الشرح الكبير على المقنع ت التركيكتابُ الْوَقْفِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَهُوَ تَحْبِيسُ الأصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ.
كتابُ الوَقْفِ (وهو تَحْبِيسُ الأصْلِ وتَسْبِيلُ المَنْفَعةِ) وهو مُسْتَحَبٌ.
والأصْلُ فيه ما روَى عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، قال: أصابَ عُمَرُ أرْضًا بخيبرَ، فأتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَأمِرُه فيها، فقال: يا رسولَ الله إنِّي أصَبْتُ أرْضًا بخَيبَرَ، لم أُصِبْ قَطُّ مالًا أنْفَسَ عِنْدِي منه، فما تَأمُرُنِي فيه؟ قال: «إنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أصْلَهَا، وتَصَدَّقْتَ بِها، غَيرَ أنَّه لَا يُبَاعُ أصْلُهَا، ولا يُبْتَاعُ، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ».
قال: فتَصَدَّقَ بها عُمَرُ في الفُقَراءِ، وذَوي القُرْبَى، والرِّقابِ، وابْنِ السَّبِيلِ، والضَّيفِ، لا جُنَاحَ على مَن وَلِيَها أن يَأكلَ منها، أو يُطْعِمُ صَدِيقًا بالمَعْرُوفِ، غَيرَ مُتَأثِّلٍ فيه، أو غيرَ مُتَمَوِّلٍ فيه.

الجزء: 16 - الصفحة: 361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُتَّفَقٌ عليه 1. ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ، انْقَطَعَ عَمَلُه إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ؛ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِه، أوْ وَلَدٍ صَالِح يَدْعُو لَهُ».
قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ورَواه مسلمٌ 2. فصل: والقولُ بصِحَّةِ الوَقْفِ قولُ أكثرَ أهْلِ العِلْمِ مِن السَّلَفِ ومَن بعدَهم.
قال جابِرٌ: لم يَكُنْ أحَدٌ مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ذو مَقْدِرَةٍ إلَّا وَقَف.
ولم يَرَه شُرَيحٌ، وقال: لا حَبْسَ عن فرائِضِ اللهِ.
قال أحمدُ: هذا مَذْهَبُ أهْلِ الكُوفةِ.
وحَدِيثُ ابنِ عُمَرَ حُجةٌ على مَن خالفَه، وهو صَرِيحٌ في الحُكْمِ مع صِحَّتِه، وقولُ جابِرٍ نَقْلٌ للإِجْماعِ، فلا يُلْتَفَتُ إلى خِلافِ ذلك.

الجزء: 16 - الصفحة: 362

وَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أنهُ يَحْصُل بِالقوْلِ والفِعْلِ الدَّال عَلَيهِ؛ مِثْلَ أنْ يبنِيَ مَسْجِدًا وَيَأذَنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ، أوْ يَجْعَلَ أرْضَهُ مَقْبَرَةً وَيَأذَنَ لَهُمْ فِي الدَّفْنِ فِيهَا، أوْ سِقَايَةً وَيَشرَعَهَا لَهُمْ.
وَالأُخْرَى، لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْقَوْلِ.

2553 - مسألة: (وَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أنهُ يَحْصُل بِالقوْلِ والفِعْلِ الدَّال عَلَيهِ؛ مِثْلَ أنْ يبنِيَ مَسْجِدًا وَيَأذَنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ، أوْ يَجْعَلَ أرْضَهُ مَقْبَرَةً وَيَأذَنَ لَهُمْ فِي الدَّفْنِ فِيهَا، أوْ سِقَايَةً وَيَشرَعَهَا لَهُمْ)

ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ الوَقْفَ يَحْصُلُ بالفِعْلِ مع القَرائِنِ الدّالَّةِ عليه التي ذكرناها.
قال أحمدُ في روايةِ أبي داودَ، وأبي طالبٍ، في مَن أدْخَلَ بَيتًا في المَسْجِدِ وأذِن فيه: لم يَرْجِعْ فيه.
وكذلك إذا اتَّخَذَ المَقابِرَ وأذِن للناسِ، والسِّقايَةَ، فليس له الرُّجُوعُ.
هذا قولُ أبي حنيفةَ.
(و) الرِّواية (الأخْرَى، لا يَصِحُّ إلَّا بالقَوْلِ) ذَكَرَها القاضي.
وهو مَذْهَبُ الشافعي.
وأخَذَه القاضي مِن قولِ أحمدَ، إذ سَألَه الأثْرَمُ عن رجلٍ أحاطَ حائِطًا على أرْض ليَجْعَلَها مَقْبَرَةً، ونَوَى بقَلْبِه، ثم بَدا له العَوْدُ؟ فقال: إن كان جَعَلَها

الحديث: 2553 - الجزء: 16 - الصفحة: 363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للهِ فلا يَرْجِعُ.
قال شيخُنا 3: وهذا لا يُنافِي الرِّوايةَ الأولَى، فإنَّه إن 4 أرادَ بقَوْلِه: إن كان جَعَلَها للهِ.
أي نَوَى بتَحْويطِها جَعْلَها للهِ، فهذا تَأكيدٌ للرِّوايةِ الأولَى وزِيادَةٌ عليها، إذ مَنَعَه مِن الرُّجُوعِ بمُجَرَّدِ التَّحْويطِ مع النِّيَّةِ، وإن أرادَ بقَوْلِه: جَعَلَها للهِ.
أي اقْتَرَنَتْ بفِعْلِه قَرائِنُ دالَّةٌ على إرادَةِ ذلك مع إذْنِه للناسِ في الدَّفْنِ فيها، فهو الرِّوايَةُ الأولَى بعَينها، وإن أرادَ: إذا وَقَفَها بقولِه.
فيَدُلُّ بمَفْهُومِه على أنَّ الوَقْفَ لا يَحْصُلُ بمُجَرَّدِ التَّحْويطِ والنيَّةِ، وهذا لا يُنافِي الرِّوايةَ الأولَى؛ لأنَّه في الأولَى انْضَمَّ إلى فِعْلِه إذنه للناسِ في الدَّفْنِ، ولم يُوجَدْ هاهُنا، فلا تَنافِيَ بينهما، ولم يُعْلَمْ مُرادُه مِن هذه الاحْتِمالاتِ، فانْتَفَتْ هذه الرِّوايةُ، وصارَ المذْهَبُ رِوايةً واحِدَةً.
واحْتَجُّوا بأنَّ هذا تَحْبِيسٌ على وَجْهِ القُرْبَةِ، فوَجب أن لا يَصِحَّ بدُونِ اللَّفْظِ، كالوَقْفِ على الفُقَراءِ.
ولَنا، أنَّ العُرْفَ جارٍ بذلك، وفيه دَلالة على الوَقْفِ، فجاز أن يَثْبُتَ به، كالقَوْلِ، وجَرَى

الجزء: 16 - الصفحة: 364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَجْرَى مَن قَدَّمَ إلى ضَيفِه طَعامًا كان إذنا في أكْلِه، ومَن مَلأ خابِيَةَ ماءٍ على الطَّرِيقِ كان تَسْبِيلًا له، ومَن نَثَر نِتارًا كان إذنا في أخْذِه، كذلك دُخُولُ الحَمّام واسْتِعْمالُ مائِه مِن غيرِ إذنٍ مُباحٌ بدَلالةِ الحالِ.
وقد ذَكَرْنا في البَيعِ أنَّه يَصِحُّ بالمُعاطاةِ، وكذلك الهِبَةُ والهَدِيَّةُ؛ لدَلالةِ الحالِ، كذلك هذا.
وأمّا الوَقْفُ على المَساكِينِ، فلم تَجْرِ به عادَة بغيرِ لَفْظٍ، ولو كان شيءٌ جَرَتْ به العادَة أو دَلَّتِ الحالُ عليه، كان كمَسْألتِنا.

الجزء: 16 - الصفحة: 365

وَصَرِيحُه: وَقَفْتُ، وَحَبَّسْتُ، وَسَبَّلْتُ.
وَكِنَايَتُهُ: تَصَدَّقْتُ، وَحَرَّمْتُ، وَأبدتُ.
فَلَا يَصِح الْوَقْفُ بِالْكِنَايَةِ إِلا أنْ يَنْويَهُ، أوْ يَقْرِنَ بِهَا أحَدَ الألفَاظِ الْبَاقِيَةِ، أوْ حُكْمَ الْوَقْفِ، فيَقُولَ: تَصَدَّقْتُ

2554 - مسألة: (وصَرِيحُه: وَقَفْتُ، وسَبَّلْتُ، وحَبَّسْتُ)

فمتى أتَى بواحِدَةٍ منها، صار وَقْفًا مِن غيرِ انْضِمامِ أمْر زائِدٍ؛ لأنَّ هذه الألْفاظَ ثَبَت لها عُرْفُ الاسْتِعْمالِ بينَ الناسِ، وانْضَمَّ إلى ذلك عُرْفُ الشَّرْعِ، بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لعُمَرَ: «إنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أصْلَهَا، وَسَبَّلْتَ ثَمَرَتَها» 5. فصارَتْ هذه الألْفاظُ في الوَقْفِ كلَفْظِ التَّطْلِيقِ في الطَّلاق.
والكِنايَةُ (تَصَدَّقْتُ، وحَرَّمْتُ، وأبَدْتُ) فليست صَرِيحةً؛ لأنَّ لَفْظَةَ الصَّدَقَةِ والتَّحْرِيمِ مُشْتَرَكَة، فإن الصَّدَقَةَ تُسْتَعْمَلُ في الزكاةِ والهِباتِ، والتَّحْرِيمَ يُسْتَعْمَلُ في الظِّهارِ والأيمانِ، ويَكونُ تَحْرِيمًا على نَفسِه وعلى غيرِه، والتَّأبِيدَ يَحْتَمِلُ تَأبِيدَ التَّحْرِيمِ، وتَأبِيدَ الوَقْفِ، فلم يَثْبُتْ لهذه الألْفاظِ عُرْفُ الاسْتِعْمالِ، فلا يَصِحُّ الوَقْفُ بمُجَرَّدِها، ككِناياتِ

الحديث: 2554 - الجزء: 16 - الصفحة: 366

صَدَقَةً مَوْقُوفَةً، أو مُحَبَّسَةً، أوْ مُسَبَّلَةً، أو مُحَرَّمَةً، أو مُؤبّدَةً، أو لَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، وَلَا تُورَثُ.
الظِّهارِ.
فإذا انْضَمَّ إليها أحَدُ ثَلاثةِ أشْياءَ، حَصَل الوَقف بها؛ أحَدُها، أن يَنْوِيَ الوَقف، فيكونَ على ما نَوَى، إلَّا أنَّ النيةَ تَجْعَله وَقْفًا في الباطِنِ دُونَ الظّاهِرِ؛ لعَدَمِ الاطِّلاعِ عليها، فإنِ اعْتَرَفَ بما نَواهُ، لَزِم في الحُكْمِ؛ لظُهُورِه، وإن قال: ما أرَدْتُ الوَقف.
فالقول قولُه؛ لأنَّه أعْلَمُ بما نَوَى.
الثاني، أن يُضِيفَ إليها لَفْظَةً تُخَلِّصُها مِن الألْفاظِ الخَمْسَةِ، (فيقولَ: صَدَقَة مَوْقُوفَة، أو مُحَبَّسَة، أو مُسَبَّلَةٌ، أو مُؤبَّدَة، أو مُحَرَّمَةٌ) أو يقولَ: هذه مُحَرَّمَةٌ مَوْقُوفَة، أو مُحَبَّسَة، أو مُسَبَّلَةٌ، أو مُؤبَّدَةٌ.
الثالثُ، أن يَصِفَها بصِفاتِ الوَقْفِ، فيقولَ: صَدَقَة (لا تُباعُ، ولا تُوهَبُ، ولا تُورَثُ) لأنَّ هذه القَرِينَةَ تُزِيلُ الاشْتِراكَ.

الجزء: 16 - الصفحة: 367

وَلَا يَصِحُّ إلا بِشرُوطٍ أرْبَعَةٍ؛ أحَدهَا، أنْ يَكونَ فِي عَين يَجُوز بَيعُهَا وَيمْكِنُ الانْتِفَاعُ بِهَا دَائِمًا مَعَ بَقَاءِ عَينهَا؛ كَالْعَقَارِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالْأثَاثِ، وَالسِّلَاحِ.

2555 - مسألة: (ولا يَصِحُّ)

الوَقْفُ (إلَّا بشُرُوطٍ أرْبعةٍ؛ أحدُها، أن يكونَ في عَين يَجوزُ بَيعُها ويُمْكِنُ الانْتِفاعُ بها دائِمًا مع بَقاءٍ عَينها؛ كالحَيَوانِ، والعَقارِ، والأثاثِ، والسِّلاح) وجملةُ ذلك، أن

الحديث: 2555 - الجزء: 16 - الصفحة: 369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الذي يَصِحُّ وَقْفُه ما جاز بَيعُه مع بَقاءِ عَينه، وكان أصْلًا يَبْقَى بَقاءً مُتَّصِلًا؛ كالعَقارِ، والحَيَوانِ، والسِّلاحِ، والأثاثِ، وأشْباهِ ذلك.
قال أحمدُ، في رِوايَةِ الأثْرَم: إنَّما الوَقْفُ في الدُّورِ والأرَضِينَ، على ما وَقَف أصْحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وقال في مَن وَقَف خمْسَ نَخَلاتٍ على مَسْجِدٍ: لا بَأسَ به.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو يُوسُفَ: لا يَجوزُ وَقْفُ الحَيوانِ، ولا الرَّقِيقِ، ولا العُرُوضِ إلَّا الكُراعَ 6، والسِّلاحَ، والغِلْمانَ، والبَقَرَ، والآلةَ في الأرْضِ المَوْقُوفَةِ تَبَعًا لها؛ لأنَّ هذا حَيوانٌ لا يُقاتَلُ عليه، فلم يَجُزْ وَقْفُه، كما لو كان الوَقْفُ إلى مُدَّةٍ.
وعن مالكٍ في الكُرَاعِ والسِّلاحِ رِوايتان.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أما خَالِدٌ فإنَّه قَدِ احْتَبَسَ أدرَاعَهُ واعْتَادَهُ في سَبِيلِ اللهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 7، وفي روايةٍ «أعتُدَهُ».

الجزء: 16 - الصفحة: 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أخْرَجَه البُخارِيّ.
قال الخَطّابي 8: الأعْتادُ ما يُعِدُّه الرجل مِن مَرْكُوبٍ وسِلاحٍ وآلةِ الجهادِ.
ورُوِيَ أنَّ أمَّ مَعْقِل جاءتْ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبا مَعْقِلٍ جَعَل ناضِحَه في سَبِيلِ اللهِ، وإنِّي أرِيدُ الحَجَّ، أفَأرْكَبُه؟ فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «ارْكَبِيهِ، فإنَّ الحَجَّ والعُمْرَةَ مِنْ سَبِيلِ اللهِ» 9. ولأنَّه يَحْصُلُ فيه تَحْبِيس الأصْلِ وتَسْبِيل المَنْفَعَةِ، فصَحَّ وَقْفُه، كالعَقارِ والفَرَسِ الحَبِيسِ، أو نقولُ: يَصِحُّ وَقْفُه مع غيرِه، فَصَح وَحْدَه، كالعَقارِ.
فصل: قال أحمد، رحمه الله، في رجل له دارٌ في الرَّبَضِ 10، أو قَطعَة، فأرادَ التَّنَزُّهَ منها، قال: يَقِفُها.
وقال: القَطائِعُ تَرْجِعُ إلى الأصْلِ.
أرادَ 11 جَعْلَها للمَساكِينِ.
فظاهِرُ هذا إباحَةُ وَقْفِ السَّوادِ، وهو في الأصْلِ وَقْف، ومعناه أنَّ وَقْفَها يُطابِقُ الأصْلَ، لا أنَّها تَصِيرُ بهذا القَوْلِ وَقْفًا.

الجزء: 16 - الصفحة: 371

وَيَصِحُّ وَقْف الْمُشَاعِ.

2556 - مسألة: (ويَصِحُّ وَقفُ المُشاعِ)

وبهذا قال مالك، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ.
وقال محمدُ بنُ الحسَنِ: لا يَصِحُّ.
وبَناه على أصْلِه في أنَّ القَبْضَ شَرْط، وهو لا يَصِحُّ في المُشاعِ.
ولَنا، أنَّ في حَدِيثِ عُمَرَ، أنَّه أصابَ مائةَ سَهْم مِن خَيبَرَ، فاسْتَأذَنَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فيها، فأذِنَ له في وَقفِها.
وهذا صِفَةُ المُشاعِ، ولأنَّه عَقْد يَجوزُ على بعضِ الجُمْلَةِ مُفْرَدًا، فجاز عليه مُشاعًا، كالبَيعِ، ولأنَّ الوَقفَ تَحْبِيس الأصْلِ وتَسْبِيلُ المَنْفَعَةِ، وهذا يَحْصُلُ في المُشاعِ كحُصُولِه في المُفْرَدِ 12، ولا نُسَلِّمُ اعْتِبارَ القَبْضِ، وإن سَلَّمْنا، فهو يَصِحُّ في الوَقفِ كما يَصِحُّ في البَيْعِ.

الحديث: 2556 - الجزء: 16 - الصفحة: 372

وَيَصِحُّ وَقْفُ الْحَلْي عَلَى اللُّبْسِ وَالْعَارِيةِ.
وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ.
فصل: وإن وقف دارَه على جهَتَين مُخْتَلِفَتَين، مثلَ أن يَقِفَها على أوْلادِه وعلى المَساكِينِ؛ نِصْفَين، أو أَثْلاثًا، أو كيفما كان، جاز.
وسواء جَعَلِ مَال المَوْقُوفِ على أوْلادِه وعلى (1) المَساكِينِ، أو على جِهَةٍ سِواهم؛ لأنه إذا جاز وَقْفُ الجُزْءِ مُفْرَدًا، جاز وَقْفُ الجُزْأْينِ.
وإن أطْلَقَ الوَقْفَ، فقال: وَقَفْتُ دارِي هذه على أوْلادِي، وعلى المَساكِينِ.
فهي بينَهما نِصْفَين؛ لأنَّ إطْلاقَ الإضافَةِ إليهما يَقْتَضِي التَّسْويَةَ بينَ الجِهَتَين، ولا تتَحَقَّقُ إلَّا بالتنصِيفِ.
وإن قال: وَقَفْتها على زَيدٍ وعَمْرو والمَساكِينِ.
فهي بينَهم أثْلاثًا.

2557 -

مسألة: (ويَصِحُّ وَقْفُ الحَلْي على اللبْسِ والعارِيَّةِ)

لأنَّ ذلك نَفْعٌ مُباحٌ مَقصُود يجوزُ أخْذُ الأجْرَةِ عليه، فصحَّ الوَقْفُ عليه، كوَقْفِ السلاح في سَبِيلَ اللهَ، ولِما روَى نافِع، قال: ابْتاعَتْ حَفْصَةُ حَلْيًا بعِشرِين ألْفًا، فحَبَّسَتْه على نِساءِ آلِ الخَطّابِ، فكانت لا تُخْرِجُ13

الحديث: 2557 - الجزء: 16 - الصفحة: 373

وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ فِي الذِّمَّةِ؛ كَعَبْدٍ، وَدَارِ،  زَكاتَه.
رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه (1). ولأنَّه عَينٌ يُمْكِنُ الانْتِفاعُ بها مع بَقائِها دائمًا، فصَحَّ وَقْفُها، كالعَقارِ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه لا يَصِحُّ وَقْفُها عليه.
وأنْكَرَ الحَدِيثَ عن حَفْصَةَ في وَقْفِه.
ووَجْهُ هذه الرِّوايةِ أنَّ التَّحَلِّيَ ليس هو المَقْصُودَ الأصْلِيَّ مِن الأثْمانِ، فلم يَصِحَّ وَقْفُها عليه، كما لو وَقَف الدَّنانِيرَ والدَّراهِمَ.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكرنا، والتَّحَلِّي مِن المَقاصِدِ المُهِمَّةِ، والعادَةُ جارِيَةٌ به، وقد اعْتَبَرَه الشَّرْعُ في إسْقاطِ الزكاةِ عن مُتَّخِذِه، وجَوَّزَ إجارَتَه لذلك.
ويُفارِقُ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ، فإنَّ العادَةَ لم تَجْرِ بالتَّحَلِّي بها، ولا اعْتَبَرَ الشَّرْعُ ذلك في إسْقاطِ زَكاةٍ، ولا ضَمانِ نَفْعِه في الغَصْبِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا.

2558 -

مسألة؛ (ولا يَصِحُّ الوَقْفُ في الذِّمَّةِ؛ كعَبْدٍ، ودارٍ)

وسِلاحٍ غيرِ معيَّنٍ؛ لأنَّ الوَقْفَ إبْطالٌ لمَعْنَى المِلْكِ فيه، فلم يَصِحَّ في غيرِ مُعَيَّن، كالعِتْق.14

الحديث: 2558 - الجزء: 16 - الصفحة: 374

وَلَا غَيرِ مُعَيَّن، كَأحَدِ هَذَينِ، وَلَا وَقْفُ مَا لَا يَجُوزُ بَيعُهُ، كَأمِّ الْوَلَدِ، وَالْكَلْبِ،

2559

  • مسألة: (ولا)

يَصِحُّ في (غيرِ مُعَيَّن؛ كأحَدِ هذَين) العَبْدَين؛ لأنَّه نَقْل للمِلْكِ على وَجْهِ القرْبَةِ، فلم يَصِحَّ في غيرِ مُعَيَّن، كالهِبَةَ.
2560 - مسألة: (ولا) يَصِحُّ (وَقْف) ما لا يَجُوزُ بَيعُه؛ كأمِّ الوَلَدِ، والكَلْبِ) والمَرْهُونِ، وكذلك الخِنْزِيرُ، وسائِرُ سِباعِ البَهائِم التي لا تَصْلُحُ للصَّيدِ، وجَوارِحُ الطَّيرِ التي لا يُصادُ بها؛ لأنَّه نَقْل للمِلْكِ فيها في الحياةِ، فلم يَجُزْ، كالبَيع، ولأنَّ الوَقْف تَحْبِيسُ الأصْلِ وتَسْبِيلُ المَنْفَعَةِ، وما لا مَنْفَعَةَ فيه مُباحة فلا يَحْصُلُ فيه تَسْبِيلُ المَنْفَعَةِ، والكلْبُ أُبِيحَ الانْتِفاعُ به على خِلافِ الأصْلِ للضَّرُورَةِ، فلم يَجُزِ التَّوَسُّعُ فيها، والمَرْهُونُ في وَقْفِه إبْطال حَقِّ المُرْتَهِنِ منه، فلم يَجُزْ إبْطالُه.
ولا يَصِحُّ وَقْف الحَمْلِ المُنْفَرِدِ؛ لأنَّه لا يجوزُ بَيعُه.

الحديث: 2559 - الجزء: 16 - الصفحة: 375

وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقائِهِ دَائِمًا؛ كَالْأثْمانِ، وَالمَطْعُومِ، وَالريَاحِينَ.
فصل: (ولا) يَصِحُّ وَقْفُ (ما لا يُنْتَفَعُ به مع بَقائِه دائِمًا؛ كالأثْمانِ، والمَطْعُومِ، والرَّياحِينِ) ما لا يُمْكِنُ الانْتِفاعُ به مع بَقاءِ عينه؛ كالدّارهم والدنانير، المَطعُوَم 15، والمَشْرُوب، وأشْباهه من الرَّياحِينِ، لايجوزُ وَقْفُه في قولِ عامَّةِ الفُقَهاءِ وأهْلِ العِلْمِ، إلَّا شيئًا حُكِيَ عن مالكٍ، والأوْزاعِيِّ، في وَقْفِ الطَّعامِ، أنَّه يجوزُ.
ولم يَحْكِه أصْحابُ

الجزء: 16 - الصفحة: 377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مالكٍ.
وليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّ الوَقْفَ تَحْبِيسُ الأصْلِ وتَسْبِيل المَنْفَعَةِ، وما لا يُنْتَفعُ به إلَّا بالإتْلافِ لا يَصِحُّ ذلك فيه.
وقيل في الدَّراهِمِ والدنانِيرِ: يَصِحُّ وَقْفُها.
عندَ مَن أجاز إجارَتَها.
ولا يَصِحُّ؛ لأن تلك المَنْفَعَةَ ليستِ المَقْصُودَ الذي خُلِقَتْ له الأثْمانُ، ولهذا لا تُضْمَنُ في الغَصْبِ، فلم يَجُزِ

الجزء: 16 - الصفحة: 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَقْفُ له، كوقفِ الشَّجَرِ على نَشْرِ الثِّيابِ، والغَنَمِ على دَوْسِ الطِّينِ، والشَّمْعِ ليُتَجَمَّلَ به.
وكذلك 16 لا يَصِحُّ وَقْفُ الشَّمْعِ للإِشْعالِ؛ لأنَّه يَتْلَف بالانْتِفاعِ به، فهو كالمَأكَولِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 379

الثَّانِي، أنْ يَكونَ عَلَى بِرٍّ؛ كَالْمَسَاكِينِ، وَالْمَسَاجِدِ، وَالْقَنَاطِرِ، وَالْأقَارِبِ، مُسْلِمِينَ كَانُوا أوْ مِنْ أهْلِ الذمَّةِ.
(الثاني، أن يكونَ على بِرٍّ، كالمَساكِينِ، والمَساجِدِ، والقَناطِرِ، والأقارِبِ مسلمين كانوا أو مِن أهْلِ الذِّمَّةِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الوَقْفَ لا يَصِحُّ إلَّا على بِرٍّ أو مَعْرُوفٍ؛ كوَلَدِه 17 وأقارِبِه، والمَساجِدِ، والقَناطِرِ، وكُتُبِ الفِقْهِ والعِلْمِ، والقُرْآنِ، والسقاياتِ، والمَقابِرِ، وسبيلِ اللهِ، وإصْلاحِ الطرق، ونحو ذلك مِن القُرَبِ.
ويَصِحُّ على أهْلِ الذِّمَّةِ، لأنَّهم يَمْلِكُون مِلْكًا محْتَرَمًا، وتَجُوزُ الصَّدَقَةُ عليهم، قال اللهُ تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيهِمْ﴾ 18. وإذا جازتِ الصدَقَةُ عليهم جاز الوَقْفُ عليهم، كالمسلمين.
ورُوِيَ أنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَفَتْ على أخٍ لها يَهُودِيّ 19. ولأنَّ مَن جاز أن يَقِفَ عليه الذِّمِّيُّ جاز أن يَقِفَ المسْلِم عليه، كالمسْلِمِ.
ولو وَقَف على مَن يَنْزِلُ كَنائِسَهم وبِيَعَهم مِن المارَّةِ والمُجْتازِين مِن أهْلِ الذِّمَّةِ وغيرِهم، صَحَّ، لأنَّ الوَقْف عليهم لا على المَوْضِعِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 380

وَلَا يَصِحُّ على الْكَنَائِس وَبُيُوتِ النَّارِ، وَكِتَابَةِ التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيل.

2561

  • مسألة: (ولا يَصِحُّ على الكَنائِسِ، وبُيُوتِ النّارِ) والبِيَعِ (وكُتُبِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ) لأن ذلك مَعْصِيَة، فإنَّ هذه المَواضِعَ

الحديث: 2561 - الجزء: 16 - الصفحة: 382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بُنِيَتْ للكُفْرِ، وكُتُبُهم مُبَدَّلَةٌ مَنْسُوخَةٌ، ولذلك غَضب النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على عُمَرَ حينَ رأى معه صَحِيفَة فيها شيءٌ مِنٍ التَّوْراةِ، وقال: «أفِي شَكٍّ أنتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟ ألَم آتِ بها بَيضاءَ نقِيَّة؟ لو كان أخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إلَّا اتِّباعِي» 20. ولولا أنَّ ذلك مَعْصِيَة ما غَضِب منه.
وحُكْمُ الوَقْفِ على قَنادِيلِ البِيعَةِ وفَرْشِها ومَن يَخْدِمُها ومَن يَعْمُرُها كالوَقْفِ عليها؛ لأنَّه يُرادُ لتَعْظِيمِها.
والمُسْلِمُ والذِّمِّيُّ في ذلك سواء.
قال أحمدُ، في نَصارَى وَقَفُوا على البِيعَةِ ضِياعًا وماتُوا، ولهم أبناء نَصارَى فأسْلَمُوا، والضِّياعُ بيَدِ النَّصارَى: فلهم أخْذُها، وللمُسْلِمين عَوْنُهم حتى يَسْتَخْرِجُوها مِن أيدِيهم.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
قال شيخُنا 21: ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّ ما لا يَصِحُّ مِن المُسْلِمِ الوَقْفُ عليه، لا يَصِحُّ وَقْفُ الذِّمِّيِّ، كغيرِ

الجزء: 16 - الصفحة: 383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُعَيَّنِ.
فإن قِيلَ: فقد قُلْتُم: إنَّ أهْلَ الكِتابِ إذا عَقَدُوا عُقُودًا فاسِدَةً، وتَقابَضُوا، ثم أسْلَمُوا وتَرافَعُوا إلينا، لم نَنْقُضْ ما فَعَلُوه، فكيف أجَزْتُمُ الرُّجوعَ فيما وَقَفُوه على كَنائِسِهم؟ قُلْنا: الوَقْفُ ليصر بعَقْدِ مُعاوَضَةٍ، إنّما هو إزالةُ مِلْكٍ في المَوْقُوفِ على وَجْهِ القُرْبَةِ، فإذا لم يَقَعْ صَحِيحًا، لم يَزُلِ المِلْكُ، فبَقِيَ 22 بحالِه، كالعِتْقِ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في مَن أشْهَدَ في وَصِيَّته، أن غُلامَه فلانًا يَخْدِمُ البِيعَةَ خَمْسَ سِنِين، ثم هو حُرٌّ، ثم مات مَوْلاه وخَدَم سَنَةً، ثم أسْلَمَ، ما عليه؟ قال: هو حُرٌّ، ويَرْجِعُ على الغُلام بأجْرِ خِدْمَتِه مَبْلَغَ أرْبعِ سِنِينَ.
ورُي عنه، قال: هو حُرٌّ ساعةَ مات مَوْلاه؛ لأنَّ هذه مَعْصِيَة.
وهذه الروايَةُ أصَحُّ وأوْفَقُ لأصُولِه.
ويَحْتَمِلُ أنَّ قَوْلَه: يَرْجِعُ عليه بخِدْمَتِه أرْبَعَ سِنِين.
لم يكُنْ لصِحةِ الوَصِيَّةِ 23، بل لأَنه إنَّما أعْتَقَه بعِوَض يَعْتَقِدان صِحَّتَه، فإذا تَعذَّرَ العِوَضُ بإسْلامِه، كان عليه ما يَقُومُ مَقامَه، كما لو تَزَوجَ الذِّمِّيُّ ذِميةً على ذلك ثم أسْلَمَ، فإَّنه يَجِبُ عليه المَهْرُ، كذا ههُنا يَجِبُ عليه العِوَضُ.
والأوَّلُ أوْلَى.

الجزء: 16 - الصفحة: 384

وَلَا عَلَى حَرْبي، وَلَا مُرْتَدٍّ.

2562 - مسألة: (ولا)

يَصِحُّ الوَقْفُ (على حَرْبِي، ولا مُرْتَد) لأنَّ أمْوالهم مُباحَةٌ في الأصْلِ، تجوزُ إزالتها، فما يَتَجَدَّدُ لهم أوْلَى، والوَقْفُ يَجِبُ أن يكونَ لازِمًا؛ لأنَّه تَحْبِيسُ الأصْلِ.

الحديث: 2562 - الجزء: 16 - الصفحة: 385

وَلَا يَصِحُّ عَلَى نَفْسِهِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.

2563 - مسألة: (ولا يَصِحُّ على نَفْسِه، في إحدى الرِّوايَتَين)

فإن وَقَف على غيرِه، واسْتَثْنَى الأكْلَ منه مُدةَ حَياته، صَحَّ.
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في مَن وَقَف على نَفْسِه، ثم على المَساكِينِ، أو على وَلَدِه، فقال في رِوايَةِ أبي طالبٍ، وقدَ سُئِل عن هذا، فقال: لا أعْرِفُ الوَقْفَ إلَّا ما أخْرَجَه للهِ تعالى أو في سَبِيله، فإذا وَقَفَه عليه حتى يَمُوتَ، فلا أعْرِفُه.
فعلى هذه الرِّوايَةِ يكونُ الوَقْفُ عليه باطِلًا.
وهل يَبْطُلُ على مَن بعدَه؟ على وَجْهَين، بِناءً على الوَقْفِ المُنْقَطِعِ الابتِداءِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الوَقْفَ تَمْلِيك للرَّقَبَةِ أو للمَنْفَعَةِ، ولا يجوزُ أن يُمَلِّكَ الإِنْسانُ نَفْسَه مِن نَفْسِه، كما لا يجوزُ أن يَبيعَ ماله مِن نَفْسِه، ولأنَّ الوَقْفَ على نَفْسِه إنَّما حاصِلُه مَنْعُ نَفْسِه مِن التَّصَرُّفِ في رَقَبَةِ المِلْكِ،

الحديث: 2563 - الجزء: 16 - الصفحة: 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلم يَصِحَّ ذلك، كما لو أفْرَده بأن يقولَ: لا أبِيعُ هذا ولا أهَبُه ولا أوَرِّثُه.
ونَقَل جَماعَة أنَّ الوَقْف صَحِيح، اخْتارَ ابنُ أبي موسى.
قال ابنُ عَقِيلٍ: وهي أصَحُّ.
وهو قولُ ابنِ أبي لَيلَى، وابنِ شُبْرُمَةَ، وأبي يُوسُف، وابن سُرَيجٍ 24؛ لِما نَذْكُرُه في المَسألةِ بعدَها، ولأَنه يَصِحُّ أن يَقِفَ وَقْفًا عامًّا فيَنْتَفِعَ به، كذلك إذا خَصَّ نَفْسَه بانْتِفاعِه.
والأوّلُ أقْيَسُ.

الجزء: 16 - الصفحة: 387

وإنْ وَقَفَ عَلَى غَيرِهِ وَاسْتَثْنَى الْأكْلَ مِنْهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، صَح.
فصل: ومَن وَقَف وَقْفًا صَحِيحًا على إنْسانٍ، فقد صارَتْ مَنافِعُه جَمِيعُها للمَوْقُوفِ عليه، وزال مِلْكُه عن الواقِفِ، ومِلْكُ مَنافِعِه، فلم يَجُزْ أن يَنْتَفِعَ بشيءٍ منها.
فأمّا إن وَقَف شيئًا للمسلمين، دَخَل في جُمْلَتِهم؛ مثلَ أن يَقِفَ مَسْجِدًا، فله أن يُصَلِّيَ فيه، أو مَقْبَرَةً، فله الدَّفْنُ فيها، أو بِئْرًا للمسلمين، فله أن يَسْتَقِيَ منها، أو سِقايَةً، أو شيئًا يَعُم المسلمين، فيكونُ كأحَدِهم.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
وقد رُوِيَ عن عُثْمانَ بنِ عَفّانَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه سَبَّلَ بِئْرَ رُومَةَ، وكان دَلْوُه فيها كدِلاءِ المُسْلِمِين (1).

2564 -

مسألة: (وإن وَقف على غيرِه واسْتَثْنَى الأكْلَ منه مُدَّةَ

25 الحديث: 2564 - الجزء: 16 - الصفحة: 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَياتِه، صَحَّ) إذا وَقَف وَقْفًا على غيرِه، وشَرَط أن يُنْفِقَ منه على نَفْسِه، صَحَّ الوَقْفُ والشَّرْطُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
قال الأثْرَمُ: قِيل لأبِي عبدِ اللهِ: أشْتَرِطُ في الوَقْفِ أنِّي أنْفِقُ على نَفْسِي وأهْلِي؟ قال: نعم.
واحْتَجَّ، قال: سَمِعْتُ ابنَ عُيَينَةَ، عن ابنِ طاوُس، عن أبيه، عن حُجْر المَدَريِّ 26 أنَّ في صَدَقَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَأكلَ أهْلُه منها بالمَعْرُوفِ غيرِ المُنْكَرِ.
قال القاضي: يَصِحُّ الوَقْفُ، رِوايةً واحِدَةً؛ لأنَّ أحمدَ نصَّ عليها في رِوايةِ جَماعَةٍ.
وبذلك قال ابنُ أبِي لَيلَى، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأبو يُوسُفَ، والزُّبَيرِيُّ، وابنُ سُرَيجٍ، وقال مالكٌ، والشافعيّ، ومحمدُ بنُ الحَسَنِ: لا يَصِحُّ الوَقْفُ؛ لأنَّه إزالةُ المِلْكِ، فلم يَجُزِ اشْتِراطُ نَفْعِه لنَفْسِه، كالبَيعِ والهِبَةِ، وكما لو أعْتَقَ عَبْدًا واشْتَرَطَ أن يَخْدِمَه، ولأنَّ ما يُنْفِقُه على نَفسِه مَجْهُولٌ، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُه، كما لو باعَ شيئًا واشترط أن ينتفع به.
ولنا،

الجزء: 16 - الصفحة: 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الخَبَرُ 27 الذي ذَكَرَه الإمامُ أحِمدُ، ولأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، لَمّا وَقَف، قال: لا بَأسَ على مَن وَلِيَها أن يَأكُلَ منها، أو يُطْعِمَ صَدِيقًا، غيرَ مُتَمَوِّلٍ منه 28. وكان الوَقْفُ في يَدِه إلى أن مات.
ولأنه إذا وَقَف وَقْفًا عامًّا، كالمَساجِدِ، والسِّقاياتِ، والمَقابِرِ، كان له الانْتِفاعُ به، فكذلك ههُنا.
ولا فَرْقَ بينَ أن يَشْتَرِطَ لنَفْسِه الانْتِفاعَ به مُدَّةَ حَياتِه، أو مُدَّةً مَعْلُومَةً مُعَيَّنةً، وسواء قَدَّرَ ما يَأكُلُ منه، أو أطْلَقَه، فإنَّ عُمَرَ لم يُقَدِّرْ ما يَاكُلُه الوالِي ويُطْعِمُ إلَّا بقَوْلِه: بالمَعْرُوفِ.
وفي حديثِ صَدَقَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه شَرَط أن يَأكل أهْلُه منها بالمَعْرُوفِ غيرِ المُنْكَرِ.
إلَّا أنَّه إذا شَرَط أن يَنْتَفِعَ بها مُدّةً مُعَيَّنة، فمات فيها، فيَنْبَغِي أن يكونَ ذلك لوَرَثَتِه، كما لو باعَ دارًا واشْتَرطَ أن يَسْكُنَها سَنَةً فماتَ في أثْنائِها.

الجزء: 16 - الصفحة: 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَصِحُّ أن يَشتَرِطَ أن يَأكُلَ منها أهْلُه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - شَرَط ذلك في صَدَقَتِه.
وإن شَرَط أن يَأكُلَ منه مَن وَلِيَه ويُطْعِمَ صَدِيقًا، صَحَّ؛ لأنَّ عُمَرَ شَرَط ذلك في صَدَقَتِه التي اسْتَأمَرَ فيها رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فإن وَلِيَها الواقف، كان له أن يَأكلَ ويُطْعِمَ صَدِيقًا؛ لأنَّ عُمَرَ وَلِيَ صَدَقَتَه.
وإن وَلِيَها أحَد مِن أهْلِه، فله ذلك؛ لأنَّ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ كانت تَلِي صَدَقَتَه بعدَ مَوْتِه، ثم وَلِيَها بعدَها عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ 29. فصل: فإنِ اشْتَرَطَ أن يَبِيعَه متى شاءَ، أو يَهَبَه، أو يَرْجِعَ فيه، بَطل الوَقف والشَّرْطُ.
لا نَعْلَمُ في بُطْلانِ الشَّرْطِ خِلافًا؛ لأنَّه يُنافِي مُقْتَضَى الوَقْف.
ويَحْتَمِلُ أن يَبْطُلَ الشَّرْطُ ويَصِحَّ الوَقف، بِناءً على الشُّرُوطَ الفاسدَةِ في البَيعِ.
وإن شَرَط الخِيارَ في الوَقْف، فَسَد.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو يُوسُف في رِوايةٍ عنه: يَصِحُّ؛ لأنَّ الوَقف تَمْلِيكُ المَنافِعِ، فجاز شَرْطُ الخِيارِ فيه، كالإجارَةِ.
ولَنا، أنَّه شَرْط يُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَط أنَّ له بَيعَه متى شاءَ، ولأنه إزالةُ مِلْكٍ للهِ تعالى، فلم يَصِحَّ شَرْطُ الخِيارِ فيه، كالعِتْقِ، ولأنَّه ليس بعَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُ الخِيارِ فيه، كالهِبَةِ، بخِلافِ الإجارَةِ، فإنَّها عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، وههُنا لو ثَبَت الخِيارُ لثَبَتَ مع ثُبُوتِ حُكْمَ الوَقْف، فافْتَرَقا.

الجزء: 16 - الصفحة: 391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن شَرَط في الوَقْفِ أن يُخْرِجَ مَن شاءَ مِن أهْلِ الوَقف، ويُدْخِلَ مَن شاءَ مِن غيرِهم، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه شَرْط يُنافِي مُقْتَضَى الوَقف فأفْسَدَه، كما لو شَرَط أن لا يَنْتَفِعَ به.
فأمّا إن شَرَط للنّاظِرِ أن يُعْطِيَ مَن يَشاءُ مِن أهْلِ الوَقف، ويَمْنَعَ مَن يشاءُ، جاز؛ لأنَّ ذلك ليس بإخْراجٍ للمَوْقُوفِ عليه مِن الوَقْف، وإنَّما عَلَّقَ اسْتِحْقاقَ الوَقْف بصِفَةٍ، فكأنّه جَعَل له حَقًّا في الوَقْفِ إذا اتَّصَفَ بإرادَةِ النّاظِرِ عَطِيَّتَه، ولم يَجْعَلْ له حَقا إذا انتَفتْ تلك الصِّفَةُ فيه، فأشْبَهَ ما لو وَقَفَه على المُشْتَغِلِين بالعِلْمِ مِن وَلَدِه، فإنَّه يَسْتَحِقُّ منهم مَن اشْتَغلَ دُونَ مَن لم يَشْتَغِلْ، فمتى تَرَك المُشْتَغِلُ الاشْتِغال، زال اسْتِحْقاقُه، فإن عاد إليه عاد اسْتِحْقاقُه.
فصل: إذا جَعَل عُلْوَ دارِه مَسْجِدًا دُونَ أسْفَلِها، أو أسْفَلَها دُونَ عُلْوها، صَحَّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ، لأنَّ المَسْجِدَ يَتْبَعُه هَواؤه.
ولَنا، أنَّه يَصِحُّ بَيعُها كذلك، فصَحَّ وَقْفُها، كالدّارِ جَمِيعِها، ولأنَّه تَصَرُّفٌ يُزِيلُ المِلْكَ إلى مَن يَثْبُتُ له حَقُّ الاسْتِقْرارِ والتَّصَرُّفِ، فجاز فيما ذكَرْنا، كالبَيع.
فصل: فإن جَعَل وَسَطَ دارِه مَسْجِدًا، ولم يَذْكُرْ الاسْتِطْراقَ، صَحَّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ حتى يَذْكُرَ الاسْتِطْراقَ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ يُبِيحُ الانْتِفاعَ، مِن ضَرُورَتِه الاسْتِطْراقُ، فصَحَّ وإن لم يَذْكُرْه، كما لو أجَرَ بَيتًا مِن دارِه.

الجزء: 16 - الصفحة: 392

الثَّالِثُ، أنْ يَقِفَ عَلَى مُعَيَّن يَمْلِكُ.
وَلَا يَصِح عَلَى مَجْهُولٍ؛ كَرَجُلٍ وَمَسْجِدٍ،

2565 - مسألة: (الثالثُ، أن يَقِفَه على مُعَيَّن يَمْلِكُ. ولا يَصِحُّ على مَجْهُولٍ؛ كرجل، ومَسْجِدٍ)

لأنَّه تَمْلِيك، أشْبَهَ البَيعَ، ولأن الوَقْفَ تَمْلِيكٌ للعَينِ أو للمَنْفَعَةِ، فلا يَصِحُّ عك غيرِ مُعَيَّن، كالإجارَةِ.

الحديث: 2565 - الجزء: 16 - الصفحة: 393

وَلَا عَلَى حَيَوَانٍ لَا يَمْلِكُ؛ كَالْعَبدِ، وَالْحَمْل، والملك، وَالْبَهِيمَةَ.

2566 - مسألة: (ولا)

يَصِحُّ (على حَيوانٍ لا يَمْلِكُ؛ كالعَبْدِ) القِنِّ، وأمِّ الوَلَدِ، والمُدَبَّرِ، والمَيِّتِ (والحَمْلِ، والمَلَكِ، والبَهِيمَةِ) والجِنِّ.
قال أحمدُ في مَنِ وَقَف على مَمالِيكِه: لا يَصِحُّ الوَقْفُ حتى يُعْتِقَهم.
وذلك لأنَّ الوَقْف تَمْلِيك، فلا يَصِحُّ على مَن لا يَمْلِكُ.
فإن قِيل: فقد جَوَّزْتُمُ الوَقْفَ على المَساجِدِ والسِّقاياتِ وأشْباهِها، وهي لا تَمْلِكُ.
قُلْنا: الوَقْفُ هناك على المُسْلِمِين، إلَّا أنَّه عُيِّنَ في نَفْع خاص

الحديث: 2566 - الجزء: 16 - الصفحة: 394

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لهم.
فإن قِيلَ: فيَنْبَغِي أن يَصِحَّ الوَقْفُ على الكَنائِسِ، ويكونَ الوَقْفُ على أهْلِ الذِّمَّةِ، والوَقْفُ عليهم جائِز.
قُلْنا: على الجِهَةِ التي عُيِّنَ صَرْفُ الوَقْفِ فيها ليست نَفْعًا، بل هي مَعْصِيَةٌ مُحَرَّمَة، يَزْدادُون بها عِقابًا وإثْمًا،

الجزء: 16 - الصفحة: 395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بخِلافِ المَساجِدِ.
فإن قِيل: فلِمَ لا يَصِح الوَقْفُ على العَبْدِ إذا قلنا: إنَّه يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ؟ قلنا: لأنَّ الوَقْفَ يَقْتَضِي تَحْبِيسَ الأصْلِ، والعَبْدَ لا يَمْلِكُ مِلْكًا لازِمًا.
ولا يَصِحُّ على المُكاتَبِ وإن كان يَمْلِكُ؛ لأنَّ مِلْكَه غيرُ مُسْتَقِرٍّ.

الجزء: 16 - الصفحة: 396

الرَّابعُ، أنْ يَقِف نَاجِزًا، فَإنْ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ، لَمْ يَصِحَّ، إلَّا أنْ يَقُولَ: هُوَ وَقفٌ بَعْدَ مَوْتِي.
فَيَصِحَّ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ.
وَقَال أبو الْخَطَّابِ: لَا يَصِحُّ.

2567 - مسألة: (الرابُع، أن يَقِفَ ناجِزًا، فإذا عَلَّقَه على شَرْطٍ، لم يَصِحَّ، إلَّا أن يقولَ: هو وَقفٌ بعدَ مَوْتِي. فيَصِحَّ في قَوْلِ الخِرَقِيِّ. وعندَ أبِي الخَطّابِ، لا يَصِحُّ)

لا يَصِحُّ تَعْلِيقُ ابْتِداءِ الوَقْفِ على شَرْطٍ في الحَياةِ، مثلَ أن يقولَ: إذا جاء رَأسُ الشّهْرِ فدارِى وَقفٌ -أو- فَرَسِي حَبِيسن -أو- إذا وُلِد لِي وَلَدٌ -أو- إذا قَدِم غائِب.
ونحوُ ذلك.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا؛ لأنه نَقْل للمِلْكِ فيما لم يُبْنَ على التَّغْلِيبِ والسِّرايَةِ، فلم يَجُزْ تَعْلِيقُه على شَرْطٍ في الحَياةِ، كالهِبَةِ.

الحديث: 2567 - الجزء: 16 - الصفحة: 397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأما إذا قال: هو وَقْف بعدَ مَوْتِي.
فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِي أنَّه يَصِحُّ، ويُعْتَبَرُ مِن الثُّلُثِ، كسائرِ الوَصايا.
وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ.
وقال القاضي: لا يَصِحُّ هذا؛ لأنه تَعْلِيق للوَقْفِ على شَرْطٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو عَلَّقَه على شَرْطٍ في حَياتِه.
وحَمَل كلامَ الخِرَقِي على أنَّه قال: قِفُوا بعدَ مَوْتِي.
فيكونُ وَصِيَّةً بالوَقْفِ لا إيقافًا.
ولَنا على صِحَّةِ الوَقْفِ المُعَلَّقِ بالمَوْتِ، ما احْتَجَّ به أحمدُ، أنَّ عُمَرَ أوْصَى، فكان في وَصيته: هذا ما أوْصَى به عبدُ اللهِ عُمَرُ أميرُ المُومِنِين إن حَدَث به حَدَث، أنَّ ثَمْغًا 30 صَدَقَةٌ، والعَبْدَ الذي فيه، والسَّهْمَ الذي بخَيبَرَ، ورَقِيقَه الذي

الجزء: 16 - الصفحة: 398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيه، والمائةَ وَسْقٍ الذي أطْعَمَنِي محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، تَلِيه حَفْصَةُ ما عاشَتْ، ثم يلِيه ذو الرَّأي من أهْلِه، لا يُباعُ ولا يُشْتَرَى، يُنْفِقُه حيثُ؛ يَرَى مِن السائلِ، والمَحْرُومِ، وذَوي القُرْبَى، ولا حَرَجَ على مَن وَلِيَه إن أكَلَ

الجزء: 16 - الصفحة: 399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو اشْتَرَى رَقِيقًا.
روَاهُ أبو دَاوُدَ 31 بنَحْو مِن هذا.
وهذا نَصّ في مَسْألَتِنا، ووَقْفُه هذا كان بأمْرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ولأنَّه اشْتَهَر في الصَّحابَةِ ولم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا، ولأنَّ هذا تَبَرُّع مُعَلَّق بالمَوْتِ، فصَحَّ، كالهِبَةِ والصدَقَةِ المُطْلَقَةِ.
أو نقولُ: صَدَقَةٌ مُعَلَّقَةٌ بالمَوْتِ، فأشْبَهتْ غيرَ الوَقْفِ.
وفارَقَ هذا التَّعْلِيقَ على شَرْطٍ في الحياةِ، بدَلِيلِ الصَّدَقَةِ المُطْلَقَةِ، أو الهِبَةِ، وغيرِهما، وذلك لأنَّ هذا وَصِيَّة، والوَصِيَّةُ أوْسَعُ

الجزء: 16 - الصفحة: 400

فَصْلٌ: وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ، إلَّا أنْ يَكُونَ عَلَى آدَمِيٍّ مُعَيَّن،  مِن التَّصَرُّفِ في الحياةِ، بدَلِيلِ جَوازِها بالمَجْهُولِ والمَعْدُومِ، وللمَجْهُولِ وللحَمْلِ، وغيرِ ذلك، وبهذا يَبِينُ فَسادُ قِياسِ مَن قاسَ على هذا الشَّرْطِ بَقِيَّةَ الشُّرُوطِ.
وسَوَّى المُتَأخِّرُون مِن أصْحابِنا بينَ تَعْلِيقِه بالمَوْتِ، وتَعْلِيقِه بشَرْطٍ في الحَياةِ.
ولا يَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الفَرْقِ بينَهما.
فصل: (ولا يُشْتَرَطُ القَبُولُ، إلَّا أن يكونَ على آدَمِيٍّ مُعَيَّن، ففيه

الجزء: 16 - الصفحة: 401

فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أحَدُهُمَا، يُشْتَرَطُ ذَلِكَ.
فَإن لَمْ يَقْبَلْهُ أوْ رَدَّهُ، بَطَلَ فِي حَقِّهِ دُونَ مَنْ بَعْدَهُ، وَكَانَ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ ثُمَّ عَلَى مَنْ يَجُوزُ، يُصْرَفُ فِي الْحَالِ إلَى مَنْ بَعْدَهُ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أنهُ أنْ كَانَ مَنْ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيه يَعْرِفُ انْقِرَاضَهُ؛ كَرَجُل مُعَيَّن، صُرِفَ إلَى مَصْرِفِ الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ إلَى أنْ يَنْقَرِضَ، ثُمَّ يُصْرَفُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ.
وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يُشْتَرَطُ.
فإن لم يَقْبَلْ أو رَدَّه، بَطَل في حَقِّه دُونَ مَن بعدَه، وصار كما لو وَقَف على مَن لا يجوزُ ثم على مَن يجوزُ، يُصْرَفُ في الحالِ إلى مَن بعدَه) وجُمْلةُ ذلك، أنَّ الوَقْفَ إذا كان على غيرِ مُعَيَّنٍ؛ كالمَساكِينِ، أو مَن لا يُتَصَوَّرُ منه القَبُولُ كالمَساجِدِ والقَناطِرِ، لم يَفتَقِرْ إلى القَبُولِ.
وإن كان على آدَمِيٍّ مُعَيَّن، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يُشْتَرَطُ.
اخْتارَه القاضي؛ لأنَّه أحَدُ نوْعَي الوَقْفِ، فلم يُشْتَرَطْ له القَبُولُ، كالنَّوْعِ الآخَرِ، ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ يَمْنَعُ البَيْعِ والهِبَةَ والمِيراثَ، فلم يُعْتَبَرْ فيه قَبُول، كالعِتْقِ.
والثاني، يُشْتَرطُ؛ لأنه تبَرُّعٌ لآدَمِيٍّ مُعَيّنٍ،

الجزء: 16 - الصفحة: 402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فكان مِن شَرْطِه القَبُولُ، كالهِبَةِ والوَصِيَّةِ، يُحَقِّقُه أنَّ الوَصِيَّةَ إذا كانت لآدَمِيٍّ مُعَينٍ، وَقَفَتْ على قَبُولِه، وإن كانت لغيرِ مُعَيَّن، كالمساكِينِ أو لِمَسجِدٍ أو نحوه، لم تَفْتَقِرْ إلى قَبُولٍ، كذا ههُنا.
والأوَّلُ أوْلَى، والفَرْقُ بينَه وبينَ الهِبَةِ والوَصِيَّةِ، أن الوَقْفَ لا يَخْتَصُّ المُعَيَّنَ، بل يتَعَلَّقُ به حَقُّ مَن يَأتِي مِن البُطُونِ في المُسْتَقْبَلِ، فيكونُ الوَقْفُ على جَمِيعِهم، إلَّا أنَّه مُرَتَّب، فصار بمَنْزِلَةِ الوَقْفِ على الفُقَراءِ الذي لا يَبطُلُ برَدِّ واحدٍ منهم ولا يَقِفُ على قَبُولِه، والوَصِيَّةُ للمُعَين بخِلافِه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعي.
وإذا قُلْنا: لا يَفْتَقِرُ إلى القَبولِ.
لم يبطُلْ بالرَّد، كالعِتْقِ.
وإن قلْنا: يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ.
فرَدَّه، بَطَل في حَقه دُونَ مَن بعدَه.
وصار كالوَقْفِ المنْقَطِعِ الابتِداءِ، يُخَرَّجُ في صِحَّتِه في حَقِّ مَن سِواه وبُطْلانِه وَجْهان، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا وَقَف على مَن لا يجوزُ ثم على مَن يجوزُ، فهو وَقْفٌ مُنْقَطِعُ الابْتِداءِ، كالوَقْفِ على عَبْدِه، أو أمِّ وَلَدِه، أو مَجْهُولٍ، فإن لم يَذْكُرْ له مآلًا فالوَقْفُ باطِل.
وكذلك إن جَعَل له مآلًا يجوزُ الوَقْفُ عليه؛ لأنَّه أخَلَّ بأحَدِ شَرْطَيِ الوَقْفِ، فبَطَلَ، كما لو وَقَف ما لا يجوزُ وَقْفُه.
وإن جَعَل له مآلًا يجوزُ الوَقْفُ عليه، كمَن يَقِفُ على عَبْدِه ثم على المَساكِينِ، ففي صِحَّتِه وَجْهان، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وللشافعيِّ قَوْلان، كالوَجْهَين.
فإذا قُلْنا: يَصِحُّ.
وهو قولُ القاضي، وكان مَن لا يجوزُ الوَقْفُ عليه لا يُمْكِنُ اعْتِبارُ انْقِراضِه؛ كالمَيِّتِ، والمَجْهُولِ،

الجزء: 16 - الصفحة: 404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والكَنائِسِ، صُرِف في الحالِ إلى مَن يجوزُ الوَقْفُ عليه؛ لأنَّنا لَمّا صَحَّحْنا الوَقْفَ مع ذِكر ما لا يجوزُ الوَقْفُ عليه، فقد ألْغَيناه؛ لتَعَذُّرِ التَّصْحِيح مع اعْتِبارِه، وإن كان مَن لا يجوزُ الوَقْفُ عليه يُمْكِنُ اعْتِبارُ انْقِراضِه؛ كأمِّ وَلَدِه، وعَبْدٍ مُعَيَّن، فكذلك.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أَنه يُصْرَفُ في الحالِ (إلى مَصْرِفِ الوَقْفِ المُنْقَطِعِ، إلى أن يَنْقَرِضَ) مَن لا يجوزُ الوَقْفُ عليه، فإذا انْقَرَضَ صُرِف إلى مَن يجوزُ.
ذَكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيل؛ لأنَّ الواقِفَ إنَّما جَعَلَه وَقْفًا على مَن يجوزُ بشَرْطِ انْقِراضِ هذا، فلا يَثْبُتُ بدُونِه، ويُفارِقُ ما لا يُمْكِنُ اعْتِبارُ انْقِراضِه؛ لتَعَذُّرِ اعْتِبارِه.
ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهذَينِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان الوَقْفُ صَحِيحَ الطرَفَين مُنْقَطِعَ الوَسَطِ، كمَن وَقَف على وَلَدِه، ثم على عَبِيدِه، ثم على المَساكِينِ، خُرِّجَ في صِحةِ الوَقْفِ وَجْهان، بِناءً 32 على ما نَذْكُرُه في الوَقْفِ المُنْقَطِعِ الانْتِهاءِ.
ثم يُنْظَرُ فيما لا يجوزُ الوَقْفُ عليه، فإن لم يُمْكِنِ اعْتِبارُ انْقِراضِه ألْغَيناهُ، إذا قُلْنا بالصِّحَّةِ، وإن أمْكَنَ اعْتِبارُ انْقِراضِه، فهل يُعْتَبَرُ أو يُلْغَى؟ على وَجْهَين، كما تَقدَّمَ.
فإن كان مُنْقَطِعَ الطَّرَفَين صَحِيحَ الوَسَطِ، كمَن وقَف على عَبْدِه، ثم على أوْلادِه، ثم على الكَنِيسَةِ، خُرِّجَ في صِحَّتِه أيضًا وَجْهان، ومَصْرِفُه بعدَ مَن يجوزُ الوَقْفُ عليه إلى مَصْرِفِ الوَقْفِ المُنْقَطِعِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 406

وإنْ وَقَفَ عَلى جِهَةٍ تَنْقَطِعُ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَآلًا، أوْ عَلَى مَنْ يَجُوزُ ثُمَّ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ، أوْ قَال: وَقَفْتُ.
وَسَكَتَ، انصَرَفَ بَعْدَ انْقِرَاضِ مَنْ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيهِ إِلَى وَرَثَةِ الْوَاقِفِ وَقْفًا عَلَيهِمْ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
وَالأخْرَى، إِلَى أقْرَبِ عَصَبَتِهِ.
وهَلْ يَخْتَصُّ بِهِ فُقَرَاؤهُم؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وَقَال الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: يَكُون وَقْفًا عَلَى الْمَساكِينِ.

2568 - مسألة: (وإن وَقَف على جِهَةٍ تَنْقَطِعُ ولم يَذْكُرْ له مآلًا، أو وَقَف على مَن يجوزُ ثم على مَن لا يجوزُ، أو قال: وَقَفْتُ.
وسَكَت، انْصَرَفَ بعدَ انْقِراضِ مَن يجوزُ الوَقْفُ عليه إلى وَرَثَةِ الواقِفِ وَقْفًا عليهم، في إحْدَى الرِّوايَتَين.
والأخْرَى، إلى أقْرَبِ عَصَبَتِه.
وهل يَخْتَصُّ به فُقَراؤهم؟ على وَجْهَين.
وقال القاضي في مَوْضِعٍ: يكونُ وَقْفًا على المَساكِينِ)

وجملةُ ذلك، أنَّ الوَقْف الذي لا اختِلافَ في صِحَّتِه عندَ

الحديث: 2568 - الجزء: 16 - الصفحة: 407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القائِلِين بصِحَّةِ الوَقْفِ، ما كان مَعْلُومَ الابتِداءِ والانْتِهاءِ، غيرَ مُنْقَطِعٍ، مثلَ أن يُجْعَل على المَساكِينِ، أو طائِفةٍ لا يجوزُ بحُكْمِ العادَةِ انْقِراضُهم.
وإن كان غيرَ 33 مَعْلُومِ الانْتِهاءِ، مثلَ أن يَقِف على قَوْم يجوزُ انْقِراضُهم بحُكْمِ العادَةِ، ولم يَجْعَلْ آخِرَه للمَساكِينِ ولا لجِهَةٍ غيرِ مُنْقَطِعَةٍ، فهو صحِيحٌ أيضًا.
وبه قال مالِك، وأبو يُوسُفَ، والشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه.
وقال [أبو حنيفةَ، و] 34 محمدُ بنُ الحَسَنِ: لا يَصِح.
وهو القولُ الثاني للشافعيِّ؛ لأنَّ الوَقْفَ مُقْتَضاه التَّأبِيدُ، فإذا كان مُنْقَطِعًا صار وَقْفًا على مَجْهُولٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو وَقف على مَجْهُولٍ في الابتِداءِ.
ولَنا، أنَّه تَصَرُّف مَعْلُومُ المَصْرِفِ، فصَحَّ، كما لو صَرَّحَ بمَصْرِفِه المُتَّصِلِ، ولأنَ الإطْلاقَ إذا كان له عُرْف، حُمِل عليه، كنَقْدِ البَلَدِ، وعُرْفُ المَصْرِفِ ههُنا أوْلَى الجِهاتِ به، فكأنه عَيَّنهَم.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَنْصَرِفُ عندَ انْقِراضِ المَوْقُوفِ عليهم إلى أقارِبِ الواقِفِ.
وبه قال الشافعي، إلا أنه قال: يكونُ وَقْفًا على أقْرَبِ الناسِ إلى الواقِفِ، الذَّكَرُ والأنثَى فيه سواء.

الجزء: 16 - الصفحة: 408

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعنِ أحمدَ، أنَّه يُصْرَفُ إلى المَساكِينِ.
اخْتارَه القاضِي، والشَّرِيف أبو جَعْفر؛ لأنَّهم مَصْرِفُ الصَّدَقاتِ وحُقُوقِ اللهِ تعالى مِن الكَفّاراتِ ونحوها، فإذا وُجِدَتْ صَدَقة غيرُ مُعَيَنةِ المَصْرِفِ، انْصَرَفَتْ إليهم، كما لو نَذَر صَدَقَةً مُطْلقَةً.
وعن أحمدَ رِواية ثالثة، أنَّه يُجْعَلُ في بَيتِ مالِ المُسْلِمِين؛ لأنَّه مال لا مُسْتَحِقَّ له، فأشبَه مال مَن لا وارِثَ له.
وقال أبو يُوسُفَ: يَرْجِعُ إلى الواقِفِ وإلى وَرَثَتِه، إلَّا أن يقولَ: صَدَقَة مَوْقُوفَةٌ يُنْفَقُ منها على فلانٍ وفُلانٍ.
فإذا انْقَرَضَ المُسَمَّى، كانت على الفُقَراءِ والمَساكِينِ؛ لأنَّه جَعَلَها صَدَقَةً على مُسَمى، فلا تكونُ على غيرِه، ويُفارِقُ ما إذا قال 35: يُنْفَقُ منها على فُلانٍ وفُلانٍ.
فإنه جَعَل الصَّدَقَةَ مُطْلَقَةً.
ولَنا، أنَّه أزَال مِلْكَه للهِ تعالى، فلم يَجُزْ أن يَرْجِعَ إليه،

الجزء: 16 - الصفحة: 409

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كما لو أعْتَقَ عَبْدًا، والدَّلِيلُ على صَرْفِه إلى أقارِبِ الواقِفِ، أنَّهم أوْلَى الناسِ بصَدَقَتِه، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَدَقَتُكَ عَلَى غَيرِ ذِي رَحِمِكَ صَدَقَةٌ، وصَدَقَتُكَ على ذِي رَحِمِكَ صَدَقَة وصِلَة» 36. وقال: «إنَّكَ أنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيرٌ مِنْ أنْ تَدَعَهُمْ عَالةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ» 37. ولأنَّهم أوْلَى الناسِ بصَدَقاتِه النَّوافِلِ والمَفْرُوضاتِ، فكذلك صَدَقَتُه المَنْقُولَةُ.
إذا ثَبَت هذا، فإَّنه يكونُ للفُقَراءِ منهم والأغْنِياءِ في إحْدى الرِّوايَتَين عن أحمدَ، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقيِّ، لأنَّ الوَقْفَ لا يَخْتَصُّ الفُقَراءَ، ولأنَّه لو وَقَف

الجزء: 16 - الصفحة: 410

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على أولادِه، تَناوَلَ الأغْنِياءَ والفُقَراءَ، كذا ههُنا.
وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّه يَخْتَصُّ الفُقَراءَ منهم؛ لأنَّهم أهْلُ الصَّدَقاتِ دُونَ الأغْنِياءِ، ولأنَّنا خَصَصْنا الأقارِبَ بالوَقْفِ، لكَوْنِهم أوْلَى الناسِ بالصَّدَقَةِ، وأوْلَى الناسِ بالصَّدَقَةِ الفُقَراءُ دُونَ الأغْنِياء.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في مَن يَسْتَحِقُّ الوَقْفَ مِن أقْرباء الواقِفِ، ففي إحْدى الرِّوايَتَين، يَختَصّ بالوَرَثةِ منهم؛ لأنهم الذين صَرَف اللهُ إليهم ماله بعدَ مَوْتِه واسْتِغْنائِه عنه، فكذلك يُصْرَفُ إليهم مِن مالِه ما لم يَذْكُرْ له مَصْرِفًا.
فعلى هذا، يكونُ بينَهم على حَسَبِ مِيراثِهم، ويكونُ وَقْفًا عليهم.
نَصَّ عليه أحمدُ، وذكَرَه القاضي؛ لأنَّ الوَقْفَ يَقتَضِي

الجزء: 16 - الصفحة: 411

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  التّأكيدَ، وإنَّما صَرَفْناه إلى هؤلاءِ؛ لأنَّهم أحَقُّ الناسِ بصَدَقَتِه، فيُصْرَفُ إليهم مع بَقائِه صَدَقَةً.
ويَحْتَمِلُ أن يُصْرَفَ إليهم على سَبِيلِ الإرْثِ، على ما ذَكَرَه الخِرَقِي، ويَبْطُلُ الوَقفُ فيه، كقَوْلِ أبي يُوسُفَ.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، يكونُ وَقْفًا على أقْرَبِ عَصَبَةِ الواقفِ دُونَ بَقِيَّةِ الوَرَثَةِ 38، ودُونَ البَعِيدِ مِن العَصَباتِ، فيُقَدَّمُ الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، على حَسَبِ اسْتِحْقاقِهِم لوَلاءِ 39 المَوالِي، لأنَّهم خُصُّوا بالعَقْلِ عنه، وبمِيراثِ مَوالِيه، فخُصُّوا بهذا أيضًا.
قال شيخُنا 40: وهذا لا يَقْوَى عندِي، فإنَّ اسْتِحْقاقَهم لهذا دُونَ غيرِهم مِن الناسِ لا يكونُ إلَّا بدَلِيل، مِن نَصٍّ أو إجْماعٍ، ولا نَعْلَمُ فيه نَصًّا ولا إجْماعًا، ولا يَصِحُّ قِياسُه على مِيراثِ وَلاءِ المَوالِي؛ لأنَّ عِلَّتَه لا تَتَحَقَّقُ ههُنا، وأقْرَبُ الأقْوالِ فيه صَرْفه

الجزء: 16 - الصفحة: 412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلى المَساكِينِ، لأنَّهم مَصارِفُ مالِ اللهِ وحُقُوقِه، فإن كان في أقارِبِ الواقِفِ مَساكِينُ، كانوا أوْلَى به، لا على سَبِيلِ الوُجُوبِ، كما أنَّهم أوْلَى بزَكاتِه وصِلاته مع جَوازِ الصَّرْفِ إلى غيرِهم، ولأنّا إذا صَرَفْناه إلى أقارِبِه على سَبِيلِ التَّعْيِينِ، فهي أيضًا جِهَة مُنْقَطِعَة، فلا يَتَحَقَّقُ اتِّصالُه إلَّا بصَرْفِه إلى المَساكِينِ.
فإن لم يَكُنْ للواقِفِ أقارِبُ، أو كان له أقارِبُ فانْقَرَضُوا، صُرِف إلى الفُقَراءِ والمَساكِينِ 41 وَقْفًا عليهم؛ لأنَّ القَصْدَ به الثَّوابُ الجارِي عليه على وَجْهِ الدَّوامِ، وإنَّما قَدَّمْنا الأقارِبَ على المَساكِينِ؛ لكَوْنِهم أوْلَى، فإذا لم يَكونُوا، فالمَساكِينُ أهْل لذلك، فصُرِفَ إليهم، إلَّا على قَوْلِ مَن قال: إنَّه يُصْرَفُ إلى وَرَثَةِ الواقِفِ مِلْكًا لهم.
فإنَّه يُصْرَفُ عندَ عَدَمِهم إلى بَيتِ المالِ؛ لأنَّه بَطَل الوَقْفُ فيه بانْقِطاعِه، فصار مِيراثًا لا وارِثَ له، فكان بَيتُ المالِ أوْلَى به.

