الشرح الكبير على المقنع ت التركيكتاب الاعتكاف
أهل الأثرالأرشيف العلمي

. صحيح البخاري 3/ 62، 63. ومسلم، في: باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، من كتاب الاعتكاف.
صحيح مسلم 2/ 830. كما أخرجه أبو داود، في: باب الاعتكاف، من كتاب الصيام.
سنن أبي داود 1/ 573، 574. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 50، 92، 168، 169، 232، 279.

الجزء: 7 - الصفحة: 561

وَهُوَ سُنَّةٌ، إِلَّا أَنْ يَنْذِرَهُ، فَيَجِبُ.
عباسٍ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال في المُعْتَكِفِ: «هُوَ يَعْكِفُ الذُّنُوبَ، ويُجْرَى لَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ كَعَامِلِ الْحَسَنَاتِ كُلِّهَا».
إلَّا أنَّ الحَدِيثَ ضَعِيفٌ، فيه فَرْقَدُ السَّبَخِىُّ (1). قال أبو داودَ: قُلْتُ لأحْمَدَ، رَحِمَه اللهُ: تَعْرِفُ في فَضْلِ الاعْتِكافِ شيئًا؟ قال: لا، إلَّا شَيْئًا ضَعِيفًا.

1107 -

مسألة: (وهو سُنَّةٌ، إلَّا أن يَنْذِرَه، فيَجِبُ)

لا نَعْلَمُ خِلافًا في اسْتِحْبابِه، وأنَّه إذا نَذَرَه وَجَب عليه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على أنَّ الاعْتكافَ لا يَجِبُ على الناس فَرْضًا، إلَّا أن يُوجِبَ المَرْءُ على نَفْسِه الاعْتِكافَ نَذْرًا، فيَجِبُ عليه.
ويَدُلُّ على أنَّه سُنَّةٌ، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَه، وداوَمَ عليه تَقَرُّبًا إلى اللهِ وطَلَبًا لثَوابِه، واعْتَكَفَ أزْواجُه بعدَه ومعه، ويَدُلُّ على أَنَّه غيرُ واجِبٍ، أنَّ أصحابَه لم يَعْتَكِفُوا، ولا أَمَرَهُم النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - به، إلَّا مَن أرادَه.
وقال عليه السَّلامُ: «مَنْ أَرَادَ أنْ يَعْتَكِفَ، فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ» 2. ولو كان واجِبًا لم يُعَلِّقْه بالإِرادَةِ.
وأمَّا1

الحديث: 1107 - الجزء: 7 - الصفحة: 562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا نَذَرَه فيَجِبُ؛ لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ».
وعن عُمَرَ، أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي نَذَرْتُ أنْ أعْتَكِفَ لَيْلَةً في المَسْجِدِ الحَرامِ.
فقالَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ».
رَواهُما البخارىُّ 3. فصل: فإن نَوَى الاعْتِكافَ مُدَّةً، لم تَلْزَمْه، فإن شَرَع فيها، فله إتْمامُها والخُروجُ منها متى شاء.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ: يَلْزَمُه بالنِّيَّةِ مع الدُّخُولِ فيه، فإن قَطَعَه فعليه قَضاؤُه.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 4: لا يَخْتَلِفُ في ذلك الفُقَهاءُ، ويَلْزَمُه القَضاءُ عندَ جَمِيعِ العُلَماءِ.
وقال:

الجزء: 7 - الصفحة: 563

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن لم يَدْخُلْ فيه، فالقَضاءُ مُسْتَحَبٌّ.
ومِن العُلَماءِ مَن أَوْجَبَه، وإن لم يَدْخُلْ فيه، واحْتَجَّ بما رُوِىَ عن عائِشَةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، كان يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأواخِرَ مِن رمضانَ، فاسْتَأْذَنَتْه عائِشَةُ، فأَذِنَ لها، فأمَرَتْ ببِنائِها فضُرِبَ، وسَألتْ حَفْصَةُ أن تَسْتَأْذِنَ لها رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ففَعَلَتْ، فأَمَرَتْ ببِنائِها فضُرِبَ، فلَمّا رَأَتْ ذلك زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ أَمَرَتْ ببِنائِها فضُرِبَ.
قال: فكان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا صَلَّى الصُّبْحَ دَخَل مُعْتَكَفَهُ، فلَمّا صَلَّى الصُّبْحَ انْصَرَفَ، فبَصُرَ بالأبْنِيَةِ، فقالَ: «مَا هَذا؟».
فقالُوا: بِناءُ عائِشةَ، وحَفْصَةَ، وزَيْنَبَ.
فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الْبِرَّ أَرَدْتُنَّ؟ مَا أَنَا بِمُعْتَكِفٍ».
فرَجَعَ، فلمّا أَفْطَرَ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِن شَوّالٍ.
مُتَّفَقٌ على مَعْناه 5. ولأنَّها عِبادَةٌ تَتَعَلَّقُ بالمَسْجِدِ، فلَزِمَتْ بالدُّخُولِ فيها، كالحَجِّ.
وما ذَكَرَه ابنُ عبدِ البَرِّ فليس بشئٍ، فإنَّ هذا ليس بإجْماعٍ، ولا يُعْرَفُ هذا القَوْلُ عن أحَدٍ سِواه، وقد قال الشافعىُّ: كُلُّ عَمَلٍ لك أن لا تَدْخُلَ فيه، فإذا دَخَلْتَ فيه فخَرَجْتَ منه، فليس عليك أن تَقْضِىَ، إلَّا الحَجَّ والعُمْرَةَ.
ولم يَقَعِ الإِجْماعُ على لُزُومِ نافِلَةٍ بالشُّرُوعِ فيها، سوى الحَجِّ والعُمْرَةِ، وإذا كانتِ العِباداتُ التي لها أصْلٌ

الجزء: 7 - الصفحة: 564

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في الوُجُوبِ لا تَلْزَمُ بالشُّرُوعِ، فما ليس له أصْلٌ في الوُجُوبِ أَوْلَى، وقد انْعَقَدَ الإِجْماعُ على أنَّ الإِنْسانَ لو نَوَى الصَّدَقَةَ بمالٍ مُقَدَّرٍ، وشَرَع في الصَّدَقَةِ به، فأَخْرَجَ بَعْضَه، لم تَلْزَمْهُ الصَّدَقَةُ بباقِيه، وهو نَظِيرٌ للاعْتِكافِ، لأنَّه غيرُ مُقَدَّرٍ بالشَّرْعِ، فأَشْبَهَ الصَّدَقَةَ، وما ذَكَرَه مِن الحَدِيثِ حُجَّةٌ عليه؛ فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، تَرَك اعْتِكافَه، ولو كان واجِبًا ما تَرَكَه، وأزْواجُه تَرَكْنَ الاعْتِكافَ بعدَ نِيَّتِه وضَرْبِ الأبْنِيَةِ له، ولم يُوجَدْ عُذْرٌ يَمْنَعُ فِعْلَ الواجِبِ، ولا أُمِرْنَ بالقَضاءِ، وقَضاءُ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - لم يكُنْ لوُجُوبِه عليه، وإنَّما فَعَلَه تَطَوُّعًا؛ لأنَّه كان إذا عَمِلَ عَمَلاً أَثْبَتَه، فكانَ فِعْلُه لقَضائِه على سَبِيلِ التَّطَوُّعِ، كما قَضَى السُّنَّةَ التي فاتَتْه بعدَ الظُّهْرِ وقبلَ الفَجْرِ، فتَرْكُه دَلِيلٌ على عَدَمِ وُجُوبِه، وقَضاؤُه لا يَدُلُّ على الوُجُوبِ؛ لأنَّ قَضاءَ السُّنَنِ مَشْرُوعٌ.
فإن قِيلَ: إنَّما جاز تَرْكُه، ولم يُؤْمَرْ تارِكُه مِن النِّساءِ بقَضائِه، لتَرْكِهِنَّ إيّاه قبلَ الشُّرُوعِ.
قُلْنا: فقد سَقَط الاحْتِجاجُ؛ لاتِّفاقِنا على أَنَّه لا يَلْزَمُ قبلَ شُرُوعِه فيه، فلم يَكُنِ القَضاءُ دَلِيلاً على الوُجُوبِ، مع الاتِّفاقِ على انْتِفائِه.
ولا يَصِحُّ قِياسُه على الحَجِّ والعُمْرَةِ؛ لأنَّ الوُصولَ إلَيْهِما لا يَحْصُلُ في الغالِبِ إلَّا بعدَ كُلْفَةٍ عظيمةٍ، ومَشَقَّةٍ شديدَةٍ، وإنْفاقِ مالٍ كَثِيرٍ، ففى إبْطالِهما تَضْيِيعٌ لمالِه، وإبْطالٌ = في: باب ضرب الخباء في المساجد، من كتاب المساجد.
المجتبى 2/ 35. وابن ماجه، في: باب ما جاء في من يبتدئ الاعتكاف وقضاء الاعتكاف، من كتاب الصيام.
سنن ابن ماجه 1/ 563. والإمام مالك، في: باب قضاء الاعتكاف، من كتاب الاعتكاف.
الموطأ 1/ 316. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 84، 226.

الجزء: 7 - الصفحة: 565

وَيَصِحُّ بِغَيْرِ صَوْمٍ.
وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ.
فَعَلَى هَذَا، لَا يَصِحُّ فِي لَيْلَةٍ مُفْرَدَةٍ، وَلَا بَعْضِ يَوْمٍ.
لأَعْمالِه الكثيرَةِ، وقد نُهِينا عن إضاعَةِ المالِ، وإبْطالِ الأعْمالِ، وليس في تَرْكِ الاعْتِكافِ بعدَ الشُّرُوعِ فيه مالٌ يَضِيعُ، ولا عَمَلٌ يَبْطُلُ، فإنَّ ما مَضَى مِن اعْتِكافِه لا يَبْطُلُ بتَرْكِ اعْتِكافِ المُسْتَقْبَلِ، ولأنَّ النُّسُكَ يَتَعَلَّقُ بالمَسْجِدِ الحَرامِ على الخُصُوصِ، والاعْتِكَافُ بخِلافِه.

1108 -

مسألة: (ويَصِحُّ بغيرِ صومٍ. وعنه، لا يَصِحُّ. فعلى هذا، لا يَصِحُّ في ليلةٍ مُفْرَدَةٍ، ولا بعضِ يومٍ)

ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ الاعْتِكافَ يَصِحُّ بغيرِ صومٍ، يُرْوَى ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والحسنِ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الصومَ شَرْطٌ فيه، قال: إذا اعْتَكَفَ يَجِبُ عليه الصومُ.
يُرْوَى ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وعائِشَةَ.
وبه قال الزُّهْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ،

الحديث: 1108 - الجزء: 7 - الصفحة: 566

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، والحسنُ بنُ حَىٍّ 6؛ لِما رُوِىَ عن عائشةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ» 7. وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّ عُمَرَ جَعَل عليه أن يَعْتَكِفَ في الجاهِلِيَّةِ، فسَأَلَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: «اعْتَكِفْ، وصُمْ».
رَواه أبو داودَ 8. ولأَنَّه لُبْثٌ في مَكانٍ مَخْصُوصٍ، فلم يَكُنْ بمُجَرَّدِه قُرْبَةً، كالوُقُوفِ.
ولَنا، ما رُوِىَ عن عُمَرَ، أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي نَذَرْتُ في الجاهِلِيَّةِ أن أعْتَكِفَ ليلةً في المَسْجِدِ الحَرامِ، فقالَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ».
رَواه البخارىُّ 9. ولو كان الصومُ شَرْطًا، لَمَا صَحَّ اعْتِكافُ

الجزء: 7 - الصفحة: 567

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللَّيْلِ 10؛ لأَنَّه لا صِيامَ فيه، ولأَنَّه عِبادَةٌ تَصِحُّ في اللَّيْلِ، فلم يُشْتَرَطْ له الصيامُ، كالصلاةِ، وسائِرِ العِباداتِ، ولأنَّ إيجابَ الصومِ حُكْمٌ لا يَثْبُتُ إلَّا بالشَّرْعِ، ولم يَصِحَّ فيه نَصٌّ ولا إجْماعٌ، فإنَّ أحادِيثَهم لا تَصِحُّ.
أمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فتَفَرَّدَ به ابنُ بُدَيْلٍ 11. وهو ضَعِيفٌ.
قال أبو بَكْرٍ النَّيْسابُورِىُّ: هذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
والصَّحِيحُ ما رَوَيْناه.
أخْرَجَه البخارىُّ، والنَّسَائِىُّ، وغيرُهما.
وحَدِيثُ عائِشَةَ مَوْقُوفٌ عليها، ومَن رَفَعَه فقد وَهِمَ، ثمَّ لو صَحَّ فالمُرادُ به الاسْتِحْبابُ؛ فإنَّ الصومَ فيه أَفْضَلُ،

الجزء: 7 - الصفحة: 568

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقِياسُهم يَنْقَلِبُ عليهم، فإنَّه لُبْثٌ في مَكانٍ مَخْصُوصٍ، فلم يُشْتَرَطْ له الصومُ، كالوُقُوفِ، ثمَّ نَقُولُ بمُوجِبِه، فإنَّه لا يَكُونُ قُرْبَةً بمُجَرَّدِه، بل بالنِّيَّةِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُسْتَحَبُّ أن يَصُومَ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَعْتَكِفُ وهو صائِمٌ، ولأنَّ المُعْتَكِفَ يُسْتَحَبُّ له التَّشاغُلُ بالعِباداتِ والقُرَبِ، والصومُ مِن أَفْضَلِها، ويَتَفَرَّغُ به مِمَّا يَشْغَلُه عن العِباداتِ، ويَخْرُجُ به مِن الخِلافِ.
فصل: وإذا قُلْنا باشْتِراطِ الصومِ، لم يَصِحَّ اعْتِكافُ لَيْلَةٍ مُفْرَدَةٍ، ولا بعضِ يَوْمٍ، ولا ليلةٍ وبعضِ يَوْمٍ؛ لأنَّ الصومَ المُشْتَرَطَ لا يَصِحُّ

الجزء: 7 - الصفحة: 569

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في أقَلَّ مِن يومٍ، ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ في بَعْضِ اليومِ، إذا صام اليومَ كُلَّه؛ لأنَّ الصومَ المَشْرُوطَ وُجِد في زمانِ الاعْتِكافِ، ولا يُعْتَبَرُ وُجُودُ المَشْرُوطِ في زَمَنِ الشَّرْطِ كُلِّه.

الجزء: 7 - الصفحة: 570

وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ لِلْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا، وَلَا لِعَبْدٍ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ،

1109 - مسألة: (وليس للمرأَةِ الاعْتِكافُ إلَّا بإذنِ زَوْجِها، ولا للعَبْدِ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه)

وذلك لأنَّ مَنافِعَهُما مَمْلُوكَةٌ لغيرِهِما، والاعْتِكافُ يُفَوِّتُها ويَمْنَعُ اسْتِيفَاءَها، وليس بواجِبٍ عليهما بالشَّرْعِ، فكانَ لهما المَنْعُ منه.
وأُمُّ الوَلَدِ والمُدَبَّرُ كالقِنِّ في هذا؛ لأنَّ المِلْكَ باقٍ فيهما لهما.

الحديث: 1109 - الجزء: 7 - الصفحة: 571

فَإِنْ شَرَعَا فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنٍ، فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، وَإِلَّا فَلَا.

1110 - مسألة: (فإن شَرَعا فيه بغيرِ إذنٍ، فلهما تَحْلِيلُهما، وإن كان بإذْنٍ، فلهما تَحْلِيلُهما إن كان تَطَوُّعًا، وإلَّا فلا)

إذا اعْتَكَفَتِ الزَّوْجَةُ بغيرِ إذْنِ زَوْجِها، أو العَبْدُ بغيرِ إذْنِ السَّيِّدِ، فلهما مَنْعُهما منه، وإن كان فَرْضًا؛ لأَنَّه يَتَضَمَّنُ تَفْوِيتَ حَقِّ غَيْرِهما بغيرِ إذْنِه، فكانَ لصاحِبِ الحَقِّ المَنْعُ منه، كالغَصْبِ، وإذا أَذِن السَّيِّدُ، والزَّوْجُ في الاعْتِكافِ، ثمَّ أرادا إخْرَاجَهُما منه بعدَ شُرُوعِهِما فيه، فلهما ذلك في التَّطَوُّعِ.
وبه قال الشافعىُّ، وأبو حنيفةَ في العَبْدِ، وقال في الزَّوْجَةِ: ليس لزَوْجِها إخْراجُها؛ لأنَّها تَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ، فبالإِذْنِ أسْقَطَ حَقَّه مِن مَنافِعِها، وأَذِنَ لها في اسْتِيفَائِها، فلم يَكُنْ له الرُّجُوعُ فيها، كما لو أَذِن لها في الحَجِّ،

الحديث: 1110 - الجزء: 7 - الصفحة: 572

وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَحُجَّ بِغَيْرِ إِذْنٍ.
فأحْرَمَتْ به، بخِلافِ العَبْدِ؛ فإنَّه لا يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ.
وقال مالكٌ: ليس له تَحْلِيلُهما؛ لأنَّهُما عَقَدا على أَنْفسِهما تَمْلِيكَ مَنافِعَ كانا يَمْلِكانِها لحَقِّ اللهِ تَعالَى، فلم يَجُزِ الرُّجُوعُ فيها، كما لو أحْرَمَا بالحَجِّ بإذْنِهما.
ولَنا، أنَّ لهما المَنْعَ منه ابْتِدَاءً، فكانَ لهما المَنْعُ منه دَوامًا، كالعارِيَّةِ، ويُخالِفُ الحَجَّ؛ فإنَّه يَلْزَمُ بالشُّرُوعِ فيه، ويَجِبُ المُضِىُّ في فاسِدِه، بخِلافِ الاعْتِكافِ، على ما مَضَى مِن الاخْتِلافِ.
فصل: وإن كان ما أَذِنا فيه مَنْذُورًا، لم يَكُنْ لهما تَحْلِيلُهما منه؛ لأنَّه يَتَعَيَّنُ بالشُّرُوعِ فيه، وَيَجِبُ إِتْمامُه، فيَصِيرُ كالحَجِّ إذا أَحْرَما به، فأمّا إن نَذَر الاعْتِكافَ، فأرادَ السَّيِّدُ والزَّوْجُ مَنْعَهما الدُّخُولَ فيه، فإن كان النَّذْرُ بإذْنِهِما، وكان مُعَيَّنًا، لم يَمْلِكا مَنْعَهُما منه؛ لأنَّه وَجَب بإِذْنِهما، وإن كان النَّذْرُ المَأْذُونُ فيه غيرَ معيَّنٍ، فشَرَعا فيه بإذْنِهِما، لم يَمْلِكا مَنْعَهُما منه؛ لأَنَّه يَتَعَيَّنُ بالدُّخُولِ فيه، فهو كالمُعَيَّنِ بالنَّذْرِ.
وإن كان النَّذْرُ بإذْنٍ، وكان غيرَ مُعَيَّنٍ، والشُّرُوعُ بغيرِ إذْنٍ، لم يَجُزْ تَحْلِيلُهما، كما لو أذِنَ في الشُّرُوعِ خاصَّةً، ويَحْتَمِلُ أنَّ لهما تَحْلِيلَهُما.

