الشرح الكبير على المقنع ت التركيكِتَابُ الْحُدُودِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

لَا يَجِبُ الْحَدُّ إِلَّا عَلَى بَالِغٍ عَاقِلٍ عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ.
كِتابُ الحُدُودِ

4369 -

مسألة: (ولَا يَجِبُ الحَدُّ إلَّا على بالِغٍ عاقِلٍ عالِمٍ بالتَّحْرِيمِ)

[أمَّا البُلوغُ والعَقلُ، فلا خِلافَ في اعْتِبارِهما في وُجوبِ الحَدِّ، وصِحّةِ الإِقْرار] 1. [ولا يجبُ على صَبِىٍّ ولا مَجْنونٍ] 2؛ [لأنَّهما قد رُفِعَ القَلَمُ عنهما] (1)؛ [لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-] 3: «رُفِعَ القَلَمُ [عَنْ ثَلَاثٍ] 4؛ عَن الصَّبِىِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتُّى يُفِيقَ، وعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 5، وقال: حديثٌ حسنٌ.
وفى حديثِ ابنِ عباسٍ، في قِصَّةِ ماعِزٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سأل قَوْمَه: «أَمَجْنُونٌ

الحديث: 4369 - الجزء: 26 - الصفحة: 167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هُوَ؟».
قالوا: ليس به بَأْسٌ 6. ورُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال له حينَ أقَرَّ عندَه: «أَبِكَ جُنُونٌ؟» 7. ورَوَى أبو داودَ 8 بإسْنادِه، قال 9: أُتِى عمرُ بمَجْنُونَةٍ قد زَنَتْ، فاسْتَشَارَ فيها أُناسًا، فأمَرَ بها عمرُ أن تُرْجَمَ، فمَرَّ بها علىُّ بنُ أبى طالبٍ، فقال: ما شأْنُ هذه؟ قالوا: مَجْنونَةُ آلِ فُلانٍ زَنَتْ، فأمَرَ بها عمرُ أن تُرْجَمَ.
فقال: ارْجِعُوا بها.
ثم أتَاه، فقال: يا أمِيرَ المُؤْمِنِين، أمَا عَلِمْتَ أنَّ القَلَمَ قد رُفِعَ عن ثلاثةٍ؛ عن المجْنونِ حتى يَبْرَأَ، وعن النَّائِمِ حتى يَسْتَيْقِظَ، وعن الصَّبِىِّ حتى يَعْقِلَ؟ قال: بَلَى.
قال: فما بالُ هذه؟ قال: لا شئَ.
قال: فأَرْسِلْها.
فأَرْسَلَها.
قال: فجعَلَ عمرُ يُكَبِّرُ.
ولأنَّه إذا سَقَط عنه التَّكْلِيفُ في العِباداتِ، والإِثْمُ في المعَاصِى، فالحَدُّ المَبْنِىُّ على الدَّرْءِ بالشُّبُهاتِ أوْلَى بالإِسْقاطِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يَجِبُ على النَّائِمِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، فلو زَنَى بنائِمَةٍ، أو اسْتَدْخَلَتِ المرأةُ (1) ذَكَرَ نائِمٍ، أو (2) وُجدَ منه الزِّنَى حالَ نَوْمِه، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه مَرْفُوعٌ عنه القَلَمُ.
ولو أقَرَّ (3) حالَ نَوْمِه، لم يُلْتَفَتْ إلى إقْرارِه، لأَنَّ كلامَه ليس بمُعْتَبَرٍ، ولا يَدُلُّ على صِحَّةِ مَدْلُولِه.
فصل: فإنْ كان يُجَنُّ مَرِّةً ويُفِيقُ أُخْرَى، فأقَرَّ في إفاقَتِه أنَّه زَنَى وهو مُفِيقٌ، أو قامَتْ عليه بَيِّنَةٌ أنَّه زَنى في إفاقَتِه، فعليه الحَدُّ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى؛ لأَنَّ الزِّنَى المُوجِبَ للحَدِّ وُجِدَ منه [في حالِ] (4) إفاقَتِه وهو مُكَلَّفٌ، والقَلَمُ غيرُ مَرْفُوعٍ عنه، وإقْرارُه وُجِدَ في حالِ اعْتِبارِ كَلامِه.
فإن أقَرَّ في إفاقَتِه، ولم يُضِفْه إلى حالٍ، أو شَهِدَت عليه البَيِّنَةُ بالزِّنَى، ولم تُضِفْه إلى حالِ إفاقَتِه، لم يَجِبِ الحَدُّ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه وُجِدَ في حالِ جُنُونِه، فلم يَجِبِ الحَدُّ مع الاحْتِمالِ.
وقد رَوَى أبو داودَ، في حديثِ المجْنونَةِ التى أُتِى بها عُمَرُ، أنَّ عَليًّا قال: هذه مَعْتُوهَةُ بنى فلانٍ، لعَلَّ الذى أتاها أتاها في بَلائِها.
فقال عمرُ: لا أدْرِى.
فقال علىٌّ: وأنا لا أدْرِى.

4370 -

مسألة: ولا يَجِبُ الحَدُّ إلَّا على عالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ.

قال10111213

الحديث: 4370 - الجزء: 26 - الصفحة: 169

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ إلَّا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ.
عُمَرُ، وعلىٌّ، وعُثمانُ: لا حَدَّ إلَّا على مَن عَلِمَه (1). وبهذا قال عامَّةُ أهلٍ العلمِ.
وقد رَوَى سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، قال: ذُكِرَ الزِّنَى بالشَّامِ، فقال رَجُلٌ: زَنَيْتُ البارِحَةَ.
قالوا: ما تقولُ؟ قال: ما عَلِمْتُ أنَّ اللَّه حَرَّمَه.
فكُتِبَ بها إلى عُمَرَ، فكَتَب: إن كان يَعْلَمُ أنَّ اللَّه حَرَّمَه فحُدُّوه، وإن لم يَكُنْ عَلِمَ فأعْلِمُوه، فإن عادَ فارْجُموه (2). وسَواءٌ جَهِلَ تَحْريمَ الزِّنَى أو تحْريمَ عينِ المرأةِ، مثلَ أن تُزَفَّ (3) إليه غيرُ (4) امرأتِه، فيَظُنَّها زَوْجَتَه، أو تُدْفَعَ إليه جارِيةٌ، فيَظُنَّها جارِيَتَه، فيَطَأَها، فلا حَدَّ عليه.

4371 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ أن يُقِيمَ الحَدَّ إلَّا الإِمامُ أو نائِبُه)

لأنَّه حَقٌّ للَّه تعالى، ويَفْتَقِرُ إلى الاجْتِهادِ، ولا يُؤْمَنُ مِن اسْتِيفائِه الحَيْفُ،14151617

الحديث: 4371 - الجزء: 26 - الصفحة: 170

إلَّا السَّيِّدَ، فَإِنَّ لَهُ إِقَامَةَ الْحَدِّ بِالْجَلْدِ خَاصَّةً عَلَى رَقِيقِهِ الْقِنِّ.
وَهَلْ لَهُ الْقَتْلُ فِى الرِّدَّةِ، وَالْقَطْعُ فِى السَّرِقَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فوَجَب تَفْوِيضُه إلى نائبِ اللَّهِ تعالى في خَلْقِه، ولأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُقِيمُ الحَدَّ في حَياتِه، وخُلَفاؤُه بعدَه.
ولا يَلْزَمُ حُضُورُ الإِمامِ إقامَتَه؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرأَةِ هذَا، فَإن اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (1). وأمَرَ برَجْمِ ماعزٍ، ولم يَحْضُرْ.
وأُتِىَ بسارِقٍ، فقال: «اذْهبُوا بِهِ (2) فَاقْطَعُوهُ» (3). وجميعُ الحُدُودِ في هذا سَواءٌ، حَدُّ القَذْفِ وغيرُه؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ فيه مِن (4) الحَيْفِ (5) والزِّيادَةِ على الواجِبِ، ويَفْتَقِرُ إلى الاجْتِهادِ، فأشْبَهَ سائِرَ الحُدُودِ.

4372 -

مسألة: (إلَّا السَّيِّدَ، فإنَّ له إقامَةَ الحَدِّ بالجَلْدِ خاصَّةً على رَقِيقِه القِنِّ. وهل له القَتْلُ في الرِّدَّةِ، والقَطْعُ في السَّرِقَةِ؟ على رِوايَتَيْن)

وجملةُ ذلك، أنَّ للسَّيِّدِ إقامَةَ الحَدِّ بالجَلْدِ على رَقِيقِه القِنِّ، في1819202122

الحديث: 4372 - الجزء: 26 - الصفحة: 171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قولِ أكثرِ العُلَماءِ 23. رُوِى نحوُ ذلك عن علىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وأبى حُمَيْدٍ 24 وأبى أُسَيْدٍ 25 السَّاعِدِيَّيْن، وفاطمةَ بِنْتِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وعَلْقَمَةَ، والأسْوَدِ، والحسنِ، والزُّهْرِىِّ، وهُبَيْرَةَ بنِ يَرِيمَ 26، وأبى مَيْسَرَةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال ابنُ أبى لَيْلَى: أدْرَكْتُ بَقايا الأنْصارِ يَجْلِدُونَ وَلائِدَهم في مَجالِسِهم الحُدودَ إذا زَنَوْا 27. وعن الحسنِ بنِ محمدٍ، أنَّ فاطمةَ حَدَّتْ جارِيَةً لها زَنَتْ 28. وعن إبراهيمَ، أنَّ عَلْقَمَةَ والأسْوَدَ كانا يُقِيمانِ الحُدُودَ على مَنْ زَنَى مِن خَدَمِ عشائِرِهم 29. روَى ذلك سعيدٌ، في «سُنَنِهِ».
وقال أصحابُ الرَّأْى: ليس له ذلك؛ لأَنَّ الحُدُودَ إلى

الجزء: 26 - الصفحة: 172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  السُّلْطانِ، ولأَنَّ مَن لا يَمْلِكُ إقامَةَ [الحَدِّ على] 30 الحُرِّ لا يَمْلِكُهُ على العَبْدِ، كالصَّبِىِّ، ولأَنَّ الحَدَّ لا يَجِبُ إلَّا ببيِّنَةٍ أو إقْرارٍ، وتُعْتَبَرُ لذلك شُرُوطٌ؛ مِن عَدالَةِ الشُّهُودِ، ومَجِيئِهم مُجْتَمِعِينَ، أو في مَجْلِسٍ واحدٍ، وذِكْرِ حَقِيقَةِ الزِّنى، وغيرِ ذلك مِن الشُّرُوطِ التى تَحْتاجُ إلى فَقِيهٍ يَعْرِفُها، ويَعْرِفُ الخِلافَ فيها، [والصَّوابَ منها] 31، وكذلك الإقْرارُ، فيَنْبَغِى أن يُفَوَّضَ ذلك إلى الإمام أو نائِبِه، كحَدِّ الأحْرارِ، ولأنَّه حَدُّ هو حَقٌّ للَّهِ تعالى، فَيُفَوَّضُ إلى الإمام، كالقَتْلِ والقَطْعِ.
ولَنا، ما روَى سعيدٌ 32، ثَنا سُفيانُ، عنَ أيُّوبَ بنِ موسى، عن سعيدِ بنِ أبى 33 سعيدٍ، عن أبى هُرَيْرَةَ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أحَدِكُمْ،

الجزء: 26 - الصفحة: 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَتَبَيَّنَ زِناهَا، فَلْيَجْلِدْهَا، وَلَا يُثَرِّبْ 34 بِهَا، فإنْ عَادَتْ، فَلْيَجْلدْهَا، وَلَا يُثَرِّبْ بِهَا، فإنْ عَادَتْ، فَلْيَجْلِدْهَا، وَلَا يُثَرِّبْ بِها، فإنْ عَادَتِ الرَّابِعَةَ، فَلْيَجْلِدْهَا، وليَبِعْهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ 35». وقال: حدَّثَنا أبو الأحْوَصِ، ثَنا عبدُ الأعْلَى، عن أبى جَمِيلَةَ، [عن علىٍّ] 36، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «وأَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» 37. ورَواه الدَّارَقُطْنِىُّ 38. ولأَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ تَأْدِيبَ أمَتِه وتَزْوِيجَها، فَمَلَكَ إقامَةَ

الجزء: 26 - الصفحة: 174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحَدِّ عليها، كالسُّلْطانِ.
وبهذا فارَقَ الصَّبِىَّ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّما يَمْلِكُ إقامَةَ 39 الحَدِّ بشُرُوطٍ أرْبَعَةٍ؛ أحَدُها، أن يكونَ جَلْدًا 40، كحَدِّ الزِّنَى، والشُّرْبِ، وحَدِّ القَذْفِ، فأمَّا القَتْلُ في الرِّدَّةِ، والقَطْعُ في السَّرِقَةِ، فلا يَمْلِكُهما 41 إلَّا الإِمامُ.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وفيهما 42 رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُهُما.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعىِّ؛ لعُموم قولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ».
ورُوِىَ أنَّ ابنَ عُمَرَ قَطَع عبدًا سَرَقَ 43. وكذلك عائشةُ 44. وعن حَفْصَةَ أنَّها قَتَلَتْ أمَةً لها سَحَرَتْها 45. ولأَنَّ ذلك حَدٌّ، أَشْبَه الجَلْدَ.
ولَنا، أنَّ الأَصْلَ تَفْوِيضُ

الجزء: 26 - الصفحة: 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحَدِّ إلى الإِمامِ؛ لأنَّه حَقٌّ للَّهِ تعالى، فَيُفَوَّضُ إلى نائِبِه، كما في حَقِّ الأحْرارِ، ولِما ذَكَرَه أصحابُ أبى حنيفةَ، وإنَّما فُوِّضَ إلى السَّيِّدِ الجَلْدُ خاصَّةً؛ لأنَّه تأْدِيبٌ 46، والسَّيِّدُ يَمْلِكُ تأديبَ عبدِه وضَرْبَه على الذَّنْبِ، وهذا مِن جِنْسِه، وإنَّما افْتَرَقا في أنَّ هذا مُقَدَّرٌ، والتأديبُ غيرُ مُقَدَّرٍ، وهذا لا أثَرَ له في مَنْعِ السَّيِّدِ منه، بخِلافِ القَطْعِ والقَتْلِ، فإنَّهما إتْلافٌ لجُمْلَتِه أو بعضِه الصَّحيحِ، ولا يَمْلِكُ السَّيِّدُ هذا مِن عبدِه، وِلا شيئًا مِن جِنْسِه، والخبرُ الوارِدُ في حَدِّ السَّيِّدِ عبدَه، إنَّما جاء في الزِّنَى خاصَّةً، وإنَّما قِسْنا عليه ما يُشْبِهُه مِن الجَلْدِ.
وقولُه: «أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ».
إنَّما جاء في سِياقِ الحَدِّ في الزِّنَى، فإنَّ أوَّلَ الحديثِ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: أُخْبِرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بأمَةٍ لهم 47 فَجَرَتْ، فأرْسَلَنِى إليها، فقال: «اجْلدْهَا الحَدَّ».
قال: فانطلَقْتُ فوَجَدْتُها لم تَجِفَّ مِن دَمِها، فرَجَعْتُ إليه، فقال: «أَفَرَغْتَ؟» فقلتُ: وَجَدْتُها لم تَجِفَّ مِن دَمِها.
قال: «إذا جَفَّتْ مِنْ دَمِهَا، فَاجْلدْهَا الحَدَّ، وَأَقيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ» 48. فالظَّاهِرُ أنَّه إنَّما أرادَ ذلك الحَدَّ وشِبْهَه.
وأمَّا فِعْلُ حَفْصَةَ، فقد أنْكَرَه عُثمانُ عليها، وشَقَّ عليه.

الجزء: 26 - الصفحة: 176

وَلَا يَمْلِكُ إِقَامَتَهُ عَلَى مُكَاتَبِهِ، وَلَا عَلَى مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، وَلَا أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ.
وما رُوِى عن ابنِ عمرَ، فلا نَعْلَمُ ثُبُوتَه عنه.

4373 -

مسألة: (ولا)

يَمْلِكُ إقامَتَه (على مَن بعضُه حُرٌّ، ولا أمَتِه المُزَوَّجَةِ) وقال مالكٌ، والشافعىُّ: [يَمْلِكُ السَّيِّدُ] 49 إقامَةَ الحَدِّ على الأمَةِ المُزَوَّجَةِ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّه مُخْتَصٌّ بمِلْكِهَا، وإنَّما يَمْلِكُ الزَّوْجُ بعضَ نَفْعِها، فأشْبَهَتِ المُسْتَأْجَرَةَ.
ولَنا، ما رُوِى عن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: إذا كانتِ الأمَةُ ذاتَ زَوجٍ، رُفِعَتْ إلى السُّلْطانِ، وإن لم يَكُنْ لها زَوْجٌ، جلَدَها سَيِّدُها نِصْفَ ما على المُحْصَنَ 50. ولا نَعْرِفُ له مُخالِفًا في عَصْرِه.
ولأَنَّ نَفْعَها مملوكٌ لغيرِه مُطْلَقًا، أشْبَهَتِ = ومن حديث عبد الرحمن السلمى موقوفا على علىٍّ بلفظ: «يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد.
. .». أخرجه مسلم، في: باب تأخير الحد على النفساء، من كتاب الحدود.
صحيح مسلم 3/ 1330. والترمذى، في: باب ما جاء في إقامة الحد على الإماء، من أبواب الحدود.
عارضة الأحوذى 6/ 220. وانظر الكلام على الحديث في: الإرواء 7/ 359، 360.

الحديث: 4373 - الجزء: 26 - الصفحة: 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُشْتَرَكَةَ، ولأَنَّ المُشْتَرَكَ إنَّما مُنِعَ مِن إقامَةِ الحَدِّ عليه؛ لأنَّه يُقِيمُه في غيرِ مِلْكِه، لأَنَّ الجُزْءَ الحُرَّ أو المملوكَ لغيرِه، ليس بمَمْلوكٍ له، وهذا يُشْبِهُه؛ لأَنَّ مَحَلَّ الحَدِّ هو 51 مَحَلُّ اسْتِمْتاعِ الزَّوْجِ، وهو بَدَنُها، فلا يَمْلِكُه، والخبرُ مخْصوصٌ بالمُشْتَرَكِ، فنَقِيسُ عليه، والمُسْتأْجَرَةُ إجارَتُها مُؤَقَّتَةٌ تَنْقَضِى.
ويَحْتَمِلُ أن نقولَ: لا يَمْلِكُ إقامَةَ الحَدِّ عليها في حالِ إجارَتها؛ لأنَّه رُبَّما أفْضَى إلى تَفْوِيتِ حَقِّ المُسْتأْجِرِ، وكذلك الأمَةُ المَرْهُونَةُ، يُخَرَّجُ فيها وَجْهانِ.
فصل: ويُشْتَرَطُ أن يكونَ السَّيِّدُ بالِغًا عاقِلًا عالِمًا بالحُدُودِ وكَيْفِيَّةِ إقامَتِها؛ لأَنَّ الصَّبِىَّ والمَجْنُونَ ليسَا مِن أهلِ الولاياتِ، والجاهلَ بالحَدِّ لا يُمْكِنُه إقامَتُه على الوَجْهِ الشَّرْعِىِّ، فلا يُفوَّضُ إليه.

الجزء: 26 - الصفحة: 178

وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ فَاسِقًا أَوْ امرأَةً، فَلَهُ إِقَامَتُهُ فِى ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَهُ.

4374 - مسألة: (وإن كان السَّيِّدُ فاسِقًا أو امرأةً، فله إقامَتُه في ظاهِرِ كلامِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَه)

في الفاسقِ وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا يَمْلِكُه؛ لأَنَّ هذه وِلايَةٌ، فنَفاها الفِسْقُ، كوِلايةِ التَّزْويجِ.
والثانى، يَمْلِكُه؛ لأنَّها وِلايةٌ اسْتَفادَها بالمِلْكِ، فلم يُنَافِها الفِسْقُ، كبَيْعِ العبدِ.
وفى المرأةِ أيضًا وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا تَملِكُه؛ لأنَّها ليست مِن أهلِ الوِلاياتِ.
والثانى، تَمْلِكُهُ؛ لأَنَّ فاطِمَةَ جَلَدَتْ أمَةً لها، وعائِشَةَ قَطَعَتْ أمَةً لَها سَرَقَتْ، وحَفْصَةَ قَتَلَتْ أمَةً لَها سَحَرَتْها.
ولأنَّها مالِكَة تامَّةُ المِلْكِ مِن أهلِ التَّصَرُّفاتِ، أشْبهتِ الرجلَ.
وفيه وَجْهٌ ثالث، أنَّ الحَدَّ يُفَوَّضُ إلى وَلِيِّها؛ لأنَّه يُزَوِّجُ أمَتَها.

الحديث: 4374 - الجزء: 26 - الصفحة: 179

وَلَا يملِكُهُ الْمُكَاتَبُ.
وَيَحتَمِلُ أَنْ يملِكَهُ.
وَسَوَاءٌ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ.

4375 - مسألة: (ولا يَملِكُه المُكاتَبُ)

لأنَّه ليس مِن أَهْلِ الوِلايةِ.
وفيه وَجْهٌ أنَّه يَملِكُه؛ لأنَّه يُسْتَفادُ بالمِلْكِ، فأَشْبَهَ سائِرَ تَصَرُّفاتِه.
4376 -

مسألة: (وسَواء ثَبَت ببيِّنَةٍ أو إقْرارٍ)

إذا ثَبَتَ باعْتِرافٍ، فللسَّيِّدِ إقامَتُه، إن كان يَعتَرِف الاعتِرافَ الذى يَثْبُتُ به الحَدُّ وشُرُوطُه، وإن ثَبَت ببَيِّنَةٍ، اعتُبِرَ أن تَثْبُتَ عندَ الحاكمِ؛ لأَنَّ البَيِّنَةَ تَحْتاجُ إلى البَحْثِ

الحديث: 4375 - الجزء: 26 - الصفحة: 180

وَإِنْ ثَبَتَ بِعِلْمِهِ، فَلَهُ إِقَامَتُهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَملِكَهُ،  عن العَدالةِ، ومَعْرفَةِ (1) شُرُوطِ سَماعِها ولَفْظِها، ولا يقومُ بذلك إلَّا الحاكِمُ.
وقال القاضى يعقوبُ (2): إن كان السَّيِّدُ يُحْسِنُ سَماعَ البَيِّنَةِ، ويَعرِفُ شُرُوطَ العَدالَةِ، جازَ أن يَسْمَعَها، ويُقِيمَ الحَدَّ بها، كما يُقِيمُه بالإِقْرارِ.
وهذا ظاهِرُ نَصِّ الشافعىِّ؛ لأنَّها أحَدُ ما يَثْبُتُ به الحَدُّ، فأشْبَهتِ الإِقْرارَ.

4377 -

مسألة: (وإن ثَبَت بعِلْمِه، فله إقامَتُه. نَصَّ عليه.

5253 الحديث: 4377 - الجزء: 26 - الصفحة: 181

كَالإِمَامِ.
وَلَا يُقِيمُ الإِمَامُ الْحَدَّ بِعِلْمِهِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يملِكَه، كالإِمامِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في ذلك، فرُوِىَ عنه أن السَّيِّدَ لا يُقِيمُه بعِلْمِه.
وهذا قولُ مالكٍ؛ لأَنَّ الإِمامَ لا يُقِيمُه بعِلْمِه، فالسَّيِّدُ أوْلَى، ولأَنَّ وِلايةَ الإِمامِ للحَدِّ أقْوَى مِن وِلايَةِ السَّيِّدِ؛ لكَوْنِها مُتَّفَقًا عليها، وثابتةً بالإِجْماعِ، فإذا لم يَثْبُتِ الحَدُّ في حَقِّه بالعِلْمِ، فههُنا أوْلَى.
وعن أحمدَ رِوايَة أُخْرَى، أنَّه يُقِيمُه بعِلْمِه؛ لأنَّه قد ثَبَت عندَه، فمَلَكَ إقامَتَه، كما لو أقَرَّ به، ولأنَّه يملِكُ تأْدِيبَ عبدِه بعِلْمِه، وهذا يَجْرِى مَجْرَى التَّأْدِيبِ، ويفارِقُ الحاكِمَ؛ لأَنَّ الحاكِمَ مُتَّهَمٌ لا يَملِكُ مَحلَّ إقامَتِه، وهذا بخِلافِه.
وهذا ظاهِرُ المذْهبِ.

4378 -

مسألة: (ولا يُقِيمُ الإِمامُ الحَدَّ بعِلْمِه)

هذا ظاهِرُ المذهبِ.
رُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وبه قال مالكٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وهو أحَدُ قولَىِ الشافعىِّ.
وقال في الآخَرِ:

الحديث: 4378 - الجزء: 26 - الصفحة: 182

وَلَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِى الْمَسَاجِدِ.
له إقامَتُه بعِلْمِه.
وهو قولُ أبى ثَوْرٍ.
وعن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، نحوُ ذلك؛ لأنَّه إذا جازَتْ له إقامَتُه بالبَيِّنَةِ والاعتِرافِ الذى لا يُفِيدُ [إلَّا الظنَّ] (1)، فبما (2) يُفِيدُ العلمَ أوْلَى.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (3). وقال سُبحانَه: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (4). وقال عُمرُ: أو كان الحَبَلُ أو الاعتِرافُ (5). ولأنَّه لا يجوزُ له أن يَتَكَلَّمَ به، ولو رَماه بما عَلِمَه منه لَكانَ قاذِفًا، يَلْزَمُه حَدُّ القَذْفِ، فلم تَجُزْ إقامَةُ الحَدِّ به (6)، كقولِ (7) غيرِه، ولأنَّه إذا حَرُمَ النُّطْقُ به، فالعملُ به أوْلَى.

4379 -

مسألة: (ولا تُقامُ الحُدُودُ في المساجِدِ)

لِما روَى حَكِيمُ ابنُ حِزام، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهى أن يُسْتَقادَ في المسجدِ، وأن تُنْشَدَ54555657585960

الحديث: 4379 - الجزء: 26 - الصفحة: 183

وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِى الْحَدِّ قَائِمًا،  فيه الأشْعارُ، وأن تُقامَ فيه الحُدُودُ (1). ولأنَّه لا يُؤْمَنُ أن يَحْدُثَ مِن المَحْدودِ شئٌ يَتَلَوَّثُ به المسجدُ.
فإن أُقِيمَ فيه، سَقَط الفرضُ؛ لحُصُولِ المقْصُودِ وهو الزَّجْرُ، ولأَنَّ المُرتَكِبَ للنَّهْى غيرُ المَحْدُودِ، فلم يَمْنَعْ ذلك سُقُوطَ الفَرضِ عنه، كما لو اقْتَصَّ في المسْجدِ.

4380 -

مسألة: (ويُضْرَبُ الرجلُ قائِمًا)

[وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ] 62. وقال مالكٍ: يُضْرَبُ جالِسًا.
قال أبو الخَطَّاب: وقد روَى حَنْبَلٌ أنّه يُضْرَبُ قاعِدًا؛ لأنَّ اللَّه تعالى لم يَأْمُرْ بالقِيام، ولأَنّه مَجْلُودٌ في حَدٍّ، أشْبَهَ المرأةَ.
ولَنا، قولُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لكلِّ مَوْضِعٍ مِن الجَسَدِ 63 حَظٌّ إلَّا الوَجْه والفَرْجَ.
وقال للجَلَّادِ: اضْرِبْ، وأوْجِعْ، واتَّقِ الرَّأْسَ والوَجْهَ 64. ولأنَّ قِيامَه وَسِيلةٌ إلى إعْطاءِ كلِّ عُضْوٍ61

الحديث: 4380 - الجزء: 26 - الصفحة: 184

بِسَوْطٍ لَا جَدِيدٍ وَلَا خَلَقٍ.
حَظَّه مِن الضَّرْبِ.
وقولُه: إنَّ اللَّه لم يَأْمُرْ بالقِيامِ.
قُلْنا: ولم يَأْمُرْ بالجُلُوسِ، ولم يَذْكُرِ الكيْفِيَّةَ، فعَلمناها مِن دَلِيلٍ آخَرَ، ولا يَصِحُّ قِياسُ الرجُلِ على المرأةِ في هذا؛ لأَنَّ المرأةَ يُقْصَدُ سَتْرُها، ويُخْشَى هَتْكُها.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُضْرَبُ بسَوطٍ.
وحُكِىَ عن بعضِهم أن حَدَّ الشُّربِ يُقامُ بالأيْدِى، والنِّعالِ، وأطْرافِ الثِّيابِ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أتِىَ برجلٍ قد 65 شَرِبَ، فقال: «اضْرِبُوهُ».
قال أبو هُرَيْرَةَ: فمِنّا الضَّارِبُ بيَدِه، والضَّارِبُ بنَعْلِه، والضَّارِبُ بثَوْبِه.
رَواه أبو داودَ 66. ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذا شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدوهُ» 67. والجَلدُ إنَّما يُفْهمُ مِن إطْلاقِه الضربُ بالسَّوْطِ، والخُلَفاءُ الرّاشِدون ضَرَبوا فيه بالسِّياطِ، وكذلك غيرُهم، فصار إجْماعًا، ولأنَّه جَلْدٌ في حَدٍّ، فكان

الجزء: 26 - الصفحة: 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالسَّوْطِ كغيرِه.
فأمَّا حديثُ أبى هُرَيْرَةَ، فكان في بَدْءِ الإِسلامِ، ثم جَلَد النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، واسْتَقَرَّتِ الأمُورُ، فقد صَحَّ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَلَد أرْبَعِين، وجَلَد أبو بكرٍ أربعِين، وجَلَد عمر ثمانين 68. وفى حديثِ عمرَ 69 قال: أئْتُونِى بسَوْطٍ.
فجاءَة أسْلَمُ مَوْلاه بسَوْطٍ دَقِيقٍ، فأخذَه عمرُ، فمَسَحَه بيَدِه، ثم قال لأسْلَمَ: ائْتِنِى بسَوْطٍ غيرِ هذا.
فأتاه به تامًّا، فأمرَ عُمرُ بقُدامَةَ 70 فجُلِدَ 71 إذا ثَبَت هذا، فإنَّ السَّوْطَ يكون وَسَطًا لا جديدًا فيَجْرَحَ، ولا خَلَقًا فلا يُؤْلِمَ؛ لِما رُوِىَ أنَّ رجلًا اعتَرَفَ عندَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأُتِىَ بسَوْطٍ مكْسورٍ، فقال: «فَوْقَ هذا».
فأتِىَ بسَوْطٍ جَدِيدٍ لم تُكْسَرْ ثَمَرتُه، فقال: «بَينَ هذَيْن».
رَواه مالكٌ 72، عن زيدِ بنِ

الجزء: 26 - الصفحة: 186

وَلَا يُمَدُّ، وَلَا يُرْبَطُ، وَلَا يُجَرَّدُ، بَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ الْقَمِيصُ والْقَمِيصَانِ.
أسْلَمَ مُرْسَلًا.
ورُوِىَ عن أبى هرَيْرَةَ مُسْنَدًا (1). وقد رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنه قال: ضَربٌ بينَ ضَرْبَيْن، وسَوْطٌ بينَ سَوْطَيْن (2). يَعْنى وسَطًا، لا شَدِيدًا فيَقْتُلَ، ولا ضَعِيفًا فلا يَرْدَعَ.

4381 -

مسألة: (ولا يُمَدُّ، ولا يُرْبَطُ، ولا يُجَرَّدُ)

قال ابنُ مسعودٍ: ليس في دِيينا مَدٌّ، ولا قَيْدٌ، ولا تَجْرِيدٌ 75. وجَلَد أصحابُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يُنْقَلْ عن أحدٍ منهم مَدٌّ ولِا قيدٌ ولا تَجْرِيدٌ (بل يكونُ عليه القَمِيصُ والقَميصانِ) وإن كان عليه فرْوٌ، أو جُبَّةٌ مَحْشُوَّةٌ، نُزِعَتْ، لأنَّه لو تُرِكَ عليه ذلك لم يُبالِ بالضَّرْبِ.
قال أحمدُ: لو تُرِكَتْ عليه ثِيابُ الشِّتاءِ ما بالَى بالضَّرْبِ.
وقال مالكٌ: يُجَرَّدُ، لأَنَّ الأمْرَ بجَلْدِه يَقْتَضِى 76 مُباشَرَةَ جِسْمِه 77. ولَنا، قولُ ابنِ مسعودٍ، ولم نَعْلَمْ عن7374

الحديث: 4381 - الجزء: 26 - الصفحة: 187

وَلَا يُبَالَغُ فِى ضَرْبِهِ بِحَيْثُ يُشَقُّ الْجِلْدُ، وَيُفَرَّقُ الضَّرْبُ عَلَى أعضَائِهِ، إِلَّا الرّأْسَ وَالْوَجْهَ وَالْفَرْجَ وَمَوْضِعَ الْمَقْتَلِ.
أحدٍ مِن الصَّحابةِ خِلافَه، واللَّهُ تعالى لم يَأمُرْ بتَجْرِيدِه، وإنَّما أمَر بجَلْدِه، ومَن جُلِدَ مِن فَوْقِ الثَّوْبِ فقد جُلِدَ.

4382 -

مسألة: (ولا يُبالَغُ في ضَرْبِه بحيثُ يُشَقُّ الجِلْدُ)

لأَنَّ المقْصودَ أدَبُه لا هَلاكُه (ويُفَرَّقُ الضَّرْبُ على أعْضائِه) وجَسَدِه، فيَأْخُذُ كلُّ عُضْوٍ منه حِصَّتَه، ويُكْثِرُ منه في مَواضِعِ اللَّحمِ، كالألْيَتَيْن والفَخِذَيْنِ، ويَتَّقِى المَقاتِلَ، وهى 78 الرَّأْسُ والوَجْهُ والفَرْجُ مِن الرجلِ والمرأةِ جميعًا؛ لقولِ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لكلِّ مَوْضِعٍ مِن الجَسَدِ حَظٌّ،

الحديث: 4382 - الجزء: 26 - الصفحة: 188

وَالْمَرأةُ كَذَلِكَ، إِلَّا أنَّها تُضْرَبُ جَالِسَةً، وَتُشَدُّ عَلَيْها ثِيَابُهَا، وَتُمسَكُ يَدَاها لِئَلَّا تَنْكَشِفَ.
إلَّا الوَجْهَ والفَرْجَ، ولأَنَّ ما عَدا الأعْضاءَ الثلاثةَ ليس بمَقْتَلٍ، فأَشْبَهَ الظَّهْرَ، ولأَنَّ الرَّأْسَ مَقْتَلٌ، فأَشْبَهَ الوَجْهَ، ولأنه رُبَّما أدَّى ضَرْبُه (5) في رَأْسِه إلى ذَهابِ سَمعِه أو بَصَرِه أو عَقْلِه، أو قَتْلِه، والمقصودُ أدَبُه لا قَتْلُه.

4383 -

مسألة: (والمرأةُ كذلك)

أى 79 فيما ذَكَرنا مِن صِفَةِ الجَلْدِ (إلَّا أنَّها تُضْرَبُ جالِسَةً، وتُشَدُّ عليها ثِيابُها، وتُمسَكُ يَداها، لئَلَّا تَنْكَشِفَ) 80. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ، ومالكٌ.
وقال أبو

الحديث: 4383 - الجزء: 26 - الصفحة: 189

وَالْجَلْدُ في الزِّنَى أَشَدُّ الْجَلْدِ، ثُمَّ جَلْدُ الْقَذْفِ، ثُمَّ الشُّرْبِ، ثُمَّ التَّعْزِيرِ.
يوسفَ: تُحَدُّ المرأةُ قائمةً، [كما تُلاعنُ] (1). ولَنا، قولُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه: تُضْرَبُ المرأةُ جالسةً، والرجلُ قائمًا (2). ويُفارِقُ اللِّعانَ (3)، فإنَّه لا يُؤَدِّى إلى كَشْفِ العَوْرَةِ، ولأَنَّ المرأةَ عَوْرَةٌ، وجُلُوسُها أسْتَرُ لها.

4384 -

مسألة: (والجَلْدُ في الزِّنَى أشَدُّ الجَلْدِ، ثم جَلْدُ القَذْفِ، ثم الشُّرْبِ، ثم التَّعْزِيرِ)

كذلك قال أصحابُنا.
وقال مالكٌ: كلُّها واحدٌ؛ لأَنَّ اللَّه تعالى أمَر بجَلْدِ الزَّانِى والقاذِفِ أمْرًا واحدًا، ومقصودُ جَمِيعِها واحِدٌ، وهو الزَّجْرُ، فيجبُ تَساويها في الصِّفَةِ.
وعن أبى حنيفةَ: التَّعْزِيرُ أشَدُّها، ثم حَدُّ 84 الزَّانِى، ثم الشُّرْبِ، ثم (4) حَدُّ القَذْفِ.
ولَنا، أنَّ اللَّه تعالى خَصَّ الزِّنَى بمَزِيدِ تأكيدٍ، بقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ 85. فاقْتَضَى مَزيدَ تأكيدٍ، ولا يُمْكِنُ818283

الحديث: 4384 - الجزء: 26 - الصفحة: 190

وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ الضَّرْبَ فِى حَدِّ الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، فَلَهُ ذَلِكَ.
ذلك في العَدَدِ، فجُعِلَ في الصِّفَةِ، ولأَنَّ ما دُونَه أخَفُّ منه في العَدَدِ، فلا يجوزُ أن يَزِيدَ عليه في إيلامِه (1) ووَجَعِه.
وهذا دَليلٌ على أنَّ ما خَفَّ في عَدَدِه كان أخَفَّ في صِفَتِه؛ لأنَّه يُفْضِى إلى التَّسْوِيةِ، أو زِيادةِ القَليلِ على ألَمِ الكثيرِ.

4385 -

مسألة: (وإن رأى الإِمامُ الجَلْدَ في حَدِّ الخَمْرِ بالجَرِيدِ والنِّعالِ، فله ذلك)

لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبى هُرَيْرَةَ، قال: أُتِى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- برجلٍ قد شَرِبَ، فقال: «اضْرِبُوهُ».
قال أبو هُرَيْرَةَ: فمِنّا86

الحديث: 4385 - الجزء: 26 - الصفحة: 191

قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يُؤَخَّرُ الْحَدُّ لِلْمَرَضِ، فَإِنْ كَانَ جَلْدًا، وَخُشِىَ عَلَيْهِ مِنَ السَّوْطِ، أُقِيمَ بِأَطْرَافِ الثِّيَابِ وَالْعُثْكُولِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُؤَخَّرَ في الْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ زَوَالُهُ.
الضّارِبُ بيَدِه، والضَّارِبُ بنَعْلِه (1)، والضّارِبُ بثَوْبِه.
رَواه أبو داودَ (2).

4386 -

مسألة: (قال أصحابُنا: ولا يُؤَخَّرُ الحَدُّ للمَرَضِ، فإن كان جَلْدًا، وخُشِىَ عليه مِن السَّوْطِ، أُقِيمَ بأطْرافِ الثِّيابِ والعُثْكُولِ 89. ويَحْتَمِلُ أن يُؤَخَّرَ للمَرَضِ المرْجُوِّ زَوالُه) أمّا إذا كان الحدُّ رَجْمًا، لم يُؤَخَّرْ؛ لأنَّه لا فائدةَ فيه إذا كان قَتْلُه مُتَحَتِّمًا، وإذا كان جَلْدًا،8788

الحديث: 4386 - الجزء: 26 - الصفحة: 192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فالمريضُ على ضَرْبَيْن؛ أحدُهما، يُرْجَى بُرْؤُه، فقال أصحابُنا: يُقامُ عليه الحَدُّ، ولا يُؤَخَّرُ، فإن خُشِىَ عليه مِن السَّوْطِ، ضُرِبَ بسَوْطٍ يُؤْمَنُ معه التَّلَفُ، فإن خِيفَ مِن السَّوْطِ، أُقِيمَ بالعُثْكُولِ.
وهذا قولُ أبى بكرٍ.
وبه قال إسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ؛ لأَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أقامَ الحَدَّ على قُدامَةَ بنِ مَظْعُونٍ في مَرَضِه، ولم يُؤَخِّرْه 90، وانْتَشَرَ ذلك في الصَّحابةِ، ولم يُنْكِروه، فكان إجْماعًا.
ولأَنَّ الحَدَّ واجبٌ على الفَوْرِ فلا يُؤَخَّرُ ما أوْجَبَه اللَّهُ تعالى بغيرِ حُجَّةٍ.
قال القاضى: ظاهِرُ قول الخِرَقِىِّ تأخيرُه؛ لقولِه في 91 مَن يجبُ عليه الحَدُّ: وهو صَحِيحٌ عاقلٌ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ لحديثِ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في التى هى حَدِيثَةُ عَهْدٍ بنِفاسٍ 92، ولأَنَّ في تأْخِيرِه إقامةَ الحَدِّ على الكَمالِ مِن غيرِ

الجزء: 26 - الصفحة: 193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إتْلافٍ، فكان أوْلَى.
وأمّا حديثُ عمرَ في جَلْدِ قُدامةَ، فإنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه كان مَرَضًا خَفِيفًا، لا يَمْنَعُ مِن إقامةِ الحَدِّ على الكَمالِ، ولهذا لم يُنْقَلْ عنه أنَّه خَفَّفَ عنه في السَّوْطِ، وإنَّما اخْتارَ له سَوْطًا وَسَطًا، كالذى يُضْرَبُ به الصَّحِيحُ، ثم إنَّ فِعْلَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُقَدَّمُ على فِعْلِ عمرَ، مع أنَّه اخْتِيارُ علىٍّ وفِعْلُه، وكذلك الحكمُ في تأْخِيرِه في الحَرِّ والبَرْدِ المُفْرِطِ.
الضَّرْبُ الثَّانِى، المريضُ الذى لا 93 يُرْجَى بُرْؤُه.
فهذا يُقامُ عليه الحَدُّ في الحالِ، ولا يؤَخَّرُ، بسَوْطٍ يُؤْمَنُ معه التَّلَفُ، كالقَضِيبِ الصَّغِيرِ، وشِمْراخٍ النَّخْلِ، فإن خِيفَ عليه مِن ذلك، جُمِعَ ضِغْثٌ فيه مائةُ شِمْراخٍ [فضُرِبَ به] 94 ضَرْبَةً واحدةً.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وأنْكَرَ مالكٌ هذا، وقال: قد قال اللَّه تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ 95. وهذا جَلْدَةٌ واحدةٌ.
ولَنا، ما روَى أبو أُمامةَ بنُ سَهْلِ بنِ حُنَيفٍ، عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّ رجلًا اشْتَكَى حتى ضَنِىَ، فدخَلَتْ عليه امرأةٌ، فهَشَّ لها، فوقَعَ بها 96، فسُئِلَ له (4) رسولُ

الجزء: 26 - الصفحة: 194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمَرَ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يأْخُذوا مائةَ شِمْراخٍ فيَضْرِبُوه ضَرْبةً واحدةً.
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ 97. وقال ابنُ المُنْذِرِ 98: في إسْنادِه مَقالٌ.
ولأنَّه لا يَخْلُو مِن أن يُقامَ عليه الحَدُّ على ما ذَكَرْنا, أو لا يُقامَ أصْلًا، أو يُضْرَبَ ضَرْبًا كامِلًا، لا يجوزُ تَرْكُه بالكُلِّيَّةِ؛ لأنَّه يُخالِفُ الكتابَ والسُّنَّةَ، ولا أن يُجْلَدَ جَلْدًا تامًّا؛ لأنَّه يُفْضِى إلى إتْلافِه، فتَعَيَّنَ ما ذَكَرْناه.
وقولُهم: هذا جَلْدَةٌ واحدةٌ.
قُلْنا: يجوزُ أن يُقامَ ذلك في حالِ العُذْرِ، كما قال اللَّهُ تعالى في حَقِّ أيوبَ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ 99. وهذا أوْلَى مِن تَرْكِ حَدِّه بالكُلِّيَّةِ، أو قَتْلِه بما لا يُوجِبُ القَتْلَ.
فصل: وإذا وَجب الحَدُّ على حامِلٍ، لم يُقَمْ عليها حتى تَضَعَ، سَواءٌ كان الحمْلُ مِن زِنًى أو غيرِه.
[لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا] 100. قال ابنُ المُنْذِرِ 101: أجْمَعَ أهْلُ العلمِ على أنَّ الحامِلَ لا تُرْجَمُ حتى تَضَعَ.
وروَى

الجزء: 26 - الصفحة: 195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بُرَيْدَةُ، أنَّ امرأةً مِن بَنِى غامِدٍ قالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، طَهِّرْنِى.
قال: «وَمَا ذَاكَ؟».
قالتْ: إنَّها حُبْلَى مِن زِنًى.
قال: «آنْتِ؟».
قالت: نعم.
فقال لها: «ارْجِعِى حَتَّى تَضَعِى مَا فِى بَطْنِكِ».
قال: فَكَفَلَها رَجُلٌ مِن الأنْصارِ حتى وَضَعَت، قال: فأتَى النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: قد وضَعَتِ الغامِدِيَّةُ.
فقال: «إِذًا لَا [نَرْجُمُهَا، وَنَدَعَ] 102 وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ».
فقامَ رجلٌ مِن الأنْصارِ، فقال: إلىَّ رَضاعُه يا نَبِىَّ اللَّهِ.
قال: فَرَجَمَها.
رَواه مسلمٌ، وأبو داودَ 103. ورُوِىَ أنَّ امرأةً زَنتْ في أيَّامِ عُمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فهَمَّ عمرُ برَجْمِها وهى حامِلٌ، فقال له 104 مُعاذٌ: إن كان لك سَبِيلٌ عليها، فليس لك سَبِيلٌ على حَمْلِها.
فقال: عَجَزَ 105 النِّساءُ أن يَلِدْنَ مِثْلَك.
ولم يَرْجُمْها.
وعن علىٍّ مِثْلُه 106. ولأَنَّ في إقامةِ الحَدِّ عليها في حالِ حَمْلِها إتْلافًا لمَعْصُومٍ، ولا سَبيلَ إليه.
وسَواءٌ كان

الجزء: 26 - الصفحة: 196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحَدُّ رَجْمًا أو غيرَه؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ تَلَفُ الوَلَدِ مِن سِرايَةِ الضَّرْبِ، ورُبَّما سَرَى إلى نَفْسِ المَضْرُوبِ، فيَفُوتُ الولدُ بفَواتِه.
فإذا وَضَعَتِ الوَلَدَ، فإن كان الحَدُّ رَجْمًا، لم تُرْجَمْ حتى تَسْقِيَه اللِّبَأَ؛ لأَنَّ الولدَ لا يَكادُ يَعِيشُ إلَّا به، ثم إن كان له مَن يُرْضِعُه، أو تَكَفَّلَ أحَدٌ برَضَاعِه، رُجِمَتْ، وإلَّا تُرِكَتْ حتى تَفْطِمَه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ الغامِدِيَّةِ، ولِما روَى أبو داودَ 107 بإسْنادِه، عن بُرَيْدَةَ، أنَّ امرأةً أتَتِ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: إنِّى فَجَرْتُ، فواللَّهِ إنِّى لَحُبْلَى.
فقال لها: «ارْجِعِى حَتَّى تَلِدِى».
فَرَجَعَتْ، فلمَّا وَلَدَتْ، أتَتْ بالصَّبِىِّ، فقال: «ارْجِعِى فَأرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ».
فجاءَتْ به وقد فَطَمَتْه، وفى يَدِه شئٌ يَأْكُلُه، فأمَرَ بالصَّبِىِّ فدُفِعَ إلى رجلٍ مِن المسلمين، وأمَرَ بها فحُفِرَ لها، وأمَرَ بها فَرُجِمَت، وأمَرَ بها فصُلِّىَ عليها ودُفِنَتْ.
وإن لم يَظْهَر حَمْلُها، لم تُؤَخَّرْ، لاحْتِمالِ أن تكونَ حَمَلَتْ مِن الزِّنَى؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَجَم اليَهُودِيَّةَ 108 والجُهَنِيَّةَ، ولم يَسْألْ عن اسْتِبْرائِهِما.
وقال لأُنَيْسٍ: «اذْهَبْ إلى امْرَأةِ هذَا، فإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» 109. ولم يأْمُرْه بسُؤالِها عن اسْتِبْرائِها.
ورَجَم علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، شُراحَةَ 110، ولم يَسْتَبْرِئْها.
وإنِ ادَّعَتِ

الجزء: 26 - الصفحة: 197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحَمْلَ قُبِلَ قَوْلُها، كما قُبِلَ قَوْلُ الغامِدِيَّةِ.
فإن كان الحَدُّ جَلْدًا، فإذا وَضَعَتِ الوَلَدَ، وانْقَطَعَ النِّفاسُ، وكانت قَوِيَّةً يُؤْمَنُ تَلَفُها، أُقِيمَ عليها الحَدُّ، وإن كانت في نِفاسِها، أو ضَعِيفَةً يُخافُ تَلَفُها، لم يُقَمْ عليها الحَدُّ حتى تَطْهُرَ وتَقْوَى.
وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبى حنيفةَ.
وذَكَر القاضى أنَّه ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وقال أبو بكرٍ: يُقامُ عليها الحَدُّ في الحالِ، بسَوْطٍ يُؤْمَنُ معه التَّلَفُ، فإن خِيفَ عليها مِن السَّوْطِ، أُقِيمَ بالعُثْكُولِ، وأطْرَافِ الثِّيابِ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر بضَرْبِ المريضِ الذى زَنَى، فقال: «خُذُوا لَهُ مِائَةَ شِمْراخٍ، فَاضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً» 111. ولَنا، ما روَى علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: إنَّ أمَةً لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- زَنَتْ، فأمَرَنِى أن أجْلِدَها، فإذا هى حَدِيثَةُ عَهْدٍ بنِفاسٍ، فخَشِيتُ إن أنا جَلَدْتُها أن أقْتُلَها، فذَكرْتُ ذلك لرسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: «أحْسَنْتَ».
رَواه مسلمٌ، وأبو داودَ 112، ولَفْظُه، قال: فَأتيْتُه، فقال: «يا عَلِىُّ، أفَرَغْتَ؟» فقُلْتُ: أتَيْتُها ودَمُها يَسِيلُ.
فقال: «دَعْهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ عَنْهَا الدَّمُ، ثُمَّ أقِمْ عَلَيْها الحَدَّ».
وفى حديثِ [أبى بَكْرَةَ] 113، أنَّ المرأةَ انْطَلَقَتْ، فوَلَدَتْ غُلامًا، فجاءَتْ به النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-, فقال لها: «انْطَلِقِى فَتَطَهَّرِى مِنَ الدَّمِ».
رَواه أبو داودَ 114. ولأنَّه لو تَوالَى عليه حَدَّان، فاسْتُوفِىَ

الجزء: 26 - الصفحة: 198

وَإِذَا مَاتَ الْمَحْدُودُ فِى الْجَلْدِ، فَالْحَقُّ قَتَلَهُ.
أحدُهما، لم يُسْتَوْفَ الثانى حتى يَبْرَأ مِن الأَوَّلِ.

4387 -

مسألة: (وإذا مات المَحْدُودُ فِى الجَلْدِ، فالحَقُّ قَتَلَه)

ولا يَجِبُ على أحَدٍ ضَمَانُه، [جَلْدًا كان أو غيرَه؛ لأنَّه حَدٌّ وَجَب للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فلم يُودَ مَن ماتَ به، كالقَطْعِ في السَّرِقَةِ] 115. وهذا قولُ مالكٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
وبه قال الشافعىُّ إذا لم يَزِدْ في حَدِّ الخَمْرِ على الأربعين، وإن زاد على الأربعين فماتَ، فعليه الضَّمانُ؛ لأَنَّ ذلك تَعْزِيرٌ، إنَّما يفعلُه الإِمامُ برَأْيِه، وفى قَدْرِ الضَّمانِ قَوْلان؛ أحدُهما، نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه تَلِف مِن فِعْلَيْن؛ مَضْمُونٍ، وغيرِ مَضْمُونٍ، فكان عليه 116 نِصْفُ الضَّمانِ.
والثانى، تُقَسَّطُ الدِّيَةُ على عَدَدِ الضَّرَباتِ كُلِّها، فيَجِبُ مِن الدِّيَةِ بقَدْرِ زِيادَته على الأرْبَعِين.
رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: ما كنتُ لأُقِيمَ حَدًّا على أحَدٍ فيَمُوتَ فأجِدَ في نَفْسِى، إلَّا صاحبَ الخمرِ، لو مات وَدَيْتُه؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَسُنَّه لنا 117. ولَنا، أنَّه حَدٌّ وَجَب للَّهِ تعالى، = 463. مختصرا.
كما أخرجه بتمامه النسائى، في: باب الحفرة للمرأة إلى ثندوتها، من كتاب الرجم.
السنن الكبرى 4/ 287. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 43.

الحديث: 4387 - الجزء: 26 - الصفحة: 199

وَإِنْ زَادَ سَوْطًا أَوْ أَكْثَرَ، فَتَلِفَ بِهِ، ضَمِنَهُ.
وَهَلْ يَضْمَنُ جَمِيعَهُ أَوْ نِصْفَ الدِّيَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فلم يَجِبْ ضَمانُ مَن ماتَ به، كسائِرِ الحدودِ، وما زادَ على الأرْبَعين فهو مِن الحَدِّ على ما نَذْكُرُه، وإن كان تَعْزِيرًا، فالتَّعْزِيرُ يجبُ، فهو بمَنْزِلَةِ الحدِّ.
وأمَّا حديثُ علىٍّ، فقد صَحَّ عنه أنَّه قال: جَلَد رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أرْبَعين، وأبو بكرٍ أرْبَعِين (1). وثَبَت الحَدُّ بالإِجْماعِ، فلم يَبْقَ فيه شُبْهَةٌ.
فصل: ولا نعلمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في سائرِ الحُدودِ، أنَّه إذا أتَى بها على الوَجْهِ المَشْرُوعِ، مِن غيرِ زِيادةٍ، أنَّه لا يَضْمَنُ مَن تَلِف بها؛ لأنَّه فَعَلها بأمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رسولِه، فلا يُؤَاخَذُ به، ولأنَّه نائِبٌ عن اللَّهِ تعالى، فكان التَّلَفُ مَنْسوبًا إلى اللَّهِ سُبحانَه.

4388 -

مسألة: (وإن زادَ)

على الحَدِّ (سَوْطًا أو أكثرَ، فتَلِفَ به ضَمِنَهُ.
وهل يَضْمَنُ جَمِيعَ الدِّيَةِ أو نِصْفَها؟ على وَجْهَيْن) إذا زاد118 = والحديث أخرجه البخارى، في: باب الضرب بالجريد والنعال، من كتاب الحدود.
صحيح البخارى 8/ 197. ومسلم، في: باب حد الخمر، من كتاب الحدود.
صحيح مسلم 3/ 1332. وأبو داود، في: باب إذا تتابع في شرب الخمر، من كتاب الحدود.
سنن أبى داود 2/ 474. وابن ماجه، في: باب حد السكران، من كتاب الحدود.
سنن ابن ماجه 2/ 858. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 130.

الحديث: 4388 - الجزء: 26 - الصفحة: 200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على الحَدِّ فتَلِفَ المحْدُودُ، وَجَب الضَّمانُ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه تَلِفَ بعُدْوانِه، فأشْبَهَ ما لو ضَرَبَه في غيرِ الحَدِّ.
قال أبو بكرٍ: وفى قَدْرِ الضَّمانِ وَجْهانِ؛ أحدُهما، كَمالُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه قَتْلٌ حَصَل مِن جِهَةِ اللَّهِ تعالى وعُدْوانِ الضَّاربِ، فكان الضَّمانُ على العادِى، كما لو ضَرَب مَرِيضًا سَوْطًا فماتَ به، ولأنَّه تَلِف بعُدْوانٍ وغيرِه، فأشْبَهَ ما لو ألْقَى على سَفِينةٍ مُوقَرَةٍ حَجرًا فغَرَّقَها.
والثانى، عليه نصف الضَّمانِ؛ لأنَّه تَلِف بفِعْل مَضْمُونٍ وغيرِ مَضْمونٍ، فوَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ حَسْبُ، كما لو جَرَح نَفْسَه وجَرَحَه غيرُه فماتَ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه.
وقال في الآخَرِ: يَجِبُ مِن الدِّيَةِ بقَدْرِ ما تَعَدَّى به، تُقَسَّطُ الدِّيَةُ على الأسْواطِ كلِّها، وسَواءٌ زاد خَطأً أو عَمْدًا؛ لأَنَّ الضَّمانَ يجبُ في الخَطأِ والعَمْدِ، ثم يُنْظَرُ؛ فإن كان الجَلَّادُ زادَه مِن عندِ نَفْسِه بغيرِ أمْرٍ، فالضَّمانُ على عاقِلَتِه؛ لأَنَّ العُدْوانَ منه، وكذلك إن قال له الإِمامُ: اضْربْ ما شِئْتَ.
وإن كان له مَن يَعُدُّ عليه، فزادَ في العَدَدِ، ولم يُخْبِرْه، فالضَّمانُ على مَن يَعُدُّ، سَواءٌ تَعَمَّدَ ذلك أو أخْطأَ في العَدَدِ؛ لأَنَّ الخَطَأ منه.
وإن أمَرَه الإِمامُ بالزِّيادَةِ على الحَدِّ فزادَ، فقال القاضى: الضَّمانُ على الإِمامِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقِياسُ المذهبِ أنَّه إنِ اعْتَقَدَ وُجوبَ طاعةِ الإِمامِ، وجَهِل تَحْرِيمَ الزِّيادَةِ، فالضَّمانُ على الإِمامِ، وإن كان عالِمًا بذلك، فالضَّمانُ عليه، كما لو أمَرَه الإِمامُ بقَتْلِ رجلٍ ظُلْمًا فقتَلَه.
وكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: يَضْمَنُ الإِمامُ.
فهل يَلْزَمُ عاقِلَتَه أو بيتَ المالِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحداهما، هو في بيتِ المالِ؛ لأن خَطأَه يَكْثُرُ، فلو وَجَب ضَمانُه على عاقِلتِه، أجْحَفَ بهم.
قال القاضى: هذا أصَحُّ.
والثانى، هو على عاقِلَتِه؛ لأنَّها وَجَبَتْ بخَطئِه، فكانت على عاقِلَتِه، كما لو رَمَى صَيْدًا فقَتَلَ آدَمِيًا.
ويَحْتَمِلُ أن تكونَ الرِّوايَتان فيما

الجزء: 26 - الصفحة: 202

وَإِذَا كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا، لَمْ يُحْفَرْ لَهُ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنَ.
إذا وَقَعَتِ الزِّيادَةُ منه خَطأً، أمَّا إذا تَعَمَّدَها، فهذا ظُلْمٌ قَصَدَه، فلا وَجْهَ لتَعَلُّقِ ضَمانِه ببيتِ المالِ بحالٍ، كما لو تَعَمَّدَ جَلْدَ مَن لا حَدَّ عليه.
وأمَّا الكَفَّارَةُ التى تَلْزَمُ الإِمامَ، فلا يَحْمِلُها عنه غيرُه؛ لأنَّها عِبادَةٌ، فلا تَتَعَلَّقُ بغيرِ مَن وُجِدَ منه سَبَبُها، ولأنَّها كَفَّارَةٌ لفِعْلِه، فلا تَحْصُلُ إلَّا بتَحَمُّلِه إيَّاها، ولهذا لا يَدْخُلُها التَّحَمُّلُ بحالٍ.

4389 -

مسألة: (وإذا كان الحَدُّ رَجْمًا، لم يُحْفَرْ له، رجلًا كان أو امرَأةً، في أحدِ الوَجْهَيْن)

سَوِاءٌ ثَبَت ببَيِّنَةٍ أو إِقْرارٍ، أمّا إذا كان الزّانِى رجلًا، لم يُوثَقْ بشئٍ، ولم يُحْفَرْ له، سَواءٌ ثَبَتَ الزِّنَى ببَيِّنةٍ أو إقْرارٍ.
لا نعلمُ فيه خلافًا؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَحْفِرْ لماعِزٍ.
قال أبو سعيدٍ: لمّا أمرَ رسولُ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم- برَجْمِ ماعِزٍ، خرَجْنا به 119 إلى البَقِيعَ،

الحديث: 4389 - الجزء: 26 - الصفحة: 203

وفِى الآخَرِ، إِنْ ثَبَتَ عَلَى الْمَرْأَةِ بِإِقْرَارِهَا، لَمْ يُحْفَرْ لَهَا، وَإِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ حُفِرَ لَهَا إِلَى الصَّدْرِ.
فواللَّهِ ما حَفَرْنا له، ولا أوْثَقْناه، ولكنَّه قام لنا.
رَواه أبو داودَ (1). ولأَنَّ الحَفْرَ له ودَفْنَ بعضِه عُقُوبَةٌ لم يَرِدْ بها الشَّرْعُ في حَقِّه، فوَجب أن لا يَثْبُتَ.

4390 -

مسألة: (وأما المرأةُ، فإن كان ثَبَت بإِقْرَارِها، لم يُحْفَرْ لها، وإن ثَبَت ببَيِّنَةٍ، حُفِرَ لها إلى الصَّدْرِ)

ظاهرُ كلامِ أحمدَ أنَّ المرأةَ لا يُحْفَر لها أيضًا.
وهو الذى ذَكَرَه القاضى في «الخِلافِ»، وذَكَر في «المُجَرَّدِ» أنَّه إن ثَبَت الحَدُّ بإقْرارِها، لم يُحْفَرْ لها، وإن ثَبَت بالبَيِّنةِ، حُفِر لها إلى الصَّدْرِ.
قال أبو الخَطَّاب: وهذا أصَحُّ عندِى.
وهو قولُ أصحابِ الشافعىِّ؛ لِما روَى [أبو بَكْرَةَ] 121 وبُرَيْدَةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَجَم120

الحديث: 4390 - الجزء: 26 - الصفحة: 204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  امرأةً، فحَفَرَ لها إلى الثَّنْدُوَةِ.
رَواه أبو داودَ 122. ولا حاجةَ إلى تَمْكِينِها مِن الهرَبِ؛ لكَوْنِ الحَدِّ ثَبَت بالبَيِّنَةِ، فلا يَسْقُطُ بفعلٍ مِن جِهَتِها، بخِلافِ الثابتِ بالإِقْرارِ، فإنَّها تُتْرَكُ على حالٍ لو أرادتِ الهَرَبَ تَمَكَّنَتْ منه؛ لأَنَّ رُجُوعَها عن إقْرارِها مَقْبُولٌ.
ولَنا، أنَّ أكثرَ الأحاديثِ على تَرْكِ الحَفْرِ، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَحْفِرْ للجُهَنِيَّةِ، ولا لليَهُودِيَّيْنِ، والحديثُ الذى احْتَجُّوا به غيرُ مَعْمُولٍ به، ولا يقولون به، فإنَّ التى نُقِلَ عنه الحَفْرُ لها، ثَبَت حَدُّها بإقْرارِها؛ ولا خِلافَ بينَنا فيها، فلا يَسُوغُ لهم الاحْتِجاجُ به مع مُخالَفَتِهم إيّاه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ ثِيابَ المرأةِ تُشَدُّ عليها، لئَلَّا تَنْكَشِفَ.
وقد روَى أبو داودَ 123 بإِسْنادِه عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ،

الجزء: 26 - الصفحة: 205

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأ الشُّهُودُ بِالرَّجْمِ.
وَإِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ، اسْتُحِبَّ أَنْ يَبْدَأَ الإِمَامُ.
قال: فأمَرَ بها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فشُدَّتْ عليها ثِيابُها.
ولأَنَّ ذلك أسْتَرُ لها.

4391 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَبْدَأ الشهُودُ بالرَّجْمِ. وإن ثَبَت بالإِقْرارِ، اسْتُحِبَّ أن يَبْدَأ الإِمامُ)

السُّنَّةُ أن يدُورَ النَّاسُ حولَ المَرْجُومِ، فإن كان الزِّنَى ثَبَت ببَيِّنَةٍ، اسْتُحِبَّ أن يَبْدَأَ الشُّهُودُ بالرَّجْمِ، وإن كان ثَبَت بإِقْرارٍ، بَدَأ به الإِمامُ أو الحاكِمُ، إن كان ثَبَت عندَه، ثم يَرْجُمُ الناسُ بعدَه.
وقد روَى سعيدٌ 124، بإسنادِه، عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: الرَّجْمُ رَجْمانِ؛ فما كان منه بإقرارٍ، فأوَّلُ مَن يَرْجُمُ الإِمامُ، ثم النَّاس، وما كان 125 ببَيِّنَةٍ، فأوَّلُ مَن يَرْجُمُ البَيِّنَةُ، ثم النَّاسُ.
ولأنَّ فِعْلَ

الحديث: 4391 - الجزء: 26 - الصفحة: 206

وَمَتَى رَجَعَ الْمُقِرُّ بِالْحَدِّ عَنْ إِقْرَارِهِ، قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ رَجَعَ فِى أَثْنَاءِ  ذلك أْبعَدُ لهم مِن التُّهْمَةِ في الكَذِبِ عليه.

4392 -

مسألة: (ومتى رَجَع المُقِرُّ بالحَدِّ عن إقْرارِه، قُبِل منه،

الحديث: 4392 - الجزء: 26 - الصفحة: 207

الْحَدِّ، لَمْ يُتَمَّمْ.
وإن رَجَع في أثْناءِ الحَدِّ، لم يُتَمَّمْ) وجملةُ ذلك، أنَّ مِن شَرْطِ إِقامَةِ الحَدِّ بالإِقْرارِ البَقاءَ عليه إلى تَمامِ الحَدِّ، فإن رَجَع عن إقْرارِه، كُفَّ عنه.
وبهذا قال عَطاءٌ، ويَحيى بنُ يَعْمُرَ، والزُّهْرِىُّ، وحَمَّاد، ومالكٌ، والثَّورِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ.
وقال الحسنُ، وسعيدُ ابنُ جُبَيْرٍ، وابنُ أبى لَيْلَى: يُقامُ عليه الحَدُّ ولا يُتْرَكُ، لأن ماعِزًا هَرَب فقَتلُوه.
ورُوِىَ أنَّه قال: رُدُّونِى إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإِنَّ قَوْمِى هم غَرُّونِى مِن نَفْسِى، وأخْبَرُونِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- غيرُ قاتِلى.
فلم يَنْزِعُوا عنه حتى قَتَلُوه.
رَواه أبو داودَ 126. ولو قُبِلَ رُجُوعُه، للَزِمَتْهُم دِيَتُه، ولأنَّه حَقٌّ وَجَب بإقْرارِه، فلم يُقْبَلْ رُجُوعُه، كسائرِ الحُقوقِ.
وحُكِىَ عن الأوْزاعِىِّ، أنَّه إن رَجَع حُدَّ للفِرْيَةِ على نَفْسِه، وإن رَجَع عن السَّرِقَةِ والشُّرْبِ، ضُرِب دُونَ الحَدِّ.
ولَنا، أنَّ ماعِزًا هَرَب، فذُكِرَ للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ,

الجزء: 26 - الصفحة: 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقال: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» 127. قال ابنُ عبدِ البَرِّ 128: ثَبَت مِن حديثِ أبى هُرَيْرَةَ، وجابرٍ، ونُعَيْمِ بنِ هَزَّالٍ، ونَصْرِ بنِ دَهْرٍ 129، وغيرِهم، أنَّ ماعِزًا لمّا هَرَب، فقال لهم: رُدُّونِى إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: «فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ، يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ».
ففى هذا أوْضَحُ الدَّلائِلِ على أنَّه يُقْبَلُ رُجُوعُه.
وعن بُرَيْدَةَ، قال: كنّا أصحابَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَتَحَدَّثُ أنَّ الغامِدِيَّةَ وماعزَ بنَ مالكٍ، لو رَجَعا بعدَ اعْتِرافِهما.
أو قال: لو لم يَرْجِعا بعدَ اعْتِرافِهما، لم يَطْلُبْهما، وإنَّما رَجَمَهما عندَ الرّابعةِ.
رَواه أبو داودَ 130. ولأَنَّ رُجوعَه شُبْهَةٌ، والحَدُّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولأَنَّ الإِقْرارَ أحَدُ بَيِّنَتَى الحَدِّ، فيَسْقُطُ بالرُّجوعِ عنه، كالبَيِّنَةِ إذا رَجَعَتْ قبلَ إقامَةِ الحَدِّ، وفارَقَ سائِرَ الحُقوقِ، فإنَّها لا تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ.
وإنَّما لم يَجِبْ ضَمانُ ماعِزٍ على الذين قَتَلُوه بعدَ هَرَبِه؛ لأنَّه ليس بصَرِيحٍ في الرُّجوعِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 209

وَإِنْ رُجِمَ بِبَيِّنَةٍ فَهَرَبَ، لَمْ يُتْرَكْ، وَإِنْ كَانَ بِإِقْرَارٍ، تُرِكَ.

4393 - مسألة: (وإن رُجِم ببَيِّنَةٍ فهَرَب، لم يُتْرَكْ، وإن كان بإقْرارٍ، تُرِكَ)

إذا ثَبَت الحَدُّ عليه بإقْرارِه فهَرَب، لم يُتْبَعْ؛ لقول رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ».
وإن لم يُتْرَكْ وقُتِلَ، لم يُضْمَنْ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُضَمِّنْ ماعِزًا مَن قَتَلَه، ولأَنَّ هَرَبَه ليس بصَرِيحٍ في رجُوعِه.
فإن قال: رُدُّونِى إلى الحاكِمِ.
وَجَب رَدُّه، ولم يَجُزْ إتْمامُ الحَدِّ، فإن أُتِمَّ، فلا ضَمانَ على مَن أتَمَّه؛ لِما ذَكَرْنا في هَرَبِه.
وإن رَجَع عن إقْرارِه، وقال: كَذَبْتُ في إقْرارِى.
أو: رَجَعْت عنه.
أو: لم أفْعَلْ ما أقْرَرْتُ به.
وَجَب تَرْكُه، فإن قَتَلَه قاتِلٌ بعدَ ذلك، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه قد زال إقْرارُه بالرُّجوع عنه، فصارَ كمَن لم يُقِرَّ، ولا قِصاصَ على قاتِلِه؛ لأَنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفوا في صِحَّةِ رُجُوعِه، فكان اخْتِلافُهم شُبْهَةً [دارِئَةً للقصاصِ] 131، ولأَنَّ

الحديث: 4393 - الجزء: 26 - الصفحة: 210

فَصْلٌ: وَإِذَا اجْتَمَعَتْ حُدُودٌ للَّهِ فِيهَا قَتْلٌ، اسْتُوفِىَ وَسَقَطَ سَائِرُهَا.
صِحَّةَ الرُّجوعِ ممَّا يَخْفَى، فيكونُ ذلك عُذْرًا مانِعًا مِن وُجوبِ القِصاصِ.
فأمَّا إن رُجِمَ ببَيِّنَةٍ فهَرَبَ، لم يُتْرَكْ؛ لأَنَّ زِناه ثَبَت على وَجْهٍ لا يَبْطُلُ برُجوعِه، فلم يُؤثِّرْ فيه هَرَبُه، كسائرِ الأحْكامِ.
واللَّهُ أعلمُ.

فصل

: (وإذا اجْتَمَعَتْ حُدودٌ للَّهِ) تعالى (فيها قَتْلٌ، اسْتُوفِىَ، وسَقَط سائِرُها) إذا اجْتَمَعَتِ الحُدودُ، لم تَخْلُ مِن ثلاثةِ أقسامٍ؛

الجزء: 26 - الصفحة: 211

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فيها قَتْلٌ؛ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ مِثْلَ أَنْ زَنَى، أَوْ سَرَقَ، أَوْ شَرِبَ مِرَارًا، أَجْزَأَ حَدٌّ وَاحِدٌ.
أحدُها، أن تكونَ خالِصَةً للَّهِ تعالى، فهى نَوْعان؛ أحدُهما، أن يكونَ فيها قتلٌ، مثلَ أن يَسْرِقَ ويَزْنِىَ وهو مُحْصَنٌ، ويَشْرَبَ ويَقْتُلَ في المُحارَبَةِ، فهذا يُقْتَلُ، ويَسْقُطُ سائِرُها.
وهذا قولُ ابنِ مسعودٍ، وعطاءٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والأوْزَاعِىِّ، ومالكٍ، وحَمّادٍ، وأبى حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: تُسْتَوفَى جميعُها؛ لأَنَّ ما وَجَب مع غيرِ القَتْلِ، وَجَب مع القتلِ، كقَطْعِ اليَدِ قِصاصًا.
ولَنا، قولُ ابنِ مسعودٍ، قال سعيدٌ: ثَنا حَسَّانُ بنُ منصورٍ، ثنا مُجالِدٌ، عن عامِرٍ، عن مَسْرُوقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: إذا اجْتَمَعَ حَدَّانِ، أحدُهما القتلُ، أحاطَ القتلُ بذلك 132. وقال إبراهيمُ: يَكْفِيه القتلُ.
وقال: ثنا هُشَيْمٌ، أنا حَجَّاجٌ، عن إبراهيمَ، والشَّعْبِىِّ، وعَطاءٍ، أنَّهم قالوا مثلَ ذلك 133. وهذه أقْوالٌ انْتَشَرَتْ في عَصْرِ 134 الصَّحابةِ والتابعِين، ولم يَظْهَرْ لها

الجزء: 26 - الصفحة: 212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُخالِفٌ، فكانت إجْماعًا، ولأنَّها حُدودٌ للَّهِ فيها قَتْلٌ، فسَقَط ما دُونَه، كالمُحارِبِ إذا قَتلَ وأخذَ المالَ، فإنَّه يُكْتَفَى بقَتْلِه، ولأَنَّ هذه الحُدودَ تُرادُ 135 لمُجَرَّدِ الزَّجْرِ 136، ومع القَتْلِ لا حاجةَ إلى زَجْرِه؛ لأنَّه لا فائدةَ فيه 137، فلا يُشْرَعُ 138، ويُفارِقُ القِصاصَ؛ فإنَّ فيه غَرَضَ التَّشَفِّى والانْتِقامِ، ولا يُقصَدُ فيه مُجَرَّدُ الزَّجْرِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا وُجِدَ ما يُوجِبُ الرَّجْمَ والقتلَ للمُحارَبَةِ، أو القتلَ للرِّدَّةِ، أو لتَرْكِ الصَّلاةِ، فيَنْبَغِى أن يُقْتَلَ للمُحارَبَةِ ويَسْقُطَ الرَّجْمُ؛ لأَنَّ في القَتْلِ للمُحارَبَةِ حَقَّ آدَمِىٍّ في القِصاصِ، وإنَّما آثرَتِ المُحارَبَةُ تَحَتُّمَه، وحَقُّ الآدَمِىِّ يَجِبُ تَقْدِيمُه.
النوعُ الثانى، أن لا يكونَ فيها قتلٌ، فإن كانت مِن جِنْسٍ، مثلَ أن زَنَى، أو سَرَق، أو شَرِب مِرارًا قَبلَ إقامَةِ الحَدِّ عليه، أجْزَأَ حَدٌّ واحدٌ، بغيرِ خلافٍ عَلِمْناه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ،

الجزء: 26 - الصفحة: 213

وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَاسٍ، اسْتُوفِيَتْ كُلُّهَا، وَيُبْدَأُ بِالْأَخَفِّ فَالأَخَفِّ.
وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو يوسفَ، وأبو ثَوْرٍ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
فإن أُقِيمِ عليه الحَدُّ، ثم حدَثَتْ منه جنايَةٌ أُخْرَى، ففيها حَدُّها، لا نعلمُ فيه خِلافًا.
وقد سُئِلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الأمَةِ تَزْنِى قبلَ أن تُحْصِنَ 139، فقال: «إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا, ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا» 140. ولأَنَّ تَداخُلَ الحُدودِ إنَّما يكونُ مع اجْتماعِها، والحدُّ الثَّانِى وَجَب بعدَ سُقوطِ الحَدِّ الأَوَّلِ باسْتِيفائِه (وإن كانت مِن أجْناسٍ، اسْتُوفِيَتْ كلُّها) بغَيْرِ 141 خِلافٍ نعلَمُه 142 (ويُبْدَأُ بالأخَفِّ فالأخَفِّ) فإذا شَرِب وزَنَى [وسَرَق] 143، حُدَّ للشُّرْبِ أوَّلًا، ثم حُدَّ للزِّنَى، ثم قُطِعَ للسَّرِقَةِ.
وإن أخَذَ المالَ في المُحارَبَةِ، قُطِعَ لذلك، ويدخلُ فيه القَطْعُ للسَّرِقَةِ؛ لأَنَّ مَحَلَّ القَطْعَيْن واحدٌ، فتَداخَلا، كالقَتْلَيْن.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يتَخيَّرُ بينَ البَداءَةِ بحَدِّ الزِّنَى وقَطْعِ السَّرِقَةِ؛

الجزء: 26 - الصفحة: 214

وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ، فَتُسْتَوْفَى كُلُّهَا، سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا قَتْلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَيُبْدَأُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ.
لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهما ثَبَت بنَصِّ القُرْآنِ، ثم يُحَدُّ للشُّرْبِ.
ولَنا، أنَّ حَدَّ الشُّرْبِ أَخَفُّ، فيُقَدَّمُ، كحَدِّ القَذْفِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ حَدَّ الشُّرْبِ غيرُ منْصوصٍ عليه، فإنَّه مَنْصُوصٌ عليه في السُّنَّةِ، ومُجْمَعٌ على وُجُوبِه، وهذا التَّقْدِيمُ (1) على سَبِيلِ الاسْتِحْباب.
ولو بَدَأ بغيرِه جازَ ووَقَع المَوْقِعَ.
ولا يُوالِى بينَ هذه الحُدودِ، لأنَّه رُبَّما أفْضَى إلى تَلَفِه، بل متى بَرَأ مِن حَدٍّ أُقِيمَ عليه الذى يَلِيه.

4394 -

مسألة: (وأمَّا حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ، فتُسْتَوْفَى كلُّهَا، سَواءٌ كان فيها قَتْلٌ أوِ لم يَكُنْ. ويُبْدَأُ بغيرِ القَتْلِ)

وهى القِصاصُ، وحَدُّ القَذْفِ، فهذه تُسْتَوْفى كلُّها، ويُبْدَأُ بأخَفِّها، فيُحَدُّ للقَذْفِ، ثم يُقْطَعُ، ثم يُقْتَلُ، لأنَّها حُقوق لآدَمِيِّينَ أمْكَنَ اسْتِيفاؤُها، فوَجَب، كسائِرِ حُقوقِهم.
وهذا قولُ الأوْزَاعِىِّ، والشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَدْخُلُ ما دُونَ القَتْلِ فيه؛ لِما رُوِى عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ أنَّه قال: إذا اجْتَمَعَ حَدَّانِ، أحَدُهما القَتْلُ، أحاطَ القَتْلُ بذلك.
رَواه سعيدٌ في «سُنَنِه» 145.144

الحديث: 4394 - الجزء: 26 - الصفحة: 215

وَإِنِ اجْتَمَعَتْ مَعَ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، بُدِئَ بِهَا، فَإِذَا زَنَى وَشَرِبَ وَقَذَفَ وَقَطَعَ يَدًا، قُطِعَتْ يَدُهُ أوَّلًا، ثُمَّ حُدَّ لِلْقَذْفِ، ثُمَّ لِلشُّرْبِ، ثُمَّ لِلزِّنَى.
وَلَا يُسْتَوْفَى حَدٌّ حَتَّى يَبْرَأَ مِنَ الَّذِى قَبْلَهُ.
وقِياسًا على الحُدودِ الخالِصَةِ للَّهِ تعالى.
ولَنا، أنَّ ما دُونَ القَتْلِ حَقٌّ لآدَمِىٍّ، فلم يَسْقُطْ به، كدُيُونِهِم، وفارَقَ حَقَّ اللَّهِ تعالى، فإنَّه مَبْنِىٌّ على المُسامَحَةِ.

4395 -

مسألة: (فإنِ اجْتَمَعَتْ مع حُدُودِ اللَّهِ تعالى، بُدِئَ بِها)

إذا اجتمعت حُدودُ اللَّهِ تعالى وحُدودُ الآدَمِيِّين، فهذه ثلاثةُ أنْواع؛ أحدُها، أن لا يكونَ فيها قتلٌ، فهذه تُسْتَوْفَى كلُّها.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وعن 146 مالكٍ أنَّ حَدَّ الشُّرْبِ والقَذْفِ يَتَداخلانِ؛ لاسْتوائِهما، فهما كالقَتْلَيْن والقَطْعَيْن.
ولَنا، أنَّهما حَدَّان مِن جنْسَيْن، لا يَفُوتُ بهما المَحَلُّ، فلم يَتَداخَلَا، كحَدِّ الزِّنى والشُّرْبِ، ولا نُسَلِّمُ اسْتواءَهما، فإنَّ حَدَّ الشُّرْبِ أربعون، وحَدَّ القَذْفِ ثمانون، وإن سُلِّمَ اسْتِواؤهما، لم يَلْزَمْ تَداخُلُهما؛ لأَنَّ ذلك لو اقْتَضَى تَداخُلَهما، لَوجَبَ

الحديث: 4395 - الجزء: 26 - الصفحة: 216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دُخُولُهما في حَدِّ الزِّنَى؛ لأَنَّ الأقَلَّ ممّا يَتَداخَلُ يَدْخُلُ في الأكْثَرِ، وفارَقَ القَتْلَيْن والقَطْعَيْن؛ لأَنَّ المَحَلَّ يَفوتُ بالأوَّلِ، فيَتَعَذَّرُ اسْتِيفاءُ الثانى، فهذا بخِلافِه.
فعلى هذا، يُبْدأُ بحَدِّ القَذْفِ؛ لأنَّه اجْتَمَعَ فيه معنيان؛ خِفَّتُه، وكَوْنُه حَقًّا لآدَمِىٍّ شحيحٍ 147، إلَّا إذا قُلْنا: حَدُّ الشُّرْبِ أربعون.
فإنَّه يُبْدأُ به؛ لخِفَّتِه، ثمِ بحَدِّ القَذْفِ، وأيُّهما قُدِّمَ، فالآخَرُ يلِيه، ثم بحَدِّ الزِّنى؛ لأنَّه لا إتْلاف فيه، ثم بالقَطْعِ.
هكذا ذَكَرَه القاضى.
وقال أبو الخَطَّابِ: يُبْدَأُ بالقَطْعِ قصاصًا؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ مُتَمَحِّضٌ، فإذا بَرَأِ حُدَّ للقَذْفِ، إذا قُلْنا: هو حَقُّ آدَمىٍّ.
ثم بحَدِّ الشُّرْبِ، فإذا بَرَأ حُدَّ للزِّنى؛ لأَنَّ حَقَّ الآدَمِىِّ يَجِبُ تَقْدِيمُه لتَأكُّدِه.
النَّوعُ الثانى، أن تَجْتَمِعَ حُدودٌ للَّهِ تعالى وحُدودٌ لآدمِىٍّ، وفيها قَتْلٌ، فإنَّ حُدودَ اللَّهِ تعالى تَدْخُلُ في القتلِ، سواءٌ كان مِن حُدودِ اللَّهِ تعالى، كالرَّجْمِ في الزِّنى، والقَتْلِ في المُحارَبةِ أو الرِّدَّةِ، أو لحَقِّ آدَمِىٍّ،

الجزء: 26 - الصفحة: 217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالقِصاصِ؛ لِما قَدَّمْنا.
وأمَّا حُقوقُ الآدَمِىِّ، فتُسْتَوْفَى كلُّها.
ثم إن كان القَتْلُ حَقًّا للَّهِ تعالى، اسْتُوفِيَتِ الحُقوقُ كلُّها مُتَوالِيَةً؛ لأنَّه لا بُدَّ مِن فَواتِ نفْسِه، فلا فائِدَةَ في التَّأخِيرِ، وإن كان القَتْلُ حَقًّا لآدَمِىٍّ، انْتُظِرَ باسْتِيفاءِ الثانى بُرْؤُه مِن الأَوَّلِ؛ لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ المُوالاةَ بينَهما يَحْتَمِلُ أن تُفَوِّتَ نفسَه قبلَ القِصاصِ، فيَفُوتَ حَقُّ الآدَمِىِّ.
والثانى، أنَّ العَفْوَ جائِزٌ، فتَأْخِيرُه يَحْتَملُ أن يَعْفُوَ الوَلِىُّ فيَحْيَا، بخِلافِ القَتْلِ حَقًّا للَّهِ سبحانَه.
النَّوْعُ الثالثُ، أن يَتَّفِقَ الحَقَّانِ في مَحَلٍ واحدٍ، كالقَتْلِ والقَطْعِ قِصاصًا وحَدًّا؛ فأمَّا القَتْلُ، فإن كان فيه ما هو خالصٌ لحَقِّ اللَّه تعالى، كالرَّجْمِ في الزِّنَى، وما هو حَقٌّ لآدَمِىٍّ، كالقِصاصِ، قُدِّمَ

الجزء: 26 - الصفحة: 218

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القِصاصُ، لتَأَكُّدِ حَقِّ الآدَمِىِّ.
وإنِ اجْتَمَعَ القَتْلُ للقتلِ 148 في المُحارَبَةِ والقِصاصُ، بُدِئَ بأسْبَقِهما 149؛ لأَنَّ القَتْلَ في المُحارَبةِ فيه حَقٌّ لآدَمِىٍّ أيضًا، فقُدِّمَ أسْبَقُهُما، فإن سَبَق القَتْلُ في المُحارَبَةِ اسْتُوفِىَ، ووَجَبَ لولِىِّ المَقْتُولِ الآخرِ دِيَتُه في مالِ الجانِى، وإن سَبَق القِصاصُ، قُتِلَ قِصاصًا، ولم يُصْلَبْ؛ لأَنَّ الصَّلْبَ مِن تَمامِ الحَدِّ، وقد سَقَط الحَدُّ بالقِصاصِ، فسَقَط الصَّلْبُ، كما لو مات.
ويجبُ لوَلِىِّ المَقْتُولِ في المحارَبةِ دِيَتُه؛ لأَنَّ القَتْلَ تَعَذَّرَ اسْتِيفاؤه وهو قِصاصٌ، فصار الوجوبُ إلى الدِّيَةِ.
وهكذا لو مات القاتِلُ في المُحارَبَةِ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ في تَرِكَتِه، لتَعَذُّرِ اسْتِيفاءِ القَتْلِ مِن القاتلِ.
ولو كان القِصاصُ سابِقًا، فعَفَا وَلِىُّ المقْتُولِ، اسْتُوفِىَ القَتْلُ للمُحارَبَةِ، سَواءٌ عفا مُطْلَقًا أو إلى الدِّيَةِ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وأمَّا القَطْعُ، فإذا اجْتَمَعَ وُجوبُ القَطْعِ في يَدٍ أو رِجْلٍ قِصاصًا وحَدًّا، قُدِّمَ القِصاصُ على الحَدِّ المُتَمَحِّضِ للَّهِ تعالى، لِما ذَكَرْناه.
وسَواءٌ تَقَدَّمَ سَبَبُه أو تَأَخَّرَ.
وإن عَفا وَلِىُّ الجِنايةِ، اسْتُوفِىَ الحَدُّ، فإذا قَطَع يَدًا وأخَذَ المالَ في المُحارَبَةِ، قُطِعَتْ يَدُه قِصاصًا، ويُنْتَظَرُ بُرْؤُه، فإذا بَرَأ قُطِعَتْ

الجزء: 26 - الصفحة: 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رِجْلُه للمُحارَبةِ؛ لأنَّهما 150 حَدَّانِ.
وإنَّما قُدِّمَ القِصاصُ في القَطْعِ [دُونَ القتلِ؛ لأَنَّ القَطْعَ في المُحارَبةِ حَدٌّ مَحْضٌ، وليس بقِصاصٍ، القتلُ فيهما يَتَضَمَّنُ القِصاصَ] 151، ولهذا لو فات القَتْلُ في المُحارَبةِ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ، ولو فات القَطْعُ، لم يَجِبْ له بَدَلٌ.
وإذا ثَبَت أنَّه يُقَدَّمُ القِصاصُ على القَطْعِ في المُحارَبةِ، فقَطَع اليَدَ قِصاصًا، فإنَّ رِجْلَه تُقْطَعُ، وهل تُقْطَعُ يَدُه الأُخْرَى؟ نَظَرْنا؛ فإن كان المَقْطُوعُ بالقِصاصِ قد كان مُسْتَحِقَّ القَطْعِ بالمُحارَبَةِ قبلَ الجِنايةِ المُوجِبَةِ للقِصاصِ فيه، لم يُقْطَعْ أكثرُ مِن العُضْوِ الباقِى فِي العُضْوَيْنِ اللَّذَيْنِ اسْتُحِقَّ قَطْعُهما؛ لأَنَّ مَحَلَّ القَطْعِ ذَهَب بعارِضٍ حادثٍ، فلم يَجِبْ قَطْعُ بَدَلِه، كما لو ذَهَب بعُدْوانٍ أو بمَرَضٍ.
وعلى هذا لو ذَهَب العُضْوان جميعًا، سَقَط القَطْعُ عنه بالكُلِّيَّةِ.
وإن كان سَبَبُ القَطْعِ قِصاصًا سابِقًا على مُحارَبَتِه، أو كان المَقْطُوعُ غيرَ العُضْوِ الذى وَجَب قَطْعُه في المُحارَبةِ، مثلَ أن وَجَب عليه القِصاصُ في يَسارِه بعدَ وُجُوبِ قَطْعِ يُمْناه في المُحارَبةِ، فهل تُقْطَعُ اليَدُ الأُخْرَى للمُحارَبةِ؟ على وَجْهَيْن، بِناءً على الرِّوايَتَيْن في قَطْعِ يُسْرَى السَّارِقِ بعدَ

الجزء: 26 - الصفحة: 220

فَصْلٌ: وَمَنْ قَتَلَ أَوْ أتَى حَدًّا خَارِجَ الْحرَمِ، ثُمَّ لَجَأَ إِلَيْهِ،  قَطْعِ يَمِينِه، إن قُلْنا: تُقْطَعُ ثَمَّ.
قُطِعَتْ ههُنا، وإلَّا فلا.
وإن سَرَق وأخَذَ المالَ في المُحارَبةِ، قُطِعَتْ يَدُه اليُمْنَى لأسْبَقِهما، فإن كانتِ المُحارَبةُ سابقةً، قُطِعَتْ يَدُه اليُمْنَى ورِجْلُه اليُسْرَى في مَقامٍ واحدٍ، وحُسِمتا.
وهل تُقْطَعُ يُسْرَى يَدَيْه للسَّرِقَةِ؟ على الرِّوايَتَيْن؛ فإن قُلْنا: تُقْطَعُ.
انْتُظِرَ بُرْؤه مِن القَطْعِ للمُحارَبةِ؛ لأنَّهما حَدَّان.
وإن كانتِ السَّرقَةُ سابقةً، قُطِعَتْ يُمْناه للسَّرِقَةِ، ولا تُقْطَعُ رِجْلُه للمُحارَبَةِ حتى تَبْرَأَ يَدُه.
وهل تُقْطَعُ يُسْرَى يَدَيْه للمُحارَبةِ؟ على وَجْهَيْن.

فصل

: وإن سَرَق وقَتَل في المُحارَبَةِ، ولم يَأْخُذِ المالَ، قُتِلَ حَتْمًا، ولم يُصْلَبْ، ولم تُقْطَعْ يَدُه؛ لأنَّهما حَدَّان فيهما قَتْل، فدَخَل ما دونَ القَتْل فيه، ولم يُصْلَبْ؛ لأَنَّ الصَّلْبَ مِن تَمامِ حَدِّ قاطِعِ الطَّريقِ إذا أخَذ المالَ مع القتلِ، ولم يُوجَدْ، وهذان حَدَّان كلُّ واحدٍ منهما مُنْفَصِلٌ عن صاحِبِه، فإذا اجْتَمَعا تَداخَلا.
وإن قَتَل في المُحارَبةِ جماعةً، قُتِلَ بالأوَّلِ حَتْمًا، وللباقِينَ دِيَاتُ أوْلِيائِهم؛ لأَنَّ قَتْلَه اسْتُحِقَّ بقَتْلِ الأَوَّلِ، وتَحَتَّمَ بحيثُ لا يسْقُطُ، فتَعَيَّنتْ حُقوقُ الباقِين في الدِّيَةِ، كما لو مات 152. فصل 153: (ومَن قَتَل، أو أتَى حَدًّا خارِجَ الحَرَمِ، ثم لَجَأ

الجزء: 26 - الصفحة: 221

لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ فِيهِ، وَلَكِنْ لَا يُبَايَعُ وَلَا يُشَارَى حَتَّى يَخْرُجَ فَيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
إليه، لم يُسْتَوْفَ منه فيه، ولكن لا يُبايَعُ ولا يُشارَى حتى يَخْرُجَ فيُقامَ عليه الحَدُّ) وجملةُ ذلك، أنَّ مَن قَتَل خارِجَ الحرمِ، ثم لَجَأ إليه، لم يُسْتَوْفَ منه فيه.
هذا قولُ ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، وعُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ، والزُّهْرِىِّ، ومُجاهِدٍ، وإسْحاقَ، والشَّعْبِىِّ، وأبى حنيفةَ وأصحابه.
وأمَّا غيرُ القَتْلِ مِن الحُدودِ كلِّها والقِصاصِ فيما دُونَ النَّفْسِ، فعن أحمدَ فيه رِوِايَتان، إحْداهما، لا يُسْتَوْفَى مِن المُلْتَجِئ إلى الحَرَمِ فيه.
والثانيةُ، يُسْتَوْفَى.
وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأَنَّ المَرْوِىَّ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- النَّهْىُ عن القتلِ بقَوْلِه عليه السلامُ: «فَلَا يُسْفَكُ فِيهَا دَمٌ» 154. وحُرْمَةُ النَّفْسِ أعْظَمُ، فلا يُقاسُ عليها غيرُها، ولأَنَّ الحَدَّ بالجَلْدِ جَرَى مَجْرَى التَّأْدِيبِ، فلم يُمْنَعْ منه، كتَأْدِيبِ السَّيِّدِ عبدَه.
والأُولَى ظاهِرُ المذْهبِ، وظاهِرُ قَوْل الخِرَقِىِّ.
قال أبو بكرٍ: هذه مسألةٌ وَجَدْتُها لحَنْبَلٍ عن عَمِّه، أنَّ

الجزء: 26 - الصفحة: 222

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحُدودَ كلَّها تُقامُ في الحَرَمِ، إلَّا القَتلَ، والعملُ على أنَّ 155 كلَّ جانٍ دَخَل الحَرَمَ، لم يُقَمْ عليه الحَدُّ حتى يَخْرُجَ منه.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: يُسْتَوْفَى منه؛ لعُمُومِ الأمْرِ بجَلْدِ الزَّانِى، وقَطْعِ السَّارِقِ، واسْتِيفاء القِصاصِ مِن غيرِ تَخْصِيص بمكانٍ دونَ مكانٍ، وقد رُوىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: إنَّ الحَرَمَ لَا يُعِيذُ عاصِيًا، وَلَا فَارًّا بخَرْبَةٍ 156 وَلَا دَمٍ 157. وقد أمَر النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقَتْلِ ابنَ خَطَلٍ وهو مُتَعَلِّقٌ بأسْتارِ الكَعْبَةِ 158. حديثٌ حسنٌ 159 صحيحٌ.
ولأنَّه حَيَوانٌ أُبِيحَ قَتْلُه

الجزء: 26 - الصفحة: 223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لعصْيانِه، فأشْبَهَ الكَلْبَ العَقُورَ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ 160. يعنى الحرم، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (1). والخبرُ أُرِيدَ به الأمْرُ؛ لأنَّه 161 لو أُرِيدَ به 162 الخبرُ، لأفْضَى إلى وُقُوعِ الخبرِ خِلافَ المُخْبرِ.
وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليومِ الآخِرِ، أَنْ يَسْفِكَ فيها دَمًا، ولا يَعْضِدَ بها شَجَرةً، فإنْ أحدٌ تَرَخَّصَ لقِتالِ رسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَقُولوا: إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لرَسُولِه، ولمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وإنَّما أذِنَ لى سَاعَةً مِن نَهَارٍ، وقد عادتْ حُرمَتُها اليوْمَ كحُرْمَتِها بالأمسِ، فليُبَلِّغِ الشَّاهدُ 163 الغَائبَ».
. وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاواتِ والأرْضَ، وَإنَّمَا أُحِلَّتْ لِى سَاعَةَّ مَنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ إلَى حُرْمَتِهَا، فَلَا يُسْفَكُ فِيهَا دَمٌ».
مُتَّفقٌ عليهما 164. والحُجَّةُ فيه مِن

الجزء: 26 - الصفحة: 224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّه حَرَّمَ سَفْكَ الدَّم بها على الإِطْلاقِ، وتَخْصِيصُ مَكَّةَ بهذا يَدُلُّ على أنَّه أرادَ العُمُومَ، فإنَّه لو أرادَ سَفْكَ الدَّمِ الحرامِ، لم تَخْتَصَّ به مكةُ، فلا يكونُ التَّخْصِيصُ مُفِيدًا.
والثانى، قولُه: «إِنَّما أُحِلَّتْ لِى سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا».
ومَعْلُومٌ أنَّه إنَّما أُحِلَّ له سفْكُ دَمٍ حَلالٍ في غيرِ الحَرَمِ، فحَرَّمَها الحَرَمُ، ثم أُحِلَّتْ له ساعةً، ثم عادتِ الحُرْمَةُ، ثم أكَّدَ هذا بمنْعِه قياسَ غيرِه عليه.
والاقْتِداءُ به بقولِه: «فَإن أحَدٌ تَرَخَّصَ بقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أذِنَ لِرَسُولِه، وَلَمْ يَأذَنْ لَكُمْ».
وهذا يَدْفَعُ ما احْتَجُّوا به مِن قَتْلِ ابنِ خَطَلٍ، فإنَّه مِن رُخْصَةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، التى مَنَعَ النَّاسَ أن يَقْتَدُوا به فيها، وبَيَّنَ أنَّها له على الخُصوصِ، وما رَوَوْه مِن الحديثِ، فهو مِن كلامِ عمرِو ابنِ سعيدٍ الأشْدَقِ، يَرُدُّ به قولَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ روَى له أبو شُرَيحٍ هذا الحديثَ، وقولُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أحَقُّ أن يُتَّبَعَ.
وأمَّا جَلْدُ الزَّانِى، وقطعُ السَّارِقِ، والأمْرُ بالقِصاصِ، فإنَّما هو مُطْلَقٌ في الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ، فإنَّه يَتَناوَلُ مَكانًا غيرَ مُعَيَّنٍ، ضَرُورَةَ أنَّه لا بُدَّ مِن مكانٍ،

الجزء: 26 - الصفحة: 225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيُمْكِنُ إقامَتُه في مكانٍ غيرِ الحَرَمِ، ثم لو كان عامًّا، فإنَّ ما رَوَيْناه خاصًّا يُخَصُّ به، مع أنَّه قد خُصَّ ممَّا ذكرُوه الحامِلُ، والمريضُ المرْجُوُّ بُرْؤُه، فتأخَّر الحدُّ عنه، وتأخَّرَ 165 قتلُ الحامِلِ، فجازَ أن يُخَصَّ أيضًا بما ذَكَرْناه.
والقِياسُ على الكلبِ العَقورِ لا يَصِحُّ، فإنَّ ذلك طبعُه الأَذَى، فلم يُحَرِّمْه الحَرَمُ ليُدْفَعَ أذاه عن أهلِه، وأمَّا الآدَمِىُّ، فالأصْلُ فيه الحُرْمَة، وحُرْمَتُه عَظِيمَة، وإنَّما أُبِيحَ 166 لعارضٍ، فأشْبَهَ الصائِلَ مِن الحيواناتِ المُباحَةِ مِن المَأكُولاتِ، فإنَّ الحَرَمَ يَعْصِمُها.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُبايَعُ، ولا يُشارَى، ولا يُطْعَمُ، ولا يُؤْوَى، ويُقالُ له: اتَّقِ اللَّهَ واخْرُجْ إلى الحِلِّ؛ ليُسْتَوْفَى منك الحَقُّ الذى قِبَلَكَ.
فإذا خَرَج اسْتُوفِىَ حَقُّ اللَّهِ منه.
وهذا قولُ جميعِ مَن ذَكَرْناه.
وإنَّما كان كذلك، لأنَّه لو أُطْعِمَ أو أُوِىَ، لتَمَكَّنَ مِن الإِقامَةِ دائِمًا، فيضِيعُ الحَقُّ الذى عليه، وإذا مُنِعَ مِن ذلك، كان وسيلةً إلى خُرُوجِه فيُقامُ فيه حَقُّ اللَّهِ تعالى.
وليس علينا إطْعامُه، كما أنَّ الصَّيْدَ لا يُصادُ في الحَرَمِ، وليس علينا القيامُ به.
قال ابنُ عباسٍ، رَحِمَه اللَّهُ: مَن أصابَ حَدًّا، فلَجَأ إلى الحَرَمِ، فإنَّه لا يُجَالَسُ، ولا يُبايَعُ، ولا يُؤْوَى، ويَأتِيه الذى.
يَطْلُبُه، فيقولُ: أىْ فلانُ، اتَّقِ اللَّهَ.
فإذا خَرَج مِن الحَرَمِ، أُقِيمَ عليه الحَدُّ.
رَواه الأثرَمُ 167. فإن قَتَل مَن له

الجزء: 26 - الصفحة: 226

وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِى الْحَرَمِ، اسْتُوفِىَ مِنْهُ فِيهِ.
عليه قِصاصٌ في الحَرَمِ، أو أقامَ حَدًّا بجَلْدٍ أو قَتْلٍ أو قَطْعِ طَرَفٍ، أساءَ، ولا شئَ عليه؛ لأنَّه اسْتَوْفَى حَقَّه (1) في حالٍ لم يَكُنْ له اسْتِيفاؤه فيه، فأشْبَهَ ما لو اقْتَصَّ في حَرٍّ شَدِيدٍ أو بَرْدٍ مُفْرِطٍ.

4396 -

مسألة: (وإن فَعَل ذلكَ في الحَرَمِ، اسْتُوفِىَ منه فيه)

وجملةُ ذلك، أنَّ مَن انْتَهَكَ حُرْمَةَ الحَرَمِ 169، بجِنايَةٍ فيه تُوجِبُ حدًّا أو قِصاصًا، فإنَّه يُقامُ عليه [الحَدُّ فيه] 170، لا نعلمُ فيه خِلافًا.
وقد روَى الأَثْرَمُ بإسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: مَن أحْدَثَ حَدَثًا في الحَرَمِ، أُقِيمَ عليه ما أحْدَثَ فيه مِن شئٍ 171. وقد أَمَرَ اللَّهُ تعالى بقتالِ (2) مَن قاتَلَ في الحَرَمِ، فقال تَعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ 172. فأباحَ قَتْلَهم عندَ قِتالِهم168

الحديث: 4396 - الجزء: 26 - الصفحة: 227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في الحَرَمِ، ولأَنَّ أهلَ الحَرَم يَحْتاجُون إلى الزَّجْرِ عن ارْتِكابِ المعاصِى كغيرِهم، حِفْظًا لأنْفُسِهم وأمَوالِهم وأعْراضِهم، فلو لم يُشْرَعِ الحَدُّ في حَقِّ مَن ارْتَكَبَ الحَدَّ في الحَرَمِ، لتَعَطَّلَتْ حُدودُ اللَّهِ تعالى في حَقِّهم، وفاتَتْ هذه المصالحُ التى لا بُدَّ منها، ولا يجوزُ الإِخْلالُ بها، ولأَنَّ الجانِىَ في الحَرَمِ هاتِكٌ لحُرْمَتِه، فلا تَنْتَهِضُ الحُرْمَةُ لتَحْريمِ دَمِه وصِيانَتِه، بمَنْزِلَةِ الجانِى في دارِ المَلِكِ، لا يُعْصَمُ لحُرْمَةِ المَلِكِ، بخِلافِ المُلْتَجِئَ إليها لجِنايةٍ صَدَرَت منه في غيرِها.
فصل: فأمَّا حَرَمُ مَدينَةِ النبى -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلا يَمْنَعُ إقامَةَ حَدٍّ ولا قِصاصٍ؛ لأَنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد في حَرَمِ اللَّهِ تعالى، وحَرَمُ المدينةِ دُونَه في الحُرْمَةِ، فلا يَصِحُّ قِياسُه عليه.
وكذلك سائِرُ البِقاعِ، لا تَمْنَعُ مِن اسْتِيفاءِ حَقٍّ، ولا إقامَةِ حَدٍّ؛ لأَنَّ أمْرَ اللَّهِ تعالى باسْتِيفاءِ الحُقوقِ وإقامَةِ الحَدِّ مُطْلَق في الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ، خَرَج منها الحَرَمُ لمَعْنًى لا يَكْفِى 173 في غيرِه؛ لأنَّه مَحَلُّ الأنْساكِ وقِبْلَةُ المسلمين، وفيه بَيْتُ اللَّه المَحْجُوجُ، وأوَّلُ بيتٍ وُضِعَ للناسِ، ومَقامُ إبراهيمَ، وآياتٌ بَيِّناتٌ، فلا يُلْحَقُ به سِواهُ، ولا يُقاسُ عليه؛ لأنَّه [لا شئَ] 174 في مَعْناه.
واللَّهُ سُبحانه أعلمُ.

الجزء: 26 - الصفحة: 228

وَإِنْ أَتَى حَدًّا فِى الْغَزْوِ، لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ في أرضِ الْعَدُوِّ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ، فَيُقَامَ عَلَيْهِ.

4397 - مسألة: (وإن أتَى حَدًّا في الغَزْوِ، لم يُسْتَوْفَ منه في أرضِ العَدُوِّ حتى يَرْجِعَ إلى دارِ الإِسلامِ، فيُقامَ عليه)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن أتَى حَدًّا مِن الغُزاةِ، أو ما يُوجبُ قِصاصًا، في أرضِ الحَرْبِ، لم يُقَمْ عليه حتى يَقْفُلَ، فيُقامَ عليه حَدُّه.
وبهذا قال الأوْزَاعِىُّ، وإسْحاقُ.
وقال

الحديث: 4397 - الجزء: 26 - الصفحة: 229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: يُقامُ الحَدُّ في كلِّ مَوْضِعٍ؛ لأنُّ أمْرَ اللَّهِ تعالى بإقامَتِه مُطْلَقٌ في كلِّ مكانٍ وزمانٍ.
إلَّا أنَّ الشافعىَّ قال: إذا لم يَكُنْ أميرُ الجيشِ الإِمامَ، أو أميرَ إقْليمٍ، فليس له إقامَتُه، ويُؤَخَّرُ حتى يأْتىَ الإِمامَ؛ لأَنَّ إقامةَ الحُدُودِ إليه، وكذلك إن كان بالمسلمين حاجَةٌ إلى المَحْدُودِ، أو قُوَّةٌ به، أو شُغْلٌ عنه، أُخِّرَ.
وقال أبو حنيفةَ: لا حَدَّ ولا قِصاصَ في دارِ الحَرْب، ولا إذا رَجع.
ولَنا، على وُجُوبِ الحَدِّ، أمْرُ اللَّهِ تعالى ورسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم- به، وعلى تَأْخيرِه، ما روَى بُسْرُ بنُ أبى 175 أرْطاةَ، أنَّه أُتِى برجلٍ في الغَزاةِ قد سَرَق بُخْتِيَّةً 176، فقال: لولا أنِّى سَمِعْتُ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «لا تُقْطَعُ الأيدِى في الْغَزَاةِ».
لقَطَعْتُكَ.
أخْرَجَه أبو داودَ وغيرُه 177. ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فروَى سعيدٌ 178 بإسْنادِه عن الأحْوَصِ بنِ حَكيمٍ، عن أبِيه، أنَّ

الجزء: 26 - الصفحة: 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عمرَ كَتَب إلى النَّاسِ، أن لا يَجْلِدَنَّ أمِيرُ جَيْشٍ ولا سَرِيَّةٍ ولا رجلًا مِن المسلمين حَدًّا، وهو غازٍ، حتى يَقْطَعَ الدَّرْبَ قافِلًا؛ لِئَلَّا تَلْحَقَه حَمِيَّةُ الشَّيْطانِ، فيَلْحَقَ بالكُفَّارِ.
وعن أبى الدَّرْداءِ مثلُ ذلك 179. وعن علْقَمَةَ، قال: كنَّا في جيش في أرضِ الرُّومِ، ومعنا حُذَيْفَةُ بنُ اليَمَانِ، [وعلى القومِ] 180 الوليدُ بنُ عُقْبَةَ، فشَرِبَ الخمرَ، فأرَدْنا أن نَحُدَّه، فقال حُذَيْفَةُ: أتَحُدُّونَ أمِيرَكم وقد دَنَوْتُمْ مِن عَدُوِّكم، فيَطْمَعُوا فيكم 181؟ وأُتِى سعدٌ بأبى مِحْجَنٍ يومَ القادِسِيَّةِ، وقد شَرِب الخمرَ، فأمَرَ به إلى القَيْدِ، فلمّا الْتَقَى الناسُ قال أبو مِحْجَنٍ: كَفَى حَزَنًا أَنْ تُطْرَدَ الخيلُ بِالْقَنا … وأُتْرَكَ مَشْدُودًا عَلَىَّ وَثَاقِيَا 182 وقال لابْنَةِ خَصَفَةَ 183 امْرأةِ سعدٍ: أطْلِقِينى، ولَكِ اللَّهُ علَىَّ إن سَلَّمَنِى اللَّهُ

الجزء: 26 - الصفحة: 231

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أن أرْجِعَ حتى أضَعَ رِجْلِى في القيدِ، وإن قُتِلْتُ، اسْتَرَحْتُم منِّى.
قال: فحَلَّتْه حينَ 184 الْتَقَى الناسُ، وكانتْ بسعدٍ جِراحَةٌ، فلم يَخرُجْ يومَئِذٍ إلى الناسِ، قال: وصَعِدُوا به فوقَ العُذَيْبِ 185 يَنْظُرُ إلى الناسِ، واسْتَعْمَلَ على الخيلِ خالدَ بنَ عُرْفُطَةَ، فوَثَبَ أبو مِحْجَنٍ على فَرسٍ لسعدٍ يُقالُ لها البَلْقَاءُ، ثم أخَذ رُمْحًا، فجعَلَ لا يَحْمِلُ على ناحِيَةٍ مِن العَدُوِّ إلَّا هَزَمَهم، وجَعَل الناسُ يقُولُون: هذا مَلَكٌ؛ لِما يَرَوْنَه يَصْنَعُ، وجَعَل سعدٌ يقولُ: [الضَّبْرُ ضَبْرُ] 186 البَلْقاءِ، والطَّعْنُ طَعْنُ أبى مِحْجَنٍ، وأبو مِحْجَنٍ في القَيْدِ.
فلَمّا هُزِمَ العَدُوُّ، رَجَع أبو مِحْجَنٍ حتى وَضَع رِجْلَه في القَيْدِ، فأخْبَرَت ابنةُ خَصَفَةَ 187 سعدًا بما كان مِن أمْرِه، فقال سعدٌ: لا واللَّهِ لا أضْرِبُ اليومَ رَجلًا أبْلَى اللَّهُ المسلمين على يَدَيْه 188 ما أبْلاهُم.
فَخَلَّى سَبيلَه.
فقال أبو مِحْجَنٍ: قد كنتُ أشْرَبُها إذْ يُقامُ علىَّ الحَدُّ وأُطَهَّرُ منها، فأمَّا إذْ بَهْرَجْتَنِى 189، فواللَّهِ لا أشْرَبُها أبدًا 190. وهذا اتِّفاقٌ لم يظْهَرْ

الجزء: 26 - الصفحة: 232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خِلافُه.
فأمَّا إذا رَجَع، فإنَّه يُقامُ عليه الحَدُّ؛ لعُمُومِ الآياتِ والأخْبارِ، وإنَّما أُخِّرَ لعارِضٍ، كما يُؤَخَّرُ لمَرَضٍ أو شُغْل، فإذا زال العارِضُ، أُقِيمَ الحَدُّ، لوُجودِ مُقْتَضِيه، وانْتِفاءِ مُعارِضِه، ولهذا قال عمرُ: حتى يقْطَعَ الدَّرْبَ قافِلًا.
فصل: وتُقامُ الحُدودُ في الثُّغورِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه، لأنَّها مِن بلادِ الإِسْلامِ، والحاجَةُ داعِيَةٌ إلى زَجْرِ أهْلِها، كالحاجَةِ إلى زَجْرِ غيرِهم، وقد كَتَب عمرُ إلى أبى عُبَيْدَةَ، أن يَجْلِدَ مَن شَرِب الخمرَ ثمانين، وهو بالشَّامِ 191. وهو مِن الثُّغورِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 233

بَابُ حَدِّ الزِّنَى

بابُ حدِّ الزِّنى الزِّنَى حَرامٌ، وهو مِنِ الكبائِرِ العِظامِ، بدَليلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ 192. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ 193. وعن عبدِ اللَّه بنِ مسعودٍ، قال: سألتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أىُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟ قال: «أن تَجْعَلَ للَّه نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ».
قال: قلتُ: ثُمَّ أىٌّ؟ قال: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ».
قال: قلتُ: ثُمَّ أىٌّ؟ قال: «أَنْ تُزانِىَ حلِيلَةَ جَارِكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 194. وكان حَدُّ الزَّانِى في صَدْرِ الإِسْلامِ الحَبْسَ في البَيْتِ، والأذَى بالكَلامِ مِن التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ للبِكْرِ؛ لقولِه سبحانَه: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا

الجزء: 26 - الصفحة: 235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} 195. قال بعضُ أهلِ العلمِ: المرادُ بقولِه: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الثَّيِّبُ؛ لأَنَّ قَوْلَه: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾.
[إضَافةٌ زَوْجِيَّةٍ] 196، كقولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ 197. ولا فائدةَ في إضَافَتِه ههُنا نعْلَمُها إلَّا اعْتِبارُ الثيُوبَةِ، ولأنَّه قد ذَكَرَ عُقُوبَتَيْن إحْداهما أغْلَظُ 198 مِن الأُخْرَى، فكانتِ الأغْلَظُ للثيِّبِ، والأُخْرَى للبِكْرِ، كالرَّجْمِ والجَلْدِ، ثم نُسِخَ هذا بما روَى عُبادَةُ بنُ الصَّامِتِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «خُذُوا عَنِّى، خُذُوا عَنِّى، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بالثَّيِّب جَلْدُ مِائَةٍ والرَّجْمُ».
رَواه مسلمٌ 199. فإن قِيلَ: فكيفَ يُنْسَخُ القُرْآَنُ بالسُّنَّةِ؟ قُلْنا: قد ذَهَب أصحابُنا إلى جَوازِه؛ لأَنَّ الكلَّ مِن عندِ اللَّهِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ طَرِيقُه، ومن مَنَع ذلك قال: ليس هذا نَسْخًا، إنَّما هو تَفْسِيرٌ للقُرْآنِ وتَبْيينٌ له؛ لأَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ حُكْمٍ ظاهِرُه الإِطْلاقُ، فأمَّا ما كان مَشْرُوطًا بشَرْطٍ، وزال الشَّرْطُ، لا يكونُ نَسْخًا، وههُنا شَرَط اللَّهُ تعالى حَبْسَهُنَّ إلى أن يَجعَلَ

الجزء: 26 - الصفحة: 236

إِذَا زَنَى الْحُرُّ الْمُحْصَنُ، فَحَدُّهُ الرَّجْمُ حَتَّى يَمُوتَ.
وَهَلْ يُجْلَدُ قَبْلَ الرَّجْمَ؟ عَلَى رِوَايَتَين.
اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا، فبَيَّنَتِ السُّنَّةُ السَّبِيلَ، فكان بَيانًا لا نَسْخًا.
ويُمْكِنُ أن يُقالَ: إنَّ نَسْخَه حَصَل بالقُرآنِ، فإنَّ الجَلْدَ (1) في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، والرَّجْمَ كان فيه، فنُسِخَ رَسْمُه، وبَقِىَ حُكْمُه.

4398 -

مسألة: (إذا زَنَى الحُرُّ المُحْصَنُ، فحَدُّه الرَّجْمُ حتى يَمُوتَ. وهل يُجْلَدُ قَبلَ الرَّجْمِ؟ على رِوايَتَيْن)

الكلامُ في هذه المسألةِ في فصولٍ ثلاثةٍ: أحدُها، في وُجوبِ الرَّجْمِ على الزَّانِى المُحْصَنِ، رجلًا كان أو امرأةً.
هذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ مِن الصَّحابةِ، والتَّابعِين، ومَن بَعْدَهم مِن عُلَماءِ الأمْصارِ في جميعِ الأعْصارِ، ولا نَعلمُ أحدًا خالفَ فيه إلَّا الخَوارِجَ، فإنَّهم قالُوا: الجَلْدُ للبِكْرِ والثيبِ، لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ 201. وقالوا 202: لا يجوزُ تَرْكُ كتابِ اللَّهِ تعالى الثابتَ بالقَطْعِ واليَقِينِ، لأخْبارِ آحادٍ يجوزُ 203200

الحديث: 4398 - الجزء: 26 - الصفحة: 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الكَذِبُ فيها، ولأَنَّ هذا يُفْضِى إلى نَسْخِ الكِتابِ بالسُّنَّةِ، وهو غيرُ جائِزٍ.
ولَنا، أنَّه قد ثَبَت الرَّجْمُ عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقَوْلِه وفِعْلِه، في أخْبارٍ تُشْبِهُ المُتَواتِرَ، وأجْمَعَ عليه أصحابُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- على ما نَذْكُرُه في أثْناءِ البابِ في مَواضِعِه، إن شاءَ اللَّهُ تعالى، وقد أنزَلَه اللَّهُ تَعالى في كتابِه، وإنَّما نُسِخَ رَسْمُه دُونَ حُكْمِه، فرُوِىَ عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: إنَّ اللَّهَ تعالى بَعَث محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- بالحَقِّ، وأنْزَلَ عليه الكِتابَ، فكان فيما أنْزَلَ عليه آيةُ الرَّجْمِ، فقَرَأتها وعَقَلْتُها ووَعَيْتُها، ورَجَم رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ورَجَمْنا بعدَه.
فأخْشَى إن طال بالنَّاسِ زَمانٌ، يقولُ قائِلٌ: ما نَجِدُ الرَّجْمَ في كتابِ اللَّهِ.
فيَضِلُّوا بتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ تعالى، فالرَّجْمُ حَقٌّ على مَن زَنَى إذا أحْصَنَ، مِن الرِّجال والنِّساءِ، إذا قامَت به البَيِّنَةُ، أو كان الحَبَلُ، أو الاعْتِرافُ، وقد قَرَأْتُها: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّه وَاللَّهُ عَزِيرٌ حَكِيمٌ).
مُتَّفقٌ

الجزء: 26 - الصفحة: 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه 204. وأمَّا آيَةُ الجَلْدِ، فنقولُ بها، فإنَّ الزَّانِىَ يجبُ جَلْدُه، فإن كان ثَيِّبًا رُجِمَ مع الجلدِ، والآيةُ لم تَتَعَرَّضْ لنَفْيِه 205. وإلى هذا أشارَ علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، حينَ جَلَد شُرَاحَةَ 206، ثم رَجَمَها، [وقال] 207: جَلَدْتُها بكتابِ اللَّهِ، ثم رَجَمْتُها بسُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- 208. ثم لو قُلْنا: إنَّ الثَّيِّبَ لا يُجْلَدُ.
لكان هذا تَخْصِيصًا للآيَةِ العامَّةِ، وهذا سائِغٌ بغيرِ خِلافٍ، فإنَّ عُمُوماتِ القُرْآنِ في الإِثْباتِ كلَّها مُخَصَّصَةٌ.
وقولُهم: إنَّ هذا نَسْخٌ.
ليس بصَحِيحٍ، وإنَّما هو تَخْصِيصٌ، ثم لو كان نَسْخًا، [لكان نَسْخًا] 209 بالآيَةِ التى ذَكَرَها عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وقد رَوَيْنا أنَّ رُسُلَ الخَوارِجِ جاءوا عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، رَحِمَه اللَّهُ، فكانَ مِن جُمْلَةِ ما عابُوا عليه الرَّجْمُ، وقالوا: ليس في كتابِ اللَّهِ إلَّا الجَلْدُ.
وقالوا: الحائِضُ أوْجَبْتُم عليها قَضاءَ الصَّوْمِ دونَ الصَّلاةِ، والصلاةُ أوْكَدُ.
فقال لهم عمرُ: وأنتُم لا تَأخُذونَ إلَّا بما في كتابِ اللَّهِ؟ قالوا: نعم.
قال: فأخْبِرُونِى عن عَدَدِ الصَّلَواتِ المفْرُوضاتِ، وعَدَدِ رَكَعاتِها وأرْكَانِها وواجِباتِها، أين تَجِدُونَه في كتابِ اللَّهِ؟ وأخْبِرُونِى عمَّا تجبُ الزَّكاةُ فيه، ونُصُبِها، ومَقادِيرِها؟

الجزء: 26 - الصفحة: 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قالوا: أنْظِرْنا.
فرَجَعُوا يَوْمَهم ذلك، فلم يَجِدوا شيئًا ممَّا سَألهم عنه في القُرْآنِ.
فقالوا لم نَجِدْه في القُرْآنِ.
قال: فكيفَ ذَهَبْتُم إليه؟ قالوا: لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَه، وفَعَلَه المسلمون بعدَه.
فقال لهم: فكذلك الرَّجْمُ، وقَضاءُ الصَّوْم، [فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَجَم، ورَجَم خُلَفاؤُه بعدَه والمسلمون، وأَمَر النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقَضاءِ الصَّوْمِ] 210 دُونَ الصَّلاةِ، وفَعَل ذلك نِساؤُه ونِساءُ أصحابِه.
إذا ثَبَت هذا، فمعْنَى الرَّجْمِ أن يُرْمَى بالحِجارَةِ وغيرِها حتى يَمُوتَ بذلك.
قال ابنُ المُنْذِرِ 211: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ المَرْجُومَ يُدَامُ عليه الرَّجْمُ حتى يَمُوتَ.
ولأَنَّ إطلاقَ الرَّجْمِ يَقْتَضِى القَتْلَ به؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ 212. وقد رَجَم رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- اليَهُودِيَّين اللَّذَيْنِ زَنَيَا، وماعِزًا، والغامِدِيَّةَ، حتى ماتوا 213. الفصلُ الثانى: أنَّه يُجْلَدُ، ثم يُرْجَمُ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
فَعَل ذلك علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وبه قال ابنُ عباسٍ، وأُبَى بنُ كَعْبٍ، وأبو ذَرٍّ،

الجزء: 26 - الصفحة: 240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
واخْتارَه [وذَكَر ذلك أبو بَكرٍ عبدُ العزيزِ عنهم] 214. وبه قال الحسنُ، وداودُ، وابنُ المُنْذِرِ.
والرِّوايةُ الثَّانِيَةُ، يُرْجَمُ ولا يُجْلَدُ.
رُوِى عن عمرَ وعثمانَ، أنَّهما رَجَما ولم يَجْلِدا.
ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: إذا اجْتَمَعَ حَدَّانِ للَّهِ، فيهما القَتْلُ، أحاطَ القَتْلُ بذلك 215. وبهذا قال النَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
واخْتارَه أبو إسحاقَ الجُوزْجَانِىُّ و [أبو بكرٍ] 216 الأَثْرَمُ، ونَصَراه في «سُنَنِهما»، لأَنَّ جابرًا روَى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَجَم ماعِزًا ولم يَجْلِدْه 217، ورَجَمَ الغامِدِيَّةَ ولم يَجْلِدْها.
وقال: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلى امْرَأةِ هذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 218. ولم يَأمُرْه بجَلْدِها، وكان هذا آخِرَ الأَمْرَيْن مِن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فيَجِبُ تَقْدِيمُه.
قال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يقولُ في حديثِ عُبادَةَ: إنَّه أوَّلُ حَدٍّ 219 نَزَلَ، وإنَّ حديثَ ماعِزٍ بعدَه، رَجَمَه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم يَجْلِدْه، وعمرُ رَجَم ولم يَجْلِدْ.
ونَقَل عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ

الجزء: 26 - الصفحة: 241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نحوَ هذا.
ولأنَّه حَدٌّ فيه قَتْلٌ، فلم يَجْتَمِعْ معه جَلْدٌ، كالرِّدَّةِ، ولأَنَّ الحُدُودَ إذا اجْتَمَعَتْ وفيها قَتْلٌ، سَقَط ما سِواهُ، فالحَدُّ الواحِدُ أَوْلَى.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى قولُه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ 220. وهذا عامٌّ، ثم جاءتِ السُّنَّةُ بالرَّجْمِ في حَقِّ الثَّيِّبِ، والتَّغْرِيبِ 221 في حَقِّ البِكْرِ، فوَجَبَ الجمعُ بينَهما.
وإلى هذا أشارَ علىٌّ بقولِه: جَلَدْتُها بكتابِ اللَّهِ، ورَجَمْتُها بسُنَّةِ رسولِ اللَّهِ.
وقد صَرَّحَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوْلِه في حديثِ عُبادَةَ: «والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ، الْجَلْدُ والرَّجْمُ» 222. وهذا الصَّريحُ الثابِتُ بيَقِينٍ لا يُتْرَكُ إلَّا بمِثْلِه، والأحادِيثُ الباقِيَة ليست صَرِيحةً، فإنَّه ذَكَر الرَّجْمَ ولم يَذْكُرِ الجَلْدَ، فلا يُعارَضُ به الصَّرِيحُ، بدليلِ أنَّ التَّغْرِيبَ يجبُ بذِكْرِه في هذا الحديثِ، وليس بمَذْكُورٍ في الآيَةِ، ولأنَّه زانٍ، فَيُجْلَدُ كالبِكْرِ، ولأنَّه قد شُرِعَ في حَقِّ البِكرِ عُقوبَتانِ؛ الجَلْدُ، والتَّغْرِيبُ، فيكونُ الرجمُ 223 مكانَ التَّغْرِيبِ.
فعلى هذه الرِّوايةِ، يَبْدأُ بالجَلْدِ أوَّلًا، ثم يَرْجُمُ، فإن وَالَى بينَهما جاز؛ لأَنَّ إتْلافَه مقصودٌ، فلا تَضُرُّ المُوالاةُ بينَهما، وإن جَلَدَه يومًا ثم رَجَمَه في آخَرَ، جاز، كما فَعَل علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، جَلَد شُراحَةَ يومَ الخميسِ، ثم رَجَمَها يومَ الجُمُعةِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 242

وَالْمُحْصَنُ مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ فِى قُبُلِهَا، فِى نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَهُمَا بَالِغَانِ عَاقِلَانِ حُرَّانِ، فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ فِى أحَدِهِمَا، فَلَا إِحْصَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَلَا يَثْبُتُ الإِحْصَانُ بِالْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَلَا فِى نِكَاحٍ فَاسِدٍ.
الفصلُ الثالثُ: أنَّ الرَّجْمَ لا يَجِبُ إلَّا على المُحْصَنِ، بإجْماعِ أهلِ العلمِ.
وفى حديثِ عمرَ: إنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ 224 على مَن زَنَى وقد أحْصَنَ 225: وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بإحْدَى ثَلَاثٍ».
ذكَرَ منها: «أَوْ زِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ» 226.

