كتاب الرضاع
. صحيح مسلم 2/ 1071، 1072. كما أخرجه النسائي، في: باب تحريم بنت الأخ من الرضاع، من كتاب النكاح.
المجتبى 6/ 82، 83. وابن ماجه، في: باب يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، من كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 623. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 223، 275، 290، 329، 339، 346.
الجزء: 24 - الصفحة: 213
وَإِذَا حَمَلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ رَجُلٍ يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْهُ، فَثَابَ لَهَا لَبَنٌ، فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا، صَارَ وَلَدًا لَهُمَا في تَحْرِيمِ النِّكَاحِ، وَإبَاحَةِ النَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ، وَثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ، وَأَوْلَادُهُ وَإنْ سَفَلُوا
أخبارٍ كثيرةٍ، نَذْكُرُ أكْثَرَها في تَضاعيفِ البابِ، إن شاءَ اللهُ تَعالى.
وأجْمَعَ عُلماءُ الأُمَّةِ 1 على التَّحْريمِ بالرَّضَاعِ.
إذا ثَبَتَ ذلك، فإنَّ تَحْريمَ الأُمِّ والأُخْتِ ثَبَتَ بنَصِّ الكتابِ، وتحريمَ البِنْتِ بالتنبيهِ 2، فإنَّه إذا حَرُمَتِ الأخْتُ فالبِنْتُ أوْلَى، وسائِرُ المُحَرَّماتِ ثَبَتَ تَحْرِيمُهُنَّ بالسُّنَّةِ.
وتَثْبُت المَحْرَمِيَّةُ؛ لأنَّها فرْعٌ على التَّحْريمِ إذا كان بسَببٍ مباحٍ، وأمَّا بَقِيَّةُ أحْكامِ النَّسَبِ، مِن النَّفَقَةِ، والإرْثِ والعِتْقِ، ورَدِّ الشهادةِ، وغيرِ ذلك، فلا يَتَعَلَّقُ به؛ لأنَّ النَّسَبَ أقْوَى منه، فلا يُقاسُ عليه في جميعِ أحْكامِه، وإنَّما يُشَبَّهُ به فيما نُصَّ عليه فيه.
3912 -
مسألة: (إذا حَمَلَتِ المَرْأةُ مِن رَجُلٍ يَثْبُتُ نَسَسبُ وَلَدِها منه، فثابَ لَها لَبَنٌ، فأرْضَعَتْ به طِفْلًا، صار وَلَدًا لهما في تَحْرِيم النِّكاحِ، وإبَاحةِ النَّظَرِ والخَلْوَةِ، وثُبُوتِ المَحْرَمِيَّةِ، وأوْلادُه وإن سفَلُوا
الحديث: 3912 - الجزء: 24 - الصفحة: 214
أَوْلَادَ وَلَدِهِمَا، وَصَارَا أَبَوَيهِ.
وَآبَاوهُمُا أَجْدَادَهُ وَجَدَّاتِهِ، وَإخْوَةُ الْمَرأَةِ وَأَخوَاتُهَا أَخوَالهُ وَخَالاتِهِ، وَإخْوَةُ الرَّجُلِ وَأَخَوَاتُهُ أَعمَامَهُ وَعَمَّاتِهِ.
وَتَنْتَشِرُ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ مِنَ الْمُرْتَضِعِ إِلَى أَوْلَادِهِ وَأَولَادِ أَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا، فَيَصِيرُونَ أَوْلَادًا لَهُمَا.
أوْلادَ وَلَدِهما، وصارا أبَوَيه، وآباؤُهما أجْدادَه وجَدَّاتِه، وإخوَةُ المَرْأةِ وأخَواتُها أخْواله وخالاتِه، وإخْوَةُ الرجلِ وأخَواتُه أعْمامَه وعَمَّاتِه، وتَنْتَشِرُ حُرْمَةُ الرَّضاعِ مِن المُرْتَضِعِ إلى أوْلَادِه وأوْلادِ أوْلادِه وإن سفَلُوا، فيَصِيرُون أوْلادًا لهما) وجملةُ ذلك، أنَّ المرأةَ إذا حَمَلَتْ مِن رَجُلٍ يَثْبُت نَسَبُ ولَدِها منه، وثابَ لها منه لَبَنٌ، فأرْضَعَتْ به طِفْلًا رَضَاعًا مُحَرِّمًا، صار الطِّفْلُ المُرْتَضِعُ ابْنًا للمُرْضِعَةِ، بغيرِ خِلافٍ، وصار أَيضًا ابْنًا لمَن يُنْسَبُ الحَمْلُ إليه، فصار في التحريمِ وإباحةِ النَّظَرِ والخَلْوةِ ولدًا لهما، وأوْلادُه مِن البَنِينَ والبَناتِ أولادَ أوْلادِهما، وإن نزلتْ دَرَجَتُهم، وجميعُ أوْلادِ المرأةِ المُرْضِعَةِ مِن زَوْجِها ومِن غيرِه، وجميعُ أوْلادِ الرَّجُلِ الذي انْتَسَبَ الحَمْلُ إليه مِن المُرْضِعَةِ وغيرِها، إخْوَةَ المُرْتَضِعِ وأخَواتِه، وأوْلادُ أوْلادِهما أوْلادَ إخْوَتِه وأخَواتِه، وإن نَزَلَتْ دَرَجَتُهم، وأُمُّ المُرْضِعَةِ جَدَّتَه، وأبُوها جَدَّه، وإخْوَتُها أخْواله، وأخَواتُها خَالاتِه، وأبو الرجلِ جَدَّه، وأمُّه جَدَّتَه، وإخْوَتُه أعْمامَه، وأخَواتُه عَمَّاتِه، وجميعُ أقارِبِهما يُنْسَبُون إلى المُرْتَضِعِ كما يُنْسَبُون إلى وَلَدِهما مِن النَّسَبِ؛ لأنَّ اللَّبَنَ الذي
الجزء: 24 - الصفحة: 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثابَ للمرأةِ مخلوقٌ مِن ماءِ الرَّجُلِ والمرأةِ، فنَشَرَ التَّحْرِيمَ إليهما، ونَشَرَ الحُرْمَةَ إلى الرَّجُلِ وإلى أقارِبِه، وهو الذي يُسَمَّى لَبَنَ الفَحْلِ.
وفي التَّحْريمِ به اخْتِلافٌ، ذُكِرَ في بابِ المُحَرَّماتِ في النِّكاحِ.
والحُجَّةُ فيه ما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ أفْلَحَ أخَا أبي القُعَيسِ، اسْتأْذَنَ عليَّ بعدَ ما أُنزِلَ الحِجابُ، فقلتُ: واللهِ لا آذَنُ له حتَّى أَسْتأْذِنَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، [فإنَّ أخاه أَبا القُعَيسِ ليس هو أرْضَعَنِي ولكن أرْضَعَتْنِي امْرَأةُ أبي القُعَيسِ، فدَخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -] 3، فقلتُ: يَا رسولَ اللهِ، إنَّ الرجلَ ليس هو أرْضَعَنِي، ولكن أرْضَعَتْنِي امْرَأتُه 4. فقال: «ائْذَنِي لَه، فَإنَّه عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ».
قال عُرْوَةُ: فبذلك كانتْ عائشةُ تأْخُذ تَقُولُ 5: حَرِّمُوا مِن الرَّضاعَةِ ما تُحَرِّمُوا 6 مِن النَّسَبِ.
مُتَّفَقٌ عليه 7. وسُئِل ابنُ عباسٍ، عن رَجُلٍ تزَوَّجَ امْرأتَين، فأرْضَعَتْ إحْداهما جاريةً، والأخْرَى غُلَامًا، هل يتَزَوَّجُ الغلامُ الجارِيةَ؟ فقال: لا، اللِّقاحُ واحِدٌ 8. قال مالِكٌ: اخْتُلِفَ قَديمًا في الرَّضاعَةِ مِن قِبَلِ الأبِ، ونَزلَ
الجزء: 24 - الصفحة: 216
وَلَا تَنْتَشِرُ إلَى مَنْ في دَرَجَتِهِ مِنْ إِخْوَتِهِ وَأخَوَاتِهِ، وَلَا مَنْ هُوَ أعْلَى مِنْهُ مِنْ آبَائِهِ وَأُمَّهَاتِهِ وَأعْمَامِهِ وَعَمَّاتِهِ وَأخْوَالِهِ وَخَالاتِهِ، فَلَا تَحْرُمُ الْمُرْضِعَةُ عَلَى أبِي الْمُرْتَضِعِ وَلَا أَخِيهِ، وَلَا تَحْرُمُ أُمُّ الْمُرْتَضِع وَلَا أُخْتُهُ عَلَى أُبِيهِ مِنَ الرَّضَاعَ وَلَا أخِيهِ،
برجالٍ مِن أهلِ المدينةِ في أزْواجِهِم؛ منهم محمدُ بنُ المُنْكَدِرِ، وابنُ أبي حَبِيبةَ، فاسْتَفْتَوْا في ذلك، فاخْتُلِف عليهم، ففارَقُوا زَوْجاتِهم.
فأمَّا الوَلَدُ المُرْتَضِعُ، فإنَّ الحُرْمَةَ تَنْتَشِرُ إليه، وإلى أولادِه وإن نزلوا.
3913 -
مسألة: (ولا تَنْتَشِرُ إلى مَن في دَرَجَتِه مِن إخْوَتِه وأخَواتِه، ولا مَن هو أعلى منه مِن آبائِه وأمَّهاتِه وأعْمامِه وعَمَّاتِه وأخْوالِه وخالاتِه، فلا تَحْرُمُ المُرْضِعَةُ على أبي المُرْتَضِعِ، ولا أخِيهِ، ولا تَحْرُمُ أمُّ المُرْتَضِع ولا أُخْتُه على أَبِيه مِن الرَّضاعِ ولا أخِيه)
[فيَجُوزُ للمُرْضِعةِ نِكاحُ أبي الطِّفْل المُرْتَضِعِ] 9 وأخِيه وعَمِّه وخالِه، ولا يَحْرُمُ على زَوْجِ المُرْضِعةِ نِكاحُ أمِّ الطِّفْلِ المُرْتَضِعِ، ولا أُخْتِه، ولا عَمَّتِه، ولا خالتِه، ولا بَأْسَ = جاء في ابنة الأخ من الرضاعة.
السنن 1/ 240. والبيهقي، في: باب يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة.
. . .، من كتاب الرضاع.
السنن الكبرى 7/ 453.
الحديث: 3913 - الجزء: 24 - الصفحة: 217
وَإنْ أَرْضَعَتْ بِلَبَنِ وَلَدِهَا مِنَ الزِّنَى طِفْلًا، صَارَ وَلَدًا لَهَا، وَحَرُمَ عَلَى الزَّانِي تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ، وَلَمْ تَثْبُتْ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ في حَقِّهِ، في ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: تَثْبُتُ.
قَال أَبُو الْخَطَّابِ: وَكَذَلِكَ الْوَلَدُ الْمَنْفِيُّ بِاللِّعَانِ.
أن يتَزَوَّجَ أوْلادُ المُرْضِعَةِ وأوْلادُ زَوْجها إخْوَةَ الطِّفْلِ المُرْتَضِعِ وأخَواتِه.
قال أحمدُ: لا بَأْسَ أن يتَزَوَّجَ الرجلُ أَخْتَ أخِيه مِن الرَّضاعِ، ليس بينَهما رَضاعٌ ولا نَسَبٌ، وإنَّما الرَّضاعُ بينَ الجاريةِ وأخِيه.
3914 -
مسألة: (وإن أرْضَعَتْ بِلَبَنِ وَلَدِها مِن الزِّنَى طِفْلًا، صار وَلَدًا لها، وحَرُمَ على الزَّانِي تَحْرِيمَ المُصاهَرَةِ، ولم تَثْبُتْ حُرْمَة الرَّضاعِ في حَقِّهِ، في ظاهرِ قَوْلِ الخِرَقِيِّ.
وقال أبو بَكْرٍ: تَثْبُت.
قال أبو الخَطَّابِ: وكذلك الولَدُ المَنْفِيُّ باللِّعانِ)
الذي ذكَرَه شَيخُنا في
الحديث: 3914 - الجزء: 24 - الصفحة: 218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكتابِ المَشْروحِ، أنَّ مِن شَرْطِ ثُبُوتِ الحُرْمَةِ بينَ المُرْتَضِعِ وبينَ الرَّجُلِ الذي ثابَ اللَّبَنُ بوَطْئِه، أن يكونَ لَبَنَ حَمْلٍ يُنْسَبُ إلى الوَاطِئِ؛ كالوَطْءِ في نِكاحٍ، أو وَطْءٍ بمِلْكِ 10 يَمينٍ، أو شُبْهَةٍ، فأمَّا لَبَنُ الزَّانِي [والنّافي للولدِ] 11 باللِّعانِ، فلا يَنْشُرُ الحُرْمَةَ بينَهما في مَفْهومِ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وهو قولُ [أبي عبدِ الله] 12 ابنِ حامدٍ، ومذهبُ الشافعيِّ.
وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: يَنْشُرُ الحُرْمَةَ بينَهما؛ لأنَّه مَعْنًى يَنْشُرُ الحُرْمَةَ، فاسْتَوى فيه مُباحُه ومَحْظُورُه، كالوَطْءِ، يُحَقِّقُه أنَّ الوَطْءَ حَصَلَ منه لَبَنٌ ووَلَدٌ، ثم إنَّ الوَلَدَ يَنْشُرُ الحُرْمَةَ بينَه وبينَ الواطِئِ، كذلك اللَّبَنُ، ولأنَّه رَضاعٌ يَنْشُرُ الحُرْمَةَ إلى المُرْضِعةِ، فيَنْشُرُها إلى الواطِئِ، كصُورَةِ الإِجْماعِ.
ووَجْهُ القولِ الأوَّلِ، أنَّ التَّحْرِيمَ بينَهما فَرْعٌ لحُرْمَةِ الأبُوَّةِ، فلمَّا لم تثْبُتْ حُرْمَةُ الأبُوَّةِ، لم يَثْبُتْ ما هو فَرْعٌ لها.
ويُفارِقُ تَحْرِيمَ ابْنَتِه مِن الزِّنَى؛ لأنَّها مِن نُطْفَتِه حقيقةً، بخِلافِ مَسْألتِنا 13. ويُفارِقُ
الجزء: 24 - الصفحة: 219
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمُ الرَّضَاعِ في حَقِّ الْمُلَاعِنِ بِحَالٍ؛ لأَنَّهُ لَيسَ بِلَبَنِهِ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا.
تَحْريمَ المُصاهَرَةِ؛ فإنَّ التَّحْريمَ ثَمَّ لا يَقِفُ على ثُبُوتِ النَّسَبِ، ولهذا تَحْرُمُ أُمُّ زَوْجَتِه وابْنَتُها مِن غيرِ نَسَبٍ، وتَحْرِيمُ الرَّضاعِ مَبْنِيٌّ على النَّسَبِ، ولهذا قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ».
وقال أبو الخَطَّابِ في الوَلَدِ المَنْفِيِّ باللِّعانِ: إنَّه في تَحْريم الرَّضاعِ على المُلاعِنِ، كتَحْريمِ وَلَدِ الزِّنَى على الزَّانِي.
قال شيخُنا: (ويَحْتَمِلُ أن لا يَثْبُتَ حكمُ الرَّضاعِ في حَقِّ المُلاعِنِ بحالٍ؛ لأنَّه ليس بلَبَنِه حقيقةً ولا حُكْمًا) فأمَّا المُرْضِعةُ، فإنَّ الطِّفْلَ المُرْتَضِعَ مُحَرَّمٌ عليها، ومَنْسُوبٌ إليها عندَ الجميعِ، ولذلك 14 يَحْرُمُ جميعُ أولادِها وأقارِبِها
الجزء: 24 - الصفحة: 220
وَإنْ وَطِئَ رَجُلَانِ امْرَأةً بِشُبْهَةٍ، فَأتَتْ بِوَلَدٍ، فَأرْضَعَتْ بِلَبَنِهِ طِفْلًا، صَارَ ابْنًا لِمَنْ ثَبَتَ نَسَبُ الْمَوْلُودِ مِنْهُ، وَإنْ أُلْحِقَ بِهِمَا، كَانَ الْمُرْتَضِعُ ابْنًا لَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُلْحَقْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، ثَبَتَ التَّحْرِيمُ بِالرَّضَاعِ في حَقِّهِمَا.
الذين يَحْرُمُونَ على أولادِها، على هذا المُرْتَضِع، كما في الرَّضاعِ باللَّبَنِ المُباحِ: وإن كان المُرْتَضِعُ جارِيةً، حرُمَت على الِمُلاعِنِ، بغيرِ خِلافٍ أَيضًا؛ لأنَّها رَبِيبَتُه، فإنَّها بنتُ امْرَأتِه مِنِ الرَّضاعِ، وتَحْرُمُ على الزَّانِي عندَ مَن يَرَى تَحْريمَ المُصاهَرَةِ، وكذلك تحْرُمُ بَناتُها وبناتُ المرضَعِ من الغِلْمانِ (1) لذلك.
