كِتَابُ الطَّلَاقِ
وَهُوَ حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ،
كتابُ الطَّلاقِ
(وهو حَلُّ قَيْدِ النِّكاحِ) وهو مشروعٌ، والأصلُ في مَشْرُوعِيَّتِه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ 1. وقال سبحانَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 2. وأمَّا السُّنَّةُ، فروَى ابنُ عمرَ أنَّه طَلَّقَ امْرأَته وهى حائضٌ، فسألَ عمرُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك، فقال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إنْ شَاءَ أمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِى أمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ».
مُتَّفَقٌ عليه 3. في آىٍ وأخْبارٍ سِوَى هذيْنِ كثيرٍ.
وأجْمَعَ النَّاسُ على جوازِ الطَّلاقِ، والعِبْرَةُ
الجزء: 22 - الصفحة: 129
وَيُبَاحُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِليْهِ، وَيُكرَهُ مِنْ غيْرِ حَاجَةٍ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يَحْرُمُ، وَيُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَ بَقَاءُ النِّكَاحِ ضَرَرًا.
دالَّةٌ على جوازِه، فإنَّه رُبَّما فَسَدَتِ الحالُ بينَ الزَّوْجَيْن، فيَصيرُ بقاءُ النِّكاحِ مَفْسَدةً مَحْضَنةً، وضَرَرًا مُجَرَّدًا، بإلْزامِ الزَّوْجِ النَّفَقَةَ والسُّكْنَى، وحَبْسِ المرأةِ مع سوءِ العِشْرَةِ، والخُصُومةِ الدائمةِ مِن غيرِ فائدةٍ، فاقْتَضَى ذلك شَرْعَ ما يُزيلُ النِّكاحَ، لِتَزولَ المَفْسدةُ الحاصِلةُ منه.
3419 -
مسألة: (ويُبَاحُ عِنْدَ الحاجَةِ إليه، ويُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. وعنه، أنَّه يَحْرُمُ، ويُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَ بَقَاءُ النِّكَاحِ ضَرَرًا)
الطَّلاقُ على خمسةِ أضْرُبٍ؛ واجبٌ، وهو طلاقُ المُولِى بعدَ التَّرَبُّص إذا أبَى الفَيْئَةَ 4، وطلاقُ الحَكَمَيْن في الشِّقاقِ إذا رأيا ذلك.
والثانى، مَكْرُوهٌ، وهو الطَّلاقُ مِن غيرِ حاجةٍ إليه؛ لأنَّه مُزيلٌ للنِّكاحِ المُشْتَمِلِ على المَصَالِحِ المَنْدوبِ 5 إليها، فيكونُ مكروهًا.
وقال القاضى: فيه رِوَايتان؛ إحداهما، أنَّه مُحَرَّمٌ؛ لأنَّه ضَرَرٌ بنَفْسِه وزَوْجَتِه، وإعْدامٌ للمَصْلَحةِ الحاصلةِ لهما مِن غيرِ حاجةٍ إليه، فكان حرامًا،
الحديث: 3419 - الجزء: 22 - الصفحة: 130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كإتْلافِ المالِ، ولقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» 6. والثانيةُ، أنَّه مُباحٌ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أبْغَضُ الحَلَالِ إلَى اللَّه الطَّلاقُ».
وفى لفظٍ: «مَا أحَل اللَّهُ شَيْئًا أبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلاقِ».
رواه أبو داودَ 7. والثالثُ، مُباحٌ، وهو عندَ الحاجةِ إليه لسُوءِ خُلُقِ المرأةِ، وسُوءِ عِشْرَتِها، والتَّضَرُّرِ 8 منها مِن غيرِ حُصولِ الغَرَضِ بها.
والرابعُ، مندوبٌ إليه، وهو عندَ تَفْريطِ المرأةِ في حُقوقِ اللَّهِ الواجبةِ عليها، مثلَ الصَّلاةِ ونحوها، ولا يُمْكِنُه إجْبارُها عليها، أو يكونُ له امرأةٌ غيرُ عَفِيفةٍ.
قال أحمدُ: لا يَنْبَغِى له إمْساكُها.
وذلك لأَنَّ فيه نَقْصًا لدينِه 9، ولا يأْمَنُ إفْسادَها فِراشَه، وإلْحاقَها به وَلَدًا مِن غيرِه، ولا بأْسَ بعَضْلِها في هذه الحالِ، و 10 التَّضْيِيقِ عليها لتَفْتَدِىَ منه، قال اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ 11. ويَحْتَمِلُ أنَّ الطَّلاقَ في هذَيْن الموْضِعَيْن واجبٌ.
ومِن
الجزء: 22 - الصفحة: 131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَنْدوبِ إليه الطَّلاقُ في حالِ الشِّقاقِ، وفى الحالِ التى تُخْرِجُ المرأةَ إلى المُخالَعَةِ لِتُزيلَ عنها الضَّرَرَ.
والخامسُ، المَحْظُورُ، وهو طَلاقُ الحائِضِ، أو في طُهْرٍ أصَابَها فيه، وقد أجْمَعَ العُلَماءُ في جميعِ الأمْصارِ على تَحْريمِه، ويُسَمَّى طَلاقَ البِدْعَةِ؛ لأَنَّ المُطَلِّقَ خالفَ السُّنَّةَ، وتَرَكَ أمرَ اللَّهِ ورسولِه، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فتلك العدَّةُ الَّتِى أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ».
وفى لفظٍ رَواه الدَّارَقُطْنِى 12 بإسْنادِه عن ابنِ عمرَ، أنَّه طَلَّقَ امْرأتَه تَطْلِيقةً وهى حائِضٌ، ثم أرادَ أَنْ يُتْبِعَها بتَطْلِيقَتَيْن آخِرَتَيْنِ عندَ
الجزء: 22 - الصفحة: 132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القُرْأيْنِ، فبلغَ ذلك رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: فقال: «يَا ابْنَ عُمَرَ، مَا هَكَذَا أَمرَكَ اللَّهُ، إِنَّكَ أَخْطَأْتَ السُّنَّةَ، والسُّنَّةُ ان تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ، فَتُطَلِّقَ لِكُلِّ قَرْءٍ».
ولأنَّه إذا طَلَّقَ في الحيْضِ طَوَّلَ العِدَّةَ عليها؛ فإِنَّ الحَيْضَةَ التى طَلَّقَ فيها لا تُحْسَبُ مِن عِدَّتِها، ولا الطُّهْرَ الذى بعدَها عندَ مَنْ يَجْعَلُ الأقْراءَ الحِيَضَ، وإذَا طَلَّقَ في طُهْرٍ أصَابَها فيه، لم يأْمَنْ 13 أن تكونَ حاملًا فيَنْدَمَ، وتكون مُرتابةً [لا تَدْرِى] 14 أتَعْتَدُّ بالحَمْلِ أو الأقْراءِ؟
الجزء: 22 - الصفحة: 133
وَيَصِحُّ مِنَ الزَّوْجِ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ الْمُخْتَارِ، ومِنَ الصَّبِىِّ الْعَاقِلِ.
وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ حَتَّى يَبْلُغَ.
3420 - مسألة: (ويَصِحُّ مِن الزَّوْجِ العاقِلِ البالِغِ المُخْتارِ، ومِن الصَّبِىِّ العَاقِلِ. وعنه، لَا يَصِحُّ حَتى يَبْلُغَ)
أمَّا صِحَّةُ الطَّلاقِ مِن الزَّوْجِ العاقِلِ المُختارِ، فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فصَحَّ منه، كالبَيْعِ.
وأمَّا الصَّبِىُّ؛ فإنْ لم يَعْقِلْ، فلا طَلاقَ له بغيرِ خِلافٍ.
وأمَّا الذى يَعْقِلُ الطَّلاقَ، ويَعْلَمُ أنَّ زَوْجَتَه تَبِينُ منه، وتَحْرُمُ عليه، فأكْثَرُ الرِّواياتِ عن أحمدَ، أنَّ طَلاقَه يَقَعُ.
وذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
واخْتارَه أبو بكرٍ، وابنُ حامدٍ.
ورُوِىَ نحوُ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، والحسنِ، والشَّعْبِىِّ، وإسْحاقَ.
ورَوَى أبو طالبٍ، عن أحمدَ: لا يَجوزُ طلاقُه حتى يَحْتَلِمَ.
وهو قولُ النّخَعىِّ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، وحَمَّادٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ.
وذَكَرَ أبو عُبَيْدٍ أنَّه قولُ أهلِ العراقِ وأهلِ الحجازِ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-:
الحديث: 3420 - الجزء: 22 - الصفحة: 134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» 15. ولأنَّه غير مُكَلَّفٍ، فلم يَقَعْ طَلاقُه، كالمجنونِ.
ووَجْهُ الأُولَى قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنَّمَا الطَّلاقُ لِمَنْ أخَذَ بِالسَّاقَ» 16. وقولُه: «كُلُّ الطَّلاقَ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ المَعْتُوهِ المَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» 17. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: اكْتُمُوا الصِّبْيانَ النِّكَاحَ 18. فيُفْهَمُ أنَّ فائِدَتَه أن لا يُطَلِّقُوا.
ولأنَّه طلاقٌ مِن عاقلٍ صادفَ مَحَلَّ الطَّلاقِ، فأشْبَهَ طلاقَ البالغِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وأكْثرُ الرِّواياتِ عن أبى عبدِ اللَّهِ، تحديدُ مَن يَقَعُ طلاقُه مِنَ الصِّبيانِ بِكونِه يَعْقِلُ.
وهو اخْتِيارُ القاضى.
ورَوَى أبو الحارِثِ عن أحمدَ: إذا عَقَلَ الطَّلاقَ، جازَ طَلاقُه، ما بينَ عَشْرٍ إلى اثْنَتىْ عَشْرَةَ.
وهذا يدُلُّ على أنَّه لا يَقَعُ لدونِ العَشْرِ.
وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ؛ لأَنَّ العَشْرَ حدُّ الضَّرْبِ على الصَّلاةِ والصِّيامِ، وصِحَّةِ الوصِيَّةِ، فكذلك هذا.
وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ: إذا أحْصَى الصلاةَ وصامَ رمضانَ، جازَ طلاقُه 19. وقال عطاءٌ: إذا بَلَغَ أن يُصِيبَ النِّساءَ 20. وعن الحسنِ: إذا عَقَلَ وحَفِظَ الصلاةَ وصامَ رمضانَ.
وقال إسْحاقُ: إذا جَازَ اثْنَتَىْ عَشْرَةَ.
الجزء: 22 - الصفحة: 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ومَن أجازَ طَلاقَه، اقْتَضَى مذْهَبُه أن يَجوزَ تَوْكِيلُه فيه 21 وتَوَكُّلُه لغيرِه.
وقد أَوْمَأَ إليه 22، فقال -في رجلٍ قال لصَبِىٍّ: طَلِّقِ- امرأتِى 23. فقال: قد طَلَّقْتُكِ ثلاثًا: لا يَجوزُ عليها حتى يَعْقِلَ الطَّلاقَ.
قيل له: فإنْ كانت له زَوْجَة صَبِيَّة فقالت له: صَيِّرْ أمْرِى إلىَّ.
فقال لها: أمْرُكِ بيدِك.
فقالت: قد اخْتَرْتُ نَفْسِى.
[فقال أحمدُ] 24: ليس بشئ حتى يكونَ مثلُها يَعْقِلُ الطَّلاقَ.
وقال أبو بكرٍ: لا يَصِحُّ أن يُوَكِّلَ حتى يَبْلُغَ.
وحَكاه عن أحمدَ.
ولَنا، أنَّ مَن صَحَّ تصَرُّفُه في شئٍ ممَّا تَجوزُ الوَكالَةُ فيه بنَفْسِه، صَحَّ تَوْكِيلُه ووَكالتُه فيه، كالبالغِ، وما رُوِىَ عن أحمدَ مِنْ مَنْعِ ذلك، فهو على الرِّوايةِ التى لا 25 تُجِيزُ طَلاقَه، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
فصل: فأمَّا السَّفِيهُ، فيَقَعُ طلاقُه (5) في قولِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم القاسِمُ بنُ محمدٍ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةَ وأصْحابُه.
ومَنَعَ منه عَطاءٌ.
والأَوْلَى صِحَّتُه؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ مَالِكٌ لمَحَلِّ الطَّلاقِ، فوَقَعَ طَلاقُه، كالرَّشيدِ، والحَجْرُ عليه في مالِه لا يَمْنَعُ مِن التَّصَرُّفِ في
الجزء: 22 - الصفحة: 137
وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ فِيهِ؟ كَالْمَجْنُونِ، والنَّائِمِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالْمُبَرْسَمِ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ.
غيرِ ما هو مَحْجُورٌ عليه فيه، كالمُفْلِسِ.
3421 -
مسألة: (ومَن زال عَقْلُه بسَبَبٍ يُعْذَرُ فيه؛ كالمَجْنُونِ، والنَّائِمِ، والمُغْمَى عَليه، والمُبَرْسَمِ، لم يَقَعْ طَلاقُهُ)
أجْمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الزَّائِلَ العقلِ بغيرِ سُكْرٍ، أو ما في مَعْناه، لا يَقَعُ طَلاقُه.
كذلك قال عُثمانُ، وعلىٌّ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، وقَتادةُ، وأبو قِلابَةَ، والزُّهْرىُّ، ويحيى الأنْصارِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وأجْمَعُوا على أنَّ الرَّجُلَ [إذا طَلَّقَ] 26 في حالِ [نومِه، أنَّه] 27 لا طَلاقَ له.
وقد ثَبَتَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:
الحديث: 3421 - الجزء: 22 - الصفحة: 138
فَإِنْ زَالَ بِسَبَبٍ لَا يُعْذَرُ فِيهٍ كَالسَّكْرَانِ، وَمَنْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ
«رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (1). ورُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «كُلُّ الطَّلاقِ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ المَغْلُوبِ (2) عَلَى عَقْلِهِ».
رَواه النَّجّادُ (3). وقال التِّرْمِذِىُّ: لا نَعْرِفُه إلَّا مِن حديثِ عَطاءِ (4) بنِ عَجْلانَ، وهو ذاهِبُ الحديثِ.
ورَوَى (5) بإسْنَادِهِ عَنْ عَلِىٍّ مثلَ ذلك.
ولأنَّه قولٌ يُزِيلُ المِلْكَ، فاعْتُبِرَ له العَقْلُ، كالبيعِ.
وسواءٌ زالَ بجُنونٍ، أو إغْماءٍ، أو شُرْبِ دواءٍ، أو إكْراهٍ على شُربِ الخمرِ، أو شُرْبِ ما يُزِيلُ عقلَه، أو لم يَعْلَمْ أنَّه مُزِيلٌ للعقلِ، فكل هذا يَمْنَعُ وُقوعَ الطَّلاقِ، رِوايةً واحدةً، ولا نَعلمُ فيه خلافًا.
3422 -
مسألة: (وإنْ كان بِسَبَبٍ لا يُعْذَرُ فيهِ، كَالسَّكْرَانِ،
2829303132 الحديث: 3422 - الجزء: 22 - الصفحة: 139
لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَفِى صِحَّةِ طَلَاقِهِ رِوَايَتَانِ.
وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِى قَتْلِهِ، وَقَذْفِهِ، وَسَرِقَتِهِ، وَزِنَاهُ، وَظِهَارِهِ وَإِيلَائِهِ.
ومَنْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَه لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَفِى صِحَّةِ طَلَاقِهِ رِوايَتَان.
وكَذَلِكَ يُخَرَّجُ في قَتْلِه، وقَذْفِه، وسَرِقَتِه، وَزِنَاهُ، وظِهَارِهِ، وَإِيلَائِهِ) اخْتلفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في طَلاقِ السَّكْرانِ؛ فرُوِىَ عنه أنَّه يَقَعُ.
اخْتارَها أبو بكرٍ الخَلَّالُ، والقاضى.
وهو 33 مذهبُ سعيدِ ابنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والحَكَمِ، ومَالكٍ، والأوْزَاعِىِّ، والشافعىِّ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وأبى حنيفةَ، وصاحِبَيْه، وسليمانَ بنِ حربٍ، لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ، إِلَّا طُلَاقَ المَعْتُوهِ».
ومثلُ هذا عن علىٍّ،
الجزء: 22 - الصفحة: 140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ومعاوية] 34، وابنِ عباسٍ.
قال ابنُ عباسٍ: طَلاقُ السَّكْرانِ جائِزٌ، أن رَكِبَ مَعْصِيةً مِن مَعاصِى اللَّهِ نَفَعَهُ ذلك 35! ولأَنَّ الصحابةَ جَعَلُوه كالصّاحِى في الحَدِّ بالقَذْفِ؛ بدليلِ ما رَوَى [ابنُ وَبرَةَ] 36 الكَلْبِىُّ، قال: أرْسَلَنِى خالدٌ إلى عمرَ، فأتَيْتُه في المسجدِ، وعندَه عثمانُ، وعلىٌّ، وعبدُ الرحمنِ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، فقلتُ: إنَّ خالدًا يقولُ: إنَّ النَّاسَ انْهَمَكُوا في الخمرِ، وتَحاقَرُوا العُقُوبَةَ.
قال عمرُ 37: هؤلاءِ عندَك فَسَلْهم.
فقال علىٌّ: نَراه إذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افْتَرَى، وعلى المُفْتَرِى ثمانون.
فقال عمرُ: أبْلِغْ صاحِبَك ما قال 38. فجَعلُوه كالصَّاحِى.
ولأنَّه إيقاعُ طَلاق مِن مُكَلَّفٍ غيرِ مُكْرَهٍ صَادفَ مِلْكَه، فوَجبَ أَنْ يَقَعَ، كطَلاقِ الصَّاحِى، ويدُلُّ على تَكْلِيفِه أنَّه يُقْتَلُ بالقَتْلِ، ويُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ، وبهذا فَارَقَ المجْنونَ.
والثانيةُ، لا يَقَعُ 39 طَلاقُه.
الجزء: 22 - الصفحة: 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اخْتارَها أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ.
وهو قولُ عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ومذهبُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والقاسمِ، وطاوُسٍ، ورَبِيعَةَ، ويحيى الأنْصارِىِّ، واللَّيْثِ، والعَنْبَرِىِّ، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، والمُزَنِىِّ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا ثابِتٌ عن عثمانَ، ولا نعلمُ أحدًا مِن الصحابَةِ خالَفَه.
وقال أحمدُ: حديثُ عثمانَ أرْفَعُ شئٍ فيه 40، وهو أصَحُّ -يعنى من حديثِ علىٍّ- وحديثُ الأعْمَشِ، [مَنْصُورٌ لا يَرْفَعُه إلى علىٍّ] 41. ولأنَّه زَائلُ العقْلِ، أشْبَهَ المَجْنونَ والنَّائِمَ، ولأنَّه مفقودُ الإِرادةِ، أشْبَهَ المُكْرَهَ، ولأَنَّ العَقْلَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ؛ إذ هو عبارةٌ عن الخِطابِ بأمْرٍ أو نَهْىٍ، ولا يَتوجَّهُ ذلك إلى مَنْ لا يَفْهَمُه، ولا فرقَ بينَ زوالِ الشَّرْطِ بمَعْصِيَةٍ أو غيرِها، بدليلِ أنَّ مَن كَسَرَ ساقَه جازَ له أن يُصَلِّى قاعِدًا، ولو ضرَبتِ المرأةُ بطْنَها فنَفِسَتْ سَقَطَتْ عنها الصلاةُ، ولو ضَرَبَ 42 رأْسَه فجُنَّ سَقَطَ التَّكْلِيفُ.
وحديثُ أبى هُرَيْرَةَ لا يَثْبُتُ.
وأمَّا قَتْلُه [وقَذْفُه] 43 وسَرِقَتُه، فهو كَمسألتِنا.
الجزء: 22 - الصفحة: 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والحُكْمُ في عِتْقِه، ونَذْرِه، وبَيْعِه، وشِرَائِه، ورِدَّتِه، وإقْرارِه، وقَتْلِه، وقَذْفِه، وسَرِقَتِه، كالحُكْمِ في طَلاقِه؛ لأَنَّ المَعْنَى في الجميعِ واحدٌ.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ في بيعِه وشرائِه الرِّوايتان.
وسألَه ابنُ مَنْصورٍ: إذا طَلَّقَ السَّكْرانُ، أو سَرَقَ، أو زَنَى أو افْتَرَى، أو اشْتَرَى، أو باعَ؟ فقال: أَجْبُنُ 44 عنه، لا يَصِحُّ مِن أمرِ السَّكْرانِ شئٌ.
وقال أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ حامدٍ: حُكْمُ السَّكْرانِ حُكْمُ الصَّاحِى فيما له وفيما عليه؛ أمَّا في ماله وعليه، كالبَيْعِ والنِّكاحِ والمُعَاوَضَاتِ، فهو كالمجنونِ، لا يَصِحُّ له شئٌ.
وقد أَوْمَأَ إليه أحمدُ.
والأَوْلَى أنَّ ما لَه أيضًا
الجزء: 22 - الصفحة: 143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يَصِحُّ منه؛ لأَنَّ تَصْحِيحَ تَصرُّفاتِه فيما 45 عليه مُؤاخَذَةٌ له، وليس مِنَ المُؤاخَذَةِ تصْحِيحُ التَّصَرُّفِ 46 له.
وكذلك الحُكْمُ في مَن شَرِبَ أو أكَلَ ما يُزِيلُ عقْلَه لغيرِ حاجةٍ وهو يعلمُ، قِياسًا على السَّكْرانِ [في وقوعِ طَلاقِه] 47. وبهذا قال أصحابُ الشافعىِّ.
وقال أصحابُ أبى حنيفةَ: لا يَقَعُ طَلاقُه؛ لأنَّه لا يَلْتذُّ بشُرْبِها.
ولَنا، أنَّه زالَ عقلُه بمَعْصِيَةٍ (2)، فأشْبَهَ السَّكْرانَ.
فصل: وحَدُّ السُّكْرِ الذى يَقَعُ الخِلافُ في صاحِبِه، هو الذى يَجْعَلُه يَخْلِطُ في كلامِه، ولا يَعْرِفُ ردَاءَه مِن ردَاءِ غيرِه، [ونَعْلَه مِن] 48. غيرِه، ونحو ذلك؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ 49. فجَعَلَ علامةَ
الجزء: 22 - الصفحة: 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زَوَالِ السُّكْرِ عِلْمَه ما يَقولُ.
ورُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: اسْتَقْرِئوه القُرآنَ، أو ألْقُوا رِداءَه في الأرْدِيَةِ، فإنْ قَرأَ أُمَّ القُرْآنِ، أو عَرَفَ رِداءَه، وإلَّا فأَقِمْ عليه الحَدَّ 50. ولا يُعْتَبَرُ أن لا يَعْرِفَ السَّماءَ مِنَ الأرْضِ، ولا الذَّكرَ مِنَ الأُنْثَى؛ لأَنَّ ذلك لا يَخْفَى على المجنونِ، فعليه 51 أوْلَى.
الجزء: 22 - الصفحة: 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: قالَ أحمدُ، في المُغْمَى عليه إذا طلَّق، فلمَّا أفاقَ وعَلِمَ أنَّه كان مُغْمًى عليه، وهو ذاكِرٌ لذلك، فقال: إذا كان ذاكِرًا لذلك، فليس هو مُغْمًى عليه، يَجوزُ طَلاقُه.
وقال في روايةِ أبى طالبٍ، في المجنونِ يُطَلِّقُ، فقيلَ له لمَّا أفاقَ: إنَّك طَلَّقْتَ امْرأتَك.
فقال: أنا 52 أذْكُرُ إنِّى طَلَّقْتُ، ولم يَكُنْ عقْلِى معى.
فقال: إذا كان يذْكُرُ أنَّه طَلَّقَ، فقد طَلُقَتْ.
فلم
الجزء: 22 - الصفحة: 146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَجْعَلْه مجنونًا إذا كان يذْكُرُ الطَّلاقَ ويعلمُ به.
قال شيخُنا 53: وهذا، واللَّهُ أعلمُ، في مَن جُنونُه بذَهابِ معْرفتِه بالكُلِّيَّةِ، وبُطْلانِ حَواسِّه، فأمَّا مَن كان جُنونُه لنشافٍ أو كان مُبَرْسَمًا، فإنَّ ذلك يُسْقِطُ حُكْمَ تَصَرُّفِه، مع أنَّ معْرِفَتَه غيرُ ذاهبةٍ بالكُلِّيَّةِ، فلا يَضُرُّه ذِكْرُه للطَّلاقِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
الجزء: 22 - الصفحة: 147
وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلاقِ بِغَيْرِ حَقٍّ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ،
3423 - مسألة: (ومَن أُكْرِهَ على الطَّلاقِ بغيرِ حَقٍّ، لم يَقَعْ طَلاقُه)
لا تخْتلِفُ الرِّوايةُ عن أحمدَ، أنَّ طلاقَ المُكْرَهِ لا يَقَعُ.
رُوِى ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وجابرِ ابنِ سَمُرَةَ.
وبه قال عبدُ اللَّهِ بنُ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، والحسَنُ، وجابرُ بنُ زيدٍ، وشُرَيْحٌ، وعَطاءٌ، وطاوسٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ،
الحديث: 3423 - الجزء: 22 - الصفحة: 149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وابنُ عَوْنٍ 54، وأيُّوبُ السَّخْتِيانِىُّ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيْدٍ.
وأجازَه أبو قِلابَةَ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ وصاحِبَاه؛ لأنَّه طلاقٌ مِن مُكَلَّفٍ في مَحَلٍّ يَمْلِكُه، فنَفَذَ، كطَلاقِ غيرِ المُكْرَهِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِى الخَطَأَ والنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ».
روَاه ابنُ ماجَه 55. وعن عائشةَ، قالتْ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «لَا طَلَاقَ في إغْلَاقٍ».
روَاه أبو داودَ 56. قال أبو عُبَيْدٍ، والقُتَبِىُّ 57: معناه في إكْراهٍ.
وقال أبو بكرٍ: سألتُ ابنَ دُرَيدٍ 58 وأبا طاهرٍ 59 النَّحْوِيَّيْنِ، فقالا: يُريدُ الإِكْراهَ؛ [لأنَّه إذا أُكْرِهَ] 60 انْغَلَقَ عليه رأْيُه.
الجزء: 22 - الصفحة: 150
وَإِنْ هَدَّدَهُ بِالْقَتْلِ أَوْ أَخْذِ الْمَالِ وَنَحْوِهِ، قَادِرٌ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ وُقُوعُ مَا هَدَّدَهُ بِهِ، فَهُوَ إِكْرَاهٌ.
وَعَنْهُ، لَا يَكُونُ مُكْرَهًا، حَتَّى يُنَالَ بِشَىْءٍ مِنَ الْعَذَابِ؛ كَالضَّرْبِ، وَالْخَنْقِ، وَعَصْرِ
ويدخلُ في هذا المعنى المُبَرْسَمُ والمجنونُ.
ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنَا مِن الصَّحابةِ، ولا مُخالِفَ لهم في عصْرِهم، فيكونُ إجْماعًا، ولأنَّه قولٌ حُمِلَ عليه بغيرِ حَقٍّ، فلم يَثْبُتْ له حُكمٌ، ككلمةِ الكُفْرِ إذا أُكْرِهَ عليها.
فصل: وإنْ كان الإِكْراهُ بحَقٍّ، نحوَ إكْراهِ الحاكمِ المُولِيَ على الطَّلاقِ بعدَ التَّرَبُّصِ إذا لم يَفِئْ، أو إكراهِه الرَّجُلَيْن اللَّذَيْن زَوَّجَهُما الوَلِيَّانِ -ولم يُعْلَمِ 61 السَّابِقُ منهما- على الطَّلاقِ، فإنَّه يَقَعُ عليه 62؛ لأنَّه قولٌ حُمِلَ عليه بِحَقٍّ، فصَحَّ، كإسْلامِ المُرْتَدِّ إذا أُكْرِهَ عليه، ولأنَّه إنَّما جازَ إكْراهُه على الطَّلاقِ ليَقَعَ طَلاقُه، فلو لم يَقَعْ لم يَحْصُلِ المقْصودُ.
3424 -
مسألة: (وإن هَدَّدَه بِالقَتْلِ وأخْذِ المالِ ونحوِه، قَادِرٌ يَغْلِبُ على ظَنِّه وُقُوعُ ما هَدَّدَهُ بِهِ، فهو إكْرَاهٌ.
وعنه، لا يَكونُ مُكْرَهًا حتى يُنَالَ بشَئٍ مِن العَذَابِ؛ كالضَّرْبِ، والخَنْقِ، وعَصْرِ السَّاقِ.
الحديث: 3424 - الجزء: 22 - الصفحة: 151
السَّاقِ.
اخْتَارَهُ الْخِرَقِىُّ.
واخْتارَه الخِرَقِىُّ) أمَّا إذا نِيلَ بشئٍ مِن العذابِ؛ كالضَّربِ، والخَنْقِ، والعَصْرِ، والحبْسِ، والغَطِّ في الماءِ مع الوعيدِ، فإنَّه يكونُ إكْراهًا بلا إشْكالٍ، لِما رُوِىَ أنَّ المُشرِكينَ أخَذُوا عمَّارًا، فأرادُوه على الشِّرْكِ، فأعْطاهم، فانْتَهَى 63 إليه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يَبْكِى، فجَعَلَ يَمْسَح الدُّموعَ عن عَيْنَيْه، ويقولُ: «أَخَذَكَ المُشْرِكُونَ فَغَطَّوْكَ فِى الْمَاءِ، وَأَمَرُوكَ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ، فَفَعَلْتَهُ، فَإنْ أخَذُوكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَافْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ».
رَواه أبو حفصٍ بإسْنادِه 64. وقال عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: ليس الرَّجُلُ أمِينًا على نَفْسِه إذا أَجَعْتَهُ 65، أو ضَرَبْتَه، أو أوْثَقْتَه 66. وهذا يَقْتَضِى وُجودَ فعلٍ يكونُ به إكْراهًا.
فأمَّا الوَعِيدُ بمُفْرَدِه، فعن أحمدَ فيه رِوَايتانِ؛
الجزء: 22 - الصفحة: 152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إحداهما، ليس بإكْراهٍ؛ لأَنَّ الذى وَرَدَ الشَّرْعُ بالرُّخْصَةِ معه هو ما وردَ في حديثِ عمَّارٍ، وفيه: «إنَّهُمْ أخَذُوكَ فَغَطُّوْكَ فِى الْمَاءِ».
فلا يَثْبُتُ الحُكمُ إلَّا فيما كان مثلَه.
والثانيةُ، أنَّ الوَعيدَ بمُفْرَدِه إكْراهٌ.
قال في رِوايةِ ابنِ مَنْصورٍ: حَدُّ الإِكْراهِ إذا خافَ القَتْلَ أو ضَرْبًا شديدًا.
وهذا قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ.
وبه يقولُ أبو حنيفةَ، والشافعىُّ؛ لأَنَّ الإِكْراهَ لا يكونُ إلَّا بالوَعيدِ، فإنَّ الماضِىَ مِن العُقُوبَةِ لا يَنْدَفِعُ بفِعْلِ ما أُكْرِهَ عليه، ولا يَخْشَى مِن وُقُوعِه، وإنَّما أُبِيحَ له فِعْلُ المُكْرَهِ عليه دَفْعًا لِما يُتَوعَّدُ به مِنَ العُقُوبةِ فيما بعدُ، وهو في الموْضِعَيْن واحدٌ، ولأنَّه متى تُوُعِّدَ بالقَتْلِ وعَلِمَ أنَّه يَقْتُلُه، فلم يُبَحْ له الفِعْلُ 67، أفْضَى إلى قَتْلِه، وإفضائِه بيَدِه إلى التَّهلُكَةِ، ولا يُفيدُ ثُبُوتُ الرُّخْصَةِ بالإِكْراهِ شيئًا؛ لأنَّه إذا طَلَّقَ في هذه الحالِ، وقعَ طَلاقُه، فيَصِلُ المُكْرِهُ إلى مُرادِه، ويَقعُ الضَّرَرُ بالمُكْرَهِ، وثُبُوتُ الإِكْراهِ في حَقِّ مَن نِيلَ بشئٍ مَن العَذابِ لا يَنْفِى ثُبوتَه في حَقِّ
الجزء: 22 - الصفحة: 153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
غيرِه، وقد رُوِى عن عمرَ في الذى تَدَلَّى يَشْتارُ عَسَلًا 68، فَوقَفتِ امْرأتُه على الحَبْلِ 69 وقالت: طلِّقْنِى ثلاثًا وإلَّا قَطَعْتُه.
فذَكَّرَها اللَّهَ والإِسْلامَ، فقالت: لتَفْعَلَنَّ أو لأفْعَلَنَّ.
فطَلَّقَها ثلاثًا، [فرَدَّه إليها] 70. روَاه سعيدٌ بإسْنادِه 71. وهذا كان وَعِيدًا.
فصل: ومِن شَرْطِ الإِكْراهِ ثَلاثةُ أمورٍ؛ أحدُها، أن يكونَ قادِرًا بسُلْطانٍ أو تَغَلُّبٍ، كاللِّصِّ ونحوِه.
وحُكِىَ عن الشَّعْبِىِّ: إن أكْرَهَه اللِّصُّ، لم يَقَعْ طَلاقُه، وإن أكْرَهَه السُّلْطانُ، وقَعَ.
وقال ابن عُيَيْنَةَ؛ لأَنَّ اللِّصَّ يَقْتُلُه 72. وعمومُ ما ذَكَرْناه في دليلِ الإِكْراهِ يَتناوَلُ الجميعَ، والذين أكْرَهُوا عمَّارًا لم يَكونُوا لُصُوصًا، وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمَّارٍ: «إِنْ عادُوا فَعُدْ» 73. ولأنَّه إكْراهٌ، فمَنَعَ وُقوعَ الطَّلاقِ، كإكْراهِ اللِّصِّ.
الثانى، أن يَغْلِبَ على ظَنِّه نُزولُ الوَعيدِ به إنْ لم يُجِبْه إلى ما طَلَبَه.
الجزء: 22 - الصفحة: 154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثالثُ، أَنْ يكونَ مِمَّا 74 يسْتَضِرُّ به ضَرَرًا كثيرًا؛ كالقَتْلِ، والضَّرْبِ الشَّديدِ، والحَبْسِ والقَيْدِ الطَّوِيلَيْن، فأمَّا السَّبُّ والشَّتْمُ، فليس بإكْراهٍ، روايةً واحدةً، وكذلك أخْذُ المالِ اليَسِيرِ.
فأمَّا الضَّرْبُ اليَسِيرُ، فإنْ كان في حَقِّ مَن لا يُبالِى به، فليس بإكْراهٍ، وإن كان في حَقِّ 75 ذوِى المُروءاتِ، على وَجْهٍ يكونُ إخْراقًا 76 بصاحبِه، وغَضًّا له، وشُهْرَةً في حَقِّه، فهو كالضَّرْبِ الكثيرِ في حَقِّ غيرِه.
وإن تُوُعِّدَ بتَعْذِيب وَلَدِه، فقد قِيلَ: ليس بإكْراهٍ؛ لأَنَّ الضَّرَرَ لاحِقٌ بغيرِه.
والأَوْلَى أَن يكونَ إكْراهًا؛ لأَنَّ ذلك أعظمُ عندَه مِن أخْذِ مالِه، والوعيدُ بذلك إكْراهٌ، فكذلك هذا.
الجزء: 22 - الصفحة: 155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإنْ أُكْرِهَ على طَلاقِ امْرأةٍ فطَلَّقَ غيرَها، وَقَعَ؛ لأنَّه غيرُ مُكْرَهٍ عليه.
وإن أُكْرِهَ على طَلْقةٍ فطَلَّقَ ثلاثًا، وَقَعَ أيضًا؛ لأنَّه لم يُكْرَهْ على الثَّلاثِ.
وإن طَلَّقَ مَن أُكْرِهَ على طَلاقِها وغيرَها، وقَعَ طَلاقُ غيرِها دُونَها.
وإن خَلَصَتْ نِيَّتُه في الطَّلاقِ دُونَ دَفْعِ الإِكْراهِ، وَقَعَ؛ لأنَّه قَصَدَه واخْتارَه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَقَعَ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ مَرْفوعٌ عنه، فلا يَبْقَى إلَّا مُجَرَّدُ
الجزء: 22 - الصفحة: 156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النِّيَّةِ، فلا يقَعُ بها طَلاقٌ.
وإن طلَّقَ ونَوَى بِقَلْبه غيرَ امرأتِه، أو 77 تأَوَّلَ في يَمينِه، فله تَأْويلُه، ويُقْبَلُ قولُه في نِيَّتِه؛ لأَنَّ الإِكْراهَ دليلٌ له 78 على تأْوِيلِه.
وإن لم يَتأَوَّلْ وقَصَدها بالطَّلاقِ، لم يَقَعْ؛ لأنَّه مَعْذُورٌ.
وذكرَ أصحابُ الشافعىِّ وَجْهًا أنَّه يَقَعُ؛ لأنَّه لا [مُكْرِهَ له] 79 على نِيَّتِه.
ولَنا، أنَّه مُكْرَهٌ عليه، [فلم يَقَعْ] 80؛ لعُمومِ ما ذكَرْنا مِن الأدِلَّةِ، ولأنَّه قد لا يَحْضُرُه التَّأْويلُ في تلك الحال، فتفُوتُ الرُّخْصَةُ.
الجزء: 22 - الصفحة: 157
وَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِى النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، كِالنِّكَاحِ بِلَا وَلِىٍّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
وَاختَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لا يَقعُ حَتَّى يَعْتَقِدَ صِحَّتَهُ.
3425 - مسألة: (وَيَقَعُ الطَّلاقُ في النِّكَاحِ المُخْتَلَفِ فيه، كَالنِّكَاحِ بلا وَلِىٍّ عِنْدَ أصحَابِنَا. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه لا يقَعُ حتى يَعْتَقِدَ صِحَّتَه)
[ولَنا، أنَّه] 81 إزالةُ مِلْكٍ بُنِىَ على التَّغْلِيبِ والسِّرايةِ، فجازَ أن
الحديث: 3425 - الجزء: 22 - الصفحة: 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَنْفُذَ في العَقْدِ الفاسِدِ إذا لم يكُنْ في نُفُوذِه إسْقاطُ حَقِّ الغيرِ، [كالعِتْقِ يَنْفُذُ في الكتابةِ الفَاسِدَةِ بالأَدَاءِ، كما يَنْفُذُ في الصَّحيحةِ، وفيه احْتِرَازٌ مِن العتقِ في البَيْعِ الفاسِدِ، لِكونِه لا يَنْفُذُ؛ لأَنَّ فيه إسْقَاطَ حَقِّ الغَيْرِ] 82، ولأنَّه عَقْدٌ يُسْقِطُ الحَدَّ، ويُثْبتُ النَّسَبَ والعِدَّةَ والمهْرَ، أشْبَهَ الصَّحيحَ.
ووَجْهُ قولِ أبى الخَطَّابِ، أَنَّه ليس بعَقْدٍ صَحِيحٍ، ولم يَثْبُتْ به النِّكاحُ، فلم يَقَعْ فيه الطَّلاقُ، كالمُتَّفَقِ على بُطْلانِه.
فإنِ 83 اعْتَقَدَ صِحَّتَه، وقَعَ 84 فيه الطَّلاقُ، كالمُتَّفَقِ على صِحَّتِه.
الجزء: 22 - الصفحة: 159
وَإِذَا وَكَّلَ فِى الطَّلاقِ مَنْ يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ، صَحَّ طَلَاقُهُ،
3426 - مسألة: (وإذَا وَكَّل في الطَّلَاقِ مَنْ يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ، صَحَّ طَلَاقُهُ)
لأنَّه إزالَةُ مِلْكٍ، فصَحَّ التوكيلُ فيه، كالعِتْقِ، ولا يَصِحُّ [تَوْكِيلُ إلَّا البالِغِ] 85 العاقِلِ، فأمَّا الطِّفْلُ والمجْنونُ، فلا يَصِحُّ تَوْكيلُهما، فإنْ فَعَلَ، فطَلَّقَ واحدٌ منهم، لم يَقَعْ طلاقُه.
وقال أصحابُ الرَّأْى: يَقَعُ.
ولَنا، أنَّهما ليسا مِن أهلِ التَّصرُّفِ، فلم يَصِحَّ تَصَرُّفُهم، كما لو وَكَّلَهم في العِتْقِ.
وإن وَكَّلَ كافرًا أو عبدًا، صَحَّ؛ لأنَّهما ممَّن يَصِحُّ طَلاقُه لنَفْسِه، فصَحَّ تَوْكيلُهما فيه.
وإن وَكَّل امرأةً، صَحَّ؛ لأنَّه يَصِحُّ توكيلُها في العِتْقِ، فصَحَّ في الطَّلاقِ، كالرَّجُلِ.
فإن جَعَلَه في يَدِ صَبِىٍّ يَعْقِلُ الطَّلاقَ، انْبَنَى ذلك على صِحَّةِ طَلاقِه لزَوْجَتِه، وقد مَضَى ذلك، وقد نصَّ أحمدُ ههُنا على اعْتِبارِ وَكالتِه بطَلاقِه، فقال -إذا قال لِصَبِىٍّ: طَلِّقِ امْرأتِى ثلاثًا.
فطَلَّقَها ثلاثًا: لا يَجوزُ عليها حتى يَعْقِلَ الطَّلاقَ، أرأيتَ لو كان لهذا الصَّبِىِّ امرأةٌ فطلَّقَها، أكانَ يَجوزُ طَلاقُه؟ فاعْتَبَرَ طَلاقَه بالوَكالةِ بطلاقِه 86 لنَفْسِه.
وهكذا لو جَعَلَ أمْرَ الصَّغيرةِ
الحديث: 3426 - الجزء: 22 - الصفحة: 160
وَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ مَتَى شَاءَ، إِلَّا أَنْ يَحُدَّ لَهُ حَدًّا،
والمجْنونةِ بيَدِها، لم تَمْلِكْ ذلك.
نصَّ عليه أحمدُ في امرأةٍ صغيرةٍ قال لها: أمْرُكِ بيَدِكِ.
فقالت: اخْتَرْتُ نفْسِى: ليس بشئٍ حتى يَكونَ مثلُها يَعْقِلُ (1)؛ لأنَّه (2) تصرُّفٌ بحُكْمِ التَّوْكِيلِ، وليست مِن أهلِ التَّصرُّفِ.
فظاهِرُ كلامِ أحمدَ هذا، أنَّها إذا عَقَلَتِ الطَّلاقَ، وقعَ طلاقُها وإن لم تَبْلُغْ، كما قَرَّرْناه في الصَّبِىٍّ.
وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ الصَّبِىِّ لا يَصِحُّ طَلاقُه حتى يَبْلُغَ.
فكذلك يُخَرَّجُ في هذه؛ لأنَّها مثلُه في المَعْنَى.
3427 -
مسألة: (وله أن يُطَلِّقَ متى شاءَ، إلَّا أَنْ يَحُدَّ لَهُ حَدًّا)
لأَنَّ لفظَ التوكيلِ يَقْتَضِى ذلك؛ لكَوْنِه توكيلًا مُطْلَقًا، فأشْبَهَ التوكيلَ في البَيْعِ، إلَّا أَنْ يَحُدَّ له حدًّا، فيَكونُ على ما أذِنَ له؛ لأَنَّ الأمْرَ إلى المُوكِّلِ في ذلك، لكَوْنِ الحقِّ له، والوَكيلُ نائِبُه، فتُنْسَبُ له الوَكالةُ على ما يَقْتَضيه لَفْظُ الموكِّلِ؛ إن كان لَفْظُه عامًّا اقْتَضَى العُمومَ، وإن كان خاصًّا اقْتَضى ذلك.8788
الحديث: 3427 - الجزء: 22 - الصفحة: 161
وَلَا يُطَلِّقُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ إِلَيْهِ.
وَإِنْ وَكَّلَ اثْنَيْنِ فِيهِ، فَلَيْسَ لأحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِهِ، إِلَّا بِإِذْنٍ،
3428 - مسألة: (وَلَا يُطَلِّقُ أكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ)
ذلكَ (إلَيْه) لأَنَّ الأمْرَ المُطْلقَ (1) يتَناولُ أقلَّ (2) ما يَقَعُ عليه الاسْمُ، إلَّا أن يَجْعَلَ أكثرَ مِن واحدةٍ بلَفْظِه أو نِيَّتِه.
نصَّ عليه؛ لأنَّه نَوَى بكلامِه ما يَحْتَمِلُه.
والقولُ قولُه في نِيَّتِه؛ لأنَّه أعْلَمُ بها.
3429 -
مسألة: (فَإنْ وَكَّلَ اثْنَيْن)
صَحَّ (ولَيْسَ لأحَدِهِما)8990
الحديث: 3428 - الجزء: 22 - الصفحة: 162
وَإِنْ وَكَّلَهُمَا فِى ثَلَاثٍ، فَطَلَّقَ أحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنَ الْآخَرِ، وَقَعَ مَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ.
أَنْ يُطَلِّقَ على الانْفِرَادِ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذلكَ إلَيْهِ؛ لأنَّه إنَّما رَضِىَ بتَصرُّفِهما جميعًا.
وبهذا قال الحسنُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
فإنْ أذِنَ لأحَدِهما في الانْفِرادِ، صَحَّ؛ لأَنَّ الحَقَّ له.
3430 -
مسألة: (فإنْ وكَّلَهما في ثلاثٍ، فطَلَّقَ أحَدُهما أكثرَ مِن الآخَرِ)
مثلَ أن يُطَلِّقَ أحَدُهما واحدةً والآخَرُ ثلاثًا، فتَقَعُ واحدةٌ.
وبهذا قال إسْحاقُ.
وقال الثَّوْرِىُّ: لا يَقَعُ شىْءٌ.
ولَنا، أنَّهما طلَّقَا جميعًا واحدةً مأْذُونًا فيها، فصَحَّ، كما لو جَعَل إليهما واحدةً.
وإن طلَّقَ أحَدُهما اثْنَتَيْن والآخرُ ثلاثًا، وَقَعَتِ اثْنتانِ؛ لأنَّهما اجْتَمَعَا عليهما،
الحديث: 3430 - الجزء: 22 - الصفحة: 163
وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: طَلِّقِى نَفْسَكِ.
فَلَهَا ذَلِكَ، كَالْوَكِيلِ،
3431 - مسألة: (وإن قال لامْرَأتِه: طَلِّقِى نَفْسَكِ. فلها ذَلِكَ، كالوَكِيلِ)
فإنْ نَوَى عَدَدًا، فهو على ما نَوَى.
وإنْ أطْلَقَ 91 مِنْ غيرِ نِيَّةٍ، لم تَمْلِكْ 92 إلَّا واحِدَةً؛ لأَنَّ الأمْرَ المُطْلَقَ يَتَناوَلُ أقلَّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ.
وكذلك الحُكْمُ لو وَكَّلَ أجْنَبِيًّا فقال: طَلِّقْ زَوْجَتِىِ.
فالحُكْمُ على ما ذَكَرْناه.
قال أحمدُ: إذا قال لامْرأتِه: طَلِّقى نَفْسَكِ.
ونوَى ثلاثًا، [فطَلَّقَتْ نفْسَها ثلاثًا] 93، فهى ثلاثٌ، وإنْ كان نَوَى واحدةً [فهى واحدةٌ] 94؛ لأن الطَّلاقَ يَكونُ واحدةً وثلاثًا، فأيُّهما نَوَاهُ فقد نَوَى بلَفْظِه
الحديث: 3431 - الجزء: 22 - الصفحة: 164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما احْتَمَلَه، وإن لم يَنْوِ تَناوَلَ اليَقِينَ.
فإن طَلَّقَتْ نَفْسَها، أو طَلَّقَها الوَكيلُ في المجلسِ أو بعدَه، وَقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّه توكيلٌ.
وقال القاضى: إذا قال لامْرأتِه: طَلِّقِى نفْسَكِ.
تَقَيَّدَ بالمجلسِ؛ لأنَّه تفويضٌ للطَّلاقِ إليها، فتَقيَّدَ بالمجلسِ، كقولِه: اخْتارِى.
ولَنا، أنَّه تَوْكِيلٌ في الطَّلاقِ، فكان على التَّراخِى، كتَوْكِيلِ الأجْنَبِىِّ، وكقولِه: أمْرُكِ بيَدِكِ.
[وفارقَ: اخْتارِى.
فإنه تَخْييرٌ.
ويَنْتَقِضُ ما ذكَرَه بقَوْلِه: أمْرُكِ بيَدِكِ] 95. فإن قال: طَلِّقِى ثلاثًا.
فطَلَّقَتْ واحدةً، وَقَعَ.
نَصَّ عليه.
وقال مالكٌ: لا يَقعُ شئٌ؛ لأنَّها لم تَمْتَثِلْ أمرَه.
ولَنا، أنَّها مَلَكَتْ إيقاعَ ثلاثٍ، فمَلَكَتْ إيقاعَ واحدةٍ، كالمُوَكَّلِ، ولأنه لو قال: وهَبْتُكَ هؤلاء العبيدَ الثلاثةَ.
فقال: قَبِلْتُ واحدًا منهم.
صَحَّ، كذا ههُنا.
وإن قال: طَلِّقِى واحدةً.
فطَلَّقَتْ ثلاثًا، وَقَعتْ واحدةٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ أيضًا.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَقعُ شئٌ؛ لأنَّها لم تَأْتِ بما يَصْلُحُ قَبُولًا، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بِعْتُكَ نِصْفَ هذا العبدِ.
فقال: قَبِلْت البيعَ في
الجزء: 22 - الصفحة: 165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جميعِه.
ولَنا، أنَّها أوْقَعَتْ طلاقًا مَأْذُونًا فيه وغيرَه، فوَقَعَ المأْذُونُ فيه دونَ غيرِه، كما لو قال: طَلِّقِى نفْسَك.
فَطَلَّقَتْ نفْسَها وضَرائرَها.
فإن قال: طَلِّقِى نَفْسَك 96. فقالتْ: أنا طالقٌ إن قَدِمَ زيدٌ.
لم يَصِحَّ؛ لأَنَّ إذْنَه انْصَرَف إلى المُنْجَزِ، فلم يتَناولِ المعَلَّقَ على شرْطٍ.
وحُكْمُ توكيلِ الأجْنَبِىِّ في الطَّلاقِ كحُكْمِها فيما ذَكَرْناه كلّه.
فصل: نقَلَ عنه أبو الحارِثِ، إذا قال: طلِّقى نَفْسَكِ طلاقَ السُّنَّةِ.
فقالت: قد طلَّقْتُ نفْسِى ثلاثًا: هى واحدةٌ، وهو أحَقُّ برَجْعَتِها.
إنَّما كان كذلك؛ لأَنَّ التَّوْكيلَ بلَفْظٍ يتَناوَلُ أقلَّ ما يقَعُ عليه اللَّفْظُ، وهو طَلْقةٌ واحدةٌ، وسِيَّما وطلاقُ السُّنَّةِ في الصَّحيحِ واحدةٌ في طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه (1).
الجزء: 22 - الصفحة: 166
وَإِنْ قَالَ لها: اخْتَارِى مِنْ ثَلَاثٍ مَا شِئْتِ.
لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ أَكْثَرَ مِنَ اثْنَتيْنِ.
3432 - مسألة: (وإن قال: اخْتَارِى مِنْ ثَلاثٍ ما شِئْتِ. لَمْ يَكُنْ لها أن تختارَ أكثرَ مِن اثْنَتَيْن)
لأَنَّ لفظَه يَقتَضِى ذلك؛ لأَنَّ «مِن» للتَّبْعِيضِ، فلم يَكُنْ لها اسْتِيعابُ الجميعِ.
واللَّه أَعلمُ.
الحديث: 3432 - الجزء: 22 - الصفحة: 167
بَابُ سنَّةِ الطَّلَاقِ وَبِدْعَتِهِ
السُّنَّة فِى الطَّلَاقِ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً فِى طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، ثمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِىَ عِدَّتهَا.
بابُ سنَّةِ الطَّلاقِ وبدْعَتِهِ
(السُّنَّةُ في الطَّلاقِ أن يُطَلِّقَها واحدةً في طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه، ثم يَدَعَها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها) يعنى بطلاقِ السُّنَّةِ الطَّلاقَ الذى وَافقَ أمرَ اللَّهِ سبحانه وتعالى وأمْرَ رَسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-، في قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 97. وفى حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، الذى ذكَرْناه 98. ولا خِلافَ في أنَّه إذا طَلَّقَها في طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه واحدةً، ثم تَرَكَها حتى تَنْقَضىَ عِدَّتُها، أنَّه مُصِيبٌ للسُّنَّةِ مُطَلِّقٌ للعدَّةِ التى أمَرَ اللَّهُ بها.
قاله 99 ابنُ عبدِ البَرِّ، وابنُ المُنْذِرِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال ابنُ مسعودٍ: طَلاقُ السُّنَّةِ أن يُطَلِّقَها مِن غيرِ جماعٍ 100. وقال في قولِه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
قال: طَاهِرًا مِن غيرِ جِمَاعٍ 101. ونحوُه عن ابنِ عباسٍ 102. وفى حديثِ ابنِ عمرَ الذى رَوَيْناه: «ليَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ 103 إنْ شَاءَ أمْسَكَ، وإنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِى أمَرَ اللَّه أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ».
وقولُه: ثم يدعَها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها.
فمَعْناه أن لا يُتْبِعَها طَلاقًا آخَرَ قبلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، ولو طَلقَها ثَلاثًا في ثَلاثةِ أطْهارٍ، كان حُكْمُ ذلك حُكْمَ جَمْعِ الثَّلاثِ في طُهْرٍ واحدٍ.
قال أحمدُ: طلاقُ السُّنَّةِ واحدةٌ، ثم يَتْرُكُها حتى تَحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ.
وكذلك قال مالكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ.
وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: السُّنَّةُ أَنْ يُطَلِّقَها ثلاثًا، في كُلِّ قَرْءٍ طَلْقَةٌ.
وهو قولُ سائِرِ الكُوفِيِّينَ، واحْتَجُّوا بحديثِ ابنٍ عمرَ، حين قال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رَاجعْهَا، ثُمَّ أمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ».
قالوا: وإنَّما أَمَرَه بإمْساكِها في هذا الطُّهْرِ؛
الجزء: 22 - الصفحة: 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّه لم يَفْصِلْ بينَه وبينَ الطَّلاقِ طُهْرٌ كاملٌ، فإذا مَضَى ومَضَتِ الحَيْضَةُ التى بعدَه، أمرَه بطَلاقِها.
وقولِه في حدِيثِه الآخَرِ: «والسُّنَّةُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ، فَتُطَلِّقَ لِكُلِّ قَرْءٍ» 104. ورَوَى النَّسَائِىُّ 105 بإسْنادِه عن عبدِ اللَّهِ، قال: طلاقُ السُّنَّةِ أن يُطَلِّقَها تطليقةً وهى طاهرٌ في غيرِ جِماعٍ، فإذا حاضَتْ وَطَهُرَتْ، طَلَّقَها أُخْرَى، فإذا حاضَتْ وطَهُرَتْ، طَلَّقَها أُخْرَى، ثُمَّ تَعْتَدُّ بعدَ ذلك بِحَيْضَةٍ 106. ولَنا، ما رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: لا يُطَلِّقُ أحَدٌ للسُّنَّةِ فيَنْدَمُ.
رَوَاه الأَثْرَمُ 107. وهذا لا يَحْصُلُ إلَّا في حَقِّ مَن لم يُطَلِّقْ ثَلاثًا.
وقال ابنُ سِيرِينَ: إنَّ عليًّا، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَه، قال: لو أنَّ النَّاسَ أخَذُوا بما أمَرَ اللَّهُ مِنَ الطَّلاقِ، ما يُتْبِعُ رجلٌ نَفْسَه امرأةً أبدًا، يُطَلِّقُها تطليقةً، ثم يَدَعُها ما بينَها وبينَ أن تحِيضَ ثلاثًا، فمتى شاءَ رَاجَعَها.
رَواه النَّجَّادُ 108 بإسْنادِه.
ورَوَى ابنُ عبدِ البَرِّ 109 عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: طلاقُ السُّنَّةِ أن يُطَلِّقَها وهى طاهِرٌ، ثم يَدَعَها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها، أو يُراجِعَها إنْ شاء.
فأمَّا حديثُ ابنِ عمرَ الأَوَّلُ، فلا حُجَّةَ لهم فيه، لأنَّه ليس فيه جمعُ الثَّلاثِ، وأمَّا حديثُه الآخرُ، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ ذلك بعدَ ارْتِجَاعِهاِ، ومتى ارْتَجَعَ
الجزء: 22 - الصفحة: 171
وَإِنْ طَلَّقَ الْمَدْخُولَ بِهَا فِى حَيْضِهَا، أَوْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ، فَهُوَ طَلَاقُ بِدْعَةٍ مُحَرَّمٌ، وَيَقَعُ.
بعدَ الطَّلْقَةِ ثم طَلَّقَها، كان للسُّنَّةِ على كلِّ حالٍ، حتى قد قال أبو حنيفةَ: لو أمْسَكَها بيَدِه (1) لشَهْوةٍ، ثم والَى [بينَ الثَّلاثِ] (2)، كان مُصِيبًا للسُّنَّةِ؛ لأنَّه يكونُ مُرْتَجِعًا لها (3). والمعنى فيه أنَّه إذا ارْتَجَعَها، سَقَطَ حُكْمُ الطَّلْقَةِ الأُولَى، فصارتْ كأنَّها لم تُوجَدْ، ولا غِنَى به عن الطَّلْقَةِ الأُخْرَى إذا احْتاجَ إلى فِراقِ امْرأتِه، بخِلافِ ما إذا لم يَرْتَجعْها؛ فإنَّه مُسْتَغْنٍ عنها، لإِفْضائِها إلى مَقْصودِه مِن إبانَتِها، فافْتَرقا، ولأَنَّ ما ذَكَرُوه إرْدافُ طَلاقٍ مِن غيرِ ارْتجاعٍ، فلم يكُنْ للسُّنَّةِ، كجَمْعِ الثَّلاثِ [في طُهْرٍ واحدٍ، أو تَحْرِيمٌ للمَرأةِ لا يَزولُ إلَّا بِزَوْجٍ وإصابةٍ مِنْ غيرِ حاجةٍ، فلم يكُنْ للسُّنَّةِ، كجَمْعِ الثَّلاثِ] (4).
3433 -
مسألة: (وإنْ طَلَّقَ المَدْخُولَ بِهَا في حَيْضِهَا، أَوْ طُهْرٍ أصَابَهَا فيهِ، فَهُوَ طَلَاقُ بِدْعَةٍ مُحَرَّمٌ، وَيَقَعُ)
طلاقُه، في قولِ عامَّةِ أهلِ110111112113
الحديث: 3433 - الجزء: 22 - الصفحة: 172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العلمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ 114: لم يُخالِفْ في ذلك إلَّا أهلُ البِدَعِ والضَّلالِ.
وحكاه أبو نَصْرٍ 115 عن ابنِ عُلَيَّةَ، وهِشامِ بنِ الحَكَمِ 116، والشِّيعةِ، قالوا: لا يَقَعُ طَلاقُه؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى أمَرَ به في قُبُل العِدَّةِ، فإذا طَلَّقَ في غيرِه لم يَقَعْ، كالوكيلِ إذا أوْقَعَه في زَمَنٍ أمَرَه مُوَكِّلُه بإيقاعِه في غيرِه.
ولَنا، حديثُ ابنِ عمرَ أنَّه طَلَّقَ امْرأتَه وهى حائِضٌ فأمَرَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بمُراجَعَتِها.
وفى روايةِ الدَّارَقُطْنِىِّ 117، قال: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ: أفَرَأَيْتَ لو أنِّى طَلَّقْتُها ثلاثًا، أكان يَحِلُّ لى أَنْ أُراجِعَها؟ قال: «لَا، كانَتْ تَبِينُ مِنْكَ، وتَكُونُ مَعْصِيةً».
وقال نافعٌ: وكان عبدُ اللَّهِ طَلَّقَها تطليقةً، فحُسِبَتْ مِن طَلاقِه، وراجَعَها كما أمَرَه رسولُ اللَّهِ
الجزء: 22 - الصفحة: 173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- صلى اللَّه عليه وسلم- 118. ومِن روايةِ يُونُسَ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ: أفتُعْتَدُّ عليه -أو- تُحْتَسَبُ عليه؟ قال: نعم، أرأيتَ إن عَجَزَ واسْتحْمَقَ 119! وكلُّها أحاديثُ صِحَاحٌ.
ولأنَّه طَلاقٌ مِن مُكَلَّفٍ في مَحَلِّ الطَّلاقِ، فوَقَعَ، كطلاقِ الحامِلِ، ولأنَّه ليس بقُرْبَةٍ فيُعْتَبَرَ لوُقُوعِه مُوافَقَةُ السُّنَّةِ، بل هو إزالةُ عِصْمَةٍ وقَطْعُ مِلْكٍ، فإيقاعُه في زمنِ البدْعةِ أوْلَى، تغْليظًا عليه، وعُقوبةً له، أمَّا غيرُ الزَّوْجِ، فلا يَمْلِكُ الطَّلاقَ، والزَّوْجُ يَمْلِكُه بمِلْكِ مَحَلِّه.
الجزء: 22 - الصفحة: 174
وَتُسْتَحَبُّ رَجْعَتُهَا.
وَعَنْهُ أَنَّهَا وَاجبَةٌ.
3434 - مسألة: (وتُسْتَحَبُّ رَجْعَتُها. وعنه أنَّها وَاجِبَةٌ)
إنَّما
الحديث: 3434 - الجزء: 22 - الصفحة: 175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اسْتُحِبَّتْ مُراجَعَتُها لأمرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بمُراجَعَتِها، وأقَلُّ أحْوالِ الأمْرِ الاسْتِحْبابُ، ولأنَّه بالرجْعَةِ يُزيلُ المعنى الذى حَرَّمَ الطَّلاقَ.
ولا يَجِبُ في ظاهِرِ المذهبِ.
وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وابنِ أبى لَيْلَى، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى.
وحَكَى ابنُ أبى موسى عن أحمدَ أنَّ الرَّجْعَةَ تَجِبُ.
واخْتارَها.
وهو قولُ مالكٍ، وداودَ؛ [لظاهِرِ الأمرِ] 120، ولأَنَّ الرَّجْعَةَ تَجْرى مَجْرَى [اسْتبْقاءِ النِّكاحِ، واسْتِبْقاؤُه] 121 ههُنا واجبٌ؛ بدليلِ تحْريمِ الطَّلاقِ، ولأَنَّ الرَّجْعَةَ إمْساكٌ للزَّوْجَةِ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ 122. فوَجَبَ ذلك، كإمْساكِها قبلَ الطَّلاقِ.
وقال مالكٌ، وداودُ: يُجْبَرُ على رَجْعَتِها.
قال أصحابُ مالكٍ: يُجْبَرُ على رَجْعَتِها ما داتْ في العِدَّةِ.
إلَّا أشْهَبَ، قال: ما لم تَطْهُرْ، ثم تَحِيضُ، ثم تَطْهُرُ؛ لأنَّه لا يَجِبُ عليه إمْساكُها في تلك الحالِ، فلا
الجزء: 22 - الصفحة: 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَجِبُ عليه رَجْعَتُها فيه.
ولَنا، أنَّه طَلاقٌ لا يَرْتَفِعُ بالرَّجْعَةِ، فلم تَجِبْ عليه الرَّجْعَةُ فيه، كالطَّلاقِ في طُهْرٍ أصابَها 123 فيه، فإنَّهم أجْمَعُوا على أنَّ الرَّجْعَةَ لا تَجِبُ.
حَكاه ابنُ عبدِ البَرِّ 124 عن جميعِ العُلَماءِ.
وما ذكَرُوه مِنَ المعنى يَنْتَقِضُ بهذه الصُّورةِ.
والأمْرُ بالرَّجْعَةِ مَحْمولٌ على الاسْتحبابِ؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: فإن راجَعَها وجبَ إمْساكُها حتى تَطْهُرَ، ويُسْتَحَبُّ أن يُمْسِكَها حتى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى ثم تَطْهُرَ، على ما أمرَ به 125 النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديثِ ابنِ عمرَ الذى رَوَيْناه.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 126: ذلك مِن وُجُوهٍ عندَ أهلِ العلمِ؛ منها، أنَّ الرَّجْعَةَ لا تَكادُ تُعْلَمُ صِحَّتُها إلَّا بالوَطْءِ؛ لأنَّه المُبْتَغَى 127 مِن النِّكاحِ، ولا يحْصُلُ الوَطْءُ إلَّا في الطُّهْرِ، فإذا وَطِئَها
الجزء: 22 - الصفحة: 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حَرُمَ طَلاقُها فيه حتى تَحِيضَ تَطْهُرَ، فاعْتَبرْنا مَظِنَّةَ الوَطْءِ ومَحَلَّه لا حَقِيقَتَه، ومنها، أنَّ الطَّلاقَ كُرِهَ في الحَيْضِ لتَطْويلِ العِدَّةِ، فلو طَلَّقَها عَقِيبَ الرَّجْعَةِ مِن غيرِ وَطْءٍ، كانت في مَعْنى المُطَلَّقَةِ قبلَ الدُّخولِ، وكانت تَبْنِى على عِدَّتِها، فأرادَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَطْعَ حُكْمِ الطَّلاقِ بالوَطْءِ، واعْتَبَرَ الطُّهْرَ الذى هو مَوْضِعُ الوَطْءِ، فإذا وَطِئَ حَرُمَ طَلاقُها حتى تَحِيضَ ثم تَطْهُرَ، وقد جاءَ في حديثٍ عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا، فَإذَا طَهُرَتْ مَسَّهَا، حَتَّى إذَا طَهُرَتْ أُخْرَى، فَإنْ شَاءَ طَلَّقَها، وإنْ شَاءَ أمْسَكَهَا».
رَواه ابنُ عبدِ البَرِّ 128. ومنها، أنَّه عُوقِبَ على إيقاعِه في الوقتِ المُحَرَّمِ بمنْعِه منه في الوقتِ الذى يُباحُ له.
وذكَرَ غيرَ هذا.
فإن طَلَّقَها في الطُّهْرِ الذى يَلى الحَيْضَةَ قبلَ أن يَمَسَّهَا، فهو طلاقُ سُنَّةٍ.
وقال أصحابُ مالكٍ: لا يُطَلِّقُها حتى تَطهُرَ، ثم تَحِيضَ، ثم تَطْهُرَ، على ما جاء 129 في الحديثِ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
وهذا مُطَلِّقٌ للعِدَّةِ، فيَدْخُلُ [في الأمرِ] 130. وقد روَى يُونُسُ بنُ جُبَيْرٍ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وابنُ سِيرِينَ،
الجزء: 22 - الصفحة: 178
وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِى طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، كُرِهَ.
وَفِى تَحْرِيمِهِ رِوَايَتَانِ.
وزيدُ بنُ أسْلَمَ، وأبو الزُّبَيْرِ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرَه أَنْ يُراجِعَها حتى تَطْهُرَ، ثم إنْ شَاءَ طَلَّقَ، وإنْ شَاء أمْسَكَ.
ولم يذْكُروا تلك الزِّيادَةَ.
وهو حديثٌ صحيحٌ مُتَّفَقٌ عليه.
ولأنَّه طُهْرٌ لم يَمَسَّها فيه، فأشْبَهَ الطُّهْرَ الثَّانِىَ، وحَدِيثُهم محْمولٌ على الاسْتِحْبابِ.
3435 -
مسألة: (وإنْ طَلَّقَها ثَلاثًا في طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فيه، كُرِهَ. وَفِى تَحْرِيمِه رِوَايَتَان)
اخْتَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في جَمْعِ الثَّلاثِ؛ فرُوِىَ عنه أنَّه غيرُ مُحَرَّمٍ.
اخْتَارَها الخِرَقِىُّ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وداودَ.
ورُوِىَ ذلك عن الحَسنِ بنِ علىٍّ، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ، والشَّعْبِىِّ؛ لأَنَّ عُوَيْمِرًا العَجْلانِىَّ لمَّا لاعَنَ امْرأتَه، قال: كذبتُ عليها يا رسولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها.
فطَلَّقَها ثلاثًا قبلَ أَنْ يَأْمُرَه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
الحديث: 3435 - الجزء: 22 - الصفحة: 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُتَّفَقٌ عليه 131. ولم يُنْقَلْ إنْكارُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عليه.
وعن عائشة أنَّ امرأةَ رِفَاعةَ 132 جاءتْ إلى رسوِلِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالتْ: يا رسولَ اللَّهَ، إنَّ رِفاعَةَ طَلَّقَنِي فبَتَّ طَلاقِى.
مُتَّفقٌ عليه 133. وفى حديثِ فاطمةَ بنتِ قَيْسٍ، أنَّ زَوْجَها أرْسَلَ إليها [بثلاثِ تَطْليقاتٍ] 134. ولأنَّه طلاقٌ جازَ تَفْرِيقُه، فجازَ جَمْعُه، كطَلاقِ النَّساءِ.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، أنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ مُحَرَّمٌ، وهو طَلاقُ بِدْعَةٍ.
اخْتارَها أبو بكرٍ، وأبو حَفْصٍ.
رُوِى ذلك عن عمرَ،
الجزء: 22 - الصفحة: 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ.
قال علىٌّ: لا يُطَلِّقُ أحَدٌ للسُّنَّةِ فَيَنْدَمُ.
وفى رِوايةٍ قال: يُطَلِّقُها واحدةً، ثم يَدَعُها ما بينَها وبينَ أَنْ تَحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، فمتى شاءَ راجَعَها 135. وعن عمرَ، أنَّه كان إذا أُتِى برَجُلٍ طَلَّقَ ثلاثًا، أوْجَعَه ضَرْبًا 136. وعن مالكِ بنِ الحارِثِ، قال: جاءَ رجُلٌ إلى ابنِ عباسٍ، فقال: إنَّ عَمِّى 137 طَلَّقَ امْرأتَه ثلاثًا.
فقال: إنَّ عَمَّكَ 138 عَصَى اللَّهَ، وأطَاعَ الشَّيْطانَ، فلم يَجْعَلِ اللَّهُ له مَخْرَجًا 139. ووَجْهُ ذلك قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ 140. ثم قال بعدَ ذلك:
الجزء: 22 - الصفحة: 181
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ 141. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ 142. [ومَن جمعَ الثَّلاثَ، لم يَبْقَ له أمرٌ يَحْدُثُ، ولا يجْعَلُ اللَّهُ له مخرجًا، ولا مِن أمْرِه يُسْرًا] 143. وروَى النَّسَائِىُّ 144 بإسْنادِه عن محمودِ بنِ لَبِيدٍ قال: أُخْبِرَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن رجلٍ طَلَّقَ امْرأتَه ثلاثَ تطْليقاتٍ جميعًا، فغَضِبَ، ثم قال: «أيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ عِزَّ وَجَلَّ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟».
حتى قامَ رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ألَا أقْتُلُه.
وفى حديثِ ابنِ عمرَ قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ أرأيتَ 145 لو طَلَّقْتها ثلاثًا.
قال: «إِذًا عَصَيْتَ رَبَّكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ» 146. ورَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ 147 بإسْنادِه عن علىٍّ، قال: سَمِعَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رجلًا طَلَّقَ
الجزء: 22 - الصفحة: 182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْبَتَّةَ، فغَضِبَ، وقال: «تَتَّخِذُونَ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا -[أَوْ دِينَ اللَّهِ هُزُوًا] 148 -[وَلَعِبًا] 149؟ مَنْ طَلَّقَ الْبَتَّةَ ألْزَمْنَاهُ ثَلاثًا 150، لا تَحِلُّ له حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ».
ولأنَّه تَحْرِيمٌ للبُضْعِ بقولِ الزَّوْجِ مِن غيرِ حاجةٍ، فَحَرُمَ كالظِّهارِ، بل هذا أوْلَى؛ لأَنَّ الظِّهارَ يَرْتَفِعُ تَحْرِيمُه بالتَّكْفِيرِ، وهذا لا سَبِيلَ للزَّوْجِ إلى رَفْعِه 151 بحالٍ، ولأنَّه ضَرَرٌ وإضْرارٌ بنَفْسِه وبامْرأتِه مِن غيرِ حاجةٍ، فيَدْخُلُ في عمُومِ النَّهْى، ورُبَّما كان وَسِيلةً إلى عَوْدِه إليها حَرامًا، أو بحِيلةٍ لا تُزِيلُ التَّحْرِيمَ، ووُقُوعِ النَّدَمِ، وخَسارةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فكان أوْلَى بالتَّحْرِيمِ مِنَ الطَّلاقِ في الحَيْضِ، الذى ضَرَرُه بَقاؤُها في العِدَّةِ أيَّامًا يَسِيرةً، أو الطَّلاقِ في طُهْرٍ مَسَّها فيه، الذى ضرَرُه احْتِمالُ النَّدَمِ بظُهورِ الحَمْلِ؛ فإنَّ ضَرَرَ جَمْعِ الثَّلاثِ يَتضاعَفُ على ذلك أضْعافًا كثيرةً، فالتَّحْريمُ ثَمَّ [تَنْبيهٌ على] 152 التَّحْريمِ ههُنا، ولأنَّه
الجزء: 22 - الصفحة: 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ههُنا.
ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابةِ، رَواه الأَثْرَمُ وغيرُه، ولم يَصِحَّ عندَنا في عَصْرِهم خِلافُ قولِهم، فيكونُ ذلك إجْماعًا.
فأمَّا حديثُ المُتلَاعِنَيْن فغيرُ لازِمٍ، فإنَّ الفُرْقَةَ لم تَقَعْ بالطَّلاقِ، فإنَّها وقَعَتْ بمُجَرَّدِ لِعَانِهما، وعندَ الشافعىِّ بمُجَرَّدِ لِعَانِ الزَّوْجِ، فلا حُجَّةَ فيه.
ثم إنَّ اللِّعَانَ يُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، فالطَّلاقُ بعدَه كالطَّلاقِ بعدَ انْفساخِ النِّكاحِ بالرَّضاعِ أو غيرِه، ولأَنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ إنَّما حَرُمَ لِما يَعْقُبُه مِنَ النَّدَمِ، ويحْصُلُ به مِنَ الضَّرَرِ، ويَفُوتُ عليه مِن حِلِّ نِكاحِها، ولا يَحْصُلُ ذلك بالطَّلاقِ بعدَ اللِّعَانِ، لحُصُولِه باللِّعَانِ، وسائِرُ الأحاديثِ ليس [فيها جَمْعُ الثَّلاثِ] 153 بينَ يَدَىِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فيكون مُقِرًّا عليه، ولا حضرَ المُطَلِّقُ عندَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حين أُخْبِرَ بذلك لِيُنْكِرَ عليه.
على أنَّ حديثَ فاطمةَ قد جاءَ فيه أنَّه أرْسَلَ إليها بتَطْليقةٍ كانتْ بَقِيَتْ لها مِن طَلاقِها 154، وحديثُ
الجزء: 22 - الصفحة: 184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
امْرأةِ رِفاعةَ جاءَ فيه [أنَّه طَلَّقَها] 155 آخِرَ ثلاثِ تَطْليقاتٍ.
مُتَّفَقٌ عليه، فلم يكُنْ في شئٍ مِن ذلك جَمْعُ الثَّلاثِ.
ولا خِلافَ بينَ الجميعِ في 156 أنَّ الاختِيارَ والأَوْلَى أن يُطَلِّقَ واحدةً، ثم يَدَعَها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها، إلَّا ما حَكَيْنا مِن قولِ مَنْ قالَ: إنَّه يُطَلِّقُها في كلِّ قَرْءٍ طَلْقةً.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ فإنَّ في ذلك امْتِثالًا لأَمرِ اللَّه سِبحانه، ومُوافَقَةً لقولِ السَّلَفِ، وأمْنًا مِنَ النَّدَمِ، فإنَّه متى نَدِمَ رَاجَعها، فإنْ فاته ذلك بانْقِضاءِ عِدَّتِها، فله نِكاحُها.
قال محمدُ بنُ سِيرِينَ: إنَّ عَليًّا، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، قال: لو أنَّ النَّاسَ أخَذُوا بما أمرَ اللَّهُ مِنَ الطَّلاقِ، ما يُتْبعُ رجلٌ نَفْسَه امرأةً أبدًا، يُطَلِّقُها تَطْليقةً ثم يَدعُها 157 ما بينَها وبينَ أن تَحِيضَ ثلاثًا، فمتى شاءَ راجَعَها.
الجزء: 22 - الصفحة: 185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . روَاه النَّجَّادُ بإسْنادِه 158. وقال عبدُ اللَّهِ: مَن أرادَ أن يُطَلِّقَ الطَّلاقَ الذى هو الطَّلاقُ، فَلْيُمْهِلْ، حتى إذا حاضَتْ ثم طَهُرَتْ، طَلَّقَها تَطْليقةً في غيرِ جماعٍ، ثم يَدَعُها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها، ولا يُطَلِّقُها ثلاثًا 159 وهى حامِلٌ، فيجْمَعُ اللَّهُ عليه نَفَقَتَها وأجرَ رَضاعِها، ويُنْدِمُه، فلا يَسْتطيعُ إليها سبيلًا 160.
الجزء: 22 - الصفحة: 186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن طَلَّقَ ثلاثًا بكلمةٍ واحدةٍ، وقعَ الثَّلاثُ، وحَرُمَتْ عليه حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه، ولا فَرْقَ بينَ قبلِ الدُّخولِ وبعدِه.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وابنِ عمرَ، وعبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، وابنِ مسعودٍ، وأنَسٍ.
وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ مِن التَّابِعينَ والأئِمَّةِ بعدَهم.
وكان عَطاءٌ، وطاوسٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وأبو الشَّعْثاءِ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، يقولونَ: مَن طلَّقَ البِكْرَ ثَلاثًا فهى واحدةٌ.
ورَوَى طاوسٌ عن ابنَ عباسٍ، قال: كان الطَّلاقُ على عَهْدَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبى بكرٍ وسَنَتَيْن
الجزء: 22 - الصفحة: 187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن خِلافَةِ عمرَ، طلاقُ الثَّلاثِ واحدةً.
رَواه أبو داودَ 161. ورَوَى سعيدُ ابنُ جُبَيْرٍ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، ومُجاهِدٌ، ومالكُ بنُ الحارِثِ، عن ابنِ عباسٍ، خِلافَ روايةِ طَاوُسٍ.
أخْرَجَه أيضًا أبو داودَ 162. وأفْتَى ابنُ عباسٍ بخِلافِ ما روَى عنه طَاوسٌ 163. وقد ذَكَرْنا حديثَ ابنِ عمرَ: أرأيتَ لو طَلَّقْتُها 164 ثلاثًا.
ورَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ 165 بإسْنادِه عن عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ، قال: طَلَّقَ بعضُ آبائِى امْرأتَه ألفًا، فانْطلَقَ بَنوه إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ أبانا طَلَّقَ أُمَّنا ألفًا، فهلِ له مَخْرَجٌ؟ فقال: «إِنَّ أبَاكُمْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ فَيَجْعَل لَهُ مِنْ أمْرِهِ مَخْرَجًا، بَانتْ مِنْهُ بثَلاثٍ عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ، وَتِسْعُمائَةٍ وسبعةٌ وتِسْعُونَ إثمٌ في عُنُقِهِ».
ولأَنَّ النِّكاحَ مِلْكٌ يَصِحُّ إزالَتُه مُتَفرِّقًا، فصَحَّ مُجْتَمِعًا، كسائرِ الأمْلاكِ.
فأمَّا حديثُ ابنِ عباسٍ، فقد صَحَّتِ الرِّوايةُ عنه بخِلافِه، وأفْتَى بخلافِه.
قال الأَثْرَمُ:
الجزء: 22 - الصفحة: 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سألتُ أبا عبدِ اللَّهِ عن حديثِ ابنِ عباسٍ، بأىِّ شئٍ تَدْفَعُه؟ فقال: أدْفَعُه بروايةِ النَّاسِ عن ابنِ عباسٍ مِن وُجُوهٍ خلافَه.
ثم ذَكَرَ عن [عِدَّةٍ، عن] 166 ابنِ عباسٍ مِن وُجوهٍ خلافَه، أنَّها ثلاثٌ.
وقيلَ: معنى حديثِ ابنِ عباسٍ، أنَّ النَّاسَ كانوا يُطَلِّقُونَ واحدةً على عَهْدِ رسولِ
الجزء: 22 - الصفحة: 189
وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ صَغِيرَةً، أَوْ آيِسَةً، أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، أَوْ حَامِلًا قَدِ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا، فَلَا سُنَّةَ لطَلاقِهَا وَلَا بِدْعَةَ إِلَّا في الْعَدَدِ، فَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ.
أَوْ قَالَ: لِلْبِدْعَةِ، طَلُقَتْ فِى الْحَال وَاحِدَةً.
اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبى بكرٍ.
وإلَّا فلا يَجوزُ أن يُخالِفَ عمرُ ما كان في عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبى بكرٍ، ولا يَسُوغُ لابنِ عباسٍ أَنْ يَرْوِىَ هذا عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ويُفْتِىَ بخِلافِه.
فصل: فإنْ طَلَّقَ اثْنَتين في طُهْرٍ، ثم تَركَها حتى انْقَضَتْ عِدَّتُها، فهو للسُّنَّةِ؛ لأنَّه لم يُحَرِّمْها على نَفْسِه، ولِم يَسُدَّ على نَفْسِه المَخْرَجَ مِنَ النَّدَمِ، ولكنَّه تركَ الاخْتِيارَ؛ لأنَّه فَوَّتَ على نفْسِه طَلْقَةً جعلَها اللَّهُ له مِن غيرِ فائدةٍ تحْصُلُ بها، فكان مكْروهًا، كتَضْيِيعِ المالِ.
(فإن كانتِ المرأةُ صغيرةً، أو آيِسَةً، أو غيرَ مَدْخولٍ بها، أو حامِلًا قد اسْتَبانَ حَمْلُها، فلا سُنَّةَ لِطَلاقِها ولا بِدْعَةَ إلَّا في العَدَدِ، فإذا قال لها: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ.
أو قال: للبِدْعَةِ.
طَلُقَتْ في الحالِ واحدةً) قال ابنُ
الجزء: 22 - الصفحة: 190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عبدِ البَرِّ 167: أجْمَعَ العُلَماءُ أنَّ طَلاقَ السُّنَّةِ إنَّما هو للمَدْخولِ بها، فأمَّا غيرُ المَدْخولِ بها، فليس لِطَلاقِها سُنَّةٌ ولا بِدْعَةٌ، إلَّا في عَدَدِ الطَّلاقِ.
على اخْتِلافٍ بينَهم فيه؛ وذلك لأَنَّ الطَّلاقَ في حَقِّ المدْخُول بها إذا كانتْ مِن ذَواتِ الأقْراءِ إنَّما كان له سُنَّةٌ وبدعةٌ؛ لأَنَّ [العِدَّةَ تطولُ] 168 عليها بالطَّلاقِ في الحَيْضِ، وتَرْتابُ بالطَّلاقِ في الطُّهْرِ الذى جامَعَها فيه، ويَنْتَفى عنها الأمْرانِ بالطَّلاقِ في الطُّهْرِ الذى لم يُجامِعْها فيه، أمَّا غيرُ المدْخُولِ بها، فلا عِدَّةَ عليها [يُنْفَى تَطْويلُها ولا] 169 الارْتِيابُ فيها، وكذلك ذَواتُ الأشْهُرِ؛ كالصَّغِيرةِ التى لم تَحِضْ، والآيِسَاتِ مِنَ المَحِيضِ، لا سُنَّةَ لِطلاقِهِنَّ ولا بِدْعةَ؛ لأَنَّ العِدَّةَ لا تَطولُ بطلاقِها في حالٍ، ولا تَحْمِلُ فتَرْتابَ.
وكذلك الحامِلُ التى اسْتَبانَ حَمْلُها، فهؤلاءِ كلُّهنَّ ليس لطلاقِهِنَّ سُنَّةٌ ولا بِدْعَةٌ مِن جِهَةِ الوقتِ، في قولِ أصحابِنا.
وهو مذهبُ الشافعىِّ، وكثيرٍ مِن أهلِ العلمِ.
فإذا قال لإِحْدَى هؤلاءِ: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ -أو- لِلبدْعةِ.
وقَعتْ طَلْقةٌ في الحالِ، ولَغَتِ الصِّفَةُ؛ لأَنَّ طَلاقَها لا يَتَّصِفُ بذلك، فصارَ كأنَّه قال: أنتِ طالقٌ.
ولم يَزِدْ.
وكذلك إن قال:
الجزء: 22 - الصفحة: 191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ والبِدْعةِ.
أو قال: أنتِ طالقٌ لا لسُّنَّةِ ولا لِلبدْعةِ.
طَلُقَتْ في الحالِ؛ لأنَّه وَصَفَ الطَّلْقَةَ بصِفَتِها.
ويَحْتَمِلُ كلامُ الخِرَقِىِّ أن يكونَ للحامِلِ طلاقُ سُنَّةٍ؛ لأنَّه طَلاقٌ أُمِرَ به؛ لقولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا».
روَاه مسلمٌ 170. وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، فإنَّه قال: أذْهَبُ إلى حديثِ سالمٍ عن أبِيه.
يعنى هذا الحديثَ.
ولأنَّها في حالٍ انْتقَلتْ إليها بعدَ زَمَنِ البِدْعَةِ، ويُمْكِنُ أن تَنْتقِلَ عنها إلى زمانِ البِدْعَةِ، فكان طلاقُها طَلاقَ سُنَّةٍ، كالطّاهِرِ مِن الحَيْضِ مِن غيرِ مُجَامَعَةٍ.
ويتَفَرَّعُ مِن هذا، أنَّه لو قال لها: أنتِ طالقٌ للبِدْعةِ.
لم تَطْلُقْ في الحالِ، فإذا وضَعَتِ الحَمْلَ طَلُقَتْ؛ لأَنَّ النِّفاسَ
الجزء: 22 - الصفحة: 192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زمانُ بدْعَةٍ، كالحَيْضِ.
وقولُه: إلَّا في العَدَدِ.
يعنى أنَّه يُكْرَهُ له أن يُطَلِّقَ ثلاثًا أوَ يَحْرُمُ؛ لأنَّه إذا طلَّقَ ثلاثًا، لم يَبْقَ له سَبِيلٌ إلى الرَّجْعَةِ، فطلاقُ السُّنَّةِ في حَقِّهم أن يكونَ واحدةً؛ ليكونَ له سَبِيلٌ إلى تَزَوُّجِها مِن غيرِ أن تَنْكِحَ زوجًا غيرَه.
فصل: وإنْ قال لصغيرِةٍ أو غيرِ مَدْخولٍ بها: أنتِ طالقٌ لِلبدْعَةِ.
ثم قال: أرَدْتُ إذا حاضَتِ الصغيرةُ -أو- أُصيبتْ 171 غيرُ المَدْخولِ بها.
أو قال لهما: أنْتُما طالقتانِ للسُّنَّةِ.
وقال: أرَدْتُ طلاقَهما في زمنٍ يصيرُ طَلاقُهما فيه للسُّنَّةِ.
دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى.
وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ فيه وَجْهان، ذكَرَهُما القاضى؛ أحدُهما، لا يُقْبَلُ.
وهو [مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه خلافُ الظَّاهرِ، فأشْبَهَ ما لو قال: أنتِ طالقٌ.
ثم قال: أرَدْتُ إذا دَخَلتِ الدَّارَ.
والثانى: يُقْبَلُ.
وهو] 172 أشْبَهُ بالمذهبِ؛ لأنَّه فَسَّرَ كلامَه بما يَحْتَمِلُه، فيُقْبَلُ 173، كما لو قال: أنتِ طالقٌ، [أنتِ طالقٌ] 174. وقال: أرَدْتُ [بالثانيةِ إفْهامَها] 175.
فصل: إذا قال لها في طُهْرٍ جَامَعَها فيلا: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 193
وَإِنْ قَالَ لِمَنْ لَهَا سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ.
فِى طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، طَلُقَتْ فِى الْحَال، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا، طَلُقَتْ إِذَا طَهُرَتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِى طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ، طَلُقَتْ إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ.
فيَئِسَتْ مِن الحَيْضِ، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّه وَصَفَ طلاقَها بأنَّه للسُّنَّةِ في زمنٍ يَصْلُحُ له، فإذا صارتْ آيِسَةً، فليس لطَلاقِها سُنَّةٌ، فلم تُوجَدِ الصِّفَةُ، فلا يَقَعُ.
وكذلك إنِ اسْتَبانَ حَمْلُها، لم يَقَعْ أيضًا، إلَّا على قولِ مَنْ جعلَ طلاقَ الحامِلِ طلاقَ 176 سُنَّةٍ، فإنَّه يَنْبَغِى أن يَقَعَ؛ لوُجُودِ الصِّفَةِ، كما لو حاضَتْ ثم طَهُرَتْ.
3436 -
مسألة: (وإن قال لمَن لها سُنَّةٌ وبِدْعَةٌ: أنتِ طالِقٌ للسُّنَّةِ.
في طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه، طَلُقَتْ في الحالِ، وإن كَانَتْ حَائِضًا، طَلُقَتْ إذا طَهُرَتْ، وَإِنْ كَانَ في طُهْرٍ أصَابَها فِيهِ، طَلُقَتْ إذَا طَهُرَتْ مِن الحَيْضَةِ المُسْتَقْبَلَةِ)
إذا قال لامْرأتِه: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ.
فمَعْناه في وَقْتِ
الحديث: 3436 - الجزء: 22 - الصفحة: 194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السُّنَّةِ، فإن كانت في طُهْرٍ غيرَ مُجامَعَةٍ فيه، فهو وقتُ السُّنَّةِ على ما أسْلَفْناه، وكذلك إن كانت حامِلًا قد اسْتَبَانَ حَمْلُها، على ظاهِرِ كلامِ أحمدَ.
وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في الحامِلِ.
فإذا قال لها: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ.
في الحَالَتَيْن، طَلُقَتْ؛ لأنَّه وَصَفَ الطَّلْقَةَ بصِفَتِها، فوَقَعَتْ في الحالِ.
وإن قال ذلك لحائضٍ، لم يَقَعْ في الحالِ؛ لأَنَّ طَلاقَها طَلاقُ بِدْعَةٍ، لكنْ إذا طَهُرَتْ طَلُقَتْ؛ لأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ حِينَئِذٍ، فصارَ كأنَّه قال: أنتِ طالقٌ في النَّهارِ.
فإن كان في النَّهارِ طَلُقَتْ، وإن كانت في اللَّيْلِ طَلُقَتْ إذا جاءَ النَّهارُ.
وإنْ كانت في طُهْرٍ جَامَعَها فيه، لم يَقَعْ حتى تَحِيضَ ثم تَطْهُرَ؛ لأَنَّ الطُّهْرَ الذى جَامَعَها فيه والحَيْضَ بعدَه زمانُ بِدْعةٍ، فإذا طَهُرَتْ مِن الحَيْضَةِ المُسْتَقْبَلَةِ، طَلُقَتْ حِينَئذٍ؛ لأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ.
وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
فإن أوْلَجَ في آخِرِ الحَيْضَةِ، واتَّصَلَ بأوَّلِ الطُّهْرِ، أو أوْلَجَ مع أوَّلِ الطُّهْرِ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ في ذلك الطُّهْرِ، لكنْ متى جاءَ طُهْرٌ لم يُجامِعْها فيه، طَلُقَتْ في أوَّلِه.
وهذا كلُّه مذهبُ الشافعىِّ، ولا أعلمُ فيه مخالفًا.
فصل: إذا انْقَطَعَ الدَّمُ مِن الحَيْضِ، فهو زمانُ السُّنَّةِ، يَقَعُ عليها طلاقُ السُّنَّةِ وإن لم تغْتَسِلْ.
كذلك قال أحمدُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وبه
الجزء: 22 - الصفحة: 195
وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ.
وَهِىَ حَائِضٌ أَوْ فِى طُهْرٍ أَصَابَهَا
قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ، إن طَهُرَتْ لأكْثرِ الحَيْضِ مثلَ ذلك: وإنِ انْقَطَعَ الدَّمُ لِدُونِ أكْثرِه، لم يَقَعْ حتى تَغْتسلَ أو تَتيَمَّمَ عندَ عدمِ الماءِ و (1) تُصَلِّىَ، أو يَخْرُجَ عنها وقتُ صلاةٍ؛ لأنَّه متى لم يُوجَدْ، فما حكَمْنا بانْقِطاعِ حَيْضِها.
ولَنا، أنَّها طاهرٌ، فوَقَعَ بها طَلاقُ السُّنَّةِ، كالتى طَهُرَتْ لأكْثرِ الحَيْضِ، والدَّليلُ على أنَّها طاهرٌ، أنَّها تُؤْمَرُ بالغُسْلِ، ويَلْزَمُها، ويَصِحُّ منها، وتُؤْمَرُ بالصَّلاةِ، وتَصِحُّ صلاتُها، ولأَنَّ في حديثِ ابنِ عمرَ: «فَإِذَا طَهُرَتْ، طَلَّقَهَا إنْ شَاءَ» (2). وما قالَه لا يَصِحُّ، فإنَّنا لو لم نَحْكُمْ بالطُّهْرِ، لَما أمَرْناها بالغُسْلِ، ولا صَحَّ منها.
3437 -
مسألة: (وإنْ قَالَ لَهَا: أنْتِ طَالِقٌ لِلْبدْعَةِ. وهى حَائِضٌ
177178 الحديث: 3437 - الجزء: 22 - الصفحة: 196
فِيهِ، طَلُقَتْ فِى الْحَالِ.
وَإِنْ كَانَتْ فِى طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ طَلُقَتْ إِذَا أَصَابَهَا أَوْ حَاضَتْ.
أَوْ في طُهْرٍ أصَابَهَا فيهِ، طَلُقَتْ في الحَالِ.
وإن كان في طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه، طَلُقَتْ إذا أصابَها أو حاضَتْ) هذة المسألةُ عكسُ المسألةِ التى قبلَها، فإنَّه وَصَفَ الطَّلْقَةَ بأنَّها لِلبدْعَةِ، فإذا كان ذلك لحائضٍ أو طاهرٍ مُجَامَعَةٍ فيه، وقَعَ الطَّلاقُ في الحالِ؛ لأنَّه وصَفَ الطَّلْقَةَ بصِفَتِها.
وإنْ كانت في طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه، لم يَقَعْ في الحالِ، فإذا حاضَتْ طَلُقَتْ بأوَّلِ الحَيْضِ، وإنْ أصابَها طَلُقَتْ بالْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ، فإن نَزَعَ مِن غيرِ تَوَقُّفٍ، فلا شئَ عليهما، وإنْ أوْلَجَ بعدَ النزْعِ، فقد وَطِئَ مُطلَّقَتَه، ويَأْتِى بَيانُ حُكْمِ ذلك.
وإنْ وَطِئَها واسْتدامَ، فسنذْكُرُها إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى فيما بعدُ.
فصل: فإنْ قال لطاهرٍ: أنتِ طالقٌ لِلبدْعةِ في الحالِ.
فقد قيل: تَلْغُو الصِّفَةُ، ويَقَعُ الطَّلاقُ؛ لأنَّه وَصَفَها بما لا تَتَّصِفُ به، فلَغَتِ الصِّفَةُ دُونَ الطَّلاقِ.
ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ ثلاثًا في الحالِ؛ لأَنَّ ذلك طَلاقُ بِدْعةٍ، فانْصَرَفَ الوَصْفُ بالِبدْعةِ إليه، لتَعَذُّرِ صِفَةِ البِدْعَةِ مِن الجِهَةِ الأُخْرَى.
وإن قال لحائِضٍ: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ في الحالِ.
لَغَتِ الصِّفَةُ، ووَقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّه وصَفَ الطَّلْقَةَ بما لا تَتَّصِفُ به.
وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا للسُّنَّةِ، وثلاثًا للبِدْعَةِ.
طَلُقَتْ ثلاثًا في الحالِ، بِناءً على ما سنذْكُرُه.
الجزء: 22 - الصفحة: 197
وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثًا لِلسُّنَّةِ.
طَلُقَتْ ثَلَاثًا فِى طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَفِى الْأُخْرَى، تَطْلُقُ فِيهِ وَاحِدَةً، وَتَطْلُقُ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ فِى طُهْرَيْنِ فِى نِكَاحَيْنِ إِنْ أَمْكَنَ.
3438 - مسألة: (وإن قال لها: أنتِ طالِقٌ ثلاثًا للسُّنَّةِ.
طَلُقَتْ ثَلاثًا في طُهْرٍ لَم يُصِبْهَا فيهِ، فِى إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ.
وفى الأُخْرَى، تَطْلُقُ في الحَالِ وَاحدَةً، وتَطْلُقُ الثَّانِيَةَ والثَّالِثَةَ في طُهْرَيْنِ فِي نِكَاحَيْنِ إنْ أمْكَنَ)
المنْصوصُ عن أحمدَ في هذه المسألةِ، أنَّها تَطْلُقُ ثلاثًا إن كانت في طُهْرٍ لم يُجامِعْها فيه، وإن كانت حائِضًا، طَلُقَتْ ثلاثًا إذا طَهُرَتْ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وقال القاضى، وأبو الخَطَّابِ: هذا على الرِّوايةِ التى قال فيها: إنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ يكونُ 179 سُنَّةً.
فأمَّا على الرِّوايَةِ الأُخْرَى، فإذا طَهُرَتْ طَلُقَتْ واحدةً، وتَطْلُقُ الثَّانيةَ والثَّالِثَةَ في نِكاحَيْنِ آخَرَيْنِ، أو بعدَ رَجْعَتَيْنِ.
وقد أنْكَرَ أحمدُ هذا القولَ، فقال في رِوايةِ مُهَنَّا، إذا قال لامْرأتِه: أنتِ طالقٌ ثَلاثًا للسُّنَّةِ: فقد اخْتَلَفُوا فيه، فمنهم مَن يقولُ: يَقَعُ
الحديث: 3438 - الجزء: 22 - الصفحة: 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليها السَّاعَةَ واحدةٌ، فلو راجعَها تَقَعُ عليها تَطْلِيقَةٌ أُخْرَى، وتكونُ عندَه على أُخْرَى.
وما يُعْجِبُنِى قوْلُهم هذا.
فيَحْتَمِلُ أنَّ أحمدَ أوْقَعَ الثَّلاثَ؛ لأَنَّ ذلك عندَه سُنَّةٌ، ويَحْتَمِلُ أنَّه أوْقَعَها لوَصْفِه الثَّلاثَ بما لا تَتَّصِفُ به، فألْغَى الصِّفَةَ وأوْقَعَ الطَّلاقَ، كما لو قال لحائضٍ: أنت طالقٌ في الحالِ للسُّنَّةِ.
وقد قال في روايةِ أبى الحارِثِ ما يَدُلُّ على هذا، قال: يَقَعُ عليها الثَّلاثُ، ولا مَعْنَى لقولِه: للسُّنَّةِ: وقال أبو حنيفةَ: يَقَعُ في كلِّ قَرْءٍ طَلْقَةٌ، وإن كانتْ مِن ذَواتِ الأشْهُرِ وقعَ في كلِّ شَهْرٍ طَلْقةٌ.
وبناه على أصْلِه في أنَّ السُّنَّةَ تَفْرِيقُ الثَّلاثِ على الأطْهارِ، وقد بَيَّنَّا أن ذلك في حُكْمِ جَمْعِ الثَّلاثِ.
فإن قال: أرَدْتُ بقَوْلِى: لِلسُّنَّةِ.
إيقاعَ واحدةٍ في الحالِ،
الجزء: 22 - الصفحة: 199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واثْنَتَيْن في نِكاحَيْن آخَرَيْنِ.
قُبِل منه.
وإن قال: أرَدْتُ أن يَقَعَ في كلِّ قَرْءٍ طَلْقَةٌ.
قُبِلَ أيضًا؛ لأنَّه مذهبُ طائِفةٍ مِن أهلِ العلمِ، وقد ورَدَ به الأثَرُ، فلا يَبْعُدُ أن يُرِيدَه.
وقال أصحابُنا: يُدَيَّنُ 180. وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ على وَجْهَيْن؛ أحدُهما، لا يُقْبَلُ؛ لأَنَّ ذلك ليس بسُنَّةٍ.
والثانى، يُقْبَلُ؛ لِما قَدَّمْنا.
فإن كانت في زمنِ البِدْعَةِ، فقال: سَبَقَ لِسانِي إلى قَوْلِى: للسُّنَّةِ، ولم أُرِدْه، وإنَّما أرَدْتُ الإِيقاعَ في الحالِ.
وقعَ في الحالِ؛ لأنَّه مالكٌ لإيقاعِها، فإذا اعْتَرَفَ بما يُوقِعُها قُبِلَ منه.
الجزء: 22 - الصفحة: 200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا بعضُهُنَّ للسُّنَّةِ وبعْضُهنَّ لِلبدْعةِ.
طَلُقَتْ في الحالِ طَلْقَتَيْنَ، وتَأَخَّرَتِ الثّالثةُ إلى الحالِ الأُخْرَى؛ لأنَّه سَوَّى بينَ الحالَينِ، فاقْتَضَى الظَّاهِرُ أن يكُونا سَواءً، فيَقَعُ في الحالِ واحدةٌ ونِصْفٌ، ثم يُكَمَّلُ النِّصْفُ؛ لكَوْنِ الطَّلاقِ لا يَتَبَعَّضُ.
ويَحْتَمِلُ أن تَقَعَ طَلْقَةٌ، وتَتَأَخَّرَ اثْنَتانِ إلى الحالِ الأُخْرَى؛ لأَنَّ البعضَ يقعُ على ما دُونَ الكُلِّ، ويتَناولُ القليلَ مِن ذلك والكثيرَ، فيقَعُ أقَلُّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ؛ لأنَّه اليَقِينُ، وما زادَ لا يقَعُ بالشَّكِّ، فيتَأَخَّرُ إلى الحالِ الأُخْرى.
فإن قيلَ: فلِمَ لا يَقَعُ مِن كلِّ طَلْقَةٍ بعضُها، ثم تُكَمَّلُ، فتَقَعُ الثَّلاثُ؟ قُلْنا: متى 181 أمْكَنَتِ القِسْمَةُ مِن غيرِ تَكْسيرٍ، وجَبَتِ القِسْمةُ على الصِّحَّةِ.
فإن قال: نِصْفُهنَّ للسُّنَّةِ ونِصْفُهنَّ لِلبدْعةِ.
وقعَ في الحالِ
الجزء: 22 - الصفحة: 201
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اثْنَتانِ، وتَأَخَّرَتِ الثَّالثَةُ.
وإن قال: طَلْقتانِ للسُّنَّةِ وواحدةٌ لِلبدْعةِ -أو- طَلْقَتانِ لِلبدْعةِ وواحدةٌ للسُّنَّةِ.
فهو على ما قال.
فإنْ أَطلَقَ 182 ثم قال: نوَيْتُ ذلك.
إن فَسَّرَ نِيَّتَه بما يُوقِعُ في الحالِ طَلُقَتْ، وقُبِلَ؛ لأنَّه مُقْتَضَى 183 الإِطْلاقِ، ولأنَّه غيرُ مُتَّهَمٍ فيه.
وإن فَسَّرَها بما يُوقِعُ طَلْقةً واحدةً، ويُؤَخِّرُ اثْنَتَيْنِ، دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعْالى.
وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ فيه وَجْهان؛ أظْهَرُهما، أنَّه يُقْبَلُ؛ لأَنَّ البعْضَ حَقِيقةٌ في القليلِ والكثيرِ، فما فَسَّرَ كلامَه به لا يُخالِفُ الحقيقةَ، فيَجِبُ أن يُقْبَلَ.
والثانى، لاْ يُقْبَلُ؛ لأنَّه فَسَّرَ كلامَه بأخَفَّ ممَّا يَلْزَمُه حالَةَ الإِطْلاقِ.
ومذهبُ الشافعىِّ على نحوِ هذا.
فإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا بعضُها 184 للسُّنَّةِ.
ولم يَذْكُرْ شيئًا آخَرَ، احْتَمَلَ أن تكونَ كالتى قبلَها؛ لأنَّه يَلْزَمُ مِن ذلك أن يكونَ بعضُها للبِدْعةِ، فأشْبَهَ ما لو صَرَّحَ به.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَقَعَ في الحالِ إلَّا واحدةٌ؛ لأنَّه لم يُسَوِّ بينَ الحالَيْنِ، والبَعْضُ لا يَقْتَضِى النِّصْفَ، فتَقَعُ الواحدةُ؛ لأنَّها اليقِينُ، والزَّائدُ لا يقَعُ بالشَّكِّ.
وكذلك لو قال: بعضُها للسُّنَّةِ وباقِيها لِلبدْعةِ -أو- سائِرُها لِلبدْعةِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا قال: أنتِ طالقٌ إذا قَدِمَ زيدٌ.