4399 -

مسألة: (والمُحْصَنُ مَن وَطِئَ امرأتَه في قُبُلِها، في نِكاحٍ صَحِيحٍ، وهُما بالِغان عاقِلان حُرَّانِ، فإنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ منها، فلا إحْصانَ لواحِدٍ منهما.
ولا يَثْبُتُ الإِحْصانُ بالوَطْءِ بمِلْكِ اليَمِينِ، ولا في نِكاحٍ فاسِدٍ)

يُشْتَرَطُ للإِحْصانِ شُروطٌ سبعةٌ؛ أحدُها، الوَطْءُ في القُبُلِ، ولا خلافَ في اشْتِراطِه؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، الجَلْدُ والرَّجْمُ».
والثِّيابَةُ تَحْصُلُ بالوَطْءِ في القُبُلِ، فوَجَب

الحديث: 4399 - الجزء: 26 - الصفحة: 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اعْتِبارُه.
ولا خِلافَ في أنَّ النِّكاحَ الخالِىَ عن الوَطْءِ، لا يَحْصُلُ به إحْصانٌ، سَواءٌ حَصَلَتْ فيه خَلْوَةٌ، أو وَطْءٌ فيما دُون الفَرْجِ، أو في الدُّبُرِ، أو لم يَحْصُلْ شئٌ مِن ذلك، لأَنَّ هذا لا تَصِيرُ به المرأةُ ثَيِّبًا، ولا تَخْرُجُ به عن حَدِّ الأبْكارِ، الذينَ حَدُّهم جَلْدُ مائةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، بمُقْتَضَى الخَبَرِ، ولا بُدَّ أن يكونَ وَطْئًا حَصَل به تَغْيِيبُ الحَشَفَةِ في الفَرْجِ؛ لأَنَّ ذلك الوَطْءُ الذى تَتَعَلَّقُ به أحْكامُه.
الثانى، أن يكونَ في نِكاحٍ، لأَنَّ النِّكاحَ يُسَمَّى إحْصانًا، بدَليلِ قولِه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 227. يعنى المُتَزَوِّجاتِ.
ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ وَطْءَ الزِّنى، ووَطْءَ الشُّبْهَةِ، لا يَصِيرُ به الوَاطِئُ 228 مُحْصَنًا.
ولا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّ التَّسَرِّىَ لا يَحْصُلُ به الإِحْصانُ لواحدٍ منهما، لكَوْنِه ليس بنِكاحٍ، ولا تَثْبُتُ فيه أحْكامُه.
الثالثُ، أن يكونَ

الجزء: 26 - الصفحة: 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النِّكاحُ صَحِيحًا.
وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال أبو ثَوْرٍ: يَحْصُلُ الإِحْصانُ بالوَطْءِ في نِكاحٍ فاسِدٍ.
وحُكِىَ ذلك عن اللَّيْثِ، والأوْزَاعِىِّ؛ لأَنَّ الصَّحِيحَ والفاسِدَ سَواءٌ في أكثرِ الأحْكام، مِن وُجُوبِ المَهْرِ والعِدَّةِ، وتَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ وأُمِّ المرأةِ، ولَحاقِ الوَلَدِ، فكذلك في الإِحْصانِ.
ولَنا، أنَّه وَطْءٌ في غيرِ مِلْكٍ، فلم يَحْصُلْ به الإِحْصانُ، كوَطْءِ الشُّبْهَةِ، ولا نُسَلِّمُ ثُبوتَ ما ذَكَرُوه مِن الأحْكامِ، وإنَّما ثَبَت بالوَطْءِ فيه، وهذه ثَبَتَتْ في كلِّ وَطءٍ، وليست مُخْتَصَّةً بالنِّكاحِ، إلَّا أنَّ النِّكاحَ ههُنا صارَ شُبْهَةً، فصارَ الوَطْءُ فيه كوَطْءِ الشُّبْهَةِ سَواءً.
الرابعُ، الحُرِّيَّةُ، وهى شَرْطٌ في قولِ جميعِ أَهْلِ العلمِ، إلَّا أبا ثَوْرٍ، قال: العَبْدُ والأمَةُ هما مُحْصَنان، يُرْجَمانِ إذا زَنَيا، إلَّا أن يكونَ الإِجْماعُ يخالِفُ ذلك.
وحُكِىَ عن الأوْزَاعِىِّ في العبدِ تحتَه حُرَّةٌ: هو مُحْصَنٌ، يُرْجَمُ إذا زَنَى، وإن كان تحتَه أمَةٌ، لم يُرْجَمْ.
وهذه أقْوالٌ تخالفُ النَّصَّ والإِجْماعَ، فإنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ 229. والرَّجْمُ لا يَتَنَصَّفُ، وإيجابُه كلُّه يُخالِفُ النَّصَّ مع

الجزء: 26 - الصفحة: 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُخالَفةِ الإجْماعِ المُنْعَقِدِ قبلَه، إلَّا أن يكونَ إذا عَتَقا 230 بعدَ الإِصابةِ، فهذا فيه اخْتِلافٌ سنَذْكُرُه إن شاءَ اللَّهُ.
وقد وافَقَ الأوْزَاعِىُّ على أنَّ العَبْدَ إذا وَطِئَ الأمَةَ، ثم عَتَقَا (1)، لم يَصِيرا مُحْصَنَيْن، وهو قولُ الجُمهورِ، وزاد فقال في المَمْلوكَيْن إذا عَتَقا وهما مُتَزَوِّجان، ثم وَطِئَها الزَّوْجُ: لا يَصِيران مُحْصنَيْن بذلك الوَطْءِ 231. وهذا أيضًا قولٌ شاذٌّ، خالفَ أهلَ العلمِ به، فإنَّ الوَطْءَ وُجِدَ منهما حالَ كَمالِهما، فحصَّنَهما، كالصَّبِيَّين 232 إذا بَلَغا.
الشَّرْطُ الخامسُ والسادِسُ، البُلُوغُ والعقلُ، فلو وَطِئَ وهو صَبِىٌّ أو مجنونٌ، ثم بَلَغ أو عَقَل، لم يَكُنْ مُحْصَنًا.
هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، وقولُ الشافعىِّ.
ومِن أصحابِه مَن قال: يَصِيرُ مُحْصَنًا، وكذلك العَبْدُ إذا وَطِئَ، ثم عَتَقَ، يصيرُ مُحْصَنًا؛ لأَنَّ هذا وَطْءٌ يَحْصُلُ به الإحْلالُ للمُطَلِّقِ ثلاثًا، فحصلَ به الإِحْصانُ، كالموجودِ حالَ الكَمالِ.
ولَنا، قولُه، عليه السلامُ: «وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ».
فاعْتَبَرَ الثُّيُوبَةَ خاصَّةً، ولو كانت تَحْصُلُ قبلَ ذلك، لَكان يجبُ عليه الرَّجْمُ قبلَ بُلُوغِه وعَقْلِه، وهو خِلافُ الإِجْماعِ، ويُفارِقُ

الجزء: 26 - الصفحة: 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإِحْصانُ الإِحْلالَ؛ لأَنَّ اعْتِبارَ الوَطْءِ في حَقِّ المُطَلِّقِ، يَحْتَمِلُ أن يكونَ عُقُوبَةً له، بتَحْرِيمِها عليه حتى يَطَأَها غيرُه، لأَنَّ هذا ممّا تَأْباه الطِّباعُ ويَشُقُّ على النُّفُوسِ، فاعْتَبَرَه الشارِعُ زَجْرًا عن الطَّلاقِ الثَّلاثِ، وهذا يَسْتَوِى فيه العاقِلُ والمجْنونُ، بخِلافِ الإِحْصانِ، فإنَّه اعْتُبِرَ لكَمالِ النِّعْمَةِ، فإنَّ مَن كَمَلَتِ النِّعْمَةُ في حَقِّه، كانت جِنايتُه أفْحَشَ وأحَقَّ بزيادَةِ العُقُوبةِ، والنِّعْمَةُ في العاقِلِ البالِغِ أكمَلُ.
الشَّرْطُ السابعُ، أن يُوجَدَ الكَمالُ فيهما جميعًا حالَ الوَطْءِ، فيَطَأُ الرجلُ العاقِلُ الحُرُّ امرأةً عاقِلةً حُرَّةً.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِه.
ونحوُه قولُ عَطاءٍ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِىِّ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِىِّ، وإسْحاق.
قالُوه في الرَّقيقِ.
وقال مالكٌ: إذا كان أحدُهما كامِلًا صار مُحْصَنًا، إلَّا الصَّبِىَّ إذا وَطِئَ الكبيرةَ، لم يُحْصِنْها.
ونحوُه عن الأوْزَاعِىِّ.
واخْتُلِفَ عن الشافعىِّ، فقِيلَ: له قَوْلان؛ أحدُهما، كقَوْلِنا.
والثانى، أنَّ الكامِلَ يَصِيرُ مُحْصَنًا.
وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ.
وذَكَرَ ابنُ أبى موسى نحوَ ذلك في «الإِرْشَادِ» فقال: إذا وَطِئَ الحُرُّ البالغُ حُرَّةً صغيرةً في نِكاحٍ صحيحٍ، صار مُحْصَنًا دُونَها، وإذا وَطِئَ الصَّبِىُّ الحُرُّ الصَّغيرُ الكبيرةَ، صارَتْ مُحْصَنَةً دُونَه، كما أنَّه لا 233 يجبُ على الصَّغيرِ الحَدُّ، ويجبُ على الكبيرِ.
ولَنا، أنَّه وَطْءٌ لم يُحْصِنْ أحَدَ المُتَواطِئَيْن، فلم يُحْصنِ الآخَرَ، كالتَّسَرِّى، ولأنَّه متى

الجزء: 26 - الصفحة: 247

وَيَثْبُتُ الإحْصَانُ لِلذِّمِّيِّيَّن.
وَهَلْ تُحْصِنُ الذِّمِّيَّةُ مُسْلِمًا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ.
كان أحدُهما ناقِصًا، لم يَكْمُلِ الوَطْءُ (1)، فلا يَحْصُلُ به الإِحْصانُ، كما لو كانا غيرَ كامِلَيْن، وبهذا فارَق ما قاسُوا عليه.

4400 -

مسألة: (ويَثْبُتُ الإِحْصانُ للذِّمِّيَّيْن. وهل تُحْصِنُ الذِّمِّيَّةُ مسلمًا؟ على رِوايَتَيْن)

لا يُشْتَرَطُ الإِسْلامُ في الإِحْصانِ.
وبه قال الزُّهْرِىُّ، والشافعىُّ.
فعلى هذا، يكونُ الذِّمِّيّان مُحْصَنَيْن، فإن تَزَوَّجَ المسلمُ ذِمِّيَّةً فوَطِئَها، صارا مُحْصَنَيْن.
وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ الذِّمِّيَّةَ لا تُحْصِنُ المسلمَ.
وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، ومُجاهِدٌ، والثَّوْرِىُّ: هو شَرْطٌ في الإحْصانِ، فلا 235 يكونُ الكافِرُ مُحْصَنًا، ولا تُحْصِنُ الذِّميَّةُ مسلمًا؛ لأَنَّ ابنَ عمرَ رَوَى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ أشْرَكَ بِاللَّهِ، فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» 236. ولأنَّه إحْصانٌ مِن شَرْطِه 237 الحُرِّيَّةُ،234

الحديث: 4400 - الجزء: 26 - الصفحة: 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فكان الإِسلامُ شَرْطًا فيه، كإِحْصانِ القَذْفِ.
وقال مالكٌ كقولِهِم، إلَّا أنَّ الذِّمِّيَّةَ تُحْصِنُ المسلمَ، يِناءً على أصْلِه في أنَّه لا يَعْتَبِرُ الكمالَ في الزَّوْجَيْن، ويَنْبَغِى أن يكونَ ذلك قولًا للشافعىِّ.
ولَنا، ما رَوَى [مالِكٌ، عن] 238 نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه قال: جاء اليهودُ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذَكَرُوا له أنَّ رجلًا وامرأةً زَنَيا.
وذَكَر الحديثَ، فأمَرَ بهما رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فرُجِما.
مُتَّفَقٌ عليه 239. ولأَنَّ الجِنايَةَ بالزِّنَى اسْتَوَتْ مِنِ المسلمِ والذِّمِّىِّ، فيَجِبُ أن يَسْتَويا في الحَدِّ.
وحديثُهم لم يَصِحَّ، ولا نعْرفُه في مُسْنَدٍ 240. وقِيلَ: هو مَوْقُوفٌ على ابنِ عمرَ.
ثم يَتَعَيَّنُ حَمْلُه على إحْصانِ القَذْفِ، جَمْعًا بينَ الحَدِيثَيْن، فإنَّ راوِيَهما واحِدٌ، وحديثُنا صريحٌ في الرَّجْمِ، فيَتَعَيَّنُ حَمْلُ خَبَرِهم على الإِحْصانِ الآخَرِ.
فإن قالوا 241: إنَّما رَجَم رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- اليَهودِيَّين بحُكْمِ التَّوْراةِ، بدليلِ أنَّه

الجزء: 26 - الصفحة: 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  راجَعَها، فلمَّا تَبَيَّنَ له أنَّ ذلك حكمُ اللَّهِ تعالى عليهم، أقامَه فيهم، وفيها أنزلَ اللَّهُ سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ 242. قلنا: إنَّما حَكَم عليهم بما أنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ إليه، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ 243. ولأنَّه لا يَسُوغُ للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الحُكْمُ بغيرِ شَرِيعَتِه، ولو ساغ ذلك له ساغ لغيرِه، وإنَّما راجَعَ التَّوْراةَ لتَعْرِيفِهم أنَّ حُكْمَ التَّوْراةِ مُوافِقٌ لِما يَحْكُمُ به عليهم، وأنَّهم تارِكُونَ شَرِيعَتَهم، مُخالِفُون لحُكْمِهِم.
ثم هذا حُجَّةٌ لنا، فإنَّ حكمَ اللَّهِ في وُجوبِ الرَّجْمِ إن كان ثابتًا في حَقِّهم يجبُ أن يُحْكَمَ به عليهم، فقد ثَبَت وُجودُ الإِحْصانِ فيهم، فإنَّه لا مَعْنى له سِوَى وُجوبِ الرَّجْمِ على مَن زَنَى منهم بعدَ وُجودِ شُروطِ الإحْصانِ فيه، وإن مَنَعُوا ثُبوت الحكمِ في حَقِّهم، [فَلِمَ حَكَم] 244 به النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ ولا يَصِحُّ القِياسُ على إحْصانِ القَذْفِ؛ لأَنَّ مِن شَرْطِه العِفَّةَ، وليست شَرْطًا ههُنا.

الجزء: 26 - الصفحة: 250

وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ وَلَدٌ مِنَ امْرأتِهِ فَقَالَ: مَا وَطِئْتُهَا.
لَمْ يَثْبُتْ إِحْصَانُهُ.

4401 - مسألة: (وإن كان لرجلٍ وَلَدٌ مِن امرأتِه فقال: مَا وَطِئتُها. لم يَثْبُتْ إحْصَانُه)

ولا يُرْجَمُ إذا زَنَى.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُرْجَمُ؛ لأَنَّ الوَلَدَ لا يكونُ إلَّا مِن وَطْءٍ.
فقد حَكَم بالوَطْءِ ضَرُورةَ الحُكْمِ بالوَلَدِ.
ولَنا، أنَّ الوَلدَ يُلْحَقُ بإمْكانِ الوَطْءِ واحْتِمالِه، والإِحْصانُ لا يَثْبُتُ إلَّا بحَقِيقَةِ الوَطْءِ 245، فلا يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ ما يُكْتَفَى فيه بالإِمْكانِ وُجُودُ ما تُعْتَبَرُ فيه الحَقِيقةُ.
وهو أحقُّ الناسِ بهذا، فإنه قال: لو تَزَوَّجَ امرأةً بحَضرَةِ الحاكمِ في مجلِسِه، ثم طَلَّقَها فيه، فأتَتْ بوَلَدٍ، لَحِقَه.
مع العلمِ بأنَّه لم يَطَأها في الزَّوْجيَّةِ، فكيفَ يُحْكَمُ بحَقِيقةِ الوَطْءِ مع تحَقُّقِ انْتِفائِه! وهكذا لو كان لامرأَةٍ وَلَدٌ من زَوْجٍ، فأنْكَرَتْ أن يكون وَطِئها، لم يَثْبُتْ إحْصانُها لذلك.
فصل: ولو شَهِدَتْ بَيِّنةُ الإِحْصانِ أنَّه دَخَل بزَوْجَتِه، فقال أصحابُنا: يَثْبتُ الإِحْصانُ به؛ لأَنَّ المَفْهومَ مِن لفظِ الدُّخُولِ كالمَفْهومِ من لَفْظِ المُجامَعَةِ.
وقال محمد بنُ الحسنِ: لا يُكْتَفَى به حتى [تقولَ: جامَعَها.
أو: باضَعَها] 246. أو نحوَها؛ لأَنَّ الدُّخولَ يُطْلَقُ على الخَلْوَةِ

الحديث: 4401 - الجزء: 26 - الصفحة: 251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بها، ولهذا تثْبُتُ بها أحكامُه.
قال شيخُنا 247: وهذا أصَحُّ القَوْلَيْن، إن شاء اللَّه تعالى.
أمَّا إذا قالت: جامَعَها.
أو: باضَعَها.
أو نحوَه.
فلا نعلمُ خِلافًا في ثُبُوتِ الإِحْصانِ، وكذلك يَنْبَغِى إذا قالتْ: وَطِئَها.
وإن قالتْ: باشَرَها.
أو: مَسَّها.
أو: أصابَها.
أو: أتاها.
فيَنْبَغِى أن لا يَثْبُتَ به الإِحْصانُ؛ لأَنَّ هذا يُسْتَعْمَلُ فيما دُونَ الجماعِ في الفَرْجِ كثيرًا، فلا يَثْبُتُ به الإِحْصانُ الذى يَنْدَرِئُ بالاحْتِمالِ.
فصل: وإذا جُلِدَ الزَّانِى على أنَّه بكْرٌ، ثم بان مُحْصَنًا، رُجِمَ؛ لِما رَوَى جابرٌ، أنَّ رجلًا زَنَى بامرأةٍ، فأمَرَ به رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فجُلِدَ الحَدَّ، ثُمَّ أُخْبِرَ أنَّه مُحْصَنٌ، فرُجِمَ.
رَواه أبو داودَ 248. ولأنَّه إن وَجَب الجمعُ بينَهما، فقد أتَى ببعضِ الواجبِ، فيجبُ إتْمامُه، وإن لم يجبِ الجمعُ بينَهما، تَبَيَّنَ أنَّه لم يَأْتِ بالحدِّ الواجِبِ.
فصل: وإذا رُجِمَ الزَّانِيان، غُسِّلا، وصُلِّى عليهما، ودُفِنا إذا كانا مسلمَيْن.
أمَّا غَسْلُهما ودَفْنُهما، فلا خِلافَ فيه بين أهلِ العلمِ، وأكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ الصلاةَ عليهما.
قال الإِمامُ أحمدُ: سُئِلَ علىٌّ عن شُراحَةَ، وكانَ رَجَمَها، فقال: اصْنَعُوا بها ما تَصْنَعُونَ بمَوْتاكم.
وصلَّى علىٌّ

الجزء: 26 - الصفحة: 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليها 249. وقال مالكٌ: مَن قَتَله الإِمامُ في حَدٍّ، فلا يُصَلَّى عليه؛ لأَنَّ جابِرًا قال في حديثِ ماعِز: فرُجِمَ حتى ماتَ، فقال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خيرًا، ولم يُصَلِّ عليه.
مُتَّفَقٌ عليه 250. ووَجْهُ الأَوَّلِ ما رَوَى أبو داودَ 251، بإسْنادِه، عن عِمْرانَ بنِ الحُصَيْنِ، في حديثِ الجُهَنِيَّةِ: فأمرَ بها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فرُجِمَتْ، ثم أمَرَهم فصَلَّوا عليها، فقال عمَرُ: يا رسولَ اللَّهِ تُصَلِّى عليها وقد زَنَتْ؟ فقال: «والَّذِى نَفْسِى بيَدِه، لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً، لَوْ قُسِمَت بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أهلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وهَلْ وَجَدْتَ أفْضَلَ مِن أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا؟».
ورَواه التِّرْمِذِىُّ، وفيه: فرُجمَتْ، وصَلَّى عليها.
وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (3). وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» 252. ولأنَّه مسلم لو فاتَ قبلَ الحَدِّ صُلِّىَ عليه، فيُصَلَّى عليه

الجزء: 26 - الصفحة: 253

وَإِنْ زَنَى الْحُرُّ غَيْرُ الْمُحْصَنِ، جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَغُرِّبَ عَامًا إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
بعدَه، كالسَّارِقِ.
وأمَّا حديثُ ماعِزٍ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يحْضُرْه، أو اشْتَغَلَ عنه بأمْرٍ، أو غيرِ ذلك، فلا يُعارِضُ ما رَوَيْناه.

4402 -

مسألة: (وإن زَنَى الحُرُّ غيرُ المُحْصَنِ، جُلِدَ مِائَةً، وغُرِّبَ عامًا إلى مَسافَةِ القَصْرِ)

[وإن كان ثَيِّبًا] 253. ولا خِلافَ في وُجُوبِ الجَلْدِ على الزَّانِى إذا لم يَكُنْ مُحْصَنًا، وقد جاء بَيانُ ذلك في كتابِ اللَّهِ تعالى، بقولِه سبحانه وتعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ 254. وجاءتِ الأحاديثُ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُوافِقَةً لِما جاء به الكتابُ.
ويجبُ مع الجَلْدِ تَغْرِيبُه عامًا، في قولِ الجُمْهورِ.
رُوِىَ ذلك عن الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ، وعن أُبَىٍّ، وأبى ذَرٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وإليه ذَهَب عَطاءٌ، وطاوُسٌ، وابنُ أبى لَيْلى، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ: يُغَرَّبُ الرَّجلُ دونَ المرأةِ؛ لأَنَّ المرأةَ تَحْتاجُ إلى حِفْظٍ وصِيانةٍ، ولأنَّها لا تَخْلُو مِن التَّغْرِيبِ بمَحْرَمٍ أو بغيرِ مَحْرَمٍ، لا يجوزُ بغيرِ محْرَمٍ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ

الحديث: 4402 - الجزء: 26 - الصفحة: 254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَلَيْلَةٍ، إلَّا مَعَ ذِى مَحْرَمٍ» 255. ولأَنَّ تَغْرِيبَها بغيرِ مَحْرَم إغْراءٌ لها بالفُجُورِ، وتضْيِيعٌ لها، وإن غُرِّبَتْ بمَحْرَمٍ، أفْضَى إلى تَغْرِيبِ مَن ليس بزانٍ، ونَفْىِ مَن لا ذَنْبَ له، وإن كُلِّفَتْ أُجْرَتَه، ففى ذلك زيادةٌ على عقوبَتِها بما لم يَرِدِ الشَّرْعُ به، كما لو زادَ ذلك على الرجلِ، والخبرُ الخاصُّ في 256 التَّغْرِيبِ إنَّما هو في حَقِّ الرجلِ، وكذلك فَعَل الصحابةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، والعامُّ يجوزُ تخْصِيصُه؛ لأنَّه يَلْزَمُ مِن العملِ بعُمُومِه مُخالفةُ مَفْهُومِه، فإنَّه دَلَّ بمَفْهُومِه على أنَّه ليس على الزَّانِى أكثرُ من العُقُوبَةِ المَذْكُورَةِ فيه، وإيجابُ التَّغْرِيبِ على المرأةِ، يَلْزَمُ منه الزِّيادةُ على ذلك، وفَواتُ حِكْمَتِه 257؛ لأَنَّ الحَدَّ وَجَب زَجْرًا عن الزِّنَى 258، وفى تَغْريبِها إغْراءٌ به، وتَمْكِينٌ منه، مع أنَّه قد يُخَصَّصُ في حَقِّ الثَّيِّبِ بإسْقاطِ الجَلْدِ 259 في قولِ الأَكْثَرِين، فتَخْصِيصُه ههُنا أوْلَى.
وقال أبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: لا يَجِبُ التَّغْرِيبُ؛ لأَنَّ عليًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: حَسْبُهما مِن الفِتْنَةِ أن يُنْفيا 260. وعنِ ابنِ المُسَيَّبِ، أنَّ عمرَ غَرَّبَ رَبِيعةَ ابنَ أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ في الخمرِ إلى خيْبَرَ 261، فلَحِقَ بهِرَقْلَ فتَنَصَّرَ، فقال

الجزء: 26 - الصفحة: 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عُمَرُ: لا أُغَرِّبُ مسلمًا بعدَ هذا أبدًا 262. ولأَنَّ اللَّهَ تعالى أمَر بالجَلْدِ دُونَ التَّغْرِيبِ، فإيجابُ التَّغْرِيبِ زيادةٌ على النَّصِّ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ» 263. ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ، وزيدُ ابنُ خالدٍ، أنَّ رجلَيْن اخْتَصَما إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال أحدُهما: إنَّ ابنى كان عَسِيفًا على هذا، فَزنَى بامْرأتِه، وإنَّنِى افْتَدَيْتُ منه بمائةِ شاةٍ ووَلِيدَةٍ، فسألتُ رِجالًا مِن أهلِ العلمِ، فقالوا: إنَّما على ابْنِكَ جلدُ مائةٍ وتَغْرِيبُ عام، والرَّجْمُ على امْرَأةِ هذا.
فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بكِتَابِ اللَّهِ، عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ».
وجَلَد ابنَه مِائَةً 264، وغرَّبَه عامًا، وأمَر أُنَيْسًا الأَسْلَمِىَّ يأتِى امْرَأةَ الآخَرِ، فإنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَها، فاعْتَرَفَتْ، فرَجَمَها.
مُتَّفَقٌ عليه 265. وفى الحديثِ: فسألْتُ رجالًا مِن أهلِ العلمِ، فقالُوا: إنَّما على ابْنِكَ جَلْدُ مِائةٍ وتَغْرِيبُ عام.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ هذا كان مَشْهُورًا عندَهم، مِن حُكْمِ اللَّهِ، وقَضاءِ رسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وقد قِيلَ: إنَّ الَّذى قال له 266 هذا أبو بكرٍ وعُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما.
ولأَنَّ التَّغْرِيبَ فَعَله الخلفاءُ الراشدون، ولا نعْرفُ لهم في الصَّحابةِ مُخالِفًا، فكان إجْماعًا، ولأَنَّ

الجزء: 26 - الصفحة: 256

وَعَنْهُ، أنَّ الْمَراة تُنْفَى إِلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
الخبَرَ يَدُلُّ على عُقوبَتَين في حَقِّ الثَّيِّبِ، فكذلك في حَقِّ البِكْرِ، وما رَوَوْه عن علىٍّ لا يَثْبُتُ؛ لضَعْفِ رُواتِه (1) وإرْسالِه.
وقولُ عمرَ: لا أُغَرِّبُ بعدَه (2) مسلمًا.
فلَعَلَّه أرادَ تَغْرِيبَه في الخمرِ الَّذى أصابَتِ الفِتْنَةُ رَبيعةَ فيه.
قال شيخُنا (3): وقولُ مالكٍ يُخالِفُ عُمُومَ الخبرِ والقِياسَ؛ لأَنَّ ما كان حَدًّا في الرجلِ، يكونُ حَدًّا في المرْأةِ، كسائِرِ الحُدودِ، وقولُ مالكٍ فيما يَقَعُ لى، أصَحُّ الأقْوالِ وأعْدَلُها، وعُمومُ الخبرِ مَخْصُوصٌ بخبرِ النَّهْى عن سَفَرِ المرأةِ بغيرِ مَحْرَمٍ، والقياسُ على سائِرِ الحُدُودِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَسْتَوى الرجلُ والمرأةُ في الضَّرَرِ الحاصلِ بها، بخِلافِ هذا الحَدِّ، ويُمْكِنُ قَلْبُ هذا القياسِ، بأنَّه حَدٌّ، فلا تُزادُ فيه المرأةُ على ما على الرجلِ، كسائرِ الحُدودِ.
فصل: ويُغَرَّبُ البِكْرُ الزَّانِى حَوْلًا، فإن عاد قبلَ مُضِىِّ الحَوْلِ، أُعِيدَ تَغْرِيبُه حتَّى يُكْمِلَ الحَوْلَ مُسافِرًا، ويَبْنِى على ما مَضَى.
ويُغَرَّبُ الرجلُ إلى مَسافَةِ القَصْرِ؛ لأَنَّ ما دُونَها في حُكْمِ الحَضَرِ، بدليلِ أنَّه لا يَثْبُبُ في حَقِّه أحْكامُ المُسافِرِين، ولا يَسْتَبِيحُ شيئًا من رُخَصِهم.

4403 -

مسألة: (وعنه، أنَّ المرأةَ تُنْفَى إلى دونِ مَسافَةِ القَصْرِ)

267268269 الحديث: 4403 - الجزء: 26 - الصفحة: 257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقِيلَ عنه: إن خَرَج معها مَحْرَمُها، نُفِيَتْ إلى مَسافَةِ القَصْرِ.
وإن لم يَخْرُجْ معها مَحْرَمُها، فنُقِلَ عن أحمدَ، أنَّ المرأةَ تُغَرَّبُ إلى مَسافَةِ القَصرِ، كالرجلِ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
ورُوِىَ عنه، أنَّها تُغَرَّبُ إلى دُونِ مَسافَةِ القَصْرِ؛ لتَقْرُبَ مِن أهْلِها، فيَحْفَظُوها.
ويَحْتَمِلُ كلامُ أحمدَ أن لا يُشْتَرَطَ في التَّغْرِيبِ مَسافةُ القَصْرِ فيهما، فإنَّه قال، في رِوايةِ الأَثْرَمِ: يُنْفَى مِن عملِه إلى عمل غيرِه.
وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: لو نفِىَ [مِن قَرْيَةٍ] 270 إلى قريةٍ أُخْرى، بينَهما مِيلٌ أو أقَلُّ، جاز.
وقال إسحاقُ: يجوزُ [أن يُنْفَى] 271 مِن مِصْرٍ إلى مِصْرٍ.
ونحوَه قال ابنُ أبى ليلى؛ لأَنَّ النَّفْىَ وَرَد مُطْلَقًا غيرَ مُقَيَّدٍ 272، فيَتَناوَلُ أقَلَّ ما يَقَعُ عليه الاسمُ، والقَصْرُ يُسَمَّى سَفَرًا، تجوزُ فيه صلاةُ النَّافِيَةِ على الرَّاحِلةِ.
ولا يُحْبَسُ في البلدِ الَّذى نُفِىَ 273 إليه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ: يُحْبَسُ.
ولَنا، أنَّها زِيادةٌ لم يَرِدْ بها الشَّرْعُ، [فلم تُشْرَعْ] (1)، كالزِّيادَةِ على العامِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 258

وَيَخْرُجُ مَعَهَا مَحْرَمُهَا، فَإِنْ أَرَادَ أُجْرَةً، بُذِلَتْ مِنْ مَالِهَا، فَإِنْ  فصل (1): وإن زَنَى الغَرِيبُ، غُرِّبَ إلى بَلَدٍ غيرِ وَطَنِه.
وإن زَنَى في البَلَدِ الَّذى غُرِّبَ إليه، غُرِّبَ منه إلى غيرِ البلدِ الَّذِى غُرِّبَ منه؛ لأَنَّ الأمْرَ بالتَّغْرِيبِ يَتَناولُه (2) حيثُ كان، ولأنَّه قد أنِسَ بالبَلَدِ الَّذى يَسْكُنُه، فيُبْعَدُ عنه.

4404 -

مسألة: (ويَخْرُجُ مع المرأةِ مَحْرَمُها)

ليُسْكِنَها في مَوْضِعٍ، ثم إن شاء رَجَع إذا أمِنَ عليها، وإن شاء أقامَ معها حتَّى يَكْمُلَ حَوْلُها، وإن أبَي الخُرُوجَ معها، بَذَلَتْ له الأُجْرَةَ.
قال أصحابُنا: وتَبْذُلُ مِن مالِها؛ لأد هذا مِن مُؤْنَةِ سَفَرِها.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ ذلك عليها؛274275

الحديث: 4404 - الجزء: 26 - الصفحة: 259

تَعَذَّرَ، فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ أبَى الْخُرُوجَ مَعَهَا، اسْتُؤْجِرَتِ امْرَأَةٌ ثِقَةٌ، فَإِنْ تَعَذَّرَ، نُفِيَتْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ،  لأَنَّ الواجِبَ عليها التَّغْرِيبُ بنَفْسِها، فلم يَلْزَمْها زِيادةٌ عليه كالرَّجُلِ، ولأَنَّ هذا مِن مُؤْنَةِ إقامةِ الحَدِّ، فلم يَلْزَمْها، كأُجْرَةِ الجَلَّادِ.
فعلى هذا، تُبْذلُ الأُجْرَةُ مِن بيتِ المالِ.
وعلى قولِ أصحابِنا، إن لم يَكُنْ لها مالٌ، بُذِلَتْ مِن بَيْتِ المالِ.
فإن أربى مَحْرَمُها الخُروجَ معها، لم يُجْبَرْ، وإن لم يَكُنْ لها مَحْرَمٌ، غُرِّبَتْ مع نِساءٍ ثِقاتٍ.
والقولُ في أُجْرَةِ مَن يُسافِرُ معها منهُنَّ، كالقولِ في أُجْرَةِ المَحْرَم، فإن أعْوَزَ، فقال أحمدُ: تُنْفَى بغيرِ مَحْرَمٍ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّهَ لا سَبِيلَ إلى تَأْخِيرِهِ، فأشْبَهَ سَفرَ

الجزء: 26 - الصفحة: 260

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْقُطَ النَّفْىُ.
الهِجْرَةِ، والحَجِّ إذا ماتَ المَحْرَمُ في الطَّريقِ (ويَحْتَمِلُ أن يَسْقُطَ النَّفْىُ) إذا لم تَجِدْ مَحْرَمًا، كما يَسْقُطُ سَفَرُ الحَجِّ، إذا لم يَكُنْ لها مَحْرَمٌ 276، فإنَّ تَغْرِيبَها على هذه الحالِ إغْراءٌ لها بالفُجُورِ، وتَعْريضٌ لها للفِتْنَةِ، وعُمُومُ الحديثِ مَخصُوصٌ بعُمُومِ النَّهْى عن سَفَرِها بغيرِ مَحْرَمٍ.
فصل: ويَجِبُ أن يَحْضُرَ الحَدَّ 277 طائِفةٌ مِن المؤمنين؛ لقولِ اللَّهِ.
تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ 278. قال أصحابُنا: والطَّائِفَةُ واحدٌ فما فوقَه.
وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، ومُجاهِدٍ.
والظّاهِرُ

الجزء: 26 - الصفحة: 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّهم أرادُوا واحدًا مع الَّذى يُقِيمُ الحَدَّ؛ لأَنَّ الَّذى يُقِيمُ الحدَّ حاصِلٌ ضَرُورَةً، فيَتَعَيَّنُ صَرْفُ الأَمْرِ إلى غيرِه.
وقال عَطاءٌ، وإسحاقُ: اثْنان.
فإن [أرادا به] 279 واحدًا مع الَّذى يُقِيمُ الحَدَّ، فهو كالقَوْلِ الأَوَّلِ، وإن أرادا 280 اثنينِ غيرَه، فوَجْهُه أنَّ الطّائِفَةَ اسْمٌ لِما زاد على الواحِدِ، وأقَلُّه اثْنانِ.
وقاك الزُّهْرِىُّ: ثلاثةٌ؛ لأَنَّ الطّائِفَةَ جماعةٌ، وأقَلُّ الجمعِ ثلاثةٌ.
وقال مالكٌ: أرْبَعَةٌ؛ لأنَّه العَدَدُ الَّذى يَثْبُتُ به الزِّنَى.
وللشافعىِّ قَوْلان، كَقَوْلِ 281 الزُّهْرِىِّ ومالكٍ.
وقال رَبِيعَةُ: خمسةٌ.
وقال الحسنُ: عَشَرَةٌ.
وقال قَتادَةُ: نَفَرٌ.
واحْتَجَّ أصحابُنا بقولِ ابنِ عباسٍ، فإنَّ اسْمَ الطّائِفَةِ يَقَعُ على الواحدِ، بدليلِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾.
ثم قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ 282. وقِيلَ في قولِه تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ 283. إنَّه مَخْشِىُّ 284 بنُ حُمَيِّرٍ وحدَه 285. ولا يَجِبُ أن يَحْضُرَ الإِمامُ، ولا الشُّهُودُ.
وبهذا قال الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفة: إن ثَبَت الحَدُّ بِبَيِّنَةٍ، فعليها

الجزء: 26 - الصفحة: 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحُضُورُ، والبَداءَةُ بالرَّجْمِ، وإن ثَبَت باعْتِرافٍ، وَجَب على الإِمامِ الحُضُورُ، والبَدَاءَةُ بالرَّجْمِ؛ لِما رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: الرَّجْمُ رَجْمان؛ فما كان منه بإقْرارٍ، فأوَّلُ مَن يَرْجُمُ الإِمامُ، ثم النَّاسُ، وما كان ببَيِّنَةٍ، فأوَّلُ مَن يَرْجُمُ البَيِّنَةُ، ثم الناسُ.
رَواه سعيدٌ بإسْنادِه 286. ولأنَّه إذا لم تَحْضُرِ البَيِّنَةُ ولا الإِمامُ، كان في ذلك شُبْهَةٌ، والحَدُّ يَسْقُطُ بالشُّبُهاتِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر برَجْمِ ماعِزٍ والغامِدِيَّةِ، ولم يَحْضُرْهُما، وِالحَدُّ ثَبَت باعْتِرافِهما.
وقال: «يَا أُنَيْسُ، اغْدُ إِلى امْرَأَة هذَا، فَإِنِ اعْتَرَفتْ فَارْجُمْهَا» 287. ولم يَحْضُرْها.
ولأنَّه حَدٌّ، فلم يَلْزَمْ أن يَحْضُرَه الإِمامُ ولا البَيِّنَةُ، كسائِرِ الحُدودِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ تَخَلُّفَهم عن الحُضُورِ، ولا امْتِناعَهم مِن البَداءَةِ بالرَّجْمِ شُبْهَةٌ.
وأمَّا قولُ على، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فهو على سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ والفَضِيلَةِ.
قال أحمدُ: سُنَّةُ الاعْتِرافِ أن يَرْجُمَ الإِمامُ، ثم النَّاسُ.
ولا نعلمُ خِلافًا في اسْتِحْبابِ ذلك، والأَصْلُ فيه قولُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وقد رُوِى في حديثٍ، رَواه أبو بَكْرَةَ 288، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه رَجَم امرأةً، فحَفَر لها إلى الثَّنْدُوَةِ، ثم رَماهَا بحَصاةٍ مثلِ الحِمَّصَةِ، ثم قال: «ارْمُوا، واتَّقُوا الوَجْهَ».
أخرَجَه أبو داودَ 289.

الجزء: 26 - الصفحة: 263

وإِنْ كَانَ الزَّانِى رَقِيقًا، فَحَدُّهُ خَمْسُونَ جَلْدَةً بِكُلِّ حَالٍ، وَلَا يُغَرَّبُ.

4405 - مسألة: (وإن كان الزَّانِى رَقِيقًا، فحَدُّه خَمْسُونَ جَلْدَةً بكلِّ حالٍ، ولا يُغَرَّبُ)

حَدُّ العبدِ والأمَةِ خمْسون جَلْدَةً، بِكْرَيْن كانا أو وثَيِّبَيْن.
في قولِ أكثرِ العُلَماءِ؛ منهم عمرُ، وعلىٌّ، وابنُ مسعودٍ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، [ومالكٌ] 290، والأوْزاعِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ، والبَتِّىُّ، والعَنْبَرِىُّ.
وقال ابنُ عباسٍ، وأبو عُبَيْدٍ: إن كانا مُزَوَّجَيْن فعليهما نِصْفُ الحَدِّ، ولا حَدَّ على غيرِهما؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ 291. فيدُلُّ بخِطابِه على أنَّه لا حَدَّ على غيرِ المُحْصناتِ.
وقال داودُ: على الأمَةِ نِصْفُ الحَدِّ إذا زَنَتْ بعدَ ما زُوِّجَتْ، وعلى العبدِ جَلْدُ مِائَةٍ بكُلِّ حالٍ.
وفى الأمَةِ إذا لم تُزَوَّجْ رِوايتان؛ إحداهما، لا حَدَّ عليها.
والأُخْرَى، تُجْلَدُ مِائَةً؛ لأَنَّ قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ 292. عام، خَرَجَتْ منْه الأمَةُ المُحْصَنَةُ بقولِه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾.
فيَبْقَى العبدُ والأمَةُ التى لم تُحْصَنْ على مُقْتَضَى العُمُومِ.

الحديث: 4405 - الجزء: 26 - الصفحة: 264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَحْتَمِلُ دَلِيلُ الأمَةِ 293 في الخِطابِ أن لا حَدَّ عليها، كقولِ ابنِ عباسٍ.
وقال أبو ثَوْرٍ: إذا لم يخْصَنا بالتَّزْويجِ، فعليهِما نصفُ الحدِّ، وإن أُحْصِنَا فعليهما الرَّجْمُ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ فيه، ولأنَّه حَدٌّ لا 294 يَتَبَعَّضُ، فوَجَب تَكْمِيلُه، كالقَطْعِ في السَّرِقَةِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ شِهابٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ ابنِ عبدِ اللَّهِ، [عن أبى هُرَيْرَةَ] 295 وزَيدِ بنِ حالدٍ 296، قالوا: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الأمَةِ إذا زَنَتْ ولم تُحْصَنْ، فقال: «إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَت فَبِيعُوهَا ولَوْ بِضَفِيرٍ».
مُتَّفَقٌ عليه 297. قال ابنُ شِهابٍ: [لا أدْرِى أبعدَ الثالثةِ أو الرابعةِ] 298. وهذا نَصٌّ جَلْدِ الأمَةِ إذا لم تُحْصَنْ، وهو حُجَّة على ابنِ عباسٍ ومُوافِقِيه وداودَ.
وجَعْلُ داودَ عليها مِائَةً إذا لم تُحْصَنْ، وخمسين إذا كانت مُحْصَنةً، خِلافُ ما شَرَع اللَّهُ تعالى، فإنَّ اللَّهَ تعالى ضاعَفَ عُقوبَةَ المُحْصَنَةِ على غيرِها، فجَحَل الرَّجْمَ على المُحْصَنَةِ،

الجزء: 26 - الصفحة: 265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والجَلْدَ على البِكْرِ، وداودُ ضاعَفَ عُقوبَةَ البِكْرِ على المُحْصَنَةِ، واتِّباعُ شَرْعِ اللَّهِ تعالى أوْلَى.
وأمَّا دَليلُ الخِطابِ، فقد رُوِى عن ابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: إحْصانُها إسْلامُها 299. وقَرَأَهَا بفَتْحِ الألفِ.
ثم دليلُ الخِطابِ إنَّما يكونُ دَلِيلًا إذا لم يَكُنْ للتَّخْصِيصِ بالذِّكْرِ فائِدَةٌ سِوَى اخْتِصاصِه بالحُكْمِ، ومتى كانت له فائِدَةٌ أُخرَى 300، لم يَكُنْ دليلًا، مثلَ أن يَخْرُجَ مَخْرَجَ الغالبِ، أو للتَّنْبِيهِ، أو لمَعْنًى مِن المعانِى، ولهذا قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ الَّتِى فِي حُجُورِكُمْ﴾ 301. ولم يَختَصَّ التَّحْرِيمُ باللَّائى في حُجُورِهم.
ؤقال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ (3). وحَرُمَ حلائلُ الأبناءِ مِن الرَّضاعَ، وأَبْناء الأبناءِ.
وقال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ 302. وأُبِيحَ القَصْرُ بدونِ الخَوْفِ.
وأمَّا العَبْدُ فلا فَرْق بينَه وبينَ الأمَةِ، فالتَّنْصِيصُ على أحَدِهما يَثْبُتُ حُكْمُه في حَقِّ الآخَرِ، كما أنَّ قولَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ» 303. ثَبَتَ حُكْمُه في حَقِّ الأمَةِ.
ثم المَنْطُوقُ أوْلَى منه على كلِّ حالٍ.
وأمَّا أبو ثَوْرٍ، فخالَفَ نَصَّ قولِه تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ

الجزء: 26 - الصفحة: 266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ}.
وعَمِلَ به فيما لم يَتَناوَلْه النَّصُّ، وخَرَق الإِجْماعَ في إيجابِ الرَّجمِ على المُحْصَناتِ، كما خَرَق داودُ الإِجْماعَ في تَكْمِيلِ الجَلْدِ على العَبِيدِ 304، وتَضْعيفِ حَدِّ الأبكارِ على المُحْصَناتِ.
فصل: ولا تَغْرِيبَ على عَبْدٍ ولا أمَةٍ.
وبهذا قال الحسنُ، وحمادٌ، ومالكٌ، وإسحاقُ.
وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ: يُغَرَّبُ نِصْفَ عام؛ لقولِه تعالى: ﴿فَعَلَيهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾.
وجَلَد [ابنُ عُمَرَ] 305 مملوكًا له ونَفاهُ إلى فَدَكَ 306. وعن الشافعىِّ قَوْلان كالمذهَبَيْن 307. واحْتَجَّ مَن أوْجَبَه بعُمُومِ قولِه عليه السَّلامُ: «البِكْرُ بِالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَام» 308. ولَنا، الحديثُ المذكورُ في حُجَّتِنا، ولم يَذْكُرْ فيه تَغريبًا، ولو كان واجِبًا لذَكَرَه؛ لأنَّه لا يجوزُ تَأْخيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ، وحديثُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: يا أَيُّها الناسُ، أَقِيمُوا على أرِقَّائِكُمُ الحَدَّ، مَن أحْصَن منهم 309، ومَن لم يُحْصِنْ، فإنَّ أمَةً لرسولِ اللَّهِ ووفي زَنَتْ، فأمَرَنى أن أجْلِدَها.
وذكرَ

الجزء: 26 - الصفحة: 267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحديثَ.
رَواه أبو داودَ 310. ولم يَذْكُرْ أنَّه غَرَّبَها.
وأمَّا الآيَةُ، فإنَّها حُجَّةٌ لنا؛ فإنَّ العَذابَ المذْكورَ في القُرْآنِ مِائَةُ جَلْدَةٍ لا غيرُ، فيَنْصَرِفُ التَّنْصِيفُ إليه دُونَ غيرِه، بدليلِ أنَّه لم يَنْصَرِفْ إلى 311 تَنْصِيفِ الرَّجمِ، ولأَنَّ التَّغْرِيبَ في حَقِّ العَبْدِ عُقُوبَةٌ لسَيِّدِه دونَه، فلم يَجِبْ في الزِّنى، كالتَّغْرِيمِ، ثم بَيانُ ذلك، أنَّ العَبْدَ لا ضَرَرَ عليه في تَغْرِيبِه؛ لأنَّه غَرِيبٌ في مَوْضِعِه، وَيَتَرَفَّهُ بتَغْرِيبِه مِن الخِدْمَةِ، ويَتَضَرَّرُ سَيِّدُه بتَفْوِيتِ خِدْمَتِه، والخَطَرِ بخُروجِه مِن تحتِ يَدِه، والكُلْفَةِ في حِفْظِه، والإِنْفاقِ عليه مع بُعْدِه عنه، فيَصيرُ الحَدُّ مَشْرُوعًا في حَقِّ غيرِ الزَّانِى، والضَّررُ على غيرِ الجانِى، وما فَعَل ابنُ عمرَ، ففى حقِّ نفسِه وإسْقاطِ حَقِّه، وله فِعْلُ ذلك مِن غيرِ زنى ولا جِنايَةٍ، فلا يكونُ حُجَّةً في حَقِّ غيرِه.
فصل: إذا زَنَى العبدُ، ثم عَتَقَ، فعليه حَدُّ الرَّقِيقِ؛ لأنَّه إنَّما يُقامُ عليه الحَدُّ الَّذى وَجَب عليه.
ولو زَنَى حُرٌّ ذِمِّىٌّ، ثم لَحِقَ بدارِ الحَرْبِ، ثم سُبِىَ فاسْتُرِقَّ، حُدَّ حَدَّ الأحْرارِ؛ لأنَّه وَجَب عليه وهو حُرٌّ.
ولو كان أحَدُ الزّانِيَيْن رَقِيقًا، والآخَرُ حُرًّا، فعلى كلِّ وِاحدٍ منهما حَدُّهُ؛ لأنّ كلَّ واحدٍ منهما إنَّما تَلْزَمُه عُقُوبَةُ جِنايَتِه.
ولو زَنَى بعدَ العِتْقِ، وقبلَ العِلْمِ به، فعليه حَدُّ الأحْرارِ؛ لأنَّه زَنَى وهو حُرٌّ.
وإن أقِيمَ عليه حَدُّ الرَّقِيقِ قبلَ العِلْمِ بحُرِّيّتِه، ثم عُلِمَتْ بعدُ، تُمِّمَ عليه حَدُّ الأحْرارِ.
وإن عَفَا السَّيِّدُ

الجزء: 26 - الصفحة: 268

وَإِنْ كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا، فَحَدُّهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ جَلْدَةً، وَتَغْرِيبُ نِصْفِ عَامٍ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُغَرَّبَ.
عن عَبْدِه، لم يَسْقُطْ عنه الحَدُّ، في قولِ عامَّةِ أهل العلمِ، إلَّا الحسنَ، فإنَّه قال.
يَصِحُّ عَفْوُه.
وليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّه حَقٌّ للَّهِ تَعالى، فلا يَسْقُطُ بإسْقاطِ سَيِّدِه، كالعِباداتِ، وكالحُرِّ إذا عَفا عنه الإِمامُ.
فصل: فإن فَجَر بأمَةٍ، ثُمَّ قَتَلَها، فعليه الحَدُّ وقِيمَتُها.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو يوسفَ: إذا أوْجَبْتُ (1) عليه قِيمَتَها، أسْقَطْتُ الحَدَّ عنه؛ لأنَّه يَمْلِكُها بغَرامَتِه إيَّاها، فيكونُ ذلك شُبْهَةً في سُقُوطِ الحَدِّ.
ولَنا، أنَّ الحَدَّ وَجَب عليه، فلم يَسْقُطْ بقَتْلِ المَزْنِىِّ بها، كما لو كانت حُرَّةً فغَرِمَ دِيَتَها.
وقولُه: إنَّه يَمْلِكُها.
غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّه إنَّما غَرِمَها بعدَ قَتْلِها، ولم تَبْقَ مَحَلًّا للمِلْكِ، ثم لو ثَبَت أنَّه (2) مَلَكَها، [فإنَّما مَلَكَها] (3)، بعدَ وُجُوبِ الحَدِّ، فلم يَسْقُطْ عنه، كما لو اشْتَراها.

4406 -

مسألة: (وَإِنْ كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا، فَحَدُّهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ جَلْدَةً، وَتَغْرِيبُ نِصْفِ عَامٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُغَرَّبَ)

أمَّا الرَّجْمُ، فلا312313314

الحديث: 4406 - الجزء: 26 - الصفحة: 269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَجِبُ عليه وإن كان مُحْصَنًا؛ لأَنَّ الحُرِّيَّةَ لم تَكْمُل فيه، وعليه نِصْفُ حَدِّ الحُرِّ خَمْسُونَ جَلْدَةً، ونِصْفُ حَدِّ العَبْدِ خمسٌ وعشرون، فيكونُ عليه خَمسٌ وسبعونَ جَلْدَةً، ويُغَرَّبُ نِصْفَ عامٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُغَرَّبَ؛ لأَنَّ حَقَّ السيِّدِ في جميعِه في كلِّ الزَّمانِ، ونَصِيبُه مِن العبدِ لا تَغْرِيبَ عليه، فلا يَلْزَمُه تَرْكُ حَقِّه في بعضِ الزَّمانِ بما لا يَلْزَمُه، ولا تأخِيرُ حَقِّه بالمُهايَأَةِ مِن غيرِ رِضاه.
وإن قُلْنا بِوُجُوبِ تَغْرِيبِه، فيَنْبَغِى أن يكونَ زَمَنُ التَّغْرِيبِ مَحْسُوبًا على العَبْدِ مِن نَصِيبِه الحُرِّ، وللسَّيِّدِ نِصْف عام بَدَلًا عنه، وما زاد عن الحُرِّيَّةِ أو نَقَصَ عنها، فبِحِسابِ ذلك، فإن كان فيها كَسْرٌ، مثلَ أن يكونَ ثُلُثُه حرًّا، فمُقْتَضَى 315 ما ذكَرْنا أن يَلْزَمَه ثُلثَا حَدِّ الحُرِّ، وهو ستٌّ وستُّون جَلْدَةً وثُلُثان، فيَنْبَغِى أن يَسْقُطَ الكسرُ؛ لأَنَّ الحَدَّ متى دار بينَ الوُجُوبِ والإِسْقاطِ، سَقَط.
والمُدَبَّرُ والمُكاتَبُ وأمُّ الولَدِ بمَنْزِلَةِ القِنِّ في الحَدِّ؛ لأنَّه رَقِيقٌ كلّه، وقد رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «المُكاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» 316.

الجزء: 26 - الصفحة: 270

وَحَدُّ اللُّوطِىِّ كَحَدِّ الزَّانِى سَوَاءً.
وَعَنْهُ، حَدُّهُ الرَّجْمُ بِكُلِّ حَالٍ.

4407 - مسألة: (وَحَدُّ اللُّوطِىِّ كَحَدِّ الزَّانِى سَوَاءً. وَعَنْهُ، حَدُّهُ الرَّجْمُ بِكُلِّ حَالٍ)

أجْمَعَ أهلُ العلمٍ على تَحْرِيمِ اللِّواطِ، وقد ذمَّه اللَّهُ تعالى في كتابِه، وعاب مَن فَعَلَه، وذمَّه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ 317. ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، [لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْم لُوطٍ] 318، لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ» 319. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أَحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في حَدِّه؛

الحديث: 4407 - الجزء: 26 - الصفحة: 271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فرُوِىَ عنه، أنَّ حَدَّه الرَّجْمُ، بِكْرًا كان أو ثَيِّبًا.
وهذا قولُ علىٍّ، وابنِ عباسٍ، وجابِرِ بنِ زيدٍ، وعُبَيْدِ اللَّهِ بنِ مَعْمَرٍ 320، والزُّهْرِىِّ، وأبى حَبِيبٍ 321، ورَبِيعةَ، ومالكٍ، وإسحاقَ، وهو أحدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، أنّ حَدَّه حَدُّ الزِّنَى.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ، والأوْزَاعِىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
وهو المَشْهُورُ مِن قَوْلَى 322 الشافعىِّ؛ لأَنَّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذَا أَتَى الرَّجُلُ الرّجُلَ، فَهُمَا زَانِيَانِ» 323. ولأنَّه إيلاجٌ في فَرْج من آدَمِىٍّ، لا مِلْكَ له فيه، ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ، فكانَ زِنًى، كالإِيلاجِ في فَرْجِ المرأةِ.
وإذا ثَبَت كَوْنُه زِنًى، دَخَلَ في عُموم الآيةِ والأخْبارِ فيه، ولأنه فاحِشَةٌ، فكان زِنًى، كالفاحِشَةِ بينَ الَرجُلِ

الجزء: 26 - الصفحة: 272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والمرأةِ.
ورُوِىَ عن أبى بكرٍ الصِّديقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه أمَر بتَحْرِيقِ اللُّوطِىِّ.
وهو قولُ ابنِ الزُّبَيْرِ؛ لِما روَى صَفْوانُ بنُ سُلَيْمٍ، عن خالدِ ابنِ الوليدِ، أنَّه وَجَد في بعضِ ضَواحِى العربِ رجُلًا يُنْكَحُ كما تُنْكَحُ المرأةُ، فكَتَب إلى أبى بكرٍ، فاسْتَشارَ أبو بكرٍ الصحابةَ فيه، فكان علىٌّ أشَدَّهم قَوْلًا فيه، فقال: ما فَعَل هذا إلَّا أُمَّةٌ مِن الأُممِ واحدةٌ، وقد عَلِمْتُم ما فَعَل اللَّهُ بها، أَرىَ أن يُحَرَّقَ بالنَّارِ.
فكَتَب أبو بكرٍ إلى خالدٍ، فحَرَقَه 324. وقال الحكمُ، وأبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليه؛ لأَنَّ ليس بمَحَلٍّ للوَطْءِ، أشْبَهَ غيرَ الفَرْجِ.
ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الفَاعِلَ والمَفْعُولَ بهِ».
رَواه أبو داودَ 325. وفى لَفْظٍ: «فَارْجُمُوا الأعلَى وَالأَسْفَلَ» 326. ولأنَّه

الجزء: 26 - الصفحة: 273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إجْماعُ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فإنَّهم أجْمَعُوا على قَتْلِه، وإنَّما اخْتَلَفوِا في صِفتِه.
واحْتَجَّ أحمدُ بعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهَ عنه، أنَّه كان يَرَى رَجْمَه.
ولأَنَّ اللَّهَ تعالى عَذَّبَ قَوْمَ لُوطٍ بالرَّجْمِ، فيَنْبَغِى أن يُعاقَبَ مَن فَعَل فِعْلَهم بمثْلِ عُقُوبَتِهم.
وقولُ مَن أسْقَطَ الحَدَّ عنه يُخالِفُ النَّصَّ والإِجْماعَ، وقِياسُ الفَرْجِ على غيرِه لا يَصِحُّ؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ.
إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ أن يكونَ في مَمْلُوكٍ له أو أجْنَبِىٍّ، لأَنَّ الذَّكَرَ ليسَ بمَحَل لوَطْءِ الذَّكَرِ، فلا يوثِّرُ مِلْكهُ له.
ولو وَطِئَ زَوْجَتَه أو مَمْلُوكَتَه في دُبُرِها، كان مُحَرَّمًا، ولا حَدَّ فيه؛ لأَنَّ المرأةَ مَحَلٌّ لِلوَطْءِ في الجُمْلَةِ، وقد ذَهَب بعضُ العُلَماءِ إلى حِلِّه، فكان ذلك شُبْهَةَ مانِعَةً مِن الحَدِّ، بخِلافِ التَّلَوُّطِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 274

وَمَنْ أَتَى بَهِيمَةً، فَعَلَيْهِ حَدُّ اللُّوطِىِّ عِنْدَ الْقَاضِى.
وَاخْتَارَ الْخِرَقِىُّ وَأَبُو بَكْرٍ، أَنَّهُ يُعَزَّرُ.
وَتُقْتَلُ الْبَهِيمَةُ.

4408 - مسألة: (وَمَنْ أَتَى بَهِيمَةً، فَعَلَيْهِ حَدُّ اللُّوطِىِّ عِنْدَ الْقَاضِى. وَاخْتَارَ الْخِرَقِىُّ وَأَبُو بَكْرٍ، أَنَّهُ يُعَزَّرُ. وَتُقْتَلُ الْبَهِيمَةُ)

اخْتَلَفَت الرِّوايَةُ عن أحمدَ، في الَّذى يَأْتِى البَهِيمَةَ، فرُوِىَ عنه، أنَّه يُعَزَّرُ، ولا حَدَّ عليه.
اخْتارَه الخِرَقِى، وأبو بكرٍ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والحَكَمِ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، وإسْحاقَ.
وهو قولٌ للشافعىِّ.
والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، حُكْمُه حُكمُ اللَّائِطِ سَواءً.
وقال الحسنُ: حَدُّه حَدُّ الزَّانِى.
وعن أبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ: يُقْتَلُ هو والبهيمةُ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً، فَاقْتُلُوهُ، واقْتُلُوهَا مَعَهُ».
رَواه أبو داودَ 327. ووَجْهُ الرِّوايَةِ

الحديث: 4408 - الجزء: 26 - الصفحة: 275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأُولَى 328، أنَّه لم يَصِحَّ فيه نَصٌّ، ولا يُمْكِنُ قِياسُه على الوَطْءِ في فَرْجِ الآدَمِىِّ؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ لها، وليس بمَقْصودٍ يُحْتاجُ في الزَّجْرِ عنه إلى الحَدِّ، فإنَّ النُّفُوسَ تَعافُه، وعامَّتُها (1) تَنْفِرُ منه، فيَبْقَى على الأَصْلِ في انْتِفاءِ الحَدِّ، والحديثُ يَرْوِيه عمرُو بنُ أبى عَمْرٍو، ولم يُثْبِتْه أحمدُ.
وقال الطَّحاوِىُّ: هو ضَعِيفٌ.
ومذهبُ ابنِ عباسٍ خِلافُه، وهو الَّذى رُوِى عنه.
قال أبو داودَ: هذا يُضْعِفُ الحديثَ عنه.
قال إسماعيلُ بنُ سعيدٍ: سألتُ أحمدَ عن الرجلِ يَأْتِى البَهِيمَةَ، فوَقَف عندَها، ولم يُثْبِت حديثَ عمرِو بن أبى (1) عمرٍو في ذلك.
ولأَنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فلا يجوزُ أن يَثْبُتَ بحديثٍ فيه هذه الشُّبْهَةُ والضَّعْفُ، لكنَّه يُعَزَّرُ ويُبالَغُ في تَعْزِيرِه؛ لأنَّه وَطْءٌ في فَرْجٍ مُحَرَّمٍ، لا شُبْهَةَ له فيه، لم يُوجِبِ الحَدَّ، فأوْجَبَ التَّعْزِيرَ، كوَطْءِ المَيِّتَةِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وتُقْتَلُ البَهِيمَةُ.
وهذا قولُ أبى سَلمَةَ بن عبدِ الرحمنِ، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
وسَواءٌ كانتْ مملوكةً له أو لغيرِه، مَأْكُولَةً أو غيرَ مأكولةٍ.
وذَكَر ابنُ أبى موسى في «الإِرْشَادِ» في وُجُوبِ قَتْلِها رِوايَتَيْن.
وقال أبو بكرٍ: الاخْتِيارُ قَتْلُها، وإن تُرِكَتْ فلا بَأْسَ.
وقال الطَّحاوِىُّ: إن كانت مأكولةً ذُبِحَتْ، وإلَّا لم تُقْتَلْ.
وهذا القولُ الثانى للشافعىِّ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن ذَبْحِ الحيوانِ لغيرِ مَأْكَلَةٍ 329. ووَجْهُ الأَوَّلِ؛

الجزء: 26 - الصفحة: 277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحديثُ المَذْكُورُ، وفيه الأمْرُ بقَتْلِ البَهِيمَةِ، فلم يُفَرِّقْ بينَ كَوْنِها مَأْكُولةً أو غيرَ مَأْكُولَةٍ، ولا بينَ مِلْكِه وملكِ غيرِه.
فإن قِيلَ: الحديثُ ضَعِيفٌ، ولم تَعْمَلُوا به في قَتْلِ الفاعِلِ الجانِى، ففى حَقِّ حَيوانٍ لا جِنايَةَ منه أوْلَى.
قُلْنا: إنَّما لم يُعْمَلْ به في قَتْلِ الفاعِلِ على إحْدَى الرِّوايَتَيْن، لوَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّه 330 حَدٌّ، والحُدودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وهذا إتْلافُ مالٍ، فلا تُؤَثِّرُ الشُّبْهَةُ فيه.
الثانى، أنَّه إتْلافُ آدَمِىٍّ، وهو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ حُرْمَةً، فلم يَجُزِ التَّهَجُّمُ 331 على إتْلافِه إلَّا بدَليلٍ في غايَةِ القُوَّةِ، ولا يَلْزَمُ مثلُ هذا

الجزء: 26 - الصفحة: 278

وَكَرِهَ أَحْمَدُ أَكْلَ لَحْمِهَا.
وَهَلْ يَحْرُمُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
في إتْلافِ مالٍ ولا حَيوانٍ سِواهُ.
فعلى هذا، إن كان الحَيوانُ للفاعِلِ، ذَهَبَ هَدْرًا، وإن كان لغيرِه، فعلى الفاعلِ غَرامَتُه؛ لأنَّه سَبَبُ إتْلافِه، فيَضْمَنُه، كما لو نَصَب له شَبَكَةً فتَلِفَ بها.

4409 -

مسألة: (وَكَرِهَ احْمَدُ أَكْلَ لَحْمِهَا. وَهَلْ يَحْرُمُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)

وللشافعىِّ أيضًا في ذلك وَجْهان؛ أحدُهما، يَحِلُّ أكلُها؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ 332. ولأنَّه حَيوانٌ ذَبَحَه مَن هو مِن أَهْلِ الذَّكاةِ، يجوزُ أكْلُه، فأشْبَهَ ما لو لم يُفْعَلْ به هذا الفعلُ، ولكن يُكْرَهُ أكلُه؛ لشُبْهَةِ التَّحْريمِ.
والثانى، لا يَحِلُّ أكْلُها؛ لِما رُوِى عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قِيلَ له: ما شأْنُ البَهيمةِ؟ قال: ما أُراه قال ذلك إلَّا

الحديث: 4409 - الجزء: 26 - الصفحة: 279

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّه كَرِه أكْلَها، وقد فُعِلَ بها هذا الفِعْلُ 333. ولأنَّه حَيوانٌ يَجِبُ قَتْلُه لحَقِّ اللَّهِ تعالى، فلم يَجُزْ أكلُه، كسائِرِ المقْتُولاتِ.
واخْتُلِف [في عِلَّةِ] 334 قتْلِها، فقِيلَ: إنَّما قُتِلَتْ لِئَلَّا يُعَيَّرَ 335 فاعِلُها 336، ويُذَكَّرَ برُؤْيَتِها.
وقد روَى ابنُ بَطَّةَ، بإسْنادِه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «مَنْ وَجَدْتموهُ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ، واقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ» قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ما بالُ البَهِيمةِ؟ قال: «لا يُقَالُ هَذِهِ وَهَذِه».
وقيل: لِئَلَّا تَلِدَ خَلْقًا مُشَوَّهًا.
وقيلِ: لِئَلَّا تُؤْكَلَ.
وإليه أشارَ ابنُ عباس في تَعْلِيلِه.
ولا يَجِبُ قَتْلُها حتَّى يَثْبُت هذا العَمَلُ بها ببَيِّنَةٍ، فأمَّا إن أقَرَّ الفاعِلُ، فإن كانتِ البَهِيمَةُ له، ثَبَت بإقْرارِه، وإن كانت لغيرِه، لم يَجُزْ قَتْلُها بقَوْلِه؛ لأنَّه إقْرارٌ على مِلْكِ غيرِه، فلم يُقْبَلْ، كما لو أقَرَّ بها لغيرِ مالكِها.
وهل يَثْبُت هذا بشاهِدَين عَدْلَيْن، وإقْرارٍ مَرَّةً، ويُعْتَبَرُ فيه (3) ما يُعْتَبَرُ في الزِّنَى؟ على وَجْهَيْن، نَذْكُرُهما في مَوْضِعِهما، إن شاء اللَّهُ تعالى.

الجزء: 26 - الصفحة: 280

فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ ثَلاثَةٍ؛ أحَدُهَا، أَنْ يَطَأَ فِى الْفَرْجِ، سَوَاءٌ كَانَ قُبُلًا أَوْ دُبُرًا.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ ثَلاثَةٍ؛ أحَدُهَا، أَنْ يَطَأَ فِى الْفَرْجِ، سَوَاءٌ كَانَ قُبُلًا أَوْ دُبُرًا) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ، في أنَّ مَن وَطِئَ امرأةً في قُبُلِها حَرامًا لا شُبْهَةَ له في وَطْئِها، أنَّه زانٍ 337 يجبُ عليه حَدُّ الزِّنَى، إذا كَمَلَتْ شُرُوطُه.
والوَطْءُ في الدُّبُرِ مثلُه في كَوْنِه زِنًى؛ لأنَّه وَطْءٌ في فَرْجِ امرأةٍ، لا مِلْكَ له فيه 338 ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ، فكان زِنًى، كالوَطْءِ في القُبُلِ، ولأَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَالَّتِى يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ 339: الآية، ثم بَيَّنَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قد جَعَلَ لَهُنَّ سَبِيلًا: «البِكْر بالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ» 340. والوَطْءُ في الدُّبُرِ فاحِشَةٌ، لقولِ اللَّهِ تعالى في قومِ لُوطٍ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ 341. يعنى الوَطْءَ في أدْبارِ الرِّجالِ.
ويُقالُ: أوَّلُ ما بَدَأ قومُ لُوطٍ بوَطْءِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، ثم صارُوا إلى ذلك في الرِّجالِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 281

وَأَقَلُّ ذَلِكَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ في الْفَرْجِ، فَإِنْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ،

4410 - مسألة: (وَأَقَلُّ ذَلِكَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ في الفَرْجِ)

لأَنَّ أحْكامَ الوَطْءِ تَتَعَلَّقُ به، ولا تَتَعَلَّقُ بما دُونَه.
4411 -

مسألة: (فإنْ وَطِئَ دُونَ الفَرْجِ)

فلا حَدَّ عليه؛ لِما روَى ابنُ مسعودٍ أنَّ رَجُلًا جاء إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: إنِّى وَجَدْتُ امْرأةً في البُسْتانِ، فأصَبْتُ منها كلَّ شئٍ، غيرَ أنِّى لم أنْكِحْها، فافْعَلْ بى ما شِئْتَ.
فَقَرَأَ عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية 342. رَواه النَّسائِىُّ 343. وعليه التَّعْزِيرُ؛ لأنَّه مَعْصِيَةٌ ليس فيها حَدٌّ ولا كَفَّارَةٌ، فأشْبَهَ ضَرْبَ النَّاسِ والتَّعَدِّىَ عليهم.
وظاهِرُ الحديثِ يَدُلُّ على أنَّه لا تَعْزِيرَ عليه إذا جاء تائِبًا؛

الحديث: 4410 - الجزء: 26 - الصفحة: 282

أَوْ أَتَتِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا.
لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَفْعَلْه، ويفارِقُ ضَرْبَ الناسِ والتَّعَدِّىَ عليهم، لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ.

4412 -

مسألة: (وإنْ أَتَتِ الْمَرْأةُ الْمَرْأةَ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا)

إذا تَدالَكَتِ امرأتانِ، فهما مَلْعُونَتان؛ لِما رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «إِذَا أَتَتِ المَرْأةُ المَرْأةَ، فَهُمَا زَانِيَتَانِ» (1). ولا حَدَّ عليهما؛ لأنَّه لا يتَضَمَّنُ إيلاجًا، فأشْبَهَ المُباشَرَةَ دُونَ الفَرْجِ، وعليهما التَّعْزِيرُ، لأنَّه زِنًى لا حَدَّ فيه، فأشْبَهَ مُباشَرَةَ الرجلِ المرأةَ مِن غيرِ جِماعٍ.

فصل

: ولو وُجدَ رجلٌ مع امرأةٍ، يُقَبِّلُ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَه، ولم يُعْلَمْ هل وَطِئَها أو لا؟ فلا حَدَّ عليهما، فإنْ قالا: نحنُ زَوْجانِ.
واتَّفَقا على ذلك، فالقولُ قَوْلُهما.
وبه قال الحَكَمُ، وحَمَّادٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
فإن شُهِدَ عليهما بالزِّنَى، فقالا: نحن زَوْجانِ.
فقِيلَ: عليهما الحَدُّ إن لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ بالنِّكاحِ.
وبه قال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأَنَّ الشَّهادَةَ بالزِّنَى تَنْفِى كَوْنَهما زَوْجَيْن، فلا تَبْطُلُ بمُجَرَّدِ قولِهما.
ويَحْتَمِلُ أن لا يجبَ الحَدُّ إذا لم يُعْلَمْ كَوْنُها أجْنَبِيَّةً منه؛ لأَنَّ ما ادَّعَياهُ مُحْتَمِلٌ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً، كما لو شُهِدَ عليه بالسَّرِقَةِ، فادَّعَى344

الحديث: 4412 - الجزء: 26 - الصفحة: 283

فَصْلٌ: الثَّانِى، انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ، فَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ وَلَدِهِ، أَوْ جَارِيَةً لَهُ فِيهَا شِرْكٌ أَوْ لِوَلَدِهِ،  أنَّ المَسْرُوقَ مِلْكُه.

فصل

: (الثَّانِى، انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ، فَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ وَلَدِهِ، أَوْ جَارِيَةً لَهُ فِيهَا شِرْكٌ أَوْ لِوَلَدِهِ) [أُدِّبَ ولم يُبْلَغْ به الحَدُّ] 345. وجملةُ ذلك، أنَّ مَن وَطِئَ جارِيةَ وَلَدِه، فإنَّه لا حَدَّ عليه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، وأهلُ المَدينةِ، والأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: يجبُ 346 عليه الحَدُّ، إلَّا أن يَمْنَعَ منه إجْماعٌ؛ لأنَّه وَطْءٌ في غيرِ مِلْكٍ، أشْبَهَ وَطْءَ جارِيَةِ أبِيه.
ولَنا، أنَّه وَطْءٌ تَمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ منه، فلا يجبُ به الحَدُّ، كوَطْءِ الأمَةِ المُشْتَرَكَةِ، والدَّلِيلُ على تَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ» 347.

الجزء: 26 - الصفحة: 284

أَوْ وَجَدَ امْرَأَةً عَلَى فِرَاشِهِ، ظَنَّهَا امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ، أَوْ دَعَا الضَّرِيرُ  فأضافَ مالَ ولدِه إليه، وجَعَلَه له، فإذا لم تَثْبُتْ حَقِيقَةُ المِلْكِ، فلا أقلَّ مِن جَعْلِه شُبْهَةً دارِئَةً للحَدِّ الَّذى يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولأَنَّ القائِلِين بانْتِفاءِ الحَدِّ في عَصْرِ مالكٍ، والأوْزَاعِىِّ، ومَن وافَقَهُما، قد اشْتَهَرَ قولُهم، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ، فكان ذلك إجْماعًا.
وكذلك إن كان لوَلَدِه فيها شِرْكٌ؛ لِما ذَكَرْنا.
ولا حَدَّ على الجارِيَةِ؛ لأَنَّ الحَدَّ انْتَفَى عن الواطِئَ لشُبْهَةِ المِلْكِ، فيَنْتَفِى عن المَوْطُوءَةِ، كوَطْءِ الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ، ولأَنَّ المِلْكَ مِن قَبِيلِ المُتَضَايِفاتِ، إذا ثَبَت في أحَدِ المُتَضَايِفَينِ ثَبَت في الآخَرِ، فكذلك شُبْهَتُه، ولا يَصِحُّ القِياسُ على وَطْءِ جارِيَةِ الأبِ؛ لأنَّه لا مِلكَ للولدِ فيها، ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ، بخِلافِ مسألَتِنا.
وحَكَى (1) ابنُ أبى موسى قولًا في وَطْء جارِيَةِ الأبِ [والأُمِّ] (2)، أنَّه لا يُحَدُّ؛ لأنَّه لا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مالِه، أشْبَهَ الأَبَ.
والأَوَّلُ أصَحُّ، وعليه عامَّةُ أهلِ العلمِ فيما عَلِمْنا.
فصل: ولا يجبُ الحَدُّ بوَطْءِ جاريَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بينَه وبينَ غيرِه.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأَىِ.
وقال أبو ثَوْرٍ: يجبُ.
ولَنا، أنَّه فَرْجٌ له فيه مِلْكٌ، فلا يُحَدُّ بوَطْئِه، كالمُكاتَبَةِ والمَرْهُونَةِ.

4413 -

مسألة: (أو وَجَد امرأةً)

نائِمَةً (على فِراشِه، ظَنَّها امرأتَه348349

الحديث: 4413 - الجزء: 26 - الصفحة: 285

امْرَأتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ، فَأَجَابَهُ غَيْرُهَا، فَوَطِئَهَا،  أو جَارِيَتَه، أو دَعا الضَّرِيرُ امْرَأتَه أو جَارِيَتَه، فأجابَه غيرُها، فوَطِئَها) فلا حَدَّ عليه.
وجملةُ ذلك، أنَّ مَن زُفَّتْ إليه غيرُ زَوْجَتِه، وقيل له: هذه زَوْجَتُك.
فَوَطِئَها يَعْتَقِدُها زَوْجَتَه، فلا حَدَّ عليه.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وإن لم يُقَلْ له: هذه زوجتُك.
أو وَجَد على فِراشِه امرأةً ظَنَّها امرأتَه أو جارِيَتَه، فوَطِئَها، أو دعا زوْجَتَه [أو جارِيَتَه] 350 فجاءَتْه غيرُها، فوَطِئَها يَظُنُّها المَدْعُوَّةَ، أو اشْتَبَهَ عليه ذلك؛ لعَماهُ 351، فلا حَدَّ عليه.
وبه قال الشافعىُّ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ أنَّ عليه الحَدَّ؛ لأنَّه وَطْءٌ في مَحَلٍّ [لا مِلْكَ] 352 له فيه.
ولَنا، أنَّه وَطْء اعْتَقَدَ إباحَتَه بما يُعْذَرُ مثْلُه فيه، فأشْبَهَ ما لَو قِيل له: هذه زَوْجَتُك.
ولأَنَّ الحُدودَ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وهذه مِن أعْظَمِها.
فأمَّا إن دَعَا مُحَرَّمَةً عليه، فأجابَه غيرُها فوَطِئها يَظُنُّها المَدْعُوَّةَ، فعليه الحَدُّ، سَواءٌ كانتِ المَدْعُوَّةُ ممَّن له فيها 353 شُبْهَةٌ، كالجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ، أولم يَكُنْ؛ لأنَّه لا يُعْذَرُ بهذا، فأشْبَهَ ما لو قَتَل رَجلًا يَظُنُّهُ ابنَه، فبانَ أجْنَبِيًّا.

الجزء: 26 - الصفحة: 286

أَوْ وَطِئَ فِى نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ في صِحَّتِهِ، أو وَطِئَ امْرَأَتَهُ في دُبُرِهَا، أَوْ حَيْضِهَا، أَوْ نِفَاسِهَا،

4414 - مسألة: (أَوْ وَطِئَ فِى نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ في صِحَّتِهِ، أو وَطِئَ امْرَأَتَهُ في دُبُرِهَا، أَوْ حَيْضِهَا، أَوْ نِفَاسِهَا)

لا يجبُ الحَدُّ بالوَطْءِ 354 في نِكاحٍ مُخْتَلَفٍ في صِحَّتِه، كنِكاحِ المُتْعَةِ، والشِّغَارِ، والنِّكاحِ بلا وَلِىٍّ، والتَّحْلِيلِ، والنِّكاحِ بغيرِ شُهُودٍ، ونكاحِ الأُخْتِ في عِدَّةِ أُخْتِها، والخامِسَةِ في عِدَّةِ الرَّابعةِ البائنِ، ونِكاحِ المَجُوسِيَّةِ.
وهذا قولُ أكثر أهلِ العلمِ؛ لأَنَّ الاخْتِلافَ في إباحةِ الوَطْءِ فيه شُبْهَةٌ، والحُدُودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ.
وحُكِىَ عن ابنِ حامدٍ وُجُوبُ الحَدِّ بالوَطْء في النِّكاحِ بِلا وَلِىٍّ.
والمذهبُ الأَوَّلِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 355: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ

الحديث: 4414 - الجزء: 26 - الصفحة: 287

أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّحْرِيمِ لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِ بِالإِسْلَامِ، أَوْ نُشُوئِهِ بِبَادِيَةٍ بَعِيدةٍ،  عنه مِن أهلِ العلمِ، أنَّ الحُدُودَ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ.
وكذلك إن وَطِئَ امرأتَه في دُبُرِها، أو جارِيَتَه، فهو مُحَرَّمٌ، ولا يَجِبُ به الحَدُّ؛ لأَنَّ المرأةَ مَحَلٌّ للوَطْءِ في الجُمْلَةِ، وقد ذَهَب بعضُ العُلَماءِ إلى حِلِّه، فكان ذلك شُبْهَةً مانِعَةً مِن الحَدِّ، والوَطْءُ في الحَيْضِ والنِّفاسِ صادَفَ مِلْكًا، فكان شُبْهَةً.

4415 -

مسألة: ولا حَدَّ على مَن لم يَعْلَمْ بتَحْرِيمِ الزِّنَى. قال عمرُ، وعلىٌّ، وعثمانُ: لا حَدَّ إلَّا على مَن عَلِمَه

356. وهو قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
فإنِ ادَّعَى الجانِى 357 الجَهْلَ بالتَّحْرِيمِ، وكان يَحْتَمِلُ أن يَجْهَلَه، كحديثِ العَهْدِ بالإِسلامِ، والنَّاشِئَ بِبَادِيَةٍ، قُبِلَ منه؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ صادِقًا.
وإن كان ممَّن لا يَخْفى عليه ذلك، كالمسلمِ النَّاشِئ بينَ المسلمين وأهلِ العلمِ، لم يُقْبَلْ؛ لأَنَّ تَحْريمَ الزِّنَى لا يَخْفَى على مَن هو كذلك، فقد عُلِمَ كذِبُه.
فإنِ ادَّعَى الجَهْلَ بفَسادِ نِكاحٍ

الحديث: 4415 - الجزء: 26 - الصفحة: 288

أَوْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَى، فَلَا حَدَّ فِيهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْ أُكْرِهَ الرَّجُلُ فَزَنَى، حُدَّ.
باطِلٍ، قُبِلَ قولُه؛ لأَنَّ عمرَ قَبِلَ قولَ المُدَّعِى الجَهْلَ بتَحْرِيمِ النِّكَاحِ في العِدَّةِ (1)، ولأَنَّ مثلَ هذا يُجْهَلُ كثيرًا، ويَخْفى على غيرِ أهلِ العلمِ.

4416 -

مسألة: (أَوْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَى، فَلَا حَدَّ فِيهِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْ أُكْرِهَ الرَّجُلُ فَزَنَى، حُدَّ)

لا يجبُ الحَدُّ على مُكْرَهَةٍ على الزِّنَى في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
رُوِى ذلك عن عمرَ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى.
ولا نعلمُ فيه مُخالفًا؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «عُفِىَ لأُمَّتِى عَنِ الخَطَأ، والنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» 359. وعن عبدِ الجَبَّارِ بن وائلٍ، عن أبِيه، أنَّ امرأةً اسْتُكْرِهَت على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَدَرَأَ عنها الحَدَّ.
رَواه الأَثْرَمُ 360. قال: وأُتِىَ358

الحديث: 4416 - الجزء: 26 - الصفحة: 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عمرُ بإمَاءٍ مِن إمَاءِ الإِمارةِ، اسْتَكْرَهَهُنَّ غِلْمانٌ مِن غِلْمانِ الإِمارةِ، فضَرَب الغِلْمانَ، ولم يَضْرِب الإِماءَ 361. وروَى سعيدٌ 362، بإسْنادِه، عن طارقِ بنِ شِهابٍ، قال: أُتِى عمرُ بامرأةٍ قد زَنَتْ، فقالَتْ: إنِّى كُنْتُ نائمةً، فلم أسْتَيْقِظْ إلَّا برجلٍ قد جَثَم علىَّ.
فخَلَّى سَبِيلَها، ولم يَضْرِبْها.
ولأَنَّ هذه شُبْهَةٌ، والحُدودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ.
ولا فَرْقَ بينَ الإِكْراهِ بالإِلْجاءِ، وهو أَنْ يَغْلِبَها على نفسِها، وبينَ الإِكْراهِ بالتَّهْدِيدِ بالقَتْلِ ونحوِه.
نَصَّ عليه أحمدُ، في راعٍ جاءَتْه امرأةٌ، قد عَطِشَتْ، فسألَتْه أن يَسْقِيَها، فقال لها: أمْكنِينى مِن نَفْسِكِ.
قال: هذه مُضْطَرَّةٌ.
وقد رُوِى عن عمرَ بنِ الخَطَّاب، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ امرأةً اسْتَسْقَتْ راعِيًا، فأَبَى أَنْ يَسْقِيهَا إلَّا أن تُمَكِّنِه مِن نَفْسِها، ففعَلَتْ، فرُفِعَ ذلك إلى عمرَ، فقال لعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: ما تَرَى فيها؟ قال 363: إنَّها مُضْطَرَّةٌ.
فأعْطاهَا عمرُ شيئًا، وتَرَكَها 364.

الجزء: 26 - الصفحة: 290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإن أُكْرِهَ الرجل فزَنَى، فقال أصحابُنا: عليه الحَدُّ.
وبه قال محمدُ ابنُ الحسنِ، وأبو ثَوْرٍ؛ لأَنَّ الوَطْءَ لا يكونُ إلَّا بالانْتِشارِ، والإِكْراهُ يُنافِيه، فإذا وُجِدَ الانْتِشَارُ انْتَفَى الإِكْراهُ، فيَلْزَمُه الحَدُّ، كما لو أُكْرِهَ على غيرِ الزِّنَى فَزَنى.
وقال أبو حنيفةَ: إن أَكْرَهَه السُّلْطانُ، فلا حَدَّ عليه، وإن أكْرَهَه غيرُه، حُدَّ اسْتِحْسانًا.
وقال الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا حَدَّ عليه؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأَنَّ الحُدُودَ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، والإِكْراهُ شُبْهَةٌ، فيَمْنَعُ الحَدَّ، كما لو كانتِ امرأةً.
يُحَقِّقُه أنَّ الإِكْراهِ إذا كان بالتَّخْوِيفِ، أو بمنعِ ما تَفُوتُ حَياتُه بمَنْعِه، كان الرجلُ فيه كالمرأةِ، فإذا لم يجبْ عليها الحَدُّ، لم يجبْ علية.
وقولُهم: إنَّ التَّخْوِيفَ يُنافِى الانْتِشارَ.
لا يَصحُّ؛ لأَنَّ التَّخْوِيفَ بتَرْكِ الفعلِ، والفعلُ لا يُخافُ 365 منه، فلا يَمْنَعُ ذلك.
وهذا أصَحُّ الأقْوالِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى.

الجزء: 26 - الصفحة: 291

وَإِنْ وَطِئَ مَيِّتَةً، أو مَلَكَ أُمَّهُ أَوْ أُخْتَهُ مِنَ الرَّضَاعِ، فَوَطِئَهَا، فَهَلْ يُحَدُّ أَوْ يُعَزَّرُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

4417 - مسألة: (وَإِنْ وَطِئَ مَيِّتَةً، أو مَلَكَ أُمَّهُ أَوْ أُخْتَهُ مِنَ الرَّضَاعِ، فَوَطِئَهَا، فَهَلْ يُحَدُّ أَوْ يُعَزَّرُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)

إذا وَطِئَ مَيِّتَةً، فعليْه الحَدُّ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ.
وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ؛ لأنَّه وَطْءٌ في فَرْجِ آدَمِيَّةٍ، أشْبَهَ وَطْءَ الحَيَّةِ، ولأنَّه أعْظَمُ ذَنْبًا، وأكثرُ إثْمًا؛ لأنَّه انْضَمَّ إلى فاحِشَتِه هَتْكُ حُرْمَةِ المَيِّتَةِ.
والثانى، لا حَدَّ عليه.
وهو قولُ الحسنِ.
قال أبو بكرٍ: وبهذا أقولُ؛ لأَنَّ الوَطْءَ في المَيِّتَةِ [كَلا وَطْءٍ] 366؛ لأنَّه عُضْوٌ 367 مُسْتَهْلَكٌ، ولأنَّها لا يُشْتَهَى مثلُها، وتَعافُها النَّفْسُ، فلا حاجَةَ إلى شَرْعِ الزَّاجِرِ عنها.
وأمَّا إذا مَلَكَ أُمَّه أو أُخْتَه مِن الرَّضاعِ،

الحديث: 4417 - الجزء: 26 - الصفحة: 292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فوَطِئَها 368، فَذَكَر القاضى عن أصحابِنا، أنَّ عليه الحَدَّ؛ لأنَّه فَرْجٌ لا يُسْتَبَاحُ بحالٍ، فوَجَبَ الحَدُّ بالوَطْءِ فيه، كفَرْجِ الغُلامِ.
وقال بعضُ أصحابِنا: لا حَدَّ عليه 369. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى، والشافعىِّ؛ لأنَّه وَطْءٌ [في فَرْجٍ] 370 مَمْلُوكٍ له، يَمْلِكُ المُعاوَضَةَ عنه، وأخْذَ صَداقِه، فلم يجبِ الحَدُّ عليه 371، كالوَطْءِ في الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ.
فأمَّا إنِ اشْتَرَى ذاتَ

الجزء: 26 - الصفحة: 293

وَإِنْ وَطِئَ فِى نِكَاحٍ مُجْمَعٍ عَلَى بُطلانِهِ، كَنِكَاحِ الْمُزَوَّجَةِ، وَالْمُعْتَدَّةِ، وَالْخَامِسَةِ، وَذَوَاتِ الْمَحارِمِ مِنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعَ،  مَحْرَمِه مِن النَّسَبِ، ممَّن يَعْتِقُ عليه، ووَطِئَها، فعليه الحَدُّ.
لا نَعلَمُ فيه خِلافًا؛ لأَنَّ المِلْكَ لا يَثْبُتُ فيها، فلم تُوجَدِ الشُّبْهَةُ.

4418 -

مسألة: (وَإِنْ وَطِئَ فِى نِكَاحٍ مُجْمَعٍ عَلَى بُطْلانِهِ، كَنِكَاحِ الْمُزَوَّجَةِ، والْمُعْتَدَّةِ، وَالْخَامِسَةِ، وَذَوَاتِ الْمَحارِمِ مِنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعَ)

فعليه الحَدُّ.
إذا تَزَوَّجَ ذاتَ مَحْرَمِه، فالنِّكاحُ باطِلٌ بالإِجْماعِ.
فإن وَطِئَها، فعليه الحَدُّ.
في قولِ أكثرِ أهلِ

الحديث: 4418 - الجزء: 26 - الصفحة: 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العلمِ؛ منهم الحسنُ، وجابرُ بنُ زيدٍ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، وإسحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّه وَطْءٌ تَمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ منه، فلم يُوجِبِ الحَدَّ، كما لو اشْتَرَى أُخْتَه مِن الرَّضاعِ ثُمَّ وَطِئَها، وبَيانُ الشُّبْهَةِ أنَّه قد وُجِدَتْ صُورةُ المُبِيحِ، وهو عَقْدُ النِّكاحِ الَّذى هو سَبَبٌ للإِباحَةِ، فإذا لم يَثْبُتْ حُكْمُه وهو الإِبَاحَةُ، بَقِيَتْ صُورَتُه دَارِئَةً للحَدِّ الَّذى يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ.
ولَنا، أنَّه وَطْءٌ فِى فَرْجِ امرأةٍ، مُجْمَعٌ على تَحْرِيمِه مِن غيرِ مِلْكٍ ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ، والواطِئُ مِن أَهلِ الحَدِّ، عالمٌ بالتَّحْرِيمِ، فلَزِمَه الحَدُّ، كما لو لم يُوجَدِ العَقْدُ، وصُورَة المُبِيحِ إنَّما تكونُ شُبْهَةً إذا كانت صَحِيحَةً، وِالعَقْدُ ههُنا باطِلٌ مُحَرَّمٌ، وفِعْلُه جِنايَةٌ تَقْتَضِى العُقُوِبَةَ، انْضَمَّتْ إلى الزِّنى، فلم تَكُنْ شُبْهَةً، كما لو أكْرَهَها وعاقَبَها، ثُمَّ زَنى بها، ثُمَّ يَبْطُلُ بالاسْتِيلاءِ عليها، فإنَّ الاسْتِيلاءَ

الجزء: 26 - الصفحة: 295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَبَبٌ؛ للمِلْكِ في المُباحاتِ، وليس بشُبْهَةٍ.
وأمَّا إذا اشْتَرَى أُخْتَه مِن الرَّضَاعِ، فهو مَمْنُوعٌ، وإن سَلَّمْناه، فإنَّ المِلْكَ المُقْتَضِىَ للإِباحَةِ صَحِيحٌ ثابتٌ، وإنَّما تخَلَّفَتِ الإِباحَةُ لمُعَارِضٍ، بخِلافِ مَسْألتِنا، فإنَّ المُبِيحَ غيرُ موجودٍ، فإنَّ عَقْدَ النِّكاحِ باطِلٌ، والملكَ به غيرُ ثابتٍ، فالمُقْتَضِى معدومٌ، فهو كما لو 372 اشْتَرَى خمرًا فشَرِبَه.
إذا ثَبَت هذا، فاخْتُلِفَ (1) في الحَدِّ، فرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه يُقْتَلُ على كل حالٍ.
وبهذا قال جابِرُ بنُ زيدٍ، وإسحاقُ، وأبو أَيُّوبَ 373، وابنُ أبى خَيْثَمَةَ 374. ورَوَى إسماعيلُ بنُ سعيدٍ، عن أحمدَ، في رجلٍ تَزَوَّجَ امرأةَ أبِيه، فقال: يُقْتَلُ ويُؤْخَذُ مالُه إلى بيتِ المالِ.
والرِّوايةُ الثانية، حَدُّه حَدُّ الزِّنَى.
وبه قال الحسنُ، ومالكٌ، والشافعىُّ؛ لعُمُومِ الدِّيَةِ والخَبَرِ.
ووَجْهُ الأُولَى،

الجزء: 26 - الصفحة: 296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ما رَوَى البَرَاءُ، قال: لَقِيتُ عَمِّى ومعه الرَّايَةُ، فقلْتُ: إلى أينَ تُرِيدُ؟ فقال: بَعَثَنِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى رجلٍ نَكَح 375 امرأةَ أبيه مِن بَعْدِه أن أضْرِبَ عُنُقَه، وآخُذَ مالَه.
رَواه أبو داودَ، والجُوزْجَانِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ 376، وقال: حديثٌ حسنٌ.
وسَمَّى الجُوزْجَانِىُّ عمَّه الحارِثَ ابنَ عمرو.
وروَى الجُوزْجَانِىُّ، وابنُ ماجَه 377، بإسْنادِهِما إلى ابنِ عباس، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَن وَقَع عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ، فَاقْتُلُوه».
ورُفِعَ إلى الحَجَّاجِ رجلٌ اغْتَصَبَ أُخْتَه على نَفْسِها، فقال: احْبِسُوه، وسَلُوا مَن ههُنا مِن أصحابِ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسأَلُوا عبدَ اللَّهِ بنَ أبى مُطَرِّفٍ، فقال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «مَنْ تَخَطَّى المُؤْمِنِينَ، فَخُطُّوا وَسَطَه 378 بالسَّيْفِ» 379. وهذه الأحاديث

الجزء: 26 - الصفحة: 297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [أخَصُّ] 380 ممَّا وَرَد في الزِّنَى، فتُقَدَّمُ.
والقَوْلُ في مَن زَنَى بذاتِ مَحْرَمِه مِن غيرِ عَقْدٍ، كالقولِ في مَن وَطِئَها بعدَ العَقْدِ.
فصل: وكلُّ عَقْدٍ أُجْمِعَ على بُطْلانِه، كنِكاحِ الخَامسةِ، أو مُزَوَّجَةٍ، أو مُعْتَدَّةٍ، أو نِكاحِ المُطَلَّقَةِ ثلاثًا، إذا وَطِئَ فيه عالمًا بالتَّحْريمِ، فهو زِنًى، مُوجِبٌ للحَدِّ المشْرُوعِ فيه قبلَ العَقْدِ.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ، وصاحِباه: لا حَدَّ فيه؛ لِما ذَكَرُوه فيما إذا عَقَد على ذَواتِ مَحارِمِه.
وقال النَّخَعِىُّ: يُجْلَدُ مِائَةً، ولا يُنْفَى.
ولَنا، ما ذَكَرْناه فيما مَضَى، ورَوَى أبو نَصْرٍ المَرُّوذِىُّ، [بإسْنادِه، عن عُبَيْدِ] 381 بنِ نُضَيْلَةَ 382، قال: رُفِعَ إلى عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، امرأةٌ تَزَوَّجَتْ في عِدَّتِها، فقال: هل عَلِمْتُمَا؟ قالا: لا.
قال: لو عَلِمْتُما لَرَجَمْتُكُمَا.
فجَلَدَه أسْواطًا، ثم فرَّقَ بينَهما 383. ورَوَى أبو بكرٍ بإسْنادِه قال: رُفِعَ إلى علىٍّ، عليه السلامُ، امرأةٌ تَزَوَّجَتْ ولها زَوْجٌ كَتَمَتْه، فرَجَمَها، وجَلَد زَوْجَها الآخرَ مِائَةَ جَلْدَةٍ 384. فإن لم يَعْلَمْ

الجزء: 26 - الصفحة: 298

أَوْ اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِلزِّنَى، أَوْ لِغَيْرِهِ وَزَنَى بِهَا، أَوْ زَنَى بِامْرأَةٍ لَهُ عَلَيْهَا الْقِصَاصُ، أَوْ بِصَغِيرَةٍ، أَوْ مَجْنُونَةٍ، أَوْ زَنى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، أَوْ بِأَمَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا، أَوْ أَمْكَنَتِ الْعَاقِلَةُ مِنْ نَفْسِهَا مَجْنُونًا أَوْ صَغِيرًا فَوَطِئَهَا، فَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ.
تَحْريِمَ ذلك، فلا حَدَّ عليه؛ لعُذْرِ الجَهْلِ، ولذلك دَرَأَ عمرُ عنهما الحَدَّ؛ لجَهْلِهِما.

4419 -

مسألة: (أَوْ اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِلزِّنَى، أَوْ لِغَيْرِهِ، وَزَنَى بِهَا، أَوْ زَنَى بِامْرأَةٍ لَهُ عَلَيْهَا الْقِصَاصُ، أَوْ بِصَغِيرَةٍ، أَوْ مَجْنُونَةٍ، أَوْ زَنى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، أَوْ بِأَمَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا، أَوْ أمْكَنَتِ الْعَاقِلَةُ)

البالِغَةُ (مِن نَفْسِها مَجْنُونًا أَوْ صَغِيرًا فوَطِئَها، فعليهم الحَدُّ) إذا اسْتَأْجَرَ امرأةً لعملِ شئٍ، فزَنَى بها، أَوْ اسْتَأْجَرَها ليَزْنِىَ بِها، وفَعَلَ ذلك، أَوْ زَنَى بامرأةٍ ثم تَزَوَّجَها، أَوْ بأمَةٍ ثم اشْتَرَاها، فعليهما الحَدُّ.
وبه قال أكثرُ أهلِ العلمِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليهما في هذه المواضِعِ إلَّا إذا اسْتَأْجَرَها لعملِ شئٍ؛ لأَنَّ مِلْكَه لمَنْفَعَتِها شُبْهَةٌ دَارِئَةٌ للحَدِّ، ولا يُحَدُّ بوَطْءِ امرأةٍ هو مالكٌ

الحديث: 4419 - الجزء: 26 - الصفحة: 299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لها 385. ولَنا، عُمُومُ الآيَةِ والأخْبارِ، ووجودُ المَعْنى المُقْتَضِى لوُجوبِ الحَدِّ.
وقولُه: إنَّ مِلْكَه لمَنْفَعتِها شُبْهَةٌ.
لا يَصِحُّ، فإنَّه إذا لم يَسْقُطْ عنه الحَدُّ ببَذْلِها نَفْسَها له، ومُطاوَعَتِها إيَّاه، فَلأنْ لا يَسْقُطَ بمِلْك مَحَلٍّ آخَرَ أَوْلَى.
وأمَّا إذا اسْتَأْجَرَ امرأةً للزِّنَى، لم تَصِحَّ الإِجارَةُ، فوُجودُ ذلك كعدمِه، فأشبَهَ وَطْءَ مَن لم يَسْتَأْجِرها.
وأمَّا إذا زَنَى بامرأةٍ له عليها قِصاصٌ، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّه وَطْءٌ في غير مِلْكٍ ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ، أشْبَهَ ما لو لم يَكُنْ له عليها قِصاصٌ، وكما لو كان له عليها دَيْنٌ.
وأمَّا إذا زَنىَ بامرأةٍ ثم تزَوَّجَها، أَوْ بأمةٍ ثم اشْتَرَاها، فإنَّه ما وَجَب عليه الحَدُّ بوَطْءِ مَمْلوكَتِه ولا زَوْجَتِه، وإنَّما وَجَب بوَطْءِ أجْنَبِيَّةٍ، فتَغَيُّرُ حالِها لا يُسْقِطُه، كما لو ماتَتْ.
وأمَّا إذا أمْكَنَتِ المُكَلَّفَةُ مِن نَفْسِها صغيرًا أَوْ مَجْنُونًا فوَطِئَها أَوْ

الجزء: 26 - الصفحة: 300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ نائمٍ، فعليها الحَدُّ دُونَه.
وقال أبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليها، لأَنَّ فِعْلَ الصَّبِىِّ والمجنونِ ليس بزِنًى، فلم يجبْ عليها الحَدُّ إذا أمْكَنَتْه منه 386، كما لو أمْكَنَتْه من إدْخالِ إصْبَعِه في فَرْجِها.
ولَنا، أنَّ سُقُوطَ الحَدِّ عن أحدِ الواطِئَيْن لمَعْنًى يَخُصُّه، لا يُوجبُ سُقُوطَه عن الآخَرِ، كما لو زَنَى المُسْتَأْمِنُ بمسلمةٍ، أَوْ زَنَى بمَجْنُونَةٍ أَو نائمةٍ.
وقولُهم: ليس بِزِنًى.
لا يَصِحُّ، لأنَّه لا يَلْحَقُ به النَّسَبُ، وإنَّما لم يَجِبِ الحَدُّ عليه لعُذْرِه، وزَوالِ تَكْلِيفِه.
وكذلك الحُكْمُ في الرجُلِ يَظُنُّ أنَّ المرأةَ زَوْجَتُه، فيَطَؤُها، وهى تعلمُ أنَّه أجْنَبِىٌّ، وفى المرأةِ تَظُنُّه زَوْجَها، وهو يعلمُ أنَّها أجْنَبِيَّةٌ.
فصل: فأمَّا وطءُ 387 الصَّغيرةِ، فإن كانت ممَّن يُمكِنُ وَطْؤُها، فهو زِنًى يُوجِبُ الحَدَّ، لأنَّها كالكبيرةِ في ذلك، وإن كانت ممَّن لا تَصْلُحُ للوَطْءِ، ففيها وَجْهان كالمَيِّتَةِ، على ما ذَكَرْنا.
وقال القاضى: لا حَدَّ على مَن وَطِئَ صغيرةً لم تَبْلُغْ تِسْعًا، لأنَّها لا يُشْتَهَى مثْلُها، أشْبَهَ ما لو أدْخَلَ

الجزء: 26 - الصفحة: 301

فَصْلٌ: الثَّالِثُ، أَنْ يَثْبُتَ الزِّنَى، وَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَيْئَيْنِ؛  إصْبَعَه في فَرْجِها، وكذلك لو اسْتَدْخَلَتِ المرأةُ ذَكَرَ صَبِىٍّ لم يَبْلُغْ عشْرًا، فلا حَدَّ عليها.
قال شيخُنا (1): والصَّحِيحُ أنَّه متى وَطِئَ مَن أمْكَنَ وَطْؤُها، أَوْ أمْكَنَتِ المرأةُ مَن يُمْكِنُه الوَطْءُ، فوَطِئَها، أنَّ الحَدَّ يَجِبُ على المُكَلَّفِ منهما (2)، ولا يَصِحُّ تَحْديدُ ذلك بتِسْعٍ ولا عشْرٍ؛ لأَنَّ التَّحْدِيدَ إنَّما يكونُ بالتَّوْقيفِ، ولا تَوْقِيفَ في هذا، وكونُ التسعِ وَقْتًا لإِمْكانِ الاسْتِمْتاعِ غالبًا، لا يَمْنَعُ وُجودَه قبلَه (2)، كما أنَّ البُلوغ يوجَدُ في خمسةَ عشَرَ عامًا غالبًا، ولا يَمْنَعُ مِن وُجودِه قبلَه.

فَصْلٌ:

(الثَّالِثُ، أَنْ يَثْبُتَ الزِّنَى، وَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بأحدِ شَيْئَيْنِ؛388389

الجزء: 26 - الصفحة: 302

أحَدُهمَا، أَنْ يُقِرَّ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، في مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ، وَيُصَرِّحَ بِذِكْرِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ، وَلَا يَنْزِعَ عَنْ إِقْرَارِهِ حَتَّى يَتِمَّ الْحَدُّ.
أحدُهما، أن يُقِرَّ أرْبَعَ مرَّاتٍ، في مَجْلِس أَوْ مَجالِسَ، وهو بالِغٌ عاقِلٌ، ويُصَرِّحَ بذِكْرِ حَقيقةِ الوَطْءِ، ولا يَنْزِعَ عن إقْرارِه حتَّى يَتِمَّ الحَدُّ) لا يَثْبُتُ الزِّنَى إلَّا بإقْرارٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ، فإن ثَبَت بإقْرارٍ، اعْتُبرَ إقْرارُ أرْبَعِ مَرَّاتٍ.
وبهذا قال الحَكَمُ، وابنُ أبى ليلى، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال الحسنُ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: يُحَدُّ بإقْرارِه مَرَّةً؛ لقولِ رسوْلِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلى امْرَأةِ هذَا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» 390. واعْتِرافُ مَرَّةٍ اعْترافٌ، وقد أوْجَبَ عليها الرَّجْمَ به.
ورَجَم الجُهَنِيَّةَ، وإنَّما اعْتَرَفَتْ مَرَّةً 391. وقال عمرُ: إنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ واجبٌ على مَن زَنَى وقد أَحْصَنَ، إذا قامتِ البَيِّنَةُ، أَوْ كان الحَبَلُ، أَوْ الاعْترافُ 392. ولأنَّه حَقٌّ، فثَبَتَ باعْتِرافِ مَرَّةٍ، كالإِقْرارِ بالقَتْلِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: أتى رجل مِنِ الأسْلَمِيِّين رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو في المسجدِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّىِ زَنيْتُ.
فأعْرَضَ عنه، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِه، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّى زَنيْتُ.
فأعْرَضَ عنه، حتَّى ثَنَى ذلك أربعَ مَرَّاتٍ، فلمَّا شَهِد على نَفْسِه أرْبَعَ شَهاداتٍ، دَعاهُ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «أبِكَ جُنُونٌ؟».
قال: لا.
قال: «هَلْ 393 أَحْصَنْتَ؟».
قال: نعم.
فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ارْجُمُوهُ».
مُتَّفقٌ عليه 394. ولو وجَبَ الحَدُّ بمَرَّةٍ، لم يُعْرِضْ عنه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، لأنَّه لا يجوزُ تَرْكُ حَدٍّ وَجَب للَّهِ تعالى.
ورَوَى نُعَيْمُ بنُ هَزَّالٍ حديثَه، وفيه: حتَّى قالَها أرْبَعَ مَرَّاتٍ، فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنَّكَ قَدْ قُلْتَهَا أربعَ مَرَّاتٍ، فَبِمَنْ؟».
قال: بفُلانَةَ.
رَواه أبو داودَ 395. وهذا تَعْلِيلٌ منه يَدُلُّ على أنَّ إقْرارَ الأرْبعِ [هى المُوجِبةُ] 396. ورَوَى أبو بَرْزَةَ الأَسْلَمِىُّ، أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال له عندَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: إن أقْرَرْتَ أرْبَعًا، رَجَمَكَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- 397. وهذا يَدُلُّ مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما،

الجزء: 26 - الصفحة: 304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أقَرَّه على هذا، ولم يُنْكِرْه، فكانَ بمَنْزِلَةِ قولِه؛ لأنَّه لا يُقِرُّ على الخَطَأ.
الثانى، أنَّه قد عَلِم هذا مِن حُكْمِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، لولا ذلك ما تَجاسَرَ على قولِه بينَ يَدَيْه.
فأمَّا أحادِيثُهمِ، فإنَّ الاعْتِرافَ لفظٌ للمَصْدَرِ، يَقَعُ على القليلِ والكثيرِ، وحدِيثُنا يُفَسِّرُه، ويُبَيِّنُ أنَّ الاعْتِرافَ الَّذى يَثْبُتُ به كان أرْبعًا.
فصل: وسَواءٌ كان في مجلسٍ واحدٍ، أَوْ مجالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ.
قال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه يُسْألُ عن الزَّانِى، يُرَدَّدُ أرْبَعَ مَرَّاتٍ؟ قال: نعم، على حديثِ ماعِزٍ، هو أحْوَطُ.
قلتُ له: في مجلس واحدٍ، أَوْ في مجالِسَ شَتَّى؟ قال: أمَّا الأحاديثُ، فليستْ تَدُلُّ إلَّا على مجلسٍ واحدٍ، إلَّا عن 398 ذلك الشَّيخِ بَشِيرِ بنِ المُهاجِرِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عن أبيه 399، وذلك عندِى مُنْكَرُ الحديثِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَثْبُتُ إلَّا بأَرْبَعِ إقْراراتٍ، في أرْبَعَةِ مجالسَ؛ لأَنَّ ماعِزًا أقَرَّ في أرْبَعةِ مجالسَ.
ولَنا، أنَّ الحديثَ الصَّحِيحَ إنَّما يَدُلُّ أنَّه أقَرَّ أرْبعًا في مجلس واحدٍ، وقد ذَكَرْنا الحديثَ، ولأنَّه أحَدُ حُجَّتَىِ الزِّنَى، فاكْتُفِىَ به في مجلسٍ واحدٍ، كالبَيِّنَةِ.
= وقد رووه كلهم عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبى بكر.
وقال الهيثمى: وفى أسانيدهم كلها جابر بن يزيد الجعفى وهو ضعيف.
مجمع الزوائد 6/ 266. وانظر: الإرواء 8/ 26، 27.

الجزء: 26 - الصفحة: 305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويعْتَبَرُ في صِحَّةِ الإِقْرارِ أن يَذْكُرَ حقيقةَ الفعلِ، لتَزُولَ الشُّبْهَةُ؛ لأَنَّ الزِّنَى يُعَبَّرُ به عمّا ليسَ بمُوجِبٍ للحَدِّ.
وقد رَوى ابنُ عباس، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لماعِزٍ: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أو غَمَزْتَ؟».
قال: لا.
قال: «أفَنِكْتَهَا؟».
[لا يَكْنِى.
قال: نعم.
قال: فعندَ ذلك أَمَرَ برَجْمِه.
رَواه البُخارِىُّ 400. وفى روايةٍ عن أبى هريرةَ، قال: «أفنكتها».] 401 قال: نعم.
قال: «حَتَّى غَابَ ذَاكَ مِنْكَ في ذَاكَ مِنْهَا؟».
قال: نعم.
قال: «كَمَا يَغِيبُ المِرْوَدُ في المُكْحُلَةِ، والرِّشَاءُ في البِئْرِ؟».
قال: نعم.
قال: «أَتدْرِى مَا الزِّنَى؟».
قال: نعم، أتَيْتُ منها حَرَامًا ما يَأْتِى الرجلُ مِن امرأتِه حَلالًا.
وذكرَ الحديثَ.
رَواه أبو داودَ 402. فصل: فإنْ أقَرَّ أنَّه زَنَى بامرأةٍ فكَذَّبَتْه، فعليه الحَدُّ دُونَها.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّا صَدَّقْناها

الجزء: 26 - الصفحة: 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في إنْكارِها، فصارَ مَحْكُومًا يكَذِبِه.
ولَنا، ما روَى أبو داودَ 403، بإسْنادِه، عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّ رجُلًا أتاه، فأقَرَّ عندَه أنَّه زَنَى بامرأةٍ، فسَمَّاها له، فبَعَثَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المرأةِ، فسَأَلَها عن ذلك، فأنْكَرَتْ أن تكونَ زَنَتْ، فجَلَدَه الحَدَّ وتَرَكَها.
ولأَنَّ انْتِفاءَ ثُبُوتِه في حَقِّها لا يُبْطِلُ إقْرارَه، كما لو سَكَتَتْ، أَوْ كما لو لم 404 تُسْأَلْ.
ولأَنَّ عُمومَ الخبرِ يَقْتَضِى وُجوبَ الحَدِّ عليه باعْتِرافِه، وهو قولُ عمرَ: إذا كان الحَبَلُ أَوْ الاعْتِرافُ 405. وقولُهم: إنَّا صَدَّقْناهَا في إنْكارِها.
غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّا لم نَحْكُمْ بصِدْقِها، وانْتِفاءُ الحَدِّ إنَّما كان لعَدَمِ المُقْتَضِى، وهو الإِقْرارُ أَوْ 406 البَيِّنَةُ، لا لوُجودِ التَّصْدِيقِ، بدَليلِ ما لو سَكَتَتْ، أَوْ لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الحُرَّ والعبدَ، والبكْرَ والثَّيِّبَ، في الإِقْرارِ سَواءٌ؛ لأنَّه أحَدُ حُجَّتَى الزِّنَى، فاسْتَوَى الكلُّ فيه، كالْبَيِّنَةِ.
فصل: ويُشْتَرَطُ أن يكونَ المُقِرُّ بالِغًا عاقِلًا، ولا خِلافَ في اعْتِبارِ ذلك في وُجُوبِ الحَدِّ، وصِحَّةِ الإِقْرارِ؛ لأَنَّ الصَّبِىَّ والمجنونَ قد رُفِعَ القَلمُ عنهما، ولا حُكْمَ لكلامِهما؛ لِما روَى علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه،

الجزء: 26 - الصفحة: 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ».
رَواه أبو داودَ، والتَّرْمِذِىُّ 407، وقال: حديثٌ حسنٌ.
فصل: والنَّائِمُ مَرْفُوعٌ عنه [القلمُ، فلو زُنِىَ بنَائِمَةٍ، أَوْ اسْتَدْخَلَتِ امرأةٌ ذَكَرَ نائِمٍ، أَوْ وُجدَ منه الزِّنَى حالَ نَوْمِه، فلا حَدَّ عليه؛ لأَنَّ القَلمَ مَرْفوعٌ عنه] 408، ولو أقَرَّ في حالِ نوْمِه، لم يُلْتَفَتْ إلى إقْرارِه؛ لأَنَّ كلامَه غيرُ معْتَبَرٍ، ولا [يَدُلُّ على] 409 صِحَّةِ مَدْلُولِه.
وأمَّا السَّكْرانُ ونحوُه، فعليه حَدُّ الزِّنى والسَّرِقَةِ والشُّرْبِ والقَذْفِ، إذا فعله في حالِ سُكْرِه؛ لأَنَّ الصحابةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، أوْجَبُوا عليه حَدَّ 410 الفِرْيَةِ؛ لكَوْنِ السُّكْرِ مَظِنَّةً لها، ولأنَّه تَسَبَّبَ إلى هذه المُحَرَّماتِ بسَبَبٍ لا يُعْذَرُ فيه، فأشْبَهَ مَن لا عُذْرَ له.
وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه 411 لا يَجِبُ عليه الحَدُّ؛ لأنَّه غيرُ

الجزء: 26 - الصفحة: 308

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عاقِلٍ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً في دَرْء ما يَنْدِرئُ بالشُّبُهاتِ، ولأَنَّ طَلاقَه لا يَقَعُ في رِوايَةٍ، فأشْبَهَ النائِمَ.
والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأَنَّ إسْقاطَ الحَدِّ عنه يُفْضِى إلى أنَّ مَن أرادَ فِعْلَ هذه المُحَرَّماتِ، شَرِبَ الخمرَ، وفَعَل ما أحَبَّ، فلا يَلْزَمُه شئٌ، ولأَنَّ السُّكْرَ 412 مَظِنَّةٌ لفِعْلِ المحارِمِ، وسَبَبٌ إليه، فقد تَسَبَّبَ إلى فِعْلِها حالَ صَحْوِه.
فأمَّا إن أقَرَّ بالزِّنَى وهو سَكْرِانُ، لم يُعْتَبَرْ إقْرارُه؛ لأنَّه لا يَدْرِى ما يقولُ، ولا يَدُلُّ قولُه على صِحَّةِ خبَرِه، فأشْبَهَ قولَ النَّائِمِ والمجْنونِ.
وقد روَى بُرَيْدَةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اسْتَنْكَهَ ماعِزًا.
رَواه أبو داودَ 413. وإنَّما فعلَ ذلك، ليَعْلَمَ هل هو سَكْرانُ أَوْ لا، ولو كان السَّكْرانُ مَقْبُولَ الإِقْرارِ، لَما احْتِيجَ إلى تَعَرُّفِ بَرَاءَتِه منه.
فصل: وأمَّا الأخْرَسُ؛ فإن لم تُفْهَمْ إشارَتُه، فلا يُتَصَوَّرُ منه إقْرارٌ، وإن فُهِمَتْ إشارَتُه، فقالَ القاضى: عليه الحَدُّ.
وهو قولُ الشافعىِّ، وابنِ القاسمِ [صاحِبِ مالِكٍ، وأبى ثَوْرٍ] 414؛ وابنِ المُنْذِرِ؛ لأَنَّ مَن صَحَّ إقْرارُه بغيرِ الزِّنَى، صَحَّ إقْرارُه به، كالنَّاطِقِ.
وقال أصحابُ أبى

الجزء: 26 - الصفحة: 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حنيفةَ: لا يُحَدُّ بإقْرارٍ ولا بَيِّنَةٍ؛ لأَنَّ الإِشارَةَ تَحْتَمِلُ ما فُهِمَ منها وغيرَه، فيكونُ ذلك شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ، لكَوْنِه ممَّا يَنْدَرئُ بالشُّبُهاتِ، ولا يَجِبُ بالبَيِّنَةِ؛ لاحْتِمالِ أن يكونَ له شُبْهَة لم يُمْكِنْه التَّعْبِيرُ عنها، ولم يَعْرِفْ كَوْنَها شُبْهَةً.
ويَحْتَمِلُ كَلامُ الخِرَقِىِّ أن لا يَلْزَمَه الحَدُّ بإقْرارِه؛ لأنَّه شَرَط أن يكونَ صَحِيحًا، وهذا غيرُ صَحِيحٍ، ولأَنَّ الحَدَّ لا يجبُ بالشُّبْهَةِ، فأمَّا الإِشارَةُ فلا تَنْتَفِى 415 معها الشُّبُهاتُ.
وأمَّا البَيِّنَةُ، فيَجِبُ عليه بها الحَدُّ؛ لأَنَّ قولَه معها غيرُ مُعْتَبَرٍ.
فصل: ولا يَصِحُّ الإِقْرارُ مِن المُكْرَهِ، فلو ضُرِبَ الرجلُ ليُقِرَّ بالزِّنَى، لم يجبْ عليه الحَدُّ، ولم يَثْبُتْ عليه الزِّنى.
ولا نعلمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في أنَّ إقْرارَ المُكْرَهِ لا يجبُ به حَدٌّ.
ورُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: ليس 416 الرجلُ مَأْمُونًا على نَفْسِه إذا جَوَّعْتَه، أَوْ ضَرَبْتَه، أَوْ

الجزء: 26 - الصفحة: 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أوْثَقْتَه.
رَواه سعيدٌ 417. وقال ابنُ شِهَابٍ، في رجلٍ اعْتَرَفَ بعدَ جَلْدِه: ليس عليه حَدٌّ.
ولأَنَّ الإِقْرارَ إنَّما يَثْبُتُ به المُقَرُّ به، لوُجُودِ الدَّاعِى إلى الصِّدْقِ، وانْتِفاءِ التُّهْمَةِ عنه، فإنَّ العاقِلَ لا يُتَّهمُ بقَصدِ الإِضْرارِ 418 بنَفْسِه، ومع الإِكْراهِ يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّ إقْرارَه لدَفْعِ ضَرَرِ الإِكْراهِ، فانْتَفَى ظَنُّ 419 الصِّدْقِ عنه، فلم يُقْبَلْ.
فصل: وإن أقَرَّ بوَطْءِ امرأةٍ، وادَّعَى أنَّها امرأتُه، فأنْكَرتِ المرأِةُ الزَّوْجِيَّةَ 420، نَظَرْنا، فإن لم تُقِرَّ المرأةُ بوَطْئِه إيَّاها، فلا حَدَّ عليه، لأنَّه لم يُقِرَّ بالزِّنَى، وِلا مَهرَ لها، لأنَّها لا تَدَّعِيه، وإنِ اعْتَرَفَتْ بوَطْئِه، إيَّاها، واعْتَرفت بأنَّه زَنَى بها مُطاوِعَةً، فلا مَهْرَ عليه أيضًا، ولا حَدَّ على واحدٍ منهما، إلَّا أن يُقِرَّ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، لأَنَّ الحَدَّ لا يجبُ بدُونِ إقْرارِ أرْبَعٍ، وإنِ ادَّعَتْ أنَّه أكْرَهَها عليه، أَوْ اشْتَبَهَ عليه، فعليه المَهْرُ، لأنَّه أقَرَّ بسَبَبِه.
وقد روَى مُهَنَّا، عن أحمدَ، أنَّه سَألَه عن رجلٍ وَطِئَ امرأةً، وزَعَمَ أنَّها زَوْجَتُه، وأنْكَرَتْ هى أن يكونَ زَوْجَها، وأقَرَّتْ بالوَطْءِ، فقال: هذه

الجزء: 26 - الصفحة: 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قد أقَرَّتْ على نَفْسِها بالزِّنَى، ولكن يُدْرَأُ عنه الحَدُّ بقَوْلِه: إنَّها امرأتُه.
ولا مَهْرَ عليه، وأدْرَأُ عنها الحَدَّ حتَّى تَعْتَرِفَ مِرارًا.
قال أحمدُ: وأهلُ المدينةِ يَرَوْنَ عليها 421 الحَدَّ، يذْهَبُونَ إلى قولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هذَا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» 422. وقد تَقَدَّمَ الجَوابُ عن قولِهم.
فصل: (ولا يَنْزِعُ عن إقْرارِه حتَّى يَتِمَّ الحَدُّ) لأَنَّ مِن شروطِ إقامةِ الحدِّ بالإِقرارِ البقاءَ عليه إلى 423 تمام الحَدِّ، فإن رَجَع عن إقرارِه أَوْ هرَب، كُفَّ عنه.
وبهذا قال عَطاءٌ، ويحيى بنُ يَعْمُرَ، والزُّهْرِىُّ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ.

الجزء: 26 - الصفحة: 312

الثَّانِى، أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُولٍ يَصِفُونَ الزِّنَى، وَيَجِيئُونَ في مَجْلسٍ وَاحِدٍ، سَوَاءٌ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ أَوْ مُجْتَمِعِينَ.
وقال الحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وابنُ أبى ليلى: يُقامُ عليه (1) الحَدُّ، ولا يُتْرَكُ؛ لأَنَّ ماعِزًا هَرَب فقَتَلُوه.
وَرُوِىَ أنَّه قال: رُدُّونى إلى رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنَّ قَوْمِى هم غَرُّونِى مِن نفسِى، وأخْبَرونى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- غيرُ قاتِلى.
فلم يَنْزِعُوا عنه حتَّى قَتَلُوه.
أخْرَجَه أبو داودَ (2). وقد ذَكَرْنا ذلك في كتابِ الحُدُودِ.

4420 -

مسألة: ومتى رَجَع المُقِرُّ بالحَدِّ عن إقْرارِه قُبِلَ منه، وقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيه.

واللَّهُ أعلمُ.
(الثَّانِى، أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُولٍ يَصِفُونَ الزِّنَى، وَيَجِيئُونَ في مَجْلسٍ وَاحِدٍ، سَوَاءٌ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ) يُشْتَرَطُ في شهودِ الزِّنَى سبعةُ شُروطٍ، ذَكَرها الخرَقِىُّ؛ أحدُها، أن يكونوا424425

الحديث: 4420 - الجزء: 26 - الصفحة: 313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أربعةً، وهذا إجْماعٌ، ليس فيه اخْتلافٌ بينَ أهلِ العلمِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ 426. وقال تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ 427. وقال سعدُ بنُ عُبادَةَ لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أرأْيتَ لو وَجَدْتُ مع امرأتِى رجُلًا، أُمْهِلُه حتَّى آتِىَ بأَرْبَعَةِ شُهداءَ؟ فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «نَعَمْ».
رَواه مالكٌ، في «المُوَطَّأ»، وأبو داودَ 428. الشرطُ الثانى، أن يكونُوا رجالًا كلُّهم، ولا تُقْبَلُ فيه شهادةُ النِّساءِ بحالٍ.
ولا نعلمُ فيه خِلافًا، إلَّا شيئًا يُرْوَى عن عَطاءٍ، وحَمَّادٍ، أنَّه يُقْبَلُ فيه ثلاثةُ رِجالٍ وامْرأتان.
وهو قولٌ شاذٌّ لا يُعَوَّلُ عليه؛ لأَنَّ لَفْظَ الأرْبعة اسمٌ لعَدَدِ المُذَكَّرِينَ 429، ويَقْتَضِى أن يُكْتَفَى فيه بأربعةٍ، ولا خِلافَ في أنَّ الأربعةَ إذا كان بعضُهم نِساءً أنَّه

الجزء: 26 - الصفحة: 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يُكْتَفَى بهم، وأنَّ أقَلَّ ما يُجْزِئُ خمسةٌ، [وهذا خِلافُ النَّصِّ] 430، ولأَنَّ في شَهادَتِهِنَّ شُبْهَةً؛ لتَطَرُّقِ الضَّلالِ إليهنَّ، قال اللَّهُ تعالى، ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ 431. والحُدُودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ.
الشَّرطُ الثالثُ، الحُرِّيَّةُ، فلا تُقْبَلُ شَهادَةُ العَبِيدِ.
ولا نَعلمُ في ذلك خِلافًا، إلَّا رِوايةً حُكِيَتْ عن أحمدَ، وهو قولُ أبى ثَوْرٍ؛ لعُمومِ النُّصوصِ فيه، ولأنَّه عَدْل مسلمٌ ذَكَرٌ، فتُقْبَلُ شَهادَتُه، كالحُرِّ.
ولَنا، أنَّه مُخْتَلَفٌ في شَهادَتِه في سائِرِ الحُقُوقِ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً تَمْنَعُ مِن قَبولِ شَهادتِه في الحَدِّ؛ لأنَّه يَنْدَرئُ بالشُّبُهاتِ.
الشَّرطُ الرابعُ، العَدالَةُ، ولا خِلافَ في اشْتراطِها، فإنَّها تُشْتَرَطُ.
في سائرِ الشَّهاداتِ، فههُنا مع مَزِيدِ الاحْتِياطِ فيها أوْلَى، فلا تُقْبَلُ شَهادةُ الفاسِقِ، ولا مَسْتُورِ الحالِ الذى لا تُعْلَمُ عَدَالته؛ لجَوازِ أن يكونَ فاسِقًا.
الشرطُ الخامسُ، أن يكونُوا مسلِمين، فلا تُقْبَلُ شهادةُ أهلِ الذِّمَّةِ فيه، سواءٌ كانتِ الشَّهادَةُ على مسلمٍ أو ذِمِّىٍّ؛ لأَنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ كُفَّارٌ، لا تَتَحَقَّقُ العَدالَةُ فيهم، فلا تُقْبَلُ رِوايَتُهم ولا أخْبارُهم الدِّينِيَّةُ، ولا تُقْبَلُ شَهادَتُهم، كعَبَدَةِ الأوْثانِ.
الشرطُ السادسُ، أن يَصِفُوا الزِّنَى، فيقُولوا: رَاينا ذَكَرَه في فَرْجِها، كالمِرْوَدِ في المُكْحُلَةِ، والرِّشَاءِ في البِئْرِ.
وهذا قولُ مُعاويةَ بنِ أبى سفيانَ، والزُّهْرِىِّ،

الجزء: 26 - الصفحة: 315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لِما رَوَينا في قِصَّةِ ماعِزٍ، أنَّه لمَّا أقَرَّ عندَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالزِّنَى، فقال: «أَنِكْتَهَا؟».
فقال: نعم.
قال: «حَتَّى غَابَ ذَاكَ مِنْكَ فِى ذَاكَ مِنْهَا، كما يَغِيبُ المِرْوَدُ في المُكْحُلَةِ، والرِّشَاءُ فِى البِئْرِ؟».
قال: نعم 432. وإذا اعْتُبِرَ التَّصرِيحُ في الإِقْرارِ، كان اعْتِبارُه في الشَّهادة أوْلَى.
وروَى أبو داودَ 433 بإسْنادِه، عن جابرٍ، قال: جاءتِ اليهودُ برجُلٍ منهم وامرأةٍ زَنَيَا، فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ائْتُونِى بأعْلَمٍ رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ».
فأتَوْه بابْنَى صُوريا، فنَشَدَهما: «كَيْفَ تَجِدَانِ أمْرَ هذيْنِ فِى التَّوْرَاةِ؟».
[قالوا: نَجِدُ في التوراةِ] 434 إذا شَهِدَ أرْبعةٌ أنَّهم رَاوا ذَكَرَه في فَرْجِها، مثلَ المِيلِ في المُكْحُلَةِ، رُجِما.
قال: «فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَرْجُمُوهُمَا؟» قالا: ذهَبَ سُلْطَانُنا، وكَرِهْنا القتْلَ.
فدَعا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالشُّهودِ، فجاءَ أربعة، فشَهِدُوا أنَّهم رَأَوْا ذَكَرَه في فَرْجِها مثلَ المِيلِ في المُكْحُلَةِ، فأمَرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- برَجْمِهِما.
ولأنَّهم إذا لم يَصِفُوا الزِّنَى، احْتَملَ أن يكونَ المَشْهُودُ به لا يُوجِبُ الحَدَّ فاعْتُبرَ كَشْفُه.
قال بعضُ أهلِ العلمِ: يجوزُ للشُّهودِ أن يَنْظُرُوا إلى ذلك منهما، لإِقامةِ الشَّهادَةِ عليهما ليَحصُلَ الرَّدْعُ بالحَدِّ، فإن شَهِدُوا أنَّهم رَأَوْا ذَكَرَه قد غَيَبّهَ في فَرْجِها كَفَى، والتَّشْبِيهُ تَأْكيدٌ.

الجزء: 26 - الصفحة: 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمَّا تَعْيِينُ المَزْنِىِّ بها، إن كانتِ الشَّهادة على رجُلٍ، أو الزَّانِى إن كانتِ الشهادةُ على امرأةٍ، ومكانِ الزِّنَى، فذَكَر القاضى أنَّه يُشْتَرَطُ، لئلَّا تكونَ المرأةُ ممَّن اخْتلِفَ في إباحَتِها، ويُعْتَبَر ذِكْرُ المكانِ، لئلَّا تكونَ شهادة أحدِهم على غيرِ 435 الفِعْلِ الذى شَهِدَ به الآخَر، ولهذا سَألَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال 436: «إِنَّكَ أَقْرَرْتَ أربَعًا، فَبِمَنْ؟» 437. وقال ابنُ حامِدٍ: لا 438 يُعْتَبَر ذِكْر هذيْن؛ لأنَّه لا يعْتَبَر ذكرهما في الإِقْرارِ، ولم يَأْتِ ذِكْرهما في الحديثِ الصَّحيحِ، وليس في حَديثِ الشهادةِ في رَجْمِ اليَهُودَيَّيْن ذِكْر المكانِ، ولأَنَّ ما لا يُشْتَرَطُ فيه ذِكْر الزَّمانِ، لا يُشْتَرَطُ فيه ذكْر المكانِ، كالنِّكاحِ، ويَبْطُلُ ما ذكَرُوه بالزَّمانِ.
الشرطُ (2) السابعُ، مَجِئُ الشُّهودِ كُلِّهم في مجلسٍ واحدٍ.
ذَكَرَه الخِرَقِىُّ، فقال: وإن جَاء أربعةٌ متفرِّقِين، والحاكم جالسٌ في مجلسِ حُكْمِه، لم يَقمْ قبلَ شهادَتِهم، وإن جاءَ بعضهم بعدَ أن قامَ الحاكمُ، كانوا قَذَفَةً، وعليهم الحَدُّ.
وبهذا قال، مالكٌ، وأبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ، والبَتِّىُّ، وابن المُنْذِرِ: لا يُشْتَرَطُ ذلك؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ 439. ولم يَذْكرِ المجلس.
وقال تعالى:

الجزء: 26 - الصفحة: 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ﴾ 440. ولأَنَّ كلَّ شهادةٍ مَقْبولةٌ إذا اتَّفَقَتْ، مَقْبُولةٌ إذا افْتَرَقَتْ في مَجالِسَ، كسائرِ الشَّهاداتِ.
ولَنا، أنَّ أبا بَكْرَةَ، ونافِعًا، وشِبْلَ 441 ابنَ مَعْبدٍ، شَهِدُوا عندَ عمرَ، على المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ بالزِّنَى، ولم يَشهَدْ زِيادٌ، فحَدَّ الثلاثةَ 442. ولو كان المجلسُ غيرَ مُشْتَرَطٍ، لم يَجُزْ أن فحَدَّهم، لِجوازِ أن يَكْمُلُوا برابع في مجلس آخَرَ، ولأنَّه لو شَهِد ثلاثةٌ، فحَدَّهم، ثم جاءَ رابعٌ فشَهِدَ، لمِ تُقْبَلْ شَهادَتُه، ولولا اشْتراطُ المجلسِ، لَكَمَلَتْ شَهادَتُهم.
وبهذا فارَق سائِرَ الشَّهاداتِ.
وأمَّا الآيةُ فإنَّها لم تَتَعَرَّضْ للشُّروطِ، ولهذا لم تَذْكُرِ 443 العَدالَةَ، وصِفَةَ الزِّنى، ولأَنَّ قَوْلَه: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ 444. لا يَخْلُو مِن أن يكونَ مُطْلَقًا في الزَّمانِ كلِّه، أو مُقَيَّدًا، لا يجوزُ أن يكونَ مُطْلقًا، لأنَّه يَمْنَعُ مِن جَوازِ جَلْدِهم، لأنَّه ما مِن زَمَن إلَّا 445 يجوزُ أن يَأْتِىَ فيه بأَرْبَعةِ شُهداءَ، أو بكَمالِهم إن كان قد شَهِد بعضُهم، فيَمْتَنِعُ جَلْدُهم المأمورُ به، فيكونُ

الجزء: 26 - الصفحة: 318

فَإِنْ جَاءَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ أَنْ قَامَ الْحَاكِمُ، أَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ وَامْتَنَعَ  مُتَناقِضًا، وإذا ثَبَت أنَّه مُقَيَّدٌ بالمجلسِ؛ لأَنَّ المجلسَ كلَّه بمَنْزِلَةِ الحالةِ الواحدةِ، ولهذا ثَبَت فيه خِيارُ المجلس، واكْتُفِىَ فيه بالقَبْضِ فيما يُعْتَبَرُ القَبْضُ فيه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُشْتَرَطُ اجْتماعُهم حالَ مجِيئِهم، ولو جاءُوا مُتَفَرِّقِينَ واحدًا بعدَ واحدٍ، في مجلسٍ واحدٍ، قَبِلَ شَهادَتَهم.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: إن جاءوا مُتَفَرِّقِينَ، فهم قَذَفَة؛ لأنَّهم لم يَجْتَمِعُوا في مجِيئهم، فلم تُقْبَلْ شَهادَتُهم، كالذين لم يَشهَدُوا في مجلسٍ واحدٍ.
ولَنا، قِصَّةُ المُغيرَةِ، فإنَّ الشُّهُودَ جاءوا واحدًا بعدَ واحدٍ، وسُمِعَتْ شَهادَتُهم، وإنَّما حُدُّوا لعَدَمِ كَمالِها في المجلسِ.
وفى حديثِه، أنَّ أبا بَكْرَةَ قال: أرأيتَ لو جاءَ آخَرُ يَشْهَدُ، أكنتَ تَرْجُمُه؛ قال عمرُ (1): إىْ، والذى نفسِى بيدِه.
ولأنَّهم اجْتَمَعُوا في مجلسٍ واحدٍ، أشْبَهَ ما لو جاءوا مُجْتَمِعِين، ولأَنَّ المجلسَ كلَّه بمَنْزِلَةِ ابْتِدائِه؛ لِما ذَكَرْنا.
وإذا تَفَرَّقُوا في مجالسَ، فعليهم الحَدُّ؛ لأَنَّ مَن شَهِدَ بالزِّنَى، ولم تَكْمُلِ الشَّهادةُ، يَلْزَمُه الحَدُّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (2).