1111 -

مسألة: (وللمُكاتَبِ أن يَعْتَكِفَ ويَحُجَّ بغيرِ إذْنٍ)

الحديث: 1111 - الجزء: 7 - الصفحة: 573

وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، إِنْ كانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ، فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَحُجَّ فِي نَوْبَتِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
سَواءٌ كان فَرْضًا أو تَطَوُّعًا؛ لأنَّ السَّيِّدَ لا يَسْتَحِقُّ مَنافِعَه، ولا يَمْلِكُ إجْبارَه على الكَسْبِ، وإنَّما له دَيْنٌ في ذِمَّتِه، فهو كالحُرِّ المَدِينِ.

1112 -

مسألة: (ومَن بعضُه حُرٌّ، إن كان بينَهُما مُهايَأَةٌ 12، فله أن يَعْتَكِفَ في نَوْبَتِه) بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّ مَنافِعَه غيرُ مَمْلُوكَةٍ لسَيِّدِه في ذلك الزَّمَنِ، وحُكْمُه في نَوْبَةِ سَيِّدِه حُكْمُ القِنِّ. فإن لم يَكُنْ بَيْنَهُما

الحديث: 1112 - الجزء: 7 - الصفحة: 574

وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ يُجْمَعُ فِيهِ، إِلَّا الْمَرْأَةَ لَهَا الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ إِلَّا مَسْجِدَ بَيْتِهَا.
مُهايَأَةٌ، فلسَيِّدِه مَنْعُه؛ لأَنَّ له مِلْكًا في منافِعِه في جَمِيعِ الأَوْقاتِ.
فصل: ولا يَصِحُّ بغيرِ نِيَّةٍ؛ لأنَّه عِبادَةٌ مَحْضَةٌ، أَشْبَهَ الصومَ.
وإن كان فَرضًا لَزِمَه نِيَّةُ الفَرْضِيَّةِ؛ ليَتَمَيَّزَ عن التَّطَوُّعِ، فإن نَوَى الخُرُوجَ منه، ففيه وَجْهان؛ أَحَدُهما، يَبْطُلُ، كما لو قَطَع نِيَّةَ الصومِ.
والثانى، لا يَبْطُلُ؛ لأنَّها قُرْبَةٌ تَتَعَلَّقُ بمَكانٍ، فلا يَخْرُجُ منها بنِيَّةِ الخُرُوجِ، كالحَجِّ.

1113 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ الاعْتِكافُ إلَّا في مَسْجِدٍ يُجْمَعُ فيه، إلَّا المَرْأَةَ لها الاعْتِكافُ في كلِّ مسجدٍ إلَّا مسجدَ بَيْتِها)

لا يَجُوزُ للرجلِ

الحديث: 1113 - الجزء: 7 - الصفحة: 575

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الاعْتِكافُ في غيرِ مَسْجِدٍ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا بينَ أهْلِ العلمِ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ 13. فخَصَّها بذلك، ولو صَحَّ الاعْتِكافُ في غيرِها، لم يَخْتَصَّ بتَحْرِيمِ المُباشَرَةِ فيها؛ فإنَّ المُباشَرَةَ مُحَرَّمَةٌ في الاعْتِكافِ مُطْلَقًا.
وفي حَدِيثِ عائِشَةَ، قالت: إن كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ليُدْخِلُ إِلىَّ رَأْسَه وهو في المَسْجِدِ، فأُرَجِّلُه، وكان لا يَدْخُلُ البَيْتَ إلَّا لحاجَةٍ إذا كان مُعْتَكِفًا 14. وقَوْلُه: إلَّا في مَسْجِدٍ يُجْمَعُ فيه.
أي تُقامُ فيه الجَماعَةُ.
وإنَّما اشْتَرَطَ ذلك؛ لأنَّ الجَماعَةَ واجِبَةٌ، فاعْتِكافُ الرجلِ في مَسْجِدٍ لا تُقامُ فيه يُفْضِى إلى أحَدِ أمْرَيْن؛ إمّا تَرْكُ الجَماعَةِ الواجِبَةِ، وإمّا خُرُوجُه إليها، فيَتَكَرَّرُ ذلك منه كَثِيرًا، مع إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه، وذلك مُنافٍ للاعْتِكافِ، إذ هو لُزُومُ الإِقامَةِ في المَسْجِدِ على طاعَةِ اللهِ.
فعلى هذا يجوزُ الاعْتِكافُ في كلِّ مَسْجِدٍ تُقامُ فيه الجَماعَةُ.
ورُوِىَ عن حُذَيْفَةَ، وعائِشَةَ، والزُّهْرِىِّ، ما يَدُلُّ على هذا.
واعْتَكَفَ أبو قِلابَةَ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ في مَسْجِدِ حَيِّهما.
ورُوِىَ عن عائِشَةَ، والزُّهْرِىِّ، أنَّه لا يَصِحُّ إلَّا في مَساجِدِ الجماعاتِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهو قَوْلُ الشافعىِّ، إذا كانتِ الجُمُعَةُ تَتَخَلَّلُ اعْتِكافَه؛ لئَلَّا يَلْتَزِمَ الخُرُوجَ مِن مُعْتَكَفِهِ لِما يُمْكِنُه التَّحَرُّزُ مِن الخُرُوجِ إليه.
ورُوِىَ عن حُذَيْفَةَ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ: لا يَجُوزُ الاعْتِكافُ إلَّا في مَسْجِدِ نَبِىٍّ 15. وحُكِىَ عن حُذَيْفَةَ، أنَّ الاعْتِكافَ لا يَصِحُّ إلَّا في أحَدِ المَساجِدِ الثَّلاثَةِ.
قال سَعِيدٌ: ثَنَا مُغِيرَةُ، عن إبراهيمَ، قال: دَخَل حُذَيْفَةُ مَسْجِدَ الكُوفَةِ، فإذا هو بِأبْنِيَةٍ مَضْرُوبَةٍ، فسَألَ عنها، فقيل: قَوْمٌ مُعْتَكِفُون.
فانْطَلَقَ إلى ابنِ مسعودٍ، فقال: ألَا تَعْجَبُ مِن قَوْمٍ يَزْعُمُون أنَّهُم مُعْتَكِفُون بينَ دارِك ودارِ الأشْعَرِىِّ؟ فقال عبدُ اللهِ: لَعَلَّهُم أصابُوا وأخْطَأْتَ، وحَفِظُوا ونَسِيتَ.
فقال حُذَيْفَةُ: لقد عَلِمْتُ ما الاعْتِكافُ إِلَّا في ثلاثَةِ مَساجِدَ؛ المَسْجِدِ الحرامِ، والمَسْجِدِ الأَقْصَى، ومَسْجِدِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - 16. وقال مالكٌ: يَصِحُّ الاعْتِكافُ في كُلِّ مَسْجِدٍ؛ لعُمومِ قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
وهو قَوْلُ الشافعىِّ إذا لم يَتَخَلَّلِ اعْتِكافَه جُمُعَةٌ.
ولنا، ما روَى الدّارَقُطْنِىُّ 17 بإسْنادِه، عن الزُّهْرِىِّ، عن

الجزء: 7 - الصفحة: 577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عُرْوَةَ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، عن عائِشَةَ، أنَّ السُّنَّةَ للمُعْتَكِفِ أن لا يَخْرُجَ إلَّا لحاجَةِ الِإنْسانِ، ولا اعْتِكافَ إلَّا في مَسْجِدِ جَماعَةٍ.
وهو يَنْصَرِف إلى سُنَّةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وروَى سَعِيدٌ: ثَنَا هُشَيْمٌ، أنا جُوَيْبِرُ 18، عن الضَّحّاكِ، عن حُذَيْفَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّ مَسْجدٍ لَهُ إِمَامٌ وَمُؤذِّنٌ، فَالِاعْتِكَافُ فِيهِ يَصْلُحُ» 19. ولأنَّ قَوْلَه: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
يَقْتَضِى إباحَةَ الاعْتِكافِ في كلِّ مَسْجِدٍ، إلَّا أنَّه يُقَيَّدُ بما تُقامُ فيه الجَماعَةُ بالأخْبارِ والمَعْنَى الذى ذَكَرْناه، فيَبْقَى على العُمُومِ فيما عَداه.
واشْتَرَطَ الشافعىُّ أن يكونَ المَسْجِدُ مِمّا تُقامُ فيه الجُمُعَةُ، وهذا مُخالِفٌ للأخْبارِ المَذْكُورةِ، والجُمُعَةُ لا تَتَكَرَّرُ، فلا يَصِحُّ قِياسُها على الجَماعَةِ، ولا يَضُرُّ الخُرُوجُ إليها، كاعْتِكافِ المرأةِ مُدَّةً يتَخَلَّلُها أيَّامُ حَيْضِها.
ولو كان الجامِعُ تُقامُ فيه الجُمُعَةُ وَحْدَها، لم يَجُزِ اعْتِكافُ الرجلِ فيه عندَنا.
ويَصِحُّ عند مالكٍ، والشافعىِّ.
ومَبْنَى ذلك = كما أخرجه أبو داود، في: باب المعتكف يعود المريض، من كتاب الصوم.
سنن أبى داود 1/ 575، 576. وعنده: «مسجد جامع» بدل «مسجد جماعة».
والحديث إسناده صحيح.
انظر إرواء الغليل 4/ 139، 140.

الجزء: 7 - الصفحة: 578

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على أنَّ الجَماعَةَ واجِبَةٌ عندنا، فَيَلْزَمُ الخُروجُ إليها، وليست واجِبَةً عندَهم.
فصل: فإن كان اعْتِكافُه في مدَّةٍ غيرِ وَقْتِ الصلاةِ؛ كلَيْلَةٍ أو بَعْضِ يَوْمٍ، جاز في كلِّ مَسْجِدٍ؛ لعَدَمِ المانِعِ.
وإن كان تُقامُ فيه في بَعْض الزَّمانِ، جاز الاعْتِكافُ فيه في ذلك الزَّمَنِ دُونَ غيرِه.
وإن كان المُعْتَكِفُ مِمَّنْ لا تَلْزَمُه الجماعَةُ؛ كالمَرِيضِ، والمَعْذُورِ، ومَنْ هو في قَرْيَةٍ لا يُصَلِّى فيها غيرُه، جاز اعْتِكافُه في كُلِّ مَسْجِدٍ؛ لأنَّ الجَماعَةَ ساقِطَةٌ عنه، أشْبَهَ المرأةَ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ ذلك للمَرِيضِ، والمَعْذُورِ؛ لأنَّه مِن أهْلِ الجَماعَةِ، فأشْبَهَ مَن تَجِبُ عليه، ولأنَّه إذا الْتَزَمَ الاعْتِكافَ، وكَلَّفَه نَفْسَه، فيَنبَغِى أن يَجْعَلَه في مكانٍ تُصَلَّى فيه الجَماعَةُ، ولأن من الْتَزَمَ ما لا يَلْزَمُه، لا يَصِحُّ بدُونِ شَرْطِه، كالمُتَطَوِّعِ بالصلاةِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ مَن لا تَجِبُ عليه الجَماعَةُ لا يَجِبُ عليه الخُروجُ إليها، فلا يَفُوتُ شَرْطُ الاعْتِكافِ.
ولو اعْتَكَفَ اثْنان أو أكْثَرُ في مَسْجِدٍ لا تُقامُ فيه الجَماعَةُ، فأقَاما الجَماعَةَ، صَحَّ اعْتِكافُهُم، لأنَّهُما أقاما الجَماعَةَ، أشْبَهَ ما لو أقامَها غيرُهما.
فصل: فأمّا المرأةُ، فيَجُوزُ اعْتِكافُها في كلِّ مَسْجِدٍ؛ لأنَّ الجَماعَةَ

الجزء: 7 - الصفحة: 579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا تَجِبُ عليها.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وليس لها الاعْتِكافُ في بَيْتِها.
وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: لها الاعْتِكافُ في مَسْجِدِ بَيْتِها، وهو المَكانُ الذى جَعَلَتْه للصلاةِ منه 20. واعْتِكافُها فيه أفْضَلُ، كصلاِتها فيه.
وحُكِىَ عن أبى حَنِيفَةَ، أنَّه لا يَصِحُّ اعْتِكافُها في مَسْجِدِ الجَماعَةِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - تَرَك الاعْتِكافَ في المَسْجِدِ، لمّا رَأى أبنِيَةَ أزْواجِه فيه، وقال: «آلْبِرَّ أرَدْتُنَّ؟» 21. ولأنَّ مَسْجِدَ بَيْتِها مَوْضِعُ فَضِيلَةِ صلاتِها، فكان مَوْضِعَ اعْتِكافِها، كالمَسْجدِ في حَقَّ الرجلِ.
ولنا، قَوْلُه تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
والمُرادُ بها المَواضِعُ التى بُنِيَتْ للصلاةِ فيها، ومَوْضِعُ صلاِتها في بَيْتِها ليس بمَسْجدٍ؛ لأنَّه لم يُبْنَ للصلاةِ فيه، وتَسْمِيَتُه مَسْجِدًا مَجازٌ، فلا يَثْبُتُ له أحْكاَمُ المَساجِدِ الحَقِيقِيَّةِ، بدَلِيل جَوازِ لُبْثِ الجُنُبِ فيه، وصار كقَوْلِه عليه السلامُ: «جُعِلَتْ لِىَ الأرْضُ مَسْجِدًا» 22. ولأنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ اسْتَأْذَنَه أزْواجُه في الاعتِكافِ في

الجزء: 7 - الصفحة: 580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَسْجِدِ أذِن لهُنَّ، ولو لم يَكُنْ مَوْضِعًا لاعْتِكافِهِنَّ، لَمَا أذِن فيه، ولو كان الاعْتِكافُ في غيرِه أفْضَلَ، لنَبَّهَهُنَّ عليه، ولأنَّ الاعْتِكافَ قُرْبَة يُشْتَرَطُ لها المَسْجِدُ في حَقِّ الرَّجُلِ، فيُشْتَرَطُ في حَقِّ المرأةِ، كالطَّوافِ.
وحَدِيثُ عائِشَةَ قد بَيَّنّا أنَّهُ حُجَّةٌ لنا، وإنَّما كَرِه اعْتِكافَهُنَّ في تلك الحالِ، حيث كثُرَتْ أبنِيَتُهُنَّ؛ لِما رَأى مِن مُنافَسَتِهِنَّ، فكَرِهَه لَهُنَّ؛ خَشْيَةً عَلَيْهِنَّ مِن فَسادِ نِيَّتهِنَّ، ولذلك قال: «آلْبِرَّ أردْتُنَّ؟» مُنْكِرًا لذلك، أى لم تَفْعَلْنَ ذلك تَبَرُّرًا، ولو كان للمَعْنَى الذى ذَكَرُوه، لأمَرَهُنَّ بالاعْتِكافِ في بُيُوتِهِنَّ، ولم يَأْذَنْ لَهُنَّ في المَسْجِدِ.
وأمّا الصلاةُ، فلا يَصِحُّ اعْتِبارُ الاعْتِكافِ بها، فإنَّ صلاةَ النّافِلَةِ للرَّجُلِ في بَيْتِه أفْضَل، ولا يَصِحُّ اعْتِكافُه فيه بالاتِّفاقِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 581

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا اعْتَكَفَتِ المرأةُ في المَسْجِدِ، اسْتُحِبَّ لها أن تَسْتَتِرَ بشَئٍ؛ لأنَّ أزْواجَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا أرَدْنَ الاعْتِكافَ أمَرْنَ بأبْنِيَتهِنَّ فَضُرِبَتْ في المَسْجِدِ، ولأنَّ المَسْجِدَ يَحْضُرُه الرِّجالُ، وخَيْرٌ لهم وللنِّساءِ أن لا يَرَى بَعْضُهم بَعْضًا.
وإذا ضَرَبَتْ بِناءً جَعَلَتْه في مكانٍ لا يُصَلِّى فيه الرِّجالُ، لِئَلَّا تَقْطَعَ صُفُوفَهم، وتُضَيِّقَ عليهم.
ولا بَأْسَ أنْ يَسْتَتِرَ الرجلُ أيضًا؛ فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر ببِنائِه فضُرِبَ، ولأنَّه أَسْتَرُ لها وأخْفَى لعَمَلِه.
وروَى ابنُ ماجه 23، عن أبى سَعِيدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اعْتَكَفَ في قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ، على سُدَّتِها 24 قِطْعَةُ حَصِيرٍ.
قال: فأخَذَ الحَصِيرَ بِيدِه، فنَحَّاها في ناحِيَةِ القُبَّةِ، ثم أطْلَعَ رَأْسَه، فكَلَّمَ النّاسَ.