فقَدِمَ وهى حائضٌ، طَلقَتْ لِلبدْعةِ، إِلَّا أنَّه لا يَأْثَمُ؛ لأنَّه لم يَقْصِدْه.
وإن قال 185: أنتِ طالقٌ إذا قَدِمَ زيدٌ للسُّنَّةِ.
فقَدِمَ زيد في زَمانِ السُّنَّةِ، طَلقَتْ.
وإن قَدِمَ في زمانِ البِدْعَةِ، لم يَقَعْ، حتى إذا صارتْ إلى زمانِ السُّنَّةِ وقعَ، ويَصير كأنَّه قال: إن قَدِمَ زيدٌ أنتِ طالق للسنةِ.
لأنَّه أوْقَعَ الطَّلاقَ بقدومِ زيدٍ على صِفَةٍ، فلا يَقَعُ إلَّا عليها.
وإن قال لها: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ إذا قَدِمَ زيد.
قبلَ أَنْ يدْخلَ بها، طَلُقَتْ عندَ قدومِه، حائضًا كانت أو طاهِرًا؛ لأنَّها لا سنَّةَ لطلاقِها ولا بِدْعةَ.
وإن قَدِم بعدَ دخولِه بها، وهى في طُهْرٍ لم يصِبْها فيه، طَلقَتْ.
وإن قدِمَ في زمنِ البِدْعَةِ، لم تَطْلُقْ حتى يَجِئَ زمن السُّنَّةِ؛ لأنَّها صارتْ ممَّن لطلاقِها سُنَّةٌ وبِدْعة.
وإن قال لامْرأتِه: أنتِ طالقٌ إذا جاءَ رأسُ الشَّهْرِ للسُّنَّةِ.
فكان رأسُ الشَّهْرِ في زمنِ السُّنَّةِ، وقَعَ، وإلَّا وقَعَ إذا جاء زمانُ السُّنَّةِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 203
وَإِنْ قَالَ لَهَا: أنْتِ طَالِقٌ فِى كُلِّ قَرْءٍ طَلْقَةً.
وَهِىَ مِنَ اللَّائِى لَمْ يَحِضْنَ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ، فَتَطْلُقُ فِى كُلِّ حَيْضَةٍ طَلْقَةً.
وَإِنْ قُلْنَا: الأَقْرَاءُ الأَطْهَارُ.
فَهَلْ تَطْلُقُ طَلْقَةً فِى الْحَالِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَيَقَعُ بِهَا الْبَاقِى فِى الأَطْهَارِ الْبَاقِيَةِ.
3439 - مسألة: (وإنْ قَالَ لَهَا: أنْتِ طَالِق في كُلِّ قَرْءٍ طَلْقَةً. وَهِىَ مِنَ اللَّائِى لَمْ يَحِضْنَ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ، فَتَطْلُقُ في كُلِّ حَيْضَةٍ طَلْقَةً)
فإن كانت مِن ذَواتِ القُروءِ، وقعَ في كُلِّ قَرْءٍ طلقةٌ.
فإن كانت في القَرْءِ 186 وقَعتْ بها واحدة في الحالِ، ووَقَعَ بها طَلْقتانِ في قَرْأَيْن آخَرَيْن في أوَّلِهِما 187، سواء قُلْنا: القُروءُ 188 الحِيَضُ -أو- الأطْهارُ.
وسواءٌ كانت مَدْخولًا بها أو غيرَ مَدْخولٍ بها، إلَّا أن غيرَ المَدْخولِ بها تَبِينُ بالطَّلْقَةِ الأُولَى، فإن تَزَوَّجَهَا، وقَعَ بها في القَرْءِ الثَّانى طَلْقة أُخْرَى.
وكذلك الحُكْمُ في الثَّالثةِ.
فإنْ كانت مِن اللَّائِى لم يَحِضْنَ، وقُلْنا: القُروءُ (3) الحِيَضُ.
لم تَطْلُقْ حتى تَحِيض، فتَطْلُقُ في كلِّ حَيْضَةٍ طَلْقةً (وإنْ قُلْنا: القُروءُ الأطْهارُ) احْتَمَلَ أَنْ تَطْلُقَ في الحالِ واحدةً، ثم لا تَطْلُقُ حتى
الحديث: 3439 - الجزء: 22 - الصفحة: 204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَحِيضَ، ثم تَطْهُرَ فتَطْلُقَ الثَّانيةَ، ثم الثَّالثةَ في [الطُّهْرِ الآخَرِ] 189؛ لأَنَّ الطُّهْرَ قبلَ الحَيْضِ كله قَرْء واحد.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَطْلُقَ حتى تَطْهُرَ بعدَ الحَيْضِ، لأَنَّ القَرْءَ هو الطُّهْرُ بينَ حَيْضَتَيْنِ، فلذلك 190 لو حاضَتِ الصَّغيرةُ في عِدَّتِها، لم تَحْتَسبْ بالطُّهْرِ الذى قبلَ الحَيْضِ مِن عِدَّتِها، في أحَدِ الوَجْهَيْن.
والحُكْمُ في الحامِلِ كالحُكْمِ في الصَّغيرةِ؛ لأَنَّ زمنَ الحَمْلِ كلَّه قَرْءٌ واحدٌ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ، إذا قُلْنا: الأقْراءُ الأطْهارُ.
والوَجْهُ الآخَرُ، ليس بقَرْء على كلِّ حالٍ.
وإن كانت آيِسَةً، فقال القاضى: تَطْلُقُ واحدَةً على كلِّ حالٍ؛ لأنَّه عَلَّقَ طَلاقَها بصفَةٍ تَسْتَحِيلُ فيها، فَلغَتْ ووَقَعَ بها الطَّلاقُ، كما لو قال لها: أنتِ طالقٌ للبدْعَةِ.
وإذا طَلُقَتِ الحاملُ في حالِ حَمْلِها، بانَتْ بوَضْعِه 191؛ لأَنَّ عِدَّتَها تَنْقَضِى به، فلم يَلْحَقْها طلاق آخَرُ.
فإنِ اسْتَأنَفَ نكاحَها 192، أو راجَعَها قبلَ وَضْعِ حَمْلِها، ثم طَهُرَتْ مِن النِّفاسِ، طَلُقَتْ أُخْرَى، ثم إذا حاضَتْ ثم طَهُرَتْ وقَعتِ الثَّالثةُ.
الجزء: 22 - الصفحة: 205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ إن كان الطَّلاقُ يقَعُ عليك للسُّنَّةِ.
وهى في زمنِ السُّنَّةِ، طَلُقَتْ بوُجودِ الصِّفَةِ.
وإن لم تكُنْ في زمنِ السُّنَّةِ، انْحَلَّتِ الصِّفَةُ، ولم يَقَعْ بحالٍ؛ لأنَّ الشَّرْطَ ما وُجِدَ.
وكذلك إنْ قال: أنتِ طالقٌ لِلبدْعةِ إن كان الطَّلاقُ يَقَعُ عليك للبدْعةِ.
إن كانت في زمنِ البِدْعةِ، وقَعَ، وإلَّا لم يَقَعْ بحالٍ.
فإن كانت ممَّن لا سُنَّةَ لطلاقِها ولا بِدْعةَ، فذكرَ القاضى فيها احْتمالَيْن؛ أحدُهما، لا يقَعُ في المسألَتَين؛ لأنَّ الصِّفَةَ ما وُجِدَتْ، فأشْبَهَ ما لو قال: أنتِ طالقٌ إن كنتِ هاشِميَّةً.
ولم تكُنْ كذلك.
والثانى، تَطْلُقُ؛ لأنَّه شَرَطَ لوُقوعِ الطَّلْقَةِ شَرْطًا مُسْتَحِيلًا، فلَغَى، ووَقَعَ الطَّلاقُ.
والأوَّلُ أشْبَهُ.
وللشَّافعيَّةِ 193 وَجْهان كهذَيْن.
الجزء: 22 - الصفحة: 206
وَإِنْ قَالَ لَهَا: أنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ الطَّلاقِ -أَوْ- أجْمَلَهُ.
فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ.
3440 - مسألة: (وَإِنْ قَالَ: أنْتِ طَالِق أحْسَنَ الطَّلاقِ -أَوْ- أجْمَلَه. فهو كقَوْلِه: أنْتِ طَالِق للسُّنَّةِ)
وكذلك إنْ قال: أعْدلَه -أو- أبهْملَه -أو- أتَمَّه -أو- أفْضَلَه.
أو: طَلْقة جيلةً 194 -أو- سَنِيَّةً.
فذلك كلُّه عبارة عن طلاق السُّنَّةِ.
وبه قال الشافعى.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ: إذا قال: أعْدلَ الطَّلاق -أو- أحْسنَه.
كقَوْلِنا، وإن قال: [سَنِيَّةً -أو- عَدْلَةً] 195. وقعَ الطَّلاقُ في الحالِ؛ لأَنَّ الطَّلاقَ لا يتَّصِفُ بالوقْتِ، والسُّنَّةُ والبِدْعَةُ وقتٌ، فإذا وصَفَها بما لا تتَّصِفُ به، سَقَطَتِ الصِّفةُ، كما لو قال لغيرِ المدْخولِ بها: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً رجْعيَّةً.
أو قال لها: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ -أو- للبِدْعةِ.
ولَنا، أنَّ ذلك عبارة عن طَلاق السُّنَّةِ، ويَصِحُّ وَصْفُ الطَّلاقِ بالسنةِ والحُسْنِ؛ لكَوْنِه في ذلك الوقتِ مُوافِقًا للسُّنَّةِ، مُطابِقًا للشَّرْعِ، فهو كقَوْلِه: أحْسَنَ الطَّلاقِ 196. وفارقَ قوْلَه: طلْقةً رَجْعِيَّةً.
لأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ لا تكونُ إلَّا في عِدَّةٍ، ولا عِدَّة لها، فلا يحْصُلُ ذلك بقَوْلِه.
الحديث: 3440 - الجزء: 22 - الصفحة: 207
وإنْ قَالَ لَهَا: أَقْبَحَ الطَّلاقِ -أو- أَسْمَجَهُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: للْبِدْعَةِ.
إِلَّا أَنْ يَنْوِىَ: أَحْسَنُ أَحْوَالِكِ أَوْ أقْبَحُهَا أَنْ تَكُونِى مُطَلَّقَةً، فَيَقَعُ
فإن قال: نَوَيْتُ بقولِى: أعْدلَ الطَّلاقِ.
وُقُوعَه في زمانِ الحَيْضِ؛ لأنَّه أشْبَهُ بأخْلاقِها القَبيحَةِ، ولم أُرِدِ الوَقْتَ.
وكانت في الحَيْضِ، وقعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّه إقْرارٌ على نفْسِه بما فيه تَغْلِيظٌ.
وإن كانت في حالِ السُّنَّةِ، دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى.
وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ على وَجْهَيْن، كما تَقَدَّمَ.
3441 -
مسألة: (وَإِنْ قَالَ: أقْبَحَهُ وأسْمَجَهُ)
أو -أفْحَشَهُ- أو -أرْدَأهُ -أو- أنْتَنَهُ (1). حُمِلَ عَلَى طَلَاقِ البِدْعَةِ، فإنْ كانت في وقتِ البِدْعةِ، وألا وقفَ على مَجِئِ زمانِ البِدْعةِ.
وحُكِىَ عن أبى بكرٍ أنَّه يقعُ ثلاثًا، إن قُلْنا: أنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ بدْعة.
ويَنْبغِى أن تَقَعَ الثلاث في وقْتِ البِدْعةِ؛ ليكُونَ جامِعًا لبِدْعَتى الطَّلاقِ، فيكونَ أقْبَحَ الطَّلاقِ.
وإن نَوَى بذلك غيرَ طَلاقِ البِدْعةِ، نحوَ أن يقولَ: إنَّما أرَدْتُ أنَّ طَلاقَكِ أقْبَحُ الطَّلاقِ؛ لأنَّك لا تَسْتَحِقِّينَه؛ لحُسْنِ عِشْرَتِك، وجَميلِ طَريقَتِك.
وقَعَ في الحالِ.
وإن قال: أرَدْتُ بذلك طَلاقَ السُّنَّةِ.
ليَتأَخَّرَ الطَّلاقُ عن نَفْسِه إلى زمَنِ السُّنَّةِ، لم يُقْبَلْ؛ لأَنَّ لفْظَه لا يَحْتَمِلُه.
3442 -
مسألة: وإنْ قَالَ: أرَدْتُ أنَّ (أحْسَنَ أحْوَالِكِ أَوْ أقْبَحَهَا
197 الحديث: 3441 - الجزء: 22 - الصفحة: 208
فِى الْحَالِ.
وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً قَبِيحَةً.
طَلُقَتْ فِى الْحَالِ.
أَنْ تَكُونِى مُطَلقَةً.
فَيَقَعُ في الحَالِ) لأَنَّ هذا يُوجَدُ في الحالِ، فوقَعَ فيه.
3443 -
مسألة: (وإنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِق طَلْقَةً حَسَنَةً قَبِيحَةً)
فَاحِشَةً جَمِيلَةً، تَامَّةً نَاقِصَةً (وقَعَ في الحَالِ) لأنَّه وَصَفَها بصِفَتَيْن مُتَضادَّتَيْنِ، فلَغَتا، وبَقِىَ مُجَرَّدُ الطَّلاقِ، فَوقَعَ.
فإن قال: أرَدْتُ أنَّها حَسَنَةٌ لكَوْنِها في زمانِ السُّنَّةِ، وقَبِيحَةٌ لإضْرارِها بكِ.
أو قال: أرَدْتُ أنَّها حَسَنةٌ لتخْليصِى مِن شَرِّكِ، وسُوءِ خُلُقِكِ، وقَبِيحةٌ لكَوْنِها في زَمانِ البِدْعةِ.
وكان ذلك يُؤَخِّرُ وُقوعَ الطَّلاقِ [عنه، دُيِّنَ] 198. وهَل يُقبَلُ في الحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ على وَجْهَيْنِ.
الحديث: 3443 - الجزء: 22 - الصفحة: 209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ طَلاقَ الحَرَجِ.
فقال القاضى: معناه طلاقُ البِدْعةِ؛ لانَّ الحَرَجَ الضِّيقُ والإِثْمُ، فكأنَّه قال: طلاقَ الإِثْمِ.
وطلاقُ البِدْعةِ طلاقُ إثمٍ.
وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ، عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه يَقَعُ ثلاثًا 199؛ لأنَّ الحَرَجَ الضِّيقُ، والذى يُضَيِّقُ عليه، ويَمْنَعُه الرُّجوعَ إليها، ويَمْنَعُها الرُّجوعَ إليه 200، هو الثلاثُ، وهو مع ذلك طلاقُ بِدْعةٍ، وفيه إثْمٌ، فيَجْتَمِعُ عليه الأمْرانِ؛ الضِّيقُ والإِثْمُ.
وإن قال: طلاقَ الحَرَجِ والسُّنَّةِ.
كان كقولِه: طلاقَ البِدْعةِ والسُّنَّةِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 210
بابُ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِهِ
بابُ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِه
لا يقَعُ الطَّلاقُ بغيرِ لفْظٍ، فلو نَوَاهُ بقَلْبِه مِن غيرِ لفْظٍ، لم يَقَعْ في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، وجابرُ بنُ زيدٍ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ويَحْيَى ابنُ أبى كَثِيرٍ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ.
ورُوِىَ أيضًا عن القاسِمِ، وسالمٍ، والحسَنِ، والشَّعْبِىِّ.
وقال الزُّهْرِىُّ: إذا عَزَم على ذلك طَلُقَتْ.
وقال ابنُ سِيرينَ في مَن طَلَّقَ في نفْسِه: أليس قد عَلِمَه اللَّه.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِى عَمَّا حَدَّثَتْ بهِ أنْفُسَهَا، مَا لَم تكلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ».
رَواه النَّسَائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ 201، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ.
ولأنَّه تَصَرُّفٌ يُزِيلُ المِلْكَ، فلم يَحْصُلْ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كالبَيْعِ والهِبَةِ.
وكذلك إن نَواه بقَلْبِه وأشارَ بإِصْبَعِه، فإنَّه لا يَقَعُ؛ لِما ذَكَرْناه.
إذا ثَبَتَ
الجزء: 22 - الصفحة: 211
وَصَرِيحُهُ لَفْظُ الطَّلَاقِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ، فِى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: صَرِيحُهُ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ؛ الطَّلَاقُ، وَالْفِرَاقُ، وَالسَّرَاحُ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُنَّ.
أنَّه يُعْتَبَرُ له اللَّفْظُ، فهو يتَصرَّفُ إلى صريحٍ وكنايةٍ (فصَريحُه لفْظُ الطَّلاقِ وما تَصرَّفَ منه، في الصَّحيحِ) وهو اخْتِيارُ ابنِ حامدٍ.
فإذا قال: أنتِ طالقٌ -أو- مُطَلَّقَةٌ -أو- قد (1) طَلَّقْتُكِ.
وَقَعَ الطَّلاقُ مِن غيرِ نِيَّةٍ.
والكِنايةُ لا يقَعُ بها الطَّلاقُ حتى يَنْوِيَه، أو يَأْتِىَ بما يَقومُ مَقامَ نِيَّتِه.
3444 -
مسألة: (وَقَالَ الخِرَقِىُّ: صَرِيحُهُ ثَلَاثَةُ ألْفَاظٍ؛ الطَّلاقُ، والفِراقُ، والسَّراحُ، وما تَصَرَّفَ مِنْهُنَّ)
وهذا مذهبُ202
الحديث: 3444 - الجزء: 22 - الصفحة: 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشافعىِّ.
ومذهبُ أبى حنيفةَ، أنَّ صَرِيحَه يخْتَصُّ بلَفْظِ الطَّلاقِ وما تصرَّفَ منه [ووَجْهُه] 203 أنَّ لفْظَ الفِراقِ والسَّراحِ يُسْتَعْملانِ في غيرِ الطَّلاقِ كثيرًا، فلم يكونا صَرِيحَيْن فيه، كسائِرِ كِنَاياتِه.
ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّ هذه الألْفاظَ ورَدَ بها الكِتابُ بمَعْنى 204 الفُرْقَةِ بين الزَّوْجَيْنِ، فكانا صَرِيحَيْنِ فيه، كلَفْظِ الطَّلاقِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ 205. وقال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ 206. وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ 207. وقال سبحانه: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ 208. والقولُ الأوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ
الجزء: 22 - الصفحة: 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الصَّرِيحَ في الشئِ ما كان نصًّا فيه، لا يَحْتَمِلُ غيرَه إِلَّا احْتمالًا بعيدًا، ولفظةُ الفِراقِ والسَّراحِ إنْ ورَدَتْ [في القرْآنِ] 209 بمعنى الفُرْقةِ بينَ الزَّوْجَيْن، فقد ورَدَتْ فيه لغيرِ ذلك المعنى، وفى العُرْفِ كثيرًا، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ 210. وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ 211. فلا مَعْنَى لتَخْصِيصِه بفرْقَةِ الطَّلاقِ، على أنَّ
الجزء: 22 - الصفحة: 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قولَه: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ 212. لم يرِدْ به الطَّلاقَ، وإنَّما هو تَرْكُ ارْتِجاعِها، وكذلك قولُه: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
ولا يَصِحُّ قياسُه على لفظِ الطلاقِ، فإنَّه مُخْتَصٌّ بذلك، سابِقٌ إلى الأَفْهامِ مِن غيرِ قَرينةٍ ولا دَلالةٍ، بخِلافِ الفِرَاقِ والسَّراحِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 215
فَمَتَى أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ وَقَعَ، نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ.
3445 - مسألة: (فمتى أَتَى بصَرِيحِ الطَّلاق، وَقَعَ، نَواه أو لم يَنْوِه)
وجلة ذلك، أنَّ الصَّريحَ لا يحْتاج إلى نِيَّةٍ، بل يقَع مِن غيرِ قَصْدٍ، فمتى قال: أنتِ طالقٌ -أو- مُطَلَّقةٌ -أو- طَلَّقْتُكِ.
وقَعَ من غيرِ نِيَّةٍ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ ما يعْتَبَر له القَوْل يكْتَفَى فيه به مِن غيرِ نِيَّةٍ، إذا كان صَرِيحًا فيه، كالبَيْعِ.
وسَواءٌ قَصَدَ المَزْحَ أو الجِدَّ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ثَلَاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وَهَزْلهُنَّ جِدٌّ؛ النِّكَاحٌ، وَالطَّلاقُ، وَالرَّجْعَةُ».
روَاه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 213، وقال: حديثٌ حسَنٌ صَحيحٌ.
قال ابن
الحديث: 3445 - الجزء: 22 - الصفحة: 216
وَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ.
مِنْ وَثَاقٍ.
أَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: طَاهِرٌ.
المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على (1) أنَّ جِدَّ الطَّلاقِ وهَزْلَه سواءٌ.
رُوِىَ هذا عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، وابنِ مسعودٍ.
ونحوُه عن عَطاءٍ، وعَبيدَةَ.
وبه قال الشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ.
قال أبو عُبَيْدٍ: وهو قولُ سفيانَ، وأَهلِ العراقِ.
فأمَّا لَفْظُ الفِرَاق والسَّراحِ، فيَنْبَنِى على الخِلافِ فيه؛ فمَن جعلَه صَرِيحًا أوْقعَ به الطَّلاقَ مِن غيرِ نيَّةٍ، ومَن جعلَه كِنايةً لم يُوقِعْ به الطَّلاقَ حتى يَنْوِيَه، ويكونُ بمَنْزلةِ الكِناياتِ الخَفِيَّةِ.
فإن قال: أرَدْتُ بقَوْلِى: فارَقْتُكِ: أى بجِسْمِى، أو بقَلْبِى، أو بمَذْهَبِى، أو سَرَّحْتُكِ مِن يَدِى، أو شُغْلِى، أو مِن حَبْسِى، أو سَرَّحْتُ شعَرَكِ.
قُبِلَ قوْلُه.
3446 -
مسألة: (فَإنْ نَوَى بقَوْلِه: أنْتِ طَالِقٌ. مِن وَثَاقٍ. أو أراد
214 الحديث: 3446 - الجزء: 22 - الصفحة: 217
فَسَبَقَ لِسَانُهُ، أَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: مُطَلَّقَة.
مِنْ زَوْج كَانَ قَبْلَهُ، لَمْ تَطْلُقْ، وَإِذَا ادَّعَى ذَلِكَ دُيِّنَ، وَهَلْ يُقْبَل فِى الْحُكْمِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِى حَالِ الْغَضَبِ، أَوْ بَعْدَ سُؤالِهَا الطَّلَاقَ، فَلَا يُقْبَلُ.
أن يَقُولَ: طَاهِرٌ.
فسَبَقَ لِسَانُه) [فقال: طالقٌ] 215 (أَوْ أرَادَ) أنَّها (مُطَلَّقَة مِنْ زَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ، لَمْ تَطْلُقْ، فإنِ ادَّعَى ذلك، دُيِّنَ.
وهَلْ يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْن، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِى حَالِ الغَضَبِ، أَوْ بَعْدَ سُؤَالِها الطَّلاقَ، فَلَا يُقْبَلُ) إذا نَوَى بقولِه: أنتِ طالقٌ.
مِن وَثاقٍ.
أو قال: أرَدْتُ أن أقولَ: طَلَّبْتُكِ.
فسَبَقَ لِسانِى فقلتُ: طَلَّقْتُكِ.
أو نحو ذلك، دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، فمتى عَلِمَ مِن نَفْسِه ذلك، لم يَقَعْ عليه فيما بينَه وبينَ رَبَّه.
قال أبو بكرٍ: لا خِلافَ عن أبى عبدِ اللَّهِ، أنَّه إذا أرادَ أن يقولَ لزَوْجَتِه: اسْقِينى ماءً.
فسبَقَ لسانُه فقال: أنتِ طالقٌ -أو- أنتِ حُرَّةٌ.
أنَّه لا طَلاقَ فيه.
ونقلَ ابنُ مَنْصُورٍ عنه، أنَّه سُئِلَ عن
الجزء: 22 - الصفحة: 218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رجلٍ حَلَفَ، فجَرَىِ على لسانِه غيرُ ما في قلْبِه، فقال: أرْجو أن يكونَ 216 الأمرُ فيه واسِعًا.
وهل تُقْبَلُ دَعْواه في الحُكْمِ؟ يُنْظَرُ؛ فإنْ كان في حال الغَضَبِ، أو سُؤالِها الطَّلاقَ، لم يُقْبَلْ في الحُكْمِ؛ لأن لَفْظَه ظَاهِرٌ في الطَّلاقِ، وقَرينةَ حالِه تدُلُّ عليه، فكانت دَعْواه مُخالِفةً للظَّاهرِ مِن وجْهَيْن، فلا تُقْبَلُ، وإن لم يكُنْ في هذه الحالِ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، في روايةِ ابنِ مَنْصورٍ، وأبى الحارِثِ، أنَّه يُقْبَلُ قوْلُه.
وهو قولُ جابرِ ابنِ زيدٍ، والشَّعْبِىِّ، والحَكَمِ.
حَكَاه عنهم أبو حَفْصٍ؛ لأنَّه فَسَّرَ كلامَه بما يَحْتَمِلُه احْتِمالًا غيرَ بعيدٍ، فقُبِلَ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ.
وقال: أردتُ بالثَّانيةِ إفْهامَها.
وقال القاضى: فيه رِوَايتان -إحداهما، التى ذَكَرْناها- قال: وهى ظاهرُ كلامِ أحمدَ.
والثانيةُ، لا يُقْبَلُ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه خلافُ ما يَقْتَضِيَه الظَّاهِرُ في العُرْفِ، فلم يُقْبَلْ في الحُكْمِ، كما لو أقَرَّ بعشَرةٍ ثم قال: زُيُوفًا -أو- صِغارًا -أو- إلى شهرٍ.
فأمَّا إن صَرَّحَ بذلك في اللَّفْظِ فقال: طَلَّقْتُكِ مِن وَثَاقِى.
أو: فارَقْتُكِ بجِسْمِى.
أو: سرَّحتُكِ مِن يَدِى.
فلا شَكَّ في أنَّ الطَّلاقَ لا يقعُ؛ لأنَّ ما يتَّصِلُ بالكَلامِ يَصْرِفُه عن 217 مُقْتضاه، كالاسْتِثْناءِ
الجزء: 22 - الصفحة: 219
وَفِيمَا إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ مِنْ زَوْجٍ قَبْلِى.
وَجْهٌ ثَالِثٌ، أَنَّهُ يُقْبَلُ إنْ كَانَ وُجِدَ، وَإِلَّا فَلَا.
والشَّرْطِ.
وذكَرَ أبو بكرٍ في قولِه: أنتِ مُطَلَّقَةٌ.
[أنَّه إن] 218 نَوَى أنَّها مُطَلَّقة طلاقًا ماضِيًا، أو 219 مِن زَوْجٍ كانَ قَبْلَه، لم يَكُنْ عليه شئٌ، وإنْ لم يَنْوِ شيئًا، فعلى قوْلَيْن؛ أحدُهما، يقَعُ.
والثانى، لا يَقَعُ.
وهذا مِن قولِه يَقْتَضِى أن تكونَ هذه اللَّفْظَةُ غيرَ صَرِيحةٍ في أحَدِ القَوْلَيْن.
قال القاضى: والمنْصوصُ عن أحمدَ أنَّه صَرِيحٌ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لأَنَّ هذه مُتصَرِّفةٌ مِن لفظِ الطَّلاقِ، فكانتْ صَرِيحةً فيه، كقوْلِه: أنتِ طالقٌ (فإن قال: أرَدْتُ بقَوْلِى أنَّها مُطَلَّقةٌ مِن زَوْجٍ) كان (قَبْلِى) ففيهِ (وَجْهٌ ثالثٌ، أنَّه يُقْبَلُ إنْ كان وُجِدَ) لأَنَّ كلامَه يَحْتَمِلُه، ولا يُقْبَلُ إن لم يكُنْ وُجِدَ؛ لأنَّه لا يَحْتَمِلُه.
وقد ذَكَرْنا في ذلك رِوايَتَيْن غيرَ هذا الوَجْهِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 220
وَلَوْ قِيلَ لَهُ.
أَطَلَّقْتَ امْرأتَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَأَرَادَ الْكَذِبَ، طَلُقَتْ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَلَكَ امْرأةٌ؟ قَالَ: لَا.
وَأَرَادَ الْكَذِبَ، لَمْ تَطْلُقْ.
3447 - مسألة: (ولو قِيلَ له: أطَلَّقْتَ امْرَأتَكَ؟ فقال: نعم. وأراد الكَذِبَ، طَلُقَتْ. ولو قِيلَ له: ألكَ امْرَأةٌ؟ قال: لا. وأراد الكَذِبَ، لم تَطْلُقْ)
أمَّا إذا قيلَ له: أطَلَّقْتَ امْرأتَكَ؟ قال: نعم.
أو قيلَ له: امْرأتُكَ طالق؟ فقال: نعم.
طَلُقَتِ امْرأتُه وإنْ لم يَنْوِ.
وهذا الصحيحُ مِن مذهبِ الشافعىِّ، واخْتِيَارُ المُزَنِىِّ؛ لأَنَّ «نَعَمِ» صَريحٌ في الجوابِ، والجوابُ 220 الصَّريحُ لِلَّفْظِ الصَّريحِ صريحٌ، ألا ترَى أنَّه (1) لو قيلَ له: ألِفُلانٍ عليك ألْفٌ؟ قال: نعم.
وجَبَ عليه.
فإنْ قيلَ له:
الحديث: 3447 - الجزء: 22 - الصفحة: 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أطَلَّقْتَ امْرأتَك؟ فقال: قد كان بعضُ ذلك.
وقال: أردتُ الإيقاعَ.
وقَع.
وإن قال: أردتُ أنَّنِى علَّقتُ طَلاقَها بشَرْطٍ.
قُبِلَ؛ لأَنَّ ما قالَه مُحْتَمِلٌ.
وإن قال: أردتُ الإخْبارَ عن شئٍ ماضٍ.
أو قيلَ له: ألكَ امرأةٌ؟ فقال: قد طَلَّقْتُها.
ثم قال: إنَّما أردتُ أنِّى طَلَّقتُها في نكاحٍ آخَرَ.
دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، وأمَّا في الحُكْمِ، فإنْ لم يكُنْ وُجِدَ ذلك منه، لم يُقْبَلْ، وإن كان وُجِدَ، فعلى وَجْهَيْن.
وأمَّا إذا قيلَ له: ألك امرأةٌ؟ فقال: لا.
وأرادَ به الكذبَ، لم يَلْزَمْه شئ؛ لأنَّ قولَه: ما 221 لى امرأةٌ.
كِنايةٌ تَفْتَقِرُ إلى نِيَّةِ الطَّلاقِ، وإذا نَوَى الكَذِبَ فما نَوَى الطَّلاقَ، فلم يَقَعْ.
وهكذا لو نَوَى أنَّه ليس لى امرأةٌ تَخْدِمُنى، أو تُرضِينى، أو أنِّى كمَنْ لا امرأةَ له، أو لم يَنْوِ شيئًا، لم تَطْلُقْ؛ لعَدَمِ النِّيَّةِ المُشْتَرطةِ في الكِنايةِ.
وإن أرادَ بهذا اللَّفْظِ طَلاقَها، طَلُقَتْ؛ لأنّها كِناية صَحِبَتْها النِّيَّةُ.
وبهذا قال الزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، وحَمَّادُ بنُ أبى سليمانَ، وأبو حنيفةَ، والشافعِىُّ.
وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: لا تَطْلُقُ؛ لأنَّ هذا ليس بكِنايةٍ، ولكنَّه خبَرٌ هو كاذبٌ فيه، وليس بإيقاع.
ولَنا، أنَّه مُحْتَمِلٌ للطَّلاقِ؛ لأنَّه إذا طَلَّقَها، فليست له بامرأةٍ، فأشْبَهَ قوْلَه: أنتِ بائِنٌ.
وغيرَها مِن
الجزء: 22 - الصفحة: 222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكِناياتِ الظَّاهرةِ، وبهذا يَبْطُلُ قوْلُهم.
فصل: فأمَّا لفْظةُ الإِطْلاقِ، فليستْ صريحةً في الطَّلاقِ؛ لأنَّها لم يَثْبُتْ لها عُرْفُ الشَّرْعِ ولا الاسْتِعمال، فأشْبَهَتْ سائرَ كِناياتِه.
وذكَرَ القاضى فيها احْتِمالًا، أنَّها صَريحةٌ؛ لأَنَّه لا فَرْقَ بين: فَعَّلْتُ وأفْعَلْتُ، نحو عَظَّمْتُهُ وأعْظَمْتُهُ، وكَرمْتُه وأكْرَمْتُه.
وليس هذا الذى ذكَره بمُطَّرِدٍ؛ فإنَّهم يقولون: حَييته مِن التَّحِيَّةِ، وأحْيَيْتُه مِن الحياةِ، وأصْدَقْتُ المرأةَ
الجزء: 22 - الصفحة: 223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صداقًا، وصَدَّقْتُ حديثَها تَصْديقًا.
ويُفَرِّقُونَ بين قَبَل و 222 أقْبَلَ، ودبَرَ و (1) أدْبَرَ، وبَصُرَ وأَبْصَرَ، ويُفَرِّقُون بين المعانى المُخْتَلِفَةِ بحَرَكةٍ أو حرفٍ، فيقولونَ: حَمْلٌ.
لما في البطنِ، وبالكسرِ لما على الظَّهْرٍ، والوَقْرُ بالفَتْحِ الثِّقْلُ في الأُذُنِ، وبالكسرِ لثِقْلِ الحِمْلِ.
وههُنا فرَّقُوا بينَ حَلِّ 223 قَيْدِ النِّكاحِ بالتَّضْعيفِ في أحدِهما، والهمزةِ في الآخَرِ، ولو كان معنى اللَّفْظَيْن واحدًا لقِيلَ: طَلَّقْتُ الأسِيرَ، والفَرَسَ 224، والطَّائِرَ، فهو طالقٌ، وطَلَّقْتُ الدَّابَّةَ، فهى طالق، ومُطَلَّقةٌ.
ولم يُسْمَعْ هذا في كلامِهم.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
الجزء: 22 - الصفحة: 224
وَلَوْ لَطَمَ امْرأَتَهُ، أَوْ أَطْعَمَهَا، أَوْ سَقَاهَا، وَقالَ: هَذَا طَلَاقُكِ.
طَلُقَتْ، إِلَّا أَنْ يَنْوِىَ أَنَّ هَذَا سَبَبُ طَلَاقِكِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
3448 - مسألة: (وَإِنْ لَطَمَ امرأتَهُ، أَوْ أطْعَمَهَا، أو سقَاهَا، وَقال: هَذا طَلاقُكِ. طَلُقَتْ، إلَّا أَنْ يَنْوِىَ أنَّ هذَا سَبَبُ طَلاقِكِ، أَوْ نَحْوَ ذلك)
لأنَّ هذَا اللَّفْظَ كِنَايَةٌ في الطَّلاقِ، إذَا نَوَاهُ بِهِ وَقَعَ، وَلا يَقَعُ مِن غَيْرِ نِيَّةٍ أو دَلالَةِ حَالٍ؛ لأنَّه أضافَ إليْهَا الطَّلاقَ، فَوَقَعَ بِهَا، كما لو قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ.
وقال ابنُ حامدٍ: تَطْلُقُ مِن غيرِ نِيَّةٍ؛ لأن تَقْديرَه: أوْقعتُ عليكِ طلاقًا، هذا الضَّربُ مِن أجْلِه.
فعلَى قولِه يكونُ صَرِيحًا.
وقال أكثرُ الفُقَهاءِ: ليس بكِنايةٍ، ولا يقَعُ به طَلاقٌ وإنْ نَوَى؛
الحديث: 3448 - الجزء: 22 - الصفحة: 225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأَنَّ هذا لا 225 يُؤَدِّى معْنى الطَّلاقِ، ولا هو سَبَبٌ له، ولا حُكْمٌ فيه، فلم يَصِحَّ التَّعْبِيرُ به عنه، كما لو قال: غَفرَ اللَّهُ لكِ.
ولَنا على أنَّه كِنايةٌ، أنَّه يَحْتَمِلُ هذا التَّفْسِيرَ الذى ذكَرَه ابنُ حامدٍ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ سبَبًا للطَّلاقِ؛ لكَوْنِ الطَّلاقِ مُعلَّقًا عليه، فصَحَّ أَنْ يُعَبِّرَ به عنه، ولأَنَّ الكِنايةَ ما احْتَملتِ الطَّلاقَ، وهذا يَحْتَمِلُه؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ قد عَلَّقَ طَلاقَها به 226، فلَمّا فعله قال: هذا طَلاقُكِ.
إخْبارًا لها، فلَزِمَه ذلك، كقوْلِه: اعْتَدِّى.
ويدُلُّ على أنَّه ليس بصَريحٍ، أنَّه احْتاجَ إلى التَّقْدِيرِ، والصَّريحُ
الجزء: 22 - الصفحة: 226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يحْتاجُ إلى تقْديرٍ، فيكونُ كِنايةً.
فإن نَوَى أنَّ هذا سبَبُ طَلاقِك، أو نحوَ ذلك، فلا تَطْلُقُ؛ لأنَّه إذا أرادَ سبَبَ الطَّلاقِ، جازَ أن يكونَ سَببًا له في زمانٍ بعدَ هذا الزَّمانِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 227
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا شَىْءَ.
أَوْ: لَيْسَ بِشَىْءٍ.
أَوْ: لَا يَلْزَمُكِ شَىْءٌ.
طَلُقَتْ، وَإِنْ قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ أَوْ لَا؟ أَوْ: طَالِقٌ وَاحِدَةً
3449 - مسألة: (وإنْ قَالَ: أنْتِ طَالقٌ لا شَئَ -أو- ليس بشئٍ -أو- لا يَلْزَمُكِ. طَلُقَتْ)
وكذلك إنْ قال: أنتِ طالقٌ طلقةً لا تقَعُ عليك -أو- طالقٌ طلْقَةً لا يَنْقُصٌ (1) بها عدَدُ الطَّلاقِ (2). لأَنَّ ذلك رَفْعٌ لجميعِ ما أوْقَعه، فلم يَصِحَّ، كاسْتِثناءِ الجميعِ، وإنْ كان ذلك خبرًا، فهو كَذِبٌ؛ لأَنَّ الواحِدَةَ إذا أوْقَعَها وقَعَتْ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
ولا نعلمُ فيه مخالفًا.
3450 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ طالِقٌ أَوْ لا؟ أَوْ: طالِقٌ وَاحِدَةً
227228 الحديث: 3449 - الجزء: 22 - الصفحة: 228
أَوْ لَا؟ لَمْ يَقَعْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ.
أَوْ لا؟ لَم تَطْلُقْ) لأَنَّ هذا اسْتِفْهامٌ، فإذا اتَّصَلَ به خَرَجَ عن أَنْ يَكونَ لَفْظًا لإِيقَاعٍ، ويُخالِفُ المسألةَ قبلَها؛ لأنَّه إيقاع (ويَحْتَمِلُ أن يَقَعَ) لأَنَّ لَفْظَه لَفظُ الإيقاعِ لا لَفْظُ الاسْتِفْهامِ؛ لأَنَّ لَفْظَ الاسْتِفْهامِ يَكون بالهَمْزَةِ أو نحوِها، فيَقَعُ ما أوْقَعَه، ولا يَرْتَفِعُ بما ذكَرَه بعدَه، كالتى قبلَها.
وكذلك إن قال: أنتِ طالقٌ واحدةً أو لا؟ وبه قال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ.
وهو قِياسُ قولِ الشافعىِّ.
وقال محمدٌ في هذه: تَقَعُ واحدةٌ؛ لأَنَّ قوْلَه: أو لا.
يَرْجِعُ إلى ما يَلِيه منِ اللَّفْظِ، وهو واحدةٌ دُونَ لَفْظِ الإِيقاعِ.
ولا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الواحدةَ صِفةٌ للطَّلْقَةِ الواقِعَةِ، فما اتصَلَ بها [يَرْجِعُ إليهما] 229، فصارَ كقولِه: أنتِ طالقٌ أو لا؟
الجزء: 22 - الصفحة: 229
وَإِنْ كَتَبَ طَلَاقَ امْرأَتِهِ وَنَوَى الطَّلَاقَ، وَقَعَ، وَإِنْ نَوَى تَجْوِيدَ خَطِّهِ، أَوْ غَمَّ أَهْلِهِ، لَمْ يَقَعْ.
وَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِى الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
3451 - مسألة: (وَإِنْ كَتَبَ طَلاقَ امْرَأتِه ونَوَى الطَّلاقَ، وَقَعَ، وإنْ نَوَى تَجْوِيدَ خَطِّهِ، أو غَمَّ أهْلِهِ، لَمْ يقَعْ. وَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِى الحُكْمِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْن)
إذا كتبَ طَلاقَ زَوْجتِه ونوَى الطَّلاقَ، طَلُقَتْ زَوْجتُه.
وبهذا قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والحَكَمُ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ.
وهو المنْصوصُ عن الشافعىِّ.
وذكَرَ بعضُ أصحابِه، أنَّ له قَوْلًا آخَرَ، أنَّه لا يَقَعُ به طلاق وإنْ نَوَاه؛ لأنَّه فِعْل مِن قادرٍ على النُّطْقِ، فلم يَقَعْ به الطَّلاقُ، كالإِشارةِ.
ولَنا، أنَّ الكِتابةَ حُروفٌ يُفهَمُ منها الطَّلاقُ، فإذا أتَى فيها بالطلاق وفُهِمَ منها، ونَواهُ،
الحديث: 3451 - الجزء: 22 - الصفحة: 230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَقَع كاللَّفْظِ، ولأَنَّ الكِتابةَ تَقومُ مَقامَ قَوْلِ 230 الكاتبِ؛ بدَلالةِ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان مَأْمُورًا بتَبْليغِ رِسالَتِه، فَحَصَل 231 ذلك في حَقِّ البعْضِ بالقَوْلِ، وفى حَقِّ آخرينَ بالكتابةِ إلى مُلُوكِ الأطْرافِ، ولأَنَّ كتابَ القاضى يَقومُ مَقامَ لَفْظِه في إثْباتِ الدُّيونِ والحُقُوقِ.
فإنْ نَوَى بذلك تَجْوِيدَ خَطِّه، أو تَجْرِبَةَ قَلَمِه، لم يَقَعْ؛ لأنَّه لو نَوَى باللَّفْظِ غيرَ الإِيقاعِ، لم يَقَعْ، فالكَتابةُ أوْلَى.
وإذا ادَّعَى ذلك، دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، ويُقْبَلُ في الحُكْمِ في أصَحِّ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّ ذلك يُقْبَلُ في اللَّفْظِ الصَّرِيحِ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَههُنا مع أنَّه ليس بلَفْظٍ أوْلَى.
وإن قال: نوَيْتُ غَمَّ
الجزء: 22 - الصفحة: 231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أهْلِى.
فقد قال في رِوايَةِ أبى طالبِ، في مَن كتبَ طَلاقَ زَوْجَتِه ونَوَى الطَّلاقَ: وَقَعَ، وإن أرادَ أن يَغُمَّ أهْلَه، فقد عَمِلَ في ذلك أيضًا.
يعنى أنه يُؤاخَذُ به؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «عُفِىَ لأُمَّتِى عَمَّا حَدَّثَتْ بهِ أنْفُسَهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ 232». فظاهِرُ هذا أنَّه أوْقَعَ الطَّلاقَ؛ لأَنَّ غَمَّ أهْلِه يَحْصُلُ بالطَّلاقِ، فيَجْتَمِعُ غَمُّ أهْلِه ووُقُوعُ طَلاقِه، كما لو قال: أنتِ طالقٌ.
يُرِيدُ به غَمَّها.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَقَعَ؛ لأنَّه أرادَ غَمَّ أهْلِه بتَوَهُّمِ الطَّلاقِ دُونَ حقيقتِه، فلا يَكونُ ناوِيًا للطَّلاقِ، والخَبَرُ إنَّما يدُلُّ على مُؤاخَذَتِه بما نَوَاه عندَ العَمَلِ به أو الكلامِ، وهذا لم يَنْوِ طَلاقًا، فلا يُؤاخَذُ به.
الجزء: 22 - الصفحة: 232
وَإن لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَهَلْ يَقَعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
3452 - مسألة: (وإن لم يَنْوِ شَيْئًا)
فقال أبو الخَطَّابِ: قد خَرَّجَها القاضى الشريفُ 233 في «الإِرْشادِ» على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، يقعُ.
وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، والحَكَمِ؛ لما ذَكَرْنا مِن أنَّ الكِتابةَ تقومُ مَقامَ اللَّفْظِ.
والثانيةُ، لا يقعُ إلا بِنيَّةٍ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، ومَنْصوصُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ الكِتابَةَ مُحْتَمِلَة؛ فإنَّه يُقْصَدُ بها تَجْرِبةُ القلمِ، وتَجْويدُ الخَطِّ، وغَمُّ الأهْلِ، فلم يقَعْ مِن غيرِ نِيَّةٍ، ككِناياتِ الطَّلاقِ.
الحديث: 3452 - الجزء: 22 - الصفحة: 233
وَإِنْ كَتَبَهُ بِشَىْءٍ لَا يَبِينُ، لَمْ يَقَعْ.
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: يَقَعُ.
3453 - مسألة: (وإن كَتَبَه بِشئٍ لا يَبِينُ)
مِثْلَ [أن كتبَه] 234 بإصْبَعِهِ عَلَى وِسَادَةٍ، أَوْ في الهَوَاءِ، فَظَاهِرُ كَلامِ أَحمدَ أنَّه لا يَقَعُ (وقال أبو حفصٍ) العُكْبَرِىُّ: (يَقَعُ) ورَواهُ الأَثْرَمُ عن الشَّعْبِىِّ؛ لأنَّه كتبَ حروفَ الطَّلاقِ، فأشْبَهَ ما لو كَتَبَه بشئٍ يَبِينُ.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأَنَّ 235 الكِتابةَ التى 236 لا تَبِينُ كالهمْسِ بالفمِ 237 بما لا يَسْتَبِينُ، وثَمَّ لا يَقَعُ، فههُنا أوْلَى.
الحديث: 3453 - الجزء: 22 - الصفحة: 234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يقَعُ الطَّلاقُ بغيرِ لَفْظٍ إلَّا في مَوْضِعَيْن؛ أحدُهما، إذا كتبَ الطَّلاقَ ونَوَاه، وقد ذَكَرْناه.
الثانى، مَنْ لا يَقْدِرُ على الكلامِ، كالأخْرَسِ إذا طَلَّقَ بالإِشارَةِ، طَلُقَتْ زَوْجَتُه.
وبهذا قال [مالكٌ و] 238 الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خلافَهم؛ لأنَّه لا طريقَ له [إلى الطَّلاقِ] 239 إلَّا بالإِشَارَةِ، فقامَتْ إشارَتُه مَقامَ النُّطْقِ مِن غيرِه فيه، كالنِّكاحِ.
فأمَّا القادِرُ، فلا يَصِحُّ طَلاقُه بالإِشارةِ، كما لا يَصِح نِكاحُه بها.
[فإنْ أشارَ الأخْرَسُ بأصابِعِه الثَّلاثِ، لم يَقَعْ إلَّا واحدةٌ؛ لأَنَّ إشارَتَه لا تَكْفِى] 240.
الجزء: 22 - الصفحة: 235
وَصَرِيحُ الطَّلَاقِ فِى لِسَانِ الْعَجَمِ بِهِشْتَمْ.
فَإِنْ قَالَهُ الْعَرَبِىُّ وَلَا يَفْهَمُهُ، أَوْ نَطَقَ الْعَجَمِىُّ بِلَفْظِ الطَّلَاق وَلَا يَفْهَمُهُ، لَمْ يَقَعْ، وَإِنْ نَوَى مُوجَبَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
3454 - مسألة: (وصَرِيحُ الطَّلاقِ في لِسَانِ العَجَمِ بِهِشْتَمْ)
فإذَا أتَى بها العَجَمِىُّ، وقَعَ الطَّلاقُ منه بغيرِ نِيَّةٍ.
وقال النَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ: هو كنايةٌ، لا تَطْلُقُ به إلَّا بِنِيَّةٍ؛ لأَنَّ معناه خلَّيْتُكِ، وهذه اللَّفْظَةُ كِنايةٌ.
ولَنا، أنَّ هذه اللَّفْظةَ بلِسانِهم موْضوعةٌ للطَّلاقِ، ويَسْتَعْمِلونها فيه، فأشْبَهَ لفْظَ الطَّلاقِ بالعربيَّةِ، ولو لم تكُنْ هذه صريحةً، لم يكُنْ في العَجَمِيَّةِ صريحٌ للطَّلاقِ 241، وهذا بعيدٌ، ولا يَضُرُّ كوْنُها بمعنى خَلَّيْتكُ، فإنَّ معنى طَلَّقْتُكِ خَلَّيْتُك أيضًا، إلَّا أنَّه لمَّا كان موْضوعًا له، يُسْتَعْمَلُ فيه، كان صريحًا، كذا هذه.
ولا خلافَ في أنَّه إذا نَوَى بها الطَّلاقَ، كانت طلاقًا.
كذلك قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحسَنُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفة، وزُفَرُ، والشافعىُّ (فإنْ قالَه العَرَبِىُّ ولا يَفْهَمُه، أو [نطقَ العَجَمِىُّ بلفظِ الطَّلاقِ وِلا يَفْهَمُهُ] 242، لم يَقَعْ) لأنَّه لم يَخْتَرِ الطَّلاقَ؛ لعَدمِ عِلْمِه بمعناه (وإنْ نوَى موجَبَه، فعلَى وَجْهَيْن) أحدُهما، لا يَقَعُ؛
الحديث: 3454 - الجزء: 22 - الصفحة: 236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّه لا يتَحَقَّقُ اخْتِيارُه لما لا يَعْلَمُه، فأشْبَهَ ما لو نَطَقَ بكلمةِ الكُفْرِ مَنْ 243 لا يعْرفُ معناها.
والثانى، يقَعُ؛ لأنَّه أتَى بالطَّلاقِ ناوِيًا مقْتضاهُ، فوَقَعَ، كما لو عَلِمَه.
الجزء: 22 - الصفحة: 237
فَصْلٌ: وَالْكِنَايَاتُ نَوْعَانِ؛ ظَاهِرَةٌ، وَهِىَ سَبْعَةٌ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، وَبَرِيَّةٌ، وَبَائِنٌ، وَبَتَّةٌ، وَبَتْلَةٌ، وَأَنْتِ حُرَّةٌ، وَأَنْتِ الْحَرَجُ.
فصل
: قال الشَّيْخُ، رحمَه اللَّه: (والكِناياتُ نوْعان؛ ظاهرَةٌ، وهى سَبْعة: أنتِ خَلِية، وبَرِيَّةٌ، وبَائِنٌ، وبَتَّةٌ، وبَتْلَةٌ، وأنتِ حُرَّةٌ، وأنتِ الحَرَجُ) أكثْرُ الرواياتِ عن أبى عبدِ اللَّهِ، رَحِمَه اللَّهُ، كَراهِيَةُ الفُتْيا في هذه الكناياتِ، مع مَيْلِه إلى أنَّها ثلاثٌ.
وحَكَى ابنُ أبى موسى في «الإِرْشادِ» عنه رِوَايَتَيْن؛ إحْداهما، أنَّها ثلاثٌ.
والثَّانيةُ، يُرْجَعُ إلى ما نَوَاه اختارَها أبو الخَطَّابِ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ، قال: يُرْجَعُ إلى ما نَوَى، فإنْ لم يَنْوِ شيئًا وقَعَتْ واحدةٌ.
ونحوُه قولُ النَّخَعِىِّ، إلَّا أنَّه قال: يَقَعُ طلقةٌ بائنةٌ؛ لأنَّ لَفْظَه يقْتَضِى البَيْنُونَةَ، ولا يَقْتَضِى عدَدًا.
ورَوَى حَنْبَلٌ عن أحمدَ ما يدُلُّ على هذا؛ فإنَّه قال: يَزِيدُها في مَهْرِها إنْ أرادَ رَجْعَتَها.
ولو وقَعَ ثَلاثًا لم تُبَحْ له رَجْعَتُها، ولو لم تَبِنْ لم يَحْتَجْ
الجزء: 22 - الصفحة: 238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى زِيادةٍ في مَهْرِها.
واحْتَجَّ الشافعىُّ بما روَى أبو داودَ 244 بإسْنادِه، أنَّ رُكَانَةَ بنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرأتَه سُهَيْمَة البَتَّةَ، فأخْبَرَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بذلك، وقال: واللَّهِ ما أردتُ إلَّا واحدةً.
فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «آللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلّا وَاحِدَةً».
فقال رُكَانَةُ: واللَّهِ ما أردْتُ إلَّا واحدةً.
فرَدَّها إليه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فطَلَّقَها الثَّانيةَ في زمنِ عمرَ، والثَّالِثةَ في زمن عثمانَ.
قال علىُّ بنُ محمدٍ الطَّنافِسىُّ 245: ما أشْرفَ هذا الحديثَ.
ولأَنَّ الكناياتِ مع النِّيَّةِ كالصَّريحِ، فلم يَقَعْ به عندَ الإِطْلاقِ أكثرُ مِنِ واحدةٍ، كقوْلِه: أنتِ طالقٌ.
وقال الثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى: إنْ نوَى ثلاثًا، فثلاثٌ، وإن نَوَى اثْنَتَيْن أو واحدةً، وقعتْ وِاحدة، ولا يقعُ اثْنتان؛ لأنَّ الكنايةَ تَقْتَضِى البَيْنُونةَ دونَ العَدَدِ، [والبَيْنُونةُ بَيْنُونَتانِ، صُغْرَى وكُبْرَى، فالصُّغْرَى بالواحدةِ، والكُبْرَى بالثَّلاثِ، ولو أوْقَعْنا اثْنَتَيْن كان مُوجَبُه العَدَدَ] 246،
الجزء: 22 - الصفحة: 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهى لا تقْتَضِيه.
وقال رَبِيعةُ، ومالكٌ: يقَعُ بها الثَّلاثُ وإن لم يَنْوِ، إلَّا في الخُلْعِ 247 أو قبلَ الدُّخولِ، فإنَّها تَطْلُقُ واحدةً؛ لأنَّها تَقتَضِى [البَيْنُونةَ، والبَيْنُونَةُ تَحْصُلُ في الخُلْعِ وقبلَ الدُّخولِ بواحدةٍ، فلم يُزَدْ عليها؛ لأنَّ اللَّفْظَ لا يَقْتَضِى] 248 زيادةً عليها 249، وفى غيرِهما 250 يقَعُ الثَّلاثُ ضرورةَ أنَّ 251 البَيْنُونَةَ لا تحْصُلُ إلَّا بها.
ووَجْهُ أنَّها ثلاثٌ أنَّه قَوْلُ أصحاب رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فرُوِىَ عن علىٍّ، [وابنِ عُمَرَ] 252، وزيدِ بنِ ثابتٍ، أَنَّها ثلاثٌ.
قال أحمدُ في الخَلِيَّةِ والبَرِيَّةِ والبَتَّةِ: قولُ علىٍّ وابنِ عمرَ قولٌ صحيحٌ ثلاثًا.
وقال علىٌّ، والحسنُ، والزُّهْرِىُّ، في البائِنِ:
الجزء: 22 - الصفحة: 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إنَّها ثلاثٌ.
ورَوَى النَّجّادُ بإسْنادِه، عن نافعٍ، أنَّ رجلًا جاءَ إلى عاصمٍ وابنِ الزُّبَيْرِ، فقال: إنَّ ظِئْرِى هذا طلَّقَ امْرأتَه البَتَّةَ قبلَ أن يدخلَ بها، فهل تَجِدان له رُخْصةً؟ فقالا: لا، ولكنَّا تَركْنا ابنَ عباسٍ وأبا هُرَيْرَةَ عندَ عائشة فسَلْهُم، ثم ارْجِعْ إلينا فأخْبِرْنا.
فسألهم، فقال أبو هُرَيْرَةَ: لا تَحِلُّ له حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه.
وقال ابنُ عباسٍ: هى ثلاثٌ.
وذكَرَ عن عائشةَ مُتابَعَتَهما 253. وروَى بإسْنادِه، أنَّ عمرَ جعلَ البَتَّةَ واحدةً، ثم جعلها بعدُ ثلاثَ تَطليقاتٍ.
وهذه أقْوالُ عُلَماءِ الصحابةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالفٌ في عَصْرِهم؛ فكان إجْماعًا.
ولأنَّه طلَّقَ امْرأتَه بلَفْظٍ يَقْتَضِى البَيْنُونةَ، فوَجبَ الحُكْمُ بطَلاقٍ تحْصُلُ به البَيْنُونَةُ، كما لو طلَّقَ ثلاثًا، أو نَوَى الثَّلاثَ، وإفْضاؤُه إلى البَيْنُونَةِ ظاهِرٌ في قوْلِه: أنتِ بائنٌ.
وكذا في قوْلِه: البتَّةَ.
لأَنَّ البَتَّ القَطْعُ، فكأنَّه قطَع النِّكاحَ كلَّه، ولذلك 254 يُعَبَّرُ به عن الطَّلاقِ الثَّلاثِ، كما قالتِ امرأةُ رِفاعةَ: إنَّ رِفاعةَ طَلَّقَنِى فبَتَّ طَلاقِى 255. وبَتْلَةٌ 256 هو مِن القَطْعِ أيضًا؛ ولذلك (2) قيلَ في مَريمَ: البَتُولُ؛ لانْقِطاعِها عن النِّكاحِ.
ونَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن التَّبَتُّلِ 257، وهو
الجزء: 22 - الصفحة: 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الانْقِطاعُ عن النِّكاحِ بالكُلِّيَّةِ.
وكذلك الخَلِيَّةُ والبَرِيَّةُ يَقْتضيانِ الخُلُوَّ مِن النِّكاحِ والبَراءَةَ منه، وإذا كان للَّفْظِ معنًى فاعْتبرَه الشَّرْعُ، إنَّما يَعْتبرُه فيما يَقْتَضِية ويُؤَدِّى مَعْناه، ولا سبيلَ إلى البَيْنونَةِ بدُونِ الثلاثِ، فوَقعتْ ضَرُورةَ الوفاءِ بما يَقْتَضِيه لفْظُه، ولا يُمْكِنُ إيقاعُ واحدةٍ بائِنَةٍ؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على إِيقاعِ ذلك بصَريحِ الطَّلاقِ، فكذلك بكِنايتِه، ولم 258 يُفَرِّقْ بينَ المدخولِ بها وغيرِها؛ لأَنَّ الصحابةَ لم يُفَرِّقوا؛ لأَنَّ كلَّ لفْظةٍ أوْجَبَتِ الثَّلاثَ في المدخولِ بها أوْجَبَتْها في غيرِها، كقولِه: أنت طالقٌ ثلاثًا.
فأمَّا حديث رُكانَةَ، فإنَّ أحمدَ ضَعَّف إسْنادَه، فلذلك تَرَكَه.
وقولُه: أنتِ حُرَّة.
يَقْتَضِى ذَهابَ الرِّقِّ عنها، وخُلوصَها منه، والرِّقُّ ههُنا النِّكاحُ.
وقولُه: أنت الحَرَجُ.
يعنى الحَرَامَ والإِثْمَ، قال اللَّه تعالى: ﴿عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ 259. أى إثْمٌ، وأصْلُه الضِّيقُ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ 260. فكأنَّه حَرَّمَها وأثَّمَ
الجزء: 22 - الصفحة: 242
وَالْخَفِيَّةُ نَحْوُ: اخْرُجِى، وَاذْهَبِى، وَذُوقِى، وَتَجَرَّعِى، وَخَلَّيْتُكِ، وَأَنْتِ مُخَلَّاةٌ، وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ، وَلَسْتِ لِى بِامْرَأَةٍ، وَاعْتَدِّى، وَاسْتَبْرِى، وَاعْتَزِلِى، وَمَا أَشْبَهَهُ.
نفسَه في إمساكِها، فصارَ في ضِيقٍ مِن أمْرِها، وإنَّما تكونُ بالبَيْنونَةِ على ما مَرَّ.
[والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يقعُ ما نَواه.
اختَاره أبو الخَطَّابِ؛ لحديثِ رُكَانَةَ.
فإِنْ لم يَنْوِ عَددًا، وقعَ واحدةٌ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
وروى عنه حَنْبَلٌ أنَّه يقعُ بها واحدةٌ بائنةٌ.
وقد ذكرناه] (1).
3455 -
مسألة: (والخَفِيَّةُ نَحْوُ: اخْرُجِى، واذْهَبِى، وذُوقِى، وتَجَرَّعِى، وخَلَّيْتُكِ، وأنْتِ مُخَلَّاةٌ، وأنْتِ وَاحِدَةٌ، ولستِ لى بامْرَأةٍ، واعْتَدِّى، واسْتَبْرِى، ومَا أشْبَهَهُ)
واخْتارِى، ووَهَبْتُكِ لأهْلِكِ، فَهَذِهِ ثَلاثٌ إنْ نَوَى ثَلاثًا، واثْنَتَانِ إنْ نَوَاهُمَا، وَوَاحِدَة إنْ نَوَاهَا أو أطْلَقَ.261
الحديث: 3455 - الجزء: 22 - الصفحة: 243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قال أحمدُ:] 262 ما ظهرَ [مِن الطلاقِ فهو على ما ظَهَر] 263 وما عَنَى به الطَّلاقَ، فهو على ما عَنَى مثلَ: حَبْلُكِ على غارِبِكِ.
[إذا نَوَى واحدةً أو اثْنَتَيْن أو ثلاثًا، فهو على ما نَوَى.
وقد ذكَرَ الخِرَقِىُّ 264 قولَه: حَبْلُكِ على غارِبكِ] 265. في الكِناياتِ الظَّاهرةِ.
وإن فال: أنتِ واحدةٌ.
فهى كنايةٌ خَفِيَّةٌ، لكنَّه لا يَقَعُ بها إلَّا واحدةٌ وإن نوَى ثلاثًا.
ذكَره شيخُنا 266؛ لأنَّها لا تَحْتَمِلُ أكثرَ منها.
وإن قال: أغْناكِ اللَّهُ.
فهو كنايةٌ خَفِيَّةٌ، لأنَّه يَحْتَمِلُ: أغْناكِ اللَّهُ بالطَّلاقِ.
قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ 267. وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ في الكناياتِ: لا يقَعُ اثْنتانِ وإنْ نَوَاهما، وتقَعُ واحدةٌ.
وقد ذكَرْناه.
الجزء: 22 - الصفحة: 244
وَاخْتُلِفَ فِى قَوْلِهِ: الْحَقِى بِأَهْلِكِ، وَ: حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، وَ: تَزَوَّجِى مَنْ شِئْتِ، وَ: حَلَلْتِ لِلْأَزْوَاجِ، وَ: لَا سَبِيلَ لِى عَلَيْكِ، وَ: لَا سُلْطَانَ لِى عَلَيْكِ.
هَلْ هِىَ ظَاهِرَةٌ أَوْ خَفِيَّةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ.
3456 - مسألة: (واخْتُلِفَ في قولِه: الْحَقِى بأهْلِكِ، و: حَبْلَكِ عَلَى غَارِبِكِ، و: تَزَوَّجِى مَنْ شِئْتِ، و: حَلَلْتِ للأزْواجِ، و: لا سَبِيلَ لى علَيْكِ، و: لا سُلْطَان لِى [عليكِ)
و: أنْتِ عَلَىَّ حَرَامٌ، و: أنْتِ عَلَىَّ حَرَجٌ (هَلْ هِىَ ظَاهِرَة أو خَفِيَّةٌ؟) و: غَطِّى شَعَرَكِ، و: قَدْ أعْتَقْتُكِ.
فَهذِه عَنْ أحمدَ فيها رِوَايَتَانِ إحْداهما، أنَّها ثلاثٌ.
والأُخْرَى، تَرْجِعُ إلى ما نَوَاه، وإن لم يَنْوِ شيئًا، فواحدةٌ، كسائِرِ الكِناياتِ الخَفِيَّةِ.
وقد قاسُوا على هذه: اسْتَبْرِئِى رَحِمَك، و: تَقَنَّعِى] 268.
الحديث: 3456 - الجزء: 22 - الصفحة: 245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[فهذه في] 269 معْنى المذكورةِ، فيكونُ حُكْمُها حُكْمَها.
والصَّحيحُ في: الْحَقِى بأهْلِكِ.
أنَّها واحدةٌ، ولا تكونُ ثلاثًا إلَّا بنِيَّةٍ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لابْنِةِ الجَوْنِ: «الْحَقِى بأهْلِكِ».
مُتَّفَقٌ عليه 270. ولم يَكُنِ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ليُطَلِّقَ ثلاثًا وقد نَهَى عنه أُمَتَّهَ.
قال الأَثْرَمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: إنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لابْنةِ الجَوْنِ: «الْحَقِى بأهْلِكِ».
ولم يكنْ طلاقًا غير هذا، ولم يَكُنِ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ليطَلِّقَ ثلاثًا، فَيكونَ غيرَ طلاقِ السُّنَّةِ.
قال: لا أدْرِى.
وكذلك قولُه: اسْتَبْرِئى رَحِمَك.
[لا يَخْتَصُّ الثَّلاثَ] 271؛ فإِنَّ ذلك يكونُ مِنَ الواحدةِ، كما يكونُ مِن الثَّلاثِ.
وقد روَى هُشَيمٌ 272، أنا الأعْمشُ، عن المِنْهَالِ بنِ عمرٍو 273، أنَّ نُعَيمَ بنَ دَجَاجَةَ الأسَدِىَّ طلَّقَ
الجزء: 22 - الصفحة: 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[امرأتَه تطليقَتَيْن، ثم قال: هى علىَّ حَرَجٌ.
فكتبَ في ذلك إلى عمرَ بنِ الخَطَّابِ، فقال: أمَا إنَّها ليستْ بأهْونِهِنَّ 274. فأمَّا سائرُ اللَّفَظاتِ، فإن قُلْنا: هى ظاهرةٌ.
فإنَّ مَعْناها معْنى الظَّاهرةِ، فإنَّ قولَه: لا سبيلَ لى عليكِ، ولا سُلْطانَ لى] 275 عليك.
إنَّما يكونُ في المَبْتُوتَةِ، أمَّا الرَّجْعِيَّة فله عليها سبيلٌ وسُلْطانٌ.
وقولُه: أعْتَقْتُكِ.
يَقْتَضِى ذَهابَ الرِّقِّ عنها، والرِّقُّ ههُنا النِّكاحُ.
وقولُه: أنتِ علىَّ حَرَامٌ.
يَقْتَضِى بَيْنُونَتَها منه؛ لأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ غيرُ مُحرَّمةٍ.
وكذلك قولُه: حَلَلْت للأزْواجِ؛ لأنَّكِ بِنْتِ مِنِّى.
وكذلك سائِرُها.
وإن قُلْنا: هى واحدة.
فلأنَّها محْتمِلةٌ، فإنَّ قولَه: حَلَلْتِ للأزْواجِ.
أى بعدَ انْقضاءِ عِدَّتِك؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ حِلُّها قبلَ ذلك، والواحدَةُ تُحِلُّها.
وكذلك: انْكِحى مَن شِئْتِ.
وكذلك سائرُ الألْفاظِ، يتَحَقَّقُ معْناها بعدَ انْقِضاء عِدَّتِها.
وذكَرَ بعضُ أصحابِنا: اعْتَدِّى.
في المخْتَلَفِ فيه.
والصَّحيحُ أَنَّها مِن الخَفِيَّةِ؛ لِما روَى أبو هريرةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لسَوْدَةَ: «اعْتَدِّى».
مُتَّفَقٌ عليه 276.
الجزء: 22 - الصفحة: 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ بائنٌ -أو- 277 البَتَّةَ.
ففيه مِن الخلافِ ما ذكَرْنا في الكِناياتِ الظَّاهرةِ، [إلَّا أنَّه] 278 لا يحْتاجُ إلى نِيَّةٍ؛ لأنَّه وصَفَ بها الطَّلاقَ الصَّريحَ.
فإن قال: أنتِ طالقٌ لا رَجْعَةَ لى عليك.
وهى مَدْخولٌ بها، فقال أحمدُ: إذا قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ لا رجْعةَ فيها، ولا مَثْنَوِيَّةَ 279. هذه مثلُ الخَلِيَّةِ والبَرِيَّةِ ثلاثًا، هكذا هو عندِى.
وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ.
وإن قال: ولا رجْعةَ لى فيها.
بالواوِ، فكذلك.
وقال
الجزء: 22 - الصفحة: 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أصحابُ أبى حنيفةَ: تكونُ رجْعِيَّةً؛ لأنَّه لم يَصِفِ الطَّلْقَةَ بذلك، وإنَّما عطَفَ عليها.
ولَنا، أنَّ الصِّفَةَ تَصِحُّ مع العطفِ، كما لو قال: بِعْتُك بعشرةٍ وهى مَغْرِبِيَّةٌ.
صحَّ 280، وكان صِفةً للثَّمَنِ.
قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ 281. وإن قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بائنًا -أو- واحدةً بَتَّةً.
ففيها ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُن، أنَّها واحدةٌ رَجْعيَّةٌ، ويلغو ما بعدَها.
قال أحمدُ: لا أعْرِفُ شيئًا مُتَقَدِّمًا أنَّ بواحدةٍ تكونُ بائنًا.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه وصَفَ الطَّلْقةَ بما لا تتَّصِفُ به، فَلَغَتِ الصِّفَةُ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً لا تقعُ عليك.
والثانيةُ، هى ثلاثٌ.
قالَه أبو بكرٍ، وقال: هو قولُ أحمدَ؛ لأنَّه أتَى بما يَقْتَضِى الثَّلاثَ، فوقعَ، ولَغَا قولُه 282: واحدةً: كما لو (1) قال: أنتِ طالقٌ واحدةً ثلاثًا.
والثَّالثةُ، روَاها حَنْبَلٌ عن أحمدَ، إذا طَلَّقَ امْرأتَه واحدةً (1) البَتَّةَ، فإنَّ أمْرَها بيَدِها، يَزِيدُها في مَهْرِها إن أرادَ رَجْعَتَها.
فهذا يدُلُّ على أنه أوْقعَ بها واحدةً بائنًا؛ لأنَّه جَعَلَ أمْرَها بيَدِها، ولو كانت رَجْعِيَّةً 283 لَما جَعَلَ أمْرَها بيَدِها، ولو
الجزء: 22 - الصفحة: 249
وَمِنْ شَرْطِ وُقُوع، الطَّلَاقِ أَنْ يَنْوِىَ بِهَا الطَّلَاقَ،
وقعَ ثلاثٌ لَما حَلَّتْ له رَجْعتُها.
قال أبو الخَطَّابِ: هذه الرِّوايةُ تُخَرَّجُ في جميعِ الكِناياتِ الظَّاهرةِ، فيكونُ مثلَ قولِ إبراهيمَ النَّخَعِىِّ.
وَوجْهُه أنَّه أوْقَعَ الطَّلاقَ بصفَةِ البَيْنُونَةِ، فوَقَعَ على ما أوْقَعَه، ولم يَزِدْ على واحدةٍ؛ لأَنَّ لفْظَه لم يَقْتَضِ عَددًا، فلم يَقَعْ أكثرُ مِن واحدةٍ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ.
وحملَ القاضى رِوايةَ حَنْبَلٍ على أنَّ ذلك بعدَ انْقضاءِ العِدَّةِ.
3457 -
مسألة: (ومِنْ شَرْطِ وُقُوعِ الطَّلاقِ)
بها (أن يَنْوِىَ بها الطَّلاقَ) يَعْنِى مِن شَرْطِ وُقوعِ الطَّلاقِ بالكِنايةِ النِّيَّةُ للطَّلاقِ؛ لأنَّها كنايةٌ، فلا يقَعُ بها طَلاقٌ بدونِ النِّيَّةِ، كالكِنايةِ الخَفِيَّةِ.
وإن لم يَنْوِ شيئًا، ولا دَلَّتْ عليه قَرِينةٌ، لم يَقَعْ؛ لأنَّه ظاهِر في غيرِ الطَّلاقِ، فلم يُصْرَفْ إليه عندَ الإِطْلاقِ، كما لا يَنْصَرِفُ الصَّريحُ إلى غيرِه.
وإن نَوَى بها الطَّلاقَ، وقَعَ.
وذكَرَ القاضى أنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ والخِرَقِىِّ، أنَّ الطَّلاقَ يقعُ بالكِناياتِ الظَّاهرةِ مِن غيرِ نِيَّةٍ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّه اشْتَهَر اسْتِعْمالُها فيه، فلم تحْتَجْ إلى نِيَّةٍ، كالصَّريحِ.
ومَفْهومُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّهْ لا يقَعُ
الحديث: 3457 - الجزء: 22 - الصفحة: 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلَّا بنِيَّةٍ؛ [لقوْلِه 284: وإذا أتى بصريحِ الطَّلاقِ، وقعَ، نَواه أو لم يَنْوِه.
فمفهومُه أنَّ غيرَ الصَّريحِ لا يَقعُ إلَّا بنيَّةٍ] 285، لأنَّه كنايةٌ، فأشْبَهَ سائِرَ الكِناياتِ.
فصل: إذا ثَبَتَ اعْتِبارُ النِّيَّةِ، فإنَّها تُعْتبرُ [مُقارِنةً للفظهِ] 286، فإن وُجِدَتْ في ابْتدائِه، وعزَبتْ عنه في سائِرِه، وقَعَ الطَّلاقُ.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ: لا يقَعُ، فلو قال: أنتِ بائنٌ.
يَنْوِى الطَّلاقَ، وعزَبتْ عنه 287 حينَ قال: أنت بائِنٌ.
لم يَقَعْ، لأَنَّ القَدْرَ الذى صاحَبَتْه النِّيَّةُ لا يقَعُ به شئٌ.
ولَنا، أنَّ ما يُعْتَبَرُ له النِّيَّةُ يُكْتَفَى فيه بوُجودِها فىِ أوَّلِه، كالصلاةِ وسائرِ العباداتِ.
فأمَّا إنْ تلَفَّظَ بالكنايةِ غيرَ ناوٍ، ثم نوَى بها بعدَ ذلك، لم يَقَعْ بها الطَّلاقُ، كما لو نَوَى الطَّهارةَ بالغُسْلِ بعدَ فَراغِه منه.
الجزء: 22 - الصفحة: 251
إِلَّا أَنْ يَأتِىَ بِهَا فِى حَالِ الْخُصُومَةِ وَالْغَضَبِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
3458 - مسألة: (إلَّا أَنْ يَأتِىَ بِهَا فِى حالِ الخُصُومَةِ والغَضَبِ، فَعَلى رِوَايَتَيْن)
ذكَرَهما أبو بكرٍ، والقاضى، وأبو الخَطَّابِ؛ إحْداهما، يَقَعُ الطَّلاقُ.
ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
قال في روايةِ المَيْمُونِىِّ: إذا قال لزَوْجَتِه: أنتِ حُرَّةٌ لوَجْهِ اللَّهِ.
في الغَضبِ، فأخْشَى أن يكونَ طَلاقًا.
والرِّوايةُ الأُخْرَى، ليس بطَلاقٍ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ يقولُ في: اعتَدِّى، واخْتارِى، وأمْرُك بيَدِك.
كقَوْلِنا في الوُقوعِ.
واحْتَجَّا بأنَّ هذا ليس بصَريحٍ في الطَّلاقِ، ولم يَنوِه، فلم يَقَعْ به الطَّلاق، كحالِ الرِّضَا، ولأَنَّ مُقْتَضَى اللَّفْظِ لا يتَغَيَّرُ بالرِّضا والغَضبِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ ما كان مِن الكِناياتِ لا يُسْتَعْمَلُ في غيرِ الفُرْقةِ إلَّا نادِرًا، نحوَ قولِه: أنتِ حُرَّةٌ لوَجْهِ اللَّهِ.
و: اعْتَدِّى.
و: اسْتَبْرِئِى رَحِمَكِ.
و: حَبْلُكِ
الحديث: 3458 - الجزء: 22 - الصفحة: 252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على غارِبِكِ.
و: أنتِ بائنٌ.
وأشباهُ ذلك، أنَّه يقَعُ في حالِ الغَضبِ وجوابِ سؤالِ الطَّلاقِ مِن غيرِ نيَّةٍ، وما كَثُرَ [اسْتِعْمالُه لغيرِ ذلك، نحوَ: اخْرُجى.
و: اذْهَبِى.
و: رُوحِى.
و 288: تَقَنَّعِى.
لا يقَعُ الطَّلاق به إلَّا بنِيَّةٍ.
ومذهبُ أبى حنيفةَ قريبٌ مِن هذا.
وكلامُ الخِرَقِىِّ إنَّما ورَدَ في قولِه: أنتِ حُرَّةٌ.
وهو ممَّا لا يَسْتَعْمِلُه الإِنْسانُ في حَقِّ زَوْجَتِه غالبًا إلَّا كِنايةً عن الطَّلاقِ، ولا يَلْزَمُ مِن الاكتِفاءِ بذلك 289 بمُجَرَّدِ الغضَبِ وُقوعُ غيرِه مِن غيرِ نِيَّةٍ، لأَنَّ ما كثُرَ] 290 اسْتِعْمالُه يُوجَدُ كثيرًا غيرَ مُرادٍ به الطَّلاقُ في حال الرِّضا، فكذلك في حالِ الغَضبِ، إذْ لا حَجْرَ عليه في اسْتِعْمالِه والتَّكَلُّمِ [به، بخِلافِ] 291 ما لم تَجْرِ العَادةُ بذِكْرِه، فإنَّه لمَّا قَلَّ اسْتعمالُه في غيرِ الطَّلاقِ، كان مُجَرَّدُ ذِكْرِه يُظَنُّ منه إرادةُ الطَّلاقِ،
الجزء: 22 - الصفحة: 253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإذا انْضَمَّ إلى ذلك مَجِيئُه عَقِيبَ سُؤالِ الطَّلاقِ أو في حالِ الغَضبِ، قَوِىَ الظَّنُّ، فصارَ ظَنًّا غالبًا.
ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُخْرَى، أن دَلالةَ الحالِ تُغَيِّرُ حُكْمَ الأقْوالِ والأفْعالِ؛ فإنَّ مَنْ قالَ لرجلٍ: يا عفيفُ ابن العفيفِ.
حالَ تَعْظِيمِه كان مَدْحًا له، وإنْ قالَه في حالِ شَتْمِه [وتَنَقُّصِه] 292 كان قذْفًا وذَما.
ولو قال: إنَّه لا يَغْدِرُ بذِمَّةٍ، ولا يَظْلِمُ حَبَّةَ خَرْدَلٍ، وما أحدٌ أوْفى ذِمَّةً منه.
في حالِ المدْحِ كان مَدْحًا بَلِيغًا، كما قال حسَّانُ 293:
فما حَمَلَتْ مِن ناقَةٍ فَوْقَ رَحْلِها … أبَرَّ وأَوْفَى ذِمَّةً مِن مُحَمَّدِ
ولو قالَه في حالِ الذَّمِّ كان هجْوًا قَبِيحًا، كقولِ النَّجَاشِىِّ 294:
قُبَيِّلَةٌ 295 لا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ … ولا يَظِلمونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ
وقال آخرُ 296:
كأنَّ رَبِّىَ لم يَخْلُقْ لخَشْيَتِه … سِواهُمُ مِن جَميعِ النَّاسِ إنْسانًا
وهذا في هذا الموضعِ هجاءٌ قَبِيحٌ وذمٌّ، حتى حُكِىَ عن حسَّانَ أنَّه قال:
الجزء: 22 - الصفحة: 254
وَإِنْ جَاءَتْ جَوَابًا لِسُؤَالِهَا الطَّلاقَ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَقَعُ بِهَا الطَّلاقُ.
وَالأَوْلَى فِى الأَلفَاظِ الَّتِى يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُهَا لِغَيْرِ الطَّلاقِ، نَحْوَ: اخْرُجِى، وَاذْهَبِى، وَرُوحِى، أنَّهُ لَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ حَتَّى يَنْوِيَهُ.
ما أراه إلَّا قد سَلَحَ (1) عليهم.
ولولا القَرينةُ ودَلالةُ الحالِ كان مِن أحسن المدْحِ وأبلَغِه.
وفى الأفْعالِ لو أنَّ رجلًا قصدَ رجلًا بسيفٍ، والحالُ تَدُلُّ على المَزْحِ واللَّعِبِ، لم يَجُزْ قَتْلُه، ولو دلَّتِ الحالُ على الجِدِّ، جازَ دَفْعُه بالقَتْلِ.
والغضبُ ههُنا [يَدُلُّ على قَصْدِ] (2) الطَّلاقِ، فيقومُ مَقامَه.
3459 -
مسألة: (وإنْ جَاءَتْ جَوَابًا لسُؤالِهَا الطَّلاقَ، فَقَالَ أصحَابُنا: يَقَعُ بِهَا الطَّلاقُ)
لدَلالةِ الحالِ عليه، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ فيما إذا أتَى بها في حالِ الغَضبِ، على ما فيه مِن الخلافِ والتَّفْصيلِ.
والوَجْهُ لذلك ما تَقَدَّمَ مِن التَّوْجيهِ.
قال شيخُنا: (والأَوْلَى في الألْفاظِ التى يَكْثُرُ اسْتعمالُها لغيرِ الطَّلاقِ، نحوَ: اخْرُجِى، و: اذْهَبِى، و: رُوحِى، أنَّه لا يقَعُ بها طلاقٌ حتى يَنْوِيَه) بخلافِ ما لا يُسْتَعْمَلُ في غيرِ الطَّلاقِ إلَّا نادِرًا.
وقد ذكَرْنا في المسألةِ التى قبلَها دَليلَ ذلك.297298
الحديث: 3459 - الجزء: 22 - الصفحة: 255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإنِ ادَّعَى أنَّه لم يَنْوِ، فالمنْصوصُ عن أحمدَ ههُنا، أنَّه لا يُصَدَّقُ في عَدمِ النِّيَّةِ.
قال في روايةِ أبى 299 الحارثِ: إذا قال: لم أنْوِه.
صُدِّقَ في ذلك إذا لم تَكُنْ سأَلَتْه الطَّلاقَ، وإن كان بينَهما غَضبٌ، قُبلَ ذلك.
ففَرَّقَ بينَ كونِه جوابًا للسُّؤالِ وكَوْنِه في حالِ الغَضبِ؛ وذلك لأَنَّ الجوابَ يَنْصَرِفُ إلى السُّؤالِ، فلو قال: لى عندَك دينارٌ؟ قال: نعم.
أو: صدَقْتَ.
كان إقْرارًا به، ولم يُقْبَلْ منه (1) تَفْسيرُه بغيرِ الإقْرارِ.
ولو قال: زَوَّجْتُك ابْنَتِى.
أو: بعْتُك ثَوْبِى هذا.
قال: قَبِلْتُ.
كَفَى هذا، ولم يحْتَج إلى زيادَةٍ عليه.
ولو أرادَ بالكِنايةِ حالَ الغَضبِ أو سُؤالِ الطَّلاقِ غيرَ الطَّلاقِ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّه لو أرادَه بالصَّريحِ لم يقَعْ، فالكنايةُ أوْلَى.
وإذا ادَّعَى ذلك دُيِّنَ.
وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ ظاهرُ كلامِ أحمدَ في رِوايةِ أبى (1) الحارثِ، أنَّه يُصَدَّقُ إن كان في حالِ 300 الغَضبَ ولا يُصَدَّقُ إن كان جوابًا لسُؤالِ الطَّلاقِ.
ونُقِلَ عنه في موضِعٍ آخَرَ أنَّه قال: [إذا قال] 301: أنتِ خَلِيَّةٌ.
أو: بَرِيَّةٌ.
أو: بائنٌ.
ولم يَكُنْ بينَهما ذِكْرُ طَلاقٍ ولا غضبٌ، صُدِّقَ.
فمَفْهومُه أنَّه لا يُصَدَّقُ مع
الجزء: 22 - الصفحة: 256
وَمَتَى نَوَى بِالْكِنَايَةِ الطَّلاقَ، وَقَعَ بِالظَّاهِرَةِ ثَلَاثٌ وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً.
وُجودِهما.
وحُكِىَ هذا عن أبى حنيفةَ، إلَّا في الأربعةِ المذْكورةِ.
والصَّحيحُ أنَّه يُصَدَّقُ؛ لِما روَى سعيدٌ (1) بإِسْنادِه، أنَّ رجلًا خطَبَ إلى قومٍ فقالوا: لا نُزَوِّجُكَ حتى تُطَلِّقَ امرأتَك.
فقال: قد طَلَّقْت ثلاثًا.
فزَوَّجُوه (2)، ثم أمْسَك امرأتَه، فقالوا: ألم تَقُلْ إنَّكَ طَلَّقْتَ ثلاثًا؟ قال: ألم تعْلموا أنِّى تَزَوَّجْتُ فلانةَ وطَلَّقْتُها، ثم تَزَوَّجتُ فلانةَ ثم طَلَّقْتُها، ثم تَزَوَّجتُ فلانةَ وطَلَّقْتُها.
فسُئِلَ عثمانُ عن ذلك، فقال: له نِيَّتُه.
ولأنَّه أمْرٌ تُعْتَبَرُ نِيَّتُه فيه، فقُبِلَ قولُه فيما يَحْتَمِلُه، كما لو كرَّر لفظًا، قال: أرَدْتُ التَّوْكيدَ.
واللَّهُ أعلمُ.
3460 -
مسألة: (ومَتَى نَوَى بالكِنايَةِ الطَّلاقَ، وَقَعَ بالظَّاهِرَةِ ثلاثٌ وإنْ نَوَى وَاحِدَةً)
هذا ظاهرُ المذهبِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن إجْماعِ302303
الحديث: 3460 - الجزء: 22 - الصفحة: 257
وَعَنْهُ، يَقَعُ مَا نَوَاهُ.
وَعَنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَقَعُ بِهَا وَاحِدَةً بَائِنَةً.
الصَّحابةِ (وعنه، يقعُ ما نَوَاهُ) وهو مذهبُ الشافعىِّ، كالكِناياتِ الخَفِيَّةِ، ولحديث رُكانةَ 304 (وعنه، تَقَعُ واحدةً بائنةً) وهى رِوايةُ
الجزء: 22 - الصفحة: 258
وَيَقَعُ بِالْخَفِيَّةِ مَا نَوَاهُ.
فَإِنْ لَمْ يَنْوِ عَدَدًا، وَقَعَ وَاحِدَةً.
حَنْبَلٍ؛ لِما ذَكَرنا مِن قبلُ (ويقَعُ بالخَفِيَّةِ ما نَوَاهُ) لأنَّه مُحْتَمِلٌ له 305. وهو قولُ الشافعىِّ.
إلَّا إذا قال: أنتِ واحدةٌ.
فإنَّه لا يقعُ بها إلَّا واحدةً وإن نَوَى ثلاثًا؛ لأنَّها لا تَحْتَمِل غيرَ الواحدةِ.
ذكَرَه شيخُنا.
الجزء: 22 - الصفحة: 259
وَأَمَّا مَا لَا يَدُلُّ عَلَى الطَّلَاقِ، نَحْوَ: كُلِى، وَ: اشْرَبِى، وَ: اقْعُدِى، وَ: اقْرُبِى، وَ: بَارَكَ اللَّه عَلَيْكِ، وَ: أَنْتِ مَلِيحَةٌ، أَوْ: قَبِيحَة، فَلَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ وَإِنْ نَوَى.
فصل: والطَّلاقُ الواقعُ بالكِناياتِ رَجْعِىٌّ، ما لم يَقَعْ به الثَّلاثُ، في ظاهِرِ المذهبِ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: كلُّها بَوائنُ، إلَّا: اعْتَدِّى، و: اسْتَبْرئِى رَحِمَك، و: أنتِ واحدةٌ؛ لأنَّها تَقْتَضِى البَيْنُونةَ، فتَقَعُ، كقولِه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا.
ولَنا، أنَّه طَلاقٌ صادفَ مَدْخولًا بها، مِن غيرِ عِوَضٍ ولا اسْتِيفاءِ عَدَدٍ، فوَجَبَ أَنْ يكونَ رَجْعِيًّا، كصَريحِ الطَّلاقِ وما سَلَّمُوه من الكِناياتِ.
وقولُهم: إنَّها تَقْتَضى البَيْنُونَةَ.
قُلْنا: فيَنْبَغِى أن تَبِينَ بثلاثٍ؛ لأَنَّ المدْخولَ بها لا تبِينُ إلَّا بعِوَضٍ أو ثلاثٍ.
3461 -
مسألة: (وَأمَّا مَا لا يَدُلُّ عَلَى الطَّلاقِ، نَحْوَ: كُلِى، و: اشْرَبِى، و: اقْعُدِى، و: اقْرُبِى، و: بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكِ، و: أنْتِ مَلِيحةٌ، أَوْ: قَبِيحَةٌ)
وقُومِى، و: أطْعِمِينِى، و: اسْقِينِى، و: غَفَرَ اللَّهُ لَكِ، و: ما أحْسنَكِ.
وأشْبَاهُ ذلِكَ، فليسَ بِكِنَايَةٍ، وَلَا تَطْلُقُ به (وإنْ نَوَى) لأَنَّ اللَّفْظَ لا يَحْتَمِلُ الطَّلاقَ، فلو
الحديث: 3461 - الجزء: 22 - الصفحة: 260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقعَ به الطَّلاقُ وقعَ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وقد ذَكَرْنا أنَّه لا يَقَعُ بها.
وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ.
واخْتَلَفَ أصحابُ الشافعىِّ في قولِه: كُلِى، و: اشْرَبِى.
فقال بعْضُهم كقَوْلِنا، وقال بعضُهم: هو كناية؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ: كُلِى ألَمَ الطَّلاقِ، و: اشْرَبى كَأسَ الفِراقِ.
فوقَع، كقَوْلِه: ذُوقِى 306، و: تَجَرَّعِى.
ولَنا، أنَّ هذا اللَّفْظَ لا يستَعْمَلُ بمفْرَدِه إلَّا فيما لا ضَرَرَ فيه، كنحْوِ قولِه تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ 307. وقال: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ 308. فلم يَكُنْ كنايةً، كقولِه: أطْعِمِينى.
وفارَقَ: ذُوقِى، و: تَجرَّعِى.
فإنَّه يُسْتَعْمَلُ في المَكارِهِ؛ كقَوْلِه 309 سبحانه: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ 310. وَ ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ 311. و: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ 312. وكذلك التَّجَرُّعُ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ 313. فلم يَصِحَّ أن يلحَقَ بهما ما ليس مثْلَهما.
الجزء: 22 - الصفحة: 261
وَكَذَا قَوْلُهُ: أَنَا طَالِقٌ.
فَإِنْ قَالَ: أنَا مِنْكِ طَالِقٌ.
فَكَذَلِكَ.
وَيَحْتَمِل أنَّهُ كِنَايَةٌ.
3462 - مسألة: (وكذلِك قَوْلُه: أنا طالِقٌ)
لأَنَّ الزَّوْجَ ليس مَحَلًّا للطَّلاقِ (وإن قال: أنا منكِ طَالِقٌ) لم تَطْلُقْ زَوْجَتُه.
نَصَّ عليه في رِوايةِ الأَثْرَمِ، في رجل جَعَلَ أمَرَ امْرأتِه بيَدِها، فقالت: أنتَ طالقٌ.
لم تَطْلُقْ.
وهو قولُ ابنِ عباسٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ 314، وأصحابِ الرَّأْى، وابنِ المُنْذِرِ.
ورُوِىَ ذلك عن عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه (ويَحْتَمِلُ أنَّه كنايةٌ) تَطْلُقُ 315 به إذا نَوَى.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
ورُوِىَ نحوُ ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وعَطاءٍ، [والنَّخَعِىِّ] 316، والقاسِمِ، وإسْحاقَ؛ لأَنَّ الطَّلاقَ إزالَةُ النِّكاحِ، وهو مُشتَرَكٌ بينَهما، فإذا صَحَّ في أحَدِهما صَحَّ في الآخَرِ.
ولا خِلافَ في أنَّه لا يَقَعُ به الطَّلاقُ مِن غيرِ نِيَّةٍ.
ولَنا، أنَّه مَحَلٌّ لا يَقَعُ الطَّلاقُ إذا أضافَه إليه مِن غيرِ نِيَّةٍ، فلم يَقَعْ وإنْ نَوَى، كالأجْنَبِىِّ، ولأنَّه لو قال: أنا طالقٌ.
ولم يَقُلْ: منكِ.
لم يقَعْ،
الحديث: 3462 - الجزء: 22 - الصفحة: 262
وَإِنْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ بَائِنٌ.
أَوْ: حَرَامٌ.
فَهَلْ هُوَ كِنَايَةٌ، أَوْ لَا؟ عَلى وَجْهَيْنِ.
ولو كان مَحَلًّا للطَّلاقِ لوَقَعَ بذلك، كالمرأةِ، ولأَنَّ الرَّجلَ مالكٌ في النِّكاحِ، والمرأةَ مَمْلُوكةٌ، فلم تَقَعْ إِزالةُ المِلْكِ بالإِضافةِ إلى المالِكِ، كالعِتْقِ، ويَدُلُّ على هذا أنَّ الرَّجلَ لا يُوصَف بأنَّه مُطلَّقٌ، بخِلافِ المرأةِ.
وجاء رجلٌ إلى ابنِ عباسٍ فقال: ملَّكْتُ امْرأتِى أمْرَها، فطَلَّقَتْنِى ثلاثًا.
فقال ابنُ عباسٍ: خَطَّأَ اللَّهُ نَوْأَهَا (1)، إنَّ الطَّلاقَ لك وليس لها عليك.
روَاه أبو عُبَيْدٍ (2)، والأَثْرَمُ.
واحْتَجَّ به أحمدُ.
3463 -
مسألة: (وإن قال: أنا مِنْكِ بائنٌ. أو: حَرَامٌ. فهل هو كِنَايَةٌ أَوْ لا؟ على وَجْهَيْن)
إذا قال: أنا منكِ بائنٌ.
أو: بَرِئٌ.
فقد تَوَقَّفَ أحمدُ عنها.
وقال أبو عبدِ 319 اللَّهِ ابنُ حامدٍ: يَتَخَرَّجُ 320 على وَجْهَيْن؛ أحدُهما، لا يَقَعُ؛ لأَنَّ الرَّجُلَ مَحَلٌّ لا يَقَعُ317318
الحديث: 3463 - الجزء: 22 - الصفحة: 263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الطَّلاقُ بإضافةِ صريحِه إليه، فلم يَقَعْ بإضافةِ كنايتِه إليه، كالأجْنَبِىِّ.
والثَّانى، يَقَعُ؛ لأَنَّ لفظَ البَيْنُونةِ والبراءةٍ والتَّحْريمِ يُوصَفُ به كُل واحدٍ مِن الزَّوْجَيْن، يُقال: بانَ منها، وبانتْ منه [وبَرِئَ منها، وبَرِئَتْ منه] 321، وحَرُمَ عليها، وحَرُمَتْ عليه.
وكذلك لَفْظُ الفُرْقَةِ يُضافُ إليهما، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ 322. وقال تعالى: ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ 323. ويُقالُ: فارَقَتْه المرأةُ وفارَقَها.
ولا يُقالُ: طَلَّقَتْه ولا سَرَّحَتْه، ولا تَطَلَّقَا ولا تَسَرَّحا.
فإن قال: أنا بائنٌ.
ولم يقُلْ: منكِ.
فذكر القاضى فيما إذا قال لها: أمرُكِ بيَدِك.
الجزء: 22 - الصفحة: 264
فَإنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَىَّ كَظَهْرِ أُمِّى.
يَنْوِى بهِ الطَّلاقَ، لَمْ يَقَعْ، وَكَانَ ظِهَارًا.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَىَّ حَرَامٌ.
أَوْ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَىَّ حَرَامٌ.
فَفِيهِ ثَلَاثُ
فقالت: أنتَ بائنٌ.
ولم تَقُلْ: مِنِّى.
أنَّه لاْ يَقَعُ، وجْهًا واحدًا.
وإن قالت: أنا بائنٌ.
ونَوَتْ، وَقَع.
وإن قالتْ: أنتَ مِنِّى بائنٌ.
فعلى الوَجْهَيْن، فيُخرَّجُ ههنا مثلُ ذلك.
3464 -
مسألة: (وإن قال: أنْتِ عَلَىَّ كظَهْرِ أُمِّى. يَنْوِى به الطَّلاقَ، لم يَقَعْ، وكان ظِهارًا)
لأنَّه صَريحٌ [في الظِّهارِ] (1)، فلم يكُنْ كنايةً في الطَّلاقِ، كما لا يَكُونُ الطَّلاقُ كِنايةً في الظِّهارِ، ولأَنَّ الظِّهارَ تَشْبِيهٌ (2) بمَن هى مُحَرَّمَةٌ على التَّأْبِيدِ، والطَّلاقُ يُفيدُ (3) تَحْريمًا غيرَ مُؤَبَّدٍ، فلم تَصِحَّ الكنايةُ بأحَدِهما عَن الآخَرِ.
ولو صرَّحَ به فقال: أعْنِى به الطَّلاقَ.
لم يَصِرْ طَلاقًا؛ لأنَّه لا تَصْلُحُ الكِنايةُ به عنه.
3465 -
مسألة: (وإن قال: أنْتِ علَىَّ حَرَامٌ. أو: ما أحَلَّ اللَّهُ
324325326 الحديث: 3464 - الجزء: 22 - الصفحة: 265
رِوَايَاتٍ؛ إِحْدَاهُنَّ، أَنَّهُ ظِهَارٌ وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ.
اخْتَارَهُ الْخِرَقِىُّ.
وَالثَّانِيَةُ، كِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ.
وَالثَّالِثَةُ، هُوَ يَمِينٌ.
عَلَىَّ حَرَامٌ.
فَفيه ثَلاثُ رِوَايَاتٍ؛ إحْدَاهُنَّ، أنَّه ظِهَارٌ وإن نَوَى الطَّلاقَ.
اخْتَارَه الخِرَقِىُّ.
والثانية، كِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ.
والثالثةُ، هو يَمِينٌ) إذا قال ذلك وأطْلَقَ، فهو ظِهارٌ.
وقال الشافعىُّ: لا شئَ عليه.
وله قولٌ آخَرُ: عليه كَفَّارةُ يَمِينٍ، وليس بيَمينٍ.
وقال أبو حنيفةَ: هو يَمِينٌ.
وقد رُوِى ذلك عن أبى بكرٍ، وعمرَ، وابنِ مسعودٍ.
وقال سعيدٌ 327: ثَنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، أنَّ أبا بكرٍ وعمرَ وابنَ مسعودٍ قالوا في الحرامِ: إنَّه يَمِينٌ.
وبه قال ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسعيدُ ابنُ جُبَيْرٍ.
وعن أحمدَ ما يدُلُّ على ذلك؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ 328. ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ 329. وقال ابنُ عباسٍ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ
الجزء: 22 - الصفحة: 266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أُسْوَةٌ 330 حَسَنَةٌ} 331. ولأنَّه تحْريمٌ للحلالِ، أشْبَهَ تحْريمَ الأمَةِ.
ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه تحْريمٌ للزَّوْجةِ بغيرِ طَلاقٍ، فَوَجَبَتْ به كَفَّارةُ الظِّهارِ، كما لو قال: أنتِ علىَّ حرامٌ كظَهْرِ أُمِّى.
فأمَّا إن نَوَى غيرَ الظِّهارِ، فالمنْصوص عن أحمدَ في رِوايةِ جماعةٍ 332، أنَّه ظِهارٌ، نَوَى الطَّلاقَ أو لم
الجزء: 22 - الصفحة: 267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَنْوِه.
ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وممَّن قال: إنَّه ظِهارٌ؛ عثمانُ بنُ عفانَ، وأبو قِلابَةَ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وميْمونُ بنُ مِهْرَانَ، والبَتِّىُّ.
ورَوَى الأَثْرَمُ بإِسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، في الحرامِ، أنَّه تحْريرُ 333 رَقَبَةٍ، فإن لم يَجِدْ فصِيامُ شهْرَيْن مُتَتابِعَيْن، أو إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكينًا.
ولأنَّه صَريحٌ في تحْريمِها، فكان ظِهارًا وإنْ نوَى غيرَه، كقَوْلِه: أنتِ علىَّ كظَهْرِ أُمِّى.
وعن أحمدَ، أنَّه إذاْ نَوَى به الطَّلاقَ [كان طلاقًا.
قال: إذا قال: ما أحَلَّ اللَّهُ عليه حَرامٌ.
يَعْنِى به الطَّلاقَ] 334، أخافُ أن يكونَ ثلاثًا، ولا أُفْتِى به.
وهذا مثلُ قولِه في الكِناياتِ الظَّاهرةِ، فكأنَّه جَعلَه مِن كِناياتِ الطَّلاقِ، يَقَعُ به الطَّلاقُ إذا نَوَاه.
ونَقَلَ عنه البَغَوِىُّ 335 في رجلٍ قال لامرأتِه: أمْرُكِ بيَدِك.
فقالتْ: أنا عليك حَرامٌ.
فقد حَرُمَتْ عليه.
فجعلَه منها كنايةً في الطَّلاقِ، فكذلك مِنَ الرَّجلِ.
واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ.
وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ.
وممَّن رُوِى عنه أنَّه 336 طلاقٌ ثلاثٌ؛ علىٌّ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو هُرَيْرَةَ، والحسنُ
الجزء: 22 - الصفحة: 268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البَصْرِىُّ، وابنُ أبى ليلَى.
وهو مذهبُ مالكٍ في المدْخولِ بها؛ لأنَّ الطَّلاقَ نَوْعُ تحْريمٍ، فصَحَّ أن يُكْنَى به عنه، كقولِه: أنتِ بائنٌ.
فإن لم يَنْوِ الطَّلاقَ، لم يَكُنْ طَلاقًا بحالٍ؛ لأنَّه ليس بصَريحٍ في الطَّلاقِ، فإذا لم يَنْوِه لم يَقَعْ به طَلاقٌ، كسائرِ الكِناياتِ.
وإن قُلْنا: إنَّه كِنايةٌ في الطَّلاقِ.
ونوى به، فحُكْمُه حُكْمُ الكناياتِ الظَّاهرةِ، على ما مَضَى مِن الاخْتلافِ فيها.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ، كُلٌّ على أصْلِه.
ويُمْكِنُ حَمْلُه على الكناياتِ الخَفِيَّةِ إذا قُلْنا: إنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُحَرِّمَةٌ؛ لأَنَّ أقَلَّ ما تَحْرُمُ به الزَّوجَةُ طَلْقةٌ رَجْعيَّةٌ، فحُمِلَ على اليَقِينِ.
وقد رُوِى عن أحمدَ ما يدُلُّ عليه؛ فإنَّه 337 قال: إذا قال: أنتِ عَلَىَّ حَرامٌ، أعْنِى به طَلاقًا.
فهى واحدةٌ.
ورُوِىَ هذا عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، والزُّهْرِىِّ.
وقد رُوِى عن
الجزء: 22 - الصفحة: 269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَسْروقٍ، وأبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، والشَّعْبِىِّ: ليس بشئٍ؛ لأنَّه قولٌ هو كاذِبٌ فيه.
وهذا يَبْطُلُ بالظِّهارِ؛ لأنَّه مُنْكَرٌ 338 مِن القَوْلِ وزُورٌ، وقد أوْجبَ الكَفَّارَةَ، ولأَنَّ هذا إيقاعٌ للطَّلاقِ، فأشْبَهَ قولَه: أنتِ بائنٌ -و- أنتِ طالقٌ.
ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه إذا نَوَى اليَمِينَ كان يمينًا؛ [فإنَّه قال في روايةِ مُهَنَّا: إنَّه إذا قال: أنتِ علىَّ حرامٌ.
ونَوَى يمينًا، ثم تَرَكَها أربعةَ أشْهرٍ، قال: هو يَمِينٌ، إنَّما الإيلاءُ أن يَحْلِفَ باللَّهِ لا يَقْرَبُ امرأتَه.
فظاهر هذا أنَّه إذا نَوَى اليمينَ كانت يمينًا] 339. وهذا مذهبُ ابنِ مسعودٍ، وقولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
وممَّن رُوِى عنه: عليه كَفَّارةُ يَمِينٍ؛ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، وعمرُ، وابن عباسٍ، وعائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عَنهم.
وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسَنِ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، وسُليمانَ بنِ يَسَارٍ، وقَتادةَ، والأوْزَاعِىِّ.
وفى المُتَّفَقِ عليه 340، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، أنَّه سَمِعَ ابنَ عباسٍ يَقولُ: إذا حرَّمَ
الجزء: 22 - الصفحة: 270
وَإِنْ قَالَ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَىَّ حَرَامٌ، أَعْنِى بِهِ الطَّلاقَ.