4421 -

مسألة: (فإن جاء بعضُهم بعد أن قام الحاكمُ، أو شَهِد

446447 الحديث: 4421 - الجزء: 26 - الصفحة: 319

الرَّابعُ مِنَ الشَّهَادَةِ، أَوْ لَمْ يُكْمِلْهَا، فَهُمْ قَذَفَةٌ، وَعَلَيْهِم الْحَدُّ،  ثلاثةٌ وامْتَنَعَ الرَّابعُ مِن الشَّهادَةِ، أو لم يُكْمِلْهَا، فهم قَذَفَةُ، وعليهم الحَدُّ) إذا لم 448 يَكْمُلْ شهودُ الزِّنَى، فعليهم الحَدُّ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وذَكَرَ أبو الخَطابِ فيهم رِوايَتَيْن.
وحُكِىَ عن الشافعىِّ فيهم قَوْلان؛ أحَدُهما، لا حَدَّ عليهم؛ لأنَّهم شُهودٌ، فلم يجبْ عليهم الحَدُّ، كما لو كانوا أربعةً أحدُهم فاسِقٌ.
ولَنا، قَولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾.
وهذا يُوجِبُ الحَد 449 على كلّ رامٍ لم يَشْهَدْ بما قال أرْبَعةٌ، ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابةِ، [فإنَّ عمرَ جَلَدَ أبا بَكْرَةَ وأصحابَه حينَ لم يُكْمِلِ الرَّابعُ شهادَتَه، بمَحْضرٍ مِن الصَّحابَةِ] 450، فلم يُنْكِرْه أحَدٌ.
وروَى صالِحٌ 451 بإسْنادِه، عن أبى عثمانَ النَّهْدِىِّ، قال: جاءَ رجلٌ إلى عمرَ، فشَهِدَ على المُغيرةِ بنِ شُعْبَةَ، فتَغَيَّرَ لونُ عمرَ، ثم جاءَ آخَرُ فشَهِدَ، فتَغَيَّرَ لونُ عمرَ، ثم جاءَ آخَرُ فشَهِدَ، فاسْتَنْكَرَ ذلك عمرُ، ثم جاءَ شابٌّ يَخْطُرُ بيَدَيْه، فقال عمرُ: ما عندَكَ يا سَلْحَ العُقابِ؟

الجزء: 26 - الصفحة: 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وصاحَ به عمرُ صَيْحَةً، فقال أبو عثمانَ: واللَّهِ لقد كِدْتُ يُغْشَى علىَّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، رَأْيتُ أمْرًا قَبِيحًا.
فقال: الحمدُ للَّه الذى لم يُشْمِتِ الشَّيْطانَ بأصحابِ محمدٍ.
قال: فأمَرَ بأولئِك النَّفَرِ، فجُلِدُوا.
وفى رِوايةٍ، أنَّ عمرَ لَمَّا شُهِدَ عندَه على المُغيرةِ، شَهِد ثلاثة، وبَقِىَ زِيادٌ، فقال عمرُ: أرى شابًّا حَسنًا، وأرْجُو ألَّا يَفْضَحَ اللَّهُ على لِسانِه رجُلًا مِن أصحابِ محمدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم-: فقال: يا أميرَ المؤمنين، رأيتُ اسْتًا تَنْبُو، ونَفَسًا يَعْلُو، ورأيتُ رِجْلَيْها فوقَ عُنُقِه، كأنَّهما أُذُنا حِمارٍ، ولا أدْرِى ما وراءَ ذلك؟ فقال عمرُ: اللَّه أكبرُ، وأمَرَ بالثَّلاثةِ فضُرِبُوا.
قولُ عمرَ: يا سَلْحَ العُقابِ.
معناه أنَّه يُشْبِهُ سَلْحَ العُقابِ 452، الذى يَحْرِقُ كلَّ شئٍ أصابَه، كذلك هو، يُوقِعُ العُقوبَةَ بأحَدِ الفَرِيقَيْن لا مَحَالَةَ، إن كَمَلَتْ شَهادَتُه حُدَّ المَشْهُودُ عليه، وإن لم (1) تَكْمُلْ، حُدَّ أصحابُه.
فإن قيلَ: فقد خالَفَهم أبو بَكْرَةَ 453 وأصحابُه الذين شَهِدُوا.
قُلْنا: لم يُخالِفُوا في وُجوِبِ الحَدِّ عليهم، إنَّما خَالَفُوهم في صِحَّةِ ما شَهِدُوا به.
ولأنَّه رامٍ بالزِّنى لم يَأْتِ بأربَعةِ شُهَداءَ، فيجبُ عليه الحَدُّ، كما لو لم يَأْتِ بأحَدٍ.

الجزء: 26 - الصفحة: 321

وَإِنْ كَانُوا فُسَّاقًا، أَوْ عُمْيَانًا، أَوْ بَعْضُهُمْ، فَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ.
وَعَنْهُ، لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ.

4422 - مسألة: (وإن كانُوا فُسَّاقًا، أو عُمْيَانًا، أو بعضُهم، فعليهم الحَدُّ. وعَنه، لا حَدَّ عليهم)

إذا كانُوا أربعةً غيرَ مَرْضِيِّينَ، كالعَبِيدِ والفُسَّاقِ والعُمْيانِ، ففيهم ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، عليهم الحَدُّ.
وهو قولُ مالكٍ.
قال القاضى: هذا الصَّحِيحُ؛ لأنَّها شهادة لم تَكْمُلْ، فوَجَبَ الحَدُّ على الشُّهودِ، كما لو لم يَكْمُلِ العَدَدُ.
والثانيةُ، لا حَدَّ عليهم.
وهو قولُ الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، وأبى حنيفةَ، ومحمدٍ؛ لأَنَّ هؤلاءِ قد جاءوا بأربعةِ شُهَدَاءَ، فَدَخَلُوا في عُمُومِ الآيةِ، ولأنَّ عَدَدَهم قد كَمَل، ورَدُّ الشَّهادَةِ لمَعْنًى غيرِ تَفْرِيطِهم، فأشْبَهَ ما لو شَهِدَ أرْبَعَةٌ مَسْتُورون 454، ولم تَثْبُتْ عَدالَتُهم ولا فِسْقُهم.
الثَّالثةُ، إن كانوا عُمْيَانًا أو بعضُهم، جُلِدُوا، وإن كانوا عَبِيدًا أو فُسَّاقًا، فلا حَدَّ عليهم.
وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ؛ لأَنَّ العُمْيانَ مَعْلُوم كَذِبُهم؛ لكَوْنِهم شَهِدُوا بما لم يَرَوْه يَقِينًا، والآخَرُونَ يَجوزُ صِدْقُهم، وقد كَمَل عدَدُهم 455،

الحديث: 4422 - الجزء: 26 - الصفحة: 322

وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ زَوْجًا، حُدَّ الثَّلاثَةُ، وَلَاعَنَ الزَّوجُ إِنْ شَاءَ.
فأشْبَهُوا مَسْتُورِى الحالِ.
وقال أصحابُ.
الشافعىِّ: إن كان رَدُّ الشَّهادَةِ لمَعْنًى ظاهرٍ، كالعَمَى، والرِّقِّ، والفِسْقِ الظاهِرِ، ففِيهم قَوْلان، وإن كان لمَعْنًى خفِىٍّ، فلا حَدَّ عليهم؛ لأَنَّ ما يَخْفَى يَخْفَى على الشُّهودِ، فلا يكونُ ذلك تَفْرِيطًا منهم، بخِلافِ ما يَظْهَرُ.
فإن شَهِدَ ثلاثةُ رجالٍ وامْرأتان، حُدَّ الجميعُ؛ لأَنَّ شهادةَ النِّساءِ في هذا البابِ كعَدَمِها.
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وهذا يُقَوِّى رِوايةَ إيجابِ الحَدِّ على الأوَّلِينَ، ويُنَبِّهُ على إيجابِ الحَدِّ فيما إذا كانوا عُمْيانًا أو بعضُهم؛ لأن المرأتَيْنِ يَحْتَمِلُ صِدْقُهما، وهما مِن أهلِ الشهادَةِ في الجُمْلَةِ، والأعْمَى كاذِبٌ يَقِينًا، وليس مِن أهلِ الشَّهادةِ على الأفْعالِ، فوُجوبُ (1) الحَدِّ عليهم وعلى مَن معهم أوْلَى.

4423 -

مسألة: (وإن كان أحَدُهم زَوْجًا، حُدَّ الثَّلَاثَةُ، ولَاعَنَ الزَّوْجُ إن شاء)

لأَنَّ الزَّوْجَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُه على امرأتِه؛ لأنَّه بشهادَتِه مُقِرٌّ456

الحديث: 4423 - الجزء: 26 - الصفحة: 323

وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أنَّهُ زَنَى بِهَا في بَيْتٍ أَوْ بَلَدٍ، وَاثنَانِ أنَّه زَنى بِهَا في بَيْتٍ أَوْ بَلَدٍ آخَرَ، فَهُمْ قَذَفَةٌ عَلَيْهِمُ  بعُدوَانِه لها، فلا تُقْبَلُ شهادتُه عليها (1)، فيَبْقَى الشُّهودُ ثلاثةً، فيُحَدُّون، كما حُدَّ (2) شهُودُ المُغيرةِ بنِ شُعْبَةَ، ولأَنَّ اللَّهَ سبحانَه قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾.

4424 -

مسألة: (وإن شَهِدَ اثْنَانِ أنَّه زَنَى بها في بَيْتٍ أو بَلَدٍ، واثْنَان أنَّه زَنَى بها فِى بَيْتٍ أو بَلَدٍ آخَرَ، فهم قَذَفَةٌ، وعليهم الحَدُّ. وعنه،

457458 الحديث: 4424 - الجزء: 26 - الصفحة: 324

الْحَدُّ.
وَعَنْهُ، يُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ.
وَهُوَ بَعِيدٌ.
يُحَدُّ المَشْهُودُ عليه.
وهو بَعِيدٌ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا شَهِد اثْنان أنَّه زَنَى بها في هذا البيتِ، واثنان أنَّه زَنَى بها في بيتٍ آخَرَ، أو شَهِد كلُّ اثْنَيْن عليه بالزِّنَى في بلدٍ غيرِ البلدِ الذى شَهِدَ به 459 صاحِبَاهُما، أو اخْتَلَفُوا في اليومِ، فالجميعُ قَذَفَةٌ، وعليهم الحَدُّ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ.
واخْتارَ أبو بكرٍ، أنَّه لا حَدَّ عليهم.
وبه قال النَّخَعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى؛ لأنَّهم كَمَلُوا أربعةً.
ولَنا، أنَّه لم يَكْمُلْ أربعةٌ على زِنًى واحدٍ، فوَجَبَ عليهم الحَدُّ، كما لو انْفَرَدَ بالشَّهادةِ اثْنان.
وأمَّا المَشْهُودُ عليه، فلا حَدَّ عليه في قولِهم جميعًا.
وقال أبو بكر: عليه الحَدُّ.
وحَكاه قوْلًا لأحمدَ.
وهو بَعِيدٌ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ زِنَى واحدٍ بشَهادَةِ أرْبَعةٍ، فلم يجبِ الحَدُّ، ولأَنَّ جميعَ ما يُعْتَبَرُ له البَيِّنَةُ يُعْتَبَرُ كَمالُهَا في حَقِّ واحدٍ، فالمُوجِبُ

الجزء: 26 - الصفحة: 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للحَدِّ أوْلَى؛ لأنَّه 460 ممَّا يُحْتَاطُ له، ويُدْرأُ بالشُّبُهاتِ.
وقد قال أبو بكرٍ: إنَّه لو شَهِدَ اثنان أنَّه زَنَى بامرأةٍ بَيْضاءَ، وشهدَ اثْنانِ أنَّه زَنَى [بامرأةٍ سوداءَ] 461، فهم قَذَفَةٌ.
ذَكَرَه القاضى، وهذا يَنْقُضُ قولَه.

الجزء: 26 - الصفحة: 326

وَإِنْ شَهِدَا أَنَّه زَنَى بِهَا في زَاوِيةِ بَيْتٍ، وَشَهِدَ الآخَرَانِ أنَّه زَنَى بهَا في زَاوِيَتِهِ الأُخْرَى،

4425 - مسألة: (وإن شَهِد اثْنان أنَّه زَنَى بِها في زاوِيَةِ بَيْتٍ، وشَهِد اثْنانِ أنَّه زَنَى بها في زَاوِيةٍ أُخْرَى)

كَمَلَتْ شَهَادَتُهُم، إن كانَتِ الزَّاوِيَتَان مُتَقَارِبَتَيْن، وحُدَّ المَشْهُودُ عليه.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: لا حَدَّ عليه، لأَنَّ شَهادَتَهم لم تَكْمُلْ، ولأنَّهم اخْتَلَفُوا في المَكانِ، أشْبَهَ ما لو اخْتَلَفُوا 462 في البَيْتَيْن.
فأمَّا إن كانتِ الزَّاوِيتان مُتَباعِدَتيْن، فالقولُ فيهما كالقولِ في البَيْتَيْن.
وعلى قولِ أبى بَكرٍ تَكْمُلُ الشَّهادَةُ، سَواءٌ تَقارَبَتِ الزَّاوِيَتان أو تَباعَدَتا.
ولَنا، أنَّهما إذا تَقارَبَتا، أمْكَنَ صِدْقُ الشُّهودِ، بأن يكونَ ابْتِداءُ الفِعْلِ في إحْداهما، وتَمامُه في الأُخْرَى، أو يَنْسِبَه كلُّ اثْنَيْن إلى إحْدَى الزَّاوِيَتَيْن لقُرْبِه منها، فيجبُ قَبولُ شَهادَتِهم، كما لو اتَّفَقُوا، بخِلافِ ما إذا كانَتَا مُتَباعِدَتَيْن، فإنَّه لا يُمْكِنُ كَوْنُ المَشْهودِ به فِعْلًا واحدًا.
فإن قِيلَ: فقد يُمْكِنُ أن يكونَ المَشْهُودُ

الحديث: 4425 - الجزء: 26 - الصفحة: 327

أَوْ شَهِدَا أنَّه زَنَى بهَا في قَمِيصٍ أَبْيَضَ، وَشَهِدَ الآخرَانِ أنَّه زَنَى بِهَا في قَمِيصٍ أَحْمَرَ، كَمَلَتْ شَهَادَتُهُمْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَكْمُلَ، كَالَّتى قَبْلَهَا.
به فِعْلَيْنِ، فلِمَ (1) أوْجَبْتُم الحَدَّ مع الاحْتِمالِ، والحَدُّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ؟ قُلْنا: ليس هذا شُبْهَةً، بدليلِ ما لو اتَّفَقُوا على مَوْضِعٍ واحدٍ، فإنَّ هذا يَحْتَمِلُ فيه والحَدُّ واجِبٌ.
والقولُ في الزَّمانِ كالقولِ في هذا، متى كان بينَهما زَمَنٌ مُتَباعِدٌ لا يُمْكِنُ وُجُودُ الفِعْلِ الواحدِ في جميعِه، كطَرَفىِ النَّهارِ، لم تَكْمُلْ شَهادَتُهم، ومتى تَقارَبَا كَمَلَتْ شَهادَتُهم.

4426 -

مسألة: (وإن شَهِدا أنَّه زَنَى بِها في قَمِيصٍ أبْيَضَ، وشَهِد آخَرَان أنَّه زَنَى بِها في قَمِيص أَحْمَرَ، كَمَلَتْ شَهَادَتُهم. ويَحْتَمِلُ أن لا تَكْمُلَ)

كما لو شَهِد كلُّ اثْنَين 464 أنَّه زَنَى بِها في بَيْتٍ غيرِ الذى شَهِد463

الحديث: 4426 - الجزء: 26 - الصفحة: 328

وَإِنْ شَهِدَا أنَّه زَنَى بِهَا مُطَاوِعَةً، وَشَهِدَ الآخَرَانِ أنَّهُ زَنَى بِهَا مُكْرَهَةً، لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ.
به صَاحِباهُما، وكذلك إن شَهِد اثْنان أنَّه زَنَى بها في قميصٍ كَتَّانٍ، وشَهِدَ اثنان أنَّه زَنَى بها في قَميصٍ خزٍّ، تَكْمُلُ الشَّهادَةُ.
وقال الشافعىُّ: لا تَكْمُلُ؛ لتَنافِى الشَّهادَتَيْن.
ولَنا، أنَّه لا تَنافِىَ بينَهما، فإنَّه يُمْكِنُ أن يكونَ عليه قميصان، فذَكَر كلُّ اثْنَيْن واحدًا، وتَرَكَا ذِكْرَ الآخَرِ، ويُمْكِنُ أن يكونَ عليه قميصٌ أبيضُ، وعليها قميصٌ أحمرُ، وإذا أمْكَنَ التَّصْدِيقُ، لم يَجُزِ التَّكْذِيبُ.

4427 -

مسألة: (وإن شَهِدا أنَّه زَنَى بها مُطاوِعَةً، وشَهِد آخران أنَّه زَنَى بِها مُكْرَهَةً)

فلا حَدَّ عليها إجْمَاعًا؛ لأَنَّ الشَّهَادَةَ لم تَكْمُلْ على

الحديث: 4427 - الجزء: 26 - الصفحة: 329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فِعْل مُوجِبٍ للحَدِّ.
وفى الرجُلِ وَجْهان؛ أحدُهما، لا حَدَّ عليه.
وهو قولُ أبى بكرٍ، والقاضى، وأكثَرِ الأصحابِ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ الوَجْهَيْن لأصحابِ الشافعىِّ؛ لأَنَّ البَيِّنَةَ لا تَكْمُلُ على فِعْلٍ واحدٍ، فإنَّ فِعْلَ المُطَاوِعَةِ غيرُ فِعلِ المُكْرَهَةِ، ولم يَتِمَّ العَدَدُ على كلِّ واحدٍ مِن الفِعْلَيْن، ولأَنَّ كلَّ شاهِدَيْن منهما [يُكَذِّبان الآخَرَيْن] 465، وذلك يَمْنَعُ قَبولَ الشَّهادةِ، أو يكونُ شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ، ولا يَخْرُجُ عن أن يكون كلُّ واحدٍ منهما مُكَذِّبًا للآخَرِ، إلَّا بتَقْدِيرِ فِعْلَيْن تكونُ مُطاوِعَةً في أحَدِهما، ومُكْرَهَةً في الآخَرِ، وهذا يَمْنَعُ كَوْنَ الشَّهادَةِ كامِلةً على فِعْلٍ واحدٍ، ولأَنَّ شَاهِدَىِ المطَاوِعَةِ قاذِفَانِ لها، ولم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ عليها، فلا تُقْبَلُ شَهادَتُهم على غيرِها.
والوَجْهُ الثانى، يَجِبُ الحَدُّ على الرجُلِ.
اخْتارَه أبو الخَطَّابِ، وهو قولُ أبى يوسفَ، ومحمدٍ، ووَجْهٌ ثانٍ للشافعىِّ؛ لأَنَّ الشَّهادَةَ كَمَلَتْ على وُجودِ الزِّنَى منه، واخْتلافُهما إنَّما هو في فِعْلِها، لا في فِعْلِه، فلا يَمْنَعُ كَمالَ الشَّهادَةِ عليه 466.

الجزء: 26 - الصفحة: 330

وَهَلْ يُحَدُّ الْجَمِيعُ أَوْ شَاهِدَا الْمُطَاوِعَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

4428 - مسألة: (وهل يُحَدُّ الجَمِيعُ أو شَاهِدا المُطاوِعَةِ؟ على وَجْهَيْن)

في الشُّهودِ ثلاثةُ أوْجهٍ؛ أحدُها، لا حَدَّ عليهم.
وهو قولُ مَن أوْجَبَ الحَدَّ على الرجُلِ بشَهادتِهم.
والثانى، عليهم الحَدُّ؛ لأنَّهم شَهِدُوا بالزِّنَى فلم تَكْمُلْ شَهادَتُهم، فلَزِمَهم الحَدُّ، كما لو لم يَكْمُلْ عَدَدُهم.
والثالثُ، يجب الحَدُّ على شَاهِدَى المُطَاوِعَةِ؛ لأنَّهما قَذَفَا المرأةَ بالزِّنَى، فلم تَكْمُلْ [شَهادتُهما عليها] 467، ولا يجبُ على شاهِدَى الإكراهِ؛ لأنَّهما لم يَقْذِفَا المرأةَ، وقد كَمَلَتْ شَهادتُهم على الرجلِ، وإنَّما انْتَفَى عنه الحَدُّ

الحديث: 4428 - الجزء: 26 - الصفحة: 331

وَعِنْدَ أَبى الْخَطَّاب، يُحَدُّ الزَّانى المَشْهُودُ عَلَيْهِ دُونَ الْمَرْأَةِ والشُّهُودُ.
للشُّبْهَةِ (وعندَ أبى الخَطَّابِ، يُحَدُّ الزَّانِى المَشْهودُ عليه دُونَ المرأةِ والشُّهودِ) وقد ذَكَرْناه.

الجزء: 26 - الصفحة: 332

وَإِنْ شَهِدَ أَربَعَةٌ فَرَجَعَ أَحدُهُم قَبْلَ الْحَدِّ، فَلَا شَىْءَ عَلَى الرَّاجِعِ، وَيُحَدُّ الثَّلَاثَةُ، وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ بَعْدَ الْحَدِّ فَلَا حَدَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ، ويَغْرَمُ الرَّاجِعُ رُبْعَ مَا أَتْلَفُوهُ.

4429 - مسألة: (وإن شَهِد أربعةٌ فرَجَعَ أحَدُهُم، فلا شئَ على الرَّاجِعِ، ويُحَدُّ الثلاثةُ، وإن كان رُجُوعُه بعد الحَدِّ، فلا حَدَّ على الثلاثةِ، ويَغْرَمُ الرَّاجِعُ رُبْعَ ما أتْلَفُوه)

وجملةُ ذلك، أنَّ الشُّهودَ إذا رَجَعُوا عن الشَّهادَةِ، أوِ واحدٌ نهم، ففيهم رِوايَتان؛ إحدَاهما، يجبُ الحَدُّ على الجميعِ؛ [لأنَّه نقَص عَدَدُ الشُّهودِ، فلَزِمَهم الحَدُّ، كما لو كانُوا ثلاثةً، وإن رَجَعُوا كلُّهم، فعليهم الحَدُّ] 468؛ لأنَّهم يُقِرُّونَ أنَّهم قَذَفَةٌ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ.
والثانيةُ، يُحَدُّ الثلاثةُ دُونَ الرَّاجِعِ.
اخْتارَها أبو بكرٍ، وابنُ حامدٍ؛ لأنَّه إذا رَجَع قبلَ الحَدِّ، فهو كالتَّائِبِ قبلَ تَنْفِيذِ الحُكْمِ بقولِه، فيَسْقُطُ عنه الحَدُّ؛ لأَنَّ في دَرْءِ الحَدِّ عنه تَمْكِينًا له مِن الرُّجوعِ الذى يَحْصُلُ به مصلحةُ [المَشْهُودِ عليه] 469، وفى إيجابِ الحَدِّ عليه زَجْرٌ له عن الرُّجُوعِ، خَوْفًا مِن الحَدِّ، فتَفُوتُ تلك المصلحةُ، وتَتَحَقَّقُ المَفْسَدَةُ،

الحديث: 4429 - الجزء: 26 - الصفحة: 333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فناسَبَ ذلك نَفْىَ الحَدِّ عنه.
وقال الشافعىُّ: يُحَدُّ الرَّاجِعُ دُونَ الثلاثةِ؛ لأنَّه أقَرَّ على نَفْسِه بالكَذِبِ في قَذْفِه، وأمَّا الثلاثةُ فقد وَجَب الحَدُّ بشَهادَتِهم، وإنَّما سَقَط بعدَ وُجوبِه برُجوعِ الرَّابعِ، ومَن وجَب الحَدُّ بشَهادَتِه، لم يَكُنْ قاذِفًا، فلم يُحَدَّ، كما لو لم يَرْجِعْ أحدٌ.
ولَنا، أنَّه نَقَص العَدَدُ بالرُّجوعِ قبلَ إقامةِ الحَدِّ، فلَزِمَهم الحَدُّ، كما لو شَهِد ثلاثةٌ وامْتَنَعَ الرّابعُ مِن الشَّهادَةِ.
وقولُهم: وَجَب الحَدُّ بشَهادَتِهم.
يَبْطلُ بما إذا رَجَعُوا كلُّهم، وبالرَّاجعِ وحدَه، فإنَّ الحَدَّ وَجَب ثم سَقَط، ووَجَب الحَدُّ بسُقُوطِه، ولأَنَّ الحَدَّ إذا وَجَب على الرَّاجِعِ مع المصلحةِ في رُجُوعِه، بإسْقاطِ الحَدِّ عن المَشْهودِ عليه بعدَ وُجوبِه، وإحيائِه المشهودَ عليه بعدَ إشْرافِه على التَّلَف، فعلى غيرِه أوْلَى.
فأمَّا إن كان رُجوعُه بعدَ الحَدِّ، فلا حَدَّ على الثلاثةِ؛ لأَنَّ إقامَةَ الحَدِّ كحُكْمِ الحاكِمِ، لا تَسْقُطُ برُجوعِ الشاهِدِ بعدَه، وعلى الرَّاجعِ رُبْعُ ما تَلِفَ بشَهادَتِهم، ويُذكَرُ ذلك في الرُّجوعُ عن الشَّهادةِ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى.

الجزء: 26 - الصفحة: 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا ثَبَتَتِ الشَّهادَةُ بالزِّنَى، فصَدَّقَهم المَشْهودُ عليه، لم يَسْقُطِ الحَدُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَسْقُطُ؛ لأَنَّ صِحَّةَ البَيِّنَةِ يُشْتَرَطُ لها الإنْكارُ، وما كَمَل الإِقْرارُ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ 470. وبَيَّنَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- السَّبِيلَ بالحَدِّ، فتجبُ إقامَتُه، ولأَنَّ البَيِّنَةَ تَمَّتْ عليه، فوَجَب الحَدُّ، كما لو لم يَعْتَرِفْ، ولأَنَّ البَيِّنَةَ إحْدى حُجَّتىِ الزِّنَى، فلم تَبْطُلْ بوُجودِ الحُجَّةِ الأُخْرَى أو بَعْضِها، كالإِقْرارِ، يُحَقِّقُه أنَّ وُجودَ الإِقرارِ يُؤَكِّدُ البَيِّنَةَ ويوافِقُها، ولا يُنافِيها، فلا يَقْدَحُ فيها، كتَزْكِيَةِ الشُّهودِ، والثَّناءِ عليهم، ولا نُسَلِّمُ اشْتِراطَ الإِنْكارِ، وإنَّما يُكْتَفَى بالإِقْرارِ في غيرِ الحَدِّ إذا وُجِدَ بكَمالِه، وههُنا لم يَكْمُلْ، فلم يَجِبْ الاكتِفاءُ به، ووَجَب سَماعُ البَيِّنَةِ والعملُ بها.
وعلى هذا، لو أقَرَّ مَرَّةً، أو دونَ الأرْبعِ، لم يَمْنَعْ ذلك سَماعَ البَيِّنَةِ عليه، ولو تَمَّتِ البَيِّنَةُ، وأقَرَّ على نَفْسِه إقْرارًا تامًّا، ثم رَجَع عن إقْرارِه، لم يَسْقُطْ عنه الحَدُّ برُجوعِه، وقولُه يَقْتَضِى خِلافَ ذلك.

الجزء: 26 - الصفحة: 335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن شَهِد شاهدان، واعْتَرَفَ هو مَرَّتَيْن، لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ، ولم يَجِبِ الحَدُّ.
لا نَعلمُ في ذلك خِلافًا بينَ مَن اعْتَبَرَ إقْرارَ أرْبَعِ مَرَّاتٍ، وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى؛ لأَنَّ إحْدَى الحُجَّتَيْنِ لم تَكْمُلْ، ولا تُلَفَّقُ إحْدَاهما بالأُخْرَى، كإقْرارِ بعضَ مَرَّةٍ.
فصل: فإن كَمَلَتِ البَيِّنَةُ، ثم ماتَ الشُّهودُ أو غابُوا، جازَ الحُكمُ بها، وإقامةُ الحَدِّ.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُقامُ الحَدُّ؛ لجَوازِ أن يكونُوا رَجَعُوا، وهذه شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الحَدَّ.
ولَنا، أنَّ كلَّ شَهادةٍ جازَ الحُكْمُ بها مع حُضُورِ الشُّهودِ، جازَ الحكمُ مع غَيْبَتِهم، كسائرِ الشَّهاداتِ، واحْتمالُ رُجُوعِهم ليس بشُبْهَةٍ، كما لو حُكِمَ بشَهادتِهم.
فصل؛ وإن شَهِدُوا بزِنًى قديمٍ، أو أقَرَّ به، وَجَب الحَدُّ.
وبهذا قال مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: لا أقْبَلُ بَيِّنَةً على زِنًى قديمٍ، وأحُدُّه بالإِقْرارِ به.
وهذا قولُ ابنِ حامدٍ: وذَكَرَه ابنُ أبى 471 موسى مذهبًا لأحمدَ؛ لِما رُوِى عن عمرَ، أنَّه قال: أيُّما شُهودٍ شَهِدُوا بحَدٍّ لم يَشْهَدُوا بحَضْرَتِه، فإنَّما هم شُهودُ ضِغْنٍ 472. ولأَنَّ تأْخِيرَه للشَّهادةِ إلى هذا الوَقْتِ، يدُلُّ على التُّهْمَةِ،

الجزء: 26 - الصفحة: 336

وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى بِامرَأة، فَشَهدَ ثِقَاتٌ مِنَ النِّسَاءِ أنَّها عَذْرَاءُ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى الشُّهُودِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
فيَدْرَأُ ذلك الحَدَّ.
ولَنا، عُمُومُ الآيةِ، وأنَّه حَقٌّ ثَبَتَ على الفَوْرِ، فيَثْبُتُ بالبَيِّنَةِ بعدَ تَطاوُلِ الزَّمانِ، كسائِرِ الحُقُوقِ.
والحديثُ مُرْسَلٌ رَواه الحسنُ، ومَراسِيلُ الحسنِ ليستْ بالقَوِيَّةِ، والتَّأْخِيرُ يجوزُ أن يكونَ لعُذْرٍ أو غَيْبَةٍ، والحَدُّ لا يَسْقُطُ بمُجَرَّدِ الاحْتِمالِ، فإنَّه لو سَقَط بكُلِّ احْتِمالٍ، لم يَجِبْ حَدٌّ أصْلًا.
فصل: وتجوزُ الشَّهادةُ بالحَدِّ مِن غيرِ مُدَّعٍ.
لا نَعلمُ فيه اخْتِلافًا، ونَصَّ عليه أحمدُ، واحْتَجَّ بقِصَّةِ أبى بَكْرَةَ، حيثُ شَهِدَ هو وأصحابُه على المُغيرةِ مِن غيرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى (1)، وشَهِدَ الجَارُودُ وصاحِبُه على قُدامَةَ بنِ مَظْعُونٍ بشُرْبِ الخمرِ، ولم يَتَقَدَّمْه دَعْوَى (2). ولأن الحَدَّ حَقٌّ للَّه تعالى، فلم تَفْتَقِرِ الشَّهادةُ به إلى تَقَدُّم دَعْوَى، كسائرِ العِباداتِ، يُبَيِّنُه أنَّ الدَّعْوَى في سائرِ الحُقوقِ إنَّما تكونُ مِن المُسْتَحِقِّينَ، وهذا لا حَقَّ فيه لأحَدٍ مِن الآدَمِيِّينَ فيَدَّعِيَه، فلو وَقَفَتِ الشَّهادةُ به على الدَّعْوَى لامْتَنَعَ إقامَتُها.

4430 -

مسألة: (وإن شَهِد أربعةٌ بالزِّنَى بامرأةٍ، فشَهِدَ ثِقَاتٌ مِن النِّساءِ أنَّها عَذْرَاءُ، فلا حَدَّ عليها ولا على الشُّهُودِ. نَصَّ عليه)

وبهذا473474

الحديث: 4430 - الجزء: 26 - الصفحة: 337

وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ زَنَى بِامرَأَةٍ، فَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ عَلَى الشُّهُودِ أنَّهُمْ هُمُ الزُّنَاةُ بِهَا، لَمْ يُحَدَّ  قال الشَّعْبِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال مالكٌ: عليها الحَدُّ؛ لأَنَّ شَهادةَ النِّساءِ لا مَدْخَلَ لها في الحُدُودِ، فلا يَسْقُطُ بشَهادَتِهِنَّ.
ولَنا، أنَّ البَكارَةَ تَثْبُتُ بشَهادَةِ النِّساءِ، ووُجُودُها يَمْنَعُ مِن الزِّنَى ظاهِرًا؛ لأَنَّ الزِّنَى لا يَحْصُلُ بدُونِ الإِيلاجِ في الفَرْجِ، ولا يُتَصَوَّرُ ذلك مع بَقاءِ البَكارَةِ؛ لأَنَّ البِكْرَ هى التى لم تُوطَأْ في قُبُلِها، وإذا انْتَفَى الزِّنَى، لم يجبِ الحَدُّ، كما لو قامَتِ البَيِّنَةُ بأنَّ المَشْهودَ عليه بالزِّنَى مَجْبُوبٌ، وإنَّما لم يَجِبِ الحَدُّ على الشُّهودِ؛ لِكمالِ عِدَّتِهم، مع احْتِمالِ صِدْقِهم، فإنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ وَطِئَها ثم عادَتْ عُذْرَتُها، فيكونُ ذلك شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ عنهم، غيرَ مُوجِبٍ له عليها، فإنَّ الحَدَّ لا يجبُ بالشُّبُهاتِ.
ويُكْتَفَى بشَهادةِ امرأةٍ واحدةٍ؛ لأَنَّ شَهادَتَها مَقْبُولةٌ فيما لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ.
فأمَّا إن شَهِدْنَ بأنَّها رَتْقاءُ، أو ثَبَتَ أنَّ الرجُلَ المشْهُودَ عليه مَجْبوبٌ، فيَنْبَغِى أن يجبَ الحَدُّ على الشُّهُودِ، لأنَّه يُتَيَقَّنُ كَذِبُهم في شَهادَتِهم بأمْرٍ لايعْلَمُه كثيرٌ مِن النَّاسِ، فوَجَبَ عليهم الحَدُّ.

4431 -

مسألة: (وإن شَهِد أرْبعةٌ أنَّه زَنَى بِامْرأةٍ، فَشَهِدَ أربعةٌ آخَرُونَ أنَّهم هم الزُّنَاةُ بِها، لم يُحَدَّ المَشْهُودُ عليه. وهل يُحَدُّ الشُّهُودُ

الحديث: 4431 - الجزء: 26 - الصفحة: 338

الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ.
وَهَلْ يُحَدُّ الشُّهُودُ الأَوَّلُونَ حَدَّ الزِّنَى؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
الأوَّلُونَ حَدَّ الزِّنَى؟ على رِوايَتَيْن) إحْداهما، لا يجبُ الحَدُّ على واحدٍ منهم.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ؛ لأَنَّ الأوَّلِينَ قد جَرَّحَهم الآخِرُون بشَهادَتِهم عليهم، والآخِرون تَتَطَرَّقُ إليهم 475 التُّهْمَةُ.
والثانيةُ، يَجِبُ الحَدُّ على الشُّهودِ الأوَّلِين.
اخْتارَها أبو الخَطَّابِ؛ لأَنَّ شهادةَ الآخِرين صَحِيحَةٌ، فيجبُ الحكمُ بها.
وهذا قولُ أبى يوسفَ.
وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ في صَدْرِ المَسْألةِ كَلامًا مَعْناه، لا يُحَدُّ أحَد منهم حَدَّ الزِّنَى.
وهل يُحَدُّ الأوَّلون حَدَّ القَذْفِ؟ على وَجْهَيْن، بِناءً على القاذفِ إذا جاءَ مَجِئَ الشَّاهدِ، هل يُحَدُّ؟ على رِوَايَتَيْن.
فصل: وكلُّ زِنًى أوْجَبَ الحَدَّ، لا يُقْبَلُ فيه إلَّا أربعةُ شُهودٍ، باتِّفاقِ العُلَماءِ؛ لتَناوُلِ النَّصِّ له، بقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ 476. ويَدْخُلُ فيه اللِّواطُ، ووَطْءُ المرأةِ في دُبُرِها؛ لأنَّه زِنًى.

الجزء: 26 - الصفحة: 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعندَ أبى حنيفةَ، يَثْبُتُ بشَاهِدَيْن، بِناءً على أصْلِه بأنَّه لا يُوجِبُ الحَدَّ.
وقد بَيَّنَّا وُجوبَ الحَدِّ به، ويُخَصُّ هذا بأنَّ الوَطْءَ في الدُّبُرِ فاحِشَةٌ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ 477. وقال اللَّهُ تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ 478. فإذا وُطِئَت في الدُّبُرِ، دَخَلَتْ في عُمومِ الآيةِ.
وأمَّا وَطْءُ البَهيمةِ إن قُلْنا بوُجُوبِ الحَدِّ به، لم يَثْبُتْ إلَّا بشُهودٍ أربعةٍ.
وإن قُلْنا: لا يُوجِبُ إلا التَّعْزِيرَ.
ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَثْبُتُ بشاهِدَيْن؛ لأنَّه لا يُوجِبُ الحَدَّ، فيَثْبُتُ بشاهِدَيْن، كسائرِ الحُقُوقِ.
والثانى، لا يَثْبُتُ إلَّا بأربعةٍ.
وِهو قولُ القاضِى؛ لأنَّه فاحِشَةٌ، ولأنَّه إيلاجٌ في فَرْج مُحَرَّمٍ، فأشْبَهَ الزِّنَى.
وعلى قِياسِ هذا كلُّ وَطءٍ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ ولا يُوجِبُ الحَدَّ، كوَطْءِ الأمَةِ المُشْتَرَكَةِ، وأمَتِه المُزَوَّجَةِ.
فإن لم يَكُنْ وَطْئًا، كالمُباشَرَةِ دُونَ الفَرْجِ ونحوِها، ثَبَت بشاهِدَيْن، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّه ليس بوَطْءٍ، أشْبَهَ سائِرَ الحُقُوقِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 340

وَإِنْ حَمَلَتِ امْرأَةٌ لَا زَوْجَ لَهَا وَلا سَيِّدَ، لَمْ تُحَدَّ بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِهِ.

4432 - مسألة: (وإن حَمَلَتِ امرأةٌ لا زَوْجَ لها ولا سَيِّدَ، لم تُحَدَّ بذلكَ بمُجَرَّدِه)

لَكِنَّها تُسْأَلُ، فإنِ ادَّعَتْ أنَّها اكْرِهَتْ، [أو وُطِئَتْ] 479 بشُبْهَةٍ، أو لم تَعْتَرِفْ بالزِّنَى، لم تُحَدَّ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
وقال مالكٌ: عليها الحَدُّ إذا كانت مُقِيمَةً غيرَ غَرِيبَةٍ، إلَّا أن تَظْهَرَ أماراتُ الإِكرَاهِ، بأن تَأْتِىَ مُسْتَغِيثَةً أوِ صارِخَةً؛ لقولِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: والرَّجْمُ واجِبٌ على كُلِّ مَن زَنَى مِن الرِّجالِ والنِّساءِ إذا كان مُحْصَنًا، إذا قامَتِ البَيِّنَةُ، أو كان الحَبَلُ، أو الاعْتِرافُ 480. ورُوِىَ أنَّ عثمانَ أُتِىَ بامرأةٍ وَلَدَتْ لسِتَّةِ أشْهُر، فأمَرَ بها عثمانُ أن تُرْجَمَ، فقال علىٌّ: ليس لك عليها سَبِيلٌ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ 481. وهذا يَدُلُّ على أنَّه كان يَرْجُمُها بحَمْلِها.
وعن عمرَ نحوٌ مِن هذا 482.

الحديث: 4432 - الجزء: 26 - الصفحة: 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: أيها النَّاسُ، إنَّ الزِّنَى زِناءانِ 483، زِنَى سِرٍّ، وزِنَى عَلانِيَةٍ، فَزِنى السِّرِّ أن يَشْهَدَ الشُّهودُ، فيكونَ الشُّهودُ أوَّلَ مَن يَرْمِى، وزِنَى العَلانِيَةِ أن يَظْهَرَ الحَبَلُ أو الاعْتِرافُ، فيكونَ الإِمامُ أوَّلَ مَن يَرْمِى 484. وهذا قولُ سادَةِ الصَّحابةِ، ولم يَظْهَرْ لهم في عَصْرِهم مُخالِفٌ، فيكونُ إجْماعًا.
ولَنا، أنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه مِن وَطْءِ إكْراهٍ أو شُبْهَةٍ، والحَدُّ يَسْقُطُ بالشُّبُهاتِ، وقد قِيلَ: إنَّ المرأةَ تَحْمِلُ مِن غيرِ وَطْءٍ، بأن يَدْخُلَ ماءُ الرجُلِ في فَرْجِها، إمَّا بفِعْلِها أو فِعْلِ غيرِها.
ولهذا تُصُوِّرَ حَمْلُ البِكْرِ، وقد وُجِدَ ذلك.
وأمَّا قولُ الصَّحابةِ، فقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عنهم، فرَوَى سعيدٌ، ثَنا خَلَفُ ابنُ خَلِيفَةَ، ثَنا أبو هاشمٍ 485، أنَّ امرأةً رُفِعَتْ إلى عمرَ ابنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ليس لها زَوْجٌ، وقد حَمَلَت، فسألها عمرُ، فقالت: إنِّى امرأةٌ ثَقِيلةُ الرَّأْسِ، وَقَع علىَّ رجلٌ وأنا نائمةٌ، فما اسْتَيْقَظْتُ حتى فَرَغ.
فدَرَأَ عنها الحَدَّ 486. ورَوَى النَّزَّالُ بنُ سَبْرَةَ، عن عمرَ، أنَّه أُتِىَ بامرأةٍ حاملٍ، فادَّعَتْ أنَّها اكْرِهَتْ، فقال: خَلِّ سَبِيلَها.

الجزء: 26 - الصفحة: 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وكَتَب إلى أُمَراءِ الأجْنادِ، أن لا يُقْتَلَ أحَدٌ إلَّا بإذْنِه 487. ورُوِىَ عن علىٍّ، وابن عباسٍ، أنَّهما قالا: إذا كان في الحَدِّ لَعَلَّ وعَسَى، فهو مُعَطَّلٌ 488. ورَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ 489 بإسْنادِه، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، ومُعاذِ بنِ جَبَلٍ، وعُقْبَةَ بنِ عامِرٍ، أنَّهم قالُوا: إذا اشْتَبَهَ عليك الحَدُّ، فادْرَأْ ما اسْتَطَعْتَ.
ولا خِلافَ أنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وهى مُتَحَقِّقَةٌ ههُنا.
فصل: ويُسْتَحَبُّ للإِمامِ أو الحاكمِ الذى يَثْبُتُ عندَه الحَدُّ بالإِقْرارِ، التَّعْرِيضُ له بالرُّجوعِ إذا تَمَّ، والوُقُوفُ عن إتْمامِه إذا لم يتِمَّ، كما رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه أعْرَضَ عن ماعِزٍ حينَ أقَرَّ عندَه، ثم جاءَه مِن الناحيةِ الأُخْرَى، فأعْرَضَ عنه، حتى تَمَّمَ إقْرارَه أربعًا، ثم قال: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، لَعَلَّكَ لَمَسْتَ» 490. ورُوِىَ أنَّه قال للَّذى أقَرَّ بالسَّرِقَةِ: «مَا إخَالُكَ فَعَلْتَ».
رَواه سعيدٌ، عن سفيانَ، عن يَزِيدَ بنِ خَصِيفةَ 491، عن محمدِ

الجزء: 26 - الصفحة: 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ ثَوْبانَ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- 492. وقال: ثَنا هُشَيْمٌ، عن الحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ 493، عن يَزِيدَ بنِ أبى كَبْشَةَ، عن أبى الدَّرْدَاءِ، أنَّه أُتِىَ بجاريةٍ سوداءَ سَرَقَتْ، فقال لها: أسَرَقْتِ؟ قولى: لا.
فقالَتْ: لا.
فخَلَّى سَبِيلَها 494. ولا بَأْسَ أن يُعَرِّض بعضُ الحاضِرِينَ بالرُّجوعِ أو بأن لا يُقِرَّ.
وروينا عن الأحْنَفِ، أنَّه كان جالسًا عندَ مُعاويةَ، فأُتِىَ بسارقٍ، فقال له معاويةُ: أسَرَقْتَ؟ فقال له بعضُ الشُّرَطَةِ: اصْدُقِ الأميرَ.
فقال الأحْنَفُ: الصِّدْقُ في كلِّ المَواطِنِ مَعْجَزَةٌ.
فعَرَّضَ له بتَرْكِ الإِقْرارِ.
[ورُوِىَ عن بعضَ السَّلَفِ، أنَّه قال: لا يُقْطَعُ ظَرِيفٌ.
يعنى أنَّه إذا قامتْ عليه بَيِّنَةٌ، ادَّعَى شُبْهَةً، فدَفَعَ عنه القَطْعَ، فلا يُقْطَعُ.
ويُكْرَهُ لمن عَلِم حالَه أن يَحُثَّه على الإِقْرارِ] 495؛ لِما رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال لهَزَّالٍ، وقد كان قال لماعِزٍ: بادِرْ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قبلَ أن يَنْزِلَ فيكَ قُرْآنٌ: «ألَا سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ!».
رَواه سعيدٌ 496. ورَوَى

الجزء: 26 - الصفحة: 344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بإسْنادِه أيضًا، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال جاءَ ماعِزُ بنُ مالكٍ إلى عمرَ ابنِ الخَطَّابِ، فقال له: إنَّه أصَابَ فاحِشَةً.
فقال له: أخْبَرْتَ بهذا أحَدًا قَبْلِى؟ قال: لا.
قال: [فاسْتَتِرْ بسِتْرِ] 497 اللَّهِ، وتُبْ إلى اللَّهِ، فإنَّ النَّاسَ يُعَيِّرُونَ ولا يُغَيِّرُونَ، واللَّهُ يُغَيِّرُ ولا يُعَيِّرُ، فتُبْ إلى اللَّهِ، ولا تُخْبِرْ به أحدًا.
فانْطَلَقَ إلى أبى بكرٍ، فقال له مثلَ ما قالَ عمرُ، فلم تُقِرَّه نَفْسُه حتى أتَى رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فذَكَرَ له ذلك 498.

الجزء: 26 - الصفحة: 345

بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ

وَهُوَ الرَّمْىُ بِالزِّنَى.
بابُ القذْفِ (وهو الرَّمْىُ بالزِّنَى) وهو مُحَرَّمٌ بإجْماعِ الأُمَّةِ، والأَصْلُ في تَحْرِيمِه الكِتابُ والسُّنَّةُ [والإِجْماعُ] 499؛ أمَّا الكِتابُ فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ 500. وقال سبحانَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ 501. وأمَّا السُّنَّةُ، فقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ».
قالوا: وما هُنَّ يا رسولَ اللَّهِ؛ قال: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ، وأكْلُ الرِّبَا، وأكْلُ مَالِ المَتِيمِ، والتَّوَلِّى يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الغَافِلاتِ المُؤْمِنَاتِ».
مُتَّفَقٌ عليه 502.

الجزء: 26 - الصفحة: 347

وَمَنْ قَذَفَ حُرًّا مُحْصَنًا، فَعَلَيْهِ جَلْدُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً إِنْ كَانَ الْقَاذِفُ حُرًّا، أَو أَرْبَعِينَ إِنْ كَانَ عَبْدًا.
وَهَلْ حَدُّ الْقَذْفِ حَقٌّ للَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلآدَمِيِّينَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

4433 - مسألة: (ومَن قَذَف حُرًّا مُحْصَنًا، فعليه جَلْدُ ثَمانِينَ جَلْدَةً إن كان القاذِفُ حُرًّا، أو أرْبَعِينَ إن كان عَبْدًا. وقَذْفُ غَيْرِ المُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ)

المُحْصناتُ في القرآنِ جاءت بأربعةِ مَعانٍ؛ أحدُها، العَفائِفُ، وهو المُرادُ ههُنا.
الثانى، بمعنى المُزَوَّجاتِ، كقولِه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 503. وقولِه تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ 504. والثالثُ، بمعنى الحَرائرِ، كقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (2). وقولِه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ 505. وقولِه: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (2). والرابعُ، بمعنى الإِسْلامِ، كقولِه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ (2). قال ابنُ مسعودٍ:

الحديث: 4433 - الجزء: 26 - الصفحة: 348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إحْصانُها إسْلامُها 506. وأجْمَعَ العُلَماءُ على وُجوبِ الحَدِّ على مَن قَذَف مُحْصَنًا، إذا كان القاذِفُ مُكَلَّفًا.

الجزء: 26 - الصفحة: 349

والْمُحْصَنُ؛ هُوَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ الْعَفِيفُ الَّذِى يُجَامِعُ مِثْلُهُ.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ الْبُلُوغُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

4434 - مسألة: (والمُحْصَنُ هو الحُرُّ المُسْلِمُ العاقِلُ العَفِيفُ الذِى يُجامِعُ مِثْلُه. وهَل يُشْتَرَطُ البُلُوغُ؟ على رِوايَتَيْن)

فهذه الخمسةُ شُروط الإِحْصانِ.
وبه يقولُ جماعةُ العُلماءِ 507 قَدِيمًا وحدِيثًا، سِوَى ما رُوِى عن داودَ، أنَّه أوْجَبَ الحَدَّ على قاذفِ العَبْدِ 508. وقال ابنُ أبى مُوسى: إذا قَذَف أمَّ ولدِ رجُلٍ، وله منها ولدٌ، حُدَّ.
وعن ابنِ المُسَيَّبِ، وابنِ أبى ليلى، قالوا: إذا قَذَف ذِمِّيَّة لها ولدٌ مسلمٌ، يُحَدُّ.
وقال ابنُ أبى موسى: إذا قَذَف مسلمٌ ذِمِّيَّةً تحتَ مسلم، أو لها منه ولدٌ، حُدَّ في

الحديث: 4434 - الجزء: 26 - الصفحة: 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأَنَّ ما لا يُحَدُّ قاذِفُه إذا لم يَكُنْ له ولدٌ، لا يُحَدُّ وله ولدٌ، كالمجنونةِ.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في اشْتِراطِ البُلوغِ، فرُوِىَ عنه، أنَّه شَرْطٌ.
وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى؛ لأنَّه أحَدُ شَرْطَىِ التَّكْلِيفِ، فأشْبَهَ العقلَ، ولأن زِنَى الصَّبِىِّ لا يُوجِبُ عليه الحَدَّ، فلا يجبُ الحَدُّ بالقَذْفِ به، كزِنَى المجْنونِ.
والثانيةُ، لا يُشْتَرَطُ؛ لأنَّه حُرٌّ عاقلٌ عفيفٌ يَتَعَيَّرُ بهذا القولِ المُمْكِنِ صِدْقُه، فأشْبَهَ الكبيرَ.
وهذا قولُ مالكٍ، وإسحاقَ.
فعلى هذه الرِّوايةِ، لا بدَّ أن يكونَ كبيرًا يُجامِعُ مثلُه، وأدْناه أن يكونَ للغلامِ عَشْرٌ، وللجاريةِ تِسْعٌ 509.

الجزء: 26 - الصفحة: 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويجبُ بقَذْفِ المُحْصَنِ ثمانونَ جَلْدَةً، إذا كان القاذِفُ حُرًّا، وأربعونَ إن كان عَبْدًا، كما ذَكَرَه.
وقد أجمعَ العُلَماءُ على وُجوبِ الحَدِّ على مَن قَذَف مُحْصَنًا، وأن حَدَّه ثمانون إن كان حُرًّا، وقد دَلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾.
وإن كان القاذِفُ عبدًا، فحدُّه أربعونَ جَلْدَةً، وأجمعوا على وُجوبِ الحَدِّ على العَبْدِ إذا قَذَف مُحْصَنًا؛ لدُخُولِه في عُمومِ الآيةِ، وحَدُّه أربعون، في قولِ أكثرِ العُلَماءِ، فرُوِىَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عامِرِ بنِ رَبِيعَةَ أنَّه قال: أدْرَكْتُ أبا بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، ومَن

الجزء: 26 - الصفحة: 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بعدَهم مِن الخلفاءِ، فلم أرَهُم يَضْرِبُونَ المَمْلُوكَ إذا قَذَف إلَّا أربعين 510. وروَى خِلاسٌ، أنَّ عليًّا قال في عبدٍ قَذَف حُرًّا: عليه نِصْفُ الحَدِّ 511. وجَلَد أبوْ بكرٍ بنُ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزْمٍ عبدًا قَذَف حُرًّا ثمانين 512. وبه قال قَبِيصَةُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، عَمَلًا بعُموم الآيةِ.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ للإِجْماعِ المَنْقُولِ عن الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، ولأنَّه حَدٌّ يَتَبَعَّضُ، فكان العبدُ فيه على النِّصْفِ مِن حَد الحُرِّ، كحَدِّ الزِّنَى، وهذا يَخُصُّ عُمومَ الآيةِ، وقد عِيبَ على أبى بكرِ بنِ محمدِ [بنِ عمرِو] 513 بنِ حَزْمٍ جَلْدُه العبدَ ثمانينَ.
فقال عبدُ اللَّهِ بنُ عامرِ بنِ ربيعةَ: ما رَأيْتُ 514

الجزء: 26 - الصفحة: 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحَدًا جَلَد العبدَ ثمانينَ قبلَه.
وقال سعيدٌ: ثَنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبى الزِّنادِ 515، عن أبِيه، قال: حَضَرْتُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، جَلَد عبدًا في فِرْيَةٍ ثمانين، فأنْكَرَ ذلك مَن حَضَرَه مِن النَّاسِ، وغيرُهم مِن الفُقَهاءِ، فقال لى عبدُ اللَّهِ بنُ عامرِ بنِ رَبيعةَ: إنِّى رأيتُ واللَّهِ عمرَ بنَ الخَطَّابِ، فما رأيتُ أحدًا جَلَد عبدًا في فِرْيةٍ فوقَ أربعينَ 516. قال الخِرَقِىُّ: ويكونُ بدُونِ السَّوْطِ الذى يُجْلَدُ به الحُرُّ؛ لأنَّه لمَّا خُفِّفَ في عَدَدِه، خُفِّفَ في سَوْطِه، كما أنَّ الحُدودَ في أنفسِها كلَّما قَلَّ منها، كان سَوْطُه أخَفَّ.
وظاهرُ ما ذَكَرَه شيخُنا، أنَّه يكونُ بسَوْطِ الحُرِّ،، فَتَساوَوْا في الجَلْدِ ليَتَحَقَّقَ التَّنْصِيفُ 517؛ لأنَّه إنَّما يَتَحَقَّقُ بذلك.

الجزء: 26 - الصفحة: 354

وَقَذْفُ غَيْرِ الْمُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ.

4435 - مسألة: (وقَذْف غيرِ المُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ)

فإذا قَذَف مُشْرِكًا، أو عَبْدًا، أو مسلمًا له دُونَ عَشْرِ سِنِينَ، أو مسلمةً لها دُونَ تِسْعِ سِنِينَ 518، أو مَن ليس بعَفِيفٍ، فعليه التَّعْزِيرُ؛ لأنَّه لَمَّا انْتَفَى وُجوبُ الحَدِّ عن القاذِفِ، وَجَب التَّأْدِيبُ رَدْعًا له عن أعْراضِ المَعْصُومِينَ، وكَفًّا له عن أذَاهم.

الحديث: 4435 - الجزء: 26 - الصفحة: 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويجبُ الحَدُّ على قاذِفِ الخَصِىِّ، والمَجْبُوبِ، والمَرِيضِ المُدْنَفِ، والرَّتْقاءِ، والقَرْنَاءِ.
وقال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى: لا حَدَّ على قاذِفِ مَجْبُوبٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 519: وكذلك الرَّتْقاءُ.
وقال الحسنُ: لا حَدَّ على قاذِفِ الخَصِىِّ، لأَنَّ العارَ مُنْتَفٍ عن المَقْذُوفِ بدونِ الحَدِّ؛ للعِلْمِ بكَذِب القاذِفِ، والحَدُّ إنَّما يجبُ لنَفْىِ العارِ.
ولَنا، عمُومُ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ 520. والرَّتْقاءُ دَاخِلَةٌ في عُمومِ الآيةِ، ولأنَّه قاذِف مُحْصَنًا، فيَلْزَمُه الحَدُّ، كالقاذِفِ للقادرِ على الوَطْءِ، ولأَنَّ إمْكانَ الوَطْءِ أمْر خَفِىٌّ، لا يَعْلَمُه كثيرٌ مِن النَّاسِ، فلا يَنْتَفِى العارُ عندَ مَن لم يَعْلَمْه بدُونِ الحَدِّ، فيجبُ، كقَذْفِ المريضِ.
فصل: ويجبُ الحَدُّ على القاذِفِ في غيرِ دارِ الإِسْلامِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّه في دارٍ لا حَدَّ على أهْلِها.
ولَنا، عُمُومُ الآيةِ، ولأنَّه مسلمٌ مُكَلَّفٌ حُرٌ، قَذَف مُحْصَنًا، فأشْبَهَ مَن في دارِ الإِسْلامِ.
فصل: ويُشْتَرَطُ لإقامةِ الحَدِّ على القاذِفِ شَرْطانِ؛ أحدُهما، مُطالبَةُ المَقْذُوفِ؛ لأنَّه حَقٌّ له، فلا يُسْتَوْفَى قبلَ طَلَبِه، كسائرِ حُقوقِه.
الثانى؛

الجزء: 26 - الصفحة: 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أن لا يَأْتِىَ ببَيِّنَةٍ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾.
الآية.
ولذلك يُشْتَرَطُ عَدَمُ إقْرار المَقْذُوفِ؛ لأنَّه في معنى البَيِّنَةِ.
وإن كان القاذِفُ زَوْجًا، اعْتُبِرَ شَرْط آخَرُ، وهو امْتِناعُه مِن اللِّعانِ.
ولا نعلمُ في هذا كلِّه خِلافًا.
ويُعْتَبَرُ اسْتِدَامَةُ الطَّلَبِ إلى إقامةِ الحَدِّ، فلو طَلَب ثم عَفَا عن الحَدِّ، سَقَط.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال الحسنُ، وأصحابُ الرَّأْى: لا يَسْقُطُ بعَفْوِه؛ لأنَّه حَد، فلم يَسْقُطْ بالعَفْوِ، كسائرِ الحُدودِ.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ 521 لا يُسْتَوْفَى إلَّا بعدَ مُطالَبَةِ الآدَمِىِّ باسْتِيفائِه، فسَقَط بعَفْوِه، كالقِصاصِ، وفارَقَ سائرَ الحُدُودِ، فإنَّه لا 522 يُعْتَبَرُ في إقامَتِها الطَّلَبُ باسْتيفائِها، فأمَّا حَدُّ السَّرِقَةِ، فإنَّما يُعْتَبَرُ فيه المُطالبةُ بالمَسْرُوقِ، لا باسْتِيفاءِ الحَدِّ، ولأنَّهم قالوا: تَصِحُّ دَعْواه، ويُسْتَحْلَف فيه، ويَحْكُمُ الحاكمُ فيه بعِلْمِه، ولا يُقْبَلُ رُجوعُه عنه بعدَ الاعْترافِ.
فدَلَّ على أنَّه حَقٌّ لآدَمِىٍّ.
فصل: وإذا قُلْنا بوُجوبِ الحَدِّ بقَذْفِ مَن لم يَبْلُغْ، لم تَجُزْ إقامَتُهْ حتى يَبْلُغَ ويطالِبَ به بعدَ بُلوغِه؛ لأَنَّ مُطَالَبَتَه قبلَ البُلوغِ لا تُوجِبُ الحَدَّ؛ لعَدَمِ اعْتِبارِ كَلامِه، وليس لوَلِيِّه المُطالبَةُ عنه؛ لأنَّه حَقٌّ شُرِعَ للتَّشَفِّى، فلم يَقُمْ غيرُه مَقَامَه في اسْتِيفائِه، كالقِصاصِ، فإذا بلَغ وطالب، أُقِيمَ حينَئِذٍ.
ولو قذَف غائبًا لم يُقَمْ عليه الحَدُّ (2) حتى يَقْدَمَ ويُطالِبَ، إلَّا أن

الجزء: 26 - الصفحة: 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَثْبُتَ أنَّه طالَب في غَيْبَتِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا تجوزَ إقامتُه في غَيْبَتِه بحالٍ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَعْفُوَ بعدَ المُطالبةِ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ؛ لكَوْنِه يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ.
ولو جُنَّ المَقْذُوفُ بعدَ قَذْفِه، وقبلَ طَلَبِه، لم تَجُزْ إقامتُه حتى يُفِيقَ ويُطالِبَ، وكذلك إن أُغْمِىَ عليه، فإن كان قد طالَب به قبلَ جُنونِه وإغْمائِه، جازت إقامَتُه، كما لو وَكَّلَ في اسْتِيفاءِ القِصاصِ، ثم جُنَّ أو أُغْمِىَ عليه قبلَ اسْتِيفائِه.
فصل: وإذا قَذَف ولدَه، لم يَجبْ عليه الحَدُّ، وإن نَزَل، سَواءٌ كان القاذِفُ رجُلًا أو امرأةً.
وبهذا قال الحسنُ، وعَطاءٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيز، ومالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: عليه الحَدُّ؛ لعُمُومِ الآيةِ، ولأنَّه حَدٌ، فلا تَمْنَعُ مِن وُجُوبِه قَرابَةُ الوِلادَة، كالزِّنَى.
ولَنا، أنَّه عُقوبة تجبُ حقًّا لآدَمِىٍّ، فلا تجبُ للوَلَدِ على الوالَدِ، كالقِصاصِ، أو نقولُ: إنَّه حَقٌّ لا يُسْتَوْفَى إلَّا بالمُطالَبَةِ باسْتِيفائِه، فأشْبَهَ القِصاصَ.
ولأَنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ،

الجزء: 26 - الصفحة: 358

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلا يجبُ للابنِ على أبِيه، كالقِصاصِ، ولأَنَّ الأُبُوَّةَ مَعْنًى يُسْقِطُ القِصاصَ، فمنَعَتِ الحَدَّ، [كالرِّقِّ والكُفْرِ] 523. وبهذا يُخَصُّ عُمُومُ الآيةِ.
ثم ما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالسَّرِقَةِ، فإنَّ الأبَ لا يُقْطَعُ بالسرقةِ مِن مالِ ابْنِه، والفرقُ بينَ القَذْفِ والزِّنَى، أنَّ حَدَّ الزِّنَى خالِصٌ لحقِّ اللَّهِ تعالى، لا حَقَّ للآدَمِىِّ فيه، وحَدَّ القَذْفِ حَقٌّ لآدَمِىٍّ، فلا يَثْبُتُ للابنِ على أبِيه، كالقِصاصِ، وعلى أنَّه لو زَنَى بجاريةِ ابنِه، لم يَجِبْ عليه حَدٌّ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لو قَذَف أُمَّ ابنِه، وهى أجْنَبِيَّةٌ منه، فماتَتْ قبلَ اسْتِيفائِه، لم يَكُنْ لابنِه المُطالَبَةُ؛ لأَنَّ ما مَنَع ثُبوتَه ابْتِداءً، أسْقَطَه طارِئًا، كالقِصاصِ.
فإن كان لها ابنٌ آخرُ مِن غيرِه، كان له اسْتِيفاؤُه إذا ماتَت 524 بعدَ المُطالَبَةِ به؛ لأَنَّ الحَدَّ يَمْلِكُ بعضُ الوَرَثَةِ اسْتيفاءَه كلِّه، بخِلافِ القِصاصِ.
وأمَّا قَذْفُ سائرِ الأقارِبِ، فيُوجِبُ الحَدَّ على القاذِفِ، في قَوْلِهم جميعًا.

الجزء: 26 - الصفحة: 359

وَإِنْ قَالَ: زَنَيْتِ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ.
وَفَسَّرَهُ بِصِغَرٍ عَنْ تِسْعِ سِنِينَ، لَمْ يُحَدَّ، وَإِلَّا خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.

4436 - مسألة: (وإن قال: زَنَيْتِ وأنتِ صَغِيرَةٌ. وفَسَّرَه بصِغَرٍ عن تِسْعِ سنينَ، لم يُحَدَّ، وإلَّا خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن)

أمَّا إذا فَسَّرَه بصِغَرٍ عن تِسْعَ سنِينَ فإنَّه لا يُحَدُّ، فإنَّه لا يجبُ بقَذْفِها الحَدُّ، على ما ذَكَرْنا، وكذلك إن قَذَف صغيرًا له دُونَ عَشْرِ سنينَ، وإن لم يُفَسِّرْه بذلك، وفَسَّرَه بما زادَ عليه، خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن في اشْتِراطِ البُلوغِ، فإن قُلْنا: هو شَرْطٌ في الإِحْصانِ.
لم يُحَدَّ، وعليه التَّعْزِيرُ.
وإن قُلنا: ليس بشَرْطٍ.
لَزِمَه الحَدُّ، كالبالغِ؛ لأنَّه قَذَف مُحْصَنًا.
فصل: فإنِ اخْتَلَفَ القاذِفُ والمَقْذُوفُ، فقال القاذِفُ: كنتَ

الحديث: 4436 - الجزء: 26 - الصفحة: 360

وَإِنْ قَالَ لِحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ: زَنَيْتِ وَأَنْتِ نَصْرَانِيَّةٌ.
أَوْ: أَمَةٌ.
وَلَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وِإنْ كَانتْ كَذَلِكَ، وَقَالَتْ: أَرَدْتَ قَذْفِى  صغيرًا حينَ قَذَفْتُكَ.
وقال المَقْذُوفُ: كنتُ كبيرًا.
فذَكَر القاضى، أنَّ القولَ قولُ القاذِفِ، لأَنَّ الأَصْلَ الصِّغَرُ وبَراءَةُ الذِّمَّةِ مِنِ الحَدِّ.
فإن أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيَنةً بدَعْوَاه، وكانَتَا مُطْلَقَتَيْن، أو مُؤَرَّختَيْن تاريخَيْن مُخْتَلِفَيْن، فهما قَذْفان؛ مُوجَبُ أحَدِهما التَّعْزِيرُ، والآخَر الحَدُّ، وإن بَيَّنَتَا تارِيخًا واحدًا، وقالت إحْدَاهما: وهو صغيرٌ.
وقالتِ الأُخْرَى: وهو كبيرٌ.
تَعارَضَتَا وسَقَطَتا.
وكذلك لو كان تاريخُ بَيِّنَةِ المَقْذُوفِ قبلَ تاريخِ بَيِّنَةِ القاذِفِ.

4437 -

مسألة: (وإن قال لحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ: زَنَيْتِ وأنتِ نَصْرَانِيَّةٌ. أو: أمَةٌ. ولم تَكُنْ كذلك، فعليه الحَدُّ)

إذا قال: زَنَيْتَ إذْ كنتَ مُشْرِكًا.
أو: إذْ كنتَ رَقِيقًا.
فقال المَقْذُوفُ: ما كنتُ مُشْرِكًا ولا رَقيقًا؛ [نَظرنا؛ فإن ثَبَتَ أنَّه كان مُشْرِكًا أو رَقِيقًا، فهى كالتى قبلَها.
وإن] 525 ثبَت أنَّه لم يَكُنْ كذلك، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّه يُعْلَمُ كَذِبُه في وَصْفِه بذلك، وإن لم يَثْبُتْ واحدٌ منهما، وَجَب عليه الحَدُّ، في

الحديث: 4437 - الجزء: 26 - الصفحة: 361

في الْحَالِ.
فَأَنْكَرَهَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
إحْدَى الرِّوايَتَيْن؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الشِّرْكِ والرِّقِّ، ولأَنَّ الأَصْلَ الحُرِّيَّةُ وإسْلامُ أهلِ دارِ الإِسْلامِ.
والثانيةُ، لا يَجِبُ؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه.
وأمَّا إذا قال: زَنَيْتَ وأنت مُشْرِكٌ.
فقال المَقْذُوفُ: أرَدْت قَذْفِى بالزِّنَى والشِّرْكِ معًا.
وقال القاذِفُ: بل أرَدْتُ قَذْفَك بالزِّنَى إذ كنتَ مُشْرِكًا.
فقال أبو الخَطَّابِ: القولُ قولُ القاذِفِ.
وهو قولُ بعض الشافعيةِ؛ لأَنَّ الخِلافَ في نِيَّتِه، وهو أعلمُ بها، وقولُه: وأنت مُشْرِكٌ.
مُبْتدأٌ وخَبَرٌ، وهو حالٌ لقولِه: زَنَيْتَ.
كقولِه تعالى: ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ 526. وقال القاضى: يجبُ الحَدُّ.
وهو قولُ بعضِ الشّافعيةِ؛ لأَنَّ قولَه: زَنَيْتَ.
خِطَابٌ في الحالِ، فالظَّاهِرُ أنَّه أرادَ زِنَاه في الحالِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهكذا إن قال: زَنَيْتَ وأنتَ عبدٌ.
فأمَّا إن قال: [زَنَيْتَ.
وقال] 527: أردتُ أنَّه زَنَى وهو مُشْرِكٌ.
فقال الخِرَقِىُّ: يجبُ عليه الحَدُّ، وكذلك إن كان عبدًا؛ لأنَّه قَذَفَه في حال كَوْنِه حُرًّا مُسلمًا مُحْصَنًا، وذلك يَقْتَضِى وُجُوبَ الحَدِّ عليه؛ لعُمومِ.
الآيةِ، ووُجودِ المَعْنى، فإذا ادَّعَى ما يُسْقِطُ الحَدَّ عنه، لم يُقْبَلْ منه، كما لو قَذَف كبيرًا، ثم قال: أرَدْتُ أنَّه زَنَى وهو صغيرٌ.
فأمَّا إن قال: زَنَيْتَ في شِرْكِكَ.
أو: وأنتَ مُشْرِكٌ.
ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا حَدَّ عليه.
وهو قولُ الزُّهْرِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى.
وعن مالكٍ، أنَّه يُحَدُّ.
وهو قولُ الثَّوْرِىِّ؛ لأَنَّ القَذْفَ وُجِدَ في حالِ كَوْنِه مُحْصَنًا.
ووَجْهُ الأوَّل، أنَّه أضافَ القَذْفَ إلى حالٍ ناقِصَةٍ، أشْبَهَ ما لو قَذَفَه في حالِ الشِّرْكِ، ولأنَّه قَذَفَه بما لا يُوجِبُ الحَدَّ على المَقْذُوفِ، أشْبَهَ ما لو قَذَفَه بالوَطْءِ دُونَ

الجزء: 26 - الصفحة: 363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفَرْجِ.
وهكذا الحُكمُ لو قَذَف مَن كان رَقِيقًا.
فإن قال: زَنَيْتَ وأنتَ صَبِىٌّ أو: صغيرٌ.
سُئِلَ عن الصِّغَرِ، فإن فَسَّرَه بما لا يُجامِعُ في 528 مثلِه، ففيها الوَجْهان.
وإن فَسَّرَه بصِغَرٍ يُجامِعُ في مثلِه، خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن في اشْتِراطِ البُلوغِ للإِحْصانِ.
فصل: وإن قَذَف مَجْهُولًا، وادَّعَى أنَّه رَقِيقٌ أو مُشْرِكٌ.
وقال المَقْذُوفُ: بل أنا حُرٌّ مسْلِمٌ.
فالقولُ قولُه.
وقال أبو بكرٍ: القولُ قولُ القاذِفِ في الرِّقِّ؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه مِن الحَدِّ، وهو يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وما ادَّعاه محْتَمِلٌ، فيكونُ شُبْهَةً.
وعن الشافعىِّ كالوَجْهَيْن.
ولَنا، أنَّ الأَصْلَ الحرِّيَّةُ، وهو الظَّاهِرُ، فلم يُلْتَفَتْ إلى ما خالَفَه، كما لو فَسَّر صَرِيحَ القَذْفِ بما يُحِيلُه.

الجزء: 26 - الصفحة: 364

وَمَنْ قَذَفَ مُحْصَنًا، فَزَالَ إِحْصَانُهُ قَبْلَ إِقَامَةِ الْحَدِّ، لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ عَنِ الْقَاذِفِ.

4438 - مسألة: (ومَن قَذَفَ مُحْصَنًا، فزالَ إحْصانُه قبلَ إقامَةِ الحَدِّ)

عليه (لم يَسْقُطِ الحَدُّ عن القاذِفِ) وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، والمُزَنِىُّ، وداودُ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: لا حَدَّ عليه؛ لأَنَّ الشُّرُوطَ تجبُ اسْتِدَامَتُها إلى حالِ إقامةِ الحَدِّ، بدَليلِ أنَّه لو ارْتَدَّ أو جُنَّ، لم يُقَمِ الحَدُّ، ولأَنَّ وُجُودَ الزِّنَى يُقَوِّى قولَ القاذِفِ، ويَدُلُّ على تَقَدُّمِ الفِسْقِ منه، فأشْبَهَ الشَّهادَةَ إذا طَرَا الفِسْقُ بعدَ أدَائِها قبلَ

الحديث: 4438 - الجزء: 26 - الصفحة: 365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحُكْمِ بها.
ولَنا، أنَّ الحَدَّ قد وَجَب وتَمَّ بشُروطِه، فلم يَسْقُطْ بزَوالِ شَرْطِ الوُجوبِ، كما لو زَنَى بأمَةٍ ثم اشْتَرَاها، أو سَرَق عَيْنًا، فنَقَصَتْ قِيمَتُها أو مَلَكَها، أو كما لو جُنَّ المَقْذُوفُ بعدَ المُطالَبَةِ.
وقولُهم: إنَّ الشُّرُوطَ تُعْتَبَرُ اسْتِدَامَتُها.
قُلْنا: الشُّروطُ ههُنا للوُجُوبِ، فيُعْتَبَرُ وُجُودُها إلى حينِ الوُجوبِ، وقد وَجَب الحَدُّ، بدَليلِ أنَّه مَلَك المُطالبَةَ به، وتَبْطُلُ الأصُولُ التى ذَكَرُوها بالأُصُولِ التى قِسْنا عليها.
وأمَّا إذا جُنَّ مَن وَجَب له الحَدُّ، فلا يَسْقُطُ الحَدُّ، وإنَّما يَتَأخرُ اسْتِيفاؤه، لتَعَذُّرِ المُطالَبَةِ به، فأشْبَهَ ما لو غابَ مَن له الحَدُّ.
فإنِ ارْتَدَّ مَن وَجَب له الحَدُّ، لم يَمْلِكِ المُطالَبَةَ؛ لأَنَّ حُقُوقَه وأمْلاكَه تَزُولُ أو تكونُ مَوْقُوفَةً.
وفارَقَ الشَّهادَةَ، فإنَّ العَدالَةَ شَرْطٌ للحُكْمِ بها، فيُعْتَبَرُ وُجُودُها إلى حينِ الحُكْمِ بها، بخلافِ مَسْألَتِنا، فإنَّ العِفَّةَ شَرْط للوُجُوبِ، فلا تُعْتَبَرُ إلَّا إلى حينِ الوُجُوبِ.
فصل: ولو وَجَب الحَدُّ على ذِمِّىٍّ، أو مُرْتَدٍّ، فلَحِقَ بدارِ الحربِ، ثم عادَ، لم يَسْقُطْ عنه.
وقال أبو حنيفةَ: يَسْقُطُ.
ولَنا، أنَّه حَدٌّ وَجَب، فلم يَسْقُطْ بدُخُولِ دارِ الحربِ، كما لو كان مُسْلِمًا دَخَل بأمانٍ.
فصل: ويُحَدُّ مَن قَذف ابنَ المُلاعِنَةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، والحسنِ، والشَّعْبِىِّ، [والنَّخَعِىِّ] 529،

الجزء: 26 - الصفحة: 366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وجُمْهورِ العُلَماءِ.
ولا نَعلمُ فيه خِلافًا.
وقد روَى [ابنُ عباسٍ] 530 أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى في المُلاعِنَةِ، أن لا 531 تُرْمَى، ولا يُرْمَى وَلَدُها، ومَن رَمَاها أو رَمَى وَلَدَها، فعليه الحَدُّ.
رَواه أبو داودَ 532. ولأَنَّ حَصانَتَها 533 لمِ تَسْقُصْا باللِّعانِ، ولا يَثْبُتُ الزِّنَى به، ولذلك لم يَلْزَمْها به حَدٌّ.
ومَن قَذف ابنَ المُلاعِنَةِ، فقال: هو ولدُ زِنًى.
فعليه الحَدُّ، للخَبَرِ والمَعْنَى، وكذلك إن قال: هو مِن الذى رُمِيَتْ به.
فأمَّا إن قال: ليس هو ابنَ فُلانٍ.
يعنى المُلاعِنَ، وأرادَ أنَّه مَنْفِىٌّ عنه شَرْعًا، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه صادِقٌ.
فصل: فأمَّا إن ثَبَت زنَاه ببَيِّنَةٍ أو إقْرارٍ، أو حُدَّ للزِّنَى، فلا حَدَّ على قاذِفِه؛ لأنَّه صادِدق، ولأنّ إحْصانَ المَقْذُوفِ قد زالَ بالزِّنَى.
ولو قال لمَن زَنَى في شِرْكِه، أو مَن كان مَجُوسِيًّا تَزَوَّجَ بذاتِ مَحْرَمٍ بعدَ أن أسْلَمَ: يا زَانِى.
فلا حَدَّ عليه إذا فَسَّرَه بذلك.
وقال مالكٌ: عليه الحَدُّ؛ لأنَّه قَذَف مُسْلِمًا لم يَثْبُتْ زِنَاه في إسْلامِه.
ولَنا، أنَّه قَذَف مَن ثَبَت زِنَاه، أشْبَهَ ما لو ثَبَت زِنَاه في الإِسْلام، ولأنَّه صادِق.
ومُقْتَضَى كلام الخِرَقِىِّ، وُجوبُ الحَدِّ عليه؛ لقَولِه: ومَن قَذَف مَن كان مُشْرِكًا، = وأخرجه عنه عبد الرزاق، في: المصنف 7/ 122. وسعيد بن منصور، في: سننه 1/ 361.

الجزء: 26 - الصفحة: 367

فَصْلٌ: وَالْقَذْفُ مُحَرَّمٌ، إلَّا في مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا، أَنْ يَرَى امْرأَتَهُ تَزْنِى في طُهْرِ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، فَيَعْتَزِلُهَا، وَتَأْتِى بوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الزَّانِى، فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَذْفُهَا وَنَفْىُ وَلَدِهَا.
وقال: أرَدْتُ أنَّه زَنَى وهو مُشْرِكٌ.
لم يُلْتَفَتْ إلى قولِه، وحُدَّ.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (والقَذْفُ مُحَرَّم) لِما ذَكَرْنا مِن الآيَةِ والخَبَرِ والإِجْماعِ (إلَّا في مَوْضِعَيْن؛ أحدُهما، أن يَرَى امرأتَه تَزْنِى في طُهْو لم يُصِبْها فيه، فيعْتَزِلُها، وتَأتِى بولدٍ يُمْكِنُ أن يكونَ مِن الزَّانِى، فيَجِبُ عليه قَذْفها ونَفْيُه) لأَنَّ ذلك يَجْرِى مَجْرَى اليَقِينِ في أنَّ 534 الولدَ مِن الزَّانِى، لكَوْنِها أتَتْ به لسِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حينِ الوَطْءِ، فإذا لم يَنْفِه، لَحِقَه الولدُ، ووَرِثَه، ووَرِثَ أقارِبَه، ووَرِثُوا منه، ونَظَر إلى بَناتِه وأخَواتِه، وليس ذلك بجائز، فيجبُ نَفْيُه لإِزالَةِ ذلك.
وقد رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ (1) لَيْسَ مِنْهُمْ،

الجزء: 26 - الصفحة: 368

والثَّانِى، أَنْ لَا تَأْتِىَ بِوَلَدٍ يَجب نَفْيُهُ، أَوِ اسْتَفَاضَ زِنَاهَا في النَّاسِ، أَوْ أَخْبَرَهُ بِهِ ثِقَةٌ، وَرَأى رَجُلًا يُغرَفُ بِالْفُجُورِ يَدْخُلُ إِلَيْهَا، فَيُبَاحُ قَذْفُهَا، وَلَا يَجِبُ.
فلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ فِى شَئٍ، ولَنْ يُدْخِلَهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ، وأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، احْتَجَبَ اللَّهُ مِنْهُ، وفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ».
رَواه أبو داودَ 535. وقولُه: «وهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْه».
يَعْنى يَرَاه منه، فكما حَرُمَ على المرأةِ أن تُدْخِلَ على قَوْمٍ مَن ليس منهم، فالرجُلُ مثلُها، وكذا لو أقَرَّت بالزِّنَى، ووَقَع في نَفْسِه صِدْقُها، فهو كما لو رَآها.
(الثانى أن لا تَأْتِىَ بولدٍ يَجِبُ نَفْيُه) مثلَ أن يَرَاها تَزْنِى، ولا تَأْتِىَ بولَدٍ يَلْحَقُه نَسَبُه، أو يكونَ ثَمَّ ولدٌ لكن لا يعلمُ أنَّه مِن الزِّنَى (أو اسْتَفاضَ زِنَاها في الناسِ، أو أخْبَرَه به ثِقَةٌ، ورَاى رجلًا يُعْرَفُ بالفُجُورِ يَدْخُلُ إليها، فيُبَاحُ قَذْفُها) لأنَّه يَغْلِبُ على ظَنِّه فُجورُها (ولا يجبُ) لأنَّه يُمْكِنُه

الجزء: 26 - الصفحة: 369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُفارَقَتُها.
وقد روَى عَلْقمَةُ، [عن عبدِ اللَّه] 536 أنَّ رجُلًا أتَى النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال له: أرأيتَ رجُلًا وَجَد مع امرأتِه رجُلًا فتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوه، أو قَتَل قَتَلْتُمُوه، أو سَكَتَ سَكَتَ على غَيْظٍ 537. فذَكَرَ أنَّه يَتَكَلَّمُ أو يَسْكُتُ، فلم يُنْكِرْ عليه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، والسكوتُ ههُنا أوْلَى إن شاء اللَّه تعالى، لأنَّه أسْتَرُ، ولأَنَّ قَذْفَها يَلْزَمُ منه أن يَحْلِفَ أحَدُهما كاذِبًا، أو يُقِرَّ فيَفْتَضِحَ 538. فصل: ولا يجوزُ قَذْفُها بخَبَرِ مَن لا يُوثَقُ بخَبَرِه، لأنَّه غيرُ مَأمُونٍ على الكذِبِ عليها، ولا برُؤيته رجلًا خارِجًا مِن عندِها، مِن غيرِ أن يَسْتَفِيضَ زِنَاها؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ دَخَل سارِقًا، أو هارِبًا، أو لحاجَةٍ،

الجزء: 26 - الصفحة: 370

وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ يُخَالف لَوْنُهُ لَوْنَهُمَا، لَمْ يُبَحْ نَفْيُهُ بِذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ إِبَاحَتُهُ.
أو لغَرَضٍ فاسدٍ، فلم تُمَكِّنْه، ولا لاسْتِفاضَةِ ذلك في الناسِ مِن غيرِ قَرِينةٍ تدُلُّ على صِدْقِهِم؛ لاحْتِمالِ أن يكونَ أعْداؤُها أشاعُوا ذلك عنها.
وفيه وَجْهٌ، أنَّه يجوزُ؛ لأَنَّ الاسْتِفاضَةَ أقْوَى مِن خَبَرِ الثِّقَةِ.

4439 -

مسألة: (وإن أتَتْ بوَلَدٍ يُخَالِفُ لَوْنُه لوْنَهما، لم يُبَحْ نَفْيُه بذلك. وقال أبو الخَطَّابِ: ظاهِرُ كَلَامِه إباحَتُه)

إذا أتَتْ بولدٍ يُخالِفُ لوْنُه لوْنَهما، ويُشْبِهُ رجلًا غيرَ والدَيْه، لم يُبَحْ نَفْيُه بذلك؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: جاءَ رجلٌ [مِن بَنِى فَزارةَ] 539 إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: إنَّ امْرأتِى جاءت بوَلَدٍ أَسْوَدَ.
يُعَرِّضُ بنَفْيِه، فقال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» قال: نعم.
قال: «فَمَا أَلْوَانُها؟» قال: حُمْرٌ.
قال: «هَلْ فِيهَا مِنْ أوْرَقَ؟».
قال: إنَّ فيهِا لوُرْقًا.
قال: «فَأنَّى أتَاهَا ذلِكَ؟» قال: عسى أن يكونَ نزَعَه عِرْقٌ.
قال: «وهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ».
قال: ولم يُرَخِّصْ له في الانْتِفاءِ منه.
مُتَّفَقٌ عليه 540. ولأَنَّ الناسَ كُلَّهم مِن آدَمَ وحَوَّاءَ، وألْوانُهم وخِلَقُهُم مُخْتَلِفَةٌ، ولَوْلَا مُخالَفَتُهُم شَبَهَ والِدَيْهِم، لَكانُوا على صِفَةٍ واحدةٍ، ولأَنَّ دَلَالَةَ الشَّبَهِ

الحديث: 4439 - الجزء: 26 - الصفحة: 371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ضَعِيفَةٌ، ودلالةَ وِلادَتِه على الفِرَاشِ قَويةٌ، فلا يجوزُ تَرْكُ القَوِىِّ لمُعارَضَةِ الضعيفِ، ولذلك لَمَّا تَنازَعَ سعدُ بنُ أبى وَقَّاص، وعَبْدُ بنُ زَمْعَةَ، في ابنِ 541 وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، ورَأَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- شَبَهًا بَينا بعُتْبَةَ، ألْحَقَ الولدَ بالفِرَاشِ وتَرَكَ الشَّبَهَ 542. وهذا اخْتِيارُ أبى عبدِ اللَّهِ ابنِ حامدٍ، وأحدُ الوَجْهَيْن لأصْحابِ الشافعىِّ.
وذَكَرَ القاضى، وأبو الخَطَّابِ، أنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ جوازُ نَفْيِه.
وهو الوَجْهُ الثانى لأصْحابِ الشافعىِّ؛ لقوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديثِ اللِّعَانِ: «إنْ جَاءَتْ بِهِ أوْرَقَ جَعْدًا جُمَاليًّا خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ سابغ الألْيَتَيْن، فَهُو للَّذِى 543 رُمِيَتْ بِهِ».
فأتَتْ به على النَّعْتِ المَكْرُوهِ، فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَوْلَا الأيْمَانُ، لَكَانَ لِى وَلَهَا شَأْنٌ» 544. فجَعَلَ الشَّبَهَ دَلِيلًا على نَفْيِه عنه.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ.
وهذا الحديثُ إنَّما يَدُلُّ على نَفْيِه عنه، مع ما تَقَدَّمَ مِن لِعانِه ونَفْيِه إيّاهُ عن نَفْسِه، فجَعَلَ الشَّبَهَ مُرَجِّحًا 545 لقولِه ودليلًا على تَصْدِيقِه، وما تَقَدَّمَ مِن الأحادِيثِ يَدُلُّ على عَدَمِ اسْتِقْلالِ الشَّبَهِ 546 بالنَّفْى، ولأَنَّ هذا كان في موضِعِ زال الفِراشُ،

الجزء: 26 - الصفحة: 372

فَصْلٌ: وَأَلْفَاظُ الْقَذْفِ تَنْقَسِمُ إِلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ، فَالصَّرِيحُ قَوْلُهُ: يَا زَانى، يَا عَاهِرُ، زَنَى فَرْجُكَ.
وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْقَذْفِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِمَا يُحِيلُهُ.
وَإِنْ قَالَ يَالُوطِىُّ، أَوْ: يَا مَعْفُوجُ.
وانْقَطَعَ نَسَبُ الولدِ عن صاحِبِه، فلا يَثْبُتُ مع بَقاءِ الفِرَاشِ المُقْتَضِى لُحُوقَ النَّسَبِ بصاحِبِه.
وإن كان يَعْزِلُ عن امرأتِه، لم يُبَحْ له نَفْيُه؛ لِما روَى أبو سعيدٍ أنَّه قال: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا نُصِيبُ النِّساءَ، ونُحِبُّ الأثْمانَ، أفَنَعْزِلُ عَنْهُنَّ؟ فقال: «إِنَّ اللَّهَ إذَا قَضَى خَلْقَ نَسمَةٍ خَلَقَهَا» (1). ولأنَّه قد يَسْبِقُ مِن الماءِ ما لا يُحِسُّ به فيَعْلَقُ.

فصل

: قال رَحِمَه اللَّهُ: (وألْفاظُ القَذْفِ تَنْقَسِمُ إلى صَرِيحٍ وكِنايةٍ، فالصَّرِيحُ قولُه: يا زانِى، يا عاهِرُ، زَنَى فَرْجُك.
ونحوُه ممَّا لا يَحْتَمِلُ غيرَ القَذْفِ، فلا يُقْبَلُ قولُه بما يُحِيلُه) لأنَّه صَرِيحٌ فيه، فأشْبَهَ التَّصْرِيحَ بالطَّلاقِ.
4440 -

مسألة: (وإن قال: يَا لُوطِىُّ. أو: يا مَعْفُوجُ

548. فهو547

الحديث: 4440 - الجزء: 26 - الصفحة: 373

فَهُوَ صَرِيحٌ.
صَرِيحٌ) في المَنْصُوصِ عن أحمدَ، وعليه الحَدُّ إذا قَذَفَه بعملِ قومِ بُوطٍ، إمَّا فاعِلًا أو مَفْعولًا به، فعليه حَدُّ القَذْفِ.
وبه قال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، وأبو يوسفَ، ومحمدُ [بنُ الحسنِ] 549، وأبو ثَوْرٍ.
وقال عَطاءٌ، وقَتادَةُ، وأبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليه.
لأنَّه قَذَف بما لا يُوجِبُ الحَدَّ عندَه، وعندَنا هو مُوجِبٌ للحَدِّ، وقد بَيَّنَّاه فيما مَضَى.
وكذلك لو قَذَف امرأةً أنَّها وُطِئَتْ في دُبُرِها، أو قَذَف رجلًا بوَطْءِ امرأةٍ في دُبُرِها، فعليه الحَدُّ عندَنا، وعندَ أبى حنيفةَ، لا حَدَّ عليه، ومَبْنَى الخِلافِ ههنا على الخِلافِ في وُجوبِ حَدِّ الزِّنَى على فاعِلِ ذلك، وقد تَقَدَّمَ الكَلامُ فيه.
فإن قَذَف رجلًا بإتْيَانِ بَهِيمةٍ، انْبَنَى ذلك على وُجوبِ الحَدِّ على فاعِلِه، فمَن أوْجَبَ عليه الحَدَّ، أوْجَبَ حَدَّ القَذفِ على قاذِفِه 550، ومَن لا فلا.
وكلُّ ما لا يَجِبُ الحَدُّ بفِعْلِه، لا يجبُ الحَدُّ على القاذِفِ به، كما لو قَذَف إنْسانًا بالمُباشَرَةِ فيما دُونَ الفَرْجِ 551، أو بالوَطْءِ بالشُّبْهَةِ، أو قَذَف امرأةً بالمُساحَقَةِ، أو بالوَطْءِ مُسْتَكْرَهَةً، لم يَجِبِ

الجزء: 26 - الصفحة: 374

وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ أنَّكَ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ.
فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ بَعِيدٌ.
الحَدُّ على القاذِفِ؛ لأنَّه رَمَاه بما لا يُوجِبُ الحَدَّ، فأشْبَهَ ما لو قَذَفَه باللَّمْسِ والنَّظَرِ.
وِكذلك لو قال: يا كافِرُ، يا فاسِقُ، يا سارِقُ، يا مُنافِقُ، يا فاجرُ، يا خبِيثُ، يا أعْوَرُ، يا أقْطَعُ، يا أعْمَى، يا مُقْعَدُ، يا ابنَ الزَّمِنِ الأَعْمَى الأعْرَجِ.
فلا حَدَّ عليه (1) في ذلك كلِّه؛ لأنَّه قَذَفَه بما لا يُوجِبُ الحَدَّ، فهو كما لو قال: يا كاذِبُ، يا نَمَّامُ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ، ولكنَّه يُعَزَّرُ لسَبِّ النَّاسِ وأذَاهُم، فأشْبَهَ ما لو قَذَفَ مَن لا يُوجِبُ قَذْفُه الحَدَّ.

4441 -

مسألة: (فإن قال: أرَدْتُ)

بقَوْلِى: يا لُوطِىُّ (أنَّكَ مِن قَوْمِ لُوطٍ) فقال الخِرَقِىُّ: (لَا حَدَّ عليه.
وهو بَعِيدٌ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في ذلك، فروَى عنَه جَماعةٌ، أنَّه يَجِبُ عليه الحَدُّ552

الحديث: 4441 - الجزء: 26 - الصفحة: 375

وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أنَّكَ تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ غَيْرَ إِتْيَانِ الرَّجُلِ.
احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.
بقولِه: يا لُوطِىُّ.
ولا يُسْمَعُ تَفْسِيرُه بما يُحِيلُ القَذْفَ.
وهو اخْتِيارُ أبى بَكْرٍ.
ونحوَه قال الزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ.
والثانيةُ، لا حَدَّ عليه.
نَقَلَها المَرُّوذِىُّ.
ونحوَ هذا قال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ.
قال الحسنُ: إذا قال: نَوَيْتُ أنَّ دِينَه دِينُ لُوطٍ.
فلا حَدَّ عليه.
وِإن قال: أردتُ أنَّه يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ.
فعليه الحَدُّ.
ووَجْهُ ذلك، أنَّه فَسَّرَ كَلامَه بما لا يُوجِبُ الحَدَّ، فلم يَجِبْ عليه حَدٌّ، كما لو فَسَّرَه به مُتَّصِلًا بكَلامِه.
وعن أحمدَ، رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّه إذا كان في غَضَبِه، قال: إنَّه لأهْلٌ أن يُقامَ عليه الحَدُّ؛ لأَنَّ قَرِينَةَ الغَضَبِ تَدُلُّ على إرادَةِ القَذْفِ، بخلافِ حالِ الرِّضا.
والصَّحِيحُ في المذهبِ الرِّوايةُ الأُولَى؛ لأَنَّ هذه الكَلِمَةَ لا يُفْهَمُ منها إلَّا القَذْفُ بعَمَلِ قومِ لُوطٍ، فكانتْ صريحةً فيه، كقولِه: يا زَانِى.
ولأَنَّ قومَ لُوطٍ لم يَبْقَ منهم أحَدٌ، فلا يَحْتَمِلُ أن يُنْسَبَ إليهم.

4442 -

مسألة: (فإن قال: أرَدْتُ أنَّكَ تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ غيرَ إتْيَانِ الرِّجَالِ. احْتَمَلَ وَجْهَيْن)

نحوَ أن يقولَ: أرَدْتُ أنَّك على دِينِ

الحديث: 4442 - الجزء: 26 - الصفحة: 376

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لُوطٍ، أو أنَّك تُحِبُّ الصِّبْيانَ وتُقَبِّلُهم، أو تَنْظُرُ إليهم، أو أنَّكَ تَتَخَلَّقُ بأخْلاقِ قَوْمِ لُوطٍ في أنْدِيَتِهم، غيرَ إتْيانِ الفاحِشَةِ، أو أنَّكَ تَنْهَى عن الفاحِشَةِ كنَهْىِ لُوطٍ عنها.
أو نحوَ ذلك، خُرِّجَ في ذلك كلِّه وَجْهان؛ بناءً على الرِّوايَتَيْن المنْصُوصَتَيْن في المسألةِ المَذْكُورةِ؛ لأَنَّ هذا في مَعْناه.
فصل: وإن قال: يا مَعْفُوجُ.
فالمنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّ عليه الحَدَّ.
وكَلامُ الخِرَقِىِّ يَقْتضى أنَّه يُرْجَعُ إلى تَفْسِيرِه، فإن فَسَّرَه بغيرِ الفاحِشَةِ، مثلَ أن قال: أرَدْتُ يا مَفْلُوجُ، أو: مُصابًا دُونَ الفَرْجِ.
ونحوَ ذلك، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه فَسَّرَه بما لا حَدَّ فيه، وإن فسَّرَه بعَمَلِ قومِ لُوطٍ، فعليه الحَدُّ، كما لو صَرَّحَ به.
ووَجْهُ القَوْلَيْن ما تَقَدَّمَ في التى قبلَها.

الجزء: 26 - الصفحة: 377

وَإِنْ قَالَ: لَسْتَ بِوَلَدِ فُلَانٍ.
فَقَدْ قَذَفَ أُمَّهُ.

4443 - مسألة: (وإن قال: لَسْتَ بوَلَدِ فُلانٍ. فقد قَذَف أُمَّه)

إذا نَفَى رجلًا عن أبِيه، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّه قَذَفَ أُمَّه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
إلَّا أنَّه يُسْأَلُ عمَّا أرادَ، فإن فَسَّرَه بالقَذْفِ، فهو قاذِفٌ، وإن كان مَنْفِيًّا باللِّعانِ، ثم اسْتَلْحَقَه أبُوه، فهو قَذْفٌ أيضًا.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وإن لم يَكُنِ اسْتَلْحَقَه، فلا حَدَّ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَفَى الولدَ المَنْفِىَّ باللِّعانِ عن أبيه، إلَّا أن يُفَسِّرَه بأنَّ أُمَّه زَنَت، فيكونُ قاذِفًا، وإن لم يكُنْ كذلك، فهو قَذْفٌ في الظَّاهِرِ للأُمِّ؛ لأنَّه لا يكونُ لغيرِ أبيه إلا بزنَى أُمِّه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يكونَ قَذْفًا؛ لأنَّه يجوزُ أن يُرِيدَ أنَّك لا تُشْبِهُه في كَرَمِه وأخْلاقِه.
وكذلك إنْ نَفاه عن قَبِيلَتِه.
وبهذا قال النَّخْعىُّ، وإسْحاقُ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، وحَمَّاد، إذا نَفاه عن أَبيه 553 وكانت أُمُّه مُسْلِمَةً حُرَّةً، وإن كانت ذِمِّيَّةً أو رَقِيقَةً، فلا حَدَّ عليه؛ لأَنَّ القَذْفَ لها.
ووَجْهُ الأَوَّلِ ما روَى الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه كان يقولُ: لَا أُوتَى

الحديث: 4443 - الجزء: 26 - الصفحة: 378

وَإِنْ قَالَ: لَسْتَ بِوَلَدِى.
فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
برَجُلٍ يَقُولُ: إنَّ كِنَانَةَ لَيْسَتْ مِنْ قُرَيْشٍ.
إلَّا جَلَدْتُه (1). وعن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: لا جَلْدَ إلَّا في اثْنَتَيْن؛ رجلٌ قَذَف مُحْصَنَةً، أو نَفَى رجلًا عن أبِيه (2). وهذا لا يَقُولُه إلَّا تَوْقِيفًا.
فأمَّا إن نَفاه عن أُمِّه، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه لم يَقْذِفْ أحَدًا بالزِّنَى، وكذلك إن قال: إن لم تَفْعَلْ كذا، فلسْتَ بابنِ فُلانٍ.
لأَنَّ القَذْفَ لا يَتَعَلَّقُ بالشَّرْطِ.
قال شيخُنا (3): والقِياسُ يَقْتَضِى أن لا يَجِبَ الحَدُّ بنَفْىِ الرجلِ عن قَبِيلَتِه؛ لأَنَّ ذلك لا يَتَعَيَّنُ فيه الرَّمْىُ بالزِّنَى، فأشْبَهَ ما لو قال للأعْجَمِىِّ: إنَّك (4) عَرَبِىٌّ.

4444 -

مسألة: (وإن قال: لَسْتَ بوَلَدِى. فعلى وَجْهَيْن)

أحدُهما، أنَّه يكونُ قَذْفًا لها؛ لأنَّه إذا لم يَكُنْ ولَدَه، كان لغيرِه، فأشْبَهَ ما لو قال لأجْنَبِىٍّ: لستَ بوَلدِ فُلانٍ.
فإنَّه يكونُ قَذْفًا لأُمِّه، كذا ههُنا.554555556557

الحديث: 4444 - الجزء: 26 - الصفحة: 379

وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ أَزْنَى النَّاسَ.
أَوْ: أَزْنَى مِنْ فُلَانَةَ.
والثانى، لا يكونُ قاذِفًا.
قاله القاضى؛ لأَنَّ للرجلِ أن يُغَلِّظَ لوَلدِه في القَوْلِ والفِعْلِ.

4445 -

مسألة: (وإن قال: أنتَ أَزْنَى النَّاسِ، أو أزْنَى مِن فُلانَةَ)

فهو قاذِفٌ له؛ لأنَّه أضَافَ إليه الزِّنَى بصِفَةِ المُبَالَغَةِ.
وهذا قولُ أبى بَكْرٍ.
وأمَّا الثانى، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يكونُ قاذِفًا له 558. اخْتارَه القاضى؛ لأنَّه أضافَ الزِّنَى إليهما، وجَعَل أحدَهما فيه أبْلَغَ مِن الآخَرِ، فإنَّ لَفْظَةَ أفعلِ التَّفْضِيلِ تَقْتَضِى اشْتِراكَ المَذْكُورَيْن في أصلِ الفِعْلِ، وتَفْضِيلَ أحَدِهما على الآخَرِ فيه، كقولِه: أجْوَدُ مِن حاتمٍ.
والثانى، يكونُ قاذفًا للمُخاطَبِ خاصَّةً؛ لأَنَّ لَفْظَةَ أفْعَلَ تُسْتَعْمَلُ للمُنْفَرِدِ بالفِعْلِ، كقولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ 559. وقال تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ 560. وقال لُوطٌ: ﴿بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ 561. أى مِن أدْبارِ

الحديث: 4445 - الجزء: 26 - الصفحة: 380

أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِيَةُ.
أَوْ لِامْرأةٍ: يَا زَانِى.
أَوْ قَالَ: زَنَتْ يَدَاكَ وَرِجْلَاكَ.
فَهُوَ صَرِيحٌ في الْقَذْفِ في قَوْلِ أبى بَكْرٍ.
وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ عِنْدَ ابْنِ حَامَدٍ.
الرجالِ، ولا طَهارَةَ فيهم.
وقال الشافعى، وأصحابُ الرَّأْى: ليس بقَذْفٍ للأوَّلِ ولا للثانى، إلَّا أن يُرِيدَ به القَذْفَ.
وهو قولُ ابنِ حامِدٍ.
ولَنا، أنَّ مَوْضوعَ اللَّفْظِ يَقْتَضِى ما ذَكَرْنا، فحُمِلَ عليه، كما لو قال: أنتَ زَانٍ.

4446 -

مسألة: (وإن قال لرجلٍ: يا زَانِيَةُ. أو لامرأةٍ: يا زانِى. أو قال: زَنَت يَدَاكَ ورِجْلَاكَ. فهو صَرِيحٌ في القَذْفِ، في قولِ أبى بكرٍ، وليس بصَرِيحٍ عندَ ابنِ حامِدٍ)

أمّا إذا قال لرجلٍ: يا زانِيَةُ.
أو لامرأةٍ: يا زانِى.
فاخْتارَ أبو بكرٍ، أنَّه صَرِيح في قَذْفِهما.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
واخْتارَ ابنُ حامدٍ أنَّه ليس بقَذْفٍ، إلَّا أن يُفَسِّرَه به.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يُريدَ بقولِه: يا زانِيَةُ.
أى يا عَلَّامَةُ في الزِّنَى.
كما يُقالُ للعالمِ: عَلَّامَةٌ.
وللكَثِيرِ الرِّوايَةِ: رَاوِيَةٌ.

الحديث: 4446 - الجزء: 26 - الصفحة: 381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولكثيرِ الحِفْظ: حُفَظَةٌ.
ولَنا، أنَّ ما كان قَذْفًا لأحَدِ الجِنْسَيْن، كان قَذْفًا للآخَرِ، كقولِه: زَنَيْت.
بفَتْحِ التَّاءِ وبكسرِها لهما جميعًا، ولأَنَّ هذا اللَّفْظَ خِطابٌ لهما 562، وإشارَة إليهما بلفظِ الزِّنى، وذلك يُغْنِى عن التَّمْييزِ بتاءِ التأنيثِ وحَذْفِها.
ولذلك 563 لو قال للمرأةِ: يا شخصًا زانِيًا.
وللرجلِ: يا نَسَمَةً زانِيَةً.
كان قاذِفًا.
وقولُهم: إنَّه يريدُ بذلك أنَّه عَلَّامَةٌ في الزِّنى.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّ ما كان اسْمًا للفعلِ إذا دَخَلَتْه الهاءُ كانت للمُبالَغةِ، كقولِهم: حُفَظَة.
[في الحِفْظِ] 564، وراويَةٌ.
للمُبالَغَةِ في الرِّوايةِ.
كذلك هُمَزَةٌ ولُمَزَةٌ وصُرَعَةٌ.
ولأَنَّ كثيرًا مِن الناسِ يُذَكِّرُ المُؤَنَّثَ، ويُؤَنِّثُ المُذَكَّرَ، ولا يَخْرُجُ بذلك عن كوْنِ المُخاطَبِ به مُرادًا بما يُرادُ باللَّفْظِ الصَّحيحِ.
وإن قال: زَنَتْ يَداكَ.
أو: رِجلاكَ.
لم يَكُنْ قاذِفًا في ظاهرِ المذهبِ.
وهو قولُ ابنِ حامدٍ؛ لأَنَّ زِنَى هذه الأعْضاءِ

الجزء: 26 - الصفحة: 382

وَإِنْ قَالَ زَنَأْتَ في الْجَبَلِ.
مَهْمُوزًا، فَهُوَ صَرِيحٌ عِنْدَ أبى بَكْرٍ.
وَقَالَ ابَنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا.
وَإِنْ لَمْ  لا يُوجب الحَدَّ، بدَليلِ قولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «العَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَاليَدَانِ تَزْنِيانِ وَزِنَاهُمَا البَطْشُ، والرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ وزِنَاهُمَا المَشْىُ، ويُصَدِّقُ ذلِك (1) الفَرْجُ أو يُكَذِّبُه» (2). وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يكونُ قذفًا؛ لأنَّه أضافَ الزِّنَى إلى عُضْوٍ منه، فأشْبَهَ ما لو أضافَه إلى الفَرْجِ.
والأَوْلَى أن يُرْجَعَ إلى تَفسِيرِه.

4447 -

مسألة: (وإن قال: زَنَأْتَ فِى الجَبَلِ. مَهْمُوزًا، فهو صَرِيحٌ عندَ أبِى بكرٍ. وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان يَعْرِفُ العَرَبِيَّةَ، فليس

565566 الحديث: 4447 - الجزء: 26 - الصفحة: 383

يَقُلْ: في الْجَبَلِ.
فَهَلْ هُوَ صَرِيحٌ أوْ كَالَّتِى قَبْلَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
بِصَرِيحٍ) إذا قال: زَنَأْتَ في الجبلِ.
بالهَمْزِ، فهو صَرِيحٌ عندَ أبى بكرٍ، وأبى الخَطَّابِ؛ لأَنَّ عامَّةَ النَّاسِ لا يَفْهَمُون مِن ذلك إلَّا القَذْفَ، فكان قَذْفًا، كما لو قال: زَنَيْتَ.
وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان عامِّيًّا، فهو قَذْفٌ؛ لأنَّه لا يُريدُ به إلَّا القَذْفَ، وإن كان مِن أهلِ العربيَّةِ، لم يَكُنْ قَذْفًا؛ لأَنَّ مَعْناه في العربيَّةِ، طَلَعْتَ، كقولِ الشاعرِ 567:

  • وَارْقَ إلى الخيْرَاتِ زَنْأً في الجبل * فالظاهِرُ أنَّه يُرِيدُ مَوْضُوعَه.
    ولأصحابِ الشافعىِّ في كَوْنِه قَذْفًا وَجْهان.
    وإن قال: زَنَأْتَ.
    ولم يَقُلْ: في الجبلِ.
    فالحكمُ فيه كالتى قبلَها.
    وقال الشافعىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: ليسن بقَذْفٍ.
    قال الشافعىُّ: ويُسْتَحْلَفُ على ذلك.
    ولَنا، أنَّه إذا كان عامِّيًّا لا يَعْرِفُ مَوْضُوعَه في اللغةِ، تَعَيَّنَ مُرادُه في القَذْفِ، ولم يُفْهَمْ منه سِوَاه، فوَجَبَ أن يكونَ قَذْفًا، كما لو فسَّرَه بالقَذْفِ، أو لحَن لَحْنًا غيرَ هذا.

الجزء: 26 - الصفحة: 384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا قال لرجل: زَنَيْتَ بفلانةَ.
كان قاذِفًا 568 لهما.
وقد نُقِلَ عن أبى عبدِ اللَّهِ، أنَّه سُئِلَ عن رجل قال لرجل: يا ناكِحَ أُمِّه.
ما عليه؟ قال: إن كانتْ أُمُّه حَيَّةً، فعليه للرجلِ حَدٌّ، ولأُمِّه حَدٌّ.
وقال مُهَنَّا: سألتُ أبا عبدِ اللَّه إذا قال الرجلُ للرجلِ: يا زَانِىَ ابنَ الزَّانِى؟ قال: عليه حَدَّان.
قلتُ: أبلَغَكَ في هذا شئٌ؟ قال: مَكْحُولٌ قال: فيه حَدَّان.
وإن أقَرَّ إنْسانٌ أنَّه زَنَى بامرأةٍ، فهو قاذِفٌ لها، سَواءٌ لَزِمَه حَدُّ الزِّنَى بإقْرارِه أو لم يَلْزَمْه.
وبهذا قال ابنُ المُنْذِرِ، وأبو ثَوْرٍ.
ويُشْبهُ مذْهبَ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَلْزَمُه حَدُّ القَذْفِ؛ لأنَّه 569 يُتَصَوَّرُ منه الزِّنَى بغيرِ زِنَاها، لاحْتِمالِ أن تكونَ مُكْرَهَةً، أو مَوْطوءَةً بشُبْهَةٍ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ رجلًا مِن بكرِ بنِ لَيْثٍ، أتَى النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فأقَرَّ أنَّه زَنى بامرأةٍ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، فجلَدَه النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- مائةً، وكان بِكْرًا،

الجزء: 26 - الصفحة: 385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثم سألَه البَيِّنَةَ على المرأةِ، فقالت 570: كَذَبَ واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ.
فجَلَدَه حَدَّ الفِرْيَةِ ثمانينَ 571. والاحْتِمالُ الذى ذَكَرَه لا يُنافِى الحَدَّ، بدليلِ ما لو قال: يا نايِكَ أُمِّه.
فإنَّه يَلْزَمُه الحَدُّ، مع احْتِمالِ أن يكونَ فَعَل ذلك بشُبْهَةٍ.
وقد رُوِى عن أبى هُرَيْرَةَ أنَّه جَلَد رجلًا قال لرجلٍ ذلك 572. ويَتَخرَّجُ لنا مثلُ 573 قولِ أبى حنيفةَ، بِناءً على ما إذا قال لامرأتِه: يا زانيةُ.
فقالتْ: بك زَنيتُ.
فإنَّ أصحابَنا قالوا: لا حَدَّ عليها في قولِها: بكَ زَنَيْتُ؛ لاحْتمالِ وُجودِ الزِّنَى منه 574 مع كَوْنِه واطِئًا بشُبْهَةٍ.
ولا يجبُ الحَدُّ عليه؛ لتَصْدِيقِها إيَّاه.
وقال الشافعىُّ: عليه الحَدُّ دُونَها، وليس هذا بإقْرارٍ صَحِيحٍ.
ولَنا، أنَّها صَدَّقَتْه، فلم يَلْزَمْه حَدٌّ، كما لو [قالَتْ: صَدَقْتَ.
ولو قال: يا زانيةُ.
قالَتْ] 575: أنت أزْنَى مِنِّى.
فقال أبو بكرٍ: هى كالتى قبلَها في سُقوطِ الحَدِّ، ويَلْزَمُها له ههُنا حَدُّ القَذْفِ، بخِلافِ التى قبلَها، فإنَّها أضافَتِ الزِّنَى إليه، وفى التى قبلَها أضافَتْه إلى نَفْسِها.

الجزء: 26 - الصفحة: 386

وَالْكِنَايَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ لِامْرأَتِهِ: قَدْ فَضَحْتِهِ، وَغَطَّيْتِ، أَوْ: نَكَسْتِ رَأْسَهُ، وَجَعَلْتِ لَهُ قُرُونًا، وَعَلَّقْتِ عَلَيْهِ أَوْلَادًا مِنْ غَيْرِهِ، وَأَفْسَدْتِ فِرَاشَهُ.
أَوْ يَقُولُ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ: يَا حَلَالُ ابنَ الْحَلَالِ، مَا يَعْرِفُكَ النَّاسُ بِالزِّنَى وَالفُجورِ يَا عَفيفُ، أَوْ: يَا فَاجِرَةُ، يَا قَحْبَةُ، يَا خَبِيثَةُ.
أَوْ يَقَولُ لِعَرَبِىٍّ: يَا نَبَطِىُّ، يَا فَارِسِىُّ، يَا رُومِىُّ.
أو يَسْمَعُ رَجُلًا يَقْذِفُ رَجُلًا فَيَقُولُ: صَدَقْتَ.
أَوْ: أَخْبَرَنِى فُلَان أنَّكَ زَنَيْتَ.
وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ، فَهَذَا كِنَايَةٌ، إِنْ فَسَّرَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ غَيْرُ الْقَذْفِ، قُبِلَ قَوْلُهُ في أحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وفى الْآخَرِ، جَمِيعُهُ صَرِيحٌ.

4448 - مسألة: (والكنَايَاتُ نحوُ قولِه لامْرأتِه: قد فَضَحْتِه، وغَطَّيْتِ، أو: نَكَسْتِ رَأسَه، وجَعَلْتِ له قُرُونًا، وعَلَّقْتِ عَليه أوْلادًا مِن غيرِه، وأفْسَدْتِ فرَاشَه.
أو يَقُولُ لمَن يُخَاصِمُه: يا حَلَالُ ابنَ الحَلَالِ، ما يَعْرِفُكَ النَّاسُ بالزِّنى يا عفيفُ، أو: يَا فاجِرَةُ، يا قَحْبَةُ، يا خَبِيثَةُ.
أو يَقُولُ لعَرَبِىٍّ: يَا نَبَطِىُّ، يَا فَارِسِىُّ، يَا رُومِىُّ.
أو يَسْمَعُ رجلًا يَقْذِفُ رجلًا، فيَقُولُ: صَدَقْتَ، أو: أخْبَرَنِى فُلَانٌ أنَّكَ زَنَيْتَ.
وكَذَّبَه الآخَرُ.
فهذا كِنايَةٌ، إنْ فَسَّرَه بما يَحْتَمِلُه غيرُ القَذْفِ، قُبِلَ قَوْلُه في أحَدِ الوَجْهَيْن.
وفى الآخَرِ، هذا كُلُّهُ صَرِيحٌ)

ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ،

الحديث: 4448 - الجزء: 26 - الصفحة: 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّ الحَدَّ لا يَجِبُ على القاذِفِ إلَّا باللَّفْظِ الصَّريحِ الذى لا يَحْتَمِلُ غيرَ القَذْفِ، وهو أن يقولَ: يا زَانى.
أو يَنْطِقَ باللَّفْظِ الحَقِيقِىِّ في الجِماعِ، فأمَّا ما عَداه مِن الألْفاظِ، فيُرْجَعُ فيه إلى تَفْسِيرِه، كما ذَكَرَه في قولِه: يا لُوطِىُّ، يا مَعْقُوجُ.
فلو قال لرجل: يا مُخَنَّثُ.
أو لامرأةٍ: يا قَحْبَةُ.
وفَسَّرَه بما ليس بقَذْفٍ، نحوَ أن يُرِيدَ بالمُخَنَّثِ أنَّ فيه طِباعَ التَّأْنيثِ والتَّشَبُّهَ بالنِّساءِ، وبالقَحْبَةِ أنَّها تَسْتَعِدُّ لذلك، فلا حَدَّ عليه، وكذلك إذا قال: يا فاجرَةُ، يا خَبِيثَةُ.
وحَكَى أبو الخَطَّابِ في هذا [رِوايةً أُخْرَى] 576، أنَّه كَلَّه صريحٌ، يجِبُ به الحَدُّ.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ.
قال أحمدُ في رِوايةِ حَنْبَلٍ: لا أرَى الحَدَّ إلَّا على مَن صَرَّحَ بالقَذْفِ والشَّتِيمَةِ 577. وقال ابنُ المُنْذِرِ 578: الحَدُّ على مَن نَصَب الحَدَّ 579 نَصْبًا.
ولأنَّه قولٌ يَحْتَمِلُ غيرَ الزِّنَى، فلم يَكُنْ صَرِيحًا في القَذْفِ، كقولِه: يا فاسِقُ.
وكذلك [إن فَسَّر ذلك بما ليس بقَذْفٍ، مثلَ أن يقولَ] 580 أرَدْتُ بالنَبّطَىِّ نَبَطِىَّ اللِّسانِ، أو فارِسِىَّ الطبعِ، أو رُومِىَّ الخِلْقَةِ، فإنَّه لا حَدَّ عليه.

الجزء: 26 - الصفحة: 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعنه في مَن قال: يا فارِسِىُّ.
أنَّه يُحَدُّ، لأنَّه جَعَلَه لغيرِ أبِيه.
والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما ذَكَرْناه، فلا يكونُ قَذْفًا.
وكذلك إن قال: أفْسَدْتِ عليه فِراشَه.
أى خرَقْتِ فِراشَه، أو أتْلَفْتِه.
وفى قولِه: عَلَّقْتِ عليه أوْلادًا مِن غيرِه.
أى الْتَقَطْتِ ولدًا، وذَكَرْتِ أنَّه وَلَدُه، فإن فَسَّرَ شيئًا مِن ذلك بالزِّنَى، فلا شَكَّ في كَوْنِه قَذْفًا.
ومِن صُوَرِ التَّعْرِيضِ أن يقولَ لزَوْجَةِ الآخرِ: قد فَضَحْتِه، وغَطَّيْتِ، أو: نَكَسْتِ رَأسَه، وجَعَلْتِ له قُرُونًا، وعَلَّقْتِ عليه أوْلادًا مِن غيرِه، وأفْسَدْتِ فِراشَه.
فذَكَرَ أبو الخَطَّابِ في جميعِ ذلك رِوايَتَيْن.
وذَكَر أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ، أنَّ أبا عبدِ اللَّهِ رَجَع عن القَوْلِ بوُجوب الحَدِّ في التَّعْريضِ.
فصل: واخْتَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمه اللَّهُ، في التَّعْريضِ بالقَذْفِ، مثلَ أن يقولَ لمَن يُخاصِمُه: ما أنتَ بزَانٍ، ما يَعْرِفُكَ النَّاسُ بالزِّنَى، يا حَلالُ ابنَ الحلالِ.
أو يقولَ: ما أنا بزَانٍ، ولا أُمِّى بزَانِيَةٍ.
فرَوَى عنه حَنْبَلٌ، أنَّه لا حَدَّ عليه.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، واخْتيارُ أبى بكرٍ.
وبه قال عَطاءٌ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ، لِما رُوِى أنَّ [رجلًا مِن بنى فَزارَةَ أتَى] 581 النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال 582: إنَّ امرأتِى وَلَدَتْ غُلامًا

الجزء: 26 - الصفحة: 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أسْودَ.
يُعَرِّضُ بنَفْيِه 583. فلم يَلْزَمْه بذلك حَدٌ ولا غيرُه.
وقد فَرَّقَ اللَّهُ تعالى بينَ التَّعْريضِ بالخِطْبَةِ والتَّصْريحِ بها، فأباحَ التَّعْريضَ، وحَرَّمَ التَّصريحَ، وكذلك في القَذفِ، ولأَنَّ كلَّ كلامٍ يَحْتَمِلُ مَعْنَييْن لم يَكُنْ قَذْفًا، كقولِه: يا فاسِقُ.
وروَى الأَثْرَمُ وغيرُه، أنَّ عليه الحَدَّ.
رُوِى ذلك عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وبه قال إسْحاقُ، لأَنَّ عمرَ حينَ شاوَرَهم في الذى قال لصاحِبِه: ما أبى بزَانٍ، ولا أُمِّى بزَانِيَةٍ.
فقالوا: قد مَدَح أباه وأمَّه.
فقال عمرُ: قد عَرَّضَ بصاحِبِه؛ فجَلَدَه الحَدَّ 584. وروَى الأَثْرَمُ 585، أنَّ عثمانَ جَلَد رجلًا قال لآخَرَ: يا ابنَ شامَّةِ 586 الوَذْرِ.
يُعَرِّضُ له بزِنَى أمِّه.
والوَذْرُ: قِدْرُ اللَّحْمِ.
يُعَرِّضُ بكَمَرِ 587 الرِّجالِ.
ولأن الكِنايَةَ مع القَرِينَةِ الصَّارِفَةِ إلى أحَدِ مُحْتَمِلاِئها، كالصَّريحِ 588 الذى لا يَحْتَمِلُ إلَّا ذلك المَعْنَى، ولذلك وَقَع الطَّلاقُ بها، فأمّا إن لم يَكُنْ في حالِ

الجزء: 26 - الصفحة: 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الخُصُومَةِ، ولا وُجِدَتْ قَرِينةٌ تَصْرِفُ إلى القَذْفِ، فلا شَكَّ في أنَّه لا يكونُ قَذْفًا.
فصل: [وإن] (1) قال لرجل: يا دَيُّوثُ، يا كَشْخَانُ (2). فقال أحمدُ: يُعَزَّرُ.
قال إبراهيمُ الحَرْبِىُّ: الدَّيُّوثُ الذى يُدْخِلُ الرِّجالَ على امرأتِه.
وقال ثعلبٌ: القَرْطَبَانُ الذى يَرْضَى أن يَدْخُلُ الرِّجالُ على نِسائِه.
وقال: القَرْنَانُ والكَشْخَانُ، لم أرَهُما في كلامِ العربِ، ومَعْناه عندَ العامَّةِ مثلُ مَعْنَى الدَّيُّوثِ أو قريبًا منه.
فعلى القاذِفِ به التَّعْزِيرُ، على قِياسِ قولِه في الدَّيُّوثِ، لأنَّه قَذَفَه بما لا حَدَّ فيه.
وقال خالدُ بنُ يزيدَ، عن أبِيه، في الرجلَ يقولُ للرجلِ: يا قَرْنَانُ: إذا كان له أخَواتٌ أو بناتٌ في الإِسلامِ، ضُرِبَ الحَدَّ.
يَعْنِى أنَّه قاذِفٌ لَهنَّ.
وقال خالدٌ، عن أبِيه: القَرْنَانُ عندَ العامَّةِ مَن له بناتٌ، والكَشْخَانُ مَن له أخَوات.
يَعنى -واللَّه، أعلمُ- إذا كان يُدْخِلُ الرِّجالَ عليهنَّ.
والقَوَّادُ عندَ العامَّةِ السِّمْسارُ في الزِّنَى.
والقَذْفُ بذلك كلِّه يُوجِبُ التَّعْزِيرَ؛ لأنَّه قَذْفٌ بما لا يُوجِبُ الحَدَّ.

4449 -

مسألة: (أو يَسْمَعُ رجلًا يَقْذِفُ رجلًا، فيَقولُ: صَدَقْتَ. أو: أخْبَرَنِى فُلَانٌ أنَّكَ زَنيْتَ. وكَذَّبَه الآخَرُ، فهو كِنَايَة،

589590 الحديث: 4449 - الجزء: 26 - الصفحة: 391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا فَسَّرَه بما يَحْتَمِلُهُ غيرُ القَذْفِ، قُبِلَ قَوْلُه في أحَدِ الوَجْهَيْن.
وفِى الآخَرِ، هو صَريحٌ) إذا سَمِع رجلًا يقْذِفُ رجلًا، فقال: صدَقْتَ.
فالمُصدِّقُ قاذِفٌ في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأَنَّ تَصْدِيقَه ينْصَرِفُ إلى ما قالَه، بدليلِ ما لو قال: لى عليك ألفٌ.
فقال: صَدَقْتَ.
كان إقْرارًا بها.
ولو قال: أعْطِنِى ثَوْبِى هذا.
قال صَدَقْتَ.
كان إقْرارًا.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا يكونُ قاذِفًا.
وهو قولُ زُفَرَ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ أرادَ تَصْدِيقَه في غيرِ القَذْفِ.
ولو قال: أخْبَرَنِى فلان أنَّكَ زَنَيْت.
لم يَكُنْ قاذِفًا، سَواءٌ صَدَّقَه المُخْبَرُ عنه أو كَذَّبَه.
وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يكونُ قاذِفًا إذا كَذَّبَه الآخرُ.
ذكَرَه أبو الخَطَّاب.
وبه قال عَطاءٌ، ومالكٌ.
ونحوُه عن الزُّهْرِىِّ؛ لأنَّه أخْبَرَ بزِنَاه.
ولَنا، أَنَّه إنَّما أخْبَرَ

الجزء: 26 - الصفحة: 392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّه قُذِف 591، فلم يَكُنْ قَذْفًا، كما لو شَهِدَ على رجلٍ أنَّه قَذَف رجلًا.

الجزء: 26 - الصفحة: 393

وإنْ قَذَفَ أَهْلَ بَلْدَةٍ أَوْ جَمَاعَةً لَا يُتَصَوَّرُ الزِّنَى مِنْ جَمِيعِهِمْ، عُزِّرَ، وَلَمْ يُحَدَّ.

4450 - مسألة: (وإن قَذف أَهْلَ بَلَدٍ أو جَمَاعَةً لا يُتَصَوَّرُ الزِّنَى مِن جَمِيعِهم، عُزِّرَ، ولم يُحَدَّ)

لأنَّه لا عارَ على المَقْذُوفِ بذلك، للقَطْعِ بكَذِبِ القاذِفِ، ويُعَزَّرُ على ما أتَى به مِن المَعْصِيَةِ والزُّورِ، فهو كما لو سَبَّهُم بغيرِ القَذْفِ.

الحديث: 4450 - الجزء: 26 - الصفحة: 394

وَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ: اقْذِفْنِى.
فَقَذَفَهُ، فَهَلْ يُحَدَّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ لِامْرأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ.
قَالَتْ: بِكَ زَنَيْتُ.
لَمْ تَكُنْ قَاذِفَةً، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ بِتَصْدِيقِهَا.

4451 - مسألة: (وإن قال لرجلٍ: اقْذِفْنِى. فقذَفَه. فهل يُحَدُّ)

أو يُعَزَّرُ؟ (على وَجْهَيْن) وهذا مَبْنِىٌّ على الاخْتِلافِ في حَدِّ القَذْفِ، إن قُلْنا: هو حَقٌّ للَّه تعالى.
وَجَب عليه، ولم يَسقُطْ بالإِذْنِ فيه، كالزِّنَى، وإن قُلْنا: هو حَقٌّ لآدَمِىٍّ.
لم يجبْ عليه الحَدُّ، كما لو أذِنَ في إتْلافِ مالِه، ويُعَزَّرُ؛ لأنَّه فَعَل مُحَرَّمًا لا حَدَّ فيه.
4452 -

مسألة: (وإن قال لامرأتِه: يَا زانِيَةُ. قالَتْ: بكَ زَنَيْتُ. لم تَكُنْ قاذِفَةً)

592 لأنَّها صَدَّقَتْه فيما قال، فلم يَجِبْ عليه

الحديث: 4451 - الجزء: 26 - الصفحة: 395

وَإِذَا قُذِفَتِ الْمَرأةُ، لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةُ، إِذَا كَانَتِ الأُمُّ في الحياةِ، وَإِنْ قُذِفَتْ وَهىَ مَيِّتَةٌ؛ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً، حُرَّةً أَوْ أَمَةً، حُدَّ الْقَاذِفُ إِذَا طَالَبَ الْابْنُ، وَكَانَ حُرًّا مُسْلِمًا.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِىُّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِ مَيِّتَةٍ.
حَدٌّ 593، كما لو قالتْ: صَدَقْتَ.
ولا يَجِبُ عليها [حَدُّ القَذْفِ؛ لأنَّه يُمْكِنُ الزِّنَى منها به مِن غيرِ أن يكونَ زَانِيًا، بأن يكونَ قد وَطِئَها بشُبْهَةٍ، ولا يَجِبُ عليها حَدُّ الزِّنَى] 594؛ لأنَّها لم تُقِرَّ أرْبَعَ مَرَّاتٍ.

4453 -

مسألة: (وإذا قُذِفَتِ المرأةُ، لم يَكُنْ لوَلَدِها المُطالَبَةُ، إذا كانتِ الأمُّ في الحَياةِ، وإن قُذِفَتْ وهى مَيتةٌ، مُسْلِمَةً كانَتْ أو كافِرَةً، حُرَّةً أو أمَةً، حُدَّ القاذِفُ إذا طالَبَ الابنُ، وكان حُرًّا مُسْلِمًا.
ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وقال أبو بكرٍ: لا يَجِبُ الحَدُّ بقَذْفِ مَيِّتةٍ)

أمَّا إذا قُذِفَتْ

الحديث: 4453 - الجزء: 26 - الصفحة: 396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهى في الحياةِ، فليس لوَلَدِها المُطالبةُ؛ لأَنَّ الحَقَّ لها، فلا يُطالِبُ به غيرُها، ولا يقومُ غيرُها مَقامَها، سَواءٌ كان مَحْجُورًا عليها أو غيرَ مَحْجُورٍ عليها؛ لأنَّه حَقٌّ ثَبَتَ للتَّشَفِّى, فلا يقومُ فيه غيرُ المُسْتَحِقِّ مَقامَه، كالقِصاصِ، وتُعْتَبَرُ حَصانتها 595؛ لأَنَّ الحَقَّ لها، فتُعْتَبَرُ حَصانَتُها (1)، كما لو لم يَكُنْ لها ولدٌ.
وأمَّا إن قُذِفَتْ وهى مَيتة، فإن لوَلَدِها المُطالَبَةَ؛ لأنَّه قَدْحٌ في نَسَبِه، لأنَّه بقَذْفِ أمِّه يَنْسِبُه إلى أنَّه مِن زِنًى، ولا يَسْتَحِقُّ ذلك بطريقِ الإِرْثِ، فلذلك تُعْتَبَرُ الحَصانةُ فيه 596، ولا تُعْتَبَرُ الحَصانَةُ في أُمِّه؛ لأَنَّ القَذْفَ له.
وقال أبو بكرٍ: لا يَجِبُ الحَدُّ بِقَذْفِ مَيِّتةٍ بحالٍ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّه قَذْفٌ لمَن لا تَصِحُّ منه المُطالَبَةُ، فأشْبَهَ قَذْفَ المجْنونِ.
وقال الشافعىُّ: إن كان المَيِّتُ مُحْصَنًا، فلوَلِيِّه المطالَبَةُ، ويَنْقَسِمُ انقِسامَ المِيراثِ، وإن لم يَكُنْ مُحْصَنًا، فلا حَدَّ على قاذِفِه؛ لأنَّه

الجزء: 26 - الصفحة: 397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ليس بمُحْصَنٍ، فلا يَجِبُ الحَدُّ بقَذْفِه، كما لو كان حَيًّا.
وأكثرُ أهلِ العلمِ لا يَرَوْنَ الحَدَّ [على مَن لم يَقْذِفْ مُحْصَنًا] 597 حَيًّا ولا مَيِّتًا؛ لأنَّه إذا لم يُحَدَّ بقَذْفِ غيرِ 598 المُحْصَن إذا كان حَيًّا، فلأنْ لا يُحَدَّ بقَذْفِه 599 بعدَ مَوْتِه أوْلَى.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في ابنِ المُلاعِنَةِ: «مَنْ رَمَى وَلَدَهَا، فَعَليْهِ الحَدُّ» 600. يعنى مَن رَماه بأنَّه ولدُ زِنًى، وإذا وَجَب بقَذْفِ ابنِ المُلاعِنَةِ بذلك، فبقَذْفِ غيرِه أوْلَى، ولأَنَّ أصحابَ الرَّأْى أوْجَبُوا الحَدَّ على مَن نَفَى رجلًا عن أبِيه، إذا كان أبَوَاهُ حُرَّيْن مُسْلِمَيْن وإن كانا مَيِّتيْنِ، والحَدُّ إنَّما وَجَب للوَلدِ؛ لأَنَّ الحَدَّ لا يُورَث عندَهم.
فأمَّا إن قُذِفتْ أمه بعدَ مَوْتِها وهو مُشْرِكٌ أو عبدٌ، فلا حَدَّ عليه في ظاهرِ كَلامِ الخِرَقِىِّ، سَواءٌ كانتِ الأمُّ حُرَّةً مُسْلِمَةً أو لم تَكُنْ.
وقال [أبو ثَوْرٍ، و] 601 وأصحابُ الرَّأْى: إذا قال لكافِرٍ أو عبدٍ: لستَ لأبِيكَ.
وأبواه حُرَّان مُسْلِمَان، فعليه الحَدُّ.
وإن قال لعبدٍ أمُّه حُرَّة وأبوه عبدٌ: لستَ لأبِيكَ.
فعليه الحَدُّ.
وإن كان العبدُ للقاذِفِ عندَ أبى ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: يُسْتَقْبَحُ أن

الجزء: 26 - الصفحة: 398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُحَدَّ المَوْلَى لعَبْدِه.
واحْتَجُّوا بأنَّ هذا قَذْفٌ لأُمِّه، فيُعْتَبَرُ إحْصَانُها دُونَ إحْصانِه؛ لأنَّها لو كانتْ حَيَّةً، كان القَذْفُ لها، فكذلك إذا كانتْ مَيِّتَةً، ولأَنَّ مَعْنَى هذا أنَّ أُمَّكَ زَنَتْ، فأتَتْ بِكَ مِن الزِّنَى، وإذا كان الزِّنَى مَنْسُوبًا إليها، كانتْ هى المَقْذُوفَةَ دون ولَدِها.
ولَنا، ما ذَكَرْناه، ولأنَّه لو كان القَذْفُ لها، لم يَجب الحَدُّ؛ لأَنَّ الكافِر لا يَرِثُ المسلمَ، والعبدَ لا يَرِثُ الحُرَّ، ولأنَّهم لا يُوجِبُونَ 602 الحَدَّ بقَذْفِ مَيِّتةٍ بحالٍ، فثَبَتَ أنَّ القَذْفَ يَجِبُ 603 له، فيُعْتَبَرُ إحْصانُه دونَ إحْصَانِها.
فصل: فإن [قُذِفَتْ جَدَّتُه] 604، فقِياسُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّه كقَذْفِ أُمِّه، إن كانتْ حَيَّةً، فالحَقُّ لها، ويُعْتَبَرُ إحْصانُها، وليس لغيرِها المُطالَبَةُ عنها.
وإن كانتْ مَيِّتةً، فلَه المُطالَبَةُ إذا كان مُحْصَنًا؛ لأنَّ ذلك قَدْحٌ في نَسَبِه.
فأمَّا إن قَذَفَ أباه، أو جَدَّه، أو أحدًا مِن أقاربِه غيرَ

الجزء: 26 - الصفحة: 399

وَإِنْ مَاتَ الْمَقْذُوفُ، سَقَطَ الْحَدُّ.
أُمَّهاتِه بعدَ مَوْتِه، لم يَجِبِ الحَدُّ (1) بقَذْفِه، في (2) ظاهِرِ كلام الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه إنَّما أوْجَبَ الحَدَّ بقَذْفِ أُمِّه حَقًّا له، لنَفْى نَسَبِه، لا حَقًّا للمَيِّتِ، ولهذا لم يُعْتَبَرْ إحْصانُ المَقْذُوفَةِ، واعْتُبِرَ إحْصانُ الوَلَدِ، وإذا كان المَقْذُوفُ مِن غيرِ أُمَّهاتِه، لم يَتَضَمَّنْ نَفْىَ نَسَبِه، فلم يَجِبِ الحَدُّ.
وهذا قولُ أبى بكرٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
وقال الشافعىُّ: إن كان المَيِّتُ مُحْصَنًا، فلوَلِيِّه المُطالَبَةُ به، ويَنْقَسِمُ انْقِسامَ الميراثِ؛ لأنَّه قَذَف مُحْصَنًا، فيَجِبُ الحَدُّ على قاذِفِه، كالحَىِّ.
ولَنا، أنَّه قَذَفَ مَن لا يُتَصَوَّرُ منه المُطالَبَةُ، فلم يَجِبِ الحَدُّ بقَذْفِه، كالمجنونِ.
أو نقولُ: قَذَف مَن لا يَجِبُ الحَدُّ له، فلم يَجِبْ، كقَذْفِ غيرِ المُحْصَنِ.
وفارَقَ قَذْفَ الحَىِّ، فإنَّ الحَدَّ يجبُ له.