الجزء: 7 - الصفحة: 582

وَالْأفْضَلُ الِاعْتِكَافُ فِى الْجَامِعِ إذَا كَانَتِ الجُمُعَةُ تَتَخَلَّلُهُ.
وَمَن نَذَرَ الِاعْتِكَافَ أوِ الصَّلَاةَ فِى مَسْجِدٍ، فَلَهُ فِعْلُهُ فِى غَيْرِه،

1114 - مسألة: (والأفْضَلُ الاعْتِكافُ في الجامِعِ إذا كانتِ الجُمُعَةُ تَتَخَلَّلُه)

إذا كانتِ الجُمُعَةُ تَتَخَلَّل الاعْتِكافَ، فالأفْضَلُ أن يكونَ في المَسْجِدِ الذى تُقامُ فيه الجُمُعَةُ، لئَلَّا يَحْتاجَ إلى الخُروجِ إليها فيَتْرُكَ الاعْتِكافَ، مع إمْكانِ التَّحَرُّزِ مِن ذلك، ولأنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ، على ما ذَكرناه، ولأنَّ ثَوابَ الجَماعَةِ فيه أكْثَرُ.
1115 -

مسألة: (وإذا نَذَر الاعْتِكافَ أو الصلاةَ في مَسْجِدٍ،

الحديث: 1114 - الجزء: 7 - الصفحة: 583

إِلَا الْمَسَاجِدَ الثَّلَاَثةَ،  فله فِعْلُه في غَيْرِه) ولا كَفّارَةَ عليه (إِلَّا المَساجدَ الثَّلاثَةَ) وجُمْلَةُ ذلك أَنَّه لا يَتَعَيَّنُ شئٌ مِن المَساجِدِ بنَذرِه الاعْتِكافَ أو الصلاةَ فيه، إلَّا المَساجِدَ الثَّلاثَةَ، وهى المَسْجِدُ الحَرامُ، ومَسْجِدُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، والمَسْجِدُ الأقْصَى؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلَّا إلى ثلاثةِ مساجِدَ؛ المسجِدِ الحَرامِ، والمسجِدِ الأقْصَى، ومسجِدِى هذا».
مُتَّفَقٌ عليه 25، ولو تَعَيَّنَ غَيْرُها بتَعْيِينِه لَزِمَه المُضِىُّ إليه، واحْتاجَ إلى شَدِّ الرَّحْلِ لقضاءِ نَذْرِه فيه، ولأنَّ اللهَ تعالى لم يُعَيِّنْ لِعبادَتِه مَكانًا، فلم يَتَعَيَّنْ بتَعْيِينِ غيرِه، وإنَّما تَعَيَّنَتْ هذه المَسَاجِدُ للخَبَرِ الوارِدِ فيها، ولأنَّ العِبادَةَ فيها أفْضَلُ، فإذا عَيَّنَ ما فيه فَضِيلَةٌ لَزِمَتْه، كأنْواعِ العِبادَةِ.
وبهذا 26

الجزء: 7 - الصفحة: 584

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال الشافعىُّ، في صَحِيحِ قَوْلَيْه.
وقال في الآخَرِ: لا يَتَعَيَّنُ المَسْجِدُ الأقْصَى؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «صَلَاةٌ فِى مَسْجِدِى هذا أفْضَلُ مِنْ ألْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ».
رَواه مسلمٌ 27. وهذا

الجزء: 7 - الصفحة: 585

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَدُلُّ على التَّسْوِيَةِ، فيما عَدا هذَيْن المَسْجدَيْن؛ لأنَّ المَسْجِدَ الأقْصَى لو فُضِّلَتِ الصلاةُ فيه على غَيْرِه، يَلْزَمُ أحَدُ أَمْرَيْن؛ إمّا خُرُوجُه مِن عُمُومِ هذا الحَدِيثِ، وإمّا كَوْنُ فَضِيلَتِه بألْفٍ مُخْتَصًّا بالمسْجِدِ الأقْصَى.
ولَنا، أنَّه مِنِ المَساجِدِ التى تُشَدُّ الرِّحالُ إليها، فَتَعَيَّنَ بالتَّعْيينِ في النَّذْرِ، كالآخرَيْن، وما ذَكَرَه لا يَلْزَمُ، فإنَّه إذا فُضِّلَ الفاضِلُ بألْفٍ، فقد فُضِّلَ المَفْضُولُ بها أيْضًا.

الجزء: 7 - الصفحة: 586

وَأَفْضَلُهَا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ [60 و] , ثُمَّ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ الْأَقْصَى،

1116 - مسألة: (وأفْضَلُها المَسْجِدُ الحَرامُ، ثم مَسْجدُ المَدِينَةِ، ثم)

المَسْجِدُ (الأقْصَى) وقال قوْمٌ: مَسْجدُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أفْضَلُ مِن المَسْجِدِ الحرامِ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما دُفِنَ في خَيْرِ البقاعِ، وقد نَقَلَه اللهُ تعالى مِن مَكَّةَ إلى المَدِينةِ، فَدَلَّ على أنَّها أفْضَلُ.
ولَنا، قَوْلُه عليه السلامُ: «صَلَاةٌ في مَسْجِدِى هذا أفْضَلُ مِنْ ألْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ».
وروَى ابنُ ماجَه 28، بإِسْنادِه عن النَّبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «صلَاةٌ فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أفْضَلُ مِن مِائَةِ ألْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» فيَدْخُلُ في عُمُومِه مَسْجِدُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -.

الحديث: 1116 - الجزء: 7 - الصفحة: 587

فَإِذَا نَذَرَهُ فِى الْأَفْضَلِ، لَمْ يَجُزْ فِى غَيْرِهِ، وَإنْ نَذَرَهُ فِى غَيْرِهِ، فَلَهُ فِعْلُهُ فِيهِ،

1117 - مسألة: (فإن نَذَرَه في الأَفْضَلِ، لم)

يكُنْ له فِعْلُه (في غَيْرِه، وإن نَذَرَه في غيرِه، فله فِعْلُه فيه) إذا نَذَر الاعْتِكافَ في المَسْجِدِ الحَرامِ لَزِمَه، ولم يكُنْ له الاعْتِكافُ فيما سِواهُ؛ لأَنَّ عُمَرَ نَذَر أن يَعْتَكِفَ لَيْلَةً في المَسْجِدِ الحَرامِ، فسَألَ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «أوْفِ بنَذْرِكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 29. وإن نَذَر أن يَعْتَكِف في مَسْجِدِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، جاز أن يَعْتَكِفَ في المَسْجِدِ الحَرامِ؛ لأنَّه أفْضَلُ، ولم يَجُزْ له أن يَعْتَكِفَ في المَسْجِدِ الأقْصَى؛ لأَنَّ مَسْجِدَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أفْضَلُ منه، فلم يَجُز له تَفْوِيتُ فَضِيلَتِه، وإن نَذَر الاعْتِكافَ في المَسْجِدِ الأقْصَى، جاز به أن يَعْتَكِفَ في المَسْجِدَيْن الآخَرَيْن؛ لأنَّهُما أفْضَلُ منه.
وروَى الإِمامُ أحمدُ في «مُسْنَدِه» 30، عن رجالٍ مِن الأنْصارِ، مِن أصحابِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ

الحديث: 1117 - الجزء: 7 - الصفحة: 588

وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ، لَزِمَهُ الشُّرُوعُ فِيهِ قَبْلَ دُخُولِ لَيْلَتِهِ إِلَى انْقِضَائِهِ،  رجلًا جاء إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، يومَ الفَتْحِ، والنبىُّ - صلى الله عليه وسلم - في مَجْلِسٍ قَرِيبًا مِن المَقامِ، فسَلَّمَ على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: يا نَبِىَّ اللهِ، إنِّى نَذَرْتُ إن فَتَح اللهُ للنبىِّ - صلى الله عليه وسلم - والمُؤْمِنِين مَكَّةَ، لأُصَلِّيَنَّ فِى بَيْتِ المَقْدِسِ، وإنِّى وَجَدْتُ رجلًا مِن أهلِ الشام ههُنا في قُرَيْشٍ، مُقْبِلًا مَعِى ومُدْبِرًا.
فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ههُنا فَصَلِّ».
فقال الرجلُ قَوْلَه هذا ثَلاثَ مَرّاتٍ، كلُّ ذلك يقُولُ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ههُنَا فَصَلِّ».
ثم قال الرّابِعَةَ مَقالَتَه هذه، فقال النبىُّ: «اذْهَبْ، فَصَلِّ فِيهِ، فَوَالَّذِى بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لَوْ صَلَّيْتَ ههُنَا لَقَضَى عَنْكَ ذلِكَ كُلَّ صَلَاةٍ فِى بَيْتِ الْمَقْدِسِ».
فصل: وإن نَذَر الاعْتِكافَ في غيرِ هذه المَساجِدِ، فدَخَلَ فيه، ثم انْهَدَم مُعْتَكَفُه، ولم يُمْكِنِ المُقامُ فيه، لَزِمَه إتْمامُ الاعْتِكافِ في غيرِه، ولم يَبْطُلِ اعْتِكافُه.

1118 -

مسألة: (وإن نَذَر اعْتِكافَ شَهْرٍ بعَيْنهِ، لَزِمَه الشُّرُوعُ فيه قبلَ دُخُولِ لَيْلَتِه إلى انْقِضائِه)

إذَا عَيَّنَ بنَذْرِه زَمَنًا تَعَيَّنَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى عَيَّنَ للعِبادَةِ زَمَنًا، فَتَعَيَّنَ بتَعْيِينِ العَبْدِ، ويَلْزَمُه الشُّرُوعُ فيه قبلَ دُخُولِ لَيْلَتِه إلى انْقِضائِه.
وهذا قَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ.
وحَكَى ابنُ أبى مُوسَى، عن أحمدَ، رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه يَدْخُلُ في مُعْتَكَفِه قبلَ طُلوعِ الفَجْرِ مِن أوَّلِه.

الحديث: 1118 - الجزء: 7 - الصفحة: 589

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهو قَوْلُ اللَّيْثِ، وزُفَرَ؛ لأَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أرادَ أن يَعْتَكِفَ صَلّى الصُّبْحَ، ثم دَخَل مُعْتَكَفَه.
مُتَّفَقٌ عليه 31. ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
ولا يَلْزَمُ الصَّوْمُ إلَّا مِن قَبْلِ طُلُوعِ الفَجْرِ.
ولأنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ في الاعْتِكافِ، فلم يَجِبِ ابْتِداؤُه قبلَ شَرْطِه.
ولَنا، أنَّه نَذَر الشَّهْرَ، وأوَّلُه غُروبُ الشَّمْسِ؛ بدَلِيلِ حَلِّ الديونِ المُعَلَّقَةِ به، ووُقُوعِ الطَّلاقِ والعَتاقِ المُعَلَّقَيْن به، فوَجَبَ أن يَدْخُلَ قبلَ الغُرُوبِ، ليَسْتَوْفِىَ جميعَ الشَّهْرِ، فإنَّه لا يُمْكِنُ إلَّا بذلك، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلَّا به فهو واجِبٌ، كإمْساكِ جُزْءٍ مِن اللَّيْلِ في الصَّوْمِ.
وأمّا الصَّوْمُ فمَحَلُّه النَّهارُ، فلا يَدْخُلُ فيه شَئٌ مِن اللَّيلِ في أثْنائِه، ولا ابْتِدائِه، إلَّا ما حَصَل ضَرُورَةً، بخِلافِ الاعْتِكافِ.
وأمّا الحَدِيثُ، فقال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا أعْلَمُ أحَدًا مِن الفُقَهاءِ قال به.
على أنَّ الخَبَرَ إنَّما هو في التَّطَوُّعِ، فمتى شاء دَخَل 32، وفى مَسْألَتِنا نَذَر شَهْرًا، فَيَلْزَمُه اعْتِكافُ شَهْرٍ كامِلٍ، ولا يَحْصُلُ إلَّا أن يَدْخُلَ فيه قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِن أوَّلِه، ويَخْرُجَ بعدَ غُرُوبِها مِن آخِرِه، فأشْبَهَ ما لو نَذَر اعْتِكافَ يومٍ، فإنَّه، يَلْزَمُه الدُّخُولُ فيه قبلَ طُلُوعِ فَجْرِه، ويخرُجُ بعدَ غُروبِ شَمْسِه.
وقولُه:

الجزء: 7 - الصفحة: 590

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إنَّ الاعْتِكافَ لا يَصِحُّ بغيرِ صَوْمٍ.
قد أَجَبْنا عنه فيما مَضَى.
فصل: وإن أحَبَّ اعْتِكافَ العَشْرِ الأواخِرِ تَطَوُّعًا، ففيه رِوايَتان؛ إحداهما، يَدْخُلُ قبلَ غُروبِ الشَّمْسِ مِن لَيْلَةِ إحْدَى وعِشْرِينَ؛ لِما رُوِىَ عن أبى سعيدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوْسَطَ مِن رمضانَ، حتى إذا كان لَيْلَةُ إحْدَى وعِشْرِين، وهى اللَّيْلَةُ التى يَخْرُجُ مِن صَبِيحَتِها مِن اعْتِكافِه، قال: «مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ 33 معِى، فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأوَاخِرَ».
مُتَّفَقٌ عليه 34. ولأَنَّ العَشْرَ بغَيْرِ هاءٍ عَدَدُ اللَّيَالِى، فإنّها عَدَدُ المُؤَنَّثِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ 35. وأولُ اللَّيالِى العَشْرِ لَيْلَةُ إحْدَى وعِشْرِينَ.
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ، يَدْخُلُ بعد صَلاةِ الصُّبْحِ، قال حَنْبَلٌ، قال أحمدُ: أحَبُّ إلَىَّ أن يَدْخُلَ قبلَ اللَّيْلِ.
ولكنْ حَدِيثُ عائِشَةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُصَلِّى الفَجْرَ، ثم يَدْخُلُ مُعْتَكَفَه.
وبهذا قال الأوْزاعِىُّ، وإسحاقُ.
ووَجْهُه ما رَوَتْ عَمْرَةُ، عن عائِشَةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صَلَّى الصُّبْحَ دَخَل مُعْتَكَفَه.
مُتَّفَقٌ عليه 36. وإن نَذَر اعْتِكافَ العَشْرِ، فَفى وَقتِ دُخُولِه الرِّوايَتان.

الجزء: 7 - الصفحة: 591

وَإِنْ نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا، لَزِمَهُ شَهْرٌ مُتَتَابِعٌ،  فصل: ومَن اعْتَكَفَ العَشْرَ الأواخِرَ مِن رمضانَ، اسْتُحِبَّ أن يَبِيتَ لَيْلَةَ العِيدِ في مُعْتَكَفِه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ورُوِىَ عن النَّخَعِىِّ، وأبى مِجْلَزٍ، وأبى بَكْرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، والمُطَّلِبِ بنِ حَنْطَبٍ، وأبى قِلابَةَ، أنَّهُم كانُوا يَسْتَحِبُّون ذلك.
وروَى الأثْرَمُ بإسْنادِه، عن أيُّوبَ، عن أبى قِلابَةَ، أنَّه كان يَبِيتُ في المَسْجِدِ لَيْلَةَ الفِطْرِ، ثم يَغْدُو كما هو إلى العِيدِ، وكان، يَعْنِى في اعْتِكافِه، لا يُلْقَى له حَصِيرٌ، ولا مُصَلَّى يَجْلِسُ عليه، كان يَجْلِسُ كَأنَّه بَعْضُ القَوْمِ.
قال: فأتَيْتُه في يومِ الفِطْرِ، فإذا في حِجْرِه جُوَيْرِيَةٌ مُزَيَّنَةٌ، ما ظَنَنْتُها إلَّا بَعْض بَناتِه، فإذا هى أمَةٌ له، فأعْتَقَها، وغدا كما هو إلى العِيدِ.
وقال إبراهيمُ: كانوا يُحِبُّون لمَن اعْتَكَفَ العَشْرَ الأواخِرَ مِن رمضانَ، أن يَبِيتَ لَيْلَةَ الفِطْرِ في المَسْجِدِ، ثم يَغْدُوَ إلى المُصَلَّى مِن المَسْجِدِ (1).

1119 -

مسألة: (وإن نَذَر شَهْرًا مُطْلَقًا، لَزِمَه شَهْرٌ مُتَتابعٌ)

إذا37

الحديث: 1119 - الجزء: 7 - الصفحة: 592

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نَذَر اعْتِكافَ شَهْرٍ مُطْلَقٍ، فهل يَلْزَمُه التَّتابُعُ؟ فيه وَجْهان، بِناءً على الرَّوايَتَين في نَذْرِ الصَّوْم؛ أحَدُهما، لا يَلْزَمُه.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه مَعْنًى يَصِحُّ فيه التَّفْرِيقُ، فلا يَجِبُ فيه التَّتابُعُ بمُطْلَقِ النَّذْرِ، كالصِّيامِ.
والثّانِى، يَلْزَمُه التَّتابُعُ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ.
وقال القاضى: يَلزَمُه التَّتابُعُ وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه مَعْنًى يَحْصُل في الليْلِ والنَّهارِ، فإذا أطْلَقَه اقْتَضَى التَّتابُعَ، كما لو حَلَفَ لا يُكَلِّمُ زَيْدًا شَهْرًا، وكَمُدَّةِ الإِيلاءِ والعِدَّةِ، وبهذا فارَقَ الصيامَ، فإن أَتَى بشَهْرٍ بينَ هِلالَيْن أجْزَأه ذلك وإن كان ناقِصًا، وإنِ اعْتَكَفَ ثَلاثِينَ يَوْمًا مِن شَهْرَيْن جاز، فتَدْخُلُ فيه اللَّيالِى؛ لأنَّ الشَّهْرَ عِبارَةٌ عنهما، ولا يُجْزِئُه أقَلُّ مِن ذلك، وإن قال: للهِ عَلَىَّ 38 أن أعْتَكِفَ أيامَ هذا الشهْرِ، أو لَيالِى هذا الشهْرِ.
لَزِمَه ما نَذَر، ولم يَدْخُلْ فيه غيرُه، وكذلك إن قال: شَهْرًا في النَّهارِ، أو في اللَّيْلِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 593

وَإِنْ نَذَرَ أَيَّامًا مَعْدُودَةً، فَلَهُ تَفْرِيقُهَا، إلَّا عِنْدَ الْقَاضِى،

1120 - مسألة: (وإن نَذَر أيَّامًا مَعْدُودَةً، فله تَفْرِيقُها، إلَّا عند القاضِى)

إذا قال: للهِ عَلَىَّ أن أعْتَكِفَ ثَلاِثين يَوْمًا.
يَلْزَمُه التَّتابُعُ، كما لو نَذَر شَهْرًا مُطْلَقًا.
وقال أبو الخَطّابِ: لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ اللَّفْظَ يَقتَضِى تَناوُلَه، والأيامُ المُطْلَقَةُ تُوجَدُ بدونِ التَّتابُعِ، فلا يَلْزَمُه، كما لو نَذَر صَوْمَ ثَلاثِين يَوْمًا، فعلى قَوْلِ القاضى، تَدْخُلُ فيه اللَّيالِى الدّاخِلَةُ في الأيَّامِ المَنْذُورَةِ، كما لو نَذَر شَهْرًا، ومَن لم يُوجِبِ التَّتابُعَ لا يُدْخِلُ اللَّيْلَ فيه، إلَّا أن يَنْوِيَه، فإن نَوى التَّتابُعَ، أو شَرَطَه، وَجَب.

