كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كتابُ الأيمان
والأصْلُ في مَشْرُوعِيَّتِها وثُبوتِ حُكْمِها، الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكِتابُ، فقولُه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ﴾ 1. الآية.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ 2. وأمَرَ نَبِيَّه - صلى الله عليه وسلم - بالحَلِفِ في ثَلاثةِ مَواضِعَ، فقال: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ 3. وقال سبحانَه: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ 4. وقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ 5. وأمَّا السُّنَّةُ، فقولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنِّي وَاللهِ، إنْ شَاءَ اللهُ، لَا أحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، إلَّا أَتَيتُ الَّذِي هُوَ
الجزء: 27 - الصفحة: 421
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خَيرٌ وتَحَلَّلْتُهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 6. وكان أكثرُ قَسَمِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَمُصَرِّفِ القُلُوبِ» 7. «وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ» 8. ثَبَت هذا عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، في آيٍ وأخْبارٍ سِوَى هذَين كثيرٍ.
وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على مَشْرُوعِيَّةِ اليَمِينِ، وثُبوتِ أحْكامِها.
ووَضْعُها في الأصْلِ لتَوْكيدِ 9 المَحْلوفِ عليه.
فصل: وتَصِحُّ مِن كلِّ مُكَلَّفٍ مُخْتارٍ قاصِدٍ إلى اليمينِ، ولا تَصِحُّ مِن غيرِ مُكَلَّفٍ، كالصَّبِيِّ والمجنونِ والنائمَ؛ [لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ» 10. ولأنَّه قولٌ 11 يَتَعَلَّقُ به وجوبُ حَقٍّ، فلم يَصِحَّ من غيرِ مُكَلَّفٍ] 12، كالإِقْرارِ.
وفي السَّكْرانِ وَجْهان، بِناءً على [أنَّه هل هو] 13
الجزء: 27 - الصفحة: 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُكَلَّفٌ، [أو غيرُ مُكَلَّفٍ] 14؟ ولا تَنْعَقِدُ يَمِينُ مُكْرَهٍ.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَنْعَقِدُ؛ لأنَّها يَمِينُ مُكَلَّفٍ، فانْعَقَدَتْ، كيَمِينِ المُخْتارِ.
ولَنا، ما روَى أبو أُمامَةَ، وواثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيسَ عَلَى مَقْهُورٍ يَمِينٌ» 15. ولأنَّه قولٌ حُمِلَ عليه بغيرِ حَقٍّ، فلم يَصِحَّ، ككلمَةِ الكُفْرِ.
فصل: وتَصِحُّ من الكافِرِ، وتَلْزَمُه الكَفَّارَةُ بالحِنْثِ، سَواءٌ حَنِث في كُفْرِه أو بعدَ إسْلامِه.
وبه قال الشافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، إذا حَنِث بعدَ إسْلامِه.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي: لا تَنْعَقِدُ يَمِينُه؛ لأنَّه ليس بمُكَلَّفٍ.
ولَنا، أنَّ عمرَ نَذَر في الجاهِلِيَّةِ أن يَعْتَكِفَ في المسجدِ الحرامِ، فأمَرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالوَفاءِ بنَذْرِه 16. ولأنَّه من أهْلِ القَسَمِ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ 17. ولا نُسَلِّمُ أنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، وإنَّما تَسْقُطُ عنه العِباداتُ بإسْلامِه؛ لأنَّ الإِسْلامَ يَجُبُّ ما قبلَه، فأمَّا ما الْتَزَمه بنَذْرِه أو يَمِينِه، فيَنْبَغِي أن يَبْقَى حُكْمُه في حَقِّه؛ لأنَّه من جِهَتِه.
الجزء: 27 - الصفحة: 423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والأيمانُ تَنْقَسِمُ خمسةَ أقْسامٍ؛ أحدُها، واجِبٌ، وهي التي يُنْجِي بهِا إنْسانًا مَعْصومًا مِن هَلَكَةٍ، كما رُوِيَ عن سُويَدِ 18 بنِ حَنْظَلَةَ، قال: خرَجْنا نُرِيدُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، ومعنا وائلُ بنُ حُجْرٍ، فأَخَذَه عَدُوٌّ له، فتَحَرَّجَ القومُ أن يَحْلِفُوا، وحَلَفَتُ أنا أنَّه أخِي، فذَكَرْتُ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَدَقْتَ، الْمُسْلِمُ أخُو الْمُسْلِمِ».
رَواه أبو داودَ 19. فهذا وأشباهُه واجِبٌ؛ لأنَّ إنْجاءَ المعْصومِ واجِبٌ، وقد تَعَيَّنَ في اليَمِينِ، فيَجِبُ، وكذلك إنْجاءُ نَفْسِه، مثلَ أن تَتَوَجَّهَ أيمانُ القَسامَةِ في دَعْوَى القتلِ عليه، وهو بَرِئٌ.
الثاني، مَنْدُوبٌ، وهو الحَلِفُ الذي تَتَعَلَّقُ به مَصْلَحَةٌ؛ مِن إصْلاحٍ بينَ مُتَخاصِمَين، أو إزالةِ حِقْدٍ مِن قلبِ مسلمٍ عن الحالِفِ أو غيرِه، أو في دَفْعِ شَرٍّ، فهذا مَنْدُوبٌ؛ لأنَّ فِعْلَ هذه الأمُورِ مندوبٌ إليه، واليَمِينَ مُفْضِيَةٌ إليه.
وإن حَلَفَ على فِعْلِ طاعَةٍ، أو تَرْكِ مَعْصِيَةٍ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، أنَّه مَنْدوبٌ إليه.
وهو قولُ بعضِ أصْحابِنا، وأصحابِ الشافِعِيِّ؛ لأنَّ ذلك يَدْعُوه إلى فِعْلِ الطَّاعاتِ؛ وتَرْكِ المَعاصِي.
والثاني، ليس بمنْدوبٍ إليه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابَه لم يكونُوا يَفْعَلُون ذلك في الأكثرِ الأغْلَبِ، ولا حَثَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أحدًا عليه، ولا نَدَبَهُم إليه، ولو كان ذلك طاعَةً لم يُخِلُّوا به، ولأن ذلك يَجْرِي مَجْرَى النَّذْرِ، وقد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن النَّذْرِ، وقال: «إنَّهُ لَا
الجزء: 27 - الصفحة: 424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَأْتِي بِخَيرٍ، وإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ».
مُتَّفَقٌ عليه 20. الثالثُ، المُباحُ، مثل الحَلِفِ على فِعْلٍ مُباحٍ أو تَرْكِه، والحَلِفِ على الخَبَرِ بشيءٍ هو صادِقٌ فيه، أو يَظُنُّ أنَّه فيه صادِقٌ، فإنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ 21. ومِن صُورِ اللَّغْو أن يَحْلِفَ على شيءٍ يَظُنُّه كما حَلَف، ويَبِينَ بخِلافِه.
الرابعُ، المَكْرُوهُ، وهو الحَلِفُ على مَكْرُوهٍ، أو تَرْكِ مندوبٍ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَينَ النَّاسِ﴾ 22. ورُوِيَ أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِيَ اللهُ عنه، حَلَفَ لا يُنْفِقُ على مِسْطَحٍ بعدَ الذي قال لعائِشةَ ما قال، وكان مِن أهلِ الإفْكِ، فأنْزَلَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ 23. قيلَ: المرادُ بقولِه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾.
أي
الجزء: 27 - الصفحة: 425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يَمْتَنِعْ.
ولأنَّ اليمينَ على ذلك مانِعَةٌ مِن فِعْلِ الطَّاعَةِ، أو 24 حامِلَةٌ على فِعْلِ المَكْرُوهِ، فتكونُ مَكْرُوهَةً.
فإن قيلَ: لو كانت مَكْرُوهَةً لأنْكَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على الأعْرابِيِّ الذي سَألَه عن الصَّلواتِ، فقال: هل عليَّ غيرُها؟ فقال: «لَا، إلَّا أنْ تَطَوَّعَ».
فقال: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ لا أَزِيدُ عليها ولا أنْقُضُ منها.
ولم يُنْكِرْ عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، بل قال: «أفْلَحَ الرَّجُلُ إنْ صَدَقَ» 25. قُلْنا: لا يلزَمُ هذا، فإنَّ اليَمِينَ على تَرْكِها، [لا تَزِيدُ على] 26 تَرْكِها، ولو تَرَكَها، لم يُنْكَرْ عليه، ويَكْفِي في ذلك بَيانُ أنَّ ما تَرَكَه تَطَوُّعٌ، وقد بَيَنّهَ له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقَوْلِه: «إلَّا أنْ تَطَوَّعَ».
ولأنَّ هذه اليَمِينَ إن تَضَمَّنَتْ تَرْكَ المنْدوبِ، فقد تَناوَلَتْ فِعْلَ الواجِبِ، والمُحافَظَةَ عليه كلِّه، بحيثُ لا يَنْقُصُ منه شيئًا، وهذا في الفَضْلِ يَزِيدُ على ما قابَلَه مِن تَرْكِ التَّطَوُّعِ، فيَتَرَجَّحُ جانِبُ الإِتْيانِ بها على تَرْكِها، فيكونُ مِن قِبَلِ المندُوبِ، فكيفَ يُنْكَرُ! ولأنَّ في الإِقْرارِ على هذه اليَمِينِ بَيانَ حُكْمٍ يُحْتاجُ إليه، وهو بَيانُ أنَّ تَرْكَ التَّطَوُّعِ غيرُ مُؤاخَذٍ به، ولو أنْكَرَ على الحالِفِ هذا، لحَصَلَ ضِدُّ هذا، وتَوَهَّمَ كثيرٌ مِن الناسِ لُحوقَ الإِثْمِ بتَرْكِه، فيَفُوتُ الغَرَضُ.
ومِن قِسْمِ المَكْرُوهِ الحَلِفُ في البَيعِ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الحَلِفُ مُنْفِقٌ للسِّلْعَةِ، مُمْحِقٌ
الجزء: 27 - الصفحة: 426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للبَرَكَةِ».
رَواه ابنُ ماجَه 27. القِسمُ الخامِسُ، المُحَرَّمُ، وهو الحَلِفُ الكاذِبُ، فإنَّ اللهَ تعالى ذَمَّه بقَوْلِه سبحانَه: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ 28. ولأنَّ الكَذِبَ حَرامٌ، فإذا كان مَحْلُوفًا عليه، كان أشَدَّ في التَّحْريمِ.
وإن أبْطَلَ به حَقًّا، واقْتَطَعَ به مال مَعْصُومٍ، كان أشَدَّ، فإنَّه رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَاجِرَةٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَال مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيهِ غَضْبانُ» مُتَّفَقٌ على مَعْناه 29. وأنْزَلَ اللهُ تعالى في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ يَوْمَ
الجزء: 27 - الصفحة: 427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} 30. ومِن هذا القِسْمِ الحَلِفُ على مَعْصِيَةٍ، أو تَرْكِ واجِبٍ، فإنَّ المَحْلُوفَ عليه حَرامٌ، فكان الحَلِفُ حَرامًا؛ لأنَّه وَسِيلَةٌ إليه، والوَسِيلَةُ تَأْخُذُ حُكْمَ المُتَوَسَّلِ إليه.
فصل: ومتى كانتِ اليَمِينُ على فِعْلِ واجِبٍ، أو تَرْكِ مُحَرَّمٍ، كان حَلُّها مُحَرَّمًا؛ لأنَّ حَلَّها بفعلِ المُحَرَّمِ، وهو مُحَرَّمٌ.
وإن كانت على منْدوبٍ، أو تَرْكِ مَكْرُوهٍ، فحَلُّها مَكْرُوهٌ، وإن كما نت على مُباحٍ، فحَلُّها مُباحٌ.
فإن قيلَ: فكيف يكونُ حَلُّها مُباحًا، وقد قال اللهُ سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ 31. [قُلْنا: هذا في الأيمانِ في العُهودِ والمواثيقِ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾] 32. إلى قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيمَانَكُمْ دَخَلًا بَينَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ 33. والعَهْدُ يجبُ الوَفاءُ به بغيرِ يَمِينٍ، فمع اليَمِينِ أوْلَى، فإنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾.
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ 34. ولهذا نَهى عن نَقْضِ اليَمِينِ، والنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وذَمَّهم عليه، وضَرَب لهم مَثَلَ التي نَقَضتْ غَزْلَها مِن بعدِ قُوَّةٍ
الجزء: 27 - الصفحة: 428
وَالْيَمِينُ الَّتى تَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ، هِيَ الْيَمِينُ بالله تِعَالى، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ.
أنْكاثًا، ولا خِلافَ في أنَّ الحَلَّ (1) المُخْتَلَفَ فيه لا يَدْخُلُه شيءٌ مِن هذا.
وإن كانت على فِعْلِ مَكْرُوهٍ، أو تَرْكِ مَنْدُوبٍ، فحَلُّها مندوبٌ إليه، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وكَفِّرْ عَنْ يَميِنِكَ» (2). وقال - عليه السلام -: «إنِّي وَاللهِ، إنْ شَاءَ اللهُ، لَا أحْلِفَ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، إلَّا أَتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وتَحَلَّلْتُهَا» (3). وإن كانتِ اليَمِينُ على فِعْلِ مُحَرَّمٍ، أو تَرْكِ واجِبٍ، فحَلُّها واجِبٌ؛ لأنَّ حَلَّها بفِعْلِ الواجِبِ، وفعلُه واجِبٌ.
4680 -
مسألة: (واليمينُ التي تَجِبُ بها الكَفَّارَةُ، هي اليمينُ باللهِ تعالى، أو صِفَةٍ مِن صِفاتِه)
أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ مَن حَلَف بالله تعالى، فقال: واللهِ.
أو: باللهِ.
أو: تاللهِ.
فحَنِثَ، أنَّ عليه الكَفَّارَةَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 38: وكان مالكٌ، وأبو عُبَيدٍ، والشافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ،353637
الحديث: 4680 - الجزء: 27 - الصفحة: 429
وَأَسْماءُ اللهِ تَعَالى قِسْمَانِ، أَحَدُهُمَا، مَا لَا يُسَمَّى بِهِ غَيرُهُ، نَحْوَ: واللهِ، وَالْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ، وَالْأَوَّلِ الَّذِي لَيسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَالْآخِرِ الَّذِي لَيسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، وَخَالِقِ الْخَلْقِ، وَرَازِقِ الْعَالمِينَ.
فَهَذَا الْقَسَمُ بِهِ يَمِينٌ بِكُلِّ حَالٍ.
والثَّاني، مَا يُسَمَّى به غَيرُهُ، وَإِطْلَاقُهُ يَنْصَرِفُ إِلَى اللهِ تعالى؛ كَالرَّحْمَنِ، وَالرَّحِيمِ، وَالْعَظِيمِ، وَالْقَادِرِ، وَالرَّبِّ، وَالْمَوْلَى، وَالرَّزَّاقِ وَنَحْوهِ.
وأصحابُ الرَّأْي، يقولُون: مَن حَلَف باسمٍ مِن أسماءِ الله تعالى، فحَنِثَ، فعليه الكَفَّارَةُ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا، إذا كان مِن أسماءِ اللهِ التي لا يُسَمَّى بها سِوَاه.
4681 -
مسألة: (وأسماءُ اللهِ تعالى قِسْمان؛ أحدُهما، ما لا يُسَمَّى به غيرُه، نحوَ: واللهِ، والقديمِ الأزَليِّ، والأوَّلِ الذي ليس قبلَه شيءٌ، والآخِرِ الذي ليس بعدَه شيءٌ، وخالقِ الخَلْقِ، ورازِقِ العالمِينَ.
فهذا القَسَمُ به يَمِينٌ بكلِّ حالٍ)
وكذلك قوْلُه: ورَبِّ العالمِين، ورَبِّ السَّمَواتِ، والحَيِّ الذي لا يَمُوتُ (الثاني، ما يُسَمَّى به غيرُه، وإطْلاقُه يَنْصَرِفُ إلى اللهِ تعالى؛ كالعَظيمِ، والرَّحيمِ، والرَّبِّ، والمَوْلَى، والرَّازِقِ، ونحوه) فأمَّا الرحمنُ، فذكَرَه شيخُنا مِن هذا القِسمِ في الكتابِ
الحديث: 4681 - الجزء: 27 - الصفحة: 430
فَهَذَا إِنْ نَوَى بِالْقَسَمِ بِهِ اسْمَ اللهِ تَعَالى، أَوْ أَطْلَقَ، فَهُوَ يَمِينٌ، وَإِنْ نوَى غَيرَه، فَلَيسَ بِيَمِينٍ.
المشْروحِ، وذكَره في كتابِ «المُغْنِي» (1) مِن القِسْمِ الأوَّلِ، وهو أَوْلَى؛ لأنَّ ذلك إنَّما كان يُسَمَّى به غيرُ اللهِ تعالى مُضافًا، كقَوْلِهم في مُسَيلِمَةَ: رَحْمانُ اليَمامَةِ.
أمَّا إذا أُطْلِقَ، فلا يَنْصَرِفُ إلَّا إلى اللهِ تعالى، فهذا القِسْمُ الذي يُسَمَّى به غيرُ اللهِ مَجازًا، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ (2). و ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ (3). وقال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ (4). وقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (5).
4682 -
مسألة: (فهذا إن نَوَى بِالقَسَمِ به اسْمَ اللهِ تعالى، أو أطْلَقَ، كان يَمِينًا)
لأنَّه بإطْلَاقِه يَنْصَرِفُ إليه [وإن نَوَى غيرَه، فليس بيَمِينٍ]) لأنَّه يَسْتَعْمِلُه في غيرِه فيَنْصَرِفُ إليه] 44 بالنِّيَّةِ.
وهذا مذهبُ3940414243
الحديث: 4682 - الجزء: 27 - الصفحة: 431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشافِعِيِّ.
وقال طَلْحَةُ العَاقُولِيُّ: إذا قال: والرَّبِّ، والخالِقِ، والرَّازِقِ.
كان يَمِينًا على كُلِّ حالٍ، كالأوَّلِ؛ لأنَّها 45 لا تُسْتَعْمَلُ مع التَّعْريفِ باللامِ إلَّا في اسْم اللهِ تعالى، فأشْبَهَتِ القِسْمَ الأوَّلَ.
الجزء: 27 - الصفحة: 432
وَأَمَّا مَا لَا يُعَدُّ مِنْ أَسْمَائِهِ، كَالشَّيْءِ، وَالْمَوْجُودِ، فَإِنْ لَمْ يَنْو بِهِ اللهَ تَعَالى، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، وَإِنْ نَوَاهُ، كَانَ يَمِينًا.
وَقَال الْقَاضِي: لَا يَكُونُ يَمِينًا أَيضًا.
4683 - مسألة: (وأمَّا ما لا يُعَدُّ مِن أسْمائِه، كالشيءِ والمَوْجُودِ)
والحَيِّ، والعالِمِ، والمُؤْمِنِ، والكريمِ، والشَّاكِرِ (فإن لم يَنْو به اللهَ تعالى) أو نَوَى غيرَه (لم يَكُنْ يَمِينًا، وإن نَوَاه، كان يَمِينًا) فيَخْتَلِفُ هذا القِسْمُ والذي قبلَه في حالةِ الإِطْلاقِ، ففي الأوَّلِ يكونُ يَمِينًا، وفي الثاني لا يكونُ يَمِينًا (وقال القاضي) والشافعيُّ في هذا القِسْمِ: (لا يكونُ يَمِينًا أيضًا) وإن قَصَد به اسمَ اللهِ تعالى؛ لأنّ اليَمِينَ إنَّما تَنْعَقِدُ لِحُرْمَةِ 46 الاسْمِ، فمع الاشْتِراكِ لا يكونُ له حُرْمَةٌ، والنِّيةُ المُجَرَّدَةُ لا تَنْعَقِدُ بها اليَمِينُ.
ولنا، أنَّه أقْسَم باللهِ قاصدًا به الحَلِفَ، فكان يمينًا مُكَفَّرةً، كالقِسْمِ الذي قبلَه.
وقولُهم: إنَّ النِّيةَ المُجَرَّدَةَ لَا تَنْعَقِدُ
الحديث: 4683 - الجزء: 27 - الصفحة: 433
وَإِنْ قَال: وَحَقِّ اللهِ، وَعَهْدِ اللهِ، وَايمُ اللهِ، وَأَمَانَةِ اللهِ، وَمِيثَاقِهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَكِبْرِيَائِهِ، وَجَلَالِهِ، وَعِزَّتِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهُوَ يَمِينٌ.
وَإِنْ قَال: وَالْعَهْدِ، وَالْمِيثَاقِ، وَسَائِرَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُضِفْهُ إِلَى اللهِ تَعَالى، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، إلا أَنْ يَنْويَ صِفَةَ اللهِ تَعَالى.
وَعَنْهُ، يَكُونُ يَمِينًا.
بها اليَمينُ.
نقولُ به، وما انْعَقَدَ بالنّيةِ المُجردةِ، وإنَّما انعقَدَ بالاسْمِ المُحْتَمِلِ المُرادِ به اسمُ اللهِ تعالى، فإنَّ النِّيَّةَ تَصْرِفُ اللَّفْظَ المُحْتَمِلَ إلى 47 أحَدِ مُحْتَملاتِه، فيَصِيرُ كالمُصَرَّحِ به، كالكناياتِ، ولهذا لو نَوَى بالقِسْمِ الذي قبلَه غيرَ اللهِ، لم يَكُنْ يَمِينًا لنِيَّتِه.
4684 -
مسألة: (وإن قال: وحَقِّ اللهِ، وعَهْدِ اللهِ، وايمُ اللهِ، وأمانَةِ اللهِ، ومِيثاقِه، وقُدْرَتِه، وعَظَمَتِه، وكِبْرِيائِه، وجَلالِه، وعِزَّتِه، ونَحْوَ ذلك، فهو يَمِينٌ.
وإن قال: والعَهْدِ، والميثاقِ، وسائِرَ ذلك، ولم يُضِفْه إلى اللهِ تعالى، لم يَكُنْ يَمِينًا، إلَّا أن يَنْويَ صِفَةَ الله تعالى.
وعنه، يكونُ يَمِينًا)
إذا قال: وحَقِّ اللهِ.
فهي يَمينٌ مُكَفَّرَةٌ.
وبه قال مالكٌ،
الحديث: 4684 - الجزء: 27 - الصفحة: 434
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشافِعِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا كَفَّارَةَ لها؛ لأنَّ حَقَّ اللهِ طاعَتُه ومَفْرُوضاتُه، وليست صِفَةً له.
ولَنا، أنَّ للهِ حُقوقًا يَسْتَحِقُّها لنَفْسِه؛ مِن البَقاءِ، والعَظَمَةِ، والجَلالِ، والعِزَّةِ، وقد اقْتَرَنَ عُرْفُ الاسْتِعْمالِ بالحَلِفِ بهذه الصِّفَةِ، فيَنْصَرِفُ إلى صِفَةِ اللهِ تعالى، كقَوْلِه: وقُدْرَةِ 48 اللهِ.
وإن نَوَى بذلك القَسَمَ بمَخْلُوقٍ، فالقولُ فيه كالقَوْلِ في الحَلِفِ بالعلمِ والقُدْرَةِ، إلَّا أنَّ احْتِمال المَخْلُوقِ بهذا اللَّفْظِ أظْهَرُ.
وإن قال: وعَهْدِ اللهِ، وكَفالتِه.
فذلك يَمِينٌ، يجبُ تَكْفِيرُها إذا حَنِثَ فيها.
وبهذا قال الحسنُ، وطاوسٌ، والشَّعْبِيُّ، والحارِثُ العُكْلِيُّ، وقَتادَةُ، والحَكَمُ، والأوْزاعِيُّ، ومالكٌ.
وقال عطاءٌ، وابنُ المُنْذِرِ، وأبو عُبَيدٍ: لا يكونُ يَمِينًا إلَّا أن يَنْويَ.
وقال الشافِعيُّ.
لا يكونُ يَمِينًا إلَّا أن يَنْويَ اليَمِينَ بعَهْدِ اللهِ الذي هو صِفَتُه.
وقال أبو حنيفةَ: ليس بيَمِينٍ.
ولَعَلَّهُم ذَهَبُوا إلى أنَّ العَهْدَ مِن صِفاتِ الفعْلِ، فلا يكونُ الحَلِفُ به يَمِينًا،
الجزء: 27 - الصفحة: 435
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كما لو قال: وحَقِّ (1) اللهِ.
وقد وافَقَنا أبو حنيفةَ في أنَّه إذا قال: عَلَيَّ عَهْدُ اللهِ ومِيثاقُه.
ثم حَنِثَ، أنَّه تَلْزَمُه الكَفَّارَةُ.
ولَنا، أنَّ عَهْدَ اللهِ يِحْتَمِلُ كلامَه الذي أمَرَنا به ونَهانا عنه، لقولِه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ (2). وكلامُه قديمٌ صِفَةٌ له، ويَحْتَمِلُ أنَّه اسْتِحْقاقُه لِما تَعَبَّدَنا به، وقد ثَبَت له عُرْفُ الاسْتِعْمالِ، فيَجبُ أن يكونَ يَمِينًا بإطْلاقِه، كما لو قال: وكلامِ اللهِ.
إذا ثَبَت هذا، فإِنَّه إذا قال: عَلَيَّ عَهْدُ اللهِ ومِيثاقُه لأفْعَلَنَّ (3). أو قال: وعَهْدِ اللهِ ومِيثاقِه لأفْعَلَنَّ (3). فهو يَمِينٌ.
4685 -
مسألة: وإن قال: وايمُ اللهِ، أو: وَايمُنُ اللهِ.
فهي يَمِينٌ مُوجِبَةٌ للكَفَّارَةِ، وهو كالحَلِفِ بعَمْرِ اللهِ على ما نَذْكُرُه.
وقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُقْسِمُ به، وانْضَمَّ إليه عُرْفُ الاسْتِعْمالِ، فوَجَبَ أنْ يُصْرَفَ إليه.
واخْتُلِفَ في اشْتِقاقِه، فقيل: هو جَمْعُ يَمِينٍ، وحُذِفَتِ النُّونُ فيه في البعضِ تَخْفِيفًا لكَثْرَةِ الاسْتِعْمالِ.
وقيل: هو مِن اليَمِينِ، فكأنَّه قال: ويَمِين اللهِ لأفْعَلَنَّ.
وألِفُه ألِفُ وَصْلٍ.495051
الحديث: 4685 - الجزء: 27 - الصفحة: 436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
4686 - مسألة: وإن قال: وأمانَةِ اللهِ.
فقال القَاضِي: لا يَخْتَلِفُ المذهبُ في أنَّ الحَلِفَ بأمانَةِ اللهِ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: لا تَنْعَقِدُ اليَمِينُ بها، إلَّا أن يَنْويَ الحَلِفَ بِصِفَةِ اللهِ؛ لأنَّ الأمانةَ تُطْلَقُ على الفَرائِض والوَدائِعِ والحُقوقِ، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾
52. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ 53. يَعْنِي الوَدائِعَ والحُقوقَ.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أدِّ الأمَانَةَ إلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، ولَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» 54. وإذا كان اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لم يُصْرَفْ إلى أحَدِ مُحْتَمِلاتِه إلَّا بنِيَّتِه 55 أو دليلٍ صارِفٍ إليه.
ولَنا، أنَّ أمانَةَ اللهِ صِفَةٌ من صِفاتِه، بدليلِ وُجوبِ الكَفَّارَةِ على مَن حَلَف بها إذا نَوَى، [ويَجِبُ] 56 حَمْلُها على ذلك عندَ الإِطْلاقِ؛ لوُجوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ حَمْلَها على غيرِ ذلك صَرْفٌ ليَمِينِ المسلمِ إلى المَعْصِيَةِ،
الحديث: 4686 - الجزء: 27 - الصفحة: 437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو المَكْرُوهِ؛ لكَوْنِه قَسَمًا بمَخْلُوقٍ، والظَّاهِرُ من حالِ المسلمِ خِلَافُه.
الثاني، أنَّ القَسَمَ في العادَةِ يكونُ بالمُعَظَّمِ المُحْتَرَمِ دونَ غيرِه، وصِفَةُ اللهِ أعْظَمُ حُرْمَةً وقَدْرًا.
الثالِثُ، أنَّ ما ذكَرُوه من الفَرائِضِ والوَدائِعِ لم يُعْهَدِ القَسَمُ بها، ولا يُسْتَحْسَنُ ذلك لو صرّحَ به، فكذلك 57 لا يُقْسَمُ بما هو عِبارةٌ عنه.
الرابعُ، أنَّ أمانَةَ اللهِ المُضافَةَ إليه، هي صِفَتُه، وغيرُها يُذْكَرُ غيرَ مُضافٍ إليه، كما ذُكِرَ في الآياتِ والخَبَرِ.
الخامسُ، أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ في كلِّ أمانَةٍ للهِ 58؛ لأنَّ اسمَ الجِنْسَ إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، أفادَ الاسْتِغْراقَ، فتَدْخُلُ فيه أمانَةُ اللهِ التي هي صِفَتُه، فتَنْعَقِدُ اليَمِينُ بها مُوجِبَةً للكَفَّارَةِ، كما لو نَواها.
فصل: والقَسَمُ بصِفَاتِ اللهِ تعالى، كالقَسَمِ بأسْمائِه.
وصِفاتُه تَنْقَسِمُ ثلاثَةَ أقْسَامٍ؛ أحَدُها، ما هو صِفاتٌ لذاتِ اللهِ تعالى، لا يَحْتَمِلُ غيرَها، كعِزَّةِ اللهِ، وعَظَمَتِه، وجَلَالِه، وكِبْرِيائِه، وكَلامِه، فهذه تَنْعَقِدُ بها اليَمِينُ في قَوْلِهم جميعًا.
وبه يقولُ الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ هذه مِن صِفاتِ ذَاتِه، لم يَزَلْ مَوْصُوفًا بها، وقد وَرَد الأثَرُ بالقَسَمِ ببَعْضِها، فرُويَ أنَّ النَّارَ تقولُ: «قَطِ قَطِ 59، وعِزَّتِكَ».
روَاه البُخَارِيُّ 60. والذي يَخْرُجُ مِن النَّارِ يقولُ: «وعِزَّتِكَ، لَا
الجزء: 27 - الصفحة: 438
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أسْأَلُكَ غَيرَها» 61. وفي كتابِ اللهِ تعالى: ﴿قَال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ 62. الثاني، ما هو صِفَةٌ للذَّاتِ، إلَّا أنَّه يُعَبَّرُ به عن غيرِها مَجازًا، كعِلْمِ اللهِ وقُدْرَتِه، فهذه صِفَةٌ للذَّاتِ لم يَزَلْ مَوْصُوفًا بها، وقد تُسْتَعْمَلُ في المَعْلُومِ والمَقْدُورِ اتِّساعًا 63، كقولِهم: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا عِلْمَك فينا.
ويقالُ: اللَّهُمَّ قد أرَيتَنا قُدْرَتَك، فأَرِنَا عَفْوَكَ.
ويُقالُ: انْظُرُوا إلى قُدْرَةِ اللهِ.
أي مَقْدُورِه.
فمتى أقْسَمَ بهذا، كان يَمِينًا.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا قال: وعِلْمِ اللهِ.
لا يكونُ يَمِينًا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ المَعْلُومَ.
ولَنا، أنَّ العِلْمَ من صِفاتِ الله تعالى، فكانتِ اليَمِينُ به يَمِينًا مُوجِبَةً للكَفَّارَةِ، كالعَظَمَةِ، والعِزَّةِ، والقُدْرَةِ، ويَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه بالقُدْرَةِ، فإنَّهم قد سَلَّمُوها، وهي قَرِينَتُها.
فأمَّا إن نوَى القَسَمَ بالمَعْلُومِ والمَقْدُورِ، احْتَمَلَ أن لا يكونَ يَمِينًا.
وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه نَوَى بالاسمِ غيرَ صِفَةِ اللهِ تعالى، مع احْتِمالِ اللَّفْظِ ما = الأيمان، وفي: باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، من كتاب التوحيد.
صحيح البخاري 6/ 173، 8/ 168، 9/ 143: ولم يرد في الموضع الأول: «وعزتك».
كما أخرجه الترمذي، في: باب ومن سورة ق، من أبواب التفسير.
عارضة الأحوذي 12/ 159، 160. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 134، 141، 234.
الجزء: 27 - الصفحة: 439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَوَاه، فأَشْبَهَ ما لو نَوَى القَسَمَ بمَخْلُوقٍ في الأسْماءِ التي يُسَمَّى بها غيرُ اللهِ تعالى.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ أنَّ ذلك يكونُ يَمِينًا بكلِّ حالٍ، ولا يُقْبَلُ منه نِيَّةُ غيرِ صِفَةِ.
اللهِ، كالعَظَمَةِ.
وقد ذَكَر طَلْحَةُ العاقُولِيُّ، أنَّ أسماءَ الله تعالى المُعَرَّفَةَ بلامِ التَّعْريفِ، كالخالقِ والرَّازِقِ، أنَّها تكونُ يَمِينًا بكلِّ حالٍ، لأنَّها لا تَنْصَرِفُ إلَّا إلى اسمِ اللهِ تعالى، كذا هذا.
الثالثُ، ما لا يَنْصَرِفُ بإطْلاقِه إلى صِفَةِ اللهِ تعالى، لكنْ يَنْصَرِفُ بإضافَتِه إلى اللهِ سُبْحانَه لَفْظًا أو نِيَّةً، كالعَهْدِ والميثاقِ والأمانَةِ، فهذا لا يكونُ يَمِينًا مُكَفَّرَةً إلَّا بإضافَتِه أو نِيَّتِه.
وسنَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ.
4687 -
مسألة: (وإن قال: والعَهْدِ، والمِيثاقِ، وسائِرَ ذلك، ولم يُضِفْه إلى الله تعالى، لم يَكُنْ يَمِينًا، إلَّا أن يَنْويَ صِفَةَ الله تعالى. وعنه، يَكُونُ يَمِينًا)
إذا قال: والعَهْدِ، والمِيثاقِ، والأمانَةِ، والعَظَمَةِ، والكِبْرياءِ، والقُدْرِةِ، والجَلالِ.
ونَوَى عَهْدَ اللهِ، كان يَمِينًا، وكذلك في سائِرِها؛ لأنَّه نوَى الحَلِفَ بصِفَةٍ مِن صِفاتِ اللهِ.
وإن أطْلَقَ، فقال
الحديث: 4687 - الجزء: 27 - الصفحة: 440
وَإِنْ قَال: لَعَمْرُ اللهِ.
كَانَ يَمِينًا.
وَقَال أبُو بَكْرٍ: لَا يَكُونُ يَمِينًا
القاضي: فيه رِوايتان؛ إحْدَاهما، يكونُ يَمِينًا؛ لأنَّ لامَ التَّعْريفِ إن كانت للعَهْدِ، يَجِبُ أن تُصْرَفَ إلى عَهْدِ اللهِ تعالى؛ لأنَّه الذي عُهِدَتِ اليَمِينُ به، وإن كانت للاسْتِغْراقِ، دَخَل فيه ذلك.
والثانيةُ، لا تكونُ يَمِينًا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ غيرَ ما وَجَبَتْ به الكَفَّارَةُ، ولم يَصْرِفْه إلى ذلك بنِيَّتِه، فلا تَجِبُ الكَفَّارَةُ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُها.
فصل: ويُكْرَهُ الحَلِفُ بالأمانَةِ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ حَلَفَ بالْأَمَانَةِ، فَلَيسَ مِنَّا».
رَواه أبو داودَ (1). ورُوِيَ عن (2) زيادِ بنِ حُدَيرٍ: أنَّ رجلًا حَلَفَ عندَه بالأمانَةِ، فجعلَ يَبْكِي بُكاءً شديدًا، فقال له الرجلُ: هل كان هذا يُكْرَهُ؟ قال: نعم، كان عمرُ يَنْهَى عن الحَلِفِ بالأمانَةِ أشَدَّ النَّهي.
4688 -
مسألة: (وإن قال، لَعَمْرُ اللهِ. كان يَمِينًا. وقال أبو
6465 الحديث: 4688 - الجزء: 27 - الصفحة: 441
إلا أَنْ يَنْويَ.
بَكْرٍ: لا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا أن يَنْويَ) ظاهِرُ المذهب أنَّ ذلك يَمِينٌ مُوجِبَةٌ للكَفَّارَةِ وإن لم يَنْو.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال أَبو بكرٍ: إن قَصَدَ اليَمِينَ، فهو يَمِينٌ، وإلَّا فلا.
وهو قولُ الشافِعيِّ؛ لأنَّها إنَّما تكونُ يَمِينًا بتَقْدِيرِ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ، فكأنَّه قال: لعَمْرُ اللهِ ما أُقْسِمُ به.
فيكونُ مَجازًا، والمَجازُ لا يَنْصَرِفُ إليه الإِطْلاقُ.
ولَنا، أنَّه أقْسَمَ بصِفَةٍ من صِفَاتِ اللهِ، فكانت يَمِينًا مُوجِبَةً للكَفَّارَةِ، كالحَلِفِ ببَقاءِ اللهِ وحَياتِه.
ويُقالُ: العُمْرُ والعَمْرُ واحِدٌ.
وقيل: مَعْناه وحَقِّ اللهِ.
وقد ثَبَت له عُرْفُ الشَّرْعِ والاسْتِعْمالِ، قال اللهُ تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ 66.
وقال النَّابِغَةُ 67:
فَلَا لعَمْرُ الذِي [قَدْ زُرْتَه] 68 حِجَجًا … وما أُرِيقَ على الأنْصابِ مِنْ جَسَدِ
الجزء: 27 - الصفحة: 442
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال آخرُ:
إذَا رَضِيَتْ كِرامُ بَنِي قُشَيرٍ … لَعَمْرُ اللهِ أعْجَبَنِي رِضَاهَا 69
وهذا في الشِّعْرِ والكلامِ كثيرٌ.
وأمَّا احْتِياجُه إلى التَّقْديرِ، فلا يَضُرُّ، فإنَّ اللَّفْظَ إذا اشْتَهَرَ في العُرْفِ، صارَ من الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ، ويجبُ حَمْلُه عليه 70 عندَ الإِطْلاقِ دُونَ مَوْضُوعِه الأصْلِيِّ، على ما عُرِفَ من سائرِ الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ، ومتى احْتاجَ اللَّفْظُ إلى التَّقْديرِ، وَجَب التَّقْدِيرُ له، ولم يَجُزِ اطِّراحُه، ولهذا يُفْهَمُ مُرادُ المُتَكَلِّمِ به من غيرِ اطِّلاعٍ على نِيَّةِ قائِلِه وقَصْدِه، كما يُفْهَمُ أنَّ مُرادَ المُتَكَلِّمِ بهذا 71. مِن المتقدِّمِينَ القَسَمُ، ويُفْهَمُ من القَسَمِ بغيرِ حَرْفِ القَسَمِ في أشْعارِهم القَسَمُ (3) في مثلِ قولِه 72:
- فَقُلْتُ يَمِينَ اللهِ أَبْرَحُ قاعِدًا * ويُفْهَمُ من القَسَمِ الذي حُذِفَ في جَوابِه حَرْفُ [«لا» أنّه] 73 مُقَدَّرٌ
الجزء: 27 - الصفحة: 443
وَإِنْ حَلَفَ بِكَلامِ اللهَ، أَوْ بِالْمُصْحَفِ، أَوْ بِالْقُرْآنِ، فَهُوَ يَمِينٌ فِيهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَعَنْهُ، عَلَيهِ بِكُل آيَةٍ كَفَّارَةٌ.
مُرادٌ، كهذا (1) البَيتِ، ويُفْهَمُ مِن قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (2). ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (3). التَّقْديرُ، فكذا ههُنا.
وإن قال: عَمْرَكَ اللهَ.
كما في قولِه (4):
أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيلًا … عَمْرَكَ اللهَ كيفَ يَلْتَقِيانِ؟
فقد قيل: هو مِثْلُ قولِه: نَشَدْتُكَ اللهَ.
ولهذا يُنْصَبُ اسْمُ اللهِ فيه.
وإن قال: لعَمْرِي، أو لعَمْرُك، أو عَمْرُك.
فليس بيَمِينٍ في قولِ أكثَرِهم.
وقال الحسنُ، في قوْلِه: لعَمْرِي: عليه الكَفَّارَةُ.
ولَنا، أنَّه أقْسَمَ بحَياةِ مخْلُوقٍ، فلم تَلْزَمْه كَفَّارَةٌ، كما لو قال: وحَياتِي.
وذلك لأنَّ هذا اللَّفْظَ يكونُ قَسَمًا بحَياةِ الذي أُضِيفَ إليه العَمْرُ، فإنَّ التَّقْديرَ، لَعَمْرُكَ قَسَمِي، أو ما أُقْسِمُ به، والعَمْرُ الحياةُ أو البقاءُ.
4689 -
مسألة: (وإن حَلَف بكَلام اللهِ، أو بالمُصْحَفِ، أو بالقُرْآنِ، فَهِي يَمِينٌ فيها كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وعنهَ، عليه بكلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ)
وجملةُ ذلك، أنَّ الحَلِفَ بكلامِ الله تعالى، أو بالقُرْآنِ، أو بآيَةٍ منه، يَمِينٌ74757677
الحديث: 4689 - الجزء: 27 - الصفحة: 444
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُنْعَقِدَةٌ، تَجِبُ الكَفَّارَةُ بالحِنْثِ فيها.
وبه قال ابنُ مسعودٍ، والحسنُ، وقَتادَةُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وعامَّةُ أهْلِ العلْمِ.
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: ليس بيَمِينٍ، ولا تَجِبُ به كَفَّارَةٌ.
فمنهم مَن 78 زعَمَ أنَّه مَخْلُوقٌ، ومنهم مَن قال: لا تُعْهَدُ اليَمِينُ به.
ولَنا، أنَّ القُرْآنَ كلامُ اللهِ تعالى، وصِفَةٌ من صِفاتِ ذاتِه، فتَنْعَقِدُ اليَمِينُ به، كما لو قال: وجَلالِ اللهِ، وعَظَمَتِه.
وقولُهم: هو مخلوقٌ.
قُلْنا: هذا كلامُ المُعْتَزِلَةِ، وإنَّما الخِلافُ مع الفُقَهاءِ، وقد رُوِيَ عن ابنِ عمرَ، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الْقُرْآنُ كَلامُ اللهِ غَيرُ مَخْلُوقٍ» 79. وقال ابنُ عباسٍ في قولِه تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيرَ ذِي عِوَجٍ﴾ 80. أي: غيرَ مخلُوقٍ 81.
الجزء: 27 - الصفحة: 445
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأمَّا قولُهم: لا تُعْهَدُ اليَمِينُ به.
فيَلْزَمُهم قولُهم: وكبرِياءِ اللهِ، وعَظَمَتِه، وجَلالِه.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الحَلِفَ بآيَةٍ منه كالحَلِفِ بجَمِيعِه؛ لأنَّها من كلامِ اللهِ تعالى.
وكذلك الحَلِفُ بالمُصْحَفِ، تَنْعَقِدُ به اليَمِينُ.
وكان قَتادَةُ يَحْلِفُ بالمُصْحَفِ.
ولم يَكْرَهْ ذلك إمامُنا، وإسْحاقُ؛ لأنَّ الحَالِفَ 82 بالمُصْحَفِ إنَّما قَصَد الحَلِفَ بالمَكْتُوبِ فيه، وهو القُرْآنُ، فإنَّه بينَ دَفَّتَي المُصْحَفِ بإجْماعِ المسلِمِين.
فصل: فإنْ حَلَفَ بالقُرْآنِ، أو بحَقِّ القُرْآنِ، أو بكلامِ اللهِ، لَزِمَتْه كَفَّارَةٌ واحدةٌ.
ونَصَّ أحمدُ على أنَّه تَلْزَمُه بكلِّ آيةٍ كَفَّارَةٌ.
وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
وهو قولُ ابنِ مسعودٍ، والحسنِ.
وقياسُ المذهبِ أنَّه تَلْزَمُه كَفَّارَةٌ واحدةٌ.
وهو قياسُ مذهبِ الشافِعِيِّ، وأبي عُبَيدٍ؛ لأَنَّ الحَلِفَ بصِفاتِ اللهِ تعالى، وتَكَرُّرَ اليَمِينِ باللهِ سبحانَه، لا يُوجبُ أكثرَ من كَفَّارَةٍ، فالحَلِفُ بصِفةٍ من صِفاتِ اللهِ أوْلَى أن تُجْزِئَه كَفَّارَةٌ واحدةٌ.
الجزء: 27 - الصفحة: 446
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ووَجْهُ 83 الأوَّلِ، ما رَوَى مجاهدٌ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ حَلَفَ بِسُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَعَلَيهِ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ صَبْرٍ، فَمَنْ شاء بَرَّ، وَمَنْ شَاءَ فَجَرَ».
رَواه الأثْرَمُ 84. ولأنَّ ابنَ مسعودٍ قال ذلك 85. ولم نَعْرِفْ له مُخالِفًا في الصحابةِ.
قال أحمدُ: وما أعْلمُ شيئًا يَدْفَعُه.
قال شيخُنا 86: ويَحْتَمِلُ [أن يُحْمَلَ] 87 كلامُ أحمدَ، أنَّ في كُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةً، على الاسْتِحْبابِ لمَن قَدَر عليه، فإنَّه قال: عليه بكلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ 88، فإن لم يُمْكِنْه فكفَّارَةٌ واحدةٌ، ورَدُّه إلى واحِدَةٍ عندَ العَجْزِ، دليلٌ على أنَّ ما زادَ عليه غيرُ واجِبٍ.
وكلامُ ابنِ مسعودٍ أيضًا يُحْمَلُ على الاخْتِيارِ، [والاحْتِياطِ] 89 لكلامِ اللهِ، والمُبالغَةِ في تَعْظِيمِه، كما رُوِيَ عن عائِشَةَ، أنَّها أعْتَقَتْ أرْبَعِين رَقَبَةً حينَ حَلَفَت بالعَهْدِ، وليس ذلك بواجِبٍ.
فعلى هذا، تُجْزئُه كفَّارَةٌ واحِدَةٌ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ 90. وهذه يَمِينٌ،
الجزء: 27 - الصفحة: 447
وَإنْ قَال: احلِفُ بِاللهِ أَوْ: أَشْهَدُ باللهِ.
أَوْ: أُقْسِمُ باللهِ.
أَوْ: أَعْزِمُ باللهِ.
كَانَ يَمِينًا.
وَإنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، إلا أَنْ يَنْويَ.
وَعَنْهُ، يَكُونُ يَمِينًا.
فتَدْخُلُ في عُمومِ الأَيمانِ المُنْعَقِدَةِ، ولأنَّها يَمِينٌ واحِدَةٌ، فلم تُوجِبْ كفَّاراتٍ، كسائِرِ الأيمانِ، ولأنَّ إيجابَ كفَّاراتٍ بعَدَدِ الآياتِ يُفْضِي إلى المَنْعَ من البِرِّ والتَّقْوَى والإِصْلاحِ بينَ النَّاسَ؛ لأنَّ مَن عَلِمَ أنَّه بحِنْثِه تَلْزَمُه هذه الكفَّاراتُ كلُّها، يَتْرُكُ المَحْلُوفَ عليه كائِنًا ما كان، وقد يكونُ بِرًّا وتَقْوَى وإصْلاحًا، فتَمْنَعُه يَمِينُه من، وقد نَهَى الله تعالى عنه بقولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَينَ النَّاسِ﴾ (1). وإن قُلْنا بوُجوبِ كفَّاراتٍ بعَدَدِ الآياتِ، فلم يُطِقْ ذلك، أجْزَأتْه كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
4690 -
مسألة: (وَإنْ قَال: احلِفُ بِاللهِ أَوْ: أَشْهَدُ باللهِ. أَوْ: أُقْسِمُ باللهِ. أَوْ: أَعْزِمُ باللهِ. كَانَ يَمِينًا. وَإنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، لَمْ يَكُنْ
91 الحديث: 4690 - الجزء: 27 - الصفحة: 448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَمِينًا، إلا أَنْ يَنْويَ.
وَعَنْهُ، يَكُونُ يَمِينًا) هذا قولُ عامَّةِ الفُقَهاءِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، وسَواءٌ نَوَى اليَمِينَ أو أطْلَقَ؛ لأنَّه لو قال: باللهِ.
ولم يقُلْ: أُقْسِمُ.
ولا: أشْهَدُ.
ولم يَذكُرِ الفِعْلَ، كان يَمِينًا، وإنَّما كان يَمِينًا بتَقْديرِ الفِعْلِ قَبْلَه؛ لأنَّ الباءَ تتَعَلَّقُ بفِعْل مُقَدَّرٍ، على ما ذَكَرْناه، فإن أظْهَرَ الفِعْلَ ونَطَق بالمُقَدَّرِ، كان أوْلَى بثُبُوتِ حُكْمهِ، وقد ثَبَت له عُرْفُ الاسْتِعْمالِ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ﴾ 92. وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ﴾ 93، وقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ 94. ويقولُ المُلاعِنُ في لِعَانِه: أشْهَدُ باللهِ إنِّي لمِن الصَّادِقِينَ.
وتقولُ المَرْأَةُ: أشْهَدُ باللهِ إنَّه لمِن الكاذِبِينَ.
الجزء: 27 - الصفحة: 449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأنْشَدَ أعرابِيٌّ:
أُقْسِمُ 95 باللهِ لَتَفْعَلَنَّهْ 96
وكذلك الحُكْمُ إن ذَكَر الفِعْلَ بلَفْظِ الماضِي، فقال: أقْسَمْتُ بالله 97. أو: شَهِدْتُ باللهِ.
قال عبدُ اللهِ بنُ رَواحَةَ 98:
أقْسَمْتُ باللهِ لتَنْزِلِنَّهْ
الجزء: 27 - الصفحة: 450
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن أرادَ بقَوْلِه: أقْسَمْتُ باللهِ.
الخبرَ عن قَسَمٍ ماضٍ، أو بقولِه: أُقْسِمُ باللهِ.
الخَبَرَ عن قَسَم يَأْتِي به، فلا كَفارَةَ عليه.
وإنِ ادَّعَى ذلك، قُبِلَ منه.
وقال القاضي: لا يُقْبَلُ في الحُكْمِ.
وهو قولُ بعضِ أصحاب الشافعيِّ؛ لأنَّه خِلافُ الظاهِرٍ.
ولَنا، أنَّ هذا حُكْم فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فإذا عَلِمَ مِن نَفْسِه أنَّه نوَى شيئًا وأرادَه، مع احْتِمالِ اللَّفْظِ إيَّاه، لم يَلْزَمْه شيءٌ.
وإن قال: شَهِدْتُ باللهِ أنِّي آمَنْتُ باللهِ.
فليس بيَمِينٍ.
الجزء: 27 - الصفحة: 451
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وذكَرَ أبو بكرٍ، في قَوْلِه: أعْزِمُ باللهِ.
أنَّه ليس بيَمِينٍ مع الإِطْلاقِ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ له عُرْفُ الشَّرْعِ ولا الاسْتِعْمالِ، فظاهِرُه غيرُ اليَمِينِ؛ لأنَّ مَعْناه: أقْصِدُ اللهَ لأفْعَلَنَّ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه يَحْتَمِلُ اليَمِينَ، وقد اقْتَرَنَ به ما يَدُلُّ عليه، وهو جَوابُه بجَوابِ القَسَمِ، فيكونُ يَمِينًا.
فأمَّا إن نوَى بقولِه غيرَ اليَمِينِ، لم يَكُنْ يَمِينًا.
فصل: وإن قال: أُولِي باللهِ.
أو: حَلَفْتُ باللهِ.
أو: آليتُ باللهِ.
أو: ألِيَّةً باللهِ.
أو: حَلِفًا باللهِ.
أو: قَسَمًا باللهِ.
فهو يَمِينٌ، سَواءٌ نَوَى به اليَمِينَ أو أَطْلَقَ؛ لِما ذَكَرْناه في: أُقْسِمُ باللهِ.
وحُكْمُه حُكْمُه في تَفْصِيله؛ لأنَّ الإيلاءَ والحَلِفَ والقَسَمَ واحِدٌ.
قال اللهُ تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ 99. وقال سعدُ بنُ مُعاذٍ: أحْلِفُ بِاللهِ، لقد
الجزء: 27 - الصفحة: 452
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جاءَكُم أُسَيدٌ بغيرِ الوَجْهِ الَّذي ذَهَبَ به 100. وقال الشاعر 101:
أُولِي برَبِّ الرَّاقِصاتِ إلى مِنًى … ومَطارِحِ 102 الأكْوارِ حيثُ تَبِيتُ 103
وقال ابنُ دُرَيدٍ 104:
ألِيَّةً باليَعْمَلاتِ تَرْتَمِي … بِها النَّجاءُ بَينَ أجْوازِ الفَلَا
وقال 105:
بَلْ قَسَمًا بالشُّمِّ مِنْ يَعْرُبَ … هَلْ لمُقْسِمٍ مِنْ بَعْدِ هذا مُنْتَهَى
فصل: فأمَّا إن قال: أقْسَمْتُ، أو: آليتُ، أو: شَهِدْتُ لأفعَلَنَّ.
ولم يَذْكُرِ اسمَ اللهِ، فعن أحمدَ رِوايتان؛ إحداهُما، أنَّها يَمِينٌ، سَواءٌ نَوَى اليَمِمنَ أو أطْلَقَ.
ورُوِيَ ذلك عن عمرَ، وابنِ عباسٍ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِه.
وعن أحمدَ، إن نوَى اليَمِينَ بالله كِان يَمِينًا، وإلَّا فلا.
وهو قولُ مالكٍ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ القَسَمَ بالله وبغيرِه، فلم يَكُن يَمِينًا حتى يَصْرِفَه بنِيَّتِهِ إلى ما تَجِبُ به الكَفَّارَةُ.
وقال الشافِعيُّ: ليس بيَمِينٍ وإن نوَى.
ورُوِيَ نحوُ ذلك عن
الجزء: 27 - الصفحة: 453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَطاءٍ، والحسنِ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، وأبي عُبَيدٍ؛ لأنَّها عَرِيَتْ عن اسمِ الله تعالى وصِفتِه، فلم تَكُنْ يَمِينًا، كما لو قال: أقْسَمْتُ بالبَيتِ.
ولَنا، أنَّه قد ثَبَت لها عُرْفُ الشَّرْعِ والاسْتِعْمالِ، فإنَّ أبا بكرٍ قال: أقْسَمْتُ عليك يا رَسولَ اللهِ، لَتُخْبِرَنِّي بما أصَبْتُ ممَّا أخْطَأتُ.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُقْسِمْ يا أبَا بَكْرٍ».
رَواه أبو داودَ 106. وقال العبّاسُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أقْسَمْتُ عليك يا رَسولَ الله لِتُبَايِعَنُّه.
فبايَعَه 107 النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وقال: «أَبْرَرْتُ قَسَمَ عَمِّي، ولَا هِجْرَةَ» 108. وفي كتابِ الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾.
إلى قولِه: ﴿اتَّخَذُوا أَيمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ 109. فسَمَّاها يَمِينًا، وسَمَّاها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَسَمًا.
وقالت عاتِكَةُ بنتُ عبدِ المطَّلِبِ 110:
الجزء: 27 - الصفحة: 454
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حَلَفْتُ لَئِنْ عَادُوا لنَصطَلِمَنَّهُمْ … بجَأْواءَ 111 تُرْدِي حَجْرتَيها المَقانِبُ 112
وقالت عاتِكَةُ بنتُ زيدِ بنِ عمرِو بنِ نُفَيلٍ 113:
فَآلَيتُ لا تَنْفَكُّ عَينِي حَزِينةً … عَلَيكَ ولا يَنْفَكُّ جِلْدِيَ أغْبَرَا
وقولُهم: يَحْتَمِلُ القَسَمَ بغيرِ اللهِ.
قُلْنا: إنَّما يُحْمَلُ على القَسَمِ المشروعِ، ولهذا لم يكُنْ مَكْرُوهًا، ولو حُمِلَ على القَسَمِ بغيرِ اللهِ، كان مَكْرُوهًا، ولو كان مَكْرُوهًا لم يَفْعَلْه أبو بكرٍ بينَ يَدَيِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا أَبرَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَسَمَ العَبَّاسِ حينَ أقْسَمَ عليه.
فصل: وإن قال: أعْزِمُ.
أو: عَزَمْتُ.
لم يَكُنْ قَسَمًا، نَوَى به القَسَمَ أو لم يَنْوه، لأنَّه لم يَثْبُتْ لهذا اللَّفْظِ عُرْفٌ في الشَّرْعِ، ولا هو مَوْضُوعٌ للقَسَمَ، ولا فيه دَلالة عليه، ولذلك إن قال: أسْتَعِينُ باللهَ.
أو: أعْتَصِمُ باللهِ.
أو: أتَوَكَّلُ على اللهِ.
أو: عَلِمَ اللهُ.
أو: عَزَّ اللهُ.
أو: تبارَكَ اللهُ.
أو نحوَ هذا، لم يَكُنْ يَمِينًا، نَوَى أو لم يَنْو؛ لأنَّه ليس بمَوْضُوعٍ للقَسَمِ لُغَةً، ولا ثَبَت له عُرْفٌ في شَرْع ولا اسْتِعْمالٍ، فلم يَجبْ به شيءٌ؛ لو قال: سُبْحانَ اللهِ وبحَمْدِه، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ.
الجزء: 27 - الصفحة: 455
فَصْلٌ: وَحُرُوفُ الْقَسَم؛ الْبَاءُ، وَالْواوُ، وَالتَّاءُ فِي اسْمِ اللهِ تَعَالى خَاصَّةً.
فصل: (وحُروفُ القَسَمَ) ثلاثَةٌ (الباءُ، والواوُ، والتاءُ في اسْمِ اللهِ تعالى خاصَّةً) الأصْلُ في حُروفِ القَسَمِ 114 الباءُ، وتَدْخُلُ على والمُظْهَرِ جميعًا، كقَوْلِكَ: باللهِ، وبِكَ.
والواوُ، وهي بَدَلٌ مِن الباءِ، تَدْخُلُ على المُظْهَرِ دُونَ المُضْمَرِ، وهي أكْثرُ اسْتِعْمالًا، [وبها جاءَت] 115 أكثرُ الأقْسام في الكتابِ والسُّنَّةِ، وإنَّما كانتِ الباءُ الأصْلَ؛ لأنَّها الحَرْفُ الَّذي تَصَلُ به الأفْعالُ القاصِرَةُ عنَ التَّعَدِّي إِلى مَفْعُولاتِها، والتَّقْديرُ في القَسَمِ، أُقْسِمُ باللهِ، كما قال اللهُ سبحانَه: ﴿وَاقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ﴾ 116. والتاءُ بَدَلٌ مِن الواو، وتَخْتَصُّ باسْم واحدٍ مِن أسماءِ الله تعالى، وهو اللهُ، ولا تَدْخُلُ على غيرِه، فيقالُ: تاللهِ.
ولو قال: تالرَّحْمَنِ.
أو: تَالرَّحِيمِ.
لم يَكُنْ قَسَمًا.
فإذا أقْسَمَ بأحَدِ هذه الحروفِ الثلاثَةِ في مَوْضِعِه، كان قَسَمًا صحيحًا؛ لأنَّه مَوْضوعٌ
الجزء: 27 - الصفحة: 456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
له.
وقد جاءَ في كتابِ الله تعالى وكلام العربِ، قال اللهُ تعالى: ﴿تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ 117. ﴿تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَينا﴾ 118. ﴿تَاللهِ تَفْتَوأ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ 119. ﴿تَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أصْنَامَكُم﴾ 120.
وقال الشاعرُ 121:
تَاللهِ يَبْقَى على الأيَّامِ ذُو حِيَدٍ … بمُشْمَخِرٍّ به الظَّيَّانُ والْآسُ 122
وإن قال: ما 123 أرَدْتُ به القَسَمَ.
لم يُقْبَلْ قولُه، لأنَّه أتَى باللَّفْظِ الصَّريحِ في القَسَمِ، واقْتَرَنَتْ به قَرِينَة دالَّة عليه، وهو الجوابُ بجَوابِ
الجزء: 27 - الصفحة: 457
وَيَجُوزُ الْقَسَمُ بِغَيرِ حَرْفِ الْقَسَمِ، فَيَقُولُ: اللهَ لأَفْعَلَنَّ.
بالْجَرِّ والنَّصْبِ، فَإِنْ قَال: اللهُ لأَفْعَلَنَّ.
مَرْفُوعًا، كَانَ يَمِينًا، إلا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يَنْويَ الْيَمِينَ.
القَسَمِ، [ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ منه في قولِه 124: تاللهِ لأقُومَنَّ.
إذا قال: أرَدْتُ أنَّ قِيامي بمَعُونَتِه وفَضْلِه.
لأنَّه فَسَّرَ كَلامَه بما يَحْتَمِلُه، ولا يُقْبَلُ في الحرفين الآخرَين؛ لعَدَمِ الاحْتِمالِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه أجابَه بجَوابِ القَسَمَ] 125. فيَمْتَنِعُ صَرْفُه إلى غيرِه.
4691 -
مسألة: (وَيَجُوزُ الْقَسَمُ بِغَيرِ حَرْفِ الْقَسَمِ، فَيَقُولُ: اللهَ لأَفْعَلَنَّ.
بالْجَرِّ والنَّصْبِ، فَإِنْ قَال: اللهُ لأَفْعَلَنَّ.
مَرْفُوعًا، كَانَ يَمِينًا، إلا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يَنْويَ الْيَمِينَ)
إذا أقْسَمَ بغيرِ حَرْفِ القَسَمِ، فقال: اللهَ لأقُومَنَّ.
بالجَرِّ والنَّصْبِ، فهو يمينٌ.
وقال الشافعيُّ: لا يكونُ يَمِينًا، إلَّا أن يَنْويَ؛ لأنَّ ذِكْرَ اللهِ تعالى بغيرِ حَرْفِ القَسَمِ ليس بصرِيح في القَسَمِ، فلا يَنْصرِفُ إلَّا بالنِّيَّةِ.
ولَنا، أنَّه سائِغٌ في العَرَبِيَّةِ، وقد وَرَد به عُرْفُ الاسْتِعْمالِ في الشَّرْعِ، فرُوىَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ أخْبَرَ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قَتَل أبا جَهْلٍ، فقال: «آللهِ إنَّكَ قَتَلْتَه؟».
الحديث: 4691 - الجزء: 27 - الصفحة: 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: اللهِ إنِّي قَتَلْتُه.
ذَكَره البخاريُّ 126. وقال لِرُكَانَةَ بنِ عبدِ يَزِيدَ: «آللهِ ما أرَدْتَ إلَّا وَاحِدَةً؟».
قال: اللهِ ما أرَدْتُ إلَّا واحِدَةً 127. وقال امرؤُ القَيسِ 128:
- فَقُلْتُ يَمِينَ اللهِ أَبْرَحُ قاعِدًا * وقال أيضًا 129:
- فَقالتْ يَمِينَ اللهِ ما لَكَ حِيلَةٌ *
وقد اقْتَرَنَتْ به قَرِينَتان تَدُلَّان عليه؛ إحْداهُما، الجوابُ بجَوابِ القَسَمِ.
والثانيةُ، الجَرُّ والنَّصْبُ [في اسمِ] 130 اللهِ تعالى، فوَجَبَ أن يكونَ يَمِينًا، كما لو قال: واللهِ.
فإن قال: اللهُ لأفْعَلَنَّ.
بالرَّفْعِ، ونَوَى اليَمِينَ، فهو يَمِينٌ، إلَّا أنَّه 131 يكونُ قد لَحَن، كما لو قال: واللهُ.
الجزء: 27 - الصفحة: 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالرَّفْعِ.
[وإن لم] 132 يَنْوِ اليَمِينَ، فقال أبو الخَطَّابِ: تكونُ يَمِينًا؛ لأنَّ قَرِينَةَ الجَوابِ بجَوابِ 133 القَسَمِ كافِيَة، والعامِّيُّ لا يَعْرِفُ الإعْرابَ فيأتِيَ به، إلَّا أن يكونَ مِن أهلِ العَرَبِيَّةِ، فإنَّ عُدولَه عن إعْرابِ القَسَمِ دليل على أنَّه لم يُرِدْه.
قال شيخُنا 134: ويَحْتَمِلُ أن لا يكونَ قَسَمًا في حَقِّ العامِّيِّ؛ لأنَّه ليس بقَسَم في حَقِّ أهلِ العَربِيَّةِ، فلم يَكُنْ قَسَمًا في حَقِّ غيرِهم، كما لو لم يُجِبْه بجوابِ القَسَمِ.
فصل: ويُجابُ القَسَمُ بأرْبَعَةِ أحْرُفٍ؛ حرفان للنَّفْي، وهما «ما» و «لا»، وحَرفان للإِثباتِ، وهما «إنْ» و «اللام» المَفْتُوحَةُ.
وتقُومُ «إن» الخفيفةُ المكسورَةُ، مَقامَ «ما» النَّافِيَةِ، مثلَ قولِه: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إلا الْحُسْنَى﴾ 135. وإن قال: واللهِ أفْعَلُ.
بغيرِ حَرْفٍ، فالمحذوف ههُنا «لا»، ويكونُ يَمِينُه على النَّفي، لأنَّ
الجزء: 27 - الصفحة: 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَوْضُوعَه في العَرَبِيَّةِ لذلك، قال اللهُ تعالى: ﴿تَاللهِ تَفْتَوأ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾.
أي: لا تَفْتَؤُ.
وقال الشاعر:
- تَاللهِ يَبْقَى عَلَى الأَيَّامِ ذُو حِيَدٍ * وقال آخرُ:
- فَقُلْتُ يَمِينَ اللهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا *
أي: لا أَبْرَحُ.
فصل: وإن قال: لاهَا اللهِ.
ونَوَى اليَمِينَ، كان يَمِينًا؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، قال في سَلَبِ قتيلِ أبي قَتادَةَ: لَاها اللهِ، إذًا يَعْمِدُ 136 إلى أسَدٍ مِن أُسْدِ اللهِ، يُقاتِلُ عن اللهِ وعن رسولِه، فيُعْطِيكَ سَلَبَه! فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَدَقَ» 137. وإن لم يَنْو اليَمِينَ، فالظاهِرُ أنَّه لا يكونُ يَمِينًا؛ لأنَّه لم يَقْتَرِنْ به عُرْفٌ 138 ولا نِيَّةٌ، ولا في جَوأبِه حَرْفٌ يَدُل على القَسَمِ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
الجزء: 27 - الصفحة: 461
وَيُكْرَهُ الْحَلِفُ بِغَيرِ اللهِ تَعَالى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا.
4692 - مسألة: (ويُكْرَهُ الحَلِفُ بغيرِ اللهِ تعالى. ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ مُحرَّمًا)
وذلك نَحْوُ أن يَحْلِفَ بأبِيهِ، أو بِالْكَعْبَةِ، أو بِصَحابِيٍّ، أو إمام، أو غيرِه.
قال الشافعيُّ: أخْشَى أن يكونَ مَعْصيَةً.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 139: هذا أمْرٌ مُجْتَمَعٌ 140 عليه.
وقيلَ: يجوزُ 141 ذلك؛ لأنَّ اللهَ تعالى أقْسَمَ بمَخْلُوقاتِه، فقال: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا} 142. ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ 143. وقال النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للأعْرابِيِّ الَّذي سَأَل عن الصلاةِ: «أفْلَحَ، وأبِيهِ، إن صَدَقَ» 144. وقال في حديث أبي العُشَراءِ: «وَأبِيكَ لَوْ طَعَنْتَ في فَخِذِهَا لأَجْزَأَكَ» 145. ولَنا، ما روَى عمرُ بنُ الخطابِ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أدْرَكَه وهو يَحْلِفُ بأبِيه،
الحديث: 4692 - الجزء: 27 - الصفحة: 462
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقال: «إنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ باللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ».
قال عمرُ: فواللهِ ما حَلَفْتُ بها بعدَ ذلك، ذاكِرًا ولا آثِرًا.
مُتَّفَقٌ عليه 146. يعني ولا حَاكِيًا عن غيرِى.
وعن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ، فَقَدْ أشْرَكَ».
قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ 147. فأمَّا قَسَمُ اللهِ بمَصْنُوعاتِه، فإنَّما أقْسَمَ [بها دالَّةً] 148 على قُدْرَتِه وعَظَمَتِه، وللهِ تعالى أن يُقْسِمَ بما شاءَ، ولا وَجْهَ للقِياسِ على إقْسامِه.
وقد قيل: إنَّ في إقْسامِه إضْمارَ القَسَمِ بربِّ هذه المخلوقاتِ، فقولُه: ﴿وَالضُّحَى﴾ 149. أي ورَبِّ الضُّحَى.
وأمَّا قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -
الجزء: 27 - الصفحة: 463
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للأعْرابِيِّ: «أفْلَحَ، وأَبِيهِ، [إِن صَدَقَ] 150». فقال ابنُ عبدِ البَرِّ 151: هذه اللفظَةُ غيرُ مَحْفُوظَةٍ من وَجْهٍ صحيح.
وحديثُ أبي العُشَراءِ، قال أحمدُ: لو كانَ يَثْبُتُ.
يعني أنَّه لم يَثْبُتْ، ثم إن لم يَكُنِ الحَلِفُ بغيرِ اللهِ مُحَرَّمًا، فهو مَكْرُوهٌ؛ لأنَّ مَن حَلَف بغيرِ اللهِ، فقد عَظَّمَ غيرَه تَعْظِيمًا يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الرَّبِّ تبارَكَ وتعالى، ولهذا سُمِّيَ شِرْكًا، لكَوْنِه أشْرَكَ غيرَ اللهِ مع اللهِ تعالى في تَعْظِيمِه بالقَسَمِ به.
فعلى هذا، يَسْتَغْفِرُ اللهَ إذا أقْسَمَ بغيرِ الله 152. قال الشَّافِعِيُّ: مَنْ حَلَفَ بغيرِ اللهِ فَلْيَقُلْ: أسْتَغْفِرُ اللهَ.
الجزء: 27 - الصفحة: 464
وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْيَمِينِ بِهِ، سَواءٌ أَضَافَهُ إِلَى اللهِ تَعَالى، مِثْلَ قَوْلِهِ: ومَعْلُومِ اللهِ، وَخَلْقِهِ، وَرِزْقِهِ، وَبَيتِهِ.
أَوْ لَمْ يُضِفْهُ، مِثْلَ: وَالْكَعْبَةِ، وَأَبى.
4693 - مسألة: (وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْيَمِينِ بِهِ، سَواءٌ أَضَافَهُ إِلَى اللهِ تَعَالى، مِثْلَ قَوْلِهِ: ومَعْلُومِ اللهِ، وَخَلْقِهِ، وَرِزْقِهِ، وَبَيتِهِ.
أَوْ لَمْ يُضِفْهُ، مِثْلَ: وَالْكَعْبَةِ، وَأَبى)
يعني لا تجبُ الكَفّارَةُ بالحِنْثِ فيها.
هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وهو قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ.
الحديث: 4693 - الجزء: 27 - الصفحة: 465
وقَال أَصْحَابُنَا: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحَلِفِ بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَاصَّةً.
4694 - مسألة: (وقال أصحابُنا: تَجِبُ الكَفَّارَةُ بالحَلِفِ برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - خَاصَّةً)
ورُويَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا حَلَف بحَقِّ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فحَنِثَ، فعليه الكَفَّارَةُ، لأنَّه أحَدُ شَرْطَىِ الشَّهادَةِ، فالْحَلِفُ به مُوجِبٌ للكَفَّارَةِ، كالحَلِفِ باللهِ تعالى.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أو لِيَصْمُتْ».
ولأنَّه حَلِفٌ بغيرِ اللهِ تعالى، فلم يُوجِبِ الكَفَّارَةَ بالحِنْثِ فيه، كسائِرِ الأنْبِياءِ، ولأنَّه مخلوقٌ، فلم تَجِبِ الكَفَّارَةُ بالحَلِفِ به، كالحَلِفِ بإبراهيمَ - عليه السلام -،
الحديث: 4694 - الجزء: 27 - الصفحة: 466
فَصْلٌ: وَيُشَتَرَطُ لِوجُوب الْكَفَّارَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدةً، وَهِيَ الًّتى يُمْكِنُ فِيهَا الْبِرُّ وَالْحِنْثُ، وَذَلِكَ الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ.
ولأنَّه ليس بمَنْصوصٍ عليه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ، ولا يَصِحُّ قِياسُ اسمِ غيرِ اللهِ على اسْمِه؛ لعَدَمِ الشَّبَهِ، وانْتِفاءِ المُماثَلَةِ.
وكلامُ أحمدَ يُحْمَلُ على الاسْتِحْبابِ.
فَصْلٌ: وَيُشَتَرَطُ لِوجُوب الْكَفَّارَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدةً، وَهِيَ الَّتي يُمْكِنُ فِيهَا الْبِرُّ وَالْحِنْثُ، وَذَلِكَ الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ) قال ابنُ عبدِ البَر 153: اليَمِينُ التي فيها الكَفَّارَةُ بإجْماعِ المسلمين، هي التي على المُسْتَقْبَلِ مِن الأفْعالِ.
كمَن حَلَف ليَضْرِبَنَّ غُلامَه أَوْ لا يَضْرِبُه، فإن فَعَل، فعليه الكَفَّارَةُ.
وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّ الحِنْثَ إذا كان طاعةً، لم يُوجِبْ كَفَّارَةً.
