كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتابُ الجِناياتِ
الجِناياتُ كلُّ فِعْل عُدْوانٍ على نَفْسٍ أو مالٍ.
لكنَّها في العُرْفِ مَخْصُوصَةٌ بما يَحْصُلُ فيه التَّعَدِّى على الأبْدانِ، وسَمَّوُا الجِناياتِ على الأمْوالِ غَصْبًا، ونَهْبًا 1، وسَرِقَة، وخِيانَةً 2، وإِتْلافًا.
وأجْمَعَ المسلمون على تَحْرِيمِ القَتْلِ بغيرِ حَقٍّ، والأَصْلُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أما الكتابُ فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ 3. وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ 4. وقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ 5. الآية.
وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ، قال:
الجزء: 25 - الصفحة: 5
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئً مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنِّى رسولُ اللَّهِ، إلَّا بإحْدَى ثَلَاثٍ؛ الثَّيِّبُ الزَّانِى، والنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، والتَّارِكُ لِدِينه المُفَارِقُ 6 لِلْجَماعَةِ».
مُتَّفَقٌ عليه 7. وروَى عُثْمانُ وعائشةُ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِثْلَه 8. في آىٍ وأخْبارٍ كثيرةٍ.
ولا خِلافَ بينَ الأُمَّةِ فِى تَحْرِيمِه.
فإن فَعَلَه إنسانٌ مُتَعَمِّدًا، فسَقَ، وأمْرُه
الجزء: 25 - الصفحة: 6
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى اللَّهِ، إن شاء عَذَّبَه، وإن شاء غَفَر له، وتَوْبَتُه مَقْبُولَةٌ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وقال ابنُ عباسٍ: لا تُقْبَلُ تَوْبَتُه 9. للآيةِ التى ذَكَرْناها، وهى 10 مِن آخِرِ ما نَزَلَ [ولم يَنْسَخْها] 11 شئٌ.
ولأَنَّ لَفْظَ الآيةِ لَفْظُ 12 الخَبَرِ، والأخبارُ لا يَدْخُلُها نسْخٌ ولا تَغْييرٌ؛ لأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعالى لا يكونُ إلَّا صِدْقًا.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ 13. فجعَلَه داخِلًا في المَشِيئَةِ.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ 14. وفى الحديثِ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّ رَجُلًا قَتَلَ مائَةَ رَجُلٍ 15 ظُلْمًا، ثُمَّ سَألَ: هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَدُلَّ عَلَى عَالِمٍ، فَسَألَهُ، فقالَ: ومَن يَحُولُ بَيْنَكَ وبَيْنَ التَّوْبَةِ، ولَكِنِ اخْرُجْ مِنْ قَرْيَةِ السُّوءِ إلَى القَرْيَةِ الصَّالِحَةِ، فاعْبُدِ اللَّه فِيهَا.
فخَرَجَ تَائِبًا، فَأدْرَكَهُ
الجزء: 25 - الصفحة: 7
الْقَتْلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ؛ عَمْدٌ، وَشِبهُ عَمْدٍ، وَخَطَأٌ، وَمَا أُجْرِىَ مُجْرَى الْخَطَأَ.
المَوْتُ في الطَّرِيقِ، فاخْتَصَمَتْ فِيه مَلائكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاِئكَةُ العَذَابِ، فبَعَثَ اللَّه مَلَكًا، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ القَرْيَتَيْنِ، فإلَى أيِّهِمَا كان (1) أقْرَبَ، فَاجْعَلُوه مِنْ أهْلِهَا.
فوَجَدُوه أقْرَبَ إلَى القَرْيَةِ الصَّالِحَةِ بشِبْرٍ، فَجَعَلُوهُ مِنْ أهْلِهَا.
أخْرَجَه مسلمٌ (2). ولأَنَّ التَّوْبَةَ تَصِحُّ مِن الكُفْرِ، فمِن القَتْلِ أولَى.
والآية مَحْمولَةٌ على مَن (3) قَتَلَه مُسْتَحِلًّا ولم يَتُبْ، أو على أنَّ هذا جَزاؤه إن جازَاه اللَّهُ، وله العَفْوُ إن شاء.
وقولُه: لا (4) يَدْخُلُها النَّسْخُ.
قُلْنا: يَدْخُلُها التَّخْصِيصُ والتَّأْوِيلُ.
4043 - *
مسألة: و (القَتْلُ على أربعةِ أضْرُبٍ؛ عَمْدٌ، وشِبْهُ عمدٍ، وخَطَأٌ، وما أجْرِىَ مُجْرَى الخَطَأ)
أكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ القَتْلَ16171819
الجزء: 25 - الصفحة: 8
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُنْقَسِمًا إلى عمدٍ، وشِبْهِ عمدٍ، وخَطَأً.
رُوِى ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ.
وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ، وحَمَّادٌ، وأهلُ العراقِ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وأنْكَرَ مالِكٌ شِبْهَ العمدِ، وقال: ليس في كِتابِ اللَّه إِلَّا العمدُ والخَطَأُ، فأمَّا شِبْهُ العمدِ، فلا يُعْمَلُ به عندَنا 20. وجَعَلَه مِنْ قِسْمِ العمدِ.
وحُكِىَ عنه مِثْلُ قول الجماعةِ.
وهو الصَّوابُ؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ، [أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-] 21، قال: «أَلَا إنَّ دَيَةَ 22 الخَطَأَ شِبْهِ العَمْدِ، مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالعَصَا، مائَةٌ مِنَ الإبِلِ، مِنْهَا أرْبَعُونَ فِى بُطُونِهَا أوْلَادُهَا».
رَواه أبو داودَ 23. وفى لفْظٍ: «قَتِيلِ خَطَأَ الْعَمْدِ» 24. وهذا نَصٌّ يُقَدَّمُ على ما ذَكَره.
وقَسَّمَه شيخُنا في هذا الكتابِ أربعةَ أقْسام، فزاد ما أجْرِىَ مُجْرَى الخَطَأَ على ما ذَكَرْناه، وكذلك قَسَّمَه [أبو الخَطَّابِ] 25، وهو أن يَنْقَلِبَ
الجزء: 25 - الصفحة: 9
فَالْعَمْدُ أَنْ يَقْتُلَهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ، عَالِمًا بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا مَعْصُومًا، وَهُوَ تسْعَةُ أَقْسَامٍ، أحَدُهَا، أَنْ يَجْرَحَهُ بِمَا لَهُ مَوْرٌ فِى الْبَدَنِ، مِنْ حَدِيدٍ أو غَيْرِهِ، مِثْلَ أَنْ يَجْرَحَهُ بِسِكِّينٍ، أَوْ يَغْرِزَهُ
النائِمُ على شَخْصٍ فيَقتُلَه، ومَن يَقْتُلُ بالسَّبَب، كحَفرِ البِئرِ ونحوِه، وكذلك قَتْلُ غيرِ المُكَلَّفِ.
وهذه الصُّوَرُ عندَ الأكثَرِين مِن قِسْمِ الخَطَأ، أعْطَوْه حُكْمَه.
4044 -
مسألة: (فالعمدُ أن يَقْتُلَه بما يَغْلِبُ على الظَّنِّ موتُه به، عالِمًا بكونِهِ آدَمِيًّا مَعْصُومًا، وهو تِسْعَةُ أقْسَامٍ؛ أحدُها، أن يَجْرَحَهُ بما له مَوْرٌ
26 في البَدَنِ، مِن حَدِيدٍ أو غيرِه، مِثْلَ أن يَجْرَحَه بسِكِّينٍ، أو
الحديث: 4044 - الجزء: 25 - الصفحة: 10
بِمِسَلَّةٍ، فَيَمُوتَ، إِلَّا أَنْ يَغْرِزَه بِإبْرَةٍ، أَوْ شَوْكَةٍ، وَنَحْوِهِمَا فِى غيْرِ مَقْتَلٍ، فيَمُوتَ فِى الْحَالِ، فَفِى كَوْنِهِ عَمْدًا وَجْهَانِ.
يَغْرِزَه بمِسَلَّةٍ، أو ما في مَعْناه) ممّا يُحَدِّدُ ويَجْرَحُ؛ مِن الحَدِيدِ، والنُّحاسِ، والرَّصاصِ، والذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والزُّجاجِ، والحَجَرِ، والخشبِ، والقَصَبِ، والعَظْمِ، فهذا كلُّه إذا جَرَح به جُرْحًا كَبيرًا، فمات، فهو قَتْلٌ عَمْدٌ، لا اخْتِلافَ فيه بينَ العُلَماءِ فيما عَلِمْناه.
فأَمّا إن جَرَحَه جُرْحًا صَغِيرًا، كشَرْطَةِ الحَجّامِ (أو غَرَزَه بإبْرَةٍ، أو شَوْكةٍ) أو جَرَحَه جُرْحًا صَغِيرًا (في غيرِ مَقْتَلٍ، فمات في الحالِ، ففى كونِه عَمْدًا
الجزء: 25 - الصفحة: 11
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وجَهْان) أحَدُهما، لا قِصاصَ فيه.
قاله ابنُ حامِدٍ؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه لم يَمُتْ منه، ولأنَّه لا يَقْتُلُ غالِبًا، أشْبَهَ العَصا والسَّوْطَ.
والثانى، فيه القِصاصُ؛ لأنَّ المُحَدَّدَ 27 لا يُعْتَبَرُ فيه غَلَبَةُ الظَّنِّ في حُصُولِ القَتْلِ به، بدليلِ ما لو قَطَع شَحْمَةَ 28 أُذُنِه، أو أنْمُلَتَه، ولأنَّه لمَّا لم يُمْكِنْ إدارَةُ الحُكْمِ وضَبْطُه بغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَجَب رَبْطُه بكوْنِه مُحَدَّدًا، ولا يُعْتَبَرُ ظُهُورُ الحُكْمِ 29 في آحادِ صُوَرِ المَظنةِ، بل يَكْفِى احْتِمالُ الحُكْمِ (3)، ولذلك ثَبَت الحُكْمُ به فيما إذا بَقِىَ ضَمِنًا 30، مع أنَّ العَمْدَ لا يَخْتَلِفُ مع اتِّحادِ الآلَةِ والفِعْلِ، بسُرْعَةِ الإِفْضاءِ وإبْطائِه، ولأَنَّ في البَدَنِ مَقاتِلَ خَفِيَّةً، وهذا له سِرايَة ومَوْرٌ، فأشْبَهَ الجُرْحَ الكَبِيرَ.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ فإنَّه لم يُفَرِّقْ بينَ الصغيرِ والكبيرِ.
وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ.
الجزء: 25 - الصفحة: 12
وَإِنْ بَقِىَ مِنْ ذَلِكَ ضَمِنًا حَتَّى مَاتَ، أَوْ كَانَ الْغَرْزُ بِهَا فِى مَقْتَلٍ؛ كَالْفُؤَادِ وَالْخُصْيَتَيْنِ، فَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ.
وللشافعىِّ مِن التَّفْصِيلِ نحوٌ ممّا ذَكَرْنا.
4045 -
مسألة: (فإن بَقِىَ مِن ذلك ضَمِنًا حتى مات، أَوْ كان الغَرْزُ بها في مَقْتَل، كالفُؤادِ وَالخُصْيَتَيْن فهو عمدٌ مَحْضٌ)
أمّا إذا كان الجُرْحُ في مَقْتَلٍ؛ كالعَيْنِ، والفُؤادِ، والخاصِرَةِ، والصُّدْغِ، أو أصْلِ الأُذُنِ، فمات، فهو عمدٌ محضٌ يَجِبُ به القِصاصُ.
وكذلك إن بالَغَ في إدْخالِ الإِبْرَةِ ونحوِها في البَدَنِ؛ لأنَّه يَشْتَدُّ ألمُه ويُفْضِى إلى القَتْلِ، كالكَبِيرِ.
وإن بَقِىَ مِن ذلك ضَمِنًا حتى مات، ففيه القَوَدُ؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه مات به.
قاله أصحابُنا.
وقِيلَ: لا يَجِبُ به القِصاصُ؛ لأنَّه لمَّا احْتَمَلَ حُصُولُ الموتِ بغيرِه ظاهِرًا، كان شُبْهَةً في دَرْءِ القِصاصِ، ولو كانتِ العِلَّة أنَّ القَتْلَ لا يَحْصُلُ به غالِبًا، لمَا فُرِّقَ 31 بينَ موتِه في
الحديث: 4045 - الجزء: 25 - الصفحة: 13
وَإِنْ قَطَعَ سِلْعَةً مِنْ أَجْنَبِىٍّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَمَاتَ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ قَطَعَهَا حَاكِمٌ مِنْ صَغِيرِ أَوْ وَلِيُّهُ، فَمَاتَ، فَلَا قَوَدَ.
الثَّانِى، أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثَقَّلٍ كَبِيرٍ فَوْق عَمُودِ الْفُسْطَاطِ، أَوْ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ
الحالِ، وموتِه مُتَراخِيًا، [كسائرِ ما] (1) لا يَجِبُ به القِصاصُ.
4046 -
مسألة: (وإن قَطَع سِلْعَةً
33 مِن أجْنَبِىٍّ بغيرِ إذْنِه، فمات، فعليه القَوَدُ) لأنَّه جَرَحَه بغيرِ إذْنِهِ جُرْحًا لا يَجُوزُ له، فَكَانَ عليه القَودُ إذا تَعَمدَه، كغيرِه (وإن قَطَعَها حاكمٌ مِن صغيرٍ، أو وَلِيُّه، فمات، فلا قَوَدَ) لأَنَّ له فِعْلَ ذلك، وقد فَعَلَه لمَصْلَحَتِه 34، فأشْبَهَ ما لو خَتَنَه.