3915 -
مسألة (وإن وَطِئَ رَجُلان امْرَأةً بِشُبْهَةٍ، فأتَتْ بوَلَدٍ، فأرْضَعت بلَبَنِه طِفْلًا، صار ابْنًا لمَن ثَبَتَ نَسَبُ المَوْلُودِ منه)
سَواءٌ ثَبَتَ بالقافَةِ أو بغَيرِها؛ لأنَّ تَحْريمَ الرَّضاعِ فَرْعٌ على ثُبُوتِ النَّسَبِ (وإن أُلحِقَ بهما، كان المُرْتَضِعُ ابْنًا لهما) [لأنَّ المُرْتَضِعَ في كل مَوْضِع تَبَعٌ للمُناسبِ، فمتى لَحِقَ المُناسبُ بشَخْصٍ، فالمُرْتَضِعُ مثلُه] 16 (وإن لم يُلْحَقْ بواحدٍ منهما، ثَبَتَ التَّحْريمُ بالرَّضاعِ في حَقِّهِما) إذا لم يَثْبُت نَسَبُه15
الحديث: 3915 - الجزء: 24 - الصفحة: 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منهما؛ لتَعَذُّرِ القافَةِ، أو لاشْتِباهِه عليهم، أو نحو ذلك، حَرُمَ عليهما، تَغْلِيبًا للحَظْرِ، فإنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ منهما، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ ابنَ أحدِهما، فيحْرُمَ عليه أقارِبُه [دُونَ أقارِبِ] 17 الآخَرِ، فقد اخْتَلَطَتْ أخْتُه بغيرِها، فحَرُمَ.
الجَميعُ، كما لو عَلِمَ أخْتَه بعَينِها ثم اخْتَلَطَتْ بأجْنَبِيَّاتٍ.
وإنِ انْتَفَى عنهما جميعًا، بأن تأْتِيَ به لدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن وَطْئِهما، أو لأكْثَرَ مِن أرْبعِ سِنينٍ مِن وَطْءِ الآخَرِ، انْتَفَى المُرْتَضِعُ عنهما أَيضًا.
فإن كان المُرْتَضِعُ جارِيةً، حَرُمَتْ عليهما تحريمَ المُصاهَرَةِ، ويَحْرُمُ أوْلادُها عليهما أَيضًا؛ لأنَّها ابْنَةُ مَوْطُوءَتِهِما، فهي رَبِيبَةٌ 18 لهما.
الجزء: 24 - الصفحة: 222
فَإِنْ ثَابَ لِامْرأَةٍ لَبَنٌ مِنْ غَيرِ حَمْلٍ تَقَدَّمَ، لَمْ يَنْشُرِ الْحُرْمَةَ.
نَصَّ عَلَيهِ في لَبَنِ الْبِكْرِ.
وَعَنْهُ، يَنْشُرُهَا.
ذَكَرَهَا ابْنُ أبي مُوسَى.
وَالظَّاهِرُ أنَّهُ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ.
3916 - مسألة: (وإن ثابَ لامْرَأةٍ لَبَنٌ مِن غيرِ حَمْلٍ تَقَدَّمَ، لم يَنْشُرِ الحُرْمَةَ. نَصَّ عليه في لَبَنِ البكْرِ. وعنه، يَنْشُرُها. ذَكَرَها ابنُ أبِي موسى)
قال شيخُنا: (والظاهِرُ أَنَّه قولُ ابنِ حامدٍ) [إذا ثابَ لامْرَأةٍ لَبَنٌ مِن غيرِ وَطْءٍ فأرْضَعَتْ به طِفْلًا، نَشَرَ الحُرْمَةَ في أظْهَرِ الرِّوايَتَين.
وهو قولُ ابنِ حامدٍ] 19، ومذهبُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشَّافِعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْي، وابن المُنْذِرِ؛ لقول اللهِ تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ 20. ولأنَّهَ لَبَنُ امْرأةٍ، فتَعَلَّقَ به التَّحْريمُ، كما لو ثابَ بوَطْءٍ، ولأنَّ ألْبانَ النِّساءِ خُلِقَتْ لغِذاءِ الأطْفالِ، وإن كان هذا نادِرًا، فجِنْسُه مُعْتادٌ.
والرِّوايةُ الثانيةُ، لا يَنْشُرُ الحُرْمَةَ؛ لأنَّه نادِرٌ، لم تَجْرِ العادَةُ به لِتَغْذِيَةِ الأطْفالِ، فأشْبَهَ لَبَنَ الرِّجالِ.
والأوَّلُ أَصَحُّ.
الحديث: 3916 - الجزء: 24 - الصفحة: 223
وَلَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ غَيرُ لَبَنِ الْمَرأَةِ، فَلَو ارْتَضَعَ طِفْلَانِ مِنْ رَجُلٍ أوْ بَهِيمَةٍ أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٍ، لَمْ يَنْشُرِ الْحُرْمَةَ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: يُوقَفُ أمْرُ الْخُنْثَى حَتَّى يَتَبَيَّنَ أمْرُهُ.
3917 - مسألة: (ولا يَنْشُرُ الحُرْمَةَ غَيرُ لَبَنِ المَرْأةِ، فلو ارْتَضَعَ طِفْلان بِن رَجُلٍ أو بَهِيمَةٍ أو خُنْثَى مُشْكِلٍ، لم يَنْشُرِ الحُرْمَةَ.
وقال ابنُ حامِدٍ: يُوقَفُ أمْرُ الخُنْثَى حتَّى يَتَبَيَّنَ أمْرُه)
وجملةُ ذلك، أنَّ ابْنَين
الحديث: 3917 - الجزء: 24 - الصفحة: 224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لو ارْتَضَعا مِن بَهِيمةٍ، لم يَصِيرا أخَوَين، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الشافعيُّ، وابنُ القاسمِ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي.
وكذلك لو ارْتَضَعا مِن رَجُلٍ، لم يَصِيرا أخَوَين، ولم يَنْشُرِ الحُرْمَةَ بينَه وبينَهما، في قولِ عامَّتِهم.
وقال الكَرابِيسِيُّ 21: يتَعَلَّقُ به التَّحْريمُ؛ لأنَّه لَبَنُ آدَمِيٍّ، أشْبَهَ لَبَنَ المرْأةِ.
وحُكِيَ عن بعضِ السَّلَفِ أنّهما إذا ارْتَضَعا مِن لَبَنِ بَهِيمةٍ صارا أخَوَين.
وليس ذلك صحيحًا؛ لأنَّ هذا لا يَتَعَلَّقُ به تَحْريمُ الأُمومَةِ، فلا يَثْبُتُ به تَحْريمُ الأخُوَّةِ؛ لأنَّ الأخُوةَ فَرْعٌ على الأمُومَةِ، وكذلك لا يتَعَلَّقُ به تَحْريمُ الأبُوَّةِ لذلك 22، ولأنَّ هذا اللَّبَنَ لم يُخْلَقْ
الجزء: 24 - الصفحة: 225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِغذاءِ المَوْلُودِ الآدَمِيِّ، فلم يتَعَلَّقْ به التَّحْريمُ، كسائِرِ الطَّعامِ.
فإن ثابَ لخُنْثَى مُشْكِلٍ لَبَنٌ، لم يَثْبُتْ به التَّحْريمُ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ كَوْنُه امْرأةً، فلا يَثْبُتُ التَّحْريمُ مع الشَّكِّ.
وقال ابنُ حامدٍ: يَقِفُ الأمْرُ حتَّى ينْكَشِفَ أمرُ الخُنْثَى.
فعلى هذا، يَثْبُتُ التَّحْريمُ إلى أن يتَبَيَّنَ 23 كوْنُه رَجُلًا؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ كَوْنه مُحَرِّمًا.
الجزء: 24 - الصفحة: 226
فَصْلٌ: وَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِالرَّضَاعِ إلا بِشَرْطَينِ؛ أَحَدُهُمَا، أنْ يَرْتَضِعَ في الْعَامَينِ، فَلَو ارْتَضَعَ بَعْدَهُمَا بِلَحْظَةٍ، لَمْ تَثْبُتْ
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه الله: (ولا تَثْبُتُ الحُرْمةُ بالرَّضاعِ إلَّا بشَرْطَين؛ أحَدُهما، أن يَرْضَعَ في الحَوْلَين، فلو ارْتَضَعَ بعدَهما بلحْظَةٍ، لم تَثْبُتْ) هذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العلمِ، رُوِيَ نحوُ ذلك عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وأبي هُرَيرَةَ، وأزْواجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - سَوَى عائِشَةَ.
وإليه ذهبَ الشَّعْبِيُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو يوسف، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ، ورِوَايةٌ عن مالكٍ.
ورُوِيَ عنه، إن زادَ شَهْرًا جازَ.
ورُوِيَ شَهْران.
[وقال أبو حنيفةَ: يُحَرِّمُ الرَّضاعُ في ثلاثينَ شَهْرًا؛ لقولِه سبحانه: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾] 24. ولم يُرِدْ بالحَمْلِ حَمْلَ الأحْشاءِ؛ لأنَّه يكونُ سنَتَين، فعُلِمَ أنَّه أَرادَ الحَمْلَ في الفِصالِ.
وقال زُفَرُ: مُدَّةُ الرَّضاعِ ثَلاثُ سِنِين.
وكانتْ عائشةُ، رَضِيَ اللهُ عنها، تَرَى رَضاعَةَ الكَبِيرِ 25
الجزء: 24 - الصفحة: 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تُحَرِّمُ.
ويُرْوَى هذا عن عَطاءٍ، واللَّيثِ، وداودَ؛ لِما رُوِيَ أنَّ سَهْلَةَ بنتَ سُهَيلٍ قالتْ: يَا رسولَ اللهِ، إنَّا كُنَّا نَرَى سالِمًا ولَدًا، فكان يَأْوي معي ومع أبي حذيفةَ في بيتٍ واحدٍ، ويَرانِي فُضُلًا، وقد أنْزَلَ الله فيهم ما قد عَلِمْتَ، فكيف تَرَى فيه؟ فقال لها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أرْضِعِيه».
فأرْضَعَتْه خَمْسَ رَضَعاتٍ، فكان بمَنْزِلَةِ وَلَدِها، فبذلك كانتْ عائشةُ تأْخُذُ، تَأْمُرُ بناتِ [أخَواتِها، وبَناتِ] 26 إخْوَتِها يُرْضِعْنَ مَن أحَبَّتْ عائشةُ أن يَراها، ويَدْخُلَ عليها، وإن كان كَبِيرًا، وأبَتْ ذلك أُمُّ سَلَمَةَ، وسائرُ أزْواجِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَدْخُلَ عليهنَّ بتلك الرَّضاعَةِ أحدٌ مِن النَّاسِ، حتَّى يَرْضَعَ في المَهْدِ، وقُلْنَ لعائشةَ: واللهِ ما نَدْرِي، لعَلَّها رُخْصةٌ مِن النّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لسالمٍ دُونَ النَّاسِ.
رواه.
النَّسائِيُّ، وأبو داودَ، وغيرُهما 27. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ 28. فجعلَ تمامَ الرَّضاعةِ حَوْلَين كامِلَين 29، فيَدُلُّ على أنَّه لا حُكْمَ لها بعدَهما.
وعن عائشةَ،
الجزء: 24 - الصفحة: 228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ عليها وعندَها رَجُلٌ، فتَغَيَّرَ وَجْهُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالتْ: يَا رسولَ اللهِ، إنَّه أخِي مِن الرَّضاعَةِ.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «انْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ، فَإنَّما الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ».
مُتَّفّقٌ عليه 30. وعنِ أمِّ سَلَمَةَ، قالتْ: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ، إلَّا مَا فَتَقَ الأمْعَاءَ، وكانَ قَبْلَ الفِطَامِ».
أخْرَجَه التِّرْمِذِيُّ 31، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وعندَ هذا يتَعَيَّنُ حَمْلُ 32 خَبَرِ أبي حُذَيفَةَ على أنَّه خاصٌّ له دُونَ الناسِ، كما قال سائِرُ أزْواجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وقولُ أبي حنيفةَ، تَحَكُّمٌ يُخالِفُ ظاهِرَ الكِتابِ [والسُّنةِ] 33 وقولَ الصَّحابةِ، فقد رَوَينا عن ابنِ عباسٍ أنَّ المُرادَ بالحَمْلِ حَمْلُ البَطْنِ.
وبه اسْتَدَلَّ على أن أقَلَّ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ.
وقد دَلَّ على هذا قولُ الله تعالى:
الجزء: 24 - الصفحة: 229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَينِ﴾ (1). فلو حُمِلَ على ما قاله أبو حنيفةَ، لَكان مُخالِفًا لهذه الآيةِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فالاعْتِبارُ بالعامَينِ لا بالفِطامِ، فلو فُطِمَ قبلَ الحوْلَينِ، ثم ارْتَضَعَ فيهما، حَصَلَ التَّحْريمُ، ولو لم يُفْطَمْ حتَّى تَجاوَزَ الحوْلَين، ثم ارْتَضَع بعدَهما قبل الفِطَامِ، لم يَثْبُتِ التَّحْريمُ.
وقال ابنُ القاسمِ صاحبُ مالكٍ: لو ارْتَضَعَ بعدَ الفِطامِ في الحوْلَينِ، لم يُحَرِّمْ؛ لقولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «وَكَانَ قَبْلَ الفِطَامِ».
ولَنا، قولُه سبحانه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ﴾.
ورُوِيَ عنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَا رَضَاعَ إلَّا مَا كَانَ في الحَوْلَينِ» (2). والفِطَامُ مُعْتَبَرٌ بمُدَّتِه لا بِنَفْسِه.
3918 -
مسألة: (فلو ارْتَضَعَ بعدَهما بلَحْظَةٍ، لم يَثْبُتِ)
التَّحْرِيمُ.
وقال أبو الخَطَّابِ: لو ارْتَضَعَ بَعْدَ الحَوْلَين بِساعَةٍ، لم يُحَرِّمْ.
وقال القَاضي: لو شَرَعَ في الخامِسَةِ، فحَال الحَوْلُ قبلَ كَمالِها, لم يَثْبُتِ التَّحْرِيمُ.
ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّ ما وُجِدَ مِن الرَّضْعَةِ في الحَوْلَين كافٍ في التَّحْريمِ، بدَلِيلِ ما لو [انْفَصَلَ ممَّا] 36 بعدَه، فلا يَنْبَغِي أن يَسْقُطَ حُكْمُه3435
الحديث: 3918 - الجزء: 24 - الصفحة: 230
الثَّانِي، أنْ يَرْتَضِعَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، في ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، ثَلَاثٌ يُحَرِّمْنَ.
وَعَنْهُ وَاحِدَةٌ.
باتِّصالِ ما لا أثَرَ له به 37.
(الثاني، أن يَرْتَضِعَ خَمْسَ رَضَعاتٍ.
[وعنه، ثلاثٌ يُحَرِّمْنَ.
وعنه، واحِدَةٌ) الصحيحُ مِن المذهبِ أنَّ الذي يتَعَلَّقُ به التَّحريمُ خمْسُ رَضَعاتٍ] 38 فصاعِدًا.
رُوِيَ هذا عن عائشةَ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ الزُّبَيرِ، وعطاءٍ، وطاوسٍ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وعن أحمدَ روايةٌ ثانيةٌ، أنَّ قَلِيلَ الرَّضاعِ يُحَرمُ، كما يُحَرِّمُ كَثِيرُه.
ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، ومَكْحُولٌ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، والحَكَمُ، وحَمَّاد، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، واللَّيثُ، وأصْحابُ الرَّأْيَ.
وزَعَمَ اللَّيثُ أنَّ المُسْلِمِين أجْمَعُوا على أنَّ قَلِيلَ الرَّضاعِ وكثيرَه يُحَرِّمُ في المَهْدِ، ما يُفْطِرُ به الصَّائِمُ، واحْتَجُّوا بقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ 39. وقولِه عليه الصَّلاةُ والسلامُ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِن النَّسَبِ».
وعن عُقْبةَ بنِ الحارثِ، أنَّه تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنتَ
الجزء: 24 - الصفحة: 231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبي إهابٍ، فجاءتْ أمَةٌ سَوْداءُ، فقالت: قد أرْضَعْتُكُما.
فذكَرْتُ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «وكَيفَ، وقَدْ زَعَمَتْ أنْ قَدْ أرْضَعَتْكُمَا!».
مُتَّفَقٌ عليه 40. ولأنَّه فِعْلٌ يتَعَلَّقُ به تَحْريمٌ مُؤبَّدٌ، فلم يُعْتَبَرْ فيه العَدَدُ، كَتَحْرِيمِ أُمَّهاتِ النِّساءِ، ولا يَلْزَمُ اللِّعانُ؛ لأنَّه قولٌ.
والرِّوايةُ الثالثةُ، لا يُحَرِّمُ إلَّا ثلاثُ رَضَعاتٍ.
وبه قال أبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيدٍ، وداودُ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُحَرِّمُ المَصَّةُ ولَا المَصَّتَانِ».