الجزء: 16 - الصفحة: 413

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن وَقَف على مَن يجوزُ، ثم على مَن لا يجوزُ، كمَن وَقَف على أوْلادِه، ثم على البِيَعِ، صَحَّ الوَقْفُ أيضًا، ويَرْجِعُ بعدَ انْقِراضِ مَن

الجزء: 16 - الصفحة: 414

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يجوزُ الوَقف عليه إلى مَن يُصْرَفُ إليه الوَقْفُ المُنْقَطِعُ، كالمسألَةِ قبلَها؛ لأنَّ ذَكر مَن لا يجوزُ الوَقْفُ عليه وعَدَمَه واحِدٌ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ الوَقْفُ؛ لأَنه جَمَع بينَ ما يجوزُ وما لا يجوزُ، فأشبَهَ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ.
فصل: فإن قال: وَقَفْتُ هذا.
وسَكَتَ، أو قال: صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ.
ولم يَذْكُرْ سَبِيلَه، فلا نَصَّ فيه.
وقال ابنُ حامِدٍ: يَصِحُّ الوَقْف.
قال

الجزء: 16 - الصفحة: 415

وَإنْ قَال: وَقَفْتُهُ سَنَةً.
لَمْ يَصِحَّ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَصِحَّ، وَيُصْرَفُ بَعْدَهَا  القاضي: هو قِياسُ قَوْلِ أحمدَ، فإنَّه قال في النَّذْرِ المُطْلَقِ: يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لكَفّارَةِ اليَمِينِ.
وهو قولُ مالِكٍ، والشافعيِّ في أحَدِ قَوْلَيه؛ لأنَّه إزالةُ مِلْكٍ على وَجْهِ القُرْبَةِ، فوَجب أن يَصِحَّ مُطْلَقًا، كالأضْحِيَةِ، والوَصِيَّةِ.
ولو قال: وَصَّيتُ بثُلُثِ مالِي.
صَحّ، وإذا صَحّ صُرِف إلى مصارِفِ الوَقْفِ المُنْقَطِعِ عندَ انْقِراضِ المَوْقُوفِ عليه، كما ذَكَرْنا.

2569 -

مسألة: (وإن قال: وَقَفْتُ دارِي سَنَةً)

أو إلى يَوْمِ يَقْدَمُ الحاجُّ (لم يَصِحَّ) في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ مُقْتَضَى الوَقفِ

الحديث: 2569 - الجزء: 16 - الصفحة: 416

مَصْرِفَ الْمُنْقَطِعِ.
التَّأبِيدُ، وهذا يُنافِيه.
والوَجْهُ الآخَرُ، يَصِحُّ؛ لأنَّه مُنْقَطِعُ الانْتِهاءِ، فهو ما لو وَقف على مُنْقَطِعِ الانْتِهاءِ.
فإن قلنا: يَصِحُّ.
فهو كمُنْقَطِعِ الانْتِهاءِ، يُصْرَفُ إلى مَصْرِفِ الوَقْفِ المُنْقَطِعِ الانْتِهاءِ.
فصل: فإن قال: هذا وَقْف على وَلَدي سَنَةً، ثم على المَساكِينِ.
صَحَّ.
وكذلك إن قال: وَقْفٌ على وَلَدِي مدَّةَ حَياتِي، ثم هو بعدَ مَوْتِي للمَساكِينِ.
صَحَّ؛ لأنَّه وَقْف مُتَّصِلُ الابتداءِ والانْتِهاءِ.
وإن قال: وَقفٌ على المَساكِينِ، ثم على أوْلادِي.
صَحَّ، ويَكونُ وَقْفًا على المَساكِينِ، ويَلْغُو قَوْلُه: على أولادِي.
لأنَّ المَساكِينَ لا انْقِراضَ لهم.

الجزء: 16 - الصفحة: 417

وَلَا يُشْتَرطُ إِخْرَاجُ الْوَقْفِ عَنْ يَدِهِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.

2570 - مسألة: (ولا يُشْتَرَطُ إخْراجُ الوَقْفِ عن يَدِه، في إحْدَى الرِّوايَتَين)

ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ الوَقْفَ يَزُولُ به مِلْكُ الواقِفِ، ويَلْزَمُ بمُجَرَّدِ اللَّفْظِ؛ لأنَّ الوَقْفَ يَحْصُلُ به.
وعن أحمدَ، أنَّه لا يَلْزَمُ إلَّا بالقَبْضِ وإخْراجِ الوَقْفِ عن يَدِه؛ فإنَّه قال: الوَقْفُ المَعْرُوفُ أن يُخْرِجَه مِن يَدِه إلى غيرِه، يُوَكِّلَ فيه مَن يَقُومُ به.
اخْتارَه ابنُ أبي موسى، وهو قولُ محمدِ بنِ الحَسَنِ؛ لأنَّه تَبَرُّع بمالٍ لم يُخرِجْه عن المالِيَّةِ، فلم يَلْزَمْ بمُجَرَّدِه، كالهِبَةِ، والوَصِيَّةِ.
ولَنا، ما رَوَيناه مِن حَدِيثِ عُمَرَ، ولأنه تَبَرُّع يَمْنَعُ البَيعَ والهِبَةَ والمِيراثَ، فيَلْزَمُ 42 بمُجَرَّدِه، كالعِتْقِ، ويُفارِقُ الهِبَةَ؛ فإنَّها تَمْلِيك مُطْلَق، والوَقْفُ تَحْبِيسُ الأصْلِ وتَسْبِيلُ المَنْفَعَةِ، فهو بالعِتْقِ أشْبَهُ، وإلْحاقُه به أوْلَى.

الحديث: 2570 - الجزء: 16 - الصفحة: 418

فَصْلٌ: وَيَمْلِكُ الْمَوْقُوفُ عَلَيهِ الْوَقْف.
وَعَنْهُ لَا يَمْلِكُهُ.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (ويَمْلِكُ المَوْقُوفُ عليه الوَقْفَ.
وعنه، لا يَمْلِكُه) ظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ في المَوْقُوفِ إلى المَوْقُوفِ عليه.
قال أحمدُ: إذا وَقَف دارَه على وَلَدِ أخِيه، صارت لهم.
وهذا يَدُلُّ على أنَّهم مَلَكُوه.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه لا يُمْلَكُ، فإنَّ جَماعَةً نَقَلُوا عنه، في مَن وَقَف على وَرَثَتِه في مَرَضه: يجوزُ؛ لأنَّه لا يُباعُ ولا يُورَثُ، ولا يَصِيرُ مِلْكًا للوَرَثَةِ، وإنَّما يَنْتَفِعُون بغَلَّتِها.
وهذا يَدُلُّ بظاهِرِه

الجزء: 16 - الصفحة: 420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على أنَّهمِ لا يَمْلِكُون.
ويحْتَمِلُ أن يُرِيدَ بقَوْلِه: لا يَمْلِكُون.
أي لا يَمْلِكُون التَّصَرُّف في الرَّقَبَةِ، فإن فائِدَةَ المِلْلص وآثارَه ثابِتَة في الوَقفِ.
وعن الشافعيِّ مِن الاخْتِلافِ نحوُ ما حَكَيناه.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَنتقِلُ المِلْكُ في الوَقْفِ اللَّازِمِ، بل يكونُ حَقًّا للهِ تعالى؛ لأَنه إزالةُ مِلْك عن العَينِ والمَنْفَعَةِ على وَجْهِ القُرْبَةِ بتَمْلِيكِ المَنْفَعَةِ، فانْتقَلَ إلى اللهِ تعالى، كالعِتْقِ.
ولَنا، أنَّه سَبَب يُزِيلُ مِلْكَ الواقِفِ، وُجدَ 43 إلى مَن يَصِحُّ تَمْلِيكُه على وَجْهٍ لم يُخْرِجِ المال عن مالِيَّته، فوَجَب أَن يَنْقُلَ المِلْكَ إليه، كالهِبَةِ والبَيعِ، ولأنَّه لو كان تَمْلِيك المَنْفَعَةِ المُجَردَةِ، لم يَلْزَمْ، كالعارِيَّةِ والسُّكْنَى، ولم يَزُلْ مِلْكُ الواقِفِ عنه، كالعارِيَّةِ، ويُفارِقُ العِتْقَ، فإنَّه أخْرَجَه عن المالِيَّةِ، وامْتِناعُ التصَرُّفِ في الرّقَبةِ لا يَمْنَعُ المِلْكَ، كأمِّ الوَلَدِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 421

وَيَمْلِكُ صُوفَهُ وَلَبَنَهُ وَثَمَرَتَهُ وَنَفْعَهُ.
وَلَيسَ لَهُ وَطْءُ الْجَارِيَةِ، فَإن فَعَلَ، فَلَا حَدَّ عَلَيهِ وَلَا مَهْرَ.
وإنْ أتَتْ بِوَلَدٍ فَهُوَ حُرٌّ، وَعَلَيهِ قِيمَتُهُ، يُشتَرَى بهَا مَا يَقُومُ مَقَامَهُ،

2571 - مسألة: (ويَمْلِكُ صُوفَه ولَبَنَه وثَمَرَتَه ونَفْعَه)

لأنَّه نَماءُ مِلْكِه.
ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
2572 -

مسألة: (وليس له وَطْءُ الجارِيَةِ، فإن فَعَل، فلا حَدَّ عليه ولا مَهْرَ)

لا يجوزُ للمَوْقُوفِ عليه وَطْءُ الأمَةِ المَوْقُوفَةِ؛ لأنَّا لا نَأمَنُ حَبَلَها، فتَنْقُصُ أو تَتْلَفُ أو تَخْرُجُ مِن الوَقْفِ بكَوْنِها أمَّ وَلَدٍ، ولأنَّ مِلْكَه ناقِص.
فإن وَطِيء، فلا حَدَّ عليه؛ للشُّبْهَةِ، ولا مَهْرَ عليه؛ لأنه لو وَجَب لوَجَبَ له، ولا يَجِبُ للإنْسانِ شيء على نَفْسِه.
2573 -

مسألة: وإن وَلَدَتْ، فالوَلَدُ حُر؛ لأنَّه مِن وَطْءِ شُبْهَةٍ (وعليه قِيمَتُه)

يومَ الوَضعِ، يُشْتَرَى بها عَبْد مكانَه؛ لأنه فَوَّتَ رِقَّه،

الحديث: 2571 - الجزء: 16 - الصفحة: 422

وَتَصِيرُ أمَّ وَلَدِهِ، تَعْتِقُ بِمَوتِهِ، وَتَجِبُ قِيمَتُهَا فِي تَرِكَتِهِ، وَيُشتَرَى بِهَا مِثْلُهَا وَتَكُونُ وَقْفًا.
وتَصِيرُ أمَّ وَلَدٍ له؛ لأنه أحْبَلَها بِحُرٍّ في مِلْكِه.
فإذا مات عَتَقَتْ (وتَجِبُ قِيمَتُها في تَرِكَتِه) لأَنه أتْلَفَها على مَن بعدَه مِن البُطُونِ، فيُشْتَرَى بها جارِيَة (تكونُ وَقْفًا) مكانَها.
وإن قُلْنا: لا يَمْلِكُها المَوْقُوفُ عليه.
لم تَصِرْ أمَّ وَلَدٍ له بذلك؛ لأَنها أجْنَبِيَّة.
فصل: [فإن أعْتَقَ العَبْدَ الموْقُوفَ] 44، لم يَنْفُذْ عِتْقُه؛ لأنَّه يَتَعَلَّقُ به حَقُّ غيرِه، ولأنَّ الوَقْفَ لازِم، فلا يَتَمكَّنُ مِن إبْطالِه.
فإن كان نِصْفُ العَبْدِ وَقْفًا ونِصْفُه طَلْقًا، فأعْتَقَ صاحِبُ الطَّلْقِ، لم يَسْرِ عِتْقُه إلى الوَقْفِ؛ لأَنه إذا لم يَعْتِقْ بالمُباشَرَةِ فبالسِّرايَةِ أوْلَى.

الجزء: 16 - الصفحة: 423

وَإنْ وَطِئَهَا أجْنَبِيٌّ بِشُبْهَةٍ، فَأتَتْ بِوَلَدٍ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَعَلَيهِ الْمَهْرُ لأهْلِ الْوَقْفِ وَقِيمَةُ الْوَلَدِ.
وإنْ تَلِفَت، فَعَلَيهِ قِيمَتُهَا، يُشْتَرَى بِهَا مِثْلُهَا،

2574 - مسألة: (وإن وَطِئَها أجْنَبِيّ بشُبْهَةٍ، فالوَلَدُ حُر)

لاعْتِقادِه أنَّه يَطَأ في مِلْكِه، وإن كان الواطِئ عَبْدًا (وعليه المَهْرُ لأهْلِ الوَقْف) لأنَّه وَطِيء جارِيَتَهم في غيرِ مِلْكٍ، أشْبَهَ الأمَةَ المُطْلَقَةَ، وتجِبُ قِيمَتُه؛ لأنَّه كان مِن سَبِيله أن يكونَ مَمْلُوكًا، فمنَعَه اعْتِقادُ الحُرِّيةِ مِن الرِّقِّ، فوَجَبَتْ قِيمَتُه، يُشْتَرَى بها عَبْدٌ يكونُ وَقْفًا، وتُعْتَبَرُ قِيمَتُه يومَ تَضَعُه حَيًّا؛ لأَنه لا يُمْكِنُ تَقْويمُه قبلَ ذلك.
وإن وَطِئَها مُكْرَهَةً أو طاوَعَتْه، فعليه الحَدُّ إذا انْتَفَتِ الشُّبْهَةُ، والمَهْرُ لأهْلِ الوَقْفِ؛ لأنَّه وَطِيء جارِيةَ غيرِه، ويكونُ وَلَدُها وَقْفًا معها؛ لأَنه تَبَع لها.
2575 -

مسألة: (وإن تَلِفَتْ، فعليه قِيمَتُها، يُشْتَرَى بها مِثْلُها)

سواء أتْلَفَها أجْنَبِي أو الواقفُ، كما لو أتْلَفَ غيرَ الوَقفِ.
وإن أتْلَفَه المَوْقُوفُ عليه، فعليه قِيمَتُه أيضًا، يُشْتَرَى بها مِثْلُه

الحديث: 2574 - الجزء: 16 - الصفحة: 424

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ قِيمَةَ الْوَلَدِ هَهُنَا، وَلَا يَلْزَمُهْ قِيمَتُهُ إِنْ أَوْلَدَهَا.
يَقُومُ مَقامَه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في رَقَبَتِه، إنَّما له نَفْعُه (ويَحْتَمِلُ أن يمْلِكَ) المَوْقُوفُ عليه (قِيمَةَ الوَلَدِ) فيما إذا وَطِئَها أجْنَبِيٌّ بشبْهَةٍ، فأتَتْ بوَلَدٍ (ولا يَلْزَمُه قِيمَتُه إن أوْلَدَها) لذلك.

الجزء: 16 - الصفحة: 425

وَلَهُ تَزْويجُ الْجَارِيَةِ وَأَخْذُ مَهْرِهَا، وَوَلَدُهَا وَقْفٌ مَعَهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَهُ.

2576 - مسألة: (وله تَزْويجُ الأمَةِ وأخْذُ مَهْرِها، ووَلَدُها وَقْفٌ معها. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَه)

يجوزُ للمَوْقُوفِ عليه تَزْويجُ الأمَةِ المَوْقُوفةِ؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعَتِها، أشْبَهَ الإِجارَةَ، ولأنَّ المَوْقُوفَ عليه لا يَمْلِكُ اسْتِيفاءَ هذه المَنْفَعَةِ، فلا يتضَرَّرُ بتَمْلِيكِ غيرِه إيّاها، والمَهْرُ للمَوْقُوفِ عليه؛ لأنَّه بَدَلُ نَفْعِها، أشْبَهَ الأُجْرَةَ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ تَزْويجُها؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعَتِها في العُمُرِ، فيُفْضِي إلى تَفْويتِ مَنْفَعَتِها في حَقِّ البَطْنِ الثانِي، ولأنَّ النِّكاحَ يتعَلَّقُ به حُقُوقٌ؛ مِن وُجُوبِ تَمْكِينِ الزَّوْجِ مِن اسْتِمْتاعِها، ومَبِيتِها عندَه، فتَفُوتُ خِدْمَتُها في اللَّيلِ على البَطْنِ الثانِي.
فإن طَلَبَتِ التَّزْويجَ وَجَب تَزْويجُها؛ لأنَّه حَقٌّ لها طَلَبَتْه، فتَعَيَّنَتَ الإِجابَةُ إليه، وما فات مِن الحَقِّ به، يَفُوتُ تَبَعًا لإِيفائِها حَقَّها، فلا يكونُ مانِعًا

الحديث: 2576 - الجزء: 16 - الصفحة: 426

وَإِنْ جَنَى الْوَقْفُ خَطَأً، فَالأَرْشُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيهِ.
وَيَحْتَمِلُ  مِن تَزْويجِها، كغيرِ المَوْقُوفَةِ إذا طَلَبتْ ذلك.
وإذا زَوَّجَها فوَلَدَتْ مِن الزَّوْجِ، فوَلَدُها وَقْفٌ معها؛ لأنَّ وَلَدَ كلِّ ذاتِ رَحِمٍ حُكْمُه حُكْمُها؛ كأُمِّ الوَلَدِ، والمُكَاتَبَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ المَوْقُوفُ عليه وَلَدَها؛ لأنَّه مِن نَمائِها.

2577 -

مسألة: (وإن جَنَى الوَقْفُ خَطَأً، فالأَرْشُ على المَوْقُوفِ

الحديث: 2577 - الجزء: 16 - الصفحة: 427

أَنْ يَكُونَ في كَسْبِهِ.
عليه.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ في كَسْبِه) إذا جَنَى الوَقْفُ جنايَةً مُوجِبَةً للمالِ، لم يتَعَلَّقْ أَرشُها برَقَبَتِه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ بَيعُها، ويَجِبُ أرشُها على المَوْقُوفِ عليه؛ لأنَّه مِلْكُه تَعَذَّرَ تَعَلُّقُ أَرْشِه برَقَبَتِه، فكان على مالِكِه، كجِنايَةِ أُمِّ الوَلَدِ.
ولا يَلْزَمُه أكْثَرُ مِن قِيمَتِه، كأُمِّ الوَلَدِ.
فإن قُلْنا: إنَّ الوَقْفَ لا يُمْلَكُ.
فالأَرْشُ في كَسْبِه؛ لأنَّه تَعَذَّرَ تَعَلُّقُه برَقَبَتِه، لكَوْنِها لا تُباعُ، وبالمَوْقُوفِ عليه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُه، فكان في كَسْبِه، كالحُرِّ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ في بَيتِ المالِ، كأَرْشِ جِنايَةِ الحُرِّ المُعْسِرِ.
قال شيخُنا 45: وهذا احْتِمالٌ ضَعِيفٌ؛ فإنَّ الجِنايَةَ إنَّما تكونُ في بَيتِ المالِ في صُورَةٍ تَحْمِلُها العاقِلَةُ عندَ عَدَمِها، وجِنايَةُ العَبْدِ لا تَحْمِلُها العاقِلَةُ.
وإن كان الوَقْفُ على المَساكِينِ، فيَنْبَغِي أن يكونَ الأَرْشُ في كَسْبِه؛ لأنَّه ليس له مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ يُمْكِنُ إيجابُ الأَرْشِ عليه، ولا يُمْكِنُ تَعَلُّقُه برَقَبَتِه، فتَعَيَّنَ في كَسْبِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَكونَ في بَيتِ المالِ.
وإن جَنَى جِنايَةً تُوجِبُ القِصاصَ، وَجَب، سواءٌ كانت على المَوْقُوفِ عليه أو على غيرِه.
فإن قُتِل بَطَل الوَقْفُ فيه، وإن قُطِع كان باقِيه وَقْفًا, كما لو تَلِف بفِعْلِ اللهِ تعالى.

الجزء: 16 - الصفحة: 428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن جُنِيَ على الوَقْفِ جِنايَةٌ مُوجِبَةٌ للمالِ، وَجَبَ؛ لأنَّ مالِيَّتَهَ لم تَبْطُلْ، ولو بَطَلَتْ مالِيَّتُه لم يَبْطُلْ أَرْشُ الجِنايَةِ عليه، فإنَّ الحُرَّ يَجِبُ أَرْشُ الجنايَةِ عليه.
فإن قُتِل وَجَبَتْ قِيمَتُه، وليس للمَوْقُوفِ عليه العَفْوُ عنها؛ لأنَّه لا يَخْتَصُّ بها، ويُشْتَرَى بها 46 مثلُ المَجْنِيِّ عليه يكونُ وَقْفًا.
وقال بعضُ الشافِعِيَّةِ: يَخْتَصُّ المَوْقُوفُ.
عليه بالقِيمَةِ إن قُلْنا: إنَّه يَمْلِكُ المَوْقُوفَ؛ لأنَّها بَدَلُ مِلْكِه.
ولَنا، أنَّه مِلْكٌ لا يَخْتَصُّ به، فلم يَخْتَصَّ بِبَدَلِه، كالعَبْدِ المُشْتَرَكِ والمَرْهُونِ، وبَيانُ عَدَمِ الاخْتِصاصِ ظاهِرٌ، فإَّنه يتعَلَّقُ به حَقُّ البَطْنِ الثاني، فلم يَجُزْ إبْطالُه، ولا نَعْلَمُ قَدْرَ ما يَسْتَحِقُّ هذا

الجزء: 16 - الصفحة: 429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  منه فيَعْفُو عنه، فلم يَصِحَّ العَفْوُ عن شيءٍ منه, كما لو أتْلَفَ رجلٌ رَهْنًا، أُخِذَتْ منه قِيمَتُه فجُعِلَتْ رَهْنًا، ولم يَصِحَّ عَفْوُ واحِدٍ منهما عنه.
وإن كانتِ الجنايَةُ عَمْدًا مَحْضًا مِن مُكافِئٍ له، فالظّاهِرُ أنَّه لا يَجِبُ القِصاصُ، لأنَّه مَحَلٌّ لا يَخْتَصُّ به 47 المَوْقُوفُ عليه، فلم يَجُزْ أن يَقْتَصَّ مِن قاتِلِه،

الجزء: 16 - الصفحة: 430

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالعَبْدِ المُشْتَرَكِ.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يكون ذلك إلى الإِمام.
فإن قُطِعَتْ يَدُ العَبْدِ أو بعضُ أطْرافِه، فله اسْتِيفاءُ القِصَاصِ؛ لأَنَّه حَقُّه 48 لا يُشارِكُه فيه غيرُه.
وإن كان القَطْعُ لا يُوجِبُ القِصَاصَ، أو يُوجِبُه فعُفِيَ عنه، وَجَب نِصْفُ قِيمَتِه، فإن أمْكَنَ أن يُشْتَرَى بها عَبْدٌ كامِلٌ، وإلَّا اشْتُرِيَ شِقْصٌ مِن عَبْدٍ.

الجزء: 16 - الصفحة: 431

وَإِذَا وَقَفَ عَلَى ثَلَاثَةٍ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ رَجَعَ نَصِيبُهُ إِلَى الْآخرَينَ.

2578 - مسألة: (وإذا وَقَف على ثَلاثَةٍ ثم على المَساكِينِ، فمَن مات منهم رَجَع نَصِيبُه إلى الآخَرينِ)

فإذا ماتا رَجَع إلى المَساكِينِ؛ لأنَّه جَعَلَه لهم مَشْرُوطًا بانْقِراضِ الثَّلاثَةِ، فوَجَبَ اتِّباعُ شَرْطِه في ذلك، كسائِرِ شُرُوطِه، وكما لو وَقَف على وَلَدِه ثم على المَساكِينِ، فإنَّه لا يُصْرَفُ إلى المَساكِينِ شيءٌ مِن الوَقْفِ إلَّا بعدَ انْقِراضِ الوَلَدِ، كذلك ههُنا.

الحديث: 2578 - الجزء: 16 - الصفحة: 432

فَصْلٌ: وَيُرْجَعُ إِلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ في قَسْمِهِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيهِ، وَفِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَالْجَمْعِ وَالتَّرْتِيبِ وَالتَّسْويَةِ وَالتَّفْضِيلِ وَإِخْرَاجِ مَنْ شَاءَ بِصِفَةٍ وَإِدْخَالِهِ بِصِفَةٍ، وَفِي النَّاظِرِ فِيهِ، وَالإِنْفَاقِ عَلَيهِ، وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (ويُرْجَعُ إلى شَرْطِ الواقِفِ في قَسْمِه على المَوْقُوفِ عليهم؛ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرٍ، والجَمْعِ والتَّرْتِيبِ، والتَّسْويَةِ والتَّفْضِيلِ، وإخْراجِ مَن شاء بصِفةٍ وإدْخالِه بصِفَةٍ، وفي النّاظِرِ فيه، والإِنْفاقِ عليه، وسائِرِ أحْوَالِه) لأنَّه ثَبَت بوَقْفِه، فوَجَبَ أن يُتْبَعَ فيه شَرْطُه، ولأنَّ ابْتِداءَ الوَقْفِ مُفَوَّضٌ إليه، فكذلك تَفْضِيلُه 49 وتَرْتِيبُه.
وكذلك إن شَرَط إخْراجَ بعضِهم بصِفَةٍ ورَدَّه بصِفَةٍ، مثلَ أن يقولَ:

الجزء: 16 - الصفحة: 440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَن تَزَوَّجَ منهم فله، ومَن فارَقَ فلا شيءَ له.
أو عكس ذلك.
أو: مَن حَفِظ القُرآنَ فله، ومَن نَسِيَه فلا شيءَ له.
أو: مَن اشْتَغَلَ بالعِلْمِ فله، ومَن تَرَكَه فلا شيءَ له.
أو: مَن كان على مَذْهَبِ كذا فله 50، ومَن خرَجَ منه فلا شيءَ له.
وكذلك إن وَقَف على أوْلادِه على أنَّ للأُنْثَى سَهْمًا وللذَّكَرِ سَهْمَين، أو على حَسَبِ مِيِراثِهم، أو بالعَكْسِ، أو على أنَّ للكَبِيرِ ضِعْفَ ما للصَّغِيرِ، أو للفَقِيرِ ضِعْفَ ما للغَنِيِّ، أو عكس ذلك، أو عَيَّنَ بالتَّفْضِيلِ واحِدًا

الجزء: 16 - الصفحة: 441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُعَيَّنًا، أو وَلَدَه، وما أشْبَهَ هذا، فهو على ما قال؛ لِما ذَكَرْنا.
فكلُّ هذا صَحِيحٌ، وهو على ما شَرَط.
وقد رَوَى هِشامُ بنُ عُرْوَةَ، أنَّ الزُّبَيرَ جَعَل دُورَه صَدَقَةً على بَنِيه، لا تُباعُ ولا تُوهَبُ، وأنَّ للمَرْدُودَةِ مِن بَناتِه أن تَسْكُنَ غيرَ مُضِرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، فإنِ اسْتَغْنَتْ بزَوْجٍ فلا حَقَّ لها في الوَقْفِ 51. وليس هذا تَعْلِيقًا للوَقْفِ بصِفَةٍ، بل وَقْفٌ مُطْلَقٌ، والاسْتِحْقاقُ له بصِفَةٍ.
وكلُّ هذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.

الجزء: 16 - الصفحة: 442

فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ نَاظِرًا، فَالنَّظَرُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيهِ.
وَقِيلَ: لِلْحَاكِمِ وَيُنْفِقُ عَلَيهِ مِنْ غَلَّتِهِ.

2579 - مسألة: (فإن لم يَشْرُطْ ناظِرًا، فالنَّظَرُ للمَوْقُوفِ عليه. وقِيلَ: للحاكِمِ, ويُنْفِقُ عليه مِن غَلَّتِه)

النَّظَرُ في الوَقْفِ لمَن شَرَطَه الواقِفُ؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، جَعَل وَقْفَه إلى حَفْصَةَ، تَلِيه ما عاشَتْ، ثم يَلِيه ذُو الرَّأْي مِن أهْلِها 52. ولأنَّ مَصْرِفَ الوَقْفِ يُتْبَعُ فيه شَرْطُ الواقِفِ، فكذلك النَّظَرُ.
فإن جَعَل النَّظَرَ لنَفْسِه، جاز، وإن جَعَلَه إلى غيرِه، صَحَّ.
فإن لم يَجْعَلْه إلى أحدٍ، أو جَعَلَه لإِنْسانٍ فمات، فالنَّظَرُ للمَوْقُوفِ عليه؛ لأنَّه مِلْكُه يَخْتَصُّ بنَفْعِه، فكان نَظَرُه إليه، كَمِلْكِه المُطْلَقِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَنْظُرَ فيه الحاكِمُ.
اخْتارَه ابنُ أبي موسى.
قال شيخُنا 53: ويَحْتَمِلُ أن يكونَ ذلك مَبْنِيًّا على أنَّ المِلْكَ فيه هل يَنْتَقِلُ إلى

الحديث: 2579 - الجزء: 16 - الصفحة: 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَوْقُوفِ عليه، أو إلى اللهِ تعالى؟ فإن قُلْنا: هو للمَوْقُوفِ عليه.
فالنَّظَرُ له فيه؛ لأنَّه يَمْلِكُ عَينَه ونَفْعَه.
وإن قُلْنا: هو لله تعالى.
فالحاكِمُ يتَوَلّاه، ويَصْرِفُه إلى مَصارِفِه؛ لأنَّه مالُ اللهِ، فكان النَّظَرُ فيه إلى حاكِمِ المُسْلِمِين، كالوَقْفِ على المَساكِينِ.
فأمّا الوَقْفُ على المَساكِينِ والمساجِدِ ونحوها، أو على مَن لا يُمْكِنُ حَصْرُهم واسْتِيعابُهم، فالنَّظَرُ فيه إلى الحاكِمِ؛ لأنَّه ليس له مالِكٌ مُعَيَّنٌ يَنْظُرُ فيه وللحاكِمِ أن يَسْتَنِيبَ فيه؛ لأنَّ الحاكِمَ لا يُمْكِنُه تَوَلِّي النَّظَرِ بنَفْسِه.
فصل: ومتى كان النَّظَرُ للمَوْقُوفِ عليه، إمّا بجَعْل، الواقِفِ النَّظَرَ له، أو لكَوْنِه أحَقَّ بذلك عندَ عَدَمِ ناظِرٍ سِواه، و 54 كان واحِدًا مُكَلَّفًا رَشِيدًا، فهو أحَقُّ بذلك، رجلًا كان أو امْرأةً، عَدْلًا أو فاسِقًا؛ لأنَّه يَنْظُرُ لنَفْسِه، فكان له ذلك في هذه الأحْوالِ، كمِلْكِه المُطْلَقِ.
ويَحْتَمِلُ أن

الجزء: 16 - الصفحة: 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُضَمَّ إلى الفاسِقِ أمِينٌ؛ حِفْظًا لأصْلِ الوَقْفِ عن البَيعِ والتَّضْيِيعِ.
وإن كان الوَقْفُ لجَماعَةٍ رَشِيدِين، فالنَّظَرُ للجَمِيعِ، لكلِّ إنْسانٍ في حِصَّتِه.
فإن كان المَوْقُوفُ عليه صَغِيرًا أو مَجْنُونًا أو سَفِيهًا، قام وَلِيُّه في النَّظَرِ مَقامَه، كمِلْكِه المُطْلَقِ.
وإن كان النَّظَرُ لغيرِ المَوْقُوفِ عليه بتَوْلِيَةِ الواقِفِ

الجزء: 16 - الصفحة: 458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو الحاكِمِ، أو لبعضِ المَوْقُوفِ عليهم، لم يَجُزْ أن يكونَ إلَّا أمِينًا، فإن لم يكنْ أمِينًا، لم تَصِحَّ ولايتُه إن كانت مِن الحاكِمِ، وأُزِيلَتْ يَدُه.
وإن وَلَّاه الواقِفُ وهو فاسِقٌ، أو كان عَدْلًا ففَسَقَ، ضُمَّ إليه أمِينٌ لحِفْظِ الوَقْفِ، ولم تَزُلْ يَدُه؛ لأنَّه أمْكَنَ الجَمْعُ بينَ الحَقَّين.
ويَحْتَمِلُ أن لا

الجزء: 16 - الصفحة: 459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَصِحَّ تَوْلِيَةُ الفاسِق، ويَنْعَزِلُ إذا فَسَق؛ لأنَّها ولايَةٌ على حَقِّ غيرِه، فنافاها الفِسْقُ, كما لو وَلَّاه الحاكِمُ، وكما لو لم يُمْكِنْ حِفْظُ الوَقفِ منه مع بَقاءِ ولايَتِه، فإنَّ يَدَه تُزالُ؛ لأنَّ مُراعاةَ حِفْظِ الوَقْفِ أهَمُّ مِن إبْقاءِ ولايةِ الفاسِقِ عليه.
فصل: ونَفَقَةُ الوَقْفِ مِنِ حيثُ شَرَط الواقِفُ؛ لأنَّه لَمّا اتُّبعَ شَرْطُه في مَصْرِفِه، وَجَب اتِّباعُه في نفَقَتِه.
فإن لم يَكُنْ شَرَط، فمِن غَلَّتِه؛ لأنَّ الوَقْفَ اقْتَضَى تَحْبِيسَ أصْلِه وتَسْبِيلَ نَفْعِه، ولا يَحْصُلُ ذلك إلَّا بالإِنْفاقِ

الجزء: 16 - الصفحة: 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه، فهو مِن ضَرُورَتِه.
وكذلك عِمارَةُ الوَقْفِ، قِياسًا على نَفَقَتِه.
فإن تَعَطَّلَتْ مَنافِعُ الحَيَوانِ المَوْقُوفِ، فنَفَقَتُه على المَوْقُوفِ عليه؛ لأنَّه مِلْكُه.
ويَحْتَمِلُ وُجُوبَها في بَيتِ المالِ.
ويجوزُ بَيعُه، على ما نَذْكُرُه.

الجزء: 16 - الصفحة: 461

وَإِنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَهُوَ لِوَلَدِهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِالسَّويَّةِ،

2580 - مسألة: (وإن وَقَف على وَلَدِه ثم على المَساكِينِ، فهو لوَلَدِه الذُّكُورِ والإِناثِ)

والخَناثَى 55 (بالسَّويَّةِ).
وكذلك إن قال: وَقَفْتُ على أوْلادِي.
أو: على وَلَدِ فُلانٍ.
لأنَّه شَرَّكَ بينَهم، وإطْلاقُ التَّشْرِيكِ يَقْتَضِي التَّسْويَةَ, كما لو أقَرَّ لهم بشيءٍ، وكَولَدِ الأُمِّ في المِيراثِ حينَ شَرَّكَ الله تعالى بينَهم فيه فقال: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ 56. تَساوَوْا فيه، ولم يُفَضِّلْ بعضَهم على بعضٍ، وليس كذلك في مِيراثِ وَلَدِ الأبَوَين، ووَلَدِ الأبِ، فإنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ 57. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.

الحديث: 2580 - الجزء: 16 - الصفحة: 462

وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ.
وَهَلْ يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينَ؟ عَلَى رِوَايَتَينَ.

2581 - مسألة: (ولا يَدْخُلُ فيه وَلَدُ البَناتِ، وهل يَدْخُلُ فيه وَلَدُ البَنِين؟ على روايتَين)

اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمه اللهُ، في ذلك، فرُوِيَ عنه ما يَدُلُّ على أنَّه يكونُ وَقْفًا على أوْلادِه، وأوْلادِ بَنِيه الذُّكُورِ والإِناثِ، ما لم تَكُنْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُه عن ذلك، دُونَ أولادِ البَناتِ.
قال

الحديث: 2581 - الجزء: 16 - الصفحة: 463

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَرُّوذِيُّ: قلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: ما تقولُ في رجلٍ وَقَف ضَيعَةً على وَلَدِه، فمات الأوْلادُ وتَرَكُوا النِّسْوَةَ حَوامِلَ؟ فقالي: كلُّ ما كان مِن أوْلادِ الذُّكُورِ، بناتٍ كُنَّ أو بَنِين، فالضَّيعَةُ مَوْقُوفَةٌ عليهم، وما كان مِن أوْلادِ البَناتِ فليس لهم فيه شيءٌ؛ لأنَّهم مِن رجلٍ آخَرَ.
ووَجْهُ ذلك أنَّ اللهَ تعالى لَمّا قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ 58. دَخَل فيه وَلَدُ البَنِين وإن سَفَلُوا، ولَمّا قال: ﴿وَلِأَبَوَيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾.
تَناوَلَ وَلَدَ البَنِين.
فالمُطْلَقُ مِن كَلامِ الآدَمِيِّ إذا خَلا عن قَرِينَةٍ، يَنْبَغِي أن يُحْمَلَ على المُطْلَقِ مِن كَلامِ اللهِ تعالى، ويُفَسَّرَ بما يُفَسَّرُ به.
ولأنَّ وَلَدَ الوَلَدِ وَلَدٌ، بدَلِيلِ قولِه تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾

الجزء: 16 - الصفحة: 464

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  و: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ارْمُوا يا بَنِي إسْماعِيلَ، فَإنَّ أَباكُمْ كَانَ رَامِيًا» 59. وقال: «نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بنِ كِنَانَةَ» 60. ولأنَّه لو وَقَف على وَلَدِ فُلانٍ، وهم قَبِيلةٌ، دَخَل فيه وَلَدُ البَنِين، فكذلك إذا لم يَكونُوا قَبِيلَةً.
والرِّوايةُ الثانيةُ، لا يَدْخُلُ فيه وَلَدُ الوَلَدِ بحالٍ، وسواءٌ في ذلك وَلَدُ البَنِين ووَلَدُ البَناتِ.
اخْتارَه القاضي وأصْحابُه؛ لأنَّ الوَلَدَ حَقِيقَةً وعُرْفًا إنَّما هو وَلَدُه لصُلْبِه، وإنَّما سُمِّيَ وَلَدُ الوَلَدِ وَلَدًا مَجازًا، ولهذا يَصِحُّ نَفْيُه، فيقالُ: ما هذا وَلَدِي، إنَّما هو وَلَدُ وَلَدِي.
فأمّا وَلَدُ البَناتِ فلا يَدْخُلُون بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّهم لم يَدْخُلُوا في قَوْلِه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾.
قال الشاعِرُ 61: بَنُونا بَنُو أبْنائِنا وبَناتُنا … بَنُوهُنَّ أبْناءُ الرِّجالِ الأباعِدِ

الجزء: 16 - الصفحة: 465

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن قال: على 62 وَلَدِي لصُلْبِي.
فهو آكَدُ في اخْتِصاصِه بالوَلَدِ دونَ وَلَدِ الوَلَدِ.
وإن قال: على وَلَدِي، [ووَلَدِ وَلَدِي] 63، ثم على المَساكِينِ.
دَخَل فيه البَطْنُ الأوّلُ والثانِي، ولم يَدْخُلْ فيه 64 البَطْنُ الثالِثُ.
وإن قال: على وَلَدِي، ووَلَدِ وَلَدِي، ووَلَدِ وَلَدِ وَلَدِي.
دَخَل فيه ثلاثةُ بُطُونٍ دُونَ مَنْ بعدَهم.
ومَوْضِعُ الخِلافِ المُطْلَقُ، فأمّا مع وُجُودِ دَلالةٍ تَصْرِفُ إلى أحَدِ المَحْمِلَين، فإنَّه يُصْرَفُ إليه بغيرِ خِلافٍ، مثلَ أن يقولَ: على وَلَدِ فلانٍ.
وهم قَبِيلَةٌ ليس فيهم وَلَدٌ مِن صُلْبه، [فإنَّه يُصْرَفُ إلى وَلَدِ الأوْلادِ بغيرِ خِلافٍ.
وكذلك إن قال: على أولادِي -أو- وَلَدِي.
وليس له وَلَدٌ مِن صُلْبِه] 65. أو قال: ويُفَضَّلُ الوَلَدُ أكْبَرُ -أو- الأفْضَلُ -أو الأعْلَمُ- على غيرِهم.

الجزء: 16 - الصفحة: 466

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو قال: فإذا خَلَتِ الأرْضُ مِن عَقِبِي عاد إلى المَساكِينِ.
أو قال: على وَلَدِ وَلَدِي غيرِ ولَدِ البَناتِ -أو- غيرِ وَلَدِ فلانٍ.
أو قال: يُفَضَّلُ البَطْنُ الأعْلَى على الثانِي.
أو قال: الأعْلَى فالأعْلَى.
وأشباهُ ذلك.
فهذا يَصْرِف لَفْظَه إلى جميعِ نَسْلِه وعاقِبَتِه.
فإنِ اقتَرَنَتْ به قَرِينَةٌ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ أوْلادِه لصُلْبِه بالوَقْفِ، مثلَ أن يقولَ: على وَلَدِي لصُلْبِي.
أو: الذين يَلُوننِي.
ونحو هذا، فإنَّه يَخْتَصُّ بالبَطْنِ الأوَّلِ دُونَ غيرِهم.
وإذا قُلْنا بتَعْمِيمِهم، إمّا للقَرِينَةِ، وإمّا لقَوْلِنا: إنَّ المُطْلَقَ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ.
ولم يكُنْ في لَفْظِه ما يَقْتَضِي تَشْرِيكًا ولا تَرْتِيبًا، احْتَملَ أن يكونَ بينَ الجميعِ على التَّشْرِيكِ؛ لأنَّهم دَخَلُوا في اللَّفْظِ دُخُولًا واحِدًا، فوَجَبَ أن يَشْتَرِكُوا فيه, كما لو

الجزء: 16 - الصفحة: 467

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أقَرَّ لهم بدَينٍ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ على التَّرْتِيبِ، على حَسَبِ التَّرْتِيبِ في المِيراثِ.
وهذا ظاهِرُ كلامَ أحمدَ؛ لقولِه في مَن وَقَفَ على وَلَدِ عليِّ بنِ إسماعيلَ، ولم يَقُلْ: إن مات وَلَدُ عليِّ بنِ إسماعيلَ دُفِعَ إلى وَلَدِ وَلَدِه.
فمات وَلَدُ عليِّ بنِ إسماعيلَ، وتَرَك ولَدًا، فقال: إن مات وَلَدُ عليِّ بنِ إسماعيلَ دُفِعَ إلى وَلَدِه أيضًا؛ لأنَّ هذا مِن وَلَدِ عليِّ بنِ إسماعيلَ.
فجعَلَه لوَلَدِ مَن مات مِن وَلَدِ عليِّ بنِ إسماعيلَ عندَ مَوْتِ أبيه، وذلك لأنَّ وَلَدَ البَنِين لَمّا دَخَلُوا في قولِ اللهِ تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾.
لم يَسْتَحِقَّ وَلَدُ البَنِين شيئًا مع وُجُودِ آبائِهِم، واسْتَحَقوا عندَ فَقْدِهم، كذا ههُنا.
فأمّا إن وَصَّى لوَلَدِ فُلانٍ، وهم قَبِيلَةٌ، فلا تَرْتِيبَ، ويَسْتَحِقُّ الأعْلَى والأسفلُ على كلِّ حالٍ.

الجزء: 16 - الصفحة: 468

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن رَتَّبَ فقال: وَقَفْتُ هذا على وَلَدِي، ووَلَدِ وَلَدِي، ما تَناسَلُوا وتَعاقَبُوا، الأعْلَى فالأعْلَى -أو 66 - الأقْرَبُ فالأقْرَبُ -أو- الأوَّلُ فالأوَّلُ -أو- البَطْنُ الأوّلُ ثم البطْنُ الثاني -أو- على أوْلادِي، ثم على أوْلادِ أوْلادِي -أو- على أوْلادِي، فإذا انْقَرضُوا فعلى أوْلادِ أوْلادِي.
[فكلُّ هذا على] 67 التَّرْتِيبِ، لا يَسْتَحِقُّ البَطْنُ الثاني شيئًا حتى يَنْقَرِضَ البَطْنُ الأوّلُ كلُّه.
ومتى بَقِيَ واحِدٌ مِن البَطْنِ الأوّلِ كان الجميعُ له؛ لأنَّ الوَقْفَ ثَبَت بقولِه، فيُتْبَعُ فيه 68 مُقتَضَى كلامِه.
وإن قال: على أوْلادِي وأوْلادِ هم، ما تَعاقَبُوا وتَناسَلُوا، على أنَّه مَن مات منهم عن وَلِدٍ كان ما كان جارِيًا عليه جارِيًا على وَلَدِه.
كان دَلِيلًا على التَّرْتِيبِ؛ لأنَّه لو اقْتَضَى التَّشْرِيكَ لاقْتَضَى التَّسْويةَ، ولو جَعَلْنا لوَلَدِ الوَلَدِ سَهْمًا مثلَ سَهْمِ أبِيه، ثم دَفَعْنا إليه سهْمَ أبِيه، صار له سَهْمان، ولغيرِه سهْمٌ، وهذا يُنافِي التَّسْويةَ، ولأنَّه يُفْضِي إلى تَفْضِيلِ وَلَدِ الابْنِ على الابْنِ، والظاهِرُ مِن إرادَةِ الواقِفِ خِلافُ هذا.
فإذا ثَبَت التَّرْتِيبُ فإنَّه تَرْتِيبٌ بينَ كلِّ والدٍ ووَلَدِه، وإذا مات عن وَلَدٍ انْتقَلَ إلى وَلَدِه سَهْمُه، سواءٌ بَقِيَ مِن البَطنِ الأوّلِ أحَدٌ أو لم يَبْقَ.

الجزء: 16 - الصفحة: 469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن رَتَّبَ بعضَهم دُونَ بعضٍ، فقال: وقَفْتُ على وَلَدِي ووَلَدِ وَلَدِي، ثم على أوْلادِهم.
أو: على أوْلادِي، ثم على أوْلادِ أوْلادِي وأوْلادِهم، ما تَناسَلُوا وتعاقَبُوا.
أو قال: على أوْلادِي وأوْلادِ أوْلادِي، ثم على أوْلادِهم وأوْلادِ أوْلادِهم، ما تناسَلُوا.
فهو على ما قالِ، يَشتَرِكُ 69 مَن شَرَّكَ بينَهم بالواو المُقْتَضِيَةِ للجَمْعِ والتَّشْرِيكِ، ويُرَتَّبُ مَن رَتَّبَه بحَرْفِ التَّرْتِيبِ، ففي المسألةِ الأُولَى يَشْتَرِكُ الوَلَدُ ووَلَدُ الوَلَدِ، فإذا انقرَضُوا، صار لمَن بعدَهم.
وفي الثانيةِ يَخْتَصُّ به الوَلَدُ، فإذا انْقَرضُوا، صار مُشْتَرَكًا بينَ مَن بعدَهم.
وفي الثالثةِ يَشْتَرِكُ فيه البَطْنان الأوَّلان دُونَ غيرِهم، فإذا انْقَرَضُوا اشتَرَكَ فيه مَن بعدَهم.
فصل: فإن قال: وَقَفْتُ على أوْلادِي، ثم على أوْلادِ أوْلادِي، على أنَّه مَن مات مِن أوْلادِي عن ولَدٍ، فنَصِيبُه لوَلَدِه -أو- فنَصِيبُه لإِخوَتِه -أو- لوَلَدِ وَلَدِه -أو- لوَلَدِ أخِيه -أو- لأخَواتِه -أو- لوَلَدِ أخَواتِه.
فهو على ما شَرَطَه.
وإن قال: ومَن مات منهم عن وَلَدٍ، فنَصِيبُه لوَلَدِه، ومَن مات منهم عن غيرِ وَلَدٍ، فنَصِيبُه لأهْلِ الوَقْفِ.
وكان له ثلاثة بَنِين، فمات أحَدُهم عن ابْنَين، انْتَقَلَ نَصِيبُه إليهما، ثم مات الثَّاني عن غيرِ وَلَدٍ،

الجزء: 16 - الصفحة: 470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فنَصِيبُه لأخِيه وابْنَيْ أخِيه بالسَّويَّةِ؛ لأنَّهم أهْلُ الوَقْفِ.
ثم إن مات أحَدُ ابْنَيِ الابْنِ عن غيرِ وَلَدٍ، انْتقَلَ نَصِيبُه إلى أخِيه وعَمِّه؛ لأنَّهما أهْلُ الوَقْفِ.
ولو مات أحَدُ البَنِين الثلاثةِ عن غيرِ وَلَدٍ، وخَلَّف أخَوَيه 70 وابْنَيْ أخٍ له، فنَصِيبُه لأخَوَيه دُونَ ابْنَيْ أخِيه؛ لأنَّهما ليسا مِن أهْلِ الوَقْفِ ما دام أبُوهُما حَيًّا، فإذا مات أبُوهُما صار نَصِيبُه لهما، فإذا مات الثالثُ، كان نَصِيبُه لابنَيْ أخِيه بالسَّويَّةِ، إن لم يُخَلِّفْ وَلَدًا، فإن خَلَّفَ ابْنًا واحدًا، فله نَصِيبُ أبِيه، وهو النِّصْفُ، ولابْنَيْ عَمِّه النِّصْفُ بينَهما نِصْفَين.
وإن قال: مَن مات منهم عن غيرِ وَلَدٍ، كان ما كان جارِيًا عليه جاريًا على مَن هو في دَرَجَتِه.
وكان الوَقْفُ مُرَتَّبًا بَطْنًا بعدَ بَطْنٍ، كان نَصيبُ المَيِّتِ عن غيرِ وَلَدٍ لأهْلِ البَطْنِ الذي هو منه، وإن كان مُشْتَرَكًا بينَ البُطُونِ كلِّها، احْتَمَلَ أن يكونَ نَصِيبُه بينَ جميعِ أهْلِ الوَقْفِ؛ لأنَّهم في اسْتِحْقاقِ الوَقْفِ سواءٌ، فكانوا في دَرَجَتِه مِن هذه الجِهَةِ، ولأنَّنا لو صَرَفْنا نَصيبَه إلى بعضِهم، أفْضَى إلى تَفْضيلِ بعضِهم على بعضٍ، والتَّشْرِيكُ يَقْتَضي التَّسْويَةَ.
فعلى هذا، يكونُ وُجُودُ هذا الشَّرْطِ كعَدَمِه؛ لأنَّه لو سَكَت عنه كان الحُكْمُ كذلك.
ويَحْتَمِلُ أن يَعُودَ نَصيبُه إلى سائِرِ البَطْنِ الذي

الجزء: 16 - الصفحة: 471

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هو منه؛ لأنَّهم في دَرَجَتِه في القُرْبِ إلى الجَدِّ 71 الذي يَجْمَعُهم، ويَسْتَوي في ذلك إخْوَتُه وبَنُو عَمِّه وبَنُو عَمِّ أبيه؛ لأنَّهم سواءٌ في القُرْبِ، ولأنَّنا لو شَرَّكْنا بينَ أهْلِ الوَقْفِ كلِّهم في نَصِيبِه، لم يَكُنْ في هذا الشَّرْطِ فائِدَةٌ، والظاهِرُ أنَّه قَصَدَ شَيئًا يُفِيدُ.
فعلى هذا، إن لم يَكُنْ في دَرَجَتِه أحَدٌ، بَطَلَ هذا الشَّرْطُ، وكان الحُكْمُ فيه كما لو لم يَذْكُرْه.
وإن كان الوَقْفُ على البَطْنِ الأوّلِ، على أنَّه مَن مات منهم عن وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُه إلى وَلَدِه، ومَن مات عن غيرِ وَلَدٍ انْتقَلَ نَصِيبُه إلى مَن في دَرَجَتِه، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، أن يكونَ نَصِيبُه بينَ أهْلِ الوَقْفِ كلِّهم، يَتَساوَوْنَ فيه، سواءٌ كانوا مِن بَطْن واحدٍ أو مِن بُطُونٍ، وسواءٌ تَساوَتْ أنْصِباؤُهُم في الوَقْفِ أو اخْتَلَفَتْ؛ لِما ذَكَرْنا مِن قبلُ.
والثاني، أن يكونَ لأهْلِ بَطْنِه، سواءٌ

الجزء: 16 - الصفحة: 472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كانوا مِن أهْلِ الوَقْفِ أو لم يكُونُوا، مثلَ أن يكونَ.
البَطْنُ الأوَّلُ ثلاثةً، فمات أحَدُهم عن ابْنٍ، ثم مات الثاني عن ابْنَينِ، فمات أحَدُ الابْنَين وتَرَك أخاه وابْنَ عَمِّه وعَمَّه وابْنًا لعَمِّه الحَيِّ، فيكونَ نصِيبُه بينَ أخِيه وابْنَيْ عَمِّه.
والثالثُ، أن يكونَ لأهْلِ بَطْنِه مِن أهْلِ الوَقفِ، فيكونَ على هذا لأخِيه وابْنِ عُمِّه الذي مات أبُوه.
فإن كان في دَرَجَتِه في النَّسَبِ مَن ليس مِن أهْلِ الاسْتِحْقاقِ بحالٍ، كرجلٍ له أربعة بَنِين، وَقَف على ثلاثةٍ منهم على هذا الوَجْهِ المَذْكُورِ، وتَرَك الرابعَ، فمات أحَدُ الثّلاثةِ عن غيرِ وَلَدٍ، لم يَكُنْ للرّابعِ فيه شيءٌ؛ لأنَّه ليس مِن أهْلِ الاسْتِحْقاقِ، أشْبَهَ ابْنَ عَمِّهم.
فصل: وإن وَقَف.
على بَنِيه وهم ثلاثةٌ، على أنَّ مَن مات مِن فُلانٍ وفُلانٍ وأوْلادِهم عن وَلَدٍ فنَصِيبُه لوَلَدِه، وإن مات فلانٌ فنَصِيبُه لأهْلِ الوَقفِ، فهو على ما شَرَط.
وكذلك إن كان بَنُون وبَناتٌ، فقال: مَن مات مِن الذُّكُورِ فنَصِيبُه لوَلَدِه، ومَن مات مِن البَناتِ فنَصِيبُها لأهْلَ الوَقفِ.
فهو على ما قال.
وإن قال: على أوْلادِي، على أن يُصْرَفَ إلى البَناتِ منه ألْفٌ، والباقي للبَنِين.
لم يَسْتَحِقَّ البَنُون شيئًا حتى تَسْتَوْفِيَ البَناتُ الألْفَ؛ لأنَّه جَعَل للبَناتِ مُسَمًّى، وجَعَل للبَنِين الفاضِلَ عنه، والحُكمُ فيه على ما قال: لأنَّه جَعَل البَناتِ كذَوي الفُرُوضِ، وجَعَل البَنِين كالعَصَباتِ الذين لا يَسْتَحِقُّون إلَّا ما فَضَل عن ذَوي الفُرُوضِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان له ثلاثةُ بَنِينَ 72، فقال: وَقَفْتُ على وَلَدِي فُلانٍ وفُلانٍ، وعلى وَلَدِ وَلَدِي.
كان الوَقْفُ على الابْنَين المُسَمَّيَين، وعلى أوْلادِهما، وأوْلادِ الثالثِ، ولا شيءَ للثالثِ.
وقال القاضي: يَدْخُلُ الثالثُ في الوَقْفِ.
وذَكَر أنَّ أحمدَ قال في رجُلٍ قال: وَقَفْتُ هذه الضَّيعَةَ على وَلَدِي فُلانٍ وفُلانٍ، وعلى وَلَدِ ولَدِي.
وله ولدٌ غيرُ هؤلاءِ، قال: يَشْتَرِكُون في الوَقْفِ.
واحْتَجَّ القاضي بأنَّ قَوْلَه: وَلَدِي.
يَسْتَغْرِقُ الجِنْسَ، فيَعُمُّ 73 الجميعَ، وقولَه: فُلانٍ وفُلانٍ.
تَأْكِيدٌ لبعضِهم، ولا يُوجِبُ إخْراجَ بقِيَّتِهم، كالعَطْفِ في قَوْلِه: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال﴾ 74. ولَنا، أنَّه أبْدَلَ بعضَ الوَلَدِ مِن اللَّفْظِ المتَناولِ للجميعِ، فاخْتَصَّ بالبعضِ المُبْدَلِ, كما لو قال: على وَلَدِي فُلانٍ.
وذلك لأنَّ بَدَلَ البَعْضِ يُوجبُ اخْتِصاصَ الحُكْمِ به، كقوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ 75. لَمّا خَصَّ المُسْتَطِعَ بالذِّكْرِ، اخْتَصَّ الوُجُوبُ به.
ولو قال: ضَرَبْت زَيدًا

الجزء: 16 - الصفحة: 474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَأْسَه.
أو: رَأيتُ زَيدًا وَجْهَه.
اخْتَصَّ الضَّرْبُ بالرَّأْسِ، والرُّؤْيَةُ بالوَجْهِ.
ومنه قولُ القائِلِ: طَرَحْتُ الثِّيابَ بعضَها فوقَ بعضٍ.
فإنَّ الفَوْقِيَّةَ تَخْتَصُّ بالبَعْضِ مع عُمُومِ اللَّفْظِ الأوَّلِ.
كذا ههُنا.
وفارَقَ العَطْفَ، فإنَّ عَطْفَ الخاصِّ على العامِّ يَقْتَضِي تَأْكِيدَه، لا تَخْصِيصَه.
وكلامُ أحمدَ: هم شُرَكاءُ.
يَحْتَمِلُ أن يَعُودَ إلى أوْلادِ أوْلادِه، أي يَشْتَرِكُ أوْلادُ المَوْقُوفِ عليهما وأوْلادُ غيرِهما؛ لعُمُومِ لَفْظِ الواقِفِ فيهم، ويتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلامِه عليه؛ لقِيامِ الدَّليلِ عليه.
ولو قال: على وَلَدِي فُلانٍ وفُلانٍ، ثم على المَساكِينِ.
خُرِّجَ فيه مِن الخِلافِ مثلُ ما ذكَرْنا.
قال شيخُنا 76: ويَحْتَمِلُ أن يَدْخُلَ في الوَقْفِ وَلَدُ ولَدِه؛ لأنَّنا قد ذَكَرْنا مِن قبلُ أنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ أنَّ قولَه: وَقَفْتُ على وَلَدِ وَلَدِي.
يتَناوَلُ نَسلَه وعاقِبَتَه كلَّها.
فصل: ومَن وَقَف على أوْلادِه أبي أوْلادِ غيرِه، وله حَمْلٌ، لم يَسْتَحِقَّ شيئًا قبلَ انْفِصالِه؛ لأنَّه لم تَثْبُتْ له أحْكامُ الدُّنْيا قبلَ انْفِصالِه.
وقال أحمدُ، في روايةِ جَعْفَرِ بنَ محمدٍ، في مَن وَقَف نَخْلًا على قَوْمٍ وما تَوالدُوا، ثم

الجزء: 16 - الصفحة: 475

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وُلِد مَوْلُودٌ: فإن كانتِ النَّخْلُ قد أُبِّرَتْ، فليس له فيه شيءٌ، وهو للأولِ، وإن لم تَكُنْ قد أُبِّرَتْ، فهو معهم.
وإنَّما قال ذلك لأنَّها قبلَ التَّأْبِيرِ تَتْبَعُ الأصْلَ في البَيعِ، وهذا المَوْجُودُ يَسْتَحِقُّ نَصِيبَه مِن الأصْلِ، فتَتْبَعُه حِصَّتُه مِن الثَّمرَةِ, كما لو اشْتَرَى ذلك النَّصِيبَ مِن الأصْلِ، وبعدَ التَّأْبيرِ لا تَتْبَعُ الأصْلَ، ويَسْتَحِقُّها مَن كان له الأصْلُ، فكانت للأولِ، لأنَّ الأصْلَ كان كلُّه له، فاسْتَحَقَّ ثَمَرَتَه, كما لو باعَ هذا النَّصِيبَ منها، ولم يَسْتَحِقَّ المَوْلُودُ منها شيئًا، كالمُشْتَرِي.
وهكذا الحُكْمُ في سائِرِ الثَّمَرِ الظاهِرِ على الشَّجَرِ، لا يَسْتَحِقُّ المَوْلُودُ منه شيئًا، ويَسْتَحِقُّ مِمّا ظَهَر بعدَ ولادَتِه.
وإن كان الوَقْفُ أرْضًا فيها زَرْعٌ يَسْتَحِقُّه البائِعُ، فهو للأوّلِ.
وإن كان مِمّا يَسْتَحِقُّه المُشْتَرِي، فللمَوْلُودِ حِصَّتُه منه؛ لأنِّ المَوْلُودَ يَتَجَدَّدُ اسْتِحْقاقُه للأصْلِ كتَجَدُّدِ مِلْكِ المُشْتَرِي فيه.

الجزء: 16 - الصفحة: 476

وَإِنْ وَقَفَ عَلَى عَقِبِهِ، أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ، أَوْ ذُرِّيَّتِهِ، دَخَلَ فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينَ.
وَنُقِلَ عَنْهُ، لَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ.
وَنُقِلَ عَنْهُ في الْوَصِيَّةِ، يَدْخُلُونَ فِيهِ.
وَذَهَبَ إِلَيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَهَذَا مِثْلُهُ.

2582 - مسألة: (وإن وَقَف على عَقِبِه، أو وَلَدِ وَلَدِه، أو ذُرِّيَّتِه)

أو نَسْلِه (دَخَلَ فيه وَلَدُ البَنِين) بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
وأمّا وَلَدُ البَناتِ، فقال الخِرَقِيُّ: لا يَدْخلُون فيه.
وقد قال أحمدُ، في مَن وَقَف على وَلَدِه: ما كان مِن وَلَدِ البَناتِ، فليس لهم فيه شيءٌ.
فهذا النَّصُّ يَحْتَمِلُ أن يُعَدَّى إلى هذه المسْألةِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ مَقْصُورًا 77 في مَن وَقَف على وَلَدِه ولم يَذْكُر وَلَدَ وَلَدِه.
وممَّن قال: لا يَدْخُلُ وَلَدُ البَناتِ في الوَقْفِ الذي على أوْلادِه وأوْلادِ أولادِه؛ مالكٌ، ومحمدُ بنُ الحَسَنِ.
وكذلك إذا قال: على ذُرِّيَّتِه ونَسْلِه.
ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّهم يَدْخُلُون في الوَصِيَّةِ،

الحديث: 2582 - الجزء: 16 - الصفحة: 477

وَقَال أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ حَامِدٍ، رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالى: يَدْخُلُونَ في الْوَقْفِ.
وذَهَب إليه بعضُ أصْحابِنا.
وهذا مثلُه (وقال أبو بكر، وابنُ حامدٍ) يَدْخُلُ فيه وَلَدُ البَناتِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، وأبي يُوسُفَ؛ لأنَّ البَناتِ أوْلادُه، فأوْلادُهُنَّ أوْلادُ أوْلادِه حَقِيقَةً، فيَجِبُ أن يَدْخُلُوا في اللَّفْظِ؛ لتَناوُلِه لهم، بدَلِيلِ قولِه تعالى: ﴿وَنُوحًا هَدَينَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ﴾.
إلى قوله: ﴿وَعِيسَى﴾ 78. وهو وَلَدُ بِنْتِه، فجَعَلَه مِن ذُرِّيَّتِه، ولذلك ذَكَر اللهُ تعالى قِصَّةَ إبراهيمَ وعيسى وموسى وإسماعيلَ وإدْرِيسَ، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾ 79. وعيسى معهم، ولَمّا قال اللهُ تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ 80. دَخَل في التَّحْرِيمِ حَلائِلُ أبناءِ البَناتِ، وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للحَسَنِ: «إنَّ ابْنِي هذا

الجزء: 16 - الصفحة: 478

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَيِّدٌ» 81. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، أنَّهم لم يَدْخُلُوا في قولِ اللهِ تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ 82. ولأنَّه لو وَقَف على وَلَدِ فُلانٍ وقد صاروا قَبِيلةً، دَخَل فيه ولَدُ البَنِين دُونَ ولَدِ البَناتِ، وكذلك قبلَ أن يَصِيرُوا قَبِيلَةً؛ لأنَّ وَلَدَ البَناتِ مَنْسُوبُونَ إلى آبائِهم دُونَ أُمَّهاتِهم، قال الشاعرُ: بَنُونا بَنُو أبْنائِنا وبَناتُنا … بَنُوهنَّ أبْناءُ الرِّجالِ الأباعِدِ

الجزء: 16 - الصفحة: 479

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقولُهم: إنَّهم أوْلادُ أوْلادِه حَقِيقَةً.
قُلْنا: [إنَّهم لا] 83 يَنْتَسِبُونَ إلى الواقِفِ عُرْفًا، وكذلك لو قال: أوْلاد أوْلادِي المُنْتَسِبِين إليَّ.
لم يَدْخُلُوا في الوَقْفِ.
ولأنَّ وَلَدَ الهاشِمِيَّةِ مِن غيرِ الهاشِمِيِّ ليس بهاشِمِيٍّ، ولا يَنْتَسِبُ إلى أبيها.
وأمّا عيسى عليه السَّلامُ، فلم يَكُنْ له نَسَبٌ يَنْتَسِبُ إليه، فنُسِبَ إلى أُمِّه 84. وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - للحَسَنِ: «إنَّ ابْنِي هذا سَيِّدٌ».
مجازٌ بالاتِّفاقِ، بدَلِيلِ قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ 85. والقولُ بأنَّهم يَدْخَلُون أصحُّ وأقْوَى دَلِيلًا؛ لأنَّهم أوْلادُ أوْلادِه حَقِيقةً.
فأمّا قِياسُهم على ما إذا كانُوا قَبِيلَةً، فيُفارِقُ ما إذا وَقَف على وَلَدِ فُلانٍ وليسُوا قَبِيلَةً؛ لأنَّه لو وَقَف على بَنِي فُلانٍ وهم قبيلةٌ، دَخَل فيه البَناتُ، بخِلافِ ما إذا وَقَف على بَنِي إنْسانٍ حَيٍّ أو مَيِّتٍ، وليسُوا قَبِيلَةً.
وقِياسُهم على ما إذا قال: وَقَفْتُ على وَلَدِ ولَدِي المُنْتَسِبِين إليَّ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّهم خَرَجُوا مِن الوَقْفِ لكَوْنِهم لا يَنْتَسِبُون.
وباقِي الأدِلَّةِ ضَعِيفةٌ جِدًّا.

الجزء: 16 - الصفحة: 480

إلا أَنْ يَقولَ عَلَى وَلَدِ وَلَدِي لِصُلْبِي فَلَا يَدْخُلُونَ.

2583 - مسألة: فإن قال: (على وَلَدِ ولَدِى لصُلْبِي)

أو - المُنْتَسِبين إليَّ.
لم يَدْخُلْ وَلَدُ البَناتِ.
والخِلافُ إنَّما هو إذا لم يُوجَدْ

الحديث: 2583 - الجزء: 16 - الصفحة: 481

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ما يَدُلُّ على تَعْيِينِ أحَدِ الأمْرَين، فأمّا إن وُجِد ما يَصْرِفُ اللَّفْظَ إلى أحَدِهما انْصَرفَ إليه.
فلو قال: على أوْلادِي، وأوْلادِ أوْلادِي، على أنَّ لوَلَدِ البَناتِ سَهْمًا، ولوَلَدِ البَنِين سَهْمَين.
أو قال: فإذا خَلَتِ الأرْضُ ممَّن يَرْجِع نَسَبُه إليَّ.
مِن قِبَلِ أبٍ أو أُمٍّ، كان للمَساكِينِ.
أو كان البَطْنُ الأوّلُ مِن أوْلادِه المَوْقوفِ عليهم كلُّهم بَناتٌ، ونحوُ هذا ممّا يَدُلُّ على إرادَةِ وَلَدِ البَناتِ بالوَقْفِ، دَخَلُوا في الوَقْفِ.
وإن قال: على أوْلادِي، وأوْلادِ أوْلادِي المُنْتَسِبِين إليَّ 86 -أو- غيرِ ذَوي الأرْحام.
أو نحو ذلك.
لم يَدْخُلْ فيه وَلَدُ البَناتِ.
وإن قال: على وَلَدِي فُلانٍ وفُلانةَ وفُلانةَ، وأوْلادِهم.
دَخَل فيه وَلَدُ البَناتِ.
وكذلك إن قال: علَى أنَّ مَن مات منهم عن وَلَدٍ فنَصِيبُه لوَلَدِه.
وإن قال الهاشِمِيُّ: وَقَفْت على أوْلادِي، وأوْلادِ أوْلادِي الهاشِمِيِّين, لم يَدْخُلْ في الوَقْفِ مِن أوْلادَ بَناتِه

الجزء: 16 - الصفحة: 482

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَن كان غيرَ هاشِمِيٍّ.
فأمّا مَن كان هاشِمِيًّا مِن غيرِ أوْلادِ بَنِيه، فهل يَدْخُلُون؟ على وَجْهَين؛ أَوْلاهما 87، أنَّهم يَدْخُلُون؛ لأنَّه اجْتَمَعَ فيهم الصِّفَتان جميعًا، كَوْنُهم مِن أوْلادِ أوْلادِه, وكَوْنُهم هاشِمِيِّين.
والثاني، لا يَدْخُلُون؛ لأنَّهم لم يَدْخُلُوا في مُطْلَقِ أوْلادِ أوْلادِه، فأشْبَهَ ما لو لم يَقُل: الهاشِمِيِّين.
وإن قال: على أوْلادِي، وأوْلادِ أوْلادِي، ممَّن يُنْسَبُ إلى قَبِيلَتِي.
فكذلك.