(الثانى، أن يَضْرِبَه بمُثَقَّلٍ فوقَ عَمُودِ الفُسْطاطِ، أو بما يَغْلِبُ على الظَّنِّ32
الحديث: 4046 - الجزء: 25 - الصفحة: 14
أنَّهُ يَمُوت بِهِ، كَاللُّتِّ، وَالْكُوذَيْنِ، وَالسَّنْدَانِ، أَوْ حَجَرٍ كَبِيرٍ، أَوْ يُلْقِىَ عَلَيْهِ حَائِطًا أَوْ سَقْفًا، أَوْ يُلْقِيَه مِنْ شَاهِقٍ، أَوْ يُعِيدَ الضَّرْبَ بِصَغِيرِ، أَوْ يَضْرِبَهُ بِهِ فِى مَقْتَلٍ، أَوْ فِى حَالِ ضَعْفِ قُوَّةٍ؛ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ صِغَرٍ، أَوْ كِبَرٍ، أَوْ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ، أَوْ نَحْوِهِ.
مَوْتُه به، كاللُّتِّ 35، والكُوذَيْنِ 36، والسَّنْدانِ 37، أو حَجَرٍ كبيرٍ، أو يُلْقِىَ عليه حائِطًا أو سقفًا، أو يُلْقِيَهُ مِن شاهِقٍ، أو يُكَرِّرَ الضَّرْبَ بصغيرٍ، أو يَضْرِبَه به في مَقْتَلٍ، أو في حالِ ضَعْفِ قُوَّةٍ؛ مِن مَرَضٍ، أو صِغَرٍ، أو كِبَرٍ، أو حَرٍّ، أو بَرْدٍ، أو نحوِه) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا قَتَلَه بغيرِ مُحَدَّدٍ يَغْلِبُ على الظَّنِّ حُصُولُ الزُّهُوقِ به عندَ اسْتِعْمالِه، فهو عمدٌ مُوجِبٌ للقِصاصِ.
وبه قال النَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وابنُ سِيرِينَ، وحَمّاد، وعمرُو بنُ دِينارٍ، وابنُ أبى لَيْلَى، ومالِكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ 38. وقال
الجزء: 25 - الصفحة: 15
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحسنُ: لا قَوَدَ في ذلك.
ورُوِىَ ذلك عن الشَّعْبِىِّ.
وقال ابنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ: العَمْدُ ما كان بالسِّلاحِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قَوَدَ إلَّا أن يكونَ قَتَلَه بالنّارِ.
وعنه في مُثَقَّلِ الحَدِيدِ روايتان.
واحْتَجَّ بقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ألَا إنَّ فِى قَتِيلِ عَمْدِ الخَطَأَ، قَتِيلِ السَّوْطِ والعَصَا والحَجَرِ، مائَةً مِنَ الإِبلِ» 39. فسَمّاه عمدَ الخَطَأَ، وأوْجَبَ فيه الدِّيَةَ دُونَ القِصاصِ، ولأَنَّ العَمْدَ لا يُمْكِنُ اعْتِبارُه بنَفْسِهِ، فيَجِبُ ضَبْطُه بمَظِنَّتِه، ولا يُمْكِنُ ضَبْطُه بما يَقْتُلُ غالِبًا؛ لحُصُولِ العَمْدِ بدُونِه في الجُرْحِ الصغيرِ، فوَجَبَ ضَبْطُه بالجُرْحِ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ 40. وهذا مَقْتُولٌ ظُلْمًا.
وقولُه سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ 41. وروَى أنَسٌ أنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جارِيَةً على أوْضَاحٍ 42 لها بحَجَرٍ، فقتلَه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بينَ حَجَرَيْن.
مُتَّفَقٌ عليه 43. وروَى أبو هُرَيْرَةَ قال: قامَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-
الجزء: 25 - الصفحة: 16
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقال: «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إمَّا 44 يُودَى، وإمَّا 45 يُقَادُ».
مُتَّفَقٌ عليه 46. ولأنَّه يَقْتُلُ غالِبًا، أشْبَهَ المحَدَّدَ.
وأمّا الحَدِيثُ، فمَحْمُولٌ على المُثَقَّلِ الصَّغِير؛ لأنَّه ذَكَر العَصَا والسَّوْطَ، وقَرَنَ به الحَجَرَ، فدَلَّ على أنَّه أراد ما يُشْبِهُهما.
وقولُهم: لا يُمْكِنُ ضَبْطُه.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّا نُوجبُ القِصاصَ بما نَتَيَقَّنُ حُصُولَ الغَلَبَةِ به، وإذا شَكَكْنا لم نُوجِبْه مع الشَّكِّ، والجُرْحُ الصَّغِيرُ قد سَبَق القولُ فيه، ولأنَّه لا يَصِحُّ ضَبْطُه بالجُرْحِ 47، بدليلِ ما لو قَتَلَه بالنَّارِ.
والمُرادُ بعَمُودِ الفُسْطاطِ الذى ذَكَرَه ههُنا العُمُدُ التى تَتَّخِذُها العَرَبُ لبُيُوتِها، وفيها دِقَّةٌ.
وإنَّما حَدَّ المُوجِبَ للقِصاصِ بفوقِ عَمُودِ الفُسْطاطِ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمَّا سُئِل
الجزء: 25 - الصفحة: 17
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن المرأةِ التى ضَرَبَتْ ضَرَّتَها 48 بعَمُودِ فُسْطاطٍ فقَتَلَتْها وجَنِينَها، قَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الجَنِينِ بغُرَّةٍ، وقَضَى بالدِّيَةِ على عاقِلَتِها 49. والعاقِلَةُ لا تَحْمِلُ العَمْدَ، فدَل على أنَّ القَتْلَ بعَمُودِ الفُسْطاطِ ليس بعَمْدٍ.
وإن كان أعْظَمَ منه، كعُمُدِ الخِيامِ، فهو كبيرٌ يَقْتُلُ غالِبًا، فيَجبُ فيه القِصَاصُ.
ومِن هذا النَّوْعِ أن يُلْقِىَ عليه جِدَارًا، أو صَخْرَةً، أو خشبةً عظيمةً، أو يُلْقِيَه مِن شاهِقٍ فيُهْلِكَه، ففيه القَوَدُ؛ لأنَّه 50 يَقْتُلُ غالِبًا.
ومِن ذلك أن يَضْرِبَه بمُثَقَّلٍ صغيرٍ، أو حَجَرٍ صغيرٍ، أو يَلْكُزَه بيدِه في مَقْتَلٍ، أو في حالِ ضَعْفِ المَضْرُوبِ؛ لمرضٍ أو صِغَرٍ، أو في حَرٍّ مُفْرِطٍ، أو بَرْدٍ شديدٍ، بحَيْثُ يَقْتُلُه بتلك الضَرْبَةِ، أو كَرَّرَ الضَّرْبَ حتى قَتَلَه بما يَقْتُلُ غالبًا، فقَتَلَه، ففيه القَوَدُ؛ لأنَّه قَتَلَه بما يَقْتُلُ غالِبًا، أشْبَهَ المُثَقَّلَ
الجزء: 25 - الصفحة: 18
الثَّالِثُ، أَلْقَاهُ فِى زُبْيَةِ أَسَدٍ، أَوْ أَنْهَشَهُ كَلْبًا أَوْ سَبُعًا أَوْ حَيَّةً، أَوْ أَلْسَعَهُ عَقْرَبًا مِنَ الْقَوَاتِلِ، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَقَتَلَهُ،
الكبيرَ.
وإن لم يكنْ كذلك ففِيه الدوريةُ؛ لأنَّه عَمْدُ الخَطَأ، إلَّا أن يَصْغُرَ جِدًّا، كالضَّرْبَةِ بالقَلَمِ والإِصْبَعِ في غَيْرِ مَقْتَلٍ، ونحوِ هذا ممَّا لا يُتَوَهَّمُ القَتْلُ به، فلا قَوَدَ فيه ولا دِيَةَ؛ لأنَّه لم يَمُتْ به.
وكذلك إن مَسَّه بالكبيرِ ولم يَضْرِبْه به؛ لأَنَّ الدِّيَةَ إنَّما تَجِبُ بالقَتْلِ، وليس هذا قَتْلًا 51.
النوعُ (الثالثُ، ألْقاه في زُبْيَةِ 52 أسَدٍ، أو أنْهَشَه كَلْبًا أو سَبُعًا أو حَيَّةً، أو ألْسَعَه عَقْرَبًا مِن القَواتِلِ، ونحوَ ذلك، فقتَلَه) فيَجِبُ به
القِصاصُ.
إذا جَمَعَ بينَه وبينَ أسَدٍ أو نمِرٍ في مكانٍ ضَيِّقٍ، كزُبْيَةٍ أو نحوِها، فقتلَه، فهو عمدٌ فيه القِصاصُ، إذا فَعَل به السَّبُعُ فِعْلًا يقتُلُ مثلُه، وإن فَعَلَ به فِعْلًا لو فَعَلَه الآدَمِىُّ لم يكُنْ عمدًا، لم يَجِبِ القِصاصُ به؛ لأَنَّ السَّبُعَ صار آلةً للآدَمِىِّ، فكان فِعْلُه كفِعْلِه.
فإن أَلْقَاه مَكْتُوفًا بينَ يَدَىِ الأسَدِ، أو النَّمِرِ في فَضاءٍ فقَتَلَه، فعليه القَوَدُ.
وكذلك إن جَمَع بينَه وبينَ حَيَّةٍ في مكانٍ ضَيِّقٍ فنَهَشَتْه فقَتَلَتْه، فعليه القَوَدُ.
وقال القاضى:
الجزء: 25 - الصفحة: 19
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا ضَمانَ عليه في الصُّورَتَيْن.
وهو قولُ أصْحابِ 53 الشافعىِّ؛ لأَنَّ الأسَدَ والحَيَّةَ يَهْرُبان مِن الآدَمِىِّ، ولأَنَّ هذا سَبَبٌ غيرُ مُلْجئ.
ولَنا، أنَّ هذا يَقْتُلُ غالِبًا، فكان عمدًا مَحْضًا، كسائرِ الصُّوَرِ.
وقولُهم: إنَّهما يَهْرُبان.
لا يَصِحُّ، فإنَّ الأسَدَ يَأْخُذُ الآدَمِىَّ المُطْلَقَ، فكيف يَهْرُبُ مِن مَكْتُوفٍ أُلْقِىَ له ليَأْكُلَه! والحَيَّةُ إنَّما تَهْرُبُ في مكانٍ واسِعٍ، أمَّا إذا ضاق المكانُ، فالغالِبُ أنَّها تَدْفَعُ عن نَفْسِها بالنَّهْشِ، على ما هو العادةُ.
وقد ذَكَر القاضى في مَن أُلْقِىَ مكتوفًا في أرْضٍ مَسْبَعَةٍ، أو ذَاتِ حَيَّاتٍ، فقتَلَتْه؛ أنَّ في وُجُوبِ القِصاصِ رِوايَتَيْن، وهذا تَناقُضٌ شَدِيدٌ، فإنَّه نَفَى الضَّمانَ بالكُلِّيَّةِ في صُورَةٍ كان القتلُ فيها أغْلَبَ، وأوْجَبَ القِصاصَ في صُورَةٍ كان فيها أنْدَرَ.
والصَّحيحُ أنَّه لا قِصاصَ ههُنا، ويَجبُ الضَّمانُ؛ لأنَّه فَعَل به فِعْلًا مُتَعَمَّدًا تَلِف به، لا 54 يَقْتُلُ مِثْلُه غالبًا.
وإن
الجزء: 25 - الصفحة: 20
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنْهَشَه حَيَّةً أو سَبُعًا فقَتَلَه، فعليه القَوَدُ، إذا كان ذلك ممَّا يَقْتُلُ غالِبًا.
فإن كان ممَّا لا يَقْتُلُ غالبًا؛ كثُعبانِ الحِجازِ، أو سَبُعٍ صَغيرٍ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، فيه القَوَدُ؛ لأَنَّ الجُرْحَ لا يُعْتَبَرُ فيه غلبةُ 55 حُصُولِ القَتْلِ به، وهذا جُرْحٌ، ولأَنَّ الحَيَّةَ مِن جِنْسِ ما يَقْتُلُ غالِبًا 56. والثانى، هو شِبْهُ عمدٍ؛ لأنَّه لا يَقْتُلُ غالبًا، أشْبَهَ الضَّرْبَ بالسَّوْطِ والعَصَا والحَجَرِ الصَّغِيرِ.
وإن ألْسَعَه عَقْرَبًا مِن القَواتِل، فقَتَلَتْه، فهو كما لو أنْهَشَه حَيَّةً، يُوجِبُ القِصاصَ؛ لأنَّه يَقْتُلُ غالبًا.
فإن كَتَّفَه وألقاه في أرْضٍ غيرِ مَسْبَعَةٍ، فأكَلَه سَبُعٌ، أو نَهَشَتْه حَيَّةٌ، فمات، فهو شِبْهُ عمدٍ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: هو خَطَأٌ مَحْضٌ.
ولَنا، أنَّه فَعَل به فِعْلًا لا 57 يَقْتُلُ
الجزء: 25 - الصفحة: 21
الرَّابع، أَلْقَاهُ فِى مَاءٍ يُغْرِقُهُ، أَوْ نَارٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا فَمَاتَ بِهِ.
