوْجُ بَرِيرَةَ عبدًا أسودَ لبَنِي المُغِيرَةِ، يُقَالُ له: مُغِيثٌ.
رَواه البخارِيُّ، وغيرُه 1180.

الجزء: 20 - الصفحة: 453

وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَلَهَا الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ،  وقالت صَفِيَّةُ بنتُ أبي عُبَيدٍ: كان زَوْجُ بَرِيرَةَ عبدًا (1). قال أحمدُ: هذا ابنُ عباسٍ وعائشةُ قالا في زَوْجِ بَرِيرَةَ: إنه عبْدٌ.
رِوَايَةُ علماءِ المدينةِ وعَمَلُهم، وإذا روَى أهْلُ المدينةِ حَدِيثًا وعَمِلُوا بِه، فهو أصَحُّ شيءٍ، وإنَّما يَصِحُّ [أنَّه حُرٌّ] (2) عن الأسودِ وَحْدَه، فأمَّا غيرُه فليس بذاك.
قال: والعَقْدُ صحيحٌ، فلا يُفْسَخُ بالمُخْتَلَفِ فيه، والحُرُّ فيه اخْتِلافٌ، والعَبْدُ لا اخْتِلافَ فيه.
ويُخالِفُ الحُرُّ العَبْدَ؛ لأنَّ العَبْدَ ناقِصٌ، فإذْا كَمَلَتْ تحتَه، تَضَرَّرَتْ ببَقائِها عندَه، بخِلافِ الحُرِّ.

3185 -

مسألة: (وإن كان عَبْدًا فلها الخِيارُ في فَسْخِ النِّكاحِ)

أجْمَعَ أهلُ العلمِ على هذا.
ذَكَرَه ابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البرِّ 1183، وغيرُهما.
والأصْلُ فيه حديثُ بَرِيرَةَ، قالت عائشةُ: كاتَبَتْ بَرِيرَةُ، فَخَيَّرَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في زَوْجِها، وكان عبدًا، فاخْتارَتْ نفسَها.
قال11811182

الحديث: 3185 - الجزء: 20 - الصفحة: 454

وَلَهَا الْفَسْخُ بِغَيرِ حُكْمِ حَاكِمٍ.
عروةُ: ولو كان حرًّا ما خَيَّرَها.
رَواه مالكٌ، وأبو داودَ، والنَّسائِيُّ (1). ولأنَّ عليها ضَرَرًا في كَوْنِها حُرَّةً تحتَ العَبْدِ، فكان لها الخِيارُ، كما لو تَزَوَّجَ حُرَّةً على أنَّه حُرٌّ فبانَ عبدًا.
فإنِ اخْتارَتِ الفَسْخَ، فلها فِراقُه، وإن رَضِيَتِ المُقامَ معه لم يَكُنْ لها فِراقُه بعدَ ذلك؛ لأنَّها أسْقَطَتْ حَقَّها، وهذا ممّا لا خِلافَ فيه بحمدِ اللهِ.

3186 -

مسألة: (ولها الفَسْخُ)

بنَفْسِها (مِن غيرِ حُكْمِ حاكمٍ) لأنَّه فَسْخٌ مُجْمَعٌ عليه، غيرُ مُجْتَهَدٍ فيه، فلا يَفْتَقِرُ إلى حُكْمِ حاكِمٍ، كالرَّدِّ بالعَيبِ في المَبِيعِ، بخِلافِ خِيارِ العَيبِ في النِّكاحِ، فإنَّه مُجْتَهَدٌ فيه، فافْتَقَرَ إلى حُكْمِ الحاكِمِ، كالفَسْخِ للإِعْسَارِ.
وروَى الحسنُ بنُ 1185 عَمْرِو بنِ أُمَيَّةَ، قال: سَمِعْتُ رِجالًا يتَحَدَّثُونَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إذا أُعْتِقَتِ الأمَةُ، فَهِيَ بالخِيَارِ مَا لَمْ يَطَأْهَا، إنْ شَاءَتْ فَارَقَتْ، فَإنْ وَطِئَهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا».
رَواه الإِمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ» 1186.1184

الحديث: 3186 - الجزء: 20 - الصفحة: 455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإنِ اختارَتِ المُعْتَقَةُ 1187 الفِراقَ، كان فَسْخًا ليس بطَلاقٍ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والثَّوريُّ، والحسنُ بنُ حَيٍّ 1188، والشافعيُّ.
وذَهَب مالكٌ والأوْزاعِيُّ، واللَّيثُ، إلى أنَّه طَلاقٌ بائِنٌ.
قال مالكٌ: إلَّا أن تُطَلِّقَ نَفْسَها ثَلاثًا فتَطْلُقَ ثلاثًا.
واحْتَجَّ له بقصةِ زَبْرَاءَ، حينَ طَلَّقَتْ نَفْسَها ثَلاثًا 1189، فلم يَبْلُغْنا أنَّ أحدًا مِن الصحابَةِ أَنْكَرَ ذلك، ولأنَّها تَمْلِكُ الفِراقَ، فمَلَكَتِ الطَّلاقَ، كالرجلِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الطَّلَاقُ لِمَنْ أخَذَ بِالسَّاقِ» 1190. ولأنَّها فُرْقَةٌ مِن قِبَلِ الزَّوْجَةِ، فكانت فَسْخًا، كما لو اخْتَلَف دِينُهما، أو أرْضَعَتْ مَن يَنْفَسِخُ نِكاحُه = السنن الكبرى 3/ 180. وهو موافق أيضًا لما ترجمه الحافظ المزي في: تحفة الأشراف 11/ 138. وكذا ابن حجر في: النكت الظراف.
ولم نجد لحسن بن عمرو ترجمة.
وذكر الحافظ المزي أنه عند النسائي -لعله في رواية ابن الأحمر- من طريق الشعبي عن عمرو بن أمية الضمري.
. . . قال النسائي: هذا عندي حديث منكر.
تحفة الأشراف 11/ 139. والحديث في المسند 4/ 65 من رواية الفضل بن عمرو بن أمية عن أبيه.
وانظر: التاريخ الكبير للبخاري 1/ 4 / 7/ 115. الجرح والتعديل 2/ 3 / 7/ 64. وفي المسند 4/ 66 من رواية الفضل بن الحسن بن عمرو بن أمية.
وانظر: التاريخ الكبير 1/ 4 / 7/ 114، 115. تهذيب التهذيب 8/ 269، 270. وفي المسند 5/ 378. من رواية الفضل بن عمرو بن أمية عن أبيه، ومن رواية الفضل بن الحسن بن عمرو بن أمية.

الجزء: 20 - الصفحة: 456

فَإِنْ أُعْتِقَ قَبْلَ فَسْخِهَا، أَوْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ وَطْئِهَا، بَطَلَ خِيَارُهَا.
برَضاعِه (1). وفِعْلُ زَبْرَاءَ ليس بحُجَّةٍ، ولم يَثْبُتِ انْتِشارُه في الصَّحابةِ.
فعلى هذا، لو (2) قالت: اخْتَرْتُ نفسِي.
أو: فَسَخْتُ النِّكاحَ.
انْفَسَخٍ.
ولو قالتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي.
ونَوَتِ المُفَارَقَةَ، كان كِنايةً عن الفَسْخِ؛ لأنَّه يُؤَدِّي مَعْناه، فصَلَحَ كنايةً عنه، كالكِنايةِ بالفَسْخِ عن الطَّلاقِ.

3187 -

مسألة: (فإن أُعْتِقَ قبلَ فَسْخِها، أو أمْكَنَتْه مِن وَطْئِها، بَطَل خِيارُها)

أمَّا إذا أُعْتِقَ الزَّوْجُ قبلَ خِيارِها، سَقَط؛ لأنَّ الخِيارَ لدَفعِ الضَّرَرِ بالرِّقِّ، وقد زَال بعِتْقِه، فسَقَطَ، كالمَبِيعِ إذا زال عَيبُه.
وهذا أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وإن وَطِئَها، بَطَل خِيارُها، عَلِمَتْ بالخِيارِ أو لم تَعْلَمْ.
نَصَّ عليه أحمدُ، واخْتارَه الخِرَقِيُّ.
ورُوِيَ ذلك عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وأُخْتِه حَفْصَةَ، ونافِعٍ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ.
وحَكَاه بعضُ أهلِ العلمِ عن [الفقهاءِ السَّبْعَةِ] 1193. وذَكَر القاضي أنَّ لها الخِيارَ إذا لم تَعْلَمْ،11911192

الحديث: 3187 - الجزء: 20 - الصفحة: 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإن أصابَها بعدَ عِلْمِها، فلا خِيارَ لها.
وهذا قولُ عطاءٍ، والحكمِ، وحمادٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوزاعيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ؛ لأنَّها 1194 إذا أمْكَنَتْ مِن وَطْئِها قبلَ عِلْمِها، لم يُوجَدْ منها ما يَدُلُّ على الرِّضَا، فهو كما لو لم تُصَبْ.
ووَجْهُ الأوَّلِ ما تَقَدَّمَ مِن حديثِ عمرِو بنِ أُمَيَّةَ.
وروَى مالكٌ 1195، عن ابنِ شهابٍ، عن عُرْوَةَ، أنَّ مَوْلاةً لبَنِي عَدِيٍّ، يُقَالُ لها: زَبْرَاءُ.
أخْبَرَتْه أنَّها كانت تحتَ عبدٍ، فَعَتَقَتْ، قالتْ: فأرسلتْ إليَّ حَفْصَةُ، فدَعَتْنِي، فقالت: إِنَّ أمْرَكَ بيدِكِ، ما لم يَمَسَّكِ زَوْجُكِ، وإن مَسَّكِ، فليس لكِ مِن الأمرِ شيءٌ.
فقلتُ: هو الطَّلاقُ، ثم الطَّلَاقُ، [ثم الطَّلاقُ] 1196. ففَارَقَتْه ثَلاثًا.
وروَى مالكٌ 1197، عن نافعٍ، عن ابنِ

الجزء: 20 - الصفحة: 458

فَإِنِ ادَّعَتِ الْجَهْلَ بِالْعِتْقِ، وَهُوَ مِمَّا يَجُوزُ جَهْلُهُ، أَو الْجَهْلَ بِمِلْكِ  عمرَ، أنَّ لها الخِيارَ ما لم يَمَسَّها.
ولأنَّه خِيارُ عَيبٍ، فيَسْقُطُ بالتَّصَرُّفِ فيه مع الجَهالةِ، كخِيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ.
ولا تَفْرِيعَ على هذا القولِ.
فأمَّا على القولِ الآخَرِ، فإذا وَطِئَها وادَّعَتِ الجَهالةَ بالعِتْقِ، وهي مِمّن يجوزُ خَفاءُ ذلك عليها، مثلَ أن يُعْتِقَها سَيِّدُها في بلدٍ آخَرَ، فالقولُ قولُها مع

الجزء: 20 - الصفحة: 459

الْفَسْخِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا.
وَقَال الْخِرَقِيُّ: يَبْطُلُ خِيَارُهَا، عَلِمَتْ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ.
يَمِينِها؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك.
وإن كانت مِمَّن لا يَخْفَى ذلك عليها؛ لكَوْنِهما 1198 في بلدٍ واحدٍ، وقد اشْتَهَرَ ذلك، لم يُقْبَلْ قولُها؛ لأنَّه خِلافُ الظَّاهِرِ، وإن عَلِمَتِ العِتْقَ وادَّعَتِ الجَهالةَ بثُبُوتِ الخيارِ، فالقولُ قولُها؛ لأنَّ ذلك لا يَعْلَمُه إلَّا خَواصُّ الناسِ، فالظاهِرُ صِدْقُها فيه.
وللشافعيِّ في قَبُولِ قولِها قَوْلان.

الجزء: 20 - الصفحة: 460

وَخِيَارُ الْمُعْتَقَةِ عَلَى التَّرَاخِي، مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا،

3188 - مسألة: (وخِيارُ المُعْتَقَةِ على التَّراخِي، ما لم يُوجَدْ منها ما يَدُلُّ على الرِّضَا)

ولا يُمْنَعُ الزَّوْجُ مِن وَطْئِها.
ومِمَّن قال: إنَّه على التَّراخِي.
مالكٌ، والأوْزاعِيُّ.
ورُوِيَ ذلك عن عبدِ الله بِنِ عمرَ، وأُخْتِه حَفْصَةَ.
وبه قال سليمانُ بنُ يسارٍ، ونافعٌ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ.
وقال أبو حنيفةَ، وسائرُ العِراقِيِّين: لها الخِيارُ في مَجْلِسِ العلمِ.
وللشافعيِّ ثلاثَةُ أقوالٍ، أظْهَرُها كقولِنا.
والثاني، أنَّه على الفَوْرِ، كخِيارِ الشُّفْعَةِ.
والثالثُ، أنَّه إلى ثلاثةِ أيامٍ.
ولَنا، ما روَى الإِمامُ أحمدُ بإسنادِه، عن الحسنِ بنِ عمرِو بنِ أُمَيَّةَ 1199، قال: يسمِعْتُ رجالًا يَتَحَدَّثون عن

الحديث: 3188 - الجزء: 20 - الصفحة: 461

فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً، فَلَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ وَعَقَلَتْ، وَلَيسَ لِوَلِيِّهَا الاخْتِيَارُ عَنْهَا.
رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إذَا أُعْتِقَتِ الْأَمَةُ، فَهِيَ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَطَأْهَا، إِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ، وَإنْ وَطِئَهَا، فَلَا خِيَارَ لَهَا».
ورَواه الأثْرَمُ أيضًا.
وروَى أبو داودَ (1)، أنَّ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ، وهي عندَ مُغِيثٍ، عبْدٍ لآلِ أبي (2) أحمدَ، فخَيَّرَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وقال لها: «إنْ قَرُبَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ».
ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصَّحابةِ.
قال ابنُ عبدِ البرِّ (3): لا أعْلَمُ لابنِ عمرَ وحَفْصَةَ مُخالِفًا مِن الصَّحابةِ.
ولأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى ذلك، فثَبَت (4)، كخِيارِ القِصاصِ، أو خِيارٍ لدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ، فأشْبَهَ ما قُلْنا.

3189 -

مسألة: (فإن كانت صَغِيرَةً أَو مَجْنُونَةً، فلها الخِيارُ إِذا بَلَغَتْ وعَقَلَتْ)

ولا خِيارَ لهما في الحالِ؛ لأنَّه لا عَقْلٌ لهما، ولا قولٌ1200120112021203

الحديث: 3189 - الجزء: 20 - الصفحة: 462

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُعْتَبَرٌ، ولا يَمْلِكُ وَلِيُّهما الاخْتِيارَ عنهما؛ لأنَّ 1204 هذا طريقُه الشَّهوةُ، فلا يَدْخُلُ تحتَ الولايةِ، كالاقْتِصاصِ.
فإذا بَلَغَتِ الصَّغِيرَةُ وعَقَلَتِ المجنونَةُ، فلهما الخيارُ حينئذٍ؛ لكَوْنِهما صارا على صِفَةٍ لكلٍّ منْهما حُكْمٌ.
وهكذا الحُكْمُ لو كان بزَوْجِهما 1205 عَيبٌ يُوجِبُ الفَسْخَ.
فإن كان زَوْجاهُما قد وَطِئاهما، فظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه لا خِيارَ لهما؛ لأنَّ مُدَّةَ الخِيارِ انْقَضَتْ.
وعلى قولِ القاضي وأصحابِه، لهما الخِيارُ؛ لأنَّه لا رَأْيَ لهما، فلا يكونُ تَمْكِينُهُما مِن الوَطْءِ دَليلًا على الرِّضَا، بخِلافِ الكَبيرةِ العَاقِلَةِ.
ولا يُمْنَعُ زَوْجَاهُما مِن وَطْئِهما.
واللهُ أعلمُ.

الجزء: 20 - الصفحة: 463

فَإِنْ طُلِّقَت قَبْلَ اخْتِيَارِهَا، وَقَعَ الطَّلَاقُ.

3190 - مسألة: (فإن طُلِّقَتْ قبلَ اخْتِيارِها، وَقَعِ الطَّلاقُ)

وبَطَل خِيارُها؛ لأنَّه طلاقٌ مِن زَوْجٍ جائزِ التَّصَرُّفِ في نِكاحٍ صحيحٍ، فنَفَذَ 1206، كما لو لم يَعْتِقْ.
وقال القاضي: طَلاقُه موقوفٌ، فإنِ اخْتارَتِ 1207 الفَسْخَ لم يَقَعْ؛ لأنَّه يَتَضَمَّنُ إبْطال حَقِّها مِن الخِيارِ، وإن لم تَخْتَرْ وَقَع.
وللشافعيِّ قَوْلان كهَذين الوَجْهَين.
وبَنَوْا عَدَمَ الوُقُوعِ على أنَّ الفَسْخَ اسْتَنَدَ إلى حالةِ العِتْقِ، فيكونُ الطَّلاقُ واقِعًا في نِكاحٍ مَفْسُوخٍ، وكذلك إن طَلَّقَ الصَّغِيرَةَ أو المجنونَةَ بعدَ العِتْقِ.
ولنا، أنَّه طلاقٌ مِن زَوْجٍ مُكَلَّفٍ مُخْتارٍ، في نِكاحٍ صحيحٍ، فوَقَعَ، كما لو طَلَّقَها قبلَ عِتْقِها، أو كما لو لم تَخْتَرْ 1208، والفَسْخُ إنَّما يوجِبُ الفُرْقَةَ مِن حِينِه 1209؛ لأنَّه سَبَبُها، ولا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الفُرْقَةِ عليه، إذِ الحُكْمُ لا يَتَقَدَّمُ سَبَبَه، ولأنَّ العِدَّةَ تُبْتَدَأُ مِن حينِ الفَسْخِ لا مِن حِينِ العِتْقِ، وما سَبَقَه مِن الوَطْءِ وَطْءٌ في نِكاحٍ صحيحٍ يَثْبُتُ به الإِحْصانُ والإِحْلالُ للزَّوْجِ الأوَّل، ولو كان الفَسْخُ سابِقًا عليه 1210 لانْعَكَسَتِ الحالُ.
وقولُ القاضي: إنَّه يُبْطِلُ

الحديث: 3190 - الجزء: 20 - الصفحة: 464

وَإنْ عَتَقَتِ الْمُعْتَدَّةُ الرَّجْعِيَّةُ، فَلَهَا الْخِيَارُ،  حَقَّها مِن الفَسْخِ.
غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّ الطَّلاقَ يَحْصُلُ به مَقْصُودُ الفَسْخِ، مع وُجُوبِ نِصْفِ المَهْرِ، وتَقْصِيرِ العِدَّةِ عليها، فإنَّ ابْتِدَاءَها مِن حينِ طَلاقِه، لامِن حينِ فَسْخِه، ثم لوكان مُبْطلاً لحقِّها، لم يَقَعْ وإن لم تَخْتَرِ الفَسْخَ، كما لا يَصِحُّ تَصَرُّفُ المُشْتَرِي في المَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ، سَواءٌ فَسَخ البائِعُ أو لم يَفْسَخْ.
وهذا فيما إذا كان الطَّلاقُ بائِنًا، فإن كان رَجْعِيًّا، لم يَسْقُطْ خِيارُها، على ما نَذْكُرُ فيما بعدُ.
فعلى قولِهم، إذا طُلِّقَتْ قبلَ الدُّخُولِ، ثم اخْتَارَتِ الفَسْخَ، سَقَط مَهْرُها؛ لأنَّها بانتْ بالفَسْخِ، وإن لم يَفْسَخْ، فلها نِصْفُ الصَّداقِ؛ لأنَّها بانَت بالطَّلاقِ.

3191 -

مسألة: (وإن عَتَقَتِ)

الأمَةُ (الرَّجْعِيَّةُ، فلها الخِيارُ) لأنَّ نِكاحَها باقٍ يُمْكِنُ فَسْخُه، ولها في الفَسْخِ فائدةٌ، فإنَّها لا تَأْمَنُ رَجْعَتَه إذا لم تَفْسَخْ.
فإن قِيلَ: فَيفْسَخُ حينئذٍ؟ قُلْنا: إذًا تَحْتاج إلى عِدَّةٍ أُخْرَى.

الحديث: 3191 - الجزء: 20 - الصفحة: 465

فَإِنْ رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ، فَهَلْ يَبْطُلُ خِيَارُهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
[وإذا فَسَخَتْ في العِدَّةِ، بَنَتْ على ما مَضَى مِن عِدَّتِها، ولم تَحْتَجْ إلى عِدَّةٍ أُخْرَى] (1)؛ لأنَّها مُعْتَدَّة مِن الطَّلاقِ، والفَسْخُ لا يُنَافِيها [ولا يَقْطَعُها] (2)، فهو كما لو طَلَّقَها طَلْقَةً أُخْرَى، وتَبْنِي على عِدَّةِ حُرَّةٍ؛ لأنَّها عَتَقَتْ في عِدَّتِها وهي رَجْعِيَّةٌ.

3192 -

مسألة: (فإنِ اخْتارَتِ المُقَامَ، فَهل يَبْطُلُ خِيارُها؟ على وَجْهَين)

أحدُهما، لا يَبْطُلُ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّها جارِيَةٌ إلى بَينُونَةٍ.
والثاني، يَبْطُلُ خِيارُها؛ لأنَّها حالةٌ 1213 يَصِحُّ فيها اخْتِيارُ الفَسْخِ، فصَحَّ اختيارُ المُقامِ، كصُلْب النِّكاحِ.
وهو اخْتِيارُ شيخِنا 1214. وإن لم تَخْتَرْ شيئًا، لم يَسْقُطْ 1215 خِيارُها؛ لأنَّه على التَّراخِي، ولأنَّ سُكُوتَها لا يَدُلُّ على رِضاها؛ لأنَّه 1216 يَحْتَمِلُ أنَّه كان لجَرَيانِها إلى (6) بَينُونَةٍ، اكْتِفاءً منها بذلك، فإنِ ارْتَجَعَها، فلها الفَسْخُ حينئذٍ، فإن فَسَخَتْ ثم عاد فتَزَوَّجَها،12111212

الحديث: 3192 - الجزء: 20 - الصفحة: 466

وَمَتَى اخْتَارَتِ الْمُعْتَقَةُ الْفُرْقَةَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَالْمَهْرُ لِلسَّيِّدِ،  بَقِيَتْ معه بطَلْقَةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ طلاقَ العبدِ اثْنَتَانِ.
وإن تَزَوَّجَها بعدَ أن عَتَق، رَجَعَتْ معه على طَلْقَتَين؛ لأنَّه صار حرًّا، فمَلَكَ ثَلاثَ طَلقاتٍ، كسائرِ الأحْرارِ.

3193 -

مسألة: (وَمَتى اخْتارَتِ، المُعْتَقَةُ)

الفَسْخَ (بعدَ الدُّخُولِ، فالمَهْرُ للسَّيِّدِ) وجملةُ ذلك، أنَّ المُعْتَقَةَ متى اختارتِ المُقامَ مع زَوْجِها قبلَ الدُّخُول أو بعدَه، فالمَهْرُ للسَّيِّد، وكذلك إنِ اخْتارتِ الفَسْخَ بعدَ الدُّخُولِ؛ لأَنَّه وَجَب بالعَقْدِ، فإذا اخْتارَت المُقامَ، لم يُوجَدْ له مُسْقِطٌ، وإن فَسَخَتْ بعدَ الدُّخولِ، فقد اسْتَقَرَّ المَهْرُ بالدُّخولِ، فلم يَسْقُطْ بشيءٍ، وهو للسَّيِّدِ في الحالين؛ لأنَّه وَجَب بالعَقْدِ في مِلْكِه.
والواجِبُ المُسَمَّى في الحالين، سَواءٌ كان الدُّخُولُ قبلَ العِتْقِ أو بعدَه.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن كان الدُّخُولُ قبلَ العِتْقِ، فكذلك، وإن كان بعدَه فالواجِبُ مَهْرُ المِثْلِ؛ [لأنَّ الفَسْخَ اسْتَنَدَ إلى حالةِ العِتْقِ، فصار الوَطْءُ في نِكاحٍ فاسِدٍ] 1217. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ صحيحٌ، فيه مُسَمًّى صحيحٌ،

الحديث: 3193 - الجزء: 20 - الصفحة: 467

وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ، فَلَا مَهْرَ.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: لِسَيِّدِهَا نِصْفُ الْمَهْرِ.
اتَّصَلَ به الدُّخُولُ قبلَ الفَسْخِ، فأوْجَبَ المُسَمَّى، كما لو لم يُفْسَخْ، ولأنَّه لو وَجَب بالوَطْءِ بعدَ الفَسْخِ، لكان المَهْرُ لها؛ لأنَّها حُرَّةٌ حينئذٍ.
قولُهم: إنَّ الوَطْءَ في نِكاحٍ فاسدٍ.
غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّه كان صحيحًا، ولم يُوجَدْ ما يُفْسِدُه، ويَثْبُتُ فيه أحْكامُ الوَطْءِ في النِّكاحِ الصحيحِ، مِن الإِحلالِ للزَّوْجِ الأوَّلِ، وكَوْنِه حَلالًا.

3194 -

مسألة: وإنِ اخْتارَتِ الفَسْخَ قبلَ الدُّخُولِ، فلا مَهْرَ لها.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.
وعن أحمدَ، أنَّ للسَّيِّدِ نِصْفَ المَهْرِ.
اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه وَجَب للسَّيِّدِ، فلا يَسْقُطُ بفِعْلِ غيرِه.
ولَنا، أنَّ الفُرْقَةَ جاءَتْ مِن قِبَلِها، فيَسْقُطُ مَهْرُها، كما لو أسْلَمَتْ أو ارْتَدَّتْ، أو أرْضَعَتْ مَن يَفْسَخُ نِكاحَها رَضاعُه

1218. وقولُه: وَجَب للسَّيِّدِ.
قُلْنا: لكنْ بواسِطَتِها، ولهذا سَقَط نِصْفُه بفَسْخِها، وجَمِيعُهُ بإسْلامِها ورِدَّتِها.
فصل: ولو كانت مُفَوّضَةً ففُرِضَ لها (1) مَهْرُ المِثْلِ، فهو للسَّيِّدِ

الحديث: 3194 - الجزء: 20 - الصفحة: 468

وَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَينِ وَهُوَ مُعْسِرٌ، فلَا خِيَارَ لَهَا.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: لَهَا الْخِيَارُ.
أيضًا؛ لأنَّه وَجَب بالعقدِ في مِلْكِه لا بالفَرْضِ، ولذلك لو ماتَ أحدُهما، وَجَب، والموتُ لا يُوجِبُ، فدَلَّ على أنَّه وَجَب بالعقدِ.
وإن كان الفَسْخُ قبلَ الدُّخُولِ والفَرْضِ، فلا شيءَ، إلَّا على الرِّوايةِ الأُخْرَى، يَنْبَغِي أن تَجِبَ المُتْعَةُ؛ لأنَّها تَجِبُ بالفُرْقَةِ قبلَ الدُّخُولِ في مَوْضِعٍ لو كان مُسَمًّى وَجَب نِصْفُه.

3195 -

مسألة: (وإن أعْتَقَ أحدُ الشَّرِيكَينِ وهو مُعْسِرٌ، فلا خِيارَ لها. وقال أبو بكرٍ: لها الخِيارُ)

لأنَّ عِتْقَ المُعْسِرِ لا يَسْرِي، بل يَعْتِقُ منها ما أعْتَقَ، وباقِيها رقِيقٌ، فلا تَكْمُلُ حُرِّيَّتُها، فلا يَثْبُتُ لها الخيارُ حينَئذٍ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وعن أحمدَ أنَّ لها الخِيارَ.
حَكاها أبو بكرٍ،

الحديث: 3195 - الجزء: 20 - الصفحة: 469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واختارَها؛ لأنَّها أكمَلُ منه، فإنَّها تَرِثُ وتُورَثُ، وتَحْجُبُ بقَدْرِ ما فيها مِن الحُرِّيَّةِ.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، أنَّه لا نصَّ في المُعْتَقِ بعضُها، ولا هي في معنى الحُرَّةِ الكاملةِ؛ لأنَّ الحُرَّةَ كاملةُ الأحْكامِ، ولأنَّ العقدَ صحيحٌ، فلا يُفْسَخُ بالمُخْتَلَفِ فيه، وهذه مُخْتَلَفٌ فيها، وعَلَّلَ 1219 أحمدُ، رَضِيَ اللهُ عنه، إذا عَتَقَتْ وروْجُها حرٌّ بهذِه العِلَّةِ.
فأمَّا إن كان المُعْتِقُ مُوسِرًا، سَرَى إلى بَاقِيها، فعَتَقَتْ كلُّها، وثَبَت لها الخِيارُ.
فصل: ولو زَوَّجَ أمَةً قِيمَتُها عَشَرَةٌ بصَداقٍ عشرينَ، ثم أعْتَقَها في مَرَضِه بعدَ الدُّخولِ بها، ثم ماتَ، ولا يَمْلِكُ غيرَها وغيرَ مَهْرِها بعدَ

الجزء: 20 - الصفحة: 470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اسْتِيفائِه، عَتَقَتْ؛ لأنَّها تَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، وإن لم [يَكُنْ قَبَضَه] 1220، عَتَق في الحالِ ثُلُثُها.
وفي الخِيارِ لها وَجْهان.
فكلَّما اقْتَضَى مِن مَهْرِها شيئًا، عَتَق منها بقَدْرِ ثُلُثِه، فإذا اسْتُوفِيَ كلُّه، عَتَقَتْ كلُّها، ولها الخِيارُ حينئذٍ عندَ مَن لم يُثْبِتْ لها الخيارَ قبلَ ذلك.
فإن كان زَوْجُها وَطِئَها قبلَ اسْتِيفاءِ مَهْرِها، بَطَل خِيارُها عندَ مَن جَعَل لها الخِيارَ حينئذٍ؛ لأنَّها أسْقَطَتْه بتَمْكِينِه مِن وَطْئِها.
وعلى قولِ الخِرَقِيِّ، لا يَبْطُلُ؛ لأنَّها مَكَّنَتْه منه قبلَ ثُبوتِ الخيارِ لها، فأشْبَهَ ما لو مَكَّنَتْ منه قبلَ عِتْقِها.
فأمَّا إن عَتَقَتْ قبلَ الدُّخولِ بها، فلا خِيارَ لها على قولِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّ فَسْخَها للنِّكاحِ يَسْقُطُ به صَداقُها، فيَعْجِزُ الثُّلُثُ عن كَمالِ قِيمَتِها، فيَرِقُّ ثُلُثَاها، ويَسْقُطُ خِيارُها، فيُفْضِي إثْباتُ الخِيارِ لها إلى إسقاطِه، فيَسْقُطُ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وعندَ أبي بكرٍ، لها الخيارُ.
فعلى قولِ مَن أوْجَبَ لسَيِّدِها نِصْفَ المَهْرِ، يَعْتِقُ ثُلُثَاها إذا اسْتُوفِيَ، وعلى قولِ مَن أسْقَطَ، يَعْتِقُ ثُلُثُها.

الجزء: 20 - الصفحة: 471

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن عَتَقَ زَوْجُ الأمَةِ، لم يَثْبُتْ لها خِيارٌ؛ لأنَّ عَدَمَ الكَمالِ في الزَّوْجَةِ 1221 لا يُؤثِّرُ في النِّكاحِ، ولذلك لا تُعْتَبَرُ الكَفاءةُ إلَّا في الرجلِ دونَ المرأةِ، فلو تزَوَّجَ امرأةً مُطْلَقًا فبانَتْ أمَةً، لم يَكُنْ له الخِيارُ، ولو تَزَوَّجَتِ المرأةُ رجلًا مُطْلَقًا فبانَ عبدًا، فلها الخِيارُ، فكذلك في الاسْتِدامَةِ، لكنْ إن عَتَقَ ووَجَدَ [الطولَ لحرَّةٍ] 1222، فهل يَبْطُلُ نِكاحُه؟ على وَجْهَين، مَضَى ذِكْرُهما.
فصل: إذا عَتَقَتِ الأمَةُ فقالت لزَوْجِها: زِدْني في مَهْرِي.
ففَعَلَ، فالزيادةُ لها دونَ سَيِّدِها، سَواءٌ كان زَوْجُها حُرًّا أو عبدًا، وسَواءٌ عَتَقَ معها أو لم يَعْتِقْ.
نَصَّ عليه أحمدُ، فيما إذا زَوَّجَ عبدَه مِن 1223 أمَتِه ثم أُعْتِقا 1224 جَمِيعًا، فقالتِ الأمَةُ: زِدْني في مَهْرِى.
فالزيادةُ للأمَةِ لا للسَّيِّدِ.
فقيلَ: أرَأْيتَ إن كان الزَّوْجُ لغيرِ السَّيِّدِ، لمَن تكونُ الزِّيادَةُ؟ قال: للأمَةِ.
وعلى قِياسِ هذا، لو زَوَّجَها سَيِّدُها، ثم باعَها، فزادَها زَوْجُها في مَهْرِها، فالزِّيادَةُ للثاني.
وقال القاضي: الزيادةُ للسَّيِّدِ 1225 المُعْتِقِ في المَوْضِعَين،

الجزء: 20 - الصفحة: 472

وَإِنْ عَتَقَ الزَّوْجَانِ مَعًا، فَلَا خِيَارَ لَهَا.
وَعَنْهُ، يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُمَا.
على قِياسِ المذهبِ؛ لأنَّ مِن أصْلِنا أنَّ الزيادةَ في الصَّداقِ تَلْحَقُ بالعقدِ الأوَّلِ، فتكونُ كالمَذْكُورِ فيه.
قال شيخُنا (1): والذي قُلْناه أصَحُّ؛ لأنَّ المِلْكَ في الزِّيادَةِ [إنَّما يَثْبُتُ] (2) حال وُجودِها بعدَ زَوال مِلْكِ سَيِّدِها عنها، فيكونُ لها، كَكَسْبِها (3) والمَوْهُوبِ لها.
وقولُنا: إنَّ الزيادةَ تَلْحَقُ بالعقد.
معناه أنها تَلْزَمُ ويَثْبُتُ المِلْكُ فيها (4)، ويَصِيرُ الجميعُ صَداقًا، وليس معناه أنَّا تَبَيَّنَّا أنَّ المِلْكَ كان ثابِتًا فيها وكان لسَّيِّدِها، فإنَّ هذا مُحالٌ؛ لأنَّ سَبَبَ مِلْكِ هذه الزيادةِ وُجِدَ بعدَ العِتْقِ، فلا يَجُوزُ أن يَتَقَدَّمَ المِلْكُ عليه؛ لأنَّه يُؤَدِّي إلى تَقَدُّمِ الحُكْمِ قبلَ سَبَبِه، ولو كان المِلْكُ ثابتًا للمُعْتِقِ فيه حينَ التَّزْويجِ للَزِمَتْه زَكاتُه، وكان له نَماؤُه.
وهذا أظْهَرُ مِن أن نُطِيلَ فيه.