الجزء: 16 - الصفحة: 483

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والمُسْتَحَبُّ أن يَقْسِمَ الوَقْفَ على أوْلادِه على حَسَبِ قِسْمَةِ اللهِ تعالى المِيراثَ بينَهم، للذَّكَرِ مثلُ حَظِّ الأُنْثَيين.
وقال القاضي: المُسْتَحَبُّ التَّسْويَةُ بينَ الذَّكَرِ والأُنْثَى؛ لأنَّ القَصْدَ القُرْبَة على وَجْهِ الدَّوامِ، وقد اسْتَوَوْا في القَرابَةِ.
ولَنا، أنَّه إيصالٌ للمالِ إليهم، فيَنْبَغِي أن يكونَ بينَهم على حَسَب المِيراثِ، كالعَطِيَّةِ، ولأنَّ الذَّكَرَ في مَظِنَّةِ الحاجَةِ أكْثَرَ مِن الأُنْثَى؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهما في العادَةِ يتَزوَّجُ، ويكونُ له الوَلَدُ، فالذَّكَرُ تَجِبُ عليه نَفَقةُ امْرَأتِه وأوْلادِه، والمرأةُ يُنْفِقُ عليها زَوْجُها، ولا تَلْزَمُها نَفَقةُ أوْلادِها، وقد فَضَّلَ الله تعالى الذَّكَرَ على الأُنْثَى

الجزء: 16 - الصفحة: 484

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في المِيراثِ على وَفْقِ هذا المَعْنَى، فيَصِحُّ تَعْلِيلُه به، ويتَعَدَّى إلى الوَقْفِ والعَطايا والصِّلاتِ.
وما ذَكَرَه القاضي لا أصْلَ له، وهو مُلْغًى بالمِيراثِ والعَطِيَّةِ.
وإن خالفَ فسَوَّى بينَ الذَّكَرِ والأُنْثَى، أو فَضَّلَها عليه، أو فَضَّلَ بعضَ البَنِين أو بعضَ البَناتِ على بعضٍ، أو خَصَّ بعضَهم بالوَقْفِ دُونَ بعض، فقال أحمدُ، في رِوايةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ: إن كان على طَرِيقِ الأثَرَةِ، فأكْرَهُه، وإن كان على أنَّ بعضَهم له عِيالٌ وبه حاجَةٌ.
يَعْنِي فلا بَأْسَ به.
ووَجْهُ ذلك أنَّ الزُّبَيرَ خَصَّ المَرْدُودَةَ مِن بَناتِه دُونَ المُسْتَغْنِيةِ مِنْهُنَّ بصَدَقَتِه 88. وعلى قياسِ قولِ أحمدَ، لو خصَّ المُشْتَغِلين بالعِلْمِ مِن أوْلادِه بوَقْفِه، تَحْرِيضًا لهم على [طَلَبِ العِلْمِ] 89، أو ذا الدِّينِ دُونَ الفُسّاقِ، أو المريضَ، أو مَن له فَضِيلَةٌ مِن أجْلِ فَضِيلَتِه، فلا بَأْسَ.
وقد دَلَّ على ذلك أنَّ أبا بكرٍ، رَضِيَ الله عنه، نَحَل عائِشةَ جِذاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا دُونَ سائِرِ وَلَدِه 90. وحَدِيثُ عُمَرَ، أنَّه كَتَب:

الجزء: 16 - الصفحة: 485

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بسمِ اللهِ الرَّحَمن الرَّحِيم، هذا ما أوْصَى به عبدُ اللهِ عُمَرُ أمِيرُ المُؤمِنِين، إن حَدَث به حَدَثٌ، أنَّ ثَمْغًا و [صِرْمَةَ بنَ الأَكْوَعِ] 91 و 92 العَبْدَ الَّذي فيه، والمائةَ سَهْم التي بخَيبَرَ، ورَقِيقَه الَّذي فيه، الَّذي أطْعَمَه محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - بالوادِ، تَلِيه حَفْصَةُ ما عاشَتْ، ثم تَلِيه ذُو الرَّأْي مِن أهْلِها، أن لا يُباعَ ولا يُشْتَرَى، يُنْفِقُه حيثُ رَأى مِن السائِلِ والمَحْرُومِ وذَوي القُرْبَى، لا حَرَجَ على مَن وَلِيَه إن أكَلَ أو آكَلَ أو اشْتَرَى رَقِيقًا منه.
رَواه أبو دَاوُدَ 93. فيه دَلِيلٌ على تَخْصِيصِ حَفصَةَ دُونَ إخوَتِها وأخَواتِها.

الجزء: 16 - الصفحة: 486

وَإنْ وَقَفَ عَلَى بَنِيهِ، أَوْ بَنِي فُلَانٍ فَهُوَ لِلذُّكُورِ خَاصَّةً،

2584 - مسألة: (وَإنْ وَقَفَ عَلَى بَنِيهِ، أَوْ بَنِي فُلَانٍ فَهُوَ لِلذُّكُورِ خَاصَّةً)

دُونَ الإِناثِ والخَناثَى عندَ الجُمْهُورِ.
وبه قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال الحَسَنُ، وإسحاقُ، وأبو ثَورٍ: هو للذَّكَرِ والأُنْثَى جميعًا؛ لأنَّه لو وَقَفَ على بَنِي فُلانٍ، أو أوْصَى لهم، وهم قَبِيلَة، دَخَل فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى.
وقال الثَّوْرِيُّ: إن كانوا ذُكُورًا وإناثًا، فهو بينَهم، وإن كُنَّ إناثًا لا ذَكَرَ معَهُنَّ، فلا شيءَ لهُنَّ؛ لأنَّه متى اجْتَمَعَ الذُّكُورُ والإِناثُ، غَلَب لَفْظُ التَّذْكِيرِ، ودَخَل فيه الإناثُ، كلَفْظِ المُسْلِمين.
ولَنا، أنَّ لَفْظَ البَنِين يَخْتَصُّ الذُّكُورَ، قال الله تَعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ 94. وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ 95. وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ 96. وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا﴾ 97. وقد أخْبَر أنَّهم لا يَشْتَهُون البَناتِ، فقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّه الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم ما يَشْتَهُونَ﴾ 98. وإنَّما دَخَلُوا في الاسْمِ إذا صاروا قَبِيلةً؛ لأنَّ

الحديث: 2584 - الجزء: 16 - الصفحة: 487

إلا أن يَكُونُوا قَبِيلَةً، فَيَدْخُلَ فِيهِ النِّسَاءُ دُونَ أَولَادِهِنَّ مِنْ غَيرِهِمْ.
الاسْمَ نُقِل فيهم عن الحَقِيقَةِ إلى العُرْفِ، ولهذا تقولُ المرأةُ: أنا مِن بَنِي فُلانٍ إذا انْتَسَبَتْ إلى القَبِيلَةِ، ولا تقولُ ذلك إذا انْتَسَبَتْ إلى أبِيها.
فأمّا إن وَقَف على بَناتِه، أو وَصَّى لهُنَّ، دَخَل فيه البَناتُ دُونَ غيرِهِنَّ، ولا يَدْخُلُ فيهِنَّ الخُنْثَى المُشْكِلُ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كونُه أُنْثَى.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.

2585 -

مسألة: (إلَّا أن يكونوا قَبِيلَة، فيَدْخُلُ فيه النِّساءُ دُونَ أوْلادِهِنَّ مِن غيرِهم)

أمّا إذا وَقَف على بَنِي فُلانٍ، أو وَلَدِ فُلانٍ، وهم قَبِيلَةٌ، كبَنِي هاشِمٍ، وتَمِيمٍ، فإنَّه يَدْخُلُ فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى والخُنْثَى، ويَدْخُلُ وَلَدُ الرجلِ معه، ولا يَدْخُلُ فيه وَلَدُ بَناتِهم مِن غيرِهم؛ لأنَّ اسْمَ القَبيلَةِ يَشْتَمِلُ ذَكَرَها وأُنْثَاها، قال اللهُ تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ 99. ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ 100 يُرِيدُ الجَمِيعَ.
ورُوِيَ أنَّ جَوارِيَ بَنِي النَّجّارِ قُلْنَ:

الحديث: 2585 - الجزء: 16 - الصفحة: 488

وَإنْ وَقَفَ عَلَى قَرَابَتِهِ، أوْ قَرَابَةِ فُلَانٍ، فَهُوَ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى مِنْ أوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أبِيهِ وَجَدِّهِ وَجَدِّ أَبِيهِ، لِأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَتَجَاوَزْ بِسَهْمِ ذَوي الْقُرْبَى بَنِي هَاشِمٍ.
وَعَنْهُ، إِنْ كَانَ يَصِلُ قَرَابَتَهُ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ في حَيَاتِهِ صُرِفَ إِلَيهِمْ، وَإلَّا فَلَا.
نحنُ جَوارٍ مِن بَنِي النَّجارِ … يا حَبَّذا محمدٌ مِن جارِ 101 ويقال: امْرَأةٌ مِن بَنِي هاشِمٍ.
ولا يَدْخُلُ ولَدُ البَناتِ فيهم؛ لأنَّهم لا يَنْتَسِبُون إلى القَبِيلةِ.

2586 -

مسألة: (وَإنْ وَقَفَ عَلَى قَرَابَتِهِ، أوْ قَرَابَةِ فُلَانٍ، فَهُوَ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى مِنْ أوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أبِيهِ وَجَدِّهِ وَجَدِّ أَبِيهِ، لِأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَتَجَاوَزْ بِسَهْمِ ذَوي الْقُرْبَى)

وجُمْلة ذلك، أنَّ الرجل إذا وَقَف على قَرابَتِه أو قَرابَةِ فُلانٍ، صُرِف الوَقْفُ إلى الذَّكَرِ والأُنْثَى مِن أوْلادِه وأوْلادِ أبِيه وجَدِّه وجَدِّ أبِيه، ويَسْتَوي فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى، ولا يَنْصَرِفُ

الحديث: 2586 - الجزء: 16 - الصفحة: 489

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلى مَن هو أَبْعَدُ منهم شيءٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لمّا قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ 102. يَعْنِي قُرْبَى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أعْطَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أوْلادَه وأوْلادَ عبدِ المُطَّلِبِ وأوْلادَ هاشِمٍ، ذكَرَهم وأُنْثاهم، ولم يُعْطِ مَن هو أَبعدُ منهم، كبَنِي عبدِ شَمسٍ وبَنِي نَوْفِلٍ شيئًا، إلَّا أنَّه أعْطَى بَنِي المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ، وعَلَّلَ عَطِيَّتَهَم بأنَّهم لم يُفارِقُوا بَنِي هاشِم في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلَام 103. ولم يُعْطِ قَرابةَ أُمِّه، وهم بَنُو زُهْرَةَ شيئًا، ولم يُعْطِ منهم إلَّا مُسْلِمًا.
فَحُمِل مُطْلَقُ كلامِ الواقِفِ على ما حُمِل عليه المُطْلَقُ مِن كلام الله تعالى، وفُسِّرَ بما فُسِّرَ به.
ويُسَوَّى بينَ قَرِيبِهم وبعيدِهم، وذَكَرِهم وأُنْثاهم؛ لأنَّ اللَّفْظَ يَشْمَلُهم، وبينَ الكَبِيرِ والصَّغِيرِ، والغَنِيِّ والفَقِيرِ؛ لذلك.
ولا يَدْخُلُ فيه الكُفّارُ؛ لأنَّهم لم يَدْخلوا في المُسْتَحِقِّ مِن قُرْبَى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ.

الجزء: 16 - الصفحة: 490

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد نَقَل عبدُ اللهِ، وصالِحٌ، عن أبِيهما رِوايةً أُخْرَى، أنَّه يُصْرَفُ إلى قَرابَةِ أُمِّه، إن كان يَصِلُهم في حَياتِه؛ كإخْوَتِه مِن أُمِّه، وأخْوالِه، وخَالاتِه، وإن كان لا يَصِلُهم في حَياتِه، لم يُعْطَوْا شيئًا؛ لأنَّ صِلَتَه إيّاهم في حَياتِه قَرِينة دالَّة على إرادَتِهم بصِلَتِه هذه.
وعنه رِواية ثالثةٌ، أنَّه يُجاوزُ بها أرْبعةَ آباءٍ.
ذَكَرَها ابنُ أبي موسى في «الإِرْشادِ»، وهي تَدُلُّ على أنَّ لَفْظَه لا يَتَقَيَّدُ بالقَيدِ الَّذي ذكَرْناه.
فعلى هذا، يُعْطَي كلُّ مَن يُعْرَفُ بقَرَابَتِه مِن قِبَلِ أبيه وأُمِّهِ، الذين يَنْتَسِبُون إلى الأبِ الأدْنى.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّهم قَرابَة، فيَتَناوَلُهم الاسْمُ، ويَدْخُلُون في عُمُومِه.
وإعطاءُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بعضَ قَرابَتِه تَخْصِيصًا لا يَمْنَع مِن العَمَلِ بالعُمُومِ في غيرِ هذا الموضِعِ.
وقال أبو حنيفةَ: قَرابَتُه كلّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَم، فيُعْطَى مِن أدْناهم اثْنان فصاعِدًا، فإذا كان له عَمٌّ وخالان، أُعْطِي عَمُّه النِّصْفَ وخالاه النِّصْفَ.
هكذا رُوِيَ عنه فيما إذا أوْصَى لقَرابَتِه.

الجزء: 16 - الصفحة: 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال قَتادَةُ: للأعْمامِ الثُّلُثان، وللأخْوالِ الثُّلُثُ.
وهو قولُ الحَسَنِ.
قال: ويُزادُ الأقْرَبُ بعضَ الزِّيادَة.
وقال مالِكٌ: يُقْسَمُ على الأقْرَبِ فالأقْرَبِ بالاجْتِهادِ.
ولَنا، أنَّ هذا لَه عُرْفٌ في الشَّرْعِ، وهو ما ذَكَرْناه، فيَجِبُ حَمْلُه عليه وتَقْدِيمُه على العُرْفِ اللُّغَويِّ، كالوضوءِ والصلاةِ والصوْمِ والحَجِّ، ولا وَجْهَ لتَخْصِيصِه بذِي الرَّحِمِ المَحْرَمِ، فإنَّ اسْمَ القَرابَةِ يَقَعُ على غيرِهم عُرْفًا وشَرْعًا، وقد يُحَرَّمُ على الرجلِ رَبِيبَتُه وأُمَّهاتُ

الجزء: 16 - الصفحة: 492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نِسائِه، ولا قَرَابةَ لهم، وتَحِلُّ له ابْنةُ عَمِّه وخالِه، وهُنَّ مِن أقارِبِه، وما ذَكَرُوه مِن التَّفْضِيلِ 104 لا يَقْتَضِيه اللَّفْظُ، ولا يَدُلُّ عليه دَلِيلٌ، فالمَصِيرُ إليه تَحَكُّمٌ.
فأمّا إن كان في لَفْظِه ما يَدُلُّ على إرادَةِ قَرابَةِ أُمِّه، كقَوْلِه: وتُفَضَّلُ قَرابَتِي مِن جِهَةِ أبِي على قَرابَتِي مِن جِهَةِ أُمِّي.
أو قولِه: إلَّا ابْنَ خالتِي فُلانًا.
أو نحوَ ذلك، أو قَرِينةٍ تُخْرِجُ بعضَهم، عُمِل بما دَّلَّتْ عليه القَرِينَةُ، لأنَّها تَصْرِفُ اللَّفْظَ عن ظاهِرِه إلى غيرِه.

الجزء: 16 - الصفحة: 493

وَأهْلُ بَيتِهِ بِمَنْزِلَةِ قَرَابَتِهِ.
وَقَال الْخِرَقِيُّ: يُعْطَى مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ.

2587 - مسألة: (وَأهْلُ بَيتِهِ بِمَنْزِلَةِ قَرَابَتِهِ. وَقَال الْخِرَقِيُّ: يُعْطَى مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ)

المَنْصُوصُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّ أهْلَ بَيتِه بمَنْزِلَةِ قَرابَتِه، فإنَّه قال، في رِوايةِ عبدِ اللهِ: إذا أوْصَى بثُلُثِ مالِه لأهْلِ بَيتِه، فهو بمَثابَةِ قَوْلِه: لقَرابَتِي.
وحَكاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، وقال: قال أحمدُ: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِي ولِأَهْلِ بَيتِي» 105. فجَعلَ سَهْمَ ذَوي القُرْبَى لهم عِوَضًا عن الصَّدَقَةِ التي حُرِّمَت عليهم، فكان ذَوو القُرْبَى الذين سَمَّاهم اللهُ تعالى هم أهْلُ بَيتِه الَّذين حُرِّمَتْ عليهم الصَّدَقَةُ.
وذَكَر حَدِيثَ زَيدِ بنِ أرْقَمَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهلِ بَيتِي».
قال: قُلْنا: مَن أهْلُ بَيتِه، نِساؤُه؟ قال: لا، أصْلُه وعَشِيرَتُه الَّذين حُرِّمَتْ عليهم الصَّدَقَةُ بعدَه؛ آلُ عَلِيٍّ، وآلُ

الحديث: 2587 - الجزء: 16 - الصفحة: 494

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَقِيلٍ، وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ عَبّاس 106. قال القاضِي: قال ثَعْلَبٌ: أهْلُ البَيتِ عندَ العَرَبِ آباءُ الرجلِ وأوْلادُهم، كالأجْدادِ والأَعْمامِ وأوْلادِهم، ويَسْتَوي فيه الذُّكُورُ والإِناثُ.
وذَكَر القاضي أنَّ أوْلادَ الرجلِ لا يَدْخُلُون في اسْمِ القَرابةِ ولا أهْلِ بَيتِه.
وليس هذا بشيءٍ، فإنَّ وَلَدَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِن أهْلِ بَيتِه وأقارِبِه الذين حُرِمُوا الصَّدَقَةَ، وأُعْطُوا مِن سَهْمِ ذي القُرْبَى، وهُم أَقرَبُ أقارِبِه، فكيف لا يَكُونُون مِن أقارِبِه؟ وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لفاطِمَةَ ووَلَدَيها وزَوْجِها: «اللَّهُمَّ هؤُلاءِ أَهْلُ بَيتِي، فَأَذهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» 107. ولو وَقَف على أقارِبِ رجلٍ، أو وَصَّى لأقارِبِه، دَخَل فيه وَلَدُه 108، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
والخِرَقِيُّ قد عَدَّهُم في القَرابةِ بقَوْلِه: لا يُجاوزُ به أرْبعَةَ آبَاءٍ 109؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُجاوزْ بَنِي هاشِم بسَهْمِ ذَوي القُرْبَى.
فجَعلَ هاشِمًا الأبَ الرابعَ، ولا يكونُ رابعًا إلَّا أن يَعُدَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَبًا؛ لأنَّ هاشِمًا إنَّما هو رابعُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ووَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ أنَّ أُمَّه مِن أهْلِ بَيتِه، فكذلك أقارِبُها مِن أوْلادِها وأبوَيها وإخْوَتِها وأخَوَاتِها.

الجزء: 16 - الصفحة: 495

وَقَوْمُهُ وَنُسَبَاؤُهُ كَقَرَابَتِهِ.

2588 - مسألة: (وَقَوْمُهُ وَنُسَبَاؤُهُ كَقَرَابَتِهِ)

لأنَّ قَوْمَ الرجلِ قَبِيلَتُه، وهم نُسَباؤُه، قال الشاعرُ: فقلْتُ لها أمّا رَفِيقِي فقَوْمُه … تَمِيمٌ وأمّا أُسْرَتِي فَيمان وقال أبو بكرٍ: هو بمَثابةِ أهْلِ بَيتِه؛ لأنَّ أهْلَ بَيتِه أقارِبُه، وأقارِبُه هم قَوْمُه ونُسَباؤُه.
وقال القاضِي: إذا قال: لرَحِمِي، أو لأرْحامِي،

الحديث: 2588 - الجزء: 16 - الصفحة: 496

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو لنُسَبائِي، أو لمُناسِبِي.
صُرِف إلى قَرابَتِه مِن قِبَلِ أبِيه وأُمِّه، ويتَعَدَّى وَلَدَ الأب الخامِسِ.
فعلى هذا، يُصْرَفُ إلى كلِّ مَن يَرِثُ بفَرْضٍ أو تَعْصِيبٍ أوَ بالرَّحِمِ في حالٍ مِن الأحْوالِ.
قال شيخُنا 110: وقوْلُ أبِي بكرٍ في المُناسِبِين أوْلَى مِن قوْلِ القاضِي، لأنَّ ذلك في العُرْفِ على مَن كان مِن العَشِيرَةِ التي يَنْتَسِبان إليها، وإذا كان كلُّ واحدٍ منهما يَنْتَسِبُ إلى قَبِيلةٍ غيرِ قَبِيلةِ صاحِبِه، فليس بمُناسِبٍ له.
فصل؛ وآلُه مثلُ قَرابَتِه، فإنَّ في بعضِ ألفاظِ حَدِيثِ زَيدِ بنِ أرْقَمَ: مَن آلُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: أصْلُه وعَشِيرَتُه الَّذين حُرِمُوا الصَّدقةَ بعدَه؟ آلُ عَلِي، وآلُ عَبّاس، وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ عَقِيلٍ.
والأصْلُ في آلِ أهْلٌ، فقلِبَتِ الهاءُ هَمْزةً، كما قالوا: هَرَقْتُ الماءَ وأرَقْتُه.
ومُدَّتْ لئَلَّا تَجْتَمِعَ هَمْزَتان.

الجزء: 16 - الصفحة: 497

وَالْعِتْرَةُ هُمُ الْعَشِيرَةُ.

2589 - مسألة: (والعِتْرَةُ هم العَشِيرَةُ)

الأدْنَوْن في عُرْفِ الناسِ، ووَلَدُه الذُّكُورُ والإِناثُ وإن سَفَلُوا، [وبذلك] 111 فَسَّرَه ابنُ قُتَيبةَ 112. وقد تَوَقَّفَ أحمدُ في ذلك.
وقال ثَعْلَبٌ، وابنُ الأعْرابِيِّ: العِتْرَةُ الأَوْلادُ وأوْلادُ الأوْلادِ.
ولم يُدْخِلا في ذلك العَشِيرةَ.
والأوّلُ أصَحُّ وأشْهَرُ في عُرْفِ النَّاسِ.
ووَجْهُ الأوّلِ قوْلُ أبي بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عَنه، في مَحْفِلٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: نحن عِتْرَةُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وبَيضَتُه التي تَفَقَّأتْ عنه.
فلم يُنْكِرْه أحَدٌ، وهم أهْلُ اللِّسانِ، فلا يُعَوَّلُ على ما خالفَه.

الحديث: 2589 - الجزء: 16 - الصفحة: 498

وَذَوُو رَحِمِهِ كُلُّ قَرَابَةٍ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ.

2590 - مسألة: (وَذَوُو رَحِمِهِ كُلُّ قَرَابَةٍ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْآبَاءِ والأُمَّهَاتِ)

قال القاضي: يَنْصَرِفُ إلى قَرابَتِه مِن جِهَةِ أبِيه وأُمِّه، ويتَعَدَّىَ وَلَدَ الأبِ الخامسِ.
وقد ذَكَرْنا ذلك في مسألةِ القَوْمِ والنُّسَباءِ.

الحديث: 2590 - الجزء: 16 - الصفحة: 499

وَالأَيَامَى وَالْعُزَّابُ، مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَيَحْتَمِلُ

2591 - مسألة: (وَالأَيَامَى وَالْعُزَّابُ، مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَيَحْتَمِلُ)

ذكَرَه أصحايُنا.
قال شيخُنا 113: ويَحْتَمِلُ أن يَخْتَصَّ اسْمُ الأيامَى النِّساءَ اللَّاتي لا أزْواجَ لهُنَّ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَأنْكِحُوا الْأيَامَى مِنْكُمْ﴾ 114. وفي الحَدِيثِ: «أعُوذُ باللهِ مِنْ بَوَارِ الأَيِّمِ» 115. ووَجْهُ الأوّلِ ما رَوَى سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّه قال: آمَتْ حَفْصَةُ بنتُ عُمَرَ مِن زَوْجِها، وآمَ عثمانُ مِن رُقَيَّةَ.
قال الشاعر 116: فإنْ تَنْكِحِي أنْكِحْ وإن تَتَأْيَّمِي … وإن كُنْتُ أفْتَى مِنْكُمُ أتأيَّمُ 117

الحديث: 2591 - الجزء: 16 - الصفحة: 500

أنْ يَخْتَصَّ الْأَيَامَى بِالنِّسَاء، وَالْعزَّابُ بالرِّجَالِ.
فَأمَّا الْأَرَامِل، فَهُنَّ النِّسَاءَ اللَّاتِي فَارَقَهُنَّ أَزْوَاجهُنَّ.
وَقِيلَ: هُوَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وقوْلُ شيخِنا أوْلَى؛ لأنَّ العُرْفَ يَخْتَصُّ النِّساءَ بهذا الاسْمِ، والحُكْمُ للاسْمَ العُرْفِيِّ.
ولأنَّ قوْلَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَعوذُ بالله مِنْ بَوَارِ الأَيِّمَ».
إنَّما أرادَ به النِّساءَ.
وأمَّا العُزَّابُ فهم الذين لا أزْواجَ لهم مِن الرِّجالِ والنِّساءِ، يقالُ: رجلٌ عَزَبٌ، وامرأة عَزَبَةٌ.
قاله ثعلب.
وإنَّما سُمِّيَ عَزَبًا لانْفِرادِه (ويَحْتَمِلُ أن يَخْتَصَّ الأيامَى بالنِّساءِ، والعُزَّابُ بالرجالِ) ولذلك يقالُ: امرأةٌ أيِّمٌ.
بغيرِ هاءٍ، ولا يقالُ: أيِّمةٌ.
ولو كان الرجل مُشارِكًا لها لقِيلَ: أيِّمٌ وأيِّمةٌ.
مثلَ: قائِمٌ وقائِمَةٌ.
ولأنَّ العُرْفَ أنَّ العَزَبَ يَخْتَصُّ بالرجلِ.

2592 -

مسألة: (فأمَّا الأرامِلُ، فهُنَّ النِّساءُ اللَّاتي فارَقَهُنَّ أزواجُهُنَّ)

بمَوْتٍ أو غيرِه.
قال أحمدُ في رِوايةِ حَرْبٍ، وقد سُئِل عن

الحديث: 2592 - الجزء: 16 - الصفحة: 501

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رجُلٍ وَصَّى لأرامِلِ بَنِي فُلانٍ.
فقال: قد اخْتلَفَ الناسُ فيها، فقال قومٌ: للرجالِ والنِّساءِ، والذي يُعْرَفُ مِن كلامِ الناسِ أنَّ الأرامِلَ النِّساءُ.
وقال الشَّعْبِيُّ، وإسحاقُ: هو للرجالِ والنِّساءِ.
وأنْشَدَ: هَذِي الأرامِلُ قد قَضَّيتَ حاجَتَها … فمَنْ لِحاجَةِ هذا الأرْمَلِ الذَّكَرِ 118 وقال آخرُ 119: أُحِبُّ أن أصْطادَ [ضَبًّا سَحْبَلا] 120 … رَعَى الرَّبِيعَ والشِّتاءَ أرْمَلَا

الجزء: 16 - الصفحة: 502

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ووَجْهُ الأوّلِ أنَّ المَعْرُوفَ مِن كلام الناسِ أنَّه للنِّساءِ، فلا يُحْمَلُ اللَّفْظُ إلَّا عليه، ولأنَّ الأرامِلَ جَمْعُ أرْمَلَةٍ، فلا يكونُ جَمْعًا للمُذَكَّرِ؛ لأنَّ ما يَخْتَلِفُ لَفْظُ الذَّكَرِ والأُنْثَى في واحدِه يخْتَلِفُ في جَمْعِه، وقد أنْكَرَ ابنُ الأنْبارِيِّ على قائلِ القَوْلِ الأوّل، وخَطَّأه فيه، والشِّعْرُ الَّذي احْتَجَّ به حُجَّة عليه، فإنَّه لو كان لَفْظُ الأَرامِلِ يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنْثَى، لقال: حاجَتَهمْ.
إذ لا خِلافَ بينَ أهْلِ اللِّسانِ في أنَّ اللَّفْظَ متى كان للذكَرِ والأُنْثَى، ثم رُدَّ عليه ضَمِيرٌ، غُلِّب فيه لَفْظُ التَّذْكِيرِ وضَمِيرُه، فلمّا رُدَّ الضَّمِيرُ على الإِناثِ، عُلِم أنَّه مَوْضُوعٌ لَهُنَّ على الانْفِرادِ، وسَمَّى نَفْسَه أرْمَلًا تَجَوُّزًا وتَشْبِيهًا بهِنَّ، ولذلك وَصَف نَفْسَه بأنَّه ذَكَرٌ.
وكذلك الشِّعْرُ الآخرُ، ويَدُلُّ على إرادَةِ المَجازِ أنَّ اللَّفْظَ عندَ إطْلاقِه لا يُفهَمُ منه إلَّا النِّساءُ، ولا يُسَمَّى به في العُرْفِ غيرُهُنَّ، وهذا دَلِيلٌ على أنَّه لم يُوضَعْ لغيرِهِنَّ، ثم لو ثَبَت أنَّه في الحَقِيقةِ للنِّساءِ والرجالِ لكنَّ أهْلَ العُرْفِ قد خَصُّوا به النِّساءَ، وتُرِكَتِ الحَقِيقةُ حتَّى صارتْ مَغْمُورَةً 121، لا تُفْهَمُ مِن لَفْظِ المُتَكَلِّمِ، ولا يتَعلَّقُ بها حُكْمٌ، كسائِرِ الأَلْفاظِ العُرْفِيَّةِ.
فصل: وإن وَقَف على أخَواتِه، فهو للإِناثِ خاصَّةً، وإن وَقَف على إخْوَتِه، دَخَل فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى جميعًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَإِنْ كَانُوَا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ 122. وقال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ 123.

الجزء: 16 - الصفحة: 503

وَإنْ وَقَفَ عَلَى أهْلِ قَرْيَتِهِ أوْ قَرَابَتِهِ، لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ مَنْ يُخَالِفُ دِينَهُ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّ الْمُسْلِمَ يَدْخُلُ وَإنْ كَانَ الْوَاقِفُ كَافِرًا.
وأجْمَعَ العُلَماءُ على حَجْبِها بالذَّكَرِ والأُنْثَى.
وإن قال: لعُمُومَتِه.
فالظّاهِرُ أنَّه مِثْلُ الإِخْوَةِ، يشْمَلُ (1) الذَّكَرَ والأُنْثَى؛ لأنَّهم إخْوَةُ أَبِيه.
وإن قال: لبَنِي إخْوَتِه.
أو: لبَنِي عَمِّه.
فهو للذُّكُورِ دُونَ الإِناثِ.
إذا لم يكونُوا قَبِيلةً، والفَرْقُ بينَهما أنَّ الإِخْوَةَ والعُمُومَةَ ليس لهما لَفْظٌ مَوْضُوع يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنْثَى سِوى هذا اللَّفْظِ، وبَنو الإخْوَةِ والعَمِّ لهم لَفْط يَشْمَلُ الجَمِيعَ، وهو لَفْظُ الأوْلادِ، فإذا عَدَل عن اللَّفْظِ العامِّ إلى لَفْظِ البَنِين، دَلَّ على إرادَةِ الذُّكُورِ، ولأنَّ لَفْظَ العُمُومَةِ أشْبَهُ بلَفْظِ الإخْوَةِ، ولَفْظُ بَنِي الإخْوَةِ والعَمِّ يُشْبِهُ بَنِي فُلانٍ، وقد دَلَّلْنا عليهما.
والحُكْمُ في تَناوُلِ اللَّفْظِ للبَعِيدِ مِن العُمُومَةِ وبَني العَمِّ والإِخْوَةِ، حُكْمُ ما ذَكَرْنا في وَلَدِ الوَلَدِ، مع القَرِينةِ وعَدَمِها في المَسائِلِ المُتَقَدِّمَةِ.

2593 -

مسألة: (وَإنْ وَقَفَ عَلَى أهْلِ قَرْيَتِهِ أوْ قَرَابَتِهِ، لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ مَنْ يُخَالِفُ دِينَهُ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّ الْمُسْلِمَ يَدْخُلُ وَإنْ كَانَ الْوَاقِفُ كَافِرًا)

وجملةُ ذلك، أنَّ الإِنسَانَ إذا وَقَف على أهْلَ قَرْيَتِه أو قَرابَتِه124

الحديث: 2593 - الجزء: 16 - الصفحة: 504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو أتَى بلَفْظٍ عامٍّ يَدْخُلُ فيه المسلمون والكُفّارُ، والواقِفُ مُسْلِمٌ، فهو للمسلمين خاصَّة، ولا شيءَ للكفَّارِ.
وقال الشافعيُّ: يَدْخُلُ فيه الكفّارُ، لأنَّ اللَّفْظَ يَتَناوَلُهم بعُمُومِه.
ولَنا، أنَّ الله تعالى قال: ﴿يُوْصِيِكُمُ اللهُ فِي أوْلَادِكُمْ﴾ 125. فلم يَدْخُلْ فيه الكُفّارُ إذا كان المَيِّتُ مُسْلِمًا، وإذا لم يَدْخُلُوا في لَفْظِ القرْآنِ مع عُمُومِه، لم يَدْخُلُوا في لَفْظِ الواقِفِ، ولأنَّ ظاهِرَ حالِه أنَّه 126 لا يُرِيدُ الكُفّارَ، لِما بينَه وبينَهم مِن عَداوَةِ الدِّينِ، وعَدَمِ الوُصْلَةِ المانِعَةِ 127 مِن المِيراثِ ووُجُوبِ النَّفَقةِ، ولذلك خَرَجُوا مِن عُمُومِ اللَّفْظِ في الأوْلادِ والإِخْوَةِ والأزْواجِ، وسائِرِ الألْفاظِ العامَّةِ في المِيراثِ، فكذا ههُنا، فإن صَرَّحَ بهم دَخَلُوا، لأنَّ إخْراجَهم يُتْرَكُ به صَرِيح المَقال، وهو أقْوَى مِن قَرِينةِ الحالِ.
وإن وَقَف عليهم وأهْلُ القَرْيةِ كلُّهم كُفَّارٌ، أو وَقَف على قَرابَتِه وكلُّهم كُفّارٌ، دَخَلُوا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَخْصِيصُهم، إذ في إخْراجِهم رَفْعُ اللَّفْظِ بالكُلِّيَّةِ.
فإن كان فيها مُسْلِمٌ واحِدٌ والباقِي كُفّارٌ، دَخَلُوا أيضًا، لأنَّ إخْراجَهم ههُنا

الجزء: 16 - الصفحة: 505

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالتَّخْصِيصِ بَعيدٌ، وفيه مُخالفةُ الظاهِرِ مِن وَجْهَين؛ أحدُهما، مُخالفَةُ لَفْظِ العُمُومِ.
والثاني، حَمْلُ اللَّفْظِ الدّالِّ على الجَمْعِ على المُفْرَدِ.
وإن كان أكْثَرُ كُفَّارًا، فهو للمُسْلِمِين، في ظاهرِ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه أمْكَنَ حَمْلُ اللَّفْظِ عليهم وصَرْفُه إليهم، والتَّخْصِيصُ يَصِحُّ، وإن كان بإخْراجِ الأَكْثَرِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَدْخُلَ الكُفّارُ في الوَصِيّةِ؛ لأنَّ التَّخْصِيصَ فِي مثلِ هذا بَعِيدٌ، فإنَّ تَخْصِيصَ الصُّورَةِ النّادِرَةِ قَرِيبٌ، وتَخْصِيصَ الأَكْثَرِ بَعِيدٌ يَحْتاجُ إلى دَلِيل قَويٍّ.
والحُكْمُ في سائرِ ألْفاظِ العُمُوم؛ كالإِخْوَةِ، والأعْمامِ، وبَنِي عَمِّه، واليَتامَى، والمَساكِينِ، كالحُكمِ في أهْلِ قَرْيَتِه.
فأما إن كان الواقِفُ كافِرًا، فإنَّه يَتَناوَلُ أهْلَ دِينِه؛ لأنَّ لَفْظَه يَتَناوَلُهم، والقَرِينَةُ تَدُلُّ على إرادَتِهم، فأشْبَهَ وَقْفَ المُسْلِمِ، يَتناوَلُ أهْلَ دِينِه.
وهل يَدْخُلُ فيه المُسْلِمون؛ يُنْظرُ؛ فإن وُجِدَتْ قَرِينَةٌ

الجزء: 16 - الصفحة: 506

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دالَّةٌ على دُخُولِهم، مثلَ أن لا يكونَ في القَرْيةِ إلَّا مُسْلِمُون، دَخَلُوا، وكذلك إن لم يَكُنْ فيها إلَّا كافِرٌ واحِدٌ وباقي أهْلِها مُسْلِمُون، وإنِ انْتَفَتِ القَرائِنُ، ففي دُخُولِهم وَجْهان؛ أحَدُهُما، لا يَدْخُلُون؛ كما لم يَدْخُلِ الكُفّارُ في وَقْفِ المُسْلِمِ.
والثاني، يَدْخُلُون؛ لأنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ يَتَناوَلُهم، وهم أحَقُّ بوَصِيَّتِه مِن غيرِهم، فلا يُصْرَفُ اللَّفْظُ عن مُقْتضاه ومَن هو أحَقُّ بحُكْمِه إلى غيرِه.
فإن كان في القَرْيةِ كافِرٌ مِن غيرِ أهْلِ دِينِ الواقفِ، لم يَدْخُلْ؛ لأنَّ قَرِينةَ الحالِ تُخْرِجُه، ولم يُوجَدْ فيه ما وُجِد في المُسْلِمِ مِن الأوْلَويَّةِ 128، فبَقِيَ خارِجًا بحالِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَخْرُجَ، بِناءً على تَوْرِيثِ الكُفّارِ بعضِهم مِن بعض مع اخْتِلافِ دِينِهم.

الجزء: 16 - الصفحة: 507

وَإنْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ، وَلَهُ مَوَالٍ مِنْ فَوْقَ وَمِنْ أَسْفَلَ، تَنَاوَلَ جَمِيعَهُمْ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: يَخْتَصُّ الْمَوَالِيَ مَنْ فَوْقَ.

2594 - مسألة: (وَإنْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ، وَلَهُ مَوَالٍ مِنْ فَوْقَ وَمِنْ أَسْفَلَ، تَنَاوَلَ جَمِيعَهُمْ. وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: يَخْتَصُّ الْمَوَالِيَ مَنْ فَوْقَ)

إذا وَقَف على مَوالِيه وله مَوالٍ مِن فوْقَ حَسْبُ، وهم مُعْتِقوه، اخْتَصَّ الوَقفُ بهم؛ لأنَّ الاسْمَ يَتَناوَلُهم، وقد تَعَيَّنُوا بوُجُودِهم دُونَ غيرِهم.
وإن لم يَكُنْ له إلَّا مَوالٍ مِن أسْفَلَ، فهو لهم؛ لذلك 129. وإنِ اجْتَمَعُوا، فهو لهم جميعًا يَسْتَوُون فيه؛ لأنَّ الاسْمَ يَشْمَلُهم جميعًا.
وقال أصْحابُ الرَّأْي: الوَصِيَّةُ باطِلَة؛ لأنَّها لغيرِ مُعَيَّن.
وقال أبو ثَوْرٍ: يُقْرَعُ بينَهما؛ لأنَّ أحَدَهما ليس بأَوْلى مِن الآخَرِ.
وقال ابنُ القاسِمِ: هو للمَوالِي

الحديث: 2594 - الجزء: 16 - الصفحة: 508

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن أسْفَلَ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ أَرْبَعةُ أوْجُهٍ، كقَوْلِنا، وكقَوْلِ أصْحابِ الرأي، والثالثُ، هو للمَوالِي مِن فَوْقَ؛ لأنَّهم أقْوَى، لكونِهم عَصَبَتَه ويَرِثُونَه، بخِلافِ عُتقَائِه.
وهو قولُ ابنِ حامدٍ.
والرابعُ، يَقِفُ الأمْرُ حتَّى يَصْطَلِحُوا.
ولَنا، أنَّ الاسْمَ يَتناوَلُ الجميعَ، فدَخَلُوا فيه، كما لو وَقَف على إخْوَتِه.
وقَوْلُهم: إنَّها لغيرِ مُعَيَّن.
غيرُ صَحِيح، فإنَّ التَّعْمِيمَ يَحْصُلُ مع التَّعْيِينِ، ولذلك لو حَلَف: لا كَلَّمْتُ مَوْلايَ.
حَنَث بكلامِ أَيِّهم كان.
وقوْلُهم: إنَّ المَوْلَى مِن فَوْقِ، أقْوَى.
قُلْنا: مع شُمُولِ الاسْمِ لهم يَدْخُلُ فيه الأقْوَى والأضْعَفُ، كإخْوَتِه، ولا يَدْخُلُ فيه وَلَدُ العَمِّ، ولا المَساكِينُ، ولا الحَلِيفُ، ولا غيرُ مَن ذَكَرْنا، لأنَّ الاسْمَ إن تَناوَلَهم حَقِيقَةً، لم يَتَناوَلْهم عُرْفًا، والأسْماءُ العُرْفِيَّةُ تُقَدَّمُ على الحَقِيقةِ.
ولا يَسْتَحِقُّ مَوْلَى ابْنِه 130 مع وُجُودِ مَوالِيه.
وقال زُفَرُ: يَسْتَحِقُّ.
ولَنا، أنَّ مَوْلَى ابْنِه (1) ليس بمَوْلًى له حَقِيقةً إذا كان له مَوْلًى سِواه، فإن لم يَكُنْ له مَوْلًى، فقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ: إِذا وَصَّى، لمَوالِيه وليس له مَوْلًى، فهو لمَوْلَى أبِيه (1). وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: لا شيءَ له، لأنَّه ليس

الجزء: 16 - الصفحة: 509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بِمَوْلًى.
واحْتَجَّ الشَّرِيفُ بأنَّ الاسْمَ يَتَناوَلُهم مَجازًا، فإذا تَعذَّرَتِ الحَقِيقةُ، وَجَب صَرْفُ الاسْمِ إلى المَجازِ والعَمَلِ به، تَصْحِيحًا لكَلامِ المُكَلَّفِ عندَ إمْكانِ تَصْحِيحِه، ولأنَّ الظاهِرَ إرادَتُه المَجازَ؛ لكَوْنِه مَحْملًا صَحِيحًا، وإرادَةُ الصَّحِيحِ أغْلَبُ مِن إرادَةِ الفاسِدِ.
فإن كان له مَوالِي أبٍ حينَ الوَقْفِ، ثم انْقَرَضَ مَوالِيه، لم يَكُنْ لمَوالِي الأبِ على مُقْتَضَى ما ذكَرْناه، لأنَّ الاسْم يتَناوَلُ غيرَهم، فلا يَعُودُ إليهم إلَّا بعَقْدٍ، ولم يُوجَدْ.
ولا يُشْبِهُ هذا قَوْلَه: أوْصَيتُ لأقرَبِ الناسِ إلَيَّ.
وله ابْنٌ

الجزء: 16 - الصفحة: 510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وابنُ ابْن، فمات الابْنُ، حيث يَسْتَحِقُّ ابنُ الابْنِ، وإن كان لا يَسْتَحِقُّ في حَياةِ الابْنِ شيئًا؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ ههُنا لمَوْصُوفٍ وُجِدَتِ الصِّفَةُ في ابْنِ الابْنِ، كوُجُودِها في الابْنِ حَقِيقَةً، وفي المَوالِي 131 يَقَعُ الاسْمُ على مَوْلَى نَفْسِه حَقِيقةً، وعلى مَوْلَى أبِيه 132 مَجازًا، فمع وُجُودِهما جميعًا لا يُحْمَلُ اللَّفْظُ إلَّا على الحَقِيقَةِ، وهذه الصِّفةُ.
لا تُوجَدُ في مَوْالِي 133 أبِيه (2).

الجزء: 16 - الصفحة: 511

وَإِذَا وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَاسْتِيعَابُهُمْ، وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ وَالتَّسْويَةُ بَينَهُمْ؛

2595 - مسألة: (وَإِذَا وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَاسْتِيعَابُهُمْ، وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ وَالتَّسْويَةُ بَينَهُمْ)

لأنَّ اللَّفْظَ يَقتَضِي ذلك، وقد أمْكَنَ الوَفاءُ به، فوَجَب العَمَلُ بمُقْتضَاه، كقَوْلِه سُبْحانه: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ 134. فإنَّه يَجِبُ تَعْمِيمُ الإِخْوَةِ مِن الأُمِّ والتَّسْويَةُ بينَهم، ولأنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي التَّسْويةَ، أشْبَهَ ما لو أقَرَّ لهم.

الحديث: 2595 - الجزء: 16 - الصفحة: 513

وَإلَّا جَازَ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يُجْزئَهُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ.

2596 - مسألة: فإن لم يُمْكِنْ حَصْرُهم؛ كالمَساكِينِ، والقَبِيلَةِ الكَثِيرةِ؛ كبَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَميمٍ، صَحَّ الوَقْفُ عليهم.

وكذلك يَصِحُّ الوَقْفُ على المسلمِين كلِّهم، وعلى أهْلِ إقْليمٍ ومَدِينةٍ، كالشّامِ، ودِمَشْقَ.
ويجوزُ للرجلِ أن يَقِفَ على عَشِيرَتِه، وأهْلِ مَدِينَتِه.
وقال الشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيه: لا يَصِحُّ الوَقْفُ على مَن لا يُمْكِنُ اسْتِيعابُهم وحَصْرُهم، في غيرِ المَساكِينِ ونحوهم؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ في حَقِّ الآدَمِيِّ، فلم يَصِحَّ مع الجَهالةِ، كما لو قال: وقَفْتُ على قَوْمٍ.
ولَنا، أنَّ مَن صَحَّ الوَقْفُ عليهم إذا كانوا مَحْصُورِين، صَحَّ وإن لم يُحْصَوْا، كالفُقَراءِ، وقِياسُهم يَبْطُلُ بالوَقْفِ على المَساكِين.

الحديث: 2596 - الجزء: 16 - الصفحة: 514

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يَجِبُ تَعْمِيمُهم إجْماعًا؛ لأنَّه غيرُ مُمْكِن.
ويَجُوزُ تَفْضِيلُ بعضِهم على بعضٍ، لأنَّ مَن جاز حِرْمانُه جاز تَفْضِيلُ غيرِه عليه.
ويجوزُ الاقْتِصارُ على واحدٍ منهم.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئَه أقَل مِن ثَلاثَةٍ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ووَجْهُ القَوْلَينِ 135 قد ذُكِر في الزكاةِ، والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ.
فصل: فإن كان الوَقْفُ في ابْتِدائِه على مَن يُمْكِنُ اسْتِيعابُه، فصار ممّا لا يُمْكِنُ اسْتِيعابُه، كرجل وَقَف على وَلَدِه ووَلَدِ وَلَدِه، وعَقِبِه ونَسْلِه، فصارُوا قَبِيلةً كَثِيرةً تَخْرُجُ عن الحَصْرِ، مثلَ وَقْفِ عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنهِ، على وَلَدِه ونَسْلِهِ، فإنَّه يَجِبُ تَعْمِيمُ مَن أمْكَنَ منهم، والتَّسْويةُ بينَهم، لأنَّ التَّعْمِيمَ كان واجِبًا، وكذلك التَّسْويةُ، فإذا تَعذَّرَ، وَجَب منه ما أمْكَنَ، كالواجِبِ الَّذي يَعْجِزُ عن بعضِه؛ ولأنَّ الواقِفَ ههُنا أرادَ التَّعْمِيمَ والتَّسْويةَ، لإمْكانِه وصَلاحِ لَفْظِه لذلك، فيَجِبُ العَمَلُ بما أمْكَنَ، بخِلافِ ما إذا كانُوا حال الوَقْفِ ممَّن لا يُمْكِنُ ذلك فيهم.

الجزء: 16 - الصفحة: 515

فَإنْ كَانُوا مِنْ أهْلِ الزَّكَاةِ، لَمْ يُدْفَعْ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ أكْثَرُ مِنَ الْقَدْرِ الَّذِي يُدْفَعُ إِلَيهِ مِنَ الزَّكَاةِ، إِذَا كَانَ الْوقْفُ عَلَى صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ.

2597 - مسألة: ولا يُعْطَى كلُّ واحدٍ أَكْثَرُ مِن القَدْرِ الَّذي يُعْطَى مِن الزكاةِ. يَعْنِي (إذا كان الوَقْفُ على صِنْفٍ مِن أصْنافِ الزكاةِ)

وجملةُ

الحديث: 2597 - الجزء: 16 - الصفحة: 516

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك، أنَّ مَن وَقَف على سَبِيلِ الله، أو ابنِ السَّبِيلِ، أو الرِّقابِ، أو الغارِمِين، فهم الذين يَسْتَحِقُّون السَّهْمَ مِن الصَّدَقاتِ، لا يَدْخُلُ معهم غيرُهم؛ لأنَّ المُطْلَقَ مِن كلامِ الآدَمِّيين يُحْمَلُ على المَعْهُودِ في الشَّرْعِ، فيُنْظَرُ؛ مَن كان يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ مِن الصَّدَقاتِ، فالوَقْفُ مَصْرُوفٌ إليه، وقد مَضَى شَرْحُ ذلك في الزكاةِ.
فإن وَقَف على الأصْنافِ الثَّمانيةِ الذين يَأْخُذون الصَّدَقاتِ، صُرِف إليهم، ويُعْطَى كل واحدٍ منهم مِن الوَقْفِ مثلَ القَدْرِ الَّذي يُعْطَى مِن الزكاةِ، لا يُزادُ عليه، وقد ذَكَرْنا ذلك.
وقد اخْتُلِفَ في القَدْرِ الَّذي يَحْصُّلُ به الغِنَى، فقال أحمدُ، في روَايةِ عليِّ بنِ سعيدٍ، في الرجلِ يُعْطَى مِن الوَقْفِ خمْسِينَ دِرْهَمًا، فقال: إن كان الواقِف ذَكَر في كِتابِه المَساكِينَ، فهو مِثلُ الزكاةِ، وإن كان مُتَطَوِّعًا، أعْطَى مَن شاء وكيف شاء.
فقد نصَّ على إلْحاقِه بالزكاةِ، فيكونُ الخِلافُ فيه كالخِلافِ في الزكاةِ.
واخْتارَ أبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ، زِيادَةَ المِسْكِينِ على خَمْسينَ دِرْهمًا؛ لأنَّ لَفْظَ أحمدَ لا تَقيِيدَ فيه.
قال أبو الخَطّابِ: وفي المَسْأْلَةِ وَجْهان وجهُهما ما سَبَقَ.
فصل: فإن وَقَف على الأصْنافِ كلِّها، أو على صِنْفَين أو أكثَرَ، فهل يجوزُ الاقْتِصارُ على صِنْفٍ واحدٍ، أو يَجِبُ إعْطاءُ بعضِ كلِّ صِنْفٍ؟ فيه وَجْهان، بِناءً على الزكاةِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 517

وَالْوَصِيَّةُ كَالْوَقْفِ في هَذَا الْفَصْلِ.
فَصْلٌ: وَالْوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ، لَا يَجُوزُ فَسْخُهُ بِإِقَالةٍ وَلَا غَيرِهَا.

2598 - مسألة: (والوَصِيَّةُ كالوَقْفِ في هذا التَّفْصِيلِ)

لأنَّ مَبْناها على لَفْظِ المُوصِي، أشْبَهتِ الوَقْف.
فصل: (وَالْوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ، لَا يَجُوزُ فَسْخُهُ بِإِقَالةٍ وَلَا غَيرِهَا) ويَلْزَمُ بمُجَرَّدِ القَوْلِ؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ يَمْنَعُ البَيعَ والهِبَةَ والمِيراثَ، فلَزِمَ بمُجَرَّدهِ، كالعِتْقِ.
وعنه: لا يَلْزَمُ إلَّا بالقَبْضِ وإخْراجِ الوَقْفِ عن يَدِه.
اخْتاره ابنُ أبي موسى.
كالهِبَةِ.
والصَّحِيحُ الأوّلُ، وقد ذَكَرْناه.
وذَهَب أبو حنيفةَ إلى أنَّ الوَقْفَ لا يَلْزَمُ بمُجَرَّدِه، وللواقِفِ الرُّجُوعُ فيه ألا أن يُوصِيَ به بعدَ مَوْتِه، فيَلْزَمُ، أو يَحْكُمَ بلُزُومِه حاكِمٍ.
وحكاه بعضُهم عن عليٍّ،

الحديث: 2598 - الجزء: 16 - الصفحة: 518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وابنِ مَسْعُودٍ، وابنِ عَبَّاسٍ.
وخالفَ أبا حنيفةَ صاحِبَاه، فقالا كقَوْلِ سائرِ أهْلِ العِلْمِ.
واحْتَجَّ بعضُهم: بما رُوِيَ أنَّ عبَدَ اللهِ بنَ زيدٍ، صاحِبَ الأذَانِ، جَعَل حائِطَه صَدَقةً، وجَعَلَه إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فجاء أُبواه إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالا: يا رسولَ اللهِ، لم يَكُنْ لنا عَيشٌ إلَّا هذا الحائِطَ.
فرَدَّه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ثم ماتا فورِثهما.
رَواه المَحَامِلِيُّ 136 في «أمالِيه» 137. ولأنَّه إخْراجُ مالِه على وَجْهِ القُرْبةِ مِن مِلْكِه، فلا يَلْزَمُ بمُجَرَّدِ القَوْل، كالصَّدَقَةِ.
قُلْنا: هذا القَوْلُ يُخالِفُ السُّنّةَ الثابتَةَ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وإجماعَ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعُمَرَ في وَقْفِه: «لَا يُبَاعُ أصْلُها، وَلا يُبْتَاعُ، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ» 138. قال التِّرْمِذِيُّ العَمَلُ على هذا الحَدِيثِ عندَ أهْلِ العِلْمِ مِن أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وغيرِهم، لا نَعْلَمُ بينَ المُتَقَدِّمِين منهم في ذلك

الجزء: 16 - الصفحة: 519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اخْتِلافًا.
قال الحُمَيدِيُّ: تَصَدَّقَ أبو بكرٍ بدارِه على وَلَدِه، وعُمَرُ برَبْعِه عندَ المَرْوةِ على وَلَدِه، وعُثمانُ برُومَةَ 139، وتَصَدَّقَ عليٌّ بأرْضِه بيَنْبُعَ، وتَصَدَّقَ الزُّبَيرُ بدارِه بمَكَّةَ ودارِه بمِصْرَ وأمْوالِه بالمَدِينةِ على وَلَدِه، وتَصَدَّقَ سَعْدٌ بدارِه بالمَدِينةِ ودارِه بمِصْرَ على وَلَدِه، وعَمْرُو بنُ العاصِ بالوَهْطِ 140 ودارِه بمَكَّةَ على وَلَدِه، وحَكِيمُ بنُ حِزام بدارِه بمَكَّةَ والمَدِينةِ على وَلَدِه، فذلك كله إلى اليَوْمِ 141. وقال جابر: لم يكُنْ أحدٌ مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - له مَقْدِرَة إلَّا وَقَف.
وهذا إجْماعٌ منهم، فإنَّ الَّذي قَدَر على الوَقْفِ منهم وَقَف، واشْتَهَرَ ذلك، فلم يُنْكِرْه أحَدٌ، فكان إجْماعًا، ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ يَلْزَمُ بالوَصِيَّةِ، فإذا نَجَزَه في حالِ الحَياةِ لَزِم مِن غيرِ حُكْمٍ، كالعِتْقِ.
وحَدِيثُ عبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ إن ثَبَت

الجزء: 16 - الصفحة: 520

وَلَا يَجُوزُ بَيعُهُ إلا أنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ، فَيُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ في مِثْلِهِ.
وَكَذَلِكَ الْفَرَسُ الْحَبِيسُ إِذَا لَمْ يصْلُحْ لِلْغَزْو، بِيعَ وَاشْتُرِىَ بِثَمَنِهِ مَا يَصْلُحُ لِلْجِهَادِ.
وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ إذَا لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ في مَوْضِعِهِ، وَعَنْهُ، لَا تُبَاعُ الْمَسَاجِدُ لَكِنْ تنْقَلُ آَلتُهَا إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ.
فليس فيه ذِكْرُ الوَقْفِ، والظاهِرُ أنَّه جَعَلَه صَدَقةً غيرَ مَوْقُوفٍ، اسْتَنابَ فيها رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فرأى والِدَيه أحَقَّ النَّاسِ بصَرْفِها إليهما، ولهذا لم يَرُدَّها إليه، إنَّما دَفَعَها إليهما.
ويَحْتَمِلُ أنَّ الحائِطَ كان لهما، وكان هو يَتَصَرَّفُ فيه بحُكْمِ النِّيابةِ عنهما، فتَصَرَّفَ بهذا التَّصَرُّفِ بغيرِ إذْنِهما، فلم يُنَفِّذاه، وأتَيا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فرَدَّه إليهما.
والقِياسُ على الصَّدَقَةِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّها تَلْزَمُ في الحَياةِ بغيرِ حُكْمِ حاكِمٍ، وإنَّما يَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ، والوَقْفُ لا يَفْتَقِرُ إليه، فافْتَرقا.

2599 -

مسألة:، (وَلَا يَجُوزُ بَيعُهُ إلا أنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ، فَيُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ في مِثْلِهِ.
وَكَذَلِكَ الْفَرَسُ الْحَبِيسُ إِذَا لَمْ يصْلُحْ لِلْغَزْو، بِيعَ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهِ مَا يَصْلُحُ لِلْجِهَادِ.
وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ إذَا لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ في مَوْضِعِهِ، وَعَنْهُ، لَا تُبَاعُ الْمَسَاجِدُ لَكِنْ تنْقَلُ آَلتُهَا إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ)

وجملةُ ذلك، أنَّه لا يجوزُ بَيعُ الوَقْفِ ولا هِبّتُه؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَدِيثِ عُمَرَ:

الحديث: 2599 - الجزء: 16 - الصفحة: 521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «غَيرَ أنَّه لا يُبَاعُ أَصْلُها ولا يُبْتاعُ، وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ» 142. فإن تَعطّلَتْ مَنافِعُه بالكُلِّيَّةِ؛ كدارٍ انْهَدَمَتْ، أو أرْضٍ خَرِبَتْ وعادَتْ مَواتًا لا يمكنُ عِمارَتُها، أو مَسْجِدٍ انْتَقلَ أهْلُ القَرْيةِ عنه، وصار في مَوْضعٍ لا يُصَلَّى فيه، أو ضاق بأهْلِه ولم يُمْكِنْ تَوْسِيعُه في مَوْضِعِه، فإن أمْكَنَ بَيعُ بعضِه ليُعَمَّرَ به بَقِيَّتُه، جاز بَيعُ البَعْضِ.
وإن لم يُمْكِنْ الانْتِفاعُ بشيءٍ منه، بِيعَ جَمِيعُه.
قال أحمدُ، في رِوايةِ أبي دَاوُدَ: إذا كان في المَسْجِدِ خَشَبتان لهما قِيمَة، جاز بَيعُهما وصَرْفُ ثَمَنِهما عليه.
وقال في رِوايةِ صالح: يُحَوَّل المَسْجِدُ خَوْفًا مِن اللُّصُوصِ، وإذا كان مَوْضِعُه قَذِرًا.
قال القاضي: يَعْنِي إذا كان ذلك يَمْنَعُ الصَّلاةَ فيه.
ونَصَّ على جَوازِ بَيع عَرْصَتِه في رِوايةِ عبدِ اللهِ، وتكونُ الشَّهادَةُ في ذلك على الإِمامِ.
قال أبو بكر: وقد رَوَى علي بنُ سعيدٍ، أنَّ المَساجِدَ لا تُباعُ، وإنَّما تُنْقَلُ آلتُها.
قال: وبالقَوْلِ الأوَّلِ أقُولُ؛ لإِجْماعِهم على جَوازِ 143 بَيعِ الفَرَسِ الجَبِيسِ -يَعْنِي المَوْقُوفةَ على الغَزْو- إذا كَبِرَتْ فلم تَصْلُحْ

الجزء: 16 - الصفحة: 522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للغَزْو، وأمْكَنَ الانْتِفاعُ بها في شيءٍ آخَرَ، مثلَ أن تَدُورَ في الرَّحَى، أو يُحْمَلَ عليها تُرابٌ، أو تكونَ الرَّغْبَةُ في نِتاجِها.
أو حِصانًا يُتَّخَذُ للطِّراقِ، فإنَّه يَجوزُ بَيعُها، ويُشْتَرَى بثَمَنِها ما يَصْلُحُ للغَزْو.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال محمدُ بنُ الحَسَنِ: إذا خَرِب المَسْجِدُ أو الوَقْفُ، عاد إلى مِلْكِ واقِفِه؛ لأنَّ الوَقْفَ إنَّما هو تَسْبِيلُ المَنْفعَةِ، فإذا زالتْ مَنْفَعَتُه زال حَقُّ المَوْقُوفِ عليه منه، فزال مِلْكُه عنه.
وقال مالِكٌ، والشافعيُّ: لا يجوزُ بَيعُ شيءٍ مِن ذلك؛ لقول رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُبْتَاعُ، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ».
ولأنَّ ما لا يَجُوزُ بَيعُه مع بَقاءِ مَنافِعِه، لا يجوزُ مع تَعَطُّلِها، كالمُعْتَقِ، والمَسْجِدُ أشْبَهُ الأشْياءِ بالمُعْتَقِ.
ولَنا، ما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، كَتَب إلى سَعْدٍ، لمّا بَلَغَه أنَّه قَدْ نُقِب 144 بَيت المالِ الَّذي بالكُوفَةِ، أنِ انْقُلِ المَسْجِدَ الَّذي بالتَّمَّارينَ، واجْعَلْ بَيتَ المالِ في قِبْلَةِ المَسْجِدِ، فإنَّه لن يَزال في المَسْجِدِ مُصَلٍّ.
وكان هذا بمَشْهَدٍ مِن الصَّحابةِ، ولم يَظْهَرْ خِلافُه، فكان إجْماعًا.
ولأنَّ فيما ذكَرْناه اسْتِبقاءً للوَقْفِ بمَعْناه عندَ تَعَذُّرِ إبْقائِه بصُورَتِه، فوَجَبَ ذلك، كما لو اسْتَوْلَدَ

الجزء: 16 - الصفحة: 523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الجارِيَةَ المَوْقُوفةَ، أو قَبَّلَها، أو قَبَّلَها غيرُه.
قال ابنُ عَقِيلٍ: الوَقْفُ مُوبَّدٌ، فإذا لم يُمْكِنْ تَأْبِيدُهُ على وَجْهِ تَخْصِيصِه، اسْتَبْقَينا الغَرَضَ، وهو الانْتِفاعُ على الدَّوامِ في عَينٍ أُخْرى، وإيصالُ الأَبدالِ جَرَى مَجْرَى الأعْيانِ، وجُمُودُنا على العَينِ مع تَعَطُّلِها تَضْيِيعٌ للغَرَضِ.
ويَقْرُبُ هذا مِن الهَدْي إذا عَطِب، فإنَّه يُذْبَحُ في الحالِ، وإن كان يَخْتَصُّ بمَوْضِعٍ، فلّمَا تَعذَّرَ تَحْصِيلُ الغَرَضِ بالكُلِّيَّةِ، اسْتُوْفِيَ منه ما أمكنَ، وتُرِك مُراعاةُ المَحَلِّ الخاصِّ عندَ تَعَذُّرِه، لأنَّ مُراعاتَه مع تَعَذُّرِه تُفْضِي إلى فَواتِ الانْتِفاعِ به بالكُلِّيَّةِ، وهكذا الوَقْفُ المُعَطَّلُ المَنافِع.
ولَنا على محمدِ بنِ الحَسَنِ، أنَّه إزالةُ مِلْكٍ على وَجْهِ القُرْبةِ، فلا يَعُودُ إلى مالِكِه باخْتِلالِه وذَهابِ مَنافِعِه كالعِتْقِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 524

وَيَجُوزُ بَيعُ بَعْضِ آلتِهِ وَصَرْفُهَا في عِمَارَتِهِ.

2600 - مسألة: (وَيَجُوزُ بَيعُ بَعْضِ آلتِهِ وَصَرْفُهَا في عِمَارَتِهِ)؛

يجوزُ بَيعُ الفَرَسِ الحَبِيسِ عندَ تَعَذُّرِ الانْتِفاعِ به وصَرْفُ ثَمَنِه فيما يَقُومُ مَقامَه، ولأنَّه إذا جاز بَيعُ الجَميعِ عندَ الحاجةِ إلى بَيعِه، فبَيعُ بعضِه مع بَقاءِ البعضِ أوْلَى.

الحديث: 2600 - الجزء: 16 - الصفحة: 525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا بِيعَ الوَقْفُ، فأيُّ شيءٍ اشْتُرِىَ بثَمَنِه ممّا يُرَدُّ على أهلِ الوَقْفِ وجاز، وإن كان مِن غيرِ جِنْسِه في ظاهرِ كلامِ الخِرَقِيِّ، لكنْ تكونُ المَنْفَعةُ مَصْرُوفةً إلى المَصْلَحةِ التي كانت الأُولَى تُصْرَفُ فيها؛ لأنَّه لا يجوزُ تَغْيِيرُ المَصْرِفِ مع إمْكانِ المُحافَظةِ عليه، كما لا يجوزُ تَغْيِيرُ الوَقْفِ بالبَيعِ مع إمْكانِ الانْتِفاعِ به.

الجزء: 16 - الصفحة: 526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن لم يَكْفِ ثَمنُ الفَرَسِ الحَبِيسِ لشراءِ فَرَسٍ أُخرى، أُعِينَ به في شِراءِ حَبِيس يَكُونُ بعضَ الثَّمنِ.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ المَقْصُودَ اسْتِيفاءُ مَنْفَعةِ الوَقْفِ المُمْكِنِ اسْتِيفاؤُها وصِيانَتُها عن الضَّياعِ، ولا سَبِيلَ إلى ذلك إلَّا بهذه الطَّرِيقِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن لم تَتَعطَّلْ مَنْفَعةُ الوَقْفِ بالكُلِّيَّةِ، لكنْ قَلَّتْ، وكان غيرُه أنْفَعَ منه وأكْثَرَ رَدًّا على أهْلِ الوَقْفِ، لم يَجُزْ بَيعُه؛ لأنَّ الأصْلَ تَحْرِيمُ البَيعِ، وإنَّما أُبِيحَ للضَّرُورَةِ، صِيانةً لمَقْصُودِ الوَقْفِ عن الضَّياعِ مع إمْكانِ تَحْصِيلِه، ومع الانْتِفاعِ ما يَضِيعُ المَقْصُودُ وإن قَلَّ، اللَّهُمَّ إلَّا أن يَبْلُغَ في قِلَّةِ النَّفْعِ إلى حَدّا لا يُعَدُّ نَفْعًا، فيكونُ وُجُودُه كالعَدَمِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: قال أحمدُ، في روايةِ أبي داودَ، في مَسْجِدٍ أرادَ أهْلُه رَفْعَه مِن الأرْضِ، ويُجعَلُ تحتَه شِقايَةٌ وحَوانِيتُ.
فامْتَنَعَ بعضهم مِن ذلك: يُنْظَرُ إلى قوْلِ أكْثَرِهم.
واخْتَلَفَ أصْحابُنا في تَأْويلِ كلامِ أحمدَ، فذَهَبَ ابنُ حامدٍ إلى أنَّ هذا مَسْجِدٌ أرادَ أهْلُه إنْشاءَه ابْتِداءً، واخْتلَفُوا كيف يُعْمَلُ، وسَمّاهُ مَسْجِدًا قبلَ بِنائِه تَجَوُّزًا، لأنَّ مآله إليه، أمّا بعدَ بِنائِه لا يجوزُ جَعْلُه سِقايةً ولا حَوانِيت.
وذَهَب القاضي إلى ظاهِرٍ اللَّفْظِ، وهو أنَّه كان مَسْجِدًا، فأرادَ أهْلُه رَفْعَه وجَعْلَ ما تحتَه سِقايَةً، لحاجَتِهم إلى ذلك.

الجزء: 16 - الصفحة: 529

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والأوّلُ أصَحُّ وأوْلَى، وإن خالفَ الظّاهِرَ، فإنَّ المَسْجدَ لا يجوزُ نَقْلُه وإبْدالُه وبَيعُ ساحَتِه وجَعْلُها سِقايَةً وحَوانِيتَ، إلَّا عندَ تَعَذَّرِ الانْتِفاعِ به، والحاجةُ إلى سِقَايةٍ وحَوانِيتَ لا تُعَطِّلُ نَفْعَ المَسْجِدِ، فلا يجوزُ

الجزء: 16 - الصفحة: 530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  صرْفُه في ذلك.
ولو جاز جَعْلُ أسْفَلِ المَسْجِدِ سِقَايةً وحَوانِيتَ لهذه الحاجَةِ، لجاز تَخْرِيبُ المَسْجِدِ وجَعْلُه سِقايةً وحَوانِيتَ، ويَجْعَلُ بَدَلَه مَسْجِدًا في مَوْضِعٍ آخَرَ.
وقال أحمدُ، في رِوايةِ بكرِ بنِ محمدٍ، عن أبِيه، في مَسْجِدٍ ليس بحَصِينٍ مِن الكِلابِ، وله مَنارَةٌ، فرَخَّصَ في نَقْضِها، وبِناءِ حائِطِ المَسْجِدِ بها للمَصْلَحةِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 531

وَمَا فَضَلَ مِنْ حُصُرِهِ وَزَيتِهِ جَازَ صَرْفُهُ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، وَالصَّدَقَةُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ.