فَقَالَ أحْمَدُ: تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ ثَلَاثًا.
وَإِنْ قَالَ: أَعْنِى بِهِ طَلَاقًا.
طَلُقَتْ وَاحِدَةً.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ ظِهَارٌ فِيهِمَا.
الرَّجلُ عليه امرأتَه، فهى يَمِينٌ يُكَفِّرُها.
وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
ولأَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾.
فجعلَ الحرامَ يَمِينًا.
ومعنى قولِه: نوَى يَمينًا -واللَّهُ أعلم- أنَّه نوَى بقَوْلِه: أنتِ علىَّ حرامٌ.
تَرْكَ وَطْئِها واجْتِنابَها، وأقامَ ذلك مُقامَ: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ.
3466 -
مسألة: (وَإِنْ قَالَ: ما أحَلَّ اللَّهُ عَلَىَّ حَرَامٌ، أعْنِى بِهِ الطَّلاقَ. فقال أحمَدُ: تَطْلُقُ امرأتُه ثَلاثًا. وإن قال: أعْنِى به طَلاقًا. طَلُقَتْ وَاحِدَةً)
روَاه جماعةٌ 341 عن أحمدَ؛ فرَوَى أبو عبدِ اللَّهِ النَّيْسابُورِىُّ 342، أنَّه قال: إذا قال: أنتِ علىَّ حرامٌ، أُريدُ به الطَّلاقَ.
الحديث: 3466 - الجزء: 22 - الصفحة: 271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كنتُ أقولُ: إنَّها طالقٌ، يُكَفِّرُ كفَّارة الظِّهارِ.
وهذا كأنَّه رُجوعٌ عن قولِه: إنَّه طلاقٌ.
ووجْهُه أنَّه صَرِيحٌ في الظِّهارِ، فلم يَصِرْ طَلاقًا بقولِه: أُرِيدُ به الطَّلاقَ.
كما لو قال: أنتِ علىَّ كظَهْر أُمِّى، أعْنِى به الطَّلاقَ.
قال القاضى: ولكِنَّ جماعةَ أصحابِنا على أنَّه طَلاقٌ.
وهى الرِّوايةُ المَشْهورةُ التى روَاها عنه الجماعةُ؛ لأنَّه صَرَّحَ بلَفْظِ الطَّلاقِ، فكان طلاقًا، كما لو ضربَها وقال: هذا طَلاقُكِ.
وليس هذا صَريحًا في الظِّهارِ، إنَّما هو صَريحٌ في التَّحْرِيمِ، [والتَّحْرِيمُ] 343 يتَنَوَّعُ إلى تحْريمٍ بالظِّهارِ وإلى تحْريمٍ بالطَّلاقِ، فإذا بَيَّنَ بلَفْظِه إرادةَ تحْريمِ الطَّلاقِ، وجبَ صَرْفُه إليه.
وفارَقَ قولَه: أنتِ علىَّ كظَهْرِ أُمِّى.
فإنَّه صَريحٌ في الظِّهارِ، وهو تَحْريمٌ لا يَرْتَفِعُ إلَّا بالكَفَّارةِ، فلم يُمْكِنْ جعْلُ ذلك طَلاقًا، بخلافِ مسألتِنا.
ثم إن قال: أعْنِى به الطَّلاقَ.
أو نوَى به ثلاثًا، فهى ثلاثٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه أتَى بالألفِ واللَّامِ التى للاسْتِغْراقِ، تفْسيرًا للتَّحْريمِ، فدَخلَ فيه الطَّلاقُ كلُّه، وإذا نَوَى الثَّلاثَ، فقد نَوَى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُه مِن الطَّلاقِ، فوَقَعَ، كما لو قال: أنتِ بائنٌ.
وعنه، لا يَكونُ ثلاثًا حتى 344
الجزء: 22 - الصفحة: 272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَنْويَها، سواءٌ كانت فيه الألفُ واللَّامُ أو لم تَكُنْ؛ لأَنَّ الألفَ واللَّامَ تكونُ لغيرِ الاسْتغراقِ في أكثرِ أسْماءِ الأجْناسِ.
وإنْ قال: أعْنِى به طلاقًا.
فهى واحدةٌ؛ لأنَّه ذكَرَه مُنَكَّرًا، فيكونُ طلاقًا واحدًا.
نصَّ عليه أحمدُ.
وقال في روايةِ حَنْبَلٍ: إذا قال: أعنى طلاقًا.
فهى واحدةٌ أو اثْنَتان، إذ لم يَكُنْ فيه ألِفٌ ولامٌ (وعنه، أنَّه ظِهارٌ فيهما) وقد ذَكَرْناه
الجزء: 22 - الصفحة: 273
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَىَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمَ.
وَقَعَ مَا نَوَاهُ مِنَ الطَّلاقِ وَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَهَلْ يَكُونُ ظِهَارًا أَوْ يَمِينًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وذَكَرْنا دَليلَه.
3467 -
مسألة: (وإن قال: أنْتِ عَلَىَّ كالمَيْتَةِ والدَّم. وَقَع ما نَواه مِن الطَّلاقِ والظِّهَارِ واليَمِينِ. وإن لم يَنْوِ شَيْئًا، فهل يَكُونُ ظِهَارًا أَوْ يَمِينًا؟ عَلَى وَجْهَيْن)
أمَّا إذا نَوَى الطَّلاقَ، كان طلاقًا؛ لأنَّه يصْلُحُ أن يكونَ كِنايةً فيه، فإذا اقْتَرَنَتْ به النِّيَّةُ 345، وقعَ به الطَّلاقُ، ويَقَعُ ما نَوَاه مِن عَدَدِ الطَّلاقِ، فإن لم يَنْوِ شيئًا، وقَعَتْ واحدةٌ؛ لأنَّه مِن الكِناياتِ الخَفِيَّةِ، وهذا حُكْمُها.
وإنْ نَوَى به الظِّهارَ، وهو أن يَقْصِدَ تَحْريمَها عليه مع بقاءِ نِكاحِها، احْتَمَلَ أن يكونَ ظِهارًا، كما قُلْنا في قولِه: أنتِ علىَّ حرامٌ.
واحْتَمَلَ أن لا يكونَ ظِهارًا، كما لو قال: أنتِ علىَّ كظَهْرِ البَهِيمَةِ -أو- كظهرِ أبى.
[وإن] 346 نَوَى اليَمِينَ، وهو أَنْ يُريدَ بذلك
الحديث: 3467 - الجزء: 22 - الصفحة: 274
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَرْكَ وَطْئِها، لا تحْريمَها ولا طَلاقَها، فهو يَمِينٌ.
وإن لم يَنْوِ شيئًا، لم يَكُنْ طَلاقًا؛ لأنَّه ليس بصَريحٍ في الطَّلاقِ، لا 347 ولو نَوَاهُ به.
وهل يَكُونُ ظِهارًا أو يَمِينًا؟ على وَجْهَيْن؛ أحدُهما، يكونُ ظِهارًا؛ لأَنَّ معناه: أنتِ حَرامٌ علىَّ كالمَيْتَةِ والدَّمِ.
فإنَّ تَشْبِيهَها بهما يَقْتَضِى التَّشْبيهَ بهما في الأمْرِ الذى اشْتَهَرَا 348 به، وهو التَّحْريمُ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى فيهما: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ 349. والثانى، يكونُ يَمِينًا، لأَنَّ الأصلَ بَراءةُ الذِّمَّةِ، فإذا أتَى بلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ ثَبتَ فيه أقلُّ الحُكْمَيْنِ؛ لأنَّه اليقينُ، وما زادَ مشْكوكٌ فيه، فلا نُثْبِتُه بالشَّكِّ، ولا نزُولُ عن الأَصْلِ إلَّا بيَقِينٍ.
وعندَ الشافعىِّ، هو كقَوْلِه: أنتِ حرامٌ.
سواءً.
الجزء: 22 - الصفحة: 275
وَإِنْ قَالَ: حَلَفْتُ بِالطَّلَاقِ.
وَكَذَبَ، لَزِمَهُ إِقْرَارُهُ فِى الْحُكمِ، وَلَا يَلْزَمُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
3468 - مسألة: (وإن قال: حَلَفْتُ بالطَّلاقِ. وكَذَبَ، لَزِمَه إقْرارُه في الحُكْمِ، ولا يَلْزَمُه فيما بينه وبينَ اللَّهِ تعالى)
وإنْ قَالَ: حَلُفْتُ بالطَّلاقِ.
أَوْ قَالَ: عَلَىَّ يَمِينٌ بالطَّلاقِ.
ولَمْ يَكُنْ حَلَفَ، لَمْ يَلْزَمْه شَئٌ فيما بينَهُ وبينَ اللَّهِ تَعَالى، ولَزِمَهُ مَا أقَرَّ بِهِ فِى الحُكْمِ.
ذكَرَه القاضى، وأبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما قالَه، ويَلْزَمُهُ في الحُكْمِ؛ لأنَّه خِلافُ ما أقَرَّ به.
وقال أحمدُ في روايةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ، في الرَّجُلِ يقولُ: حَلَفْتُ بالطَّلاقِ.
ولم يَكُنْ حَلَفَ: هى كِذْبَةٌ، ليس عليه يَمِينٌ.
وذلك لأَنَّ قولَه: حَلَفْتُ.
[ليس بحَلِفٍ] 350، وإنَّما هو خَبَرٌ عن الحَلِفِ، فإذا كان كاذِبًا فيه، لم يَصِرْ حالفًا، كما لو قال: حَلَفْتُ باللَّهِ.
وكان كاذِبًا.
واخْتارَ أبو بكرٍ أنَّه يَلْزَمُه ما أقَرَّ به 351. وحَكَى في «زادِ المُسافِرِ» عن المَيْمُونِىِّ، عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا قال: حَلَفْتُ بالطَّلاقِ.
الحديث: 3468 - الجزء: 22 - الصفحة: 276
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولم يَكُنْ حَلَفَ، يَلْزَمُه الطَّلاقُ، ويُرْجَعُ إلى نِيَّتِه في الطَّلاقِ الثَّلاثِ أو الواحدةِ.
وقال القاضى: مَعْنى قولِ أحمدَ: يَلْزَمُه الطَّلاقُ.
أى في الحُكْمِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ يَلْزَمُه الطَّلاقُ 352 إذا نَوَى به الطَّلاقَ، فجعلَه كنايةً عنه، ولذلك 353 قال: ويُرْجَعُ إلى نِيَّتِه.
أمَّا الذى قَصَدَ الكَذِبَ [ولا] 354 نِيَّةَ له في الطَّلاقِ، فلا يقَعُ به شئٌ؛ لأنَّه ليس بصَريحٍ في الطَّلاقِ، ولا نَوَى الطَّلاقَ، فلم يقَعْ به طلاقٌ، كسائِرِ الكنايْاتِ.
وذكَرَ القاضى في كتابِ الأيْمانِ في مَن قال: حَلَفْتُ بالطَّلاقِ.
ولم يَكُنْ حَلَفَ، هل يَقَعُ به؟ على رِوَايَتَيْن؛ إحْداهما، لا يَلْزَمُه شئٌ؛ لأنَّه لم يَحْلِفْ، واليَمِينُ إنَّما تكونُ بالحَلِفِ.
والثانيةُ، يَلْزَمُه ما أقَرَّ به.
اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه إذا أقَرَّ ثم قال: كَذَبْتُ.
كان جُحُودًا بعدَ الإِقْرارِ، فلا يُقْبَلُ، كما لو أقَرَّ بدَيْنٍ ثم أنْكَرَ.
ويُرْجَعُ إلى نِيَّتِه؛ لأنَّه أعلمُ بحالِه.
الجزء: 22 - الصفحة: 277
فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لِامْرأَتِهِ: أمْرُكِ بِيَدِكِ.
فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ ثَلَاثًا وَإِنْ نَوَىَ وَاحِدَةً، وَهُوَ فِى يَدِهَا مَا لَمْ يَفْسَخْ أَوْ يَطَأْ.
فصل
: والقولُ قولُه قى قَدْرِ ما حَلَفَ به، وفى الشَّرْطِ الذى علَّقَ اليَمينَ به؛ لأنَّه 355 أعلمُ بحالِه.
ويُمْكِنُ حملُ كلامِ أحمدَ على هذا، وهو أن يكونَ قولُه: ليس عليه يَمِينٌ.
يَعْنِى 356 فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى.
وقَوْلُه: يَلْزمُه الطَّلاقُ.
أى في الحُكْمِ.
[قال القاضى: ومَعْنَى قولِ أحمدَ: يَلْزَمُهُ الطَّلاقُ.
أى يَلْزَمُهُ إقرَارُه في الحُكْمِ] 357؛ لأنَّه يتَعلَّقُ بحَقِّ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، فلم يُقْبَلْ في الحُكْمِ، وفيما بينَه وبينَ اللَّهِ سبحانه إذا عَلِمَ أنَّه لم يَحْلِفْ، فلا شئَ عليه.
فصل: قالَ الشَّيْخُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: (وإذا قال لامْرأتِه: أمْرُكِ بيَدِك.
فلَها أَنْ تُطَلِّقَ ثلاثًا وإنْ نَوَى واحدةً، وهو في يَدِها ما لم يَفْسَخْ أو يَطَأْ) الكلامُ في هذه المسألةِ في فَصْلَيْن؛ أحدُهما، أنَّه إذا قال لامْرأِته: أمْرُكِ بيَدِك.
كان لها أن تُطَلِّقَ ثلاثًا وإنْ نَوَى أقَلَّ منها.
هذا ظاهرُ المذهبِ؛
الجزء: 22 - الصفحة: 278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّها من الكناياتِ الظَّاهرةِ.
وقد مَضَى الكلامُ فيها.
رُوِى ذلك عن عثمانَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ.
ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ أيضًا، وفَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، قالوا: إذا طَلَّقَتْ ثلاثًا فقال: لم أجْعَلْ إليها إلَّا واحدةً.
لم يُلْتَفَتْ إلى قولِه، والقَضاءُ ما قَضَتْ.
وعن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، أنَّها طَلْقَةٌ واحدةٌ.
وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والقاسمُ، ورَبِيعةُ، ومالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ.
وقال الشافعىُّ: إن نَوَى ثلاثًا فلَها أن تُطَلِّقَ ثلاثًا، وإن نوَى غيرَ ذلك لم تُطَلِّقْ ثلاثًا، والقولُ قولُه في نِيَّتِه.
قال القاضى: ونقَلَ عبدُ اللَّهِ عنِ أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه إذا نَوَى واحدةً فهى واحدةٌ؛ لأنَّه نوْعُ تخْيِيرٍ، فيُرْجَعُ إلى نِيَّتِه فيه، كقوْلِه: اخْتارِى.
ولَنا، أنَّه لفظٌ يَقْتَضِى العُمومَ في جميعِ أمْرِها؛ لأنَّه اسمُ جِنْس مُضافٌ، فيَتناولُ الطَّلَقاتِ الثَّلاثَ، كما لو قال: طَلِّقِى نفْسَكِ ما شِئْتِ.
ولا يُقْبَلُ قولُه: أردْتُ 358 واحدةً.
لأنَّه خِلافُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، [ولا يُدَيَّنُ] 359 في هذا؛ لأنَّه مِن الكناياتِ الظَّاهرةِ، والكناياتُ الظَّاهرةُ تَقْتَضِى ثلاثًا.
الجزء: 22 - الصفحة: 279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفصْلُ الثانى، أنَّه لا يتَقَيَّدُ بالمجلسِ، ويكونُ في يَدِها ما لم يَفْسَخْ أو يَطَأْ.
وإنْ جعلَ أمْرَها في يَدِ غيرِها، فكذلك في الفصلِ الأَوَّلِ والثانى.
وَوافقَ الشافعىُّ في أنَّه إذا جعلَه في يدِ غيرِها، أنَّه لا يتَقَيَّدُ بالمجْلِسِ؛ لأنَّه وَكيلٌ 360. وإذا قال له: جَعَلْتُ أمْرَ امرأتِى بيدِك 361 -أو- جَعَلْتُ لكَ الخِيارَ في طلاقِ امْرأتِى -أو- طَلِّقِ امْرأتِى 362. فالجميعُ سواءٌ في أنَّه لا يتَقَيَّدُ بالمجلسِ.
وقال أصحابُ أبى حنيفةَ: ذلك مقْصُورٌ على المجلسِ؛ لأنَّه نَوْعُ تخْيِيرٍ، أشْبَهَ ما لو قال: اخْتارِى.
ولَنا، أنَّه تَوْكيلٌ مُطْلَقٌ،
الجزء: 22 - الصفحة: 280
وَإِنْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِى نَفْسَكِ.
لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ الَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ إِلَّا مَا دَامَتْ فِى الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ، إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ إلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
فكان على التَّراخِى، كالتَّوْكيلِ في البَيْعِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ له أن يُطَلِّقَ ما لم يَفْسَخْ أو يَطَأْ، وله أَنْ يُطَلِّقَ ثلاثًا وواحدةً، كالمرأةِ.
فإنْ فَسَخَ الوَكالةَ، بطلَتْ، كسائِرِ الوَكالاتِ، وكذلك إن وَطِئَها؛ لأنَّه يدُلُّ على الفَسْخِ، أشْبَهَ ما لو فَسَخَ بالقَوْلِ.
3469 -
مسألة: (وإن قال: اخْتَارِى نَفْسَكِ.
لم يَكُنْ لها أن تُطَلِّقَ أكْثَرَ مِن واحِدَةٍ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ إليها أكْثَرَ مِن ذلك، وليس لها أن تُطَلَّقَ إلَّا ما دَامَتْ في المَجْلِسِ، ولم يتشاغلا بما يَقْطَعُه)
وجملةُ ذلك، أنَّ لفظَةَ التَّخْييرِ لا تَقْتَضِى بمُطْلَقِها أكْثَرَ مِن طَلْقةٍ رَجْعِيَّةٍ.
قال أحمدُ: هذا قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وعمرَ، وعائشةَ، رَضِىَ
الحديث: 3469 - الجزء: 22 - الصفحة: 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اللَّهُ عنهم.
ورُوِىَ ذلك عن جابرٍ، وعبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو 363. وقال أبو حنيفةَ: هى واحدةٌ بائنةٌ.
وهو قولُ ابنِ شُبْرُمَةَ؛ لأَنَّ اخْتِيارَها نَفْسَها يَقْتَضِى زَوالَ سُلْطانِه، ولا يكونُ إلَّا بالبَيْنُونةِ.
وقال مالكٌ: هى ثلاثٌ في المدْخولِ بها؛ لأَنَّ المدخولَ بها لا تَبِينُ إلَّا بالثَّلاثِ، إلَّا أن تكونَ بعِوَضٍ 364. ولَنا، إجْماعُ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فإنَّ مَن سَمَّيْنا منهم قالوا: إنِ اخْتَارَتْ نَفْسَها، فهى واحدةٌ، وهو أحَقُّ بها.
روَاه النَّجَّادُ عنهم بأسانِيدِه.
ولأَنَّ قولَه: اخْتارِى.
تَفْويضٌ مُطْلَقٌ، فيتَنَاولُ 365 أقَلَّ ما يقَعُ عليه الاسمُ، وذلك طلقةٌ واحدةٌ، ولا تكونُ بائنًا؛ لأنَّها طَلْقةٌ بغير عِوَضٍ، لم يَكْمُلْ بها العَدَدُ بعدَ الدُّخولِ، فأشْبَهَ ما لو طَلَّقَها واحدةً 366. ويخالفُ قولَه: أمْرُكِ بيَدِك.
فإنَّه للعُموم؛ لأنَّه اسمُ جِنْسٍ مُضافٌ، فيَتناولُ جميعَ أمْرِها.
لكنْ إنْ جعلَ لها أكثرَ مِن ذلك، فلها ما جَعَلَ إليها، سَواء جَعلَه بلَفْظِه، بأنْ يقولَ: اخْتارِى ما شِئْتِ -أو- اخْتارِى الطَّلَقاتِ إن شِئْتِ.
فلها أن تخْتارَ ذلك، أو جعلَه
الجزء: 22 - الصفحة: 282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بنِيَّتِه، وهو أن يَنْوِىَ بقولِه: اخْتارِى.
عَددًا، فإنَّه يُرْجَعُ إلى ما نَوَاه؛ لأَنَّ قولَه: اخْتارِى.
كنايةٌ خَفِيَّةٌ، فيُرْجَعُ في [قَدْرِ ما يَقَعُ بها] 367 إلى نِيَّتِه، كسائرِ الكناياتِ الخَفِيَّةِ.
فإن نَوَى ثلاثًا أوِ اثْنَتَيْن أو واحدةً، فهو على ما نَوَى، وإن أطْلَقَ 368 فهى واحدةٌ، وإن نوَى ثلاثًا فطَلَّقَتْ أقلَّ منها، وقعَ ما طَلَّقَتْه؛ لأنَّه يُعْتَبَرُ قولُهما 369 جميعًا، كالوَكِيلَيْنِ إذا طَلَّقَ أحدُهما واحدةً والآخَرُ ثلاثًا.
(وليس لها أن تُطَلِّقَ إلَّا ما دامَتْ في المجلسِ، ولم يتَشاغَلا بما يَقْطَعُه) هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، أنَّ التَّخْييرَ على الفَوْرِ إنِ اخْتارَتْ في وَقْتِها، وإلَّا فلا خِيارَ لها بعدَه.
رُوِى ذلك عن عمرَ، وعثمانَ، وابنِ مسعودٍ، وجابرٍ.
وبه قال عَطاءٌ، وجابرُ بنُ زيدٍ، ومُجاهِدٌ، والشعبىُّ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ
الجزء: 22 - الصفحة: 283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرَّأْى.
وقال الزُّهْرِىُّ، وقَتادةُ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، ومالكٌ في روايةٍ: هو على التَّراخِى، ولها الاخْتيارُ في المجلسِ وبعدَه، ما لم يَفْسَخْ أو يَطَأْ.
واحْتَجَّ ابنُ المُنْذِرِ بقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعائشةَ: «إنِّى ذَاكِرٌ لَكِ أمْرًا، فَلَا عَليْكِ أن لا تَعْجَلِى حَتَّى تَسْتَأْمِرِى أبَوَيْكِ» 370. وهذا يَمْنَعُ قَصْرَه على المجلسِ.
ولأنَّه جعلَ أمْرَها إليها، أشْبَهَ ما لو قال: أمْرُكِ بيَدِك.
ولَنا، أنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابةِ، فرَوَى النّجَّاد 371 بإسْنادِه، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه قال: قَضَى عمرُ وعثمانُ، في الرَّجلِ يُخَيِّرُ امْرأتَه، أنَّ لَها الخِيارَ ما لم يتَفَرَّقا 372. وعن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، قال: ما دامتْ في مَجْلِسِها.
ونحوُه عن ابنِ مسعودٍ وجابرٍ 373. ولم نعْرِفْ لهم 374 مُخالفًا في الصحابةِ، فكان إجْماعًا.
ولأنَّه خِيارُ تَمْلِيكٍ، فكان على الفَوْرِ،
الجزء: 22 - الصفحة: 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كخيارِ القَبُولِ، فأمَّا الخَبَرُ، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جعلَ لها الخِيارَ على التَّراخِى، [وخِلافُنا في المُطْلَقِ] (1). فأمَّا: أمْرُكِ بيَدِك.
فهو تَوْكيلٌ، والتَّوْكيلُ يَعُمُّ الزَّمانَ ما لم يُقَيِّدْه بقيْدٍ، بخِلافِ مَسْأَلَتِنا.
3470 -
مسألة: وليس لهَا أن تُطَلِّقَ إلَّا ما داما في المَجْلِسِ، ولم يتَشَاغَلَا بما يَقْطَعُه وذلك بأنْ لا يَخْرُجَا مِن الكلامِ [الذى كانا فيه]
375 إلى غيرِ ذِكْرِ الطَّلاقِ، فإن تَفَرَّقا عن ذلك الكلامِ إلى كلامٍ غيرِه، بَطَلَ خِيارُها.
قال أحمدُ: إذا قال لامْرأتِه: اخْتارِى.
فلها الخِيارُ ما دامُوا في ذلك الكلامِ، فإن طال المجلسُ، وأخذُوا في كلام غيرِ ذلك ولم تَخْتَرْ، فلا خِيارَ لها.
وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ.
ونحوُه مذهبُ الشافعىِّ، على اخْتلافٍ عنه، فقِيلَ عنه: إنَّه يتَقَيَّدُ بالمجْلِسِ.
وقِيلَ: هو على الفَوْرِ.
وقال أحمدُ: الخِيارُ على مُخاطَبَةِ الكلامِ أن 376 [تُجارِيَه ويُجارِيَها] 377، إنَّما هو جوابُ كلام، إن أجابَتْه مِن ساعَتِه، وإلَّا فلا شئَ.
ووَجْهُه أنَّه تَمْلِيكٌ مُطلَقٌ تأخَّرَ قَبُولُه عن أوَّلِ حالِ الإمْكانِ، فلم يَصِحَّ، كما لو قامَتْ مِن مَجْلِسِها.
فإنْ قامَ أحدُهما عن المجلسِ قَبْلَ اخْتِيارِها، بَطَلَ خِيارُها.
وقال أبو حنيفةَ: يَبْطُلُ بقيامِها دُونَ قِيامِه.
بناءً 378 على أصْلِه
الحديث: 3470 - الجزء: 22 - الصفحة: 285
فَإِنْ جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ الْيَوْمَ كُلَّهُ، أَوْ جَعَلَ أمْرَهَا بِيَدِهَا فَرَدَّتْهُ، أَوْ
[في أنَّ] (1) الزَّوْجَ لا يَمْلِكُ الرُّجوعَ، وعندَنا أنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ، فبَطَلَ [بقيامِه، كما يَبْطُلُ] (2) بقيامِها.
وإن كان أحدُهما قائمًا فركِبَ أو مَشَى، بَطل الخِيارُ، وإن قَعَدَ لم يَبْطُلْ، لأَنَّ القِيامَ يُبْطِلُ الفِكْرَ والارْتِياءَ في الخِيارِ، فيكونُ إعْراضًا، والقُعُودُ بخِلافِه.
ولو كانت قاعِدَةً فاتَّكَأَتْ، أو مُتَّكِئَةً فقَعَدَتْ، لم يَبْطُلْ، لأَنَّ ذلك لا يُبْطِلُ الفِكْرَةَ.
وإنْ تَشاغَلَتْ (3) بالصلاةِ، بَطَل الخِيارُ.
وإن كانت في صلاةٍ فأتَمَّتْها، لم يَبْطُلْ خِيارُها.
وإن أضافَتْ إليها ركْعَتَيْن أُخْرَيَيْن، بَطَل خِيارُها.
وإن أكَلَتْ شيئًا يسيرًا (4)، أو قالت: بسمِ اللَّهِ.
أو سبَّحَتْ شيئًا يسيرًا، لم يَبْطُلْ؛ لأَنَّ ذلك ليس بإعْراضٍ.
وإن قالت: ادْعُ (5) لى شُهودًا أُشْهِدُهم على ذلك.
لم يَبْطُلْ خيارُها (4). وإن كانت راكبةً فسارتْ، بَطَلَ (6) خيارُها.
وهذا كلُّه قولُ أصحابِ الرَّأْى.
3471 -
مسألة: (فإن جَعَلَ لها الخِيارَ اليومَ كُلَّه، أو جَعَلَ أمْرَها
379380381382383384 الحديث: 3471 - الجزء: 22 - الصفحة: 286
رَجَعَ فِيهِ، أَوْ وَطِئَهَا، بَطَلَ خِيَارُهَا.
هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ فِى كُلِّ مَسْأَلَةٍ وَجْهًا مِثْلَ حُكْمِ الأُخْرَى.
بِيَدِها فرَدَّتْهُ، أو رَجَعَ فيه، أو وَطِئَها، بَطَلَ خِيارُها.
هذا المَذْهَبُ) إذا جعلَ لها الخِيارَ اليومَ كلَّه، أو أكثرَ مِن ذلك، أو متى شاءتْ، فلها ذلك 385 في تلك المُدَّةِ.
وإن قال: اخْتارِى إذا شِثْتِ -أو- متى شِئْتِ -[أو- متى ما شئتِ] 386. فلها ذلك؛ لأَنَّ هذه تُفِيدُ جَعْلَ الخِيارِ لها في عُموم الأوْقاتِ.
فإن رَدَّتْ ذلك، أو جَعَلَ أمْرَها بيَدِها فرَدَّتْه، بَطَلَ خِيارُهَا؛ لأنَّها إنَّما مَلَكَتْه بالوَكالةِ، فهى كالوَكيلِ إذا رَدَّ 387 الوَكالةَ.
وإنْ رَجَعَ فيما مَلَّكَها، بَطَلَ أيضًا، كما إذا رَجَعَ المُوكِّلُ فيما وَكَّلَ فيه.
وإن وَطِئَها، فهو رُجوعٌ أيضًا؛ لأنَّه يدُلُّ على الرُّجوعِ، أشْبَهَ ما لو رَجَع بالقَوْلِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَنْفَسِخَ الوَكالةُ، كما لو وَكَّلَه في بَيْعِ دارٍ وسَكَنَها.
ذَكَرَه ابنُ أبى موسى.
وإن قال: اخْتارِى اليومَ وغدًا وبعدَ غدٍ.
فلها ذلك، فإن رَدَّتِ الخِيارَ في الأَوَّلِ، بَطَلَ كلُّه.
وإن قال لها: لا تَعْجَلى حتى تَسْتَأْمِرِى أبَوَيْكِ.
ونحوَه، فلها الخِيارُ على التَّراخِى؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال ذلك لعائشةَ 388، فدَلَّ على أنَّ خِيارَها لا يَبْطُلُ بالتَّأْخيرِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن قال: اخْتارِى نفْسَكِ اليومَ، واخْتارِى نَفْسَكِ غدًا.
فرَدَّتْه في اليومِ الأَوَّلِ، لم يَبْطُلْ في الثانى.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَبْطُلُ في المسألةِ الأُولَى أيضًا؛ لأنَّهما خِيَارانِ في وَقْتَيْن، فلم يَبْطُلْ أحدُهما برَدِّ الآخرِ، قياسًا على المسألةِ الثَّانيةِ.
ولَنا، أنَّه خِيارٌ واحدٌ في مُدَّةٍ واحدةٍ، فإذا بَطَلَ أوَّلُه بَطَلَ ما بعدَه، كما لو كان الخِيارُ في يوم واحدٍ، وكخيارِ الشَّرْطِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّهما خِيارانِ، وإنَّما هو خِيار واحدٌ في يَوْمَيْنِ، وفارقَ ما إذا قال: اخْتارِى نفْسَكِ اليومَ، واخْتارِى نفْسَكِ غدًا.
فإنَّهما خِيارانِ؛ لأَنَّ كُلَّ واحدٍ منهما 389 ثَبَت بسَبَبٍ مُفرَدٍ.
فصل: ولو خَيَّرَها شَهرًا، فاخْتارَتْ نفسَها 390، ثم تَزَوَّجَها، لم يَكُنْ لها عليه خِيارٌ، وعندَ أبى حنيفةَ لها الخيارُ.
ولَنا، أنَّها اسْتَوْفَتْ ما جَعلَ لها في هذا العَقْدِ، فلم يَكُنْ لها في عقْدٍ ثانٍ، كما لو اشْتَرَطَ الخِيارَ في سِلْعَةٍ مُدَّةً، ثم فَسَخَ، ثم اشْتَراها بعَقْدٍ آخَرَ في تلك المُدَّةِ.
ولو لم تَخْتَرْ نَفْسَها و 391 اخْتارَتْ زَوْجَها، وطَلَّقَها الزَّوْجُ، ثم تَزَوَّجَها، بَطَل خيارُها (2)؛ لأَنَّ الخِيارَ المَشْروطَ في عَقْدٍ لا يَثْبُت في عقدٍ سِوَاه، كما في البيعِ.
والحُكمُ في قولِه: أمْرُكِ بيَدِكِ.
في هذا كلِّه، كالحُكْمِ في التَّخْيِيرِ؛ لأنَّه نَوْعُ تخْيِيرٍ.
ولو قال لها: اخْتارِى -أو- أمْرُكِ بيَدِك،
الجزء: 22 - الصفحة: 288
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اليومَ وبعدَ الغَدِ.
[فرَدَّتْ في اليومِ الأَوَّلِ] 392، لم يَبْطُلْ في 393: بعدَ غدٍ؛ لأنَّهما خِيارانِ يَنْفَصِلُ أحدُهما عن 394 صاحِبِه، فلم يَبْطُلْ أحدُهما ببُطْلانِ الآخَرِ، بخِلافِ ما إذا كان الزَّمان مُتَّصِلًا واللَّفظُ واحدًا، فإنَّه خِيارٌ واحدٌ، فبَطَلَ كلُّه ببُطْلانِ بعْضِه.
وإن قال: لكِ الخِيارُ يومًا -أو- أمْرُكِ بيَدِك يومًا.
فأبْتداؤُه مِن حينَ نَطَقَ به إلى مِثْلِه مِن الغَدِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اسْتِكْمالٌ يوم بتَمامِه إلَّا بذلك.
وإن قال: شهرًا.
فمِن ساعةِ نَطقَ إلى اسْتِكْمالِ ثلاثينَ يومًا إلى مثلِ تلك الساعةِ.
وإن قال: الشَّهْرَ -أو- اليومَ -أو- السَّنَةَ.
فهو على ما بَقىَ مِن اليوم والشَّهْرِ والسَّنةِ (وخَرَّجَ أبو الخَطَّابِ في كُلِّ مسألةٍ وَجْهًا مثلَ حُكْمِ الأُخرَى) أى خَرَّجَ في قولِه: أمْرُكِ بيَدِكِ.
وَجْهًا أنها لا تَطْلُقُ أكثرَ مِن واحدةٍ، وأنها تَتَقَيَّدُ بالمجلسِ، بشَرْطِ أن لا يتَشاغَلا بما يَقْطَعُ كلامَهما، وفى قولِه: اخْتارِى نَفْسَكِ.
أنَّه لا يتَقَيَّدُ بالمجلسِ، وأنَّ لها أن تُطَلِّقَ أكثرَ مِن واحدةٍ عندَ الإطْلاقِ، قياسًا لكُلِّ واحدَةٍ منهما على الأُخْرَى.
فصل: فإن خَيَّرَها فاخْتارَتْ زَوْجَها، أو رَدَّتِ الخيارَ أو الأمْرَ، لم يَقَعْ شئٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ في روايةِ الجماعةِ.
ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وزيدٍ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وهو قولُ
الجزء: 22 - الصفحة: 289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وابنِ أبى ليلَى، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وعن الحسنِ: تَكونُ واحدةً رَجْعِيَّةً.
ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
ورَواه إسْحاقُ بنُ مَنْصورٍ عن أحمدَ، قال: إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها، فواحدةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ، وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فثلاثٌ 395. قال أبو بكرٍ: انْفَردَ بهذا إسْحاقُ بنُ مَنْصُورٍ، والعملُ على مما رَوَاه الجماعةُ.
ووَجْهُ هذه الرِّوايةِ، أنَّ التَّخْيِيرَ كِنايةٌ نَوَى بها الطَّلاقَ، فَوقعَ بها بمُجَرَّدِها 396، كسائِرِ كناياتِه.
وكقَوْلِه: انْكِحى مَنْ شِئْتِ.
ولَنا، قولُ عائشةَ: قد خَيَّرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أفكان 397 طلاقًا؟ وقالتْ: لمَّا أُمِرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بتَخْيِيرِ أزْواجِه بدأَ بى فقال: «إِنِّى لمُخْبِرُكِ خَبَرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لا تَعْجَلِى حَتَّى تَسْتَأْمِرِى أَبَوَيْكِ».
ثم قال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ حتى بلَغَ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ 398. فقلتُ: في أىِّ هذا أسْتَأْمِرُ أبَوَىَّ! فإنِّى أُريدُ اللَّهَ ورسولَه والدَّارَ الآخِرَةَ.
قالتْ: ثم فَعَلَ أزْوِاجُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَ ما فعلْتُ.
مُتَّفَقٌ عليهما 399. قال مَسْروقٌ: ما أُبالى خيَّرْتُ امْرأتِى واحدةً أو
الجزء: 22 - الصفحة: 290
وَلَفْظَةُ الأَمْرِ والخيَارِ كِنَايَةٌ فِى حَقِّ الزَّوْجِ، تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ،
مائةً أو ألْفًا، بعدَ أن تخْتارَنِى (1). ولأنَّها مُخَيَّرةٌ اخْتارتِ النِّكاحَ، فلم يقَعْ بها الطَّلاقُ، كالمُعْتَقَةِ تحتَ عبدٍ.
وقولُهم: إنَّ التَّخْييرَ كنايةٌ نَوَى بها الطَّلاقَ، فَوقعَ بها بمُجَردِها، كسائِرِ كناياتِه.
قُلْنا: إِنَّما أرادَ بذلك تَفْويضَ الطَّلاقِ إلى زَوْجتِه لا إيقاعَ الطَّلاقِ، وصارَ ذلك كقولِه: طَلِّقِى نفْسَك.
فإنَّه لا يقَعُ بذلك طَلاقٌ، والكنايةُ مع النِّيَّةِ لا تَزِيدُ (2) على الصَّريحِ.
فأما إنْ نوَى بقولِه: اخْتارِى نفْسَكِ.
إيقاعَ الطَّلاقِ، وَقعَ كسائرِ الكناياتِ.
3472 -
مسألة: (ولَفْظَةُ الأمْرِ والخِيارِ كِنَايَةٌ في حَقِّ الزَّوْجِ، تَفْتَقِرُ إلى نِيَّةٍ)
فلفْظةُ الأمْرِ مِن الكناياتِ الظَّاهرةِ، والخيارِ مِن الخَفِيَّةِ، وكلاهُما يحْتاجُ إلى النِّيَّةِ؛ لِما ذَكَرْنا في الكنايةِ الظَّاهرةِ.
قولُه: إنَّها400401 = ومسلم، في: باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية، من كتاب الطلاق.
صحيح مسلم 2/ 1103، 1104. وأبو داود، في: باب في الخيار، من كتاب الطلاق.
سنن أبى داود 1/ 510. والترمذى، في: باب ما جاء في الخيار، من أبواب الطلاق.
عارضة الأحوذى 5/ 138. والنسائى، في: باب ما افترض اللَّه عز وجل على رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-.
. .، من كتاب النكاح، وفى: باب في المخيرة تختار زوجها، من كتاب الطلاق.
المجتبى 6/ 46، 131، 132. وابن ماجه، في: باب الرجل يخير امرأته، من كتاب الطلاق.
سنن ابن ماجه 1/ 661. والدارمى، في: باب في الخيار، من كتاب الطلاق.
سنن الدارمى 2/ 162. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 45، 47، 48، 171، 202، 205. والثانى، تقدم تخريجه في صفحة 284.
الحديث: 3472 - الجزء: 22 - الصفحة: 291
فَإِنْ قَبِلَتْهُ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ، نَحْوَ: اخْتَرْتُ نَفْسِى.
افْتَقَرَ إلَى نِيَّتِهَا أيْضًا، وَإِنْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفسِى.
وَقَعَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ،
تحْتاجُ إلى نِيَّةٍ.
وهو قولُ مالكٍ.
وقد ذكَرْناه (فإن قَبِلَتْه بلفْظِ الكنايةِ، فقالت: اخْتَرْتُ نَفْسِى.
افْتَقَرَ إلى نِيَّتِها أيضًا) كالزَّوْجِ (وإن قالت: طَلَّقْتُ نفْسِى.
وَقعَ مِن غيرِ نِيَّةٍ) لأنَّه صَريحٌ، فلم يَحْتَجْ إلى نِيَّةٍ، كقولِه: أنتِ طالقٌ.
فإن نَوَى أحدُهما دُونَ الآخرِ، لم يَقَعْ؛ لأَنَّ الزَّوجَ إذا لم يَنْوِ فما فَوَّضَ إليها الطَّلاقَ، فلا يصِحُّ أن يوقِعَه، وإن نَوَى ولم تَنْوِ هى، فقد فَوَّضَ إليها الطَّلاقَ فما أوْقَعَتْه، فلم يَقَعْ شئٌ، كما لو وكَّل وَكِيلًا
الجزء: 22 - الصفحة: 292
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِى نِيَّتِهَا، فَالْقُوْلُ قَوْلُهَا، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِى رُجُوعِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
في الطَّلاقِ فلم يُطَلِّقْ.
وإن نَوَيا جميعًا، وقَعَ ما نَوَياه (1) مِن العَددِ (2). وإن نَوَى أحدُهما أقَلَّ مِن الآخَرِ، وقَعَ الأقَلُّ؛ لأَنَّ ما زادَ انْفَردَ به أحدُهما، فلم يَقَعْ.
3473 -
مسألة: (فَإنِ اخْتَلَفَا في نِيَّتِهَا)
فقال: لم تَنْوِ الطَّلاقَ باخْتِيارِكِ نَفْسَكِ.
فقالت: بل نَوَيْتُ (فالقَوْلُ قَوْلُهَا) لأنَّها أعلمُ بنِيَّتِها، ولا يُعْلَمُ ذلك إلَّا مِن جِهَتِها (وإنِ اخْتَلَفا في رُجوعِه، فالقولُ قولُه) لأنَّهما402403
الحديث: 3473 - الجزء: 22 - الصفحة: 293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اخْتَلَفا فيما يخْتَصُّ به 404، فكان القولُ قولَه فيه، كما لو اخْتَلَفا في نِيَّتِه.
فصل: وإن قال: أمْرُكِ بيَدِكِ.
أو قال: اخْتارِى.
فقالتْ: قَبِلْتُ.
لم يَقَعْ شئٌ 405، كما لو قال لأجْنَبِىٍّ: أمْرُ امْرأتِى بيَدِكَ.
فقال: قبلتُ.
واخْتارِى في معناه.
ونحوُه إن قالت: أخَذْت أمْرِى.
نَصَّ عليهما أحمدُ، في روايةِ إبراهيمَ بنِ هانِئٍ: إذا قال لامْرأتِه: أمْرُكِ بيَدِكِ.
فقالت: قبلت.
ليس بشئٍ حتى تُبَيِّن 406. وقال: إذا قالتْ: أخَذْتُ أمْرِى.
ليس بشئٍ.
قال: وإذا قال لامْرأتِه: اخْتارِى.
فاخْتارتْ فقالت: قَبِلتُ نَفْسِى -وَ- اخْتَرْتُ نَفْسِى.
كان أبْيَنَ.
قال القاضى: ولو قالت: اخْتَرْتُ.
ولم تَقُلْ: نَفْسِى.
لم تَطْلُقْ وإن نوَتْ، ولو قال الزَّوجُ: اخْتارِى.
ولم يَقُلْ: نفْسَكِ.
ولم يَنْوِه، لم تَطْلُقْ ما لم يَذْكُرْ نَفْسَها، ما لم يَكُنْ في كلامِ الزَّوجِ أو جَوابِها ما يَصْرِفُ الكلامَ إليه؛ لأَنَّ ذلك في حُكْمِ التَّفْسيرِ، فإذا عَرِىَ عن ذلك لم يَصِحَّ.
وإن قالت: اخْتَرْتُ زَوْجِى.
أو 407: اخْتَرْتُ البقاءَ على النِّكاحِ.
أو: رَدَدْتُ الخيارَ.
أو: رَدَدْت عليك سَفْهَتَكَ 408. بَطَل الخيارُ.
وإن
الجزء: 22 - الصفحة: 294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قالت: اخْتَرْتُ نفْسِى.
أو: أبَوَىَّ.
ونَوَتْ، وقَعَ الطَّلاقُ؛ لأَنَّ هذا يصْلُحُ أن يكونَ كنايةً مِن الزَّوجِ فيما إذا قال: الْحَقِى بأهْلِكِ.
فكذلك منها.
وإنْ قالت: اخْتَرْت الأَزْواجَ.
فكذلك؛ لأنَّهم لا يَحِلُّونَ إلَّا بمُفارقةِ هذا الزَّوجِ، ولذلك كان كنايةً منه في قولِه: انْكِحِى مَنْ شِئْتِ.
[وإن قالت: قد اخْتَرْت نَفْسِى.
وأنْكَرَ وُجُودَ الاخْتيارِ منها، فالقول قولُه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ له، وهو ممّا يُمْكِنُه عَمَلُه ويُمْكِنُها إقامةُ البَيِّنَةِ عليه، أشْبَهَ ما لو عَلَّقَ طَلاقَها على دُخُولِ الدّارِ فادَّعَتْه وأنْكَرَه] 409.
فصل: فإن كَرَّرَ لفْظةَ الخيارِ ثلاثَ مرَّاتٍ، فقال: اخْتارِى، اخْتارِى، اخْتارِى.
فقال أحمدُ: إن كان إنَّما 410 يُرَدِّدُ عليها ليُفْهِمَها، وليصر نِيَّتُه ثلاثًا، فهى واحدةٌ، وإن كان أرادَ بذلك ثلاثًا، فهى ثلاثٌ.
فرَدَّ الأمْرَ إلى نِيَّتِه في ذلك.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا قَبِلَتْ، وقعَ ثلاثًا؛ لأنَّه كرَّرَ ما يَقَعُ به الطَلاقُ، فتَكَرَّرَ، كما لو كَرَّرَ الطَّلاقَ.
ولَنا، أنَّه يَحْتَمِلُ التَّأْكِيدَ، فإذا قَصَدَه [قُبِلَ مِنه] 411، كما لو قال: أنتِ طالقٌ الطَّلاقَ.
وإن أطْلَقَ، فقد رُوِى عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّها واحدة، يَمْلِكُ 412 الرَّجْعةَ.
وهذا اخْتيارُ القاضى، ومذهبُ عَطاءٍ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأَنَّ تَكْرِيرَ 413 التَّخْيِيرِ لا يَزِيدُ به الخِيارُ، كشَرْطِ الخيارِ في
الجزء: 22 - الصفحة: 295
وَإِنْ قَالَ: طَلِّقِى نَفْسَكِ.
فَقَالَتِ: اخْتَرْتُ نَفْسِى.
وَنَوَتِ الطَّلاقَ، وَقَعَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَقَعَ.
البيعِ.
ورُوِىَ عن أحمدَ: إذا قال لامْرأتِه: اخْتارِى.
فقالت: اخْتَرْتُ نفْسِى.
هى واحدةٌ، إلّا أن يقولَ: اخْتارِى، اختارِى، اخْتارِى (1). وهذا يدُلُّ على أنّها تَطْلُقُ ثلاثًا.
ونحوَه قال الشعبىُّ، والنَّخَعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، ومالكٌ؛ لأَنَّ لفْظةَ الواحدةِ [تَقْتَضِى طَلْقةً، فإذا] (2) تَكَرَّرَتِ، اقْتَضَتْ ثلاثًا، كلَفْظةِ الطَّلاقِ.
فصل: ويجوزُ أن يَجْعلَ أمْرَ امرأتِه بيَدِها (3) بعِوَضٍ، وحُكْمُه حُكْمُ ما لا عِوَضَ له، في أنَّ له الرُّجوعَ فيما جَعلَ لها، وأنَّه يَبْطُلُ بالوَطْءِ.
قال أحمدُ: إذا قالتِ امْرأتُه: اجْعَلْ أمْرِى بيَدِى، وأُعْطِيكَ عَبْدِى هذا.
فقَبضَ العَبْدَ، وجَعلَ أمْرَها بيَدِها، فلها أَنْ تَخْتارَ ما لم يَطَأْها أو يَنْقُضْه؛ وذلك لأنَّه تَوْكيلٌ، والتَّوْكيلُ لا يَبْطُلُ بدُخولِ العِوَضِ فيه، وكذلك التَّمْليكُ (4) بعِوَضٍ لا يَلْزَمُ، ما لم يَتَّصِلْ به القَبُولُ.
3474 -
مسألة: (وإن قال: طَلِّقِى نَفْسَكِ. فقالت: اخْتَرْتُ نَفْسِى. وَنَوَتِ الطَّلاقَ، وَقَعَ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَقَعَ)
لأنَّه فَوَّضَه إليها بلفْظِ414415416417
الحديث: 3474 - الجزء: 22 - الصفحة: 296
وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ إلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
الصَّريحِ (1)، فلا يَصِحُّ أن تُوقِعَ غيرَ (2) ما فَوَّضَه إليها.
وَوجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه فَوَّضَ إليها الطَّلاقَ، وقد أوْقَعَتْه، فوقَعَ، كما لو أوْقَعَتْه بلفْظِ الصَّريحِ (1)، ولا يَصِحُّ ما ذكَرُوه (3)، لأَنَّ التَّوْكيلَ في الشئِ لا يَقْتَضِى أن يكون إيقاعُه بلَفْظِ الأمْرِ، كما لو وَكَّلَه فقال: بعْ دارِى.
فباعها (4) بلفْظِ التَّمْلِيكِ، صَحَّ، وكما لو قال لها: اخْتارِى نفْسَك.
فقالت: طَلَّقْتُ نفْسِى.
فإنَّه يقَعُ مع اخْتِلافِ اللَّفْظِ.
3475 -
مسألة: (وليس لها أن تُطَلِّقَ أكْثَرَ مِن واحِدَةٍ، إلَّا أن يَجْعَلَ إليها أكْثَرَ منها)
قال أحمدُ، رَحِمهُ اللَّهُ: إذا قال لامرأتِه: طَلِّقِى418419420421
الحديث: 3475 - الجزء: 22 - الصفحة: 297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نفسَكِ.
ونَوَى ثلاثًا، فطَلَّقَتْ نفْسَها ثلاثًا، فهى ثلاثٌ، وإن نَوَى واحدةً، فهى واحدةٌ؛ وذلك لأَنَّ الطَّلاقَ يكونُ واحدةً وثلاثًا، فأيُّهما نَوَاهُ فقد نَوَى بلَفْظِه ما احْتَمَله، وإن لم يَنْوِ وقَعَ واحدةٌ؛ لأنَّها اليَقِينُ؛ لأَنَّ المُطْلَقَ 422 يَتناولُ أقَلَّ ما يَقَعُ عليه الاسمُ.
الجزء: 22 - الصفحة: 298
وَإِنْ قَالَ: وَهَبْتُكِ لِأهْلِكِ، فَإِنْ قَبِلُوهَا فَوَاحِدَةٌ، وَإِنْ رَدُّوهَا فَلَا شَىْءَ.
وَعَنْهُ، إِنْ قَبِلُوهَا فَثَلَاثٌ، وَإِنْ رَدُّوهَا فَوَاحِدَةٌ.
وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: وَهَبْتُكِ لِنَفْسِكِ.
3476 - مسألة: (وإذا قال: وَهَبْتُكِ لأهْلِكِ. فإن قَبِلُوها فواحِدَةٌ، وإن رَدُّوها فلا شئَ. وعنه، إنْ قَبِلُوها فثلاثٌ، وإن رَدُّوها فواحِدَةٌ. وكذلك إذا قال: وَهَبْتُكِ لِنَفْسِكِ)
الرِّوايةُ الأُولَى هى المشْهورةُ عن أحمدَ.
نَصَّ عليها.
وبه قال ابنُ مسعودٍ، وعَطاءٌ، ومَسْروقٌ، والزُّهْرِىُّ، ومَكْحولٌ، ومالكٌ، وإسْحاقُ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، والنَّخَعِىِّ: إن قَبِلُوها فَواحِدَةٌ بائنةٌ، وإنْ لم يَقْبَلُوها فواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ.
ورُوِى عن أحمدَ مثلُ ذلك.
وعن زيدِ بنِ ثابتٍ، والحسنِ: إن قَبِلُوها فثَلاثٌ، [وإن لم يَقْبَلوها فواحدةٌ رجْعِيَّةٌ.
ورُوى عن أحمدَ مثلُ ذلك] 423.
الحديث: 3476 - الجزء: 22 - الصفحة: 299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال رَبِيعةُ، ويحيى بنُ سعيدٍ، وأبو الزِّنَادِ، ومالكٌ: هى ثلاثٌ على كلِّ حالٍ، قَبِلُوها أو رَدُّوها.
وقال أبو حنيفةَ فيها كقَوْلِه في الكِنايةِ الظَّاهرةِ، ومثلَه قال الشافعىُّ.
واخْتلَفا ههُنا بِناءً على اخْتِلافِهما ثَمَّ.
ولَنا على أنَّها لا تَطْلُقُ إذا لم يَقْبَلُوها، أنَّه تَمْلِيكٌ للبُضْعِ، فافْتَقَرَ فيه إلى القَبُولِ، كقولِه: اخْتارِى.
و: أمْرُكِ بيَدِك.
وكالنِّكاحِ.
وعلى أنَّها لا تكونُ ثلاثًا، أنَّه لفْظٌ مُحْتَمِلٌ، فلا يُحْمَلُ على الثَّلاثِ عندَ الإِطْلاقِ، كقولِه: اخْتارِى.
وعلى أنَّها رَجْعِيَّة، أنَّها طَلْقةٌ لمَنْ عليها عِدَّةٌ بغيرِ عِوَضٍ، قبلَ اسْتِيفاءِ العَددِ، فكانت رجْعِيَّةً، كقولِه: أنتِ طالقٌ 424. وقولُه: إنَّها واحدةٌ.
مَحْمولٌ على ما إذا أطْلَقَ النِّيَّةَ، أو نَوَى واحدةً، فأمَّا إن نَوَى ثلاثًا، أو اثْنَتَيْنِ، فهو على ما نَوَى؛ لأنَّها كنايةٌ غيرُ ظاهرةٍ، فيُرْجَعُ إلى نِيَّتِه في عَدَدِها، كسائِرِ الكِناياتِ.
ولابدَّ مِن أن يَنْوِىَ بذلك الطَّلاقَ،
الجزء: 22 - الصفحة: 300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو تكونَ ثَمَّ دَلالَةُ حالٍ؛ لأنَّها كنايةٌ، ولابُدَّ [من النِّيَّةِ في الكِنايةِ كذلك] 425. قال القاضى: ويَنْبَغِى أن تُعْتَبَرَ النِّيَّةُ مِن الذى يَقْبَلُ أيضًا، كما تُعْتَبَرُ في اخْتِيارِ الزَّوْجَةِ إذا قال لها: اخْتارِى.
أو: أمْرُكِ بيَدِك.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ صِيغةَ 426 القَبُولِ أن يقولَ أهلُها: قَبِلْناها.
نَصَّ عليه أحمدُ.
والحُكْمُ في هِبَتِها لنَفْسِها أو لأجْنَبِىٍّ، كالحُكْمِ في هِبَتِها لأهْلِها.
الجزء: 22 - الصفحة: 301
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإنْ باعَ امرأتَه لغيرِه، لم يَقَعْ به طَلاقٌ وإن نَوَى.
[وبه] 427 قال الثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ.
وقال مالكٌ: تَطْلُقُ واحدةً، وهى أمْلَكُ بنَفْسِها؛ لأنَّه أتَى بما يَقْتَضِى خُروجَها عن مِلْكِه، أشْبَهَ ما لو وَهَبَها.
ولَنا، أنَّ البَيْعَ لا يتَضَمَّنُ معنى الطَّلاقِ؛ لأنَّه نقلُ مِلْكٍ بعِوَضٍ، والطَّلاقُ مُجَرَّدُ إسْقاطٍ لا يَقْتَضِى العِوَضَ، فلم يَقَعْ به طَلاقٌ، كقولِه: أطْعِمينِى واسْقِينِى.
فصولٌ في قولِ الزَّوْجِ لامْرأتِه: أمْرُكِ بيَدِكِ: قد ذكَرْنا أنَّ الزَّوجَ إذا قال لامْرأتِه: أمْرُكِ بيَدِكِ.
أنَّه في يَدِها ما لم يَفْسَخْ أو يَطَأْ؛ لأَنَّ الزَّوجَ مُخَيَّرٌ بينَ أن يُطَلِّقَ بنَفْسِه 428، وبين أن يُوَكِّلَ فيه، وأنْ يُفَوِّضَه إلى المرأةِ، ويَجْعلَه إلى اخْتِيارِها؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَيَّرَ نِساءَه فاخْتَرْنَه 429. ومتى جَعلَ أمْرَ امْرأتِه بيَدِها، لم يَتَقيَّدْ بالمجلسِ.
رُوِى ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وبه قال الحَكَمُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى: هو مقْصورٌ على المجلسِ، كقولِه: اخْتارِى.
ولَنا، قولُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في رجلٍ جَعلَ أمْرَ امْرأتِه بيَدِها، قال: هو لها حتى تَنْكِلَ 430. ولأنَّه نَوْعُ تَوْكيلٍ في الطَّلاقِ،
الجزء: 22 - الصفحة: 302
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فكان على التَّراخِى،؛ كما لو جَعَلَه لأجْنَبِىٍّ.
فإنْ رَجَعَ الزَّوجُ فيما جعلَ إليها، أو قال: فَسَخْتُ ما جعَلْتُ إليكِ.
بَطَلَ.
وبذلك قال عطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وإسْحاقُ.
وقال الزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، وأصحابُ الرَّأْى: ليس له الرُّجوعُ؛ لأنَّه مَلَّكها ذلك، فلم يَمْلِكِ الرُّجوعَ، كما لو طَلقَتْ.
ولَنا، أنَّه توكيلٌ، فكان له الرُّجوعُ فيه، كالتَّوكيلَ في البيعَ، وكما لو وَكَّل في ذلك أجْنَبِيًّا.
ولا يَصِحُّ قوْلُهم: تَمْلِيكًا؛ لأَنَّ الطَّلاقَ لا يَصِحُّ تَمْلِيكُه، ولا يَنْتَقِلُ عن الزَّوجِ، وإنَّما يَنُوبُ غيرُه فيه عنه، وإن سُلِّمَ أنَّه تَمْلِيكٌ، فالتَّمْلِيكُ يَصِحُّ الرُّجُوعُ فيه قبلَ اتِّصالِ 431 القَبُولِ به، كالبَيْعِ.
وإن وَطِئَها الزَّوجُ كان رُجوعًا؛ لأنَّه نوعُ تَوْكيلٍ، والتَّصَرُّفُ فيما وَكَّلَ فيه يُبْطِلُ الوَكالةَ.
وإن ردَّتِ المرأةُ ما جُعِلَ إليها، بَطَلَ، كما تَبْطُلُ الوكالةُ برَدِّ الوكيلِ.
فصل: ولا يقَعُ الطَّلاقُ بمُجَرَّدِ هذا القولِ، ما لم يَنْوِ به إيقاعَ طَلاقِها في الحالِ، أو تُطَلِّقْ نفْسَها.
ومتى رَدَّتِ الأمْرَ الذى جُعِلَ إليها، بَطَلَ، ولم يَقَعْ شئٌ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ عمرَ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ومَسْروقٌ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ.
وقال قَتادةُ: إن رَدَّتْ فوَاحِدَةٌ رَجْعيَّةٌ.
ولَنا، أنَّه توكيل رَدَّه الوكيلُ، أو تَمْليكٌ لم يَقْبَلْه
الجزء: 22 - الصفحة: 303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُمَلَّكُ، فلم يَقَعْ به شئٌ، كسائِرِ التَّوكيلِ والتَّمْليكِ.
فأمَّا إن نَوَى بهذا تَطْلِيقَها في الحالِ، طَلُقَتْ في الحالِ، ولم يَحْتَجْ إلى قَبُولِها، كما لو قال: حَبْلُكِ على غارِبِكِ.
فصل: فإن قالت: اخْتَرْتُ نَفْسِى.
فَهِىَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ.
رُوِى ذلك عن عمرَ، [وابنِ مسعودٍ] 432، وابنِ عباسٍ.
وبه قال عمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ أبى ليلَى، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ.
ورُوِىَ عن علىٍّ أنَّها واحدةٌ بائنةٌ.
وبه قال أبو حنيفةَ وأصحابُه؛ لأَنَّ تَمْلِيكَه إيَّاها أمْرَها يَقْتَضِى زَوالَ سُلْطانِه عنها، فإذا قَبِلَتْ ذلك بالاخْتِيارِ، وَجبَ أن يَزُولَ عنها، ولا يَحْصُلُ 433 ذلك مع بقاءِ الرَّجْعَةِ.
وعن زيدِ بنِ ثابتٍ أنَّها ثلاثٌ.
وبه قال الحسَنُ، ومالكٌ، واللَّيْثُ، إلَّا أنَّ مالِكًا قال: إذا لم تَكُنْ مَدْخولًا بها قُبِلَ منه، إذا أرادَ واحدةً أو اثْنَتَيْنِ.
وحُجَّتُهم أنَّ ذلك يَقْتَضِى زَوالَ سُلْطانِه عنها، ولا يكونُ ذلك إلَّا بثلاثٍ.
وفى قولِ مالكٍ أنَّ غيرَ المدْخولِ بها يَزُولُ سُلْطانُه عنها بواحدةٍ، فاكْتُفِىَ بها.
ولَنا، أنَّها لم تُطَلِّقْ.
بلَفْظِ الثَّلاثِ، ولا نَوَتْ ذلك، فلم تَطْلُقْ ثلاثًا، كما لو أتَى الزَّوجُ بالكِناياتِ الخَفِيَّةِ.
وهذا إذا لم تَنْوِ إلَّا واحدةً، فإن نَوَتْ أكْثَرَ منها، وقَعَ ما نَوَتْ، لأنَّها تَمْلِكُ الثَّلاثَ بالتَّصْريحِ، فتَمْلِكُها بالكِناياتِ، كالزَّوْجِ.
وهكذا إن أتَتْ بشئٍ مِن الكناياتِ، فحُكْمُها فيها حُكْمُ الزَّوجِ، إن كانت ممَّا يَقَعُ بها الثَّلاثُ مَّنَ الزَّوجِ، وقَعَ بها الثَّلاثُ
الجزء: 22 - الصفحة: 304
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا أتَتْ بها، وإن كانتْ مِنَ الكناياتِ الخَفِيَّةِ، نحوَ قولِها: لا تَدخُلْ علىَّ.
ونحوَها، وقعَ ما نَوَتْ.
قال.
أحمدُ: إذا قال لها: أمْرُكِ بيَدِك.
فقالتْ: لا تَدْخُلْ علىَّ إلَّا بإذْنٍ، تَنْوِى 434 في ذلك، إن قالتْ: واحدةً.
فواحدةٌ، وإن قالت: أرَدْتُ أن أغِيظَه.
قُبِلَ منها.
يعنى لا يَقَعُ شئٌ.
وكذلك إن جَعلَ أمْرَها بيدِ أجْنَبِىٍّ، فأتَى بهذه الكناياتِ، لا يَقَعُ شئٌ حتى يَنْوِىَ الوكيلُ الطَّلاقَ.
ثم إن طَلَّقَ بلفظٍ صَريحٍ ثلاثًا، أو بكنايةٍ ظاهرةٍ، وقَعَتِ الثَّلاثُ، وإن كان بكنايةٍ خَفِيَّةٍ، وقَعَ ما نَوَاه.
الجزء: 22 - الصفحة: 305
بَابُ مَا يَخْتَلِف بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ
يَمْلِكُ الْحُرُّ ثَلَاثَ طَلَقَاتٍ وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ، وَيَمْلِكُ الْعَبْدُ اثْنَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ.
وَعَنْهُ أَنَّ الطَّلاقَ بِالنِّسَاءِ، فَيَمْلِكُ زَوْجُ
بابُ ما يختلفُ به عَددُ الطَّلاقِ
(يَمْلِكُ الحُرُّ ثَلاثَ طَلَقَاتٍ وإن كان تَحْتَه أمَةٌ، ويَمْلِكُ العَبْدُ اثْنَتَيْنِ وإنْ كان تَحْتَهُ حُرَّةٌ) وجملةُ ذلك، أنَّ الطَّلاقَ مُعْتَبَرٌ بالرِّجالِ، فإنْ كان الزَّوْجُ حُرًّا، فطلاقُه ثلاثٌ، حُرَّةً كانتِ الزَّوجَةُ أو أمَةً، وإن كان عَبْدًا، فطلاقه اثْنَتانِ، حُرَّةً كانت زَوْجَتُه أو أمَةً.
رُوِى ذلك عن عمرَ، وعثمانَ، وزيدٍ، وابنِ عباسٍ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال ابنُ عمرَ: أيُّهما رَقَّ نَقَصَ الطَّلاقُ بِرِقِّه، فطَلاقُ العبدِ اثْنَتانِ وإن كان تحْتَه حُرَّةٌ، وطَلاقُ الأمَةِ اثْنَتانِ وإنْ كان زَوْجُها حُرًّا (وعنه أنَّ الطَّلاقَ بالنِّساءِ، فيَمْلِكُ زَوْجُ الحُرَّةِ ثلاثًا وإن كان
الجزء: 22 - الصفحة: 307
الْحُرَّةِ ثَلَاثًا وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، وَزَوْجُ الأَمَةِ اثْنَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ حُرًّا.
عبدًا، وزَوْجُ الأمةِ اثْنَتَيْنِ وإن كان حُرًّا) رُوِى ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه.
وهو قولُ ابنِ مسعودٍ.
وبه قال الحسنُ، وابنُ سِيرينَ، وعِكْرِمَةُ، وعَبِيدَةُ، ومَسْروقٌ، والزُّهْرِىُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «طَلَاقُ الأمَةِ تَطْلِيقَتَان، [وقُرْؤُهَا حَيْضَتَانِ] 435». رَواه أبو داودَ، [وابنُ ماجَه] 436. ولأَنَّ المرأةَ مَحَلُّ الطَّلاقِ، فيُعْتَبَرُ بِها، كالعِدَّةِ.
ولَنا، أنَّ اللَّه تعالى خاطَبَ الرِّجالَ بالطَّلاقِ، فكان حُكْمُه 437 مُعْتَبَرًا بهم، ولأَنَّ الطَّلاقَ خالِصُ حَقِّ الزَّوْجِ، وهو ممَّا يَخْتَلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، فكان اخْتلافُه به، كعَدَدِ المنْكوحاتِ.
وحديثُ عائشةَ، قال أبو داودَ: روايةُ 438 مُظاهِرِ بنِ أسْلَمَ، وهو مُنْكَرُ الحديثِ.
وقد أخْرَجَه
الجزء: 22 - الصفحة: 308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدَّارَقُطْنِىُّ 439، في «سُنَنِه» عن عائشةَ، قالتْ: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «طَلَاقُ الْعَبْدِ اثْنَتَانِ، فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَه، وَقُرْءُ 440 الأمَةِ حَيْضَتَانِ، وَتَتَزَوَّجُ الْحُرَّةُ عَلَى الأمَةِ، وَلَا تَتَزَوَّجُ الأمَةُ عَلَى الحُرَّةِ».
وهذا نَصٌّ.
ولأَنَّ الحُرَّ يَمْلِكُ أن يَتَزَوَّجَ أرْبعًا، فمَلَكَ طَلَقاتٍ ثلاثًا، كما لو كان تحتَه حُرَّةٌ، ولا خِلافَ في أنَّ الحُرَّ الذى زَوْجَتُه حُرَّةٌ، طلاقُه ثلاثٌ، وأنَّ العبدَ الذى تحتَه أمَةٌ، طلاقُه اثْنَتانِ، وإنَّما الخِلاف فيما إذا كان أحَدُ الزَّوْجَيْن حُرًّا والآخَرُ رَقِيقًا.
قال أحمدُ: المُكاتَبُ عبدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ، [وطلاقُه وأحْكامُه كلُّها أحْكامُ العبدِ.
وهذا صَحِيحٌ؛ فإنَّه جاءَ في الحديثِ: «المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ»] 441. ولأنَّه يَصِحُّ عِتْقُه، ولا يَنْكِحُ
الجزء: 22 - الصفحة: 309
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلَّا اثْنَتَيْن، ولا يَتَزَوَّجُ ولا يَتَسَرَّى إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه، وهذه أحْكامُ العَبيدِ، فيكونُ طَلاقُه كطلاقِ سائِرِ العَبِيدِ.
وقد رَوَى الأَثْرَمُ، في «سُنَنِه» عن سليمانَ بنِ يَسارٍ [أنَّ نُفَيْعًا] 442 مُكاتَبَ أُمِّ سَلَمَةَ، طَلَّقَ امرأةً حُرَّةً تطْليقَتَيْنِ، فسألَ عثمانَ وزيدَ بنَ ثابتٍ عن ذلك، فقالا: حَرُمَتْ عليك 443. والمُدبَّرُ كالعَبْدِ القِنِّ في نِكاحِه وطَلاقِه، وكذلك المُعَلَّقُ عِتْقُه بصِفَةٍ؛ لأنَّه عبدٌ، فثَبَتَتْ فيه أحْكامُ العبيدِ 444.
فصل: قال أحمدُ في روايةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ: العبدُ إذا كان نِصْفُه
الجزء: 22 - الصفحة: 310
فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ الطَّلَاقُ.
أَو: الطَّلَاقُ لِى لَازِمٌ.
وَنَوَى الثَّلَاثَ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا،
حُرًّا ونِصْفُه عبدًا، يَتَزَوَّجُ ثلاثًا، ويُطَلِّقُ ثلاثَ تَطْلِيقاتٍ، وكذلك كلُّ ما تَجَزَّأَ (1) بالحِسابِ.
وإنَّما جَعَلَ له نِكاحَ ثلاثٍ؛ لأَنَّ عَدَدَ المنْكُوحاتِ يتَبَعَّضُ، فوَجَبَ أن يَتَبَعَّضَ في حَقِّه، كالحَدِّ، فلذلك (2) كان له أن يَنْكِحَ نِصْف ما يَنْكِحُ [الحُرُّ ونِصْفَ ما يَنْكِحُ] (3) العبدُ، وذلك ثلاثٌ.
وأمَّا الطَّلاقُ فلا تُمْكِنُ قِسْمَتُه في حَقِّه؛ لأَنَّ مُقْتَضَى حالِه أن يكونَ له ثلاثةُ أرْباعِ الطَّلاقِ، وليس له ثلاثةُ أرْباعٍ، فكَمَلَ في حَقِّه، ولأَنَّ الأَصْلَ إثْبَاتُ الطَّلَقاتِ الثَّلاثِ في حَقِّ كُلِّ مُطَلِّقٍ، وإنَّما خُولِفَ في حَقِّ مَن كَمَلَ الرِّقُّ فيه، ففيما عَداهُ يَبْقَى على الأَصْلِ.
3477 -
مسألة: (فإذا قال: أنْتِ الطَّلاقُ. أو: الطَّلاقُ لِى لازِمٌ. ونَوَى الثَّلاثَ، طَلُقَتْ ثَلاثًا)
قال القاضى: لا تَخْتَلِفُ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في مَن قال لامرأتِه: أنتِ الطَّلاقُ.
أنَّه يَقَعُ به 448، نَوَاه أو لم445446447
الحديث: 3477 - الجزء: 22 - الصفحة: 311
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَنْوِه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ.
ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهانِ؛ أحدُهما، أنَّه غيرُ صَرِيحٍ؛ لأنَّه مصْدرٌ، والأعْيانُ لا تُوصَف بالمصادِرِ إلَّا مَجازًا.
ولَنا، أنَّ الطَّلاقَ لفظٌ صريحٌ، فلم يفْتَقِرْ إلى نِيَّةٍ، كالمُتَصرِّفِ منه 449، وهو مُسْتَعْملٌ في عُرْفِهم، قال الشَّاعرُ 450:
أنَوَّهْتِ باسْمِىَ في العالَمِينَ … وأفْنَيْتِ عُمْرِىَ عامًا فعامَا
فأنتِ الطَّلاقُ وأنتِ الطَّلاقُ … وأنتِ الطَّلاقُ ثلاثًا تَمامَا
قولُهم: إنَّه مَجازٌ.
قُلْنا: نعم، إلَّا أنَّه يَتَعَيَّنُ 451 حمْلُه على الحقيقةِ، ولا مَحْمَلَ له يَظهرُ سِوَى هذا المحْمَلِ، فَتَعَيَّنَ فيه.
إذا ثَبَتَ ذلك، فإنَّه إذا قال: أنتِ الطَّلاقُ.
أو: الطَّلاقُ لى لازِمٌ.
أو: الطَّلاقُ يَلْزَمُنِى.
أو: علىَّ الطَّلاقُ.
فهو بِمَثابةِ قوْلِه: الطَّلاقُ يَلْزَمُنِى؛ لأَنَّ مَن يَلْزَمُه شئٌ يَضُرُّه، فهو عليه كالدَّيْنِ، وقد اشْتَهَرَ اسْتِعمالُ هذا في إيقاعِ الطَّلاقِ، فهو صَرِيحٌ؛ فإنَّه يُقال لمَنْ وقَعَ طَلاقُه: لَزِمَه الطَّلاقُ.
وقالوا: إذا عَقَلَ الصَّبِىُّ الطَّلاقَ، فطَلَّقَ لَزِمَه.
ولعَلَّهم أرادُوا: لَزِمَه حُكْمُه.
فحَذَفُوا المُضافَ، وأقامُوا المُضافَ إليه مُقامَه، ثم اشْتَهَرَ ذلك حتى صارَ مِن الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ، وانْغَمَرتِ الحقيقةُ فيه.
ويَقعُ ما نَوَاه مِن (1) واحدةٍ أو اثْنَتَيْنِ أو ثلاثٍ.
الجزء: 22 - الصفحة: 312
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا،
3478 - مسألة: (فإن لم يَنْوِ شيئًا)
فَفِيهِ رِوايتان؛ إحْداهما، يقَعُ الثَّلاثُ.
نَصَّ عليها أحمدُ في روايةِ مُهَنَّا.
وهى اخْتِيارُ أبى بكرٍ؛ لأَنَّ الألِفَ واللَّامَ للاسْتِغْراقِ، فيَقْتَضِى اسْتِغْراقَ الكُلِّ، وهو ثَلاثٌ.
والثانيةُ، أنَّها واحدةٌ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن تعودَ الألِفُ واللَّامُ إلى مَعْهُودٍ، يُرِيدُ الطَّلاقَ الذى أوْقَعْتُه، ولأَنَّ الألفَ واللَّامَ في أسْماءِ الأجْناسَ تُسْتَعْمَلُ لغيرِ الاسْتِغْراقِ كثيرًا، كقولِه: ومَنْ أُكْرِهَ على الطَّلاقِ.
و: إذا عَقَلَ الصَّبِىُّ الطَّلاقَ.
وأشْباهِ هذا ممَّا يُرادُ به ذلك الجِنْسُ، ولا يُفْهَمُ منه الاسْتِغْراقُ، فعند ذلك لا يُحْمَلُ على التَّعْمِيمِ إلا بنِيَّةٍ صارفةٍ إليه.
قال شيْخُنا 452: والأشْبَهُ في هذا جميعِه أَنْ يكونَ واحدةً في حالِ الإِطْلاقِ؛ لأَنَّ أهلَ العُرْفِ لا يَعْتَقِدُونَه ثلاثًا، ولا يَعْلَمونَ أنَّ الألفَ واللَّامَ للاسْتِغْراقِ، ولهذا يُنْكِرُ أحدُهم أن يكونَ طَلَّقَ ثلاثًا، ولا يَعْتَقِدُ أنَّه طَلَّقَ إلَّا واحدةً، فمُقْتَضَى اللَّفْظِ في ظَنِّهِم واحدةٌ، فلا يُريدونَ إلَّا ما يعْتَقِدُونَه مُقْتَضَى لَفْظِهم، فيَصِيرُ كأنَّهم نوَوْا واحدةً.
فصل: فأمَّا إن قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا، فهى ثلاثٌ وإن نَوَى واحدةً.
لا نَعْلَمُ بين أهلِ العلمِ فيه خلافًا؛ لأَنَّ اللفْظَ صَرِيحٌ في 453
الحديث: 3478 - الجزء: 22 - الصفحة: 313
أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
وَنَوَى الثَّلَاثَ، فَفِيهِ رِوايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، تَطْلُقُ ثَلَاثًا، وَالأُخْرَى، تَطْلُقُ وَاحِدَةً.
الثَّلاثِ، والنِّيَّةُ لا تُعارِضُ الصَّريحَ؛ لأنَّها أضْعَفُ من اللفْظِ، [ولذلك لا تَعْمَلُ بمُجَرَّدِها، والصَّريحُ قوىٌّ يُعْمَلُ بمُجَرَّدِه، من غير نِيَّةٍ، فلا يُعَارِضُ القوىَّ الضَّعِيفُ] (1)، كما لا يُعارِضُ النَّصَّ القِياسُ، ولأَنَّ النِّيَّةَ إنَّما تعْمَلُ في صَرْفِ اللفظِ إلى بعْضِ مُحْتَمِلاِتِه، والثَّلاثُ نَصٌّ فيها، لا تَحْتَمِلُ الواحدةَ بحالٍ، فإذا نَوَى واحدةً، فقد نَوَى ما لا تَحْتَمِلُه، فلم يصِحَّ، كما لو قال: له علىَّ ثلاثةُ دراهمَ.
وقال: أرَدْتُ واحدًا.
3479 -
مسألة: (وإن قال: أنْتِ طَالِقٌ. ونَوَى ثلاثًا، ففِيهِ رِوايتان؛ إحْداهما، تَطْلُقُ ثلاثًا)
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأَنَّ لَفْظَه لو قُرِنَ به لَفْظُ الثَّلاثِ كان ثلاثًا، فإذا454
الحديث: 3479 - الجزء: 22 - الصفحة: 314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَوَى به الثَّلاثَ كان ثلاثًا، كالكناياتِ، ولأنَّه نَوَى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُه، فوَقَعَ ذلك به، كالكنايةِ.
وبَيانُ احْتمالِ اللفْظِ للعَدَدِ، أنَّه يَصِحُّ تَفْسِيرُه به؛ فيقولُ: أنتِ طالقٌ ثلاثًا.
ولأَنَّ قولَه: طالقٌ.
اسمُ فاعل، واسمُ الفاعِلِ يقْتَضِى المصدرَ كما يَقْتَضِيه الفِعْلُ، والمصْدَرُ يقع على القليلِ والكثيرِ.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا تقَعُ إلَّا واحدةٌ.
وهو قولُ الحسنِ، وعمرِو بنِ دِينارٍ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأَنَّ هذا اللَّفْظَ لا يَتَضَمَّنُ عَدَدًا، ولا بَيْنُونةً، فلم يَقَعْ به الثَّلاثُ، كما لو قال: أنتِ واحدةٌ.
بَيانُه؛ أنَّ قَولَه: أنتِ طالقٌ.
إخبارٌ عن صِفَةٍ هى عليها، فلم يتَضَمَّنِ العَدَدَ، كقولِه: قائمةٌ، وحائضٌ، وطاهرٌ.
والأُولَى أصَحُّ؛ لِما ذَكَرْنا.
وفارَقَ قولَه: أنتِ حائضٌ 455، وطاهِرٌ.
لأَنَّ الحَيْضَ والطُّهْرَ لا يُمْكِنُ تَعَدُّدُه في حَقِّها، [والطَّلاقُ] 456 يُمْكِنُ تعَدُّدُه.
الجزء: 22 - الصفحة: 315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ طلاقًا.
ونَوَى ثلاثًا، وقعَ ثلاثٌ 457؛ لأنَّه صَرَّحَ 458 بالمصْدَرِ، والمصْدَرُ يقَعُ على [القليلِ والكثيرِ] 459، فقد نَوَى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُه، وإن نَوَى واحدةً فهى واحدةٌ، وإن أطْلَقَ فهى واحدةٌ، لأنَّه اليَقِينُ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ الطَّلاقَ.
وقعَ ما نَوَاه.
وإن لم يَنْوِ شيئًا،
الجزء: 22 - الصفحة: 316
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فذَكَرَ القاضى فيها رِوايَتَيْنِ؛ إحْداهما؛ تقَعُ الثَّلاثُ؛ لأَنَّ الألِفَ واللَّامَ للاسْتِغْراقِ، فيَقْتَضِى اسْتِغْراقَ الكُلِّ، وهو ثلاثٌ.
والثانيةُ، أنَّها واحدةٌ؛ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ الألفَ واللَّامَ [يَحْتَمِلُ أن] 460 تعودَ إلى المعْهُودِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 317
وإنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً.
وَنَوَى ثَلَاثًا، لَمْ تَطْلُقْ إِلَّا وَاحِدَةً فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
3480 - مسألة: (وإن قال: أنْتِ طَالِقٌ واحدةً. ونَوَى ثلاثًا، لِم يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ)
لأَنَّ لفْظَه لا يَحْتَمِلُ أكثرَ منها، فإذا نَوَى [ثلاثًا، فقد نوَى] 461 ما لا يَحْتَمِلُه لفْظُه، فلو وقَعَ أكْثرُ مِن ذلك، لَوقعَ بمُجَرَّدَ النِّيَّةِ، ومُجَرَّدُ النِّيَّةِ لا يقعُ بها طَلاقٌ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: تقعُ ثلاثٌ، في
الحديث: 3480 - الجزء: 22 - الصفحة: 320
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا.
وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ قَالَ: أرَدْتُ بِعَدَدِ الْمَقْبُوضَتَيْنِ.
قُبِلَ مِنْهُ.
أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ واحدَةً معها اثْنَتانِ.
وهذا لا يَصِحُّ؛ فإنَّ قولَه: معها اثْنَتان.
لا يُؤَدِّيه معنى الواحدةِ، ولا يحْتَمِلُه، فنِيَّتُه فيه نِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ، فلا تَعْمَلُ، كما لو نَوَى الطَّلاقَ مِن غيرِ لفْظٍ.
وفيه وجَهٌ (1) لأصْحابِنا، أنَّه يَقَعُ ثلاثٌ.
والأَوَّلُ أصَحُّ.
3481 -
مسألة: (وإن قال: أنْتِ طالقٌ هكذا. وأشار بأصابِعِه الثَّلاثِ، طَلُقَتْ ثَلاثًا)
لأَنَّ قولَه: هكذا.
صَرِيحٌ بالتَّشْبيهِ بالأصابعِ في العَددِ، وذلك يصْلُحُ بيانًا، كما قال النبى -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا [وهكذا] 463». وأشارَ بيَدَيَهْ 464 مَرَّةً ثلاثينَ، ومَرَّةً تسعًا وعشرينَ 465 (فإن قال: أرَدْتُ بعددِ المقبوضتَيْن.
قُبلَ منه) لأنَّه يَحْتَمِلُ ما يدَّعِيه.
فأمَّا إن462
الحديث: 3481 - الجزء: 22 - الصفحة: 321
وَإِنْ قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، بَلْ هَذِهِ ثَلَاثًا.
طَلُقَتِ الأُولَى وَاحِدَةً، وَالثَّانِيَةُ ثَلَاثًا.
قال: أنتِ طالقٌ.
وأشارَ بأصابِعِه الثَّلاثِ، ولم يَقُلْ: هكذا.
لم يَقَعْ إلَّا واحدةٌ؛ لأَنَّ إشارَتَه لا تَكْفِى.
فصل: (وإن قال) لإِحْدَى امْرأتَيْه: (أنْتِ طالقٌ واحدةً، بل هذهِ) وأشارَ إلى الأُخْرَى (ثلاثًا.
طَلُقَتِ الأُولَى واحدةً، والثَّانيةُ ثلاثًا) لأنَّه أوْقَعَه بهما كذلك، أشُبَهَ ما لو قال: له علىَّ هذا الدِّرْهمُ، بل هذا.
فإنَّه يجبُ عليه 466 الدِّرهمانِ، ولا يصِحُّ إضْرابُه عن الأَوَّلِ.
= 1/ 542. والنسائى، في: باب ذكر الاختلاف على إسماعيل في خبر سعد بن مالك فيه، وباب ذكر الاختلاف على يحيى بن أبى كثير في خبر أبى سلمة فيه، من كتاب الصيام.
المجتبى 4/ 112 - 114. وابن ماجه، في: باب ما جاء في «الشهر تسع وعشرون»، من كتاب الصيام.
سنن ابن ماجه 1/ 530. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 184، 2/ 28، 43، 44، 52، 81، 122، 125، 3/ 329، 5/ 42.
الجزء: 22 - الصفحة: 322
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّ الطَّلَاقِ، أَوْ أَكْثَرَهُ، أَوْ جَمِيعَهُ، أَوْ مُنْتَهَاهُ، أَوْ: طَالِقٌ كَأَلْفٍ، أَوْ بِعَدَدِ الْحَصَى، أَوِ الْقَطْرِ، أَوِ الرِّيحِ، أَوِ الرَّمْلِ، أَوِ التُّرَابِ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَإِنْ نوَى وَاحِدَةً.
3482 - مسألة: (وإنْ قَالَ: أنْتِ طَالقٌ كُلَّ الطَّلاقِ، أو أكْثَرَه، أو جَمِيعَهُ، أو مُنْتَهَاهُ، أو: طَالِقٌ كَأَلْفٍ، أو بعَدَدِ الحَصَى، أو القَطْرِ، أو الرَّمْلِ، أو الرِّيحِ، أو التُّرابِ.
طَلُقَتْ ثَلاثًا وإنْ نَوَى وَاحِدَةً)
لأَنَّ هذا يَقْتَضِى عَددًا، ولأَنَّ للطَّلاقِ أقَلَّ وأكْثَرَ، فأقلُّه واحدةٌ، وأكثرُهُ ثلاثٌ.
وإنْ قال: كعَدَدِ الماءِ، أو التُّرابِ.
وقَعَ ثلاثٌ.
وقال أبو حنيفةَ: تقعُ واحدةٌ بائنٌ، لأَنَّ الماءَ والتُّرابَ من أسْماءِ الأجْناسِ، لا عَدَدَ له.
الحديث: 3482 - الجزء: 22 - الصفحة: 323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولَنا، أنَّ الماءَ تَتَعَدَّدُ أنْواعُه وقَطرَاتُه، والتُّرابَ تَتعدَّدُ أنْواعُه وأجْزاؤُه، فأشْبَهَ الحَصَى.
وإن قال: يا مائَةَ طالقٍ.
أو: أنتِ مائةُ طالقٍ.
طَلُقَتْ ثلاثًا.
وإن قال: أنتِ طالقٌ كمائةٍ، أو: ألفٍ.
فهى ثلاثٌ.
قال أحمدُ، في مَن قال: أنتِ طالقٌ كألفِ تَطْليقةٍ: فهى ثلاثٌ.
وبه قال محمدُ بنُ الحسنِ، وبعضُ أصحابِ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: إن لم يكُنْ له نِيَّةٌ، وقَعَتْ واحدةٌ؛ لأنَّه لم يُصَرِّحْ بالعَددِ، وإنَّما شَبَّههَا بالألفِ، وليس المُوقَعُ المُشَبَّهَ به.
ولَنا، أنَّ قولَه: كألفٍ.
يُشْبِهُ العَدَدَ خاصَّةً؛ لأنَّه لم يذْكُرْ إلَّا ذلك، فوقَعَ العَددُ، كقولِه: أنتِ طالقٌ كعَددِ الألفِ.
وفى هذا انْفِصالٌ عمَّا قال.
وإن قال: أردْتُ أنَّها كألفٍ في صُعوبَتِها.
دُيِّنَ.
وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن.
الجزء: 22 - الصفحة: 324
وَإِنْ قَالَ: أَشَدَّ الطَّلَاقِ، أَوْ أَغْلَظَهُ؛ أَوْ أَطْوَلَهُ، أَوْ أَعْرَضَهُ، أَوْ مِلْءَ الدُّنْيَا.
طَلُقَتْ وَاحِدَةً إلَّا أَنْ يَنْوِىَ ثَلَاثًا.
3483 - مسألة: (وإنْ قَالَ: أشَدَّ الطَّلاقِ، أو أغْلَظَه، أو أطْوَلَه، أو أعْرَضَه، أو مِلءَ الدُّنْيَا)
وَنَوَى الثَّلاثَ، وَقَعَ الثَّلاثُ، وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، أَوْ نَوَى وَاحِدَةً، فَهِى وَاحِدَةٌ.
قال أحمدُ، في مَن قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ مِلءَ البيتِ: فإن أرادَ الغِلْظَةَ عليها -يعنى يُرِيدُ أَنْ تَبينَ منه- فهى ثلاثٌ.
فاعْتَبَرَ نِيَّتَه، فدَلَّ على أنَّه إذا لم يَنْوِ، تَقَعُ واحدةٌ؛ وذلك لأَنَّ هذا الوَصْفَ لا يقْتَضِى عَددًا.
وهذا لا نَعلمُ فيه خلافًا.
فإذا وقَعَتِ
الحديث: 3483 - الجزء: 22 - الصفحة: 325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الواحدةُ، فهى رَجْعِيَّةٌ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: تكونُ بائنًا؛ [لأنَّه وصَفَ] 467 الطَّلاقَ بصِفَةٍ زائدةٍ، فيَقْتَضِى الزِّيادَةَ عليها، وذلك هو البَيْنُونَةُ.
ولَنا، أنَّه طَلاقٌ صادفَ مَدْخُولًا بها، مِن غيرِ اسْتِيفاءِ عَدَدٍ ولا عِوَض، فكان رَجْعيًّا، كقولِه: أنتِ طالقٌ.
وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الطَّلاقَ حُكْمٌ، فإذا ثبتَ ثَبَتَ في الدُّنْيا كلِّها، فلا يقْتَضِى ذلك زِيادةً.
فإنْ قال: أنتِ طالقٌ مِثْلَ الجَبَلِ، أو مِثْلَ عِظَمِ الجَبَلِ.
ولا نِيَّةَ له، وقَعتْ طَلْقةٌ رَجْعِيَّةٌ.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تقعُ بائنًا.
وقال أصحابُه: إن قال: مِثْلَ الجَبَلِ.
كانت رَجْعِيَّةً.
وإن قال: مِثْلَ عِظَمِ الجَبَلِ.
كانت بائنًا.
ووَجْهُ القَوْلَيْن ما تقَدَّمَ.
[ولأنَّه] 468 لا يَمْلِكُ إيقاعَ البَيْنُونَةِ، فإنَّها حُكْمٌ، وليس ذلك إليه، وإنَّما تَثْبُتُ البَيْنُونَةُ بأسْبابٍ مُعَيَّنَةٍ؛ كالخُلْعِ، والطَّلاقِ [الثلاثِ، والطَّلاقِ] 469 قَبْلَ الدُّخولِ، فيَمْلِكُ مُباشَرةَ سَبَبِها فتَثْبُتُ.
وإن أرادَ إثْباتَها 470 بدُونِ ذلك، لم تَثْبُتْ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ أشدّ 471 الطَّلاقِ
الجزء: 22 - الصفحة: 326
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إِلَى ثَلَاثٍ.
طَلُقَتِ اثْنَتَيْنِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ ثَلَاثًا.
عليه أو عليها؛ لتَعَجُّلِها، أو لحُبِّ أحدِهما صاحِبَه، ومَشَقَّةِ فِراقِه عليه، فلم يَقَعْ أمْرٌ زائِدٌ (1) بالشَّكِّ.
فإن قال: أقْصَى الطَّلاقِ، أو أكْبَرَهُ (2). فكذلك في قِياسِ المذهبِ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ أقْصَى الطَّلاقِ ثلاثًا؛ لأَنَّ أقْصاه آخِرُه وآخِرُ الطَّلاقِ الثَّالثةُ، ومِن ضَرورةِ كَوْنِها ثالثةً وُقوعُ اثْنَتَيْنِ.
وإن قال: أتَمَّ الطَّلاقِ، أو أكمَلَه.
فواحدةٌ، إلَّا أنَّها تكون سُنِّيَّةً (3).
3484 -
مسألة: (وإن قال: أنْتِ طالِقٌ مِن واحِدَةٍ إلى ثَلاثٍ. وقَعَ طَلْقَتَانِ)
وبهذا قال أبو حنيفةَ؛ لأَنَّ ما بعدَ الغايةِ لا يدْخُلُ فيها، كقولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ 475. وإنَّما [يَدْخُلُ إذا] 476 كانتْ بمعنى «مع»، وذلك خِلافُ مَوْضوعِها.
وقال زُفَرُ: تَطْلُقُ واحدةً؛ لأَنَّ ابْتِداءَ الغايةِ ليس منها، كقولِه: بعْتُك مِن هذا الحائطِ إلى هذا الحائطِ.
(ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ ثلاثًا) وهو قولُ أبى يوسفَ، ومحمدٍ؛ لأنَّه نَطَقَ بها،472473474
الحديث: 3484 - الجزء: 22 - الصفحة: 327
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً في اثْنَتَيْنِ.
وَنَوَى طَلْقَةً مَعَ طَلْقَتَيْنِ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ نَوَى مُوجَبَهُ عِنْدَ الْحِسَابِ، وَهُوَ يَعْرِفُهُ، طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ ابْن
فلم يَجُزْ إلْغاؤُها، وكقولِه: بِعتُك هذا الثَّوْبَ مِن أوَّلِه إلى آخِرِه.
ولَنا على أنَّ ابْتِداءَ الغايةِ يَدْخُلُ، قولُه: خَرجْتُ مِن البَصْرَةِ.
فإنَّه يدلُّ على أنَّه كان فيها، وأمَّا انْتِهاءُ الغايةِ، فلا يَدْخُلُ بمُقْتَضَى اللَّفْظِ، ولو احْتَملَ الدُّخولَ وعَدَمَه، لم يَقَعِ الطَّلاقُ بالشَّكِّ.
فإن قال: أنتِ طالقٌ ما بينَ واحدةٍ وثلاثٍ.
وقَعَتْ واحدةٌ 477؛ لأنَّها التى بينَهما 478.
3485 -
مسألة: (وإذا قال: أنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً في اثْنَتَيْن.
وَنَوَى طَلْقَةً مع طَلْقَتَيْن، وَقَعَتِ الثَّلاثُ، وإن نَوَى مُوجَبَه عندَ الحسابِ، وهو يَعْرِفُه، طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ، وإن لم يَعْرِفه، فكذلك عندَ ابنِ حامدٍ.
وعندَ
الحديث: 3485 - الجزء: 22 - الصفحة: 328
حَامِدٍ.
وَعِنْدَ الْقَاضِى، تَطْلُقُ وَاحِدَةً.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، وَقَعَ بِامْرَأَةِ الْحَاسِبِ طَلْقَتَانِ، وَبِغَيْرِهَا طَلْقَةٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ ثَلَاثًا.
القاضى تَطْلُقُ واحدةً.
وإن لم يَنْوِ، وقَعَ بامرأةِ الحاسِبِ طَلْقَتانِ، وبغَيْرِها طَلْقَةٌ.
ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ ثلاثًا) إذا قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً في طَلْقَتَيْن.
أو: واحِدَةً في اثْنَتَيْن.
ونَوَى به ثلاثًا، فهى ثلاثٌ؛ لأنَّه [يعَبَّرُ بـ «في»] 479 عن «مع» 480، كقولِه تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ 481. فتَقديرُ الكلامِ: طَلْقَةً مع طَلْقَتَيْن.
فإذا أقَرَّ بذلك على نفسِه، قُبِل منه.
وإن قال: أرَدْتُ واحدةً.
قُبِل أيضًا وإن كان حاسبًا.
وقال القاضى: لا يُقْبَلُ إذا كان عارِفًا بالحسابِ، وَوقعَ طَلْقتانِ؛ لأنَّه خلافُ ما اقْتَضاه اللَّفْظُ.
ولَنا، أنَّه فَسَّرَ كلامَه بما يَحْتَمِلُه، فإنَّه لا يَبْعُدُ أن يُرِيدَ بكلامِه ما يُرِيدُه العامِّىُّ.
وإن لم تَكُنْ له نِيَّةٌ، وكان عارِفًا بالحسابِ، وقَعَ طَلْقَتانِ.
وقال الشافعىُّ: إن أطْلَقَ، لم يَقَعْ إلَّا واحدةٌ؛ لأَنَّ لَفْظَ الإِيقاعِ إنَّما هو لَفْظُ (2) الواحدةِ، وما زادَ عليها لم يَحْصُلْ فيه لَفْظُ
الجزء: 22 - الصفحة: 329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإِيقاعِ، وإنَّما يَقَعُ الزَّائدُ بالقَصْدِ، فإذا خَلا عن القَصْدِ، لم يَقَعْ إلَّا ما أوْقَعَه.
وقال بعضُ أصحابهِ كقَوْلِنا.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَقَعُ إلَّا واحدةٌ، سواءٌ قَصَدَ به الحسابَ أو لم يَقْصِدْ، [إذا لم يَقْصِدْ به واحدةً مع اثْنَتَيْن] 482؛ لأَنَّ الضَّرْبَ إنَّما يَصِحُّ فيما لَهُ مِسَاحةٌ، فأمَّا ما لا مِسَاحَةَ له، فلا حَقِيقةَ فيه للحِسَابِ، وإنَّما حصل منه الإِيقاعُ في واحدةٍ، فوَقَعتْ دُونَ غيرِها.
ولَنا، أنَّ هذا اللَّفْظَ موْضوعٌ في اصْطِلاحِهم لاثْنَيْنِ، فإذا لَفَظَ به وأطْلَقَ، وَقَعَ, كما لو قال: أنتِ طالقٌ اثْنَتَيْنِ.
وبهذا يحْصُلُ الانْفِصالُ عمَّا قاله الشافعىُّ، فإنَّ اللَّفْظَ الموْضوعَ لا يُحْتاجُ معه إلى نِيَّةٍ.
فأمَّا ما قَالَه أبو حنيفةَ، فإنَّما ذلك في وَضْع 483 الحِسَابِ بالأصْلِ، ثم صار مُسْتَعْمَلًا في كُلِّ مَا لَه عَددٌ، فصارَ حقيقةً فيه، فأمَّا الجاهِلُ بمُقتَضَى ذلك في الحِسَابِ إذا أطْلَقَ، وقَعَتْ طَلْقَةٌ واحدةٌ؛ لأَنَّ لَفْظَ الإِيقاعِ إنَّما
الجزء: 22 - الصفحة: 330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هو لَفْظَةٌ واحدةٌ، وإنَّما صارَ مَصْرُوفًا إلى الاثْنَتَيْن بوَضْعِ أَهْلِ الحِسَابِ واصْطِلاحِهم، فَمَنْ لا يَعْرِفُ اصْطِلاحَهم لا يَلْزَمُه مُقتَضاه، كالعَرَبِىِّ يَنْطِقُ بالطَّلاقِ بالعَجَمِيَّةِ وهو لا يَعْرِفُ مَعْناها.
فإن نَوَى مُوجَبَه عندَ الحِسَابِ، وهو لا يَعْرِفُه، فقال ابنُ حامدٍ 484: هو كالحاسِب قِياسًا عليه؛ لاشْتِرَاكِهما في النيَّةِ.
وعندَ القاضى، تَطْلُقُ واحدةً؛ لأنَّه إذا لم يَعْرِفْ مُوجَبَه لم يَقْصِدْ إيقاعَه، فهو كالعَجَمِىِّ يَنْطِقُ بالطَّلاقِ بالعَرَبِىِّ ولا يَفْهَمُه.
وهذا قولُ أكثرِ أصحابِ الشافعىِّ، إذا لم يَكُنْ يَعْرِفُ مُوجَبَه؛ لأنَّه لا يَصِحُّ منه قَصْدُ ما لا يَعْرِفُه.
ويَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ ثلاثًا، بِناءً على أنَّ «في» مَعْناها «مع»، فالتَّقْديرُ: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً مع طَلْقَتَيْن.
قال
الجزء: 22 - الصفحة: 331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شيْخُنا 485: ولم يُفَرِّقْ أصحابُنا في ذلك بينَ أن يكونَ المُتَكَلِّمُ بذلك ممَّن لهم عُرْفٌ في هذا اللَّفْظِ 486 أو لا، والظَّاهِرُ أنَّه (2) إنْ كان المُتَكَلِّمُ بذلك ممَّن عُرْفُهم أنَّ «في» ههُنا بمعنى «مع» وَقَعَتِ الثَّلاثُ؛ لأَنَّ كلامَه يُحْمَلُ على عُرْفِهم، والظَّاهِرُ منه إرادَتُه، وهو المُتَبادَرُ إلى الفَهْمِ مِن كلامِه.
فصل: إذا قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً، بل طَلْقَتَيْن.
وقَعَ طَلْقَتانِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال الشافعيَّةُ 487: يقَعُ ثَلاثًا، في أحدِ الوَجْهَيْن؛ لأَنَّ قولَه: أنتِ طالقٌ.
إيقاعٌ، فلا يجوزُ إيقاعُ الواحدةِ مَرَّتَيْنِ، فيَدُلُّ على أنَّه أوْقَعَها، ثُمَّ أرادَ رَفْعَها 488، وأَوْقَعَ 489 اثْنَتَيْن آخِرَتَيْنِ، فوَقَعَ
الجزء: 22 - الصفحة: 332
فَصْلٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ، أَو نِصْفَىْ طَلْقَةٍ، أَو نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ.
طَلُقَتْ طَلْقَةً.
الثَّلاثُ.
ولَنا، أنَّ ما لَفَظَ به قَبْلَ الإِضْرابِ لَفَظ به بعدَه، فلم يَلْزَمْه أكْثَرُ ممَّا بعدَه، كقولِه: له علىَّ دِرْهمٌ، بل دِرْهمان.
وقَوْلُهم: لا يجوزُ إيقاعُ ما أوْقَعَه.
قُلْنا: يَجوزُ أن يُخْبِرَ (1) بوُقوعِه مع وُقوعِ غيرِه، فلا يَقَعُ الزَّائدُ بالشَّكِّ.
فصل
: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وإذا قال: أنتِ طالقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ، أو نِصْفَىْ طَلْقَةٍ، أو نِصْفَ طَلْقَتَيْن.
طَلُقَتْ طَلْقَةً) إذا قال: أنتِ490
الجزء: 22 - الصفحة: 333
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طالقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ، أو جُزْءًا منها وإن قَلَّ.
وقَعَ طَلْقَةٌ كاملةٌ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا داودَ، قال: لا تَطْلُقُ بذلك.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، أنَّها تَطْلُقُ بذلك؛ منهم الشَّعْبِىُّ، والحارِثُ العُكْلِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادةُ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، وأبو عُبَيْدٍ.
قال أبو عُبَيْدٍ: وهو قولُ مالكٍ، وأهلِ الحجازِ، وأهلِ العِراقِ، وذلك لأَنَّ ذِكْرَ ما لا يتَبَعَّضُ في الطَّلاقِ ذكْرٌ لجَمِيعِه, كما لو قال: نِصْفُكِ طالقٌ.
فإن قال: نِصْفَىْ طَلْقَةٍ.
وقَعَتْ طَلْقَةٌ؛ لأَنَّ نِصْفَى الشَّئِ كُلُّه.
وإن قال: أنت طالقٌ نِصْفَ طَلْقَتَيْن.
طَلُقَتْ 491 واحدةً؛ لأَنَّ نِصْفَ الطَّلْقَتَيْن طَلْقَةٌ.
وذَكَرَ أصحابُ الشافعىِّ وَجْهًا آخَرَ، أنَّه يقَعُ طَلْقتانِ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِى النِّصْفَ من كُلِّ واحدةٍ منهما، ثم يُكَمَّلُ.
وما ذكَرْناه أوْلَى؛ لأَنَّ التَّنْصِيفَ يتَحَقَّقُ به، وفيه عَمَلٌ باليَقِينِ، وإلْغاءُ الشَّكِّ، وإيقاعُ ما أوْقَعَه مِن غيرِ زيادةٍ، فكان أوْلَى.
الجزء: 22 - الصفحة: 334
وَإِنْ قَالَ: نِصْفَىْ طَلْقَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةَ أَنْصَافٍ.
طَلُقَتْ طَلْقَتَيْن.
3486 - مسألة: (وإن قال: نِصْفَىْ طَلْقَتَيْن. وَقَعَتْ طَلْقَتان)
لأَنَّ نِصْفَىِ الشئِ جَمِيعُه، فهو كما لو قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَتَيْنِ.
3487 -
مسألة: (وإن قال: ثَلَاثةَ أنْصَافِ طَلْقَةٍ. طَلُقَتْ طَلْقَتَيْن)
لأَنَّ ثلاثةَ الأنْصافِ طَلْقَةٌ ونِصْفٌ، فكُمِّل النِّصْفُ، فصارَ طَلْقَتَيْن.
وهذا وَجْهٌ لأصحابِ الشافعىِّ.
ولهم وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها لا تَطْلُقُ إلَّا واحدةً؛ لأنَّه جعلَ الأنْصافَ من طَلْقَةٍ واحدةٍ، فيَسْقُطُ ما ليس منها، ويَقَعُ طَلْقَةٌ؛ لأَنَّ إسْقاطَ الطَّلاقِ المُوقَعِ من [الأهلِ في المحَلِّ] 492 لا سَبِيلَ إليه، وإنَّما الإِضافةُ إلى الطَّلْقَةِ الواحدةِ غيرُ صَحيحةٍ، فَلَغَتِ الإِضافَةُ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ نِصْفَ ثَلاثِ طَلَقاتٍ.
طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ؛ لأَنَّ نِصْفَها طَلْقَةٌ ونصفٌ، ثم يُكَمَّلُ النِّصْفُ، فيَصِيرُ طَلْقَتَيْنِ.