وقال قومٌ: مَن حَلَفَ على فِعْلِ مَعْصِيَةٍ، فكَفَّارَتُها تَرْكُها.
وقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: اللَّغْوُ أن
الجزء: 27 - الصفحة: 467
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يحْلِفَ الرجلُ 154 فيما لا يَنْبَغِي له.
يعني فلا كَفَّارَةَ عليه في الحِنْثِ.
وقد روَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا نَذْرَ وَلَا يَمِينَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، وَلَا في مَعْصِيَةِ اللهِ، ولَا في قَطِيعَةِ رَحِمٍ، ومَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين فَرَأَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَلْيَدَعْهَا، ولْيَأتِ الَّذِي هُوَ خَير، فإنَّ تَرْكَهَا كَفَّارَةٌ».
روَاه أبو داودَ 155. ولأنَّ الكَفَّارَةَ إنَّما تَجِبُ لرَفْعِ 156 الإِثْمِ، ولا إثْمَ في الطَّاعَةِ، ولأنَّ اليَمِينَ كالنَّذْرِ، ولا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللهَ.
ولَنا، قولُ النبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خير، ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِه» 157. وقال: «إِنِّي وَاللهِ، إنْ شَاءَ اللهُ، لَا أحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، إلَّا أَتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي».
الجزء: 27 - الصفحة: 468
فَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْمَاضِي، فَلَيسَتْ مُنْعَقِدَةً، وَهِيَ نَوْعَانِ، يَمِينُ الغَمُوسِ، وَهِيَ الَّتي يَحْلِفُ بِهَا كَاذِبًا عَالِمًا
أخْرَجَه البخاريُّ (1). وحَدِيثُهم لا يُعارِضُ حدِيثَنا؛ لأنَّ حَدِيثَنا أصَحُّ منه وأثْبَتُ.
ثم إنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ تَرْكَها كَفَّارَةٌ لإثْمِ الحَلِفِ، والكَفَّارَةُ المُخْتلَفُ فيها كَفَّارَةُ المُخالفَةِ.
وقولُهم: إنَّ الحِنْثَ طاعةٌ.
قُلْنا: فاليَمِينُ غيرُ طاعَةٍ، فتَلْزَمُه الكَفَّارَةُ؛ للمُخالفَةِ، ولتَعْظِيمِ اسْمِ الله عَزَّ وجَلَّ إذا حَلَف به ولم يَبَرَّ يَمِينَه.
إذا ثَبَت ذلك، نَظرنا في يَمِينِه، فإن كانت على تَرْكِ شيءٍ ففَعَلَه، حَنِثَ، ووَجَبَتِ الكَفَّارَةُ.
وإن كانت على فِعْلِ شيءٍ فلم يَفْعَلْه، وكانت يَمِينُه مُؤقَّتَةً بلَفْظِه، أو بنِيَّتِه، أو قَرِينَةِ حالِه، ففاتَ الوَقْتُ، حَنِث، [وكَفَّر] (2). وإن كانت مُطْلَقَةً، لم يَحْنَثْ إلَّا بفَواتِ وَقْتِ الإِمْكانِ؛ لأنَّه ما دامَ في الوَقْتِ، والفعلُ مُمْكِن، فيَحْتَمِلُ أنَّه يفْعَلُ فلا يَحْنَثُ.
4695 -
مسألة: (فَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْمَاضِي، فَلَيسَتْ مُنْعَقِدَةً، وَهِيَ نَوْعَانِ، يَمِينُ الغَمُوسِ، وَهِيَ الَّتي يَحْلِفُ بِهَا كَاذِبًا عَالِمًا بكَذِبه.
158159 الحديث: 4695 - الجزء: 27 - الصفحة: 469
بِكَذِبِهِ.
وَعَنْهُ، فِيهَا الْكَفَّارَةُ.
وَمِثْلُهَا الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَحِيلٍ، كَقَتْلِ الْمَيِّتِ وَإِحْيَائِهِ، وَشُرْبِ مَاءِ الْكُوزِ وَلَا مَاء فِيهِ.
وعنه، فيها الكَفَّارَةُ.
ومِثْلُها الحَلِفُ على مُسْتَحِيلٍ، كقَتْلِ المَيِّتِ وإحْيائِه، وشُرْبِ ماءِ الكُوزِ ولا ماءَ فيه) ظاهِرُ المذهب أنَّ يَمِينَ الغَمُوسِ لا كَفَّارَةَ فيها.
نَقَلَه الجماعَةُ عن أحمدَ.
وهو قولُ أكثرِ أَهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ مسْعُودٍ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، واللَّيثُ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الحَدِيثِ، وأصْحابُ الرَّأْي مِن أهلِ الكوفَةِ.
وإنَّما سُمِّيَتْ هذه يَمِينَ الغَمُوسِ؛ لأنَّها تَغْمِسُ صاحِبَها فِي الإِثْمِ.
قال ابنُ مسعودٍ: كُنَّا نَعُدُّ مِن 160 اليَمِينِ التي لا كَفَّارَةَ لها،
الجزء: 27 - الصفحة: 470
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اليَمِينَ الغَمُوسَ 161. وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّب، قال: هي مِن الكبائِرِ، وهي أعظمُ مِن أن تُكَفَّرَ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ فيها الكَفَّارَةَ.
ورُوِيَ ذلك عن عَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، والحَكَمِ، والبَتِّيِّ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه وُجِدَتْ منه اليَمِينُ باللهِ، والمُخالفَةُ مع القَصْدِ، فلَزِمَتْه الكَفَّارَةُ، كالمُسْتَقْبَلَةِ 162. ولَنا، أنَّها يمِينٌ غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، فلا تُوجِبُ الكَفَّارَةَ، كاللَّغْو، أو يَمِينٌ على ماضٍ، أشْبَهَتِ اللَّغْوَ، وبَيانُ أنَّها غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، كَوْنُها لا 163 تُوجِبُ بِرًّا، ولا يُمْكِنُ فيها، ولأنَّه قارَنَها ما يُنافِيها، فلم تَنْعَقِدْ، كالنِّكاحِ الَّذي قارَنَه الرَّضاعُ.
ولأنَّ الكَفَّارَةَ لا تَرْفَعُ إثْمَها، فلا تَسُوغُ 164 فيها، ودليلُ أنَّها كبيرةٌ، ما رُوِيَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مِنَ الْكَبَائِرِ الإِشْرَاكُ باللهِ، وعُقُوقُ الْوَالِدَينِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، والْيَمِينُ الغَمُوسُ».
رَواه البخاريُّ 165. ورُوِيَ فيه: «خمْسٌ مِنَ الكَبَائِرِ لَا
الجزء: 27 - الصفحة: 471
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَفَّارَةَ لَهُنَّ، الإِشْرَاكُ باللهِ، والْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وبَهْتُ المُؤْمِنِ، وقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيرِ حَقٍّ، والحَلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَاجِرَةٍ يُقْتَطَعُ بِهَا مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» 166. ولا يَصِحُّ القياسُ على المُسْتَقْبَيَةِ، لأنَّها يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ، يُمْكِنُ حلُّها والبِرُّ فيها، وهذه غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، فلا حَلَّ لها.
وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِنِهِ، ولْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ».
يَدُلُّ على أنَّ الكَفَّارَةَ إنَّما تجِبُ على فِعْل يَفْعَلُه فيما يَسْتَقْبِلُه.
قاله ابنُ المُنْذِرِ 167.
فصلٌ: والمُسْتَحِيلُ نَوْعان؛ أحدُهما، مُسْتَحِيلٌ عَقْلًا، كقَتْلِ الميِّتِ وإحْيائِه، وشُرْبِ ماءِ الكُوزِ ولا ماءَ فيه.
فقال أبو الخَطَّابِ: لا تَنْعَقِدُ [يَمِينُه، ولا تَجِبُ بها كَفَّارَة.
وهذا مذهبُ مالكٌ، لأنَّها يَمِينٌ قارَنَها ما لا يُتَصَوَّرُ، فلم تَنْعَقِدْ] 168، كيَمِينِ الغَمُوسِ، ولأنَّ اليَمِينَ إنَّما تَنْعَقِدُ على مُتَصوَّرٍ، أو مُتَوَهَّمِ التَّصَوُّرِ، وليس ههُنا واحِدٌ منهما.
وقال
الجزء: 27 - الصفحة: 472
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القاضي: يَنْعَقِدُ مُوجِبًا للكَفَّارَةِ في الحالِ.
وهذا قولُ أبي يُوسُفَ، والشافعيِّ؛ لأنَّه حَلَف على فِعْلِ نفْسِه في المُسْتَقْبَلِ ولم يَفْعَلْ، فهو كما لو حَلَف ليطَلِّقَنَّ امرأتَه، فماتَ قبلَ طَلاقِها، وبالقِياسِ 169 على المُسْتَحِيلِ عادةً.
ولا فَرْقَ بينَ أنْ يَعْلَمَ اسْتِحالتَه 170 أو لا يَعْلَمَ، مثلَ أن يَحْلِفَ ليَشرَبَنَّ الماءَ الَّذي في الكُوزِ ولا ماءَ فيه، فالحُكْمُ واحدٌ في مَن عَلِمَ أنَّه لا ماءَ فيه ومَن لم يَعْلَمْ.
وذَكَر شَيخُنا في الكتابِ المَشْروحِ إحْياءَ المَيِّتِ وقَتْلَه في المُسْتَحِيلِ عقْلًا.
وإحْياءُ الميِّتِ مُتَصَوَّرٌ عقْلًا، وإنَّما هو مُسْتَحِيلٌ عادةً، فهو من النَّوْعِ الثاني.
فأمَّا قَتْلُ المَيِّتِ،
الجزء: 27 - الصفحة: 473
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن أرادَ قَتْلَه حال مَوْتِه، فهو مِن المُسْتَحِيلِ عقْلًا، فيه من الخِلافِ ما ذكَرْنا، وإن حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ فُلانًا، وهو مَيِّت، فهو كالمُسْتَحِيلِ عادةً، فإنَّه يُتَصَوَّرُ أن يُحْيِيَه اللهُ، فيَقْتُلَه، فَتَنْعَقِدَ يَمِينُه، على ما نَذْكُرُ في المُسْتَحِيلِ عادةً.
النَّوْعُ الثانِي، المُسْتَحِيلُ عادةً، كصُعودِ السَّماءِ، والطَّيرَانِ، وقَطْعِ المسافَةِ البَعِيدَةِ في المُدَّةِ القَليلَةِ، فإذا حَلَف على فِعْلِه، انْعَقَدَتْ يَمِينُه.
ذَكَرَه القاضِي، وأبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه يُتَصَوَّرُ وجُودُه، فإذا حَلَف عليه، انْعَقَدَتْ يَمِينُه، ولَزِمَتْه الكَفَّارَةُ في الحالِ، لأنَّه مَأْيُوسٌ من البِرِّ فيها، فوَجَبَتِ الكَفَّارَةُ، كما لو حَلَف لَيُطَلِّقَنَّ امرأتَه فماتتْ.
فصل: إذا قال: واللهِ لَيفَعَلَنَّ فلانٌ كذا، أو لا يَفْعَلَنَّ 171. أو حَلَف على حاضِرٍ، فقال: واللهِ لتَفْعَلَنَّ كذا.
فأْحْنَثَه، ولم يَفْعَلْ، فالكَفَّارَةُ على الحالِفِ.
كذلك قال ابنُ عمرَ، وأهلُ المدينةِ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، والأوْزَاعِيُّ، وأهلُ العراقِ، والشافعيُّ، لأنَّ الحالِفَ هو الحانِثُ، فكانتِ
الجزء: 27 - الصفحة: 474
الثَّانِي، لَغْوُ الْيَمِينِ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ فَيَبِينَ بِخِلَافِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا.
الكَفَّارَةُ عليه، كما لو كان هو الفاعِلَ لِما يُحْنِثُه، ولأنَّ سَبَبَ الكَفَّارَةِ إمَّا اليَمِينُ، أو الحِنْثُ، أو هما، وأيُّ ذلك قُدِّرَ، فهو مَوْجُودٌ في الحالِفِ.
وإن قال: أسْأَلُكَ باللهِ لتَفْعَلَنَّ.
وأرادَ اليَمِينَ، فهي كالتي قبلَها.
وإن أرادَ الشَّفاعَةَ إليه باللهِ، فليس بيَمِينٍ، ولا كَفَّارَةَ على واحدٍ منهما.
وإن قال: باللهِ لتَفْعَلَنَّ.
فهي يَمِينٌ؛ لأنَّه أجابَ بجوابِ القَسَمِ، إلَّا أن يَنْويَ ما يَصْرِفُها.
وإن قال: باللهِ أفْعَلُ.
فليست يَمِينًا؛ لأنَّه لم يُجِبْها بجَوابِ القَسَمِ، ولذلك لا يَصْلُحُ أن يقولَ: والله أفْعَلُ.
ولا: تالله أفْعَلُ.
وإنَّما صَلَح ذلك في الباءِ؛ لأنَّها لا تخْتَصُّ القَسَمَ، فيَدُلُّ على أنَّه سُؤالٌ، فلا تَجِبُ به كَفَّارَةٌ.
(الثاني، لَغْوُ اليَمِينِ، وهو أن يَحْلِفَ على شيءٍ يَظُنُّه فيَبِينَ بخِلافِه، فلا كَفَّارَةَ فيها) أكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّ هذه اليَمِينَ لا كَفَّارَةَ فيها.
قاله ابنُ المُنْذِرِ 172. يُرْوَى هذا عن ابنِ عباس، وأبي هُرَيرَةَ، وأبي مالكٍ،
الجزء: 27 - الصفحة: 475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وزُرَارَةَ 173 بنِ أوْفَى، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، ومالكٍ، وأبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ.
وممَّن قال: هذا لَغْوُ اليَمِينِ.
مُجاهِدٌ، وسُليمانُ بنُ يَسارٍ، والأوْزَاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ وأصْحابُه.
وأكثرُ أهلِ العِلْمِ على أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ لا كَفَّارَةَ فيه.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ 174: أجْمَع المسلمون على هذا.
وقد حُكِيَ عن النَّخَعِيِّ في اليَمِينِ على شيءٍ يَظُنُّه حَقًّا، فيَبِينُ بخِلافِه، أنَّه من لَغْو اليَمِينِ، وفيه الكَفَّارَةُ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ فيه الكَفَّارَةَ، وليس هو مِن لَغْو اليَمِينِ، لأنَّ اليَمِينَ باللهِ وُجِدَتْ مع المُخالفَةِ، فأوْجَبَتِ الكَفَّارَةَ، كاليَمِينِ على مُسْتَقْبَل.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿لَا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ 175. [وهذا منه] 176، ولأنَّها يَمِين غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، فلم تَجِبْ فيها كفَّارَةٌ، كيَمِينِ الغَمُوسِ، ولأنَّه غيرُ قاصِدٍ للمُخالفَةِ، فأشْبَهَ ما لو
الجزء: 27 - الصفحة: 476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حَنِثَ 177 ناسِيًا.
وفي الجُمْلَةِ، لا كَفَّارَةَ في يَمِينٍ على ماضٍ؛ لأنَّها تَنْقَسِمُ ثلاثَةَ أقْسامٍ؛ ما هو صادِقٌ فيه، فلا كَفَّارَةَ فيه إجْماعًا.
وما تَعَمَّدَ
الجزء: 27 - الصفحة: 477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكَذِبَ فيه، فهو يَمِينُ الغَمُوسِ، لا كَفَّارَةَ فيها؛ لأنَّها أعْظَمُ مِن أن تكِونَ فيها كَفَّارَةٌ.
وقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيها.
وما يَظُنُّه حَقًّا، فيَبِينُ بخِلافِه، فلا كَفَّارةَ فيها؛ لأنَّها من لَغْو اليَمِينِ.
الجزء: 27 - الصفحة: 478
فَصْلٌ: الثَّانِي، أَنْ يَحْلِفَ مُخْتَارًا، فَإِنْ حَلَفَ مُكْرَهًا، لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ.
فصل: الشَّرْطُ (الثاني، أن يَحْلِفَ مُخْتارًا، فإن، حَلَف مُكْرَهًا، لم تَنْعَقِدْ يَمِينُه) وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وذَكَر فيها أبو الخَطَّابِ رِوَايَتَين؛ إحْدَاهما، تَنْعَقِدُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّها يَمِينُ مُكَلَّفٍ، فانْعَقَدَتْ، كيَمِينِ المُخْتارِ، ولأنَّ هذه الكَفَّارَةَ لا تَسْقُطُ بالشُّبْهَةِ، فوَجَبَتْ مع الإِكْراهِ، ككَفَّارَةِ الصَّيدِ.
ولَنا، ما روَى أبو أُمامَةَ، ووَاثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيسَ عَلَى مَقْهُورٍ يَمِينٌ» 178. ولأنَّه قولٌ حُمِلَ عليه بغيرِ حَقٍّ، فلم يَصِحَّ مع الإِكْراهِ، ككَلِمَةِ الكُفْرِ، وأمَّا كَفَّارَةُ الصَّيدِ فلا تجِبُ مع الإِكْراهِ، فهي كمَسْأَلَتِنا.
الجزء: 27 - الصفحة: 479
وَإِنْ سَبَقَتِ الْيَمِينُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيرِ قَصْدٍ إِلَيهَا، كَقَوْلِهِ: لَا وَاللهِ.
وَبَلَى وَاللهِ.
في عُرْضِ حَدِيثِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيهِ.
4696 - مسألة: (وَإِنْ سَبَقَتِ الْيَمِينُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيرِ قَصْدٍ إِلَيهَا، كَقَوْلِهِ: لَا وَاللهِ. وَبَلَى وَاللهِ. في عُرْضِ حَدِيثِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيهِ)
هذا قولُ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّها من لَغْو اليَمِينِ.
نَقَل عبدُ اللهِ، عن أبِيه، أنَّه قال: اللَّغْوُ عندِي أن يَحْلِفَ على اليَمِينِ، يَرَى أنَّها كذلك، والرجلُ يَحْلِفُ فلا يَعْقِدُ قَلْبَه على شيءٍ.
وممَّن قال: إنَّ اللَّغْوَ اليَمِينُ التي لا يَعْقِدُ عليها قَلْبَه؛ عمرُ، وعائشةُ، رَضِيَ اللهُ عنهما.
وبه قال عَطاءٌ، والقاسِمُ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، والشافعيُّ؛ لِما رُوِيَ عن عَطاءٍ، قال: قالت عائشةُ: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال، يَعْنِي في اللَّغْو في اليَمِينِ: «هُوَ كَلَامُ الرَّجُلِ في بَيتِه: لَا واللهِ.
و: بَلَى واللهِ».
أخرَجَه أبو داودَ 179. قال: ورَواه الزُّهْرِيُّ، وعبدُ الملكِ 180 بنُ أبي سُلَيمانَ، ومالِكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن عَطاءٍ، عن عائشةَ مَؤقُوفًا.
وروَى الزُّهْرِيُّ، أنَّ عُروَةَ
الحديث: 4696 - الجزء: 27 - الصفحة: 480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حَدَّثَه أنَّ 181 عائشةَ، قالت: أيمانُ 182 اللَّغْو، ما كان في المِرَاءِ، والهَزْلِ، والْمُزَاحَةِ، والحديثِ الَّذي لا يُعْقَدُ عليه القَلْبُ، وأيمانُ الكَفَّارَةِ كلُّ يَمِينٍ حَلَف عليها على وَجْهٍ من الأمْرِ، في غَضَبٍ أو غيرِه، ليَفْعَلَنَّ، أو ليَتْرُكَنَّ، فذاك عَقْدُ الأيمانِ التي فَرَض اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيها الكَفَّارَةَ 183. ولأنَّ اللَّغْوَ في كلامِ العَرَبِ غيرُ المَعْقُودِ عليه، وهذا كذلك.
وممَّن قال: لا كَفَّارَةَ في هذا؛ ابنُ عباسٍ، وأبو هُرَيرَةَ، وأبو مالكٍ، وزُرَارَةُ 184 بنُ أوْفَى، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، وممالكٌ.
وهو قولُ مَن قال: إنَّه مِن لَغْو اليَمِينِ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
ووَجْهُ ذلك قولُ اللهِ تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ 185. فجَعَلَ الكفَّارَةَ لليَمِينِ
الجزء: 27 - الصفحة: 481
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . التي يُؤْاخَذُ بها، ونَفَى المُؤاخَذَةَ باللَّغْو، فيَلْزَمُ انْتِفاءُ الكفَّارَةِ، ولأنَّ المُؤاخَذَةَ يَحْتَمِلُ أن يكونَ مَعْناها إيجابَ الكَفَّارَةِ، بدليلِ أنَّها تَجِبُ في الأيمانِ التي لا مَأْثَمَ 186 فيها، وإذا كانتِ المُؤاخَذَةُ إيجابَ الكَفَّارَةِ، فقد نَفَاها في اللَّغْو، فلا تَجِبُ، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصحابةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا، ولأنَّ قولَ عائشةَ في تفسيرِ اللَّغْو، وبَيانِ الأيمانِ التي فيها الكَفَّارَةُ، خَرَج منها تفسيرًا لكلامِ اللهِ تعالى،
الجزء: 27 - الصفحة: 482
فَصْلٌ: الثَّالِثُ، الْحِنْثُ في يَمِينهِ، بَأَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ يَتْرُكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، مُخْتَارًا ذَاكِرًا، وَإِنْ فَعَلَهُ
وتَفْسِيرُ الصَّحابِيِّ مَقبولٌ.
فصل: الشَّرطُ (فَصْلٌ: الثَّالِثُ، الْحِنْثُ في يَمِينهِ، بَأَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ يَتْرُكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، مُخْتَارًا ذَاكِرًا، وَإِنْ فَعَلَهُ مُكْرَهًا أو
الجزء: 27 - الصفحة: 483
مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيهِ.
وَعَنْهُ، عَلَى النَّاسِي كَفَّارَة.
ناسِيًا، فلا كَفَّارَةَ عليه.
وعنه، على النَّاسِي كَفَّارَةٌ) إذا حَلَف لا يَفْعَلُ شيئًا، فَفَعَلَه ناسِيًا، فلا كَفَّارَةَ عليه.
نَقَلَه عن أحمدَ الجماعَةُ، إذا كان في غيرِ الطَّلاقِ والعَتاقِ.
وهذا ظاهِرُ المذهبِ.
اخْتارَه الخَلَّالُ وصاحِبُه.
فأمَّا الطَّلاقُ والعَتاقُ، فإنَّه يَحْنَثُ فيهما، في ظاهرِ المذهبِ.
وعنه، لا يَحْنَثُ في الطَّلاقِ والعتَاقِ أيضًا.
وهو قولُ عَطاءٍ، وعَمْرِو بنِ دِينارٍ، وإسْحَاقَ.
وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافِعِيِّ؛ لقولِه تعالى.
﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ 187. وقال النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ تَجاوَز لأُمَّتِي 188 عَنَ الخَطَأْ، والنِّسْيانِ، ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» 189. ولأنَّه غيرُ قاصِدٍ للمُخالفَةِ، فلم يَحْنَثْ، كالنَّائِم والمجْنُونِ.
ولأنَّه أحَدُ طَرَفَيِ اليَمِينِ، فاعْتُبِرَ فيه القَصْدُ، كحالةِ الابتِداءِ 190 بها.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخرَى، أنَّه يَحْنَثُ، وتَلْزَمُه الكَفَّارَةُ في اليَمِينِ المُكَفَّرَةِ.
وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيِّ،
الجزء: 27 - الصفحة: 484
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقَتادَةَ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، وأصْحابِ الرَّأْي، والقولُ الثاني للشافِعِيِّ، لأنَّه خالفَ ما حَلَف عليه قاصِدًا لفِعْلِه، فلَزِمَه الحِنْثُ، كالذَّاكِرِ، وكما لو كانتِ اليَمِينُ بالطَّلاقِ والعَتاقِ.
ولَنا، على 191 أنَّ الكَفَّارَةَ لا تَجِبُ في اليَمِينِ المُكَفَّرَةِ، ما تَقَدَّمَ من الآيةِ والخَبَرِ، ولأنَّها تَجِبُ لمَحْو الإثْمِ، ولا إثْمَ على النَّاسِي.
وأمَّا الطَّلاقُ والعَتاقُ، فهو مُعَلَّقٌ بشَرْطٍ، فيَقَعُ بوُجودِ شَرْطِه من غيرِ قَصْدٍ، كما لو قال: أنْتِ طالِقٌ، إنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، أو قَدِمَ الحاجُّ.
فصل: فإن فَعَلَه غيرَ عالمٍ بالمَحْلُوفِ عليه، كرجلٍ لا يُكَلِّمُ فُلانًا، فسَلَّمَ عليه يَحْسَبُه أجْنَبِيًّا، أو حَلَف لا يُفارِقُه حتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّه، فأعْطاه، ففارَقَه ظَنًّا منه أنَّه قد بَرَّ 192، فوَجَدَه مَعِيبًا أو رَدِيئًا، أو حَلَفَ: لا بِعْتُ لزيدٍ ثَوْبًا.
فوَكَّلَ زيدٌ مَنْ يَدْفَعُه إلى مَن يَبِيعُه، فدَفَعَه إلى الحالِفِ، فباعَه مِن غيرِ عِلْمِه، فهو كالنَّاسِي، لأنَّه غيرُ قاصِدٍ للمُخالفةِ، أَشْبَهَ النَّاسِيَ.
الجزء: 27 - الصفحة: 485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والمُكْرهُ على الفِعْلِ يَنْقَسِمُ قِسمَين؛ أحدُهما، أن يُلْجَأَ إليه، مثلَ مَن حَلَف لا يَدْخُل دارًا، فحُمِلَ فأُدْخِلَها.
أو لا يَخْرُجُ منها، فأُخْرِجَ مَحْمُولًا، ولم يُمْكِنْه الامْتِناعُ، فلا يَحْنَثُ في قولِ الأكْثَرِين.
وبه قال أصحابُ الرَّأْي.
وقال مالكٌ: إن دَخَل مَرْبُوطًا، لم يَحْنَث.
وذلك لأنَّه لم يَفْعَلِ الدُّخولَ والخُروجَ، فلم يَحْنَث، كما لو لم
الجزء: 27 - الصفحة: 486
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُوجَدْ ذلك.
الثاني، أن يُكْرَهَ بالضَّرْبِ والتَّهْدِيدِ بالقَتْلِ ونحوه، فقال أبو الخَطَّابِ: فيه رِوايتان، كالنَّاسِي.
وللشافعيِّ قَوْلان.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يَحْنَثُ، لأنَّ الكَفَّارَةَ لا تَسْقُطُ بالشُّبْهَةِ، فوَجَبَت مع الإِكْراهِ والنِّسْيانِ، ككَفَّارَةِ الصَّيدِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأ، والنِّسْيانِ، ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ».
ولأنَّه نَوْعُ إكْراهٍ، فلم يَحْنَثْ به، كما لو حُمِلَ ولم يُمْكِنْه الامْتِناعُ، لأنَّ الفِعْلَ لا يُنْسَبُ إليه، فأشْبَهَ مَن لم يَفْعَلْه، ولا نُسَلِّمُ الكَفَّارَةَ في الصَّيدِ، بل إنَّما تَجِبُ على المُكْرِهِ.
الجزء: 27 - الصفحة: 487
وَإنْ حَلَفَ فَقَال: إِنْ شاءَ اللهُ.
لَمْ يَحْنَثْ، فَعَلَ أَوْ تَرَكَ، إِذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ.
4697 - مسألة: (فإن حَلَف فقال: إن شاءَ اللهُ. لم يَحْنَثْ، فَعَل أو تَرَك، إذا كان مُتَّصِلًا بيَمِينِه)
وجملةُ ذلك، أنَّ الحالِفَ إذا قال: إن شاء اللهُ.
مع يَمِينِه، فهذا يُسَمَّى اسْتِثْناءً.
فإنَّ 193 ابنَ عمرَ رَوَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَنْ حَلَفَ، فَقَال: إنْ شَاءَ اللهُ.
[فَقَدِ اسْتَثْنَى] 194». روَاه أبو داودَ 195. وأجْمَعَ العُلَماءُ على تَسْمِيَته اسْتِثْناءً، وأنَّه متى اسْتَثْنَى في يَمِينِه، لم يَحْنَث فيها؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَن حَلَفَ، فَقَال: إنْ شَاءَ اللهُ.
لَمْ يَحْنَثْ».
رَواه التِّرْمِذِي 196. وروَى أبو داودَ 197: «مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى، فإنْ شَاءَ رَجَعَ، وإنْ شَاءَ تَرَكَ».
الحديث: 4697 - الجزء: 27 - الصفحة: 488
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأنَّه متى قال: لأَفعَلَنَّ إن شاء اللهُ.
فقد عَلِمْنا أنَّه متى شاءَ اللهُ فَعَل، ومتى لم يَفْعَلْ لم يَشَأ اللهُ ذلك، فإنَّ ما شاءَ اللهُ كان، وما لم يَشَأْ لم يَكُنْ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُشْتَرَطُ أن يكونَ الاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا باليَمِينِ، بحيث لا يَفْصِلُ بينَهما بكلامٍ أجْنَبِيٍّ، ولا يَسْكُتُ بينَهما سُكوتًا يُمْكِنُه الكَلامُ فيه، فأمَّا السُّكوتُ لانْقِطاعِ نَفَسِه أو صَوْتِه، أو عِيٍّ، أو عارِضٍ، من عَطْسَةٍ، أو شيءٍ غيرها، فلا يَمْنَعُ صِحَّةَ الاسْتِثْناءِ، وثُبوتَ حُكْمِه.
وبهذا قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ حَلَفَ، فاسْتَثْنَى».
وهذا يَقْتَضِي كَوْنَه 198 عَقِيبَه.
ولأنَّ الاسْتِثْناءَ من تَمامِ الكلامِ، فاعْتُبرَ اتِّصالُه به، كالشَّرْطِ وجَوابِه، وخَبَرِ المُبْتَدَأ، والاسْتِثْناءِ بإلَّا، ولأنَّ الحالِفَ إذا سَكَت ثَبَت حُكْمُ يَمِينِه، وانْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لحُكْمِها، وبعدَ ثُبُوتِه لا يُمْكِنُ دَفْعُه 199 ولا تَغْيِيرُه.
قال أحمدُ: حديثُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِعَبْدِ الرحمنِ بنِ سَمُرَةَ: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» 200.
الجزء: 27 - الصفحة: 489
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولَمْ يَقُلْ: فاسْتَثْنِ.
ولو جازَ الاسْتِثْناءُ في كلِّ حالٍ، لم يَحْنَثْ حالِفٌ به.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخرَى، أنَّه يجوزُ الاسْتِثْناءُ إذا لم يَطُلِ الفَصْلُ بينَهما.
قال في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ: حديثُ ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَاللهَ لأغْزُوَنَّ قُريشًا».
ثم سَكَت، ثم قال: «إنْ شَاءَ اللهُ» 201. إنَّما هو اسْتِثْناءٌ بالقُرْبِ، ولم يخْلِطْ كلامَه بغيرِه.
ونقَل عنه إسْماعيلُ بنُ سعيدٍ مثلَ هذا، وزادَ: ولا أقولُ فيه بقَوْلِ هؤلاءِ.
يَعْنِي مَن 202 لم يَرَ ذلك إلَّا مُتَّصِلًا.
ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ؛ فإنَّه قال: إذا لم يَكُنْ بينَ اليَمِينِ والاسْتِثْناءِ كلامٌ.
ولم يَشْتَرِطِ اتِّصال الكلام، وعدمَ السُّكوتِ.
وهذا قولُ الأوْزاعِيِّ، قال في رجلٍ، قال: لا أَفْعَلُ كذا وكذا.
ثم سَكَت ساعَةً لا يَتَكَلَّمُ، ولا يُحَدِّث نَفْسَه بالاسْتِثْناءِ، فقال
الجزء: 27 - الصفحة: 490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
له إنْسانٌ: قُلْ: إن شاءَ اللهُ.
[فقال: إن شاء اللهُ] 203. أَيُكَفِّرُ عن يَمِينِه؟ قال: أراهُ قد اسْتَثْنَى.
وقال قَتادَةُ: له أن يَسْتَثْنِيَ قبلَ أن يقومَ أو يتَكَلَّمَ.
ووَجْهُ ذلك، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَثْنَى بعدَ سُكُوتِه، إذْ قال: «وَاللهِ لَأغْزُوَنَّ قُرَيشًا».
ثم سَكَتَ، ثم قال: «إنْ شَاءَ اللهُ».
احْتَجَّ به أحمدُ، ورَواه أبو داودَ.
وزاد 204: قال الوليدُ بنُ مسلم: ولم يَغْزُهُم.
ويُشْتَرَطُ على هذه الرِّوايَةِ أن لا يُطِيلَ الفَصْلَ بينَهما، ولا يَتَكَلَّمَ بينَهما بكَلامٍ أجْنَبِيٍّ.
وحَكَى ابنُ أبي موسى عن بعضِ أصحابِنا، أنَّه قال: يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ ما دامَ في المَجْلِسِ.
وحُكِيَ ذلك عن الحسنِ، وعَطاءٍ.
وعن عَطاءٍ أنَّه قال: قَدْر حَلْبِ النَّاقَةِ الغَرُوزَةِ 205. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّ له أن يَسْتَثْنِيَ بعدَ حِينٍ 206. وهو قولُ مُجاهِدٍ.
وهذا القولُ لا يَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْناه، وتَقْديرُه بمَجْلِسٍ أو غيرِه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ التَّقْديراتِ بابُها التَّوْقِيفُ، فلا يُصارُ إليها 207 بالتَّحَكُّمِ.
الجزء: 27 - الصفحة: 491
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُشْتَرَطُ أن يَسْتَثْنِيَ بلِسانِه، ولا يَنْفَعُه الاسْتِثْناءُ بالقَلْبِ في قول عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، والنَّخَعِيُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأَوْزاعِيُّ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو حنيفةَ، وابنُ المُنْذِرِ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ حَلَفَ، فَقَال: إنْ شَاءَ اللهُ.
لَمْ يَحْنَثْ».
والقولُ هو النُّطْقُ، ولأنَّ اليَمِينَ لا تَنْعَقِدُ بالنَّيَّةِ، وكذلك الاسْتِثْناءُ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ: إن كان مَظْلُومًا فاسْتَثْنَى في نفْسِه، رَجَوْتُ 208 أنْ يجوزَ، إذا خافَ على نَفْسِه.
فهذا في حَقِّ الخائِفِ على نفسِه؛ لأنَّ يَمِينَه غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، أو لأنَّه بمنزِلَةِ المُتَأَوِّلِ، وأمَّا في حَقِّ غيرِه فلا.
الجزء: 27 - الصفحة: 492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: واشْتَرَطَ القاضِي [أن يَقْصِدَ] 209 الاسْتِثْناءَ، فلو أرادَ الجَزْمَ، فسَبَقَ لِسانُه إلى الاسْتِثْناءِ مِن غيرِ قَصْدٍ، أو كانت عادَتُه جارِيَةً بالاسْتِثْناءِ، فجرَى على لِسانِه من غيرِ قَصْدٍ، لم يَصِحَّ، لأنَّ اليَمِينَ لَمّا لم تَنْعَقِدْ مِن غيرِ قَصْدٍ، فكذلك الاسْتِثْناءُ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وذَكَر بعضُهم أنَّه لا يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ حتَّى يَقْصِدَه مع ابتِدَاءِ 210 يَمينِه 211، فلو حَلَف غيرَ قاصِدٍ للاسْتِثْناءِ، ثم عَرَض له بعدَ فَرَاغِه من اليَمِينِ فاسْتَثْنَى، لم يَنْفَعْه.
وهذا القولُ يُخالِفُ عُمومَ الخَبَرِ، وهو قولُه، عليه السَّلامُ: «مَنْ حَلَفَ، فَقَال: إنْ شَاءَ اللهُ.
لَمْ يَحْنَثْ».
فلا يَصِحُّ، ولأنَّ لَفْظَ الاسْتِثْناء يكونُ عَقِيبَ يَمِينِه، فكذلك نِيَّتُه.
الجزء: 27 - الصفحة: 493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَصِحُّ الاسْتِثْناءُ في كُلِّ يَمِينٍ مُكَفَّرَةٍ، كاليَمِينِ باللهِ تعالى، والظِّهارِ، والنَّذْرِ.
قال ابنُ أبي موسى.
مَنْ اسْتَثْنَى في يَمِينٍ تَدْخُلُها كَفَّارَةٌ، فله ثُنْيَاهُ 212؛ لأنَّها أَيمانٌ مُكَفَّرَةْ، فدَخَلَها الاسْتِثْناءُ، كاليَمِينِ باللهِ تعالى، فلو قال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي، إن شاءَ اللهُ.
[أو أنْتِ حَرامٌ، إن شاء اللهُ.
أو: إن دخَلْتِ الدّارَ فأنْتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي، إن شاء اللهُ] 213. أو: للهِ عليَّ أن أتَصَدَّقَ بمائَةِ دِرْهَمٍ، إن شَاءَ اللهُ.
لم يَلْزَمْه شيءٌ؛ لأنَّها أيمانٌ، فتَدْخُلُ في عُمومِ قولِه: «مَنْ حَلَفَ، فَقَال: إنْ شاءَ اللهُ.
لَمْ يَحْنَثْ».
فصل: فإن قال: واللهِ لأَشْرَبَنَّ اليومَ، إلَّا أن يشاءَ اللهُ.
أو: لا أشْرَبُ، إلَّا أن يشاءَ اللهُ.
لم يَحْنَثْ بالشُّرْبِ ولا تَرْكِه، لِما ذَكَرْنا في الإِثْباتِ.
ولا فَرْقَ بينَ تَقْديمِ الاسْتِثْناءِ وتَأْخيرِه في هذا كُلِّه، فإذا قال: واللهِ، إن شَاءَ اللهُ، لا أشْرَبُ اليومَ.
أو: لأشْرَبَنَّ 214. ففَعَلَ أو تَرَك،
الجزء: 27 - الصفحة: 494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ تَقْدِيمَ الشَّرْطِ وتَأْخِيرَه سَواءٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ 215.
فصل: فإن قال: واللهِ لأشْرَبَنَّ اليومَ، إن شاءَ زَيدٌ.
فشاءَ زَيدٌ، ولم يَشْرَبْ حتَّى مَضَى اليومُ، حَنِثَ، وإن لم يَشَأْ زَيدٌ، لم تَلْزَمْه يَمِينٌ، فإن لم تُعْلَمْ مَشِيئَتُه لغَيبَةٍ أو جُنونٍ أو مَوْتٍ انْحَلَّتِ اليَمِينُ؛ لأنَّه لم يُوجَدِ الشَّرْطُ.
وإن قال: واللهِ لا أشْرَبُ، إلَّا أن يَشاءَ زيدٌ.
فقد مَنَع نَفسَه الشُّرْبَ إلَّا أن تُوجَدَ مَشِيئَةُ زيدٍ، فإن شاءَ فله الشُّرْبُ، وإن لم يَشأْ لم يَشْرَبْ، وإن خَفِيَتْ مَشِيئَتُه لغَيبَةٍ أو موتٍ أو جُنونٍ، لم يَشْرَبْ، وإنْ شَرِبَ حَنِثَ؛ لأنَّه مَنَع نَفْسَه إلَّا أن تُوجَدَ المَشِيئَةُ.
216 ولم يَكُنْ له أن يَشْرَبَ قبلَ وُجودِها.
وإن قال: واللهِ لأشْرَبَنَّ، إلَّا أن يشاءَ زيدٌ.
فقد ألْزَمَ نَفْسَه الشُّرْبَ إلَّا أن يَشاءَ زيدٌ أن لا يَشْرَبَ؛ لأنَّ الاسْتِثْناءَ ضِدُّ المُسْتَثْنَى منه، والمُسْتَثْنَى منه إيجابٌ لشربِه بيَمِينِه، فإن شَرِبَ قبلَ مَشِيئَةِ زيدٍ بَرَّ.
وإن قال زيدٌ: قد شِئتُ أن لا يَشْرَبَ.
انْحَلَّتْ يَمِينُه؛ لأنَّها مُعَلَّقَةٌ بعَدَمِ مَشِيئَتِه لتَرْكِ الشربِ، وإن لم تَتَقَدَّمْ فلم يُوجَدْ شَرْطُها.
وإن قال: قد
الجزء: 27 - الصفحة: 495
وَإذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيئًا، وَنَوَى وَقْتًا بِعَينِهِ، تَقَيَّدَ بِهِ، وَإنْ لَمْ يَنْو، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَيأَسَ مِنْ فِعْلِهِ، إِمَّا بِتَلَفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيهِ، أَوْ مَوْتِ الْحَالِفِ، وَنَحْو ذَلِكَ.
شِئْتُ أن يَشْرَبَ.
أو: ما شِئْتُ أن لا يَشْرَبَ.
لم تَنْحَلَّ اليَمِينُ؛ لأنَّ هذه المَشِيئَةَ غيرُ المستثناةِ، فإن خَفِيتْ مَشِيئَتُه، لَزِمَه الشربُ؛ لأنَّه عَلَّقَ وُجوبَ الشُّرْبِ بعَدَمِ المشيئةِ، وهي مَعْدُومَةٌ بحُكْمِ الأصلِ.
وإن قال: واللهِ لا أشربُ اليومَ، إن شاء زيدٌ.
فقال زيدٌ: قد شِئْتُ أن لا يشربَ.
فشربَ حَنِث، وإن شَرِب قبلَ مشيئتِه لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ الامْتِناعَ من الشُّرْبِ مُعَلَّقٌ بمشيئتِه، ولم تَثْبُتْ مشيئتُه، فلم يَثْبُتْ الامْتناعُ، بخلافِ التي قبلَها.
وإن خفِيَتْ مشيئتُه، فهي في حكمِ المعْدومةِ.
والمشيئةُ في هذه المواضِعِ أن يقولَ: قد شئتُ.
بلسانِه.
4698 -
مسألة: (وَإذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيئًا، وَنَوَى وَقْتًا بِعَينِهِ، تَقَيَّدَ بِهِ، وَإنْ لَمْ يَنْو، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَيأَسَ مِنْ فِعْلِهِ، إِمَّا بِتَلَفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيهِ، أَوْ مَوْتِ الْحَالِفِ)
وذلك لأنَّ اللفظَ يَحْتَمِلُ إرادةَ المَحْلُوفِ عليه في وَقْتٍ مُعَيَّن، ويَحْتَمِلُ غيرَه، فرُجِعَ إلى ما نَواه، ككناياتِ الطلاقِ والعِتقِ، وإن لم يكنْ له نيةٌ، لم يَحْنَثْ قبلَ اليَأْسِ مِن فِعْلِه؛ فإنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ﴾ 217. فقال عُمَرُ: يا رسولَ اللهِ: ألم تُخْبِرْنا أَنّا سنَأْتي البيتَ ونَطُوف به؟ قال: «بلى،
الحديث: 4698 - الجزء: 27 - الصفحة: 496
وَإذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، اسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْثُ وَالتَّكْفِيرُ.
فأخْبَرْتُك أنَّك آتِيه العامَ؟».
قال: لا.
قال: «فإنَّك آتِيه ومُطَّوِّفٌ بِه» (1).
4699 -
مسألة: (وَإذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، اسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْثُ وَالتَّكْفِيرُ)
لِما روَى عبدُ الرحمنِ بنُ سَمُرَةَ قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا حَلَفْتَ على يَمِين، فرَأَيتَ غيرَها خَيرًا منْها، فكَفِّر عن يَمِينِك، ثم ائْت الَّذي هو خيرٌ».
رَواه أبو داودَ 219. وفي لفظٍ: «وائْتِ الَّذي هو خَيرٌ».
رَواه البخارِيُّ، والأثْرَمُ (2). وعن أبي موسى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إنِّي، إن شاء اللهُ، لا أحْلِفُ على يَمِين فأرَى غيرَها خيرًا منْها، إلَّا كَفَّرْتُ عن يَمِينِي، وأتَيتُ الَّذي هو خيرٌ».
أو: «أتَيتُ الَّذي هو خيرٌ، وكَفَّرْتُ عن يَمِينِي».
رَواه البُخارِيُّ 220.218
الحديث: 4699 - الجزء: 27 - الصفحة: 497
وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ الْحَلِفَ.
4700 - مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ تَكْرارُ الحَلِفِ)
باللهِ، ولا الإِفْراطُ 221 فيه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ 222. وهذا ذَمٌّ له يَقْتَضِي كَراهَةَ فِعْلِه.
فإن لم يخرُجْ إلى حَدِّ الإِكْثارِ، فليس بمَكْرُوهٍ، إلَّا أن يَقْتَرِنَ به ما يُوجِبُ كراهَتَه.
ومن الناسِ مَن قال: الأَيمانُ كُلُّها مَكْروهَةٌ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ﴾ 223. ولَنا، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَحْلِفُ كثيرًا، وقد كان يَحْلِفُ في الحديثِ الواحِدِ أيمانًا كثيرةً، ورُبَّما كرَّرَ اليمينَ الواحِدةَ ثلاثًا، فإنَّه قال في خُطْبةِ الكُسوفِ: «وَاللهِ يا أُمَّةَ
الحديث: 4700 - الجزء: 27 - الصفحة: 498
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
محمَّدٍ، مَا مِنْ أحَدٍ أغْيَرُ مِنَ الله أنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أو تَزْنِيَ أَمتُهُ، يَا أَمَّةَ محمّدٍ، واللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعلَمُ، لَضَحِكْتُم قَلِيلًا، ولَبَكَيتُمْ كَثيرًا» 224. ولَقِيَتْه امرأةٌ من الأنْصارِ، معها أولادُها، فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّكُم لأحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ».
ثَلاثَ مَرَّاتٍ 225. وقال: «وَاللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا، واللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا، وَاللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا» 226. ولو كان هذا مكروهًا، لَكانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَبْعدَ الناسِ منه.
ولأنَّ الحَلِفَ بالله تعالى تعظيمٌ له، وربَّما ضَمَّ إلى يَمِينِه وَصْفَ الله تعالى بتعظِيمِه وتَوْحِيدِه، فيكونُ مُثابًا على ذلك.
فقد رُوِيَ أنَّ رجُلًا حَلَفَ على شيءٍ، فقال: واللهِ الَّذي لا إلهَ إلَّا هو، ما فَعَلْتُ كذا.
فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أمَّا إنَّه، 227 قد كَذَبَ، وَلَكِنْ غفَرَ اللهُ له بتَوْحِيدِه» 228. وأمَّا الإفْراطُ في الحَلِفِ، فإنَّه إنَّما كُرِهَ، لأنَّه لا يَكادُ يَخْلُو من الكَذِبِ.
واللَّهُ أعلمُ.
وأمَّا قولُه تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ
الجزء: 27 - الصفحة: 499
وَإنْ دُعِيَ إِلَى الْحَلِفِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَهُوَ مُحِقٌّ، اسْتُحِبَّ افْتِدَاءُ
عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ}.
فمَعْناه لا تَجْعَلُوا أَيمَانَكُم باللهِ مانِعَةً لكم من البِرِّ والتَّقْوَى والإِصْلاحِ بينَ الناسِ، وهو أن يَحْلِفَ باللهِ أن لا يَفْعَلَ بِرًّا ولا تَقوَى ولا يُصْلِحَ بينَ الناسِ، ثم يمْتنِعَ مِن فِعْلِه، لِيَبَرَّ في يَمِينِه، ولا يَحْنَثَ فيها، فنُهُوا عن المُضِيِّ فيها.
قال أحمدُ، ولِيَبَرَّ حديثَ ابنِ عباسٍ بإسْنادِه، في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ﴾: الرجلُ يَحْلِفُ أن لا يَصِلَ قَرابَتَه، وقد جَعَل اللهُ له مَخْرَجًا في التَّكْفير، فأمَرَه أن لا يَعْتَلَّ باللهِ، وَلْيُكَفِّرْ، ولْيَبَرَّ (1). وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَأَنْ يَسْتَلِجَّ (2) أَحَدُكُمْ في يَمِينِه، آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللهِ مِنْ أنْ يُؤَدِّيَ الكَفَّارَةَ الَّتِي فَرَضَ اللهُ عَلَيهِ» (3). وإن كان النَّهْي عادَ إلى اليَمِينِ، فالمَنْهِيُّ عنه الحَلِفُ على تَرْكِ البِرِّ والتَّقْوَى والإِصْلاحِ بينَ الناسَ، لا على كلِّ يَمِينٍ، فلا حُجَّةَ فيها لهم إذًا.
4701 -
مسألة: (فإن دُعِيَ إلى الحَلِفِ عندَ الحاكِمِ وهو مُحِقٌّ،
229230231 الحديث: 4701 - الجزء: 27 - الصفحة: 500
يَمِينِهِ، فَإِنْ حَلَفَ، فَلَا بَأْسَ.
اسْتُحِبَّ افْتِدَاءُ يَمِينِه، فإن حَلَف، فلا بَأْسَ) قال أصحابُنا: تَرْكُه أوْلَى، فيكونُ مَكْرُوهًا.
وبه قال أصحابُ الشافعي؛ لِما رُوِيَ أنَّ المِقْدادَ وعثمانَ تَحاكَما إلى عمرَ، في مالٍ اسْتَقْرَص سه المِقْدادُ، فجعلَ عمرُ اليَمِينَ على المِقْدادِ، فرَدَّها على عثمانَ، فقال عمرُ: لقد أنْصَفَكَ.
فأخَذَ عثمانُ ما أعْطاهُ المِقْدادُ، ولم يَحْلِفْ، وقال: خِفْتُ أن يُوافِقَ قَدَر بَلاءً، فيُقال: بيَمِينِ عثمانَ 232. والصَّحِيحُ أنَّه لا يُكْرَهُ بل هو مُباح، فِعْلُه كتَركِه؛ لأنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى أمَر نَبِيَّه - عليه السلام - بالحَلِفِ على الحَقِّ في ثلَاثةِ مَواضعَ، فقال: ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقُّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبِّىَ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ 233. والثاني قولُه: ﴿قُلْ بَلَى وَربي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ 234. والثالثُ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ 235. ورَوَى محمدُ بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، أنَّ عمرَ قال على المِنبَرِ،
الجزء: 27 - الصفحة: 501
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفى يَدِه عَصًا: يا أيُّها الناسُ، لا تَمْنعَنَّكم اليمينُ من حُقُوقِكُم، فوَالذِي نفْسِي بِيَدِه، إنَّ في يَدِي لَعَصًا.
ورَوَى الشَّعْبِيُّ، أنَّ عمرَ وأُبَيًّا احْتَكَمَا 236 إلى زيدٍ في نَخْلٍ ادَّعاه أُبَيٌّ، فتَوَجَّهَتِ اليمينُ على عمرَ، فقال زيدٌ: أَعفِ أميرَ المؤمِنين.
فقال عمرُ: ولِمَ يُعْفِي أميرَ المؤمنين؟ إن عَرَفْتُ شيئًا اسْتَحْقَقْتُه بيَمِينِي، وإلَّا تَرَكْتُه، والله 237 الذِى لا إلهَ إلَّا هو، إنَّ النَّخْلَ لنَخْلِي، وما لأُبَيٍّ فيه حَقٌّ فلمَّا خرَجا وَهَب النَّخْلَ لأُبَيٍّ، فقيل له: يا أميرَ المؤمنين، هلَّا كان هذا قبلَ اليَمِينِ؟ فقال: خِفْتُ أن لا أحْلِفَ، فلا يَحْلِفَ الناسُ على حُقُوقِهم بَعْدِي، فتكونَ سُنَّةً 238. ولأنَّه حَلِف صِدْقٍ على حَق، فأَشْبَهَ الحَلِفَ عندَ غيرِ الحاكمِ.
الجزء: 27 - الصفحة: 502
فصْلٌ: فإِنْ حَرَّمَ أمَتَهُ أَوْ شَيئًا مِنَ الْحَلَالِ، لَمْ يُحَرَّمْ، وَعَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحَرَّمَ تَحْرِيمًا تُزِيلُهُ الْكَفَّارَةُ.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (وإِنْ حَرَّمَ أمَتَهُ أَوْ شَيئًا مِنَ الْحَلَالِ، لَمْ يُحَرَّمْ، وَعَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحَرَّمَ تَحْرِيمًا تُزِيلُهُ الْكَفَّارَةُ) وقال أبو حنيفةَ: يُحَرَّمُ، لقولِ الله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ 239. وقولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾ 240. ولأنَّه تَحْرِيمٌ للحَلالِ، فحَرَّمَ، كتَحْريمِ الزَّوْجَةِ.
ولَنا، أنَّه إذا أرادَ التَّكْفِيرَ، فله فِعْلُ المَحْلُوفِ عليه، وحِلُّ فِعْلِه مع كَوْنِه 241 مُحَرَّمًا تَناقُضٌ، والعَجَبُ أنَّ أبا حنيفةَ لا يُجِيزُ التَّكْفِيرَ إلَّا بعدَ الحِنْثِ، وقد فَرَض اللهُ تعالى تَحِلَّةَ اليمينِ، فعلى قولِه، يَلْزَمُ كونُ المُحَرَّم مَفروضًا، أو من ضَرُورَةِ المَفْروضِ، لأنَّه لا تَحْصُلُ التَّحِلَّةُ إلَّا بفِعْلِ المَحْلُوفِ عليه 242، وهو عندَه مُحَرَّمٌ، وهذا غيرُ جائِزٍ، ولأنَّه لو كان مُحَرَّمًا،
الجزء: 27 - الصفحة: 503
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَوَجَبَ تَقْدِيمُ الكَفّارَةِ عليه، كالظِّهارِ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» 243. فأمَرَ بفِعْلِ المحْلُوفِ عليه، ولو كان مُحَرَّمًا، لم يَأْمُرْ بفِعْلِه، وسَمَّاه خَيرًا، والمُحَرَّمُ ليس بخيرٍ.
وأمَّا الآيةُ، فالمُرادُ بها قوْلُه: هو علَيَّ حَرامٌ.
أو مَنْعُ نَفْسِه منه، وذلك 244 يُسَمَّى تحْرِيمًا، قال اللهُ تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ 245. وقال: ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ﴾ 246. ولم يَثْبُتْ في التَّحْرِيمُ حَقِيقَةً ولا شَرْعًا.
فإذا قال: هذا حَرامٌ عليَّ إن فَعَلْتُ.
وفَعَل.
أو: ما أحَلَّ اللهُ عليَّ حَرامٌ إن فَعَلْتُ.
ثم فَعَلَ، فهو مُخَيَّرٌ، إن شاءَ تَرَك ما حَرَّمَه على نَفْسِه، وإن شاءَ كَفَّرَ.
وإن قال: هذا الطعامُ حَرامٌ عليَّ.
فهو كالحالِفِ على تَرْكِه.
الجزء: 27 - الصفحة: 504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويُرْوَى نحوُ هذا عن ابنِ مسعودٍ، والحَسنِ، وجابرِ بنِ زَيدٍ، وقَتادَةَ، وإسْحاقَ، وأهلِ العراقِ.
وقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، في مَن قال: الحِلُّ عَلَيَّ حَرامٌ: يَمِينٌ مِن الأيمانِ، يُكَفِّرُها.
وقال الحسنُ: هي يَمِينٌ، إلا أن يَنْويَ امرأتَه.
وعن إبراهيمَ مثلُه.
وعنه، إن نَوَى طَلاقًا، وإلَّا فليس بشيءٍ.
وعن الضَّحَّاكِ، أنَّ أبا بكرٍ، وعمرَ، وابنَ مسعودٍ، قالوا: الحرامُ يَمِينٌ 247. وقال طاوُسٌ: هو ما نَوَى.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ: ليس بيَمِينٍ، ولا شيءَ عليه، لأنَّه قَصَد تَغْيِيرَ المَشْرُوعِ، فَلَغا ما قَصَدَه، كما لو قال: هذه ابْنَتِي.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ إلى قولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾ 248. سَمَّى تَحْرِيمَ ما أحَلَّ اللهُ يَمِينًا، وفَرَض له تَحِلَّةً، وهو الكَفَّارَةُ.
وقالت عائِشَةُ: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَمْكُثُ عندَ زَينَبَ بنتِ جَحْشٍ، ويَشْرَبُ عندَها عَسَلًا، فتَواطَيتُ 249 أنا وحَفْصَةُ، أنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عليها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فَلْتَقُلْ: إنِّي أجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغافِيرَ 250 فدَخَلَ على إحْدانا، فقالتْ له
الجزء: 27 - الصفحة: 505
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك، فقال: «لَا، بَل شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَينَبَ بنْتِ جَحْشٍ، ولَنْ أَعُودَ».
فنزَلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾.
مُتَّفَقٌ عليه 251. فإن قيل: إنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ في تَحْرِيمِ مارِيَةَ القِبْطِيَّةِ، كذلك قال الحسنُ، وقَتادَةُ 252. قُلنا: ما ذَكَرْناه أصَحُّ، فإنَّه مُتَّفَقٌ عليه، وقولُ عائشةَ صاحِبَةِ القِصَّةِ الحاضِرَةِ للتَّنْزِيلِ، المُشاهِدَةِ للحالِ، أوْلَى، والحسنُ وقَتادَةُ لو سَمِعَا قولَ عائشةَ، لم يَعْدِلا به شيئًا، ولم يَصِيرَا إلى غيرِه، فكيفَ يُصارُ إلى قولِهما، ويُتْرَكُ قَوْلُها! وقد رُوِيَ عن ابنِ عَباسٍ، وابنِ عمرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه جَعَل تَحْرِيمَ الحلالِ يَمِينًا 253.
الجزء: 27 - الصفحة: 506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو ثَبَت أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في تحريمِ ماريَةَ، كان حُجَّةً لنا؛ لأنَّها من الحلالِ الَّذي حَرَّمَ، وليست زَوْجَةً، فوُجُوابُ الكَفَّارَةِ بتَحْرِيمِها يَقْتَضِي وُجُوبَها بتَحْرِيمِ كلِّ حَلالٍ، بالقياسِ عليها؛ لأنَّه حَرَّمَ الحَلال فأوْجَبَ الكَفَّارَةَ، كتَحْرِيمِ الأمَةِ [والزَّوْجَةِ] 254، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بتَحْرِيمِها.
إذا ثَبَت هذا، فعليه إن فَعَلَه كَفَّارَةُ يَمِينٍ لقولِه عليه السَّلامُ: «إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وَكَفرْ عَنْ يَمِينِكَ».
مُتَّفَقٌ عليه.
ولأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا حَرَّمَ العَسَلَ، أو مارِيَةَ، أَنْزلَ اللهُ سبحانَه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾.
قال الحسنُ: سَمَّى تَحْرِيمَ ما أحَلَّ اللهُ يَمِينًا، وفَرَضَ لَهُ تَحِلَّةً، وهي الكَفَّارَةُ.
ويَحْتَمِلُ أَنْ يُحَرَّمَ تَحْرِيمًا تُزِيلُه الكَفَّارَةُ؛ لأنَّه تَحْرِيمٌ يُوجِبُ الكَفَّارَةَ بالفِعْلِ، فحَرُمَ ما حَرَّمَه، كالظِّهارِ.
الجزء: 27 - الصفحة: 507
وَإنْ قَال: هُوَ يَهُودِيٌّ.
أوْ: كَافِرٌ.
أوْ: بَرِئٌ مِنَ اللهِ تَعَالى، أوْ: مِنَ الإسْلَامِ، أو: الْقُرْآنِ، أو: النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا،
4702 - مسألة: (وإن قال: هو يَهُودِيٌّ)
أو: نَصْرانِيٌّ (أو: بَرِئٌ مِنَ اللهِ تعالى، أو:) من (القُرْآنِ، أو: الإِسْلام، أو: النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إن فَعَل ذلك.
فقد فَعَل مُحَرَّمًا) لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا، فَهُوَ كَمَا قَال».
مُتَّفَق عليه 255. وفي لَفْظٍ: «مَنْ حَلَفَ أنَّه بَرِئٌ مِنَ الإِسْلَامِ، فَإنْ كَانَ قَدْ
الحديث: 4702 - الجزء: 27 - الصفحة: 508
وَعَلَيهِ كَفَّارَةٌ إِنْ فَعَلَ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
كَذَبَ، فَهُوَ كَمَا قَال، وَإنْ كَانَ صَادِقًا، لَمْ يَرْجِعْ إلَى الإِسْلَامِ سَالِمًا» (1).
4703 -
مسألة: (وعليه كَفَّارَةٌ إن فَعَل، في إحْدَى الرِّوَايَتَين)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، في الحالِفِ بالخُروجِ من الإسْلامِ، مثلَ أن يقولَ: هو يَهُودِيٌّ.
أو: نَصْرَانِيٌّ،.
أو: مَجُوسِيٌّ، إن فَعَل كَذا.
[أو: هو] 257 بَرِئٌ من الإِسْلامِ.
أو: مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. أو يقولُ: هو يَعْبُدُ الصَّلِيبَ.
أو: يَعْبُدُ غيرَ اللهِ، إن فَعَل.
أو نحوَ هذا 258، فعن أحمدَ: عليه الكَفَّارَةُ إذا حَنِثَ. يُرْوَى هذا عن طاوُسٍ، والحسنِ، والشَّعْبِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وإسْحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي.256
= عارضة الأحوذي 7/ 28. والنسائي، في: باب الحلف بملة سوى الإسلام، وباب النذر فيما لا يملك، من كتاب الأيمان.
المجتبى 6/ 7، 18. وابن ماجه، في: باب من حلف بملة غير الإسلام، كتاب الكفارات.
سنن ابن ماجه 1/ 678. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 33.
الحديث: 4703 - الجزء: 27 - الصفحة: 509
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ورُوِيَ ذلك عن زَيدِ بنِ ثابِتٍ، رَضِيَ اللهُ عنه.
والثانِيَةُ، لا كَفَّارَةَ عليه.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، واللَّيثِ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه لم يَحْلِفْ باسمِ اللهِ، ولا صِفَتِه، فلم تَلْزَمْه كَفَّارَة، كما لو قال: عَصَيتُ اللهَ فيما أمَرَنِي به.
ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ في الرِّوايَةِ الأُولَى على النَّدْبِ دونَ الإيجابِ، فإنَّه قال في رِوايَةِ حَنْبَلٍ: إذا قال: أكفُرُ باللهِ.
أو: أُشْرِكُ باللهِ: فأحَبُّ إليَّ أن يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ إذا حَنِثَ.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، ما رُوِيَ [عن الزُّهْرِيِّ، عن خارِجَةَ بنَ زيدٍ، عن أبيه] 259، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه سُئِلَ عن الرجلِ يقولُ: هو يَهُودِيٌّ، أو نَصْرَانِيٌّ، أو مَجُوسِيٌّ، أو بَرِئٌ من الإسْلامِ.
في اليَمِينِ يَحْلِفُ بها، فيَحْنَث في هذه الأشْياءِ.
قال: «عَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
أخْرَجَه أبو بَكْرٍ 260. ولأنَّ البَرَاءَةَ من هذه الأشْياءِ تُوجِبُ الكُفْرَ باللهِ، فكان الحَلِف بها يَمِينًا،
الجزء: 27 - الصفحة: 510
وَإنْ قَال: أَنَا أَسْتَحِلُّ الزِّنَى.
أَوْ نَحْوَهُ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
كالحَلِفِ باللهِ تعالى.
قال شيخُنا (1): والرِّوايةُ الثانِيَةُ أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى، فإنَّ الوُجوبَ من الشَّارعِ، ولم يَرِدْ في هذه اليَمِينِ نَصٌّ، ولا هي في قياسِ المَنْصُوصِ، فإنّ الكَفَّارَةَ إنَّما وَجَبَتْ بالحَلِفِ باسِم اللهِ تَعْظِيمًا لاسْمِه، وإظْهارًا لشَرَفِه وعَظَمَتِه، ولا تَتَحَقَّقُ التَّسْويَةُ.
4704 -
مسألة: (وإن قال: «أنا أسْتَحِلُّ الزِّنَى. أو نَحْوَه، فعلى وَجْهَين)
وكذلك إن قال: أنا أسْتَحِلُّ تَرْكَ الصلاةِ أو الزكاةِ أو الصِّيامِ.261
الحديث: 4704 - الجزء: 27 - الصفحة: 511
وَإنْ قَال: عَصَيتُ اللهَ.
أوْ: أَنا أَعْصِي اللهَ في كُلِّ مَا أَمَرَنِي بِهِ.
أوْ: مَحَوْتُ الْمُصْحَفَ إِنْ فَعَلْتُ.
فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ.
فهو كالحَلِفِ بالبَراءَةِ من الإسْلامِ؛ لأنَّ اسْتِحْلال ذلك يُوجِبُ الكُفْرَ، فيُخَرَّجُ على الرِّوايَتَين في المسألةِ قبلَها.
4705 -
مسألة: (وإن قال: عَصيتُ اللهَ. أو: أنَا أعْصِي اللهَ في كُلِّ ما أمَرَنِي بِهِ. أو: مَحَوْتُ المُصْحَفَ إن فَعَلْتُ)
كَذا.
وحَنِثَ (فلا كَفَّارَةَ فيه) لأنَّ هذا دونَ الشِّرْكِ.
وإن قال: أخْزاه اللهُ.
أو: قَطَعَ يَدَه.
أو: لعنه، إن فَعَل.
ثم حَنِثَ، فلا كَفّارَةَ عليه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال عَطاءٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال طاوُسٌ، واللَّيثُ: عليه الكَفَّارَةُ.
وبه قال الأوْزَاعِيُّ إذا قال: عليه لَعْنَةُ اللهِ.
ولَنا،
الحديث: 4705 - الجزء: 27 - الصفحة: 512
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ هذا لا يُوجِبُ الكُفْرَ، أشْبَهَ ما لو قال: مَحَوْتُ المُصْحَفَ.
وإن قال: لا يَرانِيَ اللهُ في 262 مَوْضِعِ كذا إن فعلتُ.
وحَنِثَ، فقال القاضِي: عليه
الجزء: 27 - الصفحة: 513
وَإنْ قَال: عَبْدُ فُلَانٍ حُرٌّ لأفْعَلَنَّ.
فَلَيسَ بِشَيْءٍ؛ وَعَنْهُ، عَلَيهِ كَفَّارَة إِنْ حَنِثَ.
كَفَّارَةٌ.
وذَكَرَ أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه.
والصَّحِيحُ أنَّ هذا لا كفَّارَةَ فيه، لأنَّ إيجابَها في هذا ومثلِه تَحَكُّم بغيرِ نَصٍّ، ولا قِياس صَحِيحٍ.
4706 -
مسألة: (وإن قال: عَبْدُ فُلَانٍ حُرٌّ لَأفْعَلَنَّ. فليس بشيءٍ. وعنه، عليه كَفَّارَةٌ إن حَنِثَ)
أمَّا إذا قال: عَبْدُ فُلانٍ حُرٌّ.
من غيرِ تعْلِيقٍ، لم يَلْزَمْه شيءٌ، وكذلك إن عَلَّقَه، لأنَّ تَعْلِيقَ الشيءِ بالشَّرْطِ أثَرُه في أن يَصِيرَ عندَ الشَّرْطِ كالمُطْلَقِ 263، فإذا كان المُطْلَقُ 264 لا يُوجبُ شيئًا، فكذلك المعَلَّقُ.
ولا يَعْتِقُ العَبْدُ إذا حَنِثَ، بغيرِ خلافٍ، لأنَّه لا يَعْتِقُ بتَنْجِيزِ 265 العِتْقِ، فالتَّعْلِيقُ أوْلَى.
وهل تَلْزَمُه كَفَّارَةٌ؟ فيه رِوايتان عن أحمدَ، ذَكَرَهُما ابنُ أبي موسى؛ إحْداهما، عليه كَفَّارَةٌ؛ لأنَّه حَلَف بالعِتْقِ فيما لا يَقَعُ بالحِنْثِ، فلَزِمَتْه كَفَّارَةٌ، كما لو قال: فللهِ عَلَيَّ أنْ أُعْتِقَ فُلانًا.
والثانيةُ، لا كَفَّارَةَ عليه؛ لأنَّه حَلَف بإخْراجِ مالِ غيرِه، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو قال: مالُ فُلانٍ صَدَقَةٌ، إن دَخَلْتُ الدَّارَ.
ولأنَّه تعْلِيقٌ للعِتْقِ
الحديث: 4706 - الجزء: 27 - الصفحة: 514
وَإنْ قَال: أَيمَانُ الْبَيعَةِ تَلْزَمُنِي.
فَهِيَ يَمِينٌ، رَتَّبَها الْحَجَّاجُ، تَشْتَمِلُ عَلَى الْيَمِينِ باللهِ تَعَالى، والطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَصَدَقَةِ
على صِفَةٍ، فلم تَجِبْ به كَفَّارَة، كسائِرِ التَّعْلِيقُ (1). أمَّا إذا قال: للهِ عَلَيَّ أن أُعْتِقَ عَبْدًا.
فإنَّه نَذْرٌ، فأوجَبَ الكَفَّارَةَ؛ لكَوْنِ (2) النَّذْرِ كاليَمِينِ، وتعْلِيقُ العِتْقِ بخلافِه.
فصل: وإن قال: إن فَعَلْتُ كذا، فمالُ فُلانٍ صَدَقَةٌ، أو: فعلى فُلانٍ حَجَّةٌ، أو: فمالُ (3) فُلانٍ حَرامٌ عليه، أو: هو بَرِئٌ من الإِسْلام.
وأشْباهَ هذا، فليس ذلك بيَمِينٍ، ولا تَجبُ به كَفَّارَةٌ.
لا نَعْلَمُ بينَ أهَلِ العِلْمِ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لم يَرِدِ الشَّرْعُ فيه بَكفَّارَةٍ، ولا هو في معنى ما وَرَد الشَّرْعُ به.
4707 -
مسألة: (وإن قال: أيمانُ البَيعَةِ تَلْزَمُنِي. فهي يَمِينٌ، رَتَّبَهَا الحَجَّاجُ، تَشْتَمِلُ على اليَمِينِ باللهِ تَعَالى، والطَّلاقِ، والعَتاقِ،
266267268 الحديث: 4707 - الجزء: 27 - الصفحة: 515
الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ يَعْرِفُهَا وَنَوَاهَا، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بِمَا فِيهَا، وَإلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَنْعَقِدَ بِحَالٍ، إلا في الطَّلَاقِ والْعَتَاقِ.
وصَدَقَةِ المالِ، فإن كان الحالِفُ يَعْرِفُها ونَوَاها، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بما فيها، وإلَّا فلا شيءَ عليه.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَنْعَقِدَ إلَّا فِي الطَّلاقِ والعَتاقِ) قال أبو عبدِ اللهِ بنُ بَطَّةَ: كُنْتُ عندَ أبي القاسِمِ الخِرَقِيِّ، وقد سَأَلَه رجلٌ عن أيْمانِ البَيعَةِ، فقال: لستُ أُفْتِي فيها بشيءٍ، ولا رأيتُ أحدًا من شيوخِنا يُفْتِي في هذه اليَمِينِ.
قال: وكان أبي، رَحِمَه اللهُ -يَعْنِي [أبا عليٍّ] 269 - يَهابُ الكلامَ فيها.
ثم 270 قال أبو القاسِمِ: إلَّا أن يَلْتَزِمَ الحالِفُ بها بجميعِ ما فيها من الأيمانِ.
فقال له السائِلُ: عَرَفَها أم لم يَعْرِفْها؟ قال: نعم.
وكانتِ اليَمِينُ على عهدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالمصافَحَةِ 271، فلمَّا وَلِيَ الحَجَّاجُ رَتَّبَها إيمانًا تَشْتَمِلُ على اليَمِينِ باللهِ
الجزء: 27 - الصفحة: 516
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تعالى، والطَّلاقِ، والعَتاقِ، وصَدَقَةِ المالِ.
فمَن لم يَعْرِفْها، لم تَنْعَقِدْ يَمِينُه بشيءٍ ممَّا فيها؛ لأنَّ هذا ليس بصَرِيحٍ في القَسَمِ، والكِنايَةُ لا تَصِحُّ إلَّا بالنِّيَّةِ، ومَن لم يَعْرِفْ شيئًا، لمْ يصِحَّ أن يَنْويَه.
وإن عَرَفَها، ولم يَنْو عَقْدَ اليَمِينِ بما فيها، لم يَصِحَّ أيضًا؛ لِما ذَكَرْناه.
ومَن عَرَفَها، ونوَى اليَمِينَ بما فيها، انْعَقَدَ في الطَّلاقِ، العَتاقِ؛ لأنَّ اليَمِينَ بهما 272 جميعًا 273
الجزء: 27 - الصفحة: 517
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تَنْعَقِدُ بالكِنايَةِ، وما عدا الطَّلاقَ والعَتاقَ، كاليَمِينِ بالله تعالى، وصَدَقَةِ المالِ، فقال القاضي: تَنْعَقِدُ يَمِينُه ها هنا أيضًا؛ لأنَّها يَمِينٌ، فتَنْعَقِدُ
الجزء: 27 - الصفحة: 518
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالكِنايَةِ المَنْويَّةِ، كالطَّلاقِ والعَتاقِ، وكما لو لَفَظَ بكل واحدةٍ وَحْدَها.
وقال في مَوْضِعٍ: لا تَنْعَقِدُ اليَمِينُ باللهِ بالكِنايَةِ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الكفَّارَةَ إنَّما وَجَبَتْ فيها لما ذُكِرَ فيها من اسْمِ اللهِ تعالى المُعَظَّمِ المُحْتَرَمِ، ولا يُوجَدُ ذلك في الكِنايَةِ.