الحديث: 1120 - الجزء: 7 - الصفحة: 594

وإِنْ نَذَرَ أيَّامًا أوْ لَيَالِىَ مُتَتَابِعَةً، لَزِمَهُ مَا يَتَخَلَّلُهَا مِنْ لَيْلٍ أو نَهَارٍ.

1121 - مسألة: (وإن نَذَرَ أيَّامًا أو لَيالِىَ مُتَتابِعَةً، لَزِمَه ما يَتَخَلَّلُها مِن لَيْلٍ أو نَهارٍ)

متى شَرَط التَّتابُعَ في نَذْرِه، أو نَواه، دَخَل الليلُ 39 فيه، ويَلْزَمُه ما بينَ الأيّامِ مِن اللَّيالِى، وإن نَذَر اللَّيالِىَ لَزِمَه ما بينَها مِن الأيّامِ حَسْبُ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُه مِن اللَّيالِى بعَدَدِ الأيَّامِ إذا كان على وَجْهِ الجَمْعِ أو التَّثْنِيَةِ، يدخُلُ فيه مِثْلُه مِن اللَّيالِى، واللَّيالِى تَدْخُلُ معها الأيَّامُ، بدَلِيلِ قَوْلِه تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ 40. وقال في مَوْضِع آخَرَ: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ 41. ولَنا، أنَّ اليومَ اسمٌ لبَياضِ النَّهارِ، واللَّيْلَةَ اسْمٌ لسَوادِ اللَّيْلِ، والتَّثْنِيَةُ والجَمْعُ تَكْرارٌ للواحِدِ، وإنَّما تَدْخُلُ اللَّيالى تَبَعًا لوُجُوبِ التَّتابُعِ ضِمْنًا، وبهذا يحصُلُ ما بينَ الأيَّام خاصَّةً، فاكْتُفِىَ به.
وأمّا

الحديث: 1121 - الجزء: 7 - الصفحة: 595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الآيَةُ، فإنَّ اللهَ تعالى نصَّ على الليلِ في موضعٍ، والنَّهارِ في مَوْضِعٍ، فصارَ مَنْصُوصًا عليهما.
فعلى هذا إنْ نَذَر اعْتِكافَ يَوْمَيْن مُتَتابِعَيْن، لَزِمَه يَوْمان ولَيْلَةٌ بينَهما، وإن نَذَر اعْتِكافَ يَوْمَيْن مُطْلَقًا، فكذلك عند القاضى.
وكذلك لو نَذَر اعْتِكافَ لَيْلَتَيْن، لَزِمَه اليَوْمُ الذى بَيْنَهُما عند القاضِى.
وعند أبى الخَطّابِ لا يَلْزَمُه ما بينَهما، إلَّا بلَفْظٍ، أو بِنِيَّةٍ.
ويَتَخَرَّجُ أنَّه إذا نَذَر اعْتِكافَ يَوْمَيْن مُتَتابِعَيْن، أن لا تَلْزَمَه اللَّيْلَةُ التى بينَهما، كاللَّيْلَةِ التى قَبْلَهما، وكذلك إذا نَذَر اعْتِكافَ لَيْلَتَيْن لا يَلْزَمُه اليومُ الذى بينَهما، كاليَوْمِ الذى قَبْلَهما.
اخْتارَه الشَّيْخُ أبو حَكِيمٍ.
فصل: وإن نَذَر اعْتِكافَ يَوْمٍ، لَزِمَه أن يَدْخلَ مُعْتَكَفَه قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، ويَخْرُجَ منه بعدَ غُرُوبِ الشَّمسِ.
وقال مالِكٌ: يَدْخُلُ مُعْتَكَفَه قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، ويَخْرُجُ منه بعدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِن لَيْلَةِ ذلك اليَوْمِ.
كقَوْلِنا في الشَّهْرِ؛ لأنَّ اللَّيْلَ يَتْبَعُ النَّهارَ، بدَلِيلِ ما لو كان مُتَتابِعًا.
ولنا، أنَّ اللَّيْلَةَ ليست مِن اليَوْمِ، وهى مِن الشَّهْرِ، قال الخَلِيلُ: اليَوْمُ اسمٌ لما بينَ طُلُوعِ الفَجْرِ وغُرُوبِ الشَّمْسِ.
وإنَّما دَخَل الليْلُ في المُتَتابِعِ ضِمْنًا، ولَهذا خَصصْناه بما بينَ الأيّامِ.
وإن نَذَر اعْتِكافَ لَيْلَةٍ، لَزِمَه دُخولُ مُعْتَكَفِه قبلَ غُروبِ الشَّمْسِ، ويَخْرُجُ منه بعدَ طُلوعِ الفَجْرِ، وليس له تَفْرِيقُ الاعْتِكافِ.
وظاهِرُ كلامِ الشافعىِّ، جَوازُ التَّفْرِيقِ قِياسًا على الشَّهْرِ.
ولنا، أنَّ إطْلاقَ اليَوْمِ يُفْهَمُ منه التَّتابُعُ، فلَزِمَه، كما لو قال: مُتَتابِعًا.

الجزء: 7 - الصفحة: 596

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وفارَقَ الشَّهْرَ، فإنَّه اسْمٌ لما بينَ هِلالَيْن، واسْمٌ لثَلاِثين يَوْمًا، واليَوْمُ لا يَقَعُ في الظّاهِرِ إلَّا على ما ذَكَرْنا.
وإن قال في وَسَطِ النَّهارِ: للهِ عَلَىَّ أن أعْتَكِفَ يَوْمًا مِن وَقْتِى هذا.
لَزِمَه الاعْتِكافُ مِن ذلك الوَقْتِ إلى مثْلِه، ويدخلُ فيه اللَّيْلُ؛ لأَنَّه في خلالِ نَذْرِه، فصارَ كما لو نَذَر يَوْمَيْن مُتَتابِعَيْن، وإنَّما لَزِمَه بَعْضُ يَوْمَيْن لتَعْيِينِه ذلك بنَذْرِه، فعَلِمْنا أنَّه أرادَ ذلك، ولم يُرِد يومًا صَحِيحًا.
فصل: وإن نَذَر اعْتِكافًا مُطْلَقًا، لَزِمَه ما يُسَمَّى به مُعْتَكِفًا، ولو ساعَةً مِن لَيْلٍ أو نَهارٍ، إلَّا على قَوْلِنا بوُجُوبِ الصَّوْمِ في الاعْتِكافِ، فيَلْزَمُه يَوْمٌ كامِلٌ، فأمّا اللَّحْظَةُ، وما لا يُسَمَّى به مُعْتَكِفًا، فلا يُجْزِئُه على الرِّوايَتَيْن جَمِيعًا.
فصل: إذا نَذَر اعْتِكافَ يَوْمِ يَقْدَمُ فلانٌ، صَحَّ نَذْره، فإنَّ ذلك مُمْكِنٌ، فإن قَدِمَ في بَعْضِ اِلنَّهارِ، لَزِمَه اعْتِكافُ الباقِى منه، ولم يَلْزَمْه قَضاءُ ما فات، لأنَّه فات قبلَ شرْطِ الوُجُوبِ فلم يَجِبْ، كما لو نَذَر اعْتِكافَ زَمَنٍ ماضٍ، لكِنْ إن قُلْنا: شَرْطُ صِحَّةِ الاعْتِكافِ الصَّوْمُ.
لَزِمَه قَضاءُ يَوْمٍ كامِلٍ، لأنَّه لا يُمْكِنُه أن يَأتِىَ بالاعْتِكافِ في الصَّوْمِ فيما بَقِىَ مِن النَّهارِ، ولا قَضاؤُه مُمَيَّزًا ممّا قبله، فَلَزِمَه يَوْمٌ كامِلٌ ضَرُورَةً، كما لو نَذَر صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلانٌ.
ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَه اعْتِكافُ ما بَقِىَ منه إذا كان

الجزء: 7 - الصفحة: 597

فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ؛ كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَالطَّهَارَةِ، وَالْجُمُعَةِ، وَالنَّفِيرِ الْمُتَعَيِّنِ، وَالشَّهَادَةِ الْوَاجِبَةِ، وَالْخَوْفِ مِنْ فِتْنَةٍ، أوْ مَرَض، وَالْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ، وَعِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَنَحْوِهِ.
صائِمًا؛ لأنَّه قد وُجِد اعْتِكافٌ مع الصَّوْمِ.
وإن قدِم لَيْلًا لم يَلْزَمْه شئٌ؛ لأنَّ ما الْتَزَمَه بالنَّذْرِ لم يُوجَدْ، فإنْ كان للنَّاذِرِ عُذْرٌ يَمْنَعُه الاعْتِكافَ عند قدُومِ فلانٍ؛ مِن حَبْسٍ أو مَرَضٍ، [قَضَى وكَفَّرَ] 42، لِفَواتِ النَّذْرِ في وَقْتِه، ويَقْضِى بَقِيَّةَ اليَوْمِ فقط؛ لأنَّه الذى كان يَلْزَمُ في الأداءِ، على الروايَةِ المنصورةِ، وفى الأُخْرَى يَقْضِى يَوْمًا كامِلًا، بناءً على اشْتِراطِ الصَّوْمِ في الاعْتِكافِ.
فصل: قال الشَّيْخُ، رحمه الله: (ولا يَجُوزُ للمُعْتَكِفِ الخُرُوجُ إلّا لما لا بدَّ له منه؛ كحاجَةِ الإِنْسانِ، والطَّهارَةِ، والجُمُعَةِ، والنفِيرِ المُتَعَيِّنِ، والشَّهادَةِ الواجِبَةِ، والخَوْفِ مِن فِتْنَةٍ، أو مَرَضٍ، والحَيْضِ، والنَّفاسِ، وعِدَّةِ الوَفاةِ، ونَحْوِه) وجُمْلَتُه، أنَّه ليس للمُعْتَكِفِ الخُرُوجُ

الجزء: 7 - الصفحة: 598

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن مُعْتَكَفِه، إلَّا لما لا بدَّ منه، قالت عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها وعن أبِيها: السُّنَّةُ للمُعْتَكِفِ أن لا يَخْرُجَ إلَّا لما لا بدَّ منه.
رَواه أبو داود 43. وقالت أيْضًا: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا اعْتَكَفَ يُدْنِى إلىَّ رَأسَه فأُرَجِّلُه، وكان لا يَدْخُلُ البَيْتَ إلاَّ لحاجةِ الإِنسانِ.
مُتَّفَقٌ عليه 44 ولا خِلافَ في أنَّ له الخُرُوجَ لما لا بدَّ منه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ للمُعْتَكِفِ أن يَخْرُجَ مِن مُعْتَكَفِه للغائِطِ والبَوْلِ.
ولأنَّ هذا لا يُمْكِنُ فِعْلُه في المَسْجِدِ، ولو بَطَل الاعْتِكافُ بالخُروجِ إليه لم يَصِحَّ لأحَدٍ اعْتِكافٌ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَعْتَكِفُ، وقد عَلِمْنا أنَّه كان يَخْرُجُ لقَضاءِ حاجَتِه، والمُرادُ بحاجَةِ الإِنْسانِ البَوْلُ والغائِطُ، كَنَى بذلك عنهما؛ لأنَّ كل إنْسانٍ يحْتاجُ إلى فِعْلِهِما.
وفى مَعْناه الحاجَةُ إلى المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، إذا لم يَكُنْ له مَن يَأْتِيه به، فله الخُرُوجُ إليه عندَ الحاجَةِ إليه، وإنْ بَغَتَه القَىْءُ، فله أن يَخْرُجَ ليَتَقَيَّأَ خارِجَ المَسْجِد، وكُلُّ ما لا بُدَّ له منه، ولا يُمْكِنُ فِعْلُه في المَسْجِدِ، فله الخُرُوجُ إليه، ولا يَفْسُدُ اعْتِكافُه وهو عليه، ما

الجزء: 7 - الصفحة: 599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لم يُطِلْ.
وكذلك له الخُروجُ إلى ما أوْجَبَه اللهُ تعالى عليه؛ مثلَ مَن يَعْتَكِفُ في مَسْجِدٍ لا جُمُعَةَ فيه، فيَحْتاجُ إلى الخُرُوجِ لصلاةِ الجُمُعَةِ، ولا يَبْطُلُ اعْتِكافُه به.
وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ.
وقال الشافعىُّ في مَن نَذَر اعْتِكافًا متَتابِعًا، فخَرَجَ منه لصلاةِ الجُمُعَةِ: بَطَل اعْتِكافُه، وعليه الاسْتِئْنافُ؛ لأنَّه أمْكَنَه فَرْضُه بحيث لا يَخْرُجُ منه، فبَطَلَ بالخُرُوجِ، كالمُكَفِّرٍ إذا ابْتَدَأ صَوْمَ الشَّهْرَيْن المُتَتابِعَيْن في شعبانَ، أو ذِى الحِجَّةِ.
ولَنا، أنَّه خرَج لواجِبٍ، فلم يَبْطُلِ اعْتِكافُه، كالمُعْتَدَّةِ تَخْرُجُ لقَضاءِ العِدَّةِ، وكالخارِجِ لإِنْقاذِ غَرِيقٍ، وإطْفاء حَرِيقٍ، وأداءِ شَهادَةٍ تعَيَّنَتْ عليه، ولأنَّه إذا نَذَر أيَامًا فيها جُمُعَةٌ، فكأنَّه اسْتَثْنَى الجُمُعَةَ بلَفْظِه، ثم يَبْطُلُ بما إذا نَذَرَتِ المرأةُ أيَّامًا فيها عادَةُ حَيْضِها، فإنَّه يَصِحُّ مع إمْكانِ فَرْضِها في غيرِها، والأصْلُ مَمْنُوعٌ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا خَرَج لواجِبٍ، فهو على اعْتِكافِه ما لم يُطِلْ؛ لأنَّه خُرُوجٌ لا بُدّ منه، أشْبَهَ الخُرُوجَ لحاجَةِ الإنْسانِ.
فإن كان خُرُوجُه لصلاةِ الجُمُعَةِ فله أن يتَعَجَّلَ.
قال الإِمامُ أحمدُ: أرْجُو أن يكونَ له؛ لأنَّه خرُوجٌ جائِزٌ، فجازَ تعْجيلُه، كالخرُوجِ لِحاجَةِ الإَنسانِ.
فإذا صَلَّى الجُمُعَة، فأحَبَّ أن يَعْتَكِفَ في الجامِعِ، فله ذلك؛ لأنه مَحَلٌّ للاعْتِكافِ، والمَكانُ لا يَتَعَيَّنُ للاعْتِكافِ بتَعْيِينِه، فمع عَدَمِ ذلك أوْلَى.

الجزء: 7 - الصفحة: 600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن أحَبَّ الرُّجُوعَ إلى مُعْتَكَفِه، فله ذلك، كما لو خَرَج إلى غيرِ الجُمُعَةِ.
قال بعضُ أصْحابِنا: يُسْتَحَبُّ له الإِسْراعُ إلى مُعتَكَفِه.
وقال أبو داودَ: قلتُ لأحمدَ: يَرْكَعُ، يَعْنِى المُعْتَكِفَ، يَوْمَ الجُمُعَة بعدَ الصلاةِ في المَسْجِدِ؟ قال: نعم، بقَدْرِ ما كان يَرْكَعُ.
قال شَيْخُنَا 45، رَحِمَه اللهُ: ويَحْتَمِلُ أن تكونَ الخِيَرَةُ إليه في تَعْجِيلِ الرُّجُوعِ وتَأْخِيرِه؛ لأنَّه في مكانٍ يَصْلُحُ للاعْتِكافِ، فأشْبَهَ ما لو نَوَى الاعْتِكافَ فيه.
فأمّا إن خَرَج ابْتِداءً إلى مَسْجِدٍ آخَرَ، أو إلى الجامِعِ مِن غيرِ حاجَةٍ، أو كان المسجدُ أبْعَدَ مِن مَوْضِعِ حاجَتِه فمَضَى إليه، لم يَجُزْ له ذلك؛ لأنَّه خُرُوجٌ لغيرِ حاجَةٍ، أشْبَهَ ما لو خَرَج لغيرِ المَسْجِدِ، فإن كان المَسْجِدانِ مُتَلاصِقيْن، يَخْرُجُ مِن أحَدِهما فيَصِيرُ في الآخَرِ، فله الانْتِقالُ مِن أحَدِهما إلى الآخَرِ؛ لأنَّهما كمسجدٍ واحِدٍ، يَنْتَقِلُ مِن إحْدَى زاوِيَتَيْه إلى الأُخْرَى.
وإن كان يَمْشِى بينَهما في غيرِهما، لم يَجُزْ له الخُرُوجُ وإن قرُبَ؛ لأَنَّه خُرُوجٌ مِن المسْجِدِ لغيرِ حاجَةٍ.