مثلُه غالبًا، فأفْضَى إلى إهْلاكِه، أشْبَهَ ما لو ضَرَبَه بعَصًا فمات.
وكذلك إن ألقاه مَشْدُودًا في مَوْضِع لم يُعْهَدْ وُصُولُ زِيادَةِ الماءِ إليه.
فإن كان في مَوْضِعٍ يُعْلَمُ وُصُولُ زِيادَةِ الماءِ إليه في ذلك الوقتِ، فمات به، فهو عَمدٌ مَحْضٌ.
وإن كانْتِ الزِّيادَةُ غيرَ مَعْلُومَةٍ؛ إمّا لكَوْنِها تَحْتَمِلُ الوُجُودَ وعَدَمَه، أو لا تُعْهَدُ أصْلًا، فهو شِبْهُ عمدٍ.
النوعُ (الرابعُ، ألقاه في ماء يُغْرِقُه، أو نارٍ لا يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ منْها) إمّا لكثرةِ الماءِ والنَّارِ، وإمَّا لعَجْزِه عن التَّخَلُّصِ؛ لمرضٍ، أو ضَعْفٍ، أو صِغَرٍ، [أو كونِه مَرْبُوطًا، أو مَنَعَه الخُرُوجَ] 58، أو كونِه في حُفْرَة لا يَقْدِرُ على الصُّعُودِ منها، ونحو هذا، أو ألْقاه في بئرٍ ذاتِ نَفَسٍ 59، فمات به 60، عالِمًا بذلك، فهو كلُّه عمدٌ؛ لأنَّه يَقْتُلُ غالِبًا.
وإن ألقاه في ماءٍ
الجزء: 25 - الصفحة: 22
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يسيرٍ، فقَدَرَ على الخُرُوجِ منه، فلَبِثَ فيه اخْتِيارًا حتى مات، فلا شئَ فيه؛ لأَنَّ هذا الفِعْلَ لم يَقْتُلْه، وإنَّما حَصَلَ مَوْتُه بلُبْثِه فيه، وهو فِعْلُ نَفْسِه، فلم يَضْمَنْه غيرُه.
فإن تَرَكَه في نارٍ يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ منها لقِلَّتِها، أو كونِه في طَرَفٍ منها يُمْكِنُه الخُرُوجُ بأدْنَى حَرَكَةٍ، فلم يَخرُجْ حتى مات، فلا قَوَدَ؛ لأَنَّ هذا لا يَقْتُلُ غالِبًا.
وهل يَضْمَنُه؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَضْمَنُه؛ لأنَّه مُهْلِكٌ لنَفْسِه بإقامَتِه، فلم يَضْمَنْه، كما لو ألقَاه في ماءٍ يسيرٍ، لكنْ يَضْمَنُ ما أصابَتِ النّارُ منه.
والثانى، يَضْمَنُه؛ لأنَّه جانٍ بالإِلقاءِ المُفْضِى إلى الهَلاكِ، وتَرْكُ التَّخَلُّصِ لا يُسْقِطُ الضَّمانَ، كما لو فصَدَه فتَرَكَ شَدَّ فِصادِه مع إمْكانِه، أو جَرَحَه فتَرَكَ مُداوَاةَ جُرْحِه.
وفارَقَ الماءَ اليَسِيرَ، لأنَّه لا يُهْلِكُ بنَفْسِه، ولهذا يَدْخُلُه الناسُ للغُسْلِ والسِّباحَةِ.
وأمّا النارُ فيَسِيرُها يُهْلِكُ.
وإنَّما تُعْلَمُ قُدْرَتُه على التَّخَلُّصِ بقولِه: أنا قادِر على التَّخَلُّصِ.
ونحو 61 هذا؛
الجزء: 25 - الصفحة: 23
الْخَامِسُ، خَنَقَهُ بِحَبْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ سَدَّ فَمَهُ وَأَنْفَهُ، أَوْ عَصَرَ خُصْيَتَيْهِ حَتَّى مَاتَ.
لأَنَّ النّارَ لها حَرارَة شديدةٌ، فرُبَّما أزْعَجَتْه حَرارَتُها عن مَعْرِفَةِ ما يتَخَلَّصُ به، أو 62 أذْهَبَتْ عَقْلَه بألَمِها ورَوْعَتِها.
(الخامسُ، خَنَقَه بحَبْلٍ أوِ غيرِه، أو سَدَّ فَمَه وأنْفَه، أو عَصَر خُصْيَتَيْه حتى مات) إذا مَنَع خُرُوجَ نفَسِه، بأن يَخْنُقَه بحبلٍ أو غيرِه، وهو نوعان؛ أحَدُهما، أن يَخْنُقَه بأن يَجْعَلَ في عُنُقِه خِرَاطَةً 63، ثم يُعَلِّقَه في خشبةٍ أو شئٍ، بحيث يَرْتَفِعُ عن الأرْضِ، فيَخْتَنِقُ ويموتُ، فهذا عمدٌ، سواءٌ مات في الحالِ أو بَقِىَ زَمَنًا؛ لأَنَّ هذا أوْحَى 64 أنْواعِ الخَنْقِ، وهو الذى جَرَتِ العادةُ بفِعْلِه في اللُّصُوصِ وأشْباهِهم مِن المُفْسِدِين.
الثانى،
الجزء: 25 - الصفحة: 24
السَّادِسُ، حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ أَوِ الشَّرَابَ حَتَّى مَاتَ جُوْعًا أَوْ عَطَشًا فِى مُدَّةٍ يَمُوتُ فِى مِثْلِهَا غَالِبًا.
أن يَخْنُقَه وهو على الأرْضِ بيَدَيْه، أو حبلٍ، أو يَغُمَّه بوِسادَةٍ، أو شئٍ يَضَعُه على فِيهِ و 65 أنْفِه، أو يَضَعَ يَدَيْه عليهما فيموتَ، فهذا إن فَعَل به ذلك 66 في مُدَّةٍ يموتُ في مِثْلِها غالِبًا فمات، فهو عَمدٌ فبه القِصاصُ.
وبه قال عُمَرُ بنُ عبد العزيزِ، والنَّخَعِىُّ، الشافعىُّ.
وإن كان في مُدَّةٍ لا يموتُ في مِثْلِها غالِبًا، فهو عمدُ الخَطَأَ.
ويَلْتَحِقُ بذلك ما لو عَصَر خُصْيَتَيه 67 عَصْرًا شديدًا، فقَتَلَه بعَصْرٍ يَقْتُلُ مثلُه غالِبًا.
وإن لم يكنْ كذلك فهو شِبْهُ عمدٍ، إلَّا أن يكونَ ذلك يَسِيرًا في الغايةِ، بحيث لا يُتَوَهَّمُ الموتُ منه، فلا يُوجِبُ ضَمانًا؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ لَمْسِه.
ومتى خَنَقَه وتَرَكَه مُتَألِّمًا حتى مات، ففيه القَوَدُ، لأنَّه مات مِن سرايَةِ جِنايَتِه، فهو كسِرايَةِ الجُرْحِ، وإن تَنَفَّسَ وصَحَّ ثم مات، فلا قَوَدَ؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه لم يَمُتْ منه، فأشْبَهَ ما لو انْدَمَلَ الجُرْحُ ثم مات.
(السادسُ، حَبَسَه ومَنَعَه الطَّعامَ أو الشَّرابَ حتى مات جُوعًا أو عَطَشًا في مُدَّةٍ يموتُ في مثلِها غالِبًا) فعليه القَوَدُ، لأَنَّ هذا يَقْتُلُ غالِبًا.
وهذا
الجزء: 25 - الصفحة: 25
السَّابع، سَقَاهُ سُمًّا لَا يَعْلَمُ بِهِ، أَوْ خَلَطَ سُمًّا بِطَعَامٍ فَأَطْعَمَهُ، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِهِ فَأَكَلَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ، فَمَاتَ،
يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ النّاسِ والزَّمانِ والأحْوالِ، فإذا عَطَّشَه في شِدَّةِ 68 الحَرِّ، مات في الزَّمَنِ القليلِ، وإن كان رَيَّانَ، والزمنُ بارِدٌ أو مُعْتَدِلٌ، لم يَمُتْ إلَّا في زَمَنٍ طويلٍ، فيُعْتَبَرُ هذا فيه.
وإن كان في مُدَّةٍ يموتُ [في مثلِها] 69 غالِبًا، ففيه القَوَدُ.
وإن كان في مدَّةٍ لا يموتُ في مثلِها غالِبًا 70، فهو عمدُ الخَطَأ.
وإن شَكَكْنا فيها، لم يَجِبِ القَوَدُ؛ لأنَّنا شَكَكْنا في السَّبَبِ، ولا يَثْبُتُ الحُكْمُ مع الشَّكِّ في سَبَبِه، سِيّما القِصاصُ الذى يَسْقُطُ بالشُّبُهاتِ.
(السابعُ، سَقاه سُمًّا لا يَعْلَمُ به، أو خَلَطَه بطَعامٍ، فأطْعَمَه، أو خَلَطَه بطعامِه، فأكَلَه وهو لا يَعْلَمُ به، فمات) فعليه القَوَدُ إذا كان مثلُه يَقْتُلُ غالِبًا.
وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: لا قَوَدَ عليه؛ لأنَّه أكَلَه مُخْتارًا،
الجزء: 25 - الصفحة: 26
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأشْبَهَ ما لو قَدَّمَ إليه سِكِّينًا فطَعَنَ بها نَفْسَه، ولأَنَّ أنَسَ بنَ مالكٍ روَى أنَّ يَهُودِيةً أتَتِ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بشاةٍ مَسْمُومَةٍ، فأكَلَ منها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وبِشْرُ ابنُ البَراءِ، فلم يَقْتُلْها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- 71. قال: وهل تَجِبُ الدِّيَةُ؟ فيه قَوْلان.
قُلْنا: حديثُ اليهُودِيةِ حُجَّة لَنا؛ فإنَّ أبا سَلَمَةَ قال فيه: فمات بِشْرٌ، فأمَرَ بها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقُتِلَتْ.
أخْرَجَه أبو داودَ 72. ولأَنَّ هذا يَقْتُلُ غالِبًا، ويُتَّخَذُ طَرِيقًا إلى القَتْلِ كثيرًا، فأوْجَبَ القِصاصَ، كما لو أكْرَهَه على شُرْبِه.
فأمَّا حديثُ أنَسٍ، فلم يَذْكُرْ فيه أنَّ أحدًا مات منه، ولا يجبُ القِصاصُ إلَّا أن يُقْتَلَ به، ويجوزُ أن يكونَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَقْتُلْها قبلَ أن يموتَ بِشْرٌ، فلَمّا مات، أرْسَلَ إليها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فاعْتَرَفَتْ، فقَتَلَها، فنقَل أَنَسٌ صَدْرَ القِصَّةِ دُونَ آخِرِها.
ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه عليه، جمعًا بينَ الخَبَرَيْن، ويجوزُ أن يَتْرُكَ قَتْلَها؛ لكونِها ما قَصَدَتْ قَتْلَ بِشْرٍ، إنَّما قَصَدَتْ قَتْلَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فاخْتَلَّ العَمدُ بالنِّسْبَةِ إلى بِشْر.
وفارَقَ تَقْدِيمَ السِّكِّينِ؛ فإنَّها لا تُقَدَّمُ إلى الإنسانِ ليَقْتُلَ بها نَفْسَه، إنَّما تُقَدَّمُ إليه ليَنْتَفِعَ بها، وهو عالِمٌ بمَضَرَّتِها ونَفْعِها 73، فأشْبَهَ ما لو قُدِّمَ إليه السُّمُّ
الجزء: 25 - الصفحة: 27
فَإِنْ عَلِمَ آكِلُهُ بِهِ وَهُوَ عَاقِلٌ بَالِغٌ، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِ نَفْسِهِ، فَأَكَلَهُ إِنْسَانٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
فَإِنِ ادَّعَى الْقَاتِلُ بِالسُّمِّ: إِنَّنِى
وهو عالِمٌ به.
فأمّا إن أكَلَه عالِمًا (1) به، وهو بالِغٌ عاقِلٌ، فلا ضَمانَ عليه، كما لو قَدَّمَ إليه سِكِّينًا فوَجَأَ بها نَفْسَه.
4047 -
مسألة: (فإن خَلَط السُّمَّ بطعامِ نفسِه، فدَخَلَ إنْسانٌ مَنْزِلَه فأكَلَه، فلا ضَمانَ عليه)
لأنَّه لم يَفْعَلْه (2)، وإنَّما الدّاخِلُ قَتَل نفسَه، فأشْبَهَ ما لو حَفَر في دارِه بئرًا، فدَخَلَ رجل فوَقَعَ فيها.
وسواء قَصَد بذلك قَتْلَ الدّاخِلِ، مثلَ أن يَعْلَمَ أنَّ ظالِمًا يُرِيدُ هُجُومَ دارِه، فتَرَكَ السُّمَّ في الطَّعامِ ليَقْتُلَه، فهو كما لو حَفَر بئرًا في دارِه ليَقَعَ فيها اللِّصُّ إذا دَخَل ليَسْرِقَ منها.
ولو دَخَل رجلٌ بإذْنِه، فأكَلَ الطَّعامَ المَسْمُومَ بغيرِ إذْنِه، لم يَضْمَنْه لذلك.
