كِتَابُ الشَّركَةِ
بابُ
الشَّركَةِ
الشَّرِكَةُ: هي الاجْتِماعُ في اسْتِحْقاقٍ أو تَصَرُّفٍ.
وهي ثابِتَةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمّا الكِتابُ فقَوْلُه سُبْحانَه وتعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ 1. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ 2 الآية.
والْخُلَطاءُ هم الشُّرَكاءُ.
ومِن السُّنَّةِ ما رُوِيَ أنَّ البَراءَ بنَ عازِبٍ وزَيدَ بنَ أَرْقَمَ كانا شَرِيكَين، فاشْتَرَيا فِضَّةً بنَقْدٍ ونسِيئَةٍ، فبَلَغِ ذلك رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأمَرَهما أنَّ ما كان بنَقْدٍ فأجِيزُوه، وما كان نَسِيئةً فَرُدُّوه 3. ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:
الجزء: 14 - الصفحة: 5
وَهِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ؛ أَحَدُهَا، شَرِكَةُ الْعِنَانِ،
أنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَينِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ أحَدُهُمَا صَاحِبَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَينِهِمَا».
رَواه أبو داودَ (1). ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «يَدُ اللهِ عَلَى الشَّرِيكَينِ مَا لَمْ يَتَخَاوَنَا» (2). وأجْمَعَ المُسْلِمُون على جَوازِ الشَّرِكَةِ في الجُمْلَةِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في أنْواعٍ منها نُبَيِّنُها إن شاء اللهُ تعالى.
والشَّرِكَةُ نَوْعانِ؛ شَرِكَةُ أمْلاكٍ، وشَرِكَةُ عُقُودٍ.
وهذا البابُ لشَرِكَةِ العُقُودِ.
2040 -
مسألة: (وهي على خَمْسَمةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُها، شَرِكَةُ
45 الحديث: 2040 - الجزء: 14 - الصفحة: 6
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العِنانِ) والثَّانِي، شَرِكَةُ 6 المُضارَبَةِ، وشَرِكَةُ الوُجُوهِ، وشَرِكَةُ الأبدانِ، وشَرِكَةُ المُفاوَضَةِ.
ولا يَصِحُّ شيءٌ منها إلّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ؛ لأنَّه عَقْدٌ على التَّصَرُّفِ [في المالِ] 7، فلم يَصِحَّ مِن غيرِ جائِزِ التَّصَرُّفِ في المالِ، كالبَيعَ.
فصل: قال أحمدُ: يُشارِكُ اليَهُودِيَّ والنَّصْرانِيَّ، ولكِنْ لا يَخْلُو اليَهُودِيُّ والنَّصْرانيُّ بالمالِ دُونَه، ويَكُونُ هو الذي يَلِيه؛ لأنَّه يَعْمَلُ بالرِّبا.
وبهذا قال الحَسَنُ، والثَّوْرِيُّ.
وكَرِهَ الشافعيُّ مُشارَكَتَهم مُطْلَقًا؛ لأنَّه رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ أنَّه قال: أكْرَهُ أن يُشارِكَ المُسْلِمُ اليَهُودِيَّ.
ولا يُعْرَفُ له مُخالِفٌ في الصَّحابَةِ، ولأنَّ مال اليَهُودِيِّ وانَّصْرانِيِّ ليس بطَيِّبٍ، فإنَّهم يَبِيعُون الخَمْرَ، ويَتَعامَلُون بالرِّبا، فكُرِهَتْ مُعامَلَتُهم.
الجزء: 14 - الصفحة: 7
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولَنا، ما روَى الخَلَّالُ 8 بإسْنادِه، عن عَطاءٍ قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عنَ مُشارَكَةِ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ، إلَّا أن يَكُونَ الشِّراءُ والبَيعُ بيَدِ المُسْلِمِ.
ولأنَّ العِلةَ في كَراهَةِ ما خَلَوْا به مُعامَلَتُهم بالرِّبا، وبَيعُ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، وهذا مُنْتَفٍ فيما حَضَرَه المُسْلِمُ أو وَلِيَه.
وقولُ ابنِ عباسٍ مَحْمُولٌ على هذا، فإنَّه عَلَّلَ بكَوْنِهم يُرْبُون.
كذلك رَواه الأثْرَمُ 9 عن أبي حَمْزَةَ، عن ابنِ عباسٍ، أنه قال: لا تُشارِكَنَّ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولا مَجُوسِيًّا؛ لأنَّهم يُرْبُون، وإنَّ الرِّبا لا يَحِلُّ.
وهو قولُ واحدٍ مِن الصَّحابَةِ لم يَنْتَشِرْ بينَهم، وهم لا يَحْتَجُّون به.
وقَوْلُهم: إنَّ أمْوالهم غيرُ طَيِّبَةٍ.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد عامَلَهم، ورَهَن دِرْعَه عندَ يَهُودِيٍّ على شَعِيرٍ أخَذَه لأَهْلِه 10، وأرْسَلَ إلى آخَرَ يَطْلُبُ منه ثَوْبَين إلى المَيسَرَةِ 11، وأَضافَه يَهُودِيٌّ بِخُبْزٍ وإهَالةٍ سَنِخَةٍ 12. ولا يَأْكُلُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلَّا الطَّيِّبَ.
وما باعُوه مِن الخَمْرِ والخِنْزِيرِ قبلَ مُشارَكَةِ المُسْلِمِ، فثَمَنُه حَلالٌ؛ لاعْتِقادِهم حِلَّه؛ ولهذا قال عُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عنه: وَلُّوهُمْ
الجزء: 14 - الصفحة: 8
وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ بِمَاليهِمَا لِيَعْمَلَا فِيهِ ببَدَنَيهِمَا، وَرِبْحُهُ لَهُمَا، فَيَنْفُذَ تَصَرُّفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِمَا بِحُكْمِ الْمِلْكِ في نَصِيبهِ، وَالْوَكَالةِ في نَصِيبِ شَرِيكِهِ.
بَيعَها وخُذُوا أَثْمانَها 13. فأمّا ما يَشْتَرِيه أو يَبِيعُه مِن الخَمْرِ بمالِ الشَّرِكَةِ أو المُضارَبَةِ فإنّه يَقَعُ فاسِدًا، و 14 عليه الضَّمانُ؛ لأنَّ عَقْدَ الوَكِيلِ يَقَعُ للمُوَكِّلِ، والمُسْلِمُ لا يَثْبُتُ مِلْكُه على الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، فأشبَهَ شِراءَ المَيتَةِ والمُعامَلَةَ بالرِّبا.
وما خَفِي أمْرُه ولم يُعْلَمْ، فهو مُباحٌ بالأصْلِ.
فأمّا المَجُوسِيُّ، فإنَّ أحمدَ كَرِهَ مُشارَكَتَه ومُعامَلَتَه؛ لأنَّه يَسْتَحِلُّ ما لا يَسْتَحِلُّ هذا.
قال حَنْبَلٌ: قال عَمِّي: لا يُشارِكُه ولا يُضارِبُه.
وهذا، واللهُ أَعْلَمُ، على سَبيلِ الاسْتِحْبابِ لتَرْكِ مُعامَلَتِه، والكَراهَةِ لمُشارَكَتِه.
فإن فَعَل، صَحَّ؛ لأنَّ تَصَرُّفَه صَحِيحٌ.
فصل: وشَرِكَةُ العِنانِ (أن يَشْتَرِكَ اثْنان بماليهما ليَعْمَلا فيه ببَدَنَيهما، ورِبْحُه لهما، فيَنْفُذَ تَصَرُّفُ كلِّ واحدٍ منهما فيهما بحُكْمِ المِلْكِ في نَصِيبِه، والوَكالةِ في نَصِيبِ شَرِيكِه) وهي جائِزَةٌ بالإِجْماعِ.
ذَكَرَه ابنُ المُنْذِرِ.
وإنَّما اخْتُلِفَ في بعضِ شُرُوطِها، واخْتُلِفَ في عِلَّةِ تَسْمِيَتِها بهذا الاسْمِ، فقِيلَ: سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّهما يَتَساوَيان في المالِ والتَّصَرُّفِ،
الجزء: 14 - الصفحة: 9
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالفارِسَيْن إذا سَوَّيا بينَ فَرَسَيهما وتساوَيا في السَّيرِ، فإنَّ عِنانَيهما يَكُونان سَواءً.
وقال الفَرّاءُ: هي مُشْتَقَّةٌ مِن عَنَّ الشيءُ، إذا عَرَض، يُقالُ: عَنَّتْ [لي حاجَةٌ] 15. إذا عَرَضَتْ، فسُمِّيَتِ الشَّرِكَةُ بذالك؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما عَنَّ له أن يُشارِكَ صاحِبه.
وقيل: هي مُشْتَقَّة مِن المُعانَنَةِ، وهي المُعارَضَةُ، يُقالُ: عانَنْتُ فُلانًا.
إذا عارَضْتُه بمثْلِ مالِه وأفْعالِه، فكلُّ واحدٍ مِن الشَّرِيكَين مُعارِضٌ لصاحِبِه بمالِه وأفْعالِه.
وهذا يَرْجِعُ إلى قولِ الفَرّاءِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 10
وَلَا تَصِحُّ إلا بِشَرْطَينِ؛ أَحَدُهُمَا، أنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ
2041 - مسألة: (ولا تَصِحُّ إلَّا بِشَرطَين؛ أحَدُهما، أن يَكُونَ رَأْسُ المالِ دَراهِمَ أو دَنانِيرَ)
ولا خِلَاف في أنَّه يَجُوزُ أن يُجْعَلَ رأْسُ المالِ دَراهِمَ أو دَنانِيرَ إذا كانَت غيرَ مَغْشُوشَةٍ؛ لأنَّهما قِيَمُ الأمْوالِ 16 وأثْمانُ البِياعاتِ، والنّاسُ يَشْتَرِكُون فيها مِن لَدُنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى زَمَنِنا هذا مِن غيرِ نَكِيرٍ.
فصل: ولا تَصِحُّ بالعُرُوضِ في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ أبي طالِبٍ، وحَرْبٍ.
وحَكاه عنه ابنُ المُنْذِرِ.
وكَرِه ذلك يحيى ابنُ أبِي كَثِيرٍ، وابنُ سِيرِينَ، والثَّوْرِيُّ، والشافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ الشَّرِكَةَ إمَّا أن تَقَعَ على أعْيانِ العُرُوضِ أو قِيمَتِها أو أثْمانِها، لا يَجُوزُ وُقُوعُها على أعْيانِها؛ لأنَّ الشَّرِكَةَ تَقتَضِي
الحديث: 2041 - الجزء: 14 - الصفحة: 11
أوْ دَنَانِيرَ.
وَعَنْهُ، تَصِحُّ بِالْعُرُوض، وَيُجْعَلُ رَأسُ الْمَالِ قِيمَتَهَا وَقْتَ الْعَقْدِ.
الرُّجُوعَ عندَ المُفاضَلَةِ برَأسِ المالِ أو بمِثْلِه، وهذه لا مِثْلَ لها فيُرْجَعُ إليه 17، وقد تَزِيدُ قِيمَةُ جِنْسِ أحَدِهما دُونَ الآخرِ، فيَسْتَوْعِبُ بذلك.
جَمِيعَ الرِّبْحِ أو جَمِيعَ المالِ، وقد تَنْقُصُ قِيمَتُه 18، فيُؤدِّي إلى أن يُشارِكَه الآخرُ 19 في ثَمَنِ مِلْكِه الذي ليس برِبْحٍ، ولا على قِيمَتِها؛ لأنَّ القِيمةَ غيرُ مُتَحَقِّقَةِ القَدْرِ، فيُفْضِي إلى التَّنازُعِ، وقد يُقَوَّمُ الشيءُ بأكْثَرَ مِن قِيمَتِه، ولأنَّ القِيمَةَ قد تَزِيدُ في أحَدِهما قبلَ بَيعِه، فيُشارِكُه الآخَرُ في العَينِ المَمْلُوكَةِ له، ولا يَجُوزُ وُقُوعُها على أثْمانِها؛ لأنَّها مَعْدُومَةٌ حال العَقْدِ، ولا يَمْلِكانِها؛ لأنَّه إن أرادَ ثَمَنَها الذي اشْتَراها به، فقد خَرَج عن مِلْكِه وصار للبائِعِ، وإن أرادَ ثَمَنَها الذي يَبِيعُها به، فإنَّها تَصِيرُ شَرِكَةً مُعَلَّقةً على شَرْطٍ، وهو بَيعُ الأعْيانِ، وهذا لا يَجُوزُ.
وفيه رِوايَةٌ أُخرى، أنَّ الشَّرِكَةَ والمُضارَبَةَ تجُوزُ بالعُرُوضِ (ويُجْعَلُ رأسُ المالِ قِيمَتَها وَقْتَ العَقْدِ) 20. قال أحمدُ: إذا اشْتَرَكا في العُرُوضِ، يُقَسَّمُ الرِّبْحُ على
الجزء: 14 - الصفحة: 12
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما اشْتَرَطا.
وقال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسألُ عن المُضارَبَةِ بالمَتاعِ، فقال: جائِزٌ.
فظاهِرُ هذا صِحَّةُ الشَّرِكَةِ بها.
اختارَه أبو بَكْرٍ، وأبو الخَطّاب.
وهو قولُ مالكٍ، وابنِ أبي لَيلَى.
وبه قال في المُضارَبَةِ طاوُسٌ، والأَوْزاعِيُّ، وحَمّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ؛ لأنَّ مَقْصُودَ الشَّرِكَةِ جَوازُ تَصَرُّفِهما 21 في المالين جميعًا، وكَوْنُ رِبْحِ المالين بينَهما، وهو حاصِل في العُرُوضِ كحُصُولِه في الأثْمانِ، فيَجبُ أن تَصِحَّ الشَّرِكَةُ والمُضارَبَةُ بها، كالأثْمانِ، ويَرْجِعُ كلُّ واحدٍ منهما عندَ المُفاضَلَةِ بقِيمَةِ مالِه عندَ العَقْدِ، كما أنَّنا جَعَلْنا نِصابَ زَكاتِها قِيمَتَها.
وقال الشافعيُّ: إن كانَتِ العُرُوضُ مِن ذَواتِ الأمْثال كالحُبُوبِ والأدْهانِ، جازَتِ الشَّرِكَةُ بها في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأَنَّها مِن ذواتِ الأمْثالِ 22، أشْبَهَتِ النُّقُودَ، ويَرْجِعُ عندَ المُفاضَلَةِ بمِثْلِها، وإن لم تَكُنْ مِن ذَواتِ الأمْثالِ، لم يَجُزْ، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ بمِثْلِها.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه نَوْعُ شَرِكَةٍ، فاسْتَوَى فيها ما له مِثْلٌ مِن العُرُوضِ وما لا مِثْلَ له، كالمُضارَبَةِ، فإنَّه سَلَّمَ أنَّ المُضارَبَةَ لا تَجُوزُ بشيءٍ مِن العُرُوضِ؛ ولأنَّها ليست بنَقْدٍ، فلم تَصِحَّ الشَّرِكَةُ بها، كالذِي لا مِثْلَ له.
الجزء: 14 - الصفحة: 13
وَهَلْ تَصِحُّ بِالْمَغْشُوشِ وَالْفُلُوسِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
2042 - مسألة: (وهل تَصِحُّ بالمَغْشُوشِ والفُلُوسِ؟ على وَجْهَينِ)
اخْتَلَفَ أصْحابُنا في الشَّرِكَةِ بالمَغْشُوشِ مِن الأثْمانِ، هل تَصِحُّ؟ على وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا تَصِحُّ، سَواءٌ قَلَّ الغِشُّ أو كَثُر.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان الغشُّ أقَلَّ مِن النِّصْفِ، جاز،
الحديث: 2042 - الجزء: 14 - الصفحة: 14
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن كَثُر، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بالغالبِ في كَثِيرٍ مِن الأصُولِ.
ولَنا، أنَّها مَغْشُوشَة، أشْبَهَ ما لو كان الغِشُّ أكثَر، ولأنَّ قِيمَتَها تَزِيدُ وتَنْقُصُ، أشْبَهتِ العُرُوضَ.
وقَوْلُهم: الاعْتِبارُ بالغالِب.
لا يَصِحّ، فإنَّ الفِضَّةَ إذا كانَتْ أقَلَّ، لم يَسْقُطْ حُكْمُها في الزَّكاةِ، وكذلك الذَّهَبُ، اللَّهُمَّ إلَّا أن يَكونَ الغِشُّ قَلِيلًا لمَصْلَحَةِ النَّقْدِ، كَيَسِيرِ الفِضَّةِ في الدِّينارِ، كالحَبَّةِ ونَحْوها، فلا اعْتِبارَ به؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، ولا يُؤثِّرُ في رِبًا ولا غيرِه.
والثّانِي، أنَّ الشَّرِكَةَ تَصِحُّ بها 23؛ بناءً على صِحَّةِ الشَّرِكَةِ في العُرُوضِ، وقد ذَكَرْنا ذلك.
وحُكْمُ النُّقْرَةِ 24 في الشَّرِكَةِ بها كالحُكْمِ في العُرُوضِ 25؛ لأنّ قِيمَتَها تَزِيدُ وتَنْقصُ، أشْبَهَتِ العُرُوضَ.
الجزء: 14 - الصفحة: 15
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا تَصِحُّ الشرِكَةُ بالفُلُوسِ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وابنُ القاسِمِ صاحِبُ مالِكٍ.
ويَتَخَرَّجُ الجَوازُ إذا كانَتْ نافِقَةً، فإنَّ أحمدَ قال: لا أرَى السَّلَمَ في الفُلُوسِ؛ لأنَّه يُشْبِهُ الصَّرْفَ.
وهذا قولُ محمدِ بنِ الحسنِ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّها ثَمَنٌ، فأشْبَهَتِ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ الشَّرِكَةَ تجُوزُ بها على كلِّ حالٍ وإن لم تَكُنْ نافِقَةً؛ بِناءً على جَوازِ الشَّرِكَةِ بالعُرُوضِ.
وَوَجْهُ الأوَّلِ أنَّها تَنْفُقُ مَرَّةً وتَكْسُدُ أُخرى، فأشْبَهَتِ العُرُوضَ، فإذا قُلْنا بصِحَّةِ الشَّرِكَةِ بها فإنَّها إن كانَتْ نافِقَةً كان رأسُ المالِ مِثْلَها، وإن كانَتْ كاسِدَةً كانَتْ قِيمَتُها كالعُرُوضِ.
فصل: ولا يَجُوزُ أن يَكُونَ رَأسُ مالِ الشَّرِكَةِ مَجْهُولًا، ولا جُزافًا؛ لأنَّه لابُدَّ مِن الرجُوعِ به عندَ المُفاصَلَةِ، ولا يُمْكِنُ مع الجَهْلِ به.
ولا يَجُوزُ بمالٍ غائِب، ولا دَينٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّصَرفُ فيه في الحالِ، وهو مَقْصُودُ الشَّرِكَةِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 16
وَالثَّانِي، أنْ يَشْترِطَا لِكُلِّ وَاحِدٍ جُزْءًا مِنَ الربحِ مُشَاعًا مَعْلُومًا.
2043 - مسألة: الشرْطُ (الثّانِي، أن يَشْرُطا لكلِّ واحِدٍ)
منهما (جُزْءًا مِن الرِّبْحِ مُشاعًا مَعْلُومًا) كالنِّصْفِ والثُّلُثِ والرُّبْعِ؛ لأنَّها أحَدُ أنْواعِ الشَّرِكَةِ، فاشْتُرِطَ عِلْمُ نَصِيبِ كلِّ واحدٍ منهما مِن الرِّبْحِ، كالمُضارَبَةِ، ويَكُونُ الرِّبْحُ بينَهما على ما شَرَطاه، سَواءٌ شَرَطا لكلِّ واحدٍ منهما على قَدْرِ مالِه مِن الرِّبْحِ أو أقَلَّ أو أكثرً؛ لأنَّ العَمَلَ يُسْتَحَقُّ به الرِّبْحُ، بدَلِيلِ المُضارَبَةِ، وقد يتَفَاضَلان فيه لقُوَّةِ أحَدِهما وحِذْقِه، فجازَ أن يَجْعَلَ له حَظًّا مِن الرِّبْحِ، كالمُضارِبِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال مالِكٌ، والشافعيُّ: مِن شَرْطِ صِحَّتِها كَوْنُ الرِّبْحِ والخُسْرانِ على قَدْرِ
الحديث: 2043 - الجزء: 14 - الصفحة: 17
فَإِنْ قَالا: الرِّبْحُ بَينَنَا.
فَهُوَ بَينَهُمَا نِصْفَينِ.
فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا الرِّبْحَ،
المالين؛ لأنَّ الرِّبْحَ في هذه الشَّرِكَةِ تَبَعٌ (1) للمالِ، فلا يَجُوزُ تَغيِيرُه بالشَّرْطِ، كالوَضِيعةِ (2). ولَنا، أنَّ العَمَلَ مما يُسْتَحَقُّ به الربْحُ، فجازَ أن يتَفَاضَلا في الرِّبْحِ مع وُجُودِ العَمَلِ منهما، كالمُضارِبَين لرجل واحِدٍ، وذلك أنَّ أحَدَهما قد يَكُونُ أْبصَرَ بالتِّجارَةِ مِن الآخَرِ وأقْوَى على العَمَلِ، فجازَ أن يَشْتَرِطَ له زِيادَةً في الرِّبْحِ في مُقابَلَةِ عَمَلِه، كما يُشْتَرَطُ الرِّبْحُ في مُقابَلَةِ (3) عَمَلِ المُضارِبِ، وفارَقَ الوَضِيعَةَ، فإنَّها لا تَتَعَلَّقُ إلَّا بالمالِ، بدَلِيلِ المُضارَبَةِ.
2044 -
مسألة: (فإن قالا: الرِّبْحُ بينَنا. فهو بينَهما نِصْفَين)
لأنَّه إضافَةٌ (4) إليهما إضافَةً واحِدَةً مِن غيرِ ترْجِيحٍ، فاقْتَضَى التَّسْويَةَ، كقَوْلِه: هذه الدّارُ بيني وبينَك، وكذلك في المُضارَبَةِ إذا قال: الرِّبْحُ بينَنا.
2045 -
مسألة: (فإن لم يَذْكُرَا الرِّبْحَ)
لم يَصِحَّ، كالمُضارَبَةِ؛ لأنَّه المَقْصُودُ مِن الشَّرِكَةِ، فلا يَجُوزُ الإخْلالُ به، فعلى هذا يَكُونُ الرِّبْحُ بينَهما على قَدْرِ المالين.26272829
الحديث: 2044 - الجزء: 14 - الصفحة: 18
أوْ شَرَطَا لِأحَدِهِمِا جُزْءًا مَجْهُولًا، أوْ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، أوْ رِبْحَ أحَدِ الثَّوْبَينِ، لَمْ يَصِحَّ.
2046 - مسألة: وإن (شَرَطا لأحَدِهما جُزْءًا مَجْهُولًا)
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الجهالةَ تَمْنَعُ تَسْلِيمَ الواجِبِ، ولأنَّ الرِّبْحَ هو المَقْصُودُ في الشَّرِكَةِ، فلم يَصِحَّ مع الجَهالةِ، كالثَّمَنِ والأُجْرَةِ في الإجارَةِ.
وإن قال: لك مِثْلُ ما شُرِط لفُلانٍ.
وهما يَعْلَمانِه، صَحَّ.
وإن جَهِلاه.
أو أحَدُهما، لم يَصِحَّ، كالثَّمَنِ في البَيعِ (1).
2047 -
مسألة: فإن شَرَطا لأحَدِهما في الشَّرِكَةِ أو
31 المُضارَبَةِ (دَراهِمَ مَعْلُومَةً، أو رِبْحَ أحَدِ الثَّوْبَينِ، لم يَصِحَّ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه متى جُعِلَ نَصِيبُ أحَدِ الشُّرَكاءِ دَراهِمَ مُعْلومَةً، أو جُعِلَ مع نَصِيبِه دَراهِمَ، مثلَ أن يَجْعَلَ لنَفْسِه جُزْءًا وعَشَرَةَ دَراهِمَ، بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَطُ عنه مِن أهْل العِلْمِ على إبْطالِ القِراضِ إذا جَعَل أحَدُهما أو كِلاهما لنفسِه دَراهِمَ مَعْلُومَة.
وبه قال مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأي.
والجَوابُ فيما لو قال: لك نِصْفُ الرِّبْحِ إلَّا عَشَرَةَ دَراهِمَ.
أو: نِصْفُ الرِّبْحِ وعَشَرَةُ دَراهمَ.
كالجَوابِ فيما إذا شَرَط دَراهِمَ مُفْرَدَةً.
وإنَّما لم يَصِحَّ؛ لأمْرَين؛ أحَدُهما، أنَّه إذا شَرَط دَراهِمَ مَعْلُومَةً، احْتَمَلَ أن لا يَرْبَحَ30
الحديث: 2046 - الجزء: 14 - الصفحة: 19
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
غيرَها، فيَحْصُلَ على جَمِيعِ الرِّبْحِ، واحْتَمَلَ أن لا يَرْبَحَها، فيَأخُذَ مِن رَأسِ المالِ.
وقد يَرْبَحُ كَثيرًا فيَسْتَضِرُّ مَن شُرِطَتْ له الدَّراهِمُ.
الثّانِي، أنَّ حِصَّةَ العامِلِ يَنْبَغِي أن تَكُونَ مَعْلُومَةً بالأجْزاءِ لَمّا تَعَذَّرَ كَوْنُها مَعْلُومَةً بالقَدْرِ، فإذا جُهِلَتِ الأجْزاءُ فَسَدَتْ، كما لو جُهِلَ القَدْرُ فيما يُشْتَرَطُ أن يَكُونَ مَعْلُومًا به.
ولأنَّ العامِلَ في المُضارَبَةِ متى شَرَط لنفسِه دَراهِمَ مَعْلُومَةً، رُبَّما تَوانَى في طَلَبِ الرِّبْحِ لعَدَم فائِدَتِه منه، وحُصُولِ نَفْعِه لغيرِه، بخِلافِ ما إذا شُرِطَ له جُزْءٌ مِن الرِّبْحِ.
فصل: وكذلك الحُكْمُ إذا شُرِطَ لأحَدِهما رِبْحُ أحَدِ الثَّوْبَين، أو رِبْحُ إحْدَى السَّفْرَتَين، أو رِبْحُ تِجارَتِه في شَهْر أو عام بعَينِّه؛ لأنَّه قد يَرْبَحُ في ذلك المُعَيَّنِ دُونَ غيرِه، وقد يَرْبَحُ في غيرِه دُونَه 32، فيَخْتَصُّ أحَدُهما بالرِّبْحِ، وهو مُخالفٌ لِمَوْضُوعِ الشَّرِكَةِ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
وإن دَفَع إليه ألْفًا مُضارَبَةً، وقال: لك رِبْحُ نِصْفِه.
لم يَجُزْ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ: يَجُوزُ، كما لو قال: لك نِصْفُ رِبْحِه.
ولأنَّ رِبْح نِصْفِه هو نِصْفُ رِبْحِه، وَوَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه شُرِطَ لأحَدِهما رِبْحُ بعضِ المالِ دُونَ بعضٍ، فلم يَجُزْ، كما لو قال: لك رِبْحُ هذه الخَمْسِمائَةِ.
ولأنَّه يُمْكِنُ أن يُفْرِدَ نِصْفَ المالِ فيَرْبَحَ فيه دُونَ النِّصْفِ الآخَرِ، بخِلافِ نِصْفِ الرِّبْحِ، فإنَّه لا يُؤدِّي إلى انفِرادِه
الجزء: 14 - الصفحة: 20
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ في الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ أنْ يَخْلِطَا الْمَالينِ، وَلَا أن يَكُونَا مِنْ جِنْس وَاحِدٍ.
برِبْحَ شيءٍ مِن المالِ.
2048 -
مسألة: (وكذلك الحُكْمُ في المُساقاةِ والمُزارَعَةِ)
قِياسًا على الشَّرِكَةِ.
2049 -
مسألة: (ولا يُشْتَرَطُ أن يَخْلِطا المالينِ، ولا أن يَكُونا مِن جِنْس واحِدٍ)
لا يُشْتَرَطُ اخْتِلاطُ المالين في شَرِكَةِ العِنانِ إذا عَيَّناهما 33 وأحضَراهما.
وبه قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ.
إلَّا أنّ مالِكًا شَرَط أن تَكُونَ أيدِيهما عليه، بأن يَجْعَلاه في حانُوتٍ لهما، أو في يَدِ 34
الحديث: 2048 - الجزء: 14 - الصفحة: 21
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَكِيِلهما.
وقال الشافعيُّ: لا يَصِحُّ حتى يَخلِطا المالين؛ لأنَّهما إذا لم يَخْلِطاهما فمالُ كلِّ واحدٍ منهما يَتْلَفُ منه دُونَ صاحِبِه، ويَزِيدُ له دُونَ صاحِبِه، فلم تَنْعَقِدِ الشَّرِكَةُ، كما لو كان مِن المَكِيلِ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ يُقْصَدُ به الرِّبْحُ، فلم يُشْتَرَطْ فيه خَلْطُ المالِ، كالمُضارَبَةِ، ولأنَّه عَقْدٌ على التَّصَرُّفِ، فلم يُشْتَرَطْ فيه خَلْطُ المالِ، كالوَكالةِ.
ولَنا على 35 مالِكٍ، فلم يَكُنْ مِن شَرْطِه أن تَكُونَ أيدِيهما عليه، كالوَكالةِ.
وقَوْلُهم: إنَّه يَتْلَف مِن مالِ صاحِبِه، أو يَزِيدُ على مِلْكِ صاحِبِه.
مَمْنُوعٌ، بل يَتْلَفُ مِن مالِهما، وزِيادَتُه لهما؛ لأن الشَّرِكَةَ اقْتَضَتْ ثُبُوتَ المِلْكِ لكلِّ واحِدٍ منهما في نِصْفِ مالِ صاحِبِه، فيَكُونُ تَلَفُه منهما وزِيادَتُه لهما.
وقال أبو حنيفةَ: متى تَلِف أحدُ المالين فهو مِن ضَمانِ صاحِبِه.
ولَنا، أنَّ الوَضِيعَةَ والضَّمانَ أحَدُ مُوجِبي الشَّرِكَةِ، فتَعَلَّقَ بالشَّرِيكَين، كالرِّبْحَ، وكما لو اخْتَلَطا.
فصل: ولا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِها 36 اتِّفاقُ المالين في الجِنْسِ، بل يَجُوزُ أن يُخْرِجَ أحَدُهُما دَراهِمَ والآخَرُ دَنانِيرَ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ.
وقال الشافعيُّ: لا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ إلَّا أن يَتَّفِقا في مالٍ واحدٍ؛ بِناءً على أنَّ خَلْطَ المالين شَرْطٌ، ولا يُمْكِنُ إلَّا في المالِ الواحِدِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 22
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونحن لا نَشْتَرِطُ ذلك.
ولَنا، أنَّهما مِن جِنْسِ الأثْمانِ، فصَحَّتِ الشَّرِكَةُ فيهما، كالجِنْسِ الواحِدِ، فعلى هذا، متى تَفاضَلا رَجَع هذا بدَنانِيرِه وهذا بدَراهِمِه، ثم اقْتَسَما الفَضْلَ.
نَصَّ عليه أحمدُ، وقال: كذا يَقُولُ 37 محمدٌ، والحسنُ.
وقال القاضي: متى أرادَا المُفاضَلَةَ قَوَّما المَتاعَ 38 بنَقْدِ البَلدِ، وقَوَّما مال الآخَرِ به.
ويَكُونُ التَّقْويمُ حينَ صَرَفا الثَّمَنَ فيه.
ولَنا، أنَّ هذه شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ، رَأسُ المالِ فيها الأثْمانُ، فيَكُونُ الرُّجُوعُ بجِنْسِ رَأسِ المالِ، كما لو كان الجِنْسُ واحدًا.
فصل: ولا يُشتَرَطُ تَساوي المالين في القَدْرِ.
وهو قولُ الحسنِ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والشافعيِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأي.
وقال بعض أصْحابِ الشافعيِّ: يُشتَرَطُ ذلك؛ لأنَّ صاحِبَ المالِ القَلِيلِ إن أخَذَ نِصْفَ الرِّبْحِ، أخَذَ [رِبْحَ مالٍ لا] 39 يَملِكُه، وإن أخَذَ بقَدْرِ مالِه، أخَذَ شَرِيكُه بعضَ الرِّبْحِ الحاصلِ بعَمَلِه؛ لاسْتِوائِهما في العَمَلِ.
ولَنا، أنَّهما مالان مِن جِنْسِ الأثْمانِ، فجازَ عَقْدُ الشَّرِكَةِ عليهما، كما لو تَساوَيا.
الجزء: 14 - الصفحة: 23
وَمَا يَشتَرِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ عَقْدِ الشَّرِكَةِ، فَهُوَ بَينَهُمَا.
وَإنْ تَلِفَ أحَدُ الْمَالينِ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِمَا.
2050 - مسألة: (وما يَشْتَرِيه كلُّ واحِدٍ منهما بعدَ عَقْدِ الشَّرِكَةِ، فهو بينَهما)
شَرِكَةُ العِنانِ مَبْنِيَّةٌ على الوَكالةِ والأمانَةِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما بِدَفْعِ المالِ إلى صاحِبِه أمِنَه، وبإذْنِه له في التَّصَرُّفِ وَكَّلَه.
ومِن شَرْطِ صِحَّتِها أن يَأذَنَ كلُّ واحِدٍ منهما لِصاحِبِه في التَّصَرُّفِ.
فعلى هذا، ما يَشْتَرِيه كلُّ واحِدٍ منهما بعدَ عَقْدِ الشَّرِكَةِ، فهو بينَهما؛ لأن العَقْدَ وَقَع على ذلك.
فأمّا ما يَشْتَرِيه لنَفْسِه، فهو له، والقولُ قَوْلُه في ذلك؛ لأنه أعْلَمُ بنِيَّتِه.
2051 -
مسألة: (وإن تَلِف أحَدُ المالين، فهو مِن ضَمانِهِما)
إذا خَلَطا المال، وإن لم يُخْلَطُ فكذلك؛ لأنَّ العَقْدَ اقْتَضَى أن يَكُونَ المالان كالمالِ الو احِدِ، فكذلك في الضَّمانِ، كحالِ الخُلْطَةِ.
وقال أبو حنيفةَ: متى تَلِف [أحَدُ المالين] 40، فهو مِن ضَمانِ صاحِبِه.
وقد ذَكَرْنا ما يَدُلُّ على خِلافِه.
الحديث: 2050 - الجزء: 14 - الصفحة: 24
وَالْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ.
2052 - مسألة: (والوَضِيعَةُ على قَدْرِ المالِ)
الوَضِيعَةُ: هي الخُسْرانُ في الشَّرِكَةِ.
على كلِّ واحدٍ منهما 41 بقَدْرِ مالِه، فإن كان مُتَساويًا في القَدْرِ، فالخُسْرانُ بينَهما نِصْفين، وإن كان أثْلاثًا، فالوَضِيعَةُ أثْلاثًا.
قال شيخُنا 42: لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
وبه يَقُولُ أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وغيرُهما.
وفي شَرِكَةِ الوُجُوهِ تَكُونُ الوَضِيعَةُ على قَدْرِ مِلْكَيهِما في المُشْتَرَى 43، سَواءٌ كان الرِّبْحُ بينَهما كذلك أو لم يَكُنْ، وسَواءٌ كانَتِ الوَضِيعَةُ لتَلَفٍ أو نُقْصانٍ في الثَّمَن عمّا اشْتَرَيا به، أو غيرِ ذلك.
والوَضِيعَةُ في المُضارَبَةِ على المال خاصَّة، لا شيءَ على العامِلِ منها 44؛ لأنَّ الوَضِيعَةَ عِبارَة عن نُقْصانِ رَأسِ المالِ، وهو مُخْتَصٌّ بمِلْكِ رَبِّه، لا شيءَ فيه للعامِلِ، فيَكونُ نَقْصُه مِن مالِه دُونَ غيرِه، وإنَّما يَشْتَرِكان فيما يَحْصُلُ مِن النَّماءِ، فأشْبَهَ المُساقاةَ والمُزارَعَةَ، فإنَّ رَبَّ الأرْضِ والشَّجَرِ يُشارِكُ العامِلَ فيما يَحْدُثُ مِن الزَّرْعِ والثَّمَرِ، وإن تَلِف
الحديث: 2052 - الجزء: 14 - الصفحة: 25
فَصْلٌ: وَيَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أنْ يَبِيعَ وَيَشتَرِي، وَيَقْبِضَ وَيُقْبضَ، وَيُطَالِبَ بِالدَّينِ، وَيُخَاصِمَ فِيهِ، وَيُحِيلَ وَيَحْتَال، وَيَرُدَّ بِالْعَيبِ، وَيُقِرَّ بِهِ، وَيُقَايِلَ، وَيَفْعَلَ كُلَّ مَا هُوَ مِنْ مَصْلَحَةِ تِجَارَتِهِمَا.
الشَّجَرُ، أو هَلَك شيءٌ مِن الأرْضِ بِغَرَقٍ أو غيرِه، لم يَكُنْ على العامِلِ شيءٌ.
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَهُ الله: (ويجُوزُ لكلِّ واحِدٍ منهما أن يَبِيعَ ويَشْتَرِيَ، ويَقْبِضَ ويُقْبِضَ، ويُطالِبَ بالدَّينِ، ويُخاصِمَ فيه، ويُحِيلَ ويَحْتال، ويَرُدَّ بالعَيب، ويُقِرَّ به، ويُقايِلَ، ويَفْعَلَ كل ما هو مِن مَصْلَحَةِ تِجارَتِهما) يَجُوزُ لكلِّ واحِدٍ مِن الشَّرِيكَينِ أن يَبِيعَ ويَشْتَرِيَ؛ مُساوَمَةً، ومُرابَحَةً، وتَوْلِيَةً، ومُواضَعَةً، كيف رَأى المَصْلَحَةَ؛ لأنَّ هذا عادةُ التُّجّارِ.
وله أن يَقْبِضَ المَبِيعَ والثَّمَنَ ويُقْبِضَهما، ويُخاصِمَ في الدَّينِ،
الجزء: 14 - الصفحة: 26
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويُطالِبَ به، ويُحِيلَ ويَحْتال، ويَرُدَّ بالعَيبِ فيما وَلِيَه أو وَلِيَه صاحِبُه.
وله أن يُقِرَّ به، يُقْبَلُ إقْرارُ الوَكِيلِ بالعَيبِ على مُوَكِّلِه.
نصَّ عليه أحمدُ.
وكذلك إن أقَرَّ بالثَّمَنِ أو بعضِه، أو أُجْرَةِ المُنادِي أو الحَمّالِ؛ لأنَّ هذا مِن تَوابعِ التِّجارَةِ، فهو كتسْلِيمِ المَبِيعِ وأداءِ ثَمَنِه، [لأن هذا عادَةُ التُّجّارِ] 45. ويَفْعَلُ كل ما هو مِن مَصْلَحَةِ التِّجارَةِ بمُطْلَقِ الشرِكَةِ؛ لأنَّ مَبْناها على الوَكالةِ والأمانَةِ، على ما ذَكَرْنا، فيَتَصَرفُ كلُّ واحِدٍ منهما في المالين، بحُكْمِ المِلْكِ 46 في نَصِيبه، والوَكالةِ في نَصِيبِ شَريكِه.
وفي الإقالةِ وَجْهان؛ أصَحُّهما 47، أنَّه يَمْلِكُها 48؛ لأنَّها إن كانت بَيعًا 49، فقد أذِنَ له فيه، وإن كانَت فَسْخًا، ففَسْخُ البَيعِ المُضِرِّ مِن مَصْلَحَةِ التِّجارَةِ، فمَلَكَه، كالرَّدِّ.
والآخَرُ، لا يَمْلِكُها؛ لأنَّها فَسْخٌ، فلا يَدْخُلُ في الإذْنِ في التِّجارَةِ.
وله أن يَسْتَأجِرَ مِن مالِ الشَّرِكَةِ،
الجزء: 14 - الصفحة: 27
وَلَيسَ لَهُ أنْ يُكَاتِبَ الرَّقِيقَ، وَلَا يُزَوِّجَهُ، وَلَا يَعْتِقَهُ بِمَالٍ، وَلَا
ويُؤْجِرَ؛ لأنَّ المَنافِعَ أُجرِيَتْ مُجْرَى الأعْيانِ، فصارَ كالشِّراءِ والبَيعِ.
وله المُطالبَةُ بالأجْرِ لهما وعليهما؛ لأنَّ حُقُوقَ العَقْدِ (1) لا تَخْتَصُّ العاقِدَ.
فصل: فإن رُدَّتِ السِّلْعَةُ عليه بعَيبٍ، فله أن يَقْبَلَها، وأن يُعْطِيَ أرْشَ العَيبِ، أو يَحُطَّ مِن ثَمنِه، أو يُؤخِّرَ ثَمَنَه لأجْلِ العَيبِ؛ لأنَّ ذلك قد يَكُونُ أحَظَّ مِن الرَّدِّ.
2053 -
مسألة: (وليس له أن يُكاتِبَ الرَّقِيقَ، ولا يُزَوِّجَه، ولا يَعْتِقَه على مالٍ)
ولا غيرِه؛ لأن الشَّرِكَةَ انْعَقَدَتْ على التِّجارَةِ، وليست50
الحديث: 2053 - الجزء: 14 - الصفحة: 28
يَهَبَ، وَلا يُقْرِضَ، وَلَا يُحَابِيَ، وَلَا يُضَارِبَ بالْمَالِ، وَلَا يَأخُذَ بِهِ سُفْتَجَة، وَلَا يُعْطِيَهَا، إلا بِإِذنِ شَرِيكِهِ.
هذه الأشْياءُ تِجَارَةً، سِيَّما تَزْويجُ العَبْدِ، فإنَّه مَحْضُ ضَرَرٍ (ولا يَهَبَ، ولا يُقْرِضَ، ولا يُحابِىَ) لأنَّ ذلك ليس بتِجارَةٍ.
2054 -
مسألة: (ولا يُضارِبَ بالمالِ، ولا يَأْخُذَ به سُفْتَجَةً، ولا يُعْطها، إلَّا بإذْنِ شَرِيكِهِ)
ليس له أن يُشارِكَ بمالِ الشُّرِكَةِ، ولا يَدْفعَه
الحديث: 2054 - الجزء: 14 - الصفحة: 29
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُضارَبَةً؛ لأنَّ ذلك يُثْبِتُ في المالِ حُقُوقًا، ويُسْتَحَقُّ رِبْحُه لغيرِه.
وليس له أن يَخْلِطَ مال الشَّرِكَةِ بمالِه، ولا بمالِ غيرِه؛ لأنَّه يَتَضَمَّنُ إيجابَ حُقوقٍ في المالِ، وليس هو مِن التِّجارَةِ المَأذُونِ فيها.
وليس له أن يَأْخُذَ بالمالِ سُفْتَجَةً، ولا يُعْطها؛ لأنَّ فيه خَطَرًا، فإن أَذِنَ شَرِيكُه في ذلك، جاز؛
الجزء: 14 - الصفحة: 30
وَهَلْ لَهُ أنْ يُودِعَ، أوْ يَبِيعَ نَسَاءً، أوْ يُبْضِعَ، أوْ يُوَكِّلَ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ، أوْ يَرْهَنَ، أوْ يَرْتَهِنَ؟ عَلى وَجْهَينِ.
لأنَّه يَصِيرُ مِن التِّجارَةِ المَأذُونِ فيها ومَعْنَى قَوْله: يَأْخُذُ به سُفْتَجَةً.
أنَّه يَدْفَعُ إلى إنْسانٍ شيئًا مِن مالِ الشَّرِكَةِ، ويَأخُذُ منه كِتابًا إلى بَلَدٍ آخَرَ، ليَسْتَوْفِيَ منه ذلك المال.
ومعنى قَوْلِه: يُعْطِيها.
أنَّه يَأْخُذُ مِن إنْسانٍ بِضاعَةً، ويُعْطِيه بثَمَنِ ذلك كِتابًا إلى بَلَدٍ آخَرَ، ليَسْتَوْفِىَ ذلك منه، فلا يَجُوزُ؛ لأن فيه خَطَرًا على المالِ.
2055 -
مسألة: (وهل له أن يُودِعَ، أو يَبِيعَ نَساءً، أو يُبْضِعَ، أو يُوَكِّلَ فيما يَتَوَلَّى مثلَه)
بنَفْسِه (أو يَرْهَنَ، أو يَرْتَهِنَ؟ على وَجْهَين) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الإيداعِ والإبضاعِ، على رِوايَتَين؛ إحْداهما، له ذلك؛ لأنَّه عادَةُ التُّجّارِ، وقد تَدْعُو الحاجَةُ إلى الإِيداعِ.
والثّانِيَةُ، لا
الحديث: 2055 - الجزء: 14 - الصفحة: 31
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَجُوزُ؛ لأنَّه ليس مِن الشَّرِكَةِ، وفيه غَرَرٌ.
والصَّحِيحُ أنَّ الإيداعَ يَجُوزُ عندَ الحاجَةِ إليه؛ لأنَّه مِن ضَرُورَةِ الشَّرِكَةِ، أشْبَهَ دَفْعَ المَتاعِ إلى الحَمّالِ.
وهل له أن يَبِيعَ نَسَاءً؟ يُخَرَّجُ على الرِّوايَتَين في الوَكِيلِ والمُضارِبِ؛ إحْداهم، له ذلك؛ لأنَّه عادَةُ التُّجّارِ، والرِّبْحُ فيه أكثَرُ.
والأخْرَى، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ فيه تَغْرِيرًا بالمالِ.
فإنِ اشْتَرَى شيئًا بنَقْدٍ عندَه مثلُه، أو نَقْدٍ مِن غيرِ جِنْسِه، أو اشْتَرَى بشَيءٍ مِن ذَواتِ الأمْثالِ وعندَه مثلُه، جاز؛ لأنَّه إذا اشْتَرَى بجِنْسِ [ما عندَه، فهو يُؤدِّي مِمّا في يَدِه، فلا يُفْضِي إلى الزِّيادَةِ في الشَّرِكَةِ.
وإن لم يَكُنْ في يَدِه نَقْدٌ ولا مِثْلِيٌّ مِن جِنْسِ ما] 51 اشْتَرَى به، أو كان عندَه عَرْضٌ فاستَدانَ عَرْضًا، فالشِّراءُ له خاصَّةً، ورِبْحُه له، وضَمانُه عليه؛ لأنَّه استَدانَ على مالِ الشَّرِكَةِ، وليس
الجزء: 14 - الصفحة: 32
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
له ذلك؛ لِما نَذْكُرُه.
قال شيخُنا 52: والأوْلَى أنَّه متى كان عندَه مِن مالِ الشَّرِكَةِ ما يُمْكِنُه أداءُ الثَّمَنِ منه ببَيعِه، أنَّه يَجُوزُ؛ لأنَّه أمْكَنَه أداءُ الثَّمَنِ مِن مالِ الشَّرِكَةِ، أشْبَهَ ما لو كان عندَه نَقْدٌ، ولأنَّ هذا عادَةُ التُّجّارِ، ولا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عنه.
وهل له أن يُوكِّلَ فيما يَتَوَلَّى مثلَه بنَفْسِه؟ على وَجْهَين، بِناءً على الوَكِيلِ.
وقِيلَ: يَجُوزُ للشَّرِيكِ التَّوْكِيلُ، بخِلافِ الوَكِيلِ؛ لأنَّه لو جاز للوَكِيلِ التَّوْكِيلُ، لاسْتَفادَ بحُكْمِ العَقْدِ مثلَ العَقْدِ، والشَّرِيكُ يَسْتَفِيدُ بعَقْدِ الشَّرِكَةِ ما هو أخَصُّ منه ودُونَه؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ أخَصُّ مِن عَقْدِ الشَّرِكَةِ.
فإن وَكَّلَ أحَدُهما، مَلَك الآخرُ عَزلَه؛ لأنَّ لكلِّ واحِدٍ منهما التَّصَرُّفَ في حَقِّ صاحِبِه بالتَّوْكِيلِ،
الجزء: 14 - الصفحة: 33
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فكذلك بالعَزْلِ.
وهل لأحَدِهما أن يَرْهَنَ أو يَرْتَهِنَ بالدَّينِ الذي لهما؟ على وَجْهَين؛ أصَحُّهما، أنَّ له ذلك عندَ الحاجَةِ؛ لأنَّ الرَّهْنَ [يُرادُ للإيفاءِ] 53، والارْتِهانُ يُرادُ للاستيفاءِ، وهو يَمْلِكُ الإيفاءَ والاستيفاءَ، فمَلَكَ ما يُرادُ لهما.
والثّانِي، ليس له ذلك؛ لأنَّ فيه خَطَرًا، ولا فَرْقَ بينَ أن يكُونَ مِمَّن وَلِيَ العَقْدَ، أو مِن غيرِه؛ لكَوْنِ القَبْضِ مِن حُقُوقِ العَقْدِ، وحُقُوقُ العَقْدِ لا تَخْتَصُّ العاقِدَ، فكذلك ما يُرادُ له.
وهل له السَّفَرُ؟ فيه وَجْهان، نَذْكُرُهما في المُضارَبَةِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 34
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن قال له: اعْمَلْ برأيِكَ.
جاز له أن يَعْمَلَ كلَّ ما نَفَع 54 في التِّجارَةِ؛ مِن الإبضاعِ، والمُضارَبَةِ بالمالِ، والمُشارَكَةِ به، وخَلْطِه بمالِه، والسَّفَرِ به، والإيداعِ، والبَيعِ نَساءً، والرَّهْنِ، والارْتهانِ،
الجزء: 14 - الصفحة: 35
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والإقالةِ، ونحو 55 ذلك؛ لأنَّه فَوَّضَ إليه الرَّأيَ في التَّصَرُّفِ الذي تَقْتَضِيه الشَّرِكَةُ، فجاز له كلُّ ما هو مِن التِّجارَةِ.
فأمّا التَّملِيكُ بغيرِ عِوَضٍ؛ كالهِبَةِ، والحَطِيطَةِ لغيرِ فائِدَةٍ، والقَرْضِ، والعِتْقِ، ومُكاتَبَةِ الرَّقِيقِ، وتَزْويجِهم، ونحوه، فليس له فِعْلُه؛ لأنَّه إنّما فَوّضَ إليه العَمَلَ بِرَأْيِه في التِّجارَةِ، وليس هذا منها.
الجزء: 14 - الصفحة: 36
وَلَيسَ لَهُ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَى الشَّرِكَةِ، فَان فَعَلَ، فَهُوَ عَلَيهِ، وَرِبْحُهُ لَهُ، إلَّا أن يَأْذَنَ شَرِيكُهُ.
2056 - مسألة: (وليس له أن يَسْتَدِينَ على)
مالِ (الشَّرِكَةِ، فإن فَعَل، فهو عليه، ورِبْحُه له، إلَّا أن يَأْذَنَ شَرِيكُه) إذا اسْتَدانَ على مالِ الشَّرِكَةِ، لم يَجُزْ له ذلك، فإن فَعَل، فهو له، له رِبْحُه وعليه وَضِيعَتُه.
قال أحمدُ في رِوايةِ صالِحٍ، في 56 مَن اسْتَدانَ في المالِ بوَجْهِه ألْفًا: فهو له، رِبْحُه له والوَضِيعةُ عليه.
وقال القاضي: إذا اسْتَقْرَضَ شيئًا لَزِمَهُما، ورِبْحُه لهما، لأنَّه تَمْلِيكُ مالٍ بمالٍ، أشْبَهَ الصَّرْفَ.
ومَنْصُوصُ أحمدَ يُخالِفُ هذا، لأنَّه أدْخَلَ في الشَّرِكَةِ أكْثَرَ مِمّا رَضِيَ الشَّرِيكُ بالمُشارَكَةِ فيه، فلم يَجُزْ، كما لو ضَمَّ إليها ألْفًا مِن مالِه.
ويُفارِقُ الصَّرْفَ؟ فإنَّه بَيعٌ وإبدالُ عَين بعَين، فهو كَبَيعِ الثِّيابِ بالدَّراهِمِ.
فإنْ أذِنَ شَرِيكُه في ذلك، جاز، كبَقِيَّةِ أفْعالِ التِّجارَةِ المَأْذُونِ فيها.
الحديث: 2056 - الجزء: 14 - الصفحة: 37
وإنْ أخَّرَ حَقَّهُ مِنَ الدَّين، جَازَ.
2057 - مسألة.: (وإن أخَّرَ حَقَّه مِن الدَّينِ، جاز)
إذا كان لهما دَين حالٌّ فأخَّرَ أحَدُهما حِصَّتَه مِن الدَّينِ، جاز.
وبه قال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ.
ولَنا، أنَّه أسْقَطَ حَقَّه مِن المُطالبَةِ، فصَحَّ أن يَنْفَرِدَ أحَدُهما به، كالإبراءِ.
الحديث: 2057 - الجزء: 14 - الصفحة: 38
وَإنْ تَقَاسَمَا الدَّينَ في الذِّمَّةِ، لَمْ يَصِحَّ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
2058 - مسألة: (وإن تَقاسَما الدَّينَ في الذِّمَّةِ، لم يَصِحَّ)
نَصَّ [عليه الإمام أحمدُ] 57 في رِوايَةِ حَنْبَلٍ لأنَّ الذِّمَمَ 58 لا تَتَكافَأُ ولا تَتَعادَلُ، والقِسْمَةَ تَقْتَضِي التَّعْدِيلَ، فأمّا القِسْمَةُ بغيرِ تَعْدِيلٍ، فهي بمَنْزِلَةِ البَيعِ، ولا يَجُوزُ بَيعُ الدَّينِ بالدَّينِ.
فعلى هذا، لو تَقاسَما ثم تَوِي 59 بعضُ المالِ، رَجَع الذي تَوِيَ مالُه على الذي لم يَتْوَ.
وبه قال ابنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِيُّ.
ونَقَل حَرْبٌ جَوازَ ذلك؛ لأنَّ الاختِلافَ لا يَمْنَعُ القِسْمَةَ، كاخْتِلافِ الأعْيانِ.
وبه قال الحَسَنُ، وإسْحاقُ.
فعلى هذا، لا يَرْجِعُ مَن 60 تَوِيَ مالُه على مَن لم يَتْوَ، إذا أْبرَأ كلُّ واحِدٍ منهما صاحِبَه، وهذا إذا كان في ذِمَمٍ، فأمَّا في ذِمةٍ واحِدَةٍ فلا تُمْكِنُ القِسْمَةُ؛ لأنَّ القِسْمَةَ إفْرازُ حَقٍّ، ولا يُتَصَوَّرُ ذلك في ذِمَّةٍ واحِدَةٍ.
الحديث: 2058 - الجزء: 14 - الصفحة: 39
وَإنْ أبْرأ مِنَ الدَّينِ، لَزِمَ في حَقِّهِ دُونَ صَاحِبِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ أقَر بِمَالٍ.
وَقَال الْقَاضِي: يُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ.
2059 - مسألة: (وإن أبْرَأ مِن الدَّينِ، لَزِم في حَقه دُونَ صاحِبِه)
لأنَّه تَبَرُّعٌ، فلَزِمَ في حقِّه دُونَ شَرِيكِه (1)، كالصَّدَقَةِ.
2060 -
مسألة: (وكذلك إن أقَر بمالٍ)
سواءٌ أقَرَّ بعَين أو دَينٍ؛ لأن شَرِيكَه إنَّما أذِنَ في التِّجارَةِ، وليس الإقْرارُ داخِلًا فيها (وقال القاضي: يُقْبَلُ إقْرارُه على مالِ الشَّرِكَةِ) لأنَّ للشَّرِيكِ أن يَشْتَرِيَ مِن غيرِ أن يُسَلِّمَ61
الحديث: 2059 - الجزء: 14 - الصفحة: 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الثَّمَنَ في المَجْلِسِ، فلو لم يُقْبَلْ إقْرارُه بالثِّمَنِ لَضاعَتْ أمْوالُ النّاسِ وامْتَنَعُوا مِن مُعامَلَتِه، ولأنَّ ذلك مِمّا يُحْتاجُ إليه في البَيعِ، أشْبَهَ الإقْرارَ بالعَيبِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 41
وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَوَلَّى مَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَتَولَّاهُ؛ مِنْ نَشْرِ الثَّوْبِ وَطَيِّهِ، وَخَتْمِ الْكِيسِ وَإحْرَازِهِ.
فَإِنِ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَالأجْرَةُ عَلَيهِ.
وَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَأجِرَ مَنْ يَفْعَلُهُ.
2061 - مسألة: (وعلى كلِّ واحِدٍ منهما أن يَتَوَلَّى ما جَرَتِ العادَةُ أن يَتَولّاه؛ مِن نَشْرِ الثَّوْبِ وطَيِّه، وخَتْمِ الكِيسِ وإحْرازِه)
لأنَّ إطْلاقَ الإذْنِ يُحْمَلُ على الغُرْفِ، والغُرْفُ أنَّ هذه الأُمُورَ يَتَوَلَّاها بنَفْسِه (فإنِ اسْتَأْجَرَ مَن يَفْعَل ذلك، فالأُجْرَةُ عليه) في مالِه؛ لأنَّه بَذَلَها عِوَضًا عمّا يَلْزَمُه (وما جَرَتِ العادَةُ أن يَسْتَنِيبَ فيه) كحَمْلِ المَتاعِ، ووَزْنِ ما يُنْقَلُ، والنِّداءِ (فله أن يَسْتَأْجِرَ مَن يَفْعَلُه) مِن مالِ القِراضِ؛ لأنَّه الغُرْفُ.
الحديث: 2061 - الجزء: 14 - الصفحة: 43
فَإنْ فَعَلَهُ لِيَأْخُذَ أُجْرَتَهُ، فَهَلْ لَهُ ذَلكَ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فَصْلٌ: وَالشُّرُوطُ في الشَّرِكَةِ ضَرْبَانِ؛ صَحِيحٌ، مِثْلَ أَنْ يَشْترِطَ أَلَّا يَتَّجِرَ إلَّا في نَوْعٍ مِنَ الْمَتَاعِ، أوْ بَلَدٍ بِعَينِهِ، أوْ لَا يَبِيعَ
2062 - مسألة: (فإن فَعَلَه ليَأْخُذَ أُجْرَتَه، فهل له ذلك؟ على وَجْهَين)
أحَدُهما، لا يَسْتَحِقُّها.
نَصَّ عليه؛ لأنَّه تَبَرَّعَ بما لم يَلْزَمْه، فلم يَكُنْ له أجْرُ ذلك 62، كالمَرْأةِ التي تَسْتَحِقُّ على زَوْجِها خادِمًا إذا خَدَمَتْ نَفْسَها.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ له الأُجْرَةَ؛ لأنَّه فَعَل ما يَسْتَحِقُّ الأُجْرَةَ فيه، فاسْتَحَقَّها، كالأجْنَبِيِّ.
فصل: قال المُصَنِّفُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (والشُّرُوطُ في الشَّرِكَةِ ضَرْبانِ؛ صَحِيحٌ، مِثْلَ أن يَشْتَرِطَ أن لا يَتَّجِرَ إلَّا في نَوْعٍ مِن المَتاعِ،
الحديث: 2062 - الجزء: 14 - الصفحة: 44
إلَّا بِنَقْدٍ مَعْلُومٍ، أوْ لَا يُسَافِرَ بِالْمَالِ، وَلَا يَبِيعَ إلَّا مِنْ فُلَانٍ.
أو بَلَدٍ بعَينِه، أوْ لا يبيعَ إلَّا بنَقْدٍ مَعْلُوم، أو لا يُسافِرَ بالمالِ، أو لا يَبِيعَ إلَّا مِن فُلانٍ) أو لا يَشْتَرِيَ إلَّا مِن فُلانٍ.
فهذا كلُّه صَحِيحٌ، سَواءٌ كان النَّوْعُ مِمّا يَعُمُّ وُجُودُه أو لا يَعُمُّ، أو الرجلُ مِمّا يَكْثُرُ عندَه المَتاعُ أو يَقِلُّ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال مالِكٌ، والشافعيُّ: إذا شَرَط أن لا يَشْتَرِيَ إلَّا مِن رجل بعَينِه، أو سِلْعَةً بعَينِها، أو ما لا يَعُمُّ وُجُودُه، كالياقُوتِ الأحْمَرِ، والخَيلِ البُلْقِ 63، لم يَصِحّ؛ لأنَّه يُفَوِّتُ مَقْصُودَ الشَّرِكَةِ والمُضارَبَةِ، وهو التَّقَلُّبُ وطَلَبُ الرِّبْحِ، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَط أن لا يَبِيعَ ويَشْتَرِيَ إلَّا بِن فلانٍ، أو أن لا يَبِيع إلَّا بمِثْلِ ما اشْتَرَى به.
ولَنا، أنَّها شَرِكَة خاصَّةٌ، لا تَمْنَعُ الرِّبْحَ بالكُلِّيةِ، فصَحَّتْ، كما لو شَرَط أن لا يَتَّجِرَ إلَّا في نَوْعٍ يَعُمُّ وُجُودُه، ولأنَّه عَقْدٌ يَصِحُّ تَخْصِيصُه بنَوْعٍ،
الجزء: 14 - الصفحة: 45
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصَحَّ تَخْصِيصُه في رجل بعَينِه، وسِلْعَةٍ بعَينِها، كالوَكالةِ.
قَوْلُهم: إنَّه يَمْنَعُ المَقْصُودَ.
مَمْنُوعٌ، وإنَّما يُقَلِّلُه، وتَقْلِيلُه لا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كتَخْصِيصِه بالنَّوْعِ.
ويُفارِقُ إذا شَرَط أن لا يَبِيعَ إلَّا برَأسِ المالِ، فإنَّه يَمْنَعُ الرِّبْحَ بالكُلِّيَّةِ.
وكذلك إذا قال: لا تَبعْ إلَّا مِن فُلانٍ، ولا تَشْتَرِ إلَّا منه.
فإنَّه يَمْنَعُ الرِّبْحَ أيضًا؛ لأنَّه لا يَشْتَرِي ما باعَه إلَّا بدُونِ ثَمَنِه الذي باعَه به، ولهذا لو قال: لا تَبعْ إلَّا مِمَّن اشَرَيتَ منه.
لم يَصِحَّ؛ لذلك 64.
الجزء: 14 - الصفحة: 46
وَفَاسِدٌ، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ مَا يَعُودُ بِجَهَالةِ الرِّبْحِ، أوْ ضَمَانِ الْمَالِ، أوْ أنَّ عَلَيهِ بِنَ الْوَضِيعَةِ أكْثَرَ مِنْ قَدْرِ مَالِهِ، أوْ أنْ يُوَلِّيَهُ مَا يَخْتَارُ مِنَ السِّلَعِ أوْ يَرْتَفِقَ بِهَا، أو لَا يَفْسَخَ الشَّركَةَ مُدَّةً بِعَينهَا.
فَمَا يَعُودُ بجَهَالةِ الرِّبْحِ، يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ، وَيُخرَّجُ في سَائِرِهَا رِوَايَتَانِ.
2063 - مسألة: (وفاسدٌ، مثلَ أن يَشْتَرِطَ ما يَعُودُ بجَهالةِ الرِّبْحِ، أو ضَمانِ المالِ، أو أنَّ عليه مِن الوَضِيعَةِ أكثَرَ مِن قَدْرِ مالِه، أو أن يُوَلِّيَه ما يَخْتارُ مِن السِّلَعِ، أو يَرْتَفِقَ بها، أو)
أن (لا يَفْسَخَ الشَّرِكَةَ مُدَّةً بعَينِها.
فما يَعُودُ بِجَهالةِ الرِّبْحِ، يَفْسُدُ به العَقْدُ، ويُخَرَّجُ في سائِرِها رِوَايتَان) الشّرُوطُ الفاسِدَةُ في الشَّرِكَةِ والمُضارَبَةِ تَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أقْسامٍ؛ أحَدُها، ما يُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، مثلَ أن يَشْتَرِطَ لُزُومَ المُضارَبَةِ، أو لا يَعْزِلَه مُدَّةً بعَينِها، أو لا يَبِيعَ إلَّا برَأسِ المالِ أو أقلَّ، أو لا يَبِيعَ إلَّا مِمَّن اشْتَرَى منه، أو شَرَطَ أن لا يَشْتَرِيَ، أو لا يَبِيعَ، أو أن يُوَلِّيَه ما يَخْتارُ مِن السِّلَعِ، أو نحوَ ذلك، فهذه شُرُوط فاسِدَةٌ؛ لأنَّها تُفَوِّتُ المَقْصُودَ مِن المُضارَبَةِ، وهو الرِّبْحُ، أو تَمْنَعُ الفَسْخَ الجائِزَ بحُكْمِ الأصْل.
القِسْمُ الثّانِي، ما يَعُودُ بجَهالةِ الرِّبْحِ، مثلَ أن يَشْرُطَ
الحديث: 2063 - الجزء: 14 - الصفحة: 47
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للمُضارِب 65 جُزْءًا مِن الرِّبْحِ مَجْهُولًا، أو رِبْحَ أحَدِ الكِيسَين، أو أحَدِ الألْفَينِ، أَو أحَدِ العَبْدَين، أو أحَدِ السَّفْرَتَين، أو ما يَرْبَحُ في هذا الشَّهْرِ، أو أنَّ حَقَّ أحَدِهما في عَبْدٍ يَشْتَرِيه، أو يَشْرُطَ لأحَدِهما دَراهِمَ مَعْلُومَةً بجَمِيعِ حَقِّه أو ببَعْضِه، فهذه شرُوط فاسِدَةٌ؛ لأنَّها تُفضِي إلى جَهْلِ حَقِّ كلِّ واحِدٍ منهما مِن الرِّبْحِ، أو إلى فَواتِه بالكُلِّيَّةِ، ومِن شَرْطِ المُضارَبَةِ والشَّرِكَةِ كَوْنُ الرِّبْحِ مَعْلُومًا.
القِسْمُ الثّالِثُ، اشْتِراطُ ما ليس مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ ولا مُقْتَضاه، مِثْلَ أن يَشْتَرِطَ على المُضارِبِ المُضارَبَةَ له في مالٍ آخَرَ، أو يَأخُذَه بضاعَةً، أو قَرْضًا، أو أن يَخْدِمَه في شيءٍ بعَينِه، أو يَرْتَفِقَ ببَعْضِ السِّلَعِ، مثلَ أن يَلْبَسَ الثَّوْبَ، ويَسْتَخْدِمَ العَبْدَ، أو يَشْرُطَ على المُضارِبِ ضَمانَ المالِ، أو سَهْمًا مِن الوَضِيعَةِ، أو أنَّه متى باعَ السِّلْعَةَ فهو أحَقُّ بها بالثَّمَنِ، أو شَرَطَ المُضارِبُ على رَبِّ المالِ شيئًا مِن ذلك، فهذه كُلُّها شُرُوطٌ فاسِدَةٌ، وقد ذَكَرْنا بعضَها في غيرِ هذا المَوْضِعِ مُعَلَّلًا.
ومتى اشْتَرَطَ شَرْطًا فاسِدًا يَعُودُ بجَهالةِ الرِّبْحِ، فسَدَتِ المُضارَبَةُ والشَّرِكَةُ؛ لأنَّ الفَسادَ لمَعْنًى 66 في العِوَضِ المَعْقُودِ عليه، فأفْسَدَ العَقْدَ، كما لو جَعَل رَأسَ المالِ خَمْرًا أو خِنْزِيرًا، ولأنَّ الجَهالةَ تَمْنَعُ مِن التَّسْلِيمِ، فيُفْضِي إلى التَّنازُعِ والاخْتِلافِ، ولا يَعْلَمُ ما يَدْفَعُه إلى المُضارِبِ.
وما عَدا هذا مِن الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ
الجزء: 14 - الصفحة: 48
وإذَا فَسَدَ الْعَقْدُ، قُسِمَ الرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ الْمَالينِ.
وَهَلْ يَرْجِعُ أَحدُهُمَا بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
في أظْهَرِ الرِّوَايَتَين عنه، أنَّ العَقْدَ صَحِيحٌ.
ذَكَرَه عنه الأثْرَمُ وغيرُه، ولأنَّه عَقْدٌ يَصِحُّ على مَجْهُولٍ، فلم تُبْطِلْه الشُّرُوطُ الفاسِدَةُ، كالنِّكاحِ والعَتاقِ.
وفيه رِوايَةْ أُخْرَى، أنَّ العَقْدَ يَبْطُلُ.
ذَكَرَها القاضي، وأبو الخَطّابِ؛ لأنه شَرْطٌ فاسِدٌ، فأبطَلَ العَقْدَ، كالمُزارَعَةِ إذا شُرِط البَذْرُ مِن العامِلِ، وكالشرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيعِ، [ولأنَّه إنَّما رَضِيَ بالعَقْدِ بهذا الشَّرْطِ، فإذا فَسَد فات الرِّضا به] (1). ودَلِيلُ فَسادِ هذه الشُّرُوطِ، أنَّها لَيسَت مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ، ولا يَقْتَضِيها العَقْدُ، فإنَّ مَقْصُودَه الرِّبْحُ، فكيفَ يَقْتَضِي الضمانَ ولا يَقْتَضِي مُدَّةً مُعَيَّنَةً لأنَّه جائِزٌ؟
2064 -
مسألة: (وإذا فَسَد العَقْدُ، قُسِمَ الرِّبْحُ على قَدْرِ المالين)
لأن التَّصَرُّفَ صَحِيحٌ، لكَوْنِه بإذْنِ رَبِّ المالِ، والوَضِيعَةُ عليه؛ لأنَّ كلُّ67
الحديث: 2064 - الجزء: 14 - الصفحة: 49
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَقْدٍ لا ضَمانَ في صَحِيحِه لا ضَمانَ في فاسِدِه.
ويُقْسَمُ الرِّبْحُ على قَدْرِ المالين؛ لأنَّه نَماءُ المالِ، ويَرْجِعُ كلُّ واحِدٍ منهما على الآخَرِ بأُجْرَةِ عَمَلِه، يُسْقِطُ منها أُجْرَةَ عَمَلِه في مالِه، ويَرْجِعُ على الآخَرِ بقَدْرِ ما بَقِيَ له.
فإن تَساوَى مالاهُما وعَمَلُهُما، تَقاصَّ الدَّينان، واقْتَسَما الرِّبْحَ
الجزء: 14 - الصفحة: 50
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نِصْفَين.
وإن فَضَل أحَدُهما صاحِبَه بفَضْلٍ 68، تَقاصَّ دَينُ القَلِيلِ بمِثْلِه، ويَرْجِعُ على الآخَرِ بالفَضْلِ.
والوَجْهُ الثّانِي، ذَكَرَه الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر، أنَّهما يَقْتَسِمان الرِّبْحَ على ما شَرَطاه؛ لأنَّه عَقْدٌ يَجُوزُ أن يَكُونَ عِوَضُه مَجْهُولًا، فوَجَبَ المُسَمَّى في فاسِدِه، كالنِّكاحِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 51
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والشَّرِكَةُ مِن العُقُودِ الجائِزَةِ، تَبْطُل بمَوْتِ أحَدِ الشَّرِيكَين، وجُنُونِه، والحَجْرِ عليه للسَّفَهِ، وبالفَسْخِ مِن أحَدِهما؛ لأنَّه عَقْدٌ جائِزٌ، فبَطَلَتْ بذلك، كالوَكالةِ وإن عَزَل أحَدُهما صاحِبَه، انْعَزَلَ المَعْزُولُ، فلم يَكنْ له أن يَتَصَرفَ إلَّا في قَدْرِ نَصِيبِه، وللعازِلِ التَّصَرُّفُ في الجَمِيعِ؛ لأنَّ المَعْزُولَ لم يرجِعْ عن إذْنِه، هذا إذا نضَّ 69 المالُ.
وإن كان عَرْضًا، فذَكَرَ القاضي أن ظاهِرَ كَلامِ أحمدَ، أنَّه لا يَنْعَزِلُ بالعَزْلِ، وله التَّصَرُّفُ حتى يَنِضَّ المالُ، كالمُضَارِبِ إذا عَزَلَه رَبُّ المالِ، ويَنبغِي أن يَكُونَ له التَّصَرُّفُ بالبَيعِ دُونَ المُعاوضَةِ بسِلْعَةٍ أُخْرَى، أو التَّصَرُّف بغيرِ ما يَنِضُّ به المالُ.
وذَكَر أبو الخَطّابِ أنَّه يَنْعَزِلُ مُطْلَقًا.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، قِياسًا على الوَكالةِ.
فعلى هذا، إنِ اتَّفَقا على البَيعِ أو القِسْمَةِ، فعَلا.
وإن طَلَب أحَدُهما القِسْمَةَ والآخَرُ البَيعَ، قسِمَ ولم يُبعَ.
فإن قِيلَ: ألَيس إذا فَسَخ رَبُّ المالِ المُضارَبَةَ، فطَلَبَ العامِلُ البَيعَ، أُجِيبَ إليه.؟ فالجَواب أنَّ حَقَّ العامِلِ في الرِّبْحِ، ولا يَظْهَر إلَّا بالبَيعِ، فاسْتَحَقَّه العامِلُ؛ لوُقُوفِ
الجزء: 14 - الصفحة: 52
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حُصُولِ حَقِّه عليه.
وفي مَسْألَتِنا ما يَحْصُلُ مِن الرِّبْحِ يَسْتَدْرِكُه كلُّ واحِدٍ منهما في نَصِيبِه مِن المَتاعِ 70، فلم يُجْبَرْ عليه 71. قال شيخُنا 72: وهذا إنَّما يَصِحُّ إذا كان الرِّبْحُ على قَدْرِ المالين، أمّا إذا زاد رِبْحُ أحَدِهما عن مالِه، فإنَّه لا يَسْتَدْرِكُ رِبْحَه بالقِسْمَةِ، فيَتَعَيَّنُ البَيعُ، كالمُضارَبَةِ.
فصل: إذا مات أحَدُ الشَّرِيكَين وله وارِثٌ رَشِيدٌ، فله أن يُقِيمَ على الشَّرِكَةِ، ويَأْذَنُ له الشَّرِيكُ في التَّصَرُّفِ، ويَأذَنُ للشَّرِيكِ في التَّصَرُّفِ 73؛ لأنَّ هذا إتمامٌ للشَّرِكَةِ، وليس بابْتِدائِها، فلا تُعْتَبَرُ شُرُوطُها، وله المُطالبَةُ بالقِسْمَةِ، فإن كان مُوَلَّيًا عليه، قام وَلِيُّه مَقامَه في ذلك، إلَّا أنَّه لا يَفْعَلُ إلَّا ما فيه المَصْلَحَةُ للمُوَلَّى عليه.
فإن كان المَيِّتُ قد وَصَّى بمالِ الشَّرِكَةِ أو ببَعْضِه لمُعَيَّنٍ، فالمُوصَى له كالوارِثِ فيما ذَكَرْنا.
وإن وَصَّى به لغيرِ مُعَيَّنٍ، كالفُقَراءِ، لم يَجُزْ للوَصِيِّ 74 الإذْنُ
الجزء: 14 - الصفحة: 53
فَصْلٌ: الثَّانِي، الْمُضَارَبَةُ؛ وَهِيَ أنْ يَدْفَعَ مَالهُ إِلَى آخَرَ يَتَّجِرُ فِيهِ وَالرِّبْحُ بَينَهُمَا.
في التَّصَرُّفِ؛ لأنَّه قد وَجب دَفْعُه إليهم، فيَعْزِلُ نَصِيبَه، ويُفَرِّقُه عليهم، فإن كان على المَيِّتِ دَينٌ 75 تَعَلَّقَ بتَرِكَتِه، فليس للوارِثِ إمْضاءُ الشَّرِكَةِ حتى يَقْضِيَ دَينَه، فإن قَضاه مِن غيرِ مالِ الشَّرِكَةِ، فله الإِتْمامُ، وإن قَضَاه منه، بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ في قَدْرِ ما قَضَى.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ تعالى: (الثّانِي، المُضارَبَةُ؛ وهي أن يَدْفَعَ ماله إلى آخَرَ يَتَّجِرُ فيه والرِّبْحُ بينَهما) فأهْلُ العِراقِ يُسَمُّونَه مُضارَبَةً، مَأْخُوذٌ مِن الضَّرْبِ في الأرْضِ، وهو السَّفَرُ فيها للتِّجارَةِ، قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ 76. ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ مِن ضَرْبِ كلِّ واحِدٍ منهما بسَهْمٍ في الرِّبْحِ.
ويُسَمِّيه أهْلُ الحِجازِ القِرَاضَ 77. قِيل: هو مُشْتَقٌّ مِن القَطْعِ.
يُقالُ: قَرَض الفَأْرُ الثَّوْبَ.
إذا قَطَعَه، فكأنَّ صاحِبَ المالِ اقْتَطَعَ مِن مالِه قِطْعَةً وسَلَّمَها
الجزء: 14 - الصفحة: 54
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى العامِلِ، واقْتَطَعَ له قِطْعَةً مِن الرِّبْحِ.
وقِيلَ: اشْتِقاقُه مِن المُساواةِ والمُوازَنَةِ.
يُقالُ: تَقارَضَ الشّاعِران.
إذا وازَنَ كلُّ واحدٍ منهما الآخرَ بشِعْرِه.
وههُنا مِن العامِلِ العَمَلُ، ومِن الآخَرِ المالُ، فتَوازَنا.
ويَنْعَقِدُ بلَفْظِ المُضارَبَةِ والقِراضِ، وبكلِّ ما يُؤدِّى مَعْناهما؛ لأنَّ القَصْدَ المَعْنَى، فجاز بكلِّ ما دَلَّ عليه، كالوَكالةِ.
وهي مُجْمَعٌ على جَوازِها في الجُمْلَةِ.
ذَكَرَه ابنُ المُنْذِرِ.
ورُوِيَ عن حُمَيدِ بن عبدِ اللهِ، عن أبيه، عنٍ جَدِّه، أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ، رَضِيَ الله عَنه، أعْطاه مال يَتِيمٍ مُضَارَبَةً يَعْمَلُ به في العِرَاقِ 78. وروَى مالِكٌ 79، عن زَيدِ بن أسْلَمَ، عن أبِيه، أنَّ عبدَ اللهِ وعُبَيدَ اللهِ، ابْنَيْ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِيَ الله عَنهم، خَرَجَا في جَيشٍ إلى العِراقِ، فتَسَلَّفا مِن أبي مُوسَى مالًا وابْتاعا به مَتاعًا، وقَدِما به إلى المَدِينَةِ، فباعاه وَرَبِحا فيه، فأرادَ عُمَرُ أخْذَ رَأْسِ المالِ والرِّبْحِ كلِّه، فقال: لو تَلِف كان ضَمانُه علينا، فلمَ لا يكُونُ رِبْحُه لَنا؟ فقال رجلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنين، لو جَعَلْتَه قِراضًا.
قال: قد جَعَلْتُه.
وأخَذَ
الجزء: 14 - الصفحة: 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منهما نِصْفَ الرِّبْحِ.
وهذا يَدُلُّ على جَوازِ القِراضِ.
وعن مالكٍ 80، عن العَلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ عُثمانَ، رَضِيَ الله عنه، قارَضَه.
وعن قَتادةَ، عن الحَسَنِ، أنَّ عَليًّا، رضِيَ اللهُ عنه، قال: إذا خالفَ المُضارِبُ فلا ضَمانَ، هما على ما شَرَطا.
وعن ابنِ مَسْعُودٍ، وحَكِيمِ بنِ حِزام، أنَّهما قارَضا، ولم يُعْرَفْ لهما في الصَّحابَةِ مُخالِفٌ، فكان إجْماعًا، ولأنَّ بالنّاس حاجَةً إلى المُضارَبَةِ، فإنَّ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ لا تُنَمَّى إلَّا بالتَّقْلِيبِ والتِّجارَةِ، وليس كلُّ مَن يَمْلِكُها يُحْسِنُ التِّجارَةَ، ولا كلُّ مَن يُحْسِنُ التِّجارَةَ له مالٌ، فاحْتِيجَ إليها مِن الجانِبَينِ.
فشُرِعَتْ لدَفْعَ الحاجَتَين.
فصل: ومِن شَرْطِ صِحَّتِها تَقْدِيرُ نَصِيبِ العامِلِ؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّه بالشَّرْطِ، فلم يُقَدَّرْ إلَّا به.
فلو قال: خُذْ هذا المال مُضارَبَةً.
ولم يَذْكُرْ سَهْمَ العامِلِ، فالرِّبْحُ كلُّه لرَبِّ المالِ، والوَضِيعَةُ عليه، وللعامِلِ أجْرُ مِثْلِه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقال الحَسَنُ، وابنُ سِيرِينَ، والأوْزاعِيُّ: الرِّبْحُ بينَهما نِصْفَين.
كما لو قال: والرِّبْحُ بينَنا.
فإنَّه يَكُون بينَهما نِصْفَين.
كذا هذا.
ولَنا، أنَّ المُضارِبَ إنَّما يَسْتَحِقُّ بالشَّرْطِ، ولم يُوجَدْ.
وقَوْلُه:
الجزء: 14 - الصفحة: 56
فَإنْ قَال: خُذْهُ، فَاتَّجِرْ بِهِ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِي.
فَهُوَ إبْضَاعٌ.
وَإنْ قَال: وَالرِّبحُ كُلُّهُ لَكَ.
فَهُوَ قَرْضٌ.
وَإنْ قَال: وَالرِّبْحُ بَيننَا.
فَهُوَ بَينَهُمَا نِصْفينِ.
مُضارَبَةً.
اقْتَضَى أنَّ له جُزْءًا مِن الرِّبْحِ مَجْهُولًا، فلم تَصِحَّ المُضارَبَةُ، كما لو قال: ولك جُزْءٌ مِن الرِّبْحِ.
فأمَّا إذا قال: الرِّبْحُ بينَنا.
فإنَّ المُضارَبَةَ تَصِحُّ، وتَكُونُ بينَهما نِصْفَين؛ لأنَّه أضافَه إليهما إضافةً واحِدَةً، لم يَتَرَجَّحْ فيها أحَدُهما على الآخَرِ، فاقْتَضَى التَّسْويَةَ، كما لو قال: هذه الدّارُ بيني وبينَك.
2065 -
مسألة: (فإن قال: خذْه فاتَّجرْ به، والرِّبْحُ كلُّه لي. فهو إبْضاعٌ)
لأنهَّ قرَن به حُكمَ الإبْضاعِ، فانصَرَف إليه.
[فإن قال مع ذلك: وعليك ضَمانُه.
لم يَضْمَنْه؟ لأنَّ العَقْدَ يَقتَضِي كَوْنَه أمانَةً غيرَ مَضْمُونَةٍ، فلا يَزُولُ ذلك بشَرْطِه] (1).
2066 -
مسألة: (وإن قال: والرِّبْحُ كلُّه لك. فهو قَرْضٌ)
لا قِراضٌ؛ لأنَّ قَوْلَه: خُذْه فاتَّجِرْ به.
يَصْلُحُ لهما، وقد قَرَن به حُكْمَ القَرْضِ، فانْصَرَفَ إليه.
وإن قال مع ذلك: ولا ضَمانَ عليك.
فهو قَرْضٌ شُرِطَ فيه نَفْيُ الضَّمانِ، فلا يَنْتَفِي بشَرْطِه، كما لو صَرَّحَ به، فقال: خُذْ هذا قَرْضًا ولا ضَمانَ عليك.
2067 -
مسألة: (وإن قال: والرِّبْحُ بينَنا. فهو بينَهما نِصْفَين)
لِمَا (2) ذكرنا 81.82
الحديث: 2065 - الجزء: 14 - الصفحة: 57
وَإنْ قَال: خُذْهُ مُضَارَبَةً، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَكَ أوْ لِيَ.
لَمْ يَصِحَّ.
2068 - مسألة: (وإن قال: خُذُه مُضارَبَةً، والرِّبْحُ كلُّه لك أو لي. لم يَصِحَّ)
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا قال: والرِّبْحُ كلُّه لي.
كان إبْضاعًا صَحِيحًا؛ لأنَّه أثْبَتَ له حُكْمَ الإِبْضاعِ، فانْصَرَف إليه.
كما لو قال: اتَّجِرْ به والرِّبْحُ كلُّه لي.
وقال مالكٌ: يَكُونُ مُضارَبَةً صَحِيحَةً في الصُّورَتَين؛ لأنَّهما دَخَلا في القِراضِ، فإذا شَرَطَه لأحَدِهما فكأنَّه وَهَب الآخرَ نَصِيبَه، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ العَقْدِ.
ولَنا، أنَّ المُضارَبَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ الرِّبْحِ بينَهما، فإذا شَرَط اخْتِصاصَ أحَدِهما بالرِّبْحِ فقد شَرَط ما يُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، ففَسَدَ، كما لو شَرَط الرِّبْحَ كلَّه في شرِكَةِ العِنَانِ لأحَدِهما.
ويُفارِقُ ما إذا لم يَقُلْ مُضارَبَةً؛ لأنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِما أثْبَتَ حُكْمَه مِن الإبْضاعِ والقَرْضِ، بخِلافِ ما إذا صرَّحَ بالمُضارَبَةِ.
وما ذَكَرَه مالكٌ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الهِبَةَ لا تَصِحُّ قبلَ وُجُودِ المَوْهُوبِ.
الحديث: 2068 - الجزء: 14 - الصفحة: 58
وَإنْ قَال: لَكَ ثُلُثُ الرِّبْحِ.
صَحَّ، وَالْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ.
وَإنْ قَال: وَلِي ثُلُثُ الرِّبْحِ.
فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
2069 - مسألة: (وإن قال: لك ثُلُثُ الرِّبْحِ. صَحَّ، والباقِي لِرَبِّ المالِ)
إذا قَدَّرَ نَصِيبَ العامِلِ، فقال: لك ثُلُثُ الرِّبْح -أو- رُبْعُه -أو جُزْءُ مَعْلُومٌ.
صَحَّ، والباقِي لرَبِّ المال؛ لأنُّه يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بمالِه؛ لكَوْنِه نَماءَه وفَرْعَه، والعامِلُ يَأْخُذُ بالشَّرْطِ، فما شُرِط له اسْتَحَقَّه، وما بَقِي فلرَبِّ المالِ بحُكْمِ الأصْلِ.
2070 -
مسألة: (وإن قال: ولي ثُلُثُ الرِّبْحِ)
ولم يَذْكُرْ نَصِيبَ العامِلِ، ففيهْ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ العامِلَ إنَّما يَسْتَحِقُّ بالشَّرْط، ولم يُشْتَرَطْ له شيءٌ، فتَكُونُ المُضارَبَةُ فاسِدَةً.
والثاني، يَصِبحُّ، ويَكُونُ الباقِي للعامِلِ.
وهو قولُ أبِي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأي؛ لأنَّ الرِّبْحَ لا يَسْتَحِقُّه غيرُهما، فإذا قُدِّرَ نَصِيبُ أحَدِهما منه فالباقِي للآخَرِ
الحديث: 2069 - الجزء: 14 - الصفحة: 59
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بمَفْهُومِ اللَّفْظِ، كما عُلِمَ ذلك مِن قَوْلِه تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ 83. ولم يَذْكُرْ نَصِيبَ الأبِ، فعُلِمَ أنَّ الباقِيَ له.
ولأنَّه لو قال: أوْصَيتُ بهذه المائَةِ لزَيدٍ وعَمْرٍو، ونَصِيبُ زَيدٍ منها ثَلاُثون.
زكان الباقِي لعَمْرٍو، وكذا ها هنا، وهذا أصَحُّ إن شَاءَ الله تَعالى.
فصل: فإن قال: لي النِّصْفُ ولك الثُّلُثُ.
وسَكَت عن الباقي، صَحَّ، وكان لرَبِّ المالِ؛ لأنَّه لو سَكَت عن جَميعِ الباقِي بعدَ جُزْءِ العامِلِ كان لرَبِّ المالِ، فكذا إذا ذَكَر البعضَ وتَرَك البعضَ.
وإن قال: خُذْه مُضارَبَةً على الثُّلُثِ.
أو قال: بالثُّلُثِ.
صَحَّ، وكان تَقْدِيرُ النَّصِيبِ للعامِلِ؛ لأنَّ الشَّرْطَ يُرادُ لأجْلِه؛ لأنَّ رَبَّ المالِ يَسْتَحِقُّ بمالِه لا بالشَّرْطِ، والعامِلُ يَسْتَحِقُّ بالعَمَلِ، وهو يَقِلُّ ويَكْثُرُ، وإنَّما تَتَقَدَّرُ حِصَّتُه بالشَّرْطِ، فكان الشَّرْطُ له.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
الجزء: 14 - الصفحة: 60
وَإنِ اخْتَلَفَا، لِمَنِ الْجُزْءُ الْمَشْرُوطُ؟ فَهُوَ لِلْعَامِلِ.
وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ.
2071 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا)
في (الجُزْءِ المَشْرُوطِ، فهو للعامِلِ) قَلِيلًا كان أو كَثِيرًا؛ لِما ذَكَرْنا، واليَمِينُ على مُدَّعِيه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ خِلافَ ما قاله، فتَجِبُ اليَمِينُ لنَفْي الاحْتِمالِ، كما تَجِبُ على المُنْكِرِ لنَفْي ما يَدَّعِيه المُدَّعِي.
2072 -
[مسألة: (وكذلك حُكْمُ المُساقاةِ والمُزارَعَةِ) قِياسًا عليها]
84.
فصل: وإن قال: خُذْه مُضارَبَةً ولك ثُلُثُ الرِّبْحِ وثُلُثُ ما بَقِيَ.
صَحَّ، وله خَمْسَةُ أتْساعِ 85 الرِّبْحِ؛ لأنَّ هذا مَعْناه.
وإن قال: لك ثُلُثُ الرِّبْحِ ورُبْعُ ما بَقِيَ.
فله النِّصْفُ.
وإن قال: لك رُبْعُ الرِّبْحَ ورُبْعُ ما بَقِيَ.
فله ثَلاثةُ أثْمانٍ ونِصْفُ ثُمْنٍ.
وسواءٌ عَرَفا الحسابَ أو جَهِلاه؛ لأنَّ ذلك أجْزاءٌ مَعْلُومَةٌ مُقَدَّرَةٌ، أشْبَهَ ما لو شَرَط الخُمْسَين.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ كمَذْهَبِنا.
الحديث: 2071 - الجزء: 14 - الصفحة: 61
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَجُوزُ أن يَدْفَعَ مالًا إلى اثْنَين مُضارَبَةً في عَقدٍ واحِدٍ.
فإن شَرَط لهما جُزْءًا مِن الرِّبْحِ بينَهما نِصْفَين، صَحَّ.
وإن قال: لكما 86 كذا وكذا مِن الرِّبْحِ.
ولم يُبيِّنْ كيف هو بينَهما، فهو بينَهما نِصْفان؛ لأنَّ إطْلاقَ قَوْلِه: لكما.
يَقْتَضِي التَّسْويَةَ، كما لو قال لعامِلِه: الرِّبْحُ بينَنا.
وإن شَرَط لأحَدِهما ثُلُثَ الرِّبْحِ، وللآخَرِ رُبْعَه والباقِيَ له، جاز.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال مالكٌ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّهما شَرِيكان 87 في العَمَلِ بأبْدانِهما، فلم يَجُزْ تَفاضُلُهما في الرِّبْحِ، كشَرِيكَي الأبْدانِ.
ولَنا، أنَّ عَقْدَ الواحِدِ مع الاثْنَين عَقْدان، فجاز أن يَشْتَرِطَ في أحَدِهما أكْثَرَ مِن الآخَرِ، كما لو انْفَرَدا.
ولأنَّهما يَسْتَحِقّان بالعَمَلِ وهما يَتَفَاضَلان، فجاز تَفاضُلُهما في العِوَضِ، كالأجِيرَين.
وشَرِكَةُ الأبْدانِ كمَسْألَتِنا لا يَجِبُ التَّساوي فيها، ثم الفَرْقُ بينَهما أنَّ ذاك عَقْدٌ واحِدٌ وهذان عَقْدان.
فصل: وإن قارَضَ اثْنانِ واحِدًا بألْفٍ 88 لهما، جاز.
فإن شَرَطا له رِبْحًا مُتَساويًا بينهما 89، جاز.
وكذلك إن شَرَط أحَدُهما له النِّصْفَ، والآخَرُ الثُّلُثَ، ويَكُون باقِي رِبحِ مالِ كلِّ واحِدٍ منهما له.
وإن شَرَطا كَوْنَ الباقِي مِن الرِّبْحِ بينَهما نِصْفين، لم يَجُزْ.
وهذا مُذْهَبُ الشافعيِّ.
وكَلامُ القاضي يَقْتَضِي جَوازَه.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، وأبي
الجزء: 14 - الصفحة: 62
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثَوْرٍ.
ولَنا، أنَّ أحَدَهما يَحْصُلُ له مِن رِبْحِ مالِه النِّصْفُ، والآخَرَ الثُّلُثان، فإذا شَرَطَا 90 التَّساويَ فقد شَرَط أحَدُهما للآخَرِ جُزْءًا مِن رِبْحِ مالِه بغيرِ عَمَل، فلم يَجُزْ، كما لو شَرَط رِبْحَ مالِه المُنْفَرِدِ.
فصل: إذا شَرَطَا جُزْءًا مِن الرِّبْحِ لغيرِ العامِلِ نَظَرْتَ؛ فإن شَرَطاه لعَبْدِ أحَدِهما أو لعَبْدَيهما، صَحَّ، وكان مَشْرُوطًا لسَيِّدِه.
فإذا جَعَلا الرِّبْحَ بينَهما وبينَ عبدِ أحَدِهما أثْلاثًا، كان لصاحِبِ العَبْدِ الثُّلُثان، وللآخرِ الثُّلُثُ.
وإن شَرَطاه لأجْنَبِيٍّ، أو لوَلَدِ أحَدِهما، أو امْرَأَتِه، أو قَرِيبِه، وشَرَطا عليه عَمَلًا مع العامِلِ، صَحَّ، وكانا عامِلَين.
وإن لم يَشْرُطا عليه عَمَلًا، لم تَصِحَّ المُضارَبَةُ.
وبه قال الشافعيُّ.
وحُكِيَ عن أصْحابِ الرَّأْي أنَّه يَصِحُّ، والجُزْءُ المَشْرُوطُ له لرَبِّ المالِ، سواءٌ شَرَط لقَرِيبِ العامِلِ أو قَرِيبِ رَبِّ المال أو لأجْنَبِيٍّ؛ لأنَّ العامِلَ لا يَسْتَحِقُّ إلا ما شُرِط له، ورَبُّ المالِ يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بحُكْمِ الأصْلِ، والأجْنَبِيُّ لا يَسْتَحِقُّ شيئًا؛ لأنَّ الرِّبْحَ إنَّما يُسْتَحَقُّ بمالٍ أو عَمَلٍ، وليس له واحِدٌ منهما، فما شُرِط لا يَسْتَحِقُّه، فرَجَعَ إلى رَبِّ المالِ، كما لو تَرَك ذِكْرَه.
ولَنا، أنَّه شَرْطٌ فاسِدٌ يَعُودُ إلى الرِّبْحِ، ففَسَدَ به العَقْدُ، كما لو شَرَط دَراهِمَ مَعْلُومَةً.
وإن قال: لك الثُّلُثان، على أن تُعْطِيَ امْرَأتَك نِصْفَه.
فكذلك؛ لأنَّه شَرَط في الرِّبْحِ شَرْطًا لا يَلْزَمُ، فكان فاسِدًا.
والحُكْمُ في الشَّرِكَةِ كالحُكْمِ في المُضارَبَةِ، فيما ذَكَرْنا.
الجزء: 14 - الصفحة: 63
وَحُكْمُ الْمُضَارَبَةِ حُكْمُ الشَّرِكَةِ فِيمَا لِلْعَامِلِ أَنْ يَفْعَلَهُ أوْ لَا يَفْعَلَهُ، وَمَا يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ، وَفِي الشُّرُوطِ.
2073 - مسألة: (وحُكْمُ المُضارَبَةِ حُكْمُ الشَّركَةِ فيما للعامِلِ أن يَفْعَلَه أو لا يَفْعَلَه، وفيما يَلْزَمُه فِعْلُه، وفي الشُّرُوطِ)
كلُّ ما جاز للشَّرِيكِ عَمَلُه جاز للمُضارِبِ، وما مُنِعَ منه الشَّرِيكُ 91 مُنِع منه المُضارِبُ، وما اخْتُلِفَ فيه ثَمَّ، فَههُنا مِثْلُه، وما جاز أن يَكُونَ رَأْسَ مالِ الشَّرِكَةِ، جاز أن يَكُونَ رَأْسَ مالِ المُضارَبَةِ، وما لا يَجُوزُ ثَمَّ لا يَجُوزُ ههُنا، على ما فَصَّلْناه؛ لأنَّها في مَعْناها.
الحديث: 2073 - الجزء: 14 - الصفحة: 64
وَإنْ فَسَدَتْ، فَالرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَلِلْعَامِلِ الأُجْرَةُ: وَعَنْهُ، لَهُ الْأَقَلُّ مِنَ الأُجْرَةِ أوْ مَا شُرِطَ لَهُ مِنَ الرِّبْحَ.
2074 - مسألة: (وإذا فَسَدَتْ، فالرِّبْحُ لرَبِّ المالِ، وللعامِلِ الأُجْرَةُ. وعنه، له الأقَلُّ مِن الأُجْرَةِ أو ما شُرِط له مِن الرِّبْحِ)
الكَلامُ في المُضارَبَةِ الفاسِدَةِ في فُصُولٍ ثَلاثَةٍ؛ أحَدُها، أنَّه إذا تَصَرّفَ العامِلُ، نَفَذ تَصَرُّفُه؛ لأنَّه أَذِنَ فيه رَبُّ المالِ، فإذا بَطَل عَقْدُ المُضارَبَةِ، بَقِي الإذْنُ، فمَلَكَ به التَّصَرُّفَ، كالوَكِيلِ.
فإن قِيلَ: فلو اشْتَرَى الرجلُ شِراءً فاسِدًا ثم تَصَرَّفَ فيه، لم يَنْفُذْ، مع أنّ البائِعَ قد أذِنَ له في التَّصَرُّفِ.
قُلْنا: لأنَّ المُشْتَرِيَ يَتَصَرَّفُ مِن جِهَةِ المِلْكِ لا بالإِذْنِ، فإن أذِنَ البائِعُ، كان على أنَّه مِلْكُ المَأْذُونِ له، فإذا لم يَمْلِكْ، لم يَصِحَّ، وههُنا أذِنَ له رَبُّ المالِ في التَّصَرُّفِ في مِلْكِ نَفْسِه، وما شَرَط مِن الشَّرْطِ الفاسِدِ، فليس بمَشْرُوطٍ في مُقابَلَةِ الإِذْنِ؛ لأنَّه أذِنَ له في تَصَرُّفٍ يَقَعُ 92 له.
الحديث: 2074 - الجزء: 14 - الصفحة: 65
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفَصْلُ الثّانِي، أنَّ الرِّبْحَ جَمِيعَه لرَبِّ المالِ؛ لأنَّه نَماءُ مالِه، وإنَّما يَسْتَحِقُّ العامِلُ بالشَّرْطِ، فإذا فَسَدَتِ المُضارَبَةُ فَسَد الشَّرْطُ، فلم يَسْتَحِقَّ به شيئًا، ولكنْ له أجْرُ مِثْلِه.
نَصَّ عليه أحمدُ 93. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
واخْتارَ الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ أنَّ الرِّبْحَ بينَهما على ما شَرَط له.
واحْتَجَّ بما رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا اشْتَرَكا في العُرُوض، قُسِم الرِّبْحُ على ما شَرَطا.
قال: وهذه شَرِكَةٌ فاسِدَةٌ.
واحْتَجَّ بأنَّه عَقْدٌ يَصِحُّ مع الجَهالةِ، فيَثْبُتُ المُسَمَّى في فاسِدِه، كالنِّكاحِ.
قال: [ولا أجْرَ] 94 له.
وجَعَل أحْكامَها كأحْكام الصَّحِيحَةِ.
وقد ذَكَرْنا ذلك.
قال القاضي أبو يَعْلَى: والمَذْهَبُ ما حَكَينا، وكَلامُ أحمدَ مَحْمُولٌ على أنَّه صَحَّحَ الشَّرِكَةَ بالعُرُوضِ.
وحُكِيَ عن مالكٍ أنَّه يَرْجِعُ إلى قِراضِ المِثْلِ.
وحُكِيَ عنه، إن لم يَرْبَحْ، فلا أجْرَ له.
ومُقْتَضَى هذا، أنَّه إن رَبِح فله الأقَلُّ مِمّا شَرَط له أو أجْرِ مِثْلِه.
وعن أحمدَ مثلُ ذلك؛ لأنَّ الأُجْرَةَ إن كانت أكْثَرَ، فقد رَضِيَ بإسْقاطِ الزّائدِ منها عن المُسَمَّى، لرِضائِه به، وإن كانت أقَلَّ، لم يَسْتَحِقَّ أكْثَرَ منها؛ لفَسادِ التَّسْمِيَةِ بفَسادِ العَقْدِ، لأنَّه لو اسْتَحَقَّ أجْرَ المِثْلِ، لتَوَسَّلَ إلى فَسادِ العَقْدِ [إذا رأى] 95 الخُسْرانَ.
والمَشْهُورُ الأوَّلُ؛ لأنَّ تَسْمِيَةَ الرِّبْحِ مِن تَوابِعِ المُضارَبَةِ أو رُكْنٌ مِن أرْكانِها، فإذا
الجزء: 14 - الصفحة: 66
وَإنْ شَرَطَا تَأْقِيتَ الْمُضَارَبَةِ، فَهَلْ تَفْسُدُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
فَسَدَتْ، فَسَدَتْ أرْكانُها وتَوابِعُها، كالصلاةِ.
ونَمْنَعُ وُجُوبَ المُسَمَّى في النِّكاحِ الفاسِدِ، وإذا لم يَجِبْ له المُسَمَّى، وَجَب أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّه إنَّما عَمِل ليَأخُذَ المُسَمَّى، فإذا لم يَحْصُلْ له، وَجَب رَدُّ عَمَلِه إليه، وهو مُتَعَذِّرٌ، فتَجِبُ قِيمَته، وهي أجْرُ مِثْلِه، كما لو تَبايَعا بَيعًا (1) فاسِدًا، وتَقابَضا، وتَلِف أحَدُ العِوَضَين في يَدِ قابضِه، وَجَب رَدُّ بَدَلِه.
فعلى هذا، له أجْر المِثْلِ، سواءٌ ظَهَر في المالِ رِبْحٌ أَو لم يَظْهَرْ.
فإن رَضِيَ المُضارِبُ بالعَمَلِ بغيرِ عِوَضٍ، مثلَ أن يَقُولَ: قارَضْتُك والرِّبْحُ كلُّه لي.
فالصَّحِيحُ أنَّه لا شيءَ للمُضارِبِ ههُنا؛ لأنَّه تَبَرَّعَ بعَمَلِه، أشْبَهَ ما لو أعانَه في شَيْءٍ، أو تَوَكَّلَ له بغيرِ جُعْلٍ، أو أخَذَ له بِضاعَةً.
الفصلُ الثّالِثُ، أن لا يَضْمَنَ ما تَلِف بغيرِ تَعَدِّيه وتَفْرِيطِه؛ لأنَّ ما كان المَقْبُوضُ في صَحِيحِه مَضْمُونًا، كان مَضْمُونًا في فاسِدِه، وما لم يُضْمَنْ في صَحِيحِه لم يُضْمَنْ في فاسِدِه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو يُوسُف، ومحمدٌ: يَضْمَنُ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لا يَضْمَنُ ما قَبَضَه في صَحِيحِه، فلا يَضْمَنُ في فاسِدِه، كالوَكالةِ، ولأنَّها إذا فَسَدَتْ صارت إجارَةً، ولا يَضْمَنُ مَنُ الأجِيرُ ما تَلِف بغيرِ فِعْلِه ولا تَعَدِّيه، كذلك ههُنا.
2075 -
مسألة: (وإن شَرَطا تَأْقِيتَ المُضارَبَةِ، فهل تَفْسُدُ؟ على رِوَايَتَين)
وتَأْقِيتُها أن يَقُولَ: ضارَبْتُك على هذه الدَّراهِمِ سَنَةً، فإذا96
الحديث: 2075 - الجزء: 14 - الصفحة: 67
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
انْقَضَتِ السنَةُ فلا تَبعْ ولا تَشْتَرِ.
إحداهما، يَصِحُّ.
قال مُهَنّا: سألتُ أحمدَ عن رجلٍ أعْطىَ رجلًا ألْفًا مُضارَبَةً شَهْرًا، فإذا مَضَى شهْرٌ تَكُونُ قَرْضًا.
قال: لا بَأْسَ به.
قُلْتُ: فإن جاء الشَّهْرُ وهي مَتاعٌ.
قال: إذا باع المَتاعُ يَكُونُ قَرْضًا.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ.
والثّانِيَةُ، لا يَصِحُّ.
وهو قولُ الشافعيِّ، ومالكٍ، واخْتِيارُ أبي حَفْصٍ العُكْبَرِيِّ؛ لأمُورٍ ثَلاثَةٍ؛ أحَدُها، أنَّه عَقْدٌ يَقَعُ مُطْلَقًا، فإذا شَرَط قَطْعَه لم يَصِحَّ، كالنِّكاحِ.
الثّانِي، أنَّه ليس مِن مُقْتَضَى العَقْدِ ولا فيه له مَصْلَحَةٌ، أشْبَهَ إذا شَرَط أن لا يَبِيعَ.
وبيانُ أنَّه ليس مِن مُقْتَضَى العَقْدِ، أنَّه يَقْتَضِي أن يَكُونَ رَأْسُ المالِ ناضًّا، فإذا مَنَعَه البَيعَ لم يَنِضَّ.
الثَّالِثُ، أنَّ هذا يُودِّي إلى ضَرَرٍ بالعامِلِ؛ لأنَّه قد يَكُونُ الرِّبْحُ والحَظُّ في تَبْقِيَةِ المَتاعِ وبَيعِه بعد السَّنَةِ، فيَمْتَنِعُ ذلك بمُضِيِّها.
ولَنا، أنَّه تَصَرُّفٌ يَتَوَقَّتُ بنَوْعٍ مِن المَتاعِ، فجاز تَوْقِيتُه في الزَّمانِ، كالوَكالةِ.
والمَعْنَى الأوَّلُ الذي ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالوَكالةِ
الجزء: 14 - الصفحة: 68
وَإن قَال: بعْ هَذَا الْعَرْضَ وَضارِبْ بِثَمَنِهِ.
أو: اقْبِضْ وَدِيعَتِي وَضَارِبْ بها.
أو: إِذَا قَدِمَ الْحَاجُّ فَضَارِبْ بِهَذَا.
صَحَّ.
والوَدِيعَةِ، والثّانِي والثّالِثُ يَبْطُلُ بتَخْصِيصِه بنَوْعٍ مِن المَتاع، ولأنَّ لرَبِّ المالِ مَنْعَه مِن التَّصَرُّفِ في كلِّ وَقْتٍ، إذا رَضِيَ أن يأْخُذَ بمالِه عَرْضًا (1)، فإذا شَرَط ذلك فقد شَرَط ما هو مِن مُقْتَضَى العَقْدِ، فصَحَّ، كما لو قال: إذا انْقَضَتِ السَّنَةُ فلا تَشْتَرِ شيئًا.
وقد سَلَّمُوا صِحَّةَ ذلك.
2076 -
مسألة: (وإن قال: بعْ هذا العَرْضَ وضارِبْ بثَمَنِه. أو: اقْبِضْ وَدِيعَتِي وضارِبْ بها. أو: إذا قَدِم الحاجُّ فضارِبْ بهذا. صَحَّ)
في قَوْلِهم جَمِيعًا، ويَكُونُ وَكِيلًا في بَيعِ العَرْضِ، وقَبْضِ الوَدِيعَةِ،97
الحديث: 2076 - الجزء: 14 - الصفحة: 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَأذُونًا له في التَّصَرُّفِ مُؤتَمَنًا عليه، فجاز جَعْلُه مُضارَبَةً، كما لو قال: اقْبِضِ المال مِن غُلامِي، فضارِبْ به.
وأمّا إذا قال: إذا قَدِم الحاجُّ فضارِبْ بهذا.
صَحَّ؛ لأنَّه أذِنَ في التَّصَرُّفِ، فجاز تَعْلِيقُه على شَرْطٍ مُسْتَقبَلٍ، كالوَكالةِ.
فصل: فإن كان في يَدِ إنْسانٍ وَدِيعَةٌ، فقال له رَبُّ الوَدِيعَةِ: ضارِبْ بها.
صَحَّ.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأي.
وقال الحَسَنُ: لا يَجُوزُ حتى يَقْبِضَها منه، قِياسًا على الدَّينِ.
ولَنا، أنَّ الوَدِيعَةَ مِلْكُ رَبّ المالِ، فجاز أن يُضارِبَه عليها، كما لو كانت حاضِرَةً فقال: قارَضْتُك على هذه الألْفِ.
وفارَقَ الدَّينَ؛ فإنَّه لا يَصِيرُ مِلْكًا للغَرِيمِ إلَّا بقَبْضِه.
فأمّا إن كانتِ الوَدِيعَةُ قد تَلِفَتْ بتَفْرِيطِه وصارَتْ في الذمَّةِ، لم يَجُزْ أن يُضارِبَ عليها، لما نَذْكُرُه.
فصل: ولو كان له في يَدِ غيرِه مالٌ مَغْصُوبٌ، فضارَبَ الغاصِبَ به، صَحَّ؛ لأنَّه مالٌ لرَبِّ المالِ، يَصِحُّ بَيعُه لغاصِبِه ولمَن يَقْدِرُ على أخْذِه منه، فأشْبَهَ الوَدِيعَةَ.
فإذا ضارَبَ به، سَقَط ضَمانُ الغَصْبِ بعَقْدِ المُضارَبَةِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وقال القاضي: لا يَزُولُ ضَمانُ الغَصْبِ إلَّا بدَفْعِه ثَمَنًا.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ القِراضَ لا يُنافِي الضَّمانَ، بدَلِيلِ ما
الجزء: 14 - الصفحة: 70
وَإنْ قَال: ضَارِبْ بِالدَّينِ الَّذِي عَلَيكَ.
لَمْ يَصِحَّ.
لو تَعَدَّى فيه.
ولَنا، أنَّه مُمْسِكٌ للمالِ بإذنِ مالِكِه (1) لا يَخْتَصُّ بنَفْعِه ولم يَتَعدَّ فيه، فأشْبَهَ ما لو قَبَضَه وقَبَّضَه إيّاه.
2077 -
مسألة: (وإن قال: ضارِبْ بالدَّينِ الذي عليك. لم يَصِحَّ)
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ أكثَرَ: أهْلِ العِلْمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه [مِن أهْلِ] 99 العِلْمِ، أنَّه لا يَجُوزُ أن يَجْعَلَ الرجلُ دَينًا له على رجلٍ مُضارَبَةً.
ومِمَّن حَفِظْنا ذلك عنه؛ عطاءٌ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأي.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال بعضُ أصحابِنا: يَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه إذا اشْتَرَى شيئًا للمُضارَبَةِ، فقد اشْتَراه بإذْنِ رَبِّ المالِ، ودَفَع الثَّمَنَ إلى 100 مَن أذِنَ له في دَفْعِ ثَمَنِه إليه، فتَبْرأُ ذِمَّتُه منه، ويَصِيرُ كما لو دَفَع إليه عَرْضًا 101 وقال: بِعْه وضاربْ بثَمَنِه.
وجَعَل أصحابُ الشافعيِّ مَكانَ98
الحديث: 2077 - الجزء: 14 - الصفحة: 71
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذا الاحْتِمالِ أنَّ الشِّراءَ لرَبِّ المالِ، وللمُضارِبِ أجْرُ مِثلِه؛ لأنه عَلَّقَه بشَرْطٍ 102، ولا يَصِحُّ عندَهم تَعْلِيقُ القِراضِ بشَرْطٍ.
والمَذْهَبُ الأول؛ لأنَّ المال الذي في يَدَيْ مَن عليه الدينُ له، وإنَّما يَصِيرُ لغرِيمِه بقَبْضِه، ولم يُوجَدِ القَبْضُ ههُنا.
فإن قال له: اعْزِلِ المال الذي لي عليك وقد قارَضتُكَ عليه.
ففَعَلَ، واشْتَرَى بعَينِ ذلك المالِ شيئًا للمُضارَبَةِ، وَقَع الشِّراءُ له؛ لانه اشْتَرَى لغيرِه بمالِ نَفْسِه، فحَصَلَ الشِّراءُ له.
وإنِ اشْتَرَى في ذِمَّتِه، فكذلك؛ لأنَّه عَقَد القِراضَ على ما لا يَمْلِكُه، وعَلَّقَه على شَرْطٍ لا يَمْلِكُ به المال.
فصل: ومِن شَرْطِ صِحَّةِ المُضارَبَةِ كَوْنُ رَأسِ المالِ مَعْلُومَ المِقْدارِ.
فإن كان مَجْهُولًا أو جُزافًا، لم تَصِحَّ، وإن شاهَداه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
الجزء: 14 - الصفحة: 72
وَإنْ أخرَجَ مَالًا لِيَعْمَلَ هُوَ فِيهِ وَآخَرُ، وَالرِّبْحُ بَينَهُمَا، صَحَّ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ.
وقال أبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرأي: تَصِحُّ إذا شاهَداه، والقولُ قول العامِلِ مع يَمِينه في قَدْرِه، لأنَّه أمِينُ رَبِّ المالِ، والقولُ قَوْلُه فيما في يَدِه، فقامَ ذلك مَقامَ المَعْرِفَةِ به.
ولَنا، أنَّه مَجْهُول، فلم تَصِحَّ المُضارَبَةُ به، كما لو لم يُشاهِداه، ولأنَّه لا يَدْرِي بكم يَرْجِعُ عندَ المُفاصَلَةِ، ويُفْضِي إلى المُنازَعَةِ والاخْتِلافِ في مِقْدارِه، فلم يَصِحَّ، كما لو كان في الكِيسِ.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالسَّلَمِ، وبما إذا لم يُشاهِداه (1).
فصل: ولو أحْضَرَ كِيسَين، في كلِّ واحِدٍ منهما مال مَعْلُومُ المِقْدارِ، وقال: قارَضْتُك على أحَدِهما.
لم يَصِحَّ، سواء تَساوَى ما فيهما أو اخْتَلَفَ؛ لأنَّه عَقْدٌ تَمْنَعُ صِحَّتَه الجَهالةُ، فلم يَجُزْ على غيرِ مُعَيَّن، كالبَيعَ.
2078 -
مسألة: (وإن أخْرَجَ مالًا ليَعْمَلَ فيه هو وآخَرُ، والرِّبْحُ بينَهما، صَحَّ. ذكَرَه الخِرَقِيُّ)
ونَصَّ عليه أحمدُ في رِوَايةِ أبِي الحارِثِ.
وتَكُونُ مُضارَبَةً؛ لأنَّ غيرَ صاحِبِ المالِ يَسْتَحِقُّ المَشْرُوطَ له103
الحديث: 2078 - الجزء: 14 - الصفحة: 73
وَقَال الْقَاضِي: إذَا شَرَطَ الْمُضَارِبُ أنْ يَعْمَلَ مَعَهُ رَبُّ الْمَالِ، لَمْ يَصِحَّ، وَإنْ شَرَطَ عَمَلَ غُلَامِهِ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
مِن الرِّبْحِ بعَمَلِه في مالِ غيرِه، وهذا حَقِيقَة المضارَبَةِ، (وقال) أبو عبدِ اللهِ ابن حامِدٍ، و (القاضي)، وأبو الخَطّابِ: (إذا شَرَط أن يَعْمَلَ معه رَبُّ المالِ، لم يَصِحَّ).
وهذا مَذْهَب مالكٍ، والشافعيِّ، والأوْزاعِيِّ، وأصحابِ الرأىِ، وأبي ثَوْر، وابنِ المنذرِ.
وقال: ولا تَصِحُّ المضارَبَة حتى تسَلِّمَ المال إلى العامِلِ ويخَلِّيَ بينَه وبينَه؛ لأنَّ المضارَبَةَ تَقْتَضِي تَسْلِيمَ المالِ إلى المضارِبِ، فإذا شَرَط عليه العَمَلَ فيه ولم يُسَلِّمْه، فيُخالِف مَوْضُوعَها.
وتَأولَ القاضِي كَلامَ أحمدَ والخِرَقِيِّ، على أنَّ رَبَّ المالِ عَمِل
الجزء: 14 - الصفحة: 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيه مِن غيرِ اشْتِراطٍ.
والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لأنَّ العَمَلَ 104 أحَدُ رُكْنَي المُضارَبَةِ، فجاز أن يَنْفَرِدَ به أحَدُهما مع وُجُودِ الأمْرَين مِن الآخَرِ، كالمالِ.
وقَوْلُهم: إنَّ المُضارَبَةَ تَقْتَضِي تَسْلِيمَ المالِ إلى العامِلِ.
مَمْنُوع، إنَّما تَقْتَضِي إطْلاقَ التَّصَرُّفِ في مالِ غيرِه بجُزْء مُشَاع مِن رِبْحِه، وهذا حاصِل مع اشْتِراكِهما في العَمَلِ، ولهذا لو دَفَع ماله إلى اثْنَين مُضارَبَةً، صَحَّ، ولم يَحْصُلْ تَسْلِيمُه إلى أحَدِهما.
فصل: وإن شَرَط أن يَعْمَلَ معه غُلامُ رَبِّ المالِ، صَحَّ.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ الشافعيِّ، وقولُ أكْثَرِ أصْحابِه 105. ومَنَعَه بعضُهم.
وهو قولُ القاضي؛ لأنَّ يَدَ الغُلامِ كيَدِ سَيِّدِه.
وقال أبو الخَطَّابِ: فيه وَجْهان؛ أحَدُهما: الجَوازُ؛ لأنَّ عَمَلَ الغُلامِ مال لسيِّدِه، فَصَحَّ ضَمُّه إليه، كما يَصِحُّ أن يَضُمَّ إليه بَهِيمَتَه يَحْمِلُ عليها.
والثانِي، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ يَدَ العَبْدِ كيَدِ سَيِّدِه.
الجزء: 14 - الصفحة: 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإنِ اشْتَرَكَ مالانِ ببَدَنِ صاحِبِ أحَدِهما، فهذا يَجْمَعُ شَرِكةً ومُضارَبَة، وهو صَحِيح.
فلو كان بينَ رَجُلَين ثَلاثةُ آلافِ دِرْهم؟ لأحَدِهما ألْف وللآخَرِ ألْفانِ، فأذِنَ صاحِبُ الألْفَين لصاحِبِ الألْفِ أن يَتَصَرّفَ فيه على أن يَكُونَ الرِّبْحُ بينَهما نِصْفَينِ، صحّ، ويَكُونُ لصاحِبِ الألْفِ ثُلُثُ الرِّبْحِ بحَقِّ مالِه، والباقي وهو ثُلُثا الرِّبْحِ، بينَهما؛ لصاحِبِ الألْفَين ثَلاثةُ أرْباعِه، وللعامِلِ رُبْعُه، وذلك لأنَّه جَعَل له نِصْفَ الرِّبْحِ فجَعَلْناه سِتَّةَ أسْهُم، منها ثَلاثة للعامِلِ، حِصَّةُ مالِه سَهْمان، وسَهْم يَسْتَحِقه بعَمَلِه في مالِ شَرِيكِهِ، وحِصةُ مالِ شَرِيكِه أرْبعَةُ أسْهُم، للعامِلِ سَهْم، وهو الرُّبْعُ.
فإن قِيلَ فكيفَ تَجُوزُ المُضارَبَةُ ورَأسُ المالِ مُشَاع؟ قُلْنا: إنَّما تَمْنَعُ الإشاعةُ الجَوازَ إذا كانت مع غيرِ العامِلِ؛ لأنَّها تَمْنَعُه مِن التَّصَرُّفِ، [بخِلافِ ما إذا كانت مع العامِلِ، فإنَّها لا تَمْنَعُه مِن التَّصَرُّفِ] 106، فلا تَمْنَعُ صِحَّةَ المُضارَبَةِ.
وإن شَرَط للعامِلِ ثُلُثَ الرِّبْحِ فقط، فمالُ صاحِبِه بِضاعةٌ في يَدِه ولَيسَتْ مُضارَبَة؛ لأنَّ المُضارَبَةَ
الجزء: 14 - الصفحة: 76
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إنما تَحْصُلُ إذا كان الرِّبْحُ بينَهما، فأمّا إذا قال: رِبْحُ مالِكَ لك ورِبْحُ مالِي لي.
فقَبِلَ الآخَرُ، كان إبْضاعًا لا غيرُ.
وبِهذا كلِّه قال الشافعي.
وقال مالِك: لا يَجُوزُ أن يَضُمَّ إلى القِراضِ شَرِكةً، كما لا يَجُوزُ أن يَضُم إليه عَقْدَ إجارَةٍ.
ولَنا، أنهما لم يَجْعَلَا أحَدَ العَقْدَين شَرْطًا للآخرِ، فلم يَمْنَعْ مِن جَمْعِهما، كما لو كانْ المالُ مُتَمَيِّزًا.
فصل: إذا دَفَع إليه ألْفًا مُضارَبَةً، وقال: أضِفْ إليه ألْفًا مِن عِنْدِك واتَّجِرْ بهما، والرِّبْحُ بينَنَا، لك ثُلُثاه ولِي ثُلثه.
جاز، وكان شَرِكَةً وقِراضًا.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّ الشَّرِكَةَ إذا وَقَعَتْ على المالِ، كان الرِّبْحُ تابِعًا له دُونَ العَمَلِ.
ولَنا، أنهما تَساوَيا في المالِ، وانْفَرَدَ أحَدُهما بالعَمَلِ، فجاز أن يَنْفَرِدَ بزِيادَةِ الرِّبْحِ، كما لو لم يَكُنْ له مال.
قَوْلُهم: إنَّ الرِّبْحَ تابع للمالِ وحدَه.
مَمْنُوع، بل هو تابع لهما، كما أنه حاصِل بهما.
فإن شَرَط غيرُ العامِلِ لنَفْسِه ثُلُثَي الرِّبْحِ، لم يَجُزْ.
وقال القاضي: يَجُوزُ، بِناءً على جَوازِ تَفاضُلِهما في شَرِكَةِ العِنانِ.
ولَنا، أنه شَرَطَ لنَفْسِه جُزْءًا مِن الرِّبْحِ لا مُقابِلَ له، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَ رِبْحَ مالِ العامِلِ المُنْفَرِدِ، وفارق شَرِكةَ العِنَانِ؛ لأنَّ فيها عَمَلًا منهما، فجاز أن يَتَفاضَلا في الرِّبْح؛ لتَفاضُلِهما في العَمَلِ، بخِلافِ مَسْألتِنا.
وإن جَعَلا الرِّبْحَ بينَهما نِصْفين، ولم يَقُولا: مُضارَبَةً.
جازَ، وكان إبْضاعًا، كما تَقَدَّمَ.
وإن قالا: مُضارَبَة.
فَسَد العَقْدُ؛ لِما ذَكَرْناه.
الجزء: 14 - الصفحة: 77
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وقد ذَكَرْنا أنَّ حُكْمَ المُضارَبَةِ حُكْمُ الشَّرِكَةِ فيما للعامِلِ أن يَفْعَلَه أوْ لا يَفْعَلَه، والذي اخْتُلِفَ فيه في حَقِّ الشَّرِيكِ، فكذلك في حَق عامِلِ المُضارَبَةِ.
وهل له أن يَبِيعَ نَساءً إذا لم يُنْهَ عنه؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، ليس له ذلك.
وبه قال مالك، وابنُ أبي لَيلَى، والشافعيُّ؛ لأنَّه نائِب في البَيعِ، فلم يَجُزْ له ذلك بغيرِ إذْنٍ، كالوَكِيلِ، يُحَقِّقُ ذلك أنَّ النائِبَ لا يَجُوزُ له التَّصَرُّفُ إلَّا على وَجْهِ الحَظِّ والاحْتِياطِ، وفي النَّسِيئَة تَغْرِيرٌ بالمالِ.
والثّانِيَةُ، يَجُوزُ له ذلك.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، واخْتِيارُ ابنِ عَقِيل؛ لأنَّ إذنه في التِّجارَةِ والمُضارَبَةِ يَنْصَرِفُ إلى التِّجارَةِ المُعْتادَةِ، وهذا عادَةُ التُّجّارِ، ولأنَّه يَقْصِدُ به الرِّبْحَ، والرِّبْحُ في النَّساءِ أكْثَرُ، والحُكْمُ في الوَكالةِ مَمْنُوع، ثم الفَرْقُ بينَ الوَكالةِ المُطْلَقَةِ والمُضارَبَةِ، أنَّ الوَكالةَ المَقْصُودُ منها تَحْصِيلُ الثَّمَنِ فحَسْبُ، ولا تَخْتَصُّ بقَصْدِ الرِّبْحِ، فإذا أمْكَنَ تَحْصِيلُه مِن غيرِ خَطَر، كان أوْلَى، ولأنَّ الوَكالةَ المُطْلَقَةَ في البَيعِ تَدُلُّ على أنَّ حاجَةَ المُوَكِّلِ 107 إلى الثَّمَنِ ناجزَة، فلم يَجُزْ تَأخِيرُه، بخِلافِ المُضارَبَةِ.
فإن قال له: اعْمَلْ برأَيِكَ.
أو: تَصَرَّفْ كيف شِئْتَ.
فله البَيعُ نَساءً.
وقال الشافعي: ليس له ذلك؛ لأنَّ فيه تَغْرِيرًا، أشْبَهَ ما لو لم يَقُلْ له ذلك.
ولَنا، أنَّه داخِل
الجزء: 14 - الصفحة: 78
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في عُمُوم لَفْظِه، وقَرِينةُ حالِه تَدُلُّ على رِضاه برأيِه في صِفاتِ البَيعِ وفي أنْواعِ التِّجارَةِ، وهذا منها.
فإذا قُلْنَا: له البَيعُ نَساءً.
فالبَيعُ صَحِيح، ومهما فات مِن الثَّمَنِ.
لا يَضْمَنُه، إلَّا أن يُفَرِّطَ ببَيعِ مَن لا يوثَقُ به، أو مَن لا يَعْرِفُه، فيَضْمَنُ الثمَنَ المُنْكَسِرَ على المُشْتَرِي.
وإن قُلْنا: ليس له البَيعُ نَساءً.
فالبَيعُ باطِل؛ لأنه فَعَل ما لم يُؤذَنْ له فيه، فهو كالبَيع.
مِن الأجْنَبِيِّ، إلَّا على الروايَةِ التي تَقُولُ: يَقِفُ بَيعُ الأجْنَبِيِّ على الإِجازةِ.
فههُنا مِثْلُه.
ويَحْتَمِلُ كَلامُ الخِرَقِيِّ صِحةَ البَيعِ؛ فإنه قال: إذا باع المُضارِبُ نَساءً بغيرِ إذْنٍ، ضَمِن.
ولم يَذْكُرْ فَسادَ البَيعِ.
وعلى كلِّ حالٍ يَلْزَمُ العامِلَ الضمانُ؛ لأنَّ ذَهابَ الثَّمَن حَصَل بتَفْرِيطِه.
وإذا قُلْنا بفَسادِ البَيعِ، ضَمِن المَبِيعَ بقِيمَتِه، إذا تَعَذر عليه اسْتِرْجاعُه، بتلَف المَبِيعِ أو امْتِناعِ المُشْتَرِي مِن رَده إليه.
وإن قُلْنا بصِحتِه، احْتَملَ أن يَضْمَنَه بقِيمَتِه أيضًا؛ لأَنه لم يَفُتْ بالبَيعِ أكثرُ منها، ولا يَنْحَفِظُ 108 فيَ بتركِه سواها، وزيادَةُ الثمَن حَصَلَتْ بتَفْرِيطِه، فلا يَضْمَنُها، واحْتَمَل أن يَضْمَنَ الثَّمَنَ؛ لأنه وَجَب بالبَيعِ، وفات بتَفرِيطِ البائِعِ.
فعلى هذا، إن نَقَص عن القِيمَةِ، فقد انْتَقَلَ الوُجُوبُ إليه، بدَلِيلِ أنه لو حَصَل الثَّمنُ، [لم يَضْمَنْ] 109 شيئًا.
الجزء: 14 - الصفحة: 79
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وهل له السَّفَرُ بالمالِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، ليس له ذلك.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، لأنَّ في السَّفَرِ تَغْرِيرًا بالمالِ وخَطَرًا، ولهذا يُرْوَى: «إنَّ المُسافِرَ [وماله] 110 على قَلَتٍ، إلَّا ما وقَى الله» 111 أي هَلاكٍ.
ولا يَجُوزُ له التَّغْرِيرُ بالمالِ بغيرِ إذْنِ مالِكِه.
والثّانِي، له السَّفَرُ به إذا لم يَكُنْ مَخُوفًا.
قال القاضي: قِياسُ المَذْهَبِ جَوازُه، بِناءً على السَّفَرِ بالوَدِيعَةِ.
وهو قولُ مالك.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، لأنَّ الإذْنَ المُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلى ما جَرَتْ به العادَةُ، والعادَةُ جارِيَة بالتِّجارَةِ سَفَرًا و 112 حَضَرًا، ولأنَّ المُضارَبَةَ مُشْتَقَّة مِن الضَّرْبِ في الأرْضِ، فمَلَكَ ذلك بمُطْلَقِها.
وهذان الوَجْهانِ في المُطْلَقِ.
فأمّا إن أذِنَ فيه أو نُهِيَ عنه، أو وُجِدَتْ قَرِينة دالَّة على أحَدِ الأمْرَينِ، تَعَيَّنَ ذلك، وجاز مع الإِذْنِ 113، وحَرُم مع النَّهْي.
وليس له السَّفَرُ في مَوْضع مَخُوفٍ، على كِلا الوَجْهَين.
وكذلك لو أذِنَ لا في السَّفَرِ مُطْلَقًا، لم يَكُنْ له السَّفَرُ في طَرِيقٍ مَخُوفٍ، ولا إلى بَلَدٍ مَخُوفٍ، فإن فَعَل فهو ضامِن لما يَتْلَفُ؛ لأنَّه تَعَدَّى بفِعْلِ ما ليس له فِعْلُه.
فصل: وليس للمُضارِب البَيعُ بدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ، ولا أن يَشْتَرِيَ بأكثر منه مِمّا لا يَتَغابَنُ الناسُ بمِثْلِه، فإن فَعَل، فقد رُوِيَ عن أحمدَ،
الجزء: 14 - الصفحة: 80
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ البَيعَ يَصِحُّ، ويَضْمَنُ النقْصَ، كالوَكِيلِ، ولأنَّ الضَّرَرَ يَنْجَبِرُ بضَمانِ النَّقْصِ.
قال شيخُنا 114: والقِياسُ بُطلانُ البَيعِ.
وهو مذهَبُ الشافعي؛ لأنَّه بَيع لم يُؤذَنْ فيه، أشْبَهَ بَيعَ الأجْنَبِيِّ.
فعلى هذا، إن تَعَذرَ رَدُّ المَبِيعِ، ضَمِن النَّقْصَ أيضًا، وإن أمْكَنَ رَدُّه، وَجَب إن كان باقِيًا، أو قِيمَتُه إن تَلِف، ولرَب المالِ مُطالبَةُ مَن شاء مِن العامِلِ أو المشتَرِي، فإن أخَذَ مِن المُشْتَرِي بقِيمَتِه، رَجَع المُشْتَرِي على العامِلِ بالثَّمَن، وإن رَجَع على العامِلِ بِقِيمَتِه، رَجَع العامِلُ على المُشْتَرِي بها ورَدَّ عليه الثَّمَنَ؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَل في يَدِه.
أمّا ما يَتَغابَنُ الناسُ بمِثْلِه فلا يُمْنَعُ منه؟ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه.
وأمّا إذا اشْتَرَى بأكْثَرَ مِن ثَمَن المِثْلِ بعَينِ المالِ، فهو كالبَيعِ.
وإنِ اشْتَرَى في الذمةِ، لَزِم العامِلَ دُونَ رَب المالِ إلَّا أن يُجِيزَه، فيَكُونَ له.
هذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِي.
وقال القاضي: إن أطْلَقَ الشِّراءَ ولم يَذْكُرْ رَبَّ المالِ، فكذلك، وإن صَرَّحَ للبائِعِ أنِّي اشْتَرَيتُه فُلانٍ، فالبَيعُ باطِل أيضًا.
فصل: وهل له أن يَبِيعَ ويَشْتَرِيَ بغيرِ نَقْدِ البَلَدِ؟ على رِوايَتَين؛ أصَحُّهما، جَوازُه إذا رَأى المَصْلَحةَ فيه والرِّبْحَ حاصِلًا به، كما يَجُوزُ أن يَبِيعَ عَرْضًا بعَرْض ويَشْتَرِيَه به.
فإن قُلْنا: لا يَمْلِكُ ذلك.
ففَعَلَ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو اشْتَرَى أو باع بغيرِ ثَمَنِ المِثْلِ.
وإن قال: اعْمَلْ برَأيِك.
الجزء: 14 - الصفحة: 81
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فله ذلك، وهل له الزِّراعَةُ 115؟ يَحْتَمِلُ أن لا يَملِكَها؛ لأن المُضارَبَةَ لا يُفْهَمُ مِن إطْلاقِها الزِّراعة (1)، وقد رُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه الله، في مَن دَفَع إلى رجلٍ ألْفًا، وقال: اتَّجِرْ فيها بما شِئْتَ.
فزَرَعَ زَرْعًا، فرَبحَ فيه، فالمُضارَبَة جائِزَة، والرِّبْحُ بينَهما.
قال القاضي: ظاهِرُ هذا أن قَوْلَه: اتُّجِرْ بما شِئْتَ.
دَخَلَتْ فيه المُزارَعةُ؛ لأنها مِن الوُجُوهِ التي يبتغَى بها النَّماءُ.