وعن أمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الحارثِ، قالتْ: قال نَبِيُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُحَرِّمُ الإمْلَاجَةُ 41 ولا الإملَاجَتَانِ».
رواهما مسلمٌ 42. ولأنَّ ما يُعْتَبَرُ فيه العَدَدُ
الجزء: 24 - الصفحة: 232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والتَّكْرارُ، يُعْتَبَرُ فيه الثَّلاث.
ورُوِيَ عن حَفْصةَ: لا يُحَرِّمُ دُونَ عَشْرِ رَضَعاتٍ 43. ورُوِيَ ذلك عن عائِشَةَ؛ لأنَّ عُرْوَةَ روَى في حَدِيثِ سَهْلَةَ [بِنْتِ سُهَيلٍ] 44: فقال لها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فيما بَلَغَنا: «أرْضِعِيه عَشْرَ رَضَعاتٍ، فيَحْرُمُ بلَبَنِهَا» 45. ولَنا، ما رُوِيَ عن عائشةَ، رَضِيَ الله عنها، أنَّها قالت: أُنْزِلَ في القُرْآنِ: (عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرِّمْنَ) فنُسِخَ مِن ذلك خَمْسٌ، وصارَ إلى خمْسِ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرِّمْنَ، فتُوُفِّيَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - والأمْرُ على ذلك.
رواه مُسْلِمٌ 46. وروَى مالِكٌ 47، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عائشةَ، عن سَهْلَةَ بنتِ سُهَيلٍ: «أرْضِعِي سَالِمًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، فَيَحْرُمُ بِلَبَنِهَا».
والآيةُ مُجْمَلةٌ 48 فسَّرَتْها السُّنَّةُ، وبَينَّتَ الرَّضاعةَ المُحَرِّمةَ، وصَرِيحُ ما رَوَيناه
الجزء: 24 - الصفحة: 233
وَمَتَى أخَذَ الثَّدْيَ، فَامْتَصَّ مِنْهُ ثُمَّ تَرَكَهُ، أوْ قُطِعَ عَلَيهِ، فَهِيَ رَضْعَةٌ، فَمَتَى عَادَ فَهِيَ رَضْعَةٌ أُخْرَى، بَعُدَمَا بَينَهُمَا أَوْ قَرُبَ، وَسَوَاءٌ تَرَكَهُ شِبَعًا، أَوْ لأمْرٍ يُلْهِيهِ، أو لِانْتِقَالِهِ مِنْ ثَدْيٍ إِلَى غَيرِهِ، أوْ مِنَ امْرأةٍ إِلَى غَيرِهَا.
يَخُصُّ مَفْهُومَ ما رَوَوْه، فيُجْمَعُ بينَ الأخْبارِ بحَمْلِها على الصَّرِيحِ الذي رَوَيناه.
3919 -
مسألة: (ومتى أخَذَ الثَّدْيَ، فَامْتَصَّ منه ثم تَرَكَه، أو قُطِعَ عليه، فهي رَضْعَةٌ، فإن عادَ)
فأخَذَه (فهي رَضْعَةٌ أُخْرَى، بَعُدَ ما بَينَهما أو قَرُبَ) يُشْترَطُ أن تكونَ الرَّضَعَاتُ مُتَفَرِّقاتٍ.
وبه قال الشافعيُّ.
والمَرْجِعُ في مَعْرِفَةِ الرَّضْعةِ إلى العُرْفِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ ورَدَ بها 49 مُطْلَقًا، ولم يَحُدَّها بزَمَنٍ ولا مِقْدارٍ، فدَلَّ على أنَّه رَدَّهُم إلى العُرْفِ، فإذا ارْتَضَعَ الصَّبِيُّ، وقَطَعَ قَطْعًا بَيِّنًّا باخْتِيارِه، كان ذلك رَضْعَةً، فإذا عادَ، كانت رَضْعَةً أُخْرَى.
فأمَّا إن قَطَعَ لضِيقِ نَفَسٍ أو للانْتِقالِ مِن ثَدْيٍ إلى ثَدْيٍ، أو لشيءٍ يُلْهِيه، أو قطَعَتْ عليه المُرْضِعَةُ؛ فإن لم يَعُدْ قَرِيبًا
الحديث: 3919 - الجزء: 24 - الصفحة: 234
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ لَمْ يَقْطَعْ بِاخْتِيَارِهِ، فَهُمَا رَضْعَةٌ، إلا أنْ يَطُولَ الفَصْلُ بَينَهُمَا.
فهي رَضْعَةٌ، وإن عادَ في الحالِ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، أنَّ الأوَّلَ رَضْعَةٌ، فإذا عادَ فهي رَضْعَةٌ أخْرَى.
وهذا اخْتِيارُ أبي بكرٍ، وظاهرُ كلام أحمدَ في روايةِ حَنْبَلٍ؛ فإنَّه قال: أما تَرَى الصَّبِيَّ يَرضَعُ مِن الثَّدْيِ، فإذا أدرَكه النَّفَسُ أمْسَكَ عن الثَّدْيِ ليَتَنَفَّسَ ويَسْتَرِيحَ؟ فإذا فَعَلَ ذلك فهي رَضْعَةٌ.
وذلك لأنَّ الأولَى رَضْعَةٌ لو لم يَعُدْ، فكانتْ رَضْعةً وإن عادَ، كما لو قَطَعَ باخْتِيارِه.
والوَجْهُ الآخرُ، أنَّ جَمِيعَ ذلك رَضْعةٌ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ، إلَّا فيما إذا قَطَعَتْ عليه المُرْضِعةُ، ففيه وَجْهان؛ لأنَّه لو حَلَفَ: لا أكَلْتُ اليومَ إلَّا أكلَةً واحِدَةً.
فاسْتَدامَ الأكْلَ زَمَنًا، أو قطع لشُربِ ماءٍ أو انْتِقالٍ مِن لَوْنٍ إلى لَوْنٍ، أو انْتِظارٍ لِمَا يُحْمَلُ إليه مِن الطَّعامِ، لم يُعَدَّ إلَّا أكلَةً واحدةً، فكذا ههُنا.
والأوَّلُ أَولَى؛ لأنَّ اليَسِيرَ مِن السَّعُوطِ والوَجُورِ رَضْعةٌ، فكذا هذا.
وقال ابنُ حامدٍ: إن قَطعَ لعارِضٍ وعادَ في الحالِ فهي رَضْعةٌ، وإن تباعَدَ أو انْتَقَل مِن امرأةٍ إلى أُخرَى فهما رَضْعتانِ.
كما ذكَرْنا في الأكْلِ.
الجزء: 24 - الصفحة: 235
وَالسَّعُوطُ وَالْوَجُورُ كَالرّضَاعِ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
3920 - مسألة: (والسَّعُوطُ والوَجُورُ كالرَّضاعِ، في إحْدَى الرِّوايَتَين)
السَّعُوطُ؛ أن يُصَبَّ في أنْفِه اللَّبَنُ مِن إناءٍ أو غيرِه، فيَدْخُلَ حَلْقَه.
والوَجُورُ؛ أن يُصَبَّ في حَلْقِه مِن غيرِ الثَّدْيِ.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ في التَّحْريمِ بهما، فأصَحُّ الرِّوايتَين أنَّ التَّحْريمَ يَثْبُتُ بهما، كما يَثْبُت بالرَّضاعِ.
وهو قولُ الشَّعْبِيِّ، والثّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأي.
وبه قال مالكٌ في الوَجُورِ.
والثانيةُ، لا يَثْبُتُ التَّحْريمُ بهما.
وهو اخْتِيارُ أبي بكرٍ،
الحديث: 3920 - الجزء: 24 - الصفحة: 236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومذهبُ داودَ، وقولُ 50 عطاءٍ الخُراسانِيِّ في السَّعُوطِ؛ لأنَّ هذا ليس برَضاعٍ، وإنَّما حَرَّمَ الله تعالى ورسولُه بالرَّضاعِ، ولأنَّه حَصَلَ مِن [غيرِ ارْتِضاعٍ] 51، فأشْبَهَ ما لو حَصَلَ مِن جُرْحٍ في بَدَنِه 52. ولَنا، ما روَى ابنُ مسعودٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا رَضَاعَ إلَّا ما أنْشَزَ العَظْمَ، وأنْبَتَ اللَّحْمَ».
رواه أبو داودَ 53. ولأنَّ هذا يَصِلُ إليه اللَّبَنُ، كما يَصِلُ بالارْتِضاعِ، ويحْصُلُ به مِن إنْباتِ اللَّحْمِ وإنْشازِ العَظْمِ ما يحْصُلُ بالرَّضاعِ، فيجبُ أن يُساويَه في التَّحْريمِ، والأنفُ 54 سَبِيلٌ لفِطْرِ الصائِمِ، فكان سَبِيلًا للتَّحْريمِ، كالرَّضاعِ بالفَمِ.
فصل: وإنَّما يُحَرِّمُ مِن ذلك كالذي يُحَرِّمُ بالرَّضاعِ، وهو خَمْسٌ في الرِّوايةِ المَشْهُورة، فإنَّه فَرْعٌ على الرَّضاعِ، فيأخُذُ حُكْمَه، فإنِ ارْتَضَعَ دُونَ الخَمْسِ، وكَمَّلَ الخَمْسَ بسَعُوطٍ ووَجُورٍ، أو أُسْعِطَ وأُوجِرَ، وكَمَّلَ الخَمْسَ برَضاعٍ، ثَبَتَ التَّحْريمُ؛ لأنَّا جعلْناه كالرَّضاعِ
الجزء: 24 - الصفحة: 237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في أصْلِ التَّحْريمِ، فكذلك في إكمالِ العَدَدِ، ولو حُلِبَ في إناءٍ لَبَنٌ دَفْعةً واحدةً، ثم سُقِيَ الغُلامُ في خَمْسةِ أوْقاتٍ، فهو خَمْسُ رَضَعاتٍ، فإنَّه لو أكَلَ مِن طَعامٍ خَمْسَ دَفَعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ، لَكان قد أكَلَ خَمْسَ أكَلاتٍ.
وإن حُلِبَ في إناءٍ خَمْسُ حَلَباتٍ في خَمْسةِ أوْقاتٍ، ثم سُقِيَ دَفْعةً واحِدَةً، كان رَضْعةً واحدةً، كما لو جَعَلَ الطَّعامَ في إِناءٍ واحدٍ في خمسةِ أوْقاتٍ، ثم أكَلَه دَفْعة واحدةً، كان أكلةً واحدَةً.
وحُكِيَ عن الشافعيِّ في الصُّورتَين عكسُ ما قُلْناه، اعْتِبارًا بخُرُوجِه مِن المرأةِ؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بالرَّضاعِ، والوَجُورُ فَرْعُه.
ولَنا، أنَّ الاعْتِبارَ بِشُرْبِ الصبيِّ له؛ لأنَّه المُحَرِّمُ، ولهذا يَثْبُتُ التَّحْريمُ به مِن غيرِ رَضاعٍ، ولو ارْتَضَعَ بحيثُ يَصِلُ إلى فِيهِ، ثم مَجَّه، لم يَثْبُتِ التَّحْريمُ، فكان الاعْتِبارُ به، وما وُجِدَ منه إلَّا دَفْعةٌ واحدَةٌ، فكان رَضْعةً واحدةً.
وإن سَقَتْه 55 في أوْقاتٍ، فقد وُجِدَ في خَمْسةِ أوْقاتٍ، فكان خمْسٍ رَضَعاتٍ.
فأمَّا إن سَقَتْه (1) اللَّبَنَ المَجْمُوعَ جُرْعةً [بعدَ جُرْعَةٍ] 56 مُتَتابعة، فظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ أنَّه رَضْعةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ المُعْتَبَرَ في الرَّضْعَةِ العُرْفُ، وهم لا يَعُدُّونَ هذا رَضَعاتٍ، فأشْبَهَ ما لو أكَلَ الطَّعامَ لُقْمَةً [بعد لُقْمَةٍ] (2)، فإنَّه لا يُعَدُّ أكَلاتٍ.
الجزء: 24 - الصفحة: 238
وَيُحَرِّمُ لَبَنُ الْمَيِّتَةَ وَاللَّبَنُ الْمَشُوبُ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ.
وَقَال أَبُو بَكرٍ: لَا يَثْبُت التّحْرِيمُ بِهِمَا.
ويَحْتَمِلُ أن يُخَرَّجَ على ما إذا قطَعَتْ عليه المُرْضِعَةُ الرَّضاعَ، على ما قَدَّمْناه.
فصل: فإن عَمِلَ اللّبَنَ جُبْنًا ثم أطْعَمَه الصَّبِيَّ، ثَبَتَ به التّحْريمُ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُحَرَّمُ به؛ لزَوالِ الاسْمِ.
وكذلك على الرِّوايةِ التي تقولُ: لا يَثْبُتُ التَّحْريمُ بالوَجُورِ.
لا يَثْبُتُ ههُنا بطَرِيقِ الأولَى.
ولَنا، أنَّه واصِلٌ مِن الحَلْقِ، يَحْصُلُ به إنْباتُ اللَّحْمِ، وإنْشازُ العَظْمِ، فحَصَلَ به التَّحْريمُ، كما لو شَرِبَه.
3921 -
مسألة: (ويُحَرِّمُ لَبَنُ المَيِّتةِ واللّبَنُ المَشُوبُ. ذَكَرَه الخِرَقِيُّ. وقال أَبُو بَكْرٍ: لا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بهما)
المنصوصُ عن أحمدَ، في رِوايةِ إبراهيمَ الحَرْبِيِّ في لَبَنِ المَيِّتةِ، أنَّه يَنْشُرُ الحُرْمةَ.
وهو اخْتِيارُ أبي بكرٍ.
وقولُ أبي ثَوْرٍ، والأوْزاعِيِّ، وابنِ القاسمِ، وأصْحابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال أبو بكرٍ الخَلَّالُ: لا يَنْشُرُ الحُرْمَةَ.
وتَوَقَّفَ عنه أحمدُ في رِوايَةِ مُهَنَّا.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لَبَنٌ ممَّن ليس هو
الحديث: 3921 - الجزء: 24 - الصفحة: 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بمَحَلٍّ للولادةِ، فلم يتَعَلَّقْ به التَّحْريمُ، كلَبَنِ الرَّجُلِ.
ولَنا، أنَّه وُجِدَ الرَّضاعُ على وَجْهٍ يُنْبِتُ اللَّحْمَ ويُنْشِزُ العَظْمَ مِن امْرأةٍ، فأثْبَتَ التَّحْريمَ، كحالِ الحياةِ، ولأنه لا فارِقَ بينَ شُرْبِه في حَياتِها ومَوْتِها إلَّا الحياةُ والمَوْتُ أو النّجاسَةُ، وهذا لا أثَرَ له، فإنَّ اللَّبَنَ لا يَمُوتُ، والنَّجاسَةُ لا تُؤثِّرُ، كما لو حُلِبَ في وَعاءٍ 57 نَجِسٍ، ولأنَّه لو حُلِبَ منها في حَياتِها، فشَرِبَه 58 بعدَ مَوْتِها, لنَشَرَ الحُرْمَةَ، فبَقاؤُه في ثَدْيِها لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الحُرْمَةِ؛ لأنَّ ثَدْيَها لا يَزِيدُ على الإناءِ في عَدَمِ الحياةِ، وهي لا تزِيدُ على عَظْمِ المَيتَةِ في ثُبُوتِ النَّجاسةِ.
فصل: ولو حَلَبَتِ المرْأةُ لَبَنَها في إناءٍ، ثم ماتَتْ، فشَرِبَه صَبِيٌّ، نَشَرَ الحُرْمَةَ، في قولِ كلِّ مَن جَعَلَ الوَجُورَ مُحَرِّمًا.
وبه قال أبو ثَوْرٍ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي؛ وذلك لأنَّه لَبَنُ امْرأةٍ حُلِبَ في حَياتِها، فأشْبَهَ ما لو شَرِبَه وهي في الحياةِ.
الجزء: 24 - الصفحة: 240
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: إنْ غَلَبَ اللَّبَنُ حَرَّمَ، وَإلَّا فَلَا.
3922 - مسألة: (ويُحَرِّمُ اللَّبَنُ المَشُوبُ)
ذكَرَه الخِرَقِيُّ.
والمَشُوبُ؛ المُخْتَلِطُ بغيرِه.
وسَواءٌ اخْتَلَطَ بطَعامٍ أو شَرابٍ أو غيرِه، في قولِ الخِرَقِيِّ.
وبه قال الشَّافعيُّ.
وقال أبو بكرٍ: قِياسُ قولِ أحمدَ، أنَّه لا يُحَرِّمُ؛ لأنَّه وَجُورٌ (وقال ابنُ حامدٍ: إن غَلَبَ اللَّبَنُ حَرَّمَ، وإلَّا فلا) وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، والمُزَنِيِّ؛ لأنَّ الحُكْمَ للأغْلَبِ، ولأنَّه يَزُولُ بذلك الاسْمُ والمعْنَى [المرادُ به] 59. ونحوُه قولُ أصْحابِ الرَّأْي، وزادوا فقالوا: إن كانتِ النَّارُ مَسَّتِ اللَّبنَ حتَّى أنْضَجَتِ الطعامَ، أو 60 حتَّى تَغَيَّرَ، فليس برَضاعٍ.