4454 -

مسألة: (وإن مات المَقذُوفُ سَقَط الحَدُّ)

عن القاذِفِ، إذا كان قبلَ المُطالَبَةِ بالحَدِّ، لم 607 يَجِبْ، وإن ماتَ بعدَ المُطالَبَةِ، قامَ وارِثُه 608 مَقامَه؛ لأنَّه حَقٌّ له، يَجِبُ بالمُطالَبَةِ، أشْبَهَ605606

الحديث: 4454 - الجزء: 26 - الصفحة: 400

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَقَّ 609 رُجُوعِ الأبِ فيما وَهَب ولَدَه، وكالشُّفْعَةِ، تَسْقُطُ بمَوْتِ الشَّفيعِ قبلَ المُطالَبَةِ دُونَ ما بعدَها.

الجزء: 26 - الصفحة: 401

وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قُتِلَ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا.

4455 - مسألة: (ومَن قَذَف أُمَّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قُتِلَ، مُسْلِمًا كان أو كافِرًا)

يَعْنِى أنَّ حَدَّه القَتْلُ، ولا تُقْبَلُ تَوْبَتُه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وحَكَى أبو الخَطَّاب رِوايةً أُخْرَى، أنَّ تَوْبَتَه تُقْبَلُ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ، مُسْلِمًا كان أَو كافِرًا؛ لأَنَّ هذا منه رِدَّةٌ، والمُرْتَدُّ يُسْتَتابُ، وتَصِحُّ تَوْبَتُه.
ولَنا، أنَّ هذا حَدُّ قَذْفٍ، فلا يَسْقُطُ بالتَّوْبَةِ، كقَذْفِ غيرِ أُمِّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأنَّه لو قُبِلَتْ تَوْبَتُه، وسَقَط حَدُّه، لَكانَ أخَفَّ حُكْمًا مِن قَذْفِ آحادِ النَّاسِ؛ لأَنَّ قَذْفَ غيرِه لا يَسْقُطُ بالتَّوْبَةِ، ولا بُدَّ مِن إقامَتِه.
واخْتَلَفتِ الرِّوايَةُ فيما إذا كان القاذِفُ كافِرًا فأسْلَمَ، فرُوِىَ أنَّه لا يَسْقُطُ بإسلامِه؛

الحديث: 4455 - الجزء: 26 - الصفحة: 402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّه حَدُّ قَذْفٍ، فلم يَسْقُطْ بالإِسْلامِ، كقَذْفِ غيرِها.
ورُوِىَ أنَّه يَسْقُطُ؛ لأنَّه لو سَبَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى في كُفْرِه، ثم أسْلَمَ، سَقَطَ عنه القَتْلُ، فسَبُّ نَبيِّه أوْلَى، ولأَنَّ الإِسْلامَ يَجُبُّ ما قبلَه.
والخِلافُ في سُقُوطِ القَتْلِ عنه، فأمًّا تَوْبَتُه فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى فمَقبُولَةٌ، فإنَّ اللَّهَ تعالى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِن الذُّنُوب كلِّها.
والحُكْمُ في قَذْفِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كالحُكْمِ في قَذْفِ أُمِّه؛ لأَنَّ قَذْفَ أُمِّه إنَّما أوْجَبَ القتلَ؛ لكوْنِه قَذْفًا للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقَدْحًا في نَسَبِه.
فصل: وقَذْفُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقذفُ أُمِّه رِدَّةٌ عن الإِسْلامِ، وخروجٌ

الجزء: 26 - الصفحة: 403

وَإِنْ قَذَفَ الْجَمَاعَةَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدةٍ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ إِذَا طَالَبوا أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ.
وَعَنْهُ، إِنْ طَالَبوا مُتَفَرِّقِينَ، حُدَّ لكل وَاحِدٍ حدًّا.
عن المِلَّةِ، وكذلك سَبُّه بغيرِ القذفِ، إلَّا أنَّ سَبَّه بغيرِ القَذْفِ يَسْقُطُ بالإِسْلامِ، لأَنَّ سبَّ اللَّهِ سبحانه وتعالى يَسْقُطُ بالإِسْلامِ، فسَبُّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى، وقد جاءَ في الأثَرِ، أنَّ اللَّهَ تعالى يقول: «شَتَمَنِى ابنُ آدَمَ، وَمَا يَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَشْتُمَنِى، أمَّا شَتْمُهُ إيَّاىَ فَقَوْلُه: إِنِّى اتَّخَذْتُ وَلَدًا.
وَأَنَا الأحَدُ الصَّمَدُ، [لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ] (1)» (2). ولا خِلافَ في أنَّ إسلامَ النَّصْرَانِىِّ القائِلِ لهذا القولِ يَصِحُّ.

4456 -

مسألة: (وإن قَذَف الجَماعَةَ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، فحَدٌّ وَاحِدٌ إذا طالَبوا أو واحِدٌ منهم. وعنه، إن طالَبُوا مُتَفَرِّقِينَ، حُدَّ لكلِّ واحِدٍ حَدًّا)

أمَّا إذا قَذَف الجماعةَ بكلمةٍ واحدةٍ، فالمَشْهُورُ في المذهبِ أنَّه لا يَلْزَمُه إلَّا حَدٌّ واحدٌ، إذا طالَبُوا أو واحدٌ منهم.
وبهذا قال طاوُسٌ، والزُّهْرِىُّ، والشَّعْبِىُّ، [والنَّخَعِىُّ] (3)، وقَتادَةُ، [وحَمَّادٌ] 610، ومالكٌ،611612

الحديث: 4456 - الجزء: 26 - الصفحة: 404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وصاحِباه، وابنُ أبى لَيْلَى، وإسْحاقُ.
وعنه رِوايةٌ ثانيةٌ، أنَّه يُحَدُّ لكلِّ واحدٍ حَدًّا كاملًا.
وبه قال الحسنُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وللشافعىِّ قولان كالرِّوايَتَيْن.
ووَجْهُ هذا أنَّه قَذَف كلَّ واحدٍ منهم، فلَزِمَه له حَدٌّ كاملٌ، كما لو قَذَفَهم بكَلِماتٍ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ 613. لم يُفَرِّقْ بينَ قَذْفِ واحدٍ أو جماعةٍ، ولأَنَّ الذين شَهِدُوا على المُغِيرَةِ قَذَفُوا امرأةً، فلم يَحُدَّهم عمرُ إلَّا حَدًّا واحدًا 614. ولأنَّه قَذْفٌ واحدٌ، فلم يَجِبْ إلَّا حَدٌّ واحدٌ، كما لو قَذَف واحِدًا، ولأَنَّ الحَدَّ إنَّما وَجَب بإدْخالِ المَعَرَّةِ على المَقْذُوفِ بقَذْفِه، وبحَدٍّ واحدٍ يَظْهَرُ كَذِبُ هذا القاذِفِ، وتَزُولُ المَعَرَّةُ، فوَجَبَ أن يُكْتَفَى به، بخِلافِ ما إذا قَذَف كلَّ واحدٍ قَذْفًا مُفْرَدًا، فإنَّ كَذِبَه في قَذْفٍ لا يَلْزَمُ منه كَذِبُه في الآخَرٍ، ولا تَزُولُ المَعَرَّةُ عن أحَدِ المَقْذُوفَيْن بحَدِّه للآخرِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنهم إن طَلبوا جُمْلَةً، حُدَّ لهم، وإن طَلَبَه واحِدٌ، أُقِيمَ الحَدُّ؛ لأَنَّ الحَقَّ ثابِتٌ لهم على سَبِيلِ البَدَلِ، فأيُّهم طالَبَ به اسْتَوْفَى وسَقَط، فلم يَكُنْ لغيرِه الطلبُ به، كحَقِّ المرأةِ على أوْلِيَائِها في تَزْويجِها، إذا قام به واحدٌ سَقَط عن الباقِينَ.
وإن أسْقَطَه أحَدُهم، فلغَيرِه المُطالَبَةُ به واسْتِيفاؤه؛ لأَنَّ

الجزء: 26 - الصفحة: 405

وإنْ قَذَفَهُمْ بِكَلِمَاتٍ، حُدَّ لِكُلِّ واحِدٍ حدًّا،  المَعَرَّةَ لم تَزُلْ عنه بعَفْوِ صاحِبِه، وليس للعافِى الطَّلبُ به؛ لأنَّه قد أسْقَطَ حَقَّه منه.
وعن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّهم إن طَلبوه دَفْعَةً واحِدَةً، فحَدٌّ واحدٌ، وكذلك إن طَلبوه واحِدًا بعدَ واحدٍ، إلَّا أنَّه إن لم يُقَمْ حتى طَلَبَه الكلُّ، فحَدٌّ واحِدٌ، وإن طَلَبَه واحِدٌ (1)، فأُقِيمَ له، ثم طَلَبَه آخَرُ، أُقِيمَ له، وكذلك جميعُهم.
وهذا قولُ عُرْوَةَ؛ لأنَّهم إذا اجْتَمَعُوا على طَلَبِه، وَقَع اسْتِيفاؤه لجَمِيعِهم، فإذا طَلَبَه واحِدٌ منهم، كان اسْتِيفاؤه له وحدَه، فلم يَسْقُطْ حَقُّ الباقِين بغيرِ اسْتِيفائِهم ولا إسْقاطِهم.

4457 -

مسألة: (وإن قَذَفَهم بكَلِمَاتٍ، حُدَّ لكلِّ واحِدٍ حَدًّا)

وبهذا قال عَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، وقَتادَةُ، وابنُ أبى لَيلى، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وقال حَمَّادٌ، ومالك: لا [يَجِبُ إلَّا حَدٌّ واحِدٌ] 616؛ لأنَّها جِنايَةٌ تُوجِبُ حَدًّا، فإذا تَكَرَّرَتْ كَفُى حَدٌّ واحِدٌ، كما615

الحديث: 4457 - الجزء: 26 - الصفحة: 406

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لو سَرَق مِن جماعَةٍ، أو زَنَى بنساءٍ، أوِ شَرِب أنْواعًا مِن المُسْكِرِ.
ولَنا، أنَّها 617 حقُوقٌ لآدَمِيِّينَ، فلم تَتَداخَلْ، كالدُّيونِ والقِصاصِ.
وفارَقَ ما قاسُوا عليه، فإنَّه حَقٌّ للَّهِ تعالى.
فصل: إذا قال لرجلٍ: يا ابنَ الزَّانِيَيْن.
فهو قاذِفٌ لهما بكلِمةٍ واحِدَةٍ، فإن كانا مَيِّتيْن، ثَبَت الحَقُّ لولَدِهما، ولم يَجب إلَّا حَدٌّ واحدٌ، وَجْهًا واحِدًا.
وإن قال: يا زَانِى [ابنَ الزَّانِى] 618. فهو قَذْفٌ لهما بكَلِمَتَيْن، فإن كان أبُوه حَيًّا، فلكلِّ واحدٍ حَدٌّ، وإن كان مَيِّتًا، فالظاهِرُ في المذْهبِ أنَّه لا يَجِبُ الحَدُّ بقَذْفِه.
وإن قال يا زَانِى ابن الزَّانِيَةِ.
وكانت أُمُّه في الحياةِ، فلكلٍّ واحدٍ منهما حَدٌّ، وإن كانت مَيِّتَةً، فالقَذْفانِ جميعًا له، وإن قال: زَنَيْتَ بفُلانَةَ.
فهو قَذْفٌ لهما بكلمةٍ واحدةٍ.
وكذلك إذا قال: يا ناكِحَ أُمِّه.
ويُخَرَّجُ فيه الرِّواياتُ الثلاثُ.

الجزء: 26 - الصفحة: 407

وِإنْ حُدَّ لِلْقَذْفِ، فَأَعَادَهُ، لم يُعَدْ عَلَيْهِ الْحَدُّ.

4458 - مسألة: (وإنْ حُدَّ للقَذْفِ، فأعَادَه، لم يُعَدْ عليه الحَدُّ)

أمَّا إذا قَذَف رجلًا مَرَّاتٍ ولم يُحَدَّ، فحدٌّ واحِدٌ، رِوايةً واحِدَةً، سَواء قَذَفَه بزنًى واحدٍ، أو بزَنَياتٍ.
وإن قَذَفَه فحُدَّ، ثم أعادَ قَذْفَه، وكان قَذْفُه بذلك الزِّنى الذى حُدَّ مِن أجْلِه، لم يُعَدْ عليه الحَدُّ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن ابنِ القاسمِ، أنَّه أوْجَبَ حَدًّا ثانيًا.
وهذا يُخالِفُ إجْماعَ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فإنَّ أبا بَكْرَةَ لمَّا حُدَّ بقَذْفِ المُغِيرَةِ، أعادَ قَذْفَه، فلم يَرَوْا 619 عليه حَدًّا ثانيًا، فرَوَى الأَثْرَمُ، بإسْنادِه، عن ظَبْيانَ بنِ عُمارَةَ، قال: شَهِدَ على المُغِيرَةِ [بنِ شُعْبَةَ] 620 ثلاثةُ نَفَرٍ أنَّه زانٍ، فبَلَغَ ذلك عمرَ، فكَبُرَ عليه، وقال: شاطَ ثلاثةُ أرْباعِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ.
وجاءَ زِيادٌ، فقالَ: ما عندَك؟ فلم يُثْبِتْ، فأمَرَ بهم فَجُلِدُوا،

الحديث: 4458 - الجزء: 26 - الصفحة: 408

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال: شُهودُ زُورٍ.
فقال أبو بَكْرَةَ: أليسَ تَرْضَى إن أتاكَ رجلٌ عَدْلٌ يَشْهَدُ تَرْجُمُه 621؟ قال: نعم، والذى نفسِى بيَدِه.
قال أبو بَكْرَةَ: وأنا أشْهَدُ أنَّه زَانٍ.
فأرادَ أن يُعِيدَ عليه الجَلْدَ 622، فقال علىٌّ: يا أميرَ المؤمنينَ، إنَّك إن أعَدْتَ عليه الجَلْدَ (2)، أوْجَبْتَ عليه الرَّجْمَ 623. وفى حديثٍ آخَرَ: فلا يُعادُ في فِرْيَةٍ جَلْدٌ مَرَّتَيْن.
قال الأَثْرَمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: قولُ علىٍّ: إن جَلَدْته فارْجُمْ صاحِبَكَ؟ قال: كأنَّه جَعَل شَهادَتَه شَهادَةَ رَجليْن.
قال أبو عبدِ اللَّهِ: وكنتُ أنا أُفَسِّرُه على هذا، حتى رَأَيْتُه في الحديثِ، فأعْجَبَنِى.
ثم قالَ: يقولُ: إذا جَلَدْتَه ثانيةً، فكأنَّكَ جَعَلْتَه شاهِدًا آخَرَ.
فأمَّا إن حُدَّ له، ثم قَذَفَه بزنًى ثانٍ، نَظَرْتَ؛ فإن قَذَفَه بعدَ طُولِ الفَصْلِ، فحَدٌّ ثانٍ؛ لأنَّه لا تَسْقُطُ حُرْمَةُ المَقْذُوفِ بالنِّسْبَةِ إلى القاذِفِ أبَدًا، بحيثُ يَتَمَكَّنُ مِن قَذْفِه بكلِّ حالٍ.
وإن قَذَفَه عَقِيب حَدِّه،

الجزء: 26 - الصفحة: 409

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ففيه رِوايَتَان؛ إحْداهما، يُحَدُّ أيضًا؛ لأنَّه قَذْفٌ لم يَظْهَرْ كَذِبُه فيه بحَدٍّ، فيَلْزَمُه فيه حَدٌّ، كما لو طالَ الفَصْلُ، ولأَنَّ سائِرَ أسْباب الحَدِّ إذا تَكَرَّرَتْ بعدَ أن حُدَّ للأوَّلِ، ثبت للثانى حُكْمُه، كالزِّنى 624 والسَّرِقَةِ، وغيرِهما مِن الأسْبابِ.
والثانيةُ، لا يُحَدُّ؛ لأنَّه قد حُدَّ له مَرَّةً، فلم يُحَدَّ له بالقَذْفِ عَقِيبَه، كما لو قَذَفَه بالزِّنَى الأَوَّلِ.
فصل: إذا قال: مَن رَمَانِى فهو ابنُ الزَّانِيَةِ.
فرَمَاهُ رجلٌ، فلا حَدَّ عليه في قولِ أحَدٍ مِن أهلِ العلمِ.
وكذلك إنِ اخْتَلَفَ رَجلان في شئٍ، فقال أحدُهما: الكاذبُ هو ابنُ الزَّانِيَةِ.
فلا حَدَّ عليه.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه لم يُعَيِّنْ أحدًا بالقَذْفِ، وكذلك ما أشْبَهَ هذا.

الجزء: 26 - الصفحة: 410

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا ادَّعَى على رجلٍ أنَّه قَذَفَه، فأنْكَرَ، لم يُسْتَحْلَفْ.
وبه قال الشَّعْبِىُّ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وعن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، أنَّه يُسْتَخلَفُ.
حَكَاها ابنُ المُنْذِرِ.
وهو قولُ الزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ» 625. ولأنَّه حَقٌّ لآدَمِىٍّ، فيُسْتَحْلَفُ فيه، كالدَّيْنِ.
ووَجْهُ الأُولَى، أنَّه حَدٌّ، فلا يُسْتَحْلَفُ فيه، كالزِّنَى والسَّرِقَةِ.
فإن نَكَل عن اليَمِينِ، لم يُقَمْ عليه الحَدُّ؛ لأَنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فلا يُقْضَى فيه بالنُّكُولِ، كسائِرِ الحُدودِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 411

بَابُ حَدِّ المُسْكِرِ

بابُ حَدِّ المُسْكِرِ الخمرُ مُحَرَّمٌ بالكتاب والسُّنَّةِ والإِجْماعِ، أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ 626. والآيةُ التى بعدَها إلى قولِه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (1). وأمَّا السُّنَّةُ، فقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 627. ورَوَى عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَعَنَ اللَّه الخَمْرَ، وَشَارِبَها، وسَاقِيَهَا، وبَائِعَهَا، ومُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ».
رَواه أبو داودَ 628. وثَبَت

الجزء: 26 - الصفحة: 413

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تحريمُ الخمرِ بأخْبارٍ تَبْلُغُ بمجمُوعِها رُتْبَةَ التَّواتُرِ، وأجمعتِ الأُمَّةُ على تحْرِيمِه، وإنَّما حُكِىَ عن قُدامَةَ بنِ مَظْعُونٍ، وعمرِو بنِ مَعْدِيكَرِبَ، وأبى جَنْدَلِ بنِ سهَيل 629، أنَّهم قالوا: هى حَلالٌ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ 630. الآية.
فبَيَّنَ لهم عُلماءُ الصَّحابةِ مَعْنَى هذه الآيةِ، وتحريمَ الخمرِ، وأقاموا عليهم الحَدَّ؛ لشُرْبِهم إيَّاه 631، فرَجَعُوا إلى ذلك، فانْعَقَدَ الإِجْماعُ، فمَنِ اسْتَحَلَّها الآنَ، فقد كَذَّبَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنَّه قد عُلِمَ ضَرورةً مِن جِهَةِ النَّقْلِ تَحْرِيمُه، فيَكْفُرُ بذلك، ويُسْتَتابُ، فإن تابَ، وإلَّا قُتِلَ.
رَوَى الجُوزْجَانِىُّ 632 بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ قُدامَةَ بنَ مَظْعُونٍ شَربَ الخمرَ، فقال له عمرُ: ما حَمَلَكَ على ذلك؟ فقال: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يقولُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾.
الآية.
وإنِّى مِن المُهاجرِين الأوَّلينَ مِن أهلِ بدرٍ وأُحدٍ.
فقال عمرُ للقومِ: أجِيبُوا الرجلَ.
فسَكتُوا عنه، فقال لابنِ عباسٍ: أجِبْه.
فقال: إنَّما أنْزَلها اللَّه عُذْرًا للماضِينَ، لِمَن شَرِبَها قبلَ

الجزء: 26 - الصفحة: 414

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أن تُحَرَّمَ، وأنزَلَ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ 633. حُجَّةً على النَّاسِ.
ثم سألَ عمرُ عن الحَدِّ فيها، فقال علىُّ بنُ أبى طالبٍ: إذا شَرِبَ هَذَى، وإذا هَذَى افْتَرَى، فاجْلِدُوه ثمانينَ.
فجَلَده عمرُ ثمانينَ.
ورَوى الوَاقِدِىُّ، أنَّ عمرَ قال له: أخْطَأْتَ التَّأْوِيلَ يا قُدامَةُ، إذا اتَّقَيْتَ اجْتَنَبْتَ ما حَرَّمَ اللَّهُ عليك.
وروَى الخَلَّالُ 634 بإسْنادِه، عن مُحارِبِ بنِ دِثَارٍ، أنَّ أُناسًا شَرِبُوا بالشامِ الخمرَ 635، فقال لهم يزيدُ بنُ أبى سفيانَ: شَرِبْتُمُ الخمرَ؟ قالوا: نعم، يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾.
الآية.
فكَتَب فيهم إلى عمرَ بنِ الخَطَّابِ، فكَتَبَ إليه: إن أتاكَ كتابِى هذا نهارًا، فلا تَنْتَظِرْ بهم (3) إِلى اللَّيْلِ، وإن أتاكَ لَيْلًا، فلا تَنْتَظِرْ بهم نَهارًا، حتى تَبْعَثَ بهم إلىَّ، لِئلَّا يَفْتِنُوا عبادَ اللَّهِ.
فبَعَثَ بهم إلى عمرَ، فشاوَرَ فيهم النَّاسَ، فقال لعلىٍّ: ما تَرَى؟ فقال: أرَى أنَّهم قد شَرَّعُوا في دينِ اللَّهِ ما لم يَأذَنِ اللَّه فيه، فإن زَعَمُوا أنَّها حَلالٌ، فاقْتُلْهم، فقد أحَلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ، وإن زَعَمُوا أنَّها حَرامٌ فاجْلِدْهم ثمانينَ ثمانينَ، فقد افْتَرَوْا على اللَّهِ، وقد أخْبَرَنا اللَّه بحَدِّ ما يَفْتَرِى بعضُنا على بعضٍ.
قال: فَجَلَدَهم عمرُ ثمانينَ ثمانينَ.
إذا ثَبَت هذا، فالمُجْمَعُ على تَحْرِيمِه عصيرُ العِنبِ، إذا اشْتَدَّ وقَذَف زَبَدَه، وما عَداه مِن الأشْرِبَةِ المُسْكِرَةِ، فهو مُحَرَّم، وفيه اخْتِلافٌ نَذْكُرُه إن شاءَ اللَّه

الجزء: 26 - الصفحة: 415

كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ، مِنْ أَىِّ شَىْءٍ كَانَ، وَيُسَمَّى خَمْرًا.
تعالى.

4459 -

مسألة: (كلُّ شَرابٍ أسْكَرَ كَثِيرُه، فقَلِيلُه حَرامٌ، مِن أىِّ شئٍ كان، ويُسَمَّى خَمْرًا)

حُكمُه حُكْمُ عَصِيرِ العِنَبِ في تَحْرِيمِه، ووُجُوبِ الحَدِّ على شارِبِه.
رُوِى تحْرِيمُ ذلك عن عمرَ، وعلىِّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وأبى هُرَيْرَةَ، وسعدِ بنِ أبى وَقَّاصٍ، وأُبىِّ بنِ كَعْبٍ، وأنَسٍ، وعائِشَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، والقاسِمُ، وقَتادَةُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسْحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ، في عصيرِ العنبِ إذا طُبِخَ وذَهَب ثُلُثاه، ونَقِيعِ التَّمْرِ والزَّبِيبِ إذا طُبِخَ وإن لم يَذْهَبْ ثُلُثَاه، ونَبِيذِ الحِنْطَةِ، والذُّرَةِ والشَّعِيرِ، ونحوِ ذلك نقيعًا كان أو مَطْبُوخًا: كلُّ ذلك حَلالٌ، إلَّا ما بَلَغ السُّكْرَ، فأمَّا عصيرُ العِنبِ إذا اشْتَدَّ، وقَذَف زَبَدَه، أو طُبِخَ فذَهَبَ أقَلُّ من ثُلُثَيْه، ونَقِيعُ التَّمْرِ والزَّبِيبِ إذا اشْتَدَّ بغيرِ طَبْخٍ، فهذا مُحَرَّمٌ، قَلِيلُه وكثيرُه؛ لِما رَوَى ابنُ عباسٍ،

الحديث: 4459 - الجزء: 26 - الصفحة: 416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «حُرِّمَتِ الخَمْرَةُ لِعَيْنهَا، والسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» 636. ولَنا، مما رَوَى ابن عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْر، وكُل خَمْرٍ حَرَامٌ».
وعن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا أسْكَرَ كثِيرُهُ، فَقَلِيلُه حَرَامٌ».
رَواهما أبو داودَ، والأثْرَمُ، وغيرُهما 637. وعن عائشةَ، قالت: سمعتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «كُلُّ مُسْكِر حَرَامٌ، وَمَا أسْكَرَ مِنْهُ الْفَرَقُ 638، فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ».
رَواه

الجزء: 26 - الصفحة: 417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبو داودَ، وغيرُه 639. وقال عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: نَزلَ تَحْرِيمُ الخمرِ، وهىِ مِن العنبِ والتَّمْرِ والعسلِ، والبُرِّ والشَّعِيرِ، والخمرُ ما خامَرَ العَقْلَ.
مُتَّفقٌ عليه 640. ولأنَّه مُسْكِر، فأشْبَهَ عصيرَ العِنَبِ.
فأمَّا حديثُهم، فقال أحمدُ: ليس في الرُّخْصَةِ في المُسْكِرِ حديثٌ صَحِيحٌ.
وحديثُ ابنِ عباسٍ رَواه شُعْبَةُ 641، عن مِسْعَرٍ، عن أبى عَوْنٍ، عن ابنِ شَدَّادٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: والمُسْكِرُ مِن كلِّ شَرَابٍ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ 642: جاءَ أهلُ الكوفةِ بأحاديثَ مَعْلُولَةٍ، ذَكَرْناها مع عِلَلِها.

الجزء: 26 - الصفحة: 418

وَلَا يَحِلُّ شُرْبُهُ لِلَذَّةٍ، وَلَا لِلتَّدَاوِى، وَلَا لِعَطَشٍ، وَلَا غَيْرِهِ،  وذَكَر الأَثْرَمُ أحادِيثَهم التى يَحْتَجُّون بها عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- والصَّحابةِ، فضَعَّفَها كلَّها، وبَيَّنَ عِلَلَها.
وقد قِيلَ: إنَّ خَبَرَ ابنِ عباسٍ مَوْقِوفٌ عليه، مع أنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بالسُّكْرِ المُسْكِرَ مِن كلِّ شَرابٍ، فإنَّه يَرْوِى هو وغيرُه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (1).

4460 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ شُرْبُه للَذَّةٍ، ولا للتَّداوِى، ولا

643 الحديث: 4460 - الجزء: 26 - الصفحة: 419

إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَيْهِ، لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غُصَّ بِهَا، فَيَجُوزُ.
لعَطَشٍ، ولا غيرِه، إلَّا أن يُضْطَرَّ إليه، لدَفْعِ لُقْمَةٍ غُصَّ بها، فيَجُوزُ) لا يجوزُ شُرْبُه للَذَّةٍ؛ لِما ذَكَرْنا، ولا للتَّدَاوِى بها؛ لذلك، فإن فَعَل، فعليه الحَدُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُباحُ شربُها للتَّدَاوِى.
وللشافعىِّ 644 وَجْهان كالمَذْهَبَيْن.
وله وَجْه ثالِث، يُباحُ للتَّدَاوِى دُونَ العَطَشِ؛ لأنَّها حالُ ضَرورَةٍ، فأُبِيحَ فيها، كدَفْعِ الغُصَّةِ وسائرِ ما يُضْطرُّ إليه.
ولَنا، ما روَى الإِمامُ أحمدُ 645، بإسْنادِه عن طارقِ بنِ سُوَيدٍ، أنَّه سألَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقال: إنَّما أصْنَعُها للدَّواء.
فقال: «إنَّه لَيْس بدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ».
وبإسْنادِه عن مُخارِقٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- دَخل على أُمِّ سَلَمَةَ، وقد نَبَذَتْ نَبِيذًا في جَرَّةٍ، فخَرَجَ والنَّبِيذُ يَهْدِرُ، فقال: [«مَا هَذا؟».
فقالَتْ:] 646 فلانةُ اشْتَكَتْ بَطْنَها، فَنَقَعْتُ لها.
فدَفَعَه برِجْلِه فكسَرَه، وقال: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ شِفَاءً» 647. ولأنَّه مُحَرَّمٌ

الجزء: 26 - الصفحة: 420

وَمَنْ شَرِبَهُ مُخْتَارًا عَالِمًا أَنَّ كَثِيرَهُ يُسْكِرُ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا،  لعَيْنِه، فلم يُبَحْ للتَّدَاوِى، كلَحْمِ الخِنْزيرِ.
فإن شَرِبهَا للعَطَشِ، وكانت مَمْزُوجَةً بما يَرْوِى مِن العَطَشِ، أُبِيحَتْ لدَفْعِه عندَ الضَّرُورَةِ، كما تُبَاحُ المَيْتَةُ عندَ المَخْمَصَةِ، وكإباحَتِها لدَفْعِ الغُصَّةِ، وقد رَوَيْنا في حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ حُذَافَةَ، أنَّه حَبَسَه طاغيَةُ الرُّومِ في بيتٍ فيه ماءٌ مَمْزُوجٌ بخَمْرٍ (1)، ولَحْمُ خِنْزيرٍ مَشْوِىٌّ، ليَأكُلَه ويَشرَبَ الخَمْرَ، وتَرَكَه ثلاثةَ أيامٍ، فلم يَفْعَلْ، ثم أخْرَجُوه حينَ خَشُوا مَوْتَه، فقال: واللَّهِ لقد كانَ اللَّهُ أحَلَّه لى، فإنِّى مُضْطَرٌّ، ولكن لم أكُنْ أُشْمِتُكُمْ بدِينِ الإِسلامِ (2). وإن كانت صِرْفًا، أو مَمْزُوجةً بشئٍ يَسِيرٍ لا يَرْوِى مِن العَطَشِ، لم تُبَحْ، وعليه الحَدُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تُبَاحُ.
وهو أحَدُ الوَجْهَيْن لأصحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّه حالُ ضَرُورَةٍ.
ولَنا، أنَّ العَطَشَ لا يَنْدَفِعُ به، فلم يُبَحْ، كما لو تَدَاوَى بها فيما لا يَصْلُحُ له.
فأمَّا شُرْبُها لدَفْعِ الغُصَّةِ فيجوزُ، كما يجوزُ أكْلُ المَيْتَةِ في حالِ المَخْمَصَةِ، ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.

4461 -

مسألة: (ومَن شَرِبَه مُخْتَارًا عالِمًا أنَّ كَثِيرَه يُسْكِرُ، قَلِيلًا

648649 الحديث: 4461 - الجزء: 26 - الصفحة: 421

فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ثَمَانُونَ جَلْدَةً.
وَعَنْهُ، أَرْبَعُونَ إِنْ كَاْنَ حُرًّا.
كان أو كَثِيرًا، فعليه الحَدُّ ثَمَانُون جَلْدَةً.
وعنه، أرْبَعُونَ) ولا نعلمُ بينَهم خِلافًا في عَصِيرِ العِنَبِ غيرِ المَطْبُوخِ، واخْتَلَفُوا في سائِرِها، فمذهبُ أحمدَ التَّسْوِيَةُ بينَ عصيرِ العنبِ وغيرِه من المُسْكِراتِ.
وهو قولُ الحسنِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وقَتادَةَ، والأوْزاعِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ.
وقالت طائِفَةٌ: لا يُحَدُّ، إلَّا أن يُسْكرَ؛ منهم [أبو وائلٍ] 650 , والنَّخَعِىُّ، وكثيرٌ مِن أهلِ الكُوفَةِ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال أبو ثَوْرٍ: مَن شَرِبَه مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَه حُدَّ، ومَن شَرِبَه مُتَأوِّلًا 651، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ فيه، فأشْبَهَ النِّكاحَ بلا وَلِىٍّ.
ولَنا، ما رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-, أنَّه قال: «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ».
رَواه أبو داودَ، وغيرُه 652.

الجزء: 26 - الصفحة: 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد ثَبَت أنَّ كلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، فيَتَناوَلُ الحديثُ قليلَه وكثيرَه، ولأنَّه شَرابٌ فيه شِدَّة مُطْرِبَةٌ، فوَجَبَ الحَدُّ بقليله، كالخمرِ، والاخْتِلافُ فيها لا يَمْنَعُ وُجوبَ الحَدِّ فيها، بدليلِ ما لو اعْتَقَدَ تَحْرِيمَها.
وبهذا فارَقَ النِّكاحَ بلا وَلِىٍّ وغيرَه من المُخْتَلَفِ فيه، وقد حَدَّ عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قُدامَةَ بنَ مَظْعُونٍ، وأصحابَه، مع اعْتِقادِهم حِلَّ ما شَرِبُوه.
والفرقُ بينَ هذا وبينَ سائرِ المُخْتَلَفِ فيه من وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ فِعْلَ المُخْتَلَفِ فيه ههُنا دَاعِيةٌ إلى فِعْلِ ما أُجْمِعَ على تَحْرِيمِه، وفِعْلَ سائر المُخْتَلَفِ فيه يَصْرِفُ عن جِنْسِه من المُجْمَعِ على تَحْرِيمِه.
الثانى، أن السُّنَّةَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قد اسْتفاضَتْ بتَحْرِيمِ المُخْتَلَفِ فيه، فلم يَبْقَ فيه لأحَدٍ عُذْرٌ في اعْتقادِ إباحَتِه، بخِلافِ غيرِه من المُجْتَهَداتِ.
قال أحمدُ بنُ القاسم: سمعتُ أبا عبدِ اللَّهِ، يقولُ: في تحريمِ المُسْكِرِ عشرونَ وَجْهًا عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في بَعْضِها: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ».
وفى بعضِها: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».

الجزء: 26 - الصفحة: 423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وحَدُّه ثمانون، في إحْدى الرِّوايَتَيْن.
وبهذا قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومَن تَبِعَهم؛ لإجْماعِ الصَّحابةِ، فإنَّه رُوِى أنَّ عمرَ اسْتَشَارَ النَّاسَ في حَدِّ الخمرِ، فقال عبدُ الرحمنِ: اجْعَلْه كأخَفِّ الحدودِ ثمانينَ.
فضَرَبَ عمرُ ثمانين، وكَتَب به إلى خالدٍ، وأبى عُبَيْدَةَ بالشَّامِ 653. ورُوِىَ أنَّ عليًّا قال في المَشُورَةِ: إنَّه إذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افْتَرَى، فَحُدُّوه حَدَّ المُفْتَرِى.
روَى ذلك الجُوزْجَانِىُّ، والدَّارَقُطْنِىُّ، وغيرُهما 654. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، أنَّ الحَدَّ أربعون.
وهو اخْتيارُ أبى بكرٍ، ومذهبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ عليًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، جَلَد الوليدَ ابنَ عُقْبَةَ أربعين، ثم قال: جَلَد النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أرْبعين، وأبو بكرٍ أربعين،

الجزء: 26 - الصفحة: 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعمرُ ثمانين، وكلٌّ سُنَّةٌ، وهذا أحَبُّ إلىَّ.
رَواه مسلمٌ 655. وعن أنَسٍ، قال: أُتِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- برجلٍ قد شَرِب الخمرَ، فضَرَبَه بالنِّعالِ نحوًا مِن أربعين، ثم أُتِى به أبو بكرٍ، فصَنَعَ 656 مثلَ ذلك، ثم أُتِى به عمرُ، فاسْتَشَارَ النَّاسَ في الحُدُودِ، فقال ابنُ عوفٍ: أقَلُّ الحدودِ ثمانون.
فضَرَبَه عمرُ.
مُتَّفَقٌ عليه (1). وفعلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حُجَّةٌ لا يجوزُ تَرْكُه لفِعْلِ غيرِه، ولا يَنْعَقِدُ الإِجْماعُ على ما خالَفَ فعلَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبى بكرٍ وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، فتُحْمَلُ الزِّيادَةُ على أنَّها تَعْزِيرٌ، يجوزُ فِعْلُها إذا رَآها الإِمامُ.
فصل: وإنَّما يَلْزَمُ الحَدُّ مَن شَرِبَها مُخْتارًا لشُرْبِها، فإن شَرِبَها مُكْرَهًا، فلا حَدَّ عليه، ولا إثْمَ، سَواءٌ أُكْرِهَ بالوَعِيدِ أو الضَّرْبِ، أو أُلْجِئَ إلى شُرْبِها بأن يُفْتَحَ فُوه، وتُصَبَّ فيه، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «عُفِىَ

الجزء: 26 - الصفحة: 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأُمَّتِى عَنِ الخَطَأ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» 657. وكذلك مَن اضْطُرَّ إليها لدَفْعِ غُصَّةٍ 658 بها، إذا لمِ يَجِدْ مائِعًا سِوَاها، فإنَّ اللَّهَ تعالى قال في آيَةِ التَّحْرِيمِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ 659. وكذلك إن شَرِبَها لعَطَشٍ شديدٍ، وكانت مَمْزُوجَة بما يَرْوِى من العَطَشِ، فإنَّها تُباحُ بذلك عندَ الضَّرُورَةِ، كما تُبَاحُ المَيْتَةُ في المَخْمَصَةِ.
فصل: فإن ثَرَدَ في الخمرِ، أو اصْطَبَغَ به، أو طَبَخ به لَحْمًا فأكَلَ من مَرَقِه، فعليه الحَدُّ؛ لأَنَّ عينَ الخمرِ مَوْجودة، وكذلك إن لَتَّ به سَوِيقًا فأكَلَه.
فإن عَجَن به دَقِيقًا، فخَبَزَه وأكَلَه، لم يُحَدَّ؛ لأَنَّ النَّارَ أكَلَتْ أجْزاءَ الخمرِ، فلم يَبْقَ إلَّا أثَرُه، وإنِ احْتَقَنَ بالخمرِ، لم يُحَدَّ؛ لأنَّه ليس بشُرْبٍ ولا أكْلٍ، ولأنَّه لم يَصِلْ إلى حَلْقِه، فأشْبَهَ ما لو دَاوَى به جُرْحَه، فإنِ اسْتَعَطَ به، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّه أوْصَلَه إلى باطِنِه من حَلْقِه، ولذلك نَشَرَ الحُرْمَةَ في الرَّضاعِ دونَ الحُقْنَةِ.
وحُكِىَ عن أحمدَ، أنَّ على مَن احْتَقَنَ به الحَدَّ؛ لأنَّه أوْصَلَه إلى جَوْفِه.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْناه.

الجزء: 26 - الصفحة: 426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويُشْتَرَطُ لوُجُوبِ الحَدِّ على مَن شَرِبَها أن يَعْلَمَ أنَّ كثيرَها يُسْكِرُ، فإن لم يَعْلَمْ، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه غيرُ عالم بالتَّحْرِيمِ، ولا قَصَد ارْتِكابَ المَعْصِيَةِ بها، فأشْبَهَ مَن زُفَّتْ إليه غيرُ امرأتِه.
وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
فأمَّا مَن شَرِبَها غيرَ عالم بتَحْرِيمِها، فلا حَدَّ فيه أيضًا؛ لأَنَّ عمرَ وعثمانَ قالا: لا حَدَّ إلَّا على مَن عَلِمَه 660. ولأنَّه غيرُ عالمٍ بالتَّحْريمِ، أشْبَهَ مَن لم يَعْلَمْ أنَّها خَمْرٌ.
ومتى ادَّعَى الجَهْلَ بتَحْرِيمِها، وكان ناشِئًا ببَلَدِ الإِسْلامِ بينَ المسلمين، لم تُقْبَلْ دَعْواهُ؛ لأَنَّ هذا لا يَكادُ يَخْفَى على مِثْلِه، فلم تُقْبَلْ دَعْوَاه فيه.
وإن كان حديثَ عهدٍ بالإِسْلامِ، أو ناشِئًا بباديةٍ بعيدةٍ عن البُلدان 661 قُبلَ منه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما قالَه.

الجزء: 26 - الصفحة: 427

وَالرَّقِيقُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، إِلَّا الذِّمِّىَّ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ بِشُرْبِهِ، في الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ.

4462 - مسألة: (والرَّقِيقُ على النِّصْفِ مِن ذلك)

أى على النِّصْفِ مِن حَدِّ الحُرِّ، وهو أربعون، إن قُلْنا: إنَّ الحَدَّ ثمانون.
ويَسْتَوِى في ذلك العَبْدُ والأمَةُ.
وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى عشرون.
فصلِ: ويُجْلَدُ العَبْدُ والأمَةُ بدُونِ سَوْطِ الحُرِّ.
ذَكَرَه الخِرَقِىُّ؛ لأنَّه لَمَّا خُفِّف عنه في عَدَدِه، خُفِّفَ عنه في صِفَتِه، كالتَّعْزِيرِ مع الحَدِّ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ سَوْطُه كسَوْطِ الحُرِّ؛ لأنَّه إنَّما يَتَحَقَّقُ التَّنْصِيفُ [إذا كان السَّوْطُ مثلَ السَّوطِ، أمَّا إذا كان نِصْفًا في عَدَدِه، وأخَفَّ منه في سَوْطِه، كان أقَلَّ من النِّصْفِ] (1)، واللَّهُ سبحانَه قد أوْجَبَ النِّصْفَ بقولِه: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (2).

4463 -

مسألة: (والذِّمِّىُّ لا يُحَدُّ بشُرْبِه، في الصَّحِيحِ)

عنه؛ لأنَّه يَعْتَقِدُ حِلّه، فلم يُحَدَّ بفِعْلِه، كنِكاحِ المجوسِ ذواتِ مَحارِمِهم.
وعنه، يُحَدُّ، لأنَّه شَرِب مُسْكِرًا عالِمًا به مُخْتارًا، فأشْبَهَ شَارِبَ النَّبِيذِ إذا اعْتَقَدَ حِلَّه.662663

الحديث: 4462 - الجزء: 26 - الصفحة: 429

وَهَلْ يَجِبُ الْحَدُّ بِوُجُودِ الرَّائِحَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فصل: ولا يجبُ الحَدُّ حتى يَثْبُتَ شُرْبُه بأحَدِ شَيْئَيْن؛ الإقْرارِ أو البَيِّنَةِ.
ويَكفِى في (1) الإقْرارِ مَرَّةٌ واحِدَةٌ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ لأنَّه لا يَتَضَمَّنُ إتْلافًا، فأشْبَهَ حَدَّ القَذْفِ.
ومتى رَجَع عن إقْرارِه قُبِلَ رُجُوعُه؛ لأنَّه حَدٌّ للَّهِ سبحانَه، فقُبِلَ رُجُوعُه عنه (2)، كسائرِ الحُدُودِ.
ولا يُعْتَبَرُ مع الإِقْرارِ وُجودُ الرَّائحةِ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، لا حَدَّ عليه، إلَّا أن توجَدَ رائحة.
ولنا، أنَّه أحَدُ بَيِّنتَىِ الشُّرْبِ، فلم يُعْتَبَرْ معه وجُودُ الرّائحةِ، كالشَّهادَةِ، ولأنَّه قد يُقِرُّ بعدَ زَوالِ الرائحةِ عنه، ولأنَّه إقْرارٌ بحَدٍّ، فاكْتُفِىَ به، كسائرِ الحُدودِ.

4464 -

مسألة: (وهل يَجِبُ الحَدُّ بوُجُودِ الرّائحَةِ؟ على

664665 الحديث: 4464 - الجزء: 26 - الصفحة: 430

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رِوايَتَيْن) لا يَجِبُ الحَدُّ [بوجودِ رائحةِ الخمرِ] 666 مِن فِيه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وعن أحمدَ، أنَّه يُحَدُّ بذلك.
روَاها عنه أبو طالبٍ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأَنَّ ابنَ مسعودٍ جَلَد رجلًا وَجَد منه رائحةَ الخمرِ 667. ورُوِىَ عن عمرَ، أنَّه قال: إنى وَجَدْتُ من عُبَيْدِ اللَّهِ رِيحَ شَرابٍ، فأقَرَّ أنَّه شَرِبَ الطِّلاءَ 668. فقال عمرُ: إنِّى سائِلٌ عنه، فإن كان يُسْكِرُ جَلَدْتُه 669. ولأَنَّ الرّائحةَ تَدُلُّ على شُرْبِه، فَجَرَى مَجْرَى الإِقْرارِ.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأَنَّ الرَّائحةَ يَحْتَمِلُ أنَّه تَمَضْمَضَ بها، أو ظَنَّها ماءً، فلَمَّا صارتْ في فِيه مَجَّهَا، أو ظَنَّها لا تُسْكِرُ، أو كان مُكْرَهًا، أو أكَلَ نَبْقًا بالِغًا، أو شَرِب مِن 670 شَرابِ التُّفَّاحِ، فإنَّه يكونُ منه كرائحةِ الخمرِ، وإذا احْتَمَلَ ذلك، لم يجبِ الحَدُّ الذى يُدْرَأُ بالشُّبُهات.
وحديثُ عمرَ حُجَّةٌ لنا، فإنَّه لم يَكْتَفِ بوُجودِ الرائحةِ، ولو وَجَب ذلك، لبادَرَ إليه عمرُ.

الجزء: 26 - الصفحة: 431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن وَجَدَه سَكْرانَ، أو تَقَيَّأَ الخمرَ، فعن أحمدَ، لا حَدَّ عليه؛ لاحْتِمالِ أن يكونَ مُكْرَهًا، أو لم يَعْلَمْ أنَّها تُسْكِرُ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
ورِوايةُ أبى طالبٍ عنه في الحَدِّ بالرَّائحةِ تَدُلُ على وُجوبِ الحَدِّ ههُنا بطرِيقِ الأُوْلَى؛ لأَنَّ ذلك لا يكونُ إلَّا بعدَ شُرْبِها، فأَشْبَهَ ما لو قامَتِ البَيِّنةُ عليه 671 بشُرْبِها.
وقد روَى سعيدٌ، حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنا المُغيرةُ، عن الشَّعْبِىِّ، قال: لمَّا كان من أمْرِ قُدامةَ ما كانَ، جاءَ عَلْقَمَةُ الخَصِىُّ،

الجزء: 26 - الصفحة: 432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال: أشهدُ أنِّى رأيْتُه يَتَقَيَّؤُهَا.
فقالَ عمرُ: من قاءَها فقد شَرِبَها.
فضَرَبَه الحَدَّ 672. وروَى حُضَيْنُ بنُ المُنْذِرِ الرَّقاشِىُّ، قال: شَهِدْت عثمانَ، وأُتِىَ بالوليدِ بنِ عُقبَةَ، فشَهِدَ عليه حُمْرانُ ورجل آخَرُ، فشَهِدَ أحدُهما أنَّه رآه شَرِبَها، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه رآه يَتَقَيَّؤُها.
فقال عثمانُ: إَّنه لم يَتَقَيَّأْها حتى شَرِبَها.
فقال لعلىٍّ: أقِمْ عليه الحَدَّ.
فأمَرَ على عبدَ اللَّهِ بنَ جَعْفَرٍ، فضَرَبَه.
رَواه مسلمٌ 673. وفى رِوايةٍ، قال له عثمانُ: لقد تَنَطَّعْتَ في الشَّهادَةِ.
وهذا بمَحْضَرٍ مِن عُلَماءِ الصحايةِ وسادَتِهم، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا.
ولأنَّه يُكْتَفَى بالشَّهادَةِ عليه أنَّه شَرِبَها، ولا يَتَقَيَّؤُها أو لا يَسْكَرُ منها حتى يَشرَبَها.
فصل: وأمَّا البَيِّنَةُ، فلا تكونُ إلَّا رجلَيْن عَدْلَيْن مسلمَين، يَشْهَدانِ أنَّه شَرِب مُسْكِرًا، ولا يَحْتاجان إلى بَيانِ نوْعِه؛ لأنَّه لا يَنْقَسِمُ إلى ما يُوجِبُ الحَدَّ وإلى ما لا يُوجِبُه، بخِلافِ الزِّنى، فإنَّه يُطْلَقُ على الصَّرِيحِ وعلى

الجزء: 26 - الصفحة: 433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دَواعِيه، ولهذا قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» 674. فلهذا احْتاجَ الشَّاهِدُ إلى تَفْسِيرِه، وفى مسْألَتِنا لا يُسَمَّى غيرُ المُسْكِرِ مُسْكِرًا، فلم يَفْتَقِرْ إلى ذِكْرِ نَوْعِه، ولا يَفْتَقِرُ في الشَّهادَةِ إلى ذِكْرِ عَدَمِ الإِكْراهِ، ولا ذِكْرِ عِلْمِه أنَّه مُسْكِرٌ؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ الاخْتِيارُ والعلمُ، وما عَداهما نادِرٌ، فلم يَحْتَجْ إلى إثْباتِه، ولذلك لم يُعْتَبَرْ في شئٍ مِن الشَّهاداتِ، ولم يَعْتَبِرْه عثمانُ في الشَّهادَةِ على الوليدِ بنِ عُقْبَةَ، ولا عمرُ في الشَّهادَةِ على قُدامَةَ بنِ مَظْعُونٍ، ولا في الشَّهادَةِ على المُغِيرةِ بنِ شُعْبَةَ، ولو شَهِدا 675 بعِتْقٍ أو طَلاقٍ، لم يَفْتَقِرْ إلى ذِكْرِ الاخْتِيارِ، كذا ههُنا.

الجزء: 26 - الصفحة: 434

وَالْعَصِيرُ إِذَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، حَرُمَ، إِلَّا أَنْ يَغْلِىَ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَحْرُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ.

4465 - مسألة: (وَالْعَصِيرُ إِذَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، حَرُمَ، إِلَّا أَنْ يَغْلِىَ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَحْرُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ)

أما إذا غَلَى العَصِيرُ كغَلَيإنِ القِدْرِ، وقَذَف بزَبَدِه، فلا خِلاف في تَحْرِيمِه.
وإنْ أتَتْ عليه ثلاثةُ أَيَّام ولم يَغْلِ، فقال أصحابُنا: هو حَرَامٌ.
وقال أحمدُ: اشْرَبْه ثلاثًا ما لم يَغْلِ، فإذا أتَتْ عليه أكثرُ من ثلاثةِ أَيَّامٍ، فلا تَشْرَبْه.
وأكثرُ أهلِ العلمِ يَقُولُونَ: هو مُبَاحٌ ما لم يَغْلِ ويُسْكِرْ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اشْرَبُوا في كُلِّ وعَاءٍ، ولا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا».
أخْرَجَه أبو داودَ 676. ولأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِه الشِّدَّةُ المُطْرِبَةُ، وإنَّما ذلك في المُسْكِرِ خاصَّةً.
ووَجْه الأوَّل ما روَى أبو داودَ 677، بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُنْبَذُ له

الحديث: 4465 - الجزء: 26 - الصفحة: 435

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الزَّبِيبُ، فيَشْرَبُه اليومَ والغَدَ وبعدَ الغَدِ، إلى مساءِ الثالثةِ، ثم يَأْمُرُ به فيُسْقَى الخَدَمَ، أو يُهَرَاقُ.
وروَى الشَّالَنْجِىُّ، بإسْنادِه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «اشْرَبُوا العَصِيرَ ثَلاثًا، مَا لَمْ يَغْلِ» 678. وقال ابنُ عمرَ: اشْرَبْه ما لم يَأْخُذْه شَيْطانُه.
قيل: وفى كمْ يَأْخُذُه شَيْطانه؟ قال: في

الجزء: 26 - الصفحة: 436

وَعِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى عَصِيرٍ يَتَخَمَّرُ في ثَلَاثٍ غَالِبًا.
ثلاثٍ (1). ولأَنَّ الشِّدَّةَ تَحْصُلُ في الثَّلاثِ غالِبًا، وهى خَفِيَّةٌ، تَحْتاجُ إلى ضابطٍ، فجاز جَعْلُ الثَّلاثِ ضابِطًا لها.
قال شيخُنا (2): ويَحْتَمِلُ أن يكونَ شُرْبُه بعدَ الثَّلاثِ إذا لم يَغْلِ مَكْرُوهًا غيرَ مُحَرَّم، فإنَّ أحمدَ لم يُصَرِّحْ بالتَّحْرِيمِ، وقال في مَوْضِعٍ: أكْرَهُه.
وذلك لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَكُنْ يَشْرَبُه بعدَ ثلاثٍ.

4466 -

مسألة: وقال أبو الخَطَّابِ: عِندى أنَّ كلامَ أحمدَ في ذلك مَحْمُولٌ عَلَى عصيرٍ الغالِبُ أنَّه يَتَخَمَّرُ في ثلاثةِ أَيَّامٍ.

فصل: وكذلك النَّبيذُ مُباحٌ ما لم يَغْلِ، أو يَأْتِىَ عليه ثلاثةُ أَيَّامٍ.
والنَّبِيذُ ما يُلْقَى فيه تمرٌ أَو زَبيبٌ أو نحوُهُما؛ ليَحْلوَ به الماءُ، وتَذهَبَ مُلُوحَتُه، فلا بَأْسَ به ما لم يَغْلِ، أو يَأْتِىَ عليه ثلاثةُ أَيَّامٍ؛ لِما رَوَيْنا عن ابنِ عباسٍ.
وقال أبو هُرَيْرَةَ: عَلِمْتُ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَصُومُ، فتَحَيَّنْتُ فِطْرَه.
بنَبِيذٍ صَنَعْتُه في دُبَّاءَ، ثم أتَيْتُه به، فإذا هو يَنِشُّ.
فقال: «اضْرِبْ بِهَذَا الحَائِطَ، فَإنَّ هذَا شَرَابُ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ679680

الحديث: 4466 - الجزء: 26 - الصفحة: 437

وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَتْرُكَ في الْمَاءِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا وَنَحْوَهُ، لِيَأَخُذَ مُلُوحَتَهُ، مَا لَمْ يَشْتَدَّ، أَوْ يَأْتِىَ عَلَيْهِ ثَلَاثٌ.
وَلَا يُكْرَهُ الْانْتِبَاذُ في الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ.
الآخِرِ».
روَاه أبو داودَ (1). ولأنَّه إذا بَلَغ ذلك صارَ مُسْكِرًا، وكلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ.

4467 -

مسألة: (وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَتْرُكَ في الْمَاءِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا وَنَحْوَهُ؛ لِيَأَخُذَ مُلُوحَتَهُ، مَا لَمْ يَشْتَدَّ، أَوْ يَأْتِىَ عَلَيْهِ ثَلَاثٌ)

لِما ذَكَرْنا في الفصلِ الَّذى قبلَه 4468 -

مسألة: (ولا يُكْرَهُ الانْتِباذُ في الدُّبَّاءِ، والحَنْتَمِ،

681 الحديث: 4467 - الجزء: 26 - الصفحة: 438

وَعَنْهُ، يُكْرَهُ.
والنَّقِيرِ، والمُزَفَّتِ) [يجوزُ الانْتِباذُ في الأوْعِيَةِ كلِّها.
وعن أحمدَ، أنَّه يُكْرَهُ الانْتِباذُ في الدُّبَّاءِ والحَنْتَمِ والنَّقِيرِ والمُزَفَّتِ] 682؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الانْتِباذِ فيها 683. والدُّبَّاءُ: اليَقْطِينُ 684. والحَنْتَمُ: الجِرارُ.
والنَّقِيرُ: الخَشَبُ.
والمُزَفَّتُ: الَّذى يُطْلَى بالزِّفْتِ.
والصَّحِيحُ أَنَّه لا يُكْرَهُ؛ لِما روَى بُرَيْدَةُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «نَهَيْتُكُمْ عَن ثَلَاثٍ، وأنَا آمُرُكُمْ بِهِنَّ، نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأشْرِبَةِ [أن لا تَشْرَبُوا إلَّا] 685 في ظُرُوفِ الأَدَمِ، فَاشْرَبُوا في كُلِّ وِعَاءٍ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا».
رَواه مسلمٌ 686. وهذا

الجزء: 26 - الصفحة: 439

وَيُكْرَهُ الْخَلِيطَانِ، وَهُوَ أَنْ يَنْتَبِذَ شَيْئَيْنِ، كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ.
دَلِيلٌ على نَسْخِ النَّهْى، ولا حُكْمَ للمَنْسُوخِ.
فصل: وما طُبِخَ مِن النَّبيذِ والعَصِيرِ قبلَ غَلَيَانِه، حتَّى صارَ غيرَ مُسْكِرٍ، كالدِّبْسِ (1)، ورُبِّ الخَرُّوبِ، وغيرِهما من المُرَبَّيَاتِ والسُّكَّرِ، فهو مُبَاحٌ، لأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما ثَبَت في المُسْكِرِ، ففيما عَدَاه يَبْقَى على أصْلٍ الإِباحَةِ، وما أسْكَرَ كثيرُه فقلِيلُه حَرامٌ، سَواءٌ ذَهَب منه الثُّلُثان، أو أقَلُّ، أو أكثرُ.
قال أبو داودَ: سألتُ أحمدَ عن شُرْبِ الطِّلَاءِ إذا ذهبَ ثُلُثاه (2)، وبَقِىَ ثُلُثه؟ قال: لا بَأْسَ به.
قيل لأحمدَ: إنَّهم يقولونَ: إنَّه يُسْكِرُ.
قال: لا يُسْكِرُ، لو كان يُسْكِرُ ما أحَلَّه عمرُ.

4469 -

مسألة: (ويُكْرَهُ الخَلِيطَان، وهو أن يَنْتَبِذَ شَيْئَيْن،

687688 الحديث: 4469 - الجزء: 26 - الصفحة: 440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالتَّمْرِ والزَّبِيبِ) لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الخَلِيطَين 689. وقال أحمدُ: الخَلِيطان حَرامٌ.
وقال في رجلٍ يَنْقعُ الزَّبِيبَ، والتَّمْرَ الهِنْدِىَّ، والعُنَّابَ ونحوَه، يَنْقَعُه غُدْوَةً، ويَشْرَبُه عَشِيَّةَ للدَّواءِ: أكْرَهُه؛ لأنَّه نَبِيذٌ، ولكن يَطْبُخُه ويَشْرَبُه على المَكانِ.
وقد روَى أبو داودَ 690 بإسْنادِه، عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه نَهَى أن يُنْبَذَ الرُّطَبُ والبُسْرُ جميعًا، ونَهَى أن يُنْبَذَ التمرُ والزَّبِيبُ جميعًا.
وفى رِوايةٍ: «انْتَبذُوا كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ» 691. وعن أبى قَتادَةَ، قال: نَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ يُجْمَعَ بينَ التَّمْرِ والزَّهْوِ 692، والتَّمْرِ

الجزء: 26 - الصفحة: 441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والزَّبِيبِ، ولْيُنْتَبَذْ كلُّ واحدٍ منهما على حِدَةٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 693. قال القاضى: يَعْنِى أحمدُ بقولِه: هو حَرامٌ.
إذا اشْتَدَّ وأسْكَرَ، وإذا لم يُسْكِرْ لم يَحْرُمْ.
وهذا هو الصَّحِيحُ، إن شاء اللَّهُ، وإنَّما نَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعلةِ إسْراعِه إلى السُّكْرِ المُحَرَّمِ، فإذا لم يُوجَدْ، لم يَثْبُتِ التَّحْرِيمُ، كما أنَّه عليه السَّلامُ نَهَى عن الانْتِباذِ في الأوعِيَةِ المَذْكُورَةِ لهذه العِلَّةِ، ثم أمَرَهُم بالشُّرْبِ فيها، ما لم تُوجَدْ حقيقةُ الإِسْكارِ، وقد دَلَّ على صِحَّةِ هذا ما رُوِى عن عائشةَ، قالت: كنَّا نَنْبِذُ لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فنَأخُذُ قَبْضةً من تَمْرٍ، وقَبْضَةً من زبيبٍ، فنَطْرَحُها فيه، ثم نَصُبُّ عليه الماءَ، فَنَنْبِذُه غُدْوَةً، فيَشْرَبُه عَشِيَّةً، ونَنْبِذُه عَشِيَّة، فيَشْربُه غُدْوَةً.
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه 694. فلمَّا كانت مُدَّةُ الانْتِباذِ قريبةً، وهى يومٌ وليلةٌ،

الجزء: 26 - الصفحة: 442

وَلَا بَأْسَ بِالْفُقَّاعَ.
لا يُتَوَهَّمُ الإسْكارُ فيها، لم يُكْرَهْ، ولو كان مَكْرُوهًا لَمَا فُعِلَ هذا في بيتِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- له.
فعلى هذا، لا يُكْرَهُ ما كان في المُدَّةِ اليَسِيرَةِ، ويُكْرَهُ ما كان في مُدَّةٍ يَحْتَمِلُ إفْضاؤُه إلى الإِسْكارِ، ولا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ ما لم يَغْلِ، أو تَمْضِىَ عليه ثلاثةُ أَيَّامٍ.

4470 -

مسألة: (ولا بأْسَ بالفُقَّاعِ)

695 وبه قال إسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
قال شيخُنا 696: ولا أعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لا يُسْكِرُ، وإذا تُرِكَ يَفْسُدُ، بخلافِ الخمرِ، والأشْياءُ على الإِباحةِ ما لم يَرِدْ بتَحْرِيمِها حُجَّةٌ.

الحديث: 4470 - الجزء: 26 - الصفحة: 443

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والخَمْرَةُ إذا أُفْسِدَتْ، فصُيِّرَتْ خَلًّا، لم تَحِلَّ، وإن قَلَب اللَّهُ عَيْنَها فصارَتْ خَلًّا، فهى حَلالٌ.
رُوِى هذا عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وبه قال الزُّهْرِىُّ.
ونحوُ؛ قولُ مالكٍ.
وقال الشافعىُّ: إن أُلقِىَ فيها شئٌ يُفْسِدُها كالمِلْحِ، فتخلَّلَتْ، فهى على تَحْرِيمِها، وإن نُقِلَتْ مِن شمسٍ إلى ظِلٍّ، أو مِن ظِلٍّ إلى شمسٍ، فتَخَلَّلَتْ، ففى إباحَتِها قَوْلان.
وقال أبو حنيفةَ: تَطْهُرُ في الحالَيْن؛ لأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِها زالَتْ بتَخْلِيلِها فطَهُرَتْ، كما لو تَخَلَّلَتْ بنَفْسِها، يُحَقِّقُه أنَّ التَّطهِيرَ لا فَرْقَ فيه بينَ ما حَصَل بفِعْلِ اللَّهِ تعالى، وفِعْلِ الآدَمِىِّ، كتَطْهيرِ الثَّوْبِ والبَدَنِ والأَرْضِ.
ونحوُ هذا قولُ عَطاءٍ، وعمرو بنِ دِينارٍ، والحارِثِ العُكْلِىِّ.
وذَكَرَه أبو الخَطَّابِ وَجْهًا في مذهَبِنا.
ولَنا، ما روَى أبو سعيدٍ، قال: كان عندَنا خَمْرٌ ليَتِيمٍ، فلمَّا نَزَلَتِ المائدةُ، سألتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّه لَيَتِيمٌ؟ قال: «أَهْرِيقُوهُ».
رَواه التِّرْمِذِىُّ 697، وقال: حديثٌ حَسَنٌ.
وعن أنَس، قال: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أتُتَّخَذُ الخمرُ خَلًّا؟ قال: «لَا».
رَواه مسلمٌ، والتِّرْمِذِىُّ 698،

الجزء: 26 - الصفحة: 444

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال: حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ.
وعن أبى طَلْحَةَ، أنَّه سألَ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أيْتامٍ وَرِثُوا خَمْرًا؟ فقال: «اهرِقْهَا».
قال: أفَلا أُحَلِّلُها؟ قال: «لَا».
رَواه أبو داودَ 699. وهذا نَهْىٌ يَقْتَضِى التَّحْرِيمَ، ولو كان إلى اسْتِصْلاحِها سَبِيلٌ، لم تَجُزْ إراقتُها، بل أرْشَدَهم إليه 700، سِيّما وهى لأيْتامٍ يَحْرُمُ التَّفْرِيطُ في أمْوالِهم، ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابةِ، فرُوِىَ أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، صَعِدَ المِنْبَرَ، فقال: لا يَحِلُّ خَلُّ خَمْرٍ أُفْسِدَت، حتَّى يكونَ اللَّهُ تعالى هو الَّذى تَوَلَّى إفْسادَها، ولا بَأْسَ على مسلمٍ ابْتاعَ مِن أَهْلِ الكتابِ خَلًّا، ما لم يَتَعَمَّدْ إفسادَها.
رواه أبو عُبَيْدٍ في «الأَمْوالِ» بنَحْوٍ من هذا المعنى 701. وهذا قولٌ يَشْتَهِرُ؛ لأنَّه خَطَب به النَّاسَ على المِنْبَرِ، فلم يُنْكَرْ.
فأمَّا إذا انْقَلَبَتْ بنَفْسِها، فإنَّها تَطْهُرُ وتَحِلُّ، في قولِ جميعِهم، فقد رُوِى عن جماعةٍ من الأوائِلِ، أنَّهمِ اصْطَبَغُوا بخَلِّ خمرٍ؛ منهم علىٌّ، وأبو الدَّرْدَاء.
ورَخَّصَ فيه الحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ.
وليس في شئٍ من أخْبارِهم أنَّهَم اتَّخَذُوه خَلًّا، [ولا أنَّه] 702 انْقَلَبَ بنَفْسِه، لكنْ قد بَيَنّهَ عمرُ بقولِه: لا يَحِلُّ خَلُّ خمرٍ افْسِدَتْ، حتَّى يكونَ اللَّهُ تعالى هو الَّذى يَتَوَلَّى إفْسادَها.
ولأنَّها إذا انْقَلَبَتْ بنَفْسِها، فقد زالَتْ عِلَّةُ

الجزء: 26 - الصفحة: 445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَحْرِيمِها، من غيرِ عِلَّةٍ خَلَفَتْها، فطَهُرَتْ، كالماءِ إذا زالَ تَغَيُّره بمُكْثِه.
وإذا أُلْقِىَ فيها شئٌ يَنْجُسُ بها، ثم انْقَلَبَتْ، بَقِىَ ما أُلْقِىَ فيها نَجِسًا، فنَجَّسَها وحَرَّمَها.
فأمَّا إن نَقَلَها مِن مَوْضِعٍ إلى آخَرَ، فتَخَلَّلَتْ مِن غيرِ أن يُلْقِىَ فيها شيئًا، فإن لم يَكُنْ قَصَد تَخْلِيلَها، حَلَّتْ بذلك؛ لأنَّها تخلَّلَتْ بفِعْلٍ اللَّهِ تعالى فيها، وإن قَصَد بذلك تخْلِيلَها، احْتَمَلَ أن تَطْهُرَ، لأنَّه لا فَرْقَ بينَهما إلَّا القَصْدُ، فلا يَقْتَضِى تحْريمَها.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَطْهُرَ، لأنَّها خلَّلَت، فلم تَطْهُرْ، كما لو أُلْقِىَ فيها شئٌ.

الجزء: 26 - الصفحة: 446

بَابُ التَّعْزِيرِ

وَهُوَ التَّأْدِيبُ، وَهُوَ وَاجِبٌ فِى كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ، كَالْاسْتِمْتَاعِ الَّذِى لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَإتْيَانِ الْمَرأَةِ الْمَرأَةِ، وَسَرِقَةِ مَا لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ، وَالْجِنَايَةِ عَلَى النَّاسِ بِمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَالْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَى وَنَحْوِهِ.
بَابُ التَّعْزِيرِ وَهُوَ التَّأْدِيبُ، وَهُوَ وَاجِبٌ فِى كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ، كَالْاسْتِمْتَاعِ الَّذِى لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَإتْيَانِ الْمَرأَةِ الْمَرأَةِ، وَسَرِقَةِ مَا لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ، وَالْجِنَايَةِ عَلَى النَّاسِ بِمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَالْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَى وَنَحْوِهِ) والنَّهْبِ والغَصْبِ والاخْتِلاسِ.
وسُمِّىَ تَعْزِيرًا، لأنَّه

الجزء: 26 - الصفحة: 447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَمْنَعُ من الجِنايَةِ.
والأَصْلُ في التَّعْزِيرِ المَنْعُ، ومنه التَّعْزِيرُ بمعنى النُّصْرَةِ؛

الجزء: 26 - الصفحة: 448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّه مَنْعٌ لعَدُوِّه من أذاه.

الجزء: 26 - الصفحة: 449

وَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ امْرَأَتِهِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ أَحَلَّتْهَا لَهُ، فَيُجْلَدُ مِائَةً.

4471 - مسألة: (وَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ امْرَأَتِهِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ)

قد (أحَلَّتْها له، فيُجْلَدُ مائَةً.
وهل يَلْحَقُه نَسَبُ وَلَدِها؟ على رِوايَتَيْن) أمَّا إذا وَطِئَ جاريةَ امرأتِه بإذْنِها، فإنَّه يُجْلَدُ مائةً، ولا يُرْجَمُ إن كان ثَيِّبًا، وإن كان بِكرًا لم يُغَرَّبْ.
وإن لم تَكُنْ أحَلَّتْها له، فهو زانٍ، حُكْمُه حُكْمُ الزَّانِى بجارِيَةِ الأجْنَبِىِّ.
وحُكِىَ عن النُّخَعِىِّ، أنَّه يُعَزَّرُ، ولا حَدَّ عليه؛ لأنَّه يَمْلِكُ امرأتَه، فكانت له شُبْهَةٌ في مَمْلُوكَتِها.
وعن عمرَ، وعَلىٍّ، وعَطاءٍ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، أنَّه كوَطْءِ الأجْنَبِيَّةِ، سَواءٌ أحَلَّتْها له أو لم تُحِلَّها؛ لأنَّه لا شُبْهَةَ له فيها، فأشْبَهَ جاريةَ أُخْتِه، ولأنَّه إباحَةٌ لوَطْءِ مُحَرَّمَةٍ عليه، فلم يَكُنْ شُبْهَةً، كإباحةِ سائرِ المُلَّاكِ.
وعن ابنِ مسعودٍ، والحسنِ، إن كان اسْتَكْرَهَها، فعليه غُرْمُ مِثْلِها، وتَعْتِقُ، وإن كانت طاوَعَتْه، فعليه غُرْمُ مِثْلِها، ويَمْلِكُها؛ لأَنَّ

الحديث: 4471 - الجزء: 26 - الصفحة: 451

وَهَلْ يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
هذا يُرْوَى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد رَواه ابنُ عبدِ البَرِّ (1)، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ.
ولَنا، ما روَى أبو داودَ (2)، بإسْنادِه، عن حبيبِ بنِ سالمٍ، أنَّ رجلًا يُقالُ له: عبدُ الرحمنِ ابنُ حُنَيْنٍ، وَقَعِ على جارِيةِ امرأتِه، فرُفِعَ إلى النُّعْمانِ بنِ بشيرٍ، وهو أميرٌ على (3) الكُوفةِ، فقال: لأقْضِيَنَّ فيك بقَضِيَّةِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ إنْ كانت أحَلَّتْها لك جَلَدْتُكَ مائةً، وإن لم تَكُنْ أحَلَّتْها لك رَجَمْتُك بالحِجارَةِ.
فوَجَدُوها أحَلَّتْها له، فجلَدَه مائةً.

4472 -

مسألة: (وهل يَلْحَقُه نَسَبُ وَلَدِها)

إذا حَمَلَتْ من هذا الوَطْءِ؟ (على رِوايَتَيْن) إحْدَاهما، يَلْحَقُ؛ لأنَّه وَطْءٌ لا يَجِبُ به الحَدُّ،703704705

الحديث: 4472 - الجزء: 26 - الصفحة: 452

وَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِالإِبَاحَةِ في غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
فلَحِقَ به النَّسَبُ، كوطءِ الجاريةِ المُشْتَرَكَةِ.
والأُخْرَى، لا يَلْحَقُ به؛ لأنَّه وَطْءٌ في غيرِ مِلْكٍ، ولا شُبْهَةِ مِلاكٍ، أشْبَهَ الزِّنَى المَحْضَ.

4473 -

مسألة: (ولا يَسْقُطُ الحدُّ بالإِباحَةِ في غيرِ هذا المَوْضِعِ)

لعُمومِ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ على وُجُوبِ الحَدِّ على الزَّانِى، وإنَّما سَقَط الحَدُّ في هذا المَوْضِعِ؛ لحديثِ النُّعْمانِ.

الحديث: 4473 - الجزء: 26 - الصفحة: 453

وَلَا يُزَادُ في التَّعْزِيرِ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ، في عيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ولَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إِلَّا في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ».
وَعَنْهُ، مَا كَانَ سبَبُهُ الْوَطْءَ، كَوَطْءِ جَارِيَتِهِ الْمُشْتَرَكَةِ والْمُزَوَّجَةِ وَنَحْوِهِ، ضَرْبُ مِائَةٍ، ويَسْقُطُ عَنْهُ النَّفْىُ،

4474 - مسألة: (ولا يُزادُ في التَّعْزِيرِ على عَشْرِ جَلَداتٍ، في غيْرِ هذا المَوْضِعٍ.
وعنه، ما كان سببُه الوَطْءَ، كوَطْءِ جارِيَتِه المُشْتَرَكَةِ والمُزَوَّجَةِ ونحْوِه، ضُرِبَ مائةً، ويَسْقُطُ عنه)

التَّغرِيبُ.
اخْتلفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، في قَدْرِ التَّعْزيرِ، فرُوِىَ عنه أنَّه لا يُزادُ على عشْرِ جَلَداتٍ.
نَصَّ عليه في مَواضِعَ.
وهو قولُ إسحاقَ؛ لِما روَى أبو بُرْدَةَ، قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «لَا يُجْلَدُ أحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ

الحديث: 4474 - الجزء: 26 - الصفحة: 454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جَلَدَاتٍ، إلَّا في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 706. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لَا يَبْلُغُ به الحَدَّ.
وهو الَّذى ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ لا يَبْلُغُ به أدْنَى حَدٍّ 707 مَشْرُوعٍ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
فعلى هذا، لا يَبْلُغُ به أربعين سَوْطًا؛ لأنَّها حَدُّ العَبْدِ في الخَمْرِ والقذفِ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ.
وإن قُلْنا: إنَّ حَدَّ الخمرِ أربعون.
لم يَبْلُغْ به عشرين سَوْطًا في حَقِّ العبدِ، وأربعين في حَقِّ الحُرِّ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
فلا يُزادُ العبدُ على تسعةَ عشَرَ سَوْطًا، ولا الحُرُّ على تسعةٍ وثلاثين.
وقال ابنُ أبى ليلى، وأبو يوسفَ: أدْنَى الحُدودِ ثمانون، فلا يُزادُ في التَّعْزِيرِ على تسعةٍ وسَبْعين.
ويَحْتَمِلُ كلامُ أحمدَ والخِرَقِىِّ، أن لا يَبْلُغَ بكلِّ جِنايةٍ حدًّا مشروعًا في جِنْسِها، ويجوزُ أن يَزِيدَ على حَدِّ غيرِ جِنْسِها.
فعلى هذا، ما كان سَبَبُه 708 الوَطْءَ، جازَ أن يُجْلَدَ مائةً إلَّا سَوْطًا؛ ليَنْقُصَ عن حَدِّ الزِّنَى، وما كان

الجزء: 26 - الصفحة: 455

وَكَذَلِكَ يَتَخَرَّجُ في مَن أَتَى بَهِيمَةً.
وَغَيْرُ الْوَطْءِ لَا يُبْلَغُ بِهِ أَدْنَى الْحُدُودِ.
سَبَبُه غيرَ الوَطْءِ، لم يَبْلُغْ به أدْنَى الحُدودِ 709؛ لِما ذَكَرْنا من حديثِ النُّعْمانِ بنِ بَشِيرٍ، في الَّذى وَطِئَ جاريةَ امرأتِه بإذْنِها.
أنَّه يُجْلَدُ مائةً.
وهذا تَعْزِيرٌ؛ لأنَّه في حَقِّ المُحْصنِ إنَّما هو الرَّجْمُ.
وعن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، عن عمرَ، في أمَةٍ بينَ رجليْن، وَطِئَها أحدُهما: يُجْلَدُ الحَدَّ إلَّا سَوْطًا واحِدًا 710. رَواه الأثرَمُ، واحْتَجَّ به أحمدُ.
قال القاضى: هذا عندى من نَصِّ أحمدَ لا يَقْتَضِى اخْتِلافًا في التَّعْزِيرِ، بل المذهبُ أنَّه لا يُزادُ على عَشْرِ جَلَداتٍ؛ اتِّبَاعًا للأثَرِ 711، إلَّا في وَطْءِ جاريةِ امرأتِه؛ لحديثِ النُّعْمانِ، وفى الجارِيَةِ المُشتَرَكَةِ؛ لحديثِ عمرَ، وما عَدَاهما يَبْقَى على العُمومِ؛ لحديثِ أبى بُرْدَةَ.
وهذا قولٌ حَسَنٌ 712. وإذا ثَبَت تَقْدِيرُ أكثَرِه، فليسَ أقَلُّه مُقَدَّرًا؛ لأنَّه لو تَقَدَّرَ لَكانَ حَدًّا، ولأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَدَّرَ أكثرَه، ولم يُقَدِّرْ أقَلَّه، فيُرجَعُ فيه إلى اجْتِهادِ الإِمامِ أو الحاكِمِ فيما يَراه،

الجزء: 26 - الصفحة: 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وما يَقْتَضِيه حالُ الشَّخْصِ.
وقال مالكٌ: يجوزُ أن يُزادَ التَّعْزِيرُ على الحَدِّ، إذا رَأَى الإِمامُ؛ لِما رُوِى أنَّ مَعْنَ بنَ زَائِدَةَ، عَمِلَ خاتَمًا على نَقْشِ خاتَمِ بيتِ المالِ، ثم جاءَ به صاحبَ بيتِ المالِ، فأخَذَ منه مالًا، فبَلَغَ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فضَرَبَه مائةً، وحَبَسه، وكُلِّمَ فيه، فضَرَبَه مائةً أُخْرَى، فكُلِّمَ فيه من بعدُ، فضربَه مائةً ونَفاه 713. وروَى أحمدُ بإسْنادِه، أنَّ عليًّا أُتِى بالنَّجَاشِىِّ قد شَرِب خَمْرًا في رمضانَ، فجَلَدَه 714

الجزء: 26 - الصفحة: 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثمانينَ الحَدَّ، وعشرينَ سَوْطًا لفِطْرِه في 715 رمضانَ 716. ورُوِىَ أنَّ أبا الأَسْوَدِ اسْتَخْلَفَه ابنُ عباسٍ على قضاءِ البصرةِ، فأُتِىَ بسارِقٍ قد كان جَمَعَ المَتاعَ في البيتِ، ولم يُخْرِجْه، فقال أبو الأسْوَدِ: أعْجَلْتُمُ المِسْكِينَ.
فضَرَبَه خمسةً وعشرين سَوْطًا وخَلَّى سبيلَه 717. ولَنا، حديثُ أبى بُرْدَةَ، وهو صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عليه.
وروَى الشَّالَنْجِىُّ 718 بإسْنادِه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «مَنْ بَلَغَ حَدًّا في غَيْرِ حَدٍّ، فَهُوَ مِنَ المُعْتَدِينَ».
ولأَنَّ العُقوبَةَ على قَدْرِ الإِجْرامِ، والمَعاصِىَ المَنْصُوصَ على حُدُودِها أعْظَمُ من غيرِها، فلا يجوزُ أن يَبْلُغَ في أهْوَنِ الأَمْرَيْن عُقُوبَةَ أعْظَمِهما.
وما قالُوه يُفْضِى إلى أنَّ مَن قَبَّلَ امرأةَ حَرامًا، يُضْرَبُ أكثرَ مِن حَدِّ الزِّنَى، وهذا غيرُ جائزٍ، لأَنَّ الزِّنَى مع عِظَمِه وفُحْشِه، لا يجوزُ أن يُزَادَ على حَدِّه، فما دُونَه أوْلَى.

الجزء: 26 - الصفحة: 458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأمَّا حديثُ مَعْنٍ، فَلعَلَّه كانت له ذُنُوبٌ كثيرةٌ، فأُدِّبَ على جميعِها، أو تَكَرَّرَ منه الأخْذُ، أو كان ذَنْبُه مُشْتَمِلًا على جِناياتٍ؛ أحدُها، تَزْوِيرُه، والثانى، أخْذُه لمالِ 719 بيتِ المالِ بغيرِ حَقِّه، والثالثُ، فَتْحُه بابَ هذه الحِيلَةِ لغيرِه، وغيرُ هذا، وأمَّا حديثُ النَّجَاشِىِّ، فإنَّ عليًّا ضَرَبَه الحَدَّ لشُرْبِهِ، [ثم عَزَّرَه عشرين لفِطْرِه، فلم يبلُغْ بتَعْزِيرِه حَدًّا.
وقد ذَهَب أحمدُ إلى هذا، ورَأَى أنَّ مَن شَرِب] 720 الخمرَ في رمضانَ يُحَدُّ (1)، ثم يُعَزَّرُ؛ لجِنايَتِه من وَجْهَيْن.
والذي يَدُلُّ على صِحَّةِ ما ذَكَرْناه، ما رُوِى أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَب إلى أبى موسى، أن لا يَبْلُغَ بنَكالٍ أكثرَ من عشرينَ سَوْطًا 721.

الجزء: 26 - الصفحة: 459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والتَّعْزِيرُ يكونُ بالضَّرْبِ والحَبْسِ والتَّوْبِيخِ.
ولا يجوزُ قَطْعُ شئٍ منه، ولا جَرْحُه، ولا أخْذُ مالِه؛ لأَنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بشئٍ من ذلك عن أحَدٍ يُقْتَدَى به، ولأَنَّ الواجِبَ أدَبٌ، والتَّأْدِيبُ لا يكونُ بالإِتْلافِ، وإن رَأَى الإِمامُ العَفْوَ عنه، جازَ.

الجزء: 26 - الصفحة: 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والتَّعْزِيرُ فيما شُرِعَ فيه التَّعْزِيرُ واجِبٌ، إذا رَآه الإِمامُ.
وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: ليس بواجِبٍ؛ لأَنَّ رجلًا جاءَ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: إنِّى لَقِيتُ امرأةً، فأصَبْتُ منها ما دونَ أن أطأَها.

الجزء: 26 - الصفحة: 461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقال «أصَلَّيْتَ مَعَنَا؟».
قال: نعم.
فَتَلا عليه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ 722. وقال في الأنْصارِ: «قْبَلُوا مِن مُحْسِنِهم، وتَجاوَزُوا عن مُسِيئِهم» 723. وقال رجلٌ للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حُكْمٍ حَكَم به للزُّبَيْرِ: أن كان ابنَ عَمَّتِكَ؟ فغَضِبَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يُعَزِّرْه على مَقالَتِه 724. وقال

الجزء: 26 - الصفحة: 462

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له رجلٌ: إنَّ هذه لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بها وَجْهُ اللَّه 725. ولَنا، أنَّ ما كان من التَّعْزِيرِ مَنْصُوصًا عليه، كوَطْءِ جاريةِ امرأتِه، أو 726 جاريةٍ مُشْتَرَكَةٍ، فيَجِبُ امْتِثالُ الأمرِ فيه، وما لم يَكُنْ مَنْصُوصًا عليه، إذا رأى الإِمامُ المَصْلَحَةَ فيه، أو عَلِم أنَّه لا يَنْزَجِرُ إلَّا به، [وجَبَ؛ فإنَّه زَجْر] 727 مَشْرُوعٌ لحَقِّ اللَّهِ تعالى، فوَجَبَ، كالحَدِّ.
وإن رأى الإِمامُ العَفْوَ عنه

الجزء: 26 - الصفحة: 463

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جازَ؛ لِما ذَكَرْنا من النُّصُوصِ.
واللَّهُ أعلمُ.
وإن كان التَّعْزِيرُ لحَقِّ آدَمِىٍّ فطَلَبَه، لَزِمَه إجابَتُه، كسائرِ حُقُوقِ الآدَمِيِّينِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 464

وَمَنِ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، عُزِّرَ، وَإِنْ فَعَلَهُ خَوْفًا مِنَ الزِّنَى، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ.

4475 - مسألة: (وإنِ اسْتَمْنَى بيَدِه لغيرِ حاجَةٍ عُزِّرَ)

لأنَّه مَعْصِيَةٌ (وإن فَعَلَه خَوْفًا مِن الزِّنَى، فلا شئَ عليه) لأنَّه لو فَعَل ذلك خَوْفًا على بَدَنِه، لم يَلْزَمْه شئٌ، ففِعْلُه خَوْفًا على دِينِه أَوْلَى.

الحديث: 4475 - الجزء: 26 - الصفحة: 465

بَابُ الْقَطْعِ في السَّرِقَةِ

بابُ القَطْعِ في السَّرقَةِ الأصلُ فيه الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ، فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 728. وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «تُقْطَعُ اليَدُ في رُبْعِ 729 دِينارٍ فَصَاعِدًا» 730. وقال النَّبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بِأنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإِذَا سَرَقَ فِيهمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 731. في أخْبارٍ سِوَى هذه، نَذْكُرُها إن شَاءَ اللَّهُ

الجزء: 26 - الصفحة: 467

وَلَا يَجِبُ إِلَّا بِسَبْعَةِ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا، السَّرِقَةُ؛ وَهِىَ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الاخْتِفَاءِ.
وَلَا قَطْعَ عَلَى مُنْتَهِبٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ، وَلَا  تعالى في مَواضِعِها، وأجْمَعَ المسلمون على وُجُوبِ قَطْعِ السَّارِقِ في الجملةِ.

4476 -

مسألة: (وَلَا يَجِبُ إِلَّا بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، السَّرِقَةُ؛ وَهِىَ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الاخْتِفَاءِ)

ومنه اسْتِراقُ السَّمْعِ، ومُسارَقَةُ النَّظرَ، إذا كان يَسْتَخفِى بذلك.
4477 -

مسألة: (ولا قَطْعَ على مُنْتَهِبٍ، ولا مُخْتَلِسٍ، ولا

الحديث: 4476 - الجزء: 26 - الصفحة: 468

غَاصِبٍ، وَلَا خَائِنٍ، وَلَا جَاحِدِ وَدِيعَةٍ وَلَا عَارِيَّةٍ.
وَعَنْهُ، يُقْطَعُ جَاحِدُ الْعَارِيَّةِ،  غاصِبٍ، ولا خائِنٍ، ولا جاحِدِ وَدِيعَةٍ ولا عارِيَّةٍ.
وعنه، يُقْطَعُ جاحِدُ العَارِيَّةِ) [لا يُقْطَعُ مُخْتَطِفٌ] 732 ولا مُخْتَلِسٌ عندَ أحدٍ عَلِمْناه، غيرَ إياسِ ابنِ مُعاويةَ 733، قال: أقْطَعُ المُخْتَلِسَ؛ لأنَّه 734 يَسْتَخْفِى بأخْذِه، فيكونُ سَارِقًا.
وأهلُ الفِقْهِ والفَتْوَى مِن عُلَماءِ الأمْصارِ على خِلافِه.
وقد رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «لَيْسَ عَلَى الخَائِنِ وَلَا المُخْتَلِسِ قَطْعٌ».
وعن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ عَلَى المُنْتَهِبِ قَطْعٌ».
وعنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «لَيْسَ عَلَى الخَائِنِ وَالمُخْتَلِسِ قَطْعٌ».
روَاهما أبو داودَ [والتِّرْمِذىُّ 735، وصَحَّحَه] 736. وقال 737: لم يَسْمَعْهُما ابنُ جُرَيْجٍ مِن

الجزء: 26 - الصفحة: 469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أَبِى الزُّبَيْرِ.
ولأَنَّ الواجِبَ قَطْعُ السَّارِقِ، وهذا غيرُ سارِقٍ، ولأَنَّ الاخْتِلاسَ نَوْعٌ مِن الخَطْفِ والنَّهْبِ، وإنَّما اسْتَخْفَى في ابْتِداءِ اخْتلاسِه، بخِلافِ السَّارِقِ.
فصل: ولا يُقْطَعُ جاحِدُ الوَدِيعَةِ، ولا غيرِها مِن الأماناتِ، لا نعلمُ فيه خِلافًا، فأمَّا جاحِدُ العَارِيَّةِ، فقد اخْتُلِفَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، فيه، فعنه أنَّه يُقْطَعُ.
وهو قولُ إسحاقَ؛ لِما [رُوِى عن] 738 عائشةَ، أنَّ 739 امرأةً كانت 740 تسْتَعِيرُ المَتاعَ وتَجْحَدُه، فأمَرَ النبىُّ بقَطْعِ يَدِها، فأتَى أهْلُها أُسامَةَ، فكَلَّمُوه، فكَلَّمَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا 741 أرَاكَ تُكَلِّمُنِى في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟».
ثم قامَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَطِيبًا، فقال:

الجزء: 26 - الصفحة: 470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِأنَّه إذَا سَرَقَ فِيهمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ، والَّذِى نَفْسِى بِيَدِه لو كانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا».
قالَتْ: فقَطَعَ يَدَها.
قال أحمدُ: لا أعرفُ شيئًا يَدْفَعُه.
مُتَّفَقٌ عليه 742. وعن أحمدَ رِوايةٌ ثانيةٌ، أنَّه لا قَطْعَ عليه.
وهو قولُ الخِرَقِىِّ، وأبى إسحاقَ بنِ شَاقْلَا، وأبى الخَطَّاب، وسائرِ الفُقَهاءِ.
وهو الصَّحِيحُ، إن شَاءَ اللَّهُ تعالى؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا قَطْعَ عَلَى الخَائِنِ».
ولأَنَّ الواجِبَ قَطْعُ السَّارِقِ، والخائنُ ليس بسارِقٍ، فأَشْبَهَ جاحِدَ الوَدِيعَةِ، فأمَّا المرأةُ التى كانت تَسْتَعِيرُ المَتاعَ فإنَّما قُطِعَتْ لسَرِقَتِها، لا لجَحْدِها، ألا تَسْمَعُ قولَه: «إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ».
وقولَه: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَده لَوْ كَانتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا».
وفى بعضِ ألفاظِ رُواةِ 743 هذه القصَّةِ عن عائشةَ، أنَّ قُرَيْشًا أهَمَّهُم شَأْنُ المَخْزُومِيَّةِ التى سَرَقَتْ، وذَكَر القِصَّةَ.
رَواه البخارِىُّ.
وفى حديثٍ أنَّها سَرَقَتْ قَطِيفَةً، فرَوَى الأَثْرَمُ بإسْنادِه، عن مسعودِ 744 [بنِ الأسْوَدِ] 745، قال: لمَّا سَرَقَتِ المرأةُ تلك القَطِيفَةَ من بيتِ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أعْظَمْنَا ذلك، وكانتِ امرأةً مِن قُرَيْشٍ، فجِئْنَا إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَقُلْنا: نحنُ نَفْدِيها بأرْبَعِين أُوقِيَّةً.

الجزء: 26 - الصفحة: 471

وَيُقْطَعُ الطَّرَّارُ، وَهُوَ الَّذِى يَبُطُّ الجَيْبَ وَغَيْرَهُ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ.
وَعَنْهُ، لَا يُقْطَعُ.
فقال: «تُطَهَّرُ خَيْرٌ لَها».
فلمَّا سَمِعْنا لِينَ كلامِ رسولِ اللَّهِ، أتَيْنَا أُسامةَ، فقُلْنا: كَلِّمْ لَنا رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وذَكَر الحديثَ بنحوِ سِياقِ حَديثِ عائشةَ (1). وهذا ظاهِرٌ في أنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ، وأنَّها سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ لسَرِقَتِها، وإنَّما عَرَّفَتْها عائشةُ بجَحْدِها للعارِيَّةِ؛ لكَوْنِها مَشْهُورَةً بذلك، ولا يَلْزَمُ أن يكونَ ذلك سببًا، كما لو عَرَّفَتْها بصِفَةٍ مِن صِفاتِها، وفيما ذَكَرْناه جَمْعٌ بينَ الأحاديثِ، ومُوافَقَة لظاهِرِ الأحاديثِ والقياسِ وفُقَهاءِ الأمْصارِ، فيكونُ أوْلَى.

4478 -

مسألة: (وَيُقْطَعُ الطَّرَّارُ، وَهُوَ الَّذِى يَبُطُّ الجَيْبَ وَغَيْرَهُ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ. وَعَنْهُ، لَا يُقْطَعُ)

قال أحمدُ: الطَّرَّارُ سِرًّا يُقْطَعُ، وإنِ اخْتَلَسَ لم يُقْطَعْ.
ومَعْنَى الطَّرَّارِ: الَّذى يَسْرِقُ مِن جَيْبِ الرَّجُلِ أو كُمِّه أو صُفْنِه 747، وسَواءٌ بَطَّ ما أخَذَ منه المسروقَ، أو قَطَع الصُّفْنَ746

الحديث: 4478 - الجزء: 26 - الصفحة: 472

فَصْلٌ: الثَّانِى، أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا مُحْتَرَمًا، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، كَالْفَاكِهَةِ، وَالْبِطِّيخِ أَوْ لَا، وَسَواءٌ كَانَ ثَمِينًا، كَالْمَتَاعِ وَالذَّهَبِ، أَوْ غَيْرَ ثَمِينٍ، كَالْخَشَبِ وَالْقَصَبِ.
فأَخذَه، أو أدْخَلَ يَدَه في الجَيْبِ فأخَذَ ما فيه، فإنَّ عليه القَطْعَ.
ورُوِىَ عن أحمدَ في الَّذى يَأْخُذُ مِن جَيْب الرجلِ وكُمِّه: لا قَطْعَ عليه.
وفى ذلك رِوَايتان، إحْدَاهما، يُقْطَعُ، لأنَّه سَرَق مِن حِرْزٍ.
والثانيةُ، لا يُقْطَعُ، كالمُخْتَلِسِ.

فصل

: (الثَّانِى، أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا مُحْتَرَمًا، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، كَالْفَاكِهَةِ، وَالْبِطِّيخِ أَوْ لَا، وَسَواءٌ كَانَ ثَمِينًا، كَالْمَتَاعِ وَالذَّهَبِ، أَوْ غَيْرَ ثَمِينٍ، كَالْخَشَبِ وَالْقَصَبِ) وكذلك يُقْطَعُ بسَرقَةِ

الجزء: 26 - الصفحة: 473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأحْجارِ، والصَّيْدِ، والنُّورَةِ 748، والجِصِّ، والزِّرْنِيخِ، والتَّوَابِلِ، والفَخَّارِ، والزُّجاجِ، وغيرِه.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ على سارِقِ الطَّعامِ الرَّطْبِ الَّذى يَتَسارَعُ إليه الفَسادُ، كالفَواكِهِ، والطَّبَائِخِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا قَطْعَ في ثَمَرِ وَلَا كَثَر 749». رَواه أبو داودَ 750. ولأَنَّ هذا مُعَرَّضٌ للهَلاكِ، أشْبَهَ ما لم يُحْرَزْ.
ولا قَطْعَ فيما كان أصْلُه مُباحًا في دارِ الإِسْلامِ، كالصُّيودِ، والخَشَبِ، إلَّا في السَّاجِ، والآبِنُوسِ، والصَّنْدَلِ، والقَنَا،

الجزء: 26 - الصفحة: 474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والمعمُولِ مِن الخشَبِ، فإنَّه يُقْطَعُ به.
وما عَدا هذا لا يُقْطَعُ به؛ لأنَّه يُوجَدُ كثيرًا مُباحًا في دارِ الإِسْلامِ، فأشْبَهَ التُّرَابَ.
ولا قَطْعَ في القُرُونِ، وإن كانت مَعْمُولةً؛ لأَنَّ الصَّنْعَةَ لا تكونُ غالبةً عليها، بل القِيمَةُ لها، بخِلافِ مَعْمُولِ الخَشَبِ.
ولا قَطْعَ عندَه في التَّوَابِلِ، والنُّورَةِ، والجِصِّ، والزِّرْنِيخِ، والمِلْحِ، والحجارَةِ، واللَّبنِ، والزُّجَاجِ، والفَخَّارِ.
وقال الثَّوْرِىُّ: ما يَفسُدُ في يَوْمِه، كالثَّرِيدِ واللَّحْمِ، لا قَطْعَ فيه.
ولَنا، عُمُومُ قولِه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 751. وروَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- سُئِلَ عن الثَّمَرِ المُعَلَّقِ، فَذَكَرَ الحديثَ، ثم قال: «وَمَنْ سَرَقَ مِنْ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ 752 الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ، فَفِيهِ القَطْعُ».
رَواه أبو داودَ، وغيرُه 753. ورُوِىَ أنَّ عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أُتِى برجلٍ قد سَرَق

الجزء: 26 - الصفحة: 475

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أُتْرُجَّةً، فأمَرَ بها عثمانُ فأُقِيمَتْ، فبَلَغَتْ قِيمَتُها رُبْعَ دِينارٍ، فأمَرَ به عثمانُ فقُطِعَ.
رَواه سعيدٌ 754. ولأَنَّ هذا مالٌ يُتَمَوَّلُ عادةً، ويُرْغَبُ فيه،

الجزء: 26 - الصفحة: 476

وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ،  فيُقْطَعُ سارِقُه إذا اجْتَمَعَتِ الشُّرُوطُ، كالمُجَفَّفِ، ولأَنَّ ما وَجَب القَطْعُ في مَعْمُولِه، وَجَب فيه قبلَ العَمَلِ، كالذَّهَبِ، والفِضَّةِ.
وحَدِيثُهم أرادَ به الثَّمَرَ المُعَلَّقَ؛ بدَليلِ حدِيثِنا، فإنَّه مُفَسِّرٌ له، وتَشْبِيهُه بغيرِ المُحْرَزِ لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ غيرَ المُحْرَزِ مُضَيَّعٌ، وهذا مَحْفُوظٌ، ولهذا افْتَرَقَ سائِرُ الأموالِ بالحِرْزِ وعدَمِه.
وقولُهم: يُوجَدُ مُباحًا في دارِ الإِسْلامِ.
يَنْتَقِضُ بالذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والحَدِيدِ، والنُّحَاسِ، وسائرِ المعادِنِ.

4479 -

مسألة: (ويُقْطَعُ بسَرِقَةِ العَبْدِ الصَّغِيرِ)

في قَوْلِ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 755: أجْمَعَ على هذا كُّل مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ،

الحديث: 4479 - الجزء: 26 - الصفحة: 477

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأصحابُ الرَّأْى.
والصَّغِيرُ الَّذى يُقْطَعُ بسَرِقَتِه، هو الَّذى لا يُمَيِّزُ، فإن كان كبيرًا لم يُقْطَعْ سارِقُه، إلَّا أن يكونَ نائمًا، أو مجْنونًا، أو أعْجَمِيًّا لا يُمَيِّزُ بينَ سَيِّدِه وغيرِه في الطَّاعَةِ، فيُقْطَعُ سارِقُه.
وقال أبو يوسف: لا يُقْطَعُ سارِقُ العَبْدِ وإن كان صَغِيرًا؛ لأَنَّ مَن لَا يُقْطَعُ بسَرِقَتِه كَبيرًا، لا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِه صغيرًا، كالحُرِّ.
ولَنا، أنَّه سَرَق مالًا مَمْلوكًا تَبْلُغُ قِيمَتُه نِصابًا، فوَجَب القَطْعُ عليه، كسائرِ الحيواناتِ.
وفارَقَ الحُرَّ، فإنَّه ليس بمالٍ ولا مَمْلُوكٍ.
وفارَقَ الكبيرَ؛ لأنَّه لا يُسْرَقُ، وإنَّما يُخْدَعُ بشئٍ.
فإن كان المَسْرُوقُ في حالِ نَوْمِه أو جُنُونِهِ 756 أُمَّ ولدٍ، ففى قَطعِ سارِقِها وَجْهان؛ أحدُهما، لا يُقْطَعُ؛ لأنَّها لا يَحِلُّ بَيْعُها، ولا نَقْلُ المِلْكِ فيها، فأشْبَهَتِ الحُرَّةَ.
والثانى، يُقْطَعُ؛ لأنَّها مَمْلُوكَةٌ تُضْمَنُ بالقِيمَةِ، فأشْبَهَتِ القِنَّ.
وحُكْمْ المُدَبَّرِ حُكْمُ القِنِّ؛ لأنَّه يجوزُ بَيْعُه،

الجزء: 26 - الصفحة: 478

وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ حُرٍّ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا.
وَعَنْهُ، أنَّه يُقْطعُ بِسَرِقَةِ  ويُضْمَنُ بقِيمَتِه.
فأمَّا المُكاتَبُ، فلا يُقْطَعُ سارِقُه؛ لأَنَّ مِلْكَ سَيِّدِه ليس بتَامٍّ عليه؛ لكَوْنِه لا يَمْلِكُ مَنافِعَه، ولا اسْتِخْدامَه، ولا أخَذَ أَرْشِ الجِنايةِ عليه، ولو جَنَى السَّيِّدُ عليه، لَزِمَه له الأَرْشُ، ولو اسْتَوْفَى مَنافِعَه كَرْهًا، لَزِمَه عِوَضُها، ولو حَبَسَه لَزِمَه أُجْرَةُ مُدَّةِ حَبْسِه، [أو إنْظارُه] (1) مقدارَ تلك المُدَّةِ.
ولا يَجبُ القَطْعُ لأجلِ مِلْكِ المُكاتَبِ في نفْسِه؛ لأَنَّ الإنْسانَ لا يَمْلِكُ نَفْسَه، فأَشْبَهَ الحُرَّ.
فأمَّا إن سَرَق مالَ المُكاتَبِ، فعليه القَطْعُ؛ لأَنَّ مِلْكَ المكاتَبِ ثابِتٌ في مالِ نَفْسِه، إلَّا أن يكونَ السارِقُ سَيِّدَه، فلا قَطْعَ عليه؛ لأَنَّ له في مالِه حَقًّا وشُبْهَةً تَدْرَأُ الحَدَّ، ولذلك لو وَطِئَ جارِيَتَه لم يُحَدَّ.

4480 -

مسألة: (ولا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ حُرٍّ وإن كان صَغِيرًا. وعنه،

757 الحديث: 4480 - الجزء: 26 - الصفحة: 479

الصَّغِيرِ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُقْطَعُ.
فَسَرَقَهُ وَعَلَيْهِ حَلْىٌ، فَهَلْ يُقْطَعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
أنَّه يُقْطَعُ بسَرِقَةِ الصَّغِيرِ) ظاهِرُ المذهَبِ أَنَّه لا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ الحُرِّ الصَّغيرِ.
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ ثانيةٌ، أنَّه يُقْطَعُ بسَرِقَةِ الصَّغِيرِ.
وذَكَرَها أبو الخَطَّابِ.
وهو قولُ الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، ومالكٍ، وإسحاقَ؛ لأنَّه غيرُ مُمَيِّزٍ، أشْبَهَ العَبْدَ.
ولَنا، أنَّه ليس بمالٍ، فلا يُقْطَعُ بسَرِقَتِه، كالكبيرِ النَّائمِ.

4481 -

مسألة: فإن كان عليه حَلْىٌ أو ثِيابٌ تَبْلُغُ نِصَابًا، لَمْ يُقْطَعْ.

وبه قال أبو حنيفةَ، وأكثرُ أصحابِ الشافعىِّ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُقْطَعُ.
حَكاه أبو الخَطَّابِ.
وبه قال أبو يوسفَ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لظاهرِ الكِتابِ، ولأنَّه سَرَقَ نِصابًا من المالِ، فأشْبَهَ ما لو سَرَقَه مُنْفَرِدًا.
ولَنا،

الحديث: 4481 - الجزء: 26 - الصفحة: 480

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّه تابعٌ لِما لا قَطْعَ في سَرِقَتِه، فأشْبَهَ ثِيابَ الكبيرِ، ولأَنَّ يَدَ الصَّبِىِّ على ما عليه؛ بدليلِ أنَّ ما يُوجَدُ مع اللَّقيطِ يكونُ له.
وهكذا لو كان الكبيرُ نائمًا على مَتاعٍ، فسَرَقَه وثِيابَه، لم يُقْطَعْ؛ لأَنَّ يَدَه عليه.
فصل: وإن سَرَقَ ماءً، فلا قَطْعَ فيه.
قالَه أبو بكرٍ، وأبو إسحاقَ ابنُ شَاقْلَا؛ لأنَّه لا يُتَمَوَّلُ عادةً.
ولا نعْلَمُ فيه خِلافًا.
فإن سَرَق كَلَأ أو مِلْحًا، فقال أبو بكرٍ: لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه ممَّا ورَد الشَّرْعُ باشْتِراكِ [النَّاسِ فيه] 758، فأشْبَهَ الماءَ 759. وقال أبو إسحاقَ: عليه القَطْعُ؛ لأنَّه يُتَمَوَّلُ عادَةً، فأشْبَهَ التِّبْنَ والشَّعِيرَ.
وأمَّا الثَّلْجُ، فقال القاضى: هو كالماءِ؛ لأنَّه ماءٌ جامِدٌ، فأشْبَهَ الجَلِيدَ.
قال شيخُنا 760: والأشْبَهُ أنَّه كالمِلْحِ؛ لأنَّه يُتَمَوَّلُ عادةً، فأشْبَهَ المِلْحَ المُنْعَقِدَ من الماءِ.
وأمَّا التُّرابُ، فإن كان ممَّا تَقِلُّ الرَّغَباتُ فيه 761، كالمُعَدِّ للتَّطْيِينِ والبِناءِ، فلا قَطْعَ

الجزء: 26 - الصفحة: 481

وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مُصْحَفٍ.
وَعِنْدَ أبِى الْخَطَّابِ، يُقْطَعُ.
فيه؛ لأنَّه لا يُتَمَوَّلُ، وإن كان مِمَّا له قِيمَةٌ كثيرةٌ، كالطِّينِ الأرْمَنِىِّ الَّذى يُعَدُّ للدَّواءِ، أو المُعَدِّ للغُسْلِ به، أو الصَّبْغِ كالمَغْرَةِ (1)، احْتَمَلَ وَجْهَيْن؛ أحدُهما، لا قَطْعَ فيه؛ لأنَّه من جِنْسِ ما لا يُتَمَوَّلُ، أشْبَهَ الماءَ.
والثانى، فيه القَطْعُ؛ لأنَّه يُتَمَوَّلُ عادةً، ويُحْمَلُ إلى البُلْدانِ للتِّجارَةِ فيه، فأشْبَهَ العُودَ الهِنْدِىَّ.
ولا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ السِّرْجِينِ (2)؛ لأنَّه إن كان نَجِسًا فلا قِيمَةَ له، وإن كان طاهِرًا، فلا يُتَمَوَّلُ عادةً، ولا تَكْثُرُ الرَّغَباتُ فيه، أشْبَهَ التُّرابَ الَّذى للبِنَاءِ.
وما عُمِلَ من التُّرابِ كاللَّبِنِ والفَخَّارِ، ففيه القَطْعُ؛ لأنَّه يُتَمَوَّلُ عادةً.

4482 -

مسألة: (ولا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مُصْحَفٍ. وعندَ أبى الخَطَّابِ، يقْطَعُ)

قال أبو بكرٍ، والقاضى: لا قَطْعَ فيه.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأَنَّ المقْصودَ منه ما فيه من كَلامِ اللَّهِ تعالى، وهو ممَّا لا يَجُوزُ762763

الحديث: 4482 - الجزء: 26 - الصفحة: 482

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أخْذُ العِوَضِ عنه.
واخْتارَ أبو الخَطَّابِ وُجوبَ قَطْعِه، وقال: هو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، فإنَّه سُئِلَ عمَّن سَرَق كِتابًا فيه عِلْمٌ ليَنْظُرَ فيه، فقال: كُلُّ ما بَلَغَتْ قِيمَتُه ثَلاثَةَ دَرَاهِمَ قُطِعَ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لعُمومِ الآيةِ في كلِّ سارِق، ولأنَّه مُتَقَوَّمٌ، تَبْلُغُ قِيمتُه نِصابًا، فوَجَبَ القَطْعُ بسَرِقَتِه، ككُتُبِ [العلمِ و] 764 الفِقْهِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 483

وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ سَائِرِ كُتُبِ الْعِلْمِ، وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ آلةِ لَهْوٍ، وَلَا مُحَرَّمٍ، كَالْخَمْرِ.

4483 - مسألة: (ويُقْطَعُ بسَرِقَةِ سائِرِ كُتُبِ العلمِ)

ولا نعلمُ فيه خِلافًا بينَ أصحابِنا في القَطْعِ بسَرِقَةِ كُتُبِ الفِقْهِ، والحديثِ، وسَائرِ العُلومِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لعُمومِ الأدِلَّةِ.
فصل: فإن قُلْنا: لا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ المُصْحَفِ.
وكان عليه حِلْيَةٌ تَبْلُغُ نِصابًا، خُرِّجَ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يُقْطَعُ.
وهو قياسُ قولِ أبى إسحاقَ ابنِ شَاقْلَا، ومذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأَنَّ الحَلْىَ تابِعٌ لِما لا يُقْطَعُ بسَرِقَتِه، فأشْبَهَتْ ثِيابَ الحُرِّ.
والثانى، يُقْطَعُ.
وهو قولُ القاضِى؛ لأنَّه سَرَق نِصابًا مِن الحَلْى، فأشْبَهَ ما لو سَرَقَه مُنْفَرِدًا.
وأصْلُ هذَيْن الوَجْهَيْن مَن سَرَقَ صَبِيًّا عليه حَلْىٌ.
فصل: وإن سَرَقَ عَيْنًا مَوْقُوفَةً، وَجَب القَطْعُ؛ لأنَّها مَمْلُوكَةٌ للمَوْقُوفِ عليه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُقطَعَ، بِناءً على الوَجْهِ الَّذى يقولُ: إنَّ المَوْقُوفَ لا يَمْلِكُه المَوْقُوفُ عليه.
فعلى هذا، إن كان وَقْفًا على (1) غيرِ مُعَيَّنٍ، لم يُقْطَعْ بسَرِقَتِه.

4484 -

مسألة: (ولا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ آلةِ لَهْوٍ، ولا مُحَرَّمٍ، كالخَمْرِ)

لا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ آلةِ لَهْوٍ؛ كالطُّنْبُورِ 766، والمِزْمَارِ،765

الحديث: 4483 - الجزء: 26 - الصفحة: 484

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشَّبَّابَةِ، وإن بَلَغَتْ قِيمتُه مُفَصَّلًا نِصابًا.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: إن كانت قِيمتُه بعدَ زَوالِ تَأْلِيفِه نِصابًا، ففيه القَطْعُ، وإلَّا فلا، لأنَّه سَرَق ما قِيمتُه نِصابًا، لا شُبْهَةَ له فيه، من حِرْزِ مِثْلِه، وهو من أهلِ القَطْعِ، فوَجَب قَطْعُه، كما لو كان ذَهَبًا مَكْسُورًا.
ولَنا، أنَّه آلةٌ للمَعْصِيَةِ بالإِجْماعِ، فلم يُقْطعْ بسَرقَتِه، كالخَمْرِ، ولأَنَّ له حَقًّا في أخْذِها لكَسْرِها، فكان ذلك شُبْهَةً مانِعَةً من القَطْعِ، كاسْتِحْقَاقِه مالَ ولدِه.
فإن كانتْ عليه حِلْيَة تَبْلُغُ نِصابًا، فلا قَطْعَ فيه أيضًا، في قِياسِ قولِ أبى بكرٍ، لأنَّه مُتَّصِل بما لا قَطْعَ فيه، أشْبَهَ الخَشَبَ والأوْتارَ.
وقال القاضى: فيه القَطْعُ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ، لأنَّه سَرَق نِصابًا من حِرزِه، أشْبَهَ المُنْفَرِدَ.
فصل: ولا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مُحَرَّمٍ؛ كالخمرِ، والخِنْزيرِ، والمَيْتَةِ، ونحوِها، سَواءٌ سَرَقَه من مسلمٍ أو كافرٍ.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وحُكِىَ عن عطاءٍ أنَّ سارِقَ خمرٍ الذِّمِّىِّ يُقْطَعُ، وإن

الجزء: 26 - الصفحة: 485

وَإِنْ سَرَقَ آنِيَةً فِيهَا الْخَمْرُ، أَوْ صَلِيبًا، أَوْ صَنَمَ ذَهَبٍ، لَمْ يُقْطَعْ.
وَعِنْدَ أبى الْخَطَّابِ، يُقْطَعُ.
كان السَّارقُ (1) مسلمًا؛ لأنَّه مالٌ لهم، أشْبَهَ ما لو سَرَقَ دَراهِمَهم.
ولَنا [أنَّها عينٌ مُحَرَّمَةٌ] (2)، فلا يُقْطَعُ بسَرِقَتِها، كالخِنْزِيرِ، ولأَنَّ ما لا يُقْطَعُ [بسَرِقَتِه من المسلمِ، لا يُقْطَعُ] (3) بسَرِقَتِه من الذِّمِّىِّ، كالمَيْتَةِ والدَّمِ.
وما ذَكَرَه (4) يَنْتَقِضُ بالخِنْزِيرِ، ولا اعْتِبارَ به، [فإنَّ الاعْتِبارَ] (3) بحُكْمِ الإِسْلامِ، وهو يَجْرِى عليهم دونَ أحْكامِهم.

4485 -

مسألة: (وإن سَرَقَ آنِيَةً فيها الخَمْرُ، أو صَلِيبًا، أو صَنَمَ ذَهَبٍ، لم يُقْطَعْ. وعندَ أبى الخَطَّابِ، يُقْطَعُ)

إذا سَرَقَ إناءً فيه خمرٌ [فقال أبو الخَطَّابِ] 771: يُقْطَعُ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ، كما لو سَرَقَه [ولا شئَ] 772 فيه.
وقال غيرُه من أصحابِنا: لا يُقْطَعُ؛ لأنَّه مُتَّصِلٌ بما لا قَطْعَ767768769770

الحديث: 4485 - الجزء: 26 - الصفحة: 486

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيه، فأشْبَهَ [ما لو سَرَق شيئًا مُشْتَرَكًا بينَه وبينَ غيرِه، بحيثُ تَبْلُغُ قِيمتُه بالشَّرِكَةِ نِصابًا.
وقال ابنُ شَاقْلَا: لو سَرَق إداوةً فيها ماءٌ، لم يُقطَعْ؛ لاتِّصالِها بما لا قَطْعَ فيه.
ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه سَرَق نِصابًا من حِرْزٍ لا شبْهَةَ له فيه، أشْبَهَ] 773 ما لو سَرَقَه فارِغًا.
وإن سَرَق صَلِيبًا، أو صَنَمًا من ذَهَب أو فِضَّةٍ، يبلغُ نِصابًا مُتَّصِلًا، فقال القاضى: لا قَطْعَ فيه.
وهو قولُ أبى حنيفةَ.
وقال أبو الخَطَّابِ: يُقْطَعُ سارِقُه.
وهو مذهبُ الشافعىِّ، ووَجْهُ الوَجْهَيْن ما تَقَدَّمَ فيما إذا سَرَقَ آلةَ لهوٍ مُحَلَّاةً.
والفرقُ بين هذه المسألةِ والتى قبلَها، أنَّ التى قبلَها له كَسْرُه بحيثُ لا يَبْقَى له قِيمَةٌ تَبْلُغُ نِصابًا، وههُنا لو كُسِرَ الذَّهَبُ والفِضَّةُ بكلِّ وَجْهٍ لم تَنْقُصْ قِيمتُه عن النِّصابِ، ولأَنَّ الذهبَ والفِضَّةَ جَوْهَرُهما غالِبٌ على الصَّنْعَةِ المُحَرَّمَةِ، فكانتِ الصِّناعَةُ فيهما 774 مَغْمُورَةً بالنِّسْبَةِ إلى قِيمَةِ جَوْهَرِهِما، وغيرُهما بخِلافِهما، فتكونُ الصِّناعةُ غالِبَةً عليه، فيكونُ تابِعًا للصناعَةِ المُحَرَّمَةِ، فأشْبَهَ الأوْتارَ.

الجزء: 26 - الصفحة: 487

فَصْلٌ: الثَّالِثُ، أَنْ يَسْرِقَ نِصَابًا، وَهُوَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ قِيمَةُ

فصل

: ولو سَرَق إناءً مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، قِيمتُه نِصابٌ إذا كان مُنْكَسِرًا، فعليه القَطعُ؛ لأنَّه غيرُ مُجْمَعٍ على تَحْرِيمِه، وقِيمَتُه بدُونِ الصِّناعَةِ المُخْتَلَفِ فيها نِصَابٌ.
وإن سَرَق إناءً مُعَدًّا لحَمْلِ الخمرِ ووَضْعِه فيه، ففيه القَطْعُ، لأَنَّ الإِناءَ لا تَحْريمَ فيه، وإنَّما يَحْرُمُ عليه بنِيَّتِه 775 وقَصْدِه، فأشْبَهَ ما لو سَرَقَ سِكِّينًا معَدَّةً لذَبْحِ الخنازيرِ، أو سيْفًا يُعَدُّ لقَطْعِ الطَّرِيقِ.
ولو سَرَق مِنْدِيلًا في طَرَفِه دِينار مَشْدُودٌ يَعْلَمُ به، فعليه القَطْعُ، وإن لم يَعْلَمْ به، فلا قَطْعَ فيه، لأنَّه لم يَقْصِدْ سَرِقَتَه، فأشْبَهَ ما لو تَعَلَّقَ بثَوْبِه.
وقال الشافعىُّ: يُقْطَعُ، لأنَّه سَرَق نِصابًا، فأشْبَهَ ما لو سَرَقَ مالًا يَعْلَمُ أنَّ قِيمَتَه نِصابٌ، والفَرْقُ بينَهما أنَّه عَلِمَ بالمَسْرُوقِ ههُنا، وقَصَد سَرِقَتَه، بخِلافِ الدِّينارِ، فإنَّه لم يُرِدْه، ولم يَقصِدْ أخْذَه، فلا يُؤاخَذُ به بإيجابِ الحَدِّ عليه.
فصل: (الثالثُ، أن يَسْرِقَ نِصابًا، وهو ثلاثةُ دَراهِمَ، أو قِيمةُ ذلك

الجزء: 26 - الصفحة: 488

ذَلِكَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْعُرُوضِ.
وَعَنْهُ، أنَّهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ رُبْعُ دِينَارٍ، أَوْ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِهِمَا.
وَعَنْهُ، لَا تُقَوَّمُ الْعُرُوضُ إِلَّا بِالدَّرَاهِمَ.
مِن الذَّهَبِ والعُروضِ.
وعنه، أنَّه ثلاثةُ دَرَاهِمَ، أو رُبْعُ دِينارٍ، أو ما يبلغُ قِيمةَ أحَدِهما مِن غيرِهما.
وعنه، لا تُقَوَّمُ العُروضُ إلَّا بالدَّراهِمِ) فلا يَجِبُ القَطْعُ بسَرِقَةٍ أدونَ النِّصابِ، في قولِ الفُقَهاءِ كلِّهم، إلَّا الحسنَ، وداودَ، وابنَ بنتِ الشافعىِّ، والخَوارِجَ، فإنَّهم قالوا: يُقطَعُ في القَليلِ والكثيرِ، لعُمومِ الآيةِ، ولِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الحَبْلَ فتُقْطَعُ يَدُهُ، ويَسْرِقُ البَيْضَةَ فتُقْطَعُ يَدُهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 776. ولأنَّه سارِقٌ من حِرْزٍ، فتُقْطَعُ يَدُه، كسارِقِ الكبيرِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تُقْطَعُ اليَدُ إلَّا في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا».
[مُتَّفَقٌ عليه] 777. وإجْماعُ الصَّحابةِ على ما سَنَذْكُرُه.
وهذا يَخُصُّ عُمومَ الآيةِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 489

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والحَبْلُ يَحْتَمِلُ أن يُساوِى ذلك.
وكذلك البَيْضَةُ، يَحْتَمِلُ أن يُرادَ بها بَيْضَةُ السِّلاحِ، وهى تُساوِى ذلك.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في قَدْرِ النِّصابِ الَّذى يَجِبُ القَطْعُ بسَرِقَتِه، فروَى عنه أبو إسحاقَ الجُوزْجَانِىُّ، أنَّه رُبْعُ دِينَارٍ من الذَّهَبِ، أو ثَلاثةُ دَرَاهِمَ من الوَرِقِ، أو ما قِيمَتُه ثَلاثةُ دَراهِمَ مِن غيرِهما.
وهذا قولُ مالكٍ، وإسحاقَ.
وروَى عنه الأَثْرَمُ، أنَّه إن سَرَق مِن غيرِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ما قِيمتُه رُبْعُ دِينارٍ، أو ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ، قُطِعَ.
وعنه، أنَّ الأَصْلَ الوَرِقُ، ويُقَوَّمُ الذَّهَبُ به، فإن نَقَص رُبْعُ دِينارٍ عن ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، لم يُقْطَعْ سارِقُه.
وهذا يُحْكَى عن اللَّيْثِ، وأبى ثَوْرٍ.
وقالت عائشةُ: لا قَطعَ إلَّا في رُبْعِ دِينارٍ فصاعِدًا 778، ورُوِىَ هذا عن [عمرَ، و] 779 عثمان، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال الفُقَهاءُ السَّبْعَةُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والأوْزَاعِىُّ،

الجزء: 26 - الصفحة: 490

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لحديثِ عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا قَطْعَ إلَّا في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا».
وقال عثمانُ البَتِّىُّ: تُقْطَعُ اليَدُ في دِرْهَمٍ، فما فَوْقَه.
وعن أبى هُرَيْرَةَ، وأبى سَعِيدٍ، أنَّ اليَدَ تُقْطَعُ في أرْبَعةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا 780. وعن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ الخَمْسَ لا تُقْطَعُ إلَّا في الخَمْسِ 781. وبه قال سليمانُ بنُ يَسارٍ، وابنُ أبى ليلى، وابنُ شُبْرُمَةَ.
ورُوِىَ ذلك عن الحسنِ.
وقال أنَسٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: قَطَع أبو بكرٍ في مِجَنٍّ قِيمتُه خَمْسَةُ دَراهِمَ.
رَواه الجُوزْجَانِىُّ بإسْنادِه 782. وقال عَطاءٌ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه 783: لا تُقْطَعُ اليَدُ إلَّا في دِينارٍ، أو عَشَرَةِ دَرَاهِمَ؛ لِما روَى الحَجَّاجُ بنُ أرْطاةَ، عن عمرِو بنِ

الجزء: 26 - الصفحة: 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «لَا قَطْعَ إلَّا فِى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» 784. وروَى ابنُ عباسٍ، قال: قَطَع رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَدَ رجلٍ في مِجَنٍّ قيمتُه دِينارٌ، أو عَشرَةُ دَرَاهِمَ 785. وعن النَّخَعِىِّ: لا تُقْطَعُ اليَدُ إلَّا في أرْبَعِينَ دِرْهَمًا ولَنا، ما روَى ابنُ عمرِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَطَع في مِجَنٍّ ثَمَنُه 786 ثلاثةُ دَرَاهِمَ.
مُتَّفقٌ عليه 787. قال ابنُ عبدِ البَرِّ 788: هذا أصَحُّ حديثٍ يُرْوَى في هذا البابِ،

الجزء: 26 - الصفحة: 492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يَخْتَلِفُ أهلُ العلمِ في ذلك.
وحديثُ أبى حنيفةَ الأَوَّلُ يَرْوِيه الحجَّاجُ ابنُ أرْطاةَ، وهو ضَعِيفٌ، والذى روَى عن الحجَّاجِ ضَعِيفٌ أيضًا.
والحديثُ الثانى لا دَلالَةَ فيه على أنَّه لا يُقْطَعُ بما دُونَه، فإنَّ مَن أوْجَبَ القَطْعَ بثلاثةِ دَرَاهِمَ، أوْجَبَه بعَشَرَةٍ، ويَدُلُّ هذا الحديثُ على أنَّ العَرْضَ 789 يُقَوَّمُ بالدَّراهِمِ؛ لأَنَّ المِجَنَّ قُوِّمَ بها 790، ولأَنَّ ما كان الذَّهَبُ فيه أصلًا، كان الوَرِقُ فيه أصْلًا، كنُصُبِ 791 الزَّكواتِ، والدِّياتِ، وقِيَمِ المُتْلَفَاتِ.
وقد روَى أنَسٌ، أنَّ سَارِقًا سَرَق مِجَنًّا ما يَسُرُّنِى أنَّه لى بثلاثَةِ دَرَاهِمَ، أو ما يُساوِى ثلاثةَ دَراهِمَ، فقَطَعَه أبو بكرٍ 792. وأُتِىَ عثمانُ برَجُلٍ قد سَرَق أُتْرُجَّةً، فأمَرَ بها عثمانُ فقُوِّمَتْ، فبلَغَتْ قِيمَتُهُا رُبْعَ دِينارٍ، فقُطِعَ 793.

الجزء: 26 - الصفحة: 493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا سَرَق رُبْعَ دِينارٍ من المَضْروبِ الخالِصِ، ففيه القَطْعُ.
وإن كان فيه غِشٌّ أو تِبْرٌ يَحْتاجُ إلى تَصْفِيَةٍ، لم يَجِبِ القَطْعُ حتَّى يَبْلُغَ ما فيه من الذَّهَبِ رُبْعَ دِينَارٍ؛ لأَنَّ السَّبْكَ يَنْقُصُه.
وإن سَرَق رُبْعَ دِينارٍ قُراضَةً، أو تِبْرًا خالِصًا، أو حَلْيًا، ففيه القَطْعُ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ الجُوزْجَانِىِّ، قال: قلتُ له: كيف يَسْرِقُ رُبْعَ دِينارٍ؟ فقال: قِطْعَةَ ذَهَبٍ، أو خاتَمًا، أو حَلْيًا.
وهذا قولُ أكثرِ أصحابِ الشافعىِّ.
وذَكَر القاضى في وُجُوبِ القَطْعِ احْتِمالَيْن، أحدُهما، لا قَطْعَ عليه.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعىِّ، لأَنَّ الدِّينارَ اسْمٌ للمَضْرُوبِ.
ولَنا، أنَّ ذلك رُبْعُ دينارٍ، لأنَّه يُقالُ 794: دينارٌ قُراضَةٌ، ومُكَسَّرٌ 795، أو: دِينارٌ خِلاصٌ 796. ولأنَّه لا يُمْكِنُه سَرِقَةُ رُبْعِ دِينارٍ مُفْرَدٍ في الغالِبَ إلَّا مَكْسُورًا.
وقد أُوجِبَ عليه القَطْعُ بذلك، ولأنَّه حَقٌّ للَّهِ تعالى تَعَلَّقَ

الجزء: 26 - الصفحة: 494

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالمَضْرُوبِ، فتَعَلَّقَ بما ليس بمَضْرُوبٍ، كالزَّكاةِ، والخِلافُ فيما إذا سَرَق من المَكْسُورِ والتِّبْرِ 797 ما لا يُساوِى رُبْعَ دِينارٍ صَحِيحٍ، فإن بَلَغ ذلك، ففيه القَطْعُ، والدِّينارُ هو المِثْقالُ من مَثاقِيلِ النَّاسِ اليومَ، وهو الذى كلُّ سَبْعَةٍ منها عشَرةُ دَراهِمَ، وهو الذى كان على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وقبلَه ولم يَتَغَيَّرْ، وإنَّما كانتِ الدَّراهِمُ مُخْتَلِفَةً، فجُمِعَتْ وجُعِلَتْ كلُّ عَشَرَةٍ منها سَبْعَةَ مَثاقِيلَ، فهى التى يَتَعَلَّقُ القَطْعُ بثلاثةٍ منها، إذا كانتْ خالِصَةً، مَضْرُوبَةً كانت أو غيرَ مَضْرُوبَةٍ، على ما ذَكَرْناه في الذَّهَبِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 495

وَإِذَا سَرَقَ نِصَابًا، ثُمَّ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ، أو مَلَكَهُ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا، لَمْ يَسْقُطِ الْقَطْعُ.
وعندَ أبى حنيفةَ أنَّ النِّصابَ إنَّما يَتَعَلَّقُ بالمَضْرُوبِ منها، وقد ذَكَرَ (1) ما دَلَّ عليه، ويَحْتَمِلُ ما قالَه في الدَّراهِمِ؛ لأَنَّ إطْلاقَها يَتَناوَلُ الصِّحاحِ المَضْرُوبَةَ، بخِلافِ رُبْعِ الدِّينَارِ، على أنَّنا قد ذَكَرْنا فيها احْتِمالًا مُتقدِّمًا، فههُنا أَوْلَى.
وما قُوِّمَ من غيرِهما بهما، فلا قَطْعَ فيه حتى يَبْلُغَ ثلاثةَ دَراهِمَ صِحاحًا؛ لأَنَّ إطْلاقَها يَنْصَرِفُ إلى المَضْرُوب دونَ المُكَسَّرِ.