الجزء: 7 - الصفحة: 601

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا خَرَج لما لا بُدَّ منه، فليس عليه أن يَتَعَجَّلَ في مَشْيِه، لكن يَمْشِى على حَسَبِ عادَتِه؛ لأنَّ عليه مَشَقَّةً في إلْزامِه غيرَ ذلك، فليس له الإِقامَةُ بعد قَضاءِ حاجَتِه لأكْلٍ ولا لغيرِه.
وقال ابنُ حامِدٍ: يجوزُ أن يَأْكُلَ اليَسِيرَ في بَيْتِه، كاللُّقْمَةِ والثَّنْتَيْن، ولا يَأْكُلُ جَمِيعَ أكْلِه.
وقال القاضى: يَتَوَجَّهُ أنَّ له الأكْلَ في بَيْتِه، والخُرُوجَ إليه ابْتِداءً؛ لأنَّ الأكْلَ في المَسْجِدِ دَناءَةٌ، وقد يُخْفِى جِنْسَ قُوتِه عن النّاسِ، وقد يكونُ في المَسْجِدِ غيرُه فيَسْتَحِى منه أن يَأْكُلَ دُونَه، وإنْ أطْعَمَه لم يَكْفِهِما.
ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ لا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلّا لحاجَةِ الإِنْسانِ.
وهذا كِنايَةٌ عن الحَدَثِ، ولأنَّه خُرُوجٌ لما له منه بُدٌّ، ولُبْثٌ في غيرِ مُعْتَكَفِه لما له منه بُدٌّ، فأبْطَلَ الاعْتِكَافَ، كمُحادَثَةِ أهلِه، وما ذَكَرَه القاضِى ليس بعُذْرٍ يُبيحُ الخُرُوجَ ولا الإِقامَةَ، ولو ساغ ذلك لساغ الخُرُوجُ للنَّوْمِ وأشْباهِه.

الجزء: 7 - الصفحة: 602

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإنْ خَرَجَ لحاجَةِ الإِنْسانِ، وبقُرْبِ المَسْجِدِ سِقايَةٌ أقْرَبُ مِن مَنْزِلِه لا يَحْتَشِمُ مِن دُخُولِها، ويُمْكِنُه التنَّظُّفُ فيها، لم يكُنْ له المُضِىُّ إلى مَنْزِلِه؛ لأنَّ له مِن ذلك بُدًّا.
وإن كان يَحْتَشِمُ مِن دُخُولِها، أو فيه نَقِيصَةٌ عليه، أو مُخالَفَةٌ لعادَتِه، أو لا يُمْكِنُه التَّنَظُّفُ فيها، فله المُضِىُّ إلى مَنْزِلِه، لما عليه مِن المَشَقَّةِ في تَرْكِ المُرُوءَةِ.
وكذلك إن كان لَه مَنْزِلانِ، أحَدُهما أقْرَبُ مِن الآخَرِ، يُمْكِنُه الوُضُوءُ في الأقْرَبِ بلا ضَرَرٍ، فليس له قَصْدُ الأبعَدِ.
وإن بَذَل له صَدِيقُه أو غيرُه الوَضُوءَ في مَنْزِلِه القَرِيبِ، لم يَلْزَمْه؛ لِما عليه مِن المَشَقَّةِ بتَرْكِ المُرُوءَةِ والاحْتِشامِ مِن صاحِبِه.
قال المَرُّوذِىُّ: سَألْتُ أبا عبدِ الله عِن الاعْتِكافِ في المَسْجِدِ الكَبِيرِ، أعْجَبُ إليك أو مَسْجِدِ الحَىِّ؟ قال: المَسْجِدُ الكَبِيرُ.
وأرْخَص لي أن أعْتَكِفَ في غيرِه.
قلت: فَأيْنَ تَرَى أن أعْتَكِفَ، في هذا الجانِبِ، أو في ذلك الجانِبِ؟ قال: في ذاك الجانِبِ، هو أصْلَحُ مِن أجْلِ السِّقايَةِ.
قلتُ: فمَن اعْتَكَفَ في هذا الجانِبِ تَرَى أن يَخْرُجَ إلى الشَّطِّ يَتَهَيّأُ؟ قال: إذا كان له حاجَةٌ لا بدَّ له مِن ذلك.
قلتُ: يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ في المَسْجِدِ؟ قال: لا يُعْجِبُنِى أن يَتَوَضَّأَ في المَسْجِدِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 603

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا احْتِيجَ إليه في النَّفِيرِ، إذا عَمَّ، أو حَضَر عَدُوٌّ يَخافُون كَلَبَه 46، واحْتِيجَ إلى خُرُوجِ المُعْتَكِفِ، لَزِمَه الخُرُوجُ؛ لأنَّه واجِبٌ مُتَعَيِّنٌ، فكان عليه الخُرُوجُ إليه، كالخُرُوجِ إلى الجُمُعَةِ.
وكذلك الشَّهادَةُ الواجِبَةُ عليه؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن وَقَعَتْ فِتْنَةٌ خاف منها على نَفْسِه إذا قام في المَسْجِدِ، أو على مالِه، أو خاف نَهْبًا، أو حَرِيقًا، فله تَرْكُ الاعْتِكافِ، والخُرُوجُ؛ لأنَّ هذا ممَّا أباحَ اللهُ تعالى لأجْلِه تَرْكَ الواجِبِ بأصْلِ الشَّرْعِ، وهو الجُمُعَةُ، فأوْلَى أنْ يُباحَ لأجْلِه تَرْكُ ما أوْجَبَه على نَفْسِه، وكذلك إن تَعَذَّرَ عليه المُقامُ في المَسْجِدِ؛ لمَرَضٍ لا يُمْكِنُه المُقامُ معه، كالقِيامِ المُتدارَكِ، أو سَلَسِ البَوْلِ، أو الإِغْماءِ، أو لا يُمْكِنُه المُقامُ إلَّا بمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، مثلَ أن يحتاجَ إلى خِدْمَةٍ وفِراشٍ، فله الخُرُوجُ.
وإن كان المَرَضُ خَفِيفًا؛ كالصُّداعِ، ووَجَعِ الضِّرْسِ ونَحْوِه، فليس له الخُرُوجُ، فإن خَرَج بَطَل اعْتِكافُه؛ لأنَّه خُرُوجٌ لما له منه بُدٌّ.

الجزء: 7 - الصفحة: 604

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن حاضَتِ المُعْتَكِفَةُ، أو نَفِسَتْ، وَجَب عليها الخُرُوجُ مِن المَسْجِدِ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه حَدَثٌ يَمْنَعُ اللُّبْثَ في المَسْجِدِ.
وعن عائِشَةَ، رَضِى اللهُ عنها، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ، وَلَا جُنُبٍ».
رَواه أبو داودَ 47. والنِّفاسُ في مَعْنَى الحَيْضِ، فثَبَتَ فيه حُكْمُه.
قال الخِرَقِىُّ: تَخْرُجُ مِن المَسْجِدِ، وتَضْرِبُ خِباءً في الرَّحْبَةِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 605

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هذا إن كان للمَسْجدِ رَحْبَةٌ، فإن لم يكُنْ رَجَعَتْ إلى بَيْتِها، فإذا طَهُرَتْ عادَتْ فأتَمَّتِ اعْتِكَافَها وقَضَتْ ما فاتَها، ولا كَفّارَةَ عليها؛ لأنَّه خُروجٌ مُعْتادٌ، أشْبَهَ الخُرُوجَ للجُمُعَةِ.
وإن كان للمَسْجِدِ رَحْبَةٌ خارِجَة مِن المَسْجِدِ يُمْكِنُ ضَرْبُ خِبائِها فيه، ضَرَبَتْ خِباءَها فيه مُدَّةَ حَيْضِها.
وهو قَوْلُ أبى قِلابةَ.
وقال النَّخعِىُّ: تَضْرِبُ فُسْطاطَها في دارِها، فإذا طَهُرَتْ قَضَتْ تِلْكَ الأيَّامَ، وإن دَخَلَتْ بَيْتًا أو سَقْفًا اسْتَأْنَفَتْ.
وقال الزُّهْرِىُّ، وعَمْرُو بنُ دِينارٍ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ: تَرْجِعُ إلى مَنْزِلِها؛ لأنَّه وَجَب عليها الخُرُوجُ مِن المَسْجِدِ، فلم تَلْزَمْها الإِقامَةُ في رَحْبَتِه، كالخارِجَةِ لعِدَّةٍ، أو خوْفِ فِتْنَةٍ.
ووَجْهُ قَوْل الخِرَقِىِّ ما روَى المِقْدامُ بنُ شُرَيْحٍ، عن عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: كُنَّ المُعْتَكِفاتُ 48 إذا حِضْنَ أمَر رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بإخْراجهِنَّ مِن المَسْجِدِ، وأن يَضْرِبْنَ الأخْبِيَةَ في رَحْبَةِ المَسْجِدِ.
رَواه أَبو حَفْصٍ 49 بإسْنادِه.
وفارَقَ المُعْتَدَّةَ، فإنَّ خُرُوجَها

الجزء: 7 - الصفحة: 606

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لتَعْتَدَّ في بَيْتِها وتُقِيمَ فيه، ولا يَحْصُلُ ذلك مع الكَوْنِ في الرَّحْبَةِ، وكذلك الخائِفَةُ مِن الفِتْنَةِ خُرُوجُها لِتَسْلَمَ منها، فلا تُقِيمُ في مَوْضِعٍ لا تَحْصُلُ السَّلامَةُ بالإِقامَةِ فيه.
قال 50: والظّاهِرُ أنَّ إقامَتَها في الرَّحْبَةِ مُسْتَحَبَّةٌ، وليس بواجِبٍ.
وإن لم تُقِمْ في الرَّحْبَةِ رَجَعَتْ إلى مَنْزِلِها أو غيرِه، ولا شئَ عليها إلَّا القَضاءَ لأيامِ حَيْضِها، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا إلَّا قولَ إبراهيمَ، وهو تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عليه.
فصل: فأمّا الاسْتِحاضَةُ فلا تَمْنَعُ الاعْتِكافَ؛ لكَوْنِها لا تَمْنَعُ الصلاةَ، وقد قالت عائِشَةُ، رضى اللهُ عنها: اعْتَكَفَتْ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - امرأةٌ مِن أزْواجِه مُسْتَحاضَةٌ، فكانت تَرَى الحُمْرَةَ والصُّفْرَةَ، ورُبَّما وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَها وهى تُصَلِّى.
أخْرَجَه البخارىُّ 51. ويَجِبُ عليها أن تَتَحَفَّظَ وتَتَلَجَّمَ، لئَلَّا تُلَوِّثَ المَسْجدَ، فإن لم يُمْكِنْ صِيانَتُه منها خَرَجَتْ مِن المَسْجِدِ؛ لأنَّه عُذْرٌ وخُرُوجٌ لحِفْظِ المَسْجِدِ مِن نَجاسَتِها، أشْبَهَ الخُرُوجَ لقَضاءِ الحاجَةِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 607

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والمُتَوَفَّى عنها يَجِبُ عليها أن تَخْرُجَ لقَضاءِ العِدَّةِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال رَبِيعَةُ، ومالكٌ، وابنُ المُنْذِرِ: تَمْضِى في اعْتِكافِها، حتى تَفْرَغَ منه، ثم تَرْجِعُ إلى بَيْتِ زَوْجِها فتَعْتَدُّ فيه؛ لأنَّ الاعْتِكافَ المَنْذُورَ واجِبٌ، والاعْتِدادَ في البَيْتِ واجِبٌ، فقد تعارَضَ واجِبانِ، فيُقَدَّمُ أسْبَقُهما.
ولنا، أنَّ الاعْتِدادَ في بَيْتِ زَوْجِها واجِبٌ، فلَزِمَها الخُرُوجُ إليه، كالجُمُعَةِ في حَقِّ الرجلِ.
ودَلِيلُهم يَنْتَقِضُ بالخُرُوجِ إلى الجُمُعَةِ وسائِرِ الواجِباتِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 608

وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً، إِلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ، فَيَجُوزُ.
وَعَنْهُ، لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.

1122 - مسألة: (ولا يَعُودُ مَرِيضًا، ولا يَشْهَدُ جِنازَةً، إلَّا أن يَشْتَرِطَه، فيَجُوزُ. وعنه، له ذلك مِن غير شَرْطٍ)

اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن الإمامِ أحمدَ في الخُرُوجِ لعِيادَةِ المَرِيضِ وشُهُودِ الجِنازَةِ، مع عَدَمِ الشَّرْطِ، فرُوِىَ عنه، ليس له فِعْلُه.
ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وهو قولُ عَطاءٍ، وعُرْوَةَ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِىَّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ.
وعنه، أنَّ له عِيادَةَ المَرِيضِ، وشُهُودَ الجِنازَةِ، ثم يعودُ إلى مُعْتَكَفِه.
نَقَلَها عنه الأثْرَمُ، ومحمدُ بنُ الحَكَمِ.
وهو قولُ علىٍّ.
وبه قال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، والحَسَنُ؛ لما روَى عاصِمُ بنُ ضَمْرَةَ، عن علىٍّ، قال: إذا اعْتَكَفَ الرجلُ فَلْيَشْهَدِ الجُمُعَةَ، ولْيَعُدِ المَرِيضَ، ولْيَحْضُرِ الجنازَةَ، وَلْيَأْتِ أهْلَهُ، وَلْيَأْمُرْهم بالحاجَةِ وهو قائِمٌ.
رَواه الإِمامُ أَحمدُ،

الحديث: 1122 - الجزء: 7 - الصفحة: 609

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والأثْرَمُ 52. قال أحمدُ: عاصِمُ بنُ ضَمْرَةَ 53 عندِى حُجَّةٌ.
ووَجْهُ الأُولَى ما رُوِىَ عن عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا اعْتَكَفَ لا يَدْخُلُ البَيْتَ إلَّا لحاجَةِ الإِنْسانِ.
مُتَّفَقٌ عليه 54. وعنها أنَّها قالت: السُّنَّةُ على المُعْتَكِفِ، أن لا يَعُودَ مَرِيضًا، ولا يَشْهَدَ جِنازَةً، ولا يَمَسَّ امرأةً، ولا يُباشِرَها، ولا يَخْرُجَ لحاجَةٍ إلَّا لِما لا بدَّ منه 55. وعنها قالت: كان النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَمُرُّ بالمَرِيضِ، وهو مُعْتَكِفٌ، فيَمُرُّ كما هو، ولا يُعَرِّجُ يَسْألُ عنه.
رَواهما أبو داودَ 56. ولأَنَّ هذا ليس بواجِبٍ، فلا يَجُوزُ تَرْكُ الاعْتِكافِ الواجِبِ له، كالمَشْىِ في حاجَةِ أخِيهِ ليَقْضِيَها، فإن تَعَيَّنَتْ عليه صلاةُ الجِنازَةِ، فأمْكَنَه فِعْلُها في المَسْجِدِ، لم يَجُزِ الخُرُوجُ إليها، وإن لم يُمْكِنْه ذلك، فله الخُرُوجُ إليها، وإن تَعَيَّن عليه دَفْنُ المَيِّتِ أو تَغْسِيلُه فله الخُرُوجُ؛ لأنَّ هذا واجِبٌ مُتَعَيِّنٌ، فيُقَدَّمُ على الاعْتِكافِ، كصلاةِ الجُمُعَةِ.
فصل: فأمّا إن كان تَطَوُّعًا، فأحَبَّ الخُرُوجَ منه لعيادَةِ مَرِيضٍ،

الجزء: 7 - الصفحة: 610

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو شُهُودِ جنازَةٍ، جاز؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما تَطَوُّعٌ، فلا يَتَحَتَّمُ واحِدٌ منهما، لكَنَّ الأفْضَلَ المُقامُ على اعْتِكافِه؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَكُنْ يُعَرِّجُ على المَريضِ، ولم يَكُنْ الاعْتِكافُ واجِبًا عليه.
فصل: فإن شَرَط فِعْلَ ذلك في الاعْتِكافِ، فله فِعْلُه، واجِبًا كان الاعتكافُ أو تَطَوُّعًا.
وكذلك ما كان قُرْبَةً، كزِيارةِ أهلِه، أو رجلٍ صالِحٍ، أو عالِمٍ، وكذلك ما كان مُباحًا، ممّا يَحْتاجُ إليه، كالعَشاءِ في مَنْزلِه، والمَبِيتِ فيه، فله فِعْلُه.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ الله يُسْألُ عن المُعْتَكِف يَشْتَرِطُ أن يَأْكُلَ في أهْلِه؟ قال: فإنِ اشْتَرَط فنعم.
قُلْتُ له: فيَبِيتُ في أهلِه؟ قال: إذا كان تَطَوُّعًا جاز.
وممَّن أجاز أن يَشْتَرِطَ العَشاءَ في أهْلِه الحَسَنُ، والعلاءُ بنُ زِيادٍ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ.
ومَنَع منه أبو مِجْلَزٍ، ومالِكٌ، والأوْزاعِىُّ.
قال مالكٌ: لا يَكُونُ في الاعْتِكافِ شَرْطٌ.
ولنا، أنَّه يَجِبُ بعَقْدِه، فكان الشَّرْطُ إليه فيه، كالوقفِ، ولأنَّ الاعْتِكافَ لا يَخْتَصُّ بقَدْرٍ، وإذا شَرَط الخُرُوجَ فكَأنَّه نَذَر القَدْرَ الذى أقامَه، وإن قال: متى مَرِضْتُ أو عَرَض لى عارِضٌ خَرَجْتُ، جاز شَرْطُه.
فصل: وإن شَرَط الوَطْءَ فِى اعْتِكافِه، أو الفُرْجَةَ، أو النُّزْهَةَ، أو البَيْعَ للتجارَةِ، أو التَّكَسُّبَ بالصِّناعَةِ في المَسْجِدِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ هذا يُنافِى الاعْتكافَ، أشْبَهَ إذا شَرَط تَرْكَ الإِقامَةِ في المَسْجِدِ، ولأنَّ اللهَ تعالى

الجزء: 7 - الصفحة: 611

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ 57. فاشْتِراطُ ذلك كاشْتِراطِ المَعْصِيَةِ، والصِّناعَة في المَسْجِدِ مَنْهِىٌّ عنها في غيرِ الاعْتِكافِ، ففى الاعْتِكافِ أوْلَى، وسائِرُ ما ذَكَرْنا يُشْبِهُ ذلك، ولا حاجَةَ إليه.
وإنِ احْتاجَ إليه فلا يَعْتَكِفُ؛ لأَنَّ تَرْكَ الاعْتِكافِ أوْلَى مِن فِعْلِ المَنْهِىِّ عنه.
قال أبو طالِبٍ: سَألْتُ أحمدَ عن المُعْتَكِفِ يَعْمَلُ عَمَلَه مِن الخَيّاطِ وغيرِه؟ قال: ما يُعْجبُنِى أن يَعْمَلَ.
قلتُ: إن كان يَحْتاجُ؟ قال: إن كان يَحْتاجُ لا يَعْتَكِفُ.
فصل: وللمُعْتَكِفِ صُعُودُ سَطْحِ المَسْجِدِ؛ لأنَّه مِن جُمْلَتِه، ولهذا يُمْنَعُ الجُنُبُ مِن اللُّبْثِ فيه.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ.
لا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا، ويَجُوزُ أن يَبِيتَ فيه.
فصل: ورَحْبَةُ المَسْجِدِ ليستْ منه، في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِىِّ.
فعلى هذا ليس للمُعْتَكِفِ الخُرُوجُ إليها.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على هذا.
وروَى المَرُّوذِىُّ، أنَّ المُعْتَكِفَ يَخرُجُ إلى رَحْبَةِ المَسْجِدِ، هى مِن المَسْجِدِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 612

وَلَهُ السُّؤَالُ عَنِ الْمَرِيضِ فِى طَرِيقِهِ مَا لَمْ يُعَرِّجْ،  وجَمَع القاضى بينَ الرِّوايَتَيْن، فقال: إن كان عليها حائِطٌ وبابٌ فهى كالمَسْجِدِ؛ لأنَّها معه وتابِعَةٌ له، وإن لم تَكُنْ مَحُوطَةً لم يَثْبُتْ لها حُكْمُ المَسْجِدِ.
فإن خَرَج إلى مَنارَةٍ خارجَ المَسْجِدِ، فَسَد اعْتِكافُه.
قال أبو الخَطّابِ: ويَحْتَمِلُ أن لا يَبْطُلَ؛ لأنَّ مَنارَةَ المَسْجِدِ كالمُتَّصِلَةِ به.