فعلى هذا، لو تَوَى المالُ في المُزارَعَةِ، لم يَلْزَمْهُ ضَمانُه.
فصل: وله أن يَشْتَرِيَ المَعِيبَ إذا رَأى المَصْلَحةَ فيه؛ لأن المَقْصُودَ الرِّبْحُ، وقد يَكُونُ الرِّبْحُ في المَعِيبِ.
فإنِ اشْتَراه يَظنه سَلِيمًا فبانَ مَعِيبًا، فله فِعْلُ ما يَرَى فيه المَصْلَحَةَ؛ مِن رَدِّه، أو إمْساكِه وأخْذِ الأرْش.
فإنِ اخْتَلَفَ العامِلُ ورَبُّ المالِ في الرَّدِّ، فطَلَبه أحَدُهما، واصباه الآخَرُ، فَعَل ما فيه النَّظَرُ والحَظُّ؛ لأنَّ المَقْصُودَ تَحْصِيلُه، فيُحْمَلُ الأمْرُ على ما فيه الحَظُّ.
وأمّا الشريكان إذا اخْتَلَفا في رَد المَعِيبِ، فلِطَالِبِ الرَّدِّ رَدُّ نصِيبِه، وللآخَرِ إمْساكُ نَصِيبِه، إلَّا أن لا يَعْلَمَ البائِعُ أنَّ الشِّراءَ لهما، فلا يَلْزَمُه قَبُولُ رَدِّ بَعْضِه؛ لأنّ ظاهِرَ الحالِ أن العَقْدَ لمَن وَلِيَه، فلم يَجُزْ إدْخالُ الضَّرَرِ على البائِعِ بتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عليه.
ولو أرادَ الذي وَلِيَ العَقْدَ رَدَّ بعضِ المَبِيعِ وإمْساكَ البَعْضِ، كان 116 حُكْمُه حُكْمَ ما لو أرادَ شَرِيكُه ذلك، على ما فَصَّلْناه.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 14 - الصفحة: 82
فصلٌ: وَلَيسَ لِلْعَامِلِ شِرَاءُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ.
فَإِنْ فَعَلَ، صَحَّ، وَعَتَقَ، وَضَمِنَ ثَمَنَهُ.
وَعَنْهُ، يَضْمَنُ قِيمَتَهُ، عَلِمَ
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ الله عنه: (وليس للعامِلِ شِراءُ مَن يَعْتِقُ على رَبِّ المالِ) [بغيرِ إذْنِه] 117؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا، ولأنَّه لا حَظَّ للتِّجارةِ فيه.
فإنِ اشْتَراه بإذْنِ رَبِّ المالِ، صَحَّ؛ لأنَّه يَصِحُّ شِراؤه بنَفْسِه، فإذا أذِنَ لغيرِه فيه، جاز، ويَعْتِقُ عليه، وتَنْفَسِخُ المُضارَبَةُ في قَدْرِ ثَمَنِه، [لأنَّه قد تَلِف، ويُحْسَبُ على رَبِّ المالِ، فإن كان ثَمَنُه كلَّ المالِ، انْفَسَخَتِ المُضارَبَةُ] (1) وإن كان في المالِ رِبْح، رَجَع العامِلُ بحِصَّتِه منه، فإن كان بغيرِ إذْنِ رَبِّ المالِ، احْتَمَلَ أن لا يَصِح الشراءُ إذا كان الثَّمَنُ عَينًا؛ لأنَّ العامِلَ اشْتَرَى ما ليس له أن يَشْتَرِيَه، فهو كما لو اشْتَرَى شيئًا بأكثرَ مِن ثَمَنِه، ولأنَّ الإذْنَ في المُضارَبَةِ إنَّما يَنْصَرفُ إلى ما يُمْكِنُ بَيعُه والرِّبْحُ فيه، وليس هذا كذلك.
وإن كان اشْتَراه في الذِّمَّةِ، وَقَع الشِّراءُ للعاقِدِ، وليس له دَفْعُ الثَّمَنِ مِن مالِ المُضارَبَةِ، فإن فَعَل، ضَمِن.
وهذا قولُ الشافعيِّ وأكثرَ الفُقَهاءِ.
وقال القاضي: ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ صِحَّةُ
الجزء: 14 - الصفحة: 83
أوْ لَمْ يَعْلَمْ.
وَقَال أبو بَكْر: إِنْ لَمْ يَعْلَمْ، لَمْ يَضْمَنْ.
وَيَحْتَمِل ألا يَصِحَّ البَيع.
الشِّراءِ؛ لأنَّه مالٌ متَقَوَّم قابِل للعُقُودِ، نصَحَّ شِراؤه، كما لو اشْتَرَى مَن نَذَر رَبُّ المالِ عتْقَه، ويَعْتِق على رَبِّ المالِ، وتَنْفَسِخ المضارَبَةُ فيه، ويَلْزَمُ العامِلَ الضَّمانُ، على ظاهِرِ كَلامٍ أحمدَ، عَلِم بذلك أو جَهِل، لأنَّ مال المضارَبَةِ تَلِف بسَبَبِه، ولا فَرْق في 118 الإتْلافِ المُوجبِ للضّمانِ بينَ العِلْمِ والجَهْلِ.
ويَضْمَنُ قِيمَتَه في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ المِلْكَ ثَبَت فيه ثم تَلِف، أشْبَهَ ما لو أتْلَفَه بفِعْلِه.
والثّانِي، يَضْمَن الثمَنَ الذي اشْتَراه به، لأنَّ التفْرِيطَ منه حَصَل بالشِّراءِ وبَذْلِ الثَّمَنِ فيما يَتْلَفُ بالشِّراء، فكان عليه ضَمانُ ما فَرّطَ فيه.
ومتى ظَهَر في المالِ رِبْح، فللعامِلِ حِصته منه.
(وقال أبو بَكْر: إن لم يَعْلَمِ) العامِلُ أنَّه يَعْتِقُ على رَبِّ المالِ (لم يَضْمَنْ)
الجزء: 14 - الصفحة: 84
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّ التَّلَفَ حَصَل لمَعْنًى في المَبِيعِ 119 لم يَعْلَمْ به، فلم يَضْمَنْ، كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا لم يَعْلَمْ عَيبَه، فتَلِفَ به.
قال: ويَتَوَجَّهُ أن لا يَضْمَنَ، وإن
عَلِم.
الجزء: 14 - الصفحة: 85
وإنِ اشْتَرَى امْرَأتهُ، صَحَّ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهُ.
2079
- مسألة: (وإنِ اشْتَرَى امْرَأتَه، صَح، وانْفَسَخَ نكاحُهما) لأنَّه مَلَكَها، فإن كان قبْلَ الدُّخولِ، فهل يَلْزَمُ الزَّوْجَ نِصْف الصَّداقِ؟ فيه وَجْهان، يُذْكَران فيما بعدُ، إن شاء الله تعالى.
فإن قُلْنا: يَلْزَمُه.
رَجَع به على العامِلِ؛ لأنه سبَبُ تَقْرِيرِه عليه، فرَجَعَ عليه، كما لو أفْسَدَتِ امْرأة نِكاحَه بالرَّضَاعِ.
وإنِ اشْتَرَى زَوْجَ رَبَّةِ المالِ، صَحَّ، وانْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأنَّها مَلَكَتْ زَوْجَها.
وهذا قول أبي حنيفةَ.
وقال
الحديث: 2079 - الجزء: 14 - الصفحة: 86
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشافعي 120: لا يَصِح الشِّراءُ إلا أن يَكُونَ بإذْنِها؛ لأن الإذْن إنَّما يَتَناوَلُ شِراءَ مالها فيه حَظ، وهذا الشِّراءُ يَضُر بها؛ لأنَّه يَفْسَخُ نِكاحَها، ويُسْقِط حَقها 121 مِن النفَقَةِ والكُسْوَةِ، فلم يَصِحَّ، كشِراءِ ابنها 122. ولَنا، أنه اشْتَرَى ما يُمْكِنُ طَلَبُ الرِّبْحِ فيه، فجاز، كما لو اشْتَرَى أجْنَبِيًّا، ولا ضَمانَ على العامِلِ فيما يَفُوتُ مِن المَهْرِ ويَسْقُطُ مِن النَّفَقَةِ؛ لأنَّ ذلك لا يَعُودُ إلى المُضارَبَةِ، وإنَّما هو بسَبَب آخَرَ، ولا فَرْقَ بينَ شِرائِه في الذِّمةِ أو بعَينَ المالِ.
فصل: وإنِ اشْتَرَى المَأذُونُ له مَن يَعْتِقُ على رَبِّ المالِ بإذْنِه، صَحَّ وعَتَق.
فإن كان على المَأذُونِ له دَين يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه وما في يَدِه، وقلنا: يَتَعَلَّقُ الدَّينُ برَقَبَتِه.
فعليه دَفْعُ قِيمَةِ العَبْدِ الذي عَتَق إلى الغُرَماءِ؛ لأنَّه الذي أتْلَفَ عليهم بالعتْقِ.
وإن نَهاه عن الشِّراءِ، فالشِّراءُ باطِلٌ؛ لأنَّه يَمْلِكُه بالإذْنِ، وقد زال بالنَّهْي.
وإن أطْلَقَ الإذْنَ، فقال أبو الخَطّابِ: يَصِح شِراؤه؛ لأنَّ مَن يَصِحُّ أن يَشْتَرِيَه السَّيِّدُ، صَحَّ مِن 123 المَأذُونِ له، كالأجْنَبِيِّ.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ إذا أذِنَ له في التِّجارَةِ ولم يَدْفَعْ إليه مالًا.
وقال القاضي: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ فيه إتْلافًا على السَّيِّدِ، فإنَّ إذنه يَتَناوَلُ ما فيه حَظ، فلا يَدْخُلُ فيه الإِتْلافُ.
وفارَقَ عامِلَ
الجزء: 14 - الصفحة: 87
وَإنِ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ رِبْح، لَمْ يَعْتِقْ، وَإنْ ظَهَرَ رِبْحٌ، فَهَلْ يَعْتِقُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
المضارَبَةِ؛ لأنَّه يَضْمَنُ القِيمَةَ، فيَزُولُ الضَّرَرُ.
وللشافعيِّ قَوْلان كالوَجْهَين.
وإنِ اشترَى امْرأةَ رَبِّ المالِ، أو زَوْجَ رَبَّةِ المالِ، فهل يَصِحُّ؟ على وَجْهَين أيضًا، كَشِراءِ مَن يَعْتِقُ بالشراءِ.
2080 -
مسألة: (وإنِ اشْتَرى)
المُضارِبُ (مَن يَعْتِقُ) عليه، صَحَّ الشِّراءُ، فإن (لم يَظْهَرْ في المالِ رِبْح، لم يَعْتِقْ) منه شيء (وإن ظَهَر) فيه (رِبْحٌ) ففيه وَجْهان، مَبْنِيّان على العامِلِ متى يَمْلِكُ الرِّبْحَ؟ فإن قُلْنا: يَمْلِكُه بالقِسْمَةِ.
لم يَعْتِقْ منه شيء؛ لأنَّه [ما مَلَكَه] 124. وإن قُلْنا: يَمْلِكُه بالظُّهُورِ.
ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَعْتِقُ.
وهو قولُ أبي بكر؛ لأنَّه لم يتمَّ مِلْكُه عليه؛ لكَوْنِ الرِّبْحِ وقايةً لرَأسِ المالِ، فلم يَعْتِقْ؛ لذلك.
والثاني، يَعْتِقُ بقَدْرِ حِصَّتِه مِن الرِّبْحِ، إن كان مُعْسِرًا، ويُقَوَّمُ عليه باقِيه
الحديث: 2080 - الجزء: 14 - الصفحة: 88
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إن كان مُوسِرًا؛ لأنَّه 125 مَلَكَه بفِعْلِه، فعَتَقَ عليه، كما لو اشْتَراه بمالِه.
وهذا قولُ القاضِي، ومَذْهَبُ أصحابِ أبي حنيفةَ، لكنْ عِنْدَهم يسْتَسْعى في بَقِيَّته إن كان مُعْسِرًا.
ولَنا رِوايَة كقَوْلِهم.
وإنِ اشْتَراه ولم يَظْهَرْ رِبْحٌ، ثم ظَهَر بعدَ ذلك، والعَبْدُ باقٍ في التِّجارَةِ، فهو كما لو كان الربحُ ظاهِرًا وَقْتَ الشِّراءِ.
وقال الشافعيُّ: إنِ اشْتَراه بعدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ، لم يَصِحَّ؛ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى أن يُنْجزَ العامِلُ حَقَّه قبلَ رَبِّ المالِ.
ولَنا، أنَّهما شَرِيكان، فصَحَّ شِراءُ كلِّ واحِدٍ منهما مَن يَعْتِقُ عليه، كشَرِيكَيِ العِنانِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 89
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وليس للمُضارِبِ أن يَشْترِيَ بأكثر مِن رَأسِ المالِ؛ لأنَّ الإِذْنَ ما تَناوَلَ أكْثَرَ منه.
فإذا كان رَأسُ المالِ ألْفًا، فاشْتَرَى عَبْدًا بألْفٍ، ثم اشْتَرَى عَبْدًا آخَرَ بِعَينِ الألْفِ، فالشِّراءُ فاسِد؛ لأنَّه اشْتَرَى بمالٍ 126 تسْتَحَقُّ تَسْلِيمه في البَيعِ الأوَّلِ.
وإنِ اشْتَراه في ذِمَّتِه، صَحَّ الشِّراء، والعَبْد له؛ لأنَّه اشْتَرَى في ذِمَّتِه لغيرِه بغيرِ إذْنِه في شِرَائِه فوَقَعَ له 127. وهل يَقِفُ على إجازَةِ رَبِّ المالِ؟ على رِوايَتَين.
ومَذْهَب الشافعيِّ كنَحْو ما ذَكَرْنا.
فصل: وليس للمُضارِبِ وَطْءُ أمَةِ المُضارَبَةِ 128، سَواءٌ ظَهَر رِبْحٌ أو لا، فإن فَعَل، فعليه المَهْرُ والتَّعْزِيرُ.
وإن عَلِقَتْ منه ولم يَظْهَرْ في المالِ رِبْحٌ، فوَلَده رَقِيق؛ لأنَّها عَلِقَتْ منه في غيرِ مِلْكٍ، ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ، ولا تَصِير أمَّ وَلَدٍ له؛ لذلك.
وإن ظَهَر في المالِ رِبْح، فالوَلَدُ حُرٌّ، وتَصِيرُ أمَّ وَلَدٍ له، وعليه قِيمَتُها.
ونحوَ ذلك قال سفيان،
الجزء: 14 - الصفحة: 90
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإسْحاقُ.
وقال القاضي: إن لم يَظْهَرْ رِبْحٌ، فعليه الحَدُّ؛ لأنه وَطِئ في غيرِ مِلْكٍ 129 ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ.
والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّ عليه التَّعْزِيرَ فقط؛ لأنَّ ظُهُورَ الرِّبْحِ يَنْبَنِي على التَّقْويمِ، وهو غيرُ مُتَحَقق، لاحْتِمالِ أنَّ السلع تُساوي أكْثَرَ مما قُوِّمَتْ به، فيَكُونُ ذلك شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ، فإنّه يُدْرَأ بالشُّبُهاتِ.
فصل: وليس لرَبِّ المالِ وَطْءُ الأمَةِ أيضًا؛ لأنَّه يَنْقُصُها إن كانت بِكْرًا، ويُعَرِّضُها للخُرُوجِ مِن المُضارَبَةِ والتَّلَفِ، فإذ فَعَل، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّها مِلْكُه، فإن أحْبَلَها، صارتْ أمَّ وَلَدٍ له، ووَلَدُه حُر؛ لذلك 130، وتَخْرُجُ مِن المُضارَبَةِ، وتُحْسَبُ قِيمَتُها، ويُضافُ إليها بَقِيَّةُ المالِ، فإن كان فيه رِبْح فلِلعامِلِ حِصَّتُه منه.
وليس لواحِدٍ منهما تَزْويجُ الأمَةِ؛ لأنه يَنْقُصُها، ولا مُكاتَبَةُ العَبْدِ كذلك 131. فإنِ اتَّفَقا عليه جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لهما.
فصل: وليس للمُضارِبِ دَفْعُ المالِ مُضارَبةً بغيرِ إذْنٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، وحَرْب، وعبدِ اللهِ.
وخَرَّجَ القاضي وَجْهًا 132 في جَوازِ ذلك، بِناءً على تَوْكِيلِ الوَكِيلِ.
ولا يَصِحُّ هذا التَّخْرِيجُ والقِياسُ؛ لأنَّه إنَّما دَفَع إليه المال ههُنا ليُضارِابَ به، ودَفْعُه إلى غيرِه مُضارَبَةً يُخْرِجُه
الجزء: 14 - الصفحة: 91
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن كَوْنِه مُضارِبًا له، بخِلافِ الوَكِيلِ.
ولأنَّ هذا يُوجِبُ في المالِ حَقًّا لغيرِه، ولا يَجُوزُ إيجابُ حَقٍّ في مالِ إنْسانٍ بغيرِ إذْنِه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعي.
ولا يُعْلَمُ عن غيرِهم خِلافُهم.
فإن فَعَل فلمْ يَتْلَفِ المالُ ولا ظَهَر فيه رِبْحٌ، رَدَّه إلى مالِكِه، ولا شيءَ له ولا عليه.
وإن تَلِف أو رَبِح فيه، فقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر: هو في الضَّمانِ والتّصَرُّفِ كالغاصِبِ، ولرَبِّ المال مُطالبةُ مَن شاء منهما برَدِّ المالِ إن كان باقِيًا، وبِرَدِّ بَدَلِه إن تَلِف أو تَعَذَّرَ رَدُّه، فإن طالب الأوَّلَ وضَمَّنَه قِيمَةَ التّالِفِ، ولم يكنِ الثّانِي عَلِم الحال، لم يَرْجِعْ عليه بشيءٍ؛ لأَنه دَفَعَه إليه على وَجْهِ الأمانَةِ.
وإن عَلِم، رَجَع عليه؛ لأنَّه قَبَض مال غيرِه على سَبِيلِ العُدْوانِ، وقد تَلِف تحتَ يَدِه، فاستقَرَّ عليه ضَمانُه.
وإن ضَمَّنَ الثّانِيَ مع عِلْمِه بالحالِ، لم يَرْجِعْ على الأوَّلِ.
وإن لم يَعْلَمْ، فكذلك في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَل في يده، فاستقَرَّ الضَّمانُ عليه.
والثّانِي، يَرْجِعُ عليه؛ لأنَّه غَرَّه، أشْبَهَ المَغْرُورَ بحُرِّيَّةِ أمَةٍ.
وإن رَبِح، فالرِّبْحُ للمالِكِ، ولا شيءَ للمُضارِبِ الأوَّلِ، لأَنَّه لم يُوجَدْ منه مال ولا عَمَل.
وهل للثّانِي أجْرَةُ مِثْلِه؟ على رِوايَتَين، إحْداهما، له ذلك، لأنَّه عَمِل في مالِ غيرِه بعِوَض لم يُسَلَّمْ له، فكان له أجْرُ مِثْلِه، كالمُضارَبَةِ الفاسِدَةِ.
والثّانِيَةُ، لا شيءَ له، لأنَّه عَمِل في مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه 133، أشْبَهَ الغاصِبَ.
وفارَقَ المُضارَبَةَ؛ لأنَّه عَمِل في مالِه بإذْنِه.
وسواء اشْتَرَى بِعَينِ المالِ أو في الذِّمَّةِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 92
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويَحْتَمِلُ أنَّه إنِ اشْتَرَى في الذِّمَّةِ يَكُونُ الربْحُ له؛ لأنَّه رَبِح فيما اشْتَراه في ذِمَّتِه مِمّا لم يَقَعِ الشِّراءُ فيه لغيرِه، فأشْبَهَ ما لو لم 134 يَنْقُدِ الثَّمَنَ مِن مالِ المُضارَبَةِ.
قال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر: هذا قولُ أكثرَهم.
يَعْنِي قولَ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان عالِمًا بالحالِ فلا شيءَ للعامِلِ، كالغاصِبِ، وإن جَهِل الحال، فله أجْرُ مِثْلِه، يَرْجِعُ به على المُضارِبِ 135 الأوَّلِ؛ لأنَّه غَرَّه واسْتَعْمَلَه بعِوَض لم يُسَلمْ له، فكان أجْرُه عليه، كما لو استعْمَلَه في مالِ نَفْسِه.
وقال القاضي: إنِ اشْتَرَى بعَين المالِ، فالشِّراءُ باطِل، وإنِ اشْتَرَى في الذِّمَّةِ ثم نَقَد المال، وكان قد شَرَطَ رَبُّ المالِ للمُضارِب النصْفَ، فدَفَعَه المُضارِبُ إلى آخَرَ على أنَّ لرَبِّ المالِ النِّصْفَ والنِّصْفَ الآخَرَ بينَهما، فهو على ما اتَّفَقُوا عليه؛ لأنَّ رَبَّ المالِ رَضِيَ بنِصْفِ الرِّبْحِ، فلا يَدْفَعُ [إليه أكْثَرَ منه، والعامِلان على ما اتَّفَقا عليه.
وهذا قولُ الشافعيِّ في القَدِيمِ.
وليس هذا موافقًا لأصُولِ المَذْهَبِ] 136، ولا لنَصِّ أحمدَ؛ فإنَّ أحمدَ قال: لا يَطِيبُ الرِّبْحُ للمُضارِبِ.
ولأنَّ المضارِبَ الأوَّلَ ليس له عَمَل ولا ما لم، ولا يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ في المُضارَبَةِ إلَّا بواحِدٍ منهما، والثّانِيَ عَمِل في مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه ولا شَرْطِه، فلم يَسْتَحِقَّ ما شَرَطَه له غيرُه، كما لو دَفَعَه 137 إليه الغاصِبُ
الجزء: 14 - الصفحة: 93
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُضارَبَةً، ولأنَّه إذا 138 لم يَسْتَحِق ما شَرَطَه له رَبُّ المالِ في المُضارَبَةِ الفاسِدَةِ، فما شَرَطَه له غيرُه بغيرِ إذْنِه أوْلَى.
فصل: فإن أذِنَ رَبُّ المالِ في ذلك، جاز.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
ويَكُونُ المُضارِبُ الأوَّلُ وَكِيلَ رَبِّ المالِ في ذلك.
فإذا دَفَعَه إلى آخَرَ ولم يَشرُطْ لنَفْسِه شيئًا مِن الرِّبْحِ، كان صَحِيحًا.
وإن شَرَط لنَفْسِه شيئًا منه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه ليس مِن جِهَتِه ما لم ولا عَمَلٌ، والرِّبْحُ إنَّما يُسْتَحَقُّ بواحدٍ 139 منهما.
فإن قال: اعْمَلْ برأيِكَ -أو- بما أراكَ الله.
جاز له دَفْعُه مُضارَبَةً.
نَصَّ عليه؛ لأنَّه قد يَرَى أن يَدْفَعَه إلى أبصَرَ منه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ له ذلك؛ لأنَّ قَوْلَه: اعْمَلْ برأيِكَ.
يَعْنِي في كَيفِيَّةِ المُضارَبَةِ والبَيعِ والشراءِ وأنواعِ التِّجارَةِ، [وهذا] 140 يَخْرُجُ به عن المُضارَبَةِ، فلا يَتَناوَلُه إذنه.
فصل: وليس له أن يَخْلِطَ مال المُضارَبَةِ بمالِه، فإن فَعَل ولم يَتَمَيَّزْ، ضَمِنَه، لأنَّه أمانَة، فهو كالوَدِيعَةِ.
فإن قال له: اعْمَلْ برأيِكَ.
جاز ذلك.
وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرّأي.
وقال الشافعي: ليس له ذلك، وعليه الضَّمانُ إن فَعَلَه؛ لأن ذلك ليس مِن التِّجارَةِ.
ولَنا، أنَّه قد يَرَى الخَلْطَ أصْلَحَ له، فيَدْخُلُ في قَوْلِه: اعْمَلْ
الجزء: 14 - الصفحة: 94
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
برأيِكَ.
وهكذا القولُ في المُشارَكَةِ به، ليس له فِعْلُها، إلَّا أن يَقُولَ له: اعْملْ برَأيِكَ.
فيَمْلِكُها.
فصل: وليس له شِراءُ خَمْرٍ ولا خِنْزِير، سواء كانا مُسْلِمَينِ أو كان أحَدُهما مُسْلِمًا، فإن فَعَل، فعليه الضَّمانُ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان العامِلُ ذِمِّيًّا، صَحَّ شِراوه للخَمْرِ وبَيعُه إيّاها؛ لأنَّ المِلْكَ عندَه يَنْتَقِلُ إلى الوَكِيلِ، وحُقُوقُ العَقْدِ تَتعلَّقُ به.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَصِحُّ شِراؤه إيّاها، ولا يَصِحُّ بَيعُه؛ لأنَّه يَبِيعُ ما ليس بمِلْكٍ له ولا لمُوَكِّلِه 141. ولَنا، أنَّه إن كان العامِلُ مُسْلِمًا، فقد اشْتَرَى خَمْرًا، ولا يَصِحُّ أن يَشْتَرِيَ خَمْرًا ولا يَبِيعَه، وإن كان ذِمِّيًّا، فقد اشْتَرَى للمُسْلِم ما لا يَصِحُّ أن يَمْلِكَه ابْتِداءً، فلا يَصِحُّ، كما لو اشْتَرَى الخِنْزِيرَ، ولأن الخَمْرَ مُحَرَّمَة، فلم يَصِحَّ شِراؤها له 142، كالخِنْزِيرِ والمَيتَةِ، ولأنَّ ما لا يَجُوزُ بَيعُه لا يَجُوزُ شِراؤه، كالمَيتَةِ والدَّمِ.
وكلُّ ما جازَ في الشَّرِكَةِ جاز في المُضارَبَةِ، وما جازَ في المُضارَبةِ جاز في الشَّرِكةِ، وما مُنِعَ منه 143 في إحْداهما 144 مُنِعَ منه في الأخْرَى؛ لأنَّ المُضارَبَةَ شَرِكة 145، ومَبْنَى كلِّ واحِدٍ منهما على الوَكالة والأمانَةِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 95
وَلَيسَ لِلْمُضَارِبِ أنْ يُضَارِبَ لِآخَرَ، إذَا كَانَ فِيهِ ضَرَر عَلَى الأوَّلِ.
فَإن فَعَلَ، رَدَّ نَصِيبَهُ مِنَ الرِّبْحِ فِي شَرِكَةِ الأوَّلِ.
2081 - مسألة: (وليس للمُضارِبِ أن يُضارِبَ لآخَرَ، إذا كان فيه ضَرَر على الأوَّلِ. فإن فَعَل، رَدَّ نَصِيبَه من الرِّبْحِ في شَرِكَةِ الأوَّلِ)
وجُملةُ ذلك، أنَّه إذا أخَذَ مِن إنْسانٍ مُضارَبَةً، ثم أرادَ أخْذَ مُضارَبَة مِن آخَرَ بإذْنِ الأوَّلِ، جاز.
وكذلك إن لم يَأذَنْ ولم يَكُنْ عليه ضَرَر، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
فإن كان فيه ضَرَر على الأوَّلِ، ولم يَأذَنْ، مِثلَ أن يَكُونَ المال الثانِي كَثِيرًا يَسْتَوْعِبُ زَمانَه فيَشْغَلُه عن التِّجارَةِ في الأوَّلِ، أو يَكُونَ المالُ الأوَّلُ كثيرًا متى اشْتَغَلَ عنه بغيرِه انْقَطَعَ عن بعضِ تَصَرُّفاتِه، لم يَجُزْ ذلك.
وقال أكْثَرُ الفُقَهاءِ: يَجُوزُ؛ لأنَّه عَقْد لا يَمْلِكُ به مَنافِعَه كُلَّها، فلم يَمْنَعْ مِن المُضارَبَةِ، كما لو لم يَكُنْ فيه ضَرَر، وكالأجِيرِ المُشْتَرَكِ.
ولَنا، أنَّ المُضارَبَةَ على الحَظِّ والنَّماءِ، فإذا فَعَل ما يَمْنَعُه، لم يَجُزْ له، كما لو أرادَ التَّصَرُّفَ بالعَينِ، وفارَقَ ما لا ضَرَرَ فيه.
فعلى هذا، إن فَعَل ورَبِح، رَدَّ الرِّبْحَ في شَرِكَةِ الأوَّلِ، ويَقْسِمانِه، فيَنْظُرُ ما رَبِح في المُضارَبَةِ
الحديث: 2081 - الجزء: 14 - الصفحة: 96
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثّانِيَةِ، فيَدْفَعُ إلى رَبِّ المالِ منه 146 نَصِيبَه، ويَأخُذُ المُضارِبُ نَصِيبَه مِن الرِّبْحِ فيَضُمُّه إلى رِبْحِ المُضارَبَةِ الأولَى، ويُقاسِمُه لرَبِّ المُضارَبَةِ الأولَى؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ حِصَّتَه مِن الرِّبْحِ بالمَنْفَعَةِ التي استُحِقَّتْ بالعَقْدِ الأوَّلِ، فكان بينَهما، كَرِبْحِ المالِ الأولِ.
فأمّا حِصَّةُ رَبِّ المالِ الثّانِي مِن الرِّبْحِ فتُدْفَعُ إليه؛ لأنَّ العُدْوانَ مِن المُضارِبِ لا يُسْقِطُ حَقَّ رَبِّ المالِ الثّانِي، ولأنّا لو رَدَدْنا رِبْحَ الثانِي كلَّه في الشَّرِكَةِ الأولَى، لاخْتَصَّ الضَّرَرُ برَبِّ المالِ الثّانِي، ولم يَلحَقِ المُضارِبَ شيءٌ مِن الضَّرَرِ، والعُدْوانُ منه، بل رُبَّما انْتَفَعَ إذا كان قد شَرَط الأوَّلُ النِّصْفَ والثّانِي الثُّلُثَ، ولأنَّه لا يَخْلُو؛ إمّا أن يُحْكَمَ بفَسادِ المُضارَبَةِ الثّانِيَةِ، أو بصِحَّتِها، فإن كانت فاسِدَةً، فالرِّبْحُ كُله لرَبِّ المالِ، وللمُضارِبِ أجْرُ مِثْلِه، وإن حَكَمْنا بصِحَّتِها، وَجَب صَرْفُ حِصَّةِ رَبِّ المالِ إليه بمُقْتَضى العَقْدِ ومُوجِبِ الشَّرْطِ.
قال شيخُنا 147: والنَّظَرُ يَقْتَضِي أن لا يَسْتَحِق
الجزء: 14 - الصفحة: 97
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَبُّ المُضارَبَةِ الأولَى مِن رِبْحِ الثَّانِيَةِ شيئًا؛ لأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ بمالٍ أو عَمَل، ولم يُوجَدْ واحِد منهما، وتَعَدِّي المُضارِبِ إنَّما هو بتَرْكِ العَمَل واشْتِغالِه عن المالِ الأوَّلِ، وذلك لا يُوجِبُ عِوَضًا، كما لو اشْتَغَلَ بالعَمَلِ في مالِ نَفْسِه، أو آجَرَ نفْسَه، أو تَرَك التِّجارَةَ للَعِبٍ أو اشْتِغالٍ بعِلْم أو غيرِ ذلك.
ولأنه لو أوْجَبَ عِوَضًا لأوْجَبَ شيئًا مُقَدَّرًا لا يَخْتَلِفُ ولا يَتَقَدَّرُ برِبْحِه 148 في الثّانِي.
والله أعلمُ.
الجزء: 14 - الصفحة: 98
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن دَفع إليه مُضارَبَةً واشْتَرَطَ النَّفَقَةَ، لم يَجُزْ أن يَأخُذَ لغيرِه بِضاعَة ولا مُضارَبَة وإن لم يَكُنْ على الأوَّلِ ضَرَرٌ؛ لقول أحمدَ: إذا اشْتَرَطَ النَّفَقَةَ صَار أجِيرًا له، فلا يَأخُذُ مِن أحَدٍ بِضاعةً، فإنَّها تَشْغَلُه عن المالِ الذي يُضارِبُ به.
قِيلَ له: وإن كانت لا تشْغَلُه؟ قال: ما يُعْجِبُنِي إلَّا أن يَكُونَ بإذْنِ صاحِبِ المُضارَبَةِ، فإَّنه لا بدَّ مِن شُغْل.
قال شيخُنا 149: هذا والله أعْلَمُ، على سَبِيلِ الاسْتِحْباب، وإن فَعَل فلا شيءَ عليه، لأنَّه لا ضَرَرَ على رَبِّ المُضارَبَةِ فيه.
وإن أخذَ مِن رَجُل مُضارَبَةً، ثم أخَذَ مِن آخَرَ بِضاعَةً، أو عَمِل في مالِ نَفْسِه واتَّجَرَ فيه، فرِبْحُه في مالِ البِضاعَةِ لصاحِبِها، وفي مالِ نَفْسِه له.
الجزء: 14 - الصفحة: 99
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا أخَذَ مِن رَجُلٍ مائةً قِراضًا، ثم أخَذَ من آخَرَ مِثْلَها، فاشْتَرَى بكلِّ مائَة عبدًا، فاخْتَلَطَ العَبْدان ولم يَتَمَيَّزا، اصْطَلَحا عليهما، كما لو كانت لِرَجُلٍ 150 حِنْطَةٌ فانْثالتْ عليها أخْرَى.
وذَكَر القاضي في ذلك وَجْهَين؛ أحَدُهما، يَكُونان شَرِيكَين فيهما، كما لو اشْتَرَكا في عَقْدِ البَيعِ، فيُباعان، ويُقَسَّمُ 151 بينَهما، فإن كان فيهما رِبْحٌ، دَفَع إلى العامِل حِصَّتَه والباقِي 152 بينَهما نِصْفَين.
والثّانِي، يَكُونان للعامِلِ، وعليه أداءُ رَأسِ المالِ، والرِّبْحُ له والخُسْرانُ عليه.
وللِشافعيِّ قَوْلان كالوَجْهَين.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنّ مِلْكَ كلِّ واحِدٍ منهما ثابِتٌ في أحَدِ العَبْدَين، فلا يَزُولُ بالاشْتِباهِ عن جَمِيعِه ولا عن بَعْضِه بغيرِ رِضاه، كما لو لم يَكُونا في يَدِ المُضارِبِ، ولأنَّنا لو جَعَلْناهُما للمُضارِبِ، أدَّى إلى أن يَكُونَ تَفْرِيطُه سَبَبًا لانْفِرادِه بالرِّبْحِ وحِرْمانِ المُتَعَدَّى عليه، وعَكْسُ ذلك أوْلَى، وإن جَعَلْناهُما شَرِيكَين أدَّى إلى أن يَأخُذَ أحَدُهما رِبْحَ مالِ الآخَرِ بغيرِ رِضاه، وليس له مالٌ ولا عَمَل.
فصل: إذا تَعَدَّى المُضارِبُ بفِعْلِ ما ليس له فِعْلُه، فهو ضامِنٌ للمالِ، في قولِ أكْثَرِ أهْلَ العِلْمَ.
رُوِيَ ذلك عن أبِي هُرَيرَةَ، وحَكِيمَ بنَ حِزام، وأبي قِلَابَةَ، ونافِع، وإياس، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والحَكَمِ 153،
الجزء: 14 - الصفحة: 100
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحَمّادٍ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي.
وعن علي، رَضِيَ اللهُ عنه: لا ضَمانَ على مَن شُورِكَ في الرِّبْحِ.
ورُوِيَ مَعْنَى ذلك عن الحَسَن، والزُّهْرِيِّ.
ولَنا، أنَّه مُتَصَرِّفٌ في مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلَزِمَه الضَّمان، كالغاصِبِ، ولا نَقُولُ بمُشارَكَتِه في الرِّبْحِ، فلا يَتَناوَلُه قولُ علي، رَضِيَ اللهُ عنه.
ومتى اشْتَرَى ما لم يُؤذَنْ فيه، فرَبِح فيه، فالرِّبْحُ لرَبِّ المالِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال أبو قِلَابَةَ، ونافِعٌ.
وعن أحمدَ، أنهما يَتَصَدَّقان بالرِّبْحِ 154. وبه قال الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والحَكَمُ، وحَمّاد.
قال القاضي: قولُ أحمدَ: يَتَصَدَّقان بالرِّبْحَ.
على سبِيلِ الوَرَعِ، وهو لرَبِّ المَالِ في القَضاءِ.
وهذا قولُ الأوْزاعِيِّ.
وقال إيَاسُ بنُ مُعاويَةَ، ومالك: الرِّبْحُ على ما شَرَطاهُ؛ [لأنَّه نَوْعُ نَقْدٍ، فلا يَمْنَعُ كَوْنَ الرِّبْحِ بينَهما على ما شرَطاه] 155، كما لو لَبِس الثَّوْبَ، ورَكِب دابَّةً ليس له رُكُوبُها.
وقال القاضي: إنِ اشْتَرَى في الذِّمَّةِ ثم نَقَدَ المال، فالرِّبْحُ لرَبِّ المالِ.
وإنِ اشْتَرَى بعَينِ المالِ، فالشِّراءُ باطِل في إحْدَى الرِّوايَتَين.
والأخْرَى، هو مَوْقُوفٌ على إجازَةِ المالِكِ 156، فإن أجازَه، صَحَّ، وإلَّا بَطَلَ.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَم.
وقال أبو بكر: لم يَرْو أنَّه يتَصَدَّقُ بالرِّبْح إلَّا حَنْبَلٌ.
واحْتَجَّ أحمدُ بحدِيثِ عُرْوَةَ البارِقِيِّ، وهو ما روَى [أبو لَبِيدٍ] 157، عن عُرْوَةَ بنِ الجَعْدِ، قال: عَرَض للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - جَلَبٌ،
الجزء: 14 - الصفحة: 101
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأعْطانِي دِينارًا، فقال: «يا 158 عُرْوَةُ، ائْتِ الجَلَبَ، فاشْتَرِ لَنَا شَاةً».
فأتَيتُ الجَلَبَ فساوَمْتُ صاحِبَه، فاشْتَرَيتُ شاتَين بدِينار، فجِئْتُ أسُوقُهُما -أو أقُودُهما- فلَقِيَني رجل بالطَّرِيقِ، فساوَمَنِي، فبعْتُ منه شاةً بدِينارٍ، فجِئْتُ بالدِّينار وبالشّاةِ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، هذا دِينارُكُم، وهذه شاتُكُم.
قال: «وكَيفَ صَنَعْتَ؟».
فحَدَّثْتُه الحَدِيثَ، فقال: «اللَّهُمَّ بَارِكْ له في صَفْقَةِ يَمِينهِ».
رَواه الأثْرَمُ 159. ولأنَّه نَمَاءُ مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِ مالِكِه فكان لمَالِكِه، كما لو غَصَب حِنْطَةً فزَرَعَها.
فأمّا المُضارِبُ، فَفِيه رِوَايتَانِ؛ إحْداهما، لا شيءَ له؛ لأَنه عَقَد عَقْدًا لم يُؤذَنْ له فيه، فلم يَكُنْ له شيء، كالغاصِبِ.
وهذا اخْتِيارُ أبي بَكْر.
والثّانِيَةُ، له أجْر؛ لأنَّ رَبَّ المالِ رَضِيَ بالبَيعِ وأخَذَ الرِّبْحَ، فاسْتَحَقَّ العامِلُ عِوَضًا، كما لو عَقَدَه بإذْنٍ 160. وفي قَدْرِ الأجْرِ رِوايتان؛ إحْداهُما، أجْرُ مِثْلِه ما لم يُحِطْ بالرِّبْحِ؛ لأنَّه عَمِل ما يَسْتَحِقُّ به العِوَضَ، ولم يُسَلَّمْ له المُسَمَّى، فكان له أجْرُ مِثْلِه، كالمُضارَبَةِ الفاسِدَةِ.
والثّانِيَةُ، له الأقَل مِن المُسَمَّى أو أجْرِ المِثْلِ؛ لأنه إن كان المُسَمَّى أقَلَّ، فقد رَضِيَ به، فلم يَسْتَحِقَّ اكْثَرَ منه، وإن كان أجْرُ المِثْلِ أقَلَّ، فلم يَسْتَحِقَّ أكثر منه؛ لأَنه لم يَعْمَلْ ما أمِرَ به.
فإن قَصَد الشراءَ
الجزء: 14 - الصفحة: 102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لنَفْسِه، فلا أجْرَ له، رِوَايَةً واحِدَةً.
وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: إنِ اشْتَرَى في ذِمَّتِه ونَقَد المال، فلا أجْرَ له، رِوَايةً واحِدةً، وإنِ اشْتَرَى بعَينِ المالِ، فعلى رِوايَتَين.
فصل: وعلى العامِلِ أن يَتَوَلَّى بنَفْسِه كلَّ ما جَرَتِ العادَةُ أن يَتَولَّاه المُضارِبُ؛ مِن نَشْرِ الثَّوْبِ، وطَيِّه، وعَرْضِه على المُشْتَرِي، ومُساوَمَتِه، وعَقْدِ البَيعِ، وأخْذِ الثَّمَنِ، وانْتِقادِه 161، وشَدِّ الكِيسِ، وخَتْمِه، وإحْرازِه، ونحو ذلك.
ولا أجْرَ له عليه؛ لأنَّه استحَقَّ الرِّبْحَ في مُقابَلَتِه.
فَإنِ اسْتَأجَرَ مَن يَفْعَلُ ذلك، فالأجْرُ عليه خاصَّةً؛ لأن العَمَلَ عليه.
فأمّا ما لا يَليه في العادَةِ، كالنِّداءِ على المَتاعٍ، ونَقْلِه إلى الخانِ، فليس على العامِلِ عَمَلُه، وله أن يَكْتَرِيَ مَن يَعْمَلُه.
نصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ العَمَلَ في المُضارَبَةِ غيرُ مَشْرُوطٍ؛ لمَشَقَّةِ اشْتراطِه، فرُجِعَ فيه إلى العُرْفِ.
فإن فَعَل العامِلُ ما لا يَلْزَمُه مُتَبَرِّعًا، فلا أجْرَ له.
وإن فَعَلَه ليَأخُذَ عليه أجْرًا، فنَصَّ أحمدُ على أنَّه لا شيءَ له.
وخَرَّجَ أصحابُنا وَجْهًا، أن له الأجْرَ، بِناءً على الشَّرِيكِ إذا انْفَرَدَ بعَمَل لا يَلْزَمُه، هل له أجْر لذلك؟ على رِوايَتين.
وهذا مِثْلُه.
قال شيخُنا 162: والصَّحِيحُ أنَّه لا أجْرَ له في المَوْضِعَين؛ لأنَّه عَمِل في مالِ غيرِه عَمَلًا لم يُجْعَلْ له في مُقابَلَتِه شيء، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كالأجْنَبِيِّ.
الجزء: 14 - الصفحة: 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا غُصِبَ مالُ المُضارَبَةِ أو سُرِق، فهل للمُضارِبِ المُطالبَةُ به؟ على وَجْهين؛ أحدُهما، ليس له ذلك؛ لأنَّ المُضِارَبَةَ عَقْد على التِّجارَةِ، فلا يَدْخُلُ فيه الخُصُومَةُ.
والثّانِي، له ذلك؛ لأنه يَقْتَضِي حِفْظَ المالِ، ولا يَتمُّ ذلك إلا بالخُصُومَةِ والمُطالبَةِ، سِيَّما إذا كان غائِبًا عن رَبِّ المالِ، فإنَّه حينَئذٍ لا مُطالب 163 بِه إلَّا المُضارِبُ، فإن تَرَكَه ضاع.
فعلى هذا، إن تَرَك الخُصُومَةَ والطَّلَبَ به في هذه الحالِ، ضَمِن؛ لأنه ضَيَّعَه وفَرَّطَ فيه.
فأمّا إن كان رَبُّ المالِ حاضِرًا، وعَلِم الحال، فإنَّه لا يَلْزَمُ العامِلَ طَلبه، ولا يَضْمَنُه إذا تَرَكَه؛ لأنَّ رَبَّ المالِ أوْلَى بذلك مِن وَكِيله.
فصل: وإذا اشْتَرَى المُضارِبُ عَبْدًا، فقَتَلَه عَبْد لغَيرِه، ولم يَكُنْ ظَهَر في المالِ رِبْح، فالأمْرُ لرَبِّ المالِ؛ إن شاء اقْتَصَّ، وإن شاء عَفَا على غيرِ مالٍ، وتَبْطُلُ المُضارَبَةُ فيه؛ لذَهاب رَأسِ المالِ.
وإن شاء عَفَا على مالٍ، فإن عَفَا على مِثْلِ رَأسِ المالِ أو أقَلَّ أَو أكثرَ، فالمُضارَبَةُ بحالِها، والرِّبْحُ بينَهما على ما شَرَطَاه؛ لأنَّه وُجِد بَدَل عن رَأسِ المالِ، فهو كما لو وَجَد بَدَلَه بالبَيعِ، وإن كان في العَبْدِ رِبْح، فالقِصَاصُ إليهما، والمُصالحَةُ كذلك؛ لكَوْنِهما شَرِيكَين فيه.
والحُكْمُ في انْفِساخِ المُضارَبَةِ وبَقائِها على ما تَقَدّمَ.
الجزء: 14 - الصفحة: 104
وَلَيسَ لِرَبِّ الْمَالِ أن يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ شَيئًا لِنَفْسِهِ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ.
وَكَذَلِكَ شِرَاءُ السَّيِّدِ مِن عَبْدِهِ الْمَأذُونِ.
2082 - مسألة: (وليس لرَبِّ المالِ أن يَشْتَرِيَ مِن مالِ المُضارَبَةِ شيئًا لنَفْسِه. وعنه، يَجُوزُ)
إذا اشْتَرَى رَبُّ المالِ مِن مالِ المُضارَبَةِ شيئًا لنَفْسِه، لم يَصِحَّ، في إحْدَى الرِّوايَتَين.
وهو قولُ الشافعيِّ.
ويَصِحُّ في الأخْرَى.
وبه قال مالك، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّه قد [تَعَلَّق به] (1) حَقُّ المُضارِبِ، فجاز شِراؤه، كما لو اشْتَرَى مِن مُكاتَبه.
ولَنا، أنَّه مَلَكَه، فلم يَصِحَّ شِراؤه له، كَشِرائِه مِن وَكِيله، وفارَقَ المُكاتَبَ، فإن السَّيِّدَ لا يَمْلِكُ ما في يَدِه، ولا تَجِبُ زَكاتُه عليه، وله أخْذُ ما فيه شُفْعة منه.
2083 -
مسألة: (وكذلك شِراءُ السَّيِّدِ مِن عَبْدِه المَأذُونِ)
لما164
الحديث: 2082 - الجزء: 14 - الصفحة: 105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذَكَرْنا، ويَحْتَمِلُ أن يَصِح إذا اسْتَغْرَقَتْه الديونُ؛ لأنَّ الغُرَماءَ يَأخذُون ما في يَدِه، ولأنَّ الدَّينَ إذا تَعَلَّقَ برَقَبَتِه، صار مُسْتَحَقا للغُرَماءِ، فصَحَّ شِرَاءُ السَّيِّدِ منه، كبَقِيَّةِ الغُرَماءِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأن مِلْكَ السَّيِّدِ لم يَزُلْ عنه وإن تَعَلَّقَ حَقُّ الغُرَماءِ به، كالعَبْدِ الجانِي.
فصل: وإنِ اشْتَرَى المُضارِبُ مِن مالِ المُضارَبَةِ لنَفْسِه، ولم يَظْهَرْ رِبْح، صَحَّ.
نَص عليه أحمدُ.
وبه قال مالك، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسْحاقُ.
وحُكِيَ ذلك عن أبي حنيفةَ.
وقال أبو ثَوْرٍ: البَيعُ باطِل؟ لأنَّه شَرِيك.
ولَنا، أنَّه مِلْك لغيرِه، فصَحَّ شِراؤه له، كَشِراءِ الوَكِيلِ مِن مُوَكِّلِه، وإنَّما يَكُونُ شَرِيكًا إذا ظَهَر الرِّبْحُ؛ لأنَّه إنَّما يُشارِكُ 165 في الرِّبْحِ دُونَ أصْلِ المالِ، فإن ظَهَر رِبْحٌ، فشِراؤه كَشِراءِ أحَدِ الشَّرِيكَين مِن شَرِيكِه.
الجزء: 14 - الصفحة: 106
وإنِ اشْترَى أحَدُ الشَّرِيكَينِ نَصِيبَ شَرِيكِهِ، صَح.
وإنِ اشْتَرَى الْجَمِيعَ، بَطَلَ فِي نَصِيبِهِ، وَفِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَجْهَانِ.
وَيَتَخَرجُ أنْ يَصِحَّ فِي الْجَمِيعِ.
2084 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى أحَدُ الشَّريكَين نَصِيبَ شَرِيكِه، صَحَّ)
لأَنه يَشْتَري مِلْكَ غيرِه.
قال أحمدُ، في الشَّرِيكَينِ في الطعامِ يُرِيدُ أحَدُهما بَيعَ حِصتِه مِن صاحِبِه: إن لم يَكُونا يَعْلَمان كَيلَه، فلا بَأسَ، وإن عَلِما كَيلَه، فلا بُدَّ مِن كَيله.
يَعْنِي أنَّ مَن عَلِم مَبْلَغ شيءٍ لم يبعْه صُبْرَة، وإن باعَه إيّاه بالكَيلِ والوَزْنِ، جاز.
2085 -
مسألة: (وإنِ اشْتَرَى الجَمِيعَ، بَطَل في نَصِيبِه)
لأَنه مَلَكَه.
وهل يَصِحُّ في حِصَّةِ شَرِيكِه؟ على وَجْهَين، بِناءً على تَفرِيقِ الصَّفْقَةِ (ويَتَخَرَّجُ أن يَصِحَّ في الجَمِيعِ) بِناءً على صِحَّةِ شِراءِ رَبِّ المالِ مِن مالِ المُضارَبَةِ.
الحديث: 2084 - الجزء: 14 - الصفحة: 107
وَلَيسَ لِلْمُضَارِبِ نَفَقَةٌ إلا بِشَرْطٍ، فَإِنْ شَرَطَهَا لَهُ، وَأطلَقَ،
فصل: ولو اسْتَأجَرَ (1) أحدُ الشَّرِيكَينِ مِن صاحِبِه دارًا، ليَحْرُزَ فيها مال الشَّرِكةِ أو غَرائِرَ، جاز.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ صالِح.
وإنِ اسْتَأجَرَه لنَقْلِ الطَّعامِ، أو غُلامِه، أو دابَّتِه، جاز؟ لأنَّ ما [جاز أن يَسْتَأجِرَ له غيرَ الحيوانِ] (2)، جاز أن يَسْتَأجرَ له الحَيَوانَ، كَمالِ الأجْنَبِيِّ.
وفيه رِواية أخرى، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ هذا لا تَجِبُ الأجْرَةُ فيه إلَّا بالعَمَلِ، ولا يُمْكِنُ إيفاءُ العَمَلِ في المُشْتَرَكِ؛ لأنَّ نَصِيبَ المُسْتَأجِرِ غيرُ مُتَمَيِّز مِن نَصِيبِ المُؤجِرِ، فإذًا لا تَجِبُ الأجْرَةُ، والدّارُ والغرائِرُ لا يُعْتَبَرُ فيها إيقاعُ العَمَلِ، إنَّما يَجِبُ بوَضْعِ العَينِ في الدّارِ، فيُمْكِنُ تَسْلِيمُ المَعْقُودِ عليه.
2086 -
مسألة: (وليس للمُضارِبِ نَفَقَة إلَّا بِشَرْطٍ)
سواء كانت تِجارَتُه في الحَضَرِ أو السَّفَرِ.
وبهذا قال ابنُ سِيرِينَ، وحَمّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ.
وقال الحسنُ، والنَّخعِي، والأوْزاعِيُّ، ومالك، وإسحاقُ، وأبو ثَوْر، وأصحابُ الرَّأي: يُنْفِقُ مِن المالِ بالمَعْرُوفِ 168 إذا شَخَص به عن البَلَدِ؛ لأنَّ سَفَرَه لأجْلِ المالِ،166167
الحديث: 2086 - الجزء: 14 - الصفحة: 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فكانت نَفَقَتُه فيه، كأجْرِ الحَمّالِ.
ولَنا، أنَّ نَفَقَتَه تَخُصُّه، فكانت عليه، كنَفَقَةِ الحَضَرِ، وأجْرِ الطيبِ، [وثَمَنِ الطِّيبِ] 169؛ لأنَّه دَخَل على أنه لا يَسْتَحِقُّ مِن الرِّبْحِ إلَّا الجُزْءَ المُسَمَّى، فلا يَكُونُ له غيرُه، ولأنَّه لو اسْتَحَقَّ النَّققَةَ، أفْضَى إلى أن يَخْتَصَّ بالرِّبْحِ إذا لم يَرْبَحْ سِوَى النَّفَقَةِ.
فأمّا إن شَرَط له النَّفَقَةَ، صَح، وله ذلك؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «المُؤمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» 170. فإن قَدَّرَ له ذلك فحَسَن؛ لأنَّ فيه قَطْعَ المُنازَعَةِ وزَوال الاخْتِلافِ.
[قال أحمد في رِوايةِ الأثْرَم: أحَبُّ إليَّ أن يَشْتَرِطَ نَفَقَة مَحْدُودَةً] 171، وله ما قَدّرَ له مِن مَأكُول ومَلْبُوَس ومَرْكوبٍ وغيرِه، وإن أطْلَقَ، صَح.
نَص عليه.
وله نَفَقَتُه مِن المأكُولِ خاصَّة، [ولا كُسْوَةَ] (3) له.
قال أحمدُ: إذا قال: له نَفَقَتُه.
فإنَّه يُنْفِقُ.
قِيلَ له: فيَكْتَسِي؟ قال: لا، إنما له النَّفَقَةُ.
فإن كان سَفَرُه طَويلًا يَحتاج إلى تَجْديدِ كُسْوَةٍ، فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ جَوازُها؛ لأنَّه قِيلَ له: فلم يَشتَرِطِ الكُسْوَةَ، إلَّا أنَّه في بَلَدٍ بعيدٍ، وله مُقام طَويل يَحتاجُ فيه إلى الكُسْوَةِ؟ فقال: إذا أذِنَ له في النفَقَةِ، فَعَل ما لم يَحْمِلْ على مالِ الرَّجُلِ، ولم يكنْ ذلك قَصْدهَ.
هذا مَعْناه.
وقال القاضي، وأبو الخَطّابِ: إذا شَرَطَ له
الجزء: 14 - الصفحة: 109
فَلَهُ جَمِيعُ نَفَقَتِهِ؛ مِنْ مَأكُول وَمَلْبُوس بِالْمَعْرُوفِ.
النَّفَقَةَ (فله جَمِيعُ نَفَقَتِه؛ مِن مَأكُولٍ ومَلْبُوس بالمَعْرُوفِ) وقال أحمدُ: يُنْفِقُ على مَعْنَى ما كان يُنْفِقُ على نَفْسِه غيرَ مُتَعَدٍّ بالنَّفَقَةِ ولا مُضِر بالمالِ.
ولم يَذْهَبْ أحمدُ إلى تَقْدِيرِ النَّفَقَةِ؛ لأن الأسْعارَ تَخْتَلِفُ، وقد تَقِلُّ وقد تكثُرُ.
الجزء: 14 - الصفحة: 110
فَإن اخْتَلَفَا، رُجِعَ فِي الْقُوتِ إلى الإطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَفِي الْمَلْبُوسِ إلَى أقَلِّ مَلْبُوسِ مِثْلِهِ.
2087 - مسألة: (فإنِ اخْتَلَفَا)
في قَدْرِ النَّفَقَةِ، فقال أبو الخَطّابِ: يَرْجِعُ في القُوتِ إلى الإطْعامِ في الكَفّارةِ، وفي الملبوسِ إلى أقلِّ مَلْبوسِ مِثْلِه.
[وهذا الذي ذَكَرَه شيخُنا في الكتابِ المَشْرُوحِ] 172، لأنَّه العادَةُ، فيَنْصَرِفُ الإطْلاقُ إليه، كما انْصَرفَ إليه في الإطْعامِ في الكَفّارةِ.
فإن كان معه مالٌ لنَفْسِه، أو مُضارَبة أخْرَى، أو بِضاعَة لآخَرَ، فالنَّفَقَةُ على قَدْرِ المالينِ؛ لأنها لأجْلِ السَّفَرِ، والسَّافَرُ للمالين، فيَجِبُ أن تَكُونَ النَّفَقَةُ مَقْسُومَةً على قَدْرِهما، إلَّا أن يَكُونَ رَبُّ المالِ قد شَرَط له النَّفَقَةَ مِن مالِه مع 173 عِلْمِه بذلك.
ولو أذِنَ له في السَّفر إلى مَوْضعٍ مُعَيَّن أو غيرِ مُعَيَّن، ثم لَقِيَه رَبُّ المالِ في السَّفَرِ في ذلك المَوْضعِ أو في غيرِه 174 وقد نَضَّ المالُ، فأخَذَ ماله، فطالبَه العامِلُ بنَفَقَةِ الرُّجُوعِ إلى بَلَدِه، لم يَكُنْ
الحديث: 2087 - الجزء: 14 - الصفحة: 111
وإنْ أذِنَ لَهُ فِي التَّسَرِّي، فَاشْتَرَى جَارِيَةً، مَلَكَهَا، وَصَارَ ثَمَنُهَا قَرْضًا.
نَصَّ عَلَيهِ.
له ذلك؛ لأَنه إنَّما اسْتَحَقَّ النَّفَقَةَ ما داما في القِراضِ، وقد زال، فزالتِ النَّفَقَةُ، ولِذلك لو مات، لم يَجِبْ تَكْفِينُه.
وقِيلَ: له ذلك؛ لأنَّه كان شَرَط له نفقةَ ذَهابِه ورُجُوعِه، وغَرَّه بتَسْفِيرِه إلى المَوْضِعِ الذي أذِنَ (1) له فيه مُعْتَقِدًا أنَّه مُسْتَحِقٌّ للنفَقَةِ ذاهبًا وراجِعًا، فإذا قَطَع عنه النفَقَةَ، تَضَرَّرَ بذلك.
2088 -
مسألة: (فإن أذِنَ له في التسَري، فاشْتَرَى جارِيَةً، مَلَكَها، وصار ثَمَنُها قَرْضًا. نَصّ عليه)
أحمدُ؛ لأن البُضْعَ لا يُباحُ إلّا175
الحديث: 2088 - الجزء: 14 - الصفحة: 112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بمِلْكٍ أو نِكاح؛ لقَوْلِه سُبْحانَه: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ 176. ولم يُوجَدِ النِّكاحُ، فتَعَيَّنَ المِلْكُ، ويَخْرُجُ ثَمَنُها مِن المُضارَبَةِ، ويَكُونُ قَرْضًا في ذِمَّتِه؛ لِما ذَكَرْنا.
الجزء: 14 - الصفحة: 113
وَلَيسَ لِلْمُضَارِبِ رِبْحٌ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَأسَ الْمَالِ.
2089 - مسألة: (وليس للمُضارِبِ رِبْحٌ حتى يَسْتَوْفِيَ رَأسَ المالِ)
يَعْنِي أنه لا يَسْتَحِقُّ أخْذَ شيءٍ مِن الرِّبْحِ حتى يُسَلِّمَ رَأسَ المالِ إلى رَبِّه، ومتى كان في المالِ خُسْرانٌ ورِبْحٌ، جُبِرَتِ الوَضِيعة مِن الرِّبْحِ، سواءٌ كان الرِّبْحُ والخُسْرانُ في مَرّةٍ واحدةٍ، أو الخُسْرانُ في صَفقَةٍ والرِّبْحُ في أخْرَى، وأحَدُهما في سَفْرَةٍ والآخَرُ في أخْرى؛ لأنَّ الرِّبْحَ هو الفاضِل عن رَأسِ المالِ، وما لم يَفْضُلْ فليس برِبْحٍ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
فصل: وفي مِلْكِ العامِلِ نَصِيبَه مِن الرِّبْحِ قبلَ القِسْمَةِ رِوايَتانِ؛ إحْداهُما، يَمْلِكُه.
ذَكَرَه القاضي.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
والأخْرَى،
الحديث: 2089 - الجزء: 14 - الصفحة: 114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يَمْلِكُه.
ذَكَرها أبو الخَطّاب.
وهو قولُ مالكٍ.
وللشافعيِّ قوْلان، كالرِّوايَتَين.
واحْتَجَّ مَن لم يُمَلِّكْه بأنه لو مَلَكَه، لَاخْتَصَّ برِبْحِه، ولوَجَبَ أن يَكُونَ شَرِيكًا لرَبِّ المالِ، كَشَرِيكَي العِنانِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّ الشَّرْطَ صَحِيح، فيَثْبُتُ مُقْتضاهُ، وهو أن يَكُونَ له جُزْء مِن الرِّبْحِ، فإذا وُجِدَ، وَجَب أن يَمْلِكَه بِحُكْمِ الشَّرْطِ، كما يَمْلِكُ المُساقِي حِصَّتَه مِن الثَّمَرَةِ بظُهُورِها، وقِياسًا على كلِّ شَرْطٍ صَحِيح في عَقْدٍ، ولأنَّه مَمْلُوك، فلا بُدَّ له مِن مالِك، ورَبُّ المالِ لا يَمْلِكُه اتِّفاقًا، ولا تَثْبُتُ أحْكامُ المِلْكِ في حَقِّه، فلَزِمَ أن يَكُونَ للمُضارِبِ، ولأنَّه يَمْلِكُ المُطالبةَ بالقِسْمَةِ، فكانَ مالِكًا، كأحَدِ شَرِيكَي العِنانِ.
ولا يَمْتَنِعُ أن يَمْلِكَه، ويَكُونَ وقايَةً لرأسِ المالِ، كنَصِيبِ رَبِّ المالِ مِن الرِّبْحِ، وبهذا امْتَنَعَ اخْتِصاصُه برِبْحِه، ولأنَّه لو اخْتَصَّ برِبْحِه، لاسْتَحَقَّ مِن الرِّبْحِ أكثر مِمّا شَرَط له، ولا يَثْبُتُ بالشَّرْطِ ما يُخالِفُ مُقْتضاه.
قال أحمدُ، في المُضارِبِ يَطَأ جارِيَةً مِن المُضارَبَةِ: فإن لم يَكُنْ ظَهَر في المالِ رِبْحٌ، لم تَكُنْ أمّ وَلَدِه، وإن ظَهَر فيه رِبْح، فهي أمُّ الدِه.
وفيه دَلِيل على أنَّه يَمْلِكُ الرِّبْحَ بالظُّهُورِ.
وهذا ظاهِر المَذهَبِ.
فصل: إذا دَفَع إلى رَجُل مائَةً مُضارَبةً، فخَسِرَ عَشَرَةً، ثم أخَذَ رَبُّ المالِ منها عَشَرَةً، لم يَنْقُصْ رَأسُ المالِ بالخُسْرانِ؛ لأنَّه قد ربَحُ فيَجْبُرُ الخُسْرانَ، لكنَّه يَنْتَقِصُ بما أخَذَه رَبُّ المالِ، وهي العَشَرَةُ، وقِسْطُها مِن
الجزء: 14 - الصفحة: 115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخُسْرانِ، وهو دِرْهَم وتُسْع، ويَبْقَى رَأسُ المالِ ثَمانِيَةً وثَمانِين وثَمانِيةَ أتْساعِ دِرْهم.
فإن كان أخَذَ نِصْفَ التِّسْعِين الباقِيَةِ، بَقِيَ رَأسُ المالِ خَمْسِين؛ لأنَّه أخَذَ نِصْفَ المالِ، فسَقَطَ نِصْفُ الخُسْرانِ، وإن كان أخَذَ خَمْسِين، بَقِيَ أرْبَعَة وأرْبَعونَ وأرْبَعَةُ أتْساع.
وكذلك 177 إذا رَبِح المالُ ثم أخَذَ رَبُّ المالِ بعضَه، كان ما أخَذَه مِن الرِّبْحِ ورَأسِ المالِ، فلو كان رَأسُ المالِ مائةً فرَبِحَ عِشرِين فأخَذَها رَبُّ المالِ، لبَقِىَ رَأسُ المالِ ثَلاثةً وثَمانِينَ وثُلُثًا؛ لأنه أخَذَ سُدْسَ المالِ، فنَقَصَ رَأسُ المالِ سُدْسَه، وهو سِتَّةَ عَشَرَ وثُلُثان، وحَظُّها 178 مِن الرِّبْحِ ثَلاثَة وثُلُث.
ولو كان أخَذَ سِتِّين، بَقِي رَأسُ المالِ خَمْسِين؛ لأنَّه أخَذَ نِصْفَ المالِ، فبَقِيَ نِصْفُه، وإن كان أخَذَ خَمْسِين، بَقِي ثَمانِيَة وخَمْسُون وثُلُث؛ لأنّه أخَذَ رُبْعَ المالِ وسُدْسَه، بَقِيَ ثُلُثُه ورُبْعُه، وهو ما ذَكَرْنا.
فإن أخَذَ سِتِّين ثم خسِر في الباقِي، فصارَ أرْبَعِين، فَرَدَّها، كان له على رَبِّ المالِ خَمْسَة؛ لأنَّ ما أخَذَه رَبُّ المالِ انْفَسَخَتْ فيه المُضارَبَةُ، فلا يَجْبُرُ برِبْحِه خُسْرانَ ما بَقِي في يَدِه، لمُفارَقَتِه إيّاه، وقد أخَذَ مِن 179 الرِّبْحِ عَشرةً؛ لأنَّ سُدْسَ ما أخَذَه رِبْح، فكانت العَشَرَةُ بينَهما، وإن لم يَرُدَّ الأرْبَعِين كُلَّها، بل رَدَّ منها إلى رَبِّ المالِ عِشرِين، بَقِي رَأسُ المالِ خمْسَةً وعِشرِين.
الجزء: 14 - الصفحة: 116
وَإنِ اشتَرَى سِلْعَتَينِ، فَرَبِح فِي إحْدَاهُمَا، وَخَسِرَ فِي الأخْرَى، أوْ تَلِفَتْ، جُبِرَتِ الْوَضِيعَة مِنَ الرِّبْحِ.
2090 - مسألة: (وإن اشْتَرَي سِلْعَتَين، فرَبِحَ في إحْداهُما، وخسِر في الأخْرَى، أو تَلِفَتْ، جُبِرَتِ الوَضِيعَة مِن الرِّبْحِ)
إذا دَفَع إلى المُضارِبِ ألْفَينِ، فاشْتَرَى بكلِّ ألْفٍ عَبْدًا، فرَبِحَ في أحَدِهما، وخَسِر في الآخَرِ، أو تَلِف، وَجَب جَبْرُ الخُسْرانِ مِن الرِّبْحِ، ولا يَسْتَحِقُّ المُضارِبُ شيئًا، إلَّا بعدَ كَمال الألْفَين.
وبه قال الشافعي، إلَّا فيما إذا تَلِف أحَدُ العَبْدَين، فإنَّ أصْحابَه ذَكَرُوا فيه وَجْهًا ثانِيًا، أنَّ التّالِفَ مِن رَأسِ المالِ؛ لأنَّه بَدَلُ أحَدِ الألفَين، ولو تَلِف أحَدُ الألْفَين كان مِن رَأسِ المالِ، فكذلك بَدَلُه.
ولَنا، أنَّ تَلَفَه بعدَ أن دار في القِراضِ، وتَصَرَّفَ في المالِ بالتِّجارَةِ، فكان تَلَفُه مِن الربْحِ، كما لو كان رَأسُ المالِ دينارًا فاشْتَرَى به سلْعَتَين، ولأنَّهما سِلْعتان، تُجْبَرُ خَسارَةُ إحداهما بِرَبح الأخْرَى، فجُبِرَ تَلَفُها به، كما لو كان رَأسُ المالِ دِينارًا واحِدًا، ولأنَّه رَأسُ مالٍ واحِدٍ، فلا يَسْتَحِقُّ المُضارِبُ فيه رِبْحًا حتى يَكْمُلَ رَأسُ المالِ، كالذي ذَكَرْنا.
الحديث: 2090 - الجزء: 14 - الصفحة: 117
وَإنْ تَلِفَ بَعْضُ رَأسِ الْمَالِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، انْفَسَخَتْ فِيهِ الْمُضَارَبَةُ.
2091 - مسألة: (وإن تَلِف بعضُ رَأسِ المالِ قبلَ التَّصَرُّفِ فيه، انْفَسَخَتْ فيه المُضارَبَةُ)
وكان رَأسُ المالِ الباقِيَ خاصَّة.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: مَذْهَبُ الشافعيِّ أنَّ التّالِفَ مِن الرِّبْحِ، لأنَّ المال إنما يَصِيرُ قِراضًا بالقَبْضِ، فلا فَرْقَ بينَ هَلاكِه قبلَ التَّصَرُّفِ و 180 بعدَه.
ولَنا، أنَّه مال هَلَك على جِهَتِه قبلَ التَّصَرُّفِ فيه، فكان رَأسُ المالِ الباقِيَ، كما لو تَلِف قبْلَ القَبْضِ.
وفارَقَ ما بعدَ التَّصَرُّفِ؛ لأنَّه دارَ في التِّجارَةِ، وشَرَع فيما قُصِدَ بالعَقْدِ مِن التصَرُّفاتِ المُؤديةِ إلى الرِّبْحِ.
فصل: إذا دَفَع إليه ألْفًا مُضارَبَةً، ثم دَفَع إليه ألْفًا آخَرَ، مُضاربَةً 181 وأذِنَ له في ضَمِّ أحَدِهما إلى الآخَرِ قبلَ التَّصَرُّفِ في الأوّلِ، جاز، وصار مُضارَبَةً واحِدَةً، كما لو دَفَعَهُما إليه جَمِيعًا، وإن كان بعدَ التَّصَرُّفِ في الأوّلِ
الحديث: 2091 - الجزء: 14 - الصفحة: 118
وَإنْ تَلفَ الْمَالُ، ثُمَّ اشْتَرَى سِلْعَةً لِلْمُضَارَبَةِ، فَهِيَ لَهُ، وَثَمَنُهَا عَلَيهِ، إلا أنْ يُجِيزَهُ رَبُّ الْمَالِ.
في شِراءِ المَتاعِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ حُكْمَ الأوَّلِ اسْتَقَرَّ، وكان رِبْحُه وخُسْرانُه مُخْتَصًّا به (1)، فضَمُّ الثّانِي إليه يُوجِبُ جَبْرَ خُسْرانِ أحَدِهما بِرِبْح الآخَرِ.
فإذا شَرَط ذلك في الثّانِي فَسَدَ.
فإن نَضَّ الأوَّلُ، جاز ضَمُّ الثّانِي إِليه؛ لزَوالِ هذا المَعْنَى، وإن لم يَأذَنْ في ضَمِّ الثّانِي إلى الأوَّلِ، لم يَجُزْ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وقال إسْحاقُ: له ذلك قبلَ أن يَتَصَرَّفَ في الأوَّلِ.
ولَنا، أنه أفْرَدَ كلَّ واحِدٍ بِعَقْدٍ، فكانا عَقْدَين، لكُلِّ عَقْدٍ حُكْمُ نَفْسِه (2)، فلا يُجْبَرُ وَضِيعةُ أحَدِهما بِرِبْحِ الآخَرِ، كما لو نَهاه عن ذلك.
2092 -
مسألة: (وإن تَلِف المالُ، ثم اشْتَرَى سِلْعَةً للمُضارَبَةِ، فهي له، وثَمَنُها عليه)
سواء عَلِم بتَلَفِ المالِ قبلَ نَقْدِ الثَّمنِ أو جَهِل ذلك (إلا أن يُجِيزَه رَبُّ المالِ) وذلك لأَنه اشْتَراها في ذمَّتِه، وليست مِن مالِ المُضارَبَةِ، فاخْتَصَّت به؛ لأنَّه لو صَحَّ شِراؤه للمُضارَبَةِ، لكانَ مُسْتَدِينًا على غيرِه، والاسْتِدانَةُ على الإِنْسانِ بغيرِ إذْنِه182183
الحديث: 2092 - الجزء: 14 - الصفحة: 119
وَإنْ تَلِفَ بَعْدَ الشِّرَاءِ، فَالْمُضَارَبَةُ بِحَالِهَا، وَالثَّمَنُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ.
لا تَجُوزُ، فإن أجازَه رَبُّ المالِ، جاز، في إحْدَى الرِّوايَتَين، والثَّمَنُ عليه، لأنَّ مَنِ اشْتَرى شيئًا لغيرِه بغيرِ إذْنِه، وَقَف على إجازَته، فإن أجازَه، فهو له، وإلَّا فهو للمشْتَرِي، وهذا كذلك.
والثّانِيَةُ، هو للعامِلِ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ هذا زِيادَةٌ في مالِ المُضارَبةِ، فلا تَجُوزُ.
2093 -
مسألة: (وإن تَلِف بعدَ الشِّراءِ، فالمُضارَبَةُ بحالِها، والثَّمَنُ على رَبِّ المالِ)
لأنَّه دار 184 في التِّجارَةِ، ويَصِيرُ رَأسُ المالِ 185 الثَّمَنَ دُونَ التّالِفِ؛ لأنَّ الأولَ تَلِف قبلَ التَّصَرُّفِ فيه.
وهذا قولُ بعضِ الشافعيَّةِ، ومنهم مَن قال: رَأسُ المالِ [هذا و] 186 التّالِفُ.
حُكِيَ عن أبي
الحديث: 2093 - الجزء: 14 - الصفحة: 120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حنيفةَ، ومحمد بنِ الحَسَنِ.
ولَنا، أنَّ التّالِفَ تَلِف قبلَ التَّصَرُّفِ فيه، فلم يَكُنْ مِن رَأسِ المالِ، كما لو تَلِف قبلَ الشِّراءٍ.
فلو اشْتَرَى عَبْدَين بمائَةٍ فتَلِفَ أحَدُهما، وباع الآخَرَ بخَمْسِين، فأخذَ منها رَبُّ المالِ خَمْسةً وعِشْرِين، بَقِيَ رَأسُ المالِ خمْسِين، لأنَّ رَبَّ المالِ أخَذَ نِصْفَ المالِ المَوْجُودِ، فسَقَطَ نِصْفُ الجُبْرانِ.
ولو لم يَتْلَفِ العَبْدُ وباعَهُما بمائَةٍ وعِشْرِين، فأخَذَ ربُّ المالِ سِتِّين، ثم خَسِر العامِلُ فيما معه عِشْرِين، فله مِن الرِّبْحِ خَمْسَة، لأنَّ سُدْسَ ما أخَذَه رَبُّ المالِ رِبْح، للعامِلِ نِصْفه، وقد انْفَسَخَتِ المضارَبَةُ فيه، فلا [يُجْبَرُ به] 187 خُسْرانُ الباقِي، ويَبْقَي رَأسُ المال خَمْسِين، فإنِ اقْتَسَما الرِّبْحَ خاصَّةً ثم خَسِر عِشْرِين، فعلى العامِلِ رَدُّ ما أخَذَه، وبَقِي رَأسُ المالِ تِسْعِينَ، لأنَّ العَشَرَةَ الباقِيَةَ مع رَبِّ المالِ تُحْسَبُ مِن رَأسَ المالِ.
فصل: ومهما بَقِيَ العَقْد على رَأسِ المالِ، وَجَب جَبْرُ خسْرانِه مِن رِبْحِه، وإنِ اقْتَسما الرِّبْحَ.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن المُضارِبِ يَرْبَحُ ويَضَعُ مِرارًا؟ فقال: يَرُدُّ الوَدِيعَةَ على الرِّبْحِ، إلَّا أن
الجزء: 14 - الصفحة: 121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَقْبِضَ المال صاحِبُه، ثم يَرُدُّه إليه، فيَقُولُ: اعْمَلْ به ثَانِيَةً.
فما رَبِح بعدَ ذلك لا يُجْبَرُ به وَضِيعَةُ الأوَّلِ، فهذا ليس في نَفْسِي منه شيء، وأمّا ما لم يَدْفَعْ إليه 188 فحتى يَحتَسِبا حِسابًا كالقَبْضِ، كما قال ابنُ سيرِينَ.
قِيلَ: وكيف يَكُونُ حِسابًا كالقَبْضِ؟ قال: يَظْهَرُ المالُ.
يَعْنِي يَنضُّ ويَجِئُ فيَحْتَسِبان عليه، فإن شاء صاحِبُ المالِ قَبَضَه.
قِيلَ له، فيَحْتَسِبان على المَتاع؟ فقال: لا يَحْتَسِبان إلَّا على النّاضِّ؛ لأنَّ المَتاعَ قد يَنْحَط سِعْرُه ويَرْتفِعُ.
قال أبو طالِبٍ: قِيلَ لأحمَد: رَجُل دَفَع إلى رَجُل عَشرَةَ آلافِ دِرْهَم مُضارَبَةً، فوَضِعَ 189، فبَقِيَتْ ألْف، فحاسَبَه صاحِبُها، ثم قال له: اذْهَبْ فاعْمَلْ.
بها فرَبِحٍ؟ قال: يُقاسِمُه ما فَوْقَ الألْفِ.
يعني إذا كانتِ الألْفُ ناضَّة حاضِرَةً إن شاء صاحِبُها قَبَضَها.
فهذا الحِسَابُ الذي كالقَبْضِ، فيَكُونُ أمْرُه بالمُضارَبَةِ بها في هذه الحالِ ابْتِداءَ مُضارَبَةٍ ثانِيَةٍ، كما لو قَبَضَها منه ثم رَدَّها إليه.
فأمّا قبلَ ذلك فلا شيءَ
الجزء: 14 - الصفحة: 122
وَإذَا ظَهَرَ الرِّبْح، لَمْ يَكنْ لِلْعَامِلِ أخْذ شَيْءٍ مِنْه، إلا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ.
وَهَلْ يَمْلِكة الْعَامِل بِالظُّهورِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
للمُضارِبِ حتى يُكْمِلَ عَشرَةَ آلافٍ (1). ولو أنَّ رَبَّ المالِ والمضارِبَ اقْتَسَما الرِّبْحَ، [أو أخَذَ] (2) أحَذهما منه (3) شيئًا بإذْنِ الآخَرِ، والمُضارَبَةُ بحالِها، ثم خَسِر المُضارِبُ، رَدّ ما أخَذَ مِن الرِّبْحِ، لأنَّنا تَبَينا أنَّه ليس برِبْح، ما لم تَنْجَبِرِ الخَسارَةُ.
واللهُ أعلمُ.
2094 -
مسألة: (وإذا ظَهَر الرِّبْحُ، لم يَكنْ للعامِلِ أخْذُ شيءٍ، إلَّا بإذْنِ رَبِّ المالِ)
لا نَعْلَمُ في هذا بينَ أهْلِ العِلْمِ خِلافًا؟ لثَلاثةِ أمُور؛ أحَدُها، أنَّ الرِّبْحَ وقاية لرأسِ المالِ، فلا يُؤمَنُ الخُسْرانُ الذي يَكُونُ هذا الرِّبْحُ جابِرًا له، فيَخْرُجُ بذلك عن كَوْنِه رِبْحًا.
الثَّانِي، أنَّ رَبَّ المالِ شَرِيكُه، فلم يَكُنْ له مُقاسَمَةُ نَفْسِه.
الثّالث، أن مِلْكَه غيرُ مُسْتَقِر عليه؛ لأنَّه بعَرَضِ أن يَخْرُجَ عن يَدَيه لجُبْرانِ خَسارَةِ المالِ.
فإن أذنَ رَبُّ المالِ في ذلك، جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَخْرُج عنهما.190191192
الحديث: 2094 - الجزء: 14 - الصفحة: 123
وإنْ طَلَبَ الْعَامِلُ الْبَيعَ، فَأبَى رَب الْمَالِ، أجْبِرَ إنْ كَانَ فِيهِ رِبْح، وإلا فَلَا.
2095 - مسألة: (وإن طَلَب العامِلُ البَيعَ، فأبَى رَبُّ المالِ، أجْبِرَ إن كان فيه رِبْح، وإلَّا فلا)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المُضارَبَةَ مِن العُقُودِ الجائِزَةِ، تَنْفَسِخُ بفَسْخِ أحَدِهما، أيهما كان، وبموتِه، والحَجْرِ عليه لسَفَهٍ، كالوَكالةِ.
ويَسْتَوي في ذلك ما قبلَ التَّصَرُّفِ وبعدَه.
فإنِ انْفَسَخَتْ والمالُ ناضٌّ لا رِبْحَ فيه، أخَذَه رَبُّه، فإن كان فيه رِبْح، قَسَماه على ما شَرَطا.
فإنِ انْفَسَخَتْ والمالُ عَرْض، فاتفَقا على بَيعِه أو قَسْمِه، جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، فجاز ما اتَّفَقا عليه.
وإن طَلَب العامِلُ البَيعَ، فأبَى رَبُّ المالِ، وقد ظَهَر في المال رِبْحٌ، أجْبِرَ رَبُّ المالِ على البَيعِ.
وهذا قولُ الثّوْرِيِّ، وإسْحاقَ؛ لأنَّ حَقَّ العامِلِ في الرِّبْحِ، ولا يَظْهَرُ إلَّا بالبَيعِ.
وإن لم يَظْهَرْ رِبْح، لم يُجْبَرْ؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه، وقد رَضِيَه مالِكُه كذلك، فلم يُجْبَرْ على بَيعِه.
وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ.
وقال بعضُهم: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُجْبَرُ؛ لأنَّه رُبَّما زاد فيه راغِب فزاد على ثَمَنِ الْمِثِلِ، فيكونُ للعامِلِ [في البَيعِ] 193 حَظ.
ولَنا، أنَّ المُضارِبَ إنَّما اسْتَحَقَّ الرِّبْحَ إلى حينِ
الحديث: 2095 - الجزء: 14 - الصفحة: 126
وإنِ انْفَسَخَ الْقِرَاضُ، وَالْمالُ عَرْض، فَرَضِيَ رَبُّ الْمَالِ أنْ يَأخُذَ بِمَالِهِ عَرْضًا، أوْ طَلَبَ الْبَيعَ، فَلَهُ ذَلِكَ.
الفَسْخِ، وذلك لا يُعْلَمُ إلا بالتقْويمِ، ألا تَرَى أنَّ المُسْتَعِيرَ إذا غَرَس أو بَنَى، أو المُشْتَرِيَ، فإنَّ (1) للمُعِيرِ والشفِيعِ أن يَدْفَعا قِيمَةَ ذلك؛ [لأنه مُسْتَحِقٌّ للأرْضِ] (2)، فههُنا أوْلَى.
وما ذكَرُوه مِن احْتِمالِ الزِّيادة بزِيادة راغِب على القِيمَةِ، فإنَّما حَدَث ذلك بعدَ فَسْخِ العَقْدِ، فلا يَستَحِقُّها العامِلُ.
2096 -
مسألة: (وإنِ انْفَسَخَ القِراضُ، والمالُ عَرْض، فرَضِيَ رَبُّ المالِ أن يَأخُذَ بمالِه عَرْضًا، أو طَلَب البَيعَ، فله ذلك)
أمّا إذا رَضِيَ194195
الحديث: 2096 - الجزء: 14 - الصفحة: 127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَبُّ المالِ أن يَأخُذَ بمالِه عَرْضًا، فله ذلك؛ لأنه أسْقَطَ البَيعَ عن المُضارِبِ وأخَذَ العُرُوضَ بثَمَنِها الذي يَحْصُلُ مِن غيرِه.
وأمّا إذا طَلَب البَيعَ وأَبى العامِلُ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُجْبَرُ العامِلُ عليه.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ عليه رَدَّ المالِ ناضًّا كما أخَذَه.
والثّانِي، لا يُجْبَرُ إذا لم يَكُنْ في المال رِبْح، أو 196 أسْقَطَ العامِلُ حَقَّه مِن الرِّبْحِ؛ لأنَّه بالفَسْخِ زال تَصَرُّفُه، وصار أجْنَبِيا مِن المالِ، فأشْبَهَ الوَكِيلَ إذا اشْتَرَى ما يُسْتَحَقُّ رَده
الجزء: 14 - الصفحة: 128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فزالتْ وَكالته قبلَ رَدِّه.
ولو كان رَأسُ المالِ دَنانِيرَ فصار دَراهِمَ، أو بالعَكْسِ، فهو كا لو كان عَرْضًا على ما شُرِح.
وإذا نَضَّ رَأسُ المالِ جَمِيعُه، لم يَلْزَم العامِلَ أن يَنضَّ له الباقِيَ، لأنَّه شَرِكَة بينَهما، ولا يَلْزَمُ الشرِيكَ أن يَنضَّ مال شَرِيكِه، ولأنَّه إنَّما لَزِمَه أن يَنضَّ رَأسَ المالِ ليرُدَّ إليه المال على صِفتِه، ولا يُوجَدُ هذا المعنى في الرِّبْحِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 129
وَإنْ كَانَ دَينًا، لَزِمَ الْعَامِلَ تَقَاضِيهِ.
2097 - مسألة: (وإن كان دَينًا، لَزِم العامِلَ تَقاضِيه)
سواء ظَهَر في المالِ رِبْح أولم يَظْهَرْ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَلْزَمُه إلَّا أن يَظْهَرَ رِبْح لأنَّه لا غَرَضَ له في العَمَلِ، فهو كالوَكِيلِ.
ولَنا، أنَّ المُضارَبَةَ تَقْتَضِي رَدَّ المالِ على صِفَتِه، والديُون لا تَجْرِي مَجْرَى النّاضِّ، فلَزِمَه أن ينضَّه، كما لو ظَهَر رِبح، وكما لو كان رَأسُ المالِ عَرْضًاٍ.
ويُفارِقُ الوَكِيلَ؛ فإنَّه لا يَلْزَمُه رَدُّ المالِ كما قَبَضَه، ولهذا لا يَلْزَمُه بَيعُ العُرُوض.
ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الفَسْخِ مِن العامِلِ أو رَبِّ المالِ، فإنِ اقْتَضَى منه قَدْرَ رَأس المالِ، أو كان الدَّينُ قَدْرَ الرِّبْحِ، أو دُونَه، لَزِم العامِلَ تَقاضِيه أيضًا؛ لأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ نَصِيبَه مِن الرِّبْحِ عندَ وُصُولِه إليهما على وَجْهٍ يُمْكِنُ قِسْمَتُه ووُصولُ كلِّ واحدٍ منهما إلى حَقِّه، و 197 لا يَحْصُلُ ذلك إلا بعدَ تَقاضِيه.
الحديث: 2097 - الجزء: 14 - الصفحة: 130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا مات أحَدُ المُتَقارِضَين، أو جُنَّ، انْفَسَخَ القِراضُ.
وقد ذَكَرْناه، فإن كان برَب المالِ، فأرادَ الوارِثُ أو وَلِيُّهِ إتْمامَه، والمالُ ناضٌّ، جاز، ويَكُونُ رَأسُ المالِ وحِصَّتُه مِن الربْحِ رَأسَ المالِ، وحِصةُ العامِلِ مِن الرِّبْحِ شَرِكَةً له مُشَاع.
وهذه الإشاعَةُ لا تَمْنَعُ؛ لأنَّ الشرِيكَ هو العامِلُ، وذلك لا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ.
وإن كان المالُ عَرْضًا وأرادُوا إتْمامَه، فظاهِرُ كَلام أحمدَ جَوازُه، لأنَّه قال في رِوايَةِ عليِّ بنِ سعيدٍ: إذا مات رَبُّ المالِ، لَم يَجُزْ للعامِلِ أن يَبِيعَ ويَشْتَرِيَ إلَّا بإذْنِ الوَرَثَةِ.
فظاهِرُ هذا إبْقاءُ العامِلِ على قِراضِه.
وهو مَنْصُوصُ الشافعي؛ لأنَّ هذا إتْمام للقِراضِ، لا ابْتِداء له، ولأنَّ القِراضَ إنَّما مُنِعَ منه في العُرُوضِ، لأنه يَحْتاجُ عندَ المُفاصَلةِ إلى رَدِّ مِثْلِها أو قِيمَتِها، ويَخْتَلِفُ ذلك باخْتِلافِ الأوقاتِ، وهذا غيرُ مَوْجُودٍ ههُنا، لأنَّ رَأسَ المالِ غيرُ العُرُوضِ، وحُكْمُه باقٍ، ألا تَرَى أنَّ للعامِلِ أن يبيعَه ليُسَلمَ رَأسَ المالِ ويَقْسِمَ الباقِيَ؟ وذَكَر القاضي وَجْهًا آخَرَ، أنَّه لا يَجُوزُ، لأنَّ القِراضَ قد بَطَل بالمَوْتِ، وهذا ابْتِداءُ قِراض على عُرُوض.
قال شيخُنا 198:
الجزء: 14 - الصفحة: 131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا الوَجْهُ أقْيَسُ؛ لأنَّ المال لو كان ناضًّا، كان ابْتِداءَ قَرْضٍ، وكانت حِصَّةُ العامِلِ مِن الرِّبْحِ شَرِكَةً يَخْتَصُّ بها دُونَ رَبِّ المالِ.
وإن كان المالُ ناقِصًا بخَسارَةٍ أو تَلَفٍ، كان رَأسُ المالِ المَوْجُودَ منه حال ابْتِداءِ القِراضِ، فلو جَوَّزْنا ابْتِداءَ القِراضِ هاهُنا وبِناءَهُما على القِراضِ، لصارَتْ حِصَّةُ المُضارَبَةِ مِن الرِّبْحِ غيرَ مُخْتَصَّةٍ به، وحِصَّتُهما 199 مِن الرِّبْحِ مُشْتَرَكَةً بينَهما، وحُسِبَتْ عليه العُرُوضُ بأكْثَرَ مِن قِيمَتِها فيما إذا كان المالُ ناقِصًا، وهذا لا يَجُوزُ في القِراضِ بلا خِلافِ.
وكَلامُ أحمدَ مَحْمُولٌ على أنَّه يَبِيعُ ويَشْتَرِى بإذْنِ الوَرَثَةِ، كبَيعِه وشِرائِه بعدَ انْفِساخِ القِراضِ.
فأمَّا إن مات العامِلُ أو جُنَّ، وأرادَ رَبُّ المالِ ابْتِداءَ القِراضِ مع وَارِثِه أو وَلِيِّه والمالُ ناضٌّ، جاز، كما قُلْنا فيما إذا مات رَبُّ المالِ.
وإن كان عَرْضًا، لم يَجُزِ ابْتِداءُ القِراضِ [إلَّا على الوَجْهِ الذي يُجَوِّزُ ابتداءَ القِراضِ] 200 على العُرُوضِ، بأن تُقَوَّمَ العُرُوضُ، ويُجْعَلَ رَأسُ المالِ قِيمَتَها يَوْمَ العَقْدِ؛ لأن الذي كان منه العَمَلُ قد جُنَّ، أو مات، وذَهَب عَمَلُه، ولم يَخْلُفْ أصْلًا يَبْنِي عليه وارِثُه، بخِلافِ ما إذا مات رَبُّ المالِ، فإنَّ مال القِراضِ مَوْجُودٌ، ومَنافِعَه مَوْجُودةٌ، فأمْكَنَ اسْتِدامَةُ العَقْدِ، وبِناءُ الوارِثِ عليه.
وإن كان المالُ ناضًّا، جاز ابْتِداءُ القِراضِ فيه، فإن لم يَبْتَدِئاه، لم يَكُنْ للوارِثِ شِراءٌ ولا بَيعٌ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ إنَّما رَضِيَ باجْتِهادِ مَورُوثِه 201،
الجزء: 14 - الصفحة: 132
وَإنْ قَارَضَ فِي الْمَرَضِ، فَالرِّبْحُ مِنْ رَأسَ الْمَالِ وإنْ زَادَ عَلَى أَجْرِ الْمِثْل.
فإذا لم يَرْضَ ببَيعِه، رَفَعه إلى الحاكِمِ ليَبِيعَه.
فإن كان المَيِّتُ رَبَّ المالِ، فليس للعامِلِ الشِّراءُ؛ لأنَّ القِراضَ انْفَسَخَ.
وأمّا البَيعُ فالحُكْمُ فيه وفي التَّقْويمِ واقْتِضاءِ الدَّينِ، على ما ذَكَرْناه إذا انْفَسَخَتِ المُضارَبَةُ ورَبُّ المالِ حَيٌّ.
2098 -
مسألة: (وإن قارَضَ في المَرَضِ، فالرِّبْحُ مِن رَأسِ المالِ وإن زادَ على أجْرِ المِثْلِ)
إذا قارَضَ في مَرَضِه، صَحَّ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَبْتَغِي فيه الفَضْلَ، أشْبَهَ البَيْعَ والشِّراءَ.
وللعامِلِ ما شَرَطَ له وإن زاد على أجْرِ مِثْلِه، ولا يَحْتَسِبُ به مِن ثُلُثِه؛ لأنَّ ذلِكَ غيرُ مُسْتَحَقٍّ مِن مالِ 202 رَبِّ المالِ، وإنَّما حَصَل بعَمَلِ المُضارِبِ، فما يُوجَدُ مِن الرِّبْحِ المَشْرُوطِ
الحديث: 2098 - الجزء: 14 - الصفحة: 133
وَيُقدَّمُ بِهِ عَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ.
وَإنْ مَاتَ الْمُضَارِبُ، وَلَمْ يُعْرَفْ مَالُ الْمُضَارَبَةِ، فَهُوَ دَينٌ فِي تَرِكَتِهِ.
وَكَذَلِكَ الْوَدِيعَة.
يَحْدُثُ على مِلْكِ العامِلِ، ولا يُزاحِمُ به أصْحابَ الوَصايَا؛ لأنَّه لو أقْرَضَ المال، كان الرِّبْحُ كُلُّه للمُقْتَرِضِ، فبَعْضُه أوْلَى، وهذا بخِلافِ ما لو حابَى الأجِيرَ في الأجْرِ، فإنَّه يَحْتَسِبُ بالمحاباة (1) مِن ثُلُثِه؛ لأنَّ الأجْرَ يُؤخَذُ مِن مالِه.
ولو شَرَط في المُساقاةِ والمُزارَعَةِ أكثرَ مِن أجْرِ المِثْلِ، احْتَمَلَ [أنَّه كالقِراضِ] (2)؛ لأنَّ الثَّمَرَةَ تَخْرُجُ على مِلْكَيهما، كالرِّبْحِ في المُضارَبَةِ، واحْتَمَلَ أن يَكُونَ مِن ثُلُثِه؛ لأنَّ الثَّمَرَةَ زِيادَة في مِلْكِه خارِجَةٌ مِن عَينِه، والرِّبْحُ لا يَخْرُجُ مِن عَينِ المالِ، إنَّما يَحْصُلُ بالتَّقْلِيبِ.
واللهُ أعلمُ.
2099 -
مسألة: (ويُقَدَّمُ به على سائرِ الغُرَماءِ)
إذا ماتَ رَبُّ المالِ؛ لأنَّه يَمْلِكُ الرِّبْحَ بالظهُورِ، فكان شَريكًا فيه، ولأنَّ حَقَّه مُتَعَلِّقٌ بعَين.
المالِ دُونَ الذِّمةِ، فكان مُتَقَدِّمًا على المُتَعَلِّقِ بالذِّمَّةِ، كحَقِّ الجِنايةِ، أو كالمُرْتَهِنِ.
2100 -
مسألة: (وإن مات المُضارِبُ، ولم يُعْرَفْ مالُ
203204 الحديث: 2099 - الجزء: 14 - الصفحة: 134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُضارَبَةِ، فهو دَيْنٌ في تَرِكَتِه، وكذلك الوَدِيعَةُ) [إذا مات المُضارِبُ، ولم يُعْرَفْ مالُ المُضارَبَةِ بعَينِه، صار دَينًا في ذِمَّةِ المُضارِبِ] 205، ولصاحِبِه أُسْوَةُ الغُرَماءِ.
وقال الشافعيُّ: ليس على المُضارِبِ شيءٌ؛ لأنَّه لم يَكُنْ في ذِمتِه وهو حَيٌّ، ولم يُعْلَمْ حُدُوث ذلك
الجزء: 14 - الصفحة: 135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالمَوْتِ، فإنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ 206 المالُ قد هَلَك.
ولَنا، أنَّ الأصْلَ بَقاءُ المالِ في يَدِه واخْتِلاطُه بجُمْلَةِ التَّرِكَةِ، ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ عَينه، فكان دَينًا، كالوَدِيعَةِ إذا لم يُعْرَفْ عَينُها، وكما إذا خَلَطَها بمالِه على وَجْهٍ لا يَتَمَيَّزُ منه، ولأنّه لا سَبِيلَ إلى إسْقاطِ حَقِّ رَبِّ المالِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاؤه، ولم
الجزء: 14 - الصفحة: 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يُوجدْ ما يُعارِضُ ذلك ويُخالِفُه، ولا سَبِيلَ إلى إعْطائِه عَينًا مِن التَّرِكَةِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن تَكُونَ مِن 207 غيرِ مالِ المُضارَبَةِ، فلم يَبْقَ إلَّا تَعَلُّقُه بالذِّمَّةِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 137
فصْلٌ: وَالْعَامِلُ أمِينٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي قَدْرِ رَأسِ الْمَالِ، وَفِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ هَلَاكٍ وَخُسْرَانٍ، وَمَا يَذْكُرُ أنَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ أوْ لِلْقِرَاضِ، وَمَا يُدَّعَى عَلَيهِ مِنْ خِيَانةٍ.
فصل: قال، رَضِيَ الله عنه: (والعامِلُ أمِينٌ، والقولُ قَوْلُه فيما يَدَّعِيه مِن هَلاكٍ وخُسْرانٍ) لأنَّهُ مُتَصَرِّفٌ في مال غيرِه بإذْنِه، لا يَخْتَصُّ بنَفْعِه، أشْبَهَ الوَكِيلَ، بخِلافِ المُسْتَعِيرِ، فإنَّ قَبْضَه لمَنْفَعتِه خاصَّةً.
والقولُ قَوْلُه فيما يَدَّعِيه مِن تَلَفِ المالِ أو بعضِه أو خَسارَةٍ فيه، ولا ضَمانَ عليه في ذلك، كالوَكِيلِ.
والقولُ قَوْلُه في نَفْي ما يُدَّعَى عليه مِن خِيانَةٍ أو تَفْرِيطٍ، وفيما يَدَّعِي أنَّه اشْتَراه لنَفْسِه أو للقِراضِ؛ لأنَّ الاخْتِلافَ هاهُنا في نِيَّته، وهو أعْلَمُ بها، لا يَطَّلِعُ عليها غيرُه، فكان القولُ قَوْلَه فيما نَواه، كما لو اخْتَلَفَ الزَّوجان في نِيَّةِ الزَّوْجِ بكِنايَةِ الطَّلاقِ.
ولأنَّه أمِينٌ في الشِّراءِ، فكان القَوْلُ قَوْلَه، كالوَكِيلِ.
ولو اشْتَرَى عَبْدًا، فقال رَبُّ المالِ: كُنْتُ نَهَيتُكَ عن شِرائِه.
فأنْكَرَ العامِلُ، فالقولُ قَوْلُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ النَّهْي.
ولا نَعْلَمُ في هذا كُلِّه خِلافًا.
وكذلك (القولُ قَوْلُه في قَدْرِ رأسِ المالِ) كذلك قال الثَّوْرِيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأي، حكاه
الجزء: 14 - الصفحة: 139
وَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ فِي رَدِّهِ إِلَيهِ، عنهم ابنُ المُنْذِرِ، وقال: أجْمَعَ على هذا كل مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، وبه نَقُولُ (1). لأنَّه يُدَّعَى عليه قَبْضُ شيءٍ وهو يُنْكِرُه، والقولُ قولُ المُنْكِرِ.
2101 -
مسألة: (والقَوْلُ قولُ رَبِّ المالِ في رَدِّه إليه)
مع يَمِينه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ولأصْحاب الشافعيِّ وَجْهان؛ أحَدُهما كقَوْلِنا.
والآخَرُ، يُقْبَلُ قولُ العامِلِ؛ لأَنَّه أمِين، ولأنَّ مُعْظَمَ النَّفْعِ لرَبِّ المالِ، فالعامِلُ كالمُودَعِ.
ويَنْبَغِي أن يُخَرَّجَ لَنا مِثْلُ ذلك، بِناءً على دَعْوَى الوَكِيلِ الرَّدَّ إذا كان بجُعْلٍ.
وَوَجْهُ الأوَّل، أنَّه قَبَضُ المال لنَفْعِ نَفْسِه، فلم يُقْبَلْ قَوْلُه في الرَّدِّ، كالمُسْتَعِيرِ، ولأنَّ رَبَّ المالِ مُنْكِرٌ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ، والمُودَعُ لا نَفْعَ له في الوَدِيعَةِ.
وقَوْلُهم: إن مُعْظَمَ النَّفْعِ لرَبِّ المال.
مَمْنُوعٌ، وإن سُلِّمَ، إلَّا أنَّ المُضارِبَ لم يَقْبِضْه إلَّا لنَفْعِ نفْسِه، لم يَأخُذْه لنَفْعِ رَبِّ المالِ.208
الحديث: 2101 - الجزء: 14 - الصفحة: 140
وَفِي الْجُزْءِ الْمَشْرُوطِ لِلْعَامِلِ،
2102 - مسألة: (وفي الجُزْءِ المَشْرُوطِ للعامِلِ)
إذا اخْتَلَفا فيما شُرِطَ للعامِلِ، ففيه رِوايَتان، إحْداهما، القولُ قولُ رَبِّ المالِ.
نَصَّ عليه في روايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ، وسِنْدِيٍّ.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأي، وابنُ المُنْذِرِ، لأنَّ رَبَّ المالِ مُنْكِرٌ للزِّيادَةِ التي ادَّعاها العامِلُ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ.
والثّانِيَةُ، أنَّ العامِلَ إنِ ادَّعَى أجْرَ المِثْلِ، أو ما يَتَغابَنُ الناسُ به، فالقولُ قَوْلُه، لأن الظّاهِرَ صِدْقُه، وإنِ ادَّعَى أكْثَرَ، فالقَوْلُ قولُ رَبِّ المالِ فيما زاد على أجْرِ المِثْلِ، كالزوْجَين إذا اخْتَلَفا في الصَّداقِ.
وقال الشافعيُّ: يَتَحالفانِ؛ لأنَّهما اخْتَلَفا في
الحديث: 2102 - الجزء: 14 - الصفحة: 141
وَفِي الإذْنِ فِي الْبَيعِ نَسَاءً، وفِي الشِّرَاءِ بِكَذَا.
وَحُكِيَ عَنْهُ أنَّ الْقَوْلَ
عِوَضِ عَقْدٍ، فيَتَحالفانِ، كالمُتَبايِعَين.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَلكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ» (1). ولأَنه اخْتِلافٌ في المُضارَبَةِ، فلم يَتَحالفا، كسائِرِ ما قَدَّمْنا اخْتِلافَهُما فيه، والمُتَبايِعان يَرْجِعان إلى (2) رُءُوسِ أمْوالِهما، بخِلافِ ما نَحْنُ فيه.
2103 -
مسألة: وإن قال: أذِنْتَ لي في البَيعِ نَساءً، وفي الشِّراءِ
209210 الحديث: 2103 - الجزء: 14 - الصفحة: 142
قَوْلُ الْعامِلِ إِنِ ادَّعَى أُجْرَةَ الْمِثْلِ.
بخَمْسَةٍ.
فأنْكَرَه رَبُّ المالِ 211، وقال: إنِّما أذِنْتُ لك في البَيعِ نَقْدًا، وفي الشِّراءِ بأرْبَعَةٍ 212. فالقولُ قولُ العامِلِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقِيلَ: القولُ قولُ رَبِّ المالِ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنّ الأصْلَ عَدَمُ الإِذْنِ، ولأنَّ القَوْلَ قولُ رَبِّ المال في أصْلِ الإِذْنِ، فكذلك في صِفَتِه.
ولَنا، أنَّهما اتَّفَقا على الإذْنِ واخْتَلَفَا في صِفَتِه، فكان القولُ قولَ العامِلِ، كما لو قال: نَهَيتُكَ عن شِراءِ عَبْدٍ.
فأنْكَرَ النَّهْيَ.
الجزء: 14 - الصفحة: 143
وَإنْ قَال الْعَامِلُ: رَبِحْتُ ألْفًا، ثُمَّ خَسِرْتُهَا.
أوْ هَلَكَتْ، قُبِلَ قَوْلُهُ.
وَإنْ قَال: غَلِطْتُ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ.
2104 - مسألة: (وإن قال: رَبِحْتُ ألْفًا ثم خَسِرْتُها)
أو: تَلِفَتْ (قُبِلَ قَوْلُه) لأنَّه أمِينٌ يُقْبَلُ قَوْلُه [في التَّلفِ] (1)، فقُبِلَ في الخَسارةِ، كالوَكِيلِ.
2105 -
مسألة: (وإن قال: غَلِطْتُ)
أو نَسِيتُ (لم يُقْبَلْ قَوْلُه) لأنَّه مُقِرٌّ بحَقٍّ لآدَمِيٍّ، فلم يُقْبَلْ قَوْلُه في الرُّجُوعِ عنه، كما لو أقَرَّ بأنَّ رَأسَ المال ألْفٌ، ثم رَجَع.
ولو أنَّ 214 العامِلَ خسِر، فقال لرَجُلٍ: أقْرِضْنِي ما أُتمِّمُ به رَأسَ المالِ لأعْرِضَه على رَبِّه، فإنِّي أخْشَى أن يَنْزِعَه مِني إن عَلِم بالخَسارَةِ.
فأقْرَضَه، فعَرَضَه على رَبِّ المالِ، فقال: هذا رَأسُ مالِكَ.
فأخَذَه، فله ذلك.
ولا يُقْبَلُ رُجُوعُ العامِلِ عن إقْرارِه إن رَجَع.
ولا شَهادَةُ المُقْرِضِ له، لأنَّه يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا.
وليس له مُطالبَةُ رَبِّ المالِ، لأنَّ العامِلَ مَلَكَه بالقَرْضِ، ثم سَلَّمَه إلى رَبِّ المالِ، وأقرَّ أنَّه له، ولكنْ يَرْجِعُ المُقْرِضُ على العامِلِ لا غيرُ.213
الحديث: 2104 - الجزء: 14 - الصفحة: 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا دَفَع رَجُلٌ إلى رَجُلَين مالًا قِراضًا على النِّصْفِ، فنَضَّ المالُ وهو ثَلاثةُ آلافٍ، فقال رَبُّ المالِ: رَأسُ المالِ ألْفانِ.
فصَدَّقَه أحَدُهما، وقال الآخَرُ: بل هو ألْفٌ.
فالقَوْلُ قولُ المُنْكِرِ مع يَمِينه.
فإذا حَلَف أنَّه ألفٌ، فالرِّبْحُ ألْفان، ونَصِيبُه منهما خَمْسُمائَةٍ، يبقَى ألْفان وخَمْسُمائَةٍ، يَأخُذُ رَبُّ المالِ ألْفَينِ؛ لأنَّ الآخَرَ يُصَدِّقُه، يَبْقَى خَمْسُمائَةٍ رِبْحًا بينَ رَبِّ المالِ والعامِلِ الآخرِ، يَقْتَسِمانِها 215 أثْلاثًا؛ لرَبِّ المالِ ثُلُثاها، وللعامِلِ ثُلُثُها؛ وذلك لأنَّ نَصِيبَ رَبِّ المالِ نِصْفُ الرِّبْحِ، ونَصِيبَ العامِلِ رُبْعُه، فيُقْسَمُ بينَهما باقِي الربْحِ على ثَلاثةٍ، وما أخَذَه الحالِفُ فيما زاد على قَدْرِ نَصِيبِه، كالتَّالِفِ منهما، والتّالِفُ يُحْسَبُ في المُضارَبَةِ مِن الرِّبْحِ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
فصل: إذا دَفَع إلى رَجُلٍ ألْفًا يَتَّجِرُ فيه، فرَبِحَ، فقال العامِلُ: كان قَرْضًا لي رِبْحُه كله.
وقال رَبُّ المالِ: كان قِرَاضًا رِبْحُه بَينَنا.
فالقَوْلُ قولُ رَبِّ المالِ؛ لأنَّه مِلْكُه، فكان القَوْلُ قَوْلَه في صِفَةِ خُرُوجِه عن يَدِه.
فإذا حَلَف، قُسِم الرِّبْحُ بينَهما.
ويَحْتَمِلُ أن يَتَحالفا ويَكُونَ للعامِلِ أكْثَرُ
الجزء: 14 - الصفحة: 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأمْرَين مِمّا شَرَطَ له مِن 216 الرِّبْحِ أو أجْرِ مِثْلِه؛ لأنَّه إن كان الأكْثَرُ نَصِيبَه مِن الرِّبْحِ، فرَبُّ المالِ مُعْتَرِفٌ له به، وهو يَدَّعِي الرِّبْحَ كلَّه، وإن كان أجْرُ مِثْلِه أكثَرَ، فالقَوْلُ قَوْلُه في عَمَلِه، [مع يَمِينه] 217. كما أنَّ القَوْلَ قولُ رَبِّ المالِ في مالِه، فإذا حَلَف، قُبِلَ قَوْلُه في أنَّه ما عَمِل بهذا الشرْطِ، إنَّما عَمِل لغَرَضٍ لم يَسْلَمْ له، فيَكُونُ له أجْرُ المِثْلِ.
فإن أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنةً بدَعْواه.
فنَصَّ أحمدُ في رِوايَةِ مُهَنَّا، أنَّهما يَتعارَضان، ويُقسَمُ المالُ بينَهما نِصْفَين.
وإن قال رَبُّ المالِ: كان بِضاعةً.
وقال العامِلُ: كان قِرَاضًا.
احْتَمَلَ أن يَكُونَ القَوْلُ قولَ العامِلِ؛ لأنَّ عَمَلَه له، فيَكُونُ القَوْلُ قَوْلَه فيه.
ويَحْتَمِلُ أن يَتَحالفا ويَكُونَ للعامِلِ أقَلُّ الأمْرَين مِن نَصِيبِه مِن الرِّبْحِ أو أجْرِ مِثْلِه، لأنَّه لا 218 يَدَّعِي أكْثَرَ مِن نَصِيبِه مِن الرِّبْحِ، فلم يَسْتَحِقَّ زِيادَةً عليه 219، وإن كان الأقَلُّ أجْرَ مِثْلِه، فلم يَثْبُتْ كونُه قِرَاضًا، فيكونُ له أجْرُ عَمَلِه، وإن قال رَبُّ المالِ: كان
الجزء: 14 - الصفحة: 146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِضاعَةً.
وقال العامِلُ: كان قَرْضًا.
حلَف كلُّ واحِدٍ منهما على إنْكارِ ما ادَّعاهُ خَصْمُه، وكان للعامِلِ أجْرُ عَمَلِه لا غيرُ، وإن خَسِر المالُ أو تَلِف، فقال رَبُّ المالِ: كان قَرْضًا.
وقال العامِلُ: كان قِراضًا -أو: بِضاعَةً.
فالقَوْلُ قولُ رَبِّ المالِ.
فصل: وإذا شَرَط المُضارِبُ النَّفَقَةَ، ثم ادَّعَى أنَّه أنْفَقَ مِن مالِه، وأرادَ الرجُوعَ، فله ذلك؛ سواء كان المالُ باقِيًا في يَدَيه، أو قد رَجَع إلى مالِكِه.
وبه قال أبو حنيفةَ: إذا كان المالُ في يَدَيه، وليس له ذلك بعدَ رَدِّه.
ولَنا، أنَّه أمِينٌ، فكان القَوْلُ قَوْلَه في ذلك، كما لو كان باقِيًا في يَدَيهِ، وكالوَصِيِّ إذا ادَّعَى النَّفَقَةَ.
على اليَتيمِ.
فصل: إذا كان عَبْدٌ بينَ رَجُلَين، فباعَه أحَدُهما بِأمْرِ الآخَرِ بِألْفٍ، وقال: لم 220 أقْبِضْ ثَمَنَه.
وادَّعَى المُشْتَرِي أنَّه قَبَضَه، وصَدَّقَه الذي لم يَبعْ، بَرِئَ المُشْتَرِي مِن نِصْفِ ثَمَنِه؛ لاعْتِرافِ شَرِيكِ البائِع بقَبْضِ وَكِيله حَقَّه، فبَرِئ المُشْتَرِي منه، كما لو أقَرَّ بقَبْضِه بنَفْسِه، وتَبْقَى الخُصُومَةُ بينَ البائِع وشَرِيكِه والمُشْتَرِي، فإن خاصَمَه شَرِيكُه، وادَّعَى عليه أنَّك قَبَضْتَ 221 نصِيبِي مِن الثَّمَنِ، فأنْكَرَ، فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينه، فإن كان للمُدَّعِي بَيَنةٌ، حُكِمَ بها، ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ المُشْتَرِي له؛ لأنَّه
يَجُرُّ بها إلى نَفْسِه نَفْعًا.
وإن خاصَمَ البائِعُ المُشْتَرِيَ، فالقَوْلُ قولُ البائِع
الجزء: 14 - الصفحة: 147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مع يَمِينه في عَدَمِ القَبْضِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ.
فإذا حَلَف أخَذَ مِن المُشْتَرِي نِصْفَ الثَّمَنِ، ولا يُشارِكُه فيه شَرِيكُه؛ لأَنه يُقِرُّ أنَّه يَأخُذُه ظُلْمًا، فلا يَسْتَحِقُّ مُشارَكَتَه فيه.
وإن كانت للمُشْتَرِي بَيِّنة، حُكِم بها، ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ شَرِيكِه عليه؛ لأنَّه يَجُرُّ بها إلى نَفْسِه نَفْعًا ومَن شَهِد شَهادَةً يَجُرُّ بها إلى نَفْسِه نَفْعًا، بَطَلَتْ شَهادَتُه في الكُلِّ.
ولا فَرْقَ بينَ مُخاصَمَةِ الشَّرِيكِ قبلَ مُخاصَمةِ المُشْتَرِي أو بعدَها.
وإن ادَّعَى المُشْتَرِي أنَّ شَرِيكَ البائِعِ قَبَض الثَّمَنَ منه، فصَدَّقَه البائِعُ، نَظَرْتَ؛ فإن كان البائِعُ أذِنَ لشَرِيكِه في القَبْضِ، فهي كالتي قبلَها، وإن لم يَأذَنْ له [في القَبْضِ] 222، لم تَبْرَأ ذِمَّةُ المُشْتَرِي مِن شيءٍ مِن الثَّمَنِ؛ لأنَّ البائِعَ لم يُوَكِّلْه في القَبْضِ، فقَبْضُه له لا يَلْزَمُه ولا يَبْرأُ المشْتَرِي منه، كما لو دَفَعَه إلى أجْنَبِي.
ولا يُقْبَلُ قولُ المُشْتَرِي على شَرِيكِ البائِعِ؛ لأَنَّه يُنْكِرُه، وللبائِعِ المُطالبَةُ 223 بقَدْرِ نَصِيبِه لا غيرُ؛ لأنَّه مُقِرٌّ أنَّ شَرِيكَه قَبَض حَقَّه.
ويَلْزَمُ المُشْتَرِيَ دَفْعُ نَصِيبِه إليه مِن غيرِ يَمِين؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ مُقِرٌّ ببَقاءِ حَقِّه.
وإن دَفَعَه إلى شَريكِه، لم تَبْرَأ ذِمته، فإذا قَبَض حَقَّه، فلِشَرِيكِه مُشارَكَتُه فيما قَبَض؛ لأنَّ الدَّينَ لهما ثابتٌ بسَبِبٍ واحدٍ، فما قَبَض منه يَكُونُ بينَهما، كما لو كان مِيراثًا.
وله أَن لا يُشارِكَه ويُطالِبَ المُشْتَرِيَ بِحَقِّه كلِّه.
الجزء: 14 - الصفحة: 148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ الشَّرِيكُ مُشارَكَتَه فيما قَبَض؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَسْتَحِقُّ ثَمَنَ نَصِيبِه الذي يَنْفَرِدُ به، فلم يَكُنْ لشَرِيكِه مشارَكَتُه فيما قَبَض مِن ثَمَنِه، كما لو باعَ كلُّ واحِدٍ نَصِيبَه في صَفْقَةٍ.
ويُخالِفُ المِيراثَ؛ لأنَّ سَبَبَ اسْتِحقاقِ الوَرَثَةِ لا يَتَبَعَّضُ، فلم يَكُنْ للوَرَثَةِ تَبْعِيضُه، وهاهنا يَتَبَعَّضُ؛ لأنَّه إذا كان البائعُ اثْنَين كان بمَنْزِلَةِ عَقْدَين، ولأنَّ الوارِثَ نائبٌ عن المَوْرُوثِ، فكان ما يَقْبِضُه للمَوْرُوثِ، يَشْتَرِكُ فيه جَمِيعُ الوَرَثَةِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا، فإنَّ ما يَقْبِضُه لنَفْسِه.
فإن قُلْنا: له مُشارَكَتُه فيما قَبَض.
فعليه اليَمِينُ أنَّه لم يَسْتَوْفِ حَقَّه مِن المُشْتَرِي، ويَأخُذُ مِن القابضِ نِصْفَ ما قَبَضَه، ويُطالِبُ المُشْتَرِيَ ببَقِيَّةِ حَقِّه إذا حَلَف له أيضًا أَنَّه ما قَبَض منه شيئًا.
وليس للمَقْبُوضِ منه أن يَرْجِعَ على المُشْتَرِي بعِوَضِ ما أخَذَ منه؛ لأنَّه مُقِرٌّ أنَّ المُشْتَرِيَ قد بَرِئَتْ ذِمَّتُه مِن حَقِّ شَرِيكِه، وإنَّما أخَذَ منه ظُلْمًا، فلا يَرْجِعُ بما ظَلَمَه هذا على غيرِه.
وإن خاصَمَ المُشْتَرِي شَرِيكَ البائعِ، وادَّعَى عليه أنَّه قَبَض الثَّمَنَ منه، وكانت له بَيِّنة، حُكِم بها، وتُقْبَلُ شَهادَةُ البائعِ له إذا كان عَدْلًا، لأنَّه لا يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا، ولا يَدْفعُ عنه ضَرَرًا؛ لأنّه إذا ثَبَت أنَّ شَرِيكَه قَبض الثَّمَنَ، لم يَمْلِكْ مُطالبَتَه بشيءٍ؛ لأنَّه ليس بِوَكِيلٍ له في القَبْضِ، فلا يَقَعُ قَبْضُه له.
هكذا ذَكَر بعضُ أصْحابِنا.
قال شيخُنا 224: وعندِي لا تُقْبَلُ شَهادَتُه له؛ لأنَّه يَدْفَعُ عن نفْسِه ضَرَرَ مُشَارَكةِ شَرِيكِه له فيما يَقْبِضُه مِن المُشْتَرِي.
وإذا لم يَكُنْ
الجزء: 14 - الصفحة: 149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَيِّنةً فحَلَفَ، أخَذَ مِن المُشْتَرِي نِصْفَ الثَّمَنِ، وإن نَكَل، أخَذَ المُشْتَرِي منه نِصْفه.
فصل: إذا كان عَبْدٌ بينَ اثْنَين، فغَصَبَ رَجُلٌ نَصِيبَ أحَدِهما، بأن يسْتَوْلِيَ على العَبْدِ ويَمْنَعَ أحَدَهما الانْتِفاعَ دُونَ الآخرِ، ثم إنَّ مالِكَ نِصْفِه والغاصِبَ باعَا العَبْدَ صَفْقَةً واحِدَةً، صَحَّ في نَصِيبِ المالِكِ، وبَطَل في نَصِيبِ الغاصِبِ.
وإن وَكَّلَ الشَّرِيكُ الغاصِبَ، أو وَكَّلَ الغاصِبُ الشَّرِيكَ في البَيعِ، فباعَ العَبْدَ كلَّه صَفْقَةً واحِدَةً، بَطَل في نَصِيبِ الغاصِب، في الصَّحِيحِ.
وهل يَصِحُّ في نَصِيبِ الشَّرِيكِ؟ على رِوايَتَين، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وقد بَطَل البَيعُ في بعضِها، فيَبْطُلُ في سائِرِها.
بخِلافِ ما إذا باع المالِكُ والغاصِبُ، فإنَّهما عَقْدان؛ لأنَّ عَقْدَ الواحِدِ مع الاثْنَين عَقْدان.
ولو أنَّ الغاصِبَ ذَكَر للمُشْتَرِي أنَّه وَكِيلٌ في نِصْفِه، لَصَحَّ في نَصِيبِ الآذِنِ؛ لكَوْنِه كالعَقْدِ المُنْفَرِدِ.
فصل: إذا كان لرَجُلَين دَينٌ [بِسَببٍ واحدٍ] 225؛ إمّا عَقْدٍ أو مِيراثٍ أو اسْتِهلاكٍ أو غيرِ ذلك، فقَبَضَ أحَدُهما منه شيئًا، فللآخَرِ مُشارَكَتُه فيه في ظاهِرِ المَذْهَب.
وعنِ أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ لأحَدِهما أخْذَ حَقِّه دُونَ صاحِبِه، ولا يُشارِكُه الآخرُ فيما أخَذَ.
وهو قولُ أبي العالِيَةِ، وأبي قِلابَةَ، وابنِ سِيرِينَ، وأبي عُبَيدٍ.
قِيلَ لأحمدَ: بِعْتُ أنا وصاحِبي مَتاعًا بيني وبينَه، فأعْطانِي حَقِّي، وقال: هذا حَقُّكَ خاصَّةً، وأنا أُعْطِي شَرِيكَكَ
الجزء: 14 - الصفحة: 150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعدُ؟ قال: لَا يجوزُ.
قِيلَ له: فإن أخَّرَه أو أبرَأه مِن حَقِّه دُونَ صاحِبِه؟ قال: يَجُوزُ.
قِيل: فقد قال أبو عُبَيدٍ: يَجُوزُ أن يَأخُذَ دُونَ صاحِبِه إذا كان له أن يُؤخِّرَ ويُبْرِئَه دُونَ صاحِبِه؟ ففَكَّرَ فيها، ثم قال: هذا يُشْبِهُ المِيراثَ إذا أخَذَ منه بعضُ الوَرَثَةِ دُونَ بعضٍ، وقد قال ابنُ سِيرينَ وأبو قِلَابَةَ وأبو العالِيَةِ: مَن أخَذَ شيئًا فهو مِن 226 نصِيبِه.
قال: فرأيتُه قد احْتَجَّ له وأجَازَه.
قال أبو بَكْرٍ: العَمَلُ عندِي على ما رَواه حَنْبَل وحَرْب، أنه لا يَجُوزُ أن يَكُونَ نَصِيبُ القابِضِ له فيما أخَذَه؛ لِما في ذلك مِن قِسْمَةِ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ مِن غيرِ رِضَا الشَّرِيكِ، فيَكُونُ المَأخُوذُ والباقي جَمِيعًا مُشْتَرَكًا.
ولغيرِ القابِضِ الرُّجُوعُ [على القابِضِ] 227 بحِصَّتِه مِن الدَّينِ، سواءٌ كان المالُ باقِيًا في يَدِه، أو أخْرَجَه عنها برَهْنٍ أو قَضاءِ دَينٍ أو غيرِه.
وله أن يَرْجِعَ على الغَرِيمِ؛ لأنَّ الحَقَّ يَثْبُت في ذِمَّتِه لهما على وَجْهٍ سواءٍ، فليس له تَسْلِيمُ حَقِّ أحَدِهما إلى الآخَرِ.
فإن أخَذَ مِن الغَرِيمِ، لم يَرْجِعْ على الشَّرِيكِ بشيء؛ لأنَّ حَقَّه ثَبَت في أحَدِ المَحَلَّين، فإذا أجاز 228 أحَدُهما سَقَط حَقُّه مِن الآخَرِ، وليسِ للقابِضِ مَنْعُه مِن الرُّجُوعِ على الغَرِيمِ، بأن يَقُولَ: أنا أعْطِيكَ نِصْف ما قَبَضْتُ.
بل الخِيَرَةُ إليه، مِن أيِّهما شاء قَبَض، فإن قَبَض مِن شَرِيكِه شيئًا، رَجَع الشَّرِيكُ على الغَرِيم
الجزء: 14 - الصفحة: 151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بمِثْلِه، فإن هَلَك المَقْبُوضُ في يَدِ القابِضِ، تَعَيَّن حَقَّه فيه، ولم يَضْمَنْه للشَّرِيكِ؛ لأَنه قَدْرُ حَقِّه فما تَعَدَّى بالقَبْضِ، وإنما كان لشَرِيكِه مشارَكَتُه لثُبُوتِه في الأصْلِ مُشْتَرَكًا.
وإن أبرأ أحَدَ الشَّرِيكَين مِن حَقِّه، بَرِئ منه؛ لأَنه بمَنْزِلَةِ تَلَفِه، ولا يَرْجِعُ [عليه غَرِيمُه] 229 بشيءٍ، وإن أبرأ أحَدَهما مِن عُشْرِ الدَّينِ، ثم قَبَضا مِن الدَّينِ شيئًا، اقْتَسماه على قَدْرِ حَقهما في الباقِي؛ للمُبْرِئ 230 أرْبَعَةُ أتْساعِه، ولشَرِيكِه خَمْسَةُ أتْساعِه.
فإن قَبَضا نِصْفَ الدَّين ثم أبرأ أحَدَهما مِن عُشْرِ الدَّينِ كلِّه، نَفَذَتْ بَراءَتُه في خُمْسِ الباقِي، وما بَقِيَ بينَهما على ثَمانِيَةٍ؛ للمُبْرِئ (2) ثَلاثةُ أثْمانِه، وللآخَرِ خَمْسَةُ أثْمانِه، فما قَبَضاه بعدَ ذلك اقْتَسَماه على هذا.
وإنِ اشْتَرَى أحَدُهما بنَصِيبِه ثَوْبًا أو غيرَه، فللآخَرِ إبْطالُ الشراءِ، فإن بَذَل له المُشْتَرِي نِصْفَ الثَّوْبِ ولا يُبْطِلُ البَيعَ، لم يَلْزَمْه ذلك.
وإن أجاز البَيعَ ليَمْلِكَ نِصْفَ الثَّوْبِ، انْبَنَى على بَيعِ الفُضُولِيِّ، هل يَقِفُ على الإِجازَةِ أو لا؟ وإن أخَّرَ أحَدُهُما حَقَّه مِن الدَّينِ، جاز؛ لأنه لو أسْقَطَ حَقَّه، جاز، فتَأخِيرُه أوْلَى.
فإن قَبَض الشَّرِيكُ بعدَ ذلك شيئًا، لم يَكُنْ لشَرِيكِه الرُّجُوعُ عليه بشيءٍ.
ذَكَرَه القاضي.
والأوْلَى أنَّ له الرُّجُوعَ؛ لأنَّ الدَّينَ الحالَّ لا يتَأجَّلُ بالتَّأجِيلِ، فوُجُودُ التَّأجِيلِ كعَدَمِه.
وأمّا إذا قُلْنا بالرِّوايَةِ الأخْرَى، وأنَّ ما يَقْبِضُه أحَدُهما له دُونَ صاحِبِه، فوَجْهُها أنَّ ما في الذِّمَّةِ لا يَنْتَقِلُ إلى
الجزء: 14 - الصفحة: 152
فَصْلٌ: الثَّالِثُ، شَرِكَةُ الْوُجُوهِ؛ وَهِيَ أنْ يَشتَرِكَا، عَلَى أن يَشْتَرِيَا بِجَاهِهِمَا دَينًا فَمَا رَبِحَا فَهُوَ بَينَهُمَا.
العَينِ إلَّا بتَسْلِيمِه إلى غَرِيمِه أو وَكِيله، وما قَبَضَه أحَدُهما فليس لشَرِيكِه فيه قَبْضٌ ولا لوَكِيله، فلا يَثْبُتُ له فيه حَق ويَكُونُ لقابِضِه؛ لثُبُوتِ يَدِه عليه بحَق، فأشْبَهَ ما لو كان الدَّينُ بسَبَبَين.
وليس هذا قِسْمَةَ الدَّينِ في الذِّمَّةِ، وإنَّما تَعَيَّنَ حَقه بقَبْضِه، فأشْبَهَ تَعْيِينَه بالإبراءِ، ولأنَّه لو كان لغيرِ القابِضِ حَقٌّ في المَقْبُوضِ لم يَسْقُطْ بتَلَفِه، كسائِرِ الحُقُوقِ، ولأنَّ هذا القَبْضَ إن كان بحَق، لم يُشارِكْه غيرُه فيه، كما لو كان الدَّينُ بسَبَبَين، وإن كان بغيرِ حَق، لم يَكُنْ له مُطالبَتُه؛ لأنَّ حَقَّه في الذِّمَّةِ لا في العَينِ، فأشْبَهَ ما لو أخَذَ غاصِبٌ منه مالًا.
فعلى هذا، ما قَبَضَه القابِضُ يَخْتَصُّ به، وليسَ لشَرِيكِه الرُّجُوعُ عليه.
وإنِ اشْتَرَى بنَصِيبِه شيئًا، صَحَّ، ولم يَكُنْ لشَرِيكِه إبْطالُ الشِّراءِ.
وإن قَبَض أكْثَرَ مِن حَقِّه بغَيرِ إذْنِ شَرِيكه، لم يَبْرَأ الغَرِيمُ ممّا زاد على حَقه.
فصل: (الثّالِثُ، شَرِكَةُ الوُجُوهِ) وقد اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِها، قال الخِرَقِي: وهو أن يَشْتَرِكَ اثْنانِ بمالِ غَيرِهما.
وقال القاضي: مَعْناها أن يَدْفَعَ واحِدٌ ماله إلى اثْنَين مُضارَبَةً، فيَكُونُ المُضارِبان شَرِيكَين في الرِّبْح
الجزء: 14 - الصفحة: 153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بمالِ غيرِهما؛ لأنَّهما إذا 231 أخَذا المال بجَاهِهِما، لم يَكونا مُشْتَرِكَين بمالِ 232 غيرِهما.
وهذا محْتَمِلٌ.
وقال غيرُه: مَعْناها أنَّهما اشْتَركا فيما يَأخُذان مِن مالِ غيرِهما.
وحُمِلَ كَلامُ الخِرَقِيِّ على ذلك؛ ليَكُونَ كَلامُه جامِعًا لأنْواعِ الشَّرِكَةِ، وعلى تَفْسِيرِ القاضِي، تَكُونُ الشَّرِكَةُ بينَ ثَلاثةٍ، ويَكُونُ الخِرَقِي قد أخَلَّ بذِكْرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الشَّرِكَةِ، وهي شَرِكَةُ الوُجُوهِ 233 على تَفْسِيرِ القاضي.
فأمّا شَرِكَةُ الوُجُوهِ على ما ذَكَرَه شيخُنا في الكِتابِ المَشْرُوحِ، فهي أن يَشْتَركَ اثْنانِ فيما يَشتَرِيان بجَاهِهما وثِقَةِ التُّجّارِ بهما، مِن غيرِ أن يَكُونَ لهما رَأسُ مالٍ، على أنَّ ما اشْتَرَيا فهو بينَهما نِصْفَين أو أثْلاثًا أو نحوَ ذلك، ويَبِيعان ذلك، فما قَسَم الله مِن الرِّبْحِ، فهو بينَهما فهي جائِزَةٌ، سواءٌ عَيَّنَ أحَدُهما لصاحِبِه ما يَشتَرِيه، أو قَدْرَه، أو ذَكَر صِنْفَ المالِ، أو لم يُعَيِّنْ شيئًا مِن ذلك، بل قال: ما اشْتَرَيتَ مِن شيءٍ فهو بَينَنا.
قال أحمدُ في رِوايَةِ ابن مَنْصُورٍ، في رَجُلَين اشْتَرَكا بغيرِ رُءُوسِ أمْوالِهما، على أنَّ ما يَشْتَرِيه كل واحِدٍ منهما بينَهما، فهو جائِز.
وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، ومحمدُ بنُ الحَسَنِ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال
الجزء: 14 - الصفحة: 154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ حتى يَذْكُرَ الوَقْتَ أو المال أو صِنْفًا مِنِ الثِّيابِ.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ: يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شَرائِطِ الوَكالةِ؛ لأنَّ شَرائِطَ الوَكالةِ مُعْتَبَرَةٌ في ذلك؛ مِن تَعْيِينِ الجِنْسِ، وغيرِه مِن شُرُوطِ الوَكالةِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما وَكِيلُ صاحِبِه.
ولَنا، أنَّهما اشْتَرَكا في الابتِياعِ، وأذِنَ كلُّ واحِدٍ منهما للآخرِ فيه، فصَحَّ، وْكان ما 234 يَتَبايَعانه بينَهما، كما لو ذَكَرا أشْراطَ الوَكالةِ.
وقَوْلُهم: إنَّ الوَكالةِ لا تَصِحُّ حتى [يَذْكُرَ قَدْرَ] 235 الثَّمَنِ والنَّوْعَ.
مَمْنُوعٌ، وإن سُلِّمَ، فإنَّما يُعْتَبَرُ في الوَكالةِ المُفْرَدَةِ، أمّا الوَكالةُ الدّاخِلَةُ في ضِمْنِ الشَّرِكةِ، فلا يُعْتَبَرُ فيها ذلك، بدَلِيل المُضارَبَةِ وشَرِكَةِ العِنانِ، فإنَّ في ضِمْنِهما 236 تَوْكِيلًا، ولا يُعْتَبَرُ فيهما 237 شيءٌ مِن هذا، كذا هاهُنا.
فعلى هذا، إن قال لرَجُلٍ: ما اشْتَريتَ اليَوْمَ مِن شيءٍ فهو بَيني وبَينَكَ نِصْفين.
أو أطْلَقَ الوَقْتَ، فقال: نَعَم.
أو قال: ما اشْتَرَيتُ أنا مِن شيءٍ فهو بَيني وبَينكَ نِصفان.
جاز، وكانت شَرِكةً صَحِيحَةً؛ لأنَّه أذِنَ له في التِّجارَةِ على أن يَكُونَ المَبِيعُ بينَهما، وهذا مَعْنَى الشَّرِكَةِ، ويَكُونُ تَوْكِيلًا له في شِرَاءِ نِصْفِ المَتاعِ بنِصْفِ الثَّمَنِ،
الجزء: 14 - الصفحة: 155
فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلُ صَاحِبِهِ كَفِيلٌ عَنْهُ بِالثَّمَنِ.