الحديث: 3486 - الجزء: 22 - الصفحة: 335
وَإِنْ قَالَ: ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَتَيْنِ.
طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ طَلْقَتَيْنَ.
3488 - مسألة: (وَإِنْ قَالَ: ثَلاثةَ أنْصَافِ طَلْقَتَيْن. طَلُقَتْ ثَلاثًا. ويَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ طَلْقَتَيْن)
نصَّ أحمدُ على وُقوعِ الثَّلاثِ في روايةِ مُهَنَّا.
وقال أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ حامدٍ: تَقَعُ طَلْقتانِ؛ لأَنَّ مَعْناه ثَلاثةُ أنْصافٍ مِن طَلْقَتَيْن، وذلك طَلْقةٌ ونِصْفٌ، ثم تُكَمَّلُ فتَصِيرُ طَلْقَتَيْن.
وقيلَ: بل لأَنَّ النِّصْفَ الثَّالِثَ مِن طَلْقَتَيْن مُحالٌ.
ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهانِ كهذَيْنِ.
ولَنا، أنَّ نِصْفَ الطَّلْقَتَيْن طَلْقةٌ، وقد أوْقَعَه 493 ثلاثًا،
الحديث: 3488 - الجزء: 22 - الصفحة: 336
وَإِنْ قَالَ: نِصْفَ طَلْقَةٍ، ثُلُثَ طَلْقَةٍ، سُدْسَ طَلْقَةٍ، أَوْ نِصْفَ وَثُلُثَ وَسُدْسَ طَلْقَةٍ.
طَلُقَتْ طَلْقَةً.
فيَقَعُ ثلاثٌ, كما لو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثَ طَلَقاتٍ.
وقولُهم: معناه ثلاثةُ أنْصافٍ من طَلْقَتَيْن.
تأْويلٌ يُخالِفُ ظاهِرَ اللَّفْظِ؛ فإنَّه على ما ذكَرَه يكونُ ثلاثةَ أنْصافِ [طَلْقَةٍ، ويَنْبَغِى أن يكُونَ ثلاثةُ أنْصافِ] (1) طَلْقَتَيْن مُخالِفَةً لثلاثةِ أنْصافِ طَلْقَةٍ.
وقولُهم: إنَّه مُحالٌ (2). قُلْنا: وُقوعُ نِصْفِ الطَّلْقَتَيْن عليها ثلاثَ مَرَّاتٍ ليس بِمُحالٍ، فوَجَبَ أن يَقَعَ.
3489 -
مسألة: (وإنْ قال: نِصْفَ طَلْقَةٍ، ثُلُثَ طَلْقَةٍ، سُدْسَ طَلْقَةٍ، أو نِصْفَ وثُلُثَ وسُدْسَ طَلْقَةٍ. طَلُقَتْ طَلْقَةً)
لأنَّه لم يعْطِفْ بواوِ الغَطْفِ، فيَدُلُّ على أنَّ هذه الأجْزاءَ من طَلْقةٍ غيرِ مُتغايِرَةٍ، وأنَّ الثَّانِىَ ههُنا يكونُ بدَلًا من الأَوَّلِ، والثَّالثَ من الثَّانِى، والبَدَلُ هو المُبْدَلُ أو بعضُه، فلم يقْتَضِ 496 المُغايَرَةَ.
وعلى هذا التَّعْليلِ لو قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً، نِصْفَ طَلْقةٍ.
أو: طَلْقَةً طَلْقَةً.
لم تَطْلُقْ إلَّا طَلْقَةً.
وكذلك إن قال: نِصْفًا وثُلُثًا وسُدْسًا.
لم يَقَعْ إلَّا طَلْقةٌ؛ لأَنَّ هذه أجْزاءُ الطَّلْقَةِ،494495
الحديث: 3489 - الجزء: 22 - الصفحة: 337
وَإِنْ قَالَ: نِصْفَ طَلْقَةٍ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ وَسُدْسَ طَلْقَةٍ.
طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
إلَّا أن يُرِيدَ مِن كُلِّ طَلْقَةٍ جُزْءًا، فتَطْلُقُ ثلاثًا.
ولو قال: أنتِ طالقٌ نصفًا وثُلُثًا ورُبْعًا.
طَلُقَتْ طَلْقَتَيْن؛ لأنَّه يَزِيدُ على الطَّلْقةِ نصفَ سُدْسٍ (1)، ثم يُكَمَّلُ.
وإن أرادَ مِن كُلِّ طَلْقَةٍ جُزْءًا، طَلُقَتْ ثلاثًا.
وإن قال: أنتِ طَلْقةٌ.
أو: أنتِ نِصْفُ طَلْقَةٍ.
[أو: أنتِ نِصْفُ طَلْقةٍ] (2) ثُلُثُ طَلْقةٍ سُدْسُ طَلْقةٍ.
أو: أنتِ نصفُ طالقٍ.
وقَعَ بها طَلْقَةٌ؛ بِنَاءً على قوْلِنا في قولِه: أنتِ الطَّلاقُ (3). أنَّه صَرِيحٌ في الطَّلاقِ، وههُنا مثلُه.
3490 -
مسألة: (وإن قال: نِصْفَ طَلْقَةٍ وثُلُثَ طَلْقَةٍ وسُدْسَ طَلْقَةٍ. طَلُقَتْ ثَلاثًا)
ذكَرَه أصحابُنا؛ لأنَّه عطَفَ جُزْءًا مِن طَلْقَةٍ على جُزْءٍ مِن طَلْقَةٍ، فظاهِرُه أنَّها طَلَقاتٌ مُتغايِرَةٌ، ولأنَّه لو كانتِ الثَّانيةُ هى الأُولَى، لجاءَ بها بلامِ التَّعْريفِ فقال: ثُلُثَ الطَّلْقَةِ وسُدْسَ الطَّلْقَةِ.
فإنَّ أهْلَ العربيَّةِ قالوا: إذا ذُكِرَ 500 لَفْظٌ، ثم أُعِيدَ مُنَكَّرًا، فالثَّانِى غيرُ الأَوَّلِ، وإن أُعِيدَ مُعرَّفًا بالألفِ واللَّامِ، فالثَّانِى هو الأَوَّلُ، [كقولِه تعالى] 501:497498499
الحديث: 3490 - الجزء: 22 - الصفحة: 338
وَإِنْ قَالَ لِأَرْبَعٍ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً، أو: اثْنَتَيْنِ، أَوْ: ثَلَاثًا، أَوْ: أَرْبَعًا.
وَقَعَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةٌ.
[﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (1). فالعُسْرُ الثَّانى هو الأَوَّلُ] (2)؛ لإِعادَتِه مُعَرَّفًا، [واليُسْرُ] (3) الثَّانى غيرُ الأَوَّلِ؛ لإِعادَتِه مُنَكَّرًا.
ولهذا قِيلَ: لَن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ (4). وقيلَ: لو أرادَ بالثَّانيةِ الأُولَى، لذكَرَها بالضَّمِيرِ؛ لأنَّه الأَوْلَى.
3491 -
مسألة: (وإذا قال لأرْبَعِ)
نِسْوَةٍ: (أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً، أو: اثْنَتَيْنِ، أَوْ: ثَلاثًا، أَوْ: أرْبَعًا.
وَقَعَ بكُلِّ واحِدَةٍ طَلْقَةٌ) إذا قال: أوْقَعْتُ بيْنَكُنَّ طَلْقةً.
وقَعَ بكُلِّ واحدةٍ منْهُنَّ طَلْقَةٌ.
كذلك قال الحسنُ، والشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصحابُ الرَّأْى؛ لأَنَّ اللَّفْظَ اقْتَضَى قَسْمَها بَيْنَهنِّ، لكُلِّ واحدةٍ رُبْعُها، ثم تُكَمَّلُ.
وإن قال: بَيْنَكُنَّ طَلْقةٌ.
فكذلك.
نصَّ عليه أحمدُ؛ لأَنَّ مَعْناه: أوْقَعْتُ بيْنَكُنَّ طَلْقَةً.
وإن قال: أوْقَعْتُ بيْنَكُنَّ طَلْقَتَيْن.
فكذلك.
ذكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وهو قولُ502503504505
الحديث: 3491 - الجزء: 22 - الصفحة: 339
وَعَنْهُ، إِذَا قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ ثَلَاثًا: مَا أَرَى إِلَّا قَدْ بِنَّ مِنْهِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِى.
أبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
وقال أبو بكرٍ، والقاضى: يقَعُ بكُلِّ واحدةٍ طَلْقتان.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ عليه، فإنَّه رُوِى عنه، في رجلٍ (قال: أوْقَعْتُ بيْنَكُنَّ ثلاثَ) تَطْلِيقاتٍ: (ما أرَى إلَّا قد بِنَّ منه) ووَجْهُ ذلك، أنَّا إذا قَسَمْنا كُلَّ طَلْقَةٍ بيْنَهُنَّ، حَصَلَ لكُلِّ واحدةٍ جُزْءٌ 506 من طَلْقَتَيْن، ثم يُكَمَّلُ.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ.
طَلُقَتْ واحدةً، ويُكَمَّلُ نَصِيبُها مِن الطَّلاقِ في واحدةٍ، فيكونُ لكلِّ واحدةٍ نصفٌ، ثم يُكَمَّلُ طَلْقةً واحدةً، وإنَّما يُقْسَمُ بالأجْزاءِ مع الاخْتِلافِ، كالدُّورِ ونحوِها مِن المخْتَلِفاتِ، أمَّا الجُمَلُ المتَساوِيَةُ من جِنْسٍ كالنُّقُودِ، فإنَّما تُقْسَمُ بِرُءوسِها، ويُكَمَّلُ نَصِيبُ كُلِّ واحدٍ مِن واحدٍ، كأرْبعةٍ لهم دِرْهمان صَحيحان، فإنَّه يُجْعَلُ لكُلِّ واحدٍ نصْفٌ مِن دِرْهَمٍ واحدٍ، والطَّلَقَاتُ لا اختلافَ 507 فيها؛ ولأَنَّ فيما ذَكَرْناه أخْذًا باليَقِينِ، فكان
الجزء: 22 - الصفحة: 340
وَإِنْ قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ خَمْسًا.
فَعَلَى الأَوَّلِ، يَقَعُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَتَانِ.
أوْلَى من إيقاعِ طَلْقَةٍ زَائدةٍ بالشَّكِّ.
فأمَّا إن أرادَ قِسْمةَ كُلِّ طَلْقَةٍ بَيْنَهُنَّ، فهو على ما قال أبو بكرٍ.
وإن قال: أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ ثلاثًا، أو: أرْبعًا.
فعلى قَوْلِنا يَقَعُ بكُلِّ واحدةٍ طَلْقَةٌ، وعلى قَوْلِهما يَطْلُقْنَ ثلاثًا ثلاثًا.
3492 -
مسألة: (وَإِنْ قَالَ: أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ خَمْسًا. وَقعَ بِكُلِّ واحِدَةٍ طَلْقَتَانِ)
وبه قال الحسَنُ، وقَتادَةُ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى؛ لأَنَّ نَصِيبَ كُلِّ واحدةٍ تَطْلِيقَةٌ ورُبْعٌ، ثم تُكَمَّلُ.
وكذلك إن قال: ستًّا، أو: سَبْعًا، أو: ثمانيًا.
وإن قال: أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ تِسْعًا.
وقَعَ بكُلِّ واحدةٍ ثلاثٌ، على القَوْلَيْن جميعًا.
فصل
: فإنْ قال: أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقةً وطَلْقَةً وطَلْقةً.
وقَعَ بكُلِّ واحدةٍ منهنّ ثلاثٌ؛ لأنَّه لَمَّا عطَفَ، وَجَبَ قَسْمُ كُلِّ طَلْقةٍ على حِدَتِها،
الحديث: 3492 - الجزء: 22 - الصفحة: 341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويَسْتَوِى في ذلك المدْخُولُ بها وغيرُها في قياسِ المذهبِ؛ لأَنَّ الواوَ لا تَقْتَضِى تَرْتِيبًا.
وقيلَ: يقَعُ بها واحدةٌ على الأُولى خاصَّةً, كما إذا قال: أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ ثلاثًا.
ذَكَرَه صاحِبُ «المُحَرَّرِ» 508. وإنْ قال: أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ نِصْفَ طَلْقَةٍ وثُلُثَ طَلْقةٍ وسُدْسَ طَلْقةٍ.
فكذلك؛ لأَنَّ هذا يَقْتَضِى وُقوعَ ثلاثٍ على ما قَدَّمْنا.
وإن قال: أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقةً فطَلْقَةً فطَلْقَةً.
أو 509: طَلْقَةً، ثم طَلْقَةً [ثم طلقةً] 510. أو: أَوْقعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً، وأوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقةً، [وأَوقَعْتُ بيْنَكُنَّ طَلْقَةً] 511. طَلُقْنَ ثلاثًا، إلَّا التى لم يَدْخُلْ بها، فإنَّها لا تَطلُقُ إلَّا واحدةً؛ لأنَّها بانَتْ بالأُولَى، فلم يَلْحَقْها ما بعدَها.
فصل: فإن قال لنِسائِه: أنْتُنَّ طوالِقُ 512 ثلاثًا.
أو: طَلَّقْتُكُنَّ ثَلاثًا.
طَلُقْنَ ثلاثًا ثلاثًا 513. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأَنَّ قوْلَه: طلَّقْتُكُنَّ.
يَقْتَضِى
الجزء: 22 - الصفحة: 342
فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: نِصْفُكِ، أَوْ: جُزءٌ مِنْكِ، أَوْ: إِصْبَعُكِ، أَوْ: دَمُكِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ.
تَطْلِيقَ كلِّ واحدةٍ مِنْهُنَّ وتَعْمِيمَهُنَّ به، ثم وَصَفَ ما عمَّمَهُنَّ به مِن الطَّلاقِ بأنَّه ثَلاثٌ، فصارَ لكلِّ واحدةٍ ثلاثٌ، بخِلافِ قولِه: أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ ثلاثًا.
فإنَّه يَقْتَضِى قِسْمَةَ الثَّلاثِ عليهنَّ، لكُلِّ واحدةٍ مِنْهُنَّ جُزْءٌ منها، وجُزْءُ الواحدةِ مِن الثَّلاثِ ثلاثةُ أرْباعِ تَطْليقةٍ.
فصل
: (إذا قال: نِصْفُكِ، أو: جُزْءٌ منك، أو: إِصْبَعُكِ، أو دَمُكِ طالِقٌ.
طَلُقَتْ) متى طَلَّق جُزْءًا مِنَ المرأةِ مِن أجْزائِها الثَّابِتَةِ، طَلُقَتْ كلُّها، سَواءٌ كان شائِعًا، كنِصْفِها أو سُدْسِها، أو جُزْءًا مِن ألْفِ جُزْءٍ منها، أو جُزْءًا مُعَيَّنًا؛ كيَدِها، أو رَأْسِها، أو إِصْبَعِها.
وهذا قولُ الحسنِ، ومذهبُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ القاسمِ مِن أصحابِ مالكٍ.
وقال أصْحابُ الرَّأْى: إن أضافَه إلى جُزْءٍ شائِعٍ، أو واحدٍ مِن أعْضاءٍ خمسةٍ، الرَّأْسِ، والوَجْهِ، والرَّقَبةِ، والظَّهْرِ، والفَرْجِ،
الجزء: 22 - الصفحة: 343
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طَلُقَتْ، وإن أضافَه إلى جُزْءٍ مُعَيَّنٍ غيرِ هذه الخمسةِ، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّه جُزْءٌ تَبْقَى الجُمْلَةُ بدُونِه، أو جزءٌ لا يُعَبَّرُ به عن الجُمْلَةِ، فلم تَطْلُقِ المرأةُ بإضافَةِ الطَّلاقِ إليه، كالسِّنِّ والظُّفْرِ.
ولَنا، أنَّه أضافَ الطَّلاقَ إلى جُزْءٍ ثابتٍ، اسْتَباحَه بعَقْدِ النِّكاحِ، فأشْبَهَ الجُزْءَ الشَّائِعَ والأعْضاءَ الخَمْسَةَ، ولأنَّها جُملَةٌ لا تَتَبَعَّضُ في الحِلِّ والحُرْمَةِ، وُجِدَ فيها ما يَقْتَضِى التَّحْريمَ والإِباحةَ، فَغَلَبَ فيها حُكْمُ التَّحْريمِ, كما لو اشْتَرَكَ مُسْلِمٌ ومَجُوسِىٌّ في
الجزء: 22 - الصفحة: 344
وَإِنْ قَالَ: شَعَرُكِ، أَوْ: ظُفُرُكِ، أَوْ: سِنُّكِ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُقْ.
قَتْلِ صَيْدٍ، وفارَقَ ما قاسُوا عليه؛ فإنَّه ليس بثابتٍ (1)، فإنَّ الشَّعَرَ والظُّفْرَ يَزُولانِ ويَخْرُجُ غيرُهما، ولا يَنْقُضُ مَسُّها (2) الطَّهارةَ.
3493 -
مسألة: (وإن قال: شَعَرُكِ، أَوْ: ظُفْرُكِ، أَوْ: سِنُّكِ طَالِقٌ. لم تَطْلُقْ)
وبهذا قال أصْحابُ الرَّأْى.
ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ.
ذَكَرَه514515
الحديث: 3493 - الجزء: 22 - الصفحة: 345
وَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى الرِّيقِ، وَالدَّمْعِ، وَالْعَرَقِ، وَالْحَمْلِ، لَمْ تَطْلُقْ.
صاحِبُ «المُحَرَّرِ».
وقال مالكٌ، والشافعىُّ: تَطْلُقُ بذلك.
ونحوُه عن الحسنِ؛ لأنَّه جُزْءٌ يُسْتَباحُ بنِكاحِها، فتَطْلُقُ بطَلاقِه، كالإِصْبَعِ.
ولَنا، أنَّه جُزْءٌ يَنْفَصِلُ عنها في حالِ السَّلامةِ، وفارقَ الإِصْبَعَ، فإنَّها لا تَنْفَصِلُ في حالِ السَّلامةِ، والسِّنُّ تَزولُ مِن الصغيرِ، ويُخْلَقُ (1) غيرُها، وتَنْقَلِعُ مِن الكبيرِ، بخِلافِ الإِصْبَعِ، فلم تَطْلُقْ بطَلاقِه، كالحَمْلِ والرِّيقِ، ولأَنَّ الشَّعَرَ لا رُوحَ فيه، ولا يَنْقُضُ الوُضوءَ مَسُّه، فأشْبَهَ العَرَقَ واللَّبَنَ.
3494 -
مسألة: (وإن أضافَه إلى الرِّيقِ، والحَمْلِ، والدَّمْعِ، والعَرَقِ، لم تَطْلُقْ)
لا نَعْلمُ فيه خلافًا؛ لأَنَّ هذه ليستْ مِن جِسْمِها، فإنَّ الرِّيقَ والدَّمْعَ والعَرَقَ فَضَلاتٌ 517، والحَمْلُ وإن كان مُتَّصلًا بها، إلَّا516
الحديث: 3494 - الجزء: 22 - الصفحة: 346
وَإِنْ قَالَ: رُوحُكِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تَطْلُقُ.
أنَّ مآله إلى الانْفِصالِ، فلذلك لم تَطْلُقْ به، وهو مُودَعٌ فيها، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ (1). [قيل: مُسْتَوْدَعٌ] (2) في بَطنِ الأُمِّ.
3495 -
مسألة: (وإن قال: رُوحُكِ طَالِقٌ. طَلُقَتْ)
لأَنَّ الحياةَ لا تبْقَى بدُونِ رُوحِها، فهى 520 كالدَّمِ.
وقال أبو بكرٍ: لا يَخْتَلِفُ قولُ أحمدَ في الطَّلاقِ والْعَتاقِ والظِّهار والحَرامِ، أنَّ هذه الأشْياءَ لا تَقَعُ إذا518519
الحديث: 3495 - الجزء: 22 - الصفحة: 347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ذَكَرَ أرْبعةَ أشْياءَ؛ الشَّعَرَ والسِّنَّ والظُّفْرَ والرُّوحَ، جَرّدَ القولَ عنه مُهَنَّا
الجزء: 22 - الصفحة: 348
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنُ يحيى، والفَضْلُ بنُ زِيادٍ القَطَّانُ، فبذلك أقولُ.
وَوجْهُه أنَّ الرُّوحَ ليستْ عُضْوًا، ولا شَيْئًا يُسْتَمْتَعُ به.
الجزء: 22 - الصفحة: 349
فَصْلٌ فِيمَا تُخَالِفُ بِهِ الْمَدْخُولُ بِهَا غَيْرَهَا
إِذَا قَالَ لمَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَنْوِىَ بِالثَّانِيَةِ التَّأْكِيدَ أَوْ إِفِهَامَهَا.
فصل فيما تُخالِفُ به المَدْخولُ بها غيرَها
3496 -
مسألة: (إذا قال لمَدْخُولٍ بِها: أنتِ طالِقٌ، أنْتِ طَالِقٌ. طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ، إلَّا أَنْ يَنْوِىَ بالثَّانِيَةِ التَّأْكِيدَ أَوْ إفْهَامَهَا)
إذا قال لامرأتِه المدْخولِ بها: أنْتِ طالقٌ.
مَرَّتَيْنِ.
ونَوَى بالثَّانيةِ إيِقاعَ طَلْقةٍ ثانيةٍ، وقَعَتْ بها طَلْقَتانِ بلا خلافٍ، وإن نَوَى بها إفْهامَها أنَّ الأُولَى قد وَقَعَت بها، أو التَّأْكِيدَ، لم تَطْلُقْ إلَّا واحدةً، وإن لم تَكُنْ له نيَّةٌ وقعَتْ طَلْقتانِ.
وبه قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ.
وهو الصَّحيحُ مِن قَوْلَى 521 الشافعىِّ.
وقال في الآخَرِ: تَطْلُقُ واحدةً؛ لأَنَّ التَّكْرارَ يكونُ للتَّأْكِيدِ والإِفْهامِ، ويَحْتَمِلُ الإِيقاعَ، فلا نُوقِعُ طَلْقةً بالشَّكِّ.
ولَنا، أنَّ هذا اللَّفْظَ للإِيقاعِ، ويَقْتَضِى الوُقوعَ، بدليلِ ما لو لم 522 يَتَقدَّمْه مثلُه، وإنَّما يَنْصَرِفُ عن ذلك بنيَّةِ
الحديث: 3496 - الجزء: 22 - الصفحة: 351
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التَّأْكِيدِ والإِفْهامِ، فإذا لم يُوجَدْ ذلك وقَعَ مُقْتضاهُ, كما يجبُ العَمَلُ 523 بالعُمومِ في العامِّ إذا لم يُوجَدِ المُخَصِّصُ، وبالإِطْلاقِ في المُطْلَقِ إذا لم يُوجَدِ المُقَيِّدُ.
فأمَّا غيرُ المدْخولِ بها، فلا تَطْلُقُ إلَّا واحدةً، سَواءٌ نَوَى الإِيقاعَ أو غيرَه، وسَواءٌ قال ذلك مُنْفَصِلًا أو مُتَّصِلًا.
وهذا قولُ عِكْرِمَةَ، والنَّخَعِىِّ، وحَمَّادِ بنِ أبى سليمانَ، والحَكَمِ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى، وأبى عُبَيْدٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وذكَرَه الحَكَمُ 524 عن علىٍّ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وابنِ مسعودٍ.
وقال مالكٍ، والأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ: يقَعُ بها طَلْقَتانِ، وإن قال ذلك ثلاثًا، طَلُقَتْ ثلاثًا، إذا كان مُتَّصِلًا؛ لأنَّه طَلَّقَ ثلاثًا بكَلامٍ مُتَّصِلٍ، أشْبَهَ قولَه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا.
ولَنا، أنَّه طَلاقٌ مُفَرَّقٌ في غيرِ المدْخولِ بها، فلم يَقَعْ إلَّا
الجزء: 22 - الصفحة: 352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأُولَى, كما لو فَرَّقَ كلامَه، ولأَنَّ غيرَ المدْخُولِ بها تَبينُ بطَلْقَةٍ؛ لأنَّه لا عِدَّةَ عليها، فتُصادِفُها الطَّلْقَةُ الثَّانيةُ بائنًا، فلا يَقَعُ الطَّلاقُ بها؛ لأنَّها غيرُ زَوْجةٍ، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابةِ، ولا نَعْلَمُ لهم مُخالفًا في عَصْرِهم، فيكونُ إجْماعًا.
فصل: فأمَّا إن قال: أنتِ طالقٌ.
ثم مَضَى زمنٌ طويلٌ، ثم أعادَ ذلك للمَدْخولِ بها، طَلُقَتْ ثانيةً، ولم يُقْبَلْ قولُه: نوَيْتُ التَّوْكِيدَ.
لأَنَّ التَّوْكِيدَ تابعٌ للكلامِ، فشَرْطُه أن يكونَ مُتَّصِلًا به، كسائرِ التَّوابعِ؛ مِن العطْفِ والصِّفَةِ والبَدَلِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 353
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ.
أَوْ: ثُمَّ طَالِقٌ.
أَوْ: بَلْ طَالِقٌ.
أَوْ: طَالِقٌ طَلْقَةً بَلْ طَلْقَتَيْنِ.
أَوْ: بَلْ طَلْقَةً.
أَوْ: طَالِقٌ طَلْقَةً بَعْدَهَا طَلْقَةٌ.
أَوْ: قَبْلَ طَلْقَةٍ.
طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ.
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدخُولٍ بِهَا، بَانَتْ بِالأُولَى، وَلَمْ يَلْزَمْهَا مَا بَعْدَهَا.
3497 - مسألة: (وإن قال: أنْتِ طالِقٌ فطالِقٌ. أو: ثم طَالِقٌ. أو: طَالِقٌ طَلْقَةً بل طَلْقَتَيْنِ. أو: بل طَلْقَةً. أو: طَالِقٌ طَلْقَةً بَعْدَها طَلْقَةٌ. أو: قَبْلَ طَلْقَةٍ. طَلُقَتْ طَلْقَتَين)
إن كانت مَدْخُولًا بها (وإن كانت غيرَ مَدْخُولٍ بها، بانَتْ بالأُولَى، ولم يَلْزَمْهَا ما بعدَها) وعنه فيما إذَا قَالَ:
الحديث: 3497 - الجزء: 22 - الصفحة: 354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بل طَلْقَةً.
أَوْ: طالِقٌ بل طالِقٌ.
أنَّه لا يَقَعُ بالمَدْخُولِ بِها إلَّا طَلْقَةٌ، بِناءً على ما إذا قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ بل دِرْهَمٌ.
ذَكَرَه في «المُحَرَّرِ».
كُلُّ طلاقٍ مُرَتَّبٍ في الوُقوعِ يَأتى بعْضُه بعدَ بعضٍ، لا يقَعُ بغيرِ المدْخولِ بها منه أكْثَرُ مِن واحدةٍ؛ لِما ذَكَرْناه.
ويقَعُ بالمدْخولِ بها ثلاثٌ إذا أوْقَعَها، كقولِه: أنْتِ طالقٌ، فطالِقٌ، فطالقٌ 525. أو: أنْتِ طالقٌ، ثم طالِقٌ، [ثم طالقٌ] 526. أو: أنتِ طالقٌ، [ثم طالقٌ، وطالقٌ] (2).
الجزء: 22 - الصفحة: 355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو: فطالقٌ.
وأشْباهُ ذلك؛ لأَنَّ هذه حروفٌ تَقْتَضِى التَّرْتِيبَ، فتَقَعُ بها الأُولَى فتُبِينُها، فتَأتِى الثَّانيةُ فتُصادِفُها بائنًا غيرَ زَوْجةٍ، فلا تَقَعُ بها.
وأمَّا المدْخولُ جمها فتأْتِى الثَّانيةُ فتصادِفُ 527 محِلَّ النِّكاحِ، فتَقَعُ، وكذلك الثَّالثةُ.
وكذلك لو قال: أنتِ طالقٌ، بل طالقٌ، وطالقٌ.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ طلقةً قبلَ طَلْقةٍ.
أو: بعدَ طَلْقةٍ.
أو:
الجزء: 22 - الصفحة: 356
وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَهَا طَلْقَةٌ.
فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِى.
وَعِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ, تَطْلُقُ طَلْقَتَيْنِ.
بعدَها طَلْقةٌ.
أو: طلقةً فطلقةً.
أو: طَلْقةً ثم طَلْقةً.
وقَعَ بغيرِ المدْخولِ بها طَلْقَةٌ، وبالمدْخولِ بها اثْنَتانِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ هذا يَقْتَضِى طَلْقةً بعدَ طَلْقةٍ.
3498 -
مسألة: (وَإن قالَ: أنتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قبلَها طَلْقَةٌ. فكذلِكَ عندَ القَاضِى)
وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافعىِّ.
وقال بعضُهم: لا
الحديث: 3498 - الجزء: 22 - الصفحة: 357
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يقعُ بغيرِ المدْخولِ بها شئٌ.
بِنَاءً على قوْلِهم في السُّرَيْجِيَّةِ 528. وقال أبو بكرٍ، وأبو الخَطَّابِ: يقَعُ اثْنَتانِ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه اسْتحالَ 529 وُقوعُ الطَّلْقَةِ الأُخْرَى قَبْلَ الطَّلْقَةِ المُوقَعَةِ، فوقَعَتْ معها؛ لأنَّها لَمَّا تأَخَّرَت عن الزَّمنِ الذى قَصَد إيقاعَها فيه لكَوْنِه زمنًا ماضِيًا، وَجَبَ إيقاعُها في أقْرَبِ الأزْمِنَةِ، وهو معها، ولا يَلْزَمُ تأَخُّرُها إلى ما بعدَها؛ لأَنَّ قبلَه زمَنًا يُمْكِنُ الوُقوعُ فيه، وهو زَمنٌ قَرِيبٌ، فلا يُؤَخَّرُ إلى البَعيدِ.
ولَنا، أنَّ هِذا طَلاقٌ بعْضُه قبلَ بعضٍ، فلم يقَعْ بغيرِ المدْخولِ بها جَميعُه, كما لو قال: طَلْقةً بعدَ طلقةٍ.
أو قال: أنتِ طالقٌ طلقةً غدًا وطَلْقةً اليومَ.
ولو قال: جاءَ زيدٌ بعدَ عمرٍو، أو: جاء زيدٌ وقبلَه عمرٌو.
أو: أعْطِ زيدًا بعدَ عمرٍو.
كان كلامُه صحيحًا، يُفِيدُ تأخيرَ المُتقدِّمِ لفظًا عن المذْكُورِ بعدَه، وليس هذا طَلاقًا في زَمَنٍ ماضٍ، وإنَّما يقَعُ إيقاعُه في المُسْتَقْبَلَ على الوَجْهِ الذى رَتَّبَه، ولو قُدِّرَ أنَّ إحْداهما مُوقَعَةٌ
الجزء: 22 - الصفحة: 358
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَةٌ.
أَوْ: مَعَ طَلْقَةٍ.
أَوْ: طَالِقٌ وَطَالِقٌ.
طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ.
في زمنٍ ماضٍ، لامْتَنَعَ وُقوعُها وحدَها (1) وَوَقَعَتِ الأُخْرَى، وهذا تعليلُ القاضى؛ لكَوْنِه لا يَقَعُ إلَّا واحدةٌ.
قال شيْخُنا (2): والأَوَّلُ مِن التَّعْلِيلِ (3) أصَحُّ، إن شاءَ اللَّه تعالى.
3499 -
مسألة: (وإن قال: أنْتِ طالِقٌ طَلْقَةً معها طَلْقَةٌ. أو: مع طَلْقَةٍ. أو: طَالِقٌ وطالِقٌ. طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ)
إذا قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً معها طلقةٌ.
وقعَ بها طَلقَتانِ، سواءٌ في ذلك المدْخولُ بها أو غيرُها.
وإن قال: معها اثْنَتانِ.
وقَعَ بها ثلاثٌ، في قياسِ المذهبِ.
وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشافعىِّ.
وقال أبو يُوسفَ: تقَعُ واحدةٌ؛ لأَنَّ الطَّلْقَةَ إذا وَقَعَت مُفْرَدَةً، لم يُمْكِنْ أن يكونَ معها شئٌ.
ولَنا، أنَّه أوْقَعَ ثَلاثَ طَلَقاتٍ بلَفْظٍ يَقْتَضِى وُقُوعَهُنَّ معًا، فوقَعْنَ كلُّهُنَّ, كما لو قال: أنتِ طالقٌ، ثلاثًا.
ولا نُسَلِّمُ أنَّ الطَّلْقَةَ تَقَعُ مُفْرَدَةً، فإنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ بمُجَرَّدِ اللَّفْظِ به، إذْ لو وقَعَ بذلك، لَما صَحَّ تَعْلِيقُه بشَرْطٍ، ولا صَحَّ وَصْفُه بالثَّلاثِ ولا بغيرِها.530531532
الحديث: 3499 - الجزء: 22 - الصفحة: 359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا قال لغيرِ مَدْخولٍ بها: أنتِ طالقٌ وطالقٌ.
وقَعَتْ بها 533 طَلقَتانِ.
وإن قال: أنتِ طَالقٌ وطَالِقٌ وطالقٌ.
طَلُقَتْ ثلاثًا.
وبه قال مالكٌ، والأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ، ورَبِيعةُ، وابنُ أبى لَيلَى.
وحُكِىَ عن الشافعىِّ في القديمِ ما يَدُلُّ عليه.
وقال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ: لا يقَعُ إلَّا واحدةٌ؛ لأنَّه أوْقَعَ الأُولَى قبلَ الثَّانيةِ، فلم يَقَعْ عليها شئٌ آخَرُ, كما لو فَرَّقَها.
وذكَرَه ابنُ أبى موسى، في «الإِرْشادِ» وَجْهًا في المذهبِ.
ولَنا، أنَّ الواوَ تَقْتضِى الجَمْعَ، ولا تَرْتِيبَ فيها، فيكونُ مُوقِعًا للثَّلاثِ جَمِيعًا، فيَقَعْنَ عليها، كقولِه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا.
أو: طَلْقَةً معها طَلْقتانِ.
ويُفارِقُ ما إذا فَرَّقَها، [فإنَّها لا تَقَعُ] 534 جميعًا، وكذلك إذا عَطَفَ بعْضَها على بعضٍ بحرفٍ يَقْتَضِى التَّرْتِيبَ، فإنَّ الأُولَى تَقَعُ قبلَ الثَّانيةِ بمُقتَضَى إيقاعِه، وههُنا لا تَقَعُ الأُولَى حينَ نُطْقِه بها حتى يَتِمَّ كلامُه، بدَليلِ أنَّه لو ألْحَقَه اسْتِثْناءً أو شرْطًا، لَحِقَ به، ولم يَقَعِ الأَوَّلُ مُطْلَقًا، ولو كان يقَعُ حينَ نُطْقِه، لم يَلْحَقْه شئٌ مِن ذلك، وإذا ثَبَتَ أنَّه يَقِفُ وُقوعُه على
الجزء: 22 - الصفحة: 360
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَمامِ الكَلامِ، فإنَّه يقعُ عندَ تَمامِ كلامِه على الوَجْهِ الذى اقْتَضاه لَفْظُه، ولَفْظُه يَقْتَضِى وُقوعَ الطَّلَقاتِ الثلاثِ مُجْتَمِعاتٍ.
فإن قيلَ: إنَّما وقَفْنَا 535 أوَّلَ، الكلامِ على آخرهِ مع الشَّرْطِ والاسْتِثْناءِ؛ لأنَّه مُغَيِّرٌ 536 له، والعَطْفُ لا يُغَيِّرُ 537، فلا يتَوَقَّفُ عليه، ونَتَبَيَّنُ أنَّه وقَعَ أوَّلَ ما لَفَظَ به، ولذلك 538 لو قال لها: أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ.
لم يَقَعْ إلَّا واحدةٌ.
قُلْنا: ما لم يَتِمَّ الكلامُ فهو عُرْضةٌ للتَّغْييرِ، إمَّا بما يَخُصُّه بزَمنٍ، أو يُقَيِّدُه بقيدٍ كالشَّرْطِ، وإمَّا بما يَمْنَعُ بعضَه كالاسْتِثْناءِ، وإمَّا بما يُبَيِّنُ عددَ الواقعِ، كالصِّفَةِ بالعَدَدِ، وأشْباهِ هذا، فيَجِبُ أن يكونَ واقعًا، ولولا ذلك لَما وقَعَ بغيرِ المدْخولِ بها ثلاثٌ بحالٍ؛ لأنَّه لو قال لها: أنت طالقٌ ثلاثًا.
فوقعَتْ بها طَلقَةٌ قبل قولِه: ثلاثًا.
لم يُمْكِنْ أن يقعَ شئٌ آخَرُ.
وأمَّا إذا قال: أنتِ طالقٌ، أنتِ طالقٌ 539. فهاتانِ جُمْلَتانِ لا تَتعلَّقُ إحْداهما بالأُخْرَى، ولو تَعَقَّبَ إحْداهما شرطٌ أو اسْتِثْناءٌ أو صِفَةٌ، لم يَتناوَلِ الأُخْرَى، فلا وَجْهَ لوُقوفِ إحْداهما على الأُخْرَى، والمعطوفُ مع المعطوفِ عليه شئٌ واحدٌ، لو تَعَقَّبَه شَرْط لَعادَ إلى الجميعِ، ولأَنَّ
الجزء: 22 - الصفحة: 361
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المعْطوفَ لا يَسْتَقِلُّ بنَفْسِه، ولا يُفِيدُ بمُفْردِه، بخلافِ قولِه: أنتِ طالقٌ.
فإنَّها جُمْلَةٌ مُفيدَةٌ لا تَعَلُّقَ.
لها بالأُخْرَى، فلا يَصِحُّ قياسُها عليها.
فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَتين ونِصْفًا.
فهى عندَنا كالتى قبلَها، تَقَعُ الثَّلاثُ.
وقال مُخالِفُونا: تَقَعُ طَلْقتانِ.
فصل: وإذا قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً بعدَها طلْقةٌ.
ثم قال: أرَدْتُ أن أُوقِعَ بعدَها طلقةً.
دُيِّنَ.
وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن.
وإن قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً قبلَها طَلْقةٌ.
وقال: أرَدْتُ أنِّى طَلَّقتُها قبلَ هذا في نِكاحٍ آخَرَ.
أو: أنَّ زَوْجًا قَبْلِى طَلَّقَها.
دُيِّنَ.
وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ فيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يُقْبَلُ.
والثانى، لا يُقْبَلُ.
والثالثُ، يُقْبَلُ إن كان وُجِدَ.
والصَّحِيحُ أنَّه لا يُقْبَلُ إذا لم يَكُنْ وُجِدَ؛ لأنَّه لا يَحْتَمِلُ ما قالَه.
فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ طالقٌ طالقٌ.
وقال: أرَدْتُ التَّوْكِيدَ.
قُبِلَ منه؛ لأَنَّ الكلامَ يُكَرَّرُ للتَّأْكيدِ، كقولِه عليه السلامُ: «فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ» 540. وإن قَصَدَ الإِيقاعَ وتَكَرُّرَ اللَّفَظَاتِ 541 طَلُقَتْ ثلاثًا.
وإن لم يَنْوِ شيئًا، لم يَقَعْ إلَّا واحدةٌ؛ لأنَّه لم يَأْتِ بينَهما بحرفٍ يَقْتَضِى المُغايَرَةَ، فلا تَكُنَّ مُتَغايرَاتٍ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ.
وقال: أرَدْتُ بالثَّانيةِ التَّأْكيدَ.
لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه غايرَ بينَها وبينَ الأُولَى بحرفٍ يَقْتَضِى العطفَ والمُغايرَةَ، وهذا يَمْنَعُ.
وأمَّا الثَّالثةُ، فهى
الجزء: 22 - الصفحة: 362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالثَّانيةِ في لَفْظِها.
فإن قال: أردتُ بها التَّوْكيدَ.
دُيِّنَ، وهَلْ يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ على رِوايَتيْنِ؛ إحْداهما، يُقْبلُ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه كَرَّرَ لفظَ الطَّلاقِ مثلَ الأَوَّلِ، فقُبِلَ تَفْسِيرُه بالتَّأْكيدِ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ، أنتِ طالقٌ.
والثَّانيةُ، لا يُقْبَلُ؛ لأَنَّ حوفَ العَطْفِ للمُغايَرَةِ، فلا يُقْبَلُ منه ما يُخالِفُ ذلك, كما لا يُقْبَلُ في الثَّانيةِ.
ولو قال: أنتِ طالقٌ فطالقٌ فطالقٌ.
أو: أنتِ طالقٌ، ثم طالقٌ، ثم طالقٌ.
فالحُكْمُ فيها كالتى عَطَفَها بالواوِ.
فإن غايرَ بينَ الحروفِ فقال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ، ثم طالقٌ.
[أو: طالقٌ، ثم طالقٌ وطالقٌ.
أو] 542: طالقٌ [وطالقٌ] 543 فطالقٌ.
ونحو ذلك، لم يُقْبَلْ في شئٍ منها إرادةُ التَّوْكيدِ؛ لأَنَّ كُلَّ كلمةٍ مُغايِرَةٌ لِما قبلَها، مُخالِفةٌ لها في لَفْظِها، والتَّوْكيدُ إنَّما يكونُ بتَكْريرِ الأَوَّلِ بصُورَتِه 544.
فصل: فإن قال: أنتِ مُطَلَّقةٌ، أنتِ مُسَرَّحَةٌ، أنتِ مُفارَقَةٌ.
وقال: أردتُ التَّوْكيدَ بالثَّانيةِ والثَّالثةِ.
قُبِلَ؛ لأنَّه لم يُغايِرْ بينَهما بالحروفِ الموْضوعَةِ للمُغايرَةِ بينَ الألْفاظِ، بل أعادَ اللَّفْظَةَ بمَعْناها، ومثلُ هذا يُعادُ تَوْكيدًا.
وإن قال: أنتِ مُطلَّقةٌ 545 ومُسَرَّحَةٌ ومُفارَقَةٌ.
وقال: أردْتُ التَّوْكيدَ.
احْتَمَلَ أن يُقْبَلَ منه؛ لأَنَّ اللَّفْظَ المُخْتَلِفَ يُعْطَفُ بعضُه على
الجزء: 22 - الصفحة: 363
وَالْمُعَلَّقُ كَالْمُنْجَزِ في هَذَا، بعضٍ تَوْكيدًا، كقولِه (1):
- فأَلْفَى (2) قَوْلَها كذِبًا وَمَيْنَا * ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ؛ لأَنَّ الواوَ تَقْتَضِى المُغايرةَ، فأشْبَهَ ما لو كان بلفظٍ واحدٍ.
3500 -
مسألة: (وَالمعَلَّقُ كالمُنْجَزِ)
في حُكْمِ المَدْخُولِ بِهَا وغيرِها، فلو قال: إن دَخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ وطالقٌ [وطالقٌ] 548. فدخَلتِ الدَّارَ، طَلُقَتْ ثلاثًا.
وبه قال أبو يُوسفَ، ومحمدٌ، وأصحابُ الشافعىِّ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ.
وقال أبو حنيفةَ: يقَعُ واحدةٌ؛ لأَنَّ الطَّلاقَ المُعَلَّقَ 549 إذا وُجِدَتِ الصِّفَةُ، يكونُ كأنَّه أوْقَعه في الحالِ على تلك الصِّفَةِ، ولو أوْقَعَه كذلك لم يقَعْ إلَّا واحدةٌ.
ولَنا، أنَّه وُجِدَ شَرْطُ وُقوعِ ثلاثِ طَلَقاتٍ غيرِ مُرَتَّباتٍ، فوقَع الثَّلاثُ, كما لو قال: إن دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ.
وكَرَّرَ ذلك ثلاثًا، فدَخَلَتْ، فإنَّها تَطْلُقُ ثلاثًا في قولِ الجميعِ.546547
الحديث: 3500 - الجزء: 22 - الصفحة: 364
فَلَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ.
أو: طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَةٌ.
أَوْ: مَعَ طَلْقَةٍ.
فَدَخَلَتْ، طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ.
3501 - مسألة: (وإن قال: إن دَخلْتِ الدَّارَ فَأنْتِ طالقٌ طَلْقَةً معها طَلْقَةٌ. فَدَخَلَت، طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ)
وذَكَرَ مِثْلَ هذَا بَعْضُ أصحابِ الشافعىِّ، ولم يحْك عنهم فيه خِلافًا.
وكذلِك إذا قال: طَلْقَةً مع طَلْقَةٍ.
فَدَخَلَتْ.
الحديث: 3501 - الجزء: 22 - الصفحة: 365
وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ، أَوْ: ثُمَّ طَالِقٌ.
فَدَخَلَتْ، طَلُقَتْ طَلْقَةً وَاحِدَةً، إِنْ كَانَتْ غَيْئرَ مَدْخُولٍ بِهَا.
وَاثْنَتَيْنِ إِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا.
3502 - مسألة: وإن قَالَ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا: أنْتِ طالقٌ ثم طالقٌ ثُمَّ طالقٌ، إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ. أو
الحديث: 3502 - الجزء: 22 - الصفحة: 366
وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، إِنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَدَخَلَتْ، طَلُقَتِ اثْنَتَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ.
الشَّرْطَ، فلم يَجُزْ وُقوعُها بدُونِه، كما لو لم يعْطِفْ عليها، ولأنَّه جَعلَ الأُولَى جزاءً (1) للشَّرْطِ، وعقَّبَه إيَّاها بفاءِ التَّعْقِيبِ الموْضُوعةِ للجزاءِ، فلم يَجُزْ تَقْديمُها عليه، كسائِرِ نَظائِرِه، ولأنَّه لو قال: إن دخلَ زَيدٌ دارِى، فأعْطِه دِرْهمًا ثُمَّ دِرْهَمًا.
لم يَجُزْ أن يُعْطِيَه قبلَ دُخولِه.
فكذا ههنا.
وما ذكَرُوه تحَكُّمٌ، ليس له شاهِدٌ في اللُّغَةِ، ولا أصْلٌ في الشَّرْعِ.
فأمَّا إن قال لمدْخولٍ بها: إن دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ ثم طالقٌ ثم طالقٌ.
لم يقَعْ بها شئٌ حتى تَدْخُلَ الدَّارَ، فتَقَعُ بها الثَّلاثُ.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ.
وذهب القاضى إلى وُقوعِ طَلْقَتَيْن في الحالِ، وتَبْقَى الثَّالثةُ مُعَلَّقَةً بالدُّخولِ.
وهو ظاهِرُ الفَسادِ، فإنَّه يجْعلُ الشَّرْطَ المُتَقَدِّمَ للمعْطوفِ دُونَ المعطوفِ عليه، ويُعَلِّقُ به ما يَبْعُدُ عنه، دُونَ ما يَلِيه، ويجعلُ جَزِاءَه ما لم تُوجَدْ فيه الفاءُ التى يُجازَى بها، دُونَ ما وُجِدَتْ فيه، تحَكُّمًا، لا نعْرِفُ عليه دليلًا، ولا نَعْلمُ له نَظِيرًا.
وإن قال لها: إن دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ فطالقٌ فطالقٌ.
فدَخَلَتْ، طَلُقَتْ ثلاثًا في قولِهم جميعًا.
3503 -
مسألة: (وإن قال: إن دَخَلْتِ فأنتِ طالقٌ، إن دَخَلْتِ فأنتِ طَالِقٌ. فَدَخَلَتْ، طَلُقَتِ اثْنَتَيْنِ بكُلِّ حَالٍ)
وإن كَرَّرَ ذلك ثلاثًا،553
الحديث: 3503 - الجزء: 22 - الصفحة: 367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[طَلُقتْ ثلاثًا] 554 في قولِ الجميعِ؛ لأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ، فاقْتَضَى وقُوعَ الثَّلاثِ 555 دَفْعةً واحدةً.
واللَّه أعلمُ.
الجزء: 22 - الصفحة: 368
بَابُ الِاستِثْنَاءِ في الطَّلَاقِ
حُكِىَ عَنْ أَبِى بَكْرٍ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ في الطَّلَاقِ.
وَالمَذْهَبُ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ مَا دُون النِّصْفِ، وَلا يَصِحُّ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ، وَفِى النِّصْفِ وَجْهَانِ، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً.
طَلُقَتِ اثْنَتَيْنِ،
بابُ الاسْتِثْناءِ في الطَّلاقِ
(حُكِىَ عن أبى بكرٍ، أنَّه لا يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ في الطَّلاقِ.
والمذهبُ على أنَّه يَصِحُّ اسْتِثْناءُ ما دُونَ النِّصْفِ، ولا يَصِحُّ فيما زادَ عليه، وفى النِّصْفِ وَجْهانِ) إذا اسْتَثْنَى في الطَّلاقِ بلسانِه صَحَّ اسْتِثْناؤُه.
وهو قولُ جُمْلَةِ أهلِ العلمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ الرَّجُلَ (إذا قال) لامْرأتِه: (أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدةً.
أنَّها تَطْلُقُ طَلْقَتَيْن) منهم الثَّورِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وحُكِىَ عن أبى بكرٍ، أنَّ الاسْتِثْناءَ لا يُؤَثِّرُ في عَددِ الطَّلَقاتِ، ويَجوزُ في المُطَلَّقاتِ،
الجزء: 22 - الصفحة: 369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدةً.
وقَعَ الثَّلاثُ، ولو قال: نِسائِى طَوالِقُ إلَّا فُلانةَ.
لم تَطْلُقْ؛ لأَنَّ الطَّلاقَ لا يُمْكِنُ رَفْعُه بعدَ إيقاعِه، والاسْتِثْناءُ يَرْفَعُه لو صَحَّ.
وما ذكَرَه مِن التَّعْليلِ 556 باطِلٌ بما سلَّمَه مِن الاسْتِثْناءِ في المُطلَّقاتِ، وليس الاسْتِثْناءُ رَفْعًا لِما وقعَ، إذ لو كان كذلك، لَمَا صَحَّ في المُطَلَّقاتِ والإِعْتاقِ، ولا في الإِقْرارِ ولا الإِخْبارِ، وإنَّما هو مُبَيِّن أنَّ المُسْتَثْنَى 557 غيرُ مُرادٍ في الكلامِ، فهو يَمْنَعُ أن يَدْخُلَ فيه ما لَوْلاهُ لَدخلَ، فقولُه: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ 558. عبارةٌ عن تِسْعِمائَةٍ وخَمْسِينَ عامًا.
وقولُه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ 559. [تَبَرُّؤٌ مِن غيرِ] 560 اللَّهِ، فكذلك
الجزء: 22 - الصفحة: 370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قولُه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدةً.
عبارةٌ عن اثْنَتَيْن لا غيرُ.
وحرفُ الاسْتِثْناءِ المُسْتَوْلِى عليه «إلَّا»، ويشَبَّهُ به أسْماءٌ وأفْعالٌ وحروفٌ؛ فالأسْماءُ غيرُ وسِوَى، والأفعالُ ليس [ولا يكونُ] 561 وعدَا، والحروفُ حَاشَا وخَلَا، فبأىِّ كلمةٍ اسْتَثْنَى بها صَحَّ الاسْتِثْناءُ.
الجزء: 22 - الصفحة: 371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الأكْثرِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
فلو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ.
وقَعَ ثلاثٌ.
والأكْثَرونَ على أنَّ ذلك جائزٌ، إلَّا أنَّ أهلَ العربيةِ إنَّما أجازُوه في القليلِ مِن الكثيرِ.
حُكِىَ ذلك عن جماعةٍ مِن أئِمَّةِ اللُّغةِ، فإذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدةً.
وقعَ اثْنَتانِ.
ولو قال: إلَّا اثْنَتَيْنِ.
وقعَ ثلاثٌ.
وإن قال: طَلْقَتَيْنِ إلَّا طَلْقَةً.
ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَقَعُ طَلْقَةٌ.
والثانى، طَلْقتانِ.
بِناءً على صِحَّةِ استِثْناءِ النِّصْفِ، هل يَصِحُّ أَوْ لا؟ على وَجْهَيْنِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 372
فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا.
أَوْ: ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ.
أَوْ: خَمْسًا إِلَّا ثَلَاثًا.
أَوْ: ثَلَاثًا إِلَّا رُبْعَ طَلْقَةٍ.
طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
3504 - مسألة: (وإن قال: أنْتِ طَالقٌ ثَلاثًا إلَّا ثَلاثًا. أو: ثلاثًا إلَّا اثْنَتَينِ. أو: خَمْسًا إلَّا ثلاثًا. أو: ثَلاثًا إلَّا رُبْعَ طَلْقَةٍ. طَلُقَتْ ثَلاثًا)
إذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا ثلاثًا.
وقَعَ ثلاثٌ بغيرِ خلافٍ؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ لِرَفْعِ بَعضِ 562 المُسْتَثْنَى منه، فلا يَصِحُّ أن يُرْفَعَ جَمِيعُه.
وإن قال: ثلاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ.
فعندنا يَقَعُ ثلاثٌ، بِناءً على أنَّه لا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الأكْثرِ.
وسنذْكُرُ ذلك، والخِلاف فيه ودَليلَ كُلِّ واحدٍ مِن القَوْلَيْنِ في كتابِ الإِقْرارِ 563، إن شاء اللَّهُ تعالى.
وإن قال: أنتِ طالقٌ خَمْسًا إلَّا ثلاثًا.
وقعَ
الحديث: 3504 - الجزء: 22 - الصفحة: 373
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَةً.
فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
ثلاثٌ؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ إن عادَ إلى الخمْسِ، فقد اسْتَثْنَى الأكْثرَ، وإن عادَ إلى الثَّلاثِ التى يَمْلِكُها، فقد رَفَعَ جَمِيعَها، وكِلاهُما لا يَصِحُّ.
وإن قال: خمسًا إلَّا طَلْقةً.
ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يقَعُ ثلاثٌ؛ لأَنَّ الكلامَ مع الاسْتِثْناءِ كأنَّه نَطَقَ بما عَدا المُسْتَثْنَى، فكَأنَّه قال: أنتِ طالقٌ أرْبعًا.
والثانى، يقَعُ اثْنَتَانِ.
ذكَرَه القاضى؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى ما مَلَكَه مِن الطَّلَقاتِ، وما زادَ عليهَا يَلْغُو، وقد اسْتَثْنَى واحدةً مِن الثَّلاثِ، فيَصِحُّ ويقَعُ طَلْقَتانِ.
وإن قال: (ثلاثٌ إلَّا رُبْعَ طَلْقَةٍ.
طَلُقَتْ ثلاثًا) لأَنَّ الطَّلْقَةَ النَّاقِصةَ تُكَمَّلُ فتَصِيرُ ثلاثًا.
3505 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْن إلَّا واحدةً. فعلى وَجْهَيْن)
ذَكَرْناهما، وَذلكَ مَبْنِىٌّ عَلَى صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ أرْبعًا إلَّا اثْنَتَيْن.
فعلى أحدِ 564 الوَجْهَيْنِ، يَصِحُّ
الحديث: 3505 - الجزء: 22 - الصفحة: 374
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَةً.
فَهَلْ تَطْلُقُ ثَلَاثًا أَوِ اثْنَتَيْنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ،
الاسْتِثْناءُ ويقَعُ طَلْقتانِ.
وعلى قولِ القاضى، يَنْبَغِى أن لا يَصِحَّ الاسْتِثْناءُ، ويقَعُ ثلاثٌ؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى الثَّلاثِ، فيكونُ اسْتِثْناءَ الأكثرِ.
3506 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا واحدةً. فهل تَطْلُقُ ثلاثًا أو اثْنَتَيْن؟ على وَجْهَيْنِ)
وجملةُ ذلك، أنَّ الاسْتِثْناءَ مِن الاسْتِثْناءِ لا يَصِحُّ منه في الطَّلاقِ إلَّا هذه المسألةُ، فإنَّه يَصِحُّ إذا أجَزْنا اسْتِثْناءَ النِّصْفِ، فيقَعُ به طَلْقتانِ.
فإن قِيلَ: فكيف أجَزْتُم اسْتِثْناءَ الثِّنْتَيْنِ مِن الثَّلاثِ، وهى أكْثَرُها 565؟ قُلْنا: لأنَّه لم يَسْكُتْ
الحديث: 3506 - الجزء: 22 - الصفحة: 375
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلاثًا إِلَّا وَاحِدَةً.
عَليْها، بل وصَلَها بأنِ اسْتَثْنَى منها (1) طَلْقةً، فصارتا (2) عبارةً عن واحدةٍ (3). وإن قُلْنا: لا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ النِّصْفِ.
وقعَ الثَّلاثُ.
3507 -
مسألة: (وإن قال: أنْتِ طَالقٌ ثلاثًا إلَّا ثَلاثًا إلَّا واحدةً)
لم يَصِحَّ، ووَقَع ثلاثٌ؛ لأنَّه إذا اسْتَثْنَى واحدةً مِن ثلاثٍ، بَقِىَ اثْنَتانِ، لا يَصِحُّ اسْتِثْناؤُهما مِن الثَّلاثِ الأُولَى، فيَقَعُ الثَّلاثُ.
وذكرَ أبو الخَطَّابِ فيها وَجْهًا آخَرَ، أنَّه يَصِحُّ؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ الأوَّلَ يَلْغُو، لكَوْنِه اسْتَثْنَى الجميعَ، فيَرْجِعُ قولُه: إلَّا واحدةً.
إلى الثَّلاثِ المُثْبَتَةِ، فيَقَعُ منها طَلْقتانِ.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ من الإِثْباتِ نَفْىٌ، ومِن النَّفْى إثْباتٌ 569، فإذا اسْتَثْنَى مِن الثَّلاثِ المَنْفِيَّةِ طَلْقةً، كان مُثْبِتًا لها، فلا يَجوزُ جَعْلُها مِنَ الثَّلاثِ المثْبَتَةِ؛ لأنَّه يكونُ إثْباتًا مِن إثْباتٍ.566567568
الحديث: 3507 - الجزء: 22 - الصفحة: 376
أَوْ: طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إِلَّا وَاحِدَةً.
أَوْ: طَلْقَتَيْنِ وَوَاحِدَةً إِلَّا وَاحِدَةً.
أَوْ: طَلْقَتَيْنِ وَنِصْفًا إِلَّا وَاحِدَةً.
طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَقَعَ طَلْقَتَانِ.
3508 - مسألة: (وإن قَالَ: أنْتِ طالقٌ وطَالقٌ وطَالقٌ إلَّا واحدةً.
أو: طَلْقَتَيْنِ وَوَاحدةً إلّا وَاحدةً.
أو: طَلْقَتَيْنِ وَنِصْفًا إلَّا واحدةً.
طَلُقَتْ ثلاثًا.
ويَحْتَمِلُ أَنْ تَقَعَ طَلْقَتَانِ)
في هذه المسائِلِ الثَّلاثِ وجْهان؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ يَرْفَعُ الجُمْلَةَ الأخيرةَ بكَمالِها، مِن غيرِ زِيادةٍ عليها، فيَصِيرُ [ذِكْرُها واسْتِثْناؤُها] 570 لَغوًا، وكلُّ اسْتِثْناءٍ أفْضَى تَصْحِيحُه إلى إِلْغائِه وإلْغاءِ المُسْتَثْنَى منه بَطَلَ، كاسْتِثْناءِ الجميعِ، ولأَنَّ إلْغاءَه وحدَه أوْلَى مِن إلْغائِه وإلْغاءِ غيرِه، ولأَنَّ الاسْتِثْناءَ يعودُ إلى الجُمْلةِ الأخيرةِ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، فيكونُ اسْتِثْناءً للجميعِ.
الوجْهُ الثَّانى، يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ، ويقَعُ طَلْقَتانِ؛ لأَنَّ العَطْفَ بالواوِ يَجْعلُ
الحديث: 3508 - الجزء: 22 - الصفحة: 377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجُمْلَتَيْنِ كالجُمْلَةِ الواحدةِ، فيَصِير مُسْتَثْنِيًا واحدةً مِن ثلاثٍ،
الجزء: 22 - الصفحة: 378
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولذلك 571 لو قال: له علىَّ مِائةٌ وعِشرونَ إلَّا خَمْسِينَ.
صَحَّ.
والأَوَّلُ مذهبُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
فصل: وَإن قال: أنتِ طَالقٌ واحدةً واثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحدةً.
فعلى الوَجْهِ الثَّانِى، يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ، وعلى الوَجْهِ الأَوَّلِ يُخرَّجُ في صحَّتِه وَجْهانِ، بِناءً على اسْتِثْناءِ النِّصْفِ.
فإن كان العطفُ بغيرِ واوٍ كقولِه: أنتِ طالقٌ فطالقٌ فطالقٌ 572 -أو- طالقٌ ثم طالقٌ ثم طالقٌ 573، إلَّا طَلْقةً.
لم يَصِحَّ الاسْتِثْناءُ؛ لأَنَّ هذا حرفٌ يَقْتَضِى التَّرْتِيبَ، وكَوْنَ الطَّلْقَةِ 574 الأخيرةِ مُفْرَدَةً عمَّا قبلَها، فيَعودُ الاسْتِثْناءُ إليها وحدَها، فلا يَصِحُّ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ اثْنَتَيْنِ واثْنَتَيْن إلَّا اثْنَتَيْنِ.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه إن عادَ إلى الجُمْلَةِ الأخيرةِ فهو 575 رَفْعٌ لجميعِها، وإن عادَ إلى الثَّلاثِ التى يَمْلِكُها، فهو رَفْعٌ لأكثَرِها، وكلاهما لا يَصِحُّ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ بِناءً
الجزء: 22 - الصفحة: 379
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على أنَّ العَطفَ بالواوِ يجْعلُ الجُمْلَتَيْن جملةً واحدةً، وأنَّ اسْتِثْناءَ النِّصْفِ يَصِحُّ، فكأنَّه قال: أربعًا إلَّا اثْنَتيْنِ.
فإن قال: أنتِ طالقٌ اثْنَتَيْن واثْنَتَيْن إلَّا واحدةً.
احْتَمَلَ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه اسْتَثْنَى واحدةً مِن ثلاثٍ.
واحْتَمَلَ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه إنْ 576 عاد إلى الرَّابعةِ، فقد بَقِىَ بعدَها ثلاثٌ، وإن عادَ إلى الواحدةِ الباقِيَةِ مِنَ الاثْنَتَيْنِ، فهو استثناءُ الجميعِ.
فصل: وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا طَلْقةً وطلقةً وطلقةً.
ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَلْغُو الاسْتِثْناءُ، وَيَقعُ ثلاثٌ؛ لأَنَّ العطفَ يُوجِبُ اشْتراكَ المعطوفِ مع المعْطوفِ عليه، فيَصِيرُ مُسْتَثْنِيًا ثلاثًا مِن ثلاثٍ.
وهذا وَجْه لأصْحابِ الشافعىِّ، [وقولُ أبى حنيفةَ.
والثانى] 577، يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ في طَلْقةٍ؛ لأَنَّ اسْتِثْناءَ الأقَلِّ جائزٌ، وإنَّما لا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الثَّانيةِ والثَّالثةِ، فَيَلْغُو وحدَه.
وقال أبو يُوسفَ، ومحمدٌ: يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الثِّنْتَيْنِ، ويَلْغُو في (1) الثَّالثةِ.
بِناءً على أصْلِهم في أنَّ اسْتِثْناءَ الأكثرِ جائزٌ.
وهو الوَجْهُ الثَّانى لأصْحابِ الشافعىِّ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَتَيْنِ إلَّا طلقةً وطلقةً.
الجزء: 22 - الصفحة: 380
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِق ثَلاثًا.
وَاسْتَثْنَى بِقَلْبِهِ: إِلَّا وَاحِدَةً.
وَقَعَتِ
ففيه الوَجْهانِ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا طلقةً ونِصْفًا.
احْتَمَلَ وَجْهَيْن أيضًا؛ أحدُهما، يَلْغُو الاسْتِثْناءُ؛ لأَنَّ النِّصْفَ يُكَمَّلُ، فيَكُونُ مُسْتَثْنِيًا للأكْثرِ، فيَلْغُو.
والثانى، يَصِحُّ في طلقةٍ، فتَقعُ طَلْقتانِ؛ لِما ذَكَرْنا في التى قبلَها.
وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدةً وإلَّا واحدةً.
كان عاطِفًا لاسْتِثْناء على اسْتِثْناء، فيَصِحُّ الأَوَّلُ، ويَلْغُو الثَّانى؛ لأنَّنا لو صَحَّحْناه لَكان مُسْتَثْنِيًا للأكثرِ، فيَقَعُ به طَلْقتانِ.
ويَجِئُ على قولِ مَن أجازَ اسْتِثْناءَ الأكْثرِ أنَّه يَصِحُّ فيهما (1)، فيَقَعُ طلقةٌ واحدةٌ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدْةً إلَّا واحدةً.
كان مُسْتَثْنِيًا مِنَ الواحدةِ المُسْتَثْناةِ واحدةً، فيَحْتَمِلُ أن يَلْغُوَ الاسْتثناءُ الثَّانِى، ويَصِحَّ الأَوَّلُ، فيَقَعَ به طَلْقتانِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَقَعَ به الثَّلاثُ؛ لأَنَّ الاسْتثْناءَ الثَّانِى معْناه إثْباتُ طلقةٍ في حَقِّها، لكَوْنِ الاستثْناءِ مِنَ النَّفْى إثْباتًا، فيُقْبلُ (2) ذلك في إيقاعِ طلاقِه وإن لم يُقْبَلْ في نَفْيِه, كما لو قال (3): طَلْقَتَيْنِ ونِصْفًا.
وقَعَ به ثلاثٌ.
3509 -
مسألة: (وإن قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثًا. واسْتَثْنَى بقَلْبِه:
578579580 الحديث: 3509 - الجزء: 22 - الصفحة: 381
الثَّلَاثُ، وَإِنْ قَالَ: نِسَائِى طَوَالِقُ.
واسْتَثْنَى وَاحِدَةً بِقَلْبِهِ لَمْ تَطْلُقْ.
إلَّا واحدةً.
وَقَعَتِ الثَّلاثُ.
وإن قال: نِسَائِى طَوَالِقُ.
واسْتَثْنَى واحدةً بقَلْبِه لم تَطْلُقْ) وجملةُ ذلك، أنَّ ما يتَّصِلُ باللَّفْظِ مِنٍ قَرِينةٍ أو اسْتِثْناءٍ، على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، ما لا يَصِحُّ نُطْقًا ولا نِيَّة، وذلك نَوْعانِ؛ أحدُهما، ما يَرْفَعُ حُكْمَ اللَّفْظِ كلَّه، مثلَ أن يقولَ: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا ثلاثًا.
أو: أنتِ طالقٌ طلقةً لا تَلْزَمُكِ -أو- لا تَقَعُ عليك.
فهذا لا يَصِحُّ بلَفْظِه [ولا] 581 نِيَّتِه؛ لأنَّه يَرْفَعُ حُكْمَ اللَّفْظِ كلَّه، فيَصِيرُ الجميعُ لَغْوًا، فلا يَصِحُّ هذا في اللُّغَةِ بالاتِّفاقِ، وإذا كان كذلك سَقَطَ الاسْتِثْناءُ والصِّفَةُ، وَوقعَ الطَّلاقُ.
الضَّرْبُ الثَّانِى، ما يُقْبَلُ لَفْظًا ولا يُقْبَلُ نِيَّةً، لا في الحُكْمِ ولا فيما ينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، وهو اسْتِثْناءُ الأقَلِّ، فهذا يَصِحُّ لَفْظًا؛ لأنَّه مِن لسانِ العربِ، ولا يَصِحُّ بالنِّيَّةِ، مثلَ أن يقولَ: أنتِ طالقٌ ثلاثًا.
ويَسْتَثْنِىَ بقَلْبِه: إلَّا واحدةً.
أو أكثرَ.
فهذا لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ العَدَدَ نَصٌّ فيما يَتناوَلُه، لا يَحْتَمِلُ غيرَه، فلا يَرْتَفِعُ بالنِّيَّةِ ما ثبَتَ بنَصِّ اللَّفْظِ، فإنَّ اللَّفْظَ أقْوَى مِن النِّيَّةِ، ولو نَوَى بالثَّلاثِ اثْنَتَيْن، كان مُسْتَعْمِلًا لِلَّفْظِ في غيرِ ما يَصْلُحُ له، فوقعَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَلَغَتْ نِيَّتُه.
وحُكِى
الجزء: 22 - الصفحة: 382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن بعضِ الشافعيَّةِ، أنَّه يُقْبَلُ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، كما لو قال: نِسائِى طَوَالِقُ.
واسْتَثْنَى بقَلْبِه: إلَّا فُلانَة.
والفرقُ بينَهما أنَّ نِسائِى اسمٌ عامٌّ يَجوزُ التَّعْبِيرُ به عن بعضِ ما وُضِعَ له، وقد اسْتُعْمِلَ العُمومُ بإزاءِ الخُصوصِ كثيرًا، فإذا أرادَ به البَعْضَ صَحَّ.
وقولُه: ثلاثًا.
اسمُ عدَدٍ للثَّلاثِ، لا يَجوزُ التَّعْبيرُ به عن عَدَدِ غيرِها، ولا يَحْتَمِلُ سِوَاها بوَجْهٍ، فإذا أرادَ بذلك اثْنَتَيْن، فقد أرادَ باللَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُه، وإنَّما تَعْمَلُ النِّيَّةُ في صَرْفِ اللَّفْظِ المُحْتَمِلِ إلى أحدِ مُحْتَمِلاِته، فأمَّا ما لا يَحْتَمِلُ فلا، فإنَّه لو عَمِلْنا به 582 فيما لا يَحْتَمِلُ، كان عملًا بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، ومُجَرَّدُ النِّيَّةِ لا تَعْمَلُ في نِكاحٍ،
الجزء: 22 - الصفحة: 383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا طَلاقٍ، ولا بَيْعٍ.
ولو قال: نِسائِى الأرْبَعُ طَوالِقُ.
أو قال لهنَّ: أرْبَعَتُكُنَّ طَوالقُ.
واسْتَثْنَى بَعْضَهنَّ بالنِّيَّةِ.
لم يُقْبَلْ، على قياسِ ما ذَكَرْناه، ولا يُدَيَّنُ فيه؛ لأنَّه عَنَى باللَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُه.
الضَّربُ الثَّالثُ،
الجزء: 22 - الصفحة: 384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما يَصِحُّ نُطْقًا، وإذا نَوَاه دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، وذلك مثلُ تَخْصيصِ اللَّفظِ 583 العامِّ، أَوْ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَجازِه، مثلَ قولِه: نِسائِى طَوالقُ.
يُرِيدُ بعْضَهُنَّ، أو يَنْوِى بقَوْلِه: طالقٌ.
أى مِن وَثَاقى 584، فهذا يُقْبَل إذا كان لَفْظًا.
[وَجْهًا] 585 واحدًا؛ لأنَّه وَصَلَ كلامَه بما بَيَّنَ به مُرادَه، وإن كان بنِيَّتِه 586، قُبِلَ منه فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى؛ لأنَّه أرادَ تَخْصيصَ اللَّفْظِ العامِّ، واسْتِعْمالَه في الخصوصِ، وهذا سائغٌ في الكلام، فلا يُمْنَعُ مِن اسْتِعْمالِه والتَّكَلُّمِ به، ويكونُ اللَّفْظ بنِيَّتِه مُنْصرِفًا إلى ما أرَادَه، دُون ما لم يُرِدْه.
وهل يُقْبَلُ ذلك في الحُكْمَ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْنِ؛ إحداهما، يُقْبَلُ؛ لأنَّه فَسَّرَ كلامَه بما يَحْتَمِلُه 587، فصَحَّ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ.
وأرادَ بالثَّانِيةِ إفْهامَها.
والثَّانيةُ، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه خلافُ الظَّاهِرِ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
والأَوَّلُ أوْلَى، إن شاءَ اللَّه تعالى؛ لأَنَّ 588 أكْثرَ نُصوصِ القُرآنِ العامَّةِ أُرِيدَ بها الخُصوصُ.
ومِن
الجزء: 22 - الصفحة: 385
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَرْطِ هذا أَنْ تكونَ النِّيَّةُ مُقارِنةً للَّفْظِ، وهو أن يقولَ: نِسائِى طَوالِقُ.
يَقْصِدُ بهذا اللَّفْظِ بعْضَهُنَّ، فأمَّا إن كانتْ مُتَأَخِّرَةً عن اللَّفْظِ، مثلَ أن قال: نِساِئى طَوالِقُ.
ثم بعدَ فَراغِه نَوَى بقَلْبِه 589 بعْضَهِنَّ، لم تَنْفعْه النِّيَّةُ، وَوقَعَ الطَّلاقُ بجمِيعِهنَّ.
وكذلك لو طلَّقَ نِساءَه، ونوَى بعدَ طَلاقِهِنَّ، أىْ مِن وَثاقِى، لَزِمَه الطَّلاقُ؛ لأنَّه مُقْتَضَى اللَّفْظِ، والنِّيَّةُ الأخيرةُ 590 نِيَّةٌ مُجرَّدةٌ 591، لا لَفْظَ معها، فلا تَعْمَلُ.
ومِن هذا الضَّرْبِ تَخْصِيصُ حالٍ دُونَ حالٍ، مثلَ أن يقولَ: أنتِ طالقٌ.
ثم يَصِلَه بشَرْطٍ أو صِفَةٍ، مثلَ قوْلِه: إن دَخَلْتِ الدَّارَ.
أو: بعدَ شَهْرٍ.
أو قال: إن دخلْتِ الدَّارَ بعدَ شَهْرٍ.
فهذا يَصِحُّ إذا كان نُطْقًا، بغيرِ خلافٍ.
وإن نَوَاه، ولم يَلْفِظْ به، دُيِّنَ.
وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ على رِوايَتَيْن.
قال أحمدُ، في روايةِ إسْحاقَ بنِ إبْراهيمَ، في مَن حَلَفَ لا تدْخُلُ الدَّارَ، وقال: نَوَيْتُ شهرًا: يُقْبَلُ منه.
أو قال: إذا دَخَلْتِ دارَ فُلانٍ فأنتِ طالقٌ.
ونَوَى تلك السَّاعةَ، وذلك اليومَ: قُبِلَتْ نِيَّتُه.
والرِّوايةُ الأُخْرَى، لا يُقْبَلُ؛ فإنَّه قال: إذا قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ.
ونوى في قلبِه إلى سَنَةٍ، تَطْلُقُ، ليس يُنْظَرُ إلى نِيَّتِه.
وقال: إذا قال: أنتِ طالق.
وقال: نَوَيْتُ إن دَخَلَتِ الدَّارَ.
لا يُصدَّقُ.
ويُمْكِنُ الجَمْعُ بين هاتَيْنِ الرِّوايَتَيْن، بأن يُحْمَلَ قولُه
الجزء: 22 - الصفحة: 386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في [القَبُولِ على أنَّه يُدَيَّنُ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، وقولُه في] 592 عَدَمِ القَبُولِ، على الحُكْمِ، فلا يكونُ بينَهما اخْتِلافٌ، والفَرْقُ بين هذه الصُّورةِ والتى قبلَها، أنَّ إرادَةَ الخاصِّ بالعامِّ شائعٌ 593 كثيرٌ، وإرادةَ الشَّرْطِ مِن غيرِ ذِكْرِه غيرُ سائِغٍ 594، فهو قريبٌ مِن الاسْتِثْناءِ.
ويُمْكِنُ أن يُقالَ: هذا كلُّه مِن جُمْلَةِ التَّخْصِيصِ.
فصل: إذا قالتْ له امرأةٌ من نِسائِه: طَلِّقْنِى.
فقال: نِسائِى طَوالِقُ.
ولا نِيَّةَ له، طَلُقْنَ كلُّهنَّ.
بغيرِ خلافٍ؛ لأَنَّ لَفْظَه عامُّ.
وإن قالتْ له: طَلِّقْ نِساءَكَ.
فقال: نِسائِى طَوالِقُ.
فكذلك.
وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّ السَّائِلَةَ لا تَطْلُقُ في هذه الصُّورةِ؛ لأَنَّ الخِطابَ العامَّ 595 يُقْصَرُ على سَبَبِه الخاصِّ، وسَبَبُه سؤالُ طَلاقِ مَنْ سِوَاها.
ولَنا، أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فيها، ولم يُرِدْ به غيرَ مُقْتَضاهُ، فوَجَبَ العَمَلُ بعُمومِه، كالصُّورةِ الأُولَى، والعَملُ بعُمومِ اللَّفْظِ أوْلَى مِن خُصوصِ السَّبَبِ؛ لأَنَّ دليلَ 596 الحُكْمِ هو اللَّفظُ 597، فيَجِبُ اتِّباعُه والعملُ بمُقْتَضاهُ في خُصوصِه وعُمومِه، ولِذلك 598 لو كان أخَصَّ مِن السَّببِ، لَوجَبَ قَصْرُه على خُصوصِه،
الجزء: 22 - الصفحة: 387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واتِّباعُ صِفَةِ اللَّفْظِ دُونَ صِفَةِ السَّببِ، فأمَّا إن أخرجَ السَّائلةَ بنِيَّتِه، دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى في الصُّورَتَيْنِ، [وقُبِلَ] 599 في الحُكْم 600 في الصُّورةِ الثَّانيةِ؛ لأَنَّ خُصوصَ السَّبَبِ دليلٌ على نِيَّتِه، ولم يُقْبَلْ في الصُّورةِ الأَولَى.
قاله ابنُ حامدٍ؛ لأَنَّ طَلاقَه جوابٌ لسُؤالِها الطَّلاقَ لنَفْسِها، فلا يُصَدَّقُ في صَرْفِه عنها؛ لأنَّه يُخالفُ الظَّاهِرَ من وَجْهَيْن، ولأنَّها سَبَبُ الطَّلاقِ، وسَبَبُ الحُكْمِ لا يَجوزُ إخْراجُه من العُمومِ بالتَّخْصيصِ.
وقال القاضى: يَحْتَمِلُ أن لا تَطْلُقَ؛ لأَنَّ لفْظَه عامٌّ، والعامُّ يَحْتَمِلُ التَّخْصيصَ 601.
الجزء: 22 - الصفحة: 388
بَابُ الطَّلَاقِ فِى الْمَاضِى وَالْمُسْتَقْبَلِ
إِذَا قَالَ لِامْرأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ.
أَوْ: قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَكِ.
يَنْوِى الْإِيقَاعَ، وَقَعَ.
(1) بابُ الطَّلاقِ في الماضِى والمُسْتَقْبَلِ
3510 -
مسألة: (إذَا قال لِزَوْجَتِه: أنتِ طالقٌ أمْسِ. أو: قبلَ أن أَنْكِحَكِ. يَنْوِى الإيقَاعَ، وَقَعَ)
في الحالِ؛ لأنَّه يُقِرُّ على نفْسِه بما هو أغْلَظُ.602
الحديث: 3510 - الجزء: 22 - الصفحة: 389
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، لَمْ يَقَعْ فِى ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: يَقَعُ.
3511 - مسألة: (وإن لم يَنْوِ، لم يَقَعْ في ظَاهِرِ كَلامِه)
فرُوِىَ عنه، في مَن قال لزَوْجَتِه: أنتِ طالقٌ أمسِ.
وإنَّما تزَوَّجَها اليومَ: ليس بشئٍ.
وهذا قولُ أبى بكرٍ (وقال القاضى) في بعضِ كُتُبِه: (يقَعُ) الطَّلاقُ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه وَصَفَ الطَّلْقَةَ 603 بما لا تَتَّصِفُ به، فَلغَتِ الصِّفَةُ وَوقَعَ الطَّلاقُ، كما لو قال لمنْ لا سُنَّةَ لَها ولا بِدْعَةَ: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ.
أو قال: أنتِ طالقٌ طَلْقةً لا تَلْزَمُكِ.
ووَجْهُ الأَوَّلِ أنَّ الطَّلاقَ رَفْعٌ للاسْتِباحةِ، ولا يُمْكِنُ رَفْعُها في الزَّمنِ الماضى، فلم يَقَعْ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ قبلَ قُدومِ زيدٍ بيَومَيْنِ.
فَقدِمَ اليومَ، فإنَّ أصحابَنا لم يَخْتَلِفُوا في أنَّ الطَّلاقَ لا يقَعُ، وهو قولُ أكثَرِ 604 أصحابِ الشافعىِّ، وهذا طلاقٌ في زمنٍ ماضٍ، ولأنَّه عَلَّقَ الطَّلاقَ بمُسْتَحيلٍ، فَلغَا، كما لو قال: أنتِ طالقٌ إن قَلَبْتِ الحَجَرَ ذَهبًا.
والحُكْمُ في قولِه: أنتِ طالقٌ قبلَ أَنْ أتَزَوَّجَك.
كما إذا قال: أنتِ طالقٌ أمسِ.
الحديث: 3511 - الجزء: 22 - الصفحة: 390
وَحُكِىَ عَنْ أَبِى بَكْرٍ، لَا يَقَعُ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ.
وَيَقَعُ إِذَا قَالَ: قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَكِ.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أنَّ زَوْجًا قَبْلِى طَلَّقَهَا.
أَوْ: طَلَّقْتُهَا أَنَا فِى نِكَاحٍ
3512 - مسألة: (وحُكِىَ عن أبى بَكْرٍ)
أنَّه (يَقَعُ إذا قال: قبلَ أن أتَزَوَّجَكِ، ولا يَقَعُ إذَا قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ أمْسِ) قال القاضى: ورأيْتُ بخَطِّ أبى بكرٍ في جُزْءٍ مفردٍ، أنَّه قال: إذا قال: أنتِ طالقٌ قبلَ أَنْ أتَزَوَّجَكِ.
طَلُقتْ.
ولو قال: أنتِ طالقٌ أمسِ.
لم يَقَعْ؛ لأَنَّ أمسِ لا يُمْكِنُ وُقوعُ الطَّلاقِ فيه، وقبلَ تَزَوُّجِها مُتَصَوَّرُ الوُجُودِ؛ فإنَّه يُمْكِنُ أن يتَزَوَّجَها ثانيًا، وهذا الوقتُ قبلَه، فوقعَ في الحالِ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ قبلَ قُدومِ زيدٍ.
3513 -
مسألة: (فإن قال: أردْتُ أنَّ زَوْجًا قَبْلِى طَلَّقَها. أو:
الحديث: 3512 - الجزء: 22 - الصفحة: 391
قَبْلَ هذَا.
قُبِلَ مِنْهُ إِذَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ، فِى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ.
طَلَّقْتُها أنَا في نِكاحٍ قبل هذا.
قُبِلَ منه إذا احْتَمَلَ الصِّدْقَ، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ) إذا أرادَ الإخْبارَ 605 أنَّه كان طَلَّقَها هو، أو زَوْجٌ قبلَه، في ذلك
الجزء: 22 - الصفحة: 392
فَإنْ مَاتَ أَوْ جُنَّ أَوْ خَرِسَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِمُرَادِهِ، فَهَلْ تَطْلُقُ؟ عَلَى
الزَّمانِ الذي ذكَرَه، وكان قد وُجِدَ ذلك، قُبِلَ منه.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وقال القاضِي: يُقبَل على ظاهِرِ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّه فَسَّرَه بما يَحْتَملُه، وإن أرادَ أنِّي كنت طَلَّقْتُك أمسِ.
فكَذَّبَتْه، لَزِمَتْه (1) الطَّلْقَة، وعليها العِدَّةُ مِن يَوْمِها؛ لأنَّها اعْتَرفَتْ أنَّ أمسِ لم يَكُنْ مِن عِدَّتِها.
3514 -
مسألة: (فَإن مات أو جُنَّ أو خَرِسَ قَبْلَ العِلْمِ بمُرَادِه،
606 الحديث: 3514 - الجزء: 22 - الصفحة: 393
وَجْهَينِ.
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيدٍ بِشَهْرٍ.
فَقَدِمَ قَبْلَ مُضِيِّ الشَّهْرِ، لَمْ تَطْلُقْ.
فَهَل تَطْلُقُ؟ على وَجْهَين) بِناءً على اخْتلافِ القَوْلَينِ في المُطَلقِ؛ إنْ قُلْنا: لا يَقَعُ به شيءٌ.
لم يَلْزَمْه ها هنا شيءٌ.
وإن قُلْنا بوُقوعِه ثَمَّ، وقَعَ ههُنا.
3515 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ طَالِق قبلَ قُدُومِ زَيدٍ بِشَهْرٍ. فَقَدِمَ قبلَ مُضِيِّ شَهْرٍ، لم تَطْلُقْ)
بِغَيرِ خِلافٍ مِن أصحَابِنَا، وهو قولُ أكثرِ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه تعْليقٌ للطَّلاقِ على صِفَةٍ كان وُجُودُها
الحديث: 3515 - الجزء: 22 - الصفحة: 394
وَإنْ قَدِمَ بَعدَ شَهْرٍ وَجُزْءٍ يَقَعُ الطَّلاقُ فِيهِ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَهُ فِيهِ.
مُمْكِنًا، فَوَجَبَ اعْتِبارُها.
وإن قَدِمَ زيدٌ مع مُضِيِّ الشهرِ، لم تَطْلُقْ؛ لأَنه لا بُدَّ مِن جُزْءٍ يقَعُ الطَّلاقُ فيه.
3516 -
مسألة: (وإن قَدِمَ بعدَ شَهْرٍ وَجُزْءٍ يَقَعُ الطَّلاقُ فِيهِ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَهُ فيه)
لأنَّه إيقَاعٌ للطَّلاقِ بَعْدَ عَقْدِهِ.
وبهذا قال الشافعيُّ، وزُفَرُ.
وقال أبو حنيفةَ وصاحِبَاه: يقَعُ عندَ [قُدومِ زيد] 607؛ لأنَّه جَعَلَ الشَّهْرَ شَرْطًا لوُقوعِ الطَّلاقِ، فلا يَسْبِقُ الطَّلاقُ شَرْطَه.
ولَنا، أنَّه أوْقَعَ الطَّلاقَ في زمنٍ على صِفَةٍ، فإذا حَصَلَتِ الصِّفَةُ وقَعَ فيه، كما لو قال: أنتِ طالقٌ قبلَ شهرِ رمضانَ بشَهْرٍ -أو- قبلَ مَوْتِك بشهرٍ.
فإنَّ أبا حنيفةَ خاصَّةً يُسَلِّمُ ذلك، ولا نُسَلِّمُ أنَّه جَعَلَ الشَّهرَ شَرْطًا، وليس فيه حرفُ الشَّرْطِ.
الحديث: 3516 - الجزء: 22 - الصفحة: 395
وَإنْ خَالعَهَا بَعْدَ الْيَمِينِ بِيَوْمٍ، وَكَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، ثُمَّ قَدِمَ زَيدٌ بَعْدَ الشَّهْرِ بِيَوْمَينِ، صَحَّ الْخُلْعُ وَبَطَلَ الطَّلَاقُ.
وَإنْ قَدِمَ بَعْدَ شَهْرٍ وَسَاعَةٍ، وَقَعَ الطَّلَاقُ دُونَ الْخُلْعِ.
3517 - مسألة: (وإن خَالعَها بعدَ اليَمِينِ بِيَوْم، وكانَ الطَّلاقُ بَائِنًا، ثم قَدِمَ بَعْدَ الشَّهْرِ بِيَوْمَينِ، صَحَّ الخُلْعُ وَبَطَلَ الطَّلاقُ)
لأنَّه صادَفَها بائنًا (وإن قَدِمَ بعدَ شهرٍ وساعةٍ، وَقَعَ الطَّلاقُ دُونَ الخُلْعِ) ولها الرُّجوعُ بالعِوَضِ، إلَّا أن يكونَ الطَّلاقُ رَجْعيًّا؛ لأنَّ الرَّجْعِيَّةَ يَصِحُّ خُلْعُها.
فصل: فإن ماتَ أحدُهما بعدَ عَقْدِ الصِّفَةِ بيومَينِ، ثم قَدِمَ زيدٌ بعدَ شهر وساعةٍ من حينِ 608 عَقْدِ الصِّفَةِ، لم يَرِثْ أحدُهما الآخرَ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّ الطَّلاقَ قد كان وَقَعَ قبلَ موْتِ المَيِّتِ منهما، فلم يَرِثْه صاحِبُه، إلَّا أن يكونَ الطَّلاقُ رَجْعيًّا، فإنَّه لا يقْطَعُ التَّوارُثَ ما دامتْ في العِدَّةِ.
فإن
الحديث: 3517 - الجزء: 22 - الصفحة: 396
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي.
طَلُقَتْ فِي الْحَالِ.
قَدِمَ بعدَ الموتِ بشَهْرٍ وساعةٍ، تَبَيَّنَّا أنَّ الفُرْقَةَ وَقَعَتْ بالموْتِ، ولم [يقَعِ الطَّلاقُ] (1). فإن قال: أنتِ طالقٌ قبلَ مَوْتِي بشهرٍ.
فمات أحدُهما قبلَ مُضِيِّ شهرٍ، لم يقَعْ طلاقٌ؛ لأنَّ الطَّلاقَ لا يقَعُ في الماضِي.
وإن ماتَ بعدَ عَقْدِ اليَمِينِ بشهرٍ وساعةٍ، تَبيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلاقِ في تلك السَّاعةِ، ولم يتَوَارَثا، إلَّا أن يكونَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، ويموتَ (2) في عِدَّتِها.
3518 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ طَالقٌ قبلَ مَوْتِي. طَلُقَتْ في الحالِ)
لأنَّ ما قبلَ موْتِه مِن حين عِقْدِ الصِّفَةِ مَحَلٌّ للطَّلاقِ، فوَقعَ في أوَّلِه.
وإن قال: قبلَ مَوْتِك.
أو: موتِ زيدٍ.
فكذلك.
وإن قال: أنتِ طالقٌ قُبَيلَ مَوْتِي.
أو: قُبَيلَ قُدومِ زيدٍ.
لم يقَعْ في الحالِ، وإنَّما يَقَعُ ذلك في الجُزْءِ الذي يَلِيه الموتُ؛ لأنَّ ذلك تَصْغيرٌ يَقْتَضِي الجزءَ الصغيرَ الذي يَبْقَى.
وإن قال: أنتِ طالقٌ قبلَ قُدومِ زيدٍ.
أو: قبلَ609610
الحديث: 3518 - الجزء: 22 - الصفحة: 397
وَإنْ قَال: بَعْدَ مَوْتِي.
أَوْ: مَعَ مَوْتِي.
لَمْ تَطْلُقْ.
دُخولِك الدَّارَ.
فقال القاضي: تَطْلُقُ في الحالِ، سَواءٌ قَدِمَ زيدٌ أو لم يَقْدَمْ؛ بدليلِ قولِ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ (1). ولم يُوجَدِ الطَّمْسُ في المأْمُورينَ، ولو قال لغُلامِه: اسْقِني قبلَ أنْ أضْرِبَكَ.
فسَقاه في الحالِ عُدَّ مُمْتَثِلًا وإن لم يَضْرِ بْه.
وإن قال: أنتِ طالقٌ قبلَ موتِ زيدٍ وعمرو بشهرٍ.
فقال القاضي: تتَعلَّقُ الصِّفَةُ بأوَّلِهما مَوْتًا؛ لأنَّ اعْتِبارَه بالثَّانِي يُفْضِي إلى وُقُوعِه بعدَ مَوْتِ الأوَّلِ، واعتبارُه بالأوَّلِ لا يُفْضِي إلى ذلك، فكان أوْلَى.
3519 -
مسألة: (وإن قال):
أنتِ طالق (بعدَ مَوْتِي.
أو: معَ مَوْتِي.
لم تَطْلُقْ) نَصَّ عليه أحمدُ.
وكذلك إن قال: بعدَ مَوْتِكِ.
أو: مع مَوْتِك.
وبه قال الشافعيُّ.
ولا نعلمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّها تَبِينُ بموْتِ أحدِهما، فلا يُصادِفُ الطَّلاقُ نِكاحًا يُزِيلُه.611
الحديث: 3519 - الجزء: 22 - الصفحة: 398
وَإذَا تَزَوَّجَ أَمَةَ أَبِيهِ، ثُمَّ قَال: إِذَا مَاتَ أَبِي أَو اشْتَرَيتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَمَاتَ أَبُوهُ أَو اشْتَرَاها لَمْ تَطْلُقْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ.
3520 - مسألة: (وإن تَزَوّجَ أمَةَ أبِيهِ، ثم قال: إذا مات أبِي أو اشْتَرَيتُكِ فَأنْتِ طالِقٌ. فَمَات أبوه أو اشْتَرِاها، لم يَقَعِ الطَّلاقُ)
اخْتارَه القاضي؛ لأنَّه بالموْتِ والشِّرَاءِ يَمْلِكُها، فيَنْفَسِخُ نِكاحُها بالمِلْكِ، وهو زَمنُ الطَّلاقِ، فلم يَقَعْ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ مع مَوْتِي (ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ) اخْتارَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ المَوْتَ سَبَبُ مِلْكِها وطلاقِها، وفسْخُ النِّكاحِ يَتَرتَّبُ على المِلْكِ، فيُوجَدُ الطلاقُ في زَمَنِ المِلْكِ السَّابِقِ على الفَسْخِ، فيَثْبُتُ حُكْمُه.
وهذا أظْهرُ، إن شاء الله تَعالى.
الحديث: 3520 - الجزء: 22 - الصفحة: 399
فَإِنْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً، فَمَاتَ أَبُوهُ، وَقَعَ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ مَعًا.
فصل: وإن قال الأبُ: إذا مِتُّ فأنتِ حُرَّةٌ.
وقال الابنُ: إذا ماتَ أبِي فأنْتِ طالقٌ.
وكانت تَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، [ثم مات الأبُ، وقعِ العتقُ والطَّلاقُ معًا.
وكذلك إن كانت مُدَبَّرةً؛ لأنَّه لا تَنافىَ بينهما، وإن لم تخْرُجْ مِن الثُّلُثِ] 612، فكذلك؛ لأنَّ بعْضَها يَنْتَقِلُ إلى الوَرَثَةِ، فيَمْلِكُ الابْنُ جُزْءًا
الجزء: 22 - الصفحة: 400
فَصْلٌ: وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي في الْكُوزِ.
مِنها، فيَنْفَسِخُ به النِّكاحُ، فيكونُ كَمِلْكِ 613 جميعِها في فَسْخِ النِّكاحِ ومَنْعِ وُقُوعِ الطَّلاقِ.
فإن أجازَ الوَرَثَةُ عِتْقَها، فذَكَرَ بعضُ أهلِ العلمِ أنَّ هذا 614 يَنْبَنِي على الإِجازَةِ، هل هي تَنْفِيذٌ أو عَطيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ؟ فإنْ قُلْنا: هي عَطيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ.
فقد انْفَسَخَ النِّكاحُ قبلَها، فلم يَقَعِ الطَّلاقُ.
وإن قُلْنا: هي تَنفيذٌ لِما فعلَ السَّيِّدُ.
وقَعَ الطَّلاقُ.
وكذلك إن أجازَ الزَّوجُ وحْدَه عِتْقَ أبيه 615، فإن كان على الأبِ دَينٌ يَسْتَغْرِقُ تَرِكَتَه، لم تَعْتِقْ.
قال شيخُنا: والصَّحيحُ أنَّ ذلك لا يَمْنَعُ نَقْلَ التَّرِكَةِ إلى الوَرَثَةِ، فهو كما لو لم يَكُنْ عليه دَينٌ في فَسْخِ النّكاحِ.
فإن كان الدَّينُ لا يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ، وكانتْ تَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ بعدَ أداءِ الدَّينِ، عَتَقَتْ وطَلُقَتْ، وإن لم تَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ، لم تَعْتِقْ كلُّها، فيكونُ حُكْمُها في فَسْخِ النِّكاحِ ومَنْعِ الطلاقِ 616، كما لو اسْتَغْرَقَ الدَّينُ التَّرِكَةَ، وإن أسْقَطَ الغَرِيمُ الدَّينَ بعدَ المَوْتِ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ النِّكاحَ انْفَسَخَ قَبلَ إسْقاطِه.
فصل: قال الشَّيخُ، رَضِيَ الله عَنه: (وإن قال: أنتِ طالقٌ لأشْرَبَنَّ
الجزء: 22 - الصفحة: 401
وَلَا مَاءَ فِيهِ.
أَوْ: لَأَقْتُلَنَّ فُلَانًا الْمَيِّتَ.
أَوْ: لأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ.
أَوْ: لَأطِيرَنَّ.
أَوْ: إِنْ لَمْ أَصْعَدِ السَّمَاءَ.
وَنَحْوَهُ.
طَلُقَتْ فِي الْحَالِ.
وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ فِي مَوْضِعٍ: لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ.
الماءَ الذي في الكُوزِ.
ولا ماءَ فيه.
أو: لأقْتُلَنَّ فُلانًا المَيِّتَ.
أو: لأصْعدَنَّ السَّماءَ.
أو: لأطِيرَنَّ.
أو: إنْ لم أصْعَدِ السَّماءَ.
ونحوَه.
طَلُقَتْ في الحالِ.
وقال أبو الخَطَّابِ في موْضعٍ: لا تَنْعَقِدُ يَمِينُه) وجملةُ ذلك، أنَّه قد اسْتَعْملَ الطَّلاقَ والعَتاقَ اسْتِعْمال القَسَمِ، وجَعلَ جَوابَ القَسَمِ جَوابًا له، فإذا قال: أنْتِ طالقٌ لأقُومَنَّ.
وقامَ، لم تَطْلُقِ امرأتُه، فإن لم يَقمْ في الوقتِ الذي عَيَّنَه، حَنِثَ.
هذا قولُ أكْثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، والشَّعْبِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال شُرَيحٌ: يَقَعُ طَلاقُه وإن قامَ؛ لأنَّه طَلَّقَ طلاقًا غيرَ مُعَلَّقٍ بشَرْطٍ، فَوَقَعَ، كما لو لم يَقُمْ.
ولَنا، أنَّه حَلِفٌ بَرَّ فيه، فلم يَحْنَثْ، كما لو حَلَفَ باللهِ تعالى.
وإن قال: أنتِ طالقٌ
الجزء: 22 - الصفحة: 402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إنَّ أخاكِ لعاقلٌ.
وكان أخوها عاقلًا، لم يَحْنَثْ، وإن لم يَكُنْ عاقلًا حَنِثَ، كما لو قال: واللهِ إنَّ أخاك لعاقلٌ.
وإنْ شكَّ في عَقْلِه، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ لا أكلتُ هذا الرَّغيفَ.
فأكلَه، حَنِثَ، وإلَّا فلا.
وإن قال: أنتِ طالقٌ ما أكلْتُه.
لم يَحْنَثْ إن كان صادِقًا، ويَحْنَثُ إن كان كاذِبًا، كما لو قال: واللهِ ما أكلْتُه.
وإن قال: أنتِ طالقٌ لولا أبوك لَطَلَّقْتُكِ.
وكان صادِقًا، لم تَطْلُقْ، وإنْ كان كاذِبًا طَلُقَتْ 617. ولو قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِك فأنتِ طالقٌ.
ثم قال: أنتِ طالقٌ لأُكْرِمَنَّكِ.
طَلُقَتْ في الحالِ.
ولو قال: إن حَلَفْتُ بعِتْقِ عبدي فأنتِ طالقٌ.
ثم قال: عَبْدِي حُرٌّ لأقُومَنَّ.
طَلُقَتِ المرأةُ.
وإن قال: إن حَلَفْتُ [بطلاقِ امرأتي فعبدي حُرٌّ.
ثم قال: أنتِ طالقٌ لقد صمتُ أمسِ] 618. عَتَق العبدُ.
رجَعْنا إلى مسائِلِ الكتابِ، وهو ما إذا علَّقَه على مُسْتَحِيل، كقولِه: أنتِ طالقٌ لأشْرَبَنَّ الماءَ الذي في الكُوزِ.
ولا ماءَ فيه.
أو: لأقْتُلَنَّ فلانًا المَيِّتَ.
وقعَ الطَّلاقُ في الحالِ، كما لو قال:
الجزء: 22 - الصفحة: 403
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا شَرِبْتِ مَاءَ الْكُوزِ.
وَلَا مَاءَ فِيهِ.
أَوْ: صَعِدْتِ السَّمَاءَ.
أَوْ: شَاءَ الْمَيِّتُ أَو الْبَهِيمَةُ.
لَمْ تَطْلُقْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ، وَتَطْلُقُ فِي الْآخَرِ.
أنتِ طالقٌ (1) لم أبعْ عَبْدِي.
فماتَ العبدُ، ولأنَّه علَّقَ الطَّلاقَ على نَفْي فِعْلِ المُسْتَحِيلِ، وعدَمُه مَعْلومٌ في الحالِ وفي الثَّانِي، فوقعَ (2) الطَّلاقُ؛ لما ذَكرْناه.
وكذلك قولُه: أنتِ طالقٌ لأصْعَدنَّ السماءَ.
أو: لأطِيرَنَّ.
أو: إن لم أصْعَدِ السَّماءَ (3). وذكَرَ أبو الخَطَّابِ عن القاضي، أنَّه لا تَنْعَقِدُ يَمِينُه.
والصَّحيحُ أنَّه يَحْنَثُ؛ فإنَّ الحالِفَ على فِعْلِ المُمْتَنِعِ كاذِبٌ حانِثٌ، قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ (4). ولأنَّه لو حَلَفَ على فِعْلٍ مُتَصَوَّرٍ، فصارَ مُمْتَنِعًا، حَنِثَ بذلك، فَلأنْ يَحْنَثَ بكَوْنِه مُمْتَنِعًا حال يمينه أوْلَى.
3521 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ طالقٌ إن شَرِبْتِ ماءَ الكُوزِ. ولا ماءَ فِيهِ. أو: إنْ صَعِدْتِ السَّماءَ. أو)
إنْ (شاءَ المَيِّتُ أو البَهِيمَةُ.
لم تَطْلُقْ في أحَدِ الوَجْهَين، وَتَطْلُقُ في الآخرِ) إذا عَلَّقَ الطَّلاقَ على فعلٍ619620621622
الحديث: 3521 - الجزء: 22 - الصفحة: 404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُسْتحيلٍ، كالذي ذَكَرْناه ونحوه، كقولِه: إن جَمعْتِ بين الضِّدَّينِ.
أو: إن 623 كان الواحدُ أكثرَ مِن اثْنَين.
وسواءٌ كان مُسْتَحِيلًا عَقْلًا أو عادةً، كقولِه: إن طِرْتِ.
أو: صَعِدْتِ السَّماءَ.
أو: قَلَبْتِ الحَجَرَ ذَهبًا.
أو: شَرِبْتِ ماءَ هذا 624 النَّهَرِ كلَّه.
أو: حَمَلْتِ الجَبَلَ.
ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَقَعُ الطّلاقُ في الحالِ؛ لأنَّه أرْدفَ الطَّلاقَ بما يَرْفَعُ جُمْلَتَه، ويَمْنَعُ وُقوعَه في الحالِ وفي الثاني، فلم يَصِحَّ، كاسْتِثناءِ الكُلِّ، وكما لو قال: أنتِ طالقٌ طلقةً لا تَقَعُ عليكِ.
والثاني، لا يَقَعُ.
وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّه عَلَّقَ الطَّلاقَ بصِفَةٍ لم تُوجَدْ، ولأنَّ ما يُقْصَدُ تبْعِيدُه يُعَلَّقُ على المُحَالِ، قال الله تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ 625. وقال الشَّاعرُ 626:
إذا شابَ الغرابُ أتَيتُ أهْلِي … وصارَ القَارُ كاللَّبَنِ الحليبِ
الجزء: 22 - الصفحة: 405
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ اليَوْمَ إِذَا جَاءَ غَدٌ.
فَعَلَى وَجْهَينِ.
وَقَال
أي لا آتِيهم (1) أبدًا.
وقيلَ: إن علَّقَه على ما يَسْتحِيلُ عَقْلًا، وقَعَ في الحالِ؛ لأنَّه لا وُجودَ له، فلم تَتَعلَّقْ به الصِّفَةُ، وبَقِيَ مُجَرَّدُ الطَّلاقِ، فَوقَعَ، وإن عَلَّقَه على المُسْتَحِيلِ عادةً، كالطَّيرَانِ وصُعودِ السَّماءِ، لم يَقَعْ؛ لأنَّ له وُجُودًا، وقد وُجِدَ جنسُ ذلك في مُعْجِزاتِ الأنْبياءِ، وكراماتِ الأوْلياءِ، فجازَ تَعلُّقُ الطَّلاقِ به، ولم يَقَعْ قبلَ وُجودِه.
3522 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ طَالِقٌ اليومَ إذا جاء غدٌ. فعلى
627 الحديث: 3522 - الجزء: 22 - الصفحة: 406
الْقَاضِي: لَا تَطْلُقُ.
وَجْهَينِ.