الجزء: 27 - الصفحة: 519
وَإنْ قَال: عَلَيَّ نَذْرٌ، أَوْ: يَمِين إِنْ فعَلْتُ كَذَا.
وَفَعَلَهُ، فَقَال أصْحَابُنَا: عَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
4708 - مسألة: (وإن قال: عَلَيَّ نَذْرٌ، أو يَمِينٌ إن فَعَلْتُ كذا. وفَعَلَه، فقال أصحابُنا: عليه كَفَّارَةُ يَمِينٍ)
لِما روَى ابنُ عامِرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذَا لَمْ يُسَمَّ، كَفَّارَةُ الْيَمِينِ».
قال
الحديث: 4708 - الجزء: 27 - الصفحة: 520
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . التِّرْمِذِيُّ 274: هذا حدِيثٌ صَحِيحٌ.
الجزء: 27 - الصفحة: 521
فَصْلٌ في كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: وَهِيَ تَجْمَعُ تَخْيِيرًا وَتَرْتِيبًا، فَيُخَيَّرُ
فصل في كَفَّارَةِ اليَمِينِ: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ تعالى: (وهي تَجْمَعُ تَخْيِيرًا وترتيبًا).
والأصْلُ في كفَّارَةِ اليَمِينِ الكتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ﴾ (1) الآية.
وأمَّا السُّنَّةُ، فقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَايتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» (2). في أخْبارٍ سِوَى هذا.
وأجْمعَ المسلِمُون على مَشْرُوعِيَّةِ الكفَّارَةِ في اليَمِينِ باللهِ تعالى.
4709 -
مسألة: (وهي تَجْمَع تَخْيِيرًا وتَرْتِيبًا، فَيُخَيَّرُ بينَ ثَلَاثةِ
275276 الحديث: 4709 - الجزء: 27 - الصفحة: 522
فِيهَا بَينَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، أوْ كُسْوَتُهُمْ، أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ.
والْكُسْوَةُ لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ يُجْزِئُهُ أنْ يُصَلِّيَ فيهِ، وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ.
أشْيَاءَ؛ إطْعامُ عَشَرَةِ مساكِينَ، أو كُسْوَتُهُم، أو تَحْريرُ رَقَبَةٍ) لِما ذَكَرْنا في الآيةِ.
وقد سَبَق شَرْحُ العِتْقِ والإِطْعام في كفَّارَةِ الظِّهارِ.
و (كُسْوَةُ) المساكينِ (للرجلِ ثَوْبٌ يُجْزِئُه أن يُصَلِّيَ فيه، وللمرأةِ دِرْعٌ وخِمَارٌ) ولا خِلافَ في أنَّ الكُسْوَةَ أحَدُ أصْنافِ الكفَّارَةِ؛ لنَصِّ اللهِ عليها، في كتابِه بقولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾.
وتتقَدَّرُ الكُسْوَةُ بما تُجْزِئُ الصلاةُ فيه، على ما ذكَرْنا.
وهذا قولُ مالكٍ.
ومِمَّن قال: لا تُجْزِئُه السَّراويلُ وحدَها 277. الأوْزَاعِيُّ، وأبو يوسف.
وقال إبراهيمُ: ثَوْبٌ جامِعٌ.
وقال الحسنُ: كلُّ مِسْكِين حُلَّة؛ إزَارٌ ورِداءٌ.
وقال ابنُ عمرَ، وعَطاء، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأصْحابُ الرَّأْي: يُجْزِئُه ثوْبٌ ثَوْبٌ 278. ولم يُفَرِّقُوا بينَ الرجلِ والمرأةِ.
ورُوِيَ عن الحسنِ 279،
الجزء: 27 - الصفحة: 523
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: تُجْزِئُ العِمامَةُ.
وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: عباءَةٌ وعِمامَةٌ.
[وقال الشافعيُّ: يُجْزِئُ أقَلُّ ما يَقَعُ عليه الاسمُ؛ من سَراويلَ، أو إزارٍ، أو رِداءٍ، أو مِقْنَعَةٍ، أو عِمامَةٍ] 280. وفي القَلَنْسُوَةِ وَجْهان.
واحْتَجُّوا بأنَّ ذلك يَقَعُ عليه اسمُ الكُسْوَةِ، فأجْزَأ، كالذي تجوزُ الصلاةُ فيه.
ولَنا، أنَّ الكُسْوَةَ أحَدُ أنْواعِ الكَفَّارَةِ، فلم يَجُزْ فيه ما يَقَعُ عليه الاسمُ، كالإِطْعامِ والإِعْتاقِ، ولأنَّ التَّكْفِيرَ عِبادَةٌ تُعْتَبَرُ فيها الكُسْوَةُ، فلم يَجُزْ فيه أقَلُّ ممَّا ذَكَرْناه، كالصلاةِ، ولأنَّه مَصْروفٌ إلى المساكِينِ في الكَفَّارَةِ، فيُقَدَّرُ، كالإِطْعامِ، ولأنَّ اللَّابِسَ ما لا يَسْتُرُ عَوْرَتَه يُسَمّى عُرْيانًا، فلا يُجْزِئُه؛ لقولِ الله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾.
إذا ثَبَت هذا،
الجزء: 27 - الصفحة: 524
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنَّه إذا كَسَا امرأةً، أعْطاها دِرْعًا وخِمارًا، على ما ذَكَرْنا؛ لأنَّه [أقَلُّ ما] 281 يَسْتُرُ عَوْرَتَها، وتُجْزئُها الصلاةُ فيه، وإن أعْطاها ثوبًا واسِعًا، يُمْكِنُها أن تَسْتُرَ به بَدَنَها ورَأْسَها، أجْزَأَة ذلك.
والرجلُ يُجْزِئُه إذا كَسَاه ثَوْبٌ، أو قَمِيصٌ يُمْكِنُه أن يَسْتُرَ به عَوْرَتَه، ويَجْعَلَ على عاتِقِه منه شيئًا، أو ثَوْبَين يَأْتَزِرُ بأحَدِهما، ويَرْتَدِي بالآخَرِ.
ولا يُجْزِئُه مِئْزَرٌ وَحْدَه، ولا سَراويلُ؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُصَلِّي أحَدُكُم فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَيسَ عَلَى عَاتِقِه مِنْهُ شَيْءٌ» 282.
ويجوزُ أن يَكْسُوَهُم من جميعِ أصْنافِ الكُسْوَةِ، من القُطْنِ، والكَتَّانِ، والصوفِ، والشَّعَرِ، والوَبَرِ، والخَزِّ، والحريرِ، لأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بكُسْوَتِهم ولم يُعَيِّنْ جِنْسَها، فأيُّ جِنْسٍ كَساهُم منه، خَرَجَ به عن العُهْدَةِ؛ لوُجُودِ الكُسْوَةِ المأْمُورِ بها.
ويجوزُ أن يَكْسُوَهُم جَدِيدًا
الجزء: 27 - الصفحة: 525
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أيَّام مُتَتَابِعَةٍ، إِنْ شَاءَ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَإنْ شَاءَ بَعْدَهُ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْيَمِينِ.
ولَبِيسًا، إلَّا أن يكونَ قد بَلِيَ وذَهَبَتْ مَنْفَعَتُه، فلا يجوزُ؛ لأنَّه مَعِيبٌ، فهو كالحَبِّ المَعِيبِ، والرَّقَبَةِ إذا ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُها وسَواءٌ كان ما أعْطَاهُم مَصْبُوغًا أو لا، أو خَامًا أو مَقْصُورًا (1)؛ لأنَّه تَحْصُلُ به الكُسْوَةُ المأْمُورُ بها، والمَنْفَعَةُ المقْصُودَةُ منها (2).
فصل: والذين (3) تُجْزِئُ كُسْوَتُهم، هم المساكينُ الذين يُجْزِئُ إطْعامُهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى.
قال: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾.
فيَنْصَرِفُ الضَّمِيرُ إليهم.
4710 -
مسألة: (فإن لم يَجِدْ، فصِيامُ ثَلَاثَةِ أيَّام مُتَتَابِعَةٍ، إن شاء قَبْلَ الحِنْثِ، وإن شاء بعدَه، ولا يَجُوزُ تَقْدِيمُها على اليَمِينِ)
إذا عَجَز عن العِتْقِ والإِطْعامِ والكُسْوَةِ، أجْزَأَه صِيامُ ثلاثَةِ أيَّامٍ؛ للآيةِ.283284285
الحديث: 4710 - الجزء: 27 - الصفحة: 526
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد ذَكَرْنا صِفَةَ العَجْزِ في كفَّارَةِ الظِّهارِ في العَجْزِ عن الرَّقَبَةِ.
ويُشْتَرَطُ التَّتابُعُ في صَوْمِ الأَيَّامِ الثلاثَةِ.
وعنه، لا يُشْتَرَطُ؛ لأنَّ الأمْرَ بصَوْمِها مُطْلَقٌ، فلم يَجُزْ تَخْصِيصُه 286 بغيرِ دليلٍ.
والأوَّلُ ظاهِرُ المذهَبِ؛ لأنَّ في قراءَةِ أُبَيٍّ، وابنِ مسعودٍ: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أيَّام مُتَتَابِعَاتٍ) 287. والظاهِرُ أنَّهما سَمِعاه من رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فيكونُ خَبَرًا، ولأنَّه صَوْمٌ في كَفَّارَةٍ، فلا يُنْتَقَلُ عنه إلَّا بعدَ العَجْزِ عن العِتْقِ، فوَجَبَ التَّتابعُ، كصَوْمِ المُظاهِرِ.
الجزء: 27 - الصفحة: 527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
4711 - مسألة: وهو مُخَيَّرٌ في التَّكْفِيرِ، إن شاء قَبْلَ الحِنْثِ، وإن شاء بعدَه، سواءٌ كان صَوْمًا أو غيرَه، فيما سِوَى الظِّهارِ
288، في قولِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ، منهم مالكٌ.
وممَّن رُوِيَ عنه تَقْدِيمُ التَّكْفِيرِ على الحِنْثِ؛ عمرُ بنُ الخَطَّابِ، وابنُه، وابنُ عباسٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ،
الحديث: 4711 - الجزء: 27 - الصفحة: 528
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومَسْلَمَةُ بنُ مَخْلَدٍ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، ورَبِيعةُ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ المُبارَكِ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو خَيثَمَةَ، وسليمانُ بنُ داودَ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: لا تُجْزِئُ الكَفَّارَةُ قبلَ الحِنْثِ؛ لأنَّه تَكْفِيرٌ قبلَ وُجودِ سَبَبِه، فأشْبَهَ ما لو كَفَّرَ قبلَ اليَمِينِ، ودليلُ ذلك أنَّ سَبَبَ التَّكْفِيرِ الحِنْثُ، إذ 289 هو هَتْكُ الاسمِ المُعَظَّمِ المُحْتَرَمِ، ولم يُوجَدْ ذلك.
وقال الشافِعِيُّ كقَوْلِنا في الإِعْتاقِ والإِطْعامِ والكُسْوَةِ، وكقَوْلِهم في الصِّيامِ، من أجْلِ أنَّه عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فلم يَجُزْ فِعْلُه قبلَ وُجُوبِه لغيرِ مَشقةٍ، كالصَّلاةِ 290. ولَنا، ما رَوَى عبدُ الرحمنِ بنُ سَمُرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا حَلَفْتَ عَلَىِ يَمِينٍ، فَرَأيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خيرٌ».
رَواه أبو
الجزء: 27 - الصفحة: 529
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
داودَ 291. [وفي لفظٍ: «وائْتِ الذي هو خيرٌ».
رَواه البُخارِيُّ] 292. وقد رَوَى أبو هُرَيرَةَ، وأبو الدَّرْدَاءِ، وعَدِيُّ بنُ حاتمٍ، رَضِيَ اللهُ عنهم، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - نحوَ ذلك.
رَواه الأثْرَمُ 293. وعن أبي موسى، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إنِّي، إنْ شَاءَ اللهُ، لَا أحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأرَى غَيرَها خَيرًا مِنْهَا، إلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وأتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ».
أو: «أَتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي».
رَواه البخارِيُّ 294. ولأنَّه كَفَّرَ بعدَ وُجودِ السَّبَبِ، فأجْزَأَ، كما لو كَفَّرَ بعدَ الجَرْحِ وقبلَ الزُّهوقِ، والسَّبَبُ هو اليَمِينُ، بدليلِ قولِه تعالى.
﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ 295. وقولِه سبحانَه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾ 296. وقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي»: «فكَفِّرْ
الجزء: 27 - الصفحة: 530
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَنْ يَمِينِكَ».
وتَسْمِيَةِ الكَفَّارَةِ كَفَّارَةَ اليَمِينِ، وبهذا يَنْفَصِلُ عمَّا ذَكَرُوه، وعلى هذا، فالحِنْثُ شَرْطٌ وليس بسَبَبٍ، ولأنَّ تَعْجِيلَ حَقِّ اللهِ تعالى في المالِ بعدَ وُجودِ 297 سَبَبِه قبلَ وُجودِ شَرْطِه جائِزٌ، بدليلِ تَعْجيل الزَّكاةِ بعدَ وُجودِ (1) النِّصابِ وقبلَ الحَوْلِ، وكَفَّارَةِ القَتْلِ بعدَ الجَرْحِ وقبلَ الزُّهوقِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 298: العَجَبُ من أصحابِ أبي حنيفةَ، أجازُوا تَقْدِيمَ 299 الزَّكاةِ من غيرِ أن يَرْوُوا فيها مثلَ هذه الآثارِ الوارِدَةِ 300 في تَقْدِيمِ الكَفَّارَةِ، وأبَوْا تَقْدِيمَ الكَفَّارَةِ ههُنا مع كَثْرَةِ الرِّوايَةِ الوارِدَةِ فيها، والحُجَّةُ في السُّنَّةِ، ومَن خالفَها مَحْجُوجٌ بها.
فأمَّا أصحابُ الشافِعِيِّ فهم مَحْجُوجُونَ بالأحادِيثِ، مع أنَّهم قد احْتَجُّوا بها في البَعْضِ، وخالفُوها في البعضِ، وفَرَّقُوا بينَ 301 ما جَمَعَ بينَه النَّصُّ.
ولأنَّ الصِّيامَ نَوْعُ تَكْفِيرٍ، فجازَ قبلَ الحِنْثِ، كالتَّكْفِيرِ بالمالِ، وقياسُ الكَفَّارَةِ على الكَفَّارَةِ أوْلَى من قِياسِها على الصلاةِ المَفْروضَةِ بأصْلِ الوَضْعِ.
الجزء: 27 - الصفحة: 531
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأمّا تَقْدِيمُها على اليَمِينِ، فلا يجوزُ عندَ أحَدٍ من العُلَماءِ، لأنَّه تَقْدِيمٌ للحُكْمِ قبلَ سَبَبِه، فلم يَجُزْ، كتَقْدِيمِ الزَّكاةِ قبلَ مِلْكِ النِّصابِ، وكَفَّارَةِ القَتْلِ قبلَ الجَرْحِ.
فصل: والتَّكْفِيرُ قبلَ الحِنْثِ وبعدَه سَواءٌ في الفَضِيلَةِ.
وقال ابنُ أبي موسى: بعدَه أفْضَلُ عندَ أحمدَ.
وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافِعِيِّ؛ لِما فيه من الخُروجِ من الخِلافِ، وحُصُولِ اليَقِينِ 302 ببَراءَةِ الذِّمَّةِ.
ولَنا، أنَّ الأحادِيثَ الوارِدَةَ فيه، فيها التَّقْدِيمُ مَرَّةً والتَّأْخِيرُ أُخْرَى، وهذا دليلُ التَّسْويَةِ، ولأنَّه تَعْجِيلُ ما 303 يجوزُ تعْجِيلُه قبلَ وُجوبِه، فلم يَكُن التَّأْخِيرُ أفْضَلَ، كتَعْجِيلِ الزَّكاةِ وكفَّارَةِ القَتْلِ، وما ذَكَرُوه مُعارَضٌ بتَعْجيلِ النَّفْعِ للفُقَراءِ، والتَّبَرُّعِ بما لم يَجِبْ عليه، والخِلافُ الخالِفُ [للنُّصوصِ] 304 لا يُوجِبُ تَفْضيلَ المُجْمَعِ عليه، كتَرْكِ الجَمْعِ بينَ الصَّلاتَين.
الجزء: 27 - الصفحة: 532
وَمَنْ كَرَّرَ أَيمَانًا قَبْلَ التَّكْفِيرِ، فَعَلَيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَعَنْهُ، لِكُلِّ يَمِين كَفَّارَةٌ.
فصل: فإن كان الحِنْثُ في اليَمِينِ مَحْظُورًا، فعَجَّلَ الكَفَّارَةَ (1) قبلَه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يُجْزِئُه؛ لأنَّه عَجَّلَ الكَفَّارَةَ قَبْلَ سَبَبِها، فأجْزَأته، كما لو كان الحِنْثُ مُباحًا.
والثاني، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ التَّعْجِيلَ رُخْصَة، فلا يُسْتَباحُ بالمَعْصِيَةِ، كالقَصْرِ في سَفَرِ المَعْصِيَةَ، والحديث لم يَتَناوَلِ المَعْصِيَةَ؛ فإنَّه قال: «إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرأَيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا».
ولأصحابِ الشافعيِّ في هذا وَجْهان كما ذَكَرْنا.
4712 -
مسألة: (ومَن كَرَّرَ أيمَانًا قبلَ التَّكْفِيرِ، فعليه كَفَّارَة واحِدَةٌ. وعنه، لكلِّ يَمِين كَفَّارَةٌ)
إذا كَرَّرَ أيمانًا قبلَ التَّكْفِيرِ،305
الحديث: 4712 - الجزء: 27 - الصفحة: 533
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[كقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -] 306: «واللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا، واللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا، واللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا» 307، فحَنِثَ، فليس عليه إلَّا كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ، وكذلك إن حَلَف بأيمانٍ [كَفّارَتُها واحِدَةٌ] 308، كقَوْلِه: واللهِ، وعَهْدِ اللهِ، ومِيثَاقِه، وقُدْرَتِه، وكَلامِه، وكِبْرِيائِه.
على شيءٍ واحدٍ.
رُوِيَ نحوُ هذا عن ابنِ عمرَ.
وبه قال الحسنُ، وعُرْوَةُ، وإسْحاقُ.
ورُوِيَ أيضًا عن عَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ، وحَمَّادٍ، والأوْزاعِيِّ.
وقال أبو عُبَيدٍ، في مَن قال: عليَّ عَهْدُ اللهِ ومِيثاقُه وكَفالتُه.
ثم حَنِثَ: فعليه ثَلاثُ كفَّاراتٍ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: عليه لكلِّ يَمينٍ كَفَّارَةٌ، إلَّا أن يَنْويَ التَّأكِيدَ أو التَّفْهِيمَ.
ونحوُه عن الثَّوْرِيِّ، وأبي ثَوْرٍ.
وعن أحمدَ مثلُ ذلك.
وعن الشافعيِّ قَوْلان كالمَذْهَبَين.
وعن عمرِو بنِ دينارٍ، إن كان في مَجْلِسٍ واحدٍ كقَوْلِنا، وإن كان في مَجالِسَ كقَوْلِهم.
واحْتَجُّوا بأنَّ أسْبابَ الكَفَّاراتِ تَكَرَّرَتْ، فتَكَرَّرُ 309 الكَفَّاراتُ، كالقَتْلِ لآدَمِيٍّ، أو صَيدِ حَرَمِيٍّ 310. ولأنَّ اليَمِينَ الثانِيَةَ مثلُ الأُولَى، فتَقْتَضِي ما تَقْتَضِيه.
الجزء: 27 - الصفحة: 534
وَالظَّاهِرُ أَنَّها إِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ
ولَنا، أنَّه حِنْثٌ واحدٌ أوْجَبَ جِنْسًا واحدًا من الكَفَّاراتِ، فلم يَجِبْ به أكثرُ مِن كَفَّارَةٍ، كما لو قَصَد التَّأْكِيدَ.
قولُهم: إنَّها أسْبابٌ تَكَرَّرَتْ.
مَمْنُوعٌ، فإنَّ السَّبَبَ الحِنْثُ، وهو واحِدٌ، وإن سَلَّمْنا، فيَنْتَقِضُ بما إذا كَرَّرَ الوَطْءَ في رمضانَ في أيَّامٍ، وبالحُدودِ إذا تَكَرَّرَتْ أسْبابُها، ولا يَصِحُّ القياسُ على الصَّيدِ الحَرَمِيِّ؛ لأنَّ الكَفَّارَةَ بَدَلٌ، ولذلك تَزْدادُ بكِبَرِ الصَّيدِ، وتُقَدَّرُ بقَدْره، فهي كدِيَةِ القتلِ، ولا على كَفَّارَةِ قَتْلِ الآدَمِي؛ لأنَّها أُجرِيَتْ مُجْرَى البَدَلِ أيضًا لحَقِّ اللهِ تعالى؛ لأنَّه لمّا أتْلَفَ آدَمِيًّا عابدًا للهِ تعالى، ناسَبَ أن يُوجِدَ عبدًا يَقُومُ مَقامَه في العِبادَةِ، فلمَّا عَجَز عن الإِيجادِ، لَزِمَه إعْتاقُ رَقَبَةٍ؛ لأنَّ العِتْقَ إيجاد للعَبْدِ بتَخْلِيصِه من رِقِّ العُبُودِيَّةِ وشُغْلِها، إلى فَراغِ البالِ للعِبادَةِ بالحُرِّيَّةِ التي حَصَلَت بالإِعْتاقِ، ثم الفَرْقُ ظاهِرٌ، لأنَّ السَّبَبَ ههُنا تَكَرَّرَ بكَمالِه وشُروطِه، وفي مَحَل النِّزاعِ لم يُوجَدْ ذلك، لأنَّ الحِنْثَ إمَّا أن يكونَ هو السَّبَبَ، أو جُزْءًا منه، أو شَرْطًا له، بدليلَ تَوَقُّفِ الحُكْمَ على وجُودِه، وأَيًّا ما كان، فلم يَتَكَرَّرْ، فلم يَجُزِ الإِلْحاقُ (1)، وإن صَحَّ القِياسُ، فقِياسُ كَفَّارَةِ اليَمِينِ على مِثْلِها أوْلَى من قِياسِها على القَتْلِ؛ لبُعْدِ ما بينَهما.
4713 -
مسألة: (والظَّاهِرُ)
فيما إذا كَرَّرَ الأيمَانَ (أنَّها إن كانت311
الحديث: 4713 - الجزء: 27 - الصفحة: 535
كَانَتْ عَلَى أَفْعَالٍ، فَعَلَيهِ لِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ.
على فِعْلٍ واحِدٍ، فكَفَّارَةٌ واحِدَةٌ، وإن كانت على أفْعَالٍ، فعليهِ لِكلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ) لأنَّها إذا كانت على فِعْلٍ واحدٍ، كان سَبَبُها واحدًا، فالظَّاهِرُ أنَّه أرادَ التَّوْكِيدَ لذلك، كقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَاللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا».
كَرَّرَها 312 ثلاثًا، وإن كانت على أفْعالٍ، فعليه لكلِّ يَمِين كَفَّارَةٌ.
وهو ظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ.
ورَواه المَرُّوذِيُّ عن أحمدَ.
وهو قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ.
وقال أبو بَكْرٍ: تجْزِئُه كَفَّارَةٌ واحدةٌ، رَواها ابنُ مَنْصُورٍ عن أحمدَ.
قال القاضي: هي الصَّحِيحَةُ.
وقال أبو بكرٍ: ما نَقَلَه المَرُّوذِيُّ عن أحمدَ قولٌ لأبي عبدِ اللهِ، ومذهَبُه أنَّ كَفَّارَةً واحِدَةً تُجْزِئه.
الجزء: 27 - الصفحة: 536
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو قولُ إسحاقَ؛ لأنَّها كَفَّارات من جِنْس واحدٍ، فتَداخَلَتْ، كالحُدودِ مِن جِنْسٍ واحدٍ، وإنِ اخْتَلَفَتْ محالُّها، بأن سَرَقَ من جماعَةٍ، أو زَنَى بنِساءٍ.
ولَنا، أنَّهُنَّ أيمانٌ لا يَحْنَثُ في إحْداهُنَّ بالحِنْثِ في الأُخْرَى، فلم تَتَكَفَّرْ 313 إحْداهما بكَفَّارَةِ الأُخْرَى، كما لو كَفَّرَ عن إحْداهما قبلَ الحِنْثِ في الأُخْرَى، وكالأيمانِ المُخْتَلِفَةِ الكَفَّارَةِ.
وبهذا فارَقَ الأيمانَ على شيءٍ واحدٍ؛ فإنَّه متى حَنِثَ في إحْداهما كان حانِثًا في الأُخْرَى، فلمَّا كان الحِنْثُ واحِدًا، كانتِ الكَفَّارَةُ واحِدَةً، وههُنا تَعَدَّدَ 314 الحِنْثُ، فتَعَدَّدَتِ 315 الكَفَّاراتُ، وفارَقَ الحُدودَ، فإنَّها وَجَبَت للزَّجْرِ، وتَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، بخلافِ مسألتنا، ولأنَّ الحُدودَ عُقُوبَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فالمُوالاةُ بينَها رُبَّما أفْضتْ إلى التَّلَفَ، فاجْتُزِئَ بإحَداها 316، وههُنا الواجِبُ 317 إخْراجُ مالٍ يَسِيرٍ، أو صيامُ ثلاثَةِ إيَّامٍ، فلا يَلْزَمُ الضَّرَرُ الكبيرُ بالمُوالاةِ فيه، ولا يُخْشَى منه التَّلَفُ.
فصل: إذا حَلَف يَمِينًا واحِدَةً على أجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، فقال: واللهِ لا
الجزء: 27 - الصفحة: 537
وَإنْ كَانَتِ الأيمَانُ مُخْتَلِفَةَ الْكَفَّارَةِ، كَالظِّهَارِ وَالْيَمِين باللهِ تَعَالى، فَلِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَتُهَا.
أكَلْتُ، ولا شَرِبْتُ: ولا لَبِسْتُ.
فحَنِثَ في الجميعِ، فكَفَّارَةٌ واحِدَةٌ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ اليَمِينَ واحِدَةٌ، والحِنْثَ واحِدٌ، فإنَّه يَحْنَث بفِعْلِ واحدٍ من المَحْلوفِ عليه، وتَنْحَلُّ يَمِينُه.
وإن حَلَف أيمانًا على أجْناسٍ، فقال: واللهِ لا أكَلْتُ، واللهِ لا شَرِبْتُ، واللهِ لا لَبِسْتُ.
فحَنِثَ في واحِدَةٍ منها، فعليه كَفَّارَةٌ، فإن أخْرَجَها ثم حَنِثَ في يَمِين أُخْرَى، لَزِمَتْه كَفَّارَةٌ أُخْرَى.
لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا أيضًا (1)؛ لأنَّ الحِنْثَ في الثانِيةِ (2) تَجِبُ به الكَفَّارَةُ بعدَ أن كَفَّرَ عن الأُولَى، فأشْبَهَ ما لو وَطِئَ في رمضانَ فكَفَّرَ، ثم وَطِئَ مَرَّةً أُخْرَى.
وإن حَنِثَ في الجميعِ قبلَ التَّكْفِيرِ، ففيه رِوايتان ذَكَرْناهُما في المسألةِ قبلَ هذا الفَصْلِ.
4714 -
مسألة: (وإن كانتِ الأيمَانُ مُخْتَلِفَةَ الكَفَّارَةِ، كالظِّهَارِ واليَمِينِ باللهِ تعالى، فلكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَتُهَا)
مثلَ أن يَحْلِفَ باللهِ تعالى وبِالظِّهَارِ وبعِتْقِ عَبْدِه، فإذا حَنِثَ 320، فعليه كَفَّارَةُ يَمِين وكَفَّارَةُ318319
الحديث: 4714 - الجزء: 27 - الصفحة: 538
وَكَفَّارَةُ الْعَبْدِ الصِّيَامُ، وَلَيسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ.
ظِهَارٍ، ويَعْتِقُ العَبْدُ؛ لأنَّ تَداخُلَ الأحْكامِ إنَّما يكونُ مع اتِّحادِ الجنْسِ، كالحُدودِ من جِنْسٍ، فأمَّا الكَفَّارَاتُ ههُنا فمن أجْناسٍ، وَأسْبابُها مُخْتَلِفَةٌ، فلم تَتَداخَلْ، كحَدِّ الزِّنَى والسَّرِقَةِ والقَذْفِ والشُّرْبِ.
4715 -
مسألة: (وكَفَّارَةُ العَبْدِ الصِّيامُ، وليس لسَيِّدِه مَنْعُه منه. ومَن بَعْضُه حُرٌّ فَحُكْمُه في الكَفَّارَةِ حُكمُ الأحْرارِ)
لا خِلافَ في أنَّ العَبْدَ يُجْزِئُه الصِّيامُ في الكَفَّارَةِ؛ لأنَّ ذلك فرْضُ المُعْسِرِ من الأحْرارِ، وهو أحْسَنُ حالًا من العَبْدِ، فإنَّه 321 يَمْلِكُ في الجُمْلَةِ، ولأنَّ العَبْدَ داخِلٌ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ 322.
فصل: فإن أَذِنَ السَّيِّدُ لعَبْدِه في التَّكْفِيرِ بالمالِ، لم يَلْزَمْه؛ لأنَّه ليس بمالِكٍ 323 لِمَا أَذِنَ له فيه.
وهل يُجْزِئُه بإذْنِ السَّيِّدِ؛ فيه رِوَايتان؛ إحْداهما، لا يُجْزِئُه.
وهو ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِيِّ، ولا يُجْزِئُه إلَّا الصِّيامُ.
الحديث: 4715 - الجزء: 27 - الصفحة: 539
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثانِيَةُ، يُجْزِئُه؛ لأنَّ المَنْعَ لحَقِّ السَّيِّدِ، وقد أذِنَ، أشْبَهَ ما لو أذِنَ له أن يَتَصَدَّقَ بالمالِ، وقد ذَكَرْنا ذلك في الظِّهارِ، والاخْتِلافَ فيه 324. وذكرَ القاضي، أنَّ أصْلَ هذا 325 عندَه الرِّوايتان في مِلْكِ العَبْدِ بالتَّمْليكِ، فإن قُلْنا: يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ.
فمَلَّكَه سَيِّدُه، وأذِنَ له بالتَّكْفيرِ بالمالِ، جازَ، لأنَّه مالِكٌ لِما يُكَفِّرُ به، وإدت قُلْنا: لا يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ.
ففَرْضُه الصِّيامُ؛ [لأنَّه لا يَمْلِكُ شيئًا يُكَفِّرُ به، وكذلك إن قُلْنا: إنَّه يَمْلِكُ.
ولم يَأْذَنْ له سَيِّدُه في التَّكْفيرِ بالمالِ، ففَرْضُه الصِّيامُ] 326 وإن مَلَك؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه، مَمْنُوعٌ مِن التَّصَرُّفِ فيما في يَدَيه.
قال: وأصْحابُنا يَجْعَلُون في العَبْدِ رِوايَتَين مُطْلَقًا، سَواءٌ قُلْنا: يَمْلِكُ أو لا يَمْلِكُ.
ثم 327 على الرِّوايَةِ التي تُجِيزُ له التَّكْفِيرَ بالمالِ له أن يُطْعِمَ، وهل له أن يُعْتِقَ؟ على رِوايَتَين؛ إحْداهما، ليس له ذلك؛ لأنَّ العِتْقَ يَقْتَضِي الوَلاءَ والولايةَ والإِرْثَ، وليس
الجزء: 27 - الصفحة: 540
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك للعَبْدِ.
وهذه رِوايَةٌ عن مالكٍ.
وبه قال الشافعيُّ، على القوْلِ الذي يُجِيزُ له التَّكْفِيرَ بالمالِ.
والثانيةُ، له التَّكْفِيرُ بالعِتْقِ؛ لأنَّ مَن صَحَّ تَكْفِيرُه بالمالِ، صَحَّ تَكْفيرُه بالعِتْقِ، كالحُرِّ 328، ولأنَّه يَمْلِكُ العَبْدَ، فصَحَّ تَكْفِيرُه بإعْتاقِه، كالحُرِّ.
وقولُهم: إنَّ العِتْقَ يَقْتَضِي الوَلاءَ والوِلايةَ.
مَمْنُوعٌ إذا أعْتَقَ في الكَفَّارَةِ، على ما أسْلَفْناه، وإن سَلَّمْنا، فتَخَلُّفُ بعضِ الأحْكامِ لا يَمْنَعُ ثُبوتَ المُقْتَضِي، فإنَّ الحُكْمَ يَتَخَلَّفُ لتَخَلُّفِ سَبَبِه، لا لتَخَلُّفِ أحْكامِه،؛ أنَّه يَثْبُتُ لوُجودِ سَبَبِه، ولأنَّ تَخَلُّفَ بعضِ الأحْكامِ مع وجُودِ المُقْتَضِي إنَّما يكونُ لمانِعٍ، ويجوزُ أن يَخْتَصَّ المَنْعُ بها دونَ غيرِها، وهذا السَّبَبُ المُقْتَضِي لهذه الأحْكامِ، لا 329 يَمْنَعُ ثُبُوته تخَلُّفُها عنه في الرَّقِيقِ، على أنَّ الوَلاءَ يَثْبُتُ بإعْتاقِ العَبْدِ، لكن لا يَرِثُ به، كما لو اخْتَلَفَ دِيناهُما.
وهذا اخْتِيارُ أبي بكرٍ.
ويُفَرِّعُ عليه إذا أذِنَ له سَيِّدُه فأعْتَقَ نَفْسَه، ففيه قَوْلان؛ أحدُهما، يُجْزِئُه؛ لأنَّه رَقَبَةٌ تُجْزِء عن غيرِه، فأجْزَأت عنه كغيرِه.
والآخَرُ، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ الإِذْنَ
الجزء: 27 - الصفحة: 541
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
له في الإِعْتاقِ يَنْصَرِفُ إلى إعْتاقِ غيرِه.
وهذا التَّعْلِيلُ يَدُلُّ على أنَّ سَيِّدَه إذا أذِنَ له في إعْتاقِ نَفْسِه عن كَفَّارَتِه، جازَ، ومتى أطْلَقَ الإِذْنَ في الإِعْتاقِ، فليس له أن يُعْتِقَ إلَّا أقَلَّ رَقَبَةٍ تُجْزِئُ عن الواجِبِ، وليس له إعْتاقُ نَفْسِه إذا كان أفضلَ 330 ممَّا تُجْزِئُ.
وهذا من أبي بكر يَقْتَضِي أن لا يُعْتَبَرَ في التَّكْفِيرِ أن يُمَلِّكَه سَمدُه ما يُكَفِّرُ به؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ نَفْسَه، بل متى أذِنَ له في التَّكْفِيرِ بالإِطْعامِ أو الإعْتاقِ، أجْزَأَه؛ لأنَّه لو اعْتَبَرَ التَّمْلِيكَ، لَما صحَّ له أن يُعْتِقَ نَفْسَه، لأَنَّه لا 331 يَمْلِكُها، ولأنَّ التَّمْلِيكَ لا يكونُ إلَّا في مُعَيَّنٍ، فلا يَصِحُّ أن يَأْذَنَ فيه مُطْلَقًا.
فصل: إذا أعْتَقَ العَبْدُ عَبْدًا عن كَفَّارَتِه بإذْنِ سَيِّدِه، وقُلْنا: إنَّ الإِعْتاقَ في الكَفَّارَةِ يَثْبُتُ به الوَلاءُ لمُعْتِقِه.
ثَبَت وَلاؤُه للعَبْدِ الذي أعْتَقَه؛ لقَوْلِ
الجزء: 27 - الصفحة: 542
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما الوَلاءُ لمَنْ أعْتَقَ» 332. ولا يَرِثُ به؛ لأنَّه ليس مِن أهلِ الميراثِ، وانْتِفاءُ الإِرْثِ لا يَمْنَعُ ثُبوتَ الوَلاءِ، كما لو اخْتَلَفَ دِينُهُما 333، أو قَتَل المُعْتِقُ عَتِيقَه، فإنَّه لا يَرِثُه مع ثُبوتِ الولايَةِ عليه.
فإن عَتَق المُعْتِقُ، وَرِث بالوَلاءِ، لزَوالِ المانِعِ، كما إذا كانا مُخْتَلِفَي الدِّينِ فأسْلَمَ الكافِرُ منهما.
ذَكَر هذا طَلْحَةُ العَاقُولِيُّ.
ومُقْتَضَى هذا أنَّ سَيِّدَ العَبْدِ لا يَرِثُ عَتِيقَه في حَياةِ عَبْدِه، كما لا يَرِثُ وَلَدَ عَبْدِه، وإن أعْتَقَ عَبْدَه، ثم مات، وَرِثَ السَّيِّدُ مَوْلَى عَبْدِه؛ لأنَّه مَوْلَى مَوْلاه، كما أنَّه لو أعْتَقَ العَبْدَ وله وَلَدٌ عليه الوَلاءُ لمَوْلَى أُمِّه لَجَرَّ 334 وَلاءَه، ويَرِثُه سَيِّدُه إذا ماتَ أبُوه.
الجزء: 27 - الصفحة: 543
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
4716 - مسألة: وليس للسَّيِّدِ مَنْعُ العبدِ
335 مِنَ التَّكْفِيرِ بالصِّيَامِ، سَواءٌ كان الحِنْثُ والحَلِفُ بإذْنِه أو بغيرِ إذْنِه، وسَواءٌ أضَرَّ به الصِّيامُ أو لم يُضرَّ به.
وقال الشافعيُّ: إن حَنِثَ بغيرِ إذْنِه، والصَّوْمُ يُضِرُّ به، فله مَنْعُه، لأنَّ السَّيِّدَ لم يَأْذَنْ له فيما ألْزَمَ نَفْسَه، ممَّا يَتَعَلَّقُ به ضَرَرٌ على السَّيِّدِ، فكان له مَنْعُه 336 وتَحْلِيلُه، كما لو أحْرَمَ بالحجِّ بغيرِ إذْنِه.
ولَنا، أنَّه صَوْمٌ واجِبٌ لحَقِّ اللهِ تعالى، فلم يَكُنْ لسَيِّدِه مَنْعُه منه 337، كصيام رمضانَ وقَضائِه، ويُفارِقُ الحجَّ؛ لأنَّ ضَرَرَه كثيرٌ؛ لطُولِ مُدَّتِه وغَيبَتِه عن سَيِّدِه، وتَفْويتِ خِدْمَتِه، ولهذا مَلَك تَحْلِيلَ زَوْجَتِه
الحديث: 4716 - الجزء: 27 - الصفحة: 544
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منه، ولم يَمْلِكْ مَنْعَها صَوْمَ الكَفَّارَةِ.
فأمَّا صَوْمُ التَّطَوُّعِ، فإن كان فيه ضَرَرٌ عليه، فلسَّيِّدِ مَنْعُه منه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ حَقَّه [بما ليس] 338 بواجِبٍ عليه، وإن كان لا يُضِرُّ به، لم يَكُنْ لسَيِّدِه مَنْعُه منه؛ لأنَّه يَعْبُدُ رَبَّه بما لا مَضَرَّةَ فيه، فأشْبَهَ ذِكْرَ اللهِ تعالى، وصلاةَ النَّافِلَةِ في غيرِ وَقْتِ خِدْمَتِه، وللزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِه 339 منه في كلِّ حالٍ؛ لأنَّه يُفَوِّتُ حَقَّه من الاسْتِمْتاعِ، ويَمْنَعُه منه.
الجزء: 27 - الصفحة: 545
وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ، فَحُكْمُهُ في الْكَفَّارَةِ حُكْمُ الْأَحْرارِ.
فصل: (ومَن نِصْفُه حُرٌّ، فحُكْمُه في الكَفَّارَةِ حُكْمُ الأحْرارِ) متى مَلَك بجُزْئِه الحُرِّ مالًا 340 يُكَفِّرُ به، لم يَجُزْ له الصِّيامُ، وله التَّكْفِيرُ بأحَدِ الأُمُورِ الثلاثَةِ.
وظاهِرُ كلامِ الشافعيِّ، أنَّ له التَّكْفِيرَ بالإطْعامِ والكُسْوَةِ دونَ الإعْتاقِ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ له الوَلاءُ.
منهم من قال: لا يُجْزِئُه إلَّا الصيامُ؛ لأنَّه مَنْقُوصٌ بالرِّقِّ، أشْبَهَ القِنَّ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ 341. وهذا واجِدٌ، ولأنَّه 342 يَمْلِكُ مِلْكًا تامًّا، فأشْبَهَ الحُرَّ الكامِلَ، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يَثْبُتُ له الوَلاءُ، ثم إنَّ امْتِناعَ بعضِ أحْكامِه، لا يَمْنَعُ صِحَّتَه، كعِتْقِ المُسْلِمِ رَقِيقَه الكافِرَ.
فصل: والكَفَّارَةُ في حَقِّ الحُرِّ والعَبْدِ، والمسلمِ والكافِرِ، سَواءٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذَكَر الكَفَّارَةَ بلَفْظٍ عامٍّ في جميعِ المُخاطَبِين، فدَخَلَ الكُلُّ في عُمومِه، إلَّا أنَّ الكافِرَ لا يَصِحُّ منه التَّكْفِيرُ بالصِّيامِ؛ لأنَّه عِبادَةٌ، وليس
الجزء: 27 - الصفحة: 546
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هو من أهْلِها، ولا بالإِعْتاقِ؛ لأنَّ مِن شَرْطِه الإِيمانَ في الرَّقَبَةِ، ولا يجوزُ لكافِرٍ شِراءُ مسْلِمٍ، إلَّا أنْ يتَّفِقَ إسْلامُه 343 في يَدَيه، أو يَرِثَ مُسْلِمًا فيُعْتِقَه، فيَصِحُّ إعْتأقُه، وإن لم يَتَّفِقْ ذلك فتَكْفِيرُه بالإِطْعام أو الكُسْوَةِ، فإذا كَفَّرَ ثم أسْلَمَ، لم تَلْزَمْه إعادَةُ التَّكْفِيرِ.
وإن أسْلَمَ قبلَ التَّكْفِيرِ، كَفَّرَ بما يَجِبُ عليه في تلك الحالِ؛ من إعْتاقٍ، أو إطْعامٍ، أو كُسْوَةٍ، أو صِيامٍ.
ويَحْتَمِلُ على قولِ الْخِرَقِيِّ أن لا يُجْزِئَه الصِّيامُ؛ لأنَّه إنَّما يُكَفِّرُ بما وَجَب عليه حينَ الحِنْثِ، ولم يَكُنِ الصِّيامُ ممَّا وَجَب عليه.
فصل: إذا حَلَف رجلٌ باللهِ لا يَفْعَلُ شيئًا، فقال له آخَرُ: يَمِيني في يَمِينِكَ.
لم يَلْزَمْه شيءٌ؛ لأنَّ يَمِينَ الأوَّلِ ليست ظَرْفًا ليَمِينِ الثاني.
وإن نَوَى أنَّه يَلْزَمُنِي من اليَمِينِ ما يَلْزَمُكَ، لم يَلْزَمْه حُكْمُها.
قاله القاضي.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ اليَمِينَ باللهِ لا تَنْعَقِدُ بالكِنايَةِ؛ لأنَّ تعْلِيقَ الكَفَّارَةِ بها لحُرْمَةِ اللَّفْظِ باسمِ اللهِ المُحْتَرَمِ، أو صِفَةٍ من صِفاتِه، ولا يُوجَدُ ذلك في الكنايَةِ.
فأمَّا إن حَلَف بطَلاقٍ، فقال آخَرُ: يَمِيني في يَمِينِكَ.
يَنْوي أنَّه يَلْزَمُنِي من اليَمِينِ ما يَلْزَمُكَ، انْعَقَدَت يَمِينُه.
نصَّ عليه أحمدُ، وسُئِلَ عن رجلٍ حَلَف بالطَّلاقِ لا يُكَلِّمُ رجلًا، فقال رجلٌ: وأنا على مثلِ يَمِينك؟ فقال: عليه مثلُ [ما قال] 344 الذي حَلَف.
لأنَّ
الجزء: 27 - الصفحة: 547
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكِنايَةَ تَدْخُلُ في الطَّلاقِ، وكذلك يَمِينُ العَتاقِ.
وإن لم يَنْو شيئًا، لم تَنْعَقِدْ يَمِينُه؛ لأنَّ الكِنايَةَ لا تَنْعَقِدُ 345 بغيرِ نِيَّةٍ، وليس قولُه هذا بصَرِيحٍ.
وإن كان المَقولُ له لم يَحْلِفْ بعدُ، وإنَّما أرادَ أنَّه [يَلْزَمُه ما] 346 يَلْزَمُ الآخرَ يَمِينًا يَحْلِفُ بها، فحَلَفَ المَقُولُ له 347 لم تَنْعَقِدْ يَمِينُ القائِلِ وإن كان في الطَّلاقِ والعَتاقِ؛ لأنَّه لا بدَّ أن يكونَ هناك ما يُكْنَى عنه، وليس ههُنا ما يُكْنَى عنه.
فصل: وإذا قال: حَلَفْتُ.
ولم يَكُنْ حَلَف، فقال أحمدُ: هي كَذِبَةٌ، وليس عليه يَمِين.
وعنه، عليه الكَفَّارَةُ؛ لأنَّه أقَرَّ على نَفْسِه.
والأوَّلُ المذهبُ؛ لأنَّه حُكْمٌ فيما بينَه وبينَ اللهِ، فإنْ كَذَبَ في الخَبَرِ به، لم يَلْزَمْه حُكْمُه، كما لو قال: ما صَلَّيتُ.
وقد صَلَّى.
ولو قال: عليَّ يَمِينٌ.
فهي كالتي قبلَها.
وإن نَوَى القَسَمَ، فقال أبو الخَطَّاب: هي يَمِينٌ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي.
وقال الشافعيُّ: ليس بيَمِينٍ؛ لَأنَّه لم يَأْتِ باسمِ اللهِ المُعَظَّمِ، ولا صِفَتِه، فلمِ يَكُنْ يَمِينًا، كما لو قال: حَلَفْتُ.
وهذا أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى، فإن هذه ليست صِيغةَ اليَمِينِ والقَسَمِ، وإنَّما هي صِيِغةُ الخَبَرِ، فلا يكونُ بها حالِفًا، وإن قُدِّرَ ثُبوتُ حُكْمِها، لَزِمَه أقَلُّ ما تَناوَلَه الاسْمُ، وهو يَمِينٌ ما، وليست كلُّ يَمِينٍ
الجزء: 27 - الصفحة: 548
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُوجِبَةً للكَفَّارَةِ، فلا يَلْزَمُه شيءٌ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه كِنايَةٌ عن اليَمِينِ، وقد نَوَى بها اليَمِينَ، فتكونُ يَمِينًا، كالصَّرِيحِ.
فصل: وثَبَت أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بإبْرارِ المُقْسِمِ أو القَسَمِ.
رَواه البخاريُّ 348. وهذا، واللهُ أعْلَمُ، على سَبِيلِ النَّدْبِ، لا.
على 349 سبيلِ الإِيجابِ، بدليلِ أنَّ أبا بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، قال: أقْسَمْتُ عليكَ يا رسولَ اللهِ، لتُخْبِرَنِّي بما أصَبْتُ ممَّا 350 أخْطَأتُ.
فقال النبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُقْسِمْ يَا أبَا بَكْرٍ» 351. ولم يُخْبِرْه.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ إبْرارُه إذا لم يَكُنْ فيه ضَرَرٌ، ويكونُ امْتِناعُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِن إبْرارِ أبي بكرٍ لِمَا عَلِمَ مِن الضَّرَرِ فيه.
وإن أجابَه إلى صورَةِ ما أقْسَمَ عليه دونَ مَعْناه، عندَ تَعَذُّرِ المعْنَى، فحَسَنٌ؛ فإنَّه رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ العباسَ جاءَه برجل لِيُبايِعَه على الهِجْرَةِ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ».
قال العباسُ: أقْسَمْتُ عليكَ يا رسولَ الله لِتُبَايِعَنَّه.
فوَضَعَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَدَه في يَدِه، فقال: «أبرَرْتُ قَسَمَ عَمِّي، ولَا هِجْرَةَ» 352. فأجابَه إلى صُورَةِ المُبايَعَةِ، دونَ ما قَصَد بيَمِينه.
فصل: وتُسْتَحَبُّ إجابَةُ مَن سألَ 353 باللهِ؛ لِما روَى ابنُ عمرَ،
الجزء: 27 - الصفحة: 549
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللهِ فَأعِيذُوهُ، ومَنْ سَألَكُمْ باللهِ فَأعْطُوهُ، وَمَنِ اسْتَجَارَ بِاللهِ فأَجِيرُوهُ، ومَنْ أتَى إلَيكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أنْ قَدْ 354 كَافَأْتُمُوهُ».
وعن أبي ذَرٍّ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «ثَلَاثَةٌ يحِبُّهُمُ اللهُ، وثَلاثَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللهُ؛ أمَّا الّذِين يُحِبُّهُمُ اللهُ؛ فرَجُلٌ سَأل قَوْمًا، فَسَألَهُم باللهِ، ولَمْ يَسْأَلهُمْ بِقَرَابَةٍ بَينَهُ وبَينَهُم، فتَخَلَّفَ رجُلٌ بأعْقَابِهِمْ، فأَعطَاهُ سِرًّا، لَا يَعْلَمُ بعَطِيَّتِهِ إلَّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ والَّذِي أعْطَاهُ، وقَوْمٌ سَاروا لَيلَتَهُمْ حَتَّى إذَا كَانَ النَّوْمُ أحَبَّ إلَيهِمْ مِمَّا 355 يُعْدَلُ بِهِ، فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَقَامَ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي 356، ورَجُل كَانَ في سَرِيَّةٍ، فَلَقُوا العَدُوَّ فهُزِمُوا، فأقْبَلَ بِصَدْرِه حَتَّى يُقْتَلَ أوْ يُفْتَحَ لَهُ، والثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُهُمُ اللهُ؛ الشَّيخُ الزَّانِي، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ، وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ».
رَواهما النَّسَائِيُّ 357.
الجزء: 27 - الصفحة: 550
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1417 هـ - 1996 م
المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756
المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة
الجزء: 28 - الصفحة: 2
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
الجزء: 28 - الصفحة: 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَابُ جَامِعِ الْأَيمَانِ
وَيُرْجَعُ في الأَيمَانِ إلَى النِّيَّةِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، رُجِعَ إلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا، بابُ جامِعَ الأيمانِ
4717 -
مسألة: (ويُرْجَعُ في الأيمانِ إلى النِّيَّةِ، فإن لم تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، رُجِعَ إلى سَبَبِ اليَمِينِ وما هَيَّجَها)
الأيمانُ مَبْنِيَّةٌ على نِيَّةِ الحالِفِ، فإذا نَوَى بيَمِينِه ما يَحْتَمِلُه، انْصَرَفَت يَمِينُه 358 إليه، سَواءٌ كان ما نَواه مُوافِقًا لظاهِرِ اللَّفْظِ، أو مُخالِفًا له، فالمُوافِق للظَّاهِرِ أن يَنْويَ باللَّفْظِ مَوْضُوعَه الأصْلِيَّ، مثل 359 أنْ يَنْويَ باللَّفْظِ العامِّ العُمُومَ، وبالمُطْلَقِ الإِطْلاقَ، وبسائِرِ الألْفاظِ ما يَتَبادَرُ إلى الأفْهامِ منها.
الحديث: 4717 - الجزء: 28 - الصفحة: 5
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمخالِفُ 360 يَتَنَوَّعُ أنْواعًا؛ أحَدُها، أن يَنْويَ بالعامِّ الخاصَّ، مثلَ مَن 361 يَحْلِفُ لا يَأكلُ لحْمًا ولا فاكهةً.
يُرِيدُ لَحْمًا بعَينه، وفاكِهَةً بعَينها.
ومنها، أن يَحْلِفَ على فِعْلِ شيءٍ أو تَرْكِه مُطْلَقًا، ويَنْويَ فِعْلَه أو تَرْكَه في وَقْتٍ بعَينِه، مثلَ مَن يَحْلِفُ، أن لا يتَغَدَّى.
ويُرِيدُ اليومَ.
أو: لا أكَلْتُ.
يعني الساعةَ.
ومنها، أن يَنْويَ بيَمِينِه غيرَ ما يَفْهَمُه السَّامِع منه، كما ذكَرْنا في المَعارِيضِ 362 في مسألةِ إذا تَأَوَّلَ في يَمِينِه فله تَأْويلُه.
ومنها، أن يُرِيدَ بالخاصِّ العامَّ، مثلَ أن يَحْلِفَ: لا شَرِبْتُ لفُلانٍ الماءَ من العَطَشِ.
ينوي 363 قَطْعَ كُلِّ ما له فيه مِنَّةٌ.
أو: لا يَأْوي مع امْرأتِه في دارٍ.
يريدُ جَفاءَها بتَرْكِ اجْتماعِه بها في جميعِ الدُّورِ.
أو حَلَف: لا يَلْبَسُ ثَوْبًا من غَزْلِها.
يُرِيدُ قَطْعَ مِنَّتِها به، فتَتَعَلَّقُ يَمِينُه بالانْتِفاعِ به، أو بثَمَنِه 364، ممَّا لها فيه مِنَّةٌ عليه.
وبهذا قال مالكٌ.
وقال أبو حنيفةَ،
الجزء: 28 - الصفحة: 6
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشافِعِيُّ: لا عِبْرَةَ بالنِّيَّةِ والسَّبَبِ فيما يُخالِفُ لَفْظَه؛ لأنَّ الحِنْثَ مُخَالفَةُ ما وَقَعَتْ عليه اليَمِينُ، واليَمِينُ لَفْظُه، فلو أحْنَثْناه على ما سِوَاه، لأحْنَثْناه على ما نَوَى، لا على ما حَلَف، ولأنَّ النِّيَّةَ بمُجرَّدِها لا تَنْعَقِدُ بها اليَمِينُ، فكذلك لا يَحْنَثُ بمُخالفَتِها.
ولَنا، أنَّه نَوَى بكَلامِه ما يَحْتَمِلُه، ويَسُوغُ في اللُّغَةِ التَّعْبيرُ به 365 عنه، فتَنْصَرِفُ يَمِينُه إليه، كالمَعارِيضِ، وبَيانُ احْتمالِ اللَّفْظِ له، أنَّه يَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ التَّعْبيرُ بالخاصِّ عن العامِّ، قال اللهُ تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ 366. ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ 367. ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ 368. والقِطْمِيرُ: لُفافَةُ النَّواةِ.
والفَتِيلُ: ما في شَقِّها.
والنَّقِيرُ: النَّقْرَةُ التي في ظَهْرِها.
ولم يُرِدْ ذلك بعَينه، بل نَفَى كلَّ شيءٍ.
وقال الحُطَيئَةُ 369 يَهْجُو 370 بني العَجْلانِ:
- ولَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ *
الجزء: 28 - الصفحة: 7
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولم يُرِدِ الحَبَّةَ بعَينِها، إنَّما أرادَ لا يَظْلِمُونَهم شيئًا.
وقد يُذْكَرُ العامُّ ويُرادُ به الخَاصُّ، كقوْلِه تعالى: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ﴾ 371. أرادَ رجلًا واحِدًا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (1). يعْني أبا سفيانَ.
وقال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ 372. ولم تُدَمِّرِ السَّماءَ والأرْضَ ولا مَساكِنَهم.
وإذا احْتَمَلَه اللَّفْظُ، وَجَب صَرْفُ اليَمِينِ إليه إذا نَوَاه؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى» 373. ولأنَّ كلامَ الشَّارِعِ يُحْمَلُ على مُرادِه به، إذا ثَبَت ذلك بالدَّليلِ، فكذلك كلامُ غيرِه.
قولُهم: إنَّ الحِنْثَ مُخالفَةُ ما عُقِدَ اليَمِينُ عليه.
قُلْنا: وهذا كذلك، فإنَّ اليَمِينَ إنَّما انْعَقَدَتْ على ما نَوَاه، ولَفظُه مَصْروفٌ إليه، وليست هذه نِيَّةً مُجَرَّدَةً، بل لَفْظٌ مَنْويٌّ به ما يَحْتَمِلُه.
الجزء: 28 - الصفحة: 8
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فصل: ومن شَرْطِ 374 انْصِرافِ اللَّفْظِ إلى ما نَوَاه، احْتِمالُ اللَّفْظِ له، فإن نَوَى ما لا يَحْتَمِلُه اللَّفْظُ، مثلَ أن يَحْلِفَ لا يَأْكُلُ
الجزء: 28 - الصفحة: 9
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . خُبْزًا، يَعْنِي به لا يَدْخُلُ بَيتًا، فإنَّ يَمِينَه لا تَنْصَرِفُ إلى المَنْويِّ؛ لأنَّها نِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ لا يَحْتَمِلُها اللَّفْظُ، فأشْبَهَ ما لو نَوَى ذلك بغيرِ يَمِينٍ.
الجزء: 28 - الصفحة: 10
فَإذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا، فَقَضَاهُ قَبْلَهُ، لَمْ يَحْنَثْ إِذَا قَصَدَ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَهُ، أَوْ كَانَ السَّبَبُ يَقْتَضِيهِ.
4718 - مسألة: (فإن لم تَكُنْ له نِيَّةٌ، رُجِعَ إلى سَبَبِ اليَمِينِ وما هَيَّجَهَا)
إذا عُدِمَتِ النِّيَّةُ 375، نَظَرْنا في سَبَبِ اليَمِينِ وما أثارَها؛ لدَلالتِه على النِّيَّةِ (فإذا حَلَف ليَقْضِيَنَّه حَقَّه غدًا، فقَضَاه قبلَه، لم يَحْنَثْ إذا قَصَد أن لا يَتَجاوَزَه، أو كان السَّبَبُ يَقْتَضِيه) وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال الشافعيُّ: يَحْنَثُ إذا قَضاه قبلَه؛ لأنَّه [تَرَك فِعْلَ] 376 ما حَلَفَ عليه مُخْتارًا، فحَنِثَ، كما لو قَضاه بعدَه.
ولَنا، أنَّ مُقْتَضَى اليَمِينِ تَعْجِيلُ القَضاءِ قبلَ خُروجِ الغَدِ، فإذا قَضاه قبلَه، فقد قَضَى قبلَ خُروجِ الغَدِ، وزادَه خَيرًا، ولأنَّ مَبْنَى الأيمانِ على النِّيَّةِ 377،
الحديث: 4718 - الجزء: 28 - الصفحة: 11
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونِيَّةُ هذا بيَمِينِه تَعْجِيلُ القَضاءِ قبلَ خُروجِه، فتَعَلَّقَتْ يَمِينُه بهذا المَعْنَى، كما لو صَرَّحَ به.
فإن لم تَكُنْ له نِيَّةٌ، رُجِعَ إلى سَبَب اليَمِينِ، فإن كان يَقْتَضِي التَّعْجِيلَ، فهو كما لو نَوَاه؛ لأنَّ السَّبَبَ يَدُلَّ على النِّيَّةِ، وإن لم يَنْو ذلك، ولا كان السَّبَبُ يَقْتَضِيه، فظاهِرُ كَلامِ الْخِرَقِيِّ، أنَّه لا يَبَرُّ إلَّا بقَضائِه [في الغَدِ، ولا يَبَرُّ بقضائِه] 378 قبلَه.
وقال القاضي: يَبَرُّ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ اليَمِينَ للحَثِّ 379 على الفِعْلِ، فمتى عَجَّلَه، فقد أتَى بالمقْصُودِ فيه، فيَبَرُّ، كما لو نَوَى ذلك.
والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّه تَرَك فِعْلَ ما تَناوَلَتْه يَمِينُه لفْظًا، ولم تَصْرِفْها عنه نِيَّةٌ ولا سَبَبٌ، فحَنِثَ، كما لو حَلَف لَيَصُومَنَّ شعبانَ، فصامَ رَجَبًا.
ويَحْتَمِلُ أنَّ ما قاله القاضي في القَضاءِ خاصَّةً؛ لأنَّ عُرْفَ هذه اليَمِينِ في القَضاءِ التَّعْجِيلُ، فتَنْصَرِفُ اليَمِينُ المُطْلَقَةُ إليه.
فصل: فأمَّا غيرُ قَضاءِ الحَقِّ، كأَكْلِ شيءٍ، أو شُرْبِه، أو بَيع شيء، أو شِرائِه، أو ضَرْبِ عَبْدٍ 380، أو نَحْوه، فمتى عَيَّنَ وَقْتًا، ولم يَنْو ما يَقْتَضِي تَعْجِيلَه، ولا كان سَبَبُ يَمِينه يَقْتَضِيه، لم يَبَرَّ إلَّا بفِعْلِه في وَقتِه.
الجزء: 28 - الصفحة: 12
وَإنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ثَوْبَهُ إلَّا بِمِائَةٍ، فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإنْ بَاعَهُ بِأَقَلَّ حَنِثَ.
وذَكَرَ القاضي أنَّه يَبَرُّ بتَعْجِيلِه عن وَقْتِه.
وحُكِيَ ذلك عن بعضِ أصحابِ أبي حنيفةَ.
ولَنا، أنَّه لم يَفْعَلِ المَحْلوفَ عليه في وَقْتِه، من غيرِ نِيَّةٍ تَصْرِفُ يَمِينَه، ولا سَبَبٍ، فيَحْنَثُ، كالصِّيام.
ولو فَعَل بعضَ المَحْلوفِ عليه قبلَ وَقْتِه، وبعضَه في وَقْتِه، لم يَبَرَّ؛ لأَنَّ اليَمِينَ في الإِثْباتِ لا يَبَرُّ فيها إلَّا بفِعْلِ جميعِ المَحْلوفِ عليه، فتَرْكُ بعضِه في وَقْتِه كتَرْكِ جَمِيعِه، إلَّا أن يَنْويَ أن لا يُجاوزَ ذلك الوَقْتَ، أو يَقْتَضِيَ ذلك سَبَبُها.
4719 -
مسألة: (وإن حَلَف)
أن (لا يَبِيعَ ثَوْبَه إلَّا بمائَةٍ، فباعَه بأكْثَرَ، لم يَحْنَثْ، وإن بَاعَه بِأقَلَّ، حَنِثَ) لأنَّ قَصْدَه أن لا يَبِيعَه بأقَلَّ منها، فحَنِثَ إذا باعَه بالأقَلِّ، ولا يَحْنَثُ إذا باعَه بأكثرَ، لأنَّ قَرِينَةَ الحالِ تَدُلُّ على ذلك، والعُرْف، فهو كما لو حَلَف ليَقْضِيَنَّه حَقَّه غدًا، فقَضاه اليومَ، ومُقْتَضى مذهبِ الشافِعِيِّ أنَّه يَحْنَثُ إذا باعَه بأكثرَ؛ لمُخالفَتِه اللَفْظَ.
فصل: ومَن حَلَف لا يَبِيعُ ثَوْبَه بعَشَرَةٍ، فبَاعَه بها أو بأقَلَّ، حَنِثَ، وإن باعَه بأكْثَرَ، لم يَحْنَثْ.
وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ إذا باعَه بأَقَلَّ؛ لأنَّه لم تَتَناوَلْه يَمِينُه.
ولَنا، أنَّ العُرْفَ في هذا أن لا يَبِيعَه بها ولا بأَقَلَّ منها، بدَلِيلِ أنَّه لو وَكَّلَ في بَيعِه إنْسانًا، وأمَرَه أن لا يَبِيعَه بعَشرةٍ، لم يَكُنْ له بَيعُه بأقَلَّ منها، ولأنَّ هذا تَنْبِيهٌ على امْتِناعِه من بَيعِه
الحديث: 4719 - الجزء: 28 - الصفحة: 13
وَإنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، وَنَوَى الْيَوْمَ، لَمْ يَحْنَثْ بِالدُّخُولِ في غَيرِهِ.
بما دونَ العشَرةِ، والحُكْمُ يَثْبُتُ بالنِّيَّةِ (1)، كثُبُوتِه باللَّفْظِ.
وإنْ حَلَف: لا أشْتَرِيه بعشَرةٍ (2). فاشْتَراه بأقَلَّ، لم يَحْنَثْ.
وإنِ اشْتَراه بها أو بأكثرَ منها، حَنِثَ؛ لِما ذَكَرْنا.
ومُقْتَضَى مذهبِ الشافعيِّ، أن لا يَحْنَثَ إذا اشْتَراه بأكْثَرَ منها؛ لأنَّ يَمِينَه لم تَتَناوَلْه لَفْظًا.
ولَنا، أنَّها تَناوَلَتْه عُرْفًا وتَنْبِيهًا، فكان حانِثًا، كما لو حَلَف (3): ما لَه عليَّ حَبَّةٌ.
فإنَّه يَحْنَثُ إذا كان عليه أكْثَرُ منها.
قيلَ لأحمدَ: رجلٌ حَلَف أن (4) لا يَنْقُصَ هذا الثَّوبَ من كذا.
قال: قد أخَذْتُه، ولكن هَبْ لي كذا.
قال: هذا حِيلَةٌ.
قيل له: فإن قال البائِعُ: أبِيعُك بكذا، وأهَبُ لفُلانٍ شيئًا آخَرَ.
قال: هذا كلُّه ليس بشيءٍ.
وكَرِهَه.
4720 -
مسألة: (وإن حَلَف لَا يَدْخُلُ دَارًا، ونَوَى اليَوْمَ، لم يَحْنَثْ بالدُّخُولِ في غَيرِه)
لأنَّ قَصْدَه يَتَعَلَّقُ باليومِ، فاخْتَصَّ الحِنْثُ بالدُّخولِ فيه دونَ غيرِه.381382383384
الحديث: 4720 - الجزء: 28 - الصفحة: 14
وَإنْ دُعِيَ إِلَى غَداءٍ، فَحَلَفَ لَا يَتَغَدَّى، اخْتَصَّتْ يَمِينُهُ بِهِ إِذَا قَصَدَهُ، وَإن حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَهُ الْمَاءَ مِنَ الْعَطَش، يَقْصِدُ قَطْعَ الْمِنَّةِ، حَنِث بِأَكْلِ خُبْزِهِ، وَاسْتِعَارَةِ دَابَّتِهِ، وَكُلِّ مَا فِيهِ الْمِنَّةُ.
4721 - مسألة: (وإن دُعِيَ إلَى غَدَاءٍ، فحَلَفَ لا يَتَغَدَّى، اخْتَصَّتْ يَمِينُه به إذا قَصَدَه)
لِما ذَكَرْنا.
4722 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يَشْرَبُ له الماءَ مِن العَطَشِ، يَقْصِدُ قَطْعَ مِنَّتِه، حَنِثَ بأَكْلِ خُبْزِهِ، واسْتِعَارَةِ دَابَّتِهِ، وكل ما فيه المِنَّةُ)
لأنَّ ذلك للتَّنْبيهِ على ما هو أعْلَى منه، كقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ 385. يريدُ: لا يُظْلَمونَ شيئًا.
وقال الشاعرُ:
- ولَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ *
الحديث: 4721 - الجزء: 28 - الصفحة: 15
وَإنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، يَقْصِدُ قَطْعَ مِنَّتِهَا، فَبَاعَهُ واشْتَرَى بِثَمَنِهِ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ، حَنِثَ، وَكَذِلَكَ إنِ انْتَفَعَ بِثَمَنِهِ.
4723 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِن غَزْلِهَا، يَقْصِدُ قَطْعَ مِنَّتِها، فبَاعَه واشْتَرَى بثَمَنِه ثَوْبًا فَلَبِسَه، حَنِثَ، وكذَلِك إنِ انْتَفَعَ بثَمَنِه)
هذه المسألةُ [فَرْعُ أصْلٍ] 386 قد تَقَدَّمَ ذِكْرُه في أوَّلِ البابِ، وهو أنَّ الأسْبابَ مُعْتَبَرَةٌ في الأيمانِ، يتَعَدَّى الحُكْمُ بتَعَدِّيها، فإذا امْتُنَّ عليه بثَوْبٍ، فحَلَفَ أن لا يَلْبَسَه، لتَنْقَطِعَ المِنَّةُ به، حَنِثَ بالانْتِفاعِ به في غيرِ اللُّبْسِ؛ لأنَّه نَوْعُ انْتِفاعٍ به يُلْحِقُ المِنَّةَ به، فإن لم يَقْصِدْ قَطْعَ المِنَّةِ، ولا كان سَبَبُ يَمِينِه يَقْتَضِي ذلك، لم يَحْنَثْ إلَّا بما تَناوَلَتْه يَمِينُه، وهو لُبْسُه خاصَّةً، فلو أبْدَلَه بثَوْبٍ غيرِه، ثم لَبِسَه، [أو انْتَفَعَ به في غيرِ اللُّبْسِ] 387، أو باعَه وأخَذَ ثَمَنَه، لم يَحْنَثْ؛ لعَدَمِ تَناوُلِ اليَمِينِ له لَفْظًا ونِيَّةً وسَبَبًا.
الحديث: 4723 - الجزء: 28 - الصفحة: 16
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن فَعَل شيئًا لها فيه مِنَّةٌ عليه سِوَى الانْتِفاعِ بالثَّوْبِ، وبعِوَضِه، مثلَ أن سَكَن دارَها، أو أكَلَ طَعامَها، أو لَبِسَ ثَوْبًا لها غيرَ الثَّوْبِ 388 المَحْلُوفِ عليه، لم يَحْنَثْ، لأنَّ المَحْلُوفَ عليه الثَّوْبُ، فتَعَلَّقَتْ يَمِينُه به، [أو بما] 389 حَصَل به، ولم يتَعَدَّ إلى غيرِه، لاخْتِصاصِ اليَمِينِ والسَّبَبِ به.
فصل: وإنِ امْتَنَّتْ عليه امرأتُه بثَوْبٍ، فحَلَفَ أن لا يَلْبَسَه، قَطْعًا لمِنَّتِها، فاشْتَراه غيرُها، ثم كَساه إيَّاه، أو اشْتَراه الحالِفُ، ولَبِسَه على وَجْهٍ لا مِنَّةَ لها فيه، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، يَحْنَثُ، لمُخالفَتِه يَمِينَه لَفْظًا، ولأنَّ لَفْظَ الشَّارِعِ إذا كان أعَمَّ مِن السَّبَبِ، وَجَب الأخْذُ بعُمومِ اللَّفْظِ دونَ خُصوصِ السَّبَبِ، كذا في اليَمِينِ، ولأنَّه لو خاصَمَتْه امرأةٌ له، فقال: نسائِي طَوالِقُ.
طَلُقْنَ كُلّهُنَّ، وإن كان سَبَبُ الطَّلاقِ واحِدةً، كذا ههُنا.
والثاني، لا يَحْنَثُ، لأنَّ السَّبَبَ اقْتَضَى تَقْيِيدَ لَفْظِه بما وُجِدَ فيه السَّبَبُ، فصارَ كالمَنْويِّ، أو كما لو خَصَّصَه بقَرِينَةٍ لَفْطيَّةٍ.
الجزء: 28 - الصفحة: 17
وَإِنْ حَلَفَ لا يَأْوي مَعَهَا في دَارٍ، يُرِيدُ جَفَاءَهَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلدَّارِ سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَهُ، فَأوَى مَعَها في غَيرِهَا، حَنِثَ.
4724 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَأْوي معها في دارٍ، يُرِيدُ جَفاءَها، ولم يَكُنْ للدَّارِ سَبَب هَيَّجَ يَمِينَه، فأَوَى معها في غيرِها، حَنِثَ)
وهذه المسألةُ أيضًا مِن فُروعِ اعْتِبارِ النِّيَّةِ، وذلك أنَّه متى قَصَد جَفاءَها بتَرْكِ الأُويِّ 390 معها، ولم يَكُنْ للدَّارِ أثَرٌ في يَمِينِه، كان ذِكْرُ الدَّارِ كعَدَمِه، وكأنَّه حَلَف لا يَأْوي معها، فإذا أوَى معها في غيرِها، حَنِثَ؛ لمُخالفَتِه ما حَلَف على تَرْكِه، وصارَ هذا بمَنْزِلَةِ سُؤالِ الأعْرابِيِّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: واقَعْتُ أهْلِي في نهارِ رَمضانَ.
فقال: «أعْتِقْ رَقَبَةً» 391. لَمَّا كان ذِكْرُه أهْلَه لا أثَرَ له في إيجابِ الكَفَّارَةِ، حذَفْناه مِن السَّبَبِ، وصارَ السَّبَبُ الوقاعَ، سَواءٌ كان للأهْلِ أو لغيرِهم 392. وإن كان للدَّارِ أثَرٌ في يَمِينِه، مثلَ أنْ كان يَكْرَهُ سُكْناها، أو خُوصِمَ 393 مِن أجْلِها، أو امْتُنَّ 394
الحديث: 4724 - الجزء: 28 - الصفحة: 18
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه بها, لم يَحْنَثْ إذا أَوَى معها في غيرِها؛ [لأنَّه قَصَدَ] 395 بيَمِينِه الجَفاءَ في الدَّارِ بعَينِها، فلم يُخالِفْ ما حَلَف عليه.