2601 - مسألة: (وَمَا فَضَلَ مِنْ حُصُرِهِ وَزَيتِهِ)

عن حاجَتِه (جَازَ صَرْفُهُ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، وَالصَّدَقَةُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ) وكذلك إن فَضَل مِن قَصَبِه أو شيءٍ مِن نَقْضِه.
قال أحمدُ، في مَسْجِدٍ يُبْنَى فيَبْقَى مِن خَشَبِه أو قَصَبِه أو شيءٍ مِن نَقْضِه، قال: يُعانُ به في مَسْجِدٍ آخَرَ.
أو

الحديث: 2601 - الجزء: 16 - الصفحة: 536

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كما قال.
وقال المَرُّوذِيُّ: سَألْتُ أبا عبدِ اللهِ عن بَوارِي المَسْجدِ 145، إذا فَضَل منه الشيءُ، أو الخَشَبةُ، قال: يُتَصَدَّقُ به.
وأرَى أنَّه قد احْتَجَّ بكُسْوَةِ البَيتِ إذا تَخَرَّقَتْ تُصْدِّقَ بها.
وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: قد كان شَيبَةُ يتَصَدَّقُ بخُلْقانِ الكَعْبةِ.
ورَوَى الخَلالُ بإسْنادِه، عن عَلْقَمةَ، عن أُمِّه، أنَّ شَيبةَ بنَ عُثمانَ الحَجَبِيَّ جاء إلى عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، فقال: يا أُمَّ المُؤمِنين، إنَّ ثِيابَ الكَعْبةِ تَكْثُرُ عليها، فنَنْزِعُها، فنَحْفِرُ لها آبارًا فنَدْفِنُها فيها حتَّى لا تَلْبَسَها الحائِضُ والجُنُبُ.
قالت عائشةُ: بِئْسَ ما صَنَعْتَ، ولم تُصِبْ، إنَّ ثِيابَ الكَعْبةِ إذا نُزِعَتْ لم يَضِرْها مَن لَبِسَها مِن حائِض أو جُنُب، ولكنْ لو بِعْتَها وجَعَلْتَ ثَمَنها في سَبِيلِ اللهِ والمَساكِينِ.
فقال: فكان شَيبةُ يَبْعَثُ بها إلى اليَمنِ، فتُباعُ، فيَضَعُ ثَمَنها حيث أمَرَتْهُ عائشةُ.
وهذه قَضِيَّة مثلُها يَنْتَشِرُ، ولم تُنْكَرْ، فتكونُ إجْماعًا، ولأنَّه مالُ الله تعالى، لم يَبْقَ له مَصْرِفٌ، فصُرِفَ إلى المَساكِينِ، كالوَقْفِ المُنْقَطِعِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 537

وَلَا يَجُوزُ غَرْسُ شَجَرَةٍ في الْمَسْجِدِ،

2602 - مسألة: (ولا يجوزُ غَرْسُ شَجَرةٍ في المَسْجِدِ)

نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إن كانت غُرِستِ النَّخْلةُ بعدَ أن صار مَسْجِدًا، فهذه غرِسَتْ بغيرِ حَقٍّ، فلا أُحِبُّ الأَكْلَ منها، ولو قَلَعها الإِمامُ لجاز؛ وذلك لأنَّ المَسْجِدَ لم يُبْنَ لهذا، إنَّما بُنِيَ لذِكْرِ اللهِ والصَّلاةِ وقِراءةِ القُرْآنِ، ولأنَّ الشَّجَرةَ تُؤْذِي المَسْجِدَ وتَمْنَعُ المُصَلِّينَ مِن الصَّلاةِ في مَوْضِعِها، ويَسْقُطُ وَرَقُها في المَسْجِدِ وثَمَرُها، ويَسْقُطُ عليها الطَّيرُ وتَبُولُ في المَسْجِدِ، ورُبَّما اجْتَمَعِ الصِّبْيانُ في المَسْجِدِ مِن أجْلِها ورَمَوْها بالحِجارَةِ ليَسْقُطَ ثمَرُها.

الحديث: 2602 - الجزء: 16 - الصفحة: 538

فَإِنْ كَانَتْ مَغْرُوسَةً فِيهِ، جَازَ الْأَكْلُ مِنْهَا.
وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ،

2603 - مسألة: (فَإِنْ كَانَتْ مَغْرُوسَةً، جَازَ الْأَكْلُ مِنْهَا)

يَعْنِي إذا كانتِ الشَّجرَةُ في أرْض، فجَعَلَها صاحِبُها مَسْجِدًا والشَّجَرةُ فيها،

الحديث: 2603 - الجزء: 16 - الصفحة: 539

رَحِمَهُ اللهُ: إِذَا لَمْ تَكُنْ بِالْمَسْجِدِ حَاجَةٌ إِلَى ثَمَنِهَا، فَإِنِ احْتَاجَ صُرِفَ ذَلِكَ في عِمَارَتِهِ.
فلا بَأْسَ.
قال أحمدُ في مَوْضِعٍ: لا بَأْسَ.
يعني أن يَبِيعَها مِن الجِيرانِ.
وقال في رِوايةِ أبي طالِبٍ، في النَّبْقَةِ 146: لا تُباعُ، وتُجْعَلُ للمُسْلِمين وأهْلِ الدَّرْبِ يَأْكُلُونَها.
وذلك، واللهُ أعْلَمُ، لأنَّ صاحِبَ الأرْضِ لمّا جَعَلَها مَسْجِدًا والشَّجَرةُ فيها، فقد وَقَف الأرْضَ والشَّجَرةَ معًا، ولم يُعَيِّنْ مَصْرِفَها، فصارَتْ كالوَقْفِ المُطْلَقِ الَّذي لم يُعَيَّنْ له مَصْرِفٌ.
وقد ذَكَرْنا أنَّه للمَساكِينِ في بعضِ الرِّواياتِ.
فأمَّا إن قال صاحِبُها: هذه وَقْفٌ على المَسْجِدِ.
فيَنْبَغِي أن تُباعَ ثَمَرتُها وتُصْرَفَ إليه، كما لو وَقَفَها على المَسْجِدِ وهي في غيرِه.
وقال أبو الخَطّابِ: عندِي أنَّ المَسْجِدَ إذا احْتاجَ إلى ثَمن ثَمرةِ الشَّجَرةِ، بِيعَتْ، وصُرِفَتْ في عِمارَتِه.
وقَوْلُ 147 أحمدَ: يَأْكُلُها الجيرانُ.
مَحْمولٌ على أنَّهم يَعْمُرُونَه، فإنِ اسْتَغْنَى المَسْجِدُ عنها، فلا بَأْسَ بالأَكْلِ منها.
واللهّ سَبحانه وتعالى أعْلَمُ.

الجزء: 16 - الصفحة: 540

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1416 هـ - 1995 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

الجزء: 17 - الصفحة: 2

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

الجزء: 17 - الصفحة: 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بَابُ الْهِبَةِ وَالْعَطِيَّةِ

وَهِيَ تَمْلِيكٌ فِي حَيَاتِهِ بِغَيرِ عِوَضٍ.
بابُ الهِبَةِ والعَطِيَّةِ (وهي تَمْلِيكٌ في الحَياةِ بغيرِ عِوَض) الهبَةُ والعَطيَّةُ والهَدِيَّةُ 148 والصَّدَقَةُ مَعانِيها مُتَقارِبَة، وهي تَمْلِيكٌ في الحياةِ بغيرِ عِوَض، واسْمُ الهِبَةِ والعَطِيَّةِ شامِل لجَمِيعِها.
فأمّا الصَّدَقَةُ والهَدِيَّة فهما مُتَغايِران وإن دَخَلَا في مُسَمَّى الهِبَةِ والعَطِيَّةِ؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَأْكُلُ الهَدِيَّةَ ولا يَأْكلُ الصَّدقَةَ 149. وقال في اللَّحْمِ الذي تُصُدِّقَ به على بَرِيرَةَ: «هُوَ عَلَيها صَدَقَة، وَلَنَا هَدِيَّةٌ» 150. فالظّاهِرُ أنَّ مَن أعْطَى شيئًا يَنْوي به التَّقَرُّبَ إلَى

الجزء: 17 - الصفحة: 5

فَإِنْ شَرَطَ فِيهَا عِوَضًا مَعْلُومًا، صَارَتْ بَيعًا.
وَعَنْهُ، يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْهِبَةِ.
اللهِ تعالى للمُحْتاجِ، فهو صَدَقَةٌ، ومَن دَفَع إلى إنْسانٍ شيئًا للتَّقَرُّبِ إليه والمَحَبَّةِ لِه، فهو هَدِيَّة.
وجَمِيعُ ذلك مَنْدُوبٌ إليه؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «تَهَادُوا تَحَابُّوا» (1). وأمّا الصَّدَقَةُ فما وَرَد في فَضْلِها كَثِير، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (2).

2602 * - مسألة: (فإن شَرَط فيها عِوَضًا مَعْلُومًا، صارت بَيعًا. وعنه، يَغْلِبُ فيها حُكْمُ الهِبَةِ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الهِبَةَ المُطْلَقَةَ لا تَقْتَضِي ثَوابًا، سَواءٌ كانت لمِثْلِه أو دُونِه أو أعْلَى منه.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ كقَوْلِنا فيما إذا كانت لمِثْلِه أو دُونِه، وإن كانت لأعْلَى151152

الجزء: 17 - الصفحة: 6

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  منه اقْتَضتِ الثَّوابَ، في أحَدِ القَوْلَين.
وهو قولُ مالِكٍ؛ لقولِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه: مَن وَهَب هِبَةً أراد بها الثَّوابَ فهو على هِبَتِه، يَرْجِعُ فيها إذا لم يُرْضَ منها 153. ولَنا، أنَّها عَطِيَّة على وَجْهِ التَّبَرُّعِ، فلم تَقتَض ثَوابًا، كهِبَةِ المِثْلِ والوَصِيَّةِ، وقولُ عُمَرَ قد خالفَه ابْنُه وابنُ عباسٍ، فلا يَبْقَى حُجَّةً.
فإن عَوَّضَه عن الهِبَةِ كانت هِبَةً مُبْتَدَأةً لا عِوَضًا، أيُّهما.
أصاب عَيبًا لم يكنْ له الرَّدُّ.
وإن خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً أخَذَها صاحِبُها، ولم يَرْجِعِ المَوْهُوبُ له ببَدَلِها.
فإن شَرَط في الهِبَةِ ثَوابًا مَعْلُومًا، صَحَّ.
نَصَّ عليه؛ لأنَّه تَمْلِيكٌ بعِوَض مَعْلُوم، فهو كالبَيعِ 154، وحُكْمُها حُكْمُ البَيعِ في ثُبُوتِ الخِيارِ والشُّفْعَةِ.
وبه قال أصحابُ الرَّأْي.
ولأصحابِ الشافعيِّ قولٌ، أنَّها لا تَصِحُّ، لأنَّه شَرَط في الهبَةِ ما يُنافِي مُقْتَضاها.
ولَنا، أنَّه تَمْلِيكَ بعِوَض، فصَحَّ، كما لو قال: مَلَّكْتُكَ هذا بدِرْهَمٍ.
فإنَّه لو أطْلَقَ التَّملِيكَ كان هِبَةً، فإذا ذَكَر العِوَضَ صار بَيعًا.
وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى ذَكَرَها أبو الخَطّابِ، أنَّه يَغْلِبُ عليها حُكْمُ الهِبَةِ، فلا تَثْبُتُ فيها أحْكامُ البَيعَ المُخْتَصَّةُ به.

الجزء: 17 - الصفحة: 7

وَإِنْ شَرَطَ ثَوَابًا مَجْهُولًا، لَمْ تَصِحَّ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ قَال: يُرْضِيهِ بِشيْءٍ.
فَعَلَى هَذَا، أنْ لَمْ يَرْضَ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا، أَوْ فِي عِوَضِهَا إِنْ كَانَتْ تَالِفَةً.

2603 - مسألة: (وإن شَرَط ثَوابًا مَجْهُولًا، لم تَصِحَّ)

الهِبَةُ، وحُكْمُها حُكْمُ البَيعِ الفاسِدِ؛ لأنَّه عِوَضٌ مَجْهُولٌ في مُعاوَضَةٍ، فلم يَصِحَّ، كالبَيعِ، ويَرُدُّها المَوْهُوبُ له بزِيادَتِها المُتَّصِلَةِ والمُنْفَصِلَةِ؛ لأنَّه نَماءُ مِلْك الواهِبِ.
وإن كانت تالِفَةً رَدَّ قِيمَتَها.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ (وعنه، أنَّه قال: يُرْضِيه بشيءٍ) وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، أنَّها تَصِحُّ، فإذا أعْطاه عنها عِوَضًا رَضِيَه، لَزِم العَقْدُ بذلك.
قال أحمدُ، في رِوايَةِ محمدِ بنِ الحَكَم: إذا قال الواهِبُ: هذا لك على أن تُثِيبَنِي.
فله أن يَرْجِعَ إذا لم يُثِبْه؛ لأنَّه شَرْطٌ.
وقال، في رِوايَةِ إسماعيلَ بنِ سعيدٍ: إذا وَهَب له على وَجْهِ الإثابَةِ، فلا يجوزُ إلَّا أن يُثِيبَه منها (فعلى هذا) عليه أن يُعْطِيَه حتى يُرْضِيَه، فإن لم يَفْعَلْ فللواهِبِ (الرُّجُوعُ فيها، أو عِوَضُها إن كانت تالِفَةً) لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ فاسِدٌ، فلَزِمَه ضَمانُ العَينِ إذا تَلِفَتْ،

الجزء: 17 - الصفحة: 8

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالبَيعِ الفاسِدِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُعْطِه قَدْرَ قِيمَتِها.
والأوّلُ أصَحُّ؛ لأن هذا بَيعٌ، فيُعْتَبَرُ له التَّراضِي، إلَّا أنَّه بَيع بالمُعاطاةِ.
فإذا عَوَّضَه عِوَضًا رَضِيَه حَصَل البَيعُ بما حَصَل مِن المُعاطاةِ مع التَّراضِي جمها، وإن لم يَحْصُلِ التَّراضِي لم يَصِحَّ؛ لعَدَمِ العَقْدِ، فإنَّه لم يُوجَدِ الإيجابُ والقَبُولُ ولا المُعاطاةُ ولا التَّراضِي.
والأصْلُ في هذا قولُ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه: مَنْ وَهَب هِبَةً أراد بها الثَّوابَ فهو على هِبَتِه، يَرْجِعُ فيها ما لم يُرْضَ منها.
ورُوِيَ مَعْنَى ذلك عن علِيٍّ، وفَضالةَ بن عُبَيدٍ، ومالِكِ بنِ أنَسٍ.
وهو قولُ الشافعيِّ، على القولِ الذي يَرَى أنَّ الهِبَةَ المُطْلَقَةَ تَقْتَضِي ثَوابًا.
وقد روَى أبو هُرَيرةَ، أنَّ أعْرابِيًّا وَهَب النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ناقَةً، فأعْطاه ثَلاثًا فأبَى فزادَه ثَلاثًا، [فأبَى، فزادَه ثَلاثًا] 155 فلمّا كَمَلَتْ تِسْعًا، قال: رَضِيت.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ لَا أتَّهِبَ إلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أوْ أنْصَارِيٍّ أو ثَقَفِيٍّ أوْ دَوْسِيٍّ».
من «المُسْنَدِ» 156. فإن تَغَيَّرَتِ العَينُ المَوْهُوبَةُ بزِيادَةٍ أو

الجزء: 17 - الصفحة: 9

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نُقْصانٍ، أو لم يُثِبْه منها، فقال أحمدُ: لا أرَى عليه نُقْصانَ ما نَقَصَه عندَه إذا رَدَّه إلى صاحِبِه، إلَّا أن يكونَ ثَوْبًا لَبِسَه، أو جارِيَةً اسْتَخْدَمَها، فأمّا غيرُ ذلك إذا نَقَص فلا شيءَ عليه، فكان عندِي مثلَ الرَّهْنِ، الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ لصاحِبِه.

الجزء: 17 - الصفحة: 10

وَتَحْصُلُ الْهِبَةُ بِمَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ هِبَةً، مِنَ الإيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْمُعَاطَاةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيهَا.

2604 - مسألة: (وتَحْصُلُ الهِبَةُ بما يَتَعارَفُه الناسُ هِبَةً، مِن الإِيجابِ والقَبُولِ والمُعاطاةِ المُقْتَرِنَةِ بما يَدُلُّ عليها)

فالإيجابُ أن يقولَ: وَهَبْتُك.
أو: أهْدَيتُ إليك.
أو: مَلَّكْتُك.
أو: هذا لك.
ونحوَه مِن الألفاظِ الدّالَّةِ على هذا المَعْنَى.
والقَبُولُ أن يقولَ: قَبِلْتُ.
أو: رَضِيتُ.
أو نحوَ هذا.
وتَصِحُّ بالمُعاطاةِ المُقْتَرِنَةِ بما يَدُلُّ عليها 157، وإن لم يَحْصُلْ إيجابٌ أو 158 قَبُولٌ.
وذَكَر القاضي، وأبو الخَطّابِ، أنَّ الهِبَةَ والعَطِيَّةَ لا بُدَّ فيها مِن الإِيجابِ والقَبُولِ، ولا تَصِحُّ بدُونِه، سَواءٌ وُجِد القَبْضُ أو لم يُوجَدْ.
وهو قولُ أكْثَرِ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه عَقْدُ تَمْلِيكٍ، فافْتَقَرَ إلى الإيجابِ والقَبُولِ، كالنِّكاحِ.
والصَّحِيحُ أنَّ المُعاطاةَ والأفْعال الدّالَّةَ على الإيجابِ والقَبُولِ كافِيَةٌ، ولا يُحْتاجُ إلى لَفْظٍ.
اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان

الحديث: 2604 - الجزء: 17 - الصفحة: 11

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُهْدِي ويُهْدَى إليه، ويُعْطِي ويُعْطَى، ويُفَرِّقُ الصَّدَقاتِ، ويَأْمُرُ سُعاتَه بأخْذِها وتَفْرِيقِها، وكان أصحابُه يَفْعَلُون ذلك، ولم يُنْقَلْ عنهم في ذلك إيجابٌ ولا قَبُولٌ، ولا أمْرٌ به ولا تَعْلِيمُه لأحَدٍ، ولو كان ذلك شَرْطًا لنُقِلَ عنهم نَقْلًا مُشْتَهَرًا، وقد كان ابنُ عُمَرَ على بَعِيرٍ لعُمَرَ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لعُمَرَ: «بِعْنِيهِ».
فقال: هو لك يا رسولَ اللهِ.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هُوَ لَكَ يا عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، فَاصْنَعْ به ما شِئْتَ» 159. ولم يُنْقَلْ قَبُولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِن عُمَرَ، ولا قَبُولُ ابنِ عُمَرَ مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان شَرْطًا لفَعَلَه النبيُّ

الجزء: 17 - الصفحة: 12

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى الله عليه وسلم - وعَلِمَه ابنُ عُمَرَ، ولم يكنْ ليَأمُرَه أن يَصْنَعَ به ما شاء قبلَ أن يَقْبَلَه.
وروَى أبو هُرَيرَةَ، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أُتِيَ بطَعام سَألَ عنه، فإن قالُوا: صَدَقَةٌ.
قال لأصحابِه: «كُلُوا».
ولم يَأْكُلْ، وإن قالُوا: هَدِيَّةٌ.
ضَرَب بيَدِه فأكَلَ معهم 160. ولا خِلافَ بينَ العُلَماءِ فيما عَلِمْنا في أن تَقْدِيمَ الطَّعامِ بينَ يَدي الضِّيفانِ والإذْنَ في أكْلِه، أنَّ ذلك لا يَحْتاجُ إلى إيجابٍ ولا قَبُولٍ.
ولأنه وُجِد ما يَدُلُّ على التَّراضِي بنَقْلِ المِلْكِ، فاكْتُفِيَ به، كما لو وُجِد الإيجابُ والقَبُولُ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّما يُشْتَرَطُ الإيجابُ مع الإطْلاقِ وعَدَمِ العُرْفِ القائِمِ مِن المُعْطِي والمُعْطىَ؛ لأنَّه إذا لم يَكُنْ عُرْفٌ يَدُلُّ على الرّضا، فلا بُدَّ مِن قولٍ دالٍّ عليه، أمّا مع قَرائِنِ الأحْوالِ والدَّلالةِ، فلا وَجْهَ لتَوَقُّفِه على اللَّفْظِ، ألا تَرَى أنّا اكْتَفَينا بالمُعاطاةِ في

الجزء: 17 - الصفحة: 13

وَتَلْزَمُ بِالْقَبْض.
وَعَنْهُ، تَلْزَمُ فِي غَيرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ.
البَيعِ، واكْتَفَينا بدَلالةِ الحالِ في دُخُولِ الحَمّامِ، وهو إجارَةٌ وبَيعُ أعْيانٍ، فإذا اكْتَفَينا في المُعاوَضاتِ مع تَأكُّدِها بدَلالةِ الحالِ، فإنَّها تَنْقُلُ المِلْكَ مِن الجانِبَين، فلأن نَكْتَفِيَ به في الهِبَةِ أوْلَى.
وأمّا النِّكاحُ فإنَّه يُشْتَرَطُ فيه ما لا يُشْتَرَطُ في غيرِه مِن الإشْهادِ، ولا يَقَعُ إلَّا قَلِيلًا، فلا يَشُقُّ اشْتِراطُ الإِيجابِ والقَبُولِ فيه، بخِلافِ الهِبَةِ.
والله سبحانه وتعالى أعْلَمُ.

2605 -

مسألة: (وتَلْزَمُ بالقَبْضِ. وعنه، تَلْزَمُ في غير المَكِيلِ والمَوْزُونِ بمُجَرُّدِ الهِبَةِ)

أمّا المَكِيلُ والمَوْزُونُ الذي لا يتَمَيَّزُ إلَّا بالكَيلِ والوزْنِ، فلا تَلْزَمُ الهِبَةُ فيه إلَّا بالقَبْضِ، وعلى قِياسِ ذلك المَعْدُودُ والمَذْرُوعُ.
وهو قولُ أكثرَ الفُقَهاءِ؛ منهم النَّخَعِي، والثَّوْرِيُّ، والحَسَنُ بنُ صالِحٍ، وأبو حنيفةَ، والشافعي.
وقال مالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ: تَلْزَمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، لعُمُومِ قَوْلِه، عليه السَّلامُ: «العائِدُ في هِبَتِه كَالعائِدِ في

الحديث: 2605 - الجزء: 17 - الصفحة: 14

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قَيْئِه» 161. ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ بغيرِ عِوَضٍ، فلَزِم بمُجَرَّدِ العَقْدِ، كالوَقْفِ والعِتْقِ، ولأنَّه تَبَرُّعٌ فلا يُعْتَبَرُ فيه القَبْضُ، كالوَصِيَّةِ والوَقْفِ.
ولَنا، إجْماعُ الصحابةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، فإنَّه مَرْويٌّ عن أبي بكرٍ، وعُمَرَ، رَضِي اللهُ عنهما، ولم نَعْرِفْ لهما في الصَحابةِ مُخالِفًا.
وقد روَى عُرْوَةُ عن عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ أبا بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، نخَلَها جِذاذَ عِشْرين وَسْقًا مِن مالِه بالغابة 162، فلَمّا مَرِض قال: يا بُنَيَّةُ،

الجزء: 17 - الصفحة: 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ما أحَدٌ أحَبَّ إليَّ 163 غِنًى منك بعدِي، ولا أحَدٌ أعَزَّ عَلَى فَقْرًا منك، وكنتُ نَحَلْتُكِ جِذاذ عِشْرِين وَسْقًا، ووَدَدْتُ أنَّك حُزْتِيه أو قَبَضْتِيه، وهو اليومَ مالُ الوارِثِ، أخَواكِ واخْتاكِ، فاقْتَسِمُوا على كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
رَواه مالِكٌ في «مُوَطَّئِه» 164. وروَى ابنُ عُيَينَةَ، عن الزهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عبدٍ القاريِّ، أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ قال: ما بالُ قَوْم يَنْحَلُونَ أوْلادَهم، فإذا مات أحَدُهم قال: مالِي وفي يَدِي.
فإذا مات هو قال: قد كنت نَحَلْتُه وَلَدِي، ولا نِحْلَةَ إلَّا 165 نِحْلَة يحوزُها الوَلَدُ دُونَ الوالِدِ فإن مات وَرِثَه 166. قال المَروذِي: اتَّفَقَ أبو بكرٍ وعُمَرُ وعُثْمان وعلي، على أنَّ الهِبَةَ لا تَجوزُ إلَّا مَقْبُوضَةً.
ولأنَّها هِبَة غيرُ مَقْبُوضَةٍ فلم تَلْزَمْ، كما لو مات الواهِبُ قبلَ أن يَقْبِضَ، فإنَّ مالِكًا يقولُ: لا يَلْزَمُ الوَرَثَةَ

الجزء: 17 - الصفحة: 16

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  التَّسْلِيمُ.
والخَبرُ مَحْمُولٌ على المَقْبُوضِ.
ولا يَصِحُّ القِياسُ على الوَقْفِ والوَصِيَّةِ والعِتْقِ؛ لأنَّ الوَقْفَ إخْراجُ مِلْكٍ إلى اللهِ تعالى، فخالفَ التَّمْلِيكاتِ، والوَصِيَّةُ تَلْزَمُ في حَق الوارِثِ، والعِتْقُ إسْقاطُ حَقٍّ وليس بتَمْلِيكٍ، ولأنَّ الوَقْفَ والعِتْقَ لا يكونُ في مَحَلِّ النِّزاعِ؛ لأنَّ النِّزاعَ في المَكِيلِ والمَوْزُونَ.
فصل: وفي غيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ رِوايَتان؛ إحْداهما، أنَّ حُكْمَه حُكْمُ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، في أنَّه لا يَلْزَمُ إلَّا بالقَبْضِ.
وهو قولُ أكْثَرِ

الجزء: 17 - الصفحة: 17

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أهلِ العلمِ.
قال المَرُّوذِيُّ: اتَّفَقَ أبو بكرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعليٌّ، على أنَّ الهبَةَ لا تَجُوزُ إلَّا مَقْبُوضَةً.
رُوِيَ ذلك عن النَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والعَنْبَرِيِّ، والحَسَنِ بنِ صالِح، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لِما ذَكَرْنا في المَكِيلِ والمَوْزُونِ.
والثانيةُ، أنَّها تَلْزَمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، ويَثْبُتُ المِلْكُ في المَوْهُوبِ فيه قبلَ قَبْضِه، فرُوىَ عن علي، وابنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّهما قالا: الهِبَةُ جائِزَة إذا كانت مَعْلُومَةً، قُبِضَتْ أو لم تُقْبَضْ.

الجزء: 17 - الصفحة: 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهو قولُ مالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ، لأنَّ الهِبَةَ أحَدُ نَوْعَي التَّمْلِيكِ، فكان منها ما لا يَلْزَمُ قبلَ القَبْضِ، ومنها ما يَلْزَمُ قبلَه، كالبَيعِ، فإنَّ منه ما لا يَلْزَمُ إلَّا بقَبْضٍ، وهو الصَّرفُ وبَيعُ الرِّبَويّاتِ، ومنه ما يَلْزَمُ قبلَه، وهو ما عَدا ذلك.
فأمّا حديثُ أبي بكرٍ في هِبَتِه لعائشةَ،، فإنَّ جِذَاذَ عِشْرِين وَسْقًا يَحْتَمِلُ أنَّه أراد به عِشْرِين وَسْقًا مَجْذُوذَةً، فيكونُ مَكِيلًا غيرَ مُعَيَّن، وهذا لابُدَّ فيه مِن القَبْضِ، وإن أراد نَخْلًا يُجَذ عِشْرِين وَسْقًا، فهو أيضًا غيرُ مُعَيَّنٍ، فلا تَصِحُّ الهِبَةُ فيه قبلَ تَعْيِينه، فيكونُ مَعْناه: وَعَدْتُكِ بالنِّحْلَةِ.
وقولُ عُمَرَ أراد به النَّهْيَ عن التَّحَيُّلِ بنِحْلَةِ الوالِدِ وَلَدَه نِحْلَةً مَوْقُوفَةً على المَوْتِ، فيُظْهِرُ: إنِّي نَحَلْتُ وَلَدِي شيئًا.
ويُمْسِكُه في يَدِه يَسْتَعْمِلُه 167، فإذا مات أخَذَه وَلَدُه بحُكْمِ النِّحْلَةِ التي أظْهَرَها، وإن مات وَلَدُه أمْسَكَه، ولم يُعْطِ [وَرَثَةَ ولدِه] 168 شيئًا.
وهذا على هذا الوَجْهِ مُحَرَّمٌ، فنَهاهُم عن هذا حتى يَحُوزَها الوَلَدُ دُونَ والِدِه، فإن مات وَرِثَها

الجزء: 17 - الصفحة: 19

وَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ إلا بِإِذْنِ الْوَاهِبِ، إلا مَا كَانَ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ، فَيَكْفِي مُضِيُّ زَمَن يَتَأَتَّى فيهِ قَبْضُهُ.
وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ حَتَّى يَأْذَنَ فِي الْقَبْضَ.
وَرَثته كسائِرِ مالِه.
وإذا كان المَقْصُودُ هذا اخْتَصَّ بهِبَةِ الوَلَدِ وشِبْهِه.
على أنَّه قد رُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، خِلافُ ذلك، فتَعارَضتْ أقْوالُهم.
فصل: قَوْلُه، في المَكِيلِ والمَوْزُونِ: إنَّ الهِبَةَ لا تَلْزَمُ فيه إلَّا بالقَبْضِ.
مَحْمُولٌ على عُمُومِه في كلِّ ما يُكالُ ويُوزَنُ، وخَصَّه أصحابُنا المُتَأخِّرُون بما ليس بمُعَيَّن منه، كقَفِيزٍ مِن صُبْرَةٍ، ورَطْل مِن دَنٍّ.
وقد ذَكَرْنا ذلك في البَيعِ، ورَجَّحْنا العُمُومَ.

2606 -

مسألة: (ولا يَصِحُّ القَبْصُ إلَّا بإذْنِ الواهِبِ، إلَّا ما كان في يَدِ المُتَّهِبِ، فيَكْفِي مُضِيُّ زَمَن يتَأتَّى قَبْضُه فيه. وعنه، لا يَصِحُّ حتى يَأْذَنَ في القَبْضِ)

إذا قُلْنا: إنَّ الهِبَةَ لا تَلْزَمُ إلَّا بالقَبْضِ.
لم يَصِحَّ القَبْضُ إلَّا بإذْنِ الواهِبِ؛ لأنَّه قَبْضٌ غيرُ مُسْتَحَق عليه، ولأنَّه أمْرٌ تَلْزَمُ به الهِبَةُ، فلم يَصِحَّ إلَّا بإذْنِ الواهِبِ، كأصْلِ العَقْدِ 169. فأمّا ما كان في يَدِ المُتَّهِبِ، كالوَدِيعَةِ والمَغْصُوبِ، فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، أنَّها تَلْزَمُ

الحديث: 2606 - الجزء: 17 - الصفحة: 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن غيرِ قَبْضٍ ولا مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأتَّى فيها القَبْضُ؛ فإنَّه قال، في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ: إذا وَهَب امْرَأتَه شيئًا ولم تَقْبِضْه، فليس بينَه وبينَها خِيارٌ، هي معه في البَيتِ.
فظاهِرُ هذا أَنه لم يَعْتَبِرْ قَبْضًا ولا مُضِيَّ مُدَّةٍ يَتَأتَّى فيها؛ لكَوْنِها معه في البَيتِ، فيَدُها على ما فيه؛ لأنَّ قَبْضَه مُسْتَدامٌ، فأغْنَى عن الابتِداءِ، كما لو باعَه سِلْعَةً في يَدِه.
وهو الصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ تعالى.
قال القاضي: لابُدَّ مِن مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأتَّى القَبْضُ فيها.
وهل يَفْتَقِرُ، إلى إذْنٍ في القَبْضِ؟ فيه روايتَان؛ إِحْداهما، يَفْتَقِرُ، كغيرِ المَقْبُوضِ.
والثانيةُ، لا يَفْتَقِرُ؛ لأَنَّه مَقْبُوضٌ، فلا مَعْنَى لتَجْدِيدِ الإِذْنِ فيه.
وقد ذَكَرْنا ذلك في الرَّهْن.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في الاخْتِلافِ في اعْتِبار الإِذنِ واعْتِبارِ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأتَّى القبْضُ فيها كمَذهَبِنا.

الجزء: 17 - الصفحة: 21

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والواهِبُ بالخِيارِ قبلَ القَبْضِ، إن شاء أقْبَضَها، وإن شاء رَجَع فيها.
فإن قَبَضَها المُتَّهِبُ بغيرِ إذْنِ الواهِبِ، لم يَصِحَّ القَبْضُ، ولم تَتِمَّ الهِبَةُ.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، أَنه إذا قَبَضَها في المَجْلِسِ صَحَّ وإن لم يَأْذَنْ له؛ لأنَّ الهِبَةَ قامت مَقامَ الإِذْنِ في القَبْضِ، لكَوْنِها دالّةً على رِضاه بالتَّمْلِيكِ الذي لا يَتِمُّ إلَّا بالقَبْضِ.
ولَنا، أنَّه قَبَض الهِبَةَ بغيرِ إذْنِ الواهِبِ، فلم يَصِحَّ، كما بعدَ المَجْلِسِ، وكما لو نَهاه، ولأنَّ التَّسْلِيمَ غيرُ مُسْتَحَق على الواهِبِ، فلم يَصِحَّ التَّسْلِيمُ إلَّا بإذْنِه، كما لو أخَذَ المُشْتَرِي المَبِيعَ مِن البائِعِ قبلَ قَبْضِ ثَمَنِه.
ولا يَصِحُّ جَعْلُ الهِبَةِ إذنا في القَبْضِ كما بعدَ المَجْلِسِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا قَبَضَها بحَضْرَةِ الواهِبِ فسَكَتَ 170، أن يَقُومَ

الجزء: 17 - الصفحة: 22

وَإنْ مَاتَ الْوَاهِبُ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الإذْنِ وَالرُّجُوعِ.
ذلك مَقامَ الإذْنِ، كما جَعَلْنا أخْذَ المُتَّهِبِ لها بإذْنِ الواهِبِ دَلِيلًا على القَبُولِ.
فإن أذِنَ الواهِبُ في القَبْضِ ثم رَجَع عن الإِذْنِ أو رَجَع في الهِبَةِ، صَحَّ رُجُوعُه؛ لأنَّ ذلك ليس بقَبْضٍ، وإن رَجَع بعدَ القَبْضِ، لم يَصِحَّ رُجُوعُه؛ لأنَّ الهِبَةَ تَمَّت.

2607 -

مسألة: (فإنْ مات الواهِبُ، قام وارِثُه مَقامَه في الإِذْنِ والرُّجُوعِ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا مات الواهبُ أو المُتَّهِبُ قبلَ القَبْضِ، بَطَلَتِ الهِبَةُ، سَواءٌ كان قبلَ الإِذْنِ في القَبْضِ أو بعدَه.
ذكَره القاضي

الحديث: 2607 - الجزء: 17 - الصفحة: 23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في مَوْتِ الواهِب؛ لأنَّه عَقْدٌ جائِزٌ، فبَطَلَ بمَوْتِ أحَدِ المُتعاقِدَين، كالوَكالةِ.
قال أحَمدُ، في رِوايَةِ أبي طالِبٍ، وأبي الحارِثِ، في رجل أهْدَى هَدِيَّةً، فلم تَصِلْ إلى المُهْدَى إليه حتى مات: فإنَّها تَعُودُ إلى صاحِبِها ما لم يَقْبِضْها.
وروَى بإسْنادِه 171 عن أُمِّ كُلْثومٍ بِنْتِ أبي سَلَمَةَ 172،

الجزء: 17 - الصفحة: 24

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قالت: لَمّا تَزَوَّجَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أُمَّ سَلَمَةَ، قال لها: «إنِّي قد أهْدَيتُ إلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأوَاقِيَّ مِسْكٍ، وَلَا أرَى النَّجَاشِيَّ إلَّا قَدْ مَاتَ، وَلَا أرَى هَدِيَّتِي إلَّا مَرْدُودَةً عَلَيَّ، فَإنْ رُدَّتْ فَهِيَ لَكِ».
فكان كما قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ورُدَّتْ عليه هَدِيته، فأعْطَى كلَّ امرأةٍ مِن نِسائِه أوقِيَّةً مِن مِسْكٍ، وأعْطَى أمَّ سَلَمَةَ بَقِيَّةَ المِسْكِ والحُلَّةَ.
وإن مات المُهْدِي قبلَ

الجزء: 17 - الصفحة: 25

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أن تَصِلَ إلى المُهْدَى إليه، رَجَعَتْ إلى وَرَثَةِ المُهْدِي، وليس للرسولِ حَمْلُها إلى المُهْدَى إليه، إلَّا أن يَأْذَنَ الوارِثُ.
والهِبَةُ كالهَدِيَّةِ.
وقال أبو الخَطّابِ: قام وارِثُه مَقامَه في الإذْنِ في القَبْضِ والفَسْخِ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ الهِبَةَ لم تَنْفسِخْ بمَوْتِه.
وهو قولُ أكثَرِ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه عَقْدٌ مآله إلى اللزُومِ، فلم يَنْفَسِخْ بالمَوْتِ، كالبَيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ.
وكذلك يُخَرَّجُ فيما إذا مات المَوْهُوبُ له بعدَ القَبُولِ.
وإِن مات أحَدُهما قبلَ القَبُولِ أو ما يَقُومُ مَقامَه، بَطَلَت، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ العَقْدَ لم يَتِمَّ،

الجزء: 17 - الصفحة: 26

وَإنْ أَبْرأَ الْغَرِيمُ غَرِيمَهُ مِن دَينِهِ، أوْ وَهَبَهُ لَهُ، أو أَحَلَّهُ مِنْهُ، بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَإنْ رَدَّ ذلِكَ وَلَمْ يَقْبَلْهُ.
فهو كما لو مات المُشْتَرِي بعدَ الإِيجابِ وقبلَ القَبُولِ.
فإن قُلْنا: إنَّ الهِبَةَ لا تَبْطُلُ.
فمات أحَدُهما بعدَ الإِذْنِ في القَبْضِ، بَطل الإِذْنُ؛ لأنَّ المَيِّتَ إن كان هو الواهِبَ، فقد انْتَقَلَ حَقُّه في الرُّجُوعِ في الهِبَةِ إلى وارِثِه، وإن كان المُتَّهِبَ، فلم يُوجَدِ الإِذْنُ لوَارِثِه، فلم يَمْلِكِ القَبْضَ بغيرِ إذْنٍ.
والله أعلمُ.

2608 -

مسألة: (وإن أْبرَأ الغَرِيمُ غَرِيمَه مِن دَينِه، أو وَهَبَه له، أو أحَلَّه منه، بَرِئَ وإن رَدَّ ذلك ولم يَقْبَلْه)

لأنَّه إسْقاطٌ، فلم يَفْتَقِرْ إلى القَبُولِ، كإسْقاطِ القِصاصِ والشُّفْعَةِ وحَدِّ القَذْفِ، وكالعِتْقِ

الحديث: 2608 - الجزء: 17 - الصفحة: 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والطَّلاقِ.
وكذلك إن قال: تَصَدَّقْتُ به عليك.
فإنَّ القُرْآنَ وَرَد في الإِبْراءِ بلَفْظِ الصَّدَقَةِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَىَ أهْلِه إلَّا أن يَصَّدَّقُوا﴾ 173. وإن قال: عَفَوْتُ لك عنه.
صَحَّ، قال الله تعالى: ﴿إلَّا أن يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ 174. يُرِيدُ به الإبراءَ

الجزء: 17 - الصفحة: 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن الصَّداقِ.
فإن قال: أسْقَطْتُه عنك.
صَحَّ؛ لأنَّه أتَى بحَقِيقَةِ اللَّفْظِ.
وكذلك إن قال: مَلَّكْتُكَ.
لأنَّه بمَنْزِلَةِ هِبَتِه إيّاه.
فإن وَهَب الدَّينَ لغيرِ مَن هو في ذِمَّتِه، لم يَصِحَّ، قِياسًا على البَيعِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه لا غَرَرَ فيها على المُتَّهِبِ ولا الواهِبِ، فصَحَّ، كهِبَةِ الأعْيانِ.

الجزء: 17 - الصفحة: 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وتَصِحُّ البَراءَةُ مِن المَجْهُولِ، إذا لم يكنْ لهما سَبِيلٌ إلى مَعْرِفَتِه.
وقال أبو حنيفةَ: تَصِحُّ مُطْلَقًا.
وقال الشافعيِّ: لا تَصِحُّ، إلَّا أول إذا أراد ذلك، قال: أبرَأتكَ مِن درْهَمٍ إلى ألْفٍ.
لأنَّ الجَهالةَ إنَّما مُنِعَتْ لأجْلِ الغَرَرِ، فإذا رَضِيَ بالجُملَةِ فقد زال الغَرَرُ وصَحَّتِ البَراءَةُ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لرَجُلَين اخْتَصَما إليه في مَوارِيثَ دَرَسَتْ: «اقْتَسِما، وتَوَخَّيَا الحَقَّ 175، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثم تَحَالَّا».
رَواه أبو داودَ 176. ولأنَّه إسْقاطٌ، فصَحّ في المَجْهُولِ، كالطَّلاقِ والعِتَاقِ، وكما لو قال: من دِرْهَم إلى ألْفٍ.
ولأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى تَبْرِئَةِ الذِّمَّةِ، ولا سَبِيلَ إلى العِلْمِ بما فيها، فلو وَقَفَت صِحَّةُ البَراءَةِ على العِلْمِ، لكان سَدًّا لبابِ عَفْو الإِنْسانِ عن أخِيه المُسْلِمِ وتَبْرِئَةِ ذِمَّتِه، فلم يَجُزْ

الجزء: 17 - الصفحة: 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك، كالمَنْعِ مِن العِتْقِ.
فأمّا إن كان مَن عليه الحَقُّ يَعْلَمُه ويَكْتُمُه المُسْتَحِقَّ؛ خوْفًا مِن أَنه إذا عَلِمَه لم يَسْمَحْ بإبْرائِه منه، فيَنْبَغِي أن لا تَصِحَّ البَراءَةُ فيه؛ [لأنَّ فيه] 177 تَغْرِيرًا بالمُبْرِئَ، وقد أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منه.
وقال أصحابُنا لو أبرَأه مِن مائةٍ، وهو يَعْتَقِدُ أنَّه لا شيءَ عليه، وكان له عليه مائةٌ، ففي صِحَّةِ البَراءَةِ وَجْهان؛ أحَدُهما، صِحَّتُها؛ لأنَّها صادَفَتْ مِلْكَه، فأسْقَطَتْه، كما لو عَلِمَها.
والثانِي، لا تَصِحُّ؛ لأنَّه أبْرَأَه ممّا لا يَعْتَقِدُ أنَّه عليه، فلم يَكُنْ ذلك إبْراءً في الحَقِيقةِ.
وأصْلُ الوَجْهَين ما لو باع مالًا كان لمَوْرُوثِه، يَعْتَقِدُ أنَّه باقٍ لمَوْرُوثِه، وكان مَوْرُوثُه قد مات وانْتَقلَ مِلْكُه إليه، فهل يَصِحُّ؟ فيه وَجْهان.
وللشافعيِّ قَوْلان في البَيعِ، وفي صِحَّةِ الإِبراءِ وَجْهان.

الجزء: 17 - الصفحة: 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان المَوْهُوبُ له طِفْلًا أو مَجْنُونًا، لم يَصِحَّ قَبْضُه ولا قَبُولُه؛ لأنَّه مِن غيرِ أهْلِ التَّصَرُّفِ، ويَقْبضُ له أبوه إن كان أمِينًا؛ لأنَّه أشفَقُ عليه وأقْرَبُ إليه.
فإن لم يكنْ له أبٌ، قَبَض له وَصِيُّ أبِيه؛ لأنَّ الأبَ أقامَه مُقامَ نَفْسِه، فجَرَى مَجْرَى وَكِيلِه.
وإن كان الأبُ غيرَ مَأْمُونٍ، أو كان مَجْنُونًا، أو 178 لا وَصِيَّ له، قَبِل له الحاكِمُ.
ولا يَلِي ماله غيرُ هؤلاء الثلاثةِ، وأمِينُ الحاكِمِ يَقُومُ مَقامَه، وكذلك وَكِيلُ الأبِ الأمِينِ ووَصِيُّه، يَقُومُ كُلُّ واحِدٍ منهما مَقامَ الصبِيِّ والمَجْنُونِ في القَبُولِ والقَبْضِ إنِ احْتِيجَ إليه؛ لأنَّه قَبُولٌ لِما للصَّبِيِّ أو المَجْنُونِ فيه حَظٌّ، فكان إلى الوَلِيِّ، كالبَيعِ والشِّراءِ.
ولا يَصِحُّ القَبْضُ مِن غيرِ هؤلاءِ، قال أحمدُ، في رِوايَةِ صالِح، في صَبِيٍّ وُهِبَتْ له هِبَةٌ، أو تُصُدِّقَ عليه بصَدَقَةٍ، فقَبَضَتِ الأُمُّ ذلك وأبوه حاضِر، فقال: لا أعْرِفُ للأمِّ قَبْضًا، ولا يكونُ إلَّا للأبِ.
وقاق عُثْمانُ، رَضِيَ اللهُ عنه: أحَقُّ مَن يَحُوزُ للصَّبِيِّ أبوه.

الجزء: 17 - الصفحة: 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، لا أعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ القَبْضَ إنَّما يكونُ مِن المُتَّهِبِ أو نائِبِه، والوَلِيُّ نائِبٌ بالشَّرْعِ، فصَحَّ قَبْضُه له، أمّا غيرُه فلا نِيابَةَ له.
قال شيخُنا 179: ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ القَبُولُ والقَبْضُ مِن غيرِهم عندَ عَدَمِهِم؛ لأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى ذلك، فإنَّ الصَّبِيَّ قد يكونُ في مكانٍ لا حاكِمَ فيه، وليس له أبٌ ولا وَصيٌّ، ويكونُ فقيرًا لا غِنَى به عن الصَّدَقاتِ، فإن لم يَصِحَّ قَبْضُ غيرِهم له انْسَدَّ بابُ وُصُولِها إليه، فيَضِيعُ ويَهْلِكُ، ومُراعاةُ حِفْظِه عن الهَلاكِ أوْلَى مِن مُراعاةِ الولايةِ.
فعلى هذا، للأمِّ القَبْضُ له، وكلِّ مَن يَلِيه مِن أقْارِبِه وغيرِهم.

الجزء: 17 - الصفحة: 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان الصَّبِيُّ مُمَيِّزًا، فحُكْمُه حُكْمُ الطِّفْلِ في قِيامِ وَلِيِّه مَقامَه؛ لأنَّ الولايةَ لا تَزُولُ عنه قبلَ البُلُوغِ، إلَّا أنَّه إذا قَبِل لنَفْسِه وقَبَض لها، صَحَّ؛ لأَنَه مِن أهْلِ التَّصَرُّفِ، فإنَّه يَصِحُّ بَيعُه وشِراؤه بإذْنِ الوَلِيِّ، فههُنا أوْلَى.
ولا.
يَحْتاجُ إلى إذْنِ الوَلِيِّ ههُنا؛ لأنه مَصْلَحَة لا ضَرَرَ فيه، فَصَحَّ مِن غيرِ إذْنِ وَلِيِّه، كوَصِيَّته وكَسْبِه المُباحاتِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَقِفَ صِحَّةُ القَبْضِ منه على إذْن وَلِيِّه دُونَ القَبُولِ؛ لأنَّ القَبْضَ يَحْصُلُ به مُسْتَوْلِيًا على المالِ، فلا يُؤْمَنُ تَضْيِيعُه له وتَفْرِيطُه فيه، فيتَعَيَّنُ حِفْظُه عن ذلك بتَوَقُّفِه على إذْنِ وَلِيِّه، كقَبْضِه لوَدِيعَتِه، بخِلافِ القَبُولِ، فإنّه يَحْصُلُ له به المِلْكُ مِن غيرِ ضَرَرٍ، فجاز مِن غيرِ إذْنٍ، كاحْتِشاشِه واصْطِيادِه.
فصل: فإن وَهَب الأبُ لوَلَدِه الصَّغِيرِ شيئًا، قام مَقامَه في القَبْضِ والقَبُولِ، إنِ احْتِيجَ إليه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على أنَّ الرجلَ إذا وَهَب لوَلَدِه الطِّفْلِ دارًا بعَينها، أو عَبْدًا بعَينه، وقَبَضَه له مِن نَفْسِه، وأشْهَدَ عليه، أن الهِبَةَ تامَّة.
هذا قولُ مالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي.
ورُويَ مَعْنَى ذلك عن شرَيح،

الجزء: 17 - الصفحة: 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ.
فإن كان المَوْهُوبُ ممّا يَفْتَقِرُ إلى قَبْض، اكْتُفِيَ بقَوْلِه: قد وَهَبْتُ هذا لابنِي، وقَبَضْتُه له.
لأنه يُغْني عن القَبُولِ، كما ذَكَرْنا.
ولا يَكْفِي قَوْلُه: قد قَبِلْتُه.
لأن القَبُولَ لا يُغْنِي عن القَبْضِ.
وإن كان ممّا لا يَفْتَقِرُ، اكْتُفِي بقَوْلِه: قد وَهَبْتُ هذا لابني.
ولا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ قَبْضٍ ولا قَبُولٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ الفقَهاءُ على أن هِبَةَ الأبِ لوَلَدِه الصَّغِيرِ في حِجْرِه لا تَحْتاجُ إلى قَبْضٍ، وأنَّ الإشْهادَ فيها يُغْنِي عن القَبْضِ، وإن وَلِيهَا أبوه؛ لِما رَواه مالِكٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن ابنِ المُسَيَّبِ، أنَّ عُثْمانَ قالْ: مَن نَحَل وَلَدًا له صَغِيرًا لم يَبْلُغْ أن يَحُوزَ نِحْلَةً، فأعْلَنَ ذلك وأشْهَدَ على نَفْسِه، فهي جائِزَةٌ، وإن وَلِيَها أبُوه 180. وقال القاضي: لابُدَّ في هِبَةِ الوَلَدِ مِن أن يقولَ: قَبِلْتُه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الهِبَةَ عندَهم لا تَصِحُّ إلَّا بالإِيجابِ والقَبُولِ.
وقد ذَكَرْنا مِن قبلُ أنَّ قَرائِنَ الأحْوالِ ودَلالتَها تُغْنِي عن لَفظِ القَبُولِ، ولا أدَلَّ على القَبُولِ مِن كونِ القابلِ هو الواهِبَ، فاعْتِبارُ لَفْظٍ لا يُفِيدُ مَعْنًى مِن غيرِ وُرُودِ الشَّرْعِ به تَحَكُّمٌ لا مَعْنَى له، مع مُخالفَتِه لظاهِرِ حالِ أمْرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وصحابتِه.
وليس هذا مَذْهَبًا لأحمدَ، فقد قال، في رِوايَةِ حَرْبٍ، في رجلٍ أشْهَدَ بسَهْمٍ مِن ضَيعَتِه، وهي مَعْرُوفَةٌ، لأبيه، وليس له وَلَدٌ غيرَه، فقال: أُحِبُّ أن يقولَ عندَ الإشْهادِ: قد قَبَضْتُه له.
قِيلَ 181 له: فإن سَهَا.
قال: إذا كان مُفْرَزًا رَجَوْتُ.
فقد ذَكَر أحمدُ أنَّه يُكْتَفَى بقَوْلِه:

الجزء: 17 - الصفحة: 35

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قد قَبَضْتُه له.
وأنَّه يَرْجُو أن يُكْتَفَى مع التَّمْيِيزِ بالإشْهادِ فحَسْبُ.
وهذا مُوافِقٌ للإجْماعِ المَذْكُورِ عن سائِرِ العُلَماءِ.
وقال بعضُ اُصحابِنا: يُكْتَفَى بأحَدِ لَفْظين، إمّا أن يقولَ: قد قَبِلْتُه.
أو: قد قَبَضْتُه.
لأنَّ القَبُولَ يُغْنِي عن القَبْضِ.
وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ ما ذَكَرْناه.
ولا فَرْقَ بينَ الأثْمانِ وغيرِها فيما ذكَرْنا.
وبه يقولُ أبو حنيفةَ، والشافعي.
وقال مالِكٌ: إن وَهَب له ما لا يُعْرَفُ بعَينه؛ كالأثْمانِ، لم يَجُزْ، إلَّا أن يَضَعَها على يَدِ غيرِه؛ لأنَّ الأبَ قد يُتْلِفُ ذلك، أو يَتْلَفُ بغيرِ سَبَبه، فلا يُمْكِنُ أن يُشهِدَ على شيءٍ بعَينه، فلا يَنْفَعُ القَبْضُ شيئًا.
ولَنا، أنَّ ذلك ممّا يَصِحُّ هِبَتُه، فإذا وَهَبَه لابنِه الصَّغِيرِ وقَبَضَه له، صَحَّ، كالعُرُوضِ.
فصل: فإن كان الواهِبُ للصَّبِيِّ غيرَ الأبِ مِن أوْلِيائِه، فقال أصحابُنا: لابُدَّ أن يُوَكِّلَ مَن يَقْبَلُ للصَّبِيِّ ويَقْبِضُ له؛ ليكونَ الإِيجابُ منه، والقَبولُ والقَبْضُ مِن غيرِه، كما في البَيعِ، بخِلافِ الأبِ؛ فإنَّه يَجُوزُ أن يُوجِبَ ويَقْبَلَ ويَقْبضَ، لكَوْنِه يَجُوزُ أن يَبِيعَ لنَفْسِه.
قال شيخُنا 182. والصَّحِيحُ عندِي أنَّ الأبَ وغيرَه في هذا سَواءٌ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَجُوزُ أن يَصْدُرَ منه ومِن وَكِيلِه، فجاز أن يَتَولَّى طَرَفَيه، كالأبِ.
وفارَقَ البَيعَ؛ فإنَّه لا 183 يَجُوزُ أن يُوَكِّلَ مَن يَشْتَرِي له، ولأنَّ البَيعَ عَقْدُ مُعاوَضَةٍ ومُرابَحَةٍ، فيُتَّهَمُ في عَقْدِه لنَفْسِه، والهِبَةُ مَحْضُ مَصْلَحَةٍ لا تهْمةَ فيها، وهو وَلِيٌّ، فجاز

الجزء: 17 - الصفحة: 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أن يتَوَلَّى طَرَفَي العَقْدِ، كالأبِ، ولأنّ البَيعَ إنَّما مُنِع منه لِما يَأْخُذُه مِن العِوَضِ لنَفْسِه مِن مالِ الصَّبِيِّ، وهو ههُنا يُعْطِي ولا يَأْخُذُ، فلا وَجْهَ لمَنْعِه مِن ذلك وتَوْقِيفِه على تَوْكِيلِ غيرِه، ولأننا قد ذَكَرْنا أنه يُستَغْنَى بالإيجابِ والإشْهادِ عن القَبْضِ والقَبُولِ، فلا حاجَةَ إلى التَّوْكِيلِ فيهما مع غِناه عنهما.
فصل: فأمّا الهِبَةُ مِن الصَّبِيِّ لغيرِه، فلا تَصِحُّ، سَواءٌ أذِنَ فيها الوَلِيُّ أو لم يَأْذَنْ؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه لِحَظِّ نَفْسِه، فلم يَصِح تَبَرُّعُه، كالسَّفِيهِ.
فأمّا العَبْدُ فلا يَجُوزُ أن يَهَبَ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّه مالٌ لسَيِّدِه، ومالُه مالٌ لسَيِّدِه، فلا يجوزُ له إزالةُ مِلْكِ سَيِّدِه عنه بغيرِ إذْنِه، كالأجْنَبِيِّ.
وقد ذَكَرْنا في جَوازِ الصَّدَقَةِ مِن قُوتِه بالرَّغِيفِ ونحوه رِوايَةً أنَّ ذلك جائِزٌ، وذَكَرْنا دَلِيلَه في الحَجْرِ 184. وللعَبْدِ أن يَقْبَلَ الهَدِيَّةَ والهِبَةَ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه.
نَصَّ عليه أحمدُ، لأنَّه تَحْصِيل للمالِ للسَّيِّدِ، فلم يُعْتَبَرْ إذنه فيه، كالالتِقاطِ والاصْطِيادِ ونحوه.
فصل: والقَبْضُ في الهِبَةِ كالقَبْضِ في البَيعِ، وقد ذَكَرْنا ذلك والاخْتِلافَ فيه في كِتابِ البَيعِ، وهذا مَقِيسٌ عليه.

الجزء: 17 - الصفحة: 37

وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمُشَاعِ،

2609

  • مسألة: (و تَصِحُّ هِبَةُ المُشَاعِ) وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ.
    وسَواءٌ في ذلك ما أمْكَنَ قِسْمَتُه أو لم يُمْكِنْ.
    وقال أصحابُ الرَّأْي: لا تَصِحُّ هِبَةُ المُشاعِ الذي يُمْكِنُ قِسْمَتُه؛ لأنَّ القَبْضَ شَرْطٌ في الهِبَةِ، ووُجُوبُ القِسْمَةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ القَبْضِ وتَمامَه، وتَصِحُّ هِبَة ما لا يُمْكِنُ قِسْمَتُه؛ لعَدَمِ ذلك فيه.
    فإن وَهَب واحِدٌ اثْنَين شيئًا ممّا يَنْقَسِمُ، لم يَجُزْ عندَ أبي حنيفةَ، وجاز عندَ صاحِبَيه.
    وإن وَهَب اثْنان اثْنَين شيئًا ممّا يَنْقَسِمُ، لم يَصِحَّ في قِياسِ قَوْلِهم؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِن المُتَّهِبَينِ قد وُهِب له جُزْءٌ مُشاعٌ.
    ولَنا، أنَّ وَفْدَ هَوَازِنَ لَمّا جاءُوا يَطْلبون مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَرُدَّ عليهم ما غَنِمَه منهم، قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَهُوَ لَكُمْ».
    رَواه البُخارِيُّ 185. وهو هِبَةُ

الحديث: 2609 - الجزء: 17 - الصفحة: 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُشاعٍ.
وروَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: سَمِعْتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وقد جاء رجلٌ ومعه كُبَّةٌ 186 مِن شَعْرٍ، فقال: أخَذْتُ هذه مِن الْمَغْنَمِ لأُصلِحَ بها بَرْذَعَةً لي، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا كَانَ لي وَلِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فهُوَ لكَ» 187. وروَى عُمَيرُ بنُ سَلَمَةَ الضَّمْرِيُّ، قال: خَرَجْنَا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حتى أتَينا الرَّوْحاءَ، فرَأينا حِمارَ وَحْشٍ مَعْقُورًا، فأرَدْنا أخْذَه، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «دَعُوهُ، فإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَجِئَ صَاحِبُه».
فجاء رجلٌ مِن بَهْزٍ، وهو الذي عَقَرَه، فقال: يا رسولَ اللهِ، شَأْنُكُم بالحِمارِ.
فأمَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -[أبا بكرٍ] 188 أن يَقسِمه بينَ النّاسِ.
رَواهُ الإمامُ أحمدُ، والنَّسائِيُّ 189. ولأنه يجوزُ بَيعُه، فجازَتْ هِبَتُه، كالذي لا يَنْقَسِمُ.
وقولُهم: إنَّ وُجُوبَ القِسْمَةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ القَبْضِ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ صِحَّتَه في البَيعِ، فكذا ههُنا.
ومتى كانتِ الهِبَةُ لاثْنَين، فَقَبَضاه بإذْنِه، ثَبَت مِلْكُهما فيه، وإن قَبَضَه أحَدُهما، ثَبَت المِلْكُ في نَصِيبِه دُونَ نَصِيبِـ 190 صاحِبِه.

الجزء: 17 - الصفحة: 39

وَكُلِّ مَا يَجُوزُ بَيعُهُ.

2610 - مسألة: (و)

تَصِحُّ هِبَةُ (كلِّ ما يَجُوزُ بَيعُه) لأنَّه تَمْلِيكٌ في الحَياةِ، فصَحَّ، كالبَيعِ.
وتَصِحُّ هِبَةُ الكَلْبِ وما 191 يُباحُ الانْتِفاعُ به مِن النَّجاساتِ؛ لأنه تَبَرُّعٌ، فجاز في ذلك، كالوَصِيَّةِ.
ومتى قُلْنا: إنَّ القَبْضَ شَرْط في الهِبَةِ.
لم تَصِحَّ الهِبَةُ فيما لا يُمْكِنُ تَسْلِيمُه، كالعَبْدِ الآبِقِ، والجَمَلِ الشّارِدِ، والمَغْصُوبِ لغيرِ غاصِبِه، ممّن لا يَقْدِرُ على أخْذِه منه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ،

الحديث: 2610 - الجزء: 17 - الصفحة: 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أشْبَه البَيعَ.
فإن وَهَب المَغْصُوبَ لغاصِبِه، أو لمَن يَتَمَكَّن مِن أخْذِه منه، صَحّ؛ لإمكانِ قَبْضِه.
وليس لغيرِ الغاصِبِ القَبْضُ إلَّا بإذْنِ الواهِبِ.
فإن وَكَّلَ المالِكُ الغاصِبَ في تَقْبِيضِه، صَحَّ.
وإن وَكَّلَ المتَّهِبُ الغاصِبَ في القَبْضِ له، فقَبِلَ 192 ومَضَى زَمَنٌ يُمْكِن قَبْضه فيه، صار مَقْبُوضًا، ومَلَكَه المُتَّهِبُ، وبَرِئَ الغاصِبُ مِن ضَمانِه.
وإن قُلْنا: القَبْضُ ليس شَرْطًا في الهِبَةِ.
فما لا يعْتَبر فيه القَبْضُ ذلك يَحْتَمِلُ أن لا يُعْتَبرَ في صِحَّةِ هِبَتِه القُدْرَةُ على التَّسْلِيمِ.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه تَمْلِيكٌ بلا عِوَضٍ، أشْبَهَ الوَصِيَّةَ.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَصِحَّ هِبَتُه؛ لأنَّه لا يَصِحُّ بَيعه، أشْبَهَ الحَمْلَ في البَطْنِ.
وكذلك يخَرَّجُ في هِبَةِ الطَّيرِ في الهَواءِ، والسَّمَكِ في الماء، إذا كان مَمْلُوكًا.

الجزء: 17 - الصفحة: 41

وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ،

2611 - مسألة: (ولا تَصِح هِبَةُ المَجْهُولِ)

كالحَمْلِ في البَطْنِ، واللَّبَنِ في الضَّرْعِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ مَعْجُوزٌ عن تَسْلِيمِه، فلم تَصِحَّ هِبَتُه، كما لا يَصِحُّ بَيعُه.
وفي الصُّوفِ على الظَّهْرِ وَجْهان، بِناءً علىٍ صِحَّةِ بَيعِه.
ومتى أذِنَ له في جَزِّ الصُّوفِ، وحَلْبِ الشّاةِ، كان إباحَة، وإن وَهَب دُهْنَ سِمْسِمِه قبلَ عَصْرِه، أو زَيتَ زَيتُونِه، أو جَفْتَه 193، لم يَصِحَّ.
وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ لهم مُخالِفًا.
ولا تَصِحُّ هِبَةُ المَعْلُومِ، كالذي تَحْمِلُ أمَتُه أو شَجَرَتُه؛ لأنَّ الهِبَةَ عَقْدُ تَمْلِيكٍ في الحَياةِ، فلم تَصِحَّ في هذا كلِّه، كالبَيعِ.

الحديث: 2611 - الجزء: 17 - الصفحة: 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: قد ذَكَرْنا أنَّ هِبَةَ المَجْهُولِ لا تَصِحُّ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ أبي داودَ، وحَرْبٍ.
وبه قال الشافعيُّ.
قال شيخُنا 194: ويَحْتَمِلُ أنَّ الجَهْلَ إذا كان مِن الواهِبِ مَنَع الصِّحَّةَ؛ لأنَّه غَرَرٌ في حَقِّه، وإن كان مِن المَوْهُوبِ له لم يَمْنَعْها؛ لأنَّه لا غَرَر في حَقِّه، فلم يُعْتَبَرْ في حَقِّه العِلْمُ بما يُوهَبُ له، كالوَصِيةِ.
وقال مالِكٌ: تصِحُّ هِبَة المَجْهُولِ؛ لأنَّه تبَرُّعٌ، فصَحَّ في المَجْهُولِ، كالنَّذْرِ والوَصِيَّةِ.
ولَنا، أنَّه عَقْدُ تَمْلِيكٍ لا يَصِحُّ تَعْلِيقُه بالشُّرُوطِ، فلم يَصِحَّ في المَجْهُولِ، كالبَيعِ، بخِلافِ النَّذْرِ

الجزء: 17 - الصفحة: 43

وَلَا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ.
وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْط، وَلَا شَرْطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا، نَحْوَ أَلَّا يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا.
والوَصِيَّةِ.
فأمّا (ما لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه) فتَصِحُّ هِبَتُه، في أحَدِ الاحْتِمالين، إذا قُلْنا: إنَّ القَبْضَ ليس بشَرْطٍ في صِحَّةِ الهِبَةِ.
وقد ذَكَرناه.

2612 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ تَعْلِيقُها على شَرْطٍ، ولا شَرْطُ ما يُنافِي مُقْتَضاها، نحوَ أنَّ لا يَبِيعَها ولا يَهَبَها)

لا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الهِبَةِ على شَرْطٍ، لأنَّها تَمْلِيكٌ لعَين في الحَياةِ، فلم يَجُزْ تَعْلِيقُها على شَرْطٍ، كالبَيعِ.
فإن عَلَّقَها على شَرْطٍ، كقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأُمِّ سَلَمَةَ: «إنْ

الحديث: 2612 - الجزء: 17 - الصفحة: 44

وَلَا توْقِيتُهَا، كَقَوْلِهِ: وَهَبْتُكَ هَذَا سَنَةً.
رَجَعَتْ هَدِيَّتنَا إلَى النَّجَاشِيِّ، فَهِيَ لَكِ» (1). كان وَعْدًا، لا هِبَةً.
ومتى شَرَط شَرْطًا يُنافِي مُقْتَضاها، نحوَ أنَّ لا يَبِيعَها ولا يَهَبَها، أو بشَرْطِ أنَّ يَبِيعه أو يَهَبَه، أو أنَّ يَهَبَ فُلانًا شيئًا، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ، رِوايَةً واحِدَةً.
وفي صِحَّةِ الهِبَةِ وَجْهان، بِناءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيعِ.

2613 -

مسألة: (ولا تَوْقِيتُها، كقَوْلِه: وَهَبْتُكَ هذا سَنَةً)

إذا وَقَّتَ الهِبَةَ، كقَوْلِه: وَهَبْتُكَ هذا سَنَةً، ثم يَعُودُ إلَيَّ.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه عَقْدُ تَمْلِيكٍ لعَين، فلم يصِحَّ مُؤْقَّتًا، كالبَيعِ.
فصل: وإن وَهَب أمَةً واسْتَثْنَى ما في بَطنها، صَحَّ في قِياسِ قولِ أحمدَ، في مَن أعْتَقَ أمَةً واسْتَثْنَى ما في بَطنها؛ لأنَّه تَبَرَّعَ بالأمِّ واسْتَثْنَى ما في بَطْنِها،195

الحديث: 2613 - الجزء: 17 - الصفحة: 45

إلا فِي الْعُمْرَى؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ.
أوْ: أَرْقَبْتُكَهَا.
أَوْ: جَعَلْتُهَا لَكَ عُمُرَكَ.
أوْ: حَيَاتَكَ.
فَإنَّهُ يَصِحُّ، وَتَكُونُ لِلْمُعْمَرِ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ.
أشْبَهَ العِتْقَ.
وبه يقولُ في العِتْقِ النَّخَعِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
ويتَخَرَّجُ أنَّ لا يَصِحَّ، كما لو باع أمَةً واسْتَثْنَى ما في بَطْنِها، وقد ذَكَرْناه في البَيعِ (1). وقال أصْحابُ الرأي: تَصِحُّ الهِبَةُ ويَبْطُلُ الاسْتِثَناءُ.
ولَنا، أنَّه لم يَهَبِ الوَلَدَ، فلم يَمْلِكْه المَوْهُوبُ له، كالمُنْفَصِلِ وكالمُوصَى به.