وَالْمِلْكُ بَينَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيهِمَا فِيهِ.
فيَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ في مُقابَلَةِ مِلْكِه الحاصِلِ في المَبِيعِ، سواءٌ خَصَّ ذلك بنَوْعٍ مِن المَتاع أو أطْلَقَ.
وكذلك لو قالا: ما اشْتَرَيناهُ.
أو: ما اشْتَراه أحَدُنا مِن تِجارَةٍ، فهو بَيننا.
صَحَّ (1). (فَكُلُّ واحِدٍ منهما وَكِيلُ صاحِبِه، كَفِيل عنه بالثَّمَنِ) لأنَّ مَبْناها على الوَكالةِ والكَفالةِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما وَكِيلُ الآخَرِ فيما يَشْتَرِيه ويَبِيعُه، كَفِيل عنه بذلك.
2106 -
مسألة: (والمِلْكُ بينَهما على ما شَرَطاه)
لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «المُؤمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» 239. (والوَضِيعَةُ على قَدْرِ مِلْكَيهما) قِياسًا على شَرِيكَيِ العِنانِ؛ لأنَّها في مَعْناها، والرِّبْحُ بينَهما238
الحديث: 2106 - الجزء: 14 - الصفحة: 156
وَالرِّبْحُ بَينَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ، وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيهِمَا.
على ما شَرَطاه كذلك 240، (ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ على قَدْرِ مِلْكَيهما) قاله القاضي؛ لأنَّ الرِّبْحَ يُسْتَحَقُّ بالضَّمانِ، إذِ الشَّرِكَةُ وَقَعَتْ عليه خاصّةً، إذ لا مال لهما فيَشْتَرِكان على العَمَلِ فيه، والضَّمانُ لا تَفاضُلَ فيه، فلا يَجُوزُ التَّفاضُلُ في الرِّبْحِ.
ولَنا، أنَّهما شَرِيكان في المَالِ والعَملِ، فجاز تَفاضُلُهما في الربْحِ مع تَساويهما في المالِ، كشَرِيكَي العِنانِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 157
وَهُمَا فِي التَّصَرّفَاتِ كَشَرِيكَي الْعِنَانِ.
فَصْل: الرَّابع، شَرِكَة الْأبْدَانِ؛ وهِيَ أنْ يَشْتَرِكَا فِيمَا يَكْتَسِبَانِ بِأبْدَانِهِمَا، فَهِيَ شَرِكَةٌ صَحِيحَة، وَمَا يَتَقَبَّله أحَدهمَا مِنَ الْعَمَلِ، يَصِير فِي ضَمَانِهِمَا يُطَالبَانِ بِهِ وَيَلْزَمهمَا عَمَلُهُ.
2107 - مسألة: (وهما في التَّصَرُّفاتِ كَشَرِيكَي العِنَانِ)
يَعْنِي فيما يَجِبُ لهما وعليهما، وفي إقْرارِهما وخُصُومَتِهما، وغيرِ ذلك، على ما ذَكَرْناه.
وأيهما عَزَل صاحِبَه عن التَّصَرُّفِ، انْعَزَلَ؛ لأنَّه وَكِيلُه.
وسُمِّيَت شَرِكَةَ الوُجُوهِ؛ لأنَّهما اشْتَرَكا فيما يَشْتَرِيانِ بجاهِهِما، والجاهُ والوَجْهُ واحِد، يُقالُ: فلان وَجِيه.
إذا كان ذا جاهٍ، قال الله تعالى في مُوسَى عليه السّلامُ: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ 241.
فصل: (الرّابعُ، شَرِكَةُ الأبدانِ؛ وهي أن يَشْتَرِكا فيما يَكْتَسِبان بأبْدانِهِما، فهي شرِكَة صَحِيحة) فهي أن يَشْتَرِكَ اثْنان أو أكْثَرُ فيما
الحديث: 2107 - الجزء: 14 - الصفحة: 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَكْتَسِبُونَه [بأيدِيهم أن يَعْمَلُوا في صِناعَتِهم، فما رَزَق اللهُ سُبْحانه، فهو بينَهم، وكذلك إذا اشْتَرَكُوا فيما يَكْتَسِبُون] 242 مِن المُباحِ؛ كالحَطَبِ، والحَشِيشِ، والثِّمارِ المَأخوذَةِ مِن الجِبالِ، والاصْطِيادِ، والمَعادِنِ، والتَّلَصُّصِ على دارِ الحَرْبِ، فهذا جائِز.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ أبي طالِبٍ، فقال: لا بَأسَ أن يَشْتَرِكَ القَوْمُ بِأبْدانِهم وليس لهم مالٌ، مِثْلَ الصَّيّادِين والحَمّالِين والنَّخّالِين، قد أشْرَكَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بينَ عَمّارٍ وسَعْدٍ وابنِ مَسْعُودٍ، فجاء سَعْدٌ بأسِيرَين ولم يَجِيئا بشيءٍ 243. وفَسَّرَ أحمدُ صِفَةَ الشرِكَةِ في الغَنِيمَةِ، فقال: يَشتَرِكان فيما يُصِيبان مِن سَلَبِ المَقْتُولِ؛ لأنَّ القاتِلَ يَخْتَصُّ به دُونَ الغانِمِين.
وبه قال مالكٌ.
وقال أبو حنيفةَ: تَصِحُّ في الصِّناعَةِ، ولا تَصِحُّ في اكْتِسابِ المُباحِ، كالاحْتِشاشِ والاغْتِنامِ؛ لأن الشَّرِكَةَ مُقْتَضاها الوَكالةُ، ولا تَصِحُّ الوَكالةُ في هذه الأشْياءِ؛ لأنَّ مَن أخَذَها مَلَكَها.
وقال الشافعيُّ: شَرِكَةُ الأبدانِ كلُّها فاسِدَة؛ لأنها شَرِكَة على غيرِ مالٍ، فلم تَصِحَّ، كما لو اخْتَلَفَتِ الصِّناعاتُ.
ولَنا، ما روَى أبو داوُدَ 244، والأثْرَمُ، بإسْنادِهما عن عبدِ اللهِ قال: اشْتَرَكْنا أنا وسَعْدٌ وعَمّارٌ يومَ بَدْر، فلم أجِيء أنا وعمّارٌ بشيءٍ، وجاء سَعْدٌ بأسِيرَين.
ومِثْلُ هذا لا يَخْفَى عن رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وقد أقرَّهُم،
الجزء: 14 - الصفحة: 159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد قال أحمدُ: أشْرَكَ بينَهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. فإن قِيلَ: فالمَغانِمُ مُشتَرَكَة بينَ الغانِمِين بحُكْمِ الله تِعالى، فكيف يَصِحُّ اخْتِصاصُ هؤلاء بالشَّرِكَةِ فيها؟ وقال بعضُ الشافعيّةِ: غَنائِمُ بَدْرٍ كانت لرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فكان له أن يَدْفعَها إلى مَن يَشاءُ، فيَحْتَمِلُ أن يَكُونَ فَعَل ذلك لهذا.
قُلْنا: أمَّا الأوَّلُ، فالجَوابُ عنه: أنَّ غَنائِمَ بَدْرٍ كانت لمَن أخَذَها قبل أن يُشرِكَ الله تعالى بينَهم، ولهذا نُقِلَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أخَذَ شَيئًا فَهُوَ لَهُ» 245. فكان ذلك مِن قَبِيلِ المباحاتِ؛ مَن سَبَق إلى أخْذِ 246 شيء، فهو له.
ويَجُوزُ أن يَكُونَ شَرَّك بينَهم فيما يُصِيبُونَه مِن الأسْلابِ والنَّفَلِ.
إلَّا أنّ الأوَّلَ أصَحُّ؛ لقَوْلِه: جاء سَعْدٌ بأسِيرَين ولم أجِئ أنا وعمّارٌ بشيء.
وأمّا الثّانِي، فإنَّ اللهَ تعالى إنَّما جَعَل الغَنِيمَةَ لنَبيِّه عليه السّلامُ بعدَ أن غَنِمُوا واخْتَلَفُوا في الغَنائِمِ، فأنْزَلَ الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ 247. والشَّرِكَةُ كانت قبلَ ذلك.
ويَدُلُّ على صِحَّةِ هذا، أنَّها لو كانت لرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فإمّا أن يَكُونَ قد أباحَهُم أخْذَها، فصارَتْ كالمُباحاتِ، أو لم يُبِحْها لهم، فكيفَ يَشْتَرِكُون في شيءٍ لغيرِهم؟ وفي هذا الخَبَرِ حُجَّة على أبي حنيفةَ أيضًا؛ لأنَّهم اشْتَرَكُوا في مُبَاحٍ، وفيما ليس بصِناعَةٍ 248، وهو يَمْنَعُ ذلك، ولأنَّ العَمَلَ أحَدُ
الجزء: 14 - الصفحة: 160
وَهَلْ تَصِحُّ مَعَ اخْتِلَافِ الصَّنَائِعِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وَتَصِحُّ فِي
جِهَتَي المُضارَبَةِ، فصَحَّتِ الشَّرِكَةُ عليه، كالمالِ، وعلى أبي حنيفةَ أيضًا، أنَّهما اشْتَرَكا في مَكْسَبٍ مُبَاح، فصَحَّ، كما لَو اشْتَرَكا في الخِياطَةِ والقِصارَةِ.
ولا نُسَلِّمُ أنَّ الوَكالةَ لا تَصِحُّ في المُباحاتِ؛ فإنَّه يَصِحُّ أن يَسْتَنِيبَ في تَحْصِيلها بأجْرَةٍ، فكذلك يَصِحُّ بغيرِ عِوَض إذا تَبَرَّعَ أحَدُهما (1) بذلك، كالتَّوْكِيلِ في بَيعِ مالِه.
ومَبْناها (2) على الوَكالةِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما وَكِيلُ صاحِبِه، وما يَتَقَبّلُه كلُّ واحِدٍ منهما مِن الأعْمالِ، فهو مِن ضَمانِهما، يُطالبُ به كل واحِدٍ منهما.
2108 -
مسألة: وتَصِحُّ مع اتِّفاقِ الصَّنائِعِ روايَةً واحِدَةً،
فأمّا مع اخْتِلافِهِما، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَصِحُّ.
اخْتَارَه أبو الخَطّابِ.249250
الحديث: 2108 - الجزء: 14 - الصفحة: 161
الاحتِشَاشِ، وَالاصْطِيَادِ، وَالتَّلَصُّصِ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ مُقْتَضاها أنَّ ما يَتَقَبَّلُه كلُّ واحِدٍ منهما مِن العَمَلِ يَلْزَمُهما ويُطالبُ به كلُّ واحِدٍ منهما، فإذا تَقَبَّلَ أحَدُهما شيئًا مع اخْتِلافِ صَنائِعِهما، لم يُمْكِنِ الآخَرَ أن يَقُومَ به، فكيفَ يَلْزَمُه عَمَلُه؟ أم كيف يُطالبُ بما لا قُدْرَةَ له عليه! والثّانِي، تَصِحُّ.
اخْتارَه القاضي؛ لأنهما اشْتَرَكا في مَكْسَبٍ مُباحٍ، فصَحَّ، كما لو اتَّفَقَتِ الصَّنائع، ولأنَّ الصَّنائع المُتَّفِقَةَ قد يَكُونُ أحَدُ الرَّجُلَينِ أحْذَقَ فيها مِن الآخَرِ، فربَّما يَتَقَبّلُ أحَدُهما ما لا يُمْكِنُ الآخَرَ عَمَلُهُ، ولم يَمْنَعْ ذلك صِحَّتَها، فكذلك إذا اخْتَلَفَت الصَّنائع.
وقَوْلُهم: يَلْزَمُ كلَّ واحِدٍ منهما ما يَتَقَبَّلُه صاحِبُه.
قال القاضي: يَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه ذلك، كالوَكِيلَين؛ بدَلِيلِ صِحَّتِها في المُباحِ، ولا ضَمانَ فيها.
وإن قُلْنا: يَلْزَمُه.
أمْكَنَه تَحْصِيلُ ذلك بالأجْرَةِ، أو بمن يَتَبَرَّعُ له بعَمَلِه.
ويَدُلُّ على صِحَّةِ هذا، أنَّه لو قال أحَدُهما: أنا أتَقَبَّلُ وأنتَ
الجزء: 14 - الصفحة: 162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَعْمَلُ.
صَحَّتِ الشَّرِكَةُ، وعَمَلُ كلِّ واحِدٍ منهما غيرُ عَمَلِ صاحِبِه.
وقال زُفَرُ: لا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ إذا قال أحَدُهما: أنا أتَقَبَّلُ وأنْتَ تَعْمَلُ.
ولا يَسْتَحِقُّ العامِلُ المُسَمَّى، وإنَّما له أجْرُ المِثْلِ.
ولَنا، أنَّ الضَّمانَ يُسْتَحَقُّ به الرِّبْحُ، بدَلِيلِ شَرِكَةِ الأبدانِ، وتَقَبُّلُ العَمَلِ يُوجِبُ الضَّمانَ على المُتَقَبِّلِ، ويَسْتَحِقُّ به الرِّبْحَ، فصار كتَقَبُّلِه المال في المُضارَبَةِ، والعَمَلُ يَسْتَحِقُّ به العامِلُ الرِّبْحَ، كعَمَلِ المُضارِبِ، فيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ المُضارَبَةِ.
فصل: والرِّبْحُ في شَرِكَةِ الأبدانِ على ما اتَّفَقُوا عليه، مِن مُساواةٍ أو تَفاضُل؛ لأنَّ العَمَلَ يُسْتَحَقُّ به الرِّبْحُ، وقد يَتفاضَلان في العَمَلِ، فجاز تَفاضُلُهُما في الرِّبْحِ الحاصِلِ به.
ولكلِّ واحِدٍ منهما المُطالبةُ بالأجْرَةِ، وللمُسْتَأجِرِ دَفْعُها إلى كلِّ واحِدٍ منهما، وأيهما دَفَعَها إليه بَرِئ منها.
وإن تَلِفَتْ في يَدِ أحَدِهما مِن غير تَفْرِيطٍ، فهي مِن ضَمانِهما؛ لأنَّهما كالوَكِيلَين في المُطالبةِ، وما يَتَقَبَّلُه كل واحِدٍ منهما مِن الأعْمالِ، فهو مِن ضَمانِهِما، يُطالبُ به كلُّ واحِدٍ منهما، ويَلْزَمُه عَمَلُه؛ لأنَّ هذه الشَّرِكَةَ لا تَنْعَقِدُ إلَّا على الضَّمانِ، ولا شيءَ فيها تَنْعَقِدُ عليه الشَّرِكَةُ حال الضَّمانِ، فكأن الشَّرِكَةَ تَضَمَّنتْ ضَمانَ كلِّ واحِدٍ منهما عنِ الآخَرِ ما يَلْزَمُه.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَ أحَدَهما ما لَزِم الآخرَ، كما ذَكَرْنا مِن قَبلُ.
وما يَتْلَفُ بتَعَدِّي أحَدِهما أو تَفْرِيطِه أو تحتَ يَدِه على وَجْهٍ يُوجِبُ الضَّمانَ
الجزء: 14 - الصفحة: 163
وَإنْ مَرِضَ أحدُهُمَا، فَالْكَسْبُ بَينَهُمَا.
فَإِنْ طَالبَهُ الصَّحِيحُ أنْ يُقِيمَ مُقَامَهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ.
عليه، فهو عليه وَحْدَه، وإن أقَرَّ أحَدُهما بما في يَدِه، قُبِل عليه وعلى شَرِيكِه؛ لأنَّ اليَدَ له، فيُقْبَلُ إقْرارُه بما فيها، ولا يُقْبَلُ إقْرارُه بما في يَدِ شَرِيكِه، ولا بَدْينٍ عليه؛ لأنَّه لا يَدَ له على ذلك.
2109 -
مسألة: (وإن مَرِض أحَدُهما، فالكَسْبُ بينَهما. فإن طَالبَه الصَّحِيحُ أن يُقِيمَ مُقَامَه، لَزِمَه ذلك)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا عَمِل أحَدُهما دُونَ الآخَرِ، فالكَسْبُ بينَهما.
قال ابنُ عَقِيلٍ: نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ إسْحاقَ بنِ هانِئ وقد سُئِلَ عنِ الرَّجُلَين يَشتَرِكان في عَمَلِ الأبدانِ، فيأتِي أحَدُهما بشيءٍ ولا يأتِي الآخرُ بشيءٍ؟ فقال: نعم، هذا بمَنْزِلةِ حديثِ سعدٍ وعَمّارٍ وابنِ مَسْعُودٍ.
يَعْنِي حيثُ اشْتَرَكُوا، فجاء سَعْدٌ بأسِيرَينِ، وأخْفَقَ الآخَران 251. ولأنَّ العَمَلَ مَضْمُونٌ عليهما معًا، وبضَمانِهِما له وَجَبَتِ الأجْرَةُ، فتَكُونُ لهما، كما كان الضَّمانُ عليهما، ويَكُونُ العامِلُ عَوْنًا لصاحِبِه في حِصَّتِه، ولا يَمْنَعُ ذلك اسْتِحقاقَه، كمنِ استَأجَرَ رَجُلًا ليَقْصُرَ له ثَوْبًا، فاسْتعانَ القَصّارُ بإنسانٍ فقَصَرَ معه، كانتِ الأجْرَةُ للقَصّارِ المُسْتَأجَرِ.
كذا هاهُنا.
وسواءٌ تَرَك العَمَلَ لمَرَض أو
الحديث: 2109 - الجزء: 14 - الصفحة: 164
فَإِنِ اشْتَرَكَا لِيَحْمِلَا عَلَى دَابَّتَيْهمَا وَالأُجْرَةُ بَينَهُمَا، صَحَّ.
فَإن تَقَبَّلَا حَمْلَ شَيْءٍ، فَحَمَلَاهُ عَلَيهِمَا، صَحَّتِ الشَّرِكَةُ، وَالأجْرَةُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ.
غيرِه.
فإن طالبَ أحَدُهما الآخَرَ أن يَعْمَلَ معه ويُقِيمَ مُقامَه مَن يَعمَلُ، فله ذلك.
فإنِ امْتَنَعَ فللآخَرِ الفَسْخُ، ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا تَرَك العَمَلَ لغيرِ عُذْرٍ، أن لا يُشارِكَ صاحِبَه في أُجْرَةِ ما عَمِلَه دُونَه، لأنَّه إنَّما شارَكَه ليَعْمَلَا جميعًا، فإذا تَرَك أحَدُهما العَمَلَ، فما وَفَّى بما شَرَط على نَفْسِه، فلم يَسْتَحِقَّ ما جُعِل له في مُقابَلَتِه.
وإنَّما احْتَملَ ذلك فيما إذا تَرَكَه لِعُذْرٍ، لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه.
2110 -
مسألة: (وإنِ اشْتَرَكا على أن يَحْمِلا على دابَّتَيْهما والأجْرَةُ بينَهما، صَحَّ)
لأنه نَوْعٌ مِن الاكْتِسابِ، والدّابَّتانِ آلتانِ، فأشْبَها الأداةَ.
2111 -
مسألة: (فإذا تَقَبَّلا حَمْلَ شيءٍ، فحَمَلاه عليهما)
أو على غيرِ الدّابَّتَيْن (صَحَّتِ الشَّرِكَةُ، والأجْرَةُ) بينَهما (على ما شَرَطاه، لأنَّ تَقَبُّلَهما الحَمْلَ أثْبَتَ الضَّمانَ في ذِمَّتِهما، ولهما أن يَحْمِلا بأيِّ ظَهْرٍ
الحديث: 2110 - الجزء: 14 - الصفحة: 165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كَان، والشرِكَةُ تَنْعَقِدُ على الضَّمانِ، كشَرِكَةِ الوُجُوهِ، فأشْبَهَ ما لو تَقَبَّلا قَصارَةً فقَصَراها بغيرِ أداتِهما.
الجزء: 14 - الصفحة: 166
وَإنْ أجَرَاهُمَا بِأعْيَانِهِمَا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُجْرَةُ دَابَّتِهِ
2112 - مسألة: (وإن أجَراهما بأعْيانِهِما، فلكُلِّ واحِدٍ منهما أُجْرَةُ دابَّتِه)
أمّا إذا أجَرَا الدّابَّتينَ بأعْيانِهما على حَمْلِ شيءٍ بأجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ، واشْتَرَكا على ذلك، لم تَصِح الشَّرِكَةُ، ولكُلِّ واحِدٍ منهما أُجْرَةُ دابَّتِه؛ لأنَّه لم يَجِبْ ضَمانُ الحَمْلِ في ذِمَّتهما 252، وإنما اسْتَحَقَّ المُكْتَرِي مَنْفَعَةَ البَهِيمَةِ التي اسْتَأجَرَها، ولهذا تَنْفَسِخُ الإجارَةُ بمَوْتِ الدّابَّةِ المُسْتأجَرَةِ، ولأنَّ الشَّرِكَةَ إمّا أن تَنْعَقِدَ علي الضَّمانِ في ذِمَمِهما، أو على عَمَلِهما.
وليس هذا بواحِدٍ منهما، فإنه لم يَثْبُتْ في ذِمَمِهما ضَمان، ولا عَمِلا بأبْدانِهما ما تَجِبُ الأجْرَةُ في مُقابَلَتِه، ولأنَّ الشَّرِكَةَ تَتَضمَّنُ الوَكالةَ،
الحديث: 2112 - الجزء: 14 - الصفحة: 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والوَكالةُ على هذا الوَجْهِ لا تَصِحُّ، ولهذا لو 253 قال: آجِرْ عَبْدَك وتَكُونُ أُجْرَتُه بَيني وبَينَك.
لَم يَصِحَّ، كما لو قال: بع عَبْدَك وثَمَنُه بَينَنا.
لم يَصِحَّ.
قال شيخُنا 254: ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ الشَّرِكَةُ، كما لو اشْتَرَكا فيما يَكْتَسِبان بأبدانِهما مِن المُباحِ.
فإن أعان أحَدُهما صاحِبَه في التحْمِيلِ والنَّقْلِ، كان له أجْرُ مِثْلِه؛ لأنَّها مَنافِعُ وَفّاها بشُبْهَةِ عَقْدٍ.
فصل: فإن كان لأحَدِهما أداةُ قِصارَةٍ، ولآخَرَ بَيتٌ، فاشْتَرَكا على أن يَعْمَلا بأداةِ هذا في بَيتِ هذا، والكَسْبُ بينَهما، جاز، والأجْرَةُ على ما شَرَطا؛ لأنَّ الشَّرِكَةَ وَقَعَتْ على عَمَلِهما، والعَمَلُ يُسْتَحَقُّ به الرِّبْحُ في الشَّرِكَةِ، والآلةُ والبَيتُ لا يُسْتَحَقُّ بهما شيءٌ؛ لأنَّهما يُسْتَعْمَلان في العَمَلِ المُشْتَركِ، فصارا كالدّابتَّين اللَّتَين أجَراهُما لحَمْلِ الشيء الذي تَقَبَّلا حَمْلَه.
وإن فَسَدتِ الشَّرِكَةُ، قُسِم الحاصِلُ لهما على قَدر أَجْرِ عَمَلِهما وأجْرِ الدارِ والأداةِ.
وإنِ كانت لأحَدِهما آلة وليس للآخرِ شيءٌ، أو لأحَدِهما بَيتٌ وليس للآخرِ شيءٌ، فاتَّفَقا على أن يَعْمَلا بالآلةِ أو في البَيتِ، والأجْرَةُ بينَهما، جاز؛ لِما ذَكَرْنا.
الجزء: 14 - الصفحة: 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن دَفَع رَجُلٌ دابَّته إلى آخَرَ ليَعْمَلَا عليها، وما رَزَق الله بينَهما نِصْفَين، أو أثْلاثًا، أو ما شَرَطاه، صَحَّ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، ومحمدِ بنِ أبي حَرْب، وأحمدَ بنِ سعيدٍ.
ونُقِل عن الأوزاعِيِّ ما يَدُلُّ على هذا.
وكَرِه ذلك الحَسَنُ، والنّخَعِيُّ.
وقال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرأي: لا يَصِحُّ، والرِّبْحُ كلُّه لرَبِّ الدّابَّةِ؛ لأنَّ الحِمْلَ الذي يُسْتَحَقُّ به العِوَضُ منها، وللعامِلِ أجْرُ مِثْلِه؛ لأنَّ هذا ليس مِن أقْسامِ الشَّرِكَةِ، إلَّا أن تَكُونَ المُضارَبَةُ، ولا تَصِحُّ المُضارَبَةُ بالعُرُوضِ، ولأنَّ المُضارَبَةَ تَكُونُ بالتِّجارَةِ في الأعْيانِ، وهذه لا يَجُوزُ بَيعُها ولا إخْراجُها عن مِلْكِ مالِكِها.
وقال القاضي: يتَخَرَّجُ أن لا يَصِحَّ، بِناءً على أنَّ المُضارَبَةَ بالعُرُوضِ لا تَصِحُّ.
فعلى هذا، إن كان أجَرَ الدّابَّةَ بعَينها، فالأجْرَةُ لمالِكِها، وإن تَقَبَّلَ حَمْلَ شيء فحَمَلَه عليها، أو حَمَل عليها شيئًا مُباحًا فباعَه، فالأجْرَةُ والثَّمَنُ له، وعليه أجْرُ مِثْلِها لمالِكِها.
ولَنا، أنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ عليها، فصَحَّ العَقْدُ ببعض نَمائِها، كالدّراهِمِ والدَّنانِيرِ، وكالشَّجَرِ في المُساقاةِ، والأرْضِ في المُزارَعَةِ.
[فإن رَجَح] 255 قَوْلُهم: إنَّه ليس مِن أقْسامِ الشَّرِكَةِ، ولا هو مُضارَبَةٌ.
الجزء: 14 - الصفحة: 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قُلْنا: نَعَم، لكنَّه يُشْبِهُ المُساقاةَ والمُزارَعَةَ؛ فإنَّه دَفْعٌ لعَينِ المالِ إلى مَن يَعْمَلُ عليها ببَعْضِ نَمائِها مع بَقاءِ عَينها.
وبهذا يَتَبَيَّنُ أنَّ تَخْرِيجَها على المُضارَبَةِ بالعُرُوضِ فَاسِدٌ؛ فإنَّ المُضارَبَةَ إنَّما تَكُونُ بالتِّجارةِ والتَّصَرُّفِ في رَقَبَةِ المالِ، وهذا بخِلافِه.
وذَكَر القاضي في مَوْضِعٍ آخَرَ، في مَن اسْتَأجَرَ دابَّةً بنِصْفِ ما يَرْزُقُ الله تعالى أو ثُلُثِه، جاز.
قال شيخُنا 256: ولا أرَى لهذا وَجْهًا، فإنَّ الإجارَةَ 257 يُشْتَرَطُ لصِحَّتِها العِلْمُ بالعِوَضِ، وتَقْدِيرُ المُدَّةِ أو العَمَلِ، ولم يُوجَدْ، ولأن هذا عَقْدٌ غيرُ مَنْصُوصٍ عليه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ، فهو كسائِرِ العُقُودِ الفاسِدَةِ، إلَّا أن يُرِيدَ بالإِجارَةِ المُعامَلَةَ على الوَجْهِ الذي تَقَدَّمَ.
وقد أشار أحمدُ إلى ما يَدُلُّ على تَشْبيهِه لمِثْلِ هذا بالمُزارَعَةِ، فقال: لا بَأسَ بالثَّوْبِ يُدْفَعُ بالثُّلُثِ والرُّبْعِ؛ لحديث جابِر، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعْطَى خَيبَرَ على الشَّطْرِ 258. وهذا يَدُلُّ على أنَّه صار في هذا ومِثْلِه إلى الجَوازِ؛ لشَبَهِه بالمُساقاةِ والمُزارَعةِ لا إلى المُضارَبَةِ ولا إلى الإجارَةِ.
فصل: نَقَل أبو داوُدَ عن أحمدَ، في مَن يُعْطِي فَرَسَه على النِّصْفِ مِن الغَنِيمَةِ: أرْجُو أن لا يَكُونَ به بَأسٌ.
قال إسحاقُ بنُ إبراهيمَ: قال
الجزء: 14 - الصفحة: 171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبو عبدِ اللهِ: إذا كان على النِّصْفِ والربْعِ، فهو جائِزٌ.
وبه قال الأوْزاعِيُّ.
ونَقَل أحمدُ بنُ سعيدٍ، عن أحمدَ، في مَن دَفَع عَبْدَه إلى رَجُل ليَكْتَسِبَ عليه ويَكُونَ له ثُلُثُ ذلك، أو رُبْعُه، فجائِز.
والوَجْهُ فيه ما ذَكَرْناه في مَسْألَةِ الدّابَّةِ.
وإن دَفَع ثَوْبَه إلى خَيّاطٍ ليُفَصِّلَه قُمُصًا ويَبِيعَها، وله نِصْفُ رِبْحِها 259 بحَقِّ عَمَلِه، جاز.
نَصَّ عليه في رِوايَةِ حَرْبٍ.
وكذلك إن دَفَع غَزْلًا إلى رَجُل يَنْسِجُه بثُلُثِ ثَمَنِه أو رُبْعِه، جازَ.
نَصَّ عليه.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ: لا يَجُوزُ شيءٌ مِن ذلك؛ لأنَّه عِوَضٌ مَجْهُولٌ وعَمَلٌ مَجْهُولٌ.
وقد ذَكَرْنا وَجْهَ جَوازِه، فإن جَعَل له مع ذلك دَرَاهِمَ، لم يَجُزْ.
نَصَّ عليه.
وعنه، يَجُوزُ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
قال أبو بكر: هذا قول قَدِيم، وما رُوِيَ غيرُ هذا فعليه المُعْتَمَدُ.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يَقُولُ: لا بَأسَ بالثَّوْبِ يُدْفَعُ بالثُّلُثِ والرُّبْعِ.
وسُئِلَ عن الرَّجُلِ يُعْطِي الثَّوْبَ بالثُّلُثِ ودِرْهَم أو دِرْهَمَين، قال: أكْرَهُه؛ لأنَّ هذا شيءٌ لا يُعْرَفُ، والثُّلُثُ إذا لم يَكُنْ معه شيءٌ، نَراه جائِزًا؛ لحديثِ جابِر، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعْطى خَيبَرَ على الشَّطْرِ.
قِيلَ لأبِي عبدِ اللهِ: فإن كان النَّسَّاجُ لا يَرْضَى حتى يُزادَ على الثُّلُثِ دِرْهَمًا؟ قال: فلْيَجْعَلْ له ثُلُثًا [وعُشْرَى ثُلُثٍ] 260، ونِصْفَ عُشْر، وما أشْبَهَه.
وروَى الأثْرَمُ عن ابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، وأيوبَ،
الجزء: 14 - الصفحة: 172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويَعْلَى بنِ حَكِيمٍ 261، أنَّهم أجازُوا ذلك.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: كَرِه هذا كلَّه الحَسَنُ.
وقال أبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأي: هذا كلُّه فاسِدٌ.
واختارَه ابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عَقِيل، [وقالوا] 262: لو دَفَع شَبَكَتَه إلى الصَّيادِ ليَصِيدَ بها السَّمَكَ بينَهما نِصْفَان، فالصَّيدُ كلُّه للصائِدِ، ولصاحِبِ الشَّبَكَةِ أجْرُ مِثْلِها.
وقِياسُ ما نُقِل عن أحمدَ صِحَّةُ الشَّرِكَةِ وما رَزَق الله بينَهما على ما شَرَطاه؛ لأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ فيها، فصَحَّ دَفْعُها ببعضِ نَمائِها، كالأرْضَ.
فصل: وقد ذَكَر ابنُ عَقِيلٍ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن قَفِيزِ الطَّحّانِ 263، وهو أن يُعْطِيَ الطَّحّانَ أقْفِزَةً مَعْلُومةً يَطْحَنُها بقَفِيزِ دَقِيقٍ منها.
وعِلَّةُ المَنْعِ، أنَّه جَعَل له بعضَ مَعْمُولِه أجْرًا لعَمَلِه، فيَصِيرُ الطَّحْنُ مُسْتَحَقًا له وعليه.
وهذا الحديثُ لا نعْرِفُه، ولم تَثْبُتْ صِحَّتُه، ولا ذَكَرَه أصحابُ السُّنَنِ.
وقِياسُ قولِ أحمدَ جَوازُه؛ لِما ذَكَرْنا عنه مِن المَسائِلِ.
فصل: فإن كان لرجلٍ دابَّةٌ، ولآخَرَ إِكافٌ وجُوالِقَاتٌ، فاشْتَرَكا على أن يُؤجِرَاهُما والأجْرَةُ بينَهما نِصْفان، فهو فاسِدٌ؛ لأنَّ هذه أعيان لا يَصِحُّ الاشْتِراكُ فيها، كذلك في مَنافِعِها، إذ تَقْدِيرُه: آجِرْ دابَّتك لتَكُونَ
الجزء: 14 - الصفحة: 173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أُجْرَتُها بَينَنا، وأؤجرُ جُوَالِقاتِي لتَكُونَ أُجُرَتُها بَيننا.
وتكونُ كلُّها لصاحِبِ البَهِيمَةِ؛ لَأنَّه مالِكُ الأصْلِ، وللآخَرِ أجْرُ مِثْلِه على صاحِبِ البَهِيمَةِ؛ لأنَّه اسْتَوْفَى مَنافِعَ مِلْكِه بعَقْدٍ فاسِدٍ، هذا إذا أجَرَ الدّابَّةَ بما عليها مِن الإكافِ والجُوالِقاتِ في عَقْدٍ واحِدٍ، فأمّا إن أجَرَ كلُّ واحدٍ منهما مِلْكَه مُنْفَرِدًا، فَلِكُلِّ واحدٍ منهما 264 أجْرُ مِلْكِه.
وهكذا لو قال رجلٌ لصاحِبِه: آجِرْ عَبْدِي، والأجْرُ بَينَنا.
كان الأجْرُ لصاحِبِه، وللآخَرِ أجْرُ مِثْلِه.
وكذلك في جميعِ الأعْيانِ.
فصل: فإنِ اشْتَرَكَ ثَلاثَةٌ 265؛ مِن أحَدِهِم دابَّةٌ، ومِن آخَرَ راويَةٌ 266، ومِن آخَرَ العَمَلُ، على أنَّ ما رَزَق اللهُ تعالى فهو بينَهم، صَحَّ في قِياسِ قولِ أحمدَ، فإنَّه نصَّ في الدّابَّةِ يَدْفَعُها إلى آخَرَ يَعْمَلُ عليها على أنَّ لهما الأجْرَةَ على الصِّحَّةِ.
وهذا مِثْلُه (1)؛ لأنَّه دَفَع دابَّتَهَ إلى آخَرَ يَعْمَلُ عليها، والرَّاويَةُ عَينٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ عليها، فهي كالبَهِيمَةِ، فعلى هذا، يكونُ ما رَزَق اللهُ بينَهم على ما اتَّفَقُوا عليه.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
ولأنَّهما وَكَّلَا العامِلَ في كَسْبٍ مُباحٍ بآلةٍ دَفَعاها إليه، فأشْبَهَ ما لو دَفَع إليه أرْضَه ليَزْرَعَها.
وهكذا لو اشْتَرَكَ أرْبَعَةٌ؛ مِن أحَدِهِم دُكّان، ومِن آخَرَ رَحًى، ومِن آخَرَ بَغْلٌ، ومِن آخَرَ العَمَلُ، على أن يَطْحَنُوا بذلك، فما رَزَق اللهُ تعالى فهو بينَهم،
الجزء: 14 - الصفحة: 174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَحَّ، وكان بينَهم على ما شَرَطُوه.
وقال القاضي: العَقْدُ فاسِدٌ في المَسْألتَين جميعًا.
وهو ظاهِرُ قولِ الشافعيِّ؛ لأنَّ هذا لا يَجُوزُ أن يكونَ مُشارَكَةً ولا مُضارَبَة؛ لكَوْنِه لا يَجُوزُ أن يكونَ رَأسُ مالِهِما العُرُوضَ، ولأنَّ مِن شَرْطِهِما عَوْدَ رَأسِ المالِ سَلِيمًا، بمَعْنَى أنَّه لا يُسْتَحَقُّ شيء مِن الرِّبْحِ حتى يُسْتَوْفَى رَأسُ المالِ بكَمَالِه، والرّاويَةُ هاهُنا تَخْلُقُ 267 وتَنْقُصُ، ولا إجَارةً؛ لأنَّها تَفْتَقِرُ إلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وأجْرٍ مَعْلُوم، فتكونُ فاسِدَةً.
فعلى هذا، يكونُ الأجْرُ كلُّه في المَسْألَةِ الأولَى للسَّقَّاءِ؛ لأنَّه لَمّا غَرَف الماءَ في الإِناءِ مَلَكَهُ، فإذا باعَه فثَمَنُه له؛ لأنَّه عِوَضُ مِلْكِه، وعليه لصاحِبَيه 268 أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّه اسْتَعْمَلَ مِلْكَهُما بعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ لهما، فكان لهما أجْرُ المِثْلِ، كسائِرِ الإِجاراتِ الفاسِدَةِ.
وأمّا في المسْألَةِ الثَّانِيَةِ، فإنَّهم إذا طَحَنُوا لرَجُلٍ طَعامًا بأُجْرَةٍ، نَظَرْتَ في عَقْدِ الإجارَةِ؛ فإن كان مِن واحدٍ منهم، ولم يَذْكُرْ أصحابَه ولا نَوَاهُم، فالأجْرُ كلُّه له، وعليه لأصْحابِه أجْرُ المِثْلِ، وإن نوَى أصْحابَه أو ذَكَرَهُم، كان كما لو عَقَد مع كلِّ واحدٍ منهم مُنْفَرِدًا، أو اسْتَأجَرَ مِن جَمِيعِهم، فقال: اسْتَأجَرْتُكُم لتَطْحَنُوا لي هذا الطَّعامَ بكذا.
فالأجْرُ بينَهم أرْباعًا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم قد لَزِمَه طَحْنُ رُبْعِه، ويَرْجِعُ كلُّ واحدٍ منهم على أصْحابِه برُبْع
الجزء: 14 - الصفحة: 175
وَإنْ جَمَعَا بَينَ شَرِكَةِ الْعِنَانِ وَالأبْدَانِ وَالْوُجُوهِ وَالْمُضَارَبَةِ، صَحَّ.
فَصْلٌ: الْخَامِسُ، شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ؛ وَهِيَ أنْ يُدْخِلَا فِي الشَّرِكَةِ الْأكْسَابَ النَّادِرَةَ، كَوجْدَانِ لُقَطَةٍ أوْ رِكَازٍ، أوْ مَا
أجْرِ مِثْلِه، وإن كان (1) قال: اسْتَأجَرْتُ هذا الدكَّانَ والبَغْلَ والرَّحَى وهذا الرجلَ بكذا وكذا مِن الطَّعامِ.
صَحَّ، والأجْرُ بينَهم على قَدْرِ أجْرِ مِثْلِهِم، لكلِّ واحدٍ مِن المُسَمَّى بقَدْرِ حصَّتِه، في أحَدِ الوَجْهَين.
وفي الآخَرِ يكونُ بينَهم أرْباعًا، بناءً على ما إذا تَزَوَّجَ أرْبَعًا بمَهْرٍ واحدٍ، أو كاتَبَ أرْبَعَةَ أعبُدٍ بعِوَضٍ واحدٍ، هل يكونُ العِوَضُ أرْباعًا أو على قَدْرِ قِيمَتِهم؟ على وَجْهَين.
2113 -
مسألة: (وإن جَمَعا بينَ شَرِكَةِ العِنانِ والأبدانِ والوُجُوهِ والمُضارَبَةِ، صَحَّ)
لأنَّ كل واحدٍ منهما يَصِحُّ مُنْفَرِدًا، فصَحَّ مع غيرِه، كَحَالةِ الانْفِرادِ.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (الخامِسُ، شَرِكَةُ المُفاوَضَةِ؛ وهو أن يُدْخِلَا في الشَّرِكَةِ الأكْسابَ النّادِرَةَ، كَوجْدانِ لُقَطَةٍ أو رِكَازٍ، أو269
الحديث: 2113 - الجزء: 14 - الصفحة: 176
يَحْصُلُ لَهُمَا مِنْ مِيرَاثٍ، وَمَا يَلْزَمُ أحَدَهُمَا مِنْ ضَمَانِ غَصْبٍ، أوْ أرشِ جِنَايَةٍ، وَنحْو ذَلِكَ، فَهَذِهِ شَرِكَةٌ فَاسِدَةٌ.
ما يَحْصُلُ لهما مِن مِيراثٍ، أو ما يَلْزَمُ أحَدَهُما مِن ضَمانِ غَصْبٍ، أو أرْشِ جِنَايَةٍ، أو نحو ذلك، فهذه شَرِكَةٌ فاسِدَةٌ) وبهذا قال الشافعيُّ.
وأجازَه الثَّوْرِيُّ، والأوزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ.
وحُكِيَ ذلك عن مالكٍ.
وشَرَط أبو حنيفةَ لها شرُوطًا؛ وهي أن يَكُونَا حُرَّين مُسْلِمَين، وأن يكونَ مالُهما في الشَّرِكَةِ سَواءٌ، وأن يُخْرِجَا جَمِيعَ ما يَمْلِكانِه مِن جنْسِ الشَّرِكَةِ، وهو الدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ، واحْتَجُّوا بما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إذا تَفَاوَضْتُمْ فَأحْسِنُوا المُفَاوَضَةَ» 270. ولأنَّها نَوْعُ شَرِكَةٍ تَخْتَصُّ باسْمٍ، فكان منها صَحِيحٌ، كشَرِكَةِ العِنَانِ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لا يَصِحُّ بينَ كافِرَين
الجزء: 14 - الصفحة: 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولا بينَ كافِرٍ ومُسْلِم، فلم يَصِحَّ بينَ المُسْلِمَينِ، كسائِرِ العُقُودِ الفاسِدَةِ، ولأنَّه عَقْدٌ لم يَرِدِ الشَّرْعُ بمِثْلِه، فلا يَصِحُّ، كما ذَكَرْنا، ولأنَّ فيه غَرَرًا، فلم يَصِحَّ، كَبَيعِ الغَرَرِ، بَيَانُ غَرَرِه أنَّه يَلْزَمُ كلَّ واحدٍ ما لَزِم الآخَرَ، وقد يَلْزَمُه شيءٌ لا يَقْدِرُ على القِيامِ به 271، وقد أدْخَلَا فيه الأكسابَ النّادِرَةَ، فأمّا الخَبرُ فلا نَعْرِفُه، ولا رَواه أصحابُ السُّنَنِ، وليس فيه ما يَدُلُّ على أنَّه أراد هذا العَقْدَ، فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ المُفاوَضَةَ في الحدِيثِ، ولهذا رُوِيَ فيه: «ولا تَجَادَلُوا، فإنَّ المُجادَلَةَ مِنَ الشَّيطانِ».
الجزء: 14 - الصفحة: 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأمّا القِياسُ فلا يَصِحُّ، فإنَّ اخْتِصاصَها باسْم لا يَقْتَضِي الصِّحَّةَ، كبَيعِ المُنابَذَةِ والمُلامَسَةِ وسائِرِ البُيُوعِ الفاسِدَةِ.
وشَرِكَةُ العِنَانِ تَصِحُّ 272 بينَ الكافِرَينِ والكافِرِ والمُسْلِمِ، بخِلَافِ هذا.
الجزء: 14 - الصفحة: 179
بَابُ المُسَاقَاةِ
بابُ المُساقاةِ
وهي أن يَدْفَعَ إنْسانٌ شَجَرَه إلى آخَرَ، ليَقُومَ بسَقْيِه وعَمَلِ سائِرِ ما يَحْتاجُ إليه، بجُزْءٍ مَعْلُومٍ له مِن الثَّمَرَةِ.
وسُمِّيَتْ مُساقاةً لأنَّها مُفاعَلَةٌ مِن السَّقْي؛ لأنَّ أهْلَ الحِجازِ أكثرُ [حاجَةِ شَجَرِهم] 273 إلى السَّقْي، لكَوْنِهم يَسْقُون مِن الآبارِ، فسُمِّيَتْ بذلك.
والأصْلُ في جَوازِها السُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أما السُّنَّةُ، فما روَى عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، قال: عامَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أهلَ خَيبَرَ بشَطْرِ مَا يَخْرُجُ منها، مِن ثَمَرٍ أو زَرْعٍ.
مُتَّفَق عليه 274. وأمّا الإِجْماعُ، فقال أبو جَعْفَرٍ [محمدُ بنُ] 275 عَلِيِّ بنِ
الجزء: 14 - الصفحة: 181
تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ، وَفِي كُلِّ شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ مَأكُولٌ بِبَعْضِ ثَمَرَتِهِ.
الحُسَينِ بنِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ، رَضِيَ الله عنه وعن آبائِه: عامَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أهْلَ خَيبَرَ بالشَّطرِ، ثم أبو بَكْرٍ، ثم عُمَرُ، ثم عُثْمانُ، ثم عَلِيٌّ، ثم أهلُوهُم إلى اليَوْمِ، يُعْطُون الثُّلُثَ والرُّبْعَ (1). وهذا عَمِلَ به الخُلَفاءُ الرَّاشِدُون مُدَّةَ خِلافَتِهم، واشْتَهَرَ ذلك، ولم يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا.
2114 -
مسألة: (تجوزُ المُساقاةُ في النَّخْلِ، وفي كُل شَجَرٍ له ثَمَرٌ مَأكُولٌ ببعضِ ثَمَرَتِه)
هذا قولُ الخُلَفاءِ الراشِدِين، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسالِمٌ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال داودُ: لا تجوزُ إلَّا في ثَمَرِ النَّخْلِ؛ لأنَّ الخَبَرَ إنَّما وَرَدَ بها فيه.
وقال الشافعيُّ: لا تجوزُ إلَّا في النَّخْلِ والكَرْمِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ تجبُ في ثَمَرتِهما.
وفي سائِرِ الشَّجَرِ قولان؛ أحَدُهما، لا تجوزُ فيه؛ لأنَّ الزَّكاةَ لا تَجِبُ في نَمائِه، فأشْبَهَ ما276
الحديث: 2114 - الجزء: 14 - الصفحة: 182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا ثَمَرَةَ له.
وقال أبو حنيفةَ، وزُفَرُ: لا تجوزُ بحالٍ؛ لأنَّها إجَارَةٌ بثَمَرَةٍ لم تُخْلَقْ، أو إجَارَةٌ بثَمَرَةٍ مَجْهُولَةٍ، أشْبَهَ إجَارَتَه بثَمَرةِ غيرِ الشَّجَرِ الذي يَسْقِيه.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ والإِجْماعِ، ولا يجوزُ التَّعْويلُ على ما خالفَهُما.
فإن قِيلَ: راوي حَدِيثِ خَيبَرَ ابنُ عُمَرَ، وقد رَجَع عنه، فقال: كُنّا نُخابِرُ أرْبَعِين سَنَةً حتى حَدَّثَنا رافِعُ بنُ خَدِيجٍ، أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُخابَرَةِ 277. ولا يَنْعَقِدُ الإِجْماعُ مع مُخالفَتِه، ويَدُلُّ أيضًا على نسْخِ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ؛ لرُجُوعِه عن العَمَلِ به إلى حَدِيثِ رافِع.
قلنا: لا يجوزُ حَمْلُ حَدِيثِ رافِع على ما يُخالِفُ الإِجْماع، ولا حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَزَلْ يُعامِلُ أهْلَ خَيبَرَ حتى ماتَ، ثم عَمِلَ 278 به الخُلفاءُ بعدَه، ثم مَن بعدَهم، فكيف يُتَصَوَّرُ نَهْيُ النبيِّ
الجزء: 14 - الصفحة: 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- صلى الله عليه وسلم - عن شيءٍ ثم يُخالِفه؟ أم كيف يُعْمَل ذلك في عَصْرِ الخلَفاءِ ولم يُخْبِرْهُم مَن سَمِعَ النَّهْيَ، وهو حاضِرٌ معهم وعالِمٌ بفِعْلِهم؟ فلو صَحَّ خبَر رافِعٍ لوجَبَ حَمْله على ما يُوافِق السُّنَّةَ والإِجْماعَ.
على أنَّه قد رُوِيَ في تَفسِيرِ خبَرِ رافِعٍ عنه 279 ما يَدلُّ على صِحَّةِ قَوْلِنا، فرَوَى البُخارِيُّ 280، بإسْنادِه، قال: كُنَّا نُكْرِي الأرْضَ بالنّاحِيَةِ منها تُسَمَّى لِسَيِّدِ الأرْضِ، فَمِمّا 281 يُصَابُ ذلك وتَسْلَمُ الأرْضُ، ومِمَّا (3) تُصابُ الأرْضُ ويَسْلَمُ ذلك، فنُهِينَا، فأمّا الذَّهَبُ والوَرِقُ، فلم يَكُنْ يَوْمَئِذٍ.
ورُوِيَ تَفسِيرُه أيضًا بشيءٍ غيرِ هذا مِن أنواعِ الفَسَادِ، وهو مُضْطَربٌ جِدًّا.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن حديثِ رافِع: نهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُزارَعةِ.
فقال: رافِعٌ يُرْوَى عنه في هذا ضُرُوبٌ.
كأنَّه يُرِيدُ أنَّ اخْتِلافَ الرِّواياتِ عنه يُوهِنُ حَدِيثَه.
وقال طاوُسٌ: إنَّ
الجزء: 14 - الصفحة: 184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أعلَمَهُم، يَعْنِي ابنَ عَبّاسٍ، أخْبَرني أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَنْهَ عنه، ولكن قال: «لأنْ يَمْنَحَ أحدُكُمْ أخاهُ أرضَهُ، خَيرٌ مِنْ أن يَأخُذَ عَلَيهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا».
رَواه البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ 282. وأنْكَرَ زَيدُ بنُ ثابتٍ حَدِيثَ رافعٍ عليه 283. فكَيف يجوزُ نَسْخُ [أمْرٍ فَعَلَه] 284 رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حتى ماتَ وهو يَفْعَلُه، ثم أجْمَعَ عليه خُلَفاؤه وأصحابُه بعدَه، بخَبَرٍ 285 لا يجوزُ العَمَلُ به، ولو لم يُخالِفْه غيرُه! ورُجُوعُ ابنِ عُمَرَ إليه يَحْتَمِلُ أنَّه رَجَعَ عن شيءٍ مِن المُعامَلاتِ الفاسِدَةِ التي فسَّرَها رافِعٌ في حَدِيثه.
وأمَّا غيرُ ابنِ عُمَرَ فقد أنْكَرَ على رافع ولم يَقْبَلْ حَدِيثَه، وحَمَلَه على أنَّه غَلِطَ في رِوايته.
والمَعْنَى يَدُلُّ على ذلك؛ فإنَّ كثيرًا مِن أهْلِ النَّخِيلِ والشَّجَرِ يَعْجِزُونَ
الجزء: 14 - الصفحة: 185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن عِمارَتِه وسَقْيِه، ولا يُمْكِنُهم الاسْتِئْجارُ عليه، وكَثِيرٌ مِن النّاسِ لا شَجَرَ لهم، ويَحْتاجُون إلى الثَّمرِ، ففي تَجْويزِ المُساقاةِ دَفعٌ للحاجَتَين، وتَحْصِيلٌ لِمَصْلحةِ الفِئَتَينِ، فجازَ، كالمُضارَبَةِ بالأثْمانِ.
فأمَّا قياسُهم فيَبْطُلُ بالمُضارَبَةِ، فإنَّه يَعْمَلُ في المالِ بنَمائِه، وهو مَعْدُومٌ مَجْهُولٌ، وقد جازَ بالإجْماعِ، وهذا في مَعْناه.
ثم إنَّ الشارِعَ قد جَوَّزَ العَقْدَ في الإجارةِ على المَنافِعِ المَعْدُومةِ للحاجَةِ، فلِمَ لا يجوزُ على الثَّمَرةِ المَعْدُومةِ للحاجَةِ، مع أنَّ القياسَ إنَّما يكونُ في إلْحاقِ المَسْكُوتِ عنه بالمَنْصُوصِ عليه، أو المُجْمَعِ عليه، فأمَّا في إبْطالِ نَصٍّ وخَرْقِ إجْماعٍ بقِياسِ نَصٍّ آخَرَ، فلا سَبِيلَ إليه.
وأمَّا تَخْصِيصُ ذلك بالنَّخْلٍ، أو به وبالكَرْمِ، فيُخالِفُ عُمُومَ قولِه: عامَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أهْلَ خيبَرَ بِشَطْرِ ما يَخْرُجُ مِنها مِنْ زَرعٍ أو ثَمَرٍ.
وهذا عامٌّ في كلِّ ثَمَرٍ، ولا تكادُ بَلْدةٌ ذاتُ أشْجارٍ تَخْلُو مِن شجَرٍ غيرٍ النَّخِيلِ، وقد جاءَ في لَفْظِ بعضِ الأخْبارِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَامَلَ أهْلَ خيبَرَ بِشَطْرِ ما يَخْرُجُ مِنَ النَّخْلِ والشَّجَرِ.
[رَواه الدّارَقُطْنِيُّ] 286. ولأنَّه شَجَرٌ يُثْمِرُ كلَّ حَوْلٍ، فأشْبَهَ النَّخْلَ والكَرْمَ، ولأنَّ
الجزء: 14 - الصفحة: 186
وَتَصِحُّ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ، وَالْمُعَامَلَةِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا.
الحاجَةَ تَدْعُو إلى المُساقاةِ عليه كالنَّخْلِ وأكثرَ؛ لكَثْرَتِه، فأشْبَهَ النَّخْلَ، ووُجُوبُ الزَّكَاةِ ليس مِن العِلَّةِ (1) المُجَوِّزَةِ للمُساقاةِ، ولا أثَر له (2) فيها، وإنَّما العِلَّةُ ما ذَكَرْناه.
فصل: فأمَّا ما لا ثَمَرَ له، كالصَّفْصافِ والجَوْزِ، أو له ثَمَرٌ غيرُ مَقْصُودٍ، كالصَّنَوْبَرِ والأَرْزِ، فلا تَجوزُ المُساقاةُ عليه.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه غيرُ مَنْصُوصٍ عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ، ولأنَّ المُساقاةَ إنَّما تجوزُ بجُزْءٍ مِن الثَّمَرَةِ، وهذا لا ثَمَرَةَ له إلَّا أن يكونَ ممَّا يُقْصَدُ وَرَقُه أو زَهْرُه، كالتُّوتِ والوَرْدِ، فالقِياسُ يَقْتَضِي جَوازَ المُساقاةِ عليه؛ لأنَّه في مَعْنَى الثَّمَر، لكَوْنِه ممَّا يَتَكَرَّرُ كلَّ عام ويُمْكِنُ أخْذُه والمُساقاةُ عليه بجُزْءٍ منه، فيَثْبُتُ له حُكْمُه.
2115 -
مسألة: (وتَصِحُّ بلَفْظِ المُساقَاةِ)
لأنَّها مَوضُوعُها حَقِيقةً (و) بلَفْظِ (المُعامَلَةِ) لقَوْلِه في الحَدِيثِ: عامَلَ أهْلَ خيبَرَ على شَطْرِ ما يَخْرُجُ مِنْها.
وتَصِحُّ بكُلِّ ما يُؤَدِّي مَعْناها مِن الألفاظِ، نحوَ: فالحْتُك.
و: اعْمَلْ في بُسْتانِي هذا حتى تَكْمُلَ ثَمَرَتُه.
وما أشْبَهَه؛ لأنَّ القَصْدَ المَعْنَى، فإذا أتَى به بأيِّ لَفْظٍ دَلَّ عليه، صَحَّ، كالبَيعِ.287288
الحديث: 2115 - الجزء: 14 - الصفحة: 187
وَتَصِحُّ بِلفْظِ الْإجَارَةِ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَقَدْ نَصَّ أحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، فِي مَنْ قَال: أجَرْتُكَ هَذِهِ الْأرْضَ بثُلُثِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا.
أنَّهُ يَصحُّ.
وَهَذِهِ مُزَارَعَةٌ بِلَفْظِ الإجَارَةِ.
ذَكَرَهُ أَبو الْخَطابِ.
وَقَال أكْثَرُ أصْحَابِنَا: هِيَ إِجَارَة.
وَالْأوَّلُ أقْيَسُ وَأصَحُّ.
2116 - مسألة: (وتَصِحُّ بلَفْظِ الإجارَةِ، في أحَدِ الوَجْهَينِ)
لأنَّه مُؤَدٍّ للمَعْنَى، فصَحَّ به العَقْدُ، كسائِرِ الألْفاظِ المُتَّفَقِ عليها.
والثاني، لا تَصِحُّ.
وهو اخْتِيارُ أبي الخَطَّابِ؛ لأنَّ الإجَارةَ يُشْتَرَطُ لها كَوْنُ العِوَضِ مَعْلُومًا، [والعَملِ مَعْلُومًا] (1)، وتَكُونُ لازِمَةً، والمُساقاةُ بخِلافِه.
والأوَّلُ أقْيَسُ؛ لِما ذَكَرْنا.
2117 -
مسألة: (وقد نَصَّ أحمدُ في رِوايةِ جماعةٍ، في مَن قال:
289 الحديث: 2116 - الجزء: 14 - الصفحة: 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أجرْتُكَ هذه الأرْضَ بثُلُثِ ما يَخْرُجُ منها.
أنَّه يَصِحُّ.
وهذه مُزارَعة بلَفْظِ الإِجَارَةِ.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ) فمعنى قَوْلِه: أجَرْتُكَ هذه الأرْضَ بثُلُثٍ.
أي، زارَعْتُكَ عليها بثُلُثٍ.
عَبَّرَ عن المُزارَعَةِ بالإِجارَةِ على سَبِيلِ المَجازِ، كما يعَبَّرُ عن الشُّجَاعِ بالأسَدِ.
فعلى هذا، يكونُ نَهْيُه - عليه السلام -[عن كِراءِ الأرضِ] 290 بثُلُثٍ أو رُبْعٍ، إنَّما يَنْصَرِفُ إلى الإِجارَةِ الحَقِيقِيَّةِ لا عن المُزارَعَةِ (وقال أكْثَرُ أصْحابِنا: هي إجارَة) لأنَّها مَذْكورَةٌ بلَفْظِها، فتكون إجارَةً حَقِيقِيّة، وتَصِحُّ ببَعْضِ الخارِجِ مِن الأرْضِ، كما تَصِحُّ بالدَّراهم.
قال شيخُنا: (والأوَّلُ أقْيَسُ وأصَحُّ) لما سَبَقَ.
الجزء: 14 - الصفحة: 189
وَهَلْ تَصِحُّ عَلَى ثَمَرَةٍ مَوْجُودَةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
2118 - مسألة: (وهل تَصِحُّ على ثَمَرَةٍ مَوْجُودَةٍ؟ على رِوايَتَينِ)
إحداهما، تجوزُ.
اخْتارَها أبو بكرٍ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبي يُوسُف، ومحمدٍ، وأبي ثَوْرٍ، وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّها إذا جازَتْ [في المَعْدُومَةِ] 291 مع كَثْرةِ الغَرَرِ فيها، فمع وُجُودِها وقِلَّةِ الغَرَرِ فيها أوْلَى.
وإنَّما تَصِحُّ إذا بَقِيَ مِن العَمَلِ ما تَزِيدُ به الثَّمَرَةُ؛ كالتَّأبِيرِ، والسَّقْي، وإصْلاحِ الثَّمَرةِ، فإن بَقِيَ ما لا تَزِيدُ به الثَّمَرةُ، كالجِذاذِ ونحوه، لم يَجُزْ، بغيرِ خِلافٍ.
والثانيةُ، لا تجوزُ.
وهو القولُ الثاني للشافعيِّ؛ لأنَّه
الحديث: 2118 - الجزء: 14 - الصفحة: 191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ليس بمَنْصُوص عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عامَلَ أهْلَ خَيبَرَ عَلى الشّطْرِ مِمَّا يَخْرُجُ مِن زَرْعٍ أوْ ثَمَرٍ.
ولأنَّ هذا يُفضِي إلى أن يَسْتَحِقَّ بالعَقْدِ عِوَضًا مَوْجُودًا يَنْتَقِلُ المِلْكُ فيه عن رَبِّ المالِ إلى المُسَاقِي، فلم يَصِحَّ، كما لو بدا صَلاحُ الثَّمرةِ، ولأنَّه عَقْدٌ على العَمَل في المالِ بِبَعْضِ نَمائِه، فلم يَجُزْ بعد ظُهُورِ النَّماءِ، كالمُضَارَبَةِ، ولأنَّ هذا يَجْعَلُ العقدَ 292 إجارَةً بمَعْلُومٍ ومَجْهُولٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو اسْتَأْجَرَهُ على العَمَلِ بذلك.
وقولُهم: إنَّها أَقلُّ غَرَرًا.
قُلنا: قِلَّةُ الغَرَرِ ليست مِن المُقْتَضِي للجَوازِ، ولا كَثْرَتُه المَوْجُودَةُ في مَحَلِّ النَّصِّ مانِعَةً منه، فلا تُؤَثِّرُ قِلَّتُه شيئًا، والشَّرْعُ ورَدَ به على وَجْهٍ لا يَسْتَحِقُّ العامِلُ فيه عِوَضًا مَوْجُودًا، ولا يَنْتَقِلُ إليه مِن مِلْكِ رَبِّ المالِ شيءٌ، وإنَّما يَحْدُثُ النَّماءُ، الموجُودُ على مِلْكِهما، على ما شَرَطاه، فلم تَجُزْ مُخالفةُ هذا المَوْضُوعِ، ولا إثْباتُ عَقْدٍ ليس في مَعْناه إلْحاقًا به، كما لو بَدَا صَلاحُ الثَّمَرَةِ،
الجزء: 14 - الصفحة: 192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكالمُضارَبَةِ بعد ظُهُورِ الرِّبْحِ.
ومَن نَصَرَ الروايةَ الأُولَى قال: نَصُّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على المُساقَاةِ على الثَّمَرةِ المَعْدُومَةِ بجُزْءٍ منها، تَنْبِيهٌ على جَوَازِها على المَوْجُودَةِ، لِما ذَكَرْنا، ولا يَصحُّ القِياسُ على المُضارَبةِ إذا ظَهَر الرِّبْحُ، لأنَّها لا تَحْتاجُ إلى عَمَل، وههُنا العَمَلُ 293 يُحْتاجُ إليه، فلا يَصحُّ القِياسُ، ونَظِيرُ ذلك المُساقاةُ على الثَّمَرَةِ بعد بُدُوِّ صَلاحِها، فإنَّه لا يَصحُّ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، لكَوْنِ العَمَلِ لا يَزِيدُ في الثَّمَرَة بخِلافِ الرِّوايةِ الأُولى، فإنَّ العَمَلَ يَزِيدُ فيها، فافتَرَقا.
فصل: وإذا ساقَاهُ على وَدِيِّ النَّخْلِ 294، أو صِغارِ الشَّجَرِ، إلى مُدَّةٍ يَحْمِلُ فيها غالِبًا بجُزْءٍ من الثَّمَرَةِ، صَحَّ، لأنَّه ليس فيه أكْثَرُ مِن أنَّ عَمَلَ العامِلِ يَكْثُرُ، وذلك لا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كما لو جُعِلَ له سَهْمٌ مِن ألْفٍ.
وفيه الأقْسامُ التي نَذْكُرُها في كِبَارِ النَّخْلِ والشَّجَرِ، فإن قلنا: المُساقاةُ عَقْدٌ جائِزٌ.
لم يُحْتَجْ إلى ذِكْرِ مُدَّةٍ.
وإن قُلنا: هو لازِمٌ.
اشْتُرِطَ ذِكْرُ المُدَّةِ، وسَنَذْكُرُه.
الجزء: 14 - الصفحة: 193
وَإنْ سَاقَاهُ عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ وَيَعْمَلُ عَلَيهِ حَتَّى يُثْمِرَ بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ، صَحَّ.
2119 - مسألة: (وَإنْ سَاقَاهُ عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ وَيَعْمَلُ عَلَيهِ حَتَّى يُثْمِرَ بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ، صَحَّ)
والحُكْمُ فيه كالحُكْمِ فيما إذا ساقاهُ على صِغَارِ الشَّجَرِ على ما بَيَّنْتُه.
قال أحمدُ في رِوَايةِ المَرُّوذِيِّ، في مَن قال لرَجُلٍ: اغْرِسْ في أرْضِي هذه شَجَرًا أو نَخْلًا، فما كان من غَلَّةٍ، فلك بِعَمَلِكَ كذا وبهذا سَهْمًا، مِن كذا وكذا.
فأجازَه، واحْتَجَّ بحَدِيثِ خَيبَرَ 295 في الزَّرْعِ والنَّخْلِ، لكنْ بشَرْطِ أن يكونَ الغَرْسُ (1) مِن رَبِّ الأرْضِ، كما يُشْتَرَطُ في المُزارَعةِ كَوْنُ البَذْرِ مِن رَبِّ الأرْضِ.
فإن كان مِن العامِلِ، خُرِّجَ على الرِّوايَتَين في المُزارَعَةِ، إذا شُرِطَ
الحديث: 2119 - الجزء: 14 - الصفحة: 194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البَذْرُ من العامِلِ.
وقال القاضي: المُعَامَلَةُ باطِلةٌ، وصاحِبُ الأرْضِ بالخِيَارِ بينَ تَكْلِيفِه قَلْعَها، ويَضْمَنُ له نَقْصَها، وبين تَرْكِها في أَرْضِه، ويَدْفَعُ إليه قِيمَتَها، كالمُشْتَرِي إذا غَرَس في الأرضِ ثم جاء الشَّفِيعُ فأخَذها.
وإنِ اخْتارَ العامِلُ قَلْعَ شَجَرِه، فله ذلك، سواءٌ بَذَلَ له القِيمَةَ أو لم يَبْذُلْها؛ لأنَّه مِلْكُه، فلم يُمْنَعْ تَحْويلَه.
وإنِ اتَّفَقَا على إبْقاءِ الغَرْسِ ودَفْعَ أجْرِ الأرْضَ، جازَ.
فصل: ولو دَفَع أرْضَه إلى رَجُلٍ يَغْرِسُها، على أنَّ الشَّجَرَ بينَهما، لم يَجُزْ.
ويَحْتَمِلُ الجَوَازُ، بِنَاءً على المُزارَعَةِ، فإنَّ المُزارِعَ يَبْذُرُ في 296 الأرْضِ، فيَكونُ بينَه وبينَ صاحِبِ الأرْضِ، وهذا نَظِيرُه.
فأمَّا إن دَفَعَها على أنَّ الأرْضَ والشَّجَرَ بينهما، فذلك فاسِدٌ، وَجْهًا واحدًا.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه يُشْتَرَطُ اشْتِراكُهُما في الأَصْلِ، ففَسَد، كما لو دَفَع إليه الشَّجَرَ و 297 النَّخِيلَ؛ ليكونَ الأصْلُ والثَّمَرَةُ بينهما، أو شَرَط في المُزَارَعةِ كَوْنَ الأرْضِ والزَّرْعَ بينهما.
الجزء: 14 - الصفحة: 195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ومِن شَرْطِ صِحَّةِ المُساقاةِ، تَقْدِيرُ نَصِيبِ العامِلِ بجُزْءٍ مَعْلُوم مِن الثَّمَرَةِ، كالثُّلُثِ والرُّبْعِ؛ لحديثِ ابنِ عُمَرَ في خَيبَرَ.
وسواءٌ قَلَّ الجُزْءُ أو كَثُرَ، فلو جَعَل للعامِلِ جُزْءًا مِن مائةِ جُزْءٍ، أو جَعَل الجُزْءَ لنَفْسِه والباقِيَ للعامِلِ، جازَ، إذا لم يَفْعَلْ ذلك حِيلَةً.
فإن عَقَد على جُزْءٍ مُبْهَمٍ، كالسَّهْمِ والجُزْءِ والنَّصِيبِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه إذا لم يكُنْ مَعْلومًا لا تُمْكِنُ القِسْمَةُ بينهما.
ولو جَعَل له آصُعًا مَعْلُومَةً، أو جَعَل مع الجُزْءِ المَعْلُومِ آصُعًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّه رُبَّما لم يَحْصُلْ ذلك، أو لم يَحْصُل غيرُه، فيَسْتَضِرُّ رَبُّ الشَّجَرِ، أو يَكْثُرُ الحاصِلُ، فيَتَضَرَّرُ العامِلُ.
وكذلك إن شَرَط له ثَمَرَ شَجَرٍ بعَينِه؛ لأنَّه قد لا يَحْمِلُ، وقد لا يَحْمِلُ غيرُها، ولهذه العِلَّةِ نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن المُزارَعةِ التي يَجْعَلُ فيها لرَبِّ الأرْضِ مكانًا مُعَيَّنًا وللعامِلِ مَكانًا مُعَيَّنًا.
قال رافِعٌ: كُنَّا نُكْرِي الأرْضَ على أنَّ لَنا هذه ولَهُم هذه، فرُبَّما أخْرَجَتْ هذه ولم تُخْرِجْ هذه، فنَهانا عن ذلك، فأمّا الذَّهَبُ والوَرِقُ فلم يَنْهَنا.
مُتَّفَقٌ عليه 298. فمَتَى شَرَط شَيئًا من هذه الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ، فسَدَتِ المُساقاةُ، والثَّمَرَةُ كُلُّها لرَبِّ المالِ؛ لأنَّها نَماءُ مِلْكِه، وللعامِلِ أجْرُ مِثْلِه، كالمُضارَبةِ الْفاسِدَةِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يُحْتاجُ أن يُشْرَطَ لرَبِّ المالِ؛ لأنَّه يَأْخُذُ بمالِه لا بالشَّرْطِ، فإذا قال: ساقَيتُكَ على أنَّ لك ثُلُثَ الثَّمَرَةِ.
صَحَّ، والباقِي لرَبِّ المال.
وإن قال: على أنَّ لِي ثُلُثَ الثَّمَرةِ.
فقال ابنُ حامِدٍ: يَصِحُّ.
وقيلَ: لا يَصِحُّ.
وقد ذَكَرْنا تَعْلِيلَ ذلك في المُضارَبةِ.
وإنِ اخْتَلَفا في الجُزْءِ المَشْرُوطِ، فهو للعامِلِ؛ لأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ بالشَّرْطِ كما ذَكَرْنا.
فإنِ اخْتَلفا في قَدْرِ الجُزْءِ 299 المَشْرُوطِ للعامِلِ، فقال ابنُ حامِدٍ: القولُ قولُ رَبِّ المالِ.
وقال مالكٌ: القولُ قولُ العامِلِ إذا ادَّعَى ما يُشْبِهُ؛ لأنَّه أقْوَى سَبَبًا، لتَسَلُّمِه الحائِطَ والعَمَلَ.
وقد ذَكَرْنا في المُضارِبِ رِوايةً، أنَّ القولَ قَوْلُه إذا ادَّعَى أجْرَ المِثْلِ، فيُخَرَّجُ ههُنا مثلُه.
وقال الشَّافعيُّ: يَتَحالفان، وكذلك إنِ اخْتَلَفا فيما تَناوَلَتْه المُساقاةُ مِن الشَّجَرِ.
ولَنا، أنَّ رَبَّ المالِ مُنْكِرٌ للزِّيادَةِ التي ادَّعاها العامِلُ، فكان القولُ قولَه.
فإن كان مع أحَدِهما بَيِّنَةٌ حُكِمَ بها.
وإن كان مع كلِّ واحدٍ منهما بَيِّنةٌ، انْبَنَى على بَيِّنةِ الدّاخِلِ والخارِجِ.
فإن كان الشَّجَرُ لاثْنَينِ، فصَدَّقَ أحَدُهما العامِلَ وكَذَّبَه الآخَرُ، أخَذَ نَصِيبَه مما يَدَّعِيه مِن مالِ المُصَدِّقِ.
وإن شَهِد على المُنْكِرِ، قُبِلَتْ شَهادَتُه إذا كان عَدْلًا؛ لأنَّه لا يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا ولا
الجزء: 14 - الصفحة: 197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَدْفَعُ عنها ضَرَرًا، ويَحْلِفُ العامِلُ 300 مع شَهادَتِه 301، وإن لم يكُنْ عَدْلًا كانت شَهادَتُه كعَدَمِها.
ولو كانا عامِلَين، ورَبُّ المالِ واحِدًا، فشَهِدَ أحَدُهُما على صاحِبِه، قُبِلَتْ شَهادَتُه؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: وإذا كان في البُسْتانِ شَجَرٌ مِن أجْناسٍ؛ كالتِّينِ، والزَّيتُونِ، والكَرْمِ، فشَرَطَ للعامِلِ من كلِّ جِنْسٍ قَدْرًا؛ كنِصْفِ ثَمَرِ التِّينِ، وثُلُثِ الزَّيتُونِ، ورُبْعِ الكَرْمِ، أو كان فيه أنْواعٌ مِن جِنْسٍ، فشَرَطَ [مِن كلِّ نَوْعٍ] 302 قَدْرًا، وهما يَعْرِفانِ قَدْرَ كلِّ نوْعٍ، صَحَّ؛ لأنَّ ذلك كثَلاثةِ بَساتِينَ، ساقاهُ على كُلِّ بُسْتانٍ بقَدْرٍ مُخالِفٍ للقَدْرِ المَشْرُوطِ مِن الآخَرِ.
وإن لم يَعْلَما قَدْرَه، أو أحَدُهُما، لم يَجُزْ؛ للجَهالةِ.
ولو قال: ساقَيتُكَ علي هَذَين البُسْتانَين بالنِّصْفِ مِن هذا والثُّلُثِ مِن هذا.
صَحَّ؛ لأنَّها صَفقَةٌ واحِدَةٌ جَمَعَتْ عِوَضَين، فصار كقَوْلِه: بِعْتُكَ دارَيَّ هاتَين، هذه بألْفٍ وهذه بمائةٍ.
وإن قال: بالنِّصْف من أحَدِهِما، والثُّلُثِ مِن الآخَرِ.
ولم يُعَيِّنْه، لم يَصِحَّ؛ للجَهالةِ؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ الَّذي يَسْتَحِقُّ نِصْفَه.
ولو ساقاهُ على بُسْتانٍ واحِدٍ، نِصْفُه هذا بالنِّصْفِ، ونِصْفُه هذا بالثُّلُثِ، وهما مُتَمَيِّزان، صَحَّ؛ لأنَّهما كَبُسْتانَينِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن كان البُسْتانُ لاثْنَين، فساقَيَا عامِلًا واحدًا، على أنَّ له نِصْفَ نَصِيبِ أحَدِهما، وثُلُثَ نَصِيبِ الآخَرِ، والعامِلُ عالِمٌ ما لكلِّ واحدٍ منهما، جاز؛ لأنَّ عَقْدَ الواحِدِ مع الاثْنَين عَقْدانِ.
ولو أفْرَدَ كلَّ واحدٍ منهما بعَقْدٍ، كان له أن يَشْرُطَ ما اتَّفَقَا عليه.
وإن جَهِل نَصِيبَ كلِّ واحدٍ منهما، لم يَجُزْ؛ لأنَّه غَرَرٌ، فإنَّه قد يَقِلُّ نَصِيبُ مَن شَرَط له النِّصْفَ، فيَقِلُّ حَظُّه، وقد يَكْثُرُ فيَتَوَفَّرُ حَظَّه.
فأمّا إن شَرَطا قَدْرًا واحِدًا مِنِ مالِهِما، جازَ، وإن لم يَعْلَمْ قَدْرَ ما لِكُلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّها جَهالةٌ لا غرَرَ فيها ولا ضَرَرَ، فهو كما لو قالا: بِعْناكَ دارَنا هذه بألْفٍ.
ولم يَعْلَمْ نَصِيبَ كلِّ واحدٍ منهما، جازَ 303؛ لأنَّه أيُّ نَصِيبٍ كان، فقد عَلِمَ عِوَضَه، وعَلِمَ جُمْلةَ المَبِيعِ، فَصَحَّ.
كذلك ههُنا.
ولو ساقَى واحِدٌ اثْنَين، جاز، ويجوزُ أن يَشْرُطَ لهما التَّساوِيَ في النَّصِيبِ، وأن يَشْرُطَ لأحَدِهما أَكْثَرَ مِن الآخَرِ.
فصل: ولو ساقاهُ ثَلاثَ سِنينَ على أنَّ له في الأولَى النِّصْفَ، وفي الثانِيَةِ الثُّلُثَ، وفي الثالِثَةِ الرُّبْعَ، جازَ؛ لأنَّ قَدْرَ ما لَه في كلِّ سَنَةٍ مَعْلُومٌ، فصَحَّ، كما لو شَرَط له من كلِّ نَوْعٍ قَدْرًا.
الجزء: 14 - الصفحة: 199
وَالْمُسَاقَاةُ عَقْدٌ جَائِزٌ في ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
فصل: ولا تَصِحُّ المُساقَاةُ إلا على شَجَرٍ مَعْلُومٍ بالرُّؤْيَةِ، أو بالصِّفَةِ التي لا يُخْتَلَف معها، كالبَيعِ.
فإن ساقاهُ على بُسْتانٍ لم يَرَه ولم يُوصَفْ له، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَجْهُولٍ، أشْبَهَ البَيعَ، وإن ساقاهُ على أحَدِ هذَينِ الحائِطَينِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ يَخْتَلِفُ العِوَضُ فيها باخْتِلافِ الأعْيانِ، فلم يَجُزْ على غيرِ مُعَيَّنٍ، كالبَيعِ.
فصل: وتَصِحُّ على البَعْلِ، كما تَصِحُّ على السَّقْي.
وبه قال مالكٌ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا عند من يُجَوِّزُ المُساقاةَ؛ لأنَّ الحاجةَ تَدْعُو إلى المُعامَلةِ في ذلك، كَدُعائِها إلى المُعامَيَةِ في غيرِه، فيُقاسُ عليه.
2120 -
مسألة: (والمُساقاةُ عَقْدٌ جائِزٌ في ظاهِرِ كَلامِهِ)
وكذلك المُزارَعَةُ.
أوْمأ إليه أحمدُ في رِوايةِ الأثْرَمِ، وقد سُئِلَ عن الأكَّارِ يَخْرُجُ من غيرِ أن يُخْرِجَه صاحِبُ الضَّيعَةِ، فلم يَمْنَعْه من ذلك.
ذَكَرَه
الحديث: 2120 - الجزء: 14 - الصفحة: 200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[أبو عبدِ اللهِ] 304 ابنُ حامِدٍ.
وهو قولُ بَعْضِ أصحاب الحَدِيثِ.
وقال بَعْضُ أصْحابِنا: هو لازمٌ.
وهو قولُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ؛ لأَنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فكان لازِمًا، كالإِجَارَةِ، ولأنَّه لو كان جائِزًا، جاز 305 لِرَبِّ المالِ فَسْخُه إذا ظَهَرَتِ الثَّمَرَةُ، فيَسْقُطُ سَهْمُ العامِلِ، فيَتَضَرَّرُ.
ولَنا، ما رَوَى مُسلمٌ 306 عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ اليَهُودَ سَأَلُوا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يُقِرَّهُم بخَيبَرَ، على أن يَعْمَلُوها، ويكونَ لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - شَطْرُ ما يَخْرُجُ منها مِن زَرْع أو ثَمَر، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «نُقِرُّكُمْ عَلَى ذلِكَ مَا شِئْنَا».
ولو كان لازِمًا لم يَجُزْ بغيرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ، ولا أن يَجْعَلَ الخِيَرَةَ إليه في مُدَّةِ إقْرارِهم، ولأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لو قَدَّرَ لهم مُدَّةً لنُقِلَ؛ لأنَّ هذا مما يُحْتاجُ إليه، فلا يَجُوزُ الإِخْلالُ بنَقْلِه، وعُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عنه، أجْلاهُم مِن أرْضِ الحِجازِ، وأَخْرَجَهُم مِن خَيبَرَ، ولو كانت لهم مُدَّةٌ مُقَدَّرَةٌ، لم يَجُزْ إخْراجُهم فيها، ولأنَّه عَقدٌ على جُزْءٍ من نَماءِ المالِ، فكان جائِزًا:
الجزء: 14 - الصفحة: 201
لَا يَفْتَقِرُ إِلَى ذِكْرِ مُدَّةٍ.
وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا، فَمَتَى انْفَسَخَتْ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، فَهِيَ بَينَهُمَا.
كالمُضارَبَةِ.
وفارَقَ الإِجارَةَ؛ لأنَّها بَيع، فكانت لازِمَةً، كَبَيعِ الأعْيانِ، ولأنَّ عِوَضَها مَعْلُومٌ، أشْبَهَتِ البَيعَ.
وقِياسُهُم يَنْتَقِضُ بالمُضارَبَةِ، وهي أشْبَهُ بالمُساقاةِ من الإِجارَةِ، فقِياسُها عليها أوْلَى.
وقولُهم: إنَّه يُفْضِي إلى أنَّ رَبَّ المَالِ يَفْسَخُ بعدَ إدْراكِ الثَّمَرَةِ.
قلنا: إذا ظَهَرَتِ الثَّمَرَةُ، ظَهَرَتْ على مِلْكَيهما، فلا يَسْقُطُ حَقُّ العامِلِ منها بفَسْخ ولا غيرِه؛ كما إذا فَسَخ المُضاربةَ 307 بعد ظُهُورِ الرِّبْحِ.
فعلى هذا (لا يَفْتَقِرُ إلى ذِكْرِ مُدَّةٍ) لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَضْرِبْ لأهْلِ خَيبَرَ مُدَّةً مَعْلُومةً، ولا خُلَفاؤُه حين عامَلُوهُم، ولأنَّه عَقْدٌ جائِزٌ فلم يَفتَقِرْ إلى ضَرْبِ مُدَّةٍ، كالمُضارَبَةِ وسائِرِ العُقُودِ الجائِزَةِ.
و (متى) فَسَخ أحَدُهما (بعدَ ظُهُورِ
الجزء: 14 - الصفحة: 202
وَإنْ فَسَخَ الْعَامِلُ قَبْلَ ظُهُورِهَا، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ فَسَخَ رَبُّ الْمَالِ، فَعَلَيهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ.
الثَّمَرَةِ، فهي بينهما) على ما شَرَطاهُ، وعلى العامِلِ تَمامُ العَملِ 308، كما يَلْزَمُ المُضارِبَ بَيعُ العُرُوضِ إذا فُسِخَتِ المُضارَبَةُ بعد ظُهُورِ الرِّبْحِ، (وإن فَسَخ العامِلُ قبلَ) ذلك (فلا شيءَ له) لأنَّه رَضِيَ بإسْقاطِ حَقِّه، فهو كعامِلِ المُضارَبَةِ إذا فسخ قبلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ، وعامِلِ الجَعَالةِ إذا فَسَخ قبلَ إتْمامِ عَمَلِه (وإن فَسَخَ رَبُّ المالِ) قبل ظُهُورِ الثَّمَرَةِ (فعليه) أجْرُ المِثْلِ للعامِلِ؛ لأنَّه مَنَعَه إتْمامَ عَمَلِه الَّذي يَسْتَحِقُّ بِهِ العِوَضَ، فأشْبَهَ ما لو فَسَخ الجاعِلُ قبلَ إتْمامِ عَمَلِ الجَعَالةِ.
وفارَقَ رَبَّ المالِ في المُضارَبَةِ إذا فَسَخَها قبلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ؛ لأنَّ عَمَلَ هذا مُفْضٍ إلى ظُهُورِ الثَّمَرَةِ غالِبًا، فلَوْلا الفَسْخُ لَظَهَرتِ الثَمَرَةُ، فمَلَكَ نَصِيبَه منها، وقد قَطَع ذلك بِفَسْخِه، فأشْبَهَ فَسْخَ الجَعَالةِ، بخِلافِ المُضارَبَةِ، فإنَّه لا يُعْلَمُ إفْضاؤُها إلى الرِّبْحِ، ولأنَّ الثَّمَرَةَ إذا ظَهَرت في الشَّجَرِ، كان العَمَلُ عليها في الابْتِداءِ من أسْباب ظُهُورِها، والرِّبْحُ إذا ظَهَر في المُضارَبَةِ، قد لا يكونُ للعَمَلِ الأوَّلِ فيه أَثَرٌ أصْلًا.
الجزء: 14 - الصفحة: 203
وَقِيلَ: هِيَ عَقْدٌ لَازِمٌ تَفْتَقِرُ إِلَى ضَرْبِ مُدَّةٍ تَكْمُلُ الثَّمَرَةُ فِيهَا.
2121 - مسألة: فإن قلنا: هي عَقْدٌ لازِمٌ. فلا يَصِحُّ إلا على مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو ثَوْرٍ: يَصِحُّ، ويَقَعُ على سَنَةٍ واحدةٍ.
وأجازَه بعضُ الكُوفِيِّين اسْتِحْسانًا؛ لأنَّه لمّا شَرَط له جُزْءًا مِن الثَّمَرَةِ، كان ذلك دَلِيلًا على إرادَةِ مُدَّةٍ تَحْصُلُ فيها الثَّمَرَةُ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، فوَجَبَ تَقْدِيرُه بمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، كالإِجارةِ، ولأنَّ المُساقاةَ أشْبَهُ بالإِجارَةِ؛ لأنَّها تَقْتَضِي العَمَلَ على العَينِ مع بَقائِها، ولأنَّها إذا وَقَعَتْ مُطْلَقةً، لم يُمْكِنْ حَمْلُها على إطْلاقِها مع لُزُومِها؛ لأنَّه يُفضِي إلى أنَّ العامِلَ يَسْتَبِدُّ بالشَّجَرِ كُلَّ مُدَّتِه؛ فيَصِيرُ كالمالِكِ، ولا يُمْكِنُ تَقْدِيرُه بالسَّنَةِ؛ لأنَّه تحكُّمٌ، وقد تَكْمُلُ الثَّمَرَةُ في أقَلَّ مِن السَّنَةِ.
فعلى هذا، لا تَتَقَدَّرُ أكْثَرُ المُدَّةِ، بل يجوزُ ما يَتَّفِقان عليه من المُدَّةِ التي يَبْقَى الشَّجَرُ فيها، وإن طالتْ.
وقيل: لا يجوزُ أكثرُ مِن ثَلاثِينَ سَنَةً.
وهذا تَحَكُّمٌ وتَوْقِيتٌ لا يُصارُ إليه إلَّا بنَصٍّ أو إجْماعٍ.
فأمّا أقَلُّ المُدَّةِ، فيَتَقَدَّرُ بمُدَّةٍ تَكْمُلُ فيها الثَّمَرَةُ، ولا يجوزُ على أقَلَّ منها؛ لأنَّ المَقْصُودَ اشْتِراكُهُما في الثَّمَرَةِ، ولا يُوجَدُ في أقَلَّ مِن هذه المُدَّةِ.
الحديث: 2121 - الجزء: 14 - الصفحة: 205
فَإِنْ جَعَلَا مُدَّةً لَا تَكْمُلُ فِيهَا، لَمْ تَصِحَّ.
وَهَلْ لِلْعَامِلِ أُجْرَةٌ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وإنْ جَعَلَا مُدَّةً قَدْ تَكْمُلُ فِيهَا، وَقَدْ لَا تَكْمُلُ، فَهَلْ تَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فَإن قُلْنَا: لَا تَصِحُّ.
فَهَلْ لِلْعَامِلِ أُجْرَةٌ؟ عَلَى وَجْهَينَ.
2122 - مسألة: فإن شَرَطا مُدَّةً لا تَكْمُلُ فيهِا، لَمْ تَصِحَّ؛
لذلك، فإذا عَمِلَ فيها فَظَهَرِتِ الثَّمَرَةُ فيها ولم تَكْمُلْ، فله أُجْرَةُ مِثْلِه في أحَدِ الوَجْهَين.
وفي الآخرِ لا شيءَ له؛ لأنَّه رَضِيَ بالعَمَلِ بغيرِ عِوَضٍ، فهو كالمُتَبرِّعِ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا لم يَرْضَ إلَّا بِعِوَضٍ، وهو جُزْءٌ مِن الثَّمَرَةِ، وذلك الجُزْءُ مَوْجُودٌ، لكنْ لا يُمْكِنُ تَسْلِيمُه إليه، فلَمَّا تَعَذَّرَ دَفْعُ العِوَضِ الَّذي اتَّفَقا عليه، كان له أجْرُ مِثْلِه كما في الإِجارَةِ الفاسِدَةِ، بخِلافِ المُتَبَرِّعِ، فإنه رَضِيَ بغيرِ شيءٍ.
وإن لم تَظْهَرِ الثَّمَرَةُ، فلا شيءَ له، في أصَحِّ الوَجْهَين؛ لأنَّه رَضِيَ بالعَمَلِ بغيرِ عِوَضٍ.
فصل: وإن ساقاهُ إلى مُدَّةٍ تَكْمُلُ فيها الثَّمَرَةُ غالِبًا، فلم تَحْمِلْ تلك السنةَ، فلا شيءَ للعامِلِ، لأنَّه عَقْدٌ صَحِيحٌ لم يَظْهَرْ فيه النَّماءُ، أشْبَهَ المُضارَبَةَ إذا لم يَرْبَحْ فيها، وإن ظَهَرَت الثَّمَرَةُ ولم تَكْمُلْ، فله نَصِيبُه منها، وعليه إتْمامُ العَمَل فيها، كما انْفَسَخَتْ قبلَ كَمالِها.
2123 -
مسألة: وإن شَرَطَا مُدَّةً قد تَكْمُلُ فيها الثَّمَرَةُ وقد لا تَكْمُلُ،
فَفِي صِحَّةِ المُساقاةِ وَجْهانِ؛ أحَدُهُما، يَصِحُّ؛ لأنَّ الشَّجَرَ
الحديث: 2122 - الجزء: 14 - الصفحة: 206
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَحْتَمِلُ أن يَحْمِلَ ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْمِلَ، والمُساقاةُ جائِزَةٌ فيه.
والثانِي، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَعْدُومٍ، ليس الغالِبُ وُجُودَه؛ فلم يَصِحَّ، كالسَّلَمِ في مِثْلِ ذلك، ولأنَّ ذلك غَرَرٌ أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منه، فلم يَجُزِ العَقْدُ معه، كما لو شَرَط ثَمَرةَ نَخْلةٍ بعَينِها.
وفارَقَ ما إذا شَرَط مُدَّة تَكْمُلُ فيها الثَّمَرَةُ، فإنّ الغالِبَ أنَّ الشَّجَرَ يَحْمِلُ، واحْتِمالُ أن لا يَحْمِلَ نادِرٌ لم يُمْكِنِ التَّحَرُّزُ عنه.
فإن قُلْنا: العَقْدُ صَحِيح.
فله حِصَّتُه مِن الثَّمَرِ.
فإن لم يَحْمِلْ، فلا شيءَ له.
وإن قُلْنا: هو فاسِدٌ.
اسْتَحَقَّ أجْرَ المِثْلِ، سواءٌ حَمَل أو لَمْ يَحْمِلْ؛ لأنَّه لم يَرْضَ بغيرِ عِوَضٍ، ولم يُسَلَّمْ له العِوَضُ، فاسْتَحَقَّ أجْرَ المِثْلِ، بخِلافِ ما إذا شَرَطا مُدَّةً لا يَحْمِلُ في مِثْلِها.
وفيه وجه آخرُ، أنَّه لا شيءَ له، كما لو اشْتَرَطا مُدَّةً لا يَحْمِلُ فيها الشَّجَرُ غالبًا.
ومتى خرَجَتِ الثَّمَرَةُ قبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، فله حَقُّه منها، إذا قُلْنا بصِحَّةِ العَقْدِ، وإن خَرَجَتْ بعدَها، فلا شيءَ له فيها.
ومذهبُ الشافعيِّ في هذا قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرْنا.
الجزء: 14 - الصفحة: 207
وَإنْ مَاتَ الْعَامِلُ، تَمَّمَ الْوَارِثُ، فَإنْ أَبَى، اسْتُؤْجِرَ عَلَى الْعَمَلِ
2124 - مسألة: (وإن مات العامِلُ، تَمَّمَ الوارِثُ)
فإن لم يَكُنْ له وارِثٌ، أقامَ الحاكِمُ مُقَامَه مِن تَرِكَتِه.
وجُمْلَةُ ذلك، أنّا قد ذَكَرْنا أنَّ ظاهِرَ المذْهَبِ، أنَّ المُساقاةَ عَقْدٌ جائِزٌ لا يَفْتَقِرُ إلى ذِكْرِ مُدَّةٍ؛ لأنَّ إبْقاءَها إليهما، وفَسْخَها جائِزٌ لكلِّ واحدٍ منهما، فلم تَحْتَجْ إلى مُدَّةٍ، فإن قَدَّرَها بمُدَّةٍ، جاز؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في ذلك، وقد بَيَّنَّاه في المُضارَبَةِ، والمُساقاةُ مثلُها.
فعلى هذا، تَنْفَسِخُ بمَوْتِ كُلِّ واحِدٍ منهما، وجُنُونِه، والحَجْرِ عليه للسَّفَهِ، كالمُضارَبَةِ، ويكونُ الحُكْمُ فَيها كما لو فَسَخَها أحَدُهما.
فأمَّا إن قلنا بلُزُومِها، لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ، ويَقُومُ الوارِثُ مَقامَ المَيِّتِ منهما؛ لأنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، أشْبَهَ الإِجَارةَ.
فإن كان المَيِّتُ العامِلَ، فأبَى وارِثُه القِيامَ مَقَامَه، لم يُجْبَرْ؛ لأنَّ الوارِثَ لا يَلْزَمُه مِن الحُقُوقِ التي على مَوْرُوثِه إلَّا ما أمْكَنَ دَفْعُه مِن تَرِكَتِه، والعَمَلُ ليس مما يُمْكِنُ ذلك فيه.
فعلى هذا،
الحديث: 2124 - الجزء: 14 - الصفحة: 208
مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ، فَلِرَبِّ الْمَالِ الْفَسْخُ.
فَإِنْ فَسَخَ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، فَهِيَ بَينَهُمَا.
وَإنْ فَسَخَ قَبْلَهُ، فَهَلْ لِلْعَامِلِ أُجْرَةٌ؟ عَلَى وَجْهَينَ.
يَسْتَأْجِرُ الحاكِمُ مِن التَّرِكَةِ مَن يَعْمَل العَمَلَ، فإن لم يَكُنْ له تَرِكَةٌ، أو تَعَذَّرَ الاسْتِئْجارُ (فَلِرَبِّ المالِ الفَسْخُ) لأنَّه تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ المَعْقُودِ عليه، فَثَبَتَ الفَسْخُ، كما لو تَعَذَّرَ ثَمَنُ المَبِيعِ قبلَ قَبْضِه.
2125 -
مسألة: (فَإِنْ فَسَخَ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، فَهِيَ بَينَهُمَا، وَإنْ فَسَخَ قَبْلَهُ، فَهَلْ لِلْعَامِلِ أُجْرَةٌ؟ عَلَى وَجْهَينَ)
أمّا إذا فَسَخ بعدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، فهي بينَهما، كما إذا انْفَسَخَتِ المُضارَبَةُ بعدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ.
فعلى هذا، يُباعُ مِن نَصِيبِ العامِلِ ما يُحْتاجُ إليه لأجْرِ ما بَقِيَ مِن العَمَلِ، واسْتؤْجِرَ مَن يَعْمَلُ ذلك.
وإنِ احْتِيجُ إلى بَيعِ الجميعِ،
الحديث: 2125 - الجزء: 14 - الصفحة: 209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِيعَ.
ثم لا يَخْلُو؛ إمّا 309 أن يكونَ قد بَدا صَلاحُ الثَّمَرَةِ أوْ لا، فإن كان قد بَدا صَلاحُها، خُيِّرَ المالِكُ بين البَيعِ والشِّراءِ، فإنِ اشْتَرَى نَصِيبَ العامِلِ، جازَ، وإنِ اخْتارَ بَيعَ نَصِيبِه، باعَهُ، وباعَ الحاكِمُ نَصِيبَ العامِلِ، وإن أربى البَيعَ والشِّراءَ، باعَ الحاكِمُ نَصِيبَ العامِلِ وحدَه، وما بَقِيَ على العامِلِ، يَسْتأجِرُ مَن يَعْمَلُه، والباقِي لِوَرَثَتِه.
وإن كانت لم يَبْدُ صَلاحُها، خُيِّرَ المالِكُ أيضًا، فإن بِيعَ لأجْنَبِيٍّ، لم يجُزْ إلَّا بشَرْطِ القَطعِ.
ولا يجوزُ بَيعُ نَصِيبِ العامِلِ وحدَه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ قَطْعُه إلَّا بِقَطْعِ نصِيبِ المالِكِ، ولا يجوزُ ذلك إلَّا بإذْنِه.
وهل يجوزُ شِرَاءُ المالِكِ لها؛ على وَجْهَين؛ أحدُهما، لا يَجُوزُ، كالأجْنَبِيِّ والثاني، يجوزُ، كما إذا باع نَخْلًا مُؤَبَّرًا، جاز للمُشْتَرِي أن يَبْتاعَ الثَّمَرَةَ التي للبائِعِ مِن غيرِ شَرْطِ القَطْعِ 310. وهكذا الحُكْمُ إذا انْفَسخَتِ المُساقاةُ بمَوْتِ العامِلِ، إذا قلنا بجَوازها، وأربى الوارِثُ العَمَلَ.
فأمّا إن فَسَخ قبلَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، فللعامِلِ الأجْرَةُ في أحَدِ الوَجهَين؛ لأنَّه عَمَل بعِوَض لم يَصِحَّ له، فكانَتْ له الأجْرَةُ، كما لو فَسَخ بغيرِ عُذْرٍ.
والثاني، لا شيءَ له؛ لأنَّ الفَسْخَ مُسْتَنِدٌ إلى مَوْتِه، ولا صُنْعَ لِرَبِّ المالِ فيه، أشْبَهَ إذا فَسَخ العامِلُ قبلَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 210
وَكَذَلِكَ إِنْ هَرَبَ الْعَامِلُ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُنْفِقُ عَلَيهَا،
2126 - مسألة: (وكذلك إن هَرَب العامِلُ ولم يُوجَدْ له ما يُنْفِقُ عليها)
فهو كما لو مات، إن كان العَقْدُ جائِزًا، فَلِرَبِّ الأرْضِ الفَسْخُ.
وإن قُلْنا بلُزُومِه، فوَجَدَ الحاكِمُ له مالًا، أو أمْكَنَه الاقْتِراضُ عليه من بَيتِ المالِ أو غيرِه، فَعَل، وإن لم يُمْكِنْه، وَوَجَدَ مَن يَعْمَلُ بِأُجْرَةٍ مُؤَجلَةٍ إلى وَقْتِ إدْراكِ الثَّمَرَةِ، فَعل، فإن تَعَذَّرَ ذلك، فلِرَب المالِ الفَسْخُ؛ لِما ذَكَرْنا.
وأمّا المَيِّتُ، فلا يَقْتَرِضُ عليه؛ لأنَّه لا ذِمَّةَ له.
والأوْلَى في هذه الصُّورَةِ أن لا يكونَ للعامِلِ أُجْرَةٌ؛ لأنَّه تَرَكَ العَمَلَ اخْتِيارًا منه، فلم يَكُنْ له أُجْرَةٌ، كما لو تَرَك العَمَلَ مِن غيرِ هَرَبٍ مع القُدْرَةِ عليه.
الحديث: 2126 - الجزء: 14 - الصفحة: 211
فَإِنْ عَمِلَ فِيهَا رَبُّ الْمَالِ بِإِذْنِ حَاكِم أوْ إِشْهَادٍ رَجَعَ بِهِ، وَإلَّا فَلَا.
2127 - مسألة: (فإن عَمِل فيها رَبُّ المالِ بإذْنِ حاكم أو إشْهادٍ، رَجَع به، وإلَّا فلا)
قد ذَكَرْنا أنَّ لِرَبِّ المالِ الفَسْخَ، فإنِ اخْتارَ البَقاءَ على المُساقاةِ، لم يَنْفَسِخْ إذا قُلْنا بلُزُومِها، ويَسْتَأْذِن الحاكمَ في الإِنْفاقِ على الثَّمَرَةِ، ويَرْجِعُ بما أنْفَقَ.
فإن عَجَز عن اسْتِئْذانِ الحاكمِ، فأنْفَقَ بِنِيِّةِ الرُّجُوعِ، وأشْهَدَ على الإنْفاقِ بشَرْطِ الرُّجُوعِ، رَجَع بما أنْفَقَ.
وهذا أحَدُ الوَجْهَين لأصحّاب الشافعيِّ؛ لأنَّه مُضْطر.
وإن أمْكَنَه اسْتِئْذانُ الحاكِمِ، وأنْفَقَ بِنيَّةِ الرُّجُوعِ ولم يَسْتَأَذِنْه، فهل يَرْجِعُ بذلك؟ على وَجْهين، بِنَاءً على ما إذا قَضَى دَينَه بغيرِ إذْنِه.
فإن تَبَرَّعَ بالإِنْفاقِ، لم يَرْجِعْ، كما لو تَجَرَّعَ بالصَّدَقَةِ.
والحُكْمُ فيما إذا أنْفَقَ على الثَّمَرَةِ بعدَ فَسْخِ العَقْدِ 311 إذا تَعَذَّرَ بَيعُها، كالحُكْمِ ههُنا سَواءٌ.
الحديث: 2127 - الجزء: 14 - الصفحة: 212
فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ الْعَامِلَ مَا فِيهِ صَلَاح الثَّمَرَةِ وَزِيَادَتُهَا؛ مِنَ فصل: قال رَحِمَه الله: (وَيَلْزَمُ الْعَامِلَ مَا فِيهِ صَلَاح الثَّمَرَةِ وَزِيَادَتُهَا؛
الجزء: 14 - الصفحة: 213
السَّقْي، وَالْحَرْثِ، وَالزِّبَارِ، وَالتَّلْقِيحِ، وَالتَّشْمِيسِ وَإِصْلَاحِ طُرُقِ الْمَاءِ وَمَوْضِعِ التَّشمِيسِ، وَنَحْوهِ.
مِن السَّقْي، والحَرْثِ، والزِّبارِ 312، والتَّلْقِيحِ، والتَّشْمِيسِ، وإصلاحِ طُرُقِ الماءِ ومَوْضِعِ التَّشْمِيسِ، ونحوه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يَلْزَمُ العامِلَ بإطْلاقِ عَقدِ المُساقاةِ ما فيه صَلاحُ الثَّمَرَةِ وزِيادَتُها؛ مِن حَرْثِ الأَرْضِ تَحْتَ الشَّجَرِ، والبَقَرِ الَّذي يَحْرُثُ، وآلةِ الحَرْثِ، وسَقي الشَّجَرِ، واسْتِقاءِ الماء، وإصْلاحِ طُرُقِ الماءِ، وقَطْعِ الحَشِيش المُضِرِّ والشَّوْكِ، وقَطْعِ الشَّجَرِ اليابِسِ، وزِبارِ الكَرْم، وقَطْعِ ما يَحْتاجُ إلى قَطْعِه، وتَسْويَةِ الثَّمَرَةِ، وإصْلاحِ الأَجَاجِين، وهي الحُفَرُ التي يَجْتَمِعُ فيها الماءُ على أُصُولِ النَّخْلِ، وإدارةِ الدُّولابِ، وحِفْظِ فيِ الثَّمَرِ في الشَّجَرِ وبعدَه حتَّى يُقْسَمَ، وإن كان مما يُشَمَّسُ، فعليه تَشْمِيسُه؛ لأنَّ إطْلاقَ عَقْدِ المُساقاةِ يَقْتَضِي ذلك، فإنَّ مَوْضُوعَها على أنَّ العَمَلَ من العامِلَ.
الجزء: 14 - الصفحة: 214
وَعَلى رَبِّ الْمَالِ مَا فِيهِ حِفْظُ الأَصْلِ مِنْ سَدِّ الْحِيطَانِ، وَإجْرَاءِ الْأنْهَارِ، وَحَفْرِ الْبِئْرِ وَالدُّولَابِ وَمَا يُدِيرُهُ.
وَقِيلَ: مَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ، فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ، وَمَا لَا، فَلَا.
2128 - مسألة: (وَعَلى رَبِّ الْمَالِ مَا فِيهِ حِفْظُ الأَصْلِ مِنْ سَدِّ الْحِيطَانِ، وَإجْرَاءِ الْأنْهَارِ، وَحَفْرِ الْبِئْرِ وَالدُّولَابِ وَمَا يُدِيرُهُ)
وكذلك شِراءُ ما يُلَقَّحُ به، إذا أطْلَقَا العَقْدَ، وإن شَرَطا ذلك كان تَأْكيدًا (وقيل: ما يَتَكَرَّرُ كلَّ عام، فهو على العامِلِ، وما لا، فلا) قال شيخُنا 313: وهذا صَحِيحٌ إلَّا في شِراءِ ما يُلَقَّحُ به، فإنَّه على رَبِّ المالِ وإنْ تَكَرَّرَ؛ لأنَّ هذا ليس مِن العَمَلِ.
فأمّا البَقَرُ الَّذي يُدِيرُ الدُّولابَ، فقال أصحابُنا: هي على رَبِّ المالِ؛ لأنَّها ليستْ مِن العَمَلِ، أشْبَهَ ما يُلَقَّحُ به.
قال شيخُنا (1): والأوْلَى أنَّها على العامِلِ؛ لأنَّها تُرَادُ للعَمَلِ، أشْبَهَتْ بَقَر الحَرْثِ، ولأنَّ اسْتِقاءَ الماءِ على العامِلِ إذا لم يَحْتَجْ إلى بَهِيمةٍ، فكان عليه وإنِ احْتاجَ إليها، كغَيرِهِ مِن الأعْمالِ.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: ما يتَعلَّقُ بالأُصُولِ والثَّمَرَةِ معًا، كَكَسْحِ النَّهْرِ، هو على مَن شُرِطَ
الحديث: 2128 - الجزء: 14 - الصفحة: 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه 314 منهما، وإن أُهْمِلَ شَرْطُ ذلك على أحَدِهما، لم تَصِحَّ المُساقاةُ.
وقد ذَكَرْنا ما يَدُلُّ على أنَّه على 315 العامِلِ.
فأمّا تَسْمِيدُ الأَرْضِ بالزِّبْل إذا احْتاجَتْ إليه، فتَحْصِيلُه على رَبِّ المالِ؛ لأنَّه ليس مِن العَمَلِ، أشْبَهَ ما يُلَقَّحُ به، وتَفْرِيقُه في الأَرْضِ على العامِلِ، كالتَّلْقِيحِ.
فصل: فإن شَرَطا على أحَدِهما شيئًا مِمّا يَلْزَمُ الآخَرَ، فقال القاضي، وأبو الخَطّاب: لا يجوزُ ذلك.
فعلى هذا، تَفْسُدُ المُساقاةُ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأَئه شَرْط يُخالِفُ مُقْتَضى العَقْدِ، فأفْسَدَه، كالمُضارَبةِ إذا شُرِطَ العَمَلُ فيها على رَبِّ المالِ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على صِحَّةِ ذلك؛ فإنَّه ذَكَر أنَّ الجِذاذَ عليهما، فإن شَرَطه على العامِلِ، جازَ؛ لأنَّه شَرْطٌ لا يُخِلُّ بمَصْلَحَةِ العَقْدِ، ولا مَفْسَدَةَ فيه، فَصَحَّ، كتَأْجِيلِ الثَّمَنِ في البَيعِ، وشَرْطِ الرَّهْنِ والضَّمِينِ والخِيارِ فيه، لكنْ يشْتَرَطُ أن يكونَ ما يَلْزَمُ كلَّ واحدٍ منهما مِن العَمَلِ مَعْلُومًا؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلى التَّنَازُعِ فيَخْتَلَّ العَمَلُ، وأن لا يكونَ على رَبِّ المالِ أَكْثَرُ العَمَلِ ولا نِصْفُه؛ لأنَّ العامِلَ إنَّما يَسْتَحِقُّ بعَمَلِه، فإذا لم يَعْمَلْ أكثر العَمَلِ، كان وُجُودُ عَمَلِه كَعَدَمِه، فلا يَسْتَحِقُّ شيئًا.
الجزء: 14 - الصفحة: 216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن شَرَط أن يَعْمَلَ معه غِلْمانُ رَبِّ المالِ، فهو كعَمَلِ رَبِّ المالِ، فإنَّ يَدَ الغُلامِ كَيَدِ مَوْلاه.
وقال أبو الخَطّابِ: فيه وَجْهان؛ أحَدُهما كما ذَكَرْنا.
والثَّاني، يَجوزُ؛ لأنَّ غِلْمانَه مالُه، فجاز أن يُجْعَلَ تَبَعًا لمالِه، كَثَوْرِ الدُّولابِ، وكما يجوزُ في القِراضِ أن يَدْفَعَ إلى العامِلِ بَهِيمَةً يَحْمِلُ عليها.
وأمّا رَبُّ المالِ، لا يجوزُ جَعْلُه تَبَعًا.
وهذا قولُ مالِكٍ، والشافعيِّ، ومحمدِ بنِ الحَسَنِ.
فإذا شَرَط غلْمانًا يَعْمَلُون معه، فنَفَقَتُهمُ على ما يَشْتَرِطان عليه، فإن أطْلَقَا، فهي على رَبِّ المالِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال مالكٌ: نَفَقَتُهُم على المُساقِي، ولا يَنْبَغِي أن يَشْرُطَها على رَبِّ المالِ؛ لأنَّ العَمَلَ على المُساقِي، فمُؤْنَةُ مَنِ يَعْمَلُه عليه، كمُؤْنَةِ غِلْمانِه.
ولَنا، أنَّه مَمْلُوكُ رَبِّ المالِ، فكانت نَفقتُه عليه عندَ الإِطْلاقِ، كما لو أجَرَه، فإن شَرَطَها على العامِلِ، جاز.
ولا يُشْتَرَطُ تَقْدِيرُها.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال محمدُ بنُ الحَسَنِ: يُشْتَرَطُ؛ لأنَّه اشْتَرَطَ عليه ما لا يَلْزَمُه، فوَجَبَ أن يكونَ مَعْلُومًا، كسائِرِ الشُّرُوطِ.
ولَنا، أنَّه لو وَجَب تَقْدِيرُها، لوَجَبَ ذِكْرُ صفاتِها، ولا يَجِبُ ذلك، فلم يَجِبْ تَقْدِيرُها.
ولا بُدّ مِن مَعْرِفَةِ الغِلْمانِ المَشْرُوطِ عَمَلُهُم برُويةٍ، أو صِفَةٍ تَحْصُلُ بها مَعْرِفَتُهُم؛ في عَقْدِ الإِجارَةِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 217
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن شَرَط العامِلُ أنَّ أجْرَ الأُجَراء الَّذِينَ يَحتاجُ إلى الاسْتِعانةِ بهم مِن الثَّمَرةِ، وقَدَّرَ الأُجْرَةَ، لم يَصِحَّ؛ لَأنَّ العَمَلَ عليه، فإذا شَرَط أجْرَه 316 مِن المالِ، لم يَصِحَّ، كما لو شَرَط لنَفْسِه أجْرَ عَمَلِه.
وكذلك إن لم يُقَدِّرْه؛ [لذلك، و] 317 لأنَّه مَجْهُودٌ.
ويُفارق هذا ما إذا شَرَط المُضارِبُ [أَجْرَ من يَحْتاجُ إليهم مِن الحَمّالِين ونحْوهم؛ لأنَّ ذلك لا يَلْزَمُ العامِلَ، فكان على المالِ، ولو شَرَط أجْرَ ما يَلْزَمُه عَمَلُه بنَفْسِه، لم يَصِحَّ] 318.
الجزء: 14 - الصفحة: 218
وَحُكْمُ الْعَامِلِ حُكْمُ الْمُضَارِبِ فِيمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ وَمَا يُرَدُّ، وَإنْ ثَبَتَتْ خِيَانَتُهُ، ضُمَّ إِلَيهِ مَنْ يُشَارِفُهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حِفْظُهُ اسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ.
2129 - مسألة: (وحُكْمُ العامِلِ حُكْمُ المُضارِبِ فيما يُقْبَلُ قولُه فيه و)
في (ما يُرَدُّ) لأنَّ رَبَّ المال ائْتَمَنَهُ، فأشْبَهَ المُضارِبَ.
فإنِ اتُّهِمَ حَلَف (وإن ثَبَتَتْ خِيانته ضُمَّ إليه مَن يُشارفُه) كالوَصِيِّ إذا ثَبَتَتْ خِيانَتُه (فإن لم يُمْكِنْ حِفْظُه، اسْتُؤْجِرَ مِن مالِه مَن يَعْمَلُ العَمَلَ).
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أصحابُ مالكٍ: لا يُقَامُ غيرُه مُقامَه، بل يُحْفَظُ منه؛ لأنَّ فِسْقَه لا يَمْنَعُ اسْتِيفاءَ المَنافِعِ المَقْصُودَةِ منه، فأشْبَهَ ما لو فَسَق بغيرِ الخِيانَةِ.
ولَنا، أنَّه تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ المَنافِعِ المَقْصُودَةِ منه 319، فاسْتُوفِيَت بغيرِه، كما لو هَرَب، ولا نُسَلِّمُ إمْكانَ اسْتِيفاءِ المَنافِعِ منه؛ لأَنه لا يُؤْمَنُ منه 320 تَرْكُها، ولا يُوثَقُ منه بفِعْلِها، ولا نقولُ: إنَّ له فَسْخَ المُساقاةِ.
الحديث: 2129 - الجزء: 14 - الصفحة: 219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنَّما نقولُ: لمّا لم يُمْكِنْ حِفْظُها مِن خِيانَتِكَ، أقِمْ غيرَك يَعْمَلْ ذلك، وارْفَعْ يَدَكَ عنها؛ لأنَّ الأمانةَ قد تَعَذَّرَتْ في حَقِّكَ، فلا يَلْزَمُ رَبَّ المالِ ائْتِمانُك.
وفارَقَ فِسْقَه بغيرِ الخِيانَةِ، فإنَّه لا ضَرَرَ على رَبِّ المالِ فيها، وههُنا يَفُوتُ مالُه.
فإن عَجَز عن العَمَلِ لضَعْفِه مع أمانَتِه، ضُمَّ إليه غيرُه، ولا تُنْزَعُ يَدُه؛ لأنَّ العَمَلَ مُسْتَحَقٌّ عليه، ولا ضَرَرَ في بَقاءِ يَدِه عليه.
وإن عَجَز بالكُلِّيَّةِ، أقامَ مُقامَه مَن يَعْمَلُ، والأُجْرةُ عليه في المَوضعَين؛ لأنَّ عليه تَمامَ العَمَلِ، وهذا مِن تَمامِه.
فصل: ويَمْلِكُ العامِلُ حِصَّتَه مِن الثَّمَرَةِ بظُهُورِها، فلو تَلِفَتْ كُلُّها إلَّا واحدةً، كانت بينَهما.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
والثاني، يَمْلِكُه بالمُقاسَمةِ، كالمُضارِبِ.
ولَنا، أنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ، فيَثْبُتُ مُقْتَضاهُ، كسائِرِ الشُّرُوطِ الصَّحِيحَةِ، ومُقْتَضاهُ كَوْنُ الثَّمَرَةِ بينَهما على كل حالٍ.
وأمّا القِراضُ، فنقولُ: إَّنه يَمْلِكُ الرِّبْحَ بالظُّهُورِ، كمسألَتِنا.
وإن سُلِّمَ، فالفَرْقُ بينَهما أنَّ الرِّبْحَ وقاية لرَأْسِ المالِ، فلم يَمْلِكْ حتَّى يُسَلِّمَ رَأْسَ المالِ لرَبِّه، وهذا ليس بوقايةٍ لشيءٍ، فإنَّه لو تَلِفَتِ الأُصُولُ كُلُّها، كان الثَّمَرُ بينَهما.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يَلْزَمُ كُلَّ واحدٍ منهما 321 زَكَاةُ حِصَّتِه إذا بَلَغَتْ نِصابًا.
نَصَّ عليه أحمدُ في المُزارَعَةِ.
فإن لم تَبْلُغ نِصابًا إلَّا بجَمْعِهما، لم تَجِبْ إلَّا على قَوْلِنا: إنَّ الخُلْطَةَ تُؤَثِّرُ في غيرِ السائِمَةِ.
فيُبْدَأُ بإخْراجِ الزكاةِ ثم يَقْتَسِمان ما بَقِيَ.
فإن بَلَغَتْ حِصَّةُ أحَدِهما نِصابًا دونَ
الجزء: 14 - الصفحة: 220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الآخَرِ، فعلى من بَلَغتْ حِصَّتُه نِصابًا الزَّكاةُ وحدَه، يُخْرِجُها بعدَ المُقاسَمَةِ، إلَّا أنْ يكونَ لمَن لم تَبْلُغْ حِصَّتُه نِصابًا ما يَتِمُّ به النِّصابُ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ، فيَجبُ عليهما جيعًا.
وإن كان أحَدُهما لا زَكاةَ عليه، كالمُكاتَبِ، والذِّمِّيِّ، فعلى الآخَرِ زَكاةُ حِصَّتِه إن بَلَغَتْ نِصابًا.
وبهذا كلِّه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال اللَّيثُ: إن كان شَرِيكُه نَصْرَانِيًّا، أعْلَمَه أنَّ الزَّكاةَ مُبَدَّأَةٌ 322 في الحائِطِ، ثم يُقاسِمُه بعد الزَّكاةِ ما بَقِيَ.
ولَنا، أنَّ النَّصْرانِيَّ لا زَكاةَ عليه، فلم يَخْرُجْ مِن حِصَّتِه شيءٌ، كما لو انْفَرَدَ بها، وقد روَى أبو داوُدَ، في «سُنَنِه» 323، عن عائشةَ، رَضِيَ الله عنها، قالت: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَبْعَثُ عبدَ اللهِ بنَ رِواحَةَ، فيَخْرُصُ النَّخْلَ حينَ يَطِيبُ قَبْلَ أنْ يُؤْكَلَ، ثم يُخَيِّرُ يَهُودَ خيبَرَ، أيَأْخُذُونَه بذلك الخَرْصِ، أمْ يَدْفَعُونَهُ إليهم بذلك الخَرْصِ، لكى تُحْصَى الزَّكَاةُ قبلَ أن تُؤْكَلَ الثِّمارُ وتُفَرَّقَ 324. قال جابر: خرَصَها ابنُ رَواحَةَ أرْبَعِينَ ألْفَ وَسْقٍ.
وزَعَم أنَّ اليَهُودَ لمّا خَيَّرَهُم ابنُ رَواحَةَ، أخَذُوا الثَّمَرَ وعَلَيهم عِشْرُونَ ألْفَ وَسْقٍ 325.
فصل: وإن ساقاهُ على أرْضٍ خَراجِيَّةٍ، فالخَراجُ على رَبِّ المالِ؛ لأنَّه
الجزء: 14 - الصفحة: 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَجِبُ على الرَّقَبَةِ، بدَلِيلِ أنَّه يَجِبُ سواءٌ أثْمَرَتِ الشَّجرةُ أو لم تُثْمِرْ، ولأنَّ الخَراجَ يَجِبُ أُجْرَةٌ للأَرْضِ، فكان على رَبِّ الأرْضِ، كما لو اسْتَأْجَرَ أرْضًا وزارَع غيرَه فيها.
وبه قال الشافعيُّ.
وقد نُقِلَ عن 326 أحمدَ في الَّذي يَتَقَبَّلُ الأرْضَ البَيضاءَ ليَعْمَلَ عليها، وهي مِن أرْضِ السَّوادِ يَقْبَلُها مِن السُّلْطانِ، فعلى مَن يَقْبَلُها أن يُؤَدِّيَ وَظِيفَةَ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، ويُؤَدِّيَ العُشْرَ بعدَ وَظِيفَةِ عُمَرَ.
وهذا معناهُ، واللهُ أعلمُ، إذا دَفَع السُّلْطانُ أرْضَ الخراجِ إلى رَجُل يَعْمَلُها ويُؤَدِّي خَراجَها، فإنَّه يَبْدأُ بخَراجِها، ثم يُزَكِّي ما بَقِيَ.
كما ذَكَر الخِرَقِيُّ في بابِ الزَّكاةِ.
ولا تَنافِيَ بينَ ذلك وبينَ ما ذَكَرْناه ها هنا.
فصل: ولا يجوزُ أن يَجْعَلَ له فَضْلَ دَراهِمَ زائِدَةٍ على ما شَرَط له مِن الثَّمَرَةِ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه رُبَّما [لم يَحْدُث مِن النَّمَاءِ] 327 بقَدْرِ تلك الدَّراهِمِ، فيَضُر برَبِّ المالِ، ولذلك مَنَعْنَا مِن اشْتِراطِ أقْفِزَةٍ مَعْلُومَةٍ.
فإن جَعَل له ثَمرةَ سَنَةٍ غيرِ السَّنةِ التي ساقاهُ عليها فيها، أو ثَمَرَ شَجَرٍ غيرِ الشَّجَرِ الَّذي ساقاهُ عليه، لم يَجُزْ.
وكذلك لو شَرَطَ عليه عَمَلًا في غيرِ الشَّجَرِ الَّذي ساقاهُ عليه، أو عَمَلا في غيرِ السَّنةِ، فهذا يُفْسِدُ العَقْدَ، سواءٌ جَعَل ذلك كلَّ 328 حَقِّه أو بعضَه، أو جميعَ العَمَلِ أو بعضَه؛ لأنَّه
الجزء: 14 - الصفحة: 222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُخالِفُ مَوْضُوعَ المُساقاةِ، إذ مَوْضُوعُها أن يَعْمَلَ في شَجَرٍ مُعَيَّنٍ، بجُزْءٍ مُشاعٍ مِن ثَمَرَتِه، في ذلك الوَقْتِ الَّذي يُسْتَحَقُّ عليه فيه العَمَلُ.
فصل: إذا ساقَى 329 رَجُلًا أو زَارَعَه، فعامَلَ العامِلُ غيرَه على الأرْضِ أو الشَّجَرِ، لم يَجُزْ.
وبه قال أبو يوسُفَ، وأبو ثَوْرٍ.
وأجازَه مالِكٌ إذا جاء برَجُلٍ أمِينٍ.
ولَنا، أنَّه عامِلٌ في المالِ بجُزْءٍ مِن نَمائِه، فلم يَجُزْ أن يُعامِلَ غيرَه فيه، كالمُضارِبِ، ولأنَّه إنَّما أذِنَ له في العَمَلِ فيه، فلم يَجُزْ أن يَأْذَنَ لغيرِه، كالوَكِيلِ.
فأمّا إن اسْتَأجَرَ أرْضًا، [فله أن] 330 يزارِعَ غيرَه فيها؛ لأنَّ منافِعَها صارت مُسْتَحَقَّةً له، فمَلَكَ المُزارَعَةَ فيها، كالمالِكِ، والأُجْرةُ على المُسْتَأْجر دُونَ المُزارِعِ، كما ذَكَرْنا في الخَراجِ.
وكذلك يجوزُ لمَن في يَدِه أرْضٌ خراجِيَّة أن يُزارِعَ فيها؛ لأنَّها كالمُسْتَأَجَرةِ، وللمَوْقُوفِ عليه أن يُزارِعَ في الوَقْفِ ويُساقِيَ على شَجَرِه؛ لأنَّه إمّا مالكٌ لرَقَبَةِ ذلك، أو بمَنْزِلَةِ المالكِ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا عند مَن أجازَ المُساقاةَ والمُزارَعَةَ.
والله أعلمُ.
الجزء: 14 - الصفحة: 223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن ساقاهُ على شَجَرٍ، فبانَ مُسْتَحَقًّا بعد العَمَلِ، أخَذَه ربُّه وثَمَرَتَه؛ لأنَّه عَينُ مالِه، ولا حَقَّ للعامِلِ في ثَمَرَتِه؛ لأنَّه عَمِلَ فيها بغيرِ إذْنِ مالِكِها، ولا [أجْرَ له عليه] 331؛ لذلك، وله على الغاصِبِ أجْرُ مِثْلِه؛ لأنَّه غَرَّهُ واسْتَعْمَلَه، فأشْبَهَ ما لو غَصَب نُقْرَةً واسْتَأْجَرَ مَن ضَرَبَها دَراهِمَ.
وإن شَمَّسَ الثَّمَرَةَ فلم تَنْقُصْ، أخَذَها رَبُّها، وإن نَقَصَتْ، فله أرْشُ نَقْصِها، يَرْجِعُ به على مَن شاءَ منهما.
ويَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الغاصِبِ.
وإنِ اسْتُحِقَّتْ بعد أن اقْتَسماها وأكَلَاهَا، فلِلْمالِكِ تَضْمِينُ مَن شاء منهما، فإن ضَمَّن الغاصِبَ، فله تَضْمِينُه الكلَّ، وله تَضْمِينُه قَدْرَ نَصِيبِه، وتَضْمِينُ العامِلِ قَدْرَ نَصِيبِه؛ لأنَّ الغاصِبَ سَبَبُ يَدِ العامِلِ، فلَزِمَه ضَمانُ الجميعِ، فإن ضَمَّنَه الكُلَّ، رَجَع على العامِلِ بقَدْرِ نَصِيبِه؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَل في يَدِه، فاسْتَقرَّ الضَّمانُ عليه، ويَرْجِعُ العامِلُ على الغاصِبِ بأجْرِ مِثْلِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَرْجِعَ الغاصِبُ على العامِلِ بشيءٍ؛
الجزء: 14 - الصفحة: 224
وَإذَا شَرَطَ إِنْ سَقَى سَيْحًا فَلَهُ الرُّبْعُ، وَإنْ سَقَى بِكُلْفَةٍ فَلَهُ النِّصْفُ، أَو إنْ زَرَعَهَا شَعِيرًا فَلَهُ الرُّبْعُ، وَإنْ زَرَعَهَا حِنْطَةً فَلَهُ النِّصْفُ، لَمْ يَصِحَّ، في أَحدِ الْوَجْهَينِ.
لأنَّه غَرَّهُ، فلم يَرْجِعْ عليه، كما لو أطْعَمَ إنسانًا شيئًا، وقال: كُلْهُ فإنَّه طَعامِي.
ثم تَبَيَّنَ أنَّه مَغْصُوبٌ.
وإن ضَمَّنَ العامِلَ، احْتَمَلَ أنَّه لا يُضَمِّنُه إلَّا نَصِيبَه خاصّةً؛ لأنَّه ما قَبَض الثَّمَرَةَ كلَّها، وإنَّما كان مُراعِيًا لها وحافِظًا، فلا يَلْزَمُه ضَمانُها ما لم يَقْبِضْها.
ويَحْتَمِلُ أن يُضَمِّنَه الكُلَّ؛ لأنَّ يَدَهُ ثَبَتَتْ على الكُلِّ مُشاهَدةً بغيرِ حَقٍّ.
فإن ضَمَّنَه الكُل، رَجَع على الغاصِبِ ببَدَلِ نَصِيبِه منها وأَجْرِ مِثْلِه.
وإن ضَمَّنَ كلَّ واحِدٍ منهما ما صار إليه، رَجَع العامِلُ على الغاصِبِ بأجْرِ مِثْلِه لا غيرُ.
وإن تَلِفت الثَّمَرَةُ في شَجَرِها، أو بعدَ الجِذَاذِ قبلَ القِسْمَةِ، فمَن جَعَل العامِلَ قابضًا لها بثُبُوتِ يَدِه على حائِطِها، قال: يَلْزَمُه ضَمانُها.
ومَن قال: لا يكونُ قابِضًا إلَّا بأخْذِ نَصِيبِه منها.
قال: لا يَلْزَمُه الضَّمانُ، ويكونُ على الغاصِبِ.
2130 -
مسألة: (وَإذَا شَرَطَ إِنْ سَقَى سَيحًا فَلَهُ الرُّبْعُ، وَإنْ سَقَى بِكُلْفَةٍ فَلَهُ النِّصْفُ، أَو إنْ زَرَعَهَا شَعِيرًا فَلَهُ الرُّبْعُ، وَإنْ زَرَعَهَا حِنْطَةً فَلَهُ النِّصْفُ، لَمْ يَصِحَّ، في أَحدِ الْوَجْهَينِ)
لأنَّ العَمَلَ مَجْهُولٌ، والنَّصِيبَ مجهولٌ، وهو في مَعْنَى بَيعَتَين في بَيعَةٍ.
والثاني، يَصِحُّ، بِناءً على قَوْلِه
الحديث: 2130 - الجزء: 14 - الصفحة: 225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الإجارَةِ: إن خِطْتَه رُومِيًّا فلك دِرْهَمٌ، وإن خِطْتَه فارِسيًّا فلك نِصْفُ دِرْهَمٍ.
فإنَّه يَصِحُّ في المَنْصُوصِ عنه، وهذا مثلُه.
فإن 332 قال: ما زَرَعْتَها مِن شيءٍ فلِي نِصْفُه.
صَحَّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ساقَى أهْلَ خَيبَرَ بشَطْرِ ما يَخْرُجُ منها من زَرْعٍ أو ثَمَرٍ 333. ولو جَعَل له في المُزارَعَةِ ثُلُثَ الحِنْطَةِ، ونِصْفَ الشَّعِيرِ، وثُلُثَي الباقِلَّا، وبَيَّنَا قَدْرَ ما يُزْرَعُ مِن كلِّ واحدٍ مِن هذه الأنْواعِ، إمّا بتَقْدِيرِ البَذْرِ، أو تَقْدِيرِ المَكانِ وتَعْيينِه، مثلَ أن يقولَ: تَزْرَعُ هذا المكانَ قَمْحًا، وهذا شَعِيرًا.
أو: تَزْرَعُ مُدَّين حِنْطَةً ومُدَّين شَعِيرًا.
جازَ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِن هذه طَرِيق إلى العِلْمِ، فاكْتُفِيَ به.
الجزء: 14 - الصفحة: 226
وَإنْ قَال: مَا زَرَعْتَ مِنْ شَعِيرٍ فَلِيَ رُبْعُهُ، وَمَا زَرَعْتَ مِنْ حِنْطَةٍ فَلِيَ نِصْفُهُ.
أَوْ: سَاقَيتُكَ هَذَا الْبُسْتَانَ بِالنِّصْفِ، عَلَى أَنْ أُسَاقِيَكَ الْآخَرَ بِالرُّبْعِ.
لَمْ يَصِحَّ، وَجْهًا وَاحِدًا.
2131 - مسألة: (وَإنْ قَال: مَا زَرَعْتَ مِنْ شَعِيرٍ فَلِيَ رُبْعُهُ، وَمَا زَرَعْتَ مِنْ حِنْطَةٍ فَلِيَ نِصْفُهُ)
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ ما يَزْرَعُه مِن كلِّ واحدٍ منهما مَجْهُولُ القَدْرِ، فهو كما لو شَرَط له في المُساقاةِ ثُلُثَ هذا النَّوْعِ ونِصْفَ النَّوْعِ الآخَرِ، وهو جاهِلٌ بما فيه منهما.
2132 -
مسألة: ولو قال: (ساقَيتُك هذا البُسْتانَ بالنِّصْفِ، على أن أُساقِيَك الآخَرَ بالرُّبْعِ. لم يَصِحَّ، وَجْهًا واحِدًا)
لأنَّه يَشْرُطُ عَقْدًا في عَقْدٍ، فصار في مَعْنَى قَوْلِه: بِعْتُك هذا على أن تَبِيعَني هذا، أو 334 تَشْتَرِيَ مِنِّي هذا.
وإنَّما فَسَد لمَعْنَيَين؛ أحدُهما، أنَّه شَرَط في العَقْدِ عَقْدًا آخَرَ، والنَّفْعُ الحاصِلُ بذلك مَجْهُولٌ، فكأنَّه شَرَط العِوَضَ في مُقابَلَةِ
الحديث: 2131 - الجزء: 14 - الصفحة: 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَعْلُومٍ ومَجْهُولٍ.
الثاني، أنَّ العَقْدَ الآخَرَ لا يَلْزَمُ بالشُّرْطِ، فيَسْقُطُ الشَّرْطُ، وإذا سَقَط وَجَب رَدُّ الجُزْءِ الَّذي تَرَكَه مِن العِوَضِ لأجْلِه، وذلك مَجْهُولٌ، فيَصِيرُ الكُلُّ مَجْهُولًا.
فصل: ولو قال: لك الخُمْسانِ إن كانت عليك خَسارَةٌ، وإن لم يَكُنْ عليك خَسارَةٌ فلَكَ الرُّبْعُ.
لم يَصِحَّ، نَصَّ عليه أحمدُ، وقال: هذا شَرْطانِ في شَرْطٍ.
وكَرِهَه.
قال شيخُنا 335: ويُخَرَّجُ فيها مِثْلُ ما إذا شَرَط إن سَقَى سَيْحًا فله الرُّبْعُ، وإن سَقَى بكُلْفَةٍ فله النِّصْفُ.
فصل: وإن ساقَى أحَدُ الشَّرِيكَينِ شَرِيكَه، وجَعَل له مِن الثَّمرِ أَكْثَرَ مِن نَصِيبه، مثلَ أن يكونَ الأصْلُ بينَهما نِصْفَين، فجَعَلَ له ثُلُثَي الثَّمَرَةِ، صَحَّ، وكان السُّدْسُ حِصَّتَه مِن المُساقاةِ، فصارَ كأنَّه قال: ساقَيتُكَ على نَصِيبي بالثُّلُثِ.
وإن جَعَلَ الثَّمَرَةَ بينَهما نِصْفَين، أو جَعَل للعامِلِ الثُّلُثَ، فهي مُساقاةٌ فاسِدةٌ؛ لأنَّ العامِلَ يَسْتَحِقُّ نِصْفَها بمِلْكِه، فلم يَجْعَلْ له في مُقابَلَةِ عَمَلِه شَيئًا، وإذا شَرَط له الثُّلُثَ، فقد شَرَط أنَّ غيرَ العامِلِ يَأْخُذُ مِن نَصِيبِ العامِلِ ثُلُثَه ويَسْتَعْمِلُه بلا عِوَض، فلا يَصِحُّ.