وإن عُدِمَ السَّبَبُ والنِّيَّةُ، لم يَحْنَثْ إلَّا بفِعْلِ ما تَناوَلَه لَفْظُه، وهو الأُويُّ معها في تلك الدَّارِ بعَينِها؛ لأنَّه 396 يَجِبُ اتِّباعُ لَفْظِه، إذا لم يَكُنْ سَبَبٌ ولا نِيَّةٌ تَصْرِفُ اللَّفْظَ عن مُقْتَضاه، أو تَقْتَضِي زِيادَةً عليه، ومَعْنَى الأُويِّ الدُّخُولُ، فمتى 397 حَلَف لا يَأْوي معها، فدَخَلَ معها الدَّارَ، حَنِثَ، قَلِيلًا كان لُبْثُهُما أو كثيرًا، قال اللهُ تعالى مُخْبِرًا عن فَتَى موسى: ﴿إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ 398. قال أحمدُ: كم كان ذلك إلَّا ساعَةً، أو ما شاءَ اللهُ.
يُقال: أَوَيتُ أنَا، وآوَيتُ غَيرِي.
قال اللهُ تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ 399. وقال تعالى: ﴿وَآوَينَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ 400.
فصل: وإنْ بَرّها بهَدِيَّةٍ أو غيرِها، أو اجْتَمَعَ معها فيما ليس بدارٍ ولا بَيتٍ، لم يَحْنَثْ، سَواءٌ كان للدَّارِ سَبَبٌ في يَمِينِه أو لم يَكُنْ؛ لأنَّه قَصَد جَفاءَها بهذا النَّوْعِ، فلم يَحْنَثْ بغيرِه.
فإن حَلَف أن لا يَأْويَ معها
الجزء: 28 - الصفحة: 19
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في دارِ لسَبَبٍ، فزال السَّبَبُ المُوجِبُ ليَمِينِه، مثلَ أن كان السَّبَبُ امْتِنانَها بها عليه، فمَلَكَ الدَّارَ، أو صارت لغيرِها، فأوَى معها فيها، فهل يَحْنَثُ؟ على وَجْهَين، مَضَى ذكْرُهما وتَعْلِيلُهما.
فصل: وإن حَلَفَ لا يدْخُلُ عليها بَيتًا، فدَخَلَ عليها فيما ليس ببَيتٍ، فحُكْمُه حُكْمُ المسألةِ التي قبلَها؛ إن قَصد جَفاءَها، ولم يَكُنْ للبَيتِ سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَه، حَنِثَ، وإلَّا فلا.
وإنْ دَخَل على جماعَةٍ هي فيهم، يَقْصِدُ الدُّخولَ عليها معهم، حَنِثَ، وكذلك إن لم يَقْصِدْ شيئًا.
وإنِ اسْتَثْناها بقَلْبه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَحْنَثُ، كما لو حَلَف أن لا يُسَلِّمَ عليها، فسَلَّمَ على جماعَةٍ هي فيهم، يَقْصِدُ بقَلْبه السَّلامَ على غيرِها، فإنَّه لا يَحْنَثُ.
والثاني، يَحْنَثُ؛ لأنَّ الدُّخولَ فِعْلٌ لا يَتَمَيَّزُ، فلا يَصِحُّ تَخْصِيصُه بالقَصدِ، وقد وُجِدَ في حَقِّ الكلِّ على السواءِ، وهي منهم فيَحْنَثُ 401 به، كما لو لم يَقْصِدِ اسْتِثْناءَها، وفارَقَ السَّلامَ، فإنَّه قَوْلٌ يَصِحُّ تَخْصِيصُه بالقَصْدِ، ولهذا يَصِحُّ أن يُقال: السلامُ عليكم إلَّا فُلانًا.
[ولا يَصِحُّ أن يقولَ: دَخَلْتُ عليكم إلَّا فُلانًا] 402. ولأنَّ السَّلامَ قولٌ يَتَناوَلُ ما يَتَناوَلُه الضَّمِيرُ في «عليكم»، والضَّمِيرُ عامٌّ يَصِحُّ أن يُرادَ به الخاصُّ، فصَحَّ أن يُرادَ به مَن سِوَاها، والفِعْلُ لا يَتَأَتَّى هذا فيه.
وإنْ دَخَل بَيتًا لا يَعْلَمُ أنَّها فيه، فوَجَدَها فيه، فهو كالدُّخولِ عليها ناسِيًا، فيه
الجزء: 28 - الصفحة: 20
وَإنْ حَلَفَ لِعَامِلٍ أنْ لَا يَخْرُجَ إلا بِإِذْنِهِ فَعُزِلَ، أوْ عَلَى زَوْجَتِهِ فَطَلَّقَهَا، أوْ عَلَى عَبْدِهِ فَأعْتَقَهُ، وَنَحْوه، يُرِيدُ مَا دَامَ كَذَلِكَ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ.
وَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، انْحَلتْ أيضًا.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأنَّ الْحَال تَصْرِفُ الْيَمِينَ إِلَيهِ.
وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ السَّبَبَ إِذَا كَانَ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ، عَمَّمْنَاهَا بِهِ، وَإِنِ اقْتَضَى الْخُصُوصَ، مِثْلَ مَنْ نَذَرَ لَا يدخلُ بَلَدًا؛ لِظُلْمٍ رَآهُ فِيهِ، فَزَال الظُّلْمُ، فَقَال
رِوَايتان، فإنْ قُلْنا: لا يَحْنَثُ بذلك.
فخَرَجَ حينَ عَلِمَ بها, لم يَحْنَثْ.
وكذلك إن حَلَف لا يدخلُ عليها، فدَخَلَتْ هي عليه، فخَرَجَ في الحالِ، لم يَحْنَثْ.
وإن أقامَ معها 403 فهل يَحْنَثُ؟ على وَجْهَين، بِناءً على مَن حَلَف لا يدخلُ دارًا هو فيها، فاسْتَدامَ المُقامَ، فهل يَحْنَثُ؟ على وَجْهَين.
4725 -
مسألة: (وإن حَلَف لعامِلٍ لا يَخْرُجُ إلَّا بإذْنِه فعُزِلَ، أو على زَوْجَتِه فَطَلَّقَهَا، أو على عَبْدِه فأعْتَقَه، ونحوه، يُرِيدُ ما دامَ كذلك، انْحَلَّتْ يَمِينُه.
وإن لم تَكُنْ له نِيَّةٌ، انْحَلَّتْ)
يَمِينُه (أَيضًا.
ذَكَرَه القاضي؛ لأنَّ الحال تَصْرِفُ اليَمِينَ إليه.
وذَكَر في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ السَّبَبَ إذا كان يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ، عَمَّمْناها به، وإنِ اقْتَضَى الخُصوصَ، مثلَ مَن نَذَرَ لا يدخلُ بَلَدًا؛ لظُلْمٍ رَآه فيه، فَزَال الظُّلْمُ، فقال أحمدُ:
الحديث: 4725 - الجزء: 28 - الصفحة: 21
أحْمَدُ: النَّذْرُ يُوفَى بِهِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ، فَصَارَ كَالْمَنْويِّ سَواءً.
وَإنْ حَلَفَ: لَا رَأيتُ مُنْكَرًا إلا رَفَعْتُهُ إلَى فُلَانٍ الْقَاضِي.
فَعُزِلَ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ، إِنْ نَوَى مَا دَام قَاضِيًا، وَإن لَمْ يَنْو، احْتَمَلَ وَجْهَينِ.
النَّذْرُ يُوفَى به) قال شَيخُنا: (والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ على النِّيَّةِ، فصارَ كالمَنْويِّ سَواءً.
وإنْ حَلَفَ: لا رَأَيتُ مُنْكَرًا إلَّا رَفَعْتُه إلى فُلانٍ القاضي.
فعُزِلَ، انْحَلَّتْ يَمِينُه إن نَوَى ما دامَ قاضِيًا، وإن لم يَنْو، احْتَمَلَ وَجْهَينِ) وقد ذَكَرْنا في أوَّلِ الباب أنَّ النِّيَّةَ إذا عُدِمَتْ، نَظَرْنا في سَبَبِ اليَمِينَ وما أثَارَها, لدَلالتِه على النِّيَّةِ، فإذا حَلَف لا يَأْوي مع امْرَأتِه في هذه الدَّارِ، [وكان] 404 سَبَبُ يَمِينِه غَيظًا مِن جِهَةِ الدَّارِ، لضَرَرٍ لَحِقَه منها، أو مِنَّةٍ عليه بها، اخْتصَّتْ يَمِينُه بها، وإن كان لغَيظٍ لَحِقَه مِن المرأةِ يَقْتَضِي جَفاءَها, لا أثَرَ للدَّارِ فيه، تَعَلَّقَ بإيوائِه 405 معها في كلِّ دارٍ، ومثلُه إذا حَلَف لا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِن غَزْلِها، إن كان سَبَبُه المِنَّةَ عليه منها، فكيفما انْتَفَعَ به أو بثَمَنِه حَنِثَ، وإن كان سَبَبُ يَمِينِه خُشُونَةَ غَزْلِها أو
الجزء: 28 - الصفحة: 22
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَداءَتَه، لم تَتَعَدَّ يَمِينُه لُبْسَه، وقد دَلَّلْنا على تعلُّقِ اليَمِينِ بما نَوَاه، والسَّبَبُ دليلٌ على النِّيَّةِ، فتتَعَلَّقُ اليَمِينُ به، وقد ثَبَتَ أنَّ كَلامَ الشَّارِعِ إذا كان خاصًّا في شيءٍ لسَبَبٍ عامٍّ، تَعَدَّى إلى ما وُجِدَ فيه السَّبَبُ، كتَنْصِيصِه 406 على تَحْرِيمِ التَّفاضُلِ في أعْيانٍ سِتَّةٍ، أثْبَتَ الحُكْمَ في كُلِّ ما وُجِدَ فيه معناها، كذلك في كَلامِ الآدَمِيِّ مثلُه.
فأمَّا إن كان اللَّفْظُ عامًّا والسَّبَبُ خاصًّا، مثلَ مَن دُعِيَ إلى غَداءٍ، فحَلَفَ لا يَتَغَدَّى، أو حَلَفَ أن لا يَقْعُدَ، فإن كانت له نِيَّة، فيَمِينُه على ما نَوَى، وإن لم تَكُنْ له نِيَّةٌ، فكلامُ أحمدَ يَقْتَضِي رِوايَتَين؛ إحْدَاهما،
الجزء: 28 - الصفحة: 23
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ اليَمِينَ مَحْمُولَةٌ على العُمومِ؛ لأنَّ أحمدَ سُئِلَ عن رجلٍ حَلَف 407 لا يدخلُ بلدًا، لظُلْمٍ رَآه فيه، فزَال الظُّلْمُ.
فقال: النَّذْرُ يُوفى به.
يَعْنِي لا يَدْخُلُه.
ووَجْهُ ذلك أنَّ لَفْظَ الشَّارِعِ إذا كان عامًّا لسَبَبٍ خاصٍّ، وَجَبَ الأخْذُ بعمُومِ اللَّفْظِ لا بخُصوصِ السَّبَبِ، كذلك يَمِينُ الحالِفِ.
وذَكَر القاضِي، في مَن حَلَف على زَوْجَتِه أو عَبْدِه أن لا يَخْرُجَ إلَّا بإذْنِه، فعَتَقَ العَبْدُ، وطَلُقَتِ المرأةُ، وخرَجا بغيرِ إذْنِه، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ قَرِينَةَ الحالِ تَنْقُلُ حُكْمَ الكَلامِ إلى نَفْسِها، وإنَّما يَمْلِكُ مَنْعَ الزَّوْجَةِ أو العَبْدِ مع ولايَتِه عليهما، فكَأنَّه قال: ما دُمْتُما في مِلْكِي.
ولأنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ على النِّيَّةِ في الخُصُوصِ، كدَلالتِه عليها في العُمومِ، ولو نَوَى الخُصُوصَ لاخْتَصَّتْ يَمِينُه به، فكذلك إذا وُجِد ما يَدُلُّ عليها.
ولو حَلَف لعامِلٍ لا يَخْرُجُ إلَّا بإذْنِه فَعُزِلَ، أو حَلَف لا يَرَى مُنْكَرًا إلَّا رَفَعَه إلى فُلانٍ القاضِي فعُزِلَ، ففيه وَجْهان، بِناءً على ما تقَدَّمَ؛ أحَدُهما، لا تَنْحَلُّ اليَمِينُ بعَزْلِه.
قال القاضِي: هذا قِياسُ المذهبِ؛ لأنَّ اليَمِينَ إذا تَعَلَّقَتْ بعينٍ 408
الجزء: 28 - الصفحة: 24
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَوْصُوفَةٍ، تَعَلَّقَتْ بالعَينِ وإن تَغَيَّرَتِ الصِّفَةُ.
وهذا أحَدُ الوَجْهَينِ لأصحابِ الشافعيِّ.
والوَجْهُ الآخَرُ، تَنْحَلُّ 409 اليَمِينُ بعَزْلِه.
وهو مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه لا يُقالُ: رَفَعَه إليه.
إلَّا في حالِ ولايتِه.
فعلى هذا، إن رَأى المُنْكَرَ في ولايتِه فأَمْكَنَه رَفْعُه فلم يَرْفعْه إليه حتَّى عُزِلَ، لم يَبَرَّ برفعِه إليه في حالِ العَزْلِ.
وهل يَحْنَثُ بعَزْلِه؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّه قد فاتَ رَفْعُه إليه، فأشْبَهَ ما لو ماتَ.
والثاني، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لم يَتَحَقَّقْ فَواتُه؛ لاحْتِمالِ أن يَلِيَ فيَرْفَعَه إليه، بخلافِ ما لو ماتَ، فإنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه قد تَحَقَّقَ فَواتُه، وإن ماتَ قبلَ إمْكانِ رَفْعِه إليه، حَنِثَ أَيضًا؛ لأنَّه قد فاتَ، فأشْبَهَ ما لو حَلَف ليَضْرِبَنَّ عَبْدَه في غَدٍ، فماتَ العَبْدُ اليومَ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ؛ لأنَّه لم يَتَمَكَّنْ مِن فِعْلِ المَحْلُوفِ عليه، فأشْبَهَ المُكْرَهَ.
وإن قُلْنا: لا تَنْحَلُّ يَمِينُه.
فعُزِلَ، فرَفَعَه إليه بعدَ عَزْلِه، بَرَّ بذلك.
الجزء: 28 - الصفحة: 25
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإنِ اخْتَلَفَ السَّبَبُ والنِّيَّةُ، مثلَ أنِ امْتَنَّتْ عليه امْرأتُه بغَزْلِها، فحَلَف أن لا يَلْبَسَ ثَوْبًا مِن غَزْلِها، يَنْوى اجْتِنابَ اللُّبْسِ خاصَّةً، دونَ الانْتفاعِ بثَمَنِه وغيرِه، قُدِّمَتِ النِّيَّةُ على السَّبَبِ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ النِّيَّةَ وافَقَتْ مُقْتَضَى اللَّفْظِ.
وإن نَوَى بيَمِينِه ثَوْبًا واحدًا، فكذلك في ظاهِرِ كَلامِ الخِرَقِيِّ.
وقال القاضي: يُقَدَّمُ السَّبَبُ؛ لأنَّ اللَّفْظَ ظاهِرٌ في العُمومِ، والسَّبَبُ يُؤكِّدُ ذلك الظَّاهِرَ ويُقَوِّيه؛ لأنَّ السَّبَبَ هو الامْتِنانُ، وظاهِرُ حالِه قَصْدُ قَطْعِ المِنَّةِ، فلا يُلْتَفَتُ إلى نِيَّتِه المُخالِفَةِ للظَّاهِرَين 410. والأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّ السَّبَبَ إنَّما اعْتُبِرَ لدَلالتِه على القَصْدِ، فإذا خالفَ حَقِيقَةَ القَصْدِ، لم يُعْتَبَرْ، فكان وُجودُه كعَدَمِه، فلم يَبْقَ إلَّا اللَّفْظُ بعُمومِه، والنِّيَّةُ تَخُصُّه على ما بَيَّناه فيما مَضَى.
الجزء: 28 - الصفحة: 26
فَصْلٌ: فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ، رُجِعَ إلَى التَّعْيِينِ، فَإِذَا حَلَفَ لَا يدخلُ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ، فَدَخَلَهَا وَقَدْ صَارَتْ فَضَاءً أوْ حَمَّامًا أوْ مَسْجِدًا، أوْ بَاعَهَا فُلَانٌ.
أوْ: لَا لَبسْتُ هَذَا الْقَمِيصَ.
فَجَعَلَهُ سَرَاويلَ أوْ رِدَاءً أوْ عِمَامَةً، وَلَبِسَهُ.
أَوْ: لَا كَلَّمْتُ هَذَا الصَّبِيَّ.
فَصَارَ شَيخًا.
أو: امْرأةَ فُلَانٍ.
أوْ: صَدِيقَهُ فُلَانًا.
أوْ:
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (فإن عُدِمَ ذلك، رُجِعَ إلى التَّعْيِينِ) يَعْنِي إذا عُدِمَتِ النِّيَّةُ والسَّبَبُ رُجِعَ إلى التَّعْيِينِ (فإذا حَلَف لا يدخلُ دارَ فُلانٍ هذه، فدَخَلَها وقد صارَتْ فَضاءً أو حَمَّامًا أو مَسْجِدًا، أو باعَها فُلانٌ.
أو: لا لَبِسْتُ هذا القَمِيصَ.
فجَعَلَه سَراويلَ أو رِداءً أو عِمامَةً، ولَبِسَه.
أو: لا كَلَّمْتُ هذا الصَّبِيَّ.
فصارَ شَيخًا.
الجزء: 28 - الصفحة: 27
غُلَامَهُ سَعْدًا.
فَطَلُقَتِ الزَّوْجَةُ، وَزَالتِ الصَّدَاقَةُ، وَعَتَقَ الْعَبْدُ، وَكَلَّمَهُمْ.
أوْ: لَا أكَلْتُ لَحْمَ هَذَا الْحَمَلِ.
فَصَارَ كَبْشًا.
أوْ: لَا أَكَلْتُ هَذَا الرُّطَبَ.
فَصَارَ تَمْرًا أَوْ دِبْسًا أَوْ خَلًّا.
أَوْ: لَا أَكَلْتُ هَذَا اللَّبَنَ.
فَتَغَيَّرَ.
أو عُمِلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَأكَلَهُ، حَنِثَ في ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَحْنَثَ.
أو: امْرَأةَ فُلانٍ.
أو: صَدِيقَه فُلانًا.
أو: غُلامَه سَعْدًا.
فطَلُقَتِ الزَّوْجَةُ، وزَالتِ الصَّداقَةُ، وعَتَقَ العَبْدُ، فكَلَّمَهُم.
أو: لا أكَلْتُ لَحْمَ هذا الحَمَلِ.
فصارَ كَبْشًا.
أو: لا أكَلْتُ هذا الرُّطَبَ.
فصارَ تَمْرًا أو دِبْسًا أو خَلًّا.
أو: لا أكَلْتُ هذا اللَّبَنَ.
فتَغَيَّرَ، أو عُمِلَ منه شيءٌ فأكَلَه، حَنِثَ في ذلك كُلِّه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا حَلَف على شيءٍ عَيَّنه بالإِشَارَةِ، مثلَ أن حَلَف لا يَأْكُلُ هذا الرُّطَبَ، لم يَخْلُ مِن حالين؛ أحَدُهما، أنْ يَأْكُلَه رُطَبًا، فيَحْنَث، بلا خِلافٍ بينَ الجميعِ؛ لكَوْنِه فَعَل ما حَلَف على تَرْكِه صَرِيحًا.
الثاني، أن تَتَغَيَّرَ صِفَتُه، فذلك
الجزء: 28 - الصفحة: 28
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خَمْسَةُ أقْسامٍ؛ أحَدُها، أن تَسْتَحِيلَ أجْزاؤُه، ويَتَغَيَّرَ اسْمُه، مثلَ أن حَلَف: لا أكَلْتُ هذه البَيضَةَ.
فصارَتْ فرْخًا.
أو: لا أكَلْتُ هذه الحِنْطَةَ.
فصارَتْ زَرْعًا فأكَلَه، فلا يَحْنَثُ؛ لأنَّه زال اسْمُه، واسْتَحالتْ أجْزاؤُه.
وعلى قِياسِه: لا شَرِبْتُ هذا الخَمْرَ.
فصارَ خَلًّا وشَرِبَه.
القسمُ الثاني، تَغَيَّرَتْ صِفَتُه، وزال اسْمُه، مع بَقاءِ أجْزائِه، مثلَ أن يَحْلِفَ: لا أكَلْتُ هذا الرُّطَبَ.
فصارَ تَمْرًا.
أو: لا كَلَّمْتُ هذا الصَّبِيَّ.
فصارَ شَيخًا.
أو: لا أكَلْتُ هذا الحَمَلَ.
فصارَ كَبْشًا.
[و: لا أكَلْتُ هذا الرُّطَبَ.
فصار دِبْسًا، أو خَلًّا، أو ناطِفًا 411، أو غيرَه من الحَلْواءِ.
أو: لا يَأْكُلُ هذه الحِنْطَةَ.
فصارت دَقِيقًا، أو سَويقًا، أو خُبْزًا، أو هَرِيسَةً.
أو: لا أَكلْتُ هذا العَجِينَ.
فصار خُبْزًا.
أو: لا أكلْتُ هذا اللَّبَنَ.
فصار مَصْلًا 412، أو جُبْنًا، أو كَشْكًا.
أو: لا دَخَلْتُ هذه الدَّارَ.
فصارت مَسْجِدًا، أو حَمَّامًا، أو فَضاءً، ثم دَخَلَها وأكَلَه.
حَنِثَ في جَمِيعِ ذلك.
وبه قال أبو حنيفةَ، فيما إذا حَلَف: لا كَلَّمْتُ هذا الصَّبِيَّ.
فصار شَيخًا.
و: لا أكَلْتُ هذا الحَمَلَ.
فصار كَبْشًا] 413. أو: لا دَخَلْتُ هذه الدَّارَ.
الجزء: 28 - الصفحة: 29
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فدَخَلها بعدَ تَغَيُّرِها.
وقاله أبو يوسفَ في الحِنْطَةِ إذا صارَت دَقِيقًا.
وللشافِعِيِّ في الرُّطَبِ إذا صارَ تَمْرًا، والصَّبِيِّ إذا صارَ شَيخًا، والحَمَلِ إذا صارَ كَبْشًا، وَجْهان.
وقالُوا في سائِرِ الصُّوَرِ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ اسْمَ المَحْلوفِ عليه وصُورَتَه زالتْ، فلم يَحْنَثْ، كما لو حَلَف لا يَأْكُلُ هذه البَيضَةَ فصارَتْ فَرْخًا.
ولَنا، أنَّ عَينَ المَحْلوفِ عليه باقِيَةٌ، فحَنِثَ، كما لو حَلَف: لا أكَلْتُ هذا الحَمَلَ.
فأكَلَ لحمَه.
أو: لا لَبِسْتُ هذا الغَزْلَ.
فصارَ ثَوْبًا ولَبِسَه.
أو: لا لَبِسْتُ هذا الرِّداءَ.
فلَبِسَه بعدَ أن صارَ قَمِيصًا أو سَرَاويلَ.
وفارَقَ البَيضَةَ إذا صارَتْ فَرْخًا؛ لأنَّ أجْزاءَها اسْتَحالتْ، فصارَتْ عَينًا أُخْرَى، ولم تَبْقَ عَينُها, ولأنَّه لا اعْتِبارَ بالاسْمِ مع التَّعْيِينِ، كما لو حَلَف: لا كَلَّمْتُ زَيدًا هذا.
فغَيَّرَ اسْمَه.
أو: لا كَلَّمْتُ صاحِبَ الطَّيلَسانِ.
فكَلَّمَه بعدَ بَيعِه.
ولأنَّه متى اجْتَمَعَ التَّعْيِينُ مع غيرِه مِمّا 414 يُعْرَفُ به، كان الحُكْمُ للتَّعْيِينِ، كما لو اجْتَمَعَ مع الإِضافَةِ.
القِسْمُ الثالِثُ، تَبَدَّلَتِ الاضَافَةُ، مثلَ أن حَلَف: لا كَلَّمْت زَوْجَةَ زَيدٍ هذه، ولا عَبْدَه هذا, ولا دَخَلْتُ دارَه هذه.
فطَلَّقَ الزَّوْجَةَ،
الجزء: 28 - الصفحة: 30
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وباعَ العَبْدَ والدَّارَ، فكَلَّمَهُما، ودَخَل، حَنِثَ.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، ومحمَّدُ، وزُفَرُ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: لا يَحْنَثُ إلَّا في الزَّوْجَةِ؛ لأنَّ الدَّارَ لا تُوالى ولا تُعادَى، وإنَّما الامْتِناعُ لأجْلِ مالِكِها، فتَعَلَّقَتِ اليَمِينُ بها مع بَقاءِ مِلْكِه عليها، وكذلك العَبْدُ في الغالِبِ.
ولَنا، أنَّه إذا اجْتَمَعَ في اليَمِينِ التَّعْيِينُ والإضافَةُ، كان الحُكْمُ للتَّعْيِينِ، كما لو قال: واللهِ لا كَلَّمْتُ زَوْجَةَ فُلانٍ ولا صَدِيقَه.
وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ في العَبْدِ؛ لأنَّه يُوالي ويُعادَي، ويَلْزَمُه في الدَّارِ إذا أطْلَقَ ولم يَذْكُرْ مالِكَها، فإنَّه يَحْنَثُ بدُخُولِها بعدَ بَيعِ مالِكِها إيَّاها.
القِسْمُ الرابعُ، إذا تَغَيَّرَت صِفَتُه بما يُزِيلُ اسْمَه ثم عادَتْ، كمِقَصٍّ انْكَسَرَ ثم أُعِيدَ، وقَلَمٍ كُسِرَ ثم بُرِىَ، وسَفِينَةٍ نُقِضَتْ ثم أُعيدَتْ، فإنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّ أجْزاءَها واسْمَها موجودان، فأَشْبَهَ ما لو لم تَتَغَيَّرْ.
القِسْمُ الخامِسُ، إذا تَغَيَّرَتْ صِفَتُه بما لا يُزِيلُ اسْمَه، كَلَحْمٍ شُوِيَ، وعبدٍ بِيعَ، ورجلٍ مَرِضَ، فإنَّه يَحْنَثُ به، بلا خِلافِ نَعْلَمُه؛ لأنَّ الاسْمَ الذي عَلَّقَ عليه اليَمِينَ لم يَزُلْ، ولا
الجزء: 28 - الصفحة: 31
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زال التَّغْيِيرُ، فحَنِثَ به، كما لو لم يَتَغَيَّرْ حالُه.
فصل: وإن قال: والله لا كَلَّمْتُ سَعْدًا زَوْجَ هِنْدٍ.
أو: سَيِّدَ صُبَيحٍ.
أو: صَدِيقَ عَمْرٍو.
أو: مالِكَ هذه الدَّارِ.
أو: صاحِبَ هذا 415 الطَّيلَسانِ.
أو: لا كَلَّمْتُ هِنْدًا امْرَأةَ سَعْدٍ.
أو: صُبَيحًا عَبْدَه.
أو: عَمْرًا صَدِيقَه.
فَطَلَّقَ الزَّوْجَةَ، وباعَ العَبْدَ والدَّارَ والطَّيلَسانَ، وعَادَى عَمْرًا، وكَلَّمَهُم، حَنِثَ؛ لأنَّه متى اجْتَمَعَ الاسْمُ والإِضافَةُ، غَلَب الاسْمُ بجَرَيانِه جرَى التَّعْيِينِ في تعْرِيفِ المَحَلِّ.
فصل: فإن حَلَف لا يَلْبَسُ هذا الثَّوْبَ، وكان رِداءً في حالِ حَلِفِه، فارْتَدَى به، أو ائْتَزَرَ، أو اعْتَمَّ به، أو جَعَلَه قَمِيصًا، أو سَرَاويلَ، أو قَباءً، فلَبِسَه، حَنِثَ، وكذلك إن كان قَمِيصًا فارْتَدَى به، أو سَراويلَ فائْتَزَرَ به 416، حَنِثَ.
وهذا هو الصَّحِيحُ من مذهبِ الشافعيِّ؛ لأنَّه قد
الجزء: 28 - الصفحة: 32
فَصْلٌ: فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ، رَجَعْنَا إِلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الاسْمُ.
وَالْأَسْمَاءُ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أقْسَامٍ؛ شَرْعِيَّةٌ، وَحَقِيقِيَّةٌ، وَعُرْفِيَّةٌ.
فَأمَّا
لَبِسَه.
وإن قال في يَمِينِه: لا لَبِسْتُه وهو رِداءٌ.
فغَيَّرَه عن كَوْنِه رداءً ولَبِسَه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ اليَمِينَ وَقَعَتْ على تَرْكِ لُبْسِه رِداءً.
وكذلك إن نوَى بيَمِينِه في شيءٍ من هذه الأشياءِ ما دامَ على تلك الصِّفَةِ والإِضافَةِ، وما لم يَتَغَيَّرْ في هذه المسائلِ المذْكُورَةِ في هذا الفَصلِ والذي قبلَه؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «وإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نوَى» 417.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (فإن عُدِمَ ذلك، رَجَعْنا إلى ما يَتَناوَلُه الاسْمُ.
والأسْماءُ تَنْقَسِمُ ثلاثةَ أقْسامٍ؛ شَرْعِيَّةٌ، وحَقِيقِيَّةٌ، وعُرْفِيَّةٌ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الأسْماءَ تَنْقَسِمُ 418 سِتَّةَ أقْسامٍ؛ أحَدُها، ما
الجزء: 28 - الصفحة: 33
الشَّرْعِيَّةُ؛ فَهِيَ أَسْمَاءٌ لَهَا مَوْضُوعٌ في الشَّرْعِ وَمَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ، كالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالزكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَنَحْوهِ، فَالْيَمِينُ الْمُطلَقَةُ تَنْصَرِفُ إلى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ، وَتَتَنَاوَلُ الصَّحِيحَ مِنْهُ.
لَه مُسَمًّى واحِدٌ، كالرَّجُلِ والمرأةِ والإنسانِ والحَيوانِ، فهذا تَنْصَرِفُ اليَمِينُ إلى مُسَمَّاه، بغيرِ خِلافٍ.
الثاني، ما له مَوْضوعٌ شَرْعِيٌّ، ومَوْضوعٌ لُغَويٌّ، كالوُضُوءِ، والصلاةِ، والطَّهارَةِ، والزَّكاةِ، والصَّوْمِ، والحَجِّ، والعُمْرَةِ، والبَيعِ، فهذا تَنْصَرِفُ اليَمِينُ عندَ الإطْلاقِ إلى الموْضوعِ الشرْعِيِّ دونَ اللغَويِّ، لا نَعْلَمُ أَيضًا فيه خِلافًا، إلَّا ما نَذْكُرُه 419 فيما يَأْتِي إن شاءَ اللهُ.
الثالثُ، ما له مَوْضُوعٌ حَقِيقِيٌّ ومَجازٌ، لم يُسْتَعْمَلْ أكثرَ من الحقِيقَةِ، كالأسَدِ، والبحرِ، فيَمِينُ الحالِفِ تَنْصَرِفُ عندَ الإطْلاقِ إلى الحقيقةِ دونَ المجازِ؛ لأن كلامَ الشَّارِعِ إذا وَرَدَ في 420 مثلِ هذا حُمِلَ على حَقِيقَتِه دونَ مَجازِه، كذلك اليَمِينُ.
الرَّابعُ، الأسْماءُ العُرْفِيَّةُ، وهي ما يَشْتَهِرُ مَجازُه حتَّى تَصِيرَ الحقِيقَةُ مَغْمُورَةً فيه،
الجزء: 28 - الصفحة: 34
فإذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَبَاعَ بَيعًا فَاسِدًا، أَوْ لَا يَنْكِحُ, فَنَكَحَ نِكَاحًا
فهذا على ضُرُوبٍ؛ أحَدُها، ما يَغْلِبُ على الحقِيقَةِ بحيثُ لا يَعْلَمُها أكثرُ الناسِ، كالرَّاويَةِ، وهي في العُرْفِ اسْم للمَزَادَةِ، وفي الحقيقَةِ اسْمٌ لِما يُسْتَقَى 421 عليه من الحيواناتِ، والظَّعِينَةُ في العُرْفِ المرأةُ، وفي الحقيقَةِ النَّاقَةُ التي يُظْعَنُ عليها، والعَذِرَةُ والغائِطُ في العُرْفِ الفَضْلَةُ المُسْتَقْذَرَةُ، وفي الحقِيقَةِ العَذِرَةُ فِناءُ الدَّارِ، ولذلك قال عليٌّ، رَضِيَ الله عنه، لقومٍ: ما لَكُم لا تُنَظِّفُون عَذِرَاتِكُم؟ يُرِيدُ أفْنِيَتَكُم.
والغائِطُ المُطْمَئِنُّ من الأرْضِ.
فهذا وأشْباهُه يَنْصَرِفُ 422 يَمِينُ الحالِفِ إلى المجازِ دونَ الحقِيقَةِ؛ لأنَّه الذي يُرِيدُه بيَمِينِه، ويُفْهَمُ من كَلامِه، فأشْبَهَ الحَقِيقَةَ في غيرِه.
الضَّرْبُ الثاني، أن يَخُصَّ 423 عُرْفُ الاسْتِعْمالِ بعضَ الحَقِيقَةِ بالاسْمِ 424، ويَتَنَوَّعُ أنْواعًا، نَذْكُرُها إن شاءَ الله في المسائِلِ، كالدَّابَّةِ، والرَّيحانِ، وغيرِ ذلك.
فصل في الأسماءِ الشَّرْعِيَّةِ: (إذا حَلَف لا يَبِيعُ، فباعَ بَيعًا فاسِدًا،
الجزء: 28 - الصفحة: 35
فَاسِدًا، لَمْ يَحْنَثْ، إلا أَنْ يُضِيفَ الْيَمِينَ إلَى شَيْءٍ لَا تُتَصَوَّرُ فِيهِ الصِّحَّةُ، مِثْلَ أنْ يَحْلِفَ لَا يَبِيعُ الْخَمْرَ أو الْحُرَّ، فَيَحْنَثُ بِصُورِةِ الْبَيعِ.
أو لا يَنْكِحُ، فنَكَحَ نِكاحًا فاسِدًا، لم يَحْنَثْ، إلَّا أن يُضِيفَ اليَمِينَ إلى شيءٍ لا تُتَصَوَّرُ فيه الصِّحَّةُ، مثلَ أن يَحْلِفَ أن لا يَبيع الحُرَّ أو الخَمْرَ، فيَحْنَثُ بصُورةِ البَيعِ) إذا حَلَف أن لا يَبِيعَ ولا يَنْكِحَ، انْصَرَفَ إلى الصَّحِيحِ دونَ الفاسِدِ.
وبهذا قال الشافعِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا قال لعَبْدِه: إن زَوَّجْتُكَ، أو بِعْتُكَ، فأنْتَ حُرٌّ.
فزَوَّجَه تَزْويجًا فاسِدًا، لم يَعْتِقْ، وإن باعَه بَيعًا فاسِدًا يُمْلَكُ به، حَنِثَ؛ لأنَّ البَيعَ [الفاسِدَ عندَه يَثْبُت به المِلْكُ، إذا اتَّصَلَ به القَبْضُ.
ولنا، أنَّ اسْمَ البَيعِ] 425 يَنْصَرِفُ إلى الصَّحِيحِ، بدَليلِ 426 قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ 427.
الجزء: 28 - الصفحة: 36
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأكْثَرُ ألْفاظِه في البَيعِ إنَّما تَنْصَرِفُ إلى الصَّحِيحِ، فلا يَحْنَثُ بما دونَه، كما في النِّكاحِ، وكالصَّلاةِ، وغيرِهما، وما ذكروه مِن ثُبوتِ المِلْكِ به ممنوعٌ.
وقال ابنُ أبي موسى: لا يَحْنَثُ بالنِّكاحِ الفاسِدِ، وهل يَحْنَثُ بالبَيعِ الفاسِدِ؟ على رِوايتَين.
وقال أبو الخَطّابِ: إن نَكَحَها نِكاحًا مُخْتَلَفًا فيه، مثلَ أن يَتَزوَّجَها بلا وَلِيٍّ ولا شُهودٍ، أو باعَ في وقتِ النِّداءِ، فعلى وَجْهَين.
وقال ابنُ أبي موسى: إن تَزَوَّجَها زَواجًا مُخْتَلَفًا فيه، أو مَلَك مِلْكًا مُخْتَلَفًا فيه، حَنِثَ فيهما جميعًا.
ولَنا، أنَّه نِكاحٌ فاسِدٌ، وَبَيعٌ فاسِدٌ، فلم يَحْنَثْ بهما، كالمُتَّفَقِ على فسادِهِما.
فصل: والماضِي والمُسْتَقْبَلُ سَواءٌ في هذا.
وقال مُحَمَّد بنُ الحسنِ: [إذا حَلَفَ] 428: ما تَزَوَّجْتُ، ولا صَلَّيتُ، ولا بِعْتُ.
وكان قد فَعَلَه فاسِدًا، حَنِثَ؛ لأنَّ الماضِيَ لا يُقْصَدُ منه إلَّا الاسْمُ، والاسْمُ يَتَناوَلُه، والمُسْتَقْبَلُ بخِلافِه، فإنَّه يُرادُ بالنِّكاحِ والبَيعِ المِلْكُ، وبالصلاةِ القُرْبَةُ.
ولَنا، أنَّ ما لا يَتَناوَلُه الاسْمُ في المُسْتَقْبَلِ، لا يَتَناوَلُه في الماضِي، وكغيرِ
الجزء: 28 - الصفحة: 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُسَمَّى، وما ذَكَرَه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الاسْمَ لا يَتَناوَلُ إلَّا الشَّرْعِيَّ، ولا يحْصُلُ.
فصل: فإن حَلَف لا يَبِيعُ، فباع 429 بَيعًا فيه الخِيارُ، حَنِثَ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ المِلْكَ لا يَثْبُتُ في مُدَّةِ الخِيارِ، فأشْبَهَ البَيعَ الفاسِدَ.
ولَنا، أنَّه بَيعٌ صَحِيحٌ شَرْعِيٌّ، فيَحْنَثُ به، كالبَيعِ اللَّازِمِ، وما ذَكَرَه مَمْنُوعٌ، فإنَّ بَيعَ الخِيارِ يَثْبُتُ المِلْكُ به بعدَ انْقِضاءِ الخِيارِ بالاتِّفاقِ، وهو سَبَبٌ له، فكذلك قبلَه.
فصل: وإن حَلَف لا يَبِيعُ، أو لا يُزَوِّجُ، فأوْجَبَ البَيعَ والنِّكاحَ، ولم يَقبَلِ المُتَزوِّجُ والمُشْتَرِي، لم يَحْنَثْ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافِعِيُّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ البَيعَ والنِّكاحَ عَقْدان لا يَتِمَّان إلَّا بالقَبولِ، فلم يَقَعْ الاسْمُ على الإيجابِ بدُونِه، فلم يَحْنَثْ به.
فصل: وإنْ أضافَ اليَمِينَ في البَيعِ والنِّكاحِ إلى ما لا 430 تُتَصَوَّرُ فيه
الجزء: 28 - الصفحة: 38
وَذَكَر الْقَاضِي فِي مَنْ قَال لامْرأَتهِ: إِنْ سَرَقْتِ مِنِّي شَيئًا وَبِعْتِنِيهِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَفَعَلَتْ، لَمْ تَطْلُقْ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
الصِّحَّةُ، كالخَمْرِ والخِنْزيرِ والحُرِّ، حَنِثَ بصُورَةِ (1) البَيعِ؛ لأَنه يتَعَذَّرُ حَمْلُ يَمِينِه على عَقْدٍ صَحِيحٍ، فتَعَيَّنَ محملًا له.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ؛ لأَنه ليس ببَيعٍ في الشَّرْعِ.
4726 -
مسألة: (وذَكَر القاضِي في مَن قال لامْرأتِه: إن سَرَقْتِ مِني شَيئًا وبِعْتِنِيه، فأنْتِ طالِقٌ. ففَعَلَتْ، لم تَطْلُقْ)
لأنَّ البَيعَ الشَّرْعِيَّ لم يُوجَدْ (والأوَّلُ أوْلَى) لأنَّ صُورَةَ البَيعِ وُجِدَتْ.
فصل: وإن حَلَف لا يَتَزَوَّجُ، حَنِثَ بمُجَرَّدِ الإِيجابِ والقَبُولِ الصَّحِيحِ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ ذلك يَحْصُلُ به المُسَمَّى الشَّرْعِيُّ،431
الحديث: 4726 - الجزء: 28 - الصفحة: 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فتَناوَلَتْه يَمِينُه.
وإن حَلَف ليَتَزَوَّجَنَّ، بَرَّ بذلك، سَواءٌ كانت له امرأةٌ أو لم تَكُنْ، وسَواءٌ تَزوَّجَ نَظِيرَتَها، أو أعْلَى منها، إلَّا أن يَحْتال على حلِّ يَمِينِه بتَزْويجٍ لا يُحَصِّلُ القْصودَ، مثلَ أن يُواطِئَ امرأتَه على نِكاحٍ لا يَغِيظُها به، [ليَبَرَّ بيَمِينِه] 432، فلا يَبَرُّ.
[بهذا.
و] 433 قال أصحابُنا: إذا حَلَف ليَتَزَوَّجَنَّ على امرأتِه، لا يَبَرُّ حتَّى يَتَزَوَّجَ نَظِيرَتَها، ويَدْخُلَ بها.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّه قَصَد غَيظَ زَوْجَتِه، ولا يَحْصُلُ إلَّا بذلك.
ولَنا، أنَّه تزَوَّجَ تَزْويجًا صَحِيحًا، فبَرَّ به، كما لو تَزَوَّجَ نَظِيرَتَها، والدُّخُولُ غيرُ مُسَلَّمٍ؛ فإنَّ الغَيظَ يَحْصُلُ بمُجَرَّدِ الخِطْبَةِ، وإن حَصَل بما ذَكَرُوه زِيادَة في الغَيظِ، فلا تَلْزَمُه الزِّيادَة على الغَيظِ الذي يَحْصُلُ بما تَناوَلَتْه يَمِينُه، كما أنَّه لا يَلْزَمُه نِكاحُ اثْنَتَين 434 ولا ثلاثةٍ، ولا أعْلَى مِن نَظِيرَتِها.
والذي تَناوَلَتْه يَمِينُه مُجَرَّدُ التَّزْويجِ، ولذلك لو حَلَف لا يَتَزَوَّجُ على امرأتِه 435، حَنِثَ بهذا، فكذلك يَحْصُلُ البِرُّ به؛ لأنَّ المُسَمَّى واحِدٌ، فما تَناوَلَه النَّفْيُ تَناوَلَه في الإثْباتِ، وإنَّما لا يَبَرُّ إذا تَزَوَّجَ 436 تَزْويجًا لا يَحْصُلُ به الغَيظُ، كما ذَكَرْناه مِن الصُّورَةِ
الجزء: 28 - الصفحة: 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونَظائِرِها؛ لأنَّ مَبْنَى الأيمانِ على المَقاصِدِ والنِّيَّاتِ، ولم يَحْصُلْ مَقْصُودُه، ولأنَّ التَّزْويجَ يَحْصُلُ ههُنا حِيلَةً على التّخَلُّصِ مِن يَمِينِه بما لا يُحَصِّلُ مَقصُودَها، فلم تُقْبَلْ منه حِيلَتُه.
وقد نَصَّ أحمدُ على هذا، فقال: إذا حَلَف ليَتَزَوَّجَنَّ على امرأتِه، فتَزَوَّجَ بعَجُوزٍ أو زِنْجِيّةٍ، لا يَبَرُّ؛ لأنَّه أَرادَ أن يَغِيظَها و 437 يُغِيرَها ويَغُمَّها، وبهذا لا تَغارُ ولا تَغْتَمُّ.
فعَلَّلَه أحمدُ بما يَغِيظُ به الزَّوْجَةَ، [ولم يَعْتَبِرْ أن تكونَ نَظِيرَتَها] 438؛ لأنَّ 439 الغَيظَ لا يَتَوقَّفُ على ذلك، ولو قَدَّرَ أنَّ تَزَوُّجَ العَجُوزِ يَغِيظُها والزِّنْجِيَّةِ، لَبَرَّ به، وإنَّما ذَكَرَه أحمدُ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّه لا يَغِيظُها؛ لأنَّها تَعْلَمُ أنَّه إنَّما فَعَل ذلك حِيلَةً لِئلَّا يَغِيظَها، ويَبَرَّ به.
فصل: وإن حَلَف: لا تَسَرَّيتُ.
فوَطِئَ جاريَتَه، حَنِثَ.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وقال القاضِي: لا يَحْنَثُ حتَّى يَطَأَ فيُنْزِلَ، فَحْلًا كان أو خَصِيًّا.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ حتَّى يُحْصِنَها ويَحْجُبَها عن الناسِ؛ لأنَّ التَّسَرِّيَ مَأْخُوذٌ مِن السِّرِّ.
[ولأصحابِ الشافعيِّ ثلاثةُ أوْجُهٍ كهذه.
ولَنا، أنَّ التَّسَرِّيَ مَأخُوذٌ مِن السِّرِّ] (2)، وهو الوَطْءُ؛ لأنَّه يكونُ في السِّرِّ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ 440. وقال
الجزء: 28 - الصفحة: 41
وَإنْ حَلَفَ لَا يَصُومُ، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَصُومَ يَوْمًا.
الشاعرُ (1):
فلَنْ تَطْلُبوا سِرَّها لِلْغِنَى … ولَنْ تُسْلِمُوها لإِزْهادِهَا
وقال الآخَرُ (2):
لقد زَعَمَتْ بَسْباسَةُ القَوْمِ أنَّنِي … كَبِرْتُ وأنْ لا يُحْسِنَ السِّرَّ أمْثالي
ولأنَّ ذلك حُكْمٌ تَعَلَّقَ بالوَطْءِ، فلم يُعْتَبَرْ فيه الإِنْزالُ ولا التَّحْصِينُ، كسائِرِ الأحْكامِ.
4727 -
مسألة.: (إذا حَلَف لا يَصُومُ، لم يَحْنَثْ حتَّى يَصُومَ يَوْمًا)
هذا إذا لم يُسَمِّ عَدَدًا، ولم ينْوه، وأقَلُّ ذلك صَوْمُ يَوْم، لا خِلافَ فيه؛ لأنَّه ليس في الشَّرْعِ صَوْمٌ مُفْرَدٌ أقَلَّ مِن يَوْم، فلَزِمَه؛ لأنَّه اليَقِينُ.441442
الحديث: 4727 - الجزء: 28 - الصفحة: 42
وَإنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَةً.
4728 - مسألة: (وإن حَلَف لا يُصَلِّي، لم يَحْنَثْ)
حتَّى يَفْرُغَ مِمَّا يَقَعُ عليه اسْمُ الصلاةِ.
وفيه رِوايتان؛ إحداهما، يُجْزِئُه رَكعةٌ.
نَقَلَها إسماعيلُ بنُ سعيدٍ؛ لأنَّ أقَلَّ الصلاةِ رَكعةٌ، فإنَّ الوتْرَ صلاةٌ مَشْرُوعَةٌ،
الحديث: 4728 - الجزء: 28 - الصفحة: 43
وَقَال الْقَاضِي: إِنْ حَلَفَ: لَا صَلَّيتُ صَلَاةً.
لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَفْرُغَ مِمَّا يَقَعُ عَلَيهِ اسْمُ الصَّلَاةِ، وَإنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي، حَنِثَ بالتَّكْبِيرِ.
وهي رَكعةٌ واحدةٌ.
ورُوي عن عمرَ، رَضِي الله عنه، أنَّه تَطَوَّعَ برَكعةٍ واحدةٍ 443. والثانيةُ، لا يُجْزِئُه إلَّا ركْعَتانِ.
وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ أقَلَّ صلاةٍ وَجَبَتْ بالشَّرْعِ رَكْعتان، فوَجَبَ حَمْلُ اليَمِينِ عليه.
وقد قيل: إنَّما يَجِبُ رَكْعتان في النَّذْرِ؛ لأنَّه واجِبٌ، أمَّا الوتْرُ فهو نَفْلٌ.
ولأنَّ الرَّكْعَةَ لَا تُجْزِئُ في الفَرْضِ، فلا تُجْزِئُ في النَّفْلِ قياسًا عليه، وكالسَّجْدَةِ.
وللشافعيِّ قَوْلان كالرِّوايَتَين (وقال القاضي: إن حَلَف: لا صَلَّيتُ صلاةً.
لم يَحْنَثْ حتَّى يَفْرُغَ مما يَقَعُ عليه اسمُ الصلاةِ) على ما ذَكَرْنا (وإن حَلَف لا يُصَلِّي، حَنِث بالتَّكْبيرِ) وهذا يُشْبِهُ ما إذا قال لزَوْجَتِه: إن
الجزء: 28 - الصفحة: 44
وَإنْ حَلَفَ لَا يَهَبُ زَيدًا شَيئًا، وَلَا يُوصِي لَهُ، وَلَا يَتَصَدَّقُ عَلَيهِ، فَفَعَلَ وَلَمْ يَقْبَلْ زَيدٌ، حَنِثَ.
حِضْتِ حَيضَةً فأنتِ طالِقٌ.
فإنَّها لاتَطْلُقُ حتَّى تَحِيضَ ثم تَطْهُرَ.
ولو قال: إن حِضْتِ.
طَلُقَتْ بأوَّلِ الحَيضِ؛ لأنَّه إذا شَرَع في الصلاةِ يُسَمَّى مُصَلِّيًا.
قال شيخُنا 444: يَحْتَمِلُ أن يُخَرَّجَ هذا على الرِّوايَتَين في مَن حَلَف لا يَفْعَلُ شيئًا، ففَعَل بعضَه.
فصل: (وإن حَلَف لا يَهَبُ زَيدًا شيئًا, ولا يُوصِي له، ولا يَتَصَدَّقُ عليه، ففَعَلَ ولم يَقْبَلْ زَيدٌ، حَنِثَ) إذا حَلَف لا يَهَبُ زيدًا شيئًا، أو لا يُعِيرُه، فأوْجَبَ ذلك، ولم يَقْبَلْ زيدٌ، حَنِثَ.
ذَكَرَه القاضِي.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وابنِ سُرَيجٍ 445؛ لأنَّ الهِبَةَ والعارِيَّةَ لا عِوَضَ فيهما، فكان مُسَمَّاهُما الإِيجابَ، والقَبُولُ شَرْطٌ لنَقْلِ المِلْكِ،
الجزء: 28 - الصفحة: 45
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وليس هو مِن السَّبَبِ، فيَحْنَثُ 446 بمُجَرَّدِ الإيجابِ فيه، كالوَصِيَّةِ.
وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ بمُجَردِ الإيجابِ؛ لأنَّه عَقْد لا يَتِمُّ إلَّا بالقَبُولِ، فلم يَحْنَثْ 447 بمُجَرَّدِ الإِيجابِ، كالنِّكاحِ والبَيعِ.
فأمَّا الهَدِيةُ والوَصِيَّة والصدَقَةُ، [فيَحْنَثُ فيها] 448 بمُجَرَّدِ الإيجابِ.
وذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
قال شيخُنا 449: ولا أعلمُ [قولَ الشافِعِيِّ] 450 فيها 451، إلَّا أنَّ الظاهِرَ أنَّه لا يُخالِفُ في الوَصِيَّةِ والهدِيّةِ؛ لأنَّ الاسْمَ يَقَعُ عليهما 452 بدونِ القَبُولِ، ولهذا لَمَّا قال اللهُ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ 453. إنّما أَرادَ الإيجابَ دونَ القَبُولِ، ولأنَّ الوَصِيَّةَ تَصِحُّ قبلَ مَوْتِ المُوصِي، ولا قَبُولَ لها حِينَئِذٍ.
الجزء: 28 - الصفحة: 46
وَإنْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيهِ، فَوَهَبَهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإنْ حَلَفَ لَاَ هَبُهُ، فَتَصَدَّقَ عَلَيهِ، حَنِثَ.
4729 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَتَصَدَّقُ عليه، فوَهَبَه، لم يَحْنَثْ)
لأنَّ الصَّدَقَةَ (1) نَوْعٌ مِن الهِبَةِ، ولا يَحْنَثُ الحالِفُ على نَوْعٍ [بفِعْلِ نوعٍ] (2) آخَرَ، ولا يَثْبُتُ للجِنْسِ حُكْمُ النَّوْعِ، ولهذا حَرُمَتِ الصَّدَقَةُ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولم تَحْرُمِ الهِبَةُ ولا الهدِيَّةُ، بدَليلِ قول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، في اللَّحْمِ الذي تُصُدِّقَ به على بَرِيرَةَ: «هُوَ عَلَيهَا صَدَقَةٌ، ولَنَا هَدِيَّةٌ» (3). وإن حَلَف لا يَهَبُه شيئًا، فأسْقَطَ عنه دَينًا، لم يَحْنَثْ إلَّا أن يَنْويَ؛ لأنَّ الهِبَةَ تَمْلِيكُ عَينٍ، وليس له إلَّا دَينٌ في ذِمَّتِه.
4730 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يَهَبُه، فتَصَدَّقَ عليه، حَنِثَ)
454455456 الحديث: 4729 - الجزء: 28 - الصفحة: 47
وَقَال أبو الْخَطَّابِ: لَا يَحْنَثُ.
وكذلك إن أهْدَى له أو أعْمَرَه؛ لأنَّ ذلك مِن أنْواعِ الهِبَةِ، وإن أعْطاه مِن الصَّدَقَةِ الواجِبَةِ، [أو نَذْرًا أو كَفّارَةً] 457، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ ذلك حَقٌّ للهِ تعالى عليه، يَجِبُ إخْراجُه، فليس هو هِبَةً منه، فإن تَصَدَّقَ عليه تَطَوُّعًا، حَنِثَ.
قاله القاضي.
وهو مذهبُ الشَّافعيِّ (وقال أبو الخَطَّابِ: لا يَحْنَثُ) وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّهما يَخْتَلِفان اسْمًا وحُكْمًا، بدَليلِ قولِ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم -: «هُوَ عَلَيهَا صَدَقَةٌ، ولَنا هَدِيَّةٌ».
وكانتِ الصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةً عليه، والهَدِيَّةُ حَلالٌ له، ويَقْبَلُ الهدِيَّةَ ولا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ 458، ومع هذا الاخْتلافِ لا يَحْنَثُ في أحَدِهما بفِعْلِ الآخَرِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أَنه تَبَرَّعَ بعَينٍ في الحياةِ، فحَنِثَ به، كالهدِيَّةِ، ولأنَّ الصَّدَقَةَ تسَمَّى هِبَةً، فلو تَصَدَّقَ بدِرْهَمٍ، قيلَ: وَهَب دِرْهَمًا، وتَبَرَّعَ
الجزء: 28 - الصفحة: 48
وَإِنْ أعَارَهُ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا عِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ.
بدِرْهَمٍ.
واخْتِلافُ التَّسْمِيَةِ لكَوْنِ الصَّدَقَةِ نَوْعًا مِن الهِبَةِ، فتَخْتَصُّ باسْمٍ دونَها، كاخْتِصاصِ الهدِيَّةِ والعُمْرَى باسْمَين، ولم يُخْرِجْهُما ذلك عن كَوْنِهما هِبَةً، وكذلك اخْتِلافُ الأحْكام، فإنَّه قد يَثْبُتُ للنَّوْعِ ما لا يَثْبُتُ للجِنْسِ، كما يَثْبُتُ للآدَمِيِّ مِن الأحكامِ ما لا يَثْبُتُ لمُطْلَقِ الحيوانِ.
4731 -
مسألة: (وإن أعَارَه لم يَحْنَثْ إلَّا عندَ أبي الخَطَّابِ)
لأنَّ العارِيَّةَ هِبَةُ 459 المَنْفَعَةِ.
وقال القاضي: لا يَحْنَثُ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ الهِبَةَ تَمْلِيكُ الأعْيانِ، وليس في العارِيَّةِ تَمْلِيكُ عَينٍ، ولأنَّ المُسْتَعِيرَ لا يَمْلِكُ المَنْفَعَةَ، وإنَّما يَسْتَبِيحُها 460، ولهذا يَمْلِكُ المُعِيرُ الرُّجُوعَ فيها 461، ولا يَمْلِكُ المُسْتَعِيرُ إجارَتَها.
الحديث: 4731 - الجزء: 28 - الصفحة: 49
وَإِنْ وَقَفَ عَلَيهِ، حَنِثَ، وَإِنْ وَصَّى لَهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ بَاعَهُ وَحَابَاهُ، حَنِثَ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَحْنَثَ.
4732 - مسألة: (وإن وَقَفَ عليه، حَنِثَ)
قاله أبُو الخَطَّابِ؛ لأنَّه تَبَرَّعَ له بعَينٍ في الحَياةِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ؛ لأنَّ الوَقْفَ لا يُمْلَكُ، في رِوايَةٍ، ولأنَّه لا يُطْلَقُ عليه اسْمُ الهِبَةِ.
4733 -
مسألة: (وإن وَصَّى له، لم يَحْنَثْ)
لأنَّ الهِبَةَ تَمْلِيكٌ في الحياةِ، والوَصِيَّةُ إنَّما تُمْلَكُ بالقَبُولِ بعدَ الموتِ.
4734 -
مسألة: (وإن باعَه وحاباه، حَنِثَ)
في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه تَرَك له بعضَ المَبِيعِ بغيرِ عِوَضٍ أو وَهَبَه 462 بعضَ الثَّمَنِ.
والوَجْهُ الآخَرُ، أنَّه لا يَحْنَثُ.
وهو أَوْلَى؛ لأنَّها مُعاوَضَةٌ يَمْلِكُ الشَّفِيعُ أخْذَ جميعِ
الحديث: 4732 - الجزء: 28 - الصفحة: 50
فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّانِي؛ الْأَسْمَاءُ الْحَقِيقِيّةُ، إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ، فَأَكَلَ الشَّحْمَ، أو الْمُخَّ، أو الْكَبدَ، أَو الطِّحَال، أَو الْقَلْبَ، أَوْ الْكَرِشَ، أَو الْمُصْرَانَ، أو الْأَلْيَةَ، أَو الدِّمَاغَ، أو
المَبِيعِ.
ولو كان هِبَةً أو بعضُه، لم يَمْلِكْ أخْذَه كلِّه.
وإن أضافَه لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لم يُمَلِّكْه شيئًا، وإنَّما أباحَه الأكْلَ، ولهذا لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بغيرِه.
فصل: قال رَحِمَه الله: (القِسْمُ الثاني؛ الأسْماءُ الحقِيقِيَّةُ، فإذا حَلَف لا يَأكُلُ اللَّحْمَ، فأكَلَ الشَّحْمَ، أو المُخَّ، أو الكَبِدَ، أو الطِّحال، أو القَلْبَ، أو الكَرِشَ، أو المُصْرانَ، أو الأَلْيَةَ، أو الدِّماغَ، أو
الجزء: 28 - الصفحة: 51
الْقَانِصَةَ، لَمْ يَحْنَثْ.
القانِصَةَ 463، لم يَحْنَثْ) وجملةُ ذلك، أنَّ الحالِفَ على تَرْكَ 464 أكلِ 465 اللَّحْمِ، لا يَحْنَثُ بأكْلِ ما ليس بلَحْمٍ، من الشَّحْمِ والمُخِّ، وهو الذي في العِظامِ، والدِّماغِ، وهو الذي في الرَّأْسِ في قِحْفِه 466، ولا الكَبِدِ، والطِّحالِ، والرِّئَةِ، والقَلْبِ، والكَرِشِ، والمُصْرانِ، والقانِصَةِ، ونحوها.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يَحْنَثُ بأَكْلِ هذا كلِّه؛ لأنَّه لَحْمٌ حَقِيقَةً، ويُتَّخَذُ منه ما يُتَّخَذُ من اللَّحْمِ، فأَشْبَهَ لَحْمَ الفَخِذِ.
ولَنا، أنَّه لا يُسَمَّى لحْمًا، وَيَنْفَرِدُ عنه باسْمِه وصِفَتِه، ولو أمَرَ وَكِيلَه بشِراءِ لَحْمٍ، فاشْتَرَى هذا، لم يَكُنْ مُمْتَثِلًا لأمْرِه، ولا يَنْفُذُ الشِّراءُ للموكِّلِ، فلم يَحْنَثْ بأكْلِه، كالبقْلِ، وقد دَلَّ على أنَّ الكَبِدَ والطِّحال
الجزء: 28 - الصفحة: 52
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ليسا بلَحْمٍ، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيتَتَانِ وَدَمَانِ؛ أمَّا الدَّمَانِ، فالْكَبِدُ والطِّحَالُ» 467. ولا نُسَلِّمُ أنَّه لَحْمٌ حَقِيقَةً، بل هو من الحَيوانِ، كالعَظْمِ والدَّمِ.
فأمَّا إن قَصَد اجْتِنابَ الدَّسَمِ، حَنِثَ بأكْلِ الشَّحْمِ؛ لأنَّ له دَسَمًا، وكذلك المُخُّ، وكلُّ ما فيه دَسَمٌ.
ولا يَحْنَثُ بأكْلِ الألْيَةِ.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: يَحْنَثُ؛ لأنَّها نابِتَةٌ في اللَّحْمِ، وتُشْبِهُه في الصَّلابَةِ.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّها لا تُسَمَّى لَحْمًا, ولا يُقْصَدُ منها ما يُقْصَدُ منه، وتُخالِفُه في اللَّوْنِ والذَّوْبِ والطَّعْمِ، فلم يَحْنَثْ بأكْلِها، كشَحْمِ البَطْنِ.
فأمَّا الذي على الظَّهْرِ والجَنْبِ وفي تَضاعيفِ اللَّحْمِ، فلا يَحْنَثُ بأكْلِه، في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِيِّ، فإنَّه قال: اللَّحْمُ لا يَخْلُو من شَحْمٍ.
يُشِيرُ إلى ما يُخالِطُ اللَّحْمَ ممَّا تُذِيبُه النارُ، وهذا كذلك.
وهو قولُ طَلْحَةَ العَاقُولِيِّ.
وممَّن قال: هذا شَحْمٌ.
أبو يوسفَ، ومحمَّدٌ.
وقال القاضِي: هو لَحْمٌ، يَحْنَثُ بأكْلِه، [ولا يَحْنَثُ بأكْلِه] 468 مَن حَلَف لا يَأْكُلُ شَحْمًا.
وهو مذهبُ
الجزء: 28 - الصفحة: 53
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشافعيِّ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى شَحْمًا, ولا بائِعُه شَحّامًا, ولا يُفْرَدُ عن اللَّحْمِ 469 مع الشَّحْمِ، ويُسَمَّى بائِعُه لَحَّامًا، ويُسَمَّى لَحْمًا سَمِينًا, ولو وَكَّلَ في شِراءِ لَحْمٍ، فاشْتَراه الوَكِيلُ، لَزِمَه، ولو اشْتَراه الوَكِيلُ في شِراءِ الشَّحْمِ، لم يَلْزَمْه.
ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيهِمْ شُحُومَهُمَا إلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَو الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ 470. ولأنَّه يُشْبِهُ الشَّحْمَ 471 في صِفتِه وذَوْبه، ويُسَمَّى دُهْنًا، فكان شَحْمًا كالذي في البَطْنِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يُسَمَّى شَحْمًا، ولا أنَّه يُسَمَّى بمُفْرَدِه لَحْمًا، وإنَّما يُسَمَّى اللَّحْمُ الذي هو عليه لَحْمًا سَمِينًا, ولا يُسَمَّى بائِعُه شَحَّامًا؛ لأنَّه لا يُباعُ بمُفْرَدِه، وإنَّما يُباعُ تَبَعًا للَّحْمِ، وهو تابعٌ له في الوُجُودِ والبَيعِ، فلذلك سُمِّيَ بائِعُه لَحَّامًا، ولم يُسَمَّ شَحَّامًا؛ لأنَّه سُمِّيَ بما هو الأصْلُ دونَ التَّبَعِ.
الجزء: 28 - الصفحة: 54
وَإنْ أكَلَ الْمَرَقَ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَقَدْ قَال أحْمَدُ: لا يُعْجِبُنِي.
قَال أَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ.
4735 - مسألة: (وإن أكَلَ المَرَقَ، لم يَحْنَثْ. وقد قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنِي. قال أبو الخَطَّابِ: هذا على سَبِيلِ الوَرَعِ)
وقال ابنُ أبي موسى، والقاضِي: يَحْنَثُ؛ لأنَّ المرَقَ لا يَخْلُو مِن أجْزاءِ اللَّحْمِ الذَّائِبَةِ فيه، وقد قيلَ: المَرَقُ أحَدُ اللَّحْمَين.
ولَنا، أنَّه ليس بلَحْمٍ حَقِيقَةً، ولا يُطْلَقُ عليه اسْمُ اللَّحْمِ، فلم يَحْنَثْ به، كالكَبِدِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ أجْزاءَ اللَّحْم فيه، وإنَّما فيه ماءُ اللَّحْمِ ودُهْنُه، وليس ذلك بلَحْمٍ.
وأمَّا المَثَلُ، فإنَّما أُرِيدَ به المَجازُ، كما في نَظائِرِه، مِن قَوْلِهم: الدُّعاءُ أحَدُ الصَّدَقَتَين، وقِلَّةُ العِيالِ أحدُ اليَسارَين.
وهذا دَليلٌ على أنَّها ليست بلَحْمٍ؛ لأنَّه جَعَلَها غيرَ اللَّحْمِ الحَقِيقِيِّ.
الحديث: 4735 - الجزء: 28 - الصفحة: 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإنْ أكَلَ رَأسًا [أو كُراعًا] 472، [فقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه رُوِيَ عنه ما يَدُلُّ على [أنَّ] 473 مَن حَلَف لا يَشْتَرِي لَحْمًا، فاشْتَرَى رَأْسًا أو 474 كُراعًا] 475، لا يَحْنَثُ، إلَّا أن يَنْويَ لا يَشْتَرِي مِن الشَّاةِ شيئًا.
قال القاضي: لأنَّ إطْلاقَ اسْمِ اللَّحْمِ لا يَتَناوَلُ الرُّءُوسَ والكَوَارِعَ، ولو وَكَّلَه في شِراءِ لَحْمٍ، فاشْتَرَى رَأْسًا أو كُراعًا 476، لم يَلْزَمْه، ويُسَمَّى بائِعُ ذلك رَوَّاسًا, ولا يُسَمَّى لَحَّامًا.
وقال أبو الخطَّابِ: يَحْنَثُ بأكْلِ لَحْمِ الخَدِّ؛ لأنَّه لحمٌ حَقِيقَةً.
وحُكِيَ عن ابنِ أبي موسى أنَّه لا يَحْنَثُ حتَّى يَنْويَه باليَمِينِ.
وإن أَكَلَ اللِّسانَ، احْتَمَلَ وَجْهَين؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّه لحمٌ حَقِيقَةً.
والثاني، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه مُنْفَرِدٌ عن اللَّحْمِ باسْمِه وصِفَتِه، فأَشْبَهَ القَلْبَ.
الجزء: 28 - الصفحة: 56
وَإنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الشَّحْمَ، فَأكَلَ شَحْمَ الظَّهْرِ، حَنِثَ.
4736 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَأْكُلُ الشَّحْمَ، فأكَلَ شَحْمَ الظَّهْرِ، حَنِثَ)
ظاهِرُ هذا، أنَّ الشَّحْمَ كلُّ ما يَذُوبُ بالنارِ ممَّا في الحَيوانِ، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وظاهِرُ الآيَةِ، والعُرْفُ يَشْهَدُ لذلك.
وهو ظاهِرُ قولِ أبي الخَطَّابِ، وطَلْحَةَ العَاقُولِيِّ، [وهو قَوْلُ] 477 أبي يوسف، ومحمدِ بنِ الحسنِ.
وقال القاضي: الشَّحْمُ هو 478 الذي يكونُ في الجَوْفِ، مِن شَحْمِ الكُلَى أو غيره، وإن أكَلَ مِن كلِّ شيءٍ مِن الشَّاةِ، مِن لَحْمِها الأحْمَرِ والأبيَضِ، والأَلْيَةِ، والكَبِدِ، والطِّحالِ، والقَلْبِ، فقال شيخُنا -يعني ابنَ حامِدٍ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ اسْمَ الشَّحْمِ لا يَقَعُ عليه.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
وقد سَبَق الكَلامُ في أنَّ شَحْمَ الظَّهْرِ والجَنْبِ شَحْمٌ، فيَحْنَثُ به.
فأمَّا إن أكَلَ اللَّحْمَ الأحْمَر وَحْدَه، ولم يَظْهَرْ فيه شيءٌ مِن الشَّحْمِ، فقال الخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ؛
الحديث: 4736 - الجزء: 28 - الصفحة: 57
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّا قد ذَكَرْنا أنَّ الشَّحْمَ كلُّ ما يَذُوبُ بالنارِ، ولا يَكادُ اللَّحْمُ يَخْلُو مِن شيءٍ منه وإن قَلَّ، فيَحْنَثُ به، ولأنَّه يَظْهَرُ في الطَّبْخِ، فيَبِينُ على وَجْهِ المَرَقِ وإن قَلَّ، وهذا يُفارِقُ مَن حَلَف لا يَأْكُلُ سَمْنًا، فأكَلَ خَبِيصًا 479 فيه سَمْنٌ لا يَظْهَرُ فيه طَعْمُه ولا لَوْنُه، فإنَّ هذا يَظْهَرُ الدُّهْنُ فيه.
وقال غيرُ الخِرَقِيِّ مِن أصحابِنا: لا يَحْنَثُ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى شَحْمًا, ولا يَظْهَرُ فيه طَعْمُه ولا لَوْنُه، والذي يَظْهَرُ في المَرَقِ قد فارَقَ اللَّحْمَ، فلا يَحْنَثُ بأكْلِ اللَّحْمِ الذي كان فيه.
فصل: ويَحْنَثُ بالأكْلِ مِن الألْيَةِ، في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِيِّ ومُوافقِيه؛ لأنَّها دُهْنٌ تَذُوبُ بالنَّارِ، وتُباعُ مع الشَّحْمِ، ولا تُباعُ مع اللَّحْمِ.
وعلى قولِ القاضي ومُوافقِيه: ليست شَحْمًا ولا لَحْمًا، فلا يَحْنَثُ به الحالِفُ على تَرْكِهما.
فصل: إذا حَلَف لا يَأْكُلُ لَحْمًا، حَنِث بأكْلِ اللَّحْمِ المُحَرَّمِ،
الجزء: 28 - الصفحة: 58
وَإنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا، فَأكَلَ زُبْدًا، أوْ سَمْنًا، أو كَشْكًا، أوْ مَصْلًا، أو جُبْنًا، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإنْ حَلَفَ عَلَى الزُّبْدِ والسَّمْنِ فَأكَلَ
كالمَيتَةِ، والخِنْزِيرِ، والمَغْصُوبِ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه: لا يَحْنَثُ بأكْلِ اللَّحْمِ المُحَرَّمِ بأصْلِه؛ لأنَّ يَمِينَه تَنْصَرِفُ إلى ما يَحِلُّ دونَ ما يَحْرُمُ، فلا يَحْنَثُ بما لا يَحِلُّ، كما لو حَلَف لا يَبِيعُ، فباعَ بَيعًا فاسِدًا، [لم يَحْنَثْ] (1). ولَنا، أنَّ هذا لَحْمٌ حَقِيقَةً وعُرْفًا، فحَنِثَ به، كالمَغْصُوبِ، وقد سَمَّاه اللهُ تعالى لَحْمًا، فقال: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ (2). وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بما إذا حَلَف لا يَلْبَسُ ثَوْبًا، فلَبِس ثَوْبَ حَرِيرٍ.
وأمَّا البَيعُ الفاسِدُ، فلا يَحْنَثُ به؛ لأنَّه ليس ببَيعٍ في الحَقِيقَةِ.
4737 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يَأكُلُ لَبَنًا، فأكَلَ زُبْدًا، أو سَمْنًا، أو كَشْكًا، أو مَصْلًا، أو جُبْنًا، لم يَحْنَث. وإن حَلَف على الزُّبْدِ
480481 الحديث: 4737 - الجزء: 28 - الصفحة: 59
لَبَنًا، لَمْ يَحْنَثْ.
والسَّمْنِ فأكَلَ لَبَنًا، لم يَحْنَثْ) إذا حَلَف لا يَأْكلُ لَبَنًا، فأكَلَ مِن لَبَن الأنْعامِ، أو الصَّيدِ، أو لَبَنِ آدَمِيَّةٍ، حَنِثَ؛ لأنَّ الاسْمَ يَتَناوَلُه حَقِيقَةً وعُرْفًا، وسَواءٌ كان حَلِيبًا أو رائِبًا، أو مائِعًا أو مُجَمَّدًا؛ لأنَّ الجميعَ لَبَنٌ.
ولا يَحْنَثُ بأكْلِ الجُبْنِ والسَّمْنِ والمَصْلِ 482 والأقِطِ والكَشْكِ ونحوه 483. وإن أكَلَ زُبْدًا، فكذلك.
نَصَّ عليه.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن يُقال في الزُّبْدِ: إن ظَهَر فيه لَبَنٌ، حَنِثَ بأكْلِه، وإلَّا فلا، كما لو حَلَف لا يَأْكلُ سَمْنًا، فأكَلَ خَبِيصًا فيه سَمْنٌ.
وهذا مذهبُ الشافِعِيِّ.