4048 -
مسألة: (فإنِ ادَّعَى القاتِلُ بِالسُّمِّ: إنَّنِى لم أعْلَمْ أنَّه سُمٌّ
7475 الحديث: 4047 - الجزء: 25 - الصفحة: 28
لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ سُمٌّ قَاتِلٌ.
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُه، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَيُقْبَلُ فِى الآخَرِ، وَتَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ.
قاتِلٌ.
لم يُقْبَلْ قولُه في أحَدِ الوَجْهَيْن) لأَنَّ السُّمَّ مِن جِنْسِ ما يَقْتُلُ غالِبًا، فأشْبَهَ ما لو جَرَحَه وقال: لم أعْلَمْ أنَّه يموتُ منه.
والثانى، لا قَوَدَ عليه؛ لأنَّه يجوزُ 76 أن يَخْفى عليه أنَّه قاتِلٌ، وهذا شُبْهَةٌ يَسْقُطُ بها 77 القَوَدُ، فيكونُ شِبْهَ عمدٍ.
فصل: فإن سَقَى إنْسانًا سُمًّا، أو خَلَطَه بطَعَامِه، فأكَلَ وهو لا يَعْلَمُ به، وكان 78 ممّا 79 لا يَقْتُلُ مثلُه غالِبًا، فهو شِبْهُ عمدٍ.
فإنِ اخْتُلِفَ فيه، هل يَقْتُلُ غالِبًا أو لا؟ [وثَمَّ] 80 بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ، عُمِل بها.
وإن قالت 81: تَقْتُلُ
الجزء: 25 - الصفحة: 29
الثَّامِنُ، أَنْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ غَالِبًا.
النِّضْوَ الضَّعِيفَ دُونَ القَوِىِّ.
أو غيرَ ذلك، عُمِل على حَسَبِ ذلك.
فإن لم يكُنْ مع أحَدِهما بَيِّنَةٌ، فالقولُ قولُ السَّاقِى؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ القِصاصِ، فلا يَثْبُتُ بالشَّكِّ، ولأنَّه أعْلَمُ بصِفَةِ ما يَسْقِى.
فإن ثَبَت أنَّه قاتِلٌ فقال: لم أعْلَمْ به.
ففيه الوَجْهان المَذْكُوران.
(الثامنُ، أن يَقْتُلَه بسِحْرٍ يَقْتُلُ غالِبًا) فيَلْزَمُه القَوَدُ؛ لأنَّه قَتَلَه بما يَقْتُلُ غالِبًا، فأشْبَهَ قَتْلَه بالسِّكِّينِ.
وإن كان ممَّا لا يَقْتُلُ غالِبًا، أو كان ممّا يَقْتُلُ ولا يَقْتُلُ، ففيه الدِّيَةُ دُونَ القِصاصِ؛ لأنَّه عمدُ الخَطَأ، فأشْبَهَ ضَرْبَ العَصَا.
الجزء: 25 - الصفحة: 30
التَّاسِعُ، أَنْ يَشْهَدَا عَلَى رَجُل بِقَتْل عَمْدٍ، أَوْ زِنًى، أَوْ رِدَّةٍ فَيُقْتَلَ بِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعَا وَيَقُولَا: عَمَدْنَا قَتْلَهُ.
أَوْ يَقُولَ الْحَاكِمُ: عَلِمْتُ كَذِبَهُمَا، وَعَمَدْتُ قَتْلَهُ.
أَوْ يَقُولَ ذَلِكَ الْوَلِى.
فَهَذَا كُلُّهُ عَمْدٌ مَحْضٌ مُوجبٌ لِلْقِصَاصِ إِذَا كَمَلَتْ شُرُوطُهُ.
(التاسعُ، أن يَشْهَدا على رجلٍ بقَتْلٍ عَمْدٍ، أو زِنًى، أو رِدَّةٍ، فيُقْتَلَ بذلك، ثم يَرْجِعا ويقولا: عَمَدْنا قَتْلَه.
أو يقولَ الحاكمُ: عَلِمْتُ كَذِبَهما، وعَمَدْتُ قَتْلَه.
أو يقولَ ذلك الوَلِىُّ، فهذا كلُّه عما مَحْضٌ مُوجِبٌ للقِصاصِ إذا كَمَلَتْ شُرُوطُه) وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قِصاصَ عليهما؛ لأنَّه بسَبَبٍ غيرِ مُلْجِئٍ، فلا يُوجِبُ القِصاصَ، كحَفْرِ البئْرِ.
ولَنا، ما روَى القاسمُ بنُ عبدِ الرحمنِ، أنَّ رَجُلَيْن شَهِدا عندَ على، كَرَّمَ اللَّه وَجْهَه، على رجلٍ أنَّه سَرَق، فقَطَعَه، ثُمَّ رَجَعا عن شَهادَتِهِما، فقال علىٌّ: لو أعْلَمُ أنَّكما
الجزء: 25 - الصفحة: 31
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَعَمَّدْتُما، لقَطَعْتُ أيْدِيَكما.
وغَرَّمَهما دِيَةَ يَدِهْ 82. ولأنَّهما تَوَصَّلا إلى قَتْلِه بسَبَبٍ يَقْتُلُ غالِبًا، فوَجَبَ عليهما القِصاصُ، كالمُكْرَهِ 83. وكذلك الحاكمُ إذا حَكَم على رجل بالقَتْلِ عالِمًا بذلك مُتَعَمِّدًا، فقَتَلَه، و 84 اعْتَرَفَ بذلك، وجَبَ القِصاصُ، والكلامُ فيه كالكلامِ في الشّاهِدَيْن، ولو أنَّ الوَلِىَّ الذى باشَرَ قَتْلَه أقَرَّ بعِلْمِه بكَذِبِ الشُّهُودِ وتَعَمُّدِ قَتْلِه، فعليه القِصاصُ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
فإن أقَرِّ الشّاهِدان والحاكمُ والوَلِىُّ جميعًا بذلك، فعلى الوَلِىِّ القِصاصُ؛ لأنَّه باشَرَ القَتْلَ عمدًا عُدْوانًا 85. ويَنْبَغِى أن لا يَجِبَ على غيرِه شئٌ؛ لأنَّهم مُتَسَبِّبُون،
الجزء: 25 - الصفحة: 32
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمُباشَرَةُ تُبْطِلُ حكمَ المُتَسَبِّبِ، كالدّافِعِ مع الحافِرِ.
ويُفارِقُ هذا ما إذا 86 لم يُقِرَّ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ حُكْمُ مُباشَرَةِ القَتْلِ في حَقِّه ظُلْمًا، فكان وُجُودُه كعَدَمِه.
ويكونُ القِصاصُ على الشَّاهِدَيْن والحاكِمِ؛ لأَنَّ الجميعَ مُتَسَبِّبُون.
وإن صار الأمْرُ إلى الدِّيَةِ، فهى عليهم أثْلاثًا.
ويَحْتَمِلُ أن يتَعَلَّقَ الحكمُ بالحاكم وحدَه؛ لأَنَّ سَبَبَه أخَصُّ مِن سَبَبِهم، فإنَّ حُكْمَه واسِطَةٌ بينَ شَهادَتِهم وقَتْلِه، فأشْبَه المُباشِرَ مع المُتَسَبِّبِ.
فإن كان الوَلِىُّ المُقِرُّ بالتَّعَمُّدِ لم يُباشِرِ القَتْلَ، وإنَّما وَكَّلَ فيه، فأقَرَّ الوَكِيلُ بالعِلْمِ وتَعَمُّدِ القَتْلِ
الجزء: 25 - الصفحة: 33
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ظُلْمًا، فهو القاتِلُ وحدَه؛ لأنَّه مُباشِرٌ للقَتْلِ عَمدًا ظُلْمًا مِن غيرِ إكرْاهٍ، فتَعَلَّقَ الحكمُ به، كما لو قَتَل في غيرِ هذه الصُّورَةِ، وإن لم يَعْتَرِفْ بذلك، فالحكمُ مُتَعَلِّقٌ بالوَلِىِّ، كما لو باشَرَه.
الجزء: 25 - الصفحة: 34
فَصْلٌ: وَشِبْهُ الْعَمْدِ أَنْ يَقْصِدَ الْجِنَايَةَ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا فَيَقْتُلَ؛ إِمَّا لِقَصْدِ الْعُدْوَانِ عَلَيْهِ، أَوْ لِقَصْدِ التَّأْديِبِ لَهُ، فَيُسْرِفَ فِيهِ، نَحْوَ أَنْ يَضْرِبَهُ بِسَوْطٍ، أَوْ عَصًا، أو حَجَر صَغَيرٍ، أَوْ يَلْكُزَهُ، أَوْ يُلْقِيَهُ فِى مَاءٍ قَلِيلٍ، أَوْ يَقْتُلَهُ بِسِحْر لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَسَائِرِ مَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، أَوْ يَصِيحَ بِصَبِىٍّ أو مَعْتُوهٍ وَهُمَا عَلَى سَطْحٍ فَيَسْقُطَا، أَوْ يَغْتَفِلَ عَاقِلًا فَيَصِيحَ بِهِ فَيَسْقُطَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
فصل
: قال، رَضِىَ اللَّهُ عنه: (وشِبْهُ العمدِ أن يَقْصِدَ الجِنايةَ بما لا يَقْتُلُ غالِبًا فيقْتُلَ؛ إمَّا لقَصْدِ العُدْوانِ عليه، أو لقَصْدِ التَّأْديبِ له، فيُسْرِفَ فيه، كالضَّرْبِ بالسَّوْطِ، والعَصا، والحَجَرِ الصَّغيرِ، أو يَلْكُزَه بيَدِه، أو يُلْقِيَه في ماءٍ يَسِير، أو يَقْتُلَه بسِحْرٍ لا يقْتُلُ غالِبًا، وسائرِ ما لا يَقْتُلُ غالِبًا، أو يَصِيحَ بصَبِىٍّ أو مَعْتُوهٍ وهما على سَطْحٍ فيَسْقُطا، أو يَغْتَفِلَ
الجزء: 25 - الصفحة: 36
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عاقِلًا فيَصِيحَ به فيَسْقُطَ) فهو شِبْهُ عَمْدٍ إذا قَتَل؛ لأنَّه قَصَدَ الضَّرْبَ دُونَ القَتْلِ، ويُسَمَّى خَطَأَ العمدِ، وعمدَ الخَطَأَ؛ لاجْتِماعِ العَمْدِ والخَطَأَ فيه، فإنَّه عَمَد الفِعْلَ، وأخْطَأَ في القَتْلِ، فهذا لا قَوَدَ فيه.
والدِّيَةُ على العاقِلَةِ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وجَعَلَه مالكٌ عمدًا في بعضِ ما حُكِىَ عنه مُوجِبًا للقِصاصِ؛ لأنَّه ليس في كتابِ اللَّه إلَّا العمدُ والخطأُ، فمَن زاد قِسْمًا ثالثًا، زاد على النَّصِّ، ولأنَّه قَتَلَه بفِعْلٍ عَمَدَه، فكان عمدًا، كما لو غَرَزَه بإبْرَةٍ.
وحُكِىَ عنه مثلُ قولِ الجماعةِ.
وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: تجبُ الدِّيَةُ في مالِ القاتلِ.
وهو قول ابنِ شبْرُمَة؛ لأنَّه مُوجَبُ فِعْلٍ عَمْدٍ، فكان في مالِ القاتِلِ، كسائِرِ جِناياتِ العَمدِ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: اقْتَتَلَتِ امْرأتانِ مِن هُذَيْلٍ، فرَمَتْ إحْداهُما الأُخرى بحَجَرٍ، فقَتَلَتْها وما في بَطْنِها، فقَضَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّ دِيَةَ
الجزء: 25 - الصفحة: 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جَنِينِها عَبْدٌ أو وَلِيدَةٌ، وقَضَى بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها.
مُتَّفَقٌ عليه 87. فأوْجَبَ دِيَتَها على العاقلةِ، والعاقلةُ لا تَحْمِلُ العمدَ.
وأيضًا قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ألَا إنَّ في قَتِيلِ خَطَأُ العَمْدِ، قَتِيلِ السَّوْطِ والعَصَا والحَجَرِ، مِائةً مِنَ الإبِلِ» 88. وفى لَفْظٍ أنَّ النَّبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «عَقْلُ شِبْهِ العَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ العَمْدِ، ولَا يُقْتَلُ صَاحِبُه».
رَواه أبو داودَ 89. وهذا نَصٌّ.
وقولُه: هذا قِسْمٌ ثالث.
قلنا: نعم، هذا ثَبَتَ بالسُّنَّةِ، والقِسْمان الأوَّلان ثَبَتا بالكِتابِ، ولأنَّه قَتْلٌ لا يُوجِبُ القَوَدَ، فكانت دِيَتُه على العاقِلةِ، كقتلِ الخَطَأَ.
الجزء: 25 - الصفحة: 38
فَصْلٌ: وَالْخَطَأُ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ أَحَدُهُما، أَنْ يَرْمِىَ الصَّيْدَ، أَوْ يَفْعَلَ مَا لَهُ فِعْلُهُ، فَيَقْتُلَ إِنْسَانًا، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
فصل
: (والخَطَأُ على ضَرْبَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ يَرْمِىَ الصَّيْدَ، أو يفعلَ ما له فِعْلُه) فيَئُولَ إلى إتْلافِ إنسانٍ مَعْصُوم (فعليه الكَفَّارَةُ، والدِّيَةُ على العاقِلةِ) بغيرِ خِلافٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 90: أجْمَعَ كلُّ مَن أحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، أنَّ القتلَ الخَطَأَ، أنَّ يَرْمِىَ الرَّامِى شيئًا، فيُصِيبَ غيرَه، لا أعْلَمُهم يَخْتَلِفُون فيه، هذا قولُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وقَتادَةَ، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، وابنِ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى.