فإذا عَمِل في الشَّجَرِ بِناءً على هذا، كانتِ الثَّمَرَةُ بينَهما بحُكْمِ المِلْكِ، ولا يَسْتَحِقُّ العامِلُ بعَمَلِه شيئًا؛ لأنه تَبَرَّعَ به لرِضاه بالعَمَلِ بغيرِ عِوَضٍ، فأشْبَهَ ما لو قال له: أنا أعْمَلُ فيه بغيرِ شيءٍ.
وذَكَرَ أصحابُنا وَجْهًا آخَرَ، أنَّه يَسْتَحِقُّ أجْرَ المِثْلِ؛ لأنَّ المُساقاةَ تَقْتَضِي عِوَضًا، فلم تَسْقُطْ برِضاه بإسْقاطِه،
الجزء: 14 - الصفحة: 228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالنِّكاحِ إذا لم يُسَلَّمْ له المُسَمَّى، يَجِبُ فيه مَهْرُ المِثْلِ.
ولَنا، أنَّه عَمِلَ في مالِ غيرِه مُتَبَرعًا، فلم يَسْتَحِقَّ عِوَضًا، كما لو لم يَعْقِدِ المُساقاةَ.
ويفارِق النِّكاحَ مِن وَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّ عَقْدَ النِّكاحِ صَحِيحٌ، فوَجَبَ به العِوَضُ لصِحَّتِه، وهذا فاسِدٌ لا يُوجِبُ شيئًا.
والثاني، أن الأبْضاعَ لا تُسْتَباحُ بالبَذْلِ والإِباحَةِ، والعَمَلُ ههُنا يُسْتَباحُ بذلك.
ولأنَّ المَهْرَ في النِّكاحِ لا يَخْلُو مِن أن يكونَ واجِبًا بالعَقْدِ، أو بالإِصابَةِ، أو بهما؛ فإن وَجَب بالعَقْدِ، لم يَصِحَّ قياسُ هذا عليهكما لوَجْهَين؛ أحدُهما، أنَّ النِّكاحَ صَحِيحٌ، وهذا فاسِدٌ.
والثاني، أنَّ العَقْدَ ههُنا لو أوْجَبَ، وإن وْجَبَ قبلَ العَمَلِ، ولا خِلافَ أنَّ هذا لا يُوجِبُ قبلَ العَمَلِ شيئًا.
وإن وَجَبَ بالإصابةِ، لم يَصِحَّ القِياسُ عليه أيضًا؛ لوَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّ الإِصابةَ لا تُسْتَباحُ بالإِباحةِ والبَذْلِ، بخِلافِ العَمَلِ.
والثاني، أنَّ 336 الإصابَةَ لو خَلَتْ عن العَقْدِ لأوْجَبَتْ، وهذا بخِلافِه.
وإن وَجَبَ بهما، امْتَنَعَ القِياسُ عليه أيضًا؛ لهذه الوُجُوهِ كلِّها.
فأمَّا إن ساقَى أحَدُهُما شَرِيكَه على أن يَعْمَلَا معًا، فالمُساقاةُ فاسِدَةٌ، والثَّمَرَةُ بينَهما على قَدْرِ مِلْكَيهِما، ويَتَقاصّانِ العَمَلَ إن تَساوَيا فيه.
وإن كان لأحَدِهما فَضْلٌ، نَظَرْتَ؛ فإن كان قد شُرِطَ له فَضْلٌ في مُقابلَةِ عَمَلِه، اسْتَحَقَّ ما فَضَلَ له مِن أجْرِ المِثْلِ، وإن لم يُشْرَطْ، فليس له شيءٌ إلَّا على الوَجْهِ الَّذي ذَكَرَه أصحابُنا، وتَكَلَّمْنا عليه.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 14 - الصفحة: 229
فَصْلٌ في الْمُزَارَعَةِ:
وَتَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ بِجُزْءٍ مَعْلُوم يُجْعَلُ لِلْعَامِلَ مِنَ الزَّرْعِ.
فَصْلٌ في الْمُزَارَعَةِ
2133 -
مسألة: (وَتَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ يُجْعَلُ لِلْعَامِلِ مِنَ الزَّرْعِ)
في قولِ أَكْثَرَ أهْلِ العِلْمِ.
قال البُخارِيُّ 337: قال أبو جَعْفَر: ما بالمَدِينَةِ أهْلُ بَيتٍ إلَّا ويَزْرَعُونَ على الثُّلُثِ والرُّبْعِ.
وزارَعَ عَلِيٌّ، وسَعْدٌ، وابنُ مَسْعُودٍ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والقاسِمُ، وعُرْوَةُ، وآلُ أبي بكرٍ، وآلُ عَلِيٍّ، وابنُ سِيرِينَ.
وهو قولُ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وطاوُسٍ، وعبدِ الرَّحْمنِ بنِ الأسْوَدِ، ومُوسَى بنِ طَلْحَةَ، والزُّهْرِيِّ، وعبدِ الرحْمنِ بنِ أبي لَيلَى، وابْنِه، وأبي يُوسُف، ومحمدٍ.
ورُوِيَ ذلك عن مُعاذٍ، والحَسَنِ، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ يزيدَ 338. قال البُخارِيُّ: وعامَلَ عُمَرُ الناسَ على أنَّه إن جَاءَ عُمَرُ بالبَذْرِ مِن عِنْدِه فله الشَّطْرُ، وإن جاءُوا بالبَذْرِ فلهم كذا وكذا.
وكَرِهَها عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِيُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ الأمْرانِ جميعًا.
وأجازَها
الحديث: 2133 - الجزء: 14 - الصفحة: 230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشافيُّ في الأرْضِ بينَ النَّخْلِ، إذا كان بياضُ الأرْضِ أقَلَّ، فإن كان أكْثَرَ، فعلى وَجْهَين.
ومَنَعَها في الأرْضِ البَيضاءِ؛ لِما روَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ قال: كُنّا نُخابِرُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرَ أنَّ بعضَ عُمُومَتِه أتاهُ فقال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن أمْر كان لَنا نافِعًا، وطَواعِيةُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنْفَعُ.
قال: قلنا: ما ذاك؛؟ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْها وَلَا يُكْرِيها بِثُلُثٍ وَلَا بِرُبْع، وَلَا بِطَعَام مُسَمًّى» 339. وعن ابنِ عُمَرَ، قال: ما كُنَّا نَرَى بالمُزارَعَةِ بأْسًا حَتَّى سَمِعْتُ رافِعَ بنَ خَدِيجٍ يقولُ: نَهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عنها 340. و [قال جابِرٌ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُخابَرَةِ 341. وهذه كلُّها أحادِيثُ صِحاحٌ مُتَّفَق عليها.
والمُخابَرَةُ: المُزارَعةُ.
واشْتِقاقُها مِن الخَبَارِ، وهي الأرْضُ اللَّيِّنَةُ.
والخَبِيرُ: الأكّارُ.
وقيل: المُخابَرَةُ: مُعامَلَةُ أهْلِ خيبَرَ.
وقد جاء حَدِيثُ جابرٍ مُفَسَّرًا، فروَى البُخارِيُّ] 342، عن جابِر، قال:
الجزء: 14 - الصفحة: 231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كانُوا يَزْرَعُونَها بالثُّلُثِ والرُّبْعِ والنِّصْفِ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أوْ لِيَمْنَحْهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ» 343. ورُوِيَ تَفْسِيرُها عن زَيدِ بنِ ثابتٍ، فروَى أبو داوُدَ 344 بإسْنادِه عن زَيدِ بنِ ثابِتٍ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُخابَرَةِ.
قلتُ: وما المُخابَرَةُ؟ قال: أنْ يَأْخُذَ الأرْضَ بنصْفٍ أوْ ثُلُثٍ أوْ رُبْع.
ولنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ قال: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عامَلَ أهْلَ خَيبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ منها مِن زَرْعٍ أو ثَمَرٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 345. وقد رُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وجابرِ بنِ عبدِ الله 346. وقال أبو جَعْفَرٍ: عامَلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَهْلَ خيبَرَ
الجزء: 14 - الصفحة: 232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالشَّطْرِ، ثم أبو بكرٍ، ثم عُمَرُ، ثم عُثْمانُ، ثم عَلِيٍّ، ثم أَهْلُوهُم إلى اليَوْم يُعْطُونَ الثُّلُثَ والرُّبْعَ 347. وهذا أمْرٌ 348 صَحِيحٌ مَشهُورٌ عَمِلَ به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حتَّى مات، ثم خُلفاؤه الراشِدُون حتَّى ماتُوا، ثم أَهْلُوهُم ومَن بَعدَهم، ولم يَبْقَ بالمَدِينةِ أهْلُ بَيتٍ إلا عَمِلَ به.
وعَمِلَ به أَزْواجُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن بعدِه، فرَوَى البُخارِيُّ 349 عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عامَلَ أَهَلَ خَيبَرَ بِشَطْرِ ما يَخْرُجُ منها مِن زَرْعٍ أو ثَمَرٍ، فكان يُعْطِي أزْواجَهُ مائةَ وَسْقٍ، ثمانُونَ وَسْقًا تَمْرًا، وعِشْرُون وَسْقًا شَعِيرًا، فقَسَمَ عُمَرُ خَيبَرَ، فخَيَّرَ أزْوْاجَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَقْطَعَ لَهُنَّ مِن الماءِ والأرْضِ، أو يُمْضِيَ لَهُنَّ الأَوْسُقَ، فَمِنْهُنَّ مَن اخْتارَ الأرْضَ، ومِنْهُنَّ مَن اخْتارَ الوَسْقَ، فكانت عائشةُ اختارَتِ الأرْضَ.
فإن قِيل: حَدِيثُ خَيبَرَ مَنسُوخٌ بخبَرِ رافِعٍ.
قلنا: مثلُ هذا لا يجوزُ أن يُنْسَخَ؛ لأن النَّسْخَ إنَّما يكون في حَياةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمّا شيءٌ عَمِلَ به إلى أن مات، ثم عَمِلَ به خُلَفاؤُه بعدَه، وأجْمَعَتِ الصَّحابةُ، رَضِيَ اللهَ عنهم، عليه، وعَمِلُوا به، ولم يُخالِفْ فيه منهم أحَدٌ، فكيف يجوزُ نَسْخُه، ومتى نُسِخَ؟ فإن كان نُسِخَ في حياةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فكيف عُمِلَ به بعدَ نَسْخِه؟ وكيف خَفِيَ نَسْخُه
الجزء: 14 - الصفحة: 233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلم يَبْلُغْ خُلَفاءَه، مع اشْتِهارِ قِصّةِ خَيبَرَ وعَمَلِهِم فيها؟ وأين كان راوي النَّسْخِ حتَّى لم يَذْكُرْه ولم يُخْبِرْهُم به.
فأمّا ما احْتَجُّوا به، فالجَوابُ عن حَدِيثِ رافع مِن أرْبَعِة أوْجُهٍ؛ أحَدُها، أنَّه قد فَسَّرَ 350 المَنْهِيَّ عنه في حَديِثِه بما لا يُخْتَلَفُ في فَسادِه، فإنَّه قال: كُنّا مِن أكْثَرِ الأنْصارِ حَقْلًا، فكُنّا نُكْري الأرْضَ على أنَّ لَنا هذه ولهم هذه، فرُبَّما أخْرَجَت هذه ولم تُخْرِجْ هذه، فَنهانا عن ذلك، فأمّا بالذَّهَبِ والوَرِقِ، فلم يَنْهَنا.
مُتَّفَقٌ عليه 351. وفي لَفْظٍ: فأمَّا بشيءٍ مَعْلُوم مَضْمُونٍ فلا بَأْسَ.
وهذا خارِجٌ عن مَحَلِّ الخِلافِ، فلا دَلِيلَ فيه عليه، ولا تَعَارُضَ بينَ الحَدِيثَين.
الثاني، أنَّ خَبَرَه وَرَدَ في الكِراءِ بثُلُثٍ أو رُبْع، والنِّزاعُ في المُزارَعةِ، ولم يَدُل حَدِيثُه عليها 352 أصْلًا، وحَدِيثُه الَّذي فيه المُزارَعَةُ يُحْمَلُ على الكِراءِ أيضًا؛ لأنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ أتَتْ بأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، فيَجِبُ تَفْسِيرُ أحَدِ اللَّفظَينِ بما يُوافِقُ الآخَرَ.
الثَّالِثُ، أنَّ أحادِيثَ رافعٍ مُضْطَرِبةٌ جِدًّا، مُخْتَلِفَةٌ اخْتِلافًا كَثِيرًا يُوجِبُ تَرْكَ العَمَلِ بها لو انْفَرَدتْ، فكيف تُقَدَّمُ على مِثْلِ حَدِيثِنا؟ قال الإمامُ أحمدُ: حَدِيثُ رافِعٍ أَلْوَانٌ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: قد جاءَتِ الأخبارُ عن رافِعٍ بعِلَلٍ تَدُلُّ على أنَّ النَّهْيَ كان
الجزء: 14 - الصفحة: 234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[لتلك العِللِ] 353؛ منها الَّذي ذكَرْنا.
ومنها، خَمْسٌ أخْرَى.
وقد أنْكَرَه فَقِيهانِ مِن فُقَهاءِ الصَّحابَةِ؛ زَيدُ بنُ ثابتٍ، وابنُ عباس.
قال زيدُ بنُ ثابتٍ: أنا أعْلَمُ بذلك منه، وإنَّما سَمِع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلَينِ قد اقْتَتَلا فقال: «إنْ كَانَ هذَا شَأْنُكُمْ فَلَا تُكْرُوا المَزَارِعَ».
رَواه أبو دَاوُدَ 354. وروَى البخارِيُّ 355 عن عَمْرِو بنِ دِينارٍ، قال: قُلْتُ لطاوُسٍ: لو تَركْتَ المُخابَرَةَ، فإنَّهم يَزْعُمُونَ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عنها.
قال: إنَّ أعْلَمَهُم، يَعْني ابنَ عباسٍ، أخْبَرِني أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَنْهَ عنها، ولكن قال: «أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أخَاهُ، خيرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَأْخُذ عَلَيهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا».
ثم إنَّ أَحادِيثَ رافعٍ منها ما يُخالِفُ الإجْماعَ، وهو النَّهْي عن كِراءِ المَزارِعِ على الإطْلاقِ، ومنها ما لا يُخْتَلَفُ في فَسادِه، كما قد بَيَّنَا.
وتارَةً يُحَدِّثُ عن بَعْضِ عُمُومَتِه، وتارَةً عن سَماعِه، وتارةً عن ظَهِيرِ بنِ رافعٍ، وإذا كانت أخبارُ رافعٍ هكذا، وَجَبَ اطِّراحُها واسْتِعمالُ الأخْبارِ الوارِدَةِ في شَأنِ خَيبَرَ، الجارِيةِ مَجْرَى التَّواتُرِ، التي لا اخْتِلافَ فيها، وقد عَمِلَ بها الخُلَفاءُ الرَّاشِدُونَ وغيرُهم، فلا مَعْنَى لتَرْكِها بمِثلِ هذه الأحادِيثِ الواهيةِ 356. والجوابُ الرابعُ، أنَّه لو قُدِّرَ صِحّةُ خبَرِ رافعٍ، وامْتَنَعَ
الجزء: 14 - الصفحة: 235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَأْويلُه، وتَعَذَّرَ الجَمْعُ، وَجَب حَمْلُه على أنَّه مَنْسُوخٌ؛ لأنَّه لا بُدَّ مِن نَسْخِ أحَدِ الخَبَرَين، ويَسْتَحِيلُ القولُ بنَسْخِ خبَرِ خَيبَرَ؛ لكَوْنِه مَعْمولًا به مِن جِهَةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى حين مَوْتِه، ثم مِن بعدِه إلى عَصْرِ التابِعِينَ، فمتى كان نَسْخُه؛ فأمّا حَدِيثُ جابر في النَّهْي عن المُخابَرَةِ، فيَجِبُ حَمْلُه على أحدِ الوُجُوهِ التي حُمِلَ عليها خَبَرُ رافع، فإنَّه قد روَى حَدِيثَ خَيبَرَ أيضًا، فيَجِبُ الجمعُ بينَ حَدِيثَيه مَهما أمْكَنَ، ثم لو حُمِلَ على المُزارَعةِ، لكان مَنْسُوخًا بقِصّةِ خَيبَرَ، لاسْتِحالةِ نَسْخِها، كما ذَكَرْنا.
وكذلك القولُ في حَدِيثِ زَيدِ بنِ ثابتٍ.
فإن قال أصحابُ الشافعيِّ: تُحْمَلُ أحادِيثُكُم على الأرضِ التي بينَ النَّخِيلِ، وأحاديثُ النَّهْي على الأرْضِ البَيضاءِ، جَمْعًا بينَهما.
قلنا: هذا بعيدٌ؛ لوُجُوهٍ خمسةٍ؛ أحدُها، أنَّه يَبْعُدُ أن تكُونَ بَلْدَةٌ كبيرةٌ يأتي منها أرْبَعُونَ أَلْفَ وَسْقٍ، ليس فيها أرضٌ بيضاءُ، وَيبْعُدُ أن يكونَ قد عامَلَهُم على بعضِ الأرْضِ دُونَ بعض، فيَنْقُلُ الرُّوَاةُ كُلهم القِصةَ على العُمُومِ مِن غيرِ تَفْصيلٍ، مع الحاجَةِ إليه.
الثّاني، أنَّ ما يَذْكُرُونَه مِن التَّأْويلِ لا دَلِيلَ عليه، وما ذَكَرْناه دَلَّتْ عليه بعضُ الرِّواياتِ، وفَسَّرَه راويه بما ذكرناه.
وليس معهم سوى الجمعِ بينَ الأحادِيثِ، والجمعُ بينَهما بحَمْلِ بعضِها على ما فَسَّرَه راويه به أوْلَى مِن التَّحَكمِ بما لا دَلِيلَ عليه.
الثّالثُ، أنَّ قَوْلَهُم يُفْضي إلى تَقْيِيدِ كلِّ واحدٍ مِن الحَدِيثَين، وما ذَكَرْناه حَمْلٌ لأحَدِهما على بعضِ مُحْتَملاته لا غيرُ.
الرابعُ، أنَّ فيما ذَكَرْناه مُوافَقَةَ عَمَلِ الخُلَفاءِ الراشِدِين وأهْلِيهِم
الجزء: 14 - الصفحة: 236
فَإِنْ كَانَ في الْأَرْضِ شَجَرٌ، فَزَارَعَهُ الأَرْضَ، وَسَاقَاهُ عَلَى الشَّجَرِ، صَحَّ.
وفُقهاءِ الصَّحابَةِ، وهم أعْلَمُ بحَدِيثِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وسُنَّتِه ومَعانِيها، فكان أوْلَى مِن قولِ مَن خالفَهُم.
الخامسُ، أنَّ ما ذَهَبْنا إليه مُجْمَعٌ عليه على ما رَواه أبو جَعْفَرٍ، رَحْمَةُ اللهِ عليه، وما رُوِيَ في مُخالفَتِه فقد بَيَّنَا فَسادَهُ، فيكونُ هذا إجْماعًا مِن الصَّحابَةِ، رَضِيَ الله عنهم، فلا يَسُوغُ لأَحَدٍ خِلافُه.
والقِياسُ يَقْتَضِيه، فإنَّ الأرْضَ عَينٌ تَنَمَّى بالعَمَلِ، فجازَتِ المُعامَلَةُ عليها ببعضِ نَمائِها، كالمالِ في المُضارَبَةِ، والنَّخْلِ في المُساقاةِ.
ولأنَّه أرْضٌ، فجازَتِ المُزارعةُ عليها، كالأرْضِ بينَ النَّخِل.
ولأنَّ الحاجَةَ داعِية إلى المُزارَعةِ؛ لأنَّ أصحابَ الأرضِ قد (1) لا يَقْدِرُون على زَرْعِها والعَمَلِ عليها، والأَكَرَةُ يَحتاجُون إلى الزَّرْعِ ولا أرْضَ لهم، فاقْتَضتِ الحِكْمةُ جوازَ المُزارَعةِ، كما قُلْنا في المُضارَبةِ والمُساقاةِ، بل ههُنا آكَدُ؛ لأنَّ الحاجَةَ إلى الزَّرْعِ آكَدُ منها إلى غيرِه؛ لكَوْنِه قُوتًا، ولأنَّ الأرْضَ لا يُنْتَفَعُ بها إلا بالعَمَلِ فيها، بخِلافِ المالِ.
واللهُ أعلمُ.
2134 -
مسألة: (فَإِنْ كَانَ في الْأَرْضِ شَجَرٌ، فَزَارَعَهُ الأَرْضَ، وَسَاقَاهُ عَلَى الشَّجَرِ، صَحَّ)
سواء قَلَّ بَياضُ الأرضِ أو كَثُرَ.
نَصَّ عليه357
الحديث: 2134 - الجزء: 14 - الصفحة: 237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحمدُ، وقال: قد دَفَع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - خَيبَرَ على هذا.
وبهذا قال كُلُّ مَن أجازَ المُزارَعَةَ في الأرْضِ المُفْرَدَةِ.
فإذا قال: ساقَيتُكَ على الشَّجَرِ، وزارَعْتُكَ على الأرْضِ بالنِّصْفِ.
جاز 358. وكذلك إن قال: عامَلْتُك [على الأرضِ والشجرِ] 359 على النِّصْفِ.
لأن المُعامَلَةَ تَشْمَلُهُما.
وإن قال: زَارَعْتُكَ الأرْضَ بالنِّصْفِ، وساقَيتُكَ على الشجَرِ بالرُّبْعِ.
جازَكما يجوزُ أن يُساقِيَهُ على أنواعٍ مِن الشَّجَرِ ويَجْعَلَ له في كلِّ نَوْعٍ قَدْرًا.
وإن قال: ساقَيتُكَ على الأرْضِ والشَّجَرِ بالنِّصْفِ.
جازَ؛ لأنَّ المُزارَعَةَ مُساقاة مِن حيث إنَّها تَحْتاجُ إلى السَّقْي.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُساقاةَ لا تَتَناوَلُ الأرْضَ، فتَصِحُّ في النَّخْلِ وحدَه.
وقيل: يَنْبَنِي على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
ولَنا، أنَّه عَبَّرَ عن عَقْدٍ بلَفْظِ عَقْدٍ يُشارِكُه في المَعْنَى المَشْهُورِ به في الاشْتِقاقِ، فَصَحَّ، كما لو عَقَد بلَفْظِ البَيعِ في السَّلَمِ.
وهكذا إن قال في الأرْضِ البَيضاءِ: ساقَيتُك على هذه الأرْضِ بنِصْفِ ما يُزْرَعُ فيها.
فإن قال: ساقَيتُكَ على الشَّجَرِ بالنِّصْفِ.
ولم يَذْكُرِ الأرْضَ، لم تَدْخُلْ في العَقْدِ، وليس للعامِلِ أن يَزْرَعَ.
وبه قال الشافعيُّ.
الجزء: 14 - الصفحة: 238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال مالكٌ، وأبو يُوسُفَ: للدّاخِلِ زَرْعُ البَياضِ، فإن تَشارَطا أنَّ ذلك بينَهما، فهو جائِزٌ، وإنِ اشْتَرَطَ صاحِبُ الأرْضِ أنَّه يَزْرَعُ البَياضَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الدَّاخِلَ يَسْقِي لِرَبِّ الأرْضِ، فتلك زِيادَة ازْدادَها عليه.
ولَنا، أنَّ هذا لم يَتَناوَلْه العَقْدُ، فلم يَدْخُلْ فيه، كما لو كانت أرْضًا مُنْفَرِدَةً.
فصل: وإن زارَعَه أرْضًا فيها شَجَراتٌ يَسِيرةٌ، لم يَجُزْ أن يَشْتَرِطَ العامِلُ ثَمَرتَها.
وبه قال الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وأجَازَه مالكٌ إذا كان الشَّجَرُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ أو أقَلَّ؛ لأنَّه يَسِير، فيَدْخُلُ تَبَعًا.
ولَنا، أنَّه اشْتَرَط الثَّمَرَةَ كُلَّها، فلم يَجُزْ، كما لو كان الشَّجَرُ أَكْثَرَ مِن الثُّلُثِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن أجَرَه بَياضَ الأرْضِ، وساقاه على الشَّجَرِ الَّذي فيها، جازَ؛ لأنَّهما عَقْدان يجوزُ إفْرادُ كلِّ واحدٍ منهما، فجازَ الجَمْعُ بينَهما، كالبَيعِ والإِجارَةِ.
وقيل: لا يجوزُ، بِناءً على الوَجْهِ الَّذي لا يُجَوِّزُ الجَمْعَ بينَهما في الأصْلِ.
والأوَّلُ أوْلَى، إلَّا أن يَفْعَلا ذلك حِيلَةً على شِراءِ الثَّمَرَةِ قبلَ وُجُودِها، أو قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، فلا يجوزُ، سواء جَمَعا بينَ العَقْدَين، أو عَقَدا أحَدَهُما بعدَ الآخَرِ؛ لِما ذَكَرْنا في إبْطالِ الحِيَلِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 240
وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأرْض.
وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ اشْتِرَاطُهُ.
2135 - مسألة: (وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأرْض. وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ اشْتِرَاطُهُ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه الله، في هذه المَسْألَةُ، فرُويَ عنه اشْتِراطُ كوْنِ البَذْرِ مِن رَبِّ الأرْضِ.
نَصَّ عليه في رِوايَةِ جَماعةٍ.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، وعامّةِ الأصْحابِ.
وهو قولُ ابنِ سِيرِينَ، والشافعيِّ، وإسحاقَ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَشْتَرِكُ رَبُّ المالِ والعامِلُ في نَمائِه، فوَجَب أن يكونَ رأسُ الْمالِ كلُّه مِن عندِ أحَدِهِما، كالمُساقاةِ، والمُضارَبةِ.
ورُوِيَ عنه ما يَدُلُّ على أنَّ البَذْرَ يجوزُ أن يكونَ مِن العامِلِ، فإنَّه قال في رِوايةِ مُهَنّا، في الرَّجُلِ يكونُ له الأرضُ فيها نَخْلٌ وشَجَرٌ، يَدْفَعُها إلى قومٍ يَزْرَعُون الأرْضَ ويَقُومُون على الشَّجَرِ على أنَّ 360 له النِّصْفَ، ولهم النِّصْفُ: فلا بَأْسَ بذلك، [قد دفع] 361 النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -
الحديث: 2135 - الجزء: 14 - الصفحة: 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خَيبَرَ على هذا.
فأجازَ دَفْعَ الأَرْضِ ليَزْرَعَها مِن غيرِ ذِكْرِ البَذْرِ.
فعلى هذا، أَيُّهما أخْرَجَ البَذْرَ، جازَ.
رُوِيَ نحوُ ذلك عن عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه.
وهو قولُ أبي يوسُفَ، وطائفةٍ مِن أهْلِ الحَدِيثِ، وهو أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى.
ورُوِيَ عن سَعْدٍ، وابنِ مَسْعُودٍ، وابنِ عُمَرَ، أنَّ البَذْرَ مِن العامِلِ.
ولَعَلَّهُم أرادُوا به، أنَّه 362 يجوزُ أن يكونَ مِن العامِلِ، فيكونُ كقَوْلِ عُمَرَ، ولا يكونُ قَوْلًا ثالِثًا.
والدَّلِيلُ على ذلك قولُ ابنِ عُمَرَ: دَفَع رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى يَهُودِ خَيبَرَ نَخْلَ خَيبَرَ وأرْضَها، على أن يَعْمَلُوها مِن أمْوالِهم، ولرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - شَطْرُ ثَمَرِها 363. وفي لَفْظٍ: على أن يَعْمَلُوها ويَزْرَعُوها، ولهم شَطْرُ ما يَخرُجُ منها (2). فجَعَلَ عَمَلَها مِن أمْوالِهم، وزَرْعَها عليهم، ولم يَذْكُرْ شيئًا آخَرَ، وظاهِرُه أنَّ البَذْرَ مِن أهْلِ خَيبَرَ، والأصْلُ [المُعَوَّلُ عليه] 364 في المُزارَعةِ قِصَّةُ خَيبَر، ولم يَذْكُرِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ البَذْرَ على المسلمين، ولو كان شَرْطًا لَما أخَلَّ بذِكْرِه، ولو
الجزء: 14 - الصفحة: 242
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَعَله النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لَنُقِلَ، ولم يَجُزْ تَرْكُ نَقْلِه.
ولأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، فَعَل الأمْرَين جميعًا.
فروَى البخاريُّ 365 عنه، أَنَّه عامَلَ الناسَ على أنَّه إن جاء عُمَرُ بالبَذرِ مِن عِنْدِه فله الشَّطْرُ، وإن جاءُوا بالبَذْرِ فلهم كذا.
وظاهِرُ هذا أنَّ ذلك اشْتَهَرَ فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا.
فإن قِيلَ: فهذا بمَنْزِلَةِ بَيعَتَين في بَيعَةٍ، فكيف يَفْعَلُه عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه؟ قلنا: يَحْتَمِلُ أنَّه فَعَل ذلك ليُخَيِّرَهُم في أيِّ العَقْدَين شاءُوا، فمَن اختارَ عَقدًا عَقَدَه معه مُعَيَّنًا، كما لو قال في البَيع: إن شِئْتَ بِعْتُكَ بعَشَرَةٍ صِحاحٍ، وإن شِئْتَ بأحَدَ عَشَرَ مُكَسَّرَةً.
فاختارَ أحَدَهُما، فَعَقَدَ البَيعَ عليه مُعَيَّنًا.
ويجوزُ أن يكونَ مَجِيئُه بالبَذْرِ، أو شُرُوعُه في العَمَلِ بغيرِ بَذْرٍ، مع إقْرارِ عُمَرَ له على ذلك وعِلْمِه به، جَرَى مَجْرَى العَقْدِ.
ولهذا رُوِيَ عن أحمدَ صِحَّةُ الإجارةِ فيما إذا قال: إن خِطته رُوميًّا فلك دِرْهَمٌ، وإن خِطْتَه فارِسيًّا فلك نِصْفُ دِرْهمٍ.
وما ذَكَره أصحابُنا مِن القِياسِ يُخالِفُ ظاهِرَ النَّصِّ والإجْماعَ الَّذي ذَكَرْناهُما، فكيف يُعْمَلُ به؟ ثم هو مُنْتَقِضٌ بما إذا اشْتَركَ مالانِ بِبَدَنِ صاحِبِ أحَدِهِما.
الجزء: 14 - الصفحة: 243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن كان البَذْرُ منهما نِصْفَينِ، وشَرَطا أنَّ الزَّرْعَ بينهما نِصْفانِ، فهو بينَهما، سواءٌ قُلنا بصِحَّةِ المُزارَعةِ أو فَسادِها؛ لأنَّها إن كانت صَحِيحةً، فالزَّرْعُ بينَهما على ما شَرَطاه، وإن كانت فاسِدةً فلِكُلِّ واحدٍ منهما بقَدْرِ بَذْرِه، لكنْ إن حَكَمْنا بصِحَّتِها، لم يَرْجِعْ أحَدُهُما على صاحِبِه بشيء.
وإن قلنا: مِن شَرْطِ صِحَّتِها أن يكونَ البَذْرُ مِن رَبِّ الأرْضِ.
فهي فاسِدَةٌ، فعلى العامِلِ نِصْفُ أجْرِ الأرْضِ، وله على رَبِّ الأَرْضِ نِصْفُ أجْرِ عَمَلِه، فيَتقاصّانِ بقَدْرِ الأقَلِّ منهما، ويَرْجِعُ أحَدُهُما على صاحِبِه بالفَضْلِ.
وإن شَرَطَا التَّفاضلَ في الزَّرْعِ، وقلنا بصِحَّتِها، فالزَّرْعُ بينهما على ما شَرَطاه، ولا تَراجُعَ.
وإن قلنا بفَسادِها، فالزَّرْعُ بينَهما على قَدْرِ البَذْرِ، ويَتَراجَعانِ، كما ذَكَرْنا.
وكذلك إن تَفَاضَلا في البَذْرِ، وشَرَطا التَّساويَ في الزَّرْعِ، أو شَرَطا لأحَدِهما أكْثَرَ مِن قَدْرِ بَذْرِه أو أَقَلَّ.
الجزء: 14 - الصفحة: 244
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن قال صاحِبُ الأرْضِ: أجَرْتُكَ نِصْفَ أرْضِي بنِصْفِ البَذْرِ ونِصْفِ مَنْفَعَتِكَ ومَنْفَعَةِ بَقَرِكَ وآلتِكَ.
وأخْرَجَ المُزارِعُ البَذرَ كُلَّهْ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ غيرُ مَعْلُومَةٍ.
وكذلك لو جَعَلَها أُجْرَةٌ لأرْضٍ أُخْرَى، أو دارٍ، لم يَجُزْ، والزَّرْعُ كلُّه للمُزارِعِ، وعليه أجْرُ مِثْلٍ الأرْضِ.
فإن أمْكَنَ عِلْمُ المَنْفَعَةِ وضَبْطُها بما لا تَخْتَلِفُ معه، ومَعْرِفةُ البَذْرِ، جازَ، وإن كان الزَّرْعِ بينَهما.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّ البَذْرَ عِوَضٌ في الإِجارَةِ، فيُشْتَرَطُ قبْضُه، كما لو كان مَبِيعًا وما حَصَلِ فيه قَبْضٌ.
وإن قال: أجَرْتُكَ نِصْفَ أرْضِي بنِصْفِ مَنْفَعَتِكَ، ومَنْفعَةِ بَقَرِك، وآلتِكَ، وأخْرَجا البَذْرَ، فهي كالتي قبلَها، إلَّا أنَّ الزَّرْعَ يكونُ بينهما على كلِّ حالٍ.
الجزء: 14 - الصفحة: 245
وَإنْ شُرِطَ أنْ يَأْخُذَ رَبُّ الْأرْضِ مِثْلَ بَذْرِهِ، وَيَقْتَسِمَا الْبَاقِي، أوْ شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا قُفْزَانًا مَعْلُومَةً، أوْ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، أوْ زَرْعَ نَاحِيَةٍ مُعَيَّنَةَ مِنَ الْأَرْضِ، فَسَدَتِ الْمُزَارَعَةُ وَالْمُسَاقَاةُ.
2136 - مسألة: (وَإنْ شُرِطَ أنْ يَأْخُذَ رَبُّ الْأرْضِ مِثْلَ بَذْرِهِ، وَيَقْتَسِمَا الْبَاقِي)
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه كأَنَّه اشْتَرَط لنَفْسِه (قُفْزَانًا مَعْلُومَةً) وهو شَرطٌ فاسِدٌ تَفْسُدُ به المُزارَعَةُ؛ لأنَّ الأرْضَ رُبَّما لا تُخْرِجُ إلَّا تلك القُفْزانَ، فيَخْتَصُّ رَبُّ المالِ بها، ورُبَّما لا تُخرِجُهُ.
ومَوْضُوعُ المُزارَعةِ على اشْتِراكِهما في الزَّرْعِ.
2137 -
مسألة: وكذلك لو شَرَطا لأحَدِهما (دراهِمَ مَعْلُومَةً، أو زَرْعَ ناحِيَةٍ مُعَيَنَّةَ)
أو يَشْتَرِطُ لأحَدِهما ما على الجداولِ، إمّا مُنْفَرِدًا أو مع نصِيبِه، فهو فاسِدٌ بإجْماعِ العُلَماءِ؛ لأنَّ الخَبَر صَحِيحٌ في النَّهْي عنه، غيرُ مُعارَض ولا مَنْسُوخٍ، ولأنَّه رُبَّما تَلِف ما عُيِّنَ لأحَدِهما دُونَ الآخَرِ، فيَنْفَردُ أحَدُهما بالغَلّةِ دونَ صاحِبِه.
الحديث: 2136 - الجزء: 14 - الصفحة: 246
ومَتَى فَسَدَتْ، فَالزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَعَلَيهِ أُجْرَةُ صَاحِبِهِ.
وَحُكْمُ الْمُزَارَعَةِ حُكْمُ الْمُسَاقَاةِ فِيمَا ذَكَرْنَا.
2138 - مسألة: (ومَتَى فَسَدَت، فالزَّرْعُ لصاحِبِ البَذرِ)
لأنَّه عَينُ مالِه، يَنْقَلِبُ من حالٍ إلى حالٍ، ويُنَمَّى، فهو كصِغارِ الشَّجَرِ إذا غُرِسَ فطال (وعليه أُجْرَةُ صاحِبِه) فإن كان البَذْرُ مِن العامِلِ، فعليه أُجْرَةُ الأرْضِ؛ لأنَّ رَبَّها إنَّما بَذَلها بعِوَض لم يُسَلَّمْ له، فرَجَعَ إلى عِوَضِ مَنافِعِها الفائِتَةِ بزَرْعِها على الزّارِعِ وإن فَسَدَتْ والبَذْرُ مِن رَبِّ الأرضِ، فالزَّرْعُ له؛ لِما ذَكَرْنا، وعليه مثلُ أجْرِ العامِلِ؛ لذلك.
وإن كان منهما، فالزَّرْعُ بينهما على قَدْرِ البَذْرِ، ويَتراجَعانِ بما يَفْضُلُ لأحَدِهما على ما ذَكَرنا.
2139 -
مسألة: (وحُكْمُ المُزارَعَةِ حُكْمُ المُساقاةِ فيما ذَكَرْنا)
مِن الجَوازِ، واللُّزُوم، وأنَّها لا تجوزُ إلَّا بجزْءٍ للعامِلِ مِن الزَّرْعِ، وما يَلْزَمُ العامِلَ ورَبَّ الأَرضِ وغيرِ ذلك مِن أحْكامِها؛ لأنَّها مُعامَلَة على الأرْضِ ببعضِ نَمائِها.
الحديث: 2138 - الجزء: 14 - الصفحة: 247
وَالْحَصَادُ عَلَى الْعَامِلِ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَكَذَلِكَ الجَدَادُ.
وَعَنْهُ، أَنَّ الْجَدَادَ عَلَيهِمَا.
2140 - مسألة: (وَالْحَصَادُ عَلَى الْعَامِلِ. نَصَّ عَلَيهِ. وَكَذَلِكَ الجَدَادُ. وَعَنْهُ، أَنَّ الْجَدَادَ عَلَيهِمَا)
الجِذاذُ والحَصَادُ واللِّقاطُ على العامِلِ.
نَصَّ عليه أحمدُ في الحَصادِ.
وهو مَذْهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه مِن العَمَلِ، فكان على العامِلِ، كالتَّشْمِيسِ.
ورُوِيَ عن أحمدَ في الجِذاذِ، أنَّه إذا شرَط على العامِلِ، فجائِزٌ؛ لأنَّ العَمَلَ عليه، وإن لم يَشْرُطْه فعلى رَبِّ المالِ بحِصّةِ ما يَصِيرُ إليه، وعلى العامِلِ بحصةِ ما يَصِيرُ إليه.
فجَعَلَ الجِذاذَ عليهما، وأجازَ اشْتِراطَه على العامِلِ.
وهو قولُ بعضِ الشافعيةِ.
وقال محمدُ بنُ الحَسَنِ: تَفْسُدُ المُساقاةُ بشَرْطِه على العامِلِ؛ لأنَّه شَرْطٌ يُنافِي مُقتَضَى العَقدِ.
واحْتَجَّ مَن جَعَله عليهما بأنَّه بعدَ تكامُلِ الثَّمَرَةِ وانقِضاءِ
الحديث: 2140 - الجزء: 14 - الصفحة: 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُعامَلَةِ، فأشْبَهَ نَقْلَه إلى مَنْزِله.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دفَعَ خَيبَرَ 366 إلى يَهُودِ خَيبَرَ على أنْ يَعْمَلُوها مِن أمْوالِهمِ، ولأنَّ هذا مِن العَمَلِ، أشْبَهَ التَّشْمِيسَ، وبه يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه.
وفارَقَ النَّقْلَ إلى المَنْزِلِ، فإنَّه يكونُ بعدَ القِسْمَةِ وزَوالِ العَقْدِ، فأشْبَهَ المَخْزَنَ.
فصل: وإن دَفَع رَجُلٌ بَذْره إلى صاحِبِ الأرْضِ ليَزْرَعَه في أرْضِه، ويكونَ ما يَخْرُجُ بينهما، فهو فاسِدٌ؛ لأنَّ البَذْرَ ليس مِن رَبِّ الأرْضِ ولا مِن العامِلٍ، ويكونُ الزَّرْعُ لمالِكِ البَذْرِ، وعليه أَجْرُ الأرْضِ والعَمَلِ.
ويَتَخرَّجُ أن تَنْبَنِيَ صِحَّتُه على إحْدَى الرِّوايَتَين، كالمسألةِ التي بعدَها.
الجزء: 14 - الصفحة: 249
وَإِذَا قَال الْمُزَارِعُ: أَنَا أزْرَعُ الْأَرْضَ بِبَذْرِي وَعَوَامِلِي، وَتَسْقِيهَا بِمَائِكَ، وَالزَّرْعُ بَينَنَا.
فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
2141 - مسألة: (وَإِن قَال: أَنَا أزْرَعُ الْأَرْضَ بِبَذْرِي وَعَوَامِلِي، وَتَسْقِيهَا بِمَائِكَ، وَالزَّرْعُ بَينَنَا)
ففيها رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا تَصِحُّ.
اخْتارَها القاضِي؛ لأنَّ مَوْضُوعَ المُزارَعَةِ على أن يكونَ مِن أحَدِهما الأرْضُ ومِن الآخَرِ العَمَلُ، وصاحِبُ الماءِ ليس منه أرْضٌ ولا عَمَل ولا بَذْرٌ، ولأنَّ الماءَ لا يُباعُ ولا يُسْتَأْجَرُ، فكيف تَصِحُّ المُزارَعةُ به؟ والثانيةُ، تَصِحُّ.
اختارَها أبو بكرٍ.
ونَقَلَها عن أحمدَ يَعْقُوبُ بنُ بَخْتانَ 367، وحَرْبٌ؛ لأنَّ الماءَ أحَدُ ما يُحْتاجُ إليه في الزَّرْعِ، فجازَ أن يكونَ مِن أحَدِهما، كالأرْضِ والعَمَلِ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ.
فصل: وإنِ اشْتَرَكَ ثلاثَةٌ؛ مِن أحَدِهم الأرضُ، ومِن الآخَرِ البَذْرُ، ومِن الآخَرِ البَقَرُ، والعَمَلُ على أنَّ ما رَزَق الله تَعالى بينهم، فعَمِلُوا، فهذا عَقْدٌ فاسِدٌ.
نَصّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ أبي داودَ، ومُهَنّا، وأحمدَ بنِ القاسِمِ.
وذَكَرَ حَدِيثَ مُجاهدٍ، في أرْبَعةٍ اشْتَرَكُوا في زَرْعٍ على عَهْدِ
الحديث: 2141 - الجزء: 14 - الصفحة: 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال أحَدُهُم: عَلَيَّ الفَدّانُ 368. وقال الآخَر: قِبَلِي الأرْضُ.
وقال الآخَر: قِبَلي البَذْز.
وقال الآخَر: قِبَلي العَمَل.
فجَعَل النبيُّ الزَّرْعَ لصاحِبِ البَذْرِ، وألغَى صاحِبَ الأرْضِ، وجَعَل لصاحِبِ العَمَلِ كلَّ يوم دِرْهمًا، ولصاحِبِ الفَدّانِ شيئًا مَعْلُومًا 369. فقال أحمدُ: لا يَصِحُّ، والعَمَلُ على غيرِه.
وذَكَر هذا الحَدِيثَ سَعِيد بنُ مَنْصُورٍ، عن الوَليدِ بنِ مُسْلِمٍ، عن الأوْزَاعِيِّ، عن واصِلِ بنِ أبي جَمِيلٍ، عن مُجاهِدٍ، وقالٍ في آخِرِه: فحَدَّثْت به مَكْحُولًا فقال: ما يَسُرُّنِي بهذا الحَدِيثِ وَصيفٌ 370. وحُكْمْ هذه المسألةِ حُكْمُ المسألةِ التي ذَكَرْناها في أوّل الفَصْلِ، وهما فاسِدَتانِ؛ لأنَّ مَوْضوعَ المُزارَعةِ على أن البَذْرَ مِن رَبِّ الأرْضِ أو مِن العامِلِ، وليس هو من 371 واحِدٍ منهما.
وليست شَرِكةً؛ لأنَّ الشَّرِكَةَ تكونُ بالأَثْمانِ، فإن كانت بالعُرُوضِ، اعْتبرَ كَوْنها مَعْلُومَةً، ولم يُوجَدْ شيءٌ مِن ذلك هاهُنا.
ولا هي إجارَةٌ؛ لأنَّ الإجارَةَ تَفْتَقِرُ إلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وعِوَضٍ مَعْلُوم.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
فعلى هذا، يكونُ الزَّرْعُ لصاحِبِ البَذْرِ؛ لأنَّه نَمَاءُ مالِه، ولصاحِبَيه عليه أجْرُ مِثْلِهما؛ لأنَّهما دَخَلا على أن يُسَلِّمَ
الجزء: 14 - الصفحة: 251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لهما المُسَمَّى، فإذا لم يُسَلِّمْ، عاد إلى بَدَلِه.
وبهذا قال الشافعي، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرَّأي: يَتَصَدَّقُ بالفَضْلِ.
والصَّحِيحُ أنَّ النَّماءَ لصاحِبِ البَذْرِ، لا تَلْزَمُه الصَّدَقَةُ به، كسائِرِ مالِه.
فصل: فإن كانتِ الأرضُ لثلاثةٍ، فاشْتَركُوا على أن يَزْرَعُوها ببَذْرِهم ودَوابِّهم وأعْوانِهم، على أنَّ ما أخْرَجَ الله بينهم على قَدْرِ ما لَهم، جاز.
وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
ولا نَعْلَمُ فيه خلافًا؛ لأن أحَدَهُم لا يَفْضُلُ صاحِبَه بشيءٍ.
فصل: فإن زارَعَ رَجُلًا، أو آجَرَه أرْضَه فزَرَعها، وسَقَط مِن الحَبِّ شيءٌ فنَبَتَ في تلك الأرْضِ عامًا آخَرَ، فهو لصاحِبِ الأرْضِ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ أبي داودَ، ومحمدِ بنِ الحارِثِ.
وقال الشافعي: هو لصاحِب الحَبِّ؛ لأنَّه عَينُ مالِه، فهو كما لو بذَرَه قَصْدًا.
ولَنا، أنَّ صاحِبَ الحَبِّ أسْقَطَ حَقَّه منه بحُكْمِ العُرْفِ، وزال مِلْكُه عنه؛ لأنَّ العادَةَ تَرْكُ ذلك لمَن يَأخُذُه، ولهذا أبِيحَ له الْتِقاطُه ورَعْيُه.
ولا نَعْلَمُ خِلافًا في إباحَةِ الْتِقاطِ ما خَلَفَه الحَصَّادُون مِن سُنْبُلٍ وحَب وغيرِهما، فجَرَى ذلك مجرَى نَبْذِه على سَبِيلِ التَّرْكِ له، وصار كالشيءِ التّافِهِ يَسْقُطُ منه، كالثَّمرةِ واللُّقْمَةِ ونحوهما، والنَّوَى لو الْتَقَطَه إنْسانٌ فغَرَسه كان له، دُونَ مَن سَقَط منه، كذا هذا.
الجزء: 14 - الصفحة: 252
وَإنْ زَارَعَ شَرِيكَهُ فِي نَصِيبِهِ، صَحَّ.
2142 - مسألة: (وإن زارَعَ شَرِيكَه في نَصِيبِه، صَحَّ)
إذا جَعَل له في الزرْعِ أكْثَرَ مِن نَصِيبِه، مثلَ أن تكونَ الأرضُ بينَهما نِصْفينِ، فجَعَل للعامِلِ الثُّلثَينِ، صَحَّ، وكان السُّدْسُ حِصتَه مِن المُزارَعةِ، فصار كأنَّه قال: زارَعْتُك على نصِيبي بالثُّلُثِ.
فصَحَّ، كما لو زارَعَ أجْنَبِيًّا.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ النِّصْفَ للمُزارِعِ، ولا يَصِحُّ أن يُزارِعَ الإنْسانُ
الحديث: 2142 - الجزء: 14 - الصفحة: 253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لنَفْسِه، فإذا فَسَد في نَصِيبِه، فَسَد في الجميعِ، كما لو جَمَع في البَيعِ بينَ ما يَصِحُّ وما لا يَصِحُّ، والأوَّلُ أصَحُّ؛ إن شاء الله تعالى، وقد ذَكَرْنا في المُساقاةِ نحوَ هذا.
الجزء: 14 - الصفحة: 254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَصْلٌ في إجارَةِ الأرضِ
تجوزُ إجارَتُها بالذَّهَبِ والفِضَّةِ وسائرِ العُرُوضِ، غيرِ المَطْعُومِ، في قَوْلِ عامّةِ أهْلِ العِلْمِ.
قال أحمدُ: قَلَّما اخْتَلَفُوا في الذَّهَبِ والوَرِقِ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوامُّ أهْلِ العِلْمِ على أنَّ اكْتِراءَ الأرضِ وقتًا مَعْلُومًا جائِز بالذَّهَبِ والفِضَّةِ.
رُوِيَ هذا القولُ عن سَعْدٍ، ورافعِ بن خَديجٍ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عَبّاسٍ.
وبه قال سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ، وعُرْوَةُ، والقاسِمُ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأي.
ورُوِيَ عن طَاوُسٍ، والحَسَنِ، كَراهَةُ ذلك؛ لِما روَى رافِعٌ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن كِراءِ المَزارِعِ.
مُتَّفَقٌ عليه 372. ولَنا، أنَّ رافِعًا قال: أمّا بالذَّهَبِ والوَرِقِ، فلم يَنْهَنا، يَعْنِي النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -. مُتَّفَقٌ عليه 373. ولِمُسْلِمٍ 374: أمَّا بِشَيءٍ مَعْلُومٍ مَضْمُونٍ فلا بَأسَ.
وعن حَنْظَلَةَ بنِ قَيسٍ، أنَّه سأل رافِعَ بنَ خَدِيجٍ عن كِراءِ الأرضِ، فقال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن كِراءِ الأرْضِ.
فقلتُ: بالذَّهَبِ والفِضَّةِ؟ قال: إنَّما نَهَى عنها بِبعضِ ما يَخْرُجُ منها، أمَّا بالذَّهَبِ والفِضَّةِ فلا بَأسَ.
مُتَّفَقٌ
الجزء: 14 - الصفحة: 255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه 375. وعن سَعْدٍ قال: كُنّا نُكْرِي الأرْضَ بما على السَّواقِي، وما سَعِدَ 376 بالماءِ منها، فَنَهانا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، وأمَرَنا أن نُكْرِيَها بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ.
رَواهُ أبو دَاودَ 377. ولأنَّها عَينٌ يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ المَنْفَعَةِ المُباحَةِ منها مع بَقائِها، فجازَتْ إجارَتُها بالأثْمانِ ونحوها، كالدُّورِ.
والحُكْمُ في العُرُوضِ كالحُكْمِ في الأثْمانِ.
وأما حَديثُهُم، فقد فَسَّرَه الرّاوى بما ذَكَرْنا عنه 378، فلا يجوزُ الاحْتِجاجُ به على غيرِه.
وحَدِيثُنا مُفَسِّرٌ لحَدِيثهم؛ فإنَّ راويَهما واحدٌ، وقد رَواهُ عامًّا وخاصًّا، فيُحْمَلُ العامُّ على الخاصِّ مع مُوافَقةِ الخاصِّ لسائرِ الأحادِيثِ والقِياسِ وقولِ أكْثرِ أهْلِ العِلْمِ.
فأمّا إجارَتُها بطَعامٍ، فتَنْقَسِمُ ثلاثةَ أقْسامٍ؛ أحدُها، أن يُؤْجِرَها بطَعامٍ مَعْلُومٍ غيرِ الخارِجِ منها، فيَجُوزُ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ الحَسَنِ بنِ ثَوَابٍ.
وهو قولُ أكثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم سَعِيدُ بنُ جُبَير، وعِكْرِمةُ، والنَّخَعِيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأي.
ومَنَع منه مالكٌ، حتى مَنَع إجارَتَها باللبَنِ والعَسَلِ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: رُبَّما تَهَيَّبتُه.
قال القاضِي: هذا مِن أحمدَ
الجزء: 14 - الصفحة: 256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على سَبِيلِ الوَرَعِ، ومَذْهَبُه الجوازُ.
واحْتَجَّ مالكٌ، بما روَى رافِعُ بنُ خَديجٍ عن بعضِ عُمُومَتِه قال: قال رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَت لَهُ أرْضٌ فَلَا يُكْرِيهَا بِطَعَامٍ مُسَمًّى».
رَواهُ أبو دَاودَ، وابنُ ماجَه 379. وروَى ظَهِيرُ بنُ رافعٍ قال: دَعانِي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟» قلت: نُؤاجِرُها على الرُّبْعِ، أو على الأوْسُقِ مِن التَّمْرِ أو الشَّعِيرِ.
قال: «لَا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا أو أمْسِكُوهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 380. وروَى أبو 381 سعيدٍ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُحاقَلَةِ 382. والمُحاقَلَةُ؛ اسْتِكْراءُ الأرْضِ بالحِنْطَةِ.
ولَنا قولُ رافعٍ، فأمّا بشيءٍ مَعْلُومٍ مَضْمُونٍ فلا بَأسَ به.
ولأنَّه عِوَضٌ مَعْلُوم مَضْمُون، لا يُتَّخَذُ وَسِيلةً إلى الرِّبا، فجازَتْ إجارَتُها بها، كالأثْمانِ.
وحَدِيثُ رافعٍ وظَهِيرٍ، قد سبَق الكَلامُ عليه في المُزارَعةِ، على أنَّه يَحْتَمِلُ النَّهْيَ عن إجارَتِها بذلك
الجزء: 14 - الصفحة: 257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا كان خارِجًا منها، ويَحْتَمِلُ النَّهْيَ عنه إذا آجَرَها بالرُّبْعِ والأوْسُقِ.
وحَدِيثُ أبي سَعِيدٍ يَحْتَمِلُ المَنْعَ مِن كِرائِها بالحِنْطَةِ إذا اكْتَراها لزَرْعِ الحِنْطَةِ.
القسمُ الثاني، إجارَتُها بطَعامٍ مَعْلُومٍ مِن جِنْسِ ما يَزْرَعُ فيها، كإجارَتها بقُفْزانِ حِنْطَةٍ ليَزْرَعَها، فقال أبو الخَطّابِ: فيها رِوايتان؛ إحداهما، المَنْعُ.
وهي التي ذكَرَها القاضِي مَذهَبًا.
وهي قولُ مالكٍ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ، ولأنَّه ذَرِيعةٌ إلى المُزارَعَةِ عليها بشيءٍ مَعْلُومٍ مِن الخارِج منها؛ لأنَّه يَجْعَلُ مكانَ قَوْلِه: زارَعْتُكَ.
آجَرْتُك، فتَصِيرُ مُزارَعةً بلَفْظِ الإجارَةِ، والذَّرائِعُ مُعْتَبَرَة.
والثانيةُ، جوازُ ذلك.
اختارَها أبو الخَطّاب.
وهو قولُ أبي حَنيفةَ، والشافعيِّ؛ لِما ذَكَرْنا في القِسْمِ الأوَّلِ، ولأَنَّ ما جازَتْ إجارَتُه بغيرِ المطْعُومِ، جازَتْ به، كالدُّورِ.
القسمُ الثّالثُ، إجارَتُها بجُزْءٍ مُشاعٍ مما يَخرُجُ منها، كنِصْفٍ، وثُلُثٍ، فالمَنْصوصُ عن أحمدَ جوازُه.
وهو قولُ أكثرِ الأصحابِ 383. واختار أبو الخَطَّابِ أنَّها لا تَصحُّ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعي.
وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لِما تَقَدَّمَ مِن الأحادِيثِ في النَّهْي مِن غيرِ مُعارِضٍ لها، ولأنَّها إجارَةٌ بعِوَضٍ مَجْهُولٍ، فلم تَصحَّ؛ كإجارَتِها بثُلُثِ ما يَخْرُجُ مِن أرضٍ أُخْرَى.
فأمّا نَصُّ أحمدَ في الجوازِ، فيَتَعَيَّنُ حَمْلُه على المُزارَعَةِ بلَفْظِ الإجارَةِ، فيكونُ حُكْمُها حُكْمَ المُزارَعَةِ فيما ذَكَرْنا مِن أحْكامِهما.
وقد ذَكَرْنا ذلك في المُساقاةِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 258
بَابُ الإجَارَةِ
بابُ الإِجارَةِ ()
الأصْلُ في جَوازِها الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجماعُ؛ أمّا الكِتابُ، فقَوْلُه تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 384. وقال تعالى: ﴿قَالتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ (26) قَال إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ 385. ورَوَى ابنُ ماجه في «سُنَنِه» 386 عن عُتْبةَ بنِ النُّدَّرِ قال: كُنّا عندَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقَرَأ: ﴿طسم﴾ حتى إذا بَلغ قِصَّةَ موسى قال: «إنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أجَرَ نَفْسَه ثَمَانِيَ حِجَج، أوْ عَشْرًا، عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ وَطَعَامِ بَطْنِهِ».
وقال الله تعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾ 387. وهذا يَدُلُّ على جَوازِ أخْذِ الأجْرِ على إقامةِ الجِدارِ.
وأمَّا () بداية الجزء الخامس من نسخة تشستربيتي.
الجزء: 14 - الصفحة: 259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السُّنَّةُ، فثَبَتَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -[وأبا بَكْرٍ] 388، اسْتَأجَرَا رجلًا مِن بَنِي الدِّيل هادِيًا خِرِّيتًا 389. وروَى البُخاريُّ 390 عن أبي هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «قَال الله عَزَّ وَجَلَّ: ثَلَاثة أنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ رَجُلٌ أعْطَى بي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأجَرَ أجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوَفِّهِ أجرَهُ».
وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ في كل عَصْرٍ على جوازِ الإِجارَةِ، إلَّا ما يُحْكَى عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأصَمِّ 391، أنَّه قال: لا يَجُوزُ ذلك؛ لأنَّه غَرَرٌ.
يَعْنِي أنَّه يَعْقِدُ على مَنافِعَ لم تُخْلَقْ.
وهذا غَلَطٌ لا يَمْنَعُ انْعِقادَ الإجْماعِ الذي سَبَق في الأعْصارِ وسائِرِ الأمْصارِ.
والعِبْرَةُ أيضًا دالَّةٌ عليها؛ فإنَّ الحاجَةَ إلى المَنافِعِ كالحاجَةِ إلى الأعْيانِ، فَلمّا جاز العَقْدُ على الأعْيانِ، وَجَب أن تَجُوزَ الإجارَةُ على المَنافِعِ، ولا تَخْفَى حاجَةُ النّاسِ إلى ذلك،.
فإنَّه ليس لكل أحدٍ دارٌ يَمْلِكُها، ولا يَقْدِرُ كلُّ
الجزء: 14 - الصفحة: 260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُسافِرٍ على بَعِيرٍ أو دابَّةٍ يَمْلِكُها، ولا يَلْزَمُ أصحابَ الأمْلاكِ إسْكانُهم وحَمْلُهم تَطَوُّعًا، وكذلك أصحابُ الصَّنائعِ يَعْمَلُون بأجْر، ولا يُمْكِنُ كلَّ أحَدٍ عَمَلُ ذلك، ولا يَجِدُ مُتَطَوِّعًا به، فلا بُدَّ مِن الإجارَةِ؛ لذلك، بل ذلك ممّا جَعَلَه الله تعالى طَرِيقًا إلى الرِّزْقِ، حتى إنَّ أكْثَرَ المَكاسبِ بالصَّنائِعِ.
وما ذَكَرَه 392 مِن الغَرَرِ، لا يُلْتَفَتُ إليه مع ما ذَكَرْنا مِن الحاجَةِ، فإنَّ العَقْدَ على المَنافِعِ لا يُمْكِنُ بعدَ وُجُودِها؛ لأنَّها تَتْلَفُ بمُضِيِّ الأوْقاتِ، فاحْتِيجَ إلى العَقْدِ عليها قبلَ وُجُودِها، كالسَّلَمِ في الأعْيانِ.
واشْتِقاقُ الإجارَةِ مِن الأجْرِ، وهو العِوَضُ، قال الله تعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾.
ومنه سُمِّيَ الثَّوابُ أجْرًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى يُعَوِّضُ العَبْدَ به على طاعَتِه أو صَبْرِه على مُصِيبَتِه.
الجزء: 14 - الصفحة: 261
وَهِيَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ، تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الإجارَةِ، وَالْكِرَاءِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا، وَفِي لَفْظِ الْبَيعِ وَجْهَانِ.
2143 - مسألة: (وهي عَقْدٌ على المَنافِعِ، تَنْعَقِدُ بلَفْظِ الإجارَةِ، والكِرَاءِ، وما في مَعْناهما، وفي لَفْظِ البَيعِ وَجْهَان)
الإجارَةُ عَقْدٌ على المَنافِعِ في قَولِ أكثَرِ العُلَماءِ؛ منهم أبو حنيفةَ، ومالكٌ، وأكثرُ الشافعيَّةِ.
وذَكَر بعضُهم أنَّ المَعْقُودَ عليه العَينُ؛ لأنها المَوْجُودَةُ، والعَقْدُ يُضافُ إليها، فيقولُ: أجَرْتُكَ دارِي.
ولَنا، أنّ المَعْقُودَ عليه هو المُسْتَوْفَى بالعَقْدِ، وذلك هو المَنافِعُ دُونَ الأعْيانِ، ولأنّ الأجْرَ في مُقابَلَةِ المَنْفَعَةِ، ولهذا تُضْمَنُ دُونَ العَينِ، وما كان العِوَضُ في مُقابَلَتِه، فهو المَعْقُودُ عليه، وإنَّما أضِيفَ العَقْدُ إلى العَينِ؛ لأنَّها مَحَلُّ المَنْفَعَةِ [ومَنشَؤُها] 393، وكما يُضافُ عَقْدُ المُساقاةِ إلى البُسْتانِ، والمَعْقُودُ عليه الثَّمرَةُ.
ولو قال: أجَرْتُك مَنْفَعَةَ دارِي.
جازَ.
الحديث: 2143 - الجزء: 14 - الصفحة: 262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وهي نوعٌ مِن البَيعِ؛ لأنَّها تَمْلِيكٌ مِن كلِّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه، فهي بَيعُ المَنافِعِ، والمَنافِعُ كالأعْيانِ؛ لأنها يَصِحُّ تَمْلِيكُها في الحياةِ وبعدَ المَوْتِ، وتُضْمَنُ باليَدِ والإتْلافِ، [وتكونُ عِوَضًا] 394 عَينًا ودَيْنًا.
وإنَّما اخْتَصَّتْ باسْمٍ، كالصَّرْفِ، والسَّلَمِ، مع كَوْنِه بَيعًا.
فعلى هذا، تَنْعَقِدُ بلَفْظِ الإجارَةِ، والكِراءِ؛ لأنَّهما مَوْضُوعانِ لها.
وكذلك كلُّ ما يُؤَدِّي مَعْناهما؛ لحُصُول المَقْصُودِ به.
وهل تَنْعَقِدُ بلَفظِ البَيعِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تنْعَقِدُ به؛ لأنها بَيعٌ، فانْعَقَدتْ بلَفْظِه، كالصَّرْفِ.
والثاني، لا تَنْعَقِدُ به لأنَّ فيها مَعْنًى خاصًّا، فافْتَقَرتْ إلى لَفْظٍ يَدُلُّ على ذلك المَعْنَى، ولأنَّ الإجارَةَ تُضافُ إلى العَينِ التي يُضافُ إليها البَيعُ إضافَةً واحِدَةً، فاحْتِيجَ إلى لَفْظٍ يُعَرِّفُ ويُفَرِّقُ بينَهما، كالعُقُودِ المُتَبايِنَةِ.
ولأنَّه عَقْدٌ يُخالِفُ البَيعَ في الحُكْمِ والاسْمِ، أشْبَهَ النِّكاحَ.
فصل: ولا تَصِحُّ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ؛ لأنَّه عَقْدُ تَمْليكٍ في الحَياةِ، أشْبَهَ البَيعَ.
الجزء: 14 - الصفحة: 263
وَلَا تَصِحُّ إلا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ، أحَدُهَا، مَعْرِفَةُ الْمَنْفَعَةِ، إمَّا بِالْعُرْفِ، كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا، وخِدْمَةِ الْعَبْدِ سَنَةً، وَإمَّا
2144 - مسألة: (ولا تَصِحُّ إلَّا بشُرُوطٍ ثَلاثةٍ؛ أحَدُها، مَعْرِفةُ المَنْفَعَةِ، إمّا بالعُرْفِ، كسُكْنَى الدّارِ شَهْرًا، وخِدْمةِ العَبْدِ سَنَةً، وإمّا
الحديث: 2144 - الجزء: 14 - الصفحة: 264
بِالْوَصْفِ كَحَمْلِ زُبْرَةِ حَدِيدٍ وَزْنُهَا كَذَا إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، وَبِنَاءِ حَائِطٍ يَذْكُرُ طُولَهُ وَعَرْضَهُ وَسُمْكَهُ وَآلتَهُ، بالوَصْفِ، كحَمْلِ زُبْرَةِ حَدِيدٍ وَزْنُها كذا إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، أو بناءِ حائِطٍ يَذْكُرُ طُولَه وعَرْضَه وسُمْكَه وآلتَه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه لا بُدَّ مِن
الجزء: 14 - الصفحة: 265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَعْرِفَةِ المَنْفَعةِ في الإجارَةِ؛ لأنَّها المَعْقُودُ عليها، فاشْتُرِط العِلْمُ بها، كالمَبِيعِ، فإنَّ مَعْرِفَتَه شَرْط في صِحَّةِ البَيعِ، فكذلك مَعْرِفَةُ المَنْفَعَةِ في الإجارَةِ، فإنَّ بَيعَ المَجْهولِ لا يَصِحُّ إجْماعًا.
فإن كان لها عُرْفٌ، كسكْنَى الدّارِ شَهْرًا، لم يحْتَجْ إلى ذِكْرِها، لأنَّها لا تُكْتَرَى إلَّا لذلك، فاسْتُغْنِيَ عن ذِكْرها، كالبَيعِ بثَمَنٍ مُطْلَقٍ في مَوضِعٍ فيه نَقْدٌ مَعْرُوفٌ.
وخِدْمةُ العَبْدِ سَنَةٌ، كسُكْنَى الدّارِ؛ لأَنها مَعْلُومَة بالعُرْفِ.
فأمّا إنِ اكْتَرَى لحَمْلِ زُبْرةِ حَدِيدٍ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّن، فلا بُدَّ مِن ذِكْرِ الوَزْنِ هاهُنا والمَكانِ الذي تُحْمَلُ إليه؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ إنَّما تُعْرَفُ بذلك.
الجزء: 14 - الصفحة: 266
وَإجَارَةِ أرْضٍ مُعَينَّةٍ لِزَرْعِ كَذَا، أوْ غَرْسٍ، أوْ بِنَاءٍ مَعْلُومٍ.
2145 - مسألة: (أو بناءِ حائِطٍ يَذْكُرُ طُولَه وعَرْضَه وسُمْكَه وآلتَه، وإجارةِ أرْضٍ مُعَيَّنةٍ لزَرْعِ كذا، أو غَرْسٍ، أو بناءٍ مَعْلُومٍ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يَجُوزُ الاسْتِئْجار للبناءِ، ويُقَدَّرُ بالزَّمانِ والعَمَلِ، فإن قُدِّرَ بالعَمَلِ، فلا بُدَّ مِن مَعْرِفَةِ مَوْضِعِه؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ بقُرْبِ الماءِ وسُهُولَةِ التُّرابِ، ولابدَّ مِن ذِكْرِ طُولِه وعَرْضِه وسُمْكِه , وآلةِ البِناءِ مِن طِينٍ أو لَبِنٍ أو آجُرٍ أو حِجَارَةٍ أو شِيدٍ 395، أو غيرِ ذلك.
قال ابنُ أبي موسى: وإذا اسْتَأجَرَهُ لبِناءِ ألْفِ لَبِنَةٍ في جِدارٍ، أو اسْتَأجَرَه يَبْنِي له فيه يَوْمًا، فعَمِلَ ما اسْتُؤْجِرَ عليه، ثم سَقَط الحائِطُ، فله أجْرُه؛ لأنَّه وَفى العَمَلَ.
فإن قال: ارْفَعْ لي هذا الحائِطَ عَشَرَةَ أذْرُعٍ.
فرَفَعَ بعضَه، فسَقَطَ، فعليه إعادَةُ ما سَقَطَ، وإتْمامُ ما وَقَعَتْ عليه الإجارَةُ مِن الذَّرْعِ.
وهذا إذا لم يكنْ سُقُوطُه في الأوَّلِ لأمْرٍ مِن جِهَةِ العامِلِ، فأمّا إن فَرَّطَ، أو بَناه مَحْلولًا، أو نحْوَ ذلك، فسَقَطَ، فعليه إعادَتُه وغَرامَةُ ما تَلِف منه 396.
الحديث: 2145 - الجزء: 14 - الصفحة: 267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَجُوزُ الاسْتِئْجارُ لتَطْيِينِ السُّطُوحِ والحِيطانِ وتَجْصِيصِها.
ولا يَجُوزُ على عَمَلٍ مُعَيَّنٍ؛ لأن الطِّينَ يَختَلِفُ في الرِّقَّةِ والغِلَظِ، والأرضَ تَخْتَلفُ، منها العالي والنّازِل، وكذلك الحِيطان، فلذلك لم يَجُزْ إلَّا على مُدَّةٍ.
فصل: وإذا اسْتَأجَرَ دارًا، جاز إطْلاقُ العَقْدِ، ولم يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ السُّكْنَى، ولا صِفَتِها؛ لِما ذَكَرْنا.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا يَجُوزُ حتى يقولَ: أبِيتُ تَحتَها أنا وعِيَالِي؛ لأنَّ السُّكْنَى تَخْتَلِفُ، ولو اكْتَراها ليَسْكُنَها، فتَزَوَّجَ امرأةً، لم يَكُنْ له أن يُسْكِنَها معه.
ولَنا، أنَّ الدّارَ لا تُكْتَرى إلَّا للسُّكْنَى، فاسْتُغْنِيَ عن ذِكْرِه، كإطْلاقِ الثَّمَنِ في بَلَدٍ فيه نَقْدٌ مَعْرُوفٌ، والتَّفاوُتُ في السُّكْنَى يَسِيرٌ، فلم يَحْتَجْ إلى ضَبْطِه؛ لِما ذَكَرْنا.
وما ذَكَره 397 لا يَصِحُّ؛ فإن الضَّرَرَ لا يَكادُ يَخْتَلِفُ بكَثْرَةِ مَن يَسْكُنُ وقِلَّتِهم، ولا يُمْكِنُ ضبْطُ ذلك، فاجْتُزِئ فيه بالعُرْفِ، كما في دُخُولِ الحَمّامِ وشِبْهِهِ، ولو اشْتُرِط ما ذَكَرَه، لوَجَبَ أن يَذْكُرَ عَدَدَ السُّكّانِ، وأن لا يَبِيتَ عندَه ضَيفٌ، ولا غيرُ مَن ذَكَرَه، ولكان يَنْبَغي أن يَعْلَمَ صِفَةَ السّاكِنِ كما يَعْلَمُ ذلك فيما إذا اكْترَى للرُّكُوبِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في إباحَةِ إجارَةِ العَقَارِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ اسْتِئْجارَ المَنازِلِ والدَّوابِّ جائزٌ.
وقد ذَكَرْنا أنّه يَجُوزُ الاسْتِئْجارُ للخِدْمَةِ كلَّ شَهْر بشيءٍ مَعْلُوم، وسَواء كان الأجِيرُ رجلًا أو امرأةً، حُرًّا أو عَبْدًا.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ؛ لأنَّه تَجُوزُ النِّيابةُ فيه، ولا يَخْتَصُّ فاعِلُه بكَوْنِه مِن أهلِ القُرْبَةِ.
قال أحمد: أجِيرُ المُشاهَرةِ يَشْهَدُ الأعيادَ والجُمُعَةَ، وإن لم يَشْتَرِطْ ذلك.
قِيلَ له: فيَتَطَوَّعُ بالرَّكْعَتَين؟ قال: ما لم يَضُرَّ بصاحِبِه.
وإنَّما أباح له ذلك؛ لأنَّ أوْقاتَ الصلاةِ مُسْتَثْناة مِن الخِدْمَةِ، ولهذا وَقَعَتْ مُسْتَثْناةً في حَقِّ المُعْتَكِفِ لتَرْكِ مُعْتَكَفِه لها.
وقال ابنُ المُبارَكِ: لا بَأسَ أن يُصَلِّيَ الأجيرُ رَكَعاتٍ مِنَ السُّنَّةِ.
وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: ليس له مَنْعُه منها.
قال أحمدُ: يَجُوزُ أن يَسْتَأجِرَ الأمَةَ والحُرَّةَ للخِدْمَةِ، ولكنْ يَصْرِفُ وَجْهَه عن النَّظَرِ، ليستِ الأمَةُ مثلَ الحُرَّةِ، ولا يَخْلُو معها في بَيتٍ، ولا يَنْظُرُ إليها مُتَجَرِّدَةً، ولا إلى شَعَرِها.
إنما قال ذلك، لأنَّ حُكْمَ النَّظَرِ بعدَ الإجارَةِ كحُكْمِه قبلَها، وفَرَّق بينَ الحُرَّةِ والأمَةِ؛ لأنَّهما يَخْتَلِفان قبلَ الإجارَةِ، فكذلك بعدَها.
الجزء: 14 - الصفحة: 269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا اسْتَأجَر أرْضًا، احْتاج إلى ذِكْرِ ما تُكْتَرَى له مِن غِراس أو بناءٍ أو زَرْعٍ؛ لأنَّها تُكْتَرَى لذلك كُلِّه، وضَرَرُه يَخْتَلِفُ، فوَجَبَ بَيانُه، وفي إجارَةِ الأرْضِ للزَّرْعِ اخْتِلافٌ ذَكَرْناه في بابِ المُساقاةِ.
فصل: ويَجُوزُ الاسْتِئْجارُ لضَرْبِ اللَّبِنِ؛ لِما ذَكَرْنا، ويكونُ على مُدَّةٍ أو عَمَلٍ، فإن قَدَّرَه بالعملِ، احْتاج إلى تَعْيينِ عَدَدِه، وذِكْرِ قالبِه، ومَوْضِعِ الضَّرْبِ؛ لأنَّ الأرْضَ تَخْتَلِفُ باخْتِلافِه، لكَوْنِ التُّرابِ في بعضِ الأماكِنِ أسْهَلَ، والماءِ أقْرَبَ.
فإن كان هناك قالبٌ مَعْرُوفٌ لا يَخْتَلِفُ، جاز، كما إذا كان المِكْيالُ مَعْرُوفًا.
وإن قَدَّرَهُ بالطُّولِ والعَرْضِ والسُّمْكِ، جاز، ولا يَكْتَفِي بمُشاهَدَةِ قالبِ الضَّرْبِ إذا لم يَكُنْ مَعْرُوفًا؛ لأنَّ فيه غَرَرًا، وقد يَتْلَفُ القالبُ، فلا يَصِحُّ، كما لو أسْلَم في مِكْيالٍ بِعَينه.
الجزء: 14 - الصفحة: 270
وَإذَا اسْتَأجَرَ لِلرُّكُوبِ، ذَكَرَ الْمَرْكُوبَ، فَرَسًا أوْ بَعِيرًا أوْ نَحْوَه.
2146 - مسألة: (وإنِ اسْتَأجَر للرُّكُوبِ، ذَكَر المَرْكُوبَ، فَرَسًا أو بَعِيرًا أو نحوَه)
لأنَّ مَنافِعَها تَخْتَلِفُ.
وتُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُه برؤيَةٍ أو صِفَةٍ؛ لأنَّه يَصِحُّ بَيعُه بهما، وذِكْرُ المُهَمْلَجِ والقَطُوفِ 398؛ لأن سَيرَهُما يَخْتَلِفُ، ومَعْرِفةُ ما يُرْكَبُ به مِن سَرْجٍ أو غيرِه؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ
الحديث: 2146 - الجزء: 14 - الصفحة: 271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالرُّكُوبِ والرّاكِبِ.
ولا يَحْتَاجُ إلى ذِكْرِ الذُّكورِيَّةِ والأُنوثِيَّةِ؛ لأنَّ التَّفاوُتَ بينَهما يَسِيرٌ.
وقال القاضي: يَفتَقِرُ؛ لتَفاوُتِهما.
ولا بُدَّ مِن مَعْرِفَةِ الرّاكِبِ برُؤيَةٍ أو صِفَةٍ.
ذَكَره الخِرَقِيُّ.
وقال الشَّرِيفُ: لا يُجْزِئُ فيه إلَّا بالرُّؤيَةِ؛ لأنَّ الصِّفَةَ لا تَأتِي عليه.
ولا بُدَّ مِن مَعْرِفَةِ المَحامِلِ والأوْطِئَةِ والأغْطِيَةِ والمَعالِيقِ، كالقِدْرِ والسَّطيحَةِ 399 ونحوهما، إمَّا برُؤيَةٍ أو صِفَةٍ أو وَزْنٍ.
الجزء: 14 - الصفحة: 272
فَإنْ كَانَ لِلْحَمْلِ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِهِ.
2147 - مسألة: (فإن كان للحَمْلِ، لم يَحْتَجْ إلى ذِكْرِه)
لعَدَمِ الغَرَضِ في مَعْرِفَتِه.
فإن اتفَقَ وُجُودُ غَرَضٍ في الحُمُولةِ، مثلَ أن يكون المَحْمُولُ شيئًا تَضُرُّه كثرةُ الحَرَكَةِ، كالفاكِهَةِ والزُّجاجِ، أو كَوْنِ الطرِيقِ ممّا يَعْسُرُ على بعضِها دُونَ بعضٍ، فيَنْبَغِي أن يَذْكُرَه في الإجارَةِ، ذَكَرَه شيخُنا 400. وتُشْتَرَطُ مَعْرِفةُ المَتاعِ برُؤيَةٍ أو صِفَةٍ، ويَذْكُرُ جِنْسَه
الحديث: 2147 - الجزء: 14 - الصفحة: 273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن حَدِيدٍ أو قُطْنٍ أو نحوه؛ لأنَّ ضَرَرَه يَخْتَلِفُ، وقَدْرَه بالوَزْنِ إن كان مَوْزُونًا، أو بالكَيلِ إن كان مَكِيلًا؛ لأنَّ البَيعَ يَصِحُّ بكلا الأمْرَين، ويَحْصُلُ بالمُشاهَدَةِ؛ لأنَّها مِن أعْلَى طُرُقِ العِلْمِ، والصِّفَةِ إذا ذَكَر القَدْرَ والجِنْسَ.
وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ أنَّه إذا قال: أجَرْتُكَها لتَحْمِلَ عليها ثَلاثمائةِ رَطْلٍ ممّا شِئْتَ.
جاز، ومَلَك ذلك، لكنْ لا يُحَمِّلُه حِمْلًا يَضُرُّ بالحَيوانِ.
فلو أراد حَمْلَ حَدِيدٍ أو زِئْبَقٍ، يَنْبَغِي أن يُفَرِّقَه على ظَهْرِ الحَيوانِ، فلا يَجْتَمِعُ في مَوْضِعٍ واحدٍ مِن ظَهْرِه، ولا يَجْعَلُه في وعاءٍ يَمُوجُ فيه فيَكُدُّ البَهِيمةَ ويُتْعِبُها.
وإنِ اكْتَرَى ظَهْرًا للحَمْلِ مَوْصُوفًا بجِنْسٍ، فأرادَ حَمْلَه على غيرِ ذلك الجِنْس، وكان الطّالِبَ لذلك المُسْتَأجِرُ، لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ المُطالبَةَ بما لم يَعْقِدْ عليه.
وإن طَلَبَه المُؤْجِرُ، وكان يَفُوتُ به غَرَضُ المُسْتَأجِرِ، مثلَ أن يكونَ غَرَضُه الاسْتِعْجال 401 في السَّيرِ، أو أن لا يَنْقَطِعَ عن القافِلَةِ، فيُعَيِّنُ الخَيلَ أو البغال، أو يكونَ غَرَضُه السُّكُونَ؛ لكَوْنِ المَحْمُولِ ممّا يَضُرُّهُ الهَزُّ، أو قُوَّتَها وصَبْرَها؛ لطُولِ الطرِيقِ وثِقَلِ الحُمُولَةِ، فيُعَيِّنُ الإبِلَ، لم يَجُزِ
الجزء: 14 - الصفحة: 274
فَصْلٌ: وَالثَّانِي، مَعْرِفَةُ الأجْرَةِ بِمَا تَحْصُلُ بِهِ مَعْرِفَةُ الثَّمَنِ،
العُدُولُ عنه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ غَرَضَ المُسْتَأجِرِ، فلم يَجُزْ ذلك كما في المَرْكُوبِ.
وإن لم يُفَوِّتْ غَرَضًا، جاز، كما يجوزُ لمَن اكْتَرَى على حَمْلِ شيءٍ حَمْلُ مِثلِه.
فإنِ اكْتَرَى بَهِيمَةً لحَمْلِ ما شاء، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يَدْخُلُ فيه ما يَقْتُلُ البَهِيمَةَ، وكذلك إن شَرَط طاقَتَها؛ لأنه لا ضابِطَ له.
فصل: قال، رَضِيَ الله عنه: (الثّانِي، مَعْرِفَةُ الأجْرَةِ بما يَحْصُلُ به مَعْرِفَةُ الثَّمَنِ) قِياسًا عليه.
ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
وقد رُوِيَ عن
الجزء: 14 - الصفحة: 275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنِ اسْتَأجَرَ أجِيرًا، فَلْيُعْلِمْهُ أجْرَهُ» 402. ويُعْتَبَرُ العِلْمُ بالرُّؤيَةِ أو بالصِّفَةِ، كالبَيعِ.
فإن كان العِوَضُ مَعْلُومًا بالمُشاهَدَةِ دُونَ القَدْرِ، كالصُّبْرَةِ، جاز في أحَدِ الوَجْهَين، كالثَّمَنِ في البَيعِ.
والثاني، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه قد يَنْفَسِخُ العَقْدُ بعدَ تَلَفِ الصُّبْرَةِ، فلا يَدْرِي بكم يَرْجِعُ، فاشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ قَدْرِه، كعِوَضِ السَّلَمِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا، وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ، ثم الفَرْقُ بينَهما أنَّ المَنْفَعَةَ هاهُنا أُجْرِيَتْ مُجْرَى الأعْيانِ؛ لأنها مُتَعلِّقةٌ بعَينٍ حاضِرَةٍ، والسَّلَمُ يتَعَلَّقُ بمَعْدُومٍ، فافْتَرَقا.
وللشافعيِّ نَحْوُ ما ذَكَرْنا في هذا الفَصْلِ.
فصل: وكُلُّ ما جاز أن يكونَ ثَمَنًا في البَيعِ، جاز عِوَضًا في الإِجارَةِ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أشْبَهَ البَيعَ.
الجزء: 14 - الصفحة: 276
إلا أنَّهُ يَصِحُّ أن يَسْتَأجِرَ الأجِيرَ بِطَعَامِهِ وَكُسْوَتِهِ.
وَكَذَلِكَ الظِّئْرُ.
2148 - مسألة: (إلَّا أنَّه يجوزُ أن يَسْتَأجِرَ الأجِيرَ بطَعَامِه وكُسْوَتِه، وكذلك الظِّئْرُ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَهُ اللهُ، في مَن اسْتَأجَرَ أجيرًا بطَعامِه وكُسْوَتِه، أو جَعَل له أجْرًا وشَرَط طَعامَه وكُسْوَتَه، فرُوىَ عنه جوازُ ذلك.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، وإسحاقَ.
ورُوِيَ عن أبي بكر، وعُمَرَ، [وأبي موسى] 403، رَضِيَ الله عنهم، أنَّهم اسْتَأجَرُوا الأجَراءَ بطَعامِهم وكُسْوَتِهم.
ورُوِيَ عنه، أنَّ ذلك جائِزٌ في الظِّئْرِ دُونَ غيرِها.
اخْتارَه القاضي.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛
الحديث: 2148 - الجزء: 14 - الصفحة: 277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّ ذلك مَجْهُولٌ، وإنَّما جازَ في الظِّئْرِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 404. أوْجَبَ لَهُنَّ النَّفَقَةَ والكُسْوَةَ على الرَّضاعِ، ولم يُفَرِّقْ بينَ المُطَلَّقَةِ وغيرِها، بل في الآيَةِ قَرينةٌ تَدُلُّ على طَلاقِها؛ لأنَّ الزَّوْجَةَ تَجِبُ نَفَقَتُها وكُسْوَتُها بالزَّوْجِيَّةِ وإن لم تُرْضِعْ، ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
والوارِثُ ليس بزوجٍ.
ولأنَّ المَنْفَعَةَ في الرَّضاعِ والحَضانَةِ غيرُ مَعْلُومةٍ، فجاز أن يكونَ عِوَضُها كذلك.
ورُوِيَ عنه رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّ ذلك لا يَجُوزُ بحالٍ، في الظِّئْرِ ولا في غيرِها.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ اخْتِلافًا كثيرًا مُتَبايِنًا، فيَكُون مَجْهُولًا، والأجْرُ مِن شَرْطِه أن يَكُونَ مَعْلُومًا.
ولَنا، ما روَى ابنُ ماجه 405 عن عُتْبَةَ بنِ النُّدَّرِ، قال: كُنّا عندَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَرأ: ﴿طسم﴾ حتى إذا بَلَغ قِصَّةَ موسى عليه السَّلامُ قال.: «إنَّ موسَى أجَرَ نَفْسَه ثَمَانِيَ سِنِينَ أوْ عَشْرًا، عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ، وطَعَامِ بَطْنِه».
وشَرْعُ
الجزء: 14 - الصفحة: 278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَن قبلَنا شَرْعٌ لَنا ما لم يَثْبُتْ نَسْخُه.
وعن أبي هُرَيرَةَ أنَّه قال: كُنْتُ أجِيرًا لابنةِ غَزْوانَ بطعامِ بَطْنِي، وعُقْبَةِ رِجْلِي 406، أحْطِبُ لهم إذا نَزَلُوا، وأحْدُو بهم إذا رَكِبُوا.
رواه الأثْرَمُ، وابنُ ماجه 407. ولأنَّه فِعْلُ مَن ذَكَرْنا مِن الصَّحابَةِ، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا، ولأنَّه قد ثَبَت في الظِّئرِ في الآيَةِ، فيَثْبُتُ في غيرِها بالقِياسِ عليها، ولأنَّه عِوَضُ مَنْفَعةٍ، فقام العُرْفُ فيه مَقامَ التَّسْمِيَةِ، كنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ.
ولأنَّ للكُسْوَةِ عُرْفًا، وهي كُسْوَةُ الزَّوْجاتِ، وللإطْعامِ عُرْفٌ، وهو الإطْعامُ في الكَفّاراتِ، فجاز إطْلاقُه، كنَقْدِ البَلَدِ.
ونَخُصُّ أبا حَنِيفةَ بأنَّ ما جاز عِوَضًا في الرَّضاعِ، جاز في الخِدْمَةِ، كالأثْمانِ.
إذا ثَبَت هذا، وتَشاحّا في مِقْدارِ الطعامِ والكُسْوةِ، رَجَع في القُوتِ إلى الإطْعامِ في الكَفّارَةِ، وفي الكُسْوَةِ 408 إلى أقَل مَلْبُوسِ مثلِه؛ لأنَّ الإِطْلاقَ 409 يُجْزِء فيه أقَلُّ ما يَتَناوَلُه اللَّفْظُ، كالوَصِيَّةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ على المَلْبُوسِ في الكَفّارَةِ، كالمَطْعُومِ.
قال أحمدُ: إذا تَشاحّا في الطَّعامِ حُكِم بمُدٍّ كُلَّ يَوْمٍ.
ذَهَب به إلى ظاهِرِ ما أمَرَ الله تعالى مِن إطْعامِ
الجزء: 14 - الصفحة: 279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَساكِينِ، ففَسَّرَتْ ذلك السُّنَّةُ بأَنه مُدٌّ لكُلِّ مِسْكِين.
ولأنَّ الإِطْعامَ مُطْلَقٌ في المَوْضِعَين، فما فُسِّرَ به أحَدُهما يُفَسَّرُ به الآخَرُ.
وليس له إطْعامُ الأجِيرِ إلَّا ما يُوافِقُه مِن الأغْذِيةِ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا، ولا يُمْكِنُه اسْتِيفاءُ الواجِبِ له منه.
فصل: فإن شَرَط الأجِيرُ كُسْوَةً ونَفَقَةً مَعْلُومة مَوْصُوفَةً، كصِفَتِها في السَّلَمِ، جاز عندَ الجميعِ، وإن لم يَشْرُطْ طَعامًا ولا كُسْوَةً، فنَفَقَتُه وكُسْوَتُه على نَفْسِه، وكذلك الظِّئرُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ عن أحَدٍ خِلافًا فيما ذَكَرْتُ.
وإن شَرَط للأجِيرِ طَعامَ غيرِه وكُسْوَتَه مَوْصُوفًا، جاز؛ لأنَّه مَعْلُومٌ، فهو كما لو شَرَط دَراهِمَ مَعْلُومَةً، ويَكُونُ ذلك للأجِيرِ، إن شاء أطْعَمَه، وإن شاء تَرَكَه.
وإن لم يَكُنْ مَوْصُوفًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ ذلك مَجْهُولٌ، احْتَمَلَ فيما إذا شَرَطَه للأجِيرِ للحاجةِ إليه وجَرْيِ العادَةِ به، فلا يَلْزَمُ احْتِمالُها مع عَدَمِ ذلك.
ولو اسْتَأجَرَ دابَّةً بعَلَفِها، أو بأجْرٍ مُسَمَّى وعَلَفِها، لم يَجُزْ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ، ولا عُرْفَ له يَرْجِعُ إليه، ولا نَعْلَمُ أحدًا قال بجَوازِه، إلَّا أن يَشْتَرِطَه مَوْصُوفًا، فيَجُوزُ.
فصل: فإنِ اسْتَغْنَى الأجِيرُ عن طَعامِ المُسْتَأجِرِ بطَعامِ نَفْسِه أو غيرِه، أو عَجَز عن الأكْلِ لمَرَضٍ أو غيرِه، لم تَسْقُطْ نَفَقتُه، وكان له المُطالبَةُ بها؛ لأنَّها عِوَضٌ، فلا تَسْقُطُ بالغِنَى عنه، كالدَّراهِمِ.
وإنِ
الجزء: 14 - الصفحة: 280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
احْتاجَ إلى دَواءٍ لمَرَضِه، لم يَلْزَمِ المُسْتَأجِرَ؛ لأنَّه لم يَشْرُطْ له إلَّا طَعامَ الأصِحّاءِ، لكنْ يَلْزَمُه بقَدْرِ طَعام الصَّحِيحِ؛ لأنَّ ما زاد على ذلك لم يَقَعِ العَقْدُ عليه، فلم يَلْزَمْ، كالزَّائِدِ في القَدْرِ.
فصل: فإن قَبَضَ الأجيرُ طَعامَه، فأحَبَّ أن يَسْتَفْضِلَ بعضَه لنَفْسِه، وكان المُؤجِرُ دَفَع إليه أكْثَرَ مِن الواجِبِ له ليَأكُلَ منه قَدْرَ حاجَتِه ويُفْضِلَ الباقيَ، أو كان في تَرْكِه لأكْلِه كُلِّه ضَرَرٌ على المُؤْجِرِ، بأن يَضْعُفَ عن العَمَلِ، أو يَقِلَّ لَبَنُ 410 الظِّئْرِ، مُنِع منه؛ لأنَّه في الصُّورَةِ الأولَى لم يُمَلِّكْه، وإنَّما أباحَه قَدْرَ حاجَتِه.
وفي الثانيةِ على المُؤْجِرِ ضَرَرٌ بتَفويتِ بعضِ مَنْفَعَتِه عليه، فمُنِع منه، كالجَمّالِ إذا امْتَنَعَ مِن عَلْفِ الجِمالِ.
وإن دَفَع إليه قَدْرَ الواجِبِ فَقَط أو أكثرَ منه، فمَلَّكَه إيّاه، ولم يكنْ في تَفْضِيله لبعضِه ضَرَرٌ بالمُؤْجِرِ، جاز؛ لأنَّه [حَقٌّ لا ضَرَرَ] 411 فيه على المُؤْجِرِ، أشْبَهَ الدَّراهِمَ.
الجزء: 14 - الصفحة: 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن قَدَّمَ إليه طَعامًا فنُهِبَ أو تَلِف قبلَ أكْلِه، وكان على مائِدةٍ لا يَخُصُّه فيها بطَعامِه، فهو مِن ضَمانِ المُسْتَأجِرِ؛ لكَوْنِه لم يُسَلِّمْه إليه.
وإن خَصَّه بذلك وسَلَّمَه إليه، فهو مِن [ضَمانِ الأجِيرِ] 412؛ لأنَّه تَسَلَّمَ عِوَضَه على وَجْهِ التَّمليكِ، أشْبَهَ البَيعَ.
فصل: قال أحمدُ في رِوايةِ مُهَنّا: لا بَأسَ أن يَحْصُدَ الزَّرْعَ، ويَصْرِمَ النَّخْلَ، بسُدْسِ ما يَخرُجُ منه، وهو أحَبُّ إليَّ مِن المُقاطَعَةِ.
إنَّما جاز هاهُنا؛ لأنَّه مَعْلُومٌ بالمُشاهَدَةِ، وهي أعْلَى طُرُقِ العِلْمِ، ومَن عَلِم شيئًا عَلِم جُزْءَه المُشاعَ، فيكونُ أجْرًا مَعْلُومًا.
واختارَه على المُقاطَعَةِ معَ جَوازِها 413؛ لأنَّه رُبَّما لم 414 يَخْرُجْ مِن الزَّرْعِ مثلُ الذي قاطَعَ عليه، وهاهُنا هو أقَلُّ منه يَقِينًا.
فصل: يَجُوزُ اسْتِئْجارُ الظِّئْرِ بطَعامِها وكُسْوَتِها، وفيه خِلافٌ ذَكَرْناه.
وقد أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على اسْتِئْجارِ الظِّئْرِ، وهي المُرْضعَةُ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 415. واسْتَرْضَعَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لوَلَدِه إبراهيمَ 416. ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه أكْثَرَ مِن الحاجَةِ إلى غيرِه، فإنَّ الطِّفْلَ في العادَةِ إنَّما يَعِيشُ بالرَّضاعِ، وقد يَتَعَذَّرُ
الجزء: 14 - الصفحة: 282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَضاعُه مِن أُمِّه، فجاز ذلك، كالإجارَةِ في سائرِ المَنافِعِ.
فإنِ اسْتَأجَرَها للرَّضاعِ دُونَ الحَضانَةِ، أو للحضانَةِ دُونَ الرَّضاعِ، أو لَهما، جازَ.
وإن أطْلَقَ العَقْدَ على الرَّضاعِ، دَخَلَتْ فيه الحَضانةُ في أحدِ الوَجْهَينِ.
وهو قولُ أصْحابِ الرَّأي؛ لأنَّ العُرْفَ جارٍ بأنَّ المُرْضِعَةَ تَحْضُنُ الصَّبِيَّ، فَحُمِلَ 417 الإطْلاقُ عليه.
والثاني، لا تَدْخُلُ.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ العَقْدَ ما تَناوَلَها.
ولأصْحابِ الشافعيِّ كهذين الوَجْهَينِ.
والحَضانَةُ: تَرْبِيةُ الصَّبِيِّ وحِفْظُه وجَعْلُه في سَرِيرِه، ورَبْطُه، ودَهْنُه، وكَحْلُه، وتَنْظِيفُه، وغَسْلُ خِرَقِه، وأشْباهُ ذلك.
واشْتِقاقُه مِن الحِضْنِ، وهو ما تحتَ الإِبطِ وما يَلِيه.
وسُمِّيَتِ التَّرْبِيةُ حَضانةً تَجَوُّزًا مِن حَضانَةِ الطَّيرِ لبَيضِه وفِراخِه؛ لأنَّه يَجْعَلُها تحتَ جَناحِه، فَسُمِّيَتْ تَرْبِيةُ الصَّبِيِّ بذلك أخْذًا مِن فِعْلِ الطّائِرِ.
فصل: ولهذا العَقْدِ أرْبَعةُ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، العِلْمُ بمُدَّةِ الرَّضاعَةِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَقْدِيرُه إلَّا بِها؛ لأنَّ السَّقْيَ والعَمَلَ فيها يَخْتَلِفُ.
الثاني، مَعْرِفةُ الصَّبِيِّ بالمُشاهَدَةِ؟ لأنَّ الرَّضاعَ يَخْتَلِفُ بكِبَرِ الصَّبِيِّ وصِغَرِه، ونَهْمَتِه وقَناعَتِه.
وقال القاضي: يُعْرَفُ بالصِّفَةِ، كالرَّاكِبِ.
الثالثُ، مَوْضِعُ الرَّضاعِ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ، فيَشُقُّ عليها في بَيته، ويَسْهُلُ في بَيتها.
الرابعُ، مَعْرِفة العِوَضِ؛ لِما ذَكَرْنا.
الجزء: 14 - الصفحة: 283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والمَعْقُودُ عليه في الرَّضاعِ خِدْمَةُ الصَبِيِّ وحَمْلُه ووَضْعُ الثَّدْيِ في فِيه، واللَّبَنُ تَبَعٌ، كالصِّبْغِ في إجارَةِ الصَّبّاغِ، وماءِ البِئْرِ في الدّارِ؛ لأنَّ اللَّبَنَ عَينٌ، فلا يُعْقَدُ عليه في الإِجارَةِ، كلَبَنِ غيرِ الآدَمِيِّ.
وقِيلَ: هو اللَّبَنُ.
قال القاضي: وهو أشْبَهُ؛ لأنَّه المَقْصُودُ دُونَ الخِدْمَةِ، ولهذا لو أرْضَعَتْه ولم تَخْدُمْه، اسْتَحَقَّتِ الأجْرَةَ، ولو خَدَمَتْه ولم تُرْضِعْه، لم تَسْتَحِقَّ شيئًا، ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
فجَعَلَ الأجْرَ مُرَتَّبًا على الإِرْضاعِ، فيَدُلُّ على أنَّه المَعْقُودُ عليه.
ولأنَّ العَقْدَ لو كان على الخِدْمةِ، لَما لَزِمها سَقْيُه لَبَنَها، وإنَّما جازَ العَقْدُ عليه مع كَوْنِه عَينًا رُخْصَةً؛ لأنَّ غيرَه لا يَقُومُ مَقَامَه، والضَّرُورَةُ تَدْعُو إلى اسْتِيفائِه.
وإنَّما جازَ في الآدَمِيِّينَ دُونَ سائِرِ الحَيَوانِ؛ للضَّرُورَةِ إلى حِفْظِ الآدَمِيِّ، والحاجةِ إلى إبْقائِه.
فصل: وعلى المُرْضِعَةِ أن تَأكُلَ وتَشْرَبَ ما يُدِرُّ لَبَنَها، ويَصْلُحُ به، وللمُكْتَرِي مُطالبَتُها بذلك؛ لأنَّه مِن تَمامِ التَّمْكِينِ مِن الرَّضاعِ، وفي تَرْكِه إضْرارٌ بالصَّبِيِّ.
فإن لم تُرْضِعْه، لكِنْ سَقَتْه لَبَنَ الغَنَمِ، أو أطْعَمَتْه، فلا أجْرَ لها؛ لأنَّها لم تُوَفِّ المَعْقُودَ عليه، أشْبَهَ ما لو اسْتَأجَرَها لخِياطَةِ ثَوْبٍ، فلم تَخِطْه.
وإن دَفَعَتْه إلى خادِمِها فأرْضَعَتْه، فكذلك.
وبه قال أبو ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرَّأي 418: لها أجْرُها؛ لأنَّ رَضاعَه حَصَل بفِعْلِها.
ولَنا، أنَّها لم تُرْضِعْه، أشْبَهَ ما لو سَقَتْه لَبَنَ الغَنَمِ، فإن قالت:
الجزء: 14 - الصفحة: 284
وَيُسْتَحَبُّ أن تُعْطىَ عِنْدَ الْفِطَامِ عَبْدًا أوْ وَلِيدَةً، إِذَا كَانَ الْمُسْتَرْضِعُ مُوسِرًا.
أرْضَعْتُه.
فأنْكَرَ المُسْتَرْضِعُ، فالقولُ قَوْلُها؛ لأنَّها مُؤْتَمَنَة.
2149 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن تُعْطَى عندَ الفِطامِ عَبْدًا أو وَلِيدَةً، إذا كان المُسْتَرْضِعُ مُوسِرًا)
لِما روَى أبو داودَ 419 بإسْنادِه، عن هِشام بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن حَجّاجِ بنِ حَجّاجٍ الأسْلَمِيِّ، عن أبيه، قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، ما يُذهِبُ عَنِّي مَذمَّةَ الرَّضاعِ؟ قال: «الغُرَّةُ؛ الْعَبْدُ 420 أو الأمَةُ».
قال الترْمِذِيُّ: حديثٌ حسن صَحيحٌ.
المَذِمَّةُ بكَسْرِ الذّالِ، مِن الذِّمامِ، وبفَتْحِها مِن الذَّم.
قال ابنُ عَقِيل: إنَّما خَصَّ الرَّقَبَةَ بالمُجازاةِ دُونَ غيرِها؛ لأنَّ فِعْلَها مِن الرَّضاعَةِ والحضانةِ سَبَبُ حَياةِ الوَلَدِ وبَقائِه وحِفْظِ رَقَبَتِه، فاسْتُحِبَّ جَعْلُ الجَزاءِ هِبَتَها
الحديث: 2149 - الجزء: 14 - الصفحة: 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [رَقَبَةً؛ [ليُناسِبَ ما] 421 بينَ النِّعْمَةِ والشُّكْرِ، ولهذا جَعَل الله تعالى المُرْضِعَةَ أمًّا، فقال سبْحانه: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي] 422 أَرْضَعْنَكُمْ﴾ 423. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ، إلَّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ 424 فَيُعْتِقَهُ» 425. وإن كانتِ المُرْضِعَةُ مَمْلُوكَةً اسْتُحِبَّ إعْتاقها؛ لأنَّه يُحَصِّلُ أخَصَّ الرِّقابِ بها لها، وتَحْصُلُ به المجازاةُ التي جَعَلها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُجازاةً للوالِدِ مِن النَّسَبِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 286
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَجُوزُ للرَّجُلِ أن يُؤْجِرَ أمَتَه، ومُدَبَّرَتَه، وأُمَّ وَلَدِه، والمُعَلَّقَ عِتْقُها بصِفَةٍ، والمَأذُونَ لها في التِّجارَةِ للإرْضاعِ؛ لأنَّه عَقدٌ على مَنْفَعَتِها، أشْبَهَ إجارَتَها للخِدْمَةِ.
وليس لواحِدَةٍ مِنْهُنَّ إجارَةُ نَفْسِها؛ [لأنَّ مَنْفَعَتَها] 426 لسَيِّدِها.
فإن كان لها وَلَدٌ، لم يَجُزْ إجارَتُها للإرْضاعِ، إلَّا أن يكونَ فيها فَضْلٌ عن رِيِّه؛ لأنَّ الحَقَّ لوَلَدِها، ليس لسَيِّدِها إلَّا الفاضِلُ عنه.
فإن كانت مُزَوَّجَةً، لم تَجُزْ إجارَتُها؛ لذلك، إلَّا بإذْنِ الزَّوْجَ؛ لأنَّه يُفَوِّتُ حَقَّه، لاشْتِغالِها عنه بالرَّضاعِ والحَضانَةِ.
فإن أجَرَها
الجزء: 14 - الصفحة: 287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للرَّضاعِ، ثم زَوَّجَها، صَحَّ النِّكاحُ، ولا تَنْفَسِخُ الإجارَةُ، وللزَّوْجِ الاسْتِمْتاعُ بها وَقْتَ فرَاغِها مِن الرَّضَاعِ والحَضانَةِ.
وقال مالكٌ: ليس لزَوْجِها وَطْؤُها إلا برِضَى المُسْتأجِرِ؛ لأنَّه يَنْقُصُ اللبَنَ وقد
الجزء: 14 - الصفحة: 288
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَقْطَعُه.
ولَنا، أنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ مُسْتَحَقٌّ فلا يَسْقُطُ لأمْرٍ مَشْكُوكٍ فيه.
وليس للسَّيِّدِ إجارَةُ مُكاتَبَتِه؛ لأنَّ مَنافِعَها لها، ولذلك لا يَمْلِكُ 427
الجزء: 14 - الصفحة: 289
وإنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إِلَى قَصَّارٍ أوْ خَيَّاطٍ لِيَعْمَلَاهُ، وَلَهُمَا عَادَةٌ بِأُجْرَةٍ، صَحَّ، وَلَهُمَا ذَلِكَ، وَإنْ لَمْ يَعْقِدَا عَقْدَ إِجَارَةٍ.
وَكَذَلِكَ دُخُولُ الْحَمَّامِ، والرُّكُوبُ فِي سَفِينَةِ الْمَلَّاحِ.
تَزْويجَها ولا وَطْأها ولا إجارَتَها لغيرِ الرَّضَاعِ، ولها أن تُؤْجِرَ نَفْسَها، لأنَّه مِن الاكتِسابِ.
2150 -
مسألة: (وإن دَفَعَ ثَوْبَه إلى خَيّاطٍ أو قَصّارٍ ليَعْمَلاهُ، ولهما عادَةٌ بأُجْرةٍ، صَحَّ، ولهما ذلك وإن لم يَعْقِدا عَقْدَ إجارَةٍ. وكذلك دُخُولُ الحَمَّامِ، والرُّكُوبُ في سَفِينةِ المَلَّاحِ)
إذا دَفَعَ ثَوْبَه إلى خَيّاطٍ ليَخِيطَه،
الحديث: 2150 - الجزء: 14 - الصفحة: 290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو قَصّارٍ لِيَقْصِرَهُ، مِن غيرِ عَقْدٍ ولا شَرْطٍ، ولا تَعْويض بأجْر، مثلَ أن يقولَ: خُذْ هذا فاعْمَلْه، وأنا أعْلَمُ أنَّك إنَّما تَعْمَلُه بأجْر.
وكان الخَيّاطُ والقَصّارُ مُنْتَصِبَين لذلك، ففَعَلا ذلك، فلَهُما الأجْرُ.
وقال أصْحابُ الشافعيِّ: لا أجْرَ لهما؛ لأنَّهما فَعَلا ذلك مِن غيرِ عِوَض جُعِلَ لهما، أشْبَهَ ما لو تَبَرَّعا بعَمَلِه.
ولَنا، أن العُرفَ الجارِيَ بذلك يَقُومُ مَقامَ القَوْل، فصار كنَقْدِ البَلَدِ، وكما لو دَخَل حَمّامًا أو جلس في سَفِينةِ مَلَّاح، ولَأنَّ شاهِدَ الحالِ يَقْتَضِيه، فصار كالتَّعويضِ.
فأمّا إن لِم يَكُونا مُنْتَصِبَين لذلك، لم يَسْتَحِقًّا أجْرًا إلَّا بعَقْدٍ أو شَرْطِ العِوَضِ، أو تعْويض به؛ لأنَّه لم يَجْرِ عُرْفٌ يَقُومُ مَقَام العَقْدِ، فهو كما لو تَبَرَّعَ به، أو عَمِلَه بغيرِ إذْنِ مالِكِه.
وكذلك لو دَفَعَ ثَوْبَه إلى رَجُلٍ ليَبِيعَه، وكان مُنْتَصِبًا يَبِيعُ للنّاسِ بأجْرِ مِثْلِه، فهو كالقَصّارِ والخَيّاطِ فيما ذَكَرْنا، له الأجْرُ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وإن لم يَكُنْ كذلك فلا شيءَ له؛ لِما تَقَدَّمَ.
ومتى دَفَع ثَوْبَه إلى أحَدِ هؤُلاءِ ولم يُقاطِعْه على أجْرٍ، فله أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ الثِّيابَ يَخْتَلِفُ أجْرُها، ولم يُعَيِّنْ شيئًا، فجَرَى مَجْرى الإجارَةِ الفاسِدَةِ.
فإن تَلِفَ الثَّوْبُ مِن حِرْزِه، أو بغيرِ فِعْلِه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ ما لا يُضْمَنُ في العَقْدِ الصَّحِيحِ لا يُضْمَنُ في الفاسِدِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 291
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا اسْتَأجَرَ رَجُلًا ليَحْمِلَ له كتابًا إلى مَكةَ أو غيرِها إلى إنْسانٍ، فحَمَلَه، فوَجَدَ المَحْمُولَ إليه غائِبًا، فرَدَّهُ، اسْتَحَق الأجْرَ لحَمْلِه في الذهابِ والرَّدِّ؛ لأنَّه حَمَلَه في الذَّهابِ بإذْنِ صاحِبِه صَرِيحًا، وفي الرَّدِّ تَضْمِينًا؛ لأنَّ تَقْدِيرَ كَلامِه: وإن لم تَجِدْ صاحِبَه فَرُدَّه.
إذ ليس سِوَى رَدِّه إلا تَضْيِيعُه.
وقد عَلِمَ أنَّه لا يَرْضَى تَضْيِيعَه، فتَعَيَّنَ رَدُّه.
الجزء: 14 - الصفحة: 292
وَتَجُوزُ إجَارَةُ دَارٍ بِسُكْنَى دَارٍ، وَخِدْمَةِ عَبْدٍ، وَتَزْويجِ امْرَأةٍ.
2151 - مسألة: (ويجوزُ إجارَةُ دارٍ بِسُكْنَى دارٍ، وخِدْمةِ عَبْدٍ، وتَزْويجِ امرأةٍ)
وجُملةُ ذلك، أنَّ كل ما جازَ أن يكون ثَمَنًا في البَيعِ، جاز عِوَضًا في الإجارَةِ؛ لأنه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أشْبَه البَيعَ.
فعلى هذا، يَجُوزُ أن يَكُونَ العِوَضُ عَينًا أو مَنْفَعَةً أُخْرَى، سَواءٌ كان الجِنْسُ واحدًا، كمَنْفَعةِ دارٍ بمَنْفَعةِ أُخْرَى.
أو مخْتَلِفًا، كمَنْفَعةِ دارٍ بمَنْفَعةِ عَبْدٍ.
قال أحمدُ: لا بَأسَ أن يَكْتَرِيَ بطَعَام مَوْصُوفٍ مَعْلُوم.
وبه قال الشافعيُّ.
قال اللهُ تعالى إخْبًارًا عن شُعَيب، أَنه قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ 428. فجَعَلَ النِّكاحَ عِوَضَ الإجارَةِ.
وقال أبو حنيفةَ فيما حُكِيَ عنه: لا تَجُوزُ إجارَةُ دارٍ بسُكْنَى أخْرَى، ولا يَجُوزُ إلَّا أن يَخْتَلِفَ جِنْسُ المَنْفَعةِ، كَسُكْنَى دارٍ بمَنْفَعةِ بَهِيمةٍ؛ لأنَّ الجِنْس الواحِدَ عندَه يُحَرَّمُ النَّساءُ فيه.
وكره الثَّوْرِيُّ الإجارَةَ بطَعام مَوْصُوفٍ.
والصَّحِيحُ جِوازُه، وهو قولُ إسحاقَ، وأصحابِ الرَّأي، وقياسُ قوْلِ الشافعيِّ؛ لأنه عِوَضٌ يَجُوزُ في البَيعِ، فجازَ في الإجارَةِ، كالذَّهَبِ والفِضَّةِ.
وما قاله أبو حنيفةَ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المنافِعَ في الإجارَةِ ليست في تَقْدِيرِ النَّسِيئةِ، ولو كانت نَسِيئةً ما جاز في جِنْسَينِ؛ لأنَّه يكونُ بَيعَ دَين بِدَين.
الحديث: 2151 - الجزء: 14 - الصفحة: 293
وَتَجُوزُ إِجَارَةُ الْحَلْي بِأُجْرَةٍ مِنْ جِنْسِهِ.
وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ.
2152 - مسألة: (وتَجُوزُ إجَارَةُ الحَلْي بأُجْرةٍ مِن جِنْسِه. وقيلَ: لا تَصحُّ) تجوزُ إجارَةُ الحَلْي [للُّبْسِ والعارِيَّةِ] 429 نصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ ابْنِه عبدِ اللهِ. وبه قال الثَّوْرِيُّ، والشافعي، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأي. ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّه قال في إجارَةِ الحَلْي: ما أدْرِي ما هو؟ قال القاضِي: هذا مَحْمُول على إجارَته بأُجْرةٍ مِن جِنْسِه، فأمّا بغيرِ جنْسِه، فلا بَأسَ؛ لتَصْرِيحِ أحمدَ بجَوازِه. وقال مالكٌ في إجارَةِ الحَلْي والثيابِ: هو مِن المُشْتَبِهاتِ. ولعَلَّه يَذْهَبُ إلى أنَّ المَقْصُودَ بذلك الزينَةُ، وليس ذلك مِن المَقاصِدِ الأصْلِيَّةِ. ومَن مَنَع ذلك بأجْرٍ مِن جِنْسِه، احْتَجَّ بأنَّها تَحْتَكُّ بالاسْتِعْمالِ، فيَذْهَبُ منه أجْزاء وإن كانت يَسِيرَةً، فيَحْصُلُ الأجْرُ في مُقابَلَتِها ومُقابَلَةِ الانْتِفاعِ بها، فيُفْضِي إلى بَيع ذَهَبٍ بذَهَبٍ وشيءٍ آخَرَ. ولَنا، أنَّها عَين يُنْتَفَعُ بها مَنْفَعَةً مُباحَة مَقْصُودَة مع بَقاءِ عَينها، فأشْبَهَتْ سائِرَ ما يَجُوزُ إجارَتُه. والزِّينَةُ مِن المقاصِدِ الأصْلِيَّةِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى امْتَنَّ بها علينا بقَوْلِه: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ 430. وقولِه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ 431. وأباح الله تَعالى
الحديث: 2152 - الجزء: 14 - الصفحة: 294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن التَّحَلِّي واللِّباسِ للنِّساءِ 432 ما حَرَّمَ على الرِّجَالِ؛ لحاجَتِهِنَّ إلى التَّزَيُّنِ للأزْواجِ، وأسْقَطَ الزَّكاةَ عن حَلْيِهِنَّ مَعُونَةً لَهُنَّ على اقْتِنائِه.
وما ذَكَرُوه مِن نَقْصِها بالاحْتِكاكِ لا يَصحُّ؛ لأنَّ ذلك يَسير لا يُقابَلُ بعِوَض، ولا يَكادُ يَظْهَرُ في وَزْنٍ، ولو ظهر، فالأجْرُ في مُقابَلَةِ الانْتِفاعِ، لا في مقابَلَةِ الأجْزاءِ؛ لأنَّ الأجْرَ في الإجارَةِ إنَّما هو عِوَضُ المَنْفَعَةِ، كما في سائِرِ المواضِعِ، ولو كان في مُقابَلَةِ الجُزْءِ الذّاهِبِ، لَما جازَ إجارَةُ أحَدِ النَّقْدَين بالآخَرِ؛ لإِفْضائِه إلى التَّفْرُّقِ في مُعاوَضَةِ أحَدِهما بالآخَرِ قبل القَبْضِ.
فصل: ولو استأجَرَ مَن يَسْلُخُ له بَهِيمةً بجِلْدِها، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ هل يَخْرُجُ الجِلْدُ سَلِيمًا أوْ لا؟ وهل هو ثَخِينٌ أوْ رَقِيق؟ ولأنَّه لا يَجُوزُ أن يكون عِوَضًا في البَيعِ، فلا يَجُوزُ أن يكونَ عِوَضًا في الإِجارَةِ، كسائِرِ المَجْهُولاتِ.
فإن سَلَخَه بذلك، فله أجْرُ مِثْلِه.
وإنِ استَأجَرَه لطَرْحِ مَيتَةٍ بجِلْدِها، فهو أْبلَغُ في الفَسادِ؛ لأنَّ جِلْدَ المَيتَةِ نَجِسٌ لا يجوزُ بَيعُه، وقد خَرَج بمَوْتِه عن كَوْنِه مِلْكًا، وله أجْرُ مِثْلِه إن فَعَل.
فصل: ولو استأجَرَ راعِيًا لغَنم بثُلَثِ دَرِّها وصُوفِها وشَعَرِها
الجزء: 14 - الصفحة: 295
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونَسْلِها، أو نِصْفِه أو جَمِيعِه، لم يَجُزْ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ جَعْفَرِ 433 بن محمدٍ النَّسائيِّ؛ لأنَّ الأجْرَ غيرُ مَعْلُوم، ولا يَصْلُحُ عِوضًا في البيعِ.
قال إسماعيلُ بنُ سعيدٍ: سألتُ أحمدَ عن الرجلِ يَدْفَعُ البَقَرَةَ إلى الرجلِ على أن يَعْلِفَها ويَحْفَظَها، ووَلَدُها بينهما.
فقال: أكْرَه ذلك.
وبه قال أبو أيُّوبَ وأبو خَيثَمَةَ.
ولا أعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّ العِوَضَ مَعْدُومٌ مَجْهُولٌ لا يُدْرَى أيوجَدُ أمْ لا، والأصْلُ عَدَمُه، ولا يَصْلُحُ أن يَكُونَ ثَمَنًا.
فإن قيل: فقد جَوَّزْتُم دَفْعَ الدّابَّةِ إلى مَن يَعْمَلُ عليها بنِصْفِ مَغَلِّها 434. قلنا: إنَّما جازَ ثَمَّ تَشْبِيهًا بالمُضارَبةِ، ولأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ، فجازَ اشْتِراطُ جُزْء مِن النَّماءِ، كالمُضارَبَةِ والمُساقاةِ.
وفي مَسألَتِنا لا يُمْكِنُ ذلك؛ لأنَّ النَّماءَ الحاصِلَ في الغَنَمِ لا يَقِفُ حُصُولُه على عَمَلِه فيها، فلم يُمْكِنْ إلْحاقُه بذلك.
وذَكَر صاحِبُ المُحَرَّرِ روايةً أخرى: أنَّه يَجُوزُ، بِنَاءً على ما إذا دَفَع دابتَّهَ أو عَبْدَه بجُزْءٍ مِن كَسْبِه.
والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الفَرْقِ.
وعِلى قِياسِ ذلك، إذا دَفَعَ نَحْلَهُ إلى مَن يَقُومُ عليه بجُزْءٍ مِن عَسَلِه وشَمْعِه، يُخرَّجُ على الرِّوايَتَين.
فإنِ اكْتَراه على رَعْيِها مُدَّةً مَعْلُومةً بجُزْءٍ مَعْلُومٍ منها، صَحَّ؛ لأنَّ العَمَلَ والمُدَّةَ والأجْرَ مَعْلُومٌ، فصَحَّ، كما لو جَعَل الأجْرَ دَراهِمَ، ويَكُونُ النَّماءُ الحاصِلُ بينهما بحُكْمِ المِلْكِ؛ لأنَّه مَلَكَ الجُزْءَ المَجْعُولَ له منها في الحالِ، فكان له نَماؤه، كما لو اشْتَراه.
الجزء: 14 - الصفحة: 296
وَإنْ قَال: إنْ خِطْتَ هَذَا الثَّوْبَ الْيَوْمَ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَإنْ خِطْتَهُ غَدًا فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ.
فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
2153 - مسألة: (وإن قال: إن خِطْتَ هذا الثوْبَ اليومَ فلَكَ دِرْهَم، وإن خِطتَه غَدًا فلك نِصْفُ دِرْهَم. فهل يَصِحُّ؟ على رِوايَتَين)
إحداهما، لا يَصِحُّ، وله أجْرُ المِثْلِ، نَقَلَها أبو الحارِثِ عن أحمدَ.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعي، وإسحاقَ، وأبي ثورٍ؛ لأنَّه عَقْدٌ واحِدٌ اخْتَلَفَ فيه العِوَضُ بالتَّقْدِيمِ والتَّأخِيرِ، فلم يَصِحَّ.
كما لو قال: بِعْتُكَ بدِرْهمٍ نَقْدًا وبدِرْهَمَين نَسِيئةً.
والثانيةُ، يَصِحُّ.
وهو قولُ الحارِثِ العُكْلِيِّ، وأبي يوسف، ومحمدٍ؛ لأنَّه سَمَّى لكلِّ عَمَلٍ عِوَضًا مَعْلُومًا، فصَحَّ.
كما لو قال: كُلُّ دَلْوٍ بتَمْرَةٍ.
وقال أبو حنيفةَ: إن خاطَه اليومَ فله دِرْهَم، وإن خاطَه غدًا لم يَزِدْ على دِرْهَم 435، ولا 436 يَنْقُصُ عن نِصْفِ دِرْهم؛ لأنَّ المُؤْجِرَ قد جَعَل له نِصْفَ دِرْهَم، فلا يَنْقُصُ، منه.
وقد رَضِيَ في أكْثَرِ العَمَلِ بدِرْهم فلا يُزَادُ عليه.
وهذا لا يَصِحُّ، لأنَّه إن صَحَّ العَقْدُ، فله المُسَمَّى، وإن فَسَد فوُجُودُه كعَدَمِه، فيَجِبُ أجْرُ المِثْلِ، كسائِرِ العُقُودِ الفاسِدَةِ.
الحديث: 2153 - الجزء: 14 - الصفحة: 297
وَإنْ قَال: إنْ خِطتَهُ رُومِيًّا فَلَكَ دِرْهَم، وَإنْ خِطْتَهُ فَارِسِيًّا فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَم.
فَعَلَى وَجْهَينِ.
2154 - مسألة: (وإن قال: إن خِطْتَه رُومِيًّا فلك دِرْهَم، وإن خِطْتَه فارِسيًّا فلك نِصْف درهمٍ)
فهل يَصِحُّ؟ (على وَجْهَين) بِناءً على التي قبلَها، والخِلافُ فيها كالتي قبلَها، إلَّا أن أبا حنيفةَ وافَقَ صاحِبَيهِ في الصِّحَّةِ هاهُنا.
ولَنا، أنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، لم يتَعَيَّنْ فيه العِوَضُ ولا المُعَوَّضُ، فلم يَصِحَّ.
كما لو قال: بِعْتُكَ هذا بدِرْهم أو: هذا بدِرْهَمَينِ.
وفارَقَ هذا كلَّ دَلْو بتَمْرةٍ، مِن وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، أنَّ العَمَلَ الثانِي يَنْضَم إلى العَمَلِ الأوَّلِ، ولكلِّ واحدٍ منهما عِوَضٌ مُقَدَّرٌ، فأشْبَهَ ما لو قال: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ، كلَّ قَفِيز بدِرْهَم.
وهاهُنا الخِياطَةُ
الحديث: 2154 - الجزء: 14 - الصفحة: 298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واحدةٌ، شَرَط فيها عِوَضًا إن وُجِدَتْ على صِفَةٍ، وعِوَضًا آخَرَ 437 إن وُجِدَتْ على أخْرَى، أشْبَهَ ما لو باعَه بعَشَرَةٍ صِحَاحٍ أو أحَدَ عَشَرَ مُكَسَّرةً.
والثاني، أنَّه وَقَف الإِجارَةَ على شَرْطٍ بقَوْلِه: إن خِطْتَه كذا، فلك كذا وإن خِطْتَه كذا فلك كذا، بخِلافِ قَوْلِه: كلُّ دَلْوٍ بتَمْرةٍ.
فصل: نَقَل مُهَنَّا عن أحمدَ، في مَن اسْتأجَرَ مِن حَمّالٍ 438 إلى مِصْرَ بأرْبَعِين دِينارًا، فإن نَزَل دِمَشْقَ، فكِراؤه ثَلاُثون، فإن نَزَل الرَّقَّةِ، فكِرَاؤه عِشْرُون.
فقال: إذا اكْتَرَى إلى الرَّقَّةَ بعِشْرِينَ 439، واكْتَرَى إلى دِمَشْقَ بعَشَرَةٍ، وإلى مِصْرَ بعَشَرَةٍ، جازَ، ولم يَكُنْ للحَمّالِ 440 أن يَرْجِعَ.
فظاهِرُ هذا، أنَّه لم يَحْكُمْ بصِحَّةِ العَقْدِ الأوَّلِ؛ لأنَّه في مَعْنَى
الجزء: 14 - الصفحة: 299
وَإنْ أكْرَاهُ دَابَّةً، وَقَال: إنْ رَدَدْتَهَا الْيَوْمَ فَكِرَاؤهَا خَمْسَةٌ، وَإنْ رَدَدْتَهَا غَدًا فَكِرَاؤهَا عَشَرَةٌ.
فَقَال أحْمَدُ: لَا بَأسَ بِهِ.
وَقَال الْقَاضِي: تَصِحُّ فِي الْيَوْمِ الأوَّلِ دُونَ الثَّانِي.
بَيعَتَينِ في بَيعَةٍ؛ لكَوْنِه خَيَّرَه بينَ ثلاثةِ عُقُودٍ.
ويَتَخَرَّج فيه أن يَصِحَّ، بِنَاءً على المَسْألتَين قبلَ هذا.
ونُقِلَ عن أحمدَ في رَجُلٍ اسْتأجَرَ رَجُلًا يَحْمِلُ له كِتابًا إلى الكُوفَةِ، وقال: إن أوصَلْتَ الكتابَ يومَ كذا، فلك عِشْرُون، وإن تَأخرْتَ بعدَ ذلك بيوم فلك عَشَرَة.
فالإجارَةُ فاسِدَة، وله أجْرُ مِثْلِه، وهذا مثلُ الذي قبله.
2155 -
مسألة: (وإن أكْراه دابَّةً، وقال: إن رَدَدْتَها اليومَ فكِراؤها خَمْسة، وإن رَدَدْتَها غدًا فكِراؤها عَشَرَة. فقال أحمدُ: لا بَأسَ به. وقال القاضِي: تَصِحُّ في اليومِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي)
فنَقَلَ عبدُ اللهِ في مَن اكْتَرَى دابةً، وقال: إن رَدَدْتَها غدًا فكِراؤها عَشَرَة، وإن رَدَدْتَها
الحديث: 2155 - الجزء: 14 - الصفحة: 300
وإنْ أكْرَاهُ دَابةً عَشَرَةَ أيام بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْم دِرْهَم، فَقَال أحْمَدُ: هُوَ جَائِزٌ.
وَقَال الْقَاضِي: تَصِحُّ فِي الْعَشَرَة وَحْدَهَا.
اليومَ فكِراؤها خَمْسَة.
لا بَأسَ به.
وهذه الرِّوايةُ تَدُلُّ على صِحَّةِ الإجارَةِ.
والظّاهِرُ عن أحمدَ برِوايةِ الجَماعَةِ فيما ذَكَرْنا فَسادُ العَقْدِ، على قِياسِ بَيعَتَينِ في بَيعةٍ.
وقال القاضِي: يَصِحُّ في اليومِ الأولِ دُونَ الثّانِي.
وقِياسُ حَدِيثِ على والأنصارِيِّ صِحَّتُه؛ فإن عَلِيًّا آجَرَ نَفْسَهُ ليَهُودِي يَسْتَقِي له كلَّ دَلْوٍ بتَمْرَةٍ (1)، وكذلك الأنْصارِي (2)، وسَنَذْكُرُ ذلك.
2156 -
مسألة: (وإن أكْراه دابَّةً عَشَرَةَ أيام بعَشَرَةِ دَراهِمَ، فما زادَ فله بكلِّ يوم دِرْهَمٌ، فقال أحمدُ)
في رِوايةِ أبي الحارِثِ (هو جائِزٌ)441442
الحديث: 2156 - الجزء: 14 - الصفحة: 301
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونَقَل ابنُ منصورٍ عنه في مَن اكْتَرَى دابَّةً مِن مَكةَ إلى جُدَّةَ بكذا، فإن ذَهَب إلى عَرَفاتٍ بكذا.
فلا بَأسَ.
ونَقَل عبدُ اللهِ عنه، لو قال: أكْرَيتُكَها 443 بعَشَرَةٍ.
فما حَبَسَها فعليه في كلِّ يوم عَشَرَة، أنَّه يَجُوزُ.
وهذه الرِّواياتُ تَدُلُّ على أن مَذْهَبَه، أنَّه متى قَدَّرَ لكلِّ عَمَل مَعْلُوم أجْرًا مَعْلُومًا، صَح.
وتَأوَّلَ القاضِي هذا كُلَّه، على أنه يَصِح في الأوَّلِ ويَفْسُدُ في الثانِي؛ لأنَّ مُدَّتَه غيرُ مَعْلُومةٍ، فلم يَصِحَّ العَقْدُ فيه، كما لو قال: اسْتَأجَرْتُكَ لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ، وهي عَشَرَةُ أقْفِزَةٍ بدِرْهَم، وما زادَ فبِحِسابِ ذلك.
قال شيخُنا 444: والظّاهِرُ عن أحمدَ خِلافُ هذا، فإنَّ قَوْلَه: فهو جائِزٌ.
عادَ إلى جَمِيعِ ما ذَكَرَ 445 قبلَه، وكذلك قولُه: لا بَأسَ.
ولأنَّ لكلِّ عَمَلٍ عِوَضًا مَعْلُومًا، فَصَحَّ، كما لو اسْتَقَى له كل دَلْو بتَمْرَةٍ، وقد ثَبَت الأصْلُ بالخَبَرِ الوارِدِ فيه [على ما نَذْكُرُه] 446. ومَسائِلُ الصُّبْرَةِ لا نَصَّ فيها عن الإمامِ، وقِياسُ نُصُوصِه صِحَّةُ الإجارَةِ، وإن سُلِّمَ فَسادُها؛ فلأنَّ القُفْزانَ التي شَرَطَ حَمْلَها 447 غيرُ مَعْلُومةٍ بتَعْيِينٍ ولا صِفَةٍ، وهي مُخْتَلِفةٌ، فلم يَصِحَّ الْعَقْدُ؛ لجَهالتِها، بخِلافِ الأيامِ، فإنَّها مَعْلُومة.
الجزء: 14 - الصفحة: 302
وَنَصَّ أحْمَدُ عَلَى أنَّهُ لَا يَجُوزُ أن يَكْتَرِيَ لِمُدَّةِ غَزَاتِهِ.
2157 - مسألة: (ونَصَّ أحمدُ على أنَّه لا يَجُوزُ أن يَكْتَرِيَ لمُدَّةِ غَزاتِه)
وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، منهم، الأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرأي.
وقال مالكٌ: قد عُرِفَ وَجْهُ ذلك، وأرْجُو أن يَكُونَ خَفِيفًا.
ولنا، أنَّ المُدَّةَ مَجْهُولةٌ والعَمَلَ مَجْهُولٌ، فلم يَجُزْ، كما لو اكْتَراها لمُدَّةِ سَفَرِه في تِجارَتِه، ولأنَّ مُدَّةَ الغَزِاةِ تَطُولُ وتَقْصُرُ، ولا حَدَّ لها تُعْرَفُ به، والعَمَلُ فيها يَقِلُّ ويَكْثُرُ، ونهايةُ سَفرِهم تَقْرُبُ وتَبْعُدُ، فلم يَجُزِ التَّقْدِيرُ بها، كغَيرِها مِن الأسْفارِ المَجْهُولَةِ.
فإن فعل ذلك فله أجْرُ المِثْلِ، كالإِجاراتِ الفاسِدَةِ.
الحديث: 2157 - الجزء: 14 - الصفحة: 303
وَإنْ سَمَّى لِكُلِّ يَوْم شَيئًا مَعْلُومًا، فَجَائِزٌ.
وَإنْ أكْرَاهُ كُلَّ شَهْرٍ بدرْهَم، أوْ كُلَّ دَلْو بتَمْرَةٍ، فَالْمَنْصُوصُ أنهُ يَصِحُّ، وَكُلَّمَا دَخَلَ شَهْرٌ لَزِمَهُمَا حُكْمُ الْإجَارَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ
2158 - مسألة: (وإن سَمَّى لكل يوم شَيئًا مَعْلُومًا، فجائِزٌ)
وقال الشافعي: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ مُدَّةَ الإجارَةِ مَجْهُولةٌ.
ولنا، أن عَلِيًّا، رَضِيَ الله عنه، أجَر نَفْسَه كُلَّ دَلْو بتَمْرةٍ، وكذلك الأنْصارِيُّ، فلم يُنْكِرْه النبي - صلى الله عليه وسلم - (1). ولأنَّ كلَّ يَوْم مَعْلُومٌ مُدَّتُه وأجْرُه، فصَحَّ، كما لو أجَرَه شَهْرًا كُلَّ يَوْمٍ بدِرْهم، أو اسْتَأجَرَه لنَقْلِ صُبْرَةٍ مَعْلُومَةٍ كُلَّ قَفِيز بدِرْهَمٍ إذا ثَبَت هذا، فلا بُدَّ مِن تَعْيِينِ ما يَسْتَأجرُ له، مِن رُكُوبٍ، أو حَمْلٍ مَعْلُوم (2). ويَسْتَحِقُّ الأجْرَ المُسَمَّى لكلِّ يوم، سواء أقامَتْ أو سارَتْ؛ لأنَّ المنافِعَ ذَهَبت في مُدَّتِه، أشبَهَ ما لو اكْتَرَى دارًا وغَلَقها ولم يَسْكُنها.
2159 -
مسألة: (وإن أكْراه كلَّ شَهْرٍ بدِرْهَم، أو كلَّ دَلْو بتَمْرةٍ، فالمنْصُوصُ)
عن أحمدَ (أنَّه يَصِحُّ، وكلَّما دَخَل شَهْرٌ لَزِمَهما448449
الحديث: 2158 - الجزء: 14 - الصفحة: 304
مِنْهُمَا الْفَسْخُ عِنْدَ تَقَضِّي كُلِّ شَهْر.
وَقَال أبو بَكْرٍ، وَابْنُ حَامِدٍ: لَا يَصِحُّ.
حُكْمُ الإجارَةِ، ولكلِّ واحدٍ منهما الفَسْخُ عندَ تَقَضِّي كلِّ شَهْر.