وإن حَلَف لا يَأْكُلُ زُبْدًا، فأكَلَ سَمْنًا أو لَبَنًا لم يَظْهَرْ فيه الزُّبْدُ، لم يَحْنَث، وإن كان الزُّبْدُ فيه ظاهِرًا، حَنِثَ.
وإن أكَلَ لَبَنًا، لم يَحْنَثْ.
وكذلك سائِرُ ما يُصْنَعُ مِن اللَّبَنِ.
[وإن حَلَف لا يَأْكُلُ سَمْنًا، فأكَلَ زُبْدًا، أو لَبَنًا، أو شيئًا ممّا يُصْنَعُ مِن اللَّبَنِ] 484 سِوَى السَّمْنِ، لم يَحْنَثْ.
وإن أكَلَ
الجزء: 28 - الصفحة: 60
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السَّمْنَ مُنْفَرِدًا، أو في عَصِيدَةٍ، أو حَلْواءَ، أو طَبِيخٍ يَظْهَرُ فيه طَعْمُه، حَنِثَ.
وكذلك إذا حَلَف لا يَأْكلُ لَبَنًا، فأكَلَ طَبِيخًا فيه لَبَنٌ، أو لا يَأْكلُ خَلًّا، فأكَلَ ظبِيخًا فيه خَلٌّ، يَظْهَرُ فيه طَعْمُه، حَنِثَ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال بعضُ أصحابِنا: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لم يُفْرِدْه بالأكْلِ.
ولا يصِحُّ؛ لأنَّه أكَلَ المَحْلُوفَ عليه، وأضافَ إليه غيرَه، فحَنِثَ، كما لو أكَلَه ثم 485 أكَلَ غيرَه.
الجزء: 28 - الصفحة: 61
وَإنْ حَلَفَ عَلَى الْفَاكِهَةِ، فَأكَلَ مِنْ ثَمَرِ الشَّجَرِ؛ كَالْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، وَالتَّمْرِ، وَالرُّمَّانِ، حَنِثَ، وَإنْ أكَلَ الْبِطِّيخَ، حَنِثَ.
وَيَحْتَمِلُ أن لَا يَحْنَثَ.
4738 - مسألة: (وإن حَلَف على الفاكِهَةِ، فأكَلَ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ؛ كالجَوْزِ، واللَّوْزِ، والتَّمْرِ، والرُّمَّانِ، حَنِثَ، وإن أكَلَ البِطِّيخَ، حَنِثَ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ)
إذا حَلَف لا يَأْكُلُ فاكِهَةً، حَنِثَ بأكْلِ ما يُسَمَّى فاكِهَةً، وذلك كلُّ ثَمَرَةٍ تَخْرُجُ مِن الشَّجَرِ يُتَفَكَّهُ بها، مِن العِنَبِ، والرُّطَبِ، والرُّمَّانِ، والسَّفَرْجَلِ، والتُّفَّاحِ، والكُمَّثْرَى، والخَوخِ، والمِشْمِشِ، والأتْرُجِّ، والتُّوتِ، والنَّبقِ، والمَوْزِ 486، والجُمَّيزِ.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ: لا يَحْنَثُ بأكْلِ ثَمَرَةِ النَّخْلِ والرُّمَّانِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ 487. والمعطوفُ يُغايِرُ المعطوفَ عليه.
ولَنا، أنَّهما 488 ثَمَرَةُ شَجَرَةٍ يُتَفَكَّهُ بهما 489، فكانا مِن الفاكِهَةِ،
الحديث: 4738 - الجزء: 28 - الصفحة: 62
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كسائِرِ الأثْمارِ المَذْكُورَةِ 490، ولأنَّهما فاكِهَةٌ في عُرْفِ الناسِ، ويُسَمَّى بائِعُهُما فاكِهانِيًّا.
ومَوْضِعُ بَيعِهما دارَ الفاكِهَةِ، والأصْلُ في العُرْفِ الحَقِيقَةُ، والعَطْفُ لتَشْرِيفِهما وتَخْصِيصِهما، كقولِه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال﴾ 491. وهما من الملائكةِ.
فأمَّا يابِسُ هذه الفَواكِهِ؛ كالزَّبِيبِ، والتَّمْرِ، والتِّينِ، والمِشْمِشِ اليابِسِ، والإجَّاصِ ونحوها، فهو مِن الفاكِهَةِ؛ لأنَّه ثَمَرُ شَجَرَةٍ يُتَفَكَّهُ به.
ويَحْتَمِلُ أنَّه ليس منها؛ لأنَّه يُدَّخرُ، ومنه ما يُقْتاتُ، فأشْبَهَ الحُبوبَ.
والزَّيتونُ ليس بفاكِهَةٍ؛ لأنَّه لا يُتَفَكَّهُ بأكْلِه، وإنَّما المقْصودُ منه [زَيتُه، وما يُؤكلُ منه] 492 [يُقْصَدُ به] 493 الأدْمُ لا التَّفَكُّهُ.
والبُطْمُ 494 في مَعْناه؛ لأنَّ المقْصودَ زَيتُه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه فاكِهَةٌ؛ لأنَّه ثَمَرُ شَجَرَةٍ يُؤْكَلُ غَضًّا ويابسًا على جِهَتِه، أشْبَه التُّوتَ.
والبَلُّوطُ ليس بفاكِهَةٍ؛ لأنَّه لا يُتَفَكَّهُ به، وإنَّما يُؤكَلُ عندَ المَجاعَةِ، أو للتَّداوي.
وكذلك سائِرُ ثَمَرِ الشَّجَرِ البَرِّيِّ الذي
الجزء: 28 - الصفحة: 63
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لا يُسْتَطابُ، كالزُّعْرُورِ الأحْمَرِ 495، وثَمَرِ القَيقَبِ 496، والعَفْصِ 497، وحَبِّ الآسِ، ونحوه، إن كان فيها ما يُسْتَطابُ، كحَبِّ الصَّنَوْبَرِ
الجزء: 28 - الصفحة: 64
وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ.
والبُنْدُقِ، فهو فاكِهَةٌ لأَنه ثَمَرُ شَجَرَةٍ يُتَفَكَّهُ به.
وفي البِطِّيخِ وَجْهان؛ أحَدُهما، هو مِن الفاكِهَةِ.
ذَكَرَه القاضي.
وهو قول الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأَنه يَنْضَجُ ويَحْلُو، أشْبَهَ ثَمَرَ الشَّجَرِ.
والثاني، لا يَحْنَثُ بأَكْلِه؛ لأنَّه ثَمَرُ بَقْلَةٍ، أشْبَه الخِيارَ.
4739 -
مسألة: (ولا يَحْنَثُ بأَكْلِ القِثَّاءِ والخِيَارِ)
ونَحْوه، والْقَرْعِ، والْبَاذِنْجَانِ؛ لأَنه مِن الخُضَرِ، وليس مِن الفاكِهَةِ.
وكذلك ما يكونُ في الأرْضِ، كالجَزَرِ، واللِّفْتِ، والفُجْلِ، والقُلْقاسِ، والسوطَلِ 498 ونحوه، ليس شيءٌ مِن ذلك فاكِهَةً؛ لأنَّه لا يُسَمَّى بها, ولا هو في مَعْناها.
الحديث: 4739 - الجزء: 28 - الصفحة: 65
وَإنْ حَلَفَ لَا يَأْكلُ رُطَبًا، فَأكَلَ مُذَنَّبًا، حَنِثَ.
4740 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَأْكُلُ رُطَبًا، فأَكلَ مُذَنَّبًا، حَنِثَ)
وهو الذي بَدَا 499 فيه الإِرْطابُ مِن ذَنَبِه، وباقِيه بُسْرٌ، أو مُنَصَّفٌ، وهو الذي بعضُه بُسْرٌ وبعضُه رُطَبٌ.
أو حَلَف لا يَأْكلُ بُسْرًا، فأكَلَ ذلك، حَنِثَ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومحمَّدُ، والشافعيُّ.
وقال أبو يوسفَ، وبعضُ أصحاب الشافعيِّ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى رُطَبًا ولا بُسْرًا 500. ولَنا، أنَّه أكَلَ رُطَبًا وبُسْرًا، فحَنِثَ، كما لو أكَلَ نِصْفَ رُطَبَةٍ ونِصْفَ بُسْرَةٍ مُنْفَرِدَين.
وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ القَدْرَ الذي أرْطَبَ رُطَبٌ، والباقِيَ بُسْرٌ، ولو أنَّه حَلَف لا يأكلُ [الرُّطَبَ، فأكَلَ القَدْرَ الذي أرْطَبَ مِن النِّصفِ، حَنِثَ، ولو حَلَف لا يَأْكلُ] 501 البُسْرَ، فأكَلَ البُسْرَ الذي في المُنَصَّفِ، حَنِثَ.
وإن أكَلَ البُسْرَ مَن يَمِينُه على الرُّطَبِ، وأكَلَ الرُّطَبَ مَن يَمِينُه على البُسْرِ، لم يَحْنَثْ واحِدٌ منهما.
وإن حَلَف واحِدٌ لَيَأْكُلَنَّ رُطَبًا، وآخَرُ لَيَأْكُلَنَّ بُسْرًا، فَأكَلَ الحالِفُ على أكْلِ
الحديث: 4740 - الجزء: 28 - الصفحة: 66
وَإِنْ أكَلَ تَمْرًا أوْ بُسْرًا، أو حَلَفَ لَا يَأْكلُ تَمْرًا، فَأكَلَ رُطَبًا أوْ دِبْسًا أوْ نَاطِفًا، لَمْ يَحْنَثْ.
الرُّطَبِ ما في المُنَصَّفِ مِن الرُّطَبِ، وأكَلَ الآخَرُ باقِيَها، بَرًّا جميعًا، وإن حَلَف لَيَأْكُلَنَّ رُطَبَةً أو بُسْرَةً، أو لا يَأْكُلُ ذلك، فأكَلَ مُنَصَّفًا، لم يَبَرَّ ولم يَحْنَثْ؛ لأنَّه ليس فيه رُطَبَةٌ ولا بُسْرَةٌ.
4741 -
مسألة: (وإن أكَلَ تَمْرًا أو بُسْرًا)
لم يَحْنَثْ؛ لأَنه ليس برُطَبٍ (أو حَلَف لا يَأْكلُ تَمْرًا، فأكَلَ رُطَبًا أو دِبْسًا أو ناطِفًا، لم يَحْنَثْ) لأنَّه ليس بتَمْرٍ.
فصل: وإن حَلَف لا يَأْكلُ تَمْرًا، فأكَلَ رُطَبًا، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لم يَتَناوَلْه الاسْمُ، وكذلك لو أكَلَ بُسْرًا أو بَلَحًا.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
ولا نَعلمُ فيه خِلافًا.
فصل: فإن حَلَف لا يَأْكلُ عِنَبًا، فأَكلَ زَبِيبًا أو دِبْسًا أو خَلًّا أو ناطِفًا، أو لا يُكَلِّمُ شابًّا، فكَلَّمَ شَيخًا، أو لا يَشْتَرِي جَدْيًا، فاشْتَرَى تَيسًا، أو لا يَضْرِبُ عَبْدًا، فضَرَبَ عَتِيقًا، لم يَحْنَثْ، بغيرِ خلافٍ؛ لأنَّ اليَمِينَ تَعَلَّقَتْ بالصِّفَةِ دونَ العَينِ، ولم تُوجَدِ الصِّفَةُ، فجَرَى مَجْرَى قولِه: لا أكَلْتُ هذه التَّمْرَةَ.
فأكَلَ غيرَها.
فأمَّا إن عَيَّنَ المَحْلُوفَ عليه، ففيه خِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى.
الحديث: 4741 - الجزء: 28 - الصفحة: 67
وَإنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ أُدْمًا، حَنِثَ بأَكْلِ الْبَيضِ، وَالشِّوَاءِ، وَالْجُبْنِ، وَالْمِلْحِ، وَالزَّيتُونِ، وَاللَّبَنِ، وَسَائِرِ مَا يُصْطبَغُ بِهِ.
وفي التَّمْرِ وَجْهَانِ.
4742 - مسألة: (وإن حَلَف لَا يَأكُلُ أُدْمًا، حَنِثَ بأكْلِ البَيضِ، والشِّوَاءِ، والجُبْنِ، والمِلْحِ، والزَّيتُونِ، واللَّبَنِ، وسائِرِ مَا يُصْطَبَغُ به. وفي التَّمْرِ وَجْهانِ)
إذا حَلَف على تَرْكِ الأُدْمِ، حَنِثَ بأكْلِ كلِّ 502؛ ما جَرَتِ العادَةُ بأكْل الخُبْزِ به؛ لأنَّ هذا مَعْنَى التَّأَدُّم، وسَواءٌ في هذا ما يُصْطَبَغُ 503 به؛ كالطَّبِيخِ 504، والمَرَقِ، والخَلِّ، وَالزَّيتِ، والسَّمْنِ، والشَّيرَجِ، واللَّبَنِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ 505. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «نِعْمَ الإِدَامُ الخَلُّ» 506. وقال:
الحديث: 4742 - الجزء: 28 - الصفحة: 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«ائْتَدِمُوا بِالزَّيتِ، وَادَّهِنُوا بِهِ، فَإنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ».
رَواه ابنُ ماجَه 507. أو من الجامِداتِ، كالشِّواءِ والجُبْنِ والباقِلَّاءِ والزَّيتُونِ والبَيضِ.
وبهذا قال الشافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسف: ما لا يُصْطَبَغُ به فليس بأُدْم؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُرْفَعُ إلى الفَمِ مُفْرَدًا.
ولَنا، ما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «سَيِّدُ الإِدَامِ اللَّحْمُ» 508. وقال: «سَيِّدُ أُدْمِكُمُ المِلْحُ».
رَواه ابنُ ماجَه 509. ولأنَّه يُؤْكَلُ به الخُبْزُ عادَةً، فكان إدامًا 510، كالذي يُصْطَبَغُ 511 به، ولأنَّ
الجزء: 28 - الصفحة: 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كثيرًا ممَّا ذَكَرْنا لا يُؤْكَلُ في العادَةِ وَحْدَه، إنَّما يُعَدُّ للتَّأدُّمِ به، فكان أُدْمًا 512، كالخَلِّ واللَّبَنِ.
وقولُهم: إنَّه يُرْفَعُ إلى الفَمِ مُفْرَدًا.
عنه جوابان؛ أحَدُهما، أنَّ منه ما يُرْفَعُ مع الخُبْزِ، كالملحِ ونحوه.
والثاني، أنَّهما يَجْتَمِعان في الفَمِ والمَضْغِ والبَلعِ، الذي هو حَقِيقَةُ الأكلِ، فلا يَضُرُّ افْتِراقُهُما قبلَه.
وأمَّا التَّمْرُ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، هو 513 أُدْمٌ؛ لِما روَى يوسفُ بنُ 514 عبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ، قال: رَأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَضَع تَمْرَةً على كِسْرَةٍ، وقال: «هذِهِ 515 إدَامُ هذِهِ».
رَواه أبو داوُدَ 516. وذَكَرَه الإمامُ أحمدُ.
والثاني، ليس بأُدْم؛ لأنَّه لا يُؤْتَدَمُ به عادَةً، وإنَّما يُؤْكَلُ قُوتًا وحَلاوَةً، ولأنَّه فاكِهَةٌ، فأشْبَهَ الزَّبِيبَ.
الجزء: 28 - الصفحة: 70
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا حَلَف لا يَأْكُلُ طَعامًا، حَنِثَ بأكْلِ كلِّ ما يُسَمَّى طَعامًا؛ مِن قُوتٍ، وأُدْمٍ، وحَلْواءَ، وجامِدٍ، ومائِعٍ، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ 517. وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ 518. يَعْنِي على مَحَبَّةِ الطَّعامِ، وحاجَتِهم إليه.
وقيل: على حُبِّ الله تعالى.
وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ 519. وسَمَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - اللَّبَنَ طَعامًا، فقال: «إنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ 520 ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أطْعِمَتَهُمْ» 521. وفي الماءِ وَجْهان؛ أحَدُهما، هو طَعامٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ 522. والطَّعامُ ما يُطْعَمُ، ولأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - سَمَّى اللَّبَنَ طَعامًا، وهو
الجزء: 28 - الصفحة: 71
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَشْروبٌ، فكذلك الماءُ.
والثاني، ليس بطَعامٍ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى طَعامًا، ولا يُفْهَمُ مِن إطْلاقِه اسْمُ الطَّعامِ، ولهذا يُعْطَفُ عليه، فيقالُ: طعامٌ وشَرابٌ.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا أعْلَمُ مَا يُجْزِئُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَّا اللَّبَنُ».
رَواه ابنُ ماجَه 523. ويُقالُ: بابُ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ.
ولأنَّه إن كان طَعامًا في الحَقِيقَةِ، فليس بطعامٍ في العُرْفِ، فلا يَحْنَثُ بشرْبِه؛ لأنَّ مَبْنَى الأيْمانِ على العُرْفِ، لكَوْنِ الحالِفِ في الغالِبِ لا يُرِيدُ بلَفْظِه إلَّا ما يَعْرِفُه.
فإن أكَلَ دَواءً، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّه يُطْعَمُ حال الاخْتِيارِ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.
والثاني، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يدْخُلُ في إطْلاقِ اسْمِ الطَّعامِ، ولا يُؤْكَلُ إلَّا عندَ الضَّرُورَةِ.
فإن أكَلَ مِن نَباتِ الأرْضِ ما جَرَتِ العادَةُ بأكْلِه، حَنِثَ.
وإن أكلَ ما لم تَجْرِ به عادَةٌ،
الجزء: 28 - الصفحة: 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كوَرَقِ الشَّجَرِ، ونُشارَةِ الخشَبِ والتُّرابِ، احْتَمَلَ وَجْهَين؛ أحَدُهما؛ يَحْنَثُ؛ لأنَّه قد أكَلَه، فأَشْبَهَ ما جَرَتِ العادَةُ بأكْلِه، ولأنَّه رُوِيَ عن عُتْبَةَ بنِ غَزْوانَ، أنَّه قال: لقد رأَيتُنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سابِعَ سَبْعَةٍ، ما لَنا طَعامٌ إلَّا وَرَقُ الحُبْلَةِ 524، حتَّى قَرِحَتْ أشْدَاقُنا 525. والثاني، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يَتَناوَلُه اسمُ الطَّعامِ في العُرْفِ.
فصل: وإن حَلَف لا يَأكُلُ قُوتًا، فأكَلَ خبزًا، أو تمرًا، أو زَبِيبًا 526، أو لَحْمًا، أو لَبَنًا، حَنِثَ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِن هذه يُقْتاتُ في بعضِ البُلْدانِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ إلا بما يَقْتاتُه أهْلُ بَلَدِه؛ لأنَّ يَمِينَه تَنْصَرِف إلى القُوتِ المُتَعارَفِ عندَهم وفي بَلَدِهم.
ولأصحابِ الشافعيِّ وَجْهان كَهذَين.
وإن أكَلَ سَويقًا، أو اسْتَفَّ دَقِيقًا، حَنِثَ؛ لأنَّه يُقْتاتُ كذلك.
ولهذا قال بعضُ اللُّصوصِ 527:
لا تَخْبِزَا خُبْزًا وبُسَّا بَسَّا
ولا تُطِيلَا بمُقامٍ حَبْسَا
الجزء: 28 - الصفحة: 73
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ شَيئًا، فَلَبِسَ ثَوْبًا، أَوْ دِرْعًا، أَوْ جَوْشَنًا، أو خُفًّا، أو نَعْلًا، حَنِثَ.
وإن أكَلَ حَبًّا يُقْتاتُ خُبْزُه، حَنِثَ، ولذلك رُوِيَ أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَدَّخِرُ قُوتَ عِيالِه سَنَةً (1). وإنّما يُدَّخَرُ (2) الحَبُّ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ؛ لأنّه لا يُقْتاتُ كذلك.
وإن أكلَ عِنَبًا، أو حِصْرِمًا (3)، أو خَلًّا، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لم يَصِرْ قُوتًا.
4743 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يَلْبَسُ شَيئًا، فلَبِسَ ثَوْبًا، أو دِرْعًا، أو جَوْشَنًا، أو خُفًّا، أو نَعْلًا، حَنِثَ)
وكذلك إن لَبِسَ عِمامَةً،528529530
الحديث: 4743 - الجزء: 28 - الصفحة: 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو قَلَنْسُوَةً.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: في الخُفِّ والنَّعْلِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَحْنَثُ.
ولَنا، أَنه مَلْبُوسٌ حَقِيقَةً وعُرْفًا، فَحَنِثَ به 531، كالثِّيابِ، وفي الحديثِ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أهْدَى إليه النَّجاشِيُّ خُفَّينِ، فلَبِسَهُما 532. وقيل لابنِ عمرَ: إنَّكَ تَلْبَسُ هذه النِّعال؟ فقال: رأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَلْبَسُهُما 533. فإن تَرَكَ القَلَنْسُوَةَ في رِجْلِه، أو أدْخَلَ يَدَه في الخُفِّ أو النَّعْلِ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ ذلك ليس بلُبْسٍ لهما.
الجزء: 28 - الصفحة: 75
وَإنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حَلْيًا، فَلَبِسَ حِلْيَةَ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو جَوْهَرٍ، حَنِثَ، وَإنْ لَبِسَ عَقِيقًا أو سَبَجًا، لَمْ يَحْنَثْ، وَإن لَبِسَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ في مُرْسَلَةٍ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
4744 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَلْبَسُ حَلْيًا، فلَبِس حِلْيَةَ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو جَوْهَرٍ، حَنِثَ، وإن لَبِس عَقِيقًا أو سَبَجًا 534، لم يَحْنَثْ، وإن لَبِسَ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ في مُرْسَلَةٍ، فعلى وَجْهَين) إذا لَبِس 535 حلْيَةَ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، حَنِثَ، فإن لَبِسَ خَاتَمًا مِن فِضَّةٍ، أو مِخْنَقَةً مِن لُؤْلُؤٍ، أو جَوْهَرٍ وَحْدَه، حَنِثَ. وبه قال الشَّافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه ليس بحَلْيٍ وَحْدَه. ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ 536. وقال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاورَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ 537. وجاءَ في الحديثِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو 538، أنَّه قال:
الحديث: 4744 - الجزء: 28 - الصفحة: 76
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال اللهُ تعالى للبَحْرِ الشَّرْقِيِّ: إنِّي جاعِلٌ فيك الحِلْيَةَ والصَّيدَ والطِّيبَ 539. ولأنَّ الفِضَّةَ حَلْيٌ إذا كانت سِوارًا أو خَلْخالًا، فكانتْ حَلْيًا إذا كانت خَاتَمًا، كالذَّهَبِ، والجَوْهَرُ، واللُّوْلُؤُ حَلْيٌ مع غيرِه، فكان حَلْيًا وَحْدَه، كالذَّهَبِ.
وإنْ لَبِسَ عَقِيقًا، أو سَبَجًا، لم يَحْنَثْ.
وقال الشافعيُّ: إن كان مِن أهْلِ السَّوادِ، حَنِثَ 540. وفي غيرِهم وَجْهان؛ لأنَّ هذا حَلْيٌ في عُرْفِهم.
ولَنا، أنَّ هذا ليس بِحَلْيٍ، فلا يَحْنَثُ به، كالوَدَعِ، وخرَزِ الزجاجِ.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالوَدَع.
وإن لَبِسَ الدَّراهِمَ والدَّنانيرَ في مُرْسَلَةٍ، فعلى وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه ليس بحَلْيٍ إذا لم يَلْبَسْه، فكذلك إذا لَبِسَه.
والثاني، يَحْنَثُ؛ لأنَّه ذَهَبٌ وفِضَّةٌ لَبِسَه، فكان حَلْيًا، كالسِّوارِ والخَاتَمِ.
وإن لَبِسَ سَيفًا مُحَلًّى، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ السَّيف ليس بحَلْيٍ.
وإن لَبِسَ مِنْطَقَةً مُحَلَّاةً، ففيه
الجزء: 28 - الصفحة: 77
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ الحِلْيَةَ لها دُونَه، فأشْبَهَتِ السَّيفَ المُحَلَّى.
والثاني، يَحْنَثُ؛ لأنَّها مِن حَلْيِ الرِّجالِ، ولا يُقْصَدُ بلُبْسِها مُحَلَّاةً في الغالِب إلَّا التَّجَمُّلُ بها.
وإن حَلَف لا يَلْبَسُ خاتَمًا، فلَبسَه في غيرِ الخِنْصَرِ مِن أَصابِعِه، حَنِثَ.
وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ اليَمِينَ تَقْتَضِي لُبْسًا مُعْتادًا، وليس هذا مُعْتادًا، فأشْبَهَ ما لو أدْخَلَ القَلَنْسُوَةَ في رِجْلِه.
ولَنا، أنَّه لابِسٌ لِما حَلَف على تَرْكِ لُبْسِه، فأشْبَهَ ما لو ائْتَزَرَ بالسَّراويلِ، وأمَّا إدْخالُ القَلَنْسُوَةِ في رِجْلِه، فهو عَبَثٌ وسَفَهٌ، بخِلافِ هذا، فإنَّه لا فرْقَ بينَ الخِنْصَرِ وغيرِها، إلَّا مِن حيثُ الاصْطِلاحُ على تَخْصِيصِه بالخِنْصَرِ.
الجزء: 28 - الصفحة: 78
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ، وَلَا يَلْبَسُ ثَوْبَهُ، وَلَا يَدْخُلُ دَارَهُ، فَرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدِهِ، وَلَبِسَ ثَوْبَهُ، وَدَخَلَ دَارَهُ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ فُلَانٌ، حَنِثَ، وَإِنْ رَكِبَ دَّابةً اسْتَعَارَهَا، لَمْ يَحْنَثْ.
4745 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَرْكَبُ دابَّةَ فُلَانٍ، ولا يَلْبَسُ ثَوْبَه، ولا يَدْخُلُ دَارَه، فرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدِه، ولَبِسَ ثَوْبَه، ودَخَل دَارَه، أو فَعَل ذلك فيما اسْتَأجَرَه فُلَانٌ، حَنِثَ، وإن رَكِبَ دَابَّةً اسْتَعارَها، لم يَحْنَثْ)
إذا حَلَف لا يَدْخُلُ دارَ فُلانٍ، فدَخَلَ دارًا مَمْلُوكَةً له، أو دارًا يَسْكُنُها بأُجْرَةٍ أو عارِيَّةٍ أو غَصْبٍ، حَنِثَ.
وبذلك قال أبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ إلَّا بدُخولِ دارٍ يَمْلِكُها؛ لأنَّ الإِضافَةَ في الحَقِيقَةِ إلى المالِكِ، بدليلِ أنَّه لو قال: هذه الدَّارُ لفُلانٍ.
كان مُقِرًّا له بمِلْكِها.
ولو قال: إنَّه يَسْكُنُها.
لم يُقْبَلْ.
ولَنا، أنَّ الدَّارَ
الحديث: 4745 - الجزء: 28 - الصفحة: 79
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تُضافُ إلى ساكِنِها، كإضافَتِها إلى مالِكِها، قال الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ 541. وأرادَ بُيوتَ أزْواجِهِنَّ اللَّائي يَسْكُنَّها.
وقال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ 542. ولأنَّ الإضافَةَ للاخْتِصاصِ، ولذلك يُضافُ الرجلُ إلى أخِيه بالأُخُوَّةِ، وإلى أُمِّه بالبُنُوَّةِ، وإلى وَلَدِه بالأُبُوَّةِ، وإلى امْرَأتِه بالزَّوْجِيَّةِ، وساكِنُ الدَّارِ مُخْتَصٌّ بها، فكانت إضافَتُها إليه صَحِيحَةً، وهي مُسْتَعْمَلَة في العُرْفِ، فوَجَبَ أن يَحْنَثَ بدُخُولِها، كالمَمْلُوكَةِ له.
وقولُهم: هذه الإِضافَةُ مَجازٌ.
مَمْنُوعٌ، بل هي حَقِيقَةٌ؛ لِما ذَكَرْناه، ولو كانت مَجازًا، لكنَّه مَشْهُورٌ، فيَتَناوَلُه اللَّفْظُ, كما لو حَلَف: لا شَرِبْتُ مِن رَاويَةِ فُلانٍ.
فإنَّه يَحْنَث بالشُّرْبِ مِن مَزادَتِه.
أمَّا الإِقْرارُ، فإنَّه لو قال: هذه دارُ زَيدٍ.
وفَسَّرَ إقْرارَه بسُكْناها، احْتَمَلَ أن نقولَ 543: يُقْبَلُ تَفْسِيرُه.
وإن سَلَّمْنا، فإنَّ قَرِينَةَ الإِقْرارِ تَصْرِفُه إلى المِلْكِ، وكذلك لو حَلَف: لا دَخَلْتُ مَسْكَنَ زَيدٍ.
حَنِثَ بدُخُولِه الدَّارَ التي يَسْكُنُها.
ولو قال: هذا المَسْكَنُ لزَيدٍ.
كان مُقِرًّا له به.
ولا خِلافَ في هذه المسألةِ، وهي نظِيرَةُ مسألتِنا.
الجزء: 28 - الصفحة: 80
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فصل: وإن رَكِب دابَّةَ عَبْدِه، أو لَبِس ثَوْبَه، أو دَخَل دارَه، حَنِثَ؛ لأنَّ ما في يَدِ العَبْدِ لسَيِّدِه، فهو كالذي في يَدِه؛ لأنَّه مالكٌ لمنافِعِها، بخلافِ المُسْتَعِيرِ.
4746 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يَرْكَبُ دابَّةَ فُلانٍ، فرَكِبَ دابَّةً اسْتعارَها، لم يَحْنَثْ، وإن رَكِب دابةً اسْتَأْجَرَها، حَنِث)
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، ولا نَعْلَمُ فيه خلافًا، فيما إذا حَلَف لا يَدْخُلُ دارَ زيدٍ، فدَخَل دارَ عبدِه؛ لأنَّ دارَ العَبْدِ مِلْكٌ للسَّيِّدِ.
فإنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبَ السَّيِّدِ، ولا يَرْكَبُ دابَّتَه، فلَبِس ثَوْبَ عَبْدِه، ورَكِبَ دابَّتَه، حَنِثَ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ العَبْدَ بهما أخَصُّ.
ولَنا، أنَّهما مَمْلُوكانِ للسَّيِّدِ، فتَناوَلَتْهُما يَمِينُ الحالِفِ، كالدَّارِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالدَّارِ.
وهكذا ذَكَرَه أبو الخطَّابِ.
ولو رَكِب دَابَّةً غَصَبَها فُلانٌ، لم يَحْنَثْ.
وفارَقَ مَسْألَةَ الدَّارِ؛ فإنَّه لم يَحْنَثْ في الدَّارِ لكَوْنِه
الحديث: 4746 - الجزء: 28 - الصفحة: 81
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ عَبْدِهِ، فَرَكِبَ دَابَّةً جُعِلَتْ بِرَسْمِهِ، حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَدَخَلَ سَطْحَهَا، حَنِثَ، وَإِنْ دَخَلَ طَاقَ الْبَابِ، احْتَمَلَ وَجْهَينِ.
اسْتَعارَها ولا غَصَبَها، وإنَّما حَنِثَ [لسُكْناهُ بها] (1)، فأُضِيفَتِ الدَّارُ إليه لذلك.
ولو غَصَبَها أو اسْتَعارَها مِن غيرِ أن يَسْكُنَها، لم تَصِحَّ إضافَتُها إليه، فلا يَحْنَثُ الحالِفُ، فيكونُ كمُسْتَعِيرِ الدَّابَّةِ وغاصِبِها.
4747 -
مسألة: (وإن حَلَف لَا يَرْكَبُ دابَّةَ عَبْدِه، فرَكِب دابَّةً جُعِلَتْ برَسْمِه، حَنِثَ)
وكذلك إن حَلَف لا يَدْخُلُ دارَ هذا العَبْدِ، ولا يَلْبَسُ ثَوْبَه.
وعندَ الشافعيِّ لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ شيئًا مِن ذلك، والإِضافَةُ تَقْتَضِي المِلْكَ.
وقد قَدَّمْنا الكلامَ معه فيما مَضَى.
ونَخُصُّ هذا الفَصْلَ (2) بأنَّ المِلْكِيَّةَ لَا تُمْكِنُ ههُنا، فلا تَصِحُّ الإِضافَةُ بمَعْناها، فتَعَيَّنَ حَمْلُ الإِضافَةِ ههُنا على إضافَةِ الاخْتِصاصِ دونَ المِلْكِ.
4748 -
مسألة: (وإن حَلَف لَا يَدْخُلُ دَارًا، فدَخَلَ سَطْحَها، حَنِثَ، وإن دخلَ طاقَ البابِ، احْتَمل وَجْهَين)
إذا حَلفَ لا يَدخلُ دارًا544545
الحديث: 4747 - الجزء: 28 - الصفحة: 82
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَرَقِي فوقَ 546 سطحِها، حَنِثَ.
وبه قال مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي.
وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ.
ولأصْحابِه فيما إذا كان السَّطْحُ مُحَجَّرًا وَجْهان، واحْتَجُّوا بأنَّ السَّطْحَ يَقِيها الحَرَّ والبَرْدَ، ويُحْرِزُها، فهو كحِيطانِها.
ولَنا، أنَّ سَطْحَ الدَّارِ منها، وحُكْمُه حُكْمُها، فحَنِثَ بدُخولِه، كالمُحَجَّرِ، أو كما لو دَخَل بينَ حِيطانِها، ودَليلُ ذلك، أنَّ الاعْتِكافَ يَصِحُّ في سَطْحِ المَسْجِدِ ويُمْنَعُ الجُنُبُ من اللُّبْثِ فيه، ولو حَلَف ليَخْرُجَنَّ مِن الدَّارِ، فصَعِدَ سَطْحَها, لم يَبَرَّ، ولو حَلَف أن لا يَخْرُجَ منها، فصَعِدَ سَطْحَها، لم يَحْنَثْ، ولأنَّه داخِلٌ في حُدودِ الدَّارِ، ومَمْلُوكٌ لصاحِبِها، ويُمْلَكُ بشِرائِها، ويَخْرُجُ مِن مِلْكِ صاحِبِها ببَيعِها، والبائِتُ عليه، يقالُ: باتَ في دارِه.
وبهذا يُفارِق ما وراءَ حائِطِها.
فإن كان في
الجزء: 28 - الصفحة: 83
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اليَمِينِ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ أو حالِيَّةٌ تَقْتَضِي اخْتِصاصَ الإِرادَةِ بداخِلِ الدَّارِ، مثلَ أن يكونَ سَطْحُ 547 الدَّارِ طَرِيقًا، وسَبَبُ يَمِينِه يَقْتَضِي تَرْكَ وُصْلَةِ أهْلِ الدَّارِ، لم يَحْنَثْ بالمُرُورِ على سَطْحِها، وكذلك إن نَوَى بيَمِينِه باطِنَ الدَّارِ، تَقَيَّدَتْ يَمِينُه بما نَوَاه؛ لأنَّه ليس للمَرءِ إلَّا ما نَوَى.
وإن دَخَل طاقَ البابِ، احْتَمَلَ وَجْهَين؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّه دَخَل في حَدِّها.
والثاني، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى داخِلًا.
وقال القاضي: إذا قامَ على العَتَبَةِ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ البابَ إذا أُغْلِقَ حصَلَ خارِجًا منها، ولا يُسَمَّى داخِلًا فيها.
فصل: فإن تَعَلَّقَ بغُصْنِ شَجَرَةٍ في الدَّارِ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لم يَدْخُلْها، فإن صَعِدَ حتى صارَ في مُقابَلَةِ سَطْحِها بينَ حِيطانِها، حَنِثَ.
الجزء: 28 - الصفحة: 84
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن لم يَنْزِلْ بينَ حِيطانِها، احْتَمَلَ أن 548 يَحْنَثَ؛ لأنَّه في هَوائِها، وهَواؤُها مِلْكٌ لصاحِبِها، فأشْبَهَ ما لو قامَ على سَطْحِها، واحْتَمَلَ أن لا يَحْنَثَ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى داخلًا، ولا هو على شيءٍ مِن أجْزائِها، وكذلك لو كانتِ الشَّجَرَةُ في غيرِ الدَّارِ, فتَعَلَّقَ بفرْعٍ مَادَ على الدَّارِ في مُقابَلَةِ سَطْحِها.
وإن قامَ على حائِطٍ، احْتَمَلَ وَجْهَين؛ أحَدُهما، يَحْنَث.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّه داخِلٌ في حَدِّها، فأشْبَهَ القائِمَ على سَطْحِها.
والثاني، لا يَحْنَث؛ لأنَّه لا يُسَمَّى دُخُولًا.
فصل: وإن حَلَف لا يَضَعُ قَدَمَه في الدَّارِ، فدَخَلها راكِبًا أو ماشِيًا، أو حافِيًا أو مُنْتَعِلًا، حَنِثَ, كما لوَ حَلَف لا يَدْخُلُها.
وبهذا قال أصحابُ الرَّأْي.
وقال أبو ثَوْرٍ: إن دَخَلها راكِبًا، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لم يَضَعْ قَدَمَه فيها.
ولَنا، أنَّه قد دَخَل الدَّارَ, فَحَنِثَ 549 , كما لو دَخَلها ماشِيًا، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لم يَضَع قَدَمَه فيها، فإنَّ قَدَ مَوْضُوعَةٌ على الدَّابَّةِ فيها، فأشْبَهَ ما لو دَخَلها مُنْتَعِلًا.
وعلى أنَّ هذا في العُرْفِ عِبارَةٌ عن اجْتِنابِ الدُّخُولِ، فتُحْمَلُ عليه يَمِينُه.
فإن قيلَ: هذا مَجازٌ لا تُحْمَلُ اليَمِينُ عليه.
قُلْنا: المَجازُ إذا اشْتَهَرَ، صارَ مِن الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ فيَنْصَرِفُ اللَّفْظُ بإطْلاقِه إليه، كلفظِ الرَّاويَةِ والدّابَّةِ وغيرِهما.
الجزء: 28 - الصفحة: 85
وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ إِنْسَانًا، حَنِثَ بِكَلَامِ كُلِّ إِنْسَانٍ.
وَإِنْ زَجَرَهُ فَقَال: تَنَحَّ، أَو: اسْكُتْ.
حَنِثَ.
4749 - مسألة: (وإن حَلَف لا يُكَلِّمُ إنْسَانًا، حَنِثَ بكَلَامِ كلِّ إنسانٍ)
لأنَّه فَعَل المَحْلُوفَ عليه (فإن زَجَرَه، فقال: تَنَحَّ، أو: اسْكُتْ.
حَنِثَ) لأنَّه كَلَّمه.
وقال أصحابُ أبي حنيفةَ: لا يَحْنَثُ بالقَليلِ؛ لأنَّ هذا تَمامُ الكلامِ الأوَّلِ، والذي يَقْتَضِيه يَمِينُه أن لا يُكَلِّمَه كَلامًا مُسْتَأْنَفًا.
ولَنا، أنَّ هذا القليلَ كَلامٌ منه له حَقِيقَةً، وقد وُجِدَ بعدَ يَمِينِه، فيَحْنَثُ به, كما لو فَصَله، ولأنَّ ما يَحْنَثُ به إذا فَصَلَه، [يَحْنَثُ به إذا وَصَلَه] 550، كالكثيرِ 551. وقِوْلُهم: إنَّ اليَمِينَ تَقْتَضِي خِطابًا مُسْتَأْنَفًا.
قُلْنا: هذا الخِطابُ مُسْتَأْنَفٌ، وهو غيرُ الأوَّلِ، بدَليلِ أنَّه لو قَطَعه حَنِث به.
قال شيخُنا 552: وقياسُ المذهبِ أنَّه لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ قَرِينَةَ صِلَتِه هذا الكلامَ بيَمِينِه، تدُلُّ على إرادَةِ كلام يَسْتَأْنِفُه بعدَ انْقِضاءِ هذا الكلامِ المُتَّصِلِ، فلا يَحْنَثُ, كما لو وُجِدَتِ النِّيَّةُ حَقِيقَةً.
وإن نَوَى كلامًا غيرَ هذا، لم يَحْنَثْ بهذا في المَذْهَبَين.
الحديث: 4749 - الجزء: 28 - الصفحة: 86
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن صَلَّى بالمَحْلوفِ إمامًا، ثم سَلَّم من الصلاةِ، لم يَحْنَثْ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: يَحْنَثُ؛ لأنَّه شُرِعَ له أن يَنْويَ السَّلامَ على الحاضِرِين.
ولَنا، أنَّه قَوْلٌ مَشْرُوعٌ في الصلاةِ، فلم يَحْنَث به، كتَكْبِيرِها، وليست نِيَّةُ الحاضِرِين بسَلامِه واجِبَةً في السَّلامِ.
وإن أُرْتِجَ في الصلاةِ، ففَتَح عليه الحالِفُ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ ذلك كلامُ اللهِ تعالى، وليس بكلامِ الآدَمِيِّين.
الجزء: 28 - الصفحة: 87
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبْتَدِئُهُ بِكَلَامٍ فَتَكَلَّمَا مَعًا، حَنِثَ.
4750 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَبْتَدِئُه بكَلامٍ، فتَكَلَّما معًا، حَنِثَ)
لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما مُبْتَدِئٌ، إذ لم يتَقَدَّمْ كلامُه كلامَ سِوَاه.
فصل: وإن كاتَبَه، أو أرْسَلَ إليه رَسُولًا، حَنِثَ، إلَّا أن يكونَ أرادَ أن لا يُشافِهَه.
وهذا قول أكثرِ 553 الأصحاب، ومذهبُ مالكٍ، والشَّافعيِّ في القَدِيمِ.
وقد رَوَى الأثْرَمُ وغيرُه عن أَحمدَ، في رجلٍ حَلَف أن لا يُكَلِّمَ رجلًا، فكَتَب إليه كِتابًا؟ قال: وأيُّ شيءٍ كان سَبَبَ ذلك؟ إنَّما نَنْظُرُ إلى سَبَبِ يَمِينِه، ولِمَ حَلَف؟ إنَّ الكِتابَ يَجْرِي مَجْرَى الكلامِ، وقد يكونُ بمَنْزِلَةِ الكلامِ في بعضِ الحالاتِ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه لا
الحديث: 4750 - الجزء: 28 - الصفحة: 88
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[يَحْنَثُ بالكتابِ، إلَّا أن تكونَ نِيَّتُه أو سَبَبُ يَمِينِه يَقْتَضِي هِجْرَانَه، وتَرْكَ صِلَتِه، فإن لم يَكُنْ كذلك، لم] 554 يَحْنَثْ بكِتابٍ ولا رَسُولٍ؛ لأنَّ ذلك ليس بتَكْلِيمٍ في الحَقِيقَةِ، ولهذا 555 يَصِحُّ نَفْيُه، فيُقالُ: ما كَلَّمْتُه، إنَّما كاتَبْتُه، أو: راسَلْتُه.
ولذلك قال اللهُ تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ 556. وقال: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلَامِي﴾ 557. وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ 558. ولو كانتِ الرِّسالةُ تَكْلِيمًا، لشارَك 559 مُوسى غيرُه من الرُّسُلِ، ولم يَخْتَصَّ بكَوْنِه كَلِيمَ اللهِ ونَجيَّه.
وقد قال أحمدُ، حينَ ماتَ بِشْرٌ الحافِي: لقد كان فيه أُنْسٌ، وما كَلَّمْتُه قَطُّ.
وقد كانت بينهما مُراسَلَةٌ.
وممَّن قال: لا يَحْنَثُ بهذا.
الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وابنُ المُنْذِرِ، والشافعيُّ في الجَدِيدِ.
واحْتَجَّ أصحابُنا بقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ 560. فاسْتَثْنَى الرسولَ التَّكْلِيم 561، والأصْلُ أن يكون
الجزء: 28 - الصفحة: 89
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُسْتَثْنَى مِن جِنْسِ المُسْتَثْنَى منه، ولأنَّه وُضِعَ 562 لإِفْهامِ الآدَمِيِّين، أشْبَهَ الخِطابَ.
والصَّحِيحُ أنَّ هذا ليس بتَكْلِيمٍ، وهذا الاسْتِثْناءُ [في هذا] 563 مِن غيرِ الجِنْسِ، كما قال في الآيةِ الأُخْرَى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ 564. والرَّمْزُ ليس بتَكْلِيمٍ.
لكن إن نَوَى تَرْكَ مُواصَلَتِه، أو كان سَبَبُ يَمِينِه يَقتَضِي هِجْرانَه، حَنِثَ، ولذلك قال أحمدُ: إنَّ الكتابَ يَجْرِي مَجْرَى الكلامِ، وقد يكونُ بمَنْزِلَةِ الكلامِ.
فلم يَجْعَلْه كَلامًا، إنَّما قال هو بمَنْزِلَتِه في بعضِ الحالاتِ إذا كان السَّبَبُ يَقْتَضِي ذلك.
وإذا أطْلَقَ، احْتَمَلَ أن لا يَحْنَثَ؛ لأنَّه لم يُكَلِّمْه.
واحْتَمَلَ أن يَحْنَثَ؛ لأنَّ الغالِبَ من الحالِفِ بهذه اليَمِينِ تَرْك 565 قَصْدِ المُواصَلَةِ، فتَتَعَلَّقُ يَمِينُه بما يُرادُ في الغالِبِ.
فصل: وإن أشارَ إليه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ.
قاله القاضي؛ [لأنَّه في مَعْنى المُكاتَبَةِ والمُراسَلَةِ في الإِفْهامِ.
والثاني، لا يَحْنَثُ، ذَكَرَه أبو الخطابِ] 566؛ لأنَّه ليس بكَلامٍ 567، قال اللهُ تعالى لمريمَ
الجزء: 28 - الصفحة: 90
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليها السَّلامُ: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾.
إلى قولِه: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيهِ﴾ 568. وقال في زكَرِيَّا: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾.
إلى قولِه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ 569. ولأنَّ الكلامَ حروفٌ وأصْواتٌ، ولا يُوجَد في الإِشارَةِ، ولأنَّ الكلامَ شيءٌ مَسْمُوعٌ، وتَبْطُلُ به الصلاةُ، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَام النَّاسِ» 570. والإِشارَةُ بخِلافِ هذا.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾.
قُلْنا: هذا اسْتِثْناءٌ من غيرِ الجنْسِ، بدِليل ما ذَكَرْنا، ولصِحَّةِ نفْيِه عنه، فيقالُ: ما كَلَّمَه وإنَّما أَشارَ إليه.
فصل: فإن ناداهُ بحيثُ يَسْمَعُ، فلم يَسْمَعْ، لتَشاغُلِه، أو غَفْلَتِه، حَنِثَ.
نَصَّ عليه أحمدُ، فإنَّه سُئِلَ عن رجلٍ حَلَف أن لا يُكَلِّمَ إنْسانًا، فنَاداهُ، والمحلوفُ عليه لا يَسْمَعُ؟ قال: يَحْنَثُ.
وهذا لكَوْنِ ذلك يُسَمَّى تَكْلِيمًا، يقالُ: كَلَّمْتُه فلم يَسْمَعْ.
فصل: وإن سَلَّمَ على المَحْلُوفِ عليه، حَنِثَ؛ لأنَّ السَّلامَ كلامٌ تَبْطُلُ
الجزء: 28 - الصفحة: 91
وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ حِينًا، فَذَلِكَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ.
نَصَّ عَلَيهِ.
به الصلاةُ، فحَنِثَ به، كغيرِه من الكلامِ.
4751 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يُكَلِّمُه حِينًا، فذلك سِتَّةُ أَشْهُرٍ. نَصَّ عليه)
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا حَلَف لا يُكَلِّمُه حِينًا، فقَيَّد 571 ذلك بلَفْظِه أو نِيَّتِه بزَمَنٍ، تَقَيَّدَ به، وإنْ أطْلَقَه 572 انْصَرفَ إلى سِتَّةِ أشْهُرٍ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ 573. وبه قال أصحابُ الرَّأْي.
وقال مُجاهِدٌ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ: هو سَنَةٌ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ 574. أي كُلَّ عام.
وقال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ: ليس هو مُقَدَّرًا، ويَبَرُّ بأدْنَى زَمَنٍ؛ لأنَّ الحِينَ اسْمٌ مُبْهَمٌ يَقَعُ على الكثيرِ والقَليلِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ 575. قيل: أرادَ يومَ القِيامَةِ.
وقال: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ 576.
الحديث: 4751 - الجزء: 28 - الصفحة: 92
وَإِنْ قَال: زَمَنًا، أَوْ: دَهْرًا، أَوْ: بَعِيدًا، أو: مَليًّا، أَو: الزَّمَانَ.
وقال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ (1). وقال: ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (2). ويُقالُ: جِئتُ مُنْذُ (3) حِينٍ.
وإن كان أتاه من ساعَةٍ.
ولَنا، أنَّ الحِينَ المُطْلَقَ في كلامِ الله تعالى أقَلُّه سِتَّةُ أشْهُرٍ.
[قال عِكْرِمَةُ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وأبو عُبَيدٍ، في قولَهُ تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾: إنَّه سِتَّةُ أشْهُرٍ] (4). فيُحْمَلُ مُطْلَقُ كلامِ الآدَمِيِّ على مُطْلَقِ كلامِ اللهِ تعالى، ولأنَّه قولُ ابنِ عباسٍ، ولا نعلمُ له في الصحابَةِ مُخالِفًا، وما اسْتَشْهَدُوا به مِن المُطْلَقِ في كلامِ الله تعالى، فما ذكَرْناه أقَلُّه، فيُحْمَلُ عليه؛ لأنَّه اليَقِينُ.
4752 -
مسألة: (وإن قال: زَمَنًا، أو: دَهْرًا، أو: بَعِيدًا، أو: مَلِيًّا،
577578579580 الحديث: 4752 - الجزء: 28 - الصفحة: 93
رُجِعَ إِلَى أَقَلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ.
أو: الزَّمَانَ.
رُجِعَ إلى أقَلِّ ما يَتَنَاوَلُه اللَّفْظُ) وكذلك: وَقْتًا، أو: طَويلًا، أو بَعِيدًا، أو: قَرِيبًا، في قول أبي الخَطَّابِ، وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ هذه الأشياءَ لا حَدَّ لها في اللُّغَةِ، وتَقَعُ على القَليلِ والكَثيرِ، فوَجَب حَمْلُه على أقَلِّ ما تَناوَلَه اسْمُه، وقد يكونُ القَريبُ بَعِيدًا بالنِّسْبَةِ 581 إلى ما هو أقْرَبُ منه، وقَرِيبًا بالنِّسْبَةِ إلى ما هو أبْعَدُ منه، ولا يَجُوزُ التَّحْديدُ بالتَّحَكُّمِ، وإنَّما يُصارُ إليه بالتَّوْقيفِ، ولا تَوْقِيفَ ههُنا، فيَجِبُ حَمْلُه على اليَقِينِ، وهو أقَلُّ ما تَناوَلَه الاسْمُ.
وقال ابنُ أبي موسى: الزَّمانُ ثلاثةُ أشْهُرٍ.
وقيل: هو كالأبدِ والدَّهْرِ.
وهو أقْيَسُ؛ لأنَّه بالألِفِ واللَّامِ، فهو في 582 مَعْناهُما.
وقال طَلْحَةُ العَاقُولِيُّ: الحِينُ والعمرُ والزَّمانُ واحِدٌ؛ لأنَّهم لا يُفَرِّقُونَ في العادَةِ بينَها، والناسُ يَقْصِدُونَ بذلك التبعيدَ، فلو حُمِلَ على القَليلِ، حُمِلَ على خِلافِ قَصْدِ الحالِفِ.
و «دَهْرٌ» يَحْتَمِلُ أنَّه كالحِينِ أيضًا لهذا المَعْنَى.
وقال في «بعيدٍ» و «طويلٍ» و «مَلِيٍّ»: هو على أكْثَرَ مِن شَهْرٍ.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ ذلك ضِدُّ القليلِ، فلا يجوزُ حَمْلُه على ضِدِّه.
الجزء: 28 - الصفحة: 94
وَإِنْ قَال: عُمْرًا.
احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ.
وَاحتَمَلَ أَنْ يَكونَ أَرْبَعِينَ عَامًا.
وَقَال الْقَاضِي: هَذهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا مِثْلُ الْحِينِ، إلا بَعِيدًا وَمَلِيًّا، فَإِنَّهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ.
4753 - مسألة: (وإن قال: عُمْرًا. احْتَمَلَ أن يكونَ كذلك)
كالوَقْتِ في قولِ أبي الخَطابِ.
واحْتَمَلَ أن يكونَ كالحِينِ وهو قولُ طلحةَ العاقُولِيِّ (واحْتَمَلَ أن يَكُونَ أرْبَعِينَ عامًا) لقولِ الله تعالى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ 583. وكان ذلك أرْبَعِين سَنَة، فيَجِبُ حَمْلُ الكلامِ عليه، ولأنَّ العُمرَ في الغالِبِ لا يكونُ إلَّا مُدةً طويلَةً، فلا يُحْمَلُ على خِلافِ ذلك.
وهذا قولٌ حَسَنٌ، قاله شَيخُنا 584 (وقال القاضي: هذه الألْفاظُ كلُّها مثلُ الحِينِ) قياسًا عليه 585 (إلَّا بَعِيدًا، ومَلِيًّا، فإنَّه على أكْثَرَ من شَهْرٍ) لأنَّه يَقْتَضِي البَعِيدَ.
الحديث: 4753 - الجزء: 28 - الصفحة: 95
وَإِنْ قَال: الْأَبَدَ، وَالدَّهْرَ، فَذَلِكَ عَلَى الزَّمَانِ كُلِّهِ.
وَالْحُقْبُ ثَمَانُونَ سَنَةً.
4754 - مسألة: (وإن قال: الأبدَ، والدَّهْرَ. فَذَلِكَ على الزَّمَانِ كلِّه)
لأنَّ الألِفَ واللَّامَ للاسْتِغْراقِ، تَقْتَضِي الدَّهْرَ كلَّه.
وكذلك الزمانُ، في الصَّحِيحِ، وقد ذَكَرْناه.
4755 -
مسألة: (والحُقْبُ ثَمَانُونَ سنةً)
وقال مالكٌ: أَرْبَعُونَ
الحديث: 4754 - الجزء: 28 - الصفحة: 96
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَامًا 586؛ لأنَّ ذلك يُرْوَى عن ابنِ عباسٍ.
وقال القاضي، وأصحابُ الشافعيِّ: هو أدْنَى زَمانٍ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ عن أهْلِ اللُّغَةِ فيه تَقدِيرٌ.
ولَنا، ما رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال في تَفْسيرِ قولِه تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ 587: الحُقْبُ ثمانون سَنَةً 588. وما ذَكَرَه القاضي وأصحابُ الشافِعِيِّ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ قولَ ابنِ عباسٍ حُجَّةٌ، ولأنَّ ما ذَكَرُوه يُفْضِي إلى حَمْلِ كلامِ اللهِ تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾.
وقولِ موسى: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ 589. إلى اللُّكْنَةِ؛ لأنَّه أخْرَجَ ذلك مَخْرَجَ التَّكْثيرِ، فإذا صارَ مَعْنَى ذلك: لابِثِينَ فِيهَا ساعاتٍ أو لَحَظاتٍ، أو أمْضِيَ لَحَظاتٍ أو سَاعاتٍ، صارَ مُقْتَضَى ذلك التَّقْليلَ، وهو ضِدُّ مما أرادَ اللهُ تعالى بكلامِه، وضِدُّ المفْهُومِ منه، ولم يَذْكُرْه أحَدٌ من المُفَسِّرِين فيما نَعْلَمُ، فلا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الحُقْبِ به.
الجزء: 28 - الصفحة: 97
وَالشُّهُورُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا عِنْدَ الْقَاضِي.
وَعنْدَ أَبي الْخَطَّابِ ثَلَاثةٌ، كَالْأَشْهُرِ.
وَالْأيَّامُ ثَلَاثَةٌ.
4756 - مسألة: (والشُّهُورُ اثْنا عَشَرَ عندَ القاضي. وعندَ أبي الخَطَّاب ثَلَاثةٌ، كالأَشْهُرِ)
أما الأَشْهُرُ، فهي ثَلاثةٌ؛ لأنَّها أقَلُّ الجَمْعِ.
وأمَّا الشَّهورُ، فاخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّها ثلاثةٌ أيضًا؛ لذلك، ولأنَّ جَمْعَ الكَثْرَةِ (1) يُسْتَعْمَلُ بمَعْنَى القِلَّةِ، كقَوْلِه تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (2). وقال القاضي وغيرُه: هي اثْنا عَشَرَ شَهْرًا؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾.
ولأنَّ الشُّهورَ جَمْعُ الكَثْرَةِ، وأقَلُّه عَشَرَةٌ، فلا يُحْمَلُ على ما يُحْمَلُ عليه جَمْعُ القِلَّةِ.
4757 -
مسألة: (والأَيَّامُ ثَلَاثَةٌ)
لأنَّها أقَلُّ الجَمْعِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ 592. وهي أيَّامُ التَّشْرِيقِ590591
الحديث: 4756 - الجزء: 28 - الصفحة: 98
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن حَلَف لا يَتَكَلَّمُ ثلاثَ ليالٍ، أو ثلاثةَ أيَّامٍ، لم يَكُنْ له أن يَتَكَلَّمَ في الأيَّامِ التي بينَ اللَّيالِي، ولا في اللَّيالي التي بينَ الأيَّامِ، إلَّا أن يَنْويَ، قال الله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ 593. وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ 594. فكان كلُّ واحدٍ من اللَّفْظَينِ عِبارَةً عن الزَّمانين جميعًا.
وقال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ 595. فدخلَ فيه اللَّيلُ والنَّهارُ.
الجزء: 28 - الصفحة: 99
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَابَ هَذِهِ الدَّارِ، فَحُوِّلَ وَدَخَلَهُ، حَنِثَ.
4758 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَدْخُلُ بابَ هذه الدَّارِ، فحُوِّلَ ودَخَلَه، حَنِثَ)
إذا حَلَف لا يَدْخُلُ هذه الدَّارَ من بابِها، فدَخَلَها من غيرِ البابِ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ يَمِينَه لم تَتَناوَلْ غيرَ البابِ.
ويَتَخَرَّجُ أن يَحْنَثَ إذا أرادَ بيَمِينِه اجْتِنابَ الدَّارِ، ولم يَكُنْ للبَابِ 596 سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَه, كما لو حَلَف لا يَأْوي مع زَوْجَتِه في دارٍ، فأوَى معها في غيرِها.
وإن حُوِّلَ بابُها إلى مكانٍ آخَرَ، فدَخَلَ منه، حَنِثَ؛ لأنَّه دَخَلَها من بابِها.
وهذا أحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ.
وإن حَلَف: لا دَخَلْتُ من بابِ هذه الدَّارِ.
فكذلك.
وإن جُعِلَ لها بابٌ آخَرُ، مع بَقاءِ الأوَّلِ، فدَخَلَ منه، حَنِثَ؛ لأنَّه دَخَل من بابِ الدَّارِ.
وإن قُلِعَ البابُ، ونُصِبَ في دارٍ أُخْرَى، وبَقِيَ المَمَرُّ، حَنِثَ بدُخُولِه، ولم يَحْنَثْ بالدُّخولِ من المَوْضِعِ الذي نُصِبَ فيه البابُ؛ لأنَّ الدُّخولَ في المَمَرِّ لا مِن المِصْراعِ.
الحديث: 4758 - الجزء: 28 - الصفحة: 100
وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ إِلَى حِينِ الْحَصادِ، انْتَهَتْ يَمِينُهُ بِأَوَّلِهِ.
وَيَحْتَملُ أَنْ يَتَنَاوَلَ جَمِيعَ مُدَّتِهِ.
4759 - مسألة: (وإن حَلَف لا يُكَلِّمُه إلى حينِ الحَصادِ، انْتَهَتْ يَمِينُه بأوَّلِه)
لأنَّ «إلى» لانْتِهاءِ الغايَةِ، فتَنْتَهِى عندَ أوَّلِ الغايَةِ، كقَوْلِه سبحانَه: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ 597 (ويَحْتَمِلُ أن يَتَناوَلَ جميعٍ مُدَّتِه) لأنَّ «إلى» تُسْتَعْمَلُ بمعنى «مع» كقولِه تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ 598. وقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ 599. وقولِه: ﴿وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ 600.
الحديث: 4759 - الجزء: 28 - الصفحة: 101
وَإِنْ حَلَفَ لَا مَال لَهُ، وَلَهُ مَالٌ غَيرُ زَكَويٍّ، أَوْ دَينٌ عَلَى النَّاسِ، حَنِثَ.
4760 - مسألة: (وإن حَلَف لا مال له، وله مالٌ غيرُ زَكَويٍّ، أو دَينٌ على النَّاسِ، حَنِثَ)
إذا حَلَفَ لا يَمْلِكُ مالًا، حَنِثَ بمِلْكِ كلِّ ما يُسَمَّى مالًا، سَواءٌ كان من الأثْمانِ، أو غيرِها من العقارِ والأثاثِ والحَيوانِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وعن أحمدَ، أنَّه إذا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بجميعِ مالِه، إنَّما يَتَناوَلُ نَذْرُه الصَّامِتَ 601 من مالِه.
ذَكَرَها ابنُ أبي موسى؛ لأنَّ إطْلاقَ المالِ يَنْصَرِفُ إليه.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ إلَّا أن يَمْلِكَ مالًا زَكَويًّا، اسْتِحْسانًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ 602. فلم يَتَناوَلْ إلَّا الزَّكَويَّ.
ولَنا، أنَّ غيرَ الزَّكَويَّةِ 603 أمْوالٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ 604. وهي
الحديث: 4760 - الجزء: 28 - الصفحة: 102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ممَّا يجوزُ ابْتِغاءُ النِّكاحِ يها.
وقال أبو طَلْحَةَ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنَّ أحَبَّ أمْوالِي إليَّ بِيرُحَاءَ.
يُريدُ حَدِيقَةً 605. وقال عمرُ: أصَبْتُ أرْضًا بخَيبَرَ، لم أُصِبْ مالًا قَطُّ هو أنْفَسَ عندِي منه 606. وقال أبو قَتادَةَ: اشْتَرَيتُ مَخْرَفًا 607، فكان أوَّلَ مالٍ تَأَثَّلْتُه 608. وفي [الحديثِ «خَيرُ] 609 المَالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ 610، أو مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ» 611. ويقالُ: خيرُ المالِ عَينٌ خَرَّارَةٌ، في أرْضٍ خَوَّارَةٍ.
ولأنَّه يُسَمَّى مالًا، فحَنِثَ به، كالزَّكَوي.
وأمَّا قولُه تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾.
فالحَقُّ ههُنا غيرُ الزَّكاةِ؛ لأنَّ هذه الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، نزَلَتْ قبلَ فَرْضِ الزَّكاةِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ إنَّما فُرِضَتْ بالمدينةِ، ثم لو كان
الجزء: 28 - الصفحة: 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحقُّ 612 الزَّكاةَ، فلا حُجَّةَ فيها، فإنَّ الحَقَّ إذا كان في بعضِ المالِ، كان في المالِ, كما أنَّ مَن هو في بَيتٍ [في دارٍ] 613 أو 614 بَلْدَةٍ، فهو في الدارِ 615 وفي البَلْدَةِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ 616. ولا يَلْزَمُ أن يكونَ في جميعِ أقْطارِها.
ثم لو اقْتَضَى هذا العُمومَ، لوَجَبَ تَخْصِيصُه، فإنَّ ما دونَ النِّصابِ مالٌ، ولا زَكاةَ فيه.
وإن كان له دَينٌ، حَنِثَ.
وهكذا ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يُنْتَفَعُ به.
ولَنا، أنَّه يَنْعَقِدُ عليه حَوْلُ الزَّكاةِ، ويَصِحُّ إخْراجُها عنه، ويَصِحُّ التَّصَرُّفُ فيه بالإِبْراءِ، والحَوَالةِ، والمُعَاوَضَةِ عنه لمَن هو في ذِمَّتِه، والتَّوْكِيل في اسْتِيفائِه، فيَحْنَثُ به، كالمُودَعِ.
فصل: وإن كان له مالٌ مَغْصُوبٌ، حَنِثَ؛ لأنَّه باقٍ على مِلْكِه.
وإن
الجزء: 28 - الصفحة: 104
وَإِذَا حَلَفَ لَا يَفعَلُ شَيئًا، فَوَكَّلَ منْ يَفْعَلُهُ، حَنِثَ، إلا أَنْ يَنْويَ.
كان له مالٌ ضائِعٌ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاؤُه على مِلْكِه.
والثاني، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ بَقاؤُه.
فإن ضاعَ على وَجْهٍ قد أَيِسَ من عَوْدِه، كالذي سَقَط في بَحْرٍ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ وُجودَه كعَدَمِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ في كُلِّ مَوْضِعٍ لا يَقْدِرُ على أخْذِ مالِه، كالمَجْحُودِ، والمَغْصُوبِ، والدَّينِ على غيرِ مَلِئٍ؛ لأنَّه لا نَفْعَ فيه، وحُكْمُه حُكْمُ المَعْدُومِ، في جَوازِ الأخْذِ من الزَّكاةِ، وانْتِفاءِ وُجوبِ أدَائِها عنه.
وإن تَزَوَّجَ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ ما مَلَكَه ليس بمالٍ.
وكذلك إن وَجَب له حَقُّ شُفْعَةٍ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ له المِلْكُ به.
وإنِ اسْتَاجَرَ عَقارًا أو غيرَه، لم يَحْنَثْ؟ لأنَّه لا يُسَمَّى مالِكًا لمالٍ.
4761 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يَفْعَلُ شَيئًا، فوَكَّلَ مَن يَفْعَلُه، حَنِثَ، إلَّا أن يَنْويَ)
لأنَّ الفِعْلَ يُنْسَبُ إلى المُوَكِّلِ كما يُنْسَبُ إلى الوَكيلِ، فيَحْنَثُ به, كما لو حَلَف لا يَحْلِقُ رَأْسَه، فأمَرَ بحَلْقِه 617، فإنَّه
الحديث: 4761 - الجزء: 28 - الصفحة: 105
فَصْلٌ: فَأمَّا الْأَسْمَاءُ الْعُرْفِيَّةُ، فَهِيَ أَسْمَاءٌ اشْتَهَرَ مَجَازُهَا حَتَّى غَلَبَ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ كَالرَّاويَةِ، وَالظَّعِينَةِ، وَالدَّابَّةِ، وَالْغَائِطِ،
يَحْنَثُ؛ لأنَّ الفِعْلَ مَنْسُوبٌ إليه، ولذلك تجِبُ الفِدْيَةُ على مَن حُلِقَ رَأْسُه بإذْنِه في الإِحْرامِ.
وإن كانت نِيَّتُه أن لا يُباشِرَ بنَفْسِه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ الأيمانَ مَبْناها على النِّيَّةِ.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (فأمَّا الأسْماءُ العُرْفِيَّةُ، فهي أسماءٌ اشْتَهَرَ مَجازُها حتى غَلَب على الحَقِيقَةِ؛ كالرَّاويَةِ، والظَّعِينَةِ، والدَّابَّةِ،
الجزء: 28 - الصفحة: 106
وَالْعَذِرَةِ، ونَحْوها، فَتَتَعَلَّقُ الْيَمِينُ بِالْعُرْفِ دُونَ الْحَقِيقةِ.
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى وَطْءِ امْرَأَةٍ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِجِمَاعِهَا،
والغائِطِ، والعَذِرَةِ، ونحوها، فتَتَعَلَّقُ اليَمِينُ بالعُرْفِ دونَ الحَقِيقَةِ) لأنَّ الحَقِيقَةَ صارتْ فيها مَغْمُورَةً (1)، لا يَعْرِفُها أكثرُ الناسِ، كالرَّاويَةِ، للمَزادَةِ في العُرْفِ، وفي الحَقِيقَةِ الجَمَلُ الذي يُسْتَقَى عليه، والغائِطُ والعَذِرَةُ في العُرْفِ الخارِجُ المُسْتَقْذَرُ، وفي الحَقِيقَةِ الغائِطُ المكانُ المُطْمَئِنُّ [مِن الأرضِ] (2)، والعَذِرَةُ فِناءُ الدَّارِ، والظَّعِينَةُ في العُرْفِ للمَرْأة، وفي الحَقِيقَةِ النَّاقَةُ التي (3) يُظْعَنُ عليها، والدَّابَّةُ في الحَقِيقَةِ لكُلِّ ما يَدِبُّ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَينِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ (4). وفي العُرْفِ اسْمٌ للبِغالِ والخَيلِ والحَمِيرِ.
فلهذا قُلْنا: اليَمِينُ تَنْصَرِفُ إلى العُرْفِ دونَ الحَقِيقَةِ؛ لأنَّه يُعْلَمُ أنَّ الحالِفَ لا يُرِيدُ غيرَه، فصارَ كالمُصَرَّحِ به.
4762 -
مسألة.: (وإن حَلَف على وَطْءِ امرأةٍ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُه بجِمَاعِها)
لأنَّه الذي يَنْصَرِفُ اللَّفْظُ في العُرْفِ إليه، وكذلك إذا حَلَف618619620621
الحديث: 4762 - الجزء: 28 - الصفحة: 107
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى وَطْءِ دَارٍ، تَعَلَّقَتْ بدُخُولِهَا، رَاكبًا أَوْ مَاشِيًا، أَوْ حَافِيًا أَوْ مُنْتَعِلًا.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشَمُّ الرَّيحَانَ، فَشَمَّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ وَالْيَاسَمِينَ، أَوْ لَا يَشَمُّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ، فَشَمَّ دُهْنَهُمَا، أَوْ مَاءَ الْوَرْدِ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ.
وَقَال بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَحْنَثُ.
على تَرْكِ (1) وَطْءِ زَوْجَتِه، صارَ مُولِيًا منها.
4763 -
مسألة: (وإن حَلَف على وَطْءِ دَارٍ، تَعَلَّقَتْ)
يَمِينُه (بدُخُولِهَا، راكِبًا أو مَاشِيًا، أو حافِيًا أو مُنْتَعِلًا) لأنَّ هذا في العُرْفِ عبارَةٌ عن اجْتِنابِ الدُّخولِ، فتُحْمَلُ اليَمِينُ عليه بإطْلاقِه، كلَفْظِ الرَّاويَةِ والدَّابَّةِ وغيرِهما.
4764 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يَشَمُّ الرَّيحانَ، فشَمَّ الوَرْدَ والبَنَفْسَجَ واليَاسَمِينَ، أو لا يَشَمُّ الوَرْدَ والبَنَفْسَجَ، فشَمَّ دُهْنَهما، أو ماءَ الوَرْدِ، فالقِياسُ أنَّه لا يَحْنَثُ.
وقال بعضُ أصحابِنا: يَحْنَثُ)
إذا حَلَف622
الحديث: 4763 - الجزء: 28 - الصفحة: 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يَشَمُّ الرَّيحانَ، فإنَّه في العُرْفِ اسمٌ يَخْتَصُّ الرَّيحانَ الفَارِسِيَّ، وفي الحَقِيقَةِ اسمٌ لكلِّ نَبْتٍ أو زَهْرٍ طَيِّبِ الرِّيحِ، مثلَ الوَرْدِ والبَنَفْسَجِ والنَّرْجِسِ.
وقال القاضي: لا يَحْنَثُ إلَّا بشَمِّ الرَّيحانِ الفارِسِيِّ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الحالِفَ لا يُرِيدُ بيَمِينِه في الظَّاهِرِ سِوَاه.
وقال أبو الخَطَّابِ: يَحْنَثُ بشَمِّ ما يُسَمَّى في الحَقِيقَةِ رَيحانًا، [لأنَّ الاسمَ] 623 [يَتَناولُه حَقِيقَةً] 624، ولا يَحْنَثُ بشَمِّ الفاكِهَةِ، وَجْهًا واحِدًا.
وإن حَلَف لا يَشَمُّ وَرْدًا ولا بَنَفْسَجًا، فَشَمَّ دُهْنَهُما، أو ماءَ الوَرْدِ، فقال القاضي: لا يَحْنَثُ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لم يَشَمَّ وَرْدًا ولا بَنَفْسَجًا.
وقال أبو الخطَّابِ: يَحْنَثُ؛ لأنَّ الشَّمَّ إنَّما هو للرَّائِحَةِ دونَ الذاتِ، ورَائِحَةُ الوَرْدِ والبَنَفْسَجِ مَوْجُودَةٌ فيهما.
وقال أبو حنيفةَ: يَحْنَثُ بشَمِّ دُهْنِ البَنَفْسَجِ؛ لأنَّه يُسَمَّى بَنَفْسَجًا 625، [ولا يَحْنَثُ بشَمِّ ماءِ الوردِ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى وردًا] 626. والأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصِّحَّةِ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فإن شَمَّ الوَرْدَ والبَنَفْسَجَ اليابِسَ، حَنِثَ.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: لا يَحْنَثُ, كما لو حَلَف لا يَأْكُلُ رُطَبًا، فأَكَلَ تَمْرًا.
ولَنا، أنَّ هذا اسْمُه،
الجزء: 28 - الصفحة: 109
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، فَأَكَلَ سَمَكًا، حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ، وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي مُوسى.
وحَقِيقَتَه باقِيَةٌ، فيَحْنَثُ به (1) , كما لو حَلَف لا يَأْكُلُ لحْمًا، فأكَلَ قَدِيدًا، وفارَقَ ما ذَكَرُوه؛ فإنَّ التَّمْرَ ليس برُطَبٍ، ولا يُسمَّى رُطَبًا.