وقال القاضي: لا تَطْلُقُ) وقال القاضي 628: يَقَع في الحالِ؛ لأنَّه عَلَّقَه بشّرْطٍ مُحَالٍ، فَلَغَا الشَّرْطُ، وَوقَعَ الطَّلاقُ، كما لو قال لمَنْ لا سُنَّةَ لطَلاقِها ولا بدْعَةَ: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ -أو- للبِدْعَةِ.
وقال في «المُجَرَّدِ»: لا يقَعُ؛ لأنَّ شَرْطَه لم يتَحَقَّقْ؛ لأنَّ مُقْتَضاه وُقوعُ الطَّلاقِ إذا جاءَ غدٌ في اليومِ، ولا يَأْتِي غَدٌ إلَّا بعدَ ذَهابِ اليومِ وذَهابِ مَحَلِّ الطَّلاقِ.
وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ.
الجزء: 22 - الصفحة: 407
فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ فِي زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ
إِذَا قَال: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا.
أَوْ: يَوْمَ السَّبْتِ.
أَوْ: فِي رَجَبٍ.
طَلُقَتْ بِأَوَّلِ ذَلِكَ.
فصل فِي الطَّلاقِ في زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ
3523 -
مسألة: (إذا قال: أنتِ طَالِقٌ غَدًا. أو: يَوْمَ السَّبْتِ. أو: في رَجَبٍ. طَلُقَتْ بأَوَّلِ ذلك)
إذا قال: أنتِ طالقٌ.
في شَهْرٍ عَيَّنَه، كشَهْرِ رجبٍ، وقعَ الطَّلاقُ في أوَّلِ جُزْءٍ من اللَّيلةِ الأُولَى منه، وذلك حين تَغْرُبُ الشَّمسُ من آخِرِ الشَّهرِ الذي قبلَه، وهو شهرُ جُمادَى.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال أبو ثَوْرٍ: يقَعُ الطَّلاقُ في آخرِ رجبٍ؛ لأنَّ ذلك يَحْتَمِلُ وُقُوعَه في أوَّلِهِ وآخِرِه، فلا يقَعُ إلَّا بعدَ زَوالِ الاحْتِمالِ.
ولنا، أنَّه جَعَل الشَّهْرَ ظَرْفًا للطَّلاقِ، فإذا وُجِدَ ما يكونُ ظَرْفًا له طَلُقَتْ، كما لو قال: إذا دَخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ.
فإذا دَخَلَتْ أوَّلَ جُزْءٍ منها طَلُقَتْ.
فأمَّا إن قال: إن لم أقْضِكَ حَقَّكَ في شهرِ رمضانَ، فامْرأتِي طالقٌ.
لم تَطْلُقْ حتى يَخْرُجَ رمضانُ قبلَ قَضائِه؛ لأنَّه إذا قَضاهُ في آخِرِه لم تُوجَدِ الصِّفَةُ.
وفي الموْضِعَينِ لا يُمْنَعُ [مِن وَطْءِ زَوْجتِه قبلَ الحِنْثِ.
وقال مالكٌ: يُمْنَعُ، وكذلك كُلُّ يَمِين على فِعْلٍ يَفْعَلُه، يُمْنَعُ] 629 من الوَطْءِ قبلَ فِعْلِه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه على حِنْثٍ، لأنَّ الحِنْثَ بتَرْكِ الفِعْلِ وليس
الحديث: 3523 - الجزء: 22 - الصفحة: 409
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ.
أَوْ: فِي هذَا الشَّهْرِ.
طَلُقَتْ فِي الْحَالِ.
وَإنْ قَال: أَرَدْتُ فِي آخِرِ هَذِهِ الأَوْقَاتِ.
دُيِّنَ.
بفاعلٍ.
ولَنا، أنَّ طَلاقَه لم يَقَعْ، فلا يُمْنَعُ مِنَ الوَطءِ لأجْلِ اليَمِينِ، كما لو حَلَفَ: لا فعلتُ كذا.
ولو صَحَّ ما ذكَرَه لَوجَبَ إيقاعُ الطَّلاقِ.
ولو قال: أنتِ طالقٌ غدًا.
أو: يومَ السَّبْتِ.
وقَعَ الطَّلاقُ في أوَّلِ جُزْءٍ منه؛ لِما ذَكَرْنا.
3524 -
مسألة: (ولو قال: أنتِ طَالِقٌ اليومَ. أو: في هذا الشَّهْرِ)
فكذلك؛ لِما ذَكَرْنا (وإن قال: أرَدْتُ في آخِرِه) أو أوسَطِه، أوْ يَوْمِ كذا مِنَ الشَّهْرِ، أو في النَّهارِ دونَ اللَّيلِ.
قُبِلَ فيما بينَه وبينَ اللهِ
الحديث: 3524 - الجزء: 22 - الصفحة: 410
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَينِ.
تَعَالى (وَهَلْ يُقْبَلُ في الحُكْم؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَين) إحْداهما، يُقْبَلُ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ آخِرَ الشَّهْرِ منه، فإرادَتُه لا تُخالِفُ ظاهِرَ لَفْظِه، وكذلك أوسَطُه، إذ ليس أوَّلُه بأوْلَى في ذلك مِن وَسَطِه وآخِرِه، بل رُبَّما كان آخِرُه أوْلَى؛ لأنَّه مُتَيَقَّنٌ، وما قبلَه مَشْكُوكٌ فيه.
والثانيةُ، لا يُقْبَلُ؛ لأنه لو أطْلَقَ لَتَناوَلَ أوَّلَه.
فأمَّا إن قال: أنتِ طالقٌ في أوَّلِ رمضانَ.
أو: غُرَّةِ رمضانَ.
أو: في رأْسِ شهرِ رمضانَ.
أو: اسْتِقْبالِ شهرِ رمضانَ.
أو: مَجِئ شهرِ رمضانَ.
طَلُقَتْ بأوَّلِ جُزْءٍ منه، ولم يُقْبَلْ قَوْلُه: أردتُ أوْسَطَه.
أَو: آخِرَه.
ظاهِرًا [ولا] 630 باطنًا؛ لأنَّ لَفْظَه لا يَحْتَمِلُه.
وإن قال: بانْقِضاءِ رمضانَ.
أو: انْسِلاخِه.
أو: نَفادِه.
أو: مُضِيِّه.
طَلُقَتْ
الجزء: 22 - الصفحة: 411
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في آخِرِ جُزْءٍ منه.
وإن قال: أنتِ طالقٌ أوَّلَ نهارٍ مِن شهرِ رمضانَ.
أو: في أوَّلِ يومٍ منه.
طَلُقَتْ بطُلوعِ فَجْرِ أوَّلِ يوم مِنه؛ لأنَّ ذلك أولُ النهارِ واليومِ.
ولهذا لو نَذَرَ اعتِكاف يومٍ، أو صيامَ يومٍ، لَزِمَه مِن طُلُوعِ الفَجْرِ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ إذا كان رمضانُ.
أو: إلى رمضانَ.
أو: إلى هلالِ رمضانَ.
أو: في هلالِ رمضانَ.
طَلُقَتْ ساعةَ يَسْتَهِلُّ، إلَّا أن يقولَ 631: مِن السَّاعةِ إلى الهلالِ.
فتَطْلُقُ في الحالِ.
وإنْ قال: أنتِ طالقٌ
الجزء: 22 - الصفحة: 412
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ وَغَدًا وَبَعْدَ غَدٍ.
أَوْ: فِي الْيَوْمِ وَفِي
في مَجِئِ ثلاثةِ أيَّامٍ.
طَلُقَتْ في أوَّلِ اليومِ الثَّالثِ.
3525 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ طَالقٌ اليومَ وَغَدًا وبعدَ
الحديث: 3525 - الجزء: 22 - الصفحة: 413
غَدٍ وَفِي بَعْدِهِ.
فَهَلْ تَطْلُقُ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وَقِيلَ: تَطْلُقُ فِي الْأُولَى وَاحِدَةً، وَفِي الثَّانِيَةِ ثَلَاثًا.
غَدٍ.
أو: في اليَوْمِ وفي غَدٍ وفِي بَعْدِه.
فهل تَطْلُقُ ثَلاثًا أو واحِدَةً؟ عَلَى وَجْهَين) أحدُهما، تَطْلُقُ واحدةً؛ لأنَّها إذا طَلُقَتِ اليومَ، فهي طالقٌ في غدٍ وفي بعدِه.
والثاني، تَطْلُقُ ثلاثًا؛ لأنَّ ذِكْرَه لأوْقاتِ الطَّلاقِ يدُلُّ على تَعْدادِه، لعدَمِ الفَائِدةِ في 632 ذِكْرِ أوْقاتِه بدونِ تَعْدادِه (وقيل: تَطْلُقُ في الأولَى واحدةً) لِما ذَكَرْنا للوَجْهِ الأوَّلِ (وفي الثانيةِ ثلاثًا) لأنَّ ذِكْرَه «في» وتكرارَه يدُلُّ على تَكْرارِ الطَّلاقِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 414
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ الْيَوْمَ، طَلُقَتْ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: لَا تَطْلُقُ.
3526 - مسألة: (وإن قال: أنتِ طالقٌ اليومَ إن لم أُطَلِّقْكِ اليومَ. طَلُقَتْ في آخِرِ جُزْءٍ منه)
إذا بَقِيَ مِن اليومِ مَا لا يَتَّسِعُ لِتَطْلِيقِها فيه.
وهذا اخْتِيارُ أبي الخَطَّابِ، وقولُ أصحابِ الشافعيِّ.
وحَكَى القاضي فيها وَجْهين؛ هذا، ووَجْهًا آخرَ، أنَّ الطَّلاقَ لا يقَعُ.
وحُكِيَ ذلك عن أبي بكرٍ، وابنِ سُرَيجٍ 633؛ لأنَّ محَلَّ الطَّلاقِ اليوم، ولا يُوجَدُ شَرْطُ طَلاقِها إلَّا بخُروجِه، فلا يَبْقَى مِن مَحَلٍّ طلاقِها ما يَقَعُ الطَّلاقُ فيه.
ولَنا، أنَّ خُروجَ اليومِ يفوتُ به طلاقُها، فوَجَبَ وُقوعُه قبلَه في آخِرِ وقتِ الإِمكانِ، كموتِ أحَدِهما في اليومِ، وذلك لأنَّ معنى يَمِيِنه: إنْ فاتَنِي
الحديث: 3526 - الجزء: 22 - الصفحة: 415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طَلاقُكِ اليومَ، فأنتِ طالقٌ فيه.
فإذا بَقِيَ مِن اليومِ ما لا يَتَّسِعُ لتَطْلِيقِها فقد فاتَه طَلاقُها فيه، فَوقَعَ حِينَئذٍ، كما يقَعُ طَلاقُه في مَسْألَتِنا في آخِرِ حيَاةِ أوَّلِهما مَوْتًا.
وما ذكَرُوه باطلٌ بما لو ماتَ أحَدُهما في اليوم، فإنَّ مَحَلَّ الطَّلاقِ يفوتُ بمَوْتِه، ومع ذلك فإنَّ الطَّلاقَ يقَعُ قُبَيلَ 634 مَوْتِه، كذا ها هنا.
فإنْ قال لها: أنتِ طالقٌ اليومَ إن لم أتَزَوَّجْ عليكِ اليومَ.
أو: إنْ لم أشْتَرِ لكِ ثَوْبًا اليومَ.
ففيه الوَجْهانِ.
والصَّحِيحُ منهما وُقوعُ الطَّلاقِ بها إذا بَقِيَ من اليوم ما لا يَتَّسِعُ لفِعْلِ المحْلُوفِ عليه فيه.
فإن قال لها: أنتِ طالقٌ إن لم أُطَلِّقْكِ اليومَ.
طَلُقَتْ بغيرِ خِلافٍ، في آخرِ اليوم في أحَدِ الوَجْهَينِ.
والوَجْهِ الآخرِ، بعدَ خُروجِ اليومِ.
وإن قال: أنَتِ طالقٌ اليومَ إن لم أُطَلِّقْكِ.
فهو كقَوْلِه: أنتِ طالقٌ اليومَ إن لم أُطَلِّقكِ اليومَ.
لأنَّه جَعَلَ عدمَ طَلاقِها شَرْطًا لطَلاقِها اليومَ، والشَّرْطُ يتَقَدَّمُ المَشْروطَ.
الجزء: 22 - الصفحة: 416
وَإنْ قَال أنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيد.
فَمَاتَتْ غُدْوَةً، وَقَدِمَ بَعْدَ
فصل: فإن قال لعبدِه: إن لم أبِعْكَ اليومَ فامْرأتِي طالقٌ اليومَ.
ولم يَبِعْه حتى خَرَجَ اليومُ، ففيه الوَجْهانِ.
وإن أعْتَقَ العبدَ أو ماتَ، أو مات الحالِفُ، أو المرأةُ في اليومِ، طَلُقَتْ زَوْجَتُه حِينَئذٍ؛ لأنَّه قد فاتَ بَيعُه.
وإنْ دَبَّرَه أو كاتَبَه، لم تَطْلُقِ امرأتُه؛ لأنَّ بَيعَه جائزٌ، ومَن مَنَعَ بَيعَهما قال: يَقَعُ الطَّلاقُ بذلك، كما لو ماتَ.
وإن وَهَبَ العَبْدَ لإِنْسانٍ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّه يُمْكِنُ عَوْدُه إليه فيَبيعُه، فلم يَفُتْ (1) بَيعُه.
ولو قال: إن لم أبعْ عَبْدِي فامْرَأتِي طالقٌ.
ولم يُقَيِّده باليومِ، فكاتَبَ العبدَ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّه يُمْكِنُ عَجْزُه، فلم يُعْلمْ فَواتُ البَيعِ، فإنْ عَتَق بالكتابةِ أو غيرِها، وقَعَ الطَّلاقُ حِينَئذٍ؛ لأنَّه قد فاتَ بَيعُه.
3527 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ طَالقٌ يومَ يَقْدَمُ زَيدٌ. فماتَتْ
635 الحديث: 3527 - الجزء: 22 - الصفحة: 417
مَوْتِهَا، فَهَلْ وَقَعَ بِها الطَّلَاقُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
غُدْوَةً، وقَدِمَ بَعدَ مَوْتِهَا، فَهَلْ وَقَعَ بِهَا الطَّلاقُ؟ عَلَى وَجْهَينِ) أحَدُهما، يَبِينُ أنَّ طَلاقَها وَقَعَ مِن أوَّلِ اليوم؛ لأنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ يومَ الجمعةِ.
طَلُقَتْ مِنِ أوَّلِه، فكذا إذا قال: أَنتِ طالقٌ يومَ يَقْدَمُ زيدٌ.
يَنْبَغِي أن تَطْلُقَ بطُلُوعِ فجْرِه.
والثَّاني، لا يَقَعُ الطَّلاقُ؛ لأنَّ شَرْطَه قُدومُ زيدٍ، ولم يُوجَدْ إلَّا بعدَ موتِ المرأةِ، فلم يَقَع، بخِلافِ يومِ الجمعةِ، فإنَّ شَرْطَ الطَّلاقِ مَجِئُ يوم الجمعةِ، وقد وُجِدَ، وههنا شَرْطانِ، فلا تَطْلُقُ بأحَدِهما.
والأوَّلُ أَوْلَى، وليس هذا شَرْطًا، إنَّما هو بَيان للوَقْتِ الذي يَقَعُ فيه الطَّلاقُ مُعَرَّفًا بفِعْلٍ يَقَعُ فيه، فيَقَعُ في أوَّلِه، كقولِه: أنتِ طالقٌ اليومَ الذي نُصَلِّي فيه الجمعةَ.
وإنْ قال: أنتِ طالقٌ في اليومِ الذي يَقْدَمُ فيه زيدٌ.
[فكذلك.
ولو] 636 مات الرَّجُلُ غدْوةً، ثم قَدِمَ زيدٌ، أو مات الزَّوْجانِ قبلَ قُدومِ زيدٍ، كان الحُكْمُ كما لو ماتتِ المرأةُ.
ولو قال: أنتِ طالقٌ في شهرِ رمضانَ إن قَدِمَ زيدٌ.
فقَدِمَ زيدٌ فيه، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا تَطْلُقُ حتى يَقْدَمَ زيدٌ؛ لأنَّ قُدومَه شَرْطٌ، فلا يَتَقَدَّمُه المَشْرُوطُ، بدليلِ ما لو قال: أنتِ طالقٌ إن قَدِمَ زيدٌ.
فإنَّها لا تَطْلُقُ قبلَ قُدُومِه بالاتِّفاقِ.
وكما لو قال: إذا قَدِمَ زيدٌ.
والثاني، أنَّه إن قَدِمَ زَيدٌ تَبَيَّنَّا وُقوعَ الطَّلاقِ مِن أوَّلِ الشَّهرِ.
وهو أصَحُّ، قياسًا على المسألَةِ التي قبلَ هذه.
الجزء: 22 - الصفحة: 418
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ فِي غَدٍ إِذَا قَدِمَ زَيدٌ.
فَمَاتَتْ قَبْلَ قُدُومِهِ، لَمْ تَطْلُقْ.
3528 - مسألة: (وإن قال: أنتِ طالقٌ في غَدٍ إذا قَدِم زَيدٌ. فماتَتْ قبلَ قُدُومِه، لم تَطْلُقْ)
[حتى يَقْدَمَ] 637؛ لأنَّ «إذا» اسمُ زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، فمَعْناه: أنتِ طالقٌ غدًا وقْتَ قُدومِ زيدٍ.
فإن لم يَقْدَمْ زيدٌ في غدٍ، لم تَطْلُقْ وإن قَدِمَ بعدَه؛ لأنَّه قَيَّدَ طَلاقَها بقُدومٍ مُقَيَّدٍ بصِفةٍ، فلا تَطْلُقُ حتى تُوجَدَ، وإن ماتتْ غُدْوةً، وقَدِمَ بعدَ مَوْتِها، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّ الوقْتَ الذي أوْقَعَ طلاقَها فيه لم يَأْتِ وهي محَلٌّ للطَّلاقِ، فلم تَطْلُقْ،
الحديث: 3528 - الجزء: 22 - الصفحة: 419
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ غَدًا.
طَلُقَتْ الْيَوْمَ وَاحِدَةً، إلا أَنْ يُرِيدَ: طَالِقٌ الْيَوْمَ وَطَالِقٌ غَدًا.
كما لو ماتتْ قبلَ دُخُولِ (1) ذلك اليوم.
3529 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ طَالِقٌ اليَوْمَ غدًا. طَلُقَتِ اليَوْمَ واحِدَةً)
لأنَّ مَن طَلُقَتِ اليَوْمَ فهي طالقٌ غدًا.
3530 -
مسألة: (فإن أرادَ: طَالِقٌ اليومَ وطالِقٌ غدًا. فتَطْلُقُ
638 الحديث: 3529 - الجزء: 22 - الصفحة: 420
أَوْ: نِصْفَ طَلْقَةٍ الْيَوْمَ وَنِصْفَهَا غَدًا.
فَتَطْلُقُ اثْنَتَينِ.
وَإنْ نَوَى: نِصْفَ طَلْقَةٍ الْيَوْمَ وَبَاقِيَهَا غَدًا.
احْتَمَلَ وَجْهَينِ.
طَلْقَتَينِ) فِي اليَوْمَينِ.
فإنْ قَال: أرَدْتُ أنَّها تَطْلُقُ في أحَدِ اليَوْمَينِ.
طَلُقَتِ اليَوْمَ ولم تَطْلُقْ غَدًا؛ لأنَّه جَعَلَ الزَّمَانَ كُلَّهُ ظَرْفًا لوُقُوعِ الطَّلاقِ، فَوَقَعَ في أوَّلِه.
3531 -
مسألة: وإن أرَادَ (نِصْفَ طَلْقَةٍ اليَوْمَ وَنِصْفَهَا غَدًا)
فَتَطْلُقُ اليَوْمَ وَاحِدَةً وَغَدًا أُخْرَى؛ لأنَّ النِّصْفَ يُكَمَّلُ [فَيَصِيرُ طَلْقَةً تامَّةً] 639. وإن قال: أرَدْتُ 640 (نِصْفَ طَلْقَةٍ اليَوْمَ وَبَاقِيَهَا غَدًا.
احْتَمَلَ وَجْهَين) أحَدُهما، لا تَطْلُقُ إلَّا واحدةً؛ لأنَّه إذا قال: نِصْفُها اليومَ.
كُمِّلَتْ كُلُّها (2)، فلم يَبْقَ لها بَقِيَّةٌ تَقَعُ غدًا، ولم يَقَعْ شيءٌ غيرُها؛ لأنَّه
الحديث: 3531 - الجزء: 22 - الصفحة: 421
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَى شَهرٍ.
طَلُقَتْ عِنْدَ انْقِضَائِهِ،
ما أوْقَعَه.
وذكَر القاضي هذا الاحْتمال أيضًا في المسألةِ الأُولَى.
وهو مذهبُ الشافعيِّ، ذَكَرَ أصحابُه فيها الوَجْهينِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَقَعَ اثْنَتانِ، كالمسألَةِ التي قبلَها.
3532 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ طَالِقٌ إلَى شَهْرٍ. طَلُقَتْ عندَ انْقِضَائِه)
إذا قال: أنتِ طالقٌ إلى شهرِ كذا.
أو: سنةِ كذا.
فهو كما لو قال: في شهرِ كذا.
أو: سنةِ كذا.
ولا يَقَعُ الطَّلاقُ إلَّا في أوَّلِ ذلك الوقْتِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَطْلُقُ في الحالِ؛ لأنَّ قولَه: أنتِ طالقٌ.
إيقاعٌ في الحالِ، وقولَه: إلى شهرِ كذا.
تَأْقِيتٌ له وغايةٌ، وهو لا يَقْبَلُ التَّأْقِيتَ، فَوَقَعَ في الحالِ؛ لأنَّه لا يَقْبَلُ التَّأقِيتَ.
ولَنا، أنَّ ذلك قد رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، وأبي ذَرٍّ، ولأنَّ هذا يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ تَوْقِيتًا لإيقاعِه، كقولِ الرَّجلِ: أنا خارجٌ إلى سنةٍ.
أي 641 بعدَ سنةٍ.
الحديث: 3532 - الجزء: 22 - الصفحة: 422
إلا أَنْ يَنْوِيَ طَلَاقَهَا فِي الْحَالِ.
وإذا احْتَمَلَ الأمْرَينِ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ بالشَّكِّ.
وقد تَرجَّحَ ما ذَكَرْناه مِن وَجْهَينَ؛ أحَدُهما، أنَّه جَعَلَ للطَّلاقِ غايةً، ولا غايةَ لآخرِه، وإنَّما الغايَةُ لأوَّلِه.
والثَّاني، أنَّ ما ذكَرْناه عَمَلٌ باليَقِينِ، وما ذكَرُوه أخْذٌ بالشَّكِّ.
فصل: (فإن نَوَى طَلاقَها في الحالِ) إلى سنةِ كذا.
وَقَعَ في الحالِ؛ لأنَّه يُقِرُّ على نفْسِه بما هو أغْلَظُ، ولفظُه يَحْتَمِلُه.
فصل: وإن قال: أنتِ طالقٌ مِن اليوم 642 إلى سنةٍ.
طَلُقَتْ في الحالِ؛ لأنَّ «مِنْ» لابْتِداءِ الغايةِ، فيَقْتَضِي أنَّ طلاقَها مِن اليومِ.
فإن قال: أرَدْتُ [أنَّ عَقْدَ الصِّفةِ مِن اليومِ، ووقوعَه بعدَ سنةٍ.
لم يَقَعْ إلَّا بعدَها.
وإن قال: أرَدْتُ] 643 تَكْرِيرَ طَلاقِها مِن حينَ لَفَظْتُ به إلى سنةٍ.
طَلُقَتْ مِن ساعَتِها ثلاثًا، إذا كانت مَدْخُولًا بها.
قال أحمدُ: إذا قال لها: أنتِ طالقٌ مِنَ اليومِ إلى سنةٍ.
يرِيدُ التَّوْكيدَ، وكَثْرَةَ الطَّلاق، فتلك طالقٌ مِن ساعَتِها.
الجزء: 22 - الصفحة: 423
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ فِي آخِرِ الشَّهْرِ.
أَوْ: أوَّل آخِرِهِ.
طَلُقَتْ بِطُلُوعِ فَجْرِ آخِرِ يَوْم مِنْهُ.
وَإنْ قَال: فِي آخِرِ أَوَّلِهِ.
طَلُقَتْ فِي آخِرِ يَوْم مِنْ أَوَّلِهِ.
وقَال أَبو بَكْرِ: تَطْلُقُ فِي الْمَسْألَتَينِ بِغُرُوبِ شَمْسِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْهُ.
3533 - مسألة: (وإن قال: أنتِ طالِقٌ فِي آخِرِ الشَّهْرِ. أو: أوَّلِ آخِرِه. طَلُقَتْ)
فِي أوَّلِ 644 آخِرِ يَوْم مِنْه؛ لأنَّه آخِرُه (وإن قال: في آخِرِ أوَّلِه.
طَلُقَتْ فِي آخِرِ أوَّلِ يَوْم) مِنْهُ؛ لأنَّه أوَّلُهُ (وقال أبو بكرٍ: تَطْلُقُ في المسألَتَين بغُروب شَمْسِ الخامِسَ عَشَرَ منه) لأنَّ الشَّهْرَ نِصْفانِ، [أوَّلُ، وآخِرُ] 645، فآخِرُ أَوَّلِه يَلِي 646 أوَّلَ آخِرِه.
وهذا قولُ أبي العبَّاسِ بنِ سُرَيجٍ 647. وقال أكثرُهم كقَوْلِنا، وهو أصَحُّ؛ فإنَّ ما عدَا
الحديث: 3533 - الجزء: 22 - الصفحة: 424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اليومَ الأوَّلَ لا يُسَمَّى أوَّلَ الشَّهرِ، ويَصِحُّ نَفْيُه عنه، وكذلك لا يُسَمَّى أوْسَطُ الشَّهرِ آخِرَه، ولا يُفْهَمُ ذلك مِن إطْلاقِ لَفْظِه، فَوجَبَ أن لا يُصْرَفَ كلامُ الحالفِ إليه، ولا يُحْمَلَ عليه.
الجزء: 22 - الصفحة: 425
وَإن قَال: إِذَا مَضَتْ سَنَةٌ فأَنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ إِذَا مَضَى اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا بِالأَهِلَّةِ، وَيُكَمَّلُ الشَّهْرُ الَّذِي حَلَفَ فِي أَثْنَائِهِ بِالْعَدَدِ.
3534 - مسألة: (وإن قَال: إذَا مضتْ سَنةٌ فَأنْتِ طَالِقٌ. طَلُقَتْ إذَا مضَى اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا بِالأهِلَّةِ، وَيُكَمَّلُ الشَّهْرُ الذي حَلَفَ في أثْنائِهِ بِالعَدَدِ)
إلى تَمَامِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا بالأهِلَّةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ 648. فإنْ حَلَفَ في أوَّلِ شَهْرٍ، فإذا مَضَى اثْنا عَشَرَ شَهْرًا بِالأهِلَّةِ 649 وَقَعَ طلاقُه.
وإن حَلَفَ في أثناءِ شَهرٍ، عَدَدْتَ ما بَقِيَ منه، ثم حَسَبْتَ بَعدُ بالأهِلَّةِ، فإذا مَضَتْ أحَدَ عَشَرَ شهرًا بالأهِلَّةِ نَظَرْتَ ما بَقِيَ مِن الشَّهْرِ الأوَّلِ، فكَمَّلْتَ ثلاثينَ يومًا؛ لأنَّ الشَّهْرَ اسمٌ لِما بينَ هِلالينِ، فإن تَفَرَّقَ كان ثلاثينَ يومًا.
وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه تُعْتَبَرُ الشُّهورُ كلُّها بالعَدَدِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في مَن نَذَر صِيامَ شهْرَينِ مُتَتابِعَينِ، فاعترضَ الأَيَّام 650، قال: يَصومُ سِتِّينَ يومًا، وإنِ
الحديث: 3534 - الجزء: 22 - الصفحة: 426
وَإنْ قَال: إِذَا مَضَتِ السَّنَةُ فَأنْتِ.
طَالِقٌ.
طَلُقَتْ بِانْسِلَاخِ ذِي الْحِجَّةِ.
ابْتدَأَ مِن شهر، فصامَ شَهْرَينِ، فَكانا ثمانيةً وخمسينَ يومًا، أجْزَأه؛ وذلك أنَّه لمَّا صامَ نِصْفَ شهرٍ، وجَبَ تَكْمِيلُه مِنَ الذي يَلِيه، فكان ابْتِداءُ الثاني مِن نِصْفِه أيضًا، فَوجَبَ أنْ يُكَمِّلَه بالعَدَدِ، وهذا المعنى مَوْجودٌ في السَّنَةِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّه أمْكَنَ اسْتِيفَاءُ أحَدَ عشَرَ شهرًا بالأهِلَّةِ، فَوَجَبَ الاعْتِبارُ بها، كما لو كانت يَمِينُه في أوَّلِ شهرٍ، ولا يَلْزمُ أن يُتِمَّ الأوَّلَ مِن الثَّاني، بل يُتِمُّه مِن آخرِ الشُّهورِ.
وإن قال: أرَدْتُ بقَوْلِي: سَنَةً.
إذا انْسَلَخَ ذُو الحِجَّةِ.
قُبِلَ؛ لأَنه يُقِرُّ على نَفْسِه بما هو أغْلَظُ.
3535 -
مسألة: (وإن قال: إذا مَضَتِ السَّنَةُ فَأنْتِ طَالقٌ. طَلُقَتْ بِانْسِلاخِ ذِي الحِجَّةِ)
لأنَّه لمَّا عَرَّفَها بلامِ التَّعْريفِ، انصَرفَتْ إلى السَّنَةِ المعْروفَةِ، التي آخِرُها ذو الحِجَّةِ.
فإن قال: أرَدْتُ بالسَّنَةِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، قُبِلَ؛ لأنَّ السَّنةَ اثْنَا عَشَرَ شهرًا حقيقةً.
الحديث: 3535 - الجزء: 22 - الصفحة: 427
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ طَلْقَةً.
طَلُقَتِ الْاُّولَى فِي الْحَالِ، وَالثَّانِيَةَ فِي أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ، وَكَذَا الثَّالِثَةُ.
3536 - مسألة: (وإذا قال: أنْتِ طَالِقٌ في كُلِّ سَنَةٍ طَلْقَةً)
فَهذه صِفَةٌ صَحِيحَةٌ؛ لأنَّه يَمْلِكُ إيقاعَه في كُلِّ سنةٍ، فإذا جعلَ ذلك صِفَةً، جازَ، ويَكونُ ابْتداءُ المُدَّةِ عَقِيبَ يَمِينِه؛ لأنَّ كُلٍّ أجَلٍ ثَبَتَ بمُطْلَقِ العَقْدِ، ثَبَتَ عَقِيبَه، كقولِه: واللهِ لا كَلَّمْتُك سَنَة فتَقَعُ (الأُولَى في الحالِ) لأنهَّ جعلَ السَّنَةَ ظَرْفًا للطَّلاقِ، فتَقَعُ في أوَّلِ جُزْءٍ منها، وتقَعُ الثَّانِيَةُ في أوَّلِ الثَّانِيَةِ، والثَّالِثَةُ [في أوِّلِ الثَّالثةِ] 651، إنْ دَخَلَتا عليها وهي في نِكاحِه؛ لكَوْنِها لم تَنْقَضِ عِدَّتُها، أو ارْتجعَها 652 في عِدَّةِ الطَّلْقةِ الأُولَى وعِدَّةِ الثَّانيةِ، أو جَدَّدَ نِكاحَها بعدَ أن بانَتْ.
فإنِ انْقَضَتْ عِدَّتُها فبانَتْ منه، ودَخلَتِ السَّنَةُ الثَّانيةُ وهي بائنٌ، لم تَطْلُقْ؛ لكَوْنِها غيرَ زَوْجةٍ له.
فإنْ تَزَوَّجَها في أثْنائِها، اقْتَضَى قولُ أكثرِ أصحابِنا وُقوعَ الطَّلاقِ
الحديث: 3536 - الجزء: 22 - الصفحة: 428
فَإِنْ قَال: أَرَدْتُ بِالسَّنَةِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا.
دُيِّنَ.
وَهَلْ يُقْبَل فِي
عَقِيبَ [تزْويجِه لها] (1)، لأنَّه جُزْءٌ مِن السَّنَةِ الثَّانيةِ التي جعلَها ظَرْفًا للطَّلاقِ، وَمَحِلًّا له، وكان سَبِيلُه أن يقَعَ في أوَّلِها، فمَنَع منْه كَوْنُها غيرَ مَحِلٍّ للطَّلاقِ؛ لعَدَمِ نِكاحِه حِينَئذٍ، فإذا عادَتِ الزَّوجيَّةُ (2)، وقَعَ في أوَّلِها.
وقال القاضي: تَطْلُقُ بدُخولِ السَّنَةِ الثَّالثةِ.
وعلى قولِ التَّميمِيِّ ومَنْ وافَقَه، تَنْحَلُّ الصِّفَةُ بوُجودِها في حالِ البَينُونَةِ، فلا تَعودُ بحالٍ.
وإن لم يَتَزَوَّجْها حتى دخلَتِ السَّنَةُ الثَّالثةُ، ثم نَكَحَها، طَلُقَتْ عَقِيبَ تَزْويجِها، ثم طَلُقَتِ الثَّالثةَ بدُخولِ السَّنَةِ الرَّابعةِ.
وعلى قولِ القاضي، لا تَطْلُقُ إلَّا بدُخولِ الرَّابعةِ (3)، ثم تَطْلُقُ الثَّالثةَ بدُخولِ الخامسةِ.
وعلى قولِ التَّمِيمِيِّ، قد انْحَلَّتِ الصِّفَةُ.
واخْتُلِفَ في مَبْدَأ السَّنَةِ الثَّانيةِ؛ فظاهِرُ ما ذكَرَه القاضي، أنَّ أوَّلَها بعدَ انْقِضاءِ اثْنَيْ عَشَرَ شهرًا مِن حينِ يَميِنه.
وكذلك قال أصحابُ الشافعيِّ.
وقال أبو الخَطَّابِ: ابْتِداءُ السَّنَةِ الثَّانيةِ أوَّلُ المُحَرَّم.
على ما ذَكَرْنا؛ لأنَّها السَّنَةُ المْعرُوفةُ، فإذا عَلَّقَ ما يَتَكَرَّرُ على تَكَرُّرِ السِّنينَ، انْصَرفَ إلى السِّنِينَ المعْروفةِ، كقَوْلِ (4) اللهِ تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ﴾ (5).
3537 -
مسألة: (وإن قال: أرَدْتُ بِالسَّنَةِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا.
653654655656657 الحديث: 3537 - الجزء: 22 - الصفحة: 429
الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَينِ.
وَإنْ قَال: أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ ابْتَدَاءُ السِّنِينَ الْمُحَرَّمَ.
دُيِّنَ وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ.
قُبِلَ) لأنَّها سَنَةٌ حَقِيقَةً (وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يُخرَّجُ على رِوَايَتَينِ) أصَحُّهما، أنَّه يُقْبَلُ؛ لِما ذَكَرْنا.
والثَّانيةُ، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه خلافُ الظَّاهِرِ.
(وإنْ قال: أرَدْتُ أنَّ ابْتِداءَ السِّنِينَ) مِنَ (المُحَرَّمِ.
دُيِّنَ ولم
الجزء: 22 - الصفحة: 430
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيدٌ.
فَقَدِمَ لَيلًا، لَمْ تَطْلُقْ، إلا أَنْ يُرِيدَ بِالْيَوْمِ الْوَقْتَ، فَتَطْلُقُ.
يُقْبَلْ في الحُكْمِ) ذَكَرَه القاضي؛ لأنَّه خِلافُ الظَّاهِرِ.
قال شيخُنا (1): والأَوْلَى أنَّه يُخرَّجُ على رِوايَتَين؛ لأنَّه مُحْتَمِلٌ مُخالِفٌ للظَّاهِرِ.
3538 -
مسألة: (وإذا قال: أنْتِ طالقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيدٌ. فَقَدِمَ لَيلًا، لم تَطْلُقْ، إلَّا أن يُريدَ باليَوْمِ الوَقْتَ، فَتَطْلُقُ)
وَقْتَ قُدُومِه؛ لأنَّ الوَقْتَ يُسَمَّى يَوْمًا، قَال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ 659.658
الحديث: 3538 - الجزء: 22 - الصفحة: 431
وَإنْ قُدِمَ بِهِ مَيَّتًا أَوْ مُكْرَهًا، لَمْ تَطْلُقْ.
3539 - مسألة: (وإن قُدِمَ به مَيِّتًا أو مُكْرَهًا، لم تَطْلُقْ)
إذا كان مَحْمولًا 660؛ لأنَّه لم يَقْدَمْ، وإنَّما قُدِمَ به.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
ونُقِلَ عن أبي بكر أنَّه يَخْنَثُ؛ لأنَّ الفِعْلَ يُنْسَبُ إليه، ولذلك يُقالُ: دَخَلَ الطَّعامُ البلدَ.
إذا حُمِلَ إليه، ولو قال: أنتِ طالقٌ إذا دَخلَ الطَّعامُ البَلدَ.
طَلُقَتْ إذا حْمِلَ إليه.
ولَنا، أنَّ الفِعْلَ ليس منه، والفعلُ لا يُنْسَبُ
الحديث: 3539 - الجزء: 22 - الصفحة: 432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى غيرِ فاعلِه إلَّا مَجازًا، والكلامُ عندَ [إطْلاقِه لحقيقتِه] 661 إذا أمْكَنَ.
فأمَّا الطَّعامُ، فلا يُمْكِنُ وُجودُ الفعلِ منه حَقِيقةً، فتَعَيَّنَ حَمْلُ الدُّخولِ فيه على مَجازِه.
فأمَّا إن قَدِمَ بنَفْسِه لإكْراهٍ، فعلى قولِ الخِرَقِيِّ: لا يَخْنَثُ.
وهو أحَدُ الوَجْهَينِ لأصحابِ الشافعيِّ.
وقال أبو بكر: يخْنَثُ.
وحكَاه عن أحمدَ؛ لأنَّ الفعلَ منه حَقِيقةً، ويُنْسَبُ إليه، قال الله تَعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ 662. ويَصِحُّ أمْرُ المُكْرَهِ بالفعلِ، قال اللهُ تعالى: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ 663. ولولا أنَّ الفِعْلَ يتحَقُّقُ منه، لَما صَحَّ أمْرُه به.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه بالإكْراهِ زال 664 اخْتِيارُه، فإذا وُجِدَتِ الصِّفَةُ منه، كان كوُجودِ الطَّلاقِ منه، وهذا فيما إذا أطْلَقَ.
وإن كانتْ له نِيَّةٌ، حُمِلَ عليها كلامُه، وتَقَيَّدَ بها.
فصل: فإن قَدِمَ مُخْتارًا، حَنِثَ الحالِفُ، سواءٌ عَلِمَ القادِمُ باليَمينِ أو جَهِلَها.
قال أبو بكر الخلَّالُ: يَقَعُ الطَّلاقُ، قَوْلًا واحدًا.
وقال أبو عبدِ اللهِ بنُ حامدٍ: إن كان القادِمُ ممَّن لا [يَمْتَنِعُ مِن] 665 القُدُومِ بيَميِنه،
الجزء: 22 - الصفحة: 433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالسُّلْطانِ، والحاجِّ، والرجُلِ الأجْنَبِيِّ، حَنِثَ الحالِفُ، ولا يُعْتَبَرُ عِلْمُه ولا جَهْلُه، وإن كان ممَّن يَمْتَنِعُ باليمينِ مِنَ القُدُومِ، كقَرابةٍ لهما، أو لأحدِهما، أو غلامٍ لأحدِهما، فجهِلَ اليَمِينَ، أو نَسِيَها، فالحُكْمُ فيه كما لو حَلَفَ على فعْلِ نفْسِه ففَعَلَه جاهِلًا أو ناسِيًا، وفي ذلك رِوَايتان، كذلك ههُنا؛ وذلك لأنَّه إذا لم يَكُنْ ممَّن تَمْنعُه اليَمِينُ، كان تَعْليقًا للطَّلاقِ على صِفَةٍ، ولم يكُنْ يمِينًا، فأشْبَهَ ما لو عَلَّقَه على طُلوعِ الشَّمْسِ، وإن كان ممَّن يَمْتَنِعُ، كان يمينًا، فيُعْذرُ فيها بالنِّسْيانِ والجَهْلِ، ويَنْبَغِي أن تُعْتَبَرَ على هذا القولِ نِيَّةُ الحالِفِ، وقَرائنُ أحْوالِه الدَّالَّةُ على قَصْدِه، فإن كان قَصْدُه بيَمِيِنه مَنْعَ القادِمِ مِن القُدومِ، كان يَمِينًا، وإن كان قَصْدُه جَعْلَه صِفَةً في طَلاقِها مُطْلَقَةً، لم يَكُنْ يمينًا، ويَسْتَوي فيه عِلْمُ القادِمِ وجَهْلُه، ونِسْيانُه، وجُنونُه وإفَاقَتُه، مثلَ أن يقْصِدَ طَلاقَها إذا حصَلَ معها مَحْرَمُها، ولا يُطَلِّقَها وحْدَها، وتُعْتَبَرُ قَرائنُ الأحْوالِ؛ فمتى علَّقَ اليمينَ على قُدُومِ غائبٍ بعيدٍ، يَعْلَمُ أنَّه لا يَعْلَمُ اليَمِينَ، ولا يَمْتَنِعُ بها، أو على 666 فعلِ صغيرٍ أو مَجْنونٍ، أو مَن لا يَمْتَنِعُ بها، لم تَكُنْ يَمِينًا.
وإن علَّقَ ذلك على فعْلِ حاضر يَعْلَمُ بيَمِيِنه، ويَمْتَنِعُ لأجْلِها مِن فِعْلِ ما علَّقَ الطَّلاقَ عليه، كان يَمِينًا.
ومتى أشْكَلَتِ الحالُ، فيَنْبَغِي أن يَقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّ لفْظَه يَقْتَضِي وُقوعَ الطَّلاقِ عندَ وُجودِ هذه الصِّفَةِ على العُمومِ، وإنَّما ينْصَرِفُ عن ذلك بدَليلٍ، فمتى شَكَكْنا في الدَّليلِ
الجزء: 22 - الصفحة: 434
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُخَصِّصِ 667، وجبَ العملُ بِمُقْتَضَى العُمومِ.
فصل: فإن قال: إن تَرَكْتِ هذا الصَّبِيَّ يَخْرُجُ فأنتِ طالقٌ.
فانْفَلَتَ الصَّبِيُّ بغيرِ اخْتِيارِها، فخَرَجَ، فإنْ كان نوَى أن لا يَخْرُجَ قد حَنِثَ، وإن نَوَى أن لا تَدَعَه لم يَحْنَثْ.
نَصَّ أحمدُ على معْنى هذا؛ وذلك لأنَّ اليَمِينَ إذا وَقَعتْ على فِعْلِها، فقد فَعَلَ الخُروجَ [مِنِ غيرِ] 668 اخْتيارٍ منها، فكانتْ كالمُكْرَهِ إذا 669 لم يُمْكِنْها حِفْظُه وَمَنْعُه.
وإن نوَى فِعْلَه، فقد وُجِدَ، وحَنِثَ.
وإن لم تُعْلَمْ نِيَّتُه، انْصَرَفَتْ يَمِينُه إلى فِعْلِها؛ لأَنه الذي تَناوَلُه لَفْظُه، فلا يَحْنَثُ إلَّا إذا خَرَجَ بَتَفْرِيطِها في حِفْظِه أو باخْتِيارِها.
فصل: فإن حَلَفَ: لا تأْخُذُ حَقُّكَ مِنِّي.
فأُكرِهَ على دَفْعِه إليه 670، أو أخَذَه منه قَهْرًا، حَنِثَ؛ لأنَّ المحْلوفَ عليه فِعْلُ الأخْذِ، وقد أخَذَه مُخْتارًا.
وإن أُكْرِهَ صاحبُ الحَقِّ على أخْذِه، خُرِّجَ على الوَجْهَينِ في مَن أُكْرِهَ على القُدُومِ.
وإن وَضَعَه الحالِفُ في حِجْرِه 671 أو بينَ يَدَيه، أو إلى (4) جَنْبِه، فلم يَأْخُذْه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ الأخْذَ ما وُجدَ.
وإن أخَذَه الحاكمُ أو السُّلْطانُ مِن الغَرِيمِ، فدَفَعَه إلى المُسْتَحِقِّ فأَخَذَه، فقال القاضي: لا يَحْنَثُ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه ما أخَذَه منه.
وإن قال:
الجزء: 22 - الصفحة: 435
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا تَأْخُذْ حَقَّك عَلَيَّ.
حَنِثَ؛ لأنَّه قد أخَذَ حَقَّه الذي عليه.
والمنْصوصُ عن أحمدَ، أنَّه يَحْنَثُ في الصُّورَتَين.
قاله أبو بكرٍ.
وهو الذي يَقْتَضِيه مذهَبُه؛ لأنَّ الأيمانَ عندَه على الأسْبابِ، لا على الأسْماءِ، ولأنَّه لو وكَّلَ وكيلًا فأخذه 672 منه، كان آخِذًا لحَقِّه منه عُرْفًا، ويُسَمَّى آخِذًا؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ 673. وقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ 674. وإن كان اليمينُ مِن صاحبِ الحقِّ، فحَلَفَ: لا أخَذْتُ حَقِّي منك 675. فالتَّفْريعُ فيها كالتي قبلَها.
فإن تَرَكهَا الغَرِيمُ في أثْناءِ مَتاعٍ في خُرْجٍ 676، ثم دفَع الخُرْجَ إلى الحالفِ، فأخَذه ولم يَعلَمْ أنَّها فِيه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ هذا ليس بمعدودٍ أخذًا، ولا يَبْرأُ به الغَرِيمُ منها.
فإن كانتِ اليَمِينُ: لا أُعْطيكَ حَقَّك.
فأَخَذَه الحاكمُ منه كُرْهًا، ودَفَعَه إلى الغَرِيمِ، لم يَحْنَثْ.
وإن أكْرَهَه على دَفْعِه إليه، خُرِّجَ على الوَجْهَينِ في المُكْرَهِ.
وإن أعطاه باخْتِيارِه، حَنِثَ.
وإن وَضَعَه في حِجْرِه، أو جَيبِه، أو صُنْدوقِه، وهو يَعلُم، حَنِثَ؛ لأنَّه أعْطاه.
وإن دَفَعَه إلى الحاكِمِ اخْتيارًا ليَدْفَعَه إلى الغَرِيمِ، فدَفَعه، أو أخَذَه مِن مالِه باخْتِيارِه، فدَفَعَه إلى الغَرِيمِ، حَنِثَ.
وقال القاضي: لا يَحْنَثُ.
[وقياسُ] 677
الجزء: 22 - الصفحة: 436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبِ أنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه أوْصَلَه إليه مُخْتارًا، فأشْبَهَ ما لو دَفَعَه إلى وَكيِله فأعْطاه إيَّاه، ولأنَّ الأيمانَ على الأسْبابِ، لا على الأسْماءِ، على ما ذكَرْناه فيما مَضَى.
فصل: فإن قال: إن رأيتِ أباكِ فأنتِ طالقٌ.
فرأتْه مَيِّتًا، أو نائمًا، أو مُغْمًى عليه، أو رَأتْه مِن خَلْفِ زُجاجٍ، أو جِسْمٍ شَفَّافٍ، طَلُقَتْ؛ لأنَّها رأتْه، وإن رأتْ خَياله في ماءٍ، أو مِرْآةٍ، أو صُورتَه 678 على حائطٍ، أو غيرِه، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّها لم تَرَه، وإن أُكْرِهَتْ على رُؤْيَتِه، خُرِّجَ على الوَجْهَينِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 437
بَابُ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالشُّرُوطِ
يَصِحُّ ذَلِكَ مِنَ الزَّوْجِ، وَلَا يَصِحُّ مِنَ الأَجْنَبِيِّ، فَلَوْ قَال: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ.
أَو: تَزَوَّجْتُ امرأَةً، فَهِيَ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُقْ إِذَا تَزَوَّجَهَا.
وَعَنْهُ، تَطْلُقُ.
بابُ تعْليقِ الطَّلاقِ بالشُّروطِ
(يَصِحُّ ذلك مِن الزَّوجِ، ولا يَصِحُّ مِن الأجْنَبِيِّ، فلو قال: إن تَزَوَّجْتُ فُلانَةَ.
أو: تَزَوَّجْتُ امْرأةً، فهي طالقٌ.
لم تَطْلُقْ إن تَزَوَّجَها.
وعنه تَطْلُقُ) اخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في هذه المسألةِ، فالمشهُورُ عنه،
الجزء: 22 - الصفحة: 439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّه لا يقَعُ الطَّلاقُ.
وهو قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ.
وبه قال عَطاءٌ، والحسَنُ، وعُرْوَةُ، وجابِرُ بنُ زيدٍ، وسَوَّارٌ القاضي، والشافعيُّ، وأبو ثَورٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
ورَواه التِّرْمِذِيُّ 679 عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، وجابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ، وعليِّ بنِ الحسينِ، وشُرَيحٍ، وغيرِ واحدٍ مِن فُقَهاءِ التَّابِعين.
ورُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، ما يَدُلُّ على وُقوعِ الطَّلاقِ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأي؛ لأنَّه يَصِحُّ تَعْليقُه على الأخْطارِ، فَصَحَّ على حُدوثِ المِلْكِ، كالوَصِيَّةِ.
والأوَّلُ أصَحُّ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى؛ لِما رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا نَذْرَ لابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ لابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» 680. قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ، وهو أحْسَنُ ما رُوِيَ في هذا البابِ.
وعن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، وَإنْ عَيَّنَهَا».
روَاه الدَّارَقُطْنِيُّ 681.
الجزء: 22 - الصفحة: 440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ورَوَى أبو بكرٍ، في «الشَّافي» 682، عن الخَلَّالِ، عن الرَّمادِيِّ، عن عبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن جويبِرٍ 683، عن الضَّحَّاكِ، عن النَّزَّالِ بنِ سَبْرَةَ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ» 684. قال أحمدُ: هذا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وعِدَّةٍ مِن الصَّحابةِ.
ولأنَّ مَن لا يَقَعُ طَلاقُه بالمُباشَرَةِ، لا تَنْعَقِدُ له صِفَةٌ، كالمجْنونِ، ولأنَّه قَوْلُ مَنْ سَمَّينا مِن الصَّحابةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالف في عَصْرِهم، فيَكونُ إجْماعًا.
قال أبو بكرٍ في كتابِ «الشَّافي» (1): لا يَخْتَلِفُ قولُ أبي عبدِ اللهِ، أنَّ الطَّلاقَ إذا وَقَعَ قبلَ النِّكاحِ لا يَقَعُ، [وأنَّ العَتاقَ يَقَعُ] 685. والرِّوايةُ الأولَى أصَحُّ؛ لأنَّه تعْليقٌ للطَّلاقِ قبلَ المِلْكِ، فأشْبَهَ ما لو قال لأجْنَبيَّةٍ 686: إن دخلتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ.
ثم تَزَوَّجَ الأجْنَبِيَّةَ، ودَخَلَتْ، فإن الطَّلاقَ لا يقَعُ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه، كذلك هذا.
الجزء: 22 - الصفحة: 441
وَإنْ قَال لِأَجْنِبَيَّةٍ: إِنْ قُمْتِ فَأنْتِ طَالِقٌ.
فَتَزَوَّجَهَا، ثُمَّ قَامَتْ، لَمْ تَطْلُقْ رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَإنْ عَلَّقَ الزَّوْجُ الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ، لَمْ تَطْلُقْ قَبْلَ وُجُودِهِ.
وَإنْ قَال: عَجَّلْتُ مَا عَلَّقْتُهُ.
لَمْ يَتَعَجَّلْ.
3540 - مسألة: (وإن قال لأجْنَبيَّةٍ: إن قُمْتِ فأنتِ طالِقٌ. فتَزَوَّجَها، ثم قَامَتْ، لم تَطْلُقْ رِوايةً واحدةً)
لا نَعْلَمُ فيه خلافًا؛ لأنَّه لم يُضِفْه إلى زَمَنٍ يَقَعُ فيه الطَّلاقُ، فأشْبَهَ ما لو أسْلَمَ فِي معدومٍ ولم يَذْكُرْ له أجلًا يُوجدُ السَّلَمُ فيه.
3541 -
مسألة: (وإن عَلَّقَ الزَّوْجُ الطَّلاقَ بِشَرْطٍ، لم تَطْلُقْ قبلَ وُجُودِه)
لأنَّه إزالةُ مِلْكٍ بُنِيَ على التَّغْلِيبِ والسِّرايةِ، أشْبَهَ العِتْقَ.
3542 -
مسألة: (وَإنْ قَال: عَجَّلْتُ ما عَلَّقْتُه. لم يَتَعجَّلْ)
لأنَّه
الحديث: 3540 - الجزء: 22 - الصفحة: 442
وَإنْ قَال: سَبَقَ لِسَانِي بِالشَّرْطِ وَلَمْ أُرِدْهُ.
وَقَعَ فِي الْحَالِ.
تعلُّقَ بالشَّرْطِ، فلم يَكُنْ له تَغيِيرُه، فإن أرادَ تعْجيلَ طَلاقٍ سِوَى تلك الطَّلْقَةِ، وَقَعتْ بها، فإذا جاءَ الزَّمنُ الذي علَّقَ الطُّلاقَ به وهي زَوْجَتُه، وقَعَ بها الطَّلاقُ المُعَلَّقُ.
3543 -
مسألة: (وإن قال: سَبَقَ لسَانِي بالشَّرْطِ ولم أُرِدْه. وَقَعَ
الحديث: 3543 - الجزء: 22 - الصفحة: 443
وَإِنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَال: أَرَدْتُ إِنْ قُمْتِ.
دُيِّنَ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ.
نَصَّ عَلَيهِ.
فِي الحَالِ) لأنَّه أقَرَّ على نَفْسِه بما يُوجِبُ التَّغْليظَ مِن غيرِ تُهْمَةٍ (1) وهو يَمْلِكُ إيقاعَه في الحالِ.
فصل: وإذا تَخَلَّلَ الشَّرْطَ وحُكْمَه غيرُهما تَخَلُّلًا مُنْتَظِمًا، كقولِه: أنتِ طالقٌ يا زانِيَةُ إن قُمْتِ.
لم يَقْطَعِ التَّعْليقَ.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن يَقْطعَه، ويُجْعَلَ كسَكْتَةٍ، كما لو قال بينَهما: سُبحانَ اللهِ.
أو: أسْتَغْفِرُ اللهَ.
ذكرَه صاحبُ «المُحَرَّرِ».
3544 -
مسألة: (وإن قَال: أنْتِ طَالِقٌ. ثُمّ قَال: أرَدْتُ إنْ قُمْتِ. دُيِّنَ)
لأنّه أعْلَمُ بنِيَّتِه، وما ادَّعاهُ مُحْتَمِلٌ، فأشْبَهَ ما لو قال: أنتِ طالقٌ.
ثم قال: أردتُ 688 مِن وَثاقٍ 689 (ولم يُقْبَلْ في الحُكْمِ.
نَصَّ عليه) لأنَّه يَدّعِي خلافَ ما يَقْتَضِيه [إطْلاقُ اللَّفْظِ] 690. وقال شيخُنا، في687
الحديث: 3544 - الجزء: 22 - الصفحة: 444
فَصْل: وَأَدوَاتُ الشَّرْطِ سِتَّةٌ 691؛ إِنْ، وَإِذَا، وَمَتَى، وَمَنْ، وَأَيّ، وَكُلَّمَا.
كتابِ «الكافي» 692: يُخَرَّجُ على رِوايَتَينِ.
إحداهما، لا يُقْبَلُ؛ لِما ذَكَرْنا.
والثَّانيةُ، يُقْبَلُ؛ لأنَّه مُحْتَمِلٌ، أشْبَهَ ما لو قال: أنتِ طالقٌ.
ثم قال: أرَدْتُ مِن وَثاقٍ 693. وهذا مثلُه، واللهُ أعلمُ.
فصل: (وأدواتُ الشَّرْطِ ستٌّ؛ إنْ، وإذَا، ومَتَى، ومَن، وأيّ، وكُلَّمَا).
الجزء: 22 - الصفحة: 445
وَلَيسَ فِيهَا مَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ إلا «كُلَّمَا»، وَفِي «مَتَى» وَجْهَانِ،
3545 - مسألة: (وليس فِيهَا مَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ إلَّا «كُلَّمَا»)
لأنَّ مَوضِعَها للتَّكرارِ، قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ 694. ولا نعلمُ في ذلك خلافًا.
(فأمَّا «مَتَى»، ففيها وَجْهان) أحدُهما، أنَّها تَقْتَضِي التَّكْرارَ.
ذَكَرَه أبو بكرٍ؛ لأنَّها تُسْتَعْملُ للتَّكْرارِ، بدليلِ قول الشَّاعرِ 695:
متى تَأْتِه تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِه … تَجِدْ خَيرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيرُ مُوقِدِ
أي: في كُلِّ وقتٍ.
ولأنَّها تُسْتَعْمَلُ في الشَّرْطِ والجزاءِ، ومتى وُجِدَ الشَّرْطُ تَرَتَّبَ عليه جَزاؤُه.
والثاني، لا تَقْتَضِيه.
قال شيخُنا 696: وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّها اسمُ زَمَنٍ بمعنى أيّ وقتٍ، وبمعنى إذا، فلا تَقْتَضِي ما لا يقْتَضِيانِه، وكوْنُها تُسْتَعْمَلُ للتَّكْرارِ في بعضِ أحْيانِها، لا يَمْنَعُ اسْتعمالها في غيرِه، مثلَ: «إذا»، وأيّ وقتٍ، فإنَّهما
الحديث: 3545 - الجزء: 22 - الصفحة: 446
وَكُلُّهَا عَلَى التَّرَاخِي إِذَا تَجَرَّدَتْ عَنْ «لَمْ»، فَإِنِ اتَّصَلَ بِهَا، يُسْتَعملانِ في الأمْرَينِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (1). ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ﴾ (2). ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيتَهَا﴾ (3). وقال الشَّاعرُ (4): قَومٌ إذا الشَّرُّ أبْدَى نَاجِذَيه لهمْ … طَارُوا إليه زَرَافاتٍ ووُحْدانَا وكذلك أيّ وَقْتٍ وأيّ زمانٍ، فإنَّهما يُسْتَعْملانِ للتَّكْرارِ، وسائرُ الحروفِ يُجازَى بها، إلَّا أنَّها لمَّا كانتْ تُسْتعمَلُ للتَّكْرارِ وغيرِه، لا تُحْمَلُ على التَّكْرارِ إلَّا بدليلٍ، كذلك «متى» (5).
3546 -
مسألة: (وَكُلُّهَا عَلَى التَّرَاخِي إذَا تَجَرَّدَتْ عن «لَمْ»،
697698699700701 الحديث: 3546 - الجزء: 22 - الصفحة: 447
صَارَتْ عَلَى الْفَوْرِ، إلا «إِنْ»، وَفِي «إِذَا» وَجْهَانِ.
فَإِنْ قَال: إِنْ قُمْتِ.
أَوْ: إِذَا قُمْتِ.
أَوْ: مَنْ قَامَ مِنْكُنَّ.
أَوْ: أَيَّ وَقْتٍ قُمْتِ.
أَوْ: مَتَى قُمْتِ.
أَوْ: كُلَّمَا قُمْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَمَتَى قَامَتْ، طَلُقَتْ،
فَإذَا اتَّصَلَتْ بِهَا صَارَتْ عَلَى الفَوْرِ، إلَّا «إنْ»، وَفِي «إذَا» وَجْهَانِ) متَى علَّقَ الطَّلاقَ بإيجادِ فعلٍ بواحدٍ منها، كان على التَّراخِي (فإذا قال: إن قُمْتِ.
أو: إذا قُمْتِ.
أَوْ: مَنْ قام مِنْكُنَّ.
أو: أيَّ وقْتٍ قُمْتِ.
أو: مَتى قُمْتِ.
أو: كُلَّما قُمْتِ، فأنتِ طالقٌ.
فمتى قامَتْ طَلُقَتْ) لوُجودِ الشَّرْطِ، وإن ماتَ أحدُهما قبلَ وُجودِ الشَّرْطِ، سقَطَتِ اليَمِينُ.
3547 -
مسألة
الحديث: 3547 - الجزء: 22 - الصفحة: 448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: إنْ لم تَدْخُلِي الدَّارَ فأنتِ طالقٌ.
لم يَقَعِ الطَّلاقُ إلَّا عندَ تعَذُّرِ إيقاعِه بالموْتِ، أو ما يقومُ مَقامَه.
3548 -
مسألة: (وَفِي «إذَا» وَجْهَانِ)
أحدُهما، هي على التَّراخِي.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
ونَصَرَه القاضي؛ لأنَّها تُسْتعملُ شَرْطًا بمعنى «إنْ»، قَال الشَّاعرُ 704:
- وإذا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجمَّلِ 705 *
فجزَمَ بها كما يَجْزِمُ بإنْ، ولأنّها تُسْتَعْملُ بمعنى «متى» و «إنْ»، وإذا احْتَمَلَتِ الأمْرَينِ، فاليقينُ بقاءُ النَّكاحِ، فلا يَزولُ بالاحْتمالِ.
والآخَرُ، أنَّها على الفَوْرِ.
وهو قولُ أبي يوسف، ومحمدٍ.
وهو المنْصوصُ الشافعيِّ؛ لأنَّها اسمٌ لزَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، فتَكونُ كمتى.
الحديث: 3548 - الجزء: 22 - الصفحة: 449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأمَّا المُجازَاة بها فلا تخْرِجها عن مَوْضوعِها، فإن «متى» يُجازَى بها، ألَا ترَى إلى قول الشَّاعرِ:
مَتَى تَأْتِه تَعْشَو إلى ضَوْءِ نَارِه … تَجِدْ خَيرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيرُ مُوقِدِ
و «مَنْ» يُجازَى بها أيضًا، وكذلك «أيّ» وسائرُ الحروفِ، ولم يُخْرِجْها ذلك عن كَوْنِها للفَوْرِ في النَّفْي.
فصل: وقولهم: إنَّ هذه الأدواتِ الأرْبَعَ في النَّفْي تكون على الفَوْرِ.
صَحِيحٌ في «كلَّما» و «أيّ» و «مَتى»، فإنَّها تَعُمُّ الزَّمانَ، فإذا قال: كلَّما لم أُطَلِّقْكِ.
أو: أيّ وقتٍ لم أطَلِّقْكِ.
أو: متى لم أُطَلِّقْكِ، فأنتِ طالقٌ.
ثم مَضَى زَمَنٌ يُمْكِن 706 طَلاقُها فيه، ولم يُطَلِّقْها، طَلُقَتْ؛ لوجودِ الصِّفَةِ، فإنَّها اسمٌ لوقْتِ الفعلِ، فيقَدَّرُ بها 707، ولهذا يَصِحُّ
الجزء: 22 - الصفحة: 450
وَإِنْ تَكَرَّرَ الْقِيَامُ لَمْ يَتَكَرَّرِ الطَّلَاقُ إلا فِي «كُلَّمَا»، وَفِي
السُّؤالُ به، فتقولُ: متى دَخَلْت.
أو: أيُّ وقْتٍ دَخَلْت.
أمَّا «مَنْ» فليستْ مِن أسْماءِ الزَّمانِ، إنَّما تَعُمُّ الأشْخاصَ، فلا يَظْهَرُ لي أنَّها تَقْتَضِي الفَوْرَ لذلك.
فعلى هذا، إذا قال: مَنْ لم أُطَلِّقْها منْكُنّ فهي طالقٌ.
لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهنَّ، إلَّا أن يتَعَذَّرَ طَلاقُها، كما قلنا في «إنْ» إذا قال: إنْ لم أُطَلِّقْكِ فأنتِ طالقٌ.
فإنّ كلَّ واحدةٍ منهما ليستْ مِن أسْماءِ الزَّمانِ.
والله أعلمُ.
3549 -
مسألة: (فَإنْ تَكَرَّرَ القِيَامُ لم يَتَكَرَّرِ الطَّلاقُ، إلَّا في
الحديث: 3549 - الجزء: 22 - الصفحة: 451
«مَتَى» فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَلَوْ قَال: كُلَّمَا أَكَلْتِ رُمَّانَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَكُلَّمَا أَكَلْتِ نِصْفَ رُمَّانَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَأَكَلَتْ رُمَّانَةً، طَلُقَتْ ثَلَاثًا، وَلَوْ جَعَلَ مَكَانَ «كُلَّمَا» إِنْ أَكَلْتِ.
لَمْ تَطْلُقْ إلا اثْنَتَينِ.
«كلَّما»، وفي «متى» في أحدِ الوَجْهَينِ) وقد ذَكَرْنا دليلَ الوَجْهَينِ فِي مُقْتَضَاها (1) التَّكْرَارَ وعَدَمَه.
3550 -
مسألة: (فإذا قال: كلَّما أكَلْتِ رُمَّانَةً فأنْتِ طَالقٌ، وكُلَّما أَكَلْتِ نِصْفَ رُمَّانَةٍ فأنْتِ طالقٌ. فأكَلَتْ رُمَّانَةً، طَلُقَتْ ثَلاثًا)
لوُجُودِ صِفَةِ النِّصْفِ مَرَّتَينِ، والجميعِ مَرَّةً، فَتَطْلُقُ بِكُلِّ نِصْفٍ طَلْقَةً، وبِالرُّمَّانَةِ طَلْقَةً.
[فإنْ نوى نِصْفًا مُفردًا عن الرُّمَّانةِ، أو كانت مع الكلامِ قَرِينةٌ تَقْتَضى ذلك، لم يَحْنَثْ حتَّى تَأْكُلَ ما نَوى تَعَلُّقَ الطَّلاقِ به؛ لأنَّ مَبْنى الأيمَانِ على النِّيَّةِ] 709. (ولو جَعَلَ مَكَانَ كلَّما «إن» لم تَطْلُقْ إلَّا طَلْقَتَينِ) بصِفَةِ النِّصْفِ مَرَّةً، وبالكمالِ مَرَّةً، ولا تَطْلُقُ بالنِّصْفِ الآخَرِ، لأنَّها لا تَقْتَضِي التَّكْرارَ.708
الحديث: 3550 - الجزء: 22 - الصفحة: 452
وَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى صِفَاتٍ ثَلَاثٍ فَاجْتَمَعْنَ فِي عَينٍ وَاحِدَةٍ، مِثْلَ أنْ يَقُولَ: إِنْ رَأَيتِ رَجُلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ رَأيتِ أَسْوَدَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ رَأَيتِ فَقِيهًا فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَرَأَتْ رَجُلًا أَسْوَدَ فَقِيهًا، طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
3551 - مسألة: (ولو عَلَّقَ طلاقَها على صِفاتٍ ثلاثٍ فاجْتَمعْن في عَينٍ واحِدَةٍ، نحوَ أنْ يَقُولَ: إنْ رَأَيتِ رَجُلًا فأنْتِ طَالقٌ.
وإنْ رَأَيتِ أسْوَدَ فأنْتِ طالقٌ، وإن رَأيتِ فَقِيهًا فأنْتِ طالقٌ.
فرَأتْ رَجُلًا أسْوَدَ فَقِيهًا، طَلُقَتْ ثلاثًا)
لوُجودِ الصِّفاتِ الثّلاثِ فيه، أشْبَهَ ما لو رَأَتْ ثلاثةً فيهم الثّلاثُ الصِّفاتِ.
فصل: وهذه الحروفُ السِّتَّةُ إذا تَقَدَّمَ جَزاؤُها عليها، لم تَحْتَجْ إلى حرفِ الفاءِ في الجزاءِ، كقولِه: أنتِ طالقٌ إن دخلتِ الدَّارَ.
وإن تَأَخَّرَ جَزاؤُها، احْتاجَتْ في الجزاءِ إلى حرفِ الفاءِ، إذا كان جُمْلَةً مِن مبتدأٍ وخَبَرٍ، كقولِه: إن دخلتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ.
وإنَّما اخْتَصَّتْ بالفاءِ؛ لأنَّها للتَّعْقِيبِ، فتَرْبِطُ بينَ الجزاءِ وشَرْطِه، وتَدُلُّ على تَعْقِيبِه به.
الحديث: 3551 - الجزء: 22 - الصفحة: 453
وَإِنْ قَال: إِنْ لَمْ أَطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، لَمْ تَطْلُقْ إلا فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاةِ أَحَدِهِمَا، إلا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ.
3552 - مسألة:. (وإن قال: إن لم أطَلِّقْكِ فَأنْتِ طَالقٌ. لَمْ تَطْلُقْ إلَّا في آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَياةِ أحَدِهِمَا، إلَّا أنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ)
لأنَّ حرفَ «إن» موْضوعٌ للشَّرْطِ، لا يَقتَضِي زَمَنًا، ولا يَدُلُّ عليه إلَّا مِن حيثُ إنَّ الفِعْلَ المُعَلَّقَ به مِنْ ضَرُورَته الزَّمانُ، فلا يَتَقَيَّدُ بزَمَنٍ مُعَيَّنٍ، فما عُلِّقَ عليه كان على التَّراخِي، سواءٌ في ذلك الإِثْباتُ والنَّفْيُ.
فعلى هذا إذا قال: إن لم أُطَلِّقْكِ فأنتِ طالقٌ.
ولم يَنْو وَقْتًا بعَينِه، ولم يُطَلِّقْها، كان ذلك على التَّراخِي، لا يَحْنَثُ بِتأْخِيرِه؛ لأنَّ كُلَّ زَمَنٍ يُمْكِنُ أن يفْعَلَ فيه ما حَلَفَ عليه، فلم يَفُتِ الوقتُ، فإذا مات أحدُهما عَلِمْنا حِنْثَه حينئذٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ إيقاعُ الطَّلاقِ بها بعدَ موتِ أحدِهما، فَتَبَيَّنَ أنَّه يَقَعُ، إذْ 710 لم يَبْقَ مِن حياتِه ما يتَّسِعُ لتَطْليقِها.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
ولا نعلمُ فيه بينَ أهلِ العلمِ خلافًا.
ولو قال: إن لم أُطَلِّقْ عَمْرَةَ فحفصةُ طالقٌ.
الحديث: 3552 - الجزء: 22 - الصفحة: 454
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأيُّ الثَّلاثةِ ماتَ أوَّلًا وقعَ الطَّلاقُ قَبْلَ موْتِه؛ لأنَّ تَطْليقَه حَفْصَةَ على وَجْهٍ تَنحَلُّ به يَمِينُه، إنَّما يكونُ في حياتِهم جميعًا.
وكذلك لو قال: إن لم أُعْتِقْ عَبْدِي.
أو: إن لم أضْرِبْه، فامْرأتِي طالقٌ.
وقعَ بها الطَّلاقُ في آخِرِ جُزْءٍ مِن حياةِ أوَّلِهم مَوْتًا.
فأمّا إن عَيَّنَ وَقْتًا بلَفْظِه أو نِيَّتِه، تَعَيَّنَ، وتَعَلَّقَتْ يمينُه به.
قال أحمدُ: إذا قال: إن لم أضْرِبْ فُلانًا فأنتِ طالقٌ ثلاثًا.
فهو على ما أرادَ مِن ذلك؛ وذلك لأنَّ الزَّمانَ المحْلوفَ على تَرْكِ الفِعْلِ فيه تَعَيَّنَ بنِيَّتِه وإرادَتِه، فصارَ كالمُصَرّحِ به في لَفْظِه، فإنَّ مَبْنَى الأيمانِ على النِّيَّةِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَإنَّما لامْرِئٍ مَا نَوَى» 711.
فصل: إذا كان المُعَلَّقُ طلاقًا بائِنًا فماتَتْ، لم يَرِثْها، لأنَّ طَلاقَه أبانَها منه، فلم يَرِثْها، كما لو طَلَّقَها ناجِزًا عندَ مَوْتِها.
وإن ماتَ وَرِثَتْه.
نَصَّ عليه أحمدُ في روايةِ أبي طالبٍ، إذا قال الرَّجلُ لزَوْجَتِه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إن لم أتَزَوَّجْ عليكِ.
[وماتَ ولم] 712 يَتَزوَّجْ عليها، وَرِثَتْه، وإن ماتَتْ،
الجزء: 22 - الصفحة: 455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يَرِثْها؛ وذلك لأنَّها تَطْلُقُ في آخِرِ حياتِه، فأشْبَهَ طَلاقَه لها في تلك الحالِ.
ونحوَ هذا قال عطاءٌ، ويحيى الأنْصارِيُّ.
ويتَخَرَّجُ لنا أنَّها لا تَرِثُه أيضًا.
وهذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، والشَّعْبِيِّ، وأبي عُبَيدٍ؛ لأنَّه إنَّما طَلَّقَها في صِحَّتِه، وإنَّما تَحَقَّقَ شَرْطُ وُقوعِه في المرضِ، فلم تَرِثْه، كما لو عَلَّقَه على فِعْلِها، ففَعَلَتْه في مَرَضِه.
وقال أبو حنيفةَ: إن حَلَفَ إن لم تَأْتِ البَصْرَةَ فأنتِ طالقٌ.
فلم تَفْعَلْ، فإنَّهما لا يَتوارَثانِ، وإن قال: إن لم آتِ البصرةَ فأنتِ طالقٌ.
فماتَ، وَرِثَتْه، وإن ماتَت لم يَرِثْها؛ فإنَّه في الأُولَى عَلَّقَ الطَّلاقَ على فِعْلِها، فإذا امْتَنَعتْ منه، فقد حَقَّقَتْ شَرْطَ الطَّلاقِ، فلم تَرِثْه، كما لو قال: إن دَخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ.
فدَخَلَتْها، وإذا عَلَّقَه على فِعْلِ نفْسِه، فامْتَنَعَ، كان الطّلاقُ منه، فأشْبَهَ ما لو نَجَزَه في الحالِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّه طَلاقٌ في مرضِ مَوْتِه، فمنعَه مِيراثَه 713، ولم يَمْنَعْها، كما لو طَلَّقَها ابتداءً، ولأن الزّوجَ أخَّرَ الطَّلاقَ اخْتِيارًا منه حتى وقعَ ما عَلَّقَ عليه في مرضِه، فصارَ كالمُباشِرِ له.
فأمَّا ما ذُكِرَ عن أبي حنيفةَ، فحسَنٌ إذا كان الفِعْلُ ممّا لا مَشَقَّةَ عليها فيه؛ لأنَّ تَرْكَها له كفِعْلِها لِما حَلَف عليها لتَتْرُكَه، وإن كان ممَّا فيه مَشَقّةٌ، فلا يَنْبَغِي أن يَسْقُطَ مِيراثُها بتَرْكِه، كما لو حَلَفَ عليها بتَرْكِ ما لا بُدّ لَها مِن فِعْلِه.
الجزء: 22 - الصفحة: 456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يُمْنَعُ مِن وَطْءِ زَوْجَتِه قبلَ فِعْلِ ما حَلَفَ عليه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ ومالكٌ، وأبو عُبَيدٍ: لا يَطَأُ حتى يَفْعَلَ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدمُ الفِعْلِ، ووقوعُ الطَّلاقِ.
وروَى الأثْرَمُ عن أحمدَ مثلَ ذلك.
وقال الأنْصارِيُّ، ورَبِيعةُ، ومالكٌ: يُضْرَبُ له أجَلُ المُولِي، كما لو حَلَفَ أن لا يَطَأَها.
ولَنا، أنَّه نِكاحٌ صَحِيحٌ، لم يَقَعْ فيه طَلاقٌ ولا غيرُه من أسْبابِ التَّحْريمِ، فَحلَّ له الوَطْءُ فيه، كما لو قال: إن طَلَّقْتُكِ فأنتِ طالقٌ.
وقولُهم: الأصْلُ عَدَمُ [الفِعْلِ، ووُقوعُ] 714 الطَّلاقِ.
قُلْنا: هذا الأصْلُ لم يَقْتَضِ وُقوعَ الطَّلاقِ، فلم يَقْتَضِ حُكْمَه، ولو وَقَعَ الطَّلاقُ بعدَ وَطْئِه لم يَضُرَّ، كما لو طَلَّقَها ناجِزًا، وعلى أنَّ الطَّلاقَ ههُنا إنَّما يَقَعُ في زمنٍ لا 715 يُمْكِنُ الوَطْءُ بعدَه، بخِلافِ قولِه: إن وَطِئْتُكِ فأنتِ طالقٌ.
فصل: إذاحَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شيئًا، ولم يُعَيِّنْ له وَقْتًا بلَفْظِه ولا نِيَّتِه، فهو على التَّراخِي أيضًا؛ لأنَّ لَفْظَه مُطْلَقٌ بالنِّسْبَةِ إلى الزَّمانِ كلِّه، فلا يَتَقَيُّدُ بدونِ تَقْييدِه، ولذلك لمَّا قال اللهُ تعالى في السَّاعةِ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ 716. وقال: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا
الجزء: 22 - الصفحة: 457
وَإِنْ قَال: مَنْ لَمْ أُطَلِّقْهَا.
أَوْ: أَيَّ وَقْتٍ لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ طَلَاقُهَا فِيهِ، طَلُقَتْ.
عَمِلْتُمْ} 717. [كان ذلك] 718 على التَّراخِي، ولَمّا قال الله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ 719. كان ذلك على التَّراخِي؛ فإنَّ الآيةَ نَزَلَتْ في نوْبَةِ الحُدَيبِيَةِ في سنةِ ستٍّ، وتَأَخَّرَ الفَتْحُ إلى سَنَةِ ثَمانٍ.
ولذلك رُوِيَ عن عمرَ، أنَّه قال: قلت للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أوَ ليس كنتَ تُحَدِّثُنا أنَّا سَنَأْتي البَيتَ ونَتَطوَّفُ به؟ قال: «بَلَى، فَأَخْبَرتُكَ أنَّك آتِيهِ الْعَامَ؟».
قلتُ: لا.
قال: «فَإنَّكَ آتِيهِ وَمُطوِّفٌ بهِ» 720. وهذا لا خِلافَ فيه نَعْلَمُه.
الجزء: 22 - الصفحة: 458
وَإِنْ قَال: إِذَا لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَهَلْ تَطْلُقُ فِي الْحَالِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ.
وَإِنْ قَال: كُلَّمَا لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ طَلَاقُهَا فِيهِ ثَلَاثًا، وَلَمْ يُطَلِّقهَا، طَلُقَتْ ثَلَاثًا، إلا الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَإِنَّها تَبِينُ بِالْأُولَى.
3553 - مسألة: (وإن قال: إذا لم أُطَلِّقْكِ فَأنْتِ طَالقٌ)
ولم يُطَلِّقْهَا (فهل تَطْلُقُ في الحالِ؟ على وَجْهَينِ) بِناءً على قَوْلِنا: هي على الفَوْرِ، أو على التَّراخِي.
وقد ذَكَرْنا وَجْهَ القَوْلَينِ.
3554 -
مسألة: (وإن قال: كُلَّمَا لَم أُطَلِّقْكِ فَأنْتِ طَالقٌ. فمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ طَلاقُها ثلاثًا، ولم يُطَلِّقْها، طَلُقَتْ ثَلاثًا)
لأنَّ «كُلَّما» تَقْتَضِي التَّكْرارَ ([إلَّا التي لم يَدْخُلْ بها، فإنَّها تَبِينُ بالأُولَى]) 721
الحديث: 3553 - الجزء: 22 - الصفحة: 459
وَإِنْ قَال الْعَامِّيُّ: أَنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، فَهُوَ شَرْطٌ، وَإِنْ قَالهُ عَارِفٌ بِمُقْتَضَاهُ، طَلُقَتْ فِي الْحَالِ.
[لأنَّ «كلَّما» تقتضي التَّكْرارَ] (1) على ما بَيَّنَّا، قال الله تعالى: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ (2). فيَقْتضى تَكْرَارَ الطَّلاقِ بتَكْرارِ الصِّفَةِ، والصِّفةُ عَدَمُ طَلاقِه لها، فإذا مَضَى زمنٌ يُمْكِنُ فيه أن يُطَلِّقَها ولم يَفْعَلْ، فقد وُجِدَتِ الصِّفَةُ، فتَقَعُ واحدةٌ وثانِيَةٌ وثالثةٌ، إن كانتْ مَدْخولًا بها، وإن لم تَكُنْ مدْخولًا بها، بانَتْ بالأُولَى، ولم يَلْزَمْها ما بعدَها؛ لأنَّ البائنَ لا يقَعُ عليها طَلاقٌ.
3555 -
مسألة: (وإن قال العامِّيُّ: أنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فأنْتِ طالقٌ. بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، فهو شَرْطٌ)
لأنَّ العَامِّيَّ لا يُريدُ بذلك إلَّا الشَّرْطَ، ولا يَعْرِفُ أنَّ مُقْتَضاها التَّعْليلُ، فلا يُريدُه، فلا يَثْبُتُ له حُكْمُ ما لا يَعْرِفُه ولا يُريدُه، كما لو نَطَقَ بكلمةِ الطَّلاقِ بلسانٍ لا يَعْرِفُه.
وإن كان نَحْويًّا،722723
الحديث: 3555 - الجزء: 22 - الصفحة: 460
وَحُكِيَ عَنِ الْخَلَّالِ، أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَنْو مُقْتَضَاهُ فَهُوَ شَرْطٌ أَيضًا.
وَقَعَ طلاقُه في الحالِ؛ لأنَّ «أنْ» المفْتوحةَ ليستْ للشَّرْطِ إنَّما هي للتَّعْليلِ، فمعناه: أنتِ طالقٌ لأنَّكِ 724 دخلتِ الدَّارَ.
أو: لدُخولِك الدَّارَ.
كقولِه تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ 725. و ﴿تَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ 726. و ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ 727. قال القاضي: هذا التَّفْصيلُ قياسُ المذهبِ.
(وحُكِيَ عن الخَلَّالِ) أنَّ حُكْمَ النحْويِّ حُكْمُ العَامِّيِّ، في أنَّه لا يَقَعُ طَلاقُه بذلك، إلَّا أن يَنْويَه؛ لأنَّ الطَّلاقَ يُحْمَلُ على العُرْفِ في حَقِّهِما جميعًا.
وقال أبو بكرٍ: تَطْلُقُ في الحالِ في حَقِّهما جميعًا، عَمَلًا بمُقْتَضى اللُّغَةِ.
واخْتلَفَ أصحابُ الشافعيِّ على ثلاثةِ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يَقَعُ في الحالِ في حقِّهما جميعًا، كقولِ أبي بكرٍ.
والثاني، يكونُ شَرْطًا في حَقِّ العامِّيِّ 728،
الجزء: 22 - الصفحة: 461
وَإِنْ قَال: إِنْ قُمْتِ وَأَنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ فِي الْحَالِ.
وَإِنْ قَال: أَرَدْتُ الْجَزَاءَ.
أَوْ: أرَدْتُ أنْ أَجْعَلَ قِيَامَهَا وَطَلَاقَهَا شَرْطَينِ لِشَيْءٍ، ثُمَّ أَمْسَكْتُ.
دُيِّنَ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَينِ.
وتَعْليلًا في حَقِّ النَّحْويِّ، على ما ذكَرَه القاضي.
والثالثُ، يَقَعُ الطَّلاقُ إلَّا أن يكونَ من (1) أهلِ الإِعْرابِ، فيقولُ: أردتُ الشَّرْطَ.
فيُقْبَلُ؛ لأنَّه لا يجوزُ صَرْفُ الكلامِ عن مُقْتَضاه إلَّا بقَصْدِه.
وإن قال: أنتِ طالقٌ إذْ دَخَلْتِ الدَّارَ.
طَلُقَتْ في الحالِ؛ لأنَّ «إذْ» للماضِي.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَقَعَ؛ لأنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ في زمنٍ ماضٍ، كقولِه: أنتِ طالقٌ أمسِ.
3556 -
مسألة: (وإن قال: إن قُمْتِ وأنْتِ طالقٌ. طَلُقَتْ في الحالِ)
لأنَّ الواوَ ليستْ جوابًا للشرْطِ (فَإنْ قَال: أرَدْتُ) بِهَا (الجَزَاءَ.
أو: أرَدْتُ أن أجْعَلَ قِيَامَها وطَلاقَهَا شَرْطَينِ لِشَيءٍ، ثُمَّ أمْسَكْتُ.
دُيِّنَ) لأنَّ ما قاله مُحْتَمِلٌ (وهل يُقْبَلُ فِي الحُكْمِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ) إحْداهما،729
الحديث: 3556 - الجزء: 22 - الصفحة: 462
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه خلافُ الظَّاهِرِ.
والثانيةُ، يُقْبَلُ؛ لأنَّ قوْلَه يَحْتَمِلُه، وهو أعْلمُ بمُرادِه، وإن جعلَ لهذا جَزاءً، فقال: إن دخَلْتِ الدَّارَ وأنتِ طالقٌ فعبْدِي حُرٌّ.
صَحَّ، ولم يَعْتِقِ العبدُ حتى تدْخُلَ الدَّارَ وهي طالقٌ؛ لأنَّ الواوَ ههُنا للحالِ، كقولِ اللهِ تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ 730. ولو قال: إن دخلْتِ الدارَ طالقًا [فأنتِ طالقٌ] 731. فدخلَتْ وهي طالقٌ، طَلُقَتْ أُخْرَى، [وإن دَخَلَتْها غيرَ طالِقٍ لم تَطلُقْ] 732؛ لأنَّ هذا حالٌ، فجرَى مَجْرَى قولِه: إن دخلْتِ الدَّارَ راكبةً.
الجزء: 22 - الصفحة: 463
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن قال: إن دخَلْتِ الدَّارَ أنتِ طالقٌ.
لم تَطْلُقْ حتى 733 تَدخُلَ.
وبه قال بعضُ الشافعيَّةِ.
وقال محمدُ بنُ الحسَنِ: تَطْلُقُ في الحالِ؛ لأنَّه لم يُعَلِّقْه بدُخولِ الدَّارِ بالفاءِ التي إنَّما يُتَعَلَّقُ بها، فيكونُ كلامًا مُسْتأْنَفًا غيرَ مُعَلَّقٍ بشَرْطٍ، فيَثْبُتُ حُكْمُه في الحالِ.
ولَنا، أنَّه أتَى بحرفِ الشَّرْطِ، فيدُلُّ ذلك على أنَّه أرادَ التَّعْلِيقَ، وإنَّما حَذَفَ الفاءَ وهي مُرادَةٌ، كما يُحْذَفُ المبتدأُ تارةً، والخَبرُ أُخْرَى، لدَلالةِ باقي الكلامِ على المحْذوفِ، ويجوزُ أن يكونَ حَذْفُ الفاءِ على التَّقْديمِ [والتأخيرِ، فكأنَّه قال: أنتِ طالقٌ إن دَخَلْتِ الدَّارَ.
فقَدَّمَ الشَّرطَ، ومُرادُه] 734 التَّأْخيرُ، ومهما أمْكَنَ حَمْلُ كلامِ العاقلِ على فائدةٍ، وتَصْحيحُه عن الفسادِ، وَجَبَ، وفيما ذَكَرْنَا تَصْحيحُه، وفيما ذَكَرُوه [إلْغاؤُه.
وإن] 735 قال: أردتُ الإِيقاعَ في الحالِ.
وَقَعَ؛ لأنَّه يُقِرُّ على نفسِه
الجزء: 22 - الصفحة: 464
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بما هو أغْلَظُ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ وإن دخَلْتِ الدَّارَ.
وَقَعَ الطَّلاقُ في الحالِ؛ لأنَّ معناه أنتِ طالقٌ في كُلِّ حالٍ، ولا يَمْنَعُ من ذلك دُخولُكِ الدَّارَ، كقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَال: لَا إِلهَ إلا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنْ زَنَى، وإِنْ سَرَقَ» 736. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «صِلْهمْ وَإِنْ قَطَعُوكَ، وَأَعْطِهِمْ وَإِنْ حَرَمُوكَ» 737. وإن قال: أردتُ الشَّرْطَ.
دُيِّنَ.
وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَينِ.
فإن قال: إن دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ وإن دخَلَتِ الأُخْرَى.
فمتى دخَلَتِ الأُولَى طَلُقَتْ، سواءٌ دخلَتِ الأُخْرَى أو لم تَدْخُلْ، ولا تَطْلُقُ الأُخْرَى.
وقال ابنُ الصَّبَّاغِ: تَطْلُقُ بدُخولِ كلِّ واحدةٍ منهما.
ومُقْتَضَى اللُّغَةِ ما قُلْناه.
وإن قال: أردتُ جَعْلَ الثَّانِي شَرْطًا لطَلاقِها أيضًا.
طَلُقَتْ بكُلِّ واحدةٍ منهما؛ لأنّه يُقِرُّ على نفْسِه بما هو أغْلَظُ.
وإن قال: أردتُ أنَّ دخولَ الثَّانيةِ شَرْطٌ لطلاقِ الثَّانيةِ.
فهو على ما أرادَه.
الجزء: 22 - الصفحة: 465
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن قال: إن دخلْتِ الدَّارَ وإن دخَلَتْ هذه الأُخْرَى فأنتِ طالقٌ.
فقد قيلَ: لا تَطْلُقُ إلَّا بدُخولِهما؛ لأنَّه جعلَ طَلاقَها جَزاءً لهذَينِ الشَّرْطَينِ.
ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ بأحَدِهما أيِّهما كان؛ لأنَّه ذكَرَ شَرْطَينِ بحَرْفَينِ، فيَقْتَضِي كلُّ واحدٍ منهما جَزاءً، فتَرك ذِكْرَ جزاءِ الأوَّلِ، وكان الجزاءُ الآخَرُ دَالًّا عليه، كما لو قال: ضَرَبْتُ وضَرَبَنِي زيدٌ.
قال الفَرَزْدَقُ 738:
ولَكِنَّ نِصْفًا لو سَبَبْتُ وسَبَّنِي … بَنو عَبْدِ شَمْسٍ مِنْ قُرَيشٍ وَهَاشِمِ
والتَّقدير سَبَّني هؤلاءِ وسَبَبْتهم.
وقال الله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ 739. أي عن اليمينِ قَعِيدٌ وعن الشِّمالِ قَعِيدٌ.
فصل: ولو قال: أنتِ طالقٌ لو قمْتِ.
كان ذلك شَرْطًا بمَنْزِلةِ قوْلِه: إن قُمْتِ.
ويُحْكَى هذا عن أبي يوسفَ؛ لأنَّها لو لم تَكُنْ للشَّرْطِ كانتْ
الجزء: 22 - الصفحة: 466
وَإِنْ قَال: إِنْ قُمْتِ فَقَعَدْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
أَوْ: إِنْ قَعَدْتِ إِذَا قُمْتِ.
أَوْ: إِنْ قَعَدْتِ إِنْ قُمْتِ.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَقُومَ ثُمَّ تَقْعُدَ.
لَغْوًا، والأصْلُ اعْتِبارُ كَلامِ المُكَلَّفِ.
وقيلَ: يَقَعُ الطَّلاقُ في الحالِ.
وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ، لأنَّها بعدَ الإِثْباتِ تُسْتَعْملُ لغيرِ المَنْعِ، كقَوْلِه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (1)، ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ (2). وإن قال: أردتُ أن أجْعلَ لها جوابًا.
دُيِّنَ.
[وهل] (3) يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَينِ.
3557 -
مسألة: (وإن قَال: إن قُمْتِ فَقَعَدْتِ فَأنْتِ طَالقٌ)
أو: إنْ قُمْتِ ثم قَعَدْتِ (لم تَطْلُقْ حَتَّى تَقُومَ ثُمَّ تَقْعُدَ) لأنَّهُمَا حَرْفَا تَرْتِيبٍ، وكذلك إن قال (إن قَعَدْتِ إذَا قُمْتِ.
أو: إنْ قَعَدْتِ إنْ قُمْتِ) لأنَّ اللَّفْظَ اقْتَضَى تَعْلِيقَ الطَّلاقِ بِالْقُعُودِ بَعْدَ الْقِيَامِ.
فصل: وإن قال: إن قُمْتِ إذا قَعَدْتِ.
أو: إن قُمْتِ إن قَعَدْتِ.740741742
الحديث: 3557 - الجزء: 22 - الصفحة: 467
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم تَطْلُقْ حتى تَقْعُدَ ثم تقومَ.
وكذلك إن قال: أنتِ طالقٌ إن أكَلْتِ إذا لَبِسْتِ.
أو: إن أكَلْتِ إن لَبسْتِ.
أو: إن أكَلْتِ متى لَبِسْتِ.
لم تَطْلُقْ حتى تَلْبَسَ ثم تَأْكُلَ.
ويُسَمِّيه النَّحْويُّونَ اعْتِراضَ الشَّرْطِ على الشَّرْطِ، فيَقْتَضِي تقْديمَ المُتَأَخِّرِ وتأْخِيرَ المتقدِّمِ؛ لأنَّه جَعَلَ الثَّانِيَ في اللَّفْظِ شَرْطًا للذي قبلَه، والشَّرْطُ يَتَقَدَّمُ المَشْروطَ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْويَكُمْ﴾ 743. فلو قال لامرأتِه: إن أعطيتُكِ، إن وعدْتُكِ، إن سألْتِيني 744، فأنتِ طالقٌ.
لم تَطْلُقْ حتى تسْألَه، ثم يَعِدَها، ثم يُعطِيهَا؛ لأنَّه شَرَطَ في العَطِّيَّةِ الوَعْدَ، وفي الوعدِ السُّؤال، فكأنَّه قال: إن سألْتِيني (2)، فوعَدْتُكِ، فأعْطَيتُكِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال القاضي، إذا كان
الجزء: 22 - الصفحة: 468
وَإِنْ قَال: إِنْ قُمْتِ وَقَعَدْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ بِوُجُودِهِمَا كَيفَمَا
الشَّرْطُ بـ «إذا» (1) كقوْلِنا، وفيما إذا كان بـ «إن» مثلَ قولِه: إن شَرِبْتِ إن أكلتِ.
أنَّها تَطْلُقُ بوُجودِهما كيفما وُجِدَا.
قال: لأنَّ أهلَ العُرْفِ لا يعْرِفون (2) ما يقولُه أهلُ العربيَّةِ في هذا، فتَعلَّقَتِ اليَمِينُ بما يَعْرِفُه أهلُ العُرْفِ، بخِلافِ ما إذا كان الشَّرْطُ بـ «إذا» (1). قال شيخُنا (3): والصَّحيحُ الأوَّلُ، وليس لأهلِ العُرْفِ في هذا عُرْفٌ؛ فإنَّ هذا الكلامَ غيرُ مُتَدَاوَلٍ بينَهم، ولا يَنْطِقُونَ به إلَّا نادرًا، فيَجِبُ الرُّجوعُ فيه إلى مُقْتَضاه عندَ أهلِ اللِّسانِ.
والله أعلمُ.
3558 -
مسألة: (وإن قال: إن قُمْتِ وَقَعَدْتِ فأنْتِ طالقٌ.
745746747 الحديث: 3558 - الجزء: 22 - الصفحة: 469
كَانَ.
وَعَنْهُ، تَطْلُقُ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا، إلا أنْ يَنْويَ.
وَالأوَّلُ أَصَحُّ.
طَلُقَتْ بِوُجُودِهَما كَيفَما كان) لأنَّ الواوَ لا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا، ولا تَطْلُقُ بوُجودِ أحدِهما؛ لأنَّهَا للجَمْعِ، فلم يقَعْ قبلَ وُجُودِهما جميعًا (وعنه) أنَّها (تَطْلُقُ بوُجودِ أحَدِهما) وخَرَّجَه القاضي وَجْهًا؛ بِناءً على إحْدَى الرِّوايَتَينِ، في مَن حَلَفَ لا يَفْعَلُ شيئًا، فَفَعلَ بعضَه.
والأوَّلُ أصَحُّ، وهذه الرِّوايةُ بَعِيدةٌ جدًّا، تُخالِفُ الأصُولَ ومُقْتَضَى اللُّغَةِ والعُرْفَ وعامَّةَ أهلِ العلمِ؛ فإنَّه لا خلافَ بينَهم في أنَّه إذا عَلَّقَ الطَّلاقَ على شَرْطَينِ مُرَتَّبَين، في مثلِ قولِه: إن قُمْتِ فقَعَدْتِ.
أنَّه لا يقَعُ بوُجودِ أحَدِهما، فكذلك هنا 748، ثم يَلْزَمُ على هذا ما لو قال: إن أعْطَيتِنِي دِرْهَمين فأنتِ طالقٌ.
أو: إذا مَضَى شَهْران فأنتِ طالقٌ.
فإنَّه لا خلافَ في أنَّها لا تَطلُقُ قبلَ وُجودِهما جميعًا، وكان قولُه يقْتَضِي الطَّلاقَ بإعْطائِه بعضَ دِرْهمٍ، ومُضِيِّ بعضِ يومٍ، وأصولُ الشَّرْعِ تَشْهدُ بأنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ بشَرْطَينِ لا يَثْبُتُ إلَّا بهما، وقد نَصَّ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، في أنَّه إذا قال: إذا حِضْتِ حيضَةً فأنتِ طالقٌ.
أو: إذا صُمْتِ يومًا فأنتِ طالقٌ.
الجزء: 22 - الصفحة: 470
وَإِنْ قَال: إِنْ قُمْتِ أَوْ قَعَدْتِ فَأنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا.
أنَّها لا تَطْلُقُ حتى تَحيضَ حَيضَةً كاملةً، وإذا غابَتِ الشَّمْسُ مِن اليومِ الذي تَصُومُ (1) فيه طَلُقَتْ، وأمَّا اليَمِينُ، فإَّنه متى كان في لَفْظِه أو نِيَّتِه ما يَقْتَضِي جميعَ المَحْلوفِ عليه، لم يَحْنَثْ إلَّا بفِعْلِ جميعِه، وفي مَسألتِنا ما يَقْتَضِي تَعْليقَ الطَّلاقِ بالشَّرْطينِ؛ لتَصْريحِه بهما، وجَعْلِهما شَرْطًا للطَّلاقِ، والحُكْمُ لا يَثْبُتُ بدونِ شَرْطِه، على أنَّ اليَمِينَ مُقْتَضاها المَنْعُ ممَّا حَلَفَ عليه، فيَقْتَضِي المنعَ مِن فِعْلِ جميعِه، كنَهْي الشَّارعِ عن شيءٍ يَقْتَضِي المنعَ مِن كلِّ جزءٍ منه، كما يَقْتَضِي المنعَ مِن جُمْلَتِه، وما عُلِّقَ على شَرْطٍ جُعِلَ جَزاءً وحُكْمًا له (2)، والجزاءُ لا يُوجَدُ بدونِ شَرْطِه، والحُكْمُ لا يتَحَقَّقُ قبلَ تَمامِ شَرْطِه، لُغَةً وعُرْفًا وشَرْعًا.
3559 -
مسألة: (وإنْ قَال: إنْ قُمْتِ أَوْ قَعَدْتِ فأنْتِ طالقٌ.
749750 الحديث: 3559 - الجزء: 22 - الصفحة: 471
فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِالْحَيضِ: إِذَا قَال: إِذَا حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ بِأَوَّلِ الْحَيضِ، فَإِنْ بَانَ أَنَّ الدَّمَ لَيسَ بِحَيضٍ، لَمْ تَطلُقْ بِهِ.
طَلُقَتْ بوُجُودِ أحَدِهما) لأنَّ «أو» لأحَدِ الشَّيئَينِ، وكذلك إنْ قال: إن أكَلْتِ.
أو: إنْ لَبِسْتِ.
أو: لا أكَلْتِ ولا لَبِسْتِ.
لأنَّ «أو» تَقْتَضِي تَعْليقَ الجزاءِ على واحدٍ من المَذْكورِ، كقولِه سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 751.
فصل في تَعْلِيقِه بالحيضِ: قال الشَّيخُ، رَحِمَه الله: (إذا قال) لامْرأتِه (إن حِضْتِ فأنتِ طالقٌ.
طَلُقَتْ بأوَّلِ الحَيضِ) لأنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ، ولذلك 752 حَكَمْنا أنَّه حَيضٌ في المنْعِ من الصَّلاةِ والصِّيامِ (فإنْ بانَ أنَّ الدَّمَ ليس بحَيضٍ) [إمَّا أن يَنْقُصَ عن أقلِّ الحيضِ، أو لكوْنِهَا بنتَ دونَ تسعِ سنينَ] 753 (لم تَطْلُقْ) وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّا تَبَيَّنا أنَّ الصِّفَةَ لم تُوجَدْ.
الجزء: 22 - الصفحة: 472
وَإِذَا قَال لِطَاهِرٍ: إِذَا حِضْتِ حَيضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، وَلَاتَعْتَدُّ بِالْحَيضَةِ الَّتِي هِيَ فِيهَا.
3560 - مسألة: (وإذا قال لطاهرٍ: إذا حِضْتِ حَيضَةً فأنتِ طالقٌ. لم تَطْلُقْ حتى تَحِيضَ ثم تَطْهُرَ)
نصَّ عليه أحمدٌ 754؛ لأَنها لا تَحِيضُ حَيضَةً إلَّا بذلك (ولا تَعْتَدُّ بالحَيضةِ التي هي فيها) لأنَّها ليستْ حَيضَةً كاملةً.
وإن قال: إذا حِضْتِ حَيضَةً فأنتِ طالقٌ، وإذا حِضْتِ حَيضَتَينِ فأنتِ طالقٌ.
فحاضَتْ حَيضَةً، طَلُقَتْ واحدةً، فإذا حاضَتِ الثَّانيةَ، [طَلُقَتِ الثَّانِيةَ] 755 عندَ طُهْرِها.
وإن قال: إذا حِضْتِ حَيضةً
الحديث: 3560 - الجزء: 22 - الصفحة: 473
وَإِنْ قَال: إِذَا حِضْتِ نِصْفَ حَيضَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
احْتَمَلَ أَنْ يُعْتَبَرَ نِصْفُ عَادَتِهَا، وَاحْتَمَلَ أَنَّهَا مَتَى طَهُرَتْ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ فِي نِصْفِهَا، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَلْغُوَ قَوْلُهُ: نِصْفَ حَيضَةٍ.
وَقِيلَ: إِذَا حَاضَتْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَنِصْفًا طَلُقَتْ.
فأنتِ طالقٌ، ثم إذا حِضْتِ حَيضتَينِ فأنتِ طالقٌ.
لم تَطْلُقِ الثَّانيةَ حتى تَطْهُرَ مِن الحَيضَةِ الثَّالثةِ؛ لأنَّ «ثُمَّ» للتَّرْتِيبِ، فتَقْتَضِي حَيضَتَين بعدَ الطَّلْقَةِ الأُولَى، لكَوْنِهما مُرَتَّبَتَينِ عليها (1).
3561 -
مسألة: (وإذا قال: إذا حِضْتِ نِصْفَ حَيضَةٍ فأنْتِ طالقٌ)
طَلُقَتْ إذَا ذَهَب نِصْفُ الحَيضَةِ، ويَنْبَغِي أن يُحْكَمَ بِوُقوعِ الطَّلاقِ إذا حاضَتْ نِصْفَ عادَتِها؛ لأنَّ الأحْكامَ تَعلَّقَتْ بالعادَةِ، فَيتعلَّقُ بها وُقوعُ الطَّلاقِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَقَعَ الطَّلاقُ حتى يَمْضِيَ 757 سبعةُ أَيَّامٍ ونِصْفٌ؛ لأنَّا لا نَتَيَقَّنُ مُضِيَّ نِصْفِ الحَيضِ إلَّا بذلك، إلَّا أنْ تَطْهُرَ لأقَلَّ756
الحديث: 3561 - الجزء: 22 - الصفحة: 474
وَإِنْ قَال: إِذَا طَهُرْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ إِذَا انْقَطَعَ
مِن ذلك، ومتى طَهُرَتْ تَبَيَّنَّا وُقوعَ الطَّلاقِ في نِصْفِ الحَيضَةِ.
وحُكِيَ عن القاضِي أنَّه يَلْغُو قَولُه: نِصْفَ حَيضَةٍ.
فعلى هذا، يَتَعَلّقُ طَلَاقُها بأوَّلِ الدَّمِ؛ لأَنَّها لا نِصْفَ لَها، فيكونُ كقولِه: إذا حِضْتِ.
وقيل: يَلْغو قولُه: نِصفٌ.
فهو كقولِه: إذا حِضْتِ حَيضَةً.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ الحَيضَ لَه مُدَّةٌ، أقَلُّهَا يومٌ وليلةٌ أَوْ يوْمٌ، فيكونُ له نِصْفٌ (1) حَقِيقَةً، والجَهْلُ بِقَدْرِ ذلك لا يَمْنَعُ وجُودَه وتَعلُّقَ الحُكمِ بِه، كالحَمْلِ.