3196 -

مسألة: (وإن عَتَقَ الزَّوْجان معًا، فلا خِيارَ لها. وعنه يَنْفَسِخُ نِكاحُهما)

اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في ذلك،1226122712281229

الحديث: 3196 - الجزء: 20 - الصفحة: 473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فالمشهورُ عنه أنَّه لا خِيارَ لها، والنكاحُ بحالِه، سَواءٌ أَعْتَقَهما واحدٌ أو اثنان.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وعنه، لها الخيارُ؛ لأنَّها كَمَلَتْ بالحُرِّيَّةِ تحتَ مَن لم يَسْبِقْ له حُرِّيَّةٌ، فمَلَكَتِ الفَسْخَ، كما لو عَتَقَتْ قبلَه.
والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ حُرِّيَّةَ العبدِ لو طَرَأتْ بعدَ عِتقِها [لمَنَعَتِ الفَسْخَ] 1230، فإذا قارنتْ 1231 كان أوْلَى أن تمْنَعَ، كإسلامِ الزَّوْجَين.
وجمنه رِوايةٌ ثالثةٌ، إن أُعْتِقا 1232، انْفَسَخَ نِكاحُهُما؛ لأنَّ العِتْقَ معنى يُزِيلُ المِلْكَ عنهما لا إلى مالكٍ، فجازَ أن تَقَعَ به الفُرْقَةُ، كالموتِ، ولأنَّهْ لا يَمْتَنِعُ أن لا تَحْصُلَ الفرقةُ بوُجودِه مِن أحدِهما، و 1233 تَحْصُلَ بوجودِه منهما، كاللِّعانِ والإِقالةِ في البَيعِ.
وقال شيخُنا 1234: معناه -واللهُ أعلمُ- أنَّه إذا وَهَب لعبدِه سُرِّيَّة، وأذِنَ له في التَّسَرِّي بها، ثم أعْتَقَهما جميعًا، صارَا حُرَّين، وخَرَجَتْ عن [مِلْكِ العبدِ] 1235، فلم يَكُنْ له إصابَتُها إلَّا بنِكاحٍ جديدٍ، هكذا روَى

الجزء: 20 - الصفحة: 474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جَماعَةٌ مِن أصحابِه، في مَن وَهَبَ عبدَه سُرِّيَّةً، أو اشْتَرَى له سُرِّيَّةً، ثم أعْتَقها، لا يَقْرَبُها إلَّا بِنِكاحٍ جديدٍ.
واحْتَجَّ أحمدُ بما روَى 1236 نافِعٌ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ [عبدًا له] 1237 كان له سُرِّيَّتان، فأعْتَقَهما وأعْتَقَه، فنَهاهُ أن يَقْرَبَهما إلَّا بنِكاحٍ جديدٍ 1238. ولأنَّها بإعْتاقِها خَرَجَتْ عن أن تكونَ مَمْلُوكَةً، فلم يُبَحْ له التَّسَرِّي بها، كالحُرَّةِ الأصْلِيَّةِ.
وأمَّا إذا كانتِ امرأتَه 1239، فعَتَقَا، لم يَنْفَسِخْ نِكاحُه بذلك؛ لأنَّه إذا لم يَنْفَسِخْ [بإعْتاقِها وحدَها، فلَأن لا يَنْفسِخَ بإعْتاقِهِما معًا أوْلَى.
ويَحْتَمِلُ أنَّ أحمدَ إنَّما أرادَ بقولِه: انْفَسَخَ] 1240 نِكاحُهما.
أنَّ لها فَسْخَ النِّكاحِ.
ويُخَرَّجُ هذا على الرِّوايةِ التي تقولُ بأنَّ 1241 لها الفَسْخَ إذا كان زَوْجُها حُرًّا فعَتَقَتْ تحتَه 1242.

الجزء: 20 - الصفحة: 475

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويُسْتَحَبُّ لمَن له عبدٌ وأمَةٌ مُتَزَوِّجان، فأرادَ عِتْقَهُما، البدايةُ بالرجلِ؛ لِئلَّا يَثْبُتَ للمرأةِ خِيارٌ عليه، فيُفْسَخَ نِكاحُه.
وقد روَى أبو داودَ 1243، والأثْرَمُ، بإسنادِهما عن عائشةَ، أَنه كان لها غُلامٌ وجاريةٌ،

الجزء: 20 - الصفحة: 476

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فتَزَوَّجا 1244، فقالت للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنِّي أُرِيدُ أن أُعْتِقَهما.
فقال لها: «ابْدَئِي بِالرَّجُلِ قَبْلَ الْمَرأَةِ».
وعن صَفِيَّةَ بنتِ أبي عُبْيَدٍ أنَّها فَعَلَتْ ذلك، وقالت للرجلِ: إنِّي بَدَأْتُ بعِتْقِك؛ لِئلَّا يكونَ لها عليك خِيارٌ 1245. واللهُ أعلمُ.

الجزء: 20 - الصفحة: 477

بَابُ حُكْمِ الْعُيُوبِ فِي النِّكَاحِ

الْعُيُوبُ الْمُثْبِتَةُ لِلْفَسْخِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا، مَا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ، وَهُوَ شَيئَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَجْبُوبًا قَدْ قُطِعَ ذَكَرهُ، أَو لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إلا مَا لَا يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِهِ،  بَابُ حُكْمِ العُيُوبِ فِي النِّكاحِ (العُيوبُ المُثْبِتَةُ للفَسْخِ ثلاثةُ أقْسامٍ أحدُها، ما يَخْتَصُّ بالرجالِ، وهو شيئان؛ أحدُهما، أن يكونَ الرجلُ مَجْبُوبًا قد قُطِعَ ذَكَرُه ولم يَبْقَ منه إلَّا ما لا يُمْكِنُ الجِماعُ به) الكلامُ في العيوبِ المُثْبِتَةِ لفَسْخِ النِّكاحِ للمرأةِ والرجلِ، إذا اخْتارَ ذلك، في أربعةِ فصولٍ؛ أحدُها، أنَّ خِيارَ الفَسْخِ يَثْبُت لكلِّ واحدٍ مِن الزَّوْجَين للعَيبِ يَجِدُه في الآخَرِ في الجملةِ.
رُوِيَ ذلك عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، وابنِه، وابنِ عباس، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال جابرُ بنُ زيدٍ، والشافعيُّ، وإسحاقُ.
ورُوِيَ عن عليٍّ: لا تُرَدُّ الحُرَّةُ بعَيبٍ.
وبه قال [النَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وعن ابن مسعودٍ، لا يُفْسَخُ النِّكاحُ بعَيبٍ.
وبه قال] 1246 أبو حنيفةَ، وأصحابُه، إلَّا أن يكونَ الرجلُ مَجْبُوبًا أو عِنِّينًا، فإنَّ للمرأةِ الخِيارَ، فإنِ اخْتارتِ

الجزء: 20 - الصفحة: 479

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفِرَاقَ، فَرَّقَ الحاكمُ بينَهما بطَلْقَةٍ، ولا يكونُ فَسْخًا؛ لأنَّ وُجُودَ العَيب لا يَقْتَضِي فَسْخَ النِّكاحِ، كالعَمَى والزَّمانةِ وسائرِ العُيُوبِ.
ولَنا، أنَّ المُخْتَلَفَ فيه يَمْنَعُ الوَطْءَ، فأثْبَتَ الخِيارَ، كالجَبِّ والعُنَّةِ، ولأنَّ المرأةَ أحدُ العِوَضَين في النِّكاحِ، فجاز رَدُّها بعَيبٍ، كالصَّداقِ، أو أحدُ العِوَضَين في عَقْدِ النكاحِ، فجاز رَدُّه بالعَيبِ، أو أحَدُ الزَّوْجَين، فيَثْبُتُ له الخِيارُ بالعَيبِ في الآخَرِ، كالمرأةِ.
فأمَّا العَمَى والزَّمَانَةُ ونحوُهما، فلا يَمْنَعُ المقصودَ بعقدِ النِّكاحِ، وهو الوَطْءُ، بخِلافِ العُيُوبِ المُخْتَلَفِ فيها.
فإن قيلَ: فالجُذامُ والجُنُونُ والبَرَصُ لا يَمْنَعُ الوَطْءَ.
قُلْنا: بل يَمْنَعُه؛ فإنَّ ذلك يُوجِبُ نفْرَةً تَمْنَعُ مِن قُرْبانِه بالكُلِّيَّةِ، ويُخافُ منه التَّعَدِّي إلى نَفْسِه ونَسْلِه، والمَجْنُونُ 1247 يُخافُ منه الجِنايةُ، فصارَ كالمانِعِ الحِسِّيِّ.
الثاني، [في عَدَدِ] 1248 العيوبِ المُجَوِّزَةِ للفَسْخِ، وهي ثمانيةٌ؛ اثْنان يَخْتَصَّان الرجلَ؛ وهما الجَبُّ، والعُنَّةُ.
وثَلاثةٌ تَخْتَصُّ المرأةَ؛ وهي الفَتْقُ، والقَرْنُ، والعَفَلُ.
وثلاثةٌ يَشْتركُ فيها الزَّوْجان؛ وهي الجُذَامُ والجُنُونُ والبَرَصُ.
وهكذا ذَكَرَها الخِرَقِيُّ.
وقال القاضي: هي سَبْعةٌ.
جَعَل القَرْنَ والعَفَلَ شيئًا واحدًا، وهو الرَّتْقُ أيضًا 1249، وذلك لَحْمٌ يَنْبُتُ في الفَرْجِ، وحَكَى ذلك عن (3) أهلِ الأدَبِ.
وحُكِيَ نحوُه

الجزء: 20 - الصفحة: 480

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن أبي بكرٍ، وذَكَرَه أصحابُ الشافعيِّ.
وقال الشافعيُّ: القَرنُ عَظْمٌ في الفَرْجِ يَمْنَعُ الوَطْءَ.
وقال 1250 غيرُه: لا يكونُ في الفَرْجِ عَظْمٌ، إنَّما هو لَحْمٌ يَنْبُتُ فيه.
وحُكِيَ عن أبي حفْصٍ؛ أنَّ العَفَلَ كالرّغْوَةِ 1251 في الفَرْجِ، يَمْنَعُ لَذَّةَ الوَطْءِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: الرَّتْقُ أن يكونَ الفَرْجُ مَسْدُودًا.
يعني مُلْتَصِقًا لا يَدْخُلُ الذَّكَرُ فيه.
والقَرِنُ والعَفَلُ لَحْمٌ يَنْبُتُ في الفَرْجِ فيَسُدُّه، فهما في مَعْنَى الرَّتْقِ، إلَّا أنَّهما نوْعٌ آخَرُ.
وأمَّا الفَتْقُ فهو انْخِراقُ ما بينَ السَّبِيلَين.
وقيل: انخِرَاقُ ما بينَ مَخْرَجِ البَوْلِ والمَنِيِّ.
وذَكَرَها أصحابُ الشافعيِّ سَبْعَةً، أسْقَطُوا منها الفَتْقَ، ومنهم مَن جَعَلَها سِتَّةً، وجَعَل القَرْنَ والعَفَلَ شيئًا واحدًا.
وإنَّما اخْتصَّ الفَسْخُ بهذه العُيُوبِ؛ لأنَّها تَمْنَعُ الاسْتِمْتاعَ المَقْصُودَ بالنِّكاحِ، فإنَّ الجُذامَ والبَرَصَ يُثِيران نَفْرَةً في النَّفْسِ تَمْنَعُ قُرْبانَه، ويُخْشَى تعَدِّيه إلى النَّفْسِ والنَّسْلِ، فيَمْنَعُ الاسْتِمْتاعَ، والجُنُونُ يُثِيرُ نَفْرَةً ويُخْشَى ضَرَرُه، والجَبُّ والرَّتْقُ يَتَعَذَّرُ معهما 1252 الوَطْءُ، والفَتْقُ يَمْنَعُ لَذَّةَ الوَطْءِ وفائِدَتَه، وكذلك العَفَلُ، على قولِ مَن فَسَّرَه بالرّغوَةِ.
فصل: فإنِ اخْتَلَفَا في وُجُودِ العَيبِ، كمَن بجَسَدِه بَياضٌ يُمْكِنُ أن يكونَ بَهَقًا أو مرارًا 1253، واخْتَلَفَا في كونِه بَرَصًا، أو كانت به علاماتُ

الجزء: 20 - الصفحة: 481

فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي إِمْكَانِ الْجِمَاعِ بِالْبَاقِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ.
الجُذامِ، مِن ذَهابِ شَعَرِ الحاجِبَين، فاخْتَلَفَا في كونِه جُذامًا، فإن كانت للمُدَّعِي بَيِّنَةٌ مِن أهلِ الخِبْرَةِ والثِّقَةِ، يَشْهَدان بما قال، ثَبَت قولُه، وإلَّا حَلَف المُنْكِرُ، والقولُ قولُه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ» (1). وإنِ اخْتَلَفَا في عُيُوبِ النِّساءِ، أُرِيَتِ النِّساءَ الثِّقَاتِ، ويُقْبَلُ فيه قولُ امرأةٍ واحدةٍ، فإن شَهِدَتْ بما قال الزَّوْجُ، وإلَّا فالقولُ قولُ المرأةِ.
وأمَّا الجُنُونُ، فإنَّه يُثْبِتُ الخِيارَ، سَواءٌ كان مُطْبِقًا (2) أو كان يُجَنُّ في الأحْيانِ؛ لأنَّ النَّفْسَ لا تَسْكُنُ إلى مَن هذه حالُه، إلَّا أن يكونَ مريضًا يُغْمَى عليه ثم يَزُولُ، فذلك مَرَضٌ لا يَثْبُت به خِيارٌ.
فإن زَال المَرَضُ ودام به الإِغْماءُ، فهو كالجُنُونِ، يَثْبُتُ به الخِيارُ.

3197 -

مسألة: (فإنِ اخْتَلَفَا في إمْكانِ الجِماعِ)

بما بَقِيَ مِن ذَكَرِه، (فالقَوْلُ قَوْلُ المرأةِ) لأنَّه يَضْعُفُ بالقَطْعِ، والأصْلُ عَدَمُ الوَطْءِ (ويَحْتِملُ أنَّ القولَ قولُه) كما لو ادَّعَى الوَطْءَ في العُنَّةِ، ولأنَّ له ما يُمْكِنُ الجماعُ بمِثْلِه، فأشْبَهَ مَن له ذَكَرٌ قَصِيرٌ.12541255

الحديث: 3197 - الجزء: 20 - الصفحة: 482

الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ عِنِّينًا لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ،  (الثاني، أن يكونَ عِنِّينًا) العِنِّينُ؛ هو العاجزُ عن إيلاجِ ذَكَرِه.
وهو مَأْخُوذٌ مِن: عَنَّ.
أي اعْتَرِضَ؛ لأنَّ ذَكَرَه يَعِنُّ إذا أرَادَ إيلاجَه، أي يَعْتَرِضُ.
وقيلَ: لأنَّه يَعِنُّ لقُبُلِ المرأةِ، مِن 1256 عن يَمِينِه وشِمالِه، فلا يَقْصِدُه.
فإذا كان الرجلُ كذلك فهو عَيبٌ به، وتَسْتَحِقُّ به المرأةُ فَسْخَ النِّكاحِ، بعدَ أن تُضْرَبَ له مُدَّةٌ يُخْتَبَرُ فيها، ويُعْلَمُ حالُه بها.
وهذا قولُ عمرَ، وعثمانَ، وابنِ مسعودٍ، والمُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعطاءٌ، وعمرُو بنُ دينارٍ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، وحَمَّادُ بنُ أبي سليمانَ.
وعليه فَتْوَى فُقَهاءِ الأمْصارِ؛ منهم مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ.
وشَذَّ الحَكَمُ [بنُ عُتَيبَةَ] 1257، وداودُ، فقالا: لا يُؤَجَّلُ، وهي امرأتُه.

الجزء: 20 - الصفحة: 483

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه؛ لأنَّ امرأةً أتَتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ رِفاعَةَ طَلَّقَنِي، فبَتَّ طَلاقِي، فتَزَوَّجْتُ بعبدِ الرحمنِ بنِ الزَّبِيرِ، وإنَّما له مثلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ.
فقال: «تُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعي إلى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيلَتَهُ 1258، ويَذُوقَ عُسَيلَتَكِ» 1259. ولم يَضْرِبْ له مُدَّةً.
ولَنا، ما رُوِيَ أنَّ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عن، أجَّلَ العِنِّينَ سَنَةً.
وروَى ذلك الدَّارَقُطْنِيُّ 1260، عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، والمُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ.
ولا مُخالِفَ لهم.
ورَواه أبو حَفْصٍ عن عليٍّ 1261. ولأنَّه عَيبٌ يَمْنَعُ الوَطْءَ، فأثْبَتَ الخِيارَ، كالجَبِّ في الرجلِ، والرَّتْقِ في المرأةِ.
فأمَّا الخَبَرُ، فلا حُجَّةَ لهم فيه؛ فإنَّ المُدَّةَ إنَّما تضْرَبُ 1262 له مع اعْتِرافِه، وطَلَبِ المرأةِ ذلك، ولم يُوجَدْ واحدٌ منهما.
وقد رُوِيَ أنَّ الرجلَ أنْكَرَ ذلك، وقال: إنِّي

الجزء: 20 - الصفحة: 484

فَإِنِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ، أُجِّلَ سَنَةً مُنْذُ تُرَافِعُهُ، فَإِنْ وَطِئَ فِيهَا، وَإِلَّا  لأعْرُكُها عَرْكَ الأدِيمِ (1). قال ابنُ عبدِ البرِّ (2): وقد صَحَّ أنَّ ذلك كان بعدَ طَلاقِه، فلا مَعْنَى لضَرْبِ المُدَّةِ.
[وصَحَّحَ ذلك] (3) قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ».
ولو كان قبلَ طَلاقِه لَما كان ذلك إليها.
وقيلَ: إنَّها ذَكَرَتْ ضَعْفَه، وشَبَّهَتْه بهُدْبَةِ الثَّوْبِ مبالغةً، ولذلك قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «حَتَّى تَذُوقي عُسَيلَتَه».
والعاجِزُ عن الوَطْءِ لا يَحْصُلُ منه ذلك.

3198 -

مسألة: فإنِ ادَّعَتْ ذلك، أُجِّلَ سنةً مُنْذُ تُرافِعُه.

وجملةُ ذلك، أنَّ المرأةَ إذا ادَّعَتْ عَجْزَ زَوْجِها عن وَطْئِها لعُنَّةٍ، سُئِلَ عن ذلك، فإن أنْكَرَ وهي عَذْراءُ، فالقولُ قولُها، وإن كانت ثَيِّبًا، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، في ظاهرِ المذهبِ؛ لأنَّ الأصْلَ السَّلامَةُ، ولأنَّ هذا أمْرٌ لا يُعْرَفُ إلَّا مِن جِهَتِه.
وقال القاضي: هل يُسْتَحْلَفُ؟ على وَجْهَين، بِناءً على دَعْوَى الطَّلاقِ.
3199 -

مسألة: (فإنِ اعْتَرَفَ بذلك)،

أو قامت بَيِّنَةٌ على إقْرارِه به، فأنْكَرَ، فطَلَبَتْ يَمِينَه فنَكَلَ، ثَبَت عَجْزُهُ (ويُؤَجَّلُ سَنَةً) في قولِ126312641265

الحديث: 3198 - الجزء: 20 - الصفحة: 485

فَلَهَا الْفَسْخُ،  عامَّةِ أهلِ العلمِ.
[وعن الحارثِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي رَبِيعَةَ] 1266، أنَّه أجَّلَ رجلًا عَشَرَةَ أشْهُرٍ.
ولَنا، قولُ مَن سَمَّينا مِن الصحابَةِ، ولأنَّ هذا العَجْزَ قد يكونُ لعُنَّةٍ، وقد يكونُ لمَرَضٍ، فضُرِبَ له سَنَةٌ، لتَمُرَّ به الفصولُ الأرْبَعَةُ، فإن كان مِن يُبْسٍ زَال في فصلِ الرُّطُوبَةِ، وإن كان مِن رُطوبَةٍ زَال في فصلِ اليُبْسِ، وإن كان مِن بُرودَةٍ 1267 زَال في فَصْلِ الحَرارَةِ، وإن كان مِن انْحِرافِ مِزاجٍ زَال في فصلِ الاعْتِدالِ.
فإذا مَضَتِ الفُصولُ الأرْبعةُ، واخْتَلَفَتْ عليه 1268 الأهْويَةُ فلم يَزُلْ، عُلِمَ أنَّه خِلْقَةٌ.
وحُكِيَ

الجزء: 20 - الصفحة: 486

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن أبي عُبَيدٍ أنَّه قال: أهلُ الطِّبِّ يقولون: الدَّاءُ لا يَسْتَجِنُّ في البَدَنِ أكثرَ مِن سَنَةٍ، ثم يَظْهَرُ.
وابْتِداءُ السَّنَةِ منذُ تُرافِعُه.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 1269: على هذا جماعةُ القائلين بتأْجِيلِه، قال مَعْمَرٌ، في حديثِ عمرَ: يُؤَجَّلُ سَنَةً مِن يومِ تُرافِعُه 1270. فإذا انْقَضَتِ المُدَّةُ، فلم يَطَأْ، فلها الخِيارُ في فَسْخ النِّكاحِ.

الجزء: 20 - الصفحة: 487

فَإِنِ اعْتَرَفَتْ أَنَّهُ وَطِئَهَا مَرَّةً، بَطَلَ كَوْنُهُ عِنِّينًا،

3200 - مسألة: (فإنِ اعْتَرَفَتْ أنَّه وَطِئَها مَرَّةً، بَطَل كَوْنُه عِنِّينًا)

أكثرُ أهلِ العلمِ على هذا، يقولون: متى وَطِئَ امْرَأتَه مرةً، ثم ادَّعَتْ عَجْزَه، لم تُسْمَعْ دَعْوَاها، ولم تُضْرَبْ له مُدَّة.
منهم عَطاءٌ، وطاوُسٌ، والحسنُ، ويَحْيَى الأنْصَارِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وعمرُو بنُ دينارٍ، وقَتادَةُ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال أبو ثَوْرٍ: إذا عَجَز عن وَطْئِها أُجِّلَ لها 1271؛ لأنَّه عَجَزِ عن وَطْئِها، فثَبَتَ حَقُّها، كما لو وَجَب بعدَ الوَطْءِ.
ولَنا، أنَّه قد تَحَققَت قُدْرَتُه على الوَطْءِ في هذا النِّكاحِ، وزَوالُ عُنَّتِه، فلم تُضْرَبْ له مُدَّةٌ، كما لو لم يَعْجِزْ 1272، ولأنَّ حُقُوقَ الزَّوْجِيَّةِ، مِن اسْتَقْرارِ المَهْرِ والعِدَّةِ، تَثْبُتُ بوَطْءٍ واحدٍ، وقد وُجِدَ.
[وأمّا الجَبُّ] 1273، فإنَّه يَتَحَقَّقُ به العَجْزُ 1274، فافْتَرَقَا.
فصل: وإن عَلِمَتْ أنَّ عَجْزَه عن الوَطْءِ لعارِضٍ؛ مِن صِغَرٍ، أو

الحديث: 3200 - الجزء: 20 - الصفحة: 489

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَرَضٍ مَرْجُوِّ الزَّوال، لم تُضْرَبْ له مُدَّةٌ؛ لأنَّ ذلك عارِضٌ يَزُولُ، والعُنَّةُ لا تَزُولُ؛ لأنَّها، جِبِلَّةٌ وخِلْقَةٌ.
وإن كان لكِبَرٍ، أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه، ضُرِبَتْ له المُدَّةُ؛ لأنَّه في مَعْنَى مَن خُلِقَ كذلك.
وإن كانِ لِجَبٍّ، أو شَلَلٍ، ثَبَت الخِيارُ في الحالِ؛ لأنَّ الوَطْءَ مَأْيُوسٌ منه، فلا مَعْنَى لانتِظَارِه.
وإن كان قد بَقِيَ مِن الذَّكَرِ ما لا 1275 يُمْكِنُ الوَطْءُ به، [فالأَوْلَى ضَرْبُ المُدَّةِ له؛ لأنَّه في مَعْنَى العِنِّينِ خِلْقَةً.
وإنِ اخْتُلِفَ في القَدْرِ الباقي هل يُمْكِنُ الوَطْءُ به] 1276 أو لا؟ رُجِع إلى أهلِ الخِبْرَةِ في ذلك.
فصل: والوَطْءُ الذي يَخْرُجُ به مِن العُنَّةِ، هو تغْيِيبُ الحَشَفَةِ في الفَرْجِ؛ لأنَّ الأحكامَ المُتَعَلِّقَةَ بالوَطْءِ تَتَعَلَّقُ به، فإن كان الذَّكَرُ مَقْطُوعَ الحَشَفَةِ، كَفاهُ تَغْيِيبُ قَدْرِ الحَشَفَةِ مِن الباقِي، في أحدِ الوَجْهَين، ليكون ما يَجْرِي مِن المَقْطوعِ مثلَ ما يَجْرِي مِن الصحيحِ.
والثاني، لا يَخْرُجُ

الجزء: 20 - الصفحة: 490

وَإِنْ وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ، أَوْ وَطِئَ غَيرَهَا، لَمْ تَزُلِ الْعُنَّةُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَزُولَ.
مِن العُنَّةِ إلَّا بتَغْيِيبِ جميعِ الباقِي؛ لأنَّه (1) لا حَدَّ ههُنا يُمْكِنُ اعْتِبارُه، فاعْتُبِرَ تَغْيِيبُ جميعِه؛ لأنَّه المَعْنَى الذي يَتَحَقَّقُ به حصولُ حُكْمِ الوَطْءِ.
وللشافعيِّ قَوْلان كهذَين.

3201 -

مسألة: (وإن وَطِئَها في الدُّبُرِ، أو وَطِئَ غَيرَها، لم تَزُلِ العُنَّةُ. ويَحْتَمِلُ أن تَزُولَ)

لأنَّ الدُّبُرَ ليس مَحَلًّا للوَطْءِ، فأشْبَهَ الوَطْءَ فيما دونَ الفَرْجِ، ولذلك لا يَتَعَلَّقُ به الإِحلالُ للزَّوْجِ الأوَّلِ، ولا الإِحْصانُ.
وإن وَطِئَها في القُبُلِ حائضًا، أو نُفَسَاءَ، أو مُحْرِمَةً، أو صَائِمَةً، خَرَج عن العُنَّةِ.
وذَكَر القاضي أنَّ قِياسَ المذهبِ، أن لا يَخْرُجَ عن العُنَّةِ؛ لنَصِّ أحمدَ على أنَّه لا يَحْصُلُ به [الإِحْصانُ و] 1278 الإِباحَةُ للزَّوجِ الأوَّلِ، ولأنَّه وَطْءٌ مُحَرَّمٌ، أشْبَهَ الوَطْءَ في الدُّبُرِ.
ولَنا، أنَّه وَطْءٌ في مَحَلِّ1277

الحديث: 3201 - الجزء: 20 - الصفحة: 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَطْءِ، [فخَرَجَ به عن العُنَّةِ، كما لو وَطِئَها وهي مريضَةٌ يَضُرُّها الوَطْءُ، ولأنَّ العُنَّةَ العَجْزُ عن الوَطْءِ، فلا يَبْقَى مع وُجودِ الوَطْءِ] 1279؛ لأنَّ العَجْزَ ضِدُّ القُدْرَةِ، فلا يَبْقَى مع وجُودِ ضِدِّه.
وما ذَكَرَه غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ تلك الأحْكَامَ يجوزُ أن تَنْتَفِيَ 1280 مع وجُودِ سببِها لمانِعٍ، أو فواتِ شَرْطٍ، والعُنَّةُ لنى نَفْسِها أمْرٌ حَقِيقِيٌّ، لأ يُتَصَوَّرُ بقَاؤُه مع انْتِفائِه.
وأمّا الوَطْءُ في الدُّبُرِ، فليس بوَطْءٍ في مَحَلِّه، بخِلافِ مسألتِنا.
وفيه قولٌ، أنَّ العُنَّةَ تَزُولُ به.
اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّه أصْعَبُ، فمَن قَدَر عليه فهو على غيرِه أقْدَرُ.
فصل: فإن وَطِئَ امْرَأَةً، لم يَخْرُجْ به مِن العُنَّةِ في حَقِّ غيرِها.
واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ أنَّه يَخْرُجُ عن العُنَّةِ في حَقِّ جميعِ النِّساءِ، فلا تُسْمَعُ دَعْوَاها عليه منها ولا مِن غيرِها.
وهذا مُقْتَضَى قولِ أبي بكرٍ، وقولِ بَن قال:

الجزء: 20 - الصفحة: 492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إنَّه يُخْتَبَرُ بتَزْويجِ امرأةٍ أُخْرَى.
ويُحْكَى ذلك عن سَمُرَةَ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، قالوا: لأنَّ العُنَّةَ خِلْقَةٌ وجِبِلَّةٌ لا تَتَغَيَّرُ بتَغَيُّرِ النِّساءِ، فإذا انْتَفَتْ في حَقِّ امرأةٍ، لم تَبْقَ في حَقِّ غيرِها.
ولَنا، أنَّ حُكْمَ كلِّ امرأةٍ مُعْتَبَرٌ بنفسِها، ولذلك لو ثَبَتَتْ عُنَّتُه في حَقِّهِنَّ، فرَضِيَ بعْضُهُنَّ، سَقَط حَقُّها وحدَها دونَ الباقياتِ، ولأنَّ الفَسْخَ لدَفْعِ الضَّرَرِ الحاصلِ بالعَجْزِ عن وَطْئِها، وهو ثابتٌ في حقِّها لا يَزُولُ بوَطْءِ غيرِها.
وقولُه: كيفَ يَصِحُّ العَجْزُ عن واحدةٍ دونَ أُخْرَى؟ قُلْنا: قد تَنْهَضُ شَهْوَتُه في حقِّ إحدَاهما، لفَرْطِ حُبِّه إيَّاها، ومَيلِه إليها، واخْتِصاصِها بكمالٍ 1281 ونَحْوه 1282 دونَ الأخْرَى.
فعلى هذا، لو تَزَوَّجَ امْرأةً فأصابَها، ثمَّ أبَانَها، ثمَّ تَزَوَّجَها، فعَنَّ [عنها، فلها] 1283 المُطَالبَةُ؛ لأنَّه إذا جاز أن يَعِنَّ عن امرأةٍ دونَ أُخْرَى، ففي نِكاحٍ دونَ نِكاحٍ أوْلَى.
ومُقْتَضَى قولِ أبي بكرٍ ومَن وافقَه، لا يَصِحُّ هذا، بل متَى وَطِئَ امرأَةً، لم تَثْبُتْ عُنَّتُه أبدًا.

الجزء: 20 - الصفحة: 493

وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ وَطِئَهَا، وَقَالتْ: إِنَّهَا عَذْرَاءُ.
وَشَهِدَ بِذَلِكَ امْرَأَةٌ ثِقَةٌ، فَالْقَولُ قَوْلُهَا، وَإِلَّا فَالْقَولُ قَوْلُهُ.

3202 - مسألة: (وإنِ ادَّعى أنَّه وَطِئَها، وقالت: إنَّها عَذْراءُ. فشَهِدَتْ بذلك امرأةٌ ثِقَةٌ، فالقولُ قولُها، وإلَّا فالقولُ قولُه)

إذا ادَّعتِ المرأةُ عُنَّةَ زَوْجِها، فادَّعَى أنَّه وَطِئَها، وقالت: إنَّها عَذْراءُ.
أُرِيَتِ النِّساءَ الثِّقَاتِ، فإن شَهِدْنَ بعُذْرَتِها، فالقولُ قولُها، ويُقْبَلُ في بَقاءِ عُذْرَتِها شَهادَةُ امرأةٍ واحدةٍ، كالرَّضاعِ، ويُؤَجَّلُ 1284. وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ الوَطْءَ يُزِيلُ العُذْرَةَ، فوُجُودُها يَدُلُّ على عَدَمِ الوَطْءِ.
فإنِ ادَّعَى أنَّ عُذْرَتَها عادَتْ بعدَ الوَطْءِ، فالقولُ قولُها؛ لأنَّ هذا بعيدٌ جدًّا، وإن كان مُتَصَوَّرًا.
وهل تُسْتَحْلَفُ

الحديث: 3202 - الجزء: 20 - الصفحة: 494

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المرأةُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحدُهما، تُسْتَحْلَفُ؛ لإِزالةِ هذا الاحْتِمالِ، كما يُسْتَحْلَفُ سائرُ مَن قُلْنا: القولُ قولُه.
والآخَرُ، لا تُسْتَحْلَفُ؛ لأنَّ ما يَبْعُدُ جدًّا لا الْتِفاتَ إليه، كاحْتِمالِ كَذِبِ البَيِّنَةِ العادِلَةِ، وكَذِبِ المُقِرِّ في إقْرارِه.
وهل يُقْبَلُ قولُ امرأةٍ واحِدَةٍ؟ على رِوايَتَين؛ إحدَاهما، تُقْبَلُ فيه شَهادَةُ واحدةٍ، كالرَّضاعِ.
والثانيةُ، لا يُقْبَلُ فيه إلَّا اثنتانِ؛ لأنَّ ما يُقْبَلُ فيه شهادَةُ الرِّجالِ لا يُقْبَلُ فيه إلَّا اثنان، فالنِّساءُ أوْلَى.
فصل: وإن لم يَشْهَدْ لها أحدٌ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ السَّلامَةُ في الرِّجالِ وعَدَمُ العُيُوبِ، ودَعْوَاه تَتَضَمَّنُ سلامةَ العَقْدِ وصِحَّتَه، ويَسْقُطُ حُكْمُ قولِها، لتَبَيُّنِ كَذِبها.
فإنِ ادَّعتْ أنَّ عُذْرَتَها زَالتْ بسبَبٍ آخَرَ 1285، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الأسْبابِ.

الجزء: 20 - الصفحة: 495

فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَعَنْهُ، الْقَوْلُ قَوْلُهَا.