والأَصْلُ في وُجُوب الدِّيَةِ والكفَّارةِ قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ 91. وسواءٌ كان المَقْتُولُ مسلمًا أو كافِرًا له عهدٌ؛ لقول اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (2). ولا قِصاصَ في شئٍ مِن هذا؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى
الجزء: 25 - الصفحة: 39
الثَّانِى، أَنْ يَقْتُلَ فِى دَارِ الْحَرْبِ مَنْ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا، وَيَكُونُ مُسْلِمًا، أَو يَرْمِىَ إلَى صَفِّ الْكُفَّارِ، فَيُصِيبَ مُسْلِمًا، أو يَتَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بمُسْلِمٍ، وَيَخَافُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِنْ لَمْ يَرْمِهِمْ، فَيَرْمِيَهُمْ، فَيَقْتُلَ الْمُسْلِمَ.
فَهذَا فِيهِ الْكَفَّارَةُ.
وَفِى وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ
أوْجَبَ به الدِّيَةَ، ولم يَذْكُرْ قِصاصًا، وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رُفِعَ عَنْ أُمُّتِى الخَطَأُ، والنِّسْيانُ، وما اسْتُكْرِهُوا عليه» 92. ولأنَّه لم يُوجِبِ القِصاصَ في عَمْدِ الخَطَأ، ففى الخَطَأُ أَوْلَى.
الضَّرْبُ (الثانى، أن يَقْتُلَ في دارِ الحربِ مَن يَظُنُّه حَرْبِيًّا، ويكونُ مسلمًا، أو يَرْمِىَ إلى صَفِّ الكُفَّارِ، فيُصِيبَ مسلمًا، أو يَتَتَرَّسَ الكفَّارُ بمسلمٍ، ويَخافُ على المسلمين إن لم يَرْمِهم، فيَرْمِيَهم فيَقْتُلَ المسلمَ، فهذا تجِبُ به الكفَّارَةُ) رُوِى ذلك عن ابنِ عباسٍ.
وبه قال عطاءٌ، ومجاهِدٌ، وعَكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والأوْزاعِىُّ، وأبو حنيفةَ (وفى وُجُوبِ الدِّيَةِ على
الجزء: 25 - الصفحة: 40
رِوَايَتَانِ.
العاقِلةِ رِوايتان) إحْداهما، تجِبُ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾.
وقال عليه السلامُ: «ألَا إنَّ في قَتِيلِ خَطَأَ العَمْدِ، قَتِيلِ السَّوْطِ والعَصَا، مائَةً مِنَ الإِبِلِ».
ولأنَّه قَتَل مسلمًا خَطَأً، فوَجَبَتْ دِيَتُه، كما لو كان في دارِ الإِسلام.
والثانيةُ، لا تجِبُ الدِّيَةُ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
الجزء: 25 - الصفحة: 41
وَالَّذِى أُجْرِىَ مُجْرَى الْخَطَأَ، كَالنَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى إِنْسَانٍ، فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يَقْتُلُ بِالسَّبَبِ، مِثْلَ أَنْ يَحْفِرَ بِئْرًا، أَوْ يَنْصِبَ سِكِّينًا أَوْ حَجَرًا فَيَئُولَ إِلَى إِتْلَافِ إِنْسَانٍ، وَعَمْدِ الصَّبِىِّ وَالْمَجْنُونِ، فَهَذَا كُلُّه لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِى مَالِهِ.
ولم يَذْكُرْ دِيَةً، وتَرْكُه ذِكْرَها في هذا القِسْمِ مع ذِكْرِها في الذى قبلَه وبعدَه، ظاهِرٌ في أنَّها غيرُ واجِبَةٍ، وذِكْرُه لهذا قِسْمًا مُفْرَدًا يَدُلُّ على أنَّه لم يَدْخُلْ في عُمُومِ الآيةِ التى احْتَجُّوا بها، ويُخَصُّ بها عُمُومُ الخَبَرِ الذى رَوَوْه.
وهذه ظاهِرُ المذهبِ.
4049 -
مسألة: (والذى أُجْرِىَ مُجْرَى الخَطَأَ، كالنَّائِمِ يَنْقَلِبُ على إنْسَانٍ فيَقْتُلُه، أو يَقْتُلُ بالسَّبَبِ، مِثْلَ أنَّ يَحْفِرَ بِئْرًا، أو يَنْصِبَ سِكِّينًا أو حَجَرًا، فيَئُولَ إلى إتْلافِ إنْسانٍ، وعمدِ الصَّبِىِّ والمجْنُونِ، فهذا كلُّه لا قِصاصَ فيه، والدِّيَةُ على العاقِلةِ، وعليه الكَفَّارةُ في مالِه)
لأنَّه خَطَأٌ، فيكونُ هذا حُكْمَه؛ لِما ذكَرْنا.
الحديث: 4049 - الجزء: 25 - الصفحة: 42
فَصْلٌ: وَتُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ.
وَعَنْهُ، لَا يُقْتَلُونَ.
وَالْمَذْهَبُ الأَوَّلُ.
فصل
: قال، رَحِمَه اللَّهُ: (وتُقْتَلُ الجماعةُ بالواحدِ) إذا كان فِعْلُ كلِّ واحدٍ منهم لو انْفَرَدَ أوْجَبَ القِصاصَ عليه.
رُوِى ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، والمُغِيرَةِ بنِ شعْبَةَ، وابنِ عَباسٍ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبُ، والحسنُ، وأبو سَلَمَةَ، وعطاءٌ، وقَتادَةُ.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، [وإسحاقَ] 93، أبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْى.
وعن أحمدَ رواية أُخْرَى، لا يُقْتَلُونَ، وتجِبُ عليهم الدِّيَةُ.
والمَذْهَبُ الأَوَّلُ.
يُرْوَى ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ 94، والزُّهْرِىِّ، وابنِ سِيرِينَ، وحَبِيبِ بنِ أبى ثابِتٍ، وعبدِ الملكِ، ورَبِيعةَ، وداودَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وحكاه ابنُ أبى مُوسى عن ابنِ عباسٍ.
ورُوِىَ 95 عن مُعاذِ بنِ جبلٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، والزُّهْرِىِّ، أنَّه يَقْتُلُ منهم واحِدًا، ويَأْخُذُ مِن الباقِين
الجزء: 25 - الصفحة: 43
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حِصَصَهم مِن الدِّيَةِ؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهم مكافِئٌ له، فلا يَسْتَوفِى [أبْدالًا بمُبْدَلٍ] 96 واحدٍ، كما لا تجبُ دِياتٌ لمَقْتُولٍ واحدٍ، ولأَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ 97. وقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ 98. ومُقْتَضاه أنَّه لا يُؤْخَذُ بالنَّفْسِ أكثرُ مِن نفسٍ واحدةٍ، ولأَنَّ التَّفاوُتَ في الأوْصافِ يَمْنَعُ، بدليلِ أنَّ الحُرَّ لا يُؤْخَذُ بالعَبْدِ، فالتَّفاوُتُ في العَدَدِ أَوْلَى.
قال ابنُ المُنْذِرِ 99: لا حُجَّةَ مع مَن أوْجَبَ قَتْلَ الجماعةِ بواحدٍ.
ولَنا، إجْماعُ الصحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فرَوَى سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ، قَتَلَ سَبْعَةً مِن أهلِ صَنْعاءَ قَتَلُوا رجلًا، وقال: لو تَمَالأَ عليه أهلُ صَنْعاءَ لقَتَلْتُهم جميعًا 100. وعن
الجزء: 25 - الصفحة: 44
وَإِنْ جَرَحَهُ أحَدُهُمَا جُرْحًا وَالْآخَرُ مِائَةً، فَهُمَا سَوَاءٌ فِى الْقِصَاصَ وَالدِّيَةِ.
علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قَتَل ثلاثةً قَتَلُوا رجلًا (1). وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه قَتَل جماعةً بواحدٍ (2). ولم يُعْرَفْ لهم في عَصْرِهم مُخَالِفٌ، فكان إجْماعًا، ولأنَّها عُقُوبَةٌ تجِبُ للواحدِ على الواحدِ، فوَجَبَتْ للواحدِ على الجماعةِ، كحَدِّ القَذْفِ.
ويُفارِقُ الدِّيَةَ؛ فإنَّها تَتَبَعَّضُ، والقِصاصُ لا يَتَبَعَّضُ، ولأَنَّ القِصاصَ لو سَقَط بالاشْتِراكِ، أدَّى إلى التَّسارُعِ إلى القَتْلِ به، فيُؤَدِّى إلى إسْقاطِ حِكْمةِ الرَّدْعِ والزَّجْرِ.
4050 -
مسألة: (وإن جَرَحَه أحَدُهما جُرْحًا والآخَرُ مائَةً، فهما
101102 الحديث: 4050 - الجزء: 25 - الصفحة: 45
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سواءٌ في القِصاصِ والدِّيَةِ) وجملةُ ذلك، أنَّه لا يُعْتَبَرُ في وُجُوب القِصاصِ على المُشْتَرِكِين التَّساوِى في سَبَبه، فلو جَرَحَه أحَدُهما جُرْحًا والآخَرُ مِائَةً، أو أوْضَحَه أحَدُهما وشَجَّه الآخَرُ آمَّةً، أو أحَدُهما جائِفَةً والآخَرُ غيرَ جائِفَةٍ، فمات، كانا سواءً في القِصاصِ والدِّيَةِ؛ لأَنَّ اعْتِبارَ التَّساوِى يُفْضِى إلى سُقُوطِ القِصاصِ عن المُشْترِكِين، إذ لا يكادُ جُرْحان يَتَساوَيان مِن كلِّ وَجْهٍ، ولو احْتَمَلَ التَّساوِى لم يَثْبُتِ الحُكْمُ؛ لأَنَّ الشَّرْطَ يُعْتَبَرُ العِلْمُ بوُجُودِه، ولا يُكْتَفَى باحْتِمالِ الوُجُودِ، بل الجَهْلُ بوُجُودِه كالعِلْمِ بعَدَمِه في انْتفاءِ 103 الحُكْمِ، ولأَنَّ الجُرْحَ الواحِدَ يَحْتَمِلُ أنَّ يموتَ منه دُونَ المائةِ، كما يَحْتَمِلُ أن يموتَ مِن المُوضِحَةِ دُونَ الآمَّةِ، ومِن غيرِ الجائِفَةِ دُونَ الجائِفَةِ، ولأَنَّ الجِراحَ إذا صارت نَفْسًا 104 سَقَط اعْتِبارُها، فكان حُكْمُ الجماعةِ كحُكْمِ الواحِدِ، ألا تَرَى أنَّه لو قَطَع أطْرافَه كلَّها فمات، وَجَبَتْ دِيَةٌ واحدةٌ، كما لو قَطَع طَرَفَه فمات.
فصل: إذا اشْتَرَكَ ثلاثةٌ في قَتْلِ رجلٍ، فقَطَعَ أحَدُهم يَدَه، والآخَرُ رِجْلَه، وأوْضَحَه ثالثٌ، فمات، فللوَلِىِّ قَتْلُ 105 جميعِهم، والعفوُ عنهمِ إلى الدِّيَةِ، فيَأْخُذُ مِن كلِّ واحدٍ ثُلُثَها، وله أن يَعْفُوَ عن واحدٍ، فيأخذ منه ثُلُثَ الدِّيَةِ، ويَقْتُلَ الآخرَيْن، وأن يَعْفُوَ عن اثْنَيْن، فيَأْخُذَ منهما ثُلُثَى
الجزء: 25 - الصفحة: 46
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدِّيَةِ، ويَقْتُلَ الثالثَ.
فإن بَرَأتْ جراحَةُ أحَدِهم، ومات مِن الجُرْحَيْن الآخَرَيْن، فله أن يَقْتَصَّ مِن الذى بَرَأ جُرْحُه بمثلِ جُرْحِه، ويَقْتُلَ الآَخرَيْن أو يَأْخُذَ منهما دِيَةً كاملةً، أو يَقْتُلَ أحَدَهما ويَأْخُذ مِن الآخرِ نِصْفَ الدِّيَةِ، وله أنَّ يَعْفُوَ عن الذى بَرَأَ جُرْحُه ويَأْخُذَ منه دِيَةَ جُرْحِه.
فإنِ ادَّعَى المُوضِحُ أنَّ جُرْحَه بَرَأ قبلَ موتِه، وكَذَّبَه شَرِيكاه، نَظَرْتَ في الوَلِىِّ؛ فإن صَدَّقَه ثَبَت حكمُ البُوْءِ بالنِّسْبَةِ إليه، فلا يَمْلِكُ قَتْلَه، ولا مُطالَبَتَه بثُلُثِ الدِّيَةِ، وله أن يَقْتَصَّ منه مُوضِحَةً أو يَأْخُذَ منه أرْشَها، ولم يُقْبَلْ قولُه في حَقِّ شَرِيكَيْه 106؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ البُرْء فيها، لكنْ إنِ اخْتارَ الوَلِىُّ القِصاصَ، فلا فائدةَ لهما في إنْكارِ ذلك؛ لأَنَّ له أنَّ يَقْتُلَهُما، سواءٌ بَرَأتْ أو لم تَبْرَأْ.