4486 -

مسألة: (وإن سَرَق نِصابًا، ثم نَقَصَتْ قِيمَتُه، أو مَلَكَه ببَيْعٍ أو هِبَةٍ، أو غيرِهما، لم يَسْقُطِ القَطْعُ)

إذا نَقَصَتْ قِيمةُ العينِ عن النِّصابِ بعدَ إخْراجِها من الحِرْزِ، لم يَسْقُطِ القَطْعُ، وبهذا قال مالكٌ والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَسْقُطُ، لأَنَّ النِّصابَ شَرْطٌ، فتُعْتَبَرُ798

الحديث: 4486 - الجزء: 26 - الصفحة: 496

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اسْتِدَامَتُه.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 799. ولأنَّه نَقْصٌ حَدَث في العَيْنِ، فلم يَمْنَعِ القَطْعَ، كما لو حَدَث باسْتِعْمالِه، والنِّصابُ شَرْطٌ لوُجوبِ القَطْعِ، فلا تُعْتَبَرُ اسْتِدامَتُه، كالحِرْزِ.
وما ذَكَرَه 800 يَبْطُلُ بالحِرْزِ؛ فإنَّه لو زالَ الحِرْزُ، لم يَسْقُطْ عنه القَطْعُ.
وسَواءٌ نقَصَتْ قِيمَتُها بعدَ الحُكْمِ أو قبلَه؛ لأَنَّ سَبَبَ الوُجوبِ السَّرِقَةُ، فيُعْتَبَرُ النِّصابُ حِينَئِذٍ.
فأمَّا إن نَقَص النِّصَابُ قبلَ الإِخْراجِ، لم يَجِبِ القَطْعُ؛ لعَدَمِ الشَّرْطِ قبلٍ تَمامِ السَّبَبِ، وسَواءٌ نَقَصَتْ بفِعْلِه أو بغيرِ فِعْلِه.
فإن وُجِدَتْ ناقِصَةً، ولم يُدْرَ هل كانتْ ناقِصَةً حينَ 801 السَّرِقَةِ أو حَدَثَ 802 النَّقْصُ بعدَها؟ لم يَجِبِ القَطْعُ؛ لأَنَّ الوُجُوبَ لا يَثْبُتُ مع الشَّكِّ في شَرْطِه، ولأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُه.

الجزء: 26 - الصفحة: 497

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

4487 - مسألة: وإن مَلَكَ العَيْنَ المَسْرُوقَةَ بهِبَةٍ أو بَيْعٍ أو غيرِ ذلك من أسْبابِ المِلْكِ، وكان مِلْكُها قبلَ رَفْعِه إلى الحاكِمِ، والمُطالَبَةِ بها عندَه، لم يَجِبِ القَطْعُ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْى، ولا نعلمُ فيه خِلافًا.
وإن مَلَكَها بعدَه، لم يَسْقُطِ القَطْعُ عندَ مالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: يَسْقُطُ؛ لأنَّها صارَتْ مِلْكَه، فلا يُقْطَعُ في عينٍ [هى مِلْكُه، كما لو مَلَكَها قبلَ المُطالَبَةِ بها، ولأَنَّ المُطالَبَةَ شَرْطٌ، والشُّرُوطُ يُعْتَبَرُ دَوامُها، ولم يَبْقَ لهذه العَيْنِ مُطالِبٌ]

803. ولَنا، ما روَى الزُّهْرِىُّ، عن ابنِ صَفْوانَ، عن [صَفْوانَ ابنِ أُمَيَّةَ] 804، أنَّه نامَ في المسجدِ، وتَوَسَّدَ رِداءَه، فأُخِذَ من تحتِ رأسِه، فجاءَ بسَارِقِه 805 إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمَرَ به النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُقْطَعَ، فقال صفوانُ: يا رسولَ اللَّهِ، لم 806 أُرِدْ هذا، رِدَائِى عليه صَدَقَةٌ.
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِى بِهِ؟».
رَواه ابنُ ماجه، والجُوزْجانِىُّ.

الحديث: 4487 - الجزء: 26 - الصفحة: 498

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وفى لفظٍ، قال: فأتَيْتُه، فقُلْتُ: أتَقْطَعُه من أجْلِ ثلاثين دِرْهَمًا؟ أنا أبِيعُه وأُنْسِئُه ثمَنَها.
قال: «فَهَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِى بِهِ؟».
رَواه الأَثْرَمُ، وأبو داودَ 807. فهذا يَدُلُّ على أنَّه لو وُجِدَ قبلَ رَفْعِه إليه، لدَرَأَ القَطْعَ، وبعدَه [لا يُسْقِطُه] 808. وقولُهم: إنَّ المُطالَبَةَ شَرْطٌ.
قُلْنا: هى شَرْطُ الحُكْمِ لا شَرْطُ القَطْعِ، بدليلِ أنَّه لو اسْتَرَدَّ العَيْنَ، لم يَسْقُطِ القَطْعُ، وقد زالَتِ المُطالَبَةُ.

الجزء: 26 - الصفحة: 499

وَإِنْ دَخَلَ الْحِرْزَ، فَذَبَحَ شَاةً قِيمَتُهَا نِصَابٌ، فَنَقَصَتْ عَنِ النِّصَابِ، ثُمَّ أَخرَجَهَا، لَمْ يُقْطَعْ.
وَإِنْ سَرَقَ فَرْدَ خُفٍّ، قِيمَتُهُ مُنْفَرِدًا دِرْهَمَانِ، وَقِيمَتُهُ مَعَ الْآخَرِ أَرْبَعَةٌ، لَمْ يُقْطَعْ.

4488 - مسألة: (وإن دَخَل الحِرْزَ، فذَبَحَ شَاةً قِيمَتُها نِصابٌ، فنَقَصَتْ عن النِّصابِ، ثم أخْرَجَها، لم يُقْطَعْ)

لأَنَّ من شَرْطِ وُجوبِ القَطْعِ أن يُخرِجَ من الحِرْزِ العَيْنَ وهى نِصابٌ، ولم يُوجَدِ الشَّرْطُ.
4489 -

مسألة: (وإن سَرَق فَرْدَ خُفٍّ، قِيمَتُه مُنْفَرِدًا دِرْهَمَان، وقِيمَتُه مع الآخَرِ أرْبَعَةٌ، لم يُقْطَعْ)

لأنَّه لم يَسْرِقْ نِصابًا، فلم يُوجدِ الشَّرْطُ.

الحديث: 4488 - الجزء: 26 - الصفحة: 500

وَإِنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِى سَرِقَةِ نِصَابٍ، قُطِعُوا، سَواءٌ أَخْرَجُوهُ جُمْلَةً، أَوْ أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ جُزْءًا.

4490 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَكَ جماعةٌ في سَرِقَةِ نِصابٍ، قُطِعُوا، سَواءٌ أخْرَجُوه جُمْلَةً، أو أخْرَجَ كلُّ واحِدٍ جُزْءًا)

إذا اشْتَرَك جماعةٌ في سَرِقَةِ نِصابٍ، قُطِعُوا.
ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وهو قولُ أصحابِنا.
وبه قال مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وإسحاقُ: لا قَطْعَ عليهم، إلَّا أن تَبْلُغَ حِصَّةُ كلِّ واحدٍ منهم نِصابًا؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ لم يَسْرِقْ نِصابًا، فلم يَجِبْ عليه قَطْعٌ، كما لو انْفَرَدَ بدُوِنِ النِّصابِ.
قال شَيخُنا 809: وهذا القولُ أحَبُّ إلىَّ؛ لأَنَّ القَطْعَ ههُنا لا نصَّ فيه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ والمُجْمَعِ عليه، فلا يجبُ، والاحْتِياطُ بإسْقاطِه أَوْلَى مِن الاحْتِياطِ بإيجابِه، ولأنَّه ممَّا يُدْرَأُ بالشَّبُهاتِ.
واحْتَجَّ مَن أوْجَبَه بأنَّ النِّصابَ أحَدُ شَرْطَىِ القَطْعِ، فإذا اشْتَرَكَ الجماعةُ كانوا كالواحدِ،

الحديث: 4490 - الجزء: 26 - الصفحة: 501

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قِياسًا على هَتْكِ الحِرْزِ، ولأَنَّ سَرِقَةَ النِّصابِ فِعْلٌ يُوجِبُ القَطْعَ، فاسْتَوَى في الواحِدُ والجماعةُ، كالقِصاصِ، ولم يُفرِّقْ أصحابُنا بينَ كَوْنِ المَسْرُوقِ ثَقِيلًا يَشْتَرِكُ الجماعةُ في حَمْلِه، وبينَ أن يُخرِجَ كلُّ واحدٍ منهم جُزْءًا، ونَصَّ أحمدُ على هذا.
وقال مالكٌ: إنِ انْفَرَدَ كلُّ واحدٍ منهم بجُزْء، لم يُقْطَعْ واحِدٌ منهم، كما لو انْفَرَدَ كلُّ واحدٍ من قاطِعِى اليَدِ بقَطعِ جُزْءٍ منها، لم يَجِبِ القِصاصُ.
ولَنا، أنَّهم اشْتَركُوا في هَتْكِ الحِرْزِ، وإخراجِ النِّصابِ، فلَزِمَهم القَطْعُ، كما لو كان ثَقِيلًا فحَمَلُوه، وفارَقَ القِصاصَ، فإنَّه يَعْتَمِدُ 810 المُماثَلَةَ، ولا تُوجَدُ المُماثَلَةُ إلَّا أن تُوجَدَ أفْعالُهم في جميعِ أجْزاءِ اليَدِ، وفى مسألتِنا القَصْدُ الزَّجْرُ 811 مِن غيرِ اعْتِبارِ مُماثَلَةٍ، والحاجَةُ إلى الزَّجْرِ عن إخْراجِ المالِ مَوْجودَةٌ، وسَواءٌ دَخَلا الحِرْزَ معًا، أو دَخَل أحَدُهما فأخْرَجَ بعضَ النِّصابِ، ثم دَخَل الآخَرُ فأخْرَجَ باقِيَه؛ لأنَّهما اشْتَرَكا في هَتْكِ الحِرْزِ وإخْراجِ النِّصابِ، فوَجَبَ عليهما القَطْعُ، كما لو حَمَلاه معًا.

الجزء: 26 - الصفحة: 502

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان أحدُ الشَّرِيكَيْن مما لا قَطْعَ عليه، كأبى المَسْروقِ منه، قُطِعَ شَرِيكُه، في أحَدِ الوَجْهَيْن، كما لو شَارَكَه في قَطْعِ يَدِ ابنِه.
والثانى، لا يُقْطَعُ.
وهو أصَحُّ؛ لأَنَّ سَرِقَتَهما جميعًا صارَتْ عِلَّةً لقَطْعِهما، وسَرِقَةُ الأبِ لا تَصْلُحُ مُوجِبَة للقَطْعِ؛ لأنَّه أخَذَ ما لَه أخْذُه 812، بخِلافِ قَطْعِ يَدِ ابنِه، فإنَّ الفِعْلَ تَمَحَّضَ عُدْوانًا، وإنَّما سَقَطَ (1) القِصاصُ لفَضِيلةِ الأبِ، لا لمَعْنًى في فِعْلِه، [وههُنا فِعْلُه] 813 قد تَمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ منه، فوَجَبَ أن لا يَجِبَ القَطْعُ به، كاشْتِراكِ العامِدِ والخاطِئَ.
فأمَّا إن أخْرَجَ كلُّ واحدٍ منهما نِصابًا، وَجَب القَطْعُ على شَرِيكِ الأب؛ لأنَّه انْفَرَدَ بما يُوجِبُ القَطْعَ.
فإن أخْرَجَ الأبُ نِصابًا، وشَرِيكُه دونَ النِّصَابِ، ففيه الوَجْهان.
وإنِ اعْتَرَفَ اثْنانِ بسَرِقَةِ نِصابٍ، ثم رَجَع أحَدُهما، فالقَطْعُ على الآخَرِ؛ لأنَّه اخْتَصَّ بالاسْقاطِ فيَخْتصُّ بالسُّقُوطِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَسْقُطَ عن شَرِيكِه؛ لأَنَّ السَّبَبَ السَّرِقَةُ مِنهما، وقد اخْتَلَّ أحَدُ جُزْأَيْها.
وكذلك لو أقَرَّ بمُشاركَةِ آخَرَ في سَرِقَةِ نِصابٍ، ولم يُقِرَّ الآخرُ ففى القَطْعِ وَجْهان.

الجزء: 26 - الصفحة: 503

وَإِنْ هَتَكَ اثْنَانِ حِرْزًا، وَدَخَلَاهُ، فَأَخْرَجَ أحَدُهُمَا نِصَابًا وَحْدَهُ، أَوْ دَخَلَ أَحَدُهُمَا فَقَدَّمَهُ إِلَى بَابِ النَّقْبِ، وَأَدْخَلَ الْآخَرُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ، قُطِعَا.

4491 - مسألة: (وإن هَتَكَ اثْنَان حِرْزًا، ودَخَلَاه، فأخْرَجَ أحَدُهما نِصابًا وحدَه، أو دَخَلَ أحَدُهما فقَدَّمَه إلى بابِ النَّقْبِ، وأدْخَلَ الآخَرُ يَدَه فأخْرَجَه، قُطِعَا)

أمَّا إذا هَتَك اثْنان حِرْزًا، ودَخَلاه، فأخْرَجَ أحَدُهما نِصابًا وحدَه، فقال أصحابُنا: القَطْعُ عليهما.
وبه قال أبو حنيفةَ وصاحِباه، إذا أخْرَجَ نِصابَيْن.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ 814، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: يَخْتَصُّ القَطْعُ بالمُخْرِجِ؛ لأنَّه هو السَّارِقُ.
وإن أخْرَجَ أحدُهما دُونَ النِّصابِ، والآخَرُ أكثرَ مِن نِصابٍ فتمَّا 815 نِصابَيْن، فعندَ

الحديث: 4491 - الجزء: 26 - الصفحة: 504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أصحابِنا، وأبى حنيفةَ وصاحِبَيْه، يَجِبُ القَطْعُ عليهما.
وعندَ الشافعىِّ ومُوافِقِيه، لا قَطْعَ على مَن لم يُخْرِجْ نِصابًا.
وإن أخْرَجَ أحدُهما نِصابًا، والآخَر دُونَ النِّصابِ، فعندَ أصحابِنا، عليهما القَطْعُ.
وعندَ الشافعىِّ، القَطْعُ على مُخْرِجِ النِّصابِ وَحْدَه.
وعندَ أبى حنيفةَ، لا قَطْعَ على واحدٍ مِنهما؛ لأَنَّ المُخْرَجَ لم يَبْلُغْ نُصُبًا (1) بعدَدِ السَّارِقين.
وقد ذَكَرْنا وَجْهَ ما قُلْنا فيما تَقَدَّمَ.

4492 -

مسألة: فإن نَقَبَا حِرْزًا، فدَخَلَ أحَدُهما فقَرَّبَ المَتاعَ مِن النَّقْبِ، وأدْخَلَ الخارجُ

817 يَدَه فأخْرَجَه، فقال أصحابُنا: قياسُ قَوْلِ أحمدَ، أنَّ القَطْعَ عليهما.
وقال الشافعىُّ: القَطْعُ على الخارِجِ؛ لأنَّه مُخْرِجُ المَتاعِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ على واحدٍ منهما.
ولَنا، أنَّهما اشْتَركا في هَتْكِ الحِرْزِ، وإخْراجِ المَتاعِ، فَلزمَهما القَطْعُ، كما لو حَملاه معًا فأخْرَجاه.
وإن وَضَعَه في النَّقْبِ، فمَدَّ الآخَرُ يَدَه فأخْرَجَه فأخَذَه، فالقَطْعُ عليهما.
ونُقِلَ عن 818 الشافعىِّ في هذه المسألةِ قَوْلان، كالمَذْهَبَيْن في الصُّورَةِ التى قبلَها.
فصل: قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، في رجلَين دَخَلا دارًا، أحدُهما في سُفْلِها جَمَع المَتاعَ وشَدَّه بحَبْلٍ، والآخَرُ في عُلْوِها مَدَّ الحَبْلَ فرَمَى به816

الحديث: 4492 - الجزء: 26 - الصفحة: 505

وَإِنْ رَمَاهُ الدَّاخِلُ إِلَى خَارِجٍ فَأَخَذَهُ آخَرُ، فَالْقَطْعُ عَلَى الدَّاخِلَ وَحْدَهُ.
وَإِنْ نَقَبَ أَحَدُهُمَا، وَدَخَلَ الْآخَرُ فَأَخْرَجَهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْطَعَا،  وَراءَ الدَّارِ، فالقَطْعُ عليهما؛ لأنَّهما اشْتَركا في إخْراجِه.

4493 -

مسألة: (وإن رَماه الدَّاخِلُ إلى خارِجٍ، فأخَذَه الآخَرُ، فالقَطْعُ على الدَّاخِلِ وحدَه)

وإنِ اشْتَرَكَا في النَّقْبِ؛ لأَنَّ الدَّاخِلَ أخْرَجَ المَتاعَ وحدَه، فاخْتَصَّ القَطْعُ به.
4494 -

مسألة: (وإن نَقَب أحَدُهما، ودَخَل الآخَرُ فأخْرَجَه، فلا قَطْعَ عليهما. ويَحْتَمِلُ أن يُقْطَعَا)

819 وإنَّما لم يُقْطَعَا؛ لأَنَّ الأوَّلَ لم يَسْرِقْ، والثانَى لم يَهْتِكِ الحِرْزَ، وإنَّما سَرَق مِن حِرْزٍ هَتَكَه غيرُه، فأشْبَهَ ما لو نَقَب رجلٌ وانْصَرَفَ، وجاءَآخَرُ فصادَفَ الحِرْزَ مَهْتُوكًا فسَرَقَ منه.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْطَعَا؛ لأنَّهما اشْتَرَكا في سَرِقَةِ نِصابٍ، أشْبَهَ

الحديث: 4493 - الجزء: 26 - الصفحة: 506

إِلَّا أَنْ يَنْقُبَ وَيَذْهَبَ، فَيَأْتِىَ الْآخَرُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ، فَيَسْرِقَ، فَلَا قَطْعَ.
ما لو دَخَلا معًا، فأخْرَجَ أحدُهما المَتاعَ.

4495 -

مسألة: (إلَّا أن يَنْقُبَ)

أحَدُهما (ويَذْهبَ، فيَأْتِىَ الآخَرُ مِن غيرِ علمٍ، فيَسْرِقَ، فلا قَطْعَ) لأنَّه لم يَهْتِكِ الحِرْزَ، ومِن شَرْطِ وُجوبِ القَطْعِ هَتْكُه، وقد فاتَ الشَّرْطُ، فيَفُوتُ المَشْرُوطُ.

فصل

: فإنِ اشْتَرَكَ رجلان في النَّقْبِ، ودَخَل أحَدُهما، فأخْرَجَ المَتاعَ وحدَه، أو أخَذَه وناوَلَه الآخَرَ 820 خارِجًا مِن الحِرْزِ، فالقَطْعُ على الدَّاخِلِ وحدَه؛ لأنَّه أخْرَجَ المَتاعَ وحدَه مع مُشارَكَتِه في النَّقْبِ.
وبهذا

الحديث: 4495 - الجزء: 26 - الصفحة: 507

فَصْلٌ: الرَّابِعُ، أَنْ يُخْرِجَهُ مِنَ الْحِرْزِ،  قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ عليهما؛ لأَنَّ الدَّاخِلَ لم يَنْفَصِلْ عن الحِرْز ويَدُه على السَّرِقَةِ، فلم يَلْزَمْه القَطْعُ، كما لو أتْلَفَه داخِلَ الحِرْزِ.
ولَنا، أنَّ المَسْرُوقَ خَرَج مِن الحِرْزِ ويَدُه عليه، فوَجَبَ عليه القَطْعُ، كما لو خَرَج به، بخِلافِ ما لو أتْلَفَه، لأنَّه لم يُخْرِجْه مِن الحِرْزِ.

فصل

: (الرَّابعُ، أن يُخْرِجَه مِن الحِرْزِ) يُشْتَرَطُ أن يَسْرِقَ مِن حِرْزٍ ويُخْرِجَه منه.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، وأبو الأسْوَدِ الدُّؤَلِىُّ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والزُّهْرِىُّ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
ولا نعلمُ عن أحَدٍ مِن أهلِ العلمِ خِلافَهم، إلَّا قَوْلًا حُكِىَ عن عائشةَ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، في مَن جَمَع المَتاعَ، فلم يَخْرُجْ به مِن الحِرْزِ، عليه القَطْعُ.
وعن الحسنِ مثلُ قولِ الجماعَةِ، وحُكِلَ عن داودَ، أنَّه لا يَعْتَبِرُ الحِرْزَ؛ لأَنَّ الآيةَ لا تَفْصِيلَ فيها.
وهذه أقوالٌ شاذَّةٌ، غيرُ ثابِتَةٍ عمَّن نُقِلَتْ عنه.
قال ابنُ المُنْذِرِ 821: ليس فيه 822 خبرٌ ثابتٌ، ولا مَقالٌ لأهلِ العلمِ، إلَّا ما ذَكَرْناه، فهو كالإِجْماعِ، والإِجْماعُ حُجَّةٌ على مَن خالَفَه.
وروَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ رجلًا مِن مُزَيْنَةَ سألَ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الثِّمَارِ، فقال: «مَا أُخذَ مِن غيرِ أكْمامِهِ واحْتَمَلَ، فَفِيهِ

الجزء: 26 - الصفحة: 508

فَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ.
أَوْ دَخَلَ الْحِرْزَ فَأَتْلَفَهُ فِيهِ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْه، وَإِنِ ابْتَلَعَ جَوْهَرًا، أَوْ ذَهَبًا وَخَرَجَ بِهِ، أَوْ نَقَبَ وَدَخَلَ، فَتَرَكَ الْمَتَاعَ عَلَى بَهِيمَةٍ، فَخَرَجَتْ بِهِ، أَوْ فِى مَاءٍ جَارٍ، فَأَخْرَجَهُ،  قِيمَتُه ومِثْلُه مَعَهُ، وَمَا كَانَ فِى الجِرانِ، فَفِيه القَطْعُ إذا بَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه (1). وهذا الخبرُ يَخُصُّ الآيةَ، كما خَصَصْنَاها في اعْتِبارِ النِّصابِ.

4496 -

مسألة: (فَإن سَرَقَ مِن غيرِ حِرْزٍ)

فلا قَطْعَ عليه لفَواتِ شَرْطِه، مثلَ أن يَجِدَ حِرْزًا مَهْتُوكًا، أو بابًا مَفْتُوحًا، [فيَأْخُذَ منه] (2)، فلا قَطْعَ عليه؛ لذلك.
4497 -

مسألة: (فإن دَخَلَ الحِرْزَ، فأتْلَفَ فيه)

نِصَابًا ولم يُخْرجْه (فلا قَطْعَ عليه) لأنَّه لم يَسْرِق، لكن يَلْزَمُه ضَمانُه؛ لأنَّه أتْلَفَه، ولا يُقْطَعُ حتى يُخْرِجَه مِن الحِرْزِ، فمتى أخْرَجَه [مِن الحِرْزِ] (2)، فعليه القَطْعُ، سَواءٌ حَمَلَه إلى مَنْزِلِه، أو تَرَكَه خارِجًا مِن الحِرْزِ.
4498 -

مسألة: (وإنِ ابْتَلَعَ جَوْهَرًا أو ذَهَبًا فخَرَجَ به، أو نَقَب ودَخَلَ، فتَرَكَ المَتاعَ على بَهِيمَةٍ، فخَرَجَتْ به، أو في ماءٍ جَارٍ،

823824 الحديث: 4496 - الجزء: 26 - الصفحة: 509

أَو قَالَ لِصَغِيرِ أَوْ مَعْتُوهٍ: ادْخلْ فَأَخْرِجْهُ.
فَفَعَلَ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ.
فأخْرَجَه، أو قال لصَغِيرٍ أو مَعْتُوهٍ: ادْخُلْ فأخْرِجْه.
ففَعَلَ، فعليه القَطْعُ) أمَّا إذا دَخَل الحِرْزَ فابْتَلَعَ جَوْهًرا، أو ذَهَبًا وخَرَج، فإن لم يَخْرُجْ ما ابْتَلَعَه، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه أتْلَفَه في الحِرْزِ، وإن خَرَج، ففيه وَجْهان، أحدُهما، يَجِبُ؛ لأنَّه أخْرَجَها في وِعائِها، فأشْبَهَ إخْراجَها في كُمِّه.
والثانى، لا يجبُ القَطْعُ؛ لَانّه ضَمِنَها بالبَلْعِ، فكان إتْلافًا لها، ولأنَّه مُلْجَأٌ إلى إخْراجِها؛ لأنَّه لا يمْكِنُه الخُروجُ بدُونِها.
وإن تَرَك المَتاعَ على دابَّةٍ، فخَرَجَتْ بنَفْسِها مِن غيرِ سَوْقِها، أو تَرَك المَتاعَ في ماءٍ راكِدٍ فانْفَتَحَ، فخَرَجَ المَتاعُ، أو على حائطٍ [في الدَّارِ] 825، فأطارَتْه الرِّيحُ، ففى ذلك وَجْهان؛ أحدُهما، عليه القَطْعُ؛ لأَنَّ فِعْلَه سَبَبُ 826 خُرُوجِه، فأشْبَهَ ما لو ساقَ البَهِيمَةَ، أو فَتَح الماءَ، وحَلَّقَ 827 الثوبَ في الهواءِ.
والثانى، لا

الجزء: 26 - الصفحة: 510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قَطْعَ عليه؛ لأَنَّ الماءَ لم يَكُنْ آلَةً للإِخْراجِ، وإنَّما خَرَج المَتاعُ بسَبَبٍ حادثٍ مِن غيرِ فِعْلِه، والبهِيمةُ لها اخْتِيارٌ لنَفْسِها، فأمَّا إن ساقَ الدَّابَّةَ فخَرَجَتْ بالمَسْرُوقِ، أو تَرَكَه في ماء جارٍ فخَرَجَ به، فعليه القَطْعُ؛ لأنَّه هو المُخْرِجُ، إمَّا بنَفْسِه، وإمَّا بآلَتِه، فوَجَبَ عليه القَطْعُ، كما لو حَمَلَه فأخْرَجَه.
وكذلك لو أَمَرَ صَبِيًّا لا يُمَيِّزُ أو مَعْتُوهًا فأخْرَجَه 828، فعليه القَطْعُ؛ لأنَّه آلةٌ له.
فصل: وسَواءٌ دَخَلَ الحِرْزَ فأخْرَجَه، أو نَقَبَه ثم أدْخَلَ إليه يَدَه أو عَصًا لها شُجْنَةٌ 829 فاجْتَذَبَه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا حَدَّ 830

الجزء: 26 - الصفحة: 511

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه، إلَّا أن يكونَ البيتُ صَغِيرًا لا يُمْكِنُه دُخُولُه؛ لأنَّه لم يَهْتِكِ الحِرْزَ بما أمْكَنَه، فأشْبَهَ المُخْتَلِسَ.
ولَنا، أنَّه سَرَقَ نِصابًا مِن حِرْزِ مِثْلِه، لا شُبْهَةَ له فيه، وهو مِن أهلِ القَطْعِ، فوَصا عليه، كما لو كان البيتُ ضَيِّقًا، ويُخالِفُ المُخْتَلِسَ؛ لأنَّه لم 831 يَهْتِكِ الحِرْزَ.
وإن رَمَى المَتاعَ، فأطارَتْه الرِّيحُ فأخْرَجَتْه، فعليه القَطْعُ؛ لأنَّه متى كان ابْتِداءُ الفِعْلِ منه، لم يُؤثِّرْ فِعْلُ الرِّيحِ، كما لو رَمَى صَيْدًا، فأعانَتِ الرِّيحُ السَّهْمَ حتى قَتَل الصَّيْدَ، حَلَّ 832، ولو رَمَى الجِمارَ فَأعانَتْها الرِّيحُ حتى وَقَعَت في المَرْمَى، احْتُسِبَ به، وصارَ هذا كما لو تَرَك المَتاعَ في الماءِ فَجَرَى به فأَخْرَجَه.
فصل: إذا أخْرَجَ المَتاعَ مِن بيتٍ في الدَّارِ أو الخانِ إلى الصَّحْنِ، فإن كان بابُ البيتِ مُغْلَقًا، ففَتَحَه أو نَقَبَه، فقد أخْرَجَ المَتاعَ مِن الحِرْزِ، وإن لم يَكُنْ مُغْلَقًا، فما أخْرَجَه مِن الحِرْزِ.
وقد قال أحمدُ: إذا أخْرَجَ المتاعَ مِن البيتِ إلى الدَّارِ، يُقْطَعُ.
وهو مَحْمولٌ على الصُّورةِ الأُولَى.
فصل: إذا دَخَل السَّارِقُ الحِرْزَ، فاحْتَلَبَ لَبَنًا مِن ماشِيَةٍ 833، وأخْرَجَه، فعليه القَطْعُ.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ

الجزء: 26 - الصفحة: 512

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه؛ لأنَّه مِن الأشْياءِ الرَّطْبَةِ.
وقد مَضَى الكلامُ معه في هذا.
وإن شَرِبَه في الحِرْزِ، أو شَرِب منه فانْتَقَصَ النِّصابُ، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه لم يُخْرِجْ مِن الحِرْزِ نِصابًا.
وإن ذَبَح الشَّاةَ في الحِرْزِ، أو شَقَّ الثَّوْبَ، ثم أخْرَجَهُما وقيمتُهما بعدَ الشَّقِّ والذَّبْحِ نِصَابٌ، فعليه القَطْعُ.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال الثَّوْرِىُّ 834: لا قَطْعَ عليه في الشَّاةِ؛ لأَنَّ اللَّحْمَ لا يُقْطَعُ بسَرِقَتِه عندَه، والثَّوْبُ إن شُقَّ أكْثَرُه، فلا [قَطْعَ فيه] 835؛ لأَنَّ صاحِبَه مُخَيَّرٌ بينَ أن يُضَمِّنَه قيمةَ جَميعِه، فيكونَ قد أخْرَجَه وهو مِلْكُه.
وقد تَقَدَّمَ الكلامُ معه في هذه الأُصولِ.
وإن تَطَيَّبَ، وخَرَج، ولم يَبْقَ عليه مِن الطِّيبِ ما إذا جُمِعَ كان نِصابًا، فلا قَطْعَ عليه، لأَنَّ ما لا يَجْتَمِعُ قد أتْلَفَه باسْتِعْمالِه، فأشْبَهَ ما لو أكَلَ الطَّعامَ، وإن كان يَبْلُغُ نِصابًا، فعليه القَطْعُ؛ لأنَّه أخْرَجَ نِصابًا، وذُكِرَ فيه وَجْهٌ آخَرُ، فيما إذا كان ما تَطَيَّبَ به يَبْلغُ نِصابًا، فعليه القَطْعُ وإن نَقَص ما يَجْتَمِعُ عن النِّصابِ؛ لأنَّه أخْرَجَ نِصابًا.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه حينَ الإِخْراجِ ناقِصٌ عن النِّصابِ.
وإن جَرَّ خَشَبَةً فألقاها بعدَ أن خَرَج بعضُها مِن الحِرْزِ، فلا قَطْعَ عليه، سَواءٌ خَرَج منها ما يُساوِى نِصابًا أو لا؛ لأَنَّ بعضَها لا يَنْفَرِدُ عنِ بعضٍ 836. وكذلك لو أمْسَكَ الغاصِبُ طَرَفَ عِمامَتِه، والطَّرَفُ الآخرُ في يَدِ مالِكِها، لم

الجزء: 26 - الصفحة: 513

وَحِرْزُ الْمَالِ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِحِفْظِهِ فِيهِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْوَالِ، وَالْبُلْدَانِ، وَعَدْلِ السُّلْطَانِ وَجَوْرِهِ، وَقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ،  يَضْمَنْها.
وكذلك لو سَرَقَ ثَوْبًا أو عِمامَةً، فأخْرَجَ بعْضَهما (1). فصل: فإن نَقَب الحِرْزَ، ثم دَخَل فأخْرَجَ ما دُونَ النِّصابِ، ثم دَخَل فأخْرَجَ ما بَقِىَ مِن النِّصابِ، وكان في وقتَيْن مُتَباعِدَيْن، أو لَيْلَتَيْن، لم يَجِبِ القَطْعُ؛ لأَنَّ كلَّ واحدةٍ منهما سَرِقَةٌ مُنْفَرِدَةٌ لا تَبْلُغُ نِصابًا.
وكذلك إن كانا في لَيْلَةٍ واحدةٍ وبينَهما مُدَّة طَويلةٌ.
وإن تَقَارَبا، وَجَب القَطْعُ؛ لأنَّها سَرِقَةٌ واحدةٌ، ولأنَّه إذا بُنِىَ فِعْلُ أحَدِ الشَّرِيكَيْن على فِعْلِ شَرِيكِه، إذا سَرَقَا نِصابًا، فبِنَاءُ فعلِ الواحدِ بعضِه على بعضٍ أَوْلَى.

4499 -

مسألة: (والحِرْزُ ما جَرَتِ العادَةُ بحِفْظِ المالِ فيه، ويَخْتَلِفُ باخْتلافِ الأمْوالِ، والبُلْدَانِ، وعَدْلِ السُّلْطَانِ وجَوْرِه، وقُوَّتِه وضَعْفِه)

الحِرْزُ ما عُدَّ حِرْزًا في العُرْفِ، فإنَّه لَمَّا ثَبَت اعْتبارُه في الشَّرْعِ من غيرِ تَنْصِيصٍ على بَيانِه، عُلِمَ أنَّه رُدَّ ذلك إلى أهلِ العُرْفِ؛ لأنَّه لا طريقَ إلى مَعْرِفَتِه إلَّا مِن جِهَتِه، فرُجِعَ إليه، كما رَجَعْنا إليه في مَعْرِفَةِ القَبْضِ والفُرْقَةِ في البَيْعِ، وأشْباهِ ذلك.837

الحديث: 4499 - الجزء: 26 - الصفحة: 514

فَحِرْزُ الْأَثْمَانِ وَالْجَوَاهِرِ والْقُمَاشِ فِى الدُّورِ، وَالدَّكَاكِينِ فِى الْعُمْرَانِ، وَرَاءَ الْأَبْوابِ وَالْأَغْلاقِ الْوَثِيقَةِ،

4500 - مسألة: إذا ثَبَت ذلك (فخِرْزُ الأثْمانِ والجَواهِرِ والقماشِ في الدُّورِ، والدَّكاكينِ العُمْرانِ، وراءَ الأبوابِ والأغْلاقِ الوَثِيقةِ)

وحِرْزُ الثِّيابِ وما خفَّ من المتاعِ، كالصُّفْرِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ، في الدَّكاكينِ، والبيوتِ المُقْفَلَةِ في العُمْرانِ، أو يكونُ فيها حافِظٌ، فيكونُ حِرْزًا، وإن كانت مَفْتُوحَةً.
و 838 إن لم تَكُنْ

الحديث: 4500 - الجزء: 26 - الصفحة: 515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُغْلَقَةً ولا فيها حافِظٌ، فليستْ بحِرْزٍ.
وإن كانتْ فيها خَزَائِنُ مُغْلَقَةٌ، فالخَزَائِنُ حِرْزٌ لِما فيها، وما خَرَج عنها فليس بحِرْزٍ.
وقد رُوِى عن أحمدَ، في البيتِ الذى ليس عليه غَلْقٌ، فسُرِقَ منه: أرَاهُ سارِقًا.
وهذا محمولٌ على أنَّ أهلَه فيه، فأمَّا البيوتُ التى في البساتينِ أو الطُّرُقِ أو الصَّحْراءِ، فإن لم يَكُنْ فيها أحَدٌ، فليستْ حِرْزًا، سَواءٌ كانت مُغْلَقَةً أو مَفْتُوحَةً؛ لأَنَّ مَن تَرَك مَتاعَه في مكانٍ خالٍ مِن الناسِ والعُمْرانِ، وانْصَرَفَ عنه، لا يُعَدُّ حافِظًا له، وإنْ أغْلَقَ عليه.
وإن كان فيها أهْلُها أو حافظٌ 839، فهى حِرْزٌ، سَواءٌ كانت مُغْلَقَةً أو مَفْتوحَةً.
وإذا كان لابِسًا للثَّوْبِ، أو مُتَوَسِّدًا له 840، نائمًا، أو مُسْتَيْقِظًا، أو مُفْتَرِشًا له، أو مُتَّكِئًا عليه، في أىِّ مَوْضِعٍ كان من البلدِ، أو بَرِّيَّةٍ، فهو مُحْرَزٌ؛ بدليلِ رِدَاءِ صَفْوانَ سُرِقَ وهو مُتَوَسِّدُه، فقَطَعَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سارِقَه 841. وإن تَدَحْرَجَ عن الثَّوْبِ، زالَ الحِرْزُ إن كان نائمًا، وإن كان الثَّوْبُ بينَ يَدَيْه، أو غيرُه من المتاعِ، كَبَزِّ 842 البَزَّازِين، وقُماشِ الباعَةِ، وخُبْزِ الخَبَّازِينَ، بحيثُ يُشاهِدُه،

الجزء: 26 - الصفحة: 516

وَحِرْزُ الْبَقْلِ، وَالْبَاقِلَّاءِ، وَنَحْوِهِ، وَقُدُورِهِ وَرَاءَ الشَّرَائِجِ، إِذَا كَانَ فِى السُّوقِ حَارِسٌ.
ويَنْظُرُ إليه، فهو مُحْرَزٌ، وإن نامَ، أو كان غائِبًا عن مَوْضِعِ مُشاهَدَتِه، فليس بمُحْرَزٍ.
وإن جَعَل المَتاعَ في الغَرائرِ (1)، وعَكَم (2) عليها، ومعها حافِطٌ يُشاهِدُها، فهى مُحْرَزَةٌ، وإلَّا فلا.
فصل: والخَيْمَةُ والخَرْكاهُ (3) إن نُصِبَتْ، وكانه فيها أحَدٌ نائِمًا أو مُنْتَبِهًا، فهى مُحْرَزَةٌ وما فيها، لأنَّها هكذا تُحْرَزُ في العادَةِ، وإن لم يكُنْ فيها أحَدٌ، ولا عندَها حافِظٌ، فلا قَطْعَ على سارِقِها.
وممَّن أوْجَبَ القَطْعَ في السَّرِقَةِ من الفُسْطاطِ؛ الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرَّأْى، [إلَّا أنَّ أصحابَ الرَّأْى] (4) قالوا: يُقْطَعُ السَّارِقُ من الفُسْطاطِ، دُونَ سارِقِ الفُسْطاطِ.
ولَنا، [أنَّه مُحْرَزٌ] (5) بما جَرَتْ به العادَةُ، أشْبَهَ ما فيه.

4501 -

مسألة: (وحِرْزُ البَقْلِ، والبَاقِلَّاءِ، ونَحْوِه، وقُدُورِه

843844845846847 الحديث: 4501 - الجزء: 26 - الصفحة: 517

وَحِرْزُ الْخَشَبِ وَالْحَطَبِ الْحَظَائِرُ.
وَحِرْزُ الْمَوَاشِى الصِّيَرُ، وَحِرْزُهَا فِى الْمَرْعَى بالرَّاعِى، وَنَظَرِهِ إِلَيْهَا.
وَراءَ الشَّرَائِجِ (1)، إذا كان في السُّوقِ حارِسٌ) والشَّرائِجُ تكونُ من القَصَبِ والخَشَبِ.

4502 -

مسألة: (وحِرْزُ الخَشَبِ والحَطَبِ الحَظَائِرُ)

وكذلك القَصَبُ، وتَعْبِئَةُ بعضِه على بعضٍ، وتَقْييدُه بقَيْدٍ، بحيثُ يَعْسُرُ أخْذُ شئٍ منه، على ما جَرَتِ العادَةُ، إلَّا أن يكونَ في فُنْدُقٍ مُغْلَقٍ عليه، فيكونُ مُحْرَزًا وإن لم يُقَيَّدْ.
4503 -

مسألة: (وحِرْزُ المَوَاشِى الصِّيَرُ 849، وحِرْزُها في المَرْعَى بالرَّاعِى، ونَظَرِه إليها) فما غابَ منها عن مُشاهَدَتِه، فقد خَرَج عن الحِرْزِ؛ لأَنَّ الرَّاعِيَةَ هكذا تُجْرَزُ.848

الحديث: 4502 - الجزء: 26 - الصفحة: 518

وَحِرْزُ حَمُولَةِ الإِبِلِ بِتَقْطِيرِهَا، وَقَائِدِهَا وَسَائِقِهَا، إِذَا كَانَ يَرَاهَا،

4504 - مسألة: (وحِرْزُ حَمُولَةِ الإِبلِ بتَقْطِيرِها، وقائِدِها وسائِقِها، إذا كان يَرَاها)

الإِبلُ على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ بارِكَةٌ، وراعِيَةٌ، وسائِرَةٌ، فأمَّا البارِكَةُ، فإن كان معها حافِظٌ لها، وهى معقولَةٌ، فهى مُحْرَزَةٌ، وإن لم 850 تَكُنْ معْقولَةً، وكان الحافِظُ ناظِرًا إليها، أو مُسْتَيْقِظًا بحيثُ يَراها، فهى مُحْرَزَةٌ، وإن كان نائِمًا، أو مَشْغُولًا عنها، فليستْ مُحْرَزَةً؛ لأنَّ العادَةَ أنَّ الرُّعَاةَ إذا أرادُوا النَّوْمَ عَقَلُوا إبلَهم؛ ولأَنَّ المعْقُولَةَ تُنَبِّهُ النَّائِمَ والمُشْتَغِلَ.
وإن لم يَكُنْ معها أحَدٌ، فهى غيرُ مُحْرَزَةٍ، سواءٌ كانت معقولَةً أو لم تَكُنْ.
وأمَّا الرَّاعِيَةُ فحِرْزُها بنَظَرِ الرَّاعِى إليها، فما غابَ عن نَظَرِه، أو نامَ عنه، فليس بمُحْرَزٍ؛ لأَنَّ الرَّاعِيَةَ إنَّما تُحْرَزُ بالرَّاعِى ونَظَرِه.
وأمَّا السَّائِرَةُ، فإن كان معها مَن يُسوقُها، فحِرْزُها بنَظَرِه إليها، سَواءٌ كانتْ مُقَطَّرَةً أو غيرَ مُقَطَّرَةٍ، فما كان منها بحيثُ لا يَراه، فليس بمُحْرَزٍ.
وإن كان معها قائِدٌ، فحِرْزُها أن يُكْثِرَ الالْتِفاتَ إليها، والمُراعاةَ لها، وتكونُ بحيثُ يَراها إذا الْتَفَتَ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُحْرِزُ القائِدُ إلَّا التى زِمَامُها بيَدِه؛ لأنَّه يُولِيها ظهرَه، ولا

الحديث: 4504 - الجزء: 26 - الصفحة: 519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَراها إلَّا نادِرًا، فيُمْكِنُ أخْذُها من حيثُ لا يَشْعُرُ.
ولَنا، أنَّ العادَةَ في حِفْظِ الإِبلِ المُقَطَّرَةِ، بمُراعاتِها بالالْتِفاتِ، وإمْساكِ زِمام الأَوَّلِ، فكان ذلك حِرْزًا لها، كالتى زمامُها في يَدِه.
فإن سَرَق من أَحْمالِ 851 الجمالِ السائِرَةِ المُحْرَزَةِ مَتاعًا قيمتُه نِصابٌ، قُطِعَ، وكذلك [إن سَرَقَ الحِمْلَ] 852، وإن سَرَق الجملَ بما عليه، وصاحِبُه نائِمٌ عليه، لم يُقْطَعْ؛ لأنَّه في يَدِ صاحِبِه، وإن لم يَكُنْ صاحِبُه عليه، قُطِعَ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ عليه، لأَنَّ ما في الحِمْلِ مُحْرَزٌ به، فإذا أخَذَ جميعَه، لم يَهْتِكْ حِرْزَ المَتاعِ، فصارَ كما لو سَرَقَ أجْزاءَ الحِرْزِ.
ولَنا، أنَّ الجملَ مُحْرَزٌ بصاحِبِه، ولهذا لو لم يَكُنْ معه، لم يَكُنْ مُحْرَزًا، فقد سَرَقَه من حِرْزِ مثلِه، فأشْبَهَ ما لو سَرَق المَتاعَ.
ولا نُسَلِّمُ 853 أنَّ سَرِقَةَ الحِرْزِ من حِرْزِه لا تُوجِبُ القَطْعَ، فإنَّه لو سَرَق الصُّنْدُوقَ بما فيه من بَيْتٍ هو مُحْرَزٌ فيه، وَجَب قَطْعُه.
وهذا التَّفْصِيلُ في الإِبلِ التى في الصحْراءِ، فأمَّا التى في البيوتِ والمكانِ المُحْصَنِ، على الوَجْهِ الذى ذَكَرْناه في الثِّيابِ، فهى مُحْرَزَةٌ.
والحُكْمُ في سائرِ المَواشِى كالحُكْمِ في الإِبلِ، على ما ذَكَرْنا من التَّفصيلِ فيها.

الجزء: 26 - الصفحة: 520

وَحِرْزُ الثِّيَابِ فِى الْحَمَّامِ بِالْحَافِظِ،

4505 - مسألة: (وحِرْزُ الثِّيَابِ في الحَمَّامِ بالْحافِظِ)

فإن سَرَق من الحَمَّامِ، ولا حافِظَ فيه، فلا قَطْعَ عليه، في قولِ عامَّتِهم.
وإن كان ثَمَّ حافِظٌ، فقال أحمدُ: ليس على سارِقِ الحَمَّامِ قَطْعٌ.
وقال في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ: [لا يُقْطَعُ] 854 سارِقُ الحَمَّامِ، إلَّا أن يكونَ على المَتاعِ قاعِدٌ، مثلَ ما صُنِعَ بصَفْوانَ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه مأْذُونٌ للنَّاسِ في دُخُولِه، فَجَرَى مَجْرَى سَرِقَةِ الضَّيْفِ من البيتِ المأْذُونِ له في دُخولَه، ولأَنَّ دُخولَ الناسِ إليه يَكْثُرُ، فلا يَتَمَكَّنُ الحافِظُ من حِفْظِ ما فيه.
وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَجِبُ القَطْعُ إذا كان فيه حافِظٌ.
حَكَاها القاضى.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه مَتاعٌ له حافِظٌ، فيجِبُ قَطْعُ سارِقِه، كما لو كان في البيتِ.
قال شيخُنا 855: والصحِيحُ الأَوَّلُ.
وهذا يُفارِقُ [ما في] 856 البيتِ من

الحديث: 4505 - الجزء: 26 - الصفحة: 521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَجْهَيْنَ اللَّذَيْن ذَكَرْناهما.
فأمَّا إن كان صاحِبُ الثِّيابِ قاعِدًا عليها، أو مُتَوَسِّدًا لها، أو جالِسًا 857 وهى بينَ يَدَيْه يَحْفَظُها، قُطِعَ سارِقُها بكلِّ حالٍ، كما قُطِعَ سارِقُ رِداءِ صَفْوانَ من المسجدِ، وهو مُتَوَسِّدٌ له.
وكذلك إن كان نائِبُ 858 صاحِبِ الثِّيابِ، إمَّا الحَمَّامِىُّ وإمَّا غيرُه، حافِظًا لها على هذا 859 الوَجْهِ، قُطِعَ سارِقُها؛ لأنَّها مُحْرَزَةٌ.
وإن لم تَكُنْ كذلك، فقال القاضى: إن نَزَعَ 860 الدَّاخِلُ ثِيابَه، على ما جَرَتْ به العادَةُ، ولم يَسْتَحْفِظْها لأحَدٍ، فلا قَطْعَ على سارِقِها، ولا غُرْمَ على الحَمَّامِىِّ؛ لأنَّه غيرُ مُودَعٍ فيَضْمَنَ 861، ولا هى مُحْرَزَةٌ فيُقْطَعَ سارِقُها، وإن اسْتَحْفَظَها الحَمَّامِىَّ، فهو مُودَعٌ تَلْزَمُه مُراعاتُها بالنَّظرَ والحِفْظِ، فإن تَشاغَلَ عنها، أو 862 تَرَك النَّظَرَ إليها، فسُرِقَتْ، فعليه الغُرْمُ؛ لتَفْرِيطِه، ولا قَطْعَ على السَّارِقِ؛ لأنَّه لم يَسْرِقْ من حِرْزٍ، وإن تَعاهَدَها الحَمَّامِىُّ بالحِفْظِ

الجزء: 26 - الصفحة: 522

وَحِرْزُ الْكَفَنِ فِى الْقَبْرِ عَلَى الْمَيِّتِ، فَلَوْ نَبَشَ قَبْرًا وَأَخَذَ الْكَفَنَ، قُطِعَ.
والنَّظَرِ، فسُرِقَتْ، فلا غُرْمَ عليه؛ لعَدَمِ تَفْرِيطِه، وعلى السَّارِقِ القَطْعُ؛ لأنَّها مُحْرَزَةٌ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وظاهِرُ مذهبِ أحمدَ، أنَّه لا قَطعَ عليه أيضًا في هذه الصُّورَةِ؛ لِما تَقَدَّمَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: قال أحمدُ: أرجو أن لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه مَأْذُونٌ للنَّاسِ في دُخولِه.
ولو اسْتَحْفَظَ رجلٌ آخَرَ مَتاعَه في المسجدِ، فسُرِقَ، فإن كان قد فَرَّطَ في مُراعاتِه ونَظَرِه إليه، فعليه الغُرْمُ إذا كان الْتَزَمَ حِفْظَه، وأجابَه إلى ما سألَه، وإن لم يُجِبْه، لكنْ سَكَت، لم يَلْزَمْه غُرْمٌ؛ لأنَّه ما قَبِلَ الاسْتِيداعَ، ولا قَبَض المَتاعَ، ولا قَطْعَ على السَّارِقِ في المَوْضِعَيْن؛ لأنَّه غيرُ مُحْرَزٍ.
وإن حَفِظَ المَتاعَ بنَظَرِه إليه، وقُرْبِه منه، فسُرِقَ، فلا غُرْمَ عليه، وعلى السَّارِقِ القَطْعُ؛ لأنَّه سَرَق من حِرْزٍ.
ويُفارِقُ المَتاعَ في الحَمَّامِ، فإنَّ الحِفْظَ فيه (1) غيرُ مُمْكِنٍ؛ لأَنَّ النَّاسَ يَضَعُ بعضُهم ثِيابَه عندَ ثِيابِ بعضٍ، ويَشْتَبِهُ على الحَمَّامِىِّ صاحبُ الثِّيابِ، فلا يُمْكِنُه مَنْعُ أخْذِها (2)؛ لعَدَمِ علْمِه بمالِكِها.

4506 -

مسألة: (وحِرْزُ الكَفَنِ في القَبْرِ على المَيِّتِ، فلو نَبَش

863864 الحديث: 4506 - الجزء: 26 - الصفحة: 523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قَبْرًا، وأخَذَ الكَفَنَ، قُطِعَ) رُوِى عن ابنِ الزُّبَيْرِ، أنَّه قَطَع نَبَّاشًا 865. وبه قال الحسنُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وقَتادةُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: لا قَطْعَ عليه؛ لأَنَّ القَبْرَ ليس بحِرْزٍ، لأَنَّ الحِرْزَ ما يُوضَعُ فيه المَتاعُ للحِفْظِ، والكَفَنُ لا يُوضَعُ في القَبْرِ لذلك، ولأنَّه ليس بحِرْزٍ لغيرِه، فلا يكونُ حِرْزًا له 866؛ ولأَنَّ الكَفَنَ لا مالكَ له، لأنَّه 867 لا يَخْلُو إمَّا أن يكونَ مِلْكًا للمَيِّتِ أو لوارِثِه، وليس ملكًا لواحدٍ منهما؛ لأَنَّ الميِّتَ لا يَمْلِكُ شيئًا، ولم يَبْقَ أهلًا للمِلْكِ، والوارِثُ إنَّما يَمْلِكُ ما فَضَل عن حاجةِ المَيِّتِ، ولأنَّه لا يجبُ القَطْعُ إلَّا بمُطالَبَةِ المالكِ أو نائِبه، ولم يُوجَدْ ذلك.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 868. وهذا سارِقٌ؛ فإنَّ

الجزء: 26 - الصفحة: 524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالت: سارِقُ أمْواتِنا كسارِقِ أحْيائِنَا 869. وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ، فإنَّ الكَفَنَ يُحْتاجُ إلى تَرْكِه في القَبْرِ دُونَ غيرِه، ويُكْتَفَى به في حِرْزِه، ألا تَرَى أنَّه لا يُتْرَكُ المَيِّتُ في غيرِ القبرِ من غيرِ أن يُحْفَظَ كَفَنُه، ويُتْرَكُ في القَبْرِ ويُنْصَرَفُ عنه.
وقولُهم: إنَّه لا مالكَ له.
مَمْنُوعٌ، بل هو مَمْلُوكٌ للمَيِّتِ؛ لأنَّه كان مالِكًا له في حَياتِه، ولا يَزُولُ مِلْكُه إلَّا عمَّا لا حاجَةَ به إليه، ووَلِيُّه يقومُ مَقامَه في المُطالَبَةِ، كقيامِ وَلِىِّ الصَّبِىِّ في الطَلَبِ بمالِه.
إذا ثَبَت هذا، فلا بُدَّ من إخْراجِ الكَفَنِ من القَبْرِ؛ لأنَّه الحِرْزُ، فإن أخْرَجَه من اللَّحْدِ ووَضَعَه في القَبْرِ، فلا قَطْعَ عليه 870 فيه؛ لأنَّه لم يُخْرِجْه من الحِرْزِ، فأشْبَهَ ما لو نَقَل المَتاعَ في البيتِ من جانبٍ إلى جانبٍ، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَمَّى القَبْرَ بَيْتًا.

الجزء: 26 - الصفحة: 525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والكفَنُ الذى يُقْطَعُ بسَرِقَتِه ما كان مشروعًا، فإن كُفِّنَ الرجلُ في أكثرَ من ثلاثِ لفائِفَ، أو المرأةُ في أكثرَ من خمسٍ، فسُرِقَ الزَّائِدُ عن ذلك، أو تُرِكَ في تابُوتٍ، فسُرِقَ التَّابوتُ، أو تَرَك معه طِيبًا مَجْمُوعًا، أو ذَهبًا، أو فِضَّةً، أو جَوْهرًا، لم يُقْطَعْ بأخْذِ شئٍ من ذلك؛ لأنَّه ليس بكَفَنٍ مشروعٍ، فتَرْكُه فيه سَفَهٌ وتَضْييعٌ، فلا يكونُ مُحْرَزًا، ولا يُقْطَعُ سارِقُه.
فصل: وهل يَفْتَقِرُ في قَطْعِ 871 النَّبَّاشِ إلى المُطالَبَةِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن؛ أحدُهما، يَفْتَقِرُ إلى المُطالَبَةِ، كسائرِ المسروقاتِ.
فعلى هذا المُطالِبُ الوارِثُ؛ لأنَّه يقومُ مَقامَ المَيِّتِ في حُقُوقِه، وهذا من حُقوقِه.

الجزء: 26 - الصفحة: 526

وَحِرْزُ الْبَابِ تَرْكِيبُهُ فِى مَوْضِعِهِ،  والثانى، لا يَفْتَقِرُ إلى طَلَبٍ؛ لأَنَّ الطَّلبَ في السَّرِقةِ من الأحْياءِ شَرْطٌ، لئلَّا يكونَ المسروقُ مملوكًا للسَّارِقِ.
وقد يُئِسَ من ذلك ههُنا.
فصل: وحِرْزُ جدارِ الدَّارِ كَوْنُه مَبْنِيًّا فيها، إذا كانت في العُمْرانِ، أو كانت في الصحراءِ وفيها حافِظٌ، فإن أخَذَ من أجْزاء الجدارِ، أو [خَشَبِه ما يَبْلُغُ] (1) نِصابًا في هذه الحالِ، وَجَب قَطْعُه؛ لأَنَّ الحائِطَ حِرْزٌ لغيرِه، فيكونُ حِرْزًا لنفْسِه.
وإن هَدَم الحائِطَ ولم يَأْخُذْه، فلا قَطْعَ فيه، كما لو أتْلَفَ (2) المَتاعَ في الحِرْزِ ولم يَسْرِقْه.
وإن كانتِ الدَّارُ بحيثُ لا تكونُ حِرْزًا لما فيها، كدارٍ في الصَّحْراءِ، لا حافِظَ (3) لها، فلا قَطْعَ على من أخَذَ مِن جدارِها شيئًا؛ لأنَّها إذا لم تَكُنْ حِرْزًا لِما فيها، فلنَفْسِها أوْلَى.

4507 -

مسألة: (وحِرْزُ البابِ تَرْكِيبُه في مَوْضِعِه)

سَواءٌ كان مُغْلَقًا أو مَفْتُوحًا؛ لأنَّه هكذا يُحْفَظُ، وعلى سارِقِه القَطْعُ، إذا872873874

الحديث: 4507 - الجزء: 26 - الصفحة: 527

فَلَوْ سَرَقَ رِتَاجَ الْكَعْبَةِ، أَوْ بَابَ مَسْجِدٍ، أَوْ تَأْزِيرَهُ، قُطِعَ.
كانتِ الدَّارُ مُحْرَزَةً بما ذَكَرْناه.
وأمَّا أبْوابُ الخَزائنِ في الدَّارٍ، فإن كان بابُ الدارِ مُغْلَقًا، فهى مُحْرَزَةٌ، سَواءٌ كانت مُغْلَقَةً أو مَفتُوحَةً، وإن كان مَفْتُوحًا، لم تَكُنْ مُحْرَزَةً، إلَّا أن تكونَ مُغْلَقَةً، أو (1) يكونَ في الدَّارِ حافِظٌ.
والفَرْقُ بينَ بابِ (2) الدَّارِ وبابِ الخِزَانَةِ، أنَّ أَبْوابَ الخَزَائِنِ تُحْرَزُ ببابِ الدَّارِ، وبابَ الدَّارِ لا يُحْرَزُ إلَّا بنَصْبِه، ولا يُحْرَزُ بغيرِه.
وأمَّا حَلْقَةُ البابِ، فإن كانتْ مَسْمُورَةً، فهى مُحْرَزَةٌ (3)، وإلَّا فلا؛ لأنَّها تُحْرَزُ بتَسْمِيرِها.

4508 -

مسألة: (فلو سَرَق رِتاجَ الكَعْبَةِ، أو بابَ مَسْجِدٍ، أو تَأْزِيرَه 878، قُطِعَ) إذا سَرَق بابَ مَسْجدٍ منصوبًا، أو بابَ الكعبةِ المَنْصُوبَ، أو سَرَق مِن سَقْفِه شيئًا، أو تَأَزِيرَه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، عليه القَطْعُ. وهو مذهبُ الشافعىِّ، وابنِ القاسمِ صاحبِ مالكٍ، وأبى875876877

الحديث: 4508 - الجزء: 26 - الصفحة: 528

وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ سِتَارَتِهَا، وَقَالَ الْقَاضِى: يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الْمَخِيطَةِ عَلَيْهَا.
ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه سَرَق نِصابًا مُحْرَزًا يُحْرَزُ مثلُه، لا شُبْهَةَ له فيه، فلَزِمَه القَطْعُ، كبابِ بيتِ الآدَمِىِّ.
والثانى، لا قَطْعَ عليه.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّه لا مالكَ له مِن المخْلُوقين، فلا يُقْطَعُ، كحُصرِ المسجدِ وقَنَادِيلِه، فإنَّه لا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ ذلك، وَجْهًا واحدًا، ولأنَّه ممَّا يَنْتَفِعُ به النَّاسُ، فيكونُ له فيه شُبْهَةٌ، فلم يُقْطَعْ به، كالسَّرِقَةِ مِن بيتِ المالِ.
وقال أحمدُ: (لا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ سِتارَةِ الكعبةِ) الخارجةِ منها.
قال القاضى: هذا محمولٌ على ما ليستْ بمَخِيطَةٍ؛ لأنَّها إنَّما تُحْرَزُ بخِياطَتِها.
وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ فيها بحالٍ؛ لِما ذَكَرْنا في البابِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 529

وَإِنْ سَرَقَ قَنَادِيلَ الْمَسْجِدِ، أَوْ حُصُرَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.

4509 - مسألة: (وإن سَرَق قَنادِيلَ المسجدِ، أو حُصُرَه، فعلى وَجَهَيْن)

أحدُهما، يُقْطعُ؛ لأَنَّ المَسْجِدَ حِرْزٌ لها، فَقُطِعَ بسَرِقَتِها، كالبابِ.
والثَّانى، لا يُقْطَعُ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأَنَّ له فيها 879 حَقًّا وشُبْهَةً، فأشْبَهَ السَّرِقَةَ مِن بيتِ المالِ، ولأنَّه لا مالكَ له مِن المخلُوقِين.
وهذا أصَحُّ، إن شاء اللَّهُ تعالى.
وذَكَر شيْخُنا 880 في كتاب «المُغْنِى»، أنَّه لا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ ذلك، وَجْهًا واحدًا.

الحديث: 4509 - الجزء: 26 - الصفحة: 530

وَإِنْ نَامَ إِنْسَانٌ عَلَى رِدَائِهِ فِى الْمَسْجِدِ، فَسَرَقَهُ سَارِقٌ، قُطِعَ.
وَإِنْ مَالَ رَأْسُهُ عَنْهُ، لَم يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهِ.
وَإِنْ سَرَقَ مِنَ السُّوقِ غزْلًا، وَثَمَّ حَافِظٌ، قُطِعَ، وَإِلَّا فَلَا.

4510 - مسألة: (وإن نامَ إنْسَانٌ على رِدائِه في المسجدِ، فسَرَقَه سارِقٌ، قُطِعَ)

لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَطَعَ سارِقَ رِداءِ صَفْوانَ (وإن مالَ رأسُه عنه) فسَرقَه (لم يُقْطَعْ) لأنَّه لم يَبْقَ مُحْرَزًا.
4511 -

مسألة: (وإن سَرَق مِن السُّوقِ غَزْلًا، وثَمَّ حافِظٌ، قُطِعَ)

لأَنَّ حِرْزَه بحافِظِه، فإذا سَرَقَه، قُطِعَ، كما يُقْطَعُ بسَرِقَةِ الثِّيابِ مِن الحَمَّامِ إذا كان ثَمَّ حافِظٌ.

الحديث: 4510 - الجزء: 26 - الصفحة: 531

وَمَنْ سَرَقَ مِنَ النَّخْلِ، أَوِ الشَّجَرِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَيَضْمَنُ عِوَضَهَا مَرَّتَيْنِ.

4512 - مسألة: (ومَن سَرَقَ مِن النَّخْلِ أو الشَّجَرِ مِن غيرِ حِرْزٍ، فلا قَطْعَ عليه، ويَضْمَنُ عِوَضَها مَرَّتَيْن)

يعنى بذلك الثَّمَرَ في البُسْتانِ قبلَ إدْخالِه الحِرْزَ.
وهذا قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ.
وكذلك جُمَّارُ النَّخْلِ، ويُسَمَّى الكَثَرَ، ورُوِىَ معنى هذا القولِ عن ابنِ عمرَ 881. وبه قال عَطاءٌ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال أبو ثَوْرٍ: إن كان مِن بُسْتانٍ مُحْرَزٍ، ففيه القَطْعُ.
وبه قال ابنُ المُنْذِرِ 882 إذا لم يَصِحَّ خَبَرُ رافِعٍ.
قال 883: ولا أحْسَبُه ثابِتًا.
واحْتَجَّا بظاهِرِ الآيةِ، وبقياسِه على سائرِ المُحْرَزاتِ.
ولَنا، ما روَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ، عنَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «لَا قَطْعَ فِى ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ».
أخْرَجَه أبو داودَ، [وابنُ ماجَه] 884. وعن عمرِو بنِ شعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه سُئِلَ عن الثَّمرِ المُعَلَّقِ، فقال: «مَنْ

الحديث: 4512 - الجزء: 26 - الصفحة: 532

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أصَابَ بفِيهِ مِنْ ذِى حَاجَةٍ، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً 885، فلا شَئَ عَلَيْهِ، ومَنْ خَرَجَ بشَىْءٍ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مثلَيْه 886 والْعُقُوبَةُ، ومَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أن يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ، فَعَلَيْهِ القَطْعُ» 887. وهذا يَخُصُّ عُمومَ الآيةِ، ولأَنَّ البُسْتانَ ليس بحِرْزٍ لغيرِ الثَّمَرِ، فلم يَكُنْ حِرْزًا له، كما لو لم يَكُنْ مَحُوطًا 888، فأمَّا إن كانت شجرةٌ في دارٍ مُحْرَزَةٍ، فسَرَقَ منها نِصابًا، فعليه القَطْعُ.
واللَّهُ أعلمُ.

الجزء: 26 - الصفحة: 533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا سَرَق مِن الثَّمَرِ المُعَلَّقِ، فعليه غَرامَةُ مِثْلَيْه.
وبه قال إسْحاقُ؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ.
قال أحمدُ: لا أعلمُ شيئًا يَدْفَعُه.
وقال أكثرُ الفقهاءِ: لا يَجِبُ أكثرُ مِن مِثْلِه.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 889: لا أعلمُ أحدًا مِن الفُقَهاءِ قال بوُجُوبِ غَرامِةِ مِثْلَيْه.
واعْتَذَرَ بعضُ أصحابِ الشافعىِّ عن هذا الخَبَرِ، بأنَّه كان حبنَ كانتِ العُقوبَةُ في الأمْوالِ، ثم نُسِخَ ذلك.
ولَنا، أنَّ قولَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حُجَّةٌ لا تجوزُ مُخالَفَتُه، إلَّا بمُعارَضَةِ مِثْلِه أو أقْوَى منه، وهذا الذى اعْتَذَرَ به هذا القائِلُ دَعْوَى للنَّسْخِ بالاحْتِمالِ مِن غيرِ دليلٍ عليه، وهو فاسِدٌ بالإِجْماعَ، ثم هو فاسِدٌ مِن وَجْهٍ آخَرَ؛ لقولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ، فَعَلَيْهِ القَطْعُ».
فقد بَيَّنَ وُجوبَ القَطْعِ مع إيجابِ غَرَامَةِ مِثْلَيْه، وِهذا يُبْطِلُ ما قالَه.
وقد احْتَجَّ أحمدُ بأنَّ عمرَ أغْرَمَ حاطِبَ بنَ أبى بَلْتعَةَ حينَ نحَرَ غلْمانُه

الجزء: 26 - الصفحة: 534

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ناقةَ رجلٍ مِن مُزَيْنَةَ مِثْلَىْ قِيمَتِها 890. وروَى الأَثْرَمُ الحديثَيْن في «سُنَنِه».
قال أصحابُنا: وفى الماشيةِ تُسْرَقُ مِن المَرْعَى، من غيرِ أن تكونَ مُحْرَزَةً، مِثْلا قِيمَتِها؛ لأَنَّ في سِياقِ حديثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، أنَّ السائِلَ قال: الشَّاةُ الحَرِيسةُ 891 مِنْهُنَّ يا نَبِىَّ اللَّهِ؟ قال: «ثَمَنُهَا ومِثْلُهُ مَعَهُ، والنَّكالُ 892، وَمَا كَانَ مِنَ المُرَاحِ 893، ففِيهِ القَطْعُ إذَا كَانَ مَا يَأْخُذُ مِنْ ذلكَ ثَمَنَ المِجَنِّ».
هذا لفظُ رِوايةِ ابنِ ماجَه.
وما عَدَا هذَيْنِ لا يُضْمَنُ بأكثرَ من قِيمَتِه، أو مِثْلِه إن كان مِثْلِيًّا.
هذا قولُ أصحابِنا وغيرِهم، إلَّا أبا بكرٍ، فإنَّه ذَهَب إلى [غَرامَةِ المسْرُوقِ] 894 من غيرِ حِرْزٍ بمثلَيْه 895 قياسًا على الثَّمَرِ المُعَلَّقِ وحَرِيسَةِ الجبلِ، واسْتدلالًا بحديثِ حاطِبٍ.
ولَنا، أنَّ الأَصْلَ وُجوبُ غَرامَةِ المِثْلِىِّ بمِثْلِه، والمُتَقَوَّمِ بقِيمَتِه؛ بدليلِ المُتْلَفِ والمَغْصُوبِ، والمُنْتَهَبِ والمُخْتَلَسِ، وسائرِ ما تجبُ غَرامتُه، خُولِفَ في هذين الموْضِعَيْن؛ للأثَرِ، ففيما عَداهما 896 يَبْقَى على الأَصْلِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 535

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ حِرْزًا لِمَالٍ، فَهُوَ حِرْزٌ لِمَالٍ آخَرَ.

4513 - مسألة: (وقال أبو بكرٍ: ما كان حِرْزًا لمالٍ، فهو حِرْزٌ لمالٍ آخَرَ)

قياسًا لأحدِهما على الآخَرِ.
والصَّحِيحُ خِلافُ ذلك؛ لأنَّا إنَّما رَجَعْنا في الحِرْزِ إلى العُرْفِ، والعادَة أنَّ الجَواهِرَ، والدَّراهِمَ، والدَّنانِيرَ لا تُحْرَزُ في الصِّيَرِ والحَظائِرِ، ومَن أحْرَزَها أو نحوَها في ذلك، عُدَّ مُفَرِّطًا، فكان العملُ بالمعروفِ أوْلَى.

فصل

: وإذا سَرَق الضَّيْفُ من مالِ مُضِيفِه شيئًا، نَظرتَ؛ فإن كان من الموْضِعِ الذى أنْزَلَه 897 فيه، أو مَوْضِعٍ لم يُحْرِزْه عنه، لم يُقْطَعْ؛ لأنَّه لم يَسْرِق من حِرْزٍ، وإن سَرَق من مَوْضِعٍ مُحْرَزٍ دُونَه، فإن كان مَنَعَه قِرَاه 898، فسَرَقَ بقَدْرِه، فلا قَطْعَ عليه أيضًا، وإن لم يَمْنَعْه قِراه (2)، فعليه القَطْعُ.
وقد رُوِى عن أحمدَ، أنَّه لا قَطْعَ على الضَّيْفِ.
وهو محمولٌ على إحْدَى الحالَتَيْن الأولَيَيْن.
وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ عليه بحالٍ؛ لأَنَّ المُضِيفَ 899 بَسَطَه في بيتِه ومالِه، فأشْبَهَ ابنَه.
ولَنا، أنَّه سَرَقَ مالًا مُحْرَزًا عنه، لا شُبْهَةَ له فيه، فلَزِمَه القَطْعُ، كالأجْنَبِىِّ.
وقولُه: إنَّه بَسَطَه فيه.
لا يَصِحُّ، فإنَّه أحْرَزَ عنه هذا المالَ، ولم يَبْسُطْه فيه، وبَسْطُه في غيرِه لا يُوجِبُ بَسْطَه فيه، كما لو تَصَدَّقَ على مِسْكِينٍ بصَدَقَةٍ، أو أهْدَى إلى صَدِيقِه هَدِيَّةً، فإنَّه لا يَسْقُطُ عنه القَطْعُ بالسَّرِقَةِ من غيرِ ما تَصَدَّقَ به

الحديث: 4513 - الجزء: 26 - الصفحة: 536

فَصْلٌ: الْخَامِسُ، انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ؛ فَلَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ ابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَلَا الْوَلَدُ مِنْ مَالِ أَبِيهِ وَإِنْ عَلَا، وَالْأَبُ  عليه، أو أهْدَى إليه.

فصل

: وإذا أحْرَزَ المُضارِبُ مالَ المُضارَبَةِ، أو الوَدِيعَةِ أو العارِيَّةِ، أو المالَ الذى وُكِّلَ فيه، فسَرَقَه أجْنَبِىٌّ، فعليه القَطْعُ، لا نعلمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه يَنُوبُ مَنابَ المالِكِ في حِفْظِ المالِ وإحْرازِه، ويَدُه كيَدِه.
وإن غَصَب عَيْنًا وأحْرَزَها، أو سَرَقَها وأحْرَزَها، فسَرَقَها سارِقٌ، فلا قَطْعَ عليه.
وقال مالكٌ: عليه القَطْعُ؛ لأنَّه سَرَقَ نِصابًا مِن حِرْزِ مِثْلِه، لا شُبْهَةَ له فيه.
وللشافعىِّ قَوْلان، كالمَذْهَبَيْن.
وقال أبو حنيفةَ كقَوْلِنا في السَّارِقِ، وكقَوْلِ مالكٍ في الغاصِبِ.
ولَنا، أنَّه لم يَسْرِقِ المالَ من مالِكِه، ولا ممَّن يقومُ مَقامَه، فأشْبَهَ ما لو وَجَدَه ضائِعًا فأخَذَه، وفارَقَ السَّارِقَ من المالِكِ أو نائِبِه، فإنَّه أزالَ يَدَه الشَّرْعِيَّةَ، وسَرَق من حِرْزِه.
فصل: فإن غَصَب بيتًا 900، فأحْرَزَ فيه مالَه، فسَرَقَه منه أجْنَبِىٌّ، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه لا حُكْمَ لحِرْزِه إذ 901 كان مُتَعَدِّيًا به ظالمًا فيه.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (الخامسُ، انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ، فَلا يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ من مالِ ابنِه وإن سَفَلَ، ولا الولدُ من مالِ أبِيه وإن عَلا،

الجزء: 26 - الصفحة: 537

وَالْأُمُّ في هَذَا سَوَاءٌ.
والأبُ والأُمُّ في ذلك سَواءٌ) وجملةُ ذلك، أنَّ الوالِدَ لا يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ من مال ولدِه وإن سَفَلَ، وسَواءٌ في ذلك الأبُ والأمُّ، والابنُ والبنتُ، والجَدُّ والجَدَّةُ، من قِبَلِ الأبِ والأُمِّ.
هذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ 902: القَطْعُ على كلِّ سارِقٍ، بظاهرِ الكِتابِ، إلَّا أن يُجْمِعُوا على شئٍ فيُسْتَثْنَى.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أنْتَ وَمَالُكَ لأَبيكَ» 903. وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنَّ أَطيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ» 904. وفى لفظٍ: «فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَولَادِكُمْ».
ولا يجوزُ قَطْعُ الإِنْسانِ بأخْذِ 905 ما أَمَرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بأخْذِهِ، ولا أخْذِ ما جَعَلَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مالًا له مُضافًا إليه، ولأَنَّ الحُدودَ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وأعظمُ الشُّبُهاتِ أخْذُ الإِنْسانِ من مالٍ جَعَلَه الشَّرْعُ له، وأمَرَه بأخْذِه وأكْلِه.

الجزء: 26 - الصفحة: 538

وَلَا يُقْطَعُ الْعَبْدُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ.
فصل: ولا يُقْطَعُ الابنُ وإن سَفَلَ، بسَرِقَةِ مالِ والدِه، وإن عَلَا.
وبه قال الحسنُ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، والثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وظاهرُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّه يُقْطَعُ؛ لأنَّه لم يَذْكُرْه في مَن لا قَطْعَ عليه.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لظاهرِ الكِتابِ، ولأنَّه يُقادُ بقَتْلِه، ويُحَدُّ بالزِّنَى بجارِيَتِه، فيُقْطَعُ بسَرِقَتِه مالَه، كالأجْنَبِىِّ.
ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّ بينَهما قَرابَةً، تَمْنَعُ قَبولَ شَهادةِ أحَدِهما لصاحِبِه، فلم يُقْطَعْ بسَرقَةِ مالِه، كالأبِ، ولأَنَّ نفَقَتَه (1) تجبُ في مالِ الأبِ لابْنِه حِفْظًا له، فلا يجوزُ إتْلافُه حِفْظًا للمالِ.
وأمَّا الزِّنَى بجارَيَتِه، ففيه مَنْعٌ، وإن سُلِّمَ فإنَّما وَجَب عليه الحَدُّ؛ لأنَّه لا شُبْهَةَ له فيها.

4514 -

مسألة: (ولا يُقْطَعُ العَبْدُ بالسَّرِقَةِ مِن مالِ سَيِّدِه)

في قولِ الجميعِ، ووافَقَهم أبو ثَوْرٍ فيه.
وحُكِىَ عن داودَ، أنَّه يُقْطَعُ؛ لعُمُومِ الآيَةِ.
ولَنا، ما روَى السَّائِبُ بنُ يَزِيدَ، قال: شَهِدْتُ عمرَ بنَ الخَطَّابِ، قد جاءَه عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو الحَضْرَمِىُّ بغُلَامٍ له، فقال: إنَّ غُلَامِى هذا سَرَق، فاقْطَعْ يَدَه.
فقال عمرُ: ما سَرَق؟ قال: سَرَقَ مِرآةَ906

الحديث: 4514 - الجزء: 26 - الصفحة: 539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  امْرَأتِى، ثمنُها ستُّون دِرْهمًا فقال: أرْسِلْه، لا قطْعَ عليه، خادِمُكم 907 أخَذَ مَتَاعَكم 908. ولكنَّه لو سَرَقَ من غيرِه قُطِعَ.
وفى لَفظٍ قال: مالُكم سَرَقَ بعضُه بعضًا، لا قَطْعَ عليه.
رَواه سعيدٌ.
وعن ابنِ مسعودٍ، أنَّ رجلًا جاءَه، فقال: عبدٌ لى سَرَق قَباءً لعبدٍ لى آخَرَ.
فقال: لا قَطْعَ، مالُكَ سَرَقَ مالَكَ 909. وهذه قَضايا تُشْتَهَرُ، ولم يُخالِفْها أحَدٌ، فتكونُ إجْماعًا، وهذا يَخصُّ عُمومَ الآيةِ، ولأَنَّ هذا إجْماعٌ مِن أهلِ العلمِ؛ لأنَّه قولُ من سَمَّيْنا من الأئِمَّةِ، ولم يُخالِفْهم في عَصْرِهم أحَدٌ، فلا يجوزُ خِلافُه بقَوْلِ مَن بعدَهم، كما لا يجوزُ تَرْكُ إجْماعِ الصَّحابةِ بقولِ واحدٍ من التَّابِعِين.
فصل: وأُمُّ الولَدِ، والمُدَبَّرُ، والمُكاَتبُ، كالقِنِّ في هذا.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْى.
ولا يُقْطَعُ سَيِّدُ المُكاتَبِ بسرقةِ مالِه؛ لأنَّه عبدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ.
وكلُّ مَن لا يُقْطَعُ الإِنْسانُ بسرقَةِ مالِه، لا يُقْطَعُ عبْدُه بسرقةِ مالِه، كآبائِه، وأولادِه،

الجزء: 26 - الصفحة: 540

وَلَا مُسْلِمٌ بِالسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وغيرِهم.
وقال أبو ثَوْرٍ: يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مَن عَدَا سَيِّدِه.
ونحوُه قولُ مالكٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
ولَنا، حديثُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولأَنَّ مالَهم يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ مالِه في قَطْعِه، فكذلك في قَطْعِ عبدِه.

4515 -

مسألة: (ولا)

يُقْطَعُ (مُسْلِمٌ بالسَّرِقَةِ من بَيْتِ المالِ) يُرْوَى ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما.
وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال حَمَّادٌ، ومالكٌ، وابنُ المُنْذِرِ 910: يُقْطَعُ؛ لظاهرِ الكِتابِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ ماجَه 911 بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ عبدًا من رَقِيقِ الخُمْسِ، سَرَق من الخُمْسَ، فرُفِعَ ذلك إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يَقْطَعْه، وقال: «مَالُ اللَّهِ سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا».
ويُرْوَى ذلك عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وسألَ ابنُ مسعودٍ عمرَ عمَّن سَرَق من بيتِ المالِ، فقال: أرْسِلْه، فما من أحَدٍ إلَّا وله في هذا المالِ حَقٌّ 912. وقال سعيدٌ: ثَنا هُشَيْمٌ، ثنا مُغِيرَةُ، عن الشَّعْبِىِّ 913، عن علىٍّ، أنَّه كان يقولُ: ليس على مَن سَرَق من بيتِ المالِ

الحديث: 4515 - الجزء: 26 - الصفحة: 541

وَلَا مِنْ مَالٍ لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ، أَو لِأَحَدٍ مِمَّنْ لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْهُ.
قَطْعٌ (1)، ولأَنَّ له في المالِ حَقًّا، فيكونُ شُبْهَةً تَمْنَعُ وُجوبَ القَطْعِ، كما لو سَرَقَ من مالٍ له فيه شَرِكَةٌ.

4516 -

مسألة: (ولا)

يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ (من مَالٍ له فيه شِرْكٌ، أو لأحَدٍ ممَّن لا يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ منه) كالأبِ لا يُقْطَعُ بسرقةِ مالِ ابْنِه، والعبدِ لا يُقْطَعُ بسرقةِ مالِ سَيِّدِه، فكذلك إذا سَرَق من مالٍ لإبْنِه فيه شَرِكَةٌ أو لسَيِّدِه، فلا قَطْعَ عليه لذلك.
فصل: ومَنْ سَرَق مِن الوَقْفِ، أو من غَلَّتِه، وكان من المَوْقُوفِ عليهم، كالمِسْكِينِ يَسْرِقُ من 915 وَقْفِ المساكينِ، أو من قوم مُعَيِّنِين عليهم وَقْفٌ، لم يُقْطَعْ؛ لأنَّه شَرِيكٌ.
وإن كان من غيرِهم، قُطِعَ؛ لأنَّه914

الحديث: 4516 - الجزء: 26 - الصفحة: 542

وَمَنْ سَرَقَ مِنَ الْغَنِيمَةِ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، أَو لِوَلَدِهِ، أَوْ لِسَيِّدِهِ، لَمْ يُقْطَعْ.
لا حَقَّ له فيه.
فإن قيل: فقد قلتُمِ: لا يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ منِ بيتِ المالِ من غيرِ تَفْريقٍ بينَ غَنِىٍّ وفقيرٍ، فَلِمَ فرَّقْتُمْ ههُنا؟ قُلْنا: لأَنَّ للغَنِىِّ في بيتِ المالِ حَقًّا، بدليلِ قولِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: ما من أحَدٍ إلَّا وله في هذا المالِ حَقٌّ.
بخِلافِ وَقْفِ المساكينِ، فإنَّه لا حَقَّ للغَنِىِّ فيه.

4517 -

مسألة: (ومَن سَرَق من الغَنِيمَةِ مِمَّن له فيها حَقٌّ، أو لوَلَدِه، أو لسَيِّدِه، لم يُقْطَعْ)

لِما ذَكَرْنا من المسألةِ قبلَها.
وحَكَى 916 ابنُ أبى موسى، أنَّه يُحَرَّقُ رَحْلُه، كالغَالِّ.
وإن لم يَكُنْ من الغانِمِينَ،

الحديث: 4517 - الجزء: 26 - الصفحة: 543

وَهَلْ يُقْطَعُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ الْمُحْرَزِ عَنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ولا أحدٍ ممَّن ذَكَرْنا، فسَرَقَ منها قبلَ إخْراجِ الخُمْسِ، لم يُقْطَعْ؛ لأَنَّ له في الخُمْسِ حَقًّا، وإن أُخْرِجَ الخُمْسُ، فسَرَق مِن أرْبَعَةِ الأخْماسِ، قُطِعَ.
وإن سَرَق من الخُمْسِ، لم يُقْطَعْ؛ لأَنَّ له فيه شَرِكَةً، فإنْ قُسِّمَ الخُمْسُ خَمْسَةَ أقْسامٍ، فسَرَقَ من خُمْسِ اللَّهِ ورسولِه، لم يُقْطَعْ، وإن سَرَق من غيرِه، قُطِعَ إلَّا أن يكونَ مِن أَهْلِ ذلك الخمْسِ.

4518 -

مسألة: (وهل يُقْطَعُ أحَدُ الزَّوْجَيْن بالسَّرِقَةِ من مالِ الآخَرِ المُحْرَزِ عنه؟ على رِوايَتَيْن)

إحْداهما، لا قَطْعَ عليه.
وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ، ومذهبُ أبى حنيفةَ؛ لقولِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، لعبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو الحَضْرَمِىِّ، حينَ قال له: إنَّ غُلامِى سَرَق مِرآةَ امْرَأتِى: أرْسِلْه، لا قَطْعَ عليه، خادِمُكُمْ أخَذَ مَتاعَكم.
وإذا لم يُقْطَعْ عبدُه بسرقَةِ مالِهَا،

الحديث: 4518 - الجزء: 26 - الصفحة: 544

وَيُقْطَعُ سَائِرُ الْأَقَارِبِ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ أَقَارِبِهِمْ.
فهو أَوْلَى، ولأَنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَرِثُ صاحِبَه بغيرِ حَجْبٍ، ويَتَبَسَّطُ (1) في مالِ الآخَرِ عادَةً، فأشْبَهَ الوالِدَ والولَدَ.
والثانيةُ، يُقْطَعُ.
وهو مذهبُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لعُمومِ الآيةِ، ولأنَّه سَرَق مالًا مُحْرَزًا عنه، لا شُبْهَةَ له فيه، فأَشْبَهَ الأَجْنَبِىَّ.
وللشّافعىِّ كالرِّوايَتَيْن.
وقولٌ ثالثٌ، أنَّ الزَّوْجَ يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مالِ الزَّوْجَةِ؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه، ولا تُقْطَعُ بسَرِقَةِ مالِه؛ لأَنَّ لها النَّفَقَةَ فيه.
فأمَّا إن لم يَكُنْ مالُ أحَدِهما مُحْرَزًا عن الآخَرِ، لم يُقْطَعْ رِوَايَةً واحدةً؛ لأنَّه لم يَسْرِق من حِرْزٍ.

4519 -

مسألة: (ويُقْطَعُ سائِرُ الأقارِبِ بالسَّرِقَةِ من مالِ أقارِبِهمْ)

كالإِخْوَةِ والأخَواتِ، ومَنْ عَدَاهم.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ من ذِى رَحِمٍ.
وحَكَاه ابنُ أبى موسى في «الإِرْشَادِ» مذهبًا لأحمدَ؛ لأنَّها قَرَابَةٌ تَمْنَعُ النِّكاحَ، وتُبِيحُ النَّظَرَ،917

الحديث: 4519 - الجزء: 26 - الصفحة: 545

وَيُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ الذِّمِّىِّ وَالْمُسْتَأْمِنِ، ويُقْطَعَانِ بِسَرِقَةِ مَالِهِ.
وتُوجِبُ النَّفَقَةَ، أشْبَهَ قَرابةَ الوِلادَةِ.
ولَنا، أنَّها قَرَابةٌ لا تَمْنَعُ الشَّهادَةَ، فلا تَمْنَعُ القَطْعَ كغيرِ (1) ذِى الرَّحِمِ، وبهذا فارَقَ قَرابةَ الوِلادةِ.

4520 -

مسألة: (ويُقْطَعُ المُسْلِمُ بالسَّرِقَةِ من مالِ الذِّمِّىِّ والمُسْتَأْمِنِ، ويُقْطَعَان بسَرِقَةِ مالِه)

أمَّا قَطْعُ المسلمِ بالسرقةِ من مالِ الذِّمِّىِّ، وقَطْعُ الذِّمِّىِّ بالسَّرقةِ من مالِ مسلمٍ، فلا نعلمُ فيه خِلافًا.
وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وأمَّا الحَرْبِىُّ إذا دَخَل إلينا مُسْتأمِنًا، فسَرَقَ، فإنَّه يُقْطَعُ أيضًا.
وقال ابنُ حامِدٍ: لا يُقْطَعُ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومحمدٍ؛ لأنَّه حَدٌّ للَّهِ تعالى، فلا يُقامُ [عليه، كحدِّ] 919 الزِّنى.
ونَصَّ أحمدُ على أنَّه لا يُقامُ عليه حَدُّ الزِّنى.
وللشافعىِّ قَوْلان، كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا، أنَّه حَدٌّ يُطالَبُ به، فوَجَبَ عليه 920، كحَدِّ القَذْفِ، يُحَقِّقُه أنَّ القَطْعَ يَجِبُ صِيانةً للأمْوالِ، وحَدُّ القَذْفِ يَجِبُ صِيانةً للأعْراضِ، فإذا918

الحديث: 4520 - الجزء: 26 - الصفحة: 546

وَمَنْ سَرَقَ عَيْنًا، وَادَّعَى أَنَّهَا مِلْكُهُ، لَمْ يُقْطَعْ.
وَعَنْهُ، يُقْطَعُ.
وَعَنْهُ، لَا يُقْطَعُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ.
وَجَب في حَقِّه أحدُهما وَجَب الآخَرُ، فأمَّا حَدُّ (1) الزِّنَى فإنَّما لم يجبْ؛ لأنَّه يجبُ به قتلُه لنَقْضِ العهدِ، ولا يجبُ مع القتلِ حَدٌّ سِوَاه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ المسلمَ يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مالِه.
وعندَ أبى حنيفةَ: لا يجبُ.
ولَنا، أنَّه سَرَقَ مالًا مَعْصومًا، لا شُبْهَةَ له فيه، من حِرْزِ (2) مِثْلِه، فوَجَبَ قَطْعُه، كسَرِقَةِ مالِ الذِّمِّىِّ، ويُقْطَعُ المُرْتَدُّ إذا سَرَق، فإنَّ أحْكامَ الإِسْلامِ جارِيَةٌ عليه.

4521 -

مسألة: (ومَن سَرَق عَيْنًا، وادَّعَى أنَّها مِلْكُهُ، لم يُقْطَعْ. وعنه، يُقْطَعُ. وعنه، لا يُقْطَعُ، إلَّا أن يَكونَ مَعْرُوفًا بالسَّرِقَةِ)

مَن ثَبَتَتْ عليه السرقةُ ببَيِّنَةٍ، فأنْكَرَ، لم يُسْمَعْ إنْكارُه.
وإن قال: أحْلِفُوه لى أنِّى سَرَقْتُ منه.
لم يُحْلَفْ؛ لأَنَّ السَّرِقَةَ قد ثَبَتَتْ بالبَيِّنَةِ، وفى921922

الحديث: 4521 - الجزء: 26 - الصفحة: 547

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إحْلافِه عليها قَدْحٌ في 923 الشَّهادَةِ.
فإن قال: الذى أخَذْتُه مِلْكِى، كان لى عندَه وَدِيعَةً.
أو: رَهْنًا.
أو: ابْتَعْتُه منه.
أو: وَهَبَه 924 لى.
أو: أذِنَ لى في أخْذِه.
أو: غَصَبَه منِّى.
أو: مِن أبى.
أو: بَعضُه لى.
فالقولُ قولُ المَسْرُوقِ منه مع يَمِينِه؛ لأَنَّ اليَدَ ثَبَتَت له، فإن حَلَف سَقَطَتْ دَعْوَى السَّارِقِ، ولا قَطْعَ عليه؛ لأَنَّ صِدْقَه مُحْتَمَلٌ، ولهذا أحْلَفْنا المَسْروقَ منه، وإن نَكَل، قَضَيْنا عليه بنُكُولِه.
وهذا إحْدَى الرِّواياتِ عن أحمدَ، وهو منْصُوصُ الشافعىِّ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يُقْطَعُ؛ لأَنَّ سُقُوطَ القَطْعِ بدَعْوَاه يُؤَدِّى إلى أن لا يجبَ قَطعُ سارِقٍ، فتَفُوتُ مَصْلَحَةُ الزَّجْرِ.
وعنه رِوايَةٌ ثالثةٌ، أنَّه إن كان معروفًا بالسَّرِقَةِ، قُطِعَ؛ لأنَّه يُعْلَمُ كَذِبُه، وإلَّا سَقَط عنه القَطْعُ.
والأُولَى أوْلَى؛ لأَنَّ الحُدودَ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ،

الجزء: 26 - الصفحة: 548

وَإِذَا سَرَقَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مَال السَّارِقِ، أَو الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مَالَ الْغَاصِبِ مِنَ الْحِرْزِ الَّذِى فِيهِ الْعَيْنُ الْمَسْرُوقَةُ أَوِ الْمَغْصُوبَةُ، لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْحِرْزِ، أَوْ سَرَقَ مِنْ مَالِ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، قُطِعَ، إِلَّا أَنْ يَعْجِزَ عَنْ أَخْذِهِ مِنْهُ، فَيَسْرِقَ قَدْرَ حَقِّهِ، فَلَا يُقْطَعُ.
وَقَالَ الْقَاضِى: يُقْطَعُ.
وإفْضاؤُه إلى سُقُوطِ القَطْعِ لا يَمْنَعُ اعْتِبارَه، كما أنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ في شَهَادَةِ الزِّنَى شُرُوطًا لا يَكادُ يَقَعُ معها إقامَةُ حَدٍّ بَيَّيَنةٍ أبدًا، على أنَّه لا يُفْضِى إليه لازمًا، فإنَّ السُّرَّاقَ لا يعْلَمُونَ هذا 925، ولا يَهْتَدُونَ إليه في الغالبِ، وإنَّما يَخْتَصُّ بعلمِ هذا الفُقَهاءُ الذين لا يَسْرِقُونَ غالِبًا.
فإن لم يَحْلِفِ المسْرُوقُ منه، سَقَطَ القَطْعُ (1)، وجْهًا واحدًا؛ لأنَّه يُقْضَى عليه بالنُّكُولِ.

4522 -

مسألة: (وإذا سَرَق المَسْرُوقُ منه مالَ السارِقِ، أو المَغْصُوبُ منه مالَ الغاصِبِ من الحِرْزِ الذى فيه العَيْنُ المَسْرُوقَةُ أو المَغْصُوبَةُ، لم يُقْطَعْ، وإن سَرَق من غيرِ ذلكَ، أو سَرَق مِن مالِ مَن له عليه دَيْنٌ، قُطِعَ، إلَّا أن يَعْجِزَ عن أخْذِه منه، فيَسْرِقَ قَدْرَ حَقِّه، فلا

الحديث: 4522 - الجزء: 26 - الصفحة: 549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُقْطَعُ.
وقال القاضى: يُقْطَعُ) إذا سَرَق مِن 926 مالِ إنْسانٍ، أو غَصَبَه فأحْرَزَه، فجاءَ المالِكُ فَهَتَكَ الحِرْزَ، وأخَذَ مالَه، فلا قَطْعَ فيه عندَ أحدٍ، سَواءٌ أخَذَه سَرِقَةً أو غيرَها؛ لأنَّه أخَذَ مالَه.
وإن سَرَق غيرَه، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا قَطْعَ عليه؛ لأَنَّ له شُبْهَةً في هَتْكِ الحِرْزِ، وأخْذِ مالِه، فصارَ كالسَّارِقِ من غيرِ حِرْزٍ، ولأَنَّ له شُبْهَةً في أخْذِ قَدْرِ مالِه؛ لذَهابِ بعضِ أهلِ العلمِ إلى جَوازِ أخْذِ الإِنْسانِ قَدْرَ دَيْنِه من مال مَن هو عليه: والثانى، عليه القَطْعُ؛ لأنَّه سَرَق نِصابًا من حِرْزِه، لا شُبْهَةَ له فيه، وإنَّما يجوزُ له أخْذُ قَدْرِ مالِه؛ إذا عَجَز عن أخْذِ مالِه، وهذا أمْكَنَه أخْذُ مالِه، فلم يَجُزْ له أخْذُ غيرِه.
وكذلك الحكْمُ إذا أخَذَ مالَه، وأخَذَ نِصابًا مِن غيرِه مُتَمَيِّزًا عن مالِه، فإن كان مُخْتَلِطًا بمالِه غيرَ مُتَمَيِّزٍ منه، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه أخَذَ مالَه الذى له أخْذُه، وحَصَّلَ غيرَه مَأْخُوذًا ضَرُورَةَ

الجزء: 26 - الصفحة: 550

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أخْذِه، فيَجِبُ أن لا يُقْطَعَ 927 فيه، ولأَنَّ له في أخْذِه شُبْهَةً، والحَدُّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ.
فأمَّا إن سَرَق منه مالًا من غيرِ الحِرْزِ الذى فيه مالُه، أو كان له دَيْنٌ على إنْسانٍ، فسَرَقَ من مالِه قَدْرَ دَيْنِه من حِرْزِه، نَظَرْتَ؛ فإن كان الغاضِبُ أو الغَرِيمُ باذِلًا لِما عليه، غيرَ مُمْتَنِعٍ من أدائِه، أو قَدَرَ المالِكُ على أخْذِ مالِه فَتَرَكَه وسَرَق مالَ الغاصِبِ أو الغَرِيمِ، فعليه القَطْعُ؛ لأنَّه لا شُبْهَةَ له فيه، وإن عَجَز عن اسْتِيفاءِ دَيْنه، أو أَرْشِ جِنايَتِه، فسَرَق قَدْرَ دَيْنِه، أو حَقِّه، فلا قَطْعَ عليه.
وقال القاضى: عليه القَطْعُ، بِناءً على أصْلِنا في أنَّه ليس له أخْذُ قَدْرِ دَيْنِه.
ولَنا، أنَّ هذا مُخْتَلَفٌ في حِلِّه، فلم يَجِبِ الحَدُّ به كالوَطْءِ في نِكاحٍ مُخْتَلَفٍ فيه، وتَحْرِيمُ الأخْذِ لايَمْنَعُ الشُّبْهَةَ الناشِئَةَ عن الاخْتِلافِ، والحُدودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ.
فإن سَرَق أكثرَ من دَيْنِه، فهو كالمَغْصُوبِ منه إذا سَرَق أكثرَ من مَالِه 928، على ما مَضَى.

الجزء: 26 - الصفحة: 551

وَمَنْ قُطِعَ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ، ثُمَّ عَادَ فَسَرَقَهَا، قُطِعَ.
فصل: (ومَن قُطِعَ بسَرِقَةِ عَيْنٍ، فعادَ فسَرَقَها، قُطِعَ) إذا سَرَق سارِقٌ، فقُطِعَ، ثم سَرَقَ ثانيًا، قُطِعَ ثانيًا، سَواءٌ سَرَق من الذى سَرَق منه، أو من غيرِه، وسَواءٌ سَرَق تلك العَيْنَ التى قُطِعَ بسَرِقَتِها أو غيرَها.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا قُطِعَ بسَرِقَةِ عين مَرَّةً، لم يُقْطَعْ بسَرِقَتِها مَرَّةً ثانيةً، إلَّا أن يكونَ قد قُطِعَ بسَرِقَةِ غَزْلٍ، ثم سَرَقَه مَنْسُوجًا، أو قُطِعَ بسَرِقَةِ رُطَبٍ، ثم سَرَقَه تَمْرًا.
واحْتَجَّ بأنَّ هذا يَتَعَلَّقُ اسْتِيفاؤُه بمُطالَبَةِ آدَمِىٍّ، فإذا تَكَرَّرَ سَبَبُه في العينِ الواحدةِ، لم يَتَكَرَّرْ، كحَدِّ القَذْفِ.
ولَنا، أنَّه حَدٌّ يَجِبُ بفِعْلٍ في عينٍ، فتَكَرُّرُه في عينٍ واحدةٍ كتَكَرُّرِه في الأعْيانِ، كالزِّنَى، وما ذَكَرَه 929 يَبْطُلُ بالغَزْلِ إذا نُسِجَ، وبالرُّطَبِ إذا أتْمَرَ، ولا نُسَلِّمُ حَدَّ القَذْفِ؛ فإنَّه متى قَذَفَه بغيرِ ذلك الزِّنى حُدَّ 930، وإن قَذَفَه بذلك الزِّنَى عَقِيبَ حَدِّه، لم يُحَدَّ؛ لأَنَّ الغَرَضَ إظْهارُ كَذِبِه وقد ظَهَر، وههُنا الغَرَضُ رَدْعُه عن السَّرِقَةِ، ولم يَرْتَدِعْ، فيُرْدَعُ بالثانى، كما لو سَرَق عينًا أُخْرَى.
فصل: فإن سَرَقَ مرَّاتٍ قبلَ القَطْعِ، أجْزَأ حَدٌّ واحدٌ عن جميعِها، وتَداخَلَتْ حُدُودُها؛ لأنَّه حَدٌّ من حُدودِ اللَّهِ، فإذا اجتمعَتْ أسْبابُه تَداخَلَ، كحَدِّ الزِّنى، وذَكَرَ القاضى فيما إذا سَرَق من جماعةٍ، وجاءوا

الجزء: 26 - الصفحة: 552

وَمَنْ أَجَرَ دَارَهُ، أَوْ أَعَارَهَا، ثُمَّ سَرَقَ مِنْهَا مَالَ الْمُسْتَعِيرِ أَوِ الْمُسْتأْجِرِ، قُطِعَ.
مُتَفَرِّقِينَ، رِوايةً أُخْرَى، أنَّها لا تَتَداخَلُ.
ولعلَّه يَقِيسُ ذلكْ على حَدِّ القَذْفِ، والصَّحِيحُ أنَّها تَتَداخَلُ؛ لأَنَّ القَطْعَ خالِصُ حَقٍّ للَّهِ تعالى فيتَدَاخَلُ، كحَدِّ الزِّنى والشُّرْبِ، وفارَقَ حَدَّ القَذْفِ، فإنَّه لآدَمِىٍّ، ولهذا يَتَوَقَّفُ على المُطالَبَةِ باسْتِيفائِه، ويَسْقُطُ بالعَفْوِ عنه.

4523 -

مسألة: (ومَن أجَرَ دارَه، أو أعارَها، ثم سَرَق منها مالَ المُسْتَعِيرِ أو المُسْتَأْجِرِ، قُطِعَ)

إذا سَرَق المُؤْجِرُ (1) مالَ المُسْتَأْجِرِ من العينِ المُسْتَأْجَرَةِ، فعليه القَطْعُ.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو حنيفةَ.
وقال صاحِباه: لا قَطْعَ عليه؛ لأَنَّ المَنْفَعَةَ تَحْدُثُ في مِلْكِ المُؤْجِرِ، ثم تَنْتَقِلُ إلى المُسْتَأْجِرِ.
ولَنا، أنَّه هَتَك حِرْزًا، وسَرَق منه نِصابًا لا شبْهَةَ له فيه، فوَجَبَ القَطْعُ، كما لو سَرَق من مِلْكِ المُسْتَأْجِرِ.
وما قالاه غيرُ مُسَلَّمٍ.
4524 -

مسألة: وإنِ اسْتَعارَ دارًا فنَقَبَهَا المُعِيرُ، وسَرَق مالَ المُسْتَعِيرِ منها، قُطِعَ أيضًا.

وبهذا قال الشافعىُّ في أحَدِ931

الحديث: 4523 - الجزء: 26 - الصفحة: 553

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَجْهَيْن.
وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ عليه؛ لأَنَّ المَنْفَعَةَ مِلْكٌ له، فما هَتَك حِرْزَ غيرِه، ولأَنَّ له الرُّجوعَ متى شاءَ، وهذا يكونُ رُجُوعًا.
ولَنا، ما تَقَدَّمَ في التى قبلَها، ولا يَصِحُّ ما ذَكَرُوه؛ لأَنَّ هذا قد صارَ حِرْزًا لمالِ غيرِه، فلا يجوزُ له الدُّخولُ إليه، وإنَّما يجوزُ له الرُّجوعُ في العارِيَّةِ والمُطالَبَةُ برَدِّه إليه.
فصل: قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ: لا قَطْعَ في المَجَاعَةِ.
يَعْنِى أنَّ المُحْتاجَ إذا سَرَق ما يَأْكُلُه، لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه كالمُضْطَرِّ، وروَى الجُوزْجَانِىُّ 932، عن عمر، أنَّه قال: لا قَطْعَ في عَامِ سَنَةٍ.
وقال: سألتُ أحمدَ عنه، فقلتُ: تقولُ به؟ فقال: إى لَعَمْرِى، إذا حَمَلَتْه الحاجَةُ، والنَّاسُ في شِدَّةٍ ومَجاعَةٍ.
وعن الأوْزاعِىِّ مثلُ ذلك.
وهذا محمولٌ على مَن لا يجدُ [ما يَشْتَرِيه، أو لا يَجِدُ ما يَشْتَرِى به، فإنَّ له شُبْهَةً في أخْذِ ما يَأْكُلُه، أو] 933 ما يَشْتَرِى به ما يَأْكُلُه.
وقد رُوِى عن [عمرَ رَضِىَ اللَّهُ عنه] 934، أنَّ غِلْمانَ حاطِبِ بنِ أبى بَلْتَعَةَ انْتَحَرُوا ناقَةً للمُزَنِىِّ، فأمَرَ عمرُ بقَطْعِهِم، ثم قال لحاطِبٍ: إنِّى أراكَ تُجِيعُهم 935.

الجزء: 26 - الصفحة: 554

فَصْلٌ: السَّادِسُ، ثُبُوتُ السَّرِقَةِ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، أَوْ إِقْرَارٍ مَرَّتَيْنِ.
فدَرَأَ عنهم القَطْعَ (1) لَمَّا ظَنَّه يُجيعُهم.
فأمَّا الواجِدُ لِما يَأْكُلُه، والواجدُ لِما يَشْتَرِى به [ما يَأْكُلُه] (2) فعليه القَطْعُ، وإن كان بالثَّمَنِ الغالِى.
ذَكَرَه القاضى.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.

فصل

: ولا قَطْعَ على المرأةِ إذا مَنَعَها الزَّوْجُ قَدْرَ كِفايَتها، أو كِفايَةِ وَلَدِها، إذا أخَذَتْ من مالِه، سَواءٌ أخَذَتْ قَدْرَ ذلك أو أكثرَ منه، لأنَّها تَسْتَحِقُّ قَدْرَ ذلك، فالزّائِدُ يكونُ مُشْتَرَكًا بما تَسْتَحِقُّ أخْذَه [ولا على الضَّيْفِ إذا مُنِعَ قِراه، وأخَذَ من مالِ المُضِيفِ، لذلك] 938. فصل: قال رَحِمَه اللَّهُ: (السَّادسُ، ثُبوتُ السَّرِقَةِ بشَهادَةِ عَدْلَيْن، أو إقْرارٍ مَرَّتَيْن، ولا يَنْزِعُ عن إقْرارِه حتى يُقْطَعَ) وجملةُ ذلك، أنَّ القَطْعَ إنَّما يجبُ بأحَدِ شَيْئَيْن، بَيَنةٍ، أو إقْرارٍ، لا غيرُ، فأمَّا البَيِّنَةُ، فَيُشْتَرَطُ فيها أن يكونا 939 رجلَيْن مُسْلِمَيْن حُرَّيْن عَدْلَيْن، سَواءٌ كان السَّارِقُ مسلمًا936937

الجزء: 26 - الصفحة: 555

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو ذِمِّيًّا.
وقد ذَكَرْنا ذلك في شُهُودِ الزِّنَى بما يُغْنِى عن إعادَتِه ههُنا، ويُشْتَرَطُ أن يَصِفَا السَّرِقَةَ والحِرْزَ، وجِنْسَ النِّصَابِ، وقَدْرَه؛ ليَزُولَ الاخْتِلافُ فيه، فيقولانِ: نشْهَدُ أنَّ هذا سَرَق كَذا، قِيمَتُه كذا، من حِرْزٍ.
ويَصِفَا الحِرْزَ.
فإن كان المسروقُ منه غائِبًا، فحَضَرَ وكيلُه، وطالَبَ بالسَّرِقَةِ، احْتاجَ الشَّاهِدانِ أَنْ يَرْفَعَا في نَسَبِه، فيقولان: من حِرْزِ فُلانِ ابنِ فلانِ [ابنِ فلانٍ] 940. بحيثُ يَتَمَيَّزُ عن غيرِه، فإذا اجتَمَعَتْ هذه الشُّرُوطُ، وَجَب القَطْعُ في قولِ عامَّتِهم.
وقال ابنُ المُنْذِرِ 941: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ، على أنَّ قَطْعَ السارِقِ يجبُ، إذا شَهِد بالسَّرِقَةِ شاهدان حُرَّان مُسْلِمان، ووَصَفا ما يُوجِبُ القَطْعَ.
وإذا وَجَب القَطْعُ بشَهادَتِهما، لم يَسْقُطْ بغَيْبَتِهما، ولا مَوْتِهما، على ما مَضَى في الشَّهادَةِ بالزِّنَى.
وإذا شَهِدا 942 بسَرِقَةِ مالِ غائبٍ، فإن كان له وكيلٌ حاضِرٌ، فطالَبَ به، قُطِعَ السَّارِقُ، وإلَّا قلا.
وقال القاضى: يُحْبَسُ ولا يُقْطَعُ حتى يَحْضُرَ الغائِبُ.

الجزء: 26 - الصفحة: 556

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا اخْتَلَفَ الشاهدان في المكانِ 943 أو الزَّمانِ، أو المَسْروقِ، فشَهِدَ أحدُهما أنَّه سَرَق يومَ الخميسِ، وشَهِد 944 الآخَرُ أنَّه سَرَق يومَ الجُمُعة، أو 945 شهِد أحدُهما أنَّه سَرَق من هذا البيتِ، والآخَرُ أنَّه سَرَق من هذا البيتِ الآخَرِ، أو قال أحدُهما: سَرَق ثَوْرًا.
وقال الآخَرُ: سَرَق بَقَرَةً.
أو قال الآخَرُ: سَرَق حمارًا.
لم يُقْطَعْ.
في قولِهم جميعًا.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وإن قال أحدُهما: سَرَق ثَوْبًا أبْيَضَ.
وقال الآخَرُ: أسودَ.
أو قال أحدُهما: سَرَق هَرَوِيًّا.
وقال الآخَرُ: سَرَقَ مَرْوِيًّا.
لم يُقْطَعْ أيضًا.
وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّهما لم يَتَّفِقَا على الشَّهادةِ بشئٍ واحدٍ، فأشْبَهَ ما لو اخْتَلَفَا في الذُّكُورِيَّةِ والأُنُوثِيَّةِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: يُقْطَعُ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى؛ لأَنَّ الاخْتِلافَ لم يَرْجِعْ إلى نفسِ الشَّهادة، فيَحْتَمِلُ أنَّ أحدَهما غَلَب على ظَنِّه أنَّه هَرَوِىٌّ، والآخرَ أنَّه مَرْوِىٌّ، أوَ كان الثوبُ فيه سَوادٌ وبَياضٌ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 946: اللونُ أقربُ إلى الظُّهورِ من الذُّكُورِيَّةِ والأُنُوثِيَّة، فإذا كان اخْتِلافُهما 947 فيما يَخْفَى يُبْطِلُ شَهادَتَهما، ففيما

الجزء: 26 - الصفحة: 557

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَظْهَرُ أوْلَى.
ويَحْتَمِلُ أنَّ أحدَهما ظَنَّ المسروقَ ذكَرًا، وظَنَّه الآخَرُ أُنْثَى، وقد أوْجَبَ هذا رَدَّ شهادَتِهما، فكذلك ههنا.
الأمرُ الثانى، الاعْتِرافُ، ويُشْتَرَطُ فيه أن يَعْتَرِفَ مَرَّتَيْن.
رُوِى ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وبه قال ابن أبى ليلى، وأبو يوسفَ، وزُفَرُ، وابنُ شُبْرُمَةَ.
وقال عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: يُقْطَعُ باعْتِرافِ مَرَّةٍ؛ لأنَّه حَقٌّ يَثْبُتُ بالإِقْرارِ، فلم يُعْتَبَرْ فيه التَّكْرَارُ، كحَقِّ الآدَمِىِّ.
ولَنا، ما روَى أبو داودَ 948، بإسْنادِه، عن أبى أُمَيَّةَ المَخْزُومِىِّ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أُتِىَ بلِصٍّ قد اعْتَرَفَ، فقال له: «ما إِحالُكَ سَرَقْتَ».
قال: بلى.
فأعادَ عليه مَرَّتَيْن أو ثلاثًا، فأمَرَ به، فقُطِعَ.
ولو وَجَبَ القَطْعُ بأوَّلِ مَرَّةٍ، لَمَا أخَّرَه.
وروَى سعيدٌ، عن هُشَيْمٍ، وسُفْيانَ، وأبى الأحْوَصِ، وأبى مُعاويةَ، عن الأعْمَشِ، عن [القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ] 949، عن أبِيه، قال: شَهِدْتُ عليًّا، وأتاه رجلٌ، فأقَرَّ بالسَّرِقَةِ، فرَدَّه.
وفى لفظٍ: فانْتَهرَه.
وفى لفظٍ: فسَكَتَ عنه.
وقال غيرُ هؤلاءِ: فطَرَدَه.
ثم عادَ بعدَ ذلك،

الجزء: 26 - الصفحة: 558

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأقَرَّ، فقال له علىٌّ: شَهِدْتَ على نفْسِكَ مَرَّتَيْن.
فأمَرَ به فقُطِعَ.
وفى لفظٍ: قد أقْرَرْتَ على نَفْسِكَ مَرَّتَيْن 950. ومثلُ هذا يَشْتَهِرُ، فلم يُنْكَرْ.
ولأنَّه يَتَضَمَّنُ إتْلافًا في حَدٍّ، فكان مِن شَرْطِه التَّكْرارُ، كحَدِّ الزِّنى.
ولأنَّه أحدُ حُجَّتَى القَطْعِ، فيُعْتَبرُ فيه التَّكْرَارُ، كالشَّهادةِ، وقياسُهم يَنْتَقِضُ بالزِّنى، عندَ مَن اعْتَبَرَ التَّكْرَارَ، ويُفارِقُ حَقَّ الآدَمِىِّ؛ لأَنَّ حَقَّه مَبْنِىٌّ على الشِّحِّ، والضِّيقِ، ولا يُقْبَلُ رُجُوعُه عنه، بخِلافِ مَسْألتِنا.
فصل: ويُعْتَبَرُ أن يَذْكُرَ في إقْرارِه شُروطَ السَّرِقَةِ، مِن النِّصابِ والحِرْزِ، وإخْراجِه منه.
والحُرُّ والعبدُ في هذا سَواءٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ، لعُمومِ النَّصِّ فيهما، ولِما روَى الأعْمَشُ، عن القاسمِ، عن أبِيه، أنَّ عليًّا قَطع عبدًا أقَرَّ عندَه بالسَّرِقَةِ.
وفى روايةٍ، قال: كان عبدًا.
يعنى الذى قَطَعَه علىٌّ.
ويُعْتَبَرُ أَنْ يُقِرَّ مَرَّتَيْن.
وروَى مُهَنَّا، عن أحمدَ: إذا أقَرَّ العبدُ أنَّه سَرَق أرْبَعَ مَرَّاتٍ، قُطِعَ.
فظاهِرُ هذا أنَّه اعْتَبَرَ إقْرارَه أربعَ مَرَّاتٍ؛ ليكونَ على النِّصْفِ مِن الحُرِّ.
والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لخبَرِ على، ولأنه إقْرارٌ بحَدٍّ، فاسْتَوَى فيه الحُرُّ والعبدُ، كسائرِ الحُدودِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 559

وَلَا يَنْزِعُ عَنْ إقْرَارِهِ حَتَّى يُقْطَعَ.

4525 - مسألة: (ولا يَنْزِعُ عن إقْرارِه حتى يُقْطَعَ)

هذا قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ.
وقال ابنُ أبى ليلى، وداودُ: لا يُقْبَلُ رجوعُه؛ لأنَّه لو أقَرَّ لآدَمِىٍّ بحَدِّ قِصاصٍ، لم يُقْبَلْ رُجوعُه عنه.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للسَّارِقِ: «مَا إخَالُكَ سَرَقْتَ» (1). عَرَضَ له ليَرْجِعَ، [ولأنَّه حَدٌّ للَّهِ] (2)، ثَبَت بالاعْترافِ، فقُبِل رُجوعُه عنه، كحَدِّ الزِّنى، ولأَنَّ الحُدودَ تُدْرَأ بالشُّبُهاتِ، ورُجوعُه شُبْهَةٌ؛ لاحْتِمالِ أن يكونَ كَذَب على نفْسِه في اعْتِرافِه، ولأنَّه أحَدُ حُجَّتَى القَطْعِ، فيَبْطُلُ بالرُّجوعِ عنه، كالشَّهادَةِ، ولأَنَّ حُجَّةَ القَطْعِ زالَتْ قبلَ اسْتِيفائِه، فسَقَط كما لو رَجَع الشُّهودُ.
وفارَقَ حَقَّ الآدَمِىِّ؛ لأنَّه مَبْنِىٌّ على الشُّحِّ والضِّيقِ، ولو رَجَع الشُّهودُ عن الشَّهادَةِ بعدَ الحُكْمِ في حَقِّ الآدَمِىِّ، لم يَبْطُلْ برُجوعِهم، ولم يَمْنَعِ اسْتِيفاءَها.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا رَجَع قبلَ القَطْعِ، سَقَط القَطْعُ، ولم يَسْقُطْ غُرْمُ المسْرُوقِ، لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ، ولو أتر مَرَّة واحدةً، لَزِمَه غَرامة المسْروقِ دُونَ القَطْعِ.
وإن كان رُجوعُه وقد قُطِعَ بعضُ الم

َفْصِلِ،

لم يُتْمِمْه إن كان يُرْجَى بُرْؤه؛ لكَوْنِه قَطَع الأقَلَّ، وإن كان قَطَع الأكْثَرَ، فالمقطوعُ بالخِيارِ، إن شاءَ قَطَعَه، ليَسْتَريحَ 953 مِن تعْليقِ951952

الحديث: 4525 - الجزء: 26 - الصفحة: 560

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كَفِّه، [وإن شاءَ تَرَكَه] 954، ولا يَلْزَمُ القاطِعَ قَطْعُه؛ لأَنَّ قَطْعَه تَداوٍ، وليس بحَدٍّ.
فصل: قال أحمدُ: لا بأْسَ بتَلْقِينِ السَّارِقِ ليَرْجِعَ عن إقْرارِه.
وهذا قولُ عامَّةِ الفُقَهاءِ.
رُوِى عن عمرَ، أنَّه أتِىَ برجل 955، فسألَه: أسَرَقْتَ؟ [قُلْ: لا] (1). فقال: لا.
فَتَرَكَه 956. ورُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، وأبى هُرَيْرَةَ، وابنِ مسعودٍ، وأبى الدَّرْدَاءِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال إسْحاقُ، وأيو ثَوْرٍ.
وقد رَوَيْنا أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال للسَّارِقِ: «ما إِخَالُكَ سَرَقْتَ».
وقال لماعِزِ: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أو لَمَسْتَ» 957. وعن علىٍّ، أنَّ رَجلًا أقَرَّ عندَه بالسَّرِقَةِ، فانْتَهَرَه 958. ولا بأْسَ بالشَّفَاعَةِ في السَّارِقِ إذا لم يَبْلُغِ الإِمامَ، فإنَّه رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «تَعافَوُا الحُدُودَ 959 [فِيمَا بَيْنَكُمْ] 960، فَمَا بَلَغَنِى مِنْ حَدِّ وَجَبَ» 961. وقال الزُّبيرُ بنُ

الجزء: 26 - الصفحة: 561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العوَّامِ في الشَّفاعَةِ في الحَدِّ: يَفْعَلُ ذلكَ دونَ السُّلْطَانِ، فإذا بَلَغ الإِمامَ، فلا أعْفَاه اللَّهُ إنْ أعفاه 962. وممَّن رَأى ذلك عَمَّارٌ، وابنُ عباس، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ.
وقال مالكٌ: إن لم يُعْرَفْ بشَرٍّ، فلا بأْسَ أن يشْفَعَ له، ما لم يَبْلُغِ الإِمامَ، وأمَّا مَن عُرِفَ بشَرٍّ وفَسادٍ، فلا أحِبُّ أن يَشْفعَ له أحَدٌ 963، ولكن يُتْرَكُ حتى يُقامَ عليه الحَدُّ.
وأجمعُوا على أنَّه إذا بَلَغ الإِمامَ لم تَجُزِ الشَّفَاعَةُ فيه؛ لأَنَّ ذلك إسْقاطُ حَقٍّ وَجَب للَّه تِعالى، وقد غَضِب النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ شَفَع أُسامَةُ في المَخْزُومِيَّةِ التى سَرَقَتْ، وقال: «أتَشْفَعُ فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تعالى!» 964. وقال ابنُ عمرَ: مَن حالَتْ شَفاعتُه دونَ حَدٍّ مِن حُدودِ اللَّهِ، فقد ضادَّ اللَّهَ في حُكْمِه 965.

الجزء: 26 - الصفحة: 562

السَّابعُ، مُطَالَبَةُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ بِمَالِهِ.
وَقَالَ أبو بَكْرٍ: لَيْس ذَلِكَ بِشَرْطٍ.
فصل: قال رَحِمَه اللَّهُ: (السابعُ، مُطالَبَةُ المَسْرُوقِ منه بمالِه.
وقال أبو بكرٍ: ليس ذلك بشَرْطٍ) وجملةُ ذلك، أنَّ السَّارِقَ لا يُقْطَعُ وإنِ اعْتَرَفَ أو قامَتْ بَيِّنَةٌ، حتى يَأتِىَ مالِكُ المسروقِ يَدَّعِيه.
ويهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وقال أبو بكرٍ: لا يَفْتَقِرُ إلى دَعْوَى ولا مُطالَبَةٍ.
وهذا قولُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لعُمومِ الآيةِ، ولأَنَّ مُوجِبَ القَطْعِ ثَبَت، فوَجَبَ مِن غيرِ مُطالَبَةٍ، كحَدِّ الزِّنى.
ولَنا، أنَّ المالَ يُبَاحُ بالبَذْلِ والإِباحَةِ، فيَحْتَمِلُ أنَّ مالِكَه أباحَه إيَّاه، أو وَقَفَه على المسلمين، أو على طائِفَةٍ السَّارِقُ منهم، أو أذِنَ له في دُخوِلِ حِرْزِه، فاعْتُبِرَتِ المُطالَبَةُ؛ لتَزُولَ هذه الشُّبْهَةُ، وعلى هذا يَخْرُجُ الزِّنَى، فإنَّه لا يُباحُ بالإِباحَةِ، ولأَنَّ القَطْعَ أوْسَعُ في الإِسْقاطِ، ألا تَرَى أنَّه إذا سَرَق مالَ أبِيه لم يُقْطَعْ، ولو زَنَى بجَارِيَتِه حُدَّ، ولأَنَّ القَطْعَ شُرِعَ لصِيانَةِ مالِ الآدَمِىِّ، فله به تَعَلُّقٌ،

الجزء: 26 - الصفحة: 563

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلم يُسْتَوْفَ مِن غيرِ حُضورِ مُطالِبٍ به، والزنَى حَقٌّ للَّهِ تعالى مَحْضٌ، فلم يَفْتَقِرْ إلى طَلَبٍ به.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ وَكِيلَ الغائبِ يقومُ مَقامَه في الطَّلَبِ.
وقال القاضى: إذا أقَرَّ بسَرِقَةِ مالِ غائب، حُبسَ حتى يَحْضُرَ الغائِبُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ قد أباحَه، ولو أقَرَّ بحَقٍّ مُطْلَقٍ لغائبٍ لم يُحْبَسْ؛ لأنَّه لا حَقَّ عليه لغيرِ الغائبِ ولم يأمُرْ بحَبْسِه، فلم يُحْبَسْ.
وفى مسألتِنا تَعَلَّقَ به حَقُّ اللَّهِ تعالى، وحَقُّ الآدَمِىِّ، فحُبِسَ؛ لِما عليه مِن حَقِّ اللَّهِ تعالى، فإن كانتِ العَيْنُ في يدِه، أخَذَها الحاكمُ، وحَفِظَها للغائبِ، وإن لم يَكُنْ في يدِه شئٌ، فإذا جاء الغائِبُ كان الخَصْمَ فيها.
فصل: ولو أقَرَّ بسَرِقَةٍ لرجلٍ، فقال المالكُ: لم تَسْرِقْ مِنِّى، ولكنْ غَصَبْتَنِى.
أو: كان لى قِبَلَك وَدِيعَةٌ فجَحَدْتَنِى.
لم يُقْطَعْ؛ لأَنَّ إقْرارَه لم يُوافِقْ دَعْوَى المُدَّعِى.
وبهذا قال أبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وإن أقَرَّ أنَّه سَرَق نِصابًا مِن رجلَيْن، فصَدَّقَه أحدُهما دُونَ الآخَرِ، أو قال الآخرُ: بل غَصَبْتَنِيه أو جَحَدْتَنِيه.
لم يُقْطَعْ.
وبه قال أصحابُ الرَّأْى.
وقال أبو ثَوْرٍ: يُقْطَعُ.
ولَنا، أنَّه لم يُوافِقْ على سَرِقَةِ نِصابٍ، فلم يُقْطَعْ،

الجزء: 26 - الصفحة: 564

فَصْلٌ:

وَإِذَا وَجَبَ الْقَطْعُ، قُطعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ، وَحُسِمتْ؛ وَهُوَ أَنْ تُغْمَسَ في زَيْتٍ مَغْلِىٍّ، فَإِنْ عَاَد،  كالتى قَبلَها، وِإن وَافَقاه جميعًا، قُطِعَ.
وإن حَضَر أحدُهما، فطالَبَ، ولم يَحْضُرِ الآخرُ، لم يُقْطَعْ؛ لأَنَّ ما حَصَلَتِ المُطالَبَةُ به لا يُوجِبُ القَطْعَ بمُفْرَدِه.
وإن أقَرَّ أنَّه سَرَق مِن رجلٍ شيئًا، فقال الرجلُ: قد فَقدْتُه مِن مالِى.
فيَنْبَغِى أن يُقْطَعَ؛ لِما رُوِى عن عبدِ الرحمنِ (1) بنِ ثَعْلَبَةَ الأنْصارِىِّ، عن أبيه، أنَّ عمرَو بنَ سَمُرَةَ بنِ حَبِيبِ (2) بنِ عَبْدِ شَمْسٍ، جاءَ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: يا رسولَ اللَّه إنِّى سَرَقْتُ جَمَلًا لبَنِى فُلانٍ، فطَهِّرْنِى.
فأرسَلَ إليهم النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالوا: إنَّا افْتَقَدْنا جملًا لنا.
فأمَرَ به النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقُطِعَتْ يَدُه.
قال ثَعْلَبَةُ: أنا أنْظُرُ إليه حين وَقَعَتْ يدُه، وهو يقولُ: الحمدُ للَّه الذى طَهَّرَنِى منكِ، أردتِ أن تدْخِلِى جَسَدِىَ النَّارَ.
رَواه ابنُ ماجَه (3).

4526 -

مسألة: (وإذا وَجَب القَطْعُ، قُطِعَتْ يَدُه اليُمْنَى مِن مَفْصِلِ الكَفِّ، وحُسِمَتْ؛ وهو أن تُغْمَسَ فِى زَيْتٍ مَغْلِىٍّ، فإن عاد،

966967968 الحديث: 4526 - الجزء: 26 - الصفحة: 565

قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ، وَحُسِمَتْ،  قُطِعَتْ رِجْلُه الْيُسْرَى مِن مَفْصِلِ الكَعْبِ، وحُسِمْت) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ السَّارِقَ أولُ ما يُقْطَعُ منه يدُه اليُمْنَى، مِن مَفْصِلِ الكَفِّ، وهو الكُوعُ.
وفى قِراءةِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ: (فَاقْطَعُوَاْ أَيْمانَهُمَا) 969. وهذا إن كان قراءةً وإلَّا فهو تَفْسِيرٌ.
وقد رُوِى عن أبى بكر، وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّهما قالا: إذا سَرَقَ السَّارِقُ فاقْطَعُوا يَمِينَه مِن الكوعِ 970. ولا مُخالِفَ لهما في الصَّحابةِ، ولأَنَّ البَطْشَ بها أقْوَى، فكانتِ البَداءَةُ بها أرْدَعَ، ولأنَّها آلةُ السَّرِقَةِ غالبًا 971، فناسَبَتْ عُقُوبَته بإعْدامِ آلَتِها.
وإذا سَرَق ثانيًا، قُطِعَتْ رِجْلُه اليُسْرَى.
وبذلك قال الجماعةُ إلَّا عطاءً، حُكِىَ عنه، أنَّه تُقْطَعُ يدُه اليُسْرَى؛ لقَوْلِه سبحانَه: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 972. ولأنَّها آلةُ السَّرقَةِ والبَطْشِ، فكانتِ العُقُوبةُ بقَطْعِها أوْلَى.
ورُوِىَ ذلك عن رَبِيعَةَ، وداودَ.
وهذا شُذُوذٌ يخالِفُ قولَ 973 جماعةِ [فُقَهاءِ الأمصارِ مِن أهلِ الفِقْهِ والأثَرِ] 974، مِن الصَّحابةِ

الجزء: 26 - الصفحة: 566

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والتابِعِين، ومَن بعدَهم، وقولَ أبى بكرٍ، وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما.
وقد روَى أبو هُرَيْرَةَ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال في السَّارِقِ: «إِذَا سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَه، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَه» 975. ولأنَّه في المُحارَبَةِ المُوجِبَةِ قَطْعَ عُضْوَيْنِ، إنَّما تُقْطَعُ يَدُه ورِجْلُه، ولا تُقْطَعُ يَداه، فنقولُ: جنايةٌ أوْجَبَت قَطْعَ عُضْوَيْن، فكانا يَدًا ورِجْلًا، كالمُحارَبَةِ، ولأَنَّ قَطْعَ يَدَيْه يُفَوِّتُ مَنْفَعَةَ الجِنْسِ، فلا تَبْقَى له يدٌ يَأْكُلُ بها، ولا يتوضَّأ، ولا يَسْتَطِيبُ، ولا يَدْفَعُ عن نفسِه، فيصيرُ كالهالِكِ، فكان قَطْعُ الرِّجْلِ الذى لا يَشْتَمِلُ على هذه المَفْسَدَةِ أوْلَى.
وأمَّا الآيةُ، فالمُرادُ بها قَطْعُ يَدِ كل واحدٍ منهما؛ بدليلِ أنَّه لا تُقْطَعُ اليدَان في المَرَّةِ الأُولَى.
وفى قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فَاقْطَعُوَا أَيْمانَهُمَا).
وإنَّما ذُكِرَ بلفظِ الجمعِ، لأَنَّ المُثَنَّى إذا أضِيفَ إلى المُثَنَّى ذُكِرَ بلفظِ الجمع، كقولِه تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ 976. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه تُقْطَعُ رِجْلُه اليُسْرَى؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ 977. ولأَنَّ قَطْعَ اليُسْرَى أرْفقُ به، لأنَّه يُمْكِنُه المَشْىُ على خَشَبَةٍ، ولو قُطِعَتْ رِجْلُه اليُمْنَى

الجزء: 26 - الصفحة: 567

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لم يُمْكِنْه المَشْىُ بحالٍ.
وتُقْطَعُ الرِّجْلُ مِن مَفْصِلِ الكَعْبِ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، وفَعَل ذلك عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه 978. وكان علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يَقْطَعُ مِن نصفِ القَدَمِ مِن مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، ويَدَعُ له عَقِبًا يَمْشِى عليها 979. وهو قولُ أبى ثَوْرٍ.
ولَنا، أنَّه أحَدُ العُضْوَيْن المَقْطُوعَيْن في السَّرِقَةِ، فيُقْطَعُ مِن المَفْصِلِ كاليَدِ، وإذا قُطِعَ حُسِمَ، وهو أن يُغْلَى الزَّيت، فإذا قُطِعَ غُمِسَ عُضْوُه في الزَّيت؛ لتَنْسَدَّ أفْواهُ العُروقِ؛ لئلا يَنْزِفَ الدمُ فيَمُوت.
وقد رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أتِىَ بسارِقٍ سَرَق شَمْلَةً، فقال: «اقْطَعُوهُ، واحْسِمُوهُ» 980. وهو حديثٌ فيه 981 مَقالٌ.
قالَه ابنُ المُنْذِرِ 982. وممَّن اسْتَحَبَّ ذلك الشافعىٌّ، وأبو ثَوْرٍ، وغيرُهما مِن أهلِ العلمَ.
فصل: ويُقْطَعُ السارِقُ (4) بأسْهَلِ ما يُمْكِنُ، فيُجْلَس ويُضْبَطُ؛ لِئَلَّا يَتَحَرَّكَ فيَجْنِىَ على نَفْسِه، وتُشَدُّ يَدُه بحَبْلٍ، ويُجَرُّ حتى يَبِينَ مَفْصِلُ

الجزء: 26 - الصفحة: 568

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الكَفِّ مِن مَفْصِلِ الذِّراعِ، ثم تُوضَعُ بينَهما سِكِّينٌ حَادَّةٌ، ويُدَقُّ فوقَها بقُوَّةٍ ليُقْطَعَ في مَرَّةٍ واحدةٍ، أو تُوضَعُ 983 السِّكِّينُ على المَفْصِلِ وتُمَدُّ مدَّةً واحدةً.
وإن عُلِمَ قَطْعٌ أوْحَى مِن هذا، قُطِعَ به.
فصل: ويُسَنُّ تَعْلِيقُ اليَدِ في عُنُقِه؛ لِما روَى فَضَالَةُ بنُ عُبَيْدٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أتِىَ بسارِقٍ، فقُطِعَتْ يدُه، ثم أَمَرَ بها فعُلِّقَتْ في عُنُقِه.
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه 984. وفَعَل ذلك علىٌّ 985، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولأَنَّ فيه رَدْعًا وزَجْرًا.
فصل: ولا يُقطَعُ في شِدَّةِ حَر، ولا بَرْدٍ؛ لأَنَّ الزَّمانَ رُبَّما أعانَ على قَتْلِه، والغَرَضُ الزَّجْرُ دُونَ القَتْلِ.
ولا يُقْطَعُ مَرِيض في مَرَضِه؛ لِئلَّا يَأتِىَ ذلك على نَفْسِه.
ولو سَرَق فقُطِعَتْ يدُه، ثم سَرَق قبلَ انْدِمالِ يدِه، لم يُقْطَعْ ثانِيًا حتى يَنْدَمِلَ القَطْعُ الأَوَّلُ.
وكذلك لو قُطِعَتْ رِجْلُه قِصاصًا، لم تُقْطَعِ اليَدُ في السَّرِقَةِ حتى تَبْرَأ الرِّجْلُ.
فإن قِيلَ: أليس لو وَجَب عليه قِصاصٌ في اليدِ الأُخْرَى لَقُطِعَتْ قبلَ الانْدِمالِ، والمُحارِبُ تُقْطَعُ يدُه

الجزء: 26 - الصفحة: 569

فَإِنْ عَادَ، حُبِسَ، وَلَمْ يُقْطَعْ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى في الثَّالِثَةِ، وَالرِّجْلُ الْيُمْنَى في الرَّابِعَةِ.
ورِجْلُه دَفْعَةً واحدةً، وقد قُلْتُمْ في المريضِ الذى وَجَب عليه الحَدُّ: لا يُنْتَظَرُ بُرْؤُه.
فلِمَ خَالَفْتُمْ ذلك ههُنا؟ قُلْنا: القِصاصُ حَقُّ آدَمِىٍّ، يُخافُ فَوْتُه، وهو مَبْنِىٌّ على الضِّيقِ لحاجَتِه إليه، ولأَنَّ القِصاصَ قد يَجِبُ في يَدٍ، ويجب في يَدَيْن وأكثرَ في حالةٍ واحِدَةٍ، فلهذا جازَ أن يُوالَى بينَ قِصاصَيْن، بخِلافِ الحَدِّ، فإنَّ كلَّ مَعْصِيَةٍ لها حَدٌّ مقَدَّر، لا تجوز الزِّيادَةُ عليه، فإذا والَى بينَ حَدَّيْن، صارَ كالزِّيادَةِ على الحَدِّ، فلم يَجُزْ.
فأمَّا قطَّاع الطَّريقِ، فإنَّ قَطْعَ اليَدِ والرِّجْلِ حَدٌّ واحِدٌ، بخِلافِ ما نحن فيه.
وأمَّا تأخير الحَدِّ للمَرَضِ، فمَمْنوع، وإن سلِّمَ، فإنَّ الجَلْدَ يُمْكِنُ تَخْفِيفُه، فيَأتِى به في المرَضِ على وَجْهٍ يُؤْمَن معه التَّلَفُ، والقَطْع لا يُمْكِن تخْفِيفُه.