3203 - مسألة: (وإن كانت ثَيِّبًا، فالقولُ قولُه)

لِما ذَكَرْنا.
ولأنَّ هذا تَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليه، فقُبِلَ قولُه فيه مع يَمِينِه.
وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ هذا ممَّا تَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنَةِ [عليه، وجَنْبَتُه] 1286 أقْوَى، فإنَّ دَعْوَاه سلامةُ العَقْدِ، وسلامَةُ نَفْسِه مِن العُيُوبِ، والأصلُ السَّلامَةُ، فكان القولُ قولَه، كالمُنْكِرِ في سائرِ الدَّعاوَى، وعليه اليَمِينُ على صِحَّةِ ما قال.
وهذا قولُ مَن سَمَّينا ههُنا؛ لأنَّ قولَه مُحْتَمِلٌ للكَذِبِ، فقَوَّينَا قولَه بيَمِينِه، كما في سائرِ الدَّعَاوَى التي يُسْتَحْلَفُ فيها.
فإن نَكَل، قُضِيَ عليه بنُكولِه، ويَدُلُّ على وُجُوبِ اليَمِينِ قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ» 1287. قال القاضي: ويَتَخَرَّجُ أن لا يُسْتَخلَفَ، بِناءً 1288 على إنْكارِه دَعْوَى الطَّلاقِ، فإنَّ فيها رِوايَتَين، كذا ههُنا.
والصَّحيحُ أنَّه يُسْتَحْلَفُ؛ لدَلالةِ الخَبَرِ والمعْنَى عليه (و) رُوِيَ (عن أحمدَ) أنَّ (القولَ قولُها) مع

الحديث: 3203 - الجزء: 20 - الصفحة: 496

وَقَال الْخِرَقِيُّ: يُخْلَى مَعَهَا فِي بَيتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: أَخْرِجْ مَاءَكَ عَلَى شَيءٍ.
فَإِنِ ادَّعَتْ أَنَّهُ لَيسَ بِمَنِيٍّ، جُعِلَ عَلَى النَّارِ، فَإِنْ ذَابَ، فَهُوَ مَنِيٌّ، وَبَطَلَ قَوْلُهَا.
يَمِينِها.
حَكاها القاضي في «المُجَرَّدِ»؛ لأنَّ الأصْلَ عدَمُ الإِصَابَةِ، فكانَ القولُ قولَها؛ لأنَّه مُوافِقٌ للأصْلِ، واليَقِينُ معها (وقال الخِرَقِيُّ: يُخْلَى معها في بَيتٍ، ويقالُ له: أخْرِجْ ماءَك على شيءٍ.
فإنِ ادَّعَتْ أنَّه ليس بمَنِيٍّ، جُعِلَ على النَّارِ، فإن ذَابَ، فهُو مَنِيٌّ، وبَطَل قولُهَا) هكذا حَكاه الخِرَقِيُّ عن أحمدَ.
فعلى هذا، إن أخْرَجَ ماءَه، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ العِنِّينَ يَضْعُفُ عن الإِنْزالِ، فإذا أنْزَلَ تَبَيَّنَّا صِدْقَه، فَنَحْكُمُ به.
وهو مذهبُ عَطاءٍ.
فإنِ ادَّعَتْ أنَّه ليس بمَنِيٍّ، جُعِلَ على النارِ، فإن ذابَ فهو مَنِيٌّ؛ لأنَّه يُشْبِهُ بَياضَ البَيضِ، وذلك إذا وُضِعَ على النارِ تَجَمَّعَ ويَبِسَ، وهذا يَذُوبُ، فيَتَمَيَّزُ بذلك أحَدُهما مِن الآخَرِ، فيُخْتَبَرُ به.
وعلى هذا، متى عَجَز عن إخْراجِ مائِه، فالقولُ قولُ المرأةِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ معها.
وفي

الجزء: 20 - الصفحة: 497

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كلِّ مَوْضِعٍ حَكَمْنا بوَطْئِه بَطَل [حُكْمُ عُنَّتِه] 1289، فإن كان في ابْتِداءِ الأمْرِ، لم تُضْرَبْ له مُدَّةٌ، وإن كان بعدَ ضَرْبِ المُدَّةِ، انْقَطَعَتْ، وإن كان بعدَ انْقِضائِها، لم يَثْبُتْ له خِيارٌ.
وكلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنا بعَدَمِ الوَطْءِ منه، حَكَمْنا بعُنَّتِه، كما لو أقَرَّ بها.
واخْتارَ أبو بكرٍ أنَّه يُزَوَّجُ امرأةً لها حَظٌّ مِن الجَمالِ، وتُعْطَى صَداقَها مِن بيتِ المالِ، ويُخْلَى معها 1290، وتُسْأَلُ عنه، ويُؤْخَذُ بما تَقُولُ، فإن أخْبَرَتْ بأنَّه يَطَأُ، كُذِّبَتِ الأُولَى، والثَّانِيَةُ بالخيارِ بينَ الإِقامَةِ والفَسْخِ، وإن كَذَّبَتْه، فُرِّقَ بينَه وبينَهما 1291، وصَداقُ الثانيةِ مِن مالِه ههُنا، لِما رُوِيَ أنَّ امرأةً جاءت إلى سَمُرَةَ، فشَكَتْ إليه أنَّه لا يَصِلُ إليها زَوْجُها، فكَتَبَ إلى معاويةَ، فكَتَبَ إليه أن زَوِّجْه امرأةً ذاتَ جمالٍ، يُذْكَرُ عنها الصَّلاحُ، وسُقْ إليها مِن بيتِ المالِ عنه، فإن أصابَها فقد كَذَبَتْ، وإن لم يُصِبْها فقد صَدَقَتْ.
فَفَعَلَ 1292

الجزء: 20 - الصفحة: 498

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك سَمُرَةُ، فجاءتِ المرأةُ فقالت: ليس عندَه شيءٌ.
ففَرَّقَ بينَهما.
وقال الأوْزاعِيُّ: تَشْهَدُه امْرَأتان، ويُتْرَكُ بينَهما ثَوْبٌ، ويُجامِعُ امْرَأتَه، فإذا قام عنها نَظَرَتا إلى فَرْجِها، فإن كان فيه رُطُوبَةُ الماءِ فقد صَدَق، وإلَّا فلا.
وحُكِيَ عن مالكٍ مثلُ ذلك، إلَّا أنَّه اكْتَفَى بواحِدَةٍ.
والصحيحُ أنَّ القولَ قولُه؛ لِما ذَكَرْنا، وكما لو ادَّعَى الوَطْءَ في الإِيلاءِ.
واعتبارُ خُرُوجِ الماءِ ضَعِيفٌ؛ لأنَّه قد يَطأُ ولا يُنْزِلُ، وقد يُنْزِلُ مِن غيرِ وَطْءٍ، فإنَّ ضَعْفَ الذَّكَرِ لا يَمْنَعُ سَلامةَ الظَّهْرِ ونُزُولَ الماءِ، وقد يَعْجِزُ السليمُ القادِرُ عن الوَطْءِ في بعضِ الأحوالِ، وليس كُلُّ مَن عَجَز عن الوَطْءِ في حالٍ مِن الأحْوالِ، أو وَقْتٍ مِن الأوْقاتِ، يكونُ عِنِّينًا، ولذلك جَعَلْنا مُدَّتَه سنةً، وتَزْويجُه بامرأةٍ ثانيةٍ، لا يَصِحُّ لذلك أيضًا، ولأنَّه قد يَعِنُّ عن امرأَةٍ دونَ أُخْرَى، ولأنَّ نِكاحَ الثانيةِ إن كان مُؤَقَّتًا أو غيرَ لازمٍ، فهو نِكاحٌ باطِلٌ، والوَطْءُ فيه حَرامٌ، وإن كان صَحِيحًا لازِمًا، ففيه إضْرارٌ بالثانيةِ، ولا يَنْبَغِي أن يُقْبَلَ قولُها؛ لأنَّها تُرِيدُ بذلك تخْلِيصَ نَفْسِها، فهي مُتَّهَمَةٌ فيه،

الجزء: 20 - الصفحة: 499

فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّانِي، يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ، وَهُوَ شَيئَانِ؛ الرَّتْقُ، وَهُوَ كَوْنُ الْفَرْجِ مَسْدُودًا لَا مَسْلَكَ لِلذَّكَرِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْقَرْنُ وَالْعَفَلُ، وَهُوَ لَحْمٌ يَحْدُثُ فِيهِ يَسُدُّهُ.
وَقِيلَ: الْقَرْنُ عَظْمٌ، وَالْعَفَلُ رغْوَةٌ تَمْنَعُ لَذَّةَ الْوَطْءِ.
وَالثَّانِي، الْفَتَقُ، وَهُوَ انْخِرَاقُ مَا بَينَ السَّبِيلَينِ.
وَقِيلَ: انْخِرَاقُ مَا بَينَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ.
وليستْ بأحَقَّ أن يُقْبَلَ قولُها مِن الأُولَى، ولأنَّ الرجلَ لو أقَرَّ بالعَجْزِ عن الوَطْءِ في يومٍ أو شهرٍ، لم تَثْبُتْ عُنَّتُه بذلك، وأكثرُ ما في الذي ذَكَروه، أن يَثْبُتَ عَجْزُه عن الوَطْءِ في اليومِ الذي اخْتَبَرُوه فيه، وإذا لم يَثْبُتْ حُكْمُ عُنَّتِه بإقْرارِه بعَجْزِه، فلأن لا يَثْبُتَ بدَعْوَى غيرِه ذلك عليه أَوْلَى.
فصل: (القِسمُ الثَّاني، يَخْتَصُّ النساءَ، وهو شَيئان؛ الرَّتْقُ، وهو كونُ الفَرْجِ مَسْدُودًا لا مَسْلَكَ للذَّكَرِ فيه، وكذلك القَرَنُ والعَفَلُ، وهو لَحْمٌ يَحْدُثُ فيه يَسُدُّه.
وقيلَ: القَرْنُ عَظْمٌ، والعَفَلُ رغْوَةٌ) 1293 فيه (تمنَعُ لَذَّةَ الوَطْءِ.
الثاني، الفَتَقُ، وهو انْخِراقُ ما بينَ السَّبِيلَين.
وقِيلَ: انْخِرَاقُ ما بينَ مَخْرَجِ البَوْلِ والمَنِيِّ).

الجزء: 20 - الصفحة: 500

فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّالِثُ، مُشْتَرَكٌ بَينَهُمَا، وَهُوَ الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ وَالْجُنُونُ، سَوَاءٌ كَانَ مُطْبِقًا أَوْ يَخْنُقُ فِي الْأَحْيَانِ.
فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ يَثْبُتُ بِهَا خِيَارُ الْفَسْخِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (القسمُ الثالثُ، مُشْتَرَكٌ بَينَهما، وهو الجُذامُ والبَرَصُ والجُنونُ، سَواءٌ كان مُطْبِقًا، أو يَخْنُقُ في الأحيانِ.
فهذِه الأقسامُ يَثْبُتُ بها خِيارُ الفَسْخِ، رِوايةً واحدةً) لِما

الجزء: 20 - الصفحة: 502

فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْبَخَرِ، وَهُوَ نَتَنُ الْفَمِ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: نَتَنٌ فِي الْفَرْجِ يَثُورُ عِنْدَ الْوَطْءِ.
وَاسْتِطْلَاقِ الْبَوْلِ وَالنَّجْو، وَالقُرُوحِ السَّيَّالةِ فِي الْفَرْجِ، وَالْبَاسُورِ، وَالنَّاسُورِ، وَالْخِصَاءِ، وَهُوَ قَطْعُ الْخُصْيَتَينِ، وَالسَّلِّ، وَهُوَ سَلُّ الْبَيضَتَينِ، وَالْوجَاءِ، وَهُوَ رَضُّهُمَا، وَفِي كَوْنِهِ خُنْثَى، وَفِيمَا إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ عَيبًا بِهِ مِثْلُهُ، أَوْ حَدَثَ بِهِ الْعَيبُ بَعْدَ  سَبَق، وقد ذَكَرْنا دَلِيلَ ذلك والخِلافَ فيه.
فصل: (واخْتَلَفَ أصحابُنا في البَخَرِ، وهو نَتَنُ الفَمِ.
وقال ابنُ حامدٍ: نَتَنٌ في الفرجِ يَثُورُ عندَ الوَطْءِ.
واسْتِطْلاقِ البَوْلِ والنَّجْو 1294، والقُرُوحِ السَّيَّالةِ في الفَرْجِ، والخِصاءِ، وهو قَطْعُ الخُصْيَتَين، والسَّلِّ، وهو سَلُّ البَيضَتَين.
والوجاءِ، وهو رَضُّهُما.
وفيما إذا وَجَد أحَدُهما بصاحِبِه عيبًا به مثلُه، أو حَدَث به العَيبُ بعدَ العقدِ، وفي كَوْنِه خُنْثَى،

الجزء: 20 - الصفحة: 503

الْعَقْدِ، هَلْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
هل يَثْبُتُ الخِيارُ؟ على وَجْهَينِ) أحَدُهما، لا يَثْبُتُ الخِيارُ، وهو المَفْهُومُ مِن كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه 1295 ذَكَر العُيوبَ التي تُثْبِتُ الخِيارَ في فَسْخِ النِّكاحِ، ولم يَذْكُرْ شيئًا مِن هذه؛ لأنَّ ذلك لا يَمْنَعُ مِن الاسْتِمْتاعِ، ولا يُخْشَى تَعَدِّيه، فلم يَثْبُتْ به الخِيارُ، كالعَمَى والعَرَجِ، ولأنَّ ذلك إنَّما يَثْبُتُ بنَصٍّ أو إجْماعٍ أو قِياسٍ، ولا نَصَّ فيها ولا إجْماعَ، ولا يَصِحُّ قِياسُها على العُيوبِ المُثْبِتَةِ للخيارِ؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ، فإنَّ الوَطْءَ مع هذه العيوبِ مُمْكِنٌ، بل قد قِيلَ: إنَّ الخَصِيَّ أقْدَرُ على الجِماعِ؛

الجزء: 20 - الصفحة: 504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّه لا يَفْتُرُ 1296 بإنْزَالِ الماءِ.
والخُنْثَى فيه خِلْقَةٌ زائِدةٌ لا تَمْنَعُه الجِماعَ، أشْبَهَ اليَدَ الزائدةَ، وإذا وَجَد أحدُهما بصاحِبِه عَيبًا به مثلُه، فلا خِيارَ؛ لأنَّهما مُتساويان، فلا مَزِيَّةَ لأحدِهما على صاحبِه.
والوجْهُ الثاني، له الخيارُ.
وقال أبو بكرٍ، وأبو حفصٍ: إذا كان أحَدُهما لا يَسْتَمْسِكُ بَوْلُه ولا خَلاه، فللآخَرِ الخِيارُ.
ويَتَخَرَّجُ على ذلك مَن به الباسُورُ، [والنَّاصُورُ] 1297، والقُرُوحُ السَّيَّالةُ في الفَرْجِ.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّها تُثِيرُ نَفْرَةً 1298، وتَتَعَدَّى نَجاسَتُها، وتُسَمَّى مَن لا تَحْبِسُ نَجْوَها الشَّرِيمَ 1299، ومَن لا تَحْبِسُ بَوْلَها الماشُولةَ 1300، ومثلُها مِن الرِّجالِ الأمْثَنُ 1301. وقال أبو حَفْصٍ: والخِصَاءُ عَيبٌ يُرَدُّ به.
وهو أحَدُ قَوْلي

الجزء: 20 - الصفحة: 505

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشافعيِّ؛ لأنَّ فيه نَقْصًا وعارًا، ويَمْنَعُ الوَطْءَ أو يُضْعِفُه.
وقد روَى أبو عُبَيدٍ بإسنادِه عن سليمانَ بنِ يَسارٍ، أنَّ [ابنَ سَنْدَرٍ] 1302 تَزَوَّجَ امرأةً وهو خَصِيٌّ، فقال له عمرُ: أعْلَمْتَها؟ قال: لا.
قال: أعْلِمْها، ثمَّ خَيِّرْها 1303. وفي البَخَرِ وكَوْنِ أحَدِ الزَّوْجَين خُنْثَى غَيرَ مُشْكِلٍ وَجْهان؛ أحدُهما، يَثْبُتُ الخِيارُ؛ لأنَّ فيه نَفْرَةً ونَقْصًا وعارًا.
والبَخَرُ: نَتَنُ الفَمِ 1304. وقال ابنُ حامدٍ: نَتَنٌ في الفَرْجِ يَثُورُ عندَ الوَطْءِ.
وهذا إن أرادَ به أنَّه يُسَمَّى بَخَرًا و 1305 يُثْبِتُ الخِيارَ، وإلَّا فلا مَعْنَى له، فإنَّ نَتَنَ الفَمِ يُسَمَّى بَخَرًا، ويَمْنَعُ مُقارَبَةَ 1306 صاحِبِه إلَّا على كُرْهٍ.
وما عَدَا هذه مِن العيوبِ لا يُثْبِتُ الخِيارَ، وَجْهًا واحدًا؛ كالقَرَعِ، والعَمَى،

الجزء: 20 - الصفحة: 506

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والعَرَجِ، وقَطْعِ اليَدَين والرِّجْلَين؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ الاسْتِمْتاعَ، ولا يُخْشَى تَعَدِّيه.
ولا نَعْلَمُ في هذا بينَ أهْلِ العلمِ خلافًا، إلَّا أنَّ الحسنَ قال: إذا وَجَدَ أحَدُهما 1307 الآخَرَ عَقِيمًا يُخَيَّرُ.
وأحَبَّ أحمدُ أن يُبَيِّنَ أمْرَه، وقال: عَسَى امرأتُه تُرِيدُ الوَلَدَ.
وهذا في ابْتِدَاءِ النِّكاحِ، فأمَّا الفَسْخُ فلا يَثْبُتُ به، ولو ثَبَت لذلك لثَبَتَ في الآيِسَةِ، ولأنَّ ذلك 1308 لا يُعْلَمُ، فإنَّ رجالًا لا 1309 يُولَدُ لأحَدِهم وهو شابٌّ، ثمَّ يُولَدُ له وهو شَيخٌ، ولا يَتَحَقَّقُ ذلك

الجزء: 20 - الصفحة: 507

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  منهما.
وأمَّا سائِرُ العُيُوبِ فلا يَثْبُتُ بها فَسْخٌ عندَهم.
واللهُ أعلمُ.
وأمَّا إذا وَجَد أحَدُهما بصاحِبِه عَيبًا به مثلُه، ففيه وَجْهٌ أنَّه يَثْبُتُ الخِيارُ، لوُجودِ

الجزء: 20 - الصفحة: 508

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَبَبِه، كما لو غُرَّ عَبْدٌ بأمَةٍ، ولأنَّ الإِنْسانَ قد يَأْنَفُ مِن عَيبِ غيرِه، ولا

الجزء: 20 - الصفحة: 509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَأْنَفُ مِن عَيبِ نَفْسِه.
فصل: وأمَّا إذا وَجَد أحَدُهما بصاحِبِه عيبًا، [وبه] 1310 عَيبٌ مِن غَيرِ جِنْسِه، كالأبْرَصِ يَجِدُ المرأةَ مَجْنُونَةً أو مَجْذُومَةً، فلكلِّ وَاحِدٍ منهما الخِيارُ؛ لوُجُودِ سَبَبِه، إلَّا أن يَجِدَ المَجْبُوبُ 1311 المرأَةَ رَتْقاءَ، فلا يَنْبَغِي أن يَثْبُتَ لهما 1312 خِيارٌ؛ لأنَّ عَيبَه ليس هو المانعَ لصاحِبِه مِن الاسْتِمْتاعِ، وإنَّما امْتَنَعَ لعيبِ نَفْسِه.

الجزء: 20 - الصفحة: 510

وَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيبِ وَقْتَ الْعَقْدِ، أَوْ قَال: قَدْ رَضِيتُ بِهِ مَعِيبًا.
أَوْ وُجِدَ مِنْهُ دَلَالةٌ تَدُلُّ عَلَى الرِّضَا؛ مِنْ وَطْءٍ أَوْ تَمْكِينٍ مَعَ الْعِلْمِ  فصل: وإن حَدَثَ (1) العَيبُ بعدَ العَقْدِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَثْبُتُ الخِيارُ.
وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه قال: فإن جُبَّ قبلَ الدُّخُولِ، فلها الخِيارُ في وَقْتِها.
لأنَّه عَيبٌ في النِّكاحِ يُثْبِتُ الخِيارَ مُقارِنًا، فأثْبَتَه طارِئًا (2)، كالإِعْسارِ والرِّقِّ، فإنَّه يُثْبِتُ الخِيارَ إذا قارَنَ، مثلَ أن تُغَرَّ الأمَةُ مِن عَبْدٍ، ويُثْبِتُه إذا طَرَأَتِ الحُرِّيَّةُ، إذا عَتَقَتِ الأمَةُ تحتَ العَبْدِ، ولأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعَةٍ، فحُدُوثُ العَيبِ بها يُثْبِتُ الخِيارَ، كالإِجَارَةِ.
والثاني، لا يُثْبِتُ الخِيارَ.
وهو قولُ أبي بكرٍ، وابنِ حامدٍ، ومذهبُ مالكٍ؛ لأنَّه عَيبٌ حَدَث بالمَعْقُودِ عليه بعدَ لُزُومِ العَقْدِ، أشْبَهَ الحادثَ بالمَبِيعِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
وهذا يَنْتَقِضُ بالعَيبِ الحادِثِ في الإِجارَةِ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن حَدَث بالزَّوْجِ أثْبتَ الخِيارَ، وإن حَدَث بالمرأةِ، فكذلك في أحَدِ الوَجْهَين، ولا يُثْبِتُه في الآخَرِ؛ لأنَّ الرجلَ يُمْكِنُه طَلاقُها، بخِلافِ المرأةِ.
ولَنا، أنَّهما تَسَاوَيا فيما إذا كان العَيبُ سابقًا، فتَسَاوَيا فيه لاحِقًا، كالمُتَبايِعَين.

3204 -

مسألة: (وإن عَلِم بالعَيبِ وَقْتَ العَقْدِ، أو قال: قد رَضِيتُ به مَعِيبًا)

بعدَ العَقْدِ (أو وُجِدَ منه دَلَالةٌ على الرِّضَا؛13131314

الحديث: 3204 - الجزء: 20 - الصفحة: 511

بِالْعَيبِ، فَلَا خِيَارَ لَهُ.
مِن وَطْءٍ أو تَمْكِينٍ مع العِلْمِ بالعَيبِ، فلا خِيارَ له) لا نَعْلَمُ فيه خلافًا؛ لأنَّه رَضِيَ به، فأشْبَهَ مُشْتَرِىَ المَعِيبِ.
وإن ظَنَّ العَيبَ يَسِيرًا فبانَ كثيرًا، كمَن ظَنَّ البَرَصَ في قليلٍ مِن جَسَدِها فبانَ في كثيرٍ منه، فلا خِيارَ له أيضًا؛ لأنَّه مِن جِنْسٍ ما رَضِيَ به.
وإن رَضِيَ بعيبٍ فبان به 1315 غَيرُه، فله الخِيارُ؛ لأنَّه وَجَد به 1316 عيبًا لم يَرْضَ به ولا بجنْسِه، فيَثْبُتُ له الخِيارُ، كالمَبِيعِ إذا رَضِيَ بِعَيبٍ فيه فوَجَدَ به غيرَه.
وإن رَضِيَ بعيبٍ فزادَ بعدَ العَقْدِ، كأنْ كان قليلٌ مِن البَرَصِ فانْبَسَطَ في جِلْدِها 1317، فلا خِيارَ له؛ لأنَّ رِضاه به رِضًا بما يَحْدُثُ منه.
فصل: وخِيارُ العَيبِ ثابِتٌ على التَّراخِي، لا يَسْقُطُ، ما لم يُوجَدْ منه ما يَدُلُّ على الرِّضَا به، مِن القولِ، أو الاسْتِمْتاعِ به مِن الزَّوْجِ، أو التَّمْكِينِ مِن المرأةِ.
هذا ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لقولِه: فإن عَلِمَتْ أنَّه

الجزء: 20 - الصفحة: 512

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عِنِّينٌ، فسَكَتَتْ عن المُطالبَةِ، ثمَّ طالبَتْ بعدُ، فلها ذلك.
وذَكَر القاضي أنَّه على الفَوْرِ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.
فمتى أخَّرَ الفَسْخَ مع العِلْمِ والإِمكانِ، بَطَل خِيارُه؛ لأنَّه خِيارُ الردِّ بالعيبِ، فكان على الفورِ، كرَدِّ المَبِيعِ المَعِيبِ.
ولنا، أنَّه خِيارٌ لدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ، فكان على التَّراخِي، كخِيارِ القِصاصِ، وخِيارُ العَيبِ في المَبِيعِ مَمْنُوعٌ، ثمَّ الفرقُ بينَهما أنَّ ضَرَرَه في المَبِيعِ غيرُ مُتَحَقِّقٍ؛ لأنَّه قد يكونُ المقصودُ مالِيَّتَه أو خِدْمَتَه، ويَحْصُلُ ذلك مع عَيبِه، وههُنا المقصودُ الاسْتِمْتاعُ، وذلك يَفُوتُ بعَيبِه 1318. وأمَّا خِيارُ الشُّفْعَةِ والمَجْلِسِ، فهو لدَفْعِ ضَرَرٍ غيرِ مُتَحَقِّقٍ.

الجزء: 20 - الصفحة: 513

وَلَا يَجُوزُ الْفَسْخُ إلا بِحُكْمِ حَاكِمٍ،

3205 - مسألة: (ولا يَجُوزُ الفَسْخُ إلَّا بحُكْمِ حاكِمٍ)

لأنَّه مُجْتَهَدٌ فيه، فهو كفَسْخِ العُنَّةِ، والفَسْخِ للإعْسارِ 1319 بالنَّفَقَةِ.
ويُخالِفُ خِيارَ المُعْتَقَةِ؛ لأنَّه مُتَّفَقٌ عليه.

الحديث: 3205 - الجزء: 20 - الصفحة: 514

فَإِنْ فُسِخَ قَبْلَ الدُّخُول، فَلا مَهْرَ، وَإِنْ فُسِخَ بَعْدَهُ، فَلَهَا الْمَهْرُ الْمُسَمَّى.
وَقِيلَ عَنْهُ: مَهْرُ الْمِثْلِ.

3206 - مسألة: (فإن فُسِخَ قبلَ الدُّخُولِ، فلا مَهْرَ، وإن فُسِخَ بعدَه، فعليه المهرُ المُسَمَّى. وقِيلَ):

عليه (مَهْرُ المِثْلِ) أمَّا إذا فُسِخَ قبلَ الدُّخُولِ، فلا مَهْرَ عليه، سَواءٌ كان مِن الزَّوْجِ أو مِن المرأةِ.
وهذا قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الفَسْخَ إن كان منها 1320، فالفُرْقَةُ مِن جِهَتِها، فيَسقطُ مَهْرُها، كما لو فَسَخَتْه برَضاعِ زَوْجَةٍ له أخْرَى، وإن كان منه، فإنَّما فَسَخ لعَيبٍ بها دَلَّسَتْه بالإِخْفاءِ، فصار الفَسْخُ كأنَّه منها.
فإن قيل: فهَلَّا جَعَلْتُمْ فَسْخَها لعُنَّتِه كأنَّه منه؛ لحُصُولِه بتَدْلِيسِه؟ قُلْنا: العِوَضُ مِن الزَّوْجِ في مُقابَلَةِ مَنافِعِها، فإذا اخْتارَتْ فَسْخَ العَقْدِ مع سَلامةِ ما عُقِدَ عليه، رَجَعَ العِوَضُ إلى العاقِدِ معها، وليس مِن جِهَتِها عِوَضٌ في مُقابَلَةِ مَنافِعِ الزَّوْجِ، وإنَّما يَثْبُتُ لها الخِيارُ 1321 لأجْلِ ضَرَرٍ يَلْحَقُها، لا لتَعَذُّرِ ما اسْتَحَقَّتْ عليه في مُقابَلَتِه عِوَضًا، فافْتَرَقَا.

الحديث: 3206 - الجزء: 20 - الصفحة: 515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن كان الفَسْخُ بعدَ الدُّخُولِ، فلها المَهْرُ؛ لأنَّه يَجِبُ بالعَقْدِ، ويَسْتَقِرُّ بالدُّخولِ، فلم يَسْقُطْ بحادِثٍ بعدَه، ولذلك لا يَسْقُطُ برِدَّتِها ولا بفَسْخٍ مِن جِهَتِها.
ويَجِبُ المَهْرُ المُسَمَّى.
وذَكَر القاضي في «المُجَرَّدِ» فيه رِوايَتَين؛ إحداهما، يَجِبُ المُسَمَّى.
والأُخْرَى، مَهْرُ المِثْلِ، بِناءً على الرِّوايَتَين في العَقْدِ الفاسدِ.
وقال الشافعيُّ: الواجِبُ مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ الفَسْخَ اسْتَنَدَ إلى العَقْدِ، [فصار كالعَقْدِ] 1322 الفَاسِدِ.
ولَنا، أنَّها فُرْقَةٌ بعدَ الدُّخولِ في نِكاحٍ صحيحٍ فيه [مُسَمًّى صحيحٌ] 1323، فوَجَبَ المُسَمَّى، كغيرِ المَعِيبَةِ، وكالمُعْتَقَةِ تحتَ

الجزء: 20 - الصفحة: 516

وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، مِنَ الْمَرْأَةِ وَالْوَلِيِّ.
وَعَنْهُ، لَا يَرْجِعُ.
عَبْدٍ.
والدليلُ على أنَّ النِّكاحَ صحيحٌ، أنَّه وُجِدَ بشُرُوطِه وأركانِه، فكان صحيحًا، كما لو لم يَفْسَخْه، ولأنَّه لو لم يَفْسَخْه لكان صحيحًا، فكذلك إذا فَسَخَه، كنِكاحِ الأمَةِ إذا عَتَقَتْ تحتَ عَبْدٍ، ولأنَّه تَتَرَتَّبُ عليه أحكامُ الصِّحَّةِ مِن ثُبُوتِ الإِحْصانِ والإِباحَةِ للزَّوْجِ الأوَّلِ، وسائرُ أحْكامِ الصَّحيحِ، ولأنَّه لو كان فاسدًا لمَا جاز إِبْقاؤُه وتَعَيَّنَ فَسْخُه.
وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الفَسْخَ يَثْبُتُ حُكْمُه مِن حِينِه، غيرَ سابقٍ عليه، وما وَقَع على صِفَةٍ يَسْتَحِيلُ أن يكونَ واقِعًا على غيرِها.
وكذلك لو فُسِخَ البَيعُ بعَيبٍ، لم يَصِرِ العَقْدُ فاسدًا، ولا يكونُ النَّماءُ لغيرِ المُشْتَرِي، ولو كان المَبِيعُ أمَةً فَوَطِئَها، لم يَجِبْ به مَهْرُها، فكذلك النِّكاحُ.