وإنِ اخْتَارَ الدِّيَةَ، لم يَلْزَمْهما أكْثَرُ مِن ثُلُثَيْها.
وإن كَذَّبَه الوَلِى، حَلَف، وله الاقْتِصاصُ 107 منه، أو مُطالَبَتُه بثُلُثِ الدِّيَةِ، ولم يكنْ له مُطالَبَةُ شَرِيكَيْه 108 بأكثرَ مِن ثُلُثَيْها.
وإن شَهِد له شَرِيكاه ببُرْئِها، لَزِمَهما الدِّيَةُ كاملةً؛ لإِقْرارِهما بوُجُوبِها، وللوَلِىِّ أخْذُها منهما إن صَدَّقَهما، وإن لم يُصَدِّقْهما وعَفا إلى الدِّيَةِ، لم يكنْ له أكثرُ مِن ثُلُثَيْها 109؛ لأنَّه لا 110 يَدَّعِى أكثرَ مِن ذلك.
وتُقْبَلُ شَهادَتُهما إن كانا قد تابا و 111 عُدِّلا؛ لأنَّهما لا
الجزء: 25 - الصفحة: 47
وَإِنْ قَطَعَ أحَدُهُمَا مِنَ الْكُوعِ، ثُمَّ قَطَعَهُ الْآخَرُ مِنَ الْمِرْفَقِ، فَهُمَا قَاتِلَانِ.
يَجُرَّان إلى أنْفُسِهما بذلك نَفْعًا، فيَسْقُطُ القِصاصُ، ولا يَلْزَمُه أكثرُ مِن أرْشِ مُوضِحَةٍ.
4051 -
مسألة: (وإن قَطَع أحَدُهما)
يَدَه (مِن الكُوِعِ، والآخَرُ مِن المِرْفَقِ، فهما قاتلان) أمَّا إذا بَرَأتْ جراحَةُ الأَوَّلِ قبلَ قَطْعِ الثانى، فالقاتلُ الثانى وحدَه، وعليه القَوَدُ، أو الدِّيَةُ كاملةً إن عَفَا عن قَتْلِه، وله قَطْعُ يَدِ الأَوَّلِ، أو 112 نِصْفُ الدِّيَةِ.
وإن لم تَبْرَأْ، فهما قاتلان، وعليهما القِصاصُ في النَّفْسِ، أو الدِّيَةُ إن عَفَا عنهما.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: القاتِلُ هو الثانى وحدَه، ولا قِصاصَ على الأَوَّلِ في النَّفْسِ؛ لأَنَّ قَطْعَ الثانى قَطْعُ سِرايةٍ، قَطَعَه ومات بعدَ زَوالِ جِنايَتِه، فأشْبَهَ ما لو انْدَمَلَ جُرْحُه.
وقال مالكٌ: إن قَطَعَه الثانى عَقِيبَ قَطْعِ الأَوَّلِ، قُتِلا جميعًا، وإن عاش بعدَ قَطْعِ الأَوَّلِ حتى أكَلَ وشرِبَ، ومات عَقِيبَ قَطْعِ الثانى، فالقاتلُ هو الثانى وحدَه، وإن عاش بعدَهما حتى أكَلَ وَشَرِب، فللأولِياءِ أنَّ يُقْسِمُوا على أيِّهما شَاءُوا 113 ويَقْتُلُوه.
ولَنا، أنَّهما
الحديث: 4051 - الجزء: 25 - الصفحة: 48
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَطْعان لو مات بعدَ كلِّ واحدٍ منهما وحدَه، لوَجَبَ عليه القِصاصُ، فإذا مات بعدَهما، وَجَب عليهما القِصاصُ، كما لو كانا في يَدَيْنِ، ولأَنَّ القَطْعَ الثَّانىَ لا يَمْنَعُ حَياتَه بعدَه، فلا يَسْقُطُ حُكْمُ ما قبلَه، كما لو كانا في يَدَيْن.
ولا نُسَلِّمُ زَوالَ جِنايَتِه، ولا قَطْعَ سِرايَتِه، فإنَّ الألَمَ الحاصلَ بالقَطْعِ الأَوَّلِ لم يَزُلْ، وإنَّما انْضَمَّ إليه الألمُ الثانى، فضَعُفَتِ النَّفْسُ عنِ احْتِمالِهما، فزَهَقَتْ بهما، فكان القَتْلُ بهما.
ويُخالِفُ الانْدِمالَ، فإنَّه لا يَبْقَى معه الألمُ الذى حَصَل في الأعْضاءِ الشَّرِيفَةِ، فافْتَرَقا.
وإنِ ادَّعَى الأَوَّلُ أنَّ جُرْحَه انْدَمَلَ، فصَدَّقَه الوَلِىُّ، سَقَط عنه القَتْلُ، ولَزِمَه القِصاصُ في اليَدِ أو نِصْفُ الدِّيَةِ.
وإن كَذَّبَه شَرِيكُه واخْتارَ الوَلِىُّ القِصاصَ، فلا فائدةَ له في تَكْذِيبِه؛ لأَنَّ قَتْلَه واجِبٌ.
وإن عَفا عنه إلى الدِّيَةِ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، ولا يَلْزَمُه أكثرُ مِن نِصْفِ الدِّيَةِ.
وإن كَذَّبَ الوَلِىُّ الأوَّلَ، حَلَف، وكان له قَتْلُه؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ ما ادَّعاه.
وإنِ ادَّعَى الثانى انْدِمالَ جُرْحِه، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في الأَوَّلِ إذا ادَّعَى ذلك.
الجزء: 25 - الصفحة: 49
وَإِنْ فَعَلَ أَحَدُهُمَا فِعْلًا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ، كَقَطْعِ حُشْوَتِهِ، أَوْ مَرِيئِهِ، أَوْ وَدَجَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ،
4052 - مسألة: (وإن فَعَل أحَدُهما فِعْلًا لا تَبْقَى معه الحَياةُ، كقَطْعِ حُشْوَتِه، أو مَرِيِئِه، أو وَدَجَيْه، ثم ضَرَب عُنُقَه آخَرُ، فالقاتِلُ
الحديث: 4052 - الجزء: 25 - الصفحة: 50
وَيُعَزَّرُ الثَّانِى، وَإِنْ شَقَّ الْأَوَّلُ بَطْنَهُ، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِى عُنُقَهُ، فَالثَّانِى هُوَ الْقَاتِلُ، وَعَلَى الأَوَّلِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَ بِالْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ.
هو الأَوَّلُ، ويُعَزَّرُ الثانى، وإن شَقَّ الأَوَّلُ بَطْنَه، أو قَطَع يَدَه، ثم ضَرَب الثانى عُنُقَه، فالثَّانى هو القاتلُ، وعلى الأَوَّلِ ضَمانُ ما أتلَفَ بالقِصاصِ أو الدِّيَةِ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا جَنَى عليه اثْنان جِنايَتَيْن، نَظَرْنا؛ فإن كانتِ الأُولَى أَخْرَجَتْه مِن حُكْمِ الحياةِ، مثلَ قَطْعِ حُشْوَتِه وإبانَتِها منه، أو ودَجَيْه 114، ثم ضَرَب عُنُقَه الثانى، فالأوَّلُ هو القاتلُ؛ لأنَّه لا يَبْقَى مع جِنايَتِه حياةٌ، والقَوَدُ عليه خاصَّةً، ويُعَزَّرُ الثانى، كما لو جَنَى على مَيِّتٍ.
وإن عَفَا الوَلِىُّ إلى الدِّيَةِ، فهى على الأَوَّلِ وحدَه.
وإن كان جُرْحُ الأَوَّلِ تَبْقَى الحياةُ معه، مثلَ شَقِّ البَطْنِ مِن غيرِ إبانَةِ الحُشْوَةِ، أو قَطْعِ طَرَفٍ،
الجزء: 25 - الصفحة: 51
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم ضَرَب عُنُقَه آخَرُ، فالثانى هو القاتلُ؛ لأنَّه لم يَخْرُجْ بجُرْحِ الأَوَّلِ مِن 115 حُكْمِ الحياةِ، فيكونُ الثانى هو المُفَوِّتَ لها، فعليه القِصاصُ في النَّفْسِ، والدِّيَةُ كاملةً إن عَفا عنه.
ثم نَنْظُرُ في جُرْحِ الأَوَّلِ، فإن كان مُوجِبًا للقِصاصِ، كقَطْعِ الطَّرَفِ، فالوَلِىّ مُخَيَّرٌ بينَ قَطْعِ طَرَفِه والعَفْوِ على دِيَتِه، أو العَفْوِ مُطْلَقًا، وإن كان لا يُوجِبُ القِصاصَ، كالجائِفَةِ ونحوِها، فعليه الأَرْشُ.
وإنَّما جَعَلْنا عليه القِصاصَ؛ لأَنَّ الثانىَ بفِعْلِه قَطَع سِرايَةَ الأَوَّلِ، فصار كالمُنْدَمِلِ الذى لا يَسْرِى.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
ولا أعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
ولو كان جُرْحُ الأَوَّلِ يُفْضِى إلى المَوْتِ لا مَحالةَ، إلَّا أنَّه لا يَخْرُجُ به مِن حُكْمِ الحياةِ، وتَبْقَى معه الحياةُ المُسْتَقِرَّةُ، مثلَ خَرْقِ المِعَى، أو أُمِّ الدِّماغِ، فضَرَبَ الثانى عُنُقَه، فالقاتلُ هو الثانى؛ لأنَّه فَوَّتَ حياةً مُسْتَقِرَّةً، وقَتَل مَن هو في حُكْمِ الحياةِ، بدليلِ أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، لَمَّا جُرِح دَخَل عليه الطَّبِيبُ فسَقَاه لَبَنًا، فخَرَجَ يَصْلِدُ 116، فعَلِمَ الطَّبِيبُ أنَّه مَيِّت، فقال: اعْهَدْ إلى الناسِ.
الجزء: 25 - الصفحة: 52
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فعَهِدَ إليهم وأوْصَى، وجَعَل الخِلافَةَ إلى أهلِ الشُّورَى، فقَبِلَ الصحابةُ عَهْدَه، وأجْمَعُوا على قَبُولِ وَصَاياه 117. لمَّا كان حُكْمُ الحياةِ باقِيًا، كان الثَّانى مُفَوِّتًا لها، فكان هو القاتلَ، كما لو قَتَل عَلِيلًا لا يُرْجَى بُرْءُ عِلَّتِه.
الجزء: 25 - الصفحة: 53
وَإِنْ رَمَاهُ مِنْ شَاهِقٍ، فَتَلَقَّاهُ آخَرُ بِسَيْفٍ فَقَدَّهُ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِى.
وَإِنْ رَمَاهُ فِى لُجَّةٍ، فَتَلَقَّاهُ حُوتٌ فَابْتَلَعَهُ، فَالْقَوَدُ عَلَى الرَّامِى فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
4053 - مسألة: (فإن رَماه مِن شاهِقٍ، فتَلَقّاه آخَرُ بسَيْفٍ فقَدَّه)
فالقِصاصُ على الثَّانى؛ لأنَّه فَوَّتَ حَياتَه قبلَ المَصِيرِ إلى حالٍ (1) يُيْئَسُ فيها مِن حَياتِه، فأشْبَهَ ما لو رَماه إنسان بسَهْمٍ قاتلٍ، فقَطَعَ آخَرُ عُنُقَه قبلَ وُقُوعِ السَّهْمِ به، أو ألْقَى عليه صَخْرَةً، فأطار آخَرُ رَأْسَه بالسَّيْفِ قبلَ وُقُوعِها عليه.
وبهذا قال الشافعىُّ، إن رَماه مِن مكانٍ يجوزُ أن يَسْلَمَ منه، وإن رَماه مِن شاهِقٍ لا يَسْلَمُ منه الواقعُ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، كقولِنا.
والثانى، الضَّمانُ عليهما بالقِصاص، والدِّيَةِ عندَ سُقُوطِه؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهما سَبَبٌ للإِتْلافِ.
ولَنا، أنَّ الرَّمْىَ (2) سَبَبٌ، والقَتْلَ مُباشَرَة، فانْقَطَعَ حكمُ السَّبَبِ، كالدّافِعِ مع الحافِرِ، والجارحِ مع الذّابحِ، وكالصُّوَرِ التى ذكَرْناها.
وما ذكَرُوه باطِلٌ بالأُصُولِ المَذْكورَةِ.
4054 -
مسألة: (وإن ألْقاه في لُجَّةٍ، فالْتَقَمَه حُوتٌ، فالقَوَدُ على الرّامِى في أحَدِ الوَجْهَيْن)
إذا كانتِ اللُّجَّةُ لا يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ منها، فالقَوَدُ118119
الحديث: 4053 - الجزء: 25 - الصفحة: 54
وَإِنْ أَكْرَهَ إنْسَانًا عَلَى الْقَتْلِ فَقَتَلَ، فَالْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا.
على الرَّامِى؛ لأنَّه ألْقاه (1) في مَهْلَكَةٍ هَلَك بها مِن غيرِ واسِطَةٍ يُمْكِنُ إحالةُ الحُكْمِ عليها، أشْبَهَ ما لو مات بالغَرَقِ، أو هَلَك بوُقُوعِه على صَخْرَةٍ.
والثانى، لا قَوَدَ عليه؛ لأنَّه لم يَهْلِكْ بها، أشْبَهَ ما لو قَتَلَه آدَمِىٌّ آخَرُ.