4527 -

مسألة: (فإن عاد، حُبِسَ، ولم يقْطَعْ. وعنه، أنَّه تقْطَع يَده اليُسْرَى في الثالِثَةِ والرِّجل اليُمْنَى في الرّابِعَةِ)

وجملة ذلك، أنَّه إذا سَرَق بعدَ قَطْعِ [يَدِه ورِجْلِه] 986، لم يُقْطَعْ منه شئٌ آخَر وحُبِسَ.

الحديث: 4527 - الجزء: 26 - الصفحة: 570

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وبهذا قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، والحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِى، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وعن أحمدَ، أنَّه تُقْطَعُ في الثالِثَةِ يَدُه اليُسْرَى، وفى الرّابعَةِ رِجْلُه اليُمْنَى، وفى الخامِسَةِ يُعَزَّرُ ويُحْبَسُ.
ورُوِىَ عن أبى بكرٍ، وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّهما قَطَعا يَدَ أقْطَعِ اليَدِ والرِّجْلِ 987. وهو قولُ قَتادَةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
ورُوِىَ عن عثمانَ، وعمرِو بنِ العاصِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنَّه تُقْطَعُ يدُه السرَى في الثالثةِ، والرِّجْلُ اليُمْنَى في الرَّابِعَةِ، ويُقْتَلُ في الخامِسَةِ؛ لأَنَّ جابِرًا قال: جئَ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بسارِقٍ، فقال: «اقْتُلُوهُ».
فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنما سَرَقَ.
فقال: «اقْطَعُوهُ».
قال: فَقُطِعَ، ثم جِئَ به الثَّانِيَةَ، فقال: «اقْتُلُوهُ».
فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّما سَرَق.
فقال: «اقْطَعُوهُ».
قال: فقُطِعَ، ثم جِئَ به الثالثَةَ، فقال: «اقْتُلُوهُ».
فقالوا: يارَسولَ اللَّهِ، إنَّما سَرَق.
قال: «اقْطَعُوهُ».
قال: ثم أتِىَ به الرَّابِعَةَ، فقال: «اقْتُلُوهُ».
قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّما سَرَق.

الجزء: 26 - الصفحة: 571

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال: «اقْطَعُوهُ».
ثم أتِىَ به الخامِسَةَ، فقال: «اقْتُلُوهُ».
قال: فانْطَلَقْنا به، فَقَتَلْناه، ثم اجْتَرَرْنَاه فألْقَيْناه في بئرٍ.
رَواه أبو داودَ، والنَّسَائىُّ 988. وعن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في السَّارِقِ: «إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ 989، [ثمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إن سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ] 990» 991. ولأَنَّ اليَسارَ تُقْطَعُ قَوَدًا، فجازَ قَطْعُها في السَّرقَةِ، كاليُمْنَى، ولأنَّه فِعْلُ أبى بكرٍ، وعمرَ 992، رَضِىَ اللَّهُ عنهما.
وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اقْتَدُوا باللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِى، أبِى بَكْرٍ، وعُمَرَ» 993. ولَنا، ما روَى سعيدٌ، ثَنا أبو مَعْشَرٍ، عن سعيدِ بنِ أبى سعيدٍ المَقْبُرِىِّ، عن أبيه، قال: حضرتُ علىَّ بنَ أبى طالبٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أتِىَ بِرَجُل مَقْطُوعِ اليَدِ والرِّجْلِ قد سَرَق،

الجزء: 26 - الصفحة: 572

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقال لأصحابِه: ما تَرَوْنَ في هذا؟ قالوا: اقْطَعْهُ يا أميرَ المُؤْمِنين.
قال: قَتَلْتُه إذًا، وما عليه القَتْلُ، بأىِّ شئٍ يَأْكُلُ الطَّعامَ؟ بأىِّ شئٍ يَتَوَضَّأُ للصلاةِ؟ بأىِّ شئٍ يَغْتَسِلُ مِن جَنابَتِه؟ بأىِّ شئٍ يقومُ على حاجَتِه؟ فرَدَّه إلى السِّجْنِ أيَّامًا، ثم أخْرَجَه فاسْتَشارَ أصحابَه، فقالوا مثلَ قولِهم الأَوَّلِ، وقال مثلَ ما قالَ أوَّلَ مَرَّةٍ 994، فجَلَدَه جَلْدًا شديدًا، ثم أرْسَلَه 995. ورُوِىَ عنه، أنَّه قال: إنِّى لأسْتَحِى مِن اللَّه أِن لا أدَعَ له يَدًا يَبْطِشُ بها، ولا رِجْلًا يَمْشِى عليها (2). ولأَنَّ في قَطْعِ اليدَيْن تَفوِيتَ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ، فلم يُشْرَعْ في حَدٍّ، كالقَتْلِ، ولأنَّه لو جازَ قطعُ اليَدَيْن، لقُطِعَتِ اليُسْرَى في المرَّةِ الثَّانيةِ 996، لأنَّها آلةُ البَطْشِ كاليُمْنَى، وإنَّما لم تُقْطَعْ للمَفْسَدَةِ في قَطْعِها، لأَنَّ ذلك بمَنْزِلَةِ الإِهْلاكِ، فإنَّه لا يُمْكِنُه أن يَتَوَضَّأ، ولا يَغْتَسِلِ، ولا يَسْتَنْجِى، ولا يَحْتَرِزَ مِن نَجاسةٍ، ولا يُزِيلَها عنه، ولا يَدْفَعَ عن نفْسِه، ولا يأكلَ، ولا يَبْطِشَ، وهذه المَفْسَدَةُ حاصِلَةٌ بقَطْعِها في المرَّةِ الثالِثَةِ.
فأمَّا حديثُ جابرٍ، ففى حَقِّ رجل اسْتَحَقَّ القَتْلَ،

الجزء: 26 - الصفحة: 573

وَمَنْ سَرَقَ وَلَيْسَ لَهُ يَدٌ يُمْنَى، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَإِنْ سَرَقَ  بدليلِ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَمَرَ به في أوَّلِ مَرِّةٍ، وفى كُلِّ مَرَّةٍ.
وقال النَّسائِىُّ فيه: حديثٌ مُنْكَرٌ.
وأمَّا الحديثُ الآخرُ، فلم يَذْكُرْه أصحابُ السُّنَنِ، ولم نَعْلَمْ صحَّتَه، وفعلُ أبى بكرٍ وعمرَ، قد عارَضَه قولُ علىٍّ.
ورُوِىَ عن عمرَ أنَّه رَجَع إلى قَولِ علىٍّ، فرَوَى سعيدٌ، حدَّثنا أبو الأحْوَصِ، عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عائذٍ (1)، قال: أتِىَ عمرُ بِرجلٍ أقْطَعِ اليَدِ والرِّجْلِ قد سَرَق، فأمَرَ به عمرُ أن تُقْطَعَ رِجْلُه، فقال علىٌّ: إنَّما قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (2) -إلى آخرِ الآيةِ- وقد قَطَعْتَ يدَ هذا ورِجْلَه، فلا يَنْبَغِى أن تَقْطَعَ رِجْلَه فَتَدَعَه ليس له قائمةٌ يَمْشِى عليها، إمَّا أن تُعَزِّرَه، أو تَسْتَوْدِعَه السِّجْنَ.
فاستوْدَعه السِّجْنَ (3).

4528 -

مسألة: (ومَن سَرَق وليس له يَد يُمْنَى، قُطِعَتْ رِجْلُه

997998999 الحديث: 4528 - الجزء: 26 - الصفحة: 574

وَلَهُ يُمْنَى فَذَهَبَتْ، سَقَطَ الْقَطْعُ، وَإِنْ ذَهَبَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، لَمْ تُقْطَعِ الْيُمْنَى، عَلَى الرِّوَايَةِ الأُولَى، وَتُقْطعُ عَلَى الأُخرَى.
اليُسْرَى، وإن سَرَق وله يُمْنَى، فذَهَبَتْ، سَقَط القَطْعُ، وإن ذَهَبَتْ يَدُه اليُسْرَى، لم تُقْطَعِ اليُمْنَى، على الرِّوايَةِ الأُولَى، وتُقْطَعُ على الأُخرَى) إذا سَرَق ولا يُمْنَى له، قُطِعَتْ رِجْلُه اليُسْرَى، كما تُقْطَعُ في السَّرِقَةِ الثَّانيةِ، فإن كانت يُمْناه شَلَّاءَ، ففيه رِوايَتان، إحداهما، تُقْطَعُ رِجْلُه اليُسْرَى، لأَنَّ الشَّلَّاءَ لا نَفْعَ فيها ولا جَمالَ، فأشْبَهَتْ كَفًّا لا أصابع عليه.
قال إبراهيمُ الحَرْبِىُّ، عن أحمدَ، في مَن سَرَق ويُمْناه جافَّةٌ: تُقْطَعُ رِجْلُه.
والثانيةُ، أنَّه يُسْألُ أهلُ الخِبْرَةِ، فإن قالوا: إنَّها إذا قُطِعَتْ رَقَأَ دَمُها، وانْحَسَمَتْ عُرُوقُها.
قُطِعَتْ؛ لأنَّه أمْكَنَ قَطْعُ يَمِينِه فوَجَب، كما لو كانت صحيحةً.
وإن قالوا: لا يَرْقَأ دَمُها.
لم تُقْطَعْ؛ لأنَّه يُخافُ 1000 تَلَفُه، وتُقْطَعُ رِجْلُه.

الجزء: 26 - الصفحة: 575

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
فإن كانت أصابع اليُمْنَى كلُّها ذاهِبَةً، ففيها وَجْهان؛ أحدُهما، لا تُقْطَعُ، وتُقْطَعُ الرِّجْلُ؛ لأَنَّ الكَفَّ لا يجبُ فيه دِيَةُ اليَدِ، فأشْبَهَ الذِّرَاعَ.
والثانى، تُقْطَعُ؛ لأَنَّ الرَّاحَةَ بعضُ ما يُقْطَعُ في السَّرِقَةِ، فإذا كان مَوْجُودًا قُطِعَ، كما لو ذَهَب الخِنْصَرُ أو (1) البِنْصَرُ.
وإن ذَهَب بعضُ الأصابعِ، وكان الذَّاهِبُ الخِنْصَرَ أو البِنْصَرَ، أو واحدةً سِوَاهما، قُطِعَتْ؛ لأَنَّ مُعْظَمَ نَفْعِها باقٍ، وإن لم يَبْقَ إلَّا واحِدَة، فهى كالتى ذَهَب جميعُ أصابِعِها، وإن بَقِىَ اثْنَتان، فهل تُلْحَقُ بالصَّحِيحَةِ، أو بما قُطِعَ جميعُ أصابِعِها؟ على وَجْهَيْن.
والأَوْلَى قَطْعُها؛ لأَنَّ نَفْعَها لم يَذْهَبْ بالكُلِّيَّةِ.

4529 -

مسألة: (وإن سَرَق وله يُمْنَى، فذَهَبَتْ، سَقَط القَطْعُ)

أمَّا إذا سَرَق وله يُمْنَى فقُطِعَتْ في قِصاصٍ، أو ذَهَبَتْ بأكِلَةٍ 1002، أو تَعَدَّى عليها مُتَعَدٍّ فقَطَعَها، سَقَط القَطْعُ، ولا شئَ على العادِى إلَّا الأدَبُ.1001

الحديث: 4529 - الجزء: 26 - الصفحة: 576

وَإِنْ وَجَبَ قَطْعُ يُمْنَاهُ، فَقَطَعَ الْقَاطِعُ يُسْرَاهُ عَمْدًا، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال قَتادةُ: يُقْتَصُّ مِن القاطِعِ، وتُقْطَعُ رِجْلُ السارِقِ.
وهذا غيرُ صحيحٍ، فإنَّ يَدَ السارِقِ ذَهَبَتْ، والقاطِعُ قَطَعَ (1) عُضْوًا غيرَ مَعْصُوم.
وإن قَطَعَها قاطِعٌ بعدَ السَّرِقَةِ، وقبلَ ثُبُوتِها، والحُكْمِ بالقَطْعِ، ثم ثَبَت ذلك، فكذلك.
ولو شَهِد بالسَّرِقَةِ، فحَبَسَه الحاكِمُ ليُعَدِّلَ الشُّهودَ، فقَطَعَه قاطِعٌ، ثم عُدِّلُوا، فكذلك، وإن لم يُعَدَّلُوا، وَجَب القِصاصُ على القاطِعِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: لا قِصاصَ عليه؛ لأَنَّ صِدْقَهم مُحْتَمِلٌ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً.
ولَنا، أنَّه قَطَع طَرَفًا ممَّن يُكافِئُه عَمْدًا بغيرِ حَقٍّ، فلَزِمَه القَطْعُ، كما لو قَطَعَه ولم تَقُمْ بَيِّنَةٌ.

4530 -

مسألة: (وإن ذَهَبَتْ يدُه اليُسْرَى)

أو كانت مَقْطُوعَةً، أو شَلَّاءَ، أو مَقْطُوعَةَ الأصابع، أو شُلَّتْ قبلَ قَطْعِ يُمْناهُ (لم تُقْطَعْ يُمْناه على الرِّوايَةِ الأُولَى، وتُقْطَعُ على) الثانِيَةِ.
فصل: (وإن [وَجَب قَطْعُ يُمْناهُ، فقَطَعَ] 1004 قاطِعٌ يُسْراه عَمْدًا، فعليه1003

الحديث: 4530 - الجزء: 26 - الصفحة: 577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القَوَدُ) لأنَّه قَطَع طَرَفًا مَعْصُومًا.
وإن قَطَعَه غيرَ مُتَعَمِّدٍ، فعليه دِيَتُه، ولا تُقْطَعُ يَمِينُ السَّارِقِ.
وبه قال أبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها تُقْطَعُ؛ بِناءً على قَطْعِها في المرَّةِ الثالثةِ.
وإن قُلْنا: لا تُقْطَعُ.
فهل تُقْطَعُ رِجْلُه؟ فيه وَجْهان؛ أصَحُّهما، لا يجبُ، لأنَّه لم يجبْ بالسَّرِقَةِ، وسُقوطُ القطْعِ عن يمينه لا يَقْتَضِى قَطْعَ رِجْلِه 1005، كما لو كان المَقْطُوعُ يَمِينَه.
والثانى، تُقْطَعُ رِجْله؛ لأنَّه تَعَذَّرَ قَطْعُ يَمِينِه، فقُطِعَتْ رِجْلُه، كما لو كانتِ اليُسْرَى مَقْطُوعَةً حالَ السَّرِقَةِ.
وإن كانت يُمْناه صَحِيحَةً، ويُسْرَاه ناقِصَةً نَقْصًا يَذْهَبُ بمُعْظَم نَفْعِها، مثلَ أن تَذْهَبَ منها الوُسْطَى و 1006 السَّبَّابَةُ أو الإِبهامُ، احْتَمَلَ أنَّه كقَطْعِها، ويَنْتَقِلُ إلى رِجْلِه.
وهذا قولُ أصحابِ الرَّأْىِ.
واحْتَمَلَ أن تُقْطَعَ يُمْناه؛ لأَنَّ له يَدًا يَنْتَفِعُ بها، أشْبَهَ ما لو قُطِعَتْ خِنْصَرُها.
وإن كانت يَدَاه صَحِيحَتَيْن، ورِجْلُه اليُمْنَى شَلَّاءَ أو مقطوعَةً، فقال شيخُنا 1007: لا أعلمُ فيها قولًا لأصحابِنا، ويَحْتَمِلُ وَجْهَيْن؛ أحدُهما، تُقْطَعُ يَمِينُه.
وهو مذهبُ

الجزء: 26 - الصفحة: 578

وَإِنْ قَطَعَهَا خَطَأ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا.
وَفِى قَطْعِ يَمِين السَّارِقِ وَجْهَانِ.
الشافعىِّ؛ لأنَّه سارِقٌ له يُمْنَى، فقُطِعَتْ عَمَلًا بالكتابِ والسُّنَّةِ، ولأنَّه سارِقٌ له يَدَان، فقُطِعَتْ يُمْناه، كما لو كانتِ المَقْطُوعَةُ رِجْلَه اليُسْرَى.
والثانى، لا يُقْطَعُ منه شئ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى؛ لأَنَّ قَطْعَ يُمْناهُ يَذْهَبُ بمَنْفَعَةِ المَشْى مِن الرِّجْلَيْن.
فأمَّا إن كانت رِجْلُه اليُسْرَى شَلَّاءَ، ويَداه صَحِيحَتان، قُطِعَتْ يدُه اليُمْنَى؛ لأنَّه لا يُخشَى تَعَذى ضَرَرِ القَطْعِ إلى غير المَقْطُوعِ.
وعلى قِياسِ هذه المسألةِ، لو سَرَق ويدُه اليُسْرَى مَقْطُوعَةَ أو شَلَّاءُ، لم يُقْطَعْ منه شئٌ؛ لذلك.
وأنْكَرَ هذا ابنُ المُنْذِرِ 1008. وقال: أصحابُ الرَّأْى، بقوْلِهم هذا، خالَفُوا كِتابَ اللَّهِ وسُنَّةَ رَسُولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-.

4531 -

مسألة: إن وَجَب قَطْعُ يُمْناهُ، فقَطَع القاطِعُ يُسْرَاهُ، بَدَلًا عن يَمِينِه، أجْزَأت، ولا شئَ على القاطِعِ إلَّا الأدَبُ.
وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأَنَّ قَطْعَ يُمْنَى السَّارِقِ يُفْضِى إلى تَفْوِيتِ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ، وقَطْعِ يَدَيْه بسَرِقَةٍ واحدةٍ، فلا يُشْرَعُ، فإذا انْتَفَى قَطْعُ يَمِينِه، حَصَلَ قَطْعُ يَسارِه مُجْزِئًا عن القَطْعِ الواجِبِ، فلا يجبُ على فاعِلِه قِصَاصٌ.
وقال أصحابُنا: (في)

وُجُوبِ (قَطْعِ يُمْنَى السَّارِقِ وَجْهان)

الحديث: 4531 - الجزء: 26 - الصفحة: 579

وَيَجْتَمِعُ الْقَطْعُ وَالضَّمَانُ، فَتُرَدُّ الْعَيْنُ الْمَسْرُوقَةُ إِلَى مَالِكِهَا،  وللشافعىِّ فيما إذا لم يَعلَم القاطِعُ كَوْنَها يَسارًا، وظَنَّ أنَّ قَطْعَها يُجْزِئُ قَوْلان؛ أحدُهما، لا تُقْطَعُ يَمِينُ السارِقِ؛ كيْلا تُقْطَعَ يَدَاه بسَرِقَةٍ واحدةٍ.
والثانى، تُقْطَعُ، كما لو قُطِعَت يُسْرَاه قِصَاصًا.
فأمَّا القاطِعُ، فاتَّفَقَ أصحابُنا، وأصحابُ الشافعىِّ على أنَّه إن قَطَعَها مِن غيرِ اخْتِيار مِن السارِقِ، أو كان السارِقُ أخْرَجَها دَهْشَةً أو ظَنًّا منه أنَّها تُجْزِئُ، وقَطَعَها القاطِعُ عالِمًا بأنَّها يُسْرَاه، وأنَّها لا تُجْزِئُ، فعليه القِصَاصُ، وإن لم يَعْلَمْ أنَّها يُسْرَاهُ، أو ظَنَّ أنَّها مُجْزِئَةٌ، فعليه دِيَتُها.
وإن كان السارِق أخْرَجَها مُخْتارًا عالمًا بالأمْرَيْن، فلا شئَ على القاطِعِ؛ لأنَّه أذِنَ في قَطْعِها، فأشْبَهَ غيرَ السارِقِ.
والذى اخْتارَه شيخُنا ما ذَكرْناه في أوَّلِ الفَصْلِ.
واللَّهُ أعلمُ.

4532 -

مسألة: (ويَجْتَمِعُ القَطْعُ والضَّمَانُ، فَتُرَدُّ العَيْنُ

الحديث: 4532 - الجزء: 26 - الصفحة: 580

وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً، غَرِمَ قِيمَتَهَا وَقُطِعَ.
المَسْرُوقَةُ إلى مالِكِهَا، وإن كانت تالِفَةً، غَرِمَ قِيمَتَها وقُطِعَ) لا يخْتلِفُ أهلُ العلمِ في وُجوبِ رَدِّ العَيْنِ المَسْرُوقَةِ على مالِكِهَا إذا كانت بَاقِيةً، وإن كانت تالِفَةً، فعلى السارِقِ رَدُّ قِيمَتِها، أو مِثْلِها إن كانتْ مِثْلِيَّةً، قُطِعَ أو لم يُقْطَعْ، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا.
وهذا قولُ الحسنِ، والنَّخَعِىِّ، وحَمَّادٍ، والبتِّىِّ، واللَّيْثِ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ.
وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا يَجْتَمِعُ الغُرْمُ والقَطْعُ، إن غَرِمَها قبلَ القَطْعِ سَقَط القَطْعُ، وإن قُطِعَ قبلَ الغُرْمِ سَقَط الغُرْمُ.
وقال عَطاءٌ، وابنُ سِيرِينَ، والشَّعْبِىُّ، ومَكْحُولٌ: لا غُرْمَ على السَّارِقِ إذا قُطِعَ.
ووافَقَهم مالكٌ في المُعْسِرِ، ووَافَقَنا في المُوسِرِ.
قال أبو حنيفةَ، في رِجلٍ سَرَق مَرَّاتٍ، ثم قُطِعَ: يَغْرَمُ الكلَّ، إلَّا الأخِيرَةَ.
وقال أبو يوسف: لا يَغْرَمُ شيئًا، لأنَّه قُطِعَ بالكُلِّ، فلا يَغْرَمُ شيئًا منه، كالسَّرِقَةِ الأخيرَةِ.
واحْتَجَّا بما رُوِى عن عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «إِذَا أَقَمْتُمُ الحَدَّ عَلَى السَّارِقِ، فَلا غُرْمَ عَلَيْهِ» 1009. ولأَنَّ التَّضْمِينَ يَقْتَضِى التَّمْلِيكَ، والمِلْكَ يَمْنَعُ القَطْعَ، فلا يُجْمَعُ بينَهما.
ولَنا، أنَّها عَيْنٌ يجبُ ضَمانُها بالرَّدِّ لو كانت باقِيَةً، فيجبُ ضَمانُها إذا كانت

الجزء: 26 - الصفحة: 581

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تالِفَةً، كما لو لم يُقْطَعْ، ولأَنَّ القَطْعَ والغُرْمَ حَقَّان يَجِبانِ لمُسْتَحِقَّيْن، فجازَ اجْتِماعُهما، كالجَزاءِ والقِيمَةِ في الصَّيْدِ الحَرَمِىِّ المَمْلوكِ.
وحديثُهم يَرْوِيه سعدُ بنُ إبراهيمَ، عن منصورٍ 1010، وسعدُ بنُ إبراهيمَ مجهولٌ.
قاله ابنُ المُنْذِرِ 1011. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ 1012: الحديثُ ليس بالقَوِىِّ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ، ليس عليه أُجْرَةُ القاطِعِ.
وما ذَكَرُوه فهو بِناءٌ على أُصُولِهم، ولا نُسَلِّمُها لهم.
فصل: إذا فَعَل في العينِ فِعْلًا نَقَصَها به، كقَطْعِ الثَّوْبِ ونحوِه، وَجَب رَدُّه ورَدُّ نَقْصِه، ووَجَب القَطْعُ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كانَ نَقْصًا لا يَقْطَعُ حَقَّ المَغْصوبِ منه إذا فَعَلَه الغِاصِبُ، رَدَّ العَيْنَ ولا ضَمانَ عليه، وإن كان يَقْطَعُ حَقَّ المالكِ، كقَطْعِ الثَّوبِ وخِياطَتِه، فلا ضَمانَ عليه، ويَسْقُطُ حَقُّ المَسْرُوقِ منه مِن العَيْنِ، وإن كان زيادةً في العَيْنِ، كصَبْغِه أَحْمَرَ أو أصفرَ، فلا يَرُدُّ العَيْنَ 1013، ولا يَحِلُّ له التَّصَرُّفُ فيها.
وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يَرُدُّ العَيْنَ.
وبَنَى هذا على أصْلِه في أنَّ الغُرْمَ يُسقِطُ عنه القَطْعَ.
وأمَّا إذا صَبَغَه 1014، فقال: لا يَرُدُّه؛ لأنَّه لو رَدَّه لكان شريكًا فيه بصَبْغِه، ولا يجوزُ أن يُقْطَعَ فيما هو شَرِيكٌ فيه.
وهذا ليس بصَحِيحٍ؛ لأَنَّ صَبْغَه كان قبلَ القَطْعِ، فلو كان شَرِيكًا بالصَّبْغِ لسَقَطَ القَطْعُ، وإن

الجزء: 26 - الصفحة: 582

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كان يَصِيرُ شريكًا بالرَّدِّ، فالشَّرِكَةُ الطارِئَةُ بعدَ القَطْعِ لا تُؤَثِّرُ، كما لو اشْتَرَى نِصْفَه من مالِكِه بعدَ القَطْعِ.
وقد سَلَّمَ أبو حنيفةَ، أنَّه لو سَرَق فِضَّةً، فضَرَبَها دَرَاهِمَ، قُطِعَ، ولَزِمَه رَدُّها.
وقال صاحِباه: لا يُقْطَعُ 1015، ويَسْقُط حَقُّ صاحِبِها منها بضَرْبِها.
وهذا شئٌ بَنَيَاهُ 1016 على أصُولِهما في أنَّ تَغْييرَ اسْمِها يُزِيلُ مِلْكَ صاحِبِها، وأنَّ مِلْكَ السَّارِقِ لها يُسْقِطُ القَطْعَ عنه، وهوْ غيرُ مُسَلَّمٍ لهما.
فصل: ويَسْتَوِى في وُجوبِ الحَدِّ على السَّارِقِ الحُرُّ والحُرَّةُ، والعَبْدُ والأمَةُ، ولا خِلافَ في وُجُوُبِ الحَدِّ على الحُرِّ 1017 والحُرَّةِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 1018. ولأنَّهما اسْتَويَا في سائرِ الحُدُودِ، فكذلك في هذا، وقد قَطَع النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سارِقَ رِدَاءِ صَفْوانَ 1019، وقَطَعَ المُخْزُومِيَّةَ التى سَرَقَتِ القَطِيفَةَ 1020. فأمَّا العَبْدُ والأمَةُ، فإنَّ جُمْهورَ الفُقَهاءِ وأهلَ الفَتوَى على وُجوبِ القَطْعِ عليهما 1021 بالسَّرِقَةِ، إلَّا ما حكِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: لا قَطْعَ عليهما 1022؛

الجزء: 26 - الصفحة: 583

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّه حَدٌّ لا يُمْكِنُ تَنْصِيفُه، فلم يجبْ في حَقِّهِما، كالرَّجْمِ، ولأنَّه حَدٌّ فلا يُساوِى العَبْدُ فيه الحُرَّ كسائِرِ الحدُودِ.
ولَنا، عمُومُ الآيةِ، ورَوَى الأَثْرَمُ، أنَّ رَقِيقًا لحاطِبِ بنِ أبى بَلْتَعَةَ سَرَقُوا نَاقَةً لرجلٍ من مُزَيْنَةَ، فانتَحَرُوها، فأمَرَ كَثِيرُ بنُ الصَّلْتِ أن تُقْطَعَ أيدِيهم، ثم قال عمرُ: واللَّهِ إنِّى لأراك 1023 تُجِيعُهم، ولكنْ لأغْرِّمَنَّكَ غُرْمًا يَشُقُّ عليك.
ثم قال للمُزَنِىِّ: كم ثمنُ ناقَتِكَ؟ قال: أربعُمائَةِ دِرْهَم.
قال عمرُ 1024: أعْطِه ثمانَمائةِ دِرْهمٍ 1025. وروَى القاسِمُ، عن أبيه، أنَّ عبدًا أقَرَّ بالسَّرِقَةِ عندَ علىٍّ، فقَطَعَه 1026. وفى رِوايةٍ قال: كان عبدًا.
يعنى الذى قَطَعَه علىٌّ.
رَواه الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه 1027. وهذه قِصَصٌ تَنْتَشِرُ 1028 ولم تُنْكَرْ، فتكونُ إجْماعًا.
وقولُهم: لا يُمْكِنُ تَنْصِيفُه.
قُلْنا: ولا يُمْكِنُ تَعْطِيلُه، فيَجِبُ تَكْمِيلُه، وقِياسُهم نَقْلِبُه عليهم، فنقولُ: حَدٌّ 1029 فلا يُتَعَطَّلُ في حَقِّ العبْدِ والأمَةِ، كسائرِ الحدودِ.
وفارَقَ الرَّجْمَ، فإنَّ حَدَّ الزِّنَى لا يَتَعَطَّلُ بِتَعْطِيلِه، بخِلافِ القَطْعِ، فإنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ يَتَعَطَّلُ بتَعْطِيلِه.
فصل: ويُقْطَعُ الآبِقُ بسَرِقَتِه.
رُوِى ذلك عن ابنِ عمرَ، وعمرَ بنِ

الجزء: 26 - الصفحة: 584

وَهَلْ يَجِبُ الزَّيْتُ الَّذِى يُحْسَمُ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مِنْ مَالِ السَّارِقِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
عبدِ العزيزِ، وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقال مروانُ، وسعيدُ بنُ العاصِ (1)، وأبو حنيفةَ: لا يُقْطَعُ؛ لأَنَّ قَطْعَه قَضَاءٌ على سَيِّدِه، ولا يُقْضَى على الغائِبِ.
ولَنا، عُمومُ الكتابِ والسُّنَّةِ، وأنَّه مُكَلَّفٌ سَرَق نِصابًا مِن حِرْزِ مثلِه، فيُقْطَعُ، كغيرِ الآبِقِ.
وقولُهم: إنَّه قَضَاء على سَيِّدِه.
مَمْنُوعٌ، فإنَّه لا يُعْتَبَرُ فيه إقرارُ السَّيِّدِ، ولا يَضُرُّ إنْكارُه.
وإنَّما يُعْتَبَرُ ذلك مِن العَبْدِ، ثم القَضاءُ على الغائِبِ بالبَيِّنَةِ جائز، على ما ذُكِرَ في مَوْضِعِه.

4533 -

مسألة: (وهل يَجِبُ الزَّيْتُ الذى يُحْسَمُ به من بَيْتِ المالِ أو مِن مالِ السَّارِقِ؟ على وَجْهَيْن)

أحدُهما، من بيتِ المالِ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَمَرَ به القاطِعَ في حديثِ سارِقِ الشَّمْلَةِ، فقال: «اقْطَعُوهُ، وَاحْسِمُوهُ» 1031. ولأنَّه مِن المصالحِ، وذلك يَقْتَضِى أن يكونَ مِن بيتِ1030

الحديث: 4533 - الجزء: 26 - الصفحة: 585

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المالِ، فإن لم يَحْسِمْ، فذَكَرَ القاضى أنَّه لا شئَ عليه؛ لأَنَّ عليه القَطْعَ، لا مُداوَاةَ المحْدُودِ.
والثانى، مِن مالِ السَّارِقِ؛ لأنَّه مُداواةٌ له، فكان في مالِه كمُداواتِه في مَرَضِه.
ويُسْتَحَبُّ للمَقْطُوعِ حَسْمُ نَفْسِه، فإن لم يَفْعَلْ لم يَأثَمْ؛ لأنَّه تَرَك التَّدَاوِىَ في المَرَضِ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.

الجزء: 26 - الصفحة: 586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واللَّه أعلمُ 1032.

الجزء: 26 - الصفحة: 587

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1417 هـ - 1996 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

الجزء: 27 - الصفحة: 2

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل اللَّه مثوبته .. ووفقه لمرضاته

الجزء: 27 - الصفحة: 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بَابُ حَدِّ الْمُحَاربِينَ

وَهُمْ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ.
بابُ حَدِّ المُحارِبِين (وهم قُطَّاعُ الطريقِ) والأصْلُ في حُكْمِهم قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ 1033. وهذه الآيةُ في قولِ ابنِ عباسٍ وكثيرٍ من العُلَماءِ، نَزَلت في قُطَّاعِ الطَّريقِ مِن المسلمين 1034. وبه يقولُ مالك، والشافعى، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وحُكِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: نزَلَتْ هذه الآيةُ في المُرْتَدِّين 1035. وحُكِىَ ذلك عن الحسنَ، وعَطاءٍ، وعبدِ الكريمِ 1036؛ لأَنَّ سَبَبَ نُزُولِها قصةُ العُرَنِيِّين، وكانوا ارْتَدُّوا عن

الجزء: 27 - الصفحة: 5

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإِسلامِ، وَقَتَلُوا الرُّعَاةَ، واسْتاقُوا إبلَ الصَّدَقَةِ، فبَعَثَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَن جاءَ بهم، فقَطَعَ أيدِيَهم وأرجُلَهم، وسَمَلَ أعْيُنَهم، وألْقاهم في الحَرَّةِ حتى ماتُوا، قال أنَسٌ: فأنْزلَ اللَّهُ تعالى في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية.
أخْرَجَه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ 1037. ولأَنَّ مُحارَبَةَ اللَّهِ ورسولِه إنَّما تكونُ مِن الكُفَّارِ لا مِن المسلمين.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ 1038. والكُفَّارُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهم بعدَ القُدْرَةِ، كما تُقْبَلُ قبلَها، ويَسْقُطُ عنهم القَتْلُ والقَطْعُ في كلِّ حالٍ، والمُحارَبَةُ قد تكونُ مِن المسلمين؛ بدليلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ 1039. = ومائة.
سير أعلام النبلاء 6/ 80 - 83.

الجزء: 27 - الصفحة: 6

وَهُمُ الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلنَّاس بِالسِّلَاحِ فِى الصَّحْرَاءِ، فَيَغْصِبُونَهُمُ الْمَالَ مُجَاهَرَةً، فَأمَّا مَنْ يَأخُذُهُ سَرِقَةً، فَلَيْسَ بِمُحَارِبٍ.

4534 - مسألة: (وهمُ الَّذِينَ يَعْرِضونَ للناسِ بالسِّلاحِ في الصحراءِ، فيَغْصِبُونَهم المالَ مُجَاهَرَةً، فأمَّا مَن يَأخُذُه على وَجْهِ السَّرِقَةِ فليس بمُحَارِبٍ)

المحارِبُونَ الذين تَثْبُتُ لهم أحْكامُ المُحارَبَةِ التى نَذْكُرُها بعدُ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى، يُعْتَبَرُ لهم ثلاثةُ شُرُوطٍ؛ أحدُها، أن 1040 يكونَ ذلك في الصحراءِ.

الحديث: 4534 - الجزء: 27 - الصفحة: 7

وَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِى الْبُنْيَانِ، لَمْ يَكُونُوا مُحَارِبِينَ فِى قَوْلِ الْخِرَقِىِّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حُكْمُهُمْ فِى الْمِصْرِ وَالصَّحْرَاءِ وَاحِدٌ.

4535 - مسألة: (وإن فَعَلُوا ذلك في البُنْيَانِ، لم يَكُونُوا مُحَارِبِينَ في قولِ الخِرَقِىِّ)

وقد تَوَقَّفَ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ فيهم.
فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ 1041 أنَّهم غيرُ مُحارِبينَ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ 1042؛ لأَنَّ الواجِبَ يُسَمَّى حَدَّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وقَطْعُ الطَّرِيقِ إنَّما هو في الصحراءِ، ولأَنَّ مَن في المِصْرِ يَلْحَقُ به الغَوْثُ غالبًا، فتذهبُ شَوْكَةُ المُعْتَدِينَ، ويكونون مُخْتَلِسِينَ، والمُخْتَلِسُ ليس بقاطِعٍ، ولا حَدَّ عليه.
(وقال أبو بكرٍ): وكثير مِن أصحابِنا (حُكْمُهم في المِصْرِ والصحراءِ واحِدٌ) وبه قال الأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ؛ لتَناوُلِ الآيَةِ بعُمومِها كلَّ مُحارِبٍ، ولأَنَّ ذلك إذا وُجِدَ في المِصْرِ، كان أعْظمَ جَوْرًا وأكْثرَ ضَرَرًا، فكان بذلك أوْلَى.
وذَكَرَ القاضى أنَّ هذا إن

الحديث: 4535 - الجزء: 27 - الصفحة: 8

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كان في المِصْرِ، بحيثُ لو كَبَسُوا دارًا، فكان أهلُ الدَّارِ بحيثُ لو صاحُوا جاءَهُم الغَوْثُ، فليسَ هؤلاءِ قُطَّاعَ طَرِيقٍ؛ لأنَّهم في مَوْضِعٍ يَلْحَقُهمُ الغَوْثُ عادَةً، وإن حَصرُوا 1043 قريةً أو بلدةً ففَتَحُوه، وغَلَبُوا على أهلِه، أو مَحَلَّةً مُفْرَدَةً، بحيثُ لا يَلْحَقُهم الغَوْثُ عادَةً، فهم مُحارِبون؛ لأنَّهم لا يَلْحَقُهم الغَوْثُ عادَةً 1044، فأشْبَهَ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ في الصحراءِ.
الشَّرْطُ الثانى، أن يكونَ معهم سِلاحٌ، فإن لم يكُنْ معهم 1045 سلاحٌ، فليسوا مُحارِبِين؛ لأنَّهم لا يَمْنَعونَ مَن يَقْصِدُهم.
ولا نعلمُ في هذا خِلافًا.
فإن عَرَضوا بالعِصِىِّ والحِجَارَةِ، فهم مُحارِبُون.
وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: ليسوا مُحارِبينَ؛ لأنَّهم لا سِلاحَ معهم.
ولَنا، أنَّ ذلك مِن جمْلَةِ السلاحِ الذى يَأتِى على النَّفْسِ والطَّرَفِ، فأشْبَهَ الحَدَّ.
الشرطُ الثالثُ، أن يَأْتُوا مُجاهَرَةً، ويأْخُذُوا المالَ قَهْرًا، فأمَّا إن أخَذُوه مُخْتَفِينَ، فهم سُرَّاقٌ، وإنِ اخْتَطَفُوه وهَرَبوا

الجزء: 27 - الصفحة: 9

وَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدْ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ وَأَخَذَ الْمَالَ، قُتِلَ حَتْمًا، وَصُلِبَ حَتَّى يُشْتَهَرَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُصْلَبُ قَدْرَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلْبِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يُقْطَعُ مَعَ ذَلِكَ.
فهم مُنْتَهِبونَ، لا قَطْعَ عليهم.
وكذلك إن خَرَج الواحِدُ والاثنان على آخِرِ قَافلةٍ، فاسْتَلَبُوِا منها شيئًا، فليسوا بمُحارِبينَ؛ لأنَّهم لا يَرْجِعُون إلى مَنَعَةٍ وقُوَّةٍ، وإن خرَجُوا على عددٍ يَسِيرٍ فقَهَرُوهُم 1046، فهم قُطَّاعُ طريقٍ.

4536 -

مسألة: (فإذا قُدِرَ عليهم، فمَن كان منهمْ قد قتَل مَن يُكافِئُه وأخذَ المالَ، قُتِلَ حَتْمًا، وصُلِبَ حَتى يُشْتَهَرَ.
وقال أبو بَكرٍ: يُصْلَبُ قَدْرَ ما يَقَعُ عليه اسمُ الصَّلْبِ.
وعن أحمدَ، أنَّه يُقْطَعُ مع ذلك)

وجملةُ ذلك، أنَّ المُحارِبَ إذا قَتَل مَن يُكافِئُه، وأخَذَ المالَ، قتِلَ حَتْمًا، وصُلِبَ حتى يُشْتَهَرَ.
رُوِى نحوُ هذا عن ابنِ عباسٍ 1047. وبه قال قَتادَةُ،

الحديث: 4536 - الجزء: 27 - الصفحة: 10

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأبو مِجْلَزٍ، وحَمَّاد، واللَّيْثُ، والشافعىُّ.
وعن أحمدَ، أنَّه [إذا قَتَل وأخذ المالَ، قُتِلَ وقُطِعَ] 1048؛ لأَنَّ كلَّ واحدَةٍ مِن الجِنايَتَيْن تُوجِبُ حَدًّا مُنْفَرِدًا، فإذا اجْتَمَعَا، وَجب حَدُّهما معًا، كما لو زَنَى، وسَرَق 1049. وذَهَبَتْ طائفةٌ إلى أنَّ الإِمامَ مُخَيَّر فيهم بينَ القتلِ والصَّلْبِ، والقَطْعِ والنَّفْىِ؛ لأَنَّ «أو» تَقْتَضِى التَّخْيِيرَ، كقولِه تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ 1050. وهذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، ومُجاهدٍ، وعَطاءٍ، والحسنِ، والضَّحَّاكِ، والنَّخَعِىِّ، وأبى الزِّنَادِ، وأبى ثَوْرٍ، وداودَ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباس: ما كان في القرآنِ «أوْ» فصاحِبُه بالخِيارِ 1051. وقال أصحابُ الرِّأىِ: إن قَتَل قُتِلَ، وإن أخَذَ المالَ قُطِعَ، وإن قَتَل وأخَذَ المالَ، فالإمامُ مُخيَّرٌ بينَ قَتْلِه وصَلْبِه، وبينَ قَتْلِه وقَطْعِه، وبينَ أن يَجْمَعَ له

الجزء: 27 - الصفحة: 11

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك كلَّه؛ لأنَّه قد وُجِدَ منه ما يُوجِبُ القَتْلَ والقَطْعَ، فكان للإِمامِ فِعْلُهما، كما لو قَتَل وقَطَع في غيرِ قَطْعِ طريقٍ.
وقال مالكٌ: إذا قَطَع الطَّرِيقَ، فرَآه الإِمامُ جَلْدًا ذا رَأْىٍ، قَتَلَه، وإن كان جَلْدًا لا رَأْىَ له، قَطَعَه، ولم يَعْتَبِرْ فِعْلَه.
ولَنا، على أنَّه لا يُقْتَلُ إذا لم يَقْتُلْ، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِم إلَّا بإحْدَى ثَلَاثٍ، كُفْر بَعْدَ إِيمَانٍ، أَوْ زِنى بَعْدَ إحْصَانٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْس بغَيْرِ حَق» 1052. فأمَّا «أو» فقد قال ابنُ عباسٍ مثلَ قَوْلِنا، فإمَّا أن يكونَ تَوْقِيفًا، أو لغةً، وأيُّهما كان، فهو حُجَّةٌ، يَدُلُّ عليه أنَّه بَدَأَ بالأغْلَظِ فالأغْلَظِ، وعُرِفَ من 1053 القرآنِ فيما 1054 أُرِيدَ به التَّخْييرُ البداءَةُ بالأَخَفِّ، ككَفَارَةِ اليَمِينِ، وما أُرِيدَ به التَّرْتِيبُ بَدَأ بالأَغْلَظِ، ككَفَّارَةِ الظِّهارِ والقَتْلِ، ويَدُلُّ عليه أيضًا، أنَّ العُقُوباتِ تخْتَلِفُ باخْتِلافِ الإِجْرامِ، ولذلك اخْتَلَفَ حُكْمُ الزَّانِى والقَاذِفِ

الجزء: 27 - الصفحة: 12

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والسَّارِقِ، وقد سَوَّوْا بينَهم ههُنا مع اخْتِلافِ جِناياتِهم، وهذا يَرُدُّ على مالكٍ، فإنَّه إنَّما اعْتَبَرَ الجَلْدَ والرَّأْىَ 1055 دُونَ الجِناياتِ، وهو مُخالِفٌ للأُصُولِ التى ذَكَرْناها.
وأمَّا قولُ أبى حنيفةَ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ القَتْلَ لو وَجَب لحَقِّ اللَّهِ تعالى، لم يُخَيرِ الإِمامُ فيه، كقَطْعِ السَّارِقِ، وكما لو انْفَرَدَ بأخْذِ المالِ، ولأَنَّ حُدودَ اللَّهِ تعالى إذا كَان فيها قَتْل، سَقَط سائِرُها، كما لو سرَق وزَنَى وهو مُحْصَنٌ.
وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ، قال: وادَعَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أبا بَرْزَةَ الأسْلَمِىَّ 1056، فجاءَ ناسٌ يُريدونَ الإِسْلامَ، فقَطَعَ عليهم أصحابُه، فنَزَلَ جبريلُ عليه السَّلامُ بالحدِّ فيهم، أنَّ مَن قَتَل وأخَذَ المالَ قُتِلَ وصُلِبَ، ومَن قَتَل ولم يأْخُذِ المالَ، قُتِلَ، ومن أخذَ المالَ ولم يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يدُه ورِجْلُه من خلافٍ.
وقيل: إنَّه رَواه أبو داودَ 1057. وهذا كالمُسْنَدِ، وهو نَصٌّ.
إذا ثَبَت هذا فإنَّ قاطِعَ الطريق لا

الجزء: 27 - الصفحة: 13

وَإِنْ قَتَلَ مَنْ لَا يُكَافِئُهُ، فَهَلْ يُقْتَلُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
يَخْلُو من أحوالٍ خمسٍ؛ الأُولى، إذا قَتَل وأخَذَ المالَ، فإنَّه يُقْتَلُ ويُصْلَبُ في ظاهرِ المذهبِ، وقَتْلُه مُتَحَتِّمٌ لا يَدْخُلُه عَفْو.
أجْمَعَ على هذا كلُّ أهلِ العلمِ.
حكاه ابنُ المُنْذِرِ (1). ورُوِىَ ذلك عن عمرَ (2). وبه قال سليمانُ ابنُ موسى، والزُّهْرِىُّ، ومالك، وأصحابُ الرَّأْى.
ولأنَّه حَدٌّ من حدودِ اللَّهِ فلم يَسْقُطْ بالعَفْوِ، كسائرِ الحدودِ.

4537 -

مسألة: (وإن قَتَلَ مَن لا يكافِئُه، فهل يُقْتَلُ؟ على رِوايَتَيْن)

إحداهما، لا تُعْتَبَرُ المكافَأَةُ 1060، بل يُؤْخَذُ الحُرُّ بالعبدِ، والمسلمُ بالذِّمِّىِّ، والأبُ بالابنِ؛ لأَنَّ هذا القَتْلَ حَد 1061 للَّهِ تعالى، فلا تُعْتَبَرُ فيه المُكافأةُ، كالزِّنى والسَّرِقَةِ.
والثانيةُ تُعْتَبَرُ المُكافأةُ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بكَافِرٍ» 1062. والحَدُّ فيه انْحتامُه، بدليل أنَّه لو تاب 106310581059

الحديث: 4537 - الجزء: 27 - الصفحة: 14

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قبلَ القُدْرَةِ عليه، سَقَطَ عنه الانحِتَامُ، ولم يَسْقُطِ القِصاصُ.
فعلى هذه الرِّوايةِ، إذا قَتَل المسلمُ ذِمِّيًّا، أو 1064 الحُرُّ عبدًا، وأخَذَ مالَه، قُطِعَتْ يَدُه ورِجْلُه [مِن خِلافٍ] 1065؛ لأخْذِه المالَ، وغَرِمَ ديَةَ الذِّمِّىِّ وقِيمَةَ العبدِ، وإن قَتَلَه ولم يَأْخُذْ مالًا غَرِمَ دِيَتَه ونُفِىَ.
وذَكَر القَاضى أنَّه إنَّما يَتَحَتَّمُ قَتْلُه إذا قَتَلَه ليَأْخُذَ المالَ، وإن قَتَلَه لغيرِ ذلك، مثلَ أن يَقْصِدَ قَتْلَه لعَداوَةٍ بينَهما، فالواجِبُ قِصاصٌ غيرُ مُتَحَتِّم.
وإذا قَتَلَ صُلِبَ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾.
والكَلامُ فيه في ثلاثةِ أُمورٍ؛ أحدُها، في وَقْتِه، وهو بعدَ القتلِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال الأوْزاعِىُّ، ومالك، واللَّيْثُ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: يُصْلَبُ حَيًا ثم يُقْتَلُ مَصْلُوبًا، يُطْعَنُ بالحَرْبَةِ؛ لأَنَّ الصَّلْبَ عُقوبَةٌ، وإنَّما يُعاقَبُ الحَىُّ لا المَيِّتُ، ولأنَّه جَزاءٌ على المُحارَبَةِ فيُشْرَعُ في الحَياةِ كسائرِ الأجْزِيَةِ، ولأَنَّ الصَّلْبَ بعدَ قتلِه يَمْنَعُ دَفنَه وتَكْفِينَه 1066، فلا يجوزُ.
ولَنا، أنَّ اللَّهَ تعالى قَدَّمَ القتلَ على الصلبِ لَفْظًا، والتَّرْتِيبُ بينَهما ثابت بغيرِ خِلافٍ، فيَجبُ تَقْدِيمُ الأَوَّلِ في اللَّفْظِ، كقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ 1067. ولأنَّ القتلَ إذا أُطْلِقَ

الجزء: 27 - الصفحة: 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على لسانِ الشَّرْعِ، كان قَتْلًا بالسيفِ.
ولهذا قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَان عَلَى كُلِّ شَئٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ» 1068. وأحْسَنُ القتلِ هو القتلُ بالسيفِ.
وفى صَلْبِه حَيًّا تَعْذِيبٌ له، وقد نَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن تعذيبِ الحَيَوانِ.
وقولُهم: إنَّه جَزاءٌ على المُحارَبَةِ.
قُلْنا: لو شُرِعَ لِردْعِه، لسَقَطَ بقتلِه، كما تَسْقُطُ سائرُ الحدودِ مع القتلِ، وإنَّما شُرِعَ الصَّلْبُ رَدْعًا لغيرِه، ليَشْتَهِرَ أمْرُه، وهذا يَحْصُلُ بصلبِه بعدَ قتلِه.
وقولُهم: يَمْنَعُ تَكْفِينَه ودَفْنَه.
قُلْنا: هذا لازِمٌ لهم 1069؛ لأنَّهم يَتْرُكُونَه بعدَ قتلِه مَصْلُوبًا.
الثانى، في قَدْرِه، ولا تَوْقِيتَ فيه إلَّا قَدْرَ ما يَشْتَهِرُ أمْرُه.
هكذا ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وقال أبو بكرٍ: يُصْلَبُ قَدْرَ ما يَقَعُ عليه اسمُ الصَّلْبِ؛ لأَنَّ أحمدَ لم يُوقِّتْ في الصَّلبِ شيئًا.
والصَّحيحُ تَوْقيتُه بما ذَكَرَه الخِرَقِىُّ من الشُّهْرَةٍ؛ لأَنَّ المقصودَ يَحْصُلُ به.
وقال الشافعىُّ، وأبو حنيفة: يُصْلَبُ ثلاثًا.
وهذا تَوْقِيتٌ بغيرِ توْقِيفٍ، فلا يجوزُ، مع أنَّه في الظاهرِ يُفْضى إلى تَغَيُّرِه، ونَتَنِه 1070، وأذى المسلمين برائِحَتِه ونَظَرِه، ويَمْنَعُ تَغْسِيلَه وتَكْفِينَه ودَفْنَه، فلا يجوزُ بغيرِ 1071 دليلٍ.

الجزء: 27 - الصفحة: 16

وَإِنْ جَنَى جِنَايَةً تُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْس، فَهَلْ يَتَحَتَّمُ اسْتِيفَاؤُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
الثالثُ، في وجوبِه، وهو واجِبٌ حَتْمٌ في حَقِّ مَن قَتَل وأخَذَ المالَ، لا يَسْقُطُ بعَفْو ولا غيرِه.
وقال أصحابُ الرَّأْى: إن شاءَ الإِمامُ صَلَب، وإن شاءَ لم يَصْلِبْ.
ولَنا، حديثُ ابنِ عباسٍ، أنَّ جبريلَ نَزَل بأنَّ مَن قَتَل وأخَذَ المالَ صُلِبَ (1). ولأنَّه شُرِعَ حَدًّا، فلم يُتَخَيَّرْ بينَ فِعْلِه وتَرْكِه، كالقَتْلِ وسائرِ الحدودِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا اشْتُهِرَ أنْزِلَ، ودُفِعَ إلى أهلِه، فيُغَسَّلُ ويُكَفَّنُ، ويُصَلَّى عليه، ويُدْفَنُ.
فصل: فإن ماتَ قبلَ قَتْلِه، لم يُصْلَبْ؛ لأَنَّ الصَّلْبَ من تَمامِ الحَد، وقد فاتَ الحَدُّ بمَوْتِه، فيَسْقُطُ ما هو من تَمامِه.
وإن قَتَلَ في المُحارَبَةِ بمُثَقَّل، قُتِلَ، كما لو قَتَل بمُحَدَّدٍ؛ لاسْتِوائِهما في وُجُوبِ القِصَاصِ بهما.
وإن قَتَل بآلةٍ لا يجبُ القِصاصُ بالقتلِ بها، كالسَّوْطِ والعَصا والحَجَرِ الصَّغِيرِ، فالظَّاهِرُ أنَّهم يُقْتَلُون أيضًا؛ لأنَّهم دَخَلُوا في العُمُومِ.

4538 -

مسألة: (وإن جَنَى جِنايةً تُوجِبُ القِصاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فهل يَتَحَتَّمُ اسْتِيفَاؤه؟ على رِوايَتَيْن)

إذا جَرَح المُحارِبُ جُرْحًا1072

الحديث: 4538 - الجزء: 27 - الصفحة: 17

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في مثلِه القِصَاصُ، فهل يَتَحَتَّمُ فيه القِصاصُ؟ على رِوايَتَيْن؛ إحداهُما، لا يَتَحَتَّمُ؛ لأَنَّ الشَّرعَ لم يَرِدْ بشَرْعِ الحَدِّ في حَقِّه بالجِراحِ، فإنَّ اللَّهَ تعالى ذَكَر في حُدُودِ المُحارِبينَ القتلَ والصَّلْبَ والقَطْعَ والنَّفْىَ، فلم يَتَعَلَّقْ بالمُحاربَةِ غيرُها، فلا يَتَحَتَّمُ، بخِلافِ القتلِ، فإنَّه حَدٌّ، فتَحَتَّمَ، كسائرِ الحُدُودِ، فحينَئذٍ لا يجبُ فيه أكثرُ من القِصاصِ.
والثانيةُ، يَتَحَتَّمُ؛ لأَنَّ [الجُرْحَ تابعٌ] 1073 للقَتْلِ، فيَثْبُتُ فيه 1074 مثلُ حكمِه، ولأنَّه نَوْعُ قَوَدٍ، أشْبَهَ القَوَدَ في النَّفْسِ.
والأُولَى 1075 أوْلَى.
وإن جَرَحَه جُرْحًا لا قِصاصَ فيه، كالجائِفَةِ، فليس فيه إلَّا الدِّيَةُ، وإن جَرَح إنْسانًا وقَتَلَ آخَرَ، اقْتُصَّ منه للجِراحِ، وقُتِلَ للمُحارَبَةِ.
وقال أبو حنيفةَ: تَسْقُطُ

الجزء: 27 - الصفحة: 18

وَحُكْمُ الرِّدْءِ حُكْمُ الْمُبَاشِرِ.
الجِراحُ؛ لأَنَّ الحُدودَ إذا اجْتَمَعَتْ وفيها قتلٌ، سَقَط ما سِوَى القَتْلِ.
ولَنا، أنَّها جِنايَةٌ يجبُ بها القِصاصُ في غيرِ المحارَبَةِ، فيجبُ بها في المُحارَبَةِ، كالقَتْلِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ القِصاصَ في الجِراحِ حَدٌّ، إنَّما هو قِصاصٌ مُتَمَحِّضٌ، فأشْبَهَ ما لو كان الجُرْحُ في غيرِ المُحارَبَةِ، وإن سَلَّمْنا أنَّه حَدٌّ، فإنَّه مَشْرُوعٌ مع القتلِ، فلم يَسْقُطْ به، كالصَّلْبِ، وقَطْعِ اليَدِ والرِّجْلِ عندَهم.

4539 -

مسألة: (وحُكْمُ الرِّدْءِ 1076 حُكْمُ المُبَاشِرِ) وبهذا قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ. وقال الشافعىُّ: ليس على الرِّدْءِ إلَّا التَّعْزِيرُ؛ لأن 1077 الحَدَّ يجبُ بارْتِكابِ المَعْصِيَةِ، فلا يَتَعَلَّقُ بالمُعِينِ، كسائرِ الحُدودِ. ولَنا، أنَّه حُكْم يتعلَّقُ بالمُحارَبَةِ، فاسْتَوَى فيه الرِّدْءُ والمُباشِرُ،

الحديث: 4539 - الجزء: 27 - الصفحة: 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كاسْتِحْقاقِ الغنيمةِ؛ وذلك 1078 لأَنَّ المُحارَبَةَ مَبْنِيَّةٌ على حُصولِ المَنَعَةِ 1079 والمُعاضَدَةِ والمُناصَرَةِ، فلا يَتَمَكَّنُ المُباشِرُ من فِعْلِه إلَّا بقُوَّةِ الرِّدْءِ، بخِلافِ سائرِ الحُدُودِ.
فعلى هذا، إذا قَتَل واحدٌ منهم، ثَبَت حُكْمُ القتْلِ في حَقِّ جميعِهم، فيجبُ قتلُ الكلِّ.
وإن قَتَلَ بعضُهم، وأخذَ بعضُهم المالَ، جازَ قتلُهم وصَلْبُهم، كما لو فَعَل الأَمْرَيْن كلُّ واحدٍ منهم.
فصل: وإن كان فيهم صَبِىٌّ، أو مجْنُونٌ، أو ذُو رَحِمٍ من المقْطُوعِ عليه، لم يَسْقُطِ الحَدُّ عن غيرِه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وقال أبو حنيفة:.
يَسْقُطُ عن جميعِهم، ويصيرُ القتلُ للأوْلياءِ، إن شاءوا قَتَلُوا، وإن شاعوا عَفَوْا؛ لأَنَّ حُكْمَ الجميعِ واحِد، فالشُّبْهَةُ في فعْلِ واحدٍ شُبْهَةٌ في حَقِّ الجميعِ.
ولَنا، أنَّها شُبْهَةٌ اخْتَصَّ بها واحِدٌ، فلم يَسْقُطِ الحَدُّ عن الباقِين، كما لو اشْتَرَكُوا في وَطْءِ امرأةٍ.
وما ذَكَرُوه لا أصْلَ له.
فعلى هذا، لا حَدَّ على الصَّبِىِّ والمجْنونِ وإن باشَرَا 1080 القتلَ وأخَذَا 1081 المالَ؛ لأنَّهما ليسا من أهلِ الحدودِ، وعليهما ضَمانُ ما أَخَذَا (4) من المالِ في

الجزء: 27 - الصفحة: 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أمْوالِهما، ودِيَةُ قَتِيلهما 1082 على عاقِلَتِهما، ولا شئَ على الرِّدْءِ لهما؛ لأنَّه إذا لم يَثْبُتْ [ذلك للمُباشِرِ، لم يَثْبُتْ لمَن هو تَبَعٌ له بطَرِيقِ الأُوْلَى.
وإن كان المُباشِرُ غيرَهما، لم يَلْزَمْهُما شئٌ؛ لأنَّهما لم يَثْبُتْ] 1083 في حَقِّهِما حكمُ المُحارَبَةِ، [وثُبوتُ الحُكمِ في حَقِّ الرِّدْءِ ثَبَت بالمُحارَبَةِ] 1084. فصل: فإن كان فيهم امرأةٌ، ثَبَت لها حكمُ المُحارَبَةِ، فمتى قَتَلَتْ، أو أخَذَتِ المالَ، فحكْمُها حكمُ قُطّاعِ الطَّرِيقِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يجبُ عليها الحَدُّ، ولا على مَن معها، لأنَّها ليستْ من أهلِ المُحارَبَةِ، فأشْبَهَتِ الصَّبِىَّ: المَجْنونَ.
ولَنا، أنَّها تُحَدُّ في السَّرِقَةِ، فيَلْزَمُها [حُكمُ المُحارَبَةِ] 1085، كالرجلِ، [وتُخالِفُ الصَّبِىَّ والمجنونَ؛ لأنَّها مُكَلَّفَة يَلْزَمُها 1086 القِصاصُ وسائِرُ الحدودِ، فيَلْزَمُها هذا الحَدُّ، كالرجلِ] (2). إذا ثَبَت هذا، فإنَّها إن باشَرَتِ القَتْلَ، أو 1087 أخْذَ المالِ، ثَبَت حُكْمُ المُحارَبَةِ في حَقِّ مَن معها؛ لأنَّهم رِدْءٌ لها.
وإن فَعَل ذلك غيرُها، ثَبَت حُكْمُه في حَقِّها؛ لأنَّها رِدْءٌ له، كالرجلِ سَواءً.
وإن قَطَع أهلُ الذِّمَّةِ الطَّرِيقَ، أو كان مع المحاربين المسلمِين ذِمِّىٌّ، فهل يَنْتَقِضُ

الجزء: 27 - الصفحة: 21

وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ، قُتِلَ.
وَهَلْ يُصْلَبُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْن.
عَهْدُهم بذلك؟ فيه رِوايَتان؛ فإن قُلْنا: يَنْتَقِضُ عَهْدُهم.
حَلَّتْ دِماؤُهم وأمْوالُهم بكلِّ حالٍ.
وإن قُلْنا: لا يَنْتَقِضُ عَهْدُهم.
حَكَمْنا عليهم بما يجبُ على المسلمِين.

4540 -

مسألة: (ومَن قَتَل ولمْ يَأخُذِ المالَ، قُتِلَ. وهل يُصْلَبُ؟ على رِوايَتَيْن)

إحْداهما، يُصْلَبون؛ لأنَّهم مُحارِبونَ يجبُ قتْلُهم فيُصْلَبُون، كالَّذينَ أخذُوا المالَ.
والثانيةُ، لا يُصْلَبُون.
وهى أصَحُّ؛ لأَنَّ الخَبَرَ المَرْوِىَّ فيهم قال فيه: وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأخُذِ المَالَ، قُتِلَ 1088. ولم يذْكُرْ صَلْبًا، ولأَنَّ جِنايَتهم بأخْذِ المالِ مع القتلِ تَزِيدُ على

الحديث: 4540 - الجزء: 27 - الصفحة: 22

وَمَنْ أخذَ المالَ وَلَمْ يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى فِى مَقَام وَاحِدٍ، وَحُسِمَتَا، وَخُلِّىَ.
الجنايةِ بالقتلِ وحدَه، فيجبُ أن تكونَ عُقوبتُهم أغْلَظَ، ولو شُرِعَ الصَّلْبُ ههُنا لاسْتَويَا، والحُكْمُ في تَحَتُّمِ القتلِ وكَوْنِه حَدًّا ههُنا، كالحُكْمِ فيه إذا قَتَل وأخَذَ المالَ.

4541 -

مسألة: (ومَن أخَذَ المالَ ولم يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُه اليُمْنَى ورِجْلُه اليُسْرَى في مَقام واحِدٍ، وحُسِمَتا، وخُلِّىَ)

وهذا معنى قولِه سبحانَه: ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ 1089 وإنَّما قَطَعْنا يَدَه اليُمْنَى للمعنى الذى قَطَعْنا به يمينَ السَّارِقِ، ثم قَطَعْنا رِجْلَه اليُسْرَى لتَتَحَقَّقَ المُخالَفَةُ، وليكونَ أرْفقَ 1090 به في إمْكانِ مَشْيِه.
ولا يُنْتَظَرُ انْدِمالُ اليدِ في قَطْعِ الرِّجْلِ، بل يُقْطَعان معًا، يُبْدَأ بيمينه فتُقْطَعُ وتُحْسَمُ، ثم برِجْلِه؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى بَدَأَ بذِكْرِ الأيْدِى.
ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ، في أنَّه لا يُقْطَعُ منه غيرُ يدٍ

الحديث: 4541 - الجزء: 27 - الصفحة: 23

وَلَا يُقْطَعُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ أَخَذَ مَا يُقْطَعُ السَّارِقُ فِى مِثْلِهِ.
ورِجْلٍ، إذا كانتْ يَداهُ ورِجْلاه صحيحتَيْن.

4542 -

مسألة: (ولا يُقْطَعُ منهم إلَّا مَن أَخَذَ ما يُقْطَعُ السَّارِقُ فِى مِثْلِه)

وبهذا قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ 1091: للإِمامِ أن يَحْكُمَ عليه حُكْمَ المُحارِبِ؛ لأنَّه مُحارِبٌ للَّهِ ورسولِه، سَاعٍ 1092 في الأرْضِ بالفَسادِ، فيَدْخُلُ في عُموم الآيةِ، ولأنَّه لا يُعْتَبَرُ الحِرْزُ، فكذلك النِّصابُ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا قَطْعَ إلَّا فِى ربعِ دِينَارٍ فصَاعِدًا 1093» 1094. ولم يُفَصِّلْ، ولأَنَّ هذه جِنايةٌ تَعَلَّقَتْ بها عقوبة في حَقِّ غيرِ المُحارِبِ، فلا تَتَغَلَّظُ في المُحاربِ بأكثرَ من وَجْهٍ واحدٍ، كالقتلِ يُغَلَّظُ بالانْحِتامِ، كذلك ههُنا يُغلَّظُ بقَطْعِ الرِّجْلِ معها، ولا يَتَغَلَّظُ بما دونَ النِّصابِ، وأمَّا الحِرْزُ فهو مُعْتَبَرٌ، فإنَّهم لو أخَذَوا مالًا مُضَيَّعًا لا حافِظَ له، لم يجبِ القَطْعُ.
فإن أخَذُوا

الحديث: 4542 - الجزء: 27 - الصفحة: 24

فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ مَقْطُوعَةً، أَوْ مُسْتَحَقَّةً فِى قِصَاصٍ، أَوْ شَلَّاءَ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَهَلْ تُقْطَعُ يُسْرَى يَدَيْهِ؟ يَنْبَنِى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِى قَطْعِ يُسْرَى السَّارِقِ، فِى المَرَّةِ الثَّالِثَةِ.
ما 1095 يَبْلُغُ نِصابًا ولا تَبْلُغُ حِصَّةُ كُلِّ واحدٍ منهم نِصابًا، قُطِعُوا، على قياسِ قوْلِنا في السَّرِقَةِ.
وقياسُ قولِ الشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، أنَّه لا يجبُ القَطْعُ حتى تَبْلُغ حِصَّةُ كلِّ واحدٍ منهم نِصابًا، ويُشْتَرَطُ أيضًا أن لا تكونَ لهم شُبْهَةٌ فيما يَأْخُذُونَه من المالِ، على ما ذَكَرْنا في المَسْرُوقِ.

4543 -

مسألة: (فإن كانت يَمينُه مَقْطُوعَةً، أو مُسْتَحَقَّةً في قِصاصٍ، أو شَلَّاءَ، قُطعَتْ رجْلُه اليُسْرَى، وهل تُقْطَعُ يُسْرَى يَدَيْهِ؟ يَنْبَنِى على الرِّوَايَتَيْن في قَطْعِ يُسْرَى السَّارِقِ، في المَرَّةِ الثَّالِثةِ)

إذا كان مَعْدومَ اليَدِ أو الرِّجْلِ، إما لكَوْنِه قد قُطِعَ في قَطْعِ طَرِيقٍ، أو سَرِقَةٍ، أو قِصَاصٍ، أو بمَرَضٍ، أو تكونُ مُسْتَحَقَّةً في قِصاصٍ، أو شَلَّاءَ،

الحديث: 4543 - الجزء: 27 - الصفحة: 25

وَمَنْ لَمْ يَقْتُلْ وَلَا أخَذَ الْمَالَ، نُفِىَ وَشُرِّدَ، فَلَا يُتْرَكُ يَأْوِى إِلَى  قُطِعَتْ رِجْلُه اليُسْرى، كما لو كانت يُمْناهُ مَوجُودَةً، وكذلك إن كانتْ يَدُه اليُمْنَى مَوْجُودَةً، ورِجْلُه اليُسْرَى مَعْدُومَةً، فإنَّا نَقْطَعُ الموْجُودَ منهما حَسْبُ، ويَسْقُطُ القطعُ (1) في المعْدُومِ؛ لأَنَّ ما تَعَلَّقَ به الغَرَضُ مَعْدُومٌ، فسَقَطَ كالغُسْلِ في الوُضوءِ، وهل تُقْطَعُ يُسْرَى يَدَيْه؟ يَنْبَنِى على الروايَتَيْن في قَطْعِ يُسْرَى السَّارِقِ في المرَّةِ الثالثةِ، فإن قُلْنا: تُقْطَعُ ثَمَّ.
قُطِعَتْ ههنا، وإن قُلْنا: لا تُقْطَعُ.
وهو المُخْتَارُ، سَقَط قَطْعُها؛ لأَنَّ قَطْعَهَا يُفْضِى إلى تَفْوِيتِ مَنْفَعَةِ البَطْشِ.
وإن كان ما وَجَب قَطْعُه أشَلَّ، فذَكَرَ أهلُ الطِّبِّ أنَّ قَطْعَه يُفْضِى إلى تَلَفِه، لم يُقْطَعْ، وكان حُكْمُه حُكْمَ المَعْدومِ.
وإن قالوا: لا يُفْضِى إلى تَلَفِه.
ففى قَطْعِه رِوايَتان، ذَكَرْناهما في قَطْعِ السَّارِقِ.

4544 -

مسألة: (ومَن لم يَقْتُلْ ولا أخَذَ المالَ، نُفِىَ وشُرِّدَ، فلا

1096 الحديث: 4544 - الجزء: 27 - الصفحة: 26

بَلَدٍ.
وَعَنْهُ، أنَّ نَفْيَهُ تَعْزِيرُهُ بِمَا يَرْدَعُهُ.
يُتْرَكُ يَأْوِى إلى بَلَدٍ.
وعنه، أنَّ نَفْيَه تَعْزِيرُه بما يَرْدَعُه) وجلتُه، أنَّ المُحارِبينَ إذا أخافُوا 1097 السَّبِيلَ، ولم يَقْتُلُوا، ولا أخَذُوا المالَ، فإنَّهم يُنْفَوْنَ مِن الأرْضِ؟ لقولِه سُبحانَه: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ 1098. يُرْوَى عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النَّفْىَ يكونُ في هذه الحالةِ، وهو قولُ النَّخَعِىُّ، وقَتادَةَ، وعَطَاءٍ الخُراسَانِىِّ.
والنَّفْىُ هو تَشْرِيدُهم عن الأمْصارِ والبُلْدانِ، فلا يُتْرَكُونَ يَأْوُونَ بلدًا.
يُرْوَى نحوُ هذا عن الحسنِ، والزُّهْرِىِّ.
وفى ابنِ عباسٍ، أنَّه يُنْفَى من بلدِه إلى غيرِه، كنَفْىِ الزَّانِى.
وبه قال طَائفةٌ من أهلِ العلمِ.
قال أبو الزِّنادِ: كان مَنْفَى النَّاسِ إلى باضِعٍ 1099، من أرْضِ الحَبَشَةِ، ودَهْلك 1100 أقْصَى تِهامَةِ اليَمَنِ.
وقال مالكٌ: يُحْبَسُ في البلدِ الذى يُنْفَى 1101 إليه، كقولِه في الزَّانِى.
وقال أبو حنيفةَ: [نَفْيُه حَبْسُه] 1102 حتى يُحْدِثَ تَوْبَةً.
ونحوَ هذا قال الشافعىُّ، فإنَّه قال في هذه

الجزء: 27 - الصفحة: 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحالِ: يُعَزِّرُهم الإِمامُ، وإن رأى أنَّ يحْبِسَهُم حَبَسَهم.
وقيلَ عنه: النَّفْىُ طلبُ الإِمامِ لهم ليُقِيمَ فيهم حُدودَ اللَّهِ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ.
وقال ابنُ شُرَيْحٍ: يَحْبِسُهمِ في غيرِ بلدِهم.
وهذا مثلُ قولِ مالكٍ.
[قالوا: وهذا أوْلَى] 1103؛ لأَنَّ تشْرِيدَهم إخْراجٌ لهم إلى مَكانٍ يَقْطَعُونَ فيه الطَّريقَ، ويُؤْذُونَ به النَّاسَ، فكان حَبْسُهم أوْلَى.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، حَكَاها أبو الخَطَّابِ، مَعْناها أنَّ نَفْيَهم طَلَبُ الإِمامِ لهم، فإذا ظَفَرَ بهم عَزَّرَهم بما يَرْدَعُهم.
ولَنا، ظاهرُ الآيةِ، فإنَّ النَّفْىَ الطَّرْدُ

الجزء: 27 - الصفحة: 28

وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، سَقَطَتْ عَنْهُ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى؛ مِنَ الصَّلْبِ، وَالْقَطْعِ، وَالنَّفْىِ، وَانْحِتَامِ الْقَتْلِ، وَأُخِذَ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّيِنَ، مِنَ الْأَنْفُسِ، وَالْجِرَاحِ، وَالْأَمْوَالِ، إِلَّا أَنْ يُعْفَى لَهُ عَنْهَا،  والإِبْعادُ، والحَبْسُ إمْساكٌ، وهما يَتَنافَيان.
فأمَّا نَفْيُهم إلى مكانٍ غيرِ مُعَيَّن؛ فلقولِه تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾.
وهذا يَتَناوَلُ نَفْيَه مِن جميعِها.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بنَفْىِ الزَّانِى، فإنَّه يُنْفَى إلى مكانٍ يَحْتَمِلُ أنَّ يوجدَ فيه الزِّنَى.
ولم يَذْكُرْ أصحابُنا قَدْرَ مُدَّةِ نَفْيهِم، فيَحْتَمِلُ أنَّ تَتَقَدَّرَ مُدَّتُه بما يَظْهَرُ فيه تَوْبَتُهُم، وتَحْسُنُ سِيرَتُهُم.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يُنْفَوْا عامًا، كنَفْىَ الزَّانِى 1104.

4545 -

مسألة: (ومَن تابَ قبلَ القُدْرَةِ عليه، سَقَطَتْ عنه حُدُودُ اللَّهِ تعالى؛ من الصَّلْبِ والقَطْعِ والنَّفْىِ وانْحِتامِ القَتْلِ، وأُخِذَ بحُقُوقِ الآدَمِيِّينَ؛ من الأنْفُسِ، والجِراحِ، والأمْوالِ، إلَّا أن يُعْفَى لَه عنها)

لا نعلمُ في هذا خِلافًا.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى،

الحديث: 4545 - الجزء: 27 - الصفحة: 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأبو ثَوْرٍ.
والأَصْلُ في هذا قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 1105. فأمَّا إن تابَ بعدَ القُدْرَةِ عليه، لم يَسْقُطْ عنه شئٌ من الحُدودِ؛ للآيةِ، فأوْجَبَ عليهم الحَدَّ، ثم اسْتَثْنَى التَّائِبينَ قبلَ 1106 القُدْرَةِ.، فمَن عَدَاهم يَبْقَى على قَضِيَّةِ العُمومِ، و 1107 لأنَّه إذا تابَ قبلَ القُدْرَةِ، فالظَّاهِرُ أنَّها تَوْبَةُ إخْلاصٍ، وبعدَها الظاهِرُ 1108 أنَّها تَقِيَّةٌ من إقامَةِ الحَدِّ عليه، ولأَنَّ في قَبُولِ تَوْبَتِه، وإسْقاطِ الحَدِّ عنه قبلَ القُدْرَةِ، تَرْغيبًا في تَوْبَتِه، والرُّجُوعِ عن مُحارَبَتِه وإفْسادِه، فناسبَ ذلك الإِسْقاطُ عنه، وأمَّا بعدَها فلا حاجَةَ إلى تَرْغِيبِه؛ لأنَّه قد عَجَز عن الفَسادِ والمُحارَبَةِ.
فصل: وإن فَعَلَ المُحارِبُ ما يُوجِبُ حَدًّا لا يَخْتَصُّ المُحارَبةَ؛ كالزِّنَىْ، والقَذْفِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، والسَّرِقَةِ، فذَكَرَ القاضى أنَّها

الجزء: 27 - الصفحة: 30

وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ للَّه تِعَالَى سِوَى ذَلِكَ، فَتَابَ قَبْلَ إِقَامَتِهِ عليه، لم يَسْقُطْ.
وَعَنْهُ، أنَّهُ يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ قَبْلَ إِصْلَاحِ الْعَمَلِ.
تَسْقُطُ بالتَّوْبَةِ؛ لأنَّها حُدودٌ للَّهِ تعالى، فسَقَطَتْ بالتَّوْبَةِ (1)، كحَدِّ المُحاربَةِ، إلَّا حَدَّ القَذْفِ، فإنَّه لا يَسْقُطُ؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ، ولأَنَّ في إسْقاطِها تَرْغِيبًا في التَّوْبةِ.
ويَحْتَمِل أن لا تَسْقُطَ؛ لأنَّها لا تَخْتَصُّ المُحارَبَةَ، فكانت في حَقِّه [كما هِىَ] (2) في حَقِّ غيرِه.
فإن أتَى حَدًّا قبلَ المُحاربةِ، ثم حارَبَ وتابَ قبلَ القُدْرَةِ، لمِ يَسْقُطِ الحَدُّ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ التَّوْبَةَ إنَّما يَسْقُطُ بها الذَّنْبُ الذى تابَ منه دون غيرِه.

4546 -

مسألة: (ومَن وَجَب عليه حَدٌّ للَّهِ تَعالَى سِوَى ذلك، فتابَ قبلَ إقامَتِه، لم يَسْقُطْ)

عنه (وعنه، أنَّه يَسْقُطُ بمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ قبلَ إصْلاحِ العَمَلِ) من تابَ وعليه حَدٌّ مِن غيرِ 1111 المُحارِبين، وأصْلَحَ،11091110

الحديث: 4546 - الجزء: 27 - الصفحة: 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ففيه رِوايَتان؛ إحداهما، يَسْقُطُ عنه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ 1112. وذَكَر حَدَّ 1113 السَّارِقِ، ثم قال: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ 1114. وقال النبىُّ -صلي اللَّه عليه وسلم-: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ، كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» 1115. ومن لا ذَنْبَ له لا حَدَّ عليه.
وقال في ماعِز لَمَّا أُخْبِرَ بهَرَبه: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ 1116 يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْه!» 1117. ولأنَّه خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تعالى، فيَسْقُطُ بالتَّوْبَةِ، كحَدِّ المُحارِبِ.
والثانيةُ، لا يَسْقُطُ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفة، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ 1118. وهو عامٌّ في التَّائِب وغيرِه، وقال اللَّهُ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 1119. ولأَنَّ النبىَّ -صلي اللَّه عليه وسلم- رَجَم ماعِزًا والغامِدِيَّةَ، وقَطَعَ الذى أقَرَّ

الجزء: 27 - الصفحة: 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالسَّرِقَةِ، وقد جاءُوا تائِبين يَطْلُبُون التَّطْهِيرَ بإقامَةِ الحَدِّ، وقد سَمَّى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِعْلَهم تَوْبَةً، فقال في حَقِّ المرأةِ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ» 1120. وجاءَ عمرُو بنُ سَمُرَةَ إلى النبىِّ -صلي اللَّه عليه وسلم-،

الجزء: 27 - الصفحة: 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقال: يا رسولَ اللَّهِ-صلي اللَّه عليه وسلم-، إنِّى سَرَقْتُ جَملًا لبنى فُلانٍ، فطَهِّرْنِى 1121. وقد أقامَ رسولُ اللَّهِ -صلي اللَّه عليه وسلم- عليه الحَدَّ.
ولأَنَّ الحَدَّ كَفارَةٌ، فلم يَسْقُطْ بالتَّوْبَةِ، ككفَّارَةِ اليَمينِ والقتلِ، ولأنَّه مَقْدُورٌ عليه، فلم يَسْقُطِ الحَدُّ عنه، كالمُحارِبِ بعدَ القُدْرَةِ عليه.
فإن قُلْنا: بسُقوطِ 1122 الحَدِّ بالتَّوْبَةِ.
فهل يَسْقُطُ بمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ، أو بها مع إصْلاحِ العملِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَسْقُطُ بمُجَرَّدِها.
وهو ظاهِرُ قولِ أصحابِنا، لأنَّها تَوْبَةٌ مُسْقِطَةٌ للحَدِّ، فأشْبَهَتْ تَوْبَةَ المُحارِب قبلَ القُدْرَةِ عليه.
والثانى، يُعْتَبَرُ إصْلاحُ العَمَلِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ 1123. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ 1124. فعلى هذا الوَجْهِ، يُعْتَبَرُ مُضِىُّ مُدَّةٍ يُعْلَمُ بها صِدْقُ

الجزء: 27 - الصفحة: 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَوْبَتِه، وصَلاحُ نِيَّتِه، وليست مُقَدَّرَةً بمُدَّةٍ معلومةٍ.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ: مُدَّةُ ذلك سَنَةٌ.
وهذا تَوْقِيتٌ بغيرِ تَوْقِيف، فلا يَجُوزُ.

الجزء: 27 - الصفحة: 35

وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَدٌّ، سَقَطَ عَنْهُ.

فَصْلٌ: وَمَنْ أُرِيدَتْ نَفْسُهُ أَوْ حُرمَتُهُ أَوْ مَالُهُ، فَلَهُ الدَّفْعُ عِنْ ذَلِكَ بِأَسْهلِ مَا يَعْلَمُ دَفْعَهُ بهِ، فَإِنْ لَمْ يَحْصلْ إِلَّا بِالْقَتْلِ، فَلَهُ ذَلِكَ وَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُتِلَ كَانَ شَهِيدًا.
وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ عِنْ نَفْسِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الصَّائِلُ آدَمِيًّا أَوْ بَهِيمَةً.
وَإِذَا دَخَلَ رَجُلٌ مَنْزِلَهُ مُتَلَصِّصًا أَوْ صَائِلًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا ذَكَرْنَا.

4547 - مسألة: (ومَن ماتَ وعليه حَدٌّ، سَقَط عنه)

لفَواتِ مَحَلِّه، كما يَسْقُطُ غُسْلُ ما ذَهَب مِن أعْضاءِ الطَّهارةِ في الوُضوءِ والغُسْلِ.

فصل

: قال رَحِمَه اللَّهُ: (ومَن أُريدتْ نَفْسُه أو حُرمتُه أو مالُه، فله الدَّفْعُ عن ذلك بأسْهلِ ما يَعْلَمُ دَفْعَه به، فإن لم يَحْصُلْ إلَّا بالقَتْلِ، فله ذلك ولا شئَ عليه، وإن قُتِلَ كان شهيدًا، وهل يجبُ الدَّفْعُ عن نفسِه؟ على رِوايَتَيْن، وسَواءٌ كان الصائِلُ آدَمِيًّا أو) غيرَه (وإن دَخَل رجلٌ منزِلَه مُتَلَصَّصًا أو صائِلًا، فحُكْمُه حكمُ ما ذَكَرْنا) وجملةُ ذلك، أنَّ الرجُلَ

الحديث: 4547 - الجزء: 27 - الصفحة: 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا دَخَل مَنْزِلَ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلِصاحِب المَنْزِلِ أمْرُه بالخُروجِ مِن مَنْزِلِه، سَواءٌ كان معه سِلاحٌ أو لم يَكُنْ؛ لأَنَّه مُتَعَدٍّ بدُخولِ مِلْكِ غيرِه، فكان لصاحِبِ المنزِلِ مُطالَبَتُه بتَرْكِ التَّعَدِّى، كما لو غَصَب منه شيئًا، فإن خَرَج بالأمْرِ، لم يَكُنْ له ضَرْبُه؛ لأَنَّ المَقْصُودَ إخْراجُه.
وقد رُوِى عن ابنِ عمرَ، أنَّه رأى لِصًّا، فأصْلَتَ عليه السَّيْفَ، قال الرَّاوِى: فلو تَرَكْناه لَقَتَله 1125. وجاءَ رجل إلى الحسنِ، فقال: لِصٌّ دَخَل بَيْتِى ومعه حَدِيدةٌ، أقْتُلُه؟ قال: نعم، بأىِّ قِتْلَةٍ قَدَرْتَ أن تَقْتُلَه.
ولَنا، أنَّه أمْكَنَ إزالَةُ العُدْوانِ بغيرِ القَتْلِ، فلم يَجُزِ القَتْلُ، كما لو غَصَب منه 1126 شيئًا، فأمْكَنَ أخْذُه بغيرِ القتلِ.
وفعلُ ابنِ عمرَ يُحْمَلُ على قَصْدِ 1127 التَّرْهِيبِ،

الجزء: 27 - الصفحة: 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا على أنَّه قَصَد إيقاعَ الفِعْلِ.
فإن لم يَخْرُجْ بالأمْرِ، فله ضَرْبُه بأسْهَلِ ما يَعْلَمُ أنَّه يَنْدَفِعُ به؛ لأنَّ المَقْصُودَ دَفْعُه، فإذا انْدَفَعَ بقليل، فلا حاجَةَ إلى أكثرَ منه، فإن عَلِمَ أنَّه يَخْرُجُ بالعَصا، لم يَكُنْ له ضَرْبُه بالحديدِ؛ لأنَّ الحديدَ آلةٌ للقَتْلِ، بخلافِ العَصا.
وإن ذَهَب هارِبًا، لم يَكُنْ له قَتْلُه، ولا اتِّباعُه، كالبُغاةِ.
وإن ضَرَبَه ضَرْبَةً عَطَّلَتْه، لم يَكُنْ له أن يُثَنِّيَ عليه؛ لأنَّه كُفِيَ شَرَّه.
وإن ضَرَبَه فقَطَعَ يَمينَه، فوَلَّى مُدْبِرًا، فضَرَبَه فقَطَعَ رِجْلَه 1128 فالرِّجْلُ مضمونةٌ بالقِصاصِ أو الدِّيَةِ؛ لأنَّه في حالٍ لا يَحِلُّ له ضَرْبُه، وقَطْعُ اليَدِ غيرُ مَضْمُونٍ، فإن ماتَ من سِرايَةِ القَطْعِ، فعليه نِصْفُ الدِّيةِ، كما لو ماتَ مِن جِراحَةِ اثْنَين.
وإن عادَ إليه بعدَ قَطْعِ رِجْلِه، فقَطَعَ يَدَه الأخْرَى فاليَدَانِ غيرُ مَضْمُونَتَين.
فإن ماتَ، فعليه ثُلُثُ الدِّيَةِ، كما لو ماتَ من جِراحَةِ ثَلاثةِ أنْفُس.
وقِياسُ المذهبِ أنَّه يَضْمَنُ نِصْفَ الدِّيَةِ؛ لأنَّ الجُرْحَينِ قَطْعُ رجُل واحدٍ، فكان حُكْمُهما واحدًا، كما لو جَرَح رجلٌ رجُلًا جِراحاتٍ.
وجَرَحَه آخرُ جُرْحًا واحِدًا، وماتَ،

الجزء: 27 - الصفحة: 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كانتْ دِيَتُه بينَهما نِصْفَين، ولا تُقْسَمُ الدِّيَةُ على عَدَدِ الجِراحاتِ، كذا هذا.
فإن لم يُمْكِنْه دَفْعُه إلَّا بالقَتْلِ، أو خافَ أنَّ يَبْدُرَه بالقَتْلِ إن لم يُعاجِلْه بالدَّفْعِ، فله ضَرْبُه بما يَقتُلُه، ويَقْطَعُ طَرَفَه، وما أَتلَفَ منه فهو هَدْرٌ، لأنَّه تَلِفَ لدَفْعِ شَرِّه، فلم يَضْمَنْه، كالباغِي، ولأنَّه اضْطَرَّ صاحِبَ المنزلِ إلى قَتْلِه، فصارَ كالقاتِلِ لنفسِه.
وإن قُتِلَ صاحبُ المنْزِلِ، فهو شهيدٌ، لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيرِ حَق، فَقَاتَلَ فَقُتِلَ، فَهُوَ شَهِيدٌ».
رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه 1129. ولأنَّه قُتِلَ لدَفْعِ ظالم، فكانَ شهيدًا، كالعادِلِ إذا قَتَلَه الباغِي.

الجزء: 27 - الصفحة: 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وكُلُّ مَن عَرَض لإِنْسانٍ يُرِيدُ ماله أو نفسَه، فحُكْمُه ما ذَكَرْنا في مَن دَخَل منزلَه، في دَفْعِهم بأسْهَلِ ما يُمْكِنُ دَفْعُه به، فإن كان بينَهما نهرٌ كبيرٌ، أو خَنْدَقٌ، [أو حِصْنٌ] 1130 لا يَقْدِرونَ على اقْتِحامِه، فليس له رَمْيُهم، فإن لم يُمْكِنْ إلَّا بقِتالِهم، فله قِتالُهم وقَتْلُهم.
قال أحمدُ، في اللُّصوصِ يُرِيدُونَ نفسَك ومالكَ: قاتِلْهم تَمْتَعْ نَفْسَك ومالكَ.
وقال عَطاءٌ، في المُحْرِمِ يَلْقَى اللُّصُوصَ، قال 1131: يقاتِلُهم أشَدَّ القتَالِ.
وقال ابنُ سِيرِينَ: ما أعلمُ أحدًا تَرَك قِتال الحَرُورِيَّةِ واللصوص تَأَثُّمًا، إلَّا أنَّ يَجْبُنَ.
وقال الصَّلْتُ بنُ طَرِيفٍ: قلتُ للحسنِ: إنِّي أُحْرَجُ في هذه الوُجُوهِ، أخوَفُ شىِءٍ عندِي يَلْقَانِي المُصَلُّونَ 1132 يَعْرِضُونَ لي في مالِي، فإن كَفَفْتُ يَدِي ذهبُوا بمالِي، وإن قاتَلْتُ المُصَلِّيَ 1133 ففيه ما قد علمتَ؟ قال: أي بُنَيَّ، مَن عَرَض لك في مالِك، فإن قَتَلْتَه فإلى النارِ، وإن قَتَلَكَ فَشَهِيدٌ.
ونحوُ ذلك عن أنس، والنَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ.
وقال أحمدُ، في امرأةٍ أرادَها رجلٌ على نَفْسِها، فقَتَلَتْه لِتُحْصِنَ نَفسَها، قال: إذا عَلِمَتْ أنَّه لا يُرِيدُ إلَّا نفسَها، فقَاتَلَتْه لتَدْفَعَ عن نفسِها، فلا شيءَ عليها.

الجزء: 27 - الصفحة: 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وذَكَر حديثًا يَرْويه الزُّهْرِيُّ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ، عن عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ، أنَّ رجلًا ضَافَ 1134 ناسًا مِن هُذَيلٍ، فأرادَ امرأةً على نفسِها، فرَمَتْه بحَجَر فَقَتَلَتْه، فقال عمرُ: واللهِ لا يُودَى أبدًا 1135. ولأنَّه إذا جازَ الدَّفْعُ عن مالِه الذي يجوزُ له 1136 بَذْلُه وإباحَتُه، فدَفْعُ المرأةِ عن نَفْسِها وصِيانتها عن الفاحِشَةِ، التي لا تُباحُ بحالٍ، أَولَى.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يجبُ عليها أنْ تَدْفَعَ عن نفسِها إن أمْكَنَها ذلك، لأنَّ التَّمْكِينَ منها مُحَرَّمٌ، وفي تَرْكِ الدَّفْعِ نوْعُ تَمْكِين.
فأمَّا مَن أَرِيدَ مالُه، فلا يجبُ عليه الدَّفْعُ، لأنَّ بَذلَ المالِ مُباحٌ.

الجزء: 27 - الصفحة: 41

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

4548 - مسألة: فإن أُرِدَتْ نَفْسُه، لم يَلْزَمْه الدَّفْعُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال في الفِتْنَةِ: «اجْلِسْ فِي بَيتكَ فَإنْ خِفْتَ أنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيفِ، فَغَطِّ وَجْهَكَ»

1137. وفي لفظٍ: «فَكُنْ عَبْدَ اللهِ المَقْتُولَ، وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللهِ القَاتِلَ» 1138. وفي لفظٍ: «كُنْ كَخَيرِ ابْنَيْ آدَمَ» 1139. ولأنَّ عثمانَ، رَضِيَ اللهُ عنه، لم يَدْفَعْ عن نفْسِه، وتَرَكَ القِتَال مع إمْكانِه.
فإن قِيلَ: فلِمَ 1140 قُلْتُم في المُضْطَرِّ، إذا وَجَد ما يَدْفَعُ به الضَّرُورَةَ: لَزِمَه الأكْلُ منه.
في أحَدِ الوَجْهَين؟ قُلْنا: الأكْلُ تَحْيَى به

الحديث: 4548 - الجزء: 27 - الصفحة: 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نَفْسُه، مِن غيرِ تَفْويتِ غيرِه، فَلَزِمَه، [كالأكْلِ في المَخْمَصَةِ.
والثاني، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه دَفْعٌ عن نَفْسِه، فلم يَلْزَمْه، كالدَّفْعِ بالقِتالِ.
وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، يَلْزَمُه] 1141 الدَّفْعُ عن نَفْسِه؛ لأنَّه لا يجوزُ إقرارُ المُنْكَرِ مع إمْكانِ دَفْعِه.
والأوْلَى إن شاء اللهُ أنَّه يَلْزَمُه الدَّفْعُ عن حُرْمَتِه، ولا يَلْزَمُه الدَّفْعُ عن مالِه؛ لأنَّه يجوزُ له بَذْلُه، فإن أُرِيدَتْ نفْسُه فالأوْلَى في الفِتْنَةِ تَرْكُ الدَّفْعِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ والأثرِ في دَفْعِ اللُّصوصِ.
وإذا صالتْ عليه بَهِيمَةٌ، ففيه رِوايَتان، أوْلاهُما، وُجُوبُ الدَّفْعِ إذا أمْكَنَه، كما لو خافَ مِن سَيل أو نارٍ، وأمْكَنَه أنَّ يَتَنَحَّى عن ذلك، [وإن أمْكَنَه الهَرَبُ، ففيه وَجْهان؛ أَولاهُما، يَلْزَمُه، كالأكْل في المَخْمَصَةِ.
والثاني، لا يَلْزَمُه، كالدَّفْعِ بالقِتالِ] (1). فصل: وإذا صال على إنْسانٍ صائِلٌ، يُريدُ نفسَه أو ماله ظُلْمًا، أو

الجزء: 27 - الصفحة: 43

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يريدُ امرأةً ليَفْجُرَ بها، فلِغيرِ المَصُولِ عليه مَعُونَتُه في الدَّفْعِ.
ولو عَرَض اللُّصوصُ لقافِلَةٍ، جازَ لغيرِ أهلِ القافِلَةِ الدَّفْعُ عنهم؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «انْصُرْ أخَاكَ ظَالِمًا، أوْ مَظْلُومًا» 1142. وفي حديثٍ: «إِنَّ المُؤْمِنِينَ يَتَعَاوَنُونَ عَلَى الفُتَّانِ» 1143. ولأنَّه لولا التَّعاونُ لذَهَبَتْ أمْوالُ النَّاسِ وأنْفُسُهم؛ لأنَّ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ إذا انْفَرَدُوا بأخْذِ مالِ إنْسانٍ ولم يُعِنْه غيرُه، فإنَّهم يَأْخُذُونَ أمْوال الكلِّ، واحِدًا واحِدًا، وكذلك غيرُهم.
فصل: إذا وَجَد رجلًا يَزْنِي بامرأتِه فقَتَلَه، فلا قِصاصَ عليه، [ولا دِيَةَ] 1144؛ لِما رُوِيَ أنَّ عمرَ، رَضِيَ الله عنه، بينَما هو يَتَغَدَّى يومًا، إذْ أقْبَلَ رجلٌ يَعْدُو، ومعه سَيفٌ مُجَرَّدٌ مُلَطَّخٌ بالدَّمِ، فجاءَ حتى قَعَد مع عمرَ،

الجزء: 27 - الصفحة: 44

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَجَعَلَ يأكُلُ، وأقبلَ جماعَةٌ من النَّاسِ، فقالوا: يا أميرَ المؤمِنِين، إنَّ هذا قَتَل صاحِبَنَا مع امرأتِه.
فقال عمرُ: ما يقولُ هؤلاء؟ قال: ضَرَب الآخَرُ فَخِذَي 1145 امرأتِه بالسَّيفِ، فإن كان بينَهما أحَدٌ فقد قتَلَه 1146. فقال لهم عمرُ: ما يقولُ؟ قالوا: ضَرَب بسَيفِه، فَقَطَعَ فَخِذَيِ امرأتِه، فأصابَ وَسَطَ الرَّجُلِ، فقَطَعَه اثْنَين.
فقال عمرُ: إن عادُوا فَعُدْ 1147. رَواه هُشَيمٌ، عن مُغِيرَةَ، عن إبراهيمَ.
أخْرَجَه سعيدٌ 1148. فإن كانتِ المرأةُ مُطاوعَةً، فلا ضَمانَ عليه فيها، وإن كانت مُكْرَهَةً، فعليه القِصاصُ.
فأمَّا إن قَتَل رجلًا، وادَّعَى أنَّه وَجَدَه مع امرأتِه، فقَتَلَها أو قَتَلَه.
فقال عليٌّ: إن جاءُوا بأرْبعهِ شُهَداءَ، وإلَّا فَلْيُعْطَ بُرمَّتِه 1149. فعلى هذا، يَفْتَقِرُ إلى أربعةِ شُهُودٍ، لحديثِ عليٍّ.
ورُوِيَ أنَّها يَكْفِي شاهدان؛ لأنَّ البَيَّنَةَ تَشْهَدُ على وُجُودِه مع المرأةِ، وهذا يَثْبُتُ بشاهِدَين، وإنَّما

الجزء: 27 - الصفحة: 45

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الذي يَحْتاجُ إلى أربعةٍ الزِّنَى، وهذا لا يَحْتاجُ إلى إثْباتِ الزِّنَى.
فإن قِيلَ: فحديثُ عمرَ في الذي وجَد مع امرأتِه رجلًا ليس فيه بَيِّنَةٌ، وكذلك رُوِيَ أنَّ رجلًا مِن المسلمين خرَج غازِيًا، وأوْصَى بأهْلِه رجلًا، فبَلَغَ الرجلَ أنَّ يَهُودِيًّا يَخْتَلِفُ إلى امرأتِه، فكَمَنَ له حتى جاءَ، فجعلَ يُنْشِدُ: وأشْعَثَ غَرَّهُ الإِسْلامُ مِنِّي … خَلَوْت بعِرْسِه ليلَ التَّمامِ أبِيتُ على تَرائِبِها ويُضْحِي … على جَرْداءَ لاحِقَةِ الْحِزَامِ كأنَّ مَواضِعَ الرَّبَلَاتِ منها … فِئَامٌ يَنْهَضُونَ إلى فِئَامِ 1150 فقام إليه الرجلُ 1151 فقَتَلَه، فرُفِعَ ذلك إلى عمرَ، فأهْدَرَ دَمَه 1152. فالجَوابُ أنَّ ذلك ثَبَت عندَه بإقْرارِ الوَلِيِّ.
وإن لم تَكُنْ بَيَنة، فادَّعَى عِلْمَ الوَلِيِّ بذلك، فالقولُ قولُ الوَلِيِّ مع يَمِينه.

الجزء: 27 - الصفحة: 46

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن قَتَل رجلٌ رجلًا، وادَّعَى أنَّه قد هَجَم مَنْزِلَه، فلم يُمْكِنْه دَفْعُه إلَّا بالقَتْلِ، لم يُقْبَلْ قولُه إلَّا ببَيِّنَةٍ، وعليه القَوَدُ سَواءٌ كان المقتولُ يُعْرَفُ بسَوقةٍ، أو عِيَارَةٍ، أو لا يُعْرَفُ بذلك، فإن شَهِدَتِ البَيِّنَةُ أنَّهم رَأوْا هذا مُقْبلًا إلى هذا بسِلاحٍ مَشْهورٍ، فضَرَبَه هذا، فقد هَدَر دَمَه، وإن شَهِدُوا أَنَّهم رَأوْه داخِلًا دارَه، ولم يَذْكُرُوا سِلاحًا، أو ذَكَروا سِلاحًا غيرَ مَشْهُورٍ، لم يَسْقُطِ القَوَدُ بذلك؛ لأنَّه قد يَدْخُلُ لحاجَةٍ، ومُجَرَّدُ الدُّخُولِ المشْهودِ به لا يُوجِبُ إهْدارَ دَمِه.

الجزء: 27 - الصفحة: 47

وَإنْ عَضَّ إِنْسَانٌ إِنْسَانًا، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ، فَسَقَطَتْ ثَنَاياهُ، ذَهَبَتْ هَدْرًا.

4549 - مسألة: (وإنْ عَضَّ إنْسَان إنسانًا، فانْتَزَعَ يَدَه من فِيهِ، فسَقَطَتْ ثَنَايَاهُ، ذَهَبَتْ هَدْرًا)

[إذا عُضَّ فله جَذْبُ يَدِه مِن فِيهِ، فإن جَذَبَها فوَقَعَتْ ثَنايا العاضِّ، فلا ضَمانَ فيها] 1153. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
ورَوَى سعيدٌ، عن هُشَيم، عن محمدِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّ رجلًا عَضَّ رجلًا، فانْتَزَعَ يَدَه من فِيهِ، فسَقَطَتْ بعضُ أسْنانِ العَاضِّ، فاخْتَصَما إلى شُرَيحٍ، فقال شُرَيحٌ: انْزَعْ يَدَكَ مِن فِي السَّبُعِ.
وأَبْطَلَ أسْنانَه.
وحُكِيَ عن مالكٍ، وابنِ أبي لَيلَى، أنَّ عليه الضَّمان؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ» 1154. ولَنا، ما رَوَى يَعْلَى بنُ أُمَيَّةَ، قال: كان لي أجيرٌ، فقاتَلَ إنسانًا 1155، فعَضَّ أحَدُهما يَدَ الآخرِ، قال: فانتزَعَ المَعْضُوضُ يَدَه مِن فِي العاضِّ، فانْتَزَعَ إحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ، فأتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فأهْدَرَ ثَنِيَّتَه، فحَسِبْتُ أنَّه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفيَدَعُ يَدَهُ في فَمِكَ تَقْضَمُها قَضْمَ الفَحْلِ».
مُتَّفَقٌ عليه 1156. ولأنَّه عُضْوٌ تَلِف ضرُورَةَ دَفْع

الحديث: 4549 - الجزء: 27 - الصفحة: 48

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شَرِّ صاحِبِه، فلم يُضْمَنْ، كما لو صال عليه، فلم يُمْكِنْه دَفْعُه إلَّا بقَطْعِ عُضْوه.
وحديثُهم يَدُلُّ على دِيَةِ السِّنِّ إذا قُلِعَتْ ظُلْمًا، وهذه لم تُقلَعْ ظُلْمًا، وسَواءٌ كان المَعْضُوضُ ظالِمًا أو مَظْلُومًا؛ لأنَّ العَضَّ مُحَرَّمٌ، إلَّا أنَّ يكونَ العَضُّ مُباحًا له، مثلَ أنَّ يُمْسِكَه في مَوْضِع يَتَضَرَّرُ بإمْساكِه، أو يَعَضَّ 1157 يَدَه.
[ونحوَ ذلك ممّا] 1158 لا يَقْدِرُ على التَّخَلُّصِ من ضَرَرِه إلَّا بِعَضِّه، فيَعَضُّه، فما سَقَط مِن أسْنانِه ضَمِنَه؛ لأنَّه عادٍ.
وكذلك لو عَضَّ أحَدُهما يَدَ الآخرِ، ولم يُمْكِنِ المَعْضُوضَ تخْليصُ يَدِه إلَّا بعَضِّه، فله عَضُّه، ويَضْمَنُ الظَّالِمُ منهما ما تَلِفَ من المَظْلُومِ، وما تَلِفَ من الظالمِ كان هَدْرًا.
وكذلك الحكمُ فيما إذا عَضَّه في غيرِ يَدِه، أو عَمِلَ به عَمَلًا غيرَ العَضِّ أفْضَى إلى تَلَفِ شيءٍ من الفاعِلِ، لم يَضْمَنْه.
وقد روَى محمدُ بنُ عُبَيدِ 1159 اللهِ، أنَّ غُلَامًا أخَذَ قِمَعًا من أقْماعِ الزَّيَّاتِينَ، فأدْخَلَه بينَ رِجْلَيْ رَجُل، ونَفَخَ فيه، فذُعِرَ الرجلُ من ذلك، وخَبَطَ = مسلم 3/ 1301. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الرجل يقاتل الرجل.
. . .، من كتاب الديات.
سنن أبي داود 2/ 500. والنسائي، في: باب الرجل يدفع عن نفسه، وباب ذكر الاختلاف على عطاء.
. . .، من كتاب القسامة.
المجتبى 8/ 26، 27، 28. وابن ماجه، في: باب من عض رجلًا فنزع يده فندر ثناياه، من كتاب الديات.
سنن ابن ماجه 2/ 886، 887. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 222، 224، 428، 430.

الجزء: 27 - الصفحة: 49

وَإنْ نَظَرَ في بَيتِهِ مِنْ خَصاصِ الْبَابِ، أَوْ نَحْوهِ، فَحَذَفَ عَينَهُ  برِجْلِه، فوَقَعَ على الغُلام، فكَسَرَ بعضَ أسنانِه، فاخْتَصَمُوا إلى شُرَيح، فقال شُرَيحٌ: لا أعْقِلُ الكَلْبَ الهَرَّارَ.
قال القاضي: يُخَلِّصُ المَعْضُوضُ يَدَه بأسْهَلِ ما يُمْكِنُه، فإن أمْكَنَه فَكُّ لَحْيَيه بيَدِه الأُخْرَى فَعَلَ، وإن لم يُمْكِنْه لَكَمَه في (1) فَكِّه، فإن لم يُمْكِنْه، فله أنَّ يَبْعَجَ بَطْنَه، وإن أتَى على نَفْسِه.
قال شيخُنا (2): والصَّحِيحُ أنَّ هذا الترتيبَ غيرُ مُعْتَبَر، وله أنَّ يَجْذِبَ يَدَه أوَّلًا، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم (3) يَسْتَفْصلْ، ولأنَّه لا يَلْزَمُه تَرْكُ يَدِه في فَمِ العاضِّ حتى يَتَحَيَّلَ بهذه الأشياءِ المَذْكُورَةِ، ولأنَّ جَذبَ يَدِه مُجَرَّدُ (4) تَخْلِيصِ يَدِه (4)، وما حَصَل من سُقُوطِ الأسْنانِ حَصلَ ضرُورةَ التَّخْلِيصِ الجائزِ، ولَكْمُ فَكِّه جِنَايَةٌ غيرُ التَّخْلِيصِ، ورُبَّما تَضَمَّنَتِ التَّخْلِيصَ، وربَّما أتْلَفَتِ الأسْنانَ التي لم يَحْصُلِ العَضُ بها، فكانت البِداءَةُ بجَذْبِ يَدِه أوْلَى.
ويَنْبَغِي أنَّه متى أمْكَنَه جَذْبُ يَدِه، فعَدَلَ إلى لَكْمِ فَكِّه، فأتْلَفَ سِنًّا، ضَمِنَه؛ لإِمْكانِ التَّخَلّصِ بما هو أوْلَى منه.

4550 -

مسألة: (وإن نَظَر في بَيتِه من خَصاصِ البابِ، أو نحوه،

1160116111621163 الحديث: 4550 - الجزء: 27 - الصفحة: 50

فَفَقَأَهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيهِ.
فحذَفَ عَينَه، ففَقَأهَا، فلا شيءَ عليه) وجملةُ ذلك، أنّ مَن اطَّلَعَ في بيتِ إنسانٍ من ثَقْبٍ، أو شَقِّ بابٍ، أو نحوه، فرَماهُ صاحِبُ الدَّارِ بحَصاةٍ، أو طَعَنَه بعُودٍ، فقَلَع عَينَه، لم يَكُنْ عليه جُناحٌ، ولا يَضْمَنُها.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَضْمَنُها؛ لأنَّه لو دَخَل مَنْزِلَه، ونَظَر فيه، أو نال من امرأتِه ما دُونَ الفَرْجِ، لم يَجُزْ قَلْعُ عَينِه فبمُجَرَّدِ النَّظَرِ أولَى.
ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَوْ أنَّ امْرَأَ اطَّلَعَ عَلَيكَ بِغَيرِ إذْنٍ، فحَذَفْتَه بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَينَه، لَمْ يَكُنْ عَلَيكَ جُنَاحٌ».
وعن سهلِ بنِ سعدٍ، أنَّ رجلًا اطَّلَعَ في جُحْر مِن بابِ النبيِّ، - صلى الله عليه وسلم -، [ورسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -] 1164 يَحكُّ رَأسَه بِمِدْرًى 1165 في يَدِه، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ عَلِمْتُ أنَّكَ تَنْظُرُنِي، لَطَمَسْتُ 1166، أو: لَطَعَنْتُ بِهَا فِي

الجزء: 27 - الصفحة: 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَينِكَ».
مُتَّفَقٌ عليهما 1167. ويُفارِقُ ما قاسُوا عليه؛ لأنَّ مَن دَخَل المنزلَ يُعْلَمُ به، فيُسْتَتَرُ منه، بخِلافِ النَّاظِرِ من ثَقْبٍ، فإنَّه يَرَى من غيرِ عِلْم به، ثم الخبرُ أوْلَى من القِياسِ.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يُعْتَبَرُ في هذا أنَّه لا يُمْكِنُه دَفْعُه إلَّا بذلك، لظاهِرِ الخبرِ.
وقال ابنُ حامدٍ: يَدْفَعُه بأسْهَلِ ما يُمْكِنُه دَفْعُه به 1168، يقولُ له أوَّلًا: انْصَرِفْ.
فإن لم يَفْعَلْ، أشارَ إليه أنَّه يَحْذِفُه، فإن لم يَنْصَرِفْ، فله حَذْفُه حينَئذٍ.
واتِّباعُ السُّنَّةِ أوْلَى.
فإن تَرَك الاطِّلاع ومَضَى، لم يَجُزْ رَمْيُه، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَطْعَنِ الذي اطَّلَع ثم انْصَرَف، ولأنَّه تَرَكَ الجنايَةَ، فأشْبَهَ مَن عَضَّ ثم تَرَكَ العَضَّ، لم يَجُزْ قَلْعُ أسْنانِه.
وسَواءٌ كان المكانُ المُطَّلَعُ منه صغيرًا،

الجزء: 27 - الصفحة: 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كثَقْبٍ أوْ شَقٍّ، أو واسِعًا، كنَقْبٍ كبيرٍ.
وذَكَر بعضُ أصحابِنا أنَّ البابَ المفتوحَ كذلك، والأوْلَى أنَّه لا يجوزُ حَذْف مَن نَظَرَ من بابٍ مفتوح؛ لأنَّ التَّفْرِيطَ من تارِكِ الباب مَفْتُوحًا، والظَّاهِرُ أنَّ من تَرَكَ بابَه 1169 مفتوحًا، أنَّه يَسْتَتِرُ، لعِلْمِه أنَّ النَّاسَ يَنْظُرونَ منه، ويَعْلَمُ بالنَّاظِرِ فيه، والواقِفِ عليه، فلم يَجُزْ رَمْيُه، كدَاخِلِ الدَّارِ.
وإن اطَّلَع، فرَماه صاحِبُ الدَّارِ، فقال المُطَّلِعُ: ما تَعَمَّدْتُه.
لم يَضْمَنْه، على ظاهرِ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّ الاطِّلاعَ قد وُجِدَ، والرَّامِي لا يَعْلَمُ ما في قَلْبِه 1170. وعلى قولِ ابنِ حامدٍ، يَضْمَنُه؛ لأنَّه لم يَدْفَعْه بما هو أسْهَلُ.
وكذلك لو قال: لم أرَ شيئًا حينَ اطَّلَعْتُ.
وإن كان المُطَّلِعُ أعْمَى، لم يَجُزْ رَمْيُه؛ لأنَّه لا يَرَى شَيئًا، ولو كان إنْسانٌ عُرْيانًا في طَرِيقٍ، لم يَكُنْ له رَمْيُ مَن نَظَر إليه؛ لأنَّه المُفَرِّطُ.
وإن كان المُطَّلِعُ في الدَّارِ من مَحارِم النِّساءِ اللَّائي فيها، فقال بعضُ أصحابِنا: ليس لصاحِبِ الدَّارِ رَمْيُه، إلَّا أَن يَكُنَّ مُتَجَرِّدَاتٍ،

الجزء: 27 - الصفحة: 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيَصِرْنَ كالأجانِبِ.
وظاهِرُ الخبرِ أنَّ لصاحِبِ الدَّارِ رَمْيَه، سَواءٌ كان فيها نِساءٌ أو لم يَكُنْ؛ لأنَّه لم يَذْكُرْ أنَّه كان في الدَّارِ التي اطَّلَع فيها على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - نِساءٌ.
وقولُه: «لَوْ أنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيكَ بِغَيرِ إذْنٍ، فحَذَفْتَهُ [ففَقَأْتَ عَينَهُ] 1171». عامٌّ في الدَّارِ التي فيها نِساءٌ وغيرِها.
فصل: وليس لصاحبِ الدَّارِ رَمْيُ النَّاظِرِ بما يَقْتُلُه ابْتِداءً، فإن رَمَاهُ بحَجَرٍ يَقْتُلُه، أو حَدِيدَةٍ تَقْتُلُه، ضَمِنَه بالقِصَاصِ؛ لأنَّه إنَّما له ما يَقْلَعُ به 1172 العَينَ المُبْصِرَةَ، التي حَصَل الأذَى منها، دُونَ ما يَتَعَدَّى إلى غيرِها، فإن لم يَنْدَفِعِ المُطَّلِعُ برَمْيِه بالشَّيءِ اليَسِيرِ، جازَ رَمْيُه بأكْبَرَ منه، حتى يَأْتِيَ ذلك على نفْسِه، وسَواءٌ كان النَّاظِرُ في الطرَّيقِ، أو مِلْكِ نَفسِه، أو غيرِ ذلك.
واللهُ أعلمُ.

الجزء: 27 - الصفحة: 54

بَابُ قِتَالِ أهْلِ الْبَغْيِ

بابُ قِتالِ أهْلِ البَغْي والأصلُ في هذا قولُ اللهِ تعالى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَينَ أَخَوَيكُمْ﴾ 1173. ففيها خمسُ فَوائِدَ؛ أحدُها، أنَّهم لم يَخْرُجُوا بالبَغْي عن الإِيمانِ، فإنَّه سَمَّاهم مُؤْمِنين.
الثَّانيةُ، أنَّه أوْجَبَ قِتالهم.
الثالثةُ، أنَّه أسْقَطَ قِتالهم إذا فَاءُوا إلى أمْرِ اللهِ.
الرَّابِعةُ، أنَّه أسْقَطَ عنهم التَّبِعَةَ فيما أتْلَفُوه في قِتالِهم [إذا فاءُوا إلى أمْرِ الله] 1174. الخامِسَةُ، أنَّ الآيَةَ

الجزء: 27 - الصفحة: 55

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أفادَتْ جَوازَ قِتالِ كلِّ مَن مَنَع حَقًّا عليه.
وروَى عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو، قال: سَمِعْ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «مَنْ أعْطَى إمَامًا صَفْقَةَ يَدِهِ، وثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْه مَا اسْتَطَاعَ، فَإنْ جَاءَ أحَدٌ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ» رَوَاه مسلمٌ 1175. وروَى عَرْفَجَةُ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «سَتَكُونُ هَنَاتٌ وهَنَاتٌ».
ورَفَع صوتَه «ألَا مَن خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي وَهُمْ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيفِ، كَائِنًا مَنْ كَانَ» 1176. فكلُّ مَن ثَبَتَتْ إمامَتُه، وَجَبَتْ طاعَتُه، وحَرُمَ الخُرُوجُ عليه وقِتالُه، لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ 1177.

الجزء: 27 - الصفحة: 56

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وروَى عُبادةُ بنُ الصَّامِتِ، قال: بايَعْنا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على السَّمْعِ والطَّاعَةِ، في المَنْشَطِ والمَكْرَهِ، وأنْ لا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَه 1178. ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وفَارَقَ الجَمَاعَةَ، فَمَاتَ، فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ».
رَواه ابنُ عبدِ البَرِّ من حديثِ أبي هُرَيرَةَ وأبي ذَرٍّ وابنِ عباس، كلُّها بمعْنًى واحدٍ 1179. وأجْمَعَتِ الصحابةُ، رَضِيَ اللهُ عنهم، على قِتالِ البُغَاةِ، فإنَّ أبا بكر، رَضِيَ اللهُ عنه، قاتلَ 1180 مانِعِي الزَّكاةِ، وعليٌّ، رَضِيَ اللهُ عنه، قاتَلَ أهْلَ الجَمَلِ وأهلَ صِفِّينَ وأهلَ النَّهْرَوانِ.

الجزء: 27 - الصفحة: 57

وَهُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ عَلَى الإمَامِ بِتَأْويلٍ سَائِغٍ، وَلَهُمْ مَنَعَة وَشوْكة،

4551 - مسألة: (وهم القَوْمُ الذينَ يَخْرُجُونَ على الإِمامِ بتَأْويل سائِغٍ، ولهم مَنَعَةٌ وشَوْكَةٌ)

الخارِجونَ عن قَبْضَةِ الإِمامِ، أصْنافٌ أرْبَعَةٌ، أحدُها، قَوْمٌ امْتَنَعُوا 1181 من طاعَتِه، وخَرَجُوا عن قَبْضَتِه بِغيرِ تَأْويل، فهؤلاءِ قُطَّاعُ الطَّريق، ساعُونَ في الأرْضِ بالفَسادِ، وقد ذَكَرْنا حُكْمَهم.
الثاني، قوْمٌ لهم تَأْويل، إلَّا أنَّهم نَفَر يَسِيرٌ، لا مَنَعَةَ لهم، كالعَشِيرةِ ونحوهم، فهؤلاءِ حُكْمُهم حُكْمُ الصِّنْفِ 1182 الذي قبلَهم، في قولِ أكثرِ الأصحابِ، ومذهبِ الشافعيِّ؛ لأنَّ ابنَ مُلْجَم لَمَّا جَرَح عليًّا،

الحديث: 4551 - الجزء: 27 - الصفحة: 58

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال للحسنِ: إنْ بَرِئْتُ رَأَيتُ رَأْييِ، وإنْ مِتُّ فَلا تُمَثِّلُوا به 1183. فلم يُثْبِتْ لفِعْلِه حُكمَ البُغاةِ.
ولأنَّنا لو أثْبَتْنا للعَدَدِ اليَسِيرِ حُكْمَ البُغاةِ، في سُقُوطِ ضَمانِ ما أتْلَفُوه، أفْضَى إلى إتْلافِ أمْوالِ النَّاسِ.
وقال أبو بكرٍ: لا فَرْقَ بينَ الكثيرِ والقليلِ، وحُكْمُهم حُكْمُ البُغاةِ إذا خَرَجُوا عن قَبْضَةِ الإِمامِ.
الثالثُ، الخوارجُ الذين يُكَفِّرُونَ بالذَّنْبِ، ويُكَفِّرُونَ عليًّا وعُثمانَ وطَلْحَةَ والزُّبَيرَ، وكثيرًا من الصحابةِ، ويَسْتَحِلُّونَ دِماءَ المسلِمينَ، وأمْوالهُم، إلَّا مَن خَرَج معهم، فظاهِر قولِ الفُقَهاءِ المُتَأخِّرينَ من أصحابِنا، أنَّهم بُغَاةٌ، لهم حُكْمُهُم.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وجُمْهورِ الفُقَهاءِ، وكثيرٍ من أهلِ الحديثِ.
وأمَّا مالكٌ فيَرَى اسْتِتَابَتَهُم، فإن تابُوا، وإلَّا قُتِلُوا على إفْسادِهم، لا على كُفْرِهم.
وذَهَبَتْ طائِفَةٌ من أهلِ الحديثِ إلى أنَّهم كفَّارٌ مُرْتَدُّونَ، حُكْمُهم حُكْمُ المُرْتَدِّينَ، تُباحُ دِماوهم وأمْوالُهم، فإن تَحَيَّزُوا في مكانٍ، وكانتْ لهم مَنَعَةٌ وشَوْكَةٌ، صارُوا أهْلَ حَرْبٍ، كسائرِ الكُفَّارِ، وإن كانوا في قَبْضَةِ الإِمامِ،

الجزء: 27 - الصفحة: 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اسْتَتابَهم، كاسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ، فإن تابُوا، وإلَّا قُتِلُوا، وكانت أمْوالُهم فَيئًا، لا يَرِثُهم ورَثَتُهم المسلمونَ؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: سَمِعْت رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وصِيَامَكُمْ مَعَ صِيامِهِمْ، وأعْمَالكُمْ مَعَ أعْمَالِهِمْ، يَقْرأُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَنْظُر في النَّصْلِ فَلا يَرَى شَيئًا، [وَيَنْظُرُ فِي القِدْحِ فَلَا يَرَى شَيئًا] 1184، ويَنْظُرُ في الرَّيشِ فَلَا يَرَى شَيئًا، وَيَتمَارَى في الْفُوقِ 1185». وهو حديثٌ صحِيحٌ ثابتُ الإِسْنادِ، رَواه البخارِيُّ، ومالكٌ، في «المُوَطَّأ» 1186. وفي لَفْظٍ قال: «يَخْرُجُ قَوْمٌ 1187 فِي آخِرِ الزَّمَانِ، أحْدَاثُ الأسْنَانِ، سُفَهاءُ الأحْلَامِ، يَقولونَ مِن خَيرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، يَقْرأُونَ القُرْآنَ لَا يُجاوزُ تَرَاقِيَهُمْ،

الجزء: 27 - الصفحة: 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَينَما [لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ] 1188، فَإنَّ في 1189 قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ».
رَواه البخارِيُّ 1190. ورُوِيَ مَعْناه من وُجُوهٍ.
يقولُ: فكما خَرَج هذا 1191 السَّهْمُ نَقِيًّا خاليًا (4) من الدَّمِ والفَرْثِ، لم يَتَعَلَّقْ منهما بشَيْءٍ، كذلك خُرُوجُ هؤلاءِ من الدِّينِ، يَعْنِي الخَوارِجَ.
وعن أبي أُمَامَةَ، أنَّه رَأَى رُءُوسًا مَنْصُوبَة على دَرَجِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فقال: «كِلَابُ النَّارِ، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أدِيمِ السَّماءِ، خيرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوه»، ثم قَرأ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ 1192 إلى آخِرِ الآيةِ.
فقِيلَ له: أنتَ سَمِعْتَه من رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: لو لم أسْمَعْه إلَّا مَرَّةً، أو مَرَّتَين، أو ثَلاثًا، أو أرْبَعًا -حتى عَدَّ

الجزء: 27 - الصفحة: 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَبْعًا- ما حَدَّثْتُكُمُوه 1193. قال التِّرْمِذِيّ: هذا حديثٌ حسنٌ.
ورَواه ابنُ ماجه 1194، عن سَهْل، [عن ابنَ] 1195 عُيَينَةَ، عن أبي غالِبٍ، أنَّه سَمِع أبا أُمَامَةَ يقولُ: «شَرُّ قَتْلَى قُتِلُوا 1196 تَحْتَ أَديمِ السَّماءِ، وخَيرُ قَتْلَى مَن قَتَلُوه، كِلَابُ أهْلِ النَّارِ، كِلابُ أهْلِ النَّارِ، كِلابُ أهْلِ النَّارِ، قد (4) كانُوا مُسْلِمينَ فَصارُوا كُفَّارًا» قلتُ: يا أبا أُمَامَةَ، هذا شيءٌ تقولُه؟ قال: بل سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وعن عليٍّ في قولِه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ 1197. قال: هم أهْلُ النَّهْرَوانِ 1198. وعن أبي سعيدٍ، في حديثٍ آخَرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ والخَلِيقَةِ، لَئِنْ أَدرَكْتُهُمْ لأقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ» 1199. وقال 1200: «لا يُجاوزُ إِيمانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ» 1201. وأكثرُ الفُقَهاءِ على أنَّهم بُغَاةٌ، ولا يَرَوْنَ تَكْفِيرَهم.
قال

الجزء: 27 - الصفحة: 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنُ المُنْذِرِ: لا أعلمُ أحدًا وافَقَ أهْلَ الحديثِ على تَكْفِيرِهم وجَعْلِهم كالمُرْتَدِّينَ.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ 1202، في الحديثِ الذي رَوَيناهُ: قولُه عليه السَّلامُ: «يَتَمارَى فِي الفُوقِ».
يَدُلُّ على أنَّه لم يُكَفِّرْهُم؛ لأنَّهم عَلِقُوا مِن الإِسْلامِ بشيءٍ، بحيثُ يُشَكُّ في خُرُوجِهم منه ورُوِيَ أنَّ عليًّا لَمَّا قاتَلَ أهْلَ النَّهْرِ، قال لأصحابِه: لا تَبْدَأُوهُمْ بالقِتالِ.
وبَعَث إليهم: أقيدُونَا بِعبدِ اللهِ بنِ خَبَّابٍ.
قالوا: كلُّنا قَتَلَه 1203. فحينَئذٍ اسْتَحَلَّ قِتَالهم؛ لإِقْرارِهم على أنْفُسِهم بما يُوجِبُ قَتْلَهم.
وذَكَر ابنُ عبدِ البَرِّ 1204، عن علي، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه سُئِلَ عن أهْلِ النَّهْرِ، أكفَّارٌ هم؟ قال: مِن الْكُفْرِ فَرُّوا.
قِيل: فمُنافِقُونَ؟ قال: إنَّ المُنافِقينَ لا يَذْكُرونَ اللهَ إلَّا قَلِيلًا.
قيل 1205: فما هم؟ قال: هم قَوْمٌ أصَابَتْهُم فِتْنَةٌ، فعَمُوا فيها وصمُّوا، وبَغَوْا علينا، وقاتَلُونا فقَتَلْناهُم 1206. ولما جَرَحَه ابنُ مُلْجَمٍ، = والملحدين، وباب من ترك قتال الخوارج، من كتاب استتابة المرتدين.
صحيح البخاري 8/ 47، 9/ 21، 22. باب في قتال الخرارج، من كتاب السنة.
سنن أبي داود 2/ 544، 545. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 81، 92، 113، 131.