ووَجْهُ الأوَّل، أنَّ اللَّبَنَ متى كان ظاهِرًا، فقد حَصَلَ شُرْبُه، ويَحْصُلُ به إنْباتُ اللَّحْمِ وإنْشازُ العَظْمِ،
الحديث: 3922 - الجزء: 24 - الصفحة: 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فحَرَّمَ، كما لو كان غَالِبًا، وهذا فيما إذا كانتْ صِفاتُ اللَّبَنِ باقِيَةً، فأمَّا إن صُبَّ في ماءٍ كثيرٍ لم يتَغَيَّرْ به، لم يَثْبُتْ به التَّحْرِيمُ؛ لأنَّ هذا ليس بمَشُوبٍ، ولا يَحْصُلُ به التَّغَذِّي، ولا إنْباتُ اللَّحْمِ وإنْشازُ العَظْمِ.
وحُكِيَ عن القاضي أنَّ التَّحْريمَ يَثْبُتُ به.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ أجْزاءَ اللَّبَنِ حَصَلَتْ في بَطْنِه، أشْبَهَ ما لو كان لَوْنُه ظاهِرًا.
ولَنا، أنَّ هذا ليس برَضاعٍ، ولا في مَعْناه، فوَجَبَ أن لا يَثْبُتَ حُكْمُه فيه.
فصل: فإن حُلِبَ مِن نِسْوَةٍ، وسُقِيَ الصَّبِيُّ، فهو كما لو ارْتَضَعَ مِن
الجزء: 24 - الصفحة: 242
وَالْحُقْنَةُ لَا تَنْشُرُ الْحُرْمَةَ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: تَنْشُرُهَا.
كلِّ واحدةٍ منهنَّ؛ لأنَّه لو شِيبَ بماءٍ أو عَسَلٍ، لم يَخْرُجْ عن كَوْنِه رَضاعًا مُحَرِّمًا، فكذلك إذا شِيبَ بلَبَنٍ آخَرَ.
3923 -
مسألة: (والحُقْنَةُ لَا تَنْشُرُ الحُرْمَةَ. نَصَّ عليه. وقال ابنُ حامِدٍ: تَنْشُرُها)
المنصوصُ عن أحمدَ، أنَّ الحُقْنَةَ لا تُحَرِّمُ.
قاله أبو الخَطَّابِ.
وهو مذهبُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ.
وقال ابنُ حامدٍ، وابنُ أبي موسى تُحَرِّمُ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه سَبِيلٌ يحْصُلُ بالواصِلِ منه الفِطْرُ، فتَعَلَّقَ به التَّحْريمُ، كالرَّضاعِ.
ولَنا، أنَّ هذا ليس برَضَاعٍ، ولا يَحْصُلُ به التَّغَذِّي، فلم يَنْشُرِ الحُرْمَةَ، كما لو قَطَّرَ في إحْلِيلِه، ولأنَّه ليس برَضاعٍ، ولا في مَعْناه، فلم يَجُزْ إثْباتُ حُكْمِه فيه 61، ويُفارِقُ
الحديث: 3923 - الجزء: 24 - الصفحة: 243
فَصْلٌ: وَإذَا تَزَوَّجَ كَبِيرَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَثَلَاثَ صَغَائِرَ، فَأرْضَعَتِ الْكَبِيرَةُ إحْدَاهُنَّ في الْحَوْلَينِ، حَرُمَتِ الْكَبِيرَةُ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَثَبَتَ نِكَاحُ الصُّغْرَى.
وَعَنْهُ، يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا.
فِطْرَ الصائِمِ، فإنَّه لا 62 يُعْتَبَرُ فيه إنْباتُ 63 اللَّحْمِ، ولا إنْشازُ العَظْمِ، وهذا لا يُحَرِّمُ فيه إلَّا ما أنْبَتَ اللَّحْمَ و 64 أنْشَزَ العَظْمَ، ولأنَّه وَصَلَ اللَّبَنُ إلى الباطِنِ مِن غيرِ الحَلْقِ، أشْبَهَ ما لو وَصَلَ مِن جُرْحٍ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وإذا تزَوَّجَ كبيرةً ولم يَدْخُلْ بها، وثَلاثَ صَغائِرَ، فأرْضَعَتِ الكَبِيرَةُ إحْداهُنَّ في الحَوْلَين، حَرُمَتِ الكَبِيرَةُ على التَّأبِيدِ، وثَبَتَ نِكاحُ الصَّغِيرَةِ.
وعنه، يَنْفَسِخُ نِكاحُها) متى تزَوَّجَ
الجزء: 24 - الصفحة: 244
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كبيرةً وصَغِيرةً، فأرْضَعَتِ الكبيرةُ الصَّغيرةَ قبلَ دُخُولِه بها، فَسَدَ نِكاحُ الكبيرةِ في الحالِ، وحَرُمَتْ على التَّأبِيدِ.
وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرأْي.
وقال الأوْزاعِيُّ: نكاحُ الكبيرةِ ثابتٌ، وتُنْزَعُ منه الصغيرةُ.
ولا يَصِحُّ ذلك، فإنَّ الكبيرةَ صارتْ مِن أُمَّهاتِ النِّساءِ، فتَحْرُمُ أبَدًا؛ لقولِ اللهِ سبحانه: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ 65. ولم يَشْتَرِطْ دُخُولَه بها.
فأمَّا الصَّغيرةُ، ففيها رِوَايتان؛ إحداهما، نِكاحُها ثابت؛ لأنَّها رَبِيبَةٌ، [ولم يَدْخُلْ بأُمِّها 66، فلا تَحْرُمُ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ (1). والرِّوايةُ] 67 الثانيةُ، يَنْفسِخُ نِكاحُها.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي حنيفةَ؛ لأنهما صارَتا أُمًّا 68 وبِنْتًا، واجْتَمَعَتا في نِكاحِه، والجمعُ بينَهما مُحَرَّمٌ، فانْفَسَخَ نِكاحُهما،
الجزء: 24 - الصفحة: 245
وَإنْ أرْضَعَتِ اثْنَتَينِ مُنْفَرِدَتَينِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا، عَلَى الرِّوَايَةِ الأولَى، وَعَلَى الثَّانِيَةِ، يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الأُولَى، وَيَثْبُتُ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ.
كما لو صارَتا أُخْتَين، وكما لو عَقَدَ عليهما بعدَ الرَّضاعِ عقدًا واحدًا.
ولَنا، أنَّه أمكَنَ إزالةُ الجَمْعِ بانْفِساخِ نِكاحِ الكبيرةِ، وهي أوْلَى به؛ لأنَّ نِكاحَها مُحَرَّمٌ على التَّأْبيدِ، فلم يَبْطُلْ نِكاحُهما به، كما لو ابْتَدأ العَقْدَ على أُخْتِه وأجْنَبِيَّةٍ، ولأنَّ الجَمْعَ طَرَأ على نِكاحِ الأُمِّ والبنْتِ، فاخْتصَّ الفَسْخُ بنكاحِ الأُمِّ, كما لو أسْلَمَ وتَحْتَه امرأةٌ وبِنْتُها.
وفارَقَ الأخْتَين؛ لأنَّه ليستْ إحْداهُما أوْلَى بالفَسْخِ مِن الأُخرَى، وفارَقَ ما لو ابْتَدأَ العَقْدَ عليهما؛ لأنَّ الدَّوامَ أقْوَى مِن الابْتِداءِ.
3924 -
مسألة: (وإن أرْضَعَتِ اثْنَتَين مُنْفَرِدَتَين، انْفَسَخَ نِكاحُهما، على الرِّوايَةِ الأولَى، وعلى الثَّانِيَةِ، يَنْفَسِخُ نِكاحُ الأولَى، ويَثْبُتُ نِكاحُ الثانيةِ)
أمَّا انْفِساخُ نِكاحِ الصَّغيرتَينِ، فلأنَّهما صارَتا أُختَين، واجْتَمَعَتا في الزَّوْجِيَّةِ، فيَنْفَسِخُ نِكاحُهما، كما لو أرْضَعَتْهما 69 معًا، وهذا على الرِّوايةِ الأُولَى التي تقولُ: يَنْفَسِخُ نِكاحُ الكبيرةِ وحدَها.
الحديث: 3924 - الجزء: 24 - الصفحة: 246
وَإنْ أرْضَعَتِ الثَّلَاثَ مُتَفَرِّقَاتٍ، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْأُولَيَينِ، وَثَبَتَ
فأمَّا على الرِّوايةِ التي تقولُ: يَنْفَسِخُ نِكاحُهما معًا.
فإنَّه يَثْبُتُ نِكاحُ الأخِيرةِ مِن الصَّغِيرتَين؛ لأنَّ الكَبيرَةَ لمَّا أرْضَعَتِ الصَّغيرةَ أوَّلًا، انْفَسَخَ نِكاحُهما، ثم أرْضَعَتِ الأُخْرَى، فلم تَجْتَمِعْ مَعَهما في النِّكاحِ، فلم يَنْفَسِخْ نِكاحُها.
فصل: إذا أرْضَعَتِ الصغيرتَين (1) أجْنبِيَّةٌ، انْفَسَخَ نِكاحُهما أَيضًا.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والمُزَنِيِّ.
وهو أحدُ قَوْلَي الشافِعِيِّ.
وقال في الآخَرِ: يَنْفَسِخُ نِكاحُ الأخِيرةِ وحدَها؛ لأنَّ سبَبَ البُطْلانِ (2) حَصَلَ بها (3)، وهو الجَمْعُ، فأشْبَهَ ما لو تَزَوَّجَ إحْدَى الأُخْتَين بعدَ الأُخْرَى.
ولَنا، أنَّه جَامِعٌ بينَ الأخْتَين في النِّكاحِ، فانْفَسَخَ نِكاحُهما، كما لو أرْضَعَتْهما معًا، وفارَقَ ما لو عَقَدَ على واحدةٍ بعدَ أُخْرَى، فإنَّ عَقْدَ الثانيةِ
لم يَصِحَّ، فلم يَصِرْ به جامِعًا بينَهما، وههُنا حَصَلَ الجَمْعُ برَضاعِ الثانيةِ، ولا يُمْكِنُ القولُ بأنَّه لم يَصِحَّ، فحَصَلَتا معًا في نِكاحِه وهما أُخْتان لا مَحالةَ.
3925 -
مسألة: (وإن أرْضَعَتِ الثَّلاثَ مُتَفَرقاتٍ، انْفَسَخَ نِكاحُ
707172 الحديث: 3925 - الجزء: 24 - الصفحة: 247
نِكَاحُ الثَّالِثَةِ، عَلَى الرِّوَايَةِ الأولَى، وَعَلَى الثَّانِيَةِ، يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْجَمِيعِ.
وَإنْ أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُنَّ مُنْفَرِدَةً، وَاثْنَتَينِ بَعْدَ ذَلِكَ، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْجَمِيعِ، عَلَى الرِّوَايَتَينِ.
الأُولَيَين، وثَبَت نِكاحُ الثَّالِثَةِ، على الرِّوايَةِ الأولَى، وعلى الثَّانِيةِ، يَنْفَسِخُ نِكاحُ الجَمِيعِ) لأنَّهما صارَتا أُخْتَين في نِكاحِه، وثَبَتَ نِكاحُ الثَّالِثَةِ؛ لأنَّ رَضاعَها بعدَ انْفِساخِ نِكاحِ الكَبِيرَةِ والصّغِيرَتَين اللَّتَين قَبْلَها، فلم تُصادِفْ أُخُوّتُها جَمْعًا في النِّكاحِ.
[وعلى الروايةِ الثانيةِ، يَنْفَسِخُ نِكاحُ الجميعِ] (1).
3926 -
مسألة: (وإن أرْضَعَتْ إحداهُنَّ مُنْفَرِدَةً، واثْنَتَين بعدَها، انْفَسَخَ نِكاحُ الجميعِ، على الرِّوايَتَين)
[إذا أرْضَعَتْ إحْداهُنَّ اثْنَتَين بعدَها] 74 معًا، بأن تُلْقِمَ 75 كلَّ واحِدَةٍ منهما ثَدْيًا، فمَصَّتَا معًا، أو73
الحديث: 3926 - الجزء: 24 - الصفحة: 248
وَلَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَ مِنَ الأصَاغِرِ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكُبْرَى، حَرُمَ الْكُلُّ عَلَيهِ عَلَى الْأَبَدِ.
وَكُلُّ امْرأةٍ تَحْرُمُ ابْنَتُهَا عَلَيهِ؛ كَأُمِّهِ، وَجَدَّتِهِ، وَأُخْتِهِ، وَرَبِيبَتِهِ، إِذَا أرْضَعَتْ طِفْلَةً، حَرَّمَتْهَا عَلَيهِ.
وَكُلُّ رَجُلٍ تَحْرُمُ عَلَيهِ ابْنَتُهُ، كَأخِيهِ وَأبِيهِ وابْنِهِ، إِذَا أرْضَعَتِ امْرَأَتُهُ بِلَبَنِهِ.
تَحْلِبَ مِن لَبَنِها في إناءٍ فتَسْقِيَهما معًا، انْفَسَخَ نِكاحُ الجَمِيعِ؛ لأنَّهُنَّ صِرْنَ أخَواتٍ في نِكاحِه, لأنَّها إذا أرْضَعَتْ إحْداهُنَّ مُنْفَرِدَةً، لم يَنْفَسِخْ نِكاحُها؛ لأنَّها مُنْفَرِدَةٌ، ثم إذا أرْضَعَتِ اثْنَتَين بعدَ ذلك مُجْتَمِعاتٍ، انْفَسَخَ نِكاحُ الجميعِ؛ لأنَّهُنَّ أخَواتٌ في النِّكاحِ.
هذا على الرِّوايةِ الأُولَى.
وعلى الثانيةِ، يَنْفَسِخُ نِكاحُ الأمِّ والأُولَى بالاجْتِماعِ، ثم يَنْفَسِخُ نِكاحُ الاثْنَتَين؛ لِكَوْنِهما صارَتا أُختَين معًا.
3927 -
مسألة: (وله أن يَتَزَوَّجَ مَن شاء مِن الأصَاغِرِ)
لأنَّ تَحْريمَهُنَّ تَحْريمُ جَمْع لا تَحْريمُ تَأْبِيدٍ، فإنَّهُنَّ رَبائِبُ لم يَدْخُلْ بأُمِّهِنَّ (وإن كان دَخَلَ بالأمِّ، حَرُمَ الكُلُّ عليه على الأبدِ) لأنهُنَّ رَبائِبُ مَدْخُولٌ بأُمِّهِنَّ.
3928 -
مسألة: (وكلُّ امْرَأةٍ تَحْرُمُ ابْنَتُها عليه؛ كأُمِّه، وأُخْتِه، وجَدَّتِه، ورَبِيبَتِه، إذا أرْضَعَتْ طِفْلَةً، حَرَّمَتْهَا عليه)
لأنَّها تَصِيرُ ابْنَتَها (وكُلُّ رَجُلٍ تَحْرُمُ ابْنَتُه، كأخِيه وابْنِه وأبِيه، إذا
الحديث: 3927 - الجزء: 24 - الصفحة: 249
طِفْلَةً، حَرَّمَتْهَا عَلَيهِ وَفَسَخَتْ نِكَاحَهَا مِنْهُ إِنْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ.
فَصْلٌ: وَكُلُّ مَنْ أَفْسَدَ نِكَاحَ امْرأَةٍ بِرَضَاعٍ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنَّ الزَّوْجَ يَرْجِعُ عَلَيهِ بِنِصْفِ مَهْرِهَا الَّذِي يَلْزَمُهُ لَهَا،
أرْضَعَتِ امرأتُه بلَبَنِه طِفْلَةً، حَرَّمَتْها عليه وفَسَخَتْ نِكاحَها) لأنَّها صارتْ ابْنَةَ مَن تَحْرُمُ ابْنَتُه عليه.
وإن أرْضَعَتْها امرأةُ أحَدِ هؤلاءِ بلَبَنِ غيرِه، لم تَحْرُمْ عليه؛ لأنَّها صارتْ رَبِيبَةَ زَوْجِها.
وإن أرْضَعَتْها مَن لا تَحْرُمُ بِنْتُها، كعَمَّتِه وخالتِه، لم تُحَرِّمْها عليه.
ولو تزَوَّجَ بنتَ عمِّه، فأرْضَعَتْ جَدَّتُهما أحَدَهما صَغيرًا، انْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأنَّها إن أرْضَعَتِ الزَّوْجَ صارَ عَمَّ زَوْجَتِه، وإِن أرْضَعَتِ الزَّوْجَةَ صارَتْ عَمَّتَه، وإن أرْضَعَتْهما جَمِيعًا صار عَمَّها وصارَتْ عَمَّتَه.