3207 -

مسألة: (ويَرْجِعُ به على مَن غَرَّه، مِن المرأةِ والوَلِيِّ. وعنه، لا يَرْجِعُ)

المذهبُ أنَّه يَرْجِعُ، وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
وقال أبو بكرٍ: فيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه لا يَرْجِعُ.
قال شيخُنا 1324: والصحيحُ أنَّ المذهبَ رِوايةٌ واحدةٌ، أنَّه يَرْجِعُ؛ فإنَّ أحمدَ قال: كنتُ أذْهَبُ إلى قولِ

الحديث: 3207 - الجزء: 20 - الصفحة: 517

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليٍّ فَهِبْتُه، فمِلْتُ إلى قولِ عمرَ: إذا تَزَوَّجَها، فرأى جُذَامًا أو بَرَصًا، فإنَّ لها صَدَاقَها 1325 بمَسِيسِه إيَّاها، ووَلِيُّها ضامِنٌ للصَّداقِ 1326. وهذا يَدُلُّ على أنَّه رَجَع إلى هذا القولِ.
وبه قال الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، ومالكٌ، والشافعيُّ في القديمِ.
ورُوِيَ عن عليٍّ، أنَّه لا يَرْجِعُ 1327. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ في الجديدِ؛ لأنَّه ضَمِنَ ما اسْتَوْفَى بَدَلَه، وهو الوَطْءُ، فلا يَرْجِعُ به على غيرِه، كما لو كان المَبِيعُ مَعِيبًا 1328 فأكَلَه.
ولَنا، ما روَى مالكٌ، عن يَحْيَى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: أيُّما رجلٍ تَزَوَّجَ امرأةً بها جُنُونٌ أو جُذَامٌ أوَ بَرَصٌ، فمَسَّها، فلها صَداقُها، وذلك لزَوْجِها غُرْمٌ على وَلِيِّها 1329. ولأنَّه غَرَّه في النِّكاحِ

الجزء: 20 - الصفحة: 518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بما يُثْبِتُ الخِيارَ، فكان المَهْرُ عليه، كما لو غَرَّه بحُرِّيةِ أمَةٍ.
إذا ثَبَت هذا، فإن كان الوَلِيُّ عَلِم، غَرِم، وإن لم يكنْ عَلِم، فالتَّغْرِيرُ مِن المرأةِ، فيَرْجِعُ عليها بجميعِ الصَّدَاقِ، وإنِ اخْتَلَفُوا في عِلْمِ الوَلِيِّ، فشَهِدَتْ عليه بَيِّنَةٌ بالإِقْرَارِ بالعلمِ، وإلَّا فالقولُ قولُه مع يَمِينِه.
وقال الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ: إن عَلِم الوَلِيُّ غَرِمَ، وإلَّا اسْتُحْلِفَ باللهِ، أنَّه ما عَلِمَ، ثمَّ هو على الزَّوْجِ.
وقال القاضي: إن كان أبًا أو جَدًّا، أو ممَّن يَجُوزُ له أن يَراها، فالتَّغْرِيرُ

الجزء: 20 - الصفحة: 519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن جِهَتِه، عَلِم أو لم يَعْلَمْ، وإن كان ممَّن لا يَجُوزُ له أن يَرَاها، كابنِ العمِّ، والمَوْلَى، وعَلِمَ، غَرِمَ، وإن أنْكَرَ ولم تَقُمْ بَيِّنَةٌ بإقرارِه، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، ويَرْجِعُ على المرأةِ بجميعِ الصَّدَاقِ.
وهذا قولُ مالكٍ، إلَّا أنَّه قال: إذا رَدَّتِ المرأةُ ما أخَذَتْ، تَرَك لها قَدْرَ ما تُسْتَحَلُّ به، لئلَّا تَصِيرَ كالمَوْهُوبةِ.
وللشافعيِّ قَوْلان، كقولِ مالكٍ والقاضي.
ولَنا، على أنَّ الوَلِيَّ إذا لم يَعْلَمْ لا يَغْرَمُ، أنَّ التَّغْرِيرَ مِن غيرِه، فلم يَغْرَمْ، كما لو كان ابنَ عَمٍّ.
وعلى أنَّه يَرْجِعُ بكلِّ الصَّداقِ، أنَّه مَغْرُورٌ منها، فرجَع بكلِّ الصَّدَاقِ، كما لو غَرَّه الوَلِيُّ.
وقولُهم: لا يَخْفَى على مَن يَرَاها.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّ عُيُوبَ الفَرْجِ لا اطِّلَاعَ له عليها، ولا يَحِلُّ له رُؤْيَتُها، وكذلك العُيوبُ تحتَ الثِّيابِ، فصار في هذا كمَن لا يَراها، إلَّا في الجُنُونِ، فإنَّه لا يَكادُ يَخْفَى على مَن يَراها، إلَّا أن يكونَ غائِبًا.
وأمَّا الرُّجوعُ بالمَهْرِ، فإنَّه بسَبَبٍ آخَرَ، فيكونُ بمَنْزِلَةِ ما لو وَهَبَتْه إيَّاه، بخلافِ المَوْهُوبَةِ.
فصل: فإنْ طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، ثمَّ عَلِمَ أنَّه كان بها عَيبٌ، فعليه نِصْفُ

الجزء: 20 - الصفحة: 520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصَّداقِ، ولا يَرْجِعُ به؛ لأنَّه رَضِيَ بالْتِزَامِه، فلم يَرْجِعْ على أحدٍ، وإن ماتتْ أو ماتَ قبلَ العِلْمِ بالعَيبِ، فلها الصَّداقُ كامِلًا، ولا يَرْجِعُ به على أحدٍ؛ لأنَّ سَبَبَ الرُّجوعِ الفَسْخُ، ولم يُوجَدْ، وههُنا اسْتَقَرَّ الصَّداقُ بالمَوْتِ، فَلا يَرْجِعُ به.
فصل: ولا سُكْنَى لها ولا نَقَقَةَ؛ لأنَّ ذلك إنَّما يَجِبُ لمَن لزَوْجِها عليها الرَّجْعَةُ، وهذه تَبِينُ بالفَسْخِ، كما تَبِينُ بالثَّلاثِ، وليس لزَوْجِها عليها وَجْعَةٌ، فلم تَجِبْ لها نَفَقَةٌ ولا سُكْنَى؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لفاطمةَ بنتِ قَيسٍ: «إنَّما 1330 النَّفَقَةُ والسُّكْنَى للمْرَأَةِ إذَا كَانَ لِزَوْجِها عليها الرَّجْعَةُ».
رَواه النَّسائِيُّ 1331. وهذا إذا كانت حائِلًا، فإن كانت حامِلًا، فلها النَّفَقَةُ؛ لأنَّها بائِنٌ مِن نِكاحٍ صحيحٍ وهي حامِلٌ، فكانت لها النَّفقةُ،

الجزء: 20 - الصفحة: 521

فَصْلٌ: وَلَيسَ لِوَلِيِّ صَغِيرَةٍ، أَوْ مَجْنُونَةٍ، وَلَا سَيِّدِ أَمَةٍ، تَزْويجُهَا مَعِيبًا، وَلَا لِوَلِيِّ كَبِيرَةٍ تَزْويجُهَا بِهِ بِغَيرِ رِضَاهَا.
كالمُطَلَّقةِ ثلاثًا والمُخْتَلعةِ.
وفي السُّكْنَى رِوايتان.
وقال القاضي: لا نَفَقَةَ لها وإن كانت حامِلًا، في أحدِ الوَجْهَين؛ لأنَّها بائِنٌ مِنِ نِكاحٍ فاسدٍ.
وكذلك قال أصحابُ الشافعيِّ في أحدِ الوَجْهَين، وفي الآخَرِ: لها النَّفَقَةُ؛ لأنَّ النَّفقةَ للحَمْلِ، والحَمْلُ لاحِقٌ به.
وبَنَوْه على [أنَّ النِّكاحَ فَاسِدٌ] (1)، وقد بَيَّنّا صِحَّته فيما مَضَى.
فصل: قال الشيخُ، - رَضِيَ اللهُ عنه -: (وليس لوَلِيِّ صَغِيرةٍ، ولا مَجْنُونَةٍ، ولا سيدِ أمةٍ، تَزْويجُها مَعيبًا) لأنَّه ناظِرٌ لهم بما فيه الحَظُّ، ولا حَظَّ لهم في هذا العقدِ.
فإن زَوَّجَهُنَّ مع العِلْمِ بالعَيبِ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ، وكذلك الحُكْمُ في الصغيرِ؛ لأنَّه عَقَدَ لهم عَقْدًا لا يَجُوزُ عَقْدُه، فلم يَصِحَّ، كما لو باع عَقَارَه لغيرِ غِبْطَةٍ ولا حاجةٍ.
وإن لم يَعْلَمْ بالعَيبِ، صَحَّ، كما لو اشْتَرَى لهم مَعِيبًا لا يَعْلَمُ عَيبَه، ويَجِبُ عليه الفَسْخُ إذا عَلِمَ؛ لأنَّ عليه النَّظَرَ لهم فيما فيه الحظُّ، [والحَظُّ] (2) في الفَسْخِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ النِّكاحُ؛ لأنَّه زَوَّجَهُم ممَّن لا يَمْلِكُ تزْويجَهُم إيَّاه، فلم يَصِحَّ؛ كما لو زَوَّجَهُم مِمَّن يَحْرُمُ عليهم.

3208 -

مسألة: (وليس له تَزْويجُ كَبِيرَةٍ بمَعِيبٍ بغيرِ رِضَاها)

13321333 الحديث: 3208 - الجزء: 20 - الصفحة: 522

فَإِنِ اخْتَارَتِ الْكَبِيرَةُ نِكَاحَ مَجْبُوبٍ أَوْ عِنِّينٍ، لَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهَا،  بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّها تَمْلِكُ الفَسْخَ إذا عَلِمتْ به بعدَ العَقْدِ، فالامْتِناعُ أوْلَى.

3209 -

مسألة: (فإنِ اخْتارَتِ الكَبِيرَةُ تَزْويجَ مَجْبُوبٍ أو عِنِّينٍ، لم يَمْلِكْ مَنْعَها)

لأنَّ الحقَّ لها، في أحَدِ الوَجْهَين.
والوجهُ الثاني (له

الحديث: 3209 - الجزء: 20 - الصفحة: 523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَنْعُها) قال أحمدُ: ما يُعْجِبُنِي أن يُزَوِّجَها بعِنِّينٍ، وإن رَضِيَتِ الساعةَ تكْرَهُ إذا أُدْخِلَت عليه؛ لأنَّ مِن شَأْنِهِنَّ النِّكاحَ، ويُعْجِبُهُنَّ مِن ذك ما يُعْجِبُنا.
وذلك لأنَّ الضَّرَرَ في هذا دائمٌ، والرِّضَا غيرُ مَوثْوقٍ 1334 بدَوامِه، ولا تَتَمَكَّنُ مِن التَّخَلُّصِ إذا كانت عالِمَةً في ابْتِداءِ العَقْدِ، وربَّما أفْضَى إلى الشِّقاقِ والعَداوةِ، فيَتَضَرَّرُ وَلِيُّها وأهْلُها، فمَلَكَ الوَلِيُّ مَنْعَها، كما لو أرادت نِكاحَ مَن ليس بكُفْءٍ.
وقال القاضِي: له مَنْعُها مِن نِكاحِ المجْنونِ، وليس له مَنْعُها مِن نِكاحِ المَجْبُوبِ والعِنِّينِ؛ لأنَّ ضَرَرَهُما عليها خاصَّةً.
وفي الأبْرَصِ والمَجْذُومِ 1335 وَجْهان؛ أحدُهما، لا يملكُ مَنْعَها؛ لأنَّ الحقَّ لها، والضَّرَرَ عليها، فأشْبَهَا 1336 المجْبُوبَ والعِنِّينَ.
والثاني، له مَنْعُها؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا فيه، فإنَّه يُعَيَّرُ 1337 به، ويُخْشَى تَعَدِّيه إلى الوَلَدِ، فأشْبَهَ التَّزْويجَ بغيرِ كُفْءٍ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
والأَوْلَى أنَّ له مَنْعَها؛ لأنَّ عليها فيه ضَرَرًا دائِمًا، وعارًا عليها وعلى أهْلِها، فمَلَكَ مَنْعَها منه، كالتَّزْويجِ بغيرِ الكُفْءِ، فأمَّا إنِ اتَّفَقَا على ذلك، ورَضِيَا به، جازَ، وصَحَّ النِّكاحُ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما.
ويُكْرَهُ لهما ذك؛ لِما ذَكَره أبو عبدِ اللهِ، مِن أنَّها وإن رَضِيَتِ الآنَ، تَكْرَهُ فيما بعدُ.

الجزء: 20 - الصفحة: 524

وَإِنِ اخْتَارَتْ نِكَاحَ مَجْنُونٍ، أَوْ مَجْذُومٍ، أَوْ أَبْرَصَ، فَلَهُ مَنْعُهَا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَينِ، وَإِنْ عَلِمَتِ الْعَيبَ بَعْدَ الْعَقْدِ، أَوْ حَدَثَ بِهِ، لَمْ يَمْلِكْ إِجْبَارَهَا عَلَى الْفَسْخِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ سائرُ الأوْلياءِ الاعْتِرَاضَ عليها ومَنْعَها مِن هذا التَّزْويجِ؛ لأنَّ العارَ يَلْحَقُ بهم، ويَنَالُهم الضَّرَرُ، فأشْبَهَ ما لو زَوَّجَها بغيرِ كُفْءٍ.

3210 -

مسألة: (فأمَّا إن عَلِمَتِ العَيبَ بعدَ العَقْدِ، أو حَدَثَ

الحديث: 3210 - الجزء: 20 - الصفحة: 525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  به، لم يَمْلِكْ إجْبارَها على الفَسْخِ) إذا رَضِيَتْ؛ لأنَّ حقَّ الوَلِيِّ في ابْتِداءِ العَقْدِ لا في دَوَامِه، ولهذا لو دَعَتْ وَلِيَّها إلى تَزْويجِها بِعَبْدٍ لم تَلْزَمْه إجابَتُها، ولو [عَتَقَتْ تحتَ عَبْدٍ] 1338 لم يَمْلِكْ إجْبارَها على الفَسْخِ.

الجزء: 20 - الصفحة: 526

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1416 هـ - 1996 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

الجزء: 21 - الصفحة: 2

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

الجزء: 21 - الصفحة: 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بَابُ نِكَاحِ الْكُفَّارِ

وَحُكْمُهُ حُكْمُ نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَجِبُ بِهِ وَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ،  بابُ نِكَاحِ الكُفَّارِ (وحُكمُه حُكْمُ نِكاحِ المسلمين فيما يَجِبُ به وتَحريمِ المحرماتِ) وجملةُ ذلك، أنَّ أنْكِحَتَهم يتَعَلَّقُ بها أحكامُ النِّكاحِ الصَّحِيحِ، مِن وُقُوعِ الطَّلاقِ، والظِّهارِ، والإِيلاءِ، ووُجُوبِ المَهْرِ، والقَسْمِ، والإِباحَةِ للزَّوْجِ الأوَّلِ، والإِحْصانِ، وغيرِ ذلك.
وممَّن أجازَ طَلاقَ 1339 الكُفَّارِ؛ عطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
ولم يُجَوِّزْهُ الحسنُ، وقَتادَةُ،

الجزء: 21 - الصفحة: 5

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ورَبِيعةُ، ومالكٌ.
ولَنا، أنَّه طَلَاقٌ مِن بالِغٍ عاقلٍ في نكاحٍ صحيحٍ، فَوَقَعَ، كطَلَاقِ المسلمِ، فإن قِيلَ: لا نُسَلِّمُ صِحَّةَ أنْكِحَتِهم.
قُلْنا: دليلُ ذلك أنَّ اللهَ تَعالى أضافَ النِّساءَ إليهم، فقال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالةَ الْحَطَبِ﴾ 1340. وقال: ﴿امْرَأَت فِرْعَوْنَ﴾ 1341. وحَقِيقةُ الإِضافةِ تَقْتَضِي زَوْجِيَّةً صحيحةً.
[وقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -] 1342: «وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ» 1343. وإذا ثَبَت صِحَّتُها، ثَبَتَتْ أحكامُها، كأَنْكِحةِ المسلمينَ.
فعلى هذا، إذا طَلَّقَ الكافرُ ثلاثًا، ثمَّ تَزَوَّجَها قبلَ زَوْجٍ وإصَابَةٍ، ثمَّ أسْلَما، لم يُقَرَّا عليه.
وإن طَلَّقَ امْرأتَه أقَلَّ مِن ثَلاثٍ، ثمَّ أسْلَما، فهي عندَه على ما بَقِيَ مِن طَلاقِها، وإن نَكَحَها كِتَابِيٌّ وأصابَها، حَلَّتْ لمُطَلِّقِها ثَلاثًا، سواءٌ كان المُطَلِّقُ مُسْلِمًا أو كافِرًا، وإن ظاهَرَ الذِّمِّيُّ مِن امْرأَتِه، ثمَّ أسْلَما، فعليه كَفَّارةُ الظِّهارِ؛ لقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ 1344 الآية.
فإن آلَى، ثَبَتَ حُكْمُ الإِيلاءِ، لِقَوْلِه تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ 1345. ويَحْرُمُ عليهم في النِّكاحِ ما يَحْرُمُ على المسلمين، على ما ذَكَرْنا في بابِ المُحَرَّمَاتِ في النِّكاحِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 6

وَيُقَرُّونَ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ، مَا اعْتَقَدُوا حِلَّهَا، وَلَمْ يَرْتَفِعُوا إِلَينَا.

3211 - مسألة: (وَيُقَرُّونَ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ، ما اعْتَقَدوا حِلَّها، ولم يَرْتَفِعُوا إلينا)

إنَّما يُقَرُّونَ بهذَين الشَّرطَين؛ أحدُهما، أن لا يَتَرافَعُوا إلينا.
الثاني، أن يَعْتَقِدُوا إباحَةَ ذلك في دينِهم؛ لأنَّ ما لا يعْتَقِدُون حِلَّه ليسَ مِن دِينِهم، فلا يُقَرُّونَ عليه، كالزِّنى، والسَّرِقَةِ، قال اللهُ تَعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَينَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيئًا﴾ 1346. فيَدُلُّ هذا على أنَّهم يُخَلَّوْنَ وأحْكامَهم إذا لم يَجِيئُوا إلينا.
ولأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أخذَ الجِزْيَةَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ 1347، ولم يَعْتَرِضْ عليهم في أنْكِحَتِهم، مع عِلْمِه أنَّهم يَسْتَبِيحُون نِكاحَ محارِمِهِم.
ولأنَّه أسْلَمَ خَلْقٌ كثيرٌ في زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فأقَرَّهم على أنْكِحَتِهم، ولم يكْشِفْ عن كَيفِيَّتِها.
فإذا لم يَرْتَفِعُوا، لم نَتَعَرَّضْ لهم؛ لأنَّا صَالحْناهم على الإِقْرَارِ

الحديث: 3211 - الجزء: 21 - الصفحة: 7

وَعَنْهُ، فِي مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً، أَو اشْتَرَى نَصْرَانِيَّةً، يَحُولُ بَينَهُمَا الْإِمَامُ.
فَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا، أَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ عَلَى نِكَاحٍ مُحَرَّمٍ.
على دِينِهم.
(وعن أحمدَ في مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ كتابِيَّةً، أو اشْتَرَى نَصْرَانِيَّةً) قال: يُحَالُ بَينَه وبَينَها.
قيل: مَن يَحولُ بَينَهُما؟ قال: الإِمامُ.
قال أبو بكرٍ: لأنَّ علينا ضَرَرًا في ذلك بتَحْريمِ أولادِ النَّصرانِيَّةِ علينا.
ويجئُ على قولِه في تَزْويجِ النَّصْرانِيِّ المَجُوسِيَّةَ (فيُخَرَّجُ مِن هذا أَنَّهم لا يُقَرُّونَ

الجزء: 21 - الصفحة: 8

فإِنْ أَسْلَمُوا، أَوْ تَرَافَعُوا إِلَينَا فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، لَمْ نُمْضِهِ إلا عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهِ، لَمْ نَتَعَرَّضْ لِكَيفِيَّةِ  على نِكاحٍ محرَّمٍ) [وأنْ يُحال بينَهم وبينَ نِكاحِ مَحارِمِهم؛ فإنَّ عمرَ كتَب أن فَرِّقوا بينَ كلِّ ذِي مَحْرَمٍ] (1) (2) مِن المجُوسِ.
وقال أحمدُ في مجُوسِيٍّ مَلَكَ أمَةً نَصْرانِيَّةً: يُحالُ بينَه وبينَها، ويُجْبَرُ على بَيعِها؛ [لأنَّ النَّصارى لهم دِينٌ] (3). فإن مَلَكَ نَصْرَانِيٌّ مجُوسِيَّةً، فلا بأسَ أن يَطأَها.
وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: لا يُبَاحُ له وَطْؤُها أيضًا.
لِما ذكرْناه مِن الضَّرَرِ.

3212 -

مسألة: (وإِن أَسْلَمُوا، أو تَرافَعُوا إلينا في ابْتِداءِ العَقْدِ، لم نُمْضِه إلَّا على الوَجْهِ الصَّحِيحِ)

مِثْلَ أنْكِحَةِ المسلمين؛ بِالولِيِّ والشُّهُودِ والإِيجابِ والقَبُولِ؛ لأنَّه لا حاجَةَ إلى عَقْدٍ يُخالِفُ ذلك، قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَينَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ 1351 (وإن كان في أثْنائِه 1352، لم134813491350

الحديث: 3212 - الجزء: 21 - الصفحة: 9

عَقْدِهِمْ، بَلْ إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا، كَذَاتِ مَحْرَمِهِ، وَمَنْ هِيَ فِي عِدَّتِهَا، أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي نِكَاحِهَا مَتَى شَاءَ، أَوْ مُدَّةً هُمَا فِيهَا، أَوْ مُطَلَّقَتِهِ ثَلَاثًا، فُرِّقَ بَينَهُمَا، وَإِلَّا أُقِرَّا  نَتَعرَّضْ لكَيفِيَّةِ عَقْدِهِم) ولا تُعْتَبَرُ له شُرُوطُ أنْكِحَةِ المسلمين؛ من الوَلِيِّ والشُّهودِ، وصِيغةِ الإِيجابِ والقَبُولِ، وأشْباهِ ذلك، بلا خِلافٍ بينَ المسلمين.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ (1): أجْمَعَ العلماءُ على أنَّ الزَّوْجَينِ إذا أسْلَما معًا في حالٍ واحدةٍ، أنَّ لهما المُقامَ على نِكاحِهما، ما لم يَكُنْ بينَهما نَسَبٌ أو رَضَاعٌ.
وقد أسْلَم خَلْقٌ كثيرٌ (2) في عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وأسْلَمَ نِسَاؤُهم، فأُقِرُّوا على أنْكِحَتِهم، ولم يَسْأَلْهم النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن شُرُوطِ النِّكاحِ ولا كَيفِيَّتِه، وهذا أَمْرٌ عُلِمَ بالتَّواتُرِ والضَّرُورةِ، فكان يَقِينًا.

3213 -

مسألة: لكنْ إن كانَتِ المرْأةُ في هذه الحالِ ممَّن [يَجُوزُ ابْتِداءُ نكاحِها في الحالِ، أُقِرَّا عليه (وإن كانت ممن] 1355 لا يجوزُ ابْتِداءُ نِكاحِها) كأَحَدِ المُحَرَّماتِ بالنَّسَبِ أو السَّبَبِ، أو المُعْتَدَّةِ، أو المُرْتَدَّةِ و 1356 الوَثَنِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ، والمُطَلَّقَةِ ثلاثًا، لم يُقَرَّا؛ لحديثِ عمرَ. وإن13531354

الحديث: 3213 - الجزء: 21 - الصفحة: 10

عَلَى النِّكَاحِ.
تَزَوَّجَها في العِدَّةِ وأسْلَما بعدَ انْقِضائِها، أُقِرَّا؛ لأنَّها ممَّن يَجُوزُ ابْتِداءُ نِكاحِها.
وإن تَرافَعا إلينا في العِدَّةِ، فُسِخَ نِكاحُهما؛ لأنَّه لا يجوزُ ابْتِداءُ نِكاحِهما.
وإن كان بَينَهما نِكاحُ مُتْعَةٍ، لم يُقَرَّا عليه؛ لأنَّه إن كان بعدَ المُدَّةِ، لم يَبْقَ بينَهما نِكاحٌ، وإن كان في المُدَّةِ، فهما لا يَعْتَقِدان تَأْبِيدَه،

الجزء: 21 - الصفحة: 11

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والنِّكاحُ عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ، إلَّا أن يَعْتَقِدا 1357 فسادَ الشَّرطِ [وصِحَّةَ النِّكاحِ وبَقاءَه مُؤبَّدًا، فيُقَرّانِ عليه.
فإن كان بينَهما نِكاحٌ شُرِطَ فيه الخِيارُ متَى شَاءَا أو شاءَ أحدُهما، لم يُقَرّا عليه؛ لأنَّهما لا يَعْتَقِدان لُزُومَه، إلَّا أن يَعْتَقِدا فَسادَ الشَّرطِ] 1358 وحدَه، وإن كان خيار مدَّةٍ فأسْلَما فيها، لم يُقَرَّا؛ لذلك، وإن كان بعدَها أُقِرَّا؛ لأنَّهما يَعْتَقِدانِ لُزُومَه، وكُلُّ ما اعْتَقَدُوه نِكاحًا، فهو نِكاحٌ يُقَرُّونَ عليه، وما لا فلا.

الجزء: 21 - الصفحة: 12

وَإِنْ قَهَرَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً، فَوَطِئَهَا، أَوْ طَاوَعَتْهُ، وَاعْتَقَدَاهُ نِكَاحًا، أُقِرَّا، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ مُسَمّىً صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا قَبَضَتْهُ، اسْتَقَرَّ، وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لَمْ تَقْبِضْهُ، فُرِضَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.

3214 - مسألة: (وإن قَهَرَ حرْبِيٌّ حرْبِيَّةً، فوَطِئَها، أو طَاوَعَتْهُ، واعْتَقَدَاه نِكاحًا)

ثمَّ أسْلَما (أُقِرَّا) عليه؛ لأنَّه نِكاحٌ لهم في مَن يجوزُ ابْتِداءُ نِكاحِها، فأُقِرَّا عليه، كالنِّكاحِ بلا وَلِيٍّ، وإن لم يَعْتَقِداه نِكاحًا، لم يُقَرَّا عليه؛ لأنَّه ليس مِن أنْكِحَتِهم.
3215 -

مسألة: (وإن كان المَهْرُ مُسَمًّى صحيحًا، أو فاسدًا قَبَضَتْه، اسْتَقَرَّ، وإن كان فاسدًا لم تَقْبِضْه، فُرِضَ لها مَهْرُ المِثْلِ)

إذا أسْلَمَ الكُفَّارُ، [أو تَحاكَمُوا] 1359 إلينا بعدَ العَقْدِ والقَبْضِ، لم نتَعرَّضْ لِما فَعَلوه،

الحديث: 3214 - الجزء: 21 - الصفحة: 13

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وما قَبَضَتْ مِن المَهْرِ، فقد نَفَذ، وليسَ لها غيرُه، حَلالًا كان أو حَرامًا، بدلِيلِ قولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ 1360. فأمَرَ بتَركِ ما بَقِيَ دُونَ 1361 ما قُبِضَ.
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ 1362. ولأنَّ التَّعرُّضَ للمَقْبوضِ بإبْطالِه يَشُقُّ، لتَطاوُلِ الزَّمانِ، وكَثْرَةِ تصرُّفاتِهم في الحَرامِ، ففيه تَنْفِيرُهم عن الإِسلامِ، فعُفِىَ عنه، كما عُفِيَ عمّا ترَكُوه مِن الفَرائِضِ والواجباتِ، ولأنَّهما تَقابَضا بحكمِ الشِّرْكِ، فبَرِئَتْ ذِمَّةُ مَن هو عليه منه، كما لو تَبايَعا بيعًا فاسدًا وتَقابَضا.
وإن لم يَتقابَضا وكان المُسَمَّى حَلالًا، وَجَبَ ما سَمَّياه؛ لأنَّه مُسَمًّى صحيحٌ [في نِكاحٍ صحيحٍ] 1363، فوَجَبَ، كتَسْمِيَةِ المسلمِ.
وإن كان حرامًا، كالخَمْرِ والخِنْزِيرِ، بطَلَ، ولمِ يُحْكَمْ بِه؛ لأنَّ ما سَمَّياهُ لا يجوزُ إيجابُه في الحُكْمِ، ولا يجوزُ أن يكونَ صَداقًا لمسلمةٍ، ولا في نِكاحِ مسلمٍ.

الجزء: 21 - الصفحة: 14

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ إن كان قَبْلَ الدُّخولِ، ونِصْفُه إن وقَعتِ الفُرْقَةُ قبلَ الدُّخولِ.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان أصْدَقَها خمرًا أو خِنْزِيرًا مُعَيَّنَينِ، فليس لها إلَّا ذلك، وإن كانا غيرَ مُعَيَّنَينِ، فلها في الخمرِ القِيمَةُ، وفي الخِنْزِيرِ مَهْرُ المِثْلِ، اسْتِحْسانًا.
ولَنا، أنَّ الخَمْرَ لا قِيمَةَ له في الإِسلامِ، فكان الواجِبُ مَهْرَ المِثْلِ، كما لو أصْدَقَها خِنْزِيرًا، ولأنَّه مُحَرَّمٌ، أشْبَهَ الخنزيرَ.
فصل: وإن قَبَضَتْ بعضَ الحرامِ دُونَ بعضٍ، سقَط مِن المَهْرِ بقَدْرِ ما قُبِضَ، ووَجَبَ بحِصَّةِ ما بَقِيَ مِن مَهْرِ المِثْلِ، فإن كان الصَّداقُ عَشَرةَ زِقَاقِ خَمْرٍ مُتَساويةً، فَقَبَضَتْ منها خَمْسَةً، سقَط نِصْفُ المَهْرِ، ووَجَب لها نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ، وإن كانت مختلِفةً، اعْتُبِرَ ذلك بالكَيلِ، في أحدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّه إذا وجَب اعْتِبارُه، اعْتُبِرَ ذلك بالكَيلِ فيما له مِثْلٌ يتأتَّى الكيلُ فيه.
والثاني، يُقْسَمُ على عَدَدِها؛ لأنَّه لا قِيمةَ لها، فاسْتَوَى كبيرُها

الجزء: 21 - الصفحة: 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وصغيرُها.
وإن أَصْدَقَها عشَرةَ خَنازيرَ، ففيه الوَجْهَان؛ أحدُهما، يُقْسَمُ على عددِها؛ لِما ذكَرْنا.
والثاني، تُعْتَبَرُ قِيمَتُها كأنَّها ممَّا يجوزُ بَيعُه 1364، كما تُقَوَّمُ شِجَاجُ الحُرِّ كأنَّه عَبْدٌ.
وإن أصْدَقها كَلْبًا وخِنْزِيرَينِ وثلاثَةَ زِقاقِ خَمْرٍ، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يُقْسَمُ على قَدْرِ قِيمَتِها عندَهم.
والثاني، يُقْسَمُ على عَدَدِ الأجْناسِ، فيُجْعَلُ لكلِّ جِنْسٍ ثُلُثُ المَهْرِ.
والثالثُ، يُقْسَمُ على العَدَدِ كلِّه (1)، فلِكُلِّ واحدٍ سُدْسُ المَهْرِ، ولِلكَلْبِ سُدْسُه، ولكلِّ واحدٍ مِن الخِنْزِيرَينِ والزِّقاقِ سُدْسُه.
ومذهبُ الشافعيِّ فيه (1) على نحو هذا.
فصل: فإن نَكَحَها نِكاحًا فاسدًا، وهو ما لا يُقَرُّونَ عليه إذا أسْلَمُوا، كَنِكاحِ ذَواتِ الرَّحِمِ 1365، فأسْلَما قَبْلَ الدُّخولِ، أو تَرافَعُوا إلينا، فُرِّقَ بينَهما، ولا مَهْرَ لها.
قال أحمدُ، في المَجُوسِيَّةِ تكونُ تحتَ أخيها أو أبيها، فَيُطَلِّقُها أو يَموتُ عنها، فتَرْتَفِعُ إلى المسلمين: لا مَهْرَ لها.
وذلك لأنَّه نِكاحٌ باطلٌ مِن أصْلِه، لا يُقَرُّ عليه في الإِسلامِ، وُجِدَت فيه الفُرْقةُ قبلَ

الجزء: 21 - الصفحة: 16

فَصْلٌ: وَإِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعًا، أَوْ أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ، فَهُمَا  الدُّخولِ.
فأمَّا إن دَخَلَ بها، فهل يجبُ مَهْرُ المِثْلِ؟ يُخَرَّجُ على رِوَايَتَين في المسلمِ إذا وَطِئَ امرأةً مِن مَحارِمِه.
بشُبْهَةٍ.
فصل: إذا تزوَّجَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً، على أن لا صَداقَ لها، أو سَكَتَ عن 1366 ذكرِه، فلها المطالبةُ بفَرْضِه إن كان قبلَ الدُّخولِ، وإن كان بعدَه فلها مَهْرُ المِثْلِ، كما في نِكاحِ المسلمينَ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن تَزَوَّجَها على أن لا مَهْرَ لها، فلا شيءَ لها.
وإن سَكَتَ عن ذِكْرِه، فعنه 1367 رِوَايتان؛ إحداهما، لا مَهْرَ لها.
والأُخْرَى، مَهْرُ المِثْلِ.
واحْتَجَّ بأنَّ المَهْرَ يجبُ لحَقِّ اللهِ تعالى وحَقِّها، [وقد أسْقَطَتْ حَقَّها] 1368، [والذِّمِّيُّ لا يُطالبُ بحَقِّ] 1369 اللهِ تَعالى.
ولَنا، أنَّ هذا نِكاحٌ خَلا عن تَسْمِيَةٍ، فيجبُ للمرْأةِ فيه مَهْرُ المِثْلِ، كالمُسْلمةِ، وإنَّما وَجَبَ المهْرُ في حَقِّ المُسْلمةِ لئلَّا تَصِيرَ كالمَوْهُوبةِ والمُباحةِ، وهذا يُوجَدُ في حَقِّ الذِّمِّيِّ.
فصل: قال الشيخُ، - رَضِيَ اللهُ عنه -: (وإذا أسْلَمَ الزَّوْجانِ معًا، أو

الجزء: 21 - الصفحة: 17

عَلَى نِكَاحِهِمَا،  أسْلَمَ زَوْجُ الكتابِيَّةِ، فهما على نِكاحِهما) سواءٌ كان قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه، وليس بينَ أهلِ العلمِ في هذا اختلافٌ بحَمْدِ اللهِ، وذَكَر [ابنُ عبْدِ البَرِّ] 1370 أنَّه إجْماعٌ مِن أهلِ العلمِ؛ وذلك لأنَّه لم يُوجَدْ منهم اختلافُ دِينٍ 1371. وقد رَوَى أبو داودَ 1372، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رَجُلًا جاء مُسْلِمًا على عهدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثمَّ جاءتِ امْرأتُه مسْلِمةً 1373 بعدَه، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّها كانت أسْلَمَتْ معي.
فرَدَّها عليه.
ويُعْتَبَرُ تَلَفُّظُهما بالإِسْلامِ دَفْعةً واحدةً؛ لئَلَّا يَسْبِقَ أحَدُهُما صاحِبَه، فيَفْسُدَ النِّكاحُ.
ويَحْتَمِلُ أن يَقِفَ على المَجْلِسِ، كالقَبْضِ ونحوه، فإنَّ حُكْمَ المَجْلِسِ كلِّه حُكْمُ حالةِ العَقْدِ، ولأنَّه يَبْعُدُ 1374 اتِّفاقُهما على النُّطْقِ بكَلِمَةِ الإِسلامِ دَفْعةً

الجزء: 21 - الصفحة: 18

وَإِنْ أَسْلَمَتِ الْكِتَابِيَّةُ أَوْ أَحَدُ الزَّوْجَينِ غَيرُ الْكِتَابِيَّينِ قَبْلَ الدُّخُولِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ، فَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ، فَلَا مَهْرَ لَهَا،  واحدةً، فلو اعْتُبِرَ ذلك، لوَقَعَتِ الفُرْقةُ بينَ كلِّ مُسْلِمَين قبلَ الدُّخولِ إلَّا في النَّادِرِ، فيَبْطُلُ الإِجْماعُ.
وإذا أسْلَمَ زَوْجُ الكِتابِيَّةِ قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه، أو أسْلَما معًا، فالنِّكاحُ باقٍ بحالِه، سواءٌ كان زَوْجُها كِتابِيًّا أو غيرَ كِتابِيٍّ؛ لأنَّ للمُسْلِمِ ابْتِدَاءَ نِكاحِ الكِتابِيَّةِ، فاسْتِدَامَتُه أوْلَى، ولا خِلافَ في هذا بينَ القائلين بجوازِ نِكاحِ الكتابِيَّةِ للمسلمِ.