2614 -

مسألة: (إلَّا في العُمْرَى)

والرُّقْبَى (وهو أنَّ يقولَ: أعْمَرْتُكَ هذه الدّارَ.
أو: أرْقَبْتُكَها.
أو: جَعَلْتُها لك عُمُرَكَ.
أو: حَياتَكَ.
فإنه يَصِحُّ، وتكونُ للمُعْمَرِ ولِوَرَثَتِه مِن بعدِه) العُمْرَى والرُّقْبَى، نَوْعان مِن أنْواعِ الهِبَةِ، يَفْتَقِرَان إلى ما يَفْتَقِرُ إليه سائِرُ الهِبَاتِ، مِن الإيجابِ والقَبُولِ والقَبْضِ، أو ما يَقُومُ مَقامَ ذلك عندَ مَن اعْتَبَرهُ.
وصُورَةُ العُمْرَى أنَّ يقولَ: أعْمَرْتُكَ دارِي هذه.
أو: هي لك عُمُرَكَ.196

الحديث: 2614 - الجزء: 17 - الصفحة: 46

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو: ما عِشْتَ.
أو: مُدَّةَ حَياتِكَ.
أو: ما حَيِيتَ.
أو نحوَ هذا.
سُمِّيَتْ عُمْرَى لِتَقْيِيدِ ما بالعُمُرِ.
والرُّقْبَى أنَّ يقولَ: أرْقَبْتُكَ هذه الدّارَ.
أو: هي لك حَياتَكَ، على أنَّكَ إن مِتَّ قبلِي عادت إلَيَّ، وإن مِت قبلَك، فهي لك ولعَقِبِك.
فكأنَّه يقولُ: هي لآخِرِنا مَوْتًا.
ولذلك سُمِّيَتْ رُقْبَى؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَرْقُبُ مَوْتَ صاحِبِه.
وهما جائِزان في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
وحُكِيَ عن بعضِهم أنَّها لا تَصِحُّ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُعْمِرُوا وَلَا تُرْقِبُوا» 197. ولَنا، ما روَى جابِرٌ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «العُمْرَى جَائِزَةٌ لِأهْلِها، والرُّقْبَى جَائِزَة لِأهْلِها».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 198. وقال: حديثٌ حَسَنٌ.
فأمّا النَّهْي فإنَّما وَرَد على وَجْهِ الإِعْلامِ لهم إنَّكم إن أعْمَرْتُمْ أو أرْقَبْتُم يَعُدْ للمُعْمَر والمُرْقَبِ، ولم يَعُدْ إليكم منه شيءٌ.
وسِياقُ الحديثِ يَدُلُّ عليه، فإنَّه قال: «فمَنْ أعْمَرَ عُمْرَى، فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَها حَيًّا ومَيِّتًا وعَقِبِهِ».
ولو أُرِيدَ به حَقِيقةُ النَّهْي، لم يَمْنَعْ ذلك صِحَّتَها، فإنَّ النَّهْيَ إنَّما يَمْنَعُ صِحَّةَ ما يُفِيدُ المَنْهِيُّ

الجزء: 17 - الصفحة: 47

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عنه فائِدَةً، أمّا إذا كان صِحّةُ المَنْهِيِّ عنه 199 ضَرَرًا على مُرْتَكِبِه، لم يَمْنَعْ صِحَّتَه، كالطَّلاقِ في زَمَنِ الحَيضِ، وصِحّةُ العُمْرَى ضَرَر على المُعْمِرِ، فإنَّ مِلْكَه يَزُولُ بغيرِ عِوَضٍ.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّ العُمْرَى تَنْقُلُ المِلْكَ إلى المُعْمَرِ.
وبهذا قال جابِرُ بنُ عبدِ الله، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، وشُرَيحٌ، ومجاهِدٌ، وطاوُسٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ وأصحابُ الرَّأْي.
ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ.
وقال مالِكٌ، واللَّيثُ: العُمْرَى تَمْلِيكُ المَنافِعِ، لا تُمْلَكُ بها رَقَبَةُ المُعْمِرِ بحالٍ، ويكونُ للمُعْمَرِ السُّكْنَى، فإذا 200 مات، عادت إلى المُعْمِرِ.
وإن قال: له ولعَقِبِه.
كان سُكْناها لهم، فإذا انْقَرَضُوا عادت إلى المُعْمِرِ.
واحْتَجُّوا 201 بما روَى يَحْيَى بنُ سعيدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسِمِ، قال: سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَسْألُ القاسِمَ بنَ محمدٍ عن العُمْرَى،

الجزء: 17 - الصفحة: 48

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ما يقولُ الناسُ فيها؟ فقال القاسِمُ: ما أدْرَكْتُ النَّاسَ إلَّا على شُروطِهِم في أمْوالِهم، وما أعْطَوْا.
وقال إبراهيمُ الحَرْبِيُّ، عن ابنِ الأعْرابِيِّ: لم يَخْتَلِفِ العَرَبُ في العُمْرَى، والرُّقْبَى، والإِفْقارِ 202، والمِنْحَةِ 203، والعارِيَّةِ، والسُّكْنَى، والإِطْراقِ، أنَّها على مِلْكِ أرْبابِها، ومَنافِعُها لمَن جُعِلَتْ له.
ولأنَّ التَّمْلِيكَ لا يَتَأقَّتُ، كما لو باعَه إلى مُدَّةٍ، فإذا كان لا يَتأقَّتُ حُمِل قَوْلُه على تَمْلِيكِ المَنافِعِ؛ لأنَّه يَصِحُّ تَوْقِيتُه.
ولنا، ما روَى جابِرٌ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أمْسِكُوا عَلَيكُم أمْوالكُم ولَا تُفْسِدُوهَا، فإنَّه مَنْ أعْمَرَ عُمْرَى فهِيَ لِلَّذِي أعْمِرَهَا حَيًّا ومَيِّتًا ولِعَقِبِه».
رَواه مسلمٌ 204. وفي لَفْظٍ: قَضَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالعُمْرَى لمَن وُهِبَتْ له.
مُتَّفَقٌ عليه 205. وروَى ابنُ ماجه 206، عن ابنِ عُمَرَ، قال: قال

الجزء: 17 - الصفحة: 49

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا رُقْبَى، فَمَنْ أرْقِبَ.
شَيئًا فَهُوَ لَهُ حَيَاتَه وَمَوْتَه».
وعن زيدِ بنِ ثابتٍ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ العمْرَى للوارِثِ 207. وقد روَى مالِكٌ حديثَ العُمْرَى في «مُوَطَّئِه» 208. وهو صحيحٌ رَواه جابِرٌ، وابن عُمَرَ، وابن عباسٍ 209، ومُعاويةُ، وزيدُ بن ثابتٍ، وأبو هُرَيرَةَ 210. وقولُ القاسِمِ لا يُقْبَل في مُخالفَةِ مَن سَمَّينا مِن الصحابةِ والتّابِعِين، فكيف يُقْبَلُ في مُخالفَةِ سَيِّدِ المُرْسَلِين! ولا يَصِحُّ دَعْوَى إجْماعِ أهْلِ المَدِينَةِ، لكَثْرَةِ مَن قال بها منهم، وقَضَى بها طارِقٌ 211 بالمَدِينةِ بأمْرِ عبدِ المَلِكِ بنِ مَرْوانَ.
وقولُ ابنِ الأعْرابِيِّ: إنَّها عندَ العَرَبِ تَمْلِيكُ المَنافِعِ.
لا يَضرُّ إذا نَقَلَها الشَّرْعُ إلى تَمْلِيكِ الرقَبَةِ، كما نَقَل الصلاةَ مِن الدُّعاءِ إلى الأفْعالِ المَنْظومَةِ، ونَقَل الظِّهارَ والإيلاءَ مِن الطَّلاقِ إلى أحْكامٍ مَخْصوصَةٍ.

الجزء: 17 - الصفحة: 50

وَإِنْ شَرَطَ رَجُوعَهَا إلَى الْمُعْمِرِ عِنْدَ مَوْتِهِ، أَوْ قَال: هِيَ لِآخِرِنَا مَوْتًا.
صَحَّ الشَّرْطُ.
وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ، وَتَكُونُ لِلْمُعْمَرِ وَلِوَرَثَتِهِ.
قَوْلُهم: إنَّ التَّمْلِيكَ لا يتَأقَّت.
قلْنا: فلذلك أبْطَلَ الشَّرْعُ تَأْقِيتَها، وجَعَلَها تَمْلِيكًا مُطْلَقًا.
فإن قال في العُمْرَى: إنَّها للمُعْمَرِ وعَقِبِه.
كان تَوْكِيدًا لحُكْمِها، وتكون للمُعْمَرِ ولوَرَثَتِه.
وهو قول جَمِيعِ القائِلِين بها.

2615 -

مسألة: (وإن شَرَط رُجُوعَها إلى المُعْمِرِ عندَ مَوْتِه، أو قال: هي لآخِرِنا مَوْتًا. صَحَّ الشَّرْط. وعنه، لا يَصِحُّ، وتكون للمُعْمَرِ ولِوَرَثَتِه)

مِن بعدِه.
أمّا إذا شَرَط رُجُوعَها إلى المُعْمِرِ عندَ مَوْتِه، أو قال: هي لآخِرِنا مَوْتًا.
أو: إذا مِتَّ عادَتْ إلَيَّ إن كُنْتُ حَيًّا.
أو: إلى وَرَثَتِي.
ففيها رِوايتان؛ إحْداهما، صِحَّةُ العَقْدِ والشرْطِ، ومتى مات المُعْمَر رَجَعَتْ إلى المُعْمِرِ.
وبه قال القاسِمُ بن محمدٍ، ويزيدُ بنُ

الحديث: 2615 - الجزء: 17 - الصفحة: 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قُسَيطٍ 212، والزُّهْرِيُّ، وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، وابنُ أبي ذِئْبٍ، ومالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لِما روَى جابِرٌ، قال: إنَّما العُمْرَى التي أجاز رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أَن يقولَ: هي لَكَ ولعَقِبِكَ.
فأمّا إذا قال: هي لك ما عِشْتَ.
فإنَّها تَرْجِعُ إلى صاحِبِها.
مُتَّفَقٌ عليه 213. وروَى مالِكٌ في «مُوَطَّئِه» 214، عن جابِرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَيُّمَا رَجُل أعْمَرَ عُمْرَى لَهُ ولِعَقِبِه، فإنَّها لِلذِي أُعْطِيَها، لَا تَرْجِعُ إلى مَنْ أعْطَاهَا».
لأنَّه أعْطَى عَطاءً وَقَعَتْ فيه المَوارِيثُ.
ولقولِ النبيِّ

الجزء: 17 - الصفحة: 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى الله عليه وسلم -: «المُؤمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» 215. وقال القاسِمُ بنُ محمدٍ: ما أدرَكْتُ النَّاسَ إلَّا على شُرُوطِهم في أمْوالِهم.
والثانيةُ، أنها تكونُ للمُعْمَرِ أيضًا ولوَرَثَتِه، ويَبْطُلُ الشَّرْطُ.
وهو قولُ الشافعيِّ الجَدِيدُ 216، وأبي حنيفةَ.
قال شيخُنا 217: وهو ظاهِرُ المَذْهَبِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ أبي طالبٍ؛ للأحاديثِ المُطْلَقةِ التي ذَكَرْناها، ولقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا رُقْبَى، فمَنْ أُرْقِبَ شَيئًا فَهُوَ لَه حَيَاتَه وَمَوْتَه».
قال مجاهِدٌ: والرُّقبَى، هو أنَّ يقولَ: هي للآخِرِ مِنِّي ومنك مَوْتًا.
قال مجاهدٌ: سُمِّيَت بذلك؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَرْقُبُ مَوْتَ صاحِبِه.
وروَى الإمامُ أحمدُ 218، بإسْنادِه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لَا عُمْرَى وَلَا رُقْبَى، فمَنْ أُعْمِرَ شَيئًا أوْ أُرْقِبَه فَهُوَ لَهُ حَيَاتَهُ ومَوْتَهُ».
وهذا صَرِيحٌ في إبْطالِ الشَّرْطِ؛ لأنَّ الرُّقْبَى يُشْتَرَطُ فيها عَوْدُها إلى المُرقِبِ إن مات الآخَرُ قبلَه.

الجزء: 17 - الصفحة: 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأمّا حديثُهم الذي احْتَجُّوا به، فمِن قولِ جابِر نَفْسِه، وإنَّما نَقْلُ لَفْظِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمْسِكُوا عَلَيكُمْ أمْوالكُمْ ولا تُفْسِدُوَها، فإنَّه مَنْ أعْمَرَ عُمْرَى، فَهِيَ للَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا ومَيِّتًا، ولِعَقِبِه».
ولأنَّنا لو أجَزْنا هذا الشَّرْطَ، كانت هِبَةً مُؤقَّتَة، والهِبَةُ لا يجوزُ فيها التَّأْقِيتُ، وإنَّما لم يُفسِدْها الشَّرْطُ؛ لأنَّه ليس بشَرْطٍ على المُعْمَرِ، وإنَّما شَرْطُ ذلك على وَرَثَتِه، ومتى لم يكنِ الشَّرْطُ مع المَعْقُودِ معه، لم يُؤثِّرْ فيه.
وأمّا 219 قَوْلُه في الحديثِ الآخرِ: لأنَّه أعْطَى عَطاءً وَقَعَتْ فيه المَوارِيثُ.
فهذه الزِّيادَةُ مِن كَلامِ أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، كذلك رَواهُ ابنُ أبي ذِئْبٍ، وفَصَّلَ هذه الزِّيادَةَ فقال عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنَّه مضَى في مَن أُعْمِرَ عُمْرَى له ولعَقِبه فهي له بَتْلَةً 220، لا يَجُوزُ للمُعْطِي فيها شَرْط ولا مَثْنَويَّة 221. قال أبو سَلَمَةَ: لأنَّه أعْطَى عَطاءً وَقَعَتْ فيه المَوارِيثُ 222.

الجزء: 17 - الصفحة: 54

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والرُّقْبَى كالعُمْرَى.
قال أحمدُ: هي أنَّ يقولَ»: هي لك حَياتَك، فإذا مِتَّ فهي لفُلانٍ.
أو: هي راجِعَة إلَيَّ.
وهي كالعُمْرَي فيما إذا شَرَط عَوْدَها إلى المُعْمِر.
قال عل، رَضِيَ اللهُ عنه: العُمْرَى والرُّقْبَى سواءٌ.
وقال طاوُسٌ: مَن ارقِبَ شيئًا فهو سَبِيلُ المِيراثِ.
وقال الزُّهْرِيُّ: الرُّقْبَى وَصِيَّة.
يَعْنِي أنَّ مَعْناها إذا مِتُّ فهذا لك.
وقال الحسنُ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ: الرُّقْبَى باطِلَةٌ؛ لِما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أجاز العُمْرَى، وأبْطَلَ الرُّقْبَى 223. ولأنَّ مَعْناها أنَّها للآخِرِ مِنّا، وهذا تَمْلِيكُ مُعَلَّقٌ بخَطَرٍ، ولا

الجزء: 17 - الصفحة: 55

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَجُوزُ تَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ بالخَطرِ.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ، وحديثُهم لا نعْرِفُه، ولا نُسَلِّمُ أنَّ مَعْناها ما ذكَرُوه، بل مَعْناها أنَّها لك حَياتَكَ، فإن مِتَّ رَجَعَتْ إلَيَّ، فتكونُ كالعُمْرَى سَواءً، [إلَّا أنَّه] 224 زاد شَرْطَها لوَرَثَةِ المُرْقَبِ إن مات المُرْقَبُ قبلَه، وهذا يُبَيِّنُ تَأْكِيدَها على العُمْرَى.
فصل: وتَصِحُّ العُمْرَى في الحَيَوانِ والثِّياب؛ لأنها نَوْعُ هِبَةٍ، فصَحَّت في ذلك، كسائرِ الهِباتِ.
وقد رُوِيَ عن أحَمدَ، في الرجلِ يُعْمَرُ الجارِيةَ، أنَّه قال: لا أرَى له وَطْأها.
قال القاضي: لم يَتَوَقَّفْ أحمدُ في وطْءِ الجارِيَةِ لعَدَمِ المِلْكِ فيها، لكنْ على طَرِيقِ الوَرَعِ؛ لكونِ الوَطْءِ اسْتِباحَةَ فرْجٍ، وقد اخْتُلِفَ في العُمْرَى، فجعَلَها بعضُهم تَمْلِيكَ المَنافِعِ، فلم يَرَ له وَطْأَها لهذا، ولو وَطِئَها، جاز.
فصل: وقد ذَكَرْنا أنَّه لو وَقَّتَ الهِبَةَ في غيرِ العُمْرَى والرُّقْبَى كقَوْلِه: وَهَبْتُكَ هذا سَنَةً.
أو: إلى أن يَقْدَمَ الحاجُّ.
أو: إلى أنَّ يَبْلُغَ وَلَدِي.
أو:

الجزء: 17 - الصفحة: 56

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُدَّةَ حَياةِ فُلانٍ.
ونحوَ هذا، لم يَصِحَّ؛ لأنَّها تَمْلِيكْ للرَّقَبَةِ، فلم تَصِحَّ مُؤقَّتَةً، كالبَيعِ، وتُفارِقُ العُمْرَى والرُّقْبَى؛ لأنَّ الإنْسانَ إنَّما يَمْلِكُ الشيءَ عُمُرَه، فإذا مَلَكَه عُمُرَه فقد وَقَّتَه بما هو مُوقَّتٌ به في الحَقِيقةِ، فصار ذلك كالمُطْلَقِ.
فصل: فأمّا إن قال: سُكْناها لك عُمُرَك.
فله أخْذُها في أيِّ وَقْتٍ أحَبَّ.
وكذلك إن قال: اسْكُنْها.
أو: أسْكَنْتُكَهَا عُمُرَكَ.
أو نحوَ ذلك، فليس هذا عَقْدًا لازِمًا؛ لأنَّه في التَّحْقِيقِ هِبَةُ المَنافِعِ، والمَنافِعُ إنما تُسْتَوْفَى بمُضِيِّ الزَّمانِ شيئًا فشيئًا، فلا تَلْزَمُ إلَّا في قَدْرِ ما قَبَضَه منها واسْتَوْفاه بالسُّكْنَى.
فعلى هذا، للمُسْكِنِ الرُّجُوعُ متى شاء، وتَبْطُلُ بمَوْتِ مَن مات منهما.
وبه قال أكثَرُ أهلِ العِلْمِ؛ منهم الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال الحسنُ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ: هي كالعُمْرَى، يَثْبُتُ فيها مِثْلُ حُكْمِها.
وحُكِيَ عن الشَّعْبِيِّ، أنَّه قال: إذا قال: هي لك، اسْكُنْ حتى تَمُوتَ.
فهي له حَياتَه ومَوْتَه.
وإن قال: دارِي هذه اسْكُنْها حتى تَمُوتَ.
فإنَّها تَرْجِعُ إلى صاحِبِها؛ لأنَّه إذا قال: هي 225 لك.
فقد جَعَل له رَقَبَتَها، فتكون عُمْرَى.
وإذا قال: اسْكُنْ دارِي هذه.
فإنَّما جَعَل له نَفْعَها دُونَ رَقَبَتِها، فتكونُ عارِيَّةً.
ولَنا، أنَّ هذا إباحَةُ المَنافِعِ، فلم يَقَعْ لازِمًا، كالعارِيَّةِ، وفارَقَ العُمْرَى؛ فإنَّها هِبَةُ الرَّقَبةِ.
فأمّا قَوْلُه: هذه لك، اسْكُنْها حتى

الجزء: 17 - الصفحة: 57

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَمُوتَ.
فإنَّه يَحْتَمِلُ، لك سُكْنَاها حتى تَمُوتَ.
وتَفْسِيرُها بذلك دَلِيل على أنَّه أراد السُّكْنَى، فأشْبَهَ ما لو قال: هذه لك سُكْنَاها.
وإذا احْتَمَل أنه يُرِيدُ به الرَّقَبَةَ، واحْتَمَلَ أنَّ يُرِيدَ السُّكْنَى، فلا نُزِيلُ مِلْكَه بالاحْتِمالِ.
فصل: إذا وَهَب هِبَةً فاسِدَةً، أو باع بَيعًا فاسِدًا، ثم وَهَب تلك العَينَ، أو باعَها بعَقْدٍ صحيحٍ مع عِلْمِه بفَسادِ الأوَّلِ، صَحَّ العَقْدُ الثانِي؛ لأنَّه تَصَرَّفَ في مِلْكِه عالِمًا بأنه مِلْكُه.
وإنِ اعْتقَدَ صِحَّةَ العَقْدِ الأوَّلِ، ففي الثَّانِي وَجْهان؛ أحَدُهما، صِحَّتُه؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ صادَفَ مِلْكَه وتَمَّ 226 بشُرُوطِه، فصَحَّ 227، كما لو عَلِم فَسادَ الأوَّلِ.
والثانِي، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه تَصَرَّفَ تَصَرُّفًا يَعْتَقِدُ فَسادَه، ففَسَدَ، كما لو صَلَّى يَعْتَقِدُ أنَّه مُحْدِثٌ، فبان مُتَطَهِّرًا.
وهكذا لو تَصَرَّفَ في عَين يَعْتَقِدُ أنَّها لأبيه، فبان أنَّه قد مات ومَلَكَها الوارِثُ، أو غَصَب عَينًا، فباعَها يَعْتَقِدُها مَغْصُوبَةً، فبان أنَّها مِلْكُه، فعلى الوَجْهَين.
قال القاضي: أصْلُ الوَجْهَين مَن باشَرَ امرأةً بالطَّلاقِ يَعْتَقِدُها أجْنَبِيَّةً، فبانَتِ امْرأتَه، أو باشَرَ بالعِتْقِ مَن يَعْتَقِدُها حُرَّةً، فبانَتْ أمَتَه، ففي وُقُوعِ الطَّلاقِ والحُرِّيَّةِ رِوايَتان وللشّافِعِيَّةِ في هذه المَسْألةِ وَجْهان، كما حَكَينا.
واللهُ أعلمُ.

الجزء: 17 - الصفحة: 58

فَصْلٌ: وَالْمَشْرُوعُ فِي عَطِيَّةِ الأوْلَادِ الْقِسْمَةُ بَينَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (والمَشْرُوعُ في عَطِيَّةِ الأوْلادِ القِسْمَةُ بينَهم على قَدْرِ مِيراثِهم) ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في اسْتِحْبابِ التَّسْويَةِ بينَهم، وكَراهِيَةِ التَّفْضِيلِ.
قال إبراهيمُ: كانُوا يَسْتَحِبُّون التَّسْويَةَ بينَهم حتى في القُبَلِ.
إذا ثَبَت هذا، فالتَّسْويَةُ المُسْتَحَبَّةُ أنَّ يَقْسِمَ بينَهم على حَسَبِ قِسْمَةِ اللهِ تعالى المِيراثَ، للذكَرِ مثلُ حَظ الأُنْثَيَين.
وبه قال عَطاءٌ، وشُرَيحٌ، وإسحاقُ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
قال شرَيحٌ لرجلٍ قَسَمَ ماله بينَ وَلَدِه: ارْدُدْهم إلى سِهامِ الله وفَرائضِه.
وقال عَطاءٌ: ما كانُوا يَقْسِمُون إلَّا على كِتابِ اللهِ تعالى.
وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُبارَكِ: يُعْطِي الأُنثَى مثلَ ما يُعْطِي الذَّكَرَ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لبَشِيرِ بنِ سَعْدٍ: «سَوِّ بَينَهُم».
وعَلَّلَ ذلك بقَوْلِه: «أُيسُرُّكَ

الجزء: 17 - الصفحة: 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنْ يَسْتَوُوا فِي بِرِّكَ».
فقال: نعمَ.
قال «فَسَوِّ بَينَهُم» 228. والبِنْتُ كالابنِ في اسْتِحْقاقِ برِّها، فكذلك في عَطِيَّتها.
وعن ابنِ عباسٍ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «سَوُّوا بَينَ أوْلَادِكُمْ فِي العَطِيَّةِ، ولَوْ كُنْتُ مُؤْثِرًا أحَدًا لآثرْتُ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَال».
رَواه سعيدٌ في «سُنَنِه» 229. ولأنَّها عَطِيَّةٌ في الحَياةِ، فاسْتَوَى فيها الذَّكَر والأُنْثَى، كالنَّفَقَةِ والكُسْوَةِ.
ولَنا، أنَّ اللهَ تَعالى قَسَمَ بينَهم، فجَعَلَ للذَّكَرِ مثلَ حَظِّ الأُنْثَيَينِ، وأوْلَى ما اقْتُدِيَ به قِسْمةُ الله تعالى، ولأنَّ العَطِيَّةَ في الحَياةِ إحْدَى حالتَي العَطيَّةِ، فيُجْعَلُ للذَّكَرِ منها مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَينِ، كحالةِ المَوْتِ، يَعْني المِيراثَ، يُحَقِّقه أنَّ العَطِيَّةَ اسْتِعْجالٌ لِما يكونُ بعدَ المَوْتِ، فيَنْبَغِي أنَّ تكونَ على حَسَبِه، كما أنَّ مُعَجِّلَ الزكاةِ قبلَ وُجُوبِها يُؤَدِّيها على صِفَةِ أدائِها بعدَ وُجُوبِها،

الجزء: 17 - الصفحة: 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وكذلك الكَفّاراتُ المُعَجَّلَةُ، ولأنَّ الذَّكَرَ أحْوَجُ مِن الأُنْثَى، مِن قِبَل أنَّهما إذا تَزَوَّجا جَمِيعًا، فالصَّداقُ والنَّفَقَةُ ونَفَقَةُ الأوْلادِ على الذَّكرِ، والأُنْثَى لها ذلك، فكان أوْلَى بالتَّفْضِيلِ؛ لزيادَةِ حاجَتِه، وقد قَسَمَ اللهُ المِيراثَ، فَفَضَّلَ الذَّكَرَ مَقْرُونًا بهذا المَعْنَى، فيُعَلَّلُ به، ويتَعَدَّى ذلك إلى العَطِيَّةِ في الحَياةِ.
وحديثُ بَشِيرٍ قَضِيَّةُ عَينٍ، وحِكايَةُ حالٍ لا عُمُومَ لها، إنَّما يَثْبُتُ حُكْمها في مِثْلِها، ولا نَعْلَم حال أوْلادِ بَشِيرٍ، هل كان فيهم أُنْثَى أوْ لا.
ولَعَلَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد عَلِم أنَّه ليس له إلَّا ولَدٌ ذَكَرٌ.
ثم تُحْمَلُ التّسْويَةُ على القِسْمَةِ على كِتاب اللهِ تعالى.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد التَّسْويَةَ في أصْلِ العَطاءِ لا في صِفَتِه، فإنَّ التسْويَةَ لا تَقْتَضِي التَّسْويَةَ مِن كلِّ وَجْهٍ، وكذلك الحديث الآخَرُ، ودَلِيلُ ذلك قولُ عَطاءٍ: ما كانُوا يَقْسِمُونَ إلَّا على كِتابِ اللهِ تعالى.
وهذا خَبَرٌ عن جَميعِهم.
على أنَّ الصحيحَ في خَبَرِ ابنِ عباسٍ أنَّه مُرْسَلٌ.

الجزء: 17 - الصفحة: 61

فَإِنْ خَصَّ بَعْضَهُمْ أوْ فَضَّلَهُ، فَعَلَيهِ التَّسْويَةُ بِالرُّجُوعِ أَوْ إِعْطَاءِ الْآخَرِ حَتَّى يَسْتَوُوا.

2616 - مسألة: (فإن خَصَّ بعضَهم أو فَضَّلَه، فعليه التَّسْويَةُ بالرُّجُوعِ أو إعْطاءِ الآخَرِ حتى يَسْتَوُوا)

قد ذَكَرْنا أنَّ المَشْرُوعَ أنَّ يُسَوِّيَ بينَ أوْلادِه في العَطيَّةِ على قَدْرِ مِيراثِهم، فإن خَصَّ بعضَهم بعَطِيَّتِه، أو فاضَلَ بينَهم، أثِمَ، إذا لم يَخْتَصَّ بمَعْنًى يُبِيحُ التَّفْضِيلَ، ووَجَب عليه التَّسْويَةُ، إمّا برَدِّ ما فَضَّلَ به البعضَ، أو إعْطاءِ الآخَرِ حتى يُتِمَّ نَصِيبَه.
قال طاوُسٌ: لا يَجُوزُ ذلك، ولا رَغِيفٌ مُحْتَرِقٌ.
وبه قال ابنُ المُبارَكِ.

الحديث: 2616 - الجزء: 17 - الصفحة: 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ورُوِيَ مَعْناه عن مُجاهِدٍ، وعُرْوَةَ.
وكان الحَسَنُ يَكْرَهُه، ويُجيزُه 230 في القَضاءِ.
وقال مالِك، واللَّيثُ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وَأصحابُ الرَّأي: يَجُوزُ ذلك.
ورُوِيَ مَعْنَى ذلك عن شُرَيح، وجابرِ بنِ زيدٍ، والحسنِ بنِ صالِحٍ؛ لأنَّ أبا بكر، رَضِيَ الله عنه، نَحَل عائشةَ ابْنَتَه جذاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا دُونَ سائِرِ وَلَدِه 231. واحْتَجَّ الشافعيُّ بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ النُّعْمانِ بنِ بَشِير: «أشْهدْ عَلَى هَذَا غَيرِي».
فأمَرَه بتَأَكِيدِها دُونَ الرُّجُوعِ فيها.
ولأنَّها عَطِيَّةٌ تَلْزَمُ بمَوْتِ الأبِ، فكانت جائِزةً، كما لو سَوَّى بينَهم.
ولَنا، ما روَى النُّعْمانُ بنُ بَشِير، قال: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أبي ببعضِ مالِه، فقالت أمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَواحَةَ: لا أرْضَى حتى تُشْهِدَ عليها رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فجاء بِي إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ليُشْهِدَه على صَدَقَتِي، فقال: «أكُلَّ وَلَدِكَ أعْطَيتَ مِثْلَه؟».
قال: لا.
قال: «فَاتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَينَ أوْلادِكُمْ».
قال: فَرَجَعَ أبي فرَدَّ تلك الصَّدَقَةَ.
وفي لَفْظٍ قال: «فَارْدُدْهُ».
وفي لَفْظٍ: «فَأرْجِعْهُ».
وفي لَفْظٍ: «لا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ» وفي لَفْظٍ: «فلا تُشْهِدْنِي إذًا».
وفي لفظٍ: «فَأشْهِدْ عَلَى

الجزء: 17 - الصفحة: 64

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هَذَا غَيرِي».
وفي لَفْظٍ: «سَوِّ بَينَهُم».
مُتفَق عليه 232. وهو 233 دَلِيلٌ على التَّحْرِيمِ؛ لأنَّه سَمَّاه جَوْرًا وأمَرَه برَدِّه، وامْتَنَعَ مِن الشَّهادَةِ عليه، والجَوْرُ حَرامٌ، والأمْرُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ، ولأنَّ تَفْضِيلَ بعضِهم يُورِثُ بينَهم العَداوَةَ والبَغْضاءَ وقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، فمُنِعَ منه، كَتَزْويجِ المرأةِ على عَمَّتِها وخَالتِها.
وقولُ أبي بكر لا يُعارِضُ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يُحْتَجُّ بهْ معه.
ويَحْتَمِلُ أنَّ أبا بكر، رَضِيَ اللهُ عنه، خَصَّها لحاجَتِها وعَجْزِها عن الكَسْبِ والتَّسَبُّبِ، مع اخْتِصاصِها بفَضْلِها وكونِها أمَّ المُؤْمِنِين، وغيرِ ذلك مِن فَضائِلِها.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ نَحَلَها ونَحَل غيرَها مِن وَلَدِه، أو نَحَلَها وهو يُرِيدُ أنَّ يَنْحَلَ غيرَها، فأدْرَكَه المَوْت قبلَ ذلك.
ويتَعَيَّنُ حَمْلُ حَدِيثِه على أحَدِ هذه الوُجُوهِ؛ لأنَّ حَمْلَه على مِثْلِ مَحَلِّ

الجزء: 17 - الصفحة: 65

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النِّزاعِ مَنْهِيٌّ عنه، وأقَلُّ أحْوالِه الكَراهَةُ، والظّاهِرُ مِن حالِ أبي بكر، رَضِيَ الله عنه، اجْتِنابُ المَكْرُوهاتِ، وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فأَشْهِدْ عَلَى هذا غَيرِي»: ليس بأمْرٍ؛ لأن أدْنَى أحْوالِ الأمْرِ الاسْتِحْبابُ والنُّدْبُ، ولا خِلافَ في كَراهَةِ هذا.
وكيف يَجُوزُ أن يَأْمُرَ بتَأْكِيدِه مع أمْرِه برَدِّه، وتَسْمِيته إيّاه جَوْرًا؟ وحَمْلُ الحديثِ على هذا حَمْلٌ لحديثِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على التناقُضِ، ولو أمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بإشْهادِ غيرِه، لامْتَثَلَ بَشِيرٌ أمْرَه، ولم يَرُدُّه، وإنَّما هو تَهْدِيدٌ له [على هذا] 234، فيُفيدُ ما أفادَه النَّهْيُ عن إتْمامِه.
فصل: فأمّا إن خَصَّ بعضَهم لمَعْنًى يَقْتَضِيه تَخْصِيصُه؛ مِن حاجَةٍ، أو زَمانَةٍ، أو عَمًى، أو كَثْرةِ عائِلَةٍ، أو لاشْتِغالِه بالعِلْمِ، أو صَرَف عَطِيَّتَه عن بعضِ وَلَدِه؛ لفِسْقِه، أو بِدْعَتِه، أو 235 لكونِه يَعْصِي اللهَ تعالى بما يَأْخُذُه، فقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على جَوازِ ذلك؛ فإَّنه قال، في تَخْصِيصِ بعضِهم بالوَقفِ: لا بَأْس إذا كان لحاجَةٍ، وأكْرَهُه إذا كان

الجزء: 17 - الصفحة: 66

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على سَبِيلِ الأثَرَةِ.
والعَطِيَّةُ في مَعْناه.
ويَحْتَمِلُ ظاهِرُ لَفْظِه المَنْعَ مِن التَّفْضِيلِ على كلِّ حالٍ، لكونِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَسْتَفْصِلْ بَشِيرًا في عَطِيَّتِه.
قال شيخُنا 236: والأوَّلُ أوْلَى إن شاء الله؛ لحديثِ أبي بكر، ولأنَّ بعضَهم اخْتَصَّ بمَعْنًى يَقْتَضِي العَطِيَّةَ، فجاز أن يَخْتَصَّ بها، كما لو اخْتَصَّ بالقَرابَةِ، وحديثُ بَشِير قَضِيَّة في عَين لا عُمُومَ لها، وتَرْكُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الاسْتِفْصال يَجُوزُ أنَّ يكونَ لعِلْمِه بالحالِ.
فإن قِيلَ: لو عَلِم الحال لَما قال: «ألَكَ وَلَدٌ غَيرُهُ؟».
قُلْنا: يَجُوزُ أنَّ يكونَ السُّؤالُ ههُنا لبَيانِ العِلَّةِ، كما قال، عليه الصلاةُ والسَّلامُ، للذي سَأله عن بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ: «أيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذا يَبِسَ؟» قال: نعم.
قال: «فَلَا إذًا» 237. وقد عَلِم أنَّ الرُّطَبَ يَنْقُصُ، لكنْ نبَّهَ السّائِلَ بهذا على عِلَّةِ المَنْعِ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: والأمُّ في المَنْعِ مِن المُفاضَلَةِ بينَ أوْلادِها كالأبِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بين أوْلَادِكُمْ».
ولأنَّها أحَدُ الوالِدَين، أشْبَهَتِ الأبَ، ولأنَّ ما يَحْصُلُ بتَخْصِيص الأبِ بعضَ وَلَدِه مِن الحَسَدِ والتَّباغُضِ، يُوجَدُ مِثْلُه في تَخْصِيصِ الأمِّ، فيَثْبُتُ لها مِثْلُ حُكْمِه في ذلك.

الجزء: 17 - الصفحة: 67

فَإن مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثَبَتَ لِلْمُعْطَى.
وَعَنْة، لَا يَثْبُت، وَلِلْبَاقِينَ الرُّجُوعُ.
اخْتَارَة أَبُو عَبْدِ اللهِ بن بَطَّةَ.

2617

  • مسألة:

(وإن مات قبلَ ذلك، ثَبَت للمُعْطَى.
وعنه، لا يَثْبُتُ، وللباقِينَ الرُّجُوعُ.
اخْتارَه أبو عبدِ اللهِ بن بَطَّةَ) إذا فاضَلَ بينَ وَلَدِه في العَطايا، أو خصَّ بعضَهم بعَطيَّةٍ، ثم مات قبلَ أنَّ يَسْتَرِدَّه، ثَبَت ذلك للمَوْهُوبِ له، ولَزِم، وليس لبَقِيَّةِ الوَرَثَةِ الرُّجُوعُ.
هذا المَنْصُوصُ عن أحمدَ، في رِوَايَةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ، والمَيمُونِيِّ.
واخْتارَه الخَلَّالُ،

الحديث: 2617 - الجزء: 17 - الصفحة: 68

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وصاحِبُه أبو بكر.
وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، وأكْثَرُ أهلِ العلمِ.
وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
وفيه روايَةٌ أُخْرَى، أنَّ لباقي الوَرَثَةِ أنَّ يَرْتَجِعُوا ما وَهَبَه.
اخْتارَه أبو عبدِ اللهِ بنُ بَطَّةَ وأبو حَفْص العُكْبَرِيّانِ.
وهو قولُ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيرِ، وإسحاقَ.
قال أحمدُ: عُرْوَةُ قد روَى الأحاديثَ الثلاثةَ؛ حديثَ عائشةَ، وحديثَ عُمَرَ، وحديثَ عُثْمانَ 238، وتَرَكَها وذَهَب إلى حديثِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، يُرَدُّ في حَياةِ الرجلِ وبعدَ مَوْتِه 239. وهو قولُ إسحاقَ، إلَّا أنَّه قال: إذا مات الرجلُ فهو مِيراثٌ بينَهم، لا يَسَعُ أنَّ يَنْتَفِعَ أحَدٌ بما أُعْطِيَ دُونَ إخْوَتِه وأخَواتِه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سَمَّى ذلك جَوْرًا بقَوْلِه لبَشِير: «لا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ».
والجَوْرُ لا يَحِلُّ للفاعِلِ فِعْلُه، ولا للمُعْطَى تَناوُلُه، والمَوْت لا يُغَيِّرُه عن

الجزء: 17 - الصفحة: 69

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كونِه جَوْرًا حَرامًا، فيَجِبُ رَدُّه، ولأنَّ أبا بكر وعُمَرَ أمَرَا قَيسَ بنَ سَعْدٍ برَدِّ قِسْمَه أبيه حينَ وُلِد له وَلَدٌ لم يكنْ عَلِمَ به ولا أعْطاه شيئًا، وكان ذلك بعدَ مَوْتِ سَعْدٍ، فرَوَى سعيدٌ 240 بإسْنادِه مِن طَرِيقَين، أنَّ سعدَ بنَ عُبادَةَ قَسَمَ ماله بينَ أوْلادِه وخَرَج إلى الشّام، فمات بها، ثم وُلِدَ له بعدَ ذلك وَلَدٌ، فمَشَى أبو بكرٍ وعُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عنهما، إلي قَيسِ بنِ سعدٍ فقالا: إنَّ سعدًا قَسَمَ ماله، ولم يَدْرِ ما يكونُ، وإنّا نَرَى أنَّ تَرُدَّ هذه القِسْمَةَ.
فقال: لم أكُنْ لأُغَيِّرَ شيئًا صَنَعَه سعدٌ، ولكنْ نَصِيبِي له.
وهذا مَعْنَى الخَبَرِ.
وَوَجْهُ الرِّوايةِ الأولَى قولُ أبي بكر لعائشةَ، رَضِيَ الله عنهما، لمّا نَحَلَها نَخْلًا 241: وَدَدْتُ لو 242 أنَّكِ كُنْتِ حُزْتِيه 243. فيَدُلُّ على أنَّها لو كانت حازَتْه لم يكُنْ لهم الرُّجُوعُ.
وقال عُمَرُ: لا نِحْلَةَ إلَّا نِحْلَةٌ يَحُوزُها الوَلَدُ دُونَ الوالِدِ.
ولأنَّها عَطِيَّة لوَلَدِه، فلَزِمَتْ بالمَوْتِ، كما لو انْفَرَدَ، ولأنَّه حَقٌّ للأَب يتعَلَّقُ بمالِ الوَلَدِ، فسَقَطَ بمَوْتِه، كالأخْذِ مِن مالِه.

الجزء: 17 - الصفحة: 70

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وليس عليه التَّسْويَةُ بينَ سائِرِ أقارِبِه، ولا إعْطاؤُهم على قَدْرِ 244 مِيراثِهم، سَواءٌ كانُوا مِن جهَةٍ واحِدَةٍ، كإخْوَةٍ وأخَواتٍ، وبَنِي عَمٍّ، أو مِن جِهاتٍ، كَبناتٍ وأَخَواتٍ وغيرِهم.
وقال أبو الخَطّابِ: المَشْرُوعُ في عَطِيَّةِ سائِرِ الأقارِبِ أن يُعْطيَهم على قَدْرِ مِيراثِهم، كالأوْلادِ فإن خالفَ، فعليه أنَّ يَرْجِعَ أو يَعُمَّهم بالنِّحْلَةِ؛ لأَنهم في مَعْنَى الأوْلادِ، فثَبَتَ فيهم حُكْمُهم.
ولَنا، أنَّها عَطِيَّةٌ لغيرِ الأوْلادِ في صِحَّتِه، فلم تَجِبْ عليه التَّسْويَةُ، كما لو كانُوا غيرَ وارِثِينَ، ولأنَّ الأصْلَ إباحَةُ الإِنْسانِ التَّصَرُّفَ في مالِه كيف شاء، وإنَّما وَجَبَتِ التَّسْويَةُ بينَ الأوْلادِ للخَبَرِ، وليس غيرُهم في مَعْناهم؛ لأنهم اسْتَوَوْا في وُجُوبِ 245 بِرِّ والِدِهم، فاسْتَوَوْا في عَطِيَّتِه، وبهذا عَلَّلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - حينَ قال لِبَشيرٍ: «أيَسُرُّكَ أنْ

الجزء: 17 - الصفحة: 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَسْتَوُوا في بِرِّكَ؟».
قال: نعم.
قال: «فَسَوِّ بَينَهُمْ».
ولم يُوجَدْ هذا في غيرِهم.
ولأن للوالِدِ الرُّجُوعَ فيما أعْطَى وَلَدَه، فيُمْكِنُه أنَّ يُسَوِّيَ بينَهم في الرُّجُوعِ بما أعْطاه لبعضِهم، ولا يُمْكِنُ ذلك في غيرِهِم، ولأنَّ الأولادَ لشِدَّةِ مَحَبَّةِ الوالِدِ لهم، وصَرْفِه ماله إليهم عادَةً، يَتَنافسُون في ذلك، ويَشْتَدُّ عليهم تَفْضِيلُ بعضِهم، ولا يُساويهم في ذلك غيرُهم، فلا يَصِحُّ قِياسُه عليهم، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد عَلِمَ أنَّ لِبَشِير زَوْجَةً، ولم يَأْمُرْه بإعْطائِها شيئًا حينَ أمَرَه بالتَّسْويَةِ بينَ أوْلادِه، ولم يَسْألْه هل لك وارِثٌ غيرُ وَلَدِكَ.

الجزء: 17 - الصفحة: 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن أعْطَى أحَدَ ابْنَيه في صِحَّتِه [ثم أعْطىَ الآخَرَ] 246 في مَرَضِه، فقد تَوَقَّفَ أحمدُ فيه، فإنَّه سُئِل عمَّن زَوَّجَ ابْنَه، فأعْطَى عنه الصَّداقَ، ثم مَرِض الأبُ وله ابن آخَرُ، هل يُعْطِيه في مَرَضِه كما أعْطَى الآخَرَ في صِحَّتِه؟ فقال: لو كان أعْطاه في صِحَّتِه.
فيَحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ عَطِيَتّهَ في مَرَضِه كوَصِيَّته له، ولو وَصَّى له لم يَصِحَّ، فكذلك إذا أعْطاه.
والثاني، يَصِحُّ.
وهو الصَّحِيحُ، إن شاء الله تعالى؛ لأنَّ التَّسْويَةَ بينَهما واجِبَةٌ، ولا طَرِيقَ لها في هذا المَوْضِعِ إلَّا بِعَطِيَّةِ الآخَرِ، فتكونُ واجِبَةً، فتَصِحُّ، كقَضَاءِ دَينِه.
فصل: قال أحمدُ: أحَبُّ إلَيَّ أنَّ لا يَقْسِمَ ماله، ويَدَعَه على فَرائِض اللهِ تعالى، لَعَلَّه أنَّ يُولَدَ له، فإن أعْطَى وَلَدَه ماله ثم وُلِد له وَلَدٌ، فأعْجَبُ إلَيَّ أنَّ يَرْجِعَ فيُسَوِّيَ بينَهم.
يَعْنِي يَرْجِعُ في الجَمِيعِ، أو يَرْجِعُ في بعضِ ما أعْطَى كلَّ واحِدٍ منهم ليَدْفَعَه إلى هذا الوَلَدِ الحادِثِ، ليُساويَ إخْوَته.
فإن أعْطَى وَلَدَه، ثم مات، ثم وَلَدٌ له وَلَدٌ، اسْتُحِبَّ للمُعْطَى أنَّ يُساويَ المَوْلُودَ الحادِثَ بعدَ أبيه.

الجزء: 17 - الصفحة: 73

وَإنْ سَوَّى بَينَهُمْ فِي الْوَقْفِ، أوْ وَقَفَ ثُلُثَهُ فِي مَرَضِهِ عَلَى بَعْضِهِمْ، جَازَ.
نصَّ عَلَيهِ.
وَقِياسُ الْمَذْهَبِ، أَنْ لَا يَجُوزَ.

2618 - مسألة

الحديث: 2618 - الجزء: 17 - الصفحة: 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في المِيراثِ على وَفْقِ هدْا المَعْنَى، فيَصِحُّ تَعْلِيلُه به، فيَنْبَغِي أنَّ يتَعَدَّى إلى الوَقْفِ.
وما ذَكَرَه القاضي لا أصْلَ له، وهو مُلْغًى بالمِيراثِ.
فإن خالفَ فسَوَّى بينَ الذَّكَرِ والأنثَى، أو فَضَّلَها عليه، أو فَضَّلَ بعضَ البَنِينَ على بعض في الوَقْفِ، أو بعضَ البَناتِ، أو خَصَّ بعضَهم بالوَقْفِ، فقد رُوِيَ عن أحمدَ، في رِوايَةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ: إن كان في طَرِيقِ الأثَرَةِ، فأكْرَهُه، وإن كان على أنَّ بعضَهم له عِيالٌ أو به حاجَة، فلا بَأْسَ به.
وذلك لأنَّ الزُّبَيرَ خَصَّ المَرْدُودَةَ مِن بَناتِه دُونَ المُسْتَغْنِيَةِ مِنْهُنَّ بصَدَقَتِه.
[وقد ذَكَرْنا ذلك في الوَقْفِ] 250.

الجزء: 17 - الصفحة: 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وأمّا إذا وَقَف ثُلُثَه في مَرَضِه على بعضِ وَرَثَتِه، فقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في ذلك فرُويَ عنه عَدَمُ الجَوازِ، فإن فَعَل، وَقَف على إجازَةِ الوَرَثَةِ، فإَّنه قال، في رِوايَةِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، في مَن وَصَّى لأولادِ بِنْتِه بأرْض تُوقَفُ عليهم، فقال: إن لم يَرِثوه فجائِزٌ.
فظاهرُ هذا أنَّه لا يَجُوزُ الوَقْفُ عليهم في المَرَضِ.
اخْتارَه أبو حَفْص العُكْبَرِيُّ، وابنُ عَقِيلٍ.
وإليه ذَهَب الشافعيُّ.
والثانيةُ، يَجُوزُ أنَّ يَقِفَ عليهم ثُلُثَه، كالأجانِبِ، فإنَّه قال، في رِوايَةِ جَماعَةٍ منهم المَيمُونِيُّ: يَجُوزُ للرجلِ أنَّ يَقِفَ في مَرَضِه على وَرَثَتِه.
فقِيلَ له: أليس تَذْهَبُ إلى أنَّه لا وَصِيَّةَ لوَارِثٍ؟ فقال: نعم، والوَقْفُ غيرُ الوَصِيَّةِ، ولأنَّه لا يُباعُ ولا يُورَثُ، ولا يَصِيرُ مِلْكًا للوَرَثَةِ، بل يَنْتَفِعُون بغَلَّتِها.
وقال، في رِوايَةِ أحمدَ بنِ الحسنِ: إنَّه صَرَّحَ في مَسْألَتِه بوَقْفِ ثُلُثِه على بعضِ وَرَثَتِه دُونِ بعضٍ،

الجزء: 17 - الصفحة: 76

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقال: جائزٌ.
قال الخَبْرِيُّ 251: وأجاز هذا الأكْثَرُون.
واحْتَجَّ أحمدُ بحديثِ عُمَرَ، رَضِيَ الله عَنه، أنَّه قال: هذا ما أوْصَى به عبدُ اللهِ عُمَرُ أمِيرُ المُومِنِين إن حَدَث به حَدَثٌ، أنَّ ثَمْغًا صَدَقَةٌ، والعَبْدَ الذي فيه، والسَّهْمَ الذي بخَيبَرَ، ورَقِيقَه الذي فيه، والمائةَ وَسْقٍ التي أطْعَمَنِي محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، تَلِيه حَفْصَةُ ما عاشَتْ ثم يَلِيه ذو 252 الرَّأْي مِن أهْلِه، لا يُبَاعُ وَلَا يُشْتَرَى، يُنْفِقُه حيث يَرى؛ مِن السّائِلِ، والمَحْرُومِ، وذوي القُرْبَى، ولا حَرَجَ على مَن وَلِيَه إن أكَلَ أو اشْتَرَى رَقِيقًا.
رَواه أبو داودَ 253 بنَحْو مِن هذا.
فالحُجَّةُ فيه أنَّه جَعَل حَفْصَةَ تَلِي وَقْفَه، وتَأْكُلُ منه، وتَشْتَرِي رَقِيقًا.
قال المَيمُونِيُّ: قُلْتُ لأحمدَ: إنَّما أمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عُمَرَ بالإيقافِ، وليس في الحديثِ «الوارِثُ».
قال: فإذا كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَه وهو ذا قد وَقَفَها على وَرَثَتِه وحَبَّسَ الأصْلَ عليهم جَمِيعًا.
ولأنَّ الوَقْفَ ليس في مَعْنَى المالِ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ التَّصَرفُ فيه، فهو كعِتْقِ الوارِثِ.
ولَنا، أنَّه

الجزء: 17 - الصفحة: 77

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَخْصِيصٌ لبعضِ الوَرَثَةِ بمالِه في مَرَضِه، فمُنِعَ منه، كالهِباتِ، ولأنَّ كلَّ مَن لا تَجُوزُ له الوَصِيَّةُ بالعَينِ، لا تجوزُ له بالمَنْفَعَةِ، كالأجْنَبِيِّ فيما زاد على الثُّلُثِ.
وأمّا خَبَرُ عُمَرَ فإنَّه لم يَخُصَّ بعضَ الوَرَثَةِ بوَقْفِه، والنِّزاعُ إنَّما هو في تَخْصِيصِ بعضِهم.
وأمّا جَعْلُ الولايةِ إلى حَفْصَةَ، فليس ذلك وَقْفًا عليها، فلا يكونُ ذلك وارِدًا في مَحَلِّ النِّزاعِ، وكونُه انتِفاعًا بالغَلَّةِ لا يَقْتَضِي جَوازَ التَّخْصِيصِ، بدَلِيلِ ما لو وَصَّى لوارِثِه بمَنْفَعَةِ عَبْدٍ، لم يَجزْ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يُحْمَلَ كَلامُ أحمدَ، في رِوايَةِ الجَماعَةِ، على أنَّه وَقفٌ على جَمِيعِ الوَرَثَةِ؛ ليكونَ على وَفْقِ حديثِ عُمَرَ، وعلى وَفْقِ الدَّلِيلِ الذي ذَكَرْناه.
والله أعلمُ.

الجزء: 17 - الصفحة: 78

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن وَقَف دارَه وهي تَخْرُجُ مِن ثُلُثِه بينَ ابْنِه وبِنْتِه نِصْفَين في مَرَضِ مَوْته، صَحَّ على رِوايَةِ الجَماعَةِ، ولَزِم؛ لأنَّه لَمّا كان يَجُوزُ تَخْصِيصُ البِنْتِ بوَقْفِ الدّارِ كُلِّها، فنِصْفُها أوْلَى.
وعلى الرِّوايَةِ التي نَصَرْناها، إن أجازَه الابنُ، جاز، وإن رَدَّه، بَطَل الوَقْفُ فيما زاد على نَصِيبِ الابنِ، وهو السُّدْسُ، ويَرْجِعُ إلى الابْنِ مِلْكًا، فيكونُ له النِّصْفُ وَقْفًا، والسُّدْسُ مِلْكًا طَلْقًا، والثُّلُثُ جَمِيعُه.
للبِنْتِ وَقْفًا.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يَبْطُلَ الوَقْفُ في نِصْفِ ما وَقَف على البِنْتِ، وهو الرُّبْعُ، ويَبْقَى ثلاثةُ أرْباعِ الدّارِ وَقْفًا، نِصْفُها للابنِ، ورُبْعُها للبِنْتِ، والرُّبْعُ الذي بَطَل الوَقْفُ فيه بينَهما أثلاثًا.
وتَصِحُّ المسألةُ مِن اثْنَيْ عَشَرَ؛ للابنِ سِتَّةُ أسْهُم وَقْفًا وسَهْمان مِلْكًا، وللبِنْتِ ثلاثةُ أسْهُمٍ وَقْفًا وسَهْمٌ مِلْكًا.
ولو وَقَفَها على ابنِه وزَوْجَتِه نِصْفَين، وهي تَخْرُجُ مِن ثُلُثِه، فرَدَّ الابنُ، صَحَّ الوَقْف على الابنِ في نِصْفِها، وعلى المرأةِ في ثُمْنِها.
وللابنِ إبْطالُ الوَقْفِ في ثَلاثَةِ أثْمانِها، وتَرْجِعُ إليه مِلْكًا على الوَجْهِ الأوَّلِ، وعلى الوَجْهِ الثانِي، يَصِحُّ

الجزء: 17 - الصفحة: 79

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَقْفُ [على الابنِ في نِصْفِها، وهو أرْبَعَةُ أسْباعِ نَصِيبِه، ويَرْجِعُ إليه باقِي نَصِيبِه مِلْكًا، ويَصِحُّ الوَقْف] 254 في أرْبَعةِ أسْباعِ الثمْنِ الذي للمرأةِ، وباقِيه يكون لها مِلْكًا، فاضْرِبْ سَبْعَةً في ثمانيةٍ تَكنْ سِتَّةً وخَمْسِين، للابنِ ثمانية وعِشْرون وَقْفًا، وأحَدٌ وعِشْرون مِلْكًا، وللمرأةِ أرْبَعة أسْهُمٍ وَقْفًا، وثلاثةٌ مِلْكًا.
وهكذا ذَكَر أصحابُ الشافعيِّ.
فأمّا إن كانتِ الدّارُ جَمِيعَ مِلْكِه فَوقَفَها كلَّها، فعَلى ما اخْتَرْناه، الحكْمُ فيها كما لو كانت تَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، فإن الوارِثَ في جَمِيعِ المالِ كالأجْنَبِيِّ في الزّائِدِ عن الثُّلُثِ.
وأمّا على ما رَواه الجَماعَةُ، فإن الوَقْفَ يَلْزَمُ في الثُّلُثِ مِن غيرِ اخْتِيارِ الوَرَثَةِ، وما زاد فلهما إبْطالُ الوَقْفِ فيه، وللابنِ إبْطالُ التَّسْويَةِ، فإنِ اخْتارَ إبْطال التَّسْويَةِ دُونَ إبْطالِ الوَقفِ، خرِّجَ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، أنَّه يَبطُل الوَقْف في التُّسْعِ، ويَرْجِعُ إليه مِلْكًا، فيَصِيرُ له النِّصْفُ وَقْفًا، والتُّسْعُ مِلْكًا، وللبِنْتِ الثُّلُثُ وَقْفًا، ونِصْفُ التُّسْعِ مِلْكًا؛ لِئلَّا تَزْدادَ البِنْت على الابنِ في الوَقْفِ.
وتَصِح المَسْألة في هذا الوَجْهِ مِن ثمانيةَ عَشَرَ؛ للابنِ تِسْعَةٌ وَقْفًا، وسَهْمان مِلْكًا، وللبِنْتِ سِتَّة وَقْفًا، وسَهْمٌ مِلْكًا.
وقال أبو الخَطَّابِ: له إبْطالُ الوَقْفِ في الرُّبْعِ كلِّه، ويَصِير له [النِّصْفُ وَقْفًا، والسُّدْس مِلْكًا، ويكونُ للبِنْتِ الرُّبعُ وَقْفًا، ونِصْفُ السُّدْسِ مِلْكًا، كما لو كانت] (1) الدّارُ تَخْرجُ مِن الثُّلثِ، وتَصِحُّ مِن اثْنَيْ عَشَرَ.

الجزء: 17 - الصفحة: 80

وَلَا يَجُوزُ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إلا الأبَ.
وَعَنْهُ، لَيسَ لَهُ الرُّجُوع.
وَعَنْهُ، لَهُ الرُّجُوعُ إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا حَقٌّ أَوْ رَغْبَةٌ، نحْوَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْوَلَدُ أَوْ يُفْلِسَ.

2619 - مسألة: (ولا يجوزُ لواهِبٍ أنَّ يَرْجِعَ في هِبَتِه إلَّا الأبَ. وعنه، ليس له الرُّجوعُ. وعنه، له الرُّجوعُ إلَّا أنَّ يَتَعَلقَ به حقٌّ أو رغبةٌ، نحوَ أن يَتَزَوَّجَ الولدُ أو يُفْلِسَ)

لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّ غيرَ الأبِ والأمِّ لا يجوزُ له الرُّجُوعُ في الهِبَةِ والهَدِيَّةِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال النَّخَعِي، والثَّوْريُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي: مَن وَهَب لغيرِ ذي رَحِم، فله الرُّجُوعُ ما لم يُثَبْ عليها، ومَن وَهَب لذي رَحِمٍ، فليس له الرُّجُوعُ.
ورُوي ذلك عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِيَ الله عنه.
لِما روَى أبو هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الرجُلُ أحَقُّ بهِبَتِه مَا لَمْ يُثَبْ مِنْها».
رَواه

الحديث: 2619 - الجزء: 17 - الصفحة: 81

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنُ ماجه 255. ولقولِ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه: مَن وَهَب هِبَة يَرَى أنَّه أراد بها صِلَةَ الرَّحِمِ، أو على وَجْهِ صَدَقَة، فإنَّه لا يَرْجِعُ فيها، ومَن وَهَب هِبَةً أراد بها الثَّوابَ، فهو على هِبَتِه يَرْجعُ فيها ما لم يُرْضَ منها.
رَواه مالِكٌ في «المُوَطَّأ» 256. ولأنَّه لم يَحْصُلْ عَنها عِوَضٌ، فجاز له الرُّجُوعُ فيها، كالعارِيَّةِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «العَائِدُ في هِبَتِه كَالْعَائِدِ فِي قَيئه».
وفي لَفْظٍ: «كالكَلْبِ يَعُودُ في قَيئه».
وفي رِوايَةٍ: «لَيسَ لَنَا مَثَل السَّوْءِ، العائِدُ في هِبَتِه كالكَلْبِ يَعُودُ في قَيئِه».
مُتَّفقٌ عليه 257. وروَى عَمْرُو بنُ

الجزء: 17 - الصفحة: 82

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ نبيَّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَرْجِعُ واهِبٌ فِي هِبَتِه، إلَّا الوَالِدَ مِنْ وَلَدِه» 258. ولأنَّه واهِبٌ لا ولايةَ له في المالِ، فلم يَرْجِعْ في هِبَتِه لذي الرَّحِمِ المَحْرَمِ.
وأحادِيثُنا أصَحُّ مِن حَدِيثهم وأوْلَى.
وقولُ عُمَرَ قد رُوِيَ عن ابنِه وابنِ عباس خِلافُه.
وأمّا العارِيَّةُ فهي هِبَةُ المَنافِعِ، ولم يَحصُلِ القَبْضُ فيها.
فإن قَبَضَها باسْتِيفائِها، فنَظيرُ مَسْألتِنا، ما اسْتَوْفَى مِن مَنافِعِ العارِيَّةِ فإنَّه لا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فيها.
وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بهِبَةِ الأجْنَبِيِّ؛ فإنَّ فيها ثَوابًا، وقد جَوَّزُوا فيها الرُّجُوعَ، فحَصَلَ الاتِّفاقُ على أنَّ ما وَهَب الإنسانُ لذوي رَحِمِه المَحْرَمِ غيرِ الوَالِدَين لا رُجُوعَ فيه، وكذلك ما وَهَب الزَّوْجُ امْرَأتَه.
والخِلافُ فيما عَدا هذا.
فعندَنا لا يَرْجِعُ إلَّا الوَالِدُ، وعندَهم لا يَرْجِعُ إلَّا الأجْنَبِيُّ.

الجزء: 17 - الصفحة: 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمّا الأبُ، فله الرُّجُوعُ فيما وَهَب لوَلَدِه، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، سَواءٌ قَصَد برُجُوعِه التَّسْويَةَ بينَ أوْلادِه أو لا.
وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وعن أحمدَ رِوايَة أُخْرَى: ليس له الرُّجُوعُ.
وبها قال أصحابُ الرَّأْي، والثَّوْرِيُّ، والعَنْبَرِيُّ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «العَائِدُ في هِبَتِه كالعَائِدِ في قَيئه».
مُتَّفَق عليه.
ولِما ذَكَرْنا مِن حديثِ عُمَرَ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لبَشِيرِ 259 بنِ سعدٍ: «فَارْدُدْهُ».
ورُوِيَ: «فأرْجِعْهُ».
رَواه كذلك 260 مالِكٌ عن

الجزء: 17 - الصفحة: 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الزهْرِيِّ، عن حُمَيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن النُّعْمانِ.
فأمَرَه بالرُّجُوعِ في هِبَتِها، وأقَلُّ أحْوالِ الأمْرِ الجَوازُ، وقد امْتَثَلَ بَشِيرُ بنُ سعدٍ ذلك، فرَجَعَ في هِبَتِهِ، لوَلَدِه، ألا تَراه قال في الحديثِ: فرَجَعَ أبي، فرَدَّ تلك الضدَقَةَ.
فإن قِيلَ: يُحْمَلُ الحديثُ على أنَّه لم يكنْ أعْطاه شيئًا.
قُلْنا: هذا يُخالِفُ ظاهِرَ الحديثِ؛ لقَوْلِه: تَصَدَّقَ أبي عَلَيَّ بصَدَقَةٍ.
وقول بَشِير: إنِّي نَحَلْتُ ابْني غُلامًا.
يَدُلُّ على أنَّه كان قد أعْطاهُ.
وقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَارْدُدْهُ».
وروَى طاوُسٌ، عن ابنِ عُمَرَ وابنِ عَبّاس، يَرْفَعان الحديثَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إنه قال: «لَيسَ لأحَدٍ أنْ يُعْطِيَ عَطيةً فيَرْجِعَ فيها، إلَّا الوَالِدَ فِيمَا

الجزء: 17 - الصفحة: 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُعْطِي وَلَدَهُ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 261. وقال: حديثٌ حسنٌ.
وهذا يَخُصُّ عُمُومَ ما رَوَوْه.
وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بهِبَةِ الأجْنَبِيِّ، فإنَّ فيها أجْزًا وثَوابًا، فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نَدَب إليها.
وعندَهم له الرُّجُوعُ فيها.
والصَّدَقَةُ على الوَلَدِ كمَسْألتِنا، وقد دَلَّ حديثُ النُّعْمانِ بنِ بَشِير على جَوازِ الرُّجُوعِ في الصَّدَقَةِ؛ لقَوْلِه: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أبي بصَدَقَةٍ.

الجزء: 17 - الصفحة: 86

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمّا الأُمُّ، فظاهِرُ كَلام أحمدَ، أنَّه ليس لها الرُّجُوعُ.
قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبِي عبدِ اللهِ: الرُّجُوعُ لَلمرأةِ فيما أعْطَتْ وَلَدَها كالرجلِ؟ قال: ليس هي عندِي [في هذا] 262 كالرجلِ؛ لأنَّ للأبِ أنَّ يَأْخُذَ مِن مالِ وَلَدِه، والأمُّ لا تَأْخُذُ.
وذَكَر حديثَ عائشةَ: «أطْيَبُ مَا أكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِه، وإنَّ وَلَدَه مِن كَسْبِه» 263. أي كأنَه الرجلُ.
ولا يَصِحُّ قِياسُ الأمِّ علي الأبِ؛ لأنَّ للأبِ ولايةً على وَلَدِه، ويَحُوزُ جَمِيعَ المالِ في

الجزء: 17 - الصفحة: 87

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المِيراثِ، بخِلافِ الأمِّ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لها الرُّجُوعَ، وهو ظاهِرُ كَلام الخرَقِيِّ؛ فإنَّه قال: وإذا فاضَلَ بينَ أوْلادِه أُمِر برَدِّه.
فيَدْخُلُ فيه الأمُّ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّها داخِلَةٌ في قَوْلِه: «إلَّا الوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَه».
ولأنَّها دَخَلَتْ في قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «سَوُّوا بَينَ أوْلادِكُمْ».
فيَنْبَغِي أنَّ تتَمَكَّنَ مِن الرُّجُوعِ في الهِبَةِ، ولأنَّه طَرِيقٌ إلى التسْويَةِ، ورُبَّما لا يكونُ لها طَرِيقٌ غيرُه إذا لم يُمْكِنْ إعطاءُ الآخَرِ كما أعْطَتِ الأوَّلَ؛ لأنَّها لما ساوَتِ الأبَ في تَحْرِيمِ تَفْضِيلِ بعضِ وَلَدِها، يَنبغِي أنَّ

الجزء: 17 - الصفحة: 88

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تُساويَه في التَّمَكنِ مِن الرُّجُوعِ فيما فَضَّلَتْه بهِ، تَخْلِيصًا لها مِن الإثْمِ، وإزالةً للتَّفْضِيلِ 264 المُحَرَّمِ، كالأبِ.
وهذا الصحيحُ، إن شاء الله تُعالى.
وقال مالِكٌ: للأمِّ الرُّجُوعُ فيما وَهَبَتْ وَلَدَها، ما كان أبوه حَيًّا، فإن كان مَيِّتًا فلا رُجُوعَ لها؛ لأنَّها هِبَةٌ ليَتِيم، وهِبَة اليَتِيمِ لازِمَةٌ، كصَدَقةِ التَّطَوُّعِ.
ومِن مَذْهَبِه أنَّه لا يُرْجَعُ في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ.
فصل: وحُكْمُ الصُّدَقَةِ حُكْمُ الهِبَةِ فيما ذَكَرْنا.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وفَرَّقَ مالِكٌ وأصحابُ الرأي بينَهما، فلم يُجِيزُوا الرُّجُوعَ في الصَّدَقَةِ بحالٍ، واحْتَجُّوا بحديثِ عُمَرَ: مَن وَهَب هِبَةً أراد بها صِلَةَ الرَّحِمِ، أو على وَجْهِ صَدَقَةٍ، فإنَّه لا يَرْجِعُ.
ولَنا، حديثُ النُّعْمانِ، فإنَّه قال: تَصَدَّقَ أبي عَلَيَّ بصَدَقَةٍ، فرَجَعَ أبي فرَدَّ تلك الصَّدَقَةَ.
وأيضًا قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إلَّا الوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَه».
وهذا يُقَدَّمُ على قولِ عُمَرَ، ثم هو خاصُّ في الوالِدِ 265، وحديثُ عُمَرَ عام 266، فيَجِبُ تَقْدِيمُ الخاصِّ عليه.
فصل: وللرُّجُوعِ في هِبَةِ الوَلَدِ شُرُوط أرْبَعَة؛ أحَدُها، أنَّ يَبْقَى مِلْكُ الابنِ فيها، فإن خَرَجَتْ عن مِلْكِه ببَيع أو هِبَةٍ أو وَقْفٍ أو غيرِ ذلك، لم يكنْ، له الرجُوعُ فيها؛ لأنَّه إبْطالٌ لمِلكِ غير 267 الوَلدِ، فأشْبَهَ غيرَ

الجزء: 17 - الصفحة: 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَوْهُوبِ للوَلَدِ.
الثانِي، أنَّ تكونَ العَينُ باقِيَةً في تَصَرُّفِ الوَلَدِ، يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في رَقَبَتِها، فإنِ اسْتَوْلَدَ الأمَةَ، لم يَمْلِكِ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ المِلْكَ فيها لا يَحوزُ نَقْلُه إلى غيرِ سَيِّدِها.
وكذلك إن أفْلَسَ وحُجِر عليه أو رَهَن العَينَ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى إبْطالِ حَقِّ غيرِ الوَلَدِ.
فإن زال المانِعُ مِن التَّصَرُّفِ، فله الرُّجُوعُ؛ لأنَّ مِلْكَ الابنِ يَزُلْ، وإنَّما طَرَأ مَعْنًى قَطَع التَّصَرُّفَ مع بَقاءِ المِلْكِ فمَنَعَ الرُّجُوعَ، فإذا زال زال المَنْعُ.
والصحيحُ في التَّدْبِيرِ أنَّه لا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ.
فإن قُلْنا: يَمْنَعُ البَيعَ.
مَنَع الرُّجُوعَ، كالاسْتِيلادِ.
وكلُّ تصَرُّفٍ لا يَمْنَعُ الابنَ التَّصَرُّفَ في الرَّقَبَةِ؛ كالوَصِيَّةِ، والهِبَةِ قبلَ القَبْضِ فيما يَفْتَقِرُ إليه، والوَطْءِ، والتَّزْويجِ، والإجارَةِ، والمُزارَعَةِ عليها، وجَعْلِها مُضارَبَةً، أو في عَقْدِ شَرِ كَةٍ، فكل ذلك لا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ تصَرُّف الابنِ في رَقبَتِها، وكذلك تعْلِيقُ العِتْقِ بصِفةٍ.
وإذا رَجَع وكان التَّصَرُّفُ لازِمًا؛ كالإجارَةِ، والتَّزْويجَ، والكِتابَةِ، فهو باقٍ بحالِه؛ لأنَّ الابنَ لا يَمْلِكُ إبْطاله، [فكذلك مَن انْتَقَلَ إليه.
وإن كان جائِزًا، كالوَصِيَّةِ، والهبَةِ قَبلَ القَبْضِ، بَطَل، لأنَّ الابنَ يَمْلِكُ إبْطاله] 268. وأمّا التَّدْبِيرُ والمُعَلَّقُ عِتْقه بصِفةٍ، فلا يَبْقَى حُكْمُها في حَقِّ الأبِ، ومتى عاد إلى الابْنِ عادَ حُكْمُها.
والبَيعُ الذي للابنِ فيه خِيارٌ، إمّا بالشَّرْطِ، أو عَيب في الثَّمَنِ، أو غيرِ ذلك، فيَمْنَعُ

الجزء: 17 - الصفحة: 90

وَإنْ نَقَصَتِ الْعَينُ، أَوْ زَادَتْ زيَادَةً مُنْفَصِلَةً، لَمْ تَمْنَعِ الرُّجُوعَ، الزِّيَادَةُ لِلابْنِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لِلأَب.
وَهَلْ تَمْنَعُ الْمُتَّصِلَةُ  الرُّجُوعَ؛ لأن الرُّجُوعَ يتَضمنُ فَسْخَ مِلْكِ الابنِ في عِوَضِ المَبِيعِ، ولم يَثْبُتْ ذلك مِن جِهَتِه.
فصل: فإن تَعَلَّقَ بها رَغْبةٌ لغيرِ الوَلَدِ، مثلَ أنَّ يَهَبَ وَلَدَه شيئًا، فيَرْغَبَ النّاسُ في مُعامَلَتِه ويُداينُوه، أو في مُناكَحَتِه، فيُزَوِّجُوه، أو يَهَبَ بِنْتَه فتَتَزَوَّجَ لذلك، فعن أَحمدَ رِوايَتانِ؛ أولاهما، ليس له الرُّجُوعُ.
قال أحمدُ، في رِوايَةِ أبي الحارِثِ، في الرجلِ يَهَبُ ابْنَه مالًا: فله الرُّجُوعُ إلَّا أنَّ يكونَ غَرَّ به قَوْمًا، فإن غَرَّ به، فليس له أنَّ يَرْجِعَ.
وهذا مَذْهَبُ مالِكٍ؛ لأنَّه تَعَلَّقَ بها حَقُّ غيرِ الابنِ، ففي الرُّجُوعِ إبْطالُ حَقِّه، وقد قال، عليه الصلاةُ والسّلامُ: «لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ» (1). وفي الرُّجُوعِ ضَرَرٌ، ولأنَّ في هذا تَحيُّلًا على إلْحاق الضَّرَرِ بالمسلمين، ولا يجوزُ ذلك.
والثانيةُ، له الرُّجُوعُ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّ حَقَّ المُتَزَوِّجِ والغَرِيمِ لم يَتَعَلَّقْ بعَينِ هذا المالِ، فلم يَمْنَعِ الرجُوعَ فيه.
وإن دايَنَه النّاسُ فأفْلَسَ ولم يُحْجَرْ عليه، فعلى الرِّوايَتَين.