4765 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يَأْكُلُ لَحْمًا، فأكَلَ يسمَكًا، حَنِث عندَ الخِرَقِيِّ، ولم يَحْنَثْ عندَ ابنِ أبي مُوسَى)
إذا حَلَف لا يَأْكُلُ لحْمًا، ولم يُرِدْ لحمًا بعَينِه، فأكَلَ من لَحْم 628 الأنْعامِ أو الصَّيدِ أو الطَّيرِ، حَنِثَ، في قولِ عامَّةِ عُلَماءِ الأمْصارِ.
وأمَّا السَّمَكُ، فظاهِرُ المذْهَبِ أنَّه يَحْنَثُ بأَكْلِه.
وبهذا قال قَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ، وأبو يوسفَ.
وقال ابنُ أبي موسى في «الإِرْشَادِ»: لا يَحْنَثُ، إلَّا أن يَنْويَه.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشَّافِعِيِّ، [وأبي ثورٍ] 629؛ لأنَّه لا يَنْصَرِفُ إليه إطْلاقُ اسْمِ اللَّحْمِ، ولو وَكَّلَ وَكِيلًا في شِراءِ اللَّحْمِ،627
الحديث: 4765 - الجزء: 28 - الصفحة: 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فاشْتَرَى له سَمَكًا، لم يَلْزَمْه، ويَصِحُّ أن يَنْفِيَ عنه الاسْمَ، فيقولَ: ما أَكَلْتُ لَحْمًا، إنَّما أكَلْتُ سَمَكًا.
فلم يَتَعَلَّقْ به الحِنْثُ عندَ الإِطْلاقِ، كما لو حَلَفَ: لاقَعَدْتُ تحتَ سَقْفٍ.
فإنَّه لا يَحْنَثُ بقُعُودِه تحتَ السَّماءِ, وقد سمَّاها اللهُ تعالى سَقْفًا مَحْفُوظًا؛ لأنَّه مَجازٌ، كذا ههُنا.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ 630. ولأنَّه من جِسْمِ حَيوانٍ، ويُسَمَّى لحْمًا، فَحَنِثَ بأكْلِه، كلَحْمِ الطَّيرِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بلَحْمِ الطَّائِرِ.
وأمَّا السَّماءُ، فإنَّ الحالِفَ لا يَقْعُدُ تحتَ سَقْفٍ لا 631 يُمْكِنُه التَّحَرُّزُ مِن القُعُودِ تحتَها، فيُعْلَمُ أنَّه لم (2) يُرِدْها بيَمِينِه، ولأنَّ التَّسْمِيَةَ ثَمَّ مَجازٌ، وههُنا حَقِيقَةٌ؛ لكَوْنِه من جِسْمِ حَيوانٍ يَصْلُحُ للأكْلِ، فكان الاسمُ فيه حَقِيقَةً، كلَحْمِ الطَّيرِ، حيثُ قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ 632.
الجزء: 28 - الصفحة: 111
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا وَلَا بَيضًا، حَنِثَ بِأَكْلِ رُءُوسِ الطُّيُورِ وَالسَّمَكِ، وَبَيضِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ، عِنْدَ الْقَاضِي.
وَعنْدَ أَبي الْخَطَّابِ، لَا يَحْنَثُ إلا بِأَكْلِ رَأْسٍ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ مُنْفَرِدًا، أَوْ بَيضٍ يُزَايِلُ بَائِضَهُ حَال الْحَيَاةِ.
4766 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَأْكُلُ رأْسًا ولا بَيضًا، حَنِثَ بِأكْلِ رُءُوسِ الطَّيرِ والسَّمَكِ، وبيضِ السمكِ والجَرَادِ، عندَ القاضي.
وعندَ أبي الخَطَّابِ، لا يَحْنَثُ إلَّا بأَكْلِ رَأْسٍ جَرَتِ العَادَةُ بأَكْلِهِ مُنْفَرِدًا، أو بَيضٍ يُزَايِلُ بائِضَه حال الحَيَاةِ)
إذا حَلَف لا يَأْكُلُ رأْسًا، فإنَّه يَحْنَثُ بأكْلِ رَأْسِ كُلِّ 633 حَيوانٍ من الإِبِلِ والصُّيودِ والحِيتَانِ والجَرادِ.
ذَكَره القاضِي.
وقال أبو الخطَّابِ: لا يَحْنَثُ إلَّا بأَكْلِ رَأْسٍ جَرَتِ العادَةُ ببَيعِه للأكْلِ مُنْفَرِدًا.
وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ إلَّا بأَكْلِ رُءُوسِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ دونَ غيرِها، إلَّا أن يكونَ ببَلَدٍ تَكْثُرُ فيه الصُّيودُ، وتُمَيَّزُ رُءُوسُها، فيَحْنَثُ بأكْلِها.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ بأكْلِ رُءُوسِ الإِبلِ؛ لأنَّ العادَةَ لم تَجْرِ ببَيعِها للأكْلِ مُنْفَرِدَةً.
وقال صاحِباه: لا يَحْنَثُ إلَّا بأكْلِ رُءُوسِ الغَنَمِ؛ لأنَّها التي تُباعُ في الأسْواقِ دونَ غيرِها، فيَمِينُه تَنْصَرِف
الحديث: 4766 - الجزء: 28 - الصفحة: 112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إليها.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ هذه رُءُوسٌ حَقِيقَةً وعُرْفًا، وهي مَأْكُولَةٌ، فيَحْنَثُ بأكْلِها, كما لو حَلَف لا يَأْكُلُ لَحْمًا، فأَكَلَ من لَحْمِ النَّعامِ والزَّرافَةِ، وما يَنْدرُ وُجودُه وبَيعُه.
وأمَّا إذا حَلَف لا يَأْكُلُ بَيضًا، فيَحْنَثُ بأَكْلِ بَيضِ كُلِّ حَيوانٍ، كَثُرَ وُجُودُه، كبَيضِ الدَّجاجِ، أو قَلَّ، كبَيضِ النَّعامِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: لا يَحْنَثُ بأكْلِ بَيضِ النَّعامِ.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا يَحْنَثُ إلَّا بأَكْلِ بَيضِ الدَّجاجِ، وما يُباعُ في السُّوقِ.
ولَنا، أنَّ هذا كُلَّه بَيضٌ حَقِيقَةً وعُرْفًا، وهو مأْكُولٌ، فيَحْنَثُ بأكْلِه، كبَيضِ الدَّجاجِ، ولأنَّه لو حَلَف لا يَشْرَبُ ماءً، فشَرِبَ ماءَ البَحْرِ، أو ماءً نَجِسًا، أو لا يَأْكُلُ خُبْزًا، فأَكَلَ خُبْزَ الأُرْزِ أو الذُّرَةِ في مَكانٍ لا يُعْتادُ أكْلُه فيه، حَنِثَ.
فأمَّا إن أكَلَ بَيضَ السَّمَكِ أو الجَرادِ، فقال القاضي: يَحْنَثُ؛ لأنَّه بَيضُ حيَوانٍ، أشْبَهَ بَيضَ النَّعامِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: لا يَحْنَثُ إلَّا بأَكْلِ بَيضٍ يُزايِلُ بائِضَه حال الحياةِ.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي،
الجزء: 28 - الصفحة: 113
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيتًا، فَدَخَلَ مَسْجِدًا، أَوْ حَمَّامًا، أَوْ بَيتَ شَعْرٍ، أَوْ أَدَم، أَوْ لَا يَرْكَبُ، فَرَكبَ سَفِينَةً، حَنِثَ عنْدَ أَصْحَابِنَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ.
وأكثَرِ العُلَماءِ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ هذا لا يُفْهَمُ من إطْلاقِ اسمِ (1) البَيضِ، ولا يُذْكَرُ إلَّا مُضافًا إلى بائِضِه.
ولا يَحْنَثُ بأكْلِ شيءٍ يُسَمَّى بَيضًا غيرَ بَيضِ الحيوانِ، ولا بشيءٍ يُسَمَّى رَأْسًا غيرَ رُءُوسِ الحيوانِ؛ لأنَّ ذلك ليس برَأْسٍ ولا بيضٍ في الحَقِيقَةِ.
4767 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يَدْخُلُ بَيتًا، فَدَخَلَ مَسْجِدًا، أو حَمَّامًا، أو بَيتَ شَعْرٍ، أو أَدمٍ، أو لا يَرْكَبُ، فرَكِبَ سَفِينَةً، حَنِثَ عندَ أصْحابِنا. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ)
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا حَلَف لا يَدْخُلُ بَيتًا، فدَخَلَ مَسْجِدًا، أو حَمَّامًا، حَنِثَ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ويَحْتَمِلُ أن634
الحديث: 4767 - الجزء: 28 - الصفحة: 114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يَحْنَثَ.
وهو قولُ أكْثَرَ الفُقهاءِ؛ لأنَّه لا يُسَمّى بَيتًا في العُرْفِ.
والأوَّلُ المذهبُ؛ لأنَّهما بَيتان حَقِيقَةً، وقَد سَمَّى اللهُ عزَّ وجَلَّ المساجِدَ بُيوتًا، فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ 635. وقال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ 636. ورُوِيَ في حديثٍ: «المَسْجِدُ بَيتُ كُلِّ تَقِيٍّ» 637. ورُوِيَ في الحديثِ: «بِئْسَ الْبَيتُ الحَمَّامُ» 638. وإذا كان في الحَقِيقَةِ بَيتًا، وفي عُرْفِ الشَّرْعِ, حَنِثَ بدُخُولِه، كبيتِ الإِنْسانِ.
وإن دَخَلَ بَيتَ شَعْرٍ، أو أدَم، حَنِثَ، سَواء كان الحالِفُ حَضَرِيًّا أو بَدَويًّا، فإنَّ اسمَ البَيت يَقَعُ عليه حَقِيقَةً وعُرْفًا، قال اللهُ تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ 639. وأمَّا ما لا يُسَمَّى في العُرْفِ بَيتًا، كالخَيمَةِ، فالأوْلَى أن لا يَحْنَثَ بدُخُولِه مَن لا يُسَمِّيه بَيتًا؛ لأنَّ يَمِينَه لا تَنْصَرِفُ إليه.
وإن دَخَلَ دِهْلِيزَ دارٍ [أو صُفَّتَها] 640، لم يَحْنَثْ.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَحْنَثُ؛ لأنَّ جميعَ الدَّارِ
الجزء: 28 - الصفحة: 115
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَرَأَ، أو سَبَّحَ، أو ذَكَرَ اللهَ تَعَالى، لَمْ
بَيتٌ.
ولَنا، أنَّه لا يُسَمَّى بَيتًا، ولهذا يُقال: ما دَخَل البَيتَ، وإنَّما وَقَف في الصَّحْنِ.
فإن حَلَف لا يَرْكَبُ، فرَكِبَ سَفِينَةً، حَنِثَ.
وهو قولُ أبي الخَطَّابِ؛ لأنَّه رُكُوبٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ (1). وقال: ﴿فإذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ (2). وَيَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى في العُرْفِ رُكوبًا.
4768 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يتَكَلَّمُ، فقَرَأ، أو سَبَّحَ، أو ذَكَرَ اللهَ تعالى، لم يَحْنَثْ)
[إذا حَلَفَ لا يتَكَلَّمُ، فقَرَأَ] 643، لم يَحْنَثْ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن قَرأَ في الصلاةِ، لم يَحْنَثْ، وإن قَرَأَ خارِجًا منها، حَنِثَ؛ لأنَّه يَتَكَلَّمُ بكلامِ اللهِ تعالى.
وإن ذَكَرَ اللهَ تعالى، لم يَحْنَثْ.
ومُقْتَضَى مذهبِ أبي حنيفةَ أنَّه يَحْنَثُ، لأنَّه كلامٌ 644، قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ 645. وقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ في الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إلَى641642
الحديث: 4768 - الجزء: 28 - الصفحة: 116
يَحْنَثْ.
وَإِنْ دَقَّ عَلَيهِ إِنْسَانٌ، فَقَال: ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ.
الرَّحْمَنِ؛ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِه، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ» 646. ولَنا، أنَّ الكلامَ في العُرْفِ لا يُطْلَقُ إلَّا على كلامِ الآدَمِيِّين، ولهذا لمَّا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ، و 647 قَدْ أحْدَثَ أنْ لا تَتَكَلَّمُوا في الصَّلَاةِ» 648. لم يَتَناوَلِ المُختَلَفَ فيه.
وقال زيدُ بنُ أرْقَمَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ في الصلاةِ، حتى نزلَ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ 649. فأُمِرْنا بالسُّكوتِ، ونُهِينَا عن الكلام 650. وقال اللهُ تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ 651. وقال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ 652. فأمَرَه بالتَّسْبِيحِ مع قَطْعِ الكلامِ عنه.
ولأنَّ ما لا يَحْنَثُ به في الصلاةِ، لا يَحْنَثُ به خارِجًا منها، كالإِشارَةِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالقِراءَةِ والتَّسْبِيحِ في الصلاةِ، وذِكْرِ اللهِ المَشْرُوعِ فيها.
وإنِ اسْتَأْذَنَ عليه إنْسانٌ، فقال:
الجزء: 28 - الصفحة: 117
يَقْصِدُ تَنْبِيهَهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ 653. يَقْصِدُ القُرآنَ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ هذا من القُرآنِ، فلا يَحْنَثُ به، ولذلك لا تَبْطُلُ الصلاةُ به، وإن لم يَقْصِدِ القُرآنَ، حَنِثَ؛ لأنَّه من كلامِ الناسِ.
الجزء: 28 - الصفحة: 118
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرأَتَهُ، فَخَنَقَهَا، أَوْ نَتَفَ شَعَرَهَا، أَوْ عَضَّهَا، حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ سَوْطٍ، فَجَمَعَهَا، فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً لَمْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ.
4769 - مسألة: (وإن خَلَف لا يَضْرِبُ امرأتَه، فخَنَقَهَا، أو نَتَفَ شَعَرَها، أو عَضَّهَا، حَنِثَ)
لأنَّه يَقْصِدُ تَرْكَ تأْلِيمِها، وقد آلمَها.
فأمَّا إن عَضَّهَا للتَّلَذُّذ (1)، ولم يَقْصِدْ تَأْلِيمَها، لم يَحْنَث، وإن حَلَف لَيَضْرِبَنَّها، ففَعَلَ ذلك، بَرَّ؛ لوُجودِ المَقْصُودِ بالضَّرْبِ.
4770 -
مسألة: (وإن حَلَف لَيَضْرِبَنَّه مِائَةَ سَوْطٍ، فَجَمَعَها، فضَرَبَه بها ضَرْبَةً وَاحِدَةً، لم يَبَرَّ في يَمِينِه)
وبهذا قال مالكٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال ابنُ حامِدٍ: يَبَرُّ؛ لأنَّ أحمدَ قال في المريضِ عليه الحَدُّ: يُضْرَبُ بعِثْكالِ النَّخْلِ، ويَسْقُطُ عنه الحَدُّ.
وبهذا قال الشافعيُّ إذا علِمَ أنَّها مَسَّتْه كُلُّها، وإن علِمَ أنَّها لم تَمَسَّه كُلُّها، لم يَبَرَّ، وإنْ شَكَّ، لم654
الحديث: 4769 - الجزء: 28 - الصفحة: 119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَحْنَثْ في الحُكْمِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ 655. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في المريضٍ الذي زَنَى: «خُذُوا لَه عِثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، فَاضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَة وَاحِدَةً» 656. ولأنَّه ضَرَبَ بمِائَةِ سَوْطٍ، فبَرَّ في يَمِينِه, كما لو فرَّقَ الضَّربَ.
ولَنا، أنَّ مَعْنَى يَمِينِه أن يَضْرِبَه مائةَ ضَرْبَةٍ، ولم يَضْرِبْه إلَّا ضَربَةً واحِدَةً، والدَّليلُ على هذا أنَّه لو ضَرَبَه مِائةَ ضَرْبَةٍ بسَوْطٍ بَرَّ، بغيرِ خلافٍ، ولو عادَ العددُ إلى السَّوْطِ، لم يَبَرَّ بالضَّرْبِ بسَوْطٍ واحدٍ, كما لو حَلَف لَيَضْرِبَنَّه بعَشَرَةِ أسْواطٍ، ولأنَّ السَّوْطَ ههُنا آلةٌ أُقِيمَتْ مُقامَ المَصْدَرِ، وانْتَصَبَ انْتِصابَه؛ لأنَّ مَعْنَى كلامِه: لأضْرِبَنَّه مِائَةَ ضَرْبَةٍ بسَوْطٍ.
وهذا هو المَفْهومُ من يَمِينِه، والذي يَقْتَضِيه لُغَةً، فلا يَبَرُّ بما يُخالِفُ ذلك.
وأمَّا أيُّوبُ، عليه السلامُ، فإنَّ اللهَ تعالى أرْخَصَ له رِفْقًا بامرأتِه، لِبِرِّها به، وإحْسانِها إليه، ليَجْمَعَ له بينَ بِرِّه في يَمِينِه ورِفْقِه بامرأتِه، ولذلك امْتَنَّ عليه بهذا، وذَكَرَه في جُمْلَةِ ما مَنَّ به عليه، من مُعافاتِه من بَلائِهِ، وإخْراجِ الماءِ له، فيَخْتَصُّ
الجزء: 28 - الصفحة: 120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذا به، كاخْتِصاصِه بما ذكرَ معه، ولو كان هذا الحكمُ عامًّا لكلِّ أحَدٍ لَما خَصَّ أيُّوبَ بالمِنَّةِ عليه.
وكذلك المرِ يضُ الذي يُخافُ تَلَفُه، أُرْخِصَ له بذلك في الحَدِّ دونَ غيرِه، وإذا لم يَتَعَدَّه هذا الحكمُ في الحَدِّ الذي [وَرَد النَّصُّ به فيه، فَلأَنْ لا يَتَعَدَّاه إلى اليَمِينِ أَوْلَى، ولو خُصَّ بالبِرِّ مَن له عُذْرٌ يُبِيحُ العُدولَ في الحَدِّ] 657 إلى الضَّرْبِ بالعِثْكَالِ، لكان له وَجْه، أمَّا 658 تَعْدِيَتُه إلى غيرِه فبَعِيدٌ جِدًّا.
فصل: ولو حَلَف أن يَضْرِبَه بعَشَرَةِ أسْواطٍ، فجَمَعَها، فضَرَبَه بها، بَرَّ؛ لأنَّه قد فَعَل ما حَلَف عليه.
وإن حَلَف ليَضْرِبَنَّه [عشْرَ مراتٍ، لم يَبَرَّ بضَرْبِه عشَرةَ أسْواطٍ، دَفْعَةً واحدةً، بغيرِ خلافٍ؛ لأنَّه لم يَفْعَلْ ما تَناوَلَتْه يَمِينُه.
وإن حَلَف لَيَضْرِبَنَّه] 659 عشْرَ ضَرَباتٍ، فكذلك، إلَّا وَجْهًا لأصْحابِ الشافِعِيِّ، أنَّه يَبَرُّ.
وليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّ هذه ضَرْبَةٌ واحِدَةٌ بأسْواطٍ، ولهذا يَصِحُّ أن يُقال: ما ضَرَبْتُه إلَّا 660 واحِدَةً، ولو حَلَف لا يَضْرِبُه أكْثرَ مِن ضَرْبَةٍ واحدةٍ، ففَعَلَ هذا، لم يَحْنَثْ في يَمِينِه.
فصل: ولا يَبَرُّ حتى يَضْرِبَهِ ضَرْبًا يُؤْلِمُه.
وبهذا قال مالكٌ.
وقال الشافعيُّ: يَبَرُّ بما 661 لم يُؤْلِمْ؛ لأنَّ الاسمَ يَتَناوَلُه، فوَقَعَ البِرُّ به،
الجزء: 28 - الصفحة: 121
فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَيئًا، فَأَكَلَهُ مُسْتَهْلَكًا في غَيرِهِ، مِثْلَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَبَنًا، فَأَكَلَ زُبْدًا، أَوْ لَا يَأْكُلَ سَمْنًا، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ، لَا يَظْهَرُ فيه طَعْمُهُ، أَوْ لَا يَأْكُلَ بَيضًا، فَأَكَلَ نَاطِفًا، أو لَا يَأْكُلَ شَحْمًا، فَأَكَلَ اللَّحْمَ الأَحْمَرَ، أو لَا يَأْكُلَ شَعِيرًا، فَأَكَلَ حِنْطَةً فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ ظَهَرَ طَعْمُ السَّمْنِ
كالمُؤْلِمِ.
ولَنا، أنَّ هذا يُقْصَدُ به في العُرْفِ التَّأْلِيمُ، فلا يَبَرُّ بغيرِه.
ولذلك 662 كلُّ مَوْضِعٍ وَجَبَ الضَّرْبُ في الشَّرْعِ، في حَدٍّ، أو تَعْزيرٍ، كان مِن شَرْطِه التَّأْلِيمُ، كذا ههُنا.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (إذا حَلَفَ لا يَأْكُلُ شيئًا، فأَكَلَه مُسْتَهْلَكًا في غيرِه، مثلَ أن لا يَأْكُلَ لَبَنًا، فأكَلَ زُبْدًا، أو لا يَأْكُلَ سَمْنًا، فأكَلَ خَبِيصًا فيهْ سَمْنٌ، لا يَظْهَرُ فيه طَعْمُه، أو لا يَأْكُلَ بَيضًا، فأكَلَ ناطِفًا، أو لا يَأكُلَ شَحْمًا، فأكَلَ اللَّحْمَ الأحْمَرَ، أو لا يأْكُلَ شَعِيرًا، فأكَلَ حِنْطَةً فيها حبَّاتُ شَعِيرٍ، لم يَحْنَثْ.
وإن ظَهَر طَعْمُ السَّمْنِ، أو طَعْمُ
الجزء: 28 - الصفحة: 122
أَوْ طَعْمُ شَيْءٍ مِنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيهِ، حَنِثَ.
وَقَال الْخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ
شيءٍ مِن المحْلُوفِ عليه، حَنِثَ.
وقال الخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ بأَكْلِ اللَّحْمِ
الجزء: 28 - الصفحة: 123
بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْأَحْمَرِ وَحْدَهُ.
وَقَال غَيرُهُ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ حِنْطَةٍ فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ.
الأحْمَرِ وَحْدَه.
وقال غيرُه: يَحْنَثُ بأَكْلِ حِنْطةٍ فيها حَبَّاتُ شعيرٍ) أمَّا إذا حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَبَنًا، فأكَلَ زُبْدًا لا يَظْهَرُ فيه طَعْمُ اللَّبَنِ، لم يَحْنَث؛ لأنَّه لم يَأْكُلْ لَبَنًا، فأشْبَهَ ما لو أكَلَ كَشْكًا، وكذلك إن حَلَف لا يَأْكُلُ سَمْنًا، فأكَلَ خَبِيصًا فيه سَمْنٌ، لا يَظْهَرُ فيه طَعْمُه، لا يَحْنَث؛ لذلك، فأمَّا إن ظَهَر طَعْمُ شيءٍ مِن المَحْلُوفِ عليه، حَنِثَ, كما لو أكَلَ كلَّ (1) واحدٍ مُنْفَرِدًا، وإن حَلَف لا يَأْكُلُ بَيضًا، فأكَلَ ناطِفًا، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى بَيضًا.
4771 -
مسألة: (وإن حَلَف لَا يَأْكُلُ شَحْمًا، فأكَلَ اللَّحْمَ الأَحْمَرَ، فقال الْخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ)
لأنَّ الشَّحْمَ [كلُّ ما] 664 يَذُوبُ بالنَّارِ663
الحديث: 4771 - الجزء: 28 - الصفحة: 124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مما في الحَيَوانِ.
والعُرْفُ 665 يَشْهَدُ لقَوْلِه.
وهو ظاهِرُ قولِ أبي الخَطَّابِ.
واللَّحْمُ لا يَكادُ يَخْلُو مِن شيءٍ منه، فيَحْنَثُ به وإن قَلَّ؛ لأنَّه يَظْهَرُ في الطَّبْخِ، فيَبِينُ على وَجْهِ المَرَقِ، وفارَقَ مَن حَلَف لا يَأْكُلُ سَمْنًا، فأكَلَ خَبِيصًا فيه سَمْنٌ لا يَظْهَرُ فيه طَعْمُه ولا لَوْنُه؛ لأنَّ هذا قد يَظْهَرُ الدُّهْنُ فيه.
وقال غيرُ الخِرَقِيِّ مِن أصْحابِنا: لا يَحْنَثُ.
قال شيخُنا 666: وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى شَحْمًا، ولا يَظْهَرُ فيه طَعْمُه ولا لَوْنُه، والذي يَظْهَرُ في المَرَقِ قد فارَقَ اللَّحْمَ، فلا يَحْنَثُ بأكْلِ اللَّحْمِ الذي كان فيه.
فإن حَلَف لا يَأْكُلُ شَعِيرًا، فأكَلَ حِنْطَةً فيها حَبَّاتُ شَعِيرٍ،
الجزء: 28 - الصفحة: 125
فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَويقًا، فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ، فَأَكَلَهُ، فَقَال الْخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ.
وقال أَحْمَدُ في مَن حَلَفَ لَا يَشْرَبُ نَبِيذًا، فَثَرَدَ فِيهِ، وَأَكَلَهُ: لَا يَحْنَثُ.
فَيُخَرَّجُ في كُلِّ مَا
فقال غيرُ الخِرَقِيِّ: يَحْنَثُ؛ لأنَّه أكلَ شَعِيرًا، فأَشْبَهَ ما لو أكلَه مُنْفَرِدًا، أو حَلَف لا يَأْكُلُ رُطَبًا، فأكَلَ مُنَصَّفًا.
والأَوْلَى أنَّه لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه مُسْتَهْلَكٌ في الحِنْطَةِ، أشْبَهَ السَّمْنَ في الخَبيصِ الذي لا يَظْهَرُ طَعْمُه، وإن نَوَى بيَمِينِه أن لا يَأْكُلَ الشَّعِيرَ مُنْفَرِدًا، أَو كان السَّبَبُ يَقْتَضِي ذلك، أو يَقْتَضِي أكْلَ شعيرٍ يَظْهَرُ أثَرُ أكْلِه، لم يَحْنَثْ بذلك.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (فإن حَلَف لا يَأْكُلُ سَويقًا، فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه، فأكَلَه، فقال الخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ.
وقال أحمدُ في مَن حَلَف
الجزء: 28 - الصفحة: 126
حَلَفَ لَا يَأْكُلُهُ، فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ، فَأَكَلَهُ، وَجْهَانِ.
وَقَال الْقَاضِي: إِنْ عَيَّنَ الْمَحْلُوفَ عَلَيهِ، حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
لا يَشْرَبُ نَبِيذًا، فثَرَد فيه، وأكَلَه: لا يَحْنَثُ.
فيُخَرَّجُ في كلِّ ما حَلَف لا يَأْكُلُه، فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه، فأَكَلَه، وَجْهان.
وقال القاضي: إن عَيَّنَ المَحْلُوفَ عليه، حَنِثَ، وإلَّا فَلَا) وجملةُ ذلك، أنَّ مَن حَلَف لا يَأْكُلُ شيئًا، فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه، فأَكَلَه، فقد نُقِلَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على رِوايَتَين؛ إحْداهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّ اليَمِينَ على تَرْكِ أكْلِ شيءٍ أو شُرْبِه يُقْصَدُ بها في العُرْفِ اجْتِنابُ ذلك الشيءِ، فَحُمِلَتِ اليَمِينُ عليه، ألَا تَرَى أنَّ 667 قَوْلَه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ﴾ 668. و: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى﴾ 669. لم يُرِدْ به الأكْلَ على الخُصوصِ؟ ولو قال طَبِيبٌ لمريضٍ: لا تَأْكُلِ.
العَسَلَ.
لَكانَ ناهِيًا عن شرْبِه.
والثانِيَةُ، لا يَحْنَثُ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّ الأفْعال أنْواعٌ كالأعيانِ 670، ولو حَلَف على نَوْعٍ مِن الأعْيانِ، لم يَحْنَثْ بغيرِه، كذلك
الجزء: 28 - الصفحة: 127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأفْعالُ.
وقال القاضي: إنَّما الرِّوايتان في مَن عَيَّنَ المَحْلُوفَ عليه، مثلَ مَن حَلَف: لا أكَلْتُ هذا السَّويقَ.
فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه، فأكَلَه، أمَّا إذا أطْلَقَ، فقال: لا أكَلْتُ سَويقًا.
فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه، فأكَلَه، لم يَحْنَثْ، رِوايَةً واحِدَةً، لا يَخْتَلِفُ المذهبُ فيه.
وهذا يُخالِفُ ما ذَكَرْنا ههُنا مِن الإِطْلاقِ، ومُخالِفٌ لِما أطْلَقَه الخِرَقِيُّ، وليس للتَّعْيِينِ أثَرٌ في الحِنْثِ وعَدَمِه، فإنَّ الحِنْثَ في المُعَيَّنِ إنَّما كان لتَناوُلِه ما حَلَف عليه، وإجْراءِ مَعْنَى الأكْلِ والشُّرْبِ على التَّناوُلِ العامِّ فيهما، وهذا لا فَرْقَ فيه بينَ التَّعْيِينِ وعَدَمِه، وعَدَمُ الحِنْثِ مُعَلَّلٌ بأنَّه لم يَفْعَلِ الفِعْلَ الذي حَلَف على تَرْكِه، وإنَّما فَعَل غيرَه، وهذا في المُعَيَّنِ كهُوَ في المُطْلَقِ؛ [لعَدَمِ الفارِقِ بينَهما، فإذا كان في المُعَيَّنِ رِوايتان، كانتا في المُطْلَقِ] 671، لعَدَمِ الفارِقِ بينَهما، ولأنَّ الرِّوايَةَ في الحِنْثِ أُخِذَتْ 672 مِن كلامِ الْخِرَقِيِّ، وليس فيه تَعْيِينٌ، ورِوايَةُ عَدَمِ الحِنْثِ أُخِذَتْ (2) مِن رِوايَةِ مُهَنَّا عن
الجزء: 28 - الصفحة: 128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحمدَ، في مَن حَلَف لا يَشْرَبُ هذا النَّبِيذَ، فأكَلَه، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى شُرْبًا، وهذا في المُعَيَّنِ، فإن عَدَّيتَ كلَّ رِوايَةٍ إلى مَحَلِّ الأُخْرَى، وَجَب أن يكونَ في الجميعِ رِوايَتان، وإن قَصَرْتَ كلَّ رِوايَةٍ على مَحَلِّها، كان الأمْرُ على خِلافِ ما قال القاضي، وهو أن يَحْنَثَ في المُطْلَقِ، ولا يَحْنَثَ في المُعَيَّنِ.
فصل: فإن حَلَف لَيَشْرَبَنَّ شيئًا، فأكَلَه، أو ليَأْكُلَنَّه، فشَرِبَه، خُرِّجَ فيه وَجْهان، بناءً على الرِّوايَتَين في الحِنْثِ إذا حَلَف على التَّرْكِ، ومتى تَقَيَّدَتْ يَمِينُه بنِيَّةٍ، أو سَبَب يَدُلُّ عليها، كانت يَمِينُه على ما نَوَاه، أو دَلَّ عليه السَّبَبُ؛ لأنَّ الأيمانَ على النِّيَّةِ.
فصل: فإن حَلَف لا يَشْرَبُ شيئًا، فمَصَّه ورَمَى به، فقد رُوِيَ عن
الجزء: 28 - الصفحة: 129
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَطعَمُهُ، حَنِثَ بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ، وَإِنْ ذَاقَهُ، وَلَمْ يَبْلَعْهُ،
أحمدَ في مَن حَلَف لا يَشْرَبُ، فمَصَّ قَصَبَ السُّكَّرِ: لا يَحْنَثُ.
وقال ابنُ أبي موسى: إذا حَلَف لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، [فمصَّ قَصَبَ السُّكَّرِ، لا يَحْنَثُ.
وهذا قولُ أصحابِ الرَّأْي، فإنَّهم قالوا: إذا حَلَف] (1) [لا يَشْرَبُ] (2)، فمَصَّ حَبَّ رُمَّانٍ، ورَمَى بالثُّفْلِ (3)، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه ليس بأكْلٍ ولا شُرْبٍ.
ويَجِئُ على قولِ الخِرَقِيِّ، أنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه قد تَناوَلَه، فوَصَل إلى حَلْقِه وبَطْنِه، فيَحْنَث به، على ما قُلْنا في مَن حَلَف لا يَأْكُلُ شيئًا فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه فأكَلَه.
وإن حَلَف لا يَأْكُلُ سُكَّرًا، فتَرَكه في فيه حتى ذابَ وابْتَلَعه، خُرِّج على الرِّوايَتَين.
4772 -
مسألة: (فإن حَلَف لا يَطْعَمُ شَيئًا، حَنِث بأكْلِه وشُرْبِه)
وَمَصِّهِ؛ لأنَّ ذلك كُلَّه طُعْمٌ، قال اللهُ تعالى، في النَّهْرِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ (4). 4773 -
مسألة: (وإن ذاقَه ولم يَبْتَلِعْه، لم يَحْنَثْ)
في قولِهم673674675676
الحديث: 4772 - الجزء: 28 - الصفحة: 130
لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مَائِعًا، فَأَكَلَة بِالْخبْزِ، حَنِثَ.
جميعًا؛ لأنَّه ليس بأكْلٍ ولا شُرْبٍ، ولذلك لا يُفْطِرُ به الصائِمُ.
وإن حَلَف لا يَذُوقُه، فأكَلَه، أو شَرِبَه، أو مَصَّه، حَنِث؛ لأنَّه ذَوْقٌ وزِيادَةٌ، وكذلك إن مَضَغه (1) ورَمَى به؛ لأنَّه قد ذاقَه.
4774 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يَأْكُلُ مائِعًا، فأكَلَه بالخُبْزِ، حَنِث)
لأنَّ ذلك يُسَمَّى أكْلًا، ولهذا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُوا الزَّيتَ وَادَّهِنُوا بِهِ» 678. فصل: وإن حَلَف لَيَأْكُلَنَّ أَكْلَةً، بالفَتْحِ، لم يَبَرَّ 679 حتى يَأْكُلَ ما يَعُدُّه الناسُ أَكْلَةً، وهي المَرَّةُ من الأكْلِ، والأُكْلَةُ، بالضَّمِّ، اللُّقْمَةُ، ومنه: «فَلْيُنَاولْهُ في يَدِهِ أُكْلَةً، أَوْ أُكْلَتَينِ» 680.677
الحديث: 4774 - الجزء: 28 - الصفحة: 131
فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ، وَلَا يَتَطَهَّرُ، وَلَا يَتَطَيَّبُ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ وَلَا يَلْبَسُ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ، حَنِثَ.
فصل: (وإن حَلَف لا يَتَزَوَّجُ، ولا يَتَطَهَّرُ، ولا يَتَطَيَّبُ، فاسْتدامَ ذلك، لم يَحْنَثْ) في قولِهم جميعًا؛ لأنَّه لا يُطْلَقُ اسمُ الفِعْلِ على مُسْتَديمِ هذه الثلاثةِ، فلا يُقالُ: تَزَوَّجْتُ شَهْرًا.
ولا تَطَهَّرْتُ شَهْرًا.
ولا تَطَيَّبْتُ شَهْرًا.
وإنَّما يُقالُ: مُنْذُ (1) شَهْرٍ.
ولم يُنَزِّلِ الشَّارِعُ اسْتِدامَةَ التَّزْويج والطِّيبِ مَنْزِلَةَ ابْتِدائِهِما (2) في تَحْريمِه في الإِحْرامِ.
4775 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يَرْكَبُ ولا يَلْبَسُ، فاسْتَدامَ ذلك، حَنِث)
مَن حَلَف لا يَلْبَسُ.
ثَوْبًا هو لابِسُه، فنَزَعه في الحالِ، وإلَّا681682
الحديث: 4775 - الجزء: 28 - الصفحة: 132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حَنِث، وكذلك إن حَلَف لا يَرْكَبُ دابَّةً هو راكِبُها، فنَزَلَ في أوَّلِ حالةِ الإِمْكانِ، وإلَّا حَنِث.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا يَحْنَثُ باسْتِدامَةِ اللُّبْسِ والرُّكُوبِ حتى يَبْتَدِئَه؛ لأَنَّه لو حَلَف أن لا يَتَزَوَّجَ ولا يَتَطَهَّرَ، فاسْتَدامَ ذلك، لم يَحْنَثْ، كذا ههُنا.
ولَنا، أنَّ اسْتِدامَةَ اللُّبْسِ والرُّكوبِ تُسَمَّى لُبْسًا ورُكُوبًا، ويُسَمَّى لابِسًا وراكِبًا، ولذلك يقالُ: لبِسْتُ هذا الثَّوْبَ شَهْرًا، ورَكِبْتُ دابَّتِي يومًا.
فحَنِث باسْتِدامَتِه, كما لو حَلَف لا يَسْكُنُ، فاسْتَدامَ السُّكْنَى، وقد اعْتَبَر الشَّرْعُ هذا في الإِحْرامِ، حيث حَرَّم لُبْسَ المَخِيطِ، وأوْجَب الكَفَّارَةَ في اسْتِدامَتِه, كما أوْجَبَها في ابْتِدائِه.
وفارقَ التَّزْويجَ، فإنَّه لا يُطْلَقُ على الاسْتِدامَةِ، فلا يقالُ: تزَوَّجْتُ شَهْرًا.
وإنَّما يقالُ: مُنْذُ شَهْرٍ.
ولهذا لم تَحْرُمِ اسْتِدامَتُه في الإِحْرامِ، ويَحْرُمُ ابْتِداؤُه.
الجزء: 28 - الصفحة: 133
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا هُوَ دَاخِلُهَا، فَأَقَامَ فِيهَا، حَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي.
وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ.
4776 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَدْخُلُ دَارًا هو داخِلُهَا، فأقَامَ فيها، حَنِث عندَ القاضي. ولم يَحْنَثْ عندَ أبي الخَطَّابِ)
ووَجْهُ قولِ القاضي، أنَّ اسْتِدامَةَ المُقامِ في مِلْكِ الغيرِ كابْتِدائِه في التَّحْريمِ.
قال أحمدُ في رجلٍ حَلَف على امرأتِه: لا دَخَلْتُ أنا وأنْتِ هذه الدارَ.
وهما جميعًا فيها، قال: أخافُ أن يكونَ قد حَنِث.
والثاني، لا يَحْنَثُ.
اخْتارَه أبو الخطَّابِ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّ الدُّخولَ لا يُسْتَعْمَلُ في الاسْتِدامَةِ، ولهذا يُقالُ: دَخَلْتُها مُنْذُ شَهْرٍ.
ولا يقالُ: دَخَلْتُها شَهْرًا.
فجَرَى مَجْرَى التَّزْويجِ، ولأنَّ الدُّخولَ الانْفِصالُ من خارِجٍ إلى داخِلٍ،
الحديث: 4776 - الجزء: 28 - الصفحة: 134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا يُوجَدُ في الإِقامَةِ.
وللشافعيِّ قَوْلان كالوَجْهَين.
ويَحْتَمِلُ أنَّ مَن أحْنَثَه إنَّما كان لأنَّ ظاهِرَ حالِ الحالِفِ أنَّه يَقْصِدُ هِجْرانَ الدَّارِ ومُبايَنَتَها، والإِقامَةُ فيها تُخالِفُ ذلك، فجَرَى مَجْرَى الحالِفِ على تَرْكِ السُّكْنَى بها.
فصل: وإن حَلَف لا يُضاجِعُ امْرَأتَه على فِراشٍ، وهما مُتَضاجِعان، فاسْتَدامَ ذلك، حَنِث؛ لأنَّ المُضاجَعَةَ تَقَعُ على الاسْتِدامَةِ، ولهذا يُقالُ: اضْطَجَع على الفِراشِ لَيلَةً.
وإن كان هو مُضْطَجِعًا على الفِراشِ وَحْدَه، فاضْطَجَعت عندَه عليه، نَظَرْتَ؛ فإن قامَ لوَقْتِه، لم يَحْنَثْ، وإنِ اسْتَدامَ، حَنِث؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن حَلَف لا يَصُومُ وهو صائِمٌ، فأتَمَّ يَوْمَه، فقال القاضي: لا يَحْنَثُ.
[ويَحْتَمِلُ أنْ يَحْنَثَ] 683؛ لأنَّ الصَّوْمَ 684 يَقَعُ على الاسْتِدامَةِ، يقالُ: صامَ يَوْمًا.
ولو شَرَع في صَوْمِ يومِ العِيدِ، [فظَنَّ أنَّه مِن رمضانَ 685 فبان يومَ العيدِ] 686 حَرُمَتْ عليه اسْتِدامَتُه.
وإن حَلَف لا يُسافِرُ وهو مُسافِرٌ، فأخَذَ في العَوْدٍ أو أقامَ، لم يَحْنَثْ، وإن مَضَى في سَفَرِه، حَنِثَ؛ لأنَّ الاسْتِدامَةَ سَفرٌ، ولهذا يقالُ: سافَرْت شَهْرًا.
الجزء: 28 - الصفحة: 135
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيتًا، فَدَخَلَ فُلَانٌ عَلَيهِ، فَأَقَامَ مَعَهُ، فَعَلى الْوَجْهَينِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارًا، أَوْ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا وَهُوَ مُسَاكِنُهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ في الْحَالِ، حَنِثَ، إِلَّا أنْ يُقِيمَ لِنَقْل مَتَاعِهِ، أَوْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الْخُرُوجَ فَيُقِيمَ إِلَى أنْ يُمْكِنَهُ.
4777 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَدْخُلُ على فُلانٍ بَيتًا، فدَخَل فُلَانٌ عليه، فأقَامَ معه، فعلى الوَجْهَين).
4778 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يَسْكُنُ دَارًا، ولا يُسَاكِنُ فُلَانًا وهما مُتَسَاكِنَان، ولم يَخْرُجْ في الحالِ، حَنِث، إلَّا أن يُقِيمَ لنَقْلِ مَتاعِه، أو يَخْشَى على نَفْسِه الخُرُوجَ فيُقِيمَ إلى أن يُمْكِنَه)
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا حَلَف لا يَسْكُنُ دارًا هو ساكِنُها، خرَج مِن وَقْتِه، فإن أقامَ فيها بعدَ يَمِينِهِ زَمَنًا يُمْكِنُه الخُروجُ، حَنِث؛ لأنَّ اسْتِدامَةَ السُّكْنَى سُكْنَى، كابْتِدائِها،
الحديث: 4777 - الجزء: 28 - الصفحة: 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في وُقوعِ السُّكْنَى عليها، ألا تَرَاه يقولُ: سَكَنْتُ (1) هذه الدَّارَ شَهْرًا.
كما يقولُ: لبِسْتُ هذا الثَّوْبَ شَهْرًا؟ (2). وبهذا قال الشافعيُّ.
فإنْ أقامَ لنَقْلِ رَحْلِه وقُماشِه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ الانْتِقال لا يكونُ إلَّا بالأهْلِ والمالِ، فيَحْتاجُ إلى أن يَنْقُلَ ذلك معه، حتى يكونَ مُنْتَقِلًا.
وحُكِي عن مالِكٍ، أنَّه إن أقامَ دونَ اليومِ واللَّيلَةِ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ ذلك قليلٌ يَحْتاجُ إليه في الانْتِقالِ، فلم يَحْنَثْ به.
وعن زُفَرَ، أنَّه قال (2): يَحْنَثُ وإنِ انْتَقَل في الحالِ؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يكونَ ساكِنًا عَقِيبَ يَمِينِه ولو لَحْظَةً، فحَنِثَ بها.
وليس بصَحِيحٍ؛ [فإنَّ ما] (3) لا يُمْكِنُ الاحْتِرازُ منه (4) لا يُرادُ باليَمِينِ، ولا تَقَعُ عليه، أمَّا إذا أقامَ زَمَنًا يُمْكِنه الانتِقالُ فيه، فإنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه فَعَل ما يَقَعُ عليه اسمُ السُّكْنَى، فحَنِثَ به، كمَوْضِعِ الاتِّفاقِ، ألَا تَرَى أنَّه لو حَلَف لا يَدْخُلُ الدَّارَ، فدَخَل إلى أوَّلِ جُزْءٍ منها، يَحْنَثُ، وإن كان قَليلًا؟
4779 -
مسألة: فإن أقامَ لنَقْلِ متاعِه وأهْلِه، لم يَحْنَثْ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: يَحْنَثُ.
ولَنا، أنَّ الانْتِقال إنَّما يكونُ بالأهْلِ والمالِ، على ما سَنَذْكُرُه، فلا يُمْكِنُه التَّحَرُّزُ مِن هذه الإِقامَةِ، فلا تَقَعُ اليَمِينُ عليها.
وعلى هذا، لو خَرَج بنَفْسِه، وتَرَك أهْلَه وماله في687688689690
الحديث: 4779 - الجزء: 28 - الصفحة: 137
وإنْ خَرَجَ دُونَ مَتَاعِهِ وَأهْلِهِ، حَنِثَ، إلا أنْ يُودِعَ مَتَاعَهُ أوْ يُعِيرَهُ،
المَسْكَنِ مع إمْكانِ نَقْلِهم عنه، حَنِثَ.
وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ إذا خَرَج بنِيَّةِ الانْتِقالِ؛ لأنَّه إذا خَرَج بنِيَّةِ الانْتِقالِ، فليس بساكِنٍ؛ لأنَّه يجوزُ أن يُرِيدَ السُّكْنَى وَحْدَه دونَ أهْلِه ومالِه.
ولَنا، أنَّ السُّكْنَى تكونُ بالأهْلِ والمالِ، ولهذا يقالُ: فلان ساكِن في البَلَدِ الفُلانِيِّ.
وهو غائِبٌ عنه بنَفْسِه، وإذا نَزَل بَلَدًا بأهْلِه ومالِه، يقالُ: سَكَنَه.
وقوْلُهم: إنَّه نَوَى السُّكْنَى بنَفْسِه.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّ مَن خَرَج إلى مكانٍ ليَنْقُلَ أهْلَه إليه، لم (1) يَنْو السُّكْنَى به بنَفْسِه، [فأشْبَهَ مَن خَرَج لشِراءِ مَتاعٍ، وإن خَرَج عازِمًا على السُّكْنَى بنفسِه] (2) مُنْفَرِدًا عن أهْلِه الذي في الدَّارِ، لم يَحْنَث فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى.
ذَكَرَه القاضي.
وحُكِي (3) عن مالكٍ، أنَّه اعْتَبَر نَقْلَ عِيالِه دونَ مالِه.
والأوْلَى، إن شاءَ الله، أنَّه إذا انْتَقَلَ بأهْلِه، فسَكَنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ، أنَّه لا يَحْنَثُ، وإن بَقِيَ مَتاعُه في الأُولَى؛ لأنَّ مَسْكَنَه حيثُ حَلَّ أهْلُه به، ونَوَى الإقامَةَ به، ولهذا لو حَلَف لا يَسْكُنُ دارًا لم يَكُنْ ساكِنًا بها، فنَزَلَها بأهْلِه ناويًا للسُّكْنَى بها، حَنِثَ.
وقال القاضي: إن نَقَل إليها ما يَتَأَثَّثُ به، ويَسْتَعْمِله في مَنْزِلِه، فهو ساكِنٌ وإن سَكَنَها بنَفسِه.
4780 -
مسألة: (وإن خَرَج دُونَ أهْلِه ومَتاعِه، حَنِث)
لِما691692693
الحديث: 4780 - الجزء: 28 - الصفحة: 138
وَتَأْبَى امْرَأَتُه الْخُرُوجَ مَعَهُ، وَلَا يُمْكِنَهُ إِكْرَاهُهَا، فَيَخْرُجَ وَحْدَهُ، فَلَا يَحْنَث.
ذَكَرْنا في المسألةِ التي قبلَها (إلَّا أن يُودِعَ مَتاعَه أو يُعِيرَه، أو تَأْبَى امْرَأتُه الخُروجَ معه، ولا يُمْكِنَه إكْرَاهُها، فيَخْرُجَ وَحْدَه، فلا يَحْنَثُ).
فصل: وإن أُكْرِه على المُقامِ، لم يَحْنَثْ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأ، والنِّسْيانِ، ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» 694. وكذلك إن كان في جَوْفِ اللَّيلِ في وَقْتٍ لا يَجِدُ مَنْزِلًا يَتَحَوَّلُ إليه، أو تحولُ بينَه وبينَ المنْزِلِ أبوابٌ مُغْلَقَةٌ لا يُمْكِنُه فَتْحُها، أو خَوْفٌ على نَفْسِه أو أهْلِه أو مالِه،
الجزء: 28 - الصفحة: 139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأقامَ في طَلَبِ النُّقْلَةِ، أو انْتِظارًا لزَوالِ المانِعِ منها، أو خَرَج طالِبًا للنُّقْلَةِ فتَعَذَّرَت 695 عليه؛ إمَّا لكَوْنِه لم يَجِدْ مَسْكَنًا يَتَحَوَّلُ إليه، لتَعَذُّرِ الكِراءِ أو غيرِه، أو لم يَجِدْ بَهائِمَ يَنْتَقِلُ عليها، ولا يُمْكِنُه النُّقْلَةُ بدُونِها، فأقامَ ناويًا للنُّقْلَةِ متى قَدَر عليها، لم يَحْنَثْ وإن أقامَ أيَّامًا ولَيالِيَ؛ لأنَّ إقامَتَه من غيرِ اخْتِيارٍ منه، لعَدَمِ تَمَكنِه من النُّقْلَةِ، فإنَّه إذا لم يَجِدْ مَسْكَنًا لا يُمْكِنُه تَرْكُ أهْلِه، و 696 إلْقاءُ مَتاعِه في الطَّريقِ، فلم يَحْنَث به، كالمُقِيمِ للإِكْراهِ.
فإن أقامَ في هذا الوَقْتِ، غيرَ ناوٍ للنُّقْلةِ، حَنِث، ويكونُ نَقْلُه لِما يَحْتاجُ إلى نَقْلِه على ما جَرَت به 697 العادَةُ، فلو كان ذا مَتاعٍ كثير، فنَقَلَه قليلًا قليلًا على العادَةِ، بحيثُ لا يَتْرُكُ النَّقْلَ المُعْتادَ، لم يَحْنَثْ وإن أقامَ أيَّامًا، ولا يَلْزَمُه جَمْعُ دَوابِّ البلَدِ لنَقْلِه، ولا النَّقْلُ باللَّيلِ، ولا وقتَ الاسْتراحَةِ عندَ التَّعَبِ، ولا أوْقاتَ الصلواتِ؛ لأن العادَةَ لم تَجْرِ بالنَّقْلِ فيها.
فصل: ولو وَهَب رَحْلَه أو أوْدَعَه أو أعارَه وخَرَج وَحْدَه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ يَدَه زالت عن المَتاعِ.
وكذلك إن أُبتِ امْرَأتُه الخُروجَ معه، ولم يُمْكِنْه إكْراهُها، أو كان له عائِلَة فامْتَنَعُوا من الخُروجِ والانتِقالِ، ولم
الجزء: 28 - الصفحة: 140
وَإنْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا، فَبَنَيَا بَينَهُمَا حَائِطًا وَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ، حَنِثَ، وَإنْ كَانَ في الدَّارِ حُجْرَتَانِ، كُلُّ حُجْرَةٍ تَخْتَصُّ بِبَابِهَا وَمَرَافِقِهَا، فَسَكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ حُجْرَةً، لَمْ يَحْنَث.
يُمْكِنْه إخْراجُهم فتَرَكَهُم، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ هذا ممَّا لم يُمْكِنْه، فأشْبَهَ ما لم يُمْكِنْه نَقْلُه من رَحْلِه.
وإن تَرَدَّد إلى الدَّارِ لنَقْلِ المَتاعِ، أو عائِدًا، أو زائِرًا لصَدِيقٍ، لم يَحْنَثْ.
وقال القاضي: إن دَخَلَها ومِن رَأْيِه الجُلوسُ عندَه، حَنِث، وإلَّا فلا.
ولَنا، أنَّ هذا ليس بسُكْنَى، ولذلك لو حَلَف ليَسْكُنَنَّ دارًا، لم يَبَرَّ بالجُلُوسِ فيها على هذا الوَجْهِ، ولا يُسَمَّى ساكِنًا به 698 بهذا القَدْرِ، فلم يَحْنَثْ، كما لو لم يَنْو الجُلوسَ.
فصل: وإن حَلَف لا يُساكِنُ فُلانًا وهو مُساكِنُه، فالحُكْمُ في الاسْتِدامَةِ على ما ذَكَرْنا في الحَلِفِ على السُّكْنَى، وإنِ انْتَقَل أحَدُهما وبَقِيَ الآخَرُ، لم يَحْنَثْ؛ لزَوالِ المُساكَنَةِ.
4781 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يُساكِنُ فُلَانًا، فبَنَيا بينَهما حائِطًا وهما مُتَساكِنَان، حنث، وإن كان في الدَّارِ حُجْرَتان، كلُّ حُجْرَةٍ تَخْتَصُّ ببَابِها ومَرافِقِها، فسَكَنَ كلُّ واحِدٍ حُجْرَةً، لم يَحْنَثْ)
إذا كانا في دارٍ
الحديث: 4781 - الجزء: 28 - الصفحة: 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واحدةٍ حالةَ اليَمِينِ، فخَرَج أحَدُهما منها، وقَسَماها حُجْرَتَين، وفَتَحا لكلِّ واحدةٍ منهما بابًا، وبينَهما حاجِزٌ، ثم سَكَن كل واحدٍ منهما في حُجْرَةٍ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّهما غيرُ مُتَساكِنَين، وإن بَنَيَا الحاجِزَ بينَهما وهما مُتَساكِنان، حَنِث؛ لأنَّهما تَساكَنا قبلَ انْفِرادِ إحْدَى الدَّارَين مِن الأخْرَى.
وهذا قولُ الشَّافعيِّ 699. ولا نَعلمُ فيه خِلافًا.
فصل: وإن سَكَنا في دارٍ واحدَةٍ، كل واحدٍ في بَيتٍ ذِي بابٍ وغَلْقٍ، رُجِع إلى نِيَّتِه بيَمِينِه أو إلى سَبَبِها، وما دَلَّتْ عليه قَرائِنُ أحْوالِه في المَحْلُوفِ
الجزء: 28 - الصفحة: 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على المُساكَنَةِ فيه، فإن عُدِمَ ذلك، حَنِثَ.
وهذا قولُ مالكٍ.
وقال الشافعيُّ: إن كانتِ الدَّارُ صَغيرَةً، فهما مُتَساكِنان؛ [لأنَّ الصغيرةَ مَسْكَنٌ واحِدٌ، وإن كانت كبيرةً، إلَّا أنَّ أحدَهما في البيتِ و 700 الآخَرَ في الصُّفَّةِ، أو كانا في صُفَّتَين، أو بَيتَين ليس على أحدِهما غَلْقٌ دونَ صاحبِه، فهما مُتساكِنان] 701. وإن كانا في بَيتَين، كلُّ واحدٍ منهما له غَلْق، أو كانا في خَانٍ، فليسا مُتَساكِنَين؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَنْفَرِدُ بمَسْكَنِه دونَ الآخَرِ، فأشْبَها المُتَجاورَين.
فصل: وإن حَلَف: لا ساكَنْتُ فُلانًا في هذه الدَّارِ.
فقَسماها حُجْرَتَينِ، وبَنَيا بَينَهما حائِطًا، ومثَح كلُّ واحدٍ منهما بابًا لنفسِه، وسَكَنا فيهما 702، لم يَحْنَثْ؛ لِما 703 ذَكَرْنا في التي قبلَها.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقال مالكٌ: لا يُعْجِبُنِي ذلك.
ويَحْتَمِلُه قياسُ المذهبِ؛ لكَوْنِه عيَّنَ 704 الدَّارَ، فلا تَنْحَلُّ يَمِينُه بتَغْيِيرِها 705، كما لو حَلَف لا يَدْخُلُها، فصارَتْ فَضاءً.
الجزء: 28 - الصفحة: 143
وَإنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، فَخَرَجَ وَحْدَهُ دُونَ أهْلِهِ، بَرَّ، وَإنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الدَّارِ، فَخَرَجَ دُونَ أهْلِهِ، لَمْ يَبَرَّ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه لم يُساكِنْه فيها، لكَوْنِ المُساكَنَةِ في الدَّارِ لا تَحْصُلُ مع كَوْنِها (1) دارَين، وفارَقَ الدُّخولَ، فإنَّه دَخَلَها مُتَغَيِّرَةً.
4782 -
مسألة: (وإن حَلَف لَيَخْرُجَنَّ من هذه البَلْدَةِ، فخَرَجَ دُونَ أهْلِه)
لم يَحْنَثْ (وإن حَلَف لَيَخْرُجَنَّ مِن) هذه (الدَّارِ، فَخَرَجَ دُونَ أهْلِه، لم يَبَرَّ) إذا حَلَف ليَخْرُجَنَّ مِن هذه الدَّارِ، اقْتَضَتْ يَمِينُه الخُروجَ بنَفْسِه وأهْلِه، كما لو حَلَف لا يَسْكُنُها.
وإن حَلَف ليَخْرُجَنَّ مِن هذه البَلْدَةِ، تَناوَلَتْ يَمِينُه الخُروجَ بنَفْسِه؛ لأنَّ الدَّارَ يَخْرُجُ منها صاحِبُها في اليومِ مَرَّات عادَة 707، فظاهِرُ حالِه أنَّه لم يُرِدِ الخُروجَ المُعْتادَ، وإنَّما أرادَ الخُروجَ الذي هو النُّقْلَةُ، والخُروجُ من البَلَدِ بخلافِ ذلك.706
الحديث: 4782 - الجزء: 28 - الصفحة: 144
وَإنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، أو لَيَرْحَلَنَّ عَنْ هذِهِ الدَّارِ، فَفَعَلَ، فَهَلْ لَهُ الْعَوْدُ إِلَيهَا؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
4783 - مسألة: (وإن حَلَف لَيَخْرجَنَّ مِن هذه البَلْدَةِ، أو لَيَرْحَلَنَّ عن هذه الدَّارِ، ففَعَل، فهل له العَوْدُ إليها؟ على رِوَايَتَين)
إحْدَاهما، لا شيءَ عليه في العَوْدِ، ولا يَحْنَث به؛ لأنَّ يَمِينَه على الخُروجِ، وقد خَرَج، فانْحَلَّتْ يَمِينه بفِعْلِ ما حَلَف عليه، فلم يَحْنَثْ فيها 708 بعدُ.
والثانِيَة، يَحْنَث بالعَوْدِ؛ لأنَّ ظاهِرَ حالِه قَصْدُ هِجْرانِ ما حَلَف على الرَّحيلِ منه، ولا يَحْصُلُ ذلك بالعَوْدِ.
ويُمْكِن حَمْلُ هذه الرّوايَةِ على أنَّ للمَحْلُوفِ 709 عليه سَبَبًا 710 هَيَّجَ يَمِينَه، أو دَلَّتْ قَرِينَة حالِه على إرادَةِ هِجْرانِه، أو نَوَى ذلك بيَمِينِه، فاقْتَضَتْ يَمِينه دَوامَ اجْتِنابِها.
فإن لم يَكنْ كذلك، لم يَحْنَثْ بالعَوْدِ؛ لأنَّ اليَمِينَ تحْمَل 711 عندَ عَدَمِ ذلك على مُقْتَضَى اللَّفْظِ،
الحديث: 4783 - الجزء: 28 - الصفحة: 145
فَصْلٌ: وإنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا، وَيُمْكِنُهُ الامْتِنَاعُ فَلَمْ يَمْتَنِعْ، أوْ حَلَفَ لَا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا فَخَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَقَال الْقَاضِي: يَحْنَثُ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَحْنَثَ.
ومُقْتَضاه ههُنا الخُروجُ، وقد فَعَلَه، فانْحَلَّتْ يَمِينُه به.
وكذلك الحُكْمُ 712 إذا حَلَف على الرَّحيلِ من بَلَدٍ، لم يَبَرَّ إلَّا بالرَّحيلِ بأهْلِه.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (إذا حَلَف لا يَدْخُلُ دارًا، فحُمِلَ فأُدْخِلَها، ويُمْكِنُه الامْتِناعُ فلم يَمْتَنِعْ، أو حَلَف لا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا، فخَدَمَه وهو ساكِت، فقال القاضي: يَحْنَثُ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ) إذا حَلَف لا يَدْخُلُ دارًا، فحُمِلَ فأُدْخِلَها، فلم يُمْكِنْه الامْتِناعُ، لم يَحْنَثْ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ أبي طالبٍ.
وبه قال الشافعي، وأبو ثَوْرٍ،
الجزء: 28 - الصفحة: 146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأصحابُ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ الفِعْلَ غيرُ مَوْجودٍ منه، ولا مَنْسُوبٍ إليه.
فإن حُمِلَ بأمْرِه، فأُدْخِلَها، حَنِثَ؛ لأنَّه دَخَل مُخْتارًا، فأشْبَهَ ما لو دَخَل راكِبًا.
فإن حُمِلَ بغيرِ أمْرِه، لكنَّه أمْكَنَه الامْتِناعُ فلم يَمْتَنِعْ، حَنِثَ أيضًا.
اخْتارَه القاضي؛ لأنه دَخَلَها غيرَ مُكْرَهٍ، فأشْبَهَ ما لو حُمِلَ بأمْرِه.
وقال أبو الخَطَّابِ: في الحِنْثِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَحْنَثُ؛ [لأنَّه لم يَفْعَلِ الدُّخُولَ، ولم يَأمُرْ به، فأشْبَهَ ما لو لم يُمْكِنْه الامْتِناعُ.
ومتى دَخَل باخْتِيارِه، حَنِثَ] 713، سَواءٌ كان ماشِيًا، أو راكِبًا، أو مَحْمُولًا، أو ألْقَى نَفْسَه 714 في ماءٍ فَجَرَّه إليها، أو سَبَح فيها فَدَخَلَها، وسَواءٌ دَخَل مِن بابِها، أو تَسَوَّرَ حائِطَها، أو دَخَل مِن طاقَةٍ فيها، أو نَقَب حائِطَها، و 715 دَخَل مِن ظَهْرِها، أو غير ذلك.
الجزء: 28 - الصفحة: 147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن أُكْرِهَ بالضَّرْبِ ونَحْوه، فدَخَلَها، لم يَحْنَثْ، في أحَدِ الوَجْهَين.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
والثاني، يَحْنَثُ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي.
ونحوُه عن النَّخَعِيِّ؛ لأنه دَخَلَها وفَعَل ما حَلَف على تَرْكِه.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأَ، والنِّسْيانِ، ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» 716. ولأنَّه دَخَلَها مُكْرَهًا، فأشْبَهَ ما لو حُمِلَ فأُدْخِلَها مُكْرَهًا.
وكذلك إن حَلَف لا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا، فخَدَمَه وهو ساكِتٌ، فيه مِن الخلافِ ما ذكَرْناه في دُخولِ الدَّارِ؛ لأنَّه في مَعْناه.
فصل: وإن حَلَف لا يَسْتَخْدِمُ عَبْدًا، فخَدَمَه وهو ساكِت، لم يَأْمُرْه ولم يَنْهَه، فقال القاضي: إن كان عبدَه، حَنِثَ، وإن كان عبدَ غيرِه، لم يَحْنَثْ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ عبدَه يَخْدِمُه عِبادَةً 717 بحُكْمِ اسْتِحْقَاقِه ذلك عليه، فيكونُ معْنى يَمِينِه: لَا مَنَعْتُك خِدْمَتِي.
فإذا لم
الجزء: 28 - الصفحة: 148
وَإنْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ الْمَاءَ، أو لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ غَدًا، فَتَلِفَ الْمَحْلُوفُ عَلَيهِ قَبْلَ الْغَدِ، حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَحْنَثَ.
وإنْ مَاتَ الْحَالِفُ، لَمْ يَحْنَثْ.
يَنْهَه، لم يَمْنَعْه، فحَنِثَ (1)، وعبدُ غيرِه بخِلافِه.
وقال أبو الخَطَّابِ: يَحْنَثُ في الحالين؛ لأنَّ إقْرارَه على الخِدْمَةِ اسْتِخْدامٌ، ولهذا يقالُ: فلانٌ يَسْتَخْدِمُ عبدَه.
إذا خَدَمَه وإن لم يَأْمُرْه، ولأنَّه ما حَنِثَ به في عبدِه، حَنِث به في عبدِ غيرِه، [كسائِرِ الأشْياءِ.
وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ في الحالين؛ لأنَّه حَلَف على فِعْلِ نَفْسِه، فلا يَحْنَث بفِعْلِ غيرِه] (2)، كسائِرِ الأفْعالِ.
4784 -
مسألة: (وإن حَلَف لَيَشْرَبَنَّ)
هذا (الماءَ، أو لَيَضْرِبَنَّ غُلامَه غَدًا، فتَلِفَ المَحْلُوفُ عليه قبلَ الغَدِ، حَنِثَ عندَ الخِرَقِيِّ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ.
وإن مَاتَ الحَالِفُ، لم يَحْنَثْ) أمَّا إذا ماتَ الحالِفُ من يَوْمِه، فلا حِنْثَ عليه؛ لأنَّ الحنثَ إنَّما يحصُلُ بفواتِ المحلوف عليه في وقته، وهو الغَدُ، والحالِفُ قد خَرَج عن أهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ قبلَ الغَدِ،718719
الحديث: 4784 - الجزء: 28 - الصفحة: 149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلا يُمْكِنُ حِنْثُه.
وكذلك إن جُنَّ الحالِفُ من يَوْمِه، فلم يُفِقْ إلَّا بعدَ خُروجِ الغَدِ؛ لأنَّه خَرَج عن كَوْنِه مِن أهلِ التَّكْلِيفِ.
وإن هَرَب العبدُ، أو مَرِضَ هو أو الحالِفُ، أو نحو ذلك، فلم يَقْدِرْ على ضَرْبِ العَبْدِ، حَنِثَ؛ لأنَّه لم يَفْعَلْ ما حَلَف عليه، مع كَوْنِه مِن أهلِ التَّكْلِيفِ.
وإن لم يَمُتِ الحالِفُ، ففيه مسائِلُ سبعٌ 720؛ أحدُها، أن يَضْرِبَ العَبْد في غَدٍ، أيَّ وَقْتٍ كان منه، فإنَّه يَبَرُّ في يَمِينِه، بلا خِلافٍ.
الثانِيَةُ، أمْكَنَه ضَرْبُه في غَدٍ، فلم يَضْرِبْه حتى مَضَى الغَدُ، وهما في الحَياةِ 721، فيَحْنَثُ بلا خِلافٍ أيضًا.
الثالِثَةُ، ماتَ العبدُ من يَوْمِه، فإنَّه يَحْنَثُ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
ويَتَخَرجُ أن لا يَحْنَثَ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ.
والقولُ الثاني للشافعيِّ؛ لأنَّه فقدَ 722 ضَرْبَه بغيرِ اختِيارِه، فلم يَحْنَث، كالمُكرَهِ
الجزء: 28 - الصفحة: 150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والنَّاسِي.
ولَنا، أنَّه لم يَفْعَلْ ما حَلَف عليه في وَقْتِه، مِن غيرِ إكْرَاهٍ ولا نِسْيانٍ، وهو مِن أهْلِ الحِنْثِ، فحَنِثَ، كما لو أتْلَفَه 723 باخْتِيارِه، وكما لو حَلَف ليَحُجَّنَّ العامَ، فلم يَقْدِرْ على الحَجِّ؛ لمرَض، أو عَدَمِ النَّفَقَةِ، وفارَقَ الإكراهَ والنِّسيانَ، فإنَّ الامْتِناعَ لمَعْنًى في الحَالِفِ 724، وههُنا الامْتِناغُ لمَعْنًى في المَحَلِّ، فأشْبَهَ ما لو تَرَك ضَرْبَه لصُعُوبَتِه، أو تَرَك الحالِفُ الحَجَّ لصُعُوبَةِ الطَّريقِ وبُعْدِها عليه.
فأمَّا إن كان تَلَفُ المَحْلُوفِ عليه بفِعْلِه واخْتِيارِه، حَنِثَ، وَجْهًا.
واحِدًا؛ لأنَّه فَوَّتَ الفِعْلَ على نَفْسِه.
الجزء: 28 - الصفحة: 151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال القاضي: ويَحْنَثُ الحالِفُ ساعةَ مَوْتِه؛ لأنَّ يَمِينَه انْعَقَدَتْ مِن حِينِ حَلِفِه، وقد تَعَذَّرَ عليه الفِعْلُ، فحَنِثَ في الحالِ، كما لو لم يُؤَقِّتْ.
ويَتَخَرَّجُ أن لا يَحْنَثَ قبلَ الغَدِ؛ لأنَّ الحِنْثَ مُخالفَةُ ما عَقَدَ يَمِينَه عليه، فلا تحْصُلُ المُخالفَةُ إلَّا بتَرْكِ الفِعْلِ في وَقْتِه.
الرابِعَةُ، ماتَ العبدُ في غَدٍ قبلَ التَّمَكُّنِ من ضَرْبِه، فهو كما لو ماتَ في يَوْمِه.
الخامِسَةُ، ماتَ العبدُ في غَدٍ بعدَ التَّمَكُّنِ من ضَرْبِه، قبلَ ضَرْبِه، فإَّنه يَحْنَثُ، وَجْهًا واحدًا.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال بعضُهم: فيه قَوْلان.
ولَنا، أنَّه تَمَكَّنَ من ضَرْبِه في وَقْتِه، فلم يَضْرِبْه، فحَنِثَ، كما لو مَضَى الغَدُ قبلَ ضَرْبِه.
السادِسَةُ، ماتَ الحالِفُ في غَدٍ، بعدَ التَّمَكنِ من ضَرْبِه، فلم يَضْرِبْه، حَنِثَ، وَجْهًا واحدًا، لِما ذَكَرْنا.
السابِعَةُ، ضَرَبَه في يَوْمِه، فإنَّه لا يَبَرُّ.
وهذا قولُ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال القاضي، وأصحابُ أبي حنيفةَ: يَبَرُّ،
الجزء: 28 - الصفحة: 152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّ يَمِينَه للحَثِّ 725 على ضَرْبِه، فإذا ضَرَبَه اليومَ، فقد فَعَل المحلوفَ عليه وزِيادَةً، فأشْبَهَ ما لو حَلَف ليَقْضِيَنَّه حَقَّه 726 غَدًا، فقَضاه اليومَ.
ولَنا، أنَّه لم يَفْعَلِ المَحْلُوفَ عليه في وَقْتِه، فلم يَبَرَّ، كما لو حَلَف ليَصُومَنَّ يومَ الجُمُعَةِ، فصامَ يومَ الخميسِ، وفارَقَ قَضاءَ الدَّينِ، فإنَّ المقْصودَ تَعْجِيلُه لا غيرُ، وفي قَضاءِ اليومِ 727 زِيادَة في التَّعْجيلِ، فلا يَحْنَثُ فيها؛ لأَنه عُلِمَ من قَصْدِه إرادَةُ أن لا يَتَجاوَزَ غَدًا بالقَضاءِ، فصارَ كالمَلْفوظِ به، إذْ 728 كان مَبْنَى الأيمانِ على النِّيَّةِ، ولا يَصِحُّ قِياسُ ما ليس مثلُه عليه، وسائرُ المَحْلُوفاتِ لا يُعْلَمُ منها إرادَةُ التَّعْجيلِ عن الوَقْتِ الذي وَقَّتَه لها، فامْتَنَعَ الإلْحاقُ، وتَعَيَّنَ التَّمَسُّكُ باللَّفْظِ.
الثامنَةُ، ضَرَبَه بعدَ مَوْتِه، فلا يَبَرُّ؛ لأن اليَمِينَ تَنْصَرِفُ إلى ضَرْبِه حَيًّا، يَتَألَّمُ بالضَّرْبِ، وقد زال هذا بالموتِ.
التاسِعَةُ، ضَرَبَه ضَرْبًا لا يُولِمُه، لا يَبَرُّ؛ لِما ذَكَرْناه.
العاشِرَةُ، خَنَقَه، [أو نَتَف] 729 شَعَرَه، أو عَصَر ساقَه، بحيثُ يُؤْلِمُه، فإنَّه يَبرُّ؛ لأَنَّه
الجزء: 28 - الصفحة: 153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُسَمَّى ضَرْبًا، لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُنا له.
الحادِيَةَ عَشَرَةَ، جُنَّ العبدُ، فضَرَبَه، فإنَّه يَبَرُّ؛ لأَنَّه حَى يَتَأَلَّمُ بالضَّرْبِ.
وإن لم يَضْرِبْه، حَنِثَ.
وإن حَلَف لا يَضْرِبُه في غَدٍ، ففيه نحوُ هذه المَسائلِ.
ومتى فاتَ ضَرْبُه بمَوْتِه أو غيرِه، لم يَحْنَثْ؛ لأنه لم يَضْرِبْه.
4785 -
مسألة: وإن قال: واللهِ لَأشْرَبَنَّ ماءَ هذا الكُوزِ غَدًا.
فانْدَفَقَ اليَوْمَ.
أو: لآكُلَنَّ هَذَا الخُبْزَ غَدًا.
فتَلِفَ، فهو على نحو ما ذَكَرْنَا في العَبْدِ.