الجزء: 27 - الصفحة: 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال للحسنِ: أحْسِنُوا إسَارَه، وإن عِشْتُ فأنا وَلِيُّ دَمِي، وإن مِتُّ فضَرْبَةٌ كضَرْبَتِي.
وهذا رَأْيُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ فيهم، وكثير مِن العُلَماءِ.
وقال شيخُنا 1207، رَحِمَه اللهُ: والصَّحيحُ، إن شاءَ اللهُ تعالى، أنَّ الخَوارِجَ يجوزُ قَتْلُهم [ابْتِداءً، والإِجازَةُ على جَرِيحِهم، لأمرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بقَتْلِهِم، ووَعْدِه بالثَّوابِ مَن قَتَلَهم] 1208؛ فإن عليًّا، رَضِيَ اللهُ عنه، قال: لولا أنَّ تَبْطَرُوا 1209 لحَدَّثْتُكُمْ بما وَعَدَ اللهُ الذين يَقْتُلونهم على لسانِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - 1210. ولأنَّ بدْعَتَهم، وسُوءَ فِعْلِهم، يَقْتَضِي حِلَّ دِمَائِهم؛ بدَليلِ ما أخْبَرَ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، مِنْ عِظَمِ ذَنْبِهم، وأنَّهم شَرُّ الخَلْقِ والخَلِيقَةِ، وأنَّهم يَمْرُقونَ من الدِّينَ، وأنَّهم كِلابُ النَّارِ، وحَثِّه على قِتالِهم، وإخْبارِه بأنَّه لو أدْرَكَهم لقَتَلَهم قَتْلَ عادٍ، فلا يجوزُ إلْحاقُهم بمَن أمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالكَفِّ عنهم، وتَوَرَّعَ كثيرٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن قِتالِهم، ولا بِدْعَةَ فيهم.
الصِّنفُ الرابعُ: قَوْمٌ من أهلِ الحَقِّ يَخْرُجونَ عن قَبْضَةِ الإِمامِ، ويَرومُونَ خَلْعَه لَتَأْويل سائِغ، وفيهم مَنَعَةٌ يَحْتاجُ في كَفِّهم إلى جَمْعِ الجيشِ، فهؤلاءِ البُغَاةُ الذين نَذْكرُ في هذا البابِ حُكْمَهم.
وجملةُ الأمْرِ، أنَّ مَن اتَّفَقَ المسلمونَ على إمامَتِه وبَيعَتِه، ثَبَتَتْ إمامَتُه، ووَجَبَتْ مَعُونَتُه؛

الجزء: 27 - الصفحة: 64

وَعَلَى الإمَامِ أَنْ يُرَاسِلَهُمْ، وَيَسْأَلَهُمْ مَا يَنْقِمُونَ مِنْهُ، وَيُزِيلَ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ مَظْلِمَةٍ، وَيَكْشِفَ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ شُبْهَةٍ، فَإِنْ فَاءُوا  لِما ذَكَرْنا مِن النَّصِّ في أوَّلِ الباب مع الإِجْماعِ على ذلك.
وفي مَعْناه، مَن ثَبَتَتْ إمامَتُه بعَهْدٍ مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أو بعَهْدِ إمام قبلَه إليه، فإنَّ أبا بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، ثَبَتَتْ إمامَتُه بإجْماعِ الصحابةِ على بَيعَتِه، وعِمرَ ثَبَتَت إمامَتُه بعَهْدِ أبي بكرٍ إليه، وإجْماعِ الصحابةِ على قَبولِه.
ولو خرَج رجلٌ على إمام، فقَهَرَه، وغَلَب الناسَ بسَيفِه حتى أقَرُّوا له، وأذْعَنُوا بطاعَتِه، وبَايَعُوه صارَ إمامًا يَحْرُمُ قِتالُه، والخرُوجُ عليه؛ فإنَّ عبدَ الملكِ بنَ مَرْوانَ، خرَج على ابنِ الزُّبَيرِ، وقَتَلَه، واسْتَوْلَى على البلادِ وأهْلِها، حتى بايَعُوه طَوْعًا وكَرْهًا، وصارَ إمامًا يَحْرُمُ الخُرُوجُ عليه؛ وذلك لِما في الخُروجِ عليه من شَقِّ عَصَا المسلمين، وإراقَةِ دِمائِهم، وذَهابِ أمْوالِهم، ويَدْخل الخارجُ عليه في عُمُومِ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «مَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، وهُمْ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بالسَّيفِ، كَائِنًا مَنْ كَانَ» (1). فَمَن خَرَج على مَن ثَبَتَتْ إمامَتُه بأحدِ هذه الوُجُوهِ باغِيًا، وَجَبَ قِتالُه.

4552 -

مسألة: (وعلى الإِمامِ أنَّ يُرَاسِلَهم، ويَسْأَلهُمْ ما يَنْقِمُون منه، ويُزِيلَ ما يَذْكُرُونَه من مَظْلِمَةٍ، ويَكْشِفَ ما يَدَّعُونَه مِنْ شُبْهَةٍ،

1211 الحديث: 4552 - الجزء: 27 - الصفحة: 65

وَإِلَّا قَاتَلَهُمْ.
فإن فَاءُوا وإلَّا قاتَلَهم) وجملةُ ذلك، أنَّ الإِمامَ لا يجوزُ له قِتالُهم حتى يَبْعَثَ إليهم مَن يَسْألهم، ويَكْشِفُ لهم الصَّوابَ، إلَّا أنَّ يَخافَ كَلَبَهم 1212، فلا يُمْكِنُ ذلك في حَقهم.
فأمَّا إن أمْكَنَ تَعْرِيفُهم، عَرَّفَهم ذلك، وأزال ما يَذْكُرُونَه من المَظالِمِ، وأزال حُجَجَهم، فإنْ لَجُّوا، قَاتَلَهم حينَئذٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالى بَدَأَ بالأَمرِ بالإِصلاحِ قبلَ القِتالِ، فقال سبحانَه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ 1213. ورُوِيَ أنَّ عليًّا،

الجزء: 27 - الصفحة: 66

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَضِيَ اللهُ عنه، راسَلَ أهْلَ البَصْرَةِ قبلَ وَقْعَةِ الجملِ، ثم أمَرَ أصحابَه أنَّ لا يَبْدأُوهم بالقتالِ، ثم قال: إنَّ هذا يَوْمٌ مَن فَلَجَ 1214 فيه فَلَجَ يَوْمَ القِيامةِ.
ثم سَمِعَهم يقولون: اللهُ أكبرُ، يا ثَارَاتِ عُثمانَ.
فقال: اللَّهُمَّ أكِبَّ قَتَلَةَ عُثمانَ لوُجُوهِهم 1215. وروَى عبدُ اللهِ بنُ شَدَّادِ بنِ الهادِ 1216، أنَّ عليًّا لمَّا اعْتَزَلَتْه الحَرُورِيَّةُ 1217، بَعَث إليهم عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ، فواضَعُوه كتابَ اللهِ ثلاثةَ أيَّامٍ، فرَجَعَ منهم أرْبَعَةُ آلافٍ 1218.

الجزء: 27 - الصفحة: 67

وَعَلَى رَعِيَّتِهِ مَعُونَتُهُ عَلَى حَرْبِهِمْ، فَإِنِ اسْتَنْظَرُوهُ مُدَّةً، رَجَاءَ رُجُوعِهِمْ فِيهَا، أَنْظَرَهُمْ،  فصل: فإن أبوُا الرُجُوعَ، وعَظَهُم، وخَوَّفَهم القِتال، وإنَّما كان ذلك؛ لأنَّ المَقْصُودَ كَفُّهم، ودَفْعُ شَرِّهم، لا قَتْلُهم، فإذا أمْكَنَ بمُجَرِّدِ القَوْلِ، كان أَولَى من القِتالِ؛ لِما فيه من الضَّرَرِ بالفَريقَين.
فإن فاءُوا، وإلَّا قاتَلَهُم، لقوْلِه سُبحانَه: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾.

4553 -

مسألة: (وعلى رَعِيَّتِه مَعُونَتُه على حَربِهِم)

للآيةِ.
4554 -

مسألة: (فَإنِ اسْتَنْظرُوه مُدَّةً، رَجَاءَ رُجُوعِهم فيها،

الحديث: 4553 - الجزء: 27 - الصفحة: 68

وَإنْ ظَنَّ أَنَّهَا مَكِيدَةٌ، لَمْ يُنْظِرْهُمْ وَقَاتَلَهُمْ.
أنْظَرَهم) ويَكْشِفُ عن حالِهم، ويَبْحَثُ عن أمْرِهِم، فإن بانَ له أنَّ قَصْدَهم الرُّجوعُ إلى الطَّاعةِ، ومَعْرِفَةُ الحَقِّ، أمْهَلَهُم.
قال ابنُ المُنْذِرِ (1): أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ.

4555 -

مسألة: (وإن ظَنَّ أنَّهَا مَكِيدَة، لم يُنْظِرْهم، وقَاتَلَهم)

إذا ظَهَر له أنَّ اسْتِنْظارَهم مَكِيدَةٌ؛ ليَجْتَمِعُوا على قِتالِه، وأنَّ لهم مَدَدًا يَنْتَظِرونَه، ليَتَقَوَّوْا به، أو خَدِيعةَ الإِمام؛ ليَأْخُذُوه على غِرَّةٍ، ويَفْتَرِقَ عَسْكَرُه، عاجَلَهم بالقِتالِ؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ أَن يصيرَ هذا طَريقًا إلى قَهْرِ أهْلِ الحَقِّ والعَدْلِ، وهذا لا يجوزُ، وإن أعْطَوْه عليه مالًا؛ لأنَّه لا يجوزُ أنَّ يأخذَ المال على إقْرارِهم على ما لا يَحِلّ إقْرارُهم عليه.
وإن بَذَلُوا له رَهائِنَ على إنْظارِهم، لم يَجُزْ أخْذُها لذلك، ولأنَّ الرَّهائِنَ لا يجوزُ قتْلُهم لغَدْرِ أهلِهم، فلا يُفِيدُ شيئًا.
وإن كان في أيدِيهم أُسارَى من أهلِ العَدْلِ، وأعْطَوْا بذلك رَهائِنَ منهم، قَبِلَهم الإِمامُ، واسْتَظْهَرَ للمسلمينَ؛ فإن أطْلَقُوا [أسْرَى المسلمينَ] 1220 الذين عندَهم، أُطْلِقَتْ رَهائِنُهم، وإن قَتَلُوا مَن عندَهم، لم يَجُزْ قَتْلُ رَهائِنِهم؛ لأنَّهم لا يُقْتَلونَ بقَتْلِ غيرِهم، وإذا انْقَضَتِ الحَرْبُ، خَلَّى الرَّهائِنَ، كما تُخَلَّى الأسَارَى منهم.
وإن خافَ1219

الحديث: 4555 - الجزء: 27 - الصفحة: 69

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإِمام على الفِئَةِ العادِلَةِ الضَّعْفَ عنهم، أخَّرَ قِتالهم إلى أنَّ تُمْكِنَه القُوةُ عليهم؛ لأنَّه لا يُومَنُ الاصْطِلامُ والاسْتِئصالُ، فيُؤَخِّرُهم حتى تَقْوَى شَوْكَةُ أهلِ العَدْلِ، ثم يُقاتِلُهم.
وإن سَأَلُوه أنَّ يُنْظِرَهم أبدًا، ويَدَعَهم وما هُمْ عليه، ويَكُفُّوا عن المسلمينَ، نَظَرْتَ، فإن لم تُعْلَمْ قُوَّتُه عليهم، وخافَ قَهْرَهم له إن قاتَلَهم، تَرَكَهم.
وإن قَوىَ عليهم، لم يَجُزْ إقْرارُهم على ذلك؛ لأنَّه لا يجوزُ أنْ يَتْرُكَ بعضُ المسلمينَ طاعةَ الإِمام، ولا يَأْمَنُ قُوَّةَ شَوْكَتِهِم، بحيثُ يُفْضِي إلى قَهْرِ الإِمام العادِلِ ومَن معَه.
ثم إن أمْكَنَ دَفعُهُم بدونِ القَتْلِ، لم يَجُزْ قَتْلُهم؛ لأنَّ المَقْصودَ دَفْعُهم، ولأنَّ الدَّفعَ إذا حَصَل بغيرِ القَتْلِ، لم يَجُزِ القَتْلُ من غيرِ حاجةٍ.
وإن حَضَر معهم مَن لا يُقاتِلُ، لم يَجُزْ قَتْلُه.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: فيه وَجْه آخَرُ، يجوزُ؛ لأنَّ عليًّا، رَضِيَ الله عنهْ، نَهَى أصحابَه عن قَتْلِ محمدِ بنِ طلحةَ السَّجَّادِ، وقال: إيَّاكم وصاحبَ البُرْنُسِ.
فقتَلَه رجلٌ، وأنْشَأ يقولُ: وأشْعَثَ قَوَّامٍ بآياتِ رَبِّه [قليلِ الأذَى] 1221 فيما تَرى العينُ مُسْلمِ هَتَكْتُ له بالرُّمْحِ جَيبَ قَمِيصِه فخَرَّ صَرِيعًا لليدَينِ وللْفَمِ على غيرِ ذنبٍ غيرَ أنْ ليس تابِعًا

الجزء: 27 - الصفحة: 70

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليًّا ومَنْ لا يَتْبَعِ الحقَّ يَظْلِم يُناشِدُني حم والرُّمْحُ شَاجِرٌ فهلَّا تَلَا حمَ قبلَ التَّقَدُّم 1222 وكان السَّجَّادُ حامِلَ رايةِ أبيه 1223، ولم يَكُنْ يُقَاتِلُ، فلم يُنْكِرْ عليٌّ قَتْلَه، ولأنَّه صارَ رِدْءًا لهم.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ 1224. والأخْبارُ الواردةُ في تَحْريمِ قتْلِ المسلمِ، والإِجماعُ على تَحْريمِه، وإنَّما خُصَّ من ذلك ما حَصَل ضَرُورَةَ دَفعِ الباغِي والصائِلِ، ففيما عَداه يَبْقَى على العُمومِ والإِجْماعِ فيه؛ ولهذا حَرُمَ قَتلُ مُدْبرِهم وأسيرِهم، والإِجْهازُ على جَرِيحِهم، مع أنَّهم إنَّما تَرَكوا القِتال عَجْزًا عنه، ومتى ما قَدَروا 1225 عليه، عادُوا إليه، فمَن لا يُقاتِلُ تَوَرُّعًا عنه مع قُدْرَتِه عليه، ولا يُخافُ منه القِتالُ بعدَ ذلك أَولَى، ولأنَّه مُسْلمٌ، لم يَحْتَجْ إلى دَفْعِه، ولا صَدَرَ منه أحَدُ الثلاثَةِ، فلم يَحِلَّ دَمُه؛ لقَوْلِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِم إلَّا بإحْدَى ثَلَاثٍ» 1226. فأمَّا حديثُ عليٍّ، في نَهْيِه عن قتلِ السَّجَّادِ، فهو حُجَّة عليهم، فإنَّ نَهْيَ

الجزء: 27 - الصفحة: 71

وَلَا يُقَاتِلُهُمْ بِمَا يَعُمُّ إِتْلَافُهُ كَالْمَنْجَنِيقِ، وَالنَّارِ، إلا لِضَرُورَةٍ،  عليٍّ أَولَى مِن فِعْلِ مَن خالفَه، ولم يَمْتَثِلْ قولَ الله تعالى، ولا قولَ رسولِه، ولا قولَ إمامِه.
وقولُهم: فلم يُنْكِرْ قَتْلَه.
قُلْنا: لم يُنْقَل إلينا أنَّ عَلِيًّا عَلِمَ حَقِيقةَ الحالِ في قَتْلِه، ولا حَضَر قَتْلَه فيُنكِرَه، وقد جاءَ أنَّ عليًّا، رَضِيَ اللهُ عنه، حينَ طافَ في القَتْلَى رآهُ، فقال: السَّجَّادُ، ورَبِّ الكَعْبَةِ، هذا الذي قَتَلَه (1) بِرُّه بأبِيه.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يَشْعُرْ بقَتْلِه.
ورأى كَعْبَ بنَ سُورٍ، فقال: يَزْعُمون أنَّما خَرَج إلينا الرِّعاعُ، وهذا الحَبْرُ بينَ أظْهُرِهم! ويجوزُ أنَّ يكونَ تَرْكُه الإِنْكارَ عليهم اجْتِزاءً بالنَّهْي المُتَقَدِّمِ، ولأنَّ القَصْدَ من قتالِهم كَفُّهم، وهذا كافٍ لنَفْسِه، فلم يَجُر قَتلُه كالمُنْهَزمِ.
فصل: وإذا قاتَلَ معهم عَبِيدٌ ونِساءٌ وصِبْيانٌ، منهم كالرجلِ الحُرِّ البالغِ، يُقاتَلون مُقْبِلين، ويُتْرَكونَ مُدْبرينَ؛ لأنَّ قِتالهمِ للدَّفْعِ، ولو أرادَ أحدُ هؤلاءِ قتْلَ إنْسانٍ، جازَ دَفْعُه وقِتالُه، وإن أتَى على نفسِه؛ ولذلك قُلْنا في أهلِ الحَرْبِ إذا كان معهم النِّساءُ والصِّبْيانُ: قُوتِلُوا وقُتِلُوا.

4556 -

مسألة: (ولا يُقَاتِلُهم بما يَعُمُّ إتْلافُه، كالمنْجَنِيقِ، والنَّارِ، إلَّا لضَرُورَةٍ)

لأنَّه لا يجوزُ قَتْلُ مَن لا يُقاتِلُ، وما 1228 يَعُمُّ إتْلافُه يَقَعُ على مَن لا يُقاتِلُ.
فإن دَعَتْ إلى ذلك ضَرُورةٌ، مثلَ أنَّ يَحْتاطَ بهم البُغاةُ، ولا يُمْكِنُهم التَّخَلُّصُ إلَّا برَمْيِهم بما يَعُمُّ إتْلافُه، جازَ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.1227

الحديث: 4556 - الجزء: 27 - الصفحة: 72

وَلَا يَسْتَعِينُ في حَرْبِهِمْ بِكَافِرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا تَحَصَّن الخوارجُ، فاحْتاجَ الإِمامُ إلى رَمْيِهم بالمَنْجَنيقِ، فَعَل ذلك ما كان لهم عَسْكَرٌ، وما لم يَنْهَزِمُوا، وإن رَماهم البُغاةُ بالمَنْجَنِيقِ والنَّارِ، جازَ رَمْيُهم بمثلِه.
فصل: قال أبو بكرٍ: إذا اقْتَتَلَتْ طائفتان من أهلِ البَغْي، فَقَدَر الإِمامُ على قهرِهِما، لم يُعِنْ واحدةً منهما؛ لأنَّهما جميعًا على الخَطأَ، وإن عَجَز عن ذلك، وخافَ اجْتماعَهما على حَرْبِه، ضَمَّ إليه أقْرَبَهما إلى الحَقِّ، فإنِ اسْتَوَيا، اجْتَهَدَ برَأْيِه في ضَمِّ إحْدَاهُما، ولا يَقصِدُ بذلك مَعُونَةَ إحْداهُما، بل الاسْتعانةَ على الأخْرَى (1)، فإذا هَزَمَها، لم يُقاتِلْ مَن معه حتى يَدْعُوَهم إلى الطاعةِ؛ لأنَّهم قد حَصَلُوا في أمانِه.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.

4557 -

مسألة: (ولا يَسْتَعِينُ في حَرْبِهم بكافِرٍ)

ولا بمَن يَرَى قَتْلَهم مُدْبِرِينَ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: لا بَأْسَ أنَّ يَسْتَعِينَ عليهم بأهلِ الذِّمَّةِ والمُسْتَأْمِنِينَ وصِنْفٍ آخَرَ منهم، إذا كان أهْلُ العَدْلِ هم الظَّاهرين على مَن يَسْتَعينُونَ به.
ولَنا، أنَّ القَصْدَ كَفُّهم، ورَدُّهم إلى الطَّاعةِ، لا قَتْلُهم، وهؤلاء يَقْصِدُونَ قَتْلَهم، فإن دَعَتِ الحاجةُ إلى الاسْتِعانةِ بهم، فإن كان يَقْدِرُ على كَفِّهم عن فِعْلِ ما لا يجوزُ، اسْتعانَ بهم، وإن لم يَقْدِرْ، لم يَجُزْ.1229

الحديث: 4557 - الجزء: 27 - الصفحة: 73

وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَيهِمْ بِسِلَاحِهمْ وَكُرَاعِهِمْ؟ عَلَى وَجْهَينِ.

4558 - مسألة: (وهل يَجُوزُ أنَّ يَسْتَعِينَ عليهم بسِلاحِهم، وكُرَاعِهم (1)؟ على وَجْهَين) أحدُهما، لا يجوزُ؛ لأنَّه لا يَحِلُّ أخْذُ مالِهم، لكَوْنِه مَعْصُومًا بالإِسْلامِ، وإنَّما أُبِيحَ قِتالُهُم لرَدِّهم إلى الطَّاعةِ، ويَبْقَى المالُ على العِصْمَةِ، كمالِ قاطعِ الطريقِ، إلَّا أنَّ تَدْعُوَ ضَرُورةٌ، فيجوزُ، كما يجوزُ أكْلُ مالِ الغيرِ في المَخْمَصَةِ. والوَجْهُ الثاني، يجوزُ قِياسًا على أسْلِحَةِ الكُفَّارِ.

4559 -

مسألة: وذَكَر القَاضِي، أنَّ أحمد أوْمَأَ إلى جَوازِ الانْتِفاعِ به حال الْتِحامِ

1231 الحَرْبِ.
وهذا أحدُ الوَجْهين اللَّذَين ذَكَرْناهُما، ولا يجوزُ في غيرِ قِتالِهم.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ هذه الحال يجوزُ 1232 فيها1230

الحديث: 4558 - الجزء: 27 - الصفحة: 74

وَلَا يُتْبَعُ لَهُمْ مُدْبِرٌ، وَلَا يُجَازُ عَلَى جَرِيحٍ.
إتْلافُ نُفُوسِهِم وحَبْسُ سِلاحِهِم وكُراعِهم؛ فجازَ الانْتِفاعُ به، كسلاحِ أهْلِ الحَرْبِ.
وقال الشافعيُّ: لا يجوزُ ذلك إلَّا من ضَرُورةٍ إليه؛ لأنّه مالُ مسلم، فلم يَجُزْ الانْتِفاعُ به بغيرِ إذْنِه، كغيرِه من أمْوالِهم.
ومتى انْقَضَتِ الحربُ، وَجَبَ رَدُّه إليهم، كما تُرَدُّ سَائرُ أمْوالِهمِ؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِم إلَّا عَنْ طِيبِ نفْس مِنْهُ» (1). واللهُ أعلمُ.

4560 -

مسألة: (ولا يُتْبَعُ لهم مُدْبِرٌ، ولا يُجازُ على جَرِيحٍ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ أهْلَ البَغْي إذا تَرَكُوا القِتال؛ إمَّا بالرُّجوعِ إلى الطَّاعةِ، وإمَّا بإلْقاءِ السِّلاحِ، أو بالهَزِيمَةِ إلى فِئةٍ أو إلى غيرِ فِئَةٍ، وإمَّا بالعَجْزِ، لجِرَاح أو مَرَض أو أسْرٍ، فإنَّه يَحْرُمُ قِتالُهم، واتِّباعُ مُدْبِرِهم.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، إذا هُزِمُوا ولا فِئَةَ لهم، كقَوْلِنا، وإن1233

الحديث: 4560 - الجزء: 27 - الصفحة: 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كانت لهم فِئَةٌ يَلْجئون إليها، جازَ قتلُ مُدْبِرِهم وأسِيرِهم 1234، والإِجازةُ على جَريحِهم، فأمَّا إذا لم تَكُنْ لهم فِئَةٌ، لا يُقْتلُونَ، ولكنْ يُضْربونَ ضَرْبًا وَجِيعًا، ويُحْبَسُونَ حتى يُقْلِعُوا عمَّا هم عليه، ويُحْدِثُوا تَوْبَة.
ذَكَر 1235 هذا في الخوارِجِ.
ويُرْوَى عن ابنِ عباس نحوُ هذا.
واخْتارَه بعضُ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه متى لم يَقْتُلْهم، اجْتَمَعوا وعادُوا إلى المُحارَبَةِ.
ولَنا، ما رُوِيَ عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال يومَ الجَمَلِ: لا يُذَفَّفُ 1236 على جَرِيحٍ، ولا يُهْتَكُ سِتْرٌ، ولا يُفْتَحُ بابٌ، ومَن أغْلَقَ [بابًا أو] 1237 بابَه فهو آمِنٌ، ولا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ.
1238 ورُوِيَ نحوُ ذلك عن عَمَّارٍ 1239. وعن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه وَدَى قَوْمًا من بيتِ مالِ المسلمين، قُتِلُوا مُدْبِرينَ.
وعن أبي أُمامَةَ، قال: شَهِدتُ صِفِّينَ، فكانوا

الجزء: 27 - الصفحة: 76

وَلَا يُغْنَمُ لَهُمْ مَالٌ، وَلَا تُسْبَى لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ.
لا يُجِيزُونَ على جَرِيح، ولا يَقْتُلُونَ مُوَلِّيًا، ولا يَسْلُبونَ قتيلًا (1). ورَوَى القاضي، في «شَرْحِه»، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ، مَا حُكْمُ مَنْ بَغَى عَلَى أُمَّتِي؟» فقلتُ: الله ورسولُه أعْلَمُ.
فقال: «لَا يُتْبَعُ مُدْبرُهُمْ، ولَا يُجَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَا يُقْتَلُ أسِيرُهُمْ، وَلَا يُقْسَمُ فيئُهُمْ» (2). ولأنَّ المقصودَ دَفْعُهم وكَفُّهم، وقد حَصَل، فلم يَجُزْ قَتْلهم، كالصائلِ، ولا يُقْتَلُون لِما يُخاف في ثاني الحالِ، كما لو لم تَكُنْ لهم فِئَةٌ.
فعلى هذا، إذا قَتَل إنْسانًا مُنِعَ من قَتْلِه، ضَمِنَه؛ لأنَّه قَتَل مَعْصُومًا، لم يُؤْمَرْ بقتلِه.
ويجبُ عليه القِصاصُ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه قَتَل مُكافِئًا مَعْصُومًا.
والثاني، لا يجبُ؛ لأنَّ في قَتْلِهِم اخْتِلافًا بينَ الأئِمَّةِ، فكانَ ذلك شُبْهَةً دارِئَةً للقِصاصِ؛ لأنَّه ممَّا يَنْدَرِي بالشُّبُهاتِ.
وأمَّا أسِيرُهم، فإن دَخَل في الطَّاعةِ، خُلِّيَ سَبِيلُه.

4561 -

مسألة: (ولا يُغْنَمُ لهم مالٌ، ولا تُسْبَى لهم ذُريَّة)

ولا نعلمُ في تَحْريمِه بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا؛ لِما ذَكَرْنا من حديثِ أبي أُمَامَةَ، وابنِ مسعودٍ، ولأنَّهم مَعْصُومون، وإنَّما أُبِيحَ مِن دِمائِهم وأمْوالِهم ما حَصَل من ضَرُورةِ دَفْعِهم وقِتالِهم، وما عَداه يَبْقَى 1242 على أصْلِ12401241

الحديث: 4561 - الجزء: 27 - الصفحة: 77

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  التَّحْريمِ.
وقد رُوِيَ أنَّ عليًّا، رَضِيَ اللهُ عنه، يومَ الجَملِ، قال: مَن عَرَفَ شيئًا مِن مالِه مع أحدٍ، فَلْيَأْخُذْه.
وكان بعضُ أصحابِ عليٍّ قد أخَذَ قِدْرًا وهو يَطْبُخُ فيها، فجاءَ صاحِبُها ليأخُذَها، فسَأله الذي يَطْبُخُ فيها إمْهَاله حتى يَنْضَجَ الطَّبيخُ، فأبَى، وكَبَّه، وأخَذَها 1243. وهذا من جُمْلَةِ ما نَقَم الخوارجُ من عليٍّ، فإنَّهم قالوا: إنَّه قاتَلَ ولم يَسْبِ ولم يَغْنَمْ.
فإن حَلَّتْ له دِماؤُهم، فقد حَلَّتْ له أمْوالُهم، وإن حَرُمَتْ عليه أموالُهم، فقد حَرُمَتْ عليه دِماؤُهم.
فقال لهم ابنُ عباس: أفَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، أم تَسْتَحِلُّون منها ما تَسْتَحِلُّونَ من غيرِها؟ فإنْ قُلْتُمْ: ليست أُمَّكم.
كَفَرْتُم، وإن قُلْتُمْ: إنَّها أُمُّكُم.
واسْتَحْلَلْتُمْ سَبْيَها، فقد كَفَرْتُمْ 1244. يَعْني بقَوْلِه: إنَّكُم إن جَحَدْتُم أنَّها أُمُّكُم، فقد قال اللهُ تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ 1245. فإن لم تَكُنْ أمًّا لكم، لم تَكُونوا مِن المُؤْمنِين.
ولأنَّ قِتال البُغاةِ إنَّما هو كَدَفْعِهِم ورَدِّهم إلى الحَق، لا لكُفْرِهم، فلا يُسْتَباحُ منهم إلَّا ما حَصَل ضَرُورةَ الدَّفْعِ، كالصَّائلِ، وقاطِعِ الطَّرِيقِ، ويَبْقَى حُكْمُ المالِ والذُّرِّيَّةِ على أصْلِ العِصْمَةِ، وما أُخِذَ من سلاحِهِم، وكُراعِهِم، لم يُرَدَّ إليهم حال

الجزء: 27 - الصفحة: 78

وَمَنْ أُسِرَ مِنْ رِجَالِهِمْ، حُبِسَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ، ثُمَّ يُرْسَلُ.
وَإنْ أُسِرَ صَبِيٌّ أَوْ امْرَأَة، فَهَلْ يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ، أَوْ يُخَلَّى في الْحَالِ؟  الحَرْبِ، لئلَّا يُقاتِلُونا به.

4562 -

مسألة: (ومَن أُسِرَ من رجالِهمْ، حُبِسَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الحَرْبُ، ثم يُرْسَلُ)

وجملةُ ذلك، أنَّ حُكْمَ مَن أْسِرَ منهم، أنَّه يُخَلَّى سَبِيلُه إن دَخَل في الطَّاعةِ، وإن أبى ذلك، وكان رجُلًا جَلَدًا من أهلِ القِتالِ، حُبِسَ ما دامَتِ الحربُ قائمة، فإذا انْقَضَتِ الحربُ خُلِّي سَبِيلُه، وشُرِطَ عليه أنَّ لا يعودَ إلى القِتالِ.
4563 -

مسألة: (وإن أُسِرَ صَبِيٌّ أو امرأةٌ، فهل يُفْعَلُ به ذلك،

الحديث: 4562 - الجزء: 27 - الصفحة: 79

يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ.
أو يُخَلَّى في الحالِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين) [أمَّا إذا كان الأسيرُ ليس مِن أهلِ القِتالِ، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ والشيوخِ الفانِينَ، خُلِّيَ سبيلُهم.
ولم يُحْبَسُوا في أحدِ الوَجْهَين.
وفي الآخَرِ] 1246، يُحْبَسُون؛ لأنَّ فيه كسرَ قُلُوبِ البُغاةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
فصل: فإن أسَرَ كلُّ واحدٍ مِن الفَرِيقَين أُسَارَى مِن الفَرِيقِ الآخَرِ، جازَ فِداءُ أُسَارَى أهلِ العَدْلِ بأُسارَى البُغاةِ.
فإن قَتَل أهْلُ البَغْي أُسارَى أهلِ العَدْلِ، لم يَجُزْ لأهلِ العَدْلِ قَتْلُ أُسَاراهم؛ لأنَّهم لا يُقْتَلونَ بجِنايةِ غيرِهم، ولا يَزِرُونَ وزْرَ غيرِهم.
فإن أبَى أهلُ البَغْي مُفاداةَ الأَسْرَى الذين معهم، وحَبَسُوهم، احْتَمَلَ أنَّ يجُوزَ 1247 لأهْلِ العَدْلِ حَبْسُ مَن معهم، ليَتَوَصَّلُوا إلى تَخْليصِ أُسَارَاهم بحَبْسِ الأسارَى الذين معهم، واحْتَمَلَ أنَّ لا يجوزَ حَبْسُهم ويُطْلَقُون؛ لأنَّ الذَّنبَ في حَبْسِ أُسارَى أهْلِ العَدْلِ لغيرِهم.

الجزء: 27 - الصفحة: 80

وَإذَا انْقَضَى الْحَرْبُ، فَمَن وَجَدَ مِنْهُمْ مَالهُ في يَدِ إِنْسَانٍ أَخَذَهُ، وَلَا يَضْمَنُ أَهْلُ الْعَدْلِ مَا أتْلَفُوهُ عَلَيهِمْ حَال الْحَرْبِ، مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ.
وَهَلْ يَضْمَنُ الْبُغَاةُ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ في الْحَرْبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

4564 - مسألة: (وإذا انْقَضَى الحَرْبُ، فمَن وَجَدَ مِنهم مالهُ في يَدِ إنسانٍ أخَذَه)

لِما ذَكَرْنا مِن قولِ عليٍّ: مَن عَرَف شيئًا أخَذَه.
ولأنَّه مالٌ معصومٌ بالإِسْلامِ، فأشْبَهَ مال غيرِ البُغاةِ.
4565 -

مسألة: (ولا يَضْمَنُ أهْلُ العَدْلِ ما أتْلَفُوه عليهم حال الحَرْبِ، مِن نَفْس أو مالٍ. وهل يَضْمَنُ البُغَاةُ ما أتْلَفُوهُ على أهلِ العَدْلِ في الحربِ؟ على رِوايَتَين)

وجملةُ ذلك، أنَّه إذا لم يُمْكِنْ دَفْعُ أهلِ البَغْي إلَّا بقَتْلِهم، جازَ، ولا شيءَ على مَن قَتَلَهم؛ مِن إثْمٍ، ولا ضَمانٍ، ولا كَفَّارَةٍ؛ لأنَّه فَعَل ما أُمِرَ به، وقَتَل مَن أحَلَّ اللهُ قَتْلَه، وكذلك ما أتْلَفَه أهلُ العَدْلِ على أهْلِ البَغْي حال الحربِ مِن المالِ، لا ضَمانَ فيه؛ لأنَّهم إذا لم يَضْمَنُوا الأنْفُسَ، فالأمْوالُ أوْلَى.

الحديث: 4564 - الجزء: 27 - الصفحة: 81

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن قُتِل العادِلُ، كان شَهِيدًا؛ لأنَّه قُتِلَ في قِتالٍ أمَرَ اللهُ تعالى به بقَوْلِه سبحانَه: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ 1248. وهل يُغَسَّلُ ويُصَلَّى عليه؟ فيه رِوايَتان؛ إحداهُما، لا يُغَسَّلُ، ولا يُصَلَّى عليه؛ لأنَّه شَهِيدُ مَعْرَكَةٍ أُمِرَ بالقِتالِ فيها، فأشْبَهَ شَهِيدَ معركةِ الكُفَّارِ.
والأخْرَى، يُغَسَّلُ ويُصَلَّى عليه.
وهو قولُ الأوْزاعِيِّ، وابنَ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بالصلاةِ على مَن قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ 1249. واسْتَثْنَى قتِيل 1250 الكُفَّارِ في المَعْرَكةِ 1251، ففيما عَداهُ يَبْقَى على الأصْلِ، ولأنَّ شَهِيدَ مَعْركةِ الكُفَّارِ أجْرُه أعظمُ، وفَضْلُه أكثرُ، وقد جاءَ أنَّه يُشَفَّعُ في سبعينَ مِن أهل بيتِه 1252، وهذا لا يَلْحَقُ به في فضْلِه، فلا يَثْبُتُ فيه مثلُ حُكْمِه؛ لأن الشيءَ إنَّما يُقاسُ على مثلِه.

الجزء: 27 - الصفحة: 82

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وليس على أهلِ البَغْي أيضًا ضَمانُ ما أتْلَفُوه حال الحربِ؛ مِن نفس ولا مالٍ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، في أحدِ قَوْلَيه.
وعن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، رِوايَة ثانيةٌ، أنَّهم يَضْمَنونَ، وهو القولُ الثاني للشافعيِّ؛ لقولِ أبي بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، لأهْلِ الرِّدَّةِ: تَدُونَ قَتْلَانا، ولا نَدِي قَتْلاكُم 1253. ولأنَّها نفوسٌ وأمْوالٌ مَعْصُومةٌ، أُتْلِفَتْ بغيرِ حَقٍّ ولا ضَرورةِ دَفْعِ مُباحٍ، فوَجَبَ ضَمانُه، كالذي تَلِف في غيرِ حالِ الحربِ.
ولَنا، ما روَى الزُّهْرِيُّ، أنَّه قال: كانتِ الفِتْنَةُ العُظْمَى بينَ النَّاسِ، وفيهم البَدْرِيُّونَ، فأجْمَعُوا على أنَّ لا يُقامَ حَدٌّ على رجل ارْتَكَبَ فَرْجًا حَرامًا بتَأْويلِ القُرْآنِ، ولا يَغْرَمَ 1254 مالًا أتْلَفَه بتَأْويلِ القُرْآنِ 1255. ولأنَّها طائفةٌ مُمْتَنِعَةٌ بالحربِ، بتَأْويل سائغٍ، فلم تَضْمَنْ ما أتْلَفَتْ على الأخْرَى، كأهْلِ العَدْلِ، ولأنَّ تضْمِينَهم يُفْضِي إلى 1256 تَنْفِيرِهم عن الرُّجوعِ إلى الطَّاعةِ، فلا يُشْرَعُ، كتَضْمِينِ أهلِ الحربِ.

الجزء: 27 - الصفحة: 83

وَمَنْ أتْلَفَ في غَيرِ حَالِ الْحَرْبِ شَيئًا، ضَمِنَهُ.
فأمَّا قولُ أبي بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، فقد رَجَع عنه، ولم يُمْضِه، فإنَّ عمرَ قال له: أمَّا أنَّ يَدُوا قَتْلانا فلا؛ فإنَّ قَتْلانا قُتِلُوا في سَبيلِ اللهِ، على ما أمَرَ اللهُ.
فوَافَقَه أبو بكرٍ، ورَجَع إلى قولِه، فصارَ إجْمَاعًا حُجَّةً لنا (1)، ولم يُنْقَلْ أنَّه غَرَّمَ أحدًا شيئًا مِن ذلك.
وقد قَتَل طُلَيحَةُ عُكَّاشَةَ بنَ مِحْصَن، وثابتَ بنَ أقْرَمَ (2)، ثم أسْلَمَ، فلم يُغَرَّمْ شيئًا (3). ثم لو وَجَب التَّغْرِيمُ في حَقِّ المُرْتَدِّين، لم يَلْزَمْ مثلُه ههُنا، فإنَّ أُولئك كُفَّارٌ، لا تأويلَ لهم، وهؤلاء طائفةٌ مِن المسلمين لهم تأويلٌ سائغٌ، فكيف يَصِحُّ إلْحاقُهم بهم (4)!

4566 -

مسألة: (ومَن أتْلَفَ في غَيرِ حالِ الحَرْبِ شيئًا، ضَمِنَه)

سَواءٌ كان قبلَ الحربِ أو بعدَه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
ولذلك لمَّا قَتَل الخوارِجُ عبدَ اللهِ بنَ خَبَّابٍ، أرْسَل إليهم عليٌّ: أقِيدُونا مِن عبدِ اللهِ بنِ1257125812591260

الحديث: 4566 - الجزء: 27 - الصفحة: 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خَبَّاب 1261. ولمَّا قَتَل ابنُ مُلْجَم عليًّا في غيرِ المعركةِ، أقِيد 1262 به 1263. وهل يَتَحَتَّمُ قَتْلُ الباغِي إذا قَتَل أحدًا مِن أهلِ العدلِ في غيرِ المعركةِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَتَحَتَّمُ؛ لأنَّه قَتَل بإشْهارِ السِّلاحِ والسَّعْي في الأرْضِ بالفَسادِ، فأشْبَهَ قُطَّاعَ الطريقِ.
والثاني، لا يَتَحَتَّمُ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لقولِ علي، رَضِيَ اللهُ عنه: إن شِئتُ أعْفُو، وإن شِئتُ اسْتَقَدْتُ (3). فأمَّا الخوارجُ، فالصَّحِيحُ، على ما ذَكَرْنا، إباحةُ قَتْلِهم، فلا قِصاصَ على أحدٍ 1264 منهم، ولا ضَمانَ عليه في مالِه.
فصل: ومَن قُتِلَ مِن أهلِ البَغْي، غُسِّلَ، وصُلِّيَ عليه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أصحابُ الرَّأي: إن لم يَكُنْ لهم فِئَةٌ، صُلِّيَ عليهم، وإن كانتْ لهم فِئَةٌ، لم يُصَلَّ عليهم؛ لأنَّه يجوزُ قَتْلُهم في هذه الحالةِ، فلم يُصَلَّ عليهم، كالكُفَّارِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوا علَى مَنْ قَال: لَا إِلهَ إلَّا اللهُ».
رَواه الخَلَّالُ في «جَامِعِه» 1265. ولأنَّهم مُسْلمون لم يَثْبُتْ لهم حُكْمُ الشَّهادةِ، فيُغَسَّلُونَ، ويُصَلَّى عليهم، كما لو لم تَكُنْ لهم فِئَةٌ.
وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالزَّانِي المُحْصَنِ، والمُقْتَصِّ منه، والقاتِلِ في المُحارَبَةِ.
فصل: ولم يُفَرِّقْ أصحابُنا بينَ الخوارجِ وغيرِهم في هذا.
وهو مذهبُ

الجزء: 27 - الصفحة: 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، رَحِمَهُ اللهُ، أنَّه لا يُصَلَّى على الخوارِجِ، فإنَّه قال 1266: أهْلُ البِدَعِ إن مَرِضُوا فَلا تعُودُوهم، وإن ماتُوا فلا تُصَلُّوا عليهم.
وقال أحمدُ، رَضِيَ اللهُ عنه: الجَهْمِيَّةُ والرَّافِضَةُ لا يُصَلَّى عليهم، قد تَرَك النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الصلاةَ بأقَلَّ مِن هذا.
وذَكَر أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أنَّ تُقاتَلَ خَيبَرُ مِن 1267 ناحيةٍ مِن نَواحِيها، فقاتَلَ رجلٌ مِن تلك النَّاحيةِ، فقُتِلَ، فلم يُصَلِّ عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. فقِيلَ له: فإن كان في قَرْيَةٍ أهلُها نَصارَى، ليس فيها مَن يُصَلِّي عليه.
قال: أنا لا أشْهَدُه، يَشْهَدُه مَن شاءَ.
وقال مالكٌ: لا يُصَلَّى على الإِباضِيَّةِ، ولا القَدَرِيَّةِ، وسائرِ أهلِ الأهْواء، ولا تُتْبَعُ جَنائِزُهم، ولا تُعادُ مَرْضَاهُم.
والإِباضِيَّةُ صِنْفٌ من الخوارجِ، نُسِبُوا إلى عبدِ اللهِ بنِ إباض، صاحبِ مَقالتِهم 1268. والأزارِقَةُ أصحابُ نافعِ بنِ الأزْرَقِ.
والنَّجَدَاتُ أصحابُ نَجْدَةَ الحَرُورِيِّ.
والبَيهسِيَّةُ أصحابُ [أبي بَيهَسٍ] 1269. والصُّفْرِيَّةُ قيلَ: إنَّهم نُسِبُوا إلى صُفْرَةِ ألْوَانِهم، وأصْنافُهم كثيرةٌ.
والحَرُورِيَّةُ نُسِبُوا إلى أرْضٍ يقالُ لها: حَرُورَاءُ.
خَرَجُوا بها 1270. قال أبو بكرٍ بنُ عَيَّاشٍ: لا أُصَلِّي على الرَّافِضِيِّ؛ لأنَّه يَزْعُمُ أنَّ عمرَ كافِرٌ،

الجزء: 27 - الصفحة: 86

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا على الحَرُورِيِّ؛ لأنَّه يَزْعُمُ أنَّ عليًّا كافِرٌ.
وقال الفِرْيَابِيُّ: مَن سَبَّ أبا بكرٍ فهو كافرٌ، لا يُصَلَّى عليه.
ووَجْهُ تَرْكِ الصلاةِ عليهم، أنَّهم يُكَفِّرونَ أهْلَ الإِسْلامِ، ولا يَرَوْنَ الصلاةَ عليهم، فلا يُصَلَّى عليهم، كالكُفَّارِ من أهلِ الذِّمَّةِ وغيرِهم، ولأنَّهم مَرَقُوا من الدِّين، فأشْبَهُوا المُرْتَدِّينَ.
فصل: والبُغاةُ إذا لم يكُونوا من أهلِ البِدَعِ، ليسوا بفاسِقِين، وإنَّما هم مُخْطِئون في تأْويلِهم، والإِمامُ وأهلُ العَدْلِ مُصِيبُون في قِتالِهم، منهم جميعًا كالمُجْتَهِدين من الفُقهاءِ في الأحْكام، مَن شَهِدَ منهم قُبِلَتْ شَهادَتُه إذا كان عَدْلًا.
وهذا مذهبُ الشافعي.
ولا أعلمُ في قَبُولِ شَهادَتِهم خِلافًا.
فأمَّا الخوارجُ، وأهلُ البِدَعِ إذا خَرَجُوا على الإِمامِ فلا تُقْبَلُ شَهادَتُهم؛ لأنَّهم فُسَّاقٌ.
وقال أبو حنيفةَ: يُفَسَّقُونَ بالبَغْي، وخُرُوجِهم، ولكنْ تُقْبَلُ شَهادتُهم؛ لأنَّ فِسْقَهم من جِهَةِ الدِّينِ، فلا تُرَدُّ به الشَّهادَةُ، والاخْتِلافُ في ذلك يُذْكرُ في كتابِ الشَّهاداتِ 1271 إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: ذَكَر القاضي أنَّه لا يُكْرَهُ للعادِلِ قَتْلُ ذَوي رَحِمِه الباغِين؛ لأنَّه قَتْلٌ بحَقٍّ، أشْبَهَ إقامَةَ الحَدِّ عليه.
وكَرِهَتْ طائفةٌ مِن أهلِ العلمِ القَصْدَ إلى ذلك.
قال شيخُنا 1272: وهو أصَحُّ 1273، إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لقولِ الله تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا

الجزء: 27 - الصفحة: 87

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} 1274. وقال الشافعيُّ: كَفَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أبا حُذَيفَةَ بنَ عُتْبَةَ عن قتلِ أبيه 1275. وقال بعضُهم: لا يَحِلُّ ذلك؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بمُصاحَبَتِه بالمَعْرُوفِ، وليس هذا من المعروفِ.
فإن قَتَلَه، فهل يَرِثُه؟ على رِوايَتَين؛ إحداهما، يَرِثُه.
اخْتارَها أبو بكرٍ، وهو مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه قَتْلٌ بِحَقٍّ، فلم يَمْنَعِ المِيراثَ، كالقِصاصِ والقَتْلِ في الحَدِّ.
والثانيةُ، لا يَرِثُه.
وهو قولُ ابنِ حامدٍ، ومذهبُ الشافعيِّ؛ لعُمُومِ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «لَيس لِقَاتِلٍ شَيءٌ» 1276. فأمَّا الباغِي إذا قَتَل العادِلَ، فلا يَرِثُه.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَرِثُه؛ لأنَّه قَتْلٌ بتأْويلٍ، أشْبَهَ قَتْلَ العادِلِ الباغِيَ.
ولَنا، أنَّه قَتَلَه بغيرِ حَقٍّ، فلم يَرِثْه، كالقاتِلِ خَطأ، وفارَقَ ما إذا قَتَلَه العادِلُ؛ لأنَّه قَتَلَه بحَقِّ.
وقال قَوْمٌ: إذا تَعَمَّدَ العادِلُ قَتْلَ قَرِيبِه، فقَتَلَه ابْتِداءً، لم يَرِثْه، وإن قَصَد ضَرْبَه، لِيَصِيرَ غيرَ مُمْتَنِعٍ، فجَرَحَه، وماتَ من هذا الضَّرْبِ، وَرِثَه؛ لأنَّه 1277 قَتَلَه بحَقٍّ.
وهذا قولُ ابنِ المُنْذِرِ 1278، وهو أقْرَبُ الأقاويلَ.

الجزء: 27 - الصفحة: 88

وَمَا أَخَذُوا في حَالِ امْتِنَاعِهِمْ، مِنْ زَكَاةٍ، أَوْ خَرَاجٍ، أَوْ جِزْيَةٍ، لَمْ يُعَدْ عَلَيهِمْ وَلَا عَلَى صَاحِبِهِ.

4567 - مسألة: (وما أخَذُوا فِي حالِ امْتِناعِهمْ مِن زَكَاةٍ، أو خَراجٍ، أو جِزْيَةٍ لم يُعَدْ عليهم، ولا على صاحبِه)

إذا غَلَب أهلُ البَغْي على بلدٍ، فجبوُا الخَراجَ والزَّكاةَ والجِزْيَةَ، وأقَامُوا الحُدُودَ، وَقَعَ ذلك مَوْقِعَه، فإذا ظَهَر أهْلُ العَدْلِ بعدُ على البلدِ، وظَفِرُوا بأهْلِ البَغْي، لم يُطالبُوا بشيءٍ ممَّا جَبَوْهُ، ولم يُرْجَعْ به على مَن أُخِذَ منه.
رُوِيَ نحوُ هذا عن ابنِ عمرَ، وسَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ 1279. وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي.
وسَواءٌ كان مِن الخَوارِجِ أو مِن غيرِهم.
وقال أبو عُبَيدٍ 1280: على مَن أَخذُوا منه الزَّكاةَ الإعادةُ؛ لأنَّ 1281 أخْذَها مِمَّن لا ولايةَ له صَحِيحةٌ 1282، فأشْبَهَ ما لو أخَذَها آحَادُ الرَّعِيَّةِ.
ولَنا، أنَّ عليًّا، رَضِيَ اللهُ عنه، لَمَّا ظَهَر على أهلِ البَصْرَةِ، لم يُطالِبْهم بشيءٍ ممَّا جَبَوْهُ.

الحديث: 4567 - الجزء: 27 - الصفحة: 89

وَمَنِ ادَّعَى دَفْعَ زَكَاتِهِ إِلَيهِمْ، قُبِلَ بِغَيرِ يَمِينٍ.
وَإنِ ادَّعَى ذِمِّيٌّ دَفْعَ جِزْيَتهِ إِلَيهِمْ، لَمْ يُقْبَلْ إلا بِبَيِّنَةٍ.
وكان ابنُ عمرَ إذا أتاه سَاعِي نَجْدَةَ الحَرُورِيِّ، دَفَع إليه الزَّكاةَ.
وكذلك سلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ (1). ولأنَّ في تَرْكِ الاحْتِسابِ بها ضَرَرًا عَظِيمًا، ومَشَقَّةً كبيرةً، فإنَّهم قد يَغْلِبُونَ على البِلادِ السِّنينَ الكثيرَةَ، فلو لم يُحْتَسَبْ بما أخَذُوهُ، أدَّى إلى ثَنَى (2) الصَدَقاتِ في تلك المُدَّةِ كلِّها.

4568 -

مسألة: (ومَن ادَّعَى دَفْعَ زَكاتِه إليهم، قُبِلَ بغيرِ يَمِينٍ)

قال أحمدُ: لا يُسْتَحْلَفُ الناسُ على صَدَقاتِهِم.
4569 -

مسألة: (وإنِ ادَّعَى ذِمِّيٌّ دَفعَ جِزْيَتِه إليهم، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيَّنةٍ)

لأنَّهم غيرُ مَأْمُونِينَ، ولأنَّ ما يَجِبُ عليهم 1285 عِوَضٌ، وليس بمُواسَاةٍ، فلم يُقْبَلْ قولُهم فيه، كأجْرةِ الدَّارِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ قولُهم12831284

الحديث: 4568 - الجزء: 27 - الصفحة: 90

وَإنِ ادَّعَى إِنْسَانٌ دَفْعَ خَرَاجِهِ إِلَيهِمْ، فَهَلْ يُقْبَلُ بِغَيرِ بَيَّنَةٍ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
إذا مَضَى الحَوْلُ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ البُغاةَ لا يَدَعُونَ الجِزْيَةَ لهم، فكان القولُ قَوْلَهم؛ لأنَّ الظَّاهرَ معهم، ولأنَّه إذا مَضَى لذلك سِنُونَ كثيرةٌ، شَقَّ عليهم إقامَةُ البَيِّنةِ على كلِّ عامٍ، فيُؤَدِّي ذلك إلى تَغْرِيمِهم الجِزْيَةَ مَرَّتَين.

4570 -

مسألة: (وإنِ ادَّعَى دَفْعَ خَراجِه إليهم، فهل يُقْبَلُ بغيرِ بَيِّنَةٍ؟ على وَجْهَين)

أحدُهما، يُقْبَلُ؛ لأنَّه حَقٌّ على مسلمٍ، فقُبِلَ قولُه فيه، كالزَّكاةِ.
والثاني، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه عِوَضٌ، فأشْبَهَ الجِزْيَةَ.

الحديث: 4570 - الجزء: 27 - الصفحة: 91

وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ.
وَلَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ، إلا ما يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ غَيرِهِ.

4571 - مسألة: (وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ)

لأنَّهم أخْطَأُوا في [فرعٍ مِن] (1) فُروعِ الإِسْلامِ باجْتِهادِهم، فأشْبَهَ المُجْتَهِدينَ (2) مِن الفُقَهاءِ في الأحْكامِ، وإذا لم يكُونوا مِن أهلِ البِدَعِ، قُبِلَتْ شَهادَتُهم، كأهلِ العَدْلِ.
وهو قولُ الشافعيِّ، ولا نعلمُ فيه خِلافًا.
4572 -

مسألة: (ولا يُنْقَضُ مِن حُكْمِ حَاكمِهمْ، إلَّا مَا يُنْقَضُ مِن حُكْمِ غيرِه)

إذا نَصَب أهْلُ البَغْي قاضِيًا يَصْلُحُ للقَضاءِ، فهو كقاضِي أهْلِ العَدْلِ، (يَنْفُذُ مِن أحْكامِه ما يَنْفُذُ مِن أحكامِ قاضِي أهْلِ العَدْلِ) 1288، ويُرَدُّ منه ما يُرَدُّ.
فإن كان 1289 ممَّن يَسْتَحِلُّ دِماءَ أهلِ العَدْلِ12861287

الحديث: 4571 - الجزء: 27 - الصفحة: 92

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأمْوالهم، لم يَجُزْ قَضاؤُه، لأنَّه ليس بعَدْلٍ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ قَضاؤُه بحالٍ، لأنَّ أهْلَ البَغْي يُفَسَّقُونَ بِبَغْيِهم، والفِسْقُ يُنافِي القَضاءَ.
ولَنا، أنَّه اخْتِلافٌ في الفُروعِ بتَأْويلٍ سائغٍ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ القَضاءِ، ولم يُفَسَّقْ به، كاخْتِلافِ الفقَهاءِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا حَكَم بما لا يُخالِفُ نَصًّا ولا إجْماعًا، نَفَذ حُكْمُه، وإن خالفَ ذلك، نُقِضَ حُكْمُه، كقاضي أهْلِ العَدْلِ.
فإن حَكَم بسُقُوطِ الضَّمانِ على أهْلِ البَغْي فيما أتْلَفُوه حال الحَرْبِ، جازَ حُكْمُه؛ لأنَّه مَوْضِعُ اجْتِهادٍ.
وإن كان حُكْمُه فيما أتْلَفُوه قبلَ قيامِ الحَرْبِ، لم يَنْفُذْ؛ لأنَّه مُخالِفٌ للإِجْماعِ.
وإن حَكَم على أهْلِ العَدْلِ بوُجُوبِ الضَّمانِ فيما أتْلَفُوه حال الحَرْبِ، لم يَنْفُذْ حُكْمُهُ؛ لمخَالفَتِه الإِجْماعَ.
وإن حَكَم بوُجُوبِ ضَمانِ ما أتْلَفُوه في غيرِ حالِ الحربِ، نَفَذ حُكْمُه.
وإن كَتَب قاضِيهِم إلى قاضِي أهْلِ العَدْلِ، جازَ قَبُولُ كتابِه؛ لأنَّه قاضٍ ثابِتُ القَضايا، نافِذُ الأحْكامِ.
والأوْلَى أنَّه لا يَقْبَلُه، كَسْرًا لقُلُوبِهم.

الجزء: 27 - الصفحة: 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال أصحابُ الرَّأْي: لا يجوزُ.
وقد سَبَق الكَلامُ في هذا.
فأمَّا الخَوارِجُ إذا وَلَّوا قَاضِيًا، لم يَجُزْ قَضاوه؛ لأنَّ أقَلَّ أحْوالِهم الفِسْقُ، وهو يَمْنَعُ القَضاءَ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ قَضاؤُه، وتَنْفُذ أحْكامُه؛ لأنَّ هذا ممَّا يَتَطاوَلُ، وفي القَضاءِ بفَسادِ قَضاياه وعقودِه الأنْكِحَةَ وغيرَها ضَرَرٌ كثيرٌ، فجازَ دَفْعًا للضَّرَرِ، كما لو أقامَ الحُدُود، وأخَذَ الجِزْيَةَ والخَراجَ والزَّكاةَ.
فصل: وإنِ ارْتَكَبَ أهْلُ البَغْي في حالِ امْتِناعِهم ما يُوجِبُ الحَدَّ، ثم قُدِرَ عليهم، أُقِيمَتْ فيهم حُدُودُ الله تعالى، ولا تَسْقُطُ باخْتِلافِ الدَّارِ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا امْتَنَعُوا بدَارٍ، لم يَجِبِ الحَدُّ على أحَدٍ منهم، ولا على مَن تاجَرَ أو أُسِرَ؛ لأنَّهم خارِجُون عن دارِ الإِمامِ، فأشْبَهُوا مَن في دارِ الحَرْبِ.
ولَنا، عمُومُ الآياتِ والأخْبارِ؛ ولأنَّ كَلَّ مَوْضِع تَجِبُ فيه العِبادَاتُ في أوقاتِها، تجبُ الحُدُودُ فيه عندَ وُجُودِ أسْبابِها، كدارِ أهلِ العَدْلِ؛ ولأنَّه زَانٍ أو سارِقٌ، ولا شُبْهَةَ في زِنَاهُ وسَرِقَتِه، فوَجَبَ عليه الحَدُّ، كالذي في دارِ العَدْلِ.
وهكذا نقولُ 1290 في مَن أتَى حَدًّا في دارِ الحَرْبِ، فإنَّه يجبُ عليه، لكنْ لا يُقامُ إلَّا في دارِ الإسْلامِ، على ما ذَكَرْناه في مَوْضِعِه.

الجزء: 27 - الصفحة: 94

وَإنِ اسْتَعَانُوا بِأهْلِ الذِّمَّةِ، فَأعَانُوهُمْ، انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، إلا أنْ يَدَّعُوا أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيهِمْ مَعُونَةُ مَنِ اسْتَعَانَ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ.

4573 - مسألة: (وإنِ اسْتَعَانُوا بأهْلِ الذِّمَّةِ، فأعانُوهُمْ، انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، إلَّا أن يَدَّعُوا أنَّهم ظَنُّوا أنَّه يَجِبُ عليهم مَعُونَةُ مَن اسْتَعَانَ بهم مِن المسلمين، ونحوَ ذلكَ، فَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ)

إذا اسْتعانَ البُغاةُ بأهلِ الذِّمَّةِ في قِتالِ أهلِ العَدْلِ، وقاتلُوا معهم، فقد ذَكَر أبو بكرٍ فيهم وَجْهَين؛ أحدُهما، يَنْتَقِضُ عَهْدُهم؛ لأنَّهم قاتَلُوا أهْلَ الحَقِّ، فانتَقَضَ عَهْدُهم، كما لو انْفَرَدُوا بقِتالِهمْ.
والثاني، لا يَنْتَقِضُ؛ لأنَّ أهلَ الذِّمَّةِ لا يَعْرِفونَ المُحِقَّ مِن المُبْطِلِ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً لهم.
وللشافعيِّ قَوْلان، كالوَجْهَين.
فإن قُلْنا: يَنْتَقِضُ عَهْدُهُم.
صارُوا كأهْلِ الحَرْبِ فيما نذْكُرُه.
وإن قُلْنا: لا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُم.
فحُكْمُهُم حُكْمُ أهْلِ البَغْي

الحديث: 4573 - الجزء: 27 - الصفحة: 95

وَيُغَرَّمُونَ مَا أَتْلَفُوهُ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ.
في قَتْل مُقْبلِهم، والكَفِّ عن أسِيرِهم، ومُدْبِرِهم وجَرِيحِهم.
وإن أكْرهَهُم البُغاةُ على مَعُونَتِهم، أو ادَّعَوا ذلك، قُبِلَ قولُهم 1291؛ لأنَّهم تحتَ أيدِيهم وقُدْرَتِهم.
وكذلك إن قالوا: ظَنَنَّا أنَّ مَن اسْتَعانَ بنا مِن المسلمين لَزِمَتْنَا مَعُونَتُه.
لأنَّ ما ادَّعَوه مُحْتَمَلٌ، فلا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُم مع الشُّبْهَةِ.
فصل: (ويُغَرَّمونَ ما أتْلَفُوه، مِن نَفْس ومالٍ) حال القِتالِ وغيره، بخِلافِ أهْلِ البَغْي، فإنَّهم لا يَضْمَنُونَ ما أتْلَفُوه حال الحَرْبِ؛ لأنهم أتْلَفُوه بتأويلٍ سائغٍ، وهؤلاءِ لا تأْويلَ لهم، ولأنَّ سُقوطَ الضَّمانِ عن

الجزء: 27 - الصفحة: 96

وَإنِ اسْتَعَانُوا بِأَهْلِ الْحَرْبِ وَأَمَّنُوهُمْ، لَمْ يَصِحَّ أَمَانُهُم، وَأُبِيحَ قَتْلُهُمْ.
المسلمين كيلا يُؤَدِّيَ إلى تَنْفِيرِهم عن الرُّجُوعِ إلى الطَّاعةِ، وأهلُ الذِّمَّةِ لا حاجةَ بنا إلى ذلك فيهم.

4574 -

مسألة: (وإنِ اسْتَعَانُوا بأهلِ الحَرْبِ وأمَّنُوهُمْ، لم يَصِحَّ أمانُهُم، وأُبِيحَ قَتْلُهم)

إذا اسْتَعانَ أهْلُ البَغي بالكُفَّارِ، لم يَخْلُ مِن ثلاثةِ أصْنافٍ؛ أحدُها، أهلُ الذِّمَّةِ.
وقد ذَكَرْنا حُكْمَهم.
الثاني، أهلُ الحَرْبِ، فإذا اسْتَعانُوا بهم، وأمَّنُوهم، أو 1292 عَقَدُوا لهم ذِمَّةً، لم يَصِحَّ واحدٌ منهما؛ لأنَّ الأمانَ مِن شَرْطِ صِحَّتِه الْتِزامُ كَفِّهم عن المسلمين،

الحديث: 4574 - الجزء: 27 - الصفحة: 97

وَإنْ أظْهَرَ قَوْمٌ رَأيَ الْخوَارِجِ، وَلَمْ يَجْتَمِعُوا لِحَرْبٍ، لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُمْ.
وهؤلاءِ يَشْتَرِطُونَ عليهم قِتال المسلمينَ، فلا يَصِحُّ.
ولأهلِ العَدْلِ قَتْلُهم، كمَن لم يُؤَمِّنُوه.
سَواءً.
وحُكْمُ أسِيرِهم حُكْمُ أسِيرِ سائرِ أهِلِ الحَرْبِ قبلَ الاسْتِعانةِ بهم، فأمَّا البُغاةُ، فلا يجوزُ لهم قَتْلُهم؛ لأنَّهم آمَنُوهم، فلا يجوزُ لهم الْغَدْرُ بهم.
الثالثُ، المُسْتَأْمِنُونَ، فمتى اسْتَعانُوا بهم فأعانُوهُم، نَقَضُوا عَهْدَهم، وصاروا كأهْلِ الحَرْبِ؛ لأنَّهم تَرَكُوا الشَّرْطَ، وهو كَفُّهم عن المسلمين، فإن فَعَلُوا ذلك مُكْرَهِين، لم يَنْتَقِضْ أمَانُهم؛ لأنَّ لهم عُذْرًا، وإنِ ادَّعَوا الإِكْرَاهَ، لم يُقْبَلْ قولُهم (1) إلَّا ببَيَّنَةٍ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه.
فإنِ ادَّعَوا أنَّهم ظَنُّوا أنَّه يجبُ عليهم مَعُونةُ مَن اسْتَعانَ بهم مِن المسلمين، انْتَقَضَ عَهْدُهم، ولم يَكُنْ ذلك عُذْرًا لهم، والفَرْقُ بينَهم وبينَ أهلِ الذِّمَّةِ، أنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ أقْوَى حُكْمًا؛ لأنَّ عَهْدَهم مُؤَبَّدٌ، ولا يجوزُ نَقْضُه بخَوْفِ الخِيانةِ منهم، ويَلْزَمُ الإِمامَ الدَّفْعُ عنهم، والمُسْتَأمِنُونَ بخِلافِ ذلك.

4575 -

مسألة: (وإن أظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الخَوارِجِ، ولَم يَجْتَمِعُوا لحربٍ، لم يُتَعَرَّضْ لهم)

مثلَ تكْفِيرِ مَن ارْتَكَبَ كبيرةً، وتَرْكِ الجماعةِ، واسْتِحْلالِ دِماءِ المسلمينَ وأمْوالِهم، إلَّا أنَّهم لم يَجْتَمِعُوا لحربٍ، ولم1293

الحديث: 4575 - الجزء: 27 - الصفحة: 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَخْرُجُوا عن قَبْضَةِ الإِمامِ، ولم يَسْفِكُوا الدَّمَ الحَرامَ، فحَكَى القاضِي عن أبي بكرٍ، أنَّه لا يَحِلُّ بذلك قَتْلُهم ولا قِتالُهم.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وجُمْهُورِ أهلِ الفِقْهِ.
رُوِيَ ذلك عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ.
فعلى هذا، حُكْمُهم في ضَمانِ النَّفْسِ [والمالِ حُكْمُ] 1294 المسلمين.

الجزء: 27 - الصفحة: 99

فَإِنْ سَبُّوا الإمَامَ عَزَّرَهُمْ.

4576 - مسألة: (فإن سَبُّوا الإِمامَ، عَزَّرَهُم)

وكذلكَ إن سَبُّوا غَيرَهُ مِن أهلِ العَدْلِ، لأنَّهم ارْتَكَبُوا مُحَرَّمًا لا حَدَّ فيه.
وإن عَرَّضُوا بالسَّبِّ 1295، فهل يُعَزَّرُونَ؟ على وَجْهَين.
وقال مالكٌ في الإِباضِيَّةِ، وسائرِ أهْلِ البِدَعِ: يُسْتَتابُونَ، فإن تابُوا، وإلَّا ضُرِبَتْ أعْناقُهُم.
قال إسماعيلُ بنُ إسْحاقَ: رَأَى مالكٌ قَتْلَ الخَوارِجِ وأهلِ القَدَرِ، مِن أجْلِ الفَسادِ الدَّاخلِ في الدِّينِ، كقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، فإن تابُوا، وإلَّا قُتِلُوا على إفْسادِهم، لا على كُفْرِهم.
وأمَّا مَن رَأَى تَكْفِيرَهم، فمُقتَضَى قولِه، أنَّهم يُسْتَتابُونَ، فإن تابُوا، وإلَّا قُتِلُوا لكُفْرِهم، يُقتَلُ المُرْتَدُّ، وحُجَّتُهم قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -[«فَأينَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ» 1296. وقولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: «لَئِنْ أدْرَكْتُهُمْ لأقتُلَنَّهُمْ قَتلَ عَادٍ» 1297. وقولُه - عليه السلام -] 1298 في الذي أنْكَرَ عليه، وقال: إنَّها قِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بها

الحديث: 4576 - الجزء: 27 - الصفحة: 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَجْهُ اللهِ.
لأبي بكرِ: «اذْهَبْ فَاقْتُلْه».
ثم قال لعمرَ مثلَ ذلك 1299، فأمَرَ بقَتْلِه قبلَ قِتالِه.
وهو الذي قال: «يَخْرُجُ مِن ضِئْضِئِ 1300 هَذَا قَوْمٌ» 1301. يعْني الخَوارِجَ.
وقولُ عمرَ لصَبِيغٍ: لو وَجَدْتُكَ مَحْلُوقًا، لَضَرَبْتُ الذي فيه عَيناكَ بالسَّيفِ 1302. يَعْني لقَتَلْتُكَ.
وإنَّما يَقْتُلُه لكَوْنِه مِن الخَوارِجِ؛

الجزء: 27 - الصفحة: 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «سِيمَاهُمُ التَّسْبِيدُ» 1303. يعْني حَلْقَ رُءُوسِهِم.
واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بفِعْلِ عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، فرُوِيَ عنه، أنَّه كان يَخْطُبُ يومًا، فقال رجلٌ ببابِ المسجدِ: لا حُكْمَ إلَّا للهِ.
فقال عليٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ 1304 أُرِيدَ بها باطِلٌ.
ثم قال: لكم علينا ثلاثٌ؛ لا نَمْنَعُكُمْ مَساجِدَ اللهِ أن تَذْكُروا فيها اسمَ اللهِ، ولا نَمْنَعُكُم الْفَىْءَ ما دامَتْ أيدِيكم معنا، ولا نَبْدؤُكُمْ بقِتالٍ 1305. وروَى أبو تِحْيَى 1306، قال: صَلَّى عليٌّ، رَضِيَ اللهُ

الجزء: 27 - الصفحة: 102

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عنه، صلاةً، فناداهُ رجلٌ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ 1307. فأجابَه عليٌّ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ 1308. وكَتَب عديُّ 1309 بنُ أرْطاةَ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ: إنَّ الخوارجِ يسُبُّونَك.
فكَتَبَ إليه: إن سَبُّونِي فسُبُّوهم، أو اعْفُوا عنهم، وإن شهَرُوا السِّلاحَ فاشْهِرُوا عليهم 1310، وإنْ ضَرَبُوا فَاضْرِبُوا 1311 ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَتَعَرَّضْ للمنافقين الذين معه في المدينةِ، فلئلا 1312 يُتَعَرَّضَ لغيرِهم أوْلَى.
وقد رُوِيَ في خبرِ الخارِجِيِّ الذي أنْكَرَ

الجزء: 27 - الصفحة: 103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه، أنَّ خالدًا قال: يا رسولَ اللهِ، ألَا أضْرِبُ عُنُقَه؟ قال: «لَا، لعَلَّه يُصلِّي؟».
قال: رُبَّ مُصَلٍّ لا خيرَ فيه.
قال: «إِنِّي لَمْ أُومَرْ أنْ أُنَقِّبَ عَنْ قلُوبِ النَّاسِ» 1313.

الجزء: 27 - الصفحة: 104

وَإِنْ جَنَوْا جِنَايَةً، أوْ أتَوْا حَدًّا، أقامَهُ عَلَيهِمْ.

4577 - مسألة: (وإن جَنَوْا جنَايَةً، أو أتَوْا حَدًّا، أقامَه عليهم)

لأنَّ ابنَ مُلْجَمٍ جَرَح عليًّا، رَضِيَ اللهُ عنه فقال: أطْعِمُوه، واسْقُوه، واحْبِسُوه، فإن عِشْتُ فأنا وَلِيُّ دَمِي، أعْفُو إن شِئْتُ، وإن شِئْتُ اسْتَقَدْتُ، وإن مِتُّ فاقْتُلوه ولا تُمَثِّلُوا به 1314.

الحديث: 4577 - الجزء: 27 - الصفحة: 105

وَإنِ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ لِعَصَبِيَّةٍ، أوْ طَلَب رِيَاسَةٍ، فَهُمَا ظَالِمَتَانِ، وَتَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مَا أتْلَفَتْ عَلَى الأخْرَى.

4578 - مسألة: (وإنِ اقْتَتَلَتْ طائِفَتان لعَصَبِيَّةٍ، أو طَلَبِ رِياسَةٍ، فهما ظالِمَتَان، وتَضْمَنُ كلُّ واحِدَةٍ)

منهما (ما أتْلَفَتْ غلى الأخْرَى) لأنَّها أتْلَفَتْ نفْسًا مَعْصومةً، أو مالًا معصومًا، هذا إذا لم تَكُنْ واحدَةٌ منهما في طاعةِ الإِمامِ، فإن كانت إحْداهما في طاعةِ الإِمامِ، تُقاتِلُ بأَمْرِه، فهي مُحِقَّةٌ، وحُكمُ الأخْرَى حُكْمُ مَن يُقاتِلُ الإِمامَ، لأنَّهم يُقاتِلونَ مَن أذِنَ له الإِمامُ في قِتالِهم، فأشْبَهَ المُقاتِلَ لجَيشِ الإمامِ، فيكونُ حُكْمُهم حُكْمَ البُغاةِ.

الحديث: 4578 - الجزء: 27 - الصفحة: 106

بَابُ حُكْمِ الْمُرْتَدِّ

وَهُوَ الَّذِي يَكْفُرُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ.
فَمَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ، أَوْ جَحَدَ رُبُوبيَّتَهُ، أَوْ وَحْدَانِيَّتَهُ، أو صِفَةً مِنْ  بابُ حكمَ المُرْتَدِّ المُرْتَدُّ (هو الذي يَكْفُرُ بعدَ إسْلامِه) قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)﴾ (1). وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (2). وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على وُجُوبِ قَتْلِ المُرْتَدِّين.
رُوِيَ ذلك عن أبي بكرٍ، وعمرَ، وعُثمانَ، وعليٍّ، ومُعاذٍ، وأبي موسى، [وعبدِ الله] (3) بنِ عباسٍ، وخالدٍ، رَضِيَ اللهُ عنهم، وغيرهم، ولم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا.

4579 -

مسألة: (فَمَن أشْرَكَ باللهِ تَعالى، أو جَحَد رُبُوبِيته، أو

131513161317 الحديث: 4579 - الجزء: 27 - الصفحة: 107

صِفَاتِهِ، أو اتَّخَذَ للهِ صَاحِبَةً، أَوْ وَلَدًا، أَوْ جَحَدَ نَبِيًّا، أوْ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ الله تِعَالى، أَوْ شَيئًا مِنْهُ، أوْ سَبَّ اللهَ تعالى، أوْ رَسُولَهُ، كَفَرَ.
وَحْدَانِيَّتَهُ، أو صِفَةً مِن صِفَاتِه، أو اتَّخَذَ للهِ صاحِبَةً، أو وَلَدًا، أو جَحَد نَبيًّا، أو كِتابًا مِن كُتُبِ اللهِ، أو شيئًا منه، أو سَبَّ اللهَ) سُبْحَانَهُ و (تَعالى، أوَ رسولَهُ، كَفَر) وجملةُ ذلك، أنَّ المُرْتَدَّ هو الرَّاجِعُ عن دينِ الإِسلامِ إلى الكُفْرِ، فمَن أقَرَّ بالإِسْلامِ، ثم أنْكَرَه وأنْكَرَ الشَّهَادَتَين، أو إحْدَاهما، كَفَر بغيرِ خِلافٍ.

الجزء: 27 - الصفحة: 108

وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ أوْ شَيئًا مِنْهَا، أوْ أَحَلَّ الزِّنَى، أَو الْخَمْرَ، أو شَيئًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيهَا لِجَهْلٍ، عُرِّفَ ذَلِكَ، وَإنْ كَانَ مِمَّن لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ، كَفَرَ.

4580 - مسألة: (فإن جَحَد وُجُوبَ العِبادَاتِ الخَمْسِ، أو شَيئًا منها، أو أحَلَّ الزِّنَى، أو الخَمْرَ، أو شَيئًا مِن المُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ المُجْمَعِ)

على تَحْرِيمِها (لجَهْلٍ، عُرِّفَ ذلِكَ، فإن كان مِمَّن لا يَجْهَلُ

الحديث: 4580 - الجزء: 27 - الصفحة: 109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك، كَفَر) وجملةُ ذلك، أنَّه قد مَضَى شَرْحُ حُكمِ جاحِدِ 1318 وُجُوبِ الصلاةِ وغيرِها مِن العِباداتِ الخَمْسِ في كِتابِ الصلاةِ، ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في كُفْرِ مَن تَرَك الصلاةَ جاحِدًا لوُجُوبِها، إذا كان مِمَّن لا يَجْهَلُ مثلُه ذلك، فإن كان مِمَّن لا يَعْرِفُ الوُجُوبَ، كحديثِ الإِسْلامِ، والنَّاشِئ بغيرِ دارِ الإسْلامِ، أو بادِيَةٍ بعيدةٍ عن الأمْصارِ، وأهْلِ العلمِ، لم يُحْكَمْ بكُفْرِه، وعُرِّفَ ذلك، وثَبَتَتْ له أدِلَّةُ وُجُوبِها، فإن جَحَدَها بعدَ ذلك كَفَر.
وأمَّا إذا كان الجاحِدُ لها ناشِئًا بينَ المُسْلِمِينَ في الأَمْصارِ، بينَ أهلِ العلمِ، فإنَّه يَكْفُرُ بمُجرَّدِ جَحْدِها، وكذلك الحكْمُ في مباني الإِسْلامِ كُلِّها، وهي الزَّكاةُ، والصِّيامُ، والحَجُّ، لأنَّها مباني الإِسْلامٍ، وأدِلَّةُ وجُوبِهَا لا تَكادُ تَخْفَى إذ كان الكتابُ والسُّنَّةُ مَشْحُونين بأدِلَّتِها 1319، والإِجْماعُ مُنْعَقِدٌ عليها، فلا يَجْحَدُها إلَّا مُعانِدٌ للاسْلامِ، مُمْتَنِعٌ مِن الْتِزامِ الأحْكامِ، غيرُ قابلٍ لكتابِ اللهِ تعالى وسُنَّةِ رسولِه، وإجْماعِ الأمَّةِ.
وكذلك مَن اعْتَقَدَ حِلَّ شيءٍ أجْمَعَ المسلمونَ على تَحْرِيمِه، وظَهَرَ حُكْمُه بينَ المسلمينَ، وزَالتِ الشُّبْهَةُ فيه للنُّصوصِ الوارِدَةِ فيه، كلَحْمِ الخِنْزيرِ، والزَّنَى، والخَمْرِ، وأشْباهِ هذا ممَّا لا خِلافَ فيه، كَفَر إذا كان قد نَشَأ بينَ المسلمينَ، وهو ممَّن لا يَجْهَلُ مثلُه ذلك، وقد ذَكَرْناه في تاركِ الصلاةِ.

الجزء: 27 - الصفحة: 110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومَن سَبَّ اللهَ تعالى أو رسولَه، كَفَر، سَواءٌ كان جادًّا أو مازِحًا، وكذلك مَن اسْتَهْزَأ باللهِ سُبحانَه وتعالى، أو بآياتِه أو برُسُلِه أو كُتُبه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ 1320. ويَنْبَغِي أن لا يُكْتَفَى مِن الهازِئِ بذلك بمُجَرَّدِ الإِسْلامِ حتى يُؤَدَّبَ أدَبًا يَزْجُرُه عن ذلك؛ لأنَّه إذا لم يُكْتَفَ ممَّن سِبَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالتَّوْبةِ، فهذا أوْلَى.
فصل: فإنِ اسْتَحَلَّ قتلَ المَعْصُومِين، وأخْذَ أمْوالِهم، بغيرِ شُبْهَةٍ ولا تأْويلٍ، كَفَر؛ لِما ذَكَرْنا، وإن كان بتأويلٍ، كالخَوارِجِ، فقد ذَكَرْنا أنَّ كثيرًا مِن العُلَماءِ لم يَحْكُموا بكُفْرِهم مع اسْتِحْلالِهم دِماءَ المسلمِين وأمْوالهم، وفِعْلِهم ذلك مُتَقَرِّبِين به إلى اللهِ تعالى، وكذلك لم يُحْكَمْ بكُفْرِ ابنِ مُلْجَم مع قَتْلِه أفضلَ الخَلْقِ في زمنِه، ولا يَكْفُرُ المادِحُ له على ذلك أيضًا، المُتَمَنِّي مثلَ فِعْلِه، وهو عِمْرانُ بنُ حِطَّانَ، قال يَمْدَحُه لقَتْلَ عليٍّ 1321: يا ضَرْبةً مِن تَقِيٍّ ما أرادَ بها … إلَّا لِيَبْلُغَ [مِن ذي العَرْشِ] 1322 رِضوانًا إنِّي لأذْكُرُه يومًا فأحْسَبُه … أوْفَى البَرِيَّةِ عندَ اللهِ مِيزَانًا

الجزء: 27 - الصفحة: 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد عُرِفَ مِن مذهبِ الخَوارجِ تَكْفِيرُ كثيرٍ مِن الصحابةِ، ومَن بعدَهم، واستِحْلالُ دِمائِهم وأمْوالِهم، واعتِقادُهم التَّقَرُّبَ إلى رَبِّهم بقَتْلِهم، ومع هذا لم يَحْكُمْ أكثرُ الفُقَهاءِ بِكُفْرِهم؛ لتأْويلهم.
وكذلك يُخَرَّجُ في كُلِّ مُحَرَّم اسْتُحِلَّ بتَأْويلٍ مِثلِ هذا.
فقد رُوِيَ أنَّ قُدامَةَ بنَ مَظْعُونٍ شَرِب الخَمْرَ مُسْتَحِلًّا، [فأقامَ عمرُ عليه الحَدَّ، ولم يُكَفِّرْه.
وكذلك أبو جَنْدَلِ بنُ سُهَيل، وجماعةٌ، شَرِبُوا الخَمْرَ بالشَّامِ مُسْتَحِلِّينَ] 1323 لها، مُسْتَدِلِّين بقولِ اللهِ تعالى: ﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ 1324 الآية 1325. فلم يُكَفَّرُوا، وعُرِّفُوا تَحْريمَها، فتابُوا، وأُقِيمَ عليهم 1326 الحَدُّ 1327 فيُخَرَّجُ في مَن كان مثلَهم مثلُ حُكْمِهم.
وكذلك كُلُّ جاهلٍ بشيءٍ يُمْكِنُ أن يَجْهَلَه، لا يُحْكَمُ بكُفْرِه حتى يَعْرِفَ ذلك، وتَزُولَ عَنه الشُّبْهَةُ، ويَسْتَحِلَّه بعدَ ذلك.
وقد قال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: مَن قال: الخمرُ حَلالٌ.
فهو كافرٌ يُسْتَتَابُ، فإن تابَ، وإلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُه.
وهذا مَحْمُولٌ على مَن لا يَخْفَى على مثلِه تحْريمُه؛ لِما ذَكَرْنا.
فأمَّا إن أكَلَ لحمَ الخِنْزيرِ، أو مَيتَةً، أو شَرِب خَمْرًا، لم يُحْكَمْ برِدَّتِه بمُجَرَّدِ ذلك، سَواءٌ فَعَلَه في دارِ الحربِ أو دارِ الإِسْلامِ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ فَعَلَه مُعْتَقِدًا تَحْريمَه، يفعلُ غيرَ

الجزء: 27 - الصفحة: 112

وَإنْ تَرَكَ شَيئًا مِنَ الْعِبَادَاتِ الخَمْسِ تَهَاوُنًا، لَمْ يَكْفُرْ.
وَعَنْهُ،  ذلك مِن المُحَرَّماتِ.
فصل: والإِسلامُ شهادةُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، وإقامُ الصَّلَواتِ الخمسِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وصومُ رمضانَ، وحَجُّ البيتِ، فمَن أقَرَّ بهذا فهو مسلمٌ وتَجْرِي عليه أحكامُ الإِسلامِ، ومَن أنْكَرَ هذا أو شيئًا منه كَفَر، لأنَّ الإِقْرارَ بالجميعِ واجبٌ بالاتِّفاقِ، ولا يكونُ مسلمًا إلَّا بذلك، فَمن أنْكرَ ذلك (1) لم يَكُنْ مسلمًا، ومَن أنكرَ البعضَ، كان كمَن أنكرَ الجميعَ، لأنَّه إذا أنكرَ البعضَ كان البعضُ الآخرُ كالمعْدومِ، والدليلُ على ذلك أنَّ مَن تَرَك رُكْنًا مِن أركانِ الصلاةِ عامدًا، بَطَلَتْ، وكان وجودُ باقي الأركانِ كالمعدومِ، ولهذا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للمسئِ في صلاتِه: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» (2). فجَعَلَ وجودَ صلاتِه كعدمِها حيثُ تَرَك بعضَ أركانِها.
وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ (3). وإنَّما كَذَّبُوا نوحًا وحدَه، فكان تكذيبُهم إياه كتَكْذِيبِهم جميعَ المرسلِين.
وعلى هذا لو جَحَد حُكْمًا مِن أحكامِ الإِسلامِ مُجْمَعًا عليه، كان كمَن جَحَدَه جميعَه.

4581 -

مسألة: (ومَن ترَك شَيئًا مِن العِباداتِ الخَمْسِ تَهاوُنًا،

132813291330 الحديث: 4581 - الجزء: 27 - الصفحة: 113

يَكْفُرُ إلا الْحَجَّ لَا يَكْفُرُ بِتَأْخِيرِهِ بِحَالٍ.
فَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلَامِ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ،  لم يَكْفُرْ.
وعنه، يَكْفُرُ) وقد ذَكَرْنا تَوْجِيهَ الرِّوايَتَين في بابِ مَن ترَك الصلاةَ.
فأمَّا (الحَجُّ، فلا يَكْفُرُ بتَأْخِيرِه بحالٍ) لأنَّ في وَجُوبِه على الفَوْرِ خِلافًا بينَ العلماءِ، على ما ذُكِر في مَوْضِعِه.

4582 -

مسألة: (ومَن ارْتَدَّ عن الإِسلامِ مِن الرِّجالِ والنِّساءِ،

الحديث: 4582 - الجزء: 27 - الصفحة: 114

دُعِيَ إِلَيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَضُيِّقَ عَلَيهِ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ، قُتِلَ.
وهو بالِغٌ عاقِلٌ، دُعِيَ إليه ثَلاثَةَ أيَّامٍ، وضُيِّقَ عليه، فإن لم يتُبْ قُتِلَ) الكلامُ في هذه المسألةِ في خمسةِ فُصولٍ، أحدُها: أنَّه لا فَرْقَ بينَ الرِّجال والنِّساءِ في وُجوبِ القتلِ.
رُوِيَ ذلك عن أبي بكرٍ، وعليٍّ 1331، رَضِيَ اللهُ عنهما.
وبه قال الحسنُ، والزُّهْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ، ومَكْحُولٌ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ.
ورُوِيَ عن عليٍّ، والحسنِ، وقَتادَةَ، أنَّها تُسْتَرَقُّ ولا تُقْتَل؛ لأنَّ أبا بكرٍ اسْتَرَقَّ نِساءَ بني حنيفةَ، وذَرَارِيَّهم، وأعْطَى عليًّا امرأةً منهم، فوَلَدَت له محمدَ بنَ الحَنَفِيَّةِ 1332، وكان 1333 هذا بمَحْضَرٍ من الصحابةِ، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا.
وقال أبو حنيفةَ: تُجْبَرُ على الإسْلامِ بالحَبْسِ والضَّرْبِ، ولا تُقتَلُ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَقْتُلُوا امْرَأَةً» 1334. ولأنَّها لا تُقْتَلُ بالكُفْرِ الأصْلِيِّ، فلا تُقْتَلُ بالطَّارِئ، كالصَّبِيِّ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».

الجزء: 27 - الصفحة: 115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَواه البخاريُّ، وأبو داودَ 1335. وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِم إلَّا بإحْدَى ثَلَاثٍ؛ الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِيِنِهِ المُفَارِقُ للْجَمَاعَةِ».
مُتَّفَقٌ عليه 1336. وروَى الدَّارَقُطْنِيُّ 1337، أنَّ امرأةً يُقالُ لها: أُمُّ مَرْوانَ، ارْتَدَّتْ عن الإِسْلامِ، فبَلَغَ امْرُها إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. فأمَرَ أن تُسْتَتابَ، فإن تابَتْ، وإلَّا قُتِلَتْ.
ولأنَّها شَخْصٌ مُكَلَّفٌ بَدَّلَ دِينَ الحَقِّ بالباطلِ، فتُقْتَلُ كالرجُلِ.
وأمَّا نَهْيُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن قَتْلِ المرأةِ، فالمُرادُ به الأصلِيَّةُ، فإنَّه 1338 قال ذلك حينَ رَأى امرأةً مَقْتُولَةً، وكانت كافِرَةً أصْلِيَّةً، وكذلك نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الذين بَعَثَهم إلى ابنِ أبي الحُقَيقِ 1339 عن قتلِ النِّساءِ 1340، ولم يَكُنْ فيهم مُرْتَدٌّ.
ويُخالِفُ الكُفْرُ الأصْلِيُّ الطارِئَ، بدليلِ أنَّ الرَّجُلَ يُقَرُّ عليه، ولا يُقْتَلُ الشُّيوخُ، ولا المَكافِيفُ، ولا تُجْبَرُ المرأةُ على تَرْكِه بضَرْبٍ ولا حَبْسٍ، والكُفْرُ

الجزء: 27 - الصفحة: 116

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الطارئُ 1341 بخِلافِه، والصَّبِيُّ غيرُ مُكَلَّفٍ، بخِلافِ المرأةِ.
وأمَّا بنو حنيفةَ، فلم يَثْبُتْ أنَّ مَن اسْتُرِقَّ منهم تَقَدَّمَ له إسْلامٌ، ولم يَكُنْ بنو حنيفةَ أسْلَمُوا كلُّهم، وإنَّما أسْلَمَ بعضُهم، والظَّاهِرُ أنَّ الذين أسْلَمُوا كانوا رِجالًا، فمنهم مَن ثَبَت على إسْلامِه، منهم ثُمامةُ بنُ أُثالٍ، ومنهم مَن ارْتَدَّ، منهم الدَّجَّالُ الحَنَفِيُّ.
الفصلُ الثاني: أنَّ الرِّدَّةَ لا تَصِحُّ إلَّا من عاقلٍ، فأمَّا الطِّفْلُ الذي لا يَعْقِلُ، والمجْنونُ، ومَن زال عَقْلُه بنَوْمٍ، أو إغْماءٍ، أو شُرْبِ دَواءٍ مُباحٍ شُرْبُه، فلا تَصِحُّ رِدَّتُه، ولا حُكْمَ لكَلامِه، بغيرِ خِلافٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 1342: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ، على أنَّ المجنونَ إذا ارْتَدَّ في حالِ جُنونِه، أنَّه 1343 مسلمٌ على ما كان عليه قبلَ ذلك، ولو قَتَلَه قاتِلٌ عَمْدًا، كان عليه القَوَدُ، إذا طَلَب أوْلِياؤُه.
وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ».
أخْرَجَه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 1344، وقال: حديثٌ حسنٌ.
ولأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فلم يُؤاخَذْ بكَلامِه، كما لم يُؤاخَذْ به في إقرارِه، ولا طَلاقِه، ولا عَتاقِه.
وأمَّا السَّكْرانُ، والصَّبِيُّ العاقلُ، فيُذْكَرُ حُكْمُهُمَا فيما بعدُ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
الفصلُ الثالثُ: أنَّه لا يُقْتَلُ حتى يُسْتَتابَ ثلاثًا.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ

الجزء: 27 - الصفحة: 117

وَعَنْهُ، لَا تَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ، بَلْ تُسْتَحَبُّ، وَيَجُوزُ قَتْلُهُ في الْحَالِ.
العلمِ؛ منهم عمرُ وعليٌّ 1345 وعَطاءٌ، والنَّخَعِيّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي.
وهذا أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وعن أحمدَ، رِوايةٌ أُخْرَى 1346 (لا تجبُ اسْتِتَابَتُه، بل تُسْتَحَبُّ) وهو القولُ الثاني للشافعيِّ.
وبه قال عُبَيدُ بنُ عُمَيرٍ، وطاوُسٌ.
ويُرْوَى ذلك (1) عن الحسنِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».
ولم يَذْكُرِ اسْتِتابَةً.
ورُوِيَ أنَّ مُعاذًا قَدِمَ على أبي موسى، فوَجَدَ عندَه رجلًا مُوثَقًا، فقال: ما هذا؟ قال: رجل كان يَهُودِيًّا فأسْلَمَ، ثم راجَعَ دِينَه دينَ السَّوْءِ فتَهَوَّد.
فقال: لا أجْلِسُ حتى يُقْتَلَ، قَضاءُ اللهِ ورسولِه 1347. ثلاثَ مَرَّاتٍ، [فأمَرَ به] 1348 فقُتِلَ.
مُتَّفَق عليه 1349. ولم يَذْكُرِ اسْتِتابَةً؛

الجزء: 27 - الصفحة: 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّه يُقْتَلُ لكُفْرِه، فلم تَجِبِ اسْتِتابَتُه كالأصْلِيِّ، ولأنَّه لو قُتِلَ قبلَ الاسْتِتابَةِ، لم يُضْمَنْ، ولو حَرُمَ قَتْلُه قبلَه 1350 ضُمِنَ.
وقال عطاءٌ: إن كان مسلمًا أصْلِيًّا، لم يُسْتَتَبْ، وإن كان أسْلَمَ ثمَّ ارْتَدَّ اسْتُتِيبَ.
ولَنا، حديثُ أُمِّ مَرْوانَ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أن تُسْتَتابَ.
وروَى مالكٌ، في «المُوطَّأ» 1351 عن عبدِ الرحمنِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدٍ القارِيِّ، عن أبِيه، أنَّه قَدِمَ على عمرَ رجلٌ من قِبَلِ أبي موسى، فقال له عمرُ: هل كان مِن مُغَرِّبةِ خَبَرٍ 1352؟ قال: نعم، رجلٌ كَفَر بعدَ إسْلامِه.
فقال: ما فَعَلْتُم به؟ قال: قَرَّبْناه، فَضَرَبْنا عُنُقَه.
فقال عمرُ: فَهَلَّا حَبَسْتُمُوه ثلاثًا، فأطْعَمْتُمُوه كلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا، واسْتَتَبْتُمُوه، لعلَّه يَتُوبُ، أو 1353 يُرَاجِعُ أمْرَ اللهِ؟ اللَّهُمَّ إنِّي 1354 لم أحْضُرْ، ولم آمُرْ، ولم أرْضَ إذْ بَلَغَنِي.
ولو لم تَجِبِ اسْتِتابَتُه لَمَا بَرِئَ من فِعْلِهم.
ولأنَّه أمْكَنَ اسْتِصْلاحُه، فلم يَجُزْ إتْلافُه قبلَ اسْتِصْلاحِه، كالثَّوْبِ النَّجِسِ.
وأمَّا الأمْرُ بقَتْلِه، فالمُرادُ

الجزء: 27 - الصفحة: 119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  به بعدَ الاسْتِتابَةِ، بدَليلِ ما ذَكَرْناه.
وأمَّا حديثُ مُعاذٍ فإنَّه قد جاءَ فيه: وكان قد اسْتُتِيبَ 1355. ويُرْوَى أنَّ أبا موسى اسْتَتابَه شَهْرَين قَبْلَ قُدومِ مُعاذٍ عليه، وفي رِوايةٍ: فدَعاهُ عِشْرِينَ لَيلَةً أو قَرِيبًا من ذلك، فجاءَ مُعاذٌ، فدَعاه فأبَى، فضُرِبَتْ عُنُقُه.
رواهنَّ أبو داودَ (1). ولا يَلْزَمُ من تحْريم القَتْلِ وُجُوبُ الضَّمانِ، بدليلِ نِساءِ أهلِ الحَرْبِ وصِبْيانِهِم.
إذا ثَبَت وُجُوبُ الاسْتِتابَةِ، فمُدَّتُها ثلاثةُ أيَّامٍ.
رُوِيَ ذلك عن عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه.
وبه قال مالكٌ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْي.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وقال في الآخَرِ: إن تابَ [في الحال] 1356 وإلَّا قُتِلَ مَكانَه.
وهذا أصَحُّ قَوْلَيه.
وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ؛ لحَدِيثِ أُمِّ مَرْوانَ [ومُعاذٍ] (2)؛ لأنَّه مُصِرٌّ على كُفْرِه، أشْبَهَ بعدَ الثَّلاثِ، وقال الزُّهْرِيُّ: يُدْعَى ثلاثَ مَرَّاتٍ، فإن أبي، ضُرِبَتْ عُنُقُه.
وهذا يُشْبِهُ قَوْلَ الشافعيِّ.
وقال النَّخَعِيُّ: يُسْتَتابُ أبَدًا.
وهذا يُفْضِي إلى أنَّه لا يُقْتَلُ أَبدًا، وهو مُخالِفٌ للسُّنَّةِ والإِجْماعِ.
وعن عليٍّ، أنَّه استتاب رجلًا شَهْرًا 1357. ولَنا، حديثُ

الجزء: 27 - الصفحة: 120

وَيُقْتَلُ بِالسَّيفِ  عمرَ (1)، ولأنَّ الرِّدَّةَ إنَّما تكونُ لشُبْهَةٍ، ولا تَزُولُ في الحالِ، فوَجَبَ أن يُنْظَرَ مُدَّةً يَرْتَئِي فيها، وأَوْلَى (2) ذلك ثلاثة أَيَّامٍ؛ للأَثَرِ فيها، وأنَّها مُدَّةٌ قَرِيبَةٌ.
ويَنْبَغِي أن يُضيَّقَ عليه في مُدَّةِ الاسْتِتابَةِ، ويُحْبَسَ؛ لقولِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عنه: هَلَّا حَبَسْتُمُوه، وأطْعَمْتُموهُ كلَّ يومٍ رَغِيفًا.
ويُكَرِّرَ دِعايتَه، لَعَلَّهُ يَنْعَطِفُ قَلْبُه، فيُرَاجِعَ دِينَه.
الفصلُ الرابعُ: إن لم يَتُبْ قُتِلَ؛ لِما قَدَّمْنا ذِكْرَه.
وهو قولُ عامَّةِ الفُقَهاءِ.

4583 -

مسألة: (ويُقْتَلُ بالسَّيفِ)

لأنَّه آلةُ القَتْلِ ولا يُحْرَقُ بالنَّارِ.
ورُوِيَ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه أمَرَ بتَحْرِيقِ المُرْتَدِّينَ 1360، وفعَلَ ذلك بهم خالِدٌ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لقَوْلِ النبِّي - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَلَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ».
يَعْنِي النَّارَ، أخْرَجَه البخارِيُّ 1361. وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: «إنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، فإِذَا قَتَلْتُمْ فَأحْسِنُوا القِتْلَةَ» 1362. الفصلُ الخامسُ: أنَّ مَفْهُومَ كلامِ المُصَنِّفِ، رَحِمَه اللهُ، في هذه المسألةِ، إذا تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُه، وسَنَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ تعالى.13581359

الحديث: 4583 - الجزء: 27 - الصفحة: 121

وَلَا يَقْتُلُهُ إلَّا الإمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، فَإنْ قَتَلَهُ غَيرُهُ بِغَيرِ إِذْنِهِ، أسَاءَ، وَعُزِّرَ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيهِ، سَواءٌ قَتَلَهُ قَبْلَ الْاسْتِتَابَةِ أوْ بَعْدَهَا.

4584 - مسألة: (ولا يَقْتُلُه إلَّا الإمامُ أو نائِبُه)

حُرًّا كان المُرْتَدُّ أو عَبْدًا.
وهذا قولُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، إلَّا الشافعيَّ، في أحَدِ الوَجْهَين في العَبْدِ، أنَّ لسَيِّدِه قَتلَه.
وعن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّ لَه قَتْلَه في الرِّدَّةِ، وقَطْعَه في السَّرِقَةِ؟ لقولِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ» (1). ولأنَّ حَفْصَةَ قَتَلَتْ جَارِيَةً سَحَرَتْها (2)، وابنَ عمرَ قَطَع عَبْدًا سَرَق (3). ولأنَّه حَدٌّ للهِ تعالى، فَمَلَك السَّيِّدُ إقَامَتَه، كحَدِّ الزَّانِي.
ولَنا، أنَّه قَتْل لحَقِّ اللهِ تعالى، فكان إلى الإِمامِ، كقَتْلِ الحُرِّ، فأمَّا قولُه: «أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ».
فلا يَتَناوَلُ القَتْلَ في الرِّدَّةِ، فإنَّه قَتْلٌ لكُفْرِه، لا حَدَّا في حَقِّه.
وأمَّا خبَرُ حَفْصَةَ، رضي اللهُ عنهِا، فإنَّ عُثمانَ، رضي اللهُ عنه، تَغَيَّظَ عليها، وشَقَّ عليه (4). فأمَّا الجَلْدُ في الزِّنى، فإنَّه تَأْدِيبُ عَبْدِهِ، بخِلافِ القَتْلِ، وقد ذَكَرْنا.
ذلك في كتابِ (5) الحُدُودِ.
4585 -

مسألة: (فإن قَتَلَه غيرُه بغيرِ إذْنِه، أسَاءَ، وعُزِّرَ)

13631364136513661367 الحديث: 4584 - الجزء: 27 - الصفحة: 122

وَإنْ عَقَلَ الصَّبِيُّ الإسْلَامَ، صَحَّ إِسْلَامُهُ وَرِدَّتُهُ.
وَعَنْهُ، يَصِحُّ إِسْلَامُهُ دُونَ رِدَّتِهِ.
وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهُمَا حَتَّى يَبْلُغَ.
وَالْمَذْهَبُ الْأوَّلُ.
لإساءَتِه وافْتِيَاتِه على الإمامِ (ولا ضَمانَ عليه) لأنَّه مَحَلٌّ غيرُ مَعْصُومٍ، و (سَواءٌ قَتَلَه قبلَ الاسْتِتابَةِ أو بعدَها) لذلك.

4586 -

مسألة: (وإن عَقَل الصَّبِيّ الإِسْلامَ، صَحَّ إسْلامُه ورِدَّتُهُ. وعنه، يَصِحُّ إسْلامُهُ دُونَ رِدَّتِهِ. وعنه، لا يَصِحُّ شيءٌ منهما حَتَّى يَبْلُغَ. والمذهبُ الأوَّلُ)

يَصِحُّ إسْلامُ الصَّبِيِّ في الجملةِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، وإسحاقُ، وابنُ أبي شَيبَةَ، وأبو أيُّوبَ.
وقال الشافعيُّ، وزُفَرُ: لا يَصِحُّ إسْلامُه حتى يَبْلُغَ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثةٍ؛ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ» 1368. حديثٌ حسنٌ.
ولأنَّه قَوْلٌ تَثْبُتُ به الأحْكامُ، فلم يَصِحَّ مِن الصَّبِيِّ، كالهِبَةِ والعِتْقِ، ولأنَّه أحَدُ مَن رُفِعَ عنه القَلَمُ، فلم يَصِحَّ إسْلامُه، كالنَّائِمِ والمَجْنُونِ، ولأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، أشْبَهَ الطِّفْلَ.
ولَنا، عُمُومُ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «مَنْ قَال: لَا الهَ إلَّا اللهُ.
دَخَلَ الجَنَّةَ» 1369. وقولِه: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا:

الحديث: 4586 - الجزء: 27 - الصفحة: 123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لَا إلهَ إلَّا اللهُ، فإذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ إلَّا بحَقِّهَا، وحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» 1370. وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ، فَأبوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، ويُنَصِّرَانِه، حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ، إمَّا شَاكِرًا وَإمَّا كَفُورًا» 1371. وهذه الأخْبارُ يَدْخُلُ في عُمُومِها الصَّبِيُّ، ولأنَّ الإِسْلامَ عِبادَة مَحْضَة، فصَحَّتْ من الصَّبِيِّ العاقلِ، كالصلاةِ والحَجِّ، ولأنَّ اللهَ تعالى دَعا عبادَه إلى دارِ السَّلامِ 1372، وجَعَل طريقَها الإِسْلامَ، وجَعَل مَن لم يُجِبْ دَعْوتَه في الجحيمِ والعَذابِ الأليمِ، فلا يجوزُ مَنْعُ الصَّبِيِّ من إجابَةِ دَعْوَةِ اللهِ تعالى، مع إجابتِه إليها، وسُلوكِه طَرِيقَها، ولا إلْزامُه بعذاب اللهِ، والحكمُ عليه بالنَّارِ، وسَدُّ طريقِ النَّجاةِ عليه مع هَرَبِه منها، ولأنَّ ما ذَكَرناه إجْماعٌ، فإنَّ عليًّا، رَضِيَ اللهُ عنه، أسْلَم صَبِيًّا، وقال 1373: سَبَقْتُكُمُ إلى الإِسْلامِ طُرًّا … صَبيًّا ما بَلَغْتُ أوانَ حُلْمِي ولهذا قِيلَ: أوَّلُ مَن أسْلَمَ من الرِّجالِ أَبو بكرٍ، ومن الصِّبْيانِ عليٌّ،

الجزء: 27 - الصفحة: 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومن النِّساءِ خَدِيجَةُ، ومن العَبِيدِ بلالٌ 1374. وقال عُرْوَةُ: أسْلَمَ على والزُّبَيرُ، وهما ابنا ثمانِ سنينَ، وبايعَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ابنُ الزُّبَيرِ لسَبْعِ أو ثمانِ سِنِينَ، ولم يَرُدَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على أحَدٍ إسْلَامَه، من صَغِيرٍ أو 1375 كبيرٍ.
فأمَّا قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثةٍ».
فلا حُجَّةَ لهم فيه، فإنَّه يَقْتَضِي 1376 أنْ لا يُكْتَب عليه ذَنْبٌ، والإِسْلامُ يُكْتَبُ له لا عليه، ويَسْعَدُ به في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فهو كالصلاةِ تَصِحُّ منه وتُكْتَبُ له وإن لم تَجِبْ عليه، وكذلك غيرُها من العباداتِ المَحْضَةِ، فإن قِيلَ: فالإِسْلامُ يُوجِبُ عليه الزَّكاةَ [في مالِه، ونَفَقَةَ قَرِيبِه المُسْلِمِ، ويَحْرِمُه مِيرَاثَ قَرِيبِه الكَافِرِ، ويَفسَخُ نِكاحَه.
قُلْنا: أمَّا الزَّكاةُ] 1377 فإنَّها نَفعٌ؛ لأنَّها سَبَبُ الزِّيادَةِ والنَّماءِ، وتَحْصِينِ المالِ، والثَّوابِ، وأمَّا المِيراثُ والنَّفَقَةُ، فأمْرٌ مُتَوَهَّمٌ، وهو مَجْبُورٌ بمِيرَاثِه من أقارِبِه المسلمينَ، وسُقوطِ نَفَقَةِ أقارِبِه الكُفَّارِ، ثم إنَّ هذا الضَّرَرَ مَغْمُورٌ في جَنبِ ما يَحْصُلُ له من سعادةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وخَلاصِه من شَقاءِ الدَّارَين والخُلودِ في الجحيمِ فيُنَزَّلُ 1378 منْزِلَةَ الضَّرَرِ في أكْلِ القُوتِ، المُتضمِّنِ افَوْتَ ما يَأْكُلُه وكُلْفَةَ

الجزء: 27 - الصفحة: 125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَحْريكِ فِيه لمَّا كان بَقاؤُه به 1379 لم يُعَدَّ ضَرَرًا، والضَّرَرُ في مسألتِنا في جَنْبِ ما يَحْصُلُ من النَّفْعِ، أدْنَى من ذلك بكثيرٍ.
فصل: واشْتَرَطَ الخِرَقِيُّ لصِحَّةِ إسْلامِه، أن يكونَ له عشرُ سِنِينَ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بضَرْبِه على الصلاةِ لعَشْرٍ 1380. وأن يكونَ ممَّن يَعْقِلُ الإِسْلامَ.
ومعناه أن يَعْلَمَ أنَّ اللهَ تَعالى ربُّه لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبْدُه ورسولُه.
وهذا لا خِلافَ في اشْتِراطِه.
فإنَّ الطِّفْلَ الذي لا يَعْقِلُ، لا يَتَحَقَّقُ منه اعْتِقادُ الإِسْلام، وإنَّما كلامُه لَقْلَقَةٌ بلسانِه، لا يَدُلُّ على شيءٍ.
فأمَّا اشْتِراطُ العَشْرِ، فإنًّ أكثرَ المُصَحِّحِينَ لإِسْلامِه لم يَشْتَرِطُوا ذلك، ولم يَحُدُّوا له حَدًّا من السِّنينَ.
وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ؛ لأنَّ المَقْصُودَ متى حَصَل، لم يَحْتَجْ إلى زِيادةٍ عليه.
ورُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، إذا كانَ ابنَ سَبْعِ سِنينَ، فإسْلامُه إسْلامٌ؛ وذلك لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مُرُوهُمْ بِالصَّلاةِ لِسَبْعٍ» (2). فدَلَّ على أنَّ ذلك حَدٌّ لأمْرهم، وصِحَّةِ

الجزء: 27 - الصفحة: 126

وَإنْ أسْلَمَ ثُمَّ قَال: لَمْ أَدرِ مَا قُلْتُ.
لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى قَوْلِهِ، وَأُجْبِرَ  عِبادَتِهم، فيكونُ حَدًّا لصِحَّةِ إسْلامِهم.
وقال ابنُ أبي شَيبَةَ: إذا أسْلَمَ وهو ابنُ خَمْسِ سِنِينَ، جُعِلَ إسْلامُه إسْلامًا.
ولعلَّه يقولُ: إن عليًّا أسْلَمَ (1) وهوٍ ابنُ خَمسٍ؛ لأنَّه قد قِيلَ: إنَّه قد ماتَ وهو ابنُ ثمانٍ وخمسينَ سنةً.
فعلى هذا يكونُ إسْلامُه، وهو ابنُ خَمسٍ؛ لأنَّ مُدَّةَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - منذُ بُعِثَ إلى أن ماتَ ثلاثٌ وعشرونَ سَنَةً، وعاشَ عليٌّ بعدَه ثلاثين سنةً؛ فذلك ثلاثٌ وخمسونَ سنةً (2)، فإذا ضَمَمْنا إليها خَمْسًا، كانت ثمانيًا وخمْسين.
وقال أبو أيُّوبَ: أُجِيزَ إسْلامُ ابنِ ثلاثِ سِنِينَ، مَن أصابَ الحقَّ من صَغِيرٍ أو (3) كبِيرٍ أجَزْناه.
وهذا لا يَكادُ يَعْقِلُ الإِسْلامَ، ولا يَدْرِي ما يقولُ، ولا يَثْبُتُ لقولِه حُكْمٌ، فإن وُجِدَ ذلك منه ودَلَّتْ أحْوالُه وأقوالُه على مَعرِفَةِ الإِسْلامِ، وعَقْلِه إيَّاهُ، صَحَّ منه كغيرِه.

4587 -

مسألة: (وإن أسْلَمَ، ثم قال: لم أدْرِ ما قُلْتُ. لم يُلْتَفَتْ

138113821383 الحديث: 4587 - الجزء: 27 - الصفحة: 127

عَلَى الإسْلَامِ.
إلى قولِه، وأُجْبِرَ على الإِسْلامِ) متى حَكَمْنا بصِحَّةِ إسْلامِ الصَّبِيِّ، لمعرِفَتِنا بعَقْلِه 1384 بأدِلَّتِه، فرَجَعَ، وقال: لم أدْرِ ما قلتُ.
لم يُقْبَلْ قولُه، ولم يَبْطُلْ إسْلامُه الأوَّلُ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه يُقْبَلُ منه، ولا يُجْبَرُ على الإِسْلام.
قال أبو بكرٍ: هذا قولٌ مُحْتَمِلٌ؛ لأنَّ الصَّبِيَّ في مَظِنَّةِ النَّقْصِ، فيجوزُ أن يكونَ صادِقًا.
قال: والعملُ على الأوَّلِ؛ لأنَّه قد ثَبَت عَقْلُه للإِسْلامِ، ومعرفتُه به بإفْعالِه أفعال العُقَلاءِ، وتَصرُّفاتِه تَصَرُّفاتِهم، وتَكَلُّمِه بكلامِهم، وهذا يَحْصُلُ به معرِفَةُ عَقْلِه؛ ولهذا اعْتَبَرْنا رُشْدَه بعدَ بُلُوغِه بأفْعالِه وتَصرُّفاتِه، وعَرَفْنا جُنونَ المجْنُونِ وعَقْلَ العاقلِ بما يَصْدُرُ عنه من أقْوالِه وأفْعالِه وأحْوالِه، فلا يَزولُ ما عَرَفْناه بمُجَرَّدِ دَعْوَاه.
وهكذا كلُّ مَن تَلَفَّظَ بالإِسْلامِ، أو أخْبَرَ عن نفْسِه، ثم أنْكَرَ معرفتَه بما قال، لم يُقْبَلْ إنْكارُه، وكان مُرْتَدًّا.
نَصَّ عليه أحمدُ في مَواضِعَ.

الجزء: 27 - الصفحة: 128

وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يَبْلُغَ وَيُجَاوزَ ثَلَاثَةَ أَيامٍ مِنْ وَقْتِ بُلُوغِهِ فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى كُفْرِهِ قُتِلَ.
فعلى هذا، إذا ارْتَدَّ، صَحَّتْ رِدَّتُه، وأُجْبِرَ على الإِسْلامِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
والظاهرُ مِن مذهبِ مالكٍ.
وعندَ الشافعيِّ: لا يَصِحُّ إسْلامُه ولا رِدَّتُه.
وقد رُوِيَ أنَّه يَصِحُّ إسْلامُه، ولا تَصِحُّ رِدَّتُه، لقولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلَاثَةٍ، عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ» (1). وهذا يَقْتَضِي أنَّه لا يُكْتَبُ عليه ذَنْبٌ ولا شَيءٌ، ولو صَحَّتْ رِدَّتُه، لكُتِبَتْ.
وأمَّا الإِسْلامُ فلا يُكْتَبُ عليه، إنَّما يُكْتَبُ له، ولأنَّ الرِّدَّةَ أمرٌ يُوجِبُ القَتْلَ، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه في حَقِّ الصَّبِيِّ كالزِّنَى، ولأنَّ الإِسْلامَ إنَّما صَحَّ منه، لأنَّه تَمَحَّضَ مصلحةً، فأشْبَهَ الوَصِيَّةَ والتَّدْبِيرَ، والرِّدَّةُ تَمَحَّضَت مَضَرَّةً ومَفْسَدَةً، فلم يَلْزَمْ صِحَّتُها منه.
فعلى هذا، حُكْمُه حُكْمُ مَن لم يَرْتَدَّ، فإذا بَلَغ، فإن أصَرَّ على الكُفْرِ كان مُرْتَدًّا حِينَئِذٍ.

4588 -

مسألة: (ولا يُقْتَلُ حتى يَبْلُغَ، ويُجاوزَ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ مِن وَقْتِ بُلُوغِه، فإن ثَبَت على كُفْرِه قُتِلَ)

وجملةُ ذلك، أنَّ الصَّبِيَّ لا يُقْتَلُ1385

الحديث: 4588 - الجزء: 27 - الصفحة: 129

وَمَنِ ارْتَدَّ وَهُوَ سَكْرَانُ، لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يَصْحُوَ، وَتَتِمَّ لَهُ ثَلَاثةُ أيَّامٍ مِنْ وَقْتِ رِدَّتِهِ، فَإِنْ مَاتَ في سُكْرِهِ، مَاتَ كَافِرًا.
وَعَنْهُ، لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ.
إذا ارْتَدَّ، سَواءْ قُلْنا بصِحَّةِ رِدَّتِه أو لا؛ لأنَّ الغُلامَ لا يجبُ عليه عُقُوبَةٌ، بدَليلِ أنَّه لا يَتَعَلَّقُ به حُكمُ الزِّنَى والسَّرِقَةِ وسائرِ الحُدُودِ، ولا يُقْتَلُ قِصاصًا، فإذا بَلَغ، وثَبَت على رِدَّتِه، ثَبَت حُكمُ الرِّدَّةِ حِينَئذٍ، فيُسْتَتابُ ثلاثًا، فإن تابَ، وإلَّا قُتِلَ، سَواءٌ قُلْنا: إنَّه كان مُرْتَدًّا قبلَ بُلُوغِه أو لم نَقُلْ، وسَواءٌ كان مسلمًا أصْلِيًّا فارْتَدَّ، أو كان كافِرًا فأسْلَمَ صَبِيًّا ثم ارْتَدَّ.

4589 -

مسألة: (ومَن ارْتَدَّ وهو سَكْرانُ، لم يُقْتَلْ حَتَّى يَصْحُوَ، وتَتِمَّ له ثَلاثَةُ أيَّام مِن وَقْتِ رِدَّتِه، فإن ماتَ في سُكْرِه، ماتَ كَافِرًا. وعنه، لا تَصِحُّ رِدَّتُه)

اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في رِدَّةِ السَّكْرانِ؛ فرُوىَ عنه أنَّها تصِحُّ.
قال أبو الخَطَّابِ: وهو أظهرُ الرِّوايَتَين عنه.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.
وعنه، لا تَصِحُّ رِدَّتُه 1386. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ

الحديث: 4589 - الجزء: 27 - الصفحة: 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك يتعَلَّقُ بالاعْتِقادِ والقَصْدِ، والسَّكْرانُ لا يَصِحُّ عقدُه، فأشْبَهَ المَعْتُوهَ، ولأنَّه زائِلُ العَقْلِ، فلم تَصِحَّ رِدَّتُه كالنَّائمِ والمَجْنُونِ، ولأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فأشْبَهَ المَجْنُونَ.
ووَجْهُ الرِّوايةِ الأولَى أنَّ الصحابةَ قالوا في السَّكْرانِ: إذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افْتَرَى، فَحُدُّوه حَدَّ المُفْتَرِي 1387. وأوْجَبُوا عليه حَدَّ الفِرْيَةِ التي يأْتِي بها في سُكْرِه، وأقامُوا مَظِنَّتَهَا مُقَامَها، ولأنَّه يَقَعُ طَلاقُه، فصَحَّتْ رِدَّتُه كالصَّاحِي.
وقولُهم: ليس بمُكَلَّفٍ.
مَمْنُوعٌ، فإنَّ الصلاةَ واجِبَةٌ عليه، وكذلك سائِرُ أرْكانِ الإِسْلامِ، ويَأْثَمُ بفِعْلِ المُحَرَّماتِ.
وهذا معنى التَّكْلِيفِ، ولأنَّ السَّكْرانَ لا يَزُولُ عقلُه بالكُلِّيَّةِ، ولهذا يَتَّقِي المُحْذُورَاتِ، ويَفْرَحُ بما يَسُرُّه، ويُساءُ بما يَضُرُّه، ويزولُ سُكْرُه عن قَرِيبٍ مِن الزَّمانِ، فأشبَهَ النَّاعِسَ، بخِلافِ المجْنُونِ، وأمَّا اسْتِتابَتُه فتُؤَخَّرُ إلى حينِ صَحْوه، فيَكْمُلُ عَقْلُه، ويَفْهَمُ ما يُقالُ له، وتَزُولُ شُبْهَتُه أنْ كان قد قال الكُفْرَ مُعْتَقِدًا له، كما تُؤَخَّرُ اسْتِتابَتُه إلى حينِ زَوالِ شِدَّةِ عَطَشِه وجُوعِه، ويُؤَخَّرُ الصَّبِيُّ إلى حينِ بُلُوغِه وكمالِ عَقْلِه، ولأنَّ القَتْلَ جُعِلَ للزَّجْرِ، ولا يَحْصُلُ الزجرُ

الجزء: 27 - الصفحة: 131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في حالِ سُكْرِه.
وإن قَتَلَه قاتِلٌ في حالِ سُكْرِه، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّ عِصْمَتَه زالتْ.
برِدَّتِه.
وإن ماتَ أو قُتِلَ، [مات كافِرًا و] 1388 لم يَرِثْه ورَثَتُه، ولا يُقْتَلُ حتى يَتِمَّ له ثلاثةُ أيَّامٍ مِن وَقْتِ رِدَّتِه، فإنِ اسْتَمَرَّ سُكْرُه أكثرَ مِن ثلاثٍ، لم يُقْتَلْ حتى يَصْحُوَ، ثم يُسْتَتابَ عَقِيبَ صَحْوه، فإن تابَ، وإلَّا قُتِلَ في الحالِ.
فصل: فإن أسْلَمَ في سُكْرِه، صَحَّ إسْلامُه كما صَحَّتْ رِدَّتُه، ثم يُسْألُ بعدَ صَحْوه، فإن ثَبَت على إسْلامِه، فهو مسلمٌ مِن حينَ أسْلَمَ؛ لأنَّ إسْلامَه صَحَّ، وإنَّما يُسْألُ اسْتِظْهارًا، فإن ماتَ بعدَ إسْلامِه في سُكْرِه، مات مُسْلِمًا.
ويَصِحُّ إسْلامُه في سُكْرِه؛ سَواءٌ كان كافِرًا 1389 أصْلِيًّا أو مُرْتَدًّا، لأنَّه إذا صَحَّتْ رِدَّتُه مع أنَّها مَحْضُ مَضَرَّةٍ، وقولُ باطلٍ، فلأنْ يَصِحَّ إسْلامُه، الذي هو مَحْضُ مَصْلَحَةٍ، أوْلَى.
ويَتَخرَّجُ أن لا يَصِحَّ [إسْلامُه في حالِ سُكْرِه، بِناءً على القولِ بأنَّ رِدَّتَه لا تَصِحُّ] (1)، فإنَّ مَن لا تَصِحُّ رِدَّتُه، لا يَصِحُّ إسْلامُه، كالمَجْنُونِ.

الجزء: 27 - الصفحة: 132

وَهَلْ تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ، وَمَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، أوْ مَنْ سَبَّ اللهَ تَعَالى أوْ رَسُولَهُ، وَالسَّاحِرِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ؛ إِحْدَاهُمَا، لَا تقْبَل تَوْبَتُهُ، وَيُقْتَلُ بِكُلِّ حَالٍ.
وَالأخْرَى، تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، كَغَيرِهِ.
فصل: ولا تَصِحُّ رِدَّةُ المجنونِ ولا إسْلامُه، لأنَّه لا قولَ له.
فإنِ ارْتَدَّ في صِحَّتِه، ثم جُنَّ، لم يُقْتَل في حالِ جُنونِه؛ لأنَّه يُقْتَلُ بالإِصْرارِ على الرِّدَّةِ، والمجنونُ لا يُوصَفُ بالإصْرارِ، ولا يُمْكِنُ اسْتِتابَتُه.
ولو وَجَب عليه القِصاصُ فجُنَّ، قُتِل؛ لأنَّ القِصاصَ لا يَسْقُطُ عنه بسَبَبٍ من جِهَتِه، وههُنا يَسْقُطُ برُجُوعِه، ولأنَّ القِصاصَ إنَّما يَسْقُطُ بسَبَبٍ من جِهَةِ المُسْتَحِقِّ له، فَنَظِيرُ مَسْألَتِنا أن يُجَنَّ المُسْتَحِقُّ للقِصاصِ، فإنَّه لا 1390 يَسْتَوْفِي في حالِ جُنُونِه.

4590 -

مسألة: (وهل تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ، ومَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُه، أو مَن يسبَّ اللهَ تَعَالى أو رسولَه، أو السَّاحِرِ؟ على روَايَتَين؛ إحْدَاهُما، لا تُقْبَلُ تَوْبَتُه، ويُقتَلُ بِكُلِّ حالٍ.
والأُخْرَى، تُقْبَلُ توْبَتُه كغيرِه)

مفهومُ كلامِ الشيخِ، رَحِمَه اللهُ، أنَّ المُرْتَدَّ إذا تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُه، ولم يُقْتَلْ،

الحديث: 4590 - الجزء: 27 - الصفحة: 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أيَّ كُفْرٍ 1391 كان.
وهو ظاهرُ كلام الخِرَقِيِّ، سَواءٌ كان زِنْدِيقًا، أو لم يَكُنْ.
وهذا مذهبُ الشافعَيِّ، وَالعَنْبَرِيِّ.
ويُرْوَى ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وهو إحْدَى الرِّوايَتَين عن أحمدَ، واختيارُ أبي بكرٍ الخَلَّالِ، وقال: إنَّه أَوْلَى على مذهبِ أبي عبدِ اللهِ.
والرِّوايةُ الأُخْرَى، لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ، ومَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُه.
وهو قولُ مالكٍ، واللَّيثِ، وإسْحاق.
وعن أبي حنيفةَ رِوايَتان، كهاتَين.
واخْتيارُ أبي بكرٍ أنَّها لا تُقْبَلُ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ 1392. والزِّنْدِيقُ لا يَظْهَرُ منه ما يُبَيِّنُ به رُجُوعَه وتَوْبَتَه؛ لأنَّه كان مُظْهِرًا للإِسْلامِ، مُسِرًّا للكُفْرِ، فإذا أظْهَرَ التَّوْبَةَ، لم يَزِدْ على ما كان منه قبلَها، وهو إظْهارُ الإِسْلامِ، وأمَّا مَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُه، فقد قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ 1393. وروَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه، عن ظَبْيانَ 1394 بنِ عُمارَةَ، أنَّ رَجلًا مِن بني سَعْدٍ مَرَّ على مسجدِ بني حَنِيفَةَ، فإذا هم يَقْرَأْونَ

الجزء: 27 - الصفحة: 134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  برَجَزِ مُسَيلَمَةَ، فرَجَعَ إلى ابنِ مسعودٍ، فذَكَرَ ذلك له، فبَعَث إليهم، فأُتِيَ بهم، فاسْتَتابَهُم، فتابُوا، فخَلَّى سَبِيلَهم، إلَّا رجُلًا منهم يُقالُ له: ابنُ النَّوَّاحَةِ.
قال: قد أُتِيتُ بك مَرَّةً، فزَعَمْتَ أنَّك قد تُبْت، وأرَاكَ قد عُدْتَ.
فقَتَلَه 1395. ووَجْهُ الرَّوايةِ الأولى، قولُ اللهِ تعالى: ﴿قُل للَّذِينَ كَفَروا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ 1396. ورُوِيَ أنَّ رجلًا سَارَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فلم يُدْرَ ما سَارَّه به، فإذا هو يَسْتَأْذِنُه في قَتْلِ رَجُلٍ من المُنافِقين، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «أَليسَ يَشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ؟».
قال: بلى، ولا شَهادةَ له.
قال: «أليسَ يُصَلِّي؟».
قال: بلى، ولَا صلاةَ له.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِيَ اللهُ عَنْ قَتْلِهِمْ» 1397. وقد قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ 1398. ورُوِيَ أنَّ مَخشِيَّ 1399

الجزء: 27 - الصفحة: 135

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنَ حُمَيِّرٍ كان في النَّفَرِ الذين أنْزَلَ اللهُ فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ 1400. فأتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وتابَ إلى اللهِ تعالى، فقَبِلَ اللهُ توْبَتَه 1401، وهو الطَّائِفَةُ التي عَفا اللهُ عنها بقولِه سبحانه: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ 1402. ورُوِيَ أنَّه سألَ اللهَ تعالى أن يُقْتَلَ شَهِيدًا في سَبيلِه، ولا يُعْلَمَ بمكانِه، فقُتِلَ يومَ اليَمامَةِ، ولم يُعْلَمْ مَوْضِعُه.
ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَفَّ عن المُنافِقِين بما أظْهَرُوا مِن الشَّهادةِ، مع إخْبارِ الله تعالى له بباطِنِهم، بقولِه تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ 1403 وغيرِها مِن الآياتِ.
وحديثُ ابن مسعودٍ حُجَّةُ في قَبُولِ تَوْبَتِهم، مع إسْرارِهِم بكُفْرِهم.
فأمَّا قَتْلُ ابنِ النَّوَّاحَةِ، فيَحْتَمِلُ أنَّه قَتَلَه لظُهُورِ كَذبِه في تَوْبَتِه؛ لأنَّه أظْهَرَها، وتَبَيَّنَ أنَّه ما زال عمَّا كان عليه مِن كُفْرِه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه 1404 قَتَلَه؛ لقولِ النبيِّ

الجزء: 27 - الصفحة: 136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى الله عليه وسلم - له حينَ جاءَ رسولًا لمُسَيلِمَةَ: «لَوْلَا أنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكَ» 1405. فقَتَلَه 1406 تَحْقِيقًا لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقد رُوِيَ أنَّه قَتَلَه لذلك.
فصل: فأمَّا مَن سَبَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى أو رَسُولَه، فروَى القاضي، عن أحمدَ، أنَّه قال: لا تَوْبَةَ لِمَن سَبَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ

الجزء: 27 - الصفحة: 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رِوايةً أُخْرَى، أنَّ تَوْبَتَه مَقْبُولَةٌ، لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
ولحديثِ مَخْشِيِّ بنِ حُمَيِّرٍ، ولأنَّ مَن زَعَم أنَّ للهِ ولدًا فقد سبَّ اللهَ تعالى، بدَليلِ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إخْبارًا عن رَبِّه تعالى أنَّه قال: «شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَشْتِمَنِي، أمَّا شَتْمُه إِيَّايَ، فَزَعَمَ أنَّ لِي وَلدًا» 1407. وتَوْبَتُه مَقْبُولةٌ، بغيرِ خِلافٍ، وإذا قُبِلَتْ تَوْبَةُ مَن سبَّ اللهَ تعالى، فمن سبَّ نَبِيَّه - صلى الله عليه وسلم - أَوْلَى أن تُقْبَلَ توْبَتُه.

الجزء: 27 - الصفحة: 138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وهل تُقْبَلُ تَوْبَةُ السَّاحِرِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحدَاهُما، لا يُسْتَتابُ.
وهو ظاهِرُ ما نُقِلَ عن الصحابةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، فإنَّه لم يُنْقَلْ عن أحدٍ منهم أنَّه اسْتَتابَ ساحِرًا، وفي الحديثِ الذي رَواه هشامُ بنُ 1408 عُرْوَةَ، عن عائشةَ، أنَّ امرأةً جاءَتْها، فقالت: يا أُمَّ المُؤْمِنينَ، إنَّ عَجُوزًا ذَهَبتْ بي إلى هاروتَ وماروتَ، فقلتُ: عَلِّمانيَ السِّحْرَ.
فقالا: اتَّقِي اللهَ ولا تَكْفُرِي، فإنَّكِ على رأسِ أمْرِكِ.
فقلتُ: عَلِّمانِيَ السِّحْرَ.
فقالا: اذْهَبِي إلى ذلك التَّنُّورِ، فبُولِي فيه.
ففعَلْتُ، فرأيتُ كأنَّ فارِسًا مُقَنَّعًا في الحديدِ خرَج مِنِّي حتى طارَ، فغابَ في السَّماءِ، فرَجَعْتُ إليهما، فأخْبَرْتُهما، فقالا: ذلك إيمانُكِ.
فذكَرتْ باقِيَ القِصَّةِ، إلى أن قالتْ: واللهِ يا أمَّ 1409 المؤمِنين ما صنعتُ شيئًا غيرَ هذا، ولا أصْنَعُه أبدًا، فهل لي مِن تَوْبَةٍ؟ قالت عائشةُ: ورأيتُها تَبْكِي بُكاءً شديدًا، فطَافَتْ 1410 في أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهم مُتوافِرُون تسْألُهم، هل لها مِن تَوْبةٍ؟

الجزء: 27 - الصفحة: 139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فما أفْتاها أحدٌ، إلَّا ابنَ عَبَّاسٍ قال: إن كان أحَدٌ مِن أُبوَيكِ حَيًّا، فبَرِّيه، وأكْثِري مِن عملِ 1411 البِرِّ ما اسْتَطَعْتِ 1412. ولأنَّ السِّحْرَ مَعْنًى في قلبِه لا يزولُ بالتَّوْبَةِ، فيُشْبهُ مَن لم يَتُبْ.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، يُسْتَتابُ، فإن تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُه، فإنَّ اللَّهَ تَعالى قَبِلَ تَوْبَةَ سَحَرَةِ فِرْعَونَ، وجَعَلَهم مِن أوْلِيائِه في ساعةٍ، ولأنَّ السَّاحِرَ لو كان كافِرًا فأسْلَمَ صَحَّ إسْلامُه وتَوْبَتُه، فإذا صَحَّتِ التَّوْبَةُ منهما؛ صَحَّتْ من أحَدِهما، كالكُفْرِ، ولأنَّ الكُفْرَ والقتلَ ما هو إلَّا بعَمَلِه بالسِّحْرِ، [لا بعِلْمِه] 1413، بدَليلِ السَّاحِرِ إذا أسْلَمَ، والعملُ به تُمْكِنُ التَّوْبَةُ منه، وكذلك اعْتِقادُ ما يَكْفُرُ باعْتِقادِه، تُمْكِنُ التَّوْبَةُ منه، كالشِّرْكِ.
فصل: والخِلافُ بينَ الأئِمَّةِ في قَبُولِ تَوْبَتِهم إنَّما هو في الظَّاهِرِ مِن

الجزء: 27 - الصفحة: 140

وَتَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ إِسْلَامُهُ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ، وَأَن مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
إلا أَنْ تَكُونَ رِدَّتُهُ بِإِنْكَارِ فَرْضٍ، أَوْ إِحْلَالِ مُحَرَّمٍ أو جَحْدِ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ، أَوْ انْتَقَلَ إِلَى دِينِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا  أحْكام الدُّنْيا؛ مِن تَرْكِ قَتْلِهم، وثُبُوتِ أحْكامِ الإِسْلامِ في حَقِّهِم؛ فأمَّا قَبُولُ اللَّهِ تعالى لها في الباطِنِ، وغُفْرَانُ ذُنُوبِهم لِمَن تابَ وأقْلَعَ ظاهِرًا وباطِنًا، فلا خِلافَ فيه، فإنَّ اللهَ تَعالى قال في المُنافِقِين: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ 1414.