3216 -

مسألة: (فإن أسْلَمَتِ الكتابِيَّةُ)

قبلَه و (قبلَ الدُّخولِ) تُعُجِّلَتِ الفُرْقَةُ، سواءٌ كان زَوْجُها كتابِيًّا أو غيرَ كتابِيٍّ، إِذ لا يجوزُ لكافرٍ نِكاحُ المسلِمةِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كُلُّ مَن نَحفظُ عنه مِن أهلِ العلمِ.
3217 -

مسألة: (فإنْ كانَتْ هي المُسْلِمَةَ، فلا مَهْرَ لها،

الحديث: 3216 - الجزء: 21 - الصفحة: 19

وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَهَا، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ.
وَعَنْهُ، لَا مَهْرَ لَهَا.
وإن كان هو المُسْلِمَ قَبْلَها، فلها نِصْفُ المَهْرِ.
وعنه، لا مَهْرَ لها) وجملةُ ذلك، أنَّ الفُرْقَةَ إذا حصَلَت 1375 قبلَ الدُّخُولِ بإسلامِ المرأَةِ، فلا شيءَ لها؛ لأنَّ الفُرْقَةَ من جِهَتِها.
وبهذا قال الحسنُ، ومالكٌ، والزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والشافعيُّ.
وعن أحمدَ رِوَايةٌ أُخْرَى، أَنَّ لها نِصْفَ المَهْرِ، إذا كانَتْ هي المسلمِةَ.
اخْتارَها أبو بكرٍ.
وبه قال قَتَادَةُ، والثَّوْرِيُّ.
ويَقْتَضِيه قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الفُرْقَةَ حصَلَتْ مِن قِبَلِه بامْتِنَاعِه مِن الإِسلامِ، وهي فَعَلَتْ ما فَرَضَ اللهُ عليها، فكان لها نِصْفُ ما فَرَضَ اللهُ لها، كما لو عَلَّقَ طلاقَها على الصلاةِ فصَلَّتْ.
ونُقِلَ عن أحمدَ في مجُوسِيٍّ أسْلَمَ قبلَ أن يدْخُلَ بامرأَتِه، فلا شيءَ لها مِن الصَّدَاقِ؛ لِما ذَكَرْنا.
ووَجْهُ الأُولَى، أنَّ الفُرْقَةَ حصَلَتْ باخْتِلافِ الدِّينِ، وقد حصَل بإسلامِها،

الجزء: 21 - الصفحة: 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فكانَتِ الفُرْقَةُ حاصِلَةً بفِعْلِها، فلمْ يَجِبْ لها شيءٌ، كما لو ارْتَدَّتْ، ويُفَارِقُ تعليقَ الطَّلاقِ، فإنَّه مِن جِهَةِ الزَّوْجِ، ولهذا لو عَلَّقَه على دُخُولِ الدَّارِ فدَخَلَتْ، وقَعَتِ الفُرْقَةُ، ولها نِصْفُ المَهْرِ.
فأمَّا إن حصَلتِ الفُرْقَةُ بإسلامِ الزَّوْجِ، فللمرأةِ نِصْفُ المُسَمَّى، إن كانَتِ التَّسْمِيَةُ صحيحةً، أو نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ، إن كانت فاسدةً، مِثلَ أن يُصْدِقَها خَمْرًا أو خِنْزِيرًا؛ لأنَّ الفُرْقَةَ حصَلَتْ بفعلِه.
وعنه، لا مَهْرَ لها؛ لأنَّ الفُرْقَةَ جاءتْ مِن قِبَلِها؛ لكَوْنِها امْتَنعَتْ مِن الدُّخولِ في الإِسْلامِ.
فصل: إذا انْفَسَخَ النِّكاحُ [بإسْلامِ أَحَدِ] 1376 الزَّوْجَين قبلَ الدُّخولِ، مثلَ أن يُسْلِمَ أحدُ الزَّوْجَين الوَثَنِيَّينِ أو المَجوسِيَّين، تُعُجِّلَتِ 1377 الفُرْقَةُ، على ما ذَكَرْنا، ويكونُ ذلك فسْخًا لا طَلاقًا.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ، بل إن كان في دارِ الإِسلامِ، عُرِضَ الإِسلامُ 1378 على الآخَرِ، فإن أبَى، وقَعَتِ الفُرْقَةُ حِينَئِذٍ، وإن كان في دارِ الحربِ، وقَفَ ذلك على انْقِضاءِ عِدَّتِها، فإن لم يُسْلِمِ الآخَرُ، وقَعَتِ

الجزء: 21 - الصفحة: 21

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفُرْقَةُ، فإن كان الإِبَاءُ مِن الزَّوْجِ كان طلاقًا؛ لأنَّ الفُرْقَةَ حصَلَتْ مِن قِبَلِه، فكان طلاقًا، كما لو لَفَظَ به، وإن كان مِن المرأةِ كان فسخًا؛ لأنَّ المرأةَ لا تَمْلِكُ الطَّلاقَ.
وقال مالكٌ: إن كانت هي المسلِمةَ، عُرِضَ عليه الإِسلامُ، فإن أسْلَمَ، وإلَّا وَقَعَتِ الفُرْقَةُ، وإن كان هو المُسْلِمَ، تُعُجِّلَتِ الفُرْقَةُ؛ لقولِه سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ 1379. ولَنا، أنَّه اخْتِلافُ دِينٍ يمنعُ الإِقْرارَ على النِّكاحِ، فإذا وُجِدَ قبلَ الدُّخولِ، تُعُجِّلَتِ الفُرْقَةُ، كالرِّدَّةِ.
وعلى مالكٍ، كإسلامِ الزَّوْجِ، أو كما لو أبَى 1380 الآخَرُ [الإِسلامَ، ولأنَّه] 1381 إن كان هو المُسْلِمَ، فليس له إمْساكُ كافِرةٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.
وإن كانت هي المسلمةَ، فلا يجوزُ إبْقاؤُها في نِكاحِ مشركٍ.
ولَنا، على أنَّها فُرْقَةُ فسخٍ، أنَّها فُرْقَةٌ باختلافِ الدِّينِ، فكانت فَسْخًا، كما لو أسْلَمَ الزَّوْجُ وأبَتِ المرأةُ، ولأنَّها فُرْقَةٌ بغيرِ لَفْظٍ، فكانت فسخًا، كفُرْقَةِ الرَّضَاعِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 22

وَإِنْ قَالتْ: أَسْلَمْتَ قَبْلِي.
وَأَنْكَرَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا،

3218

  • مسألة: (وإنْ قَال تْ: أسْلَمْتَ قَبْلِي.
    وأنْكَرَهَا، فالقولُ قَوْلُها) لأنَّ المَهْرَ وَجَبَ بالعَقْدِ، والزَّوْجُ يدَّعِي ما يُسْقِطُه، والأصْلُ بَقاؤُه، ولم يعارِضْه ظَاهِرٌ، فبَقِيَ.
    وإنِ اتَّفَقا على أنَّ أحدَهما أسلَم 1382 قَبْلَ الآخَرِ، ولا يَعْلَمانِ عينَه، فلها نِصْفُ الصَّدَاقِ.
    ذَكَرَه أبو الخطابِ؛ لِما ذَكَرْنا.
    وقال القاضي: إن لم تكنْ قَبَضَتْ، فلا شيءَ لها؛ لأنَّها تَشُكُّ في اسْتِحْقاقِها، فلا تَسْتَحِقُّ بالشَّكِّ، وإن كان بعدَ القَبْضِ، لم يَرْجِعْ عليها؛ لأنَّه يَشُكُّ 1383 في اسْتِحْقَاقِ الرُّجوعِ، فلا يَرْجِعُ مع الشَّكِّ.
    والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ اليَقِينَ لا يُزالُ بالشَّكِّ، ولذلك 1384 إذا تَيَقَّنَ الطَّهارَةَ وشَكَّ في الحدثِ، أو تَيَقَّنَ الحدثَ وشَكَّ في الطهارَةِ، بنى على اليَقِينِ، وهذه كان صَداقُها واجِبًا، وشَكَّا في سُقُوطِه، فيَبْقَى على الوُجُوبِ.

الحديث: 3218 - الجزء: 21 - الصفحة: 23

وَإِنْ قَال: أَسْلَمْنَا مَعًا، فَنَحْنُ عَلَى النِّكَاحِ.
فَأَنْكَرَتْهُ، فَعَلَى وَجْهَينِ.

3219 - مسألة: (وإن قال)

الزَّوْجُ: (أسْلَمْنا معًا، فنحنُ على النِّكاحِ.
فأنْكَرَتْه، فعلى وَجْهَين) وقال القاضي: القولُ قولُها 1385؛ لأنَّ الظاهرَ معها، إذْ يَبْعُدُ اتِّفاقُ الإِسْلامِ منهما دَفْعةً واحدةً، والقولُ قولُ مَن الظَّاهِرُ معه، ولذلك 1386 كان القولُ قولَ صاحبِ اليَدِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، ذَكَرَه أبو الخطابِ، أنَّ القولَ قولُ الزَّوْجِ؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ النِّكاحِ، والفَسْخُ طارِئٌ عليه، فكان القولُ قولَ مَن يُوَافِقُ قولُه الأصْلَ، كالمُنْكِرِ.
وللشافعيِّ قَوْلان كهذَينِ الوَجْهَينِ.
فصل: فإنِ اخْتَلَفا بعدَ الدُّخولِ، فقال الزَّوْجُ: أسْلَمْنا معًا.
أو: أَسْلَمَ الثَّاني مِنَّا في العِدَّةِ، فنحن على النِّكاحِ.
وتقولُ هي: بَلْ أسْلَمَ الثَّاني

الحديث: 3219 - الجزء: 21 - الصفحة: 24

وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ، وَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الثَّانِي قَبْلَ انْقِضَائِهَا، فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِلَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ حِينَ أَسْلَمَ الْأَوَّلُ.
بعدَ العِدَّةِ، فانْفَسَخَ النِّكاحُ.
ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، القولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ النِّكاحِ.
والثَّاني، القولُ قولُها؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ إسْلامِ الثَّاني.

3220 -

مسألة: (وإن أسْلَمَ أحَدُهما بعدَ الدُّخُولِ، وَقَفَ الأمْرُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ، فإن أسْلَمَ الثَّاني قَبْلَ انْقِضَائِها، فهما على نِكاحِهما، وإلَّا تَبَيَّنّا أَنَّ الفُرْقَةَ وقَعتْ)

مِن (حينَ أسْلَمَ الأوَّلُ) رُوِيَ عن أحمدَ،

الحديث: 3220 - الجزء: 21 - الصفحة: 25

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَحِمَه اللهُ، في هذه المسألةِ روايتان؛ إحداهما، أنَّ الأمْرَ يَقِفُ على انقضاءِ العِدَّةِ، على ما ذَكَرْنا.
وهذه الرِّوايةُ هِي 1387 التي ذَكَرَها الخِرَقِيُّ.
فعلى هذا، إذا لم يُسْلِمِ الثَّانِي في العِدَّةِ، لا يحتاجُ إلى اسْتِئْنافِ العِدَّةِ.
وهذا قولُ الزُّهْرِيِّ، واللَّيثِ، والحسنِ بنِ صالحٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ.
ونحوُه عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، ومُجاهدٍ، ومحمدِ بنِ الحسنِ.
والثانيةُ، تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ، كما قَبْلَ الدُّخولِ.
وهو اخْتِيارُ الخلَّالِ وصاحِبِه، وقولُ الحسنِ، وطاوُسٍ، وعِكْرِمةَ، وقَتَادةَ، والحكَمِ.
ورُوِيَ ذلك عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ.
ونَصَرَه ابنُ المُنْذِرِ.
وقولُ أبي حنيفةَ ههُنا كقولِه فيما قبلَ الدُّخُولِ، إلَّا أنَّ المرْأةَ إذا كانت في دارِ الحربِ، فانْقَضتْ عِدَّتُها

الجزء: 21 - الصفحة: 26

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وحَصَلَتِ الفُرْقَةُ، لَزِمَها اسْتِئْنافُ العِدَّةِ.
وقال مالكٌ: إن أسلَم الرَّجلُ قبلَ امرأتِه، عرَض عليها الإِسلامَ، فإن أسْلَمَتْ، وإلَّا وَقَعَتِ الفُرْقَةُ، وإن كانتْ غائبةً تُعُجِّلَتِ الفُرْقَةُ، وإن أسلمتِ المرأةُ قبلَه، وقَفَ الأَمْرُ 1388 على انْقِضاءِ العِدَّةِ.
واحْتَجَّ [مَن قال] 1389 بِتَعْجِيلِ الفُرْقَةِ بقَوْلِه سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.
ولأنَّ ما يُوجِبُ فَسْخَ النِّكاحِ لا يَخْتَلِفُ بما قبلَ الدُّخولِ وبعدَه، كالرَّضاعِ.
ولَنا، ما رَوَى مالكٌ في «مُوَطَّئِه» 1390، عن ابنِ شِهابٍ قال 1391: كان بينَ إسْلامِ صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ وامرأتِه بنتِ الوليدِ بنِ المُغِيرةِ نحوٌ مِن شَهْرٍ، أسْلَمَتْ يومَ الفَتْحِ، وبَقِيَ صَفْوانُ حتى شَهِدَ حُنَينًا والطائِفَ وهو كافرٌ، ثم أسْلَمَ، فلمْ يُفرِّقِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بينَهما، واسْتَقَرَّتْ عندَه امرأتُه بذلك النِّكاحِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 1392: وشُهْرَةُ هذا الحديثِ أقْوَى مِن إسْنادِه.
وقال ابنُ شِهابٍ: أسْلَمَتْ أُمُّ حكيمٍ يومَ الفَتْحِ، وهَرَبَ زَوْجُها عِكْرِمةُ حتى أَتَى اليَمَنَ،

الجزء: 21 - الصفحة: 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فارْتَحَلَتْ حتى قَدِمَتْ عليه اليمنَ، فدَعَتْه إلى الإِسلامِ، فأسْلَمَ، وقَدِمَ فبايعَ [النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -] 1393، فثَبَتَا على نِكاحِهما 1394. وقال ابنُ شُبْرُمةَ: كان الناسُ على عهدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُسْلِمُ الرجلُ قبلَ المرأةِ، والمرأةُ قبلَ الرجلِ، فأيُّهُما أسْلَمَ قبلَ انْقِضاءِ عِدَّةِ المرأةِ، فهي امرأتُه، فإن أسلمَ بعدَ العِدَّةِ، فلا نِكاحَ بينَهما 1395. ولأنَّ أبا سُفْيانَ خرَج فأسْلَمَ يومَ 1396 الفَتْحِ قبلَ دُخولِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ، ولم تُسْلِمْ هِنْدُ امرأتُه حتى فَتَحَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ، فثَبَتا على النِّكاحِ 1397. وأسْلَمَ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ قبلَ امْرَأتِه.
وخرَج أبو سفيانَ بنُ الحارثِ، وعبدُ الله بنُ أبي أُمَيَّةَ عامَ الفَتْحِ، فلَقِيا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بالأبْوَاءِ 1398، فأسْلَما قبلَ نِسائِهما.
ولم يُعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَرَّقَ بينَ أحدٍ ممَّن أسلمَ وبينَ امرأتِه، ويَبْعُدُ أن يَتَّفِقَ إسلامُهما معًا، ويفارِقُ ما قبلَ الدُّخولِ، فإنَّه لا عِدَّةَ لها فتُتَعَجَّل البَينُونةُ، كالمُطَلَّقةِ واحدةً، وههُنا لها عِدَّةٌ، فإذا انقضتْ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الفُرْقَةِ مِن حينَ أسْلَمَ

الجزء: 21 - الصفحة: 28

فَعَلَى هَذَا، لَوْ وَطِئَهَا فِي عِدَّتِهَا وَلَمْ يُسْلِمِ الثَّانِي، فَعَلَيهِ الْمَهْرُ، فَإِنْ أَسْلَمَ، فَلَا شَيْءَ لَهَا.
الأَوَّلُ، فلا يُحْتاجُ إلى عِدَّةٍ ثانيةٍ؛ لأنَّ اخْتلافَ الدِّينِ سَبَبُ الفُرْقَةِ، فَتُحْتسَبُ الفُرْقَةُ منه كالطَّلاقِ.
(فعلى هذه) الرِّوايةِ (لو وَطِئَها) الزَّوجُ (في عِدَّتِها ولم يُسْلِمِ الثَّاني) فيها، فلها (عليه المَهْرُ) ويُؤدَّبُ، لأنّا تَبَيَّنَّا أنَّه وَطِئَها بعد البَينُونَةِ وانْفِساخِ النِّكاحِ، فيكونُ وَاطِئًا في غيرِ مِلْكٍ 1399 (وإن أسْلَمَ، فلا شيءَ لها) لأنَّا تَبَيَّنَّا أنَّ النِّكاحَ لم يَنْفسِخْ، وأنَّه وَطِئَها في نِكاحِه، فلم يكنْ عليه شيءٌ.
فصل: فإن أسْلَمَ أحدُ الزَّوْجَين وتَخَلَّفَ الآخَرُ حتى انْقَضَتْ عِدَّةُ المرأةِ، انْفَسَخَ النِّكاحُ، في قولِ عامَّةِ العلماءِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 1400: لم يَخْتَلِفِ العُلَماءُ في هذا، إلَّا شيءٌ رُوِيَ عن النَّخَعِيِّ، شَذَّ فيه عن جماعةِ العلماءِ، فلم يَتْبَعْهُ عليه أحدٌ، زعَم أنَّها تُرَدُّ إلى زَوْجِها وإن طالتِ المدةُ؛ لِما رَوَى ابنُ عباس أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَدَّ زَينَبَ على زَوْجِها أبي العاصِ بنِكاحِها الأوَّلِ.
رَواه أبو داودَ 1401. واحْتَجَّ به أحمدُ.
قيل له: أليس

الجزء: 21 - الصفحة: 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُرْوَى أنَّه 1402 رَدَّها بنِكاحٍ مُسْتَأْنَفٍ؟ قال: ليس لذلك أصْلٌ.
قيل: كان بينَ إسْلامِها ورَدِّها إليه ثمانِ سِنِينَ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ 1403. وقولُه سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.
والإِجْماعُ المُنْعَقِدُ على تحريمِ فُرُوجِ المسلماتِ على الكُفَّارِ.
وأَمَّا قِصَّةُ أبي العاصِ مع امرأَتِه، فقال ابنُ عبدِ البَرِّ 1404: لا يَخْلُو إمَّا أن تكونَ قبلَ نُزُولِ تَحْريمِ المسلماتِ على الكفارِ، فَتكونَ مَنْسُوخةً بما جاءَ بعدَها، أو تكونَ حامِلًا اسْتَمَرَّ حَمْلُها حتى أسْلَمَ زَوْجُها، أو مَريضةً لم تحِضْ ثلاثَ حَيضاتٍ حتَّى أسْلَمَ، أو تكونَ رُدَّتْ إليه بنِكاحٍ جديدٍ.
فقد روَى ابنُ أبي شَيبَةَ 1405، في «سُنَنِه» عن عمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَدَّها على أبي العاصَ بنِكاحٍ جديدٍ.
رَواه التِّرْمِذِيُّ 1406، وقال: سمِعتُ عَبْدَ بنَ حُمَيدٍ يَقولُ: سمِعتُ يَزيدَ بنَ هارُونَ يَقولُ: حديثُ ابنِ عباسٍ أجْوَدُ إسْنادًا، والعملُ على = الترمذي، في: باب ما جاء في الزوجين المشركين.
. . .، من أبواب النكاح.
عارضة الأحوذي 5/ 82. وابن ماجه، في: باب الزوجين يسلم أحدهما قبل الآخر، من كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 647. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 217، 261. وصححه في الإرواء 6/ 339 - 341.

الجزء: 21 - الصفحة: 30

وَإِذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ، فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا،  حديثِ عمرِو بنِ شُعَيب.

3221 -

مسألة: (فإن أسْلَمَتْ قَبْلَه، فَلَها نَفَقَةُ العِدَّةِ)

لأنَّه يَتَمَكَّنُ مِن الاسْتِمْتاعِ وإبْقاءِ نِكاحِها بإسْلامِه معها، فكانت لها النَّفقةُ كالرَّجْعِيَّةِ، وسواءٌ أسْلَمَ في عِدَّتِها أو لم يُسْلِمْ.
فإن قيل: إذا لم يُسْلِمْ تَبَيَّنَّا أنَّها بَائِنٌ باخْتِلافِ الدِّينِ، فكيف تَجِبُ النفقةُ للبائنِ؟ قُلْنا: لأنَّه كان يُمْكِنُ الزَّوْجَ تَلافِيَ نِكاحِها 1407، بلِ يجِبُ عليه، فكانت في مَعْنَى الرَّجْعِيَّةِ.
[وإن كان هو المُسْلِمَ، فلا نفَقَةَ لها) لأنَّه لا سَبِيلَ إلى تَلافِي نِكاحِها واسْتِبْقائِها، فأَشْبَهَتِ البائِنَ، وسواءٌ أسلمَتْ معهُ أم لا] 1408. = والإمام أحمد، في: المسند 2/ 208. وضعفه الإمام أحمد، وقال في الإرواء: منكر.
الإرواء 6/ 341، 342. وسنن ابن أبي شيبة ليست بين أيدينا.

الحديث: 3221 - الجزء: 21 - الصفحة: 31

وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا، فَالْقَوْل قَوْلُهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَينَ.

3222 - مسألة: (فإنِ اخْتَلَفَا في السَّابِقِ مِنْهما)

فقال الزَّوْجُ: أسْلَمْتُ قَبْلَكِ، فلا نَفَقَةَ لكِ.
وقالتِ المرأةُ: بل أنا المسلمةُ أوَّلًا، فلي النَّفَقَةُ (فالقولُ قولُها في أحدِ الوَجْهَين) لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ النَّفَقَةِ، وهو يَدَّعِي سُقُوطَها.
والثاني، أنَّ القولَ قولُه؛ لأنَّ النَّفَقَةَ إنَّما تَجِبُ بالتَّمْكِينِ مِن الاسْتِمْتاعِ، والأصْلُ عَدَمُه.
فإن قال: أسْلَمْتِ بعدَ شَهْرينِ مِن إسْلامِي، فلا نَفَقَةَ لكِ فيها.
وقالت: بعدَ شَهْرٍ.
فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ إسْلامِها في الشَّهْرِ الثَّانِي.
فأمَّا إنِ ادَّعَى هو ما 1409 يَفْسَخُ النِّكاحَ وأنْكَرَتْه، انْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفسِه بزَوالِ نِكاحِه وسُقُوطِ حَقِّه، فأشْبَهَ ما لو ادَّعَى أنَّها أُخْتُه مِن الرَّضاعِ فكَذَّبَتْه.

الحديث: 3222 - الجزء: 21 - الصفحة: 32

وَعَنْهُ، أنَّ الْفُرْقَةَ تُتَعَجَّلُ بِإِسْلَامِ أحَدِهِمَا، كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَأمَّا الصَّدَاقُ فَوَاجِبٌ بِكُلِّ حَالٍ.

3223 - مسألة: (وعنه، أنَّ الفُرْقَةَ تُتَعَجَّلُ بإسْلامِ أحدِهما، كما قبلَ الدُّخولِ)

وقد ذَكَرْناه.
3224 -

مسألة: (فأمَّا الصَّدَاقُ، فواجبٌ بِكُلِّ حالٍ)

يعني إذا وَقَعتِ الفُرْقَةُ بإسْلامِ أحَدِهما بعدَ الدُّخولِ، فإنَّه يَجِبُ لها المَهْرُ كاملًا؛ لأنَّه اسْتَقَرَّ بالدُّخُولِ، فلم يَسْقُطْ بشيءٍ، فإن كان مُسَمًّى صَحِيحًا، فهو لها؛ لأنَّ أَنْكِحَةَ الكُفَّارِ صحيحةٌ، تَثْبُتُ لها أحكامُ الصِّحَّةِ، وإن كان مُحَرَّمًا قَبَضَتْهُ، فليس لها غيرُه؛ لأنَّا لا نَتَعَرَّضُ إلى ما مَضَى مِن أحكامِهِم، وإنْ لم تكُنْ قَبَضَتْه، فلها مَهْرُ مِثْلِها 1410؛ لأنَّ الخمرَ والخِنْزِيرَ لا يكونُ صَدَاقًا لِمُسْلمةٍ، ولا في نكاحِ مسلمٍ، وقد صارتْ أحكامُهم أحْكامَ المسلمين.
فصل: وسواءٌ فيما 1411 ذَكَرْنا اتَّفَقَتِ 1412 الدارانِ أو اخْتَلَفَتا.
وبه قال

الحديث: 3223 - الجزء: 21 - الصفحة: 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مالكٌ، واللَّيثُ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن أسْلَم أحَدُهما وهما في دارِ الحربِ، ودخَل 1413 دَارَ الإِسلامِ، انْفَسَخَ النِّكاحُ، ولو تَزَوَّجَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً، ثم دَخَل 1414 دارَ الإِسلام، وعَقَدَ الذِّمَّةَ 1415، انفَسَخَ نِكاحُهُ؛ لاخْتِلافِ الدَّارَين.
ويَقْتَضِي مَذْهَبُه أنَّ أحدَ الزَّوْجَين الذِّمِّيَّينِ إذا دَخَلَ دارَ الحربِ ناقِضًا للعَهْدِ، انْفَسَخَ نِكاحُه؛ لأنَّ الدارَ اخْتَلَفَتْ 1416 بهما فِعْلًا وحُكْمًا، فوجَب أن تقَعَ الفُرْقةُ بَينَهما، كما لو أسْلَمتْ في دارِ الإِسْلامِ قبلَ الدُّخولِ.
ولَنا، أنَّ أبا سُفْيانَ أسْلَمَ بمَرِّ الظَّهْرانِ وامرأتُه بمكَّةَ لم تُسْلِمْ، وهي دارُ حَرْبٍ، وأُمُّ حَكِيمٍ أَسْلَمتْ بمكةَ، وهرَب زَوْجُها عِكْرِمَةُ إلى اليَمنِ 1417، وامرأةُ صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ أسْلَمتْ يومَ الفَتْحِ، وهرَب زَوْجُها، ثم أسْلَمُوا، وأُقِرُّوا على أنْكِحَتِهم مع اختلافِ الدِّينِ والدارِ بهم، ولأنَّه عَقْدُ معاوَضةٍ، فلم ينْفَسِخْ باخْتِلافِ الدارِ، كالبَيعِ، ويُفارِقُ ما قبلَ الدُّخولِ، فإنَّ القاطِعَ للنِّكاحِ اخْتلافُ الدِّينِ، المانعُ مِن الإِقرارِ على النِّكاحِ، دُونَ ما ذكَرُوه.
فعلى هذا، لو تَزوَّجَ مُسْلِمٌ مُقِيمٌ بدارِ الإِسْلامِ حَرْبِيَّةً مِن أهلِ الكتابِ،

الجزء: 21 - الصفحة: 34

فَصْلٌ: وَإنِ ارْتَدَّ أحَدُ الزَّوْجَينِ قَبْلَ الِدُّخُولِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلَا مَهْرَ لَهَا إِنْ كَانَتِ الْمُرْتَدَّةَ، وَإنْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ،  صَحَّ نكاحُه، وعندَهم لا يَصِحُّ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ 1418. ولأنَّها امرأةٌ يُباحُ نِكاحُها إذا كانت في دارِ الإِسلامِ، فأُبِيحَ نِكاحُها في دارِ الحَرْبِ، كالمسْلِمَةِ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وإنِ ارْتَدَّ أحدُ الزَّوْجَين قبلَ الدُّخُولِ، انْفَسَخَ النِّكاحُ، ولا مَهْرَ لها إن كانتِ المُرتَدَّةَ، وإن كان هو المُرتَدَّ، فلها نِصْفُ المَهْرِ) إذا ارْتَدَّ أحدُ الزَّوْجَينِ قبلَ الدُّخولِ، انْفَسَخَ النِّكاحُ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا أنَّه حُكِيَ عن داودَ، أنَّه لا ينْفَسِخُ بالرِّدَّةِ؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ النِّكاحِ.
ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ 1419. ولأنَّه اخْتِلافُ دِينٍ يَمنعُ الإِصابةَ،

الجزء: 21 - الصفحة: 35

وَإِنْ كَانَتِ الرِّدَّةُ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَهَلْ تُتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ أَوْ تَقِفُ عَلى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
فوَجَبَ فَسْخُ النِّكاحِ، كما لو أسْلَمَتْ تحتَ كافرٍ.
ثم يُنْظرُ؛ فإن كانت المرأةُ هي المُرْتَدَّةَ، فَلا مَهْرَ لها؛ لأنَّ الفَسْخَ مِن قِبَلِها، وإن كان الرجلُ هو المُرْتَدَّ، فعليه نِصفُ المَهْرِ؛ لأنَّ الفَسْخَ مِن جِهَتِه، فأشْبَهَ ما لو طَلَّقَ، وإن كانتِ التَّسْمِيةُ فاسدةً، فعليه نِصْف مَهْرِ المِثْلِ.

3225 -

مسألة: (وإن كانتِ الرِّدَّةُ بعدَ الدُّخُولِ، فهل تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ أو تَقِفُ على انْقِضاءِ العدَّةِ؟ على رِوايَتَين)

اخْتَلفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، فيما إذا ارْتَدَّ أحدُ الزَّوْجين بعدَ الدُّخولِ، حَسَبَ اخْتِلافِهما فيما إذا أسْلَمَ أحدُ الزَّوْجَين الكافِرَينِ، ففي إحْداهما تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ.
ورُوِيَ ذلك عن الحسنِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ،

الحديث: 3225 - الجزء: 21 - الصفحة: 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثَّوْرِيِّ، وزُفَرَ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ ما أوْجَبَ فَسْخَ النِّكاحِ اسْتَوَى فيه ما قبلَ الدُّخُولِ وبعدَه، كالرَّضاعِ.
والثانيةُ، يَقِفُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ، فإن أسْلَمَ المرْتَدُّ قبلَ انْقِضائِها، فهما على النِّكاحِ، وإن لم يُسْلِمْ حتى انْقَضَتْ، بانَتْ منذُ اخْتِلافِ الدِّينَينِ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ [لأنَّه لَفْظٌ] 1420 تَقَعُ به الفُرْقَةُ، فإذا وُجِدَ بعدَ 1421 الدُّخولِ، جاز أن يَقِفَ على انْقِضاءِ العِدَّةِ، كالطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ، أو نقولُ: اخْتِلافُ دِينٍ بعدَ الإِصابةِ، فلا يُوجِبُ فَسْخَه في الحالِ، كإسْلامِ الحَرْبِيَّةِ تحتَ الحَرْبِيِّ، وقياسُه على إسْلام أحدِ الزَّوْجَين أقربُ مِن قياسِه على الرَّضاعِ، ولأنَّ الرَّضاعَ تَحْرُمُ به المرأةُ على التَّأْبِيدِ، فلا فائِدَةَ في تَأْخِيرِ الفَسْخِ إلى بعدِ انْقِضاءِ العِدَّةِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 37

وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ، فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُرْتَدَّةَ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا.

3226 - مسألة: (فإن كان هو المرْتَدَّ، فعليه نَفَقَةُ العِدَّةِ)

لأنَّه بسَبِيلٍ مِن 1422 الاسْتِمْتاعِ بها بأن يُسْلِمَ، ويُمْكِنُه تلافِي نِكاحِها، فكانتِ النَّفَقةُ [واجِبَةً عليه] 1423، كزَوْجِ الرَّجْعِيَّةِ (وإن كانت هي المرْتَدَّةَ، فلا نَفَقَةَ لها) لأنَّه لا سَبِيلَ للزَّوْجِ إلى رَجْعَتِها وتَلافِي نِكاحِها، فلم يكنْ لها نَفَقَةٌ، كما بعدَ العِدَّةِ.
فصل: فإنِ ارْتَدَّ الزَّوْجانِ معًا، فحُكْمُهما حكمُ ما لو ارْتَدَّ أحدُهما؛ إن كان قبلَ الدُّخُولِ، تُعُجِّلَتِ الفُرْقَةُ، وإن كان بعدَه، فهل تُتَعَجَّلُ أو تَقِفُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ؟ على رِوايتَين.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
قال أحمدُ في رِوَايةِ ابنِ منصورٍ: إذا ارْتَدَّا معًا، أو أحَدُهما، ثم تابا، أو تابَ المرْتَدُّ منهما، فهو أحَقُّ بها، ما لم تَنْقَضِ العِدَّةُ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْفَسِخُ النِّكاحُ اسْتِحْسانًا؛ لأنَّه لم يَخْتَلِفْ بهما الدِّينُ، فأشْبَهَ ما لو أسْلَما.
ولَنا، أنَّها رِدَّةٌ طارئةٌ على النِّكاحِ، فوجَب أن يتَعَلَّقَ بها فَسْخُه، كما لو ارْتَدَّ أحَدُهما، ولأنَّ كلَّ ما زال عنه مِلْكُ المُرْتَدِّ إذا ارْتَدَّ

الحديث: 3226 - الجزء: 21 - الصفحة: 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وحدَه، زال إذا ارْتَدَّ غيرُه معه، كمالِه، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بما إذا انْتَقَلَ المسلمُ واليهوديَّةُ إلى دِينِ النَّصْرانيَّةِ، فإنَّ نِكاحَهُما ينْفسِخُ، وقد انْتَقَلا إلى دِينٍ واحدٍ، وأمَّا إذا أسْلَما، فقد انْتَقَلا إلى دِينِ الحَقِّ، ويُقَرَّانِ عليه، بخِلافِ الرِّدَّةِ.
فصل: وإذا ارْتَدَّ أحدُ الزَّوْجَين، أو ارْتَدَّا معًا، مُنِعَ وَطْأها 1424 في عِدَّتِها، فإن وَطِئَها في عِدَّتِها، وقُلْنا: إنَّ الفُرْقَةَ تُعُجِّلَت.
[فلها عليه مَهْرُ مِثْلِها لِهذا الوَطْءِ، مع الذي ثَبَتَ عليه بالنِّكاحِ؛ لأنَّه وطئَ أَجْنَبِيَّةً] 1425، فيكونُ عليه مَهْرُ مِثْلِها.
وإن قُلْنا: إنَّ الفُرْقَةَ تقِفُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ.
فأسْلَمَ المُرْتَدُّ منهما، أو أسْلَما جميعًا في عِدَّتِها وكانتِ الرِّدَّةُ منهما 1426، فلا مَهْرَ لها عليه بهذا الوَطْءِ؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا أنَّ النِّكاحَ لم يَزُلْ، وأنَّه وَطِئَها وهي زَوْجَتُه.
وإن ثَبَتا، أو ثَبَتَ [المُرْتَدُّ منهما] 1427 على الرِّدَّةِ حتى انْقَضَتِ العِدَّةُ، فلها عليه مَهْرُ المِثْلِ لهذا الوَطْءِ؛ لأنَّه وَطْءٌ في غيرِ نِكاحٍ بشُبْهةِ النِّكاحِ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّ الفُرْقَةَ وَقَعَتْ منذُ اخْتلفَ الدِّينان 1428. وقد

الجزء: 21 - الصفحة: 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذَكَرْنا مثلَ ذلك، فيما إذا أسْلَمَ أحدُ الزَّوْجَينِ بعدَ 1429 الدُّخُولِ، فوَطِئَها في العِدَّةِ؛ لأنَّه مِثْلُه.
فصل: إذا أسْلَمَ أحدُ الزَّوْجَينِ ثم ارتدَّ، نَظرتَ، فإن [لَمْ يُسْلِمِ] 1430 الآخَرُ، تَبَيَّنَّا أنَّ الفُرْقَةَ وَقَعَتْ مِن حِينَ اخْتَلَفَ الدِّينانِ، وعِدَّتُها مِن حينَ أسْلَمَ المسلمُ منهما.
وإن أسْلَمَ الآخَرُ منهما في العِدَّةِ قَبْلَ ارْتِدَادِ الأوَّلِ، اعْتُبِرَ ابْتداءُ العِدَّةِ مِن حينَ ارْتَدَّ؛ لأنَّ حُكْمَ اخْتِلافِ الدِّينِ بإسلامِ 1431 الأَوَّلِ زال بإسْلامِ الثاني في العِدَّةِ.
ولو أسْلَمَ وتَحتَه أكثرُ مِن أرْبَعِ نِسْوةٍ، فأسْلَمْنَ معه، ثم ارْتَدَّ، لم يكنْ له أن يختارَ منهنَّ، لأنَّه لا يجوزُ أن يَبْتَدِئَ العَقْدَ عليهنَّ في هذه الحالِ.
وكذلك لو ارْتَدَدْنَ دُونَه أو معه، لم يكُنْ له أن يختارَ مِنهنَّ؛ لذلك 1432. فصل: إذا تزوَّجَ الكافِرُ بمَن لا يُقَرُّ على نِكاحِها في الإِسْلامِ، مثلَ أن جَمَعَ بينَ الأخْتَين، أو بينَ عَشْرِ نِسْوةٍ، أو نَكَحَ مُعْتَدَّةً أو مُرْتَدَّةً، ثم طَلَّقها ثلاثًا، ثم أسْلَما، لم يكنْ له أن يَنْكِحَها؛ لأنَّنا أجْرَينا أحْكامَهم على الصِّحَّةِ فيما يَعْتَقِدُونه في النِّكاحِ، فكذلك في الطَّلاقِ، ولهذا جاز له إمْسَاكُ الثَّانيةِ مِن الأُخْتَينِ، والخامسةِ المَعْقُودِ عليها آخِرًا.