قال صالحٌ: سألْتُ أبي عن الرجلِ يَحْلِفُ أن يَشْرَبَ هذا
730 الماءَ، فانْصَبَّ؟ فقال: يَحْنَث.
وكذا لو حَلَف [أن يَأكُلَ] 731 هذا الرَّغِيفَ، فأكَلَه كلبٌ 732؟ قال: يَحْنَثُ؛ لأن هذا لا يَقْدِرُ عليه.
الحديث: 4785 - الجزء: 28 - الصفحة: 154
وإنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ، فَأبْرأهُ، فَهَلْ يَحْنَثُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فصل: ومَن حَلَفَ لا يَتَكَفَّلُ بمالٍ، فكَفَلَ ببَدَنٍ، فقال أصحابُنا: يَحْنَثُ؛ لأنَّ المال (1) يَلْزَمُه بكَفالتِه إذا تَعَذَّرَ إحْضارُ المَكْفولِ به.
قال شَيخُنا (2): والقياسُ أَنه لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لم يَكْفُلْ بمالٍ، وإنَّما يَلْزَمُه المالُ بتَعَذر إحْضارِ المَكْفُولِ به، وأمَّا قبلَ ذلك فلا يَلْزَمُه، ولأنَّ هذا لا يسَمَّى كَفالةً بالمالِ، ويَصِحُّ نَفْيُها عنه، فيقالُ: ما تَكَفَّلَ بمالٍ، إنَّما تَكَفَّلَ بالبَدَنِ.
وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
4786 -
مسألة: (وإن حَلَف لَيَقْضِيَنَّه حَقَّه، فأبْرَأه، فهل يَحْنَثُ؟ على وَجْهَين)
وذلك مَبْنِيٌّ على ما إذا حَلِف على فِعْلِ شيءٍ، فتَلِفَ قبلَ فِعْلِه، وفيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّه لم يَفْعَلْ ما حَلَف عليه.733734
الحديث: 4786 - الجزء: 28 - الصفحة: 155
وَإنْ مَاتَ الْمُسْتَحِقُّ فَقَضَى وَرَثَتَهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَقَال الْقَاضِي: يَحْنَثُ.
والثاني، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه مُنِعَ من فِعْلِه، فأشْبَهَ المُكْرَهَ على فِعْلِ ما حَلَف على [تَرْكِ فِعْلِه] (1)، وقد ذَكَرْنا ذلك في مَن حَلَف ليَضْرِبَنَّ غُلامَه غَدًا (2)، فتَعَذَّرَ ضَرْبُه.
4787 -
مسألة: (وإن ماتَ المُسْتَحِقُّ فقَضَى وَرَثَتَه، لم يَحْنَثْ)
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ قَضاءَ وَرَثَتِه يَقُومُ مَقامَ قَضائِه في إبْراء ذِمَّتِه، فكذلك في البِرِّ في يَمِينه.
وحُكِيَ عن القاضي أنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ قَضاؤُه، فأشْبَهَ ما لو حَلَف ليَضْرِبَنَّ عبدَه غَدًا، فماتَ العبدُ اليومَ.
ومَن735736
الحديث: 4787 - الجزء: 28 - الصفحة: 156
وَإنْ بَاعَهُ بِحَقِّهِ عَرْضًا، لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ، وَحَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي.
نَصَر قولَ أبي الخطَّابِ قال: مَوْتُ العَبْدِ يُخالِفُ ذلك؛ لأنَّ ضَرْبَ غيرِه لا يَقُومُ مَقامَ ضَرْبِه.
وقال أصحابُ الرَّأْي، وأبو ثَوْرٍ: تَنْحَلُّ اليَمِينُ بمَوْتِ المُسْتَحِقِّ، ولا يَحْنَثُ، سَواءٌ قَضَى وَرَثَتَه أو لم يَقْضِهم؛ لأنَّه تَعَذَّرَ عليه فِعْلُ (1) ما حَلَف عليه بغيرِ اخْتِيارِه، أشْبَهَ المُكْرَهَ.
وقد سَبَق الكلامُ على هذا في مسألَةِ مَن حَلَف ليَضْرِبَنَّ عَبْدَه غَدًا، فماتَ العبدُ اليومَ.
4788 -
مسألة: (وإن باعَه بحَقِّه عَرْضًا، لم يَحْنَثْ عندَ ابنِ حامِدٍ)
[لأنَّه قد قَضَاه] 738 حَقَّه.
وقال القاضي: يَحْنَثُ؛ لأنَّه لم يَقْض الحَقَّ الذي عليه بعَينِه.737
الحديث: 4788 - الجزء: 28 - الصفحة: 157
وإنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنهُ حَقَّهُ عِنْدَ رَأسِ الْهِلَالِ، فَقَضَاهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ في أوَّل الشَّهْرِ، بَرَّ.
4789 - مسألة: (وإن حَلَف لَيَقْضِيَنَّه حَقَّه عندَ رَأسِ الهِلَالِ)
أو مع رَأْسِه، أو إلى رَأْسِ الهِلَالِ، أو إلى اسْتِهْلَالِه، أو عندَ رَأْسِ الشَّهْرِ، أو مع رَأسِه (فقَضَاه عندَ غُرُوبِ الشَّمْسِ في أوَّلِ الشَّهْرِ، بَرَّ) في يَمِينِه.
الحديث: 4789 - الجزء: 28 - الصفحة: 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن أخَّرَ ذلك مع إمْكَانِه، حَنِثَ.
وإن شَرَع في عَدِّه أو كَيله 739 أو وَزْنِه، فتَأخَّرَ القَضاءُ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لم يَتْرُكِ القَضاءَ.
وكذلك إذا حَلَف ليَأكُلَنَّ هذا الطَّعامَ، في هذا الوَقتِ، فشَرَعَ في أكْلِه فيه، وتَأخَّرَ الفَراغُ لكَثْرَتِه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ أكلَه كلِّه غيرُ مُمْكِن في هذا الوَقتِ [ليَسِيرِ، فكانت يَمِينُه على الشُّرُوعِ منه في ذلك، أو على مُقارَنَةِ فِعْلِه لذلك الوقتِ] 740، للِعلْمِ بالعَجْزِ عن غيرِ ذلك.
ومذهبُ الشافعيِّ في هذا كما ذكَرنا.
الجزء: 28 - الصفحة: 159
وَإنْ حَلَفَ: لَا فَارَقْتُهُ حَتَّى أَستَوْفِيَ حَقِّي.
فَهَرَبَ مِنْهُ، حَنِثَ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَقَال الْخِرَقِيُّ: لَا يحْنثُ.
وَإنْ فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ وَحَكَمَ عَلَيهِ بِفِرَاقِهِ، خُرِّجَ عَلَى رِوَايَتَينِ.
4790 - مسألة: (وإِن حَلَف: لا فارَقْتُكَ حتى أسْتوْفِيَ حَقِّي)
منك (فَهَرَبَ منه، حَنِثَ.
نصَّ عليه.
وقال الخِرَقِيُّ: لا يَحْنَث.
وإن فَلَّسَه الحاكِمُ وحَكَم عليه بِفِراقِه، خُرِّجَ على رِوايَتَينِ) إذا حَلَف: لا فارَقْتُكَ.
ففيه عشرُ مسائِلَ 741؛ أحدُها، أن يُفارِقَه الحالِفُ مُخْتارًا، فيَحْنَثُ، [بلا خِلافٍ] 742، سَواءٌ أبْرأه من الحَقِّ أو فارَقَه، والحَقُّ عليه؛ لأنَّه فارَقَه قبلَ اسْتِيفاءِ حَقِّه منه.
الثانِيَةُ، فارَقَه مُكْرَهًا، فيُنْظَرُ؛ فإن كان حُمِلَ مُكْرَهًا حتى فارَقَه، لم يَحْنثْ، وإن أُكْرِهَ بالضَّرْبِ والتَّهْديدِ، لم يَحْنَثْ.
وفي قولِ أبي بكرٍ، يَحْنَثُ.
وفي النَّاسِي تَفْصِيلٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى.
الثالِثَةُ، هَرَب منه الغَرِيمُ بغَيرِ اخْتِيارِه، فلا يَحْنَثُ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأْي.
ورُوِيَ
الحديث: 4790 - الجزء: 28 - الصفحة: 160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن أحمدَ أَنه يحْنَثُ؛ لأنَّ مَعْنَى يَمِينِه أن لا تَحْصُلَ بينَهما فُرْقَةٌ، وقد حَصَلَتْ.
ولَنا، أنَّه حَلَف على فِعْلِ نَفْسِه في الفُرْقَةِ، [وما فَعَل] 743، ولا فعلَ باخْتِيارِه، فلم يَحْنَثْ، كما لو حَلَف: لا قُمْتُ.
فقامَ غيرُه.
الرابِعَةُ، أذِنَ له الحالِفُ في الفُرْقَةِ، ففارَقَه، فمَفْهُومُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه يَحْنَثُ.
الجزء: 28 - الصفحة: 161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الشافعيُّ: لا يحنث.
قال القاضي: وهو قولُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه لم يَفْعَلِ الفُرْقَةَ التي حَلَف أنَّه لا يَفْعَلُها.
ولَنا، أنَّ مَعْنَى يَمِينِه: لألْزَمَنَّكَ.
فإذا فارَقَه بإذْنِه فما لَزِمَه، ويُفارِقُ ما إذا هَرَب منه؛ لأنَّه فَرَّ بغيرِ اخْتِيارِه.
وليس هذا قولَ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّ الخِرَقِيَّ قال: فهَرَبَ منه.
فمَفْهُومُه أنَّه إذا فارَقَه بغيرِ هَرَبٍ أنَّه يَحْنَثُ.
الخامِسَةُ، فارَقَه مِن غيرِ إذْنٍ ولا هَرَبٍ، على وَجْهٍ تُمْكِنُه مُلازَمَتُه، والمَشْيُ معه، أو إمْساكُه، فهي كالتي قبلَها.
السادِسَةُ، قَضاهُ قَدْرَ حَقِّه، ففارَقَه ظَنًّا منه أنَّه قد وَفَّاه، فخَرَجَ رَدِيئًا أو بعضُه، فيُخَرَّجُ في الحِنْثِ رِوايتان، بِناءً على النَّاسِي.
وللشافِعِيِّ قَوْلان كالروايَتَين؛ أحدُهما، يَحْنَثُ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّه فارَقَه قبلَ اسْتِيفاءِ حَقِّه مُخْتارًا.
والثانِيَةُ، لا يَحْنَثُ.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي،
الجزء: 28 - الصفحة: 162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا وَجَدَها زُيُوفًا، وإن وَجَد أكثَرَها نُحاسًا أَنه يَحْنَثُ.
وإن وَجَدَها مُسْتَحَقَّةً، فأخَذَها صاحِبُها، خُرِّجَ أيضًا على الرِّوايَتَين في النَّاسِي؛ لأنَّه ظَانٌّ أنَّه مُسْتَوْفٍ حَقَّه، فأشْبَهَ ما لو وَجَدَها رَدِيئَةً.
وقال أبو ثَورٍ، وأصحابُ الرَّأي: لا يَحْنَثُ.
وإن عَلِمَ بالحالِ ففارَقَه، حَنِثَ؛ لأنه لم يُوَفِّه حَقَّه.
السابِعَةُ، فَلَّسَهُ الحاكِمُ، ففارَقَه، فإن ألْزَمَه الحاكِمُ، فهو كالمُكْرَهِ، وإن لم يُلْزِمْه مُفارَقَتَه، لكنْ فارَقَه لعِلْمِه بوُجوبِ مُفارَقَتِه، حَنِثَ؛ لأنَّه فارَقَه مِن غيرِ إكْراهٍ، فحَنِثَ، كما لو حَلَف لا يُصَلِّي، فوَجَبَتْ عليه صلاة فصَلَّاها.
الثامِنَةُ، أحاله الغَرِيمُ بحَقِّه، ففارَقَه، فإنَّه يَحْنَث.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يوسفَ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه قد بَرِئ إليه منه.
ولَنا، أنَّه ما اسْتَوْفَى حَقَّه منه، بدَليلِ أنَّه لم يَصِلْ إليه شيءٌ، ولذلك يَمْلِكُ المُطالبَةَ به،
الجزء: 28 - الصفحة: 163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فحَنِثَ، كما لو لم يُحِلْه.
فإن ظَنَّ أنَّه قد بَرَّ 744 بذلك 745، ففارَقَه، خُرِّجَ على الرِّوايَتَين.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
قال شيخُنا 746: والصَّحِيحُ أَنه يَحْنَثُ؛ لأنَّ هذا جَهْل بحُكمِ الشَّرْعِ فيه، فلا يَسْقُطُ عنه الحِنْثُ، كما لو جَهِل كَوْنَ اليَمِينِ مُوجِبَةً للكَفَّارَةِ.
فأمَّا إن كانت يَمِينُه: لا فارَقْتُك ولى قِبَلَكَ حَقٌّ.
فأحاله به، ففارَقَه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه 747 لم يَبْقَ له قِبَلَه حَقٌّ.
وإنْ أخَذَ به ضَمِينًا أو كَفِيلًا أو رَهْنًا، ففارَقَه، حَنِث بلا إشْكالٍ؛ لأنَّه يملكُ مُطالبَةَ الغَرِيمِ.
التاسِعَةُ، قَضاهُ عن حَقِّه عِوَضًا عنه، ثم فارَقَه، فقال ابنُ حامِدٍ: لا يَحْنَثُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه قد قَضاه حَقَّه، وبَرِئَ إليه منه بالقَضاءِ.
وقال القاضي: يَحْنَثُ؛ لأنَّ يَمِينَه على نَفْس الحَقِّ، وهذا بَدَلُه.
والأوَّلُ أوْلَى، إن شاءَ الله تعالى؛ لحُصُولِ المَقْصودِ به.
فإن كانت يَمِينُه: لا فارَقْتُكَ حتى تَبْرَأ من حَقِّي.
أو: ولِي قِبَلَكَ حَقٌّ.
لم يَحْنَثْ، وَجْهًا واحِدُا؛ لأنَّه لم يَبْقَ له قِبَلَه حَق.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
العاشِرَةُ، وَكَّلَ وَكِيلًا يَسْتَوْفِي له حَقه، فإن فارَقَه قبلَ اسْتِيفاءِ
الجزء: 28 - الصفحة: 164
وَإنْ حَلَفَ: لَا افْتَرَقْنَا.
فَهَرَبَ مِنْهُ، حَنِثَ.
الوَكِيلِ، حَنِثَ؛ لأنَّه فارَقَه قبلَ اسْتِيفاءِ حَقِّه.
وإنِ اسْتَوْفَى الوَكيلُ، ثم فارَقَه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ اسْتِيفاءَ وَكِيله اسْتِيفاءٌ له، [يَبْرأُ به] (1) غَرِيمُه، ويَصِيرُ في ضَمانِ المُوَكِّلِ (2). فأمَّا إنْ قال: لا فارَقْتَنِي حتى أسْتَوْفِيَ حَقِّي منك.
ففارَقَه المحْلُوفُ عليه مُخْتارًا، حَنِثَ، وإن أُكْرِهَ على فِراقِه، لم يَحْنَثْ.
وإن فارَقَه الحالِفُ مُخْتارًا، حَنِثَ، إلَّا على ما ذَكَرَه القاضي في تَأويلِ كلامِ الْخِرَقِيِّ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ، وسائِرُ الفُروعِ تَأْتِي ها هنا على نحو ما ذَكَرْنا.
4791 -
مسألة: (فإن حَلَف: لا افْتَرَقْنا. فهَرَبَ منه، حَنِثَ)
إذا هَرَب مِن المَحْلُوفِ عليه؛ لأنَّ يَمِينَه تَقْتَضِي أن لا تَحْصُلَ بينَهما فُرْقَةٌ بوَجْهٍ، وقد حَصَلَتِ الفُرْقَةُ بهَرَبِه، وإن أُكْرِها على الفُرْقَةِ، لم يَحْنَث، إلَّا على قَوْلِ مَن لا يَرَى الإكراهَ عُذْرًا.748749
الحديث: 4791 - الجزء: 28 - الصفحة: 165
وَقَدْرُ الْفِرَاقِ مَا عَدَّهُ النَّاسُ فِرَاقًا، كفُرْقَةِ الْبَيعِ.
وَاللهُ أعْلَمُ.
فصل: وإن حَلَف: لا فارَقْتُكَ حتى أُوَفِّيَكَ حَقَّكَ.
فأبْرَأَه الغَرِيمُ منه، فهل يَحْنَثُ؟ على وَجْهَين، بِناءً على المُكْرَهِ.
وإن كان الحَقُّ عَينًا، فوَهَبَها له الغَرِيمُ، فقَبِلَها، حَنِثَ؛ لأنَّه تَرَك إيفاءَها له باخْتِيارِه.
وإن قَبَضَها منه، ثم وَهَبَها إيَّاه، لم يَحْنَثْ.
وإن كانت يَمِينُه: لا أُفارِقُكَ ولَكَ قِبَلِي حَقٌّ.
لم يَحْنَثْ إذا أبرأهُ، أو وَهَبَ العَينَ له.
4792 -
مسألة: (وقَدْرُ الفِراقِ مَا عَدَّه النَّاسُ فِرَاقًا، كفُرْقَةِ البَيعِ)
وقد ذَكَرْناه في البَيعِ 750. وما نَوَاه بيَمِينِه ممَّا يَحْتَمِلُه لَفْظُه، فهو على ما نَواه.
واللهُ أعْلَمُ.
الحديث: 4792 - الجزء: 28 - الصفحة: 166
بابُ النَّذرِ
بابُ النَّذرِ
الأصْلُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْر﴾ 751. وقال سبحانه: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ 752. وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَتْ عائشةُ، رَضِيَ اللهُ عنها، قالتْ: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، ومَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ».
رَواه [السبعةُ غيرَ مسلمٍ] 753. وعن عِمْرانَ بنِ حُصَين، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «خَيرُكُمْ 754 قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِئُ قَوْمٌ يَنْذُرُون ولَا يُوفُونَ، ويَخُونُونَ ولَا يُؤْتَمَنُون 755، ويَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ».
الجزء: 28 - الصفحة: 167
وَهُوَ أنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ لِلّهِ تَعَالى شَيئًا.
وَلَا يَصِحُّ إلا مِنْ مُكَلَّفٍ،
رَواه (1) البخارِيُّ (2). وأجْمَعَ المسلمون على صِحَّةِ النَّذْرِ في الجُمْلَةِ، ووُجوبِ الوَفاءِ به.
فصل: ولا يُسْتَحَبُّ النَّذْرُ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ روَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه نَهَى عن النَّذْرِ، وقال: «إنَّه لَا يَأتِي بِخَيرٍ، وإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ».
مُتَّفَقٌ عليه (3). وهذا نَهْيُ كَراهَةٍ، لا نهْيُ تَحْرِيمٍ؛ لأنَّه لو كان حَرَامًا لَما مَدَح المُوفِينَ به؛ لأنَّ ذَنْبَهم (4) في ارْتِكابِ المُحَرَّم أشَدُّ مِن طاعَتِهم في وَفائِه، ولأنَّ النَّذْرَ لو كان مُسْتَحَبًّا، لفَعَلَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وأفاضِلُ أصحابِه.
4793 -
مسألة: (وهو أن يُلْزِمَ نَفْسَه للهِ تعالى شَيئًا)
فيَقُولَ:756757758759
الحديث: 4793 - الجزء: 28 - الصفحة: 168
مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا.
للهِ عليَّ أن أفْعَلَ كذا.
وإن قال: عليَّ نَذْرُ كَذَا.
لَزِمَه أيضًا؛ لأنَّه صَرَّع بلَفْظِ النَّذْرِ (ولا يَصِحُّ إلَّا مِن مُكَلَّفٍ، مُسْلِمًا كان أو كافِرًا) لأنَّه قَوْل يُوجِبُ على المُكَلَّفِ عِبادَةً أو مالًا، فلم يَصِحَّ مِن غيرِ المُكَلَّفِ، كالإِقْرارِ، ولأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، أشْبَهَ الطِّفْلَ.
ويَصِحُّ مِن الكافِرِ؛ لحديثِ عمرَ حينَ قال للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنِّي نَذَرْتُ [في الجاهليةِ] 760 أن اعتَكِفَ ليلةً في المسجدِ الحرامِ.
قال: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 761.
الجزء: 28 - الصفحة: 169
وَلَا يَصِحُّ إلا بِالْقَوْلِ، فَإِنْ نَوَاهُ مِنْ غَيرِ قَوْلٍ، لَمْ يَصِحَّ.
4794 - مسألة: (ولا يَصِحُّ إلَّا بالقولِ، فإن نَوَاه مِن غيرِ قَوْلٍ، لم يَصِحَّ)
لأنَّه مُوجِبٌ للكَفَّارَةِ في أحَدِ طَرَفَيه، فلم ينْعَقِدْ بالنِّيَّةِ، كاليَمِينِ.
الحديث: 4794 - الجزء: 28 - الصفحة: 170
وَلَا يَصِحُّ في مُحَالٍ وَلَا وَاجِبٍ، فَلَوْ قَال: لِلّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ.
أو: صَوْمُ رَمَضَانَ.
لَمْ يَنْعَقِدْ.
4795 - مسألة: (ولا يصِحُّ في مُحَالٍ ولا واجِبٍ، فلو قال: للهِ عليَّ صومُ أَمْسِ. أو: صَوْمُ رمضانَ. لم يَنْعَقِدْ)
لا يَنْعَقِدُ النَّذْرُ المُسْتَحيلُ، كصَوْمِ أمسِ، ولا يُوجِبُ شيئًا؛ لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ انْعِقادُه، ولا الوَفاءُ به؛ لأنَّه لو حَلَف على فِعْلِه، لم تَلْزَمْه كَفَّارَة، فالنَّذْرُ أوْلَى.
قال شيخُنا 762: وعَقْدُ البابِ في الصَّحيحِ مِن المذهبِ، أنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، ومُوجَبُه مُوجَبُها، إلَّا في لُزُوم الوفاء به، إذا كان قُرْبَةً و 763 أمْكَنَه فِعْلُه، ودَليلُ هذا الأصْلِ قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأختِ عُقْبَةَ، لمَّا نَذَرَتِ المَشْيَ ولم تُطِقْهُ: «وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا» 764. وفي روايةٍ: «فَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ» 765. قال أحمدُ: إليه أذْهَبُ.
وعن عُقْبَةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:
الحديث: 4795 - الجزء: 28 - الصفحة: 171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ اليَمِينِ».
أخْرَجَه مسلمٌ 766. وقولُ ابنِ عباس في التي نَذَرَتْ ذَبْحَ ابْنِها: كَفِّرِي يَمِينَكِ 767. ولأنَّه قد ثَبَت أنَّ حُكْمَه حكمُ اليَمِينِ في أحَدِ أقْسامِه وهو نَذْرُ اللَّجاجِ 768، فكذلك في سائِرِه، سِوَى ما اسْتَثْناه الشَّرْعُ.
فإن نَذَرَ واجِبًا، كالصلاةِ المَكْتُوبَةِ، فقال أصْحابُنا: لا يَنْعَقِدُ نَذْرُه.
وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ، لأنَّ النَّذْرَ التِزامٌ، ولا يَصِحُّ التزامُ ما هو لازمٌ له.
ويَحْتَمِلُ أن ينعقدَ نذْرُه مُوجِبًا لكَفَّارَةِ يَمِين إن تَرَكَه، كما لو حَلَف لا يَفْعَلُه ففَعَلَه، فإنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، وقد سَمَّاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَمِينًا، ولذلك لو نَذَرَ مَعْصِيَةً أو مُباحًا، لم يَلْزمْه، ويُكَفِّرُ إذا لم يَفْعَلْه.
الجزء: 28 - الصفحة: 172
وَالنَّذْرُ الْمُنْعَقِدُ عَلَى خَمْسَةِ أقْسَامٍ؛ أحَدُهَا، النَّذْرُ الْمُطْلَقُ؛ وَهُوَ أنْ يَقُولَ: لِلهِ عَلَيَّ نَذْرٌ.
فَتَجِبُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
4796 - مسألة: (والنَّذْرُ المُنْعَقِدُ على خَمْسَةِ أَقسام؛ أحَدُها، النَّذْرُ المُطْلَقُ، وهو أن يقولَ: لله عِليَّ نَذْرٌ. فتَجِبُ)
به (كَفَّارَةُ يَمِينٍ) في قولِ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباس، وجابِر، وعائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال الحسنُ، وطاوسٌ، وسالمٌ، والقاسمُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وسعيدُ بنُ جُبَير، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا إلَّا الشافعيَّ، قال: لا يَنْعَقِدُ نَذْرُه، ولا كَفَّارَةَ فيه.
ولَنا 769 ما روَى عُقْبَةُ بنُ عامِر، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذَا لَمْ يُسَمَّ، كَفَّارَةُ يَمِين».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 770، وقال: هذا حديث حسنٌ صَحِيحٌ غَريبٌ.
وهذا نَصٌّ، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينَا مِن الصحابَةِ والتابِعِين، ولا نَعْرِفُ لهم في عَصْرِهم مُخالِفًا، فيكونُ إجْماعًا.
الحديث: 4796 - الجزء: 28 - الصفحة: 173
الثَّانِي، نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ، وَهُوَ مَا يَقْصِدُ بِهِ الْمَنْعَ مِنْ شَيْءٍ، أو الْحَمْلَ عَلَيهِ، كَقَوْلِهِ: إِنْ كَلَّمْتُكَ فَلِلّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ.
أوْ: صَوْمُ سَنَةٍ.
أوْ: عِتْقُ عَبْدِي.
أو: الصَّدَقَةُ بِمَالِي.
فَهَذَا يَمِين، يُخَيَّرُ بَينَ فِعْلِهِ وَالتَّكْفِيرِ.
(الثاني، نَذْرُ اللَّجَاجِ والغَضَبِ، وهو ما يَقْصِدُ به المَنْعَ مِن شيءٍ، أو الحَمْلَ عليه، كقَوْلِه: إن كَلَّمْتُكَ فَلِله علَيَّ الحَجُّ.
أو: صَوْمُ سَنَةٍ.
أو: عِتْقُ عَبْدِي.
أو: الصَّدَقَةُ بمالِي.
فهذا يَمِينٌ، يُخَيَّرُ بينَ فِعْلِه) وبينَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ؛ لِما روَى عِمْرانُ بن حُصَين، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «لَا نَذْرَ في غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
رَواه سعيدٌ،
الجزء: 28 - الصفحة: 174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «سُنَنِه» 771. وعن أحمدَ أنَّ الكَفَّارَةَ تَتَعَيَّنُ عليه، ولا يُجْزِئُه غيرُها؛ للخَبَرِ.
والأوَّلُ ظاهِرُ المذهَبِ، لأنَّها يَمِين، فيُخَيَّرُ فيها بينَ الأمْرَين،
الجزء: 28 - الصفحة: 175
الثَّالِثُ، نَذْرُ الْمُبَاحِ، كَقَوْلِهِ: للهِ عَلَيَّ أنْ ألْبَسَ ثَوْبِي.
أوْ: أرْكَبَ دَابَّتِي.
فَهَذَا كَالْيَمِينِ، يَتَخَيَّرُ بَينَ فِعْلِهِ وَبَينَ كَفَّارَةِ يمِينٍ.
كاليَمِينِ باللهِ تعالى، ولأنَّ هذا جمَعَ الصِّفَتين، فَيَخْرُجُ عن العهْدَةِ بكُلِّ واحدَةٍ منهما.
(الثالِثُ، نَذْرُ المُباحِ، كقولِه: لله عِليَّ أنْ ألْبَسَ ثَوْبِي.
أو: أرْكَبَ دابَّتِي.
فهذا كاليَمِينِ، يَتَخَيَّرُ بينَ فِعْلِه وبينَ كَفَّارَةِ يَمِين) لِما رُوِيَ أنَّ امرأةً أتتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالتْ: إنِّي نَذَرْتُ أن أضْرِبَ على رَأْسِكَ بالدُّفِّ.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أوْفِ بِنَذْرِكِ».
رَواه أبو داودَ 772. ولأنَّه لو حَلَف على فِعْلِ مُباح، بَرَّ بفِعْلِه، فكذلك إذا نَذَرَه؛ لأنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ.
وإن شاءَ تَرَكَه وعليه كَفَّارةُ يَمِين، كما لو حَلَف ليَفْعَلَنَّه، فلم يَفْعَلْ.
ويَتَخَرَّجُ أن لا كَفَّارَةَ فيه، فإنَّ أصحابَنا قالوا: مَن نَذَر أن يَعْتَكِفَ
الجزء: 28 - الصفحة: 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في مسجدٍ مُعَيَّن، أو يُصَلِّيَ فيه، كان له أن يُصَلِّيَ ويَعْتَكِفَ في غيرِه، ولا كَفَّارَةَ عليه، ومَن نَذَر أن يَتَصَدَّقَ بمالِه كلِّه، أجْرَأَتْه الصَّدَقَةُ بثُلُثِه بلا كَفَّارَةٍ.
وهذا مثلُه.
وقال مالكٌ، والشافِعِيُّ: لا يَنْعَقِدُ نَذْرُه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - «لَا نَذْرَ إلَّا فِيمَا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ» 773. وروَى ابنُ عباسٍ، قال: بَينَا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ، إذا هو برجلٍ قائمٍ، فسَألَ عنه، فقالوا: أبو إسرائيلَ، نذرَ أن يقومَ في الشمسِ، ولا يَسْتَظِلَّ، ولا يَتَكَلَّمَ، ويصومَ.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مُرُوهُ فَلْيَجْلِسْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيُتمَّ صَوْمَهُ».
رَواه البخاريُّ 774. وعن أنَسٍ، قال: نَذَرَتِ امرأةٌ أن تَمْشِيَ إلى بيتِ اللهِ، فسُئِلَ نبيُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: «إنَّ اللهَ لغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِها، مُرُوهَا فَلْتَرْكَبْ».
قال التِّرْمِذِيُّ 775: هذا حديث صَحِيحٌ.
ولم يأمُرْ بكَفَّارَةٍ.
ورُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأى رجلًا يُهادَى بينَ اثْنَين، فسألَ عنه، فقالوا: نَذَرَ أن يَحُجَّ ماشِيًا.
فقال: «إنَّ
الجزء: 28 - الصفحة: 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيب هذَا نَفْسَهُ، مُرُوهُ فَلْيَرْكَبْ».
مُتَّفَقٌ عليه 776. ولم يَأْمُرْه بكَفَّارَةٍ.
ولأَنَّه نَذْرٌ غيرُ مُوجِبٍ 777 لفِعْلِ ما نَذَرَه، فلم يُوجِبْ كَفَّارَةً، كنَذْرِ المُسْتَحيلِ.
ولَنا، ما تقَدَّمَ في قِسْمِ نَذْرِ اللَّجَاجِ 778 والغَضَب، فأمَّا حديثُ التي نَذَرَتِ المَشْيَ، فقد أمَرَ فيه بالكَفَّارَةِ في حديثٍ آَخَرَ، فروَى عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، أنَّ أُخْتَه نَذَرَتْ أن تَمْشِيَ إلى بيتِ الله الحَرامِ، فسألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: «مُرُوهَا فَلْتَرْكَبْ، وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا».
أخْرَجَه أبو داودَ 779. وهذه زِيادَةٌ يجبُ الأخْذُ بها، ويجوزُ أن يكونَ الرَّاوي للحديثِ روَى البعضَ وتَرَك البعضَ، أو يكونَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - تَرَكَ 780 ذِكْرَ الكَفَّارَةِ في بعضِ الحديثِ، إحالةً على ما عُلِمَ مِن حَدِيثِه في مَوْضِعٍ آخَرَ.
الجزء: 28 - الصفحة: 178
فَإِنْ نَذَرَ مَكرُوهًا، كَالطَّلاقِ، اسْتُحِبَّ أنْ يُكَفِّرَ وَلَا يَفْعَلَهُ.
الرَّابعُ، نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ، كَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَصَوْمِ يَوْمِ الْحَيضِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ، فَلَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَيُكَفِّرُ،
4797 - مسألة: (فإن نَذَر مَكْرُوهًا، كالطَّلاقِ)
فإنَّهُ مَكْرُوهٌ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلىَ اللهِ الطَّلاقُ» 781 (اسْتُحِبَّ أن يُكَفِّرَ ولا يَفْعَلَه) لأنَّ تَرْكَ المَكْرُوهِ أوْلَى مِن فِعْلِه، فإن فَعَلَه فلا كَفَّارَةَ عليه، والخِلافُ فيه كالذي قبلَه.
(الرابعُ، نَذْرُ المَعْصِيَةِ، كشُرْبِ الخَمْرِ، وصَوْم يومِ الحَيضِ، ويومِ العيدِ، فلا يجوزُ الوَفاءُ به، ويُكَفِّرُ) لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ
الحديث: 4797 - الجزء: 28 - الصفحة: 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَذَرَ أنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ» 782. ولأنَّ مَعْصِيَةَ اللهِ لا تُباحُ في حالٍ.
ويَجِبُ على النَّاذِرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
رُوِيَ نحوُ هذا عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وعِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، وسَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه.
ورُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه لا كَفَّارَةَ عليه، وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاءَ اللهُ تعالى.
الجزء: 28 - الصفحة: 180
إلا أنْ يَنْذِرَ نَحْرَ وَلَدِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، أنَّهُ كَذَلِكَ.
وَالثَّانِيَةُ، يَلْزَمُهُ ذَبْحُ كَبْشٍ.
4798 - مسألة: (إلَّا أن يَنْذِرَ ذَبْحَ وَلَدِه، ففيه رِوَايتان؛ إحْدَاهُما، أنَّه كذلك. والثَّانِيَةُ، يَلْزَمُه ذَبْحُ كَبْشٍ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في مَن قال: إن فَعَلْتُ كذا، فلِلّه عليَّ نَحْرُ وَلَدِي.
أو يقولُ: وَلَدِي نَحِيرٌ إن فَعَلْتُ كذا.
أو نَذَر ذَبْحَ وَلَدِه مُطْلَقًا، غيرَ مُعَلَّقٍ بشَرْطٍ.
فعن أحمدَ، عليه كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وهذا قياسُ المذهبِ؛ لأنَّ هذا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، أوْ نَذْرُ لَجاجٍ، وكِلاهما يُوجِبُ الكَفَّارَةَ.
وهو قولُ ابنِ عباس؛ فإنَّه قال لامرأةٍ نَذَرَتْ أن تَذْبَحَ ابْنَها: لا تَنْحَرِي ابْنَكِ، وكَفِّرِي عن يَمِينكِ 783. والرِّوايةُ الثانِيَةُ، كَفَّارتُه ذَبْحُ كَبْشٍ، ويُطْعِمُه المساكينَ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عباسٍ أيضًا؛
الحديث: 4798 - الجزء: 28 - الصفحة: 182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّ نَذْرَ ذَبْحِ الوَلَدِ جُعِلَ في الشَّرْعِ كنذْرِ ذَبْحِ شاةٍ، بدَليلِ أنَّ الله تعالى أمَرَ إبراهيمَ عليه السَّلامُ، بذَبْحِ وَلَدِه، وكان [أُمِرَ أن يَذْبَحَ] 784 شاةً، وشَرْعُ مَن قَبْلَنَا شَرْعٌ لنا ما لم يَثْبُتْ نَسْخُه، ودليلُ أنَّه أُمِرَ بذَبْحِ شاةٍ، أنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بالفَحْشاءِ ولا بالمَعاصِي، وذَبْحُ الوَلَدِ مِن كَبائِرِ المعاصِي، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ 785. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أكْبَرُ الكَبَائِرِ أنْ تَجْعَلَ لِله نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ».
قِيلَ: ثم أيٌّ؟ قال: «أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» 786. وقال الشافِعِيُّ: ليس هذا بشيءٍ، ولا يَجِبُ به شيءٌ؛ لأنَّه نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، لا يَجِبُ 787 الوَفاءُ به، ولا يجوزُ، ولا تَجِبُ به كَفَّارَةٌ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» 788. ولَنا، قولُه عليه
الجزء: 28 - الصفحة: 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصلاةُ والسلامُ: «لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ، وكَفَّارَتُه كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
رَواه سعيدٌ، في «سُنَنِه» 789. ولأنَّ النَّذْرَ حُكْمُه حكمُ اليَمِينِ، بدليلِ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «النَّذْرُ حَلْفَةٌ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» 790. فيكونُ بمَنْزِلَةِ مَن حَلَف ليَذْبَحَنَّ وَلَدَه.
وقولُهم: إنَّ النَّذْرَ لذَبْحِ الوَلَدِ كِنايَةٌ عن ذَبْحِ كَبْشٍ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّ إبراهيمَ، عليه السَّلامُ، لو كان مَأْمُورًا بذَبْحِ كَبْشٍ، لم يَكُنِ الكَبْشُ فِداءً، ولا كان مُصَدِّقًا للرُّؤْيَا قبلَ ذَبْحِ الكَبْشِ، وإنَّما أُمِرَ بِذَبْحِ ابنِه ابْتِلاءً 791، ثم فُدِيَ بذَبْحِ الكَبْشِ، وهذا أمْرٌ اخْتَصَّ به إبراهيمُ - عليه السلام -، لا يَتَعَدَّاه إلى غيرِه، لحِكْمَةٍ عَلِمَها اللهُ تعالى فيه، ثم لو كان إبراهيمُ مَأْمُورًا بذَبْحِ كَبْشٍ، فقد وَرَد شَرْعُنا بخِلافِه، فإنَّ نَذْرَ ذَبْحِ الابنِ ليس بقُرْبَةٍ في شَرْعِنا، ولا مُباحٍ،
الجزء: 28 - الصفحة: 184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بل هو مَعْصِيَةٌ، فتكونُ كَفَّارَتُه ككَفَّارَةِ 792 سائِرِ نُذُورِ المَعاصِي.
فصل: فإن نَذَر ذَبْحَ نَفْسِه، أو أجْنَبِيٍّ، ففيها أيضًا عن أحمدَ رِوايَتان، فنَقَل ابنُ مَنْصُورٍ عن أحمدَ، في مَن نَذَر ذَبْحَ نفْسِه إذا حَنِث: يَذْبَحُ شاةً، وكذلك إن نَذَر ذَبْحَ أجْنَبِيٍّ؛ لأنَّ ذلك يُرْوَى عن ابنٍ عباسٍ.
والذي قال: أنا أنْحَرُ فُلانًا.
فقال: عليه كَبْشٌ.
ولأنَّه نَذَر ذبْحَ آدَمِيٍّ، فكان عليه ذَبْحُ كَبْشٍ، كنَذْرِ ذَبْحِ ابْنِه.
والثانِيَةُ، عليه كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ لأنَّه نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، فكان مُوجَبُه كَفَّارَةً؛ لِما ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ.
ورَوَى الجُوزْجَانِيُّ، بإسْنادِه عن الأوْزاعِيِّ، قال: حَدَّثَنِي أبو عُبَيدٍ، قال: جاءَ رجلٌ إلى ابنِ عمرَ، فقال: إنِّي نَذَرْتُ أن أنْحَرَ نَفْسِي.
قال 793: فتَجَهَّمَه ابنُ عمرَ، وأفَّفَ منه، ثم أتَى ابنَ عباسٍ، فقال له: أهْدِ مِائَةَ بَدَنَةٍ 794. ثم أتَى عبدَ الرحمنِ بنَ الحارِثِ بنِ هِشامٍ، فقال: أَرَأَيتَ لو نَذَرْتَ أن لا تُكَلِّمَ أباكَ أو أخاكَ؟ إنَّما هذه خُطْوَةٌ مِن خُطُواتِ الشَّيطانِ، اسْتَغْفِرِ اللهَ، وتُبْ إليه.
فرَجَعَ إلى ابنِ عباسٍ فأخْبَرَه، فقال: أصابَ عبدُ الرحمنِ.
ورَجَع ابنُ عباسٍ عن قَوْلِه.
والصحيحُ أنَّ هذا نَذْرُ
الجزء: 28 - الصفحة: 185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَعْصِيَةٍ، حُكْمُه حُكْمُ نَذْرِ 795 سائِرِ المعاصِي لا غيرُ.
فصل: قال أحمدُ، في امرأةٍ نَذَرَت نَحْرَ وَلَدِها، ولها ثلاثةُ أوْلادٍ: تَذْبَحُ عن كلِّ واحدٍ كَبْشًا، وتُكَفِّرُ عن يَمينِها.
وهذا على قولِنا: إنَّ كفَّارَةَ نَذْرِ ذَبْحِ الوَلَدِ ذَبْحُ (1) كبشٍ.
جُعِل عن كلِّ واحدٍ؛ لأنَّ لَفْظَ الواحِدِ إذا أُضِيف اقْتَضَى التَّعْمِيمَ، فكان عن كلِّ واحدٍ كَبْشٌ.
فإن عَيَّنَتَ بنَذرِها واحِدًا فإنَّما عليها كَبْشٌ واحدٌ، بدليلِ أنَّ (1) إبراهيمَ - عليه السلام -، لَمَّا أُمِرَ بذَبْحِ ابْنِه الواحدِ، فُدِي بكَبْشٍ واحدٍ، ولم يُفْدَ غيرُ مَن أُمِرَ بذَبْحِه
الجزء: 28 - الصفحة: 186
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَنْعَقِدَ نَذْرُ الْمُبَاحِ وَلَا الْمَعْصِيَةِ، وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ، وَلِهَذَا قَال أصْحَابُنَا: لَوْ نذَرَ الصَّلَاةَ أوْ الاعْتِكَافَ في مَكَانٍ
مِن أوْلادِه، كذا ههُنا، وعبدُ المُطَّلِبِ لَمَّا نَذَر ذَبْحَ ابنٍ مِن بَنِيه إن بَلَغُوا عَشَرَةً، لم يَفْدِ منهم إلَّا واحِدًا.
وسَواءٌ نَذَرَتْ مُعَينَّا أو عَيَّنَتَ واحدًا غيرَ مُعَيَّنٍ، فأمَّا قولُ أحمدَ: وتُكَفِّرُ يَمِينَها.
فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّ ذَبْحَ (1) الكِباشِ كَفَّارَةُ يَمينِها (2). ويَحْتَمِلُ أنَّه كان مع نَذْرِها يَمِينٌ.
فأمَّا على الرِّوايَةِ الأُخرَى، تُجْزِئُها كَفَّارَةُ يَمِينٍ، على ما سَبَق.
4799 -
مسألة: (ويَحْتَمِلُ أن لا يَنْعَقِدَ نَذْرُ المُباحِ ولا المَعْصِيَةِ، ولا تَجِبُ به كَفَّارَةٌ، ولهذا قال أصحابُنا: مَن نَذَر الاعْتِكافَ
796797 الحديث: 4799 - الجزء: 28 - الصفحة: 187
مُعَيَّنٍ، فَلَهُ فِعْلُهُ في غَيرِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ.
أو الصلاةَ في مَكانٍ مُعَيَّن، فله فِعْلُهُ في غَيرِه، ولا كَفَّارَةَ) وقد رُويَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على ذلك، فَإنَّه قال في مَن نَذَر لَيَهْدِمَنَّ دارَ غيرِه لَبِنَةً لَبِنَةً: لا كَفَّارَةَ عليه [وهذا في معناه.
و] 798 رُويَ هذا عن مَسْرُوقٍ، والشَّعْبِيِّ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللهِ، ولَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ».
رَواه مسلمٌ 799. والمذهبُ أنَّ عليه الكَفَّارَةَ، وقد ذَكَرْناه في نَذْرِ المُباحِ.
ووَجْهُه ما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ، وكَفَّارَتُه كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 800، وقال: هذا حديثٌ غَرِيبٌ.
فصل: وإن نَذَر فِعْلَ طاعَةٍ وما 801 ليس بطاعَةٍ، لَزِمَه فِعْلُ الطَّاعَةِ، كالذي في خَبَرِ أبي إسْرائيلَ 802، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَه بإتْمامِ الصَّوْمِ، وتَرْكِ ما سِوَاه؛ لكَوْنِه ليس بطاعَةٍ.
وفي وُجوبِ الكَفَّارَةِ لِمَا تَرَكَه رِوايتان، على ما ذَكَرْناه.
وقد رَوَى عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، أنَّ أُخْتَه نَذَرَتْ أن تَمْشِيَ إلى بيتِ اللهِ الحَرامِ حافِيَةً غيرَ مُخْتَمِرَةٍ، فذَكَر عُقْبَةُ ذلك لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «مُرْ أُخْتَكَ فَلْتَرْكَبْ، وَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثةَ
الجزء: 28 - الصفحة: 188
وَلَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مَالِهِ، فَلَهُ الصَّدَقَةُ بِثُلُثِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيهِ.
أَيَّامٍ».
رَواه الجُوزْجَانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ (1). فإن كان المَتْرُوكُ خِصالًا كثيرةً (2)، أجْزَأتْه كَفَّارَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّه نَذْرٌ واحدٌ، فتكونُ كفَّارَتُه واحِدَةً، كاليمينِ الواحدةِ على أفْعالٍ، ولهذا لم يَأْمُرِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أُخْتَ عُقْبَةَ بنِ عامِر في تَرْكِ التَّحَفِّي (3) والاخْتِمارِ، بأكثرَ مِن كَفَّارَةٍ.
4800 -
مسألة: (ولو نَذَر الصَّدَقَةَ بكلِّ مالِه، فَله الصَّدَقَةُ بثُلُثِه، ولا كَفَّارَةَ عليه)
لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال لأبي لُبَابَةَ، حينَ قال: إنَّ مِن تَوْبَتِي يا رسولَ اللهِ أن أنخَلِعَ مِن مالِي.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:803804805
الحديث: 4800 - الجزء: 28 - الصفحة: 189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ» 806. وبهذا قال الزُّهْرِيُّ، ومالكٌ.
وقال رَبيعَةُ: يَتَصَدَّقُ منه بقَدْرِ الزَّكاةِ؟ لأنَّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ على مَعْهودِ الشَّرْعِ، ولا يَجِبُ في الشَّرْعِ إلَّا قَدْرُ الزَّكاةِ.
وعن جابرِ بنِ زيدٍ، قال: إنْ كان كثيرًا -وهو ألْفان- تَصَدَّق بعُشْرِه، وإن كان مُتَوَسِّطًا -وهو ألْفٌ- تصَدَّق بسُبْعِه، وإن كان قليلًا -وهو خَمْسُمائةٍ- تصَدَّق بخمْسِه 807. وقال أبو حنيفةَ: يَتَصَدَّقُ بالمالِ الزَّكَويِّ كلِّه.
وعنه في غيرِه 808 رِوايَتان؛ إحْدَاهما، يَتَصَدَّقُ به.
والثانِيَةُ، لا يَلْزَمُه منه شيء.
وقال النَّخَعِيّ، والبَتِّيُّ، والشافعيُّ: يَتَصَدَّقُ بمالِه كلِّه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:
الجزء: 28 - الصفحة: 190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«مَنْ نَذَر أنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطعْهُ» 809. ولأنَّه نَذْرُ طاعَةٍ، فلَزِمَه الوَفاءُ به، كنَذْرِ الصلاةِ والصِّيامِ.
ولَنا، حديثُ أبي لُبَابَةَ المذْكُورُ.
وعن كَعْبِ بنَ مالكٍ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ مِن تَوْبَتِي أن أنْخَلِعَ مِن مالِي صَدَقَةً إلى الله وإِلى رسولِه.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أمْسِكْ عَلَيكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خيرٌ لَكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 810. ولأبي داودَ: «يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ».
قالوا: ليس هذا بنَذْرٍ، وإنَّما أرادَ الصَّدَقَةَ بجَمِيعِه، فأمرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالاقْتِصارِ [على ثُلُثِه، كما أمَرَ سعدًا حينَ أرادَ الوَصِيَّةَ بجَمِيعِ مالِه، فأمَرَه بالاقْتِصارِ على] 811 الثُّلُثِ، وليس هذا مَحَلَّ النِّزاعِ، إنَّما النِّزاعُ في مَن نَذَر الصدقةَ بجميعِه.
قُلْنا: عنه جوابان؛
الجزء: 28 - الصفحة: 191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحدُهما، أنَّ قولَه: «يُجْزِئُكَ [مِن ذلك] 812 الثُّلُثُ».
دليلٌ على أنَّه أتَى بلَفْظٍ يَقْتَضِي الإِيجابَ؛ لأنَّها إنَّما تُسْتَعْمَلُ غالِبًا في الواجباتِ، ولو كان مُخَيَّرًا بإرادَةِ الصَّدَقَةِ، لَما لَزِمَه شيءٌ يُجْزِء عنه بعضُه.
الثاني، أنَّ مَنْعَه مِن الصدقَةِ بزيادةٍ على الثُّلُثِ، دليلٌ على أنَّه ليس بقُرْبَةٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لا يَمْنَعُ أصْحابَه مِن القُرَبِ، ونَذْرُ ما ليس بقُرْبَةٍ لا يَلْزَمُ الوَفاءُ به.
ولَنا، على أبي حنيفةَ، أنَّ غيرَ الزَّكَويِّ مالٌ، فتَناوَلَه النَّذْرُ، كغيرِ 813 الزَّكَويِّ.
وما قاله رَبيعَةُ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ هذا ليس بزَكاةٍ، ولا في مَعْناها، فإنَّ الصدقةَ وَجَبَتْ لإِغْناءِ الفُقَراءِ ومُواساتِهِم، وهذه صَدَقَةٌ تَبَرَّع بها صاحبُها تَقَرُّبًا إلى اللهِ تعالى، ثم إنَّ المَحْمُولَ على مَعْهُودِ الشَّرْعِ المُطْلَقُ، وهذه صَدَقَةٌ مُعَيَنة غيرُ مُطْلَقَةٍ، ثم تَبْطُلُ بما لو نَذَر صِيامًا، فإنَّه لا يُحْمَلُ على صومِ رمضانَ، وكذلك الصلاةُ.
وما ذَكَرَه جابِرُ بنُ زَيدٍ، فهو تَحَكُّمٌ بغيرِ
الجزء: 28 - الصفحة: 192
وإنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِأَلفٍ، لَزِمَهُ جَمِيعُهُ.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ ثُلُثُهُ.
دليلٍ.
4801 -
مسألة: (وإن نَذَر الصَّدَقَةَ بألْفٍ، لَزِمَه جَمِيعُه. وعنه، يُجْزِئُه ثُلُثُه)
إذا نَذَر الصَّدَقَةَ بمُعَيَّن مِن مالِه، أو بمُقَدَّرٍ، كأَلفٍ، فرُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه الله، أنَّه يُجْزِئُه ثُلُثُه، لأنَّه مالٌ نَذَر الصدقةَ به، فأجْزَأَه ثُلُثُه، كجَمِيعِ المالِ.
والصَّحِيحُ في المذهبِ لُزومُ الصدقةِ بجَميعِه، لأنَّه مَنْذُورٌ، وهو قُرْبَةٌ، فلَزِمَه الوَفاءُ به، كسائرِ المَنْذُوراتِ، ولعُمومِ قولِه سبحانَه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ 814. وإنَّما خُولِفَ هذا في جميعِ المالِ، للأثَرِ فيه، ولِما في الصدقةِ بالمالِ كلِّه مِن الضَّرَرِ اللَّاحِقِ به، اللَّهُمَّ إلَّا أن يكونَ المَنْذُورُ ههُنا يَسْتَغْرِقُ جميعَ المالِ، فيكونَ كنَذْرِ ذلك.
ويحْتَمِلُ أنَّه إن كان المَنْذُورُ ثُلُثَ المالِ فما دونَ، لَزِمَه وَفاءُ نَذْرِه، وإن زادَ على الثُّلُثِ، لَزِمَه الصدقةُ بقَدْرِ الثُّلُثِ منه، لأنَّه حُكْم يُعْتَبَرُ فيه الثُّلُثُ، فأشْبَهَ الوَصِيَّةَ به.
الحديث: 4801 - الجزء: 28 - الصفحة: 193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا نَذَر الصدقةَ بقَدْرٍ مِن المالِ، فأبْرَأ غَرِيمَه مِن قَدْرِه، يَقْصِدُ به وَفاءَ النَّذْرِ، لم يُجْزِئْهُ، وإن كان الغَرِيمُ مِن أهلِ الصَّدَقَةِ.
قال أحمدُ: لا يُجْزِئُه حتى يَقْبِضَه.
وذلك لأنَّ الصدقةَ تَقْتَضِي التَّمْلِيكَ، وهذا إسْقاط، فلم يُجْزِئْهُ، كما في الزَّكاةِ.
قال أحمدُ، في مَن نَذَر أن يَتَصَدَّقَ بمالٍ، وفي نَفْسِه أنَّه ألْفٌ: أجْزَأه أن يُخْرِج ما شاءَ 815. وذلك لأنَّ اسمَ المالِ يَقَعُ على القليلِ، وما نَواه زِيادَةٌ على ما تَناوَلَه الاسمُ، والنَّذْرُ لا يَلْزَمُ بالنِّيَّةِ.
والقياسُ أنَّه يَلْزَمُه ما نَواه؛ لأنه نَوَى بكَلامِه ما يَحْتَمِلُه، فتَعَلَّقَ الحكمُ به، كاليَمِينِ.
وقد نَصَّ أحمدُ، في مَن نَذَر صَوْمًا أو صلاةً، وفي نَفْسِه أكثرُ ممَّا تَناوَلَه لَفْظُه، أنَّه يَلْزَمُه ذلك، وهذا كذلك.
الجزء: 28 - الصفحة: 194
فَصْلٌ: الْخَامِسُ، نَذْرُ التَّبَرُّرِ، كَنَذْرِ الصَّلَاةِ، والصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالاعْتِكَافِ، وَالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، وَنَحْوهَا مِنَ الْقُرَبِ، عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ، سَواءٌ نَذَرَهُ مُطْلَقًا، أوْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ يَرْجُوهُ، فَقَال: إِنْ شَفَى الله مَرِيضِي، أوْ: سَلَّمَ الله تَعَالى مَالِي، فَلِلّهِ عَلَيَّ كَذَا.
فَمَتَى وُجِدَ شَرْطُهُ، انْعَقَدَ نَذْرُهُ، ولَزِمَهُ فِعْلُهُ.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (الخامِسُ، نَذْرُ التَبَّرُّرِ، كنَذْرِ الصلاةِ، والصِّيامِ، والصَّدَقَةِ، والاعْتِكافِ، والحَجِّ، والعُمْرَةِ، ونحوها من القُرَبِ، على وَجْهِ القُرْبِ، سَواءٌ نَذَرَه مُطْلَقًا، أو عَلَّقَه بشَرْطٍ يَرْجُوه، فقال: إن شَفَى الله مَرِيضِي، أو: سَلَّمَ اللهُ مالي، فللهِ عليَّ كذا.
فمتى وُجِد شَرْطُه، انْعَقَد نَذْرُه) ويَلْزَمُه الوَفاءُ به.
نَذْرُ التَّبَرُّرِ يَتَنَوَّعُ ثلاثةَ أنْواعٍ؛ أحدُها، هذا الذي ذَكَرْناه إذا كان في مُقابَلَةِ 816 نِعْمَةٍ
الجزء: 28 - الصفحة: 195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اسْتَجْلَبَها، أو نِقْمَةٍ اسْتَدْفَعَها، كقولِه: إن شَفَى اللهُ مَرِيضِي، [فللهِ عليَّ] 817 صَوْمُ شَهْرٍ.
وتكونُ الطَّاعَةُ المُلْتَزَمَةُ مِمّا له أصْلٌ في الشَّرْعِ، كالصومِ والصلاةِ والصَّدقَةِ والحَجِّ، فهذا يَلْزَمُ الوَفاءُ به، بإجْماعِ أهلِ العلمِ.
النَّوعُ الثاني، الْتِزامُ طاعَةٍ مِن غيرِ شَرْطٍ، كقَوْلِه ابْتِداءً: للهِ عليَّ صَوْمُ شَهْرٍ.
فيَلْزَمُه الوَفاءُ به، في قولِ أكثرِ أهكِ العلمِ.
وهو قولُ أهلِ العراقِ.
وظاهِرُ مذهبِ الشافِعِيِّ.
وقال بعضُ أصحابِه: لا يَلْزَمُ الوَفاءُ به؛ لأنَّ أبا عمرَ غُلامَ ثَعْلَبٍ 818 قال: النَّذْرُ عندَ العَرَبِ وَعْدٌ بشرْطٍ.
ولأنَّ ما الْتَزَمَه الآدَمِيُّ بعِوَضٍ، يَلْزَمُه بالعَقْدِ 819، كالمَبِيعِ 820 والمُسْتَأجَرِ، وما الْتَزَمَه 821 بغيرِ عِوَضٍ، لا يَلْزَمُه بمُجَرَّدِ العَقدِ، كالهِبَةِ.
النَّوْعُ الثالِثُ، نَذْرُ طاعَةٍ، لا أصْلَ لها في الوُجوبِ، كالاعْتِكافِ، وعِيادَةِ المريضِ، فيَلْزَمُ الوَفاءُ به عند عامَّةِ أهلِ العلمِ.
الجزء: 28 - الصفحة: 196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحُكِي عن أبي حنيفةَ أنَّه لا يَلْزَمُه الوَفاءُ به؛ لأنَّ النَّذْرَ فَرْعٌ على المَشْرُوعِ، فلا يَجبُ به ما لا يَجبُ له 822 نَظِير 823 بأصْلِ الشَّرْعِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، [ومَن نَذَر أن يَعْصِيَه فلا يَعْصِه] 824». رَواه البخاريُّ: وذَمُّه 825 الذين يَنْذُرُونَ ولا يُوفُونَ 826. وقولُ اللهِ تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
الآيات إلى قولِه: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ 827. [وقد رُوِيَ أنَّ عمرَ قال للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -] 828: إنِّي نَذَرْتُ أن أعْتَكِفَ لَيلَةً في المسجدِ الحَرامِ.
فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أوْفِ
الجزء: 28 - الصفحة: 197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِنَذْرِكَ» 829. ولأَنَّه ألْزَمَ نفْسَه قُرْبَةً على وَجْهِ التَّبَرُّر، فلَزِمَه، كمَوْضِعِ الإِجْماعِ، وكالعُمْرَةِ، فإنَّهم سَلَّمُوها، وهي غيرُ واجبَةٍ عندَهم، وكالاعْتِكافِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بهذَين الأصْلَين، وما حَكوْه عن أبي 830 عمرَ لا يصِحُّ؛ فإنَّ العربَ تُسَمى المُلْتَزَمَ نَذْرًا، وإن.
لم يَكُنْ بشَرْطٍ، قال جَمِيل 831:
فليت رجالًا فيكِ قد نَذَرُوا دَمِي … وهَمُّوا بقَتْلِي يا بُثَينُ لَقُونِي 832
والجَعَالةُ وَعْدٌ بشَرْطٍ، وليست بنَذْرٍ.
الجزء: 28 - الصفحة: 198
وَإنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ، لَمْ يَدْخُلْ في نَذْرِهِ رَمَضَانُ وَيَوْمَا الْعِيدَينِ.
وَفِي أيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوَايَتَانِ.
وعنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّه يَقْضِي يَوْمَيِ الْعِيدَينِ وَأيَّامَ التَّشْرِيقِ.
4802 - مسألة: (وإن نَذَر صَوْمَ سَنَةٍ، لم يَدْخُلْ في نَذْرِه رمضانُ ويَوْمَا العِيدَين.
وفي أيَّام التَّشْرِيقِ رِوايَتَان.
وعنه ما يَدُلُّ على أنَّه يَقْضِي يَوْمَيِ العِيدَينِ وأيَّام التَّشْرِيقِ)
إذا نَذَر صَوْمَ سَنَةٍ مُعَيَنةٍ، لم يَدْخُلْ في نَذْرِه رمضانُ ويَوْما العِيدَين؛ [لأنَّ رمضانَ لا يَقْبَلُ الصومَ عن النذورِ، ويَوْمَيِ العِيدَين] 833 لا يَصِحُّ صَوْمُهما، فلم يَدْخُلا في نَذرِه، كاللَّيلِ.
وفي أيَّامِ التَّشْريقِ رِوايَتان؛ إحْداهما، لا تَدْخُلُ في نَذْرِه؛ لأنَّه
الحديث: 4802 - الجزء: 28 - الصفحة: 199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَنْهِيٌّ عن صَوْمِها، أشْبَهَتْ يَوْمَيِ العِيدَين.
والثَّانِيَةُ، تَدْخُلُ في نَذْرِه ويَصُومُها، كالمُتَمَتِّعِ إذا لم يَجِدِ الهَدْىَ.
وفيه رِوايَة أخْرَى، أنَّ يَوْمَيِ العِيدَين وأيَّامَ التَّشْريقِ تَدْخُلُ في نَذْرِه.
فعلى هذا، لا يَصُومُها، ويَقضِي بَدَلَها، وعليه كَفَّارَةُ يَمِين؛ لقولِه عليه السَّلامُ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وكفَّارَتُه كَفَّارَةُ يَمِين».
رَواه أبو داودَ 834. وإنْ قُلْنا: يجوزُ صَوْمُ أيَّامِ
الجزء: 28 - الصفحة: 200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التَّشْرِيقِ عن نَذْرِه.
فصامَها، فلا كَفَّارَةَ عليه؛ لأنَّه أتَى بالمَنْذُورِ، أشْبَهَ ما لو نَذَر غيرَها ممَّا يَصِحُّ صَوْمُه.
الجزء: 28 - الصفحة: 201
وَإذَا نَذَرَ صَوْمَ يَوْم الْخَمِيس، فَوَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ أوْ حَيض، أفْطَرَ، وَقَضَى وَكَفَّرَ.
4803 - مسألة: (وإن نَذَر صَوْمَ يَوْمِ الخميسِ، فَوَافَق يومَ عِيدٍ أو حَيض، أفْطَر، وقَضَى وكَفَّر)
وذلك 835 لأنَّ مثلَ هذا النَّذْرِ يَنْعَقِدُ،
الحديث: 4803 - الجزء: 28 - الصفحة: 202
وَعَنْهُ، يُكَفِّرُ مِنْ غَيرِ قَضَاءٍ.
وَنُقِلَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّهُ إِنْ صَامَ يَوْمَ الْعِيدِ، صَحَّ صَوْمُهُ.
لأنَّه نَذَر نَذْرًا يُمْكِنُ الوَفاءُ به غالِبًا، فكان مُنْعَقِدًا، كما لو وافَقَ غيرَ يومِ العيدِ أو غيرَ يومِ الحَيضِ والنِّفاسِ، ولا يجوزُ أن يصومَ يومَ العيدِ إن وافَقَه؛ لأنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَ صَوْمَه، فأشْبَهَ زَمَنَ الحَيضِ، ويَلْزَمُه القَضاءُ؛ لأنَّه نَذْر مُنْعَقِد، وقد فاتَه الصيامُ بالعُذْرِ، فلَزِمَتْه الكَفَّارَةُ، كما لو فاتَه لمَرَضٍ (وعنه، يُكَفِّرُ مِن غيرِ قَضاءٍ).
لأنَّه وافَقَ يومَ صَوْمِه مَعْصِيَة، فأوْجَبَ الكَفَّارَةَ من غيرِ قَضاء، كما لو نَذرَتِ المرأةُ صومَ يومِ حَيضِها.
4804 -
مسألة: (ونُقِل عنه ما يَدُلُّ على أنَّه إن صام يومَ العِيدِ، صَحَّ صَوْمُه)
لأنَّه وَفَّى بما نَذَر.
فأمَّا إن وافَقَ نَذْرُه يومَ حَيض أو نفاس، لم يَصُمْه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه بينَ أهلِ العلمِ.
ويَتَخَرَّجُ في القَضاءِ والكَفَّارَةِ مثلُ ما في يومِ العيدِ، قياسًا عليه.
الحديث: 4804 - الجزء: 28 - الصفحة: 203
وَإنْ وَافَقَ أيامَ التَّشْرِيقِ، فَهَلْ يَصُومُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَين.
4805 - مسألة: (وإن وَافَق أيامَ التَّشْرِيقِ، فهل يَصُومُها؟ على رِوايَتَين)
إحْدَاهما، يَصُومُها؛ لقَوْلِ عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها: لم يُرَخَّصْ في هذه الأيَّامِ أن يُصَمْنَ إلَّا للمُتَمَتِّعِ إذا لم يَجِدِ الهَدْيَ 836. وقِسْنا عليه سائِرَ الواجِباتِ.
والثَّانِيَةُ، لا يَصُومُها؛ للنَّهْي عن ذلك.
الحديث: 4805 - الجزء: 28 - الصفحة: 204
وإذَا نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَان، فَقَدِمَ لَيلًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيهِ، وَإنْ قَدِمَ نَهَارًا، فَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّه لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا إِتْمَامُ صِيَامِ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِنْ لَمْ يَكُنْ أفْطَرَ.
وَعَنْهُ، أنَّهُ يَقْضِي وَيُكَفِّرُ، سَواء قَدِمَ وَهُوَ مُفْطِر أَوْ صَائِمٌ.
وإنْ وَافَقَ قُدُومُهُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، فَقَال الْخِرَقِيُّ: يُجْزِئُهُ صِيَامُهُ لِرَمَضَانَ وَنَذْرِهِ.
وَقَال غَيرُهُ: عَلَيهِ الْقَضَاءُ.
وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ.
4806 - مسألة: (وإن نَذَر صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَان، فقَدِمَ لَيلًا، فلا شيءَ عليه، وإن قَدِم نَهَارًا، فعنه مَا يَدُلُّ على أنَّه لا يَنْعَقِدُ نَذْرُه، ولا يَلْزَمُه إلَّا صِيامُ ذلك اليومِ إن لم يَكُنْ أفْطَر.
وعنه، أنه يَقْضِي ويُكَفِّرُ، سَواء قَدِم وهو مُفْطِر أو صائِم.
وإن وافَقَ قُدُومُه يَوْمًا مِن رمضانَ، فقال الخِرَقِيُّ: يُجْزِئُه صِيامُه لرمضانَ ونَذْرِهِ.
وقال غيرُه: عليه القَضاءُ.
وفي الكَفَّارَةِ رِوايَتَان)
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا نَذَر [أن يَصومَ يومَ] 837 يَقْدَمُ فُلان، صَحَّ نَذْرُه.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وأحَدُ قَوْلَي الشَّافعيِّ.
وقال في الآخَرِ:
الحديث: 4806 - الجزء: 28 - الصفحة: 205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يَصِحُّ نَذْرُه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ صَوْمُه بعدَ وُجودِ شَرْطِه، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: للهِ عليَّ أن أصوم اليومَ الذي قبلَ اليومِ الذي يَقْدَمُ فيه زَيدٌ.
ولَنا، أنَّه زَمَنٌ يَصِحُّ فيه صومُ التَّطَوُّعِ، فانْعَقَدَ نَذْرُه لصومِه، كما لو أصْبَحَ صائِمًا تَطوُّعًا، وقال: للهِ عليَّ أن أصومَ يَوْمِي.
وقولُهم: لا يَصِحُّ صَوْمُه.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّه قد يَعْلَمُ اليومَ الذي يَقدَمُ فيه قبلَ قُدُومِه، فيَنْوي صَوْمَه مِن اللَّيلٍ، ولأنَّه قد يَجِبُ عليه ما لَا يُمْكِنُه، كالصَّبِيِّ يَبْلُغُ في أثْناءِ يوم مِن رمضان، والحائضِ تَطْهُرُ فيه، ولا نُسَلِّمُ ما قاسُوا عليه.
إذا
الجزء: 28 - الصفحة: 206
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثَبَت ذلك، لم يَخْلُ مِن أقْسام خَمْسَةٍ؛ أحَدُها، أن يَقْدَمَ لَيلًا، فلا شيءَ عليه، في قولِ الجَميعِ؛ لأنَّه لم يَقْدَم في اليومِ، ولا في وَقْتٍ يَصِحُّ فيه الصِّيامُ.
الثَّاني، أن يَعْلَمَ قُدُومَه مِن الليلِ، فيَنْويَ صَوْمَه، ويكون يَوْمًا يجوزُ فيه صَوْمُ النَّذْرِ، فيَصِحُّ صَوْمُه ويُجْزِئُه وَفاءً بنَذْرِه.
الثَّالِثُ، أن يَقْدَمَ يومَ فِطْر أو أضْحَى، فاخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في هذه المسألةِ؛ فعنه، لا يَصُومُه 838، ويَقْضِي ويُكَفِّرُ.
نَقَلَه عن أحمدَ جَماعَة.
وهو قولُ أكثرِ أصحابِنا، ومذهبُ الحَكَمِ وحَمَّادٍ.
والرِّوايَةُ الثانِيَةُ، يَقْضِي ولا كَفَّارَةَ عليه.
وهو قولُ الحسينِ، والأوْزاعِيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وقَتادَةَ، وأبي ثَوْرٍ، وأحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه فاتَه الصَّوْمُ الواجِبُ بالنَّذْرِ، فلَزِمَه قَضاؤه، كما لو تَرَكَه نِسْيانًا 839، ولم تَلْزَمْه كَفَّارَة؛ لأنَّ الشَّرْعَ مَنَعَه من صَوْمِه،
الجزء: 28 - الصفحة: 207
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهو كالمُكْرَهِ.
وعن أحمدَ رِوايَة ثالثة، إن صامَه صَحَّ صَوْمُه.
وهو مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه [قد وَفَّى] 840 بما نَذَر، فأشْبَهَ ما لو نَذَر مَعْصِيَةً ففَعَلَها.
ويَتَخَرَّجُ أن يُكَفِّرَ مِن غيرِ قَضاءٍ؛ لأنَّه وافَقَ يومًا صَوْمُه حَرامٌ، فكان مُوجَبُه الكَفَّارَةَ، كما لو نَذَرَتِ المرأةُ صومَ يومِ حَيضِها.
ويَتَخَرَّجُ أن لا يَلْزَمَه شيء مِن كفَّارَةٍ ولا قَضاءٍ، بِناءً على مَن نَذَر المَعْصِيَةَ.
[وهو قولُ مالكٍ، والشَّافعيِّ في أحَدِ قولَيهِ، بناءً على نَذْرِ المَعْصِيَةِ] 841. ووَجْهُ قولِ الخِرَقِيِّ، أنَّ النَّذْرَ يَنْعَقِدُ، لأنَّه نَذَر نَذْرًا يُمْكِنُ الوفاءُ به غالِبًا، فكان مُنْعَقِدًا، كما لو وافَقَ غيرَ يَوْمِ العيدِ، ولا يجوزُ أن يصومَ يومَ العيدِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَ صَوْمَه، فأشْبَهَ زَمَنَ الحَيضِ، ولَزِمَه القَضاءُ؛ لأنَّه نَذْرٌ مُنْعَقِدُ، وقد فاتَه الصِّيامُ بالعُذْرِ، فلَزِمَتْه الكَفَّارَةُ لفَواتِه، كما لو فاتَه بمرض.
وإن وافَقَ يومَ حَيض أو نِفاس، فهو كما لو وافَقَ يومَ فِطْر أو
الجزء: 28 - الصفحة: 208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أضْحَى، إلَّا أنَّها لا تَصُومُه.
بغيرِ خِلافٍ بينَ أهلِ العلمِ.
الرَّابع، أن يَقْدَمَ في يوم يَصِحُّ صَوْمُه والنَّاذِرُ مُفْطِر، ففيه رِوَايتان؛ إحداهما، يَلْزَمُه القَضاءُ والكَفَّارَةُ؛ لأنَّه نَذَر صَوْمًا نَذْرًا صَحِيحًا، ولم يَفِ به، فلَزِمَه القَضاءُ والكَفَّارَةُ، كسائِرِ المَنْذُوراتِ.
ويَتَخَرَّجُ أن لا تَلْزَمَه كَفَّارَة.
وهو مذهبُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّه تَرَك المَنْذُورَ لعُذْرٍ.
والثَّانِيَةُ، لا يَلْزَمُه شيءٌ مِن قَضاءٍ ولا غيرِه.
وهو قولُ أبي يوسفَ، وأصحابِ الرَّأي، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه قَدِمَ في زَمَن لا يَصِحُّ صَوْمُه فيه، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو قَدِمَ ليلًا.
الخامِسَةُ، قَدِم والنَّاذِرُ صائِمٌ، فلا يَخْلُو مِن أن يكونَ تَطَوُّعًا أو فرْضًا؛ فإن كان تَطَوُّعًا، فقال القاضي: يصومُ بَقِيَّتَهُ، ويَعْقِدُه عن نَذْرِه، ويُجْزِئُه، ولا قَضاءَ ولا كَفَّارَةَ.
وهو قولُ أبي حنيفة؛
الجزء: 28 - الصفحة: 209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّه يُمْكِنُ صومُ يوم بعضُه تَطَوُّع وبعضُه واجب، كما لو نَذَر في صَوْمِ التَّطَوُّعِ إتْمامَ صومِ ذلك اليوم، وإنَّما وُجِدَ سببُ الوُجوبِ في بعضِه.
وذَكَر القاضي احْتمالًا آخَرَ، أَنَّه يَلْزَمُه القَضاءُ والكَفَّارَةُ؛ لأنَّه صَوْم واجِب، فلم يَصِحَّ بنِيَّةٍ مِن النَّهارِ، كقَضاءِ رمضانَ.
وذَكَر أبو الخطَّابِ هذَين الاحْتِمالين رِوايَتَين.
وعندَ الشَّافعيِّ، عليه القَضاءُ فقط، كما لو قَدِم وهو مُفْطِرٌ.