4591 -

مسألة: (وتَوْبَةُ المُرْتَدِّ إسْلامُه، وهو أن يَشْهَدَ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه.
إلَّا أن تكونَ رِدَّتُه بإنْكارِ فَرْضٍ، أو إحْلالِ مُحَرَّمٍ، أو جَحْدِ نَبِيٍّ أو كِتابٍ، أو إلى دِينِ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ مُحَمَّدًا

الحديث: 4591 - الجزء: 27 - الصفحة: 141

  • صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، فَلَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُ حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَحَدَهُ، وَيَشْهَدَ أَنَّ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ إِلَى الْعَالمِينَ، أَوْ يَقُولَ: أنَا بَرِئٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الإسْلَامِ.
    بُعِثَ إلى العَرَبِ خاصَّةً، فلا يَصِحُّ إسْلامُه حتى يُقِرَّ بما جَحَدَه، ويَشْهَدَ أنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إلى العَالمِينَ، أو يَقُولَ: أنا بَرِئٌ مِن كلِّ دِينٍ يُخالِفُ دينَ الإسْلام) مَن ثَبَتَتْ رِدَّتُه بإقْرارٍ أو بَيِّنَةٍ، فتَوْبَتُه أن يَشْهَدَ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، [وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ] 1415، ولا يُكْشَفُ عن صِحَّةِ ما شُهِدَ به عليه، ويُخَلَّى سَبِيلُه، ولا يُكَلَّفُ الإقْرارَ بما نُسِبَ إليه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا الهَ إلَّا اللهُ.
    فَإذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَموَالهمْ إلَّا بِحَقِّهَا، وحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ».
    مُتَّفَقٌ عليه 1416. ولأنَّ هذا يَثْبُتُ به إسْلامُ الكافِرِ الأصْلِيِّ، فكذلك إسْلامُ المُرْتَدِّ، ولا حاجَةَ مع ثُبُوتِ إسْلامِه إلى الكَشْفِ عن صِحَّةِ رِدَّتِه.
    وهذا يَكْفِي في مَن كانت رِدَّتُه بجَحْدِ الوَحْدانِيَّةِ، أو جَحْدِ رسالةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، أو جَحْدِهما معًا، فأمَّا مَن كَفَر بغيرِ هذا، فلا يَحْصُلُ إسْلامُه إلَّا بالإقْرارِ بما جَحَده.

الجزء: 27 - الصفحة: 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فمَن أقَرَّ برسالةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأنْكَرَ أنَّه مَبْعُوثٌ إلى العَالمِينَ، فلا يَثْبُتُ إسْلامُه حتى يَشْهَدَ أنَّ محمدًا [رسولُ اللهِ] 1417 بُعِثَ إلى الخَلْقِ أجْمَعِينَ، أو يَتَبَرَّأَ مع الشَّهادَتَين مِن كلِّ دِين يُخالِفُ الاسْلامَ.
فإن زَعَم أنَّ محمدًا رسول مَبْعُوثٌ بَعْدُ 1418 غيرَ هذا، لَزِمَه الإقْرارُ بأنَّ هذا المبعوثَ هو رسولُ اللهِ، لأنَّه إذا اقْتَصَر على الشَّهادَتَينِ، احْتَمَلَ أنَّه أرادَ ما اعْتَقَدَه.
وإنِ ارْتَدَّ بجُحودِ فَرْضٍ، لم يُسْلِمْ حتى يُقِرَّ بما جَحَدَه، ويُعِيدَ الشَّهادَتَين؛ لأنَّه كَذَّبَ اللهَ ورسولَه بما اعْتَقَده.
وكذلك إن جَحَد نَبِيًّا، أو آيَةً مِن كتابِ الله تعالى، أو كتابًا من كُتُبِه، أو مَلَكًا مِن مَلائِكَتِه الذين ثَبَت أنَّهم مَلائِكَةُ اللهِ، أو اسْتَباحَ مُحَرَّمًا، فلا بُدَّ في إسْلامِه مِن الإِقْرارِ بما جَحَده.
وأمَّا

الجزء: 27 - الصفحة: 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الكافِرُ بجَحْدِ الدِّينِ مِن أصْلِه، إذا شَهِدَ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ واقْتَصَر على ذلك، ففيه رِوايَتان، إحداهما، يُحْكَمُ بإسْلامِه، لأنَّه رُوِيَ أنَّ يَهُودِيًّا قال: أشْهَدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ.
ثم ماتَ.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» 1419. ولأنَّه لا 1420 يُقِرُّ برِسالةِ محمدٍ إلَّا وهو مُقِرٌّ بمَن أرسَلَه وبتَوحِيدِه، لأنَّه صَدَّقَ النبيَّ 1421 - صلى الله عليه وسلم - فيما جاءَ به، وقد جاءَ بتَوْحِيدِه.
والثانيةُ، إن كان مُقِرًّا بالتَّوْحِيدِ كاليهودِ، حُكِمَ بإسْلامِه؛ لأنَّ تَوْحيدَ اللهِ ثابتٌ في حَقِّه، وقد ضَمَّ إليه الإِقْرارَ برسالةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - فكَمَلَ إسْلامُه.
وإن كان غيرَ مُوَحِّدٍ، كالنَّصارَى والمَجُوسِ وعَبَدَةِ الأوْثانِ، لم يُحْكَمْ بإسْلامِه حتى يشهدَ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ.
وبهذا جاءتْ أكثرُ الأخْبارِ، وهو الصَّحِيحُ، لأنَّ مَن يَجْحَدُ شَيئَين لا يزولُ جَحْدُهما إلَّا [بإقْرارِه بهما] 1422 جميعًا.
وإن قال: أشْهَدُ أنَّ النبيَّ رسولُ اللهِ.
لم يُحْكَمْ بإسْلامِه، لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه يُريدُ غيرَ نَبِيِّنا.
وإن قال: أنا مؤمنٌ.

الجزء: 27 - الصفحة: 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو: أنا مسلمٌ.
فقال القاضي: يُحْكَمْ بإسْلامِه بهذا، وإن لم يَأْتِ بلَفْظِ الشَّهادَتينِ؛ لأنَّهما اسمان لشيءٍ مَعْلومٍ معروفٍ وهو الشَّهادَتان، فإذا أخْبَرَ عن نفْسِه بما تَضَمَّنَ الشَّهادَتين، كان مُخْبِرًا بهما.
ورَوَى المِقْدَادُ، أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ 1423 إن لَقِيتُ رجلًا من الكُفَّارِ، فقاتَلَنِي، فضَرَبَ إحْدَى يَدَيَّ بالسَّيفِ، فقَطَعَها 1424، ثم لاذَ مِنِّي بشَجَرَةٍ، فقال: أسْلَمْتُ.
أفأقْتُلُه يا رسولَ اللهِ بعدَ أن قالها؟ قال: «لَا تَقْتُلْه، فَإنْ قَتَلْتَهُ، فَإنَّه بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أنْ تَقْتُلَه، وإنَّكَ بمَنْزِلَتِه قَبْلَ أنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالها».
وعن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، قال: أَصابَ المسلمون رجلًا مِن بَني عُقيلٍ، فأتَوْا به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا محمدُ، إنِّي مسلمٌ.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ كُنْتَ قُلْتَ وأنْتَ تَمْلِكُ أمْرَكَ، أفْلَحْتَ كُلَّ الفَلَاحِ».
رَواهُما مسلمٌ 1425. ويَحْتَمِلُ أنَّ هذا في الكافرِ الأصْلِيِّ، أو مَن جَحَد الوَحْدانِيَّةَ،

الجزء: 27 - الصفحة: 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أمَّا مَن كَفَر بجَحْدِ نَبِيٍّ أو كتابٍ أو فَرِيضَةٍ أو نحو هذا، فإنَّه لا يَصِيرُ مسْلِمًا بذلك؛ لأنَّه رُبَّما اعْتَقَد أنَّ الإِسْلامَ ما هو عليه، فإنَّ أهلَ البِدَعِ كلَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهم هم المسلمون، ومنهم مَن هو كافِرٌ.

الجزء: 27 - الصفحة: 146

وَإذَا مَاتَ الْمُرْتَدُّ، فَأَقامَ وَارِثُهُ بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ الرِّدَّةِ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ.

4592 - مسألة: وإذا أتَى الكافِرُ بالشَّهَادَتَينِ، ثم قال: لم أُرِدِ الإِسْلامَ.
صارَ بذلك مُرْتَدًّا، ويُجْبَرُ على الإِسْلامِ.
نصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ جماعةٍ، ونُقِلَ عن أحمدَ، أنَّه يُقْبَل منه، ولا يُجْبَرُ على الإِسْلامِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ، فلا يُرَاقُ دَمُه بالشُّبْهَةِ

(1)، والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّه قد حُكِمَ بإسْلامِه، فلم يُقْبَلْ إذا رَجَع، كما لو طالتْ مُدَّته.
4593 -

مسألة: (وإذا مات المُرْتَدُّ، فأقام وارِثُهَ بَيِّنَةً أنَّه صَلَّى بعدَ الردَّةِ، حُكِمَ بإسْلامِه)

متى صَلَّى الكافِرُ، حُكِمَ بإسْلامِه، أصْلِيًّا كان أو مُرْتَدًّا، جماعةً أو فُرَادَى، في دارِ الحربِ أو في دارِ الإسْلام.
وقال الشافعيُّ: يُحْكَمُ بإسْلامِه إذا صَلَّى في دارِ الحرب، ولا نَحْكُمُ بَإسْلامِه [إذا صَلَّى] 1427 في دارِ الإسْلامِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنه صَلَّى رِياءً وتَقِيَّةً.
ولَنا، أنَّ ما كان إسلامًا في دارِ الحربِ، كان إسلامًا في دارِ الإسلام، كالشَّهَادَتَين، واحْتِمالُ التَّقِيَّةِ والرِّياءِ يَبْطُلُ بالشَّهادَتَين.
وأمَّا سائِرُ أرْكانِ1426

الحديث: 4592 - الجزء: 27 - الصفحة: 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإِسْلامِ، مِن الزَّكاةِ والصِّيامِ والحَجِّ، فلا يُحْكَمُ بإسْلامِه به، فإنَّ المُشْرِكِينَ كانوا يَحُجُّون في عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، حتى مَنَعهم، فقال: «لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ» 1428. والزَّكاةُ صَدَقَة، وهم يَتَصَدَّقُونَ، وقد فُرِضَ على نَصَارَى بني تَغْلِبَ مِن الزَّكاةِ مِثْلا 1429 ما يُؤْخَذ مِن المسلمينَ، فلم يَصِيرُوا بذلك مسلمين، وأمَّا الصِّيامُ فلكلِّ أهْلِ دِينٍ صِيامٌ، ولأنَّ الصِّيامَ ليس بفِعْلٍ، إنَّما هو إمْساكٌ عن 1430 أفعالٍ مَخْصوصَةٍ، وقد يَتَّفِقُ هذا مِن الكافرِ، كاتِّفاقِه مِن المسلمِ، ولا عِبْرَةَ بالنِّيَّةِ؛ لأنَّها أمْرٌ باطِنٌ، لا عِلْمَ به، بخِلافِ الصلاةِ، فإنَّها أفْعالٌ تَتَمَيَّزُ عن أفْعالِ الكُفَّارِ، ويَخْتَصُّ بها أهْلُ الإسلامِ، ولا يَثْبُتُ بها الإِسلامُ حتى يَأْتِيَ بصلاةٍ يَتَمَيَّزُ بها عن صلاةِ الكُفَّارِ، مِن اسْتِقْبالِ قِبْلَتِنا والرُّكُوعَ والسُّجُودِ، ولا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ القِيام؛ لأنَّهم يَقُومُونَ في صلاتِهم.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه متى ماتَ المُرْتَدُّ، فأقامَ وارِثُه بَيِّنَةً أنَّه صَلَّى بعدَ رِدَّتِه، حُكِمَ لهم بالمِيرَاثِ، إلَّا أن يَثْبُتَ أنَّه ارْتَدَّ بعدَ صلاته أو تكونَ رِدَّتُهُ بجَحْدِ فَرِيضَةٍ، أو كتابٍ، أو نَبِيٍّ، أو مَلَكٍ، أو نحو ذلك من البِدَعِ التيِ يَنْتَسِبُ 1431 أهْلُها إلى الإِسلامِ، فإنَّه لا يُحْكَمُ بإسْلامِه بصلاتِه؛ لأنَّه

الجزء: 27 - الصفحة: 148

وَلَا يَبْطُلُ إِحْصَانُ الْمُسْلِمِ بِرِدَّتِهِ، وَلَا عِبَادَاتُهُ الَّتى فَعَلَهَا في إِسْلَامِهِ إِذَا عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ.
يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الصلاةِ، ويَفْعَلُها (1) مع كُفْرِه، فأشْبَهَ فِعْلُه غيرَها.

4594 -

مسألة: (ولا يَبْطُلُ إحْصانُ المُسْلمِ برِدَّتِه، ولا عِباداتُه التي فَعَلَها في إسلامِه، إذا عاد إلى الإِسلامِ)

يعْني إذا كان 1433 مُحْصَنًا فارْتَدَّ، ثم أسْلَمَ، لم يَصِرْ غيرَ مُحْصَنٍ، بل متى زَنى رُجِمَ؛ لأنَّه يَثْبُتُ له حُكْمُ الإِحْصانِ، والأصْلُ بقاءُ ما كان على ما كان، ولا تَبْطُلُ عباداتُه التي فَعَلَها في إسلامِه إذا عاد إلى الإِسلامِ؛ لأنَّه فعلَها على وَجْهِها، وبَرِئَتْ1432

الحديث: 4594 - الجزء: 27 - الصفحة: 149

فَصْل: وَمَنِ ارْتَدَّ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ، بَلْ يَكُونُ مَوْقُوفًا، وَتَصَرُّفَاتُهُ مَوْقُوفَةً، فَإنْ أسْلَمَ، ثَبَتَ مِلْكُهُ وَتَصَرُّفَاتُهُ، وَإلَّا بَطَلَتْ.
ذِمَّتُه منها، فلم تَعُدْ إلى ذِمَّتِه، كدُيُونِ الآدَمِيِّين.
وإن كان قد حَجَّ حجَّةَ الإِسلامِ قبلَ رِدَّتِه، لم يَجِبْ عليه إعادَتُها إذا عادَ إلى الإِسلامِ، لِما ذَكَرْنا.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ومَن ارْتَدَّ لم يَزُلْ مِلْكُه، بل يكونُ مَوْقوفًا، وتَصَرُّفاتُه مَوْقوفةً، فإن أسْلَمَ، ثَبَت مِلْكُه وتَصَرُّفاتُه، وإلَّا بَطَلَتْ) لا يُحْكَمُ بزَوالِ مِلْكِ المُرْتَدِّ برِدَّتِه، في قَوْلِ أكثرِ أهلِ العلمِ.

الجزء: 27 - الصفحة: 150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن نَحْفَظُ عنهم مِن أهلِ العلمِ] 1434 1435. فعلى هذا، إن قُتِلَ أو ماتَ، زال مِلْكُه بمَوْتِه، وإن راجَعَ الإِسلامَ، فمِلْكُه باقٍ له.
فعلى هذا، تَصَرُّفاتُه في رِدَّتِه بالبَيعِ والهِبَةِ والعِتْقِ والتَّدْبيرِ والوَصِيَّةِ ونحو ذلك مَوْقُوفَةٌ، إن أسْلَمَ تَبَيَّنَّا أنَّ تصَرُّفَه كان صَحِيحًا، فإن قُتِلَ أو مات، كان باطِلًا.
[وهذا الذي قاله الشَّريفُ أبو جَعْفَرٍ عَن أحمدَ.
وهو قولُ أبي حَنيفةَ.
وأحدُ قَوْلَي الشافِعيِّ] 1436. وقال [أبو بكرٍ] 1437: يزولُ مِلْكُه بِرِدَّتِه، فإن راجَعَ الإِسلامَ رُدَّ إليه تَمْلِيكًا مُسْتَأنَفًا، لأنَّ عِصْمَةَ نَفْسِه ومالِه إنَّما تَثْبُتُ بإسْلامِه، فزَوالُ إسلامِه يُزِيلُ عِصْمَتَهما، كما لو لَحِقَ بدارِ الحَرْبِ، ولأنَّ المسلمين مَلَكُوا إراقَةَ دَمِه برِدَّتِه، فوَجَب أن يَمْلِكُوا أمْواله بها 1438. وقال أصحابُ أبي حنيفةَ: مالُه مَوْقُوفٌ، إن أسْلَمَ تَبَيَّنَّا بَقاءَ مِلْكِه، وإن ماتَ أو قُتِلَ تَبَيَّنَّا زَواله

الجزء: 27 - الصفحة: 151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن حينَ رِدَّتِه.
قال الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ: هذا ظاهِرُ كلام أحمدَ.
وعن الشافعيِّ الأقْوالُ الثَّلاثةُ.
ولَنا، أنَّ الرِّدَّةَ سَبَبٌ يُبِيحُ دَمَه [فَلم يَزُلْ مِلْكُه به] 1439 كزِنَى المُحْصَنِ، وقَتْلِ مَن يُكافِئُه عَمْدًا، لا يَلْزَمُ منه زَوالُ المِلْكِ، بدَليلِ الزَّاني المُحْصَنِ، والقاتِلِ في المُحارَبَةِ، [وأهْلِ الحَرْبِ] (1)، فإنَّ مِلْكَهم ثابِتٌ مع عَدَم عِصْمَتِهم، ولو لَحِقَ المُرْتَدُّ بدارِ الحَرْبِ، لم يَزُلْ مِلْكُه، لكنْ يُباحُ لكَلِّ أحَدٍ قَتْلُه بغيرِ اسْتِتابَةٍ، وأخْذُ مالِه لِمَن قَدَر عليه، لأنَّه صارَ حَرْبِيًّا، حُكْمُه حُكْمُ أهْلِ الحَرْبِ.
ولو ارْتَدَّ جماعةٌ وامْتَنَعوا في دَارِهم عن طاعةِ الإِمامِ، زالتْ عِصْمَتُهم في أنْفُسِهم وأموالِهم، لأنَّ الكُفَّارَ الأصْليِّينَ لا عِصْمَةَ لهم في دارِهم، فالمُرْتَدُّونَ أَوْلَى.

الجزء: 27 - الصفحة: 152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمَّا على قولِ أبي بكرٍ، فتَصرُّفُ المُرْتَدِّ باطِلٌ؛ لأنَّ مِلْكَه قد زَال برِدَّتِه.
وهذا أحَدُ أقوالِ الشافعيِّ.
وعن الشافعيِّ قولٌ آخَرُ، أنَّه إن تَصَرَّفَ قبلَ الحَجْرِ عليه، انْبَنَى على الأقْوالِ الثلاثةِ، وإن تَصَرَّفَ بعدَ الحَجْرِ عليه، لم يَصِحَّ تَصَرُّفُه كالسَّفِيهِ.
ولَنا، أنَّ مِلْكَه تَعَلَّقَ به حَقُّ غيرِه مع بَقاءِ مِلْكِه فيه، فكان تَصَرُّفُه مَوْقُوفًا، كتَبَرُّعِ 1440 المريضِ.
فصل: وإن تَزَوَّجَ، لم يَصِحَّ تَزَوُّجُه؛ لأنَّه لا يُقَرُّ على النِّكاحِ، وما مَنَع الإِقْرارَ على النِّكاحِ، مَنَع انعِقادَه، كنِكاحِ الكافِرِ المُسْلِمَةَ.
وإن زَوَّجَ مُولِّيَتَه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ ولَايتَه على مُولِّيَتِه قد زالتْ برِدَّتِه، وكذلك إن زَوَّجَ أمَتَه؛ لأنَّ النِّكاحَ لا يكونُ مَوْقُوفًا، ولأنَّ النِّكاحَ وإن كان في الأمَةِ فلا بُدَّ في عَقْدِه من ولَايةٍ صَحِيحَةٍ، بدَليلِ أنَّ المرأةَ لا يجوزُ أن تُزَوِّجَ

الجزء: 27 - الصفحة: 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أمَتَها، وكذلك الفاسِقُ، والمُرْتَدُّ لا ولايَةَ له، فإنَّه أدْنَى حالًا من الفاسِقِ الكافِرِ 1441. فصل: ويُؤْخَذُ مَالُ المُرْتَدِّ، فيُتْرَكُ عندَ ثِقَةٍ مِن المسلمين، فإن كان له إماءٌ جُعِلْنَ عندَ امْرأةٍ ثِقَةٍ؛ لأنَّهُنَّ مُحَرَّماتٌ عليه، فلا يُمَكَّنُ منهنَّ.
وذَكَرَ القاضي أنَّه يُؤْجَرُ عَقارُه، وعَبِيدُه، وإماؤُه.
قال شيخُنا 1442: والأوْلَى أن لا يُفْعَلَ ذلك؛ لأنَّ مُدَّةَ انْتِظارِه قَريبَةٌ، ليس في انْتِظارِه فيها ضَررٌ، فلا يُفَوَّتُ عليه مَنافِعُ مِلْكِه فيما لا يَرْضَاه من أجْلِها، فإنَّه رُبَّما

الجزء: 27 - الصفحة: 154

وَتُقْضَى دُيُونُهُ، وَأُرُوشُ جِنَايَاتِهِ، وَيُنْفَقُ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُه.
راجَعَ الإِسلامَ، فيَمْتَنِعُ عليه التَّصَرُّفُ في مالِه بإجارَةِ الحاكِمِ له.
وإن لَحِقَ بدَارِ الحَرْبِ، أو تَعَذَّرَ قَتْلُه مُدُّةً طَويلَةً، فَعَلَ الحَاكِمُ (1) ما يَرَى الحَظَّ فيه، مِن بَيعِ الحَيَوانِ الذي يَحْتاجُ إلى النَّفَقَةِ وغيرِه، وإجارَةِ ما يَرَى إبْقَاءَه، والمُكاتَبُ يُؤَدِّي إلى الحاكمِ، ويَعْتِقُ بالأداءِ؛ لأنَّه نائِبٌ عنه.

4595 -

مسألة: (وَتُقْضَى دُيُونُه وأُرُوشُ جِناياتِه، ويُنْفَقُ على مَن تَلْزَمُه مؤْنَتُه)

يعني إذا مات أو قُتِلَ، فإنَّه يُبْدَأُ بقَضاء دُيونِه، وأَرْشِ1443

الحديث: 4595 - الجزء: 27 - الصفحة: 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جِنايَتِه، ونَفَقَةِ زَوْجَتِه وأقارِبهِ الذين تَلْزَمُه مُؤْنَتُهم؛ لأَنَّ هذه الحُقوقَ لا يجوزُ تَعْطِيلُها، وأُولَى ما يُؤْخَذُ من مالِه، [وما بَقِي مِن مالِه فهو فَىْءٌ] 1444. في الصَّحِيحِ من المذهبِ.
وعنه، أنَّه لوَرَثَتِه من المسلمين.
وعنه، أنَّه لوَرَثَتِه من أهلِ الدِّينِ الذي انْتَقَلَ إليه، وقد ذَكَرْنا ذَلكَ في الفَرائِضِ.
فصل: وإذا وُجدَ من المُرْتَدِّ سَبَبٌ يَقْتَضِي المِلْكَ؛ كالصَّيدِ، والاحْتِشاشِ، والاتِّهابِ، والشِّراءِ، وإيجارِ نَفْسِه إجارَةً خاصَّةً، أو مُشْتَرَكَةً، ثَبَتَ المِلْكُ له؛ لأنَّه أهْل للمِلْكِ، وكذلك 1445 بَقِيَتْ أمْلاكُه الثَّابِتَةُ له.
ومن قال: إنَّ مِلْكَه يَزُولُ.
لم يُثْبِتْ له مِلْكًا؛ لأنَّه ليس بأهْلٍ للمِلْكِ، ولهذا زالتْ أمْلاكُه الثَّابِتَةُ، فإن أسْلَمَ، احْتَملَ أن لا يَثْبُتَ له شيءٌ أيضًا؛ لأنَّ السَّبَبَ لم يَثْبُتْ حُكْمُه.
واحْتَمَلَ أن يَثْبُتَ المِلْكُ له حِينَئِذٍ؛ لأنَّ السَّبَبَ مَوْجُودٌ، وإنَّما امْتَنَع ثُبوتُ حُكْمِه؛ لعَدَمِ أهْلِيَّتِه، فإذا وُجِدَتْ، تَحَقَّقَ الشَّرْطُ، فيَثْبُتُ المِلْكُ حينَئِذٍ، كما تَعُودُ إليه أمْلاكُه التي زالتْ عنه عندَ عَوْدِ أهْلِيَّتِه.
فعلى هذا، إن ماتَ، أو قُتِلَ، انْتَقَلَ المِلْكُ لمَن يَنْتَقِلُ إليه مالُه؛ لأنَّ هذا في مَعْناه.
فصل: وإن لَحِقَ المُرْتَدُّ بدارِ الحَرْبِ، فالحُكْمُ فيه حُكْمُ مَن هو في دارِ الإِسْلامِ، إلَّا أنَّ ما كانَ معه من مالِه، يَصِيرُ مُباحًا لمَن قَدَرَ عليه؛

الجزء: 27 - الصفحة: 156

وَمَا أَتْلَفَ مِنْ شَيْءٍ، ضَمِنَهُ، وَيَتَخَرَّجُ في الْجَمَاعَةِ الْمُمْتَنِعَةِ أَنْ لَا تَضْمَنَ مَا أَتْلَفَتْهُ.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: يَزُولُ مِلْكُهُ بِرِدَّتِهِ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ، وَإنْ أَسْلَمَ رُدَّ إِلَيهِ تَمْلِيكًا مُسْتَأْنَفًا.
كما أُبِيحَ دَمُه، وأمَّا أمْلاكُه ومالُه الذي في دارِ الإِسلامِ، فمِلْكُه ثابِتٌ فيه، ويَتَصرَّفُ فيه الحاكِمُ بما يَرَى المَصْلَحَةَ فيه.
وقال أبو حنيفةَ: يُورَثُ مالُه، كما لو ماتَ؛ لأنَّه قد صارَ في حُكْمِ المَوْتَى؛ بدَلِيلِ حِل دَمِه ومالِه الذي معه لكلِّ مَن قَدَر عليه.
ولَنا، أنَّه حَيٌّ فلم يُورَثْ، كالحَرْبِيِّ الأصْلِيِّ، وحِلُّ دَمِه لا يُوجِبُ تَوْرِيثَ مالِه؛ بدليلِ الحَرْبِيِّ الأصْلِيِّ، وإنَّما حَلَّ مالُه الذي معه؛ لأنَّه زَال العاصِمُ (1) له، فأشْبَهَ مالَ الحَرْبِيِّ الذي في دارِ الحَرْبِ، وأمَّا الذي في دارِ الإِسلامِ، فهو باقٍ على العِصْمَةِ، كمالِ الحَرْبِيِّ الذي مع مُضارَبِه في دارِ الإِسْلامِ، أو عندَ مُودَعِه.

4596 -

مسألة: (وما أتْلَفَ من شيءٍ، ضَمِنَه، ويَتَخَرَّجُ في الجماعَةِ المُمْتَنِعَةِ أن لا تَضْمَنَ ما أَتْلَفَتْه)

إذا ارْتَدَّ قَوْمٌ، فأتْلَفُوا مالًا للمسلمين، لَزِمَهُم ضَمانُ ما أتْلَفُوه، سَواءٌ تَحَيَّزُوا 1447 أو صارُوا في1446

الحديث: 4596 - الجزء: 27 - الصفحة: 157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَنَعَةٍ، أو لم يَصِيرُوا.
ذَكَرَه أبو بكرٍ.
قال القاضي: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ.
وقال الشافعيُّ 1448: حُكْمُهم حُكْمُ أهْلِ البَغْي فيما أتْلَفُوه، من الأنْفُسِ والأمْوالِ؛ لأنَّ تَضْمِينَهم يُؤَدِّي إلى تَنْفِيرِهم عن الرُّجُوعِ إلى الإِسلامِ، فأشْبَهُوا أهْلَ البَغْي.
ولَنا، ما رُوِيَ عن أبي بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال لأهْلِ الرِّدَّةِ حينَ رَجَعُوا: تَرُدُّونَ علينا ما أخَذْتُم منَّا، ولا نَرُدُّ عليكم ما أخَذْنا منكم، وأن تَدُوا قَتْلانَا، ولا نَدِي قَتْلاكُم.
قالوا: نعم يا خليفةَ رسولِ اللهِ.
قال عمرُ: كُلُّ ما قُلْتَ كما قُلْتَ، إلَّا أن يَدُوا ما قُتِلَ مِنَّا، فَلا؛ لأنَّهم قَوْمٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ واسْتُشْهِدُوا 1449. ولأنَّهم أتْلَفُوه بغيرِ تَأْويل، فأشْبَهُوا أهْلَ الذِّمَّةِ.
فأمَّا القَتْلَى فحُكْمُهم حُكْمُ أهلِ البَغْي؛ لِما ذَكَرْنا من خَبَرِ أبي بكرٍ وعُمرَ، ولأنَّ طُلَيحَةَ 1450 الأسَدِيَّ قَتَل عُكَّاشَةَ بنَ مِحْصَنٍ، وثابتَ بنَ أقْرَمَ 1451

الجزء: 27 - الصفحة: 158

وَإذَا أسْلَمَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
الأسَدِيَّيْن، فلم يَغْرَمْهما (1)، وبنو حنيفةَ قَتَلُوا مَن قَتَلُوا من المسلمين يومَ اليَمَامَةِ، فلم يَغْرَمُوا شيئًا.
ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ قولُ أحمدَ، وكَلامُه في المالِ، على وُجُوبِ رَدِّ ما هو في أيدِيهم دُونَ ما أتْلَفُوه، وعلى مَن أتْلَفَ من غيرِ أن تكونَ له مَنَعَةٌ، أو أتْلَفَ في غيرِ الحَرْبِ.
وما أتْلَفُوه حال الحَرْبِ، فلا ضَمانَ عليهم فيه؛ لأنَّه إذا سَقَط ذلك عن أهْلِ البَغْي، كيلا يُؤَدِّيَ إلى تَنْفِيرِهم عن الرُّجوعَ إلى الطَّاعةِ، فلأنْ يَسْقُطَ ذلك كيلا يُؤَدِّيَ إلى التَّنْفِيرِ عن الإِسلامِ أوْلَى، ولأنَّهم إذا امْتَنَعُوا صارُوا كُفَّارًا مُمْتَنِعِين بدارِهِم، فأشْبَهُوا أهْلَ الحَرْبِ.
ويُحْمَلُ قولُ أبي بكرٍ على ما بَقِيَ في أيدِيهم مِن المالِ، فيكونُ مذهبُ أحمدَ، والشافعيِّ في هذا سَواءً.
وهذا أعْدَلُ وأصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فأمَّا مَن لا مَنَعَةَ له فيَضْمَنُ ما أتْلَفَ مِن نَفْسٍ ومالٍ، كالواحدِ مِن المسلمينَ، أو أهْلِ الذِّمَّةِ؛ لأنَّه لا مَنَعَةَ له، ولا يَكْثُرُ ذلك منه، فَبَقِيَ المالُ والنَّفْسُ بالنِّسْبَةِ إليه على عِصْمَتِه، ووُجُوبِ ضَمانِه.
واللهُ أعلمُ.

4597 -

مسألة: (وإذا أسْلَمَ، فهل يَلْزَمُه قَضاءُ ما تَرَك من العباداتِ؟ على رِوايَتَين)

إحداهما، عليه القَضاءُ؛ لأنَّها عِبادةٌ واجِبَةٌ الْتَزَم1452

الحديث: 4597 - الجزء: 27 - الصفحة: 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بوُجوبِها، واعْتَرَف بها في زَمَنِ إسْلامِه، فلَزِمَ قَضاءُها عندَ فَواتِها كغيرِ المُرْتَدِّ.
والثانيةُ، لا يَلْزَمُه قَضاءُها؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ 1453. ولأَنَّه كافرٌ أسْلَمَ، فلم يَلْزَمْه قَضاءُ العِباداتِ التي كانت في كُفْرِه، كالحَرْبِيِّ، ولأنَ أبا بكرٍ لم يَأْمُرِ المُرْتَدِّينَ حينَ أسْلَمُوا بقَضاءِ ما فاتَهم.

الجزء: 27 - الصفحة: 160

وَإذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ، وَلَحِقَا بدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ قُدِرَ عَلَيهِمَا، لَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهُمَا، وَلَا اسْتِرْقَاقُ أَولَادِهِمَا الَّذِينَ وُلِدُوا في دَارِ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ قُتِلَ.
وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مَنْ وُلِدَ مِنْهُمْ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَهَلْ يُقَرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

4598 - مسألة: (وإذا ارْتَدَّ الزَّوْجانِ، ولَحِقَا بدارِ الحَرْبِ، ثم قُدِرَ عليهما، لم يَجُزِ اسْتِرْقاقُهما، ولا اسْتِرْقاقُ أوْلادِهما الَّذِينَ وُلِدُوا في الإِسْلامِ، ومَن لم يُسْلِمْ منهم قُتِلَ.
ويَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مَن وُلِدَ بعدَ الرِّدَّةِ، وهل يُقَرُّونَ على كُفْرِهم؟ على رِوايَتَين)

وجملةُ ذلك، أنَّ الرِّقَّ لا يَجْرِي على المُرْتَد، سَواءٌ كان رجلًا أو امرأةً، وسَواءٌ لَحِقَ بدارِ الحَرْبِ أو أقامَ بدارِ الإِسْلامِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا لَحِقَتِ المُرْتَدَّةُ بدارِ الحَرْبِ، جازَ اسْتِرْقاقُها؛ لأنَّ أبا بكرٍ سَبَى بني حنيفةَ، واسْتَرَقَّ

الحديث: 4598 - الجزء: 27 - الصفحة: 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نساءَهم، وأمُّ محمدِ بنِ الحَنَفِيَّةِ [من سَبْيِهم] 1454. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَن بَدَّلَ دِينَه فَاقْتُلُوهُ» 1455. ولأنَّه لا يجوزُ إقْرارُها 1456 على كُفْرِها 1457، فلم يَجُزِ اسْتِرْقاقُها 1458 كالرَّجلِ، ولم يُنْقَلْ أنَّ الذين سَباهُم أبو بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، كانوا أسْلَمُوا، ولا ثَبَت لهمِ حُكْمُ الرِّدَّةِ.
فإن قِيل: فقد رُوِيَ عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ المُرْتدَّةَ تُسْبَى 1459. قُلْنا: هذا الحديث ضَعَّفَه أحمدُ.
فأمَّا أوْلادُ المُرْتَدِّينَ، فإن كانُوا وُلِدُوا قبلَ الردَّةِ، فإنَّهم مَحْكومٌ بإسْلامِهم تَبَعًا لآبائِهم، ولا يتْبَعُونَهم في الرِّدَّةِ؛ لأنَّ الإِسلامَ يَعْلُو، وقد تَبِعُوهم فيه، فلا يَتْبَعُونهم في الكُفْرِ، فلا يجوزُ اسْتِرْقاقُهم صِغارًا؛ لأنَّهم مسلمون، ولا كِبارًا؛ لأنَّهم إن ثَبَتُوا على إسْلامِهم بعدَ كُفْرِهم فهم مسلمون، وإن كَفَرُوا فهم مُرْتَدُّون، حُكْمهُم حُكْمُ آبَائِهم في الاسْتِتَابَةِ، وتَحْرِيمِ الاسْتِرْقاقِ.
وأمَّا مَن حَدَث بعدَ الرِّدَّةِ، فهو محكومٌ بكُفْرِه؛ لأنَّه وُلِدَ بينَ أبَوَين كافِرَين، ويجوزُ اسْتِرْقاقُه؛

الجزء: 27 - الصفحة: 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّه ليس بمُرْتَدٍّ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ وأبي بكرٍ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ اسْتِرْقاقُهم، لأنَّ آباءَهم لا يجوزُ اسْتِرْقاقُهم، ولأنَّهم لا يُقَرُّون بالجِزْيَةِ، فلا يُقَرُّونَ بالاسْتِرْقاقِ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن وُلِدُوا في دارِ الإِسلامِ، لم يَجُزِ اسْتِرْقاقُهم، وإن وُلِدُوا في دارِ الحَرْبِ، جازَ اسْتِرْقاقُهم.
[ولَنا، أنَّه لم يَثْبُت لهم حكمُ الإِسلامِ، فجازَ اسْترْقاقُهم] 1460، كوَلَدِ الحَرْبِيَّين، بخِلافِ آبائِهم.
فعلى هذا، إذا وَقَع في الأسْرِ بعدَ لُحُوقِه بدارِ الحربِ، فحُكْمُه حُكْمُ سائرِ أهلِ الحربِ، وإن كان في دارِ الإِسْلام، لم يُقَرَّ بالجِزْيَةِ، وكذلك لو بَذَل الجِزْيَةَ بعدَ لُحُوقِه بدارِ الحَرْبِ، لمَ يُقَرَّ بها، لأنَّه انْتَقَل إلى الكُفْرِ بعدَ نزولِ القُرْآنِ.
فأمَّا مَن كان حَمْلًا حال رِدَّتِه، فظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ أنَّه كالحادِثِ بعدَ كُفْرِه.
وعندَ الشافعيِّ، هو كالمَوْلُودِ، [لأَنَّه موجودٌ] (1)، ولهذا

الجزء: 27 - الصفحة: 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَرِثُ.
ولَنا، أنَّ أكثرَ الأحْكامِ إنَّما تَتَعَلَّقُ به 1461 بعدَ الوَضْعِ، فكذلك هذا الحكمُ.
وهل يُقَر مَن وُلِدَ بعدَ الرِّدَّةِ على كُفْرِه؛ فيه رِوايتان؛ إحداهما، يُقرُّ، كأوْلادِ أهْلِ الحربِ.
والثانيةُ، لا يُقَرُّونَ، فإذا أسْلَمُوا رُقُّوا؛ لأنَّهم أوْلادُ مَن لا يُقَرُّ على كُفْرِه، فلا يُقَرونَ على كُفْرِهم، كالمَوْجودِين قبلَ رِدَّتِهِم.
فصل: ومَن لم يُسْلِمْ من الذين كانوا مَوْجُودِين قبلَ الرِّدَّةِ، فقُدِرَ عليهم، أو على آبَائِهم، اسْتُتِيبَ منهم مَن كان بالغًا عاقِلًا، فمَن لم يَتُبْ قُتِلَ، ومَن لم يَبْلُغِ انْتُظِرَ بُلُوغُه، فإن لم يَتُبْ، قُتِلَ إذا اسْتُتِيبَ، ويَنْبَغِي أن يحْبَسَ حتى لا يَهْرُبَ.

الجزء: 27 - الصفحة: 164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومتى ارْتَدَّ أهلُ بلدٍ، وجَرَتْ فيهم أحْكامُهم، صارُوا دارَ حَرْبٍ في اغْتِنامِ أمْوالِهم، وسَبْي ذَرارِيِّهم الحادِثِين بعدَ الرِّدَّةِ، وعلى الإِمامِ قِتالُهم، فإنَّ أبا بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، قاتَلَ أهْلَ الرِّدَّةِ بجمَاعَةِ 1462 الصحابةِ، ولأنَّ اللهَ تَعالى قد أمَرَ بقِتالِ الكُفَّارِ في مَواضِعَ من كِتابِه، وهؤلاءِ أحَقُّهم بالقِتالِ؛ لأنَّ تَرْكَهم ربَّما أغْرَى أمْثالهم بالتَّشَبُّهِ بهم، والارْتِدَادِ معهم، فيَكْثُرُ الضَّرَرُ بهم.
وإذا قَاتَلَهم، قَتَلَ مَن قَدَر عليه، ويُتْبَعُ مُدْبِرُهم، ويُجَازُ على جَرِيحِهم، وتُغْنَمُ أمْوالُهم.
وبهذا قال

الجزء: 27 - الصفحة: 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَصِيرُ دارَ حربٍ حتى يَجْتَمِعَ فيها ثلاثةُ أشْياءَ؛ أن تكونَ مُتاخِمَةً لدارِ الحربِ، لا شيءَ بينَهما من دارِ الإِسلامِ.
الثاني، أن لا يَبْقَى فيها مُسْلِمٌ ولا ذِمِّيٌّ آمِن.
الثالثُ، أن تَجْرِي فيها أحْكامُهم.
ولَنا، أنَّها دارُ كُفَّارٍ، فيها أحْكامُهم، فكانتْ دارَ حَرْبٍ، كما لو اجْتَمَعَ فيها هذه الخِصالُ، أو دارَ الكَفَرَةِ الأصْلِيِّين.
فصل: وإن قَتَلَ المُرتَدُّ مَن يُكافِئَه عَمْدًا، فعليه القِصاصُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
والوَلِيُّ مُخَيَّرٌ بينَ قَتْلِه والعَفو عنه، فإن اخْتارَ القِصاصَ، قُدِّمَ على قَتْلِ الرِّدَّةِ، سَواءٌ تَقَدَّمَتِ الرِّدَّةُ أو تَأْخَّرَتْ؛ لأنَّه حَقُّ آدَمي، وإن عَفَا على مالٍ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ في مالِه.
وكذلك إن كان القَتْلُ خَطَأً، تَجِبُ الدِّيَةُ في مالِه أيضًا؛ لأنَّه لا عاقلةَ له.
قال القاضي: وتُؤْخَذُ منه الدِّيَةُ في ثلاثِ

الجزء: 27 - الصفحة: 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سِنِينَ؛ لأنَّها دِيَةُ الخَطَأ، وإن قُتِلَ أو ماتَ، أُخِذَتْ من مالِه في الحالِ؛ لأنَّ الدَّينَ المُؤَجَّلَ يَحِلُّ بالمَوْتِ في حَقِّ مَن لا وارِثَ له.
ويَحْتَمِلُ أن تَجبَ الدِّيَةُ حالَّةً عليه؛ لأنَّها إنَّما أُجِّلَتْ في حَقِّ العاقِلَةِ تَخْفِيفًا عليهم، لأَنَّهم يَحْمِلُون عن غيرِهم على سَبِيلِ المُوَاساةِ، فأمَّا الجانِي، فتَجِبُ عليه حالَّةً؛ لأنَّها بَدَلٌ عن مُتْلَفٍ، فكانتْ حالَّةً، كسائرِ أبْدالِ المُتْلَفاتِ.
فصل: ومَن أسْلَمَ من الأبوَين، كان أوْلادُه الأصَاغِرُ تَبَعًا له.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: إذا أسْلَمَ أبَوَاهُ أو أحدُهما، وأدْرَكَ فأبَى الإِسلامَ، أُجْبِرَ عليه، ولم يُقْتَلْ.
وقال مالكٌ: إن أسْلَمَ الأبُ، تَبِعَه أوْلادُه، وإن أسْلَمَتِ الأمُّ لم يَتْبَعُوها؛ لأنَّ وَلَدَ الحَرْبِيَّين 1463 يَتْبَعُ أبَاه دُونَ أُمِّه، بدَليلِ المَوْلَيَين إذا كانَ لهما ولدٌ، كان وَلاؤُه لمَوْلَى أبِيه دُونَ أُمِّه 1464، ولو كان الأبُ عَبْدًا والأمُّ مَوْلاةً، فأُعْتِقَ العبدُ، لجَرَّ وَلاءَ ولدِه إلى مَوالِيه، ولأنَّ الوَلَدَ يَشْرُف بشَرَفِ أبِيه، ويُنْسَبُ إلى قَبِيلَتِه دُونَ قَبِيلَةِ

الجزء: 27 - الصفحة: 167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أُمِّه، فوَجَبَ أن يَتْبَعَ اعصباه في دِينِه أيَّ دِينٍ كان.
وقال الثَّوْرِيُّ: إذا بَلَغ خُيِّرَ بينَ دِينِ أبِيه ودِينِ أُمِّه، فأيُّهما اخْتارَه كان على دِينِه.
ولَعلَّه يَحْتَجُّ بحديثِ الغُلامِ الذي أسْلَمَ أبُوه، وأبَتْ أُمُّه أن تُسْلِمَ، فخَيَّرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بينَ أبِيه وأُمِّه 1465. ولَنا، أنَّ الولدَ يَتْبَعُ أبَوَيه في الدِّينِ، فإذا اخْتَلَفا، وَجَب أن يَتْبَعَ المسلمَ منهما، كولدِ المسلمِ من الكِتابِيَّةِ، ولأنَّ الاسلامَ يَعْلُو ولا يُعْلَى، ويَتَرَجَّحُ الإسلامُ 1466 بأَشْياءَ؛ منها أنَّه دِينُ اللهِ الذي رَضِيَه لعبادِه، وبَعَث به رُسُلَه، ودَعا خَلْقَه إليه، ومنها، أنه تَحْصُلُ به السَّعادَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويَتَخَلَّصُ به في الدُّنْيا من القَتْلِ والاسْتِرْقاقِ وأداءِ الجِزْيَةِ، وفي الآخِرَةِ مِن سَخَطِ اللهِ وعَذَابِه، ومنها أنَّ الدَّارَ دارُ الإِسْلامِ يُحْكَمُ بإسلام 1467 لَقِيطِها، ومَن لا يُعْرَفُ حالُه فيها 1468، وإذا كان مَحْكومًا بإسْلامِه، أُجْبِرَ عليه إذا امتنعَ منه بالقَتْلِ، كوَلَدِ المسلمين، ولأنَّه مسلمٌ، فإذا رَجَع عن إسْلامِه، وَجَبَ قتلُه؛ لقولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» 1469. وبالقِياسِ على غيرِه.
ولَنا، على مالكٍ، أنَّ الأُمَّ أحَدُ الأبوَين، فتَبِعَها وَلَدُها في الإِسْلام، كالأبِ، بل الأُمُّ أَوْلَى به (2)؛ لأنَّها أخَصُّ به؛ لأنه مَخْلُوقٌ منها حَقِيقةً، وتَخْتَصُّ

الجزء: 27 - الصفحة: 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بحَمْلِه ورَضاعِه، ويَتْبَعُها في الرِّقِّ والحُرِّيَّةِ والتَّدْبِيرِ والكتابةِ، ولأنَّ سائرَ الحَيَواناتِ يَتْبَعُ الولَدُ أُمَّه دُونَ أبِيه، وهذا يُعارضُ ما ذَكَرَه 1470. وأمَّا تَخْيِيرُ الغلامِ، فهو في الحَضانةِ لا في الدِّينِ.
فصل: ومَن ماتَ مِن الأبَوَين الكافِرَين على كُفْرِه، قُسِمَ للولَدِ المِيراثُ، وكان مسلمًا بمَوْتِ مَن ماتَ منهما.
وأكثرُ الفُقَهاءِ على أنَّه لا يحْكَمُ بإسْلامِه بمَوْتِهما ولا بمَوْتِ أحَدِهما؛ لأنَّه ثَبَت كُفْرُه تَبَعًا، ولم يُوجدْ منه إسْلامٌ، ولا ممَّن هو تابعٌ له، فوَجَب إبْقاؤُه 1471 على ما كان عليه؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أحَدٍ مِن خُلَفائِه أنَّه أجْبَرَ أحدًا مِن أهلِ الذِّمَّةِ على الإِسْلامِ بمَوْتِ أبِيه، مع أنَّه لم يَخْلُ زَمَنُه عن مَوْتِ بعضِ أهلِ الذِّمَّةِ عن يَتِيمٍ 1472. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «كُلّ مَوْلُودٍ يُولَدُ على الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويُمَجِّسَانِه».
مُتَّفَقٌ عليه 1473. فجَعَل كُفْرَه بفِعْلِ أبْوَيه، فإذا ماتَ أحَدُهما، انْقَطَعَتِ

الجزء: 27 - الصفحة: 169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  التَّبَعَيَّةُ، فوَجَب إبْقاؤُه على الفِطْرَةِ التي وُلِدَ عليها، ولأنَّ المسألةَ مَفْرُوضَةٌ في مَن مات أبُوه في دارِ الإسلامِ، وقَضِيَّةُ الدارِ الحُكمُ بإسْلامِ أهْلِها، ولذلك 1474 حَكَمْنا بإسلام لَقِيطِها، وإنَّما ثَبَت الكُفْرُ للطِّفْلِ الذي له أبَوان، فإذا عُدِمَا أو أحَدُهما، وَجَب إبْقاؤُه على حُكمِ الدَّارِ؛ لانْقِطاعِ تَبَعِيَّتِه لمَن يَكْفُرُ بها، وإنَّما 1475 قُسِمَ له المِيراثُ؛ لأنَّ إسْلامَه إنما ثَبَت بمَوْتِ أبِيه الذي اشتَحَقَّ به المِيراثَ، فهو سَبَبٌ لهما، فلم يَتَقَدَّمِ الإِسلامُ المانِعُ مِن المِيراثِ على اسْتِحْقاقِه، ولأنَّ الحُريَّةَ المُعَلَّقَةَ بالموتِ، لا تُوجِبُ المِيراثَ فيما إذا قال سَيِّدُ العَبْدِ له: إذا ماتَ أبُوكَ فأنتَ حُرٌّ.
فماتَ أبوه، فإنَّه يَعْتِقُ، ولا يَرِثُ، فيجبُ أن يكونَ الإِسلامُ المُعَلَّقُ بالمَوْتِ لا يَمْنَعُ المِيراثَ، وهذا فيما إذا كان في دارِ الإِسلامِ؛ لأنَّه متى انْقَطَعَت تَبَعِيَّتُه لأبوَيه أو أحدِهما، ثَبَت له حُكْمُ الدَّارِ، فأمَّا دارُ الحَرْبِ، فلا يُحْكَمُ بإسلامِ ولدِ الكافِرَين 1476 فيها بمَوْتِهما، ولا مَوْتِ أحدِهما؛ لأنَّ الدَّارَ لا يُحْكَمُ بإسْلامِ أهْلِها، ولذلك لم يُحْكَمْ بإسلامِ لَقِيطِها.

الجزء: 27 - الصفحة: 170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وتَثْبُتُ الرِّدَّةُ بشَيئَين؛ الإِقْرارُ، والبَيِّنةُ، فمتى شَهِد بالرِّدَّةِ على المُرْتَدِّ مَن ثَبَتَتِ الرِّدَّةُ بشَهادَتِه، فأنْكَرَ، لم يُسْمَعْ إنْكارُه، واسْتُتِيبَ، فإن تَاب، وإلَّا قُتِلَ.
وحُكِيَ عن بعضِ أصحابِ أبي حنيفةَ، أنَّ إنْكارَه يَكْفِي في الرُّجُوعِ إلى الإِسلام، ولا يَلْزَمُه النُّطْقُ بالشَّهادةِ؛ لأنَّه لو أقَرَّ بالكُفْرِ ثُمَّ أنْكَرَه، قُبِلَ منه، ولم يُكَلَّفِ الشَّهادَتَين، فكذا هذا.
ولَنا، ما رَوَى الأثْرَمُ بإسْنادِه، عن عل، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه أُتِي برَجلٍ عربيٍّ [قد تَنَصَّر] 1477، فاسْتَتابَه، فأبَى أن يَتُوبَ، فقَتَلَه، وأُتِيَ برَهْطٍ يُصَلُّونَ وهم زَنادِقَةٌ، وقد قامتْ عليهم بذلك الشُّهُودُ العُدُولُ، فجَحَدُوا،

الجزء: 27 - الصفحة: 171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقالوا: ليس لنا دِينٌ إلَّا الإِسلامُ.
فقَتَلَهم، ولم يَسْتَتِبْهم، ثم قال: أتَدْرُونَ لمَ اسْتَتَبْتُ النَّصْرانِيَّ؛ اسْتَتَبْتُه؛ لأنَّه أظْهَرَ دِينَه، فأمَّا الزَّنادِقَةُ الذين قامتْ عليهم البَيِّنَةُ، فإنَّما قَتَلْتُهم؛ لأنَّهم جَحَدُوا، وقد قامتْ عليهم البَيِّنَةُ 1478. ولأنَّه قد ثَبَت كُفْرُه، فلم يُحْكَمْ بإسلامِه بدونِ الشَّهادَتَين، كالكافرِ الأصْلِيِّ، ولأنَّ إنْكارَه تَكْذِيب للبَيِّنَةِ، فلم يُسْمَعْ، كسائرِ الدَّعَاوَى.
فأمَّا إذا أقَرَّ بالكُفْرِ ثم أنكرَ، فيَحْتَمِلُ أنَّ القولَ فيه كمسألتِنا، وإن سَلَّمْنا، فالفرقُ بينَهما أنَّ الحَدَّ وَجَب بقولِه، فقُبِلَ رُجُوعُه عنه، وما ثَبَت بالبَيِّنَةِ لم يَثْبُتْ بقولِه، فلا يُقْبَلُ رُجُوعُه عنه، كالزِّنَى والسَّرِقَةِ.

الجزء: 27 - الصفحة: 172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وتُقْبَلُ الشَّهادةُ على الرِّدَّةِ مِن عَدْلَين، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والشافعيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
قال ابنُ المُنْذِر: ولا نعلمُ أحدًا خالفَهم، إلَّا الحسنَ، قال: لا يُقْبَلُ في القَتْلِ إلَّا أرْبعةٌ؛ لأنَّها شهادةٌ بما يُوجِبُ القَتْلَ، فلم يُقْبَلْ فيها إلَّا أربعةٌ، قياسًا على الزِّنَى 1479. ولَنا، أنَّها شَهادةٌ بغيرِ الزِّنى، فقُبلَتْ مِن عَدْلَين، كالشَّهادَةِ على السَّرِقَةِ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الزِّنى، فإنَّه لم يُعْتَبَرْ فيه الأربعةُ 1480 لعلَّةِ القَتْلِ، بدليلِ اعْتِبارِ ذلك في زِنَى البِكْرِ، ولا قَتْلَ فيه، وإنَّما العِلَّةُ كَوْنُه زِنًى، ولم يُوجَدْ ذلك في الرِّدَّةِ، ثم الفرقُ بينَهما أنَّ القَذْفَ بالزِّنَى يُوجِبَ ثمانين جلدةً، بخِلافِ القَذْفِ بالرِّدَّةِ.
فصل: وإذا أُكْرِهَ على الإسلام مَن لا 1481 يجوزُ إكْراهُه، كالذِّمَّيِّ والمُسْتَأْمِنِ، فأسْلَمَ، لم يَثْبُتْ له حَكمُ الإِسلامِ، حتى يُوجَدَ منه ما يَدُلُّ على إسْلامِه طَوْعًا، مثلَ أن يَثْبُتَ على الإِسلامِ بعدَ زَوالِ الإِكْراهِ عنه.
وإن ماتَ قبلَ ذلك، فحُكْمُه حُكْمُ الكُفَّارِ.
وإن رَجَع إلى دِينِ الكُفْرِ، لم يَجُزْ قَتْلُه ولا إكْراهُه على الإِسلامِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.

الجزء: 27 - الصفحة: 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال محمدُ بنُ الحسنِ: يَصيرُ مسلمًا في الظَّاهِرِ، وإن رَجَع عنه قُتِلَ إذا امْتَنَع مِن الإِسلامِ؛ لعُمُومِ قولِه - عليه السلام -: «أمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إلا اللهُ.
فإذا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَموَالهُمْ إلا بِحَقِّهَا [وحِسَابُهُم عَلَى الله] 1482» 1483. ولأنَّه أتَى بقَوْلِ الحَقِّ، فلَزِمَه حُكْمُه، كالحَرْبِيِّ إذا أُكْرِهَ عليه.
ولَنا، أنَّه أُكْرِهَ على ما لا يجوزُ إكراهُه عليه، فلم يَثْبُت حُكْمُه في حَقِّه، كالمُسْلمِ إذا أُكْرِهَ على الكُفْرِ، والدَّليلُ على تحريمِ الإِكراهِ قولُ اللهِ تعالى؛ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ 1484. وأجْمَعِ أهلُ العلمِ على أنَّ الذِّميَّ إذا قامَ على ما هو عليه والمُسْتَأْمِنَ، لا يجوزُ نقْضُ عَهْدِه، ولا إكْرَاهُه على ما لم يَلْتَزِمْه 1485. ولأنَّه أُكْرِهَ على ما لا يجوزُ إكْراهُه عليه، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه في حَقِّه، كالإِقْرارِ والعِتْقِ.
وفارَقَ الحَرْبِيَّ والمُرْتَدَّ؛ فإنَّه يجوزُ قَتْلُهما وإكْراهُهُما على الإِسلامِ، بأنْ يقولَ: إن أسْلَمْتَ وإلَّا قَتَلْنَاكَ.
فمتى أسلمَ، حُكِمَ بإسْلامِه ظاهِرًا.
وإن ماتَ قبلَ زَوالِ الإِكراهِ عنه، فحُكْمُه حكمُ المسلمين؛ لأنَّه أُكْرِهَ بحَقٍّ، فحُكِمَ بصِحَّةِ ما يَأْتِي به، كما لو أُكْرِهَ المسلمُ على الصلاةِ فصَلَّى، وأمَّا في الباطِنِ

الجزء: 27 - الصفحة: 174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فبينَهم وبينَ ربِّهم، فمَن اعْتَقَد الإِسلامَ بقَلْبِه، وأسلمَ فيما بينَه وبينَ رَبِّه، فهو مسلمٌ عندَ اللهِ موْعودٌ بما وَعَد به مَن أسْلَمَ طائِعًا، ومَن لم يَعْتَقِدِ الإِسلامَ بقَلْبِه، فهو باقٍ على كُفْرِه، لا حَظَّ له في الإِسلامِ، وسَواءٌ في هذا مَن يُجَوِّزُ إكْراهَه ومَن لا يُجَوزُ، فإنَّ الإِسلامَ لا يَحْصُلُ بدونِ اعْتِقادِه مِن العاقلِ، بدليل أنَّ المُنافِقِين كانوا يُظْهِرُونَ الإِسلامَ، ويَقُومُونَ بفَرائِضِه، ولم يكُونوا مُسْلِمِين.
فصل: ومَن أُكْرِهَ على الكُفْرِ، لم يَصِرْ كافِرًا.
وبهذا قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ: هو كافِرٌ في الظَّاهِرِ، تَبِينُ منه امرأتُه، ولا يَرِثُه المسلمون إن ماتَ، ولا يُغَسَّلُ، ولا يُصَلَّى عليه، وهو مسلمٌ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، لأنَّه نَطَق بكَلِمَةِ الكُفْرِ، فأشْبَهَ المُخْتارَ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ 1486. ويُرْوَى أنَّ عَمَّارًا 1487 أكْرَهَه المُشْرِكون، فضربُوه حتى تَكَلَّمَ بما طَلَبُوا منه، ثم أتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وهو يَبْكِي، فأخبرَه، فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنْ عَادُوا فَعُدْ» 1488. ورُوِيَ أنَّ الكُفَّارَ كانوا يُعَذِّبُونَ المُسْتَضْعَفِينَ مِن المؤمِنِين، فما منهم أحَدٌ إلَّا أجابَهم، إلَّا بلالًا، فإنَّه كان يقولُ: أحَدٌ.
أحَدٌ 1489.

الجزء: 27 - الصفحة: 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِيَ لأمَّتِي عَنِ الخَطَأ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» 1490. ولأنَّه قول أُكْرِهَ عليه بغيرِ حَقٍّ، فلم يَثْبُتْ في حَقِّه، كما لو أُكْرِهَ على الإِقْرارِ، وفارَقَ ما إذا أُكْرِهَ بحَقٍّ، فإنَّه خُيِّرَ بينَ أمْرَينِ يَلْزَمُه أحدُهما، فأيُّهما اخْتارَه ثَبَت حُكْمُه في حَقِّه.
فإذا ثَبَت أنَّه لم يَكْفُرْ، فمتى زال عنه الإكراهُ، أُمِرَ بإظْهارِ إسْلامِه، فإن أظْهَرَه فهو بَاقٍ على إسْلامِه، وإن أظْهَرَ الكُفْرَ حُكِمَ أنَّه كَفَر مِن حينَ نَطَق به؛ لأنَّنَا تَبَيَّنَّا بذلك أنَّه كان مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ بالكُفْرِ مِن حينَ نَطَق به، مُخْتارًا له.
وإدْ قامَتْ عليه بَيِّنَةٌ أنَّه نَطَق بكَلمةِ الكُفرِ، وكان محبوسًا عندَ الكُفَّارِ، أو مُقَيَّدًا عندَهم في حالةِ خوفٍ، لم يُحْكَمْ برِدَّتِه؛ لأنَّ ذلك ظاهر في الإِكراهِ.
وإن شَهِدَت أنَّه كان آمِنًا حال نُطْقِه حُكِمَ 1491 برِدَّتِه.
فإنِ ادَّعَى ورثتُه رُجوعَه إلى الإِسْلامِ، لم يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاؤْه على ما هو عليه.
وإن شَهِدَتِ البَيِّنَةُ عليه بأكْلِ لحمِ الخِنْزِيرِ، لم يُحْكَمْ برِدَّتِه؛ لأنَّه قد يأكلُه مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَه، كما يشربُ الخمرَ مَن يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَها.
وإن قال بعضُ ورَثَتِه: أكلَه مُسْتَحِلًّا له.
أو أقَرَّ برِدَّتِه، حُرِمَ مِيرَاثَه؛ لأنَّه مُقِرٌّ بأنَّه لا يَسْتَحِقُّه، ويُدْفَعُ إلى مُدَّعِي إسْلامِه قَدْرُ ميراثِه؛ لأنَّه لا يَدَّعِي أكثرَ منه، ويُدْفَعُ الباقِي إلى بَيتِ المالِ؛ لعَدَمِ مَن يَسْتَحِقُّه، فإن كان في الورثةِ صغيرٌ أو مجنونٌ، دُفعَ إليه نَصيبُه، ونصيبُ المُقِر برِدَّةِ الموروثِ؛ لأنَّه لم تثْبُتْ = السيرة النبوية 1/ 317 - 321.

الجزء: 27 - الصفحة: 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رِدَّتُه بالنسبةِ إليه.
فصل: ومَن أُكْرِهَ على كلمةِ الكُفْرِ، فالأفضلُ أن يصبرَ ولا يقولَها، وإن أتَى ذلك على نفْسِه؛ لِما رَوَى خَبَّابٌ، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ قَبْلَكُمْ لَيُحْفَرُ له في الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بمِنْشَارٍ، فيُوضَع عَلَى شِقِّ رَأْسِه، ويُشَقُّ باثْنَتَين، مَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، ويُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِه مِنْ لَحْمٍ، مَا يَصْرِفُه ذَلِكَ عَنْ دِينِه» 1492. وجاءَ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ 1493. أنَّ بعضَ مُلُوكِ الكُفَّارِ، أخَذ قَوْمًا مِن المُؤْمِنِين، فحَفَر لهم أُخْدُودًا في الأرْضِ، وأوقَدُوا فيها نارًا، ثم قال: مَن لم يَرْجِعْ عن دَينِه فَألْقوه في النَّارِ.
فجعَلُوا يُلْقُونَهم فيها، حتى جاءَتِ امرأةٌ على كَتِفِها صَبِيٌّ لها، فتَقاعَسَتْ مِن أجْلِ الصَّبِيِّ، فقال الصَّبِيُّ 1494: يا أُمَّهِ، اصْبِرِي، فإنَّكِ على الحَقِّ.
فذَكَرَهُم اللهُ تعالى في كِتابِه 1495. ورَوَى الأثْرَمُ، عن أبي

الجزء: 27 - الصفحة: 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عبدِ اللهِ، أنَّه سُئِلَ عن رجلٍ يُؤْسَرُ، فيُعْرَضُ على الكُفْرِ، ويُكْرَهُ عليه، أَلَهُ أن يَرْتَدَّ؟ فكَرِهَه كَرَاهَةً شديدةً، وقال: ما يُشْبِهُ 1496 هذا عندِي الذين 1497 أُنْزِلَتْ فيهم الآيةُ من أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أولئِكَ كانوا يُرادُونَ على الكلمةِ، ثم يُتْرَكُونَ يعملون ما شاءوا، وهؤلاءِ يُريدُونَهم على الإِقامَةِ على الكُفْرِ، وترْكِ دِينِهم.
وذلك أنَّ الذي يُكْرَهُ على الكلمةِ يقولُها ثم يُخَلَّى، لا ضَرَرَ فيها، وهذا المُقِيمُ بينَهم، يَلتزِمُ بإجابَتِهم إلى الكُفْرِ المُقامَ عليه، واسْتِحْلال المُحَرماتِ، وتَرْكَ الفَرائضِ والواجباتِ، وفِعْلَ المُنْكَراتِ والمَحْظُورَاتِ، وإن كان امْرأةً [تَزَوَّجُوها واسْتَوْلَدُوها] 1498 أوْلادًا كُفَّارًا، وكذلك الرَّجُلُ، وظاهرُ حالِهم المصيرُ إلى الكُفْرِ الحقيقِيِّ، والانْسِلاخُ مِن الدِّين الحَنِيفيِّ.
فصل: ومَن أصابَ حَدًّا ثم ارْتَدَّ ثم أسلمَ، أُقِيمَ عليه حَدُّه.
وبهذا قال الشافعيُّ، سَواءٌ لَحِقَ بدارِ الحَرْبِ في رِدَّتِه، أو لم يَلْحَقْ بها.
وقال قَتادَةُ، في مسلم أحْدَثَ حَدَثًا، ثم لَحِقَ بالرُّومِ، ثم قدِرَ عليه: إن كان ارْتَدَّ دُرِئَ عنه الحَدُّ، وإن لم يَكُنِ ارْتَدَّ، أُقِيمَ عليه.
ونحوَ هذا قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِيُّ، إلَّا حُقُوقَ النَّاسِ؛ لأنَّ رِدَّتَه أحْبَطَتْ عَمَلَه، = 12/ 238 - 242. والنسائي، في: باب سورة البروج، من كتاب التفسير.
السنن الكبرى 6/ 510 - 512. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 17، 18.

الجزء: 27 - الصفحة: 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأسْقَطَتْ ما عليه مِن حُقوقِ اللهِ تعالى، كمَن فَعَل ذلك في حالِ شِرْكِه [ولأنَّ «الإِسْلامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» 1499. ولَنا، أنَّه حَقٌّ عليه فلم يَسْقُطْ برِدَّتِه، كحقوقِ الآدَمِيِّين.
وفارَقَ ما فَعَلَه في شِرْكِه] 1500. فإنَّه لم يَثْبُتْ حُكْمُه في حَقِّه.
وأمَّا قولُه: «الإِسْلامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ».
فالمُرادُ به ما فَعَلَه في كُفْرِه؛ لأنَّه لو أرادَ ما قبلَ رِدَّتِه، أفْضَى إلى كَوْنِ الرِّدَّةِ التي هي أعْظَمُ الذُّنُوبِ، مُكَفِّرَةً للذُّنُوبِ، وأنَّ مَن كَثُرَتْ ذُنُوبُه، ولَزِمَتْه حُدُودٌ، يَكْفُرُ ثم يُسْلِمُ، فتُكَفَّرُ ذُنُوبُه، وتَسْقُطُ حُدُودُه.
فصل: فأمَّا ما 1501 فَعَلَه في رِدَّتِه، فقد نَقَل مُهَنَّا عن أحمدَ، قال: سألتُه عن رجلٍ ارْتَدَّ عن الإِسلامِ فقَطَعَ الطَّرِيقَ، ثم لَحِق بدارِ الحَرْبِ، وأخَذَه المسلمونَ.
فقال: تُقامُ عليه 1502 الحدُودُ، ويُقْتَصُّ منه.
وسألتُه عن رجلٍ ارْتَدَّ فلَحِقَ بدارِ الحَرْبِ، فقَتَلَ بها مُسلمًا، ثم رَجَع تائِبًا، وقد أسْلَمَ، فأخَذَه وَلِيُّه، يكونُ عليه القصاصُ؟ فقال: قد زال عنه الحُكْمُ؛ لأنَّه إنَّما قَتَل وهو مُشرِكٌ، [وكذلك إن سَرَق وهو مُشْرِكٌ] 1503. ثم تَوَقَّف بعدَ ذلك.
وقال: لا أقولُ في هذا شيئًا.
وقال القاضي: ما أصابَ في رِدَّتِه مِن نَفْسٍ أو مالٍ أو جُرْحٍ، فعليه ضَمانه،

الجزء: 27 - الصفحة: 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَواءٌ كان في مَنَعَةٍ وحماعةٍ، أو لم يَكُنْ؛ لأنَّه الْتَزَمَ حُكْمَ الإِسلامِ بإقْرارِه به 1504، فلم يَسْقُطْ بجَحْدِه، كما لا يَسْقُطُ ما الْتَزَمَه عندَ الحاكمِ بجَحْدِه.
قال شيخُنا 1505: والصَّحِيحُ أنَّ ما أصابَه المُرْتَدُّ بعدَ لُحُوقِه بدارِ الحَرْبِ، أو كَوْنِه في جماعةٍ مُمْتَنِعَةٍ، لا يَضْمَنُه.
لِما ذَكَرْناه فيما تَقَدَّمَ في 1506 مَسألَةِ: وما أتْلَفَ من شيءٍ ضَمِنَه.
وما فعلَه قبلَ هذا، أُخِذَ به، إذا كان ممَّا يَتَعَلَّقُ به حَقُّ آدَمِيٍّ، كالجِنايَةِ على نفْسٍ أو مالٍ؛ لأنَّه في دارِ الإِسْلامِ، فلَزِمَه حُكْمُ جِنايَتِه، كالذِّمِّيِّ والمُسْتَأْمِنِ.
وأمَّا إنِ ارْتَكَبَ حَدًّا خالِصًا للهِ تَعالى، كالزِّنَى وشُرْبِ الخَمْرِ، والسَّرِقَةِ، فإنَّه إن قُتِلَ بالرِّدَّةِ، سَقَط ما سِوَى القَتْلِ مِن الحُدُودِ؛ لأنَّه متى اجْتَمَعَ مع القَتْلٍ حَدٌّ، اكْتُفِيَ 1507 بالقَتْلِ، وإن رَجَع إلى الإِسلام، أُخِذَ بحَدِّ الزِّنَى والسَّرِقَةِ؛ لأنَّه من أهلِ دارِ الإِسلامِ، فأُخِذَ بهما، كالذِّمِّيِّ والمُسْتَأْمِنِ.
فأمَّا حَدُّ الخمرِ، فيَحْتَمِلُ أنَّه لا يجبُ عليه؛ لأنَّه كافرٌ، فلا يُقامُ عليه حَدُّ الخمرِ، كسائرِ الكُفَّارِ.
ويَحْتَمِلُ أن يجبَ؛ لأنَّه أقَرَّ بحُكْمِ الإِسلامِ قبلَ رِدَّتِه، وهذا من أحْكامِه، فلم يَسْقُطْ بجَحْدِه بعدَه.
فصل: ومَن ادَّعَى النُّبُوَّةَ، أو صَدَّقَ مَن ادَّعاها، فقد ارْتَدَّ؛ لأنَّ مُسَيلِمَةَ لَمَّا ادَّعَى النُّبُوَّةَ، فصَدَّقَه قَوْمُه، صارُوا بذلك مُرْتَدِّينَ، وكذلك

الجزء: 27 - الصفحة: 180

فَصْل: والسَّاحِرُ الَّذِي يَرْكَبُ الْمِكْنَسَةَ، فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ وَنَحْوهِ، يَكْفُرُ وَيُقْتَلُ، فَأَمَّا الَّذِي يَسْحَرُ بالْأَدْويَةِ، وَالتَّدْخِينِ، وَسَقْي شَيْءٍ يَضُرُّ، فَلَا يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ، وَلَكِنْ يُعَزَّرُ.
وَيُقْتَصُّ مِنْهُ إِنْ فَعَلَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ.
طُلَيحَةُ الأسَدِيُّ ومُصدِّقُوه.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى [يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلاثِينَ] 1508 كُلُّهم يَزْعُمُ 1509 أنَّه رَسُولُ الله» 1510. فصل: قال الشيخُ رَحِمَه اللهُ (والسَّاحِرُ الذي يَرْكَبُ المِكْنَسَةَ، فتَسِيرُ به في الهواءِ ونحوه، يَكْفُرُ ويُقْتَلُ.
فأمَّا الذي يَسْحَرُ بالأدْويَةِ، والتَّدْخِينِ، وسَقْي شيءٍ يَضُرُّ، فلا يَكْفُرُ ولا يُقْتَلُ، ولكنْ يُعَزَّرُ، ويُقْتَصُّ منه إن فَعَل ما يُوجِبُ القِصاصَ) وجملةُ ذلك، أنَّ السِّحْرَ عُقَدٌ

الجزء: 27 - الصفحة: 181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ورُقًى وكَلامٌ يَتَكَلَّمُ به، أو يَكْتُبُه، أو يَعْمَلُ شيئًا يُؤَثرُ في بَدَنِ المَسْحُورِ، أو قَلْبِه، أو عَقْلِه، مِن غيرِ مُباشَرَةٍ له.
وله حَقِيقةٌ، فمنه ما يَقْتُلُ، وما يُمْرِضُ، وما يَأْخُذُ الرجلَ عن امرأتِه فيَمْنَعُه وَطْأَها، ومنه ما يُفَوَّق به بينَ المرءِ وزَوْجِه، وما يُبَغِّضُ أحدَهما إلى الآخَرِ، أو يُحَبِّبُ بينَ اثْنَين.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وذَهَب بعضُ أصحابِه إلى أنَّه لا حَقِيقَةَ له، إنَّما هو تَخْيِيلٌ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ 1511. وقال أصحابُ أبي حنيفةَ: إن كان شيئًا يَصِلُ إلى بَدَنِ المَسْحُورِ، كدُخانٍ ونحوه، جازَ أن يَحْصُلَ منه ذلك، فأمَّا أن يَحْصُلَ المَرَضُ والمَوْتُ مِن غيرِ أن يَصِلَ إلى بَدَنِه شيءٌ، فلا يجوزُ ذلك؛ لأنَّه لو جازَ، لَبَطَلَتْ مُعْجِزاتُ الأنْبِياءِ عليهم السلامُ؛ لأنَّ ذلك يَخْرِقُ العاداتِ، فإذا جازَ من غيرِ الأنبياءِ، بَطَلَتْ مُعْجِزاتُهم وأدِلَّتُهمِ.
ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ 1512 وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ 1513 وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (2). يَعْنِي السَّواحِرَ اللَّاتي يَعْقِدْنَ في سِحْرِهِنَّ، ويَنْفُثْنَ عليه، ولولا أنَّ السِّحْرَ له (3) حقيقةٌ، لَما

الجزء: 27 - الصفحة: 182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أُمِرْنا 1514 بالاسْتِعاذَةِ منه.
وقال اللهُ تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ 1515. إلى قولِه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾.
ورَوَت عائشةُ، رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُحِرَ حتى إنَّه ليُخَيَّلُ إليه 1516 أنَّه يَفْعَلُ الشئَ وما يَفْعَلُه، وأنَّه قال لها ذاتَ يوم: «أَشَعَرْتِ أنَّ اللهَ أفْتَانِي فِيما اسْتَفْتَيتُه؟ أنَّه أتَانِي مَلَكَانِ فَجَلَسَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِي، والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَال: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَال: مَطْبُوبٌ.
قَال: مَنْ طَبَّهُ؟ قَال: لَبِيدُ بنُ الأَعْصَمِ في مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ 1517، في جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، في بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ» 1518. ذَكَرَه البخاريُّ، وغيرُه 1519. جُفُّ الطَّلْعَةِ: وعاؤُها.
والمُشَاطَةُ: الشَّعَرُ الذي يَخْرُجُ من شَعَرِ (3) الرَّأْسِ أو غيرِه إذا مُشِطَ.
فقد أثْبَتَ لهم سِحْرًا.
وقد اشْتُهِرَ بينَ النَّاسِ وجودُ عَقْدِ الرَّجُلِ عن امرأتِه حينَ

الجزء: 27 - الصفحة: 183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَتَزَوَّجُها، فلا يَقْدِرُ على إتْيانِها، وحَلُّ عَقْدِه، فيَقْدِرُ عليها بعدَ عَجْزِه عنها، حتى صارَ مُتَواتِرًا لا يُمْكِنُ جَحْدُه.
ورُوِيَ من أخْبارِ السَّحَرَةِ ما لا يَكادُ يُمْكِنُ التَّواطُؤُ على الكَذِبِ فيه.
وأمَّا إبْطالُ المُعْجِزَاتِ، فلا يَلْزَمُ مِن هذا؛ لأنَّه لا يَبْلُغُ ما تَأْتِي به الأنبياءُ عليهم السلامُ، وليس يَلْزَمُ أن يَنْتَهِيَ إلى أن تَسْعَى العَصَا والحِبالُ.
فصل: وتَعْلِيمُ السِّحْرِ وتَعَلُّمُه حَرامٌ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ.
قال أصحابُنا: ويَكْفُرُ السَّاحِرُ بتَعَلُّمِه وفِعْلِه، سَواءٌ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَه أو إباحَتَه.
ورُويَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه لا يَكْفُرُ، فإنَّ حَنْبَلًا روَى عنه، قال: قال عَمِّي في العَرَّافِ والكاهِنِ والسَّاحِرِ: أرَى أن يُسْتَتابَ مِن هذه الأفَاعِيلِ كلِّها، فإنَّه عندِي في معْنى المُرْتَدِّ، فإن تابَ وراجَعَ -يعني- خُلِّيَ سَبِيلُه.
قلتُ له: يُقْتَلُه؟ قال: لا، يُحْبَسُ 1520، لَعَلَّه يَرْجِعُ 1521. قلتُ له: لِمَ لا تَقْتُلُه؟ قال: إذا كان يُصَلِّي، لعلَّه يتوبُ ويرجعُ.
وهذا يَدُلّ على أنَّه لم يُكَفِّرْه؛ لأنَّه لو كَفَّرَه لقَتَلَه.
وقولُه: في معنى المُرْتَدِّ.
يعني في الاسْتِتَابَةِ.
وقال أصحابُ أبي حنيفةَ: = 8/ 22، 23، 103. ومسلم، في: باب السحر، من كتاب السلام.
صحيح مسلم 4/ 1719 - 1721. وابن ماجه، في: باب السحر، من كتاب الطب.
سنن ابن ماجه 2/ 1173. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 57، 63، 96.

الجزء: 27 - الصفحة: 184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إنِ اعْتَقدَ أنَّ الشَّياطِينَ تَفْعَلُ له ما يَشاءُ، كَفَر، وإنِ اعتقدَ أنَّه تَخْيِيلٌ، لم يَكْفُرْ.
وقال الشافعيُّ: إنِ اعْتَقَدَ ما يُوجبُ الكُفْرَ، مثلَ التَّقَرُّبِ إلى الكواكبِ السَّبْعَةِ، أنَّها تَفْعَلُ ما يَلْتَمِسُ، أوَ اعْتَقَدَ حِلَّ السِّحْرِ، كَفَر؛ لأنَّ القرآنَ نَطَق بتَحْرِيمِه، وثَبَت بالنَّقْلِ المُتواترِ والإِجْماعِ، وإلَّا فُسِّقَ ولم يُكَفَّرْ؛ لأنَّ عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، باعَتْ مُدَبَّرَةً لها سَحَرتْها، بمَحْضَرٍ مِن الصحابَةِ 1522. ولو كَفَرَتْ لصَارَتْ مُرْتَدَّةً يجبُ قَتْلُها، ولم يَجُزِ اسْتِرْقاقُها، ولأنَّه شيء يَضُرُّ بالنَّاسِ، فلم يَكْفُرْ بمُجَرَّدِه كأذاهم.
ووَجْهُ قولِ الأصحابِ قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
إلى قولِه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ﴾ 1523. أي ما كان ساحِرًا كَفَر بسِحْرِه.
وقولُهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.
أي لا تَتَعَلَّمْه فَتَكْفُرَ بذلك، وقد ذَكَرْنا حديثَ هشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبِيه، عن عائشةَ، أنَّ السَّاحِرَةَ سأَلَتْ أصحابَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهم مُتوافِرُونَ، هل لها من تَوْبَةٍ؟ فما أفْتاها أحَدٌ 1524 فصل: وحَدُّ السَّاحِرِ القَتْلُ.
رُوِيَ ذلك عن عمرَ، وعثمانَ، وابنِ

الجزء: 27 - الصفحة: 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عمرَ، وحَفْصَةَ، وجُنْدَبِ بنِ عبدِ اللهِ، وجُنْدَبِ بنِ كَعْبٍ، وقَيسِ بنِ سَعْدٍ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ.
ولم يَرَ الشافعيُّ عليه القتلَ بمُجَرَّدِ السِّحْرِ.
وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ، ورِوايَة عن أحمدَ وقد ذَكَرْناها.
ووَجْهُها ما ذَكَرْنا مِن حديثِ عائشةَ في المُدَبَّرَةِ التي سَحَرَتْها، فبَاعَتْها، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلا بإحْدَى ثَلَاثٍ، كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، أو زِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ، أو قَتْلُ نَفْسٍ بغَيرِ حَقٍّ» 1525. ولم يَصْدُرْ منه أحَدُ الثلاثةِ، فوَجَب أن لا يَحِلَّ دَمُه.
ولَنا، ما روَى جُنْدَبُ بنُ عبدِ اللهِ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «حَدُّ السَّاحِرِ، ضَرْبةٌ بِالسَّيفِ» 1526. قال ابنُ المُنْذِرِ 1527: رَواه إسْماعيلُ بنُ مسلمٍ، وهو ضَعِيفٌ.
ورَوَى.
سعيدٌ، وأبو داودَ، في «كِتَابَيهِمَا» 1528، عن بَجَالةَ، قال: كنتُ كاتِبًا لجَزْءِ 1529 بنِ مُعاويةَ، عَمِّ

الجزء: 27 - الصفحة: 186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأحْنَفِ بنِ قَيسٍ، إذ جاءَ كتابُ عمرَ قبلَ مَوْتِه بسَنَةٍ: اقْتُلُوا كلَّ ساحِرٍ.
فقَتَلْنا ثلاثَ سَوَاحِرَ في يومٍ.
وهذا اشْتُهِرَ فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا، وقتلتْ حَفْصَةُ جارِيةً لها سَحَرَتْها 1530. وقَتَل جُنْدَبُ بنُ كَعْبٍ ساحِرًا كان يَسْحَرُ بينَ يَدَيِ الوَليدِ بنِ عُقْبَةَ 1531. ولأنَّه كافِرٌ فيُقْتَلُ؛ للخَبَرِ المَرْويِّ.
فصل: والسِّحْرُ الذي ذَكَرْنا حُكْمَه، هو الذي يُعَدُّ في العُرْفِ سِحْرًا 1532، مثلَ فِعْلِ لَبِيدِ بنِ الأعْصَمِ، حينَ سَحَر النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ.
ورَوَينا في «مَغازِي الأُمَويِّ» 1533 أنَّ النَّجاشِيَّ دَعَا السَّواحِرَ فنَفَخْنَ في إحليلِ عُمارةَ بنِ الوَليدِ، فهامَ مع الوَحْشِ، فلم يَزَلْ معها إلى إمارَةِ عمرَ بنِ الخَطَّابِ، فأمْسَكَه إنْسانٌ، فقال: خَلِّنِي وإلَّا مِتُّ.
فلم يُخَلِّه، فماتَ من ساعَتِه.
وبَلَغَنا أنَّ بعضَ الأُمَراءِ أخذَ ساحِرَةً، فجاء زَوْجُها كأنَّه مُحْتَرِقٌ، فقال: قُولُوا لها تَحُلُّ عَنِّي.
فقالت: ائْتُونِي بخُيوطٍ وبابٍ.
فأتَوْها به، فجَلَسَتْ على البابِ، وجعلَتْ تَعْقِدُ، فطارَ بها البابُ، فلم يقدرُوا عليها.
فهذا وأمْثالُه مثلُ أن يَعْقِدَ الرجلَ المُتَزَوِّجَ، فلا يُطِيقُ وَطْءَ امرأتِه، هو السِّحْرُ المُخْتَلَفُ في حُكْمِ صاحِبِه.

الجزء: 27 - الصفحة: 187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

4599 - مسألة: (فأمَّا الَّذِي يَسْحَرُ بالأدْويَةِ، والتَّدْخِينِ، وسَقْي شَيءٍ يَضُرُّ، فلا يَكْفُرُ ولا يُقْتَلُ)

لأنَّ اللهَ تعالى وَصَف السَّاحِرينَ الكافِرينَ بأنَّهم يُفَرقُونَ بينَ المرءِ وزَوْجِه، فيَخْتَصُّ الكُفْرُ بهم، ويَبْقَى مَن سِوَاهم من الذين يسْحرُونَ بالأدْويَةِ والتَّدْخِينِ على أصْلِ العِصْمَةِ، لا يجبُ قَتْلُهم، ولا يَكْفُرونَ بسِحْرِهم، لكنْ يُعَزَّرُونَ إنِ ارْتَكَبُوا مَعْصِيَةً، ويُقْتَصُّ منهم [إن فعلوا] 1534 ما يُوجِبُ القِصاصَ، كما يُقْتَصُّ مِن غيرِهم من المسلِمِين.

الحديث: 4599 - الجزء: 27 - الصفحة: 188

وَأَمَّا الَّذِي يَعْزِمُ عَلَى الْجَنِّ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَجْمَعُهَا فَتُطِيعُهُ، فَلَا يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ، وَذَكَرهُ أبو الْخَطَّابِ فِي السَّحَرَةِ الَّذِينَ يُقْتَلُونَ.

4600 - مسألة: (وأمَّا الذي يَعْزِمُ على الجنِّ، ويَزْعُمُ أنَّه يَجْمَعُها فتُطِيعُه، فلا يَكْفُرُ ولا يُقْتَلُ. وذَكَرَه أبو الخَطَّابِ في السَّحَرَةِ الذين يُقْتَلون)

وكذلك ذَكَرَه القاضي.
فأمَّا الذي يَحُلُّ بالسِّحْرِ، فإن كان بشيءٍ من القُرْآنِ، أو شيءٍ من الذِّكْرِ والأقْسامِ والكلامِ المُباحِ، فلا بَأْسَ به، فإن كان بشيءٍ من السِّحْرِ، فقد تَوَقَّفَ أحمدُ عنه، قال الأثرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن رجلٍ يَزْعُمُ أنَّه يَحُلُّ السِّحْرَ، فقال: قد

الحديث: 4600 - الجزء: 27 - الصفحة: 189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَخَّصَ فيه بعضُ النَّاسِ.
قِيلَ لأبي عبدِ اللهِ: إنَّه يَجْعَلُ في الطِّنْجيرِ 1535 ماءً، ويَغِيبُ فيه، ويَعْمَلُ كذا.
فنَفَض يَدَه كالمُنْكِرِ، وقال: ما أَدْرِي ما هذا؟ قِيلَ له: أفتَرَى أن يُؤْتَى مثلُ هذا يَحُلُّ السِّحْرَ؟ فقال: ما أدْرِي ما هذا؟ ورُوِيَ عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، أنَّه سُئِلَ عن امرأةٍ تُعَذِّبُها السَّحَرَةُ، فقال رجلٌ: أخُطُّ خَطًّا عليها، وأغْرِزُ السِّكِّينَ عندَ مَجْمَعِ الخَطِّ، وأقْرَأُ القُرْآنَ.
فقال محمدٌ: ما أعلمُ بقراءةِ القُرْآنِ بَأْسًا على حالٍ، ولا أدْرِي ما الخَطُّ والسِّكِّينُ.
ورُوِيَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، في الرجُلِ يُؤْخَذُ عن امرأتِه، فيَلْتَمِسُ مَن يُداويه، فقال: إنَّما نَهَى اللَّهُ عمَّا يَضُرُّ، ولم يَنْهَ عَمَّا يَنْفَعُ.
وقال أيضًا: إن اسْتَطَعْتَ أن تَنْفَعَ أخاكَ فافْعَلْ.
فهذا من قولِهم يَدُلُّ على أنَّ المُعَزِّمَ ونحوَه لم يَدْخُلُوا في حُكْمِ السَّحَرَةِ؛ لأنَّهم لا يُسَمَّوْن به، وهو ممَّا 1536 يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ.

الجزء: 27 - الصفحة: 190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمَّا الكاهِنُ 1537 الذي له رَئِيٌّ من الجِنِّ، يَأْتِيه بالأَخْبارِ، والعَرَّافُ الذي يَحْدِسُ ويَتَخَرَّصُ، فقد قال أحمدُ، في روايةِ حَنْبَلٍ، في العَرَّافِ والسَّاحِرِ والكاهِنِ: أرَى أن يُسْتَتابَ من هذه الأفاعِيلِ.
قِيلَ له: يُقْتَلُ؟ قال: لا، يُحْبَسُ، لَعَلَّه يَرْجِعُ.
قال: والعِرافَةُ طَرَفٌ من السِّحْرِ، والسَّاحِرُ أخْبَثُ؛ لأنَّ السِّحْرَ شُعْبَةٌ من الكُفْرِ.
وقال: السَّاحِرُ والكاهِنُ حُكْمُهُما القَتْلُ، أو الحَبْسُ حتى يَتُوبَا؛ لأنَّهما يُلبِّسانِ أمْرَهما، وحديثُ عمرَ: اقْتُلوا كُلَّ ساحرٍ وكاهِنٍ 1538. وليس هو من أمرِ الإِسلامِ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ كلَّ واحدٍ فيه رِوايتان؛ إحدَاهما،

الجزء: 27 - الصفحة: 191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّه يُقْتَلُ إذا لم يَتُبْ.
والثانيةُ، لا يقتلُ؛ لأنَّ حكمَه أخفُّ من حكمِ الساحِرِ، وقد اخْتُلِفَ فيه، فهذا 1539 بدَرْءِ القَتْلِ عنه (1) أوْلَى.
فصل: فأمَّا ساحِرُ أهْلِ الكِتابِ، فلا يُقْتَلُ لصِحْوه، إلَّا أن يَقْتُلَ به، ويكونَ ممَّا يَقْتُلُ غالبًا، فيُقْتَلُ قِصاصًا.
وقال أبو حنيفةَ: كقْتَلُ، لعُمُومِ ما تَقَدَّمَ من الأخْبارِ، ولأنَّه جِنايَةٌ أوْجَبَتْ قَتْلَ المسلمِ، فأوْجَبَتْ قَتْلَ الذِّمِّيِّ، كالقَتْلِ قِصاصًا.
ولَنا، أنَّ لَبِيدَ بنَ الأعْصَمِ سَحَر النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -،

الجزء: 27 - الصفحة: 192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلم يَقْتُلْه.
ولأنَّ الشِّرْكَ أعْظَمُ من سِحْرِه، فلا يُقْتَلُ به، والأخْبارُ وَرَدَتْ في ساحرِ المسلمين؛ لأنَّه يَكْفُرُ بسِحْرِه، وهذا كافِرٌ أصْلِيٌّ.
وقياسُهم ينتقِضُ باعتِقادِ الكُفْرِ، والتَّكَلُّمِ به، وينتقِضُ بالزِّنَى من المُحْصَنِ، فإنَّه لا يُقْتَلُ به الذِّمِّيّ عندَهم، ويُقْتَلُ به المسلِمُ.
واللهُ أعلمُ.

الجزء: 27 - الصفحة: 193

فصول الكتاب · 40 فصل
فصول الشرح الكبير على المقنع ت التركي
المقدمةمقدمة التحقيقكِتَابُ الطَّهارةكِتابُ الصَّلَاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الاعتكافكِتَابُ الْمَنَاسِكِكتاب الجهادكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْحَجْركِتَابُ الشَّركَةِكِتَابُ العَارِيَّةِكتَابُ الْغَصْبِكتابُ الْوَقْفِكتابُ الوَصاياكتاب الفرائضكتاب العتقكتابُ النِّكاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الْخُلْعِكِتَابُ الطَّلَاقِكتابُ الرَّجْعَةِكتابُ الإِيلاءِكتابُ الظِّهَارِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكتاب الرضاعكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الجِنَايَاتِكتاب الدياتكِتَابُ الْحُدُودِ
مسألة: (ولَا يَجِبُ الحَدُّ إلَّا على بالِغٍ عاقِلٍ عالِمٍ بالتَّحْرِيمِ)مسألة: ولا يَجِبُ الحَدُّ إلَّا على عالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ.مسألة: (ولا يَجُوزُ أن يُقِيمَ الحَدَّ إلَّا الإِمامُ أو نائِبُه)مسألة: (إلَّا السَّيِّدَ، فإنَّ له إقامَةَ الحَدِّ بالجَلْدِ خاصَّةً على رَقِيقِه القِنِّ. وهل له القَتْلُ في الرِّدَّةِ، والقَطْعُ في السَّرِقَةِ؟ على رِوايَتَيْن)مسألة: (ولا)4374 - مسألة: (وإن كان السَّيِّدُ فاسِقًا أو امرأةً، فله إقامَتُه في ظاهِرِ كلامِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَه)4375 - مسألة: (ولا يَملِكُه المُكاتَبُ)مسألة: (وسَواء ثَبَت ببيِّنَةٍ أو إقْرارٍ)مسألة: (وإن ثَبَت بعِلْمِه، فله إقامَتُه. نَصَّ عليه.مسألة: (ولا يُقِيمُ الإِمامُ الحَدَّ بعِلْمِه)مسألة: (ولا تُقامُ الحُدُودُ في المساجِدِ)مسألة: (ويُضْرَبُ الرجلُ قائِمًا)مسألة: (ولا يُمَدُّ، ولا يُرْبَطُ، ولا يُجَرَّدُ)مسألة: (ولا يُبالَغُ في ضَرْبِه بحيثُ يُشَقُّ الجِلْدُ)مسألة: (والمرأةُ كذلك)مسألة: (والجَلْدُ في الزِّنَى أشَدُّ الجَلْدِ، ثم جَلْدُ القَذْفِ، ثم الشُّرْبِ، ثم التَّعْزِيرِ)مسألة: (وإن رأى الإِمامُ الجَلْدَ في حَدِّ الخَمْرِ بالجَرِيدِ والنِّعالِ، فله ذلك)مسألة: (قال أصحابُنا: ولا يُؤَخَّرُ الحَدُّ للمَرَضِ، فإن كان جَلْدًا، وخُشِىَ عليه مِن السَّوْطِ، أُقِيمَ بأطْرافِ الثِّيابِ والعُثْكُولِ [^fn23112]. ويَحْتَمِلُ أن يُؤَخَّرَ للمَرَضِ المرْجُوِّ زَوالُه) أمّا إذا كان الحدُّ رَجْمًا، لم يُؤَخَّرْ؛ لأنَّه لا فائدةَ فيه إذا كان قَتْلُه مُتَحَتِّمًا، وإذا كان جَلْدًا،[^fn23110][^fn23111]مسألة: (وإذا مات المَحْدُودُ فِى الجَلْدِ، فالحَقُّ قَتَلَه)مسألة: (وإن زادَ)مسألة: (وإذا كان الحَدُّ رَجْمًا، لم يُحْفَرْ له، رجلًا كان أو امرَأةً، في أحدِ الوَجْهَيْن)مسألة: (وأما المرأةُ، فإن كان ثَبَت بإِقْرَارِها، لم يُحْفَرْ لها، وإن ثَبَت ببَيِّنَةٍ، حُفِرَ لها إلى الصَّدْرِ)مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَبْدَأ الشهُودُ بالرَّجْمِ. وإن ثَبَت بالإِقْرارِ، اسْتُحِبَّ أن يَبْدَأ الإِمامُ)مسألة: (ومتى رَجَع المُقِرُّ بالحَدِّ عن إقْرارِه، قُبِل منه،4393 - مسألة: (وإن رُجِم ببَيِّنَةٍ فهَرَب، لم يُتْرَكْ، وإن كان بإقْرارٍ، تُرِكَ)فصلمسألة: (وأمَّا حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ، فتُسْتَوْفَى كلُّهَا، سَواءٌ كان فيها قَتْلٌ أوِ لم يَكُنْ. ويُبْدَأُ بغيرِ القَتْلِ)مسألة: (فإنِ اجْتَمَعَتْ مع حُدُودِ اللَّهِ تعالى، بُدِئَ بِها)فصلمسألة: (وإن فَعَل ذلكَ في الحَرَمِ، اسْتُوفِىَ منه فيه)4397 - مسألة: (وإن أتَى حَدًّا في الغَزْوِ، لم يُسْتَوْفَ منه في أرضِ العَدُوِّ حتى يَرْجِعَ إلى دارِ الإِسلامِ، فيُقامَ عليه)بَابُ حَدِّ الزِّنَىمسألة: (إذا زَنَى الحُرُّ المُحْصَنُ، فحَدُّه الرَّجْمُ حتى يَمُوتَ. وهل يُجْلَدُ قَبلَ الرَّجْمِ؟ على رِوايَتَيْن)مسألة: (ويَثْبُتُ الإِحْصانُ للذِّمِّيَّيْن. وهل تُحْصِنُ الذِّمِّيَّةُ مسلمًا؟ على رِوايَتَيْن)4401 - مسألة: (وإن كان لرجلٍ وَلَدٌ مِن امرأتِه فقال: مَا وَطِئتُها. لم يَثْبُتْ إحْصَانُه)مسألة: (وإن زَنَى الحُرُّ غيرُ المُحْصَنِ، جُلِدَ مِائَةً، وغُرِّبَ عامًا إلى مَسافَةِ القَصْرِ)مسألة: (وعنه، أنَّ المرأةَ تُنْفَى إلى دونِ مَسافَةِ القَصْرِ)مسألة: (ويَخْرُجُ مع المرأةِ مَحْرَمُها)4405 - مسألة: (وإن كان الزَّانِى رَقِيقًا، فحَدُّه خَمْسُونَ جَلْدَةً بكلِّ حالٍ، ولا يُغَرَّبُ)مسألة: (وَإِنْ كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا، فَحَدُّهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ جَلْدَةً، وَتَغْرِيبُ نِصْفِ عَامٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُغَرَّبَ)4407 - مسألة: (وَحَدُّ اللُّوطِىِّ كَحَدِّ الزَّانِى سَوَاءً. وَعَنْهُ، حَدُّهُ الرَّجْمُ بِكُلِّ حَالٍ)4408 - مسألة: (وَمَنْ أَتَى بَهِيمَةً، فَعَلَيْهِ حَدُّ اللُّوطِىِّ عِنْدَ الْقَاضِى. وَاخْتَارَ الْخِرَقِىُّ وَأَبُو بَكْرٍ، أَنَّهُ يُعَزَّرُ. وَتُقْتَلُ الْبَهِيمَةُ)مسألة: (وَكَرِهَ احْمَدُ أَكْلَ لَحْمِهَا. وَهَلْ يَحْرُمُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)فصل4410 - مسألة: (وَأَقَلُّ ذَلِكَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ في الفَرْجِ)مسألة: (فإنْ وَطِئَ دُونَ الفَرْجِ)مسألة: (وإنْ أَتَتِ الْمَرْأةُ الْمَرْأةَ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا)فصلفصلمسألة: (أو وَجَد امرأةً)4414 - مسألة: (أَوْ وَطِئَ فِى نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ في صِحَّتِهِ، أو وَطِئَ امْرَأَتَهُ في دُبُرِهَا، أَوْ حَيْضِهَا، أَوْ نِفَاسِهَا)مسألة: ولا حَدَّ على مَن لم يَعْلَمْ بتَحْرِيمِ الزِّنَى. قال عمرُ، وعلىٌّ، وعثمانُ: لا حَدَّ إلَّا على مَن عَلِمَهمسألة: (أَوْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَى، فَلَا حَدَّ فِيهِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْ أُكْرِهَ الرَّجُلُ فَزَنَى، حُدَّ)4417 - مسألة: (وَإِنْ وَطِئَ مَيِّتَةً، أو مَلَكَ أُمَّهُ أَوْ أُخْتَهُ مِنَ الرَّضَاعِ، فَوَطِئَهَا، فَهَلْ يُحَدُّ أَوْ يُعَزَّرُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)مسألة: (وَإِنْ وَطِئَ فِى نِكَاحٍ مُجْمَعٍ عَلَى بُطْلانِهِ، كَنِكَاحِ الْمُزَوَّجَةِ، والْمُعْتَدَّةِ، وَالْخَامِسَةِ، وَذَوَاتِ الْمَحارِمِ مِنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعَ)فَصْلٌ:مسألة: ومتى رَجَع المُقِرُّ بالحَدِّ عن إقْرارِه قُبِلَ منه، وقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيه.مسألة: (فإن جاء بعضُهم بعد أن قام الحاكمُ، أو شَهِد4422 - مسألة: (وإن كانُوا فُسَّاقًا، أو عُمْيَانًا، أو بعضُهم، فعليهم الحَدُّ. وعَنه، لا حَدَّ عليهم)مسألة: (وإن كان أحَدُهم زَوْجًا، حُدَّ الثَّلَاثَةُ، ولَاعَنَ الزَّوْجُ إن شاء)مسألة: (وإن شَهِدَ اثْنَانِ أنَّه زَنَى بها في بَيْتٍ أو بَلَدٍ، واثْنَان أنَّه زَنَى بها فِى بَيْتٍ أو بَلَدٍ آخَرَ، فهم قَذَفَةٌ، وعليهم الحَدُّ. وعنه،4425 - مسألة: (وإن شَهِد اثْنان أنَّه زَنَى بِها في زاوِيَةِ بَيْتٍ، وشَهِد اثْنانِ أنَّه زَنَى بها في زَاوِيةٍ أُخْرَى)مسألة: (وإن شَهِدا أنَّه زَنَى بِها في قَمِيصٍ أبْيَضَ، وشَهِد آخَرَان أنَّه زَنَى بِها في قَمِيص أَحْمَرَ، كَمَلَتْ شَهَادَتُهم. ويَحْتَمِلُ أن لا تَكْمُلَ)مسألة: (وإن شَهِدا أنَّه زَنَى بها مُطاوِعَةً، وشَهِد آخران أنَّه زَنَى بِها مُكْرَهَةً)4428 - مسألة: (وهل يُحَدُّ الجَمِيعُ أو شَاهِدا المُطاوِعَةِ؟ على وَجْهَيْن)4429 - مسألة: (وإن شَهِد أربعةٌ فرَجَعَ أحَدُهُم، فلا شئَ على الرَّاجِعِ، ويُحَدُّ الثلاثةُ، وإن كان رُجُوعُه بعد الحَدِّ، فلا حَدَّ على الثلاثةِ، ويَغْرَمُ الرَّاجِعُ رُبْعَ ما أتْلَفُوه)مسألة: (وإن شَهِد أربعةٌ بالزِّنَى بامرأةٍ، فشَهِدَ ثِقَاتٌ مِن النِّساءِ أنَّها عَذْرَاءُ، فلا حَدَّ عليها ولا على الشُّهُودِ. نَصَّ عليه)مسألة: (وإن شَهِد أرْبعةٌ أنَّه زَنَى بِامْرأةٍ، فَشَهِدَ أربعةٌ آخَرُونَ أنَّهم هم الزُّنَاةُ بِها، لم يُحَدَّ المَشْهُودُ عليه. وهل يُحَدُّ الشُّهُودُ4432 - مسألة: (وإن حَمَلَتِ امرأةٌ لا زَوْجَ لها ولا سَيِّدَ، لم تُحَدَّ بذلكَ بمُجَرَّدِه)بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ4433 - مسألة: (ومَن قَذَف حُرًّا مُحْصَنًا، فعليه جَلْدُ ثَمانِينَ جَلْدَةً إن كان القاذِفُ حُرًّا، أو أرْبَعِينَ إن كان عَبْدًا. وقَذْفُ غَيْرِ المُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ)4434 - مسألة: (والمُحْصَنُ هو الحُرُّ المُسْلِمُ العاقِلُ العَفِيفُ الذِى يُجامِعُ مِثْلُه. وهَل يُشْتَرَطُ البُلُوغُ؟ على رِوايَتَيْن)4435 - مسألة: (وقَذْف غيرِ المُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ)4436 - مسألة: (وإن قال: زَنَيْتِ وأنتِ صَغِيرَةٌ. وفَسَّرَه بصِغَرٍ عن تِسْعِ سنينَ، لم يُحَدَّ، وإلَّا خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن)مسألة: (وإن قال لحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ: زَنَيْتِ وأنتِ نَصْرَانِيَّةٌ. أو: أمَةٌ. ولم تَكُنْ كذلك، فعليه الحَدُّ)4438 - مسألة: (ومَن قَذَفَ مُحْصَنًا، فزالَ إحْصانُه قبلَ إقامَةِ الحَدِّ)فصلمسألة: (وإن أتَتْ بوَلَدٍ يُخَالِفُ لَوْنُه لوْنَهما، لم يُبَحْ نَفْيُه بذلك. وقال أبو الخَطَّابِ: ظاهِرُ كَلَامِه إباحَتُه)فصلمسألة: (وإن قال: يَا لُوطِىُّ. أو: يا مَعْفُوجُمسألة: (فإن قال: أرَدْتُ)مسألة: (فإن قال: أرَدْتُ أنَّكَ تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ غيرَ إتْيَانِ الرِّجَالِ. احْتَمَلَ وَجْهَيْن)4443 - مسألة: (وإن قال: لَسْتَ بوَلَدِ فُلانٍ. فقد قَذَف أُمَّه)مسألة: (وإن قال: لَسْتَ بوَلَدِى. فعلى وَجْهَيْن)مسألة: (وإن قال: أنتَ أَزْنَى النَّاسِ، أو أزْنَى مِن فُلانَةَ)مسألة: (وإن قال لرجلٍ: يا زَانِيَةُ. أو لامرأةٍ: يا زانِى. أو قال: زَنَت يَدَاكَ ورِجْلَاكَ. فهو صَرِيحٌ في القَذْفِ، في قولِ أبى بكرٍ، وليس بصَرِيحٍ عندَ ابنِ حامِدٍ)مسألة: (وإن قال: زَنَأْتَ فِى الجَبَلِ. مَهْمُوزًا، فهو صَرِيحٌ عندَ أبِى بكرٍ. وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان يَعْرِفُ العَرَبِيَّةَ، فليسمسألة: (أو يَسْمَعُ رجلًا يَقْذِفُ رجلًا، فيَقولُ: صَدَقْتَ. أو: أخْبَرَنِى فُلَانٌ أنَّكَ زَنيْتَ. وكَذَّبَه الآخَرُ، فهو كِنَايَة،4450 - مسألة: (وإن قَذف أَهْلَ بَلَدٍ أو جَمَاعَةً لا يُتَصَوَّرُ الزِّنَى مِن جَمِيعِهم، عُزِّرَ، ولم يُحَدَّ)4451 - مسألة: (وإن قال لرجلٍ: اقْذِفْنِى. فقذَفَه. فهل يُحَدُّ)مسألة: (وإن قال لامرأتِه: يَا زانِيَةُ. قالَتْ: بكَ زَنَيْتُ. لم تَكُنْ قاذِفَةً)مسألة: (وإن مات المَقذُوفُ سَقَط الحَدُّ)4455 - مسألة: (ومَن قَذَف أُمَّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قُتِلَ، مُسْلِمًا كان أو كافِرًا)مسألة: (وإن قَذَف الجَماعَةَ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، فحَدٌّ وَاحِدٌ إذا طالَبوا أو واحِدٌ منهم. وعنه، إن طالَبُوا مُتَفَرِّقِينَ، حُدَّ لكلِّ واحِدٍ حَدًّا)مسألة: (وإن قَذَفَهم بكَلِمَاتٍ، حُدَّ لكلِّ واحِدٍ حَدًّا)4458 - مسألة: (وإنْ حُدَّ للقَذْفِ، فأعَادَه، لم يُعَدْ عليه الحَدُّ)بَابُ حَدِّ المُسْكِرِمسألة: (كلُّ شَرابٍ أسْكَرَ كَثِيرُه، فقَلِيلُه حَرامٌ، مِن أىِّ شئٍ كان، ويُسَمَّى خَمْرًا)مسألة: (ولا يَجُوزُ شُرْبُه للَذَّةٍ، ولا للتَّداوِى، ولامسألة: (ومَن شَرِبَه مُخْتَارًا عالِمًا أنَّ كَثِيرَه يُسْكِرُ، قَلِيلًا4462 - مسألة: (والرَّقِيقُ على النِّصْفِ مِن ذلك)مسألة: (والذِّمِّىُّ لا يُحَدُّ بشُرْبِه، في الصَّحِيحِ)مسألة: (وهل يَجِبُ الحَدُّ بوُجُودِ الرّائحَةِ؟ على4465 - مسألة: (وَالْعَصِيرُ إِذَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، حَرُمَ، إِلَّا أَنْ يَغْلِىَ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَحْرُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ)مسألة: وقال أبو الخَطَّابِ: عِندى أنَّ كلامَ أحمدَ في ذلك مَحْمُولٌ عَلَى عصيرٍ الغالِبُ أنَّه يَتَخَمَّرُ في ثلاثةِ أَيَّامٍ.مسألة: (وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَتْرُكَ في الْمَاءِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا وَنَحْوَهُ؛ لِيَأَخُذَ مُلُوحَتَهُ، مَا لَمْ يَشْتَدَّ، أَوْ يَأْتِىَ عَلَيْهِ ثَلَاثٌ)مسألة: (ولا يُكْرَهُ الانْتِباذُ في الدُّبَّاءِ، والحَنْتَمِ،مسألة: (ويُكْرَهُ الخَلِيطَان، وهو أن يَنْتَبِذَ شَيْئَيْن،مسألة: (ولا بأْسَ بالفُقَّاعِ)بَابُ التَّعْزِيرِ4471 - مسألة: (وَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ امْرَأَتِهِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ)مسألة: (وهل يَلْحَقُه نَسَبُ وَلَدِها)مسألة: (ولا يَسْقُطُ الحدُّ بالإِباحَةِ في غيرِ هذا المَوْضِعِ)4475 - مسألة: (وإنِ اسْتَمْنَى بيَدِه لغيرِ حاجَةٍ عُزِّرَ)بَابُ الْقَطْعِ في السَّرِقَةِمسألة: (وَلَا يَجِبُ إِلَّا بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، السَّرِقَةُ؛ وَهِىَ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الاخْتِفَاءِ)مسألة: (ولا قَطْعَ على مُنْتَهِبٍ، ولا مُخْتَلِسٍ، ولامسألة: (وَيُقْطَعُ الطَّرَّارُ، وَهُوَ الَّذِى يَبُطُّ الجَيْبَ وَغَيْرَهُ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ. وَعَنْهُ، لَا يُقْطَعُ)فصلمسألة: (ويُقْطَعُ بسَرِقَةِ العَبْدِ الصَّغِيرِ)مسألة: (ولا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ حُرٍّ وإن كان صَغِيرًا. وعنه،مسألة: فإن كان عليه حَلْىٌ أو ثِيابٌ تَبْلُغُ نِصَابًا، لَمْ يُقْطَعْ.مسألة: (ولا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مُصْحَفٍ. وعندَ أبى الخَطَّابِ، يقْطَعُ)4483 - مسألة: (ويُقْطَعُ بسَرِقَةِ سائِرِ كُتُبِ العلمِ)مسألة: (ولا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ آلةِ لَهْوٍ، ولا مُحَرَّمٍ، كالخَمْرِ)مسألة: (وإن سَرَقَ آنِيَةً فيها الخَمْرُ، أو صَلِيبًا، أو صَنَمَ ذَهَبٍ، لم يُقْطَعْ. وعندَ أبى الخَطَّابِ، يُقْطَعُ)فصلمسألة: (وإن سَرَق نِصابًا، ثم نَقَصَتْ قِيمَتُه، أو مَلَكَه ببَيْعٍ أو هِبَةٍ، أو غيرِهما، لم يَسْقُطِ القَطْعُ)4488 - مسألة: (وإن دَخَل الحِرْزَ، فذَبَحَ شَاةً قِيمَتُها نِصابٌ، فنَقَصَتْ عن النِّصابِ، ثم أخْرَجَها، لم يُقْطَعْ)مسألة: (وإن سَرَق فَرْدَ خُفٍّ، قِيمَتُه مُنْفَرِدًا دِرْهَمَان، وقِيمَتُه مع الآخَرِ أرْبَعَةٌ، لم يُقْطَعْ)4490 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَكَ جماعةٌ في سَرِقَةِ نِصابٍ، قُطِعُوا، سَواءٌ أخْرَجُوه جُمْلَةً، أو أخْرَجَ كلُّ واحِدٍ جُزْءًا)4491 - مسألة: (وإن هَتَكَ اثْنَان حِرْزًا، ودَخَلَاه، فأخْرَجَ أحَدُهما نِصابًا وحدَه، أو دَخَلَ أحَدُهما فقَدَّمَه إلى بابِ النَّقْبِ، وأدْخَلَ الآخَرُ يَدَه فأخْرَجَه، قُطِعَا)مسألة: فإن نَقَبَا حِرْزًا، فدَخَلَ أحَدُهما فقَرَّبَ المَتاعَ مِن النَّقْبِ، وأدْخَلَ الخارجُمسألة: (وإن رَماه الدَّاخِلُ إلى خارِجٍ، فأخَذَه الآخَرُ، فالقَطْعُ على الدَّاخِلِ وحدَه)مسألة: (وإن نَقَب أحَدُهما، ودَخَل الآخَرُ فأخْرَجَه، فلا قَطْعَ عليهما. ويَحْتَمِلُ أن يُقْطَعَا)مسألة: (إلَّا أن يَنْقُبَ)فصلفصلمسألة: (فَإن سَرَقَ مِن غيرِ حِرْزٍ)مسألة: (فإن دَخَلَ الحِرْزَ، فأتْلَفَ فيه)مسألة: (وإنِ ابْتَلَعَ جَوْهَرًا أو ذَهَبًا فخَرَجَ به، أو نَقَب ودَخَلَ، فتَرَكَ المَتاعَ على بَهِيمَةٍ، فخَرَجَتْ به، أو في ماءٍ جَارٍ،مسألة: (والحِرْزُ ما جَرَتِ العادَةُ بحِفْظِ المالِ فيه، ويَخْتَلِفُ باخْتلافِ الأمْوالِ، والبُلْدَانِ، وعَدْلِ السُّلْطَانِ وجَوْرِه، وقُوَّتِه وضَعْفِه)4500 - مسألة: إذا ثَبَت ذلك (فخِرْزُ الأثْمانِ والجَواهِرِ والقماشِ في الدُّورِ، والدَّكاكينِ العُمْرانِ، وراءَ الأبوابِ والأغْلاقِ الوَثِيقةِ)مسألة: (وحِرْزُ البَقْلِ، والبَاقِلَّاءِ، ونَحْوِه، وقُدُورِهمسألة: (وحِرْزُ الخَشَبِ والحَطَبِ الحَظَائِرُ)مسألة: (وحِرْزُ المَوَاشِى الصِّيَرُ [^fn23872]، وحِرْزُها في المَرْعَى بالرَّاعِى، ونَظَرِه إليها) فما غابَ منها عن مُشاهَدَتِه، فقد خَرَج عن الحِرْزِ؛ لأَنَّ الرَّاعِيَةَ هكذا تُجْرَزُ.[^fn23871]4504 - مسألة: (وحِرْزُ حَمُولَةِ الإِبلِ بتَقْطِيرِها، وقائِدِها وسائِقِها، إذا كان يَرَاها)4505 - مسألة: (وحِرْزُ الثِّيَابِ في الحَمَّامِ بالْحافِظِ)مسألة: (وحِرْزُ الكَفَنِ في القَبْرِ على المَيِّتِ، فلو نَبَشمسألة: (وحِرْزُ البابِ تَرْكِيبُه في مَوْضِعِه)مسألة: (فلو سَرَق رِتاجَ الكَعْبَةِ، أو بابَ مَسْجِدٍ، أو تَأْزِيرَه [^fn23901]، قُطِعَ) إذا سَرَق بابَ مَسْجدٍ منصوبًا، أو بابَ الكعبةِ المَنْصُوبَ، أو سَرَق مِن سَقْفِه شيئًا، أو تَأَزِيرَه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، عليه القَطْعُ. وهو مذهبُ الشافعىِّ، وابنِ القاسمِ صاحبِ مالكٍ، وأبى[^fn23898][^fn23899][^fn23900]4509 - مسألة: (وإن سَرَق قَنادِيلَ المسجدِ، أو حُصُرَه، فعلى وَجَهَيْن)4510 - مسألة: (وإن نامَ إنْسَانٌ على رِدائِه في المسجدِ، فسَرَقَه سارِقٌ، قُطِعَ)مسألة: (وإن سَرَق مِن السُّوقِ غَزْلًا، وثَمَّ حافِظٌ، قُطِعَ)4512 - مسألة: (ومَن سَرَقَ مِن النَّخْلِ أو الشَّجَرِ مِن غيرِ حِرْزٍ، فلا قَطْعَ عليه، ويَضْمَنُ عِوَضَها مَرَّتَيْن)4513 - مسألة: (وقال أبو بكرٍ: ما كان حِرْزًا لمالٍ، فهو حِرْزٌ لمالٍ آخَرَ)فصلفصلمسألة: (ولا يُقْطَعُ العَبْدُ بالسَّرِقَةِ مِن مالِ سَيِّدِه)مسألة: (ولا)مسألة: (ولا)مسألة: (ومَن سَرَق من الغَنِيمَةِ مِمَّن له فيها حَقٌّ، أو لوَلَدِه، أو لسَيِّدِه، لم يُقْطَعْ)مسألة: (وهل يُقْطَعُ أحَدُ الزَّوْجَيْن بالسَّرِقَةِ من مالِ الآخَرِ المُحْرَزِ عنه؟ على رِوايَتَيْن)مسألة: (ويُقْطَعُ سائِرُ الأقارِبِ بالسَّرِقَةِ من مالِ أقارِبِهمْ)مسألة: (ويُقْطَعُ المُسْلِمُ بالسَّرِقَةِ من مالِ الذِّمِّىِّ والمُسْتَأْمِنِ، ويُقْطَعَان بسَرِقَةِ مالِه)مسألة: (ومَن سَرَق عَيْنًا، وادَّعَى أنَّها مِلْكُهُ، لم يُقْطَعْ. وعنه، يُقْطَعُ. وعنه، لا يُقْطَعُ، إلَّا أن يَكونَ مَعْرُوفًا بالسَّرِقَةِ)مسألة: (ومَن أجَرَ دارَه، أو أعارَها، ثم سَرَق منها مالَ المُسْتَعِيرِ أو المُسْتَأْجِرِ، قُطِعَ)مسألة: وإنِ اسْتَعارَ دارًا فنَقَبَهَا المُعِيرُ، وسَرَق مالَ المُسْتَعِيرِ منها، قُطِعَ أيضًا.فصل4525 - مسألة: (ولا يَنْزِعُ عن إقْرارِه حتى يُقْطَعَ)َفْصِلِ،فَصْلٌ:مسألة: (وإذا وَجَب القَطْعُ، قُطِعَتْ يَدُه اليُمْنَى مِن مَفْصِلِ الكَفِّ، وحُسِمَتْ؛ وهو أن تُغْمَسَ فِى زَيْتٍ مَغْلِىٍّ، فإن عاد،مسألة: (فإن عاد، حُبِسَ، ولم يقْطَعْ. وعنه، أنَّه تقْطَع يَده اليُسْرَى في الثالِثَةِ والرِّجل اليُمْنَى في الرّابِعَةِ)مسألة: (ومَن سَرَق وليس له يَد يُمْنَى، قُطِعَتْ رِجْلُهمسألة: (وإن سَرَق وله يُمْنَى، فذَهَبَتْ، سَقَط القَطْعُ)مسألة: (وإن ذَهَبَتْ يدُه اليُسْرَى)مسألة: (ويَجْتَمِعُ القَطْعُ والضَّمَانُ، فَتُرَدُّ العَيْنُمسألة: (وهل يَجِبُ الزَّيْتُ الذى يُحْسَمُ به من بَيْتِ المالِ أو مِن مالِ السَّارِقِ؟ على وَجْهَيْن)بَابُ حَدِّ الْمُحَاربِينَ4534 - مسألة: (وهمُ الَّذِينَ يَعْرِضونَ للناسِ بالسِّلاحِ في الصحراءِ، فيَغْصِبُونَهم المالَ مُجَاهَرَةً، فأمَّا مَن يَأخُذُه على وَجْهِ السَّرِقَةِ فليس بمُحَارِبٍ)4535 - مسألة: (وإن فَعَلُوا ذلك في البُنْيَانِ، لم يَكُونُوا مُحَارِبِينَ في قولِ الخِرَقِىِّ)مسألة: (وإن قَتَلَ مَن لا يكافِئُه، فهل يُقْتَلُ؟ على رِوايَتَيْن)مسألة: (وإن جَنَى جِنايةً تُوجِبُ القِصاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فهل يَتَحَتَّمُ اسْتِيفَاؤه؟ على رِوايَتَيْن)مسألة: (وحُكْمُ الرِّدْءِ [^fn24099] حُكْمُ المُبَاشِرِ) وبهذا قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ. وقال الشافعىُّ: ليس على الرِّدْءِ إلَّا التَّعْزِيرُ؛ لأن [^fn24100] الحَدَّ يجبُ بارْتِكابِ المَعْصِيَةِ، فلا يَتَعَلَّقُ بالمُعِينِ، كسائرِ الحُدودِ. ولَنا، أنَّه حُكْم يتعلَّقُ بالمُحارَبَةِ، فاسْتَوَى فيه الرِّدْءُ والمُباشِرُ،مسألة: (ومَن قَتَل ولمْ يَأخُذِ المالَ، قُتِلَ. وهل يُصْلَبُ؟ على رِوايَتَيْن)مسألة: (ومَن أخَذَ المالَ ولم يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُه اليُمْنَى ورِجْلُه اليُسْرَى في مَقام واحِدٍ، وحُسِمَتا، وخُلِّىَ)مسألة: (ولا يُقْطَعُ منهم إلَّا مَن أَخَذَ ما يُقْطَعُ السَّارِقُ فِى مِثْلِه)مسألة: (ومَن لم يَقْتُلْ ولا أخَذَ المالَ، نُفِىَ وشُرِّدَ، فلامسألة: (ومَن وَجَب عليه حَدٌّ للَّهِ تَعالَى سِوَى ذلك، فتابَ قبلَ إقامَتِه، لم يَسْقُطْ)4547 - مسألة: (ومَن ماتَ وعليه حَدٌّ، سَقَط عنه)فصل4548 - مسألة: فإن أُرِدَتْ نَفْسُه، لم يَلْزَمْه الدَّفْعُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال في الفِتْنَةِ: «اجْلِسْ فِي بَيتكَ فَإنْ خِفْتَ أنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيفِ، فَغَطِّ وَجْهَكَ»4549 - مسألة: (وإنْ عَضَّ إنْسَان إنسانًا، فانْتَزَعَ يَدَه من فِيهِ، فسَقَطَتْ ثَنَايَاهُ، ذَهَبَتْ هَدْرًا)مسألة: (وإن نَظَر في بَيتِه من خَصاصِ البابِ، أو نحوه،بَابُ قِتَالِ أهْلِ الْبَغْيِ4551 - مسألة: (وهم القَوْمُ الذينَ يَخْرُجُونَ على الإِمامِ بتَأْويل سائِغٍ، ولهم مَنَعَةٌ وشَوْكَةٌ)مسألة: (وعلى الإِمامِ أنَّ يُرَاسِلَهم، ويَسْأَلهُمْ ما يَنْقِمُون منه، ويُزِيلَ ما يَذْكُرُونَه من مَظْلِمَةٍ، ويَكْشِفَ ما يَدَّعُونَه مِنْ شُبْهَةٍ،مسألة: (وعلى رَعِيَّتِه مَعُونَتُه على حَربِهِم)مسألة: (فَإنِ اسْتَنْظرُوه مُدَّةً، رَجَاءَ رُجُوعِهم فيها،مسألة: (وإن ظَنَّ أنَّهَا مَكِيدَة، لم يُنْظِرْهم، وقَاتَلَهم)مسألة: (ولا يُقَاتِلُهم بما يَعُمُّ إتْلافُه، كالمنْجَنِيقِ، والنَّارِ، إلَّا لضَرُورَةٍ)مسألة: (ولا يَسْتَعِينُ في حَرْبِهم بكافِرٍ)4558 - مسألة: (وهل يَجُوزُ أنَّ يَسْتَعِينَ عليهم بسِلاحِهم، وكُرَاعِهم (1)؟ على وَجْهَين) أحدُهما، لا يجوزُ؛ لأنَّه لا يَحِلُّ أخْذُ مالِهم، لكَوْنِه مَعْصُومًا بالإِسْلامِ، وإنَّما أُبِيحَ قِتالُهُم لرَدِّهم إلى الطَّاعةِ، ويَبْقَى المالُ على العِصْمَةِ، كمالِ قاطعِ الطريقِ، إلَّا أنَّ تَدْعُوَ ضَرُورةٌ، فيجوزُ، كما يجوزُ أكْلُ مالِ الغيرِ في المَخْمَصَةِ. والوَجْهُ الثاني، يجوزُ قِياسًا على أسْلِحَةِ الكُفَّارِ.مسألة: وذَكَر القَاضِي، أنَّ أحمد أوْمَأَ إلى جَوازِ الانْتِفاعِ به حال الْتِحامِمسألة: (ولا يُتْبَعُ لهم مُدْبِرٌ، ولا يُجازُ على جَرِيحٍ)مسألة: (ولا يُغْنَمُ لهم مالٌ، ولا تُسْبَى لهم ذُريَّة)مسألة: (ومَن أُسِرَ من رجالِهمْ، حُبِسَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الحَرْبُ، ثم يُرْسَلُ)مسألة: (وإن أُسِرَ صَبِيٌّ أو امرأةٌ، فهل يُفْعَلُ به ذلك،4564 - مسألة: (وإذا انْقَضَى الحَرْبُ، فمَن وَجَدَ مِنهم مالهُ في يَدِ إنسانٍ أخَذَه)مسألة: (ولا يَضْمَنُ أهْلُ العَدْلِ ما أتْلَفُوه عليهم حال الحَرْبِ، مِن نَفْس أو مالٍ. وهل يَضْمَنُ البُغَاةُ ما أتْلَفُوهُ على أهلِ العَدْلِ في الحربِ؟ على رِوايَتَين)مسألة: (ومَن أتْلَفَ في غَيرِ حالِ الحَرْبِ شيئًا، ضَمِنَه)4567 - مسألة: (وما أخَذُوا فِي حالِ امْتِناعِهمْ مِن زَكَاةٍ، أو خَراجٍ، أو جِزْيَةٍ لم يُعَدْ عليهم، ولا على صاحبِه)مسألة: (ومَن ادَّعَى دَفْعَ زَكاتِه إليهم، قُبِلَ بغيرِ يَمِينٍ)مسألة: (وإنِ ادَّعَى ذِمِّيٌّ دَفعَ جِزْيَتِه إليهم، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيَّنةٍ)مسألة: (وإنِ ادَّعَى دَفْعَ خَراجِه إليهم، فهل يُقْبَلُ بغيرِ بَيِّنَةٍ؟ على وَجْهَين)4571 - مسألة: (وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ)مسألة: (ولا يُنْقَضُ مِن حُكْمِ حَاكمِهمْ، إلَّا مَا يُنْقَضُ مِن حُكْمِ غيرِه)مسألة: (وإنِ اسْتَعَانُوا بأهلِ الحَرْبِ وأمَّنُوهُمْ، لم يَصِحَّ أمانُهُم، وأُبِيحَ قَتْلُهم)مسألة: (وإن أظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الخَوارِجِ، ولَم يَجْتَمِعُوا لحربٍ، لم يُتَعَرَّضْ لهم)4576 - مسألة: (فإن سَبُّوا الإِمامَ، عَزَّرَهُم)4577 - مسألة: (وإن جَنَوْا جنَايَةً، أو أتَوْا حَدًّا، أقامَه عليهم)4578 - مسألة: (وإنِ اقْتَتَلَتْ طائِفَتان لعَصَبِيَّةٍ، أو طَلَبِ رِياسَةٍ، فهما ظالِمَتَان، وتَضْمَنُ كلُّ واحِدَةٍ)بَابُ حُكْمِ الْمُرْتَدِّمسألة: (فَمَن أشْرَكَ باللهِ تَعالى، أو جَحَد رُبُوبِيته، أو4580 - مسألة: (فإن جَحَد وُجُوبَ العِبادَاتِ الخَمْسِ، أو شَيئًا منها، أو أحَلَّ الزِّنَى، أو الخَمْرَ، أو شَيئًا مِن المُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ المُجْمَعِ)مسألة: (ومَن ترَك شَيئًا مِن العِباداتِ الخَمْسِ تَهاوُنًا،مسألة: (ومَن ارْتَدَّ عن الإِسلامِ مِن الرِّجالِ والنِّساءِ،مسألة: (ويُقْتَلُ بالسَّيفِ)4584 - مسألة: (ولا يَقْتُلُه إلَّا الإمامُ أو نائِبُه)مسألة: (فإن قَتَلَه غيرُه بغيرِ إذْنِه، أسَاءَ، وعُزِّرَ)مسألة: (وإن عَقَل الصَّبِيّ الإِسْلامَ، صَحَّ إسْلامُه ورِدَّتُهُ. وعنه، يَصِحُّ إسْلامُهُ دُونَ رِدَّتِهِ. وعنه، لا يَصِحُّ شيءٌ منهما حَتَّى يَبْلُغَ. والمذهبُ الأوَّلُ)مسألة: (وإن أسْلَمَ، ثم قال: لم أدْرِ ما قُلْتُ. لم يُلْتَفَتْمسألة: (ولا يُقْتَلُ حتى يَبْلُغَ، ويُجاوزَ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ مِن وَقْتِ بُلُوغِه، فإن ثَبَت على كُفْرِه قُتِلَ)مسألة: (ومَن ارْتَدَّ وهو سَكْرانُ، لم يُقْتَلْ حَتَّى يَصْحُوَ، وتَتِمَّ له ثَلاثَةُ أيَّام مِن وَقْتِ رِدَّتِه، فإن ماتَ في سُكْرِه، ماتَ كَافِرًا. وعنه، لا تَصِحُّ رِدَّتُه)مسألة: (وإذا مات المُرْتَدُّ، فأقام وارِثُهَ بَيِّنَةً أنَّه صَلَّى بعدَ الردَّةِ، حُكِمَ بإسْلامِه)مسألة: (ولا يَبْطُلُ إحْصانُ المُسْلمِ برِدَّتِه، ولا عِباداتُه التي فَعَلَها في إسلامِه، إذا عاد إلى الإِسلامِ)مسألة: (وَتُقْضَى دُيُونُه وأُرُوشُ جِناياتِه، ويُنْفَقُ على مَن تَلْزَمُه مؤْنَتُه)مسألة: (وما أتْلَفَ من شيءٍ، ضَمِنَه، ويَتَخَرَّجُ في الجماعَةِ المُمْتَنِعَةِ أن لا تَضْمَنَ ما أَتْلَفَتْه)مسألة: (وإذا أسْلَمَ، فهل يَلْزَمُه قَضاءُ ما تَرَك من العباداتِ؟ على رِوايَتَين)4599 - مسألة: (فأمَّا الَّذِي يَسْحَرُ بالأدْويَةِ، والتَّدْخِينِ، وسَقْي شَيءٍ يَضُرُّ، فلا يَكْفُرُ ولا يُقْتَلُ)4600 - مسألة: (وأمَّا الذي يَعْزِمُ على الجنِّ، ويَزْعُمُ أنَّه يَجْمَعُها فتُطِيعُه، فلا يَكْفُرُ ولا يُقْتَلُ. وذَكَرَه أبو الخَطَّابِ في السَّحَرَةِ الذين يُقْتَلون)
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الصَّيدِكِتَابُ الْأَيْمَانِكتاب القضَاءِكِتَابُ الشَّهادَاتِكِتَابُ الْإِقْرَارِ
جارٍ التحميل