فأمّا إن أَلْقاه في ماءٍ يَسِيرٍ، فأكَلَه سَبُع، أو الْتَقَمَه حُوتٌ أوِ تِمْساحٌ، فلا قَوَدَ عليه؛ لأَنَّ الذى فَعَلَه لا يَقْتُلُ غالِبًا، وعليه ضَمانُه؛ لأنَّه هَلَك بفِعْلِه.
4055 -
مسألة: (وإن أكْرَهَ إنسانًا على القَتْلِ فقَتَلَ، فالقِصاصُ عليهما)
وقال أبو حنيفةَ: إنَّما 121 يجبُ القِصاصُ على الآمِرِ دُون المَأْمُورِ؛ لأَنَّ المَأْمُورَ صار بالإِكْراهِ بمَنْزِلَةِ الآلةِ، والقِصاصُ إنَّما يجبُ على مُسْتَعْمِلِ الآلةِ لا على الآلةِ.
وقال أبو يُوسُفَ: لا يجبُ على واحدٍ منهما؛ لأَنَّ الآمِرَ غيرُ مُباشِرٍ، إنَّما هو مُتَسَبِّبٌ، والقِصاصُ لا يجِبُ على120
الحديث: 4055 - الجزء: 25 - الصفحة: 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُتَسُبِّبِ مع المُباشِرِ، دليلُه الدَّافِعُ مع الحافرِ، [والمَأْمُورُ مَسْلُوبُ الاخْتِيارِ.
وقال زُفَرُ: يجِبُ على المَأْمُورِ ولا يجِبُ على الآمِرِ؛ لأَنَّ المَأْمُورَ مُباشِرٌ، فيَجِبُ عليه وحدَه، كالدّافعِ مع الحافِرِ] 122. ولَنا، على أبى حنيفةَ، أنَّ المَأْمُورَ قاتِل، فوجَبَ عليه القِصاصُ، كما لو لم يُؤْمَرْ، والدليلُ على أنَّه قاتلٌ، أنَّه ضَرَب بالسَّيْفِ، ولأَنَّ القَتْلَ جَرْحٌ أو فِعْلٌ يَتَعَقَّبُه الزُّهُوقُ، وهذا كذلك، ولأنَّه يأْثَمُ إثْمَ القاتلِ.
قولُهم: إنَّه بمَنْزِلةِ الآلةِ.
لا يَصِحُّ، فإنَّه يأْثَمُ والآلةُ لا تَأْثَمُ.
قو لُهم: إنَّه مَسْلُوبُ الاخْتِيارِ.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّه قَصَدَ اسْتِبْقاءَ 123 نَفْسِه بقَتْلِ هذا، وهذا يَدُلُّ على قَصْدِه واخْتِيارِ نَفْسِه، ولا خِلافَ في أنَّه يَأْثَمُ، ولو سُلِّمَ الاخْتِيارُ لم يَأْثَمْ، كالمجْنُونِ.
والدليلُ على أنَّ الآمِرَ قاتِل، أنَّه تَسَبَّبَ إلى قَتْلِه بما يُفْضِى إليه غالِبًا، فوَجَبَ عليه القِصاصُ، كما لو أنْهَشَه [كَلْبًا أو] 124 حَيَّةً أو أسَدًا، أو رَماه بسَهْمٍ، ولأنَّه ألْجَأهُ إلى الهلاكِ، أشْبَهَ ما لو ألْقاه عليه.
الجزء: 25 - الصفحة: 56
وَإِنْ أَمَرَ مَنْ لَا يُمَيِّزُ، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ عَبْدَهُ الَّذِى لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْقَتْلَ مُحَرَّمٌ، بِالقَتْلِ، فَقَتَلَ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْآمِرِ.
4056 - مسألة: (وإن أَمَرَ مَن لا يُمَيِّزُ، أو مَجْنُونًا، أو عَبْدَه الذى لا يَعْلَمُ أنَّ القَتْلَ مُحَرَّم، بالقَتْلِ، فقَتَلَ، فالقِصاصُ على الآمِرِ)
إذا أمَرَ [السَّيدُ عبدَه أنَّ يَقْتُلَ رَجُلًا] 125، وكان العبدُ ممَّن لا يَعْلَمُ تَحْرِيمَ القَتْلِ،
الحديث: 4056 - الجزء: 25 - الصفحة: 57
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كمَن نَشَأَ في غيرِ بلادِ الإِسْلامِ، وَجَب القِصاصُ على الآمِرِ.
فأمَّا مَن 126 أقام في بلادِ الإسلامِ بينَ أهلِه، فلا يَخْفَى عليه تَحْرِيمُ القَتْلِ، ولا يُعْذَرُ في فِعْلِه، ومتى كان عالِمًا بذلك، فالقِصاصُ على العَبْدِ، ويُؤَدَّبُ سَيِّدُه -لأمْرِه بما أفْضَى إلى القَتْلِ- بما يَراه الإِمامُ مِن الحَبْسِ والتَّعْزِيرِ.
وإذا لم يكنْ عالِمًا، أُدِّبَ العبدُ.
ونَقَلَ [أبو طالبٍ] 127 عن أحمدَ قال: يُقْتَلُ المَوْلَى، ويُحْبَسُ العبدُ حتى يموتَ؛ لأَنَّ العبدَ سَوْطُ المَوْلَى وسَيْفُه.
كذا قال علىٌّ، وأبو هُرَيْرَةَ.
قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: يُسْتَوْدَعُ السِّجْنَ.
وممَّن قال بهذه الجُملةِ الشافعىُّ.
وممَّن قال: إنَّ السَّيِّدَ يُقْتَلُ.
علىٌّ، وأبو هُرَيْرَةَ.
وقال قَتادَةُ: يُقْتلان جميعًا.
وقال سليمان بنُ مُوسى 128:
الجزء: 25 - الصفحة: 58
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يُقْتَلُ الآمِرُ، ولكنْ يَدِيه، ويُعاقَبُ ويُحْبَسُ؛ لأنَّه لم يُباشِرِ القَتْلَ، ولا ألْجَأَ إليه، فلم يجبْ عليه قِصاصٌ، كما لو عَلِم العبدُ حَظْرَ القَتْلِ.
ولَنا، أنَّ العبدَ إذا لم يكنْ عالِمًا بحَظْرِ القَتْلِ، فهو مُعْتَقِدٌ إباحَتَه، وذلك شُبْهَةٌ تَمْنَعُ القِصاصَ، كما لو اعْتَقَدَه صَيْدًا فرَماه، فقَتَلَ إنسانًا، ولأَنَّ حِكْمَةَ القِصاصَ الرَّدْعُ والزَّجْرُ، ولا يَحْصُلُ ذلك في مُعْتَقِدِ الإِباحَةِ، وإذا لم يَجِبْ عليه، وَجَب على السَّيِّدِ؛ لأنَّه آلةٌ لا يُمْكِنُ إيجابُ القِصاصِ عليه، فوَجَبَ على [المُتَسَبِّبِ به] 129، كما لو أنْهَشَه حَيَّةً فَقَتَلَتْه، أو أَلْقاه في زُبْيَةِ أسَدٍ فأكَلَه.
ويُفارِقُ هذا ما إذا عَلِم حَظْرَ القَتْلِ، [فإنَّ القِصاصَ] 130 على العبدِ؛ لإمْكانِ إيجابِه عليه، وهو مُباشِرٌ له، فانْقَطَعَ حُكْمُ الآمِرِ، كالدّافعِ مع الحافرِ.
ولو أمَرَ صَبِيًّا لا يُمَيِّزُ، أو مَجْنُونًا، أو أعْجَمِيًّا لا يعلمُ حَظْرَ القَتْلِ، فقَتَلَ، فالحُكْمُ فيه كالحكمِ في العبدِ 131، يُقْتَلُ الآمِرُ دُونَ المُباشِرِ.
فأمّا إن أمَرَه بزِنًى أو سرقةٍ، ففَعَلَ، لم يَجِبِ الحَدُّ على الآمِرِ؛ لأَنَّ الحَدَّ لا يَجِبُ إلًّا على المُباشِرِ، والقِصاصُ يجِبُ بالتَّسَبُّبِ، ولذلك وَجَب على المُكْرَهِ والشُّهُودِ في القِصاصِ.
الجزء: 25 - الصفحة: 59
وَإِنْ أَمَرَ كَبِيرًا عَاقِلًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِ الْقَتْلِ بِهِ، فَقَتَلَ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ.
وَإِنْ أَمَرَ السُّلْطَانُ بِقَتْلِ إِنْسَانٍ بِغَيْرِ حَقٍّ مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَعَلَى الْآمِرِ.
4057 - مسألة: (وإن أَمَرَ كَبِيرًا عاقِلًا عالِمًا بتَحْريمِ القَتْلِ به، فقَتَلَ، فالقِصاصُ على القاتِلِ)
لا (1) نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنُّه قاتِلٌ ظُلْمًا، فوَجَبَ عليه القِصاصُ، كما لو لم يُؤْمَرْ.
4058 -
مسألة: (وإن أَمَرَ السُّلْطانُ بقَتْلِ إنسانٍ بغيرِ حَقٍّ مَن يَعْلَمُ ذلك، فالقِصاصُ على القاتِلِ، وإن لم يَعْلَمْ فعلى الآمِرِ)
إذا كان المَأْمُورُ132
الحديث: 4057 - الجزء: 25 - الصفحة: 60
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَعْلَمُ أنَّ المَأْمُورَ بقَتْلِه لا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ، فالقِصاصُ عليه؛ لأنَّه غيرُ مَعذُورٍ في فِعْلِه، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا طَاعَةَ لمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخَالِقِ» 133. وعنه عليه السَّلامُ أنَّه قال: «مَن أمَرَكُمْ مِنَ الوُلَاةِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَلَا تُطيعُوهُ» 134. فلَزِمَه القِصاصُ، كما لو أمَرَه غيرُ السلطانِ.
وإن لم يَعْلَمْ ذلك، فالقِصاصُ على الآمِرِ 135 دُونَ المَأمُورِ؛ لأَنَّ المَأْمُورَ مَعْذُورٌ؛ لوُجُوبِ طاعةِ الإِمامِ في غيرِ المَعْصِيَةِ، والظَّاهِرُ أنَّه لا يَأْمُرُ إلَّا بالحَقِّ.
وإن كان الآمِرُ غيرَ السلطانِ، فالقِصاصُ على القاتلِ بكلِّ حالٍ، عَلِمَ أو لم يَعْلَمْ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه طاعَتُه، وليس له القَتْلُ بحالٍ، بخِلافِ السلطانِ فإنَّ إليه القَتْلَ في الرِّدَّةِ والزِّنَى، وقَطْعِ الطَّريقِ -إذا قَتَل القاطِعُ- ويَسْتَوْفِى القِصاصَ للناسِ، وهذا ليس إليه شئٌ مِن ذلك.
فصل: وإن أكْرَهَه السُّلْطانُ على قَتْلِ أحَدٍ، أو جَلْدِه بغيرِ حَقٍّ، فمات، فالقِصاصُ عليهما، وقد ذَكَرْناه.
وإن وَجَبَتِ الدِّيَةُ، كانت عليهما.
فإن كان الإِمامُ يَعْتَقِدُ جَوازَ القَتْلِ دُونَ المَأْمُورِ، كمسلمٍ قَتَل
الجزء: 25 - الصفحة: 61
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذِمِّيًّا، أو حُرٌّ قَتَل عبدًا، فقَتَلَه، فقال القاضى: الضَّمانُ عليه دُونَ الإِمامِ؛ لأَنَّ الإِمامَ أمَرَه بما أدَّى اجْتِهادُه إليه، والمَأْمُورُ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَه، فلم يكَنْ له أن يَقْبَلَ أمْرَه، فإذا قَبِلَه لَزِمَه الضَّمانُ؛ لأنَّه قَتَل مَن 136 لا يَحِلُّ له 137 قَتْلُه.
قال شيخُنا 138: ويَنْبَغِى أنَّ يُفَرَّقَ بينَ العَامِّىِّ والمُجْتَهِدِ؛ فإن كان مُجْتَهِدًا، فالحُكْمُ فيه على ما ذَكَرَه القاضى، وإن كان مُقَلِّدًا، فلا ضَمانَ عليه؛ لأَنَّ له تَقْلِيدَ الإمام فيما رَآه، وإن كان الإِمامُ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَه، والقاتِلُ يَعْتَقِدُ حِلَّه، فالضَّمَانُ على الآمِرِ، كما لو أَمَرَ السَّيِّدُ عبدَه الذى لا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ القَتْلِ به.
الجزء: 25 - الصفحة: 62
وَإِنْ أَمْسَكَ إِنْسَانًا لِآخَرَ لِيَقْتُلَهُ، فَقَتَلَهُ، قُتِلَ الْقَاتِلُ، وَحُبِسَ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوتَ، فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالأُخْرَى، يُقْتَلُ
أَيْضًا.
4059 - مسألة: (وإن أمْسَكَ إنسانًا لآخَرَ ليَقْتُلَه، فقَتَلَه، قُتِل القاتِلُ، وحُبِس المُمْسِكُ حتى يموتَ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن)
أمَّا وُجُوبُ القِصاصِ على القاتلِ، فلا خِلافَ فيه؛ لأنَّه قَتَل مَن يُكافِئُه عَمْدًا بغيرِ حَقٍّ.