الجزء: 21 - الصفحة: 40

وَإنِ انْتَقَلَ أَحَدُ الْكِتَابِيَّينِ إِلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ عَلَيهِ، فَهُوَ كَرِدَّتِهِ.

3227 - مسألة: (وإنِ انْتَقَلَ أحدُ الكتابِيَّيْنِ إلى دِينٍ لَا يُقَرُّ عليه، فهو كَرِدَّتِهِ)

إذا انْتَقَلَ الكتابِيُّ إلى غيرِ دينِ أهلِ الكِتابِ 1433 مِنَ الكُفْرِ، لم يُقَرَّ عليه.
لا نَعْلَمُ في هذا خلافًا؛ لأنَّه إنِ 1434 انْتقلَ إلى دِينٍ لا يُقَرُّ أهلُه بالجِزْيَةِ، كعبادةِ الأوْثانِ وغيرِها مما يسْتَحْسِنُه، فالأصْلِيُّ 1435 مِنْهم لا يُقَرُّ على دينِه، فالْمُنْتَقِلُ إليه أوْلَى، وإنِ انْتقَلَ إلى المَجوسِيَّةِ، لم يُقَرَّ أيضًا؛ لأنَّه انْتقَل إلى دينٍ أنْقَصَ مِن دينِه، فلمْ يُقَرَّ عليه، كالمسْلمِ إذا ارْتَدَّ.
فأمَّا إنِ انْتَقَلَ إلى دينٍ آخرَ مِن دينِ أهلِ الكتابِ، كاليهودِيِّ يَتَنَصَّرُ، ففيه رِوايتان؛ إحدَاهما، لا يُقَرُّ أيضًا؛ لأنَّه انْتَقَلَ إلى دينٍ باطلٍ، قد أَقَرَّ بِبُطْلَانِه، فلم يُقَرَّ عليه، كالمُرْتَدِّ.
والثانيةُ، يُقَرُّ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو ظاهرُ كلام الخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ 1436 الخلالِ وصاحبِه، وقولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه لا يَخرُجُ عن دينِ أهلِ الكتابِ، فأشْبَهَ غيرَ المُنْتَقِلِ.

الحديث: 3227 - الجزء: 21 - الصفحة: 41

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وللشافعيِّ قَوْلان كالرِّوايتَين.
فأمَّا المَجوسِيُّ إذا انْتَقَل إلى دينٍ لا يُقَرُّ أهْلُه عليه، لم يُقَرَّ، كأهْلِ ذلك الدِّينِ، وإنِ انْتَقَلَ إلى دينِ أهلِ الكتابِ، خُرِّج فيه الرِّوايتان.
وسواءٌ فيما ذكَرْنا الرجلُ والمرأةُ؛ لعُمومِ قولِه عليه الصلاة والسلامُ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» 1437. ولعُمُومِ المعْنَى الذي ذكَرْناه فيهما جميعًا.
فصل: وإنِ انْتَقَلَ إلى غيرِ دينِ أهلِ الكتابِ، لم يُقْبَلْ منه إلَّا الإِسلامُ، في إحدى الرِّواياتِ عن أحمدَ.
اخْتارَه الحلالُ [وصاحِبُه] 1438. وهو أحدُ أقوالِ الشافعيِّ؛ لأنَّ غيرَ الإِسلامِ أدْيانٌ 1439 باطلةٌ، قد أَقَرَّ ببُطْلانِها، فلم يُقَرَّ عليها، كالمُرْتَدِّ.
وعنه رِوَايةٌ ثانيةٌ، لا يُقْبَلُ منه إلَّا الإِسلامُ أو الدِّينُ (3) الذي كان عليه؛ لأنَّ دِينَه الأوَّلَ قد أقْرَرْناه عليه مرَّةً، ولم يَنْتَقِلْ

الجزء: 21 - الصفحة: 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلى خَيرٍ منه، فنُقِرُّه عليه إن رجَع إليه 1440، ولأنَّه مُنْتَقِلٌ مِن دينٍ يُقَرُّ أهلُه عليه، [فيُقْبَلُ منه الرُّجوعُ إليه، كالمرْتَدِّ إذا رَجَعَ إلى الإِسلامِ.
وعن أحمدَ روايةٌ ثالثةٌ، أنَّه يُقْبَلُ منه أحدُ ثلاثةِ أشياءَ، الإِسلامُ، أو الرجوعُ إلى دينِه الأوَّلِ، أو إلى دينٍ يُقَرُّ أهلُه عليه؛ لعُمومِ] 1441 قولِه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ 1442. وظاهرُ هذه الرِّوايةِ، أنَّ الكتابِيَّ إذا انْتَقَلَ إلى المَجُوسِيَّةِ، أُقِرَّ، وقد ذُكرَ في أعْلَى هذه الصَّفْحةِ أنَّه لا يُقَرُّ، ولعلَّه أرادَ بقولِه: إلى دينٍ يُقَرُّ عليه.
إذا كان دينَ أهلِ الكتابِ؛ ليكونَ مُوافِقًا لِما ذَكَرَه 1443 أوَّلًا.
وإنِ انْتَقَلَ إلى دينِ أهلِ الكتابِ، وقُلْنا: لا يُقَرُّ.
ففيه رِوايتانِ؛ إحداهما، لا يُقْبَلُ منه 1444 إلَّا الإِسلامُ.
والأُخْرى، لا يُقْبَلُ منه (5) إلَّا الإِسلامُ أو الدِّينُ (5) الذي كان عليه.
فصل: وإن قُلْنا: لا يُقَرُّ.
ففي صِفَةِ إجْبارِه رِوايتَان؛ إحْداهما، أنَّه يُقْتَلُ إن لم يَرْجِعْ، رَجُلًا كان أو امرأةً؛ لعُمُومِ الحديثِ، ولأنَّه ذِمِّيٌّ

الجزء: 21 - الصفحة: 43

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نقَض العَهْدَ، فأشْبَهَ ما لو نَقَضَه بتَرْكِ أداءِ الجزْيَةِ، ويُسْتَتابُ في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّه يُسْتَرْجَعُ عن دينٍ باطلٍ، أَشْبَهَ المرْتَدَّ.
والثاني، لا يُسْتَتابُ؛ لأنَّه كافرٌ أصليٌّ أُبِيحَ قَتْلُه، فأشْبَهَ الحربِيَّ.
فعلى هذا، إن بادَر فأسْلَمَ، أو رجَع إلى ما يُقَرُّ عليه، عُصِم دَمُه، وإلَّا قُتِلَ.
والرِّوايةُ الثانيةُ، قال أحمدُ: إذا دَخَلَ اليهودِيُّ في النَّصْرانِيَّةِ، ردَدْتُه إلى اليَهودِيَّةِ، ولم أدَعْه فيما انْتَقَلَ إليه.
فقِيلَ له: أَتقْتُلُه؟ قال: لا، ولكنْ يُضْرَبُ ويُحْبَسُ، قال: وإذا كان نصرانيًّا أو يهوديًّا؟ قال: وإن كان يهودِيًّا أو نصرانِيًّا فدَخَل في المجوسِيَّةِ، كان أغْلَظَ؛ لأنَّه 1445 لا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُه، ولا تُنْكَحُ له امرأةٌ، ولا يُتْركُ 1446 حتى يُرَدَّ إليها.
فقِيلَ له: تَقْتُلُه إذا لم يَرْجِعْ؟ قال: إنَّه لأهْلُ ذلكَ.
وهذا نَصٌّ في أنَّ الكتابِيَّ المُنْتَقِلَ إلى دينٍ آخَرَ مِن دينِ أهلِ الكتابِ لا يُقْتَلُ، بل يُكْرَهُ بالضَّرْبِ والحَبْسِ.
فصل: فإن تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ ذِميَّةً، فانْتَقَلَتْ إلى غيرِ دينِ أهلِ الكتابِ، فهي كالمُرْتَدَّةِ؛ لأنَّ غيرَ أهلِ الكتابِ لا يَحِلُّ نِكاحُ نِسائِهم، فإن كان قَبْلَ الدُّخُولِ، انْفَسَخَ نِكاحُها [في الحالِ] 1447، ولا مَهْرَ لها، وإن كان

الجزء: 21 - الصفحة: 44

فَصْلٌ: وَإنْ أَسْلَمَ كَافِرٌ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، اخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ،  بعْدَه، فهل يَقِفُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ أو يَنْفَسِخُ في الحالِ؟ على رِوايتَين.
وكذلك إذا انْتَقَلَتْ إلى دينٍ [لا تُقَرُّ عليه، لأنَّها انْتَقَلَتْ إلى دينٍ] 1448 باطلٍ، و 1449 إلى دينٍ كانتْ تُقِرُّ بِبُطْلَانِه، فأشْبَهَتِ المُسْلِمَةَ إذا تَهَوَّدَتْ أو تَنَصَّرَتْ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (وإنْ أَسْلَمَ كافِرٌ وتحتَه أَكْثَرُ مِن أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، اخْتارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وفارَقَ سَائِرَهُنَّ) وجملةُ ذلك، أنَّ الكافرَ إذا أسْلَمَ ومعه أكثرُ مِن أَرْبَعِ نِسْوةٍ، فأَسْلَمْنَ في عِدَّتِهِنَّ، أو كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ، لم يكنْ له إمْساكُهُنَّ كُلِّهِنَّ، بغيرِ خلافٍ نَعْلَمُه، ولا يَمْلِكُ إمْساكَ أكثرَ مِن أربعٍ، فإذا أحَبَّ ذلك، اخْتارَ أرْبَعًا مِنهنَّ، وفارَقَ سائِرَهُنَّ، سواءٌ تَزَوَّجَهُنَّ في عَقْدٍ واحدٍ أو عُقُودٍ، وسواءٌ اخْتَارَ الأوائِلَ أو الأواخِرَ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال الحسنُ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والأوْزَاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ،

الجزء: 21 - الصفحة: 45

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشافعيُّ، وإسحاقُ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: إنْ كان تَزَوَّجَهُنَّ في عَقْدٍ، انْفَسَخَ نِكاحُ جمِيعِهِنَّ، وإن كان في عُقُودٍ، فنِكاحُ الأوائِلِ صحيحٌ، ونِكاحُ ما زادَ على أرْبَعٍ باطلٌ؛ لأنَّ العَقْدَ إذا تناوَلَ أكثرَ مِن أرْبَعٍ، فتَحْرِيمُه مِن طَريقِ الجَمْعِ، فلا يكونُ مُخَيَّرًا فيه بعدَ الإِسلامِ، كما لو تَزَوَّجَتِ المرأةُ زَوْجَينِ في حالِ الكُفْرِ، ثم أَسْلَمُوا.
ولَنا، ما رَوَى قَيسُ بنُ الحارثِ، قال: أسْلَمْتُ وتَحْتِي ثَمانِ نِسْوةٍ، فأتَيتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فذكرتُ له ذلك، فقال: «اخْتَرْ مِنْهُنَّ أرْبَعًا».
روَاه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 1450. ورَوَى محمدُ بنُ سُوَيدٍ 1451 الثَّقَفِيُّ، أنَّ غَيلانَ بنَ سَلَمَةَ أسْلَمَ وتحتَه عَشْرُ نِسْوةٍ، فأسْلَمْنَ معه، فأمَرَه النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يتَخَيَّرَ منهنَّ أرْبَعًا 1452. روَاه التِّرْمِذِيُّ.
وروَاه

الجزء: 21 - الصفحة: 46

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مالكٌ في «مُوَطَّئِه»، عن الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا، وروَاه الشافعيُّ في «مُسْنَدِه»، عن ابنِ عُلَيَّةَ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سالم، عن أبيه، إلَّا أنَّه غيرُ مَحْفُوظٍ، غَلِطَ فيه مَعْمَرٌ، وخالف فيه أصحابَ الزُّهْرِيِّ، كذلك قال الإِمامُ أحمدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وغيرُهما.
ولأنَّ كُلَّ عددٍ جازَ له ابْتِداءُ العَقْدِ عليه، جاز له إمْساكُه بنِكاحٍ مُطْلَقٍ في حالِ الشِّرْكِ، كما لو تَزَوَّجَهُنَّ بغيرِ شُهُودٍ.
وأمَّا إذا تَزَوَّجَتْ زَوْجَين، فنِكاحُ الثاني باطِلٌ؛ لأنَّها ملَّكَتْهُ مِلْكَ غيرِها.
وإن جَمَعَتْ بينَهما، لم يَصِحَّ؛ لأنَّها لم تُمَلِّكْه جميعَ بُضعِها، ولأنَّ ذلك ليس بشائِعٍ عندَ أحدٍ مِن أهلِ الأدْيانِ، ولأنَّ المرأةَ ليس لها اخْتِيارُ النِّكاحِ وفَسْخُه، بخِلافِ الرَّجُلِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 47

فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ، أُجْبِرَ عَلَيهِ،  فصل: ويجِبُ عليه أن يختارَ أربعًا ويُفارِقَ سائِرَهُنَّ، أو يُفارِقَ الجميعَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرَ قَيسًا وغَيلانَ بالاختيارِ، وأمْرُه يقْتَضِي الوُجُوبَ، ولأنَّ المُسْلِمَ لا يجُوزُ إقْرارُه على أكثرَ مِن أرْبعٍ، فإن أبَى، أُجْبِرَ 1453 بالحَبْسِ والتَّعْزِيرِ إلى أن يَخْتارَ؛ لأنَّ هذا حَقٌّ عليه، يُمْكِنُه إيفاؤُه، وهو مُمْتَنِعٌ منه، فأُجْبِرَ عليه، كإيفاءِ الدَّينِ.
وليس للحاكمِ أن يخْتارَ عنه، كما يُطَلِّقُ على المُولِي 1454 إذا امْتَنَعَ مِن الطَّلاقِ؛ لأنَّ الحقَّ ههُنا لغيرِ مُعَيَّنٍ، وإنَّما تَتَعَيَّنُ الزَّوْجاتُ 1455 باخْتِيارِه وشَهْوَتِه، وذلك لا

الجزء: 21 - الصفحة: 48

وَعَلَيهِ نَفَقَتُهُنَّ إِلَى أَنْ يَخْتَارَ.
يَعْرِفُه الحاكمُ فيَنُوب عنه، [بخلافِ المُولِي، فإنَّ الحَقَّ المُعَيَّنَ يُمْكِنُ الحاكمَ إيفاؤُه، والنِّيابةُ فيه عن المُسْتَحِقِّ] (1) فيه.
فإن جُنَّ خُلِّيَ حتى يعودَ عَقْلُه، ثم يُجْبَرُ على الاخْتِيارِ.

3228 -

مسألة: (وعليه نَفَقَتُهُنَّ إلى أن يَخْتارَ)

لأنَّهُنَّ مَحْبُوساتٌ عليه، ولأنَّهُنَّ في حُكْمِ الزَّوْجاتِ، أيَّتُهُنَّ اختارَ جازَ.
فصل: ولو زَوَّجَ الكافرُ ابْنَه الصَّغيرَ أكثرَ مِن أرْبعٍ، ثم أسْلَمُوا جميعًا، لم يَكُنْ له الاخْتِيارُ قَبْلَ بُلُوغِه، فإنَّه لا حُكْمَ لقَوْلِه، وليس لأبِيه الاخْتِيارُ؛ لأنَّ ذلك حَقٌّ يتَعَلَّقُ بالشَّهْوَةِ، فلا يَقُومُ غيرُه مَقَامَه فيه، فإذا بَلَغَ الصَّبِيُّ،1456

الحديث: 3228 - الجزء: 21 - الصفحة: 49

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كان له أن يَخْتارَ حِينَئِذٍ، وعليه النَّفَقَةُ إلى أن يَخْتارَ، فإن ماتَ الزَّوْجُ، لم يَقُمْ وارِثُه مَقَامَه؛ لِما ذكرْنا في الحاكِمِ.
فصل: وصِفَةُ الاخْتِيارِ أن يقولَ: اخْتَرْتُ [نِكاحَ هؤلاءِ.
أو: اخْتَرْتُ] 1457 هؤلاءِ، أو: أمْسَكْتُهُنَّ.
أو: اخْترتُ حَبْسَهُنَّ -أو- إمْساكَهُنَّ -أو- نِكاحَهُنَّ -أو: أمْسَكْتُ 1458 نِكاحَهُنَّ.
أو: أثْبَتُّ نِكاحَهُنَّ.
وإن قال لِمَا زاد على الأرْبَعِ: فَسَخْتُ نِكاحَهُنَّ.
كان اخْتِيارًا للأرْبَعِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 50

فَإِنْ طَلَّقَ إِحْدَاهُنَّ، أَوْ وَطِئَهَا، كَانَ اخْتِيَارًا لَهَا،

3229 - مسألة: (وإن طَلَّقَ إحْداهُنَّ، كان اختيارًا لها)

لأنَّ الطَّلاقَ لا يكونُ إلَّا في زَوْجَةٍ.
وإن قال: فارَقْتُ هؤلاءِ.
أو: اخْتَرْتُ فِرَاقَ هؤلاءِ.
فإن لم يَنْو به الطَّلاقَ كان اختيارًا لغيرِهِنَّ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لغَيلانَ: «اخْتَرْ مِنْهُنَّ أرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ».
وهذا يقْتَضِي أن يكونَ لَفْظُ الفِراقِ صَرِيحًا فيه (1)، وكذا في حديثِ فَيرُوزَ الدَّيلَمِيِّ (2) قال: فعَمَدْتُ إلى أقْدَمِهِنَّ صُحْبَةً فَفَارَقْتُها.
وهذا الموضعُ أخَصُّ بهذه اللفْظَةِ، فيجبُ أن يتخصَّصَ فيه بالفَسْخِ.
فإن نوَى به الطَّلاقَ، كان اختيارًا لهُنَّ دُونَ غيرِهِنَّ.
وذكَر القاضي فيه عِنْدَ الإِطْلَاقِ (3) وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، أن يكونَ اخْتِيارًا للمفارَقاتِ؛ لأنَّ لَفْظَ الفِرَاقِ صريحٌ في الطَّلاقِ.
والأوَّلُ أوْلَى.
3230 -

مسألة (وَإن وَطِئَ)

إحْداهُنَّ، كان اخْتِيارًا لها فِي قِياسِ المَذْهَبِ؛ لأنَّه لا يجوزُ إلَّا في مِلْكٍ، فيدُلُّ على الاخْتِيارِ، كوَطْءِ الجاريةِ145914601461

الحديث: 3229 - الجزء: 21 - الصفحة: 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَبِيعةِ بشَرْطِ الخِيارِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 52

وَإِنْ طَلَّقَ الْجَمِيعَ ثَلَاثًا، أُقْرِعَ بَينَهُنَّ، فَأُخْرِجَ بِالْقُرْعَةِ أرْبَعٌ مِنْهُنَّ، وَلَهُ نِكَاحُ الْبَوَاقِي.

3231 - مسألة: (وإن طَلَّقَ الجميعَ، أُقْرِعَ بينَهنَّ، فأُخْرِجَ أرْبَعٌ مِنْهُنَّ بالقُرْعَةِ)

فكُنَّ المُخْتاراتِ، ووَقَعَ طلاقُه بِهِنَّ، وانْفَسَخ نِكاحُ البَوَاقِي (وله نِكاحُ البَواقي) فإن كان الطَّلاقُ ثَلاثًا، فمتى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، فله أن يَنْكِحَ مِن الباقياتِ؛ لأنَّهُنَّ لم يَطْلُقْنَ منه، ولا تَحِلُّ له المُطَلَّقَاتُ إلَّا بعدَ زَوْجٍ وإصابةٍ.
ولو أسْلَمَ ثم طَلّقَ الجميعَ قبلَ إسْلامِهِنَّ، ثم أسْلَمْنَ في العِدّةِ، أُمِرَ أن يَخْتارَ أرْبَعًا مِنْهُنَّ، فإذا اخْتارَهُنَّ، تَبَيَّنَّا أنّ طَلاقَه وَقَع بِهِنَّ؛ لأنَّهُنَّ زَوْجاتٌ، ويعْتَدِدْنَ مِن حِينِ طَلاقِه، وبانَ

الحديث: 3231 - الجزء: 21 - الصفحة: 53

وَإِنْ ظَاهَرَ أَوْ آلى مِنْ إِحْدَاهُنَّ، فَهَلْ يَكُونُ اخْتِيَارًا لَهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
البَواقِي باخْتِيارِه لغيرِهِنَّ، ولا يَقَعُ بِهِنَّ طَلاقُه، وله نِكاحُ أرْبَعٍ مِنْهُنَّ إذا انْقَضَتْ عِدَّةُ المُطَلَّقاتِ؛ لأنَّ هؤلاءِ غيرُ مُطَلَّقاتٍ، والفَرْق بينَها (1) وبينَ التي قَبْلَها، أنَّ طَلاقَهُنَّ قبلَ إسْلامِهِنَّ في زَمنٍ ليس له الاختيارُ فيه، فإذا أسْلَمْنَ تَجَدَّدَ له الاختيارُ حِينَئِذٍ، وفي التي قَبْلَها طَلَّقَهُنَّ وله الاخْتِيارُ، والطَّلاقُ يَصْلُحُ اختيارًا، وقد أوْقَعَهُ في الجميعِ، وليس بَعْضُهُنَّ أوْلَى مِن بعضٍ، فصِرْنَا (2) إلى القُرْعَةِ؛ لتَساوي الحُقُوقِ.

3232 -

مسألة: (وإن ظاهَر أو آلى مِن إحداهُنَّ، فهل يكونُ اختيارًا لها؟ على وَجْهَين)

أحدُهما، لا يكونُ اختيارًا؛ لأنَّه يَصِحُّ في غيرِ زَوْجَةٍ.
والثاني، يكونُ اختيارًا؛ لأنَّ حُكْمَه لا يَثبُتُ في غيرِ زَوْجَةٍ.
وإن قَذَفَها لم يكنِ اخْتِيارًا لها؛ لأنَّه يَقَعُ في غيرِ زَوْجَةٍ.14621463

الحديث: 3232 - الجزء: 21 - الصفحة: 54

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا اخْتارَ مِنهُنَّ أرْبَعًا وفارَقَ البَواقِيَ، فعِدَّتُهُنَّ مِن حِينَ اخْتارَ؛ لأنَّهُنَّ بِنَّ 1464 منه بالاخْتِيارِ.
ويَحْتَمِلُ أن تكونَ عِدَّتُهُنَّ مِن حينَ أسْلَمَ؛ لأنَّهُنَّ يَبِنَّ بإسْلامِه، وإنَّما يَبِينُ ذلك باخْتِيارِه، فيَثْبُتُ حُكْمُه مِن حينِ الإِسلامِ، كما إذا أسْلَمَ أحدُ الزَّوجَين فلم يُسْلِمِ الآخَرُ حتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُها 1465. وفُرْقَتُهُنَّ فَسْخٌ؛ لأنَّها تَثْبُتُ بإسْلامِه مِن غيرِ لَفْظٍ فِيهِنَّ، وعِدَّتُهُنَّ كعِدَّةِ المُطلَّقاتِ؛ لأنَّ 1466 عِدَّةَ مَنِ انْفَسَخَ نِكاحُها كذلك 1467. وإن ماتَتْ إحْدَى المُخْتاراتِ، أو 1468 بانتْ منه وانْقَضَتْ عِدَّتُها، فله أن يَنْكِحَ واحدةً مِن المُفارَقاتِ، وتكونُ عِنْدَه على طَلاقِ ثَلاثٍ؛ لأنَّه لم يُطَلِّقْها قَبْلَ ذلك.
وإنِ اخْتارَ أقَلَّ مِن أرْبَعٍ، أو اختارَ تَرْكَ الجميعَ، أُمِرَ بِطَلاقِ أرْبَعٍ أو تَمامَ أرْبَعٍ 1469؛ لأنَّ الأرْبَعَ زَوْجاتٍ، لا يَبِنَّ منه إلَّا بِطَلاقٍ، أو ما يقومُ مَقامَه، فإذا طَلَّقَ أرْبَعًا مِنْهُنَّ،

الجزء: 21 - الصفحة: 55

وَإِنْ مَاتَ فَعَلَى الْجَمِيعِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَلْزَمَهُنَّ أَطْوَلُ الْأَمْرَينَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ.
وَقَع طَلاقُه بهِنَّ (1)، وانْفَسَخَ نِكاحُ الباقياتِ؛ لاخْتِيارِه لَهُنَّ، وتكونُ عِدَّةُ المُطَلَّقاتِ مِن حينَ طَلَّق، وعِدَّةُ الباقِياتِ على الوَجْهَين.

3233 -

مسألة: (وإن ماتَ فَعَلَى الجميعِ عِدَّةُ الوَفاةِ)

هكذا ذكَرَه في الكتابِ المشْروحِ.
والأوْلَى أنَّ، مَن كانت مِنهُنَّ حامِلًا، فعِدَّتُها بوَضْعِه؛ لأنَّ ذلك تنْقَضِي به العِدَّةُ في كُلِّ حالٍ، ومَن كانت آيِسَةً أو صَغِيرَةً، فعِدَّتُها عِدَّةُ الوَفاةِ؛ لأنَّها أطْوَلُ العِدَّتَين في حَقِّها، ومَن كانت مِن ذَواتِ القُرُوءِ، اعْتَدَّتْ أطْوَلَ الأجَلَين؛ مِن ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ أو 1471 أرْبَعَةِ1470

الحديث: 3233 - الجزء: 21 - الصفحة: 56

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أشْهُرٍ وعَشْرٍ، لتَقْضِيَ 1472 العِدَّةَ بِيَقِينٍ؛ لأنَّ كُلَّ واحدةٍ منهُنَّ يَحْتَمِلُ أن تكون مُخْتارَةً أو مُفارَقَةً، وعِدَّةُ المختارَةِ عِدَّةُ الوَفاةِ، وعِدَّةُ المُفارَقَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، فأوْجَبْنا 1473 أطْوَلَهُما 1474، لتَقْضِيَ 1475 العِدَّةَ بيَقينٍ، كما قُلْنا في مَن

الجزء: 21 - الصفحة: 57

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نَسِيَ صَلَاةً لا يَعْلَمُ عَينَها: عليه خَمْسُ صَلَواتٍ.
هذا الذي ذَكَرَه شيخُنا في كتابِ «المُغْنِي» و «الكافِي» 1476. وهو مذهبُ الشافعيِّ.
وهو الصَّحيحُ.
والقولُ الأوَّلُ لا يَصِحُّ.

الجزء: 21 - الصفحة: 58

وَالْمِيرَاثُ لِأَرْبَعٍ مِنْهُنَّ بِالْقُرْعَةِ.

3234 - مسألة: (والمِيراثُ لأرْبَعٍ منهُنَّ بالقُرْعَةِ)

في قِياسِ المَذْهَبِ.
وعندَ الشافعيِّ يُوقَفُ حتَّى يصْطلِحْنَ.
وسنذكُرُ هذا في غيرِ هذا الموضِعِ، إن شاء اللهُ تعالى.
وإنِ اخْتَرْنَ الصُّلْحَ، جازَ كَيفَما اصْطَلَحْنَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهُنَّ.
فصل: وإذا أسْلَمَ قَبْلَهُنَّ، وقُلْنا: تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ باخْتِلافِ الدِّينِ.
فلا كَلامَ.
وإن قُلْنا: تقِفُ على انْقِضَاءِ العِدَّةِ.
فلم يُسْلِمْنَ حتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، تَبَيَّنَّا أنَّهُنَّ بِنَّ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينانِ.
فإن كان قد طَلَّقَهنَّ قَبْلَ انْقِضاءِ عِدَّتِهِنَّ، تَبَيَّنَّا أنَّ طَلاقَه لم يَقَعْ بِهِنَّ، وله نِكاحُ أرْبَعٍ منهُنَّ إذا أسْلَمْنَ.
وإن كان وَطِئَهُنَّ، تَبَيَّنَّا أنَّه وَطِئَ غيرَ نِسائِه، وإن آلى مِنهُنَّ، أو ظاهَرَ، أو قَذَفَ، تَبَيَّنَّا أنَّ ذلك كان 1477 في غيرِ زَوْجَةٍ، وحُكْمُه حُكْمُ ما لو خاطَبَ بذلك أجْنَبِيَّةً، فإن أسْلَمَ بعْضُهُنَّ في العِدَّةِ.
تَبَيَّنَّا أنَّها زَوْجَةٌ، فوَقَع طَلاقُه بها، وكان وَطْؤُه لها وَطْئًا لِمطَلَّقَتِه.
وإن كانتِ المُطَلَّقَةُ غيرَها، فَوَطْؤُه لها وَطْءٌ لامرأتِه.
وكذلك إن كان وَطْؤُه لها (1) قبلَ طَلاقِها.
وإن طَلَّق الجميعَ، فأسْلَم أرْبَعٌ مِنْهُنَّ أو أَقَلُّ في عِدَّتِهِنَّ، ولم يُسْلِمِ البَوَاقِي، تَعَيَّنَتَ الزَّوْجِيَّةُ في المُسْلِماتِ، وَوَقَع الطَّلاقُ بِهِنَّ، فإذا أسْلَمَ البَوَاقِي، فله أن يَتَزَوَّجَ مِنهُنَّ؛ لأنَّه لم يَقَعْ طَلاقُه بِهِنَّ.

الحديث: 3234 - الجزء: 21 - الصفحة: 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولو أسْلَمَ وتَحْتَه ثَمانِ نِسوةٍ، فأسْلَمَا أرْبَعٌ مِنهُنَّ، فله اخْتِيارُهُنَّ، وله الوُقوفُ إلى أن يُسْلِمَ البَوَاقِي.
فإن مات اللَّاتي أسْلَمْنَ، ثم أسْلَمَ الباقِياتُ، فله اخْتِيارُ المَيِّتاتِ، وله اخْتِيارُ الباقِياتِ، وله اخْتِيارُ بعضِ هؤلاءِ وبعضِ هؤلاءِ؛ لأنَّ الاخْتِيارَ ليس بعَقْدٍ، وإنَّما هو تَصْحيحٌ للعَقْدِ الأوَّلِ فيهِنَّ.
والاعْتِبارُ في الاخْتيارِ بحالِ ثُبُوتِه، وحال ثُبُوتِه كُنَّ أحْياءً.
وإن أسْلَمَتْ واحدَة مِنهنَّ، وقَال: اخْتَرْتُها 1478. جاز، فإذا اخْتار أرْبَعًا على هذا الوَجْهِ، انْفَسَخَ نِكاحُ البَواقِي.
وإن قال للْمُسْلِمَةِ: اخْتَرْتُ فَسْخَ نِكاحِها.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الْفَسْخَ إنَّما يكونُ فيما زادَ على الأرْبَعِ، والاخْتِيارُ للأرْبَعِ، وهذه مِن جُمْلَةِ الأرْبَعِ، إلَّا أن يُرِيدَ بالفَسْخِ الطلاقَ، فيَقَعُ؛ لأنه كِنايَةٌ، ويكونُ طَلَاقُه لها اخْتيارًا لها.
وإن قال: اخْتَرتُ فُلَانةَ.
قبْلَ أن تُسْلِمَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه ليسِ بوَقْتٍ للاخْتِيارِ؛ لأنَّها جارِيةٌ إلى بَينُونَةٍ، فلا يَصِحُّ إمْساكُها.
وإن فسَخ نِكاحَها، لم يَنْفَسِخْ؛ لأنَّه لمَّا لم يَجُزْ الاخْتِيارُ لم يَجُز الفَسْخُ.
وإن نَوَى بالفَسْخِ الطَّلاقَ، أو قال: أنْتِ طالقٌ.
فهو مَوْقُوفٌ، فإن أسْلَمَتْ ولم يُسْلِمْ زِيادَةٌ على أرْبَعٍ، أو أَسْلَمَ زِيادَةٌ فاختارَها، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلاقِ بها، وإلَّا فلا.
فصل: وإن قال: كُلَّما أسْلَمَتْ واحدةٌ اخْتَرْتُها.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الاخْتِيارَ لا يَصِحُّ تَعْلِيقُه على شَرْطٍ، ولا يَصِحُّ في غيرِ مُعَيَّنٍ.
وإن قال: كُلَّما أسْلَمَتْ واحدةٌ اخْتَرْتُ فَسْخَ نِكاحِها.
لم يَصِحَّ أيضًا؛ لأنَّ الفَسْخَ

الجزء: 21 - الصفحة: 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يَتَعَلَّقُ بالشَّرْطِ، ولا يَمْلِكُه في واحدةٍ حتى يَزيدَ عددُ المُسْلِماتِ على الأرْبَعِ، فإن أرادَ به الطّلاقَ، فهو كما لو قال: كُلَّما أسْلَمَتْ واحدةٌ فهي طالقٌ.
وفي ذلك وَجْهان؛ أحدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّ الطَّلاقَ يَصِحُّ تَعْلِيقُه بالشَّرْطِ، ويَتَضَمَّنُ الاخْتِيارَ لها، [وكلَّما أسْلَمَتْ واحدةٌ كان اختِيارًا لها] 1479، وتَطْلُقُ بِطَلاقِه.
والثاني، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الطلاقَ يَتَضَمَّنُ الاخْتِيارَ، والاختيارُ لا يصحُّ تعْليقُه بالشَّرْطِ.
فصل: إذا أسْلَمَ، ثم أحْرَمَ بحجٍّ أو عُمْرةٍ، ثم أسْلَمْنَ، فله الاختيارُ؛ لأنَّ الاخْتيارَ اسْتِدامةٌ للنِّكاحِ، وتَعْيِينٌ للمَنْكوحةِ، وليس بابْتِداءٍ له.
وقال القاضي: ليس له الاخْتيارُ.
وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ.
ولَنا، أنَّه اسْتِدامةُ نِكاحٍ، لا يُشْتَرَطُ له رِضَا المرأةِ، ولا وَلِيٌّ، ولا شُهُودٌ، ولا يَتَجَدَّدُ به مَهْرٌ، فجازَ له في الإِحْرامِ، كالرَّجْعةِ.
فصل: فإن أسْلَمْنَ معه، ثم مِتْنَ قبلَ اخْتِيارِه، فله أن يَخْتارَ منهنَّ أرْبَعًا، فيكونُ له مِيراثُهُنَّ، ولا يَرِثُ الباقياتِ؛ لأنَّهُنَّ لَسْنَ بِزَوْجاتٍ له.
وإن مات بعضُهُنَّ، فله الاختيارُ مِن [الأحْياءِ، وله الاخْتِيارُ مِنَ المَيِّتاتِ.
وكذلك لو أسْلَم بعضُهُنَّ فمِتْنَ، ثم أسْلَم البَواقِي، فله الاخْتِيارُ مِنَ] 1480 الجميعِ، فإنِ اختار الميِّتاتِ، فله مِيراثُهُنَّ؛ لأنَّهنَّ مِتْنَ

الجزء: 21 - الصفحة: 61

وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ، اخْتَارَ مِنْهُمَا وَاحِدَةً،  وهُنَّ نِساؤُه، وإنِ اختارَ غيرَهُنَّ، فلا مِيراثَ له منهنَّ؛ لأنَّهنَّ أجْنَبِيَّاتٌ.
وإن لم يُسْلِمِ البَواقِي، لَزِمَ النِّكاحُ في الْمَيِّتاتِ، وله مِيراثُهُنَّ.
فإن وَطِئَ الجميعَ قبلَ إسْلامِهِنَّ، ثم أسْلَمْنَ، فاخْتارَ أرْبَعًا مِنهنَّ، فليس لهُنَّ إلَّا المُسَمَّى؛ لأنَّهُنَّ زَوْجاتٌ، ولسائِرِهِنَّ المُسَمَّى بالعَقْدِ الأوَّلِ، ومَهْرُ المِثْلِ للوَطْء الثاني؛ لأنَّهُنَّ أجْنبيَّاتٌ.
وإن وَطِئَهُنَّ بعدَ إسْلامِهِنَّ، فالمَوْطوءاتُ أَولًا المُخْتاراتُ، والبَواقِي أجْنَبيَّاتٌ، والحُكمُ في المَهْرِ على ما ذكَرْنا.