2620 -

مسألة: (وإن نَقَصَتِ العَينُ، أو زادت زِيادَةً مُنْفَصِلَةً، لم تَمْنَعِ الرُّجُوعَ، والزِّيادَةُ للابنِ. ويَحْتَمِلُ أنَّها للأبِ. وهل تَمْنَعُ

269 الحديث: 2620 - الجزء: 17 - الصفحة: 91

الرُّجُوعَ؟ عَلَى رِوَايَتَينَ.
المُتَّصِلةُ الرُّجُوعَ؟ على رِوايَتَين) أمّا الزِّيادَةُ المُنْفَصِلَةُ؛ كالوَلَدِ، وثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ، وكَسْبِ العَبْدِ، فلا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
والزِّيادَةُ للوَلَدِ؛ لأنَّها حادِثَةٌ في مِلْكِه، ولا تَتْبَعُ في الفُسُوخِ، فلا تَتْبَعُ ههُنا.
ويَحْتَمِل أنَّها للأبِ.
ذكرَه القاضي، كالرَّدِّ بالعَيبِ.
فإن كانتِ الزِّيادَةُ وَلَدَ أمَةٍ لا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بينَه وبينَ أُمِّه، مَنَع الرُّجُوعَ؛ لأنَّه يَلْزَمُ منه التُّفْرِيقُ بينَه وبينَ أُمِّه، وهو مُحَرَّمٌ، إلَّا أنَّ نقولَ: إنُّ الزِّيادَةَ المُنْفَصِلَةَ للأب.
فلا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّه يَرْجِعُ فيهما جَمِيعًا، أو يَرْجِعُ في الأمِّ، ويتَمَلكُ الوَلَدَ 270 مِن مالِ وَلَدِه.
فصل: فإن تَلِف بعضُ العَين، أو نَقَصَتْ قِيمَتُها، لم يَمْنَعِ الرُّجُوعَ فيها، ولا ضَمان على الابنِ فيما تلِف منها؛ لأنَّه تلف على مِلكِه، سَواءٌ تَلِف بفِعْلِ الابنِ أو بغيرِ فِعْلِه.
وإن جَنَى العَبْدُ جِنايَةً، تَعلُّقَ أرْشُها برَقَبَتِه،

الجزء: 17 - الصفحة: 92

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فهو كنُقْصانِه بذَهابِ بعضِ أجْزائِه، وللأبِ الرُّجُوعُ فيه، فإن رَجَع فيه، ضَمِن أرْشَ الجِنايَةِ.
وإن جُنِيَ على العَبْدِ، فرَجَعَ الأبُ فيه، فأرْشُ الجنايَةِ عليه للابنِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ الزِّيادَةِ المُنْفَصِلَةِ.
فإن قِيل: فلو أراد الأَبُ الرُّجُوعَ في الرَّهْنِ، وعليه فَكاكُه، لم يَمْلِكْ ذلك، فكيف يَمْلِكُ الِرُّجُوعَ في العَبْدِ الجانِي إذا أدَّى أرْشَ الجنايَةِ؟ قُلْنِا: الرَّهْنُ يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ في العَينِ، بخِلافِ الجِنايَةِ، ولأنَّ فَكُّ الرَّهْنِ فَسْخٌ لعَقْدٍ عَقَدَه المَوْهُوبُ له، وههُنا لم يتَعَلَّقِ الحَقُّ به مِن جِهَةِ العَقْدِ، فافْتَرَقا.

الجزء: 17 - الصفحة: 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمّا الزِّيادَةُ المُتَّصِلَةُ، كالسِّمَنِ والكِبَرِ وتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، إذا زادت بها القِيمَةُ، فعن أحمدَ فيها روايَتان؛ إحْداهما، لا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ.
وهو مَذهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّها زِيادَة في المَوْهُوبِ، فلم تمْنَعِ الرُّجُوعَ، كالزِّيادَةِ قبلَ القَبْضِ، والمُنْفَصِلَةِ.
والثانيةُ، تَمْنَعُ.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ للمَوْهُوبِ له، لكونِها نَماءَ مِلْكِه، ولم تَنْتَقِلْ إليه مِن جِهَةِ أبيه، فلم يَمْلِكِ الرُّجُوعَ فيها، كالمُنْفَصِلَةِ، وإذا امْتَنَعَ الرُّجُوعُ فيها، امْتَنَعَ الرُّجُوعُ في الأصْلِ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلى سُوءِ المُشارَكَةِ وضَرَرِ التَّشقِيصِ، ولأنَّه فسخُ اسْتِرْجاعٍ للمالِ بفَسْخِ عَقْدٍ لغيرِ عَيبٍ في عِوَضِه، فمَنَعَه الزِّيادَةُ المُتَّصِلَةُ، كاسْتِرْجاعِ الصَّداقِ بفَسْخِ النِّكاحَ، أو نِصْفِه بالطَّلاقِ، ورُجُوعِ البائِعِ في المَبِيعِ لفَلَسِ المُشْتَرِي.
وفارَقَ الرَّدَّ بالعَيبِ مِن جِهَةِ أنَّ الرَّدَّ مِن المُشْتَرِي، وقد رَضِيَ ببَذْلِ الزِّيادَةِ.
وإن فرض الكَلام فيما إذا باع عَرْضًا بعَرْض فزاد أحَدُهما، ووَجَد المُشْتَرِي بالآخَرِ عَيبًا، قُلْنا: بائِعُ المَعِيبِ سَلَّطَ المُشْتَرِيَ على الفَسْخِ ببَيعِه

الجزء: 17 - الصفحة: 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَعِيبَ، فكأنَّ الفَسْخَ وُجِد منه.
ولهذا قُلْنا فيما إذا فَسَخ الزَّوْجُ النِّكاحَ لعَيبِ المرأةِ قبلَ الدُّخُولِ: يَسْقُطُ صَداقُها، كما لو فَسَختْه.
وعلى هذا، لا فَرْقَ بينَ الزِّيادَةِ في العَينِ؛ كالسِّمَنِ والطُّولِ ونحوهما، أو في المَعانِي؛ كتَعَلُّم.
صِناعَةٍ، أو كِتابَةٍ، أو قُرْآنٍ، أو عِلْم، أو إسْلام، أو قَضاءِ دَينٍ عنه.
وبهذا قال محمدُ بنُ الحسنِ.
وقال أبو حنيفةَ: الزيادَةُ بتَعَلُّمِ القُرْآنِ وقَضاءِ دَينٍ عنه، لا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ.
ولَنا، أنَّها زِيادَة لها مُقابِل مِن الثمَنِ، فمَنَعَتِ الرُّجُوعَ، كالسِّمَنِ، وتَعَلمِ صَنْعَةٍ.
وإن زاد ببُرْئِه مِن مَرَضٍ أو صَمَمٍ، مَنَع الرُّجُوعَ، كسائرِ الزِّياداتِ.
وإن كانت زِيادَةُ العَينِ أو التَّعَلمِ لا تزِيدُ في قِيمَتِه شيئًا أو تَنْقُصُ منها، لم تَمْنَعِ الرُّجُوعَ؛ لأنَّه ليس بزِيادَةٍ في المالِيّةِ.
فصل؛ فإن قَصَر العَينَ أو فَصَّلَها، فهي زِيادَةٌ مُتَّصِلَة، هل تَمْنَعُ الرُّجُوعَ أو لا؟ مَبْنِيٌّ على الرِّوايَتَين في السِّمَنِ.
قال شيخُنا (1): ويَحْتَمِل أن تَمْنَعَ هذه الزِّيادَةُ الرُّجُوعَ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّها حاصِلَةٌ بفِعْلِ الابنِ، فجَرَتْ مَجْرَى العَينِ الحاصِلَةِ بفِعْلِه، بخِلافِ السَّمَنِ، فإنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ للأبِ، فلا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّه نَماءُ العَينِ، فيكونُ تابِعًا لها.
وإن

الجزء: 17 - الصفحة: 95

وَإِنْ بَاعَهُ الْمُتَّهِبُ ثُمَّ رَجَعَ اليهِ بِفَسْخ أَوْ إِقَالةٍ، فَهَلْ لَهُ الرُجُوعُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وَإِنْ رَجَعَ إلَيهِ بِبَيع أَوْ هِبَةٍ، لَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ.
وَهَبَه حامِلًا فوَلَدَتْ في يَدِ الابْنِ، فهي زِيادَةٌ مُتَّصِلَةٌ في الوَلَدِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ الوَلَدُ زِيادَةً مُنْفَصِلَةً إذا قُلْنا: الحَمْلُ لا حُكْمَ له.
وإن وَهَبَه حامِلًا ثم رَجَع فيها حامِلًا، جاز، إذا لم تَزِدْ قيمَتُها، وإن زادتْ قِيمَتهِا، فهي زِيادَة مُتَّصِلَةٌ.
وإن وَهَبَه حائِلًا فحَمَلَتْ، فهي زِيادَة مُنْفَصِلَةٌ، وله الرُّجُوعُ فيها دُونَ حَمْلِها.
وإن قُلْنا: إنَّ الحَمْلَ لا حُكْمَ له.
فزادت به قِيمَتُها، فهي زِيادَة مُتَّصِلَةٌ.
وإن لم تَزِدْ، جاز الرُّجُوعُ فيها.
وإن وَهَبَه نَخْلًا فحَمَلَتْ، فهي قبلَ التَّأْبِيرِ زِيادَة مُتَّصِلَةٌ، وبعدَه زِيادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ.

2621 -

مسألة: (وإن باعَه المُتَّهِبُ ثم رَجَع إليه بفَسْخٍ أو إقالةٍ، فهل له الرُّجُوعُ؟ على وَجْهَين. وإن رَجَع إليه ببَيعٍ أو هِبَةٍ، لم يَمْلِكِ الرُّجُوعَ)

إذا خَرَجَتِ العَينُ عن مِلْكِ الابْنِ ببَيعٍ أو هِبَةٍ، ثم عادت إليه بسَبَبٍ، كبَيعٍ أو هِبَةٍ أو وَصِيَّةٍ أو إرْثٍ أو نحوه، لم يَمْلِكِ الأبُ الرُّجُوعَ فيها؛ لأنَّها عادت بمِلْكٍ جَدِيدٍ لم يَسْتَفِدْه مِن قِبَلِ أبيه، فلا يَمْلِكُ فَسْخه

الحديث: 2621 - الجزء: 17 - الصفحة: 96

وَإِنْ وَهَبَهُ الْمُتَّهِبُ لابْنِهِ، لَمْ يَمْلِكْ أَبُوهُ الرُّجُوعَ، إلَّا أَنْ يَرْجِعَ هُوَ.
وإزالتَه، كالذي لم يكنْ مَوْهُوبًا.
وإن عادت إليه بفَسْخِ العَيب أو إقالةٍ أو فَلَسِ المُشْتَرِي، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَمْلِكُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ السَّبَبَ المُزِيلَ ارْتَفَعَ، وعاد المِلْكُ بالسَّبَبِ الأوَّلِ، فأشبَهَ ما لو فَسخ البَيعَ بالخِيارِ.
والثانِي، لا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ المِلْكَ عاد إليه بعدَ اسْتِقْرارِ مِلْكِ مَن انْتَقَلَ إليه عليه، أشْبَهَ ما لو عاد إليه بالهِبَةِ.
فأمّا إن عاد إليه بخِيارِ الشّرْطِ أو خِيارِ المَجْلِسِ، فله الرُّجُوعُ؛ لأنَّ المِلْكَ لم يَسْتَقِرَّ عليه.

2622 -

مسألة: (وإن وَهَبَه المُتَّهبُ لابنِه، لم يَمْلِكْ أبوه الرُّجُوعَ، إلَّا أنَّ يَرْجِعَ هو)

لأنَّ رُجُوعَه إبْطالٌ لمِلْكِ غيرِ ابنِه.
فإن رجَع الابنُ في هِبَتِه، احْتَمَلَ أنَّ يَمْلِكَ الأبُ الرُّجُوعَ في هِبَتِه؛ لأنَّه فَسَخ هِبَتَه

الحديث: 2622 - الجزء: 17 - الصفحة: 97

وَإنْ كَاتَبَهُ أوْ رَهَنَهُ، لَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ، إلَّا أنْ يَنْفَكَّ الرَّهْنُ وَتَنْفَسِخَ الْكِتَابَةُ.
برُجُوعِه، فعاد إليه المِلْكُ بالسَّبَبِ الأوَّلِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يَمْلِكَ الأبُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّهْ رَجَع إلى ابنِه بعدَ اسْتِقْرارِ مِلْكِ غيرِه عليه، فأشْبَهَ ما لو وَهَبَه ابنُ الابْنَ لأبيه (1).

2623 -

مسألة: (وإن كاتَبَه أو رَهَنَه، لم يَمْلِكْ)

أبوه (الرُّجُوعَ، إلَّا أنَّ يَنْفَكَّ الرَّهنُ وتَنْفَسِخَ) 272 أمّا إذا رَهَنَه الابنُ، فليس للأبِ271

الحديث: 2623 - الجزء: 17 - الصفحة: 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرُّجُوعُ قبل انْفكاكِ الرهْنِ؛ لأنَّ في ذلك إبْطال حَقِّ غيرِ الوَلَدِ.
فإنِ انْفَك الرَّهْنُ، فله الرُّجُوعُ؛ لزَوالِ المانِعِ، ولأنَّه عاد إلى صِحَّةِ تَصَرُّفِ الابنِ فيه، أشْبَهَ غيرَ المَرْهُونِ.
وحُكْمُ الكِتابَةِ كذلك عندَ مَن لا يَرَى بَيعَ المُكاتَبِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، وجَماعَةٍ غيرِه.
فأمّا مَن أجاز بَيعَ المُكاتبِ فحُكْمُه عندَه كالعَينِ المُسْتَأجَرَةِ، والمُزَوَّجِ، على ما ذَكَرناه.

الجزء: 17 - الصفحة: 99

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والرُّجُوعُ في الهِبَةِ أنَّ يقولَ: قد رَجَعْتُ فيها.
أو: ارْتَجَعْتُها.
أو: رَدَدْتُها.
أو نحوَ ذلك مِن الألفاظِ الدّالَّةِ على الرُّجُوعِ.
ولا يَفْتَقِرُ إلى حُكْمِ حاكِمٍ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إلَّا بقَضاءِ قاض؛ لأنَّ مِلْكَ المَوْهُوبِ له مُسْتَقِرٌّ.
ولَنا، أنَّه خِيارٌ في فَسْخِ عَقْدٍ، فلم يَفْتَقِرْ إلى قَضاءٍ، كالفَسْخِ بخِيارِ الشرْطِ.
فإن أخَذَ ما وَهَبَه لوَلَدِه ونَوَى به الرُّجُوعَ، كان رُجُوعًا، والقولُ قَوْلُه في نِيَّتِه؛ لأنَّ ذلك لا يُعْلَمُ إلَّا منه.
فإن مات الأبُ ولم يُعْلَمْ هل نَوَى الرُّجُوعَ أوْ لا، ولم تُوجَدْ قَرِينَة تَدُلُّ على الرُّجُوعِ، لم نَحْكُمْ بأنَّه رُجُوعٌ؛ لأن الأخْذَ يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ وغيرَه، فلا نزِيلُ حُكْمًا يَقِينِيًّا بأمْر مَشْكُوكٍ فيه.
فإنِ اقْتَرَنَتْ به قَرائِنُ دالّةٌ على الرُّجُوعِ، كان رُجُوعًا، في أحَدِ الوَجْهَين.
اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّنا اكْتَفَينا في العَقْدِ بدَلالةِ الحالِ في الفَسْخِ، ولأنَّ لَفْظَ الرُّجُوعِ إنما كان رُجُوعًا لدَلالتِه عليه، فكذلك كلُّ ما دَلَّ عليه.
والآخَرُ، لا يكونُ رُجُوعًا.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المِلْكَ ثابِتٌ

الجزء: 17 - الصفحة: 100

وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَرأَةِ تَهَبُ زَوْجَهَا مَهْرَهَا: إنْ كَانَ سَأَلهَا ذلِكَ رَدَّهُ إِلَيهَا، رَضِيَتْ أَوْ كَرِهَتْ؛ لِأَنَهَا لَا تَهَبُ لَهُ إلَّا مَخَافَةَ غَضَبِهِ أَوْ إِضْرَارٍ بِهَا بِأَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيهَا.
للمَوْهُوبِ له يَقِينًا، فلا يَزُولُ إلَّا بالصَّرِيحِ.
قال شيخُنا (1): ويُمْكِنُ أنَّ يَنْبَنِيَ هذا على نَفْسِ العَقْدِ، فمَن أوْجَبَ الإيجابَ والقَبُولَ فيه، لم يَكْتَفِ ههُنا إلا بلَفْظٍ يَقْتَضِي زَواله، ومَن اكْتَفَى في العَقْدِ بالمُعاطاةِ الدّالَّةِ على الرِّضَا به، فههُنا أوْلَى.
فإن نَوَى الرُّجُوعَ مِن غيرِ فِعْلٍ ولا قولٍ، لم يَحْصُلِ الرُّجُوعُ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه إثباتُ المِلْكِ على مالٍ مَمْلُوكٍ لغيرِه، فلم يَحْصُلْ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كسائِرِ العُقُودِ.
وإن عَلَّقَ الرُّجُوعَ بشَرْطٍ، فقال: إذا جاء رَأْسُ الشَّهْرِ فقد رَجَعْتُ في الهِبَةِ.
لم يَصِحَّ؛ لأن الفَسْخَ للعَقْدِ لا يَقِفُ على شَرْطٍ لا يَقِفُ العَقْدُ عليه.

2624 -

مسألة: (وعن أحمدَ، في المرأةِ تَهَبُ زَوْجَها مَهْرَها: إن كان سَألَها ذلك رَدَّه إليها، رَضِيَتْ أو كَرِهَتْ؛ لأنَّها لا تَهَبُه له إلَّا مَخافَةَ غضَبِه أو إضْرارٍ بها بأن يَتَزَوَّجَ عليها)

اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في هِبَةِ المرأةِ زَوْجَها، فعنه، لا رُجُوعَ لها.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ أبي بكرٍ.
وبه قال عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، والنَّخَعِيُّ، ورَبِيعَةُ، ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي،273

الحديث: 2624 - الجزء: 17 - الصفحة: 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعَطاءٌ، وقَتادَةُ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿إلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ 274. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ 275. الآية.
وعُمُومِ الأحادِيثِ.
وعنه رِوايَةٌ ثانيةٌ، لها الرُّجُوعُ.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أحمدَ يُسْألُ عن المرأةِ تَهَبُ ثم تَرْجِعُ، فرَأيتُه يَجْعَلُ النِّساءَ غيرَ الرِّجالِ، ثم ذَكَر الحديثَ: «إنَّمَا يَرْجِعُ في المَوَاهِبِ النِّسَاءُ وشِرَارُ النّاسِ» 276. وذَكَر حديثَ عُمَرَ: إنَّ النِّساءَ يُعْطِينَ أزْواجَهُن رَغْبَة ورَهْبَةً، فأيُّما امرأةٍ أعْطَتْ زَوْجَها شيئًا ثم أرادت أنَّ تَعْتَصِرَه فهي أحَقُّ به 277. رَواه الأثْرَمُ 278. وهذا قولُ شرَيحٍ، والشعْبِيِّ.
وحَكاه الزُّهْرِيُّ عن القُضاةِ.
وعنه رِوايَةٌ ثالثةٌ، نَقَلَها عنه أبو طالِبٍ: إذا وَهَبَتْ له مَهْرَها، فإن كان سألها ذلك رَدَّه إليها، رَضِيَتْ أو كَرِهَتْ؛ لأنها لا تَهَبُ إلَّا مَخافَةَ غَضَبِه أو إضْرارٍ بأن يَتَزَوَّجَ عليها، وإن لم يكنْ سَألها وتَبَرَّعَتْ 279 به، فهو جائِزٌ.
فظاهِرُ هذه الرِّوايَةِ، أنَّه متى كانت مع الهِبَةِ قَرِينَةٌ؛ مِن مَسْألَتِه لها، أو غَضَبٍ عليها، أو ما يَدُلُّ على خَوْفِها منه، فلها الرُّجُوعُ؛ لأن شاهِدَ الحالِ يَدُلُّ على أنَّها لم تَطِبْ به نَفْسًا، وإنَّما أباحه اللهُ تعالى عندَ طيبِ نَفْسِها بقَوْلِه تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
فيكونُ فيها ثلاثُ رِواياتٍ؛

الجزء: 17 - الصفحة: 102

فَصْلٌ: وَلِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ، وَيَتَمَلَّكَهُ مَعَ حَاجَتِهِ وَعَدَمِهَا، فِي صِغَرِهِ وَكِبَرِهِ، إذَا لَمْ تَتَعَلَّقْ حَاجَةُ الابْنِ بِهِ.
إحْداها، لَيسَ لها الرُّجُوعُ، كالأجْنَبِيِّ.
والثانيةُ، لها الرُّجُوعُ مُطْلَقًا؛ لحديثِ عُمَرَ.
والثالثةُ، التَّفْصِيلُ الذي ذَكَرْناه.
فصل: قال، رَضِيَ الله عنه: (وللأبِ أنَّ يَأْخُذَ مِن مال وَلَدِه ما شاء، ويتَمَلَّكَه مع حاجَتِه وعَدَمِها، في صِغَرِه وكِبَرِه، ما لم تتَعلَّقْ حاجَةُ الابنِ به) إنَّما يَجُوزُ ذلك بشَرْطَين؛ أحَدُهما أنَّ لا يُجْحِفَ بالابنِ، ولا يَضُرَّ به، ولا يَأْخُذَ شيئًا تَعَلَّقَتْ به حاجَتُه.
الثانِي، أنَّ لا يَأْخُذَ مِن مالِ وَلَدٍ فيُعْطِيه الآخَرَ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايَةِ إسماعِيلَ بنِ سعيدٍ؛ لأنَّه

الجزء: 17 - الصفحة: 103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَمْنُوع مِن تَخْصِيصِ بعضِ وَلَدِه بالعَطِيَّةِ مِن مالِ نَفْسِه، فلَأن يُمْنَعَ مِن تَخْصِيصِه بما أخَذَه مِن مالِ وَلَدِه الآخَرِ أوْلَى.
وقد رُوِيَ أنَّ مَسْرُوقًا زَوَّجَ ابْنَتَه بصداق عَشَرَةِ آلافٍ فأخَذَها فأنفَقَها في سَبِيلِ اللهِ، وقال للزَّوْج: جَهِّزِ امْرَأتكَ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ: ليس له أنَّ يَأخُذَ مِن مالِ وَلَدِه إلَّا بقَدْرِ حاجَتِه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ

الجزء: 17 - الصفحة: 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دِمَاءَكُمْ وَأمْوَلُكُمْ عَلَيكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هذا».
مُتَّفَقٌ عليه 280. وروَى الحَسَنُ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كُلُّ أحَدٍ أحَقُّ بِكَسْبِه مِنْ وَلَدِه وَوَالِدِه والنَّاسِ أجْمَعِينَ».
رَواه سعيدٌ في «سُنَنِه» 281. ورُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَحِل مَالُ امْرِئ مُسْلِم إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِه».
رَواه الدّارَقُطنيُّ 282. ولأن مِلْكَ الابنِ تامٌّ على مالِ نَفْسِه، فلم يَجُزِ انْتِزاعُه منه، كالذي تَعَلَّقَتْ به حاجَتُه.
ولَنا، [ما رَوَتْ عائِشَةُ، رَضِيَ اللهُ عنها] 283، قالت: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ أطْيَبَ مَا أكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وإن أوْلَادَكُم مِنْ كَسْبِكُمْ».
أخْرَجَه سعيدٌ، والتِّرْمِذيُّ 284، وقال: حديث حسن.
وروَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: جاء رجل إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنَّ أبى اجْتاحَ مالي.
فقال: «أنْتَ ومَالُكَ لأبِيكَ».
رَواهُ الطَّبرَانِيُّ في

الجزء: 17 - الصفحة: 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «مُعْجَمِه» مُطَولًا، ورَواه ابنُ ماجه 285، ورَوى أبو داودَ نحوَه، ورَواه غيرُه، وزاد: «وإن أوْلَادَكُم مِنْ أطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ أمْوالِهِمْ».
وروَى محمدُ بنُ المُنْكَدِرِ، والمُطَّلِبُ بنُ حَنْطَب، قال: جاء رجل إلي النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنَّ لي مالًا وعِيالًا، ولأبي مالٌ وعِيَالٌ، وأبي يُرِيدُ أنْ يَأْخُذَ مالي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنْتَ وَمَالُكَ لِأبِيكَ».
رواه سعيدٌ في «سُنَنِه» 286. ولأن الله تعالى جَعَل الوَلَدَ مَوْهُوبًا لأبيه فقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ 287. وقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ 288. وقال زَكَرِيَّا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ 289. وقال إبراهيمُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ 290. وما كان مَوْهُوبًا له كان له أخْذُ مالِه، كعَبْدِه.
قال.
سُفْيانُ بنُ عُيَينَةَ، في قَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ 291. ثم ذَكَر

الجزء: 17 - الصفحة: 106

وَإِنْ تَصَرَّفَ فيهِ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ؛ بِبَيعٍ، أَوْ عِتْقٍ، أوْ إبْرَاءٍ مِنْ دَين، لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ.
بُيُوتَ سائِرِ القَراباتِ إلَّا الأوْلادَ لم يَذْكُرْهم؛ لأنَّهم دَخَلُوا في قَوْلِه: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾.
فلَمّا كانت بُيُوتُ أوْلادِهم كبُيُوتِهم، لم يَذْكُرْ بُيُوتَ أوْلادِهم.
ولأنَّ الرجلَ يَلِي مَال وَلَدِه مِن غيرِ تَوْلِيَةٍ، فكان له التَّصَرُّفُ فيه كمالِ نَفْسِه.
وأمّا أحادِيثُهم فأحادِيثُنا تَخُصُّها وتُفَسِّرُها، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَل مال الابنِ مالًا لأبِيه بقَوْلِه: «أنْتَ وَمَالُكَ لِأبِيكَ».
ولا تَنافِيَ بينَهما.
وقولُه عليه السَّلامُ: «أَحَقُّ بِه مِنْ وَالِدِه وَوَلَدِه».
الحديث مُرْسَلٌ.
ثم هو يَدُلُّ على تَرْجِيحِ حَقِّه على حَقِّ أبيه لا على نَفْي الحَقِّ بالكُلِّيَّةِ، والوَلَدُ أحَقُّ مِن الوالِدِ فيما تعَلَّقَتْ به حاجَتُه.

2625 -

مسألة: (فإن تَصَرَّفَ فيه قبلَ تَمَلُّكه؛ ببَيعٍ، أو عِتْقٍ، أو إبْراءٍ مِن دَين، لم يَصِحَّ تَصرُّفُه)

فيه.
نَصَّ عليه أحمدُ، قال: لا يجوزُ عِتْقُ الأبِ لعَبْدِ ابْنِه ما لم يَقْبِضْه.
فعلى هذا، لا يَصِحُّ إبْراؤُه مِن دَينِه،

الحديث: 2625 - الجزء: 17 - الصفحة: 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا هِبَتُه لمالِه، ولا بَيعُه له؛ لأنَّ مِلْكَ الابنِ تامٌّ على مالِ نَفْسِه، يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه.
وذَكَر ابنُ أبي موسى في «الإرْشادِ» قال: إذا وَهَب الابنُ مِن مالِه شيئًا فليس لأبيه الاعْتِراضُ عليه؛ إلا أنَّ يكونَ للوَلَدِ عَقارٌ يَكْفِيه ويَكْفِي أباه، ولا مال له غيرُه، ولا مال لأبيه، فإنَّ أحمدَ قال: إنِ اعْتَرَضَ عليه الوالِدُ رَأيتُ أنَّ يَرُدَّه الحاكِمُ على الأبِ ولا يَبْقى فَقِيرًا لا حِيلَةَ له.
ويَحِلُّ له وَطْءُ جَوارِيه، ولو كان المِلْكُ مُشْتَرَكًا لم يَحِلَّ له الوَطْءُ كما لا يَحِلُّ وَطْءُ الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ، وإنَّما للأبِ انْتِزاعُه منه، كالعَينِ التي وَهَبَها إيّاه، فقبلَ انْتِزاعِها لا يَصِحُّ تَصَرُّفُه؛ لأنَّه تَصَرَّفَ في مِلْكِ غيرِه بغيرِ ولايةٍ.
وإن كان الابنُ صَغِيرًا، لم يَصِحَّ أيضًا؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بما لا حَظَّ للصَّغِيرِ فيه، وليس مِن الحَظِّ إسْقاطُ دَيِنِه وعِتْقُ عَبْدِه وهِبَةُ مالِه.
قال أحمدُ: بينَ الرجلِ وبينَ وَلَدِه رِبًا.
لِما ذَكَرْناه مِن أنَّ مِلْكَ الابنِ على مالِه تامٌّ.

الجزء: 17 - الصفحة: 108

وَإنْ وَطِيء جَارِيَةَ ابْنِهِ فَأَحْبَلَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَلَا مَهْرَ وَلَا حَدَّ.
وَفِي التَّعْزِيرِ وَجْهَانِ.

2626 - مسألة: (وإن وَطِيء جارِيَةَ ابنِه فأحْبَلَها، صارت أمَّ وَلَدٍ له، ووَلَدُه حُرٌّ لا تَلْزَمُه قِيمَتُه، ولا حَدَّ)

عليه (ولا مَهْرَ.
وفي التَّعْزِيرِ وَجْهان) قال أحمدُ: لا يَطَأُ جارِيَةَ الابنِ إلا أنَّ يَقْبِضَها.
يَعْنِي يتمَلكُها؛ لأنَّه إذا وَطِئَها قبلَ تَمَلُّكها، فقد وَطِئَها وليست زَوْجَةً ولا مِلْكَ يَمِين، فإن تَمَلَّكَها، لم يَحِلَّ له وَطْؤها حتى يَسْتَبْرِئَها؛ لأنَّه ابْتِداءُ مِلْك، فوَجَبَ الاسْتِبْراءُ فيه، كما لو اشْتَراها.
فإن كان الابنُ قد وَطِئَها، لم تَحِلَّ له بحالٍ.
فإن وَطِئَها قبلَ تَمَلكِها، ولم يكنْ الابنُ وَطِئَها، كان مُحَرَّمًا مِن وجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّه وَطِئَها قبلَ تَمَلُّكِها.
والثانِي، أنَّه وَطِئَها قبلَ اسْتِبْرائِها.
وإن كان الابنُ وَطِئَها، حُرِّمَتْ بوَجْهٍ ثالثٍ، وهو أنَّها صارت بمَنْزِلَةِ حَلِيلَةِ ابنه، فإن فَعَل، فلا حَدَّ عليه لشُبْهَةِ المِلْكِ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم -

الحديث: 2626 - الجزء: 17 - الصفحة: 109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أضاف مال الوَلَدِ إلى أبيه، فقال: «أنْتَ وَمَالُكَ لِأبِيكَ».
وإن وَلَدَتْ منه، صارت أُمَّ وَلَدٍ له، ووَلَدُه حُرٌّ؛ لأنَّه مِن وَطْءٍ سَقَط فيه الحَدُّ للشبْهَةِ، وليس للابنِ مُطالبَتُه بشيءٍ مِن قِيمَتِها ولا قِيمَةِ وَلَدِها ولامَهْر، ويَجِبُ تَعْزِيرُه في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّه وَطِيء وطْئًا مُحَرَّمًا، أشْبَهَ وَطْءَ الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ.
والثاني، لا يُعَزَّرُ؛ لأنَّه لا يُقْتَصُّ منه بالجِنَايةِ على وَلَدِه، فلا يُعَزرُ بالتَّصَرُّفِ في مالِه.
والأوّلُ أوْلَى؛ لأنّ التعْزِيرَ ههُنا حَقٌّ للهِ تعالى، بخِلافِ الجِنَايةِ على وَلَدِه؛ لأنَّها حَقٌّ للوَلَدِ.

الجزء: 17 - الصفحة: 110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وليس لغيرِ الأبِ الأخْذُ مِن مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، للأحادِيثِ التي ذَكَرْناها؛ لأنَّ الخَبَرَ وَرَد في الأبِ بقَوْلِه 292 عليه السَّلامُ: «أنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ».
ولا يَصِحُّ قِياسُ غيرِه عليه؛ لأنَّ للأبِ ولايَةً على وَلَدِه ومالِه إذا كان صَغِيرًا، وله شفقَةٌ تامَّةٌ وحَق مُتَأكِّدٌ، ولا يَسْقُطُ مِيراثُه بحالٍ.
والأُمُّ لا تَأْخُذُ؛ لأنَّها لا ولايةَ لها، والجَدُّ أيضًا لا يَلِي على مالِ وَلَدِ ابْنِه، وشَفَقَتُه قاصِرَةٌ عن شَفَقَةِ الأبِ، ويُحْجَبُ به في المِيراثِ، وفي ولايَةِ النِّكاحِ.
وغيرُهما مِن الأقارِب والأجانِبِ ليس لهم الأخْذُ بطَريقِ التَّنْبِيهِ؛ لأنَّه إذا امْتَنَعَ الأخْذُ في حَقِّ الأُمِّ والجَدِّ مع مُشارَكَتِهما للأب في بعض المَعانِي، فغيرُهما ممن لا يُشارِكُ في ذلك أوْلَى.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يَجُوزَ للأمِّ؛ لدُخُولِ وَلَدِها في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَوْلَادُكُمْ﴾.

الجزء: 17 - الصفحة: 111

وَلَيسَ لِلابْنِ مُطَالبَةُ أبِيهِ بِدَين، وَلَا قِيمَةِ مُتْلَفٍ، وَلَا أرْشِ جِنَايَةٍ، وَلَا غَيرِ ذَلِكَ.

2627 - مسألة: (وليس للابنِ مُطالبَةُ أبيه بدَين، ولا قِيمَةِ مُتْلَفٍ، ولا أرْشِ جِنايَةٍ، ولا غيرِ ذلك)

وبه قال الزُّبيرُ بنُ بَكّارٍ.
ومُقْتَضَى قولِ سُفْيانَ بنِ عُيَينَةَ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ:

الحديث: 2627 - الجزء: 17 - الصفحة: 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له ذلك؛ لأنَّه دَين ثابتٌ، فجازَتِ المُطالبَة به، كغيرِه.
ولنا، أَنْ رجلًا جاء إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بأبيه يَقْتَضِيه دَينًا عليه، فقال: «أنْتَ وَمَالكَ لِأَبيكَ».
رَواه الخَلَّال بإسْنادِه 293. وروَى الزُّبَير بن بَكّارٍ في «المُوَفَّقِيّاتِ» 294 أنَّ رجلًا اسْتَقْرَضَ مِن ابنِه 295 مالًا فحبَسه فأطال حَبْسَه، فاسْتَعْدَى عليه الابنُ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، وذَكَرَ قِصَّتَه في شِعْر، فأجَابَه أبوه بشِعْرٍ أيضًا، فقال عليٌّ رَضِيَ الله عنه: قد سَمِعَ القاضِي ومِن رَبِّي الفَهمْ المال لِلشَّيخِ جَزَاءٌ بالنّعَمْ يَأْكُلُه بِرَغْمِ أنْفِ مَن رَغِمْ مَنْ قال قَوْلًا غيرَ ذا فَقَدْ ظَلَمْ وجَارَ في الحُكْمِ وبِئْسَ ما جَرَمْ

الجزء: 17 - الصفحة: 113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال الزُّبَيرُ: إلى هذا نَذْهَبُ.
ولأنَّ المال أحَدُ نَوْعَي الحُقُوقِ، فلم يَمْلِكْ مُطالبَةَ أبيه به، كحُقُوق الأبدانِ.
ويُفارِقُ الأبُ غيرَه بما يَثْبُتُ له مِن الحَق على وَلَدِه.
فإن مات الابنُ فانْتقَلَ الدَّينُ إلى وَرَثَتِه، لم يَمْلِكُوا مُطالبَةَ الأبِ؛ لأنَّ مَوْرُوثَهم لم يكنْ له المُطالبَةُ، منهم أوْلَى.
فإن مات الأبُ، فقِيلَ: يَرْجِعُ الابنُ في تَرِكَتِه بدَينِه؛ لأنَّ دَينَه عليه لم يَسْقُطْ عن الأبِ، وإنَّما تَأخَّرَتِ المُطالبَةُ.
وعن أحمدَ، إذا مات الأبُ بَطَل دَينُ الابنِ.
وقال، في مَن أخَذَ مِن مَهْرِ ابْنَتِه شيئًا فأنْفَقَه: ليس عليه شيءٌ، ولا يُؤْخَذُ مِن بعدِه، وما أصابت مِن المَهْرِ مِن شيء بعَينِه أخَذَتْه.
وتأوَّلَ بعضُ 296 أصحابنا كلامَ أحمدَ على أنَّه أخَذَه على سَبِيلِ التَّمْلِيك؛ لأن أخْذَه له وإنْفاقَه دَلِيل على قَصْدِ التَّمْلِيك، فيَثْبُتُ المِلْكُ له بذلك الأخْذِ.
والله أعلمُ.

الجزء: 17 - الصفحة: 114

وَالْهَدِيّةُ وَالصَّدَقَةُ نَوْعَانِ مِنَ الْهِبَةِ.

2628 - مسألة: (والهَدِيَّةُ والصَّدَقَةُ نَوْعان مِن الهِبَةِ)

الهبَةُ 297 والعَطِيَّةُ تَشْمَلُ الكلَّ، وكذلك النِّحْلَةُ، ومَعانِيها كلُّها مُتَقارِبَةٌ، إلَّا أنَّه في الغالِبِ مَن أعْطَى شيئًا يَنْوي به التَّقَرُّبَ إلى الله تعالى للمُحْتاجِين؛ سُمِّيَ صَدَقَةً، وإن دَفَع إلى غيرِ مُحْتاجٍ للتَّقَرُّبِ والمَحَبَّةِ فهي هِبَةٌ.
ومَن بَعَث على هذا الوَجْهِ (1) إلى إنْسانٍ مع غيرِه سُمِّيَ هَدِيَّةً.
وكل ذلك مُسْتَحَب مَنْدُوبٌ إليه.
وأحْكامُ ذلك أحْكامُ الهِبَةِ، ويُشْتَرَطُ لها ما يُشْتَرَطُ مِن الشُّرُوطِ على ما سَبَق.

الحديث: 2628 - الجزء: 17 - الصفحة: 117

فَصْلٌ فِي عَطِيَّةِ المَريضِ: أمَّا الْمَرِيضُ غَيرَ مَرَضِ الْمَوْتِ، أو مَرَضًا غَيرَ مَخُوفٍ كَالرَّمَدِ، وَوَجَعِ الضِّرْسِ، وَالصُّدَاعِ، وَنحْوهِ، فَعَطَايَاهُ كَعَطَايَا الصَّحِيحِ سَوَاءٌ، تَصِحُّ فِي جَمِيعِ مَالِهِ.
فصلٌ في عَطيَّةِ المَريضِ: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (أمّا المَرِيضُ غيرَ مَرَضِ المَوْتِ، أو مَرَضًا غيرَ مَخُوفٍ؛ كالرَّمَدِ، ووَجَعِ الضِّرْسِ، والصداعِ، ونحوه، فعَطاياه كعَطايا الصَّحِيحِ سَواءٌ، تَصِحُّ بن جَمِيعِ مالِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ عَطايا المَرِيضِ إذا بَرَأَ مِن مَرَضِه، أو كان مَرَضًا غيرَ مَخُوفٍ كالذي ذَكَرَه، وكذلك ما في مَعْناه؛ كالجَرَبِ، والحُمَّى اليَسِيرَةِ ساعَةً أو نحوَها، والإسْهالِ اليَسِيرِ مِن غيرِ دَم، فعَطاياه مثلُ عَطايا الصَّحِيحِ؛ لأنَّه لا يُخافُ منه في العادَةِ.

الجزء: 17 - الصفحة: 119

وَإِنْ كَانَ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفَ؛ كَالْبِرْسَامِ، وَذَاتِ الْجَنْبِ، وَالرُّعَافِ الدَّائِمِ، وَالْقِيَامِ الْمُتَدَارَكِ، وَالْفَالِجِ فِي

2629 - مسألة: (وإن كان مَرَضَ المَوْتِ المَخُوفَ، كالبِرْسامِ)

وهو بُخارٌ يَرْتَقِي إلى الرَّأْسِ، ويُؤثِّرُ في الدِّماغِ، فيَخْتَل عَقْلُ صاحِبِه (وذاتِ الجَنْب) وهو قَرْحٌ بباطِنِ الجَنْبِ، ووَجَعِ القَلْبِ والرِّئَةِ، فإنَّها لا تَسْكُنُ حَرَكَتُها، فلا يَنْدَمِلُ جُرْحُها (والرُّعافِ الدّائِمِ) فإنَّه يُصَفِّي الدَّمَ فيُذْهِبُ القُوَّةَ، والقُولَنْجِ، وهو أنَّ يَنْعَقِدَ الطَّعامُ في بعضِ الأمْعاءِ 298 ولا يَنْزِلَ عنه، فهذه مَخُوفةٌ وإن لم يكنْ معها حُمَّى، وهي مع الحُمَّى أشَدُّ خَوْفًا.
وإن ثاوَرَه 299 الدَّمُ واجْتَمَعَ في عُضْو، كان مَخُوفًا؛ لأنَّه مِن الحَرارَةِ المُفْرِطَةِ.
وإن هاجَتْ به الصَّفْراءُ، فهي مَخُوفةٌ؛ لأنَّها تُورثُ يُبُوسَةً، وكذلك البَلْغَمُ إذا هاج؛ لأنَّه مِن شِدَّةِ البُرُودَةِ، وقد تَغْلِبُ على الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ فَتُطفِئها.
والطّاعُونُ مَخُوفٌ؛ لأنَّه مِن شِدَّةِ الحَرارَةِ، إلَّا أنَّه يكونُ في جَمِيع

الحديث: 2629 - الجزء: 17 - الصفحة: 120

ابْتِدَائِه، وَالسُّلِّ فِي انْتِهَائِه، وَمَا قَال عَدْلَانِ مِنْ أهْلِ الطِّبِّ: إنَّهُ مَخُوفٌ،  البَدَنِ.
وأمّا الإسْهالُ، فإن كان مُتَحَرِّكًا لا يُمْكِنُه إمْساكُه، فهو مَخُوفٌ وإن كان ساعَةً؛ لأنَّ مَن لَحِقَه ذلك أسْرَعَ في هَلاكِه.
وإن كان يَجْرِي تارَةً ويَنْقَطِعُ أُخْرَى، فإن كان يَوْمًا أو يَوْمَين فليس بمَخُوفٍ؛ لأن ذلك قد يكونُ مِن فَضْلَةِ الطَّعامِ، إلَّا أنَّ يكونَ معه زَحِيرٌ 300 أو تَقْطِيعٌ، كأنَّه يَخْرُجُ مُتَقَطِّعًا، فإنَّه يكونُ مَخُوفًا؛ لأن ذلك يُضْعِفُ.
وإن دام الإسْهالُ فهو مَخُوفٌ، سَواءٌ كان معه ذلك أو لم يكنْ (و) كذلك (الفَالِجُ 301 في ابْتِدائِه؛ والسُّلُّ في انْتِهائِه) والحُمَّى المُطبقَةُ.
وما أشْكَلَ مِن ذلك رُجِع فيه إلى قولِ عَدْلَين مِن الأطِبّاءِ؛ لأنهم أهْلُ الخِبْرَةِ بذلك.
ولا يُقْبَلُ قولُ واحِدٍ؛ لأنَّه يتَعَلَّقُ به حَقُّ الوارِثِ والمُعْطِي.
وقِياسُ قولِ الخِرَقِيِّ،

الجزء: 17 - الصفحة: 121

فَعَطَايَاهُ كَالْوَصِيَّةِ فِي أَنَّهَا لَا تَجُوزُ لِوَارِثٍ، وَلَا تَجُوزُ لِأَجْنَبِيٍّ  أنَّه يُقْبَلُ قولُ واحِدٍ عَدْلٍ، إذا لم يُقدَرْ على طَبِيبين.
فهذا الضرْبُ وما أشْبَهَه، عَطاياه صَحِيحَة؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، أوْصَى حينَ جُرِح فسَقاه الطَّيبُ لَبَنًا فخَرَجَ مِن جُرْحِه، فقال له الطَّيبُ: اعْهَدْه إلى النّاسِ.
فعَهِدَ اليهم ووَصَّى (1). فاتَّفَقَ الصحابةُ على قَبُولِ عَهْدِه ووَصيَتِّيه.
وكذلك أبو بكر، رَضِيَ اللهُ عنه، عَهِد إلى عُمَرَ حينَ اشْتَدَّ مَرَضُه، فَنَفَّذَ عَهْدَه.
فصل: فإن كان المَرِيضُ يَتَحَقَّقُ تَعْجِيلُ مَوْتِه، فإن كان عَقْلُه قد اخْتَلَّ، مثلَ مَن ذُبِح، أو أُبِينَتْ حَشْوَتُه، فلا حُكْمَ لكَلامِه ولا لعَطيَّتِه.
وإن كان ثابتَ العَقْلِ، كمَن خُرِقَتْ حَشْوَتُه، أو اشْتَدَّ مَرَضُه ولم يَتَغيَّرْ عَقْلُه، صَحَّ تَصَرُّفُه وعَطيَّتُه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه.
وكذلك عليٌّ، رَضِي اللهُ عنه، بعدَ ضَرْبِ ابنِ مُلْجِمٍ، وَصَّى وأمَرَ ونَهَى (2). ولم يُخْتَلَفْ في صِحَّةِ ذلك.

2630 -

مسألة: (فعَطاياه كالوَصِيَّةِ في أنَّها لا تصِحُّ لوارِثٍ، ولا

302303 الحديث: 2630 - الجزء: 17 - الصفحة: 122

بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ إلَّا بِإجَازَةِ الْوَرَثَةِ، مِثْلَ الْهِبَةِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالْمُحَابَاةِ.
لأجْنَبِيٍّ بزِيادَةٍ على الثُّلُثِ إلَّا بإجازَةِ الوَرَثَةِ؛ كالهِبَةِ، والعِتقِ، والكِتابةِ، والمُحاباةِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ التَّبرُّعاتِ المُنْجَزَةَ؛ كالعِتْقِ، والمُحاباةِ، والهِبَةِ المَقْبُوضَةِ، والصدَقَةِ، والوَقْفِ، والإبراءِ مِن الدَّينِ، والعَفْو عن الجِنايَةِ المُوجِبَةِ للمالِ، والكِتابَةِ، إذا كانت في الصِّحَّةِ، فهي مِن رَأْسِ المالِ.
لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
وإن كانت في مَرَض مَخُوفٍ اتَّصَلَ به المَوْتُ، فهي مِن ثُلُثِ المالِ، في قولِ الجُمْهُورِ.
وحُكِيَ عن أهلِ الظّاهِرِ في الهِبَةِ المَقْبُوضَةِ، أنها مِن رَأسِ المالِ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله تَصَدَّقَ عَلَيكُم عِندَ وَفَاتِكُم بثُلُثِ أمْوالِكُم، زِيادَةً لَكُم في أعْمالِكُم».
رَواه ابنُ ماجه 304. وهذا يَدُلُّ بمَفْهُومِه على أنَّه ليس له أكْثَرُ مِن الثُّلُثِ.
وروَى عِمْرانُ بنُ حُصَين، أنَّ رجلًا أعْتَقَ سِتَّةَ أعْبُدٍ 305 له في مَرَضِه، لا مال له غيرُهم، فاسْتَدعاهم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فجَزَأهم ثلاثةَ

الجزء: 17 - الصفحة: 123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أجْزاءٍ وأقْرَعَ بينَهم، فأعْتَقَ اثْنَين وأرَقَّ أرْبَعَةً.
رَواه مسلمٌ 306. وإذا لم يَنْفُذِ العِتْقُ مع سِرايَتِه، فغيرُه أوْلَى.
ولأنَّ هذه الحال الظّاهِرُ منها المَوْتُ، فكانت عَطيَّتُه فيها في حَقِّ وَرَثَتِه لا تَتَجاوَزُ الثُّلُثَ، كالوَصِيَّةِ.
فصل: وحُكْمُ العَطايا في مَرَضِ المَوْتِ حُكْمُ الوَصِيَّةِ في خَمْسَةِ أشياءَ؛ أحَدُها، أن يَقِفَ نُفُوذُها على خُرُوجِها مِن الثُّلُثِ، أو 307 إجازَةِ الوَرَثَةِ.
الثانِي، أنَّها لا تَصِحُّ للوارِثِ إلَّا بإجازَةِ الوَرَثَةِ.
الثالثُ، أنَّ فَضِيلَتَها ناقِصَةٌ عن فَضِيلةِ الصَّدَقَةِ في الصِّحَّةِ؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن

الجزء: 17 - الصفحة: 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أفْضَلِ الصَّدَقَةِ، قال: «أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ الغِنَى وتَخْشَى الفَقْرَ، ولا تُمْهِلْ حَتَّى إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لفلانٍ كَذَا، ولِفُلانٍ كَذا، وقَدْ كان لفُلانٍ».
مُتَّفَق عليه 308. الرابعُ، أنَّ العَطايا تَتَزاحَمُ في الثُّلُثِ إذا وَقَعَتْ دَفْعَةً واحِدَةً، كتَزاحُمِ الوَصايا فيه.
الخامسُ، أنَّ خروجَها مِن الثُّلُثِ يُعْتَبَرُ حال المَوْتِ لا قبلَه ولا بعدَه.

الجزء: 17 - الصفحة: 125

فَأمَّا الْأمْرَاضُ الْمُمْتَدَّةُ؛ كَالسُّلِّ، وَالْجُذَامِ، وَالْفَالِج فِي دَوَامِهِ، فَإِنْ صَارَ صَاحِبُهَا صَاحِبَ فِرَاشٍ فَهِيَ مَخُوفَةٌ، وَإلَّا فَلَا، وَقَال أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ عَطِيَّتَهُ مِنَ الثُلُثِ.

2631 - مسألة: (فأمّا الأمْراضُ المُمْتَدَّةُ؛ كالجُذامِ)

وحُمَّى الرِّبْعِ 309 (والسُّلِّ) في ابْتِدائِه (والفالِجِ في دَوامِه، فإن صار صاحِبُها صاحِبَ فِراشٍ فهي مَخُوفةٌ، وإلَّا فلا) قال القاضي: إذا كان يَذْهَبُ ويَجِئُ، فعَطاياه مِن جَمِيعِ المالِ، هذا تَحْقِيقُ المَذْهَبِ.
وقد روَى حَرْبٌ، عن أحمدَ، في وَصِيَّةِ المَجْذُومِ والمَفْلُوجِ: مِن الثُّلُثِ.
وهو مَحْمُولٌ على أنَّه صار صاحِبَ فِرَاشٍ وبه يقولُ الأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه، وأبو ثَوْرٍ.
وذكر أبو بكرٍ وَجْهًا آخَرَ، أنَّ عَطايا هؤلاء مِن المالِ كلِّه.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لا يُخافُ تَعْجِيلُ المَوْتِ فيه، وإن كان لا يَبْرأُ منه فهو كالهَرِمِ.
ولَنا، أنَّه مَرِيضٌ صاحِبُ فِرَاشٍ يَخْشَى التَّلَفَ، أشْبَهَ صاحِبَ الحُمَّى الدّائِمةِ، وأمّا الهَرِمُ فإن صار صاحِبَ فِرَاشٍ، فهو كمَسْألَتِنا.

الحديث: 2631 - الجزء: 17 - الصفحة: 126

وَمَنْ كَانَ بَينَ الصَّفَّينِ عِنْدَ الْتِحَامِ الْحَرْب، أوْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ، أوْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدِهِ، أَوْ قُدِّمَ لِيُقْتَصَّ مِنْهُ، وَالْحَامِل عِنْدَ الْمَخَاضِ، فَهُوَ كَالْمَرِيضِ.
وَقَال الْخِرَقِيُّ: وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ إذَا صَارَ لَهَا سِتَّةُ أشْهُرٍ.
وَقِيلَ عَنْ أحْمَدَ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَطَايَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ.

2632 - مسألة: (ومَن كان بينَ الصَّفَّينِ عندَ التِحامِ الحَرْبِ، أو في لُجَّةِ البَحْرِ عندَ هَيَجانِه، أو وَقَع الطّاعُونُ ببَلَدِه، أو قُدِّم ليُقْتَصَّ منه، والحامِلُ عندَ المَخاضِ، فهو كالمَرِيضِ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الخَوْفَ يَحْصُلُ في هذه المواضِعِ الخَمْسَةِ المَذْكُورَةِ، فيَقُومُ مَقامَ 310 المَرَضِ؛ أحَدُها، إذا الْتَحَمَ الحَرْبُ واخْتَلَطَتِ الطّائِفَتان للقِتالِ، وكانت كلُّ واحِدَةٍ منهما مُكافِئَةً للأُخْرَى أو مَقْهُورَةً.
فأمّا القاهِرَةُ منهما بعدَ ظُهُورِها فليست خائِفَةً.
وكذلك إذا لم يَخْتَلِطُوا، بل كانت كلُّ واحِدَةٍ منهما مُتَمَيِّزَةً، سَواء كان بينَهما رَمْيُ السِّهامِ أو لم يكُنْ، فليست حالةَ

الحديث: 2632 - الجزء: 17 - الصفحة: 127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خَوْفٍ.
ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الطّائِفَتَين مُتَّفِقَتَين في الدِّينِ أوْ لا.
وبه قال مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ.
ونحوُه عن مَكْحُولٍ.
وعن الشافعيِّ قَوْلان؛ أحَدُهما، كقولِ الجَماعَةِ.
والثانِي، ليس بخَوْفٍ؛ لأنَّه ليس بمَرِيضٍ 311. ولَنا، أنَّ تَوَقُّعَ التَّلَفِ ههُنا كتَوَقُّعِ المَرَضِ أو أكْثَرَ، فوَجَبَ أن يُلْحَقَ به، ولأنَّ المَرَضَ إنَّما جُعِل مَخُوفًا لخَوْفِ صاحِبِه التَّلَفَ، وهذا كذلك.
قال أحمدُ: إذا حَضَر القِتال كان عِتْقُه مِن الثُّلُثِ.
وعنه، إذا الْتَحَمَ الحَرْبُ فوَصِيَّتُه مِن المالِ كلِّه، لكنْ يَقِفُ الزَّائِدُ عن الثُّلُثِ على إجازَةِ الوَرَثَةِ، فإنَّ حُكْمَ وصِيَّةِ الصَّحِيحِ وخائِفِ التَّلَفِ واحِدٌ، فيَحْتَمِلُ أن يُجْعَلَ هذا رِوايَةً ثانيةً؛ وسَمَّى العَطيَّةَ وَصِيَّةً تَجَوُّزًا؛ لكَوْنِها في حُكْمِ الوَصِيَّةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ على حَقِيقَتِه في صِحَّةِ الوَصِيَّةِ مِن المالِ كلِّه.
الثانيةُ، إذا قُدِّمَ ليُقْتَلَ، فهي حالةُ خَوْفٍ، سَواء أُرِيدَ قَتْلُه للقِصاصِ أو لغيرِه.
وللشافعيِّ فيه قَوْلان؛ أحَدُهما، هو مَخُوفٌ.

الجزء: 17 - الصفحة: 128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثانِي، إن جُرِح فهو مَخُوفٌ، وإلَّا فلا؛ لأنَّه صَحِيحُ البَدَنِ، والظّاهِرُ العَفْوُ عنه.
ولَنا، أنَّ التَّهْدِيدَ بالقَتْلِ جُعِل إِكْراهًا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلاقِ وصِحَّةَ البَيعِ، ويُبِيحُ كَثِيرًا مِن المُحَرَّماتِ، ولولا الخَوْفُ لم تثْبُتْ هذه الأحْكامُ، وإذا حُكِم للمَرِيضِ وحاضِرِ الحَرْبِ بالخَوْفِ مع ظُهُورِ السَّلامَةِ وبُعْدِ وُجُودِ التَّلَفِ، فمع ظُهُورِ التَّلَفِ وقُرْبِه أوْلَى، ولا عِبْرَةَ بصِحَّةِ البَدَنِ، فإنَّ المَرَضَ لم يكنْ مُثْبِتًا لهذا الحُكْمِ لعَينِه، بل لخَوْفِ إفضائِه إلى التَّلَفِ، فيَثْبُتُ الحُكْمُ ههُنا بطَرِيقِ التَّنْبِيهِ، لظُهُورِ التَّلَفِ.
الثالثةُ، إذا رَكِب البَحْرَ، فإن كان ساكِنًا، فليس بمَخُوفٍ، وإنِ اضْطَرَبَ وهَبَّتِ الرِّيحُ العاصِفُ، فهو مَخُوفٌ، وقد وَصَفَهَم الله تعالى بشِدَّةِ الخَوْفِ، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية إلى قَوْلِه: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ 312. الرابعةُ، الأسِيرُ [والمَحْبُوس] 313 إذا كان مِن عادَتِهم القَتْلُ، فهو خائِفٌ، عَطيَّتُه مِن الثُّلُثِ، وإلَّا فلا.
وهذا قولُ أبي

الجزء: 17 - الصفحة: 129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حنيفةَ، ومالِكٍ، وابنِ أبي لَيلَى، وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وقال الحَسَنُ لَمّا حَبَسَ الحَجّاجُ إياسَ بنَ مُعاويةَ: ليس له مِن مالِه إلَّا الثُّلُثُ.
وقال أبو بكرٍ: عَطِيَّةُ الأسِيرِ مِن الثُّلُثِ.
ولم يُفَرِّقْ.
وبه قال الزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ.
وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ.
وتَأوَّلَ القاضِي ما رُوِيَ، وهو على ما ذَكَرْناه مِن التَّفْصِيلِ ابْتِداءً.
وقال الشَّعْبِيُّ، ومالِكٌ: الغازِي عَطِيَّتُه مِن الثُّلُثِ.
وقال مَسْرُوقٌ: إذا وَضَع رِجْلَه في الغَرْزِ.
وقال الأوْزاعِيُّ: المَحْصُورُ في سِبيلِ الله والمَحْبُوسُ يَنْتَظِرُ القَتْلَ، هو في ثُلُثِه.
والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ، ما ذَكَرْناه مِن التَّفْصِيلِ؛ لأنَّ مُجَرَّدَ الحَبْسِ والأسْرِ مِن غيرِ خَوْفِ القَتْلِ، ليس بمَرَضٍ، ولا هو في مَعْنَى المَرَضِ في الخَوْفِ، فلم يَجُزْ إلحاقُه به، وإذا كان المَرِيضُ الذي لا يَخافُ التَّلَفَ، عَطِيَّتُه مِن رَأْسِ مالِه، فغيرُه أوْلَى.
الخامسةُ، إذا وَقَع الطّاعُونُ ببَلَدِه، فعن أحمدَ، أنَّه مَخُوفٌ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه ليس بمَخُوفٍ، فإنَّه ليس بمَرِيضٍ، وإنَّما يَخافُ المَرَضَ.

الجزء: 17 - الصفحة: 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وكذلك الحامِلُ عندَ المَخاضِ؛ لأنَّه يَحْصُلُ لها أَلَمٌ شَدِيدٌ يُخافُ منه التَّلَفُ، أشْبَهَتْ سائِرَ أصحابِ الأمْراضِ المَخُوفةِ، وما قبلَ ذلك فلا ألَمَ بها، فلا يكونُ مَخُوفًا (وقال الخِرَقِيُّ: وكذلك الحامِلُ إذا صار لها سِتَّةُ أشْهُرٍ) يَعْنِي عَطِيُتها مِن الثُّلُثِ.
وبه قال مالِكٌ.
وقال إسحاقُ: إذا ثَقُلَتْ لا يَجُوزُ لها إلا الثُّلُثُ.
ولم يَحُدَّ حَدًّا.
وحَكاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ.
وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّب، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ: عَطِيَّةُ الحامِلِ مِن الثُّلُثِ.
وقال أبو الخَطّابِ: عَطيَّتُها مِن المالِ كلِّه ما لم يَضْرِبْها المَخاضُ، فإذا ضَرَبَها المَخَاضُ، فعَطيَّتُها مِن الثُّلُثِ.
وبه قال النَّخَعِيُّ، ومَكْحُولٌ، ويَحْيىَ الأنْصارِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والعَنبرِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ؛ لأنَّها لا تَخافُ إلَّا إذا ضَرَبَها الطَّلْقُ، فأشْبَهَتْ صاحِبَ الأمْراضِ المُمْتَدَّةِ قبلَ أن يَصِيرَ

الجزء: 17 - الصفحة: 131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  صاحِبَ فِراشٍ.
وقال الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ: عَطيَّتُها كعَطِيَّةِ الصَّحِيحِ.
وهو القولُ الثانِي للشافعيِّ؛ لأن الغالِبَ سلامَتُها.
ووَجْهُ قولِ الخِرَقِيِّ، أنَّ سِتَّةَ الأشْهُرِ وَقْتٌ يُمْكِنُ الولادَةُ فيه، وهو مِن أسْبابِ التَّلَفِ.
والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ تعالى، ما ذَكَرْناه، مِن أنَّه إذا ضَرَبَها الطَّلْقُ كان مَخُوفًا، بخِلافِ ما قبلَ ذلك؛ لأنَّه لا ألَمَ بها، واحْتِمالُ وُجُودِه خِلافُ العادَةِ، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ باحْتِمالِه البَعِيدِ مع عَدَمِه، كالصَّحِيحِ.
وقِيلَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ عَطايا هؤلاءِ مِن المالِ كلِّه؛ لأنَّه لا مَرَضَ بهم.
وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في ذلك.
فصل: فأمّا بعدَ الولَادَةِ، فإن بَقِيَتِ المَشِيمَةُ معها، فهو مَخُوفٌ،

الجزء: 17 - الصفحة: 132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن مات الوَلَدُ معها، فهو مَخُوفٌ؛ لأنَّه يَصْعُبُ خُرُوجُه.
فإن وَضَعَتِ الوَلَدَ وخَرَجَتِ المَشِيمَةُ، فحَصَلَ ثَمَّ وَرَمٌ أو ضَرَبانٌ شَدِيدٌ، فهو مَخُوفٌ.
وإن لم يكنْ شيءٌ مِن ذلك، فقد رُوِيَ عن أحمدَ في النُّفَساءِ: إن كانت تَرْمِي الدَّمَ، فعَطيَّتُها مِن الثُّلُثِ.
فيَحْتَمِلُ أنَّه أراد بذلك إذا كان معه ألَمٌ للُزُومِه ذلك في الغالِبِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ على ظاهِرِه، فإنَّها إذا كانت تَرَى 314 الدَّمَ كانت كالمَرِيضِ.
وحُكْمُها بعدَ السَّقْطِ مثلُ حُكْمِها بعدَ الوَلَدِ التامِّ.
فإن أسْقَطَتْ مُضْغَةً أو عَلَقَةً فلا حُكْمَ لها، إلَّا أن يكونَ ثَم مَرَضٌ أو ألَمٌ.
وهذا كلُّه مَذْهَبُ الشافعيِّ، إلَّا أنَّ مُجَرَّدَ الدَّمِ عندَه ليس بمَخوفٍ.

الجزء: 17 - الصفحة: 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وما لَزِم المَرِيضَ في مَرَضِه مِن حَقٍّ لا يُمْكِنُه دَفْعُه وإسْقاطُه، كأَرْشِ جِنايته، وجِنايَهَ عَبْدِه، وما عاوَضَ عليه بثَمَنِ المِثْلِ، وما يَتغابَنُ النّاسُ بمِثْلِه، فهو مِن رَأْسِ المالِ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وكذلك النِّكاحُ بمَهْرِ المِثلِ، يَجُوزُ مِن رَأْسِ المالِ؛ لأنَّه صَرَف ماله في حاجَةِ نَفْسِه، فقُدِّمَ بذلك على وارِثِه.
وكذلك لو اشْتَرَى أمَةً للاسْتِمْتاعِ بها كَثِيرَةَ الثَّمَنِ بثَمَنِ مِثْلِها، أو اشْتَرَى مِن الأطْعِمَةِ التي لا يَأْكُلُ مثلُه مثلَها، جاز، وصَحَّ شِراؤُه له؛ لأنَّه صَرَفَ ماله في حاجَتِه.
وإن كان عليه دَينٌ، أو مات وعليه دَينٌ، قُدِّمَ بذلك على وارِثِه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ 315.

الجزء: 17 - الصفحة: 134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمّا إن قَضَى المَرِيضُ بعضَ غُرَمائِه، ووَفَّتْ تَرِكَتُه بسائِرِ الدُّيُونِ، صَحَّ قَضاؤُه، ولم يكنْ لسائِرِ الغُرَماءِ الاعْتِراضُ عليه.
وإن لم تَفِ بها، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، أنَّ لسائِرِ الغُرَماءِ الرُّجُوعَ عليه، ومُشارَكَتَه فيما أخَذَه.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ حَقَّهم تَعَلَّقَ بمالِه بمَرَضِه، فمَنَعَ تَصَرُّفَه فيه بما يَنْقُصُ دُيُونَهم، كتَبَرُّعِه، ولأنَّه لو وَصَّى بقَضاءِ بعضِ دُيُونِه، لم يَجُزْ، فكذلك إذا قَضاها.
والثانِي، لا يَمْلِكُون الاعْتِراضَ عليه ولا مُشارَكَتَه.
وهو قِياسُ قولِ أحمدَ، ومَنْصُوصُ الشافعيِّ؛ لأنَّه أدَّى واجِبًا عليه، فصَحَّ، كما لو اشْتَرَى شيئًا فأدَّى ثَمَنَه، أو باع بعضَ مالِه وسَلَّمَه.
ويُفارِقُ الوَصِيَّة، فإنَّه لو اشْترى ثِيابًا مُثَمَّنَةً، صَحَّ، ولو وَصَّى بتَكْفِينِه بثِيابٍ مُثَمَّنَةٍ، لم يَصِحَّ.
يُحَقِّقُ هذا أنَّ إيفاءَ ثَمَنِ المَبِيعِ قَضاءٌ لبعضِ غُرَمائِه، وقد صَحَّ عَقِيبَ البَيعِ، فكذلك إذا تَراخَى، إذ لا أثَرَ لتَراخِيه.
فصل: وإذا تبرعَ المَرِيضُ أو أعْتَقَ ثم أقَرَّ بدَينٍ، لم يَبْطُلْ تَبَرُّعُه.
نَصَّ عليه أحمدُ، في مَن أعْتَقَ عَبْدَه في مَرَضِه ثم أقَرَّ بدَينٍ، عَتَق العَبْدُ، ولم يُرَدَّ إلى الرِّقِّ؛ لأنَّ الحَقَّ ثَبَت بالتَّبَرُّعِ في الظّاهِرِ، فلم يُقْبَلْ إقْرارُه فيما يَبْطُلُ به حَقُّ غيرِه.

الجزء: 17 - الصفحة: 135

وَإنْ عَجَزَ الثُّلُثُ عَنِ التَّبَرُّعَاتِ الْمُنْجَزَةِ بُدِئَ بِالأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْهَا.