وقال أبو بكرٍ، وابنُ حامِدٍ: لا يَصِحُّ) اخْتَلَفَ أصحابُنا في ذلك، فقال القاضِي: يَصِحُّ.
ونَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ.
وهو اخْتِيارُ
الجزء: 14 - الصفحة: 305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِرَقِيِّ.
[إلَّا أنَّ] 450 الشَّهْرَ الأوَّلَ تَلْزَمُ الإجارَةُ فيه بإطْلاقِ العَقْدِ؛ لأنَّه مَعْلُومٌ يَلي العَقْدَ، وأجْرُه مَعْلُومٌ، وما بعدَه مِن الشُّهُورِ يَلْزَمُ العَقْدُ فيه بالتَّلبُّسِ به، وهو السُّكْنَى في الدّارِ، إن أجَرَه دارًا؛ لأنَّه مَجْهُولٌ حال العَقْدِ، فإذا تَلَبَّسَ به، تَعَيَّنَ بالدُّخُولِ 451 فيه، فصَحَّ بالعَقْدِ الأولِ.
وإن لم يتَلبَّسْ به، أو فَسَخ العَقْدَ عندَ انْقِضاء الأولِ، انْفَسَخَ، وكذلك حُكْمُ كلِّ شَهْرٍ يَأتِي.
وهذا مَذْهَبُ أبي ثَوْرٍ، وأصَحاب الرأي.
وحُكِيَ عن مالكٍ نحوُ هذا.
إلَّا أنَّ الإِجارَةَ لا تَكُونُ لازِمَةً عندَه؛ لأنَّ المنافِعَ مُقَدَّرَةٌ بتَقْدِيرِ الأجْرِ، فلا يُحْتاجُ إلى ذِكْرِ المُدَّةِ إلَّا في اللُّزُوم.
واختار أبو بكرٍ عبدُ العزيز، و [أبو عبدِ الله] 452 بنُ حامِدٍ، وابنُ عَقِيلٍ، أنَّ العَقْدَ لا يَصِحُّ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والصَّحيحُ مِن قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّ «كلَّ» اسمٌ للعَدَدِ، فإذا لم يُقَدِّرْه كان مُبْهَمًا 453 مَجْهُولًا، فيَكُونُ فاسِدًا، كقَوْلِه: أجَرْتُكَ أشْهُرًا.
وحَمَل 454 أبو بكرٍ، وابنُ حامدٍ كَلامَ أحمدَ على أنَّه وَقَع على أشْهُر مُعَيَّنةٍ.
وَوَجْهُ الأولِ،
الجزء: 14 - الصفحة: 306
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ الله عنه، اسْتَقَى لرَجُلٍ مِن اليَهُودِ كلَّ دَلْوٍ بتَمْرةٍ، وجاء به إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فأكَلَ منه.
قال عَليٌّ 455: كُنْتُ أدْلُو الدَّلْوَ بتَمْرَةٍ وأشْتَرِطُها جَلْدَةً.
وعن رَجُلٍ مِن الأنصارِ أَنه قال ليَهُودِيّ: أسْقِي نَخْلَكَ؟ قال: نعم، كل دَلْو بتَمْرةٍ.
واشْتَرَط الأنصاريُّ أن لا يَأخُذَها خَدِرَةً 456 ولا تارِزَةً 457 ولا حَشَفةً 458، ولا يَأخُذُ إلا جَلْدَةً.
فاسْتَقَى بنَحْو مِن صاعَين، فجاء به إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. رواهما ابنُ ماجه [في «سُنَنِه»] 459. وهو نظيرُ مسألةِ إجارَةِ الدّارِ، ونَصَّ في المسألةِ الأخرى.
ولأنَّ شُرُوعَه في كلِّ شَهْر مع ما تَقَدَّمَ 460 مِن الاتِّفاقِ على تَقْدِيرِ أجْرِه والرِّضا ببَذْلِه به، جَرَى مَجْرَى ابْتداءِ العَقد عليه، وصار كالبَيعِ بالمُعاطاةِ، إذا وَجَد مِن المُسَاوَمةِ ما دَلَّ على التَّراضِي بها.
فعلى هذا، مَتَى تَرَكَ التَّلبسَ به في شَهْر، لم تَلْزَمِ الإجارَةُ فيه؛ لعَدَم العَقْدِ.
وكذلك إن فَسَخ، وليس بفَسْخٍ في الحَقِيقةِ؛ لأنَّ العَقْدَ الثاني ما ثَبَت.
والقِياسُ يَقْتَضِي عَدَمَ الصِّحَّةِ؛ لأنَّ العَقْدَ تَناوَلَ جَمِيعَ الأشْهُرِ، وذلك مَجْهُولٌ.
ثم لا وَجْهَ
الجزء: 14 - الصفحة: 307
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لاعْتِبارِ الشُّرُوعِ في الشهْرِ الذي يلي الأولَ، مع كَوْنِ الشُّهُورِ كلِّها داخِلةً في اللَّفْظِ.
فأمّا أبو حنيفةَ فَذَهَب إلى أنَّهما إذا تَلبَّسا بالشهْرِ الثاني، فقد اتَّصَلَ القَبْضُ بالعَقْدِ الفاسِدِ.
قال شيخُنا 461: ولا يَصِحُّ هذا العُذْرُ؛ لأن العَقْدَ الفاسِدَ في الأعْيانِ لا يَلْزَمُ بالقَبْضِ، ولا يُضْمَنُ بالمُسَمَّى، ثم لم يَحْصُلِ القَبْضُ هاهُنا إلَّا فيما 462 اسْتَوْفاهُ.
وقولُ مالكٍ لا يَصِحُّ؛ لأن الإجارَةَ مِن العُقُودِ اللازِمَةِ، فلا يَجُوزُ أن تَكُونَ جائِزَةً.
فصل: إذا قال: أجَرْتُكَ دارِي عِشْرِينَ شَهْرا، كلَّ شَهْر بدِرْهَم، جازَ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه 463؛ لأنَّ المُدةَ مَعْلُومَة والأجْرَ مَعْلُومٌ، وليس لواحِدٍ منهما فَسْخٌ بحالٍ؛ لأنها مُدَّة 464 واحِدَة، فأشْبَهَ ما لو قال: أجَرْتُكَ عِشْرِين شهرًا بعِشْرِين دِرْهمًا.
فإن قال: أجَرْتُكَها شَهْرًا بدِرْهَم، وما زاد فبِحِسَاب ذلك.
صَحَّ في الشَّهْرِ الأولِ؛ لأنَّه أفْرَدَه بالعَقْدِ، وبَطَل في الزّائِدِ؛ لأَنَّه مَجْهُول.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ في كل شَهْر تَلَبَّسَ به، كما لو قال: أجَرْتُكَها كلَّ شهر بدِرْهَم؛ لأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ.
ولو قال: أجَرْتُكَها هذا الشَّهْرَ بدِرْهَم، وكلَّ شَهْر بعدَ ذلك بدِرْهَم أو بدِرْهَمَين.
صَحَّ في الأولِ، وفيما بعدَه وَجْهان؛ لِما ذَكَرْنا.
الجزء: 14 - الصفحة: 308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل في مَسائِلِ الصُّبْرَةِ: وفيها عَشْرُ مَسائِلَ؛ أحدُها، أن يَقولَ: اسْتَأجَرْتُكَ لحَمْلِ هذه الصُّبْرَةِ إلى مِصْرَ بعَشَرةٍ.
فهي صَحِيحَة بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ الصُّبْرَةَ مَعْلُومَة بالمُشاهَدَةِ، فجاز الاسْتِئْجارُ عليها، كما لو عَلِم كَيلَها.
الثانيةُ، قال: اسْتَأجَرْتُكَ لتَحْمِلَها، كلَّ قَفِيز بدِرْهَم.
فيَصِحُّ.
وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ في قَفِيزٍ، ويبطُلُ فيما زادَ.
وَمَبْنى الخِلافِ على الخِلافِ في بَيعِها، وقد ذَكَرْناه.
الثالثةُ، قال: لتَحْمِلَها لي قَفِيزًا بدِرْهَم، وما زاد فبِحِساب ذلك.
فيَجُوزُ، كما لو قال: كلَّ قَفِيز بدِرْهَم.
وكذلك كل لَفْظٍ يَدُلُّ على إرادَةِ حَمْلِ جَمِيعِها، كقَوْلِه: لتَحْمِلَ قَفِيزًا منها بدِرْهَم، وسائِرَها -أو- باقِيَها بحِسابِ ذلك.
أو قال: وما زادَ بحِسَابِ ذلك.
يُرِيدُ باقِيَها كلَّه، إذا فَهِما ذلك مِن اللَّفْظِ، لدَلالتِه عندَهما عليه، أو لقَرِينَةٍ صُرِفَتْ إليه.
الرابعةُ، قال: لتَحْمِلَ قَفِيزًا منها بدِرْهَم، وما زادَ فبحِسابِ ذلك.
يُرِيدُ مهما حَمَلْتَه مِن باقِيها.
فلا يَصِحُّ.
ذَكَرَه القاضِي.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه بعضُها، وهو مَجْهُول.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأَنه في مَعْنَى: كلَّ دَلْوٍ بتَمْرَةٍ.
الخامسةُ، قال: لتَنْقُلَ لي منها كلَّ قَفِيز
الجزء: 14 - الصفحة: 309
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بدِرْهَمٍ.
فهي كالرابعةِ سواءً.
السادسةُ، قال: لتَحْمِلَ لي منها قَفِيزًا بدِرْهَم، على أن تَحْمِلَ الباقِيَ بحِسَاب ذلك.
فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه في مَعْنَى بَيعَتَين في بَيعةٍ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّ مَعْناه: لتَحْمِلَ لي كلَّ قَفِيز منها بدِرْهَم.
السابعةُ، قال: لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ، كلَّ قَفِيز بدِرْهَم، وتَنْقُلَ لي صُبْرَةً أُخْرَى في البَيتِ بحِسابِ ذلك.
فإن كانا يَعْلَمان الصُّبْرَةَ التي في البَيتِ بالمُشاهَدَةِ، صَحَّ فيهما؛ لأنَّهما كالصُّبْرَةِ الواحِدَةِ.
وإن جَهِلَها 465 أحَدُهما، صَحَّ في الأولَى، وبَطَل في الثانيةِ؛ لأنَّهما عَقْدان، أحدُهما على مَعْلُوم، والثاني على مَجْهُولٍ، فصَحَّ في المَعْلُومِ، وبَطَل في المَجْهُولِ، كما لو قال: بِعْتُكَ عَبْدِي هذا بعَشَرَةٍ، وعَبْدِي الذي في البَيتِ بعَشَرةٍ.
الثامنةُ، قال: لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ والتي في البَيتِ بعَشَرَةٍ.
فإن كانا يَعْلَمان التي في البَيتِ، صَحَّ فيهما، وإن جَهِلاها، بَطَل فيهما؛ لأنَّه عَقْدٌ واحِدٌ بعِوَضٍ واحدٍ، على مَعْلُوم ومَجْهُولٍ، بخِلافِ التي
الجزء: 14 - الصفحة: 310
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قبلَها.
فإن كانا يَعْلَمان التي في البَيتِ، لكنَّها مَغْصُوبَة، أو امْتَنَعَ تَصْحِيحُ العَقْدِ فيها لمانِعٍ اخْتَصَّ بها، بَطَل العَقْدُ فيها، وفي صِحَّتِه في الأخْرَى وَجْهان، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، إلَّا أنَّها إن كانت قُفْزانُهما 466 مَعْلُومةً، أو قَدْرُ إحْداهما مَعْلُومٌ مِن الأخْرَى، فالأوْلَى صِحَّتُه؛ لأنَّ قِسْطَ الأجْرِ فيها مَعْلُومٌ، وإن لم يَكُنْ كذلك، فالأوْلَى بُطْلانُه؛ لِجهالةِ العِوَضِ فيها.
التاسعةُ، قال: لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ، وهي عَشَرَةُ أقْفِزَةٍ، بدِرْهَم، فإن زادَتْ على ذلك، فالزّائِدُ بحِسابِ ذلك.
صَحَّ في العَشَرَةِ؛ لأنَّها مَعْلُومة، ولم يَصِحَّ في الزِّيادَةِ؛ لأنَّها مَشْكُوكٌ فيها، ولا يَجُوزُ العَقْدُ على ما يُشَكُّ فيه.
العاشرةُ، قال: لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ، كلَّ قَفِيز بدِرْهَم، فإن قَدِمَ لي طَعَامٌ فحَمَلْتَه، فبحِسابِ ذلك.
صَحَّ أيضًا في الصُّبْرَةِ، وفَسَد في الزِّيادَةِ؛ لِما ذَكَرْناه.
الجزء: 14 - الصفحة: 311
فَصْلٌ: الثالِثُ، أنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً مَقْصُودَةً، فَلَا تَجُوزُ الإجَارَةُ عَلَى الزِّنَى، وَالزَّمْرِ، وَالْغِنَاءِ، وَلَا إجَارَةُ الدَّارِ لِتُجْعَلَ كَنِيسَةً أوْ بَيتَ نَار، أو لبَيعِ الْخَمْرِ.
فصل: قال المُصَنِّفُ، رَحِمَه اللهُ تعالى: (الثالثُ، أن تَكُونَ المَنْفَعَةُ مُباحةً مَقْصُودَةً، فلا تَجُوزُ الإجارَةُ على الزنَى، والزَّمْرِ، والغِناءِ، ولا إجارَةُ دارٍ لتُجْعَلَ كَنِيسَةً أو بَيتَ نار، أو لبَيعِ الخَمْرِ) أو القِمارِ.
وجلةُ ذلك، أنَّ مِن شَرْطِ صِحَّةِ الإجارَةِ أن تَكُونَ المَنْفَعَةُ مُباحَةً، فإن كانت مُحَرَّمَةً، كالزنَى، والزَّمْرِ، والنَّوْحِ، والغِناءِ، لم يَجُزْ الاسْتِئْجارُ لفِعْلِه.
وبه قال مالك، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ 467، وصاحِباه، وأبو ثَوْرٍ.
وكَرِهَ ذلك الشَّعْبِي، والنَّخَعِي؛ لأنَّه مُحَرَّم، فلم يَجُزْ الاسْتِئْجارُ عليه، كإجارَةِ الأمَةِ للزِّنى.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على إبْطالِ إجارَةِ النائِحَةِ والمُغَنِّيَةِ.
فصل: ولا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ كاتِبٍ ليَكْتُبَ له غِناءً أو نَوْحًا.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ.
ولنا، أنَّه انْتِفاع بمُحَرَّم، أشْبَهَ ما ذَكَرْنا.
ولا يَجُوزُ الاسْتِئْجارُ على كَتْبِ شِعْر مُحَرَّم، ولا بِدْعةٍ، ولا شيءٍ مُحَرم؛ لذلك.
فصل: ولا يَجُوزُ للرَّجُلِ 468 إجارَةُ دارِه لمن يَتَّخِذُها كَنِيسةً أو بِيعةً،
الجزء: 14 - الصفحة: 312
وَلَا يَصِحُّ الاسْتِئْجَارُ عَلَى حَمْلِ الْمَيتَةِ وَالْخَمْرِ.
وَعَنْهُ، يَصِحُّ، وَيُكْرَهُ أكْلُ أجْرَتِهِ.
أو لبَيعِ الخَمْرِ، أو القِمارِ.
وبه قال الجَماعَةُ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان بَيتُكَ في السَّواد فلا بَأسَ.
وخالفَه صاحِبَاه.
واخْتَلَفَ أصحابُه في تَأويل قَوْلِه.
ولَنا، أنَّه فِعْل مُحَرَّم، فلم تَجُزِ الإجارَةُ عليه، كإجارَةِ عَبْدِه للفُجُورِ.
ولو اكْتَرَى ذِمِّي مِن مُسْلِم دارًا، فأرادَ بَيعَ الخَمْرِ فيها، فلصاحِبِ الدّارِ مَنْعُه.
وبذلك قال الثوْرِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان بَيتُكَ في السَّوادِ والجَبَلِ، فله أن يَفْعَلَ ما يَشاءُ.
ولَنا، أنَّه مُحَرَّم، جاز المنْعُ منه في المِصْرِ، فجاز في السَّوادِ، كقَتْلِ النفْسِ المُحَرَّمَةِ.
2160 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ الاسْتِئْجارُ على حَمْلِ المَيتَةِ والخَمْرِ. وعنه، يَصِحُّ)
للحُرِّ (ويُكْرَهُ أكْلُ أجْرَتِه) لا يَجُوزُ الاسْتِئْجارُ
الحديث: 2160 - الجزء: 14 - الصفحة: 313
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على حَمْلِ الخَمْرِ لمن يَشْرَبُها 469، أو يأكُلُ المَيتَةَ، ولا على حَمْل خِنْزِير، كذلك.
وبه قال أبو يوسفَ، ومحمد، والشافعي.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ؛ لأنَّ العَمَلَ لا يَتَعَيَّنُ عليه، بدَلِيلِ أنَّه لو حَمَلَه مثلُه، جاز، ولأنَّه لو قَصَدَ إراقَتَه أو طَرْحَ المَيتَةِ، جاز.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ في مَن حَمَلَ خِنْزِير الذِمِّيَّةٍ، أو خمْرًا لنَصْرانِي: أكْرَهُ أكْلَ كِرائِه، ولكنْ يُقْضَى للحَمّالِ بالكِراءِ، فإذا كان لِمُسْلِم فهو أشَدُّ.
قال القاضي: هذا مَحْمُود على أنَّه اسْتَأجَرَه ليُريقَها، فأمّا للشُّرْبِ فمَحْظُورٌ، لا يَحِلُّ أخْذُ الأجْرِ عليه.
قال شيخُنا 470: وهذا تَأويل بَعِيد؛ لقَوْلِه: أكْرَه أكْلَ كِرائِه، وإذا كان لمُسْلِم فهو أشَدُّ.
والمَذْهَبُ خِلافُ هذه الرِّوايَةِ؛ لأنه اسْتِئْجار لِفعْل مُحَرَّم، فلم يَصِحَّ، كالزِّنَى.
ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَعَن حامِلَها
الجزء: 14 - الصفحة: 314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمَحْمُولَةَ إلَيهِ 471، وقولُ أبي حنيفةَ: لا يَتَعَيَّنُ.
يَبْطُلُ بما لو اسْتَأجَرَ أرْضًا ليَتَّخِذَها مَسْجدًا.
فأمّا حَمْلُ الخَمْرِ لإراقَتِها، والمَيتَةِ لطَرْحِها، والاسْتِئجارُ لكَسْحِ الكُنُفِ، فجائِر؛ لأنَّ ذلك مُباح، وقد اسْتَأجَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أبا طَيبةَ فحَجَمَه 472. وقد قال أحمد، في رِوايَةِ ابنَ منصور، في مَن يُؤاجِرُ نَفْسَه لنِظارَةِ كَرْمِ نَصْرَانِي: يُكْرَه ذلك؛ لأنَّ الأصْلَ في ذلك راجِعٌ إلى الخَمْرِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: قد ذَكَرْنا أنَّ الاسْتِئْجارَ لكَسْحِ الكُنُفِ جائِز؛ إلَّا أَنه يُكْرَهُ له أكْلُ أجْرَتِه، كأجْرَةِ الحَجَّامِ، بل هذا أوْلَى.
وقد روَى سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، أنَّ رَجُلًا حَج، وأتَى ابنَ عَبَّاس، فقال له: إنِّي رَجُل أكنُسُ، فما تَرَى في مَكْسَبِي؟ قال: أي شيءٍ تَكْنُسُ؟ قال: العَذِرَةَ.
قال: ومنه حَجَجْتَ، ومنه تَزَوَّجْتَ؟! قال: نعم.
قال: أنت خَبِيثٌ، وحَجُّك خَبِيثٌ، وما تَزَوَّجْتَ خَبِيثٌ.
أو نحوَ هذا 473. ولأنَّ فيه دَناءَةً، فكُرِهَ، كالحِجامَةِ.
وإنَّما قُلْنا بجَوازِ الإجارَةِ عليه؛ لدُعُوِّ الحاجَةِ إليه، ولا يَنْدَفِعُ ذلك إلَّا بالإباحَةِ، فجازَ، كالحِجامَةِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 316
فَصْلٌ: وَالْإجَارَةُ عَلَى ضَرْبَينِ؛ أحَدُهُمَا، إجَارَةُ عَين، فَتَجُوزُ إجَارَةُ كُلِّ عَين يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ مِنْهَا مَعَ بَقَائِهَا.
فصل: ويُشْتَرَطُ أن تَكُونَ المَنْفَعَةُ مَقْصُودَةً، فلا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ شَمْعٍ ليَتَجَملَ به ويَرُدَّهُ، ولا طعام ليَتَجَملَ به على مائِدَتِه ثم يَرُده، ولا النقُودِ ليَتَجَمَّلَ بها الدكّانُ؛ لأنَّها لم تُخْلَقْ لذلك ولا تُرادُ له، فبذلُ العِوَضِ فيه سَفَهٌ، وأخْذُه مِن أكْلِ المالِ بالباطِلِ، وكذلك اسْتِئْجارُ ثَوْبٍ ليُوضَعَ على سَرِيرِ المَيِّتِ؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (والإجارَةُ على ضَرْبَين؛ أحدُهما، إجارَةُ عَينٍ، فتَجُوزُ إجارَةُ كُلِّ عَين يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ المَنْفَعةِ المُباحةِ منها مع بَقائِها) كالأرْضِ، والدّارِ، والعَبْدِ، والبَهِيمَةِ، والثِّيابِ، والفَساطِيطِ، والحِبالِ، والخِيامِ، والمَحامِلِ، والسُّرُجِ، واللِّجامِ، والسَّيفِ، والرُّمْحِ، وأشْباهِ ذلك.
وقد ذَكَرْنا بعضَ ذلك في مَواضِعِه.
الجزء: 14 - الصفحة: 317
فَيَجُوزُ لَهُ اسْتِئْجَارُ حَائِطٍ لِيَضَعَ عَلَيهِ أطْرَافَ خَشَبِهِ، وَحَيَوَانٍ لِيَصِيدَ بِهِ، إلَّا الكَلْبَ،
2161 - مسألة: (ويَجُوزُ له اسْتِئْجارُ حائِطٍ ليَضَعَ عليه أطرافَ خَشَبِه)
إذا كان الخَشَبُ مَعْلُومًا، والمُدَّةُ مَعْلُومةً.
وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ.
ولَنا، أنَّ هذه مَنْفَعَة مَقْصُودَة، مَقْدُور على تَسْلِيمِها واسْتِيفائِها، فجازتِ الإجارَةُ عليها، كاسْتِئْجارِ السَّطْحِ للنَّوْمِ عليه.
2162 -
مسألة: (و)
يجوزُ استِئْجارُ (حَيَوانٍ ليَصِيدَ به، إلَّا الكَلْبَ) يَجُوزُ اسْتِئْجارُ الفَهْدِ، والبازِي، والصَّقْرِ، ونحوه
الحديث: 2161 - الجزء: 14 - الصفحة: 318
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للصَّيدِ 474، في مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ؛ لأنَّ فيه نَفْعًا مُباحًا، تَجُوزُ إعارَتُه له 475، فجازت إجارَتُه له، كالدَّابّةِ.
فأمّا إجارَةُ سباع البَهائِمِ والطَّيرِ التي لا تَصْلُحُ للصَّيدِ، فلا تَجُوزُ إجارَتُها؛ لأنَّه لا نفْعَ فيها، وكذلك إجارَةُ الكلْبِ والخِنْزِيرِ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ بَيعُه.
ويَتَخَرَّجُ جَوازُ إجارَةِ الكَلْبِ الذي يُباحُ اقْتِناؤه؛ لأنَّ فيه نَفْعًا مُباحًا تَجُوزُ إعارَتُه له، فجازت إجارَتُه له، كغيرِه.
ولأصحابِ الشافعيِّ فيه 476 وَجْهان، كهذَين.
الجزء: 14 - الصفحة: 319
وَاسْتِئْجَارُ كِتَابٍ يَقْرأ فِيهِ، إلا الْمُصْحَفَ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ،
2163
- مسألة: (و)
يَجُوزُ (اسْتِئْجارُ كِتابٍ ليَقْرأ فيه، إلَّا المُصْحَفَ، في أحَدِ الوَجْهَين) تَجُوزُ إجارَةُ كُتُب العِلْمِ التي يَجُوزُ بَيعُها للانتْفاعَ بها مِن القِرَاءَةِ فيها، والنَّسْخِ منها، والرِّوايةِ، وغيرِ ذلك من الانْتِفاعِ المَقْصُودِ المُحْتاجِ إليه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ومُقْتَضى قَوْلِ أبي حنيفةَ، أَنه لا تَجُوزُ إجارَتُها؛ لأَنه عَلَّلَ مَنْعَ إجارَةِ المُصْحَف بأنَّه ليس في ذلك أكْثَرُ مِن النَّظَرِ إليه، ولا تَجُوُز الإجارَةُ لمِثْلِ ذلك، كما لا يَجُوزُ أن يَسْتَأجِرَ سَقْفًا ليَنْظُرَ إلى عَمَلِه.
ولَنا، أنَّ فيه نَفْعًا مُباحًا يُحْتاجُ إليه، تَجُوزُ الإعارَةُ له، فجازتِ الإجارَةُ له، كسائرِ المَنافِعِ.
وفارَق النَّظَرَ إلى السَّقْفِ؛ فإنَّه لا حاجَةَ إليه، ولا جَرَتِ العادَةُ بالإِعارَةِ مِن أجْلِه.
وتَجُوزُ إجارَةُ كِتَابٍ فيه خَطٌّ حَسَن، يَنْقُلُ منه ويَكْتُبُ عليه، على قِياسِ ذلك.
الحديث: 2163 - الجزء: 14 - الصفحة: 320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وفي إجارَةِ المُصْحَفِ وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ إجارَتُه؛ لأنه لا يَصِحُّ بَيعُه؛ إجْلالًا لكتابِ اللهِ تعالى وكَلامِه عن المُعاوَضةِ به وابتذالِه بالثمَنِ في البَيعِ والأجْرِ في الإجارَةِ.
والثاني، يَصِحُّ.
وهو مَذْهَبُ الشافعي؛ لأنه انْتِفاع مُباحٌ، تَجُوزُ الإعارَةُ مِن أجْلِه، فجازت إجارَتُه، كسائِرِ الكُتُبِ.
ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ جَوازِ البَيعِ عَدَمُ جَوإزِ الإجارَةِ، كالحُرِّ.
فصل: والذي يَحْرُمُ بَيعُه تَحْرُمُ إجارَتُه، إلَّا الحُرَّ، والوَقْفَ، وأم الوَلَدِ، فإنَّه يَجُوزُ إجارَتُها وإن حَرُمَ بَيعُها، وما عدا ذلك لا تَجُوزُ إجارَتُه، وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاءَ اللهُ تعالى.
الجزء: 14 - الصفحة: 321
وَاسْتِئْجَارُ النقْدِ لِلتحَلِّي وَالْوَزْنِ لَا غَيرُ.
2164 - مسألة: (و)
يَجُوزُ (اسْتِئْجارُ النقْدِ للتحَلِّي والوَزْنِ لا غيرُ) إذا كان في مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وهو أحَدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشافعيِّ، والوَجْهُ الآخَرُ، أنَّه لا تَجُوزُ إجارَتُها؛ لأن هذه المَنْفَعَةَ ليستِ المَقْصُودَ منها، ولذلك لا تُضْمَنُ مَنْفَعَتُها بغَصْبِها، فأشْبَهَتِ الشَّمْعَ.
ولَنا، أنها عَين أمْكَنَ الانْتِفاع بها معِ بَقاءِ عَينها مَنْفَعَةً مُباحَة، فأشْبَهَتِ الحَلْىَ، وفارَقَ الشَّمْعَ؛ فإنه لا يُنْتَفعُ به إلَّا بما يُتْلِفُ عَينَه.
الحديث: 2164 - الجزء: 14 - الصفحة: 322
فَإن أطْلَقَ الإجَارَةَ، لَمْ تَصِح فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ، وَتَصِحُّ فِي الآخَرِ، وَيَنْتَفِعُ بِهَا فِي ذَلِكَ.
2165 - مسألة: (فإن أطْلَقَ الإجارَةَ)
صَحَّت (ويَنْتَفِعُ بها في ذلك) وهذا اخْتيارُ أبي الخَطابِ؛ لأنَّ مَنْفَعَتَها في الإجارَةِ مُتَعَينة في التحَلِّي والوَزْنِ، وهما مُتَقارِبانِ، فوَجَبَ أن تُحْمَلَ الإجارَةُ عندَ الإطْلاقِ عليهما، كاستئْجارِ الدّارِ مُطْلَقًا، فإنَّه يَتَناوَلُ السُّكْنَى وَوَضْعَ المَتاعِ فيها.
فعلى هذا يَنْتَفِعُ بها فيما شاءَ منهما.
وقال القاضي: لا تَصِحُّ الإجارَةُ، وتكون قَرْضًا.
وهذا مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الإجارَةَ تَقْتَضِي الانْتِفاعَ، والانْتِفاعُ المُعْتادُ بالدراهِمِ والدَّنانِيرِ إنَّما هو بأعْيانِها، فإذا اطْلِقَ الانْتِفاعُ حُمِلَ على الانْتِفاعِ المُعتادِ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا تَصِحُّ الإجارَة، ولا تَكُونُ قَرْضًا؛ لأن التحَلِّيَ يَنْقُصُها، والوَزْنُ لا يَنْقُصُها، فقد اخْتَلَفَت جهَةُ الانْتِفاعِ، فلم يَجُزْ إطْلاقُها.
ولا يَجُوزُ أن يُعَبرَ بها عن القَرْضِ؛ لَأنَّ القَرْضَ تَمْلِيك للعَينِ، والإجارَة تَمْلِيك للمَنْفَعَةِ تَقْتَضِي الانْتِفاعَ مع بقاءِ العَينِ، فلم يَجُزِ التَّعْبِيرُ بأحَدِهما عن الآخَرِ.
ولأن التَّسْمِيَةَ والألفاظَ
الحديث: 2165 - الجزء: 14 - الصفحة: 323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تُؤْخَذُ نَقْلًا، ولم يُعْهَدْ في اللِّسانِ التَّعْبِيرُ بالإجارَةِ عن القَرْضِ.
قال شيخُنا 477: وقولُ أبي الخَطَّابِ أصَحُّ إن شاءَ الله تَعالى؛ لأنَّ العَقْدَ متى أمْكَنَ حَمْلُه على الصحَّةِ، كان أوْلَى مِن إفْسادِه، وقد أمْكَنَ حَمْلُها على إجارَتِها للجِهَةِ التي تَجُوزُ إجارَتُها فيها.
وقولُ القاضي، لا يَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْنا.
وما ذَكَر أصحاب الشافعيِّ مِن نَقْصِ العَينِ بالاسْتِعْمالِ في التَّحَلِّي، فبَعِيدٌ؛ فإن ذلك يَسِير لا أثَرَ له، فوجودُه كعَدَمِه.
فصل: ويَجوز أن يَسْتَأجِرَ نَخْلًا لتجَفِّفَ عليها الثِّيابَ، أو يَبسطَها عليها ليَسْتَظِلَّ بظِلِّها.
ولأصْحابِ الشافعيِّ في ذلك وَجْهان؛ لِما ذَكَروه في الأثْمانِ.
ولنا، أنَّها لو كانت مَقْطُوعَةً، لجاز اسْتِئْجارها لذلك، فكذلك النّابِتَةُ، وذلك لأنَّ الانْتِفاعَ يَحْصل بهما على السواءِ في الحالتَين، فما جاز في إحْداهما يَجوز في الأخْرَى.
ولأنها شَجَرَةٌ، فجاز اسْتِئْجارها لذلك، كالمَقْطُوعَةِ.
ولأنَّها مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ يمْكِن اسْتِيفاؤها مع بَقَاءِ العَينِ، فجاز العَقْد عليها، كما لو كانت مَقْطوعَةً.
الجزء: 14 - الصفحة: 324
وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ وَلَدِهِ لِخِدْمَتِهِ، وَامْرَأتِهِ لِرَضَاعَ وَلَدِهِ، وَحَضَانَتِهِ.
فصل: ويَجوز اسْتِئْجاز ما يَبقَى مِن الطِّيبِ والصَّنْدَلِ، وقِطَع الكافورِ، والنَّدِّ؛ ليَشمَّه المَرْضَى وغيرهم مدةً ثم يَردُّه؛ لأنها مَنْفعَةٌ مباحَة (1) أشْبَهَتِ الوَزْنَ والتحَلِّيَ، مع أنه لا يَنْفَكُّ مِن إخْلاقٍ وبِلًى.
فصل: يَجوز اسْتِئْجار دار يَتخِذها مَسْجِدًا يصَلِّي فيه.
وبه قال مالك، والشافعي.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجوز؛ لأنَّ فِعْلَ الصلاةِ لا يَجوز اسْتِحْقاقه بعَقْدِ الإجارَةِ بحالٍ، فلا تجوزُ الإجارَةُ لذلك.
ولَنا، أن هذه مَنْفَعَة مباحَة يمْكِنُ اسْتِيفاؤها مِن العَين مع بَقائِها، فجاز اسْتِئْجار العَينِ لها، كالسُّكْنَى، ويفارِق الصلاةَ؛ فإنها لا تَدْخُل النِّيابَة فيها، بخِلافِ المَسْجِدِ.
2166 -
مسألة: (ويَجوزُ اسْتئجار وَلَدِه لخِدْمَتِه، وامْرَأتِه لرَضاعِ وَلَدِه وحَضانَتِه)
يَجوزُ اسْتِئْجار وَلَدِه لخِدْمَتِه، كالأجْنَبِيِّ،478
الحديث: 2166 - الجزء: 14 - الصفحة: 325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واسْتِئْجارُ أمهِ وأخْتِه وابْنَتِه لرَضاعِ وَلَدِه، وكذلك سائِرُ أقاربِه بغيرِ خِلافٍ، كالأجانِبِ.
فأمّا اسْتِئْجار امْرَأتِه لرَضاع وَلَدِه منها، فيَجُوزُ في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَب.
قال الخِرَقِي: إن أرادَتِ الأم أن ترْضِعَ وَلَدَها بأجْرَةِ مِثْلِها، فهي أحَق به مِن غيرِها، سواء كانت في حِبالِ الزَّوْجِ أو مُطَلَّقَةً.
وقال القاضي: لا يَجُوزُ.
وتَأوَّلَ كَلامَ الخِرَقِيِّ على أنها في حِبالِ زَوْج آخَرَ.
وهو قولُ أصْحابِ الرَّأي.
وحُكِيَ عن الشافعيِّ؛ لأنَّه قد اسْتَحَقَّ حَبْسَها والاسْتِمْتاعَ بها بعِوَضٍ، فلا يَجوزُ أن يَلْزَمَه عِوَض 479 آخَرُ؛ لذلك.
ولَنا، أنَّ كل عَقْدٍ يَصِحُّ أن تَعْقِدَه صع غيرِ الزَّوْجِ، يَصِحُّ أن تَعْقِدَه معه، كالبَيعِ، ولأنَّ مَنافِعَها في الرَّضاع والحَضانَةِ غيرُ مُسْتَحَقَّةٍ للزَّوْجِ، بدَلِيلِ أنَّه لا يَمْلِكُ إجْبارَها على ذلك، ويَجُوزُ أن تَأخُذَ عليها العِوَضَ مِن غيرِه، فجاز لها أخْذُه منه، كثمَنِ مالِها.
وقولُهم: إنها اسْتَحَقَّتْ عِوَضَ الحَبْسِ والاسْتِمْتاعِ.
قلنا: هذا غيرُ الحَضانَةِ، واسْتِحقاقُ مَنْفَعةٍ مِن وَجْهٍ لا يَمْنعُ اسْتِحقاقَ مَنْفَعةٍ سِوَاها بعِوَض آخَرَ، كما لو اسْتَأجَرَها كم تَزَوَّجَها.
وتَأويلُ القاضي كَلامَ الخِرَقِيِّ
الجزء: 14 - الصفحة: 326
وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ أحَدُهَا، أنْ يَعْقِدَ عَلَى نَفْعِ الْعَين دُونَ أجْزَائِهَا، فَلَا تَصِحُّ إجَارَةُ الطَّعَامِ لِلأكْلِ، وَلَا الشمْعِ لِيُشْعِلَهُ،
يُخالِفُ الظّاهِرَ مِن وَجْهَين؛ أحدُهما، أنَّ الألِفَ واللامَ في الزوْج للمَعْهُودِ، وهو أبو الطِّفْلِ.
الثاني، أنَّها إذا كانت في حِبالِ زوْجٍ آخَرَ لا تكونُ أحَقَّ به، بل يَسْقُطُ حَقُّها مِن الحَضانَةِ، ثم ليس لها أن ترْضِعَ إلَّا بإذنِ زَوْجِها، ففَسَدَ التَّأويلُ.
2167 -
مسألة؛ [قال، رَضِيَ اللهُ عنه]
الحديث: 2167 - الجزء: 14 - الصفحة: 327
وَلا حَيَوَانٍ لِيَأخذ لبَنَهُ، عَيْنِه، فلم يَجُزْ، كما لو اسْتَأجَرَ دِينارًا ليُنْفِقَه، فإنِ اسْتَأجَرَ شَمْعةً ليُسْرِجَها، ويَرُدَّ بَقِيتها وثَمَنَ ما ذَهَب وأجْرَ الباقِي، فهو فاسِد؛ لأنه يَشْمَلُ بَيعًا وإجارَةً، وما وَقع عليه البَيعُ مَجْهُول، وإذا جُهِلَ البَيعُ، جُهِلَ المُسْتَأجَرُ أيضًا، فيَفْسُدُ العَقْدان.
2168 -
مسألة: (ولا)
يَجُوزُ استِئْجارُ (حَيَوانٍ ليَأخُذَ لَبَنَه) كاسْتِئْجارِ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ ليَأخُذَ لَبَنَها، أو ليَسْتَرْضِعَها
الحديث: 2168 - الجزء: 14 - الصفحة: 328
إلا فِي الظِّئْرِ وَنَقْعِ الْبِئْرِ، يَدْخُلُ تَبَعًا.
أسْخاله (1)، ونحوَها، ولا ليَأخُذَ صُوفَها وشَعَرَها ووَبَرَها، ولا اسْتِئْجارُ شَجَرةٍ ليَأخُذَ ثَمَرَتَها أو شيئًا مِن عَينها؛ لِما ذَكَرْناه.
2169 -
مسألة: (إلَّا في الظِّئْرِ ونَقْعِ 483 البِئْرِ، يَدْخُلُ تَبَعًا) أمّا الظِّئْرُ فقد سَبَقَ ذِكْرُها. وأمّا نَقْعُ البِئرِ، فقال ابنُ عَقِيل: يَجُوزُ اسْتِئْجارُ482
الحديث: 2169 - الجزء: 14 - الصفحة: 329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البِئْر ليَسْتَقِيَ منه أيامًا مَعْلُومَةً أو دِلاءً مَعْلُومةً؛ لأنَّ هَواءَ البِئْرِ وعُمْقَها فيه نَوْعُ انْتِفاعٍ بمرُورِ الدَّلْو فيه.
فأمّا الماءُ فيؤخَذُ على أصْلِ الإباحَةِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ الفَحْلِ للضِّرابِ.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأي.
وخَرَّجَ أبو الخَطَّابِ وَجْهًا في جَوازِه، بِناءً على إجارَةِ الظئرِ للرَّضاعِ؛ لأنَّ الحاجَة تَدْعُو إليه.
وهو قولُ الحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن عَسْبِ الفَحْلِ.
مُتَّفَق عليه 484. ولأنَّ المَقْصُودَ الماءُ الذي يُخْلقُ منه الوَلَدُ، فيَكُونُ عَقْدُ الإجارَةِ لاسْتِيفاءِ عَين [فلم يَجُزْ] 485، كإجارَةِ الغَنَمِ لأخْذِ لَبَنِها، ولأنَّ الماءَ مُحَرَّم لا قِيمَةَ له، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عنه، كالمَيتَةِ.
فأمّا مَن أجازَه، فيَنْبَغِي أن يُوقِعَ العَقْدَ على العَمَكِ، ويُقَدِّرَه بمَرَّةٍ أو مَرَّتَينِ.
وقيل: يُقَدِّرُه بالمُدَّةِ.
وهو بَعِيدٌ، فإنَّ مَن أرادَ إطْراقَ فَرَسِه 486 مَرَّةً، فقَدَّره بمُدَّةٍ تَزِيدُ على قَدْرِ الفِعْلِ، لم يُمْكِنِ اسْتِيعابُها به، ورُبَّما لا يَحْصُلُ الفِعْلُ في المُدَّةِ، ويَتَعَذَّرُ ضَبْطُ مِقْدارِ الفِعْلِ، فيَتَعَيَّنُ التَّقْدِيرُ بالفِعْلِ، إلَّا أن يَكْتَرِيَ فَحْلًا لإطْراق ماشِيَةٍ كَثيرَةٍ، كتَيْسٍ يَتْرُكُه في غَنَمِه، فإنَّه إنَّما يَكْتَرِيه مُدَّةً مَعْلُومَةً.
والمَذْهَبُ أنه لا يَجُوزُ إجارَتُه؛ لِما ذَكَرْناه،
الجزء: 14 - الصفحة: 331
الثَّانِي، مَعْرِفَةُ الْعَينِ بِرُؤيَةٍ أوْ صِفَةٍ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ، وَتَصِحُّ فِي الآخَرِ بِدُونِهِ، وَلِلْمُستَأجِرِ خِيَارُ الرؤيَةِ.
فإنِ احْتاجَ إلى ذلك، ولم يَجِدْ مَن يُطْرِقُ له، جاز له أن يَبْذُلَ الكِراءَ، وليس للمُطْرِق أخْذُه؛ لأنَّ ذلك بَذْلُ مالٍ لتَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ مُباحةٍ تَدْعُو الحاجَةُ إليها، فجاز، كشراءِ الأسِيرِ، ورِشْوَةِ الظّالِمِ ليَدْفَعَ ظُلْمَه.
وإن أطْرَقَ إنْسان فَحْلَه بغيرِ إجارَةٍ ولا شَرْطٍ، فأُهْدِيَتْ له هَدِيَّة، أو أكْرِمَ بكَرامةٍ لذلك، فلا بَأسَ به؛ لأنَّه فَعَل مَعْرُوفًا، فجازَتْ مُجازاتُه عليه، كما لو أهدَى هَدِيةً فجُوزِيَ عليها.
واللهُ أعلمُ.
2170 -
مسألة: (الثاني، مَعْرِفةُ العَينِ برُؤيةٍ أو صِفَةٍ، في أحَدِ الوَجْهَين، ويَصِحُّ في الآخرِ بدُونِه، وللمُسْتَاجِرِ خِيارُ الرُّويةِ)
يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ العَينِ المُسْتَأجَرَةِ بالمُشاهَدَةِ إن كانت لا تَنْضَبِطُ بالصِّفاتِ، أو
الحديث: 2170 - الجزء: 14 - الصفحة: 332
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالصِّفَةِ إن كانت تَنْضَبِطُ بها، قِياسًا على البَيعِ.
وفيه وَجْه آخَر، أنَّه لا يُشْتَرَطُ، ويَثْبُتُ للمُسْتَأجِر خِيارُ الرُّويةِ.
وهو قولُ أصْحابِ الرأي.
والخِلافُ ههُنا مَبْنِيٌّ على الخِلافِ في البَيعِ.
وقد ذَكَرْناه، والمَشْهُورُ الأوَّلُ.
فعلى هذا، إذا كانت ممّا لا يَنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، كالدورِ، والحَمّامِ، فلا بُدَّ مِن رُؤيتها، كالبَيعِ؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ بصِغَرِها، وكِبَرِها، ومَرافِقِها، ومُشاهَدَةِ قَدْرِ الحَمّامِ؛ ليَعْلَمَ كِبَرَها مِن صِغَرِها، ومَعْرِفةِ مائِهِ، ومُشاهَدَةِ الإيوانِ 487، ومُطَّرَحِ الرَّمادِ، ومَوْضِح الزِّبْلِ، ومَصْرِفِ ماءِ الحَمّامِ.
فمتى أخَلَّ بهذا أو بعضِه، لم يَصِحَّ؛ للجَهالةِ بما يَخْتَلِفُ به الغَرَضُ.
وقد كَرِه أحمدُ، رَحِمَهُ الله، كَرْىَ الحَمّامِ؛ لأنَّه يَدْخُلُه مَن يَكْشِفُ عَوْرَتَه فيه.
قال ابنُ حامدٍ: هذا على طَرِيقِ كَراهَةِ التنزِيهِ دُونَ التَّحْرِيمِ، فأمّا العَقْدُ فصَحِيح في قولِ أكثر أهْلِ العِلْمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، أنَّ كِراءَ الحَمّامِ جائِر، إذا حَدَّدَه، وذَكَر جميعَ آلتِه شُهُورًا مُسَمّاةً.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرأي؛ لأنَّ المُكْتَرِي إنَّما يَأخُذُ الأجْرَ عِوَضًا عن دُخُولِ الحَمّامِ والاغْتِسالِ بمائِهِ، وأحْوالُ المُسْلِمِين مَحْمُولَةٌ على السَّلامَةِ، وإن وَقَعَ مِن بعضِهم فِعْلُ ما لا يَجُوزُ،
الجزء: 14 - الصفحة: 333
الثَّالث، الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ، فَلا تَصحُّ إِجَارَةُ الآبِقِ، وَالشَّارِدِ، وَلَا الْمَغْصُوبِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أخْذِهِ.
وَلَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْمُشَاعِ مُفْرَدًا لِغَيرِ شَرِيكِهِ.
وَعَنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازه.
لم يُحَرَّمِ الأجْرُ المَأخُوذُ منه، كما لو اكْتَرَى دارًا ليَسْكُنَها، فشربَ فيها خَمْرًا.
2171 -
مسألة: (الثالثُ، القُدْرَةُ على التَّسْلِيمِ، فلا يَصِحُّ إجازَةُ الآبِقِ والشّارِدِ، ولا المَغْصُوبِ)
مِن غيرِ غاصِبِه، إذا لم يَقْدِرْ على أخْذِه منه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَسْلِيمُ المَعْقُودِ عليه، فلم تَصِحَّ إجارَتُه، كبَيعِه.
2172 -
مسألة: (ولا تَجُوزُ إجارَةُ المُشَاعِ مُفْرَدًا لغيرِ شَرِيكِه. وعنه ما يَدُلُّ على الجَوازِ)
قال أصحابُنا: لا تَجُوزُ إجارَةُ المُشاعِ لغيرِ الشَّرِيكِ، إلَّا أن يُؤْجِرَ الشرِيكان معًا.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، وزُفَرَ؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، فلم تَصِحَّ إجارَتُه، كالمَغْصُوبِ، يُحَقِّقُ ذلك أنَّه لا يَقدِرُ على تَسْلِيمه إلَّا بتَسْليمِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ، ولا ولايةَ له على
الحديث: 2171 - الجزء: 14 - الصفحة: 334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مالِ شَرِيكِه.
واخْتارَ أبو حَفْص العُكْبَرِي جَوازَه.
وقد أوْمأ إليه أحمدُ.
وهو قولُ مالك، والشافعيِّ، وأبي يوسفَ، ومحمدٍ؛ لأنه مَعْلُوم يَجُوزُ بَيعُه، فجازَتْ إجارَتُه، كالمُفْرَدِ.
ولأنَّه عَقْد في مِلْكِه يَجُوزُ مع شَرِيكِه، فجاز مع غيرِه، كالبَيعِ.
ومَن نَصَر الأولَ، فَرّقَ بينَ مَحَلِّ النِّزاعِ وبينَ ما إذا أجَرَه الشرِيكان، أو أجَرَه لشَرِيكِه، فإنَّه يُمْكِنُ التَّسْلِيمُ إلى المُسْتَأجِرِ، فأشْبَهَ إجارَةَ المَغْصُوبِ مِن غاصِبِه دُونَ غيرِه.
وإن كانت لواحدٍ فأجَرَ نِصْفَها، صَح؛ لأنه يُمْكِنُه تَسْلِيمُه، ثم إن أجَرَ نِصْفَها الآخَرَ للمُسْتَأجِرِ الأولِ، صَحَّ؛ لإمْكانِ تَسْلِيمِه إليه.
وإن أجَرَه لغيرِه، فَفِيه وَجْهان، كالمسألة التي قبلَها؛ لأنه لا يُمْكِنُه تَسْلِيمُ ما أجَرَه إليه.
وإن أجَرَ الدّارَ لاثْنَين، لكُلِّ واحدٍ منهما نصفها، وكذلك؛ لأنه لا يُمْكِنُه تَسْلِيمُ نَصيبِ كُلِّ واحدٍ إليه.
الجزء: 14 - الصفحة: 335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا تَجُوزُ إجارَةُ المُسْلِمِ للذِّمِّيِّ لخِدْمَتِه.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، فقال: إن أجَرَ نَفْسَه مِن الذِّمِّيِّ في خِدْمَتِه لم يَجُزْ، وإن كان في عَمَل شيءٍ جاز.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وقال في الآخَرِ: تَجُوزُ، لأَنه يَجُوزُ له إجارَةُ نَفْسِه في غيرِ الخِدْمَةِ، فجاز فيها، كإجارَته مِن المُسْلِمِ.
ولَنا، أَنه عَقْد يَتَضَمَّنُ حَبْسَ المُسْلِمِ عندَ الكافِرِ وإذْلاله له واسْتِخْدامَه، أشبَهَ البَيعَ، يُحَقِّقُه أنَّ عَقْدَ الإجارَةِ للخِدْمَةِ يَتَعَيَّنُ فيه حَبْسُه مُدَّةَ الإجارَةِ واسْتِخدامُه، والبَيعُ لا يَتَعَيَّنُ فيه ذلك، فإذا مُنِعَ منه، فالمَنْعُ مِن الإجارَةِ أوْلَى.
فأمّا إن أجَرَ نفْسَه منه في عَمَل مُعَيَّن في الذِّمَّةِ، كخِياطَةِ ثَوْبٍ، جاز بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ الله عنه، أجَرَ نَفْسَه مِن يَهُودِيٍّ يَسْتَقِي له كلَّ دَلْوٍ بتَمْرةٍ، وأخْبَرَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فلم يُنْكِرْه، وكذلك الأنْصاري 488. ولأنه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ لا يَتَضَمَّنُ إذْلال المُسْلِمِ ولا استِخْدامَه، فأشْبَهَ مُبايَعَتَه.
وإن أجَرَ نَفْسَه منه [لعمل غيرِ] 489 الخِدْمةِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، جاز أيضًا، في ظاهِرِ
الجزء: 14 - الصفحة: 336
الرَّابعُ، اشْتِمَالُ الْعَينِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ، فَلَا تَجُوزُ إِجَارَةُ بَهِيمَةٍ زَمِنَةٍ لِلْحَمْلِ، وَلَا أرْض لَا تُنْبِتُ لِلزَّرْعِ.
كلامِ أحمدَ؛ لقولِه: وإن كان في عَمَلِ شيءٍ جاز.
ونَقَلَ عنه أحمدُ بنُ سعيدٍ: لا بَأسَ أن يُؤَاجِرَ نَفْسَه مِن الذِّمِّيِّ.
وهذا مُطْلَق في نَوْعيِ الإجارَةِ.
وذَكَرَ بعضُ أصحابِنا أنَّ ظاهِرَ كَلامِ أحمدَ مَنْعُ ذلك وأشار إلى ما رَواه الأثْرَمُ، واحْتَجَّ بأنه عَقْد يَتَضَمَّنُ حَبْسَ المُسْلِمِ، أشْبَهَ البَيعَ.
والصَّحِيحُ ما ذَكَرْنا، فإنَّ كلامَ أحمدَ يَدُلُّ على خِلافِ ما قاله، فإنَّه خَصَّ المَنْعَ بالإجارَةِ للخِدْمةِ، وأجازَ إجارَتَه للعَمَلِ، وهذا إجارَة للعَمَلِ، ويُفارِق البَيعَ؛ فإنَّ فيه إثْباتَ المِلْكِ على المُسْلِمِ، ويُفارِق إجارَتَه للخِدْمَةِ؛ لتَضَمُّنِها الإذْلال.
فصل: نَقَل إبراهيمُ الحَرْبي، أنَّه سُئِلَ عن الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدِّيكَ ليُوقِظَه لوَقْتِ الصَّلاةِ، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ ذلك يَقِفُ على فِعْلِ الدِّيكِ، ولا يُمْكِنُ اسْتِخْراجُ ذلك منه بضَرْبٍ ولا غيرِه، وقد يَصِيحُ وقد لا يَصِيحُ.
ورُبَّما صاحَ بعدَ الوَقْتِ.
2173 -
مسألة: (الرابعُ، اشْتِمالُ العَينِ على المَنْفَعَةِ. فلا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ بَهِيمَةٍ زَمِنَةٍ للحَمْلِ، ولا أرْضٍ لا تُنْبِتُ للزَّرْعِ)
لأنَّ الإِجارَةَ
الحديث: 2173 - الجزء: 14 - الصفحة: 337
الْخَامِسُ، كَوْنُ الْمَنْفَعَةِ مَمْلُوكَةً لِلْمُؤجِرِ، أو مَأذُونًا لَهُ فِيهَا، فَيَجُوزُ لِلْمُسْتَأجرِ إجَارَةُ الْعَينِ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ.
عَقْدٌ على المَنْفَعةِ، ولا يُمْكِنُ تَسْلِيمُ هذه المَنْفَعَةِ مِن هذه العَينِ، فلا تَجُوزُ إجارَتُها، كالعَبْدِ الآبِقِ.
2174 -
مسألة: (الخامسُ، كَوْنُ المَنْفَعَةِ مَمْلُوكةً للمُؤْجِرِ، أو مَأذُونًا له فيها)
لأنَّه تَصَرُّفٌ فيما لا يَمْلِكُه ولا أذِنَ فيه مالِكُه، فلم يَجُزْ، كَبَيعِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ ويَقِفَ على إجازَةِ المالِكِ، بِنَاءً على بَيع العَينِ بغيرِ إذْنِ مالِكِها.
[وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في ذلك في كتابِ البيعِ] (1).
2175 -
مسألة: (يَجُوزُ للمُسْتَأجِرِ إجارَةُ العَينِ لمَن يَقُومُ مَقامَه)
مِن المُؤْجِرِ وغيرِه.
يَجُوزُ للمُسْتَأجِرِ [أن يُؤجِرَ] 491 العَينَ المُسْتَأجَرَةَ إذا قَبَضَها.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ،490
الحديث: 2174 - الجزء: 14 - الصفحة: 338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وابنِ سِيرِينَ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وأبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبيِّ، والثَّوْريِّ، والشافعيِّ، وأصحاب الرأي.
وذَكَر القاضي فيه رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه لا يَجُوزُ؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن رِبْح ما لم يُضْمَنْ 492. والمَنافِعُ لم تَدْخُلْ في ضَمانِه، ولأنَّه عَقَدَ على ما لم يَدْخُلْ في ضَمانِه، فلم يَجُزْ، كبَيعِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ قبل قَبْضِه.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ قَبْضَ العَينِ قامَ مَقامَ قَبْضِ المَنافِعِ، بدَلِيلِ أنّه يجوزُ التَّصَرُّفُ فيها، فجاز العَقْدُ عليها، كبَيعِ الثَّمَرَةِ على الشّجَرةِ، وبهذا الأصْلِ يَبْطُلُ قياسُ الرِّوايةِ الأخْرَى.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا تَجُوزُ إجارَتُه إلَّا لمَن يَقُومُ مَقامَه، أو دُونَه في الضَّرَرِ؛ لأن هذه المَنْفَعَةَ صارَتْ مَمْلُوكَةً له، فله أن يَستوْفِيَها بنَفْسِه وبنائِبهِ.
والمُسْتأجَرَةُ لا تَجُوزُ إجارَتُها لمَن هو أكثرُ ضَرَرًا منه، ولا لمَن يُخالِفُ ضَرَرُه ضَرَرَه؛ لِما نَذْكُرُه.
الجزء: 14 - الصفحة: 339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا إجارَتُها قبلَ قَبْضِها، فتَجُوزُ مِن غيرِ المُؤْجِرِ في أحَدِ الوَجْهَين.
وهو قولُ بعضِ الشافعيةِ؛ لأنَّ قَبْضَ العَينِ لا يَنْتَقِلُ به الضَّمانُ إليه، فلم يَقِفْ جَوازُ التَّصَرُّفِ عليه.
والثاني، لا يَجُوزُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والمَشْهُورُ مِن قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّ المَنافِعَ مَمْلُوكَة بعَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فاعْتُبِرَ في جَوازِ العَقْدِ عليها القَبْضُ، كالأعْيانِ.
وأمّا إجارَتُها للمُؤْجِرِ قبلَ القَبْضِ، فإذا قُلْنا: لا يَجوزُ مِن غيرِ المُؤْجِرِ.
ففيها ههُنا وَجْهان؛ أحدهما، لا يَجوز كغيرِه.
والثاني، يَجُوزُ؛ لأنَّ القَبْضَ لا يَتَعَذَّرُ عليه، بخِلافِ الأجْنَبِيِّ، وأصْلُهما بَيعُ الطَّعامِ قبلَ قَبْضِه، هل يَصِحُّ مِن بائِعِه؛ على رِوايَتَين.
وتَجوزُ إجارَتُها مِن المُؤْجِرِ بعدَ قَبْضِها.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه يُؤَدِّي إلى تَناقُضِ الأحكامِ؛ لأنَّ التسْلِيمَ مُسْتحَقٌّ على 493 المُكْرِى، فإذا اكْتَراها صار
الجزء: 14 - الصفحة: 340
وَتَجُوزُ لِلْمُؤجِرِ وَغَيرِهِ بِمِثْلِ الأجْرَةِ وَزِيَادَةٍ.
وَعَنْهُ، لَا تَجُوزُ بِزِيَادَةٍ.
وَعَنْهُ، إِنْ جَدَّدَ فِيهَا عِمَارَةً، جَازَتِ الزِّيَادةُ، وَإلَّا فَلَا.
مُسْتَحِقًّا له، فيَصِيرُ مُسْتَحِقًّا لِما يُسْتَحَقُّ عليه، وهو تَناقُضٌ.
ولَنا، أنَّ كلَّ عَقْدٍ جاز مع الأجْنَبِيِّ، جاز مع العاقِدِ، كالبَيعِ.
وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ التَّسْلِيمَ قد حَصَل، وهذا المُسْتحَقُّ له تَسْلِيمٌ آخَرُ، ثم يَبْطُلُ بالبَيعِ، فإنَّه يُسْتَحَقُّ عليه تَسْلِيمُ العَينِ، فإذا اشْتَراها اسْتَحَقَّ تَسْلِيمَها.
فإن قِيلَ: التُّسْلِيمُ ههُنا مُسْتَحَق في جَميعِ المُدَّةِ.
قلنا: المُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُ العَينِ، وقد حَصَل.
وليس عليه تَسْلِيمٌ آخَرُ، غيرَ أنَّ العَينَ مِن ضَمانِ المُؤْجِرِ، فإذا تَعَذَّرَتِ المَنافِعُ بتَلَفِ الدّارِ، أو غَصْبِها، رَجَعَ عليه؛ لأنها تَعَذَّرَت بسَبَبٍ كان في ضَمانِه.
2176 -
مسألة: (وتَجُوزُ)
إجارَتُها (بمِثْلِ الأجْرَةِ وزِيادَةٍ.
وعنه، لا تَجُوزُ بزِيادَةٍ.
وعنه، إن جَدُّدَ فيها عِمارَةً، جازَتِ الزِّيادَةُ، وإلَّا فلا) إذا قلنا بجَوازِ إجارَةِ العَينِ المُسْتَأجَرَةِ، جازَتْ بمِثْلِ الأجْرَةِ وزِيادَةٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ، ورُوِيَ عن عطاءٍ، والحَسَنِ، والزُّهْرِيِّ.
الحديث: 2176 - الجزء: 14 - الصفحة: 341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبه قال الشافعي، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ: لا تَجُوزُ بزِيادَةٍ، تُرْوَى كراهَةُ ذلك عن ابن المُسَيَّبِ، وأبي سَلَمَةَ، وابنِ سِيرِينَ، ومُجاهدٍ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ.
وعنه، إن جَدَّدَ فيها عمارةً جازَتِ الزيادَةُ، وإلَّا فلا، فإن فَعَل تَصَدَّقَ بالزِّيادَة.
رُوِيَ ذلك عن الشَّعْبِي.
وبه قال الثَّوْرِي، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّه يَرْبَحُ بذلَك فيما لم يَضْمَنْ، وقد نهَى النبي - صلى الله عليه وسلم - عَنْ رِبْحِ ما لم يُضْمَنْ.
ولأَنه يَرْبَحُ فيما لم يَضْمَنْ، فلم يَجُزْ، كما لو رَبِحَ في الطَّعامِ قبلَ قَبْضِه، ويُخالِفُ ما إذا عَمِلَ فيها، فإنَّ الرِّبْحَ في مُقابلَةِ العَمَلِ.
وعن أحمدَ رِوايَة أخْرَى، إن أذِنَ له المالِكُ في الزِّيادَةِ، جاز، وإلَّا لم يَجُزْ.
ولَنا، أنَّه عَقْد يَجُوزُ برَأسِ المالِ، فجاز بزِيادَةٍ، كبَيعِ المَبِيعِ بعدَ قَبْضِه، وكما لو أحْدَثَ فيها عِمارَةً لا يُقابِلُها جُزْءٌ مِن الأجْرِ 494. وأمّا الخَبَرُ، فإنَّ المَنافِعَ قد دَخَلَتْ في ضَمانِه مِن وَجْهٍ، بدَلِيلِ أنَّها لو فاتَتْ مِن غيرِ اسْتِيفائِه، كانت مِن ضَمانِه.
والقِياسُ على بَيعِ الطَّعامِ قبلَ قَبْضِه لا يَصِحُّ، فإنَّه لا يَجُوزُ وإن لم يَرْبَحْ فيه.
وتَعْلِيلُهم بأنَّ الرِّبْحَ في مُقابَلةِ عَمَلِه مُلْغًى بما إذا كَنَس الدّارَ ونَظَّفَها، فإنَّ ذلك يَزِيدُ في أجْرِها عادةً.
واللهُ أعلَمُ.
فصل: وسُئِلَ أحمدُ عن الرَّجُلِ يَقْبَلُ العَمَلَ مِن الأعْمالِ، فيُقَبلُه بأقَلَّ مِن ذلك، أيجُوزُ له الفَضْلُ؟ قال: ما أدْرِي، هي مسألة فيها بعضُ الشيءِ.
قلتُ: ألَيسَ كان الخَيّاطُ أسْهَلَ عِنْدَك إذا قَطَع الثَّوْبَ أو غيرَه،
الجزء: 14 - الصفحة: 342
وَلِلْمُسْتَعِيرِ إجَارَتُهَا إِذَا أذِنَ لَهُ الْمُعِيرُ مُدَّةً بِعَينهَا.
إذا عَمِلَ في العَمَلِ شيئًا؟ قال: إذا عَمِلَ فهو أسْهَلُ.
قال النَّخَعِيُّ: لا بَأسَ أن يَقْبَلَ الخَيّاطُ الثِّيابَ بأجْر مَعْلُوم، ثم يُقَبِّلُها بعدَ ذلك بعدَ أن يُعِينَ فيها، أو يَقْطَعَ، أو يُعْطِيَه سُلُوكًا أو إبَرًا، [أو يَخِيطَ فيها شيئًا] (1). فإن لم يُعِنْ فيها بشيءٍ، فلا يَأخُذَنَّ فَضْلًا.
وهذا يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ النَّخَعِي قاله بِناءً على مَذْهَبِه، في أنَّ مَن اسْتَأجَرَ شيئًا لا يُؤْجرُه بزِيادَةٍ.
وقِياسُ المَذْهَبِ جَوازُ ذلك، سواء أعَانَ فيها بشيءٍ أو لم يُعِنْ؛ لأنَّه إذا جاز أن يُقَبِّلَهُ بمثلِ الأجْرِ الأولِ، جاز بزِيادَةٍ عليه، كالبَيعِ، وكإجارَةِ العَينِ.
2177 -
مسألة: (وللمُسْتَعِيرِ إجارَتُها إذا أذِنَ له المُعِيرُ مُدَّةً بعَينها)
لأنَّه لو أذِنَ له في بَيعِها، جازَ، فكذلك إذا أذِنَ له في إجارَتِها، ولأنَّ الحَقَّ له، فجازَ بإذْنِه.
ولا بُدَّ مِن تَعْيِينِ المُدَّةِ في الإذْنِ؛ لأنَّ الإجارَةَ عَقْد لازِم، لا تَجُوزُ إلَّا مُدَّةً مُعَيَّنَةً.495
الحديث: 2177 - الجزء: 14 - الصفحة: 343
وَتَجُوزُ إجَارَةُ الْوَقْفِ.
2178 - مسألة: (وتَجُوزُ إجارَةُ الوَقْفِ)
لأنَّ مَنافِعَه مَمْلُوكَةٌ للمَوْقُوفِ عليه، فجازَ له إجارَتُها، كالمُسْتَأجِرِ.
الحديث: 2178 - الجزء: 14 - الصفحة: 344
فَإنْ مَاتَ الْمُؤجِرُ، فَانْتَقَلَ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ، لَمْ تَنْفَسِخِ الإجَارَةُ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ، وَلِلثَّانِي حِصَّتُهُ مِنَ الأجْرَةِ.
2179 - مسألة: (فإن ماتَ المُؤْجِرُ، فانْتَقَلَ إلى مَن بَعدَه، لم تَنْفَسِخِ الإجارَةُ، في أحَدِ الوَجْهَين، وللثاني حِصَّتُه مِن الأجْرةِ)
لأنَّه أجَرَ مِلْكَه في زَمَنِ ولايته، فلم تَبْطُلْ بمَوْتِه، كما لو أجَرَ مِلْكَه المُطْلَقَ 496. والثاني، تَنْفَسِخُ الإِجارَةُ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا أنَّه أجَرَ مِلْكَه ومِلْكَ غيرِه، فَصَحَّ في مِلْكِه دُونَ مِلْكِ غيرِه، كما لو أجَرَ دارَين، إحداهما له والأخْرَى لغيرِه، بخِلافِ المطْلَقِ (1)، فإنَّ المالِكَ يَمْلِك مِن
الحديث: 2179 - الجزء: 14 - الصفحة: 346
وإنْ أجَرَ الْوَلِيُّ الْيَتيمَ أو السَّيِّدُ الْعَبْدَ، ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِي، وَعَتَقَ الْعَبْدُ، لَمْ تَنْفَسِخِ الإجَارَةُ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ تَنْفسِخَ.
جِهَةِ المَوْرُوثِ، فلا يَمْلِكُ إلَّا ما خَلَّفَه، وما تَصَرَّفَ فيه في حَياتِه لا يَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، والمَنافِعُ التي أجَرَها قد خَرَجَتْ عن مِلْكِه بالاجارَةِ فلا تَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، والبَطْنُ الثاني في الوَقْفِ يَمْلِكُونَ مِن جِهَةِ الواقِفِ، فما حَدَث فيها بعدَ البطْنِ الأولِ كان مِلْكًا لهم، فصادَفَ (1) تَصَرُّفَ المُؤْجِرِ في مِلْكِهم مِن غيرِ إذْنِهم، ولا ولايةٍ له عليهم.
ويَتَخَرَّجُ أن تَبْطُلَ الاجارَةُ كُلُّها، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وهذا التَّفْصِيلُ مَذْهَبُ الشافعيِّ.
فعَلَى هذا، إن كان المُؤْجِرُ قَبَض الأجْرَ كُلَّه، وقلنا: تَنْفَسِخُ الإجارَةُ.
فلمَن انْتَقَلَ إليه الوَ قْفُ أخْذُه، ويَرْجِعُ المُسْتَأجِرُ على وَرَثَةِ المُؤْجِرِ بحِصَّةِ الباقِي مِن الأجْرِ.
وإن قلنا: لا تَنْفسِخُ.
رَجَع مَن انْتَقَل إليه الوَقْفُ على التَّرِكَةِ بحِصَّتِه.
2180 -
مسألة: (وإن أجَرَ الوَلِيُّ اليَتيمَ)
أو ماله مُدَّةً، فبَلَغَ في أثْنائِها، فليس له فَسْخُ الإِجارَةِ.
ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه عَقْد لازِمٌ عَقَدَه497
الحديث: 2180 - الجزء: 14 - الصفحة: 347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بحَقِّ الولايةِ، فلم يَبْطُلْ بالبُلُوغِ، كما لو باعَ دارَه أو زَوَّجَه.
ويَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ الإجارَةُ فيما بعدَ البُلُوغِ؛ لِزَوالِ الولايةِ، لِما ذَكَرْنا في إجارَةِ الوَقْفِ.
ويَحْتَمِلُ أَنه إذا أجَرَه مُدَّةً يتَحَقَّقُ فيها بُلُوغُه، وهو أن يُؤجِرَ ابنَ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَتَينِ، فيَبْطُلُ في السّادِسَ عَشَرَ؛ لأنَّنا نَتَيَقَّنُ أنَّه أجَرَه فيها بعدَ بُلُوغِه.
وهل يَصِحُّ في الخامِسَ عَشَرَ؛ على وَجْهَينِ، بِناءً على تَفرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وإن لم يتَحَقَّقْ فيها بُلُوغُه كالذي أجَرَه الخامِسَ عَشَرَ وَحْدَه، فبَلَغ في أثْنائِه، فيكونُ فيه ما ذَكَرْنا في صَدْرِ الفَصْلِ؛ لأنّا لو قُلْنا: يُلْزَمُ الصَّبِي بعَقْدِ الوَلِيِّ مُدَّةً يتَحَقَّقُ فيها بُلُوغُه، أفْضَى إلى أن يَعْقِدَ على مَنافِعِه طولَ عُمُرِه، وإلى أن يتَصرَّفَ فيه في غيرِ زَمَنِ ولايته عليه.
ولا يُشْبِهُ النِّكاحَ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ مُدَّتِه، فإنَّه إنَّما يُعْقَدُ للأبدِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا بَلَغ الصَّبِي، فله الخِيارُ؛ لأنَّه عَقَد على مَنافِعِه في حال لا يَمْلِكُ التَّصرُّفَ في نَفْسِه، فإذا مَلَك، ثَبَتَ له الخيارُ، كالأمَةِ إذا عَتَقَتْ تحتَ زَوْج.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، عُقِد عليه قبلَ أن
الجزء: 14 - الصفحة: 348
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَمْلِكَ التَّصَرُّفَ، فإذا مَلَكَه لم يَثْبُتْ له الخِيارُ، كالأبِ إذا زَوَّجَ وَلَدَه.
والأمَةُ إنما ثَبَتَ لها الخِيارُ إذا عَتَقَتْ تحت عَبْدٍ؛ لأجْلِ العَيبِ، لا لما ذَكره، بدِليلِ أنَّها لو عَتَقَتْ تحت حُر، لم يَثْبُتْ لها الخِيارُ.
وإن ماتَ الوَلِيُّ المُؤْجرُ للصَّبِيِّ أو مالِه، أو عُزِلَ وانْتَقَلَتِ الولايةُ إلى غيرِه، لم يَبْطُلْ عَقْدُه؛ لأَنه تَصَرَّفَ وهو من أهْلِ التَّصَرُّفِ في مَحَلِّ ولايته، فلم يَبْطُلْ تَصرُّفُه بمَوْتِه أو عَزْلَه، كما لو ماتَ ناظِرُ الوَقْفِ أو عُزِلَ، أو ماتَ الحاكِمُ بعد تَصَرُّفِه فيما له النَّظَرُ فيه.
ويُفارِق ما لو أجَرَ المَوْقوف عليه الوَقْفَ مُدَّةً ثم ماتَ في أثنائِها؛ لأنَّه أجَرَ مِلْكَ غيرِه بغيرِ إذْنِه في مُدَّةٍ لا ولايةَ له فيها، وههُنا إنَّما يَثْبُتُ للوَلِيِّ 498 الثاني التَّصَرُّفُ فيما لم يتَصَرَّفْ فيه الأوَّلُ، وهذا العَقْدُ قد تَصرَّفَ فيه الأوَّلُ، فلم تَثْبُتْ للثاني ولاية على ما تَناوَلَه 499.
الجزء: 14 - الصفحة: 349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
2181 - مسألة: فإن أجَرَ السيِّدُ عَبْدَه مُدَّةً ثم أعْتَقَه في أثْنائِها، صَحَّ العِتْقُ، ولم يَبْطُلْ عَقْدُ الإجارَةِ، في قِياسِ المَذْهَبِ.
ولا يَرْجِع العَبْدُ على مَوْلاهُ بشيء.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيٍّ.
وقال في القَدِيمِ: يَرْجِعُ على مَوْلاهُ بأجْرِ المِثْلِ؛ لأنَّ المنافِعَ تُسْتَوْفى منه بِسَبَبٍ كان مِن جِهَةِ السَّيدِ، فرَجَعَ به
500 عليه،؛ لو أكْرَهَهُ بعد عِتْقِه على ذلك العَمَلِ.
ولَنا، أنَّها مَنْفَعَةٌ اسْتُحِقَّتْ بالعَقْدِ قبلَ العِتْقِ، فلم يَرْجِعْ ببَدَلِها، كما لو زَوَّجَ أمَتَه ثم أعْتَقَها بعد دُخُولِ الزَّوْج بها، فإنَّ ما يَسْتَوْفِيه السَّيدُ لا يَرْجِعُ به عليه.
ويُخالِفُ المُكْرَهَ، فإنَّه تعَدَّى بذلك.
وقال أبو حنيفةَ: للعَبْدِ الخِيارُ في الفَسْخِ أو الإمْضاءِ، كالصَّبِيِّ إذا بَلَغ؛ للمَعْنَى الذي ذَكَرَه ثَمَّ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِم على ما يَمْلِكُ، فلا يَنْفَسِخُ بالعِتْقِ، ولا يَزُولُ مِلْكُه عنه،؛ لو زَوَّجَ أمَتَه ثم باعَها.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ نَفَقَةَ العَبْدِ إن لم تَكُنْ مَشرُوطةً على المُسْتَأجِرِ، فهي على مُعْتِقِه؛ لأنَّه كالبَاقِي في ملكِه، لكَوْنِه يَمْلِكُ عِوَضَ نَفْعِه، ولأنَّ العَبْدَ عاجِر عن نَفَقَتِه؛ لأَنه مَشْغُول بالإجارَةِ، ولم تَجِبْ على المُسْتَأجِرِ؛ لأَنه اسْتَحَقَّ مَنْفَعَتَه بعِوَض غيرِ نَفَقَتِه، لم يَبْقَ إلَّا أنها على المَوْلَى.
ويتَخَرَّجُ أن تَنْفَسِخَ الإجارَة، كالصَّبِيِّ، والله أعلمُ.
الحديث: 2181 - الجزء: 14 - الصفحة: 350
فصْلٌ: وَإجَارَةُ الْعَينِ تَنْقَسِمُ قِسْمَينِ أحَدُهُمَا، أنْ تَكُونَ عَلَى مُدَّةٍ، كَإجَارَةِ الدَّارٍ شَهْرًا، والْأرْضِ عَامًا، وَالْعَبْدِ لِلْخِدْمَةِ أوْ لِلرَّعْي مُدَّةً مَعْلُومَة، يُسَمَّى الْأجِيرُ فِيهَا الْأجِيرَ الْخَاصَّ.
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وإجارَةُ العَينِ تَنْقَسِمُ قِسْمَينِ؛ أحدُهما، أن تكونَ على مُدَّةٍ، كإجارَةٍ الدَّارِ شَهْرًا، والأرْضِ عامًا، والعَبْدِ للخِدْمةِ أو للرَّعْي مُدَّةً مَعْلُومَة، ويُسَمَّى الأجِيرُ فيها الأجِيرَ الخاصَّ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ إجارةَ العَينِ مُدَةً مَعْلُومةً 501 تكون في الآدَمِيِّ
الجزء: 14 - الصفحة: 351
وَيُشْتَرَطُ أنْ تَكُونَ المُدَّةُ مَعْلُومَةً، يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ الْعَين فِيهَا، وَإنْ طَالتْ.
وغيرِه؛ فأمّا غيرُ الآدَمِيِّ، فمثلُ إجارَةِ الدارِ شَهْرًا، والأرْضِ عامًا.
وأمّا إجارَةُ الآدَمِيِّ، فمثلُ أن يَسْتَاجِرَ رَجُلًا يَبْنِي معه يومًا، أو يَخِيطَ له شهرًا، فهذا يُسَمَّى الأجِيرَ الخاصّ؛ لأنَّ المُسْتَأجِرَ يَخْتَص بمَنْفَعتِه في مُدَّةِ الإجارَةِ، لا يُشارِكُه فيها غيرُه.
2182 -
مسألة: (ويُشْتَرَطُ أن تكونَ المُدَّةُ مَعْلومةً، يَغْلِبُ على الظَّنِّ بَقَاءُ العَينِ فيها، وإن طالتْ)
[كالشهْر والسَّنَةِ ونحو ذلك، وأقلَّ وأكثرَ، إذا كان مَضْبُوطًا] 502. فأمّا ضَبْطُها بالشَّهْرِ والسَّنَةِ، فلا نَعْلَمُ فيه خلافًا، وإنَّما اشْتُرِطَ العِلْمُ بالمُدَّةِ؛ لأنَّها هي الضّابِطَةُ، فاشتُرِطَ
الحديث: 2182 - الجزء: 14 - الصفحة: 352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَعْرِفَتُها، كعَدَدِ المَكِيلاتِ فيما بِيعَ بالكَيلِ.
فإن قدَّرَ المُدةَ بسَنَةٍ مُطْلَقةٍ، حُمِلَ على السنةِ الهِلالِيةِ؛ لأنَّها المَعْهودَةُ، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ 503. فوَجَبَ أن يُحْمَلَ العَقْدُ عليه.
فإن قال: هِلَالِيةً.
كان تَوْكِيدًا، وإن قال: عَدَدِيَّةً.
أو: سَنَةً بالأيامِ.
فهي ثَلاثُ مائةٍ وسِتُّونَ يَوْمًا؛ لأن الشَّهْرَ العَدَدِيَّ ثَلاُثونَ يَوْمًا.
وإنِ اسْتَأجَرَ سَنَةً هِلاليَّةً في أوَّلِها، عَدَّ اثْنَي عَشَرَ شَهْرًا بالأهِلَّةِ، سواء كان الشَّهْرُ تامًّا أو ناقِصًا؛ لأنَّ الشَّهْرَ الهِلالِيَّ ما بينَ الهِلالينِ، يَنْقُصُ مَرَّةً ويَزِيدُ أُخْرَى.
وكذلك إن كان العَقْدُ على أشْهُر دُونَ السَّنَةِ.
وإن جَعَلَا المُدَّةَ سَنةً رُومِيَّةً أو شَمْسِيَّةً أو فارِسِيَّةً أو قِبْطِيَّةً، وهما يَعْلَمانِها، جازَ، وهي ثَلاثُ مِائةٍ وخَمْسَة وسِتُّونَ يَوْمًا ورُبْع يَوْمٍ؛ [فإنَّ الشهُورَ الرُّومِيَّةَ منها سَبْعَة أحَد وثَلاثونَ يومًا، وأرْبَعَة ثَلاثونَ يومًا، وشَهْر واحدٌ ثمانِية وعِشْرُونَ يومًا، وشُهُورُ القِبْطِ كلها ثَلاثونَ ثَلاثون، وزادُوها خَمْسَةَ أيام لِتُساويَ سَنَتُهم السَّنَةَ الرُّومِيَّةَ] 504. وإن جَهِلَا ذلك أو أحَدُهما، لم يَصِحَّ.
الجزء: 14 - الصفحة: 353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن أجَرَه إلى العِيدِ، انْصَرَفَ إلى الذي يلِيه، وتَعَلَّقَ بأوَّلِ جُزْءٍ منه؛ لأنّه جَعَلَه غايةً، فتَنْتَهِي مُدَّةُ الإِجارَةِ بأوَّلِه.
وقال القاضِي 505: لا بُدَّ مِن تَعْيِينِ العِيدِ فِطْرًا أو أضْحَى، مِن هذه السَّنَةِ أو مِن سَنةِ كذا.
وكذلك الحُكْمُ إن عَلَّقَه بشَهْر يَقَعُ اسْمُه على شَهْرَين، كجُمادَى ورَبِيعٍ، يَجِبُ على قَوْلِه أن يَذْكُرَ الأوّلَ أو الثاني من سَنَةِ كذا.
وإن عَلَّقه بشَهْر مُفْرَدٍ؛ كرَجَبٍ (1) فلا بُدَّ أن يبينه مِن أيِّ سَنَةٍ، وإن عَلَّقَه بِيَوْم، بَيَّنَه مِن أيِّ أسْبوع، وإن عَلَّقَهُ بعِيدٍ مِن أعيادِ الكُفَّارِ وهما يَعْلَمانِه، صَحَّ، وإلَّا لم يَصِحَّ.
فصل: ولا تتَقَدَّرُ أكثرُ مُدَّةِ الإجارَةِ، بل يجوزُ إجارةُ 506 العَينِ مُدّةً يَغْلِبُ على الظن بَقَاءُ العَينِ فيها، وإن طالتْ.
وهذا قولُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، غيرَ أنَّ أصحابَ الشافعيِّ اخْتَلَفُوا في مَذْهَبِه، فمِنْهم مَن قال: له قَوْلان؛ أحْدُهما، كما ذَكَرْنا، وهو الصَّحِيحُ.
والثاني، لا يجوزُ أكْثَرَ مِن سَنةٍ؛ لأنَّ الحاجَةَ لا تَدْعُو إلى أكْثَرَ منها.
ومنهم من قال: له قَوْل ثالِث: أنَّها لا تجوزُ أكثَرَ مِن [ثلاثينَ سَنَةً] 507. وحَكَى القاضِي في كِتابِ الخِلافِ عن ابنِ حامِدٍ، أنَّ أصحابَنا اخْتَلَفُوا في مُدَّةِ الإجارَةِ، فمِنْهُم مَن قال: لا
الجزء: 14 - الصفحة: 354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تجوزُ أكثر مِن سَنَةٍ.
واختارَه.
ومنهم مَن قال: إلى ثَلاثينَ سنةً، [لأنَّ الغالِبَ أنَّ الأعْيانَ لا تَبْقَى أكثر منها وتَتَغَيّرُ الأسْعارُ والأجْرُ] 508. ولَنا، قولُه تعالى إخْبارًا عن شُعَيب، - عليه السلام -، أنَّه قال: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ 509. وشَرعُ مَن قَبْلَنا شَرْع لَنا ما لم يَقُمْ على نَسْخِه دَلِيل.
ولأن ما جاز العَقْدُ عليه سَنَة، جازَ أكثر منها، كالبَيعِ، والنِّكاحِ، والمُساقاةِ، والتَّقْدِيرُ بسَنةٍ وثَلاثينَ تَحَكُّمٌ لا دَليلَ عليه، وليس هو بأوْلَى مِن التَّقْدِيرِ بزِيادَةٍ عليه أو نُقْصانٍ منه.
فصل: وإذا اسْتَأجَره سِنِينَ، لم يَحْتَج إلى تَقْسِيطِ الأجْرِ على كلِّ سَنَةٍ، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ، كما لو اسْتَأجَرَ سَنَة لم يَحْتَجْ إلى تَقْسِيطِ أجْرِ كلِّ شَهْر بالاتِّفاقِ، وكذلك لا يَفْتَقِرُ إلى تَقْسِيطِ أجْرِ كل يوم إذا اسْتَأجَرَ شَهْرًا، ولأن المَنْفَعَةَ كالأعْيانِ في البَيعِ، ولو اشْتَمَلَتِ الصَّفْقَةُ على أعْيانٍ، لم يَلْزَمْه تَقْدِيرُ ثَمَنِ كلِّ عَين، كذلك ها هنا.
وقال الشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه: يَفْتَقِرُ إلى تَقْسِيطِ أجْرِ كلِّ سَنَةٍ؛ لأنَّ المنافِعَ تَخْتَلِفُ باخْتِلافِ السِّنينَ، فلا يَأمَنُ أن يَنْفَسِخَ العَقْدُ فلا يَعْلَمُ بم يَرْجِعُ، وهذا يبطُلُ بالشهُورِ، فإنه لا يَفْتَقِرُ إلى تَقْسِيطِ الأجْرِ على كل شَهْر مع الاحْتِمالِ الذي ذَكَرُوه.
الجزء: 14 - الصفحة: 355
وَلَا يُشْتَرَطُ أنْ تَلِيَ الْعَقْدَ، فَلَوْ أجَرَهُ سَنَةَ خَمْسٍ فِي سَنَةِ أرْبَعٍ، صَحَّ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْعَينُ مَشْغُولَةً وَقْتَ الْعَقْدِ أوْ لَمْ تَكُنْ.
2183 - مسألة: (ولا يُشْتَرَطُ أن تَلِيَ العَقْدَ، فلو أجَرَه سَنَةَ خَمْسٍ في سَنَةِ أرْبَعٍ، صَحَّ، سواء كانتِ العَينُ مَشْغُولَةً وَقْتَ العَقْدِ أو لم تَكُنْ)
وكذلك إن أجَرَه شهْرَ رَجَبٍ في المُحَرَّمِ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعي: لا يَصِحُّ إلَّا أن يَسْتَأجِرَها مَن هي في إجارَتِه، ففيه قَوْلانِ؛ لأنَّه عَقْدٌ على ما لا 510 يُمْكِنُ تَسْلِيمُه في الحالِ، فأشْبَهَ إجارَةَ العَينِ المَغْصُوبةِ.
قال: ولا يجوزُ أن يَكْتَرِيَ بَعِيرًا بِعَينه إلا عندَ خُرُوجِه؛ لذلك.
ولَنا، أنَّها مُدَّة يجوزُ العَقْدُ عليها مع غيرِها، فجازَ العَقْدُ عليها مُفْرَدَةً مع عُمُومِ الناسِ، كالتي تَلِي العَقْدَ، وإنَّما تُشْتَرَطُ القُدْرَةُ على التَّسْلِيمِ عندَ وُجُوبِه، كالسَّلَمِ، فإنَّه لا يُشْتَرَطُ وُجُودُ القُدْرةِ عليه حال 511 العَقْدِ، ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِها مَشْغُولةً أو غيرَ مَشْغُولةٍ؛ لِما ذَكَرْناه، وما
الحديث: 2183 - الجزء: 14 - الصفحة: 356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذَكَرهُ يَبْطُلُ بما إذا أجَرَها مِن المُكْتَرِي، فإنه يَصِح مع ما ذَكَرُوه.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الأجارَةَ إن كانتْ على مُدةٍ تَلِي العَقْدَ، لم يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ ابْتدائِها مِن حينِ العَقْدِ، وإن كانتْ لا تَلِيه فلا بُدَّ مِن ذِكْرِه؛ لأنها أحَدُ طَرَفي العَقْدِ، فاحْتِيجَ إلى مَعْرِفَتِه، كالانْتِهاءِ.
وإن أطْلَقَ، فقال: أجَرْتُكَ سَنَةً أو شَهْرًا.
صَحَّ، وكان ابْتِداؤها مِن حينِ العَقْدِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ.
وقال الشافعيُّ، وبعضُ أصحابِنا: لا يَصِحُّ حتى يُسَمِّىَ الشَّهْرَ، ويَذْكُرَ في 512 أيِّ سَنَةٍ هي.
قال أحمدُ في رِوايةِ إسماعيلَ بنِ سعيدٍ: إذا اسْتَأجَرَ أجِيرًا شَهْرًا، فلا يجوزُ حتى يُسَمِّي الشَّهْرَ؛ [لأنه مُطْلَق مُفْتَقِرٌ إلى التَّعْيِينِ، كما لو قَرَّرَ صَوْمَ شَهْر] 513. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى حِكايةً عن شُعَيبٍ، - عليه السلام -: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾.
لم يَذْكُرِ ابْتِداءَها.
ولأنه تَقْدِير بمُدَّةٍ ليس فيها قُرْبة، فإذا أطْلَقَها وَجَب أن تَلِيَ السَّبَبَ، كَمُدَّةِ السَّلَمِ والإيلاءِ، وتُفارِقُ النَّذْرَ، فإنه قُرْبَة.
الجزء: 14 - الصفحة: 357
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا تَمَّتِ الإجارَةُ وكانت على مُدَّةٍ، مَلَك المُسْتَأجِرُ المَنافِعَ المَعْقُودَ عليها إلى المُدَّةِ وتَحْدُثُ على مِلْكِه.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَحْدُثُ على مِلْكِ المُؤْجِرِ، ولا يَمْلِكُها المُسْتأجرُ بالعَقْدِ؛ لأنها مَعْدُومة.
فلا تكونُ مَمْلوكةً، كالوَلَدِ والثَّمَرَةِ.
ولَنا، أنَّ المِلْكَ عِبارَة عن حُكْم يَحْصُلُ به تَصَرُّف مَخْصُوص، وقد ثَبَت أن المَنْفَعَةَ المُسْتَقْبَلَةَ كان مالِكُ العَينِ يتَصَرَّفُ فيها كتَصَرُّفِه في العَينِ، فلَمّا أجَرَها كان المُسْتَأجِرُ مالِكًا للتَّصرُّفِ فيها؛ كان يَمْلِكُه المُؤْجِرُ، فثَبَتَ أنها كانت مَمْلوكةً لمالِكِ العَينِ.
ثم انْتَقَلَتْ إلى المُسْتَأجِرِ، بخِلافِ الوَلَدِ والثَّمَرَةِ فإنَّ المُسْتَأجرَ لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيها.
قولُهم: إن المَنافِعَ 514 مَعْدُومة.
قلنا: هي مُقَدَّرةُ الوُجُودِ؛ لأنَّها جُعِلَتْ مَورِدًا [للعَقْدِ، والعَقْدُ] 515 لا يَرِدُ إلا على مَوْجُودٍ.
الجزء: 14 - الصفحة: 358
وَإذَا أجرَهُ فِي أثْنَاءِ شَهْرٍ سَنَةً، اسْتَوْفَى شَهْرًا بِالعَددِ، وَسَائِرَهَا
2184 - مسألة: (وإذا أجَرَه في أثْناءِ شَهْر سَنَةً، اسْتَوْفَى شَهْرًا بالعَدَدِ، وسائِرَها بالأهلَّةِ)
لأنَّه تَعَذَّرَ إتْمامُه بالهِلالِ، فتَمَّمْناه بالعَدَدِ،
الحديث: 2184 - الجزء: 14 - الصفحة: 360
بِالْأهِلَّةِ.
وَعَنْهُ، يَسْتَوْفِي الْجَمِيعَ بِالْعَدَدِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْأشْهُرُ؛ كَعِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَشَهْرَي صِيَامِ الْكَفَّارَةِ.
وأمْكَنَ اسْتِيفاءُ ما عداه بالهلالِ، فوَجب ذلك؛ لأنَّه الأصلُ (وعنه، يَسْتَوفِي الجميعَ بالعددِ) لأنَّها مدة يُستَوْفَى بَعضها بالعدد، فوَجَب استيفاءُ جَمِيعِها به، كما لو كانتِ المُدَّةُ شَهْرًا واحِدًا، ولأنَّ الشَّهْرَ الأوَّلَ يَنْبَغِي أن 516 يَكْمُلَ مِن الشَّهْرِ الذي يلِيه، فيَحْصُلُ ابتداءُ الشَّهْرِ الثانِي في أثْنائِه، وكذلك كلُّ شَهْر يَأتِي بعدَه.
ولأبي حنيفةَ والشافعيِّ كالرِّوايَتَين (وكذلك الحُكْمُ في كلِّ ما يُعْتَبَرُ فيه الأشْهُر؛ كَعِدَّةِ.
الوَفاةِ، وشَهْرَي صِيامِ الكَفّارَةِ).
فصل: ومَن اكْتَرَى دابَّةً إلى العشاءِ، فآخِرُ المُدَّةِ غُرُوبُ الشَّمْسِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو ثَور: آخِرُها زَوالُ الشَّمْسِ؛ لأنَّ العِشاءَ آخِرُ النَّهارِ، وآخِرُه النِّصْفُ الآخرُ مِن الزَّوالِ، وكذلك جاء في حَدِيثِ ذي اليَدَينِ، عن أبي هرَيرَة، قال: صَلَّى بِنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -
الجزء: 14 - الصفحة: 361
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إحْدَى صَلَاتَيِ 517 العَشِيِّ.
يَعْنِي الظُّهْرَ أو العَصْرَ.
هكذا تَفْسِيرُه 518. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ 519. يَعْنِي العَتَمَةَ.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْلَا ان أشُقَّ عَلَى أمَّتِي لأخَّرْتُ العِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيلِ» 520. وإنما تَعَلَّقَ الحُكْمُ بغُرُوب الشَّمسِ؛ لأنَّ هذه الصَّلاةَ تُسَمَّى العِشَاءَ الآخِرَةَ، فيَدُلُّ على أنَّ الأوَلَى المَغْرِبُ، وهو في العُرْفِ كذلك، فوَجَبَ أن يَتَعَلَّقَ الحُكْمُ به؛ لأنَّ المُدَّةَ إذا جُعِلَتْ إلى وَقْتٍ، تَعَلَّقَتْ بأوَّلِه، كما لو جَعَلَها إلى اللَّيلِ، وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ لَفْظَ العَشِيِّ غيرُ لَفْظِ العِشاءِ، فلا يجوزُ الاحْتِجاجُ بأحَدِهما على الآخَرِ حتى يَقُومَ دَلِيل على أنَّ مَعْنَى اللَّفْظَينِ واحِدٌ.
ثم لو ثَبَت أنَّ مَعْناهُما واحدٌ، غيرَ أنَّ أهْلَ العُرْفِ لا يَعْرِفُونَ غيرَ ما ذَكَرْنا.
فإنِ اكْتَراها إلى اللَّيل، فهو إلى أوَّلِه، وكذلك إنِ اكْتَراها إلى النَّهارِ، فهو إلى أوَّلِه.
ويَتَخرَّجُ أن يَدْخُلَ اللَّيلُ في المُدَّةِ الأولَى، والنَّهارُ في الثانيةِ؛ لِما ذَكَرْنا في مُدَّةِ الخِيارِ.
وإنِ اكْتَراها نَهارًا، فهو إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وإنِ اكْترَاها
الجزء: 14 - الصفحة: 362
الْقِسْمُ الثَّانِي، إجَارَتُهَا لِعَمَل مَعْلُوم؛ كإجَارَةِ الدَّابَّةِ لِلرُّكُوبِ إِلَى مَوْضِع مُعَيَّن، أوْ بَقَرة حَرْثِ مكَانٍ أوْ دِيَاسِ زَرْع، أو
لَيلَة، فهي إلى طلُوعِ الفَجْرِ، في قولِ الجميعِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال في لَيلَةِ القَدْرِ: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ 521. وقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ثم قال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ 522.
فصل: وإنِ اكْتَرَى فُسْطاطًا إلى مَكَّةَ، ولم يَقُلْ متى أخْرُجُ، فالكِراءُ فاسِد.
وبه قال أبو ثَوْرٍ.
وهو قِياس قولِ الشافعيِّ.
وقال أصحابُ الرَّأي: يَجُوزُ اسْتِحْسانًا، بخِلافِ القِيَاس.
ولَنا، أنَّها مُدَّة غيرُ مَعْلُومةِ الابتداءِ، فلم يَجُزْ، كما لو قال: أجرْتُكَ دارِي مِن حينِ يَخْرُجُ الحاجُّ إلى رَأس السَّنَةِ.
وقد اعْتَرَفُوا بمُخَالفتِه الدَّلِيلَ، وما ادَّعَوْه دَلِيلًا نمْنَعُ كَوْنَه دَلِيلًا.
(القِسمُ الثاني، إجارَتُها لِعَمَل مَعْلُوم؛ كإجارَةِ الدَّابَّةِ للرُّكُوبِ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّن، أو بَقَر لِحَرْثِ مكانٍ أو دِياس زَرْع، واسْتِئْجارِ عَبْدٍ
الجزء: 14 - الصفحة: 363
اسْتِئْجَار عَبْدٍ لِيَدُلَّه عَلَى طَرِيقٍ، أوْ رَحًى لِطَحْنِ قفْزَانٍ مَعْلومَةٍ، فَيُشْتَرَط مَعْرِفَة الْعَمَلِ، وَضَبْطهُ بِمَا لَا يَخْتَلِفُ.
ليَدُلَّه على طَرِيقٍ، أو رَحًى لِطَحْنِ قُفْزانٍ مَعْلُومَةٍ، فيُشْترَط مَعْرِفَةُ العَمَلِ، وضَبْطُه بما لا يَخْتَلِفُ) لأنَّ الإِجارَةَ عَقْد مُعاوَضةٍ، فوَجَبَ أن يكونَ العِوَضُ فيها مَعْلُومًا، لِئَلَّا يُفْضِي إلى الاخْتلافِ والتَّنازعِ، كقَوْلِنا في البَيعِ.
والعِلْمُ بمِقْدارِ المَنْفَعة؛ إمّا أن يَحْصلَ بتَقْدِيرِ المدَّةِ، كما ذَكَرْنا في إجارَةِ الدَّارِ وخِدْمةِ العَبْدِ مدَّةً مَعْلُومةً، وإمّا [أن يكونَ] 523 بتَقْدِيرِ العَمَلِ، ووَصْفِ ما يَعْمَلُه وضَبْطِه بما لا يُخْتَلَفُ فيه، كالمَبِيعاتِ.
فصل: يجوز أن يَكْتَرِيَ بَقَرًا لِحَرْثِ مَكانٍ؛ لأنَّ البَقَرَ خُلِقَتْ لِلْحَرْثِ، ولذلك 524 قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بَينَمَا رَجُل يَسوقُ بَقَرَةً، أرَادَ أنْ يَرْكَبَهَا، فَقَالتْ: إِنِّي لَمْ اخْلَقْ لِهَذَا، إنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ».
مُتَّفَق عليه 525. ويَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ الأرْضِ وتَقْدِيرِ العَمَلِ، فأمّا الأرْض فلا تُعْرَفُ إلَّا بالمُشاهَدَةِ؛ فإنَّها تَخْتَلِفُ، فتكونُ صُلْبَةً تُتْعِب البَقَرَ والحَرّاثَ
الجزء: 14 - الصفحة: 364
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وتكونُ فيها حِجارَة تتَعَلَّقُ فيها السِّكَّةُ 526، وتكونُ رَخْوة يَسْهُلُ حَرْثُها، ولا تَنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، فتَحتاجُ إلى الرُّؤيةِ.
وأمّا تَقْدِيرُ العَمَلِ، فيجوزُ بأحَدِ شَيئَينِ؛ إمّا بالمُدَّةِ، كيَوْم، وإمّا بمَعْرِفةِ الأرْضِ، كهذه القِطْعةِ، أو مِن ههُنا إلى ههُنا، أو بالمِساحَةِ، كجَرِيب أو جَرِيبَينِ، أو كذا ذِراعًا في كذا، كلُّ ذلك جائِزٌ؛ لحُصُولِ العِلْمِ به.
فإن قَدَّرَهُ بالمُدَّةِ، فلا بُدَّ مِن مَعْرِفةِ البَقَرِ التي يَعْمَلُ عليها؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِها، في القُوَّةِ والضعْفِ.
ويجوزُ أن يَسْتَأجِرَ البَقَرَ مُفْرَدَةً؛ ليَتَولَّى رَبُّ الأرْضِ الحَرْثَ بِها، ويَجُوزُ أن يَسْتَأجِرَها مع صاحِبِها، ويجوزُ اسْتِئْجارُها بآلتِها، وبدُونِها وتكونُ الآلةُ مِن عندِ صاحِبِ الأرْضِ، ويجوزُ اسْتِئْجارُ البَقَرِ وغيرِها لدِراسِ 527 الزَّرْعِ؛ لأنها مَنْفَعة مُباحة مَقْصُودَة، أشْبَهَتِ الحَرْثَ.
ويجوزُ على مُدَّةٍ أو زَرْع مُعَين، أو مَوْصُوفٍ، كما ذَكَرْنا في الحَرْثِ.
ومتى كان على مُدَّةٍ، احْتِيجَ إِلى مَعْرِفةِ الحَيوانِ؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ به، فمنه ما رَوْثُه طاهِر ومنه نجس، ولا يَحْتاجُ إلى مَعْرِفةِ عَينِ الحَيوانِ.
ويجوزُ أن يَسْتَأجِرَ الحَيَوانَ بآلتِه وغيرِ ها، مع صاحِبِه ومُنْفَرِدًا، كما ذَكَرْنا في الحَرْثِ.
فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ غَنَمٍ لتَدُوسَ له طِينًا أو زَرْعًا.
ولأصْحابِ الشافعيِّ فيه وَجْه، أنه لا يجوزُ؛ لأنَّها مَنْفعَةٌ غيرُ مَقْصُودةٍ مِن هذا الحَيَوانِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 365
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولنا، أنَّها مَنْفعة مُبَاحة يُمْكِنُ اسْتِيفاؤها، أشْبَهَتْ سائِرَ المَنافعِ المُباحةِ، وكالتي قبلَها.
فصل: فإنِ اكْتَرَى حَيَوانًا لِعَمَلٍ لم يُخْلَقْ له، كمَنِ اسْتَأجَرَ البَقَر للرُّكُوب أو الحَمْلِ، أو الإبلَ والحُمُرَ 528 للحَرْثِ، جازَ؛ لأنَّها مَنْفَعة مَقْصُودَةَ أمْكَنَ اسْتِيفاؤها مِن الحَيوانِ لم يَرِدِ الشَّرعُ بتَحْرِيمِها، فجازَ، كالتي خُلِقَتْ له، ولأنَّ مُقْتَضَى المِلْكِ جَوازُ التَّصرُّفِ بكلِّ ما تَصْلُحُ له العَينُ المَمْلوكَةُ ويُمْكِنُ تَحْصِيلُها منها، ولا يَمْتَنعُ ذلك إلا بمُعارِض راجِحٍ، أو ما وَرَد بتَحْرِيمِه نَص أو قِياسٌ صَحِيح، أو رُجْحانُ مَضَرَّةٍ على مَنْفعةٍ، ولم يُوجَدْ واحد منها، وكَثِير مِن الناسِ يَحْمِلُونَ على البَقَرِ ويَرْكَبُونَها، وفي بعضِ البِلادِ يُحْرَثُ على الإبِلِ والبغالِ والحَمِيرِ، فيكونُ مَعْنَى خَلْقِها لِلْحَرْثِ، إن شاء الله تعالى، أنَّه مُعْظَمُ نَفْعِها، ولا يمنعُ ذلك الانْتِفاع بها في شيءٍ آخَرَ،؛ أنَّ الخَيلَ خُلِقَتْ للرُّكوبِ والزِّينَةِ، ويباحُ أكْلُها، واللؤْلُؤُ خُلِقَ للْحِلْيَةِ، ويجوزُ اسْتِعمالُه في الأدْويةِ وغيرِها.
فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ بَهِيمَةٍ لإدارةِ الرَّحَى، ويَفْتَقِرُ إلى شَيئَين 529؛ مَعْرِفَةُ الحَجَرِ بالمُشاهَدَةِ أو الصِّفَةِ؛ لأنَّ عَمَلَ البَهِيمةِ يَخْتَلِفُ فيه بثِقَلِه وخِفَّتِه، فيَحْتاجُ صاحِبُها إلى مَعْرِفَتِه.
الشاق، تَقْدِيرُ العَمَلِ بالزّمانِ، كيَوْم أو يَوْمَين، أو بالطَّعامِ، فيقولُ: قَفِيزًا -أو-
الجزء: 14 - الصفحة: 366
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَفِيزَينِ.
وذِكْرُ جِنْسِ المَطْحُونِ إن كان يَخْتَلِفُ؛ لأنَّ منه ما يَسْهُلُ طَحْنُه، ومنه ما يَشُقُّ.
وإنِ اكْتَراها لادارَةِ دُولابٍ، فلا بُدَّ مِن مُشاهَدَتِه ومشاهَدةِ دِلائِه، لاخْتِلافِها، وتَقْدِيرِ ذلك بالزَّمانِ أو مِلْءِ هذا الحَوْضِ.
وكذلك إنِ اكْتَراها للسَّقْي بالغَرْبِ 530، فلا بُدَّ مِن معرِفَتِه؛ لأنه يَخْتَلِفُ بكِبَرِه وصِغَرِه.
ويُقَدَّرُ بالزَّمانِ، أو بعَدَدِ الغُرُوبِ، أو بِمِلْءِ بِرْكةٍ، [ولا] 531 يجوزُ تَقْدِيرُ ذلك بِسَقْيِ أرْض؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ، فقد تكونُ الأرْضُ شَدِيدَةَ العَطَش لا يَرْويها القَلِيلُ، وتكونُ قَريبةَ العَهْدِ بالماءِ فيَكْفِيها 532 اليَسِيرُ.
وإن قَدَّرَه بِسَقْي ماشِيَةٍ، احْتَمَلَ أن لا يجوزَ؛ لذلك.
ويَحْتَمِلُ الجوازُ؛ لأنَّ شُرْبَها يَتَقارَبُ في الغالِبِ.
ويجوزُ اسْتِئْجارُ دابَّةٍ ليَسْتَقِيَ عليها ماءً، ولا بُدَّ مِن مَعْرِفةِ الآلةِ التي يَسْتَقِي فيها؛ مِن رَاويةٍ أو قِرَبٍ أو جِرار، إمّا بالرُّؤيةِ، وإمّا بالصِّفَةِ.
ويُقَدِّرُ العَمَلَ بالزَّمانِ، أو بالعَدَدِ، أو بِمِلْءِ شيءٍ مُعين، فإن قَدَّرَه بعَدَدِ المرّاتِ، احْتاجَ إلى مَعْرِفةِ المَكانِ الذي يَسْتَقِي منه، والذي يَذْهَبُ إليه؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ بالقُرْبِ والبُعْدِ، والسُّهُولةِ والحُزُونةِ، وإن قَدَّرَه على 533 شيءٍ مُعَيَّن، احْتاجَ إلى مَعْرِفَتِه، ومَعْرِفةِ ما يَسْتَقِي منه.
ويجوزُ أن يَكْتَرِيَ البَهِيمةَ بآلتِها وبدُونِها، مع صاحِبِها ووَحْدَها.
فإن اكْتَراها لِبَلِّ تُرابٍ مَعْرُوفٍ، جازَ؛ لأنَّه يُعْلَمُ
الجزء: 14 - الصفحة: 367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالعُرْفِ.
وكلُّ مَوْضِع وَقَع العَقْدُ على مُدةٍ، فلا بُدَّ مِن مَعْرِفةِ الظَّهْرِ الذي يَعْمَلُ عليه؛ لأن الغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِها في القُوَّةِ والضعْفِ.
وإن وَقَع على عَمَل مُعَيَّن، لم يَحْتَجْ إلى ذلك؛ لأنه لا يَخْتَلِفُ.
ويَحْتَمِلُ أن يَحْتاجَ إلى ذلك في اسْتِقاءِ الماءِ عليه؛ لأن منه ما رَوْثُه وجِسْمُه طاهِر، كالخَيلِ والبَقَرِ، ومنه ما رَوْثُه نَجِس وفي جِسْمِه اخْتِلاف، كالبِغَالِ، فرُبما نَجَّسَ يَدَ المُسْشَقِي أو دَلْوَه، فيَتَنَجَّس الماءُ به، فيَخْتَلِفُ الغرَضُ بذلك، فاحْتِيجَ إلى مَعْرِفَتِه.
2185 -
مسألة: يجوزُ (اسْتِئْجارُ رَجُل ليَدُلَّهُ على طَرِيقٍ)
لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر اسْتَأجَرَا عَبْدَ اللهِ بنَ الأرَيقِطِ هادِيًا خِرِّيتًا (1). وهو الماهِرُ بالهِدايةِ، ليَدُلَّهُما على الطرِيقِ إلى المَدِينةِ.
2186 -
مسألة: (و)
يَصِحُّ اسْتِئْجارُ (رَحًى لِطَحْنِ قُفْزانٍ مَعْلُومةٍ) ويَحْتاجُ إلى مَعْرِفةِ جِنْسِ المَطْحُونِ؛ بُرًّا، أو شَعِيرًا، أو ذُرَةً، أو غيرَه؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ، فمنه ما يَسْهُلُ طَحْنُه، ومنه ما يَعْسُرُ، فاحْتِيجَ إلى مَعْرِفَتِه، لتَزُولَ الجَهالةُ.
فصل: يجوزُ اسْتِئْجارُ كَيّالٍ، ووَزَّانٍ لِعَمَل مَعْلُوم، أو في مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ.
وبه قال مالك، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأي.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، وقد رُوِيَ في حَدِيثِ سُوَيدِ بنِ قَيس: أتانا رسولُ اللهِ534
الحديث: 2185 - الجزء: 14 - الصفحة: 368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- صلى الله عليه وسلم - فاشْتَرَى مِنّا رجلٌ سَراويلَ، وثَمَّ رَجُلٌ يَزِنُ بأجْرٍ، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «زِنْ وأرْجِحْ».
رَواه أبو داوُدَ 535.
فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ رَجُل لِيُلازِمَ غَرِيمًا تُسْتَحَقُّ مُلازَمَتُه.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه كَرِهَ ذلك، وقال: غيرُ هذا أعْجَبُ إليَّ.
وإنَّما كَرِهَه؛ لأنَّه يَئُولُ إلى الخُصُومَةِ، وفيه تَضْيِيقٌ على المُسْلِمِ، ولا يَأمَنُ أن يكونَ ظالِمًا فيُساعِدَه على ظُلْمِه.
ورُوِيَ عنه أنَّه قال: لا بأس به؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه مُحِقٌّ 536، فإنَّ الحاكِمَ في الظاهِرِ لا يَحْكُمُ إلَّا بحَق، ولهذا أجَزْنا للمُوَكلِ فِعْلَه.
فصل: ويجوزُ الاسْتِئْجارُ لِحَفْرِ الآبارِ والأنْهارِ والقُنِيِّ؛ لأنها مَنْفَعة مَعْلُومة، يجوزُ أن يَتَطوَّعَ بها، [الرجلُ على غيرِه] 537، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليها، كالخِدْمَةِ.
ولابدَّ مِن تَقْدِيرِ العَمَلِ بمُدَّةٍ أو عَمَل مُعَيَّن، فإن قَدَّرَهُ بمُدَّةٍ، نحوَ أن يَسْتَأجِرَه شَهْرًا لِيَحْفِرَ له بِئْرًا أو نَهْرًا؛ لم يَحْتَجْ إلى مَعْرِفةِ القَدْرِ، وعليه الحَفْرُ في ذلك الشَّهْرِ، قَلِيلًا حَفَر أو كثيرًا.
قال شيخُنا 538: ويَفْتَقِرُ إلى مَعْرِفةِ الأرْضِ التي يَحْفِرُ فيها.
وقال بعضُ أصحابِنا: لا يَحْتاجُ إلى ذلك؛ لأنَّ الغَرَضَ لا يَخْتَلِفُ بذلك.
والأوَّلُ أوْلَى، إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّ الأرْضَ الصلْبَةَ يَشُقُّ حَفْرُها، واللَّيِّنَةَ يَسْهُلُ.
الجزء: 14 - الصفحة: 369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن قَدَّرَه بالعَمَلِ، فلابُدَّ مِن مَعْرِفةِ المَوْضِعِ بالمُشاهَدةِ؛ لكَوْنِها تَخْتَلِفُ بالسُّهُولةِ والصَّلَابَةِ، ولذلك 539 لا يَنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، ويَعْرِفُ دَوْرَ البِئرِ، وعُمْقَها، وطُولَ النَّهْرِ، وعَرْضَه، وعُمْقَه؛ لأنَّ العَمَلَ يَخْتَلِفُ بذلك.
وإذا حَفَر بئرًا فعليه شَيلُ التُّرابِ؛ لأَنه لا يُمْكِنُه الحَفْرُ إلَّا بذلك، فقد تَضَمَّنَه العَقْدُ.
فإن تَهَوَّرَ تُرابٌ مِن جانِبَيها أو سَقَطَتْ فيه بَهِيمةٌ أو نحو ذلك، لم يَلْزَمْه شَيلُه، وكان على صاحِبِ البِئْرِ؛ لأنَّه سَقَط فيها مِن مِلْكِه، ولا يتَضَمَّنُ عَقْدُ الإجارَةِ رَفْعَه.
وإن وَصَل إلى صَخْرةٍ أو جَمادٍ يَمْنَعُ الحَفْرَ، لم يَلْزَمْه حَفْرُه؛ لأنَّ ذلك مُخالِف لِما شاهَدَه مِنَ الأرضِ، وإنَّما اعْتُبِرَتْ مُشاهَدَةُ الأرْضِ؛ لأنَّها تَخْتَلِفُ، فإذا ظَهَر فيها ما يُخالِفُ المُشاهَدَةَ، كان له الخِيارُ في الفَسْخِ، فإن فَسَخ، كان له مِنَ 540 الأجْرِ بحِصَّةِ ما عَمِلَ، فيُسقَطُ الأجْرُ على ما بَقِيَ وما عَمِلَ، فيقال: كم أجْرُ ما عَمِلَ، وكم أجْرُ ما بَقِيَ؟ فيُقَسَّطُ الأجْرُ المُسَمَّى عليهما.
ولا يجوزُ تَقْسِيطُه على عَدَدِ الأذْرُعٍ؛ لأنَّ أعْلَى البِئرِ يَسْهُلُ نَقْلُ التُّراب منه، وأسْفَلَه يَشُقُّ ذلك فيه.
وإن نبَع منه ما مَنَعَه مِنَ الحَفْرِ، فهو كالصَّخْرةِ، على ما ذَكَرْنا.
فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ ناسِخٍ لِيَنْسَخَ له كُتُبًا مِنَ الفِقْهِ والحَدِيثِ والشِّعْرِ المُباحِ، أو سِجِلاتٍ، نص عليه في روايةِ مُثَنَّى بنِ جامِع،
الجزء: 14 - الصفحة: 370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسَأله عن كِتابَةِ الحَدِيثِ بالأجْرِ، فلم يَرَ به بَأسًا.
ولابدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ بالمُدَّةِ أو العَمَلِ، فإن قَدَّرَه بالعَمَلِ، ذَكَر عَدَدَ الوَرَقِ، وقَدرَه، وعَدَدَ السُّطُورِ في كلِّ ورَقةٍ، وقَدْرَ الحَواشِي، ودِقةَ القَلَمِ وغِلَظَه.
فإن عَرَفَ الخَطَّ بالمُشاهَدَةِ، جازَ، وإن أمْكَنَه 541 بالصِّفَةِ ضَبَطَه، وإلَّا فلابُدَّ مِنَ المُشاهَدةِ؛ لأنَّ الأجْرَ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِه.
ويجوزُ تَقْدِيرُ الأجْرِ بأجْزاءِ الفَرْعِ، وبأجْزاءِ الأصْلِ.
وإن قاطَعَه على نَسْخِ الأصْلِ بأجْر واحدٍ، جازَ.
وإن أخْطَأ بالشَّيءِ اليَسِيرِ، عُفِيَ عنه؛ لأَنه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه.
وإن كان كثيرًا بحيث يَخْرُجُ عنِ العادَةِ، فهو عَيب يُرَدُّ به.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: ليس له مُحادَثَةُ غيرِه حال النَّسْخِ.
ولا التَّشاغُلُ بِما يَشْغَلُ سِرَّه ويُوجِبُ غَلَطَه، ولا لغيرِه تَحْدِيثُه وشَغْلُه.
وكذلك الأعْمالُ التي تَخْتلُّ بِشَغْلٍ السِّرِّ والقَلْبِ، كالقِصارَةِ والنِّساجَةِ ونحوهما.
ويجوزُ أن يَسْتَأجِرَ على نسْخِ مُصْحَفٍ، في قولِ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم جابرُ بنُ زَيدٍ، ومالِكُ بنُ دينار، وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال ابنُ سِيرينَ: لا بَأسَ أن يَسْتَأجرَ الرجلَ شَهْرًا، ويَسْتَكْتِبَه مُصْحَفًا.
وكَرِهَ عَلْقَمةُ كِتابَةَ المُصْحَفِ بالأَجْرِ، ولَعَلَّه يَرَى ذلك مما يَخْتَصُّ كَوْنَ فاعِله مِن أهْلِ القُرْبَةِ، فكَرِهَ الأجْرَ عليه، كالصَّلاةِ.
ولَنا، أَنه فِعْل مُباح يجوزُ أن يَنُوبَ فيه الغيرُ عن الغيرِ، فجازَ أخْذُ الأجْرِ عليه،
الجزء: 14 - الصفحة: 371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَكِتابَةِ الحَدِيثِ، وقد جاء في الخَبَرِ: «أَحَقُّ مَا أخَذْتُمْ عَلَيهِ أجْرًا كِتَابُ اللهِ» 542.
فصل: يَجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ لحَصادِ زَرْعِه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وكان إبراهيمُ بنُ أدْهَمَ يُؤْجِرُ نَفْسَه لحَصادِ الزَّرْعِ.
ويجوزُ تَقْدِيرُه بمُدَّةٍ وبِعَمَلٍ، مثلَ أن يُقاطِعَه على حَصادِ زَرْعٍ مُعَيَّنٍ.
ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ رجلًا لِسَقْي زَرْعِه وتَنْقِيَتِه ودياستِه 543 ونَقْلِه إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ.
ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ رَجُلًا يَحْتَطِبُ له؛ لأنَّه عَمَلٌ مُباحٌ، تَدْخُلُه النِّيابةُ، أشْبَهَ حَصادَ الزَّرْعِ.
قال أحمدُ في رجلٍ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا على أن يَحْتَطِبَ له على حِمارَينِ كلَّ يَوْمٍ، فكان الرجلُ يَنْقُلُ عليهما وعلى حَمِيرٍ لرجلٍ آخَرَ، ويَأْخُذُ منه الأُجْرَةَ، فإن كان يَدْخُلُ عليه ضَرَرٌ، يَرْجِعُ عليه بالقِيمَةِ.
وظاهِرُ هذا أن المُسْتأْجِرَ يَرْجِعُ على الأجِيرِ بقِيمَةِ ما اسْتَضَرَّ باشْتِغالِه عن عَمَلِه؛ لقولِه: إن كان يَدْخُلُ عليه ضَرَرٌ، يَرْجِعُ 544 بالقِيمَةِ.
فاعْتَبَرَ الضَّرَرَ.
وظاهِرُ هذا أنَّه إذا لم يَسْتَضِرَّ، لا يَرْجِعُ بشيءٍ؛ لأنَّه اكْتَراه لعَمَلٍ فَوفّاه على التَّمامِ، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو اسْتَأْجَرَه لِعَمَلٍ، فكان يَقْرَأُ القُرآنَ في حال عَمَلِه، فإن ضَرَّ المُسْتَأْجِرَ، رَجَع عليه بقِيمَةِ ما فَوَّتَ عليه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّه يَرْجِعُ عليه بقِيمَةِ ما عَمِلَه لغيرِه؛ لأنَّه صَرَف مَنافِعَه المَعْقُودَ عليها إلى عَمَلِ غيرِ المُسْتَأْجِرِ، فكان عليه
الجزء: 14 - الصفحة: 372
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قِيمَتُها، كما لو عَمِلَ لِنَفْسِه.
وقال القاضي: معناه أنَّه يَرْجِعُ عليه بالأجْرِ الذي أخَذَه مِنَ الآخَرِ؛ لأنَّ مَنافِعَه في هذه المُدَّةِ مَمْلُوكَةٌ لغيرِه، فما حَصَل في مُقابَلَتِها يكونُ للذي اسْتَأْجَرَه.
فصل: يجوزُ الاستِئجارُ لِاسْتِيفاءِ القِصاصِ، في النَّفْسِ وما دُونَها.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ في النَّفْسِ؛ لأنَّ عَدَدَ الضَّرَباتِ يَخْتَلِفُ، ومَوْضِعُ الضَّرَباتِ غيرُ مُتَعَيَّنٍ، إذْ يُمْكِنُ أن يَضْرِبَ ممَّا يَلِي الرَّأْسَ، وممّا يَلي الكَتِفَ، فكان مَجْهُولًا.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ يجوزُ التَّوْكِيلُ في اسْتِيفائِهِ، لا يَخْتَصُّ فاعِلُه بكَوْنِه 545 مِن أهْلِ القُرْبَةِ، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليه، كالقِصاصِ في الطَّرفِ.
وقولُه: إنَّ عَدَدَ الضَّرَباتِ يَخْتَلِفُ وهو مَجْهُولٌ.
يَبْطُلُ بخِياطَةِ الثَّوْبِ، فإنَّ عَدَدَ الغَرَزاتِ مَجْهُولٌ.
وقولُه: إن مَحَلَّه غيرُ مُتَعَيَّنٍ.
قلنا: هو مُتَقارِبٌ، فلا يَمْنَعُ ذلك صِحَّتَه، كمَوْضِعِ الخِياطةِ مِن حاشِيَةِ الثَّوْبِ.
فصل: ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ سِمْسارًا يَشْتَرِي له ثِيابًا.
ورَخَّصَ فيه ابنُ سِيرِينَ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِيُّ.
وكَرِهَه الثَّوْرِيُّ، وحَمّادٌ.
ولَنا، أنَّها مَنْفَعَةٌ مُباحةٌ تجوزُ النِّيابةُ فيها، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليها، كالبِناءِ.
وتجوزُ على مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ، مثلَ أن يَسْتَأْجِرَه عَشَرَةَ أيامٍ يَشْتَرِي له فيها؛ لأنَّ المُدَّةَ مَعْلُومةٌ، والعَمَلَ مَعْلُومٌ، فأشْبَهَ الخَيّاطَ والقَصّارَ.
وإن عَيَّنَ العَمَلَ دُونَ الزَّمانِ، فجَعَلَ له مِن كلِّ ألْفِ دِرْهَمٍ شَيئًا مَعْلُومًا، صَحَّ أيضًا.
وإن
الجزء: 14 - الصفحة: 373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: كُلَّما اشْتَرَيتَ ثَوْبًا فلَكَ دِرْهَمٌ أجْرًا.
وكانتِ الثِّيابُ مَعْلُومةً بِصِفَةٍ، أو مُقَدَّرَةً بثَمَنٍ، جازَ، وإن لم تَكُنْ كذلك، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يجوزُ؛ لأنَّ الثِّيابَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أثْمانِها، والأَجْرُ يَخْتَلفُ باخْتِلافِها.
فإن اشْتَرَى فله أجْرُ مِثْلِه.
وهذا قولُ أبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه عَمِلَ عَمَلًا بِعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، فكان له أجْرُ المِثْلِ، كسائِرِ الإِجاراتِ الفاسِدَةِ.
فصل: وإنِ اسْتَأْجَرَه لِيَبِيعَ له ثِيابًا بِعَينِها، صَحَّ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ذلك يتَعَذَّرُ عليه، فأشْبَهَ ضِرابَ الفَحْلِ، وحَمْلَ الحَجَرِ الكَبِيرِ.
ولَنا، أنَّه عَمَلٌ مُباحٌ مَعْلُومٌ، تجوزُ النِّيابةُ فيه، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليه، كَشِراءِ الثِّيابِ؛ ولأنَّه يجوزُ الاسْتِئْجارُ عليه مُقَدَّرًا بزَمَنٍ، فجاز مُقَدَّرًا بالعَمَلِ، كالخِياطَةِ.
وقولُهم: إنه يتَعَذَّرُ.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ الثِّيابَ لا تَنْفَكُّ عن راغبٍ فيها، ولذلك صَحَّتِ المُضارَبةُ، ولا تكونُ إلَّا بالبَيعِ والشِّراءِ، بخِلافِ ما قاسُوا عليه، فإنَّه يتَعَذَّرُ.
وإنِ اسْتَأْجَرَه على شِراءِ ثِيابٍ مُعَيَّنةٍ من رَجُلٍ مُعَيَّنٍ، [أو على بيعِها مِن رجلٍ مُعَيَّنٍ] 546، احْتَمَلَ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه قد يتَعذَّرُ، لامْتِناعِ صاحِبِها مِنَ البَيعِ، فيَتَعَذَّرُ تَحْصِيلُ العَمَلِ بحُكْمِ الظاهِرِ، بخِلافِ البَيعِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأَنه مُمْكِنٌ في الجُملةِ، فإن حَصَل مِن ذلك شيءٌ، اسْتَحَقَّ الأجْرَ، وإلَّا بَطَلَتِ الإِجارَةُ، كما لو لَمْ يُعَيِّنِ البائِعَ ولا المُشْتَرِيَ.
الجزء: 14 - الصفحة: 374
فَصْلٌ: الضَّرْبُ الثَّانِي، عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةِ، مَضْبُوطَةٍ بِصِفَاتٍ، كَالسَّلَمِ؛ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، وَبِنَاءِ دَارٍ، وَحَمْلٍ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ.
وَلَا يَكُونُ الْأَجِيرُ فِيهَا إِلَّا آدَمِيًّا جَائِزَ التَّصَرُّفِ، وَيُسَمَّى الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (الضَّرْبُ الثاني، عَقْدٌ على مَنْفَعَةٍ في الذِّمَّةِ، مَضْبُوطةٍ بصِفَاتٍ، كالسَّلَمِ؛ كخِياطَةِ ثَوْبٍ، وبِناءِ دارٍ، وحَمْلٍ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ.
ولا يكونُ الأجِيرُ فيها إلَّا آدِميًّا جائِزَ التَّصَرُّفِ، ويُسَمَّى الأجِيرَ المُشْتَركَ) يجوزُ للآدَمِيِّ أَن يُؤْجِرَ نَفْسَه، بغيرِ خِلافٍ، وقد أجَرَ مُوسَى، - عليه السلام -، نَفْسَه لرِعايةِ الغَنَمِ، واسْتَأْجَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكرٍ، -رَضِيَ اللهُ عنه-، رَجُلًا ليَدُلَّهُما على الطَّرِيقِ 547؛ لأنَّه يجوزُ الانْتِفاعُ به مع بَقاءِ عَينِه، أشْبَهَ الدُّورَ، ثمَّ إنَّ إجارَتَه تَقَعُ على مَوْصُوفٍ في الذِّمَّةِ، كالسَّلَمِ، ومتى كانت 548 على عَمَلٍ مَوْصُوفٍ في الذِّمَّةِ لم يَكُنِ الأجيرُ فيها إلا آدَمِيًّا جائِزَ التَّصَرُّفِ؛ لأنَّ الذِّمَّةَ لا تكونُ لغيرِ الآدَمِيِّ، ولا تَثْبُتُ المُعاوَضَةُ لِعَمَلٍ في الذِّمَّةِ لغيرِ جائِزِ التَّصَرُّفِ، ولا بُدَّ أن يكونَ
الجزء: 14 - الصفحة: 375
وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَينَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ، كَقَوْلِهِ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ لِيَ هَذَا الثَّوْبَ فِي يَوْمٍ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ.
العَمَلُ الذي يَتَعَلَّقُ بالذِّمَّةِ مَضْبوطًا بصِفاتِ السَّلَمِ ليَحْصُلَ العِلْمُ به [وقد ذكرنا ذلك] (1). ويُسَمَّى الأجِيرُ فيها الأجِيرَ المُشْتَرَكَ، مثلَ الخَيّاطِ الذي يَتَقَبَّلُ الخِياطَةَ لجَماعَةٍ، وكذلك القَصَّارُ، ومَن في معناه، فتكونُ مَنْفَعَتُه مُشْتَرَكةً بينهم.
2187 -
مسألة: (ولا يجوزُ الجَمْعُ بين تَقْدِيرِ المُدَّةِ والعَمَلِ، كقَوْلِه: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ لِيَ هذا الثَّوْبَ في يومٍ. وعنه، يجوزُ)
لا يجوزُ الجَمْعُ بينَ تَقْدِيرِ المُدَّةِ والعَمَلِ، كقَوْلِه: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ لِيَ هذا الثَّوْبَ في يَوْمٍ.
أو: تَبنىَ هذه الدّارَ في شَهْرٍ.
وهو قولُ549
الحديث: 2187 - الجزء: 14 - الصفحة: 376
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّ الجَمْعَ بينهما يَزِيدُ الإِجارَةَ غَرَرًا لا حاجَةَ إليه؛ لأنَّه قد يَفْرَغُ مِنَ العَمَلِ قبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، فإنِ اسْتُعْمِلَ في بَقِيَّةِ المُدَّةِ، فقد زادَ على ما وَقَع عليه العَقْدُ، وإن لم يَعْمَلْ، كان تاركًا للعَمَلِ في بعضِ المُدَّةِ، فهذا غَرَرٌ قد أمْكَنَ التَّحرُّزُ منه، ولم يُوجَدْ مِثلُه في محَلِّ الوفاقِ، فلم يَجُزِ العَقْدُ معه.
ورُوِيَ عن أحمدَ في مَن اكْتَرَى دابَّةً إلى مَوْضِعٍ على أن يَدْخُلَه في ثلاثٍ، فدَخَلَه في سِتٍّ، قال: قد أضَرَّ به.
فقِيلَ: يَرْجِعُ عليه بالقِيمَةِ؟ قال: لا، يُصالِحُه 550. وهذا يَدُلُّ على جَوازِ تَقْدِيرِهما جَمِيعًا، وهو قولُ أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ؛ لأنَّ الإِجارَةَ مَعْقُودةٌ على العَمَلِ 551، والمُدَّةُ إنَّما ذُكِرَتْ للتَّعْجِيلِ، فلا تَمْنَعُ ذلك.
فعلى هذا، إذا أتمَّ العَملَ قبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، لم يَلْزَمْه العَمَلُ في بَقِيَّتِها؛ لأنَّه وَفَّى ما عليه قبل مُدَّتِه، فلم يَلْزَمْه شيءٌ آخَرُ، كما لو قَضَى الدَّينَ قبلَ أجَلِه، وإن مَضَتِ المُدَّةُ قبلَ العَمَلِ 552، فلِلمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الإِجارَةِ؛ لأنَّ الأجِيرَ لم يَفِ له بشَرْطِه، فإن رَضِيَ بالبَقاءِ عليه لم يَمْلِكِ الأجِيرُ الفَسْخَ؛
الجزء: 14 - الصفحة: 377
وَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ؛ كَالْحَجِّ، وَالْأَذَانِ، وَنَحْوهِمَا.
وَعَنْهُ؛ تَصِحُّ.
لأنَّ الإِخْلال بالشَّرْطِ منه، فلا يكونُ ذلك وَسِيلةً له إلى الفَسْخِ، كما لو تَعَذَّرَ المُسَلَّمُ فيه في وَقْتِه لم يَمْلِكِ المُسَلَّمُ إليه الفَسْخَ، ومَلَكَهُ المُسَلِّمُ، فإن اخْتارَ إمْضاءَ العَقْدِ طالبَه بالعَمَلِ لا غيرُ، كالمُسَلِّمِ إذا صَبَر عند تَعَذُّرِ المُسَلَّمِ فيه إلى حينِ وُجُودِه، لم يَكُنْ له أكْثَرُ مِن المُسَلَّمِ فيه، وإن فَسَخ العَقْدَ قبلَ العَمَلِ، سَقَط الأجْرُ والعَمَلُ، وإن كان بعد عَمَلِ بعضِه، فله أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ العَقْدَ قد انْفَسَخَ، فسَقَطَ المُسَمَّى، ورَجَع إلى أجْرِ المِثْلِ.
2188 -
مسألة: (ولا تجوزُ الإِجارَةُ على عَمَلٍ يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكونَ من أهْلِ القُرْبَةِ؛ كالحَجِّ، والأذانِ، ونحوهما. وعنه، تَصِحُّ)
معنى قولِه: يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكونَ مِن أهْلِ القُرْبَةِ.
أنَّه يكونُ مُسْلِمًا.
وقد اخْتَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في الاسْتِئْجارِ على ما 553
الحديث: 2188 - الجزء: 14 - الصفحة: 378
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكونَ مُسْلِمًا؛ كالإِمامَةِ، والحَجِّ، والأذانِ، وتَعْلِيمِ القُرْآنِ، فرُوِيَ عنه، أنَّها لا تَصِحُّ.
وبه قال عَطاءٌ، والضَّحّاكُ بنُ قَيسٍ، وأبو حنيفةَ، والزُّهْرِيُّ.
وكَرِهَ إسحاقُ تَعْلِيمَ القُرْآنِ بأجْرٍ.
قال عبدُ اللهِ بنُ شَقِيقٍ: هذه الرُّغْفانُ التي يَأْخُذُها المُعَلِّمُونَ مِنَ السُّحْتِ.
وكَرِهَ أجْرَ المُعَلِّمِ مع الشَّرْطِ؛ الحَسَنُ، وابنُ سِيرِينَ، وطاوُسٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أخرى، أنَّه يجوزُ.
حكاهَا أبو الخَطّابِ، ونَقَل أبو طالبٍ عن أحمدَ أنَّه قال: التَّعْلِيمُ أحَبُّ إليَّ مِن أن يتَوَكَّلَ لهؤلاءِ السَّلاطِينِ، ومِن أن يتَوَكَّلَ لِرَجُلٍ مِن عامَّةِ الناسِ في ضَيعةٍ، ومِن أن يَسْتَدِينَ ويَتَّجِرَ، لعلَّه لا يَقْدِرُ على الوَفاءِ فيَلْقَى اللهَ بأماناتِ الناسِ، التَّعْلِيمُ أحَبُّ إليَّ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ مَنْعَه منه في مَوْضِعِ مَنْعِه للكَراهةِ لا للتَّحْرِيمِ.
ومِمَّنْ أجازَ ذلك مالكٌ، والشافعيُّ.
ورَخَّصَ في أُجُورِ المُعَلِّمينَ أبو قِلابَةَ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -
الجزء: 14 - الصفحة: 379
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زَوَّجَ رَجُلًا بما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ.
مُتَّفَقٌ عليه 554. فإذا جازَ تَعْلِيمُ القُرآنِ عِوَضًا في النِّكاحِ وقامَ مَقامَ المَهْر، جازَ أخْذُ الأُجْرةِ عليه في الإِجارَةِ.
وقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ علَيهِ أَجْرًا كِتابُ اللهِ» 555. حَديِثٌ
الجزء: 14 - الصفحة: 380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَحِيحٌ.
وفي حَدِيثِ أبي سعيدٍ أنَّ رَجلًا رَقَى رَجُلًا بِفاتِحَةِ الكِتابِ على جُعْلٍ، فَبَرأ، وأخَذَ أصحابُه الجُعْلَ، فأتَوْا به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فأخْبَرُوه وسَألُوه، فقال: «لَعَمْرِي لَمَنْ أكَلَ بِرُقْيَةِ باطِلٍ، لَقَدْ أكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ، كُلُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» 556. حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وإذا جازَ أخْذُ الجُعْلِ، جازَ أخْذُ الأجْرِ؛ لأنَّه في مَعْناه، ولأنَّه يجوزُ أخْذُ الرِّزْقِ عليه مِن بَيتِ المالِ، فجازَ أخْذُ الأجْرِ عليه، كبِناءِ المَساجِدِ، ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى الاسْتِنابةِ في الحَجِّ عَمَّنْ وَجَب عليه وعَجَز عن فِعْلِه، ولا يَكادُ يُوجَدُ مُتَبَرِّعٌ بذلك، فيُحْتاجُ إلى بَذْلِ الأجْرِ فيه.
ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، ما رَوَى عُثمانُ بنُ أبي العاصِ، قال: إنَّ آخِرَ ما عَهِدَ إليَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، أنِ
الجزء: 14 - الصفحة: 381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لا يَأْخُذُ على أذانِه أجْرًا.
قال التِّرْمِذِيُّ 557: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وروَى عُبادَةُ بنُ الصّامِتِ، قال: عَلَّمْتُ أُناسًا مِن أهْلِ الصُّفَّةِ القُرْآنَ والكِتابةَ، فأهْدَى إليَّ رَجُلٌ منهم قَوْسًا، قال: قلتُ: قَوْسٌ ولَيسَتْ بمالٍ 558، أتَقَلَّدُها في سَبِيلِ اللهِ.
فذَكَرْتُ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وقَصَّ عليه القِصَّةَ، قال: «إِنْ سَرَّكَ أنْ يُقَلِّدَكَ اللهُ قَوْسًا مِنْ نارٍ فَاقْبَلْها» 559. وعن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، أنَّه عَلَّمَ رجلًا سُورَةً مِن القُرآنِ، فأهْدَى له خَمِيصَةً 560 أو ثَوْبًا.
فذَكَرَ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لَوْ أنَّكَ لَبِسْتَها، أوْ أخَذْتَها، ألْبَسَكَ اللهُ مَكانَها ثَوْبًا مِنْ نَارٍ» 561 وعن أُبَيٍّ، قال: كُنْتُ أَخْتَلِفُ إلى رجلٍ مُسِنٍّ قد أصابَتْه عِلَّةٌ، قد احْتَبَسَ في بَيتِه أُقْرِئُه القُرآنَ، فكان عندَ فَراغِه ممَّا أُقْرِئُه يقولُ لجارِيَةٍ له: هَلُمِّى طَعامَ أخِي.
فيُؤْتَى بطَعامٍ لا آكُلُ
الجزء: 14 - الصفحة: 382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مثلَه بالمَدِينةِ، فحاكَ في نَفْسِي منه شيءٌ، فذَكَرْتُه للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «إنْ كَانَ ذَاكَ الطَّعامُ طَعَامَهُ وطَعامَ أهْلِه فَكُلْ مِنْهُ، وإن كان يُتْحِفُكَ به فَلَا تَأْكُلْهُ» 562. وعن عبدِ الرحمنِ بنِ شِبْلٍ الأنْصارِيِّ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «اقْرَأُوا القُرْآنَ، وَلَا تَغْلُوا فيه، ولا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ» 563. روَى هذه الأحادِيثَ كُلَّها الأثْرَمُ في «سُنَنِه».
ولأنَّ مِن شَرْطِ صِحَّةِ هذه الأفْعالِ كَوْنَها قُرْبةً إلى اللهِ تعالى، فلم يَجُزْ أخْذُ الأجْرِ عليها، كما لو اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يُصَلُّونَ خَلْفَه الجُمُعَةَ أو التَّراويحَ.
فأمَّا الأخْذُ على الرُّقْيَةِ، فإنَّ أحمدَ اخْتارَ جَوازَه، وقال: لا بَأْسَ.
وذَكَرَ حَدِيثَ أبي سعيدٍ.
والفَرْقُ بينه وبينَ ما اخْتُلِفَ فيه، أنَّ الرُّقْيَةَ نَوْعُ مُداواةٍ؛ والمَأْخُوذُ عليها جُعْلٌ، والمُداواةُ يُباحُ أخْذُ الأجْرِ عليها، والجَعالةُ أوْسَعُ مِنَ الإِجارَةِ، ولهذا تجوزُ مع جَهالةِ العَمَلِ والمُدَّةِ.
وقولُه - عليه السلام -: «أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ».
يَعْنِي به الجُعْلَ أيضًا في الرُّقْيَةِ؛ لأنَّه ذَكَر ذلك في سِياقِ خَبَرِ الرُّقْيَةِ.
وأمَّا جَعْلُ تَعْلِيمِ القُرْآنِ صَداقًا، فعنه فيه اخْتِلافٌ، وليس في الخَبَرِ تَصْرِيحٌ
الجزء: 14 - الصفحة: 383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بأنَّ التَّعْلِيمَ صَداقٌ، إنَّما قال: «زَوَّجْتُكهَا [على ما] 564 مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ».
فيَحْتَمِلُ أنَّه [زَوَّجه إياها] 565 بغيرِ صَداقٍ إكْرامًا له، كما زَوَّجَ أبا طَلْحةَ أُمَّ سُلَيمٍ على إسْلامِه 566، ونُقِلَ عنه جوازُه.
والفَرْقُ بين المَهْرِ والأجْرِ، أنَّ المَهْرَ ليس بعِوَضٍ مَحْضٍ وإنَّما وَجَب نِحْلَةً ووُصْلَةً، ولهذا جاز خُلُوُّ العَقْدِ عن تَسْمِيَتِه، وصَحَّ مع فَسادِه، بخِلافِ الأجْرِ في غيرِه.
فصل: فأمَّا الرِّزْقُ مِن بَيتِ المالِ، فيجوزُ على ما يَتَعَدَّى نَفْعُه مِن هذه الأُمُورِ؛ لأنَّ بَيتَ المالِ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِين، فإذا كان بَذْلُه لمن يَتَعَدَّى نَفْعُه إلى المُسْلِمِين مُحْتاجًا إليه، كان مِنَ المَصالِحِ، وكان له أخْذُه؛ لأنَّه مِن أهْلِه، وجَرَى مَجْرَى الوَقْفِ على مَن يَقُومُ بهذه المَصالِحِ، بخِلافِ الأجْرِ.
فصل: فإن أُعْطِيَ المُعَلِّمُ شَيئًا مِن غيرِ شَرْطٍ، جازَ، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ، فإنَّه قال، في رِوايةِ أيُّوبَ 567 ابنِ سافرى: لا يَطْلُبُ، ولا يُشارِطُ، فإن أُعْطِيَ شيئًا أخَذَه.
وقال، في رِوايةِ أحمدَ بنِ سعيدٍ: أكْرَهُ أجْرَ المُعَلِّمِ إذا شَرَط.
وقال: إذا كان المُعَلِّمُ لا يُشارِطُ، ولا يَطْلُبُ
الجزء: 14 - الصفحة: 384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن أحَدٍ شيئًا، إن أتاهُ شيءٌ قَبِلَه.
كأنَّه يَراه أهْوَنَ.
وكَرِهَهُ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ لِما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ القَوْسِ والخَمِيصَةِ التي أُعْطِيَهما 568 أُبَيٌّ وعُبادَةُ مِن غيرِ شَرْطٍ.
ولأنَّ ذلك قُرْبةٌ، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عنه بِشَرْطٍ ولا بغيرِه، كالصَّلاةِ والصِّيامِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أتَاكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ مِنْ غَيرِ مسألةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ فَخُذْهُ وتَمَوَّلْهُ، فَإنَّه رِزْقٌ سَاقَهُ اللهُ إِلَيكَ» 569. وقد أرْخَصَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لأُبَيٍّ 570 في أكْلِ طَعامِ الذي كان يُعَلِّمُه إذا كان طَعامَه وطَعامَ أهْلِه.
ولأنَّه إذا كان بغيرِ شَرْطٍ كان هِبَةً مُجَرَّدَةً، فجازَ، كما لو لم يُعَلِّمْه شيئًا.
فأمَّا حَدِيثُ القَوْسِ والخَمِيصَةِ فقَضِيَّتان في عَينٍ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلِمَ أنَّهما فَعَلا ذلك خالِصًا، فكَرِهَ أخْذَ العِوَضِ عنه مِن غيرِ اللهِ تعالى، ويَحْتَمِلُ غيرَ ذلك.
فأمَّا إن أُعْطِيَ المُعَلِّمُ أجْرًا على تَعْلِيمِ الخَطِّ وحِفْظِه، جازَ.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إن كان المُعْطِي يَنْوي أنَّه يُعْطِيه لحِفْظِ الصَّبِيِّ وتَعْلِيمِه، فأرْجُو إذا كان كذا.
ولأنَّ هذا ممَّا يجوزُ أخْذُ الأجْرِ
الجزء: 14 - الصفحة: 385
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه مُفْرَدًا، فجازَ مع غيرِه، كسائِرِ ما يجوزُ الاسْتِئْجارُ عليه.
وهكذا لو كان إمامُ المَسْجِدِ [قَيِّمًا يَكْنُسُه] 571، ويُسْرِجُ قَنادِيلَه، ويُغْلِقُ بابَه ويَفْتَحُه، فأخَذَ أجْرًا على خِدْمَتِه، أو كان النائِبُ في الحَجِّ يَخْدِمُ المُسْتَنِيبَ له في طَرِيقِ الحَجِّ، ويَشُدُّ 572 له، ويَحُجُّ عن قَرِيبِه، فدَفَعَ إليه أجْرًا لخِدْمَتِه، جازَ ذلك، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: فأمَّا ما لا يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكونَ مِن أهْلِ القُرْبَةِ، كتَعْلِيمِ الخَطِّ والحِسابِ والشِّعْرِ المُباحِ 573 وشِبْهِه، وبناءِ المَساجِدِ والقَناطِرِ، فيجوزُ أخْذُ الأجْرِ عليه؛ لأنَّه يَقَعُ تارَةً قُرْبةً، وتارَةً غيرَ قُرْبةٍ، فلم يُمْنَعْ مِن الاسْتِئْجارِ لِفِعْلِه، كغَرْسِ الأشْجارِ، وبناءِ البُيُوتِ.
وكذلك في تَعْلِيمِ الفِقْهِ والحَدِيثِ.
ذَكَرَه شَيخُنا 574. وذَكَر القاضِي في «الخِلافِ» أنَّهما مِن القِسْمِ الأوَّلِ.
والأوْلَى، إن شاء اللهُ، ما ذَكَرَه شَيخُنا؛ لكَوْنِ فاعِلِها 575 لا يَخْتَصُّ أن يكونَ مِن أهْلِ القُرْبَةِ، واللهُ
الجزء: 14 - الصفحة: 386
فَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْجُمَهُ، صَحَّ، وَيُكْرَهُ لِلْحُرِّ أَكْلُ أُجْرَتِهِ، وَيُطْعِمُهُ الرَّقِيقَ وَالْبَهَائِمَ.
وَقَال الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ.
أعلمُ.
وأمَّا ما لا يَتَعَدَّى نَفْعُه فاعِلَه مِن العِباداتِ المَحْضَةِ، كالصِّيامِ، وصَلاةِ الإِنْسانِ لِنَفْسِه، وحَجِّه عن نَفْسِه، وأداءِ زَكاةِ نَفْسِه، فلا يجوزُ أخْذُ الأجْرِ عليه بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الأجْرَ عِوَضٌ للانْتِفاعِ، ولم يَحْصُلْ لغيرِه ههُنا انْتِفاعٌ، فأشْبَهَ إجارَةَ الأعْيانِ التي لا نَفْعَ فيها.
2189 -
مسألة: (وإنِ اسْتَأْجَرَ مَن يَحْجُمُه، صَحَّ، ويُكْرَهُ للْحُرِّ أكْلُ أُجْرَتِه، ويُطْعِمُه الرَّقِيقَ والبَهائِمَ. وقال القاضي: لا يَصِحُّ)
يجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ حَجّامًا لِيَحْجُمَه، وأجْرُه مُباحٌ.
اختارَه أبو الخَطّابِ.
وهو قولُ ابنِ عَبَّاسٍ، قال: أنا آكُلُه.
وبه قال عِكْرِمةُ، والقاسِمُ، ومحمدُ بنُ عليِّ بنِ الحُسَينِ، ورَبِيعَةُ، ويَحْيَى الأنْصارِيُّ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال القاضي: لا يجوزُ.
وذَكَرَ أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه، قال: وإن أُعْطِيَ شيئًا مِن غيرِ عَقْدٍ ولا شَرْطٍ، فله أخْذُه، ويَصْرِفُه في عَلْفِ دابَّتِه، وطُعْمِ عَبْدِه، ومُؤْنَةِ صِناعَتِه، ولا يَحِلُّ أكْلُه.
وكَرِهَ كَسْبَ الحَجّامِ عثمانُ، وأبو هريرةَ، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ؛
الحديث: 2189 - الجزء: 14 - الصفحة: 387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «كَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 576.
وقال: «أطْعِمْهُ ناضِحَكَ ورَقِيقَكَ» 577. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، قال: احْتَجَمَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأعْطَى الحَجّامَ أجْرَه، ولو عَلِمَه حَرامًا لم يُعْطِه.
مُتَّفَقٌ عليه 578. وفي لَفْظٍ: ولو عَلِمَه خَبِيثًا لم يُعْطِه.
ولأنَّها مَنْفَعةٌ مُباحَةٌ، لا يَخْتَصُّ فاعِلُها بكَوْنِه مِن أهْلِ القُرْبَةِ، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليها، كالخِتانِ، ولأنَّ بالناسِ حاجَةً إليها، ولا نَجِدُ كُلَّ أحَدٍ مُتَبَرِّعًا بها، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليها، كالرَّضَاعِ، ولأنَّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في كَسْبِ الحَجّامِ: «أطْعِمْهُ رَقِيقَكَ».
دَلِيلٌ على إباحَتِه، إذ غيرُ جائزٍ أن يُطْعِمَ رَقِيقَه ما يَحْرُمُ
الجزء: 14 - الصفحة: 388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أكْلُه؛ فإنَّ الرَّقِيقَ آدَمِيٌّ يُحَرَّمُ عليه أكْلُ ما حُرِّمَ على الحُرِّ، وتَخْصِيصُ ذلك بما أُعْطِيَه مِن غيرِ اسْتِئْجارٍ تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عليه.
فعلى هذا، تَسْمِيةُ كَسْبِه خَبِيثًا لا يَلْزَمُ منه التَّحْرِيمُ، فقد سَمَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الثُّومَ والبَصَلَ خَبِيثَينِ 579 مع إباحَتِهما، وإنَّما كَرِهَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك للحُرِّ تَنْزِيهًا له؛ لِدَناءةِ صِناعَتِه، وليس عن أحمدَ نَصٌّ في تَحْرِيمِ 580 كَسْبِ الحَجّامِ ولا اسْتِئْجارِه عليها، وإنَّما قال: نحنُ نُعْطِيه كما أعْطَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ونقولُ له كما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا سُئِلَ عن أكْلِه نَهاهُ، وقال: «أَعْلِفْهُ النَّاضِحَ والرَّقِيقَ».
هذا مَعْنَى كلامِه في جميعِ الرِّواياتِ، وليس هذا صَرِيحًا في تَحْرِيمِه، بل فيه دَلِيلٌ على إباحَتِه، كما في قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على ما بَيَّنّا، فإنَّ إعْطاءَه للحَجّامِ دَلِيلُ إباحَتِه، إذ لا يُعْطِيه ما يَحْرُمُ عليه، وهو عليه
الجزء: 14 - الصفحة: 389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السلامُ، يُعَلِّمُ الناسَ ويَنْهاهم عن المُحَرَّماتِ، فكيف يُعْطِيهم إيّاها؟! فعلى هذا، يكونُ نَهْيُه - عليه السلام - عن أكْلِه نَهْيَ كَراهةٍ لا نهْيَ تَحْرِيمٍ، وكذلك قولُ الإِمامِ أحمدَ، فإنَّه لم يَخْرُجْ عن قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وفِعْلِه، بل قَصَد اتِّباعَه، وكذلك سائِرُ مَن كَرِهَه مِنَ الأئِمَّةِ، يتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهم على الكَراهةِ، فلا يكونُ في المَسْألةِ قائِلٌ بالتَّحْرِيمِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُكْرَهُ للحُرِّ أكْلُ أُجْرَةِ الحَجّامِ، ويُكْرَهُ تَعَلُّمُ صِناعَةِ الحِجامةِ وإجارَةُ نَفْسِه لها؛ لِما ذَكَرْنا مِنَ الأخْبارِ، ولأنَّ فيها دَناءةً، فَكُرِه الدُّخُولُ فيها، كالكَسْحِ.
وفيما ذَكَرْناه إن شاء اللهُ تعالى جَمْعٌ بين الأخْبارِ وتَوْفِيقٌ بينَ الأدِلَّةِ الدَّالَّةِ عليها.
فعلى هذا، يُطْعِمُه الرَّقِيقَ والبَهائِمَ، كما جاء في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: فأمَّا اسْتِئْجارُ الحَجّامِ لغيرِ الحِجامةِ، كالفَصْدِ، وحَلْقِ الشَّعَرِ وتَقْصِيرِه، والخِتانِ، وقَطْعِ شيءٍ مِن الجَسَدِ للحاجةِ إليه، فجائِزٌ؛ لأنَّ قَولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «كَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ».
يُرِيدُ بالحِجامَةِ، كما نَهَى عن مَهْرِ البَغِيِّ، أي في البِغاءِ.
ولذلك 581 لو كَسَب بصِناعةٍ 582 أُخْرَى لم يَكُنْ خَبِيثًا، بغيرِ خِلافٍ.
وهذا النَّهْي مُخالِفٌ لِلْقِياسِ فيَخْتَصُّ بالمَحلِّ الذي وَرَد فيه، ولأنَّ هذه الأُمُورَ تَدْعُو الحاجَةُ إليها، ولا تَحْرِيمَ فيها، فجازَتِ الإِجارَةُ فيها، كسائِرِ المنافِعِ المُباحَةِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ كَحّالًا لِيَكْحَلَ عَينَه؛ لأنَّه عَمَلٌ جائِزٌ، ويُمْكِنُ تسْلِيمُه ويُقَدِّرُ 583 ذلك بالمُدَّةِ؛ لأنَّ العَمَلَ غيرُ مَضْبُوطٍ، ويَحْتاجُ إلى بَيانِ عَدَدِ ما يَكْحَلُه، في كلِّ يومٍ مَرَّةً أو مَرَّتَينِ.
فإن قَدَّرَها بالبُرْءِ، فقال القاضي: لا يجوزُ؛ لأنَّه غيرُ مَعْلُومٍ.
وقال ابنُ أبي موسى: لا بَأْسَ بمُشارَطةِ الطَّبِيبِ على البُرْءِ؛ لأنَّ أبا سَعِيدٍ حينَ رَقَى الرجلَ شارَطَه على البُرْءِ.
قال شيخُنا 584: والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ، جوازُ ذلك، لكن 585 يكونُ جَعالةً لا إجارَةً؛ فإنَّ الإِجارَةَ لابُدَّ فيها مِن مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ، أو عَمَلٍ مَعْلُومٍ، والجَعالةُ تجوزُ على عَمَلٍ مَجْهُولٍ، كَرَدِّ اللُّقَطَةِ والآبِقِ.
وحَدِيثُ أبي سَعيدٍ في الرُّقْيَةِ إنَّما كان جَعالةً، فيجوزُ ههُنا مثلُه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الكُحْلَ إن كان مِن العَلِيلِ، جازَ؛ لأنَّ آلاتِ العَمَلِ تكونُ مِن المُسْتَأْجِرِ، كاللَّبِنِ في البِناءِ والطِّينِ والآجُرِّ ونحوها.
وإن شَرَطَه على الكَحّالِ، جازَ.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ؛ لأنَّ الأعْيانَ لا تُمْلَكُ بعَقْدِ الإِجارَةِ، فلا يَصِحُّ اشْتِراطُه على العامِلِ، كَلَبِنِ الحائِطِ.
ولَنا، أنَّ العادَةَ جارِيَةٌ به، ويَشُقُّ على العَلِيلِ 586 تَحْصِيلُه، وقد
الجزء: 14 - الصفحة: 391
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَعْجِزُ عنه بالكُلِّيَّةِ، فجازَ ذلك، كالصِّبْغِ مِن الصَّبّاغِ، والحِبْرِ والأقْلامِ مِن الوَرّاقِ.
وما ذَكَرَه يَنتَقِضُ بهذَينِ الأصْلَينِ.
وفارَقَ لَبِنَ الحائِطِ؛ لأنَّ العادَةَ تَحْصِيلُ المُسْتَأْجِرِ إيّاه، ولا يَشُقُّ ذلك، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
وقال أصحابُ مالكٍ: يجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ مَن يَبْنِي له جِدارًا والآجُرُّ مِن عندِه؛ لأنَّه اشْتَرَى ما يُتِمُّ به الصَّنْعَةَ التي عَقَد عليها، فإذا كان مَعْرُوفًا، جازَ، كما لو اسْتَأْجَرَه لِيَصْبُغَ له ثَوْبًا والصِّبْغُ مِن عندِه.
ولَنا، أنَّ عَقْدَ الإِجارَةِ عَقْدٌ على المَنْفَعَةِ، فإذا شَرَط بَيعَ العَينِ، صار كبَيعَتَين في بَيعةٍ.
ويُفارِقُ الصِّبْغَ، مِن حيثُ إنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليه؛ لأنَّ تَحْصِيلَ الصِّبْغِ يَشُقُّ على صاحِبِ الثَّوْبِ، وقد يكونُ الصِّبْغُ لا يَحْصُلُ إلَّا في حببٍ 587 يَحْتاجُ إلى مُؤْنةٍ كَثِيرةٍ، لا يَحْتاجُ إليها في صَبْغِ هذا الثَّوْبِ، فجازَ؛ لِمَسِيسِ الحاجَةِ إليه، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
فصل: فإنِ اسْتَأْجَرَه مُدَّةً، فكَحَلَه فيها، فلم تَبْرَأْ عَينُه، اسْتَحَقَّ الأجْرَ.
وبه قال الجماعةُ.
وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّه لا يَسْتَحِقُّ أجْرًا حتى تَبْرَأَ عَينُه.
ولم يَحْكِ ذلك أصحابُه، وهو فاسِدٌ؛ لأنَّ المُسْتَأْجِرَ قد وَفَّى
الجزء: 14 - الصفحة: 392
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العَمَلَ الذي وَقَع العَقْدُ عليه، فوَجَبَ له الأجْرُ وإن لم يَحْصُلِ الغَرَضُ، كما لو اسْتَأْجَرَه لبِناءِ حائِطٍ يَوْمًا، أو لخِيَاطةِ قَمِيصٍ، فلم يُتِمَّه فيه.
فإن بَرِئَتْ عَينُه في أثْناءِ المُدَّةِ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ فيما بَقِيَ مِنَ المُدَّةِ؛ لتَعَذُّرِ العَمَلِ، فهو كما لو حَجَز عنه أمْرٌ غالِبٌ، وكذلك لو ماتَ.
فإنِ امْتَنَعَ عن الاكْتِحالِ مع بَقاءِ المَرَضِ، اسْتَحَقَّ الكَحّالُ الأجْرَ بمُضِيِّ المُدَّةِ، كما لو اسْتَأْجَرَه يومًا للبِناءِ فلم يَسْتَعْمِلْه فيه.
فأمَّا إن شارَطَه على البُرْءِ، فهي جَعالةٌ لا يَسْتَحِقُّ شيئًا حتى يُوجَدَ البُرْءُ، سواءٌ وُجِدَ قَرِيبًا أو بَعِيدًا، فإن بَرِئَ بغيرِ كَحْلِه أو تَعَذَّرَ الكَحْلُ لمَوْتِه أو غيرِ ذلك مِن المَوانِعِ التي مِن جِهَةِ المُسْتَأْجِرِ، فله أجْرُ مِثْلِه، كما لو عَمِلَ العامِلُ في الجَعالةِ ثمَّ فَسَخ العَقْدَ.
فإنِ امْتَنَعَ لأمرٍ مِنْ جِهَةِ الكَحّالِ أو غيرِ المُسْتَأْجِرِ، فلا شيءَ له.
وإن فَسَخ الجاعِلُ الجَعالةَ بعدَ عَمَلِ الكَحّالِ، فعليه أجْرُ عَمَلِه، وإن فَسَخ الكَحّالُ، فلا شيءَ له، على ما يُذْكَرُ في بابِ الجَعالةِ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: ويَصِحُّ أن يَسْتَأْجِرَ طَبِيبًا لِمُداواتِه.
والكلامُ فيه كالكَلامِ في الكَحّالِ سواءً، [إلَّا أنَّه] 588 لا يجوزُ اشْتِراطُ الدَّواءِ على الطَّبِيبِ؛ لأنَّه إنَّما جازَ في الكَحّالِ على خِلافِ الأصْلِ؛ للحاجَةِ إليه، وجَرْي العادَةِ به، ولم يُوجَدْ ذلك المَعْنَى 589 ههُنا، فيَثْبُتُ الحُكْمُ فيه على وَفْقِ الأصْلِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 393
فَصْلٌ: وَلِلْمُسْتَأْجِرِ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ وَبِمِثْلِهِ، وَلَا يَجُوزُ بِمَنْ هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا مِنْهُ، وَلَا بِمَنْ يُخَالِفُ ضَرَرُهُ ضَرَرَهُ.
فصل: ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ مَن يَقْلَعُ ضِرْسَه؛ لأنَّها مَنْفَعةٌ مُباحَةٌ مَقْصُودَةٌ، فجاز ذلك عليها، كالخِتانِ.
فإنْ أخْطَأَ فقَلَعَ غيرَ ما أُمِرَ بقَلْعِه، ضَمِنَه؛ لأنَّه مِن جِنايَتِه.
وإن بَرَأ الضِّرْسُ قبلَ قَلْعِه، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ؛ لأنَّ قَلْعَه لا يجوزُ.
وإن لم يَبْرَأْ، لكنِ امْتَنَعَ المُسْتَأْجِرُ مِن قَلْعِه، لم يُجْبَرْ عليه؛ لأنَّ إتْلافَ جُزْءِ الآدَمِيِّ مُحَرَّمٌ في الأصْلِ، وإنَّما أُبِيحَ إذا صار بقَاؤُه ضَرَرًا، وذلك مُفَوَّضٌ إلى كلِّ إنْسانٍ في نَفْسِه إذا كان أهْلًا لذلك، فصاحِبُ الضِّرْسِ أعْلَمُ بمَضَرَّتِه ونَفْعِه وقَدْرِ ألَمِه.
فصل: قال، - رَضِيَ اللهُ عنه -: (وللمُسْتَأْجِرِ اسْتِيفاءُ المَنْفَعَةِ بنَفْسِه وبِمثْلِه، [ولا يجوزُ بِمَن هو أكْثَرُ ضَرَرًا منه، ولا بِمَن يُخالِفُ ضَرَرُه ضَرَرَه) كلُّ مَن اسْتَأْجَرَ عَينًا لمَنْفَعَتِها فله أن يَسْتَوْفِيَ المَنْفَعَةَ بنَفْسِه وبِمثْلِه] 590. فإذا اكْتَرَى دارًا للسُّكْنَى فله أن يُسْكِنَها مثلَه؛ لأنَّه لم يَزِدْ على اسْتِيفاءِ حَقِّه، ولأنَّه حَقُّه، فجازَ أن يَسْتَوْفِيَه بنَفْسِه وبِوَكِيلِه إذا كان مِثْلَه
الجزء: 14 - الصفحة: 394
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الضَّرَرِ أو دُونَه، كقَبْضِ المَبِيعِ، واسْتِيفاءِ الدَّينِ.
ويَضَعُ فيه ما جَرَتْ عادَةُ السّاكِنِ به مِن الرَّحْلِ والطَّعامِ، ويَخْزُنُ فيها الثِّيابَ وغيرَها ممَّا لا يَضُرُّ بها.
ولا يُسْكِنُها مَن يَضُرُّ بها كالقَصّارِينَ والحَدّادِينَ، ولا يَجْعَلُ فيها الدَّوابَّ؛ لأنَّها تَرُوثُ فيها وتُفْسِدُها، ولا يَجْعَلُ فيها السِّرْجِينَ ولا رَحىً، ولا ما يَضُرُّ بها، ولا شيئًا ثَقِيلًا فوقَ سَقْفٍ؛ لأنَّه يُثْقِلُه، وقد يَكْسِرُ خَشَبَه، فإن شَرَط ذلك، جازَ.
وبه قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
ولا يَمْلِكُ فِعْلَ ما يَضُرُّ بها؛ لأنَّه فوقَ المَعْقُودِ عليه، فلم يَكُنْ له فِعْلُه، كما لو اشْتَرَى شيئًا لم يَمْلِكْ أخْذَ أكْثَرَ منه، فإن جَعَل الدّارَ مَخْزَنًا للطَّعامِ، فقال أصحابُنا: يجوزُ ذلك؛ لأنَّه يجوزُ أن يَجْعَلَها مَخْزَنًا لغيرِه، ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى تَخْرِيقِ الفأرِ أرْضَها وحِيطانَها، وذلك ضَرَرٌ لا يَرْضَى به صاحِبُ الدّارِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإنِ اكْتَرَى ظَهْرًا لِيَرْكَبَه، فله أن يُرْكِبَه مِثْلَه ومَن هو أخَفُّ منه، ولا يُرْكِبُه مَن هو أثْقَلُ منه؛ لأنَّ العَقْدَ اقْتَضَى اسْتِيفاءَ مَنْفَعَةٍ مُقَدَّرةٍ بذلك الرّاكِبِ، فكان له أن يَسْتَوْفِيَ ذلك بنَفْسِه ونائِبِه، وله اسْتِيفاءُ أقَلَّ منه؛ لأنَّه بعضُ حَقِّه، وليس له اسْتِيفاءُ أكْثَرَ منه؛ لأنَّه أكْثَرُ ممّا عَقَدَ عليه.
ولا يُشْتَرَطُ التَّساوي في الطُّولِ والقِصَرِ، ولا المَعْرِفةِ بالرُّكُوبِ.
وقال القاضي: يُشْتَرطُ أن يكونَ مِثْلَه في هذه الأوْصافِ كلِّها؛ لأنَّ قِلَّةَ المَعْرِفةِ بالرُّكُوبِ يُثْقِلُ على المَرْكُوبِ ويَضُرُّ به.
قال الشاعر:
لم يَرْكَبُوا الخَيلَ إلَّا بَعْدَما كَبِرُوا … فَهُمْ ثِقالٌ عَلَى أكْفالِهَا عُنُفُ 591
ولَنا، أنَّ التَّفاوُتَ في هذه الأُمُورِ مع التَّساويِ في الثِّقَلِ يَسِيرٌ، فَعُفِيَ عنه، ولهذا لا يُشْتَرَطُ ذِكْرُه في الإِجارَةِ، ولو اعْتُبِرَ ذلك لاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُه في الإِجارَةِ، كالثِّقَلِ والخِفَّةِ.
فصل: فإن شَرَط أن لا يَسْتَوْفِيَ المَنْفَعَةَ بمِثْلِه ولا بمَن دُونَه، فقِياسُ قولِ أصحابِنا صِحَّةُ العَقْدِ وبُطْلانُ الشَّرْطِ، فإنَّهم قالُوا في مَن شَرَط أن يَزْرَعَ في الأرْضِ حِنْطَةً ولا يَزْرَعَ غيرَها: يَبْطُلُ الشَّرْطُ ويَصِحُّ العَقْدُ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ الشَّرْطُ.
وهو أحَدُ الوَجْهَين للشّافِعيَّةِ؛ لأنَّ
الجزء: 14 - الصفحة: 396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُسْتَأْجِرَ يَمْلِكُ المَنافِعَ مِن جِهَةِ المُؤْجِرِ، فلا يَمْلِكُ ما لم يَرْضَ به، ولأنَّه قد يكونُ له غَرَضٌ في تَخْصِيصِه باسْتِيفاءِ هذه المَنْفَعَةِ.
وقالوا في الوَجْهِ الآخَرِ: يَبْطُلُ الشَّرْطُ؛ لأنَّه يُنَافِي مُوجِبَ العَقْدِ، إذ مُوجِبُه مِلْكُ المَنْفَعَةِ والتَّسْلِيطُ على اسْتِيفائِها بنَفْسِه ونائِبِه، واسْتِيفاءُ بعضِها بنَفْسِه وبعضِها بنائِبِه، والشَّرْطُ يُنافِي ذلك، فكان باطِلًا.
ولا يَبْطُلُ به العَقْدُ في أصَحِّ الوَجْهَين؛ لأنَّه لا يُؤَثِّرُ في حَقِّ المُؤْجِرِ نَفْعًا ولا ضَرًّا، فأُلْغِي، وبَطَل العَقْدُ على مُقْتَضاه.
والآخَرُ يُبْطِلُه؛ لأنَّه يُنافِي مُقْتَضاه، أشْبَهَ ما لو شَرَط أن لا يَسْتَوْفِيَ المَنافِعَ.
الجزء: 14 - الصفحة: 397
وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ وَمَا دُونَهَا فِي الضَّرَرِ مِنْ جِنْسِهَا، فَإِذَا اكْتَرَى لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ، فَلَهُ زَرْعُ الشَّعِيرِ وَنَحْوهِ، وَلَيسَ لَهُ زَرْعُ الدُّخْنِ وَنَحْوهِ.
وَلَا يَمْلِكُ الْغَرْسَ وَلَا الْبِنَاءَ.
وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِأَحَدِهِمَا، لَمْ يَمْلِكِ الْآخَرَ.
فَإِنِ اكْتَرَاهَا لِلْغَرْسِ، مَلَكَ الزَّرْعَ.
2190 - مسألة: (وله اسْتِيفاءُ المَنْفَعَةِ وما دُونَها في الضَّرَرِ مِن جِنْسِها)
قال أحمدُ: إذا اسْتَأْجَرَ دابَّةً ليَحْمِلَ عليها تَمْرًا، فَحَمَل عليها حِنْطَةً، أرْجُو أن لا يكونَ به بَأْسٌ إذا كان الوَزْنُ واحِدًا.
وإن كانت المَنْفَعَةُ التي يَسْتَوْفِيها أكْثَرَ ضَرَرًا، أو مُخالِفَةً للمَعْقُودِ عليها في الضَّرَرِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يَسْتَوْفِي أكْثَرَ مِن حَقِّه أو غيرَ ما يَسْتَحِقُّه.
2191 -
مسألة: فإذا اسْتَأْجَرَ أرْضًا (لزَرْعِ الحِنْطةِ، فله زَرْعُ الشَّعِيرِ ونحوه.
وليس له زَرْعُ الدُّخْنِ ونَحْوه.
ولا يَمْلِكُ الغَرْسَ ولا البِناءَ.
وإنِ اكْتَراها لأحَدِهما، لم يَمْلِكِ الآخَرَ.
وإنِ اكْتَراها لِلْغَرْسِ، مَلَك الزَّرْعَ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ إجارَةَ الأرْضِ صَحِيحةٌ، وقد ذَكَرْنا
الحديث: 2190 - الجزء: 14 - الصفحة: 398
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلكَ.
ولا يَصِحُّ حتى يَرَى الأرْضَ؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِها، ولا تُعْرَفُ إلَّا بالرُّؤْيةِ؛ لِكَوْنِها لا تَنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، ولا يَصِحُّ حتى يَذْكُرَ ما يَكْتَرِي له؛ مِن زَرْعٍ، أو غَرْسٍ، أو بِناءٍ؛ لأنَّ الأرْضَ تَصْلُحُ لذلك كلِّه، وتَأْثِيرُه في الأرْضِ يَخْتَلِفُ، فوَجَبَ بَيانُه.
فإن قال: أجَرْتُكَها لِتَزْرَعَها أو تَغْرِسَها.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لم يُعَيِّنْ أحَدَهُما، أشْبَهَ ما لو قال: بِعْتُكَ أحَدَ هَذَين العَبْدَين.
فإن قال: لِتَزْرَعَهَا ما شِئْتَ، وتَغْرِسَها ما شِئْتَ.
صَحَّ.
وهذا مَنْصُوصُ الشافعيِّ.
وخالفَه أكْثَرُ أصحابِه، فقالوا: لا يجوزُ؛ لأنَّه لا يَدْرِي كم يَزْرَعُ ويَغْرِسُ.
وقال بعضُهم: يَصِحُّ، ويَزْرَعُ نِصْفَها ويَغْرِسُ نِصْفَها.
ولَنا، أنَّ العَقْدَ اقْتَضَى إباحَةَ هَذَين الشَّيئَين، فصَحَّ، كما لو قال: لتَزْرَعَها ما شِئْتَ.
ولأنَّ اخْتِلافَ الجِنْسَينِ كاخْتِلافِ النَّوْعَينِ.
وقولُه: لِتَزْرَعَها ما شِئْتَ.
إذْنٌ في نَوْعَينِ وأنْواعٍ، وقد صَحَّ، كذلك 592 في الجِنْسَين.
وله أن يَغْرِسَها كُلَّها، وأن يَزْرَعَها كُلَّها، كما لو أذِنَ له في أنْواعِ الزَّرْعِ كلِّه، كان له زَرْعُها نَوْعًا واحِدًا، وزَرْعُها جَمِيعِها مِن نوْعَين، كذلك ههُنا.
الجزء: 14 - الصفحة: 399
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإنِ اكْتَرَاها 593 للزَّرْعِ وحدَه، ففيه أرْبَعُ مَسائِلَ؛ إحْداهُنَّ، اكْتَراها للزَّرْعِ مُطْلَقًا، أو قال: لِزَرْعِ 594 ما شِئْتَ.
فيَصِحُّ، وله زَرْعُ ما شاءَ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وحُكِيَ عن ابنِ 595 سُرَيجٍ أنَّه لا يَصِحُّ حتى يُبَيِّنَ الزَّرْعَ؛ لأنَّ ضَرَرَه يَخْتَلِفُ، فلم يَصِحَّ بدُونِ البَيانِ، كما لو لم يَذْكُرْ ما يَكْتَرِي له؛ مِن زَرْعٍ أو غَرْسٍ أو بِناءٍ.
ولَنا، أنَّه يجوزُ اسْتِئْجارُها لأكْثَرِ الزَّرْعِ ضَرَرًا، ويُباحُ له جَمِيعُ الأنواعِ؛ لأنَّها دُونَه، فإذا عَمَّمَ أو أطْلَقَ، تَناوَلَ الأكْثَرَ، وكان له ما دُونَه، ويُخالِفُ الأجْناسَ المُخْتَلِفَةَ، فإنَّه لا يَدْخُلُ بعضُها في بعضٍ.
فإن قِيلَ: فلو اكْتَرَى دابَّةً للرُّكُوبِ وَجَب تَعْيِينُ الرّاكِبِ.
قلنا: لأنَّ إجارَةَ المَرْكُوبِ لأكْثَرِ الرُّكّابِ ضَرَرًا لا تجوزُ، بخِلافِ المَزْرُوعِ، ولأنَّ لِلْحَيَوانِ حُرْمَةً في نَفْسِه، فلم يَجُزْ إطْلاقُ ذلك فيه، بخِلافِ الأرْضِ.
فإن قِيلَ: فلو اسْتَأْجَرَ دارًا للسُّكْنَى مُطْلَقًا، لم يَجُزْ أن يُسْكِنَها مَن يَضُرُّ بها، كالقَصّارِ والحَدّادِ، فلِمَ قُلْتُم: إنَّه يَجُوزُ أن يَزْرَعَها ما يَضُرُّ بها؟ قُلْنا: السُّكْنَى
الجزء: 14 - الصفحة: 400
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا تَقْتَضِي ضَرَرًا، فلذلك مُنِعَ مِن إسْكانِ مَن يَضُرُّ بها؛ لأنَّ العَقْدَ لم يَقْتَضِه، والزَّرْعُ يَقْتَضِي الضَّرَرَ، فإذا أطْلَقَ كان راضِيًا بأكْثَرِه، فلهذا جازَ.
وليس له أن يَغْرِسَ [ولا يَبْنِيَ في الأرْضِ] 596؛ لأنَّ ضَرَرَه أكْثَرُ مِن المَعْقُودِ عليه.
المسألةُ الثانيةُ، اكْتَراها 597 لِزَرْعِ حِنْطَةٍ أو نَوْعٍ بعَينِه، فإنَّ له زَرْعَ ما عَيَّنَه وما ضَرَرُه كضَرَرِه أو دُونَه، ولا يَتَعَيَّنُ ما عَيَّنَه في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، إلَّا أهْلَ الظّاهِرِ، فإنَّهم قالوا: لا يجوزُ له زَرْعُ غيرِ ما عَيَّنَه، حتى لو وَصَف الحِنْطَةَ بأنَّها سَمْراءُ، لم يَجُزْ أن يَزْرَعَ بَيضاءَ؛ لأنَّه عَيَّنَه بالعَقْدِ، فلم يَجُزِ العُدُولُ عنه، كما لو عَيَّنَ المَرْكُوبَ، أو عَيَّنَ الدَّراهِمَ في الثَّمَنِ.
ولَنا، أنَّ المَعْقُودَ عليه مَنْفَعَةُ الأرْضِ دُونَ القَمْحِ، ولهذا يَسْتَقِرُّ عليه الأجْرُ بمُضِيِّ المُدَّةِ إذا تَسَلَّمَ الأرْضَ ولم يَزْرَعْها.
وإنَّما ذَكَر القَمْحَ لتَتَقَدَّرَ به المَنْفَعَةُ، فلم يَتَعَيَّنْ، كما لو اسْتَأْجَرَ دارًا لِيَسْكُنَها، فله أن يُسْكِنَها غيرَه.
وفارَقَ المَرْكُوبَ والدَّراهِمَ في الثَّمَنِ، فإنَّه مَعْقُودٌ عليهما، فتَعَيَّنا، والمَعْقُودُ عليه ههُنا مَنْفَعةٌ مُقَدَّرَةٌ، وقد تَعَيَّنَتْ أيضًا، ولم يَتَعَيَّنْ ما قُدِّرَتْ
الجزء: 14 - الصفحة: 401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
به، كما لا يَتَعَيَّنُ المِكْيالُ والمِيزانُ في المَكِيلِ والمَوْزُونِ.
فعلى هذا، يجوزُ له زَرْعُ القَمْحِ والشَّعِيرِ والباقِلَّا؛ لأنَّه أقَلُّ ضَرَرًا، وليس له زَرْعُ الدُّخْنِ والذُّرَةِ والقُطْنِ؛ لأنَّه إمّا أن يكونَ أكْثَرَ ضَرَرًا، فيَأْخُذَ فَوْقَ حَقِّه، أو يكونَ ضَرَرُه مُخالِفًا لضَرَرِ القَمْحِ، فيَأْخُذَ ما لم يَتناوَلْه العَقْدُ ولا شيئًا مِن جِنْسِه.
المسألةُ الثالثةُ، قال: ازْرَعْها حِنْطةً وما ضَرَرُه كضَرَرِها أو دُونَه.
فهذه كالتي قَبْلَها، إلَّا أنَّه لا مُخالِفَ فيها؛ لأنَّه شَرَط ما اقْتَضاهُ الإِطْلاقُ، وبَيَّنَ ذلك بصَرِيحِ نَصِّه، فزال الإِشْكالُ.
المسألةُ الرابعةُ، قال: ازْرَعْها حِنْطةً ولا تَزْرَعْ غيرَها.
فذَكَرَ القاضِي، أنَّ الشَّرْطَ باطِلٌ؛ لمُنافاتِه مُقْتَضَى العَقْدِ؛ لأنَّه يَقْتَضِي اسْتِيفاءَ المَنْفَعَةِ كيف شاءَ، فلم يَصِحَّ الشَّرْطُ، كما لو شَرَط عليه اسْتِيفاءَ المَبِيعِ بنَفْسِه.
والعَقْدُ صَحِيحٌ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ فيه، ولا غَرَضَ لأحَدِ المُتَعاقِدَين؛ لأنَّ ما ضَرَرُه مِثْلُه، لا يَخْتَلِفُ في غَرَضِ المُؤْجِرِ، فلم يُؤَثِّرْ في العَقْدِ، فأشْبَهَ شَرْطَ اسْتِيفاءِ المَبِيعِ أو الثَّمنِ بنَفْسِه.
وقد ذَكَرْنا فيما إذا شَرَط مُكْتَرِي الدّارِ أن لا يُسْكِنَها غيرَه، وَجْهًا في صِحَّةِ الشَّرْطِ، ووَجْهًا في فسادِ العَقْدِ، فيُخَرَّجُ ههُنا مِثْلُه.
الجزء: 14 - الصفحة: 402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإنِ اكْتَراها 598 للغِراسِ، ففيه ما ذَكَرْنا مِن المَسائِلِ، إلَّا [أنَّ لَه] 599 أن يَزْرَعَها؛ لأنَّ ضَرَرَ الزَّرْعِ أقَلُّ مِن ضَرَرِ الغِراسِ، وهو مِن جِنْسِه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَضُرُّ بباطِنِ الأرْضِ.
وليس له البِناءُ؛ لأنَّ ضَرَرَه مُخَالِفٌ لضَرَرِه، فإنَّه يَضُرُّ بظاهِرِ الأرضِ.
وإنِ اكْتَراها للزَّرْعِ، لم يَمْلِكِ الغَرْسَ ولا البِناءَ؛ لأنَّ ضَرَرَ الغَرْسِ أكْثَرُ، وضَرَرُ البناء مُخالِفٌ لضَرَرِه.
وإنِ اكْتَراها للبناءِ، لم يَكُنْ له الغَرْسُ ولا الزَّرْعُ؛ لأنَّ ضَرَرَهما يُخالِفُ ضَرَرَه.
فصل: ولا تَخْلُو الأرْضُ مِن قِسْمَين؛ أحَدُهما، أن يكونَ لها ماءٌ دائِمٌ؛ إمّا مِن نَهْرٍ لم تَجْرِ العادَةُ بانْقِطاعِه، أو لا يَنْقَطِعُ إلَّا مُدَّةً لا تُؤَثِّرُ في الزَّرْعِ، أو مِن عَينٍ تَنْبُعُ، أو بِرْكَةٍ مِن مِياهِ الأمْطارِ يَجْتَمِعُ فيها الماءُ ثمَّ يَسْقِي به، أو مِن بِئْرٍ يَقُومُ بكِفايَتِها، أو ما يَشْرَبُ بعُرُوقِه لِنَداوَةِ الأرْضِ وقُرْبِ الماءِ الذي تحتَ الأرْضِ، فهذا كلُّه دائِمٌ، ويَصِحُّ اسْتِئْجارُها للغَرْسِ والزَّرْعِ، وكذلك الأرْضُ التي تَشْرَبُ مِن مِياهِ الأمْطارِ، ويُكْتَفَى بالمُعْتادِ منه 600؛ لأنَّ ذلك بِحُكْمِ العادَةِ، لا تَنْقَطِعُ إلَّا نادِرًا، فهي كسائِرِ الصُّوَرِ المَذْكُورَةِ.
والثاني، أن لا يكونَ لها ماءٌ دائِمٌ، وهي نوعان؛ أحَدُهما، ما يَشْرَبُ مِن زِيادةٍ مُعْتادةٍ تَأْتِي وَقْتَ الحاجةِ، كأرضِ مِصْرَ الشّارِبَةِ مِن زِيادَةِ النِّيلِ، وما يَشْرَبُ مِن زِيادةِ الفُراتِ وأشْباهِه،
الجزء: 14 - الصفحة: 403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأرْضِ البَصْرَةِ الشّارِبَةِ مِن المَدِّ والجَزْرِ، وأرْضِ دِمَشْقَ الشّارِبَةِ من زِيادَةِ بَرَدَى، أو ما يَشْرَبُ مِن الأوْدِيَةِ الجارِيَةِ مِن ماءِ المَطَرِ، فتَصِحُّ إجارَتُها قبلَ وُجُودِ الماءِ الذي تُسْقَى به وبعدَه.
وحَكَى ابنُ الصَّبّاغِ ذلك مَذْهَبًا للشافعيِّ.
وقال أصحابُه: إن أكْراها بعدَ الزِّيادَةِ، صَحَّ، ولا تَصِحُّ قبلَها؛ لأنَّها مَعْدُومَةٌ، لا يُعْلَمُ هل يَقْدِرُ عليها أو لا.
ولَنا، أنَّ هذا مُعْتادٌ، الظاهِرُ وُجُودُه، فجازَتْ إجارَةُ الأرْضِ الشّارِبَةِ منه، كالشّارِبَةِ مِن مياهِ الأمْطارِ، ولأنَّ ظَنَّ القُدْرَةِ على التَّسْلِيمِ في وَقْتِه يَكْفِي في صِحَّةِ العَقْدِ، كالسَّلَمِ في الفاكِهَةِ إلى أوانِها.
النوعُ الثاني، أن يكونَ مَجِئُ الماءِ نادِرًا، أو غيرَ ظاهِرٍ، كالأرْضِ التي لا يَكْفِيها إلا المَطَرُ الشَّدِيدُ الكَثِيرُ الذي يَنْدُرُ وُجُودُه.
أو يكونُ شُرْبُها مِن فَيضِ ماءٍ وُجُودُه نادِرٌ، أو مِن زِيادةٍ نادِرَةٍ في نَهْرٍ أو عَينٍ غالِبَةٍ، فهذه إن أجَرَها بعدَ وُجُودِ ماءٍ يَسْقِيها به، صَحَّ؛ لأنَّه أمْكَن الانْتِفاعُ بها وزَرْعُها، فجازَت إجارَتُها، كذاتِ الماءِ الدائِمِ.
وإن أجَرَها قبلَه 601، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يتَعَذَّرُ الزَّرْعُ غالِبًا، أو يتَعَذَّرُ المَعْقُودُ عليه في الظاهِرِ، فلم تَصِحَّ إجارَتُها، كالآبِقِ والمَغْصُوب.
وإنِ اكْتَراها على أنَّها لا ماءَ لها، جازَ؛ لأنَّه يتَمَكَّنُ مِن الانْتِفاعِ بها بالنُّزُولِ فيها، ووَضْعِ رَحْلِه، وجَمْعِ الحَطَبِ فيها، وله أن يَزْرَعَها رَجاءَ الماءِ.
وإن حَصَل له ماءٌ قبلَ زَرْعِها، فله زَرْعُها؛ لأنَّ ذلك مِن مَنَافِعِها المُمْكِنِ اسْتِيفاؤُها.
وليس له أن يَبْنِيَ ولا يَغْرِسَ؛
الجزء: 14 - الصفحة: 404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّ ذلك يُرادُ للتَّأْبِيدِ، وتَقْدِيرُ الإِجارَةِ بمُدَّةٍ يَقْتَضِي تَفْرِيغَها عندَ انْقِضائِها.
فإن قيلَ: فلو اسْتَأْجَرَها للغِراسِ والبِناءِ صَحَّ مع تَقدِيرِ المُدَّةِ.
قلنا: التَّصْرِيحُ بالبناءِ والغِرَاسِ صَرَفَ التَّقْدِيرَ عن مُقْتَضاه، بظاهِرِه في التَّفْرِيغِ عندَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، إلَّا أن يَشْتَرِطَ قَلْعَ ذلك عند انْقضاءِ المُدَّةِ، فيُصْرَفُ الغِراسُ والبِناءُ عَمّا يُرادُ له بظاهِرِه، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
وإن أطْلَقَ إجارَةَ هذه الأرضِ، مع العِلْمِ بِحَالِها وعَدَمِ مائِها، صَحَّ؛ لأنَّهُما دَخَلَا في العَقْدِ عَلَى أنَّها لَا مَاءَ لَهَا، فَأَشْبَهَ ما لو شَرَطَاهُ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عَدَمَ مَائِها أو ظَنَّ المُكْتَرِي أنَّه يُمْكِنُ تَحْصِيلُ ماءٍ لها بوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ، لم يَصِحَّ العَقْدُ؛ لأنَّه رُبَّما دَخَل في العَقْدِ بِناءً على أنَّ المالِكَ يُحَصِّلُ لها ماءً، وأنَّه يَكْتَرِيها للزِّراعَةِ مع تعَذُّرِها.
وقيل: لا يَصِحُّ العَقْدُ مع 602 الإِطْلاقِ وإن عَلِمَ حالها؛ لأنَّ إطْلاقَ كِرَاءِ الأرْضِ يَقْتَضِي الزِّراعةَ.
والأَوْلَى صِحَّتُه؛ لأنَّ العِلْمَ بالحالِ يَقُومُ مَقامَ الاشْتِراطِ، كالعِلْمِ بالعَيبِ يَقُومُ مَقامَ شَرْطِه.
ومتى كان لها ماءٌ غيرُ دائِمٍ، أو الظاهِرُ انْقِطاعُه قبلَ الزَّرْعِ، أو لا يَكْفِي الزَّرْعَ، فهي كالتي لا ماءَ لها.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا كلِّه كما ذَكَرْنا.
فصل: وإنِ اكْتَرَى أرْضًا غارِقةً بالماءِ، لا يُمْكِنُ زَرْعُها قبل انْحِسارِه عنها، وقد يَنْحَسِرُ ولا يَنْحَسِرُ، فالعَقْدُ باطِلٌ؛ لأنَّ الانْتِفاعَ بها في الحالِ غيرُ مُمْكِنٍ، ولا يَزُولُ المانِعُ غالِبًا.
وإن كان يَنْحَسِرُ عنها وَقْتَ الحاجَةِ
الجزء: 14 - الصفحة: 405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى الزِّراعةِ، كأرْضِ مِصْرَفي وَقْتِ مَدِّ النِّيلِ، صَحَّ العَقْدُ؛ لأنَّ المَقْصُودَ مُتَحَقِّقٌ 603 بحُكْمِ العادَةِ [المَشْهُورَةِ.
وإن] 604 كانتِ الزراعةُ فيها مُمْكِنةً، ويُخافُ غَرَقُها، والعادَةُ غَرَقُها، لم تَجُزْ إجارَتُها؛ لأنَّها في حُكْمِ الغارِقَةِ بحُكْمِ العادَةِ المُسْتَمِرةِ.
فصل: ومتى زَرَع فغَرِقَ الزَّرْعُ، أو هَلَك بحَرِيقٍ أو جَرادٍ أو بَرْدٍ أو غيرِه، فلا ضَمانَ على المُؤْجِرِ، ولا خِيارَ لِلْمُكْتَرِي.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ التّالِفَ غيرُ المَعْقُودِ عليه، وإنَّما تَلِفَ مالُ المُكْتَرِي فيه، فأشْبَهَ مَن اكْتَرَى دُكّانًا فاحْتَرَقَ مَتاعُه فيه.
ثمَّ إن أمْكَنَ المُكْتَرِيَ الانْتِفاعُ بالأرْضِ بغيرِ الزَّرْعِ، أو بالزَّرْعِ في بقيَّةِ المُدَّةِ، فله ذلك، وإن تَعَذَّرَ ذلك، لَزِمَه الأجْرُ؛ لأنَّ تَعَذُّرَه لِفَواتِ وَقْتِ الزِّراعةِ بِسَبَبٍ غيرِ مَضْمُونٍ على المُؤْجِرِ، لا لِمَعْنىً في العَينِ.
وإن تَعَذَّرَ الزَّرْعُ بِسَبَبِ غَرَقِ الأرْضِ أو 605 انْقِطاعِ مائِها، فلِلْمُسْتَأْجِرِ الخِيارُ؛ لأنَّه 606 لِمَعْنىً في العَينِ.
وإن تَلِفَ الزَّرْعُ بذلك، فليس على المُؤْجِرِ ضَمانُه؛ لأنَّه لم يَتْلَفْ بمُباشَرةٍ ولا بِسَبَبٍ.
وإن قَلَّ الماءُ بحيث لا يَكْفِي الزَّرْعَ، فله الفَسْخُ؛ لأنَّه عَيبٌ.
فإن كان ذلك بعدَ الزَّرْعِ، فله الفَسْخُ أيضًا، ويَبْقَى الزَّرْعُ في الأرْضِ إلى أن يَسْتَحْصِدَ، وعليه مِن المُسَمَّى
الجزء: 14 - الصفحة: 406
وَإِنِ اكْتَرَى دَابَّةً لِلرُّكُوبِ، أَو الْحَمْلِ، لَمْ يَمْلِكِ الْآخَرَ.
وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِحَمْلِ الْحَدِيدِ، أَو الْقُطْنِ، لَمْ يَمْلِكْ حَمْلَ الْآخَرِ.
بحِصَّتِه إلى حينِ الفَسْخِ، وأجْرُ المِثْلِ لِما بَقِيَ مِن المُدَّةِ لأرْضٍ لها مِثْلُ ذلك الماءِ.
وكذلك إنِ انْقَطَعَ الماءُ بالكُلِّيَّةِ، أو حَدَثَ بها عَيبٌ مِن غَرَقٍ يَهْلِكُ به بعضُ الزَّرْعِ، أو تَسُوءُ حالتُه به.
2192 -
مسألة: (وإنِ اكْتَرَى دابَّةً لِلرُّكُوبِ، أو الحَمْلِ، لم يَمْلِكِ الآخَرَ. وإنِ اكْتَراها لِحَمْلِ الحَدِيدِ، أو القُطْنِ، لم يَمْلِكْ حَمْلَ 607 الآخَرِ) إذا اكْتَرَى دابَّةً للرُّكُوبِ، لم يَمْلِكِ الحَمْلَ عليها؛ لأنَّ الرّاكِبَ يُعِينُ الظَّهْرَ بحَرَكَتِه. وإنِ اكْتَراها لِيَحْمِلَ عليها، فليس له رُكُوبُها؛ لأنَّ الرّاكِبَ يَقْعُدُ في مَوْضِعٍ واحدٍ، فيَشْتَدُّ على الظَّهْرِ، والمَتاعُ يَتَفَرَّقُ على جَنْبَيها. وإنِ اكْتَراها لِيَرْكَبَها عَرِيًّا، لم يَجُزْ أن يَرْكَبَ بِسَرْجٍ؛ لأنَّه يَحْمِلُ عليه أكْثَرَ ممَّا عَقَد عليه. وإنِ اكْتَرَاها لِيَرْكَبَها بِسَرْجٍ، فليس له رُكُوبُها عَرِيًّا؛ لأنَّ الرُّكُوبَ بغيرِ سَرْجٍ يَحْمَى به الظَّهْرُ، فرُبَّما عَقَرَها. وإنِ اكْتَرَاها لِيَرْكَبَ بِسَرْجٍ، لم يَجُزْ أن يَرْكَبَ بأثْقَلَ منه. فإنِ اكْتَرَى حِمارًا بِسَرْجٍ، لم يَجُزْ أن يَرْكَبَه بِسَرْجِ البِرذَونِ إن كان أثْقلَ مِن سَرْجِه. وإنِ اكْتَرَى دابَّةً بِسَرْجٍ، فرَكِبَها بأثْقَلَ منه أو أضَرَّ مِنْه، لم يَجُزْ. وإن كان أخَفَّ أو أقَلَّ ضَرَرًا، فلا بَأْسَ. وإنِ اكْتَرَى
الحديث: 2192 - الجزء: 14 - الصفحة: 407
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
دابَّةً لِيَحْمِلَ عليها حَدِيدًا، لم يَحْمِلْ عليها قُطْنًا؛ لأنَّه يتَجافَى، وتَهُبُّ فيه الرِّيحُ، فيُتْعِبُ الظَّهْرَ.
وإن اكْتَرَاها لِحَمْلِ القُطْنِ، فليس له حَمْلُ الحَدِيدِ؛ لأنَّه يَجْتَمِعُ في مَوْضِعٍ واحدٍ، فيَثْقُلُ عليه، والقُطْنُ يتَفَرَّقُ فيَقِلُّ 608 ضَرَرُه.
ومتى فَعَل ما ليس له فِعْلُه كان ضامِنًا، وعليه أجْرُ المِثْلِ.
وهذا كلُّه مَذْهَبُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ.
فصل: وإنِ اكْتَرَى دابَّةً لِيَرْكَبَها في مَسافَةٍ مُعَيَّنةٍ مَعْلُومَةٍ، أو يَحْمِلَ عليها فيها، فأراد العُدُولَ بها 609 إلى ناحيةٍ أُخرى مِثْلِها في القَدْرِ، وهي أضَرُّ منها، أو يُخالِفُ ضَرَرُها ضَرَرَها، بأن تكونَ إحْداهما أخْوَفَ والأُخْرَى أخْشَنَ، لم يَجُزْ، وإن كانت مِثْلَها في السُّهُولَةِ والحُزُونَةِ والأمْنِ، أو التي يَعْدِلُ إليها أقَلَّ ضَرَرًا، فذَكَرَ القاضِي أنَّه يَجوزُ.
وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ المَسافَةَ عُيِّنَتْ لِيَسْتَوْفِيَ بها المَنْفَعَةَ، ويَعْلَمَ قَدْرَها بها، فلم تَتَعَيَّنْ، كَنَوْعِ المَحْمُولِ والرّاكِبِ.
قال شيخُنا 610: ويَقْوَى عِنْدِي، أنَّه متى كان لِلْمُكْرِي 611 غَرَضٌ في تلك الجِهَةِ المُعَيَّنَةِ، لم يَجُزِ العُدُولُ إلى غيرِها، مثلَ مَن يُكْرِى جِماله إلى مَكَّةَ لِيَحُجَّ معها، فلا يجوزُ له أن يَذْهَبَ بها إلى غيرِها.
ولو أكْراها إلى بَغْدادَ، لكَوْنِ أهْلِه بها أو بِبَلَدِ العِراقِ، فليس له الذَّهابُ بها 612 إلى مِصْرَ، ولو أكْرَى جِماله
الجزء: 14 - الصفحة: 408
فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
جُمْلةً إلى بَلَدٍ، لم يَجُزِ التَّفْرِيقُ بينها بالسَّفَرِ ببعضِها إلى جِهَةٍ وبِباقِيها إلى غيرِها؛ وذلك لأنَّه عَيَّنَ المَسافَةَ لِغَرَضٍ في فَواتِه ضَرَرٌ، فلم يَجُزْ تَفْويتُه، كما في حَقِّ المُكْتَرِي (1)، فإنَّه لو أراد حَمْلَه إلى غيرِ المكانِ الذي اكْتَرَى إليه، لم يَجُزْ، وكما لو عَيَّنَ طَرِيقًا سَهْلًا أو آمِنًا، فأرادَ سُلُوكَ ما يُخالِفُه في ذلك.
فصل: إذا اكْتَرَى قَمِيصًا لِيَلْبَسَهُ، جازَ؛ لأنَّ الانْتِفاعَ به مُمْكِنٌ مع بَقَاءِ عَينِه ويجوزُ بَيعُه، أشْبَهَ العَقارَ.
ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ المنْفَعَةِ بالمُدَّةِ، فإن كانت العادَةُ في بَلَدِه نَزْعَ ثِيابِهم عندَ نَوْمِ اللَّيلِ، فعليه نَزْعُه؛ لأنَّ الإِطْلاقَ يُحْمَلُ على العادَةِ، وله لُبْسُه فيما سِوَى ذلك، ولا يَلْزَمُه نَزْعُه إذا نامَ نَهارًا؛ لأنَّه العُرْفُ.
ويَلْبَسُ القَمِيصَ على ما جَرَتِ العادَةُ به [وليس له] (2) أن يَتَّزِرَ به؛ لأنَّه يَعْتَمِدُ عليه فيَشُقُّه، وفي اللُّبْسِ لا يَعْتَمِدُ.
ويجوزُ الارْتِداءُ به؛ لأنَّه أخَفُّ مِن اللُّبْسِ.
ومَن مَلَك شيئًا، مَلَك ما هو أخَفُّ منه.
وقيل: لا يجوزُ؛ لأنَّه اسْتِعْمالٌ له فيما لا تَجْرِي العادَةُ به في القَمِيصِ، أشْبَهَ الاتِّزارَ به.
واللهُ أعلمُ.
2193 -
مسألة: (وإن فعل)
ما ليس له فِعْلُه (فعليه أجْرُ المِثْلِ)613614
الحديث: 2193 - الجزء: 14 - الصفحة: 409
وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِحُمُولَةِ شَيءٍ، فَزَادَ عَلَيهِ، أَوْ إِلَى مَوْضِعٍ، لأنَّه اسْتَوْفَى مَنْفَعَةً غيرَ التي عَقَد عليها [لا يجوزُ له اسْتِيفاؤُها] (1) فَلَزِمَه أجْرُ المِثْلِ، كالغاصِبِ.
2194 -
مسألة: (وإنِ اكْتَرَاها لحُمولةِ شيءٍ، فزادَ عليه، أو إلى
615 الحديث: 2194 - الجزء: 14 - الصفحة: 410
فَجَاوَزَهُ، فَعَلَيهِ الْأُجْرَةُ الْمَذْكُورَةُ وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلزَّائِدِ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: عَلَيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْجَمِيعِ.
مَوْضِعٍ، فجاوَزَهُ، فعليه الأُجْرَةُ المَذْكُورَةُ وأُجْرَةُ المِثْلِ للزّائِدِ.
ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
وقال أبو بكرٍ: عليه أُجْرَةُ المِثْلِ للجَمِيعِ) وجملةُ ذلك، أنَّ مَنِ اكْتَرَى دابَّةً لحُمُولةِ شيءٍ فزادَ عليه، كمَن اكْتَرَى لحَمْلِ قَفِيزَين فحَمَلَ ثلاثةً، أو إلى مَوْضِعٍ فجاوَزَه؛ مثلَ أن يَكْتَرِيَها مِن دِمَشْقَ إلى القُدْسِ فيَرْكَبَها إلى مِصْرَ، وَجَب عليه الأجْرُ المُسَمَّى، وأجْرُ المِثْلِ لِما زاد، وضَمانُها إن تَلِفَتْ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ونَصَّ عليه أحمدُ، فيما إذا اسْتَأْجَرَها إلى مَوْضِعٍ فجاوَزَه.
وإليه ذَهَب ابنُ شُبْرُمَةَ، والحَكَمُ، وهو الظاهِرُ مِن قَوْلِ الفُقَهاءِ السَّبْعَةِ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: لا أجْرَ عليه لِما زادَ؛ لأنَّ مَنافِعَ الغَصْبِ غيرُ مَضْمُونَةٍ عندَهما.
وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّه إذا تَجاوَزَ بها إلى مَسافَةٍ بَعِيدةٍ، خُيِّرَ صاحِبُها بينَ أَجْرِ المِثْلِ وبينَ المُطالبةِ بقِيمَتِها يومَ التَّعَدِّي؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بإمْساكِها، فكان لصاحِبِها تَضْمِينُها إيّاهُ.
ولَنا، أنَّ العَينَ باقِيةٌ بحالِها يُمْكِنُ أخْذُها، فلم تَجِبْ قِيمَتُها، كما لو كانت المَسافَةُ قَرِيبةً.
وما ذَكَرُوه 616 تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عليه ولا نَظِيرَ له، فلا يجوزُ المَصِيرُ إليه.
وسَيأتِي الكَلامُ مع أبي حنيفةَ في بابِ
الجزء: 14 - الصفحة: 411
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الغَصْبِ، إن شاء اللهُ تعالى.
وحَكَى القاضي، أنَّ قولَ أبي بكرٍ فيما إذا اكْتَرَى لحُمُولَةِ شيءٍ فزادَ عليه، وُجُوبُ أجْرِ المِثْلِ [في الجَمِيع] 617، [أخْذًا مِن قولِه في مَن اسْتَأْجَرَ أرْضًا لِيَزْرَعَها شَعِيرًا، فزَرَعَها حِنْطَةً، أنَّ عليه أجْرَ المِثْلِ للجَمِيعِ] 618؛ لأنَّه عَدَل عن المَعْقُودِ عليه إلى غيرِه، فأشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَ أرْضًا فَزَرَع أُخْرَى.
فجَمَعَ القاضي بينَ مَسْألَةِ الخِرَقِيِّ ومَسْألَةِ أبي بكرٍ، وقال: يُنْقَلُ قولُ كلِّ واحدٍ مِن إحْدَى المسْألَتَين إلى الأُخْرَى؛ لِتَساويهِما في أنَّ الزِّيادَةَ لا تَتَمَيَّزُ، فيكونُ في المَسْألَتَين وَجْهانِ.
وليس الأمْرُ كذلك، فإنَّ بينَ المَسْألَتَين فَرْقًا ظاهِرًا، فإنَّ الذي حَصَل التَّعَدِّي فيه في الحَمْلِ مُتَمَيِّزٌ عن المَعْقُودِ عليه، وهو القَفِيزُ الزائِدُ، بخِلافِ الزَّرْعِ، ولأنَّه في مسألةِ الحَمْلِ اسْتَوْفَى المَنْفَعَةَ المَعْقُودَ عليها وزادَ، وفي الزَّرْعِ لم يَزْرَعْ ما وَقَع العَقْدُ عليه، ولهذا عَلَّلَه أبو بكرٍ بأنَّه عَدَل عن المَعْقُودِ عليه، ولا يَصِحُّ هذا القَوْلُ في مَسْألةِ الحَمْلِ، فإنَّه قد حَمَل المَعْقُودَ عليه وزادَ عليه، بل إلحاقُ هذه المسْألةِ بما إذا اكْتَرَى إلى مَسافَةٍ فزادَ عليها أشَدُّ، وشَبَهُها بها أشَدُّ؛ لأنَّه في مَسْألَةِ الحَمْلِ مُتَعَدٍّ بالزِّيادَةِ وَحْدَها، وفي مَسْألةِ الزَّرْعِ مُتَعَدٍّ بالزَّرْعِ كلِّه، فأشْبَهَ الغاصِبَ.
الجزء: 14 - الصفحة: 412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمَّا مَسْألَةُ الزَّرْعِ فيما إذا اكْتَرَى لِزَرْعِ الشَّعِيرِ، فزَرَعَ حِنْطَةً، فقد نَصَّ أحمدُ، في رِوايةِ عبدِ اللهِ، فقال: يَنْظُرُ ما يَدْخُلُ على الأرْضِ مِن النُّقْصانِ ما بينَ الحِنْطةِ والشَّعِيرِ، فيُعْطِي رَبَّ الأرْضِ.
فجَعَلَ هذه المَسْألةَ كمسْألَتَي الخِرَقِيِّ، في إيجابِ المُسَمَّى وأجْرِ المِثْلِ للزّائِدِ.
ووَجْهُه، أنَّه لمّا عَيَّنَ الشَّعِيرَ، لم يَتَعَيَّنْ، ولم يَتَعَلَّقِ العَقْدُ بِعَينِه، كما سَبَقَ ذِكْرُه، ولهذا قُلْنا: له زَرْعُ مِثْلِه وما هو دُونَه في الضَّرَرِ.
فإذا زَرَع حِنْطةً، فقَدِ اسْتَوْفَى حَقَّه وزِيادَةً، أشْبَهَ ما لو اكْتَرَاها إلى مَوْضِعٍ فجاوَزَه.
وقد ذَكَرْنا قولَ أبي بكرٍ أنَّ له أجْرَ المِثْلِ؛ لأنَّه عَدَل عن المَعْقُودِ عليه 619، فإنَّ الحِنْطَةَ ليست بشَعِيرٍ وزِيادَةٍ.
وإن قلنا: إنَّه قدِ اسْتَوْفَى المَعْقُودَ عليه وزِيادَةً، غيرَ أنَّ الزِّيادَةَ ليست مُتَمَيِّزَةً عن المَعْقُودِ عليه.
بخِلافِ مَسْألَتَي الخِرَقِيِّ.
وقال الشافعيُّ: المُكْرِي مُخَيَّرٌ بينَ أخْذِ الكِراءِ وما نَقَصتِ الأرْضُ عمّا يَنْقُصُها الشَّعِيرُ، وبينَ أخْذِ كِراءِ مِثلِها لِلْجَمِيعِ؛ لأنَّ هذه المَسْألةَ أخَذَتْ شَبَهًا مِن أصْلَين؛ أحدهما، إذا رَكِبَ دابَّةً فجازَ 620 بها المَسافَةَ المُشْتَرَطةَ، لكَوْنِه اسْتَوْفَى المَعْقُودَ عليه
الجزء: 14 - الصفحة: 413
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وزِيادةً.
والثاني، إذا اسْتَأْجَرَ أرْضًا فَزَرَع غيرَها؛ لأنَّه زَرَع مُتَعَدِّيًا، فلهذا خَيَّرَه بينَهما، ولأنَّه وُجِدَ سَبَبٌ يَقْتَضِي كلَّ واحدٍ مِن الحُكْمَين، وتَعَذَّرَ الجَمْعُ بينَهما، فكان له أوْفَرُهُما.
وفَوَّضَ اخْتِيارَه إلى المُسْتَحِقِّ، كقَتْلِ العَمْدِ.
والأَوْلَى، إن شاء اللهُ تعالى، قولُ أبي بكرٍ، فإنَّ هذا مُتَعَدٍّ بالزَّرْعِ كلِّه، فكان عليه أجْرُ المِثْلِ، كالغاصِبِ، ولهذا مَلَك رَبُّ الأرْضِ مَنْعَه مِن زَرْعِه، ويَمْلِكُ [أخْذَه بنَفَقَتِه] 621 إذا زَرَعَه.
ويُفارِقُ مَن زادَ على حَقِّه زِيادَةً مُتَمَيِّزَةً، في كَوْنِه لم يَتَعَدَّ بالْجَمِيعِ، إنَّما تَعَدَّى بالزِّيادَةِ فقط، ولهذا لا يَمْلِكُ المُكْرِي مَنْعَه مِن الجَمِيعِ.
ونَظِيرُ هاتَين المسْألتَين، مَن اكْترَى 622 غُرْفةً لِيَجْعَلَ فيها أقفِزَةَ حِنْطةٍ، فجَعَلَ أكْثَرَ منها، ومَنِ اكْتَراها ليَجْعَلَ فيها قِنطارَ قُطْنٍ، فجَعَلَ فيها قِنْطارَ حَدِيدٍ، ففي الأُولَى، له المُسَمَّى وأجْرُ الزِّيادَةِ، وفي الثّانيةِ، يُخَرَّجُ فيها مِن الخِلافِ كقَوْلِنا في مسألةِ الزَّرْعِ.
وحُكْمُ المُسْتَأْجِرِ الذي يَزْرَعُ أضَرَّ مِمّا اكْتَرَى له حُكْمُ الغاصِبِ، لِرَبِّ الأرْضِ مَنْعُه في الابْتِداءِ؛ لِما يَلْحَقُه مِن الضَّرَرِ، فإن زَرَع، فرَبُّ الأرْضِ مُخيَّرٌ بين تَركِ الزَّرْعِ بالأجْرِ 623 وبينَ أخْذِه ودَفْعِ النَّفَقَةِ، وإن لم يَعْلَمْ حتى أخَذَ المُسْتَأْجِرُ زَرْعَه، فله الأجْرُ، على ما نَذْكُرُ في الغَصْبِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 414
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإنِ اكْتَرَى دابَّةً إلى مَسافَةٍ، فسَلَكَ أشَقَّ منها، فهي كمَسْألَةِ الزَّرْعِ، يُخَرَّجُ فيها وَجْهانِ.
وقِياسُ مَنْصُوصِ أحمدَ، أنَّ له الأجْرَ المُسَمَّى وزِيادَةً، لكَوْنِ المَسافَةِ لا تَتَعَيَّنُ على قولِ أصْحابِنا.
وقِياسُ قولِ أبي بكرٍ، أنَّ له أجْرَ المِثْلِ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ غيرُ مُتَمَيِّزَةٍ، ولأنَّه مُتَعَدٍّ بالجَمِيعِ، بدَلِيلِ أنَّ لِرَبِّ الدَّابَّةِ مَنْعَه مِن سُلُوكِ تِلك الطَّرِيقِ كلِّها، بخِلافِ مَن سَلَك تلك الطَّرِيقَ وجازَها 624، فإنَّه إنَّما يَمْنَعُه الزِّيادَةَ لا غيرُ.
وإنِ اكْتَرَى لِحَمْلِ قُطْنٍ فحَمَلَ بوَزْنِه حَدِيدًا، أو بالعَكْسِ، فعليه أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ ضَرَرَ أحَدِهما مُخالِفٌ لِضَرَرِ الآخَرِ، فلم يَتَحَقَّقْ كَوْنُ المَحْمُولِ مُشْتَمِلًا على المُسْتَحَقِّ بعَقْدِ الإِجارَةِ وزِيادَةٍ عليه، بخِلافِ ما قبلَها مِن المسائلِ.
وسائِرُ مَسائِلِ العُدْوانِ يُقاسُ على ما ذَكَرْنا مِن المَسائِلِ، ما كان مُتَمَيِّزًا وما لم يَكُنْ مُتَمَيِّزًا، فتُلْحَقُ كلُّ مَسْألةٍ بنَظِيرَتِها.
الجزء: 14 - الصفحة: 415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: [فإنِ اكْتَرَاها] 625 لِحَمْلِ قَفِيزَينِ، فحَمَلَهُما، فوَجَدَهُما ثلاثةً، فإن كان المُكْتَرِي تَوَلَّى الكَيلَ ولم يَعْلَمِ المُكْرِي بذلك، فهو كمَنِ اكْتَرَى لحُمُولَةِ شيءٍ فزَادَ عليه، وإن كان المُكْرِى تَوَلَّى كَيلَه وتَعْبِئَتَه ولم يَعْلَمِ المُكْتَرِي، فهو غاصِبٌ، لا أجْرَ له في حَمْلِ الزّائِدِ.
وإن تَلِفَتْ دابَّتُه، فلا ضَمانَ لها؛ لأنَّها تَلِفَتْ بِعُدْوانِ صاحِبِها، وحُكْمُه في ضَمانِ الطَّعامِ حُكْمُ مَن غَصَبَ طَعامَ غيرِه.
وإن تَوَلَّى ذلك أجْنَبِيٌّ، ولم يَعْلَما، فهو مُتَعَدٍّ عليهما، عليه لصاحِبِ الدَّابَّةِ الأَجْرُ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمَانُها، وعَلَيهِ لِصاحِبِ الطَّعامِ ضَمانُ طَعَامِه، وسَواءٌ كاله أحَدُهما وَوَضَعَهُ الآخَرُ على ظَهْرِ الدَّابَّةِ، أو كان الذي كالهُ وعَبَّأهُ وَضَعَه على ظَهْرِها.
وقال أصحابُ الشافعيِّ، في أحَدِ الوَجْهَينِ: إذا كاله المُكْتَرِي وَوَضَعَه المُكْرِي على ظَهْرِ البَهِيمَةِ، لا ضَمانَ على المُكْتَرِي؛ لأنَّ المُكْرِيَ مُفَرِّطٌ في حَمْلِه.
ولَنا، أنَّ التَّدْلِيسَ مِن المُكْتَرِي إذ أخْبَرَه بكَيلِها بخِلافِ ما هو به، فلَزِمَه الضَّمانُ، كما لو أمَرَ أجْنَبِيًّا بتَحْمِيلِها.
فأمَّا إن كالها المُكْتَرِى وَوَضَعَها المُكْرِى على الدّابَّةِ عالِمًا بكَيلِها، لم يَضْمَنِ المُكْتَرِى الدّابَّةَ إذا تَلِفَتْ؛ لأنَّه فَعَلَ ذلك من غيرِ تَدْلِيسٍ ولا تَغْرِيرٍ، وله أجْرُ القَفِيزِ الزّائِدِ، في أحَدِ
الجزء: 14 - الصفحة: 416
وَإِنْ تَلِفَتْ، ضَمِنَ قِيمَتَهَا، إلا أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ صَاحِبِهَا، فَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
الوَجْهَينِ؛ لأنَّهما اتَّفقا على حَمْلِه على سَبِيلِ الإِجارَةِ فجَرَى مَجْرَى المُعاطاةِ في البَيعِ، ودُخُولِ الحَمّامِ مِن غيرِ تَقْدِيرِ أجْرٍ.
والثاني، لا أجْرَ له؛ لأنَّ المُكْتَرِيَ لم يَجْعَلْ له على ذلك أجْرًا.
وإن كاله المُكْرِي وحَمَلَه المُكْتَرِي على الدّابَّةِ عالِمًا بذلك مِن غيرِ أن يَأْمُرَه بحَمْلِه، فعليه أجْرُ القَفِيزِ الزّائِدِ، وإن أمَرَه بحَمْلِه، فَفِي وُجُوبِ الأجْرِ وَجْهانِ، كَما لو حَمَله المُكْرِي عليها؛ لأنَّه إذا أمَرَ به كان ذلك كفِعْلِه.
وإن كالهُ أحَدُهما وحَمَلَه أجْنَبِيٌّ، فهو كما لو حَمَلَه الذي كالهُ، وإن كان بِأمْرِ الآخَرِ، فهو كما لو حَمَلَه الآخَرُ، وإن حَمَلَه بغيرِ أمْرِهِما، فهو كما لو كالهُ ثمَّ حَمَلَهُ.
2195 -
مسألة: (وإن تَلِفَتْ)
ضَمِنَها (إلَّا أن تكونَ في يَدِ صاحِبِها، فيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِها، في أحَدِ الوَجْهَينِ) إذا تَلِفَتِ الدّابَّةُ التي تَعَدَّى فيها، إمّا بزِيادَةٍ على الحَمْلِ، أو زِيادَةٍ على المَسافةِ، ضَمِنَها بقِيمَتِها، سواءٌ تَلِفَتْ في الزِّيادَةِ أو بعدَ رَدِّها إلى المَسافةِ، وسواءٌ كان صاحِبُها مع المُكْتَرِي أو لم يَكُنْ.
هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ والفُقَهاءِ
الحديث: 2195 - الجزء: 14 - الصفحة: 417
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السَّبْعةِ، إذا تَلِفَتْ حال التَّعَدِّي.
وقال القاضِي: إن كان المُكْتَرِي نَزَل عنها، وسَلَّمَها إلى صاحِبِها ليُمْسِكَها أو يَسْقِيَها، فتَلِفَتْ، فلا ضَمانَ على المُكْتَرِي، وإن هَلَكَتْ والمُكْتَرِي راكِبٌ عليها، أو حِمْلُه عليها، ضَمِنَها.
وقال [أبو الخَطّابِ] 626: إن كانت يَدُ صاحِبِها عليها، احْتَمَلَ أن [يَلْزَمَ المُكْتَرِيَ] 627 جميعُ قِيمَتِها، واحْتَمَلَ أن يَلْزَمَه النِّصْفُ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن لم يَكُنْ صاحِبُها معها لَزِمَ المُكْتَرِيَ جميعُ القِيمَةِ، وإن كان معها فتَلِفَتْ في يَدِ صاحِبِها لم يَضْمَنْها المُكْتَرِي؛ لأنَّها تَلِفَتْ في يَدِ صاحِبِها، أشْبَهَ ما لو تَلِفَتْ بعد مُدَّةِ التَّعَدِّي.
وإن تَلِفَتْ تَحْتَ الراكِبِ، ففيه قَوْلانِ؛ أحدُهما، يَلْزَمُه نِصْفُ القِيمَةِ؛ لأنَّها تَلِفَتْ بفِعْلٍ مَضْمُونٍ [وغيرِ مَضْمُونٍ] 628، أشْبَهَ ما لو تَلِفَتْ بجِراحَتِه وجِراحَةِ مالِكِها.
والثاني، تُقَسَّطُ القِيمَةُ على المَسافَتَين، فما قابَلَ مَسافَةَ الإِجارَةِ سَقَط، وَوَجَب الباقِي.
ونحوُ هذا قولُ أبي حنيفةَ، فإنَّه قال في مَن اكْتَرَى جَمَلًا لِحَمْلِ تِسْعَةٍ فحَمَلَ عَشَرَةً، فتَلِفَ: فعلى المُكْتَرِي عُشْرُ قِيمَتِه.
قال شيخُنا 629: ومَوْضِعُ الخِلافِ في لُزُومِ كَمالِ القِيمَةِ إذا كان صاحِبُها
الجزء: 14 - الصفحة: 418
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مع راكِبها، أو تَلِفَتْ في يَدِ صاحِبها.
فأمَّا إن تَلِفَتْ في حالِ التَّعَدِّي، ولم يَكُنْ صاحِبُها مع راكِبِها، فلا خِلافَ في ضَمانِها بكَمالِ قِيمَتِها؛ لأنَّها تَلِفَتْ في يَدٍ عادِيَةٍ، فوَجَبَ ضَمانُها، كالمَغْصُوبِ.
وكذلك إذا تَلِفَتْ تحتَ الرّاكِبِ أو تحتَ حِمْلِه وصاحِبُها معها؛ لأنَّ اليَدَ للرّاكِبِ وصاحِبِ الحِمْلِ، بدَليلِ ما لو تَنازَعا دابَّةً أحَدُهُما راكِبُها أو له عليها حِمْلٌ، والآخَرُ آخِذٌ بزِمامِها، كانت لصاحِبِ الحِمْلِ والرّاكِبِ، ولأنَّ الرّاكِبَ مُتَعَدٍّ بالزِّيادَةِ، وسُكُوتُ صاحِبِها لا يُسْقِطُ الضَّمانَ، كمَن حَرَق 630 ثِيابَ إنْسانٍ وهو ساكِتٌ.
ولأنَّها إن تَلِفَتْ بسَبَبِ تَعَبِها، فالضّمانُ على المُتَعَدِّي، كمَن ألْقَى حَجَرًا في سَفِينَةٍ مُوقَرَةٍ فغرَّقَها.
فأمَّا إن تَلِفَتْ في يَدِ صاحِبِها بعدَ نُزُولِ الرّاكِبِ عنها، وكان تَلَفُها بِسَبَبِ تَعَبِها بالحِمْلِ والسَّيرِ، فهو كتَلَفِها تحت الحِمْلِ والرّاكِبِ، وإن كان بِسَبَبٍ آخَرَ مِن افْتِراسِ سَبُعٍ أو سُقُوطٍ في هُوَّةٍ، فلا ضَمانَ فيها؛ لأنَّها لم تَتْلَفْ في يَدٍ عادِيَةٍ، ولا بِسَبَبِ عُدْوانٍ.
وقولُهم: تَلِفَتْ بفِعْلٍ مَضْمُونٍ وغيرِ مَضْمُونٍ، أشْبَهَ ما لو تَلِفَتْ بجِرَاحَينِ.
يَبْطلُ بما إذا قُطِعَ السّارِقُ ثمَّ قَطَع آخَرُ يَدَه عُدْوانًا، فمات منْهُما.
وفارَقَ ما لو جَرَح نَفْسَه وجَرَحَه غيرُه؛ لأنَّ الفِعْلَين عُدْوانٌ، فَقُسِّمَ الضَّمانُ عليهما.
الجزء: 14 - الصفحة: 419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يَسْقُطُ الضَّمانُ برَدِّها إلى المَسافَةِ.
وبه قال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ، والشافعيُّ.
وقال محمدٌ: يَسْقُطُ، كما لو تَعَدَّى في الوَدِيعَةِ ثمَّ رَدَّها.
ولَنا، أنَّها يَدٌ صارَتْ ضامِنَةً فلا يَزُولُ الضَّمانُ عنها إلا بإذْنٍ جَدِيدٍ، ولم يُوجَدْ.
والأصْلُ مَمْنُوعٌ إلَّا أن يَرُدَّها إلى مالِكها، أو يُجَدِّدَ له 631 إذْنًا.
الجزء: 14 - الصفحة: 420
فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ الْمُؤْجِرَ مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ، كَزِمَامِ الْجَمَلِ، وَرَحْلِهِ، وَحِزَامِهِ، والشَّدِّ عَلَيهِ، وَشَدِّ الْأَحْمَالِ فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ويَلْزَمُ المُؤْجِرَ) كلُّ (ما يَتَمَكَّنُ بهِ مِن النَّفْعِ، كزِمامِ الجَمَلِ، وَرَحْلِه، وحِزامِه، والشَّدِّ عليه، وشَدِّ
الجزء: 14 - الصفحة: 421
وَالْمَحَامِلِ، وَالرَّفْعِ، وَالْحَطِّ، وَلُزُومِ الْبَعِيرِ لِيَنْزِلَ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ، وَمَفَاتِيحِ الدَّارِ، وَعِمَارَتِهَا، وَمَا جَرَتْ عَادَتُهُ بِهِ.
الأحْمالِ والمَحامِلِ، والرَّفْعِ، والحَطِّ، ولُزُومِ البعِيرِ ليَنْزِلَ لِصَلاةِ الفَرْضِ، ومَفاتِيحِ الدّارِ، وعِمارَتِها، وكلِّ ما جَرَتْ عادَتُه به) يَلْزَمُ المُكْرِيَ كلُّ ما جَرَتِ العادَةُ أن يُوطَأَ به للرُّكُوبِ، مِن الحِداجَةِ 632 لِلْجَمَلِ، والقَتَبِ، وما يَتَمَكَّنُ به الرّاكِبُ مِن النَّفْعِ، كزِمامِ الجَمَلِ، والبُرَةِ التي في أنْفِه، إن كانت العادَةُ جارِيةً بها، والسَّرْجُ واللِّجامُ للفَرَسِ، والبَرْذَعةُ والإِكافُ للبَغْلِ والحِمارِ، على ما يَقْتَضِيه العُرْفُ بِحَمْلِ الإِطْلاقِ عليه.
وما زادَ على ذلك مِن المَحْمِلِ والمحَارَةِ، والحَبْلِ الذي يُشَدُّ به بين المَحْمِلَينِ، على المُكْتَرِي؛ لأنَّه مِن مَصْلَحَةِ الحِمْلِ 633، وكذلك الوطاءُ الذي يُشَدُّ فَوْقَ الحداجَةِ تحتَ المَحْملِ.
وعلى المُكْرِي رَفْعُ المَحْمِل وحَطُّه وشَدُّه على الجَمَلِ، ورَفْعُ الأحْمالِ وشَدُّها وحَطُّها؛ لأنَّ هذا هو العُرْفُ، وبه يَتَمكَّنُ مِن الرُّكُوبِ.
ويَلْزَمُه القائِدُ والسائِقُ،
الجزء: 14 - الصفحة: 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذا إذا كان الكِراءُ على أن يَذْهَبَ مع المُكْتَرِي، فإن كان على أن يَتَسَلَّمَ الراكِبُ البَهِيمَةَ ليَرْكبَها بنَفْسِه، فكلُّ ذلك عليه؛ لأنَّ الذي على المُكْرِي تَسْلِيمُ البَهِيمَةِ، وقد سَلَّمَها.
فأمَّا الدَّلِيلُ فهو على المُكْتَرِي؛ لأنَّ ذلك خارِجٌ عن البَهِيمَةِ المُكْتَراةِ وآلَتِها، فأشْبَهَ الزّادَ.
وقيل: إن كان اكْتَرَى منه بَهِيمَةً بعَينِها، فأُجْرةُ الدَّلِيلِ على المُكْتَرِي؛ لأنَّ الذي عليه تَسْلِيمُ الظَّهْرِ، وقد سَلَّمَه، وإن كانتِ الإِجارَةُ على حَمْلِه إلى مكانٍ مُعَيَّنٍ في الذِّمَّةِ، فهو على المُكْرِي 634؛ لأنَّه مِن مُؤْنَةِ إيصالِه إليه وتَحْصِيلِه فيه.
فإن كان الرّاكِبُ مِمَّن لا يَقْدِرُ على الرُّكُوبِ والبَعِيرُ قائِمٌ، كالمَرْأةِ والشَّيخِ والضَّعِيفِ والسَّمِينِ، فعلى الجَمّالِ أن يُبْرِكَ الجَمَلَ لِرُكُوبِه ونُزُولِه؛ لأنَّه لا يتَمَكَّنُ مِنْهُما إلَّا به، وإن كان مِمَّن يُمْكِنُه الرُّكُوبُ والنُّزُولُ مع قِيامِ البَعِيرِ، لم يَلْزَمِ الجَمّال أن يُبْرِكَ الجَمَلَ؛ لإِمْكانِ اسْتِيفاءِ المَعْقُودِ عليه بدُونِه.
فإن كان قَويًّا حال العَقْدِ، فتَجَدَّدَ له الضَّعْفُ، أو
الجزء: 14 - الصفحة: 423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالعَكْسِ، فالاعْتِبارُ بحالِ الرُّكُوبِ؛ لأنَّ العَقْدَ اقْتَضَى رُكُوبَه بحَسَبِ العادَةِ.
ويَلْزَمُ الجَمّال أن يَقِفَ البَعِيرَ لِيَنْزِلَ لِصَلاةِ الفَرْضِ، وقَضاءِ حاجَةِ الإِنْسانِ، والطَّهارَةِ، ويَدَعَ البَعِيرَ واقِفًا حتى يَفْعَلَ ذلك؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه فِعْلُ شيءٍ مِن هذا على ظَهْرِ البَعِيرِ.
وما يُمْكِنُه فِعْلُه عليه مِن الأكْلِ والشُّرْبِ وصَلاةِ النّافِلةِ، لا يَلْزَمُه أن يَقِفَه له مِن أجْلِه، فإن أرادَ المُكْتَرِي إتمامَ الصَّلاةِ فطالبَه الجَمّالُ بقَصْرِها، لم يَلْزَمْه ذلك؛ بل تكونُ خَفِيفَةً في تَمامٍ.
فصل: إذا اكْتَرَى ظَهْرًا في طَرِيقٍ العادَةُ فيه النُّزُولُ والمَشْيُ عندَ اقْتِرابِ المَنْزِلِ، والرّاكِبُ امْرَأةٌ أو ضَعِيفٌ، لم يَلْزَمْه ذلك؛ لأنَّه اكْتَرَى جَمِيعَ الطَّرِيقِ، [ولم تَجْرِ له عادَةٌ بالمَشْي، فلَزِمَ حَمْلُه في جَمِيعِ الطَّرِيقِ] 635، كالمَتاعِ.
وإن كان جَلْدًا قَويًّا، احْتَمَلَ أن لا يَلْزَمَه أيضًا؛ لأنَّه عَقَد على جَمِيعِ الطَّرِيقِ 636، أشْبَهَ الضَّعِيفَ.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه؛ لأنَّه مُتعارَفٌ، والمُتعارَفُ كالمَشْرُوطِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن كان المُكْتَرَى دارًا أو حَمّامًا، فعلى المُكْرِي ما يَتَمَكَّنُ به مِن الانْتِفاعِ، كتَسْلِيمِ مَفاتِيحِ الدّارِ والحَمّامِ؛ لأنَّ عليه التَّمْكِينَ مِن الانْتِفاعِ، وتَسْلِيمُ مَفاتِيحِها تَمْكِينٌ مِن الانْتِفاعِ.
فإن ضاعَتْ أو تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطِ المُسْتَأْجِرِ، فعلى المُؤْجِرِ بَدَلُها؛ لكَوْنِها أمانَةً في يَدِ المُسْتَأْجِرِ، فأشْبَهَ حِيطانَ الدّارِ وأبْوابَها.
وإن سَقَط حائِطٌ أو خَشَبَةٌ أو انْكَسَرَتْ، فعليه إبْدالُها وبِناءُ الحائِطِ.
وعليه تَبْلِيطُ الحَمّامِ، وعَمَلُ الأبْوابِ والبِرَكِ ومَجْرَى الماءِ؛ لأنَّ بذلك يَحْصُلُ الانْتِفاعُ، ويَتَمَكَّنُ منه؛ وما كان لاسْتِيفاءِ المَنافِعِ كالحَبْلِ والدَّلْو والبَكْرَةِ 637، فعلى المُكْتَرِي.
فأمَّا التَّحْسِينُ والتَّزْويقُ، فلا يَلْزَمُ واحِدًا منهما؛ لأنَّ الانْتِفاعَ مُمْكِنٌ بدُونِه.
الجزء: 14 - الصفحة: 425
فَأَمَّا تَفْرِيغُ البَالُوعَةِ وَالْكَنِيفِ، فَيَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ إِذَا تَسَلَّمَهَا فَارِغَةً.
2196 - مسألة. (فأمّا تَفْرِيغُ البالُوعَةِ والكَنِيفِ، فيَلْزَمُ المُسْتَأْجِرَ إذا تسَلَّمَها فارِغَةً)
إنِ احْتِيجَ إلى تَفْرِيغِ البالُوعَةِ والكَنِيفِ عندَ الكِراءِ، فعلى المُكْرِي؛ لأنَّه ممّا يَتَمَكَّنُ به مِن الانْتِفاعِ، وإن امْتلأتْ بفِعْلِ المُسْتَأْجِرِ، فتَفْرِيغُها عليه.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو ثَوْرٍ: هو على رَبِّ الدّارِ؛ لأنَّ به يَتَمَكَّنُ مِن الانْتِفاعِ، أشْبَهَ ما لو اكْتَراها وهي مَلْأى.
وقال أبو حنيفةَ: القِياسُ أنَّه على المُكْتَرِي،
الحديث: 2196 - الجزء: 14 - الصفحة: 426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والاسْتِحْسانُ أنَّه على رَبِّ الدّارِ؛ لأنَّ ذلك عادَةُ الناسِ.
ولَنا، أنَّ ذلك حَصَل بفِعْلِ المُكْتَرِي، فكان عليه تَنْظِيفُه، كما لو طَرَح فيها قُماشًا.
والقولُ في تَفْرِيغِ جِيَّةِ 638 الحَمّامِ، التي هي مَصْرِفُ مائِه، كالقَوْلِ في بالُوعَةِ الدّارِ.
وإنِ انْقَضَتِ الإِجارَةُ وفي الدّارِ زِبْلٌ أو قُمامَةٌ مِن فِعْلِ الساكِنِ، فعليه نَقْلُه.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي.
فصل: فإن شَرَط على مُكْتَرِي الحَمّامِ، أو غيرِه، أنَّ مُدَّةَ تَعْطِيلِه عليه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يُؤْجِرَ مُدَّةً لا يُمكِنُه الانْتِفاعُ [في بعضِها] 639، ولا يجوزُ أن يَشْتَرِطَ أنَّه يَسْتَوْفِي بقَدْرِها بعدَ 640 انْقِضاءِ مُدَّتِه؛ لأنَّه يُؤَدِّي إلى أن يكونَ انْتِهاءُ مُدَّةِ الإِجارَةِ مَجْهُولًا.
فإن أطْلَقَ، وتَعَطَّلَ، فهو عَيبٌ حادِثٌ، والمُكْتَرِي بالخِيارِ بينَ الإِمْساكِ بكُلِّ الأجْرِ وبينَ الفَسْخِ.
ويَتَخَرَّجُ أنَّ له أَرْشَ العَيبِ، كالمَبِيعِ المَعِيبِ.
فإن لم يَعْلَمْ بالعَيبِ حتى انْقَضَتْ مُدَّةُ الإِجارَةِ، فعليه جَمِيعُ الأجْرِ؛ لأنَّه اسْتَوْفَى المَعْقُودَ عليه، فأشْبَهَ ما لو عَلِمَ العَيبَ بعد العَقْدِ فَرَضِيَه، ويتَخَرَّجُ أنَّ له أَرْشَ العَيبِ، كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا فلم يَعْلَمْ عَيبَه حتى تَلِفَ في يدِه، أو أكَلَه.
الجزء: 14 - الصفحة: 427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن شَرَط على المُكْتَرِي النَّفَقَةَ الواجِبَةَ على المُكْرِي؛ كَعِمارَةِ الحَمّامِ، فالشَّرْطُ فاسِدٌ؛ لأنَّ العَينَ مِلْكٌ للمُؤْجِرِ، فنَفَقَتُها عليه.
فإن أَنْفَقَ بِناءً على هذا الشَّرْطِ، احْتَسَبَ به على المُكَرِي 641؛ لأنَّه أنْفَقَه على مِلْكِه بشَرْطِ العِوَضِ.
فإنِ اخْتَلَفا في قَدْرِ ما أنْفَقَ، ولا بَيِّنَةَ، فالقْولُ قولُ لمُكْرِي؛ لأنَّه مُنْكِرٌ، فإن لم يَشْرُطْ، لكن أذِنَ له في الإِنْفاقِ ليَحْتَسِبَ له به مِن الأجْرِ، فَفَعَلَ، ثمَّ اخْتَلَفا، فالقولُ قولُ المُكْرِي أيضًا.
وإن أنْفَقَ مِن غيرِ إذْنِه، لم يَرْجِعْ بشيءٍ؛ لأنَّه أنْفَقَ على مالِه بغيرِ إذْنِه نَفَقَةً غيرَ واجِبَةٍ على المالِكِ، أشْبَهَ ما لو عَمَرَ له دارًا أُخْرَى.
فصل: لا خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ في جَوازِ كِراءِ الإِبِلِ وغيرِها مِن الدَّوابِّ إلى مَكَّةَ وغيرِها، قال اللهُ تعالى: ﴿وَالْخَيلَ وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ 642. ولم يُفَرِّقْ بينَ المَمْلُوكَةِ والمُسْتَأْجَرَةِ.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ في قولِه تعالى: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ 643. أن يَحُجَّ ويُكْرِيَ.
ونحوُه عن ابنِ عُمَرَ.
ولأنَّ بالنّاسِ حاجَةً إليه، وقد فَرَض اللهُ تعالى الحَجَّ على النَّاسِ، وليس لكلِّ أحَدٍ بَهِيمَةٌ يَمْلِكُها، ولا يُحْسِنُ القِيامَ بها والشَّدَّ عليها، فدَعَتِ الحاجَةُ إلى اسْتِئْجارِها، فجاز ذلك؛ دَفْعًا للحاجَةِ.
إذا ثَبَت هذا، فمِن شَرْطِ
الجزء: 14 - الصفحة: 428
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صِحَّةِ العَقْدِ مَعْرِفَةُ المُتَعاقِدَين المَعْقُودَ عليه؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أشْبَهَ البَيعَ.
فأمَّا الجَمّالُ فيَحْتاجُ إلى مَعْرِفةِ الرّاكِبَينِ بالرُّؤْيةِ أو بالصِّفَةِ؛ لأنَّ المَعْرِفَةَ بالصِّفَةِ تَقُومُ مَقامَ الرُّؤْيَةِ، إذا وَصَفَهُما بالطُّولِ والقِصَرِ، والهُزالِ والسِّمَنِ، والصِّغَرِ والكِبَرِ، والذُّكُورِيَّةِ والأنُوثِيَّةِ.
وقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، وأبو الخَطّابِ: لا يَكْفِي في ذلك الصِّفَةُ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ بثِقَلِه وخِفَّتِه، وسُكُونِه وحَرَكَتِه، ولا يَنْضَبِطُ بالوَصْفِ، فيَجِبُ تَعْيِينُه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ولهم في المَحْمِلِ وَجْهٌ، أنَّه لا يُكْتَفَى فيه بالصِّفَةِ، ويَجِبُ تَعْيِينُه.
ولَنا، أنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ مُضافٌ إلى حَيَوانٍ، فاكْتُفِيَ فيه بالصِّفَةِ، كالبَيعِ، وكالمَرْكُوبِ في الإِجارَةِ.
ولأنَّه لو لم يُكْتَفَ فيه بالصِّفَةِ، لمَا جاز للرّاكِبِ أن يُقِيمَ غيرَه مُقامَه؛ لأنَّه إنَّما يَعْلَمُ كَوْنَه مِثْلَه لِتَساويهما في الصِّفاتِ، فما لا تَأْتِي عليه الصِّفاتُ، لا يَعْلَمُ تَساويَهما فيه.
ولأنَّ الوَصْفَ يُكْتَفَى به في البَيعِ، فاكْتُفِيَ به في الإِجارَةِ، كالرُّؤْيَةِ.
والتَّفاوُتُ بعد ذِكْرِ الصِّفاتِ يَسِيرٌ، تَجْرِي المُسامَحةُ فيه، كالمُسْلَمِ فيه.
ويَحْتاجُ إلى مَعْرِفَتِه 644 الآلَةَ التي يَرْكَبانِ فيها، مِن مَحْمِلٍ ومَحارَةٍ وقَتَبٍ، وغيرِ ذلك.
وهل يكونُ مُغَطّىً أو مَكْشوفًا؟ فإن كان مُغَطّىً، احْتاجَ إلى مَعْرِفَةِ الغِطاءِ.
ويَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ الوطاءِ، ومَعْرِفَةِ المَعالِيقِ التي معه، مِن قِرْبَةٍ وسَطِيحةٍ وقِدْرٍ وسُفْرَةٍ ونحوها، وذِكْرِ سائِرِ ما يَحْمِلُ معه.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، إلَّا أنَّ الشافعيَّ قال:
الجزء: 14 - الصفحة: 429
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يجوزُ إطْلاقُ غطاءِ المَحْمِلِ؛ لأنَّه لا يَخْتَلِفُ اخْتِلافًا كثيرًا مُتَباينًا.
وحُكِيَ عنه في المَعالِيقِ قولٌ، أنَّه يجوزُ إطْلاقُها، ويُحْمَلُ على العُرْفِ.
وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّه يجوزُ إطْلاقُ الراكِبينَ؛ لأنَّ أجْسامَ الناسِ مُتقارِبةٌ في الغالِبِ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا قال: في المَحْمِلِ رَجُلانِ، وما يُصْلِحُهما مِن الوطَاءِ والدُّثُرِ.
جاز اسْتِحْسانًا؛ لأنَّ ذلك يَتقارَبُ في العادَةِ، فحُمِلَ على العَادَةِ، كالمَعاليقِ.
وقال القاضِي في غِطَاءِ المَحْمِلِ كَقَوْلِ الشافعيِّ.
ولَنا، أنَّ هذا يَخْتَلِفُ وَيتَبايَنُ كثيرًا، فاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُه، كالطَّعامِ الذي يَحْمِلُه معه.
وقولُ مالكٍ: إنَّ أجسامَ الناسِ مُتقارِبةٌ.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّ منهم الكَبِيرَ والصَّغِيرَ، والطَّويلَ والقَصِيرَ، والسَّمِينَ والهَزِيلَ، والذَّكَرَ والأُنْثَى، ويَخْتَلِفُون بذلك، ويَتَبايَنُونَ كثيرًا.
ويَتَفاوَتُون أيضًا في المَعالِيقِ؛ منهم مَن يُكْثِرُ الزّادَ والحَوائِجَ، ومنهم مَن يَقْنَعُ باليَسِيرِ، ولا عُرْفَ له يُرْجَعُ إليه، فاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُه، كالمَحْمِلِ والأوْطِئَةِ.
وكذلك غِطاءُ المَحْمِلِ، مِن الناسِ مَن يَخْتارُ الواسِعَ الثَّقِيلَ الذي يَشْتَدُّ على المَحْمِلِ 645 في الهَواءِ، ومنهم مَن يَقْنَعُ بالضَّيِّقِ الخَفِيفِ، فتَجِبُ مَعْرِفَتُه، كسائِرِ ما ذَكَرْنا.
فإن رَأَى الرّاكِبَين أو وُصِفا له وذُكِر الباقِي بأرْطالٍ مَعْلُومَةٍ، جازَ.
ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
وأمَّا الرّاكِبُ، فيَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ الدّابَّةِ التي يَرْكَبُ عليها؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ بذلك، ويَحْصُلُ بالرُّؤْيَةِ؛ لأنَّها أعْلَى طُرُقِ العِلْمِ، إلَّا أن يكونَ ممَّا
الجزء: 14 - الصفحة: 430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ صِفَةِ المَشْي؛ كالرهوالِ 646 وغيرِه، وإمّا أن يُجَرِّبَه فيَعْلَمَ ذلك برُؤْيَتِه.
ويَحْصُلُ بالصِّفَةِ، فإذا وُجِدَت، اكْتَفَى بها؛ لأنَّه يُمْكِنُ ضَبْطُه بالصِّفَةِ، فجازَ العَقْدُ عليه، كالبَيعِ.
وإذا اسْتَأْجَرَ بالصِّفَةِ للرُّكُوبِ، احتاج إلى ذِكْرِ الجِنْسِ؛ فَرَسًا، أو بَعِيرًا، أو بَغْلًا، أو حِمارًا.
و 647 النَّوْعِ فيقولُ في الإِبِلِ: بُخْتِيٌّ أو عَرَبيٌّ 648. وفي الخَيلِ: عَرَبيٌّ (3) أو بِرْذَوْنٌ.
وفي الحَمِيرِ: مِصْرِيٌّ أو شامِيٌّ.
وإن كان في النَّوْعِ ما يَخْتَلِفُ، كالمُهَمْلَج مِن الخَيلِ، والقَطُوفِ، احْتِيجَ إلى ذِكْرِه؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ به.
وقد ذَكَرْنا ذلك والخِلافَ فيه.
قال شيخُنا 649: ومتى كان الكِراءُ إلى مَكَّةَ، فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ الجِنْسِ ولا النَّوْعِ؛ لأنَّ العادَةَ أنَّ الذي يُحْمَلُ عليه في طَرِيقِ مَكَّةَ الجِمالُ العِرابُ دُونَ البَخاتِيِّ.
فصل: إذا كان الكِراءُ إلى مَكَّةَ، أو طَرِيقٍ لا يكونُ السَّيرُ فيه إلى اخْتِيارِ المُتَكارِيَين، فلا وَجْهَ لذِكْرِ تَقْدِيرِ السَّيرِ فيه؛ لأنَّ ذلك ليس إليهما، ولا مَقْدُورٌ عليه لهما.
وإن كان في طَرِيقٍ السَّيرُ فيه إليهما، اسْتُحِبَّ ذِكْرُ قَدْرِ السَّيرِ في كلِّ يَوْمٍ.
فإن أطْلَقَ وللطَّرِيقِ مَنازِلُ مَعْرُوفَةٌ، جازَ؛ لأنَّه مَعْلُومٌ بالعُرْفِ.
ومتى اخْتَلفا في ذلك، وفي وَقْتِ السَّيرِ لَيلًا أو نهارًا،
الجزء: 14 - الصفحة: 431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو في مَوْضِعِ المَنْزِلِ إمّا في داخِلِ البَلَدِ أو خارِجٍ منه، حُمِلَا على العُرْفِ، كما لو أطْلَقَا الثَّمَنَ في بَلَدٍ فيه نَقْدٌ مَعْرُوف.
وإن لم يَكُنْ للطَرِّيقِ عُرْفٌ، فقال القاضِي: لا يَصِحُّ، كما لو أطْلَقَا الثَّمَنَ في بَلَدٍ لا عُرْفَ فيه.
والأوْلَى أنَّ هذا ليس بشَرْطٍ؛ لأنَّه لو كان شَرْطًا لَما صَحَّ العَقْدُ بدُونِه في الطَّريقِ المَخُوفِ، ولأنَّه لم تَجْرِ العادَة بتَقْدِيرِ السَّيرِ في طَرِيقٍ، فإنِ اخْتَلَفا، رُجِعَ إلى العُرْفِ في غيرِ تلك الطَّريقِ.
فصل: فإن شَرَط حَمْلَ زادٍ مُقَدَّرٍ، كمائةِ رَطْلٍ، وشَرَط أنَّه يُبْدِلُ منها ما نَقَصَ بالأَكْلِ أو غيرِه، فله ذلك، وإن شَرَط أنَّ ما نَقَص بالأكْلِ لا يُبْدِلُه، فليس له إبْدالُه.
فإن ذَهَب بغيرِ الأكْلِ، كَسَرِقَةٍ أو سُقُوطٍ، فله إبْدالُه؛ لأنَّ ذلك لم يَدْخُلْ في شَرْطِه.
وإن أطْلَقَ العَقْدَ، فله إبْدالُ ما ذَهَب بسَرِقَةٍ أو سُقُوطٍ أو أكْلٍ غيرِ مُعْتادٍ، بغيرِ خِلافٍ.
وإن نَقَص بالأكْلِ المُعْتادِ، فله إبْدالُه أيضًا؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ حَمْلَ مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، فمَلَكَ إبْدال ما نَقَص منه،؛ لو نَقَص بِسَرِقَةٍ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ ذلك؛ لأنَّ العُرْفَ جارٍ بأنَّ الزّادَ يَنْقُصُ ولا يُبْدَلُ، فحُمِلَ العَقْدُ عليه عندَ الإِطْلاقِ، وصار كالمُصَرَّحِ به.
وقال الشافعيُّ: القِياسُ أنَّ له إبْداله.
ولو قِيلَ: ليس له إبْدالُه.
كان مَذْهَبًا؛ لأنَّ العادَةَ أنَّ الزَّادَ لا يَبْقَى جَمِيعَ المَسافَةِ، ولذلك يَقِلُّ أجْبرُه عن أجْرِ المَتاعِ.
فصل: إذا اكْتَرَى جَمَلًا لِيَحُجَّ عليه، فله الرُّكُوبُ عليه إلى مَكَّةَ، ومِن مَكَّةَ إلى عَرَفَةَ، والخُرُوجُ عليه إلى مِنًى؛ لأنَّه مِن تَمامِ الحَجِّ.
وقيل:
الجزء: 14 - الصفحة: 432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ليس له الركُوبُ إلى مِنًى؛ لأنَّه بعدَ التَّحَلُّلِ مِن الحَجِّ.
والأَولَى أنَّ له ذلك؛ لأنَّه مِن تَمامِ الحَجِّ وتَوابِعِه، ولذلك وَجَب على مَن وَجَبَ عليه دُونَ غيرِه، فدَخَلَ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ﴾ 650. ولو اكْتَرَى إلى مَكَّةَ فقط، فليس له الرُّكُوبُ إلى الحَجِّ؛ لأنَّها زِيادَةٌ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ له ذلك؛ لأنَّ الكِراءَ إلى مَكَّةَ عِبارَة عن الكِراءِ للحَجِّ؛ لكَوْنِها لا يُكْتَرَى إليها إلَّا للحَجِّ غالِبًا، فكان بمَنْزِلَةِ المُكْتَرِي للحَجِّ.
فصل: قال أصحابُنا: يَصحُّ كِراءُ العُقْبَةِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ومَعْناها: الرُّكُوبُ في بَعْضِ الطَّرِيقِ، يَرْكَبُ شيئًا ويَمْشِي شيئًا؛ لأنَّه إذا جازَ اكْتِراؤُها في الجَمِيعِ، جازَ في البَعْضِ.
ولا بُدَّ مِن العِلْمِ بها، إمّا بالفَراسِخِ، وإمّا بالزَّمانِ، مثلَ أن يَرْكَبَ لَيلًا ويَمْشِيَ نهارًا، ويُعْتَبَرُ في هذا زَمانُ السَّيرِ دُونَ زَمانِ النُّزُولِ.
وإن شَرَط أن يَرْكَبَ يَوْمًا ويَمْشِيَ يَومًا، جازَ، فإن أطْلَقَ، احْتَمَلَ الجَوازَ، [ويُحْمَلُ على العُرْفِ] 651. واحْتَمَلَ أن لا يَصحَّ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ، وليس له ضابِطٌ، فيكونُ مَجْهُولًا.
وإنِ اتَّفَقا على أن يَرْكَبَ ثَلاثةَ أيّامٍ ويَمْشِيَ ثلاثةً، أو ما زادَ ونَقَص، جازَ.
وإنِ اخْتَلَفَا، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ منهما؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا على كل واحدٍ منهما؛ الماشِي لِدَوامِ المَشْي عليه، والدّابَّةِ لدَوَامِ الرُّكُوبِ عليها، ولأنَّه إذا
الجزء: 14 - الصفحة: 433
فَصلٌ: وَالإجَارَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنَ الطرَّفَينِ، لَيسَ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهَا.
رَكِبَ بعد شِدَّةِ التَّعَبِ، كان أثْقَلَ على البَعِيرِ.
وإنِ اكْتَرَى اثْنانِ جَمَلًا يتَعاقَبانِ عليه، جازَ، ويكونُ كِراؤُهما 652 كلَّ الطَرِّيقِ، والاسْتِيفاءُ بينهما على ما يَتَّفقانِ عليه.
وإن تَشاحّا، قُسِمَ بينهما لكُلِّ واحدٍ منهما فَراسِخُ مَعْلُومَةٌ، أو لأحَدِهما اللَّيلُ وللآخُرِ النَّهارُ.
وإن كان لذلك عُرْفٌ رُجِعَ إليه.
وإنِ اخْتَلَفا في البادِئ منهما، أُقْرِعَ بينَهما 653. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ كِراؤُهما 654، إلَّا أن يَتَّفِقَا على رُكُوبٍ مَعْلُوم لكلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَجْهُولٍ بالنِّسْبَةِ إلى كلِّ واحدٍ منهما، فلم يَصِحَّ، كما لو اشْتَرَيا عَبْدَينِ على أنَّ [لكُلِّ واحدٍ عَبْدًا] 655 منهما.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (والإِجارَةُ عَقْدٌ لازِمٌ مِن الطَّرَفَينِ، ليس لأحَدِ هما فَسْخُها) وبه قال مالكٌ، والشافعي، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّها عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فكانت لازِمةً، كالبَيعِ، ولأنّها نَوْع مِن البَيعِ، وإنَّما
الجزء: 14 - الصفحة: 434
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اخْتَصَّتْ بِاسْم كالصَّرْفِ والسَّلَمِ، إلَّا 656 أن يَجِدَ العَينَ مَعِيبَةً عَيبًا لم يَكُنْ عَلِمَ به، فله الفَسْخُ بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: إذا اكْتَرَى دابَّةً بعَينها، فوَجَدَها جَمُوحًا، أو عَضُوضًا، أو نَفُورًا، أو بها عَيبٌ غيرُ ذلك مما يُفْسِدُ رُكُوبَها، فلِلْمُكْتَرِي الخِيارُ، إن شاءَ رَدَّها وفَسَخ الإِجارَةَ، وإن شاءَ أخَذَها.
وهذا قولُ [أبي ثَوْرٍ] 657 وأصحابِ الرَّأْي.
و 658 لأنَّه عَيبٌ في المَعْقُودِ عليه، فأثْبَتَ الخِيارَ، كالعَيبِ في بُيُوعِ الأعْيانِ، والعَيبِ الذي يَرُدُّ به ما تَنْقُصُ به المَنْفَعَةُ، كتَعَثُّرِ الظَّهْرِ في المَشيِ، والعَرَجِ الذي يتَأخَّرُ به عن القافِلَةِ، ورَبْضِ البَهِيمَةِ بالحِمْلِ، وكونِها جَمُوحًا أو عَضُوضًا، وأشْباهِ 659 ذلك.
وفي المُكْتَرَى للخِدْمَةِ، ضَعْفُ البَصَرِ،
الجزء: 14 - الصفحة: 435
وَإنْ بَدَا لَهُ قَبْلَ تَقَضِّي الْمُدَّةِ، فَعَلَيهِ الأُجْرَةُ.
والجُنُونُ، والجُذَامُ، والبَرَصُ.
وفي الدّارِ؛ انْهِدامُ الحائِطِ، والخَوْفُ مِن سُقُوطِها، وانْقِطاعُ الماءِ مِن بِئرِها، أو تَغَيُّرُه بحيثُ يَمْنَعُ الشُّرْبَ والوضُوءَ، وأشْباهُ ذلك مِن النَّقائِصِ.
فإنِ رَضِيَ بالمُقامِ ولم يَفْسَخْ؛ لِزَمَه جميعُ الأجْرَةِ؛ لأنَّه رَضِيَ به ناقِصًا، أشْبَهَ ما لو رَضِيَ بالمَبِيعِ مَعِيبًا.
وإنِ اخْتَلَفا في المَوْجُودِ، هل هو عَيبٌ أو لا؟ رُجِعَ فيه إلى أهْلِ الخِبْرَةِ، مثلَ أن تكونَ الدّابَّةُ خَشِنَةَ المَشْي، أو أنَّها تُتْعِبُ راكِبَها لكَوْنِها لا تُرْكَبُ كثيرًا، فإن قالوُا: هو عَيبٌ.
فله الفَسْخُ، وإلَّا فلا.
هذا إذا كان العَقْدُ تَعَلَّقَ بعَينها، فإن كانت مَوْصُوفَةً في الذِّمَّةِ، لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ، وعلى المُكْرِي إبْدالُها، كالمُسْلَمِ فيه إذا وَجَدَه مَعِيبًا أو على غيرِ صِفَتِه.
فإن عَجَز عن إبْدالِها أو امْتَنَعَ منه، ولم يُمْكِنْ إجْبارُه، فلِلْمُكْتَرِي الفَسْخُ أيضًا.
2197 -
مسألة: (وإن بَدَا له قبلَ تَقَضِّي المُدَّةِ، فعليه الأُجْرَةُ)
قد ذَكَرْنا أنَّ الإِجارَةَ عَقْدٌ لازِمٌ يَقْتَضِي تَمْلِيكَ المُؤْجِرِ الأجْرَ، والمُسْتَأْجِرِ
الحديث: 2197 - الجزء: 14 - الصفحة: 436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَنافِعَ.
فإذا فَسَخ المُسْتَأْجِرُ الإِجارَةَ قبلَ انْقِضاءِ مُدَّتها وتَرَك الانْتِفاعَ اخْتِيارًا منه، لم تَنْفَسِخِ الإِجارَةُ، وتَلْزَمُه الأجْرَةُ، ولا يَزُولُ مِلْكُه عن المنافِعِ، كما لو اشْتَرَى شَيئًا وقَبَضَه ثم تَرَكَه.
قال الأثرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: رَجُلٌ اكْتَرَى بَعِيرًا، فلما قَدِمَ المَدِينَةَ، قال له: فاسِخْنِي.
قال: ليس ذلك له، قد لَزِمَه الكِراءُ.
قلتُ: فإن مَرِضَ المُسْتَكْرِي بالمَدِينةِ؟ فلم يَجْعَلْ له فَسْخًا؛ لأنَّه عَقْدٌ لازِمٌ مِن الطَّرَفَينِ، فلم يَمْلِكْ أحَدُ المُتعاقِدَينِ فَسْخَه، وإن فَسَخَه، لم يَسْقُطِ العِوَضُ الواجِبُ، كالبَيعِ.
فصل: قد ذَكَرْنا أنَّ المُسْتَأْجِرَ يَمْلِكُ المَنافِعَ بالعَقْدِ، كما يَمْلِكُ المُشْتَرِي المَبِيعَ بالبَيعِ، ويَزُولُ مِلْكُ المُؤْجرِ عنها، كما يَزُولُ مِلْكُ البائِع عن المَبِيعِ، فلا يجوزُ له التَّصرُّفُ فيها؛ لَأنَّها صارتْ مَمْلُوكَةً لغيرِه.
فإن تَصرَّفَ فيها، وكان ذلك في حالِ يَدِ المُسْتَأْجِرِ قبلَ تَقَضِّي المُدَّةِ، مثلَ أن يَكْتَرِيَ دارًا سَنَةً، فيَسْكُنُها شَهْرًا ويَتْرُكُها، فيَسْكُنُها المالِكُ بَقِيَّةَ السَّنةِ، أو يُؤْجِرُها لغيرِه، احْتَمَلَ أن يَنْفَسِخَ العَقْدُ فيما اسْتَوْفاهُ المالِكُ؛ لأنَّه تَصرَّفَ فيه قبلَ قَبْضِ المُكْتَرِي له، أشْبَهَ ما لو أتْلَفَ المَكِيلَ قبلَ تَسْلِيمِه وسَلَّمَ باقِيَه.
فإن تَصرَّفَ في بعضِ المُدَّةِ دُونَ بعضٍ، انْفَسَخَ العَقْدُ في قَدْرِ ما تَصرَّفَ فيه
خاصَّةً، وعلى المُسْتَأْجِرِ أجْرُ ما بَقِيَ.
فإن
الجزء: 14 - الصفحة: 437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَكَن المُسْتَأْجِرُ شَهْرًا [وتَرَكَها شَهْرًا 660] 661، وسَكَن المالِكُ عَشَرَةَ أشْهُرٍ، لَزِمَ المُسْتَأْجِرَ أجْرُ شَهْرَينِ.
وإن سَكَنَها شَهْرًا، وسَكَن المالِكُ شَهْرَين ثم تَرَكَها، فعلى المُسْتَأْجِرِ أجْرُ عَشَرَةِ أشْهُر.
واحْتَمَلَ أن يَلْزَمَ المُسْتَأْجِرَ أجْرُ جَمِيعِ المُدَّةِ، وله على المالِكِ أجْرُ المِثْلِ لِما سَكَن أو تَصَرَّفَ فيه، يَسْقُطُ ذلك ممّا على المُسْتَأْجِرِ مِنَ الأجْرِ، ويَلْزَمُه الباقِي، لأنَّه تَصَرَّفَ فيما مَلَكَه المُسْتَأْجِرُ عليه بغيرِ إذْنِه، أشْبَهَ ما لو تَصَرَّفَ في المَبِيع بعدَ قَبْضِ المُشْتَرِي إيّاه.
وقَبْضُ الدّارِ ههُنا قام مَقامَ قَبْضِ المنافِع، بدَلِيلِ أنَّه يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في المَنافِعِ بالسُّكْنَى والإِجارَةِ وغيرِها.
فعلى هذا، لو كان أجْرُ المِثْلِ الواجِبُ على المالِكِ بقَدْرِ الأجْرِ المُسَمَّى في العَقْدِ، لم يَجِبْ على المُسْتَأْجِرِ شيءٌ.
وإن فَضَلَتْ منه فَضْلَة، لَزِمَ المالِكَ أداؤُها إلى المُسْتَأْجِرِ.
والأوّلُ أوْلَى.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ.
وإن تَصَرَّفَ المالِكُ قبلَ تَسْلِيمِه العَينَ، أو امْتَنَعَ مِن تَسْلِيمِها حَتَّى انْقَضَتْ مُدَّةُ الإِجارَةِ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ، وَجْهًا واحدًا، لأنَّ العاقِدَ أتْلَفَ المَعْقُودَ عليه قبلَ تَسْلِيمِه، فانْفَسَخَ العَقْدُ،؛ لو باعَه طَعامًا فأتْلَفَه قبلَ تَسْلِيمِه.
وإن سَلَّمَها إليه في أثناءِ المُدَّةِ، انْفَسَخَتْ فيما مَضَى، ويَجِبُ أجْرُ الباقِي بالحِصَّةِ، كالمَبِيعِ إذا سَلَّمَ بَعْضَه وأتْلَفَ بعضًا.
الجزء: 14 - الصفحة: 438
وَإنْ حَوَّلَهُ الْمَالِكُ قَبْلَ تَقَضِّيهَا، لَمْ تَكُنْ لَهُ أجْرَةٌ لِمَا سَكَنَ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ مِنَ الأُجْرَةِ بِقِسْطِهِ.
2198 - مسألة: (وإن حَوَّلَه المالِكُ قبلَ تَقَضِّيها)
فليس له (أجْرَةٌ لِما سَكَن.
نَصّ عليه، ويَحْتَمِلُ أنَّ له مِن الأجْرَةِ بقِسْطِه) إذا اسْتَأْجَرَ عَقارًا 662 مُدَّةً، فسَكَنَه بعضَ المُدَّةِ، ثم أخْرَجَه المالِكُ ومَنَعَ تَمامَ السُّكْنَى، فلا شيءَ له مِن الأجْرِ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ له مِن الأجْرِ بقِسْطِه.
وهو قولُ أكثَرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّه اسْتَوْفَى مِلْكَ غيرِه على وَجْهِ المُعاوَضَةِ، فلَزِمَه عِوَضُه، كالمَبِيعِ إذا اسْتَوْفَى بعضَه ومَنَعَه المالِكُ بَقِيَّتَه.
ولَنا، أنَّه لم يُسَلِّم إليه ما تَناوَلَه عَقْدُ الإِجارَةِ، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كما لو اسْتَأْجَرَه لحَمْلِ كِتابٍ إلى بَلَدٍ فحَمَلَه بعض الطَّرِيقِ،
الحديث: 2198 - الجزء: 14 - الصفحة: 439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو لِيَحْفِرَ له عِشْرِينَ ذِراعًا، فحَفَرَ له عَشْرًا وامْتَنَعَ مِن حَفْرِ الباقِي.
وقِياسُ الإِجارَةِ على الإِجارَةِ أوْلَى مِن قِياسِها على البَيعِ.
والحُكْمُ في مَنِ اكْتَرَى دابَّةً فامْتَنَعَ المُكْرِي 663 مِن تَسْلِيمِها.
في بعضِ المُدَّةِ، أو أجَرَ نَفْسَه أو عَبْدَه للخِدْمَةِ مُدَّةً وامْتَنَعَ مِن إتْمامِها، أو أجَرَ نفْسَه لِبناءِ حائِطٍ أو خِياطةٍ، أو حَفْرِ بِئْرٍ، أو حَمْلِ شيءٍ إلى مكانٍ، وامْتَنَعَ مِن إتْمامِ العَمَلِ معِ القُدْرَةِ عليه، كالحُكْمِ في العَقارِ يَمْتَنِعُ مِن تَسْلِيمِه، وأنَّه لا يسْتَحِقُّ شيئًا؛ لِما ذَكَرْنا.
الجزء: 14 - الصفحة: 440
وَإنْ هَرَبَ الْأَجيرُ حَتَّى انْقَضَتِ الْمُدَّةُ، انْفَسَخَتِ الإجَارَة، وَإنْ كَانتْ عَلَى عَمَلٍ، خُيِّرَ الْمُسْتَأْجِرُ بَينَ الْفَسْخ وَالصَّبْرِ.
2199 - مسألة: (وإن هَرَب الأجِيرُ حتَّى انْقَضَتِ المُدَّةُ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ، وإن كانت على عَمَل، خُيِّرَ المُسْتَأْجِرُ بينَ الفَسْخِ والصَّبْرِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا هَرَب الأجِيرُ، أو شَرَدَتِ الدّابَّةُ، أو أخَذَ المُؤْجِرُ العَينَ وهَرَب بها، أو مَنَعه اسْتِيفاءَ المَنْفَعَةِ منها مِن غيرِ هَرَبٍ، لم تَنْفَسِخِ الإِجارَةُ، لكن يَثْبُتُ للمُسْتَأْجِرِ خِيارُ الفَسْخِ، فإن فَسَخ 664 فلا كلامَ، وإن لم يَفْسَخْ وكانت الإِجارَةُ على مُدَّةٍ، انْفَسَخَتْ بمُضِيِّ المُدَّةِ يومًا فيومًا.
فإن عادَتِ العَينُ في أثْناءِ المُدَّةِ، اسْتَوْفَى ما بَقِيَ منها.
وإنِ انْقَضَتِ المُدَّةُ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ؛ لِفَواتِ المَعْقُودِ عليه.
وإن كانت الإِجارَةُ على مَوْصُوفٍ في الذِّمَّةِ؛ كخِيَاطةِ ثَوْبٍ، أو بِناءِ حائطٍ، أو حَمْلٍ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، اسْتُؤْجِرَ مِن مالِه مَن يَعْمَلُه، كما لو أسْلَمَ
الحديث: 2199 - الجزء: 14 - الصفحة: 441
وَإنْ هَرَبَ الْجَمَّالُ، أَوْ مَاتَ وَتَرَكَ الْجِمَال، أنْفَقَ عَلَيهَا الْحَاكِمُ
إليه في شيءٍ فَهَرَب، ابْتِيعَ (1) مِن مالِه.
فإن تَعَذَّرَ، فلِلْمُسْتَأْجِرِ الفَسْخُ، فإن لم يَفْسَخْ وصَبَر إلى أن يَقْدِرَ عليه، فله مُطالبَتُه بالعَمَلِ؛ لأنَّ ما في الذِّمَّةِ لا يَفُوتُ بهَرَبِه.
وكلُّ مَوْضِعٍ امْتَنَعَ الأجِيرُ مِن العَمَلِ فيه، أو مَنَع المُؤْجِرُ المُسْتَأْجِرَ مِن الانْتِفاعِ، إذا كان بعدَ عَمَلِ البَعْضِ، فلا أجْرَ له فيه، على ما سَبَق، إلَّا أن يَرُدَّ العَينَ قبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، أو يُتِمَّ العَمَلَ إن لم يَكُنْ على مُدَّةٍ قبلَ فَسْخِ المُسْتَأْجِرِ، فيكونُ له أجْرُ ما عَمِلَ.
فأمّا إن شَرَدَتِ الدّابَّةُ، أو تَعذَّرَ اسْتِيفاءُ المَنْفَعةِ بغيرِ فِعْلِ المُؤْجِرِ، فله مِن الأجْرِ بقَدْرِ ما اسْتَوْفَى بكلِّ حالٍ.
2200 -
مسألة: (وإن هَرَب الجَمّالُ، أو ماتَ
665 الحديث: 2200 - الجزء: 14 - الصفحة: 442
مِنْ مَالِ الْجَمَّالِ، أوْ أذِنَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي النَّفَقَةِ، فَإِذَا انْقَضَتِ الإجَارَةُ بَاعَهَا الْحَاكِمُ وَوَفَّى الْمُنْفِقَ، وَحَفِظَ بَاقِيَ ثَمَنِهَا لِصَاحِبِهِ.
وتَرَك الجِمال، أنْفَقَ عليها الحاكِمُ مِن مالِ الجَمّالِ، أو أذِنَ لِلمُسْتَأْجِرِ في الإِنْفاقِ، فإذا انْقَضَتِ الإجارَةُ باعَها الحاكِمُ ووَفَّى المُنْفِقَ، وحَفِظَ باقِيَ ثَمَنِها لِصَاحِبه) إذا هَرَب الجَمّالُ في بعضِ الطَّرِيقِ، أو قبلَ الدُّخُولِ فيها، لم يَخْلُ مِن حالينِ؛ أحدُهما، أن يَهْرُبَ بجِمالِه.
فإن لم يَجِدِ المُسْتَأْجِرُ حاكِمًا، أو وَجَدَ حاكِمًا لم يُمْكِنْ إثْباتُ الحالِ عندَه، أو أمْكَنَ ولم يَحْصُلْ له [ما يَكْتَرِي به] 666 ما يَسْتَوْفِي به حَقَّه منه، فلِلْمُسْتَأْجِرِ الفَسْخُ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ عليه قَبْضُ المَعْقُودِ عليه، أشْبَهَ ما إذا أفْلَسَ المُشْتَرِي.