وإن تزَوَّجَ بِنْتَ عَمَّتِه، فأرْضَعَتْ جَدَّتُهما أحَدَهما صغيرًا، انْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأنَّها إن أرْضَعَتِ الزَّوْجَ صارَ خالها، وإن أرْضَعَتِ الزَّوْجَةَ صارتْ عمَّتَه.
وإن تزَوَّجَ بنتَ خالِه، فأرْضَعَتْ جَدَّتُهما الزَّوْجَ صارَ عَمَّ زَوْجَتِه، وإن أرْضَعَتْها 76 صارتْ خَالتَه.
وإنْ تزَوَّجَ ابنةَ خالتِه، فأرْضَعَتِ الزَّوْجَ، صارَ خال زَوْجَتِه، وإن أرْضَعَتْها (1)، صارتْ خالةَ زَوْجِها.
فصل: قال، رَضِيَ الله عنه: (وكلُّ مَن أفْسَدَ نِكاحَ امرأةٍ برَضاعٍ قبلَ الدُّخُولِ، فإنَّ الزَّوْجَ يرْجِعُ عليه بنِصْفِ مَهْرِها الذي يَلْزَمُه لها) لأنَّه
الجزء: 24 - الصفحة: 250
وَإِنْ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا، سَقَطَ مَهْرُهَا، قرَّرَه عليه بعدَ أن كان بعَرَضِ السُّقُوطِ، وفرَّقَ بينَه وبينَ زَوْجَتِه، فلَزِمَه ذلك، كشُهُودِ الطَّلاقِ إذا رَجَعُوا، وإنَّما لَزِمَه نِصْفُ مَهْرِ الصَّغيرةِ؛ لأنَّ نِكاحَها انْفَسَخَ قبلَ دُخُولِه بها مِن غيرِ جِهَتِها، والفَسْخُ إذا جاء مِن أجْنَبِيٍّ كان كطَلاقِ الزَّوْجِ في وُجُوبِ الصَّداقَ عليه.
3929 -
مسألة: (وإن أفْسَدَتْ نِكاحَها)
قَبْلَ الدُّخُولِ (فلا مَهْرَ
الحديث: 3929 - الجزء: 24 - الصفحة: 251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لها) لأنَّ فَسْخَ نِكاحِها بسبَبٍ مِن جِهَتِها، فسَقَطَ صَداقُها، كما لو ارْتَدَّتْ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، فعلى هذا، إذا أرْضَعَتِ امرأتُه الكُبْرى الصُّغْرى، فانْفسَخَ نِكاحُ الصُّغْرَى، فعلى الزَّوْجِ نِصْفُ مَهْرِ الصُّغْرَى، ويَرْجِعُ به على الكُبْرى؛ لِمَا ذكَرْنا.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وحُكِيَ عن بعضِ أصْحابِه، أنَّه يَرْجِعُ بجميعِ صَداقِها؛ لأنَّها أتْلَفَتِ البُضْعَ، فوَجَبَ ضَمانُه.
وقال أصْحابُ الرَّأْي: إن كانَتِ المُرْضِعةُ أرادَتِ الفَسادَ، رَجَعَ عليها بنِصْفِ الصَّداقِ، وإلَّا فلا يَرْجِعُ بشيءٍ.
وقال مالكٌ: لا يَرْجِعُ بشيءٍ.
ولَنا، على أنَّه يَرْجِعُ عليها بالنِّصْفِ، أنَّها قَرَّرَتْه عليه وألْزَمَتْه إيَّاه، وأتْلَفَتْ عليه ما في مُقابَلَتِه، فوَجَبَ عليها الضَّمانُ، كما لو أتْلَفَتْ عليه المَبِيعَ.
ولَنا، على أبي حنيفةَ، أنَّ ما ضُمِنَ في العَمْدِ ضُمِنَ في الخَطأ، كالمالِ، ولأنَّها أفْسَدَت نِكاحَه، وقَرَّرَتْ عليه نِصْفَ الصَّداقِ، فأشْبَهَ ما لو قَصَدَتِ الإفْسادَ.
ولَنا، على أنَّ الزَّوْجَ إنَّما يَرْجِعُ بالنِّصْفِ، أنَّه لم يَغْرَمْ إلَّا 77 النِّصْفَ، فلم يَجِبْ له أكْثَرُ ممَّا غَرِمَ، ولأنَّه بالفَسْخِ رَجَعَ إليه بَدَلُ 78 النِّصْفِ
الجزء: 24 - الصفحة: 252
وَإنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَجَبَ لَهَا مَهْرُهَا، وَلَمْ يَرْجِع بِهِ عَلَى
الآخَرِ، فلم يَجِبْ له بَدَلُ ما أخَذَ بَدَلَه مَرَّةً أُخْرَى.
ولأنَّ خُرُوجَ البُضْعِ مِن مِلْكِ الزَّوْجِ لا قِيمَةَ له، وإنَّما ضَمِنَتِ المُرضِعةُ ههُنا لمَّا ألْزَمَتِ الزَّوْجَ ما كان مُعَرَّضًا للسُّقُوطِ بسَبَبٍ يُوجَدُ مِن الزَّوْجَةِ، [فلم يَرْجِعْ ها هنا بأكثرَ ممَّا ألْزَمَتْه] (1).
فصل: والواجبُ نِصْفُ المُسَمَّى، لا نِصْفُ مَهْرِ المِثلِ؛ لأنَّه إنَّما يَرْجِعُ بما غَرِمَ، والذي غَرِمَ نِصْفُ ما فَرَضَ لها، فرَجَعَ به.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: يَرْجِعُ بنِصْفِ مَهْرِ المِثلِ؛ لأنه ضَمانُ مُتْلَفٍ، فكان الاعْتِبارُ بقِيمَتِه، دون ما مَلَكَه به، كسائرِ الأعْيانِ.
ولَنا، أنَّ خُرُوجَ البُضْعِ مِن مِلْكِ الزَّوْجِ لا قِيمَةَ له، بدليلِ ما لو قَتَلَتْ نَفْسَها، أو ارْتَدَّتْ، أو أرْضَعَتْ مَن يَنْفَسِخُ نِكاحُها بإرْضاعِه، فإنَّها لا تَغْرَمُ له (2) شيئًا، وإنَّما الرُّجُوعُ ها هنا بما غَرِمَ، فلا يَرْجِعُ بغيرِه، ولأنَّه لو رَجَعَ بقِيمَةِ المُتْلَفِ، لرَجَعَ بمَهْرِ المِثْلِ كلِّه، ولم يَخْتَصَّ بالنِّصْفِ، ولأنَّ شُهودَ الطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ إذا رَجَعُوا، لَزِمَهُم نِصْفُ المسَمَّى، كذلك ها هنا.
3930 -
مسألة: وإن أفْسَدَتْ نِكاحَ نَفْسِهَا بعدَ الدُّخُولِ،
لَمْ7980
الحديث: 3930 - الجزء: 24 - الصفحة: 253
أَحَدٍ.
وَذكرَ القاضِي أَنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ أَيضًا.
وَرَوَاهُ عَنْ أَحْمَدَ.
يَسْقُطْ مَهْرُها، ويَجبُ على زَوْجها.
وإن أفْسَدَه غيرُه، وَجَبَ مَهْرُها (ولم يَرْجِعْ به على أَحدٍ) ونَصَّ أحمدُ على أنَّه يَرْجِعُ بالمَهْرِ كله.
قاله القاضي.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المرأةَ تَسْتَحِقُّ المَهْرَ كلَّه على زَوْجِها، فيَرْجِعُ بما لَزِمَه، كنِصْف المَهْرِ في غيرِ المَدْخُول بها.
قال شيخُنا 81: والصَّحيحُ إن شاءُ اللهُ تعالى، أنَّه لا يَرْجِعُ على مَن أَفْسَدَه بعدَ الدُّخولِ بشيءٍ؛ لأنَّه لم يُقَرِّرْ على الزَّوْجِ شيئًا، ولم يُلزِمْه إيَّاه، فلم يَرْجِعْ عليه بشيءٍ، كما لو أفْسَدَتِ المرأةُ نِكاحَ نَفْسِها, ولأنَّه لو مَلَكَ الرُّجوعَ بالصَّداقِ بعدَ الدُّخولِ، لسَقَطَ إذا كانتِ المرأةُ هي المُفْسِدَةَ للنِّكاحَ، كما قبلَ الدُّخولِ، ولأنَّ خُروجَ البُضْعِ مِن مِلْكِ الزَّوْجِ غيرُ مُتَقَوَّمٍ، على ما ذَكَرْناه فيما مَضَى، [ولذلك] 82 لا يجبُ مَهْرُ المِثْلِ، وإنَّما رَجَعَ الزَّوْجُ بنِصْفِ المُسَمَّى قبلَ الدُّخولِ؛ لأنَّها قَرَّرَتْه عليه، ولذلك 83 يسْقُطُ إذا كانت هي المُفْسِدَةَ لنِكاحِها قبلَ الدُّخولِ، ولم يُوجَدْ ذلك
الجزء: 24 - الصفحة: 254
وَلَوْ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا، لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا، بِغَيرِ خِلَافٍ في الْمَذْهَبِ.
ههُنا.
وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعيِّ.
ولأنَّه لو رَجَعَ بالمَهْرِ بعدَ الدُّخولِ، لم يَخْلُ إمَّا أن يكونَ رُجُوعُه ببَدَلِ البُضْعِ الذي فَوَّتَتْه، أو بالمَهْرِ الذي أدَّاه، لا يجوزُ أن يكونَ ببَدَلِ البُضْعِ؛ لأنَّه لو وَجَبَ بَدَلُه، لوَجَبَ له على الزَّوْجَةِ إذا فاتَ بفِعْلِها أو بقَتْلِها, ولَكان الواجبُ لها مَهْرَ مِثْلِها، ولا يجوزُ أن يَجِبَ لها بَدَلُ ما أدَّاه إليها لذلك، ولأنَّها ما أوْجَبَتْه، ولا لها أثَرٌ في إيجابِه ولا تَقْرِيرِه.
3931 -
مسألة: (وإن أفْسَدَتْ نِكاحَ نَفْسِها)
بعدَ الدُّخُولِ (لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُها) قال شيخُنا 84: لا نَعْلَمُ بينهم خِلافًا في ذلك، وأنَّ الزَّوْجَ لا يَرْجِعُ عليها بشيءٍ إذا كان أدَّاه إليها, ولا في أنَّها إذا أفْسَدَتْه قبلَ الدُّخولِ أنَّه يَسْقُطُ، وأنَّه يَرْجِعُ عليها بما أعْطَاها.
الحديث: 3931 - الجزء: 24 - الصفحة: 255
فَإِذَا أَرْضَعَتِ امْرَأَتُهُ الْكُبْرَى الصُّغْرَى، فَانْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا، فَعَلَيهِ نِصْفُ مَهْرِ الصُّغْرَى، يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْكُبْرَى، وَلَا مَهْرَ لِلْكُبْرَى إنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا.
وإن كَانَ دَخَلَ بِهَا، فَعَلَيهِ صَدَاقُهَا، وَإنْ كَانَتِ الصُّغْرَى هِيَ الَّتِي دَبَّتْ إِلَى الْكُبْرَى وَهِيَ نَائِمَةٌ،
3932 - مسألة: (فإذا أرْضَعَتِ امْرَأتُه الكُبْرَى الصُّغْرَى، فَانْفَسَخَ نِكاحُهما، فعليه نِصْفُ مَهْرِ الصُّغْرَى، يَرْجِعُ به على الكُبْرى، ولا مَهْرَ للكبرَى إن كان قبلَ الدُّخولِ)
لأنَّها أفْسَدَت نِكاحَ نَفْسِها.
وقد ذكَرْنا وَجْهَ ذلك إن كان [المُفْسِدُ غَيرَها] (1).
3933 -
مسألة: فلو دَبَّتِ الصُّغْرَى إلى الكُبْرَى وهي نائِمَةٌ،
85 الحديث: 3932 - الجزء: 24 - الصفحة: 256
فَارْتَضَعَتْ مِنْهَا، فَلَا مَهْرَ لَهَا، وَيَرْجِعُ عَلَيهَا بِنِصْفِ مَهْرِ الْكُبْرَى إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، أَوْ بِجَمِيعِهِ إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي.
وَعَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ، لَا يَرْجِعُ بَعْدَ الدُّخولِ بِشَيْءٍ.
فارْتَضَعَتْ مِنها خَمْسَ رَضَعاتٍ، انْفَسَخَ نِكاحُ الكُبْرى، وحَرُمَتْ على التّأْبِيدِ، فإن كان دَخَلَ بالكَبِيرَةِ، حَرُمَتِ الصَّغِيرَةُ، وانْفَسَخَ نِكاحُها، ولَا مَهْرَ لِلصَّغِيرَةِ؛ لأنَّها فَسَخَتْ نِكاحَ نَفسِها، وعليه مَهْرُ الكَبِيرةِ، يرْجعُ به على الصَّغيرةِ عندَ أصْحابِنا، ولا يرْجِعُ به على ما اخْتَرْناه.
وإن لم يَكن دَخلَ بالكَبيرةِ، فعلَيه نِصْفُ صَداقِها، يَرْجِعُ به في مالِ الصَّغيرةِ؛ لأنَّها فسَخَتْ نِكاحَها 86. وإنِ ارْتَضَعَتِ الصَّغيرةُ منها رَضْعَتَين وهي نائمةٌ، ثم انْتَبَهَتِ الكبيرةُ، فأتَمَّتْ لها ثلاثَ رَضَعاتٍ، فقد حَصَلَ الفسادُ بفِعْلِهما، فيَتَقَسّطُ 87 الواجبُ عليهما، وعليه مَهْرُ الكبيرةِ، وثلاثةُ أعْشارِ مَهْرِ الصغيرةِ، ويَرْجِعُ به على الكبيرةِ.
وإن لِم يكنْ دَخَلَ بالكبيرةِ، فعليه خُمْسُ مَهْرِها، يَرْجِعُ به على الصغيرةِ.
وهل يَنْفسِخُ نِكاحُ الصغيرةِ؟ على رِوايتَين.
الجزء: 24 - الصفحة: 257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن أرْضَعَتْ بنتُ الكبيرةِ الصغيرةَ، فالحكمُ في التَّحْريم والفَسْخِ حُكْمُ ما لو أرْضَعَتْها الكبيرةُ؛ لأنَّها صارتْ جَدَّتَها، والرُّجوعُ بالصَّداقِ على المُرْضِعَةِ التي أفْسَدَتِ النِّكَاحَ.
وإن أرْضَعَتْها أُمُّ الكبيرةِ، انْفَسَخَ نِكاحُهما معًا، لأنَّهما صارَتا أُخْتَين.
فإن كان 88 لم يَدْخُلْ بالكبيرةِ، فله أن يَنْكِحَ مَن شاءَ منهما، ويَرْجِعُ على المُرْضِعةِ بنِصْفِ صَداقِها.
وإن كان دَخَلَ بالكبيرةِ، فله نِكاحُها؛ لأنَّ الصَّغيرةَ لا عِدَّةَ عليها، [وليس له نِكاحُ الصَّغيرةِ حتَّى] 89 تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الكبيرةِ؛ لأنَّها قد صارتْ أُخْتَها، فلا يَنْكِحُها في عِدَّتِها.
وكذلك الحكمُ إن أرْضَعَتْها جَدَّةُ الكبيرةِ؛ لأنَّها تَصِيرُ 90 عَمَّةَ الكَبيرةِ أو خالتها، والجمعُ بينَهما مُحَرَّم.
وكذلك إن أرْضَعَتْها أُخْتَها أو زَوْجَةُ أخِيها بِلَبَنِه؛ لأنَّها صارتْ بِنتَ أُخْتَ الكبيرةِ، أو بنتَ أخِيه.
وكذلك إن أرْضَعَتْها بنتُ 91 أُخْتَها أو بنت أخِيها 92، ولا يَحْرُمُ في شيءٍ مِن هذا واحدةٌ منهنَّ على التَّأْبِيدِ؛ لأنَّه تَحْريمُ جَمْعٍ، إلَّا إذا أرْضَعَتْها بنتُ الكبيرةِ وقد دَخَلَ بأُمِّها.
الجزء: 24 - الصفحة: 258
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَمْسُ أُمَّهَاتِ أوْلَادٍ، لَهُنَّ لَبَنٌ مِنْهُ، فَأَرضَعْنَ امْرَأةً لَهُ صُغْرَى.
كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَةً، حَرُمَتْ عَلَيهِ، في أحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَلَمْ تَحْرُمْ أُمَّهَاتُ الأوْلَادِ.
3934 - مسألة: (وإذا كَانَ لِرَجُلٍ خَمْسُ أُمَّهَاتِ أوْلَادٍ، لَهُنَّ مِنْهُ لَبَنٌ، فَأَرضَعْنَ امْرَأةً لَهُ صُغْرَى. كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَةً، حَرُمَتْ عَلَيهِ، في أحَدِ الْوَجْهَينِ)
لأنَّها ارْتَضَعَتْ مِن لَبَنِه خَمْسَ رَضَعاتٍ، فكَمَلَ رَضاعُها مِن لَبَنِه، فصارَ أبًا لها، كما لو أرْضَعَتْها واحدة منهنَّ.