2633 - مسألة: وإن لم يَفِ (الثُّلُثُ بالتَّبرُّعاتِ المُنْجَزةِ، بُدِئَ بالأوّلِ فالأوّلِ)

سَواءٌ كان الأوَّلُ عِتْقًا أو غيرَه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: الجَمِيعُ سَواءٌ إذا كانت مِن جِنْس واحِدٍ، وإن كانت مِن أجْناس، وكانتِ المُحاباةُ مُتَقدِّمَةً، قُدِّمتْ، وإن تَأَخَّرَتْ سُوِّيَ بينَها وبينَ العِتْقِ، وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ المُحاباةَ حَقُّ آدَمِيٍّ على وَجْهِ المُعاوضَةِ، فقُدِّمَتْ إذا تَقدَّمَتْ، كقَضاءِ الدَّينِ، وإذا تَساوَى جِنْسُها سُوِّيَ بينَها، لأنَّها عَطايا مِن جِنْسٍ واحِدٍ، تُعْتَبرُ مِن الثُّلُثِ، فسُوِّيَ بينَها، كالوَصِيَّةِ.
وقال أبو يُوسُف، ومحمدٌ: يُقَدَّمُ العِتْقُ، تقَدَّمَ أو تَأخَّرَ.
ولَنا، أنَّهما عَطِيَّتانِ مُنْجَزَتانِ، فكانت أُولاهما أوْلَى، كما لو كانتِ الأُولَى مُحاباةً عندَ أبي حنيفةَ، أو عِتْقًا عندَ صاحِبِه، ولأنَّ العَطِيَّةَ المُنْجَزَةَ لازِمَةٌ في حَقِّ المُعْطِي، فإذا كانت خارِجَةً مِن الثُّلُثِ، لَزِمَتْ في حَقِّ الوَرَثَةِ، فلو شارَكَتْها الثانيةُ، لَمَنَع ذلك لُزُومَها في حَقِّ المُعْطِي؛ لأنَّه يَمْلِكُ الرُّجُوعَ في بعضِها بعَطِيَّةٍ أُخْرَى، بخِلافِ الوَصايا، فإنَّها غيرُ لازِمَةٍ في حَقِّه، وإنَّما تَلْزَمُ بالمَوْتِ [في حالٍ واحِدَةٍ، فاسْتَوَيا لاسْتِوائِهما في حالِ لُزُومِها، بخِلافِ المُنْجَزتَين.
وما قاله في المُحاباةِ لا يَصِحُّ، فإنَّها] 316 بمَنْزِلَةِ الهِبَةِ، ولو كانت بمَنْزِلَةِ المُعاوَضَةِ أو الدَّين لَمَا كانت مِن الثُّلُثِ.

الحديث: 2633 - الجزء: 17 - الصفحة: 136

فَإِنْ تَسَاوَتْ قُسِمَ بَينَ الْجَمِيعِ بالْحِصَصِ.
وَعَنْهُ، يُقَدَّمُ الْعِتْقُ.

2634 - مسألة: (وإن تَساوَتْ قُسِمَ بينَ الجَمِيعِ بالحِصَصِ. وعنه، يُقَدَّمُ العِتْقُ)

أمّا إذا وقَعَتْ دَفْعَةً واحِدَة، بأن وَكَّلَ جَماعَةً في هذه التَّبَرُّعاتِ، فأوْقَعُوها دَفْعَة واحِدَةً، فإن كانت كلُّها عِتْقًا أقْرَعْنا بينَهم، فكَمَّلْنا العِتْقَ في بعضِهم، وإن لم يكنْ فيها عِتْق قَسَمْنا الثُّلُثَ بينَهم على قَدْرِ عَطاياهم؛ لأنهم تَساوَوْا في الاسْتِحْقاقِ، فقسِمَ بينَهم على قَدْرِ حُقُوقِهم، كغُرَماءِ المُفْلِسِ.
وإنَّما خُولِفَ هذا الأصْلُ في العِتْقِ؛ لحديثِ عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ 317. وسَنَذْكُرُ ذلك في مَوْضِعِه.
وإن كان فيها عِتْقٌ وغيرُه، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، يُقَدَّمُ العِتْقُ لتَأكُّدِه.
والثانيةُ، يُسَوَّى بينَ الكلِّ؛ لأنَّها حُقُوقٌ تَساوَتْ في اسْتِحْقاقِها، فتَساوَتْ في تَنْفِيذِها، كما لو كانت مِن جِنْسٍ واحِدٍ؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَها حَصَل في حالٍ واحِدَةٍ.
فصل: إذا قال المَرِيضُ: إذا أعْتَقْتُ سَعْدًا فسعيدٌ حُرٌّ.
ثم أعْتَقَ سعدًا، عَتَقَ سعيدٌ إن خَرَج مِن الثُّلُث، وإن لم يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ إلَّا أحَدُهما،

الحديث: 2634 - الجزء: 17 - الصفحة: 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَتَقَ سعدٌ وَحْدَه، ولم يُقْرَع بينَهما؛ لوَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّ سعدًا سَبَق بالعِتْقِ.
والثانِي، أنَّ عِتْقَه شرْطٌ لعِتْقِ سعيدٍ، فلو رَقَّ بعضُه فات إعْتاقُ سعيدٍ أيضًا؛ لفَواتِ شَرْطِه، وإن بَقِيَ مِن الثُّلُثِ ما يَعْتِقُ به بعضُ سعيدٍ، عَتَقَ تَمامُ الثُّلُثِ منه.
وإن قال: إن أعْتَقْتُ سعدًا فسعيدٌ وعَمْرٌو حُرّان.
ثم أعْتَقَ سعدًا، ولم يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ إلَّا أحَدُهم، عَتَقَ سعدٌ وَحْدَه؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن خَرَج مِن الثُّلُثِ اثْنانِ، أو واحِدٌ وبعضُ آخَرَ، عَتَقَ سعدٌ، وأُقْرِعَ بينَ سعيدٍ وعَمْرٍو فيما بَقِيَ مِنِ الثُّلُثِ؛ لأنَّ عِتْقَهما في حالٍ واحِدَةً، وليس عِتْقُ أحَدِهما شَرْطًا في عِتْقِ الآخرِ.
ولو خَرَج مِن الثُّلُثِ اثنانِ وبعضُ الثالثِ، أقْرَعْنا بينَهما؛ لتَكْمِيلِ الحُرِّيَّةِ في أحَدِهما، وحُصُولِ التَّشْقِيصِ في الآخَرِ.
وإن قال: إن أعْتَقْتُ سعدًا 318 فسعيدٌ حرٌّ.
أو: فسعيدٌ وعَمْرٌو حُرّان في حالِ إعْتاقِي سعدًا.
فالحُكْمُ سَواءٌ لا يَخْتَلِفُ؛ لأنَّ عِتْقَ سعدٍ شَرْطٌ لعِتْقِهما، فلو رَقَّ بعضُه لفات شَرْطُ عِتْقِهما، فوَجَبَ تَقْدِيمُه.
فإن كان الشَّرْطُ في الصِّحَّةِ والإعْتاقُ في المَرَضِ، فالحُكْمُ على ما ذَكَرناه.

الجزء: 17 - الصفحة: 138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن قال: إن تَزَوَّجْتُ فعَبْدِي حُرٌّ.
فتَزَوَّجَ في مَرَضِه بأكْثَرَ مِن مَهْرِ المِثْلِ، فالزِّيادَةُ مُحاباةٌ تُعْتَبرُ مِن الثُّلُثِ.
فإن لم يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ إلَّا المُحاباةُ أو العَبْدُ، قُدِّمَتِ المُحاباةُ؛ لأنَّها وَجَبَتْ قبلَ العِتْقِ، لكون التَّزْويجِ شَرْطًا في العِتْقِ، فقد سَبَقَتِ العِتْقَ.
ويَحْتَمِلُ أن يتَساوَيا؛ لأنَّ التَّزْويجَ سَبَبٌ لثُبُوتِ المُحاباةِ، وشَرْطٌ للعِتْقِ، فلا يَسْبِقُ وُجُودُ أحَدِهما صاحِبَه، فيكونان سَواءً.
ثم هل يُقَدَّمُ العِتْقُ على المُحاباةِ؟ على روايَتَين.
وهذا فيما إذا ثَبَتَتِ المُحاباةُ بأن لا تَرِثَ المرأةُ الزَّوْجَ، إمّا لوُجُودِ مانِعٍ مِن الإرْثِ، أو لمُفارَقَتِه إيّاها في حَياتِه، إمّا بمَوْتِها أو طَلاقِها أو نحوه.
فأمّا إن وَرِثَتْه تَبَيَّنّا أنَّ المُحاباةَ لا تَثْبُتُ لها إلَّا بإجازَةِ الوَرَثَةِ، فيَنْبَغِي أن يُقَدَّمَ العِتْقُ عليها؛ لأَنه لازِم غيرُ مَوْقُوفٍ على الإِجازَةِ، فيكونُ مُتَقَدِّمًا.
وإن قال: أنت حُرٌّ في حالِ تَزْويجي.
فتَزَوَّجَ بأكْثَرَ مِن مَهْرِ المِثْلِ، فعلى القولِ الأوَّلِ يَتَساويَان؛ لأنَّ التَّزْويجَ جعِل حالةً لإيقاعِ العِتْقِ كما في عِتْقِ سعدٍ وسعيدٍ، وبُطْلانُ المُحاباةِ لا يُبْطِلُ التَّزْويجَ ولا يُؤثِّرُ فيه.
وعلى الاحْتِمالِ المَذْكُورِ يكونُ العِتْقُ سابقًا؛ لأنَّ المُحاباةَ إنَّما تَثْبُتُ بتَمامِ التَّزْويجِ، والعِتْقُ قبلَ تَمامِه، فيكونُ سابِقًا على المحُاباةِ، فيتَقَدَّمُ لهذا المَعْنَى، سِيّما إذا تأكّدَ بقُوَّتِه وكونِه غيرَ وارِثٍ.
فصل: إذا أعْتَقَ المَرِيضُ شِقْصًا مِن عَبْدٍ، ثم أعْتَقَ شِقْصًا مِن آخَرَ، ولم يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ إلَّا العَبْدُ الأوَّلُ، عَتَقَ وَحْدَه؛ لأنَّه يَعْتِقُ حينَ تَلَفُّظِه بإعْتاقِ بعضِه.
وإن خَرَج الأوَّلُ وبعضُ الثانِي، عَتَقَ ذلك.
وإن أعْتَقَ

الجزء: 17 - الصفحة: 139

وَأمَّا مُعَاوَضَةُ الْمَرِيضِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، فَتَصِحُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَإنْ كَانتْ مَعَ وَارِثٍ.
وَيَحْتَمِلُ أَلَّا تَصِحَّ لِوَارِثٍ.
الشِّقْصَين معًا فلم يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ إلَّا الشِّقْصان، عَتَقَا ورَقَّ باقِي العَبْدَين.
وإن لم يَخْرُجْ إلَّا أحَدُهما أُقْرِعَ بينَهما.
وإن خَرَج الشِّقصانِ وباقِي أحَدِ العَبْدَين ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَكْمِيلُ العِتْقِ مِن أحَدِهما بالقُرْعَةِ بينَهما، كما لو أعْتَقَ العَبْدَين فلم يَخْرُجْ مِن الثلُث إلَّا أحَدُهما.
والثانِي، يُقْسَمُ ما بَقِيَ مِن الثُّلُثِ بينَهما بغيرِ قُرْعَةٍ؛ لأنَّه أوقَعَ عِتْقًا مُشَقَّصًا فلم يُكْمِلْه، بخِلافِ ما لو أعْتَقَ العَبْدَين، ولهذا إذا لم يَخْرُجْ مِن الثلُثِ إلَّا الشِّقْصان أعْتَقْناهما بغيرِ قُرْعَةٍ، ولم نُكْمِلْه مِن أحَدِهما.
ولو وَصَّى بإعْتاقِ النَّصِيبَين وأن يُكْمَلَ عِتْقُهما مِن ثُلُثِه، ولم يَخْرُجْ مِن الثلُثِ إلَّا النَّصِيبان وقِيمَةُ باقِي أحَدِهما، أقْرَعْنا بينَهما، فمَن خرَجَتْ قُرْعَتُه كَمَل العِتْقُ فيه؛ لأنَّ المُوصِيَ أوْصَى بتَكْمِيلِ العِتْقِ، فجَرَى مَجْرَى إعْتاقِهما، بخِلافِ التي قبلَها.

2635 -

مسألة: (وأمّا مُعاوَضَةُ المَرِيضِ بثَمَنِ المِثْلِ، فتَصِح مِن رَأسِ المالِ وإن كانت مع وارِثٍ)

لأنَّه ليس بوَصِيَّةٍ؛ لأن الوَصِيَّةَ تَبَرُّعٌ، وليس هذا تَبَرُّعًا، فاسْتَوَى فيه الوارِثُ وغيرُه (ويَحْتَمِلُ أن لا تَصِحَّ لوارِثٍ) لأنَّه خَصَّهُ بعَينِ المالِ، أشْبَهَ ما لو حاباه.

الحديث: 2635 - الجزء: 17 - الصفحة: 140

وَإنْ حَابَى وَارِثَهُ، فَقَال الْقَاضِي: تَبْطُلُ فِي قَدْرِ مَا حَابَاهُ، وَتَصِحُّ فِيمَا عَدَاهُ،

2636 - مسألة: (وإن حابَى وارِثَه، فقال القاضي: تَبْطُلُ في قَدْرِ ما حاباه، وتَصِحُّ فيما عَداه)

مثلَ أن يَبِيعَ شيئًا بنِصْفِ

الحديث: 2636 - الجزء: 17 - الصفحة: 141

وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ؛ لِأنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ فِي حَقِّهِ.
فَإن كَانَ لَهُ شَفِيعٌ، فَلَهُ أَخْذُهُ، فَإنْ أخَذَهُ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي.
ثَمَنِه، فله نِصْفُه بجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لأنَّه تَبرَّعَ له بنِصْفِ الثَّمَنِ، فبَطَلَ التصَرُّفُ فيما تَبَرَّعَ له به (وللمُشْتَرِي الخِيارُ؛ لأنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ في حَقِّه).

2637 -

مسألة: (فإن كان له شَفِيعٌ، فله أخْذُه، فإن أخَذَه فلا خِيارَ للمُشتَرِي)

لزَوالِ الضَّرَرِ عنه؛ لأنَّه لو فسَخ البَيعَ رَجَع بالثَّمَنِ، وقد حَصَل له الثَّمَنُ مِن الشَّفِيعِ.
فصل: فإن باع أجْنَبِيًّا وحاباه، لم يَمْنَعْ ذلك صِحَّةَ العَقْدِ عندَ الجُمْهُور.
وقال أهلُ الظّاهِرِ: يَبْطُلُ العَقْدُ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ 319. ولأنَّه تَصَرُّفٌ صَدَر مِن أهْلِه في مَحَلِّه،

الحديث: 2637 - الجزء: 17 - الصفحة: 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصَحَّ، كغيرِ المَرِيضِ.
فعلى هذا، لو باع عَبْدًا لا يَمْلِكُ غيرَه قِيمَتُه ثَلاثُونَ بعَشَرَةٍ، فقد حابَى المُشْتَرِيَ بثُلُثَيْ مالِه، وليس له المحاباةُ بأكْثَرَ مِن الثُّلُثِ، فإن أجاز الوَرَثَةُ ذلك، لَزِم البَيعُ، وإن رَدُّوا فاخْتارَ المُشْتَرِي فَسْخَ البَيعِ، فله ذلك؛ لأن الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ في حَقِّه، فإنِ اخْتارَ إمْضاءَ البَيعِ، فقال شيخُنا 320: عندِي أَنه يَأْخُذُ نِصْفَ المَبِيعِ بنِصْفِ الثَّمَنِ، ويُفْسخُ البَيعُ في الباقِي.
وهذا أحَدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشافعيِّ.
والوَجْهُ الثانِي، أنَّه يَأْخُذُ ثُلُثَيِ المَبِيعِ بالثَّمَنِ كلِّه.
وإلى هذا أشارِ القاضي في نحو هذه المَسْألَةِ؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ بالمُحاباةِ والثُّلُثَ الآخرَ بالثمنِ.
وقال أهلُ العِراقِ: يقالُ له: إن شِئْتَ أدَّيتَ عَشَرَةً أُخْرى وأخَذْتَ المَبِيعَ، وإن شِئْتَ فَسَخْتَ ولا شيءَ لك.
وعندَ مالِكٍ، له أن يَفْسَخَ ويَأْخُذَ ثُلُثَ المَبِيعِ بالمُحاباةِ، ويُسَمِّيه أصْحابُه خُلْعَ الثُّلُثِ.
ولَنا، أنَّ ما ذَكَرْناه مُقابَلَةُ بعضِ المَبِيعِ بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ عندَ تَعذُّرِ أخْذِ جَمِيعِه بجَمِيعِه، فصَحَّ ذلك، كما لو اشْتَرَى سِلْعَتَين بثَمَنٍ فانْفسَخَ البَيعُ في إحْداهما لعَيبٍ أو غيرِه، أو كما لو اشْتَرَى شِقْصًا وسَيفًا، فأخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ، أو كما لو اشْتَرَى قَفِيزًا يُساوى ثَلاثينَ بقَفِيزٍ قِيمَتُه عَشَرَةٌ.
وأمّا الوَجْهُ الثاني الذي اخْتارَه القاضي، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه أوْجَبَ له المَبِيعَ بثَمَنٍ، فيَأْخُذُ بعضه بالثَّمَنِ كلِّه، فلا يَصِحُّ،؛ لو قال: بِعْتُكَ هذا بمائةٍ.
فقال: قد قَبِلْتُ نِصْفَه بها.
ولأَنه إذا فَسَخ البَيعَ في بعضِه وَجَب أن يَفْسَخَه بقَدْرِه مِن ثَمَنِه،

الجزء: 17 - الصفحة: 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا يَجُوزُ فَسْخُ البَيعِ 321 فيه مع بَقاءِ ثَمَنِه، كما لا يَجُوزُ فَسْخُ البَيعِ (1) في الجَمِيعِ مع بَقاءِ ثَمَنِه.
وأمّا قولُ أهلِ العِراقِ، فإنَّ فيه إجْبارًا للوَرَثَةِ على المُعاوَضَةِ على غيرِ الوَجْهِ الذي عاوَضَ مَوْرُوثُهم.
وأمّا قولُ مالِكٍ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه إذا فَسَخ البَيعَ لم يَسْتَحِقَّ شيئًا؛ لأنَّ المُحاباةَ إنَّما حَصَلَتْ في ضِمْنِ البَيعِ، فإذا بَطَل البَيعُ بَطَلَتْ، كما لو وَصَّى لرجلٍ بعَينِه أن يَحُجَّ عنه بمائةٍ، وأجْرُ المِثْلِ خَمْسُون، فطَلَبَ الخَمْسِين الفاضِلَةَ بدُونِ الحَجِّ.
وإنِ اشْتَرَى عَبْدًا يُساوي عَشَرَةً بثَلاثِينَ، فإَّنه يَأْخُذُ [نِصْفَه بنِصْفِ الثَّمَنِ] 322. وإن باع العَبْدَ الذي يُساوي ثَلاثِين بخَمْسَةَ عَشَرَ، جاز البَيعُ في ثُلُثَيه بثُلُثَي الثَّمَنِ في قولِ شيخِنا.
وعلى قولِ القاضي، للمُشْتَرِي خَمْسَةُ أسْداسِه بكلِّ الثمَنِ.
وطَرِيقُ هذا أن يُنْسَبَ الثَّمَنُ وثُلُثُ المَبِيعِ إلى قِيمَتِه، فيَصِحَّ البَيعُ في مِقْدارِ تلك النِّسْبَةِ، وهو خَمْسَةُ أسْداسِه.
وعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَسْقُطُ الثَّمَنُ مِن قِيمَةِ المَبِيعِ، ويُنْسَبُ الثلُثُ إلى الباقِي، فيَصِحُّ البَيعُ في قَدْرِ تلك النِّسْبَةِ، وهو ثُلُثاه بثُلُثَي الثّمَنِ.
فإن خَلَّفَ البائِعُ عَشَرَةً أخْرَى، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَصِحُّ في ثَمانيةِ أتْساعِه بثمانيةِ أتْساعِ الثَّمَنِ، وعلى الوَجْهِ الثانِي، يَأْخُذ المُشْتَرِي نِصْفَه وأرْبَعَةَ أتْساعِه بجَمِيعِ الثمنِ.

الجزء: 17 - الصفحة: 144

وَإنْ بَاعَ الْمَرِيضُ أجْنَبِيًّا وَحَابَاهُ، وَكَانَ شَفِيعُهُ وَارِثًا، فَلَهُ الْأخْذُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأنَّ الْمُحَابَاةَ لِغَيرِهِ.

2638 - مسألة: (وإن باع المَرِيضُ أجْنَبِيًّا وحاباه، وكان شَفِيعُه وارِثًا، فله الأخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ المُحاباةَ لغيرِه)

يَعْني إذا باع شِقْصًا تَجِبُ فيه الشُّفْعَةُ؛ لأن المُحاباةَ إنَّما وَقَعَتْ للأجْنَبِيِّ، فأشْبَهَ ما لو وَصَّى لغَرِيمِ وارِثِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ الوارِثُ الشُّفعَةَ ههُنا 323؛ لإفْضائِه إلى جَعْلِ سَبِيلٍ للإنْسانِ إلى إثباتِ حَقِّ وارِثِه في المُحاباةِ.
وقد ذَكَرْنا ذلك والخِلافَ فيه في الشُّفْعَةِ.

الحديث: 2638 - الجزء: 17 - الصفحة: 145

وَيُعْتَبَرُ الثُّلُثُ عِنْدَ الْمَوْتِ.
فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيرَهُ، ثُمَّ مَلَكَ مَالًا يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ عَتَقَ كُلُّهُ.
وَإنْ صَارَ عَلَيهِ دَينٌ يَسْتَغْرِقُهُ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ.

2639 - مسألة: (ويُعْتَبَرُ الثُّلُثُ عندَ المَوْتِ)

لأنَّه وَقْتُ لُزُومِ الوَصِيَّةِ واسْتِحْقاقِها، وتَثْبُتُ له ولايَةُ القَبُولِ والرَّدِّ (فلو أعْتَقَ عَبْدًا لا يَمْلِكُ غيرَه، ثم مَلَك مالًا يَخْرُجُ مِن ثُلُثِه، تَبَيَّنّا أنَّه عَتَقَ كلُّه) لخُرُوجه مِن الثُّلُثِ عندَ المَوْتِ (وإن صار عليه دَينٌ يَسْتَغْرِقُه، لم يَعْتِقْ منه شيءٌ) لأنَّ الدَّينَ يُقَدَّمُ على الوَصِيَّةِ؛ لِما رُوِيَ عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى بالدَّينِ قبلَ الوَصِيَّةِ 324. ويَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَ ثُلُثُه؛ لأنَّ تَصَرُّفَ المَرِيضِ في الثُّلُثِ كتَصَرُّفِ الصَّحِيحِ في الجَمِيعِ.

الحديث: 2639 - الجزء: 17 - الصفحة: 146

فَصْلٌ: وَتفَارِقُ الْعَطِيَّة الوَصِيَّةَ فِي أَرْبَعَةِ اشيَاءَ، أَحَدُهَا، أَنَّهُ يُبْدَأُ بِالأَوَّلِ فَالأَوَّلِ مِنْهَا، وَالْوَصَايَا يُسَوِّي بَينَ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ مِنْهَا.
وَالثَّانِي، أَنَّه لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِي الْعَطِيَّةِ بخِلَافِ الْوَصِيَّةِ.
الثَّالِثُ، أَنَّهُ يُعْتَبَر قَبُولهُ لِلعَطِيَّةِ عِنْدَ وُجُودِهَا، وَالوَصِيَّةُ بِخِلَافِهِ.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (وتُفارِقُ العَطِيَّةُ الوَصِيَّةَ في أرْبَعَةِ أشْياءَ؛ أحَدُها، أنَّه يُبْدَأُ بالأوَّلِ فالأوّلِ منها، والوَصايا يُسَوَّى بينَ المُتَقَدِّمِ والمُتَأخِّرِ منها) أمّا العَطايا فقد ذَكَرْنا حُكْمَها والخِلافَ فيها.
وأمّا الوَصايا فإنها تَبَرُّعٌ بعدَ المَوْتِ، فتُؤْخَذُ دَفْعةً واحِدَةً، ولذلك اسْتَوَى فيها المُتَقَدِّمُ 325 والمُتَأخِّرُ.
(الثانِي، أنَّه لا يَجُوزُ الرُّجُوعُ في العَطِيَّةِ، بخِلافِ الوَصِيَّةِ) لأنَّ العَطِيَّةَ تَقَعُ لازِمَةً في حَقِّ المُعْطِي، تَنْتَقِلُ إلى المُعْطَى في الحَياةِ إذا اتَّصَلَ بها القَبُولُ والقَبْضُ، وإن كَثُرَتْ، فلم يكنْ له الرجُوعُ فيها، كالهِبَةِ، وإنَّما مُنِع المَرِيضُ مِن التَّبَرُّعِ بزِيادَةٍ على الثُّلُثِ لحَقِّ الوَرَثةِ، لا لِحَقِّه، فلم يَمْلِكْ إجازَتَها ولا رَدَّها بخِلافِ الوَصِيَّةِ [وإنَّما كان له الرُّجُوعُ في الوَصِيَّةِ] 326؛ لأنَّ التَّبَرُّعَ بها مَشْرُوطٌ بالمَوْتِ، ففِيما قبلَ المَوْتِ لم يُوجَدِ التَّبَرُّعُ ولا العَطِيَّةُ، فهي كالهِبَةِ قبلَ القَبُولِ.
(الثالثُ، أنَّه يُعْتَبَرُ قَبُولُه للعَطِيَّةِ عندَ وُجُودِها) ويَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ

الجزء: 17 - الصفحة: 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَذْكُورَةِ؛ لأنَّها هِبَةٌ مُنْجَزَةٌ.
فاعْتُبِرَ لها القَبُولُ عندَ وُجُودِها، كعَطِيَّةِ الصَّحِيحِ، بخِلافِ الوَصِيَّةِ، فإنَّه لا حُكْمَ لقَبُولِها ولا رَدها إلَّا بعدَ المَوْتِ على ما يَأْتِي.
فصل: والعَطِيَّةُ تُقَدَّمُ على الوَصِيَّةِ.
وهو قولُ الشافعيِّ وجُمْهُورِ العُلَماءِ.
وبه قال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ، وزُفَرُ، إلَّا في العِتْقِ، فإنَّه حُكِيَ عنهم تَقْدِيمُه؛ لأنَّ العِتْقَ يتَعَلَّقُ به حَقُّ اللهِ تعالي، ويَسْرِي ويَنْفُذُ في مِلْكِ الغيرِ، فيَجبُ تَقْدِيمُه.
ولَنا، أنَّ العَطِيَّةَ لازِمَةٌ في حَقِّ المَرِيضِ، فقُدِّمَتْ على الوَصِيَّةِ، كعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ، أو فقُدِّمَتْ على العِتْق، كعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ.

الجزء: 17 - الصفحة: 148

وَالرَّابعُ أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِي الْعَطِيَّةِ حينِهَا وَيَكُونُ مُرَاعًى، فَإِذَا خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ عِنْدَ الْمَوْتِ،، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَابِتًا مِنْ حِينِهِ.
فَلَوْ أعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا، أوْ وَهَبَهُ لإنْسَانٍ، ثُمَّ كَسَبَ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ شَيئًا، ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهُ فَخَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ، كَانَ كَسْبُهُ لَهُ إنْ  (الرابعُ، أنَّ المِلْكَ يَثْبُتُ في العَطِيَّةِ مِن حينِها ويكونُ مُراعًى، فإذا خَرَج مِن الثُّلُثِ عندَ المَوْتِ، تَبَيَّنّا أنَّ المِلْكَ كان ثابِتًا مِن حينِه) لأنَّ العَطيَّةَ في المَرَضِ تَمْلِيكٌ في الحالِ؛ لأنَّها إن كانت هِبَةً، فمُقْتَضاها تَمْلِيكُه المَوْهُوبَ في الحالِ، ولهذا يُعْتَبَرُ قَبُولُها في المَجْلِسِ، كما لو كانت في الصِّحَّةِ، وكذلك إن كانت مُحاباةً أو إعْتاقًا.
وأمّا كونُها مُراعاةً، فلأنّا لا نَعْلَمُ هل هذا مَرَضُ المَوْتِ أو لا، ولا نَعْلَمُ هل يَسْتَفِيدُ مالًا أو يَتْلَفُ شيء مِن مالِه أو لا، فتَوَقَّفْنا لنَعْلَمَ عاقِبَةَ أَمْرِه فنَعْمَلَ عليها، فإذا انْكَشَفَ الحالُ عَلِمْنا حِينَئِذٍ ما ثَبَت حال العَقْدِ.
ومثلُ ذلك، ما لو أسْلَمَ أحَدُ الزَّوْجَين بعدَ الدُّخُولِ، فإنَّا لا نَدْرِي هل يُسْلِمُ الثاني أم لا، فنَقِفُ الأمْرَ حتى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ، فإن أسْلَمَ الآخرُ في العِدَّةِ تَبَيَّنّا أنَّ النِّكاحَ كان صَحِيحًا باقِيًا، وإنِ انْقَضَتِ العِدَّةُ قبلَ إسْلامِه تَبَيَّنّا أنَّ النِّكاحَ انْفَسَخَ مِن حينَ اخْتَلَفَ دِينُهما.

2640 -

مسألة: (فلو أعْتَقَ في مَرَضِه عَبْدًا، أو وَهَبَه لإنْسانٍ، ثم كَسَب في حَياةِ سَيِّدِه شيئًا، ثم مات سَيِّدُه فخَرَجَ مِن الثُّلُثِ، كان كَسْبُه

الحديث: 2640 - الجزء: 17 - الصفحة: 149

كَانَ مُعْتَقًا، وَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ كَانَ مَوْهُوبًا، وَإنْ خَرَجَ بَعْضُهُ، فَلَهُمَا مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ.
فَلَوْ أعْتَقَ عَبْدًا لَامَال لَهُ سِوَاهُ، فَكَسَبَ مِثْلَ قِيمَتِهِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شيءٌ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ، وَلِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ شَيئَانِ، فَصَارَ الْعَبْدُ وَكَسْبُهُ نِصْفَينِ فَيَعْتِقُ  له إن كان مُعْتَقًا، وللمَوْهُوبِ إن كان مَوْهُوبًا، وإن خَرَج بعضُه، فلهما مِن كَسْبِه بقَدْرِ ذلك) فنقولُ 327: إذا (أعْتَقَ عَبْدًا لا مال له 328 سِوَاه، فكَسَبَ مثلَ قِيمَتِه قبلَ مَوْتِ سَيِّدِه) فللعَبْدِ مِن كَسْبه بقَدْرِ ما عَتَقَ منه، وباقِيه لسَيِّدِه، فيَزْدادُ به مالُ السَّيِّدِ، وتَزْدادُ الحُرِّيَّةُ لذلك، ويَزْدادُ حَقه مِن كَسْبِه، فيَنْقُصُ به حَقُّ السَّيِّدِ مِن الكَسْبِ، ويَنْقُصُ بذلك قَدْرُ المُعْتَقِ منه، فيَدْخُلُ الدَّوْرُ 329، فيُسْتَخْرَجُ ذلك بالجَبْرِ، فيُقالُ: (عَتَق مِن العَبْدِ شيءٌ، وله مِن كَسْبِه شيءٌ) لأنّ كَسْبَه مثلُه، وللوَرَثَه مِن العَبْدِ [وكَسْبِه] 330 شَيئان؛ لأنَّ لهم مِثْلَيْ ما عَتَقَ، منه، وقد عَتَقَ منه شيءٌ، ولا يُحْسَبُ على العَبْدِ ما حَصَل له مِن كَسْبِه؛ لأنَّه اسْتَحَقَّه بجُزْئِه الحُرِّ لا مِن جِهَةِ سَيِّدِه، فصار للعَبْدِ شَيئان، وللوَرَثَةِ شَيئان، مِن العَبْدِ وكَسْبِه، فيُقْسَمُ العَبْدُ وكَسْبُه نِصْفَين، (فيَعْتِقُ منه

الجزء: 17 - الصفحة: 150

مِنْهُ نِصْفُهُ، وَلَهُ نِصْفُ كَسْبِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ نِصْفُهُمَا.
وَإنْ كَسَبَ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ صَارَ لَهُ شَيئَانِ وَعَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيئَانِ، فَيَعْتِقُ ثَلَاثَةُ أخْمَاسِهِ، وَلَهُ ثَلاثَةُ أخْمَاسِ كَسْبِهِ وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ.
وَإنْ كَسَبَ نِصْفَ قِيمَتِهِ، عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَهُ نِصْفُ شيْءٍ مِنْ كَسْبِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيئَانِ فَيَعْتِقُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أسْبَاعِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أسْبَاعِ كَسْبِهِ وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ.
وَإنْ كَانَ مَوْهُوبًا لإِنْسَانٍ، فَلَهُ مِنَ الْعَبْدِ بِقَدْرٍ مَا عَتَقَ مِنْهُ وَبِقَدْرِه  نِصْفُه، وله نِصْفُ كَسْبِه، وللوَرَثَةِ نِصْفُهما.
وإن كَسَب مِثْلَيْ قِيمَتِه) فله مِن كَسْبِه شَيئان، صار له ثلاثةُ أشْياءَ، ولهم شَيئان، فيُقْسَمُ العَبْدُ وكَسْبُه أخْماسًا (يَعْتِقُ منه ثلاثةُ أخْماسِه، وله ثلاثةُ أخماسِ كَسْبِه، وللوَرَثَةِ خُمْساه وخُمْسَا كَسْبِه) وإن كَسَب ثلاثةَ أمْثالِ قِيمَتِه، فله مِن كَسْبِه ثلاثةُ أشياءَ مع ما عَتَقَ منه، وللوَرَثَةِ شَيئان، فيَعْتِقُ منه ثُلُثاه، وله ثُلُثا كَسْبِه، وللوَرَثَةِ ثُلُثهما.
(وإن كَسَب نِصْفَ قِيمَتِه، عَتَقَ منه شيءٌ، وله مِن كَسْبِه نِصْفُ شيءٍ، ولهم شَيئان) فالجميعُ ثلاثةُ أشياءَ ونِصفُ شيءٍ، فإذا بَسَطْتَها أنْصافًا، صارت سَبْعَةً، فله ثلاثةُ أسْباعِها (فيَعْتِقُ منه ثلاثةُ أسْباعِه، وله ثلاثةُ أسْباعِ كَسْبِه، والباقِي للوَرَثَةِ) وذلك مِثْلَا ما عَتَقَ منه.

2641 -

مسألة: (وإن كان مَوْهُوبًا لإِنسانٍ)

فللمَوْهُوبِ له (مِن

الحديث: 2641 - الجزء: 17 - الصفحة: 151

مِنْ كَسْبِهِ.
العَبْدِ بقَدْرِ ما عَتَقَ منه) وله مِن كَسْبِه بقَدْرِ ذلك.
فإن كانت قِيمَتُه مائةً، فكَسَبَ تِسْعَةً، فاجْعَلْ له مِن كلِّ دِينارٍ شيئًا، فقد عَتَقَ منه مائةُ شيءٍ 331، وله مِن كَسْبِه تِسْعَةُ أشياءَ، ولهم مائَتا شيءٍ، فيَعْتِقُ منه مائةُ جُزْءٍ وتِسْعَةُ أجْزاءٍ مِن ثَلاثمائةٍ وتِسْعَةٍ، وله مِن كَسْبِه مثلُ ذلك، ولهم مائَتا جُزْءٍ مِن كَسْبِه.
فإن كان على السَّيِّدِ دَين يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه وقِيمةَ كَسْبِه، صُرِفا في الدَّينِ، ولم يَعْتِقْ منه شيءٌ؛ لأنَّ الدَّينَ مُقَدَّمٌ على التَّبَرُّعِ، وإن لم يَسْتَغْرِقْ قِيمَتَه وقيمةَ كَسْبِه، صُرِف مِن العَبْدِ وكَسْبِه ما يُقضَى به الدَّينُ، وما بَقِيَ منهما يُقْسَمُ على ما يُعْمَلُ في العَبْدِ الكامِلِ وكَسْبِه.
فعلى هذا، لو كان على المَيِّتِ دَين بقِيمَةِ العَبْدِ، صُرِف فيه نِصْفُ العَبْدِ ونِصْفُ كَسْبِه، وقُسِم النِّصْفُ الباقِي بينَ الوَرَثَةِ والعِتْقِ نِصْفَين، وكذلك بَقِيَّةُ الكَسْبِ.
فإن كَسَب العَبْدُ مثلَ قيمَتِه، وللسَّيِّدِ ماذ بقَدْرِ الكَسْبِ، قَسَمْتَ العَبْدَ ومِثْلَ قِيمَتِه على الأشياءِ الأرْبَعَةِ، لكلِّ شيءٍ ثلاثةُ أرْباعٍ، فيَعْتِقُ مِن العَبْدِ ثلاثةُ أرْباعِه، وله ثلاثةُ أرْباعِ كَسْبِه.
فصل: وإن أعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُه عِشْرُون، ثم أعْتقَ عَبْدًا قِيمَتُه عَشَرَةٌ، فكَسَبَ كلُّ واحِدٍ منهما مثلَ قِيمَتِه، أُكْمِلَتِ الحُرِّيَّةُ في العَبْدِ الأوَّلِ، فيَعْتِقُ

الجزء: 17 - الصفحة: 152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  منه شيءٌ، وله مِن كَسْبِه شيءٌ، وللوَرَثَةِ شَيئان، ويُقْسَمُ العَبْدانِ وكَسْبُهما على الأشْياء الأرْبَعَةِ، لكلِّ شيءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ، فيَعْتِقُ منه بقَدْرِ ذلك، وهو ثلاثةُ أرباعِه، وله ثلاثةُ أرْباعِ كَسْبِه، والباقِي للوَرَثَةِ.
وإنِ بَدَأ بعِتْقِ الأدْنى، عَتَقَ كلُّه، وأخَذَ كَسْبَه، ويَسْتَحِقُّ الوَرَثَةُ مِن العَبْدِ الآخرِ وكَسْبِه مِثْلَي العَبْدِ الذي عَتَقَ، وهو نِصْفُه ونِصْفُ كَسْبِه، ويَبْقَى نِصْفُه ونِصْفُ كَسْبِه بينَهما نِصْفَين، فيَعْتِقُ رُبْعُه، وله رُبْعُ كَسْبِه، ويَرِقُّ ثلاثةُ أرْباعِه، ويَتْبَعُه ثلاثةُ أرْباعِ كَسْبِه، وذلك مِثْلَا ما عَتَقَ منهما.
وإن أعْتَقَ العَبْدَين دَفْعَةً واحِدَةً، أقْرَعْنا بينَهما، فمَن خَرَجَتْ له قُرْعَةُ الحُرِّيَّةِ، فهو كما لو بَدَأ بإعْتاقِه.
فصل: فإن أعْتَقَ ثلاثةَ أعْبُدٍ قِيمَتُهم سَواءٌ، وعليه دَين بقَدْرِ قِيمَةِ أحَدِهم، وكَسْبُ أحَدِهم مِثْلُ قِيمَتِه، أقْرَعْنا بينَهم لإخْراجِ الدَّينِ، فإن وَقَعَتْ على غيرِ المُكْتَسِبِ، [بِيعَ في الدَّينِ، ثم أقْرَعْنا بينَ المُكْتَسِبِ والآخَرِ لأجْلِ الحُرِّيَّةِ، فإن وَقَعَتْ على غيرِ المُكْتَسِبِ] 332، عَتَقَ كلُّه، والمُكْتَسِبُ ومالُه للوَرَثَةِ، وإن وَقَعَتْ قُرْعَةُ الحُرِّيَّةِ على المُكْتَسِبِ، عَتَقَ منه ثلاثةُ أرْباعِه، وله ثلاثةُ أرْباعِ كَسْبِه، وباقِيه وباقِي كَسْبِه والعَبْدُ الآخَرُ للوَرَثَةِ، كما قُلْنا فيما إذا كان للسَّيِّدِ مالٌ بقَدْرِ قِيمَتِه.
ولو وَقَعَتْ قرْعَةُ الدَّينِ ابْتداءً على المُكْتَسِبِ، لقَضَينا الدَّينَ بنِصْفِه ونِصْفِ كَسْبِه، ثم

الجزء: 17 - الصفحة: 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أقْرَعْنا بينَ باقِيه وبينَ العَبْدَين الآخَرَين في الحُرِّيَّةِ، فإن وقَعَتْ على غيرِه عَتَقَ كلُّه، وللوَرَثَةِ ما بَقِيَ، فإن وَقَعَتْ على المُكْتَسِبِ عَتَقَ باقِيه، وأخَذْنا باقِيَ كَسْبِه، ثم يُقْرَعُ بينَ العَبْدَين لإتْمامِ الثُّلُثِ، فمن وَقَعَتْ عليه القُرْعَةُ عَتَقَ ثُلُثُه، ويَبْقَى ثُلُثاه، والعَبْدُ الآخَرُ للوَرَثَةِ.
فصل: رجلٌ أعْتَقَ عَبْدَين مُتَساويِي القِيمَةِ بكَلِمةٍ واحِدَةٍ لا مال له غيرُهما، ثم مات أحَدُهما في حَياتِه، أُقْرِعَ بينَ الحَيِّ والمَيِّتِ، فإن وَقَعَتْ على المَيِّتِ، فالحَيُّ رَقِيقٌ، وتَبَيَّنَ أنَّ المَيِّتَ نِصْفُه حُرٌّ؛ لأنَّ مع الوَرَثَةِ مِثْلَيْ نِصْفِه، وإن وَقَعَتْ على الحَيِّ، عَتَقَ ثُلُثُه، ولا يُحْسَبُ المَيِّتُ على الوَرَثَةِ؛ لأنَّه لم يَصِلْ إليهم.
فصل: رجلٌ أعْتَقَ عَبْدًا لا مال له سِواه، قِيمَتُه عَشَرَةٌ، فمات قبلَ سَيِّدِه وخَلَّفَ عِشْرِين، فهي لِسَيِّدِه بالوَلاءِ، وتَبَيَّنَ أنَّه مات حُرًّا.
وكذلك إن خَلَّفَ أرْبَعِين وبِنْتًا.
وإن خَلَّفَ عَشَرَةً، عَتَقَ منه شيءٌ، وله مِن كَسْبِه شيءٌ، ولسَيِّدِه شَيئانِ، وقد حَصَل في يَدِ سَيِّدِه عَشَرَةٌ تَعْدِلُ شَيئَين 333، فتَبَيَّنَ أنَّ نِصْفَه حُرٌّ، وباقِيَه رَقِيقٌ، والعَشَرَةُ يَسْتَحِقُّها السَّيِّدُ، نِصْفُها بحُكْمِ الرِّقِّ، ونِصْفُها بالوَلاءِ.
فإن خَلَّفَ العَبْدُ ابنًا، فله مِن رَقَبَتِه شيءٌ، ومِن كَسْبِه شيءٌ لِابْنِه بالمِيراثِ، ولسَيِّدِه شَيئان، فتُقْسَمُ العَشَرَةُ على ثلاثةٍ، للابنِ ثُلُثها، وللسَّيِّدِ ثُلُثاها، ونَتَبَيَّنُ أنَّه عتَقَ مِن العَبْدِ ثُلُثُه.
وإن خَلَّفَ بنتًا، فلها نِصْفُ شيءٍ، وللسَّيِّدِ شَيئان،

الجزء: 17 - الصفحة: 154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصارَتِ العَشَرَةُ على خَمْسَةٍ، للبِنْتِ خُمْسُها، وللسَّيِّدِ أرْبَعَةُ أخْماسِها، تَعْدِلُ شَيئَينَ 334، فتَبَيَّنَ أن خُمْسَي العَبْدِ مات حُرًّا.
وإن خَلَّفَ العَبْدُ عِشْرِين وابنًا، فله مِن كَسْبِه شَيئانِ، يكونان لابنه، ولسَيِّدِه شَيئان، فصارَتِ العِشرُون بينَ السَّيِّدِ وبينَ ابنِه نِصْفَين، وتَبَيَّنَ أنَّه عَتَقَ منه نِصْفُه.
فإن مات الابنُ قبلَ مَوْتِ السَّيِّدِ، [وكان] 335 ابنَ مُعْتَقِه 336، وَرِثَه السَّيِّدُ؛ لأنَّنا تَبيَّنَا أنَّ أباه مات حُرًّا، لكونِ السَّيِّدِ مَلَك عِشرِين، وهي مِثْلَا قِيمَتِه، فعَتَقَ، وجَرَّ وَلاءَ ابنِه إلى سَيِّدِه فوَرِثَه.
وإن لم يكنْ الابنُ ابنَ مُعْتَقِه (3)، لم يَنْجَرَّ وَلاؤُه، ولم يَرِثه سَيِّدُ أبِيه.
وكذلك الحُكْمُ لو خَلَّفَ هذا الابنُ عِشْرِين ولم يُخَلِّفْ أبُوه شيئًا، أو مَلَك السَّيِّدُ عِشْرِين مِن أيِّ جِهَةٍ كانت.
وإن لم يَمْلِكْ عِشْرِين، لم يَنجَرَّ وَلاءُ الابنِ إليه؛ لأنَّ الأبَ لم يَعْتِقْ، وإن عَتَقَ بعضُه جَرَّ مِن وَلاءِ ابنِه بقَدْرِه، فلو خَلَّفَ الابنُ عَشَرَةً، ومَلَك السَّيِّدُ خَمْسَةً، فإنَّكَ تقولُ: عَتَقَ مِن العَبْدِ شيءٌ، ويَجُرُّ مِن وَلاءِ ابنِه مِثْلَ ذلك، ويَحْصُلُ له مِن مِيراثِه شيءٌ مع خَمْسَةٍ، وهما يَعْدِلان شَيئَينِ، وباقِي العَشَرَةِ لمَوْلَى أُمِّه، فيُقْسَمُ بينَ السَّيِّدِ وبينَ مَوْلَى الأُمِّ نِصْفَين، ونتَبيَّنُ أنَّه قدْ عَتَقَ مِن العَبْدِ نِصْفُه، ويَحْصُلُ للسَّيِّدِ خَمْسَةٌ مِن مِيراثِ ابنِه.
وكانت له خَمْسَةٌ، وذلك مِثْلَا ما عَتَقَ مِن العَبْدِ.
فإن مات الابنُ في

الجزء: 17 - الصفحة: 155

وَإنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً ثُمَّ وَطِئَهَا، وَمَهْرُ مِثْلِهِا نِصْفُ قِيمَتِهَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَسَبَتْ نِصْفَ قِيمَتِهَا، يَعْتِقُ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا.
وَلَوْ وَهَبَهَا مَرِيضًا آخَرَ لَا مَال لَهُ أيضًا، فَوَهَبَهَا الثَّانِي لِلْأَوَّلِ، صَحَّتْ هِبَةُ الأَوَّلِ فِي شَيْءٍ، وَعَادَ إِلَيهِ بِالْهِبَةِ الثَّانِيَةِ ثُلُثُهُ، بَقِيَ لِوَرَثَةِ الْآخَرِ ثُلُثَا شَيْءٍ، وَلِلأَوَّلِ شَيئَانِ، فَلَهُمْ ثَلَاثَةُ أرْبَاعِهَا، وَلِوَرَثَةِ الثَّانِي رُبْعُهَا.
حَياةِ أبيه قبلَ مَوْتِ سَيِّدِه وخَلَّفَ مالًا، وحَكَمْنا بعِتْقِ الأبِ أو عِتْقِ بَعْضِه، وَرِثَ مال ابنه (1) إن كان حُرًّا، أو بقَدْرِ ما فيه مِن الحُرِّيَّةِ إن كان بَعضُه حُرًّا، ولم يَرِثْ سَيِّدُه منه شيئًا.
وفي هذه المَسائِلِ خِلافٌ تَرَكْنا ذِكْرَه مَخافَةَ التَّطْويلِ.

2642 -

مسألة: (وإن أعْتَقَ جارِيَةً)

لا مال له غيرُها (ثم وَطِئَها، ومَهْرُ مِثْلِها نِصْفُ قِيمَتِها، فهو كما لو كَسَبَتْ نِصْفَ قِيمَتِهَا، يَعْتِقُ منها ثلاثةُ أسْباعِها) وقد ذَكَرْنا ذلك.
2643 -

مسألة: (وإن وَهَبَها مَرِيضًا آخَرَ لا مال له غيرُها، ثم وَهَبَها الثاني للأَوَّلِ)

وماتا جَمِيعًا، فنقولُ: (صَحَّتْ هِبَةُ الأَوَّلِ فِي شَيْءٍ، وَعَادَ إِلَيهِ بِالْهِبَةِ الثَّانِيَةِ ثُلُثُهُ، بَقِيَ لِوَرَثَةِ الثَّانِي ثُلُثَا شَيْءٍ، وَلِوَرَثَةِ لِلأَوَّلِ شَيئَانِ) فاضْرِبْها في ثُلُثِه ليَزولَ الكَسْرُ، يكنْ ثمانيةَ أشياءَ، تَعْدِلُ الأمَةَ337

الحديث: 2642 - الجزء: 17 - الصفحة: 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَوْهُوبَةَ، فلوَرَثَةِ الواهِبِ الأوَّلِ (ثلاثةُ أرْباعِها) سِتَّةٌ، (ولوَرَثَةِ الثانِي رُبْعُها) شَيئان، وإن شِئْتَ قُلْتَ: المسأَلةُ مِن ثلاثةٍ 338؛ لأنَّ الهِبَةَ صَحتْ في ثُلُثِ المالِ، وهِبَةَ الثانِي صَحَّتْ في ثُلُثِ الثُّلُثِ، فتكونُ مِن ثلاثةٍ، اضْرِبْها في أصْلِ المسأَلةِ، تكُنْ تِسْعَةً، أسْقِطِ السَّهْمَ الَّذي صَحَّتْ فيه الهِبَةُ الثانيةُ؛ لأننا لو رَدَدْناه على الأوَّلِ لوَجَبَ رَدُّه على جَمِيعِ السِّهامِ الباقِيَةِ، إذ يَلْزَمُ مِن زِيادَةِ الباقِي للواهِبِ الأوَّلِ زِيادَةُ الجُزْءِ الَّذي صَحَّتْ فيه الهِبَةُ الأُوْلَى، فيَسْقُطُ كما يَسْقُطُ الباقِي في مَسْأَلةِ الرَّدِّ؛ إذِ العِلَّةُ في إسْقاطِه ثَمَّ أنَّنا لو رَدَدْناه لرَدَدْناه على جَمِيعِ السِّهامِ بالسَّويَّةِ، فإذا أسْقَطْا ذِكْرَه، عاد على جَمِيعِ السِّهامِ بالسَّويَّةِ 339 كذلك ههُنا، إذا أسْقَطْا هذا السَّهْمَ بَقِيَتِ المسألةُ مِن ثَمانِيَةٍ، كما ذكَرْنا.
فُصُولٌ في هِبَةِ المَريضِ: رجلٌ وَهَب أخاه مائةً لا يَمْلِكُ غيرَها، فَقَبَضها ثم مات وخَلَّفَ بِنتًا، فقد صَحَّتِ الهِبَةُ في شيءٍ، والباقي للواهِبِ، ورَجَع إليه بالمِيراثِ نِصْفُ الشيءِ الَّذي جازَتِ الهِبَةُ فيه، صار معه مائةٌ إلا نِصْفَ شيءٍ يَعْدِلُ شَيئَينِ، فالشيءُ خُمْسَا ذلك أرْبَعُون (2)، رَجَع إلى الواهِبِ نِصْفُها عِشْرُونَ، صار معه ثَمانون، وبَقِيَ لوَرَثَةِ المَوْهُوبِ له عِشْرُون.
وطَرِيقُها بالبابِ 340 أن تَأُخُذَ عَدَدًا لثُلُثِه

الجزء: 17 - الصفحة: 157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نِصْفٌ، وهو سِتَّةٌ، فَتَأْخُذَ ثُلُثَه اثْنَين، وتُلْغِيَ نِصْفَه سَهْمًا، يَبْقَي سَهْمٌ، فهو للمَوْهُوبِ له، ويَبْقَى للواهِبِ أرْبَعةٌ، فتَقْسِمَ المائةَ بينَهما على خَمْسَةٍ، والسَّهْمُ الَّذي أسْقَطْتَه لا يُذْكَرُ؛ لأنَّه يَرْجِعُ على جَمِيعِ السِّهامِ الباقِيَةِ بالسَّويَّةِ، فيَجِبُ اطِّراحُه، كالسِّهامِ الفاضِيَةِ عن الفُرُوضِ في مسألةِ الرَّدِّ.
[وقد ذَكَرْناه في المسألةِ قبلَها] 341. ولو كان 342 تَرَك ابْنَتَين، ضَرَبْتَ ثلاثةً في ثلاثةٍ، صارتْ تِسْعَةً، وأسْقَطْتَ منْهما سَهْمًا، يَبقَى سَهْمانِ، فهي التي تَبْقَى لوَرَثَةِ المَوْهُوبِ له، وتَبْقَى سِتَّةٌ للواهِبِ، وهي مِثْلا ما جازَتِ الهِبَةُ فيه.
وإن خَلَّفَ امرأةً وبِنتًا، فمسألتُها مِن ثمانيةٍ، نَضْرِبُها في ثلاثةٍ، تكونُ أرْبَعَةً وعِشْرِين، يَسْقُطُ منها الثلَاثَةُ التي وَرِثَها الواهِبُ، يَبْقَى أحَدٌ وعِشْرُون، فهي المالُ، ويَأْخُذُ ثُلُثَ الأرْبَعَةِ والعِشْرِين وهي ثمانيةٌ، يُلْغَى منها الثلاثَةُ، يَبْقَى خَمْسَةٌ، فهي 343 الباقِيَةُ لوَرَثَةِ المَوْهُوبِ له، والباقِي للواهِبِ، فتُقْسَمُ المائةُ على هذه السِّهامِ.
فصل: فإن وَهَب رجلًا جارِيَةً، فقَبَضَها المَوْهُوبُ له وَوَطِئَها، ومَهْرُ مِثْلِها 344 ثُلُثُ قِيمَتِها، ثم مات الواهِبُ ولا شيءَ له سِواها، وقِيمَتُها ثَلاثُونَ، ومَهْرُها عَشَرَةٌ، فقد صَحَّتِ الهِبَةُ في شيءٍ، وسَقَط عنه مِن مَهْرِها ثُلُثُ شيءٍ، وبَقِيَ للواهِبِ أرْبَعُونَ إلا شيئًا وثُلُثًا يَعْدِلُ شَيئَين، اجْبُرْ

الجزء: 17 - الصفحة: 158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقابِلْ، يَخْرُجِ الشيءُ، خُمْسُ ذلك وعُشْرُه، وهو اثْنا عَشَرَ وذلك خُمْسَا الجارِيَةِ، فقد صَحَّتِ الهِبَةُ فيه، ويَبْقَى لِلْواهِبِ 345 ثلاثةُ أخْماسِها، وله على المَوْهُوبِ له ثلاثةُ أخْماسِ مَهْرِها وهو سِتَّةٌ.
ولو كان الواطِيءُ أجْنَبِيًّا فكذلك، ويكونُ عليه مَهْرُها، ثلاثةُ أخْماسِه للواهِبِ، وخُمْساه للمَوْهُوبِ له، إلَّا أنَّ نُفُوذَ 346 الهِبَةِ فيما زاد على الثُّلُثِ منها مَوْقُوفٌ على حُصُول المَهْرِ مِن الواطِئ، فإن لم يَحْصُلْ منه شيءٌ لم تَزِدِ الهِبَةُ على ثُلُثِها.
وكلَّما حَصَل منه شيءٌ نَفَذَتِ الهِبَةُ في الزِّيادَةِ بقَدْرِ ثُلُثِه.
فإن وَطِئَها الواهِبُ، فعليه 347 مِن عُقْرِها 348 بقَدْرِ ما جازَتِ الهِبَةُ فيه، وهو ثُلُثُ شيءٍ يَبْقَى معه ثَلاثُون إلَّا شيئًا وثُلُثًا، يَعْدِلُ شَيئَين، فالشيءُ تِسْعَةٌ، وهو خُمْسُ الجارِيَةِ وعُشْرُها، وسَبْعَةُ أعْشارِها لوَرَثَةِ الواطِئِ، وعليه عُقْرُ الَّذي جازَتِ الهِبَةُ فيه ثُلُثُه 349، فإن أخَذَ مِن الجارِيَةِ بقَدْرِها، صار له خُمْساها.
فصل: وإن وَهَب مَرِيضٌ عَبْدًا لا يَمْلِكُ غيرَه، فقَتَلَ العَبْدُ الواهِبَ، قِيلَ للمَوْهُوبِ له: إمّا أن نَفْدِيَه، وإمّا أن تُسَلِّمَه.
فإنِ اخْتارَ تَسْلِيمَه سَلَّمَه كلَّه، نِصْفَه بالجِنايَةِ، ونِصْفَه لانْتِقاصِ الهِبَةِ؛ وذلك لأنَّ

الجزء: 17 - الصفحة: 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العَبْدَ كلَّه قد صار إلى وَرَثَةِ الواهِبِ، وهو مِثْلَا نِصْفِه، فتَبَيَّنَ أنَّ الهِبَةَ جازَتْ في نِصْفِه.
فإنِ اخْتارَ فِداءَه، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَفْدِيه بأقَلِّ الأمْرَين مِن قِيمَةِ نَصِيبِه فيه أو أرْشِ جِنايَتِه.
والأُخْرَى، يَفْدِيه بقَدْرِ ذلك مِن أرْشِ جِنايَتِه، بالِغَةً ما بَلَغَتْ.
فإن كانت قِيمَتُه دِيَةً، فإنَّك تقولُ: صَحَّتِ الهِبَةُ في شيءٍ.
وتَدْفَعُ إليهم نِصْفَ العَبْدِ وقِيمَةَ نِصْفِه، وذلك يَعْدِلُ شَيئَين، فتَبَيَّنَ أنَّ الشيءَ نِصْفُ العَبْدِ.
وإن كانتْ قِيمَتُه دِيَتَين، واخْتارَ دَفْعَه، فإنَّ الهِبَةَ تَجُوزُ في شيءٍ، وتَدْفَعُ إليهم نِصْفَه، يَبْقَى معهم عبدٌ إلَّا نِصْفَ شيءٍ، يَعْدِلُ شَيئَين، فالشيءُ خُمْساه، وتَرُدُّ إليهم ثلاثَةَ أخْماسِه لانْتِقاصِ 350 الهِبَةِ، وخُمْسًا مِن أجْلِ جِنايَتِه، فيَصِيرُ لهم أرْبَعَةُ أخْماسِه، وذلك مِثْلَا ما جازَتِ الهِبَةُ فيه.
وإنِ اخْتارَ فِداءَه، فَداه بخُمْسَيِ الدِّيَةِ [ويَبْقَى لهم ثلاثةُ أخْماسِه وخُمْسَا الدِّيَةِ، وهي بمَنْزِلَةِ خُمْسِه، ويَبْقَى له خُمْساه.
وإن كانت قِيمَتُه نِصْفَ الدِّيَةِ] 351 أو أقَلَّ، وقُلْنا: يَفْدِيه بأرْشِ جِنايَتِه.
نَفَذَتِ الهِبَةُ في جَمِيعِه؛ لأنَّ أَرْشَها أكْثَرُ مِن مِثْلَيْ قِيمَتِه.
وإن كانت قِيمَتُه ثلاثَةَ أخْماسِ الدِّيَةِ، فاخْتارَ فِداءَه بالدِّيَةِ، فقد صَحَّتِ الهِبَةُ في شيءٍ، ويَفْدِيه بشيءٍ وثُلُثَين، فصارَ مع الوَرَثَةِ عَبْدٌ وثُلُثَا شيءٍ يَعْدِلُ شَيئَين، فالشيءُ يَعْدِلُ ثلاثَةَ أرباعٍ، فتَصِحُّ الهِبَةُ في ثلاثَةِ أرْباعِ العَبْدِ، ويَرْجِعُ إلى الواهِبِ رُبْعُه مائةٌ وخمْسُون،

الجزء: 17 - الصفحة: 160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وثلاثةُ أرْباعِ الدِّيَةِ سَبْعُمائةٍ وخَمْسُونَ، صار الجميعُ تِسْعَمائةٍ، وهو مِثْلَا ما صَحَّتِ الهِبَةُ فيه.
فإن تَرَك الواهِبُ مائةَ دِينارٍ، فاضْمُمْها إلى قِيمَةِ العَبْدِ، فإنِ اخْتارَ دَفْعَ العَيدِ، دَفَع ثُلُثَه ورُبْعَه، وذلك قَدْرُ نِصْفِ جَمِيعِ المالِ بالجِنايَةِ وباقِيه لانْتقاصِ 352 الهِبَةِ، فيَصِيرُ للوَرَثَةِ العَبْدُ والمائة، وذلك مِثْلَا 353 ما جازَتِ الهِبَةُ فيه.
وإنِ اخْتارَ الفِداءَ، فقد عَلِمْتَ أنَّه يَفْدِي ثلاثةَ أرْباعِه إذا لم يَتْرُكْ شيئًا، فَزِدْ على ذلك ثلاثةَ أرْباع من المائةِ، يَصِرْ ذلك سَبْعةَ أثْمانِ العَبْدِ، فيَفْدِيه بسَبْعَةِ أثْمانِ الدِّيَةِ.
فصل في إعْتاقِ المَريضِ: مَرِيضٌ أَعْتَقَ عَبْدًا لا مال له (2) سِواه، قِيمَتُه مائةٌ، فقَطَعَ إِصْبَعَ سَيِّدِه خَطَأً، فإنَّه يَعْتِقُ نِصْفُه، وعليه نِصْفُ قِيمَتِه، ويَصِيرُ للسَّيِّدِ نِصْفُه ونِصْفُ قِيمَتِه، وذلك مِثْلَا ما عَتَقَ منه، وأوْجَبْنَا نِصْفَ قِيمَتِه عليه؛ لأنَّ عليه مِن أَرْشِ جِنايَتِه بقَدْرِ ما عَتَقَ منه، وحِسابُها أن تقولَ: عَتَقَ منه شيءٌ، وعليه شيءٌ للسَّيِّدِ، فصار مع السَّيِّدِ عَبْدٌ إلَّا شيئًا، وشيءٌ يَعْدِلُ شَيئين، فأسْقِطْ شيئًا (2) بشيءٍ، بَقِيَ ما معه مِن العَبْدِ 354 يَعْدِلُ شيئًا مثلَ ما عَتَقَ منه.
وإن كانت قِيمَةُ العَبْدِ مائتَين، عَتَقَ خمْساه؛ لأنَّه يَعْتِقُ منه شيءٌ، وعليه نِصْف شيء للسِّيِّدِ، فصار للسَّيِّدِ نِصْفُ شيءٍ، وبَقِيَّةُ العَبْدِ تَعْدِلُ شَيئَين، فتكونُ بَقِيَّةُ العَبْدِ

الجزء: 17 - الصفحة: 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَعْدِلُ شيئًا ونِصْفًا، وهو ثلاثَةُ أخْماسِه، والشيءُ الَّذي عَتَقَ خُمْساه.
وإن كانت قِيمَتُه خَمْسِينَ أو أقَلَّ، عَتَقَ كلُّه؛ لأنَّه يَلْزَمُه مائةٌ، وهي مِثْلَاه أو أكْثَرُ.
وإن كانت قِيمَتُه شَيئَين، قُلْنا: عَتَقَ منه شيءٌ، وعليه شيءٌ وثُلُثَا شيءٍ للسَّيِّدِ، مع بَقِيَّةِ العَبْدِ، تَعْدِلُ شَيئَيق، فبَقِيَّةُ العَبْدِ إذًا ثُلُثُ شيءٍ، فيَعْتِقُ منه ثلاثَةُ أرْباعِه.
وعلى هذا القياسُ، إلَّا أنَّ ما زاد مِن العِتْقِ على الثُّلُثِ، يَنبغِي أن يَقِفَ على أداءِ ما يقابِلُه مِن القِيمَةِ، كما إذا دَبَّرَ عَبْدًا وله دَين في ذِمَّةِ غرِيمٍ له، فكلَّما اقْتَضَى مِن القِيمَةِ شيئًا عَتَقَ مِن المَوْقُوفِ بقَدْرِ ثُلُثِه.
فصل: فإن أعْتَقَ عَبْدَين دَفْعَةً واحِدَةً، قِيمَةُ أحَدِهما مائةٌ والآخَرِ مائةٌ وخَمْسُونَ، فجَنَى الأدْنَى على الأرْفعِ جِنايَة نَقَصتْه ثُلُثَ قِيمَتِه، وأَرْشُها كذلك في حياةِ 355 السَّيِّدِ، ثم مات، أقْرَعْنا بينَ العَبْدَين، فإن وَقَعَت على الجانِي، عَتَقَ منه أرْبَعَةُ أخْماسِه، وعليه مِن أَرْشٍ الجِنايَةِ مثلُ ذلك، وبَقِيَ لوَرَثَةِ سَيِّدِه خُمْسُه وأَرْشُ جِنايَتِه والعَبْدُ الآخرُ، وذلك مائةٌ وسِتُّونَ، وهو مِثْلَا ما عَتَقَ منه، وحِسابُها أن تقولَ: عَتَقَ منه شيءٌ، وعليه نِصْف شيءٍ؛ لأنَّ جِنايَتَه بقَدْشِ نِصْفِ قِيمَتِه، بَقِيَ للسَّيِّد نِصْفُ شيءٍ، وبَقِيَّةُ العَبْدَين 356 تَعْدِلُ شَيئَين، فَعَلِمْتَ أنَّ بَقِيَّةَ العَبْدَين تَعْدِلُ شيئًا ونِصْفًا، فإذا أضَفْتَ إلى ذلك الشيءَ الَّذي عَتَقَ، صارا جَمِيعًا يَعْدِلان شَيئَين

الجزء: 17 - الصفحة: 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ونِصْفًا، فالشيءُ الكامِلُ خُمْسَاهما، وذلك أرْبَعةُ أخْماسِ أحَدِهما.
وإن وَقَعَتْ قُرْعَةُ الحُرِّيَّةِ على المَجْنِيِّ عليه، عَتَقَ ثُلُثُه، وله ثُلُثُ أرْشِ جِنايَتِه، يتَعَلَّقُ برَقَبَةِ الجانِي، وذلك تُسْعُ الدِّيَةِ؛ لأنَّ الجِنايَةَ على مَن ثُلُثُه حُرٌّ تُضْمَنُ بقَدْرِ ما فيه مِن الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ، والواجِبُ مِن الأَرْشِ يَسْتَغْرِقُ قِيمَةَ الجانِي، فيَسْتَحِقُّه بها، ولا يَبْقَى لسَيِّدِه مالٌ سِواه، فيَعْتِقُ ثُلُثُه، ويَرِقُّ ثُلُثاه.
فإن أعْتَقَ عَبْدَين، قِيمَةُ أحَدِهما خَمْسُون، والآخَرُ قِيمَتُه ثَلاثُون، فجَنَى الأدْنَى على الأرْفَعِ فنَقَصَه حتَّى صارت قِيمَتُه أرْبَعِين، أقْرَعْنا بينَهما، فإن خَرَجَتِ القُرْعَةُ للأدْنَى، عَتَقَ منه شيءٌ، وعليه ثُلُثُ شيءٍ، فبعدَ الجَبْرِ تَبَيَّنَ أنَّ العَبْدَين شَيئان وثُلُثان، فالشيءُ ثلاثَةُ أثْمانِهما، وقِيمَتُهما سَبْعُون، فثلاثةُ أثْمانِهما سِتَّةٌ وعِشْرُون ورُبْعٌ، وهي مِن الأدْنَى نِصْفُه ورُبْعُه وثُمْنُه.
وإن وَقَعَتْ على الآخَرِ، عَتَقَ ثُلُثُه، وحَقُّه مِن الجِنايَةِ أَكْثَرُ مِن قِيمَةِ الجانِي، فيَأْخُذُه بها أو يَفْدِيه المُعْتِقُ.
وقد بَقِيَتْ 357 فُرُوع كَثِيرَة، وفيما ذَكَرْنا ما يُسْتَدَلُّ به على غيرِه، إن شاء الله تعالى.
وكل مَوْضِع زاد العِتْقُ على ثُلُثِ العَبْدَينِ مِن أجْلِ وُجُوبِ الأَرْشِ للسَّيِّدِ، تكونُ الزِّيادَةُ مَوْقُوفَة على أداءِ الأَرْشِ، كما ذَكَرْنا مِن قبلُ.
واللهُ أعلمُ.

الجزء: 17 - الصفحة: 163

وَإِنْ بَاعَ مَرِيضٌ قَفِيزًا لَا يَمْلِكُ غَيرَهُ يُسَاوي ثَلَاثِينَ بِقَفِيزٍ يُسَاوي عَشَرَةً، فَأَسْقِطْ قِيمَةَ الرَّدِئِ مِنْ قِيمَةِ الْجَيِّدِ، ثُمَّ انْسِبِ الثُّلُثَ إِلَى الْبَاقِي، وَهُوَ عَشَرَةٌ مِنْ عِشْرِينَ، تَجِدْهُ نِصْفَهَا، فَيَصِحُّ الْبَيعُ فِي نِصْفِ الْجَيِّدِ بِنِصْفِ الرَّدِئِ، وَيَبْطُلُ فِيمَا بَقِيَ.