3235 -

مسألة: (وإن أسْلَمَ وتَحْتَه أُخْتانِ، اختار منهما واحدةً)

هذا قولُ الحسنِ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيدٍ.
وقال أبو حنيفةَ في هذه كقولِه في عَشْرِ نِسْوةٍ.
ولَنا، ما روَى الضَّحَّاكُ بنُ فَيرُوزَ، عن أبِيه، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أسْلَمْتُ وتَحْتِي أُخْتان.
قال: «طَلِّقْ أيَّتَهُما شِئْتَ».
روَاه أبو داودَ، وابنُ ماجَه، وغيرُهما 1481، ولأنَّ أنْكِحةَ الكُفَّارِ صحيحةٌ، وإنَّما حَرُمَ الجَمْعُ في الإِسلامِ، وقد أزاله، فصَحَّ، كما لو طَلَّق إحداهما قبلَ إسْلامِه، ثم أسْلَمَ والأُخْرَى في حِبالِه.
وكذلك الحُكْمُ في المرأةِ وعَمَّتِها أو خالتِها؛ لأنَّ المعنى في الجميعِ واحدٌ.
فصل: ولو تزوَّجَ وَثَنِيَّةً، فأسْلَمَتْ قبلَه، ثم تزوَّجَ في شِرْكِه أُخْتَها، ثم أسْلَما في عِدَّةِ الأُولَى، فله أن يخْتارَ منهما؛ لأنَّه أسْلَمَ وتَحْتَه أُخْتان

الحديث: 3235 - الجزء: 21 - الصفحة: 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُسْلِمتان 1482. وإن أسْلَمَ هو قبلَها، لم يَكُنْ له أن يتزوَّجَ أُخْتَها في عِدَّتِها، ولا أَرْبَعًا سِواها.
فإن فعل، لم يَصِحَّ النِّكاحُ الثاني.
وإذا أسْلَمَتِ الأُولَى في عِدَّتِها، فنِكاحُها لازِمٌ؛ لأنَّها انْفَرَدَتْ به.
فصل: وإذا تزوَّجَ أُخْتَين، فدَخَل بهما، ثم أسْلَمَ وأسْلَمَتا معه، فاخْتارَ إحْداهُما، لم يَطَأْها حتى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ أُخْتِها 1483؛ لئلَّا يكونَ وَاطِئًا لإِحْدَى الأُخْتَين في عِدَّةِ الأُخْرَى.
وكذلك إذا أسْلَمَ وتَحْتَه أكثرُ مِن أربَعٍ، قد دَخَل بِهِنَّ، فأسْلَمْنَ معه، وكُنَّ ثَمانِيًا، فاختارَ أرْبَعًا منهنَّ، وفارَقَ أرْبَعًا، لم يَطَأْ واحدَةً مِن المُخْتاراتِ حتى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ المُفارَقاتِ؛ لئلَّا يكونَ وَاطِئًا لأكثرَ مِن أرْبعٍ.
فإن كُنَّ خمْسًا ففارَقَ إحداهُنَّ، فله وَطْءُ ثَلاثٍ مِنَ المُخْتاراتِ، ولا يَطَأُ الرابعةَ حتى تَنْقَضِيَ عدةُ المفارَقَةِ.
وإن كُنَّ سِتًّا، ففارَقَ اثْنَتَين، فله وَطْءُ اثْنَتَينِ مِن المختاراتِ.
وإن كُنَّ سَبْعًا ففارَقَ ثَلاثًا، فله وَطْءُ واحدَةٍ مِن المختاراتِ، ولا يَطَأُ الباقياتِ حتى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ المُفارَقاتِ، فَكُلَّما انْقَضتْ عِدَّةُ واحدةٍ مِن المُفارَقاتِ، فله وَطْءُ واحدةٍ مِن المختاراتِ.
هذا قياسُ المذهبِ.
فصل: وإن تزوَّجَ أُخْتَين في حالِ كُفْرِه، فأسْلَمَ وأسْلَمَتا معًا قبلَ الدُّخُولِ، فاختارَ إحداهُما، فلا مَهْرَ للأُخْرَى؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا أنَّ الفُرْقَةَ وقَعَتْ بإسْلامِهِم جميعًا، فلا تَسْتَحِقُّ مَهْرًا، كما لو فَسَخ النِّكاحَ لعَيبٍ في إحداهما،

الجزء: 21 - الصفحة: 63

فَإِنْ كَانَتَا أُمًّا وَبِنْتًا، فَسَدَ نِكَاحُ الْأُمِّ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُمِّ، فَسَدَ نِكَاحُهُمَا.
ولأنَّه نِكاحٌ لا يُقَرُّ عليه في الإِسْلامِ، فلا يجبُ به مَهْرٌ إذا لم يَدْخُلْ بها، كما لو تزوَّجَ المَجُوسِيُّ أُخْتَه ثم أسْلَما قبلَ الدُّخُولِ.
وهكذا (1) الحكْمُ فيما زاد على الأرْبَعِ، إذا أسْلَمُوا جميعًا قبلَ الدُّخولِ، فاختارَ أربعًا، وانْفَسَخَ نِكاحُ الْبَواقِي، فلا مَهْرَ لهنَّ؛ لِما (2) ذَكَرْنا.
والله أعلمُ.

3236 -

مسألة: (وإن كَانَتا أُّمًّا وبِنْتًا)

ولم يَدْخُلْ بِالْأُمِّ (انْفَسَخَ نِكَاحُها، وإن كان دَخَل بِالأُمِّ، فَسَد نِكاحُهُمَا) أمَّا إذا كان إسْلامُهُم جميعًا قبلَ الدُّخُولِ، فإنَّه يَفْسُدُ نِكاحُ الأمِّ، ويَثْبُتُ نِكاحُ البِنْتِ.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ، واخْتيارُ المُزَنِيِّ.
وقال في الآخَرِ: يَخْتارُ أيَّتَهُما شاءَ؛ لأنَّ عَقْدَ الشِّرْكِ إنَّما يَثْبُتُ له حكمُ الصِّحَّةِ إذا انْضَمَّ إليه الاخْتِيارُ، فإذا اخْتارَ الأُمَّ فكأنَّه لم يَعْقِدْ على البِنْتِ.
ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ 1486. وهذه أُمُّ زَوْجَتِه، فتَدْخُلُ في عُمُومِ الآيةِ، ولأنَّها أُمُّ زَوْجَتِه، فتَحْرُمُ عليه، كما لو طَلَّقَ ابْنَتَها في حالِ شِرْكِه، ولأنَّه لو تَزَوَّجَ البنتَ وَحْدَها، ثم طَلَّقَها، حَرُمَتْ عليه أُمُّها إذا أسْلَمَ، فإذا لم يُطَلِّقْها14841485

الحديث: 3236 - الجزء: 21 - الصفحة: 64

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وتَمَسَّكَ بنِكاحِها أوْلَى.
وقولُهم: إنَّما يَصِحَّ العَقْدُ بانْضِمامِ الاخْتيارِ إليه.
غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّ أنْكِحَةَ الكُفَّارِ صحيحةٌ، يَثْبُتُ لها أحكامُ الصِّحَّةِ.
وكذلك لو انْفَرَدَتْ، كان نِكاحُها صحيحًا لازِمًا مِن غيرِ اخْتيارٍ، ولهذا فُوِّضَ إليه الاخْتيارُ ههُنا.
ولا يَصِحُّ أن يختارَ مَن ليسَ نِكاحُها صَحِيحًا، وإنَّما اخْتصَّتِ الأُمُّ بفَسادِ نِكاحِها؛ لأنَّها تَحْرُمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ على ابْنَتِها على التَّأْبِيدِ، فلم يُمْكِنِ اختِيارُها، والبِنْتُ لا تَحْرُمُ قبلَ الدُّخُولِ بِأُمِّها، فَتَعَيَّنَ النِّكاحُ فيها 1487، بخِلافِ الأُخْتَينِ.
فصل: فإن كان قد 1488 دخَلَ بالأُمِّ أو بهما، حَرُمَ نِكاحُهما على التَّأْبِيدِ؛ الأمُّ لأنَّها أُمُّ زَوْجَتِه، والبِنْتُ لأنَّها رَبِيبتُه، مدْخُولٌ بأُمِّها.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَع على هذا كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ.
وهو قولُ الحسنِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وقَتَادَةَ، ومالكٍ، وأهلِ الحجازِ، والثَّوْرِيِّ، وأهلِ العراقِ، والشافعيِّ، ومَن تَبِعَهم.
فإن دَخَل بالبِنْتِ وَحْدَها، ثَبَتَ نِكاحُها، وفَسَد نِكاحُ أمها، كما لو لم يَدْخُلْ بهما، فإن لم يُسْلِمْ معه إلا إحْدَاهما، كان الحُكْمُ كما لو أسْلَمَتا معه معًا؛ فإن كانتِ المُسْلِمَةُ هي الأمَّ، فهي مُحَرَّمَةٌ عليه على كلِّ حالٍ، وإن كانتِ البِنْتَ ولم يَكُنْ دَخَلَ بأُمِّها، ثَبَتَ نِكاحُها، وإن كان دَخَل بها، فهي مُحَرَّمَةٌ

الجزء: 21 - الصفحة: 65

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على التَّأْبِيدِ.
[ولو أسْلَم وله جاريتان، إحداهما أُمُّ الأخْرَى، وقد وَطِئَهما جميعًا، حَرُمَتا عليه على التَّأْبِيدِ] 1489، وإن كان قد وَطِئَ إحدَاهما، حَرُمَتِ الأُخْرَى على التَّأْبِيدِ، ولم تَحْرُمِ الموْطُوءَةُ، وإن لم يَكُنْ وَطِئَ 1490 واحدِةً منهما، فله وَطْءُ أَيَّتِهُما شاءَ، فإذا وَطِئَها، حَرُمَتِ الأخْرَى على التَّأبِيدِ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: إذا أسْلَمَ عَبْدٌ، وَتَحْتَه زَوْجَتان قد دَخَلَ بِهما، فأسْلَمَتا في العِدَّةِ، فهما زَوْجَتاهُ.
وإن كُنَّ أكثرَ، اختارَ منهُنَّ اثْنَتَين؛ لأنَّ حُكْمَ العَبْدِ فيما زادَ على [الاثْنَتَينِ حُكْمُ الحُرِّ فيما زاد على] 1491 الأرْبَعِ، فإذا أسْلَمَ وتحتَه زَوْجتان، فأسْلَمَتا معه، أو في عِدَّتِهِما، لَزِمَ نِكاحُه، حُرَّتَين كانَتا أو أمَتَين، أو حُرَّةً وأمَةً؛ لأنَّ له الجمعَ بَينَهما في ابْتِداءِ نِكاحِه، فكذلك في اخْتِيارِه.
وإن كُنَّ أكثرَ، اخْتارَ منهنَّ اثْنَتَينِ، بنَاءً على ما مَضَى في الحُرِّ، فلو كان تَحْتَه حُرَّتانِ وأَمَتانِ، فله أن يخْتارَ الحُرَّتَين أو الأمَتَين، أو حُرَّةً و 1492 أَمةً، وليس للحُرَّةِ إذا أسْلَمَتْ معه الخيارُ في فِراقِه؛ لأنَّها رَضِيَتْ بِنكاحِه وهو عَبْدٌ، ولم يتجَدَّدْ رِقُّه بالإِسْلامِ، ولا تَجَدَّدَتْ حُرِّيَّتُها بذلك، فلم يكُنْ [لها خيارٌ] 1493، كما لو تَزَوَّجَتْ مَعِيبًا تَعْلَمُ عَيبَه ثم أسْلَما.

الجزء: 21 - الصفحة: 66

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وذكر القاضي وجهًا 1494، أنَّ لها الخيارَ؛ لأنَّ الرِّقَّ عَيبٌ تجدَّدَتْ أحكامُه بالإِسلامِ، فكأنَّه عَيبٌ حادِثٌ.
والأوَّلُ أَصَحُّ؛ فإنَّ الرِّقَّ لم يَزَلْ عيبًا ونَقْصًا عندَ العُقلاءِ، ولم يَتَجَدَّدْ نَقْصُه بالإِسْلامِ، فهو كسائرِ العُيُوبِ.
فصل: ولو أسْلَمَ وتَحْتَه أرْبَعُ حَرَائِرَ، فأُعْتِقَ، ثم أسْلَمْنَ في عِدَّتِهِنَّ، أو أسْلَمْنَ قبلَه، ثم أُعْتِقَ، ثم أَسْلَمَ، ثَبَتَ نِكاحُ الأرْبَعِ؛ لأنَّه ممَّن يجُوزُ له الأرْبَعُ في وَقْتِ اجتمَاعِ إسْلامِهِم؛ لأنَّه حرٌّ.
فأمَّا إن أسْلَمُوا كُلُّهم، ثم أُعْتِقَ قبلَ أن يختارَ، لم يَكُنْ له أن يخْتارَ إلَّا اثْنَتَينِ؛ لأنَّه كان عَبْدًا حينَ ثَبَتَ له الاخْتيارُ، وهو حالُ اجتماعِهِم، على الإِسْلامِ، فتَغَيُّرُ حالِه بعدَ ذلك لا يُغَيِّرُ الحُكْمَ، كمن أسْلَمَ وتَحْتَه إماءٌ، فأسْلَمْنَ معه، ثم أيسَرَ.
ولو أسْلَمَ معه اثْنَتان، ثم أُعْتِقَ، ثم أسْلَمَ الباقِياتُ 1495، لم يَخْتَرْ إلَّا اثْنَتَين؛ لأنَّه ثَبَتَ له الاختيارُ بإسْلامِ الأُولَيَين.
فصل: فإن تزَوَّجَ أرْبَعًا مِن الإِماءِ، فأسْلَمْنَ، وأُعْتِقْنَ قبلَ إسْلامِه، فلَهُنَّ فَسْخُ النِّكاحِ؛ لأنَّهُنَّ عَتَقْنَ تَحْتَ عَبْدٍ، وإنَّما مَلَكْنَ الفَسْخَ وإن كُنَّ جارِياتٍ إلى بَينُونَةٍ؛ لأنَّه قد يُسْلمُ [فيَقْطَعُ جَرَيانَهُنَّ إلى البَينُونَةِ، فإذا فَسَخْنَ ولم يُسْلِمِ الزَّوْجُ، بِنَّ باخْتِلافِ الدِّينِ مِن حينَ أسْلَمْنَ] 1496، وتَبَيَّنَ أنَّ الفَسْخَ لم يَصِحَّ.
وإن أسْلَمَ في العِدَّةِ، بِنَّ بفَسْخِ النِّكاحِ،

الجزء: 21 - الصفحة: 67

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعليهِنَّ عِدَّةُ الحرائِرِ في المَوْضِعَينِ؛ لأنَّهُنَّ ههُنا وَجَبَتْ عليهنَّ العِدَّةُ وهُنَّ حرائرُ، وفي التي قبلَها عَتَقْنَ في أثْناءِ العِدَّةِ التي يُمْكِنُ الزَّوْجَ تلافِي النِّكاحِ فيها، فأشْبَهْنَ الرَّجْعِيَّةَ.
فإن أَخَّرْنَ الفَسْخَ حتى أسْلَمَ الزَّوْجُ، فهُنَّ كالرَّجْعِيَّةِ إذا أُعْتِقَتْ وأخَّرَتِ الفَسْخَ، لأنَّ تَرْكَهُنَّ الفَسْخَ اعتمادٌ على جَرَيانِهِنَّ إلى البَينُونَةِ، فلم يتَضَمَّنِ الرِّضَا بالنِّكاحِ.
ولو أسْلَمَ قَبْلَهنَّ، ثم أُعْتِقْنَ فاخْتَرْنَ الفَسْخَ، صَحَّ، لأنَّهُنَّ إماءٌ عَتَقْنَ تحْتَ عَبْدٍ.
وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ وقال بعضُهم: لا خِيارَ لهُنَّ؛ لأنَّه لا حاجَةَ بهنَّ إلى الفَسْخِ، لكَوْنِه يَحْصُلُ بإقامَتِهنَّ على الشِّرْكِ، بخِلافِ التي قَبْلَها.
وليس بصحيحٍ، فإنَّ السَّبَبَ مُتَحَقِّقٌ، وقد يَبْدُو لهنَّ الإِسْلامُ، وهو واجِبٌ عليهنَّ.
فإن قِيلَ: فإذا أسْلَمْنَ اخْتَرْنَ الفَسْخَ.
قُلْنا: يَتَضَرَّرْنَ بطولِ العِدَّةِ، فإنَّ ابْتِداءَها مِن حينِ الفَسْخِ، ولذلك ملَكْنَ الفَسْخَ فيما إذا أسْلَمْنَ وعَتَقْنَ قبلَه.
فأمَّا إنِ اخْتَرْنَ المُقَامَ، وقُلْنَ: قَدْ رَضِينَا بالزَّوْجِ.
فذَكَر القاضي أنَّه يَسْقُطُ خيارُهُنَّ؛ لأنَّها حالةٌ يَصِحُّ فيها اخْتِيارُ الفَسْخِ، فَصَحَّ فيها اخْتِيارُ الإِقامَةِ، كحالِ اجْتِماعِهم على الإِسْلامِ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يَسْقُطُ خِيارُهُنَّ 1497، لأنَّ اختيارَهُنَّ للإقامَةِ ضِدُّ الحالةِ التي هُنَّ عليها، وهي جَرَيَانُهُنَّ إلى البَينُونَةِ، فأشْبَهَ ما لو ارْتَدَّتِ الرَّجْعِيَّةُ، فراجَعَها الزَّوجُ حال رِدَّتِها.
وهذا يَبْطُلُ بما إذا قال: إذا جاء رَأْسُ الشَّهْرِ فأنْتِ طَالِقٌ.
ثم عَتَقَتْ، فاختارَتْ زَوْجَها.

الجزء: 21 - الصفحة: 68

فَصْلٌ: وَإِنْ أسْلَمَ وَتَحْتَهُ إِمَاءٌ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، وَكَانَ فِي حَالِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ الإِمَاءُ، فَلَهُ الاخْتِيَارُ مِنْهُنَّ، وَإلَّا فَسَدَ نِكَاحُهُنَّ.
فصل: قال الشَّيخُ، رحمه الله: (فإن أسْلَمَ وتحْتَه إماءٌ فأسْلَمْنَ معه، وكان في حالِ اجْتِماعِهِم على الإسْلامِ ممَّن يَحِلُّ له الإماءُ، فله الاخْتِيارُ منهنَّ، وإلَّا فَسَدَ نِكاحُهُنَّ) إذا كان في حالِ اجْتِماعِهِم على الإِسْلامِ عادِمًا للطَّوْلِ خائِفًا للعَنَتِ، فله أن يَخْتارَ منهنَّ واحدةً.
فإن كانت لا تُعِفُّه، فله أن يَخْتارَ منهنَّ مَن تُعِفُّه، في إحدَى الرِّوايَتَين.
والأُخْرَى، لا يَخْتارُ إلَّا واحدةً.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.
وتَوْجيهُهُما قد مَضَى ذِكْرُه.
وإن عُدِمَ فيه الشَّرْطانِ، انْفَسَخَ النكاحُ في الكُلِّ، ولم يكُنْ له خِيارٌ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو ثورٍ: له أن يَخْتارَ منهنَّ؛ لأنَّه اسْتِدامَةٌ للعَقْدِ لا ابْتِداءٌ له، بدَلِيلِ أنَّه لا يُشْتَرَطُ له 1498 شُرُوطُ العَقْدِ، أشْبَهَ الرَّجْعَةَ.
ولَنا،

الجزء: 21 - الصفحة: 69

وَإِنْ أَسْلَمَ وَهُوَ مُوسِرٌ، فَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى أَعْسَرَ، فَلَهُ الاخْتِيَارُ مِنْهُنّ،  أنَّ هذه امرأةٌ لا يَجُوزُ ابْتِداءُ العَقْدِ عليها حال الإِسْلام، فلم يَمْلِكِ اخْتِيارَها، كالمُعْتَدَّةِ مِن غيرِه، وذَواتِ محارمِه.
وأمَّا الرَّجعَةُ فهي قَطْعُ جَرَيانِ النِّكاحِ إلى البَينُونَةِ، وهذا إثْباتُ النِّكاحِ في امرأةٍ.
فإن كان دَخَل بهنَّ ثم أسْلَمَ، ثم أسْلَمْنَ في عِدَّتِهِنَّ، فالحُكْمُ كذلك.
وقال أبو بكرٍ: لا يَجُوزُ له ها هنا اخْتِيارٌ، بل يَبِنَّ بمُجَرَّدِ إسْلامِه؛ لئَلَّا يُفْضِيَ إلى اسْتِدامَةِ نِكاحِ مُسْلِمٍ في أمَةٍ كافِرَةٍ.
ولَنا، أنَّ إسْلامَهُنَّ في العِدَّةِ كإسْلامِهِنَّ معه (1). وإن لم يُسْلِمْنَ إلَّا بعدَ العِدَّةِ، انْفَسَخَ نِكاحُهُنَّ [وإن] (2) كُنَّ كِتابِيَّاتٍ؛ لأنَّه لا يجُوزُ اسْتِدامَةُ النِّكاحِ في أَمَةٍ كتابِيَّةٍ.

3237 -

مسألة: (فإن أسْلَمَ وهو مُوسِرٌ، فلم يُسْلِمْنَ حتَّى أَعْسَر، فله الاخْتِيارُ منهُنَّ)

لأنَّ شَرائِطَ النِّكاحِ تُعْتَبَرُ في وَقْتِ الاخْتِيارِ.
وإن أسْلَم وهو مُعْسِرٌ، فلم يُسْلِمْنَ حتى أيسَرَ، فليس له الاخْتيارُ؛ لذلك.
وإن أسْلَمَتْ إحْداهُنَّ وهو مُوسِرٌ، ثم أسْلَم البَواقِي بعدَ إعْسَارِه، لم يَكُنْ له أن يخْتارَ منهُنَّ شيئًا؛ لأنَّ وقْتَ الاخْتِيارِ دَخَل بإسْلامِ14991500

الحديث: 3237 - الجزء: 21 - الصفحة: 70

وَإِنْ أَسْلَمَتْ إِحْدَاهُنَّ بَعْدَهُ، ثُمَّ عَتَقَتْ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي، فَلَهُ الاخْتِيَارُ مِنْهُنَّ، وَإِنْ عَتَقَتْ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الاخْتِيَارُ مِنَ الْبَوَاقِي.
الأُولَى، ألَا تَرَى أنَّه لو كان مُعْسِرًا كان له اخْتِيارُها، فإذا كان مُوسِرًا بَطل اختيارُه.
وإن أسْلَمتِ الأُولَى وهو مُعْسِرٌ، فلم يُسْلِمِ البَواقِي حتى أيسَرَ، لَزِمَ نكاحُ الأُولَى، ولم يَكُنْ له الاخْتيارُ مِنَ البواقِي؛ لأنَّ الأُولَى اجْتَمَعَتْ معه في حالٍ يجوزُ له (1) ابتداءُ نِكاحِها، بخِلافِ البواقِي.
ولو أسْلَم وأسْلَمْنَ معه وهو مُعْسِرٌ، فلم يَخْتَرْ حتى أيسَرَ، كان له أن يختارَ؛ لأنَّ حال ثُبُوتِ الاخْتِيارِ كان له ذلك، فتَغَيُّرُ حالِهِ لا يُسْقِطُ ما ثَبَتَ، كما لو تزوَّجَ أو اختارَ ثم أيسَرَ، لم يَحْرُمْ (2) عليه اسْتِدامةُ النِّكاحِ.

3238 -

مسألة: (وإن أسْلَمَتْ إحْداهُنَّ بعدَه، ثم عَتَقَتْ، ثم أسْلَمَ البَواقِي، فله الاخْتِيارُ منهنَّ)

لأنَّ العِبْرَةَ بحالةِ الاخْتِيارِ، وهي حالةُ اجْتِماعِهِم على الإِسْلامِ، وحالةَ اجْتِماعِهما على الإِسْلام كانت أمَةً (وإن عَتَقَتْ) إحْداهُنَّ (ثم أسْلَمَتْ، ثم أسْلَمَ البَوَاقِي، لم يَكُنْ له أن يَخْتارَ15011502

الحديث: 3238 - الجزء: 21 - الصفحة: 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن الإِماءِ) لأنَّه مالِكٌ 1503 لعِصْمَةِ حُرَّةٍ حينَ اجْتِماعِهما على الإِسْلامِ.
فصل: فإن أسْلَم وأسْلَمَتْ معه واحدةٌ منهنَّ، وهو ممَّن يجوزُ له نِكاحُ الإِماءِ، فله أن يَخْتارَ مَن أسْلَمَتْ معه؛ لأنَّ له أن يختارَها لو أسْلَمْنَ كُلُّهُنِّ، فكذلك إذا أسْلَمَتْ وحْدَها.
وإن أحَبَّ انْتِظارَ البَواقِي، جازَ؛ لأنَّ له غرضًا صحيحًا، وهو أن يَكُونَ عندَه مَن هي آثرُ 1504 عندَه مِن هذه.
فإنِ انْتَظَرَهُنَّ فلم يُسْلِمْنَ حتى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، تَبَيَّنَ أنَّ نِكاحَ هذه كان لازِمًا، وبان البَواقِي منذُ اخْتَلَف الدِّينانِ.
وإن أسْلَمْنَ في العدَّةِ، اختار منهنَّ واحدَةً، وانْفَسَخ نِكاحُ الباقِياتِ حينَ 1505 الاخْتِيارِ، وعِدَدُهُنَّ مِن حينِ الاختيارِ.
وإن أسْلَم بعْضُهُنَّ دون بعضٍ، بان 1506 اللَّاتي لم يُسْلِمْنَ منذُ اخْتَلَف الدِّينان، والبَواقِي مِن حينِ اخْتِيارِه.
وإنِ اختار التي أسْلَمَتْ معه حينَ أسْلَمَت، انْقَطَعتْ عِصْمَةُ البَواقِي، وثَبَتَ نِكاحُها.
فإن أسْلَمَ البَواقِي في العِدَّةِ، تَبَيَّنَ أنَّهُنَّ بِنَّ منه باخْتِيارِه، وعِدَّتُهُنَّ مِن حِينِئِذٍ.
وإن

الجزء: 21 - الصفحة: 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لم يُسْلِمْنَ، بِنَّ 1507 باختِلافِ الدِّينِ، وعِدَّتُهُنَّ منه.
وإن طَلَّقَ التي أسْلَمَتْ معه، طَلُقَتْ، وكان اخْتِيارًا لها.
وحُكْمُ ذلك حُكْمُ ما لو اختارَها صريحًا؛ لأنَّ إيقاعَ طَلاقِه عليها يتَضَمَّنُ اخْتِيارَها.
فأمَّا إنِ اختارَ فَسْخَ نِكاحِها، لم يَكُنْ له؛ لأنَّ الباقِياتِ لم يُسْلِمْنَ معه، فما زَادَ العَدَدُ على ما لَه إمْساكُه في هذه الحالِ، ولا يَنْفَسِخُ نِكاحُها، ثم ننظُرُ؛ فإن لم يُسْلِم البَواقِي، لَزِمَه نِكَاحُها، وإن أسْلَمْنَ فاخْتارَ منهُنَّ واحدةً، انْفَسَخَ نِكاحُ [البَواقِي، و] 1508 الأُولَى مَعهنَّ.
وإنِ اختارَ الأُولَى التي فَسَخَ نِكاحَها، صَحَّ اختيارُه لها؛ لأنَّ فَسْخَه لنِكاحِها ما صَحَّ.
وفيه وَجْهٌ آخرُ ذكَرَه القاضي، أنَّه لا يَصِحُّ اخْتيارُه لها؛ لأنَّ فَسْخَه إنَّما لم يَصِحَّ مع إقامَةِ البَواقِي على الكُفْرِ حتى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ؛ لأنَّا نَتَبَيَّنُ 1509 أنَّ نِكاحَها كان لازمًا، فإذا أسْلَمْنَ لَحِقَ إسْلامُهُنَّ بتلك الحالِ، فصار كأنَّهُنَّ أسْلَمْنَ في ذلك الوَقْتِ، فإذا فَسَخَ نِكاحَ إحْدَاهن، صَحَّ الفَسْخُ، ولم يَكُنْ له أن يَخْتارَها.
وهذا يَبْطُلُ بما لو فسَخَ نِكاحَ إحْداهنَّ قبلَ إسْلامِها، فإنَّه لا يَصِحُّ، ولا يُجْعَلُ إسْلامُهُنَّ الموْجُودُ في الثاني 1510 كالموجودِ سابقًا، كذلك ها هنا.

الجزء: 21 - الصفحة: 73

وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ حُرَّةٌ وَإِمَاءٌ، فَأَسْلَمَتِ الْحُرَّةُ فِي عِدَّتِهَا قَبْلَهُنَّ أَوْ بَعْدَهُنَّ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُنَّ.