والوَجْهُ الثانِي، لا يَصِيرُ أبًا لها؛ لأنَّه رَضاعٌ لم تَثْبُتْ به الأُمُومَةُ، فلم تَثْبُتْ به الأُبُوَّةُ، كلَبَنِ البَهِيمةِ (ولا تَحْرُمُ أُمَّهَاتُ الأوْلادِ) لأنَّه لم يُثْبِتْ لهنَّ أُمُومَةً.
الحديث: 3934 - الجزء: 24 - الصفحة: 259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن أرْضَعْنَ طِفْلًا كذلك، لم يَصِرْنَ أُمَّهاتٍ له، وصار المَوْلَى أبًا له.
وهذا قولُ ابنِ حامدٍ؛ لأنَّه ارْتَضَعَ مِن لَبَنِه خَمْسَ رَضَعاتٍ.
وفيه وَجْه آخَرُ، لا تَثْبُتُ الأبُوَّةُ؛ لأنَّه رَضاعٌ لم يُثْبِتِ الأُمُومةَ، فلم يُثْبِتُ الأُبُوَّةَ، كالارْتِضاعِ بِلبَنِ الرَّجُلِ.
والأوَّلُ أصَحُّ، لأنَّ الأُبُوَّةَ إنَّما تَثْبُتُ لكَوْنِه رَضَعَ مِن لَبَنِه، لا لكُونِ المُرضِعَةِ أمًّا له.
ولأصْحابِ الشَّافعيِّ وَجْهان كهذَين.
وإذا قُلْنا بثُبُوتِ الأُبُوَّةِ، حَرُمَت عليه المُرْضِعاتُ؛ لأنَّه رَبِيبُهُنَّ، وهُنَّ مَوْطُوءاتُ أبِيه.
فصل: وإن كان لرَجُلٍ خَمْسُ بناتٍ، فأرْضَعْنَ طِفْلًا، كلُّ واحدةٍ رَضْعةً، لم يَصِرْنَ أُمَّهاتٍ له.
وهل يَصِيرُ الرَّجُل جَدًّا له، وأوْلادُه أخْوالًا له وخالاتٍ؟ على وَجْهَين؛ أحَدُهما، يَصِيرُ جَدًّا، وأخُوهُنَّ خَالًا، لأنَّه قد كَمَلَ للمُرْتَضِعِ خَمْسُ رَضَعاتٍ مِن لَبَنٍ بَناتِه، فأشْبَهَ ما لو كان مِن واحدةٍ.
والآخَرُ، لا يَثْبُتُ ذلك؛ لأنَّ كَوْنه جَدًّا فَرْعُ كَوْنِ ابْنَتِه أُمًّا، وكَوْنَه خالًا فَرْعُ كَوْنِ أُخْتِه امًّا، ولم يَثْبُتْ، فلا يَثْبُتُ ذلك الفرْعُ.
وهذا الوَجْهُ يتَرَجَّحُ في هذه المَسْأَلةِ؛ لأنَّ الفَرْعِيَّةَ مُتَحَقِّقَة، بخِلافِ التي قبلَها.
فإن قُلْنا: يَصِيرُ أَخُوهُنَّ خَالًا.
لم تَثْبُتِ الخُئُولَةُ في حَقِّ واحدةٍ منهنَّ؛ لأنَّه لم يَرْتَضِعْ مِن لَبَنِ أخَواتِها خَمْسَ رَضَعاتٍ، ولكنْ يَحْتَمِلُ التَّحريمُ؛ لأنَّه قد اجْتَمَعَ مِن اللبنِ 93 المُحَرِّمِ خَمْسُ رَضَعاتٍ.
ولو كَمَلَ للطِّفْلِ
الجزء: 24 - الصفحة: 260
وَلَوْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ، لَهُنَّ لَبَنٌ مِنْهُ، فَأَرْضَعْنَ امْرَأَةً لَهُ صُغْرَى، كُلُّ وَاحِدَةٍ رَضْعَتَينِ، لَمْ تَحْرُمِ الْمُرْضِعَاتُ.
وَهَلْ تَحْرُمُ
خَمْسُ رَضَعاتٍ مِن أُمِّه وأُخْتِه [وابْنَتِه وزَوْجَتِه] (1) وزَوْجَةِ أبِيه، مِن كلِّ واحدةٍ رَضْعَةٌ، خُرِّجَ على الوَجْهَين.
فصل: إذا كان لامرأةٍ لَبَنٌ مِن زَوْجٍ، فأرْضَعَتْ به طِفْلًا ثلاثَ رَضَعاتٍ، وانْقَطَعَ لَبَنُها، فتَزَوَّجَتْ آخَرَ، فصارَ لها منه لَبَنٌ، فأرْضَعَتْ منه الصَّبِيَّ رَضْعَتَين، صارَتْ أُمًّا له، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه عندَ القائِلين بأنَّ الخَمْسَ مُحَرماتٌ، ولم يَصِرْ واحِدٌ مِن الزَّوْجَين أبًا له؛ لأنَّه لم يَكْمُلْ عَدَدُ الرَّضاعِ مِن لَبَنِه، ويَحْرُمُ على الرَّجُلَين؛ لكَوْنِه رَبِيبَهما، لا لكَوْنِه وَلَدَهما.
3935 -
مسألة: (وَلَوْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ، لَهُنَّ لَبَنٌ مِنْهُ، فَأَرْضَعْنَ امْرَأَةً لَهُ صُغْرَى، كُلُّ وَاحِدَةٍ رَضْعَتَينِ، لَمْ تَحْرُمِ الْمُرْضِعَاتُ)
لأنَّه لم يَكْمُلْ عَدَدُ الرَّضَعاتِ لكلِّ واحدةٍ منهنَّ (وهل تَحْرُمُ الصُّغْرَى؟94
الحديث: 3935 - الجزء: 24 - الصفحة: 261
الصُّغْرَى؟ عَلَى وَجْهَينِ؛ أَصَحُّهُمَا، تَحْرُمُ عَلَيهِ، وَعَلَيهِ نِصْفُ مَهْرِهَا، يَرْجِعُ بِهِ عَلَيهِنَّ عَلَى قَدْرِ رَضَاعِهِنَّ، يُقْسَمُ بَينَهُنَّ أخْمَاسًا.
على وَجْهَين؛ أصَحُّهما، تَحْرُمُ) لأنَّها ارْتَضَعَتْ مِن لَبَنِه خَمْسَ رَضَعاتٍ (وعليه نِصْفُ مَهْرِها، يَرْجِعُ به عليهنَّ على قَدْرِ رَضاعِهِنَّ، يُقْسَمُ بَينَهنَّ أخْماسًا) [لأنَّ الرَّضَعاتِ الخمسَ مُحَرِّمَةٌ، وقد وُجِدَ مِن الأُولَى رَضْعتان، ومِن الثانيةِ رَضْعتان، والخامسةُ وُجِدَتْ مِن الثالثةِ، فيَجِبُ على الأُولَى خُمْسُ مَهْرِها] 95، وعلى الثانيةِ خُمْسٌ، وعلى الثالثةِ عُشْرٌ.
الجزء: 24 - الصفحة: 262
فَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ ثَلَاثُ بَنَاتِ امْرَأَةٍ لَهُنَّ لَبَنٌ، فَأَرْضَعْنَ ثَلَاثَ نِسْوَةٍ لَهُ صِغَارًا، حَرُمَتِ الْكُبْرَى، وَإنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، حَرُمَ الصِّغَارُ أَيضًا، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَهَلْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ مَنْ كَمَلَ رَضَاعُهَا أَوْلًا؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
3936 - مسألة: (فَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ ثَلَاثُ بَنَاتِ امْرَأَةٍ لَهُنَّ لَبَنٌ، فَأَرْضَعْنَ ثَلَاثَ نِسْوَةٍ لَهُ صِغَارًا، حَرُمَتِ الْكُبْيرَةُ)
لأَنَّها من جدَّاتِ النِّساءِ، وجَدَّةُ الزَّوْجَةِ مُحَرَّمَةٌ، ولم يَنْفَسِخْ نِكاحُ الصِّغارِ؛ لأنَّهُنَّ لَسْنَ أخَواتٍ، وإنَّما هُنَّ بَناتُ خَالاتٍ، ولَبَنُ الرَّبِيبَةِ لا يُحَرِّمُ إلَّا بالدُّخولِ بالأُمِّ (وإن كان دَخَلَ بالأُمِّ، حَرُمَ الصِّغارُ أيضًا) لأنَّهُنَّ رَبائِبُ 96 مَدْخُولٌ بأُمِّهِنَّ (وإن لم يكنْ دَخَلَ بها، فهل يَنْفَسِخُ نِكاحُ مَن كَمَلَ رَضاعُها أو لا؟ على رِوايتَين) بِناءً على ما إذا أرْضَعَتْ زوْجَتُه الكُبرى زوْجَتَه
الحديث: 3936 - الجزء: 24 - الصفحة: 264
وَإنْ أرْضَعْنَ وَاحِدَةً، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَتَينِ، فَهَلْ تَحْرُمُ الْكُبْرَى بِذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
الصُّغْرَى، فإنَّ الكُبْرى تَحْرُمُ.
وهل يَنْفَسِخُ نِكاحُ الصُّغْرَى؟ على رِوايتَين، ذكَرْنا تَوْجِيهَهما فيما مَضَى.
3937 -
مسألة: (وإن أَرْضَعْنَ واحِدَةً، كلُّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَتَين، فهَل تَحْرُمُ الكُبْرَى بذلك؟ على وَجْهَين)
أحَدُهما، تَحْرُمُ؛ لأنَّها صارتْ جَدَّةً بكَوْنِ الصَّغيرةِ قد كَمَلَ لها خَمْسُ رَضَعاتٍ مِن لَبَن بَناتِها.
والثاني، لا تَصِيرُ جدَّةً، ولا يَنْفَسِخُ نِكاحُها؛ لأنَّ كَوْنَها جَدَّةً فَرْع على كَوْنِ ابْنَتِها أُمًّا، ولم تَثْبُتِ الأُمُومَةُ، فما هو فَرْعٌ عليها أَوْلَى أن لا يَثْبُتَ.
وهذا الوَجْهُ 97 أَوْلَى.
واللهُ أعلمُ.
فصل: إذا تزَوَّجَ كبيرةً، ثم طَلَّقَها، فأرْضَعَتْ صغيرةً بلَبَنِه، صارتْ بِنْتًا له، وإن أرْضَعَتْها بلَبَنِ غيره صارتْ رَبِيبَتَه، فإن كان قد دَخَلَ بالكبيرةِ، حَرُمَتِ الصغيرةُ على التَّأْبِيدِ، وإن كان لم يَدْخُلْ بها، لم تَحْرُمْ؛
الحديث: 3937 - الجزء: 24 - الصفحة: 265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّها رَبِيبَةٌ لم يَدْخُلْ بأُمِّها.
وإن تزَوَّجَ صغيرةً، ثم طَلَّقَها، فأرْضَعَتْها 98 امرأةٌ له، حَرُمَتِ المُرْضِعةُ على التَّأْبِيدِ؛ لأنَّها مِن أُمَّهاتِ نِسائِه.
وإن تزَوَّجَ كبيرةً وصغيرةً، ثم طَلَّقَ الصغيرةَ، فأرْضَعَتْها الكبيرةُ، حَرُمَتِ الكبيرةُ، وانْفَسَخَ نِكاحُها، فإن كان 99 لم يَدْخُلْ بها، فلا مَهْرَ لها، وله نِكاحُ الصغيرةِ، وإن كان دَخَلَ بها، فلها مَهْرُها، وتَحْرُمُ هي والصَّغيرةُ على التَّأْبِيدِ، وإن طَلَّقَ الكبيرةَ وحدَها قبلَ الرَّضاعِ، فأرْضَعَتِ الصغيرةَ ولم يكنْ دَخَلَ بالكبيرةِ، ثَبَتَ نِكاجُ الصَّغيرةِ، وإن كان دَخَلَ بها، حَرُمَتِ الصغيرةُ، وانْفَسَخَ نِكاحُها، ويَرْجعُ على الكبيرةِ بنِصْفِ صَداقِها.
وإن طَلقَهُما جميعًا، فالحُكمُ في التَّحْريمِ على ما مَضَى.
فصل: ولو تزَوَّجَ رَجُلٌ كبيرةً، وآخَرُ صغيرةً، ثم طَلَّقاهما، ونَكَحَ [كل واحدٍ] 100 منهما زَوْجَةَ الآخَرِ، ثم أرْضَعَتِ الكبيرةُ 101 الصغيرةَ، حَرُمَتِ الكبيرةُ عليهما، وانْفَسَخَ نِكاحُها، وإن كان زَوْجُ الصَّغيرةِ دَخَلَ بالكبيرةِ، حَرُمَتْ عليه، وانْفَسَخَ نِكاحُها، وإلَّا فلا.
الجزء: 24 - الصفحة: 266
فَصْلٌ: إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَلَهَا مِنْهُ لَبَنٌ، فَتَزَوَّجَتْ بِصَبِيٍّ، فَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِهِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا مِنْهُ، وَحَرُمَتْ عَلَيهِ، وَعَلَى الأوَّلِ أَبَدًا؛ لِأَنَّهَا صَارَت مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ، وَلوْ تزَوَّجَتِ الصَّبِيَّ أَوَّلًا، ثُمَّ فَسَخَتْ نِكَاحَهُ لِعَيبٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ كَبِيرًا، فَصَارَ لَهَا مِنْهُ لَبَنٌ، فَأَرضَعَتْ بِهِ الصَّبِيَّ، حَرُمَتْ عَلَيهِمَا عَلَى الأَبَدِ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَهُ اللهُ: (إذا طَلَّقَ امرأتَه، ولها منه لَبَنٌ، فتَزَوَّجَتْ بصَبِيٍّ، فأرْضَعَتْه بلَبَنِه، انْفَسَخَ نِكاحُها منه) لأنَّها صارتْ أمَّه مِن الرَّضاعِ (وحَرُمَتْ عليه) لأنَّها صارتْ أُمَّه مِن الرَّضاعِ، وإن تزَوَّجَتْ بآخرَ، ودَخَلَ بها ثم مات عنها، لم يَجُزْ أن يتَزَوَّجَها الأوَّل (لأنَّها صارت مِن حَلائلِ الأبْناءِ) لمَّا أرْضَعَتِ الصَّبِيَّ الَّذي تزَوَّجَت به.
3938 -
مسألة: (ولو تَزَوَّجَتِ الصَّبِيَّ أوَّلًا، ثم فَسَخَتْ نِكاحَه لِعَيب، ثم تَزَوَّجَتْ كَبِيرًا، فصار لها منه لَبَنٌ، فأرْضَعَتْ به الصَّبِيَّ، حَرُمَتْ عليهما علي الأبَدِ)
على الزَّوْج الثَّانِي؛ لأنَّها صَارَتْ مِن حَلائلِ أَبْنَائِه، وعلى الصَّبِيِّ؛ لأنَّها صارَتْ أُمَّه.
الحديث: 3938 - الجزء: 24 - الصفحة: 267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصلِ: ولو زَوَّجَ رَجُلٌ أُمَّ ولَدِه أو أمَتَه بِصَبِيٍّ مَمْلوكٍ، فأرْضَعَتْه بلَبَنِ سَيِّدِها خمْسَ رَضَعاتٍ، انْفَسَخَ نِكاحُه، وحَرُمَتْ على سَيِّدِها على التَّأْبيدِ، لأنَّها صارتْ مِن حلائِلِ أَبْنَائِه، فإن كان الصَّبِيُّ حُرًّا، لم يُتَصَوَّرْ هذا الفَرْعُ عندَنا، لأنَّه لا يَصِحُّ نِكاحُه، لأنَّ مِن شَرْطِ نِكاحِ الحُرِّ للأمَةِ خَوْفَ العَنَتِ، ولا يُوجَدُ ذلك في الطِّفْلِ، فإن تزَوَّجَ بها كان النِّكاحُ فاسِدًا، وإن أرْضَعَتْه لم تَحْرُمْ على سَيِّدِها، لأنَّه ليس بزَوْجٍ في الحَقِيقةِ.
فصل: فإن أفْسَدَ النِّكاحٍ جماعةٌ، تَقَسَّطَ 102 المَهْرُ عليهمْ، فلو جاء خَمْسٌ، فسَقَينَ زَوْجَةً صغيرةً مِن لَبَنِ أُمِّ الزَّوْجِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، انْفَسَخَ نِكاحُها، ولَزِمَهُنَّ نِصْفُ مَهْرِها بَينَهُنَّ.
فإن سَقَتْها واحدَةٌ شَرْبَتَين 103،
الجزء: 24 - الصفحة: 268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأُخرَى ثَلاثًا، فعلى الأُولَى الخُمْسُ، وعلى الثانيةِ خُمْسٌ وعُشْرٌ.