2644 - مسألة: (وَإِنْ بَاعَ مَرِيضٌ قَفِيزًا لَا يَمْلِكُ غَيرَهُ يُسَاوي ثَلَاثِينَ بِقَفِيزٍ يُسَاوي عَشَرَةً)

وهما جِنْسٌ واحِدٌ، فيَحْتاجُ إلى تَصْحِيح البَيعِ في جُزْءٍ منه مع التَّخَلُّصِ مِن الرِّبا؛ لكونِه يَحْرُمُ التَّفاضُلُ بينَهما، فالطَّرِيقُ في ذلك أن (وَيُسْقِطْ قِيمَةَ الرَّدِئِ مِنْ قِيمَةِ الْجَيِّدِ، ثُمَّ انْسِبِ الثُّلُثَ إِلَى ما بَقِي، وَهُوَ عَشَرَةٌ مِنْ عِشْرِينَ، وذَلِك نِصْفَهَا، فَيَصِحُّ الْبَيعُ فِي نِصْفِ الْجَيِّدِ بِنِصْفِ الرَّدِئِ، وَيَبْطُلُ فِيمَا بَقِيَ) وطَرِيقُ الجَبْرِ أن تقولَ: يَصِحُّ

الحديث: 2644 - الجزء: 17 - الصفحة: 164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  البَيعُ في شيءٍ من الأرْفَعِ بشيءٍ مِن الأدْنَى، وقِيمَتُه ثُلُث شيءٍ، فتكونُ المُحاباةُ بثُلُثَيْ شيءٍ، ألْقِها مِن الأرْفَعِ، يَبقَ قَفِيزٌ إلَّا ثُلُثَيْ شيءٍ، يَعْدِلُ مِثْلَي المُحاباةِ، وذلك شيءٌ وثُلُثٌ، فإذا جَبَرْتَه 358 عَدَل شَيئَين، والشيءُ

الجزء: 17 - الصفحة: 165

وَإنْ أَصْدَقَ امْرَأَةً عَشَرَةً لَا مَال لَهُ غَيرُهَا، وَصَدَاقُ مِثْلِهَا خَمْسَةٌ، فَمَاتَتْ قَبْلَهُ، ثُمَّ مَاتَ، فَلَهَا بِالصَّدَاقِ خَمْسَةٌ، وَشَيْءٌ بِالْمُحَابَاةِ،  نِصْفُ القَفِيزِ، فإن كانت قِيمَةُ الأدْنَى خَمْسَةَ عَشَرَ، فإذا أسْقَطْتَ قِيمَةَ الرَّدِئِ مِن قِيمَةِ الجَيِّدِ، يَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ، إذا نَسَبْتَ إليهما الثُّلُثَ يكونُ ثُلُثَيها، فيَصِحُّ البَيعُ في ثُلُثَي الجَيِّدِ بثُلُثَيِ الرَّدِئِ، فحَصَلَتِ المُحاباةُ بعَشَرَةٍ، وذلك ثُلُثُ المالِ.
فإن كان الأدْنى يُساوي عِشْرِين، صَحَّتْ في جميعِ الجَيِّدِ بجَمِيعِ الرَّدِئِ.

2645 -

مسألة: (وَإنْ أَصْدَقَ امْرَأَةً عَشَرَةً)

في مَرَضِه (لَا مَال لَهُ غَيرُهَا، وَصَدَاقُ مِثْلِهَا خَمْسَةٌ، ثُمَّ مَاتَتْ قَبْلَهُ، ومَاتَ) بعدَها، ولا مال لها سِوَى ما أصْدَقَها، دَخَلَها الدَّوْرُ فتقولُ: (لَهَا خَمْسَةٌ بِالصَّدَاقِ، وَشَيْءٌ بِالْمُحَابَاةِ،) ويَبْقَى لوَرَثَةِ الزَّوْجِ خَمْسَةُ الأشياءِ (ورَجَع إليهم بمَوْتِها

الحديث: 2645 - الجزء: 17 - الصفحة: 166

رَجَعَ إِلَيهِ نِصْفُ ذَلِكَ بِمَوْتِهَا، صَارَ لَهُ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ إلا نِصْف شَيْءٍ يَعْدِلُ شَيئَينِ، اجْبُرْهَا بِنصْفِ شَيْءٍ وَقَابِلْ، يَخرُجِ الشَّيْءُ ثَلَاثَةً، فَلِوَرَثَتِهِ سِتَّةٌ وَلِوَرَثَتِهَا أَرْبَعَةٌ.
نِصْفُ ذلك) وهو اثْنان ونِصْفٌ ونِصْفُ شيءٍ (صَارَ لَهُ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ إلا نِصْف شَيْءٍ يَعْدِلُ شَيئَينِ، اجْبُرْهَا بِنصْفِ شَيْءٍ وَقَابِل) فزِدْ على الشَّيئَينِ نِصْف شيءٍ، يَبْقَى سَبْعَةٌ ونِصْفٌ تَعْدِلُ شَيئَين ونِصْفًا، فالشيءُ ثلاثةٌ، فَلِورَثتِه سِتَّةٌ، ولوَرَثَتِها أرْبَعَةٌ؛ لأنَّها كان لها خَمْسَةٌ وشيءٌ، وذلك ثَمانِيَةٌ، رَجَع إلى وَرَثَتِه نِصْفُها، وهي أرْبَعَةٌ، صار لهم سِتَّةٌ، ولوَرَثَتِها أرْبَعةٌ، على ما ذَكَرْنا.
فإن تَرَك الزَّوْجُ خَمْسَةً أُخْرَى، قُلْتَ: يَبْقَى مع وَرَثَةِ الزَّوْجِ اثْنا عَشَرَ ونِصْفٌ إلَّا نِصْفَ شيءٍ، تَعْدِلُ شَيئَين، فالشيءُ خَمْسَةٌ، فجازَتْ لها المُحاباةُ جَمِيعُها، ورَجَع جَمِيعُ ما حاباها به إلى وَرَثَةِ الزَّوْجِ، وبَقِيَ لوَرَثَتِها صَداقُ مِثْلِها.
فإن كان للمرأةِ خَمْسَةٌ، ولمِ يكنْ للزَّوْجِ شيءٌ، قُلْتَ: يَبْقَى مع وَرَثَةِ الزَّوْجِ عَشَرَةٌ إلَّا نِصْفَ شيءٍ، تعْدِلُ شَيئَين، فالشيءُ أرْبَعةٌ، فيكونُ لها بالصَّداقِ تِسْعَةٌ مع خَمْسَتِها أرْبَعةَ عشَرَ، رَجَع إلى وَرَثَةِ الزَّوْجِ نِصْفُها مع الدِّينارِ الَّذي بَقِيَ لهم، صار لهم

الجزء: 17 - الصفحة: 167

وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهَا، وَرِثَتْهُ، وَسَقَطَتِ الْمُحَابَاةُ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَعَنْهُ، تُعْتَبَرُ الْمُحَابَاةُ مِنَ الثُّلُثِ.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ رَجَعَ عَنْهُ.
ثَمانِيَةٌ، ولوَرَثَتِها سَبْعَةٌ.
وإن كان عليها دَينٌ ثلاثةٌ، قلتَ: يَبْقَى مع وَرَثَةِ الزَّوْجِ سِتّةٌ إلَّا نِصْفَ شيءٍ، تَعْدِلُ شَيئَين، فالشيءُ دِيناران وخُمْسانِ.
والبابُ في هذا أن نَنْظُرَ ما يَبْقَى في يَدِ وَرَثَةِ الزَّوْجِ، فخُمْساه هو الشيءُ الَّذي صَحَّتِ المُحاباةُ فيه؛ وذلك لأنه بعدَ الجَبْرِ يَعْدِلُ شَيئَين ونِصْفًا، والشَّيءُ هو خُمْساها، وإن شِئْتَ أسْقَطْتَ خَمْسَةً، وأخَذْتَ نِصْفَ ما بَقِيَ.

2646 -

مسألة: (وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهَا، وَرِثَتْهُ، وَسَقَطَتِ الْمُحَابَاةُ)

لأنَّ حُكْمَها في المَرَضِ حُكْمُ الوَصِيَّةِ في أنّها لا تَصِحُّ لوارِثٍ (وعنه، تُعْتَبَرُ المُحاباةُ مِن الثُّلُثِ) لأنَّها مُحاباةٌ لمَن تَجُوزُ لة الصَّدَقَةُ عليه، فاعْتُبِرَتْ مِن الثُّلُثِ، كمُحاباةِ الأجْنَبِيِّ، إلَّا أن أبا بكرٍ قال: هذا قولٌ قَدِيمٌ رَجَع عنه.

الحديث: 2646 - الجزء: 17 - الصفحة: 168

فَصْلٌ: وَلَوْ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ، فَأَقَرَّ في مَرَضِهٍ أَنَّهُ أعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ، عَتَقَ وَلَمْ يَرِثْهُ.
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَهُ كَان  فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (وَلَوْ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ، فَأَقَرَّ في مَرَضِهٍ أَنَّهُ أعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ) وهو وارِثُه (عَتَقَ ولم يَرِثْ.
ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه لو وَرِثَه كان إقْرارُه لوارِثٍ) فيَبْطُلُ عِتْقه؛ لأنَّه مُرَتَّبٌ على صِحَّةِ الاقْرارِ، ولا يَصِحُّ الإِقْرارُ للوارِثِ، وإذا بَطَل عِتْقُه، سَقَط الإرثُ.
فعلى هذا، تَثْبُتُ الحُرِّيَّةُ ولا يَرِثُ؛ لأنَّ تَوْرِيثَه يُفْضِي إلى إسْقاطِ

الجزء: 17 - الصفحة: 169

إِقْرَارُهُ لِوَارِثٍ، وَكَذَلِكَ عَلَى قِياسِهِ، لَو اشْتَرَى ذَا رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ فِي مَرَضِهِ وَهُوَ وَارِثُهُ، أَوْ وَصَّى لَهُ بِهِ، أَوْ وَهَبَ لَهُ فَقَبِلَهُ فِي مَرَضِهِ.
وَقَال الْقَاضِي: يَعْتِقُ وَيَرِثُ.
تَوْرِيثِه.
ويحتَمِلُ أن يَرِثَ؛ لأنَّه حينَ الإِقْرارِ لم يكنْ وارِثًا، فوَجَبَ أن يَرِثَ، كما لو لم يَصِرْ وارِثًا.
وعلى قياسِ ذلك (لَو اشْتَرَى ذَا رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ فِي مَرَضِهِ وَهُوَ وَارِثُهُ، أَوْ وَصَّى لَهُ بِهِ، أَوْ وَهَبَ لَهُ فَقَبِلَهُ فِي مَرَضِهِ) فالحُكْمُ في ذلك كالمسألةِ قبلَها سَواءٌ؛ لِما ذَكَرْنا.
وذَكَر شيخُنا 359، أنَّه إذا مَلَكَه بغيرِ عِوَضٍ، كالهِبَةِ والمِيراثِ، أنَّه يَعْتِقُ، ويَرِثُ المَرِيضَ إذا مات.
وبه قال مالِكٌ، وأكْثَرُ أصْحاب الشافعيِّ.
وقال بعضُهم: يَعْتِقُ ولا يَرِثُ.
كما قال أبو الخَطّابِ؛ لأنَّ عِتْقَه وَصِيَّةٌ، فلا تَجْتَمِعُ مع المِيراثِ.
وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو كان وَصِيَّةً لاعْتُبِرٍ مِن الثُّلُثِ، كما لو اشْتَراه، [وجَعَلِ أهْلُ العِرَاقِ عِتْقَ المَوْهُوبِ وَصِيَّة يُعْتَبَرُ خُرُوجُه من الثُّلُثِ] 360. وإن خرَج مِن الثُّلُثِ، عَتَقَ وَوَرِثَ، وإن لم يَخْرُجْ مِن

الجزء: 17 - الصفحة: 170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثُّلُثِ، سَعَى في قِيمَةِ باقِيه، ولم يَرِث في قولِ أبي حنيفةَ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يُحْتَسبُ بقِيمَتِه مِن مِيراثِه، فإن فَضَل مِن قِيمَتِه شيءٌ، سَعَى فيه.
ولَنا، أنَّ الوَصِيَّةَ هي التَّبَرُّعُ بمَالِه 361 بعَطِيَّةٍ أو إتْلافٍ، أو التَّسَبُّبُ إلى ذلك، ولم يُوجَدْ واحِدٌ منهما؛ لأنَّ العِتْقَ ليس مِن فِعْلِه، ولا يَقِفُ على اخْتيارِه، وقَبُولُ الهِبَةِ ليس بعَطِيَّةٍ ولا إتْلافٍ لمالِه، إنَّما هو

الجزء: 17 - الصفحة: 171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَحْصِيلٌ لشيءٍ يَتْلَفُ بتَحْصِيلِه، فأشْبَهَ قَبُولَه لشيءٍ لا يُمْكِنُه حِفْظُه، أو لِما يَتْلَفُ ببَقائِه في وَقْتٍ لا يُمْكِنُه التَّصَرُّفُ فيه، وفارَقَ الشِّراءَ، فإنَّه تَضْيِيعٌ لمالِه في ثَمَنِه.
قال القاضي: هذا المَذْكُورُ قِياسُ قولِ أحمدَ؛ لأنَّه قال في مَواضِعَ: إذا وَقَف في مَرَضِه على وَرَثَتِه، صَحَّ، ولم تكنْ وَصِيَّةً؛ لأنَّ الوَقْف ليس بمالٍ؛ لأنَّه لا يُبَاعُ ولا يُورَثُ.
قال الخَبْرِيُّ: هذا قولُ أحمدَ، وابنِ الماجِشُون، وأهْلِ البَصْرَةِ.
ولم يَذْكُرْ فيه عن أحمدَ خِلافه.
فأمّا إنِ اشْتَرَى مَن يَعْتِقُ عليه، فقال القاضي: إن حَمَلَه الثُّلُثُ، عَتَقَ ووَرِثَه.
وهذا قولُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ.
وإن لم يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ، عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلُثِ، ويَرِثُ بقَدْرِ ما فيه مِن الحُرِّيَّةِ، وباقِيه على الرِّقِّ.
فإن كان الوارِثُ ممَّن يَعْتِقُ عليه إذا مَلَكَه، عَتَقَ عليه إذا وَرِثَه.
وقال أبو

الجزء: 17 - الصفحة: 172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُوسُفَ، ومحمدٌ، لا وَصِيَّةَ لوارثٍ، ويُحْتَسَبُ بقِيمَتِه مِن مِيراثِه، وإن فَضَل مِن قِيمَتِه شيءٌ سَعَى فيه.
وقال بعضُ أصحابِ مالكٍ: يَعْتِقُ مِن رَأْسِ المالِ ويَرِثُ، كالمَوهُوب والمَوْرُوثِ.
وهو قِياسُ قولِ أحمدَ؛ لكَوْنِه لم يَجْعَلِ الوَقْفَ وَصِيَّةً، وأجَازَه للوارِثِ، فهذا أوْلَى؛ لأنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ رَقَبَتَه، فيُجْعَلُ ذلك وَصِيَّةً له، ولا يَجُوزُ أن يُجْعَلَ الثَّمَنُ وَصِيَّةً له؛ لأنَّه لم يَصِلْ إليه، ولا وَصِيَّةَ للبائِعِ؛ لأنَّه قد عاوَضَ عنه، وإنَّما هو كبناءِ مَسْجِدٍ.
وقَنْطَرَةٍ، في أنَّه ليس بوَصِيَّةٍ لمَن يَنْتَفِعُ به، فلا يَمْنَعُه ذلك المِيراثَ.
واخْتَلَفَ أصحابُ الشافعيِّ في قِياسِ قَوْلِه؛ فقال بعضُهم: إذا حَمَلَه الثُّلُثُ عَتَقَ وَورِثَ؛ لأنَّ عِتْقَه ليس بوَصِيَّةٍ له على ما ذَكَرْنا.
وقِيلَ: يَعْتِقُ ولا وَرِثُ؛ لأنَّه لو وَرِث، لصارت وَصِيَّةً لوارِثِه، فتَبْطُلُ وَصِيَّتُه، ويَبْطُلُ عِتْقه وإرْثُه، فيُفضِي تَوْرِيثُه إلى إبْطال تَوْرِيثِه، فكان إبْطالُ تَوْرِيثِه أوْلَى.
وقِيلَ على مَذْهَبِه: شِراؤُه باطِلٌ؛ لأنَّ ثَمَنَه وَصِيَّةٌ، والوَصِيَّةُ يَقِفُ خُرُوجُها مِن الثُّلُثِ، أو إجازَةِ الوَرَثَة، والبَيعُ عندَه لا يَجُوزُ أن يكونَ مَوْقُوفًا.
ومن مسائِلِ ذلك: مَرِيضٌ وُهِب له ابنُه فقَبِلَه، وقِيمَتُه مائةٌ، وخَلَّفَ مائَتَيْ دِرْهَمٍ وابْنًا آخَرَ، فإنَّه يَعْتِقُ، وله مائةٌ ولأخِيه مائةٌ.
وهذا

الجزء: 17 - الصفحة: 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قولُ مالِكٍ، وأبي حَنِيفةَ، والشافعيِّ.
وقِيلَ على قولِ الشافعيِّ: لا يَرِثُ، والمِئَتان كلُّها للابنِ الآخَرِ.
وقال أبو يُوسُف، ومحمدٌ: يَرِثُ نِصْفَ نَفسِه ونِصْفَ المائَتَين، ويَحْتَسِبُ بقِيمَةِ نِصْفِه الباقِي مِن مِيراثِه.
وإن كانت قيمَتُه مائَتَين، وبَقِيَّةُ التَّرِكَةِ مائةً، عَتَقَ مِن رَأْسِ المالِ، والمائة بينَه وبينَ أخِيه.
وبهذا قال مالِكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ منه نِصْفه؛ لأنَّه قَدْرُ ثُلُثِ التَّرِكَةِ، ويَسْعَى في قِيمَةِ باقِيه ولا يَرِثُ؛ لأنَّ المُسْتَسْعَى عندَه كالعَبْدِ لا يَرِثُ إلا في أرْبَعَةِ مواضِعَ؛ الرجلُ يُعْتِقُ أمَتَه على أن تَتَزَوَّجَه.
والمرأةُ تُعْتِقُ عَبْدَها على أن يَتَزَوَّجَها، فيَأْبَيانِ ذلك.
والعَبْدُ المَرْهُونُ يُعْتِقُه سَيِّدُه.
والمُشْتَرِي للعَبْدِ يُعْتِقُه 362 قبلَ قَبْضِه وهما مُعْسِران.
ففي هذه المَواضِعِ يَسْعَى كلُّ واحِدٍ في قِيمَتِه، وهو حُرٌّ يَرِث.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَرِثُ نِصْفَ التَّرِكَةِ، وذلك ثَلَاثَةُ أرْباعِ رَقَبَتِه، ويَسْعَى في رُبْعِ قِيمَتِه لأخِيه.
فإن وُهب له ثلاثُ أخواتٍ مُفْتَرِقاتٍ لا مال له سِواهُنَّ ولا وارِثَ، عَتَقْنَ مِن رَأْسِ المالِ.
وهذا قولُ مالكٍ.
وإن كان اشْتَراهُنَّ فكذلك، فيما ذَكَرَه الخَبْرِيُّ عن أحمدَ.
وهو قولُ ابنِ

الجزء: 17 - الصفحة: 174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الماجِشُون، وأهْلِ البَصْرَةِ، وبعضِ أصحابِ مالِكٍ.
وعلى قولِ القاضِي، يَعْتِقُ ثُلُثُهُنَّ، في أحَدِ الوَجْهَينِ.
وهو قولُ مالِكٍ.
وفي الآخَرِ، يَعْتِقْنَ كُلهُنَّ؛ لكَوْنِ وَصِيَّةِ مَن لا وارِثَ له جائِزَةً في جَمِيع مالِه، في أصَحِّ الرِّوايَتَين.
وإن تَرَك مالًا يَخْرُجْنَ مِن ثُلُثِه، عَتَقْنَ ووَرِثنَ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا اشْتَراهُنَّ أو وُهِبْنَ له، ولا مال له سِواهُنَّ ولا وارِثَ، عَتَقْنَ، وتَسْعَى كلُّ واحِدَةٍ مِن الأُخْتِ للأب والأُخْتِ مِن الأُمِّ في نِصْفِ قِيمَتِها لأُخْتِ للأَبَوَينِ، وإنَّما لم تَرِثا؛ لأَنَّهما لو وَرِثَتَا، لكان لهما [خُمْسا الرِّقابِ] 363، وذلك رَقَبَةٌ وخُمْسٌ، بينَهما نِصْفَين، فكان يَبْقَى عليهما سِعايَةٌ، وإذا بَقِيَتْ عليهما سِعايَةٌ، لم تَرِثا، وكانت لهما الوَصِيَّةُ، وهي رَقَبَةٌ بينَهما نِصْفَين.
وأمّا الأُخْتِ للأَبَوَينِ، فإذا وَرِثَتْ عَتَقَتْ؛

الجزء: 17 - الصفحة: 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّ لها ثلاثَةَ أخْماسَ الرِّقابِ، وذلك أكْثَرُ مِن قِيمَتِها، فورثَتْ وبَطَلَتْ وَصِيَّتُها.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَعْتِقْنَ، وتَسْعَى كلُّ واحِدَةٍ مِن الأُخْتِ للأبِ والأُخْتِ لأُمِّ للأُخْتِ مِن الأبوَين في خُمْسَيْ قِيمَتِها؛ لأنَّ كلَّ واحِدَةٍ منهما 364 تَرِثُ ثلاثَةَ أخْماسِ رَقَبةٍ.
وعلى قولِ الشافعيِّ، لا يَعْتِقْنَ.
فصل: وإذا اشْتَرَى المَرِيضُ أباه بألْفٍ لا مال له سِواه، ثم مات وخَلَّفَ ابنًا، فعلى القولِ الَّذي حَكاه الخَبْرِيُّ، يَعْتِقُ كلُّه على المَرِيضِ وله وَلاؤُه.
وعلى قولِ القاضي: يَعْتِقُ ثُلُثُه بالوَصِيَّةِ ويَعْتِقُ الباقِي على الابنِ؛ لأنَّه جَدُّه، ويكونُ ثُلُثُ وَلائِه للمُشْتَرِي، وثُلُثاه لابنِه.
وهذا قولُ مالِكٍ.
وقِيلَ: هو مَذْهَبٌ للشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ ثُلُثُه بالوَصِيَّةِ، ويَسْعَى للابنِ في قِيمَةِ ثُلُثَيه.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَعْتِقُ سُدْسُه؛ لأنَّه وَرِثَه، ويَسْعَى في خَمْسَةِ أسْداسِ قِيمَتِه للابنِ، ولا وَصِيَّةَ له.
وقِيلَ على قولِ الشافعيِّ: يَنْفَسِخُ البَيعُ، إلَّا أن يُجِيزَ الابنُ عِتْقَه.
وقِيلَ: يُفْسَخُ في ثُلُثَيه، ويَعْتِقُ ثُلثه، وللبائِعِ الخِيارُ؛ لتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عليه.
وقِيلَ: لا خِيار له؛ لأنَّه مُتْلِفٌ.
فإن تَرَكَ ألْفَين سواه، عَتَقَ كلُّه، ووَرِثَ سُدْسَ الألْفَين، والباقِي للابنِ.
وبهذا قال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ.
وقيلَ: نَحْوُه قولُ الشافعيِّ.
وقِيلَ على قَوْلِه: يَعْتِقُ ولا يَرِث.
وقِيلَ:

الجزء: 17 - الصفحة: 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شِراؤُه مَفْسُوخٌ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَرِثُ الأبُ سُدْسَ التَّرِكَةِ، وهي 365 خَمْسُمائةٍ، يَحْتَسِبُ بها مِن رَقَبَتِه، ويَسْعَى في نِصْفِ قِيمَتِه، ولا وَصِيَّةَ له.
فإنِ اشْتَرَى ابنَه بألْفٍ لا يَمْلِكُ غيرَه، ومات وخَلَّفَ أباه، عَتَقَ كلُّه بالشِّراءِ، في الوَجْهِ الأوَّلِ.
وفي الثانِي، يَعْتِقُ ثُلُثُه بالوَصِيَّةِ، وثُلُثاه على جَدِّه عندَ المَوْتِ، ووَلاؤُه بينَهما أثْلاثًا.
وبهذا قال مالِكٌ.
وقولُ الشافعيِّ فيه على ما ذَكَرْنا في مَسْأَلةِ الأبِ.
وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ ثُلُثُه بالوَصِيَّةِ، ويَسْعَى في قِيمَةِ ثُلُثَيه للأبِ ولا يَرِثُ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمد: يَرِثُ خَمْسَةَ أسْداسِه، ويَسْعَى في قِيمَةِ سُدْسِه.
فإن تَرَك ألْفَين سِواه، عَتَقَ كلُّه، وَوَرِثَ خَمْسَةَ أسْداسِ الألْفَين، وللأبِ السُّدْسُ.
وبهذا قال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: للأبِ سُدْسُ التَّرِكَةِ خَمْسُمائةٍ، وباقِيها للابنِ، يَعْتِقُ منها ويَأْخُذُ ألْفًا وخَمْسَمائةٍ.
وإن خَلَّفَ مالًا يَخْرُجُ المَبِيعُ مِن ثُلُثِه، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَعْتِقُ كلُّه ويَرِثُ منه، كأنَّه حُرُّ الأصْلِ.
وعلى الوَجْهِ الثانِي، يَعْتِقُ منه بقَدْر ثُلُثِ التَّرِكَةِ، ويَرِثُ بقَدْرِ ما فيه مِن الحُرِّيّةِ.
فإن لم يُخَلِّفِ المُشْتَرِي إلا أخًا حُرًّا ولم يَتْرُكْ مالًا، عَتَقَ مِن رَأسِ المالِ على الوَجْهِ الأوّلِ، ويَعْتِقُ ثُلُثُه على الثانِي، ويَرِثُ الأخُ ثُلُثَيه، ثم يَعْتِقُ عليه.
وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ.
ثُلُثُه، ويَسْعَى لعَمِّه في قِيمَةِ ثُلُثَيه.
وقال أبو يُوسُف، ومحمدٌ: يَعْتِقُ كلُّه، ولا سِعايَةَ.
وإن خَلَّفَ ألْفَين سِواه، عَتَقَ، ووَرِث الألْفَين، ولا شيءَ للأخِ في

الجزء: 17 - الصفحة: 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأقْوالِ، إلَّا فيما قِيلَ على قولِ الشافعيِّ: إَّنه يَعْتِقُ ولا يَرِثُ.
وقِيلَ: شِراؤُه باطِلٌ.
فإنِ اشْتَرَى ابنَه بألْفٍ لا يَمْلِكُ غيرَه، وقِيمَتُه ثُلُثا الألْفِ، وخَلَّفَ ابْنًا آخَرَ، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَعْتِقُ مِن رَأْسِ المالِ، ويَسْتَقِرُّ مِلْكُ البائِع على قَدْرِ قِيمَتِه مِن الثَّمَنِ، وله ثُلُثُ الباقِي؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ حاباه ولم يَبْقَ مِن التَّرِكَةِ سِواه، فيكونُ له ثُلُثُه، وهو تُسْعُ ألْفٍ، ويَرُدُّ التُّسْعَين، فتكونُ بينَ الابْنَين 366. وعلى الوَجْهِ الثاني، يَعْتِقُ ثُلُثُه، ويَرِثُ أخُوه ثُلُثَيه، ويَعْتِقُ عليه، وللبائِعِ ثُلُثُ المُحاباةِ، ويَرُدُّ ثُلُثَيها، فيكونُ مِيراثًا.
وقال أبو حنيفةَ: الثلُثُ للبائِعِ، ويَسْعَى المُشْتَرِي في قِيمَتِه لأخِيه.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَسْعَى في نِصْفِ رَقَبَتِه ويَرِث نِصْفَها.
وقال الشافعيُّ: المُحاباةُ مُقَدَّمَة لتَقَدُّمِها، ويَرِثُ الابنُ الحُرُّ أخاه فيَمْلِكُه.
وقِيلَ: يُفْسَخُ البَيعُ في ثُلُثَيه ويَعْتِقُ ثُلُثُه، ولا تُقَدَّمُ المُحاباةُ، لأنَّ في تَقْدِيمِها تَقْرِيرَ مِلْك الأبِ على وَلَدِه.
وقِيلَ: يُفْسَخُ البَيعُ في جَمِيعِه.
فإن كانت قِيمَتُه [ثُلُثَ ألْفٍ] 367، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَعْتِقُ مِن رَأْسِ المالِ، وتَنْفُذُ المُحاباةُ في ثُلُثِ الباقِي، وهو تُسْعَا الألْفِ، ويَرُدُّ البائِعُ أرْبَعَةَ أتْساعِ الألْفِ، فتكونُ بينَ الابنَينِ.
وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يَحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحَدُهما، يُقَدَّمُ العِتْقُ على المُحاباةِ، فيَعْتِقُ

الجزء: 17 - الصفحة: 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جَمِيعُه، ويَرُدُّ البائِعُ ثُلُثَي الألْفِ، فيكونُ بينَهما.
والثانِي، يَعْتِقُ ثُلُثُه، ويكونُ للبائِعِ تُسْعَا الألْفِ، ويَرُدُّ أرْبَعَةَ أتْساعِها، كما قُلْنا في الوَجْهِ الأوَّلِ.
وقال أبو حنيفةَ: للبائِعِ بالمُحاباةِ الثُّلُثُ، ويَرُدُّ الثُّلُثَ، ويَسْعَى الابنُ في قِيمَتِه لأخِيه.
وفي قولِ أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ، يَرُدُّ البائِعُ ثُلُثَ الألْفِ، [فيكونُ للابنِ الحُرِّ، ويَعْتِقُ الآخَرُ بنَصِيبِه مِن المِيراثِ.
وقِيلَ على قول الشافعيِّ: يَرُدُّ البائِعُ ثُلُثَ الألْفِ] 368، فيكونُ ذلك مع المُشْتَرِي للابنِ الحُرِّ.
وقِيلَ غيرُ ذلك.
وإنِ اشْتَراه بألْفٍ لا يَمْلِكُ غيرَه، [وقِيمَتُه ثلاثَةُ آلافٍ] 369، فمَن أعْتَقَه مِن رَأْسِ المالِ، جَعَلَه حُرًّا، ومَن جَعَل ذلك وَصِيَّةً، أعْتَقَ ثُلُثَه بالشِّراءِ، ويَعْتِقُ باقِيه على أخِيه، إلا في قولِ الشافعيِّ ومَن وافَقَه، فإنَّ الحُرَّ يَمْلِكُ بَقِيَّةَ أخِيه، فيَمْلِكُ مِن رَقَبَتِه قَدْرَ ثُلُثَي الثَّمَنِ، وذلك تُسْعا رَقَبَتِه؛ لأنَّهُ يَجْعَلُ ثَمَنَه مِن الثُّلُثِ دُونَ قِيمَتِه.
وقِيلَ: يُفْسَخُ البَيعُ في ثُلُثَيه.
وقيلَ: في جَمِيعِه.
وقال أبو حنيفةَ: يَسْعَى لأخِيه في قِيمَةِ ثُلُثَيه.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَسْعَى له في نِصْفِ قِيمَتِه.
فإن تَرَكَ ألْفَين سِواه، عَتَقَ كلُّه؛ لأنَّ التَّرِكَةَ هي الثَّمَنُ مع الألْفَينِ، والثَّمَنُ يَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، فيَعْتِقُ، ويَرِثُ نِصْفَ الألْفَين.
وهو قولٌ للشافعيِّ.
وقِيلَ: يَعْتِقُ ولا يَرِثُ.
وعندَ أبي حنيفةَ وأصحابِه، التَّرِكَةُ قِيمَتُه مع الألْفَينِ، وذلك خَمْسَةُ آلافٍ.
فعلى قولِ أبي حنيفةَ: يَعْتِقُ منه

الجزء: 17 - الصفحة: 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قَدْرُ ثُلُثِ ذلك، وهو ألْفٌ وثُلُثَا أَلْفٍ، ويَسْعَى لأخِيه في ألْفٍ وثُلُثِ ألْفٍ.
وفي قولِ صاحِبَيه، يَعْتِقُ منه نِصْفُ ذلك، وهو خَمْسَةُ أسْداسِه، ويَسْعَى لأخِيه في خَمْسِمائةٍ.
والأَلْفانِ لأخِيه في قَوْلِهم جَمِيعًا.
فصل: ولو اشْتَرَى المَرِيضُ ابنيْ عَمٍّ له بألْفٍ لا يَمْلِكُ غيرَه، وقِيمَةُ كل واحِدٍ منهما ألْفٌ، فأعْتَقَ أحَدَهما، [ثم وَهَبَه أخاه] 370، ثم مات وخَلَّفَهما وخَلَّفَ مَوْلاه، فإنَّ قِياسَ قولِ القاضي، إن شاء اللهُ، أن يَعْتِقَ ثُلُثا المُعْتَقِ، إلَّا أن يُجِيزَ المَوْلَى عِتْقَ جَمِيعِه، ثم يَرثُ بثُلُثَيه ثُلُثَيْ بَقِيَّةِ التَّرِكَةِ، فيَعْتِقُ منه ثمانيةُ أتْساعِه، يَبقَى تُسْعُة وثُلُثُ أخِيه للمَوْلَى.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَعْتِقَ كلُّه، ويَرِثَ أخاه، فيَعْتِقانِ جَمِيعًا؛ لأنَّه يَصِيرُ بالإِعْتاقِ وارِثًا لثُلُثَيِ التَّرِكَةِ، فتَنْفُذُ إجازَتُه في إعْتاقِ باقِيه، فتَكْمُلُ له الحُرِّيَّةُ، ثم يَكْمُلُ له المِيراثُ.
وفي قِياسِ قولِ أبي الخَطّابِ، يَعْتِقُ ثُلُثاه، ولا يَرِثُ؛ لأنَّه لو وَرِث لكان إعْتاقُه وَصِيَّةً له، فيَبْطُلُ إعْتاقُه، ثم يَبْطُلُ إرْثُه، فيُؤدِّي تَوْرِيثُه إلى إبْطالِ تَوْرِيثِه.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
ويَبْقَى ثُلُثُه وابنُ العَمْ الآخَرِ للمَوْلَى.
وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ ثُلُثَا المُعْتَقِ ويَسْعَى في قِيمَةِ ثُلُثِه، ولا يَرِثُ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَعْتِقُ كلُّه، ويَعْتِقُ عليه أخوه بالهِبَةِ، ويكونُ أحَقَّ بالمِيراثِ مِن المَوْلَى.
فإن كان للمَيِّتِ مالٌ سِواهما، أخَذا ذلك المال بالمِيراثِ، ويَغْرَمُ المُعْتَقُ لأخِيه المَوْهُوبِ نِصْفَ قِيمَةِ نَفْسِه ونِصْفَ قِيمَةِ أخِيه؛ لأنَّ عِتْقَ الأوَّلِ وَصِيَّة، ولا وَصِيَّةَ لوارِثٍ،

الجزء: 17 - الصفحة: 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد صار وارِثًا مع أخيه، فوَرِثَ نِصْفَ قِيمَةِ رَقَبَتِه ونِصْفَ قِيمَةِ أخِيه، ووَرِثَ أخُوه الباقِيَ، وكان أخوه المَوْهُوبُ له هِبَةً مِن المَريضِ له، فيَعْتِقُ بقَرابَتِه له، ولم يَعْتِقْ مِن المَرِيضِ، فلم يكُنْ عِتْقُه وَصِيَّةً، بل اسْتَهْلَكَها بالعِتْقِ الَّذي جَرَى فيها فيَغْرَمُ الأوَّلُ نِصْف قِيمَتِه ونِصْفَ قِيمَةِ أخِيه لأخِيه.
وأمّا قولُ أبي حنيفةَ، فإن كان المَيِّتُ لم يَدَعْ وارِثًا غيرَهما، عَتَقَ 371، وغَرِمَ الأوَّلُ لأخِيه نِصْفَ قِيمَةِ أخِيه، ولم يَغْرَمْ له نِصْفَ قِيمَةِ نَفْسِه؛ لأنَّه إذا لم يَدَعْ وارِثًا، جازت وَصِيَّتُه؛ لأَنهما لا يَرِثانِ، ولا يَعْتِقانِ حتَّى تَجُوزَ وَصِيَّةُ الأوَّلِ؛ لأنَّه متى بَقِيَتْ عليه سِعايَةٌ، لم يَرِث واحِدٌ منهما، ولم يَعْتِقْ، فلا بُدَّ مِن أن تَنْفُذَ للمُعْتَقِ وَصِيَّة ليَصِيرَ حُرًّا، فيَعْتِقَ أخوه بعِتْقِه، وقد جازت له الوَصِيَّةُ في جَمِيعِ رَقَبَتِه؛ لأنَّ المَيِّتَ إذا لم يَدَعْ وارِثًا، جازت وَصِيَّتُه بجَمِيعِ مالِه، ويَرِثانِ جَمِيعًا، ويَرْجِعُ الثانِي على الأوَّلِ بنِصْفِ قِيمَتِه؛ لأنَّه يقولُ: قد صِرْتُ أنا وأنت وارِثَين، فلا تَأْخُذ مِن المِيراثِ شيئًا دُونِي، وقد كاتت رَقَبَتِي لك وَصِيَّةً فعَتَقَت مِن قِبَلِك، فاضْمَنْ لي نِصْفَ رَقَبَتِي.
فإن كان مُعْسِرًا، أو هناك مالٌ غيرُهما، أخَذَ الثانِي نِصْفَه، ثم أخَذَ مِن النِّصْفِ الثانِي نِصْفَ قِيمَةِ نَفْسِه، وكان ما بَقِيَ مِيراثًا لأخِيه الأوَّلِ.

الجزء: 17 - الصفحة: 181

وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ وَتَزَوَّجَهَا فِي مَرَضِهِ، لَمْ تَرِثْهُ عَلَى قِيَاسِ الأَوَّلِ، وَقَال الْقَاضِي: تَرِثُهُ.

2647 - مسألة: (ولو أعْتَقَ أمَتَه وتَزَوَّجَها في مَرَضِه)

فنَقَلَ المَرُّوذِيُّ عن أحمدَ، أنَّها تَرِثُ.
اخْتارَه القاضي.
وقال الشافعيُّ: لا تَرِثُ؛ لأنَّ تَوْرِيثَها يُفْضِي إلى إبْطالِ عِتْقِها؛ لأنَّه وَصِيَّةٌ، وإبْطالُ عِتْقِها يُبْطِلُ تَوْرِيثَها.
ولَنا، أنَّ العِتْقَ في هذه الحالِ وَصِيَّةٌ بما لا يَلْحَقُه الفَسْخُ، فيَجِبُ تَصْحِيحُه للوارِثِ، كالعَفْو عن العَمْدِ في مَرَضِه، فإنَّه لا يُسْقِطُ مِيرَاثَه، ولا تَبْطُلُ الوَصِيَّةُ.

الحديث: 2647 - الجزء: 17 - الصفحة: 182

وَلَوْ أَعْتَقَهَا وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ، ثمَّ تَزَوَّجَهَا وَأصْدَقَهَا مِائَتَينِ لَا مَال لَهُ سِوَاهُمَا، وَهُمَا مَهْر مِثْلِهَا، ثمَّ مَاتَ، صَحَّ الْعِتْقُ، وَلَمْ تَسْتَحِقَّ الصَّدَاقَ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى بُطْلَانِ عِتْقِهَا، ثُمَّ يَبْطلَ صَدَاقهَا.
وَقَال الْقَاضِي: تَسْتَحِقُّ الْمِائَتَينِ.

2648 - مسألة: (وَلَوْ أَعْتَقَهَا وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ، ثمَّ تَزَوَّجَهَا وَأصْدَقَهَا مِائَتَينِ لَا مَال لَهُ سِوَاهُمَا، وَهُمَا مَهْر مِثْلِهَا، ثمَّ مَاتَ، صَحَّ الْعِتْقُ، وَلَمْ تَسْتَحِقَّ الصَّدَاقَ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى بُطْلَانِ عِتْقِهَا، ثُمَّ يَبْطلَ صَدَاقهَا.
وَقَال الْقَاضِي: تَسْتَحِقُّ الْمِائَتَين)

وتَعْتِقُ لأنَّ العِتْقَ وَصِيَّةٌ لها، وهي غيرُ وارِثَةٍ، والصَّداقُ اسْتَحَقَّتْه بعَقْدِ المُعاوَضَةِ، وهي تَنْفُذُ مِن رَأْسِ المالِ، فهو كما لو تَزَوَّجَ أَجْنَبِيَّةً وأصْدَقَها المائَتَين.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: يَسْقُطُ مَهْرُها، ولا تَرِثُ؛ لكَوْنِها لا تَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، وسُقُوطُ العِتْقِ في بعضِها يَبْطِلُ نِكاحَها 372 ويُسْقِطُ مَهْرَها 373، فأسْقَطْنا المَهْرَ والمِيراثَ، وأنْفَذْنا العِتْقَ والنِّكاحَ، قال شيخُنا 374: وهذا أوْلَى مِن القولِ بصِحَّةِ العِتْقِ

الحديث: 2648 - الجزء: 17 - الصفحة: 183

وَإنْ تَبَرَّعَ بِثُلُثِ مَالِهِ، ثُمَّ اشْتَرَى أبَاهُ مِنَ الثُّلُثَينِ، فَقَال الْقَاضِي:  والصَّداقِ جَمِيعًا؛ لأنَّه يُفْضِي إلى القولِ بصِحَّةِ العِتْقِ في مَرَضِ المَوْتِ مِن جَمِيعِ المالِ، ولا خِلافَ في فَسادِ ذلك.
ولو أصْدَقَ المائَتَين أجْنَبِيَّةً، صَح، وبَطَل العِتْقُ في ثُلُثَي الأمَةِ؛ لأنَّ الخُرُوجَ مِن الثُّلُثِ مُعْتَبَرٌ بحالةِ المَوْتِ، وحالةَ المَوْتِ لم يَبْقَ له مالٌ.
وهكذا لو تَلِفَتِ المائتان قبلَ مَوْتِه، لم يَنْفُذْ مِن عِتْقِ الأمَةِ إلَّا الثُّلُثُ، وإذا بَطَلَ بعضُ عِتْقِها بذَهابِ المائَتَين إلى غيرِها، فأوْلى أن يَبْطُلَ بذَهابِها إليها، وبُطْلانُ عِتْقِها يُبْطِلُ نِكاحَها، فالقولُ بسُقُوطِ المَهْرِ وَحْدَه أوْلَى.

2649 -

مسألة: (وإن تَبَرَّعَ بالثُّلُثِ، ثم اشْتَرَى أباه مِن الثُّلُثَين)

وله ابنٌ، فعلى قولِ مَن قال: ليس الشِّراءُ بوَصِيَّةٍ.
يَعْتِقُ الأبُ، ويَنْفُذ من التَّبَرُّعِ قَدْرُ ثُلُثِ المالِ حال المَوْتِ، وما بَقِيَ فللأبِ سُدْسُه وباقِيه

الحديث: 2649 - الجزء: 17 - الصفحة: 184

يَصِحُّ الشِّرَاءُ وَلَا يَعْتِقُ، فَإِذَا مَاتَ عَتَقَ عَلَى الْوَرَثَةِ إِنْ كَانُوا مِمَّنْ يَعْتِقُ عَليهِمْ، وَلا يَرِث؛ لأنهُ لمْ يَعْتِقْ في حَيَاتِهِ.
للابنِ.
وعلى قولِ القاضي، ومَن جَعَلَه وَصِيَّةً، لا يَعْتِقُ الأبُ؛ لأنَّ تَبَرُّعَ المَرِيضِ إنَّما يَنْفُذُ في الثُّلُثِ، ويُقَدّمُ الأوَّلُ فالأوَّلُ، وإذا قُدِّمَ التَّبَرُّعُ لم يَبْقَ مِن الثُّلُثِ شيءٌ، ويَرِثُه الابنُ فيَعْتِقُ عليه، ولا يَرِثُ؛ لأنَّه إنَّما عَتَقَ بعدَ المَوْتِ.
وإن وُهِب له أبوه، عَتَقَ، ووَرِثَ؛ لأنَّ الهِبَةَ ليست بوَصِيَّةٍ، وكذلك إن وَرِثَه.
وإنِ اشْتَرَى أباه ثم أعْتَقَه، لم يَعْتِقْ على قولِ القاضِي؛ لأنَّه إذا لم يَعْتِقْ بالمِلْكِ وهو أقْوَى مِن الإعْتاقِ بالقولِ بدَلِيل نُفُوذِه في حَقِّ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، فأوْلَى أن لا يَنْفُذَ بالقولِ.
والله سبحانه وتعالى أعْلَمُ.

الجزء: 17 - الصفحة: 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فُصُولٌ في تَصَرُّفِ المَريض فصل: إذا أعْتَقَ أمَةً لا يَمْلِكُ غيرَها ثم تَزَوَّجَها، فالنِّكاحُ صَحِيحٌ في الظّاهِرِ.
فإذا مات ولم يَمْلِكْ شيئًا آخَرَ، تَبَيَّنَ أنَّ نِكاحَها باطِلٌ، ويَسْقُطُ مَهْرُها إن كان لم يَدْخُلْ بها.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
ويَعْتِقُ منها ثُلُثُها ويَرِقُّ ثُلُثاها.
فإن كان قد دَخَل بها ومَهْرُها نِصْف قِيمَتِها، عَتَقَ منها ثلاثةُ أسْباعِها، ويَرِقُّ أرْبَعَةُ أسْباعِها، وحِسابُ ذلك أن تقولَ: عَتَقَ منها شيء، ولها بصَداقِها نِصْفُ شيء، وللوَرَثَةِ شَيئانِ، فيُجْمَعُ ذلك فيكونُ ثلاثةَ أشْياءَ ونِصْفًا، نَبْسُطُها فتكونُ سَبْعَةً، لها منها ثلاثةٌ، ولهم أرْبَعَةٌ، ولا شيءَ للمَيِّتِ سِواهَا، فنَجْعَلُ لنَفْسِها منها ثلاثةَ أسْباعِها يكون حُرًّا والباقِي للوَرَثَةِ.
وإن أحَبَّ الوَرَثَةُ أن يَدْفَعُوا إليها حِصَّتَها مِن مَهْرِها، وهو سُبْعاه، ويَعْتِقَ منها سُبْعاها، ويَسْتَرِقُّوا خَمْسَةَ أسْباعِها، فلهم ذلك.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُحْسَبُ مَهْرُها مِن قِيمَتِها, ولها ثُلُثُ الباقِي، ويَسْعَى فيما بَقِيَ، وهو ثُلُثُ قِيمَتِها.
فإن كان يَمْلِكُ مع الجارِيَةِ قَدْرَ نِصْفِ قِيمَتِها، ولم يَدْخُلْ بها، عَتَقَ منها نِصْفُها وَرَقَّ نِصْفُها؛ لأنَّ نِصْفَها هو ثُلُثُ المال، وإن دخل بها، عَتَقَ منها ثلاثَةُ أسْباعِها, ولها ثلاثةُ أسْباعِ مَهْرِها.
وابما قَلَّ العِتْقُ فيها؛ لأنَّها لَمّا أخَذَتْ ثلاثةَ أسْباعِ مهْرِها نَقَص المالُ به، فيَعْتِقُ منها ثُلُثُ الباقِي، وهو ثلاثةُ أسْباعِها.
وطَرِيقُ حِسابِها أن تقولَ: عَتَقَ منها شيءٌ، ولها بمَهْرِها نِصْفُ شيءٍ،

الجزء: 17 - الصفحة: 186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وللوَرَثَةِ شَيئانِ، يَعْدِلُ ذلك الجارِيَةَ ونِصْفَ قِيمَتِها، فالشيءُ سُبْعاها وسُبْعَا نِصْف قِيمَتِها، وهو ثلاثةُ أسْباعِها، وهو الذي عَتَقَ منها، ويَأْخُذُ نِصْفَ ذلك مِن المالِ بمَهْرِها، وهو ثلاثةُ أسْباعِه.
فإن كان يَمْلِكُ معها مِثْلَ قِيمَتِها ولم يَدْخُلْ بها، عَتَقَ ثُلُثاها، ورَقَّ ثُلُثُها، وبَطَل نِكاحُها.
وإن كان دَخَل بها، عَتَقَ أرْبَعةُ أسْباعِها, ولها أرْبَعَةُ أسْباعِ مَهْرِها، ويَبْقَى للوَرَثَةِ ثلاثةُ أسْباعِها وخَمْسَةُ أسْباعِ قِيمَتِها، وهو يَعْدِلُ مِثْلَيْ ما عَتَقَ منها.
وحسابُها أن تَجْعَلَ السَّبْعَةَ الأشْياءَ مُعادِلَةً لها ولقِيمَتِها، فيَعْتِقُ منها بقَدْرِ سُبْعَي الجَمِيعِ، وهو أرْبَعَةُ أسْباعِها، وتَسْتَحِقُّ سُبْعَ الجَمِيعِ بمَهْرِها، وهو أرْبَعَةُ أسْباعِ مَهْرِها.
فإن كان يَمْلِكُ معها مِثْلَيْ قِيمَتِها، عَتَقَتْ كلها، وصَحَّ نِكاحُها؛ لأنَّها تَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ إن أسْقَطَتْ مَهْرَها.
وإن أربتْ أن تُسْقِطَه، لم يَنْفُذْ عِتْقُها، وبَطَل نِكاحُها، فإن كان لم يَدْخُلْ بها فيَنْبَغِي أن يُقْضَى بعِتْقِها ونِكاحِها، ولا مَهْرَلها؛ لأنَّ إيجابَه يُفْضِي إلى إسْقاطِه وإسْقاطِ عِتْقِها ونِكاحِها، فإسْقاطُه وَحْدَه أوْلَى.
وإن كان دَخَل بها، عَمِلْنا فيها على ما تَقَدَّمَ، فيَعْتِقُ سِتَّةُ أسْباعِها, ولها سِتَّةُ أسْباعِ مَهْرِها، ويَبْطُلُ عِتْقُ سُبْعِها ونِكاحُها.
ولو أعْتَقَها ولم يَتَزَوَّجْها ووَطِئَها، كان العَمَلُ فيها في هذه المواضِعِ كلِّها 375 كما لو تَزَوَّجَها.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وذَكر القاضي في مِثْلِ (1) هذه المسألةِ التي قبلَ الأخِيرَةِ

الجزء: 17 - الصفحة: 187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ما يَقْتَضِي صِحَّةَ نِكَاحِها وعِتْقِها، مع وُجُوبِ مَهْرِها فيما إذا أعْتَقَ 376 في مَرَضِه أمَةً قِيمَتُها مائة، وأصْدَقَها مائَتَين لا مال له سِواهما، وهو مَهْرُ مِثْلِها، وهو مَذْكُورٌ في هذا البابِ.
وقال أبو حَنِيفةَ، فيما إذا تَرَك مِثْلَيْ قِيمَتِها، وكان مَهْرُها نِصْفَ قِيمَتِها؛ تُعْطَى مَهْرَها وثُلُثَ الباقِي، يُحْسَبُ ذلك مِن قِيمَتِها، وهو نِصْفُها وثُلُثُها، فيَعْتِقُ ذلك، وتَسْعَى في سُدْسِها الباقِي، ويَبْطُلُ نِكاحُها.
فإن كان 377 خَلَّفَ أرْبَعَةَ أمْثالِ قِيمَتِها، صَحَّ عِتْقُها ونِكاحُها وصَداقُها، في قولِ الجَمِيعِ؛ لأنَّ ذلك يَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، وتَرِثُ مِن الباقِي في قولِ أصحابِنا وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: لا تَرِث.
وهو مُقْتَضَى قولِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّها لو وَرِثَتْ لكان عِتْقُها وَصِيَّةً لوارِثٍ، واعْتِبارُ الوَصِيَّةِ بالمَوْتِ.
فصل: ولو أنَّ امرأةً مَرِيضَةً أعْتَقَتْ عَبْدًا قِيمَتُه عَشَرَةٌ، وتَزَوَّجَها بعَشَرَةٍ في ذِمّتِه، ثم ماتت وخَلَّفَتْ مائةً، اقْتَضَى قولُ أصحابِنا أن تُضَمَّ العَشَرَةُ التي في ذِمَّتِه إلى المائةِ، فيكونَ ذلك هو التَّرِكَةَ، ويَرِثَ نِصْف ذلك، ويبقَى للوَرَثَةِ خَمْسَةٌ وخَمْسُون.
وهذا مَذْهَبُ أبي حنيفةَ.
وقال صاحِباه: تُحْسَبُ عليه قِيمَتُه أيضًا، وتُضَمُّ إلى التَّرِكَةِ، ويَبْقَى للورَثَةِ سِتُّون.
وقال الشافعي: لا يَرِث شيئًا، وعليه أداءُ العَشَرَةِ التي في ذِمَّتِه؛

الجزء: 17 - الصفحة: 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لئلا يكونَ إعْتاقُه وَصِيَّةً لوارِثٍ.
وهذا مُقْتَضَى قولِ الخِرَقِيِّ، إن شاء الله تعالى.
فصل: فأمّا إن أعْتَقَ أمَتَه في صِحَّتِه ثم تَزَوَّجَها في مَرَضِه، صَحَّ، ووَرِثَتْه بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
فأمّا إن أعْتَقَها في مَرَضِه ثم تَزَوَّجَها، وكانت تَخْرُجُ مِن ثُلُثِه، عَتَقَتْ ووَرِثَتْ في اخْتِيارِ أصْحابِنا وقولِ أبي حنيفةَ.
ونَقَلَه المَروذِيُّ عن أحمدَ، كما لو كان عِتْقُها في صِحَتِه.
وقال الشافعيُّ: لا تَرِثُ.
وقد ذَكَرْناه.
والله أعلمُ 378.

الجزء: 17 - الصفحة: 189

كتابُ الْوَصَايَا وَهِيَ الأمْرُ بِالتَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ هِيَ التبرعُ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ.

فصول الكتاب · 40 فصل
فصول الشرح الكبير على المقنع ت التركي
المقدمةمقدمة التحقيقكِتَابُ الطَّهارةكِتابُ الصَّلَاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الاعتكافكِتَابُ الْمَنَاسِكِكتاب الجهادكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْحَجْركِتَابُ الشَّركَةِكِتَابُ العَارِيَّةِكتَابُ الْغَصْبِكتابُ الْوَقْفِ
2554 - مسألة: (وصَرِيحُه: وَقَفْتُ، وسَبَّلْتُ، وحَبَّسْتُ)2555 - مسألة: (ولا يَصِحُّ)2556 - مسألة: (ويَصِحُّ وَقفُ المُشاعِ)مسألة: (ويَصِحُّ وَقْفُ الحَلْي على اللبْسِ والعارِيَّةِ)مسألة؛ (ولا يَصِحُّ الوَقْفُ في الذِّمَّةِ؛ كعَبْدٍ، ودارٍ)2562 - مسألة: (ولا)2563 - مسألة: (ولا يَصِحُّ على نَفْسِه، في إحدى الرِّوايَتَين)مسألة: (وإن وَقف على غيرِه واسْتَثْنَى الأكْلَ منه مُدَّةَ2565 - مسألة: (الثالثُ، أن يَقِفَه على مُعَيَّن يَمْلِكُ. ولا يَصِحُّ على مَجْهُولٍ؛ كرجل، ومَسْجِدٍ)2566 - مسألة: (ولا)2567 - مسألة: (الرابُع، أن يَقِفَ ناجِزًا، فإذا عَلَّقَه على شَرْطٍ، لم يَصِحَّ، إلَّا أن يقولَ: هو وَقفٌ بعدَ مَوْتِي. فيَصِحَّ في قَوْلِ الخِرَقِيِّ. وعندَ أبِي الخَطّابِ، لا يَصِحُّ)مسألة: (وإن قال: وَقَفْتُ دارِي سَنَةً)2570 - مسألة: (ولا يُشْتَرَطُ إخْراجُ الوَقْفِ عن يَدِه، في إحْدَى الرِّوايَتَين)2571 - مسألة: (ويَمْلِكُ صُوفَه ولَبَنَه وثَمَرَتَه ونَفْعَه)مسألة: (وليس له وَطْءُ الجارِيَةِ، فإن فَعَل، فلا حَدَّ عليه ولا مَهْرَ)مسألة: وإن وَلَدَتْ، فالوَلَدُ حُر؛ لأنَّه مِن وَطْءِ شُبْهَةٍ (وعليه قِيمَتُه)2574 - مسألة: (وإن وَطِئَها أجْنَبِيّ بشُبْهَةٍ، فالوَلَدُ حُر)مسألة: (وإن تَلِفَتْ، فعليه قِيمَتُها، يُشْتَرَى بها مِثْلُها)2576 - مسألة: (وله تَزْويجُ الأمَةِ وأخْذُ مَهْرِها، ووَلَدُها وَقْفٌ معها. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَه)مسألة: (وإن جَنَى الوَقْفُ خَطَأً، فالأَرْشُ على المَوْقُوفِ2578 - مسألة: (وإذا وَقَف على ثَلاثَةٍ ثم على المَساكِينِ، فمَن مات منهم رَجَع نَصِيبُه إلى الآخَرينِ)2579 - مسألة: (فإن لم يَشْرُطْ ناظِرًا، فالنَّظَرُ للمَوْقُوفِ عليه. وقِيلَ: للحاكِمِ, ويُنْفِقُ عليه مِن غَلَّتِه)2580 - مسألة: (وإن وَقَف على وَلَدِه ثم على المَساكِينِ، فهو لوَلَدِه الذُّكُورِ والإِناثِ)2581 - مسألة: (ولا يَدْخُلُ فيه وَلَدُ البَناتِ، وهل يَدْخُلُ فيه وَلَدُ البَنِين؟ على روايتَين)2582 - مسألة: (وإن وَقَف على عَقِبِه، أو وَلَدِ وَلَدِه، أو ذُرِّيَّتِه)2583 - مسألة: فإن قال: (على وَلَدِ ولَدِى لصُلْبِي)2584 - مسألة: (وَإنْ وَقَفَ عَلَى بَنِيهِ، أَوْ بَنِي فُلَانٍ فَهُوَ لِلذُّكُورِ خَاصَّةً)مسألة: (إلَّا أن يكونوا قَبِيلَة، فيَدْخُلُ فيه النِّساءُ دُونَ أوْلادِهِنَّ مِن غيرِهم)2587 - مسألة: (وَأهْلُ بَيتِهِ بِمَنْزِلَةِ قَرَابَتِهِ. وَقَال الْخِرَقِيُّ: يُعْطَى مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ)2588 - مسألة: (وَقَوْمُهُ وَنُسَبَاؤُهُ كَقَرَابَتِهِ)2589 - مسألة: (والعِتْرَةُ هم العَشِيرَةُ)2590 - مسألة: (وَذَوُو رَحِمِهِ كُلُّ قَرَابَةٍ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْآبَاءِ والأُمَّهَاتِ)2591 - مسألة: (وَالأَيَامَى وَالْعُزَّابُ، مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَيَحْتَمِلُ)مسألة: (فأمَّا الأرامِلُ، فهُنَّ النِّساءُ اللَّاتي فارَقَهُنَّ أزواجُهُنَّ)مسألة: (وَإنْ وَقَفَ عَلَى أهْلِ قَرْيَتِهِ أوْ قَرَابَتِهِ، لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ مَنْ يُخَالِفُ دِينَهُ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّ الْمُسْلِمَ يَدْخُلُ وَإنْ كَانَ الْوَاقِفُ كَافِرًا)2594 - مسألة: (وَإنْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ، وَلَهُ مَوَالٍ مِنْ فَوْقَ وَمِنْ أَسْفَلَ، تَنَاوَلَ جَمِيعَهُمْ. وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: يَخْتَصُّ الْمَوَالِيَ مَنْ فَوْقَ)2595 - مسألة: (وَإِذَا وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَاسْتِيعَابُهُمْ، وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ وَالتَّسْويَةُ بَينَهُمْ)2596 - مسألة: فإن لم يُمْكِنْ حَصْرُهم؛ كالمَساكِينِ، والقَبِيلَةِ الكَثِيرةِ؛ كبَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَميمٍ، صَحَّ الوَقْفُ عليهم.2597 - مسألة: ولا يُعْطَى كلُّ واحدٍ أَكْثَرُ مِن القَدْرِ الَّذي يُعْطَى مِن الزكاةِ. يَعْنِي (إذا كان الوَقْفُ على صِنْفٍ مِن أصْنافِ الزكاةِ)2598 - مسألة: (والوَصِيَّةُ كالوَقْفِ في هذا التَّفْصِيلِ)2600 - مسألة: (وَيَجُوزُ بَيعُ بَعْضِ آلتِهِ وَصَرْفُهَا في عِمَارَتِهِ)؛2601 - مسألة: (وَمَا فَضَلَ مِنْ حُصُرِهِ وَزَيتِهِ)2602 - مسألة: (ولا يجوزُ غَرْسُ شَجَرةٍ في المَسْجِدِ)2603 - مسألة: (فَإِنْ كَانَتْ مَغْرُوسَةً، جَازَ الْأَكْلُ مِنْهَا)بَابُ الْهِبَةِ وَالْعَطِيَّةِ2602 (*) - مسألة: (فإن شَرَط فيها عِوَضًا مَعْلُومًا، صارت بَيعًا. وعنه، يَغْلِبُ فيها حُكْمُ الهِبَةِ)2603 - مسألة: (وإن شَرَط ثَوابًا مَجْهُولًا، لم تَصِحَّ)2604 - مسألة: (وتَحْصُلُ الهِبَةُ بما يَتَعارَفُه الناسُ هِبَةً، مِن الإِيجابِ والقَبُولِ والمُعاطاةِ المُقْتَرِنَةِ بما يَدُلُّ عليها)مسألة: (وتَلْزَمُ بالقَبْضِ. وعنه، تَلْزَمُ في غير المَكِيلِ والمَوْزُونِ بمُجَرُّدِ الهِبَةِ)مسألة: (ولا يَصِحُّ القَبْصُ إلَّا بإذْنِ الواهِبِ، إلَّا ما كان في يَدِ المُتَّهِبِ، فيَكْفِي مُضِيُّ زَمَن يتَأتَّى قَبْضُه فيه. وعنه، لا يَصِحُّ حتى يَأْذَنَ في القَبْضِ)مسألة: (فإنْ مات الواهِبُ، قام وارِثُه مَقامَه في الإِذْنِ والرُّجُوعِ)مسألة: (وإن أْبرَأ الغَرِيمُ غَرِيمَه مِن دَينِه، أو وَهَبَه له، أو أحَلَّه منه، بَرِئَ وإن رَدَّ ذلك ولم يَقْبَلْه)2610 - مسألة: (و)2611 - مسألة: (ولا تَصِح هِبَةُ المَجْهُولِ)مسألة: (ولا يَجُوزُ تَعْلِيقُها على شَرْطٍ، ولا شَرْطُ ما يُنافِي مُقْتَضاها، نحوَ أنَّ لا يَبِيعَها ولا يَهَبَها)مسألة: (ولا تَوْقِيتُها، كقَوْلِه: وَهَبْتُكَ هذا سَنَةً)مسألة: (إلَّا في العُمْرَى)مسألة: (وإن شَرَط رُجُوعَها إلى المُعْمِرِ عندَ مَوْتِه، أو قال: هي لآخِرِنا مَوْتًا. صَحَّ الشَّرْط. وعنه، لا يَصِحُّ، وتكون للمُعْمَرِ ولِوَرَثَتِه)2616 - مسألة: (فإن خَصَّ بعضَهم أو فَضَّلَه، فعليه التَّسْويَةُ بالرُّجُوعِ أو إعْطاءِ الآخَرِ حتى يَسْتَوُوا)2618 - مسألة2619 - مسألة: (ولا يجوزُ لواهِبٍ أنَّ يَرْجِعَ في هِبَتِه إلَّا الأبَ. وعنه، ليس له الرُّجوعُ. وعنه، له الرُّجوعُ إلَّا أنَّ يَتَعَلقَ به حقٌّ أو رغبةٌ، نحوَ أن يَتَزَوَّجَ الولدُ أو يُفْلِسَ)مسألة: (وإن نَقَصَتِ العَينُ، أو زادت زِيادَةً مُنْفَصِلَةً، لم تَمْنَعِ الرُّجُوعَ، والزِّيادَةُ للابنِ. ويَحْتَمِلُ أنَّها للأبِ. وهل تَمْنَعُمسألة: (وإن باعَه المُتَّهِبُ ثم رَجَع إليه بفَسْخٍ أو إقالةٍ، فهل له الرُّجُوعُ؟ على وَجْهَين. وإن رَجَع إليه ببَيعٍ أو هِبَةٍ، لم يَمْلِكِ الرُّجُوعَ)مسألة: (وإن وَهَبَه المُتَّهبُ لابنِه، لم يَمْلِكْ أبوه الرُّجُوعَ، إلَّا أنَّ يَرْجِعَ هو)مسألة: (وإن كاتَبَه أو رَهَنَه، لم يَمْلِكْ)مسألة: (وعن أحمدَ، في المرأةِ تَهَبُ زَوْجَها مَهْرَها: إن كان سَألَها ذلك رَدَّه إليها، رَضِيَتْ أو كَرِهَتْ؛ لأنَّها لا تَهَبُه له إلَّا مَخافَةَ غضَبِه أو إضْرارٍ بها بأن يَتَزَوَّجَ عليها)مسألة: (فإن تَصَرَّفَ فيه قبلَ تَمَلُّكه؛ ببَيعٍ، أو عِتْقٍ، أو إبْراءٍ مِن دَين، لم يَصِحَّ تَصرُّفُه)2626 - مسألة: (وإن وَطِيء جارِيَةَ ابنِه فأحْبَلَها، صارت أمَّ وَلَدٍ له، ووَلَدُه حُرٌّ لا تَلْزَمُه قِيمَتُه، ولا حَدَّ)2627 - مسألة: (وليس للابنِ مُطالبَةُ أبيه بدَين، ولا قِيمَةِ مُتْلَفٍ، ولا أرْشِ جِنايَةٍ، ولا غيرِ ذلك)2628 - مسألة: (والهَدِيَّةُ والصَّدَقَةُ نَوْعان مِن الهِبَةِ)2629 - مسألة: (وإن كان مَرَضَ المَوْتِ المَخُوفَ، كالبِرْسامِ)مسألة: (فعَطاياه كالوَصِيَّةِ في أنَّها لا تصِحُّ لوارِثٍ، ولا2631 - مسألة: (فأمّا الأمْراضُ المُمْتَدَّةُ؛ كالجُذامِ)2632 - مسألة: (ومَن كان بينَ الصَّفَّينِ عندَ التِحامِ الحَرْبِ، أو في لُجَّةِ البَحْرِ عندَ هَيَجانِه، أو وَقَع الطّاعُونُ ببَلَدِه، أو قُدِّم ليُقْتَصَّ منه، والحامِلُ عندَ المَخاضِ، فهو كالمَرِيضِ)2633 - مسألة: وإن لم يَفِ (الثُّلُثُ بالتَّبرُّعاتِ المُنْجَزةِ، بُدِئَ بالأوّلِ فالأوّلِ)2634 - مسألة: (وإن تَساوَتْ قُسِمَ بينَ الجَمِيعِ بالحِصَصِ. وعنه، يُقَدَّمُ العِتْقُ)مسألة: (وأمّا مُعاوَضَةُ المَرِيضِ بثَمَنِ المِثْلِ، فتَصِح مِن رَأسِ المالِ وإن كانت مع وارِثٍ)2636 - مسألة: (وإن حابَى وارِثَه، فقال القاضي: تَبْطُلُ في قَدْرِ ما حاباه، وتَصِحُّ فيما عَداه)مسألة: (فإن كان له شَفِيعٌ، فله أخْذُه، فإن أخَذَه فلا خِيارَ للمُشتَرِي)2638 - مسألة: (وإن باع المَرِيضُ أجْنَبِيًّا وحاباه، وكان شَفِيعُه وارِثًا، فله الأخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ المُحاباةَ لغيرِه)2639 - مسألة: (ويُعْتَبَرُ الثُّلُثُ عندَ المَوْتِ)مسألة: (فلو أعْتَقَ في مَرَضِه عَبْدًا، أو وَهَبَه لإنْسانٍ، ثم كَسَب في حَياةِ سَيِّدِه شيئًا، ثم مات سَيِّدُه فخَرَجَ مِن الثُّلُثِ، كان كَسْبُهمسألة: (وإن كان مَوْهُوبًا لإِنسانٍ)مسألة: (وإن أعْتَقَ جارِيَةً)مسألة: (وإن وَهَبَها مَرِيضًا آخَرَ لا مال له غيرُها، ثم وَهَبَها الثاني للأَوَّلِ)2644 - مسألة: (وَإِنْ بَاعَ مَرِيضٌ قَفِيزًا لَا يَمْلِكُ غَيرَهُ يُسَاوي ثَلَاثِينَ بِقَفِيزٍ يُسَاوي عَشَرَةً)مسألة: (وَإنْ أَصْدَقَ امْرَأَةً عَشَرَةً)مسألة: (وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهَا، وَرِثَتْهُ، وَسَقَطَتِ الْمُحَابَاةُ)2647 - مسألة: (ولو أعْتَقَ أمَتَه وتَزَوَّجَها في مَرَضِه)مسألة: (وإن تَبَرَّعَ بالثُّلُثِ، ثم اشْتَرَى أباه مِن الثُّلُثَين)
كتابُ الوَصاياكتاب الفرائضكتاب العتقكتابُ النِّكاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الْخُلْعِكِتَابُ الطَّلَاقِكتابُ الرَّجْعَةِكتابُ الإِيلاءِكتابُ الظِّهَارِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكتاب الرضاعكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الجِنَايَاتِكتاب الدياتكِتَابُ الْحُدُودِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الصَّيدِكِتَابُ الْأَيْمَانِكتاب القضَاءِكِتَابُ الشَّهادَاتِكِتَابُ الْإِقْرَارِ
جارٍ التحميل