فإن فَسَخ العَقْدَ وكان الجَمّالُ قد قَبَض الأجْرَ، كات دَينًا في ذِمَّتِه، وإن اخْتارَ المُقامَ على العَقْدِ وكانت الإِجارَةُ على عَمَلٍ في الذمَّةِ، فله ذلك،
الجزء: 14 - الصفحة: 443
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومتى قَدَر على الجَمّالِ طالبَه به، وإن كان العَقْدُ على مُدَّةٍ انْقَضَتْ في هَرَبِه، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ [وقد ذَكَرْناه] 667. وإن أمْكَنَ إثْباتُ الحالِ عندَ الحاكِمِ، وكان العَقْدُ على مَوْصُوفٍ غيرِ مُعَيَّن، لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ، ويَرْفَعُ الأمْرَ إلى الحاكِمِ، ويُثْبِتُ عندَه حاله.
فإن وَجَد الحاكِمُ للجَمّالِ مالًا، اكْتَرَى به، وإن لم يَجِدْ له مالًا وأمْكَنَه أن يَقتَرِضَ عليه ما يَكْتَرِي له به، فَعَلَ.
فإن دَفَع الحاكِمُ المال إلى المُكْتَرِي ليَكْتَرِيَ به لِنَفْسِه، جازَ في ظاهِرِ كلام أحمدَ.
وإن كان القَرْضُ مِن المُكْتَرِي، جاز، وصار دَينًا في ذِمَّةِ الجَمّالِ.
وإن كان العَقْدُ على مُعَيَّن، لم يَجُزْ إبْدالُه ولا اكْتِراءُ غيرِه، لأنَّ العَقْدَ تَعَلَّقَ بعَييه، فيُخَيَّرُ المُكْتَرِي بينَ الفَسخِ، أو الصَّبْرِ إلى أن يَقْدِرَ عليه فيُطالِبَه بالعَمَلِ.
الحالُ الثاني، إذا هَرَب وترَك جِماله، فإنَّ المُكْتَرِيَ يَرْفَعُ الأمْرَ إلى الحاكِمِ، فإن وَجَد للجَمّالِ مالًا، اسْتَأْجَرَ به مَن يَقُومُ مَقامَه في الإِنْفاقِ على الجِمالِ، والشَّدِّ عليها، وفِعْلِ ما يَلْزَمُ الجَمّال.
فإن لم يَجِدْ له غيرَ الجِمالِ، وكان فيها فَضْلَةٌ عن الكِراءِ، باعَ بِقَدْرِ ذلك، وإن لم يَكُنْ فيها فَضْلٌ، أو لم يُمْكِنْ بَيعُه، اقْتَرَضَ عليه الحاكِمُ، كما ذَكَرْنا.
الجزء: 14 - الصفحة: 444
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن ادّانَ مِن المُكْتَرِي وأنْفَقَ، جازَ.
وإن أذِنَ لِلْمُكْتَرِى في الإِنْفاقِ مِن مالِه بالمَعْرُوفِ؛ ليكونَ دَينًا على الجَمّالِ، جازَ؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجةٍ.
فإذا رَجَع، واخْتَلَفا فيما أنْفَقَ، وكان الحاكِمُ قَدَّرَ النَّفَقَةَ، قُبِلَ قَوْلُ المُكْتَرِي في ذلك، دُون ما زادَ، وإن لم يُقَدِّرْ له، قُبِلَ قولُه في قَدْرِ النَّفَقَةِ بالمَعْرُوفِ؛ لأنَّه أمِينٌ، فأشْبَهَ الوَصِيَّ إذا ادَّعَى النَّفَقَةَ على الأيتامِ بالمَعْرُوفِ، وما زادَ لا يَرْجِعُ به؛ لأنَّه مُتَطَوِّعٌ به.
وإذا وَصَل المُكْتَرِي، رَفَع الأمْرَ إلى الحاكِمِ، فيَفْعَلُ ما يَرَى الحَظَّ فيه، مِن بَيعِ الجِمالِ، فيُوَفِّي عن الجَمّالِ ما لَزِمَه مِن الدَّينِ للمُكْتَرِي أو لغيرِه، ويَحْفَظُ باقِيَ الثَّمَنِ له.
وإن رَأى بَيعَ بعضِها وحِفْظَ باقِيها، والإنْفاقَ على الباقِي مِن ثَمَنِ ما باعَ، جازَ.
وإن لم يَجدْ حاكِمًا، أو عَجَز عن اسْتِئْذانِه، فله أن يُنْفِقَ عليها، ويُقِيمَ مُقامَ الجَمّالِ فيما يَلْزَمُه، ولا يَرْجِعُ بذلك إن فَعَلَه مُتَبَرِّعًا.
وإن نَوَى الرُّجُوعَ وأشْهَدَ على ذلك، رَجَع به؛ لأنَّه حالُ ضَرُورةٍ.
وهذا أحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ.
وإن لم يُشْهِدْ، ونَوَى الرُّجُوعَ، فَفِي الرُّجُوعِ وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يَرْجِعُ به، لأنَّ تَرْكَ الجِمالِ مع العِلْمِ بأنَّها لا بُدَّ لها مِن نَفَقةٍ إذْن في الإِنْفاقِ.
والثاني، لا يَرْجِعُ به؛ لأنَّه 668 يُثْبِتُ لِنَفْسِه حَقًّا على غيرِه.
وكذلك إن لم [يَجِدْ مَن يُشْهِدُه] 669 وأنْفَقَ مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ.
قال شيخُنا 670: وقِياسُ المَذْهَبِ، أنَّ له
الجزء: 14 - الصفحة: 445
وَتَنْفَسِخُ الإِجَارَةُ بِتَلَفِ الْعَينِ الْمَعْقُودِ عَلَيهَا،
الرُّجُوعَ، كقَوْلِنا: يَرْجِعُ بما أنْفَقَ على الآبِقِ، وعلى عِيالِ الغائِبِ وزَوْجاتِه، والدّابَّةِ المَرْهُونةِ.
فإن قَدَر على اسْتِئْذانِ الحاكِمِ، فأنْفَقَ مِن غيرِ اسْتِئْذانِه، وأشْهَدَ على ذلك، ففِي رُجُوعِه وَجْهانِ أيضًا.
وحُكمُ مَوْتِ الجَمّالِ حُكْمُ هَرَبه.
وقال أبو بكرٍ: مَذْهَبُ أحمدَ، أنَّ المَوْت لا يفْسَخُ الإِجارَةَ، وله أَن يَرْكَبَها ولا يُسْرِفَ في عَلْفِها، ولا يُقَصِّرَ، ويَرْجِعُ بذلك في مالِ المُتَوَفَّى، فإن لم يَكُنْ في يَدِ المُسْتَأْجِرِ ما يُنْفِقُ، لم يَجُزْ أن يَبيعَ منها شيئًا؛ لأنَّ البَيعَ إنَّما يَجُوزُ مِن المالِكِ أو نائِبِه، أو مِمَّن له (1) ولايةٌ عليه.
2201 -
مسألة: (وتَنْفَسِخُ الإِجارَةُ بتَلَفِ العَينِ المَعْقُودِ عليها)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن اسْتَأْجَرَ عَينًا مُدَّةً، فتَعَذَّرَ 672 الانْتِفاعُ بها، [فإن كان بتَلَفِ] 673 العَينِ، كَدابَّةٍ نَفَقَتْ وعَبْدٍ ماتَ، فهو على ثلاثةِ أقْسامٍ؛671
الحديث: 2201 - الجزء: 14 - الصفحة: 446
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحَدُها، أن تَتْلَفَ قبلَ قَبْضِها، فتَنْفَسِخَ الإِجارَةُ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه تَلِف قبلَ القَبْضِ، أشْبَهَ تَلَفَ الطَّعامِ المَبِيعِ قبلَ قَبْضِه.
القِسْمُ الثاني، أن تَتْلَفَ عَقِيبَ قَبْضِها، فتَنْفَسِخَ الإِجارَةُ أيضًا، ويَسْقُطَ الأجْرُ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ.
وحُكِيَ عن أبي ثَوْرٍ، أنَّ الأجْرَ يَسْتَقِرُّ، لأنَّ المَعْقُودَ عليه تَلِفَ بعدَ قَبْضِه، أشْبَهَ المَبِيعَ.
[ولا يَصِحُّ ذلك] 674؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه المنافِعُ، وقَبْضُها باسْتِيفائِها أو [التَّمَكُّنِ منها] 675. ولم يَحْصُلْ ذلك، فأشْبَهَ تَلَفَهَا قبلَ قَبْضِ العَينِ.
الثالثُ، أن تَتْلَفَ بعدَ مُضِي بعضِ 676 المُدَّةِ، فَتَنْفَسِخَ الإِجارَةُ فيما بَقِي مِن المُدَّةِ خاصَّة 677 ويكون [على المُسْتَأْجِرِ] 678 مِن الأجْرِ بقَدْرِ ما اسْتَوْفى مِن المَنْفَعَةِ.
قال أحمدُ، في رِوايةِ إبراهيمَ بنِ الحارِثِ: إذا اكْتَرى بَعِيرًا بعَييه فنَفَقَ، يُعْطِيه بحسابِ ما رَكِبَ.
وذلك لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ المَعْقُودَ عليه المنافِعُ، وقد تَلِفَ بعضُها قبلَ قَبْضِه، فبَطَلَ العَقْدُ فيما تَلِفَ دُونَ ما قُبِضَ، كما لو اشْتَرَى صُبْرَتَين، فقَبَض إحْداهُما، وتَلِفَتِ الأخْرَى قبلَ قَبْضِها، ثم يُنْظَرُ، فإن كان أجْرُ المُدَّةِ مُتَساويًا، فعليه بِقَدْرِ ما مَضى؛ إن كان النِّصْفُ، فعليه
الجزء: 14 - الصفحة: 447
وَمَوْتِ الصَّبِيِّ المُرْتَضِعِ،
نِصْف الأُجْرةِ، وإن كان [أكثرَ أو أقلَّ، فبِحِسابِ ذلك] (1)، كما يُقَسَّمُ الثَّمَنُ على المَبِيعِ المُتساوي.
وإن اخْتَلَفَ، كَدارٍ أجْرُها في الشِّتاءِ أكْثَرُ مِن الصَّيفِ، وأرْضٍ أجْرُها في الصَّيفِ أكْثَرُ مِن الشِّتاءِ، أو دارٍ لها مَوْسِمٌ، كَدُورِ مَكَّةَ، رُجِعَ في تَقْويمِه إلى أهْلِ الخِبْرةِ، فيُقَسَّطُ (2) الأجْرُ المُسَمَّى على قَدْرِ قِيمَةِ المَنفَعَةِ، كَقِسْمَةِ الثَّمَنِ الأعْيانِ المُخْتَلِفَةِ في البَيعِ.
وكذلك لو كان الأجْرُ على قَطْعِ مَسافةٍ، كَبَعِيرٍ اسْتُؤْجِرَ على حَمْلِ شيءٍ إلى مكانٍ مُعَيَّنٍ؛ وكانتْ مُتَساويَةَ الأجْزاءِ أو مُخْتَلِفَةً.
وهذا (3) مَذْهَبُ الشافعيِّ.
2202 -
مسألة: (ومَوْتِ الصَّبِيِّ المُرْتَضِعِ)
لأنَّه تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ المَعْقُودِ عليه، [لكَوْنِ غيرِهِ لا يقومُ مَقامَه، لاختِلافِهم في الرَّضاعِ، ولذلك وَجَبَ تَعْيِينُه، ولأنَّ اللَّبَنَ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِهم، وقد تُدِرُّ] 682 على679680681
الحديث: 2202 - الجزء: 14 - الصفحة: 448
وَمَوْتِ الرَّاكِبِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ،
أحَدِ الوَلَدَينِ دُونَ الآخَرِ.
وهذا مَنْصُوصُ الشافعيِّ.
[فإن مات الصَّبِيُّ عَقِيبَ العَقْدِ] (1) بَطَلَتِ الإِجارَةُ من أصْلِها، ورَجَعَ المُسْتَأْجِرُ بالأجْرِ كُلِّه، وإن كان في أثْناءِ المُدَّةِ، رَجَعَ بحِصَّةِ ما بَقِيَ، [كما ذَكَرْنا] (2).
فصل (3): وتَنْفَسِخُ الإِجارَةُ بمَوْتِ المُرْضِعَةِ؛ لِفَواتِ المَنْفَعَةِ بهَلاكِ مَحَلِّها.
وحُكِيَ عن أبي بكرٍ، أنَّها لا تَنْفَسِخُ، ويَجِبُ في مالِها أجْرُ مَن تُرْضِعُه تَمامَ الوَقْتِ؛ لأنَّه كالدَّينِ.
ولَنا، أنَّه هَلَك المَعْقُودُ عليه، أشْبَهَ هَلاكَ البَهِيمَةِ المُسْتَأْجَرَةِ.
2203 -
مسألة: (ومَوْاتِ الرَّاكِبِ، إذا لم يَكُنْ له مَن يَقُومُ مَقامَه في اسْتِيفاءِ المَنْفَعَةِ)
إذا ماتْ المُكْتَرِي ولم يَكُنْ له وارِثٌ يَقُومُ مَقامَه في683684685
الحديث: 2203 - الجزء: 14 - الصفحة: 449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اسْتِيفاءِ المَنْفَعَةِ، أو كان الوارِثُ 686 غائِبًا، كمَن يَمُوتُ في طَرِيقِ مَكَّةَ ويَتْرُكُ جَمَلَه الذي اكْتَراه، وليس له عليه شيءٌ يَحْمِلُه 687، فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّ الإِجارَةَ تَنْفَسِخُ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ؛ لأنَّه قد جاءَ أمْرٌ غالِبٌ يَمْنَعُ المُسْتَأْجِرَ مَنْفَعَةَ العَينِ، فأشْبَهَتْ ما لو غُصِبَتْ، ولأنَّ بَقاءَ العَقْدِ ضَرَرٌ في حَقِّ المُكْتَرِي والمُكْرِي؛ لأنَّ المُكْتَرِيَ يَجِبُ عليه الكِراءُ مِن غيرِ نَفْعٍ، والمُكْرِيَ يَمْتَنِعُ عليه التَّصَرُّفُ في مالِه، مع ظُهُورِ امْتِناعِ الكِراءِ عليه.
وقد نُقِلَ عن أحمدَ، في رَجُل اكْتَرَى بَعِيرًا، فمات المُكْتَرِي في بعضِ الطَّرِيقِ، فإن رَجَع البَعِيرُ خالِيًا، فعليه بقَدْرِ ما وَجَب له، وإن كان عليه ثِقْلُه وَوطاؤُه، فله الكِراءُ إلى المَوْضِعِ.
وظاهِرُ هذا أنَّه حَكَم بِفَسْخِ العَقْدِ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ، إذا مات المُسْتَأْجِرُ ولم يَبْقَ له به انْتِفاعٌ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ المَنْفَعَةِ بأمْرٍ مِن اللهِ تعالى، فأشبَهَ ما لو اكْتَرَى مَن يَقْلَع له ضِرْسَه، فبَرَأ، أو انْقَلَعَ قبلَ قَلْعِه، أو اكْتَرَى كَحّالًا لِيَكْحَلَ عَينه فَبَرَأَتْ، أو ذَهَبَتْ.
ويَجِبُ أن يُقَدِّرَ أنَّه لم يَكُنْ ثَمَّ مِن وَرَثَتِه مَن يَقُومُ مَقامَه في الانْتِفاعِ؛ لأنَّ الوارِثَ يَقُومُ مَقامَ المَورُوثِ.
وتَأوَّلَها القاضِي على أنَّ المُكْرِيَ قَبَض البَعِيرَ ومَنَع الوَرَثَةَ الانْتِفاعَ، ولولا ذلك لَما انْفَسخَ العَقْدُ؛ لأنَّه لا يَنْفَسِخُ بعُذْرٍ في المُسْتَأْجِرِ مع سَلامةِ المَعْقُودِ عليه، كما لو حُبِسَ مُسْتَأْجِرُ الدّارِ ومُنِع سُكْنَاها.
ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّه
الجزء: 14 - الصفحة: 450
وَانْقِلَاعِ الضِّرْسِ الَّذِي اكْتَرَى لِقَلْعِهِ، أو بُرْئِهِ، وَنَحْو هَذَا وَإنِ اكْتَرَى دَارًا فَانْهَدَمَتْ، أوْ أَرضًا لِلزَّرْعِ فَانْقَطَعَ مَاؤُهَا، انْفَسَخَتِ الْإجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الْآخَرِ، يَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ خِيَارُ الْفَسْخِ.
لو مَنَعَ الوارِثَ الانْتفاعَ، لَما اسْتَحَقَّ شيئًا مِن الأجْرِ، ويُفارِقُ هذا ما لو حُبِسَ المُسْتَأجِرُ؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه انْتِفاعُه، وهذا لم يُؤيَسْ منه بالحَبْسِ؛ لأنَّه يُمْكِنُ خُرُوجُه فىَ كلِّ وَقْتٍ مِن الحَبْسِ وانْتِفاعُه، ويُمْكِنُ أن يَسْتَنِيبَ مَن يَسْتَوْفِي المَنْفَعَةَ له؛ إمّا بأجْرَةٍ أو غيرِه، بخِلافِ المَيِّتِ، فإنَّه قد فاتَ انْتِفاعُه بنَفْسِه ونائِبِه، أشْبَهَ ما ذَكَرْنا مِن الصُّوَرِ.
2204 -
مسألة: (وانْقِلاعِ الضِّرْسِ الذي اكْتَرَى لِقَلْعِه، أو بُرْئِه)
وكذلك إنِ اكْتَرَى كَحّالًا لِيَكْحَلَ عَينَه فبَرَأتْ أو ذَهَبَتْ، انْفَسَخَ العَقْدُ؛ لأنه تَعَذَّرَ استِيفاءُ المَعْقُودِ عليه، أشْبَهَ ما لو تَعَذَّرَ بالمَوْتِ.
2205 -
مسألة: (وإنِ اكْتَرَى دارًا فانْهَدَمَتْ، أو أرْضًا للزَّرْعِ فانْقَطَعَ ماؤُها، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ، في أحَدِ الوَجْهَينِ.
وفي الآخَرِ، يَثْبُتُ للمُسْتَأجِرِ خِيارُ الفَسْخِ)
وجملةُ ذلك،
الحديث: 2204 - الجزء: 14 - الصفحة: 451
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّه إذا حَدَث في العَينِ المُكْتَراةِ ما يَمْنَعُ نَفْعَها، كَدارٍ انْهَدَمَتْ، أو أرْض غَرِقَتْ، أو انْقَطَعَ ماؤُها، فهذه يُنْظرُ فيها؛ فإن لم يَبْقَ فيها نَفْعٌ أصْلًا، فهي كالتّالِفَةِ سواءً، وإن بَقِيَ فيها نَفْع غيرَ ما اسْتَأْجَرَها له، مثل أن يُمْكِنَ الانْتِفاعُ بِعَرْصَةِ الدّار أو الأرْضِ لِوَضْعِ حَطَبٍ فيها، أو وَضْعِ خَيمَةٍ في الأرْضِ التي اسْتَأْجَرَها للزَّرْعِ، أو صَيدِ السَّمَكِ مِن الأرْضِ التي غَرِقَتْ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ أيضًا؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ التي وَقَع العَقْدُ عليها تَلِفَتْ، فانْفَسَخَتِ الإِجارَةُ، كما لو اسْتَأْجَرَ دابَّةً ليَرْكَبَها فزَمِنَتْ، بحيثُ لا تَصْلُحُ إلَّا لِتَدُورَ في الرَّحَى.
وقال القاضِي، في الأرْضِ التي انْقَطَعَ ماؤُها: لا تَنْفَسِخُ الإِجارَةُ فيها.
وهو مَنْصُوصُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ لم تَبْطُلْ جُمْلَةً؛ لأنَّه يُمْكِنُ الانْتِفاعُ بعَرْصَةِ الأرْضِ بِنَصْبِ خَيمَةٍ أو جَمْعِ حَطَبٍ فيها، فأشْبَهَ ما لو نَقَص نَفْعُها مع بَقائه.
فعلى هذا، يُخَيَّرُ المُسْتَأْجِرُ بينَ الفَسْخِ والإِمْضاءِ، فإن فَسَخ، فحُكْمُه حُكْمُ العَبْدِ إذا ماتَ، وإن اخْتارَ إمْضاءَ العَقْدِ، فعليه جميعُ الأُجْرةِ؛ لأنَّ ذلك عَيبٌ، فإذا رَضِيَ به، سَقَط حُكْمُه، فإن لم يَخْتَرِ الفَسْخَ ولا الإِمْضاءَ؛ إمّا لجَهْلِه بأنَّ له الفَسْخَ، أو لغيرِ ذلك، فله الفَسْخُ بعدَ ذلك.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ
الجزء: 14 - الصفحة: 452
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَقاءَ غيرِ المَعْقُودِ عليه لا يَمْنَعُ انْفِساخَ العَقْدِ بتَلَفِ المَعْقُودِ عليه، كالأعْيانِ في البَيعِ.
ولو كان النَّفْعُ الباقِي في العَينِ ممّا لا يُباحُ اسْتِيفاؤُه بالعَقْدِ، كدابَّةٍ اسْتأْجَرَها للرُّكُوبِ فصارَتْ لا تَصْلُحُ إلَّا لِلْحَمْلِ أو بالعَكْسِ، انْفَسَخَ العَقْدُ، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ الباقِيَةَ لا يَمْلِكُ اسْتِيفاءَها مع سَلامَتِها، فلا يَمْلِكُها مع تَعَيُّبِها، كبَيعِها، فأمّا إن أمْكَنَ الانْتِفاعُ بالعَينِ فيما 688 اكتَراها له على نَعْتٍ مِن القُصُورِ 689، مثلَ أن يُمْكِنَه زَرْعُ الأرْضِ
الجزء: 14 - الصفحة: 453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بغيرِ ماءٍ، أو كان الماءُ مُنْحَسِرًا عن الأرْضِ التي غَرِقَتْ على وَجْهٍ يَمْنَعُ بعضَ الزِّراعةِ، أو يَسُوءُ 690 الزَّرْعَ، أو كان يُمْكِنُه سُكْنَى ساحَةِ الدّارِ، إمّا في خَيمَةٍ أو غيرِها، لم تَنْفَسِخِ الإِجارَةُ؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ المَعْقُودَ عليها لم تَزُلْ بالكُلِّيَّةِ، فأشْبَهَ ما لو تَعَيَّبَتْ، وللمُسْتَأْجِرِ خِيارُ الفَسْخِ، على ما ذَكَرْنا، إلَّا في الدّارِ إذا انْهَدَمَتْ، ففيها وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا تَنْفَسِخُ الإِجارَةُ.
والثّاني، تَنْفَسِخُ؛ لأنَّه زال اسْمُها بِهَدْمِها، وذَهَبَت المَنْفَعَةُ التي تُقْصَدُ منها، ولذلك لا يَسْتَأْجِرُ أحَدٌ عَرْصَةَ دارٍ لِيَسْكُنَها.
فأمّا إن كان الحادِثُ في العَينِ لا يَضُرُّها، كغَرَقِ الأرْضِ بماءٍ يَنْحَسِرُ عن قَرِيبٍ، بحيثُ لا يَمْنَعُ الزَّرْعَ ولا يَضُرُّه، وانْقِطاعِ الماءِ عنها إذا ساقَ المُؤْجِرُ إليها ماءً مِن مكانٍ آخَرَ، أو كان انْقِطاعُه في زَمَن لا يَحْتاجُ إليه فيه، فليس للمُسْتَأْجِرِ الفَسْخُ؛ لأنَّ هذا ليس بِعَيبٍ.
وَإن حَدَث الغَرَقُ المُضِرُّ أو انْقِطاعُ الماءِ أو الهَدْمُ بِبَعْضِ العَينِ المُسْتَأْجَرَةِ، فلذلك البعضِ حُكْمُ نَفْسِه في الفَسْخِ أو ثُبوتِ الخِيارِ، وللمُكْتَرِي الخِيارُ في بَقِيَّةِ العَينِ؛ لأنَّ الصَّفْقَةَ تَبعَّضَتْ عليه.
فإنِ اخْتارَ الإِمْساكَ أمْسَكَ بالحِصَّةِ مِن الأجْرِ، كما إذا تَلِفَ أحَدُ القَفِيزَينِ مِن الطَّعامِ في يَدِ البائِعِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 454
وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ المُكْرِي وَالْمُكْتَرِي،
2206
- مسألة: (ولا تَنْفَسِخُ بمَوْتِ المُكْتَرِي أو المُكْرِي) وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، والْبَتِّيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال الثَّوْريُّ، وأصْحابُ الرَّأي، واللَّيثُ: تَنْفَسِخُ الإجارَةُ بمَوْتِ أحَدِهما؛ لأنَّ اسْتِيفاءَ المَنْفَعَةِ يتَعَذَّرُ بالمَوْتِ؛ لأنَّه اسْتَحَق بالعَقْدِ اسْتِيفاءَها على مِلْكِ المُؤْجِرِ، فإذا ماتَ زال مِلْكُه عن العَينِ، فانْتَقَلَتْ إلى وَرَثَتِه، فالمنافِعُ تَحْدُثُ على مِلْكِ الوارِثِ، فلا يَسْتَحِقُّ المُسْتَأْجِرُ اسْتِيفاءَها؛ لأنَّه ما عَقَد مع الوارِثِ، وإذا ماتَ المُسْتَأْجِرُ لم
الحديث: 2206 - الجزء: 14 - الصفحة: 455
ولَا بِعُذْرٍ لأحَدِهمَا؛ مِثْلَ أَنْ يَكْتَرِيَ لِلحَجِّ فَتَضِيعَ نَفَقَتُهُ، أَوْ دُكَّانًا فيَحْتَرِقَ مَتَاعُهُ.
يُمْكِنْ إيجابُ الأجْرِ في تَرِكَتِه.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، فلم يَنْفَسِخْ بمَوْتِ العاقِدِ مع سَلامةِ المَعْقُودِ عليه، كما لو زَوَّجَ أمَتَه ثم مات.
وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّا قد بَيَّنَّا أنَّ المُسْتَأْجِرَ قد مَلَك المَنافِعَ، وأنَّ الأُجْرَةَ قد مُلِكَتْ عليه كامِلَةً في وَقْتِ العَقْدِ، على ما نَذْكُرُه، ويَلْزَمُهم ما لو زَوَّجَ أمَتَه ثم ماتَ.
ولو صَحَّ ما ذَكَرُوه؛ لكن (1) وُجُوبُ الأجْرِ ها هنا بِسَبَبٍ مِن المُسْتَأجِرِ، فوَجَبَ في تَرِكَتِه بعدَ مَوْتِه، كما لو حَفَر بِئْرًا فوَقَعَ فيها شيءٌ بعدَ مَوْتِه، ضَمِنَه في مالِه؛ لأنَّ سَبَبَ ذلك كان منه في حَياتِه، كذا ههُنا.
2207 -
مسألة: (ولا)
تَنْفَسِخُ (بعُذْرٍ لأحَدِهما؛ مثلَ أن يَكْتَرِيَ للحَجِّ فتَضِيعَ نَفَقَتُه، أو دُكّانًا فيَحْتَرِقَ مَتاعُه) وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُه: يجُوزُ للمُكْتَرِي691
الحديث: 2207 - الجزء: 14 - الصفحة: 456
وَإنْ غُصِبَتِ الْعَينُ، خُيِّرَ الْمُسْتَأْجِرُ بَينَ الفَسْخِ وَمُطَالبَةِ الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، فَإِنْ فَسَخَ، فَعَلَيهِ أُجْرَةُ مَا مَضَى.
فَسْخُها لِعُذْرٍ في نَفْسِه، مثلَ أن يَكْتَرِيَ جَمَلًا لِيَحُجَّ عليه فيَمْرَضَ فلا يَتَمَكَّنُ مِن الخُرُوجِ، أو تَضِيعَ نَفَقَتُه، أو يَكْتَرِيَ دُكّانًا للبَزِّ فيَحْتَرِقُ مَتاعُه، وما أشْبَهَ هذا؛ لأنَّ هذا العُذْرَ يتَعَذَّرُ معه اسْتِيفاءُ المَنْفَعَةِ المَعْقُودِ عليها، فمَلَكَ به الفَسْخَ، كما لو اسْتَأْجَر عَبْدًا فأبَقَ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لا يجوزُ فَسْخُه لغيرِ عُذْرٍ، فلم يَجُزْ لِعُذْرٍ في غيرِ المَعْقُودِ عليه، كالبَيعِ؛ ولأنَّه لو جازَ فَسْخُه لِعُذْرِ المُكْتَرِي، لجازَ لعُذْرِ المُكْرِي، تَسْويةً بينَ المُتعاقِدَينِ ودَفْعًا للضَّرَرِ عن كلِّ واحدٍ منهما، ولم يَجُزْ ثَمَّ، فلا يجوزُ ههُنا.
ويُفارِقُ الإِباقَ؛ فإنَّه عُذْر في المَعْقُودِ عليه.
2208 -
مسألة: (وإن غُصِبَتِ العَينُ، خُيِّرَ المُسْتَأْجِرُ بينَ الفَسْخِ)
والإِمْضاءِ (ومُطالبَةِ الغاصِب بأُجْرَةِ المِثْلِ) إذا غُصِبَتِ العَينُ المُسْتَأْجَرةُ، فللمُسْتَأْجِرِ الفَسْخُ؛ لأَنَّ فيه تَأْخِيرَ حَقِّه، فإن فَسَخ،
الحديث: 2208 - الجزء: 14 - الصفحة: 457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فالحُكْمُ فيه كما لو انْفَسَخَ العَقْدُ بِتَلَفِ العَينِ، وإن لم يَفْسَخْ حتى انْقَضَتْ مُدَّةُ الإجارَةِ، فله الخِيارُ بينَ الفَسْخِ والرُّجُوعِ بالمُسَمَّى، وبينَ البَقاءِ على العَقْدِ ومُطالبةِ الغاصِبِ بأجْرِ المِثْلِ؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه لم يَفُتْ مُطلقًا، بل إلى بَدَلٍ، وهو القِيمَةُ، فأشْبَهَ ما لو أتْلَفَ الثَّمَرةَ المَبِيعَةَ آدَمِيٌّ قبلَ قَطْعِها، ويَتَخَرَّجُ انْفِساخُ العَقْدِ بكلِّ حالٍ على الرِّوايةِ التي تقولُ: إنَّ مَنافِعَ الغَصْبِ لا تُضْمَنُ.
وهو قولُ أصحاب الرَّأْي.
ولأصْحابِ الشافعيِّ في ذلك اخْتِلافٌ.
فإن رُدَّتِ العَينُ في أثناءِ المُدَّةِ، ولم يَكُنْ فَسَخ، اسْتَوْفَى ما بَقِيَ منها، ويكونُ فيما مَضَى مِن المُدَّةِ مُخَيَّرًا، كما ذَكَرْنا.
وإن كانتِ الإجارَةُ على عَمَل، كخِياطَةِ ثَوْبٍ، أو حَمْلِ شَيءٍ إلى مَوْضِع مُعَيَّنٍ، فغُصِبَ جَمَلُه الذي يَحْمِلُ عليه، أو عَبْدُه الذي يَخِيطُ له، لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ، وللمُسْتَأْجِرِ مُطالبَةُ الأجِيرِ بعِوَضِ
الجزء: 14 - الصفحة: 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَغْصُوبِ وإقامَةِ مَن يَعْمَلُ العَمَلَ؛ لأنَّ العَقْدَ على ما في الذِّمَّةِ، كما لو وَجَد بالمُسْلَمِ فيه عَيبًا فرَدَّه، فإن تَعَذَّرَ البَدَلُ، ثَبَتَ للمُسْتَأجِرِ الخِيارُ بينَ الفَسْخِ والصَّبْرِ إلى أن يَقْدِرَ على العَينِ المَغْصوبةِ، فيَسْتَوْفِيَ منها.
فصل: فإن حَدَث خَوْفٌ عامٌّ يَمْنَعُ مِن سُكْنَى المَسْكَنِ الذي فيه العَينُ المُسْتَأْجَرَةُ، أو يُحْصَرُ البَلَدُ، فيَمْتَنِعُ خُرُوجُ المُسْتَأْجِرِ إلى الأرضٍ المُسْتَأْجَرَةِ للزَّرْعِ، ونحو ذلك، ثبتَ للمُسْتَأْجرِ خِيارَ الفَسْخِ؛ لأنَّه أمْرٌ غالِبٌ [مَنَع المُسْتَأْجِرَ] 692 اسْتِيفاءَ المَنْفَعَةِ، فأَثْبَتَ الخِيارَ، كغَصْبِ العَينِ.
ولو اكْتَرَى دابّةً لِيَرْكَبَها، أو يَحْمِلَ عليها إلى مَوْضِع مُعَيَّن، فانْقَطَعَتِ الطَّرِيقُ إليها لِخَوْفٍ حادِثٍ، أو اكْتَرَى إلى مَكَّةَ فلم يَحُجَّ الناسُ ذلك العامَ مِن تلك الطرَّيقِ، مَلَك كلُّ واحدٍ منهما فَسْخَ الإِجارَةِ.
وإنِ اخْتارَا 693 إبْقاءَها إلى حينِ إمْكانِ اسْتِيفاءِ المَنْفَعَةِ، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما.
فأمّا إن كان الخَوْفُ خاصًّا بالمُسْتَأْجِرِ، كمَن خافَ وحدَه؛ لِقُرْبِ أعْدائِه مِن المَوْضِعِ المُسْتَأْجَرِ، أو حُلُولِهم في طَرِيقِه، لم يَمْلِكِ الفَسْخَ، لأنَّه عُذْرٌ يَخْتَصُّ به، لا يَمْنَعُ اسْتِيفاءَ المَنْفَعَةِ بالكُلِّيَّةِ، أشْبَهَ مَرَضَه.
الجزء: 14 - الصفحة: 459
قَال الْخِرَقِيُّ: فَإِنْ جَاءَ أَمْرٌ غَالِبٌ يَحْجُزُ الْمُسْتَأْجِرَ فَي مَنْفَعَةِ مَا وَقَعَ عَلَيهِ الْعَقْدُ، فَعَلَيهِ مِنَ الأُجْرَةِ بِقَدْرِ مُدَّةِ انْتِفَاعِهِ.
وَمَنِ اسْتُؤْجِرَ لِعَمَلِ شَيْءٍ فَمَرِضَ، أُقِيمَ مُقَامَهُ مَنْ يَعْمَلُهُ، وَالأُجْرَةُ عَلَيهِ.
وكذلك لو حُبِسَ، أو مَرِضَ؛ لأنَّه تَرَكَ اسْتِيفاءَ المَنْفَعةِ لِمَعْنًىَ مِن جِهَتِه، فلم يَمْنَعْ ذلك وُجُوبَ أجْرِها عليه، كما لو تَرَكَها اخْتِيارًا (قال الخِرَقِيُّ: فإن جاء أمْرٌ غالِبٌ يَحْجُزُ المُسْتَأْجِرَ عن مَنْفَعةِ ما وَقَع عليه العَقْدُ) لَزِمَه (مِن الأُجْرَةِ بقَدْرِ مُدَّةِ انْتِفاعِه) وقد شَرَحْناه.
2209 -
مسألة: (ومَن اسْتُؤْجِرَ لِعَمَلِ شيءٍ فمَرِضَ، أُقِيمَ مُقامَه
الحديث: 2209 - الجزء: 14 - الصفحة: 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَن يَعْمَلُه، والأجْرَةُ عليه) لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلْمِ في جَوازِ اسْتِئْجارِ الآدَمِيِّ، وقد أجَرَ مُوسَى، - عليه السلام -، نَفْسَه لِرَعْي الغَنَمِ 694، واسْتَأْجَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بَكْر رجلًا ليَدُلَّهُما على الطَّرِيقِ 695. ولأنَّه يجوزُ الانْتِفاعُ به مع بَقَاءِ عَينِه، فجازَتْ إجارَتُه، كالدُّورِ.
ثم إجَارَتُه تَنْقَسِمُ قِسْمَينِ؛ أحدُهما، استِئْجارُه مُدَّةً بعَينِها لِعَمَل مُعَيَّن، كإجارَةِ مُوسَى، - عليه السلام -، نَفْسَه ثَمانِيَ حِجَج لِرَعْي الغَنَمِ.
والثاني، اسْتِئْجارُه على عَمَل 696 مُعَيَّنٍ في الذِّمَّةِ، كاسْتِئْجارِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكرٍ رَجُلًا لِيَدُلَّهُما على الطرَّيقِ، واسْتِئْجارِ رجل لخِياطَةِ قَمِيص أو بِناءِ حائِطٍ.
ويَتَنوَّعُ ذلك نَوْعَينَ؛ أحَدُهما، أن تَقَعَ الإِجارَةُ على عَينٍ، كإجارَةِ عَبْدِه لرِعايةِ غَنَمٍ، أو وَلَدِه لِعَمَل مُعَيَّن.
والثاني، أن تَقَعَ على عَمَلٍ 697 في الذِّمَّةِ، كخِياطَةِ قَمِيصٍ، وبِناءِ حائِطٍ، فمتى كانت على عَمَل في ذِمَّتِه، فمَرِضَ، وَجَب عليه أن يُقِيمَ مُقامَه مَن يَعْمَلُه؛ لأنَّه حَقٌّ
الجزء: 14 - الصفحة: 461
وَإنْ وَجَدَ الْعَيْنَ مَعِيبَةً، أوْ حَدَثَ بِهَا عَيبٌ، فَلَهُ الْفَسْخُ، وَعَليهِ
وَجَب في ذِمَّتِه، فوَجَبَ عليه إيفاؤُه، كالمُسْلَمِ فيه، ولا يَلْزَمُ المُسْتَأْجرَ إنْظارُه؛ لأنَّ العَقْدَ بإطْلاقِه يَقْتَضِي التَّعْجِيلَ، وفي التَّأْخِيرِ إضْرارٌ به.
فأَمّا إن كانتِ الإِجارَةُ على عَينِه في مُدَّةٍ أو غيرِها، فمَرِضَ، لم يَقُمْ غيرُه مَقامَه؛ لأنَّ الإجارَةَ وَقَعَتْ على عَمَلِه بِعَينِه لا على شيءٍ في ذِمَّتِه، وعَمَلُ غيرِه ليس بمَعْقُودٍ عليه، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى مُعَيَّنًا، لم يَجُزْ أن يَدْفَعَ إليه غيرَه ولا يُبْدِلَه له، بخِلافِ ما لو وَقَع في الذِّمَّةِ، فإنَّه يجوزُ إبْدالُ المَعِيبِ، ولا يَنْفَسِخُ العَقْدُ بِتَلَفِ ما تَسَلَّمَه، والمَبِيعُ المُعَيَّنُ (1) بخِلافِه، فكذلك الإِجارَةُ.
فإن كانتِ الإِجارَةُ على عَمَل في الذِّمَّةِ لكنْ لا يَقومُ غيرُ الأجيرِ مَقامَه، كالنَّسْخِ، فإنَّه يَخْتَلِفُ القَصْدُ فيه باخْتِلافِ الخُطُوطِ، لم يُكَلَّفْ إقامَةَ غيرِه مُقَامَه، ولا يَلْزَمُ المُسْتَاجِرَ قَبُولُ ذلكَ إن بَذَلَه الأجِيرُ، لأنَّ العِوَضَ لا يَحْصُلُ مِن غيرِ النّاسِخِ كَحُصُولِه منه، فأشْبَهَ ما لو أسْلَمَ إليه في نوْعٍ، فسَلَّمَ إليه غيرَه، وكذلك كلّ ما يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ الأعْيانِ.
2210 -
مسألة: (وإن وَجَد العَينَ مَعِيبةً)
فله الفَسْخُ كما لو وَجَد698
الحديث: 2210 - الجزء: 14 - الصفحة: 462
أُجْرَةُ مَا مَضَى.
المَبِيعَ مَعِيبًا، وقد ذَكَرْناه وإن (حَدَث بها عَيبٌ، فله الفَسْخُ، وعليه أُجْرَةُ ما مَضَى) لأنَّ المنافِعَ لا يَحْصُلُ قَبْضُها إلَّا بالاسْتِيفاءِ، فهي كالمَكِيلِ يَتَعَيَّبُ قبلَ قَبْضِه.
فإن بادرَ المُكْرِي إلى إزالةِ العَيبِ مِن غيرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ المُسْتَأْجِرَ، كَدارٍ تَشَعَّثَتْ فأصْلَحَها، فلا 699 خِيارَ للمُسْتَأْجرِ، لِعَدَمِ الضَّرَرِ، وإلَّا فله الفَسْخُ.
وإن سَكَنَها مع عَيبِها، فَعَلَيهِ الأَجْرَةُ، عَلِمَ أو لم يَعْلَمْ؛ لأنَّه اسْتَوْفَى جَمِيعَ المَعْقُودِ عليه مَعِيبًا، فلَزِمَه البَدَلُ، كالمَبِيعِ المَعِيبِ إذا رَضِيَهُ.
الجزء: 14 - الصفحة: 463
وَيَجُوزُ بَيعُ الْعَينِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَلَا تَنْفَسِخُ الإجَارَةُ، إلَّا أَنْ
2211 - مسألة: (ويجوزُ بَيعُ العَينِ المُسْتَأْجَرةِ، ولا تَنْفَسِخُ
الحديث: 2211 - الجزء: 14 - الصفحة: 464
يَشْتَرِيَهَا الْمُسْتَأْجِرُ، فَتُفْسَخُ، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
الإجارَةُ، إلَّا أن يَشْتَرِيَها المُسْتَأْجرُ، فتَنْفَسخُ، في إحْدَى الرِّوايَتَينِ) يَصِحُّ بَيعُ العَينِ المُسْتَأْجَرَةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
سواءٌ باعَها للمُسْتَأْجِرِ أو لغيرِه.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وقال في الآخَرِ: إن باعَها لغيرِ المُسْتَأْجِرِ لم يَصِحَّ؛ لأنَّ يَدَ المُسْتَأْجِرِ تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ إلى المُشْتَرِي، فمَنَعَتِ الصِّحَّةَ، كما في بَيعِ المَغْصُوبِ.
ولَنا، أنَّ الإِجارَةَ عَقْدٌ على المَنافِعِ، فلم تَمْنعِ الصِّحَّةَ، كَبَيعِ الأمَةِ إذا زَوَّجَها.
وقولُهم: يَدُ المُسْتأْجِرِ تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّ يَدَ المُسْتَأْجرِ إنَّما هي على المَنافِعِ، والبَيعُ على الرَّقَبَةِ، فلا يَمْنَعُ ثُبُوتُ اليَدِ على أَحَدِهما
الجزء: 14 - الصفحة: 465
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَسْلِيمَ الآخَرِ، كما لو باعَ الأمَةَ المُزَوَّجَةَ، ولأنَّها مَنَعَتِ التَّسْلِيمَ في الحالِ، فلا تَمْنَعُ في الوَقْتِ الذي يَجِبُ التَّسْلِيمُ فيه، وهو عندَ انْقِضاء الإِجارَةِ، ويَكْفِي القُدْرَةُ على التَّسْلِيمِ حينئذٍ، كالمُسْلَمِ فيه.
وقال أَبو حنيفةَ: البَيعُ 700 مَوْقوفٌ على إجازَةِ المُسْتَأْجِرِ، فإن أجازَه، جازَ، وبَطَلَتِ الإِجارَةُ، وإن رَدَّه، بَطَل.
ولَنا، أنَّ البَيعَ على غيرِ المَعْقُودِ عليه في الإِجارَةِ، فلم تُعْتَبرْ إجازَتُه، كَبَيعِ الأمَةِ المُزَوَّجةِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ المُشْتَرِيَ يَمْلِكُ المَبِيعَ مَسْلُوبَ المَنْفَعَةِ إلى حينِ انْقِضاءِ الإِجارَةِ، ولا يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَ العَينِ إلَّا حِينئذٍ؛ لأنَّ تَسْلِيمَ العَينِ إنَّما يُرادُ لاسْتِيفاءِ نَفْعِها، وإنَّما يَسْتَحِقُّ نَفْعَها إذا انْقَضَتِ الإِجارَةُ، فهو كمَن اشْتَرَى عَينًا في مكانٍ بَعِيدٍ، لا يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَها إلَّا بعدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يُمْكِنُ إحْضارُها فيه.
وكالمُسْلَمِ إلى وَقْتٍ لا يَسْتَحِقُّ تَسْليِمَ المُسْلَمِ فيه إلَّا في وَقْتِه، فإن لم يَعْلَمِ المُشْتَرِي بالإِجارَةِ، فله الخِيارُ بينَ الفَسْخِ وإمْضاءِ البَيعِ بكلِّ الثَّمَنِ؛ لأنَّ ذلك عَيبٌ و 701 نَقْصٌ.
الجزء: 14 - الصفحة: 466
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَصِحُّ بَيعُها للمُسْتَأْجِرِ؛ لأنَّه إذا صَحَّ بَيعُها لغيرِه، فله أوْلَى؛ لأنَّ العَينَ في يَدِه.
وهل تَبْطُلُ الإِجارَةُ؟ فيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه مَلَك المَنْفَعَةَ، ثم مَلَك الرَّقَبَةَ المَسْلُوبَةَ بعَقْدٍ آخَرَ، فلم يَتَنافَيا، كما يَمْلِكُ الثَّمَرةَ بعَقْدٍ ثم يَمْلِكُ الأصْلَ بعَقْدٍ آخَرَ.
ولو أجَرَ المُوصَى له بالمَنْفَعَةِ مالِكَ الرَّقَبةِ، صَحَّتِ الإِجارَةُ، فدَلَّ على أنَّ مِلْكَ المَنْفَعةِ لا يُنافِي العَقْدَ على الرَّقَبةِ.
وكذلك 702 لو اسْتَأْجَرَ المالِكُ العَينَ المُسْتَأْجَرَةَ مِن مُسْتَأْجِرِها، جازَ.
فعلى هذا، يكونُ الأجْرُ باقِيًا على المُشْتَرِي، وعليه
الجزء: 14 - الصفحة: 467
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّمَنُ، ويَجْتَمِعانِ للبائِعِ، كما لو كان المُشْتَرِي غيرَه.
والثاني، تَبْطُلُ الإجارَةُ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ؛ لأنَّه عَقَدَ على مَنْفَعَةِ العَينِ، فبَطَلَ بمِلْكِ العاقِدِ الرَّقَبَةَ، كما لو تَزَوَّجَ أمَةً ثم اشْتَراها، بَطَل نِكاحُه، ولأنَّ مِلكَ الرَّقَبةِ يَمْنَعُ ابْتِداءَ الإِجارَةِ، فمَنَعَ اسْتِدامَتَها، كالنِّكاحِ.
فعلى هذا، يَسْقُطُ عن المُشْتَرِي الأجْرُ فيما بَقِيَ مِن مُدَّةِ الإِجارَةِ، كما لو بَطَلَتِ الإِجارَةُ بتَلَفِ العَينِ.
وإن كان المُؤْجِرُ قد قَبَض الأجْرَ كُلَّه، حَسَبَه عليه مِن الثَّمَنِ إن كان مِن جِنْسِ الثَّمَنِ.
فصل: [وإن وَرِثَ] 703 المُسْتَأْجِرُ العَينَ المُسْتَأْجَرَةَ، فالحُكْمُ فيه كما لو اشْتَراها، في بُطْلانِ الإِجارَةِ وبَقائِها.
فلو اسْتَأْجَرَ إنْسانٌ مِن أبِيه دارًا، ثم مات الأبُ وخَلَفَ ابْنَينِ، أحَدُهما المُسْتَأْجِرُ، فالدّارُ بينهما نِصْفَينِ، والمُسْتَأْجِرُ أحَقُّ بمَنْفَعَتِها؛ لأنَّ النِّصْفَ الذي لأخِيه الإِجارَةُ باقِيَةٌ فيه، والنِّصْفَ الذي وَرِثَه يَسْتَحِقُّه، إمّا بحُكْمِ المِلْكِ أو بحُكْمِ الإِجارَةِ، وما عليه مِن الأُجْرةِ بينهما نِصْفَينِ.
فإن كان أبُوه قد
الجزء: 14 - الصفحة: 468
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَبَض الأجْرَ، لم يَرْجِعْ على أخِيه بشيء منه، ولا على تَرِكَةِ أبِيه، ويكونُ ما خَلَفَه أبُوه بينهما نِصْفَينِ؛ لأنَّه لو رَجَع بشيءٍ أفْضَى إلى أن يكونَ قد وَرِثَ النِّصْفَ بمَنْفَعَتِه، وَوَرِثَ أخُوه نِصْفًا مَسْلُوبَ المَنْفَعَةِ، واللهُ سُبْحانَه قد سَوَّى بينَهُما في المِيراثِ.
ولأنَّه لو رَجَع بنِصْفِ أجْرِ النِّصْفِ الذي انْتَقَضتِ الإِجارَةُ فيه، لوَجَبَ أن يَرْجِعَ أخُوه بنِصْفِ المَنْفَعَةِ التي بَطَلَتِ الإِجارَةُ فيها، إذ لا يُمْكِنُ أن يُجْمَعَ له بينَ المَنْفَعَةِ وأخْذِ عِوَضِها مِن غيرِه.
فصل: فإنِ اشْتَرَى المُسْتَأْجِرُ العَينَ، فوَجَدَها مَعِيبةً، فرَدَّها، فإن قُلْنا: لا تَنْفَسِخُ الإِجارَةُ بالبَيعِ.
فهي باقيةٌ بعدَ رَدِّ العَينِ كما كانتْ قبلَ البَيعِ.
وإن قُلْنا: قد انْفَسَخَتْ.
فالحُكْمُ فيها كما لو انْفَسَخَتْ بتَلَفِ العَينِ.
فإن كان المُشْتَرَى أجْنَبيًّا، فرَدَّ المُسْتَأْجِرُ الإِجارَةَ لِعَيبٍ، فيَنْبَغِي أن تَعُودَ المَنْفَعَةُ إلى البائِعِ؛ لأَنَّه يَسْتَحِقُّ عِوَضَها على المُسْتَأجِرِ، وإذا سَقَط العِوَضُ، عاد إليه المُعَوَّضُ.
ولأنَّ المُشْتَرِيَ مَلَك العَينَ مَسْلُوبةَ المَنْفَعةِ مُدَّةَ الإجارَةِ، فلا يَرْجِعُ إليه، ما لم يَمْلِكْهُ.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يَرْجِعُ إلى المُشْتَرِي؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ تابِعَةٌ للرَّقَبةِ، وإنَّما اسْتُحِقَّتْ بعَقْدِ الإِجارَةِ، فإذا زالتْ، عادَتْ إليه، كما لو اشْتَرَى أمَةً مُزَوَّجةً فطَلَّقَها
الجزء: 14 - الصفحة: 469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الزَّوْجُ.
قال شيخُنا 704: ولا يَصِحُّ هذا القِياسُ؛ لأنَّ مَنْفَعَةَ البُضْعِ قد اسْتَقَرَّ عِوَضُها للبائِعِ بمُجَرَّدِ دُخُولِ الزَّوْجِ بها، ولا يَنْقَسِمُ العِوَضُ على المُدَّةِ، ولهذا لا يَرْجِعُ الزَّوجُ بشيءٍ مِن الصَّداقِ فيما إذا انْفَسَخَ النِّكاحُ أو وَقَع الطلاقُ، بخِلافِ الأجْرِ في الإِجارَةِ، فإنَّ المُؤْجِرَ يَسْتَحِقُّ الأجْرَ في مُقابَلَةِ المَنْفَعَةِ مَقْسُومًا على مُدَّتِها، فإذا كان له عِوَضُ المَنْفَعَةِ المُسْتَقْبَلَةِ.
فزال بالفَسْخِ، رَجَع إليه مُعَوِّضُها، وهو المَنْفَعَةُ.
ولأنَّ مَنْفَعةَ البُضْعِ لا يجوزُ أن تُمْلَكَ بغيرِ مِلْكِ الرَّقَبةِ أو النِّكاحِ، فلو رَجَعَتْ إلى البائعِ، لمُلِكَتْ بغيرِهما.
ولأنَّها ممّا لا يجوزُ للزَّوْجِ نَقْلُها إلى غيرِه ولا المُعاوَضَةُ عنها، ومَنْفَعةُ البَدَنِ بخِلافِها.
فصل: وإذا وقَعَتِ الإِجارَةُ على عَين، كمَن اسْتَأْجَرَ عَبْدًا للخِدْمَةِ، أو للرَّعْي، فتَلِفَ، انْفَسَخَ العَقْدُ، وقد ذَكَرْناه.
وإن خَرجَتِ العَينُ مُسْتَحَقَّةً، تَبَينا أنَّ العَقْدَ باطِلٌ.
وإن وَجَد بها عَيبًا فرَدَّها، انْفَسَخَ العَقْدُ أيضًا، ولم يَمْلِكْ إبْدالها؛ لأنَّ العَقْدَ على مُعَيَّن، فتَثْبُتُ هذه الأحكامُ، [كما لو] 705 اشْتَرَى عَينًا.
وإن وَقَعَتْ على عَين مَوْصُوفةٍ في
الجزء: 14 - الصفحة: 470
فَصْلٌ: وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأجِيرِ الْخَاصِّ، وَهُوَ الَّذِي يُسَلِّمُ
الذِّمَّةِ، انْعَكَسَتْ هذه الأحْكامُ، فمتى 706 سَلَّمَ إليه عَينًا فتَلِفَتْ، أو خَرَجَتْ مَغْصُوبةً، أو وَجَد بها عَيبًا، فرَدَّها، لم تَنْفَسِخِ الإِجارَةُ، ولَزِمَ المُؤْجِرَ إبْدالُها، لأنَّ المَعْقُودَ عليه غيرُ هذه العَينِ، وهذه بَدَلٌ عنه، فلم يُؤَثِّرْ ذلك في إبْطالِ العَقْدِ، كما لو اشْتَرَى بثَمَنٍ في الذِّمَّةِ، على ما قُرِّرَ في مَوْضِعِه.
فإن قِيلَ: فقد قُلْتُمْ في مَن اكْتَرَى جَمَلًا لِيَرْكَبَه، جازَ أن يَرْكَبَه مَن هو مِثْلُه.
ولو اكْتَرَى أرْضًا لِزَرْعِ شيءٍ بعَينِه، جازَ له زَرْعُ ما هو مِثْلُه أو دُونَه في الضَّرَرِ.
فِلم قُلْتُم: إذا اكْتَرَى جَمَلًا بعَينه لا يجوزُ أن يُبْدِلَه؟ قلنا: المَعْقُودُ عليه مَنْفَعَةُ العَينِ، فلم يَجُزْ أن يَدْفَعَ إليه غيزَ المَعْقُودِ عليه، كما لو اشْتَرَى عينًا، لا يَجُوزُ أن يَأْخُذَ غيرَها، والراكِبُ غيرُ مَعْقُودٍ عليه، إنَّما هو مُسْتَوْفٍ لِلْمَنْفَعةِ، وإنَّما يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُه لِتُقَدَّرَ به المَنْفَعَةُ، لا لِكَوْنِه مَعْقُودًا عليه.
وكذلك الزَّرْعُ في الأرْضِ، فإنَّما يُعَيَّنُ لِيُعْرَفَ به قَدْرُ المَنْفَعَةِ المُسْتَوْفاةِ، فيَجُوزُ الاسْتِيفاءُ بغَيرِها، كما لو وَكَّلَ المُشْتَرِي غيرَه في اسْتِيفاءِ المَبيعِ، ألا تَرَى أنَّه لو تَلِفَ البَعِيرُ أو الأرْضُ انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ، ولو ماتَ الرّاكِبُ أو تَلِفَ البَذْرُ لم تَنْفَسِخْ، وجازَ أن يَقُومَ غيرُه مَقامَه، فافتَرَقا.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (ولا ضَمانَ على الأجيرِ
الجزء: 14 - الصفحة: 471
نَفْسَهُ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ فِيمَا يَتْلَفُ فِي يَدِهِ، إلَّا أنْ يَتَعَدَّى.
الخاصِّ، وهو الذي يُسَلِّمُ نَفْسَه إلى المُسْتَأْجِرِ فيما تَلِفَ في يَدِه) [بغيرِ تَفْرِيطٍ] 707 (إلَّا أن يَتَعَدَّى) وجُملةُ ذلك، أنَّ الأجِيرَ على ضَرْبَينِ؛ خاصٌّ، ومُشْتَرَكٌ.
فالخاصُّ: الذي يَقَعُ العَقْدُ عليه في مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ، يَسْتَحِقُّ المُسْتَأْجِرُ نَفْعَه في جَمِيعِها، كمَن اسْتُؤْجِرَ لخِدْمةٍ، أو خِياطَةٍ، أو رِعايةٍ، شَهْرًا أو سَنَةً، سُمِّيَ خاصًّا؛ لأنَّ المُسْتَأْجِرَ يَخْتَصُّ بنَفْعِه في تلك المُدَّةِ دُونَ سائِرِ الناسِ.
والمُشْتَرَكُ: الذي يَقَعُ العَقْدُ معه على عَمَل مُعَيَّنٍ، كخِياطةِ ثَوْبٍ، أو بِناءِ حائِطٍ، وحَمْلِ شيءٍ إلى مكانٍ مُعَيَّنٍ، أو على عَمَلٍ في مُدَّةٍ لا يَسْتَحِق جَمِيعَ نَفْعِه فيها، كالكَحّالِ والطَّبِيبِ، سُمِّيَ مُشْتَرَكًا؛ لأنَّه يَتَقَبَّلُ أعمالًا لاثْنَينِ وأكْثَرَ في وَقْتٍ واحدٍ، ويَعْمَلُ لهم، فيَشْتَرِكونَ في مَنْفَعَتِه، فسُمِّى مُشْتَرَكًا؛ لاشْتراكِهم في مَنْفَعَتِه.
فأمّا الأجِيرُ الخاصُّ، فلا ضَمانَ عليه ما لم يَتَعَدَّ.
قال أحمدُ في رِوايةِ مُهَنّا
الجزء: 14 - الصفحة: 472
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في رَجُلٍ أمَرَ غُلامَه يَكِيلُ لرَجُلٍ بَزْرًا، فسَقَطَ الرَّطْلُ مِن يَدِه فانْكَسَرَ: لا ضَمان عليه.
فَقِيلَ: ألَيسَ هو بمَنزِلَةِ القَصّارِ؟ قال: لا، القَصّارُ مُشْتَرَكٌ.
قيلَ: فرَجُلٌ اكْتَرَى رَجُلًا يَسْتَقِي ماءً فكَسَرَ الجَرَّةَ؛ فقال: لا ضَمانَ عليه.
قيلَ له: فإنِ اكْتَرَى رَجُلًا يَحْرُثُ له على بَقَرةٍ، فكَسَرَ الذي يَحْرُثُ به؟ قال: فلا ضَمانَ عليه.
وهذا مَذْهَبُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، وأصحابِه، وظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ.
وله قولٌ آخَرُ، أنَّ جَمِيعَ الأجَراءِ يَضْمَنُونَ، ورَوَى في مُسْنَدِه 708 أنَّ عَلِيًّا كان يُضَمِّنُ الأُجَراءَ، ويقولُ: لا يُصْلِحُ الناسَ إلَّا هذا.
ولَنا، أنَّ عَمَلَه غيرُ مَضْمُونٍ عليه، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، كالقِصاصِ، وقَطْعِ يَدِ السّارِقِ.
وخَبَرُ
الجزء: 14 - الصفحة: 473
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَلِيٍّ مُرْسَلٌ، والصَّحِيحُ فيه أنَّه كان يُضَمِّنُ الصَّبّاغَ والصَّوَاغَ، وإن رُوِيَ مُطْلَقًا حُمِلَ على هذا، فإنَّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ.
ولأنَّ الأجِيرَ الخاصَّ نائِبٌ عن المالِكِ في صَرْفِ مَنافِعِه إلى ما أمَرَه به، فلم يَضْمَنْ مِن غيرِ تَعَدٍّ، كالوَكِيلِ والمُضارِبِ.
فأمّا ما تَلِفَ بتَعَدِّيه، فعليه ضَمانه، مثلَ الخَبّازِ الذي يُسْرِفُ في الوَقُودِ، أو يَلْزَقُه قبلَ وَقْتِه، أو يَتْرُكُه بعدَ وَقتِه حتى يَحْتَرِقَ؛ لأَنه تَلِفَ بتَعَدِّيه، فضَمِنَ، كغيرِ الأجِيرِ.
فصل: وإنِ اسْتَأْجَرَ الأجِيرُ المُشْتَرَكُ أجِيرًا خاصًّا، كالخَيّاطِ في دُكّانٍ
الجزء: 14 - الصفحة: 474
وَيَضْمَنُ الأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ مَا جَنَتْ يَدُهُ؛ مِنْ تَخْرِيقِ الثَّوْبِ، وَغَلَطِهِ فِي تَفْصِيلِهِ.
يَسْتَأْجِرُ أجيرًا مُدَّةً يَسْتَعْمِلُه فيها، فتَقَبَّلَ صاحِبُ الدُّكّانِ خِياطَةَ ثَوْبٍ، ودَفَعَه إلى أَجيرِه فخَرَقَه أو أفْسَدَه، لم يَضْمَنْه، لأنَّه أجِيرٌ خاصٌّ، ويَضْمَنُه صاحِبُ الدُّكّانِ، لأنَّه أجِيرٌ مُشْتَرَكٌ.
2212 -
مسألة: (ويَضْمَنُ الأجِيرُ المُشْتَرَكُ ما جَنَتْ يَدُه، مِن تَخْرِيقِ الثَّوْبِ، وغَلَطِه في تَفْصِيلِه)
قد ذَكَرْنا أنَّ الأجِيرَ المُشْتَرَكَ هو الصّانِعُ الذي لا يَخْتَصُّ المُسْتَأْجِرُ بنَفْعِه، فيَضْمَنُ ما جَنَتْ يَدُه، فالحائِكُ إذا أفْسَدَ حِياكَتَه ضامِنٌ لِما أفْسَدَ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ.
والقَصّارُ ضامِنٌ لِما يَتَخَرَّقُ مِن دَقِّه أو مَدِّه أو عَصْرِه أو بَسْطِه.
والطّبّاخُ ضامِنٌ لِما أفْسَدَ مِن طَبِيخِه.
والخَبّازُ ضامِن لِما أفْسَدَ مِن خُبْزِه.
والحَمّال يَضْمَنُ ما سَقَطَ مِن حِمْلِه عن دابَّتِه، أو تَلِفَ مِن عَثْرَتِه.
والجَمّالُ يَضْمَنُ ما تَلِفَ بقَوْدِه وسَوْقِهِ، وانْقِطاعِ حَبْلِه الذي يَشُدُّ به حِمْلَه.
والمَلَّاحُ يَضْمَنُ ما تَلِفَ مِن مَاه، أو جَذْفِه، أو ما يُعالِجُ به السَّفِينَةَ.
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعَلِيٍّ، و [عبدِ الله] 709 بنِ عُتْبةَ، وشرَيحٍ، والحَسَنِ،
الحديث: 2212 - الجزء: 14 - الصفحة: 475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والحَكَمَ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وقال في الآخَرِ: لا يَضْمَنُ ما لم يَتَعَدَّ.
قال الرَّبِيعُ: هذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، وإن لم يَبُحْ به.
رُوِيَ ذلك عن عَطاءٍ، وطَاوُسٍ، وزُفَرَ؛ لأنَّها عَين مَقْبُوضةٌ بعَقْدِ الإجارَةِ، فلم تَصِرْ مَضْمُونةً، كالعَينِ المُسْتَأجَرَةِ.
ولَنا، ما روَى جَعْفَرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن عَلِيٍّ، أنَّه كان يُضَمِّنُ الصّبّاغَ والصَّوّاغَ، وقال: لا يَصْلُحُ الناسُ إلَّا على ذلك 710. ورَوَى الشافعيُّ بإسْنادِه عن عَلِيٍّ، أنَّه كان يُضَمِّنُ الأُجَراءَ ويَقُولُ: لا يُصْلِحُ النّاسَ إلَّا هذا (1). ولأنَّ عَمَلَ الأجِيرِ المُشْتَرَكِ مَضْمُون عليه، فما تَوَلَّدَ منه يَجِبُ أن يكونَ مَضْمُونًا، كالعُدْوانِ بقَطْعِ عُضْوٍ، بخِلافِ الأجِيرِ الخاصِّ.
والدَّلِيلُ على أنَّ عَمَلَه مَضْمُونٌ عليه، أنَّه لا يَسْتَحِقُّ العِوَضَ إلَّا بالعَمَلِ، وأنَّ الثَّوْبَ لو تَلِفَ في حِرْزِه بعدَ عَمَلِه، لم يَكُنْ له أجْر فيما عَمِلَ فيه، وكان ذَهَابُ عَمَلِه مِن ضَمانِه، بخِلافِ الخاصِّ، فإنَّه إذا أمْكَنَ المُسْتَأْجِرَ مِن اسْتِعمالِه، اسْتَحَقَّ العِوَضَ بمُضِيِّ المُدَّةِ وإن لم يَعْمَل، وما عَمِلَ فيه مِن شيءٍ فتَلِفَ مِن حِرْزِه، لم يَسْقُطْ أجْرُه بِتَلَفِه.
الجزء: 14 - الصفحة: 476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصلِ: ذَكَر القاضِي أنَّ الأجِيرَ المُشْتَرَكَ إنَّما يَضْمَنُ إذا كان يَعْمَلُ في مِلْكِ نفْسِه، [مثلَ الخَبّازِ] 711 يَخْبِزُ في تَنُّورِه، والقَصّارِ والخَيّاطِ في دُكَّانَيهِما، قال: ولو دَعَا الرجلُ خَبّازًا فخَبَزَ له في دارِه، أو خَيّاطًا أو قَصّارًا لِيَقْصِرَ ويَخِيطَ عندَه، لا ضَمانَ عليه فيما أتْلَفَ، ما لم يُفَرِّطْ؛ لأنَّه سَلَّمَ نَفْسَه إلى المُسْتَأْجِرِ، فصار كالأجِيرِ الخاصِّ.
قال 712: ولو كان صاحِبُ المتاعِ مع المَلَّاحِ في السَّفِينَةِ، أو راكِبًا على الدّابّةِ فوقَ حِمْلِه، فعَطِبَ الحِمْلُ، لا ضَمانَ على المَلَّاحِ والمُكارِي؛ لأنَّ يَدَ صاحِبِ المَتَاعِ لم تَزُلْ.
ولو كان رَبُّ المَتاعِ والحَمّالُ راكِبَينِ على الحِمْلِ، فتَلِفَ حِمْلُه، لم يَضْمَنِ الحَمّالُ؛ لأنَّ رَبَّ المَتاعِ لم يُسَلِّمْه إليه.
ومَذْهَبُ مالكٍ والشافعيِّ نحوُ هذا.
قال أصحابُ الشافعيِّ: لو كان العَمَلُ في دُكّانِ الأجِيرِ، والمُسْتَأْجِرُ حاضِرٌ، أو اكْتَراهُ لِيَعْمَلَ له شيئًا وهو معه، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ يَدَه عليه، فلم يَضمَنْ مِن غيرِ جِنايَةٍ، ويَجِبُ له أجْرُ عَمَلِه؛ لأنَّ يَدَه عليه، فكُلَّما عَمِلَ شيئًا صار مُسَلَّمًا إليه.
وظاهِرُ كلامَ الخِرَقِيِّ أنَّه لا فَرْقَ بينَ كَوْنِه في مِلْكِ نَفْسِه أو مِلْكِ مُسْتَأْجِرِه،
الجزء: 14 - الصفحة: 477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو كان صاحِبُ العَمَلِ حاضِرًا عنده أو غائِبًا، أو كَوْنِه مع المَلَّاحِ أو الحَمّالِ أوْ لا، وكذلك 713 قال ابنُ عَقِيل: ما تَلِفَ بجِنايَةِ المَلَّاحِ بجَذْفِه، أو بجِنايةِ المُكارِي بِشَدِّه المَتاعَ، ونحوه، فهو مَضمُونٌ عليه، سواءٌ كان صاحِبُ المَتاعِ معه أو لم يَكُنْ؛ لأنَّ وُجُوبَ الضَّمانِ عليه لِجنايَةِ يَدِه، فلا فَرْقَ بينَ حُضُورِ المالِكِ وغَيبَتِه، كالعُدْوانِ، ولأنَّ جِنايَةَ الحَمّالِ والمَلَّاحِ إذا كان صاحِبُ المَتاعِ راكِبًا معه تَعُمُّ المتاعَ وصاحِبَه، وتَفْرِيطَه يَعُمُّهُما، فلم يُسْقِطْ ذلك الضَّمَانَ، كما لو رَمَى إنسانًا مُتَتَرِّسًا فكَسَرَ تُرْسَه وقَتَلَه، ولأنَّ الطَّبِيبَ والخَتّانَ إذا جَنَتْ يَداهُما، ضَمِنا مع حُضُورِ المُطَبَّبِ والمَخْتُونِ.
وقد ذَكَرَ القاضِي، أنَّه لو كان حَمّالٌ يَحْمِلُ على رَأْسِه ورَبُّ المتاعِ معه، فعَثَرَ، فسَقَطَ المَتاعُ فتَلِفَ، ضَمِنَ، وإن سُرِق، لم يَضْمَنْ، لأنَّه في العِثارِ تَلِف بجِنايَتِه، والسَّرِقَةُ ليست مِن جِنايَتِه، ورَبُّ المالِ لم يَحُلْ بينه وبينه.
وهذا يَقْتَضِي أنَّ تَلَفَه بجِنايَتِه مَضْمُونٌ عليه، سواء حَضَر رَبُّ المالِ أو غاب، بل وُجُوبُ الضَّمانِ في محَلِّ النزاع أوْلَى؛ لأنَّ الفِعْلَ في ذلك المَوْضِعِ مَقْصُودٌ لِفاعِلِه، والسَّقْطَةُ مِن الحَمّالِ غيرُ مَقْصودةٍ له، فإذا وَجَب الضَّمانُ ههُنا، فثَمَّ أوْلَى.
الجزء: 14 - الصفحة: 478
وَلَا ضَمَانَ عَلَيهِ فِيمَا تَلِفَ مِنْ حِرْزِهِ، أوْ بِغَيرِ فِعْلِهِ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِيمَا عَمِلَ فِيهِ.
وَعَنْهُ، يَضْمَنُ.
فصل: وذَكَر القاضِي أنَّه إذا كان المُسْتَأْجَرُ على حَمْلِه عَبِيدًا، صِغارًا أو كِبارًا، فلا ضَمانَ على المُكارِي فيما تَلِفَ مِن سَوْقِه وقَوْدِه، إذ لا يَضْمَنُ بَنِي آدَمَ مِن جهَةِ الإِجارَةِ؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعةٍ.
والأوْلَى وُجُوبُ الضَّمانِ؛ لأنَّ الضَّمانَ ههُنا مِن جِهَةِ الجِنايَةِ، فوَجَبَ أن يَعُمَّ بَنِي آدَمَ وغيرَهم، كسائِرِ الحَيواناتِ، وما ذَكَرَه يَنْتَقِضُ بجِنايَةِ الطَّبِيبِ والخاتِنَ.
2213 -
مسألة: (ولا ضَمانَ عليه فيما تَلِفَ مِن حِرزِه، أو بغيرِ فِعْلِه، ولا أُجْرَةَ له فيما عَمِلَ فيه. وعنه، يَضْمَنُ)
اختَلَفتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في الأجِيرِ المُشْتَرَكِ إذا تَلِفَتِ العَينُ مِن حِرْزِه مِن غيرِ تَعَدٍّ منه ولا تَفْرِيطٍ، فرُويَ عنه، لا يَضْمَنُ.
في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ.
وهو قولُ طَاوُس، وعَطاءٍ، وأبي حنيفةَ، وزُفَرَ، وقولٌ للشافعيِّ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، إن كان هَلاكُه بما يُسْتَطاعُ، ضَمِنَه، وإن كان غَرَقًا أو عَدُوًّا غالِبًا،
الحديث: 2213 - الجزء: 14 - الصفحة: 479
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلا ضَمانَ عليه.
قال أحمدُ، في رِوايَةِ أبي طالبٍ: إذا جَنَتْ يَدُه، أو ضاعَ مِن بينِ مَتاعِه، ضَمِنَه، وإن كان عَدُوًّا أو غَرَقًا فلا ضَمانَ.
ونحوَ هذا قال أبو يُوسُفَ.
والصَّحِيحُ في المَذْهَبِ الأوَّلُ.
وهذه الرَّوايةُ تَحْتَمِلُ أنَّه إنَّما أوْجَبَ عليه الضَّمانَ إذا تَلِفَ مِن بينِ مَتاعِه خاصَّةً؛ لأنَّه يُتَّهَمُ.
ولهذا قال في الوَدِيعةِ، في رِوايةٍ: إنَّه يَضْمَنُ إذا ذَهَبَتْ مِن بينِ مالِه، فأمّا في غيرِ ذلك، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ تَخْصِيصَه التَّضْمِينَ بما إذا تَلِفَ 714 مِل، بينِ مالِه، يَدُلُّ على أنَّه لا يَضْمَنُ إذا تَلِفَ مع 715 مَتاعِه، ولأنَّه إذا لم يَكُنْ منه تَفْرِيطٌ ولا عُدْوانٌ، لم يَجِبْ عليه الضَّمانُ، كما لو تَلِفَ
الجزء: 14 - الصفحة: 480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بأمْرٍ غالِبٍ.
وقال مالكٌ، وابنُ أبي لَيلَى: يَضْمَنُ بكلِّ حالٍ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَى اليَدِ مَا أَخذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» 716. ولأنَّه قَبَضَ العَينَ لِمَنْفَعةِ نَفْسِه مِن غيرِ اسْتِحْقاقٍ، فلَزِمَه ضَمانُها، كالمُسْتَعِيرِ.
ولَنا، أنَّها عَينٌ مَقْبُوضةٌ بِعَقْدِ الإِجارَةِ، لم يُتْلِفْها بفِعْلِه، فلم يَضْمَنْها، كالعَينِ المُسْتَأْجَرَةِ، ولأنَّه قَبَضَها بإذْنِ مالِكِها لِنَفْعٍ يَعُودُ إليهما، فلم يَضْمَنْهِا؛ كالمُضارِبِ، والشَّرِيكِ، والمُسْتَأْجِرِ.
ويُخالِفُ العارِيَّةَ، فإنَّه يَنْفرِدُ بِنَفْعِها.
والخَبَرُ مَخْصُوصٌ بِما ذَكَرْنا مِن الأصُولِ، فنَخُصُّ مَحَلَّ النِّزاعِ بالقِياسِ عليها.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا أجْرَ له فيما عَمِلَ فيها؛ لأنَّه لم يُسَلِّمْ عَمَلَه إلى المُسْتَأْجِرِ، فلم يَسْتَحِقَّ عِوَضَه، كالمَبِيعِ مِن الطَّعامِ إذا تَلِفَ في يَدِ البائِعِ قبلَ تَسْلِيمِه.
الجزء: 14 - الصفحة: 481
وَلَا ضَمَانَ عَلَى حَجَّام، وَلَا خَتَّانٍ، وَلَا بَزَّاغٍ، وَلَا طَبِيبٍ، إِذَا عُرِفَ مِنْهُمْ حِذْقُ الصَّنْعَةِ وَلَمْ تَجْنِ أيدِيِهِمْ.
2214 - مسألة: (ولا ضَمانَ على حَجّامٍ، ولا خَتّانٍ، ولا بَزّاغٍ 717، ولا طَبِيبٍ، إذا عُلِم منهم حِذْقُ الصَّنْعَةِ، ولم تَجْنِ أيدِيهِم) وجملةُ ذلك، أنَّ هؤلاءِ إذا فَعَلُوا ما أُمِرُوا به لم يَضْمَنُوا بِشَرْطَينِ؛ أحَدُهما، أن يَكُونُوا ذَوي حِذْقٍ في صِناعَتِهم؛ لأنَّه إذا لم يَكُنْ كذلك، لم يَحِلَّ
الحديث: 2214 - الجزء: 14 - الصفحة: 482
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
له مُباشَرَةُ القَطْعِ، فإذا قَطَع مع هذا، كان فِعْلًا مُحَرَّمًا، فيَضْمَنُ سِرَايَتَه، كالقَطْعِ ابْتداءً.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَطَبَّبَ بِغَير عِلْمٍ، فَهُوَ ضَامِنٌ»، رَوَاه أبو داودَ 718. والثاني، أن لا تَجْنِيَ أيدِيهُم، فيَتَجاوَزَوا ما يَنْبَغِي أن يُقْطَعَ.
فإذا وُجِدَ هذان الشَّرْطان لم يَضْمَنُوا؛ لأَنهم قَطَعُوا قَطْعًا مَأْذُونًا فيه، فلم يَضْمَنُوا سِرايَتَه، كقَطْعِ الإمامِ يَدَ السّارِقِ.
فأمّا إن كان حاذِقًا وجَنَتْ يَدُه، مثلَ أن يُجاوزَ قَطْعَ الخِتانِ إلى الحَشَفَةِ، أو إلى بعضِها، أو يَقْطَعَ في غيرِ مَحَلِّ القَطْعِ، أو قَطَع سَلْعَة 719 مِن إنْسانٍ،
الجزء: 14 - الصفحة: 483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فتَجاوَزَ بها مَوْضِعَ القَطْعِ، أو يَقْطَعَ بآلةٍ كالَّةٍ يَكْثُرُ أَلَمُها، أو في وَقْتٍ لا يَصْلُحُ القَطْعُ فيه، وأشْباهُ هذا، ضَمِنَ فيه كلِّه؛ لأنَّه إتْلافٌ لا يَخْتَلِفُ ضَمانُه بالعَمْدِ والخَطَأ، فأشْبَهَ إتْلافَ المالِ، ولأنَّه فِعْل مُحَرَّمٌ، فيَضْمَنُ سِرايَتَه، كالقَطْعِ ابْتِداءً.
وكذلك الحُكْمُ في البزّاغِ 720، والقاطِعِ في القِصَاصِ، وقاطِعِ يَدِ السّارِقِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي.
ولا نَعْلَمُ فيه مخالفًا.
الجزء: 14 - الصفحة: 484
وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاعِي إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ.
فصل: وإن خَتَنَ صَبِيًّا بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه، أو قَطَع سَلْعَةً مِن إنْسانٍ بغيرِ إذْنِه، أو مِن صَبِيٍّ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه، فَسَرَتْ جِنايَتُه، ضَمِنَ؛ لأنَّه قَطْعٌ غيرُ مَأْذُونٍ فيه، وإن فَعَل ذلك الحاكِمُ، أو وَلِيُّه، أو فَعَلَه مَن أذِنَا له، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه شَرْاعًا.
2215 -
مسألة: (ولا ضَمانَ على الرّاعِي إذا لم يَتَعَدَّ)
يَصِحُّ اسْتِئْجارُ الرّاعِي، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
وقد أجَرَ مُوسَى، - عليه السلام -، نَفْسَه لرِعايةِ الغَنِمِ 721. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه لا يَضْمَنُ ما تَلِفَ مِن الماشِيةِ إذا لم يَتَعَدَّ أو يُفرِّطْ في حِفْظِها.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا ما رُوِيَ عن الشَّعْبِيِّ أنَّه كان يُضَمِّنُ الرّاعِيَ.
ولَنا، أنَّه مُؤْتَمَن على حِفْظِها، فلم يَضْمَنْ منِ غيرِ تَعَدٍّ ولا تَفْرِيطٍ، كالمُودَعِ، ولأنَّه قَبَضَ العَينَ بحُكْمِ الإِجارَةِ، فلم يَضْمَنْها مِن غيرِ تَعَدٍّ كالعَينِ المُسْتَأْجَرَةِ.
فأمّا ما تَلِفَ بتَعَدِّيه، فيَضْمَنُه بغيرِ خِلافٍ، مثلَ أن يَنامَ عن الماشِيةِ، أو يَغْفُلَ عنها، أو يَتْرُكَها تَتَباعَدُ عنه أو تَغِيبُ عن نَظَرِه وحِفْظِه، أو يُسْرِفَ في ضَرْبِها،
الحديث: 2215 - الجزء: 14 - الصفحة: 485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو يَضْرِبَها في غيرِ مَوْضِعِ الضَّرْبِ، أو مِن غيرِ حاجَةٍ إليه، أو يَسْلُكَ بها مَوْضِعًا تَتَعَرَّضُ فيه للتَّلَفِ، وأشْباهُ هذا ممّا يُعَدُّ تَفْرِيطًا وتَعَدِّيًا، فتَتْلَفُ به، فيَضْمَنُها؛ لأنَّها تَلِفَتْ بعُدْوانِه، فضَمِنَها، كالمُودَعِ إذا تَعَدَّى.
فإنِ اخْتَلَفا في التَّعَدِّي وعَدَمِه، فالقولُ قولُ الرَّاعِي؛ لأنَّه أمِينٌ.
وإن فَعَل فِعْلًا اخْتَلفا في كَوْنِه تَعَدِّيًا، رُجِعَ إلى أهلِ الخِبْرةِ.
ولو جاء بجِلْدِ شاةٍ وقال: ماتَتْ.
قُبِلَ قَوْلُه، ولم يَضْمَنْ.
وعن أحمدَ، أنَّه لا يُقْبَلُ قولُه، ويَضْمَنُ.
والصَّحِيحُ الأوّلُ؛ لأنَّ الأُمَناءَ يُقْبَلُ قولُهم، كالمُودَعِ، ولأنَّه يَتَعَذَّرُ عليه إقامَةُ البَيِّنةِ في الغالِبِ، أشْبَهَ المُودَعَ.
وكذلك إذا ادَّعَى مَوْتَها ولم يَأْتِ بجِلْدِها.
فصل: ولا يَصِحُّ العَقْدُ في الرَّعْي إلَّا على مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ؛ لأنَّ العَمَلَ لا يَنْحَصِرُ.
ويجوزُ العَقْدُ على رَعْي ماشِيةٍ مُعَيَّنةٍ، وعلى جِنْسٍ في الذمَّةِ، فإن عَقَد على مُعَيَّنةٍ، كمائةِ شاةٍ مُعَيَّنةٍ، فذَكَرَ أصحابُنا، أنَّه يَتَعَلَّقُ بأعْيانِها، كما لو اسْتأْجَرَ 722 لخِياطَةِ ثَوْبٍ بعَينه، فلا يَجُوزُ إبْدالُها 723، ويبْطُلُ العَقْدُ بتَلَفِها.
وإن تَلِفَ بعضُها، بَطَلَ العَقْدُ فيه، وله أجْرُ ما بَقِيَ
الجزء: 14 - الصفحة: 486
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالحِصَّةِ.
وإن وَلَدَتْ، لم يَكُنْ عليه رَعْيُ سِخالِها 724؛ لأنَّها زِيادَةٌ لم يَتناوَلْها العَقْدُ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يتَعَلَّقَ بأعْيانِها؛ لأنَّها ليستِ المَعْقُودَ عليها، إنَّما يَسْتَوْفِي المَنْفَعَةَ بها، فأشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَ ظَهْرًا لِيَرْكَبَه فله أن يُرْكِبَ غيرَه مكانَه، ولو اسْتَأْجَرَ دارًا لِيَسْكُنَها جاز 725 أن يُسْكِنَها مثلَه، وإنَّما المَعْقُودُ عليه مَنْفَعةُ الرَّاعِي، ولهذا تَجبُ له الأجْرَةُ إذا سَلَّمَ نَفْسَه وإن لم يَرْعَ.
ويُفارِقُ الثَّوْبَ في الخياطةِ، لأنَّ الثِّيابَ في مَظنَّةِ الاخْتِلافِ في سُهُولَةِ خِياطَتِها ومَشَقَّتِها، بخِلافِ الرَّعْي.
فعلى هذا، له إبْدالُها بمِثْلِها، وإن تَلِفَ بعضُها لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ فيه، وكان له إبْداله.
الجزء: 14 - الصفحة: 487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن وَقَع العَقْدُ على مَوْصُوفٍ في الذِّمَّةِ، فلا بُدَّ مِن ذِكْرِ جِنْسِ الحَيوانِ ونَوْعِه، إبلًا، أو بَقَرًا، أو غَنَمًا، أو ضَأْنًا، أو مَعْزًا.
وإن أطْلَقَ ذِكْرَ البَقَرِ والابِلِ، لم يَتَناوَلِ الجَوامِيسَ والبَخاتِيَّ؛ لأنَّ إطلاقَ الاسْمِ لا يَتناوَلُها عُرْفًا، إلَّا أن يَقَعَ العَقْدُ في مكانٍ يَتَناوَلُها إطلاقُ 726 الاسْمِ، فيَحْتاجُ إلى ذِكْرِ نَوْعِ ما يَرْعاهُ منها، كالغَنَمِ؛ لأنَّ كلَّ نَوْع له أثَرٌ في إتْعابِ الرَّاعِي.
ويَذْكُرُ الكِبَرَ والصِّغَرَ، فيقولُ: كِبارًا.
أو: صِغارًا.
أو: عَجاجِيلَ.
أو: فُصْلانًا.
إلَّا أن يكونَ ثَمَّ قَرِينَةٌ أو عُرْفٌ صارِفٌ إلى بعضِها، فيُكْتَفَى بذلك.
ومتى عَقَد على عَدَدٍ مَوْصوفٍ، كالمائةِ، لم يَجِبْ عليه رَعْيُ زِيادةٍ عليها 727، من سِخالِها ولا مِن غيرِها.
وإن أطْلَقَ ولم يَذْكُرْ عَدَدًا، لم يَجُزْ.
وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ.
وقال القاضِي: يَصِحُّ، ويُحْمَلُ على ما جَرَتْ به العادَةُ، كالمائةِ مِن الغَنَمِ ونحوها.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ العادَةَ في ذلك تَختَلِفُ وتَتَباينُ كثيرًا، والعَمَلُ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِه.
الجزء: 14 - الصفحة: 488
وَإذَا حَبَسَ الصَّانِعُ الثَّوْبَ عَلَى أُجْرَتِهِ، فَتَلِفَ، ضمِنَهُ.
وَإنْ أَتْلَفَ الثَّوْبَ بَعْدَ عَمَلِهِ، خُيِّرَ مَالِكُهُ، بَينَ تَضْمِينِهِ إِيَّاهُ غَيرَ مَعْمُولٍ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَبَينَ تَضْمِينِهِ إِيَّاهُ مَعْمُولًا وَيَدْفَعُ إِلَيهِ أُجْرَتَهُ.
2216 - مسألة: (وإذا حَبَس الصانِعُ الثَّوْبَ على أُجْرَتِه، فتَلِفَ، ضَمِنَه)
لأنَّه لم يَرْهَنْه عنده، ولا أذِنَ له في إمْساكِه، فلَزِمَه الضَّمانُ، كالغاصِبِ.
2217 -
مسألة: (وإن أتْلَفَ الثَّوْبَ بعد عَمَلِه خُيِّرَ)
المالِكُ (بينَ تَضْمِنِه إيّاه غيرَ مَعْمُولٍ ولا أُجْرَةَ له، وبينَ تَضْمِينِه إيّاه مَعْمُولًا ويَدْفَعُ إليه) الأُجْرةَ.
وكذلك لو وَجَب عليه ضَمانُ المَتاعِ المَحْمُولِ، فصاحِبُه مُخَيَّر بينَ تَضْمِينِه قِيمَتَه في المَوْضِعِ الذي سَلَّمَه إليه ولا أجْرَ له،
الحديث: 2216 - الجزء: 14 - الصفحة: 489
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبينَ تَضْمِينِه إيّاه في المَوْضِعِ الذي أفْسَدَه ويُعطِيه الأجْرَ إلى ذلك المكانِ.
وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّه إذا أحَبَّ تَضْمِينَه مَعْمُولًا، أو في المكانِ الذي أفسَدَه فيه، فله ذلك؛ لأنَّه مَلَكَه في ذلك المَوْضِعِ على تلك الصِّفَةِ، فمَلَكَ المُطالبَةَ بعِوَضِه حينئذٍ، وإن أحَبَّ تَضْمِينَه قبل ذلك، فلأنَّ أجْرَ العَمَلِ لا يَلْزمُه قبلَ تَسْلِيمِه، وما سُلِّمَ إليه فلا يَلْزَمُه.
فصل: إذا أخْطَأَ القَصّارُ فدَفَعَ الثَّوْبَ إلى غيرِ مالِكِه، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه فَوَّتَه على مالِكِه.
قال أحمدُ: يَغْرَمُ القَصّارُ، ولا يَسعُ المَدْفُوعَ إليه لُبْسُه إذا عَلِمَ أنَّه ليس بثَوْبِه.
ويَرُدُّه إلى القَصّارِ ويُطالِبُه بثَوْبِه.
فإن لم يَعْلَم القابِضُ حتى قَطَعَه ولَبِسَه، ثم عَلِمَ، رَدَّه مَقْطُوعًا، وضَمِنَ أرْشَ القَطْعِ، وله مُطالبتُه بثَوْبِه إن كان مَوْجُودًا.
وإن هَلَك عند القَصّارِ، ضَمِنَه، في إحدى الرِّوايتين؛ لأنَّه أمْسَكه بغيرِ إذْنِ صاحِبه بعد طَلَبِه، فضَمِنَه، كما لو عَلِمَ.
والثانيةُ، لا يَضْمَنُهُ؛ لأنَّه لم يُمْكِنْه رَدُّه، فأشْبَهَ ما لو عَجَز عن دَفْعِه لِمَرَضٍ.
الجزء: 14 - الصفحة: 490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والعَينُ المُسْتَأْجَرَةُ أمانةٌ في يَدِ المُسْتَأْجِرِ، إن تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ لم يَضْمَنْها.
قال الأثْرمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ الله يُسْألُ عن الذين يُكْرُونَ الخَيمَةَ إلى مَكَّةَ، فَتَذْهَبُ مِن المُكْتَرِي بِسَرَقٍ، هل يَضْمَنُ؟ قال: أرْجُو أن لا يَضْمَنَ، وكيف يَضْمَنُ؟ إذا ذَهَب لا يَضْمَنُ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّه قَبَض العَينَ لاسْتِيفاءِ مَنْفَعةٍ يَسْتَحِقُّها منها، فكانت أمَانَةً، كما لو قَبَض العَبْدَ المُوصَى له بخِدْمَتِه سَنَةً، أو قَبَض الزَّوْجُ امْرَأتَه الأمَةَ.
ويُخالِفُ العارِيَّةَ؛ فإنَّه لا يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتَها، وإذا انْقَضَتِ المُدَّةُ فعليه رَفْعُ يَدِه عنها، وليس عليه الرَّدُّ.
أومَأَ إليه في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ.
قِيلَ له: إذا اكْتَرَى دابَّةً، أو اسْتعارَ، أو اسْتُودِعَ، فليس عليه أن يَحْمِلَها؟ فقال أحمدُ: مَن اسْتَعارَ شيئًا، فعليه رَدُّه مِن حيث أخَذَه.
فأوْجَبَ الرَّدَّ في العارِيَّةِ، ولم يُوجِبْه في الإِجارَةِ والوَدِيعَةِ.
وَوَجْهُ ذلك، أنَّه عَقْدٌ لا يَقْتَضِي الضَّمانَ، فلا يَقْتَضِي رَدَّه ومُؤْنَتَه، كالوَدِيعةِ، بخِلافِ العارِيَّةِ، فإنَّ ضَمانَها يَجِبُ، فكذلك رَدُّها.
وعلى هذا متى انْقَضَتِ المُدَّةُ، كانتِ العَينُ في يَدِه أمانةً، كالوَدِيعةِ إن تَلِفَتْ مِن غيرِ تَفرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه.
الجزء: 14 - الصفحة: 491
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو قولُ بعضِ الشافعيَّةِ.
وقال بعضُهم: يَضْمَنُ؛ لأَنه بعد انْقِضاءِ الإجارَةِ غيرُ مَأذُونٍ له في إمساكِه، أشْبَه العارِيَّةَ المُؤَقَّتَةَ بعدَ وَقْتِها.
ولَنا، أنَّها أمانة، أشْبَهتِ الوديعَةَ، ولأنَّه لو وَجَب ضَمانُها لوَجَبَ رَدُّها.
أمّا العارِيَّةُ فإنَّها مَضْمُونةٌ بكلِّ حالٍ، بخِلافِ مَسْألَتِنا، ولأنَّه يَجِبُ رَدُّها.
ومتى طَلَبها صاحِبُها، وَجَب تَسْلِيمُها إليه، فإنِ امتَنَعَ مِن ذلك لغيرِ عُذْرٍ، صارَتْ مَضْمُونةً، كالمَغْصُوبةِ.
فصل: فإن شَرَط المُؤْجِرُ على المُسْتَأجِرِ ضَمانَ العَينِ، فالشّرطُ فاسِدٌ؛ لأنَّه يُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، وتَفسُدُ به الإِجارَةُ، في أحدِ الوَجْهينِ، بِناءً على الشرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيعِ.
قال أحمدُ، فيما إذا شَرَط ضَمانَ العَينِ: الكِراءُ والضَّمانُ مَكْرُوهٌ.
ورَوَى الأثْرمُ بإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، قال: لا يَصلُحُ الكِراءُ بالضَّمانِ.
وعن فُقَهاءِ المَدِينةِ أنَّهم كانوا يقولون: لا نُكْرِي بضَمانٍ، إلَّا أنَّه مَن شَرَط على كَرِيٍّ ألا يَنْزِلَ بمَتاعِه بَطْنَ وادٍ، أو لا يَسِيرَ به لَيلًا، مع أشْباهِ هذه الشرُوطِ، فتَعَدَّى ذلك، فتَلِف شيءٌ ممّا حَمَل في ذلك التَّعَدِّي، فهو ضامِنٌ.
فأمّا غيرُ ذلك، فلا يَصِحُّ شَرطُ الضَّمانِ فيه، كان شَرَطَه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ ما لا يَجِبُ ضَمانه لا يَصِيرُ مَضْمُونًا بالشَّزطِ.
وعن أحمدَ أنَّه سُئِلَ عن ذلك، فقال:
الجزء: 14 - الصفحة: 492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُسْلِمونَ عَلَى شُرُوطِهِم.
وهذا يَدُلُّ على وُجُوبِ الضَّمانِ بشَرطِه، وسَنَذْكُرُ ذلك في العارِيةِ.
فأمّا إن أكْراهُ عَينًا، وشَرَطَ أن لا يَسِيرَ بها في اللَّيلِ، أو وَقْتَ القائِلَةِ، أو لا يَتأخرَ بها عن القافِلَةِ، أو لا يَجْعَل سيرَه في آخِرها، وأشْباهُ هذا ممّا له فيه غَرَض، فخالفَ، ضَمِنَ؛ لأنه مُتَعد لشرطِ كَرْيِه 728، فضَمِنَ ما تَلِفَ به، كما لو شَرَط عليه إلا يَحمِلَ إلَّا قَفِيزًا فحَمَلَ قَفِيزَينِ.
وحُكْمُ الإجارةِ الفاسِدَةِ حُكْمُ الصَّحِيحَةِ، في أَنه لا يَضْمَنُ إذا تَلِفَتِ العَينُ مِن غيرِ تَفْرِيطٍ ولا تَعَدٍّ، لأَنه عَقْد لا يَقْتَضِي الضَّمانَ صَحِيحُه، فلا يَقْتَضِيه فاسِدُه، كالوَكالةِ.
وحُكْمُ كلِّ عَقْدٍ فاسِدٍ في وُجُوبِ الضَّمانِ وعَدَمِه حُكْمُ صَحِيحِه، فما وَجَب الضَّمانُ في صَحِيحِه، وَجَب في فاسِدِه، وما لا، فلا.
الجزء: 14 - الصفحة: 493
وَإذَا ضَرَبَ الْمُسْتأجِرُ الدَّابَّةَ بِقدرِ الْعَادَةِ، أو كَبَحَها، أَو الرَّائِضُ الدَّابَّةَ، لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِف بِهِ.
وَكَذَلِكَ الْمُعَلِّمُ إِذَا ضَرَبَ الصَّبِيَّ، أَو الزَّوج امرَأَتَهُ فِي النشُوزِ.
2218 - مسألة: (وإذا ضَرَب المُسْتأجِرُ الدّابَّةَ بقَدرِ العادَةِ، أو كَبَحَها، أو الرائِضُ الدّابَّةَ، لم يَضْمَنْ)
وجملةُ ذلك، أنَّ للمُسْتَأجِرِ ضَربَ الدّابَّةِ بما جَرَتْ به العادَةُ، ويَكْبَحُها باللِّجامِ للاسْتِصلاح، ويَحُثُّها على السَّيرِ لِيَلْحَقَ القافِلَةَ، فقد صَحَّ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَخسَ بَعِيرَ جابر وضَرَبَه (1). وكان أبو بكر، رَضِيَ اللهُ عنه، يَخرِشُ بَعِيرَه بمِحجَنه.
وللرّائِضِ ضَربُ الدّابَّةِ للتأدِيبِ وتَرتِيبِ المَشْي والعدو والسَّيرِ (2).
2219 -
مسألة: (وكذلك المُعَلِّمُ إذا ضَرَب الصَّبِيَّ)
للتَّأدِيبِ.
قال الأثْرَمُ: سُئِلَ أحمدُ عن ضَربِ المُعَلِّمِ الصِّبْيانَ.
قال: على قَدرِ729730
الحديث: 2218 - الجزء: 14 - الصفحة: 494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذُنوبِهم، ويَتَوَقَّى بجُهدِه الضّربَ، وإذا كان صَغِيرًا لا يَعقِلُ فلا يَضْرِبْه.
ومَن 731 ضَرَب مِن هؤلاء كُلِّهم الضَّربَ المَأذُونَ فيه، لم يَضْمَنْ ما تَلِفَ.
وبهذا في الدّابَّةِ قال مالكٌ، والشافعي، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو يوسُفَ، ومحمد.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: يَضْمَنُ؛ لأنه تَلِفَ بجِنايته، فضَمِنَ، كغيرِ المُسْتأجِرِ.
وكذلك قال الشافعيُّ في المُعَلمِ يَضْرِبُ الصَّبِيَّ؛ لأنَّه يُمكِنُه تَأدِيبُه بغيرِ الضربِ.
ولَنا، أنَّه تَلِفَ مِن فِعل مُسْتَحَقٍّ، فلم يَضْمَنْ، كما لو تَلِفَ تحتَ الحملِ، ولأنَّ الضَّربَ مَعنًى تَضَمَّنَه عَقْدُ 732 الإجارَةِ، فإذا تَلِفَ منه لم يَضْمَنْ، كالرُّكُوبِ.
وفارَق غيرَ المُسْتأجِرِ؛ لأنه مُتَعد.
وقولُ الشافعيِّ: يُمكِنُ التَّأدِيبُ بغيرِ الضَّربِ.
لا يَصِحُّ، فإنَّ العادَةَ خِلافُه، ولو أمكَنَ التّأدِيبُ بدُونِ 733 الضّربِ، لَما جازَ الضَّربُ، إذْ فيه إيلام لا حاجَةَ إليه.
فإن أسْرَفَ في هذا كلِّه، أو زادَ على ما يَحصُلُ الغِنَى به، أو ضَرَب مَن لا عَقْلَ له مِن الصِّبْيانِ، فعليه الضَّمانُ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ حَصَلَ التَّلَفُ بعُدوانِه.
وحُكْمُ ضَربِ الرَّجُلُ (امرأتَه في النُّشُوزِ) على ما ذَكَرنا، قِياسًا على الصَّبِيِّ.
الجزء: 14 - الصفحة: 495
وَإنْ قَال: أذِنْتَ لِي فِي تَفْصِيلهِ قَبَاءً.
قَال: بَلْ قَمِيصًا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْخَيَّاطِ.
نَصَّ عَلَيهِ.
2220 - مسألة: (وإن قال: أذِنْتَ لي في تَفْصيلِه قَباءً. قال: بل قَمِيصًا. فالقولُ قولُ الخَيّاطِ. نَصَّ عليه)
إذا اخْتَلَفَ المُؤجِرُ والمُسْتأجَرُ فقال: أذِنْتَ لي في قَطْعِه قَمِيصَ امرأةٍ.
قال: بل أذِنْتُ لك في قَطعِه قَمِيصَ رَجُل.
أو قال: أذِنْتَ لي في قَطْعِه قَمِيصًا.
قال: بل قَباءً.
أو قال الصَّبّاغُ: أمَرتَنِي بصَبْغِه أخمَرَ.
قال: بل أسْوَدَ.
فالقولُ قولُ الخَيّاطِ والصَّبّاغِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ مَنْصُور.
وهذا قولُ ابنِ أبي لَيلَى.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ: القولُ قولُ صاحِبِ الثَّوْبِ.
واخْتَلَف أصحابُ الشافعيِّ؛ فمِنْهُم مَن قال: له قَوْلانِ، كالمَذهبَينِ.
ومنهم مَن قال: له قولٌ ثالِثٌ، أنَّهما يَتَحالفان، كالمُتَبايِعَين يَخْتَلِفَانِ في الثَّمَنِ.
ومنهم مَن قال: الصَّحِيحُ أنَّ القَوْلَ قولُ رَبِّ الثَّوْبِ؛ لأنَّهما اخْتَلَفا في صِفَةِ إذْنِه، والقولُ قولُه في أصلِ الإِذْنِ، فكذلك في صِفَتِه، ولأنَّ الأصلَ عَدَمُ الإذْنِ المُخْتَلَفِ فيه، فالقولُ قولُ مَن يَنْفِيه.
ولَنا، أنَّهُما اتَّفَقا على الإِذْنِ، واخْتَلَفا في صِفَتِه، فكان القولُ قولَ المَأذُونِ
الحديث: 2220 - الجزء: 14 - الصفحة: 496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
له، كالمُضارِبِ إذا قال: أذِنْتَ لي في البَيعِ نَسَاءً.
فأنْكَرَه.
ولأنَّهما اتَّفقَا على مِلْكِ الخَيّاطِ القَطْعَ، والصَّبّاغِ الصِّبْغَ.
والظاهِرُ أنَّه فَعَل ما مَلَكَه، واخْتَلَفا في لزُوم الغُرمِ له، والأصلُ عَدَمُه.
فعلى هذا، يَخلِفُ الخَيّاطُ والصَّبّاغُ: لقد أذِنْتَ لي في قَطْعِه قَبَاءً وصَبْغِه أحمَرَ.
ويَسْقُطُ عنه الغُرمُ، ويَسْتَحِقُّ أجْرَ المِثْلِ؛ لأنَّه ثَبَت وُجُودُ فِعلِه المَأذُونِ فيه بعِوَض، ولا يَسْتَحِقُّ المُسَمَّى؛ لأنَّ المُسَمَّى يَثْبُتُ بقَوْلِه ودَعواه، فلا يَجِبُ بِيَمينه، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَوْ يُعطَى النَّاسُ بِدعوَاهم لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وأموَالهُم، وَلِكنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ».
أخْرَجَه مُسْلِمٌ 734. فأمّا المُسَمَّى في العَقْدِ فإنَّما يَعتَرِفُ رَبُّ الثَّوْبِ بتَسْمِيَته أجْرًا، لِقَطْعِه قَمِيصًا، أو صَبْغِه أسْوَدَ.
وأمّا مَن قال: القَوْلُ قولُ رَب الثَّوْبِ.
فإنَّه يَحْلِفُ باللهِ: ما أذِنْتُ في قَطْعِه قَبَاءً، ولا صَبْغِه أحمَرَ.
ويَسْقُطُ عنه المُسَمَّى، ولا يَجِبُ للخَيّاطِ والصَّبّاغِ أجْر؛ لأنَّهما فَعَلا غيرَ ما أذِنَ لهما فيه.
وذَكَر ابنُ أبي موسى، عن أحمدَ رِوايةً أخْرَى، أنَّ صاحِبِ الثَّوْبِ إذا لم يَكُنْ مِمَّن 735 يَلْبَسُ الأقْبِيةَ والسَّوادَ،
الجزء: 14 - الصفحة: 497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فالقولُ قولُه، وعلى الصّانِع 736 غُرمُ ما نَقَص بالقَطْعِ، وضَمان ما أفْسَدَ، ولا أجْرَ له؛ لأنَّ قَرِينَةَ حالِ رَبِّ الثَّوْبِ تَدُل على صِدقِه، فتَتَرَجَّحُ دَعواه بها، كما لو اخْتلَفَ الزَّوْجانِ في مَتاعِ البَيتِ، رَجَّحنَا دعوَى كل واحدٍ منهما فيما يَصلُحُ له.
ولو اخْتَلَفَ صانِعان في الآلةِ التي في دُكّانِهما، رَجّحنا قولَ كلِّ واحد منهما في آلةِ صِنَاعَتِه.
فعلى هذا، يَخلِفُ رَبُّ الثَّوْبِ: ما أذِنْتُ لك في قَطْعِه قَبَاءً.
ويَكْفي هذا؛ لأنَّه يَنْتَفِي به الإذْنُ، فيَصِيرُ قاطِعًا لغيرِ ما أذِنَ فيه.
فإنْ كان القَباءُ مَخِيطًا بخُيُوطٍ لِمالكِه، لم يَملِكِ الخَيّاطُ فَتْقَه، وكان لِمالِكِه أخْذُه مَخِيطًا بلا عِوَض، لأنَّه عَمِلَ في مِلْكِ غيرِه عَمَلًا مُجَرَّدًا عن عَين مَملُوكةٍ له، فلم يَكُنْ له إزالته، كما لو نَقَل مِلْكَ غيرِه مِن مَوْضِع إلى مَوْضِع، لم يَكُنْ له رَدُّه إذا رَضِيَ صاحِبُه بتَركِه فيه.
كان كانت الخُيُوطُ للخَيّاطِ، فله نَزْعُها؛ لأنَّها عَينُ مالِه، ولا يَلْزَمُه أخْذُ قِيمَتِها؛ لأنَّها مِلْكُه، ولا يَتْلَفُ بأخْذِها ما لَه حُرمَةٌ.
فإنِ اتَّفَقَا على تَعويضه عنها، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، وإن قال رَبُّ الثَّوْبِ: أنا أشُدُّ في
الجزء: 14 - الصفحة: 498
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كلِّ خَيطٍ خَيطًا.
حتى إذا سَلَّه 737 عادَ خَيطُ رَبِّ الثَّوْبِ في مكانِه، لم يَلْزَمِ الخَيّاطَ الإِجابَةُ إلى ذلك؛ لأنَّه انْتِفاعٌ بمِلْكِه.
وحُكْمُ الصَّبّاغِ في قَلْعِ الصِّبْغِ إنِ اخْتارَه، وفي غيرِ ذلك مِن أحكامِه، حُكْمُ صِبْغِ الغاصِبِ 738 على ما يأتِي في بَابِه.
قال شيخُنا 739: والذي يَقْوَى عندي، أنَّ القَوْلَ قولُ رَبِّ الثَّوْبِ؛ لِما ذَكَرنا في دَلِيلهم.
وما قاسُوا عليه فيما إذا قال المُضارِب: أذِنْتَ لي في البَيعِ نَساءً.
فأنْكَرَ رَبُّ المالِ، أنَّ القَوْلَ قَوْلُ المُضارِبِ، مَمنُوعٌ.
فصل: إذا دَفَع إلى خَيّاطٍ ثَوْبًا، فقال: إن كان يُقْطَعُ قَمِيصًا فاقْطَعهُ.
فقال: هو يُقْطَعُ.
وقَطَعَه، فلم يَكْفِ، ضَمِنَه.
ولو قال: انْظُر هذا يَكْفِيني قَمِيصًا.
قال: نعم.
قال: اقْطَعهُ.
فقَطَعَه، فلم يَكْفِه، لمِ يَضْمَنْ.
وبه قال الشافعيّ، وأصحابُ الرأي.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا ضَمان عليه في المسْألَتَين، لأنَّه لو كان غَرَّه في الأولَى، لكان قد غَرَّهُ في الثانيةِ.
ولَنا، أنَّه إنَّما أذِنَ له في الأولَى بِشَرطِ كِفايته، فقَطَعَه بدُونِ شَرطِه، وفي الثانيةِ أذِنَ له مِن غيرِ شَرْطٍ، فافْتَرَقا، ولم يَجِبْ عَليه الضَّمانُ في الأولَى لِتَغْرِيرِه، بل لِعَدَمِ الإذْنِ في قَطْعِه، لأنَّ إذنه مُقَيَّد بشَرطِ كِفايته فلا يكونُ إذنًا في غيرِ ما وُجِدَ فيه الشَّرطُ، بخِلافِ الثانيةِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 499
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن أمَرَه أن يَقْطَعَ الثَّوْبَ قَمِيصَ رَجُل، فقَطَعَه قَمِيصَ امرَأةٍ، فعليه غُرمُ ما بينَ قِيمَتِه صَحِيحًا ومَقْطُوعًا؛ لأنَّ هذا قَطْعٌ غيرُ مَأذُونٍ فيه، فأشْبَه ما لو قَطَعَه مِن غيرِ إذْنٍ.
وقيل: يَغْرَمُ ما بينَ قَمِيصِ رَجُل وقَميص امرَأةٍ؛ لأنه مَأذُونٌ في قَمِيص في الجُملَةِ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ المَأذُونَ فيه قَمِيص مَوْصُوف بصِفَةٍ، فإذا قَطَع قَمِيصًا غيرَه، لم يَكُنْ فاعِلًا لِما أذِنَ فيه، فكان مُتَعديا بابْتِداءِ القَطْعِ، ولذلك لا يَسْتَحِقُّ على القَطْعِ أجْرًا، ولو فَعَل ما أمِرَ به، لاسْتَحَقَّ أجْرَه.
فصل: إذا دَفَع إلى حائِكٍ غَزْلًا، فقال: انْسِجْه لي عَشَرَةَ أذْرُعٍ في عَرضِ ذِراعٍ.
فنَسَجَه زائدًا على ما قَدَّرَ له في الطُّولِ والعرضِ، فلا أجْرَ له في الزِّيادَةِ؛ لأنَّه غيرُ مَأمُورٍ بها، وعليه ضَمانُ 740 نَقْصِ الغَزْلِ المَنْسوجِ فيها.
فأمّا ما عَدا الزّائِدَ فيُنْظَرُ فيه؛ فإن كان جاءَهُ زائِدًا في الطّولِ وحدَه، ولم يَنْقُصِ الأصلُ بالزِّيادَةِ، فله ما سَمَّى له مِن الأجْرِ، كما لو اسْتَأجَرَه أن يَضْرِبَ له مائةَ لَبِنَةٍ فضَرَبَ له مائَتَينِ.
وإن جاء به زائدًا في العَرضِ وحدَه، أو فيهما، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا أجْرَ له؛ لأنَّه مُخالِفٌ لأمرِ المُسْتَأجِرِ، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كما لو اسْتأجَرَه على بِناءِ حائِطٍ
الجزء: 14 - الصفحة: 500
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَرضَ ذِراعٍ، فبَناه عَرضَ ذراعِين.
والثاني، له المُسَمَّى؛ لأنَّه زادَ على ما أمِرَ به، فأشْبَه زِيادَةَ الطُّولَ.
ومَن قال بالوَجْهِ الأوّلِ، فَرَّقَ بينَ الطولِ والعرضِ، بأنَّه يُمكِنُ قَطْعُ الزّائِدِ في الطُّولِ، ويَبْقَى الثَّوْبُ على ما أرَادَ، ولا يمكِنُ ذلك في العَرضِ.
فأمّا إن جاءَ به ناقِصًا في الطُّولِ والعَرضِ، أو في أحَدِهما، ففيه أيضًا وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا أجْرَ له، وعليه ضَمانُ نَقْصِ الغَزْلِ؛ لأنَّه مُخالِف لِما أمِرَ به، فأشْبَه ما لو استأجَرَه على بِناءِ حائطٍ عَرضَ ذراعٍ فبَناهُ عَرضَ نِصفِ ذِراعٍ.
والثاني، له بحِصَّتِه مِن المُسَمَّىَ، كمَن اسْتُؤْجِرَ على ضَربِ لَبِن فضَرَبَ بعضَه.
ويَحتَمِلُ أنَّه إن جاءَ به ناقِصًا في العرضِ فلا شيءَ له، وإن كان ناقِصًا في الطُّولِ فله بحِصَّتِه مِن المُسَمَّى؛ لِما ذَكَرنا مِنِ الفَرقِ بينَ الطُّولِ والعَرضِ.
كان جاء به زائِدًا في أحَدِهما ناقِصًا في الآخرِ، فلا أجْرَ له في الزّائِد، وهو في النّاقِصِ على ما ذَكَرنا مِن التَّفْصِيلِ فيه.
وقال محمدُ بنُ الحَسَنِ، في المَوْضِعَينِ: يتَخَيَّرُ صاحِبُ الثَّوْبِ بينَ دَفْعِ الثَّوْبِ إلى النسّاجِ ومُطالبَتِه بثَمَنِ غَزْلِه، وبينَ أن يأخُذَه ويدفَعَ إليه المُسَمَّى في الزّائِدِ وبحِصَّةِ المَنْسُوجِ في النّاقِصِ؛ لأنَّ غَرَضَه لم يَسْلَم له؛ لأنَّه 741 يَنتَفِعُ
الجزء: 14 - الصفحة: 501
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالطَّويلِ ما لا يَنْتَفِعُ بالقَصِيرِ، ويَنْتَفِعُ بالقَصِيرِ ما لا يَنْتَفِعُ بالطَّويلِ، فكأنه أتلف عليه غَزْلَه.
ولَنا، أنَّه وَجَد عَينَ مالِه، فلم يَكُنْ له المُطالبَةُ بعِوَضِه، كما لو جاء به زائِدًا في الطول وحدَه.
فأمّا إن أثَّرتِ الزِّيادَةُ أو النَّقْصُ في الأصلِ، مثلَ أن يَأمُرَه بِنَسْجِ كشَرَةِ أذْرُعٍ؛ ليكُونَ الثَّوْبُ صَفِيقًا، فنَسجَه خَمسَةَ عَشَرَ، فصارَ خَفِيفًا، أو بالعَكْس، فلا أجْرَ له بحالٍ، وعليه ضَمانُ نَقْصِ 742 الغَزْلِ؛ لأنَّه لم يَأتِ بشيءٍ ممّا أمِرَ به.
فصل: إذا اخْتَلَفَ المُتكارِيانِ في قَدرِ الأجْرِ، فقال: أجَرتَنِيها سَنةً بدِينارٍ.
قال: بل بدِينارَين.
تحالفا، ويُبْدَأ بيَمينِ الآجِرِ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الإِجارَةَ نوْع مِن البَيعِ.
فإذا تَحالفا قبلَ مُضِيِّ شيءٍ مِن المُدَّةِ، فَسَخَا العَقْدَ ورَجَعَ كل واحدٍ منهما في مالِه.
وإن رَضِيَ أحَدُهما بما حَلَف عليه الآخَرُ، أقِرَّ العَقْدُ.
وإن فَسَخا العَقْدَ بعدَ المُدَّةِ أو شيءٍ منها، سَقَطَ المُسَمَّى ووَجَبَ أجْرُ المِثْلِ، كما لو اخْتَلَفا في المَبِيعِ بعدَ تَلَفِه.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وبه قال أبو حنيفةَ إن لم يَكُنْ عَمِلَ العَمَلَ،
الجزء: 14 - الصفحة: 502
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن كان عَمِلَه فالقولُ قولُ المُسْتَأجرِ فيما بينَه وبينَ أجْرِ مِثْلِه.
وقال أبو ثَوْرٍ: القولُ قولُ المُستَأجرِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ للزِّيادَةِ في الأجْرِ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ.
ولَنا، أنَّ الإجارَةَ نوْعٌ مِن البَيعِ، فيَتحالفان عندَ اخْتِلافِهما في عِوَضِها، كالبَيعِ، وكما قَبْلَ أن يعملَ العَمَلَ عندَ أبي حنيفةَ.
وقال ابنُ أبي موسى: القولُ قولُ المالكِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايعَانِ، فالقولُ ما قَال البائِعُ» 743. وهذا يَحتَمِلُ أن يَتناوَلَ ما إذا اخْتَلَفا في المُدَّةِ.
وأمّا إذا اخْتَلَفَا في العِوَضِ، فالصَّحِيحُ أنَّهما يتَحالفان؛ لِما ذَكرناه.
فصل: فإنِ اخْتَلَفا في المُدَّةِ، فقال: أجَرْتُكَها سنةً بدِينارٍ.
فقال: بل سَنَتَين بدِينارَينِ.
فالقولُ قولُ المالِكِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ للزِّيادَةِ، فكان القولُ قولَه فيما أنْكَره، لو قال: بِعتُكَ هذا العَبْدَ بمائةٍ.
فقال: بل هذَين العَبْدَين بمائتين.
كان قال: أجَرتُكَها سَنَةً بدِينارٍ.
فقال: بل سَنَتَين بدِينارٍ 744. فههُنا قد اخْتَلفا في قَنرِ العِوَضِ والمُدَّةِ فيتَحالفانِ؛ لأنَّه لم يُوجَد الاتِّفاقُ منهما على مُدَّةٍ بعِوَض، فصارَ كما لو اخْتَلفا في العِوَضِ مع اتّفاقِ المُدَّةِ.
وإن قال المالِكُ: أجَرتُكَها سَنَةً بدِينارٍ.
فقال الساكِنُ: بل اسْتَأجَرتَنِي على حِفْظِها بدِينارٍ.
فقال أحمدُ: القولُ قولُ رَبِّ الدارِ، إلَّا أن تكونَ للساكِنِ بَيِّنة.
وذلك لأنَّ سُكْنَى الدارِ قد وُجِدَ
الجزء: 14 - الصفحة: 503
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن السّاكنَ واسْتِيفاءَ مَنْفَعَتِها، وهي مِلْكُ صاحِبِها، والقولُ قولُه في مِلْكِه، والأصلُ عَدَمُ [اسْتِئجارِ السّاكِنِ] 745 في الحِفْظِ، فكان القولُ قولَ مَن يَنْفِيه، ويَجبُ على الساكِنِ أجْرُ المِثْلِ.
فصل: وإنِ اخْتَلَفا في التَّعَدِّي في العَينِ المُسْتَأجَرَةِ، فالقولُ قولُ المُسْتأجِرِ، لأنَّه أمِين، فأشْبَه المُودَعَ، ولأنَّ الأصلَ عَدَمُ العُنوانِ والبَرَاءةُ مِن الضَّمانِ.
وإنِ ادَّعَى أنَّ العَبْدَ أبقَ مِن يَدِه، وأنَّ الدّابَّةَ شَرَدتْ أو نَفَقتْ، وأنْكَرَ المُؤْجِرُ، فالقولُ قولُ المُسْتأجِرِ؛ لِما ذَكَرنا، ولا أجْرَ عليه إذا حَلَفَ أنَّه ما انْتَفَعَ بها؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ الانْتِفاعِ.
وعنه، القولُ قولُ المُؤْجِرِ؛ لأن الأصلَ السَّلامةُ.
فأمّا إنِ ادَّعَى أن العَبْدَ مَرِضَ في يَدِه؛ فإن جاء به صَحِيحًا، فالقولُ قولُ المالِكِ، سواء وافَقَه العَبْدُ أو خالفَه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وإن جاء به مَرِيضًا، فالقولُ قولُ المُسْتَأجِرِ.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه إذا جاء به صحيحًا، فقد ادَّعَى ما يُخالِف الأصلَ، وليس معه دَلِيل عليه، وإن جاء به مَرِيضًا، فقد وُجِدَ ما يُخالِف الأصلَ يَقِينًا، فكان القولُ قولَه في مُدَّةِ المَرَضِ؛ لأنَّه أعلَمُ بذلك، لكَوْنِه في يَدِه.
وكذلك لو ادَّعَى إبَاقَه في حالِ إباقِه.
ونَقَلَ إسحاقُ بنُ مَنْصورٍ عن أحمدَ، أنَّه يُقْبَلُ قولُه في إباقِ العَبْدِ دُونَ مَرَضِه.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ.
قال أبو بكر: وبالأوَّلِ أقُولُ؛ لأنَّهما سواء في تَفْويتِ مَنْفَعتِه، فكانا سواءً
الجزء: 14 - الصفحة: 504
فصلٌ: وَتَجِبُ الأجْرَةُ بِنَفْس الْعَقْدِ، إِلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تأخِيرِها.
في دَعوَى ذلك.
وإن هلَكَتِ العَينُ، فاخْتَلَفا في وَقْتِ هلاكِها، أو أبقَ العَبْدُ أو مَرِضَ، واخْتَلَفا في وَقْتِ ذلك، فالقولُ قولُ المُسْتَأجِرِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ العَمَلِ، ولأنَّ ذلك حَصَلَ في يَدِه، وهو أعلَمُ به.
فصل: قال المُصَنِّفُ، رحمَه اللهُ: (وتَجِبُ الأجْرةُ بنَفْسِ العَقْدِ، إلَّا أن يَتَّفِقا على تَأخِيرِها) مَتَى أُطْلِقَ العَقْدُ في الإِجارَةِ مَلَكَ المُؤْجِرُ الأجْرةَ بنَفْسِ العَقْدِ، كما يَملِكُ البائِع الثَّمَنَ بالبَيعِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، [ومالكٌ] 746: لا يملِكُها ولا يَسْتَحِقُّ المُطالبَةَ بها إلَّا يَومًا بِيَوْم، إلَّا أن يَشْتَرِطَ تَعجِيلَها.
قال أبو حنيفةَ: إلَّا أن تكونَ مُعَيَّنة، كالثَّوْبِ، والدّارِ، والعَبْدِ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 747. أمَرَ بإيتائِهِنَّ بعدَ الرَّضاعِ.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:
الجزء: 14 - الصفحة: 505
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ثَلَاثة أنا خَصمُهُم يَوْمَ القِيَامَةِ؛ رَجُلٌ اسْتَأجَرَ أجيرًا فَاسْتَوْفى مِنْهُ ولم يُوَفِّه أجرَهُ» 748. فتَوَعُّدُه على الامتِناعِ مِن دَفْعِ الأجْرِ بعدَ العَمَلِ دَلَّ على أنَّها حالةُ الوُجُوبِ.
ورُوِيَ عنه، عليه الصلاةُ والسلامُ، أنَّه قال: «أعطُوا الأجِيرَ أجْرَه قبلَ أن يَجِفَّ عَرَقُه».
رَواهُ ابنُ ماجه 749. ولأنَّه عِوَض لم يَملِكْ مُعَوَّضَه، فلم يَجِبْ تَسْلِيمُه، كالعِوَضِ في العَقْدِ الفاسِدِ، فإنَّ المَنافِعَ مَعدُومة لم تُملَكْ.
ولو مُلِكَتْ فلم يَتَسَلمها؛ لأنَّه يتَسلَّمُها شيئًا فشيئًا، فلا يَجِبُ عليه العِوَضُ مع تَعذر التَّسْلِيمِ في العَقْدِ.
ولَنا، أنَّه عِوَضٌ أُطْلِقَ ذِكْرُه في عَقْدِ مُعاوَضةٍ، فيُسْتَحقُّ بمُطْلَقِ العَقْدِ، كالثَّمنِ، والصداقِ، أو نقولُ: عِوَضٌ في عَقْدٍ يُتَعَجَّلُ بالشَّرطِ، فوَجَبَ أن يُتَعَجَّلَ بمُطْلَقِ العَقْدِ، كالذي ذَكرنا.
فأمّا الآيةُ فيَحتَمِلُ أنَّه أرادَ الإِيتاءَ عندَ الشُّرُوعِ في الإِرضاعِ، أو تَسْلِيم نَفْسِها، كقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ 750. أي:
الجزء: 14 - الصفحة: 506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا أرَدتَ القِراءَةَ.
ولأنَّ هذا تَمسُّكٌ 751 بدَلِيلِ الخِطابِ؛ ولا يقولُون به، وكذلك الحَدِيثُ، يُحَقِّقُه أنَّ الأمرَ بالإيتاءِ في وقتٍ لا يَمنَعُ وُجُوبَه قبلَه، كقولِه تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 752.
الجزء: 14 - الصفحة: 507
وَلَا يَجِبُ تَسْلِيمُ أجْرَةِ الْعَمَلِ فِي الذِّمَّةِ حَتَّى يَتَسَلَّمَهُ.
والصداقُ يَجِبُ قبلَ الاسْتِمتاعِ.
وهذا هو الجَوابُ عن الحَدِيثِ، ويَدُلُّ عليه أنَّه إنَّما تَوَعَدَّ على تَزكِ الإيفاءِ بعدَ الفراغِ مِن العَمَلِ، وقد قُلْتُم: يَجِبُ الأجْرُ شيئًا فشيئًا.
ويَحتَمِلُ أَنه تَوَعَّدَه على تَركِ الوَفاءِ في الوَقْتِ الذي تَتَوَجَّه المُطالبة فيه عادةً.
جَوابٌ آخَرُ، أنَّ الآيَةَ والأخْبارَ إنَّما وَرَدَتْ في مَن اسْتُؤْجِرَ على عَمَل، فأمّا إن وَقَعتِ الإجارَةُ فيه على مُدَّةٍ فلا تَعَرضَ لها به.
2221 -
مسألة: (ولا يَجبُ تَسْلِيمُ أجْرَةِ العَمَلِ في الذِّمَّةِ حتى يَتَسَلَّمَه)
إذا اسْتُؤْجِرَ على عَمَل، فإنَّ الأجْرَ يُفلَكُ بالعَقْدِ أيضًا، لكن
الحديث: 2221 - الجزء: 14 - الصفحة: 508
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُه إلا عندَ تَسْلِيمِ العَمَلِ.
وقال ابنُ أبي موسى: مَن اسْتُؤْجِرَ لعَمَل مَعلُوم، اسْتَحَقَّ الأجْرَ عندَ إيفاءِ العَمَلِ، وإنِ اسْتُؤْجرَ في كلِّ يوم بأجْر مَعلُوم، فله أجْرُ كلِّ يوم عندَ تَمامِه.
وقال أَبو الخَطّابِ: الأجْرُ يُملَكُ بالعَقْدِ، ويُسْتَحَقُّ التَّسْلِيمُ ويَسْتَقِرُّ بمُضِيِّ المُدَّةِ.
وإنَّما تَوقَّفَ اسْتِحقاقُ تَسْلِيمِه على العَمَلِ؛ لأنَّه عِوَضٌ، فلا يُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُه إلَّا مع تَسْلِيمِ المُعَوَّضِ، كالصَّداقِ، والثَّمَنِ في المَبِيعِ.
وفارَقَ الإِجارَةَ على الأعيانِ؛ لأن تَسْلِيمَها أجْرِىَ مُجْرَى تَسْلِيم نَفْعِها، ومتى كانت على مَنْفَعةٍ في الذِّمَّةِ لم يحصُلْ تَسْلِيمُ المَنْفَعةِ ولا ما يَقُومُ مَقامَها، فتَوقَّفَ اسْتِحقاقُ تَسْلِيمِ الأجْرِ على تَسْلِيم العَمَلِ.
وقولُهم: لم يَملِكِ المَنافِعَ.
قد سَبَقَ الجَوابُ عنه.
فإن قِيلَ: فإنَّ المُؤْجِرَ إذا قَبَضَ الأجْرَ، انْتَفَع به كلِّه، بخِلافِ المُسْتأجِرِ، فإنَّه لا يحصُلُ له اسْتِيفاءُ المَنْفعةِ كلِّها.
قلنا: لا يَمنَعُ هذا، كما لو شَرَطَ التعجِيلَ وكانت الأجْرةُ عَينًا.
فأمّا إن شَرَطَ التَّأجِيلَ في الأجْرِ، فهو على ما شَرَطَ،
الجزء: 14 - الصفحة: 509
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن شَرَطَ مُنَجَّمًا يومًا يومًا، أو شَهْرًا شهرًا، فهو على ما شَرَطاه؛ لأنَّ إجارَةَ العَينِ كبَيعِها، وبَيعُها يَصِحُّ بثَمَنٍ حالٍّ ومُؤَجَّل، كذلك إجارَتُها.
وفيه وَجْه آخَرُ: أنَّ الإِجارَةَ على المَنْفَعةِ في الذِّمَّةِ لا يجوزُ تَأجِيلُ عِوَضِها، [كالمُسْلَمِ فيه] 753.
فصل: إذا اسْتَوْفَى المُسْتأجِرُ المَنافِعَ، اسْتَقَرَّ الأجْرُ؛ لأنَّه قَبَضَ المَعقُودَ عليه، فاسْتَقَرَّ عليه البَدَلُ، كما لو قَبَض المَبِيعَ.
وإن تَسَلَّمَ العَينَ المُسْتَأجَرَةَ، ومَضَتِ المُدَّةُ، و 754 لا مانِعَ له مِن الانْتِفاعِ، اسْتَقَرَّتِ الأجْرَةُ أيضًا كان لم يَنْتَفِع؛ لأنَّ المَعقُودَ عليه تَلِفَ تحت يَدِه، وهي حَقُّه، فاسْتَقَرَّ عليه بَدَلُها، كثَمَنِ المَبِيعِ إذا تَلِفَ في يَدِ البائِعِ.
فإن كانت الإجارَةُ على عَمَل، فتَسلَّم 755 المَعقُودَ عليه، ومَضَتْ مُدَّة يمكِنُ اسْتِيفاءُ المَنْفَعةِ فيها، مثلَ أن يَكْتَرِيَ دابَّةً لِيركَبَها إلى حِمصَ، فقَبَضَها، ومَضَتْ
الجزء: 14 - الصفحة: 510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُدَّة يمكِنُ رُكُوبُها فيها، فقال أصحابُنا: يَسْتَقِرُّ عليه الأجْرُ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المَنافعَ تَلِفَتْ تحت يَدِه باخْتِيارِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمان عليه، كما لو تَلِفَتِ العَينُ في يَدِ المُشْتَرِي، وكما لو كانتِ الإجارَةُ على مُدَّةٍ فمَضَتْ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَسْتَقِرُّ الأجْرُ عليه حتى يَسْتَوْفِيَ المَنْفَعةَ؛ لأنَّه عَقْد على مَنْفَعةٍ غيرِ مُؤَقَّتةٍ بزَمَن، فلم يَسْتَقِرَّ بَدَلُها قبلَ اسْتِيفائِها، كالأجْرِ في الأجِيرِ المُشْتَرَكِ.
وإن بَذَلَ تَسْلِيمَ العَينِ، فلم يَأخُذْها المُسْتَأجِرُ حتى انْقَضَتِ المُدَّةُ، اسْتَقَرَّ الأجْرُ عليه؛ لأنَّ المنافِعَ تَلِفَتْ باخْتِيارِه في مُدَّةِ الإِجارَةِ، فاسْتَقَرَّ عليه الأجْرُ، كما لو كانت في يَدِه.
وإن بَذَلَ تَسْلِيمَ العَينِ، وكانت الإِجارَةُ على عَمَل، فقال أصحابُنا: إذا مضتْ مُدَّة يمكنُ الاسْتِيفاءُ فيها، اسْتَقَرَّ عليه الأجْرُ.
وبهذا قال الشافعيُّ؛ لأنَّ المَنافِعَ تَلِفَتْ باخْتِيارِه.
وقال أبو حنيفةَ: لا أجْرَ عليه.
قال شيخُنا 756: وهو أصَحُّ 757 عندي، لأنَّه عَقْدٌ على ما في الذِّمَّةِ، فلم يَسْتَقِرَّ عِوَضُه ببَذْلِ التَّسْلِيمِ، كالمُسْلَمِ فيه، ولأنَّه عَقدٌ على مَنْفَعةٍ غيرِ مُؤَقَّتةِ بزَمَن، فلم يَسْتَقِرَّ عِوَضُها بالبَذْلِ، كالصَّداقِ إذا بَذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِها، وامتَنَعَ الزَّوْجُ مِن أخْذِها.
الجزء: 14 - الصفحة: 511
وَإذَا انْقَضَتِ الإجَارَةُ وَفِي الْأرضِ غِرَاسٌ أوْ بِنَاءٌ لَمْ يُشْتَرَطْ قَلْعُهُ عِنْدَ انْقِضَائِها، خُيِّرَ الْمَالِكُ بَينَ أخذِهِ بِالْقِيمَةِ، أو تَركِهِ بِالأجْرَةِ، أو قَلْعِهِ وَضَمَانِ نَقْصِهِ.
وإنْ شُرِطَ قَلْعُهُ لَزِمَ ذَلِكَ، وَلَم تَجِبْ تَسْويَةُ الْأرضِ إلا بِشَرطٍ.
2222 - مسألة: (وإذا انْقَضتِ الإِجارَةُ وفي الأرضِ غرِاس أو بِناء، لم يُشْتَرَطْ قَلْعُه عندَ انْقِضاءِ)
الأجَلِ، فلِلمالِكِ (أخْذُه بالقِيمة) و (تَركُه بالأجْرةِ، أو قَلْعُه وضَمانُ نَقْصِه.
وإنِ) اشْتَرطَ القَلْعَ (لَزِمَه ذلك) ولا يَلْزَمُه (تَسْويةُ الأرضِ إلَّا بشَرطٍ) إذا اسْتَأجَرَ أرضًا للغِراسِ أو للبناءِ سَنَةً، صَحَّ؛ لأنَّه يُمكِنُه تَسْلِيمُ مَنْفَعَتِها المُباحَةِ
الحديث: 2222 - الجزء: 14 - الصفحة: 512
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَقْصُودَةِ، فأشْبَهتْ سائِرَ المَنافِعِ، وسواء شَرَطَ قَلْعَ الغِراسِ والبِناءِ عندَ انْقِضاءِ المُدَّةِ أو أطلَقَ، وله أن يَغْرِسَ قبلَ انْقِضاءِ المُاةِ، فإذا انْقَضَتْ لم يَكُنْ له أن يَغْرِسَ ولا أن يبنِيَ؛ لِزَوالِ عَقْدِه، فإذا انْقَضَتِ السنةُ، وكان قد شَرَطَ القَطْعَ عندَ انْقِضائِها، لَزِمَه ذلك؛ وَفاءً بمُوجَبِ شَرطِه.