وإن سَقَتها 104 واحدَةٌ شَرْبَتَين، وسَقاها ثلاثٌ ثَلاثَ شَرَباتٍ، فعلى الأُولَى الخُمْسُ 105، وعلى كلِّ واحدةٍ مِن الثَّلاثِ عُشْرٌ.
وإن كان له ثَلاث نِسْوَةٍ كِبار، وواحدةٌ صغيرةٌ، فأرْضَعَتْ كلُّ واحدةٍ مِن الثَّلاثِ الصَّغيرةَ أرْبَعَ رَضَعاتٍ، ثم حَلَبْنَ في إناءٍ، وسَقَينَه الصَّغيرةَ، حَرُمَ الكِبارُ، وانْفَسَخَ نِكاحُهُنَّ، فإن لم يكنْ دَخَلَ بهِنَّ، فنِكاحُ الصَّغيرةِ ثابت، على إحْدَى الرِّوايتَين، وعليه لكلِّ واحدةٍ منهنَّ ثُلُثُ صَداقِها، يَرْجِعُ 106 به على ضَرَّتَيها؛ لأنَّ فسادَ نِكاحِها حَصَلَ بفِعْلِها وفِعْلِهِما، فسَقَطَ ما قابَلَ فِعْلَها، وهو سُدْسُ الصَّداقِ، وبَقِيَ عليه الثُّلُثُ، فرَجَعَ به على ضَرَّتَيها، فإن كان صَداقُهُنَّ مُتَسَاويًا، سَقَطَ، ولم يجبْ شيءٌ؛ لأنَّه يَتقاصُّ ما لَها على الزَّوْجِ بما يَرجِعُ به عليها، إذ لا فائِدَةَ في أن يَجِبَ لها عليه ما يَرْجِعُ به عليها، وإن كان مُخْتَلِفًا، وهو مِن جِنْس واحدٍ، تَقاصَّ منه بقَدْرِ أقَلِّهما 107، ووَجَبَتِ الفَضْلَةُ لصاحِبِها، وإن كان مِن أجْناسٍ، ثَبَتَ التَّراجُعُ، على ما ذكَرْنا، وإن كان قد دَخَلَ بإحْدَى الكِبارِ، حَرُمَتِ الصَّغيرةُ أيضًا، وانْفَسَخَ نِكاحُها، ووَجَبَ لها نِصْفُ صَداقِها، يَرْجِعُ (3) به عليهنَّ أثْلاثًا،
الجزء: 24 - الصفحة: 269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وللتي دَخَلَ بها المَهْرُ كامِلًا، وفي الرُّجُوعِ به مما أسْلَفْناه مِن الخِلافِ.
وإن حَلَبْنَ في إناءٍ، فسَقَتْه إحْداهُنَّ الصغيرةَ خَمْسَ مَرَّاتٍ، كان صَداقُ ضَرَّاتِها يَرْجِعُ به عليها، إن كان قبلَ الدُّخُولِ بهِنَّ؛ لأنَّها أفْسَدَتْ نِكاحَهُنَّ، ويسْقُطُ مَهْرُها إن لم يكنْ دَخَلَ بها، وإن كان دَخَلَ بها، فلها مَهْرُها، لا يَرْجِعُ به على أحدٍ.
وإن كانت كلُّ واحدةٍ مِن الكِبارِ أرْضَعَتِ الصغيرةَ خَمْسَ رَضَعاتٍ، حَرُمَ الثَّلاثُ، فإن كان لم يَدْخُلْ بهنَّ، فلا مَهْرَ لهنَّ عليه، وإن كان دَخَلَ بهنَّ، فعليه لكلِّ واحدةٍ مَهْرُها، لا يَرْجِعُ به على أحدٍ، وتَحْرُمُ الصَّغيرةُ، ويَرْجِعُ بما لَزِمَه مِن صَداقِها على المُرْضِعَةِ الأُولَى؛ لأنَّها التي حَرَّمَتْها عليه، وفسَخَتْ نِكاحَها.
ولو أرْضَعَ الثَّلاثُ الصغيرةَ بلَبَنِ الزَّوْجِ، فأرْضَعَتْها كلُّ واحدةٍ رَضْعَتَين، صارتْ بِنْتًا لزَوْجِها، في الصَّحيحِ، ويَنْفَسِخُ نِكاحُها، ويَرْجِعُ 108 بنِصْفِ صَداقِها عليهنَّ؛ على المُرْضِعَتَين الأُولَيَين أرْبعَةُ أخْماسِه، وعلى الثالثةِ خُمْسُه؛ لأنَّ رَضعَتَها الأُولَى هي التي حَصَلَ بها التَّحْريمُ، والثاني لا أثَرَ لها، ولا يَنْفَسِخُ نِكاحُ الأَكَابِرِ؛ لأنَّهُنَّ لم يَصِرْنَ أُمَّهاتٍ لها.
فإن قِيلَ: فلِمَ لا يَرْجِعُ 109 به عليهنَّ على عَدَدِهِنَّ؛ لكَوْنِ الرَّضاعِ مُفْسِدًا، فيسْتَوي قليلُه وكثيرُه، كما لو طَرَحَ الجماعةُ نجاسةً في مائع في حالةٍ واحدةٍ؟ قُلْنا:
الجزء: 24 - الصفحة: 270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّ التَّحْريمَ يتَعَلَّقُ بعَدَدِ الرَّضَعاتِ، فكان الضَّمانُ مُتَعَلِّقًا بالعَدَدِ، بخِلافِ النَّجاسةِ، فإنَّ التَّنْجِيسَ لا يتَعَلَّقُ بقَدْرٍ، فيَسْتَوي قليلُه وكثيرُه، لكَوْنِ الكثيرِ والقليلِ سَواءً في الإفْسادِ، فَنَظِيرُ ذلك أن تَشْرَبَ في الرَّضْعَةِ مِن إحْداهُما أكثرَ مِمَّا تَشْرَبُ مِن الأُخْرَى.
فصل: وإن كانت [له زوجةٌ] 110 أمَة، فأرْضَعَتِ امرأتَه الصَّغيرةَ فحَرَّمَتْها عليه وفَسَخَتْ نِكاحَها، كان 111 ما لَزِمَه مِن صَداقِ الصَّغيرةِ له في رَقَبَةِ الأمَةِ؛ لأنَّ ذلك مِن جِنايَتِها.
وإن أرْضَعَتْها أُمُّ ولَدِه، أفْسَدَتْ نِكاحَها، وحَرَّمَتْها عليه، لأنَّها رَبيبَتُه دَخَلَ بأُمِّها، وتَحْرُمُ أُمُّ الوَلَدِ عليه أَبَدًا، لأنَّها مِن أُمَّهاتِ نِسائِه، ولا غَرامَةَ عليها، لأنَّها أفْسَدَتْ على سَيِّدِها.
وإن كانت مُكاتَبَتَه، رَجَعَ عليها، لأنَّ المُكاتَبَةَ يَلْزَمُها أَرْشُ جِنايَتِها.
وإن أرْضَعَتْ أُمُّ ولَدِه امرأةَ ابْنِه بلَبَنِه، فسَخَتْ نِكاحَها، وحَرَّمَتْها عليه؛ لأنَّها صارتْ أُخْتَه.
وإن أرْضَعَتْ زوجةَ ابنِه 112 بلَبَنِه، حَرَّمَتْها عليه، لأنَّها صارتْ بِنْتَ ابْنِه، ويَرْجِعُ الأبُ على ابْنِه بأقَلِّ الأمْرَين ممَّا غَرِمَه لِزَوْجَتِه [أو قِيمَتِها، لأنَّ ذلك مِن جِنايَةِ أُمٍّ ولَدِه.
وإن أرْضَعَت واحدةً منهما بغيرِ لَبَنِ سَيِّدِها، لم تُحَرِّمْها، لأنَّ كلَّ] 113 واحدةٍ منهما صارتْ بِنْتَ أُمِّ ولَدِه.
الجزء: 24 - الصفحة: 271
فَصْلٌ: وَإذَا شَكَّ في الرَّضَاعِ أَوْ عَدَدِهِ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، وَإن شَهِدَ بِهِ امْرَأَةٌ مَرْضِيَّةٌ، ثَبَتَ بِشَهَادَتِهَا.
وَعَنْهُ، أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مَرْضِيَّة اسْتُحْلِفَتْ، فَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، لَمْ يَحُلِ الْحَوْلُ حَتَّى يَبْيَضَّ ثَدْيَاهَا، وَذَهَبَ في ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ الله عَنْهُ.
فصل: قال رَضِيَ اللهُ عنه: (وإِذا شَكَّ في الرَّضاعِ أو عَدَدِه، بَنَى على اليَقِينِ) فلم يُحَرمْ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الرَّضاعِ في المَسْأَلَةِ الأُولَى، وعَدَمُ وُجُودِ الرَّضاعِ المُحَرِّمِ في الثانيةِ، فهو كما لو شَكَّ في وُجُودِ الطَّلاقِ أو عَدَدِه.
3939 -
مسألة: (وَإن شَهِدَ بِهِ امْرَأَةٌ مَرْضِيَّةٌ، ثَبَتَ بِشَهَادَتِهَا.
وَعَنْهُ، أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مَرْضِيَّة اسْتُحْلِفَتْ، فَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، لَمْ يَحُلِ الْحَوْلُ حَتَّى يَبْيَضَّ ثَدْيَاهَا، وَذَهَبَ في ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ)
وجملةُ ذلك، أنَّ الرَّضاعَ إذا شَهِدَتْ به امرأةٌ مَرْضِيَّة، حَرُمَ النِّكَاحُ، وثَبَتَ الرَّضاعُ بشَهادَتِها.
وعنه رواية أُخرَى، كالتي ذكَرْناها عن ابنِ عباسٍ، [أنَّها تُسْتَحْلَفُ، وتُقْبَلُ شَهادَتُها.
وهو قولُ ابنِ عباس، وإسحاقَ] 114، فإنَّ
الحديث: 3939 - الجزء: 24 - الصفحة: 272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنَ عباسٍ، قال في امرأةٍ زَعَمَتْ أنَّها أرْضَعَتْ رَجُلًا وأهْلَه، قال: إن كانت مَرْضِيَّةً، اسْتُحْلِفَتْ، وفارَقَ أهْلَه.
وقال: إن كانت كاذِبَةً، لم يَحُلِ الحَوْلُ حتَّى يَبْيَضَّ ثَدْياها 115. أي يُصِيبَها فيهما بَرَصٌ، عُقُوبَةً على كَذِبِها.
وهذا لا يَقْتَضِيه القِياسُ، ولا يَهْتَدِي إليه رَأيٌ، فالظاهِرُ أنَّه لا يَقُولُه إلَّا تَوقِيفًا.
وممَّن ذهبَ إلى أنَّ شهادةَ المرأةِ الواحدةِ مَقْبُولَةٌ في الرَّضاعِ، إذا كانتْ مَرْضِيَّةً؛ طاوسٌ، والزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وابنُ أبي ذِئْبٍ، وسعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخرَى، لا تُقْبَلُ إلَّا شهادةُ امْرَأتَين.
وهو قولُ الحَكَمِ؛ لأنَّ الرِّجال أكْمَلُ مِن النِّساءِ، ولا تُقْبَلُ إلَّا شهادةُ رَجُلَين، فالنِّساءُ أَولَى.
وقال عطاءٌ، والشافعيُّ: لا يُقْبَلُ مِن النِّساءِ أقَلُّ مِن أرْبَع؛ لأنَّ كلَّ امْرأتَين كرَجُل.
وقال أصْحابُ الرَّأْي: لا يُقْبَلُ فيه إلَّا رَجُلانِ، أو رَجُلٌ وامْرَأتان.
[ورُوِيَ ذلك عن عمرَ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأتانِ 116﴾] 117. ولَنا، ما روَى عُقْبَةُ بنُ الحارثِ، قال: تَزَوَّجْتُ أُمَّ يحيى بنتَ أبي إِهابٍ، فجاءتْ أَمَةٌ سوداءُ، فقالتْ: قد أرْضَعْتُكُما.
فأتَينا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فذكَرْتُ ذْلك له،
الجزء: 24 - الصفحة: 273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقال: «وَكَيفَ، وقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ!».
مُتَّفَقٌ عليه 118. وفي لَفْظٍ رواه النَّسَائِيُّ، قال: فأتَيتُه مِن قِبَلِ وَجْهِه، فقلتُ: إنَّها كاذِبةٌ.
فقال: «وَكَيفَ، وَقَدْ زعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُما؟ خَلِّ سَبِيلَهَا».
وهذا يَدُلُّ على الاكْتِفاءٍ بالمَرْأةِ الواحدةِ.
وقال الزُّهْرِيُّ: فُرِّقَ بينَ أهْلِ أبياتٍ في زَمَنِ عُثْمان بشَهادةِ امْرَأةٍ في الرَّضاعِ 119. وقال الشَّعْبِيُّ: كانتِ القُضاةُ يُفَرِّقُونَ بينَ الرَّجُلِ والمرأةِ بشَهادَةِ امْرأَةٍ واحدةٍ في الرَّضاعِ 120. ولأنَّ هذه شَهادَة على عَوْرَةٍ، فتُقْبَلُ فيه شَهادَةُ [المُنْفَرِداتِ، كالولادَةِ.
وعلى الشافعيِّ، أنَّه مَعْنًى يُقْبَلُ فيه قولُ النِّساءِ المُنْفَرداتِ، فيُقْبَلُ فيه] 121 شهادةُ 122 امْرأَةٍ مُنْفَرِدَةٍ، كالخَبَرِ.
فصل: وتُقْبَلُ فيه شَهادةُ المرْضِعَةِ على فِعْلِ نَفْسِها؛ لِما ذكَرْنا مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ، مِن أنَّ الأمَةَ السَّوْداءَ قالت: قد أرْضَعْتُكُما.
فقَبِلِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - شَهادَتَها.
ولأنَّه فِعْلٌ لا يَحْصُلُ لها به نَفْعٌ مَقْصُودٌ، ولا تَدْفعُ عنها به ضَرَرًا، فقُبِلَتْ شَهادَتُها به 123، كفِعْلِ غيرِها.
فإن قِيلَ: فإنَّها تَسْتَبِيحُ الخَلْوَةَ به، والسَّفَرَ معه، وتَصِيرُ مَحْرَمًا له.
قُلْنا: ليس هذا مِن
الجزء: 24 - الصفحة: 274
وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرأةً، ثُمَّ قَال قَبْلَ الدُّخُولِ: هِيَ أُخْتِي مِنَ الرَّضَاعِ.
انْفَسَخَ النِّكَاحُ، فَإِنْ صَدَّقَتْهُ، فَلَا مَهْرَ، وَإنْ أَكْذَبَتْهُ، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ.
الأُمُورِ المَقْصُوَدَةِ التي تُرَدُّ بها الشَّهادَةُ، ألَا تَرَى أنَّ رَجُلَين لو شَهِدا أنَّ فُلَانًا طَلَّقَ زَوْجَتَه، أو أعْتَقَ أمَتَه، قُبِلَتْ شَهادَتُهما، وإن حَلَّ لهما نِكاحُها بذلك.
3940 -
مسألة: (وإن تَزَوَّجَ امْرَأةً، ثم قال قبلَ الدُّخُولِ: هي أُخْتِي مِن الرَّضاعِ. انْفَسَخَ النِّكَاحُ، فإن صَدَّقَتْه، فلا مَهْرَ)
لها (وإن كَذَّبَتْه، فلها نِصْفُ المَهْرِ) وجملتُه، أنَّ الزَّوْجَ إذا أقَرَّ أنَّ زَوْجَتَه أُخْتُه مِن الرَّضاعَةِ 124، انْفَسَخَ نِكاحُهْ، ويُفَرِّقُ بينَهما.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفةَ: إذا قال: وَهِمْتُ.
أو أخْطَأتُ.
قُبِلَ قَوْلُه؛ لأنَّ قَوْلَه ذلك يتَضَمَّنُ أنَّه لم يكنْ بينَهما نِكاحٌ، ولو جَحَدَ النِّكاحَ ثم أقَرَّ به، قُبِلَ، كذلك ههُنا.
ولَنا، أنَّه أقَرَّ بما يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَها عليه، فلم يُقْبَلْ رُجُوعُه عنه، كما لو أقَرَّ بالطَّلاقِ ثم رَجَعَ، أو أقَرَّ أنَّ أَمَتَه أخْتُه مِن النَّسَبِ، وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.
وهذا الكلامُ في الحُكْمِ، فأمَّا فيما بَينَه وبينَ اللهِ تعالى، فيَنْبَنِي ذلك على عِلْمِه بصِدْقِه، فإن عَلِمَ أنَّ الأَمْرَ كما قال، فهي
الحديث: 3940 - الجزء: 24 - الصفحة: 275
وَإِنْ قَال ذَلِكُ بَعْدَ الدُّخُولِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ.
وَلَهَا الْمَهْرُ بِكُل حَالٍ.
مُحَرَّمَة عليه، ولا نِكاحَ بينَهما، وإن عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِه، فالنِّكاحُ باقٍ بحالِه، وقولُه كَذِبٌ لا يُحَرِّمُها عليه؛ لأنّ المُحَرِّمَ حَقِيقَةُ الرَّضاعِ، لا القَوْلُ.