3239 - مسألة: (وإن أسْلَم وتحتَه حُرَّةٌ وإماءٌ، فأسْلَمتِ الحُرَّةُ في عِدَّتِها قبلَهُنَّ أو بعدَهُنَّ، انْفَسَخَ نِكاحُهنَّ)

إذا أسْلَمَ وتَحْتَه حُرَّةٌ وإماءٌ، ففيه ثَلاثُ مسائِلَ؛ إحداهُنَّ، أسْلَم وأسْلَمْنَ معه كُلُّهُنَّ، فإنَّه يَلْزَمُ نِكاحُ الحُرَّةِ، ويَنْفَسِخُ نِكاحُ الإِماءِ؛ لأنَّه قادرٌ وعلى الحُرَّةِ، فلا يَختارُ أمَةً.
وقال أبو ثورٍ: له أن يختارَ.
وقد مَضَى الكلامُ معه.
الثانيةُ، أسلَمَتِ الحُرَّةُ معه دونَ الإِماءِ، فثَبَت نِكاحُها، وانْقَطعتْ عِصْمَةُ الإِماءِ، فإن لم يُسْلِمْنَ حتى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ 1511، بِنَّ باخْتِلافِ الدِّينِ، وابْتِداءُ عِدَدِهِنَّ مِن حينَ أسْلَم.
وإن أسْلَمْنَ في عِدَدِهِنَّ، بِنَّ مِن حينِ إسْلامِ الحُرَّةِ، وعِدَدُهُنَّ من حينِ إسْلامِها.
فإن ماتَتِ الحُرَّةُ بعدَ إسْلامِها، لم يَتَغَيَّرِ الحُكْمُ بمَوْتِها؛ لأنَّ مَوْتَها بعدَ ثُبُوتِ نِكاحِها وانْفِساخِ نِكاحِ الإِماءِ لا يُؤَثِّرُ في إباحَتِهِنَّ.
الثالثةُ، أسْلَمَ الإِماءُ دونَ الحُرَّةِ وهو مُعْسِرٌ، فلا يخْلُو؛ إمَّا أن تَنْقَضِيَ عِدَّتُها قبلَ إسلامِها، فتَبِينُ باخْتِلافِ الدِّينِ، وله أن يخْتارَ مِنَ الإِماءِ؛ لأنَّه لم يَقْدِرْ على الحُرَّةِ، أو تُسْلِمَ في عِدَّتِها، فيَثْبُتُ نِكاحُها، ويَبْطُلُ نِكاحُ الإِماءِ، كما لو أسْلَمْنَ دَفْعةً واحدةً.
و 1512 ليس له أن يخْتارَ

الحديث: 3239 - الجزء: 21 - الصفحة: 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِنَ الإِماءِ قبلَ إسْلامِها وانقِضاءِ عِدَّتِها؛ لأنَّنا لا نعلمُ أنَّها لا تُسْلِمُ، فإن طَلَّق الحُرَّةَ ثلاثًا قبلَ إسلامِها، ثم لم تُسْلِمْ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا أنَّ النِّكاحَ انْفَسَخ باخْتِلافِ الدِّينِ، وله الاختيارُ مِن الإِماءِ، وإن أسْلَمَتْ في عِدَّتِها، بانَ أَنَّ نِكاحَها كان ثابِتًا، ووَقَعَ فيه الطلاقُ، وبِنَّ الإِماءُ بثُبُوتِ نِكاحِها قبلَ الطَّلاقِ.
فصل: فإن أسْلَمَ وتحتَه إماءٌ وحُرَّةٌ، فأسْلَمْنَ، ثم عَتَقْنَ قبلَ إسْلامِها، لم يكُنْ له أن يخْتارَ منهنَّ، لأنَّ نِكاحَ الأمةِ لا يجوزُ لقادِرٍ على حُرَّةٍ، وإنَّما يُعْتَبَرُ حالُهنَّ حال ثُبُوتِ الاخْتِيارِ، وهو حالةُ اجتماعِ إسْلامِه وإسْلامِهِنَّ، ثم نَنْظُرُ؛ فإن لم تُسْلِمِ الحُرَّةُ، فله الاخْتيارُ منهنَّ، ولا يخْتارُ إلَّا واحدةً، اعتبارًا بحالةِ اجْتماعِ إسْلامِه وإسْلامِهِنَّ.
وإن أسْلَمَتْ في عِدَّتِها، ثَبَتَ نِكاحُها 1513، وانْقَطعَتْ عِصْمَتُهنَّ، فإن كان قد اختارَ واحدةً مِن المُعْتَقاتِ في عِدَّةِ الحُرَّةِ، ثم لم تُسْلِمْ، فلا عِبْرَةَ باخْتيارِه؛ لأنَّ الاخْتِيارَ لا يكونُ موقوفًا، فأمَّا إن عَتَقْنَ قبلَ أن يُسْلِمْنَ، ثم أسْلَمْنَ و 1514 اجْتَمَعْنَ معه على الإِسْلامِ وهُنَّ حرائِرُ، فإن كانْ جميعُ الزَّوْجاتِ أرْبَعًا فما دُونَ، ثَبَت نِكاحُهُنَّ، وإن كُنَّ زائداتٍ على أرْبَعٍ، فله أن يختارَ منهنَّ أرْبَعًا، وتَبْطُلُ عِصْمةُ الخامسةِ؛ لأنَّهُنَّ صِرْنَ حرائرَ في حالةِ الاخْتيارِ، وهي حالةُ اجْتماعِ إسْلامِه وإسْلامِهِنَّ، فصارَ حُكْمُهُنَّ حُكْمَ

الجزء: 21 - الصفحة: 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحرائرِ الأصْلِيَّاتِ، وكما لو أُعْتِقْنَ قبلَ إسْلامِه وإسْلامِهِنَّ.
وإن أسْلَمْنَ قبلَه، ثم أُعْتِقْنَ، ثم أسْلَمَ، فكذلك، ويكونُ الحكمُ في هذا كما لو أسْلَم وتحتَه خَمْسُ حَرائِرَ أو أكثرُ، على ما مَرَّ تَفْصِيلُه.
فصل: ولو أسْلَمَ وتحتَه خَمْسُ حرائرَ، فأسْلَمَ معه منهنَّ اثْنَتان، احْتَمَل أن يُجْبَرَ على اخْتيارِ إحْداهما؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يَلْزَمَه نِكاحُ واحدةٍ منهما، فلا معنَى لِانْتِظارِ 1515 البَواقِي.
فإذا اختارَ واحدةً ولم يُسْلِمِ البَواقِي، لَزِمَه نِكاحُ الثانيةِ.
وكذلك إن لم يُسْلِمْ مِنَ البَواقِي إلَّا اثْنَتَانِ، لَزِمَه نِكاحُ الأرْبَعِ.
وإن أسْلَم الجميعُ في العِدَّةِ، كُلِّفَ أن يخْتارَ ثَلَاثًا مع التي اخْتارَها أوَّلًا، ويَنْفسِخُ نِكاحُ الباقيةِ.
وعلى هذا، لو أسلمَ معه ثلاثٌ، كُلِّفَ اخْتيارَ اثْنَتَين.
وإن أسْلَمَ معه أرْبَعٌ، كُلِّفَ اخْتيارَ ثلاثٍ منهنَّ، إذ لا معنَى لانْتِظارِ الخامسةِ.
ونِكاحُ ثلاثةٍ منهنَّ لازِمٌ له 1516 على كلِّ حالٍ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْبَرَ على الاختيارِ؛ لأنَّه إنَّما يكونُ عندَ زيادةِ العَدَدِ على أرْبَعٍ، وما وُجِدَ ذلك، ولذلك لو أسْلَمَتْ معه واحِدَةٌ (2) مِن الإماءِ، لم يُجْبَرْ على اخْتيارِها، كذا ههُنا.
قال شيخُنا 1517: والصحيحُ ههُنا أنَّه يُجْبَرُ على اختيارِها؛ لِما ذكرْنا مِن المعنى، وأمَّا الأمَةُ، فقد يكونُ له غَرَضٌ في اخْتيارِ غيرِها، بخِلافِ مَسْألَتِنا.

الجزء: 21 - الصفحة: 76

وَإِنْ أَسْلَمَ عَبْدٌ وَتَحْتَهُ إِمَاءٌ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ، وَإِنْ أَسْلَمَ وَأُعْتِقَ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحُرِّ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ إلَّا بِوُجُودِ الشَّرْطَينِ فِيهِ.

3240 - مسألة: (وإنْ أسْلَمَ عَبْدٌ وتحتَه إماءٌ، فأسْلَمْنَ معه، ثم أُعْتِقَ، فله أن يَخْتارَ منهُنَّ)

لأنَّه حالةَ اجْتِماعِهم على الإسْلامِ كان عبدًا، يجُوزُ له الاخْتيارُ مِنَ الإِماءِ.
3241 -

مسألة: (وإن أسْلَمَ وأُعْتِقَ، ثم أسْلَمْنَ، فحكمُه حُكْمُ الحُرِّ، لا يجوزُ أن يختارَ منهُنَّ إلَّا بوجودِ الشَّرْطَينِ فيه)

لأنَّه حالةَ اجْتماعِهم في الإِسْلامِ كان حرًّا، فيُشْتَرَطُ في حَقِّه ما يُشْتَرَطُ في حَقِّ الحُرِّ.
واللهُ تعالى أعلمُ.

الحديث: 3240 - الجزء: 21 - الصفحة: 77

فصول الكتاب · 40 فصل
فصول الشرح الكبير على المقنع ت التركي
المقدمةمقدمة التحقيقكِتَابُ الطَّهارةكِتابُ الصَّلَاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الاعتكافكِتَابُ الْمَنَاسِكِكتاب الجهادكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْحَجْركِتَابُ الشَّركَةِكِتَابُ العَارِيَّةِكتَابُ الْغَصْبِكتابُ الْوَقْفِكتابُ الوَصاياكتاب الفرائضكتاب العتقكتابُ النِّكاحِ
3054 - مسألة: وَ (النِّكَاحُ سُنَّةٌ)3055 - مسألة: (وَالاشْتِغَالُ به أفْضَلُ مِن التَّخَلِّي لنَوافِلمسألة: (وعن أحمدَ، أنَّ النِّكاحَ واجبٌ على الإِطْلَاقِ)3057 - مسألة: (وَيُسْتَحَبُّ تَخَيُّرُ ذَاتِ الدِّينِ، الوَلُودِ، البِكْرِ، الحَسِيبَةِ، الأجْنَبِيَّةِ)3058 - مسألة: (وَيَجُوزُ لمَن أرادَ خِطْبَةَ امْرَأةٍ النَّظَرُ إلى وَجْهِها مِن غيرِ خَلْوَةٍ بها. وعنه، له النَّظَرُ إلى ما يَظْهَرُ غالِبًا؛ كالرَّقَبَةِ، واليَدَين، والقَدَمَين)مسألة: (وله النَّظَرُ إِلى ذلك، وإلى الرَّأْسِ والسَّاقَين مِن الأمَةِ المُسْتامَةِ ومِن ذَواتِ مَحارِمِه. وعنه، لا يَنْظُرُ مِن ذَواتِ مَحارِمِه إلَّا)مسألة: (وللعَبْدِ النَّظرُ إلَيهما مِن مَوْلَاتِهِ)مسألة: (ولغيرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِن الرِّجَالِ، كالكَبِيرِ والعِنِّينِ ونَحْوهما، النَّظَرُ إلى ذلك. وعنه، لا يُباحُ)3062 - مسألة: (وللشَّاهِدِ النَّظَرُ إلى وَجْهِ المَشْهُودِ عليها)3063 - مسألة: (وللطَّبِيبِ النَّظَرُ إلى ما تَدْعُو الحاجَةُ إلى نَظَرِهِ)مسألة: (وللصَّبِيِّ المُمَيِّزِ غَيرِ ذي الشَّهْوَةِ النَّظَرُ)مسألة: (فإن كان ذا شَهْوَةٍ، فهو كذي المَحْرَمِ)3066 - مسألة: (وللمرأةِ مع المرأةِ، والرجلِ مع الرجلِ، النَّظَرُ إلى ما عدا ما بينَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ. وعنه، أنَّ الكافِرَةَ مع المُسْلِمَةِ كالأجْنَبِيِّ)مسألة: (ويُبَاحُ للمرأةِ النَّظَرُ مِن الرجلِ إلى غَيرِ العَوْرَةِ. وعنه، لا يُبَاحُ)3068 - مسألة: (ويَجُوزُ النَّظرُ إلى الغُلامِ لغَيرِ شَهْوَةٍ)3069 - مسألة: (ولا يَجُوزُ النَّظَرُ إلى أحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنا لشَهْوَةٍ)3070 - مسألة: (ولكلِّ واحِدٍ مِن الزَّوْجَين النَّظرُ إلى جَمِيعِ بَدَنِ الآخَرِ وَلَمْسُه، وكذلك السَّيِّدُ مع أمَتِه)مسألة؛ قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (وَلَا يَجُوزُ التَّصْرِيحُ بخِطْبَةِ المُعْتَدَّةِ، ولا التَّعْرِيضُ بخِطْبَةِ الرَّجْعِيَّةِ)3072 - مسألة: فَأمَّا الرَّجْعِيَّةُ، فلا يَجُوزُ لأَحَدٍ التَّعْرِيضُ بخِطْبَتِها ولا التَّصْرِيحُ؛مسألة: (وَيَجُوزُ في عِدَّةِ الْوَفَاةِ، و)مسألة: (وهل يَجُوزُ في عِدَّةِ البَائِنِ بغيرِ الثَّلَاثِ؟ علىمسألة: (وَالتَّعْرِيضُ قولُه: إنِّي فِي مِثْلِكِ لَراغِبٌ. و:مسألة: (وتُجيبُه)مسألة: (ولا يَجُوزُ للرجلِ أن يَخْطُبَ على خِطْبَةِ أخِيه إن أُجِيبَ، وإن رُدَّ، حَلَّ، وَإن لم يَعْلَمِ الحَال فعلى وَجْهَين)مسألة: (والتَّعْويلُ فِي الرَّدِّ والإِجابةِ عليها إن لم تَكُنْ3079 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ عَقْدُ النِّكاحِ مساءَ يَوْمِ الجُمُعَةِ)مسألة: (و)مسألة؛ (و)مسألة: (ويقُولُ إذا زُفَّتْ إليه: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألكَ خَيرَها وخَيرَ ما جَبَلْتَها عليه، وأعُوذُ بك مِن شَرِّها وشَرِّ ما جَبَلْتَها عليه)بَابُ أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَشرُوطِهِ3083 - مسألة: (فإن قَدَر على تَعَلُّمِهَا بالعَرَبِيَّةِ، لم يَلْزَمْه)مسألة: (والقَبُولُ أن يَقُولَ: قَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ. أو ما يَقُومُ مَقامَه في حَقِّ مَن لا يُحْسِنُ)مسألة: (فإنِ اقْتَصَرَ على قَوْلِه: قَبِلْتُ)3086 - مسألة: (فإن تَقَدَّمَ القَبُولُ الإِيجابَ، لم يَصِحَّ)مسألة: (وإن تَرَاخَى)مسألة: (فإن تَفَرَّقَا قبلَه، بَطَل الإِيجابُ)3089 - مسألة: (فلو قال: زوَّجْتُكَ ابْنَتِي. وله بَناتٌ، لم يَصِحَّ حتى يُشِيرَ إليها، أو يُسَمِّيَها، أو يَصِفَها بما تَتَمَيَّزُ به، وإن لم يَكُنْ له إلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ، صَحَّ)مسألة: (وإن قال: إن وَضَعَتْ زَوْجَتِي ابْنَةً، فقد زَوَّجْتُكَهَا. لم يَصِحَّ)3091 - مسألة: (إلَّا الأبُ له تَزْويجُ أولادِه الصِّغارِ والمَجانِينِ وبَناتِه الأبكارِ بغيرِ إِذْنِهِمِ)3092 - مسألة: (وهل له تَزْويجُ الثَّيَّبَ الصَّغِيرَةِ؟ على وَجْهَينِ)مسألة: (وللسَّيِّدِ تَزْويجُ إمائِه الثيبِ والْأبْكَارِ، وعَبِيدِه3094 - مسألة: (ولا يَمْلِكُ إجْبارَ عَبْدِه الكبيرِ)مسألة: (وليس لسائرِ الأوْلياءِ تَزْويجُ كبيرةٍ إلَّا بإذْنِها، إلَّا المجنونةَ، لهم تَزْويجُها إذا ظَهَر منها المَيلُ إلى الرِّجالِ)مسألة: (وليس لهم تَزْويجُ صغيرةٍ بحالٍ)3097 - مسألة: (وإذْنُ الثَّيِّبِ الكَلامُ، وإذْنُ البِكْرِ الصُّماتُ)مسألة: (ولا فَرْقَ بينَ الثُّيُوبَةِ بوَطْءٍ مُباحٍ أو مُحَرَّمٍ)مسألة: (فأمَّا زَوالُ الْبَكارَةِ بإِصْبَعٍ أو وَثْبَةٍ، فلا يُغَيِّرُ صِفَةَ الإِذْنِ)3100 - مسألة: (وعن أحمدَ)3101 - مسألة: (وأحَقُّ النَّاسِ بِنِكَاحِ المرأةِ الحُرَّةِ أبُوها)3102 - مسألة: (ثم أبُوه وإن عَلَا)3103 - مسألة: (ثم ابْنُها، ثم ابْنُه وإن سَفَل)مسألة: (ثُم أخوها لأبَوَيها، ثم لأبيها)مسألة: (وعنه تَقْدِيمُ الابْنِ على الجَدِّ، والتَّسْويَةُ بينَ الجَدِّ والإِخْوَةِ، وبينَ الأخِ للأبَوَين والأخِ للأبِ)3106 - مسألة: (ثم بَنُو الإِخْوَةِ وإن سَفَلُوا، ثم العَمُّ، ثم ابْنُه، ثُم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ مِن العَصَباتِ، على تَرْتِيبِ المِيرَاثِ)مسألة: (ثم المَوْلَى المُنْعِمُ، ثم عَصَباتُه مِن بعدِه،مسألة: (ووَلِيُّ الأمَةِ سَيِّدُها)مسألة: (فإن كانت لامرأةٍ، فَوَلِيُّها وَلِيُّ سَيِّدَتِها، ولا3110 - مسألة: (ويُشْتَرَطُ في الوَلِيِّ الحُرِّيَّةُ، والذُّكُورِيَّةُ، واتِّفَاقُ الدِّينِ، والعَقْلُ)3111 - مسألة: (فإن كان الأقْرَبُ طِفْلًا أو كافِرًا أو عَبْدًا، زَوَّجَ الأبعَدُ)مسألة: (وإن عَضَل الأَقْرَبُ، زَوَّجَ الأبعَدُ. وعنه، يُزَوِّجُ الحاكِمُ)مسألة: (ولا يَلِي كَافِرٌ نِكاحَ مُسْلِمَةٍ بحَالٍ، إلَّا إذامسألة: (وَلَا يَلِي مُسْلِمٌ نِكَاحَ كَافِرَةٍ، إلا سَيِّدَ الْأَمَةِ أَوْ وَلِيَّ سَيِّدَتِهَا أَو السُّلْطَانَ)مسألة: (وَيَلي الذِّمِّيُّ نِكَاحَ مُوَلِّيَتِهِ الذِّمِّيَّةِ مِنَ الذِّمِّيِّ. لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (وَهَلْ يَلِيهِ مِنْ3117 - مسألة: (وإذا زَوَّجَ الْأبْعَدُ مِنْ غَيرِ عُذْرٍ لِلْأَقْرَبِ، أَوْ زَوَّجَ أَجْنَبِيٌّ، لَمْ يَصِحَّ. وَعَنْهُ، يَصِحُّ وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ)مسألة: (ووَكِيلُ كَلِّ واحِدٍ مِن هؤلاءِ يَقُومُ مَقامَه وإنمسألة: (وإذا اسْتَوَى الأَوْلِياءُ في الدَّرَجَةِ)مسألة: والأوْلَى تَقْدِيمُ أَكْبَرِهِم وأفْضَلِهم؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا تَقَدَّمَ إليهمسألة: (فَإِنْ سَبَقَ غَيرُ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَزَوَّجَ، صَحَّ)3122 - مسألة: (وإذا زَوَّجَ)3123 - مسألة: (وَإذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ مِنْ أَمَتِهِ، جَازَ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ)مسألة: (وكذلك وَلِيُّ المرأةِ -مِثْلَ ابنِ العَمِّ والمَوْلَىمسألة: (وَإِذَا قَال السَّيِّدُ لِأَمَتِهِ: أَعْتَقْتُكِ، وَجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ. صَحَّ فإنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ عَلَيهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا)مسألة: (و)3128 - مسألة: (وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ مُسْلِمٍ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّينِ. وَيَتَخَرَّجُ أنْ يَنْعَقِدَ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذِمِّيَّةً).مسألة: (ولا يَنْعَقِدُ بحُضُورِ أَصَمَّين ولا أخْرَسَين)مسألة: (لَكِنْ إن لم تَرْضَ المرأةُ والأوْلِياءُ جَمِيعُهم، فلمَن لم يَرْضَ الفَسْخُ)مسألة: (فلو زَوَّجَ الأبُ بغَيرِ كُفْءٍ برِضاها، فللإخْوَةِ الفَسْخُ. نَصَّ عليه)3133 - مسألة: (والكَفاءَةُ؛ الدِّينُ والمَنْصِبُ)مسألة: (العَرَبُ بعضُهم لبعضٍ أكْفَاءٌ، وسائِرُ النَّاسِمسألة: (وعنه، أنَّ الحُرِّيَّةَ والصِّناعَةَ واليَسارَ مِن شُرُوطِ الكَفاءَةِ، فلا تُزَوَّجُ حُرَّةٌ بعَبْدٍ، ولا بِنْتُ بزَّازٍ بحَجَّام، ولا بِنْتُ تانِئٍ [^fn16108] بِحَائِكٍ، ولَا مُوسِرَةٌ بمُعْسِرٍ) أمَّا الحرِّيَّةُ، فالصَّحِيحُ أنَّها مِن شُروطِ[^fn16107]بَابُ الْمُحَرَّمَاتِ فِي النِّكَاحِمسألة: (فإن مِتْنَ قبلَ الدُّخُولِ، فهل تَحْرُمُ بَناتُهُنَّ؟ على رِوايَتَين)مسألة: (ويَثْبُتُ تَحْرِيمُ المُصَاهَرَةِ بالوَطْءِ الحَلالِمسألة: (فإن كانتِ المَوْطُوءَةُ مَيِّتَةً أو صَغِيرَةً)مسألة: (وإن باشَرَ امرأةً، أو نَظَر إلى فَرْجِها، أو خَلَا بها لشَهْوَةٍ، فعلى رِوايَتَين)مسألة: (ومَن تَلَوَّطَ بغُلامٍ، حَرُمَ على كلِّ واحدٍ منهما أُمُّ الآخَرِ وابْنَتُه)مسألة: (و)مسألة: (فإن جَمَع بينَهما في عَقْدٍ)مسألة: (وإن تَزَوَّجَهما في عَقْدَين، أو تَزَوَّجَ إحداهما في عِدَّةِ الأُخْرَى، سَواءٌ كانت بائِنًا أو رَجْعِيَّةً، فنِكاحُ الثانيةِ باطِلٌ)مسألة: (وإنِ اشْتَرَى أُخْتَ امرأتِه، أو عَمَّتَها، أو خالتَها، صَحَّ)مسألة: (وإنِ اشْتَراهُنَّ في عَقْدٍ واحِدٍ، صَحَّ)مسألة: وله وَطْءُ إحْدَاهُما؛ لأنَّ الأُخْرَى لم تَصِرْ فِرَاشًا.مسألة: (فإنْ وَطِيء إحدَاهُما، فليس له وَطْءُ الأخْرَى حتى يُحَرِّمَ المَوْطوءَةَ على نَفْسِه بإخْرَاج عن مِلْكِه أو تَزْويج)3148 - مسألة: (فإن عادَتْ إلى مِلْكِه، لم يَطَأ واحِدَةً منهما حتىمسألة: (وإن وَطِئ أمَتَه ثم تَزَوَّجَ أخْتَها، لم يَصِحَّ عندَ أبي بكر)مسألة: (ولا يَحِلُّ للحُرِّ أن يَجْمَعَ بينَ أكثرَ مِن أربَعٍ، ولا للعَبْدِ أن يَتَزَوَّجَ أكثرَ مِن اثْنَتَين، فإن طَلَّقَ إحدَاهُنَّ، لم يَتَزَوَّجْ أخرَى حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها)مسألة: (وتَحرُمُ الزَّانِيَةُ حتى تتوبَ وتَنْقَضيَ عِدَّتُها)مسألة: (و)مسألة: (ولا يَحِلُّ لمُسْلِمَةٍ نِكاحُ كافِرٍ بحالٍ)3156 - مسألة: (فإن كان أحَدُ أُبوَيها غيرَ كِتابِيٍّ، أو كانت مِن نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ، فهل تَحِلُّ)مسألة: (وليس للمُسْلِمِ وإن كان عَبْدًا نِكاحُ أمَةٍ كِتَابِيَّةٍ. وعنه، يَجُوزُ)3158 - مسألة: (ولا يَحِلُّ لحُرِّ نِكاحُ أمَةٍ مُسْلِمَةٍ، إلَّا أن يَخافَ العَنَتَ، ولا يَجِدَ طَوْلًا لنِكاحِ حُرَّةٍ، ولا ثَمَنَ أَمَةٍ)3159 - مسألة: (وإن تَزَوَّجَها وفيه الشَّرْطان، ثم أيسَرَ، أو نَكَح حُرَّةً، فهل يَبْطُلُ نِكاحُ الأمَةِ؟ عَلَى رِوايَتَين)مسألة: (وإن تَزَوَّجَ حُرَّةً أو أمَةً فلم تُعِفَّه، ولم يَجِدْ طَوْلًامسألة: (قال الخِرَقِيُّ: وله أن يَتَزَوَّجَ مِن الإِماءِ أرْبَعًا، إذا كان الشَّرْطان فيه قَائِمَين)3162 - مسألة: (وللعَبْدِ نِكاحُ الأَمَةِ)مسألة: (وهل له أنْ يَنْكِحَها على حُرَّةٍ؟ على رِوايَتَين)مسألة: (وإن جَمَع بينَهُمَا في العَقْدِ، جاز)3165 - مسألة: (وليس للعَبْدِ نِكاحُ سَيِّدَتِه)مسألة: (وليس للحُرِّ أن يَتَزَوَّجَ أمَتَه)مسألة: (ولا)مسألة: (ويجوز للعبدِ نِكاحُ أمَةِ ابْنِه)3169 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى الحُرُّ زَوْجَتَه)مسألة: (ومَنْ جَمَع بينَ مُحَلَّلَةٍ ومُحَرَّمَةٍ فِي عَقْدٍ واحِدٍ، فهل يَصِحُّ في مَن تحِلُّ؟ على رِوايَتَين)3171 - مسألة: (و)مسألة: (فإن تَزَوَّجَ امرأةً ثم قال: أنا امرأةٌ. انْفَسَخَ نِكاحُه)3173 - مسألة: (وإن تَزَوَّجَ رجلًا ثم قال: أنا رجلٌ. لم يُقْبَلْ قولُه في فَسْخِ نِكاحِه)بَابُ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِمسألة: (فإن شَرَط أن لا يُخْرِجَها مِن دارِها أو بَلَدِها، أو لا يَتَزَوَّجَ عليها، أو لا يَتَسَرَّى، فهو صحيحٌ لازِمٌ إن وَفَّى به، وإلَّا3175 - مسألة: (وإن شَرَط لَها طَلاقَ ضَرَّتِها، فقال أبو الخطابِ: هو صَحِيحٌ)مسألة: (فإن نَوَى ذلك مِن غيرِ شَرْطٍ، لم يَصِحَّ أيضًا، في ظاهِرِ المذهبِ. وقِيلَ: يُكْرَهُ ويَصِحُّ)مسألة: وكذلك إن شَرَط أن يُطَلِّقَها في وَقْتٍ بعَينِه، فلا يَصِحُّ النِّكاحُ، سَواءٌ كان معلومًا أو مجهولًا،مسألة: (وإن عَلَّقَ ابْتِدَاءَه على شَرْطٍ، كقَوْلِه: زَوَّجْتُكَ إذا جاء رَأسُ الشَّهْرِ. أو: إن رَضِيَتْ أُمُّها. فهذا كلُّه باطِلٌ مِن أصْلِه)مسألة: (فإن شَرَطَها كِتابِيَّةً فَبَانَتْ مُسْلِمَةً، فلا خِيارَ له)3181 - مسألة: (وإن شَرَطَها بِكْرًا)مسألة: (وإن تَزَوَّجَ أمَةً يَظُنُّها حُرَّةً)مسألة: (وإن كان المَغْرُورُ عَبْدًا، فوَلَدُه أحْرارٌ، ويَفْدِيهم إذا عَتَقَ، ويَرْجِعُ به على مَن غَرَّه)3184 - مسألة: (وإن تَزَوَّجَتِ)مسألة: (وإن كان عَبْدًا فلها الخِيارُ في فَسْخِ النِّكاحِ)مسألة: (ولها الفَسْخُ)مسألة: (فإن أُعْتِقَ قبلَ فَسْخِها، أو أمْكَنَتْه مِن وَطْئِها، بَطَل خِيارُها)3188 - مسألة: (وخِيارُ المُعْتَقَةِ على التَّراخِي، ما لم يُوجَدْ منها ما يَدُلُّ على الرِّضَا)مسألة: (فإن كانت صَغِيرَةً أَو مَجْنُونَةً، فلها الخِيارُ إِذا بَلَغَتْ وعَقَلَتْ)3190 - مسألة: (فإن طُلِّقَتْ قبلَ اخْتِيارِها، وَقَعِ الطَّلاقُ)مسألة: (وإن عَتَقَتِ)مسألة: (فإنِ اخْتارَتِ المُقَامَ، فَهل يَبْطُلُ خِيارُها؟ على وَجْهَين)مسألة: (وَمَتى اخْتارَتِ، المُعْتَقَةُ)مسألة: (وإن أعْتَقَ أحدُ الشَّرِيكَينِ وهو مُعْسِرٌ، فلا خِيارَ لها. وقال أبو بكرٍ: لها الخِيارُ)مسألة: (وإن عَتَقَ الزَّوْجان معًا، فلا خِيارَ لها. وعنه يَنْفَسِخُ نِكاحُهما)بَابُ حُكْمِ الْعُيُوبِ فِي النِّكَاحِمسألة: (فإنِ اخْتَلَفَا في إمْكانِ الجِماعِ)مسألة: فإنِ ادَّعَتْ ذلك، أُجِّلَ سنةً مُنْذُ تُرافِعُه.مسألة: (فإنِ اعْتَرَفَ بذلك)،3200 - مسألة: (فإنِ اعْتَرَفَتْ أنَّه وَطِئَها مَرَّةً، بَطَل كَوْنُه عِنِّينًا)مسألة: (وإن وَطِئَها في الدُّبُرِ، أو وَطِئَ غَيرَها، لم تَزُلِ العُنَّةُ. ويَحْتَمِلُ أن تَزُولَ)3202 - مسألة: (وإنِ ادَّعى أنَّه وَطِئَها، وقالت: إنَّها عَذْراءُ. فشَهِدَتْ بذلك امرأةٌ ثِقَةٌ، فالقولُ قولُها، وإلَّا فالقولُ قولُه)3203 - مسألة: (وإن كانت ثَيِّبًا، فالقولُ قولُه)مسألة: (وإن عَلِم بالعَيبِ وَقْتَ العَقْدِ، أو قال: قد رَضِيتُ به مَعِيبًا)3205 - مسألة: (ولا يَجُوزُ الفَسْخُ إلَّا بحُكْمِ حاكِمٍ)3206 - مسألة: (فإن فُسِخَ قبلَ الدُّخُولِ، فلا مَهْرَ، وإن فُسِخَ بعدَه، فعليه المهرُ المُسَمَّى. وقِيلَ):مسألة: (ويَرْجِعُ به على مَن غَرَّه، مِن المرأةِ والوَلِيِّ. وعنه، لا يَرْجِعُ)مسألة: (وليس له تَزْويجُ كَبِيرَةٍ بمَعِيبٍ بغيرِ رِضَاها)مسألة: (فإنِ اخْتارَتِ الكَبِيرَةُ تَزْويجَ مَجْبُوبٍ أو عِنِّينٍ، لم يَمْلِكْ مَنْعَها)مسألة: (فأمَّا إن عَلِمَتِ العَيبَ بعدَ العَقْدِ، أو حَدَثَبَابُ نِكَاحِ الْكُفَّارِ3211 - مسألة: (وَيُقَرُّونَ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ، ما اعْتَقَدوا حِلَّها، ولم يَرْتَفِعُوا إلينا)مسألة: (وإِن أَسْلَمُوا، أو تَرافَعُوا إلينا في ابْتِداءِ العَقْدِ، لم نُمْضِه إلَّا على الوَجْهِ الصَّحِيحِ)مسألة: لكنْ إن كانَتِ المرْأةُ في هذه الحالِ ممَّن [يَجُوزُ ابْتِداءُ نكاحِها في الحالِ، أُقِرَّا عليه (وإن كانت ممن] [^fn16771] لا يجوزُ ابْتِداءُ نِكاحِها) كأَحَدِ المُحَرَّماتِ بالنَّسَبِ أو السَّبَبِ، أو المُعْتَدَّةِ، أو المُرْتَدَّةِ و [^fn16772] الوَثَنِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ، والمُطَلَّقَةِ ثلاثًا، لم يُقَرَّا؛ لحديثِ عمرَ. وإن[^fn16769][^fn16770]3214 - مسألة: (وإن قَهَرَ حرْبِيٌّ حرْبِيَّةً، فوَطِئَها، أو طَاوَعَتْهُ، واعْتَقَدَاه نِكاحًا)مسألة: (وإن كان المَهْرُ مُسَمًّى صحيحًا، أو فاسدًا قَبَضَتْه، اسْتَقَرَّ، وإن كان فاسدًا لم تَقْبِضْه، فُرِضَ لها مَهْرُ المِثْلِ)مسألة: (فإن أسْلَمَتِ الكتابِيَّةُ)مسألة: (فإنْ كانَتْ هي المُسْلِمَةَ، فلا مَهْرَ لها،3219 - مسألة: (وإن قال)مسألة: (وإن أسْلَمَ أحَدُهما بعدَ الدُّخُولِ، وَقَفَ الأمْرُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ، فإن أسْلَمَ الثَّاني قَبْلَ انْقِضَائِها، فهما على نِكاحِهما، وإلَّا تَبَيَّنّا أَنَّ الفُرْقَةَ وقَعتْ)مسألة: (فإن أسْلَمَتْ قَبْلَه، فَلَها نَفَقَةُ العِدَّةِ)3222 - مسألة: (فإنِ اخْتَلَفَا في السَّابِقِ مِنْهما)3223 - مسألة: (وعنه، أنَّ الفُرْقَةَ تُتَعَجَّلُ بإسْلامِ أحدِهما، كما قبلَ الدُّخولِ)مسألة: (فأمَّا الصَّدَاقُ، فواجبٌ بِكُلِّ حالٍ)مسألة: (وإن كانتِ الرِّدَّةُ بعدَ الدُّخُولِ، فهل تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ أو تَقِفُ على انْقِضاءِ العدَّةِ؟ على رِوايَتَين)3226 - مسألة: (فإن كان هو المرْتَدَّ، فعليه نَفَقَةُ العِدَّةِ)3227 - مسألة: (وإنِ انْتَقَلَ أحدُ الكتابِيَّيْنِ إلى دِينٍ لَا يُقَرُّ عليه، فهو كَرِدَّتِهِ)مسألة: (وعليه نَفَقَتُهُنَّ إلى أن يَخْتارَ)3229 - مسألة: (وإن طَلَّقَ إحْداهُنَّ، كان اختيارًا لها)مسألة (وَإن وَطِئَ)3231 - مسألة: (وإن طَلَّقَ الجميعَ، أُقْرِعَ بينَهنَّ، فأُخْرِجَ أرْبَعٌ مِنْهُنَّ بالقُرْعَةِ)مسألة: (وإن ظاهَر أو آلى مِن إحداهُنَّ، فهل يكونُ اختيارًا لها؟ على وَجْهَين)مسألة: (وإن ماتَ فَعَلَى الجميعِ عِدَّةُ الوَفاةِ)3234 - مسألة: (والمِيراثُ لأرْبَعٍ منهُنَّ بالقُرْعَةِ)مسألة: (وإن أسْلَمَ وتَحْتَه أُخْتانِ، اختار منهما واحدةً)مسألة: (وإن كَانَتا أُّمًّا وبِنْتًا)مسألة: (فإن أسْلَمَ وهو مُوسِرٌ، فلم يُسْلِمْنَ حتَّى أَعْسَر، فله الاخْتِيارُ منهُنَّ)مسألة: (وإن أسْلَمَتْ إحْداهُنَّ بعدَه، ثم عَتَقَتْ، ثم أسْلَمَ البَواقِي، فله الاخْتِيارُ منهنَّ)3239 - مسألة: (وإن أسْلَم وتحتَه حُرَّةٌ وإماءٌ، فأسْلَمتِ الحُرَّةُ في عِدَّتِها قبلَهُنَّ أو بعدَهُنَّ، انْفَسَخَ نِكاحُهنَّ)3240 - مسألة: (وإنْ أسْلَمَ عَبْدٌ وتحتَه إماءٌ، فأسْلَمْنَ معه، ثم أُعْتِقَ، فله أن يَخْتارَ منهُنَّ)مسألة: (وإن أسْلَمَ وأُعْتِقَ، ثم أسْلَمْنَ، فحكمُه حُكْمُ الحُرِّ، لا يجوزُ أن يختارَ منهُنَّ إلَّا بوجودِ الشَّرْطَينِ فيه)
كِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الْخُلْعِكِتَابُ الطَّلَاقِكتابُ الرَّجْعَةِكتابُ الإِيلاءِكتابُ الظِّهَارِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكتاب الرضاعكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الجِنَايَاتِكتاب الدياتكِتَابُ الْحُدُودِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الصَّيدِكِتَابُ الْأَيْمَانِكتاب القضَاءِكِتَابُ الشَّهادَاتِكِتَابُ الْإِقْرَارِ
جارٍ التحميل