3562 -
مسألة: (وإن قال: إذا طَهُرْتِ فَأنْتِ طَالقٌ)
وكانت طاهرًا، لم تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ.
وهذا يُحْكَى عن أبي يوسفَ.758
الحديث: 3562 - الجزء: 22 - الصفحة: 475
الدَّمُ، وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرًا، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيضَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ.
وَإِذَا
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: الذي يَقْتَضِيه مذهبُ الشافعيِّ أنَّها تَطْلُقُ بما يتَجدَّدُ مِن طُهْرِها، وكذلك قال في قوْلِه: إذا حِضْتِ فأنتِ طالقٌ.
وكانت حائضًا، أنَّها تَطْلُقُ بما يتَجدَّدُ مِن الحَيضِ؛ لأنَّه قد وُجِدَ منها الحَيضُ والطُّهْرُ 759 فَوَقَع الطَّلاقُ لوُجودِ صِفَتِه.
ولَنا، أنَّ «إذا» اسمٌ لزَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، يَقْتَضِي فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا، وهذا الطُّهْرُ والحَيضُ مُسْتَدامٌ غيرُ مُتجدِّدٍ، ولا يُفْهَمُ مِن إطْلاقِ 760: حاضَتِ المرأةُ وطَهُرَتْ.
إلَّا ابتداءُ ذلك، [فتَعلَّقَتِ الصِّفَةُ به] 761. فأمَّا إذا قال: إذا طَهُرْتِ فأنتِ طالقٌ.
وهي حائضٌ، طَلُقَتْ بانْقِطاعِ الدَّمِ قبلَ الغُسْلِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في روايةِ إبراهيمَ الحَرْبِيِّ.
وذكرَ أبو بكَرٍ في «التَّنْبِيهِ» فيها قَوْلًا، أنَّها لا تَطْلُقُ حتى تَغْتَسِلَ، بناءً على العِدَّةِ في أنَّها لا تَنْقَضِي إلَّا بالغُسْلِ.
ولَنا، أنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ 762. أي: يَنْقطعَ دَمُهنَّ، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ (4). أي: اغْتَسَلْنَ.
ولأنَّه قد ثَبَتَ لها أحْكامُ الطّاهراتِ 763 في وُجوبِ الصَّلاةِ وصِحَّةِ الطَّهارةِ والصِّيامِ، وإنَّما
الجزء: 22 - الصفحة: 476
قَالتْ: حِضْتُ.
وَكَذَّبَهَا، قُبِلَ قَوْلُهَا فِي نَفْسِهَا.
بَقِيَ بعضُ الأحكامِ مَوقوفًا (1) على وُجودِ الغُسْلِ، ولأنَّها ليستْ حائضًا، فيَلْزَمُ أن تكونَ طاهِرًا؛ لأنَّهما ضِدَّانِ على التَّعْيينِ، فيَلْزَمُ مِن انْتِفاءِ أحدِهما وُجودُ الآخَرِ.
3563 -
مسألة: (وإذَا قَالتْ):
قد (حِضْتُ.
وكذَّبَها، قُبِلَ قَوْلُهَا فِي نَفْسِهَا) في إحْدَى الرِّوايَتَينِ بغيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّهَا أمِينَةٌ على نَفْسِهَا.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
وهو ظاهرُ المذْهبِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ 765. قيلَ: هو الحَيضُ والحَمْلُ.
ولولا أنَّ قَوْلَها فيه مَقْبولٌ، ما حَرَّمَ اللهُ عليها كِتْمانَه، وصارَ كقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ 766. لَمَّا حَرَّمَ كِتْمانَها دلَّ علَى قَبُولِها، كذا ههُنا.
ولأنَّه معنًى فيها لا يُعْرَفُ إلَّا مِن جِهَتِها، فَوجَبَ الرُّجوعُ إلى قَوْلِها فيه، كقَضاءِ عِدَّتِها.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يُقْبَلُ قوْلُها، ويَخْتَبِرُها النِّساءُ، بإدْخالِ قُطْنَةٍ في الفَرْجِ في الزَّمانِ الذي ادَّعَتِ الحَيضَ فيه، فإن ظهرَ الدَّمُ فهي حائِضٌ، وإلَّا فَلا.764
الحديث: 3563 - الجزء: 22 - الصفحة: 477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال أحمدُ في رِوايةِ مُهَنَّا، في رجلٍ قال لامْرأتِه: إذا حِضْتِ فأنتِ طالقٌ وعَبْدِي حُرٌّ.
قالت: قد حِضْتُ: يَنْظُرُ إليها النِّساءُ، فتُعْطى قُطْنَةً وتُخْرِجُها، فإن خَرجَ الدَّمُ 767 فهي حائضٌ، تَطْلُقُ ويَعْتِقُ العبدُ.
قال أبو بكرٍ: وبهذا أقولُ؛ لأنَّ الحَيضَ يُمْكِنُ التَّوصُّلُ إلى مَعْرِفَتِه من غيرِها، فلم يُقْبَلْ فيه مُجَرَّدُ قَوْلِها، كدُخولِ الدَّارِ.
والأوَّلُ المذهبُ، ولعلَّ أحمدَ إنَّما اعْتَبَرَ البَيِّنَةَ في هذه الرِّوايةِ من أجلِ عِتْقِ العبدِ، فإنَّ قوْلَها إنَّما يُقْبَلُ في حَقِّ نَفْسِها دُونَ غيرِها.
وهل تُعْتَبَرُ يَمِينُها إذا قُلْنا: القَوْلُ قولُها؟ على وَجْهَينِ، بِناءً على ما إذا ادَّعَتْ أنَّ زَوْجَها طَلَّقَها، وأنْكَرَها.
ولا يُقْبَلُ قولُها إلَّا في حَقِّ نفْسِها خاصَّةً دُونَ غيرِها، مِن طلاقِ أُخْرَى، أو عِتْقِ عبدٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رجلٍ قال لامرأتِه: إذا حِضْتِ فأنتِ طالقٌ وهذه معكِ.
لامرأةٍ أُخْرَى 768. قالت: قد حِضْتُ.
من ساعَتِها تَطْلُقُ
الجزء: 22 - الصفحة: 478
وَإِنْ قَال: قَدْ حِضْتِ.
فَأَنْكَرَتْهُ، طَلُقَتْ بِإِقْرَارِهِ.
وَإِنْ قَال: إِنْ حِضْتِ فَأَنْتِ وَضَرَّتُكِ طَالِقَتَانِ.
فَقَالتْ: قَدْ حِضْتُ.
وَكَذَّبَهَا، طَلُقَتْ دُونَ ضَرَّتِهَا.
هي، ولا تَطْلُقُ هذه حتى تَعْلَمَ، لأنَّها مُؤْتَمَنَةٌ [في حقِّ] (1) نفْسِها دُونَ غيرِها، فصارَتْ كالمُودَعِ يُقْبَلُ قولُه في الرَّدِّ على المُودِعِ دُونَ غيرِه.
3564 -
مسألة: (ولو قَال: قد حِضْتِ. فأنْكَرتْهُ، طَلُقَتْ بِإقْرَارِه)
لأنَّه أقَرَّ بما يُوجِبُ طَلاقَها، فأشْبَهَ ما لو قال: قد طَلَّقْتُها.
3565 -
مسألة: (وإن قال: إن حِضْتِ فأنْتِ وَضَرَّتُكِ طالقتان. فقالت: قد حِضْتُ. وَكَذَّبَها، طَلُقَتْ)
وَحْدَهَا؛ لأنَّ قولَها مَقْبولٌ على769
الحديث: 3564 - الجزء: 22 - الصفحة: 479
وَإِنْ قَال: إِنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ.
فَقَالتَا: قَدْ حِضْنَا.
فَصَدَّقَهُمَا، طَلُقَتَا، وَإِنْ أكْذَبَهُمَا، لَمْ تَطْلُقَا، وَإِنْ أكْذَبَ إِحْدَاهُمَا، طَلُقَتْ وَحْدَهَا.
نفْسِها، ولا تَطْلُقُ الضَّرَّةُ، إلَّا أنْ تُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى حَيضِهَا.
وإنِ ادَّعَتِ الضَّرَّةُ أنَّها قد حَاضَتْ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لأنَّ مَعْرِفَتَها بِحَيضِ غَيرِهَا كَمَعْرِفَةِ الزَّوْجِ بِهِ، وإنَّما اؤْتُمِنَتْ عَلَى نَفْسِهَا فِي حَيضِهَا.
وإن قال: قد حِضْتِ.
وأنْكَرتْ، طَلُقَتا بإقْرارِه.
3566 -
مسألة: (وإن قال)
لامْرَأتَيهِ: (إنْ حِضْتُما فأنتُما طالِقَتان.
فقالتا: قد حِضْنَا.
فَصَدَّقَهُمَا، طَلُقَتَا) لأنَّهما أقَرَّتا وصَدَّقَهما، فوُجِدَتِ الصِّفَةُ في حَقِّهما (وإن كَذَّبَهما) لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهما 770؛ لأنَّ طلاقَ كلِّ واحدةٍ منهما مُعَلَّقٌ على شَرْطَينِ، حَيضِها، وحَيضِ ضَرَّتِها، ولا يُقْبَلُ قولُ ضَرَّتِها عليها، فلم يُوجدِ الشَّرْطانِ.
(وإِن كَذَّبَ إحْداهما، طَلُقَتِ) المُكَذَّبَةُ (وَحْدَها) لأنَّ قولَها مَقْبولٌ في حَقِّها، وقد صَدَّقَ الزَّوْجُ ضَرَّتَها، فَوُجِدَ الشَّرْطانِ في طَلاقِها، ولم تَطْلُقِ المُصَدَّقَةُ؛ لأنَّ قولَ ضَرَّتِها غيرُ مَقْبولٍ في حَقِّها، ولم يُصَدِّقْها الزَّوجُ، فلم يُوجدْ شَرْطا طلاقِها.
الحديث: 3566 - الجزء: 22 - الصفحة: 480
وَإِنْ قَال ذَلِكَ لِأَرْبَعٍ فَقُلْنَ: قَدْ حِضْنَا.
فَصَدَّقَهُنَّ، طَلُقْنَ، وَإِنْ صَدَّقَ وَاحِدَةً أَو اثْنَتَينِ، لَمْ يَطْلُقْ مِنْهُنَّ شَيْءٌ،
3567 - مسألة: (وإن قال ذلك لأرْبَعٍ)
فَقَدْ عَلَّقَ طَلاقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ على حَيضِ الأرْبَعِ، فَإنْ (قُلْنَ: قَدْ حِضْنَا.
فَصَدَّقَهُنَّ، طَلُقْنَ) لأنَّه قد وُجِدَ حَيضُهُنَّ بتَصْدِيقِه، وإن كَذَّبَهُنَّ لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهُنَّ؛ لأنَّ شَرْطَ طَلاقِهنَّ حَيضُ الأرْبعِ، ولم يُوجَدْ (وإن صَدَّقَ واحدةً أو اثْنَتَينِ) لم تَطْلُقْ واحدةٌ مِنْهُنَّ؛ لأنَّه لم يُوجدِ الشَّرْطُ، لكَوْنِ قولِ كُلِّ
الحديث: 3567 - الجزء: 22 - الصفحة: 481
وَإِنْ صَدَّقَ ثَلَاثًا، طَلُقَتِ الْمُكَذَّبَةُ وَحْدَهَا.
وَإِنْ قَال: كُلَّمَا حَاضَتْ إِحْدَاكُنَّ فَضَرَائِرُهَا طَوَالِقُ.
فَقُلْنَ: قَدْ حِضْنَا.
فَصَدَّقَهُنَّ، طَلُقْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا،
واحدةٍ منهنَّ لا يُوجَدُ إلَّا في نَفْسِها (وإن صدَّقَ ثلاثًا، طَلُقَتِ المُكَذَّبَةُ وَحْدَها) لأنَّ قولَها مقْبولٌ في حَيضِها، وقد صدَّقَ الزَّوجُ صَواحِبَها، فوُجِدَ حَيضُ الأرْبعِ في حَقِّها، فطَلُقَتْ، ولا تَطْلُقُ المُصَدَّقاتُ؛ لأنَّ قولَ المُكَذَّبَةِ غيرُ مقْبولٍ في حَقِّهِنَّ.
3568 -
مسألة: (وإن قال: كُلَّما حَاضَتْ إِحْداكُنَّ فضَرَائِرُها طَوَالِقُ)
[أو: أيَّتُكُنَّ حاضَتْ فضَرَائِرُها طَوالِقُ] 771. فقد جعلَ حيضَ كلِّ واحدةٍ منهنَّ شَرْطًا لطَلاقِ ضَرائِرِها (فَقُلْنَ: قد حِضْنا.
فصدَّقهُنَّ)
الحديث: 3568 - الجزء: 22 - الصفحة: 482
وَإِنْ صَدَّقَ وَاحِدَةً لَمْ تَطْلُقْ، وَطَلُقَتْ ضَرَّاتُهَا طَلْقَةً طَلْقَةً، وَإِنْ صَدَّقَ اثْنَتَينِ، طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَلْقَةً، وطَلُقَتِ الْمُكَذَّبَتَانِ طَلْقَتَينِ طَلْقَتَينِ، وَإِنْ صَدَّقَ ثَلَاثًا، طَلُقَتِ الْمُكَذَّبَةُ ثَلَاثًا.
طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهنَّ [ثلاثًا؛ لأن لِكلِّ 772 واحدةٍ منهنَّ ثلاثَ ضَرَائِرَ، وإن كذَّبهنَّ، لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهنَّ] 773؛ لأنَّ قوْلَهنَّ غيرُ مقْبولٍ عليه في طَلاقِ غيرِهنَّ (وإن صدَّقَ واحدةً) منْهنَّ (لم تَطْلُقْ) لأنَّه ليس لها صاحِبَةٌ ثَبَتَ حَيضُها (وطَلُقَتْ ضَرَّاتُها طَلْقَةً طلقةً) لأنَّ لهنَّ صاحبةً قد ثَبَتَ حَيضُها (وإن صَدَّقَ اثْنَتَينِ، طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهما طلقةً) لأنَّ لكلِّ 774 واحدةٍ منهما ضَرَّةً مُصَدَّقَةً (وطَلُقَتِ المُكَذَّبَتانِ طَلْقَتَينِ طَلْقَتَينِ) لأنَّ لكلِّ واحدةٍ منهما ضَرَّتَينِ مُصَدَّقَتَينِ (وإن صدَّقَ ثلاثًا، طَلُقَتِ المُكَذَّبَةُ ثلاثًا) لأنَّ لها ثلاثَ ضَرائِرَ مُصَدَّقاتٍ، وطَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ مِن المُصَدَّقاتِ طَلْقَتَينِ؛ لأنَّ لكلِّ واحدةٍ ضَرَّتَينِ مُصدَّقَتَينِ.
فصل: إذا قال لامْرأتَيه: إن حِضْتُما حَيضةً واحدةً فأنْتما طالِقَتانِ.
لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهما حتى تَحِيضَ كلُّ واحدةٍ منهما حَيضَةً واحدةً، ويكونُ التَّقْديرُ: إن حاضَتْ كُلُّ واحدةٍ منكما حَيضَةً واحدةً فأنتما طَالقتانِ.
ويكونُ كقولِه تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ 775. أي: اجْلِدُوا
الجزء: 22 - الصفحة: 483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كلَّ واحدٍ منهم ثَمانينَ جَلْدةً.
ويَحْتَمِلُ أن يتَعلَّقَ 776 الطَّلاقُ بحَيضِ إحْداهما حَيضَةً؛ لأنَّه [لمَّا تَعَذَّرَ] 777 وُجُودُ الفِعْلِ منهما، وَجَبَتْ إضافَتُه إلى إحْداهما، كقولِه تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ 778. وإنَّما يَخْرُجُ مِن أحَدِهما.
وقال القاضي: يَلْغُو قَولُه: حيضةً واحدةً؛ لأنَّ حَيضَةً واحدةً مِن امْرأتَينِ مُحَالٌ، فيَبْقَى كأنَّه قال: إن حِضْتُما فأنتُما طالقتان.
وهذا أحَدُ الوَجْهَينِ لأصحابِ الشافعيِّ.
والوَجْهُ الآخَرُ، لا تَنْعَقِدُ هذه الصِّفةُ؛ لأنَّها مُسْتحيلةٌ، فيَصِيرُ كتَعْليقِ الطَّلاقِ بالمُسْتَحيلاتِ.
والوَجْهُ الأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ فيه تَصْحيحَ كلامِ المُكَلَّفِ بحَمْلِه على مَحَلٍّ 779 سائِغٍ، وتبعيدًا لوُقوعِ الطَّلاقِ، واليَقِينُ بقاءُ النِّكاحِ، فلا يَزُولُ حتى يُوجَدَ ما يَقَعُ به الطَّلاقُ يَقِينًا، وغيرُ هذا الوَجْهِ لا يَحْصُلُ به اليَقِينُ.
فإن أرادَ بكلامِه أحدَ هذه الوُجوهِ، حُمِلَ عليه، وإذا ادَّعَى ذلك قُبِلَ منه.
وإذا قال: أردتُ أن تكونَ الحَيضَةُ الواحدةُ منهما، فهو تعْليقٌ للطَّلاقِ بمُسْتحيلٍ، فيَحْتَمِلُ أن يَلْغُوَ قولُه 780: حيضةً.
ويَحْتَمِلُ أن لا 781 يَقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّ هذه الصِّفَةَ لا تُوجَدُ، فلا يُوجَدُ ما عُلِّقَ عليها، ويَحْتَمِلُ أن يقعَ الطَّلاقُ في الحالِ ويَلْغُوَ
الجزء: 22 - الصفحة: 484
فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِالْحَمْلِ: إِذَا قَال: إِنْ كُنْتِ حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلاقِ حِينَ الْيَمِينِ، وَإِلَّا فَلَا.
الشَّرْطُ، بِنَاءً على ما ذَكَرْناه في تعْليقِ الطَّلاقِ على المُسْتَحِيلِ.
فصل: إذا كان له أرْبعُ نِسْوةٍ، فقال: أيَّتُكُنَّ لم أطَأْها، فضَرائِرُها طَوالِقُ.
وقَيَّدَه بوقتٍ، فمَضَى الوقتُ ولم يَطأْهُنَّ، طَلُقْنَ ثلاثًا ثلاثًا؛ لأنَّ لكلِّ واحدةٍ ثلاثَ ضَرائرَ غيرِ مَوْطُوءاتٍ.
وإن وَطِئَ ثلاثًا وتَركَ واحدةً، لم تَطْلُقِ المتْروكةُ؛ لأنَّها ليست لها ضَرَّةٌ غيرُ مَوْطُوءةٍ، وتَطْلُقُ كلُّ واحدةٍ من المَوْطُوءاتِ طلقةً طلقةً.
وإن وَطِئَ اثْنَتَينِ طَلُقَتا طلْقَتَينِ [طَلْقَتَينِ، وطَلُقَتِ المَتْروكاتُ طلقةً طلقةً.
وإن وَطِئَ واحدةً طَلُقَتْ ثلاثًا، وطَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ مِنَ المَتْروكاتُ طَلْقَتَينِ طَلْقَتَينِ] 782. وإن لم يُقَيِّدْه بوقتٍ، كان وقتُ الطَّلاقِ مُقَيَّدًا بعُمْرِه وعُمْرِهنَّ، فأيَّتُهنَّ ماتتْ طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ من ضَرائرِها طلقةً طلقةً، وإذا ماتتْ أُخْرَى فكذلك، وإن مات هو طَلُقْنَ كلُّهنَّ في آخِرِ جزءٍ من حياتِه.
فصلٌ في تعْليقِه بالحملِ: قال شيخُنا، رَحِمَه الله: (إذا قال: إن كنتِ حامِلًا فأنتِ طالقٌ.
فتَبَيَّنَ أنَّها كانت حامِلًا، تَبَيَّنَّا وُقوعَ الطَّلاقِ) مِن (حينِ اليمينِ، وإلَّا فلا) ويُعْلَمُ حَمْلُها بأنْ تَلِدَ لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ
الجزء: 22 - الصفحة: 485
وَإِنْ قَال: إِنْ لَمْ تَكُونِي حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَهِيَ بِالْعَكْسِ.
مِن حينِ اليمينِ، فيقَعُ الطَّلاقُ؛ لوُجودِ شَرْطِه، وإن وَلَدَتْ لأكثرَ مِن أربعِ سِنينَ، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّا عَلِمْنا براءَتَها من الحملِ، وإن وَلدَتْ لأكْثرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ ولأقَلَّ من أربعِ سِنينَ، ولم يكُنْ لها مَن يطَؤُها، طَلُقَتْ؛ لأنَّها كانْت حامِلًا، وإنْ كان لها زَوْجٌ يطَؤُها، فوَلَدَتْ لأقَلَّ من سِتَّةِ أشْهُرٍ من حينِ وَطْئِه، طَلُقَتْ؛ لأنَّنا عَلِمْنا أنَّه ليس من الوَطْءِ، وإن ولَدَتْ لأكثرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ من [حينِ وَطْءِ الزَّوْجِ بعدَ اليمينِ، ولأقَلَّ مِن أربعِ سِنينَ مِن حينِ عَقْدِ الصِّفَةِ، لم تَطْلُقْ] (1)؛ لأنَّ يَقِينَ النِّكاحِ باقٍ، والظَّاهِرُ حدوثُ الولدِ مِن الوطْءِ؛ لأنَّ الأصْلَ عدَمُه قبلَه.
3569 -
مسألة: (وإن قَال: إن لم تَكُونِي حَامِلًا فأنْتِ طَالقٌ.
783 الحديث: 3569 - الجزء: 22 - الصفحة: 486
وَيَحْرُمُ وَطْؤُها قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَين، إِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا.
فَهِيَ بالعَكْسِ) ففي كلِّ موْضِعٍ يقَعُ الطَّلاقُ في التي قبلَها، لا يقَعُ ههُنا، وفي كلِّ موضعٍ لا يَقَعُ ثَمَّ، يقَعُ ههُنا، لأنَّها ضِدُّها، إلَّا إذا أتَتْ بولدٍ لأكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، ولأقَلَّ مِن أربعِ سِنينَ، هل يَقعُ الطّلاقُ ههُنا؟ فيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، تَطْلُقُ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الحَمْلِ قبلَ الوَطْءِ.
والثاني، لا تَطْلُقُ؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ النِّكاحِ.
3570 -
مسألة: (ويَحْرُمُ وَطْؤُها قَبْلَ اسْتِبْرَائِها في إحْدَى
الحديث: 3570 - الجزء: 22 - الصفحة: 487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرِّوَايَتَينِ، إن كان الطَّلاقُ بَائِنًا) نَصَّ عليه أحمدُ.
وكذلك يَحْرُمُ في التي قبلَها؛ لاحْتِمالِ الحَمْلِ، فغَلَبَ التَّحْرِيمُ.
وقال القاضي: يَحْرُمُ الوَطْءُ وإنْ كان الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، سواءٌ قُلْنا: إنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُباحَةٌ أو مُحَرَّمَةٌ؛ لأنَّه يَمْنَعُ المعْرِفَةَ بوُقُوعِ الطَّلاقِ وعَدَمِه.
وقال أبو الخَطَّابِ: فيه روايةٌ أُخْرَى، أنَّ الوَطْءَ لا يَحْرُمُ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ، وبَراءةُ الرَّحِمِ من الحَمْلِ.
فإنِ اسْتَبْرَأَها، حَلَّ وَطْؤُها على الرِّوايَتَينِ.
ويَكْفِي في الاسْتِبْراءِ حَيضَةٌ.
قال أحمدُ في روايةِ أبي طالبٍ 784: إذا قال لامْرأتِه: متى حَمَلْتِ فأنتِ طالقٌ.
لا يَقْرَبُها حتى تَحِيضَ، فإذا طَهُرَتْ وَطِئَها، فإن تَأَخَّرَ حَيضُها أُرِيَتِ النِّساءَ مِن أهلِ المعْرفةِ، فإن لم يُوجَدْنَ أو خَفِيَ عَلَيهِنَّ، انْتُظِرَ عليها تِسْعَةُ أشهُرٍ غالبُ مُدَّةِ الحَمْلِ.
وذكَرَ القاضي روايةً
الجزء: 22 - الصفحة: 488
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أُخْرَى، أنَّها تُسْتَبْرأُ بثلاثةِ قُرُوءٍ؛ لأنَّه اسْتِبْراءُ الحُرَّةِ.
وهو أحَدُ الوَجْهَينِ لأصحابِ الشافعيِّ.
قال شيخُنا 785: والصَّحيحُ ما ذَكَرْناه؛ لأنَّ المقْصودَ معرفَةُ بَراءَةِ رَحِمِها، وهو يَحْصُلُ بحَيضةٍ؛ بدليلِ قولِه عليه السلامُ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيضَةٍ» 786. يعني: تُعْلَمَ بَراءتُها من الحمْلِ بحيضةٍ.
ولأنَّ ما تُعْلَمُ به البَراءةُ في حقِّ الأمَةِ والحُرَّةِ واحدٌ؛ لأنَّه أمْرٌ حَقِيقيٌّ لا يَخْتلفُ بالرِّقِّ والحُرِّيِّةِ.
وأمَّا العِدَّةُ، ففيها نوعُ تَعَبُّدٍ لا يَجوزُ أنْ يُعَدَّى بالقِياسِ.
وهل يُعْتَدُّ بالاسْتِبْراءِ قبلَ عَقْدِ اليَمِينِ، أو بالحَيضَةِ التي حَلَفَ فيها؟ على
الجزء: 22 - الصفحة: 489
وَإِنْ قَال: إِنْ كُنْتِ حَامِلًا بِذَكَرٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ كُنْتِ
وَجْهَين؛ أصَحُّهما، الاعْتِدادُ به؛ لأنَّه يَحْصُلُ به ما يَحْصُلُ بالاسْتِبْراءِ بعدَ اليَمينِ.
والثَّاني، لا يُعْتَدُّ به؛ لأنَّ الاسْتِبْراءَ لا يتَقَدَّمُ على سَبَبِه، ولأنَّه لا يُعْتَدُّ به في اسْتِبْراءِ الأمَةِ الممْلُوكةِ.
قال أحمدُ: إذا قال لامرأتِه: إذا حَبِلْتِ فأنتِ طالقٌ.
يَطَؤُها في كلِّ طُهْرٍ مرَّةً (1). يعني إذا حاضَتْ ثم طَهُرَتْ حلَّ وَطْؤُها؛ لأنَّ الحَيضَ عَلَمٌ على بَراءَتِها من الحَمْلِ، ووَطْؤُها سَبَبٌ له، فإذا وَطِئَها اعْتَزَلَها؛ لاحْتمالِ أن تكونَ قد حَمَلَتْ مِن وَطْئِه فطَلُقَتْ به.
3571 -
مسألة: (وإذا قَال: إنْ كُنْتِ حَامِلًا بِذَكَرٍ فأنتِ طالقٌ
787 الحديث: 3571 - الجزء: 22 - الصفحة: 490
حَامِلًا بِأُنْثَى فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَينِ.
فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى، طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
وَلَوْ كَانَ مَكَانَ قَوْلِهِ: إِنْ كُنْتِ حَامِلًا.
إِنْ كَانَ حَمْلُكِ.
لَمْ تَطْلُقْ إِذَا كَانَتْ حَامِلًا بِهِمَا.
واحدةً، وإن كُنْتِ حَامِلًا بِأُنْثَى فأنْتِ طالقٌ اثْنَتَينِ.
فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى، طَلُقَتْ ثَلاثًا) لوُجُودِ الصِّفَةِ.
ولو قال: إن كان حَمْلُكِ غُلامًا فأنتِ طالقٌ واحدةً، وإن كان حَمْلُكِ جاريةً فأنت طالقٌ اثْنَتَينِ.
فولَدَتْ غُلامًا وجاريةً، لم تطْلُقْ؛ لأنَّ حَمْلَها كلَّه ليس بغُلامٍ ولا جاريةٍ.
ذكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ»، وأبو الخطَّابِ.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال القاضي في «الجامعِ»: في وُقوعِ الطَّلاقِ وَجْهانِ؛ بِناءً على الرِّوايَتَين في مَن حَلَفَ: لا لَبِسْتُ ثَوْبًا مِن غَزْلِها.
فَلبِسَ ثوبًا فيه مِن غَزْلِها.
الجزء: 22 - الصفحة: 491
فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِالْولَادَةِ: إِذَا قَال: إِذَا وَلَدْتِ ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ وَلَدْتِ أُنْثَى فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَينِ.
فَوَلَدَتْ ذَكَرًا ثُمَّ أُنْثَى، طَلُقَتْ بالْأَوَّلِ، وَبَانَتْ بِالثَّانِي وَلَمْ تَطْلُقْ بِهِ.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: تَطْلُقُ بِهِ.
فصلٌ في تعْليقِه بالولادةِ: (إذا قال: إنْ وَلَدْتِ ذَكرًا فأنتِ طالقٌ واحدةً، وإن وَلَدْتِ أُنْثَى فأنتِ طالقٌ اثْنَتَينِ.
فوَلَدَتْ ذَكَرًا ثم أُنْثَى، طَلُقَتْ بالأوَّلِ، وبانَتْ بالثَّاني ولم تَطْلُقْ به.
ذكَرَه أبو بكرٍ) لأنَّ العِدَّةَ انْقَضَتْ بوَضْعِه، فصادَفَها الطَّلاقُ، فلم يَقَعْ، كما لو قال: إذا مِتُّ فأنتِ
الجزء: 22 - الصفحة: 492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طالقٌ.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وحُكِيَ عن ابنِ حامدٍ، أنَّها تَطْلُقُ؛ لأنَّ زمنَ البَينُونَةِ زَمَنُ الوُقوعِ، فلا تَنافِيَ بينَهما.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرْنا.
وقد نَصَّ أحمدُ في مَن قال: أنتِ طالقٌ مع مَوْتِي.
الجزء: 22 - الصفحة: 493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّها لا تَطْلُقُ.
فهذا أوْلَى.
فإن وَلَدَتْهُما دَفْعةً واحدةً، طَلُقَتْ ثلاثًا؛ لوُجودِ الشَّرْطَينِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 494
وَإِنْ أَشْكَلَ كَيفِيَّةُ وَضْعِهِمَا، وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، بِيَقِينٍ، وَلَغَا مَا زَادَ.
وَقَال الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقْرَعَ بَينَهُمَا.
3572 - مسألة: (فَإنْ أشْكَلَ كَيفِيَّةُ وَضْعِهما، وَقَعَتْ واحدةٌ بيَقِينٍ، وَلَغَا مَا زَادَ)
فَلَا تَلْزَمُهُ الثَّانِيَةُ؛ لأنَّه مَشْكُوكٌ فِيهِ، والوَرَعُ أنْ يَلْتَزِمَهُمَا.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
(وقال القاضي: قِياسُ المذهبِ أن يُقْرَعَ بينَهما) لأنَّه يَحْتَمِلُ كُلُّ واحدٍ 788 منهما احْتمالًا مُساويًا للآخَرِ 789، فيُقْرَعُ بينَهما، كما لو أعْتَقَ أحَدَ 790 عَبْدَيه مُعَيَّنًا 791، ثم
الحديث: 3572 - الجزء: 22 - الصفحة: 495
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَسِيَه.
فإن قَال: إن كان أوَّلُ ما تَلِدِينَ ذَكَرًا فأنتِ طالقٌ واحدةً، وإن كان أُنْثَى فأنتِ طالقٌ اثْنَتَينِ.
فوَلَدَتْهُما دَفْعةً واحدةً، لم يَقَعْ بها شيءٌ؛ لأنَّه لا أوَّلَ فيهما، فلم تُوجَدِ الصِّفَةُ.
وإن وَلَدَتْهُما دَفْعَتَينِ، طَلُقَتْ
الجزء: 22 - الصفحة: 496
وَلَا فَرْقَ بَينَ أَنْ تَلِدَهُ حَيًّا أَوْ ميِّتًا.
بالأوَّلِ، وبانَتْ بالثَّاني، ولم تَطْلُقْ به إلَّا على قولِ ابنِ حامدٍ، وقد ذَكرْناه.
3573 -
مسألة: (وَلَا فَرْقَ بَينَ أنْ تَلِدَهُ حَيًّا أو مَيِّتًا)
لأنَّ الشَّرْطَ ولادَةُ ذَكَرٍ أو أُنْثَى، وقد وُجِدَ، ولأنَّ العِدَّةَ تَنْقَضِي به، وتَصِيرُ به الجاريةُ أُمَّ وَلَدٍ، كذلك هذا.
فصل: إذا قال: إن كنتِ حامِلًا بغُلامٍ فأنتِ طالقٌ واحدةً؛ وإن وَلَدْتِ أُنْثَى فأنتِ طالقٌ اثْنَتَينِ.
فوَلَدَتْ غُلامًا كانت حامِلًا به
الحديث: 3573 - الجزء: 22 - الصفحة: 497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقْتَ اليَمِينِ، تَبَيَّنَّا أنَّها طَلُقَتْ واحدةً حِينَ حَلَفَ، وانْقَضَتْ عدَّتُها بوَضْعِهِ.
وإن وَلَدَتْ أُنْثَى؛ طَلُقَتْ بولادَتِها طَلْقَتينِ، واعْتدَّتْ بالقُرُوءِ.
وإن وَلَدَتْ غُلامًا وجاريةً، وكان الغُلامُ أوَّلَهما ولادةً، تَبَيَّنَّا أنَّها طَلُقَتْ واحدةً، [وبانَتْ بوضعِ الجاريةِ، ولم تَطْلُقْ بها 792، إلَّا على قولِ ابنِ حامدٍ.
وإن كانتِ الجارِيَةُ وُلِدَتْ أوَّلًا، طَلُقَتْ ثلاثًا؛ واحدةً] 793 بحَمْلِ الغُلامِ، واثْنَتَينِ بولادَةِ الجارِيةِ، وانْقَضَتْ عِدَّتُها بوضْعِ الغُلامِ.
فصل: فإن كان له أرْبَعُ نِسْوَةٍ فقال: كلَّما وَلَدَتْ واحدةٌ مِنْكُنَّ فَضَرَائِرُها طوالقُ.
فوَلَدْنَ 794 دَفْعَةً واحدةً، طَلُقْنَ كلُّهنَّ ثلاثًا ثلاثًا.
وإن وَلَدْنَ في دَفَعاتٍ، وَقَعَ بضَرائِرِ الأُولَى طَلْقَةٌ طَلْقةٌ، فإذا وَلَدَتِ الثَّانيةُ بانَتْ بوضْعِ الوَلَدِ، ولم تَطْلُقْ.
وهل يَطْلُقُ سائِرُهُنَّ؟ فيه احْتِمالانِ؛ أحدُهما، لا يقَعُ بهنَّ طلاقٌ؛ لأنَّها لمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُها بانَتْ، فلم يَبقَينَ ضرائرَها، والزَّوْجُ إنَّما عَلَّقَ [على ولادَتِها] 795 طَلاقَ ضَرائِرِها.
والوَجْهُ الثَّاني، يَقَعُ بكُلِّ واحدةٍ طَلْقَةٌ 796؛ لأنَّهُنَّ ضَرائِرُها في حالِ ولادَتِها.
فعلى هذا، يَقَعُ بكلِّ واحدةٍ من اللَّتَينِ لم يَلِدْنَ طَلْقتانِ طَلْقتانِ، وتَبِينُ هذه، وتَقَعُ بالوَالدَةِ الأُولَى طَلْقَةٌ، فإذا وَلَدَتِ الثَّالثةُ بانَتْ.
وفي وُقوعِ الطَّلاقِ بالباقِيَتَينِ
الجزء: 22 - الصفحة: 498
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَجْهانِ؛ فإذا قُلْنا: يَقَعُ بهنَّ.
طَلُقَتِ الرَّابعةُ ثلاثًا، والأُولى طَلْقَتَين، وبانَتِ الثَّانيةُ والثَّالثةُ، وليس فيهِنَّ مَنْ له رَجْعَتُها إلَّا الأُولَى، ما لم تَنْقَضِ عِدَّتُها، وإذا وَلَدَتِ الرَّابعةُ لم تَطْلُقْ واحدةٌ مِنْهُنَّ، وتَنْقَضِي عِدَّتُها بذلك.
وإن قال: كلَّما وَلَدَتْ واحدةٌ مِنكُنَّ فسائرُكُنَّ طَوالِقُ.
أو: فبَاقِيكُنَّ طَوالِقُ.
فكلَّما وَلَدَتْ واحدةٌ منْهُنَّ وقَعَ ببَاقِهنَّ طَلْقَةٌ طلقةٌ 797، وتَبِينُ الوالِدَةُ بوَضْعِ وَلَدِها إلَّا الأُولَى.
والفَرْقُ بينَ هذه وبينَ التي قبلَها، أنَّ الثَّانيةَ والثَّالثةَ يَقعُ الطلاقُ ببَاقِيهنَّ بولادَتِهما ههُنا، وفي الأُولَى لا يَقَعُ؛ لأنَّهُنَّ لم يَبْقَينَ ضَرائِرَها، وههُنا لم يُعَلِّقْه بذلك.
وإن قال: كلَّما وَلَدَتْ واحدةٌ مِنْكُنَّ فأنْتُنَّ طوالِقُ.
فكذلك، إلَّا أنَّه لا يَقَعُ على الأُولَى طلقةٌ بولادتِها، فإنْ كانتِ الثَّانيةُ حامِلًا باثْنَينِ، فوضَعَتِ الأوَّلَ منهما، وقَعَ بكُلِّ واحدةٍ من ضَرائِرِها طَلْقَةٌ في المسائلِ كلِّها، ووَقَعَ بها طَلْقَةٌ في المسألةِ الثَّالثةِ.
وإذا وضَعتِ الثَّالثةُ أو كانتْ حامِلًا باثْنَين، فكذلك، فتَطْلُقُ الرَّابعةُ 798، وتَطْلُقُ كلُّ واحدةٍ مِن الوَالِدَاتِ طَلْقتَين طَلْقَتَين في المسألَتَين الأُوليَينِ، وثلاثًا ثلاثًا في المسألةِ الثَّالثةِ، ثم كلَّما وضَعتْ واحدةٌ مِنْهنَّ تَمامَ حَمْلِهَا، انْقَضَتْ به عِدَّتُها.
قال القاضي: إذا كانتْ له زَوْجتانِ، فقال: كلَّما وَلَدَتْ واحدةٌ منكما فأنْتُما طَالقتانِ، فَوَلَدَتْ إحْداهما يومَ الخميسِ، طَلُقَتا جميعًا، ثم وَلَدَتِ الثَّانيةُ يومَ الجُمُعَةِ، بانَتْ،
الجزء: 22 - الصفحة: 499
فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِالطَّلَاقِ: إِذَا قَال: إِذَا طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وانْقَضَتْ عِدَّتُها، ولم تَطْلُقْ، وطَلُقَتِ الأُولَى ثانِيةً، فإن كانتْ كلُّ واحدةٍ منهما حامِلًا باثْنَينِ، طَلُقَتا بوضعِ الثَّانيةِ طَلْقَةً طَلْقَةً أيضًا، ثم إذا وَلَدَتِ الأُولَى تمامَ حَمْلِها، انْقَضَتْ عِدَّتُها به، وطَلُقَتِ الثَّانيةُ ثلاثًا، فإذا وضَعَتِ الثَّانيةُ تَمامَ حَمْلِها، انْقَضَتْ عِدَّتُها به.
فصلٌ في تَعْليقِه بالطَّلاقِ: (إذا قال: إذا طَلَّقْتُكِ فأنتِ طالقٌ) ثم قال: أنتِ طالقٌ.
وقَعَتْ واحدةٌ بالمباشَرَةِ، وأُخْرَى بالصِّفةِ إن كانت مَدْخُولًا بها؛ لأنَّه جعلَ تَطْلِيقَها شَرْطًا لوُقوعِ طَلاقِها، فإذا وُجِدَ الشَّرْطُ وقَعَ الطَّلاقُ، وإن كانت غيرَ مدْخُولٍ بها، بانَتْ بالأُولَى، ولم تَقَعِ الثَّانيةُ؛ لأنَّها لا عِدَّةَ عليها، ولا تُمْكِنُ رَجْعَتُها، فلا يقَعُ طَلاقُها إلَّا بائنًا، ولا يقَعُ الطَّلاقُ بالبائنِ.
فإن قال: عَنَيتُ بقوْلِي هذا، أنَّكِ تكونِينَ طالقًا بما أوْقَعْتُه عليكِ، ولم أُرِدْ [إيقاعَ طلاقٍ] 799 سِوَى ما باشَرْتُكِ به.
دُيِّنَ.
وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَينِ؛ إحْداهما، لا يُقْبَلُ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه خِلافُ الظَّاهرِ، إذ الظَّاهرُ أنَّ هذا تعْلِيقٌ للطَّلاقِ بشَرْطِ الطَّلاقِ، ولأنَّ إخْبارَه إيَّاها بوُقوعِ طَلاقِه بها لا فائِدَةَ فيه.
والوَجْهُ الثاني، يُقْبَلُ قولُه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما قاله، فقُبِلَ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ.
وقال: أرَدْتُ بالثَّاني التَّأْكِيدَ.
أو: إفْهامَها.
الجزء: 22 - الصفحة: 500
ثُمَّ قَال: إِنْ قُمْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَقَامَتْ، طَلُقَتْ طَلْقَتَينِ.
وَإِنْ قَال: إِنْ قُمْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَال: إِذَا طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَقَامَتْ، طَلُقَتْ وَاحِدَةً.
3574 - مسألة: (إذا قال: إذا طَلَّقْتُكِ فأنْتِ طَالقٌ. ثم قال: إنْ قُمْتِ فأنْتِ طالقٌ. فَقَامَتْ، طَلُقَتْ)
بقِيَامِها، ثُمَّ طَلُقتْ بِالصِّفَةِ أُخْرَى؛ لأنَّه قَدْ طَلَّقَها بعدَ عَقْدِ الصِّفَةِ؛ لأنَّ الصِّفَةَ تَطْلِيقَهُ لَهَا، وتَعْلِيقُه لِطَلاقِهَا بقِيَامِهَا إذا اتَّصَلَ به الْقيامُ تَطْليقٌ لَهَا.
3575 -
مسألة: (ولو قال)
أوَّلًا: (إنْ قُمْتِ فأنْتِ طالقٌ.
ثُمَّ قَال: إنْ طَلَّقْتُكِ فأنْتِ طالقٌ.
فَقَامَتْ، طَلُقَتْ) بِالْقِيامِ (واحِدَةً) ولَمْ تَطْلُقْ بتَعْلِيقِ الطَّلاقِ، لأنَّه لم يُطَلِّقْهَا بَعْدَ ذلك، لأنَّ هذا يَقْتَضِي ابْتِداءَ إيقاعٍ، [ووُقوعُ] 800 الطَّلاقِ ههُنا بالقيامِ، إنَّما هو وُقوعٌ بصِفَةٍ سابقةٍ
الحديث: 3574 - الجزء: 22 - الصفحة: 501
وَإِنْ قَال: إِنْ قُمْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَال: إِنْ وَقَعَ عَلَيكِ طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَقَامَتْ، طَلُقَتْ طَلْقَتَينِ.
وَإِنْ قَال: كُلَّمَا طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ طَلْقَتَينِ.
لعَقْدِ الطَّلاقِ شَرْطًا.
3576 -
مسألة: (ولو قال: إنْ قُمْتِ فأنْتِ طالقٌ. ثم قال: إن وَقَعَ عَلَيكِ طَلاقِي فأنْتِ طالقٌ. فَقَامَتْ، طَلُقَتْ)
بِالْقِيامِ، ثُمَّ تَطْلُقُ الثَّانِيَةَ بِوُقُوعَ الطَّلاقِ عليها، إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا؛ لأنَّ الطَّلاقَ الوَاقِعَ بِهَا طَلاقُهُ، فَقَدْ وُجِدَتِ الصِّفَةُ.
3577 -
مسألة: (وإن قال: كُلَّمَا طَلَّقْتُكِ فأنْتِ طالقٌ)
فهذا حَرْفٌ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ (فإذا قال) لها بعدَ ذلك 801: (أنتِ طالقٌ.
طَلُقَتْ طَلْقَتَينِ) إحْداهما بالمُباشَرَةِ، والأُخْرَى بالصِّفَةِ.
ولا تَقَع ثالِثَةٌ، لأنَّ الثَّانيةَ لم تَقَعْ بإيقاعِه بعدَ عَقْدِ الصِّفَةِ؛ لأنَّ قَوْلَه: كُلَّما طَلَّقْتُكِ.
يَقْتَضِي: كلَّما أوْقَعْتُ عليكِ الطَّلاقَ.
وهذا يَقْتَضِي تجْديدَ
الحديث: 3576 - الجزء: 22 - الصفحة: 502
وَإنْ قَال: كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيكِ طَلَاقِي فَأَنتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ وَقَعَ عَلَيهَا طَلَاقُهُ بِمُبَاشَرَةٍ أوْ سَبَبٍ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
إيقاعِ طَلاقٍ بعدَ هذا القَوْلِ، وإنَّما وَقَعتِ الثَّانيةُ بهذا القَوْلِ.
وإن قال لها بعدَ عَقْدِ الصِّفَةِ: إن خَرَجْتِ فأنتِ طالقٌ.
فخَرَجَتْ، طَلُقَتْ بالخُروجِ طَلْقةً، وبالصِّفَةِ أُخْرَى؛ لأنَّه قد طَلَّقَها، ولم تَقَعِ الثَّالثةُ.
فإن قال لها: كُلَّما أوْقَعْتُ عليكِ طَلاقِي فأنْتِ طالقٌ.
فهو كقَوْلِه: كُلَّما طَلَّقْتُكِ فأنتِ طالقٌ.
وذكر القاضي في هذه، أَنه إذا وَقَعَ عَليها طَلاقُه بصِفَةٍ عَقَدَها بعدَ قوْلِه: إذا أوْقَعْتُ عليكِ طلاقًا فأنتِ طالقٌ.
لم تَطْلُقْ؛ لأنَّ ذلك ليس بإيقاعٍ منه.
وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ.
وفيه نَظَرٌ؛ فإنَّه قد أوْقَعَ الطَّلاقَ عليها بِشَرْطٍ، فإذا وُجِدَ الشَّرْطُ فهو الموقِعُ للطَّلاقِ عليها، فلا فرْقَ بينَ هذا وبينَ قولِه: إذا طَلَّقْتُكِ فأنتِ طالقٌ.
3578 -
مسألة: (وإن قال: كُلَّمَا وقَعَ علَيكِ طَلاقِي فأنْتِ طَالقٌ. ثُمَّ وقَعَ عليها طَلاقُهُ بمُبَاشَرَةٍ أوْ سَبَبٍ)
أوْ بِصِفَةٍ عَقَدَهَا بَعْدَ ذلك أوْ قَبْلَهُ (طَلُقَتْ ثَلاثًا) لأنَّ الثَّانِيَةَ طَلْقَةٌ وَاقِعَةٌ عليها، فتَقَعُ بِهَا الثَّالِثَةُ.
الحديث: 3578 - الجزء: 22 - الصفحة: 503
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن قال لها: إن خَرَجْتِ فأنتِ طالق.
ثم قال: كُلَّما وَقَعَ عليكِ طَلاقِي فأنتِ طالقٌ.
ثُمَّ خرَجَتْ، وَقَعَ عليها طَلْقَة 802 بالخُروجِ، ثم وَقَعَتْ عليها الثَّانِيَةُ بوُقُوعِ الأُولَى، ثُمَّ وقَعت الثَّالثةُ بوُقوعِ الثَّانيةِ؛ لأنَّ «كلَّما» 803 تقْتَضِي التَّكْرَارَ، وقد عَقَدَ الصِّفَةَ بوُقوعِ الطَّلاقِ، فكيفما وقَعَ يَقْتَضِي وُقوعَ أُخْرَى.
ولو قال لها: إذا طَلَّقْتُكِ فأنتِ طالقٌ.
ثم قال: إذا وقَعَ عليكِ طَلاقِي فأنتِ طالقٌ.
ثم قال: أنتِ طالقٌ.
طَلُقَتْ ثلاثًا؛ واحدةً بالمُباشَرَةِ، واثْنتَين بالصِّفَتَينِ؛ لأنَّ تطْليقَه لها يَشْتَمِلُ على الصِّفَتَينِ، هو تَطْلِيقٌ منه، وهو وقوعُ طلاقِه، ولأنَّه إذا قال: أنتِ طالقٌ.
طَلُقَتْ بالمُباشَرَةِ واحدةً، فتَطْلُقُ الثَّانيةَ بكَوْنِه طَلَّقَها، وذلك طلاقٌ منه واقعٌ عليها، فَتَطْلُقُ به الثَّالثةَ.
وهذا كلُّه في المدْخولِ بها.
فأمَّا غيرُ المدْخولِ بها، فلا تَطْلُقُ إلَّا واحدةً في جميعِ هذا.
وهذا كلُّه مذهبُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي، ولا نَعلمُ فيه خِلافًا.
فصل: فإن قال: كُلَّما طَلَّقْتُك طَلاقًا أمْلِكُ فيه رَجْعَتَكِ فأنتِ طالقٌ.
الجزء: 22 - الصفحة: 504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم قال: أنتِ طالقٌ.
طَلُقَتِ اثْنَتَينِ؛ إحْداهما بالمُباشَرَةِ، والأُخْرَى بالصِّفَةِ، إلّا أن تكونَ الطَّلْقَةُ بعِوَضٍ، أو في غيرِ مَدْخولٍ بها، فلا يقَعُ بها ثانيةٌ؛ لأنَّها تَبِينُ بالطَّلْقَةِ التي باشَرَها بها، فلا يَمْلِكُ رَجْعَتَها.
فإن طَلَّقَها ثِنْتَين، طَلُقَتِ الثَّالِثةَ.
وقال أبو بكر: قيل: تَطْلُقُ.
وقيل: لا تَطْلُقُ.
واخْتِيارِي أنَّها تَطْلُقُ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا تَطْلُقُ الثَّالثةَ؛ لأنَّا لو أوْقَعْناها، لم يَمْلِكِ الرَّجْعةَ، ولم يُوجَدْ شَرْطُ طَلاقِها، فيُفْضِي ذلك إلى الدَّوْرِ، فنقْطعُه 804 بمَنْعِ وُقُوعِه.
ولَنا، أنَّه طلاقٌ لم يَكْمُلْ به العَدَدُ، بغيرِ عِوَضٍ في مدْخولٍ بها، فتَقَعُ التي بعدَها كالأُولَى، وامْتِناعُ الرَّجْعةِ ههُنا لعَجْزِه عنها، لا لعدَمِ المِلْكِ، كما لو طَلَّقَها واحدةً وأُغْمِيَ عليه عَقِيبَها، فإنَّ الثَّانيةَ تقَعُ وإنِ امْتَنَعتِ الرَّجْعةُ لعَجْزِه عنها.
وإن كان الطَّلاقُ بعِوَضٍ، أو في غيرِ المدْخُولِ بها، لم يقَع إلَّا الطَّلْقةُ التي باشَرَها بها؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ رَجْعَتَها.
وإن قال: كُلَّما وقعَ عليكِ طَلاقٌ أمْلِكُ فيه رَجْعَتَكِ فأنْتِ طالقٌ.
ثم وَقَّعَ عليها طَلْقةً بمباشرةٍ أو صِفَةٍ، طَلُقَتْ ثلاثًا.
وعندَهم لا تَطْلُقُ؛ لِما ذَكَرْنا في التي قبلَها.
ولو قال لامرأتِه: إذا طلقْتُكِ طلاقًا أمْلِكُ فيه الرَّجْعةَ 805 فأنتِ طالق ثلاثًا.
ثم طَلَّقَها، طَلُقَتْ ثلاثًا.
وقال المُزَنِيُّ: لا تَطْلُقُ.
وهو قِياسُ قولِ أصحابِ الشافعيِّ؛ لِما تَقَدَّمَ.
الجزء: 22 - الصفحة: 505
وَإنْ قَال: كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيكِ طَلَاقِي.
أوْ: إِنْ وَقَعَ عَلَيكِ طَلَاقِي، فَأنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا.
ثُئم قَال: أَنْتِ طَالِقٌ.
فَلَا نَصَّ فِيهَا عَنْ أحْمَدَ.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي: تَطْلُقُ ثَلَاثًا.
وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ: تَطْلُقُ بِالطَّلَاقِ الْمُنْجَزِ وَيَلْغُو مَا قَبْلَهُ.
3579 - مسألة: (وإن قال: كُلّمَا وَقَعَ عليكِ طلاقِي. أو: إن وَقَعَ عليكِ طَلاقِي، فأنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلاثًا. ثم قال: أنْتِ طَالقٌ. فَلا نَصَّ فِيهَا. وقال أبو بكر والقاضي: تَطْلُقُ ثلاثًا)
واحدة بالمُباشَرَةِ، واثْنَتان مِن المُعَلَّقِ.
وهو قِياسُ قولِ الشافعيِّ وبعضِ 806 أصحابِه (وقال ابنُ عَقِيلٍ: تَطْلُقُ بالطَّلاقِ المُنْجَزِ ويَلْغُو المعَلَّقُ) لأنَّه طَلاقٌ في زَمنٍ ماضٍ.
[وبه قال أبو العَبّاسِ بنُ القَاصِّ مِن أصْحابِ الشافعيِّ] 807. وقال أبو العبَّاسِ ابنُ
الحديث: 3579 - الجزء: 22 - الصفحة: 506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سُرَيجٍ، وبعضُ الشافعيَّةِ: لا تَطْلُقُ أبدًا؛ لأنَّ وُقُوعَ الواحدَةِ يَقْتَضِي وُقوعَ ثَلاثٍ قبلَها، وذلك يَمْنَعُ وُقُوعَها، فإثْبَاتُها يَؤَدِّي إلى نَفْيِها، فلا تَثْبُتُ، ولأنَّ إيقاعَها يُفْضِي إلى الدَّوْرِ؛ لأنَّها إذا وَقَعَت، وقَعَ قبلَها ثلاثٌ، فيَمْتَنِع وُقُوعُها، وما أفْضَى إلى الدَّوْرِ وجَبَ قَطْعُه مِن أصْلِه.
ولَنا، أنَّه طلاق مِن مُكَلَّفٍ مُخْتارٍ، في مَحَلٍّ لِنِكاحٍ صَحِيحٍ، فيجبُ أن يقَعَ، كما لو لم يَعْقِدْ هذه الصِّفَةَ، ولأن عُمُوماتِ النُّصوصِ تَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلاقِ، مثلَ قولِه سبحانه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ 808. وقولِه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 809. وكذلك سائرُ النُّصوصِ، ولأنَّ اللهَ تعالى شَرَعَ الطَّلاقَ لمصْلَحَةٍ تَتَعلَّقُ به، وما ذَكَرُوه يَمْنَعُه بالكُلِّيَّةِ، ويُبْطِلُ مَشْرُوعِيَّتَه، ويُفَوِّتُ مَصْلَحَتَه، فلا يَجوزُ ذلك بمُجَرَّدِ الرَّأْي والتَّحَكمِ، وما ذكَرُوه غيرُ مُسَلَّم، فإنَّا إذا قُلْنا: لا يقَعُ الطَّلاقُ المُعَلَّقُ.
فله وَجْهٌ؛ لأنَّه أوْقَعَه في زَمنٍ ماضٍ، ولا يُمْكِنُ وُقُوعُه في
الجزء: 22 - الصفحة: 507
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الماضِي، فلم يقَعْ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ قبلَ قُدومِ زيدٍ بيوم.
فقَدِم في اليومِ، ولأنَّه جعَل الطَّلْقَةَ الواقِعَةَ شَرْطًا لوُقُوعِ الثَّلاثِ، ولا يُوجَدُ المشْروطُ قبلَ شرطِه.
فعلى هذا، لا يَمْنَعُ مِن وُقوعِ الطلْقَةِ المُباشِرَةِ، ولا يُفْضِي إلى دَوْرٍ ولا غيرِه.
وإن قُلْنا بوُقوعِ الثَّلاثِ، فوَجْهُه أنَّه وصَفَ الطَّلاقَ المُعَلَّقَ بما يَسْتَحِيلُ وَصْفُه به، فَلَغَتِ الصِّفَةُ وَوَقَعَ الطَّلاقُ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً لا تَلْزَمُكِ، ولا تَنْقُصُ عَدَدَ طَلاقِكِ.
أو قال للآيسَةِ: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ -أو- للبدْعَةِ.
وبيانُ اسْتِحالتِه، أنَّ تَعْلِيقَه بالشَّرْطِ يَقْتَضِي وُقوعَه بعدَه، لأنَّ الشَّرْطَ يَتَقَدّمُ مَشْروطَه، ولذلك لو أطْلَقَ لوقعَ بعدَه، وتعْقِيبُه بالفاءِ في قولِه: فأنتِ طالقٌ.
يقْتَضى كَوْنَه عَقِيبَه، وكونُ الطَّلاقِ المُعَلَّقِ قبلَه بعدَه مُحالٌ، لا يَصِحُّ الوَصْفُ به، فلَغَتِ الصِّفَةُ، وَوقعَ الطَّلاقُ، كما لو قال: إذا طَلَّقْتُكِ فأنتِ طالقٌ ثلاثًا لا تَلْزَمُكِ.
ثم يَبْطُلُ ما ذكَرُوه بقَوْلِه: إذا انْفَسخَ نِكاحُك فأنتِ طالقٌ قبلَه ثلاثًا.
ثم وُجِدَ ما يَفْسَخُ نِكاحَها، مِن رَضاعٍ، أو رِدَّةٍ، أو وَطْءِ أُمِّها أو ابْنَتِها بشُبْهَةٍ، فإنَّه يَرِدُ عليه 810 ما ذَكَرُوه، ولا خلافَ في انْفساخِ
الجزء: 22 - الصفحة: 508
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النِّكاحِ.
قال القاضي: ما ذكَرُوه ذَرِيعةٌ إلى أن لا يقَعَ عليها الطَّلاقُ جُمْلةً.
وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا قُبَيلَ وُقُوعِ طَلاقِي بكِ واحدةً.
أو قال: أنتِ طالقٌ اليومَ ثلاثًا إن 811 طَلَّقْتُكِ غدًا واحدةً.
فالكَلامُ عليها مِن وَجْهٍ آخرَ، وهو وارِدٌ على المسألتَين جميعًا، وذلك أنَّ الطَّلْقَةَ المُوقَعَةَ يَقْتَضِي وُقُوعُها وقوعِ ما لا يُتَصَوَّرُ وُقوعُها معه، فيَجِبُ أن يُقْضَى بوُقوعِ الطَّلْقَةِ الموقَعَةِ دون ما تَعلَّقَ بها؛ [لأنَّ ما تَعَلَّقَ بها] 812 تابعٌ، ولا يَجوزُ إبْطالُ المَتْبُوعِ لامْتِناعِ حصُولِ التَّبَعِ، فيَبْطُلُ التَّابعُ وحدَه، كما لو قال في مَرضِه: إذا أعْتَقْتُ سالمًا فغانمٌ حُرٌّ.
ولم يَخْرُجْ مِن ثُلُثِه إلّا أحَدُهما، فإنَّ سالمًا يَعْتِقُ وحدَه، ولا يُقْرَعُ بينَهما؛ لأنَّ ذلك رُبَّما أدَّى إلى عِتْقِ المشْرُوطِ دُونَ الشَّرْطِ، وذلك غيرُ جائزٍ، ولا فَرْقَ بينَ أن يقولَ: فغانمٌ معه، أو: قبلَه، أو: بعدَه.
أو يُطْلِقَ.
كذا ههُنا.
الجزء: 22 - الصفحة: 509
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا قال: إن طَلَّقْتُ حَفْصَةَ فَعَمْرةُ طالقٌ.
ثم قال: إن طَلَّقْتُ عَمْرةَ فحفْصةُ طالقٌ.
ثم طَلَّقَ حفصةَ، طَلُقَتا معًا؛ حفصةُ بالمُباشَرَةِ، وعَمْرَةُ بالصِّفَةِ، ولم تَزِدْ كل واحدةٍ منهما على طَلْقةٍ.
وإن بدأ بطَلاقِ عَمْرةَ، طَلُقَتْ طَلْقَتَينِ، وطَلُقَتْ حَفْصةُ طلقةً واحدةً؛ لأنَّه إذا طَلَّقَ حَفْصةَ طَلُقَتْ عَمْرَةُ 813 بالصِّفَةِ، لكَوْنِه عَلَّقَ طَلاقَهَا على طلاقِ حَفْصَةَ، ولم يَعُدْ على حَفْصةَ طَلاقٌ آخَرُ؛ لأنَّه ما أحْدث في عَمْرَةَ طَلاقًا، إنَّما طَلُقَتْ بالصِّفَةِ السَّابقةِ على تَعْليقِه طَلاقَها.
وإن بَدأ بطَلاقِ عَمْرةَ، طَلُقَتْ حَفْصةُ؛ لكَوْنِ طَلاقِها مُعَلَّقًا على طَلاقِ عَمْرةَ، ووقوعُ الطَّلاقِ بها تَطْلِيقٌ منه لها؛ لأنَّه أحْدثَ فيها 814 طلاقًا، بتَعْليقِه طَلاقَها على تَطْليقِ عَمْرَةَ، بعدَ قولِه: إن طَلَّقْتُ حَفْصَةَ فعَمْرَةُ طالقٌ.
ومتى وُجِدَ التَّعْلِيقُ والوُقُوعُ معًا، فهو تطْليقٌ.
فإن وُجِدَا معًا بعدَ تَعْليقِ الطَّلاقِ بطلاقِها،
الجزء: 22 - الصفحة: 510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقعَ الطَّلاقُ المُعَلَّقُ بطَلاقِها، وطَلاقُ عَمْرَةَ ها هنا مُعَلَّقٌ بطلاقِها، فوَجَب القولُ بوقُوعِه.
ولو قال لعمرةَ: كلَّما طلَّقْتُ حَفْصَةَ فأنتِ طالِقٌ.
ثم قال لحفْصَةَ: كلَّما طلَّقْتُ عَمْرَةَ فأنتِ طالقٌ.
ثم قال لعَمْرَةَ: أنتِ طالقٌ.
طَلُقَتْ طَلْقَتَينِ، وطَلُقتْ حَفْصةُ طلقةً واحدةً.
وإن طَلَّقَ حَفْصَةَ ابْتِداءً، لم يَقَعْ بكلِّ واحدةٍ منهما إلَّا طَلْقةٌ؛ لأنَّ هذه المسألةَ كالتي قبلَها سَواءً، فإنَّه بَدَأ [بتَعْليقِ طلاقِ] 815 عَمْرةَ على تطليقِ حَفْصةَ، ثم ثَنَّى بتَعْليقِ طَلاقِ حَفْصةَ على تَطْليقِ عَمْرَةَ.
ولو قال لعَمْرَةَ: إن طَلَّقْتُكِ فحَفْصَةُ طالقٌ.
ثم قال لحفْصةَ: إن طلَّقْتُكِ فَعَمْرَةُ طالقٌ.
ثم طَلَّقَ حَفْصَةَ، طَلُقَتْ طَلقَتَينِ، وطَلُقَتْ عَمْرَةُ طَلْقةً.
وإن طَلَّقَ عَمْرَةَ، طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهما طلقةً؛ لأنَّها عكسُ التي قبلَها.
ذكَر هاتَين المسألَتَين القاضي في «المُجَرَّدِ».
ولو قال لإحْدَى زوجَتَيه: كلَّما طَلَّقْتُ ضَرَّتَكِ فأنتِ طالقٌ.
ثم قال للأُخْرَى مثلَ ذلك، ثم طَلَّقَ الأُولَى، طَلُقَتْ طَلْقَتَينِ، وطَلُقَتِ الثَّانيةُ طَلْقَةً.
وإن طَلَّقَ الثَّانيةَ، طَلُقَتْ، كلُّ واحدةٍ منهما طَلْقَةً.
الجزء: 22 - الصفحة: 511
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن قال: كُلَّما طَلَّقْتُكِ فضَرَّتُكِ طالقٌ.
ثم قال للأُخْرَى مثلَ ذلك، ثم طَلَّقَ الأُولَى، طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهما طَلْقَةً.
وإنْ طَلَّقَ الثَّانيةَ، طَلُقَتْ طَلْقَتَينِ، وطَلُقَتِ الأُولَى طَلْقَةً، وتَعْليلُ ذلك على ما ذَكَرْنا في المسألةِ الأُولَى.
فصل: فإن كان له ثَلاثُ نِسْوَةٍ، فقال: إن طَلَّقْتُ زينبَ فَعمْرَةُ طالقٌ، وإن طَلَّقتُ عَمْرَةَ فحَفْصَةُ طالقٌ، وإن طَلَّقتُ حَفْصَةَ فزَينبُ طالقٌ.
ثم طَلَّقَ زينبَ، طَلُقَتْ عَمْرَةُ، ولم تَطْلُقْ حَفْصةُ؛ لأنَّه ما أحْدَثَ في عَمْرَةَ طَلاقًا بعدَ تَعْليقِ طَلاقِ حَفْصةَ بتَطْلِيقِها، وإنَّما طَلُقَتْ بالصِّفَةِ السَّابقةِ على ذلك، فيكونُ وُقوعًا للطَّلاقِ، وليس بتَطْلِيقٍ.
وإن طَلَّقَ عَمْرَةَ، طَلُقَتْ حَفْصةُ، ولم تَطْلُقْ زينبُ لذلك.
وإن طَلَّقَ حَفْصةَ، طَلُقَتْ زينبُ، ثم طَلُقَتْ عَمْرَةُ 816، فيَقَعُ الطَّلاقُ بالثَّلاثِ؛ لأنه أحْدثَ في زينبَ طَلاقًا بعدَ تَعْليقِه طَلاقَ عَمْرَةَ [بطلاقِها، فإنَّه علَّقَ طلاقَها بعد ذلك على تطْليقِ حفصةَ، ثم طلَّقَ حفصةَ، والتَّعليقُ مِع تَحَقُّقِ شَرْطِه تَطْليقٌ، وقد وُجِدَ التَّعليقُ وشرطُه معًا بعد تعليقِه طلاق عَمْرَةَ] 817
الجزء: 22 - الصفحة: 512
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بتَطْلِيقِها، فكانَ وُقوعُ الطَّلاقِ بزينبَ تَطْلِيقًا، فطَلُقَتْ به عَمْرَةُ، بخِلافِ غيرِها.
ولو قال لزينبَ: إن طَلَّقْتُ عَمْرَةَ فأنتِ طالقٌ.
ثم قال لعَمْرَةَ: إن طَلّقْتُ حَفْصةَ فأنتِ طالقٌ.
ثم قال لحَفْصَةَ: إن طَلَّقْتُ زينبَ فأنتِ طالقٌ.
ثم طَلَّقَ زينبَ، طَلُقَ الثَّلاثُ؛ زينبُ بالمُباشَرَةِ، وحَفْصَةُ بالصِّفَةِ، ووُقوعُ الطَّلاقِ بحَفْصَةَ تَطْليقٌ لها، وتَطْلِيقُها شرطُ طلاقِ عَمْرَةَ، فَتَطْلُقُ به أيضًا.
والدَّليلُ على أنَّه تَطْليق لحَفْصَةَ، أَنه أحْدثَ فيها طَلاقًا، بتَعْليقِه طَلاقَها على تَطْليقِ زينبَ، بَعْدَ تَعْليقِ طَلاقِ عَمْرَةَ بتَطْليقِها، وتَحَقُّقِ شَرْطِه، والتَّعْليقُ مع شَرْطِه تَطليقٌ، وقد وُجِدَا معًا بعدَ جَعْلِ تَطْلِيقِها صِفَةً لطَلاقِ عَمْرَةَ.
وإن طَلَّقَ عَمْرَةَ، طَلُقَتْ هي وزينبُ، ولم تَطْلُقْ حَفْصةُ.
وإن طَلَّقَ حَفْصَةَ، طَلُقَتْ هي وعَمْرَةُ، ولم تَطْلُقْ زينبُ؛ لِما ذَكَرْنا في المسألةِ التي قبلَها.
وإن قال لزينبَ: إن طَلَّقْتكِ فَضَرَّتاكِ طالقتانِ.
ثم قال لعَمْرَةَ مثلَ ذلك، ثم قال لحَفْصَةَ مثلَ ذلك، ثم طَلَّقَ زينبَ، طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَةً واحدةً؛ لأنَّه لم يُحْدِثْ
الجزء: 22 - الصفحة: 513
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في غيرِ زينبَ طَلاقًا، وإنَّما طَلُقَتا بالصِّفَةِ السَّابقةِ 818 على تَعْليقِ الطَّلاقِ بتَطْلِيقِهما.
وإن طَلَّقَ عَمْرَةَ، طَلُقَتْ زينبُ طَلْقَةً، وطَلُقَتْ عَمْرَةُ وحَفْصةُ كلُّ واحدةٍ منهما طَلْقَتَينِ؛ لأنَّ عَمْرَةَ طَلُقَتْ واحدةً بالمُباشَرَةِ، وطَلُقَتْ زينبُ وحَفْصَةُ بطَلاقِها واحدةً واحدةً، وطَلاقُ زينبَ تَطْلِيق لها، لأنَّه وقَعَ بها بصِفَةٍ أحْدَثَها 819 بعدَ تَعْليقِ طَلاقِهما بتَطْلِيقِها، فعادَ على حَفْصَةَ وعَمْرَةَ بذلك طَلْقتانِ، ولم يَعُدْ على زينبَ بطَلاقِهما طَلاقٌ؛ لِما تَقَدَّمَ.
وإن طَلَّقَ حَفْصَةَ، طَلُقَتْ ثلاثًا؛ لأنَّها طَلُقَتْ واحدةً بالمُباشَرَةِ، وطَلُقَتْ بها ضَرَّتاهَا، ووقُوعُ الطَّلاقِ بكُلِّ واحدةٍ منهما [تَطْليقٌ؛ لأنَّه بصِفَةٍ أحْدَثَها فيهما، بعدَ تَعْليقِ طَلاقِها بطَلاقِهما، فعادَ عليها مِن طَلاقِ كلِّ واحدةٍ منهم] 820 طَلْقَةٌ، فَكَمُلَ لها ثَلاثٌ، وطَلُقَتْ عَمْرَةُ طَلْقَتَينِ، واحدةً بتَطْليقِ حَفْصَةَ، وأُخْرَى بوُقوعِ الطَّلاقِ على زينبَ؛ لأنَّه تَطْليقٌ لزينبَ؛ لِما 821 ذَكَرْناه، وطَلُقَتْ زينبُ واحدةً؛ لأنَّ طَلاقَ ضَرَّتَيها 822 بالصَّفَةِ ليس بتَطْليقٍ في حَقِّها.
وإن قال لكُلِّ واحدةٍ مِنْهنَّ: كُلَّما طَلَّقْتُ إحْدَى ضَرَّتَيكِ فأنتِ طالقٌ.
ثم طَلَّقَ الأُولَى، طَلُقَتْ ثلاثًا، وطَلُقَتِ الثَّانيةُ طَلْقَتَينِ، والثَّالثةُ طَلْقةً واحدةً؛ لأنَّ تَطْليقَه للأُولَى شَرْطٌ
الجزء: 22 - الصفحة: 514
وَإنْ قَال لأرْبَعِ نِسْوَةٍ: أيَّتُكُنَّ وَقَعَ عَلَيهَا طَلَاقِي فَصَوَاحِبُهَا
لطَلاقِ ضَرَّتَيْها، ووقوعُ الطَّلاقِ بهما تَطْليق بالنِّسْبةِ إليها، لكَوْنِه واقِعًا بصِفَةٍ أحْدَثَها بعدَ تَعْليقِ طَلاقِها بطَلاقِهما، فعادَ عليها مِن تَطْليقِ كُلِّ واحدةٍ منهما طَلْقَةٌ، فكَمُلَ لها الثَّلاثُ، وعادَ على الثَّانيةِ مِن طلاقِ الثَّالثةِ طَلْقَة ثانيةٌ لذلك، ولم يَعُدْ على الثَّالثةِ مِن طَلاقِهما الواقِعِ بالصِّفَةِ شيءٌ، لأنَّه ليس بتَطْليقٍ في حَقِّهما.
وإن طَلَّقَ الثَّانيةَ، طَلُقَتْ أيضًا طَلْقَتَينِ، وطَلُقَتِ الأُولَى ثلاثًا، والثَّالثةُ طَلْقَةً.
وإن طَلَّقَ الثَّالثةَ، طَلُقَتِ الأُولَى طَلْقَتَينِ، وطَلُقَ كلُّ واحدةٍ مِن الباقيَتَينِ طَلْقةً طلقةً.
فصل: ولو قال لامرأتِه: إن طَلَّقْتُكِ فعَبْدِي حُرٌّ.
ثم قال لعبْدِه: إن قُمْتَ فامْرأتِي طالقٌ.
فقام، طَلُقَتِ المرأةُ، وعَتَقَ العَبْدُ.
ولو قال لعبْدِه: إن قُمْتَ فامْرأتِي طالقٌ.
ثم قال لامرأتِه: إن طَلَّقْتُكِ فعَبْدِي حُرٌّ.
فقامَ العبدُ، طَلُقَتِ المرأةُ، ولم يَعْتِقِ العَبْدُ؛ لأنَّ وُقوعَ الطَّلاقِ بالصِّفَةِ إنَّما يكونُ تَطْليقًا مع وُجودِ الصِّفَةِ، ففي الصُّورةِ الأُولَى وُجِدَتِ الصِّفَةُ والوُقوعُ بعدَ قولِه: إن طَلَّقْتُكِ فعبدِي حُرٌّ.
وفي الصُّورةِ الأُخْرَى لم يُوجَدْ بعدَ ذلك إلا الوُقوعُ وحدَه، وكانت الصِّفَةُ سابقةً، فلذلك لم يَعْتِقِ العبْدُ.
ولو قال لعبْدِه: إن أعْتَقْتُكَ فامْرأتِي طالقٌ.
ثم قال لامْرأتِه: إن حَلَفْتُ بطلاقِك فعبْدِي حُرٌّ.
ثم قال لعبدِه: إن لم أضْرِبْكَ فامْرأتِي طالقٌ.
عَتَقَ العَبْدُ، وطَلُقَتِ المرأةُ.
3580 -
مسألة: (وإن قال لنِسائِه الأرْبَعِ: أيَّتُكُنَّ وَقَعَ عليها
الحديث: 3580 - الجزء: 22 - الصفحة: 515
طَوَالِقُ.
ثُمَّ وَقَعَ عَلَى إِحْدَاهُنَّ طَلَاقُهُ، طَلُقْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا.
وَإنْ قَال: كُلَّمَا طَلَّقْتُ وَاحِدَةً مِنْكُنَّ فَعَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي حُرٌّ، وَكُلَّمَا طَلَّقْتُ اثْنَتَينِ فَعَبْدَانِ حُرَّانِ، وَكُلَّمَا طَلَّقْتُ ثَلَاثًا فَثلَاثَةٌ أَحْرَارٌ، وَكُلَّمَا طَلَّقْتُ أَرْبَعًا فَأَرْبَعَةٌ أَحْرَارٌ.
ثُمَّ طَلَّقَهُنَّ جَمِيعًا، عَتَقَ خَمْسَةَ عَشَرَ عَبْدًا.
وَقِيلَ: عَشَرَةٌ.
طَلاقِي فَصَوَاحِبُهَا طَوَالِقُ.
ثم وَقَعَ على إحْدَاهُنَّ طَلاقُه، طَلُقَ الجَمِيعُ ثَلاثًا) لأَنه إذا وقَعَ طَلاقُه على واحدةٍ، وقَعَ على صَواحِبِها، ووقوعُه على واحدةٍ منهنَّ يَقْتَضِي وُقوعَه على صَواحِبِها، فيَتسلْسَلُ الوُقوعُ عليهنَّ إلى أن تَكْمُلَ الثَّلاثُ لكلِّ واحدةٍ منهنَّ.
3581 -
مسألة: (وإن قال: كُلَّما طَلَّقْتُ واحِدَةً مِنْكُنَّ فَعَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي حُرٌّ، وكُلَّمَا طَلَّقْتُ اثْنَتَينِ فَعَبْدَانِ حُرَّانِ، وَكُلَّمَا طَلَّقْتُ ثَلاثًا فَثَلاثَةٌ أحْرَار، وَكُلَّمَا طَلَّقْتُ أرْبَعًا فأرْبَعَةٌ أحْرَارٌ)
ثُمَّ طَلَّقَ الأرْبَع مُجْتَمِعَاتٍ أوْ مُتَفَرِّقَاتٍ (عَتَقَ خَمْسَةَ عَشَرَ عَبْدًا.
وقيل): يَعْتِقُ (عشَرةٌ) بالواحدةِ واحدٌ، وبالثَّانيةِ اثْنانِ، وبالثَّلاثِ ثَلاثةٌ، وبالأرْبعِ أرْبعةٌ.
وهذا غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ قائلَ هذا لا يَعْتَبِرُ صِفَةَ طَلاقِ الواحدةِ في غيرِ الأُولَى، ولَفْظَةُ «كُلَّمَا» تَقْتَضِي التَّكْرارَ، فيجبُ تَكْرَارُ الطَّلاقِ بتَكْرارِ الصِّفاتِ، وتَسْقُطُ أيضًا صِفَةُ التَّثْنِيَةِ في الثَّالثةِ والرَّابعةِ.
الحديث: 3581 - الجزء: 22 - الصفحة: 516
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والصَّحِيحُ أنَّه يَعْتِقُ خمسةَ عشَرَ عبدًا، لأنَّ فيهن أرْبَعَ صفاتٍ، هُنَّ أربعٌ فيَعْتِقُ 823 أرْبعةٌ، وهُنَّ أربعةُ آحادٍ 824، وهُنَّ اثْنَتانِ واثْنَتانِ، فيَعْتِقُ بذلك أرْبعةٌ، وفيهنَّ ثلاثٌ، فيَعْتِقُ بهِنَّ ثلاثةٌ.
وإن شِئْتَ قُلْتَ: يَعْتِقُ بالواحدةِ واحدٌ، وبالثَّانيةِ ثلاثةٌ، لأنَّ فيها صِفَتَينِ هي واحدةٌ، وهي مع الأُولَى اثْنَتانِ، ويَعْتِقُ بالثَّالثةِ أرْبعة؛ لأنَّها واحدةٌ، وهي مع الأُولَى والثَّانيةِ ثلاثٌ، ويَعْتِقُ بالرَّابعةِ سَبْعةٌ، لأنَّ فيها ثَلاثَ صِفاتٍ، هي واحدةٌ، وهي مع الثَّالثةِ اثْنَتانِ، وهي مع الثَّلاثِ التي قبلَها أرْبعٌ.
وقيلَ: يَعْتِقُ سَبْعةَ عشرَ، لأنَّ صِفَةَ التَّثْنِيَةِ قد وُجِدَتْ ثلاثَ مَرَّاتٍ، فإنَّها تُوجَدُ بضَمِّ الأُولَى إلى الثَّانيةِ، وبضمِّ الثَّانيةِ إلى الثَّالثةِ، وبضمِّ 825 الثَّالثةِ إلى الرَّابعةِ.
وقيل: يَعْتِقُ عشرُون.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، لأنَّ صفةَ الثَّالثةِ وُجِدتْ مَرَّةً ثانيةً، بضَمِّ الثَّانيةِ والثَّالثةِ إلى الرَّابعةِ.
وكلا القَوْلَينِ غيرُ سَديدٍ؛ لأنَّهم عَدُّوا الثّانيةَ مع الأُولَى في صِفَةِ التَّثْنِيَةِ مَرَّةً، ثم عَدُّوها مع الثَّالثةِ مَرَّةً أُخْرَى، وعَدُّوا الثَّانيةَ والثَّالثَةَ في صِفَةِ التَّثْلِيثِ 826 مَرَّتَينِ، مَرَّةً مع الأُولَى، ومَرَّةً مع الرَّابعةِ، وما عُدَّ في صِفَةٍ مَرَّةً، لا يجوزُ عَدُّه في تلك الصِّفَةِ مَرَّةً أُخْرَى.
الجزء: 22 - الصفحة: 517
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولذلك لو قال: كُلَّما أكَلْتِ نِصْفَ رُمَّانَةٍ فأنتِ طالقٌ.
فأكَلتْ رُمَّانَةً، لم تَطْلُقْ إلَّا اثْنَتَينِ؛ لأنَّ الرُّمَّانةَ نِصْفانِ.
ولا يُقالُ: إنّها تَطْلُقُ ثالثةً، بأن يُضَمَّ الرُّبْعُ الثاني إلى الرُّبْعِ الثالثِ فيَصِيرانِ نصفًا ثالثًا 827. وكذلك في مسْألتِنا، لم تُضَمَّ الأُولَى إلى الرَّابعةِ، فيَصِيرانِ اثْنَتَينِ.
وعلى سِياقِ هذا القولِ يَنْبَغِي أن يَعْتِقَ اثْنَانِ وثلاثونَ، واحدٌ بطلاقِ واحدةٍ، وثلاثة بطَلاقِ الثَّانيةِ، وثمانية بطلاقِ الثَّالثةِ، لأنَّها واحدةٌ، وهي مع ما قبلَها ثلاثٌ، وهي مع ضَمِّها إلى الأُولَى اثْنَتانِ، ومع ضَمِّها إلى الثَّانيةِ اثْنَتانِ، ففيها صِفَةُ التَّثنِيَةِ مَرَّتانِ، ويَعْتِقُ بطلاقِ الرَّابعةِ عشْرونَ؛ لأنَّ فيها ثمانِيَ صِفاتٍ، هي واحدةٌ، وهي مع ما قبلَها أرْبعٌ، وفيها صِفَةُ التَّثْليثِ 828 ثلاثُ مَرَّاتٍ، هي مع الأُولَى والثَّانيةِ ثلاثٌ، ومع الثَّانيةِ 829 والثَّالثةِ ثلاثٌ، ومع الأُولَى والثَّانيةِ ثلاثٌ، فيَعْتِقُ بذلك تسعةٌ، وفيها صِفَةُ التَّثْنِيَةِ ثلاثُ مَرَّاتٍ، مع الأُولي اثْنَتانِ، [ومع الثَّانيةِ اثْنَتانِ] 830، ومع الثَّالثةِ اثْنَتانِ، فيَعْتِقُ لذلك سِتَّةٌ، ويَصِيرُ الجميعُ اثْنَينِ وثلاثينَ.
قال شيخُنا 831: وما نعْلمُ بهذا
الجزء: 22 - الصفحة: 518
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَعْتِقَ إلا أرْبَعَةٌ، إلا أنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ.
قائلًا.
قال شيخُنا: (ويَحْتَمِلُ أن لا يَعْتِقَ إلَّا أربعةٌ)؛ لو قال: كُلَّما أعْتَقْتُ أرْبَعةً فأرْبَعةٌ أحْرارٌ؛ لأن هذا الذي يَسْبِقُ إلى أذْهانِ العامَّةِ.
وهذه الأوْجُهُ التي ذَكَرْناها مع الإِطْلاقِ، فأمَّا إن نَوَى بلَفْظِه غيرَ ما يَقْتَضِيه الإطْلاقُ، مثلَ أن يَنْويَ بقَوْلِه: اثْنتَين.
غيرَ الواحدةِ، فيَمِينُه على ما نَوَاه.
ومتى لم يُعَيِّنِ العَبِيدَ المُعْتَقِين، أُخْرِجُوا بالقُرْعةِ.
ولو جعل مكانَ «كُلَّما» «إنْ» في المسألةِ المذْكُورَةِ، لم يَعْتِقْ إلَّا عشَرة، بالواحدةِ واحدٌ، وبالثَّانيةِ اثْنانِ، وبالثَّالثةِ ثلاثةٌ، وبالرَّابعةِ أرْبعةٌ؛ لأنَّ «إِنْ» لا تَقْتَضِي التَّكْرارَ.
فصل: ولو قال: كلَّما أعْتَقْتُ عبدًا مِن عَبِيدي فامرأةٌ مِن نِسائِي طالقٌ، وكُلَّما أعْتَقْتُ اثْنَينِ فامرأتانِ طالِقتانِ.
ثُمَّ أعْتَقَ الاثْنَينِ، طَلُقَ الأرْبعُ، على القولِ الصَّحِيحِ.
وعلى القولِ الثاني، يَطْلُقُ ثلاثٌ،
الجزء: 22 - الصفحة: 519
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويُخْرَجْنَ بالقُرْعَةِ.
ولو قال: كُلَّما أعْتَقْتُ عبدًا مِن عَبيدِي فجاريةٌ مِن جَواريَّ حُرَّةٌ.، وكُلَّما أعْتَقْتُ اثْنَينِ فجارِيتانِ حُرَّتانِ، وكلَّما أعْتَقْتُ ثلاثةً فثلاثٌ أحْرارٌ، وكُلَّما أعْتَقْتُ أرْبعةً فأرْبع أحْرارٌ 832، عَتَقَ مِن جَوارِيه بعدَدِ ما أعْتَقَ مِن عَبِيدِه في المسْألةِ التي ذَكَرْناها، خَمسَ عشْرةَ على الصَّحِيحِ.
وقِيلَ: عشَرةٌ.
وقِيلَ: سَبْعَ 833 عشْرةَ.
وقِيلَ: عِشْرونَ.
لأنَّها مثْلُها.
وإنْ أعتَقَ خَمْسًا، فعلي القولِ الصَّحِيحِ يَعْتِقُ إحْدَى وعِشْرونَ؛ لأنَّ عِتْقَ الخامسِ عَتَقَ به ستٌّ؛ لكَوْنِه واحدًا، وهو مع ما قبلَه خمسةٌ، ولم يُمْكِنْ عَدُّه في سائِرِ الصِّفاتِ؛ لأنَّ ما قبلَ ذلك قد عُدَّ في ذلك مَرَّةً، فلا يُعَدُّ ثانيةً.
وعلى القولِ الآخرِ، يَعْتِقُ من جَوارِيه خمسَ عشْرةَ؛ بالواحدِ واحدةٌ، وبالثَّاني اثْنَتينِ، وبالثَّالثِ ثلاثٌ، وبالرَّابعِ أرْبعٌ، وبالخامسِ خمسٌ.
فصل: فإن قال: إن دَخَلَ الدَّارَ رجُلٌ فعَبْدٌ مِن عبيدِي حُرٌّ، وإن دَخَلَها طويلٌ فعَبْدانِ حُرَّانِ، وإن دَخَلَهَا أسْودُ فثَلاثةُ أعْبُدٍ أحْرارٌ، وإن دَخَلَها فَقِيهٌ فأرْبعةُ أعْبُدٍ أحْرارٌ.
فدَخَلَها فَقِية طويلٌ أسودُ، عَتَقَ مِن عَبِيدِه عشرةٌ.
الجزء: 22 - الصفحة: 520
وَإنْ قَال لِامْرأتِهِ: إِذَا أتَاكِ طَلَاقِي فَأنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ كَتَبَ إِلَيهَا: إذَا أتَاكِ كِتَابِي فَأنْتِ طَالِقٌ.
فَأتَاهَا الْكِتَابُ، طَلُقَتْ طَلْقَتَينِ.
فَإِنْ قَال: أرَدْتُ أَنَّكِ طَالِقٌ بِذَلِكَ الطَّلاقِ الْأَوَّلِ.
دُيِّنَ.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؛ يُخَرَّجُ عَلَى رِوايَتَينِ.
3582 - مسألة: (إذا قال لامْرَأتِهِ: إذا أتاكِ طَلاقِي فأنْتِ طَالِقٌ. ثم كَتَبَ إليها: إذَا أتَاكِ كِتَابِي فَأنْتِ طَالِقٌ. فَأتَاهَا الْكِتَابُ، طَلُقَتْ طَلْقَتَينِ)
لأنَّه عَلَّقَ طَلاقَها بصِفَتَينِ؛ مَجئِ الطَّلاقِ، ومَجئِ كتابِه، وقد اجْتَمعتِ الصفتانِ 834 في مَجِئِ الكتابِ، فَوقعَ بها طَلْقتانِ (فإن قال: أرَدْتُ إذا أتاكِ كتابِي فأنتِ طالقٌ بالطَّلاقِ الأوَّلِ.
دُيِّنَ) لأنَّه
الحديث: 3582 - الجزء: 22 - الصفحة: 521
فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِالْحَلِفِ:
يَحْتَمِلُ ما قاله فيُدَيَّنُ فيه، كما لو كَررَ قولَه: أنتِ طالقٌ.
وقال: أرَدْتُ بالثَّانيةِ إفْهامَها.
أو 835: التَّأْكيدَ.
ويُقْبَلُ قوْلُه في الحُكْمِ في إحْدَى الرِّوايَتَينِ، لِما ذَكَرْنا، والأُخْرَى، لا يُقْبَلُ، لمخَالفَتِه 836 لِظاهِرِ اللَّفْظِ.
واللهُ أعلمُ.
فصل في تعليقِه بالحلِفِ: اخْتَلَفَ أصْحابُنا في الحَلِفِ بالطَّلاقِ، فقال القاضي في «الجامعِ»، وأبو الخَطَّابِ: هو تَعْليقُه على شرْطٍ، أيِّ شرْطٍ كان، إلَّا قولَه: إذا شِئْتِ فأنتِ طالقٌ.
ونحوَه، فإنَّه تَمْليكٌ، و: إذا حِضْتِ فأنتِ طالقٌ.
فإنَّه طَلاقُ بِدْعَةٍ، و: إذا طَهُرْتِ فأنتِ طالقٌ.
فإنَّه طَلاقُ سُنَّةٍ.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، لأنَّ ذلك يُسَمَّى حَلِفًا عُرْفًا، فيَتَعَلَّقُ الحكْمُ به، كما لو قال: إن دَخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ.
الجزء: 22 - الصفحة: 522
إِذَا قَال إِنْ حَلَفْتُ بِطَلاقِكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ قُمْتِ، أوْ: دَخَلْتِ الدَّارَ.
طَلُقَتْ فِي الْحَالِ.
ولأنَّ في الشَّرْطِ مَعْنى القَسَمِ، مِن حيثُ كونُه جملةً غيرَ مُسْتَقِلَّةٍ دُونَ الجَوابِ، فأشْبَهَ قولَه: واللهِ، وباللهِ، وتاللهِ.
وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: هو تعْليقُه على شَرْطٍ يَقْصِدُ به الحَثَّ على فِعْلٍ، أو المنْعَ منه، كقولِه: إن دَخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ، وإن لم تَدْخُلِي فأنتِ طالقٌ.
أو على تَصْديقِ خَبَرِه، كقوْلِه: أنتِ طالقٌ [لقد قَدِمَ] (1) زيدٌ أو: لم (2) يَقْدَمْ.
فأمَّا التَّعْليقُ على غيرِ ذلك، كقولِه: أنتِ طالقٌ إن طَلَعَتِ الشَّمْسُ.
أو: قَدِمَ (3) الحاجُّ.
أو: إن لم يَقْدَمِ السُّلْطانُ.
فهو شَرْطٌ مَحْضٌ ليس بحَلِفٍ؛ لأنَّ حَقِيقةَ الحَلِفِ القَسَمُ، وإنَّما سُمِّيَ تَعْليقُ الطَّلاقِ على شَرْطٍ حَلِفًا تَجَوُّزًا لمُشارَكَتِه الحَلِفَ في المعْنى المشهورِ، وهو الحَثُّ، أو المنْعُ، أو تَأْكِيدُ الخَبرِ، نحوَ قولِه: واللهِ لأفعلنَّ.
أو: لا أفْعلُ.
أو: لقد فَعَلْت.
أو: إن لم أفْعَلْ.
وما لم يُوجَدْ فيه هذا المعنى، لا يَصِحُّ تَسْمِيَتُه حَلِفًا.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
3583 -
مسألة: (فإذَا قَال: إن حَلَفْتُ بطَلاقِكِ فأنْتِ طَالِقٌ. ثم قال: أنتِ طالقٌ إن قُمْتِ، أو: دَخَلْتِ الدَّارَ)
أو: إن لم تَدْخُلِي الدَّارَ.837838839
الحديث: 3583 - الجزء: 22 - الصفحة: 523
وَإنْ قَال: أَنْت طَالِقٌ إِنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ.
أوْ: قَدِمَ الْحَاجُّ.
فَهَلْ هُوَ حَلِفٌ؛ فِيهِ وَجْهَانِ.
أو: إن لم يَكنْ هذا القَوْلُ حَقًّا فأنتِ طالقٌ (طَلُقَتْ في الحالِ) لأنَّه حَلَفَ بطَلاقِها (فإن قال: إن طلَعتِ الشَّمسُ.
أو: قَدِمَ الحاجُّ فأنتِ طالقٌ) لم تَطْلُقْ في الحالِ، على الوَجْهِ الثاني.
وهو قولُ الشافعيِّ.
واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ.
وتَطْلُقُ على الأوَّلِ.
وهو قولُ أبي الخَطاب.
وقد ذَكَرْنا دليلَ القَوْلَينِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 524
وَإنْ قَال: إِنْ حَلَفْتُ بِطَلاقِكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
أوْ قَال: إِنْ كَلَّمْتُكِ فَأنْتِ طَالِقٌ.
وَأَعادَهُ مَرَّةً أُخْرَى، طَلُقَتْ وَاحِدَةً، وإنْ أَعادَهُ
3584 - مسألة: (وإن قال: إنْ حَلَفْتُ بِطَلاقِكِ فأنْتِ طَالِقٌ. وأعَادَهُ مَرَّةً أُخْرَى، طَلُقَتْ وَاحِدَةً)
لأنَّ إعَادَتَهُ حَلِفٌ (وَإنْ أعَادَهُ ثَلاثًا، طَلُقَتْ ثَلاثًا) لأنَّ كلَّ مَرَّةٍ يُوجَدُ بها شَرْطُ الطَّلاقِ، ويَنْعَقِدُ شَرْطُ طَلْقةٍ أُخْرَى.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأي.
وقال أبو ثَوْرٍ: ليس ذلك بحَلِفٍ، ولا يَقَعُ الطَّلاقُ بتَكْرَارِه؛ لأنَّه تَكْرارٌ للكلامِ، فيكونُ تَأْكِيدًا لا حَلِفًا.
ولَنا، أنَّه تَعْليقٌ للطَّلاقِ على شَرْطٍ يُمْكِنُ فِعْلُه وتَرْكُه، فكان حَلِفًا، كما لو قال: إن دَخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ.
وقولُه: إنَّه تَكْرارٌ للكلام.
حُجَّةٌ عليه، فإنَّ تَكْرارَ الشيءِ عِبارَة عن وُجودِه مَرَّةً أُخْرَى، وأمَّا التَّأْكيدُ فإنَّه يُحْمَلُ عليه الكلامُ المُكَرَّرُ إذا قصدَه، وههُنا إن قصدَ إفْهامَها [لم يقعْ بالثَّاني شيءٌ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ.
يعني بالثَّانيةِ إفْهامَها] (1). فأمَّا إن كَرَّرَ (2) ذلك لغيرِ مَدْخولٍ بها، بانَتْ بطلْقَةٍ، ولم يَقَعْ بها أكْثرُ منها.
3585 -
مسألة: (وإن قال: إنْ كَلَّمتُكِ فَأنْتِ طَالِقٌ. وَأعَادَهُ
840841 الحديث: 3584 - الجزء: 22 - الصفحة: 525
ثَلَاثًا، طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
وَإنْ قَال لَامْرَاتَيهِ: إِنْ حَلَفْتُ بِطَلَاقِكُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ.
وَأَعَادَهُ، طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةً، فَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا غَيرَ مَدْخُولٍ بِهَا، فَأَعَادَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا.
ثَلاثًا، طَلُقَتْ ثَلاثًا) لوُجودِ الصِّفَةِ، كالمسألةِ قبلَها.
3586 -
مسألة: (وَإن قَال لامْرأتَيهِ: إن حَلَفْتُ بِطَلاقِكُمَا فأنتما طَالِقَتَانِ)
ثُمَّ أعَادَ ذلك ثَلاثًا، طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ منهما ثَلاثًا؛ لوُجِودِ شَرْطِها، وهو الحَلِفُ (فإن كانت إحْدَاهما غيرَ مدْخولٍ بها) بانتْ بالمَرَّةِ 842 الثَّانيةِ (فإذا أعادَه بعدَ ذلك، لم تَطْلُقْ واحدة منهما) لأنَّ غيرَ المدْخولِ بها بائِنٌ، فلم تَكُنْ إعادَةُ هذا القَوْلِ حَلِفًا بطَلاقِها، وهي غيرُ زَوْجَةٍ، فلم يُوجَدِ الشَّرْطُ، فإن شَرْطَ طَلاقِهما الحَلِفُ بطَلاقِهما جميعًا،
الحديث: 3586 - الجزء: 22 - الصفحة: 526
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن جَدَّد نِكاحَ البائِنِ، ثم قال لها: إن تَكَلَّمتِ فأنتِ طالقٌ.
فقد قيلَ: يَطْلُقانِ حِينَئذٍ؛ لأنَّه صار بهذا حالِفًا بطَلاقِها 843، وقد حَلَفَ بطَلاقِ المدْخولِ بها بإعادةِ قَوْلِه في المَرَّةِ الثَّالثةِ، فطَلُقَتا حينَئذٍ.
قال شيخُنا 844: ويَقْوَى عندِي أنَّه لا يقَعُ الطَّلاقُ بهذه التي جَدَّدَ نِكاحَها؛ لأنها حينَ إعادَتِه المرَّةَ الثَّالثةَ بائنٌ، فلم تَنْعقِدِ الصِّفَةُ بالإِضافَةِ إليها، كما لو قال لأجْنَبِيَّةٍ: إن حَلَفْتُ بطَلاقِكِ فأنتِ طالقٌ.
ثم تَزَوَّجَها وحَلَفَ بطَلاقِها، ولكن تَطْلُقُ المدْخولُ بها حينَئذٍ؛ لأنَّه قد حَلَفَ بطَلاقِها في المرَّةِ الثَّالثةِ، وحَلَفَ بطَلاقِ هذه حينَئذٍ، فكَمَلَ شَرْطُ طَلاقِها، فَطَلُقَتْ وحدَها.
الجزء: 22 - الصفحة: 527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن كان له امْرأتانِ، حَفْصَةُ وعَمْرَةُ، فقال: إن حَلَفْتُ بطَلاقِكما فعَمْرَةُ طالقٌ.
ثم أعادَه، لم تَطْلُقْ واحدة منهما؛ لأنَّ هذا حَلِفٌ بطلاقِ عَمْرَةَ وحدَها، فلم يوجَدِ الحَلِفُ بطَلاقِهما.
وإن قال بعدَ ذلك: إن حَلَفْتُ بطَلاقِكما فحَفْصَةُ طالقٌ.
طَلُقَتْ عَمْرةُ؛ لأنَّه حَلَفَ بطَلاقِهما بعدَ تَعْليقِه طَلاقَها 845 على الحَلِفِ بطلاقِهما، ولمْ تَطْلُقْ حَفْصَةُ؛ لأنَّه ما حَلَفَ بطَلاقِهما بعْدَ تَعْليقِه طَلاقَها (1) عليه.
فإن قَال بعْدَ هذا: إن حَلَفْتُ
الجزء: 22 - الصفحة: 528
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِطَلاقِكُمَا فعَمْرةُ طالقٌ.
لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهما؛ لأنَّه لم يَحْلِفْ بطلاقِهما، إنَّما حَلَفَ بطَلاقِ عَمْرةَ وحدَها.
فإن قال بعدَ هذا: إن حَلَفْتُ بطلاقِكما فحفْصَةُ طالقٌ.
طَلُقَتْ حَفْصَةُ.
وعلى هذا القياسُ.
فصل: إذا قال لإِحْداهما: إنْ حَلَفْتُ بطلاقِكِ فَضَرَّتُكِ طالقٌ.
ثم قال للأُخْرَى مثلَ ذلك، طَلُقَتِ الثَّانيةُ؛ لأنَّ إعادَتَه للثَّانيةِ هو حَلِفٌ بطلاقِ الأُولَى، وذلك شَرْطُ وقُوعِ طلاقِ الثَّانيةِ، ثم إن أعادَه للأُولَى، طَلُقَتْ، ثم كلَّما أعادَه على هذا الوَجْهِ لامْرأةٍ، طَلُقَتْ، حتى يَكْمُلَ للثَّانيةِ ثلاثٌ، ثم إذا أعادَه للأُولَى، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّ الثَّانيةَ قد بانَتْ منه، فلم يَكُنْ ذلك حَلِفًا بطَلاقِها.
ولو قال هذا القولَ لامرأةٍ، ثم أعادَه لها، لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهما، لأنَّ ذلك ليس بحَلِفٍ بطَلاقِها، إنَّما هو حَلِفٌ بطلاقِ ضَرَّتِها، ولم يُعَلِّقْ على ذلك طَلاقًا.
3587 -
مسألة: فإن قال لإحْداهما: إذا حَلَفْتُ بطَلاقِ ضَرَّتِكِ فَأنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَال ذَلِكَ للأُخْرَى، طَلُقَتِ الأُولَى؛ لأنَّ التَّعْليقَ حَلِفٌ، وقد عَلَّقَ طلاقَ ضَرَّتِها، فَتَطْلُقُ الأُولَى؛ لوُجُودِ شَرْطِ طلاقِها، وهو تَعْليقُ طَلاقِ ضَرَّتِها، فإن أعادَه للأُولَى، طَلُقَتِ الأُخْرَى لذلك، وكلَّما أعادَه لامرأةٍ [منهما على هذا الوَجْهِ]
846، طَلُقَتِ الأُخْرَى، [إلى أن يبلغَ ثلاثًا] 847.
الحديث: 3587 - الجزء: 22 - الصفحة: 529
وَإنْ قَال لِمَدْخُولٍ بهما: كُلَّمَا حَلَفْتُ بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ.
وَأَعَادَهُ ثَانِيَةً، طَلُقَتْ كلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَتَينِ.
وَإِنْ قَال: كُلَّمَا حَلَفْتُ بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا فَهِيَ طَالِقٌ.
أَوْ: فَضَرَّتُهَا طَالِقٌ.
وَأعَادَهُ، طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةً.
وإن كانت إحْداهما غيرَ مَدْخولٍ بها، فطَلُقَتْ مَرَّةً، [لم تَطْلُقْ أُخْرَى] (1)، ولم تَطْلُقِ الأُخْرَى بإعادَتِه لها؛ لأنَّه ليس بحَلِفٍ بطلاقِها، لكَوْنِها بائنًا.
3588 -
مسألة: (وإن قال لمَدْخُولٍ بها: كُلَّما حَلَفْتُ بطَلاقِ وَاحِدةٍ مِنْكُمَا فأنتما طَالِقَتانِ. وأعَادَهُ ثَانِيًا، طَلُقَتْ كُل واحِدَةٍ طَلْقَتَينِ)
لأنَّ قولَه ذلك حَلِفٌ بطلاقِ كلِّ واحدةٍ منهما، وحَلِفُه بكلِّ واحدةٍ يَقْتَضِي طلاقَ الثِّنْتَينِ، فطَلُقَتا بحَلِفِه بطلاقِ واحدةٍ طَلْقةً طلقةً، وبحَلِفِه بطَلاقِ الأُخْرَى طَلْقةً طلقةً.
3589 -
مسألة: (وإن قال: كُلَّما حَلَفْتُ بِطَلاقِ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا فَهِيَ طَالِقٌ. أوْ: فَضَرَّتُهَا طَالِقٌ. وأعَادَهُ، طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ)
مِنْهُن 849 (طَلْقَةً) لأنَّ حَلِفَه بطَلاقِ واحدةٍ إنَّما اقْتَضَى طلاقَها وحدَها، وما حَلَفَ بطلاقِها إلا مَرَّةً، فلا تَطْلُقُ إلَّا طَلْقَةً.
فصل: وإن قال لإِحْداهُما: إذا حَلَفْتُ بطلاقِ ضَرَّتِكِ فهي طالقٌ.
ثم قال لأُخْرَى مثلَ ذلك، لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهما، ثم إن أعادَ ذلك848
الحديث: 3588 - الجزء: 22 - الصفحة: 530
وَإنْ قَال لإِحْدَاهُمَا: إِذَا حَلَفْتُ بِطَلاقِ ضَرَّتِكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَال ذَلِكَ لِلأُخْرَى، طَلُقَتِ الأُولَى، فَإِنْ أَعَادَهُ لِلأُولَى، طَلُقَتِ الْأُخْرَى.
لإِحْداهما، طَلُقَتِ الأُخْرَى، ثم إن أعادَه للأُخْرَى، طَلُقَتْ صاحِبَتُها، ثم كلَّما أعادَه لامْرأةٍ، طَلُقَتِ الأُخْرَى، إلَّا أن تكونَ إحْداهما غيرَ مَدْخولٍ بها، أو لم يَبْقَ مِن طلاقِها إلَّا دونَ الثَّلاثِ، فإنَّها إذا بانَتْ صارتْ كالأجْنَبِيَّةِ.