1123 -

مسألة: (وله السُّؤالُ عن المَرِيضِ في طَرِيقِه ما لم يُعَرِّجْ)

لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَفْعَلُه.
ورَوَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: إن كنتُ لأدْخُلُ البَيْتَ للحاجَةِ، والمَرِيضُ فيه، فما أسْألُ عنه، إلا وأنا مَارَّةٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 58. وليس له الوُقُوفُ؛ لأنَّ فيه تَرْكَ الاعْتِكافِ

الحديث: 1123 - الجزء: 7 - الصفحة: 613

وَالدُّخُولُ إِلَى مَسْجِدٍ يُتِمُّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ، فَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ خُرُوجًا مُعْتَادًا كَحَاجَةِ الإِنْسَانِ [60 ظ] وَالطَّهَارَةِ، فَلَا شَىْءَ فِيهِ وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ الْمُعْتَادِ فِى الْمُتَتَابِعِ وَتَطَاوَلَ،  (و) له (الدُّخُولُ إلى مَسْجِدٍ يُتِمُّ اعْتِكافَه فيه) لأنَّه مَحَلٌّ للاعْتِكافِ، والمكانُ لا يَتَعَيَّنُ للاعْتِكافِ بنَذْرِه وتَعْيِينِه، فمع عدمِ ذلك أوْلَى، وقد ذَكَرْنا تَفْصِيلَ ذلك.

1124 -

مسألة: (فإن خَرَج لِما لا بدَّ منه خُرُوجًا مُعْتادًا، كحاجَةِ (1) الإِنْسانِ، فلا شئَ عليه) لأنَّه لا بُدَّ له منه، فلو بَطَل اعْتِكافُه بخُرُوجِه إليه، لم يَصِحَّ لأحَدٍ الاعْتِكافُ. وقد كان النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَخْرُجُ لحاجَتِه وهو مُعْتَكِفٌ، وكذلك خُرُوجُ المرأةِ لحَيْضِها؛ لأنَّها خَرَجَتْ بإذْنِ الشَّرْعِ، ولا يَجِبُ عليها كَفّارَةٌ؛ لأنَّه خُرُوجٌ لعُذْرٍ مُعْتادٍ، أشْبَهَ الخُرُوجَ لقَضاءِ الحاجَةِ، وحُكْمُ النِّفاسِ حُكْمُ الحَيْضِ؛ لأنَّه في مَعْناه.

1125 -

مسألة: (وإن خَرَج لغيرِ المُعْتادِ في المُتتابِعِ وتَطاوَلَ،

59 الحديث: 1124 - الجزء: 7 - الصفحة: 614

خُيِّرَ بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ وإِتْمَامِهِ مَعَ كَفارَةِ يَمِين، وَإنْ فَعَلَهُ فِى مُتَعَيِّنٍ, قَضَى.
وَفِى الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ.
خُيِّرَ بينَ اسْتِئْنافِه وإتْمامِه مع كَفّارَةِ يَمِينٍ، وإن فَعَلَه في مُعَيَّنٍ قَضَى.
وفى الكفَّارةِ وَجْهان) إذا خَرَج المُعْتَكِفُ لغيرِ المُعْتادِ؛ كالخُرُوجِ إلى النَّفِيرِ المُتَعَيِّنِ، والشَّهادَةِ الواجِبَةِ، والخَوْفِ مِن الفِتْنَةِ، والمَرَضِ، وعِدَّةِ الوَفاةِ، ونَحْوِ ذلك، ولم يَتَطاوَلْ، فهو على اعْتِكافِه؛ لأنَّه خُرُوجٌ يَسِيرٌ مُباحٌ أو واجِبٌ، فلم يَبْطُلْ به الاعْتِكافُ، كحاجَةِ الإِنْسانِ، وإن تَطاوَلَ، ثم زال عُذْرُه، وكان الاعْتِكافُ تَطَوُّعًا، فهو مُخَيَّرٌ إن شاء رَجَع إلى مُعْتَكَفِه، وإن شاء لم يَرْجِعْ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ بالشُّرُوعِ.
وإن كان واجِبًا رَجَع إلى مُعْتَكَفِه، فبَنَى على ما مَضَى مِن اعْتِكافِه، ثم لا يَخْلُو مِن ثَلاَثةِ أحْوالٍ؛ أحدُها، أن يَكُونَ نَذَر اعْتِكافًا في أيَّامٍ غيرِ مُتَتابِعَةٍ ولا مُعَيَّنَةٍ، فهذا يَلْزَمُه أن يُتِمَّ ما بَقِىَ عليه، لكن يَبْتَدِئُ اليومَ الذى خَرَج فيه مِن أوَّلِه،

الجزء: 7 - الصفحة: 615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ليَكُونَ مُتَتابِعًا، ولا كَفّارَةَ عليه؛ لأنَّه أتَى بالمَنْذُورِ على وَجْهِه، فلم تَلْزَمْه كَفّارَةٌ، كما لو لم يَخْرُجْ.
الثّانِى، أن يَكُونَ مُعَيَّنًا، كشَهْرِ رمضانَ، فعليه قَضاءُ ما تَرَك، وكَفّارَةُ يَمِينٍ؛ لتَرْكِه النَّذْرَ في وَقْتِه.
وفيه وَجْهٌ آخرُ، لا كَفّارَةَ عليه.
وقد رُوِىَ ذلك عن أحمدَ.
الثّالثُ، نَذَر أيَّامًا مُتَتابِعَةً، فهو مُخيَّرٌ بينَ البِناءِ والقَضاءِ مع التَّكْفِيرِ، وبينَ الاسْتِئْنافِ، ولا كفّارةَ عليه؛ لأنَّه أتَى بالمَنْذُورِ على وَجهِه، فلم تَلْزَمْه كَفّارَةٌ، كما لو أتَى به مِن غيرِ أن يَسْبِقَه الاعْتِكافُ الذى خرَج منه.
وذَكَر الخِرَقِىُّ مثلَ هذا، قال:

الجزء: 7 - الصفحة: 616

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَن نَذَر أن يَصُومَ شَهْرًا مُتَتابِعًا فلم يُسَمِّه، فمَرِضَ في بَعْضِه، فإذا عُوفِىَ بَنَى على ما مَضَى مِن صِيامِه، وقَضَى ما تَرَكَه، وكَفَّرَ كفّارةَ يَمِينٍ، وإن أحَبَّ أتَى بشَهْرٍ مُتَتابعٍ، ولا كَفّارَةَ عليه.
وقال أبو الخَطّابِ في مَن تَرَك الصِّيامَ المَنْذُورَ لعُذْرٍ: فعن أحمدَ فيه رِوايَةٌ أُخْرَى، لا كَفّارَةَ عليه.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّ المَنْذُورَ كالمَشْرُوعِ ابْتِداءً.
ولو أفْطَرَ في رِمضانَ لعُذْرٍ لم يَلْزَمْه شئٌ، فكذلك المَنْذُورُ.
وقال القاضِى: إن خرَج لواجِبٍ، كجِهادٍ تَعَيَّنَ، أو شَهادَةٍ واجِبَةٍ، أو عِدَّةِ الوَفاةِ، فلا كَفّارَةَ عليه؛ لأنَّه خُرُوجٌ واجِبٌ لِحَقِّ اللهِ تعالى، فلم يَجِبْ

الجزء: 7 - الصفحة: 617

وَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ فِى الْمُتَتَابِعِ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ، وَإنْ فَعَلَهُ فِى مُعَيَّنٍ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، وَفِى الِاسْتِئْنَافِ وَجْهَانِ.
فيه شئٌ، كالمرأةِ تَخْرُجُ لحَيْضِها ونِفاسِها، فيَقْتَضِى قولُه: إنَّ الخُروجَ إذا لم يَكُنْ واجِبًا، بل كان مُباحًا، كخُرُوجٍ مِن خَوْفِ الفِتْنَةِ ونَحْوِه، يُوجِبُ الكَفّارَةَ؛ لأنَّه خَرَج لحاجَةِ نفْسِه خُرُوجًا غيرَ مُعْتادٍ.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ وُجُوبُ الكَفّارَةِ؛ لأنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، ومَن حَلَف على فِعْلِ شئٍ فحَنِثَ لَزِمَتْه الكَفّارَةُ، سواءٌ كان لعُذْرٍ أو لغيرِه، وسواءٌ كانتِ المُخالَقةُ واجبَةً أو لم تَكُنْ، وفارَقَ صومَ رمضانَ من حيثُ إنَّ الفِطْرَ لا يُوجِبُ كَفَّارَةً، سواءٌ كان لعُذْرٍ أو لغيرِه، وفارَقَ الحَيْضَ، فإنَّه يَتَكَرَّرُ، ويُظَنُّ وُجُودُه في زَمَنِ النَّذْرِ، فيَصِيرُ كالخُرُوجِ لحاجَةِ الإِنْسانِ.

1126 -

مسألة: (وإن خَرَج لِما لَه منه بُدٌّ في المُتتابِعِ، لَزِمَه استِئْنافُه، وإن فَعَلَه في مُعَيَّنٍ، فعليه الكَفّارَةُ، وفى الاستِئْنافِ وَجْهان)

الحديث: 1126 - الجزء: 7 - الصفحة: 618

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا خَرَج لِما له منه بُدٌّ عامِدًا، بَطَل اعْتِكافُه، إلَّا أن يَشْتَرِطَه، على ما ذَكَرْناه.
وإن خَرَج ناسِيًا فقال القاضِى: لا يَفْسُدُ اعْتِكافُه؛ لأنَّه فَعَل المَنْهِىَّ عنه ناسِيًا، فلم تَفْسُدْ به العِبادَةُ، كالأكْلِ في الصَّوْمِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَفْسُدُ؛ لأنَّه تَرَك الاعْتِكافَ، وهو لُزُومُ المَسْجِدِ، والتَّرْكُ يَسْتَوِى عَمْدُه وسَهْوُه، كتَرْكِ النَّيَّةِ في الصَّوْم.
فإن أخرَجَ بَعْضَ جَسَدِه لم يَفْسُدِ اعْتِكافُه وإن كان عَمْدًا؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُخْرِجُ رَأْسَه مِن المَسْجِدِ، وهو مُعْتَكِفٌ إلى عائِشَةَ، فتَغْسِلُه، وهى حائِضٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 60. فصل: ويَبْطُلُ اعتكافُه بالخُروجِ وإنْ قلَّ.
وبه قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: لا يَبْطُلُ حتى يَكُونَ

الجزء: 7 - الصفحة: 619

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أكثَرَ مِن نِصْفِ يَوْمٍ؛ لأنَّ اليَسِيرَ مَعْفُوٌّ عنه، لأنَّ صَفِيَّةَ أتَتِ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - تَزُورُه في مُعْتَكَفِه، فلمَّا خَرَجَتْ لتَنْقَلِبَ خَرَج معها ليَقْلِبَها 61. ولأنَّ اليَسِيرَ مَعْفُوٌّ عنه، بدَلِيلِ ما لو تَأنَّى في مَشْيِه.
ولنا، أَّنه خُرُوجٌ مِن مُعْتَكَفِه لغيرِ حاجَةٍ، فأبْطَلَه، كما لو أقام أكثرَ مِن نِصْفِ يَوْمٍ، وأمّا خرُوجُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - فيَحْتَمِلُ أنَّه لم يَكُنْ له منه بُدٌّ؛ لأنَّه كان لَيْلًا، فلم يَأْمَنْ عليها، ويَحْتَمِلُ أَّنَّه فَعَل ذلك لكَوْنِ اعْتِكافِه تَطَوُّعًا، له تَرْكُ جَمِيعِه، فكان له تَرْكُ بَعْضِه، ولذلك تَرَكَه لَمّا أراد نِساؤُه الاعْتِكافَ معه، وأمّا المَشْىُ فتَخْتَلِفُ فيه طِباعُ النّاسِ، وَعليه في تَغْيِيرِ مَشْيِه مَشَقَّةٌ، ولا كذلك ههُنا، فإنَّه لا حاجَةَ به إلى الخُرُوجِ.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه إن فَعَلَه في مُتَتابِعٍ،

الجزء: 7 - الصفحة: 620

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لَزِمَه الاسْتِئْنافُ؛ لأنَّه أمْكَنَه الإِتْيانُ بالمَنْذُورِ على صِفَتِه، أشْبَهَ حالَةَ الابْتِداءِ، وإن فَعَلَه في مُعَيَّنٍ لَزِمَه الكفّارَةُ؛ لتَرْكِه النَّذْرَ لغيرِ عُذْرٍ، وفى الاستِئْنافِ وَجْهان؛ أحدُهما، يَلْزَمُه، كالمُتَتابِعِ، ولأنَّه كان يَلْزَمُه التَّتابُعُ مع التَّعَيُّنِ، فإن تَعَذَّرَ التَّعَيُّنُ لَزِمَه التَّتابُعُ، لإِمْكانِه، ومِن ضَرُورَتِه الاستِئْنافُ.
والوَجْهُ الثّانِى، لا يَلْزَمُه الاسْتِئْنافُ؛ لأنَّ ما مَضَى منه قد أدَّى العبادةَ فيه أداءً صحيحًا، فلم تَبْطُلْ بتَرْكِها في غيرِه، كما لو أفْطَرَ في أثْناءِ شهرِ رمضانَ، ولأنَّ التَّتابُعَ ههُنا حَصَل ضَرُورَةَ التَّعْيِينِ، مُصَرَّحٌ به، فإذا لم يَكُنْ بُدٌّ مِن الإِخْلالِ بأحَدِهما، ففيما حَصَل ضَرُورَةً أوْلَى، ولأنَّ وُجُوبَ التَّتابُعِ مِن حيث الوَقْتُ، لا مِن حيث النَّذْرُ، فالخُروجُ في بَعْضِه لا يُبْطِلُ ما مَضَى منه، كصَوْمِ رمضانَ إذا أفْطَرَ لغيرِ عُذْرٍ، فعلى هذا يَقْضِى ما أفْسَدَ فيه حَسْبُ، ويُكفِّرُ على كلا الوَجْهَيْن، لأصلِ الوَجْهَيْن في مَن نَذَر صَوْمًا مُعَيَّنًا، فأفْطَرَ في بَعْضِه، فإنَّ فيه رِوايَتَيْن، كالوَجْهَيْن اللَّذَيْن ذَكَرْناهُما.
وكذلك الحُكْمُ في كلِّ مَن أفْسَدَ اعتكافَه بجِماعٍ أو غيرِه، فإن كان الاعتكافُ تَطَوُّعًا، فلا قَضاءَ عليه؛ لأنَّ التَّطَوُّعَ لا يَلْزَمُ بالشُّرُوعِ فيه في غيرِ الحَجِّ والعُمْرَةِ، وقد ذَكَرْنا ذلك.
فصل: فإن نَذَر اعتكافَ أيّامٍ مُتَتابِعَةٍ بصَوْمٍ فأفْطَرَ يوْمًا، أفْسَدَ تَتابُعَه

الجزء: 7 - الصفحة: 621

وَإِنْ وَطِئَ الْمُعْتَكِفُ فِى الْفَرْجِ، فَسَدَ اعْتِكَافُهُ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، إِلَّا لِتَرْكِ نَذْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَقَالَ الْقَاضِى: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ.
ووَجَبَ الاسْتِئْنافُ؛ لإِخْلالِه بالإِتْيانِ بما نَذَرَه على صِفَتِه.
واللهُ أعلمُ.