وإن شَكَّ في ذلك، لم يَزُلْ عن اليَقينِ بالشَّكِّ.
وقِيلَ: في حِلِّها له إذا عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِه رِوايَتان والصَّحِيحُ ما قُلْناه؛ لأنَّ قوْلَه ذلك إذا كان كَذِبًا، لم يُثْبِتِ التَّحْريمَ، كما لو قال لها وهي أكْبَرُ منه: هي ابْنَتِي مِن الرَّضاعَةِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن كان قبلَ الدُّخولِ، وصَدَّقَتْه المرأةُ، فلا شيءَ لها؛ لأنَّهما اتَّفَقا على أنَّ النِّكاحَ باطِلٌ مِن أصْلِه، لا تَسْتَحِقُّ فيه مَهْرًا، فأشْبَهَ ما لو ثَبَتَ ذلك بِبَيِّنَةٍ، وإن أكْذَبَتْه، فالقولُ قَوْلُها؛ لأنَّ قَوْلَه غيرُ مَقْبُولٍ عليها في إسْقاطِ حُقُوقِها، فلَزِمَه إقْرارُه فيما هو حَقٌّ له، وهو تَحْريمُها (1) عليه، وفَسْخُ نِكاحِه، ولم يُقْبَلْ قَوْلُه فيما عليه مِن المَهْرِ.
3941 -
مسألة: (وإن قال ذلك بعدَ الدُّخولِ، انْفَسَخَ النِّكاحُ)
لِمَا ذكَرْنا (ولها المَهْرُ بكُلِّ حالٍ) لأنَّ المَهْرَ يَسْتَقِرُّ بالدُّخُولِ.125
الحديث: 3941 - الجزء: 24 - الصفحة: 276
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن قال: هي عَمَّتِي.
أو: خالتِي.
أو: ابْنَةُ أخِي.
أو: أُخْتِي.
أو: أمِّي مِن الرضاع.
وأمْكَنَ صِدْقُه، فالحكمُ فيه كما لو قال: هي أُخْتِي.
وإن لم يُمْكِنْ صِدْقه، مثلَ أن يقولَ لمَن هي مِثْلُه: هذه أُمِّي.
أو لأكْبَرَ منه أو لمِثْلِه: هذه ابْنَتِي.
لم تَحْرُمْ عليه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: تَحْرُمُ عليه؛ لأنَّه أقَرَّ بما يُحَرِّمُها عليه 126، فقُبِلَ، كما لو أمْكَنَ.
ولَنا، أنَّه أقَرَّ بما يتَحَقَّقُ كَذِبُه فيه (1)، فأشْبَهَ ما لو قال: أرْضَعَتْنِي وإيَّاها حَوَّاءُ.
أو كما لو (1) قال: هذه حَوَّاءُ.
وما ذكَرُوه مُنْتَقِضٌ بهذه الصُّوَرِ، ويُفارِقُ ما إذا أمْكَنَ، فإنَّه لا يتَحَقَّقُ كَذِبُه.
والحُكمُ في الإِقْرارِ بقَرابَةٍ مِنَ النَّسَبِ تُحَرِّمُها عليه، كالحُكْمِ في الإِقْرارِ بالرَّضاعِ؛ لأنَّه في مَعْناه.
فصل: إذا ادَّعَى أنَّ زَوْجَتَه أَخْتُه مِن الرَّضاع، فأنْكَرَتْه، فشَهِدَتْ بذلك أُمُّه أو ابْنَتُه 127، لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما 128؛ لأنَّ شَهادةَ الوالدِ لوَلَدِه،
الجزء: 24 - الصفحة: 277
وَإنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي قَالتْ: هُوَ أَخِي مِنَ الرَّضَاعِ.
فَأَكْذَبَهَا، فَهِيَ زَوْجَتُهُ في الْحُكْمِ.
والوَلَدِ لوالِدِه، لا تُقْبَلُ.
وإن شَهِدَتْ بذلك (1) أُمُّها أو ابْنَتُها، قُبِلَتْ.
وعنه، لا تُقْبَلُ؛ بِناءً على شَهادةِ الوالدِ على وَلَدِه والولدِ على والدِه، وهي مَقْبولَةٌ في أصَحِّ الرِّوايتَينِ.
وإنِ ادَّعَتْ ذلك المرأةُ، وأنْكَرَ الزَّوْجُ، فشَهِدَتْ لها أُمُّها أو ابْنَتُها، لم تُقْبَلْ، وإن شَهِدَتْ لها أُمُّ الزَّوْجِ أو ابْنَتُه، قُبِلَ في أصَحِّ الرِّوايتَين.
3942 -
مسألة: (وإن كانت هي التي قالت: هو أخِي مِن الرَّضاعِ. فأكْذَبَهَا، فهي زَوْجَتُه في الحُكْمِ)
[وجملُة ذلك، أنَّ المرأةَ إذا أقَرَّتْ أنَّ زَوْجَها أخوها مِن الرَّضاعةِ، فأكْذَبَها، لم يُقْبَلْ قولُها في فسْخِ النكاحِ] (2)؛ لأنَّهْ حَقٌّ عليها، فإن كان قبلَ الدُّخولِ، فلا مَهْرَ لها؛ لأنَّها تُقِرُّ بأنها لا تَسْتَحِقُّه، وإن كانت قد 129 قَبَضَتْه، لم يَكُنْ للزَّوْجِ أخْذُه130
الحديث: 3942 - الجزء: 24 - الصفحة: 278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منها؛ لأنَّه يُقِرُّ بأنَّه حَقٌّ لها، وإن كان بعدَ الدُّخول، فأقَرَّتْ أنَّها كانت عالِمةً بأنَّها أُختُه، وبتَحْرِيمِها عليه، وطاوَعَتْه في الوَطءِ، فلا مَهْرَ لها عليه 131 أيضًا؛ لإقرارِها بأنَّها زانِيَةٌ مُطاوعَةٌ، وإن أنكَرَت شيئًا مِن ذلك، فلها المَهْرُ؛ لأنَّه وَطْءٌ بشُبْهَةٍ، وهي زَوْجَتُه في ظاهِرِ الحُكْمِ؛ لأنَّ قَوْلَها غيرُ مَقْبُولٍ عليه (1)، فأمَّا فيما بينَها وبينَ اللهِ تعالى، فإن عَلِمَتْ صِحَّةَ ما أقَرَّتْ به، لم يَحِلَّ لها مُساكَنَتُه وتَمْكِينُه مِن وَطْئِها، وعليها أن تَفِرَّ منه، وتَفْتَدِيَ نَفْسَها بما أمْكَنَها؛ لأنَّ وَطْأَة لها زنًى، فعليها التَّخَلُّصُ منه مَهْما أمْكَنَها، كما قُلْنا في التي عَلِمَتْ أنَّ زَوْجَها طَلَّقَها ثلاثًا، وأنْكَرَ.
ويَنْبَغِي أن يكونَ الواجِبُ لها مِن المَهْرِ بعدَ الدُّخولِ أقَلَّ الأمْرَين؛ مِن المُسَمَّى أو مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه إن كان المُسَمَّى أقَلَّ، فلا يُقْبَلُ قَوْلُها في وُجُوبِ زائِدٍ عليه، وإن كان الأقَلُّ 132 مَهْرَ المِثْلِ، لم تَسْتَحِقَّ 133 أكثرَ منه؛ لاعْتِرافِها بأنَّ اسْتِحْقاقَها له بِوَطْئِها لا بالعَقْدِ، فلا تَسْتَحِقُّ أكْثَرَ منه.
وإن كان إقْرارُها بأُخُوَّتِه قبلَ النِّكَاحِ، لم يَجُزْ لها نِكاحُه، ولا يُقْبَلُ
الجزء: 24 - الصفحة: 279
وَلَوْ قَال الزَّوْجُ: هِيَ ابْنَتِي مِنَ الرَّضَاعِ.
وَهِيَ في سِنِّهِ أَوْ أَكْبَرُ مِنْهُ، لَمْ تَحْرُمْ؛ لِتَحَقُّقِنَا كَذِبَهُ.
رُجُوعُها عن إقْرارِها في ظاهِرِ الحُكْمِ؛ لأنَّ إقْرارَها لم يُصادِفْ زَوْجِيَّةً عليها يُبْطِلُها، فقُبِلَ إقْرارُها على نَفْسِها (1) [بتَحْريمِه عليها] (2). وكذلك لو أقَرَّ الرَّجُلُ أنَّ هذه أُخْتُه مِن الرَّضاعِ، أو مُحَرَّمَةٌ عليه برَضاع أو غيرِه، وأمْكَنَ صِدْقُه، لم يَحِلَّ له تَزَوُّجُها فيما (3) بعدَ ذلك في ظاهِرِ الحُكْمِ، وأمَّا فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فيَنْبَنِي على عِلْمِه بحَقِيقَةِ الحالِ، على ما ذكَرناه.
3943 -
مسألة: (ولو قال الزَّوْجُ: هي ابْنَتِي مِن الرَّضاعِ. وهي في سِنِّه أو أكْبَرُ منه، لم تَحْرُمْ؛ لِتَحَقُّقِنا كَذِبَه)
وقد [ذكَرْنا ذلك] 137.134135136
الحديث: 3943 - الجزء: 24 - الصفحة: 280
وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً لَهَا لَبَنٌ مِنْ زَوْجٍ قَبْلَهُ، فَحَمَلَتْ مِنْهُ وَلَمْ يَزِدْ لَبَنُهَا، فهُوَ لِلأَوَّلِ، وَإنْ زَادَ لَبَنُهَا فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا، صَارَ ابْنًا لَهُمَا.
وَإنِ انْقَطَعَ لَبَنُ الْأوَّلِ، ثُمَّ ثَابَ بِحَمْلِهَا مِنَ الثَّانِي، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ.
وَعِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ، هُوَ ابْنُ الثَّانِي وَحْدَهُ.
3944 - مسألة: (وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً لَهَا لَبَنٌ مِنْ زَوْجٍ قَبْلَهُ، فَحَمَلَتْ مِنْهُ وَلَمْ يَزِدْ لَبَنُهَا، فهُوَ لِلأَوَّلِ، وَإنْ زَادَ لَبَنُهَا فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا، صَارَ ابْنًا لَهُمَا.
وَإِنِ انْقَطَعَ لَبَنُ الْأوَّلِ، ثُمَّ ثَابَ بِحَمْلِهَا مِنَ الثَّانِي، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ.
وَعِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ، هُوَ ابْنُ الثَّانِي وَحْدَهُ)
وجملةُ ذلك، أنَّ الرَّجُلَ إذا طَلَّقَ زَوْجَتَه، ولها منه لَبَنٌ، فتَزَوَّجَتْ آخَرَ، لم يَخْلُ مِن خَمْسَةِ أحْوالٍ؛
الحديث: 3944 - الجزء: 24 - الصفحة: 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحَدُها، أن يَبْقَى لَبَنُ 138 الأوَّلِ بحالِه، لم يَزِدْ ولم يَنْقُصْ، ولم تَلِدْ مِن الثانِي، فهو للأوَّلِ، سَواءٌ حَمَلَتْ مِن الثاني أو لم تَحْمِلْ.
لا نعلمُ فيه خِلافًا، لأنَّ [اللَّبَنَ كان] 139 للأوَّلِ، ولم يتَجَدَّدْ ما يَجْعَلُه مِن الثاني، فبَقِيَ للأوَّلِ.
الثاني، أن لا تَحْمِلَ مِن الثاني، فهو للأوَّلِ، سواءٌ زادَ أو لم يَزِدْ، أو انْقَطَعَ ثم عاد أو لم يَنْقَطِعْ.
الثالثُ، أن تَلِدَ مِن الثاني، فاللَّبَنُ له خاصَّةً.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن أحْفَظُ عنه [مِن أهْلِ العِلْمِ] 140، وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
سَواءٌ زادَ أو [لم يَزِدْ] 141، انْقَطَعَ أو لم يَنْقَطِعْ، لأنَّ لَبَنَ الأوَّلِ يَنْقَطِعُ بالولادَةِ مِن الثاني، فإنَّ حاجةَ الموْلودِ تَمْنَعُ كَوْنَه لغيرِه.
الرابعُ، أن يكونَ لَبَنُ الأوَّلِ باقِيًا، وزادَ بالحَمْلِ مِن الثاني، فاللَّبَنُ
الجزء: 24 - الصفحة: 282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منهما جميعًا، في قولِ أصْحابِنا.
وقال أبو حنيفةَ: هو للأوَّلِ، ما لم تَلِدْ مِن الثاني.
وقال الشافعيُّ: إن لم يَنتَهِ الحَمْلُ إلى حالٍ يَنْزِلُ 142 منه 143 اللَّبنُ، فهو للأوَّلِ، وإن بَلَغَ إلى حالٍ يَنْزِلُ به اللَّبَنُ، فزادَ به، ففيه قَوْلان؛ أحَدُهما، هو للأوَّلِ.
والثاني، هو لهما.
ولَنا، أنَّ زِيادَتَه عندَ حُدوثِ الحَمْلِ ظاهِرٌ في أنَّها 144 منه، وبَقاءُ لَبَنِ الأوَّلِ يَقْتَضِي كَوْنَ أصْلِه منه، فيَجِبُ أن يُضافَ إليهما، كما لو كان الوَلَدُ منهما.
الحالُ الخامسُ، انْقَطَعَ مِن الأولِ، ثم ثَابَ بالحَمْلِ مِن الثاني.
فقال أبو بكرٍ: هو منهما.
وهو أحَدُ أقْوالِ الشافعيِّ، إذا انْتَهَى الحَمْلُ إلى حالٍ يَنْزِلُ به اللَّبَنُ؛ وذلك لأنَّ اللَّبَنَ كان للأوَّلِ، فلمَّا عادَ بحُدُوثِ الحَمْلِ، فالظاهِرُ أنَّ لَبَنَ الأوَّلِ ثابَ بسَبَبِ الحَمْلِ الثاني، فكان مُضافًا إليهما، كما لو لم يَنْقَطِعْ.
واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه مِن الثاني.
وهو القولُ الثاني للشافعيِّ 145؛ لأنَّ لَبَنَ الأولِ انْقَطَع، فزال حُكْمُه بانِقْطاعِه، وحَدَثَ بالحَمْلِ مِن الثاني، فكان له، كما لو لم يكنْ لها لَبَنٌ مِن الأوَّلِ.
وقال أبو حنيفةَ: هو للأوَّلِ ما لم تَلِدْ مِن الثانِي.
وهو القولُ الثالثُ للشافعيِّ؛ لأنَّ الحَمْلَ لا (4) يَقْتَضِي اللَّبَنَ، وإنَّما يَخْلُقُه اللهُ تعالى للوَلَدِ عندَ وُجُودِه
الجزء: 24 - الصفحة: 283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لحاجَتِه إليه.
وقد سَبَقَ الكلامُ عليه.
فصل: وإذا ادَّعَى أحَدُ الزَّوْجَين على الآخَرِ، أنَّه أقَرَّ أنَّه أخُو صاحِبِه مِن الرَّضاعِ، فأنْكَرَ، لم يُقْبَلْ في ذلك شَهادَةُ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ؛ لأنَّها شَهادَةٌ على الإِقْرارِ، والإِقْرارُ ممَّا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ، فلم يحْتَج فيه إلى شَهادَةِ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ، فلم يُقْبَلْ ذلك، بخِلافِ الرَّضاعِ نفْسِه.
فصل: كَرِهَ أبو عبدِ الله الارْتِضاعَ بلَبَنِ الفُجُورِ والمُشرِكاتِ.
وقال عمرُ بنُ الخطابِ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، رَضِيَ اللهُ عنهما: اللَّبَنُ يُشْبِهُ 146، فلا تَسْقِ 147 مِن يَهُودِيَّةٍ ولا نَصْرانِيَّةٍ ولا زانِيَةٍ، ولا يَقْبَلُ 148 أهْلُ الذِّمَّةِ المُسْلِمَةَ، ولا يَرَى شُعُورَهُنَّ 149. ولأنَّ لَبَنَ الفَاجِرَةِ رُبَّما أفْضَى إلى شَبَهِ المُرْضِعةِ في الفُجُورِ، ويَجْعَلُها أُمًّا لِوَلَدِه، [فيَتَعَيَّرُ بها، ويتَضَرَّرُ] 150 طَبْعًا وتَعَيُّرًا، والارْتِضاعُ مِن المُشْرِكَةِ يجْعَلُها أُمًّا، لها حُرْمَةُ
الجزء: 24 - الصفحة: 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأُمِّ مع شِرْكِها، ورُبَّما مال إليها في مَحَبَّةِ دِينِها.
ويُكْرَهُ الارْتِضاعُ بلَبَنِ الحَمْقاءِ؛ كيلا يُشْبِهَها الوَلَدُ في الحُمْقِ، فإنَّه يُقالُ: إنَّ الرَّضاعَ يُغَيِّرُ الطِّباعَ.
الجزء: 24 - الصفحة: 285