فإن قال لإِحْدَاهما: إذا حَلَفْتُ بطلاقِ ضَرَّتِك فهي طالقٌ.
ثم قال للأُخْرَى: إذا حَلَفْتُ بطلاقِك فأنتِ طالقٌ.
طَلُقَتْ في الحالِ، ثم إن قال للأُولَى مثلَ ما قال لها، أو قال للثَّانيةِ مثلَ ما قال لها، طَلُقَتِ الثَّانيةُ، وكذلك الثَّالثةُ، ولا يَقَعُ بالأُولَى بهذا طلاقٌ؛ لأنَّ الحَلِفَ في الموضِعَينِ إنَّما هو بطَلاقِ الثَّانيةِ.
ولو قال للأُولَى: إن حَلَفْتُ بطلاقِكِ فأنتِ طالقٌ.
ثم قال للأُخْرَى: إن حَلَفْتُ بطلاقِ ضَرَّتِك فهي طالقٌ.
طَلُقَتِ الأُولَى 850، ثم متى أعادَ [أحَدَ] 851 هذين الشَّرْطَينِ مَرَّةً أُخْرَى، طَلُقَتِ الأُولَى ثانيةً، وكذلك الثَّالثةُ، ولا يقَعُ بالثَّانيةِ بهذا طلاقٌ.
ولو قال لإِحْداهما: إذا حَلَفْتُ [بطلاقِكِ فَضَرَّتُكِ] 852 طالقٌ.
ثم قال للأُخْرَىِ: إذا حَلَفْتُ بطلاقِ ضَرَّتِك فأنتِ طالقٌ.
لم تَطْلُقْ واحدة منهما؛ لأنَّه في الموضِعَينِ عَلَّقَ طلاقَ الثَّانيةِ على الحَلِفِ بطلاقِ الأُولَى، ولم يَحْلِفْ
الجزء: 22 - الصفحة: 531
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بطلاقِها.
ولو أعادَ ذلك لهما، لم 853 تَطْلُقْ واحدةٌ منهما، وسَواء تَقَدَّمَ القولُ للثَّانيةِ على القولِ للأُولَى، أو تأَخَّرَ عنه.
فصل: فإن كان له ثلاثُ نِسْوَةٍ، فقال: إن حَلَفْتُ بطلاقِ زَينبَ فعَمْرَةُ طالقٌ.
ثم قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِ عَمْرةَ فحفْصةُ طالقٌ.
ثم قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِ حَفْصَةَ فزينبُ طالقٌ.
طَلُقَتْ عَمْرَةُ.
وإن جعلَ مكانَ زينبَ عَمْرةَ، طَلُقَتْ حَفْصةُ.
ثم متى أعادَه بعدَ ذلك، طَلُقَتْ منهنَّ واحدةٌ، على الوَجْهِ الذي ذَكَرْناه.
وإن قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِ زينبَ فنِسائِي طَوالِقُ.
[ثم قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِ عَمْرَةَ فنِسائِي طَوالِقُ.
ثم قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِ حفْصةَ فنِسائِي طوالقُ.
طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهنَّ طَلْقَتَينِ؛ لأنَّه لمَّا قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِ عَمْرةَ فنسائِي طوالقُ] 854. فقد حَلَفَ بطلاقِ زينبَ بعدَ تَعْليقِه طلاقَ نِسائِه على الحلفِ بطلاقِها، فطَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهنَّ طَلْقَةً، ولمَّا قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِ حفصةَ فنِسائِي طوالِقُ.
فقد حَلَفَ بطلاقِ عَمْرَةَ [وزينبَ، فطَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهنَّ طلقةً بحَلِفِه بطلاقِ عَمرةَ] (2)، ولم يَقَعْ بحَلِفِه بطلاقِ زينبَ شيءٌ؛ لأنَّه قد حَنِثَ به مَرَّةً فلا يَحْنَثُ ثانيةً.
ولو كان مكانَ قولِه: «إن».
«كلَّما»، طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهنَّ ثلاثًا؛ لأنَّ «كُلَّما» تَقْتَضِي التَّكْرارَ.
ولو قال: كلَّما حَلَفْتُ بطلاقِ واحدةٍ منكنَّ فأنْتُنَّ طوالقُ.
ثم
الجزء: 22 - الصفحة: 532
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أعادَ ذلك مَرَّةً ثانيةً، طَلُقْنَ ثلاثًا ثلاثًا؛ لأنَّه بإعادَتِه حالِفٌ بطلاقِ كلِّ واحدةٍ منهنَّ، وحَلِفُه بطلاقِ كلِّ 855 واحدةٍ شَرْطٌ لطلاقِهنَّ جميعًا.
وإن قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِ واحدةٍ منكنَّ فأنْتُنَّ طوالقُ.
ثم أعَادَ ذلك، طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهنَّ طَلْقَةٍ؛ لأنَّ «إن» لا تَقْتَضِي التَّكْرارَ.
وإن قال بعدَ ذلك لإحْداهُنَّ: إن قمتُ فأنت طالقٌ.
[طَلُقَتْ كل واحدةٍ منهنَّ طَلقةً أُخْرَى.
ولو قال: كلَّما حَلَفْت بطلاقِكنَّ فأنْتنَّ طوالقُ.
ثم أعَادَ ذلك، طَلُقَتْ كل واحدةٍ طَلقةً.
فإن قال بعد ذلك لإِحْداهُنَّ: إن قُمْتُ فأنتِ طالقٌ] 856. لم تَطْلُقْ واحدة منهنَّ.
وإن قال ذلك للاثْنَتَين الباقِيَتَينِ، طَلُقَ الجميعُ طَلْقةً طلقةً.
فصل: وإن قال لزَوْجتِه: إن حَلَفْتُ بعِتْقِ عبدِي فأنتِ طالقٌ.
ثم قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِكِ فعَبْدِي حُرٌّ.
طَلُقَتْ.
ثم إن (1) قال لعَبْدِه: إن حَلَفْتُ بعِتْقِكَ فامْرأتِي طالِقٌ.
عَتَقَ العبدُ.
ولو قال له: إن حَلَفْتُ بطلاقِ امْرأتِي فأنتَ حُرٌّ.
ثم قال لها: إن حَلَفْتُ بعِتْقِ عبدِي فأنتِ طالقٌ.
عَتَقَ العبدُ.
ولو قال لعبدِه: إن حَلَفْتُ بعِتْقِكَ فأنتِ حُرٌّ.
ثم أعَادَه، عَتَقَ العبدُ.
الجزء: 22 - الصفحة: 533
فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِالْكَلَامِ: إِذَا قَال: إِنْ كَلَّمْتُكِ فَأنْتِ طَالِقٌ، فَتَحَقَّقِي ذَلِكَ.
أوْ زَجَرَهَا فَقَال: تَنَحَّيْ.
أو: اسْكُتِي.
أوْ قَال: إِنْ قُمْتِ فَأنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَحْنَثَ بِالْكَلَامِ الْمُتَّصِلِ بِيَميِنِهِ، لِأنَّ إِتْيَانَهُ بِهِ يَدُلُّ عَلَى إِرَادَتِهِ الْكَلَامَ الْمُنْفَصِلَ عَنْهَا.
فصل في تعْليقِه بالكلام: (إذا قال: إن كلَّمْتُكِ فأنتِ طالقٌ، فتَحَقَّقِي ذلك) طَلُقَتْ؛ لأَنهَ كَلَّمَها بعدَ عَقْدِ اليَمينِ، إلَّا أن يُرِيدَ بعدَ انقِضاءِ كلامِي هذا أو نحوَه.
وكذلك إن (زَجَرَها فقال: تَنَحَّيْ.
أو: اسْكُتى.
أو قال: إن قُمْتِ فأنتِ طالقٌ.
طَلُقَتْ) لأنَّه كلَّمَها بعدَ عقدِ 857 اليَمِينِ، إلَّا أن يَنْويَ كلامًا مُبْتَدَأً (ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ بالكلامِ المُتَّصِلِ بيَمِينه؛ لأنَّ إتْيانَه به يَدُلُّ على إرادَتِه الكلامَ المنفَصِلَ عنها) وإن سَمِعَها تَذْكُرُه فقال: الكاذبُ عليه لعنةُ اللهِ.
حَنِثَ.
نَصَّ عليه
الجزء: 22 - الصفحة: 534
وَإنْ قَال: إِنْ بَدَأْتُكِ بِالْكَلَامِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَقَالتْ: إِنْ بَدَأْتُكَ بِهِ فَعَبْدِي حُرٌّ.
انْحَلَّتْ يَمِينُهُ، إلا أَنْ يَنْويَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحْنَثَ بِبِدَايَتِه إيَّاهَا بِالْكَلَامِ فِي وَقْتٍ آخَرَ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أرَادَ ذَلِكَ بِيَمينِهِ.
أحمدُ؛ لأنَّه كَلَّمَها.
3590 -
مسألة: (وَإنْ قَال: إنْ بَدَأْتكِ بِالْكَلام فَأنْتِ طالقٌ. فقالتْ: إن بَدَأْتُكَ به فعَبْدِي حُرٌّ. انْحَلَّت يَمِينُه)
لأنَّها كَلَّمَتْه، فلم يَكُنْ كلامُه لها بعدَ ذلك ابْتِداءً (إلَّا أنْ يَنْويَ) أنَّه لا يَبْدَؤُها في مَرَّةٍ أُخْرَى، وبَقِيَتْ يَمِينُها مُعَلَّقةً.
فإن بدَأَها بكلامٍ، انحَلَّتْ يَمِينُها أيضًا، وإن بَدَأتْه هي، عَتَقَ عبدُها.
هكذا ذكرَه أصحابُنا.
قال شيخُنا: (ويَحْتَمِلُ أن يَحْنَثَ ببِدايَتِه إيَّاها بالكَلامِ في وقْتٍ آخَرَ؛ لأنَّ الظَّاهرَ إرادَتُه ذلك بيَمِينِه).
الحديث: 3590 - الجزء: 22 - الصفحة: 535
وَإِنْ قَال: إنْ كَلَّمْتِ فُلَانًا فَأنْتِ طَالِقٌ.
فَكَلَّمَتْهُ فَلَمْ يَسْمَعْ لِتَشَاغُلِهِ أوْ غَفْلَتِهِ، أَوْ كَاتَبَتْهُ أوْ رَاسَلَتْهُ، حَنِثَ.
3591 - مسألة: (وإذَا قَال: إنْ كَلَّمْتِ فُلَانًا فأنْتِ طَالِقٌ. فَكَلَّمَتْهُ فلم يَسْمَعْ لِتَشَاغُلِه أوْ غَفْلَتِه، أوْ كَاتَبَتْهُ أو رَاسَلَتْهُ، حَنِثَ)
إذا كَلَّمَتْه فلم يَسْمَعْ لِتَشَاغُلِه أو غَفْلَتِه، حَنِثَ؛ لأنَّها كَلَّمَتْه، وكذلك إن كَاتَبَتْه أو راسَلَتْه، إلَّا أن يكونَ قَصَدَ أن لا تُشافِهَه.
نَصَّ عليه أحمدُ، وذلك لقولِ الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ 858. ولأنَّ القَصْدَ بالتَّرْكِ لكلامِها إيَّاه هِجْرانُه، ولا يحْصُلُ ذلك مع مُواصَلَتِه بالرُّسُلِ والكُتُبِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ إلَّا أنْ يَنْوىَ تَرْكَ ذلك، لأنَّ هذا القِسْمَ ليس بِتكَلُّم حقيقةً، ولأنَّه لو حَلَفَ 859 ليكَلِّمنَّه 860، لم يَبَرَّ 861 بذلك إلَّا أن يَنْويَه، فكذلك
الحديث: 3591 - الجزء: 22 - الصفحة: 536
وَإنْ أشَارَتْ إِلَيهِ، احْتَمَلَ وَجْهَينِ.
لا يحْنَثُ به.
فإن أرْسَلَتْ إنْسانًا يسْألُ أهلَ العلمِ عن مسْألةٍ [أو حَديثٍ] (1)، فجاءَ الرَّسولُ فسألَ المحْلُوفَ عليه، لم يَحْنَث بذلك.
3592 -
مسألة: (وإن أشارَتْ إليه، احْتَمَلَ وَجْهَينِ)
أحدُهما، لا تَطْلُقُ؛ لأنَّه لَم يُوجَدِ الكلامُ.
والثَّاني، تَطْلُقُ؛ لأنَّه يحْصُلُ به مقْصودُ الكلامَ.
والأوَّلُ أوْلَى.862
الحديث: 3592 - الجزء: 22 - الصفحة: 537
وَإنْ كَلَّمَتْهُ سَكْرَانَ أَوْ أَصَمَّ بحَيثُ يَعْلَمُ أَنَّهَا تُكَلِّمُهُ، أَوْ مَجْنُونًا بِحَيثُ يَسْمَعُ كَلَامَهَا، حَنِثَ.
وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ.
3593 - مسألة: (وَإنْ كَلَّمَتْه سَكْرَانَ أو أصَمَّ، بحَيثُ يَعْلَمُ أنَّها تُكَلِّمُهُ، أوْ مَجْنُونًا يَسْمَعُ كَلامَهَا، حَنِثَ)
لأنَّ السَّكْرانَ يُكلَّمُ ويَحْنَثُ، ورُبَّما كان تكْلِيمُه في حالِ سُكْرِه أضَرَّ مِن تَكْليمِه في صَحْوه، ولأنَّ المجنونَ يسْمَعُ الكلامَ أيضًا ويَحْنَثُ، وكذلك إن كَلَّمتْ صَبِيًّا يَسْمَعُ ويَعْلَمُ أنَّه مُكَلَّمٌ حَنِثَ.
فأمَّا إن جُنَّتْ هي، وكَلَّمتْهُ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ القَلَمَ مرْفوعٌ عنها، ولم يَبْقَ لكلامِها حُكْمٌ.
وإن كَلَّمَتْه سَكْرانةً، حَنِثَ؛ لأنَّ حُكْمَها حُكْمُ الصَّاحِي (وقيلَ: لا يَحْنَثُ) لأنَّه لا عَقْلَ لها.
[فإنْ كان السَّكْرانُ أو المجنونُ مصروعًا، لم يَحْنَثْ] 863.
الحديث: 3593 - الجزء: 22 - الصفحة: 538
وَإنْ كَلَّمَتْهُ مَيِّتًا، أو غَائِبًا، أو مُغْمًى عَلَيهِ، أو نَائِمًا، لَمْ يَحْنَثْ.
وَقَال أَبُو بَكرٍ: يَحْنَثُ.
3594 - مسألة. (وَإنْ كَلَّمَتْه مَيِّتًا، أو غَائِبًا، أو مُغْمًى عليهِ، أو نَائِمًا، لم يَحْنَثْ. وقال أبو بكرٍ: يَحْنَثُ)
لقَوْلِ أصحابِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: كَيفَ تُكَلِّمُ أجْسَادًا لَا أرْواع فيها؟ 864 ولَنا، أنَّ التَّكْليمَ فِعْلٌ يتَعدَّى إلى المُتَكَلَّمِ، وقد قِيلَ: إنَّه مأْخُوذٌ مِن الكَلْمِ، وهو الجُرْحُ؛ لأنَّه يُؤثِّرُ فيه كتَأْثيرِ الجُرْحِ، ولا يكونُ ذلك إلَّا بإسْماعِه 865، فأمَّا تَكْليمُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - المَوْتَى، فَمِن مُعْجِزَاتِه، فإنَّه قال: «مَا أنْتُمْ بأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ».
ولم يَثْبُتْ هذا لغيرِه، وقولُ أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: كيف تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ فيها؟ حُجَّةٌ لنا، فإنَّهم قالوا ذلك اسْتِبعادًا 866، أَو سُؤالًا
الحديث: 3594 - الجزء: 22 - الصفحة: 539
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عمَّا خَفِيَ عنهم سَبَبُه وحِكْمَتُه، حتى كَشَفَ لهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حِكْمَةَ 867 ذلك بأمْرٍ مُخْتَصٍّ به، فيَبْقَى الأمْرُ [في حَقِّ مَن] 868 سِوَاه على النَّفْي.
وإن سَلَّمَتْ عليه حَنِثَ؛ لأنَّه كلامٌ.
فإن كان أحَدُهما إمامًا، والآخَرُ مَأْمُومًا، لم يَحْنَثْ بتَسْلِيمِ الصَّلاةِ؛ لأنَّه للخُروجِ منها، إلَّا أن يَنْوِيَ بتَسْلِيمِه 869 المأْمُومِينَ، فيكونُ حُكْمُه كما لو سَلَّمَ عليهم في غيرِ الصَّلاةِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَث بحالٍ؛ لأنَّ هذا لا يُعَدُّ تَكْليمًا، ولا يُريدُه الحالِفُ.
فصل: وإن حَلَفَ لا يُكلِّمُ إنْسانًا، فكَلَّمَ غيرَه وهو يسْمَعُ، يَقْصِدُ بذلك إسْماعَه، كما لو قال:
- إيَّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جَارَهْ 870
حَنِثَ.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إذا حَلَفَ لا يُكَلِّمُ فُلانًا، فكلَّمَ إنسانًا وهو يَسْمَعُ، يُرِيدُ بكَلامِه إيَّاه المحْلُوفَ عليه، حَنِثَ؛ لأنَّه قد أرادَ تَكْليمَه.
ورُوِيَ عن أبي بَكْرةَ ما يدُلُّ على أنَّه لا يَحْنَثُ؛ فإنَّه كان (1) حَلَفَ أن لا يُكَلِّمَ أخَاه زِيادًا، فأرادَ زيادٌ الحَجَّ، فجاءَ أبو بَكْرةَ، فدخلَ
الجزء: 22 - الصفحة: 540
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قصرَه وأخذَ ابنَه في حِجْرِه، فقال: إنَّ أباكَ يُريدُ الحَجَّ والدُّخولَ على زَوْجِ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بهذا السَّبَب، وقد علمَ أنَّه غيرُ صَحيحٍ.
ثم خرَجَ، ولم يَرَ أنَّه كلَّمَه 871. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه أسْمَعَه كلامَه يُريدُه به، فأشْبَهَ ما لو خاطَبَه به، ولأنَّ مقْصودَ تكْليمِه قد حَصَلَ بإسْماعِه كلامَه.
فصل: فإن حَلَفَ لا يُكَلِّمُ امرأتَه، فجامَعَها، لم يَحْنَثْ، إلَّا أن تكونَ نِيَّتُه هِجْرانَها.
قال أحمدُ في رجلٍ قال لامرأتِه: إن كَلَّمْتُك خمسةَ أيَّام فأنتِ طالقٌ.
ألَهُ 872 أن يُجامِعَها ولا يُكَلِّمَها؟ فقال: أيُّ شيءٍ [كان بُدُوُّ هذا، أيَسُوءُها أو يغيظُها] 873؟ فإن لم تكُنْ له نِيَّةٌ، فله أن يُجامِعَها ولا يُكَلِّمَها.
وإن حَلَفَ لا يَقْرأُ كتابَ فلانٍ، فقَرأَه في نفسِه، ولم يُحَرِّكْ شَفَتَيه به 874، حَنِثَ؛ لأنَّ هذا قراءةُ الكُتُبِ في عُرْفِ النَّاسِ، فتَنْصرِفُ يَمِينُه إليه، إلَّا أن يَنْويَ حقيقةَ القراءة 875. قال أحمدُ: إذا حَلَفَ: لا قَرَأْتُ لفُلانٍ كتابًا.
ففَتَحَه حتى اسْتَقْصَى آخِرَه، إلَّا أنَّه لم يُحَرِّكْ 876 شَفَتَيه،
الجزء: 22 - الصفحة: 541
وَإنْ قَال: لِامْرَأَتيهِ: إِن كَلَّمْتُمَا هَذَينِ فَأنْتُمَا طَالقَتَانِ.
فَكَلَّمَتْ كُلّ وَاحِدَةٍ وَاحِدًا مِنْهُمَا، طَلُقَتَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ حَتَّى تُكَلِّمَا جَمِيعًا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
فإن أرادَ: أن [لا يَعْلَمَ] (1) ما فيه، فقد عَلِمَ ما فيه وقرأه.
3595 -
مسألة: (فإن قال لامْرَأتَيه: إنْ كَلَّمْتُما هَذَينِ)
الرجُلَينِ (فَأنْتُما طَالِقَتَانِ.
فَكَلَّمَتْ كُلُّ واحدةٍ مِنْهُما وَاحِدًا، طَلُقَتا.
وَيَحْتَمِلُ أنْ لا يَحْنَثَ حَتَّى تُكَلِّمَا جَمِيعًا كُلَّ واحدٍ منهما) هذه المسألةُ فيها وَجْهانِ؛ أحْدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّ تَكْليمَهما وُجِدَ منهما، فحَنِثَ، كما لو قال: إن حِضْتُما فأنتُما طالقَتانِ.
فحاضَتْ كلُّ واحدةٍ حَيضَةً.
وكذلك لو قال: إن رَكِبْتُما دابتَّيكُما فأنْتُما طالقتان.
فرَكِبَتْ كلُّ واحدةٍ دابتَّهَا.
والثاني، لا يَحْنَثُ حتى تُكَلِّمَ كُلُّ واحدةٍ منهما الرَّجلَين معًا؛ لأنَّه عَلَّقَ طَلاقَهما بكلامِهما لهما، فلا تَطْلُقُ واحدة بكلامِ الأُخْرَى877
الحديث: 3595 - الجزء: 22 - الصفحة: 542
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحدَها.
وهذا أظْهَرُ الوَجْهَينِ لأصحابِ الشافعيِّ.
وهو أوْلَى إن شَاء اللهُ تعالى، إذا لم تكُنْ له نِيَّةٌ.
وهكذا إن قال: إن دَخْلتُما هاتَين الدَّارَينِ.
فالحُكْمُ فيها كذلك؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ.
قال شيخُنا 878: [وهذا] 879 فيما لم تَجْرِ العادَةُ بانْفِرادِ الواحِدَةِ به.
فأمَّا ما جَرَتِ العادةُ بانْفرادِ الواحدَةِ فيه بالواحدِ، كنحو: رَكِبَا دابَّتَيهما، ولَبِسا ثوبَيهما، وتَقَلَّدا سَيفَيهما، واعْتَقَلا رُمْحَيهما، ودَخَلا بزَوْجَتَيهما.
وأشْباه هذا، فإنَّه يَحْنَثُ إذا وُجِدَ 880 منهما مُنْفَردَينِ، وما لم تَجْرِ العادةُ فيه بذلك،
الجزء: 22 - الصفحة: 543
وَإنْ قَال: إِنْ أمَرْتُكِ فَخَالفْتِنِي فَأنْتِ طَالِقٌ.
فَنَهَاهَا وَخَالفَتْهُ، لَمْ
فهو على الوَجْهَينِ.
فأمَّا إن قال: إن أكلْتُما هذَينِ الرَّغِيفَينِ.
فأكلتْ كُلُّ واحدةٍ منهما رَغِيفًا، فإنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه يَسْتَحِيلُ أن تَأْكُلَ كلُّ واحدةٍ منهما الرَّغيفينِ، بخِلافِ الرَّجُلَينِ والدَّارَينِ.
3596 -
مسألة: (فَإنْ قَال: إنْ أمَرْتُكِ فخالفْتِني فأنْتِ طالقٌ
الحديث: 3596 - الجزء: 22 - الصفحة: 544
يَحْنَثْ، إلَّا أنْ يَنْويَ مُطْلَقَ الْمُخَالفَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ تَطْلُقَ.
وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: إِنْ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْي، حَنِثَ.
فَنَهاها فخالفَتْه، لم يَحْنَثْ، إلَّا أن يَنْويَ مُطْلقَ المُخالفَةِ) اخْتارَه أبو بكرٍ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّها خالفَتْ [نَهْيَه لا أمْرَه] 881 (وقال أبو الخَطَّابِ: يَحْنَثُ إذا لم يَكُنْ ممَّن يَعْرِفُ حقيقةَ الأمْرِ والنَّهْي) لأنَّه إذا كان كذلك فإنَّما يُريدُ نَفْيَ المُخالفَةِ.
(ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ) بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّ الأمْرَ بالشيءِ نَهْيٌ عن ضدِّه، والنَّهْيُ عنه أمْرٌ بضدِّه، فقد خالفَتْ أمْرَه.
وإن قال لها: إن نَهَيتِني عن نَفْعِ أُمِّي فأنتِ طالقٌ.
[فقالت له] 882: لا تُعْطِها مِن مالِي شيئًا.
لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ إعْطاءَها مِن مالِها لا يَجوزُ، ولا يجوزُ النَّفْعُ به، فيكونُ هذا النَّفْعُ مُحَرَّمًا، فلا تَتَناوَلُه يَمِينُه.
ويَحْتَمِلُ أن يَحْنَثَ؛ لأنَّه نَفْعٌ، ولَفْظُه عامٌّ، فيَدْخلُ المُحَرَّمُ فيه.
الجزء: 22 - الصفحة: 545
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا قل: أنتِ طالقٌ إن كلَّمتِ زيدًا ومحمدٌ مع خالدٍ.
لم تَطْلُقْ حتى تُكَلِّمَ زيدًا في حالٍ كَوْنِ محمدٍ فيها مع خالدٍ.
وذَكَرَ القاضي أنَّه يَحْنَثُ بكلامِ زيدٍ فقط؛ لأنَّ قوْلَه: ومحمدٌ مع خالدٍ.
اسْتِئْنافُ كلام؛ بدليلِ أنَّه مَرْفوعٌ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّه متى أمْكَنَ جعلُ الكلامِ مُتَّصِلًا كان أوْلَى مِن فَصْلِه، والرَّفْعُ لا يَنْفِي كَوْنَه حالًا، فإنَّ الجملةَ مِنَ المُبتَدأَ والخَبَرِ تكونُ حالًا، كقولِه تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ 883. وقال: ﴿إلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ 884. وهذا كثيرٌ، فلا يجوزُ قَطْعُه عن الكلامِ الذي هو في سِياقِه مع إمْكانِ وَصْلِه به، ولو قال: إن كلُّمْتِ زيدًا ومحمدٌ مع خالدٍ [فأنتِ طالقٌ] 885. لم تَطْلُقْ حتى تُكَلِّمَ زيدًا في حالِ كَوْنِ محمدٍ مع خالدٍ، فكذلك إذا تأخَّرَ قولُه: محمدٌ مع خالدٍ.
ولو قال: أنتِ طالقٌ إن كَلَّمْتِ زيدًا وأنا غائِبٌ.
لم تَطْلُقْ حتى تُكَلِّمَه في حالِ غَيبَتِه.
وكذلك لو قال: أنتِ طالقٌ إن كَلَّمتِ زيدًا وأنتِ راكِبَةٌ.
أو: وهو راكبٌ.
أو: ومحمدٌ راكبٌ.
لم تَطْلُقْ حتى تُكَلِّمَه في تلك الحالِ.
ولو قال: أنتِ طالقٌ إن كَلَّمتِ زيدًا ومحمدٌ أخوه مريضٌ.
الجزء: 22 - الصفحة: 546
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم تَطْلُقْ حتى تُكَلِّمَه وأخوه محمدٌ مريضٌ.
فصل: وإن قال: إن كلَّمْتِنِي إلى أن يَقْدَمَ زيدٌ.
أو: حتى يَقْدَمَ زيدٌ، فأنتِ طالقٌ.
فكَلَّمَتْه قبلَ قُدومِه، حَنِثَ، لأنَّه مَدَّ المنْعَ إلى غايةٍ هي قُدومُ زيدٍ، فلا يَحْنَثُ بعدَها.
فإن قال: أرَدْتُ إنِ اسْتَدَمْتِ كلامِي مِن الآنَ إلى أن يَقْدَمَ زيدٌ.
دُيِّنَ، وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 547
فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِالإذْنِ: إِذَا قَال: إِنْ خَرَجْتِ بِغَيرِ إِذْنِي.
أوْ: إلا بِإِذْنِي.
أوْ: حَتَّى آذَنَ لَكِ، فَانْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ أذِنَ لَهَا، فَخَرَجَتْ، ثمَّ خَرَجَتْ بِغَيرِ إِذْنِهِ، طَلُقَتْ.
وَعَنْهُ، لَا تَطْلُقُ إلَّا
فصلٌ في تعليقِه بالإِذْنِ:
3597 -
مسألة: (إذا قال: إن خَرَجْتِ بغَيرِ إذْنِي. أوْ: إلَّا بإذْنِي. أوْ: حَتَّى آذَنَ لَكِ، فأنْتِ طالقٌ. ثُمَّ أَذِنَ لَهَا، فَخرَجَت، ثُمَّ خَرَجَتْ بغَيرِ إذْنِه، طَلُقَتْ)
لخُرُوجِهَا بغَيرِ إذْنِهِ (وعنه، لا تَطْلُقُ حَتَّى
الحديث: 3597 - الجزء: 22 - الصفحة: 548
أَنْ يَنْويَ الْإِذْنَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ.
وَإنْ أَذِنَ لَهَا مِنْ حَيثُ لَا تَعْلَمُ، فَخَرَجَتْ، طَلُقَتْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَطْلُقَ.
يَنْويَ الإِذْنَ في كُلِّ مَرَّةٍ) لأنَّ «إنْ» لا تَقْتَضِي التَّكْرارَ، فَتَتناوَلُ الخُروجَ في المرَةِ الأُولَى.
3598 -
مسألة: (وإن أذِنَ لها مِن حَيثُ لا تَعْلَمُ، فَخَرَجَتْ، طَلُقَتْ)
لأنَّها إذا لم تَعْلَمْ فليس بإذْنٍ، لأنَّ الإِذْنَ هو الإِعْلامُ، ولم يُعْلِمْها (ويَحْتَمِلُ أن لا تَطْلُقَ) لأنَّه يُقَالُ: أذِنَ لها ولم تَعْلمْ.
الحديث: 3598 - الجزء: 22 - الصفحة: 549
وَإنْ قَال: إِنْ خَرَجْتِ إِلَى غَيرِ الْحَمَّامِ بِغَيرِ إِذْنِي فَأنْتِ طَالِقٌ.
3599 - مسألة: (وَإنْ قَال: إنْ خَرَجْتِ إلَى غَيرِ الحَمَّامِ بغَيرِ إذْنِي فَأنْتِ طالقٌ)
فخَرَجَتْ إلَى غَيرِ الحَمَّامِ طَلُقَتْ، سَواءٌ عَدَلَتْ إلَى
الحديث: 3599 - الجزء: 22 - الصفحة: 550
فَخَرَجَتْ تُرِيدُ الْحَمَّامَ وَغَيرَهُ، طَلُقَتْ.
وَإنْ خَرَجَتْ إِلَى الْحَمَّامِ ثُمَّ عَدَلَتْ إِلَى غَيرِهِ، طَلُقَتْ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا تَطْلُقَ.
الحَمَّامِ أو لم تَعْدِلْ.
وإن (خَرَجَتْ تُريدُ الحَمَّامَ وغيرَه) ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّها خرَجَتْ إلى غيرِ الحَمَّامِ، وانْضمَّ إليه غيرُه، فحَنِثَ بما حَلَفَ عليه، كما لو حَلَفَ لا يُكَلِّمُ زيدًا، [فكلَّمَ زيدًا وعمرًا] (1) والثَّاني، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّها ما (2) خرجَتْ إلى غيرِ الحمَّامِ، بل الخُرُوجُ مُشتَرَكٌ.
3600 -
مسألة: (وَإنْ خَرَجَتْ تُرِيدُ الحَمَّامَ ثُمّ عَدَلَتْ إلَى غَيرِه)
فقياسُ المذهبِ أنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّ ظاهِرَ هذه اليَمِينِ المنْعُ مِن غيرِ الحَمَّامِ، فكيفما صارتْ إليه حَنِثَ، كما لو خالفَتْ لَفْظَه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ.886887
الحديث: 3600 - الجزء: 22 - الصفحة: 551
وَإنْ حَلَفَ لِعَامِلٍ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلا بِإِذْنِهِ، فَعُزِلَ، فَهَلْ تَنْحَلُّ يَمِينُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّها لم تَفْعَل ما حَلَفَ عليه وتَناوَلَه لَفْظُه.
ونَقَلَ الفَضْلُ بنُ زيادٍ عن أحمدَ أنَّه سُئِلَ: إذا حَلَفَ بالطَّلاقِ أن لا يَخْرُجَ مِن بغْدادَ إلَّا لنُزْهَةٍ، فخرجَ إلى النُّزْهةِ، ثم مَرَّ إلى مكَّةَ، فقال: النُّزْهة لا تَكونُ إلى مكَّةَ.
فظاهرُ هذا أنَّه أحْنَثَه، ووَجْهُه ما ذَكَرْنا.
وقال في رجلٍ حَلَفَ بالطَّلاقِ أن لا يَأْتِيَ أرْمِينيَةَ (1) إلَّا بإذْنِ امرأتِه، فقالتِ امرأتُه: اذهبْ حيثُ شِئْتَ.
فقال: لا حتى تقولَ: إلى أرْمِينيَةَ.
والصحيحُ أنَّه متى أذِنَتْ له إذْنًا عامًّا لم (2) يَحْنَثْ.
قال القاضي: وهذا مِن كلامِ أحمدَ محمولٌ على أنَّ هذا خَرَجَ مَخْرَجَ الغَضَبِ والكَرَاهةِ، ولو قالت هذا بطِيبِ قَلْبِها، كان إذْنًا منها، وله الخُروجُ، وإن كان بلَفْظٍ عامٍّ.
3601 -
مسألة: (وَإنْ حَلَفَ لِعَامِلٍ أن لا يَخْرُجَ إلَّا بإذْنِه، فَعُزِلَ، فَهَلْ تَنْحَلُّ يَمِينُه؟ عَلَى وَجْهَينِ)
وهذا مَبْنِيٌّ على ما إذا حَلَفَ888889
الحديث: 3601 - الجزء: 22 - الصفحة: 552
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يمينًا عامَّةً لسَبَبٍ خاصٍّ، هل تَخْتَصُّ يَمِينُه بسَبَبِ اليَمينِ؟ على وَجْهَينِ؛ أحدُهما، أنَّها تَخْتَصُّ به؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه أرادَه، فاخْتَصتْ يَمِينُهُ به، كما لو نَوَاه.
فعلى هذا، تَنْحَلُّ يَمينُه؛ لأنَّه إنَّما حَلَفَ عليه لكَوْنِه عامِلًا له.
وهذا قولُ أصحابِ أبي حنيفةَ.
ورُوِيَ عن أحمدَ ما يدُلُّ على أنَّ يَمينَه تُحْمَلُ على العُمُومِ، فقال في مَن قال: للهِ عليَّ أن لا أصِيدَ في هذا النَّهرِ.
لظُلْمٍ رآه، فتَغَيَّرَ حالُه، فقال: النَّذْرُ يُوفَى به.
وذلك لأنَّ اللَّفْظَ دليلُ الحُكْمِ، فيَجِبُ اعْتِبارُه في الخُصُوصِ والعُمُومِ، كما في لَفْظِ الشَّارِعِ.
وَوَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ السَّبَبَ الخاصَّ يدُلُّ على قَصْدِ الخُصوصِ، ويقُومُ مَقامَ النِّيَّةِ عند عَدَمِها 890؛ لدَلالتِه عليها، فوَجَبَ أن يَخْتَصَّ به اللَّفْظُ العامُّ كالنِّيَّةِ، وفارَقَ لَفْظَ الشَّارِعِ، فإنَّه يُرِيدُ بيانَ الأحْكامِ، ولا يَخْتَصُّ بمحَل السَّبَبِ؛ لكَوْنِ الحاجَةِ داعِيةً إلى مَعْرفةِ الحُكْمِ في غيِر محَلِّ السَّببِ.
فعلى هذا، لو قامتِ امْرأتُه لتَخْرُجَ فقال: إنْ خَرَجْتِ فأنتِ طالقٌ.
فرَجَعَتْ، ثُمَّ خرجتْ بعدَ ذلك، أو دَعَاهُ إنْسانٌ إلى غَدَائِه، فقال: امْرأتِي طالقٌ إن تَغَدَّيتُ.
ثم رَجَعَ فتَغَدَّى في مَنزِله، لم يَحْنَثْ على الأوَّلِ، ويَحْنَثُ على الثاني.
وإن حَلَفَ لعامل أنْ لا يَخْرُجَ إلَّا بإذْنِه، أو حَلَفَ بذلك على امْرأتِه أو مَمْلوكِه، فَعَزلَ العامِلَ، أو طَلَّقَ المرأةَ، أو بَاعَ المَمْلُوكَ، أو حَلَفَ على وَكيلٍ فَعَزَلَه، خُرِّجَ في ذلك كُلِّه وَجْهانِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 553
فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِالْمَشِيئَةِ: إذَا قَال: أنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ.
أوْ: كَيفَ شِئْتِ.
أوْ: حَيثُ شِئْتِ.
أوْ: مَتَى شئْتِ.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَقُولَ: قَدْ شِئْتُ.
سَوَاءٌ شَاءَتْ عَلَى الْفَوْرِ أَو التَّرَاخِي.
فصلٌ في تعليقِه بالمشِيئَةِ: (إذَا قَال: أنتِ طالقٌ إنْ شِئْتِ) أو: إذا شئْتِ (أو: متى شِئتِ) أو: كلَّما شِئْتِ (أو: كيف شِئْتِ.
أو: حيث شئتِ) أو: أنَّى شئتِ.
(لم تَطْلُقْ حتى تقولَ: قد شئْتُ) لأنَّ ما في القَلْبِ لا يُعْلَمُ حتى يُعَبِّرَ عنه اللسانُ، فَتَعَلَّقَ الحُكْمُ بما يَنْطِقُ به، دُونَ ما في القَلْبِ، فلو شاءت بقلْبِها دُونَ نُطْقِها، لم يَقَعْ به طَلاقٌ.
ولو قالت: قد شِئْتُ.
بلسانِها وهي كارِهَة، وقَعَ الطَّلاقُ، اعْتِبارًا بالنُّطْقِ.
وكذلك إن عَلَّقَ الطَّلاقَ بمَشِيئةِ غيرِها.
3602 -
مسألة: ومَتى وُجِدَتِ المَشيئةُ بِاللِّسَانِ، وَقَعَ الطلاقُ (سَوَاء كان علَى الفَوْرِ أو التَّرَاخِي)
نَصَّ عليه أحمدُ، في تَعْليقِ الطَّلاقِ بمشِيئَةِ فُلانٍ، وفيما إذا قال: أنتِ طالقٌ حيثُ شئتِ.
أو: أينَ شئتِ.
الحديث: 3602 - الجزء: 22 - الصفحة: 554
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونحوَ هذا قال الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ.
وقال أبو حنيفةَ دُونَ صاحِبَيه: إذا قال: أنتِ طالقٌ كيف شئتِ.
تَطْلُقُ في الحالِ طَلْقةً رَجْعِيَّةً؛ لأنَّ هذا ليسِ بشَرْطٍ، إنَّما هو صِفَةٌ للطَّلاقِ الواقعَ بمَشِيئَتِها.
ولَنا، أنَّه أضافَ الطَّلاق إلى مَشِيئَتِها، فأشْبَهَ ما لو قال: حيت شِئْتِ.
وقال الشافعيُّ في جميعِ الحروفِ: إن شاءَتْ 891 في الحالِ، وإلَّا فلا تَطْلُقُ؛ لأنَّ هذا تَمْليكٌ للطَّلاقِ، فكان على الفَوْرِ، كقولِه: اخْتارِى.
وقال أصحابُ الرَّأْي في «إن» كقولِه، وفي سائرِ الحُروفِ كقَوْلِنا؛ لأنَّ هذه الحُروفَ صَرِيحةٌ في التَّراخِي، فحُمِلَتْ على مُقْتَضاها، بخِلافِ «إن»، فإنَّها لا تَقْتَضِي زمانًا، وإنَّما هي لمُجَرَّدِ الشَّرْطِ، فتُقَيَّدُ بالفَوْرِ بقضِيَّةِ 892 التَّمْلِيكِ 893. وقال الحسنُ، وعطاءٌ، في قولِه: أنتِ طالقٌ إن شِئْتِ.
إنَّما ذلك ما دامَا في المجْلِسِ.
ولَنا، أنَّه تَعْليقٌ للطَّلاقِ على شَرْطٍ، [فكان على التَّراخِي، كسائِرِ التَّعْليقِ، ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ مُعَلَّقٍ على المشيئةِ] 894، فكان على التَّراخِي، كالعتقِ، وفارقَ: اخْتارِي 895. فإنَّه ليس بشَرْطٍ،
الجزء: 22 - الصفحة: 555
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْمَجْلِسِ، كَالاخْتِيَارِ.
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ.
فَقَالتْ: قَدْ شِئْتُ إِنْ شِئْتَ.
فَقَال: قَدْ شِئْتُ.
لَمْ تَطْلُقْ.
إنَّما هو تَخْييرٌ، فتَقَيَّدَ بالمجلسِ، [كخِيَارِ المجْلِسِ] (1). (ويَحْتَمِلُ أن يَقِفَ على المجْلِسِ، كالاخْتِيَارِ) لأنَّه تَمْلِيكٌ للطَّلاقِ، فكان على الفَوْرِ، كقولِه: اخْتارِي.
والصَّحيحُ الأوَّلُ.
وقد ذَكَرْنا الفَرْقَ بين الأصْلِ والفَرْعِ.
فإن قَيَّدَ المَشِيئَةَ بوقْتٍ، فقال: أنتِ طالقٌ إن شئتِ اليومَ.
تَقَيَّدَ به، فإنْ خَرَجَ اليومُ قبلَ (2) مَشِيئَتِها، لم تطْلُقْ.
وإن عَلَّقَه على مَشِيئَةِ اثْنَينِ، لم يَقَعْ حتى تُوجَدَ مَشِيئَتُهما.
وخَرَّجَ القاضي وَجْهًا، أنَّه يَقَعُ بمَشِيئَةِ أحدِهما، كما يَحْنَثُ بفِعْلِ بعضِ المحْلوفِ عليه.
وقد بَيَّنَّا فسادَ هذا.
3603 -
مسألة: (وَإن قَال: أنتِ طالقٌ إنْ شِئْتِ. فَقالتْ: قَدْ شِئْتُ إن شِئْتَ. فقَال: قَدْ شِئْتُ. لَمْ تَطْلُقْ)
لأنَّها لم تَشَأْ، فإنَّ المشِيئَةَ أمْرٌ حَقِيقيٌّ، لا يَصِحُّ تَعْليقُها على شَرْطٍ.
وكذلك إن قالتْ: قد شئتُ إن طَلَعَتِ الشَّمسُ.
نَصَّ أحمدُ على هذا، وهو قولُ سائِرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
قال ابنُ896897
الحديث: 3603 - الجزء: 22 - الصفحة: 556
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ وَشَاءَ أَبُوكِ.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَشَاءَا.
المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على أنَّ الرَّجُلَ إذا قال لزَوْجَتِه: أنتِ طالقٌ إن شئتِ.
فقالتْ: قد شِئْتُ إن شاءَ فُلانٌ.
أنَّها قد رَدَّتِ الأمْرَ، ولا يَلْزَمُها الطَّلاقُ وإن شاءَ فُلان؛ وذلك لأنَّه لم يُوجَدْ منها مَشِيئَةٌ، إنَّما وُجدَ منها تَعْليقُ مَشِيئَتِها بشَرْطٍ، وليس تَعْليقُ المشِيئَةِ بشَرْطٍ مَشِيئَةً.
وإن عَلًّقَ الطلاقَ على مَشِيئَةِ اثْنَينِ، فشاءَ أحدُهما على الفَوْرِ، والآخَرُ على التَّراخِي، وقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّ المشِيئَةَ قد وُجِدَتْ منهما جميعًا.
3604 -
مسألة: (وإن قال: أنْتِ طالقٌ إنْ شِئْتِ وَشَاءَ أبُوكِ. لم تَطْلُقْ حَتَّى يَشَاءَا)
لأنَّ الصِّفَةَ مشِيئَتُهما، ولا تَطْلُقُ بمشِيئَةِ أحدِهما؛ لعدَمِ وُجودِ الشَّرْطِ.
الحديث: 3604 - الجزء: 22 - الصفحة: 557
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ زَيدٌ.
فَمَاتَ أَوْ جُنَّ أَوْ خَرِسَ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ، لَمْ تَطْلُقْ،
3605 - مسألة: (وَإنْ قَال: أنْتِ طَالِق إنْ شَاءَ زَيدٌ. فَمَاتَ أوْ جُنَّ أو خَرِسَ قَبْلَ المَشِيئَةِ، لَمْ تَطلُقْ)
لأنَّ شَرْطَ الطَّلاقِ لم يُوجَدْ.
وحُكِيَ عن أبي بكرٍ أنَّه يَقَعُ؛ لأنَّه علَّقَه على شَرْطٍ [تَعَذَّر الوقوفُ عليه] 898، فوقعَ في الحالِ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ إن شاءَ اللهُ.
وليس بصَحيح؛ لأنَّ الطَّلاقَ المُعَلَّقَ على شَرْطٍ لا يَقَعُ إذا تَعَذَّرَ شَرْطُه، كالمُعَلَّقِ على دُخولِ الدَّارِ.
وإن شاءَ وهو مَجْنونٌ، لم يَقَعْ طَلاقُه؛ لأنَّه لا حُكْمَ
الحديث: 3605 - الجزء: 22 - الصفحة: 558
وَإنْ شَاءَ وَهُوَ سَكْرَانُ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَينِ فِي طَلَاقِهِ، وَإنْ كَانَ صَبِيًّا يَعْقِلُ الْمَشِيئَةَ، فَشَاءَ، طَلُقَتْ، وَإلَّا فَلَا.
لكلامِه.
(وإن شاءَ وهو سَكْرانُ) فالصَّحيحُ أنَّه لا يَقَعُ؛ لأنَّه زائلُ العَقْلِ، أشْبَهَ المجْنونَ.
وقال أصحابُنا: (يُخرَّجُ على الرِّوايَتَينِ في طلاقِه) والفَرْقُ بينَهما أنَّ إيقاعَ طلاقِه تَغْليظٌ عليه كيلا تكونَ المعْصِيَةُ سَبَبًا للتَّخْفيفِ عنه، وههُنا إنَّما يقَعُ الطَّلاقُ بغيرِه، فلا يَصِحُّ منه في حالِ زَوالِ عَقْلِه.
وإن شاءَ وهو صَبِيٌّ طفلٌ، لم يَقَعْ، كالمجْنونِ.
وإن كان يَعْقِلُ الطَّلاقَ، وقَعَ؛ لأنَّ له مَشِيئةً، ولذلك صَحَّ اخْتيارُه لأحدِ أبَوَيه.
وإن كان أخْرسَ فشاءَ بالإِشارَةِ، وقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّ إشارَتَه تقومُ مَقامَ نُطْقِ النَّاطِقِ، ولذلك وقَعَ طَلاقُه بها، وإن كان ناطِقًا حال التَّعْليقِ،
الجزء: 22 - الصفحة: 559
وَإنْ قَال: أنْتِ طَالِقٌ إلا أنْ يَشَاءَ زَيدٌ.
فَمَاتَ أوْ جُنَّ أوْ خَرِسَ، طَلُقَتْ.
فخَرِسَ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَقَعُ الطَّلاقُ بها؛ لأنَّ طلاقَه في نَفْسِه يَقَعُ بها، فكذلك طلاقُ مَنْ عَلَّقَه بمَشِيئتِه.
والثاني، لا يَقَعُ بها؛ لأنَّه حال التَّعْليقِ كان لا يَقَعُ إلَّا بالنُّطْقِ، فلم يَقَعْ بغيرِه، كما لو قال في التَّعْليقِ: إن نَطَقَ فُلانٌ بِمَشيئَتِه فهي طالقٌ.
3606 -
مسألة: (وَإنْ قَال: أنْتِ طَالقٌ إلَّا أنْ يَشَاءَ زَيدٌ. فَمَاتَ أو جُنَّ أوْ خَرِسَ، طَلُقَتْ)
فِي الْحَالِ؛ لأنَّه أوْقَعَ الطَّلاقَ، وعَلَّقَ رَفْعَه 899 بشَرْطٍ، ولم يُوجَدْ.
وأمَّا إذا خَرِسَ فشاءَ بالإِشارَةِ، خُرِّجَ فيه الوَجْهانِ اللَّذانِ ذَكَرْناهما، بِناءً على وُقوعِ الطَّلاقِ بإشارَتِه إذا علَّقَه 900 على مَشِيئَتِه.
الحديث: 3606 - الجزء: 22 - الصفحة: 560
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلا أَنْ يَشَاءَ زَيدٌ ثَلَاثًا، فَشَاءَ ثَلَاثًا، طَلُقَتْ ثَلَاثًا، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ، وَفِي الْآخَرِ، لَا تَطْلُقُ.
3607 - مسألة: (وَإنْ قَال: أنْتِ طَالقٌ واحدةً إلَّا أن يَشَاءَ زَيدٌ ثَلاثًا. فَشَاءَ ثَلاثًا)
فَقَال أبو بَكْرٍ: (تَطْلُقُ ثَلاثًا فِي أحَدِ الوَجْهَينِ) لأنَّ السَّابِقَ إلى الفَهْمِ مِن هذا الكلامِ إيقاعُ الثَّلاثِ إذا شاءَها زيدٌ، كما لو قال: له عَلَيَّ دِرهمٌ إلَّا أن يُقيمَ بَيِّنةً بثلاثةٍ، و: خُذْ درهمًا إلَّا أن تُرِيدَ أكثرَ منه.
ومنه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إلَّا بَيعَ الْخِيَارِ» 901. أي أنَّ بيعَ الخيارِ يَثْبُتُ الخيارُ فيه بعدَ تَفَرُّقِهما.
والثَّاني (لا تَطْلُقُ) [إذا شاءَ ثلاثًا.
وهو قولُ أصْحابِ الشافعيِّ وأبي حنيفةَ] 902؛ لأنَّ
الحديث: 3607 - الجزء: 22 - الصفحة: 561
وَإِنْ قَال: أنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللهُ.
طَلُقَتْ، وَإنْ قَال لِأَمَتِهِ: أَنْتِ حرَّةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ.
عَتَقَتْ.
وَحُكِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ يَقَعُ الْعِتْقُ دُونَ الطَّلاقَ.
الاسْتِثْناءَ مِن الإِثْباتِ نَفْيٌ، فتَقْدِيرُه: أنتِ طالقٌ واحدةً، إلَّا أنْ يَشاءَ زيدٌ ثلاثًا فلا تَطْلُقِي.
ولأنَّه لو (1) لم يَقُلْ: ثلاثًا.
لَما طَلُقَتْ بمشِيئَتِه ثلاثًا، فكذلك إذا قال: ثلاثًا؛ لأنَّه إنَّما ذكرَ الثَّلاثَ صِفَةً لمَشِيئَةِ زيدٍ الرَّافعةِ لطلاقِ الواحدةِ، فيَصِيرُ كما لو قال: أنتِ طالقٌ إلَّا أن يُكَرِّرَ زيدٌ مشِيئَتَه ثلاثًا.
فأمَّا إن لم يَشَأْ زيدٌ، أو شاءَ أقَلَّ مِن ثلاثٍ، طَلُقَتْ واحدةً.
3608 -
مسألة: (وَإنْ قَال: أنْتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ. طَلُقَتْ. وإنْ قَال لأمَتِه: أنْتِ حُرَّةٌ إنْ شَاءَ اللهُ. عَتَقَتْ. وحُكِيَ عنه، أنَّه يَقَعُ الْعِتْقُ دُونَ الطَّلاقِ)
نصَّ أحمدُ، رَحِمَهُ اللهُ، على وُقوعِ الطَّلاقِ والعِتْقِ،
الحديث: 3608 - الجزء: 22 - الصفحة: 562
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في رِوايةِ جماعةٍ، وقال: ليس هما مِن الأيمانِ.
وبهذا قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، ومَكْحول، وقَتادةُ، والزُّهْرِي، ومالك، واللَّيثُ والأوْزَاعِيُّ، وأبو عُبَيدٍ.
وعن أحمدَ ما يدُل على أنَّ الطَّلاقَ لا يقَعُ، ولا العَتَاقُ.
وهو قولُ طاوُس، والحَكَمِ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّه علَّقه على مشِيئَةٍ لم يُعْلَمْ وُجودُها، فلم يَقَعْ، كما لو علَّقه 903 على مشِيئَةِ زيدٍ، ولقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ حَلَفَ، فَقَال: إنْ شَاءَ اللهُ.
لَمْ يَحْنَثْ».
روَاه التِّرْمذِي 904، وقال: حديث حسنٌ.
ولَنا، ما رَوَى [أبو حَمْزَةَ] 905، قال: سمعتُ ابنَ عباس يقولُ: إذا قال
الجزء: 22 - الصفحة: 563
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرجُلُ لامْرأتِه: أنتِ طالق إن شاء الله.
فهي طالق.
روَاه أبو حفص بإسْنادِه.
وعن أبي بُرْدَةَ نحوُه.
ورَوَى ابنُ عمرَ، وأبو سعيدٍ، قالا 906: كُنَّا مَعاشِرَ أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، نَرَى الاسْتِثْناءَ جائِزًا في كلِّ شيءٍ، إلَّا في الطَّلاقِ والعَتَاقِ.
ذَكَرَه أبو الخَطّابِ.
وهذا نقل للإِجْماعِ، فإن قُدِّرَ أنَّه قولُ بعْضِهم، فقد انتشرَ، ولم يُعْلَمْ 907 له مُخافِ، فهو إجْماعٌ، ولأنَّه اسْتِثْناء يَرْفَعُ جمْلةَ الطَّلاقِ، فلم يَصِحَّ، كقولِه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا ثلاثًا.
ولأنَّه إنْشَاءُ حُكْم في محَل، فلم يَرْتَفِعْ بالمشِيئَةِ، كالبَيعِ والنِّكاحِ، أو نقولُ: إزالةُ مِلْكٍ.
فلم يَصِحَّ تَعْليقُه على مشِيئَةِ اللهِ، كما لو قال: أبرَأتك إن شاء الله.
أو تَعْليق على ما لا سبيلَ إلى عِلْمِه، فأشْبهَ تَعْليقَه على المُسْتحيلاتِ.
والحديثُ لا حُجَّةَ لهم فيه؛ فإنَّ الطَّلاقَ [والعَتَاقَ] 908 إنْشاء، وليس بيَمِين حقيقةً، وإن سُمِّيَ بذلك فَمجاز، لا
الجزء: 22 - الصفحة: 564
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تُتْرَكُ الحَقِيقَةُ مِن أجْلِه، ثم إنَّ الطَّلاقَ إنَّما سُمِّيَ يَمِينًا إذا كان مُعَلَّقًا علي شَرْطٍ يُمْكِنُ فِعْلُه وتَرْكُه، ومُجَرَّدُ قولِه: أنتِ طالقٌ.
ليس بيَمِين حقيقة ولا مَجازًا، فلم يَكُنْ الاسْتِثْناءُ بعدَ يَمِين.
وقولُهم: عَلّقَه على مشِيئَةٍ لا تُعْلَمُ.
قُلْنا: قد عُلِمَتْ مَشِيئَةُ اللهِ للطَّلاقِ بمُباشَرَةِ الآدَمِيِّ سَبَبَه.
قال قَتادةُ: قد شاءَ اللهُ حينَ أذِنَ أنْ تُطَلَّقَ.
ولو سَلَّمْنا أنّها لم تُعْلَمْ، لكنْ قد عَلَّقَه على شَرْطٍ يَسْتحيلُ عِلْمُه، فيَكُونُ كتَعْليقِه غلى المُسْتحيلاتِ، يَلْغُو، ويَقَعُ الطَّلاقُ في الحالِ.
وحُكِيَ عن أحمدَ، أنَّه يَقَعُ العتقُ دُونَ الطَّلاقِ، وعَلَّلَه أحمدُ، رَحِمَهُ الله، بأنَّ العِتْقَ للهِ سبحانه وتعالى، والطَّلاقَ ليس هو للهِ، ولا فيه قُرْبَة إليه، ولأنَّه لو قال لأمَتِه: كلُّ وَلَدٍ تَلِدينَه فهو حُرٌّ.
الجزء: 22 - الصفحة: 565
وَإنْ قَال: أنْتِ طَالِقٌ إلا أنْ يَشَاءَ اللهُ.
طَلُقَتْ.
وَإنْ قَال: إِنْ لَمْ يَشَأَ اللهُ.
فَعَلَى وَجْهَينِ.
فهذا تَعْليقٌ للحُرِّيَّةِ على المِلْكِ، وهو صَحِيح، ولأنّ مَن نَذَرَ العِتْقَ، لَزِمَه الوَفاءُ به، ومَن نَذَرَ الطَّلاقَ، لا يَلْزَمُه الوَفاءُ به، فكما افْتَرَقَا في النَّذْرِ، جازَ أن يَفْتَرِقَا في اليَمِينِ.
3609 -
مسألة: (وإنْ قَال: أنْتِ طَالق إلا أنْ يَشَاءَ اللهُ. طَلُقَتْ)
ووَافقَ أصحابُ الشافعيِّ على هذا، في الصَّحيحِ مِن المذهبِ؛ لأنَّه أوْقعَ الطَّلاقَ، وعَلَّقَ رَفْعَه بمشيئَةٍ لم تُعْلَمْ.
3610 -
مسألة: (وَإنْ قَال: إنْ لَمْ يَشَأَ اللهُ)
أو: مَا لَمْ يَشَأَ اللهُ (فَعَلَى وَجْهَينِ) أحدُهما، يَقَعُ في الحالِ؛ لأنَّ وُقوعَ طلاقِها
الحديث: 3609 - الجزء: 22 - الصفحة: 566
وَإنْ قَال: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللهُ.
فَدَخَلَتْ، فَهَلْ
إذا لم يَشَأَ الله مُحالٌ، فَلَغَتْ هذه الصِّفَةُ، ووَقَعَ الطَّلاقُ.
والثاني، لا يَقَعُ، بِناءً على تعْليقِ الطَّلاقِ على المُحالِ، مثلَ قولِه: أنتِ طالقٌ إن جَمَعْتِ بينَ الضِّدَّينِ.
أو: شَرِبْتِ الماءَ الذي في الكُوزِ.
ولا ماءَ فيه.
فصل: وإن قال: أنتِ طالق لَتَدْخُلِنَّ الدَّارَ إن شاءَ اللهُ.
لم تَطْلُقْ، دَخَلَتْ أو لم تَدْخُلْ؛ لأنَّها إن دخَلَتْ فقد فَعَلَتِ المحْلُوفَ عليه، وإن لم تَدْخُلْ، عَلِمْنا أنَّ اللهَ لم يَشَأه؛ لأنَّه لو شاءَه لوُجِدَ، فإنَّ ما شاءَ الله كانَ.
وكذلك إن قال: أنتِ طالقٌ لا تَدْخُلِي الدَّارَ إن شاءَ الله.
لِما ذكَرْنا.
وإن أرادَ بالاستثناءِ والشَّرْطِ رَدَّهُ إلى الطَّلاقِ دُونَ والدخول، خُرِّجَ فيه مِن الخِلافِ ما ذَكَرْنا في المُنْجَزِ.
وإن لم تُعْلَمْ نِيته، فالظَّاهِرُ رُجوعُه إلى الدُّخولِ، ويَحْتَمِلُ أن يَرجِعَ إلى الطلاقِ.
3611 -
مسألة: (وإن قال: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فأنْتِ طالق إنْ شَاءَ
الحديث: 3611 - الجزء: 22 - الصفحة: 567
تَطْلُقُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
الله.
فَدَخَلَتْ، فهل تَطْلُقُ؟ على رِوَايَتَينِ) إحْدَاهما، يَقَعُ الطَّلاقُ بدُخولِ الدَّارِ، ولا يَنْفعُه الاسْتِثْناءُ؛ لأنَّ الطَّلاقَ والعَتاقَ ليسا مِن الأيمانِ، ولِما ذَكَرْناه فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ إن شاءَ الله.
والثانيةُ، لا تَطْلُقُ.
وهو قولُ أبي عُبَيدٍ؛ لأنَّه 909 إذا عَلَّقَ الطَّلاقَ بشرْطٍ صارَ يَمِينًا وحَلِفًا، فصَحَّ الاسْتِثْناءُ فيه، لعُمومِ قولِه - عليه السلام -: «مَنْ حَلَفَ عَلَىِ يَمِينٍ فَقَال: إنْ شَاءَ الله.
لَمْ يَحْنَثْ» 910. وفارَقَ إذا لم يُعَلِّقْه، فإنه ليس
الجزء: 22 - الصفحة: 568
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بيَمِينٍ، فلا يَدْخُل في العُمومِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 569
وَإنْ قَال: أنتِ طَالِقٌ لِرِضَا زَيدٍ.
أوْ: مَشِيئَتِهِ.
طَلُقَتْ فِي الْحَالِ.
فَإِنْ قَال: أرَدْتُ الشَرْطَ.
دُيِّنَ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَينَ.
3612 - مسألة: (وإن قال: أنْتِ طالقٌ لرِضَا زَيدٍ. أو: مَشِيئَتِه. طَلُقَتْ في الحَالِ)
لأنَّ مَعْناه: أنتِ طالقٌ لِكَوْنِه قد شاءَ ذلك، أو رَضِيَه، كقَوْلِه: هو حُر لوَجْهِ اللهِ، أو لرِضَا اللهِ (فإن قال: أردْتُ به الشَّرْطَ.
دُيِّنَ) قال القاضي: ويُقْبَلُ في الحُكْمِ؛ لأنَّه مُحْتَمِلٌ، فإنَّ ذلك يُسْتَعْمَلُ للشَّرْطِ، كقولِه: أنتِ طالق للسُّنَّةِ.
وهذا أظْهَرُ الوَجْهَينِ لأصحابِ الشافعيِّ.
والوَجْهُ الثاني، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه خِلافُ الظَّاهِرِ.
الحديث: 3612 - الجزء: 22 - الصفحة: 571
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن قال: أنتِ طالق إن أحْبَبْتِ.
أو: إن 911 أرَدْتِ.
أو: إن (1) كَرِهْتِ.
احْتَمَلَ أن يتَعلَّى الطَّلاقُ بقَوْلِها بلِسانِها: قد أحْبَبْت.
أو: أرَدْتُ.
أو: كَرِهْتُ؛ لأن هذه المعاني في القَلْبِ، لا يُمْكِنُ الاطِّلاعُ عليها إلَّا مِن قِبَلِها، فتَعَلَّقَ الحُكْمُ بقولِها، كالمشِيئَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَتعلَّقَ الِحُكْمُ بما في القَلْبِ مِن ذلك، ويكونَ اللسانُ دليلًا عليه.
فعلى هذا، لو أقرَّ الزَّوْجُ بوُجودِه، وَقَعَ طلاقُه وإن لم يَتَلَفَّظْ 912 به، ولو قالتْ: أنا أحِب ذلك.
ثم قالتْ: كنتُ كاذِبة.
لم تَطْلُقْ.
الجزء: 22 - الصفحة: 572
وَإنْ قَال: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَ أنْ يُعَذِّبَكِ اللهُ بِالنَّارِ فَأنْتِ طَالِق.
أوْ قَال: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَهُ بِقَلْبِكِ فَأنْتِ طَالِقٌ.
فَقَالتْ: أنا أحِبُّهُ.
فَقَدْ تَوَقَّفَ أحْمَدُ عَنْهَا.
وَقَال الْقَاضِي: تَطْلُقُ.
وَالْأوْلَى أنَّهَا لَا تَطْلُقُ إِذَا كَانَتْ كَاذِبَةً.
3613 - مسألة: (وإنْ قَال: إنْ كُنْتِ تُحِبِّين أنْ يُعَذِّبَك الله بالنَّارِ فأنْتِ طالق. أو قَال: إنْ كُنْتِ تُحبِّينه بِقَلْبِكِ. فَقَالتْ: أنَا أحبهُ. فقد توَقفَ أحمدُ عنها)
وسُئِلَ فلم يُجِبْ فيها بشيء، وفيها احْتِمالانِ؛ أحدُهما، لا تَطْلُقُ.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّ المحبَّةَ في القَلْبِ، ولا تُوجَدُ مِن أحدٍ مَحَبَّةُ ذلك، وخَبرُها بحُبِّها له كذبٌ معلوم، فلم يصحَّ دليلًا على ما في قَلْبِها.
والاحْتِمالُ الثَّاني، تَطْلُقُ.
قاله القاضي.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأي؛ لأنَّ ما في القلبِ لا يُوقفُ عليه إلَّا مِن لَفْظها، فاقتَضَى تَعْليقَ الحُكْمِ بلَفْظِها به، كاذبةً كانتْ أو صادقةً، كالمَشيئَةِ.
ولا فَرْقَ بينِ قَوْلِه: إن كُنْتِ تُحِبِّينَ ذلك.
وبينَ قولِه: إن كُنْتِ تُحِبِّينَه بقَلْبِك.
لأن المحبَّةَ لا تكونُ إلَّا بالقلْبِ.
قال شيخُنا: (والأوْلَى أنَّها لا تَطْلُقُ إذا كانت
الحديث: 3613 - الجزء: 22 - الصفحة: 573
فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ: إِذَا قَال: أنْتِ طَالِقٌ إِذَا رَأيتِ الْهِلَال.
طَلُقَتْ إِذَا رُئِيَ،
كاذبةً) وهذا الاحْتِمالُ الأوَّلُ.
واللهُ أعلمُ.
فصل في مسائلَ متفرِّقةٍ: (إذا قال: أنتِ طالقٌ إذا رأيت الهِلال.
طَلُقَتْ إذا رُئِيَ) في أوَّلِ الشَّهْرِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَطْلُقُ حتى يَراهُ 913؛ لأنَّه عَلَّقَ الطَّلاقَ بِرؤيةِ نفْسِه، أشْبَهَ تعْليقَه على رُؤيةِ
الجزء: 22 - الصفحة: 574
إلا أن يَنْويَ حَقِيقَةَ رُؤيَتهَا، فَلَا يَحْنَثُ حَتَّى تَرَاهُ.
زيدٍ.
ولَنا، أنَّ الرُّؤيَةَ للهلالِ 914 في عُرْفِ الشَّرعِ العلمُ به في أوَّلِ الشَّهر؛ بدليل قولِه عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «إِذَا رَأيتُمُ الْهِلَال فَصُومُوا، وَإذَا رأيتُمُوهُ فَأفْطِرُوا» 915. والمُرادُ به رُؤيَةُ البعض وحصولُ العلمِ، فانْصرفَ لَفْظُ الحالِفِ إلى عُرْفِ الشَّرْعِ، كما إذا قال: إذا صَلَّيت فأنتِ طالقٌ.
فإنَّه ينْصرِفُ إلى الصَّلاةِ الشَّرْعيَّةِ، لا إلى الدُّعاءِ.
وفارَقَ رُؤيَةَ زيدٍ، فإنَّه لم يَثْبُتْ له عُرْفت شَرْعِي يُخالِفُ الحقِيقةَ.
وكذلك لو لم يَرَه أحد، لكنْ ثَبَتَ الشهرُ بتَمامِ العَدَدِ طَلُقَتْ (1)؛ لأنَّه قد عُلِمَ طُلوعُه (إلَّا أن ينويَ حقيقةَ رُؤيتها) فلا تَطْلُقُ حتى تَرَاه، ويُقْبَلُ قولُه في ذلك؛ لأنَّها رُؤية حقِيقةً.
وتَتعلَّقُ الرُّويةُ برُؤيته بعدَ الغُروبِ، فإن رأتْ قبلَ ذلك لمٍ تَطْلُقْ؛ لأنَّ هلال الشَّهْرِ ما كانَ في أوَّلِه، ولأنَّا جَعَلْنا رُؤيةَ الهِلالِ عبارِة عن دُخولِ أوَّلِ (2) الشَّهْرِ.
ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ برؤيته قبلَ الغُروبِ؛ لأنه
الجزء: 22 - الصفحة: 575
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُسَمَّى رُؤيةً، والحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ به في الشَّرْعِ 916. فإن قال: أرَدْتُ إذا رأيتُه أنا بعَيني.
فلم يَرَه حتى أقْمَرَ، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّه ليس بهلالٍ.
واختُلِفَ فيما يَصِيرُ به قَمَرًا، فقِيلَ: بعدَ ثالثةٍ.
وقيلَ: إذا اسْتدارَ.
وقيل: إذا بَهَرَ ضَوْؤه.
فصل: قال أحمدُ: إذا قال لها: أنتِ طالقٌ ليلةَ.
القَدْرِ.
يَعْتَزِلُها إذا دخلَ العَشْرُ وقبلَ العَشْرِ، أهلُ المدينةِ يَرَوْنها في السَّبْعَ عشرةَ، إلَّا أنَّ الثَّابِتَ
الجزء: 22 - الصفحة: 576
وَإنْ قَال: مَن بَشَّرَتْنِي بِقُدُومِ أخِي فَهِيَ طَالِقٌ.
فَأخْبَرَهُ بِهِ امْرَأَتَاهُ، طَلُقَتِ الأولَى مِنْهُمَا، إِلا أن تَكُونَ الثَّانِيَةُ هِيَ الصادِقَةَ وَحْدَهَا، فَتَطْلُقُ وَحْدَهَا.
عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في العشرِ الأواخِرِ.
إنَّما أمَرَه باجْتِنابِها في العشْرِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بالتماسِ ليلةِ القَدْرِ في العَشْرِ الأواخِرِ (1)، فيَحْتَمِلُ أن تكونَ أوَّلَ ليلةٍ منه، ويُمْكِنُ أنَّ (2) هذا منه على سبيلِ الاحْتياطِ، ولا يتَحَقَّقُ حِنْثُه إلى آخِرِ ليلةٍ مِنَ الشَّهْرِ؛ لاحْتِمالِ أن تكونَ هي تلك اللَّيلةَ.
3614 -
مسألة: (وَإنْ قال: مَنْ بَشَّرَتْنِى بقُدُومِ أخِي فَهِيَ طالق. فأخْبَرَتْه امْرَأتاهُ، طَلُقَتِ الأولَى مِنْهُمَا، إلَّا أنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ هِي الصَّادِقَةَ وَحْدَها، فَتَطْلُقُ وَحْدَها)
إنَّما طَلُقَتِ الأولَى وحدَها؛ لأنُّ التبشِيرَ خَبَرُ صِدْق، تَتَغَيَّرُ به بَشَرَةُ الوَجْهِ مِن سُرورٍ أو غَمٍّ، وقد حصَلَ بخَبرِ الأولَى، واشْتَرَطْنا صِدْقَها؛ لأنَّه متى عُلِمَ أنَّه كذِبٌ زال السُّرورُ،917918
الحديث: 3614 - الجزء: 22 - الصفحة: 577
وإنْ قَال: مَنْ أخْبَرَتْنِي بِقُدُومِهِ فَهِيَ طَالِق.
فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي.
وَعِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ تَطْلُقَانِ.
فإن كانتِ الثانيةُ هي الصادقةَ، طَلقَتْ وحدَها؛ لأن السُّرورَ إنَّما حصَل بخَبَرِها، هذا إذا أخْبَرَتْه إحْدَاهما بعدَ الأخْرَى، وإن بَشرَه بذلك اثْنَتانِ، أو ثلاث، أو أرْبعٌ دَفْعةً واحدةً، طَلُقْنِ كُلهنَّ؛ لأنَّ «مَنْ» تَقَعَ على الواحدَةِ (1) فما زادَ، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)﴾ (2). وقال: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَينِ﴾ (3).
3615 -
مسألة: (وإنْ قَال: مَنْ أخْبَرَتْنِي بِقُدُومِه فَهِيَ طالق. فكذلك عندَ القاضي)
تَطْلُقُ المُخْبرَةُ الأولَى إن كانتِ صادِقةً، وإن كانت كاذبةً، احْتَمَلَ أن 922 تَطْلُقَ؛ [لأَن الخبرَ ما يدخلُه الصدْقُ والكَذِبُ.
اخْتَاره أبو الخَطابِ.
ويَحْتَملُ أن لا تَطْلُقَ] 923. وهو ظاهرُ كلامِ919920921
الحديث: 3615 - الجزء: 22 - الصفحة: 578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القاضي، لأنَّ الظَّاهِرَ مِن حالِه أنَّه أرادَ: مَن أعْلَمَتْنِي.
ولا يحْصُلُ إلَّا بالصِّدْق، ولذلك لو قال: مَن بَشَّرَتْنِي بقُدومِه فهي طالق.
لم تَطْلُقِ الكاذِبَةُ، وإن كان السُّرورُ يحْصُلُ [به عندَه] 924 إذا جَهِل كَذِبهَا.
وإن أخْبَرَتْه أخْرَى، طَلُقَتْ في قولِ أبي الخَطَّابِ؛ لأنها مُخْبِرَة، ولم تَطْلُقْ عندَ القاضي الثاثيةُ ولا الكاذبةُ، كالبِشارةِ سواءً.
فصل: إذا قال: أولُ مَن يَقومُ مِنكُنَّ فهي طالق.
أو قال لِعَبيدِه: أوَّلُ مَن قَامَ مِنْكم فهو حُر.
فقامَ الكُلُّ دَفْعةً واحدةً، لم يَقَعْ طلاق ولا عِتْق، لأنَّه لا أولَ فيهم.
وإن قامَ واحد أو واحدة، ولم يَقُمْ بعدَه أحدٌ، احْتَمَلَ وَجْهَينِ، أحدُهما، يقَعُ الطَّلاق أو العِتْقُ؛ لأن الأوَّلَ [ما لم يَسْبقْه شيء، وهذا كذلك.
والثاني، لا يَقَعُ طلاق ولا عِتْق؛ لأنَّ الأوَّل] 925 ما كان بعدَه شيء، ولم يُوجَدْ.
فعلى هذا، لا يُحْكَم بوُقوعِ ذلك ولا انْتفائِه، حتى يَيئَسَ مِن قيامِ أحدٍ منهم بعدَه، فَتَنْحَل يَمِينُه.
وإن قامَ اثْنانِ أو ثلاثة دَفْعَةً واحدةً، وقامَ بعدَهم آخَرُ، وَقَعَ الطَّلاقُ والعِتْقُ بمَنْ قامَ في الأوَّلِ؛ لوُقُوعِه على القَليلِ والكثيرِ، قال اللهُ
الجزء: 22 - الصفحة: 579
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ 926. وحُكِيَ عن القاضي في مَن قال: أوَّل مَنْ يَدْخُلُ مِن عَبيدِي فهو حُر.
فدخلَ اثْنانِ دَفْعةً واحدةً، ثم دخلَ بعدَهم آخَرُ، لم يَعْتِقْ واحد منهم.
وهذا بعيدٌ؛ فإنَّه قد دخلَ بعضُهم بعدَ بعض، ولا أوَّلَ فيهم، وهذا لا يَسْتقيمُ إلَّا أن يَكونَ قال: أوَّلُ مَن يَدخلُ منكم وَحْدَه.
ولم يَدخلْ بعدَ الثَّالثِ أحدٌ، فإنَّه لو دخل بعدَ الثَّالثِ أحدٌ، عَتَقَ الثالثُ 927، لكَوْنِه أوَّلَ مَنْ دخَلَ وحدَه، وإذا لم يَقُلْ: وحدَه.
فإنَّ لفظَةَ الأوَّلِ تَتَناولُ الجماعةَ كما ذَكَرْنا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ» 928. ولو قال: آخِرُ مَن يدْخلُ مِنكُنَّ الدَّارَ فهي طالق.
فدخلَ بعضُهُنَّ، لم يُحْكَمْ بطلاقِ
الجزء: 22 - الصفحة: 580
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واحدةٍ مِنْهُنَّ حتى يُيئَسَ مِن دُخولِ غيرِها بمَوْتِه، أو مَوْتِهنَّ، أو غيرِ ذلك، فيَتَبَيَّنُ وُقوعُ الطلاقِ بآخرِهنَّ دُخولًا مِن حينَ دخلتْ، وكذلك الحُكْمُ في العِتْقِ.
فصل: إذا قال: إنْ دخلَ دارِي أحد فامْرَأتِي طالق.
فدَخَلَها هو.
أو قال لإنسانٍ: إن دخَلَ دَارَك أحد فعَبْدِي حُر.
فدَخَلَها صاحِبُها، فقال القاضِي: لا يَحْنَثُ؛ لأن قرِينَةَ حالِ المُتَكَلِّمِ تدُلُّ على أنَّه إنَّما حَلَفَ على غيرِه، وتَمْنَعُ مَنْ سِوَاهُ، فيخْرُجُ هو مِن العُمُوم بالقَرينةِ، ويَخْرُجُ المُخاطَبُ مِن اليمينِ بها 929 أيضًا.
ويَحْتَمِلُ الحِنْثَ أخَذًا بعُمُومِ اللَّفْظِ، وإعْراضًا عن السَّبَبِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 581
وَإن حَلَفَ لَا يفعَلُ شَيئًا، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا، حَنِثَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَلَمْ يَحْنَثْ فِي الْيَمِينِ الْمُكَفَّرَةِ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ.
3616 - مسألة: (وَإنْ حَلَفَ لا يَفْعَلُ شَيئًا، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا، حَنِثَ فِي الطلاقِ والْعَتَاقِ، ولم يَحْنَثْ فِي اليَمِينِ المُكَفَّرَةِ، فِي ظَاهِرِ المَذْهَبِ)
نَقَلَ ذلك عن أحمدَ جماعة.
واخْتارَه الخَلَّالُ وصاحِبُه.
وهو قولُ أبي عُبَيدٍ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أخْرَى، أنه لا يَحْنَثُ في الطَّلاقٍ والْعَتاقِ أيضًا.
وهذا قولُ عطاءٍ، وعَمْرِو بنِ دِينار، وابنِ أبي نجِيحٍ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافعيِّ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ 930. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأمَّتِي عنِ الخَطَأَ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» 931. ولأنه غيرُ قاصدٍ للمُخالفَةِ، فلم يَحْنَثْ، كالنائمِ والمجْنونِ.
ولأنه أحَدُ طَرَفَيِ اليَمِين، فاعْتُبِرَ فيه القَصْدُ، كحالةِ الابتداءِ بها (وعن أحمدَ) رِوايَة ثالثة، أَنَّه (يَحْنَثُ في
الحديث: 3616 - الجزء: 22 - الصفحة: 582
وَعَنْهُ، لَا يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ.
الجميعِ) وتَلْزَمه الكَفَّارَةُ في اليَمِينِ المُكَفَّرَةِ.
وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَير، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، [وأصحابِ الرَّأي] 932، والقولُ الثَّانِي للشافعيِّ؛ لأنَّه فَعَلَ ما حَلَفَ عليه قاصِدًا لِفعْلِه، فَلَزِمَه الحِنْثُ، كالذَّاكِرِ، وكما لو كانت اليَمِينُ بالطَّلاقِ والْعَتاقِ.
ووَجْهُ الأولَى، أنَّ الكَفَّارَةَ إنَّمَا تجبُ لرَفْعِ الإِثْمِ، ولا إثْمَ على النّاسِي، ولِما ذَكَرْنا مِن الآيةِ والخَبَرِ.
وأما الطَّلاقُ والعَتاقُ، فهو مُعَلَّق بشَرْطٍ، فيَقَعُ بوُجودِ شَرْطِه مِن غيرِ قَصْدٍ، كما لو قال: أنت طالق إن طَلَعَت الشَّمسُ، أو قَدِمَ الحاجُّ.
ولأنَّ هذا يَتَعَلقُ به حَقُّ آدَمِي، فتَعَلَّقَ الحُكْمُ به مع النِّسْيانِ، كالإتْلافِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 583
وَإنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيتًا، أوْ لَا يُكَلِّمُهُ، أوْ لَا يُسَلِّمُ عَلَيهِ، أَوْ لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَقْضِيَهُ حَقَّهُ، فَدَخَلَ بَيتًا هُوَ فِيهِ وَلَمْ يَعْلَمْ، أوْ سَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ وَلَمْ يَعْلَمْ، أوْ قَضَاهُ حَقَّهُ فَفَارَقَهُ، فَخَرجَ رَدِيًّا، أوْ أحَالهُ بِحَقِّهِ فَفَارَقَهُ، ظَنًّا مِنْهُ أنَّهُ قَدْ بَرَّ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَينِ فِي النَّاسِي وَالْجَاهِلِ.
3617 - مسألة: (وإنْ حَلَفَ لا يَدْخُلُ على فُلَانٍ بَيتًا، أو لا يُكَلِّمُهُ، أو لَا يُسَلِّمُ عليه، أو لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَقضِيَهُ حَقَّهُ، فَدَخَلَ بَيتًا هو فِيهِ ولم يَعْلَمْ، أو سَلَّمَ عَلَى قَوْم هو فِيهم ولم يَعْلَمْ، أو قَضَاهُ حَقَّهُ فَفَارَقَهُ، فَخَرَجَ رَدِيًّا، أو أحَالهُ به فَفَارَقَهُ ظَنًّا مِنْهُ أنَّهُ قَدْ بَرَّ 933، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَينِ فِي النَّاسِي والجَاهِلِ) فَإنَّ فِي النَّاسي رِوَايَتَينِ، وَالجَاهِلُ مَقِيس عليهِ؛ لأنَّه غيرُ قاصدٍ للمُخالفُةِ، وقد سَبَقَ دليلُ ذلك.
وكذلك إن حَلَفَ لا يُكَلِّمُ فُلانًا، فسَلَّمَ عليه يحْسَبُه أجْنَبِيًّا، أو حَلَفَ لا يَبِيع 934
الحديث: 3617 - الجزء: 22 - الصفحة: 584
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لزيدٍ ثَوْبًا، فوَكَّلَ زيد مَن يدْفَعُه إلى مَنْ يَبِيعُه، فدَفَعَه إلى الحالِفِ، فباعَه
الجزء: 22 - الصفحة: 585
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مِن غيرِ عِلْمِه، فهو كالناسِي؛ لأنَّه غيرُ قاصدٍ للمُخالفَةِ، أشْبَهَ النَّاسِيَ.
الجزء: 22 - الصفحة: 586
وَإن حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيئًا، فَفَعَلَ بَعْضَهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَعَنْهُ، يَحْنَثُ، إِلا أنْ يَنْويَ جَمِيعَهُ.
3618 - مسألة: (وإن حَلَفَ لا يَفْعَلُ شَيئًا، ففَعَلَ بَعْضَه، لم يحْنَثْ. وعنه، يَحْنَثُ، إلَّا أنْ يَنْويَ جَمِيعَهُ)
هذه الرِّوايةُ ظاهِر المذهب.
نصَّ أحمدُ على ذلك، في رِوايةِ حَنْبَلٍ، وصالحٍ، في مَن حَلَفَ على امْرأتِه لا تدْخُلُ بَيتَ أخْتِها: لم تَطْلُقْ حتى تَدْخُلَ كلها، ألَا تَرَى أنَّ عَوْفَ بنَ مالك، قال: كُلِّي أو بَعْضِي 935؛ لأن الكُلَّ لا يكونُ بعْضًا، والبعضَ لا يكونُ كُلا.
وهذا اخْتِيارُ أبي الخَطَّابِ، ومذهبُ أبي حنيفةَ، والشافعي؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُخْرِجُ رأسَه وهو مُعْتَكِف إلى عائشةَ،
الحديث: 3618 - الجزء: 22 - الصفحة: 587
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فتُرَجِّلُه وهي حائِض 936. والمُعْتَكِفُ مَمْنوع مِن الخُروج مِن المسْجِدِ، والحائِضُ مَمْنُوعَة مِن اللُّبْثِ فيه.
ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأبَيِّ بنِ كَعْبٍ: «إنِّي لَا أخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ حَتي أعَلِّمَكَ سُورَة» 937. فلَمَّا أخْرَجَ رِجْلَه مِن المسْجِدِ عَلَّمَه إيَّاها.
ولأن يَمِينَه تعَلَّقَتْ بالجميعِ، فلم تَنْحَلَّ بالبَعْضِ، كالإثْباتِ.
وعنه، أنه يَحْنَثُ، إلَّا أنْ يَنْويَ جَمِيعَه.
حُكِيَ ذلك عن مالك.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ؛ لأن اليَمِينَ تَقْتَضِي المَنْعَ مِن 938 فِعْلِ المحْلُوفِ عليه، فاقْتَضَتِ المنْعَ مِن فِعْلِ شيءٍ منه، كالنَّهْي، ونظيرُ الحَلِفِ على تَرْكِ الشيءِ قولُه سبحانه: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُمْ﴾ 939. وقولُه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ 940. لا يكونُ المَنْهِيُّ 941 مُمْتَثِلًا إلا بتَرْكِ الدُّخولِ كلِّه، فمتى أدْخلَ بعضَه، لم يَكنْ تاركًا لِما حَلَفَ عليه، فكان مُخالِفًا، كالنَّهْيِ عن الدُّخولِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 588
وَإنْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ، لَمْ يَبَرَّ حَتَّى يَفْعَلَ جَمِيعَهُ.
وَإذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَأدخَلَهَا بَعْض جَسَدِهِ، أو دَخَلَ طَاقَ
والخِلافُ إنَّما هو في اليَمِينِ المُطْلَقَةِ، فأمَّا إن نَوَى الجميعَ أو البَعْضَ، فَيمِينُه على ما نَوَى.
وكذلك إنِ اقْتَرَنَتْ به قَرِينَة تَقْتَضِي أحدَ الأمْرَينِ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُه به، كمَنْ حَلَفَ لا شَرِبْتُ هذا النَّهْرَ، أو هذه البِرْكَةَ.
تَعَلَّقَتْ يَمِينُه ببَعْضِه، وَجْهًا واحدًا.
وفيه خِلاف نذْكُرُه في موْضِعِه بعدُ.
3619 -
مسألة: وإنْ حَلَف لَيَفْعَلَنَّ شَيئًا، أوْ ليَدْخُلَنَّ الدَّارَ، لم يَبْرأ إلَّا بفِعْلِ جَميعِهِ، والدخُولِ إلَى الدَّارِ بجُمْلَتِهِ.
لا يخْتَلِفُ المذهبُ في ذلك، ولا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ فيه اخْتِلافًا؛ لأنَّ اليَمِينَ تَناوَلَتْ فِعْلَ الجميعِ، فلم يَبْرأ إلَّا بفِعْلِه، كما لو أمَرَه اللهُ تعالى بفِعْلِ شيءٍ، لم يَخْرُجْ مِن عُهْدَةِ الأمْرِ إلّا بفِعْلِ الجميعِ؛ لأنَّ اليَمِينَ عَلَى فعلِ شيءٍ إخْبار بفِعْلِه في المُسْتَقْبَلِ مُؤَكَّدٌ بالقَسَمِ، والخبَرُ بفِعْلِ شيءٍ يَقْتَضي فِعْلَه كُلَّه.
3620 -
مسألة: (وَإنْ حَلَفَ لا يَدْخُلُ دَارًا، فَأدْخَلَهَا بَعْضَ
الحديث: 3619 - الجزء: 22 - الصفحة: 589
الْبَابِ، أو لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، فَلَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ مِنْهُ، أوْ لَا يَضْرَبُ مَاءَ هَذَا الإنَاءِ، فَضَرِبَ بَعْضَهُ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَينِ.
جَسَدِهِ، أو دَخَلَ طاقَ الْبَابِ، أو لا يَلْبَسُ ثَوبًا مِن غَزْلِها، فلبس ثَوْبًا فيه منه، أو لا يَضْرَبُ ماءَ هذا الكُوزِ، فضرِبَ بعْضَه، خُرِّج على الرِّوايَتَينِ) في 942 فِعْلِ بعضِ المحْلوفِ عليه، وقد ذَكَرْناه قبلَ هذه المسألةِ.
الجزء: 22 - الصفحة: 590
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ ماءَ هَذَا النَّهْرِ، فَضَرِبَ مِنْهُ، حَنِث.
3621 - مسألة: (وإن حَلَفَ لا يَشْرَبُ مَاءَ هذا النَّهْرِ، فَشَرِبَ مِنه، حَنِثَ)
وَجْهًا وَاحِدًا؛ لأنَّ فِعْلَ الجميعِ مُمْتَنِعٌ، فلا تَنْصرِفُ يَمِينه إليه، وكذلك إن قال: واللهِ لا آكُلُ الخُبْزَ، ولا أشْرَث الماءَ.
وما أشْبَهَهُ ممّا علَّقَ على اسْمِ جِنْس، أو عَلَّقَه على اسمِ جَمْعٍ؛ كالمُسْلِمِين، والمشْرِكين، والفُقَراءِ، والمساكينِ، فإنَّه يَحْنَثُ بالبَعْضِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، وسَلَّمَه أصحاب الشافعيِّ في اسْمِ الجِنْسِ دُونَ الجَمْعِ.
وسواءٌ عَلقه على اسْمِ جِنْس مُضافٍ، كقولِه: واللهِ لا شَرِبْتُ ماءَ هذا النَّهْرِ.
أو قال: والله لِا شَرِبْتُ الماءَ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأحدُ الوَجْهَينِ لأصْحابِ الشافعيِّ.
والوَجْه الآخر، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ لَفْظَه يَقْتَضِي جَمِيعَه، فلم يَحْنَثْ بفِعْلِ بَعْضِه، كالإدَاوَةِ.
ولَنا، أنَّه لا 943 يمْكِن شُرْبُ جَمِيعِه، فتَعلَّقَتْ يَمِينه ببَعْضِه، كما لو حَلَفَ لا يكَلِّمُ النَّاسَ، فكَلَّمَ بعْضَهم، وبهذا فارَقَ ماءَ الإدَاوَةِ.
فإن نَوَى بيَمِينه فِعْلَ الجميعِ، أو 944 كان في لَفْظِه ما يَقْتَضِي ذلك، لم يَحْنَثْ إلَّا بفِعْلِ الجميعِ، بلا خِلافٍ، فلو قال: لا صُمْت يومًا.
أو: لا صَلَّيتُ صلاةً.
أو: لا أَكَلْتُ رَغِيفًا.
أو قال لزَوْجَتِه: إن حِضْتِ حَيضَةً.
فهذا وشِبْهُه ممَّا يدل على إرادَةِ
الحديث: 3621 - الجزء: 22 - الصفحة: 591
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجميعِ، فوجبَ تَعَلُّقُ اليَمِينِ به.
فصل: إذا حَلَف: لا شَرِبْتُ مِن ماءِ الفُراتِ.
فشَرِبَ مِن مائِه، حَنِثَ، سواءٌ كَرَعَ 945 فيه، أو اغْتَرَفَ منه ثم شَرِبَه.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ حتى يَكْرَعَ فيه؛ لأنَّ حَقِيقة ذلك الكَرْعُ، فلم يَحْنَث بغَيرِه، كما لو حَلَفَ لا يَشْرَبُ مِن هذا الإِنَاءِ، فصَبّ منه في غيرِه وشَرِبَ.
ولَنا، أنَّ مَعْنى يَمِينه أن لا يَشْرَبَ مِن ماءِ الفُراتِ؛ لأنَّ الشرْبَ يكونُ مِن مائِها لا منها في العُرفِ 946، فحُمِلَتِ اليَمِينُ عليه، كما لو حَلَفَ: لا شَرِبْتُ مِن هذا البِئْرِ، ولا أكَلْتُ مِن هذه الشَّجرَةِ، ولا شَرِبْتُ مِن هذه الشَّاةِ.
ويُفارِقُ الكُوزَ؛ فإنَّ الشُّرْبَ في العُرْفِ (2) منه؛ لأَنه آلة للشرْب، بخلافِ النَّهْرِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالبِئْرِ والشاةِ والشجَرةِ، وقد سَلَّمُوا أَنه لو اسْتَقَى 947 مِن البِئْرِ، أو حَلَبَ لبنَ الشَّاةِ، أو الْتَقَطَ مِن الشَّجَرَةِ، فشَرِبَ وأكَلَ، أَنه يَحْنَثُ، فكذا في مسْألتِنا.
فصل: وإن حَلَفَ لا يَشْرَبُ مِن ماءِ الفُراتِ، فشَرِبَ مِن نَهْر يَأخُذُ منه، حَنثَ؛ لأنه مِن ماءِ الفُراتِ.
وإن حَلَفَ لا يَشْرَبُ مِن الفُراتِ، فشَرِبَ مِن نَهْر يأخُذُ منه، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَحْنَثُ؛ لأن مَعْنَى
الجزء: 22 - الصفحة: 592
وَإنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا اشْتَرَاهُ زَيد أو نَسَجَهُ، أوْ لَا يَأكلُ طَعَامًا طَبَخَهُ زَيد، فَلَبِس ثَوبًا نَسَجَهُ هُوَ وَغَيرُهُ، أو اشْتَرَيَاهُ، أوْ أكَلَ مِنْ طَعَام طَبَخَاهُ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ.
الشُّرْب منه الشُّرْبُ مِن مائِه، فحَنِثَ، كما لو حَلَفَ: لا شَرِبْتُ مِن مائِه.
وهذا أحدُ الاحْتِمالينِ لأصْحابِ الشافعيِّ.
والثاني، لا يَحْنَثُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصْحابِه، إلَّا أبا يوسفَ، فإنَّ عنه رِوايَةً، أنَّه يَحْنَثُ.
وإنَّما قُلْنا: إنَّه لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ ما أخَذَه النَّهْرُ يُضافُ إلى ذلك النَّهْرِ، لا إلى الفُراتِ، ويَزُولُ بإضافَتِه إِليه عن إضافَتِه إلى الفُراتِ، فلا يَحْنَثُ به، كغيرِ الفُراتِ.
3622 -
مسألة: (وإنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبًا اشْتَرَاهُ زَيدٌ أو نَسَجَه، أو لا يَأكلُ طَعَامًا طَبَخَهُ، فَلَبِسَ ثَوْبَّا نَسَجَهُ هُوَ وَغَيرُه، أو اشْتَرَيَاهُ، أو أكَلَ طَعَامًا طَبَخَاه، فَعَلَى رِوَايَتَينِ)
إحْدَاهما، يَحْنَثُ، كما لو حَلَفَ لا يَلْبَسُ مِن غَزْلِ فُلانَةَ، فلَبِسَ ثَوْبَّا مِن غَزْلِها [وغَزْلِ غيرِها.
والثَّانيةُ، لا يَحْنَثُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّه لم يَلْبَسْ ثوبًا كامِلًا] 948. وكذلك إن حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبَّا نَسَجَه زيدٌ، ولا يَأكُلُ من قِدْر طَبَخَها، ولا يَدْخُلُ دارًا اشْتَرَاها، ولا يَلْبَسُ ثوبًا خَاطَه زيد، فَفَعَلَ ذلك هو وغيرُه،
الحديث: 3622 - الجزء: 22 - الصفحة: 593
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلَبِسَ الثوْبَ، أو دَخَلَ الدَّارَ، أو أكَلَ مِن الطَّعامِ، ففي هذا كلِّه من الخِلافِ ما ذَكَرْنا في مَن حَلَفَ لا يفْعَلُ شيئًا فَفَعَلَ بعْضَه.
فأمَّا إن حَلَفَ أن لا يَلْبَسَ ممَّا خاطَه زيدٌ، فإنَّه يَحْنَثُ بلُبْسِ ثَوْبٍ خَاطَاه جميعًا؛ لأنَّه لبِسَ ممَّا خاطَه زيدٌ، بخلافِ ما إذا قال: ثَوْبًا خَاطَه زيد.
وإن حَلَفَ لا يَدْخُلُ دارًا لزيدٍ، فدَخَلَ دارًا له ولغيرِه، خُرِّجَ فيه وَجْهان؛ بِناءً على ما ذَكَرنا.
فصل: وإنْ حَلَفَ لا يَأكلُ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيدٌ، فَأكَلَ طَعَامًا اشْتَرَاه هو وغيرُهُ، حَنِثَ، إلَّا أنْ يَكُونَ أرَادَ أنْ لا يَنْفَرِدَ أحَدُهما بِالشِّرَاءِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالك.
وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ.
وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ فيه احْتِمالًا 949؛ لأنَّ كُلَّ جُزْءٍ لم يَنْفَرِدْ أحَدُهما بشرائِه، فلم يَحْنَثْ، كما لو حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبًا اشْتَراه زيدٌ، فلبِسَ ثوبًا اشْتَراه هو وغَيرُه.
ولَنا، أنَّ زيدًا اشْتَرَى نِصْفَه، وهو طَعام، وقد أكَلَه، فأشْبَهَ
الجزء: 22 - الصفحة: 594
وَإنِ اشْتَرَى غَيرُهُ شَيئًا فَخَلَطَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ، فَأكلَ أكثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهُ شَرِيكُهُ، حَنِثَ، وَإنْ أكلَ مِثْلَهُ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
ما لو اشْتَرَاه زيدٌ وخَلَطَه بما اشْتَراه عَمْرٌو، فأكَلَ الجميعَ، فأمَّا الثَّوْبُ، فلا نُسَلِّمُه، وإنْ سَلَّمْناه، فالفَرْقُ بينَهما أنَّ نِصْفَ الثَّوْبِ ليس بثَوْبٍ، ونِصْفَ الطَّعامِ طعامٌ، وقد أكَلَه بعدَ أنِ اشْتَراه زيدٌ.
وإنِ اشْتَرَى زيدٌ نِصْفَه مُشاعًا، أو اشْتَرَى نِصْفَه، ثم اشْتَرَى آخَرُ باقِيَه، فأكَلَ منه، حَنِثَ.
والخِلافُ فيه على ما تَقَدَّمَ.
فأمَّا إنِ اشْتَرَى زيدٌ نِصْفَه مُعَينا، ثم خَلَطَه بالنِّصْفِ الآخَرِ، ثم أكلَ أكثَرَ مِن النِّصْفِ، حَنِثَ، وَجْهًا واحدًا، بغيرِ خلافٍ؛ لأنَّه أكلَ ممَّا اشْتَرَاه زيد يَقِينًا.
وإن أكلَ نِصْفَه، أو أقَلَّ مِن نِصْفِه، ففيه وَجْهانِ.
أحدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّه يَسْتَحِيلُ في العادَةِ انْفِرادُ 950 ما اشْتَرَاه زيد مِن غيرِه، فيَكونُ الحِنْثُ ظاهِرًا.
والثاني، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الحِنْثِ، ولم يُتَيَقَّنْ.
وإن أكَلَ مِن طَعام اشْتَرَاه زيد، ثم باعَه، أو اشْتَرَاه لغيرِه، حَنِثَ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ.
وكلُّ مَوْضِع لا يَحْنَثُ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو حَلَفَ لا يَأكلُ تَمْرَةً، فوَقَعَتْ في تَمْر، فأكَلَ منه واحدةً، على ما سَنَذْكُرُه، إن شاءَ الله تَعالى.
الجزء: 22 - الصفحة: 595
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1416 هـ - 1996 م
المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756
المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة
الجزء: 23 - الصفحة: 2
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
الجزء: 23 - الصفحة: 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَابُ التَّأويلَ فِي الْحَلِفِ
وَمَعْنَى التَّأويلِ أنْ يُرِيدَ بِلَفْظِهِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ، فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ ظَالِمًا، لَمْ يَنْفَعْهُ تَأويلُهُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ»، وإنْ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا فَلَهُ تَأويلُهُ.
بابُ التَّأويلَ في الحَلِفِ
(ومَعْنَى التَّأويلِ أنْ يُرِيدَ بلَفْظِه ما يُخالِفُ ظاهِرَه، فإن كان الحالِفُ ظالِمًا، لم يَنْفعْه تَأويلُه؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بهِ صَاحِبُكَ» 951. وإن لم يَكُنْ ظالِمًا، فله تَأويلُه) نحوَ أنْ يَحْلِفَ أنه أَخِي، يُرِيدُ بذلك أخُوة في الإسْلام، أو يَعْنِي بالسقْفِ والبِناءِ السماءَ، وبالبِساطِ والفِرَاشِ الأرْضَ، وبالأَوْتادِ الجبال، وباللِّباسِ اللَّيلَ، أو يقولَ: ما رَأيتُ فُلانًا.
أي ما ضَرَبْتُ رِئَتَه 952. ولا ذَكَرْتُه.
أي ما
الجزء: 23 - الصفحة: 5
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَطَعْتُ ذَكَرَه.
أو يقولَ: جَوارِيَّ أحْرار.
يعني سُفُنَه 953. ونِسائِي طَوالِقُ.
يعني النساءَ الأقارِبَ منه، أو يقولَ: ما كَتَبْتُ فُلانًا، ولا عَرَفْتُه، ولا أعْلَمْتُه، ولا سَألتُه حاجَةً، ولا أكَلتُ له دَجاجَةً، ولا فَرُّوجةً، ولا شَرِبْتُ له ماءً، ولا في بَيتي فَرشٌ ولا حَصِير، ولا بارِية.
ويَعْني بالمكاتَبَةِ مكاتَبَةَ الرقِيقِ، وبالتَّعْريفِ جَعْلَه عَرِيفًا، وبالإعْلامِ جعْلَه أعْلَمَ الشفَةِ،
الجزء: 23 - الصفحة: 6
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والحاجَةِ شَجَرَةً صَغِيرَةً، والدَّجاجةِ الكُبَّةَ من الغَزْلِ، والفَرُّوجةِ الدُّرَّاعَةَ 954، والفَرْشِ صِغارَ الابلِ، والحَصِيرِ الحَبسَ، والبارِيةِ السِّكِّينَ التي يُبرَى بها، أو يقولَ: واللهِ مَا أكَلْتُ من هذا شيئًا، ولا أخَذْتُ منه.
يعني الباقِيَ بعدَ أخْذِهِ وأكْلِه.
فهذا وأشْباهُه ممَّا يَسْبِقُ إلى فَهْمِ السَّامِعِ خِلافُه، إذا عَناه بيَمِينه، فهو تَأويل؛ لأنه خِلاف الظاهِرِ.
فصل: ولا يَخْلُو حالُ الحالِفِ المُتَأوِّلِ من ثلاثةِ أحْوال؛ أحدُها، أن يكونَ مَظْلُومًا، مثلَ أنْ يَسْتَحْلِفَه ظالم على شيءٍ، لو صَدَقَه لَظَلَمَه، أو ظَلَمَ غيرَه، أو نال مُسْلِمًا منه ضَرَر، فهذا له تَأويلُه.
قال مُهَنَّا: سألتُ أحمدَ عن رَجُلٍ له امْرَأتانِ، اسْمُ كلِّ واحدةٍ منهما فاطِمَةُ، فماتَتْ واحدةْ منهما، فحَلَفَ بطَلاقِ فاطِمَةَ، ونوَى التي ماتَت.
قال: إن كان المُسْتَحْلِفُ له ظالِمًا، فالنيةُ نِيَّةُ صاحب الطَّلاقِ، وإن كان المُطَلِّقُ هو الظالِمَ، فالنيةُ نِيَّةُ الذي اسْتَحْلَفَه.
ورَوَى أبو داودَ 955، بإسْنادِه، عن سوَيدِ بنِ حَنْظَلَةَ، قال: خَرَجْنَا نُرِيدُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ومَعَنا وائِلُ بنُ
الجزء: 23 - الصفحة: 7
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حُجْر، فأخَذَه عَدُوٌّ له، فتَحَرَّجَ القومُ أن يَحْلِفُوا، فَحَلَفْتُ أنَّه أخِي، فخلَّى سَبِيلَه، فأتَينا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرْنا ذلك له، فقال: «أنْتَ 956 كنتَ أصْدَقَهُمْ وَأبَرَّهُمْ، الْمُسْلِمُ أخُو الْمُسْلِمِ».
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ» 957 يعني سَعَةَ المَعارِيضِ التي يُوهِمُ بها السَّامعَ غيرَ ما عَناهُ.
قال محمدُ بنُ سِيرِينَ: الكلامُ أوْسَعُ مِن أنْ يَكْذِبَ ظَرِيفٌ.
يعني لا يَحْتاجُ أن يَكْذِبَ؛ لكَثْرَةِ الْمَعَارِيضِ، وخَصَّ الظرِيفَ بذلك، يعني به الكَيِّسَ الفَطِنَ، فإنَّه يَفْطِنُ للتَّأويلِ، فلا حاجَةَ به إلى الكذِبِ.
الوَجْهُ الثانِي، أن يكونَ الحالِفُ ظالِمًا، كالذي يَسْتَحْلِفُه الحاكِمُ على حَق عندَه، فهذا تَنْصَرِفُ يَمِينُه إلى ظاهِرِ الذي عَناهُ المُسْتَحْلِفُ، ولا يَنْفَعُ الحالِفَ تَأويلُه.
وبهذا قال الشافعي.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالفًا؛ فإنَّ أبا هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:
الجزء: 23 - الصفحة: 8
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ».
روَاه مُسْلِم، [وأبو داودَ.
وعن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الْيَمِينُ عَلَى نِيةِ الْمُسْتَحْلِفِ».