1127 -

مسألة: (وإن وَطِئَ المُعْتَكِفُ في الفَرْجِ، فَسَد اعْتِكافُه، ولا كَفّارَةَ عليه، إلَّا لتَرْكِ نَذْرِه. وقال أبو بَكْرٍ: عليه كَفّارَةُ يَمِين. وقال القاضِى: عليه كَفّارَةُ الظِّهارِ)

الوَطْءُ في الاعْتكافِ مُحَرَّمٌ بالإِجماعِ، والأصْلُ فيه قولُ الله تِعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾.
فإنْ وَطِئَ في الفَرْجِ مُتَعَمِّدًا أفْسَدَ اعْتِكافَه بإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ.
ولأنَّ الوَطْءَ إذا حُرِّمَ في العِبادَةِ أفْسَدَها، كالحَجِّ والصومِ، وإن كان ناسِيًا أفْسَدَه أيضًا.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ.
وقال الشافعىُّ: لا يَفْسُدُ؛ لأنَّها مُباشَرَةٌ لا تُفْسِدُ الصومَ، فلا تُفْسِدُ الاعتكافَ، كالمُباشَرَةِ فيما دُونَ الفَرْجِ.
ولَنا، أنَّ ما حُرِّمَ في الاعتكافِ اسْتَوَى عَمْدُه وسَهْوُه في إفْسادِه،

الحديث: 1127 - الجزء: 7 - الصفحة: 622

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالخُرُوجِ مِن المَسْجِدِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّها لا تُفْسِدُ الصَّومَ، ولأنَّ المُباشَرَةَ دُونَ الفَرْجِ لا تُفْسِدُ الاعتكافَ، إلَّا إذا اقْتَرَنَ بها الإِنْزالُ.
إذا ثَبَت هذا، فلا تَجِبُ الكَفّارَةُ بالوَطْءِ في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، وقولُ عَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، وأهْلِ المَدِينَةِ، ومالكٍ، وأهلِ العِراقِ، والثَّوْرِىِّ، وأهلِ الشّامِ، والأوْزاعِىِّ.
ونَقَل حَنْبَلٌ عن الإِمامِ أحمدَ، أنَّ عليه كَفّارَةً.
وهو قولُ الحَسَنِ، والزُّهْرِىِّ، واخْتِيارُ القاضِى؛ لأنَّها عِبادَةٌ يُفْسِدُها الوَطْءُ بعَيْنِه، فوَجَبَتِ الكَفّارَةُ بالوَطْء فيها، كالحَجِّ، وصَومِ رمضانَ.
ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ لا تَجِبُ بأصْلِ الشَّرْعِ، فلم تَجِبْ بإفْسادِها كَفّارَةٌ، كالنَّوافِلِ، ولأنَّها عِبادَةٌ لا يَدْخُلُ المالُ في جُبْرانِها، فلم تَجِبِ الكَفّارَةُ بإفْسادِها، كالصَّلاةِ، ولأنَّ وُجُوبَ الكَفّارَةِ إنَّما يَثْبُتُ بالشَّرْعِ، ولم يَرِدِ الشَّرْعُ بإيجابِها، فيَبْقَى على الأصْلِ.
وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالصلاةِ، وبالصومِ في غيرِ رمضانَ.
والقِياسُ على الحَجِّ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه مُباينٌ لسائِرِ العِباداتِ، ولهذا يَمْضِى في فاسِدِه، ويَلْزَمُ بالشُّرُوعِ فيه،

الجزء: 7 - الصفحة: 623

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَجِبُ بالوَطْءِ فيه بَدَنَةٌ، بخِلافِ غيرِه.
ولأنَّه لو وَجَبَتِ الكَفّارَةُ ههُنا بالقِياسِ عليه، لَزِم أن تَكُونَ بَدَنَةً، لأنَّ الحُكْمَ في الفَرْعِ يَثْبُتُ على صِفَةِ الحُكْمِ في الأصْلِ، إذْ كان القِياسُ إنَّما هو تَوْسِعَةُ مَجْرَى الحُكْمِ، فيَصِيرُ النَّصُّ الوارِدُ في الأصْلِ وارِدًا في الفَرْعِ، فيَثْبُتُ فيه الحُكْمُ الثّابِتُ في الأصْلِ بعَيْنِه.
وأمّا القِياسُ على الصَّومِ فهو دالٌّ على نَفْىِ الكَفّارَةِ؛ لأنَّ الصومَ كلَّه لا يَجِبُ بالوَطْءِ فيه كَفّارَةٌ، سِوَى رمضانَ، والاعْتِكافُ أشْبَهُ بغيرِ رمضانَ؛ لأنَّه نافِلَةٌ لا يَجِبُ إلَّا بالنَّذْرِ، ثم لا يَصِحُّ قِياسُه على رمضانَ أيضًا؛ لأن الوَطْءَ فيه إنَّما أوْجَبَ الكَفّارَةَ لحُرْمَةِ رمضانَ، ولذلك تَجِبُ على كلِّ مَن لَزِمَه الإِمْساكُ، وإن لم يُفْسِدْ به صَوْمًا.
واخْتَلَفَ مُوجِبُو الكَفّارَةِ فيها، فقال القاضِى: تَجِبُ كَفّارَةُ الظِّهارِ.
وهو قولُ الحَسَنِ،

الجزء: 7 - الصفحة: 624

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والزُّهْرِىَّ، وظاهِرُ كلام أحمدَ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ.
قال أبو عبدِ اللهِ: إذا كان نَهارًا وَجَبَتْ عليه الكَفّارَةُ.
قال الشَّيْخُ 62، رَحِمَه اللهُ: ويَحْتَمِلُ أنَّ أبا عبدِ اللهِ إنَّما أوْجَبَ عليه الكَفّارَةَ إذا فَعَل ذلك في رمضانَ؛ لأنَّه اعْتَبَرَ ذلك في النَّهارِ لأجْلِ الصومِ، ولو كان بمُجَرَّدِ الاعْتِكافِ لما اخْتَصَّ الوُجُوبُ بالنَّهارِ، كما لم يَخْتَصَّ الفَسادُ به.
وحُكِىَ عن أبى بَكْرٍ، أنَّ عليه كَفَّارَةَ يَمِين.
قال شَيْخُنا 63: ولم أرَ هذا عن أبى بَكْرٍ في كتابِ «الشّافِى»، ولَعَلَّ أبا بَكْرٍ إنَّما أوْجَبَ عليه الكَفّارَةَ في مَوْضِعٍ تَضَمَّنَ الإِفْسادُ الإِخْلالَ بالنَّذْرِ، فوَجَبَ لتَرْكِه نَذْرَه.
وهى كَفّارَةُ يَمِين، وأمّا في غيرِ ذلك فلا؛ لأنَّ الكَفّارَةَ إنَّما تَجِبُ بنَصٍّ، أو إجْماعٍ، أو قِياسٍ، وليس ههُنا نَصٌّ، ولا إجْماعٌ، ولا قِياسٌ، فإنَّ نَظِيرَ الاعتكافِ الصومُ، ولا تَجِبُ بإفْسادِه كَفّارَةٌ إذا كان تَطَوُّعًا ولا مَنْذُورًا 64، ما لم يَتَضَمَّنِ الإِخْلالَ بنَذْرِه،

الجزء: 7 - الصفحة: 625

وَإِنْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ فَأنْزَلَ، فَسَدَ اعْتِكَافُهُ، وَإلَّا فَلَا.
فتَجِبُ به كَفّارَةُ يَمِينٍ، كذلك ههُنا.
فأمّا إن كان مَنْذُورًا فأفْسَدَه بالوَطْءِ، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ فيما إذاْ أفْسَدَه بالخُرُوجِ لِما له منه بُدٌّ؛ لأنَّه في مَعْناه.
وقد ذَكَرْنا ما فيه مِن التَّفْصِيلِ.

1128 -

مسألة: (وإن باشَرَ فيما دُونَ الفَرْجِ فأنْزَلَ، فَسَد اعْتِكافُه، وإلَّا فلا)

إذا كانَتِ المُباشَرَةُ دُونَ الفَرْجِ لغيرِ شهْوَةٍ، فلا بَأْسَ بها، مثلَ أن تَغْسِلَ رَأسَه، أو تَفْلِيَه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ عائِشَةَ 65. وإن كانت لشَهْوَةٍ، فهى مُحَرَّمَةٌ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
ولقَوْلِ عائِشَةَ، رَضِىَ الله عنها: السُّنَّةُ

الحديث: 1128 - الجزء: 7 - الصفحة: 626

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للمُعْتَكِفِ أن لا يَعُودَ مَرِيضًا، ولا يَشْهَدَ جِنازَةً، ولا يَمسَّ امرأةً، ولا يُباشِرَها.
رَواه أبو داودَ 66. ولأنَّه لا يَأْمَنُ إفْضاءَها إلى إفْسادِ الاعتكافِ، وما أفْضَى إلى الحَرامِ حَرامٌ.
فإن فَعَل فأنْزَلَ، فَسَد اعْتِكافُه، وإن لم يُنْزِلْ لم يَفْسُدْ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه.
وقال في الآخرِ: يَفْسُدُ في الحالَيْن.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّها مُباشَرَةٌ مُحَرَّمَةٌ فأفْسَدَتْ الاعْتِكافَ، كما لو أنْزَلَ.
ولَنا، أنَّها مُباشَرَةٌ لا تُفْسِدُ صَوْمًا ولا حَجًّا، فلم تُفْسِدْ الاعْتِكافَ، كالمُباشَرَةِ لغيرِ شَهْوَةٍ، وفارَقَ التى أنْزَلَ بها؛ لأنَّها تُفْسِدُ الصومَ، ولا كَفّارَةَ عليه، إلَّا على رِوايَةِ حَنْبَلٍ.
فصل: وإنِ ارْتَدَّ، فَسَد اعْتِكافُه، لقَوْلِ اللهِ تعالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ 67. ولأنَّه خَرَج بالرِّدَّةِ عن كَوْنِه مِن أهْل.

الجزء: 7 - الصفحة: 627

وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ التَّشاغُلُ بِفِعْلِ الْقُرَبِ، وَاجْتِنَابُ مَا لَا يَعْنِيهِ,  الاعْتِكافِ.
وإن شَرِب ما أسْكَرَه فَسَد اعْتِكافُهْ بخُرُوجه عن كَوْنِه مِن أهلِ المَسْجِدِ.
ومتى أفْسَدَ اعْتِكافَه فلا كَفّارة عليه، إلَّا أَن يَكُونَ واجِبًا، وقد ذَكَرْناه.

1129 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ للمُعْتَكِفِ التَّشاغُلُ بفِعْلِ القُرَب 68، واجْتِناب ما لا يَعْنِيه) يُسْتَحَبُّ للمُعْتَكِف التَّشاغُلُ بالصلاةِ، وقِراءَةِ القُرْآنِ، وذِكرِ اللهِ تعالى، ونحْوِ ذلك مِن الطّاعاتِ المَحْضَةِ، ويَجْتَنِبُ ما لا يَعْنِيه مِن الأقْوالِ والأفْعالِ؛ لأنَّ مَن كَثُرَ كلامُه كَثُرَ سَقَطُه، وفى الحديثِ: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه» 69. ويَجْتَنِبُ الجِدالَ والمِراءَ والسِّبابَ والفُحْشَ، فإنَّ ذلك مكرُوهٌ في غيرِ الاعْتِكافِ، ففيه أوْلَى، ولا يَبْطُلُ الاعْتِكافُ بشَئٍ مِن ذلك؛ لأنَّه لمّا لم يَبْطُلْ بمُباحِ الكلامِ لم يَبْطُلْ بمَحْظُوراتِه، وعَكْسُه الوَطْءُ، ولا بَأْسَ بالكَلامِ بمُحادَثَتِه،

الحديث: 1129 - الجزء: 7 - الصفحة: 628

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومُحادَثَةِ غيرِه، فإنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، قالت: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُعْتَكِفًا، فَأَتَيْتُه لأزُورَه لَيْلًا، فحَدَّثْتُه، ثم قُمْتُ، فانْقَلَبْتُ، فقامَ معى ليَقْلِبَنى 70 - وكان مَسْكَنُها في دارِ أُسامَةَ بنِ زَيْدٍ - فمَرَّ رجلانِ مِن الأنْصارِ، فلمّا رَأيا النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أسْرَعا، فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ».
فقالا: سُبْحانَ اللهِ يا رسولَ اللهِ! قال: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِن ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّم، وإنِّى خَشِيتُ أن يَقْذِفَ فِى قُلُوبِكُما شَرًّا».
أو قال: «شَيْئًا».
مُتَّفَقٌ عليه 71. وقال علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه: أيُّما رجلٍ مُعْتَكِفٍ فلا يُسابَّ، ولا يَرْفُثْ في الحَدِيثِ، ويَأْمُرُ أهلَه بالحاجَةِ - أى وهوَ يَمْشِى - ولا يَجْلِسْ عندَهم.
رَواه الإِمامُ أحمدُ 72. فصل: ويَجْتَنِبُ المُعْتَكِفُ البَيْعَ والشِّراءَ إلَّا ما لا بُدَّ له منه، قال حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يَقُولُ: المُعْتَكِفُ لا يَبِيعُ ولا يَشْتَرِى إلَّا ما لا بُدَّ له منه، طَعامٌ أو نحوُ ذلك، فأمّا التِّجارَةُ والأخْذُ والعطاءُ، فلا يَجُوزُ.
وقال الشافعىُّ: لا بَأْسَ أن يَبِيعَ ويَشْتَرِىَ ويَخِيطَ ويَتَحَدَّثَ، ما لم يَكُنْ مَأْثَمًا.
ولَنا، ما روَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، أنَّ النبىَّ

الجزء: 7 - الصفحة: 629

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى الله عليه وسلم - نهى عن البَيْعِ والشِّراءِ في المَسْجِدِ.
رَواه التِّرْمِذِىُّ 73. وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ورَأى عِمْرانُ القَصِيرُ 74 رجلًا يَبِيعُ في المَسْجِدِ، فقال: يا هذا، إنَّ هذا سُوقُ الآخِرَةِ، فإن أرَدْتَ البَيْعَ فاخْرُجْ إلى سُوقِ الدُّنْيا.
وإذا مُنِع مِن البَيْعِ والشِّراءِ في غيرِ حالِ الاعتكافِ، ففيه أوْلَى.
فأمّا الصَّنْعَةُ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه لا يَجُوزُ منها ما يَتكَسَّبُ به، لأنَّه 75 بمَنْزِلَةِ البَيْعِ والشِّراءِ.
ويَجُوزُ ما يَعْمَلُه لنَفْسِه، كخِياطَةِ قَمِيصِه ونَحْوِه.
وقد روَى المَرُّوذِىُّ، قال: سَألْتُ أبا عبدِ اللهِ عن المُعْتَكِفِ، تَرَى له أن يَخِيطَ؟ قال: لا يَنْبَغِى له أن يَعْتَكِفَ إذا كان يُرِيدُ أن يَفْعَلَ.
وقال القاضى: لا تَجُوزُ الخِياطَةُ في المَسْجِدِ، سواء كان مُحْتاجًا إليها أو لم يَكُنْ؛ لأنَّ ذلك مَعِيشَةٌ وتَشَغُّلٌ عن الاعْتِكافِ، فأشْبَهَ البَيْعَ والشِّراءَ فيه.
قال شَيْخُنا 76: والأوْلَى أن يُباحَ له ما يَحْتاجُ إليه مِن ذلك، إذا كان يَسِيرًا، مثلَ أن يَنْشَقَّ قَمِيصُه فيَخِيطَه، أو يَنْحَلَّ شئٌ يَحْتاجُ إلى رَبْطِه فيَرْبِطَه؛ لأنَّ هذا يَسِير تَدْعُو الحاجَةُ إليه، فجَرَى مَجْرَى لُبْسِ قَمِيصِه وعِمامَتِه.
فصل: وليس الصَّمْتُ مِن شريعَةِ الإِسلامِ، وظاهرُ الأخبارِ

الجزء: 7 - الصفحة: 630

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَحريمُه.
قال قَيْس بنُ مسلمٍ 77: دَخَل أبو بَكْرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، على امرأةٍ مِن أحْمَسَ، يُقال لها: زينبُ، فرَآها لا تَتَكَلَّمُ، فقال: ما لها لا تَتَكَلَّمُ؟ قالُوا: حَجَّتْ مُصْمِتَةً.
فقال لها: تَكَلَّمِى، هذا لا يَحِلُّ، هذا مِن عَمَلِ الجاهِلِيَّةِ.
فتَكَلَّمَتْ.
رَواه البخارِىُّ 78. وروَى أبو داودَ 79 بإسْنادِه عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: حَفِظْتُ عن رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَا صُمَاتَ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ».
ورُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه نَهَى عن صوْمِ الصَّمْتِ 80. فإن نَذَر ذلك لم يَلْزَمْه الوَفاءُ به.
وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: بَيْنا النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ، إذا هو برجلٍ قائِمٍ، فَسَألَ عنه، فقالوا: أبو إسْرائِيلَ، نَذَر أن يَقُومَ في الشَّمْسِ ولا يَقْعُدَ، ولا يَسْتَظِلَّ، ولا يَتَكَلَّمَ، ويَصُومَ.
فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، ولْيُتِمَّ صَوْمَه».
رَواه البخارىُّ 81. ولأنَّه نَذَرَ فِعْلَ مَنْهِىٍّ عنه،

الجزء: 7 - الصفحة: 631

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلم يلْزَمْه، كنَذْرِ المُباشَرَةِ في المَسْجِدِ، وإن أرادَ فِعْلَه لم يَكُنْ له ذلك، سواءٌ نَذَرَه أو لم يَنْذُرْه.
وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: له فِعْلُه إذا كان أسْلَمَ.
ولَنا، النَّهْىُ عنه، وظاهِرُه التَّحْرِيمُ، والأمْرُ بالكلامِ ومُقْتَضاهُ الوُجُوبُ، وقولُ أبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللهُ عنه: إنّ هذا لا يَحِلُّ، هذا مِن عَمَلِ الجاهِلِيَّةِ.
وهذا صَرِيحٌ، ولم يُخالِفْه أحَدٌ مِن الصَّحابَةِ فيما عَلِمْناه، واتِّباعُ ذلك أوْلَى.
فصل: ولا يَجُوزُ أن يَجْعَلَ القُرْآنَ بَدَلًا مِن الكلامِ؛ لأنَّه اسْتِعْمالٌ له في غيرِ ما هو له، أَشْبَهَ اسْتِعْمالَ المُصْحَفِ في التَّوَسُّدِ ونَحْوِه، وقد جاءَ: لا تُناظِرُوا بكتابِ الله 82. قيل: مَعْناه لا تَتَكَلَّمْ به عندَ الشئِ تَراه، كأنْ تَرَى رجلًا قد جاءَ في وَقْتِه، فتَقُول: و ﴿جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾ 83. ونحوَه.
ذَكَر أبو عُبَيْدٍ نَحْوَ هذا المَعْنَىَ.