ويَتَخرَّجُ لنا مثلُه.
وأمَّا إن كان الصومُ واجبًا، مثلَ أن يُوافِقَ يومًا مِن رمضانَ، فقال الخِرَقِيُّ: يُجْزِئُه 842 لرَمضانَ ونَذْرِه؛ لأنَّه نَذَر صَوْمَه، وقد وَفَّى به.
وقال غيرُه: عليه القَضاءُ؛ لأنَّه لم يَصُمْه عن نَذْرِه.
الجزء: 28 - الصفحة: 210
وَإنْ وَافَقَ يَوْمَ نَذْرِهِ وَهُوَ مَجْنُونٌ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيهِ وَلَا كَفَّارَةَ.
وفي الكَفَّارَةِ رِوايتان؛ إحْداهما، تجِبُ (1)؛ لتَأخُّرِ النَّذْرِ.
والثَّانِيَةُ، لا تَجِبُ؛ لأنَّه [أخَّرَه لعُذْرٍ] (2)، أشْبَهَ ما لو أخَّرَ صَوْمَ رمضانَ لعُذْرٍ.
4807 -
مسألة: (وإن وافَقَ يومَ نَذْرِه وهو مَجْنُون، فلا قَضاءَ عليه ولا كَفَّارَةَ)
لأنَّه خَرَج من أهْلِيَّةِ التَّكْليفِ قبلَ وَقْتِ النَّذْرِ، أشْبَهَ ما لو فاتَه 845.
فصل: وإن قال: للهِ عليَّ صومُ يومِ العيدِ.
فهذا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، على نَاذِرِه الكَفّارَةُ لا غيرُ.
نَقَلَها حَنْبَل عن أحمدَ.
وفيه رواية أخْرَى، أنَّ عليه القَضاءَ مع الكفَّارَةِ، كما لو نَذَر يومَ الخميسِ، فوافَقَ يومَ العيدِ.
والأولَى هي الصَّحِيحَةُ.
قاله القاضي؛ لأنَّ هذا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، فلم يُوجِبْ قَضاءً،843844
الحديث: 4807 - الجزء: 28 - الصفحة: 211
وَإنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْر مُعَيَّن، فَلَمْ يَصُمْهُ لِغَيرِ عُذْرٍ، فَعَلَيهِ الْقَضَاءُ وَكَفَّارَةُ يَمِين، وَإنْ لَمْ يَصُمْهُ لِعُذْرٍ، فَعَلَيهِ الْقَضَاءُ، وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ.
كسائِرِ المَعاصِي.
وفارَقَ ما إذا نَذَر صَوْمَ يومِ الخميسِ، فوافَقَ يومَ العيدِ؛ لأنَّه لم يَقْصِدْ بنَذْرِه المَعْصِيَةَ، وإنَّما وَقَع اتِّفاقًا، وههُنا تَعَمَّدَها بالنَّذْرِ، فلم يَنْعَقِدْ نَذْرُه، ويَدْخُلُ في قولِه عليه الصَّلاةُ والسلامُ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ» (1). ويَتَخَرَّجُ أن لا يَلْزَمَه شيءٌ، بِناءً على نَذْرِ المَعْصِيَةِ فيما تقَدَّمَ.
4808 -
مسألة: (وإن نَذَر صَوْمَ شَهْر مُعَيَّن، فلم يَصُمْه لغيرِ عُذْر، فعليه القَضاءُ وكَفَّارَةُ يَمِين، [وإن لم يَصُمْه لعُذْرٍ فعليه القَضاءُ، وفي الكَفّارَةِ رِوايَتان)
أمّا إذا تَرَك صَوْمَه لغيرِ عُذْرٍ فعليه القَضاءُ] 847؛ لأنَّه846
الحديث: 4808 - الجزء: 28 - الصفحة: 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صوم واجبٌ مُعَيَّن أخَّرَه، فلَزِمَه قَضاؤه، كرَمضانَ، وتَلْزَمُه كَفَّارَةُ يَمِين؛ لتَأخُّرِ النَّذْرِ عن وَقْتِه؛ لأنَّه يَمِينٌ، وإن لم يَصُمْه لِعُذْرٍ، فعليه القَضاءُ؛ لأنَّه واجِبٌ، أشْبَهَ رمضانَ.
وفي الكَفَّارَةِ رِوايَتان، إحْداهما، تَلْزَمُه، لتَأخُّرِ النَذْرِ [عن وَقْتِه] 848. والأخْرَى، لا تَلْزَمُه، لأنَّه أخَّرَه لعُذْرٍ 849، أشْبَهَ تَأخِيرَ رَمضانَ لعُذْرٍ (2).
الجزء: 28 - الصفحة: 213
وَإنْ صَامَ قَبْلَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ.
وإنْ أفْطَرَ في بَعْضِهِ لِغَيرِ عُذْرٍ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ، وَيُكَفِّرُ.
وَيَحْتَمِلُ أن يُتمَّ بَاقِيَهُ، وَيَقْضِيَ وَيُكَفِّرَ.
4809 - مسألة: (وإن صَامَ قَبْلَهُ، لم يُجْزِئْه)
وكذلك إن نَذَر الحَجَّ في عام، فحَجَّ قبلَه.
وقال أبو يوسف: يُجْزِئه، كما لو حَلَف ليَقْضِيَنَّه حَقَّه في وَقْتٍ، فقَضاه قبلَه.
ولَنا، أنَّ المَنْذُورَ مَحْمُولٌ على المَشْرُوعِ، ولو صامَ قبلَ رمضانَ لم يُجْزِئْه، فكذلك إذا صامَ المَنْذُورَ قبلَه، ولأنَّه لم يَأتِ بالمَنْذورِ في وَقْتِه، فلم يُجْزِئْه، كما لو لم يَفْعَلْه أصْلًا.
4810 -
مسألة: (وإن أفْطَر في أثْنَائِه لغَيرِ عُذْرٍ، لَزِمَه اسْتِئْنَافُه، ويُكَفِّرُ. ويَحْتَمِلُ أن يُتمَّ باقِيَه، ويَقْضِيَ ويُكَفِّرَ)
إذا نَذَر صومَ شَهْر مُعَيَّن، فأفْطَرَ في أثْنائِه، لم يَخْلُ من حالين؛ أحَدُهما، الفِطْرُ لغيرِ عُذْرٍ،
الحديث: 4809 - الجزء: 28 - الصفحة: 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ففيه روايَتان؛ إحْداهما، يَنْقَطِعُ صَوْمُه، ويَلْزَمُه اسْتِئْنافُه؛ لأنَّه صومٌ يَجِبُ مُتَتابِعًا بالنَّذْرِ، فأبْطَلَه الفِطْرُ لغيرِ عُذْرٍ، [كما لو شَرَط التَّتابُعَ] 850، وفارَقَ رمضانَ؛ فإن تَتابُعَه بالشَّرْعِ لا بالنَّذْرِ، وههُنا أوْجَبَه على نفسِه ثم فَوَّتَه، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَه مُتَتابِعًا.
الثَّانِيَةُ، لا يَلْزَمُه الاسْتِئْنافُ، إلَّا أن يكونَ قد شَرَط التَّتابُعَ.
وهذا قولُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ وُجوبَ التَّتابُعِ ضَرُورَةُ التَّعْيِينِ لا بالشَّرطِ، فلم يُبْطِلْه الفِطْرُ في أثْنائِه، كشهرِ رمضان، ولأنَّ الاسْتِئْنافَ يَجْعَلُ الصومَ في غيرِ الوقتِ الذي عَيَّنَه، والوفاءَ بنَذْرِه في غيرِ وَقْتِه، وتَفْويتُ البعضِ لا يُوجِبُ تَفْويتَ الجميعِ.
فعلى هذا، يُكَفِّرُ عن فِطْرِه، ويَقْضي أيَّامَ فِطْرِه بعدَ إتْمامِ صَوْمِه.
وهذا أقْيَسُ، إن شاءَ اللهُ تعالى، وأصَحُّ.
وعلى الرِّوايَةِ الأولَى، يَلْزَمُه الاسْتِئْنافُ عَقِيبَ الأيَّامِ التي أفْطَر
الجزء: 28 - الصفحة: 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيها، ولا يجوزُ تَأخِيرُه؛ لأنَّ باقِيَ الشَّهْرِ مَنْذُورٌ، فلا يجوزُ تَرْكُ الصومِ فيه، وتَلْزَمُه كَفَّارَةٌ أيضًا؛ لإِخْلالِه بصومِ الأيَّامِ التي أفْطرَها.
الحال الثَّاني، أفْطرَ لعُذْرٍ، فإنَّه يَبْنِي على ما مَضَى من صِيامِه [ويَقْضِي] 851، ويُكَفِّرُ.
هذا قِياسُ المذهبِ.
وفيه رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه لا كَفَّارَةَ عليه.
وهو مذهبُ مالكٍ، والشَّافعيّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ على المَشْرُوعِ، ولو أفْطرَ رمضانَ لعُذْرٍ لم يَلْزَمْه شيء.
ولَنا، أنَّه فاتَ ما نَذَرَه، فلَزِمَتْه كَفَّارَة؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأخْتِ عُقْبَةَ بنِ عامِر: «وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا» 852. وفارَقَ رمضانَ، فإنَّه لو أفْطرَ لغيرِ عُذْرٍ، لم تَجِبْ عليه كَفَّارَةٌ إلَّا في الجِماعِ، بخلافِ هذا.
فصل: وإن جُنَّ جميعَ الشهرِ المُعَيَّنِ، لم يَلْزَمْه قَضاء ولا كَفَّارَة.
الجزء: 28 - الصفحة: 216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال أبو يوسفَ: يَلْزَمُه القَضاءُ؛ لأنَّه من أهلِ التَّكْلِيفِ [حالةَ نَذْرِه وقَضائِه، فلَزِمَه القَضاءُ، كالمُغْمَى عليه.
ولَنا، أنَّه ليس من أهلِ التَّكْلِيفِ] 853 في وَقْتِ الوُجوبِ، فلم يَلْزَمْه القَضاءُ، كما لو كان في شهرِ رمضانَ.
وإن حاضَتِ المرأةُ جميعَ الزَّمَنِ المُعَيَّنِ، فعليها القَضاءُ، وفي الكَفَّارَةِ وَجْهان.
وقال الشَّافعيُّ: لا كفَّارَةَ عليها، وفي القَضاءِ وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَلْزَمُها، لأنَّ زمَنَ الصوم لا يُمْكِنُ الصومُ فيه، فلا يَدْخُلُ في النَّذْرِ، كزمنِ رمضانَ.
ولَنا، أنَّ المَنْذُورَ يُحْمَلُ على المَشْرُوعِ ابْتِداءً، ولو حاضَتْ في شهرِ رمضانَ، لَزِمَها القَضاءُ، فكذلك المَنْذُورُ.
فصل: وإن قال: للهِ عليَّ الحَجُّ في عامِي هذا.
فلم يَحُجَّ لعُذْرٍ أبي غيرِه، فعليه القَضاءُ والكَفَّارَةُ.
ويَحْتَمِلُ أن لا كَفَّارَةَ عليه إذا كان مَعْذُورًا.
وقال الشَّافعيّ: إن تَعَذَّرَ عليه الحَجُّ لأحَدِ الشَّرائِطِ السَّبْعَةِ، أو مَنَعَه منه سُلْطان أو عَدُوٌّ، فلا قَضاءَ عليه، وإن حَدَث به مَرَضٌ، أو أخْطَأ، أو تَوانَى، قَضاه.
ولَنا، أنَّه فاتَه الحَجُّ المنذورُ، فلَزِمَه قَضاؤه، كما لو مَرِض، ولأنَّ المنذورَ مَحْمُولٌ على المَشْرُوعِ ابْتِداءً، ولو فاتَه الشروعُ، [لَزِمَه قَضاؤه] 854، فكذلك المنْذُورُ.
الجزء: 28 - الصفحة: 217
وَإذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْر، لَزِمَهُ التَّتَابُعُ.
4811 - مسألة: (وإن نَذَر صَوْمَ شَهْر، لَزِمَه التَّتابُعُ)
إذا نَذَر صومَ شهو، فهو مُخَيَّرٌ بينَ أن يصومَ شهرًا بالهلالِ، فيُجْزِئُه، وبينَ أن يَصُومَه بالعَدَدِ ثلاثينَ يومًا، ويَلْزَمُه التَّتابُعُ، في أحَدِ الوَجْهَين.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، لأنَّ إطْلاقَ الشهرِ يَقْتَضِي التَّتابُعَ.
والثَّاني، لا يَلْزَمُه التَّتابُعُ.
الحديث: 4811 - الجزء: 28 - الصفحة: 218
وإنْ نَذَرَ صِيَامَ أيَّام مَعْدُودَةٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ التَّتابُعُ، إلَّا أَنْ يَشتَرِطَهُ.
وهو قولُ الشَّافعيِّ، ومحمدِ بنِ الحسنِ؛ لأنَّ الشهرَ يَقَعُ على ما بينَ الهِلالين، وعلى ثلاثينَ يومًا، ولا خِلافَ في أنَّه يُجْزِئُه ثلاثونَ يومًا، فلم يلْزَمْه التَّتابُعُ، كما لو نَذَر ثلاثينَ يومًا.
4812 -
مسألة: (وإن نَذَر أيَّامًا مَعْدُودَةً، لم يَلْزَمْه التَّتابُعُ، إلَّا أن يَشْتَرِطَه)
نَصَّ عليه أحمدُ.
ورُوِيَ عنه في مَن قال: للهِ عليَّ صِيامُ عشَرةِ أيَّام.
يصومُها مُتَتابِعًا.
وهذا يَدُلُّ على وُجوبِ التَّتابعِ في الأَيَّامِ المَنْذُورَةِ.
وهو اخْتِيارُ القاضي.
وحَمَل بعضُ أصحابِنا كلامَ أحمدَ على مَن شَرَط التَّتابُعَ أو نَواه؛ لأنَّ لَفْظَ العشَرةِ لا يَقْتَضِي تَتابُعًا، والنَّذْرُ لا يَقْتَضِيه، ما لم يَكُنْ في لَفْظِه أو نِيَّته.
وقال بعضُهم: كلامُ أحمدَ على ظاهِرِه، ويَلْزَمُه التَّتابُعُ في نَذْرِ العشَرةِ دونَ الثلاثينَ؛ لأنَّ الثلاثينَ شهرٌ، فلو أرادَ التَّتابُعَ لقال: شهرًا.
فعُدُولُه إلى العدَدِ دليلٌ على إرادَةِ التَّفْرِيقِ،
الحديث: 4812 - الجزء: 28 - الصفحة: 219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بخِلافِ العشَرةِ.
والصَّحِيحُ أنَّه لا يَلْزَمُه التَّتابُعُ، فإن عَدَمَ ما يَدُلُّ على التَّفْرِيقِ ليس بدليل على التَّتابُعِ، فإن اللهَ تعالى قال في قَضاءِ 855 رمضانَ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 856. ولم يَذْكُرْ تَفْرِيقَها ولا تَتابُعَها، ولم يَجِبِ التَّتابُعُ فيها بالاتِّفاقِ.
وقال بعضُ أصحابنا: إن نَذَر اعْتِكافَ أيَّام، لَزِمَه التَّتابُعُ، ولا يَلْزَمُ مثلُ ذلك في الصيامِ؛ لأَنَّ الاعْتِكافَ يَتَّصِلُ بعضُه ببعض مِن غيرِ فَصْل 857، والصَّوْمُ يَتَخَلَّلُه اللَّيلُ، فيَفْصِلُ بعضَه مِن بعض، ولذلك لو نَذَر اعْتِكافَ يومَين مُتَتابِعَين، لَدَخَلَ فيه اللَّيلُ.
والصَّحِيحُ التَّسْويَةُ؛ لأنَّ الواجِبَ ما اقْتَضاهُ لَفظه، ولَفْظُه (1) لا يَقْتَضِي التَّتابعَ، بدليلِ نَذْرِ الصومِ، وما ذكَرُوه مِن الفَرْقِ لا أثرَ له.
ومَن قال: يَلْزَمُه التَّتابعُ.
لَزِمَتْه اللَّيالِي التي بينَ أيَّام الاعْتِكافِ، كما لو قال: مُتَتابِعَة.
الجزء: 28 - الصفحة: 220
وَإنْ نَذَرَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا، فَأفطَرَ لِمَرض أو حَيض، قَضَى لا غَيرُ، وَإنْ أفْطَرَ لِغَيرِ عُذْرٍ، لَزِمَهُ الاسْتِئْنَافُ، وَإنْ أفْطَرَ لِسَفَر أوْ مَا يُبِيحُ الْفِطْرَ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
4813 - مسألة: (وإن نَذَر صِيامًا مُتَتابِعًا، فأفْطَرَ لمَرَض أو حَيضٍ، قَضَى لا غيرُ، وإن أفْطَرَ لغيرِ عُذْرٍ، لَزِمَه الاسْتِئْنافُ، وإن أفْطَرَ لسَفَر أو ما يُبِيحُ الفِطْرَ، فعلى وَجْهَين)
وجملتُه، أنَّ مَن نَذَر صِيامًا مُتَتابِعًا غيرَ مُعَيَّن، [ثم أفْطَرَ فيه] 858 لم يَخْلُ مِن حالين؛ أحَدُهما، أن يُفْطِرَ لعُذْرٍ؛ مِن حَيض، أو مَرَض، أو نحوه، فهو مُخَيَّرٌ بينَ أن يَبْتَدِئ الصومَ، ولا شيءَ عليه؛ لأنَّه أتَى بالمنْذُورِ على وَجْهِه، وبينَ أن يَبْنِيَ على صِيامِه ويُكَفِّرَ؛ لأنَّ الكَفَّارَةَ تَلْزَمُ لتَرْكِه المنذورَ وإن كان عاجِزًا، بدليلِ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أخْتَ عُقْبَةَ بنَ عامِر بالكَفَّارَة، لعَجْزِها عن المَشْي، ولأنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، ولو حَلَف ليَصُومَنَّ صِيامًا مُتَتابعًا، ثم لم يَأت به مُتَتابِعًا، لَزِمَتْه الكَفَّارَةُ، وإنَّما جَوَّزْنا له البِنَاءَ ههُنا؛ لأنَّ الفِطْرَ لعُذْرٍ لا يَقْطَعُ التَّتابُعَ حُكْمًا، كما لو أفْطَرَ في صِيامِ الشَّهْرَين المُتَتابعَين لعُذْرٍ، كان له البِنَاءُ.
والذي ذَكَرَه شيخُنا في الكتابِ المشروحِ، أنَّه لا كَفَّارَةَ عليه إذا أفْطَرَ لعُذْرٍ، فإنَّه قال: قَضاهُ لا غيرُ.
وهي إحْدَى الرِّوايَتَين عن أحمدَ، كما لو تَرَك التَّتابُعَ في الشَّهْرَين المُتَتابِعَين لعُذْرٍ، فإنَّه لا كَفَّارَةَ
الحديث: 4813 - الجزء: 28 - الصفحة: 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه، كذا ههُنا.
الحالُ الثَّاني، أن يُفْطِرَ لغيرِ عُذْرٍ، فهذا يَلْزَمُه اسْتِئْنافُ الصيامِ، ولا كَفَّارَةَ عليه؛ لأنَّه تَرَك التَّتابُعَ المنذورَ لغيرِ عُذْرٍ، مع إمْكانِ الإِتْيانِ به، فلَزِمَه فِعْلُه، كما لو نَذَر صومًا مُعَينًا، فصامَ قبلَه.
فإن أفْطَرَ لعُذْرٍ يُبِيحُ الفِطْرَ، كالسَّفَرِ، لم يَقْطَعِ التَّتابُعَ، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه عُذْرٌ في فِطْرِ رمضانَ، فأشْبَهَ المَرَضَ.
والثَّاني، يُفْطِرُ؛ لأنَّه أفْطر باخْتِيارِه، أشْبَهَ ما لو أفْطَرَ لغيرِ عُذْرٍ.
فصل: إذا نَذَر صومَ شهر مُتَتابع، فصامَ من أوَّلِ الهِلالِ، أجْزَأه، تامًّا كان الشهرُ أو ناقِصًا؛ لأنَّ ما بينَ الهِلالين شَهْرٌ، ولذلك قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا 859 الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ» 860. وإن بَدَأ مِن أثْناءِ شَهْر،
الجزء: 28 - الصفحة: 222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَزِمَه شهرٌ بالعدَدِ، ثلاثون يومًا؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «صُومُوا لِرُؤيَتهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤيَتهِ، فإن غُمَّ عَلَيكُمْ، فأكْمِلُوا ثَلَاثِينَ» 861. [فإن صام شَوّالًا، لَزِمَه إكْمالُه ثلاثين] 862؛ لأنَّه بَدَأ مِن أثْنائِه، إن كان ناقِصًا، قضَى يَومينِ، وإن كان تامًّا أتَمَّ يومًا واحدًا.
وإن صامَ ذا الحِجَّةِ، أفْطَرَ يومَ الأضْحَى وأيَّام التَّشْرِيقِ، ولم يَنْقَطِعْ تَتابُعُه، كما لو أفْطَرَتِ المرأةُ لحَيضٍ، وعليه كَفَّارَةٌ، ويَقْضِي أرْبَعةَ أيَّام إن كان تامًّا، وخمسة إن كان ناقِصًا.
والأوْلَى أن لا يَلْزَمَه إلَّا أرْبَعَةٌ إذا كان ناقِصًا؛ لأنَّه بدَأ مِن أوَّلِه، فيَقْضِي المَتْرُوكَ منه حَسْبُ.
وإن صامَ مِن أوَّلِ شَهْر، فمَرِضَ فيه أيَّامًا مَعْلُومَةً، أو حاضَتِ المرأةُ فيه ثم طَهُرَتْ قبلَ خُروجِه، قَضَى ما أفْطَرَ منه بعِدَّتِه إن كان الشَّهرُ تامًّا، وإن كان ناقِصًا، فهل يَلْزَمُه الإِتْيانُ بيَوْم آخَرَ؟ على وَجْهَين، بِناءً على ما ذَكَرْنا فيما إذا أفْطَرَ يومَ العيدِ وأيَّامَ التَّشْريقِ.
الجزء: 28 - الصفحة: 223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا نَذَر صِيامَ شهر مِن يومِ يَقْدَمُ فُلانٌ، فقَدِم في أوَّلِ شَهْرِ رمضانَ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّ هذا نَذْر مُنْعَقِد، يُجْزِئُ صِيامُه عن النَّذْرِ ورمضانَ.
وهو قولُ أبي يوسفَ.
وقياسُ قولِ ابنِ عباس، وعِكْرِمَةَ؛ لأنَّه نَذَر صومًا في وَقْتٍ، وقد صامَ فيه.
وقال القاضي، في «شَرْحِه»: ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه غيرُ مُنْعَقِدٍ؛ لأنَّ نَذْرَه وافَقَ زَمَنًا يُسْتَحَقُّ صَومُه، فلم يَنْعَقِدْ نَذْرُه، كنَذْرِ صومِ رمضانَ.
قال: والصَّحِيحُ عندِي صِحَّةُ النَّذْرِ؛ لأنَّه نَذْرُ طاعَةٍ يُمْكِنُ الوَفاءُ به غالِبًا، فانعَقَد، كما لو وافَقَ شعبانَ.
فعلى هذا، يصومُ رمضانَ، ثم يَقْضِي ويُكَفِّرُ.
وهذا اخْتِيارُ أبي بكر.
ونَقَل جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أحمدَ، أنَّ عليه القَضاءَ.
وقولُ الخِرَقِيِّ: أجْزَاة صِيامُه لرمضانَ ونَذْرِه.
دليل على أنَّ نَذرَه انْعَقَد عندَه، ولولا ذلك ما كان صومُه عن نَذْرِه.
وقد نَقَل أبو طالِبٍ عن أحمدَ، في مَن نَذَر أن يَحُجَّ وعليه حَجَّة مَفْرُوضَة، فأحْرَم عن النَّذْرِ: وَقَعَتْ عنِ المَفْرُوضِ، ولا يَجِبُ عليه شيءٌ آخَرُ.
وهذا مثلُ قولِ الخِرَقِيِّ.
ورَوَى عِكْرِمَةُ، عن ابنِ عباس، في رجل نَذَر أن يَحُجَّ،
الجزء: 28 - الصفحة: 224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولم يَكُنْ حَجَّ الفَرِيضَةَ، قال: يُجْزِئُ لهما جميعًا.
وعن عِكْرِمَةَ، أنَّه سُئِلَ عن ذلك، فقال عِكْرِمَةُ: يَقْضِي حَجَّتَهُ عن نَذْرِه وعن 863 حَجَّةِ الإسْلامِ، أرَأيتُم لو أنَّ رجلًا نَذَر أن يُصَلِّيَ أرْبَعَ رَكَعاتٍ، فصَلَّى العَصْرَ، أليس ذلك يُجْزِئُه مِن العصرِ والنَّذْرِ؟ قال: فذكَرْتُ قَوْلِي لابنِ عباس، فقال: أصَبْتَ و 864 أحْسَنْتَ.
وقال ابنُ عمرَ، وأنَسٌ: يَبْدَأ بحَجَّةِ الإِسْلامِ، ثم يَحُجُّ لنَذْرِه.
وفائِدَةُ انْعِقادِ [نَذرِه، لُزومُ] 865 الكَفَّارَةِ بتَرْكِه، وأنَّهِ لو لم يَنْوه لنَذْرِه، لَزِمَه قَضاؤه.
وعلى هذا، لو وافَقَ نَذْرُه بعضَ رمضان، وبعضَ شَهْر آخَرَ، إمَّا شعبان، وإمَّا شوال، لَزِمَه صومُ ما خرَج عن رمضانَ، ويُتمُّه [مِن رمضانَ] 866، ولو قال: للهِ عليَّ صومُ رمضان.
فعلى قياس قولِ الخِرَقِي، يَصِحُّ نَذْرُه، ويُجْزِئُه صِيامُه عن الأمرين، وتَلْزَمُه الكفَّارَةُ إن أخَلَّ به.
وعلى قولِ القاضِي، لا يَنْعَقِدُ نَذْرُه.
وهو مذهبُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ صومُه عن النَّذْرِ، أشْبَهَ الليلَ.
ولَنا، أنَّ النَّذْرَ يَمِينٌ، فيَنْعَقِدُ 867 في الواجِبِ مُوجِبًا للكَفَّارَةِ، كاليَمِينِ باللهِ
الجزء: 28 - الصفحة: 225
وَإنْ نَذَرَ صِيَامًا، فَعَجَزَ عَنْهُ لِكِبَر، أوْ مَرَض لَا يُرْجَى بُرْؤهُ، أطعَمَ
تعالى.
وقد نُقِلَ من أحمدَ، في مَن نَذَر أن يَحُجَّ العامَ، وعليه حَجَّةُ الإِسلام، رِوايَتانِ؛ إحْداهُما، تُجْزِئُه حَجَّةُ الإِسْلامِ عنها وعن نَذْرِه.
نَقَلَها أَبو طالِبٍ.
والثَّانيةُ، يَنْعَقِدُ نَذْرُه مُوجِبًا لحَجَّةٍ غيرِ حَجَّةِ (1) الإِسْلامِ، ويَبْدَأ بحَجَّةِ الإِسْلامِ، ثم يَقْضِي نَذْرَه.
نَقَلَها ابنُ مَنْصُورٍ؛ لأنَّهما عِبادَتان تجِبانِ بسَبَبَين (2) مُخْتَلِفَين، فلم تَسْقُطْ إحْداهما بالأخرَى، كما لو نَذَر حَجَّتَين.
ووَجْهُ الأولَى، أنَّه نَذَر عِبادَةً في وقتٍ مُعَيَّن، وقد أتَى بها فيه، فأشْبَهَ ما لو قال: للهِ عليَّ أن أصومَ رمضانَ.
فصل: فأمَّا إن قال: لله عِليَّ أن أصومَ شهرًا.
فنَوَى صيامَ شهرِ رمضانَ لنَذْرِه ورمضانَ، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ شَهْرَ رمضانَ واجِبٌ بفَرْضِ اللهِ تعالى، ونَذْرُه يَقْتَضِي (3) إيجابَ شهر، فيَجِبُ شَهْران بسَبَبَين، فلا يُجْزِئُ أحدُهما عن الآخَرِ، كما لو نَذر صومَ شَهْرَين، وكما لو نَذَر أن يُصَلِّيَ ركعتَين، لم تُجْزِئْه صلاةُ الفَجْرِ عن نَذْرِه وعن الفجرِ.
4814 -
مسألة: (وإن نَذَر صيامًا، فعَجَز عنه لكِبَر، أو مَرَض
868869870 الحديث: 4814 - الجزء: 28 - الصفحة: 226
عَنْهُ لكُلِّ يَوْم مِسْكِينًا.
وَيَحْتَمِلُ أن يُكَفِّرَ ولَا شَيْءَ عَلَيهِ.
لا يُرْجَى بُرْؤهُ، أطْعَم عنه لكلِّ يَوْم مِسْكِينًا.
ويَحْتَمِلُ أن يُكَفِّرَ ولا شَيْءَ عليه) مَن نَذَر طاعَةً لا يُطيقُها، أو كان قادِرًا عليها فعَجَزَ عنها، فعليه كَفَّارَةُ يَمِين؛ لِما روَى عُقْبةُ بنُ عامِر، قال: نَذَرَتْ أخْتي أن تَمْشِيَ إلى بيتِ اللهِ حافِيَةً، فأمَرَتْنِي أن أسْتَفْتِيِ لها رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فاسْتَفْتَيتُه، فقال: «لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ».
مُتَّفقٌ عليه 871. ولأبي داودَ 872: «وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا».
وللتِّرْمِذِيِّ 873: «وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّام».
وعن عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِين» 874. قال: «وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِين».
رَواه أبو داودَ 875، وقال: وَقَفَه مَن رَواه عنِ ابنِ
الجزء: 28 - الصفحة: 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عباس.
وقال ابنُ عباس: مَن نَذَرَ نَذْرًا لا يُطِيقُه فكَفَّارَتُه كَفَّارَةُ يَمِين، ومن نَذَرَ نَذْرًا يُطِيقُه، فَلْيَفِ بما نَذَر 876. فإذا كَفَّرَ، وكان المَنْذُورُ غيرَ الصيامِ، لم يَلْزَمْه شيءٌ آخَرُ.
وإن كان صِيامًا.
فعن أحمدَ رِوايَتان؛ إحداهما، يَلْزَمُه لكلِّ يوم إطْعامُ مِسْكِين.
قال القاضي: وهذا أصَحُّ؛ لأنَّه صَوْمٌ وُجِدَ سَبَبُ إيجابِه عَينًا 877، فإذا عَجَز عنه، لَزِمَه أن يُطْعِمَ عن كلِّ يوم مِسْكينًا، كصومِ رمضانَ، ولأنَّ المُطْلَقَ مِن كلامِ الآدَمِي يُحْمَلُ على المُطْلَقِ مِن كلام الله تعالى، ولو عَجَز عن الصومِ المَشْرُوعِ، أطْعَمَ عن كلِّ يومٍ مِسْكينًا، كذلك إذا عَجَز عن الصومِ المَنْذُورِ.
والثَّانِيَةُ، لا يَلْزَمُه شيء آخَرُ مِن إطْعام ولا غيرِه؛ لقَوْلِه: «مَنْ نَذَرَ نَذرًا لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِين».
وهذا يَقْتَضي أن تكونَ كَفَّارَةُ اليَمِينِ جميعَ كفَّارَتِه، ولأنَّه نَذْرٌ عَجَز عن الوَفاءِ به، فكان الواجبُ فيه كَفّارَةَ يَمِين، كسائرِ النَّذْرٍ، ولأنَّ مُوجَبَ النَّذْرِ مُوجَبُ اليَمِينِ، إلَّا مع إمْكانِ الوَفاءِ به إذا كان قُرْبَة، ولا يَصِحُّ قياسُه على صومِ رمضانَ؛ لوَجْهَين؛
الجزء: 28 - الصفحة: 228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحَدُهما، أنَّ رمضانَ يُطْعَمُ عنه عندَ العَجز بالموتِ، فكذلك في الحياةِ، [وهذا بخِلافِه] 878. والثَّاني، أنَّ قياسَ المَنْذُورِ على المَنْذُورِ أوْلَى مِن قياسِه على 879 المَفْرُوضِ بأصلِ الشَّرْعِ؛ لأنَّ هذا قد وَجَبَت فيه كفَّارَة، فأجْزَأت عنه، بخلافِ المشْروعِ.
[وقولُهم: إنَّ المُطْلَقَ مِن كَلامِ الآدَمِيِّ مَحْمُولٌ على المَعْهُودِ في الشَّرْعِ.
قُلْنا: وليس هذا بمُطْلَقٍ، وإنَّما هو مَنْذُور مُعَيَّن.
ويَتَخَرَّجُ أن لا تَلْزَمَه كفَّارَة في العَجْزِ عنه، كما لو عَجَز عن الواجِبِ بأصْلِ الشرْعِ] (1).
فصل: وإن عَجَز [عن الصومِ] 880 لعارِض يُرْجَى زَوالُه، مِن مَرَض، أو نحوه، انْتَظَر زَواله، ولا تَلْزَمُه كَفَّارَة ولا غيرُها؛ لأنَّه لم يَفُتِ
الجزء: 28 - الصفحة: 229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوقْتُ، فيُشْبِهُ المرِيضَ في شهرِ رمضانَ، فإنِ اسْتَمَرَّ عَجْزُه إلى أن صارَ غيرَ مَرْجُوِّ الزَّوالِ، صارَ إلى الكَفَّارَة والفِدْيَةِ، على ما ذَكَرْنا مِن الخلافِ فيه.
فإن كان العَجْزُ المَرْجُوُّ الزَّوال عن صوم مُعَيَّن فاتَ وَقْتُه، انْتَظَر الإمْكانَ ليَقْضِيَه.
وهل تَلْزَمُه لفَواتِ الوقتِ كَفَّارَةٌ؟ علي رِوايَتَين، ذَكَرَهما أبو الخَطَّاب؛ إحداهما، تَجِبُ الكفَّارَةُ؛ لأنَّه أخَلَّ بما نَذَرَه على وَجْهِه، فلَزِمَتْه الكَفَّارَةُ، كما لو نَذَر المَشْيَ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ فعَجَز، ولأنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، ولو حَلَف ليَصُومَنَّ هذا الشهرَ [فأفْطَرَه لعُذْرٍ] 881، لَزِمَتْه الكفَّارَةُ، كذا ههُنا.
والثَّانيةُ، لا تَلْزَمُه؛ لأنَّه أتَى بصِيام أجْزَأ عن نَذْرِه مِن غيرِ تَفْرِيطِه، فلم تَلْزَمْه كَفَّارَةٌ، كما لو صامَ ما عَيَّنَه.
فصل: فإن نَذَر غيرَ الصيامِ، فعَجَز عنه، كالصَّلاةِ ونحوها، فليس عليهْ إلَّا الكفَّارَةُ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَجْعَلْ لذلك بَدَلًا 882 يُصارُ إليه، فوَجَبَت الكَفَّارَةُ؛ لمُخالفَتِه نَذْرَه فقط.
وإن عَجَز عنه لعارِض، فحُكْمُه حكمُ الصيامِ سَواءً فيما فصَّلْناهُ.
الجزء: 28 - الصفحة: 230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن نَذَر صِيامًا، ولم يُسَمِّ عَدَدًا، ولم يَنْوه، أجْزَأه صومُ يوم، لا خِلافَ فيه؛ لأنَّه ليس في الشَّرْعِ صومٌ مُفْرَدٌ أقلّ مِن يوم، فلَزِمَه؛ لأنَّه اليَقِينُ.
فإن نَذَر صلاةً مُطْلَقَةً، ففيها رِوايَتان؛ إحداهما، تُجْزِئُه ركعةٌ.
نَقَلَها إسماعيلُ بنُ سعيدٍ، لأنَّ أقَلَّ الصلاةِ ركعةٌ، فإن الوترَ صلاة مَشْرُوعَةٌ، وهي ركعةٌ واحدة.
ورُوِيَ عن عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه تَطَوَّعَ بركعةٍ واحدةٍ 883. والثَّانيةُ، لا يجزِئُه إلَّا ركعتان.
ذَكَرَها الْخِرَقِيُّ.
وبه قال أبو حنيفة؛ لأنَّ أقَلَّ صلاةٍ وَجَبَتْ بالشَّرْعِ رَكعتان، فوَجَبَ حَمْلُ النَّذْرِ عليه، وأمَّا الوتْرُ، فهو نَفْلٌ، والنَّذْرُ فَرْضٌ، فحَمْلُه على المَفْرُوضِ أوْلَى، ولأنَّ الرَّكْعَةَ لا تُجْزِئ في الفَرْضِ، فلا تجْزِئُ في النَّفْلِ، كالسَّجْدَةِ.
وللشَّافعيِّ قَوْلان كالرِّوايَتَين.
فأمَّا إن عَيَّنَ بنَذْرِه عَدَدًا، لَزِمَه، قَلَّ أو كَثُرَ؛ لأنَّ النَّذْرَ يَثْبُتُ بقَوْلِه، فكذلك عَدَدُه، فإن نَوَى عَدَدًا، فهو كما لو سَمَّاه؛ لأنَّه نَوَى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُه، فلَزِمَه حُكْمُه، كاليَمِينِ.
فصل: وإن نَذَر صومَ الدَّهْرِ، لَزِمَه، ولم يَدْخُلْ في نَذْرِه رمضانُ،
الجزء: 28 - الصفحة: 231
وَإنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيتِ اللهِ الحَرَامِ، أو مَوْضِع مِنَ الْحَرَمِ، لَمْ يُجْزِئْهُ إلا أن يَمْشِيَ فِي حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، فَإِنْ تَرَكَ الْمَشْيَ لِعَجْزٍ أو غَيرِهِ، فَعَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِين.
وَعَنْهُ، عَلَيهِ دَمٌ.
ولا أيَّامُ العيدِ والتَّشْريقِ.
فإن أفْطَرَ لعُذْرٍ أو غيرِه، لم يَقْضِه؛ لأنَّ الزَّمَنَ مُسْتَغْرقٌ بالصَّومِ المَنْذُورِ، لكنْ تَلْزَمُه كفَّارَةٌ لتَرْكِه.
وإن لَزِمَه قَضاء [من رمضانَ] 884، أو كَفَّارَة، قَدَّمَه على النَّذْرِ؛ لأنَّه واجِبٌ بأصْلِ الشَّرْعِ، فيُقَدَّمُ على ما أوْجَبَه على نَفْسِه، كتَقْدِيمِ 885 حَجَّةِ الإِسْلامِ على المَنْذُورَةِ.
وإذا لَزِمَتْه كَفَّارَة لتَرْكِه صومَ يوم أو أكثرَ، وكانت كَفَّارَتُه الصِّيامَ، احْتَمَلَ أن لا 886 يَجِبَ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّكْفِيرُ إلَّا بتَرْكِ الصومِ المَنْذُورِ، وتَرْكُه يُوجِبُ كفَّارَةً، فيُفْضِي ذلك (3) إلى التَّسَلْسُلِ، وتَرْكِ المَنْذُورِ بالكُلِّيَّةِ.
ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ الكَفَّارَةُ، ولا يَجِبُ بفِعْلِها كفَّارَةٌ؛ لأنَّ تَرْكَ النَّذْرِ لعُذْرٍ لا يُوجِبُ كَفَّارَةً، فلا يُفْضِي إلى التَّسَلْسُلِ.
واللهُ أعلمُ.
4815 -
مسألة: (وإن نَذَر المَشْيَ إلى بَيتِ اللهِ الحَرامِ، أو مَوْضِع مِن الحَرَمِ، لم يُجْزِئْه إلَّا أن يَمْشِيَ فِي حَجٍّ أو عُمْرَةٍ، فَإن تَرَك المَشْيَ لعَجْزٍ أو غيرِه، فعليه كَفَّارَةُ يَمِين.
وعنه، عليه دَمٌ)
وجملةُ
الحديث: 4815 - الجزء: 28 - الصفحة: 232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك، أنَّ مَن نَذَر المَشْيَ إلى بيتِ اللهِ عزَّ وجلَّ، لَزِمَه الوَفاءُ بنَذْرِه.
وبهذا قال مالكٌ، والأوْزَاعِيّ، والشَّافعيّ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
ولا نعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ نَذَرَ أن يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ» 887. وقال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ المَسْجِدِ الحَرَامِ، ومَسْجِدِي هذَا، والمَسْجِدِ الأقْصَى» 888. ولا يُجْزِئُه المَشْيُ إلَّا في حَج أو عُمْرَةٍ.
وبه يقولُ الشافِعِيُّ.
ولا نعلمُ فيه خِلافًا؛ وذلك لأنَّ المشيَ إليه في الشَّرْعِ هو المشيُ في حَجٍّ أو عُمْرَةٍ، فإذا أطْلَقَ النَّاذِرُ، حُمِلَ على المَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ، ويَلْزَمُه المشيُ لنَذْرِه إيَّاه، فإن عَجَز عن المشي، رَكِب، وعليه كَفَّارَةُ يَمِين.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه يَلْزَمُه دَم.
الجزء: 28 - الصفحة: 233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو قولُ الشَّافِعِيِّ.
[وأفْتَى به] 889 عَطاءٌ؛ لِما روَى ابنُ عباس، أنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بنِ عامِر نَذَرَتِ المَشْيَ إلى بيتِ اللهِ الحَرامِ، فأمَرَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن تَرْكَبَ، وتُهْدِيَ هَدْيًا.
رَواه أبو داودَ 890، وفيه ضعفٌ.
[ولأنَّه] 891 أخَلَّ بواجبٍ في الإِحْرام، فلَزِمَه هَدْيٌ، كتاركِ الإِحْرام مِن المِيقاتِ.
وعن ابنِ عمرَ، وابن الزُّبَيرِ، قالا: يَحُجُّ مِن قابل، ويَرْكَبُ ما مَشَى ويَمْشِي ما رَكِب 892. ونحوَه قال ابنُ عباسٍ (4)، وزادَ: ويُهْدِي.
وعن الحسنِ مثلُ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ.
وعن النَّخَعِيِّ رِوايتان؛ إحداهما، كقولِ ابنِ عمرَ.
والثَّانيةُ، كقولِ ابنِ عباس.
وهذا قولُ مالكٍ.
وقال أبو حنيفةَ: عليه 893 هَدْيٌ، سَواءٌ عَجَز عن المشْي أو قَدَر عليه، وأقل الهَدْي شاةٌ.
وقال الشَّافعيُّ: لا تَلْزَمُه مع العَجْزِ كفَّارَة بحالٍ،
الجزء: 28 - الصفحة: 234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلَّا أن يكونَ النَّذْرُ إلى بيتِ اللهِ، فهل يَلْزَمُه هَدْيٌ؟ فيه قَوْلانِ، وأمَّا غيرُه، فلا يَلْزَمُ مع العَجْزِ شيءٌ.
ولَنا، قولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأخْتِ عُقْبةَ بنِ عامِر، لَمَّا نذَرَتِ المشْيَ إلى بيتِ اللهِ: «لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا» 894. وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ اليَمِينِ» 895. ولأنَّ المَشْيَ ممَّا لا يُوجِبُه الإِحْرامُ، فلم يَجِبِ الدَّمُ ببرْكِه، كما لو نَذَرَت صلاةَ رَكعتين، فتَرَكَتْهما، وحدِيثُ الهَدْي ضَعِيف، وهذا حُجَّة على الشَّافعيِّ، حيثُ أوْجَب الكفَّارَةَ عليها [مِن غيرِ ذكرِ] 896 العَجْزِ.
فإن قيلَ: إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أوْجَبَ عليها 897 الكفَّارَةَ مِن غيرِ ذِكْرِ العَجْزِ.
قُلْنا: يَتَعَيَّنُ حَمْلُه على حالةِ العَجْزِ؛ لأنَّ المشيَ قُرْبَة، لكَوْنِه مَشْيًا إلى عِبادَةٍ، والمشْيُ إلى العِبادَةِ أفضلُ، ولهذا رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَرْكَبْ في عِيدٍ ولا جِنازَةٍ 898. فلو كانت قادِرَةً على المشي، لأمَرَها به، ولم يَأمُرْها
الجزء: 28 - الصفحة: 235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[بالرُّكوبِ والتَّكْفيرِ] 899، ولأنَّ المشيَ المَقْدُورَ عليه لا يَخْلُو مِن أن يكونَ واجِبًا أو مُباحًا؛ فإن كان واجِبًا، لَزِم 900 الوَفاءُ به، وإن كان مُباحًا، لم تَجِبِ الكَفَّارَةُ بتَرْكِه عندَ الشَّافعيِّ، وقد أوجَب الكفَّارَةَ ههُنا، وتَرْكُ ذِكْرِه في الحديثِ؛ إمَّا لِعلمِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بحالِها وعَجْزِها، وإمَّا لأنَّ الظَّاهِرَ مِن حالِ المرأةِ العَجْزُ عن المَشْي إلى مَكَّةَ.
أو 901 يكونُ قد ذُكِر في الخَبَرِ، فتَرَك الرَّاوى ذِكْرَه.
وقولُ أصحابِ أبي حنيفةَ: إنَّه أخَلَّ بواجِبٍ في الحَجِّ.
قُلْنا المشيُ لم يُوجِبْه الإِحْرامُ، ولا هو مِن مَناسِكِه، فلم يَجِبْ بتَرْكِه هَدْيٌ، كما لو نَذَر صلاةَ ركعتين في الحَجِّ، فلم يُصَلِّهِما.
فأمَّا إن تَرَك المَشْيَ مع إمْكانِه، فقد أساءَ، وعليه كَفَّارَة لتَرْكِه صِفَةَ النَّذْرِ.
وقياسُ المذهبِ أن يَفزَمَه اسْتِئْناف الحَجِّ ماشِيًا؛ لتَرْكِه صِفَةَ المَنْذُورِ، كما لو نَذَر صَوْمًا مُتَتابِعًا فأتى به مُتَفَرِّقًا.
فإن عَجَز عن المشي بعدَ الحَجِّ، كَفَّر، وأجْزَأه.
وإن مَشَى بعضَ.
الطريقِ ورَكِب بعضًا، فعلى هذا القياسِ، يَحْتَمِلُ أن يكون كقولِ ابنِ عمرَ، وهو أن يَحُجَّ فيَمْشِيَ
الجزء: 28 - الصفحة: 236
وَإنْ نَذَرَ الرُّكُوبَ، فَمَشَى، فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ.
ما رَكِب، ويَرْكبَ ما مَشَى.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئَه إلَّا حَجٌّ يَمْشِي في جميعِه؛ لأنَّ ظاهِرَ النَّذْرِ يَقْتَضي هذا.
ووَجْهُ القولِ الأوَّلِ، وهو أن لا يَلْزَمَه بتَرْكِ المشي المَقْدُورِ عليه أكثرُ مِن كفَّارَةٍ، أنَّ المشْيَ ليس بمَقْصودٍ في الحجِّ، ولا وَرَد الشَّرْعُ باعْتِبارِه في مَوْضِع، فلم يَلْزَمْه بتَرْكِه أكثرُ مِن كفَّارَةٍ، كما لو نَذَر التَّحَفِّيَ وشِبْهَه، وفارَقَ التَّتابُعَ في الصيامِ؛ فإنَّه صِفَةٌ مَقْصُودَة فيه، اعْتَبرَها الشَّرْعُ في صيامِ كفَّارَتَيِ الظِّهارِ والقَتْلِ.
4816 -
مسألة: (فإن نَذَر الرُّكُوبَ، فمَشَى، فعلى الرِّوَايَتَين)
إذا نَذَر الحجَّ راكِبًا، لَزِمَه الحجُّ كذلك؛ لأنَّ فيه إنْفاقًا في الحَجِّ، فإن تَرَك الرُّكوبَ، فعليه كَفَّارَة.
وقال أصحابُ الشَّافعيِّ: يَلْزَمُه دَمٌ؛ لتَرَفُّهِه 902 بتَرْكِ الانْفاقِ.
وعن أحمدَ مثلُ ذلك.
وقد بَيَّنّا أنَّ الواجِبَ بتَرْكِ النَّذْرِ الكفَّارَةُ دونَ الهَدْي، إلَّا أنَّ هذا إذا مَشَى ولم يَرْكَبْ مع إمْكانِه،
الحديث: 4816 - الجزء: 28 - الصفحة: 237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يَلْزَمْه أكثرُ مِن كفَّارَةٍ؛ لأنَّ الرُّكوبَ في نفْسِه ليس بطاعَةٍ، ولا قُرْبَةٍ.
وكلُّ مَوْضِعٍ نَذَر المشيَ فيه أو الركوبَ، فإنَّه يَلْزَمُه الإِتْيانُ بذلك مِن دُوَيرَةِ أهْلِه، إلَّا أن يَنْويَ مَوْضِعًا بعَينِه، فيَلْزَمَه مِن ذلك المَوْضِعِ؛ لأنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ على أصْلِه في الفَرْضِ، والحَجُّ المفْروضُ [بأصلِ الشَّرْعِ] 903 يَجِبُ كذلك.
ويُحْرِمُ للمَنْذُورِ مِن حيثُ يُحْرِمُ للواجِبِ.
وقال بعضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَجِبُ الإحْرامُ مِن دُوَيرَةِ أهلِه، لأنَّ إتْمامَ الحَجِّ كذلك.
ولَنا، أنَّ المُطْلَقَ محمولٌ على المَعْهُودِ في الشَّرْعِ، والإِحْرامُ الواجبُ إنَّما هو مِن المِيقاتِ، ويَلْزَمُه المَنْذُورُ مِن المشي أو الركوبِ في الحجِّ أو 904 العُمْرَةِ إلى أن يَتَحَلَّلَ؛ لأنَّ ذلك انْقِضاءُ الحَجِّ والعُمْرَةِ.
قال أحمدُ: يَرْكَبُ في الحَجِّ إذا رَمَى، وفي العُمْرةِ إذا سَعَى؛ لأنَّه لو وَطِئ بعدَ ذلك، لم يُفْسِدْ [حَجًّا ولا عُمْرَة] 905. وهذا يَدُلّ على أنَّه إنَّما يَلْزَمُه في الحجِّ مِن 906 التَّحَلُّلِ الأولِ.
فصل: وإذا نَذَر المشْيَ إلى البيتِ الحَرامِ، أو بُقْعَةٍ منه، كالصَّفا والمروةِ وأبي قُبيس، أو مَوْضِع مِن الحرمِ، لَزِمَه حَجٌّ أو عُمرَة.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال الشَّافعي.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَلْزَمُه إلَّا أن يَنْذِرَ المشْيَ
الجزء: 28 - الصفحة: 238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى الكعبةِ، أو إلى مكةَ.
وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ، إن نَذَر المشيَ إلى الحَرم، أو المسجدِ الحَرامِ كقَوْلِنا، وفي باقي الصُّوَرِ كقولِ أبي حنيفةَ.
ولَنا، أَنَّه نَذَر المشيَ إلى مَوْضِع مِن الحَرمِ، أشْبَهَ النَّذْرَ إلى مكةَ.
فأمَّا إن نَذَر المشيَ إلى غيرِ الحَرمِ، كعَرَفَةَ، ومَواقِيتِ الإحْرامِ، وغيرِ ذلك، لم يَلْزَمْه ذلك، ويكونُ كنَذْرِ المُباحِ.
وكَذلك إن نَذَر إتْيانَ مسجدٍ سِوَى المساجدِ الثلاثةِ، لم يَلْزَمْه إتْيانُه.
وإن نَذَر الصلاةَ فيه، لَزِمَتْه 907 الصَّلاةُ دونَ المسجدِ 908، ففي أيِّ مَوْضِع صَلَّى أجْزَأه؛ لأنَّ الصلاةَ لا تَخْتَصُّ مَكانًا دونَ مكانٍ، فلَزِمَتْه الصَّلاةُ دونَ المَوْضِعِ.
ولا نعلمُ في هذا خِلافًا، إلَّا عن اللَّيثِ، فإنَّه قال: لو نَذَر صلاةً أو صيامًا بمَوْضِع، لَزِمَه فِعْلُه في ذلك الموضِعِ، ومَن نَذَر المشيَ إلى مسجدٍ، مَشَى إليه.
قال الطَّحاويّ: ولم يُوافِقْه على ذلك أحَدٌ مِن الفُقَهاءِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثةِ مَسَاجدَ؛ المَسْجِدِ الْحَرَامِ، ومَسْجِدِي هَذَا، والْمَسْجِدِ الأقْصَى».
مُتَّفَقٌ عليه 909. ولو لَزِمَه المشيُ إلى مسجدٍ بَعِيدٍ لشَدَّ الرَّحْلَ إليه، وقد ذَكَرْناه في الاعْتِكافِ 910.
فصل 911: فإن نَذَر المشيَ إلى بيتِ اللهِ، ولم يَنْو شيئًا، ولم يُعَيِّنه،
الجزء: 28 - الصفحة: 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
انْصَرَف إلى بيتِ اللهِ الحَرامِ؛ لأنَّه المَخْصُوصُ بالقَصْدِ دونَ غيرِه، وإطْلاقُ بيتِ اللهِ يَنْصَرِفُ إليه دونَ غيرِه في العُرْفِ، فيَنْصَرِفُ إليه في النَّذْرِ.
فصل: إذا نَذَر المشيَ إلى بيتِ اللهِ، أو الرُّكوبَ إليه، ولم يُرِدْ بذلك حَقِيقَةَ المشي، إنَّما أرادَ إتْيانَه، لزِمَه إتْيانُه في حَجٍّ أو عُمْرَةٍ؛ [لِما ذَكَرْنا.
ولم يَتَعَيَّنْ عليه مشيٌ، ولا ركوبٌ؛ لأنَّه عَيَّنَ ذلك بنَذْرِه، وهو مُحْتَمِل له، فأشْبَهَ ما لو صَرَّح به.
وإن نَذَر أن يَأتيَ بيتَ اللهِ الحَرامَ، أو يذهبَ إليه، لَزِمَه إتْيانُه في حَج أو عُمْرَةٍ] 912. وعن أبي حَنيفةَ، لا يَلْزَمُه شيءٌ؛ لأنَّ مُجَرَّدَ إتْيانِه ليس بقرْبَةٍ ولا طاعَةٍ.
ولَنا، أنَّه عَلَّقَ نَذْرَه بوُصولِ البيتِ، فلَزِمَه، كما لو قال: لله عِليَّ المشيُ إلى الكعبةِ.
إذا ثَبَت هذا، فهو مُخَيَّر في المَشْي والرُّكوبِ.
وكذلك إذا نَذَر أن يَحُجَّ البيتَ أو يَزُورَه؛ لأنَّ الحجَّ يَحْصُلُ بكُلِّ واحدٍ مِن الأمْرَين، فلم يَتَعَيَّنْ أحَدُهما، وإن قال: للهِ عليَّ أن آتِيَ البيتَ الحرامَ، غيرَ حاج ولا مُعْتَمِر.
لَزِمَه الحَجُّ أو 913 العُمْرَةُ، وسَقَط شَرْطُه.
وهذا أحدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ قولَه: لله عِليَّ أن آتِيَ البيتَ.
يَقْتَضِي حَجًّا أو عُمْرَةً، وشَرْطُ سُقوطِ ذلك يُناقِضُ 914 نَذْرَه، فسَقَط حُكْمُه.
الجزء: 28 - الصفحة: 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا نَذَر المشيَ إلى مسجدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أو المسجدِ الأقْصَى، لَزِمَه ذلك.
وبهذا قال مالكٍ، والأوْزَاعِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وهو أحدُ قَوْلَي الشَّافعيِّ.
وقال في الآخرِ: لَا يَتَبَيَّنُ لي وُجوبُ المشي إليهما؛ لأنَّ البرَّ بإتْيانِ بيتِ اللهِ فرْضٌ، والبِرَّ بإتْيانِ هذَين نَفْلٌ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجدَ؛ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هذَا، وَالْمَسْجِدِ الأقْصَى».
ولأنَّهَ أحدُ المساجدِ الثلاثةِ، فيَلْزَمُ [المشيُ إليه بالنَّذْرِ] 915، كالمسجدِ الحَرامِ، ولا يَلْزَمُ ما ذَكَرَه 916، فإنَّ كلُّ قُرْبَةٍ تَجِبُ بالنَّذْرِ، وإن لم يَكُنْ لها أصْل في الوُجوبِ، كعِيادةِ المَرْضَى، وشُهودِ الجَنائزِ.
ويَلْزَمُه بهذا النَّذْرِ أن يُصَلِّيَ في المَوْضِعِ الذي أتاهُ رَكْعَتين؛ لأنَّ القَصْدَ بالنَّذْرِ القُرْبَةُ والطَّاعَةُ، وإنَّما يَحْصُلُ ذلك بالصَّلاةِ، فتَضَمَّنَ ذلك نَذْرُه، كما يَلْزَمُ ناذِرَ المشي إلى بيتِ الله الحرامِ أحَدُ النُّسُكَين.
ونَذْرُ الصلاةِ في أحدِ المَسجدين كنَذْرِ
الجزء: 28 - الصفحة: 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المشي إليه، كما أنَّ نَذْرَ أحدِ النُّسُكَين في المسجدِ الحَرامِ كنَذْرِ المشي إليه.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَتَعَيَّنُ عليه الصَّلاةُ في مَوْضِعٍ بالنَّذْرِ، سَواءٌ كان في المسجدِ الحَرامِ أو غيرِه، لأنَّ ما لا أصْلَ له في الشَّرْعِ، لا يجِبُ بالنَّذْرِ، بدليلِ نَذْرِ الصلاةِ في سائرِ المساجدِ.
ولَنا، ما رُوِيَ أنَّ عمرَ، رَضِي اللهُ عنه، قال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي نَذَرْتُ أن أعْتَكِفَ ليلةً في المسجدِ الحرامِ.
قال: «أوفِ بِنَذْرِكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 917. [ولأنَّ الصلاةَ فيها أفضلُ مِن غيرِها، بدليلِ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيرٌ مِنْ ألْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِواهُ إلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ».
مُتَّفَقٌ عليه] 918. ورُوي عنه عليه الصَّلاةُ والسلامُ: «صَلَاة فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمائَةِ ألْفِ صَلَاةٍ» 919. وإذا كان فَضِيلَةً وقُرْبَةً، لَزِم بالنَّذْرِ، كما لو نَذَر طُول القِراءَةِ.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالعُمْرَةِ، فإنَّها تَلْزَمُ بالنَّذْرِ، وهي غيرُ واجبةٍ عندَهم.
فصل: إذا نَذَر الصلاةَ في المسجدِ الحرامِ، لم تُجْزِئْه الصَّلاةُ في غيرِه؛ لأنَّه أفضلُ المساجدِ وخيرُها 920، وأكثرُها ثَوابًا للمُصَلِّي فيها.
الجزء: 28 - الصفحة: 242
وَإنْ نَذَرَ رَقَبَةً، فَهِيَ الَّتِي تُجْزِئُهُ عَنِ الْوَاجِبِ، إلَّا أن يَنْويَ رَقَبَةً
وإن نَذَر الصلاةَ في السجدِ الأقْصى، أجْزَأتْه الصَّلاةُ في المسجدِ الحَرامِ؛ لِما رَوَى جابِرٌ، أنَّ رجلًا قامَ يومَ الفَتْحِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي نَذَرْتُ إن فَتَح اللهُ عليكَ أن أصَلِّيَ في بيتِ المَقْدِسِ رَكْعَتَين.
قال: «صَلِّ ههُنا».
ثم أعادَ عليه فقال: «صَلِّ ههُنَا».
ثم أعادَ عليه، قال: «صَلِّ ههُنَا».
ثم أعادَ عليه، قال: «شَأنَكَ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، ولَفْظُه: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ صَلَّيتَ ههُنَا لَأجْزَأ عَنْكَ كُلَّ صَلَاةٍ فِي بَيتِ الْمَقْدِسِ» (1). وقد سَبَق هذا في كتابِ (2) الاعْتِكافِ.
فصل: وإن أفْسَد الحَجَّ المَنْذُورَ ماشيًا، وَجَب القَضاءُ مَشْيًا؛ لأنَّ القَضاءَ يكونُ على صِفَةِ الأداءِ.
وكذلك إن فاتَه الحَجُّ، لكنْ إن فاتَه الحَجُّ، سَقَط تَوابع الوُقوفِ، مِن المَبِيتِ (3) بمُزْدَلِفَةَ ومِنًى، والرَّمْي، وتَحَلَّل للعُمْرَةِ (4)، ويَمْضِي في الحَجِّ الفاسدِ ماشيًا حتَّى يَحِلَّ منه.
4817 -
مسألة: (فإن نَذَر رَقَبَةً، فهي التي تُجْزِئُ عن الواجِبِ،
921922923924 الحديث: 4817 - الجزء: 28 - الصفحة: 243
بِعَينهَا.
إلَّا أن يَنْويَ رَقَبَةً بعَينِها) إذا نذَرَ عِتْقَ 925 رَقَبَةٍ، فهي التي تُجْزِئُ في الكفَّارَةِ، وهي المُؤمِنَةُ السَّلِيمَةُ مِن العُيوبِ المُضِرَّةِ بالعَمَلِ، على ما ذَكَرْنا في بابِ الظِّهارِ 926؛ لأنَّ النَّذْرَ المُطْلَقَ يُحْمَلُ على المعهودِ في الشَّرْعِ، والواجبُ بأصْلِ الشَّرْعِ كذلك.
وهو أحدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشَّافعيِّ.
والثَّاني، تُجْزِئُه أيُّ رَقَبَةٍ كانتْ، صَحِيحَةً أو مَعِيبَةً، مُسْلِمَةً أو كافِرَةً؛ لأنَّ الاسمَ يَتَناول جميعَ ذلك.
[ولَنا، أنَّ] 927 المُطْلَقَ يُحْمَلُ على معهودِ الشَّرْعِ، وهو الواجبُ في الكفَّارَةِ، وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بنَذْرِ المشْي إلى بيتِ اللهِ الحَرامِ، فإنَّه لا يُحْمَلُ على ما تَناوَلَه الاسمُ.
فأمَّا إن نَوَى رَقَبَةً بعَينها، أجْزَاة عِتْقُها، أيَّ رَقَبَةٍ كانتْ؛ لأنَّه نَوَى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُه.
وإن نَوَى ما يَقَعُ عليه اسمُ الرَّقَبَةِ، أجْزَأه ما نَوَاه؛ لِما ذَكَرْنا، فإن المُطْلَقَ يَتَقَيَّدُ بالنِّيَّةِ، كما يَتَقَيَّدُ بالقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ.
قال أحمدُ في مَن نَذَر [عِتقَ عبدٍ بعَينِه] 928، فماتَ قبْلَ أن يُعْتِقَه 929: تَلْزَمُه كفَّارَةُ يَمِين، ولا يَلْزَمُه عِتْقُ عبدٍ؛ لأنَّ هذا شيءٌ فاتَه، على حديثِ عُقبةَ بنِ عامِر، وإليه
الجزء: 28 - الصفحة: 244
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أذهبُ 930 في الفائِتِ وما عُجِزَ عنه.
فصل: ومَن نَذَر حَجًّا، أو صيامًا، أو صدقةً، أو عِتْقًا، أو اعْتِكافًا، أو صلاةً، أو غيرَه 931 مِن الطَّاعاتِ، وماتَ قبلَ فِعْلِه، فعَلَه الوَلِيُّ عنه.
وعن أحمدَ في الصلاةِ: لا يُصَلِّي عن المَيِّتِ؛ لأنَّها لا بَدَلَ لها بحالٍ، وأمَّا سائِرُ الأعْمالِ فيَجُوزُ أن يَنُوبَ الوَلِيُّ عنه فيها، وليس بواجِبٍ عليه، لكنْ يُسْتَحَبُّ له ذلك على سبيلِ الصِّلَةِ له والمعروفِ.
وأفْتَى بذلك ابنُ عباس في امْرَأةٍ نَذَرَتْ أن تَمْشِيَ إلى قُبَاءٍ، فماتَتْ ولم تَقْضه، أن تَمْشِيَ ابْنَتُها عنها 932. وروَى سعيد 933، عن سُفيانَ، عن عبدِ الكريمِ بنِ أبي أُمَيَّةَ، [عن عُبَيدِ اللهِ بنِ عبدِ الله] 934، أنَّه سألَ ابنَ عباس عن نَذْر كان على أُمِّه مِن اعْتِكافٍ، قال: صُمْ عنها، واعْتَكِفْ عنها.
وقال 935: حَدَّثَنا أبو الأحْوَصِ، عن إبراهيمَ بنِ مُهاجِرٍ، عن عامرِ بنِ مُصْعبٍ 936، أنَّ
الجزء: 28 - الصفحة: 245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عائشةَ اعْتَكَفَتْ عن أخِيها عبدِ الرحمنِ بعدَ ما ماتَ.
وقال مالكٌ: لا يَمْشِي أحدٌ من أحَدٍ، ولا يصومُ عنه، ولا يُصَلِّي، وكذلك سائِرُ أعْمالِ البَدَنِ، قياسًا على الصلاةِ.
وقال الشَّافعي: يَقْضِي عنه الحَجَّ، ولا يَقْضِي الصلاةَ، قولًا واحدًا، ولا يَقْضِي الصومَ، في أحَدِ القولَين، ويُطْعَمُ عنه في كلِّ يوم مِسْكين؛ لأنَّ ابنَ عمرَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيهِ صِيَامُ شَهْرٍ، فَليُطْعَمْ عَنْهُ عَنْ كُلِّ يَوْم مِسْكِينٌ».
أخْرَجه ابنُ ماجَه 937. وقال أهلُ الظَّاهِرِ: يَجِبُ القَضاءُ على وَلِيِّه، لظاهِرِ الأخْبارِ الوارِدَةِ فيه.
وجُمْهورُ أهلِ العلمٍ على أنَّ القَضاءَ ليس بواجِب على الوَلِيِّ، إلَّا أن يكونَ حَقَّا في المالِ، ويكون للمَيِّتِ تَرِكَة، فأمْرُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في هذا مَحمُولٌ على النَّدْبِ والاسْتِحْبابِ، بدليلِ قَرائِنَ في الخَبَرِ؛ منها أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - شَبَّهَه بالدَّينِ، وقَضاءُ الدَّينِ عن المَيِّتِ لا يَجِبُ على الوارِثِ ما لم يُخَلِّفْ تَرِكَةً يُقْضَى منها.
ومنها أنَّ السائِلَ سألَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: هل يَفْعَلُ ذلك أولًا؟ وجَوابُه يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ مُقْتَضَى سُؤالِه، فإن كان مُقْتَضاهُ السُّؤال عن الإباحَةِ، فالأمْرُ في جَوابِه يَقْتَضِي الإباحَةَ، وإن كان السُّؤالُ عن الأجْزاءِ، فأمْرُه يَقْتَضِي الإِجْزَاءَ، كقَوْلِهم: أنصَلِّي في مَرابِضِ الغَنَمِ؟ قال: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ» 938. وإن كان السُّؤالُ عن الوُجوبِ، فأمْرُه يَقْتَضِي الوُجوبَ،
الجزء: 28 - الصفحة: 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كقولِهم: أنتَوَضَّأ مِن لُحُومِ الإِبِلِ؟ قال: «نَعَمْ، تَوَضَّئوا مِنْهَا» 939. وسؤالُ السَّائلِ في مسألَتِنا كان عن الإِجْزاءِ، فأمْرُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - له 940 بالفِعْلِ يَقْتَضِيه لا غيرُ.
ولَنا، على جَوازِ الصِّيامِ عن المَيِّتِ، ما رَوَت عائشةُ، رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ مَاتَ، وَعَلَيهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».
وعن ابنَ عباسٍ، قال: جاءَ رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أمِّي ماتَت وعليها صومُ شَهْرٍ، أفأصُومُ عنها؟ قال: «لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَين، أكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟» قالْ نعم.
قال: «فَدَينُ اللهِ أحَقُّ أن يُقْضَى».
وفي روايَةٍ قال: جاءَتِ امْرأة إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أمِّي ماتت وعليها صومٌ، أفَأصُومُ عنها؟ قال: «أرَأيتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَين فَقَضَيتهِ، أكَانَ يُؤدِّي ذَلِكَ عَنْهَا؟».
قالتْ: نعم.
قال: «فَصُومِي عَنْ أمِّكِ».
مُتَّفَقٌ عليهِنَّ 941. وعن ابنِ عباس، أنَّ سعدَ بنَ عُبادةَ، اسْتَفْتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في نَذْرٍ كان على أُمِّه، فتُوُفِّيَتْ قبلَ أن تَقْضِيَه، فأفْتاه أن يَقْضيَه، فكانت سُنَّةً
الجزء: 28 - الصفحة: 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعدُ 942. وعنه أنَّ رجلًا أتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إنَّ أمِّي نَذَرَتْ أن تَحُجَّ، وإنَّها ماتتْ.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ كَانَ عَلَيهَا دَينٌ، أكنْتَ قَاضِيَهُ؟».
قال: نعم.
قال: «فَاقْضِ اللهَ، فَهُوَ أحقُّ بِالْقَضَاءِ».
رَواه البخارِيُّ 943. وهذا صريحٌ في الصَّومِ والحَجِّ، ومُطْلَقٌ في النَّذْرِ، وما عدا المذكورَ في الحديثِ 944 فمُقاسٌ عليه، وحديثُ ابنِ عمرَ في الصومِ 945 الواجِبِ بأصْلِ الشَّرْعِ، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه عليه جمعًا بينَ الحديثَين، ولو قُدِّرَ التَّعارُضُ، لَكانتْ أحادِيثُنا أصَحَّ، وأكثَرَ، وأوْلَى بالتَّقْديمِ.
إذا ثَبَت هذا، فإن الأوْلَى أن يَقْضِيَ النَّذْرَ عنه وارِثُه، وإن قَضاه غيرُه، أجْزَأ عنه، كما لو قَضَى عنه دَينَه؛ فإن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - شَبَّهَه بالدَّينِ، وقاسَه عليه، ولأنَّ ما يَقْضيه الوارِثُ إنَّما هو تَبَرُّع منه، وغيرُه مثلُه في التَّبَرُّعِ.
وإن كان النَّذْرُ في مالٍ، تَعَلَّق بِتَرِكَتِه.
الجزء: 28 - الصفحة: 248
وَإنْ نَذَرَ الطَّوافَ عَلَى أرْبَع، طَافَ طَوَافَينِ.
نَصَّ عَلَيهِ.
4818 - مسألة: (وإن نَذَر أن يَطُوفَ على أرْبَع، طافَ طَوافَين. نصَّ عليه)
قال ذلك ابنُ عباس؛ لِمَا رَوَى مُعاويةُ بنُ حُدَيجٍ 946 الكِنْدِيُّ، أنَّه قَدِمَ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، معه أُمُّه كَبْشةُ بنتُ مَعْدِي كَرِبَ، عَمَّةُ الأشْعَثِ بنِ قَيس، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي آليتُ أن أطُوفَ بالبيتِ حَبْوًا.
فقال لها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «طُوفِي عَلَى رِجْلَيكِ سَبْعَينِ؛ سَبْعًا عَنْ يَدَيكِ، وسَبْعًا عَنْ رِجلَيكِ».
أخْرجَه الدَّارَقُطْنِيُّ 947 بإسْنادِه.
وقال ابنُ عباس، في امرأةٍ نَذَرَتْ أن تَطُوفَ بالبيتِ على أربع، قال: تَطوفُ عن يَدَيها سَبْعًا، وعن رِجْلَيها سبعًا.
رَواه سعيد 948.
الحديث: 4818 - الجزء: 28 - الصفحة: 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والقياسُ أن يَلْزَمَه طَوافٌ واحدٌ على رِجْلَيه، ولا يَلْزَمُه على يَدَيه؛ لأنَّه غيرُ مَشْروع، فيَسْقُطُ، كما أنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بنِ عامِر نَذَرَتْ أن تحُجَّ غيرَ مُخْتَمِرَةٍ، فأمَرَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن تَحُجَّ وتَخْتَمِرَ 949. وروَى عِكْرِمَةُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان في سَفَرٍ، فحانَتْ منه نَظْرة، فإذا امرأة ناشِرَة شَعَرَها، قال: «مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ» 950. ومَرَّ برجلَين مَقْرونَين، فقال: «أطْلِقَا قِرَانَكُما» 951. وقد ذَكَرْنا حديثَ أبي إسْرَئِيلَ الذي نَذَر أن يصومَ، ويفعلَ أشياءَ، فأمَرَه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالصَّومِ وَحْدَه، ونَهاه عن سائرِ نُذُورِه 952. وهل تَلْزَمُه كفَّارَة؟ يُخرَّجُ فيه وَجْهان؛ بِناءً على ما تَقَدَّمَ.
الجزء: 28 - الصفحة: 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقياسُ المذهبِ لُزومُ الكفَّارةِ؛ لإِخْلالِه بِصفةِ نَذْرِه وإن كان غيرَ مَشْروع، كما لو كانَ أصلُ النَّذْرِ غيرَ مَشْروع.
وأمَّا وَجْهُ الأوَّلِ، فإن مَن نَذَر الطَّوافَ على أرْبَع، فقد نَذَر الطَّوافَ على يَدَيه ورِجْلَيه، فأُقيمَ الطَّواف الثَّانِي مُقامَ طَوافِه على يَدَيه.
الجزء: 28 - الصفحة: 251