رَواه مسلم] 958. ولأنَّه لو ساغَ التَّأويلُ، لَبطلَ المعْنَى المُبْتَغَى باليَمِينِ، إذْ مقْصُودُها تَخْويفُ الحالِفِ ليَرْتَدِعَ عن الجُحود خَوْفا مِن عاقِبةِ اليَمِينِ الكاذِبَةِ، فمتى ساغَ التَّأويلُ له، انتَفَى ذلك، وصار التَّأويلُ وَسِيلَةً إلى جَحْدِ الحُقوقِ.
قال إبراهيمُ، في رجلٍ اسْتَحْلَفَه السُّلْطانُ على شيءٍ بالطَّلاقِ، فَوَرَّكَ 959 في يَمِينه إلى شيءٍ: أجْزَأ عنه، وإن كان ظالما، لم يُجْزِ عنه التأويلُ.
الحالُ الثَّالثُ، أن لا يكونَ ظالما ولا مَظْلومًا، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ له تَأويلَه، فإنَّه رُوِيَ أنَّ مُهَنَّا كان عندَه، هو والمَرُّوذِي وجماعَةٌ، فجاءَ رجل يطْلُبُ المَرُّوذِيَّ، ولم يُرِدِ المَرُّوذِيُّ أن يُكَلِّمَه، فوَضَعَ مُهَنَّا إِصْبَعَه في كَفِّه، وقال: ليس المَرُّوذِي ههُنا، وما يَصْنَعُ المَرُّوذِيُّ ههُنا! يُريدُ: ليس المَرُّوذِيُّ في كَفه.
فلم يُنْكِرْه أبو عبدِ اللهِ.
ورُوِيَ أنَّ 960 مُهَنَّا قال: إنِّي أريدُ الخُروجَ -يعني السَّفَرَ إلى بلدِه- وأحِبُّ أن تُسْمِعَني الجُزْءَ الفُلانِي.
الجزء: 23 - الصفحة: 9
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأسْمَعَه إياه، ثم رآهُ بعدَ ذلك، فقال: ألم تَقُلْ إنك تُرِيدُ، الخُروجَ؟ فقال له مُهَنَّا: قلتُ لَكَ: إنِّي أريدُ الخُروجَ الآن! فلم يُنْكِرْ عليه.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا أيضًا.
ورَوَى سعيد، عن جَرِير، عن المُغِيرَةِ، قال: كان إذا طَلَبَ إنْسان إبراهيمَ، ولم يُرِدْ إبْراهِيمُ أنْ يَلْقاهُ، خَرَجَتْ إليه الخادِمُ، فقالت: اطْلُبوه في المسْجدِ.
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَمْزَحُ، ولا يقولُ إلا حَقًّا.
ومُزاحُه أنْ يُوهِمَ السًّامِعَ بكلامِه غيرَ ما عَناهُ، فقال لعَجُوزٍ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَجُوز» 961. يعني أن الله يُنْشِئُهُنَّ أبْكَارًا 962 عرُبًا أتْرَابًا.
وقال أنس: إن رَجُلًا جاءَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ اللهِ، احْمِلْنِي.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ».
فقال: وما أصْنَعُ بوَلَدِ النَّاقَةِ؟ قال: «وَهَلْ تَلِدُ الإبِلَ إلا النوقُ».
روَاه أبو داودَ 963. وقال لامْرأةٍ وقد ذَكَرَتْ له زَوْجَها: «أهُوَ الَّذِي في عَينه بَيَاض؟».
فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنه لصَحِيحُ
الجزء: 23 - الصفحة: 10
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العَينِ 964. وأرادَ النبي - صلى الله عليه وسلم - البَياض الذي حَوْلَ الحَدَقةِ.
وقال لرَجُل احْتَضَنَه مِن وَرائِه: «مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ؟» فقال: يا رسولَ اللهِ، تَجدُنِي إذا كاسِدًا.
قال: «لَكِنَّكَ عِنْدَ 965 اللهِ لَسْتَ بكَاسِدٍ» 966. وهذا كلُّه من التَّأويلِ والمَعاريضِ، وقد سَمَّاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حَقا، فقال: «لَا أقولُ إلا حَقا» 967. ورُوِيَ عن شُرَيح، أنه خرَجَ من عندِ زياب 968، وقد حَضَرَه الموتُ، فقيلَ له: كيف تَرَكْتَ الأمِيرَ؟ فقال: تَرَكْتُه يَأمُرُ وَيَنْهَى.
فلما مات قيلَ له: كيف قُلْتَ ذلك؟ فقال: تَرَكْتُه يَأمُرُ بالصبْرِ، ويَنْهَى عن البُكاءِ والجَزَعِ.
ويُرْوَى عن شَقِيق أنَّ رَجُلًا خَطَبَ امْرأةً، وتحيه أخْرَى، فقالوا: لا نُزَوِّجُك حتى تُطَلِّقَ امْرَأتَك.
فقال: اشْهَدُوا أنِّي قد طَلَّقْتُ ثلاثًا.
فَزَوَّجُوه.
فأقامَ 969 على امْرأتِه، فقالوا: قد طَلقْتَ ثلاثا.
قال: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّه كان لي ثلاثُ نِسْوةٍ فطَلَّقْتُهُنَّ؟ قالوا: بَلَى.
قال: قد طَلَّقْتُ ثلاثًا 970. قالوا: ما هذا أرَدْنا.
فذكَرَ ذلك شَقِيق لعُثْمانَ، فجعَلَها
الجزء: 23 - الصفحة: 11
فَإذَا أكَلَا تَمْرًا، فَحَلَفَ لتخْبِرِنِّي بِعَدَدِ ما أكَلْتُ.
أوْ: لتمَيِّزِنَّ نَوَى مَا أكَلْتُ
نِيَّتَه (1). ويُرْوَى عن الشَّعْبِيِّ أنه كان في مَجْلِس، فنَظَرَ إليه رَجُلٌ ظَن أنه طَلَبَ منه التعْرِيفَ به، والثناءَ عليه، فقال الشعْبِي: إن له بَيتا وشَرَفًا.
فقيلَ للشعْبِيِّ بعدَ ما ذَهَبَ الرَّجُلُ: أتَعْرفُه؟ قال: لا، ولكِنه نَظَرَ إلي.
قيلَ: فكيف أثْنَيتَ عليه؟ قال: شَرَفُه أذُناهُ، وبَيتُه الذي يَسْكُنُه.
ورُوِيَ أن رجُلًا أخِذَ علي شَرابٍ، فقيلَ له: مَنْ أنْتَ؟ فقال (2):
أنا ابنُ الذي لا يَنْزِلُ الدَّهْرَ قِدْرُهُ … وإنْ نَزَلَتْ يومًا فسَوْفَ تَعُودُ
تَرَى الناس أفْواجًا على بابِ دارِه … فمِنْهُم قِيامٌ حَوْلَها وقُعُودُ
فظَنُّوه شَرِيفًا، فَخَلَّوْا سَبِيلَه، ثم سألوا عنه، فإذا هو ابنُ البَاقلاني.
وأخَذَ الخوارِجُ رافِضيًّا، فقالُوا له: تَبَرا من عثمانَ وعلي.
فقال: أنا مِن علي ومن عثمان برئٌ.
فهذا وشِبْهُه هو التأويلُ الذي لا يُعْذَرُ به الظالِمُ، ويَسُوغُ لغيرِه مَظْلومًا كان أو غيرَ مَظْلوم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقولُ ذلك في المُزَاح من غيرِ حاجَةٍ إليه.
3623 -
مسألة: (فَإذَا أكَلَ تَمْرًا
973، فَحَلَفَ: لتُخْبِرِنِّي بعَدَدِ مَا971972
الحديث: 3623 - الجزء: 23 - الصفحة: 12
فَإنَّهَا تُفْرِدُ كُلَّ نَوَاةٍ وَحْدَهَا، وَتَعُدُّ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى عَدَدٍ يَتَحَقَّقُ دُخُولُ مَا أكَلَ فِيهِ.
أكَلت أو: لتمَيِّزِن نَوَى مَا أكلْتُ) ولَمْ تَعْلَمْ ذلك 974، فَإنَّها تَعُدُّ لَهُ عَدَدًا يُعْلَمُ أنَّه قَدْ 975 أتَى عَلَى عَدَدِ ذَلِكَ، مثلَ أن يُعْلَمَ أن عَددَ ذلك ما بينَ مائةٍ إلى ألفٍ، فتَعُدُّ ذلك كله، وكذلك إن قال: إنْ لم تُخبِريني بعَدَدِ حبِّ هذه الرُّمَّانةِ.
ولا يَحْنَثُ إذا كانت نِيته ذلك، وإنْ نَوَى الإخْبارَ بكِمِّيَّته مِن غيرِ نَقْص ولا زِيَادَةٍ، لم يَبْرأ إلا بذلك.
وإنْ أطْلَقَ، فقِياسُ المذهبِ أنَّه لا يَبْرأ إلا بذلك أيضًا؛ لأن ظاهِرَ حالِ الحالِفِ إرَادَتُهُ، فتَنْصَرِفُ يَمِينُه إليه، كالأسْماءِ العُرْفِيَّةِ التي تَنْصَرِفُ اليَمِينُ عليها إلى مُسَمَّاها [عُرْفًا، دُون مُسَماها] 976 حقيقةً (ولو أكَلَا تَمْرًا، فحَلَفَ لتُمَيِّزنَّ نَوَى ما أكلْتُ.
فأفْرَدَتْ كُلَّ نَواةٍ وَحْدَها) فالحُكْمُ فيها كالتي قبلَها.
الجزء: 23 - الصفحة: 13
وَإنْ حَلَفَ لَيَقْعُدَنَّ عَلَى بَارِيَّةٍ فِي بَيتهِ، وَلَا يُدْخِلُهُ بَارِيَّةً، فَإنَّهُ يُدْخِلُ قَصَبًا فَيَنْسِجُهُ فِيهِ.
وَإنْ حَلَفَ لَيَطْبُخَن قِدْرًا بِرَطْلِ مِلْح، وَيَأكُلُ مِنْهُ فَلَا يَجِدُ طَعْمَ الْمِلْحِ، فَإِنَّهُ يَسْلُقُ بِهِ بَيضًا.
وَإن حَلَفَ لَا يَأكُلُ بَيضًا وَلَا تُفَّاحًا، وَلَيَأكُلَنَّ مِمَّا فِي هَذَا الْوعَاءِ،
3624 - مسألة: (وَإنْ حَلَفَ لَيَقْعُدَنَّ عَلَى بَارِيةٍ في بَيته، ولا يُدْخِلُه بَارِيَّةً، فإنَّه يُدْخِلُ قَصَبًا فَيَنْسِجُهُ فِيهِ)
فيَجْلِس عَليهَا فِي الْبَيتِ، فَلَا يَحْنَثُ؛ لأنه قد قعَد على بَارِيَّةٍ في بَيته، ولم يُدْخِلْه بَارِيَّةً، إنَّما أدْخَلَه قَصَبًا، وليس هو بَاريةً.
3625 -
مسألة: (وَانْ حَلَفَ لَيَطْبُخَنَّ قِدْرًا بِرَطْلِ مِلْحٍ، ويَأكلُ مِنْهُ فَلَا يَجِدُ طَعْمَ المِلْحِ، فَإنه يَسْلُقُ بِهِ بَيضًا)
وَيَأكُلُ مِنْهُ، ولا يَحْنَثُ؛ لأنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ.
3626 -
مسألة: (وَإنْ حَلَفَ لا يَأكُلُ بَيضًا ولَا تُفَّاحًا، ولَيَأكُلَنُّ
الحديث: 3624 - الجزء: 23 - الصفحة: 15
فَوَجَدَهُ بَيضًا وَتُفَّاحًا، فَإنهُ يَعْمَلُ مِنَ الْبَيضِ نَاطِفًا، وَمِنَ التُّفَّاحِ شَرَابًا.
وَإنْ كَانَ عَلَى سُلَّمٍ، فَحَلَفَ لَا صَعِدْتُ إلَيكِ، وَلَا نَزَلْتُ إلَى هَذِهِ، وَلَا أقَمْتُ مَكَانِي سَاعَةً.
فَلْتَنْزِلِ الْعُلْيَا وَتَصْعَدِ السُّفْلَى، فَتَنْحَلُّ يَمِينُهُ.
مِمَّا في هذَا الوعَاء، فَوَجَدَ) فِيهِ (بَيضًا وَتُفَّاحًا، فَإَّنه يَعْمَلُ مِنَ البَيض نَاطِفًا (1)، ومِنَ التُّفاحِ شَرَابًا) ويَأكلُ مِنْهُ، وَلَا يَحْنَثُ؛ لأنَّ ذلك ليس ببَيض ولا تُفاح.
3627 -
مسألة: (وَإنْ كَانَ عَلَى سُلَّم، فَحَلَفَ)
لا نَزَلْتُ إلَيكِ، ولا صَعِدْتُ إلَى هذِهِ (وَلَا أقَمْتُ مَكَانِي سَاعَةً) يُريدُ إذا كان له امْرأتانِ؛ إحْدَاهُما في الغُرْفَةِ، والأخْرَى أسْفَل (فَلْتَنْزِلِ الْعُلْيَا، ولْتَصْعَدِ السُّفْلَى) ثُمَّ يَنْزِلُ إنْ شَاءَ أوْ يَصْعَدُ (فَتَنْحَل يَمِينُه) لأنَّ الصِّفَةَ لم توجَدْ.977
الحديث: 3627 - الجزء: 23 - الصفحة: 16
وإنْ حَلَفَ لَا أقَمْتُ عَلَيهِ، وَلَا نَزَلْتُ مِنْهُ، وَلَا صَعِدْتُ فِيهِ.
فَإنهُ يَنْتَقِلُ إلَى سُلم آخَرَ.
وإنْ حَلَفَ لَا أقمْتُ فِي هَذَا الْمَاءِ، وَلَا خَرَجْتُ مِنْهُ، فَإن كَانَ جَارِيًا لَمْ يَحْنَثْ، إذَا نَوَى ذَلِكَ المَاءَ بِعَينهِ.
3628 - مسألة: (وإنْ حَلَفَ لا أقَمْتُ عليهِ، ولا نَزَلْتُ مِنه، ولا صَعِدْتُ فِيهِ. فإنَّه يَنتقِلُ)
منه (إلى سُلم آخَرَ) وتَنْحَلُّ يَمِينُه؛ لأنه لم يَقُمْ عليه، ولا صَعِدَ فيه، ولا نَزَلَ منه، إنَّما نَزَلَ أو صَعِدَ من غيرِه.
3629 -
مسألة: (وإنْ حَلَفَ لا أقَمْتُ في هذا الماءِ، ولا خَرَجْتُ مِنه. وكَانَ المَاءُ جَارِيًا، لَمْ يَحْنَثْ)
لأن الماءَ المحْلُوفَ عليه جَرَى، وصارَ في غيرِه، فلم يَحْنَثْ، سواء أقامَ أو خَرَجَ؛ لأنَّه إنَّما يَقِفُ في غيرِه أو يَخْرُجُ منه، وهذا الذي ذكَرَه القاضي في «المُجَردِ».
وهو مذهبُ
الحديث: 3628 - الجزء: 23 - الصفحة: 17
وَإنْ كَانَ وَاقِفًا، حُمِلَ مِنْهُ مُكْرَهًا.
وإنِ استَحْلَفَهُ ظَالِم: مَا لِفُلَانٍ عِنْدَكَ وَدِيعَة؟ وَكانَتْ لَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَة، فَإِنَّهُ يَعْنِي بـ «مَا»: الَّذِي، وَيَبَرُّ فِي يَمِينهِ.
الشافعيِّ؛ لأنَّ الأيمانَ عندَهم تُبْنَى على اللّفْظِ، لا على القَصْدِ، وكذلك قالوا: لا يَحْنَثُ في هذه الأيمانِ السَّابقةِ كلها.
وقال القاضي في كتابٍ آخرَ: قِياسُ المذهبِ أنَّه يَحْنَثُ إلَّا أن يَنْويَ عَينَ الماءِ الذي هي فيه؛ لأن إطْلاقَ يَمِينه يَقْتَضِي خُروجَها من النَّهْرِ أو إقامَتَها فيه.
3630 -
مسألة: (وإن كان)
الماءُ (واقِفًا، حُمِلَ منه مُكْرَهًا) لِئلَّا يُنْسَبَ إليه فِعْل.
3631 -
مسألة: (وَإنِ اسْتَحْلَفَهُ ظَالِم: مَا لِفُلانٍ عِنْدَكَ وَدِيعَة؟ وكانتْ له عِنْدَهُ وَدِيعَة، فَإنَّهُ يَعْنِي بـ «ما»: الذي، وَيبرُّ فِي يَمِينه)
لأنَّه صَادِق.
الحديث: 3630 - الجزء: 23 - الصفحة: 18
وَإنْ حَلَفَ لَهُ مَا فُلَان ههنَا.
وَعَنَى مَوْضِعًا مُعَينًا بَرَّ فِي يَمِينهِ.
3632 - مسألة: (وَإنْ حَلَفَ ما فلان ههُنَا. وعَنَى مَوْضِعًا مُعَينًا، بَرَّ فِي يَمِينه)
لصِدْقِه في ذلك.
وقد ذَكرْنا ما روَاه مُهَنَّا، أنَّه كان هو والمَرُّوذِيُّ عندَ أحمدَ، فجاءَ رجل يطْلُبُ المَرُّوذِيَّ، ولم يُرِدِ المَرُّوذِيُّ أن يُكَلِّمَه، فوضَعَ مُهَنَّا إصْبَعَه في كَفِّه، وقال: ليس المَرُّوذِيُّ ههُنا.
يُرِيدُ ليس هو في كَفِّه، فلم يُنْكِرْه أبو عبدِ اللهِ.
3633 -
مسألة: ولو سَرَقتْ مِنه امْرَأتُهُ شَيئًا، فَحَلَفَ بالطَّلاقِ: لَتَصْدُقِنِّي أسَرَقْتِ مِنِّي شَيئًا أمْ لا؟ وخَافَتْ أنْ تَصْدُقهُ، فإنَّها تَقُولُ: سَرَقتُ مِنْكَ ما سَرَقتُ منكَ.
[وتعنى بـ «ما»: الذي سرقت مِنك]
978. ولو اسْتَحْلَفَه ظالم: هَلْ رَأْيتَ فُلانًا أو لا؟ وكان قد رَآهُ، فإَّنه يَعْني بـ «رَأيتُ»: ما ضَرَبْت رِئَتَه 979.
الحديث: 3632 - الجزء: 23 - الصفحة: 19
وَإنْ حَلَفَ عَلَى امْرأتِهِ: لَا سَرَقْتِ مِنِّي شَيئًا.
فَخَانَتْهُ فِي وَدِيعَتِهِ، لَمْ يَحْنَثْ، إلَّا أنْ يَنْويَ.
3634 - مسألة: (ولو حَلَفَ على امْرَأتِهِ: لا سَرَقْتِ مِنِّي شَيئًا. فَخَانَتْهُ فِي وَدِيعَتِهِ، لَمْ يَحْنَثْ)
لأنَّ الخِيانةَ لَيستْ بسرِقَة (إلَّا أن يَنْويَ) ذلك، فيَحْنَثُ.
الحديث: 3634 - الجزء: 23 - الصفحة: 20
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولو قال: إنْ كانتِ امرَأتِي في السُّوقِ فعَبْدِي حُر، وإن كان عَبْدِي في السُّوق فامْرَأتِي طالق.
وكانَا جَميعًا في السوق، فقِيلَ: يَعْتِقُ العَبْدُ ولا تَطْلُقُ المرْأةُ؛ لأَنه لمَّا حَنِثَ في اليَمِينِ الأولَى، عَتَقَ العَبْدُ، فلم يَبقَ له في السوق عَبْد.
ويَحْتَمِلُ أن يَحْنَثَ، بِناءً على قَوْلِنا في مَن حَلَفَ على مُعَين: تَعَلَّقَتِ اليَمِينُ بعَينه دُونَ صِفَتِه.
كما لو قال: إن كَلَّمْتِ عَبْدِي سعدًا فأنْتِ طالق.
ثم أعْتَقَه وكَلمَتْه، طَلُقَتْ، فكذلك ههُنا؛ لأنَّ يَمِينَه تَعَلقَتْ بعَبْدٍ مُعَيَّن.
وإن لم يُرِدْ عَبْدًا بعَينه، لم تَطْلُقِ المرأةُ؛ لأنه لم يَبْقَ له عَبْد في السوق.
ولو كان في فِيهَا تَمْرَة، فقال: أنتِ طَالق إن أكَلْتِها أو ألْقَيتهَا أو أمْسَكْتِهَا.
فأكلَتْ بعْضَها وألْقَتْ بعْضَها، لم يَحْنَثْ، إلَّا على قَوْلِ مَن قال: إنَّه يَحْنَثُ بفِعْلِ بعْضِ المحْلُوفِ عليه.
وإن نَوَى الجميعَ، لم يَحْنَثْ بحالٍ.
الجزء: 23 - الصفحة: 21
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: قال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ: سَألتُ أبي عن رَجُل قال لامْرَأته: أنْتِ طالق إنْ لم أجَامِعْكِ اليومَ، وأنْتِ طالق إنِ اغْتَسَلْتُ منكِ اليومَ.
قال: يُصَلِّي العَصْرَ، ثم يُجامِعُها، فإذا غابَتِ الشَّمْسُ اغْتَسَلَ، إنْ لم يَكُنْ أرادَ بقَوْلِه: اغْتَسَلْتُ.
قبل 980 المُجَامَعَةِ.
وقال في رجل قال لامْرَأتِه: أنتِ طالق، إن لم أطَأكِ في رَمضانَ.
فسافَرَ مَسِيرةَ أرْبَعَةِ أيام أو ثَلاثةٍ، ثم وَطِئَها.
فقال: لا يُعْجِبُنِي؛ لأنَّها حِيلَة، ولا تُعْجِبُنِي الحِيلَةُ في هذا ولا
الجزء: 23 - الصفحة: 22
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في غيرِه.
قال القاضي: إنَّما كَرِهَ أحمدُ هذا، لأنَّ السفَرَ الذي يُبيحُ الفِطْرَ السَّفَرُ المُبَاح المقْصُودُ، وهذا لا يُقْصَدُ به غيرُ حَلِّ اليَمِينِ.
والصَّحِيحُ أنَّ هذا تَنْحَل به اليَمِينُ، ويُبَاحُ به الفِطْرُ، لأنه سَفَر بَعِيد مُبَاح لِقَصْدٍ صَحِيح، فإن إرادةَ حَلِّ يَمِينه مِن المَقاصدِ الصحِيحةِ، وقد أبحْنا لمَن له طريقان، قصيرة لا يقْصُرُ فيها وبَعيدَة، أن يَسْلُكَ البَعِيدَةَ ليقْصُرَ فيها الصَّلاةَ ويُفْطِرَ، مع أنَّه لا قَصْدَ له سِوَى التَّرَخصِ، فههُنا أوْلَى.
الجزء: 23 - الصفحة: 23
بَابُ الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ
إِذَا شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أوْ لَا، لَمْ تَطْلُقْ.
بابُ الشَّكِّ في الطلاقِ
(إذا شَكَّ هل طَلَّقَ أو لا، لم تَطْلُقْ) وجملَةُ ذلك، أنَّ مَن شَكَّ في طَلاقِه، لم يَلْزَمْه حُكْمُه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي؛ لأنَّ النِّكاحَ ثابِتٌ بيَقِينٍ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ.
والأصلُ في هذا حديثُ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه سُئِلَ عن الرَّجُلِ يُخَيَّلُ إليه أنَّه يَجِدُ الشَّيءَ في الصَّلاةِ، فقال: «لَا يَنْصَرِف حتى يَسْمَعَ صَوْتًا أو يَجِدَ رِيحًا».
مُتَّفَقٌ عليه 981. فأمَرَه بالبِناءِ على اليَقِينِ واطِّراحِ
الجزء: 23 - الصفحة: 35
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشَّكِّ.
ولأنَّه شَكٌ طَرَأ على يَقِينٍ، فوَجَبَ اطِّرَاحُه، كما لو شَكَّ المُتَطَهِّرُ في الحَدَثِ.
قال شيخُنا 982: والوَرَعُ الْتِزامُ الطَّلاقِ، فإن كان المَشْكُوكُ فيه طلاقًا رَجْعِيًّا، راجَعَ امْرأتَه إن كانت مَدْخُولًا بها، أو جَدَّدَ نِكاحَها إن كانت غيرَ مَدْخولٍ بها، أو 983 قد انْقَضَتْ عِدَّتُها.
وإن شكَّ في طَلاقِ ثلاثٍ، طَلَّقَها واحدةً، وتَرَكَها؛ لأنَّه إذا لم يُطَلِّقْها فيَقِينُ نِكاحِه باقٍ، فلا تَحِلّ لغيرِه.
وحُكِيَ عن شَرِيكٍ، أنَّه إذا شكَّ في طلاقِه، طلَّقَها واحدةً، ثم راجَعَها؟ لتَكُونَ الرَّجْعَةُ عن طَلْقَةٍ، فتكونَ صَحِيحَةً في الحُكْمِ.
وليس بشيءٍ؛ لأنَّ التَّلَفُّظَ بالرَّجْعَةِ مُمْكِنٌ مع الشَّكِّ في الطَّلاقِ، ولا يَفْتَقِرُ إلى ما تَفْتَقِرُ إليه العِباداتُ مِن النيةِ، ولأنَّه لو شَكَّ في طَلْقَتَينِ، فطَلَّقَ واحدةً، لصار شاكًّا في تَحْرِيمِها عليه، فلا تُفِيدُه الرَّجْعَة.
الجزء: 23 - الصفحة: 36
وَإنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الطَّلاقِ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ.
وَقَال الْخِرَقيُّ: إِذَا طَلَّقَ، فَلَمْ يَدْرِ أواحِدَةً طَلَّقَ أم ثَلَاثًا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤهَا حَتَّى يَتَيَقَّنَ.
3635 - مسألة: (وإن شَكَّ فِي عَدَدِ الطَّلاقِ، بَنَى على اليَقِينِ)
لِما ذَكَرْنَا (وقال الخِرَقِيُّ: إذا طَلَّقَ، فلم يَدْرِ واحدِةً طَلَّقَ أم ثَلاثًا) اعْتَزَلها، وعليه نَفَقَتُها ما دامَتْ في العِدَّةِ، فإن راجَعَها في العِدَّةِ لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ، ولمْ يَطَأها حتى يَتَيَقَّنَ كَمِ الطَّلاقُ؛ لأنَّه مُتَيَقِّنٌ للتَّحْرِيمِ، شَاكٌّ
الحديث: 3635 - الجزء: 23 - الصفحة: 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في التَّحْلِيلِ 984. وجملةُ ذلك، أنَّ مَن طلَّقَ وشكَّ في عَدَدِ الطَّلَقاتِ، بَنَى على اليَقِينِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ مَنْصورٍ، في رجُل لَفَظَ بطَلاقِ امْرَأتِه، لا يَدْرِي واحدَةً أم ثلاثًا؟ فقال: أمَّا الواحِدَةُ فقد وَجَبَتْ عليه، وهي عندَه حتى يَسْتَيقِنَ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، لأنَّ ما زاد على القَدْرِ الذي تَيَقَّنَه طلاقٌ مَشْكُوكٌ فيه، فلم يَلْزَمْه، كما لو شكَّ في أصْلِ الطَّلاقِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه تَبْقَى أحْكامُه أحْكامَ المُطَلِّقِ دُونَ الثَّلاثِ من إباحةِ الرَّجْعةِ.
وإذا ارْتَجَعَ 985 عادت إلى ما كانت عليه قبلَ الطَّلاقِ.
وقال الخِرَقِيُّ: يَحْرُمُ وَطْؤُها.
ونحوُه قولُ مالكٍ، إلَّا أنَّه حُكِيَ عنه، أنَّه يَلْزمُه الأكثرُ مِن الطَّلاقِ المشْكُوكِ فيه.
وقولُهما: مُتَيَقنٌ للتَّحْرِيمِ؛ لأنَّه تَيَقَّنَ وُجودَه بالطَّلاقِ، وشَكَّ في رَفْعِه بالرَّجْعَةِ، فلا يَرْتَفِعُ بالشَّكِّ، كما لو أصابَ ثَوْبَه نجَاسَةٌ، وشَكَّ في مَوْضِعِها، فإنَّه لا
الجزء: 23 - الصفحة: 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَزُول حُكْمُ النَّجاسَةِ بغَسْلِ مَوْضعٍ مِن الثَّوْبِ، ولا يَزُولُ حتى يَغْسِلَه جَمِيعَه.
وفارَقَ لُزُومَ النَّفَقَةِ، فإنَّها لا تَزُولُ بالطَّلْقَةِ الواحدةِ، فهي باقيةٌ؛ لأنَّها كانت باقِيَةً، وقد شَكَكْنا في زَوالِها.
وظاهرُ قولِ سائرِ أصحابِنا، أنَّه إذا راجَعَها حَلَّتْ له.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ، في رِوايةِ ابنِ مَنْصورٍ؛ لأنَّ التَّحْرِيمَ المُتَعَلِّقَ بما تَيَقَّنَه يَزُولُ بالرَّجْعَةِ يَقِينًا، فإنَّ التَّحْريمَ أنْواعٌ؛ تحريمٌ تُزِيلُه الرَّجْعَةُ، وتحْريمٌ يُزِيلُه نِكاحٌ جديدٌ، وتحريم يُزِيلُه نِكاحٌ بعد زَوْجٍ وإصابةٍ، ومَن تَيَقَّنَ الأدْنَى لا يثْبُتُ فيه حُكْمُ الأعْلَى، كَمَن تَيَقَّنَ الحَدَثَ الأصْغَرَ، لا يَثْبُت فيه حُكْمُ الأكْبرِ، ويَزُولُ تحْريمُ الصَّلاةِ بالطَّهارةِ الصُّغْرى، ويُخالِفُ الثَّوْبَ، فإنَّ غَسْلَ بعْضِه لا يَرْفعُ ما تَيَقَّنَه مِن النَّجاسَةِ، فنَظِيرُ مَسألتِنا أن يَتَيقَّنَ
الجزء: 23 - الصفحة: 39
وَكَذَلِكَ قَال فِي مَنْ حَلَف بِالطَّلَاقِ لَا يَأكُلُ تَمْرَةً، فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ، فَأكَلَ مِنْهُ وَاحِدَةً، مُنِعَ مِنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أنَّهَا لَيسَتِ الَّتِي وَقَعَتِ الْيَمِينُ عَلَيهَا، وَلَا يَتَحَقَّقُ حِنْثُهُ حَتَّى يَأكُلَ التَّمْرَ كُلَّهُ.
نجاسةَ كُمِّ الثَّوبِ ويَشُكَّ في نجاسةِ سائرِه، فإنَّ حُكْمَ النَّجاسةِ فيه يَزُولُ بغَسْلِ الكمِّ وحْدَه، كذا هاهُنا، ويُمْكِنُ مَنْعُ حُصولِ التَّحْريم هاهُنا ومَنْعُ تَيَقُّنِه، فإنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُباحَة لزَوْجِها، في ظاهرِ المذهبِ، فما هو إذًا مُتَيَقِّنٌ للتَّحْريمِ، بل هو مُتَيَقِّنٌ للإِباحَةِ، شاكٌّ في التَّحْريم (وكذلك قال في مَن حَلَفَ لا يَأكُلُ تَمْرَةً، فوَقَعَتْ في تَمْرٍ، فأكلَ منه واحدةً، مُنِعَ مِن وَطْءِ امْرأتِه حتى يتَحَقَّقَ 986 أنَّها ليستِ التي وَقَعَتِ اليَمِينُ عليها، ولا يتَحَقَّقُ حِنْثُه حتى يَأكُلَ التَّمْرَ كُلَّه) وهذه المسألةُ لا تَخْلُو مِن أحْوالٍ ثلاثٍ؛ أحدُها، أنَّ يَتَحَقَّقَ أكلَ التَّمرةِ المحْلوفِ عليها؛ إمَّا بأن
الجزء: 23 - الصفحة: 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَعْرِفَها بعَينها أو صِفَتِها، أو يأكُلَ التَّمْرَ كُلَّه، أو الجانبَ الذي وَقَعَتْ فيه كلَّه، فيَحْنَثُ بلا خلافٍ بينَ أهلِ العِلْمِ؛ لأنَّه أكلَ التَّمرةَ المحْلُوفَ عليها.
الثَّاني، أنَّ يتَحَقَّقَ أنَّه لم يَأكُلْها، إمَّا بأن لا يأكُلَ مِنَ التَّمْرِ شيئًا، أو يأكُلَ شيئًا يَعْلَمُ أنَّه غيرُها، فلا يَحْنَثُ أيضًا بلا خلافٍ، ولا يَلْزَمُه اجْتِنابُ زَوْجَتِه.
الثَّالثُ، أكلَ مِن التمرِ شيئًا، واحدةً أو أكثَرَ، إلى أن لا تَبْقَى منه إلَّا واحدة، ولم يَدْرِ أكَلَها أو لا؟ فهذه مسْألَةُ الخِرَقِيِّ، ولا يتَحَقَّقُ حِنْثُه؛ لأنَّ الباقِيَةَ يَحْتَمِلُ أنَّها المحْلوفُ عليها، ويَقِينُ النِّكاحِ ثابِتٌ، فلا يَزُولُ بالشكِّ.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي.
فعلى هذا، يكونُ حُكْمُ الزُّوْجِيَّةِ باقِيًا في لُزُومِ نَفَقَتِها، وكُسْوَتِها، ومَسْكَنِها، وسائِرِ أحْكامِها، إلَّا في الوَطْءِ؛ فإنَّ الخِرَقِيَّ قال.
يُمْنَعُ مِن وَطْئِهَا، لأنَّه شاكٌّ في حِلِّها، فحَرُمَتْ عليه، كما لو اشْتَبَهَتْ عليه امْرأتُه بأجْنَبيَّةٍ.
وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ أنَّها باقِيَةٌ على الحِلِّ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الأَصْلَ الحِلُّ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ، كسائرِ أحْكام النِّكاحِ، ولأنَّ النِّكاحَ باقٍ حُكْمًا 987، فأثْبَتَ الحِلَّ، كما لو شَكَّ هل طَلَّقَ أو لا؟ وإن كانت يَمِينُه: ليَأكُلَنَّ هذه التَّمرةَ.
فلا يتَحَقَّقُ بِرُّه حتى يَعْلَمَ أنَّه أكَلَها.
الجزء: 23 - الصفحة: 41
وَإنْ قَال لِامْرَأتيهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ.
يَنْوي وَاحِدَةً مُعَينَّةً، طَلُقَتْ وَحْدَهَا، وَإنْ لَمْ يَنْو، أُخْرِجَتِ الْمُطَلَّقَةُ بِالْقُرْعَةِ.
3636 - مسألة: (وإن قال لامْرأتَيه: إحْداكما طالِقٌ. يَنْوي واحِدَةً بعَينها، طَلُقَتْ وَحْدَهَا، فإن لم يَنْو، أُخْرِجَتِ المُطَلَّقَةُ بالقُرْعَةِ)
أمَّا إذا نَوَى واحدةً بعَينها، فإنَّها تَطْلُقُ وحدَها؛ لأَنه عَيَّنهَا بنِيَّته، فأشْبَهَ ما لو عَيَّنهَا بلَفْظِه، فإن قال: إنَّما أرَدْتُ فُلانَةَ.
قُبِلَ منه؛ لأنَّ ما قاله مُحْتَمِلٌ، ولا يُعْرَفُ إلَّا مِن جِهَتِه.
وأمَّا إن لم يَنْو واحدةً بعَينها، فإنَّها تُخْرَجُ بالقُرْعَةِ.
نَصَّ عليه في روايةِ جماعةٍ.
وبه قال الحسنُ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال قَتَادَةُ، ومالكٌ: يَطْلُقْنَ جميعًا.
وقال حَمَّادُ بنُ أبي سليمانَ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ: له أن يَخْتارَ أيَّتَهُنَّ شاءَ، فَيُوقِعَ عليها الطَّلاقَ؛ لأَنه يُمْكِنُ 988 إيقاعُه ابْتِداءً وتَعْيينُه، فإذأ أوْقَعَه ولم يُعَينه، مَلَكَ تَعْيِينَه؛ لأنَّه اسْتِيفَاءُ ما مَلَكَه.
ولَنا، أنَّ ما ذَكَرْناه مَرْويٌّ
الحديث: 3636 - الجزء: 23 - الصفحة: 42
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن عليٍّ، وابنِ عباس، رَضِيَ الله عنهما، ولا مُخالِفَ لهما في الصَّحابةِ، ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ بُنِيَ على التَّغْليب والسِّرايَةِ 989، فتَدْخُلُه القُرْعَةُ كالعِتْقِ، وقد ثَبَتَ الأصْلُ بكَوْنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أقْرَعَ بينَ العَبيدِ السِّتَّةِ 990. ولأنَّ الحَقَّ لواحِدٍ غيرِ مُعَيَّن، فوَجَبَ تَعْيِينُه بالقُرْعَةِ، كالحُرِّيَّةِ في العَبِيدِ إذا أعْتَقَهُم في مَرَضِه ولم يَخْرُجْ جمِيعُهم مِن الثُّلُثِ، وكالسَّفَرِ بإحْدَى نِسائِه، والبِدايَةِ بإحْداهُنَّ في القَسْمِ، وكالشَّرِيكَينِ إذا اقْتَسَما، ولأنَّه طَلَّقَ واحدةً مِن نِسائِه، لا يُعْلَمُ عَينُها، فلم يَمْلِكْ تَعْيِينَها باخْتِيارِه، كالمَنْسِيَّةِ.
وأمَّا الدَّليلُ على أنَّهُنَّ لا يَطْلُقْنَ جميعًا، أنَّه أضافَ الطَّلاقَ إلى واحدةٍ، فلم يَطْلُقِ الجميعُ، كما لو عَيَّنهَا.
قولُهم: إنَّه كان يَمْلِكُ الإِيقاعَ والتَّعْيِينَ.
قُلْنا: مِلْكُه للتَّعْيِينِ بالإِيقاعِ لا يَلْزَمُ أن يَمْلِكَه بعدَه، كما لو طَلَّقَ واحدةً بعَينها وأُنْسِيَها.
فإن مات قبلَ القُرْعَةِ والتَّعْيينِ، أَقرَعَ الوَرَثَةُ بَينَهُنَّ، فمَن وقَعَتْ عليها قُرْعَةُ الطَّلاقِ، فحُكْمُها في المِيراثِ حُكْمُ ما لو عَيَّنهَا
الجزء: 23 - الصفحة: 43
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالتَّطْليقِ.
[نَصَّ أحمدُ على هذا.
وقال أبو حنيفةَ: يُقْسَمُ الميراثُ بينَ الكلِّ، لتَسَاويهنَّ في احتمالِ الاستحقاقِ، ولا يَخْرُجُ الحَقُّ] 991 عنهُنَّ 992. وقال الشافعيُّ: يُوقَفُ المِيراثُ المُختَصُّ بهنَّ حتى يَصْطَلِحْنَ عليه؛ لأنه لا يُعْلَمُ المُسْتَحِقُّ منْهُنَّ.
ووَجْهُ قولِ الخِرَقِيِّ، قولُ عليٍّ 993، رَضِيَ الله عنه، ولأنَّهُنَّ قد تَساوَينَ، ولا سَبِيلَ إلى التَّعْيينِ، فوَجَبَ المصِيرُ إلى القُرْعَةِ، كمَنْ أعْتَقَ عَبِيدًا في مَرَضِه لا مال له سِوَاهم، وقد ثَبَتَ الحُكْمُ فيهم بالنَّصِّ؛ لأنَّ في تَوْرِيثِ الجميعِ تَوْرِيثَ مَن لا يَسْتَحِقُّ يَقِينًا، والوَقفُ لا إلى غايَةٍ حِرْمانٌ للمُسْتَحِقِّ يَقِينًا، والقُرْعَةُ يُسْلَمُ بها 994 مِن هذين المحْذُورَين، ولها نَظيرٌ في الشَّرْعِ.
الجزء: 23 - الصفحة: 44
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن قال لنِسائِه: إحْداكُنَّ طالقٌ غدًا.
طَلُقَتْ وَاحدَةٌ مِنْهُنَّ إذا جاء الغدُ، وَأُخْرِجَت بِالقُرْعَةِ.
فإن مات قبلَ الغَدِ، وَرِثْنَه كُلُّهُنَّ.
وإن ماتَتْ إحْداهُنَّ وَرِثَها؛ لأنَّها ماتَتْ قبلَ وُقوعِ الطَّلاقِ، فإذا جاء غدٌ، أُقْرِعَ بينَ المَيِّتةِ والأحْياءِ، فإن وَقَعَتِ القُرْعَةُ على المَيتةِ، لم يَطْلُقْ شيءٌ مِن الأحْياءِ، وصارَتْ كالمُعَينَّةَ بقولِه: أنت طالق غدًا.
وقال القاضي: قياس المذهبِ أن يَتَعَيَّنَ الطَّلاقُ في الأحْياءِ، فلو كانتا اثْنَتَينِ، فماتَتْ إحْداهما، طَلُقَتِ الأخْرَى 995، كما لو قال لامْرأتِه وأجْنَبِيَّةٍ: إحْداكُما طالق.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
والفَرْقُ بينَهما ظاهِرٌ؛ فإنَّ الأجْنَبِيَّةَ ليست مَحَلًّا للطَّلاقِ وَقْتَ قوْلِه، فلا يَنْصَرِفُ قولُه إليها، وهذه قد كانت مَحَلا للطَّلاقِ، فإرادَتُها بالطَّلاقِ مُمْكِنَة، وإرادَتُها بالطَّلاقِ كإرادَةِ الأخْرَى، وحُدُوثُ الموتِ بها لا يَقْتَضِي في حَقِّ الأخْرَى
الجزء: 23 - الصفحة: 45
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طلاقًا، فتَبْقَى على ما كانت عليه.
والقولُ في تَعْليقِ العِتْقِ، كالقَوْلِ في تَعْليقِ الطَّلاقِ، فإذا جاء غدٌ وقد باع بعْضَ العَبْدِ، أقْرَعَ بينَه وبينَ العَبْدِ الآخَرِ، فإن وقَعَتْ على المَبِيعِ، لم يَعْتِقْ منه شيءٌ.
وعلى قولِ القاضي، يَنْبَغِي أن يَتَعَيَّنَ العِتْقُ في الباقِينَ، وكذلك يَنْبَغِي أن يكونَ مذهبُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّ له تَعْيِينَ العِتْقِ عندَهم بقولِه، فبَيعُ أحَدِهم صَرْفٌ للعِتْقِ عنه، فَيَتَعَيَّنُ في الباقِينَ.
فإن باعَ نِصْفَ العبدِ، أقْرَعَ بينَه وبينَ الباقِينَ، فإن وَقَعَت قُرْعَةُ العِتْقِ عليه، عَتَقَ نِصْفُه، وسَرَى إلى باقِيه إن كان المُعْتِقُ مُوسِرًا، وإن كان مُعْسِرًا، لم يَعْتِقْ إلّا نِصْفُه.
فصل: وإذا قال: امرأتيِ طالق، وأمَتى حُرَّةٌ.
وله نِساءٌ وإماءٌ، ونَوَى مُعَينةً، انْصَرَفَ إليها، وإن نوَى واحدةً مُبْهَمَة، فهي مُبْهَمَة فيهِنَّ، وإن لم يَنْو شيئًا، فقال أبو الخَطَّاب: يَطْلُقُ نِساؤه كُلُّهُنَّ، ويَعْتِقُ إماؤه، لأنَّ الواحِدَ المُضافَ يُرادُ به الكُلُّ، كقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ 996. و: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ﴾ 997. ولأنَّ ذلك
الجزء: 23 - الصفحة: 46
وَإن طَلَّقَ وَاحِدَةً بِعَينهَا وَأُنْسِيَهَا، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
يُرْوَى عن ابنِ عباس.
وقال الجماعَةُ: يقَعُ على واحدةٍ مُبْهَمَةٍ، وحُكْمُه حُكْمُ ما لو قال: إحْداكُنَّ طالقٌ، وإحْداكُنَّ حُرَّةٌ.
لأنَّ لَفْظَ الواحدِ لا يُسْتَعْمَلُ في الجمعِ إلَّا مَجازًا، والكلامُ يُحْمَلُ على حقيقَتِه ما لم يَصْرِفْه عنها دليلٌ، ولو تَساوَى الاحْتمالان، لوجَبَ قَصْرُه على الواحدةِ؛ لأنَّها اليَقِينُ، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ فيما زادَ عليها بأمْرٍ مَشْكوكٍ فيه.
وهذا أصَحُّ.
واللهُ أعلمُ.
3637 -
مسألة: (وإن طَلَّقَ واحِدَةً وَأُنْسِيَها، فكذلك عندَ أصحابِنا)
أكثرُ أصحابِنا على أنَّه إذا طَلَّقَ امرأةً مِن نِسائِه وأُنْسِيَها، أنَّها تُخْرَجُ بالقُرْعَةِ، فيَثْبُتُ حُكْمُ الطَّلاقِ فيها، وتَحِل له الباقِيات.
وقد روَى
الحديث: 3637 - الجزء: 23 - الصفحة: 47
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إسْماعيلُ بنُ سعيدٍ عن أحمدَ ما يدُلُّ على أنَّ القُرْعَةَ لا تُسْتَعْملُ هاهُنا لمعْرفةِ الحِلِّ، وإنَّما تُسْتَعْملُ لمعْرفَةِ المِيراثِ، فإنَّه قال: سألْتُ أحمدَ عن الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرأةً مِن نِسائِه، ولا يَعْلَمُ أيَّتهُنَّ طلَّقَ؟ قال: أكْرَهُ أن أقولَ في الطَّلاقِ بالقُرْعَةِ.
قلتُ: أرَايتَ إن ماتَ هذا؟ قال: أقولُ بالقُرْعَةِ.
وذلك لأنَّ القُرْعَةَ تَصِيرُ على المالِ.
وجَماعَةُ مَن رَوَى عنه القُرْعَةَ في المُطَلَّقَةِ المَنْسِيَّةِ إنَّما هو في التَّوْرِيثِ، فأمَّا في الحِلِّ فلا يَنْبَغِي أن يَثْبُتَ بالقُرْعَةِ.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، فالكلامُ إذًا في المسْألةِ في شَيئَينِ؛ أحدُهما، في استعْمالِ القُرْعَةِ في المَنْسِيَّةِ في التَّوْريثِ.
والثَّاني، في اسْتِعْمالِها فيها للحِلِّ.
أمَّا الأوَّلُ فوَجْهُه ما روَى عبدُ اللهِ بنُ حُمَيدٍ 998، قال: سألْتُ أبا جَعْفَرٍ، عن رَجُل قَدِمَ مِن خُراسَانَ، وله أرْبَعُ نِسْوَةٍ، [قَدِمَ البَصْرَةَ] 999 فَطَلَّقَ إحْداهُنَّ، ونَكَح، ثم مات لا يَدْرِي الشهودُ أيَّتهُنَّ طَلَّقَ؟ فقال: قال عليٌّ، رَضِيَ اللهُ عنه: أقْرِعْ بينَ الأرْبَعِ، وأنْدِرْ 1000 مِنْهُنَّ واحِدَةً،
الجزء: 23 - الصفحة: 48
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واقْسِمْ بينَهنَّ المِيراثَ.
ولأنَّ الحُقوقَ إذا تَساوَتْ على وَجْهٍ لا يُمْكِنُ التَّمْييزُ إلَّا بالقُرْعَةِ، صَحَّ اسْتِعْمالُها، [كالشركاءِ في القِسْمَةِ، والعبيدِ في الحريةِ.
فأمَّا القُرْعةُ في الحلِّ في المَنْسِيَّةِ، فلا يَصِحُّ اسْتِعْمالُها] 1001؛ لأنَّها اشْتَبَهَتْ عليه زَوْجَتُه بأجْنَبِيَّةٍ، فلم تَحِلَّ له إحْداهُما بالقُرْعَةِ، كما لو اشْتَبَهَتْ بأجْنَبِيَّةٍ لم يَكُنْ له عليها عَقْدٌ، ولأنَّ القُرْعَةَ لا تُزِيلُ التَّحْريمَ عن المُطَلَّقةِ، ولا تَرْفَعُ الطلاقَ عمَّن وقعَ عليها 1002، ولاحْتِمالِ كونِ المُطَلَّقةِ غيرَ مَن وقَعَتْ عليها القُرْعَةُ، ولهذا لو ذَكَرَ أنَّ المُطَلَّقَةَ غيرُها، حَرُمَتْ عليه، ولو ارْتَفَعَ التَّحْريمُ أو زال الطَّلاقُ، لَمَا عادَ بالذِّكْرِ، فيَجِبُ بقَاءُ التَّحْريمِ بعدَ القُرْعَةِ، كما كان قبلَهَا.
وقد قال الخِرَقِي، في مَن طَلَّقَ امْرأتَه، فلمِ يَدْرِ واحدةً طَلَّقَ أم ثلاثًا؟ ومَن حَلَفَ بالطَّلاقِ لا يَأكُلُ تَمْرَةً، فوَقَعَتْ في تمْرٍ، فأكَلَ منه واحدةً: لا تَحِلُّ له امْرأتُه، حتى يَعْلَمَ أنَّها ليستِ التي وقَعَتِ اليَمِينُ عليها.
فحَرَّمَهَا مع أنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ، ولم يُعارِضْه يَقِينُ التَّحْريمِ، فهاهنا أوْلَى.
وكذلك الحُكْمُ [في كل مَوضعٍ وقَعَ] 1003 الطَّلاقُ على امْرأةٍ بعَينها، ثم اشْتَبَهَتْ بغيرِها؛ مثلَ أن يَرَى امْرَأةً
الجزء: 23 - الصفحة: 49
وَالصَّحِيحُ أنَّ الْقُرْعَةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا هاهنَا، وَتَحْرُمَانِ عَلَيهِ جَمِيعًا، كَمَا لَو اشْتَبَهَتِ امْرَأتهُ بِأجْنَبِيَّةٍ.
مُوَلِّيَةً، فيقولُ: أنتِ طالقٌ.
ولا يَعْلَمُ عَينَها مِن نِسائِه، فإنَّ جميعَ نِسائِه يَحْرُمْنَ عليه، حتى يَعْلَمَ المُطَلَّقَةَ، ويُؤْخَذُ بنَفَقَةِ الجميعِ؛ لأنَّهُنَّ مَحْبُوسات عليه.
وإن أقْرَعَ بينَهُنَّ، لم تُفِدِ القُرْعَةُ شيئًا، ولا يَحِلُّ لمَن وقَعَتْ عليها القُرْعَةُ التَّزَوُّجُ 1004؛ لأنَّها يَجوزُ أن تكونَ غيرَ المُطَلّقَةِ.
وقال أصحابُنا: إذا أقْرَعَ بَينَهُنَّ، فخَرَجَتِ القُرْعَةُ على إحداهُنَّ، ثَبَتَ حُكْمُ الطَّلاقِ فيها، فحَلَّ لها النِّكاحُ بعدَ قَضاءِ عِدَّتِها، وأُبِيحَ للزَّوْجِ مَن سِواها، كما لو طَلَّقَ واحدةً غيرَ مُعَينَّةَ.
واحْتَجُّوا بما ذَكَرْنا مِن حديثِ عليٍّ، رَضِيَ الله عنه، ولأنَّها مُطَلَّقَة لم تُعْلَمْ بِعَينها، فأشْبَهَ ما لو قال: إحْداكُنَّ طالق.
ولم يُرِدْ واحدةً بعَينها.
ولأنَّه إزَالةُ أحَدِ المِلْكَين المَبْنِيَّين على التَّغْلِيبِ والسِّرايَة، أشْبَهَ العِتْقَ.
قال شيخُنا: (والصَّحِيحُ أنَّ القُرْعَةَ لا مَدْخَلَ لها هاهُنا) لِما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ (وتَحْرُمان عليه، كما لو اشْتَبَهَتِ امْرأتُه بأجْنَبِيَّةٍ) وفارَقَ ما قاسُوا عليه، فإنَّ الحَقَّ لم يَثْبُت لواحدٍ بعَينه، فجعَلَ الشَّرْعُ القُرْعَةَ مُعَيَّنةً، فإنَّها تَصْلُحُ للتَّعْيِينِ، وفي مسألتِنا، الطَّلاقُ واقعٌ على مُعَينَّةٍ لا مَحَالةَ، والقُرْعَةُ لا تَرْفَعُه عنها، ولا تُوقِعُه على غيرِها، ولا يُؤْمَنُ وُقُوعُ القُرْعَةِ على غيرِها، واحْتِمالُ وُقوعِ القُرْعَةِ على غيرِها كاحْتِمالِ وُقوعِها عليها، بل هو أظْهَرُ مِن غيرِها، فإنَّهُنَّ إذا كُنَّ
الجزء: 23 - الصفحة: 50
وَإنْ تَبَيَّنَ أنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيرُ الّتِي خَرَجَتْ عَلَيهَا الْقُرْعَةُ، رُدَّتْ إِلَيهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، إلا أن تَكُونَ قَدْ تَزَوَّجَتْ، أو تَكُونَ بِحُكْمِ حَاكِمٍ،
أرْبَعًا، فاحْتِمالُ وُقُوعِه في واحدةٍ مِنهنَّ بعَينها أنْدَرُ مِن احْتِمال وُقُوعِه في واحدةٍ مِن ثلاثٍ، وكذلك لو اشْتَبَهَتْ أُخْتُه بأجْنَبِيَّةٍ، أو مَيتَةٌ بمُذَكَّاةٍ، أو زَوْجَتُه بأجْنَبِيَّةٍ، أو حَلَفَ بالطَّلاقِ لا يأكُلُ تَمْرَةً، فَوقَعَتْ في تَمْر، وأشْباهُ ذلك ممَّا يطُولُ ذِكْرُه، لا تَدْخُلُه قُرْعَة، فكذا هاهُنا.
وأمَّا حديثُ عليٍّ، فهو في المِيراثِ، لا في الحِلِّ، وما نَعْلَمُ بالقَوْلِ بها في الحِلِّ مِنَ الصَّحابةِ قائِلًا.
3638 -
مسألة: فَعلى قولِ أصحابِنا (إن تَبَيَّنَ أنَّ المُطَلَّقَةَ غَيرُ التي وَقَعَت عليها القُرْعَةُ)
بأن يَذْكُرَ ذلك، تَبَيَّنَ أنَّها كَانَتْ مُحَرَّمَةً عليهِ، ويَكُونُ وُقُوعُ الطَّلاقِ مِن حينَ طَلَّقَ، لا مِنِ حِينَ ذَكَرَ.
وقَوْلُه في هذا مَقْبُولٌ؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفْسِه، وتُرَدُّ إليه التي خرَجَتْ عليها القُرْعَةُ؛ لأننا ظَهَرَ لَنا أنَّها غيرُ مُطَلَّقَةٍ، والقُرْعَةُ ليستْ بطَلاقٍ صَريح ولا كِنايَةٍ، فإن لم تَكُنْ تَزَوَّجَتْ (رُدَّتْ إليه) وقُبِلَ قوْلُه في هذا؛ لأنَّه أمْرٌ مِن جِهَتِه، لا يُعْرَفُ إلا مِن قِبَلِه.
3639 -
مسألة: (إلَّا أن تَكُونَ قد تَزَوَّجَتْ، أو تَكُونَ بحُكْمِ
الحديث: 3638 - الجزء: 23 - الصفحة: 51
وَقَال أبو بَكْرٍ وَابْنُ حَامِدٍ: تَطْلُقُ الْمَرْأتَانِ.
حاكِمٍ) لأنها إذا تَزَوَّجَتْ، فقد تَعَلَّقَ بها حَقُّ الزَّوْجِ الثاني، فلا يُقْبَلُ قَوْلُه فِي فسْخِ نِكَاحِه، والقرْعَةُ مِن جِهَةِ الحاكِمِ بالفرْقَةِ لا يُمْكِنُ الزَّوْجَ رَفْعُها، فَتَقَعُ الفُرْقَةُ بِالزَّوْجَينِ.
قال أحمدُ في رِوايةِ المَيمونِيِّ: إذا كان له أرْبَعُ نِسْوةٍ، فطَلَّقَ واحدَةً مِنْهُنَّ، ولم يَدْرِ أيتهُن طَلَّقَ؟ يُقْرَعُ بَينَهنَّ.
فإن وقعتِ القُرْعَة على واحدةٍ، ثم ذَكَرَ، فقال: هذه تَرْجِعُ إليه، والتي ذَكَرَ أنَّها التي طَلَّقَ يَقَعُ الطَّلاقُ عليها، فإن تَزَوَّجَتْ، فهذا شيءٌ قد مَرَّ، فإن كان الحاكِم أقْرَعَ بينَهُنَّ، فلا أُحِبُّ أنْ تَرْجِعَ إليه؛ لأنَّ الحاكمَ في ذلك أكثر منه (وقال أبو بكر وابن حامدٍ: تَطْلُقُ المرْأتان) ولا تَرْجِعُ إليه واحدةٌ منهما؛ لأنَّ الثَّانيةَ حَرُمَتْ بقَوْلِه، وتَرِثُه إن مات، ولا يَرِثُها، ويَجِئُ على قِياسِ قوْلِهما، أن تَلْزَمَه نَفَقَتُها، ولا يَحِلَّ وَطْؤُها.
والأولَى بالقُرْعَةِ.
فصل: إذا قال: هذه المُطَلَّقَةُ.
قبِلَ منه؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن قال: هذه المُطَلَّقَةُ، بل هذه.
طَلُقَتا؛ لأنَّه أقَرَّ بطَلاقِ الأولَى، فقُبِلَ إقْرارُه، [ثُم قُبِلَ إقْراره] 1005 بطَلاقِ الثَّانيةِ، ولم يُقْبَلْ إضْرابه عن إقْرارِه بطلاقِ الأولَى.
وكذلك لو كُنَّ ثلاثًا، فقال: هذه بل هذه، بل هذه.
الجزء: 23 - الصفحة: 52
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طَلُقْنَ كلهُنَّ.
وإن قال: هذه أو هذه، بل هذه.
طَلُقَتِ الثَّالثةُ، وإحْدَى الأولَيَين.
وإن قال: طَلَّقْتُ هذه، بل هذه أو هذه.
طَلُقَتِ الأولَى، وإحْدَى الأخْرَيَين.
وإن قال: أنتِ طالق، وهذه أو هذه.
فقال القاضي: هي كذلك.
وذكَرَ أنَّه قَوْلُ الكِسائِي 1006. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: تَطْلُقُ الثانيةُ، ويَبْقَى الشَّكُّ في الأولَى والثَّالثةِ.
ووَجه الأوَّلِ أنَّه عَطفَ الأولَى على الثَّانيةِ، بغيرِ شَك، ثم فَصَلَ بينَ الثَّانيةِ والثَّالثةِ بحرفِ الشّك، فيَكُونُ الشكُّ فيهما.
ولو قال: طَلَّقْتُ هذه أو هذه، [وهذه] 1007. طَلُقَتِ الثَّالثَةُ، وكان الشَّكُّ في الأولَيَين.
ويَحْتَمِلُ في هاتَينِ المَسْألَتَين أن يَكونَ الشَّكُّ في الجميعِ؛ لأنَّه في الأولَى أتَى بحَرْفِ الشَّكِّ بعدَهما، فيعودُ إليهما، وفي المسْألَةِ الثَّانيةِ عَطف الثَّالثةَ على الشَّكِّ.
فعلى هذا، إذا قال: طَلَّقْتُ هذه [وهذه، أو] 1008 هذه.
طُولِبَ بالبَيانِ، فإن قال: هي الثَّالثةُ.
طَلُقَتْ وحدَها.
وإن قال: لم أطَلِّقْها.
طَلُقَتِ الأولَيانِ.
وإن لم يُبيِّنْ، أُقْرِعَ بينَ الأولَيَينِ والثَّالثَةِ.
قال القاضي في
الجزء: 23 - الصفحة: 53
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُجَرَّدِ»: وهذا أصَحُّ.
[فإن قال: طَلَّقْتُ هذه أو هذه وهذه.
أُخِذَ بالبيانِ، فإن قال: هي الأولَى.
طَلُقَتْ وحدَها] 1009. وإن قال: ليستِ الأولَى.
طَلُقَتِ الأخِيرَتانِ، كما لو قال: طَلَّقْتُ هذه أو هاتَين.
وليس له الوَطْءُ قبلَ التَّعْيِينِ، فإن فَعَلَ، لم يَكُنْ تَعْيِينًا.
وإن ماتَت إحْداهما، لم يَتَعَيَّنِ الطَّلاقُ في الأخْرَى.
وقال أبو حنيفةَ: يتَعَيَّنُ الطَّلاقُ في الأخْرَى؛ لأنَّها ماتَتْ قبلَ ثُبُوتِ طلاقِها.
ولَنا، أنَّ مَوْتَ إحْداهُما أو وَطْأها، لا يَنْفِي احْتِمال كَوْنِها مُطَلَّقَةً، فلم يَكُنْ تَعْيِينًا لغيرِها، كمرَضِها.
وإن قال: طَلَّقْتُ هذه وهذه، [أو هذه] (1) وهذه.
فالظَّاهِرُ أنَّه طَلَّقَ اثْنَتَين، لا يَدْرِي أيَّهما، الأولَيانِ أم الآخِرَتان؟ كما لو قال: طَلَّقْتُ هاتَين أو هاتَين.
فإن قال: هما الأولَيَان.
تَعَيَّنَ الطلاق فيهما.
وإن قال 1010: لم أُطَلِّقِ 1011 الأولَيَين.
تَعَيَّن الآخِرَتان.
وإن قال: إنَّما أشُكُّ في طَلاقِ الثَّانيةِ والآخِرَتَينِ 1012. طَلُقَتِ الأولَى، وبَقِيَ الشَّكُّ في الثّلاثِ.
ومتى فَسَّرَ كلامَه بشيءٍ مُحْتَمِل، قُبِلَ منه.
فصل: فإن مات بعْضُهُنَّ أو جَمِيعُهُنَّ، أقْرَعْنا بينَ الجميعِ، فمَن خَرَجَتِ القُرْعَةُ لها، لم يُوَرَّثْها 1013. وإن مات بعْضُهُن قبلَه وبعْضهُنَّ بعدَه، فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ لِميِّتةٍ قَبْلَه، حَرَمْناه مِيراثَها، وإن خَرَجَتْ لمَيِّتةٍ
الجزء: 23 - الصفحة: 54
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعدَه، حَرَمْناها مِيراثَه، والباقياتُ يَرِثُهُنَّ ويَرِثْنَه.
فإن قال الزَّوجُ بعدَ مَوْتِها: هذه التي طَلَّقْتُها.
أو قال في غيرِ المُعَيَّنة: هذه التي أرَدْتُها.
حُرِمَ مِيرَاثَها؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفْسِه، ويَرِثُ الباقياتِ، سَواءٌ صَدَّقَه ورَثتهُنَّ أو كَذَّبُوه؛ لأنَّ عِلْمَ ذلك إنَّما يُعْرَفُ مِن جِهَتِه، ولأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ بينَهما، وهم يَدَّعُونَ طلاقَه إيَّاها، والأصْلُ عدَمُه.
وهل يُسْتَحْلَفُ في ذلك؟ فيه رِوايَتان، فإن قُلْنا: يُسْتَحْلَفُ.
فنَكَلَ، حَرَمْناه مِيراثَها؛ لنُكُولِه، ولم يَرِثِ الأخْرَى؛ لإِقْرارِه بطلاقِها.
فإن مات فقال وَرَثته لإحْداهُنّ: هذه المُطَلَّقَةُ.
فأقَرَّتْ، أو أقَرَّ ورَثتها بعدَ مَوْتِها، حَرَمْناها مِيراثَه، وإنْ أنْكَرَتْ، أو أنكَرَ ورَثَتُها، فقِياسُ ما ذَكَرْناه أن القولَ قولُها؛ لأنَّها تَدَّعِي بَقاءَ نِكاحِها، وهم يَدَّعُونَ زَواله، والأصْلُ معها، فلا يُقْبَلُ قولُهم عليها إلَّا بِبَينةٍ.
وإن شَهِدَ اثْنان مِن وَرَثَتِه أنّه طَلّقَها، قُبِلَتْ شَهادَتُهما، إذا لم يَكُونا ممَّن يَتَوَفَّرُ عليهما مِيراثُها، ولا على مَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُما له، [كأمِّهِما وجَدَّتِهما] 1014؛ لأنَّ مِيراثَ إحْدَى الزَّوْجاتِ لا يَرْجِعُ إلى وَرَثَةِ الزَّوجِ، وإنَّما يتَوَفّرُ على ضَرائرِها.
وإنِ ادَّعَتْ إحْدَى الزَّوجاتِ أنَّه طَلَّقَها طلاقًا تَبِينُ به، فأنْكَرَها، فالقولُ قولُه، وإن مات لم تَرِثْه؛ لإقْرارِها بأنَّها لا تَسْتَحِقُّ ميراثَه، فقَبِلْنا قولَها فيما عليها، دُونَ ما لها، وعليها العِدَّةُ؟ لأنَّا لم نَقْبَلْ قوْلَها فيما عليها، وهذا التَّفْريعُ فيما إذا كان الطلاقُ يُبينُها، فإن كان رَجْعِيًّا، ومات في عِدَّتِها، أو ماتت،
الجزء: 23 - الصفحة: 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَرِثَ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَه.
فصل: إذا كان له أرْبَعُ نِسْوَةٍ، فطَلَّقَ إحْداهُنَّ، ثم نَكَحَ أُخْرَى بعدَ قَضاءِ عِدَّتِها، ثم مات، ولم يُعْلَمْ أيَّتهُنَّ طَلَّقَ، فَلِلَّتي تَزَوَّجَها رُبْعُ ميراثِ النِّسْوَةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ولا خِلافَ فيه بينَ أهلِ العلمِ.
ثم يُقْرَعُ بينَ الأرْبَعِ , فأيَّتهُنَّ خَرَجَتْ قُرْعَتُها، حُرِمَتْ، ووَرِثَتِ الباقياتُ نَصَّ عليه أحمدُ أيضًا.
وذهَبَ الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعَطاءٌ الخُرَاسَانِي، وأبو حنيفةَ، إلى أنَّ البَاقِيَ بينَ الأرْبَعِ.
وزَعَمَ أبو عُبَيدٍ أنَّه قولُ أهلِ الحجازِ وأهلِ العراقِ جميعًا.
وقال الشافعيُّ: يُوقَفُ البَاقِي بينَهُنَّ حتى يَصْطَلِحْنَ.
ووَجْهُ الأقوالِ 1015 ما تَقَدَّمَ.
وقد قال أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ مَنْصورٍ، في رجُلٍ له أرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَطَلقَ واحدةً منْهُنَّ ثلاثًا، ووَاحِدَةً اثْنَتَين، وواحدةً واحدةً، ومات على أثَرِ ذلك، ولا يُدْرَى أيَّتهُنَّ طَلَّقَ ثلاثًا، وأيَّتهُنَّ طَلَّقَ اثْنَتَين، وأيَّتهُنَّ 1016 واحدةً: يُقْرَعُ بينَهُنَّ، فالتي أبانَها تَخْرُجُ، ولا مِيراثَ لها.
هذا فيما 1017 إذا مات في عِدَّتِهِنَّ، وكان طلاقه في صِحَّتِه، فإنه لا يُحْرَمُ الميراثَ إلَّا المُطَلَّقَةُ ثلاثًا، [والباقيتان رَجْعِيَّتان] 1018، يَرِثْنَه في العِدَّةِ، ويَرِثُهُنَّ 1019. ومَن انْقضَتْ عِدَّتُها مِنهُنَّ، لم
الجزء: 23 - الصفحة: 56
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَرِثْه ولم يَرِثْها، ولو كان طَلاقُه في مَرَضِه الذي مات فيه، لوَرِثَه الجميعُ في العِدَّةِ، وفيما بعدَها قبلَ التَّزْويجِ رِوايَتان.
فصل: إذا طَلَّقَ واحدةً لا بِعَينها، [أو بِعَينها] 1020 فأُنْسِيَها 1021، فأنْقَضَتْ عِدَّةُ الجميعِ، فله نِكاحُ خامِسَةٍ قبلَ القُرْعَةِ.
وخَرَّجَ ابنُ حامدٍ وَجْهًا، في أنَّه لا يَصِحُّ نِكاحُ الخامِسَةِ؛ لأنَّ المُطَلَّقَةَ في حُكْمِ نِسائِه، بالنِّسْبَةِ إلى وُجُوبِ الإنْفاقِ عليها، وحُرْمَةِ النِّكاحِ في حَقِّها.
ولا يَصِحُّ ما قاله؛ لأنَّنا عَلِمْنا أنَّ مِنْهُنَّ واحدةً بائنًا منه، ليستْ في نِكاحِه، ولا في عِدَّةٍ مِن نِكاحِه، فكيفَ تكونُ زَوْجَتَه! وإنَّما الإِنْفاقُ عليها لأجْلِ حَبْسِها ومَنْعِها مِن التَّزوُّجِ بغيرِه؛ لأجْلِ اشْتباهها.
ومتى عَلِمْناها بعَينها، إمَّا بتَعْيينه، أو بقُرْعَةٍ، فعِدَّتُها مِن حِينَ طَلَّقَها، لا مِن حِينَ عَيَّنهَا.
وذَكَرَ أبو حنيفةَ، وبعضُ أصْحابِ الشافعيِّ، أنَّ عِدَّتَها مِن حينِ التَّعْيِينِ.
وهذا فاسِدٌ؛ فإنَّ الطَّلاقَ وَقَعَ حينَ إيقاعِه، وثَبَتَ حُكْمُه في تَحْرِيمِ الوَطْءِ، وحِرْمانِ الميراثِ مِن الزَّوجِ، وحِرْمانِه منها قَبْلَ التَّعْيينِ، فكذلك العِدَّةُ، وإنَّما التعْيينُ تَبْيِينٌ لِمَا كان واقعًا.
فإن مات الزَّوْجُ قبلَ التَّعْيِينِ، فعلى الجميعِ عِدَّةُ الوَفاةِ، في قولِ الشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وعطاء الخُراسَانِيِّ.
قال أبو عُبَيدٍ: وهو قولُ أهلِ الحجازِ والعراقِ؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ مِنْهُنَّ يَحْتَمِلُ أنَّها باقية على النِّكاحِ، والأصْلُ بَقاؤه، فتَلْزَمُها عِدَّتُه.
والصَّحِيحُ أنَّه يَلْزَمُ
الجزء: 23 - الصفحة: 57
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كُلَّ واحدةٍ أطوَلُ الأجَلَينِ، مِن عِدَّةِ الوَفاةِ وعِدَّةِ الطَّلاقِ، لَكِنَّ عِدَّةَ الطلاق مِن حِينَ طَلَّقَ، وعِدَّةَ الوَفاةِ مِن حِينِ مَوْتِه؛ لأنَّ كُلَّ واحدةٍ مِنْهُنَّ يَحْتَمِلُ أن تكونَ عليها عِدَّةُ الوَفاةِ، ويَحْتَمِلُ أنَّها المُطَلَّقَةُ، فعليها عِدَّةُ الطَّلاقِ، فلا تَبْرأُ يَقِينًا إلَّا بأطْولِهما.
وهذا في الطَّلاقِ البائِنِ، فأمَّا الرَّجْعِيَّةُ، فعليها عِدَّةُ الوفاةِ بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّها زَوْجَةٌ.
فصل: إذا ادَّعَتِ المرأةُ أنَّ زوْجَها طَلَّقَها، فأنْكَرَها، فالقولُ قولُه؛ لأنَّه مُنْكِر، ولأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ، فإن كان لها بما ادَّعَتْه بَيِّنة، قُبلَتْ، ولا يُقْبَلُ فيه إلَّا عَدْلان.
ونَقَلَ ابنُ مَنْصُورٍ عن أحمدَ، أنَّه سُئِلَ: أَتَجُوزُ شَهادةُ رَجُلٍ وامْرأتَين في الطَّلاقِ؟ قال: لا 1022 واللهِ.
إنَّما كان كذلك؛ لأنَّ الطَّلاقَ ليس بمالٍ، ولا المقصودُ منه المالُ، ويَطّلِعُ عليه الرِّجالُ في غالِبِ الأحْوالِ، فلم يُقْبَلْ فيه إلَّا عَدْلان، كالحدودِ والقِصَاصِ.
فإن عُدِمَتِ البَيِّنةُ، استُحْلِفَ، في أصَحِّ الرِّوايَتَين.
نَقَلَها أبو طالبٍ عن أحمدَ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَلَكِنَّ اليَمينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ» 1023. وقولُه: «اليَمِينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ» 1024. ولأنَّه يَصِحُّ من الزَّوْجِ بَذْلُه، فيُسْتَحْلَفُ فيه، كالمَهْرِ.
ونَقَل ابنُ مَنْصُورٍ عنه: لا يُسْتَحْلَفُ في الطَّلاقِ [والنِّكاحِ] 1025؛ لأنَّه لا يُقْضَى فيه بالنُّكُولِ، فلا يُسْتَحْلَفُ فيه، كالنِّكاحِ
الجزء: 23 - الصفحة: 58
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا ادَّعَى زَوْجيَّتها فأنْكَرَتْه.
فإنِ اخْتَلَفا في عَدَدِ الطَّلاقِ، فالقولُ قولُه، لِما ذَكَرْناه.
فعلى هذا، إذا طَلّقَ ثلاثًا، وسَمِعَتْ ذلك، فأنْكَرَ، أو ثَبَتَ ذلك عندَها بقولِ عَدْلَينِ، لم يَحِلَّ لها تَمْكِينُه مِن نَفْسِها، وعليها أن تَفِرَّ منه ما اسْتطاعَتْ، وتَمْتَنِعَ منه إذا أرادَها، وتَفْتَدِيَ منه إن قَدَرَت، ولا تَزَيَّنَ له، ولا تَقْرَبَه، وتَهْرُبَ إن قَدَرَتْ، ولا تُقِيمَ معه.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلم.
قال 1026 جابرُ بنُ زيدٍ، وحمادُ بنُ أبي سليمانَ، وابنُ سِيرِينَ: تفِرُّ منه ما اسْتطاعَتْ، وتَفْتَدِي منه بكُلِّ ما يُمْكِنُ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو يُوسفَ: تَفِرُّ منه.
وقال مالكٌ: لا تَتَزَيَّنُ له، ولا تُبْدِي له شيئًا مِن شَعَرِها، ولا يُصِيبُها إلَّا مُكْرَهَةً.
ورُوِيَ عن الحسنِ، والزُّهْرِيِّ، والنَّخَعِيِّ: يُسْتَحْلَفُ، ثم يَكونُ الإِثمُ عليه.
والصَّحِيحُ ما قاله الأوَّلُونَ، لأنَّ هذه تَعْلَمُ أنَّها أجْنَبِيّةٌ منه، مُحَرّمَة عليه، فوجب عليها الامْتِناعُ والفِرارُ منه، كسائِرِ الأجانبِ.
وهكذا لو ادَّعَى نِكاحَ امْرأةٍ كَذِبًا، وأقامَ بذلك شاهِدَىْ زُورٍ، فحَكَمَ له الحاكِمُ بالزَّوْجِيَّةِ، أو لو تَزَوَّجَها تَزْويجًا باطلًا، فسُلِّمَتْ إليه بذلك، فالحُكمُ في هذا كالحُكْمِ في المُطَلَّقَةِ ثلاثًا.
فصل: ولو طَلَّقَها ثلاثًا، ثم جحَدَ طَلاقَها، لم تَرِثْه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال قَتادَةُ، وأبو حنيفةَ، وأبو يُوسفَ، والشافعي، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الحسنُ: تَرِثُه؛ لأنَّها في حُكْمِ الزَّوْجاتِ ظاهِرًا.
ولَنا، أنَّها تَعْلَمُ
الجزء: 23 - الصفحة: 59
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّها أجْنَبِيّةٌ، فلم تَرِثْه، كسائِرِ الأجْنَبِيَّاتِ.
وقال أحمدُ في رِوايةِ أبي طالبٍ: تَهْرُبُ منه، ولا تَتَزَوَّجُ حتى يُظْهِرَ طلاقَها، وتَعْلَمَ ذلك، يَجِئُ فيَدَّعِيها، فتُرَدُّ عليه وتُعَاقَبُ، وإن مات ولم يُقِرَّ بِطَلاقِها، لا تَرِثُه، لا تأخُذُ ما ليس لها، تَفِرُّ منه، ولا تَخْرُجُ مِن البَلَدِ، ولكن تَخْتَفِي في بَلَدِها.
قيل له: فإنَّ بعضَ النَّاسِ قال: تَقْتُلُه، هي بمَنْزِلَةِ مَن يَدْفَعُ عن نَفْسِه.
فلم يُعْجِبْه ذلك.
فَمَنَعَها مِن التَّزَوُّجِ قبلَ ثُبُوتِ طَلاقِها؛ لأنها في ظاهِرِ الحُكْمِ زَوْجَةُ هذا المُطَلِّقِ، فإذا تَزَوَّجَتْ غيرَه، وَجَبَ عليها في ظاهِرِ الشرْعِ 1027 العُقُوبَةُ، والرّدُّ إلى الأوَّلِ، ويَجْتَمِعُ عليها زَوْجان، هذا بظاهرِ الأمْرِ، وذلك بباطِنِه، ولم يَأذَنْ لها في الخُرُوجِ مِن البَلَدِ؛ لأنَّ ذلك يُقَوِّي التُّهْمَةَ في نُشُوزِها، ولا في قَتْلِه قَصْدًا؛ لأنَّ الدّافِعَ عن نَفْسِه لا يَقْتُلُ قَصْدًا، فأمَّا إن قَصَدَتِ الدَّفْعَ عن نَفْسِها فآلَ إلى نَفْسِه، فلا إثْمَ عليها، ولا ضَمانَ في الباطِنِ، فأمَّا في الظَّاهِرِ، فإنَّها تُؤْخَذُ بحُكْمِ القَتْلِ، ما لم يَثْبُتْ صِدْقُها.
فصل: قال أحمدُ: إذا طَلَّقَها ثلاثًا، فشَهِدَ أرْبَعَة أنَّه وَطِئَها، أُقِيمَ عليه الحَدُّ.
إنَّما أوْجَبَه، لأنَّها صارَت بالطَّلاقِ أجْنَبِيَّةً، فهي كسائرِ الأجْنَبِيَّاتِ، بل هي أشَدُّ تَحْريمًا؛ لأنَّها مُحَرّمَةٌ وَطْأً ونِكاحًا.
فإن جَحَدَ طَلاقَها وَوَطِئَها، ثم قامَتِ البَيِّنةُ بطلاقِه، فلا حَدَّ عليه.
وبهذا قال الشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، وأهلُ الحجازِ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، ورَبِيعةُ،
الجزء: 23 - الصفحة: 60
وَإنْ طَارَ طَائِرٌ، فَقَال: إنْ كَانَ هَذَا غُرَابًا فَفُلَانَةُ طَالِقٌ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَفُلَانَةُ طَالِق.
وَلَمْ يَعْلَمْ حَالهُ، فَهِيَ كَالْمَنْسِيَّةِ.
والشافعي، وَأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ جَحْدَه لطَلاقِه يُوهِمُنا أنَّه نَسِيَه، وذلك شُبْهَةٌ في دَرْءِ الحَدِّ عنه، ولا سَبِيلَ لنا إلى عِلْم مَعْرِفَتِه بالطَّلاقِ حالةَ وَطْئِه إلَّا بإقْرارِه بذلك.
فإن قال: وَطِئْتُها عالِمًا بأننِي كنتُ طَلَّقْتُها ثلاثًا.
كان إقْرارًا منه بالزِّنَى، فيُعْتَبَرُ فيه ما يُعْتَبَرُ في الإِقْرارِ بالزَّنَى.
3640 -
مسألة: (وإن طار طائِرٌ، فقال: إن كان هذا غُرابًا ففُلانَةُ طالقٌ، وإن لم يَكُنْ غُرابًا ففُلانَةُ طالقٌ. ولم يَعْلَمْ حاله، فهي كالمنْسِيَّةِ)
والحُكْمُ فيها على ما ذَكَرْنا فيها؛ لأنَّها في مَعْناها، والخِلافُ فيها على ما ذَكَرنا.
الحديث: 3640 - الجزء: 23 - الصفحة: 61
وإنْ قَال: إِنْ كَانَ غرَابًا فَفلَانَةُ طَالِقٌ، وَإنْ كَان حَمَامًا فَفُلَانَة طَالِق.
لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ.
3641 - مسألة: (وإن قال: إن كان غُرابًا ففُلانَةُ طالق، وإن كان حَمامًا ففُلانَةُ طالق)
لَمْ يُحْكَمْ بحِنْثِه في واحِدَةٍ منهما؛ لأنَّه مُتَيَقِّنٌ للنِّكاحِ، شاكٌّ في الحِنْثِ، فلا يَزُولُ عن يَقِينِ النِّكاحِ بالشكِّ؛ لأنه يَحْتَمِلُ أنَّه غيرُهما.
فصل: إذا رَأى رجُلان طائِرًا، فحَلَفَ أحَدُهما بالطلاقِ أنَّه غُراب، وحَلَفَ الآخَرُ أنَّه حَمَامٌ.
فطارَ، ولم يَعْلَما حاله، لم يُحْكَمْ بحِنْثِ واحدٍ منهما؛ لأنَّ يقينَ النِّكاحِ ثابِتٌ، ووُقوعَ الطَّلاقِ مَشْكوكٌ فيه.
فإنِ ادَّعَتِ
الحديث: 3641 - الجزء: 23 - الصفحة: 62
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
امرأةُ أحَدِهما حِنْثَه فيها، فالقَوْلُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ معه 1028، واليَقِينَ في جانِبِه.
فصل: فإن قال أحَدُ الرَّجُلَينِ: إن كان غُرَابًا فامْرَأتُه طالق ثلاثًا.
وقال الآخَرُ: إن لم يَكُنْ غُرابًا فامْرأتُه طالقٌ ثلاثًا.
فطار، ولم يَعْلَما حاله، فقد حَنِثَ أحَدُهما، لا بعَينه، ولا يُحْكَمُ به في حَقِّ واحدٍ منهما بعَينه، بل تَبْقَى في حَقِّه أحْكامُ النِّكاحِ، مِنَ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ والسَّكَنِ؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما يَقِينُ نِكاحِه باقٍ، ووُقوعُ طلاقِه مَشْكوكٌ فيه، فأمَّا الوَطْءُ، فذَكَر القاضي، أنَّه يَحْرُمُ عليهما؛ لأنَّ أحَدَهما حانِثٌ يَقِينًا، فامْرأتُه مُحَرَّمَة عليه، وقد أشْكَلَ، فَحَرُمَ عليهما جميعًا، كما لو حَنِثَ في إحْدَى امْرأتَيه لا بعَينها.
وقال أصحابُ الرَّأي، والشافعيُّ: لا يَحْرُمُ على واحدٍ منهما وَطْءُ امْرأتِه؛ لأنَّه مَحْكُومٌ ببقاءِ نِكاحِه، [ولم يُحْكَمْ بوقُوعِ الطَّلاقِ عليه، وفارَق الحانثَ في إحْدَى امْرأتَيه، فإنَّه معلومٌ زوالُ نِكاحِه] 1029 عن إحْدَى زَوْجَتَيه.
قُلْنا: إنَّما تَحَقَّقَ حِنْثُه في واحدةٍ غيرِ مُعَينةٍ، وبالنَّظَرِ إلى كلِّ واحدةٍ مُفْرَدَةٍ، فَيَقِينُ نِكاحِها باقٍ، وطَلاقُها مَشْكوكٌ فيه، لَكِنْ لمَّا تَحَقَّقْنا أنَّ إحْداهما حَرامٌ، ولم يُمْكِنْ تَمْييزُها، حَرُمَتا عليه جميعًا، وكذلك هاهنا قد عَلِمْنا أنّ أحَدَ هذَين الرجُلَينِ قد طَلُقَتِ امْرأتُه، وحَرُمَتْ عليه، وتَعَذَّرَ التمْيِيزُ، فيَحْرُمُ الوَطْءُ
الجزء: 23 - الصفحة: 63
وَإنْ قَال: إِنْ كَانَ غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ.
فَقَال آخَرُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ.
وَلَمْ يَعْلَمَاهُ، لَمْ يَعْتِقْ عَبْدُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنِ اشْتَرَى
عليهما، ويَصِيرُ كما لو تَنَجَّسَ أحَدُ الإناءَين لا بعَينه، فإنَّه يَحْرُمُ اسْتِعْمالُ كلِّ واحدٍ منهما، سواءٌ كانا لرَجُلَين أو لرَجُل واحدٍ.
وقال مَكْحُولٌ: يُحْمَلُ الطَّلاقُ عليهما جميعًا.
ومال إليه أبو عُبَيدٍ.
فإنِ ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنَّه عَلِمَ الحال، وأنَّه لم يَحْنَثْ، دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى.
ونحوَ هذا قال عَطاءٌ، والشَّعْبِي، والزُّهْرِيُّ، والحارِثُ العُكْلِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعي؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما يُمْكِنُ صِدْقُه فيما ادَّعاه.
وإن أقَرَّ كلُّ واحدٍ منهما أنَّه الحانِثُ، طَلُقَتْ زَوْجتاهُما بإقْرارِهما على أنْفُسِهما.
وإن أقَرَّ أحَدُهما، حَنِثَ وحدَه.
فإنِ ادّعَتِ امرأةُ أحَدِهما عليه الحِنْثَ، فأنْكَرَ، فالقولُ قولُه.
وهل يَحْلِفُ؟ على رِوايَتَين.
3642 -
مسألة: (فإن قال)
أحَدُهما: (إن كان غُرابًا فعَبْدِي حُر.
وقال الآخَرُ: إن لم يَكُنْ غُرَابًا فعَبْدِي حُر.
فطار، ولم يَعْلَما) حاله (لم يُحْكَمْ بعِتْقِ واحدٍ مِن العَبْدَين) لأنّ الأصْلَ بَقاءُ الرِّقِّ (فإنِ
الحديث: 3642 - الجزء: 23 - الصفحة: 64
أحَدُهُمَا عَبْدَ الْآخَرِ، أُقْرِعَ بَينَهُمَا حِينَئِذٍ.
وَقَال الْقَاضِي: يَعْتِقُ الَّذِي اشْتَرَاهُ.
اشْتَرَى أحَدُهما عبدَ الآخَرِ) بعدَ أن أنْكَرَ حِنْثَ نَفْسِه، عَتَقَ الذي اشْتَرَاه؛ لأنَّ إنْكارَه حِنْثَ نَفْسِه 1030 اعْتِرَافٌ منه بحِنْثِ صاحِبِه، وإقْرارٌ منه بعِتْقِ الذي اشْتَراه.
وإنِ اشْتَرَى مَن أقرَّ بحُرِّيته، عَتَقَ عليه.
وإن لم يَكُنْ منه إنْكارٌ ولا اعْتِرافٌ، فقد صارَ العَبْدان في يَدِه؛ أحَدُهما حُر، لا يُعْلَمُ عَينُه، فيُرْجَعُ في تَعْيِينه إلى القُرْعَةِ.
وهو قولُ أبي الخَطَّابِ (وقال القاضي: يَعْتِقُ الذي اشْتَراه) في الموْضِعَينِ؛ لأنَّ تَمَسُّكَهُ بعَبْدِه اعْتِرافٌ منه بِرقِّه وحُرِّيَّةِ صاحِبِه.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
ولَنا، أنَّه لم يَعْتَرِفْ لَفْظًا، ولا فَعَلَ ما يَلْزَمُ منه الاعْتِرافُ، فإنَّ الشَّرْعَ سَوَّغَ له إمْساكَ عبْدِه مع الجَهْلِ، اسْتِنادًا إلى الأصْلِ، فكيف يكونُ مُعْتَرِفًا مع تَصْريحِه بأنَّني لا أعْلَم الحُرَّ منهما! وإنَّما اكْتَفَينا في إبْقاءِ رِقِّ عبدِه باحْتِمالِ الحِنْثِ في حَقِّ صاحِبِه.
الجزء: 23 - الصفحة: 65
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإذا صار العَبْدان له، وأحَدُهما حُرٌّ لا بعَينه، صار كأنهما كانا له، فأعْتَقَ أحَدَهما وحدَه، فيُقرَعُ بينَهما حِينَئذٍ.
فإن كان الحالِفُ واحدًا، فقال: إن كان غرابًا فعَبْدِي حُرٌّ، وإن لم يَكنْ غرابًا فأمَتِي حرَّة.
ولم يَعْلَمْ حاله، فإنه يُقْرَعُ بينَهما، فيَعْتِقُ أحَدُهما، فإنِ ادَّعَى أحَدُهما أنَّه الذي أُعْتِقَ، أو ادَّعَى كل واحدٍ منهما ذلك، فالقولُ قولُ السَّيِّدِ مع يَمِينه.
فصل: فإن قال: إن كان غُرابًا فنِساؤه طوالِقُ، وإن لم يَكُنْ غُرابًا فعَبِيدُه أحْرارٌ.
ولم يَعْلَمْ حاله، مُنِعَ مِن التَّصرُّفِ في المِلْكَين حتى يبينَ، وعليه نَفَقَةُ الجميعِ.
فإن كان غُرابًا، طَلَّقَ نِساؤه، ورَقَّ عَبِيدُه.
فإنِ ادَّعَى العَبِيدُ أنَّه لم يَكنْ غُرابًا لِيَعْتِقوا، فالقول قولُ السَّيِّدِ.
وهل يَحلِفُ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَين.
وإن قال 1031: لم يكُنْ غُرابًا.
عَتَقَ عَبِيدُه، ولم تَطْلُقِ النِّساءُ.
فإنِ ادَّعَين أنَّه كان غرابًا لِيَطْلَّقْنَ، فالقولُ قولُه.
وفي تَحْليفِه وَجْهان.
وكل مَوْضع قلْنا: يُسْتَحْلَفُ.
فنَكَلَ، قُضِيَ عليه بنُكولِه.
الجزء: 23 - الصفحة: 66
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن قال: لا أعْلَمُ ما الطَّائِرُ.
فقياسُ المذهبِ أن يُقْرَعَ بينَهما، فإن وَقَعَتِ القُرْعَةُ على الغُرابِ، طَلُقَ النِّساءُ، ورَقَّ العَبيدُ، وإن وَقَعَتْ على العَبِيدِ، عَتقُوا، ولم تَطلُقِ النِّساءُ.
وهذا قولُ أبي ثَوْرٍ.
[وقال] 1032 أصحابُ الشافعيِّ: إن 1033 وقَعَتِ القُرْعَةُ على العَبيدِ، عتَقُوا، وإن وَقَعَتْ على النِّساءِ، لم يَطْلُقْنَ، ولم يَعْتِقِ العَبِيدُ؛ لأَنَّ القُرْعَةَ لها مَدْخَلٌ في العِتْقِ، لكَوْنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أقْرَعَ بينَ العَبِيدِ السِّتَّةِ 1034، ولا مدْخَلَ لها في الطَّلاقِ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ مثلُ ذلك فيه، ولا يُمْكِنُ قِياسُه على العِتْقِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ حَلُّ قَيدِ النِّكاحِ، والقُرْعَةُ لا تَدْخُلُ في النِّكاحِ، [والعِتْقَ] 1035 حَلُّ المِلْكِ، والقُرْعَةُ تَدْخُلُ في تَمْييزِ الأمْلاكِ.
قالوا: ولا يُقْرَعُ بينَهم إلَّا بعدَ مَوْتِه.
قال شيخُنا 1036: ويُمْكِنُ أن يُقال على هذا: إنَّ ما لا يَصْلُحُ للتَّعْيِينِ في حَقِّ الموْروثِ، لا يَصْلُحُ في حَقِّ الوارثِ، كما لو كانتِ اليَمِينُ في زَوْجَتَين، ولأنَّ الإماءَ مُحرَّماتٌ على الموروثِ تَحْريمًا لا تُزِيلُه القُرْعَةُ، فلم يُبَحْنَ
الجزء: 23 - الصفحة: 67
وَإنْ قَال لِامْرأتِهِ وَأجْنَبِيَّةٍ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ.
أوْ قَال: سَلْمَى طَالِقٌ.
وَاسْمُ امْرَأتِهِ سَلْمَى، طَلُقَت امْرَأتُهُ، فَإِنْ أرَادَ الْأجْنَبِيَّةَ، لَمْ تَطْلُقِ امْرَأتُهُ، وَإنِ ادَّعَى ذَلِكَ دُيِّنَ.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَينِ.
للوارثِ بها، كما لو تَعَيَّنَ العِتْقُ فِيهنَّ.
3643 -
مسألة: (إذا قال لامْرَأتِه وأجْنَبِيَّةٍ: إحْداكُما طالقٌ)
أو قال لحَماتِه: ابْنَتُكِ طَالقٌ (أو قال: سَلْمَى طالقٌ.
واسْمُ امْرَأتِه سَلْمَى، طَلُقَتِ امْرَأتُه) لأنَّه لا يَمْلِكُ طلاقَ غيرِها، ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ، أشْبَهَ ما لو باعَ ماله ومال غيرِه، صَحَّ في مالِه دُونَ غيرِه.
فإن قال: أرَدْتُ الأجْنَبِيَّةَ.
لم يُصَدَّقْ.
قال أحمدُ في رجُلٍ تَزَوَّجَ امرأةً، فقال لحَماتِه: ابْنَتُكِ طالقٌ.
وقال: أردْتُ ابْنَتَكِ الأخْرَى التي ليستْ بزَوْجَتِي: فلا يُقْبَلُ منه.
وقال في رِوايةِ أبي داودَ، في رجلٍ له امْرأتانِ، اسْماهُما فاطِمَةُ، ماتتْ إحْدَاهما، فقال: فاطمةُ طالقٌ.
يَنْوي المَيِّتةَ، فقال: المَيِّتةُ تَطْلُقُ! قال أبو داودَ: كأنَّه أراد في الروايةِ الأولَى أن لا يُصَدِّقَه في الحُكْمِ، وفي الثَّانيةِ يُدَيَّنُ.
وقال القاضي، فيما إذا نَظَرَ إلى امْرأتِه وأجْنَبِيَّةٍ، فقال: إحْداكما طالقٌ 1037. وقال: أرَدْتُ الأجْنَبِيَّةَ.
فهل يُقْبَلُ؟ على رِوايَتَين.
وقال الشافعيُّ: يُقْبَلُ هاهُنا، ولا يُقْبَلُ فيما إذا قال: سَلْمَى
الحديث: 3643 - الجزء: 23 - الصفحة: 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طالقٌ.
وقال: أرَدْتُ أجْنَبِيَّةً اسْمُها سَلْمَى؛ لأنَّ سَلْمَى لا يتَناولُ الأجْنَبِيَّةَ بصَرِيحِه، بل مِن جِهَةِ الدَّليلِ، وقد عارَضَه دليلٌ آخَرُ، وهو أنَّه لا تَطْلُقُ غيرُ زَوْجَتِه، فصارَ اللفْظُ في زَوْجَتِه أظْهَرَ، فلم يُقْبَلْ خِلافُه، أمَّا إذا قال: إحْداكُما.
فإنَّه يَتَناوَلُ الأجْنَبِيَّةِ بصَرِيحِه.
وقال أصحابُ الرَّأي، وأبو ثَوْرٍ: يُقْبَلُ في الجميعِ؛ لأنَّه فَسَّرَ كلامَه بما يَحْتَمِلُه.
ولَنا، أنَّه لا يَحْتَمِلُ غيرَ امْرأتِه على وجهٍ صَحِيح، فلم يُقْبَل تَفْسِيرُه به، كما لو فَسَّرَ كلامَه بما لا يَحتَمِلُه، وكما لو قال: سَلْمَى طالق.
عندَ الشافعيِّ، ولا يَصِحُّ ما ذَكَرُوه مِن الفَرقِ، فإنَّ قولَه 1038: إحْداكما.
ليس بصَريح في واحدةٍ منهما بعَينها، وسَلمَى يتَناوَلُ واحدةً لا بعَينها، ثم تَعَينَّتِ الزَّوْجَةُ لكَوْنِها مَحَلًّا للطَّلاقِ، وخِطابُ غيرِها به عَبَثٌ، كما إذا قال: إحْداكما طالقٌ.
ثم لو تَناوَلَها بصَريحِه لكِن صَرَفَه عنها دَليل، فصار ظاهِرًا في غيرِها، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا قال للمُتَلاعِنَين: «أحَدُكُما 1039 كَاذِبٌ» 1040. لم يَنْصرِفْ
الجزء: 23 - الصفحة: 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إلَّا إلى الكاذِبِ منهما وحدَه، ولمَّا قال حَسَّانُ 1041، يعني النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأبا سفيانَ:
- فشَرُّكما لخيرِكما الفِداءُ *
لم ينْصَرِفْ شَرُّهما إلَّا إلى أبي سفيانَ، وخيرُهما إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وحدَه.
وهذا في الحُكْمِ، وأمَّا فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى فَيُدَيَّنُ فيه، فمتى عَلِمَ مِن نَفْسِه أنَّه أراد الأجْنَبِيَّةَ، لم تَطْلُقْ زَوْجَتُه، لأنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ له وإن كان غيرَ مُقَيَّدٍ.
ولو كانت ثَم قَرِينَة دالَّة على إرادَتِه الأجْنَبيَّةَ، مثلَ أن يَدْفَعَ بيَمِينه ظُلْمًا، أو يتَخلّصَ بها مِن مَكْروهٍ، قُبِلَ قولُه في الحُكْمِ، لوُجودِ الدَّليلِ الصَّارفِ إليها.
وإن لم يَنْو زَوْجتَه، ولا الأجْنَبِيَّةَ، طَلُقَتْ زَوْجتُه، لأنّها محَل الطَّلاقِ، واللَّفْظُ يحْتمِلُها ويَصْلُح لها 1042، ولم يَصْرِفه عنها، فوقَعَ بها، كما لو نَوَاها.
الجزء: 23 - الصفحة: 70
وَإنْ نَادَى امْرأتَهُ، فَأجَابَتْهُ امْرأةٌ لَهُ أُخْرَى، فَقَال: أنْتِ طَالِقٌ.
يَظُنُّهَا الْمُنَادَاةَ، طَلُقَتَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ، وَالأُخْرَى، تَطْلُقُ الَّتِي نَادَاهَا.
3644 - مسألة: (فإن نادَى امْرأتَه، فأجابَتْه امْرأةٌ له أُخْرَى، فقال: أنْتِ طالقٌ. يَظُنُّها المُنَاداةَ، طَلُقَتا في إحْدَى الرِّوايَتَين)
وهو قولُ النَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، والأوْزاعِيِّ، وأصحابِ الرَّأي.
واخْتارَه ابنُ حامدٍ؛ لأنَّه خاطَبَها بالطَّلاقِ، وهي مَحَلٌّ له، فطَلُقَتْ، كما لو قَصَدَها (والثَّانيةُ، تَطْلُقُ التي ناداها) وحدَها.
وهو قولُ الحسَنِ، والزُّهْرِيِّ، وأبي عُبَيدٍ.
قال أحمدُ في رِوايةِ مُهَنَّا، في رجل له امْرأتانِ فقال: فُلانَةُ، أنْتِ طالق.
فالْتَفَتَ، فإذا هي غيرُ التي حَلَفَ عليها، قال: قال إبراهيمُ: يَطْلُقان.
والحسَنُ يقولُ: تَطْلُقُ التي نَوَى.
قيل له: ما تقولُ أنتَ؟ قال: تَطْلُقُ التي نَوَى؛ وذلك لأنَّه لم يَقْصِدْها بالطَّلاق، فلم تَطْلُقْ، كما لو أراد أن يقولَ: أنتِ طاهرٌ.
فسَبَقَ لسانُه، فقال: أنتِ طالق.
وقال أبو بكرٍ: لا يَخْتَلِفُ كلامُ أحمدَ أنَّها لا تَطْلُقُ.
وقال الشافعيُّ: تَطْلُقُ
الحديث: 3644 - الجزء: 23 - الصفحة: 71
وَإنْ قَال: عَلِمْتُ أنَّهَا غَيرُهَا، وَأرَدْتُ طَلَاقَ الْمُنَادَاةِ.
طَلُقَتَا مَعًا، وَإنْ قَال: أردْتُ طَلَاقَ الثَّانِيَةِ.
طَلُقَتْ وَحْدَهَا.
المُجِيبَةُ وحدَها؛ لأنَّها مُخاطَبَةٌ بالطَّلاقِ، فطَلُقَتْ، كما لو لم يَنْو غيرَها، ولا تَطْلُقُ المَنْويَّةُ؛ لأنَّه لم يُخاطِبْها بالطَّلاقِ، ولم يَعْتَرِفْ بطَلاقِها 1043. وهذا يَبْطُلُ بما لو عَلِمَ أنَّ المُجِيبَةَ غيرُها، فإنَّ المَنْويَّةَ تَطْلُقُ بإرادَتِها بالطَّلاقِ، ولولا ذلك لم تَطلُقْ بالاعْتِرافِ به، لأنَّ الاعْتِرافَ بما لا يُوجِبُ لا يُوجِبُ، ولأنَّ التي لم تُجِبْ مقْصودَةٌ بلَفْظِ الطَّلاقِ، فطلُقَتْ، كما لو عَلِمَ الحال (فإن قال: عَلِمْتُ أنَّها غيرُها، وأرَدْتُ طَلاقَ المُنادَاةِ.
طَلُقَتا معًا) في قوْلِهم جميعًا (وإن قال: أرَدْتُ طلاقَ الثَّانيةِ) وحدَها (طَلُقَتْ وحدَها) لقَصْدِه لها وخِطابِه.
الجزء: 23 - الصفحة: 72
وَإنْ لَقِيَ أجْنَبِيَّةً ظَنَّهَا امْرأتَهُ، فَقَال: فُلَانَةُ، أنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتِ أمْرَأتهُ.
3645 - مسألة: (وإن لَقِيَ أجْنَبِيَّةً ظَنَّهَا زَوجَتَه، فقال: فُلانَةُ، أنْتِ طالق)
فإذا هي أجْنَبِيَّة (طَلُقَتْ زَوْجَتُه) نصَّ عليه أحمدُ.
وقال الشافعيُّ: لا تَطْلُقُ؛ لأنَّه خاطبَ بالطَّلاقِ غيرَها، فلم يَقَعْ، كما لو عَلِمَ أنها أجْنَبِيَّةٌ، فقال: أنتِ طالق.
ولَنا، أَنه قَصَدَ زَوْجتَه بلَفْظِ الطَّلاقِ، [فطَلُقَتْ، كما لو قال: عَلِمْتُ أنَّها أجْنَبِيَّة، وأرَدْتُ طلاقَ زوجتي.
فإن قال لها: أنتِ طالق.
ولم يَذْكُرِ اسمَ زوجتِه، احْتَمَل ذلك أيضًا؛ لأنَّه قَصَدَ زوجتَه بلفظِ الطلاقِ] 1044، واحْتَمَلَ أن لا تَطْلُقَ؛ لأنَّه لم يُخاطِبْها بالطَّلاقِ، ولا ذكَرَ اسْمَها معه، وإن عَلِمَها أجْنَبِيَّةً، وأرادَ بالطَّلاقِ زَوْجَتَه، طَلُقَتْ.
وإن لم يُرِدها بالطَّلاقِ، لم تَطلُقْ.
فصل: وإن لَقِيَ امْرأتَه، فظنَّها أجْنَبِيَّةً، فقال: أنتِ طالق.
أو: تَنَحَّيْ يا مُطَلَّقَةُ.
أو لَقِيَ أمَتَه، فظَنَّها أجْنَبِيَّةً، فقال: أنتِ حُرَّة.
أو:
الحديث: 3645 - الجزء: 23 - الصفحة: 73
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تُنَحَّيْ يا حُرَّةُ.
فقال أبو بكر في مَن لَقِيَ امْرأةً، فقال: تَنَحَّيْ يا مُطَلَّقَةُ.
أو: يا حُرَّةُ.
وهو لا يَعْرِفُها، فإذا هي زَوْجَتُه أو أمتُه: لا يَقعُ بهما طَلاقٌ
الجزء: 23 - الصفحة: 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا حُرِّيَّةٌ؛ لأنه لم يُرِدْهُما بذلك، فلم يَقَعْ بهما شيءٌ، كسَبْقِ اللِّسانِ إلى ما لم يُرِدْه.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَعْتِقَ الأمَةُ؛ لأنَّ عادةَ النَّاسِ مُخاطَبَةُ مَن لا يَعْرِفُها بقولِه: يا حُرَّةُ.
وتَطْلُقُ الزَّوْجةُ؛ لعَدَمِ العادةِ في المُخاطَبَةِ بقولِه: يا مُطَلَّقةُ.
والله أعلمُ.
الجزء: 23 - الصفحة: 75