الجزء: 7 - الصفحة: 632

وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِقْرَاءُ الْقُرْآنِ وَالْعِلْم، وَالْمُنَاظَرَةُ فِيهِ، إِلَّا عِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ، إِذَا قَصَدَ بِهِ الطَّاعَةَ.

1130 - مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ له إقْراءُ القُرْآنِ والعِلْمِ، والمُناظَرَةُ فيه، إلَّا عندَ [أبى الخطّابِ] 84، إذا قَصَد به الطّاعَةَ) أكْثَرُ أصحابِنا لا يَسْتَحِبُّون للمُعْتَكِفِ إقْراءَ القُرْآنِ، وتَدْرِيسَ العِلْمِ، ومُناظَرَةَ الفُقَهاءِ، ومُجالَسَتَهم، وكِتابَةَ الحَدِيثِ، ونَحْوَ ذلك مِمّا يَتَعَدَّى نَفْعُه. وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ. وقال أبو الحَسَنِ الآمدىُّ: في اسْتِحْبابِ ذلك رِوايَتان. واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه مُسْتَحَبٌّ إذا قَصَد به طاعةَ اللهِ تعالى، لا المُباهاةَ. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ ذلك أفْضَلُ العِباداتِ، ونَفْعُه يَتَعَدَّى، فكان أوْلَى مِن تَرْكِه، كالصلاةِ. واحْتَجَّ أصحابُنا بأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَعْتَكِفُ، فلم يُنْقَلْ عنه الاشْتِغالُ بغيرِ العِباداتِ المُخْتَصَّةِ به، ولأنَّ الاعْتِكافَ عِبادَةٌ مِن شَرْطِها المَسْجِدُ، فلم يُسْتَحَبَّ فيها ذلك،

الحديث: 1130 - الجزء: 7 - الصفحة: 633

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالطَّوافِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بعيادَةِ المَرْضَى، وشُهُودِ الجنازَةِ.
فعلى هذا القَوْلِ، فِعْلُه لهذه الأفْعالِ أفْضَلُ مِن الاعْتِكافِ.
قال المَرُّوذِىُّ: قُلْتُ لأبِى عَبْدِ اللهِ: إنَّ رجلًا يُقْرِئُ في المَسْجِدِ، وهو يُرِيدُ أن يَعْتَكِفَ، ولَعَلَّه أن يَخْتِمَ في كُلِّ يَوْمٍ.
فقال: إذا فَعَل هذا كان لنَفْسِه، وإذا قَعَد في المَسْجدِ كان له ولغيرِه، يُقْرِئُ أحَبُّ إلىَّ.
وسُئِلَ: أيُّما أحَبُّ إليك؛ الاعتكَافُ، أو الخُرُوجُ إلى عَبّادانَ 85؟ فقال: ليس يَعْدِلُ الجِهادَ عندِى شئٌ.
يَعْنِى أنَّ الخُرُوجَ إلى عبّادانَ أفْضَلُ مِن الاعْتِكافِ.
فصل: ولا بَأْسَ أن يَتَزَوَّجَ المُعْتَكِفُ، ويَشْهَدَ النِّكاحَ في المَسْجِدِ؛ لأنَّه عِبادَةٌ لا تُحَرِّمُ الطيبَ، فلا تُحَرِّمُ النِّكاحَ، كالصومِ، ولأنَّ النِّكاحَ طاعَةٌ، وحُضُورَه قُرْبَةٌ، ومُدَّتُه لا تَتَطاوَلُ، فلم يُكْرَهْ، كتَشْمِيتِ العاطِسِ، ورَدِّ السلامِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 634

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا بَأْسَ أن يَتَنَظَّفَ بأنْواعِ التَّنَظُّفِ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُرَجِّلُ رَأْسَه وهو مُعْتَكِفٌ.
وله أن يَتَطَيَّبَ، ويَلْبَسَ الرَّفِيعَ مِن الثِّيابِ، وليس ذلك بمُسْتَحَبٍّ.
قال الإِمامُ أحمدُ: لا يُعْجِبُنِى أن يَتَطَيَّبَ؛ وذلك لأنَّ الاعْتِكافَ عِبادَةٌ تَخْتَصُّ مَكانًا، فكان تَرْكُ الطِّيبِ فيها مَشْرُوعًا، كالحَجَّ، وليس ذلك بمُحَرَّمٍ؛ لأنَّه لا يُحَرِّمُ اللِّباس ولا النِّكاحَ، أشْبَهَ الصَّوْمَ.
فصل: ولا بَأْسَ أن يَأْكُلَ المُعْتَكِفُ في المَسْجِدِ، ويَضَعُ سُفْرَةً يَسْقُط عليها ما يَقَعُ منه، كَيْلا يَتَلَوَّثَ المَسْجِدُ، ويَغْسِلُ يَدَه في الطَّسْتِ ليُفَرَّغَ خارِجَ المَسْجِدِ، ولا يَجُوزُ أن يَخْرُجَ ليَغْسِلَ يَدَه؛ لأنَّ له 86 من ذلك بُدًّا.
وهل يُكْرَهُ تَجْدِيدُ الطَّهارةِ في المَسْجِدِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا يُكْرَهُ؛ لأنَّ أبا العالِيَةِ قال: حَدَّثَنِى مَن كان يَخْدُمُ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: أمّا ما حَفِظْتُ لكم منه، أنَّه كان يَتَوَضَّأُ في المَسْجِدِ 87. وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّه

الجزء: 7 - الصفحة: 635

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كان يَتَوَضَّأُ في المَسْجِدِ الحَرامِ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، الرِّجالُ والنِّساءُ 88. وعن ابنِ سِيرينَ، قال: كان أبو بَكْرٍ، وعُمَرُ، والخُلَفاءُ، رَضِىَ اللهُ عنهم، يَتَوَضَّئُون في المَسْجِدِ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، وابنِ جُرَيْجٍ 89. والثّانِيَةُ، يُكْرَهُ؛ لأنَّه لا يَسْلَمُ مِن أن يَبْصُقَ في المَسْجدِ أو يَتَمَخَّطَ، والبُصاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، ولأنَّه يَبُلُّ مِن المَسْجِدِ مكَانًا يَمْنَعُ المُصَلِّينَ مِن الصلاةِ فيه.
وإن خَرَج مِن المَسْجِدِ للوُضُوءِ، وكان تَجْدِيدًا، بَطَل؛ لأنَّهُ خُرُوجٌ لِما له منه بُدٌّ، وإن كان وُضُوءًا عن حَدَثٍ لم يَبْطُلْ؛ لأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليه، سواءٌ كان في وَقْتِ الصلاةِ أو قَبْلَها، لأنَّه لا بدَّ مِن الوُضُوءِ للحَدَثِ، وإنَّما يَتَقَدَّمُ عن وقتِ الحاجَةِ إليه لمَصْلَحَةٍ، وهو كَوْنُه على وُضُوءٍ، رُبَّما يَحْتاجُ إلى صلاةِ النّافِلَةِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 636

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا أرادَ أن يَبُولَ في المسجدِ في طَسْتٍ، لم يُبَحْ له ذلك؛ لأنَّ المَساجِدَ لم تُبْنَ لهذا، وهو ممّا يَقْبُحُ ويَفْحُشُ ويُسْتَخَفُّ به، فوَجَبَ صِيانَةُ المَسْجِدِ عنه، كما لو أرادَ أن يَبُولَ في أرْضِه ثم يَغْسِلَه، وإن أرادَ الفَصْدَ والحِجامَةَ فيه، فكذلك.
ذَكَرَه القاضِى؛ لأنَّه إِراقَةُ نَجاسَةٍ في المَسْجِدِ، فَأشْبَهَ البَوْلَ فيه.
وإن دَعَتْ إليه حاجَةٌ كَبِيرَةٌ خرَج مِن المَسْجِدِ ففَعَلَه.

الجزء: 7 - الصفحة: 637

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإنِ اسْتَغْنَى [عنه، لم يَكُنْ] 90 له الخُرُوجُ إليه، كالمرضِ الذي يُمْكِنُ احْتِمالُه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ الفَصْدُ في المَسْجِدِ في طَسْتٍ؛ بدَلِيلِ أنَّ المُسْتَحاضَةَ يَجُوزُ لها الاعْتِكافُ، ويَكُونُ تَحْتَها شئٌ يَقَعُ فيه الدَّمُ.
قالت عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها: اعْتَكَفَتْ مع رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - امرأةٌ مِن أزْواجِه مُسْتَحاضَةٌ، فكانت تَرَى الحُمْرَةَ والصُّفْرَةَ، ورُبَّما وَضَعْنا الطَّسْتَ تَحْتَها وهي تُصَلِّى.
رَواه البخاريُّ 91. والأوَّلُ أوْلَى، والفَرْقُ بينَهما أنَّ المُسْتَحاضَةَ لا يُمْكِنُها التَّحَرُّزُ مِن ذلك إلَّا بتَرْكِ الاعْتِكافِ، بخِلافِ الفَصْدِ.
واللهُ أعلمُ.

الجزء: 7 - الصفحة: 638

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

الجزء: 8 - الصفحة: 2

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

الجزء: 8 - الصفحة: 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصول الكتاب · 40 فصل
فصول الشرح الكبير على المقنع ت التركي
المقدمةمقدمة التحقيقكِتَابُ الطَّهارةكِتابُ الصَّلَاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الاعتكاف
مسألة: (وهو سُنَّةٌ، إلَّا أن يَنْذِرَه، فيَجِبُ)مسألة: (ويَصِحُّ بغيرِ صومٍ. وعنه، لا يَصِحُّ. فعلى هذا، لا يَصِحُّ في ليلةٍ مُفْرَدَةٍ، ولا بعضِ يومٍ)1109 - مسألة: (وليس للمرأَةِ الاعْتِكافُ إلَّا بإذنِ زَوْجِها، ولا للعَبْدِ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه)1110 - مسألة: (فإن شَرَعا فيه بغيرِ إذنٍ، فلهما تَحْلِيلُهما، وإن كان بإذْنٍ، فلهما تَحْلِيلُهما إن كان تَطَوُّعًا، وإلَّا فلا)مسألة: (وللمُكاتَبِ أن يَعْتَكِفَ ويَحُجَّ بغيرِ إذْنٍ)مسألة: (ومَن بعضُه حُرٌّ، إن كان بينَهُما مُهايَأَةٌ [^fn6637]، فله أن يَعْتَكِفَ في نَوْبَتِه) بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّ مَنافِعَه غيرُ مَمْلُوكَةٍ لسَيِّدِه في ذلك الزَّمَنِ، وحُكْمُه في نَوْبَةِ سَيِّدِه حُكْمُ القِنِّ. فإن لم يَكُنْ بَيْنَهُمامسألة: (ولا يَجُوزُ الاعْتِكافُ إلَّا في مَسْجِدٍ يُجْمَعُ فيه، إلَّا المَرْأَةَ لها الاعْتِكافُ في كلِّ مسجدٍ إلَّا مسجدَ بَيْتِها)1114 - مسألة: (والأفْضَلُ الاعْتِكافُ في الجامِعِ إذا كانتِ الجُمُعَةُ تَتَخَلَّلُه)مسألة: (وإذا نَذَر الاعْتِكافَ أو الصلاةَ في مَسْجِدٍ،1116 - مسألة: (وأفْضَلُها المَسْجِدُ الحَرامُ، ثم مَسْجدُ المَدِينَةِ، ثم)1117 - مسألة: (فإن نَذَرَه في الأَفْضَلِ، لم)مسألة: (وإن نَذَر اعْتِكافَ شَهْرٍ بعَيْنهِ، لَزِمَه الشُّرُوعُ فيه قبلَ دُخُولِ لَيْلَتِه إلى انْقِضائِه)مسألة: (وإن نَذَر شَهْرًا مُطْلَقًا، لَزِمَه شَهْرٌ مُتَتابعٌ)1120 - مسألة: (وإن نَذَر أيَّامًا مَعْدُودَةً، فله تَفْرِيقُها، إلَّا عند القاضِى)1121 - مسألة: (وإن نَذَرَ أيَّامًا أو لَيالِىَ مُتَتابِعَةً، لَزِمَه ما يَتَخَلَّلُها مِن لَيْلٍ أو نَهارٍ)1122 - مسألة: (ولا يَعُودُ مَرِيضًا، ولا يَشْهَدُ جِنازَةً، إلَّا أن يَشْتَرِطَه، فيَجُوزُ. وعنه، له ذلك مِن غير شَرْطٍ)مسألة: (وله السُّؤالُ عن المَرِيضِ في طَرِيقِه ما لم يُعَرِّجْ)مسألة: (فإن خَرَج لِما لا بدَّ منه خُرُوجًا مُعْتادًا، كحاجَةِ (1) الإِنْسانِ، فلا شئَ عليه) لأنَّه لا بُدَّ له منه، فلو بَطَل اعْتِكافُه بخُرُوجِه إليه، لم يَصِحَّ لأحَدٍ الاعْتِكافُ. وقد كان النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَخْرُجُ لحاجَتِه وهو مُعْتَكِفٌ، وكذلك خُرُوجُ المرأةِ لحَيْضِها؛ لأنَّها خَرَجَتْ بإذْنِ الشَّرْعِ، ولا يَجِبُ عليها كَفّارَةٌ؛ لأنَّه خُرُوجٌ لعُذْرٍ مُعْتادٍ، أشْبَهَ الخُرُوجَ لقَضاءِ الحاجَةِ، وحُكْمُ النِّفاسِ حُكْمُ الحَيْضِ؛ لأنَّه في مَعْناه.مسألة: (وإن خَرَج لغيرِ المُعْتادِ في المُتتابِعِ وتَطاوَلَ،مسألة: (وإن خَرَج لِما لَه منه بُدٌّ في المُتتابِعِ، لَزِمَه استِئْنافُه، وإن فَعَلَه في مُعَيَّنٍ، فعليه الكَفّارَةُ، وفى الاستِئْنافِ وَجْهان)مسألة: (وإن وَطِئَ المُعْتَكِفُ في الفَرْجِ، فَسَد اعْتِكافُه، ولا كَفّارَةَ عليه، إلَّا لتَرْكِ نَذْرِه. وقال أبو بَكْرٍ: عليه كَفّارَةُ يَمِين. وقال القاضِى: عليه كَفّارَةُ الظِّهارِ)مسألة: (وإن باشَرَ فيما دُونَ الفَرْجِ فأنْزَلَ، فَسَد اعْتِكافُه، وإلَّا فلا)مسألة: (ويُسْتَحَبُّ للمُعْتَكِفِ التَّشاغُلُ بفِعْلِ القُرَب [^fn6693]، واجْتِناب ما لا يَعْنِيه) يُسْتَحَبُّ للمُعْتَكِف التَّشاغُلُ بالصلاةِ، وقِراءَةِ القُرْآنِ، وذِكرِ اللهِ تعالى، ونحْوِ ذلك مِن الطّاعاتِ المَحْضَةِ، ويَجْتَنِبُ ما لا يَعْنِيه مِن الأقْوالِ والأفْعالِ؛ لأنَّ مَن كَثُرَ كلامُه كَثُرَ سَقَطُه، وفى الحديثِ: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه» [^fn6694]. ويَجْتَنِبُ الجِدالَ والمِراءَ والسِّبابَ والفُحْشَ، فإنَّ ذلك مكرُوهٌ في غيرِ الاعْتِكافِ، ففيه أوْلَى، ولا يَبْطُلُ الاعْتِكافُ بشَئٍ مِن ذلك؛ لأنَّه لمّا لم يَبْطُلْ بمُباحِ الكلامِ لم يَبْطُلْ بمَحْظُوراتِه، وعَكْسُه الوَطْءُ، ولا بَأْسَ بالكَلامِ بمُحادَثَتِه،1130 - مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ له إقْراءُ القُرْآنِ والعِلْمِ، والمُناظَرَةُ فيه، إلَّا عندَ [أبى الخطّابِ] [^fn6709]، إذا قَصَد به الطّاعَةَ) أكْثَرُ أصحابِنا لا يَسْتَحِبُّون للمُعْتَكِفِ إقْراءَ القُرْآنِ، وتَدْرِيسَ العِلْمِ، ومُناظَرَةَ الفُقَهاءِ، ومُجالَسَتَهم، وكِتابَةَ الحَدِيثِ، ونَحْوَ ذلك مِمّا يَتَعَدَّى نَفْعُه. وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ. وقال أبو الحَسَنِ الآمدىُّ: في اسْتِحْبابِ ذلك رِوايَتان. واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه مُسْتَحَبٌّ إذا قَصَد به طاعةَ اللهِ تعالى، لا المُباهاةَ. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ ذلك أفْضَلُ العِباداتِ، ونَفْعُه يَتَعَدَّى، فكان أوْلَى مِن تَرْكِه، كالصلاةِ. واحْتَجَّ أصحابُنا بأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَعْتَكِفُ، فلم يُنْقَلْ عنه الاشْتِغالُ بغيرِ العِباداتِ المُخْتَصَّةِ به، ولأنَّ الاعْتِكافَ عِبادَةٌ مِن شَرْطِها المَسْجِدُ، فلم يُسْتَحَبَّ فيها ذلك،
كِتَابُ الْمَنَاسِكِكتاب الجهادكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْحَجْركِتَابُ الشَّركَةِكِتَابُ العَارِيَّةِكتَابُ الْغَصْبِكتابُ الْوَقْفِكتابُ الوَصاياكتاب الفرائضكتاب العتقكتابُ النِّكاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الْخُلْعِكِتَابُ الطَّلَاقِكتابُ الرَّجْعَةِكتابُ الإِيلاءِكتابُ الظِّهَارِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكتاب الرضاعكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الجِنَايَاتِكتاب الدياتكِتَابُ الْحُدُودِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الصَّيدِكِتَابُ الْأَيْمَانِكتاب القضَاءِكِتَابُ الشَّهادَاتِكِتَابُ الْإِقْرَارِ
جارٍ التحميل