وليس على صاحِبِ الأرضِ غَرامةُ نَقْصِه، ولا على المُسْتأجِرِ تَسْويةُ الحَفْرِ وإصلاحُ الأرضِ؛ لأنهما دَخَلا على هذا؛ لرِضاهُما بالقَلْعِ، واشْتِراطِهما عليه.
وإنِ اتفَقا على إبْقائِه بأجْرةٍ أو غيرِها، جازَ، إذا شَرَطا مُدَّةً مَعلُومةً.
وكذلك لو اكْتَرَى الأرضَ سَنةً بعدَ سَنةٍ، كما انْقَضَى عَقْد جَدَّدَ آخَرَ.
وإن أطْلَقَ العَقْدَ، فللمُكْتَرِي القَلْعُ؛ لأنَّه مِلْكُه، فله أخْذُه، كطعامِه في الدَّارِ التي باعها.
وإذا قَلَع فعليه تسْويةُ الحَفْرِ؛ لأنه نَقْصٌ دَخَلَ على مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه.
وهكذا إن قَلَعَه قبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ ههُنا وفي التي قبلَها؛ لأنَّ القَلْعَ قبلَ الوَقْتِ لم يأذَنْ فيه المالِكُ، ولأنَّه تَصَرَّفَ في الأرضِ تَصرُّفًا نَقَصَها لم يَقْتَضِه عَقْدُ الإجارَةِ، وإن أبى القَلْعَ
الجزء: 14 - الصفحة: 513
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يُجْبَر عليه، إلا أن يَضْمَنَ له المالِكُ النَّقْصَ، فيُجْبَرُ 758 حينئذٍ.
وبهذا قال الشافعيّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: عليه القَلْعُ مِن غيرِ ضَمانِ النَّقْصِ له؛ لأنَّ تَقْدِيرَ المُدَّةِ في الإجارَةِ يَقْتَضِي التَّفْرِيغَ عندَ انْقِضائِها، كما لو اسْتَأجَرَها للزَّرعِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيسَ لِعِرقٍ ظالِم حَقٌّ» 759. مَفْهُومُه أنَّ غيرَ الظالِمِ له حَق، وهذا غيرُ ظالِم، ولأنه غَرَسَ بإذْنِ المالِكِ، ولم يَشْرُطْ قَلْعَه، فلم يُجْبَر على القَلْعِ مِن غيرِ ضَمانِ النَّقْصِ، كما لو اسْتعارَ منه أرضًا للغَرسِ مُدَّةً فرَجَعَ قبلَ انْقِضائِها،
الجزء: 14 - الصفحة: 514
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويُخالف الزّرعَ، فإنَّه لا يَقْتَضِي التَّأبِيدَ.
فإن قِيلَ: فإن كان إطْلاقُ العَقْدِ في الغِراسِ يَقْتَضِي التّأبِيدَ، فشَرطُ القْلعِ يُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، فيَنْبَغِي أن يُفْسِدَه.
قلنا: إنَّما اقْتَضَى التّأبِيدَ مِن حيثُ إنَّ العادَةَ في الغِرَاسِ التبقِيَةُ، فإذا أطْلَقَه، حُمِلَ على العادَةِ، وإذا شَرَطَ خِلافَه، جازَ، كما إذا باعَ بغيرِ نَقْدِ البَلَدِ، أو شَرَطَ في الإِجارَةِ سَيرًا يُخالِف العادَةَ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ رَبَّ الأرضِ يُخَيَّرُ بينَ ثلاثةِ أشياءَ؛ أحدُها، أن يَدفَعَ قِيمةَ الغِراسِ والبِنَاءِ، فيَملِكَه مع أرضِه؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَزُولُ عنهما به، أشْبَه الشَّفِيعَ في غِراسِ المُشْتَرِي الثاني، أن يَقْلَعَ الغِراسَ والبِنَاءَ، ويَضْمَنَ أرشَ نَقْصِه لذلك.
الثالثُ أن يُقِرَّ الغِراسَ والبِناءَ، ويأخُذَ منه أجرَ المِثْلِ.
وبهذا قال الشافعي؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَزُولُ عنهما بذلك.
وقال مالكٌ: يتَخَيَّرُ بينَ دَفْعِ قِيمَتِه فيَملِكُه وبينَ مُطالبَتِه بالقَلْعِ مِن غيرِ ضَمانٍ، وبينَ تركِه، فيكونان شَرِيكَين.
والأوَّلُ أصَحُّ.
فإنِ اتَّفَقَا على بَيعِ الغَرسِ والبناءِ
الجزء: 14 - الصفحة: 515
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للمالِكِ، جازَ، وإن باعَهُما صاحِبُهما لغيرِ مالِكِ الأرضِ، جازَ، ومُشْتَرِيهما يَقُومُ مَقامَ البائِعِ فيهما.
وقال أصحابُ الشافعي في أحَدِ الوَجْهينِ: ليس له بَيعُهما لغيرِ مالكِ الأرضِ؛ لأنَّ مِلْكَه ضَعِيفٌ، بدَلِيل أنَّ لِصاحِبِ الأرضِ تملُّكَه عليه بالقِيمةِ بغيرِ رِضاه.
ولَنا، أنَّه مِلك له يجوزُ بَيعُه لمالِكِ الأرضِ، فجازَ لغيره، كالشِّقْصِ المَشْفُوعِ، وبهذا يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه، فإنَّ للشَّفِيعِ تملُّكَ الشِّقْصِ بغيرِ رِضَا المُشْتَرِي، ويجوزُ بَيعُه لغيرِه 760.
فصل: فإن شَرَطَ في العَقْدِ تَبْقِيةَ الغِراسِ، فذَكَرَ القاضِي أنَّه صَحِيحٌ، وحُكْمُه حُكمُ ما لو أطْلَقَ العَقْدَ سواء.
وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ.
ويَحتَمِلُ أن يَبْطُلَ العَقْدُ؛ لأنَّه شَرَطَ ما يُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَ ذلك في الزَّرعِ الذي لا يَكْمُلُ قبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، ولأنَّ الشرطَ باطِل؛ بدَلِيلِ أنَّه لا يَجِبُ الوَفاءُ به، وهو مُؤثِّر.
فأبْطَلَه، كشَرطِ تَبْقِيةِ الزّرعَ بعدَ مُدَّةِ الإِجارَةِ.
الجزء: 14 - الصفحة: 516
وَإنْ كَانَ فِيها زَرعٌ بَقَاؤهُ بِتَفْرِيطِ الْمُسْتَأجِرِ، فَلِلْمَالِكِ أخْذُهُ بِالْقِيمَةِ، وَتَركُهُ بِالأجْرَةِ.
وَإنْ كَانَ بِغَيرِ تَفْرِيطٍ، لَزِمَ تركُهُ بِالأجْرَةِ.
2223 - مسألة: (وإن كان فيها زَرعٌ بقاؤه بتَفْرِيطِ المُسْتَأجِرِ، فللمالِكِ أخْذُه بالقِيمَةِ، وتَركُه بالأجْرَةِ. وإن كان بغيرِ تَفْرِيطٍ، لَزِمَ تَركُه بالأجْرَةِ)
إذا اسْتَأجَرَ أرضًا للزِّراعةِ مُدَّةً، فانقْضَتْ، وفيها زَرع لم يَبْلُغْ حَصادَه، لم يَخْلُ مِن حالينِ؛ أحدُهما، أن يكونَ لتَفْرِيطِ المُسْتَأجِرِ،
الحديث: 2223 - الجزء: 14 - الصفحة: 517
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مثلَ أن يَزْرَعَ زَرعًا لم تَجْرِ العادَةُ بكَمالِه قبلَ انْقِضاء المُدَّةِ، فحُكْمُه حُكْمُ زَرعِ الغاصِبِ، يُخَيَّرُ المالِكُ [بعدَ المُدَّة] 761 بينَ أخَذِه بالقِيمةِ، أو تَركِه بالأجْرَةِ لِما زادَ على المُدَّةِ؛ لأنَّه أبقَى زَرعَه في أرضِ غيرِه بعُنوانِه، وإنِ اخْتارَ المُسْتَأجِرُ قَطْعَ زَرعِه في الحالِ وتَفْرِيغَ الأرضِ، فله ذلك؛ لأنَّه يُزِيلُ الضَّرَرَ، ويُسَلِّمُ الأرضَ على الوَجْهِ الذي اقْتَضاه العَقْدُ.
وذَكَرَ القاضِي، أنَّ على المُسْتَأجِرِ نَقْلَ الزّرعِ وتَفْرِيغَ الأرضِ، وإنِ اتفقَا على تَركِه بعِوَض أو غيرِه، جازَ.
وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ، بِناءً على قَوْلِه في الغاصِبِ.
وقِياسُ المَذْهبِ ما ذَكَرناه.
الحالُ الثاني، أن يكونَ بَقاؤه بغير
الجزء: 14 - الصفحة: 518
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَفْرِيطِه، مثلَ أن يَزْرَعَ زَرعًا يَنْتَهِي في المُدَّةِ عادَةً، فأبْطَأ لبَردٍ أو غيرِه، فيَلْزَمُ المُؤْجرَ تركُه بالأجْرةِ إلى أن يَنْتَهِيَ، وله المُسَمى وأجْرُ المِثْلِ لِما زاد.
وهذا أَحَدُ الوَجهينِ لأصحابِ الشافعيِّ.
والوَجْهُ الثانِي، يَلْزَمُه نَقْلُه؛ لأنَّ المُدَّةَ ضُرِبَتْ لِنَقْلِ الزَّزعِ، فلَزِمَ العَمَلُ بمُوجَبِه، وقد وُجدَ منه تَفْرِيطٌ؛ لأنَّه كان يُمكِنُه أن يَسْتَظْهِرَ في المُدَّةِ، فلم يَفْعَلْ.
ولَنا، أن الزَّرعَ حَصَلَ في أرضِ غيرِه بإذْنِه مِن غيرِ تَفْرِيطٍ، فلَزِمَه 762 تَركُه، كما لو أعارَه أرضًا فزَرَعَها ثم رَجَعَ المالِكُ قبلَ كَمالِ الزَّرعِ.
وقولُهم: إنَّه مُفرِّطٌ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّ هذه المُدَّةَ التي جَرَتِ العادَةُ بكَمالِ الزَّرعِ فيها، وفي زِيادَةِ المُدَّةِ تَفْويتُ زِيادَةِ الأجْرِ بغيرِ فائِدَةٍ، وتَضْيِيعُ زِيادَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ لِتَحصِيلِ شيءٍ مُتَوَهَّم، على خِلافِ العادَةِ، هو التَّفْرِيط، فلم يَكُنْ تَركُه تَفْرِيطًا.
ومتى أرادَ المُسْتأجِرُ زَرعَ شيءٍ لا يُدرَكُ مِثلُه في مُدَّةِ الإِجارَةِ، فللمالِكِ مَنْعُه؛ لأَنه سَبَبٌ لوُجُودِ زَرعِه في أرضِه بغيرِ حَق.
فإن زَرَعَ لم يملِكْ مُطالبَتَه بقَلْعِه قبلَ المُدَّةِ؛ لأنَّه في أرض يَملِكُ نَفْعَها، ولأنَّه لا يَملِكُ ذلك بعدَ المُدَّةِ، فقَبْلَها أوْلَى، ومَن أوْجَبَ عليه قَطْعَه بعدَ المُدَّةِ، قال: إذا لم يَكُنْ بُدٌّ مِن المُطالبةِ بالنَّقْلِ، فليَكُنْ عندَ المُدَّةِ التي يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَها إلى المُؤْجِرِ فارِغَةً.
الجزء: 14 - الصفحة: 519
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا اكْتَرَى 763 الأرضَ لِزَرعِ مُدَّةٍ لا يَكْمُلُ فيها، مثلَ أنِ اكْتَرَى خَمسةَ أشْهُرٍ لِزَرع لا يَكْمُلُ إلا في سِتَّةٍ، نَظَرنا؛ فإن شَرَطَ تَفْرِيغَها عندَ انْقِضاءِ المُدَّةِ ونَقْلَه عنها، صَحَّ؛ لأنَّه لا يُفْضِي إلى الزِّيادَةِ على مُدَّتِه، وقد يكونُ له غرضٌ في ذلك، لأخْذِه إيّاه قَصِيلًا 764 أو غيرَه، ويَلْزَمُه ما الْتَزَمَ.
وإن أطْلَقَ العَقْدَ، ولم يَشْرُطْ شيئًا، احتَمَلَ أن يَصِحَّ؛ لأنَّ الانْتِفاعَ بالزرعِ 765 في هذه المُدَّةِ ممكِنٌ، واحتَمَلَ أنَّه إن 766 أمكَنَ أن يَنْتَفِعَ بالأرضِ في زَرع ضَرَرُه كَضَرَرِ الزَّرعِ المَشْرُوطِ ودُونِه، مثلَ أن يَزْرَعَها شَعِيرًا يأخُذُه قَصِيلًا، صَحَّ العَقْدُ (4)؛ لأنَّ الانْتِفاعَ بها في بعضِ ما اقْتَضاه العَقْدُ مُمكِن، وإن لم يَكُنْ كذلك، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه اكْترَى للزَّرعِ ما لا يُنْتَفَعُ بالزرعِ فيه، فأشْبَه إجارَةَ السَّبْخَةِ له.
فإن قلنا: يَصِحُّ.
فإذا انْقَضَتِ المُدَّةُ، ففيه وجهان؛ أحدُهُما، حُكْمُه حُكْمُ زرع
الجزء: 14 - الصفحة: 520
وَإذَا تَسَلَّمَ الْعَينَ فِي الإجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، حَتَّى انْقَضَتِ الْمُدَّةُ، فَعَلَيهِ أجْرَةُ الْمِثْلِ، سَكَنَ أوْ لَمْ يَسْكُنْ.
المُسْتَأجِرِ لِما لا يَكْمُلُ في (1) مُدَّتِه؛ لأنَّه ههُنا مُفَرِّط، واحتَمَلَ أن يَلْزَمَ المُكْرِيَ تَركُه بالأجْرِ (1)؛ لأنَّ التَّفْرِيطَ منه، حيثُ أكْرَاه مُدَّةً لِزَرع لا يَكْمُلُ فيها.
كان شَرَطَ تَبْقِيَتَه حتى يَكْمُلَ، فالعَقْدُ فاسِد؛ لأنَّه جَمَعَ بينَ متضادينِ فإنَّ تَقْدِيرَ المُدَّةِ يَقْتَضِي النَّقْلَ فيها، وشَرطُ التبقِيةِ يُخِالِفُه، ولأنَّ مُدَّةَ التبقِيةِ مَجْهُولة، فإن زَرَع لم يُطالبْ بنَقْلِه، كالتي تقدمت.
2224 -
مسألة: (وإذا تَسَلَّمَ العَينَ بالإجارَةِ الفاسِدَةِ، فعليه أجْرَةُ المِثْلِ، سَكَنَ أو لم يَسْكُنْ)
إذا قَبَض العَينَ في الإجارَةِ الفاسِدَةِ، ومَضَتِ المُدَّةُ أو مُدَّة يُمكِنُ استِيفاءُ المَنْفَعَةِ فيها أو لا يُمكِنُ، ففيه روايتان؛767
الحديث: 2224 - الجزء: 14 - الصفحة: 521
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إحْداهُما، عليه أُجْرَةُ المِثْلِ لمُدَّةِ بَقائِها في يَدِه.
وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المَنافِعَ تَلِفَتْ تحتَ يَدِه بعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، فرَجَعَ إلى قِيمَتِها، كما لو اسْتَوْفاها.
والثانيةُ، لا شيءَ له.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه عَقْدٌ فاسِدٌ على مَنافِعَ لم يَسْتَوْفِها، فلم يَلْزَمْه عِوَضُها 768 كالنِّكاحِ الفاسِدِ.
فأمّا إن بَذَلَ له التَّسْلِيمَ في الإجارَةِ الفاسِدَةِ فلم يَتَسَلَّمْها، فلا أجْرَ عليه؛ لأنَّ المَنافِعَ لم تَتْلَفْ تحتَ يَدِه ولا في مِلْكِه، وإنِ اسْتَوْفَى المَنْفعةَ في العَقْدِ الفاسِدِ، فعليه أجْرُ المِثْلِ.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ أقَلُّ الأمْرَينِ مِن المُسَمَّى أو أجْرِ المِثْلِ، بِنَاءً منه على أنَّ 769 المَنافِعَ لا تُضْمَن إلا بالعَقْدِ.
ولَنا، أنَّ ما ضُمِنَ بالمُسَمَّى في العَقْدِ الصَّحِيحِ، وَجَبَ ضَمانُه بجَمِيعِ القِيمَةِ في الفاسِدِ، كالأعْيانِ، وما ذَكَرُوه غيرُ مُسَلَّمٍ.
الجزء: 14 - الصفحة: 522
وَإذَا اكْتَرَى بِدَرَاهِمَ، وَأَعْطَاهُ عَنْها دَنَانِيرَ، ثُمَّ انْفَسَخَ الْعَقْدُ، رَجَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِالدَّرَاهِمَ.
2225 - مسألة: (إذا اكْتَرَى بدَراهِمَ، وأعْطاه عنها دَنانِيرَ، ثم انْفَسخَ العَقْدُ، رَجَعَ المُسْتَأْجِرُ بالدَّراهمِ)
لأنَّ العَقْدَ إذا انْفَسَخَ، رَجَعَ كلُّ واحِدٍ مِن المُتعاقِدَين في العِوَضِ الذي بَذَلَه، وعِوَضُ العَقْدِ هو الدَّراهِمُ، فكان الرُّجُوعُ بها، والدَّنانِيرُ إنَّما أخَذَها المُؤْجِرُ بعَقْدٍ آخَرَ سِوَى الإجارَةِ، ولم يَنْفَسِخْ، فأشْبَهَ ما إذا قَبَضَ الدَّراهمَ ثم صَرَفَها بالدَّنانِيرِ.
الحديث: 2225 - الجزء: 14 - الصفحة: 523
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م
المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756
المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة
الجزء: 15 - الصفحة: 2
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
الجزء: 15 - الصفحة: 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَابُ السَّبْقِ
تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَى الدَّوَابِّ، وَالأَقْدَامِ، وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَالسُّفُنِ، وَالْمَزَارِيقِ، وَغَيرِهَا.
بَابُ السَّبْقِ
2226 -
مسألة: (تَجُوزُ المُسابَقَةُ على الدَّوابِّ، والأقْدام)
والخَيلِ (والسُّفُنِ والمَزارِيقِ 770، وسائِرِ الحَيَواناتِ) والأصْلُ في ذلك السُّنَّةُ والإجْماعُ؛ أمّا السُّنَّةُ، فرَوَى ابنُ عُمَرَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سابَقَ بينَ الخَيلِ المُضْمَرَةِ 771 مِن الْحَفْياء إلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ، وبينَ التي لم تُضْمَرْ
الحديث: 2226 - الجزء: 15 - الصفحة: 5
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن [ثَنِيَّةِ الوَداعِ] 772 إلى مَسْجدِ بني زُرَيقٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 773. قال موسى بنُ عُقْبَةَ: مِن 774 الحَفْياءِ إلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ سِتَّةُ أمْيالٍ أو سَبْعَةُ أمْيالٍ.
وقال سُفْيانُ: مِن الثَّنِيَّةِ إلى مَسْجِدِ بني زُرَيقٍ مِيلٌ أو نحوُه.
وأجْمَعَ المسلمون على جَوازِ المُسابَقَةِ في الجُمْلَةِ.
والمُسابَقَةُ على ضَرْبَين؛ مُسابَقَة بغيرِ
الجزء: 15 - الصفحة: 6
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عِوَضٍ، ومُسابَقَةٌ بعوَضٍ.
فأمّا المسابَقَةُ بغيرِ عِوَضٍ، فتَجُوزُ مُطْلَقًا مِن غيرِ تَقْيِيدٍ بشيءٍ مُعَيَّن؛ كالمُسابَقَةِ على الأقْدامِ، والسُّفُنِ، والطُّيورِ، والبِغالِ، والحُمُرِ، والفِيَلَةِ، والمَزارِيقِ.
وتَجُوزُ المُصارَعَةُ، ورَفْعُ الحِجارَة؛ ليُعْرَفَ الأَشَدُّ، وغيرُ هذا؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان مع عائشةَ في سَفَرٍ، فسابَقَتْه على رِجْلِها فسَبَقَتْه، قالت: فلَمّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سابَقْتُه فسَبَقَنِي، فقال: «هذِهِ بتِلْكَ».
رَواه أبو داودَ 775. وسابَقَ سَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ رجلًا مِن الأنْصارِ بينَ يَدَي النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في يَوْمِ
الجزء: 15 - الصفحة: 7
وَلَا تَجُوزُ بِعِوَضٍ، إلَّا فِي الْخَيلِ، وَالْإبِلِ، وَالسِّهَامِ،
ذي قَرَدٍ (1). وصارَعَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رُكانَةَ فصَرَعَه.
رَواه التِّرمِذِيُّ (2). ومَرَّ بقَوْم يَرْبَعُونَ حَجَرًا -يَعْنِي يَرْفَعُونَه- ليَعْرِفُوا الأشَدَّ منهم، فلم يُنْكِرْ عليهم (3). وسائِرُ المُسابَقَةِ يُقاسُ على هذا.
2227 -
مسألة: (ولا تَجُوزُ بعِوَض، إلَّا في الخَيلِ، والإبِلِ، والسِّهامِ)
لِما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا سَبْقَ إلَّا فِي نَصْلٍ، أوْ776777778
الحديث: 2227 - الجزء: 15 - الصفحة: 8
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خُفٍّ، أوْ حَافِرٍ».
رَواه أبو داودَ 779. فالسَّبْقُ بسُكُونِ الباءِ؛ المُسابَقَةُ، والسَّبَقُ بفَتْحِها؛ الجُعْلُ 780 المُخْرَجُ في المُسابَقَةِ.
واخْتَصَّتْ هذه الثَّلاثةُ بتَجْويزِ العِوَضِ فيها؛ لأنَّها مِن آلاتِ الحَرْبِ المَأْمُورِ بتَعَلُّمِها وإحْكامِها والتَّنَوِّقِ 781 فيها.
وفي المُسابَقَةِ بها مع العِوَضِ مُبالغَةٌ في الاجْتِهادِ فيها والإحْكامِ لها، وقد وَرَد الشَّرْعُ بالأمْرِ بها والتَّرْغِيبِ في فِعْلِها، قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ 782. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - «ألَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ».
[رَواه مسلمٌ] 783.
الجزء: 15 - الصفحة: 9
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وروَى سعيدٌ، في «سُنَنِه» 784 عن خالِدِ بنِ زيدٍ، قال: كُنْتُ رجلًا رِامِيًا، وكان عُقْبَةُ بنُ عامِر الجُهَنِيُّ 785 يَمُرُّ فيقولُ: يا خالدُ، اخْرُجْ بنا نَرْمِي.
فلَمّا كان ذاتَ يومٍ، أْبْطَأتُ عنه، فقال: هَلُمَّ أُحَدِّثْكَ حَدِيثًا سَمِعْتُه مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «إنَّ الله يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثةً الْجَنَّةَ؛ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الْخَيرَ، والرَّامِيَ بِهِ، ومُنْبلَهُ، ارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأنْ تَرْمُوا أحَبُّ إلَيَّ مِنْ أنْ تَرْكَبُوا، وَلَيسَ مِنَ اللَّهْو إلَّا ثَلاثٌ؛ تأدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتُهُ أهْلَهُ، وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ، ومَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعدَ مَا عَلِمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ، فَإنَّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا».
رَواه أبو داودَ 786. وعن مُجاهِدٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الْمَلائكَةَ لَا تَحْضُرُ مِنْ لَهْوكُمِ إلَّا الرِّهَانَ وَالنِّضَال» 787. قال الأزْهَرِيُّ: النِّضالُ في الرَّمْي، والرِّهانُ في الخَيلِ، والسِّباقُ فيهما.
الجزء: 15 - الصفحة: 10
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال مُجاهِدٌ: أدْرَكْتُ 788 ابنَ عُمَرَ يَشْتَدُّ بينَ الهَدَفَين، إذا أصاب خَصْلَةً قال: أنا بها، أنا بها.
وعن حُذَيفَةَ مِثْلُه 789. فلا تَجُوزُ المُسابَقَةُ بعِوَضٍ إلَّا في هذه الثلاثةِ.
وبهذا قال الزُّهْرِيُّ، ومالِكٌ.
وقال أهلُ العِراقِ: يَجُوزُ 790 ذلك في المُسابَقَةِ على الأقْدامِ، والمُصارَعَةِ؛ لوُرُودِ الأثَرِ بهما؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سابَقَ عائشةَ، وصارَعَ رُكانَةَ 791. ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان، كالمَذْهَبَين.
ولهم في المُسابَقَةِ بالطُّيورِ والسُّفُنِ وَجْهان، بِناءً على الوَجْهين في المُسابَقَةِ على الأقْدامِ والمُصارَعَةِ.
ولَنا، ما ذَكرْنا مِن الحديثِ، فنَفَى السَّبْقَ في غيرِ هذه الثلاثةِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد به نَفْيَ الجُعْلِ، أي لا يَجُوزُ الجُعْلُ إلَّا في هذه الثلاثةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُرادَ به نَفْيُ المُسابَقَةِ بعِوَضٍ، فإنَّه يتَعَيَّنُ حَمْلُ الخَبَرِ على أحَدِ الأمْرَين؛ للإِجْماعِ على جَوازِ المُسابَقَةِ بغيرِ عِوَضٍ في غيرِ هذه الثلاثةِ، وعلى كلِّ
الجزء: 15 - الصفحة: 11
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَقْديرٍ فالحديثُ حُجَّةٌ لَنا.
ولأنَّ غيرَ هذه الثلاثةِ لا يُحْتاجُ إليها في الجِهادِ كالحاجَةِ إلى الثلاثةِ، فلم تَجُزِ المُسابَقَةُ عليها بعِوضٍ، كالرَّمْي بالحِجَارَةِ ورَفْعِها.
إذا ثَبَت هذا، فالمُرادُ بالنَّصْلِ السِّهامُ مِن النُّشَّابِ والنَّبْلِ [دُونَ غيرِها] 792، وبالحافِرِ الخَيلُ وَحْدَها، وبالخُفِّ الإبِلُ خاصَّةً.
وقال أصْحابُ الشافعيِّ: تَجُوزُ المُسابَقَةُ بكلِّ ما له نَصْلٌ مِن المَزارِيقِ، وفي الرُّمْحِ والسَّيفِ وَجْهان، وفي الفِيلِ والبِغالِ والحَمِيرِ وَجْهان؛ لأنَّ للمَزارِيقِ والرِّماحِ والسُّيُوفِ نَصْلًا، وللفِيلِ خُفًّا، وللبِغالِ والحميرِ حَوافِرَ، فتَدْخُلُ في عُمُومِ الخبرِ.
ولَنا، أنَّ هذه الحَيَواناتِ المُخْتَلَفِ فيها لا تَصْلُحُ للكَرِّ والفَرِّ، ولا يُقاتَلُ عليها، ولا يُسْهَمُ لها، والفِيلُ لا يُقاتِلُ عليه أهلُ الإِسلام، والرِّماحُ والسُّيُوفُ لا يُرْمَى بها، فلم تَجُزِ المُسابَقَةُ عليها، كالبَقَرِ والتِّراسِ 793، والخَبَرُ ليس بعامٍّ فيما تَجُوزُ المُسابَقَةُ به، لأنَّه نَكِرَةٌ في إثْباتٍ، وإنَّما هو عامٌّ في نَفْي ما لا تجوزُ المُسابَقَةُ به بعِوَضٍ؛ لكَوْنِه نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْي، ثم لو كان عامًّا، لحُمِلَ على ما عُهِدَتِ المُسابَقَةُ عليه ووَرَد الشَّرْعُ بالحَثِّ على تَعَلُّمِه، وهو ما ذَكَرناه.
الجزء: 15 - الصفحة: 12
بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ أَحَدُهَا، تَعْيِينُ الْمَرْكُوبِ وَالرُّمَاةِ، سَوَاءٌ كَانَا اثْنَينِ أوْ جَمَاعَتَينِ.
وَلَا يُشْترطُ تَعْيِينُ الرَّاكِبَينِ، وَلَا الْقَوْسَينِ.
2228 - مسألة: ولا تَصِحُّ إلَّا (بشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ أحَدُها، تَعْيِينُ المَرْكُوبِ والرُّماةِ)
لأنَّ القَصْدَ مَعْرِفَةُ جَوْهَرِ الدّابَّتَين وسُرْعَةِ عَدْوهما، ومَعْرِفَةُ حِذْقِ الرُّماةِ، ولا يَحْصُلُ إلَّا بالتَّعْيِينِ؛ لأنَّ المقْصُودَ مَعْرِفَةُ حِذْقِ رامٍ بعَينِه، لا مَعْرِفَةُ حِذْقِ رامٍ في الجُمْلَةِ، فلو عَقَدَ اثْنانِ نِضالًا على أنَّ مع كلِّ واحِدٍ منهما ثلاثةً غيرَ مُتَعَيِّنِين، لم يَجُزْ؛ لذلك.
2229 -
مسألة: (ولا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الرّاكِبَين ولا القَوْسَين)
لا يُشْتَرطُ تَعْيِينُ القَوْسِ ولا السِّهامِ في المُناضَلَةِ، ولو عَيَّنَها لم تَتَعَيَّنْ؛ لأنَّ القَصْدَ مَعْرِفَةُ الحِذْقِ، وهو لا يَخْتَلِفُ إلَّا بالرّامِي 794 دُونَ القَوْسِ والسِّهامِ.
وفي الرِّهانِ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الحَيَوانِ الذي يُسابَقُ به؛ لِما ذَكرْنا.
ولا يُعْتَبَرُ تَعْيِينُ الرّاكِبِ؛ لأنَّ المقْصودَ مَعْرِفَةُ عَدْو الفَرَسِ، لا حِذْقِ الرّاكِبِ.
وكلُّ ما يتَعَيَّنُ لا يَجُوزُ إبْدالُه، كالمُتَعَيِّنِ في البَيعِ.
وما لا يَتَعَيَّنُ يَجُوزُ إبْدالُه لعُذْرٍ وغيرِه.
فعلى هذا، إن شَرَطا أن لا يَرْمِيَ بغيرِ هذا القَوْس، ولا بغيرِ هذا السَّهْمِ، أو لا يَرْكَبَ غيرُ هذا الرّاكِبِ، فهي شُرُوطٌ فاسِدَةٌ؛ لأنَّها 795 تُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، فهو كما لو شَرَط إصابَةً بإصابَتَين.
الحديث: 2228 - الجزء: 15 - الصفحة: 13
الثَّانِي، أَن يَكُونَ الْمَركُوبَانِ وَالْقَوْسَانِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَجُوزُ بَينَ عَرَبِيٍّ وَهَجِينٍ، وَلَا بَينَ قَوْس عَرَبِيَّةٍ وَفَارِسِيَّةٍ.
وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازُ.
فصل: ويَجُوزُ عَقْدُ النِّضالِ على اثْنَين، وعلى جَماعَةٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ على أصْحابٍ له يَنْتَضِلُون، فقال: «ارْمُوا، وأنَا مَعَ ابنِ الأدْرَعِ».
فأمْسَكَ الآخَرُون، وقالُوا: كيف نَرْمِي وأنت مع ابنِ الأدْرَعِ؟ فقال: «ارْمُوا، وَأنَا مَعَكُم كُلِّكُمْ».
رَواه البُخارِيُّ (1). ولأنَّه إذا جاز أن يَكُونا اثْنَين، جاز أن يَكُونا جَماعَتَين؛ لأنَّ المَقْصُودَ مَعْرِفَةُ الحِذْقِ، وهو يَحْصُلُ في الجَماعَتَين.
وكذلك في سِباقِ الخَيلِ، وقد ثَبَت أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سابَقَ بينَ الخَيلِ المُضْمَرَةِ، وبينَ الخَيلِ التي لم تُضْمَرْ (2).
2230 -
مسألة: (الثّانِي، أن يَكُونَ المَرْكُوبان والقَوْسان مِن نَوْعٍ واحِدٍ، فلا يَجُوزُ بينَ عَرَبِيٍّ وهَجِين، ولا بينَ قَوْسٍ عَرَبِيَّةٍ وفارسِيَّةٍ. ويَحْتَمِلُ الجَوَازُ)
إذا كانا مِن جِنْسَين، كالفَرَسِ والبَعِيرِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ البَعِيرَ لا يَكادُ يَسْبِقُ الفَرَسَ، فلا يَحْصُلُ الغَرَضُ مِن هذه796797
الحديث: 2230 - الجزء: 15 - الصفحة: 14
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُسابَقَةِ.
فإن كانا مِن نَوْعَين؛ كالعَرَبِيِّ والهَجِينِ، والبُخْتِيِّ والعِرابِيِّ 798، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ.
ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّ التَّفاوُتَ بينَهما في الجَرْي مَعْلُومٌ بحُكْمِ العادَةِ، فأشْبَها الجنْسَين.
والثانِي، يَصِحُّ.
ذَكَرَه القاضي.
وهو مَذْهبُ الشافعيِّ، [لأنَّهما مِن جِنْسٍ واحِدٍ، وقد يَسْبِقُ كلُّ واحِدٍ منهما الآخَرَ، والضّابِطُ الجِنْسُ، وقد وُجدَ، ويَكْفِي في المَظِنَّةِ احْتِمالُ الحِكْمَةِ ولو على بُعْدٍ.
وكذلك الحُكْمُ لو تَناضَلا على أن يَرْمِيَ أحَدُهما بقَوْسٍ عَرَبيَّةٍ والآخَرُ بالفارِسِيَّةِ، هل يَصِحُّ؟ فيه الوَجْهان؛ يَصِحُّ عندَ القاضي.
وهو مَذْهبُ الشافعيِّ.
ولا يَصِحُّ عندَ أبي الخَطّابِ؛ لِما ذَكَرْنا] 799.
الجزء: 15 - الصفحة: 15
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا بَأْسَ بالرَّمْي بقَوْسٍ فارِسِيَّةٍ، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ.
وقد نَصَّ على جَواز المُسابَقَةِ بها.
وقال أبو بكر: يُكْرَه؛ لأنَّه قد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه رَأَى مع رجل قَوْسًا فارِسِيَّة، فقال: «ألْقِها فإنَّها مَلْعُونَةٌ، وَلَكِنْ عليكم بالْقِسِيِّ الْعَرَبِيَّةِ، وَبِرِمَاحِ الْقَنَا، فَبِها يُؤيِّدُ اللهُ الدِّينَ، وَبِهَا يُمَكِّنُ اللهُ لَكُم فِي الأَرْضِ».
رَواه الأثْرَمُ 800. ولَنا، انْعِقادُ الإجْماعِ على الرَّمْي بها وإباحَةِ حَمْلِها، فإنَّ ذلك جارٍ في أكْثرَ الأعْصارِ، وهي التي يَحْصُلُ الجِهادُ بها في عَصْرِنا هذا.
وأمَّا الخَبَرُ، فيَحْتَمِلُ أنَّه لَعَنَها؛ لأنَّ حَمَلَتَها في ذلك العَصْرِ العَجَمُ، ولم يَكُونُوا أسْلَمُوا بعدُ، ومَنَع العَرَبَ مِن حَمْلِها لعَدَمِ مَعْرِفَتِهم بها، ولهذا أمَرَ برِماحِ القَنا، ولو حَمَل إنْسان رُمْحًا غيرَها لم يكنْ مَذْمُومًا.
وحَكَى أحمدُ، أنَّ قَوْمًا اسْتَدَلُّوا على القِسِيِّ الفارِسِيَّةِ بقَوْلِه تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ 801. لدُخُولِه في عُمُومِ الآيَةِ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 15 - الصفحة: 16
الثَّالِثُ، تَحْدِيدُ الْمَسَافَةِ، وَالْغَايَةِ، وَمَدَى الرَّمْي، بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
2231 - مسألة: (الثّالِثُ، تَحْدِيدُ المَسافَةِ، والغايَةِ، ومَدَى الرَّمْي، بما جَرَتْ به العادَةُ)
يُشْتَرَطُ في المُسابَقَةِ بالحَيَوانِ تَحْدِيدُ المَسافَةِ، وأن يكونَ لابْتِداءِ عَدْوهما وآخِرِه غايَةٌ لا يَخْتَلِفان فيها؛ لأنَّ الغَرَضَ مَعْرِفَةُ أسْبَقِهما، ولا يُعْلَمُ ذلك إلَّا بتَساويهما في الغايَةِ؛ لأنَّ أحَدَهما قد يكونُ مُقَصِّرًا في أوَّلِ عَدْوه، سَرِيعًا في انْتِهائِه، وبالعَكْسِ، فيَحْتاجُ إلى غايَةٍ تَجْمَعُ حالتَيه، ومِن الخَيلِ ما هو أصْبَرُ، والقارِحُ أصْبَرُ مِن غيرِه.
وروَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سَبَّقَ بينَ الخَيلِ، وفَضَّلَ القُرَّحَ في الغايَةِ.
الحديث: 2231 - الجزء: 15 - الصفحة: 17
الرَّابعُ، كَوْنُ الْعِوَضَ مَعْلُومًا.
رَواه أبو داودَ (1). فإنِ اسْتَبَقا بغيرِ غايَةٍ ليُنْظَرَ أيُّهما يَقِفُ أوَّلًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى أن لا يَقِفَ أحَدُهما حتى تَنْقَطِعَ فَرَسُه، ويَتَعَذَّرَ الإشْهادُ على السَّبْقِ فيه.
ولذلك (2) يُشْتَرَطُ مَعْرِفةُ مَدَى الرَّمْي؛ إمّا بالمُشاهَدَةِ، أو بالذُّرْعانِ، نَحْوَ مائةِ ذِراعٍ، أو مائَتَيْ ذِراعٍ؛ لأنَّ الإصابَةَ (3) تَخْتَلِفُ بالقُرْبِ والبُعْدِ.
ويَجُوزُ ما يَتَّفِقان عليه، إلَّا أن يَجْعَلا مسافَةً بَعِيدَةً تَتَعَذَّرُ الإصابَة في مِثْلِها غالِبًا، وهو ما زاد على ثَلاثمائَةِ ذراعٍ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ الغَرَضَ يَفُوتُ بذلك، وقد قيل: إَّنه ما رَمَى في أرْبَعِمائَةِ ذِراعٍ إلَّا عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ الجُهَنِيُّ، رَضِي اللهُ عنه.
2232 -
مسألة: (الرّابعُ، كَوْنُ العِوَضِ مَعْلُومًا)
لأنَّه مالٌ في عَقْدٍ 805، فوَجَبَ العِلْمُ به، كسائِرِ العُقُودِ؛ إمّا بالمُشاهَدَةِ، أو بالقَدْرِ، أو بالصِّفَةِ، على ما تَقَدَّمَ في غيرِ مَوْضِعٍ.
ويَجُوزُ أن يكونَ حالًّا802803804
الحديث: 2232 - الجزء: 15 - الصفحة: 18
الْخَامِسُ، الْخُرُوجُ عَنْ شِبْهِ الْقِمَارِ، بِأَنْ لَا يُخْرِجَ جَمِيعُهُمْ، فَإنْ كَانَ الْجُعْلُ مِنَ الْإِمَامِ، أَوْ أحَدٍ غَيرِهِمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَقَ أَخَذَهُ، جَازَ.
ومُؤَجَّلًا، وبَعْضُه حالًّا وبَعْضُه مُؤَجَّلًا، فلو قال: إن فَضَلْتَنِي (1) فلك دِينارٌ حالٌّ وقفيزُ حِنْطَةٍ بعدَ شهرٍ.
جاز؛ لأنَّ ما جاز أن يكونَ حالًّا ومُؤَجَّلًا، جاز أن يكونَ بَعْضُه حالًّا وبَعْضُه مُؤجَّلًا، كالبَيعِ، غيرَ أنَّه يُحْتاجُ إلى صِفَةِ الحِنْطَةِ بما تُعْلَمُ به، كالسَّلَمِ.
2233 -
مسألة
(2): الشَّرْطُ (الخامِسُ، الخُرُوجُ عن شِبْهِ القِمارِ، بأن لا يُخْرِجَ جَمِيعُهم) متى اسْتَبَقَ اثْنان والجُعْلُ منهما، فأخْرَجَ كلُّ واحِدٍ منهما (3)، لم يَجُزْ، وكان قِمارًا؛ لأنَّ كلّ واحِدٍ منهما لا يَخْلُو مِن أن يَغْنَمَ أو يَغْرَمَ، وهذا قِمارٌ.
2234 -
مسألة: (فإن كان الجُعْلُ مِن الإمامِ، أو أحَدٍ غيرِهما، أو أحَدِهما على أنَّ مَن سَبَق أخَذَه، جاز)
وجملةُ ذلك، أنَّ المُسابَقَةَ إذا كانت بينَ اثْنَين أو حِزْبَين، لم يَخْلُ؛ إمّا أن تكونَ منهما، أو مِن غيرِهما، فإن كان مِن غيرِهما، أو كان مِن الإمام، جاز، سَواءٌ كان مِن مالِه، أو مِن بيتِ المالِ؛ لأنَّ في ذلك مَصْلَحَةً وَحَثًّا على تَعَلُّمِ الجِهادِ، ونَفْعًا806807808
الحديث: 2233 - الجزء: 15 - الصفحة: 19
فَإنْ جَاءَا مَعًا فَلَا شَيْءَ لَهُمَا، فَإن سَبَقَ الْمُخْرجُ، أَحْرَزَ سَبَقَهُ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنَ الْآخَرِ شَيئًا، وَإِنْ سَبَقَ الآخَرُ، أَحْرَزَ سَبَقَ صَاحِبِهِ.
للمسلمين.
وإن كان غيرَ الإمامِ، فله بَذْلُ العِوَض مِن مالِه.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال مالِكٌ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّ هذا ممّا يُحْتاجُ إليه للجِهادِ، فاخْتَصَّ به الإمامُ، كتَوْلِيَةِ الولاياتِ وتَأْميرِ الأُمَراءِ.
ولَنا، أنَّه بَذْلٌ لمالِه فيما فيه مَصْلَحَةٌ وقُرْبَةٌ، فجاز، كما لو اشْتَرَى به خَيلًا أو سِلاحًا.
فأمّا إن كان منهما (1)، اشْتُرِطَ كونُ الجُعْلِ مِن أحَدِهما، فيقولُ: إن سَبَقْتَنِي فلَكَ عَشَرَةٌ، وإن سَبَقْتُك فلا شيء عليكْ.
فهو جائِزٌ.
وحُكِيَ عن مالِكٍ، أنَّه لا يَجُوزُ؛ لأنَّه قِمارٌ.
ولَنا، أنَّ أحَدَهما يَخْتَصُّ بالسَّبَقِ، فجازَ، كما لو أخْرَجَه الإمامُ.
ولا يَصِحُّ ما ذكَرَه؛ لأنَّ القِمارَ لا يَخْلُو كلُّ واحدٍ منهما مِن أن يَغْنَمَ أو يَغْرَمَ، وههُنا لا خَطَرَ على أحَدِهما، فلا يكونُ قِمارًا.
2235 -
مسألة: (فإن جاءا مَعًا، فلا شيءَ لهما)
لأنَّه لا سابقَ فيها (وإن سَبَق المُخْرِجُ، أحْرَزَ سَبَقَه) ولا شيءَ له على صاحِبِه؛ لأَنَّه لو أخَذَ منه شيئًا، كان قِمارًا (وإن سَبَق الآخَرُ، أحْرَزَ سَبَقَ) المُخْرِجِ فمَلَكَه، وكان كسائِرِ أمْوالِه؛ لأنَّه عِوَضٌ في الجَعالةِ، فمُلِكَ809
الحديث: 2235 - الجزء: 15 - الصفحة: 20
فَإنْ أَخْرَجَا مَعًا، لَمْ يَجُزْ، إلا أَنْ يُدْخِلَا بَينَهُمَا مُحَلِّلًا يُكَافِئُ فَرَسُهُ فَرَسَيهِمَا، أَوْ بَعِيرُهُ بَعِيرَيهِمَا، أَوْ رَمْيُهُ رَمْيَيْهِمَا، فَإنْ سَبَقَهُمَا أَحْرَزَ سَبَقَيهِمَا، وَإنْ سَبَقَاهُ أَحَرَزَا سَبَقَيهِمَا، وَلَم يَأْخُذَا مِنْهُ شَيئًا، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا أَحْرَزَ السَّبَقَينِ، وَإنْ سَبَقَ مَعَهُ الْمُحَلِّلُ، فَسَبَقُ الآخرِ بَينَهُمَا.
فيها، كالعِوَضِ المَجْعُولِ 810 في رَدِّ الضَّالَّةِ.
فإن كان العِوَضُ في الذِّمَّةِ، فهو دَينٌ يُقْضَى به عليه، ويُجْبَرُ على تَسْليمِه إن كان مُوسِرًا، وإن أفْلسَ، ضَرَب به مع الغُرَماءِ.
2236 -
مسألة: (وإن أخْرَجا مَعًا، لم يَجُزْ، إلَّا أن يُدْخِلا بينَهما مُحَلِّلًا يُكافِئُ فَرَسُه فَرَسَيهما، أو بَعِيرُه بَعِيرَيهما، أو رَمْيُه رَمْيَيهما، فإن سَبَقَهما أحْرَزَ سَبَقَهما، وإن سَبَقاه، أحْرَزا سَبَقَيهما، ولم يَأْخُذا منه شيئًا، وإن سَبَق أحَدُهما أحْرَزَ السَّبَقَين، وإن سَبَق معه المُحَلِّلُ، فسَبَقُ الآخَرِ بينَهما)
السَّبَقُ، بفَتْحِ الباءِ: الجُعْلُ الذي يُسابَقُ عليه، ويُسَمَّى الخَطَرَ والنَّدَبَ، والقَرَعَ، والرَّهْنَ.
ويقال: سَبَق.
إذا أخَذَ، وإذا أعْطَى.
وهو مِن الأضْدادِ.
متى اسْتَبَقَ اثْنان، فأخْرَجَ كلُّ واحِدٍ منهما لم يَجُزْ، وكان
الحديث: 2236 - الجزء: 15 - الصفحة: 21
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قِمارًا 811؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما لا يَخْلُو مِن أن يَغْنَمَ أو يَغْرَمَ.
وسَواءٌ كان ما أخْرَجاه مُتَساويًا، أو مُتَفاوتًا 812، مثلَ أن أخْرَج أحَدُهما عَشَرَةً والآخَرُ خَمْسَةً.
ولو قال: إن سَبقْتَنِي فلَكَ عَلَيَّ 813 عشرةٌ، وإن سبَقْتُك فلي عليك قَفِيزُ حِنْطَةٍ.
أو قال: إن سبَقْتَنِي فلك عَلَيَّ عَشَرَةٌ، ولي عليكَ قَفِيزُ حِنْطَةٍ.
لم يَجُزْ؛ لِما ذَكَرْناه.
فإن أدْخَلا بينَهما مُحَلِّلًا، وهو ثالِثٌ لم يُخْرِجْ شيئًا، جاز.
وبهذا قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْي.
وحَكَى أشْهَبُ عن مالِكٍ، أنَّه قال في المُحَلِّلِ: لا أُحِبُّه.
وعن جابِرِ بنِ زيدٍ، أَنه قِيلَ له: إنَّ أصْحابَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كانُوا لا يَرَوْن بالدَّخِيلِ بَأْسًا.
قال: هُم أعَفُّ مِن ذلك.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أدْخَلَ فَرَسًا بَينَ فَرَسَينِ، وهُوَ لَا يُؤْمَنُ أنْ يَسْبِقَ، فَلَيسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أدْخَلَ فَرَسًا بَينَ
الجزء: 15 - الصفحة: 22
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَرَسَينِ، وقَد أَمِنَ أنْ يَسْبقَ، فَهُوَ قِمَارٌ».
رَواه أبو داودَ 814. فجَعَلَه قِمارًا إذا أمِنَ أن يَسْبِقَ؛ لأنَّه لا يَخْلُو كلُّ واحِدٍ منهما مِن أن يَغْنَمَ أو يَغْرَمَ، وإذا لم يُؤْمَنْ أن يَسْبِقَ، لم يكنْ قِمارًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَجُوزُ أن يَخْلُوَ عن ذلك.
ويُشْتَرَطُ أن يكونَ فَرَسُ المُحَلِّلِ مُكافِئًا لفَرَسَيهِما، أو بَعِيرُه لبَعِيرَيهما، أو رَمْيُه لرَمْيَيهما، فإن لم يكنْ مُكافِئًا، مثلَ أن تكونَ فَرَساهما أجْودَ مِن فَرَسِه، فيكُونا جَوادَين وهو بَطِئٌ، فهو قِمارٌ؛ للخَبَرِ، ولأنَّه مَأْمُونٌ سَبْقُه، فوُجُودُه كعَدَمِه.
وإن كان مُكافِئًا، جاز.
فإن جاءُوا الغايَةَ دَفْعَة واحِدَةً، أحْرَزَ كُلُّ واحدٍ منهما سَبَقَ نَفْسِه، ولا شيءَ للمُحَلِّلِ؛ لأنَّه لا سابِقَ فيهم، وكذلك إن سَبَقا المُحَلِّلَ.
وإن سَبَق
الجزء: 15 - الصفحة: 23
وَإنْ قَال الْمُخْرِجُ: مَنْ سَبَقَ، فَلَهُ عَشَرَةٌ، وَمَنْ صَلَّى فَلَهُ كَذَلِكَ.
لَمْ يَصِحَّ إذَا كَانَا اثْنَينِ.
وَإِنْ قَال: وَمَن صَلَّى فَلَهُ خَمْسَةٌ.
صَحَّ.
المُحَلِّلُ، أحْرَزَ السَّبَقَين بالاتِّفاقِ، وإن سَبَق أحَدُ المُسْتَبِقَين وَحْدَه، أحْرَزَ سَبَقَ نَفْسِه، وأخَذَ سَبَقَ صاحِبِه، ولم يَأْخُذْ مِن المُحَلِّلِ شيئًا، وإن سَبَقَ أحَدُ المُسْتَبِقَين والمُحَلِّلُ، أحْرَزَ السّابِقُ مال نَفْسِه، ويكونُ سَبَقُ المَسْبُوقِ بينَ السّابِقِ والمُحَلِّلِ نِصْفين.
وسَواءٌ كان المُسْتَبِقُون اثْنَين أو أكْثَرَ، حتى لو كانُوا مائَةً وبينَهم مُحَلِّلٌ لا سَبَقَ منه، جاز.
وكذلك (1) لو كان المُحَلِّلُ جَماعَةً، جاز؛ لأنَّه لا فَرْقَ بينَ الاثْنَين والجَماعَةِ.
وهذا كلُّه (2) مَذْهبُ الشافعيِّ.
2237 -
مسألة: (وإن قال المُخْرِجُ: مَن سَبَق فله عَشَرَةِ، ومَن صَلَّى فله ذلك. لم يَجُزْ إذا كانا اثْنَين. وإن قال: مَن صَلَّى فله خَمْسَةٌ. جاز)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا كان المُخْرِجُ غيرَ المُتَسابِقَين، فقال لهما أو لجَماعَةٍ: أيُّكم سَبَق فله عَشَرَةٌ.
جاز؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهم يَطْلُبُ أن يكونَ سابِقًا، فأيُّهم سَبَق اسْتَحَقَّ العَشَرَةَ، فإن جاءُوا جَمِيعًا، فلا شيءَ لواحِدٍ منهم؛ لأنَّه لا سابِقَ فيهم.
وإن قال لاثْنَين: أيُّكما سَبَق فله عَشَرَةٌ، وأيُّكما صَلَّى فله ذلك.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا فائِدَةَ في طَلَبِ السَّبْقِ، فلا يَحْرِصُ عليه.
وإن قال: ومَن صَلَّى فلَه خَمْسَة.
صَحَّ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ815816
الحديث: 2237 - الجزء: 15 - الصفحة: 24
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منهما يَطْلبُ السَّبْقَ لفائِدَتِه فيه بزِيادَةِ الجُعْلِ.
وإن كانُوا أكْثَر مِن اثْنَين، فقال: مَن سَبَق فله عَشَرَةٌ، ومَن صَلَّى فله ذلك.
صَحَّ؛ لأنَّ كل واحدٍ منهم يَطْلُبُ أن يكونَ سابِقًا أو مُصَلِّيًا.
والمُصَلِّي هو الثانِي؛ لأنَّ رَأْسَه عندَ صَلَى الآخَرِ، والصَّلَوان؛ هما العَظْمان النّاتِئان مِن جانِبَي الذَّنَبِ.
وفي الأثَرِ في عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: سَبَق أبو بكرٍ، وصَلَّى عُمَرُ، وخَبَطَتْنا فِتْنَةٌ 817. قال الشّاعِرُ 818:
إنْ تُبْتَدَرْ غَايَةٌ يَوْمًا لِمَكْرُمَةٍ … تَلْقَ السَّوابِقَ مِنَّا 819 وَالْمُصَلِّينَا
فإن قال: للمُجَلِّي، وهو الأوَّلُ مائةٌ، وللمُصَلِّي، وهو الثانِي، تِسْعُون، ولِلتّالِي، وهو الثالثُ، ثَمانون، وللنّازِعِ، وهو الرابعُ، سَبْعُون، وللمُرْتاحِ، وهو الخامِسُ، سِتُّون، وللحَظِيِّ، وهو السّادِسُ، خَمْسُون، وللعاطِفِ، وهو السابعُ، أرْبَعُون، وللمُؤمِّلِ، وهو الثامِنُ، ثَلاثُون، وللَّطِيمِ، وهو التاسِعُ، عِشْرُون، وللسِّكِّيتِ، وهو العاشِرُ، عَشَرَةٌ، وللفُسْكُلِ، وهو الآخِرُ، خمسةٌ.
صَحَّ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ يَطْلُبُ السَّبْقَ، فإذا فاتَه طَلَب ما يَلِي السّابِقَ.
والفُسْكُلُ اسمٌ للآخِرِ، ثم اسْتُعْمِلَ هذا في غيرِ المُسابَقَةِ بالخَيلِ تَجَوُّزًا، كما رُوِيَ أن أسْماءَ بنتَ عُمَيس كانت تَزَوَّجَتْ جَعْفَرَ بنَ أبي طالِبٍ، فوَلَدَتْ له عبدَ اللهِ ومحمدًا وعَوْنًا، ثم تَزَوَّجَها أبو بكر الصِّدِّيقُ، فوَلَدَت له محمدَ
الجزء: 15 - الصفحة: 25
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنَ أبي بكرٍ، ثم تَزَوَّجَها عليُّ بنُ أبي طالبِ، فقالت له: إنَّ ثلاثةً أنت آخِرُهم لأخْيارٌ.
فقال لولَدِها: فَسْكَلَتْنِي أُمُّكم 820. وإن جَعَل للمُصَلِّي أكْثَرَ مِن السّابِقِ، أو جَعَل للتّالِي أكثرَ مِن المُصَلِّي، أو لم يَجْعَلْ للمُصَلِّي شيئًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ ذلك يُفْضِي إلى أن لا يَقْصِدَ السَّبْقَ بل يَقْصِدَ التَّأخُّرَ، فيَفُوتَ المَقْصُودُ.
فصل: وإذا قال لعَشَرَةٍ: مَن سَبَق منكم فله عَشَرَة.
صَحَّ.
فإن جاءُوا معًا فلا شيءَ لهم؛ لأنَّه لم يُوجَدِ الشَّرْطُ الذي يُسْتَحَقُّ به الجُعْلُ في واحِدٍ منهم.
وإن سَبَقَهم واحِدٌ، فله العَشَرَةُ؛ لوُجُودِ الشَّرْطِ فيه.
وإن سَبَق اثْنان، فلهما العَشَرَةُ.
وإن سَبَق تِسْعَةٌ وتَأخَّرَ واحِدٌ، فالعَشَرَةُ للتِّسْعَةِ؛ لأنَّ الشَّرْطَ وُجِد فيهم، فكان الجُعْلُ بينَهم، كما لو قال: مَن رَدَّ عَبْدِي الآبِقَ فله كذا.
فرَدَّه تِسْعَة.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ لكلِّ واحِدٍ مِن السّابِقِين عَشَرَةٌ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهم سابِقٌ، فيَسْتَحِقُّ الجُعْلَ بكَمالِه، كما لو قال: مَنْ رَدَّ عَبْدًا لي فله عَشَرةٌ.
فرَدَّ كلُّ واحِدٍ عَبْدًا.
وفارَقَ ما لو قال: مَن رَدَّ عَبْدِي.
فردَّه تِسْعَةٌ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهم لم يَرُدَّه، إنَّما رَدُّه حَصَل مِن الكلِّ.
ويَصِيرُ هذا كما لو قال: مَن قَتَل قَتِيلًا فله سَلَبُه.
فإن قَتَل كلُّ واحِدٍ واحِدًا، فلكلِّ واحِدٍ سَلَبُ قَتِيِله كامِلًا.
وإن قَتَل الجَماعَةُ واحِدًا، فلجَمِيعِهم سَلَبُ واحدٍ.
وههُنا كلُّ واحِدٍ له سَبْقٌ مُفْرَدٌ، فكان له الجُعْلُ كامِلًا.
فعلى هذا، لو قال: مَن سَبَق فله عَشَرَةٌ، ومَن صَلَّى فله خَمْسَةٌ.
الجزء: 15 - الصفحة: 26
وَإنْ شَرَطَا أنَّ السَّابِقَ يُطْعِمُ السَّبَقَ أَصْحَابَهُ أَوْ غَيرَهُمْ، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ، وَفِي صِحَّةِ الْمُسَابَقَةِ وَجْهَانِ.
فسَبَقَ خَمْسَةٌ، وصَلَّى خَمْسَةٌ، فعلى الوَجْهِ الأوَّل، للسّابِقِين عَشَرَةٌ، لكلِّ واحدٍ منهم دِرْهمان، وللمُصَلِّين خَمْسَةٌ، لكل واحِدٍ منهم دِرْهَمٌ.
وعلى الوَجْهِ الثانِي، لكلِّ واحِدٍ مِن السّابِقِين عَشَرَةٌ، فيكونُ لهم خَمْسُون، ولكلِّ واحِدٍ مِن المُصَلِّين خَمْسَةٌ، فيكونُ لهم خَمْسَةٌ وعِشْرُون.
ومَن قال بالوَجْهِ الأوَّلِ، احْتَمَل على قَوْلِه أن لا يَصِحَّ العَقْدُ على هذا الوَجْهِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَسْبِقَ تِسْعَةٌ، فيكونَ لهم عَشَرَةٌ، لكلِّ واحِدٍ منهم دِرْهَمٌ وتُسْعٌ، ويُصَلِّيَ واحِدٌ، فيكونَ له خَمْسَةٌ، فيكونَ للمُصلِّي مِن الجُعْلِ أكْثَرُ ممّا للسّابِقِ، فيفوتَ المَقْصودُ.
2238 -
مسألة: (وإن شَرَطا أنَّ السّابِقَ يُطْعِمُ السَّبَقَ أصْحابَهُ أو غيرَهم، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ. وفي صِحَّةِ المُسابَقَةِ وَجْهان)
لأنَّه عِوَضٌ على عَمَلٍ، فلا يَسْتَحِقُّه غيرُ العامِلِ، كالعِوَضِ في رَدِّ الآبِقِ.
ولا يَفْسُدُ العَقْدُ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: يَفْسُدُ.
ولَنا، أنَّه
الحديث: 2238 - الجزء: 15 - الصفحة: 27
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَقْدٌ لا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُه على تَسْمِيَةِ بَدَلٍ، فلم يَفْسُدْ بالشَّرْطِ الفاسِدِ، كالنِّكاحِ.
وذَكَرَ القاضي أنَّ الشُّرُوطَ الفاسِدَةَ في المُسابَقَةِ تَنْقَسِمُ قِسْمَين؛ أحَدُهما، ما يُخِلُّ بشَرْطِ صِحَّةِ العَقْدِ، نحوَ أن يَعُودَ إلى جَهالةِ العِوَضِ، أو المَسافَةِ، ونحوهما، فيَفْسُدُ العَقْدُ؛ لأنَّ العَقْدَ لا يَصِحُّ مع فَواتِ شَرْطِه.
والثانِي، ما لا يُخِلُّ بشَرْطِ العَقْدِ، نحوَ أن يَشْتَرِطَ أن يُطْعِمَ السَّبَقَ أصْحابَه أو غيرَهم، أو يَشْتَرِطَ أنّه إذا نَضَل لا يَرْمِي أبدًا، أو لا يَرْمِي شَهْرًا، أو شَرَطا أنَّ لكلِّ واحِدٍ منهما أو لأحَدِهما فَسْخَ العَقْدِ متى شاء بعدَ الشُّرُوعِ في العَمَلِ، وأشْباهُ هذا، فهذه شُرُوطٌ باطِلَةٌ في نَفْسِها، وفي العَقْدِ المُقْتَرِنِ بها وَجْهان؛ أحَدُهما، صِحَّتُه؛ لأنَّ العَقْدَ تَمَّ بأرْكانِه وشُرُوطِه، فإذا حُذِف الزّائِدُ الفاسِدُ بَقِيَ العَقْدُ صَحِيحًا.
والثانِي، يَبْطُلُ 821؛ لأنَّه بَذَل العِوَضَ لهذا الغَرَضِ، فإذا لم يحْصُلْ له غَرَضُه، لا يَلْزَمُه العِوَضُ.
وكلُّ مَوْضِعٍ فَسَدَتِ المُسابَقَةُ، فإن كان السّابِقُ المُخْرِجَ، أمْسَكَ سَبَقَه، وإن كان الآخَرَ، فله أجْرُ عَمَلِه؛ لأنَّه عَمَلٌ بعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، فاسْتَحَقَّ أجْرَ المِثْلِ، كالإجارَةِ الفاسِدَةِ.
الجزء: 15 - الصفحة: 28
فَصْلٌ: وَالْمُسَابَقَةُ جَعَالةٌ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا، إلا أنْ يَظْهَرَ الْفَضْلُ لأحَدِهِمَا، فَيَكُونَ لَهُ الْفَسْخُ دُونَ صَاحِبِهِ.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (والمُسابَقَةُ جَعالةٌ، لكلِّ واحِدٍ منهما فَسْخُها، إلَّا أن يَظْهَرَ الفَضْلُ لأحَدِهما، فيَكُونَ له الفَسْخُ دُونَ صاحِبِه) ذَكَرِه ابنُ حامِدٍ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وقال في الآخرِ: هو لازِمٌ إن كان العِوَضُ منهما، وجائِزٌ إن كان مِن أحَدِهما أو مِن غيرِهما.
وذَكَرَه القاضي احْتِمالًا؛ لأنَّه عَقْدٌ مِن شَرْطِه أن يكونَ العِوَضُ والمُعَوَّضُ مَعْلُومَين 822، فكان لازِمًا، كالإِجارَةِ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ على ما لا تتَحَقَّقُ القدْرَةُ على تَسْلِيمِه، فكان جائِزًا، كرَدِّ الآبِقِ، وذلك لأنَّه عَقْدٌ على الإِصابَةِ، ولا يدْخُلُ تحتَ قُدْرَته، وبهذا فارَقَ الإِجارَةَ.
فعلى هذا،
الجزء: 15 - الصفحة: 29
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لكلِّ واحِدٍ مِن المُتَعاقِدَين الفَسْخُ قبلَ الشُّرُوعِ في المُسابَقَةِ.
وإن أراد أحَدُهما الزِّيادَةَ فيها أو النُّقْضانَ منها، لم يَلْزَمِ الآخَرَ إِجابَتُه.
فأمّا بعدَ الشُّرُوعِ فيها، فإن لم يَظْهَرْ لأحَدِهما فَضْلٌ [على الآخرِ، جاز الفَسْخُ لكلِّ واحِدٍ منهما، وإن ظَهَر لأحَدِهما فَضْلٌ] (1)، مثلَ أن يَسْبِقَه بفَرَسِه في بعضِ المسافَةِ، أو يُصِيبَ بسِهامِه أكْثَرَ منه، فللفاضِلِ الفَسْخُ دُونَ المَفْضُولِ؛ لأنَّه لو جاز له ذلك لفات غَرَضُ المُسابَقَةِ، فلا يحْصُلُ المَقْصُودُ.
وقال أصْحابُ الشافعيِّ: إذا قُلْنا: العَقْدُ جائِزٌ.
ففي جَوازِ الفَسْخِ [مِن المَفْضُولِ] (1) وَجْهان.
الجزء: 15 - الصفحة: 30
وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِ المُتَعَاقِدَينِ.
وَقِيلَ: هِيَ عَقْدٌ لَازِمٌ لَيسَ لأحَدِهِمَا فَسْخُهَا، لَكِنَّهَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمَرْكُوبَينِ، وَاحدِ الرَّامِيَينِ، وَلَا تَبْطُلُ بمَوْتِ أَحَدِ الرَّاكِبَينِ، وَلَا تَلَفِ أَحَدِ الْقَوْسَينِ، وَيَقُومُ وَارِثُ الْمَيِّتِ مَقَامَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، أَقَامَ الْحَاكِمُ مُقَامَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ.
2239 - مسألة: (وتَنْفَسِخُ بمَوْتِ أحَدِ المُتعاقِدَين)
إذا قُلْنا: إنَّها عَقْدٌ جائِزٌ.
قِياسًا على العُقُودِ الجائِزَةِ مِن الوَكالةِ، والشَّرِكَةِ، والمُضارَبَةِ، ونحوها.
وإن قُلْنا بلُزُومِها، انْفَسَخَتْ (بمَوْتِ أحَدِ المَرْكُوبَين والرّامِيَين) لأنَّ العَقْدَ تَعَلَّقَ بعَينِ المَرْكُوبِ والرّامِي، فانْفَسَخَ بتَلَفِه، كما لو تَلِف المَعْقُودُ عليه في الإِجارَةِ (ولا تَبْطُلُ بمَوْتِ الرّاكِبَين، ولا تَلَفِ أحَدِ القَوْسَين) لأنَّه غيرُ المَعْقُودِ عليه، فلم يَنْفَسِخِ العَقْدُ بتَلَفِه، كمَوْتِ أحَدِ المُتَبايِعَين.
فعلى هذا (يَقُومُ وارِثُ المَيِّتِ مَقامَه) كما لو اسْتَأْجَرَ شيئًا ثم مات (فإن لم يكنْ له وارِثٌ، أقام الحاكِمُ مُقامَه مِن تَرِكَتِه) كما لو أَجَرَ نَفْسَه لعَمَلٍ مَعْلُومٍ، ثم مات.
الحديث: 2239 - الجزء: 15 - الصفحة: 31
وَالسَّبْقُ فِي الْخَيلِ بالرَّأْسِ، إذَا تَمَاثَلَتِ الْأَعْنَاقُ، وَفِي مُخْتَلِفِي الْعُنُقِ وَالْإِبِلَ بِالْكَتِفِ.
2240 - مسألة: (والسَّبْقُ في الخَيلِ بالرَّأْسِ، إذا تَماثَلَت الأعْناقُ، وفي مُخْتَلِفِي العُنُقِ والإِبِلِ بالكَتِفِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنه يُشْتَرَطُ في المُسابَقَةِ إرْسالُ الفَرَسَين والبَعِيرَين دَفْعَةً واحِدَةً، فإن أرْسَلَ أحَدَهما
الحديث: 2240 - الجزء: 15 - الصفحة: 32
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قبلَ الآخَرِ ليَعْلَمَ هل يُدْرِكُه الآخَرُ أو لا؟ لم يَجُزْ هذا في المُسابَقَةِ بعِوَضٍ؛ لأنَّه قد لا يُدْرِكُه مع كَوْنِه أسْرَعَ منه؛ لبُعْدِ المَسافَةِ بينَهما.
ويَكونُ عندَ أوَّلِ المَسافَةِ مَن يُشاهِدُ إرْسالهما ويُرَتِّبُهما، وعندَ الغايَةِ مَن يَضْبِطُ السّابِقَ منهما؛ لئَلَّا يخْتَلِفا في ذلك.
ويَحْصُلُ السَّبْقُ في الخَيلِ بالرَّأْسِ إذا تَماثَلَتِ الأعْناقُ، فإنِ اخْتَلَفَا في طُولِ العُنُقِ، أو كان ذلك في الإِبِلِ، اعْتُبِرَ السَّبْقُ بالكَتِفِ؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بالرَّأْسِ مُتَعَذِّرٌ، فإنَّ طَويلَ العُنُقِ قد يَسْبِقُ رَأْسُه؛ لطُولِ عُنُقِه، لا بسُرْعَةِ عَدْوه، وفي الإِبِلِ ما يَرْفعُ رَأْسَه، وفيها ما يَمُدُّ عُنُقَه، فرُبَّما سَبَق رَأسُه لمَدِّ عُنُقِه، لا بسَبْقِه، فلذلك اعْتُبِرَ بالكَتِفِ.
فإن سَبَق رَأْسُ قَصِيرِ العُنُقِ، فهو سابِقٌ بالضَّرُورَةِ، وإن سَبَق رَأْسُ طَويلِ العُنُقِ بأكْثَرَ ممّا بينَهما في طُولِ العُنُقِ، فقد سَبَق، وإن كان بقَدْرِه لم يَسْبِقْ، وإن كان أقَلَّ، فالآخَرُ سابِقٌ.
ونحوُ هذا كلِّه قولُ الشافعيِّ.
وقال الثَّوْرِيُّ: إذا سَبَق أحَدُهما بالأُذُنِ كان سابِقًا.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ أحَدَهما قد يَرْفَعُ رَأْسَه ويَمُدُّ الآخَرُ 823 عُنُقَه، فيَسْبِقُ بأُذُنِه لذلك، لا لسَبْقِه.
وإن شَرَط السَّبْقَ بأقْدام مَعْلُومَةٍ، كثَلاثَةٍ أو أكْثَرَ أو أقَلَّ، لم يَصِحَّ.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: يَصِحُّ، ويَتَحاطّان ذلك، كما في
الجزء: 15 - الصفحة: 33
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرَّمْي.
ولا يَصِحُّ، لأنَّ هذا لا يَنْضَبِطُ ولا يَقِفُ الفَرَسانِ عندَ الغايَةِ بحيث يُعْرَفُ مِساحَةُ ما بينَهما.
وقد روَى الدّارَقُطنِيُّ 824، بإسْنادِه عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعليٍّ: «قَدْ جَعَلْتُ لَكَ هَذِهِ السَّبْقَةَ بَينَ النَّاسِ».
فخرجَ عليٌّ، فدَعا سُراقَةَ بنَ مالِكٍ، فقال: يا سُراقَةُ، إنِّي قد جَعَلْتُ إليك ما جَعَل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في عُنُقِي مِن هذه السَّبْقَةِ في عُنُقِك، فإذا أتَيتَ المَيْطانَ 825 -قال أبو عبدِ الرحمنِ: المَيطانُ مُرْسَلُها مِن الغايَةِ- فصُفَّ الخيلَ، ثم نادِ: هل مِن مُصْلِح للِجامٍ، أو حاملٍ لغُلامٍ، أو طارِحٍ لجِلٍّ 826. فإذا لم يُجِبْك أحَدٌ فكَبِّرْ ثلاثًا، ثم خَلِّها عندَ الثالثةِ، فيُسْعِدُ اللهُ بسَبَقِه مَن شاء مِن خَلْقِه.
وكان على يَقْعُدُ عندَ مُنْتهَى الغايَةِ يَخُطُّ خَطًّا، ويُقِيمُ رَجُلَين مُتَقابِلَين عندَ طَرَفِ الخَطِّ، طَرَفُه بينَ إبْهامَيْ أرْجُلِهما، وتَمُرُّ الخَيلُ بينَ الرَّجُلَين، ويقولُ لهما: إذا خَرَج أحَدُ الفَرَسَين على صاحِبِه بطَرَفِ أُذُنَيه، أو أُذُنٍ، أو عِذارٍ، فاجْعَلُوا السَّبَقَةَ له، وإن
الجزء: 15 - الصفحة: 34
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْنُبَ أَحَدُهُمَا مَعَ فَرَسِهِ فَرَسًا يُحَرِّضُهُ عَلَى الْعَدْو، وَلَا يَصِيحَ بِهِ وَقْتَ سِبَاقِهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ».
شَكَكْتُما، فاجْعَلُوا سَبَقَهما نِصْفَين.
وهذا الأدَبُ الذي ذَكَرَه في هذا الحديثِ، في ابْتداءِ الإِرْسالِ وانْتِهاءِ الغايَةِ، من أحْسَنِ ما قِيلَ في هذا، مع كَوْنِه مَرْويًّا عن أمِيرِ المُؤْمِنِين عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، في قَضِيَّةٍ أمَرَه بها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وفَوَّضَها إليه، فيَنْبَغِي أن تُتَّبَعَ، ويُعْمَلَ بها.
2241 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ أن يَجْنُبَ أحَدُهما مع فَرَسِه فَرَسًا، يُحَرِّضُه على العَدْو، ولا يَصِيحَ به في وَقْتِ سِبَاقِه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ»)
رَواه أبو داودَ 827. مَعْنَى الجَنَبِ، أن يَجْنُبَ
الحديث: 2241 - الجزء: 15 - الصفحة: 35
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُسابِقُ إلى فَرَسِه فَرَسًا لا راكِبَ عليه، يُحرِّضُ الذي تحتَه على العَدْو، ويَحُثُّه عليه.
وقال القاضي: مَعْناه أن يَجْنُبَ فرَسًا يَتَحَوَّلُ عندَ الغايَةِ عليها، لكَوْنِها أقَلَّ كَلالًا وإعْياءً.
قال ابنُ المُنْذِرِ: كذا قِيلَ، ولا أحْسَبُ هذا يَصِحُّ؛ لأن الفَرَسَ التي يُسابقُ بها لابُدَّ مِن تَعْيِينِها، فإن كانتِ التي يتَحَوَّلُ عنها، فما حَصَل السَّبْقُ بها، وإن كانتِ التي يَتَحَوَّلُ إليها، فما حَصَلَتِ المُسابَقَةُ بها في جَمِيعِ الحَلْبَةِ، ومِن شَرْطِ السِّباقِ ذلك، ولأن هذا متى احْتاجَ إلى التَّحَوُّلِ والاشْتِغالِ به، فرُبَّما سُبِق باشْتِغالِه، لا بسُرْعَةِ غيرِه، ولأنَّ المَقْصُودَ مَعْرِفَةُ عَدْو الفَرَسِ في الحَلْبَةِ كلِّها، فمتى كان إنَّما يَرْكَبُه في آخِرِ الحَلْبَةِ، فما حَصَل المَقْصُودُ.
وأمّا الجَلَبُ، فهو أن يَتْبَعَ الرجلُ فَرَسَه، يَرْكُضُ خلفَه، ويَجْلِبُ عليه، ويَصِيحُ وراءَه، يَسْتَحِثُّه بذلك على العَدْو.
وهكذا فَسَّرَه مالِكٌ 828. وقال قَتادَةُ: الجَلَبُ والجَنَبُ في الرِّهانِ (1). وعن أبي عُبَيدٍ كقولِ مالِكٍ.
وحُكِيَ عنه، أنَّ الجَلَبَ أن يَحْشُرَ السَّاعِي أهلَ الماشِيَةِ ليَصْدُقَهم، قال: فلا يَفْعَلْ، لِيَأْتِهم على مِياهِهم فيَصْدُقَهم 829. والتَّفسيرُ الأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما روَى عِمْرانُ بنُ حُصَينٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ في الرِّهَانِ».
رَواه أبو داودَ 830. ويُرْوَى عن ابنَ عباسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -،
الجزء: 15 - الصفحة: 36
فَصْلٌ فِي الْمُنَاضَلَةِ: وَتُشْتَرَطُ لَهَا شُرُوطٌ أرْبَعَةٌ؛ أَحَدُهَا، أَنْ تَكُونَ عَلَى مَنْ يُحْسِنُ الرَّمْيَ، فَإنْ كَانَ فِي أَحدِ الْحِزْبَينِ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ، بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَأُخْرِجَ مِنَ الْحِزْبِ الْآخَرِ مِثْلُهُ، وَلَهُمُ
أنَّه قال: «مَنْ أجْلَبَ عَلَى الْخَيلِ يَوْمَ الرِّهَانِ فَلَيسَ مِنَّا» 831.
قال الشيخُ، رَحِمَه الله:
(فصلٌ في المُناضلَةِ) وهي المُسابَقَةُ في الرَّمْي بالسِّهامِ، والمُناضَلَةُ: مَصْدَرُ ناضَلْتُه نِضالًا ومُناضَلَةً، وسُمِّيَ الرَّمْيُ نِضالًا؛ لأنَّ السَّهْمَ التَّامَّ يُسَمَّى نَضْلًا، فالرَّمْيُ به عَمَل بالنَّضْلِ، فسُمِّيَ نِضالًا ومُناضَلَةً، مثلِ جادَلْتُه جِدالًا ومُجادَلَةً (ويُشْتَرَطُ لها شُرُوط أرْبَعَةٌ؛ أحَدُها، أن تكون على مَن يُحْسِنُ الرَّمْيَ، فإن كان في أحَدِ الحِزْبَين مَن لا يُحْسِنُه، بَطَل العَقْدُ فيه) [إذا كان كلُّ حِزْبٍ جَماعَةً] 832 (وأُخْرِجَ مِن الحِزْبِ الآخَرِ) مَن جُعِل بإزائِه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِن الزَّعِيمَين يَخْتارُ واحِدًا، ويَخْتارُ الآخرُ في مُقابَلَتِه آخَرَ، كما لو بَطَل العَقْدُ في بَعْضِ المَبِيعِ، بَطَل في ثَمَنِه.
وهل
الجزء: 15 - الصفحة: 37
الْفَسْخُ إِنْ أحَبُّوا.
الثَّانِي مَعْرِفَةُ عَدَدِ الرِّشْقِ، وَعَدَدِ الْإِصَابَةِ.
يَبْطُلُ في الباقِين؟ على وَجْهَين، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
فإن قُلْنا: لا يَبْطُلُ.
فلكلِّ حِزْبٍ الخيارُ لتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ في حَقِّهم، فإن كان يُحْسِن الرَّمْيَ، لكنَّه قَلِيلُ الإِصابَةِ، فقال حِزْبُه: ظَنَنّاه كَثِيرَ الإِصابَةِ.
أو: لم نَعْلَمْ حاله.
وإن بان كَثِيرَ الإِصابَةِ، فقال الحِزْبُ الآخَرُ: ظَنَنّاه قَلِيلَ الإِصابَةِ.
لم يُسْمَعْ ذلك منهم؛ لأنَّ شَرْطَ دُخُولِه في العَقْدِ أن يكونَ مِن أهلِ الصَّنْعَةِ دُونَ الحِذْقِ، كما لو اشْتَرَى عَبْدًا على أنَّه كاتِبٌ، فبان حاذِقًا أو ناقِصًا فيها 833، لم يُؤثِّرْ (الثانِي، مَعْرِفَةُ عَدَدِ الرِّشْقِ، وعَدَدِ الإِصابَةِ) الرِّشْقُ، بكَسْرِ الرّاءِ: عَدَدُ الرَّمْي.
وأهلُ العَرَبِيَّةِ يَقُولُون: هو عِبارَةٌ عمّا بينَ العِشْرِين والثَّلاثين.
والرَّشقُ، بفَتْحِ الرّاءِ: الرَّمْيُ، مَصْدَرُ رَشَقْتُ.
رَشْقًا.
وإنَّما اشْتُرِطَ عِلْمُه؛ لأنَّه لو كان مَجْهُولًا أفْضَى إلى الاخْتِلافِ، لأنَّ أحَدَهما قد يُرِيدُ القَطْعَ، والآخَرُ الزِّيادَةَ.
ولا بُدَّ مِن مَعْرِفَةِ عَدَدِ الإِصابَةِ، فيَقُولان: الرِّشْقُ عِشْرُون، والإصابَةُ خَمْسَةٌ -أو- سِتَّةٌ.
أَو ما يَتَّفقان عليه، إلَّا أنَّه لا يَصِحُّ اشْتِراطُ إصابَةٍ تَنْدُرُ، كإصابَةِ جَمِيعِ الرِّشْقِ، أو تِسْعَةٍ مِن عَشَرَةٍ، ونحو هذا؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لا يُوجَدُ، فيَفُوتُ الغَرَضُ.
وإنَّما اشْتُرِطَ العِلْمُ بعَدَدِ الإِصابَةِ؛ ليَتَبَيَّنَ حِذْقُهما.
الجزء: 15 - الصفحة: 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُشْتَرَطُ اسْتِواؤُهما في عَدَدِ الرِّشْقِ والإِصابَةِ وصِفَتِها، وسائِرِ أحْوالِ الرَّمْي.
فإن جَعَلا رِشْقَ أحَدِهما عَشَرَةً، والآخرِ عِشْرِين، أو شَرَطا أن يُصِيبَ أحَدُهما خَمْسَةً، والآخَرُ ثَلاثَةً، أو شَرَطا إصابَةَ أحَدِهما خَواسِقَ والآخَرِ خَواصِلَ، أو شَرَطا أن يَحُطَّ أحَدُهما مِن إصابَتِه سَهْمَين، أو يَحُطَّ سَهْمَين من إصابَتِه بسَهْمٍ مِن إصابَةِ صاحِبه، أو شَرَطا 834 أنْ يَرْمِيَ أحَدُهما مِن بُعْدٍ والآخَرُ مِن قُرْبٍ، أو أن يَرْمِيَ أحدُهما وبينَ أصابِعِه سَهْمٌ، والآخَرُ بينَ أصابِعِه سَهْمان، أو أن يَرْمِيَ أحَدُهما وعلى رَأْسِه شيءٌ والآخرُ خالٍ عن شاغِلٍ، أو أن يَحُطَّ عن أحَدِهما واحِدًا مِن خَطَئِه لا له ولا عليه، وأشْباهُ هذا ممّا تَفُوتُ به المُساواةُ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ مَوْضُوعَها على المساواةِ، والغرضُ معرفةُ الحِذْقِ وزيادةِ أحَدُهما على الآخَرِ فيه، ومع التَّفاضُلِ لا يَحْصُلُ، فإنَّه رُبَّما أصاب أحَدُهما لكَثْرَةِ رَمْيِه لا لحِذْقِه، فاعْتُبِرَتِ المُساواةُ، كالمُسابَقَةِ بالحَيَوانِ.
الجزء: 15 - الصفحة: 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُشْتَرَطُ أن تكونَ المُسابَقَةُ على الإِصابَةِ لا على البُعْدِ، فلو قال: السَّبَقُ لأبْعَدِنا رَمْيًا.
لم يَجُزْ؛ لأنَّ الغَرَضَ مِن الرَّمْي الإِصابَةُ لا بُعْدُ المَسافَةِ، فإنَّ المَقْصُودَ مِن الرَّمْي إمّا قَتْلُ العَدُوِّ أو جَرْحُه، أو الصّيدُ، ونحوُ ذلك، وكلُّ هذا إنَّما يَحْصُلُ مِن الإِصابَةِ، لا مِن الإِبْعادِ.
فصل: إذا عَقَدا النِّضال، ولم يَذْكُرا قَوْسًا، صَحَّ في ظاهِرِ كَلامِ القاضي، ويَسْتَويانِ في القَوسِ، إمّا العَرَبِيَّةُ وإمّا الفارِسِيَّةُ.
وقال غيرُه: لا يَصِحُّ حتى يَذْكُرَا نَوْعَ القَوْسِ الذي يَرْمِيان عليه في الابْتِداءِ؛ لأنَّ إطْلاقَه رُبَّما أفْضَى إلى الاخْتِلافِ، وقد أمْكَنَ التَّحَرُّزُ عنه بالتَّعْيِينِ للنَّوْعِ، فَيجِبُ ذلك.
وإنِ اتَّفَقا على أنَّهما يَرْمِيان بالنُّشّابِ في الابتِداءِ، صَحَّ، ويَنْصَرِفُ إلى القَوْسِ الأعْجَمِيَّةِ؛ لأنَّ سِهامَها هو المُسمَّى بالنُّشّابِ، وسِهامَ العَرَبِيَّةِ يُسَمَّى نَبْلًا.
فإن عَيَّنا نَوْعًا، لم يَجُزِ العُدُولُ عنها إلى غيرِها؛ لأنَّ أحَدَهما قد يكونُ أحْذَقَ بالرَّمْي بأحَدِ النَّوْعَين دُونَ الآخَرِ.
الجزء: 15 - الصفحة: 40
الثَّالِثُ، مَعْرِفَةُ الرَّمْي، هَلْ هُوَ مُفَاضَلَةٌ أَوْ مُبَادَرَةٌ؟ فَالْمُبَادَرَةُ أَنْ يَقُولَا: مَنْ سَبَقَ إلَى خَمْسِ إِصَابَاتٍ مِنْ عِشْرِينَ رَمْيَةً، فَقَدْ سَبَقَ، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ إِلَيهَا مَعَ تَسَاويهِمَا فِي الرَّمْي فَهُوَ السَّابِقُ، وَلَا يَلْزَمُ إتْمَامُ الرَّمْيَ.
(الثالثُ، مَعْرِفَةُ الرَّمْي، هل هو مُفاضَلَةٌ أو مُبادَرَةٌ؟) المُناضَلَةُ على ثَلاثَةِ أَضْرُبٍ؛ أحَدُها، يُسَمَّى (المُبادَرَةَ) وهي (أن يقُولا: مَن سَبَق إلى خَمْسِ إصاباتٍ مِن عِشْرِين رَمْيَةً، فهو السّابِقُ.
فأيُّهما سَبَق إليها مع تَساويهما في الرَّمْي) فقد سَبَق.
فإذا رَمَيا عَشَرَة عَشَرَةً، فأصاب أحَدُهما خَمْسًا، ولم يُصِبِ الآخَرُ خمسًا، فالمُصِيبُ خَمْسًا هو السّابِقُ؛ لأنَّه قد سَبَق إلى خمْسٍ، وسَواءٌ أصاب الآخَرُ أرْبَعًا، أو ما دُونَها، أو لم يُصِبْ شيئًا (ولا) حاجَةَ إلى (إتْمامِ الرَّمْي) لأنَّ السَّبْقَ قد حَصَل بسَبْقِه إلى ما شَرَطا السَّبْقَ إليه.
فإن أصاب كل واحِدٍ منهما مِن العَشْرِ خَمْسًا، فلا سابِقَ فيهما، ولا يُكْمِلان الرِّشْقَ؛ لأن جَمِيعَ الإِصابَةِ المَشْرُوطَةِ قد حَصَلَتْ، واسْتَوَيا فيها.
فإن رَمَى أحَدُهما عَشْرًا فأصاب
الجزء: 15 - الصفحة: 41
وَالْمُفَاضَلَةُ أَنْ يَقُولَا: أَيُّنَا فَضَلَ صَاحِبَهُ بِخَمْسِ إِصَابَاتٍ مِنْ عِشْرِينَ رَمْيَةً، سَبَقَ، فَأَيُّهُمَا فَضَلَ بِذَلِكَ، فَهُوَ السَّابِقُ.
خَمْسًا، ورَمَى الآخَرُ تِسْعًا فأصاب أرْبعًا، لم يُحْكَمْ بالسَّبْقِ ولا بعَدَمِه، حتى يَرْمِيَ العاشِرَ، فإن أصاب به، فلا سابِقَ فيهما، وإن أخْطَأ به، فقد سَبَق الأوَّلُ.
فإن لم يكنْ أصاب مِن التِّسْعَةِ إلَّا ثلاثًا، فقد سُبِق، ولا يَحْتاجُ إلى رَمْي العاشِرِ؛ لأنَّ أكْثَرَ ما يَحْتَمِلُ أن يُصِيبَ به، ولا يُخْرِجُه عن كَوْنِه مَسْبُوقًا.
الثانِي (المُفاضَلَةُ) وهي (أن يَقُولا: أيُّنا فَضَل صاحِبَه) بإصابَةٍ أو إصابَتَين أو ثَلاثٍ (مِن عِشْرِين رَمْيَةً) فقد (سَبَق).
وتُسَمَّى مُحاطَّةً؛ لأنَّ ما تَساوَيا فيه مِن الإِصابَةِ مَحْطُوطٌ غيرُ مُعْتَدٍّ به.
ويَلْزَمُ إكْمالُ الرِّشْقِ إذا كان فيه فائِدَةٌ.
فإذا قالا: أيُّنا فَضَل صاحِبَه بثَلاثٍ، فهو سابِقٌ.
فرَمَيَا اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا، فأصاب بها أحَدُهما، وأخْطَأها 835 الآخرُ كلَّها، لم
الجزء: 15 - الصفحة: 42
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَلْزَمْ إتْمامُ الرِّشْقِ؛ لأنَّ أكْثَرَ ما يُمْكِنُ أن يُصِيبَ الآخَرُ الثّمانِيَةَ الباقِيَةَ، ويُخْطِئَها 836 الأوَّلُ، ولا يَخْرُجُ الأوَّلُ بهذا عن كَوْنِه سابِقًا.
وإن كان الأوَّلُ إنَّما أصاب مِن الاثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَشْرًا، لَزِمَهما أن يَرْمِيا الثالثةَ عَشْرَةَ، فإن أصابا بها أو أخْطآ، أو أصابَها الأوَّلُ وَحْدَه، فقد سَبَق، ولا يَحْتاجُ إلى إتْمام الرِّشْقِ.
وإن أصابَها الآخَرُ [دُون الأوَّلِ] 837، فعليهما أن يَرْمِيا الرّابِعَةَ عَشرَةَ، والحُكْمُ فيها وفيما بعدَها، كالحُكْم في الثالثةَ عَشْرَةَ، [في أنَّه] 838 متى ما أصاباها، أو أخْطآ، أو أصابَها الأوَّلُ، فقد سَبَق، ولا يَرْمِيان ما بعدَها.
وإن أصابَها الآخَرُ وَحْدَه، رَمَيا ما 839 بعدَها.
وكذا كلُّ مَوْضِعٍ يكونُ في إتْمامِ الرِّشْقِ فائِدَةٌ لأحَدِهما، يَلْزَمُ إتْمامُه، وإن يَئس مِن الفائِدَةِ، لم يَلْزَمْ إتْمامُه.
فإذا بَقِيَ مِن العَدَدِ ما يُمْكِنُ أن يَسْبِقَ أحَدُهما به صاحِبَه، أو يُسْقِطَ به سَبْقَ صاحِبِه، لَزِم الإِتْمامُ، وإلَّا فلا.
فإذا كان السَّبْقُ يَحْصُلُ بثَلاثِ إصاباتٍ مِن عِشْرِين، فرَمَيا ثَمانِيَ عَشْرَةَ، فأخْطآها، أو أصاباها، أو تَساوَيا في الإِصابَةِ فيها، لم يَلْزَمِ الإِتْمامُ؛ لأنَّ أكْثَرَ ما يَحْتَمِلُ أن يُصِيبَ أحَدُهما هاتَين الرَّمْيَتَين، ويُخْطِئَهما الآخَرُ، ولا يَحْصُلُ السَّبْقُ بذلك.
وكذلك إن فَضَل أحَدُهما الآخَرَ بخَمْسِ إصاباتٍ فما زاد، لم يَلْزَمِ الإِتْمامُ؛ لأنَّ إصابَةَ الآخَرِ السَّهْمَين
الجزء: 15 - الصفحة: 43
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الباقِيَين، لا يُخْرِجُ الآخَرَ عن كَوْنِه فاضِلًا بثلاثِ إصاباتٍ، وإن لم يَفْضُلْه إلَّا بأرْبَعٍ، رَمَيا السَّهْمَ الآخِرَ، فإن أصابَه المَفْضُولُ وَحْدَه، فعليهما رَمْيُ الآخِرِ، فإن أصابَه المَفْضُولُ أيضًا، سَقَط سَبْقُ الأوَّلِ، وإن أخْطآ في أحَدِ السَّهْمَين، أو أصاب الأوَّلُ في أحَدِهما، فهو سابِقٌ.
الثالثُ (أن يَقُولا: أيُّنا أصاب خَمْسًا مِن عِشْرِينِ، فهو سابِقٌ) فمتى أصاب أحَدُهما خَمْسًا مِن العِشْرِين، ولم يُصِبْها الآخرُ، فالأوَّلُ سابِقٌ، وإن أصاب كل واحِدٍ منهما خَمْسًا، أو لم يُصِبْ واحِدٌ منهما خَمْسًا، فلا سابِقَ فيهما.
وهذه في مَعْنَى المُحاطَّةِ، في أنَّه يَلْزَمُ إتْمامُ الرَّمْي ما كان فيه فائِدَةٌ، ولا يَلْزَمُ إذا خلا [عن الفائِدَةِ] 840. ومتى أصاب كلُّ واحِدٍ منهما خَمْسًا، لم يَلْزَمْ إتْمامُه، ولم يكنْ فيهما سابِقٌ.
وإن رَمَيا سِتَّ عَشْرَةَ رَمْيَةً، فلم يُصِبْ واحِدٌ منهما شيئًا، لم يَلْزَمْ إتْمامُه، ولا سابِقَ فيهما؛ لأنَّ أكْثَرَ ما يَحْتَمِلُ أن يُصِيبَها أحَدُهما وَحْدَه 841، ولا يَحْصُلُ السَّبْقُ بذلك.
واخْتَلَفَ أصْحابُنا، فقال أبو الخَطّاب: لا بدَّ مِن معْرِفَةِ الرَّمْي، هل هو مُبادَرَةٌ أو مُحاطَّةٌ أو مُفاضَلَةٌ؟ لأنَّ غَرَضَ الرُّماةِ يَخْتَلِفُ؛ فمنهم مَن تَكْثُرُ إصابَتُه في الابْتِداءِ دُونَ الانْتِهاءِ، ومنهم بالعَكْسِ، فوَجَبَ بَيانُ ذلك؛ ليَعْلَمَ ما دَخَل فيه.
وهذا الذي ذَكَرَه شيخُنا في الكِتابِ المَشْرُوحِ.
وظاهِرُ كَلامِ القاضِي، أنَّه لا يُحْتاجُ إلى اشْتِراطِ ذلك؛ لأنَّ مُقْتَضَى
الجزء: 15 - الصفحة: 44
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النِّضالِ المُبادَرَةُ، وأنَّ مَن بادَرَ إلى الإِصابَةِ فهو السّابِقُ؛ فإنَّه إذا شُرِط السَّبْقُ لمَن أصاب خَمْسَةً مِن عِشْرِين، فسَبَقَ إليها واحِدٌ، فقد وُجِد الشَّرْطُ.
ولأصْحابِ الشافعيّ وَجْهان كهَذَين.
فصل: فإن شَرَطَا إصابَةَ مَوْضِعٍ مِن الهَدَفِ، على أن يُسْقِطَ ما قَرُب مِن إصابَةِ أحَدِهما ما بَعُد مِن إصابَةِ الآخَرِ، ففَعَل، ثم فَضَل أحَدُهما الآخَرَ بما شَرَطاه، كان سابقًا.
ذَكَرَه القاضي.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه نَوْعٌ مِن المُحاطَّةِ.
فإذا أَصاب أحَدُهما مَوْضِعًا بينَه وبينَ الغَرَضِ شِبْرٌ، وأصاب الآخَرُ مَوْضِعًا بينَه وبينَ الغَرَضِ أقَل مِن شِبْرٍ، سَقَط الأوَّلُ، وإن أصاب الأوَّلُ الغَرَضَ، أسْقَطَ الثانِيَ، وإن أصاب الثانِي الدّائِرَةَ التي في الغَرَضِ، لم يُسْقِطِ الأوَّلَ؛ لأنَّ الغَرَضَ كلَّه مَوْضِعُ الإِصابَةِ، فلا يَفْضُلُ أحَدُهما صاحِبَه إذا أصاباه، إلَّا أن يَشْتَرِطَا ذلك.
وإن شَرَطا أن يَحْسِبَ 842 كلُّ واحِدٍ منهما خاسِقَه بإصابَتَين، جاز؛ لأنَّ أحَدَهما لم يَفْضُلْ صاحِبَه بشيءٍ، فقد اسْتَوَيا.
فصل: فإنْ عقَدَ النِّضال جماعةٌ ليَتَفاصَلُوا 843 حِزْبَين، فذَكَرَ القاضي أنَّه يَجُوزُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يجوزَ؛ لأنَّ التَّعْيِينَ شَرْطٌ، وقبلَ التَّفاصُلِ لم يَتَعَيَّنْ مَن في كُلِّ واحِدٍ مِن الحِزْبَين.
فعلى هذا، إذا تفاصَلُوا، عَقَدُوا النِّضال بعدَه.
وعلى قولِ القاضي، يجوزُ العَقْدُ قبلَ
الجزء: 15 - الصفحة: 45
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التَّفاصُلِ.
ولا يَجُوزُ أن يَقْتَسِمُوا بالقُرعَةِ؛ لأنَّها قد تَقَعُ على الحُذّاقِ في أحَدِ الحِزْبَين، وعلى الكَوادنِ في الآخرِ، فيَبْطُلُ مَقْصُودُ النِّضالِ، بل يكونُ لكلِّ حِزْبٍ زَعِيمٌ 844، فيَخْتارُ أحَدُهما واحِدًا، ثم يَخْتارُ الآخَرُ واحِدًا كذلك، حتى يَتَفاصَلُوا جَمِيعًا.
ولا يَجُوزُ أن يُجْعَلَ الْخِيارُ إلى أحَدِهما في الجَمِيعِ، ولا أن يَخْتارَ جَمِيعَ حِزْبِه أوَّلًا؛ لأنَّه يَخْتارُ الحُذّاقَ في حِزْبِه.
ولا يَجُوزُ أن يُجْعَلَ رَئِيسُ الحِزْبَين واحِدًا؛ لأنَّه يَمِيلُ إلى حِزْبِه، فتَلْحَقُه التُّهْمَةُ.
ولا يجوزُ أن يَخْتارَ كلُّ واحِدٍ مِن الرَّئِيسين أكْثَرَ مِن واحِدٍ واحِدٍ؛ لأنَّه أبْعَدُ مِن التَّساوي.
فإذا اخْتَلَفا في المُبْتَدِئِ بالخِيارِ، أُقْرِعَ بينَهما.
ولو قال أحَدُهما: أنا أخْتارُ أوَّلًا وأُخْرِجُ السَّبَقَ، أو يُخْرِجُه أصْحابِي.
لم يَجُزْ؛ لأنَّ السَّبَقَ إنَّما يُسْتَحَقُّ بالسَّبْقِ، لا في مُقابَلَةِ تَفَضُّلِ أحَدِهما بشيءٍ.
فصل: إذا أخْرَجَ أحَدُ الزَّعِيمَين السَّبَقَ مِنِ عندِه، فسُبِقَ حِزْبُه، لم يكُنْ على حِزْبِه شيءٌ؛ لأنَّه جَعَلَه على نَفْسِه دُونَهم.
وإن شَرَطَه عليهم، فهو عليهم بالسَّويَّةِ، ويُقْسَمُ على الحِزْبِ الآخَرِ بالسَّويَّةِ، مَن أصاب ومَن أخْطَأ، في أحَدِ الوَجْهَين، كما أنَّه على الحِزْبِ الآخَرِ بالسَّويَّةِ.
وفي الوَجْهِ الآخَرِ، يُقْسَمُ بينَهم على قَدْرِ الإِصابَةِ، ولا شيءَ لمَن لم يُصِبْ؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَه بالإِصابَةِ، فكان على قَدْرِها، واخْتَصَّ بمَن وُجِدَت فيه، بخِلافِ المَسْبُوقِين، فإنَّه وَجَب عليهم لالْتِزامِهم به، وقد اسْتَوَوْا في
الجزء: 15 - الصفحة: 46
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك.
فصل: ومتى كان النِّضالُ بينَ حِزْبَين، اشْتُرِطَ كونُ الرِّشْقِ يُمْكِنُ قَسْمُه بينَهم يغيرِ كَسْرٍ، ويَتَساوَوْنَ فيه، فإن كانوا ثَلاثَةً، وَجَب أن يكونَ له ثُلُثٌ، وكذلك ما زاد؛ لأنَّه إذا لم يَكُنْ كذلك، بَقِيَ سَهْمٌ أو أكْثَرُ بينَهم لا يُمْكِنُ الجَماعَةَ الاشْتِراكُ فيه.
فصل: ولا يَجُوزُ أن يقولُوا: نُقْرِعُ، فمَن خَرَجَتْ قُرْعَتُه فهو السّابِقُ.
ولا أنَّ مَن خَرَجَتْ قُرْعَتُه فالسَّبَقُ عليه.
ولا أن يَقُولُوا: نَرْمِي، فأيُّنا أصاب فالسَّبَقُ على الآخَرِ.
لأنَّه عِوَضٌ في عَقْدٍ، فلا يُسْتَحَقُّ بالقُرْعَةِ، ولا بالإِصابَةِ.
وإن شَرَطُوا أن يكونَ فُلانٌ مُقَدَّمَ حِزْبٍ، وفُلانٌ مُقَدَّمَ الآخَرِ، ثم فُلانٌ ثانيًا 845 مِن 846 الحِزْبِ الأوَّلِ، وفلانٌ ثانيًا (1) مِن الحِزْبِ الثانِي، كان فاسِدًا؛ لأنَّ تَقْدِيمَ كلِّ واحِدٍ مِن الحِزْبَين يكونُ إلى زَعِيمِه، وليس للحِزْبِ الآخَرِ مُشارَكَتُه في ذلك، فإذا شَرَطُوه كان فاسِدًا.
فصل: إذا تَناضَلَ اثْنان، وأخْرَجَ أحَدُهما السَّبَقَ، فقال أجْنَبِيٌّ: أنا شَرِيكُك في الغُرْمِ والغُنْمِ، إن نَضَلَك فنِصْفُ السَّبَقِ عَلَيَّ، وإن نَضَلْتَه فنِصْفُه لي.
لم يَجُزْ.
وكذلك لو كان المُتَناضِلُون ثلاثةً منهما 847 مُحَلِّلٌ،
الجزء: 15 - الصفحة: 47
وَإذَا أَطْلَقَا الإِصَابَةَ، تَنَاوَلَهَا عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ.
فَإِنْ قَالا: خَوَاصِلَ.
كَانَ تَأْكِيدًا، لأَنَهُ اسْمٌ لَهَا كَيفَمَا كَانَتْ.
فقال رابعٌ للمُسْتَبِقَين: أنا شَرِيكُكما في الغُنْمِ والغُرْمِ.
كان باطِلًا؛ لأنَّ الغُنْمَ والغُرْمَ إنَّما يكون مِن المُناضِلِ، فأمّا مَن لا يَرْمِي، فلا يكونُ له غُنْمٌ ولا عليه غُرْمٌ.
ولو شَرَطا في النِّضالِ أنَّه إذا جَلَس المُسْتَبِقُ كان عليه السَّبَقُ، لم يَجُزْ (1)؛ لأنَّ السَّبَقَ على النِّضالِ، وهذا الشَّرْطُ يُخالِفُ مُقْتَضَى النِّضالِ، فكان فاسِدًا.
فصل: ولو فَضَل أحَدُ المُتَناضِلَين صاحِبَه، فقال المَفْضُولُ: اطْرَحْ فَضْلَك وأُعْطِيك دينارًا.
لم يَجُزْ؛ لأنَّ المَقْصُودَ مَعْرِفَةُ الحِذْقِ، وذلك يَمْنَعُ منه.
وإن فَسخا العَقْدَ وعَقَدا عَقْدًا آخَرَ، جاز.
وإن لم يَفْسَخاه، ولكنْ رَمَيا تَمامَ الرِّشْقِ، فتَمَّتِ الإِصابَةُ له مع ما أسْقَطَه، اسْتَحَقَّ السَّبَقَ، ورَدَّ الدِّينارَ إن كان أخَذَهُ.
2242 -
مسألة: (وإذا أطْلَقا الإِصابَةَ، تَناوَلَها على أيِّ صِفَةٍ كانت)
لأنَّها إصابَة.
وذَكَر شيخُنا صِفَةَ الإِصابَةِ شَرْطًا لصِحَّةِ المُناضَلَةِ في كتابِ «المُغْنِي» 849.
2243 - مسألة 850: (فإن قالا: خَواصِلَ.
كان تَأْكيدًا) لها848
الحديث: 2242 - الجزء: 15 - الصفحة: 48
وَإنْ قَالا: خَوَاسِق.
وَهُوَ مَا خَرَقَ الْغَرَضَ وَثَبَتَ فِيهِ.
أَوْ: خَوَازِقَ.
وَهُوَ مَا خزَقَهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ.
أَوْ: خَوَاصِرَ.
وَهُوَ مَا وَقَعَ فِي أَحَدِ جَانِبَي الْغَرَضِ، تَقَيَّدَتْ بِذَلِكَ.
(لأنَّه اسْمٌ لها كَيفَما كانت) قال الأزْهَرِيُّ (1): يُقالُ: خَصَلْتُ مُناضِلِي خَصْلَةً وخَصْلًا.
ويُسَمَّى ذلك الفَرْعَ والقَرْطَسَةَ، يُقال: قَرْطَسَ.
إذا أصاب.
2244 -
مسألة: (فإن قالا: خَواسِقَ. وهو ما خَرَق الغَرَضَ وثَبَت فيه. أوْ: خَوَازِقَ. وهو ما خَرَقَه)
ووَقَع بينَ يَدَيه.
أو: مَوارِقَ.
وهو مَا نفَذَ الغَرَضَ، وَوَقَعَ مِن 852 وَرائِه.
أو: خَوارِمَ.
وهو مَا خَرَم جانِبَ الغَرَضِ.
أو: حَوابِيَ.
وهو ما وَقَع بينَ يَدَي الغَرَضِ، ثم وَثَبَ إليه.
ومنه يُقالُ: حَبا الصَّبِيُّ (أو: خَواصِرَ.
وهو ما كان في أحَدِ جانِبَي الغَرَضِ) ومنه قِيلَ: الخَاصِرَةُ؛ لأنَّها في جانِبِ الإِنْسانِ (تَقَيَّدَتِ) المُناضَلَةُ (بذلك) لأنَّ المَرْجِعَ في المُسابَقَةِ إلى شَرْطِهما، فيُقَيَّدُ بما شَرَطاه ههُنا.
وإن شَرَطا الخَواسِقَ والحَوابِيَ معًا، صَحَّ.851
الحديث: 2244 - الجزء: 15 - الصفحة: 49
وَإِنْ شَرَطَا إِصَابَةَ مَوْضِعٍ مِنَ الْغَرَضِ، كَالدَّائِرَةِ فِيهِ، تَقَيَّدَ بهِ.
الرَّابِعُ، مَعْرِفَةُ قَدْرِ الْغَرَضِ؛ طُولِهِ، وَعَرْضِهِ، وَسُمْكِهِ، وَارْتِفَاعِهِ مِنَ الْأَرْضِ.
وَإِنْ تَشَاحَّا فِي الْمُبْتَدِئِ بِالرَّمْي، أُقْرِعَ بَينَهُمَا.
وَقِيلَ: يُقَدَّمُ مَنْ لَهُ مَزِيَّةٌ بِإِخْراجِ السَّبَقِ.
2245 - مسألة: (وإن شَرَطا إصابَةَ مَوْضِعٍ مِن الْغَرَضِ، كالدّائِرَةِ فيه، تَقَيَّدَ به)
لِما ذَكَرْنا.
(الرّابِعُ، مَعْرِفَةُ قَدْرِ الغَرَضَ؛ طُولِه، وعَرْضِه، وسُمْكِه، وارتِفاعِه مِن الأرْضِ) الغَرَضُ ما يُقْصَدُ إصابَتُه؛ مِن قِرْطاسٍ أو جِلْدٍ أو خشَبٍ أو قَرْعٍ أو غيرِه، سُمِّيَ غَرَضًا؛ لأنَّه يُقْصَدُ، ويُسَمَّى شارةً وشَنًا.
قال الأزْهَرِيُّ (1): ما نُصِب في الهَدَفِ فهو القِرْطاسُ، وما نُصِب في الهَواءِ فهو الغَرَضُ.
ويَجِبُ أن يكونَ قَدْرُه مَعْلُومًا بالمُشاهَدَةِ، أو بتَقْدِيرِه بشِبْرٍ أو نحوه، بحَسَبِ الشَّرْطِ، فإنَّ الإِصابَةَ تَخْتَلِفُ باخْتِلافِ صِغَرِه وكِبَرِه، وغِلَظِه ورِقَّتِه، فوَجَبَ اعْتِبارُ ذلك.
2246 -
مسألة: (وإن تَشاحّا في المُبْتَدِئِ)
منهما (أُقْرِعَ بينهما.
وقِيلَ: يُقَدَّمُ مَن له مَزِيَّةٌ بإخْرَاجِ السَّبَقِ) [لأنَّه تَمَيَّزَ بذلك] 854. وجُمْلَةُ853
الحديث: 2245 - الجزء: 15 - الصفحة: 50
وَإذَا بَدَأَ أَحَدُهُمَا فِي وَجْهٍ، بَدَأَ الْآخَرُ فِي الثَّانِي.
ذلك، أنَّه لا بُدَّ في المُناضَلَةِ مِن أن يَبْتَدِئَ أحَدُهما بالرَّمْي؛ لأنَّهما لو رَمَيا معًا أفْضَى إلى الاخْتِلافِ، ولم يُعْرَفِ المُصِيبُ منهما.
فإن كان المُخْرِجُ أجْنَبِيًّا، قُدِّمَ مَن يَخْتارُه منهما، فإن لم يَخْتَرْ وتَشاحّا، أُقْرِعَ بينَهما، لأنَّهما تَساوَيا في اسْتحْقاقِ هذا، فصارا إلى القُرْعَةِ، كما لو تَنازَعَ المُتَقاسِمان في اسْتِحْقاقِ سَهْمٍ مُعَيَّنٍ، أو في المُبْتَدِئِ بالأخْذِ.
وأيُّهما كان أحَقَّ بالتَّقْديمِ فبدَرَه الآخرُ فَرَمى، لم يُعْتَدَّ له بسَهْمِه، أصاب أم أخْطَأ.
2247 -
مسألة: (وإذا بَدَأ أحَدُهما في وَجْهٍ، بَدَأ الآخَرُ في الثّانِي)
تَعْدِيلًا بينَهما.
فإن شَرَطا البَداءَةَ لأحَدِهما في كلِّ الوُجُوهِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ مَوْضُوعَ المُناضَلَةِ على المُساواةِ، وهذا تَفاضُلٌ، فإن فَعَلا ذلك مِن غيرِ شَرْطٍ برِضاهما، جاز؛ لأنَّ البَداءَةَ لا أثَرَ لها في الإِصابَةِ، ولا في جَوْدَةِ الرَّمْي.
وإن شَرَطا أن يَبْدَأَ كلُّ واحِدٍ منهما مِن 855 وَجْهَين مُتوالِيَين، جاز؛ لتَساويهما.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ اشْتِراط البَداءَةِ في كلِّ مَوْضِعٍ ذَكَرْنا غيرَ لازِمٍ، ولا يُوثِّرُ في العَقْدِ؛ لأنَّه لا أثَرَ له في تَجْويدِ رَمْيٍ، ولا كَثْرَةِ إصابَةٍ، وكثِيرٌ مِن الرُّماةِ يَخْتارُ التَّأَخُّرَ على البِدايَةِ، فيكونُ وُجُودُ هذا الشَّرْطِ كعَدَمِه.
وإذا رَمَى البادِئُ بسَهْمٍ، رَمَى الثانِي بسَهْمٍ كذلك،
الحديث: 2247 - الجزء: 15 - الصفحة: 51
وَالسُّنَّةُ أنْ يَكُونَ لَهُمَا غَرَضَانِ، إذَا بَدَأَ أَحَدُهُمَا بِغرَضٍ، بَدَأَ الْآخَرُ بِالثَّانِي.
حتى يَقْضِيَا رَمْيَيهما؛ لأنَّ إطْلاقَ المُناضَلَةِ يقْتَضِي المُراسَلَةَ، ولأنَّه أقْرَبُ إلى التَّساوي، وأنْجَزُ للرَّمْيِ، لأنَّ أحَدَهما يُصْلِحُ قَوْسَه (1) ويَعْدِلُ سَهْمَه حتى يَرْمِيَ الآخَرُ.
وإن رَمَيا سَهْمَين سَهْمَين، فحَسَنٌ.
وإنِ اشْتَرَطا أن يَرْمِيَ أحَدُهما رِشْقَه، ثم يَرْمِيَ الآخَرُ، أو يَرْمِيَ أحَدُهما عَدَدًا، ثم يَرْمِيَ الآخَرُ مِثْلَه، جاز؛ لأنَّه لا يُؤثِّرُ في مَقْصودِ المُناضَلَةِ، وإن خالفَ مُقْتَضَى الإِطْلاقِ، كما يَجُوزُ أن يَشْتَرِطَ في البَيعِ ما لا يَقْتَضِيه الإِطْلاقُ مِن النُّقُودِ والخِيارِ والأجَلِ، لَمّا كان غيرَ مانِعٍ مِن المَقْصُودِ.
2248 -
مسألة: (والسُّنَّةُ أن يكونَ لهما غَرَضان)
يَرْمِيان أحَدَهما، ثم يَمْضِيانِ إليه، فيَأْخُذان السِّهامَ يَرْمِيانِ الآخَرَ؛ لأنَّ هذا كان فِعْلَ أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَا بَيْنَ الغَرَضَينِ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» 857. وقال إبراهيمُ التيمِيُّ: رَأيتُ حُذَيفَةَ يَشْتَدُّ بينَ الهَدَفَين يقولُ: أنا بها 858. في قَمِيصٍ.
وعن ابنِ عُمَرَ مِثْلُ ذلك 859. والهَدَفُ ما يُنْصَبُ الغَرَضُ عليه؛ إمّا تُرابٌ856
الحديث: 2248 - الجزء: 15 - الصفحة: 52
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَجْمُوعٌ، أو حائِطٌ.
ويُرْوَى أنَّ أصْحابَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كانُوا يَشْتَدُّون بينَ الأغْراضِ يَضْحَكُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، فإذا جاء اللَّيلُ كانُوا رُهْبانًا.
فإن جَعَلُوا غَرَضًا واحِدًا، جاز؛ لأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ به، وهو عادَةُ أهْلَ عَصْرِنا.
فصل: وإذا تَشاحّا في الوُقُوفِ، فإن كان المَوْضِعُ الذي طَلَبَه أحَدُهما أوْلَى، مثلَ أن يكونَ في أحَدِ المَوْقِفَين 860 يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ، أو رِيحًا يُؤْذِيه اسْتِقْبالُها، ونحوَ ذلك، والآخَرُ يَسْتَدْبِرُها، قُدِّمَ قولُ مَن طَلَب اسْتِدْبارَها؛ لأنَّه العُرْفُ، إلَّا أن يكونَ في شَرْطِهما اسْتِقْبالُ ذلك، فالشَّرْطُ أوْلَى، كما لو اتَّفَقا على الرَّمي ليلًا.
وإن كان المَوْقِفان سَواءً، كان ذلك إلى الذي يَبْدَأُ، فيَتْبَعُه الآخرُ، فإذا كان في الوَجْهِ الثانِي، وَقَف الثاني حيث شاءَ، ويَتْبَعُه الأوَّلُ.
فصل: فإن أراد أحَدُهما التَّطْويلَ والتَّشاغُلَ عن الرَّمْي بما لا حاجَةَ إليه؛ مِن مَسْحِ القَوْسِ والوَتَرِ، ونحو ذلك، إرادَةَ التَّطْويلِ على صاحِبِه، لَعَلَّه يَنْسَى القَصْدَ الذي أصاب به أو يَفْتُرُ، مُنِع مِن ذلك، وطُولِبَ بالرَّمْي، ولا يُزْعَجُ بالاسْتِعْجالِ بالكُلِّيَّةِ، بحيث يُمْنَعُ مِن تحَرِّي الإِصابَةِ.
ويُمْنَعُ كل واحِدٍ منهما مِن الكَلامِ الذي يَغِيظُ به صاحِبَه، مثلَ أن يَرْتَجِزَ، ويَفْتَخِرَ، ويَتَبَجَّحَ بالإِصابَةِ، ويُعَنِّفَ صاحِبَه على الخَطَأ،
الجزء: 15 - الصفحة: 53
وَإِذَا أَطَارَتِ الرِّيحُ الْغَرَضَ، فَوَقَعَ السَّهْمُ مَوْضِعَهُ، فَإِنْ كَانَ شَرْطُهُمْ خَوَاصِلَ، احْتُسِبَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ خَوَاسِقَ، لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِهِ وَلَا عَلَيهِ.
أو يُظْهِرَ (1) أنَّه يُعَلِّمُه.
وهكذا الحاضِرُ معهما، مثلُ الأمِينِ والشّاهِدَين، يُكْرَهُ لهم مَدْحُ المُصِيبِ وتَعْنِيفُ المُخْطِئِ وزَجْرُه؛ لأنَّ فيه كَسْرَ قَلْبِ أحَدِهما وغَيظَه.
2249 -
مسألة: (وإذا أطارَتِ الرِّيحُ الغَرَضَ، فوَقَعَ السَّهْمُ مَوْضِعَهُ، فإن كان شَرْطُهما خَواصِلَ، احْتُسبَ)
له (به) لعِلْمِنا أنَّه لو كان الغَرَضُ في مَوْضِعِه أصابَه.
2250 -
مسألة: (وإن كَانَ)
شَرْطُهما (خَواسِقَ، لم يُحْتَسَبْ له به، ولا عليه) وهذا قولُ أبي الخَطّابِ؛ لأنّا لا نَدْرِي هل يَثْبُتُ في الغَرَضِ إن كان مَوْجُودًا أو لا؟ وقال القاضي: يُنْظَرُ؛ فإن كانت صَلابَةُ الهَدَفِ كصَلابَةِ الغَرَضِ، فثَبَت في الهَدَفِ، احْتُسِبَ له به؛ لأنَّه861
الحديث: 2249 - الجزء: 15 - الصفحة: 54
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لو بَقِيَ مَكانَه لثَبَتَ فيه، كثُبُوتِه في الهَدَفِ، وإن لم يَثْبُتْ فيه مع التَّساوي، لم يُحْتَسَبْ.
وإن كان الهَدَفُ أصْلَبَ فلم يَثْبُتْ فيه، أو كان رِخْوًا، لم يُحْتَسَبِ السَّهْمُ له ولا عليه؛ لأنَّنا لا نَعْلَمُ هل كان يَثْبُتُ في الغَرَضِ لو بَقِيَ مَكانَه أو لا؟ وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
فإن وَقَع السَّهْمُ في غيرِ مَوْضِعِ الغَرَضِ، احْتُسِبَ به على رامِيه؛ لأنَّه أخْطَأَ، ولو وَقَع في الغَرَضِ في المَوْضِعِ الذي طار إليه، حُسِب عليه أيضًا، إلَّا أن يكونا اتَّفَقا على رَمْيِه في المَوْضِعِ الذي طار إليه.
وكذلك الحُكْمُ إذا ألْقَتِ الرِّيحُ الغَرَضَ على وَجْهِه.
فصل: إذا كان شَرْطُهما خَواصِلَ، فأصاب بنَصْلِ السَّهْمِ، حُسِب له كيف كان، فإن أصاب بعَرْضِه، أو بفُوقِه، نحوَ أن يَنْقَلِبَ السَّهْمُ بينَ يَدَي الغَرَضِ، فيُصِيبَ فُوقُه الغَرَضَ، لم يُعْتَدَّ به؛ لأنَّ هذا مِن سَيِّئِ الخَطَأ.
فإنِ انْقَطَعَ السَّهْمُ قِطْعَتَين، فأصابَتِ القِطْعَةُ الأُخْرَى، لم يُعْتَدَّ به.
وإن كان الغَرَضُ جِلْدًا خِيطَ عليه شَنْبَرٌ كَشَنْبَرِ المُنْخُلِ، وجَعَلا له عُرًى وخُيُوطًا تُعَلَّقُ به في العُرَى، فأصاب الشَّنْبَرَ أو العُرَى، نَظَرْتَ في شَرْطِهما؛ فإن شَرَطا إصابَةَ الغَرَضِ، اعْتُدَّ له؛ لأنَّ ذلك مِن الغَرَضِ، فأمّا المَعالِيقُ، وهي الخُيُوطُ، فلا يُعْتَدُّ له بإصابَتِها على كلا الشَّرْطَين؛ لأنَّها ليسَتْ مِنَ الجِلْدَةِ ولا مِنَ الغَرَضِ، فهي كالهَدَفِ.
فصل: فإن كان شَرْطُهما خَواسِقَ، وهو ما ثَقَب الغَرَضَ وثَبَت فيه، فمتى أصاب الغَرَضَ بنَصْلِه وثَبَت فيه، احْتُسِبَ به.
وإن خَدَشَه ولم يَثْقُبْه،
الجزء: 15 - الصفحة: 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يُحْتَسَبْ له، وحُسِب عليه.
وإن مَرَق منه، احْتُسِبَ له به؛ لأنَّ ذلك لِقُوَّةِ رَمْيِه، فهو أبْلَغُ مِن الخاسِقِ، وإن خَرَقَه ووَقَع بينَ يَدَيه، احْتُسِبَ له به، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه ثَقَب ثَقْبًا يَصْلُحُ للخَسْقِ، وإنَّما لم يَثْبُتِ السَّهْمُ لسَبَبٍ آخَرَ، مِن سَعَةِ الثَّقْبِ أو غيرِه.
والثانِي، لا يُحْتَسَبُ له.
وهو أوْلَى؛ لأنَّ الخاسِقَ ما ثَبَت، وهذا لم يَثْبُتْ، وثُبُوتُه يكونُ لحِذْقِ الرّامِي، وقَصْدِه برَمْيِه ما اتَّفَقا عليه، إلَّا أن يكونَ امْتِناعُ السَّهْمِ مِن الثبوتِ لوُجُودِ ما يَمْنَعُ الثُّبُوتَ؛ مِن حَصاةٍ، أو حَجَرٍ، أو عَظْمٍ، أو أرْضٍ غَلِيظَةٍ، ففيه الوَجْهان أيضًا؛ إلَّا أنَّه إذا لم يُحْتَسَبْ له، لم يُحْتَسَبْ عليه؛ لكونِ العارِضِ مَنَعَه مِن الثُّبُوتِ، أشْبَهَ ما لو مَنَعَه عارِضٌ مِن الإصابَةِ.
فإنِ اخْتَلَفا في وُجُودِ العارِضِ؛ فإن عُرِف مَوْضِعُ الثَّقْبِ باتِّفاقِهما أو بَيِّنَةٍ، نُظِر في المَوْضِعِ؛ فإن لم يكنْ فيه ما يَمْنَعُ، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ، وإن كان فيه ما يَمْنَعُ، فالقولُ قولُ المُدَّعِي، بغيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّ الحال تَشْهَدُ بصِدْقِ ما ادَّعاه.
وإن لم يَعْلَما مَوْضِعَ الثَّقْبِ، إلَّا أنَّهما اتَّفَقا على أنَّه خَرَق الغَرَضَ، ولم يكنْ وراءَه شيءٌ [يَمْنَعُ، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ بغيرِ يَمِينٍ أيضًا؛ لأنَّه لا مانِعَ.
وإن كان وراءَه ما يَمْنَعُ] 862، وادَّعَى المُصابُ عليه أنَّه لم يكنِ السَّهْمُ في مَوْضِع وراءَه ما يَمْنَعُ، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإِصابَةِ مع احْتِمالِ ما يَقُولُه المُصِيبُ.
وإن أنْكَرَ أن يكونَ خَرَق، فالقولُ قَوْلُه أيضًا مع يَمِينِه؛ لِما ذَكَرْنا.
الجزء: 15 - الصفحة: 56
وَإنْ عَرَضَ عَارِضٌ؛ مِنْ كَسْرِ قَوْسٍ، أَوْ قَطْعِ وَتَرٍ، أَوْ رِيحٍ
فصل: إذا شَرَطا خاسِقًا، فوَقَعَ السَّهْمُ في ثَقْبٍ في الغَرَضِ، أو مَوْضِعٍ بالٍ، فثَقَبَه وثَبَت في الهَدَفِ مُعَلَّقًا في الغَرَضِ؛ فإن كان الهَدَف صُلْبًا كصَلابَةِ الغَرَضِ، حُسِب له؛ لأنَّه عُلِم أنَّه لو كان الغَرَضُ صَحِيحًا، لثَبَتَ فيه، وإن كان الهَدَفُ تُرابًا أُهِيلَ، لم يُحْتَسَبْ له ولا عليه؛ لأنا لا نَعْلَمُ هل كان يَثْبُتُ في الغَرَضِ لو أصاب مَوْضِعًا منه قَويًّا أو لا؟ وإن صادَفَ السَّهْمَ في ثَقْبٍ في الغَرَضِ قد ثَبَت في الهَدَفِ مع قِطْعَةٍ مِن الغَرَضِ؛ فقال.
الرّامِي: خَسَقْتُ، وهذه الجِلْدَةُ قَطَعَها سَهْمِي لشِدَّةِ الرَّمْيَةِ.
فأنْكَرَ الآخرُ، وقال: بل كانت مَقْطُوعَةً.
فإن عُلِم أنَّ الغَرَضَ كان صَحِيحًا، فالقولُ قولُ الرّامِي، وإنِ اخْتَلَفا، فذَكَرَ القاضي أنَّها كالتي قبلَها؛ إن كانْ الهدَفُ رِخْوًا [لم يُعْتَدَّ به] (1)، وإن كان قَويًّا صُلْبًا اعْتُدَّ به.
وإن وَقَع سَهْمُه في سَهْمٍ ثابِتٍ في الغَرَضِ، اعْتُدَّ له به إن كان شَرْطُهما خَواصِلَ، وإن كان خَواسِقَ، لم يُحْتَسَبْ له ولا عليه؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ يَقِينًا أنَّه لولا فُوقُ السَّهْمِ الثّابِتِ لخَسَقَ.
وإن أصابَ السَّهْمَ ثم سَبَح عنه فخَسَقَ، احْتُسِبَ له به.
2251 -
مسألة: (وإن عَرَض عارِضٌ؛ مِن كَسْرِ قَوْسٍ، أو
863 الحديث: 2251 - الجزء: 15 - الصفحة: 57
شَدِيدَةٍ، لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيهِ بِالسَّهْمِ.
قَطْعِ وَتَرٍ، أو رِيحٍ شَدِيدَةٍ، لم يُحْتَسَبْ عليه بالسَّهْمِ) إذا أخْطَأ لعارِضٍ ممّا ذَكَرْنا، أو حَيَوانٍ اعْتَرَضَ بينَ يَدَيه، أو رِيحٍ شَدِيدَةٍ تَرُدُّ السَّهْمَ عَرْضًا، لم يُحْتَسَبْ عليه بذلك السَّهْمِ؛ لأنَّ خَطَأَه للعارِضِ، لا لسُوءِ رَمْيِه.
قال القاضي: ولو أصاب لم يُحْتَسَبْ له، لأنَّه إذا لِم يُحْتَسَبْ عليه، لم يُحْتَسَبْ له؛ لأنَّ الرِّيحَ الشَّدِيدَةَ كما يَجُوزُ أن تَصْرِف الرَّمْيَ الشَّدِيدَ فيُخْطِيء، يجوزُ أن تَصْرِفَ السَّهْمَ المُخْطِئَ عن خَطَئِه فيَقَعَ مُصِيبًا، فتكونَ إصابَتُه بالرِّيحِ، لا بحِذْقِ رَمْيِه.
فأمّا إن وَقَع السَّهْمُ في حائِلٍ بينَه وبينَ الغَرَضِ فمَرَقَه وأصاب الغَرَضَ، حُسِب له، لأنَّ إصابَتَه لسَدادِ رَمْيِه، ومُروقَه لقُوَّتِه، فهو أوْلَى مِن غيرِه.
وإن كانتِ الرِّيحُ لَيِّنَةً لا تَرُدُّ السَّهْمَ عادَةً، لم يُمْنَعْ، لأنَّ الجَوَّ لا يَخْلُو مِن رِيحٍ، ولأنَّ الرِّيحَ اللَّيِّنةَ لا تُوثِّرُ إلَّا في الرَّمْي الرِّخْو الذي لا يُنْتَفَعُ به.
فصل: إذا قال رجلٌ لآخَرَ: ارْمِ هذا السَّهْمَ، فإن أصَبْتَ به فلك
الجزء: 15 - الصفحة: 58
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
دِرْهَمٌ.
صَحَّ، وكان جَعالةً؛ لأنَّه بَذَل مالًا في فِعْل له فيه غَرَضٌ 864 صَحِيحٌ، ولم يكُنْ نِضالًا؛ لأنَّ النِّضال يكونُ بينَ اثْنَين أو جَماعَةٍ على أن يَرْمُوا جَمِيعًا، ويكونُ الجُعْلُ لبَعْضِهم إذا كان سابِقًا.
وإن قال: إن أصَبْتَ به فلك دِرْهَمٌ، وإن أخْطَأْتَ فعليك دِرْهَمٌ 865. لم يَصحَّ، لأنَّه قِمارٌ.
وإن قال: ارْمِ عَشَرَةَ أسْهُمٍ، فإن كان صَوابُك أكْثَرَ مِن خَطَئِك، فلك دِرْهَم.
صَحَّ؛ لأنَّه جَعَل الجُعْلَ في مُقابَلَةِ إصابَةٍ مَعْلُومَةٍ، فإنَّ أكثَرَ العَشرَةِ أقَلُّه سِتَّةٌ، وليس ذلك مَجْهُولًا؛ لأنَّه بالأقَلِّ يَسْتَحِقُّ الجُعْلَ.
وإن قال: إن كان صَوابُك أكْثَرَ، فلك بكلِّ سَهْمٍ أصَبْتَ به دِرْهَمٌ.
صَحَّ.
وكذلك إن قال: ارْمِ عَشَرَةً ولك بكلِّ سَهْمٍ أصَبْتَ به منها دِرْهَمٌ.
أو قال: فلك بكلِّ سَهْمٍ زائِدٍ على النِّصْفِ مِن المُصِيباتِ دِرْهَمٌ 866. لأن الجُعْلَ مَعْلُومٌ بتَقْدِيرِه بالإِصابَةِ، فأشْبَهَ ما لو قال: اسْتَقِ لي مِن هذا البئْرِ، ولك بكل دَلْوٍ تَمْرَةً.
أَو قال: مَن رَدَّ عَبْدًا مِن عَبِيدِي، فله بكلِّ عَبْدٍ درْهَمٌ.
وإن قال: إن كان خَطَؤُك أكْثَرَ، فعليك درْهَمٌ.
أو نحوَ هذا، لَم يَجُزْ؛ لأنَّه قِمارٌ.
وإن قال: ارْمِ عَشَرَةً، فإن أخْطَأْتَها فعليك دِرْهَمٌ.
أو نحوَ هذا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الجُعْلَ يكونُ في مُقابَلَةِ عَمَل، ولم يُوجَدْ مِن المُقابِلِ 867 عَمَلٌ فيَسْتَحِقُّ به شيئًا.
وكذلك 868 لو قال الرّامِي لأجْنَبِيٍّ:
الجزء: 15 - الصفحة: 59
وَإنْ عَرَضَ مَطَرٌ أوْ ظُلْمَةٌ، جَازَ تَأْخِيرُ الرَّمْي.
إن أخْطَأْتَ فلك دِرْهَمٌ.
لم يَجُزْ؛ لذلك.
فصل: وإن شَرَطا أن يَرْمِيا أرْشاقًا كَثِيرَةً، جاز؛ لأنَّه إذا جاز على القَلِيلِ جاز على الكَثِيرِ، ولا بُدَّ أن تكونَ مَعْلُومَةً.
فإن شَرَطا أن يَرْمِيا منها كلَّ يَوْم قَدْرًا اتَّفَقا عليه، جاز؛ لأنَّ الغَرَضَ في ذلك صَحِيحٌ، فإنَّهما أو أحَدَهما قد يَضْعُفُ عن الرَّمْي كلِّه مع حِذْقِه.
وإن أطْلَقا العَقْدَ، جاز، وحُمِل على التَّعْجِيلِ والحُلُولِ، كسائِرِ العُقُودِ، فيَرْمِيان مِن أوَّلِ النَّهارِ إلى آخِرِه، إلَّا أن يَعْرِضَ عُذْرٌ يَمْنَعُ؛ مِن مَرَضٍ، أو عُذْرٍ، كرِيحٍ تُشَوِّشُ السِّهامَ، أو لحاجَةٍ إلى طَعامٍ أو شَرابٍ أو صلاةٍ أو قَضاءِ حاجَةٍ؛ لأنَّ هذه مُسْتَثْناةٌ بالعُرْفِ.
وإذا جاء اللَّيلُ تَرَكاه؛ لأنَّ العادَةَ تَرْكُ الرَّمْي بالليلِ، فحُمِلَ العَقْدُ عليه مع الإطْلاقِ، إلَّا أن يَشْتَرِطاه ليلًا، فيَلْزَمَ.
فإن كانَتِ اللَّيلَةُ مُقْمِرَةً مُنِيرَةً، اكْتَفِيَ بذلك، وإلَّا رَمَيَا في ضَوْءِ شَمْعَةٍ أو مِشْعَلٍ.
2252 -
مسألة: (وإن عَرَض مَطرٌ أو ظُلْمَةٌ، جاز تَأْخِيرُ الرَّمْي)
لأنَّ المَطَرَ يُرْخِي الوَتَرَ ويُفْسِدُ الرِّيشَ.
وإن عَرَض ظُلْمَةٌ، كمَجِئِ اللَّيلِ، تَرَكا الرَّمْيَ إلى الغَدِ؛ لأنَّ العادَةَ الرَّمْيُ نَهارًا، إلَّا أن يَشْتَرِطا الرَّمْيَ ليلًا، فيَأخُذُ أحَدُهما صاحِبَه بذلك، وقد ذَكَرْناه في الفَصْلِ قبلَه.
الحديث: 2252 - الجزء: 15 - الصفحة: 60
وَيُكْرَهُ لِلْأَمِينِ وَالشُّهُودِ مَدْحُ أَحَدِهِمَا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ صَاحِبِهِ.
2253 - مسألة
الحديث: 2253 - الجزء: 15 - الصفحة: 61