وأمَّا المُمْسِكُ، فإن لم يَعْلَمْ أنَّ القاتِلَ يَقْتُلُه، فلا شئَ عليه؛ لأنَّه مُتَسَبِّبٌ، والقاتِلُ مُباشِرٌ، فيسْقُط 139 حكمُ المُتَسَبِّبِ.
وإن أمْسَكَه له ليَقْتُلَه، مثلَ أنَّ أمْسَكَه له 140 حتى ذَبَحَه، فاخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ فيه عن أحمدَ، فرُوِىَ عنه، أنَّه يُحْبَسُ حتى يموتَ.
وهذا قولُ عَطاءٍ، ورَبِيعَةَ.
ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه يُقْتَلُ أيضًا.
وهو قولُ مالكٍ.
قال
الحديث: 4059 - الجزء: 25 - الصفحة: 63
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . سُلَيْمانُ بنُ مُوسَى: الاجْتِماعُ 141 فينا أن يُقْتَلا؛ لأنَّه لو لم يُمْسِكْه، ما قَدَر على قَتْلِه، وبإمْساكِه تَمَكَّنَ مِن قَتْلِه، فالقَتْلُ حاصِلٌ بفِعْلِهما، فيكونان 142 شَرِيكَيْن فيه، فيَجِبُ عليهما القِصاصُ، كما لو
الجزء: 25 - الصفحة: 64
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جَرَحاه.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، [وابنُ المُنْذِرِ] 143: يُعاقَبُ، ويَأْثَمُ، ولا يُقْتَلُ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إنَّ أعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ، مَنْ قَتَل غَيْرَ قَاتِلِهِ» 144. والمُمْسِكُ غيرُ قاتِل، ولأَنَّ الإِمْساكَ سَبَبٌ غيرُ مُلْجِئٍ، فإذا اجْتَمَعَتْ معه المُباشَرَةُ، كان الضَّمانُ على المُباشِرِ، كما لو لم يَعْلَمِ المُمْسِكُ أنَّه يَقْتُلُه.
ولَنا، ما رَوى الدَّارَقُطْنِىُّ 145 بإسْنادِهِ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذَا أمْسَكَ الرَّجُل 146، وقَتَلَه الآخَرُ، يُقْتَلُ الَّذِى قَتَلَ، ويُحْبَسُ الَّذِى أمْسَكَ».
ولأنَّه حَبَسَه إلى الموتِ، فيُحْبَسُ الآخَرُ إلى المَوْتِ، كما لو حَبَسَه عن الطَّعامِ والشَّرابِ حتى مات، فإنَّا نَفْعَلُ به ذلك حتى يموتَ.
فصل: فإنِ اتَّبَعَ رجلًا ليَقْتُلَه، فهَرَبَ منه، فأدْرَكَه آخَرُ، فقَطَعَ رِجْلَه، ثم أدْرَكَه الثَّانى فقَتَلَه، فإن كان الأَوَّلُ حَبَسَه بالقَطْعِ ليَقْتُلَه الثَّانى،
الجزء: 25 - الصفحة: 65
وَإِنْ كَتَّفَ إِنْسَانًا، وَطَرَحَهُ فِى أَرْضٍ مَسْبَعَةٍ، أَوْ ذَاتِ
فعليه القِصاصُ في القَطْعِ، وحُكْمُه في القِصاصِ في النَّفْسِ حُكْمُ المُمْسِكِ؛ لأنَّه حَبَسَه على القَتْلِ، وإن لم يَقْصِدْ حَبْسَه، فعليه القَطْعُ دُونَ القَتْلِ، كالذى أمْسَكَه غيرَ عالم.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، ليس عليه إلَّا القَطْعُ (1) بكلِّ حالٍ.
والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه الحابِسُ له بفِعْلِه، فأشْبَهَ الحابِسَ بإمْساكِه.
فإن قِيلَ: فلِمَ اعْتَبَرْتُم قصْدَ الإمْساكِ ههُنا، وأنْتُم لا تَعْتَبِرُون إرادةَ القتلِ في الجارحِ؟ قلنا: إذا مات مِن الجُرْحِ، فقد مات مِن سِرايَتِه وأثَرِه، فيُعْتَبَرُ قَصْدُ الجُرْحِ الذى هو السَّبَبُ دُونَ قَصْدِ الأثَرِ (2)، وفى مَسْألتِنا، إنَّما كان موتُه بأمْرٍ غيرِ السِّرايَةِ، والفِعْلُ مُمَكِّنٌ له (3)، فاعْتُبِرَ قَصْدُه لذلك الفِعْلِ، كما لو أمْسَكَه.
4060 -
مسألة: (وإن كَتَّفَه وطَرَحَه في أرضٍ مَسْبَعَةٍ، أو ذاتِ
147148149 الحديث: 4060 - الجزء: 25 - الصفحة: 66
حَيَّاتٍ فَقَتَلَتْهُ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُمْسِكِ.
فَصْلٌ: وَإِنِ اشْتَرَكَ فِى الْقَتْلِ اثْنَانِ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى أَحَدِهِمَا، كَالْأَبِ وَأَجْنَبِىٍّ فِى قَتْلِ الْوَلَدِ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِى قَتْلِ
حَيَّاتٍ فقَتَلَتْه، فحُكْمُه حُكْمُ المُمْسِكِ) ذَكَرَه القاضى، وقد مَضَىِ الكلامُ فيه (1). قال شيخُنا (2): والصَّحِيحُ أنَّه لا قِصاصَ فيه؛ لأنَّه ممَّا لا يَقْتُلُ غالِبًا.
وتجبُ فيه الدِّيَةُ؛ لأنَّه فَعَل به فِعْلًا مُتَعَمَّدًا لا يَقْتُلُ غالِبًا، فتَلِفَ به، فهو شِبْهُ عَمْدٍ.
وهكذا ذَكَرَه في كتابِه «الكافى» (3).
فصل
: (وإنِ اشْتَرَكَ في القَتْلِ اثْنان لا يجبُ القِصاصُ على أحَدِهما، كالأبِ والأجْنَبِىِّ في قَتْلِ الولَدِ، والحُرِّ والعَبْدِ في قَتْلِ العبدِ، والخَاطِئَ150151152
الجزء: 25 - الصفحة: 67
الْعَبْدِ، وَالْخَاطِئِ وَالْعَامِدِ، فَفِى وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الشَّرِيكِ رِوَايَتَانِ؛ أَظْهَرُهُمَا، وُجُوبُهُ عَلَى شَرِيكِ الْأَب وَالْعَبْدِ، وَسُقُوطُهُ عَنْ شَرِيكِ الْخَاطِئِ.
والعامِدِ، ففى وُجُوبِ القِصاصِ على الشَّرِيكِ رِوايَتان؛ أظْهَرُهما، وُجُوبُه على شَرِيكِ الأبِ والعَبْدِ، وسُقُوطُه عن شَرِيكِ الخاطِئ) ظاهِرُ المَذْهَبِ وُجُوبُ القِصاصِ على شَرِيكِ الأبِ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، لا قصاصَ على واحدٍ منهما.
وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْى؛ لأنَّه قَتْلٌ تَرَكَّبَ مِن مُوجِبٍ وغيرِ مُوجِبٍ، فلم [يُوجِبْ، كقَتْلِ] 153 العامِدِ والخاطِئ، والصَّبِىِّ والبالِغِ، والمَجْنُونِ والعاقِلِ.
ولَنا، أنَّه شارَكَ في القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ 154 في مَن يُقْتَلُ به لو انْفَرَدَ بقَتْلِه، فوَصا عليه القِصاصُ،
الجزء: 25 - الصفحة: 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كشريكِ الأجْنَبِىِّ.
وقوئهمِ: إنَّ فِعْلَ الأبِ غير مُوجِبٍ.
مَمْنُوعٌ، فإنَّه يَقْتَضِى الإِيجابَ؛ لكونِه تمَحَّضَ عمدًا عُدْوانًا، والجِنايَة به 155 أعْظَمُ إثْمًا، وأكْبَرُ جُرْمًا؛ ولذلك خَصَّه اللَّه تَعالى بالنَّهىِ، فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾.
ثُمَّ قال: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ 156. ولمَّا سُئِل النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أعْظَمِ الذَّنْبِ، قال: «أَنْ تَجْعَلَ للَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، ثمَّ أنَّ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» 157. فجَعَلَه أعْظَمَ الذُّنُوبِ بعدَ الشِّرْكِ، ولأنَّه قَطَع الرَّحِمَ التى أَمَرَ اللَّهُ بَوَصْلِها، ووَضَعَ الإِساءَةَ مَوْضِعَ الإِحْسانِ، فهو أَوْلَى بإيجابِ العُقُوبَةِ والزَّجْرِ عنه، وإنَّما امْتَنَعَ الوُجُوبُ
الجزء: 25 - الصفحة: 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في حَقِّ الأبِ لمَعْنًى مُخْتَصٍّ بالمَحَلِّ، لا لقُصُورٍ في السَّبَبِ المُوجِبِ، فلا يَمْنَعُ عَمَلَه 158 في المَحَلِّ الذى لا مانِعَ فيه.
وأمَّا شَرِيكُ الخاطِئ، ففيه رِوايتان؛ إحْدَاهما، يَجِبُ القِصاصُ، فهو كمَسألَتِنا، ومع التَّسْلِيمِ فامْتِناعُ 159 الوُجُوبِ فيه لقُصُورِ السَّبَبِ عن الإِيجابِ، فإنَّ فِعْلَ الخَاطئِ غيرُ مُوجِبٍ للقِصاصِ، ولا صالحٍ له، والقَتْلُ منه ومِن شَرِيكِه غيرُ مُتَمَحِّضٍ عَمْدًا، لوُقُوع اِلخَطَأ في الفِعْلِ الذى حَصَل به زُهُوقُ الرُّوحِ، بخِلافِ مسألتِنا.
وكذلك كلُّ شَريكَيْن امْتَنَعَ القِصاصُ في حَقِّ أحَدِهما لمَعْنًى فيه مِن غيرِ قُصُورٍ في السَّبَبِ، فهو في وُجُوبِ القِصاصِ على شَرِيكِه كالأبِ وشَرِيكِه، كالمُسْلِمِ والذِّمِّىِّ في قَتْلِ ذِمِّىٍّ، والحُرِّ والعبدِ في قَتْلِ العبدِ، إذا كان القَتْلُ عمدًا 160 عُدْوانًا، فإنَّ القِصاصَ لا يجبُ على المُسْلِمِ ولا على الحُرِّ، ويجبُ على الذِّمِّىِّ والعبدِ، إذا قُلْنا بوُجُوبِه على شَرِيكِ الأبِ، لأَنَّ امْتِناعَ القِصاصِ عن المُسْلِمِ لإسلامِه، وعن الحُرِّ لحُرِّيَّتِه، وانْتِفاءِ مُكافأةِ المَقْتُولِ له، وهذا المَعْنَى لا يَتَعَدَّى إلى فِعْل شَرِيكِه، فلم يَسْقُطِ القِصاصُ عنه.
وقد رُوِى عن أبى عبدِ اللَّه، أنَّه سُئِل عن حُرٌّ وعبدٍ قَتَلا عَبْدًا عمدًا، فقال: أمَّا الحُرُّ فلا يُقْتَلُ بالعبدِ، والعبدُ
الجزء: 25 - الصفحة: 70
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إن شاء سَيِّدُه أسْلَمَه، وإلَّا فَداه بِنصْفِ قِيمَةِ العبدِ.
وظاهِرُ هذا أنَّه لا قِصاصَ على العبدِ، فيُخَرَّجُ مثلُ 161 هذا في كلِّ قَتْلٍ شارَكَ فيه مَن لا يجِبُ عليه القِصاصُ.
فصل: فإنِ اشْتَرَكَ في القتْلِ صَبِىٌّ ومَجْنُونٌ وبالِغٌ، فالصَّحِيحُ في 162 المَذْهَبِ أنَّه لا قِصاصَ على البالغِ.
وبهذا قال الحسنُ، والأوْزاعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه.
وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ القَوَدَ يجبُ على البالغِ العاقلِ.
حَكاها ابنُ المُنْذِرِ 163 عن أحمدَ.
وحُكِىَ ذلك عن مالكٍ.
وهو القولُ الثَّانى للشافعىِّ.
ورُوِىَ عن قَتادَةَ، والزُّهْرِىِّ، وحَمَّادٍ؛ لأَنَّ القِصاصَ عُقُوبَةٌ يَجِبُ عليه جَزاءً لفِعْلِه، فمتى كان فِعْلُه عَمْدًا 164 عُدْوانًا، وَجَب عليه القِصاصُ، ولا نَظَرَ إلى فِعْلِ شَريكِه بحالٍ، ولأنَّه شارَكَ في القَتْلِ عَمْدًا عُدْوانًا، فوَجَبَ عليه القِصاصُ، [كشَرِيكِ الأجْنَبِىِّ، وذلك لأَنَّ الإنسانَ إنَّما يُؤاخَذُ 165 بفِعْلِ نَفْسِه لا بفِعْلِ غيرِه.
فعلى هذا، يُعْتَبَرُ فِعْلُ الشرِيك مُنْفَرِدًا، فمتى تَمَخَّضَ عَمْدًا عُدْوانًا، وكان المَقْتُولُ مُكافِئًا له] 166،
الجزء: 25 - الصفحة: 71
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[وَجَب عليه القِصاصُ] 167. وبَنَى الشافعىُّ قولَه على أنَّ عَمْدَ الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ إذا تَعَمدَاه عمدٌ؛ لأنَّهما يَقْصِدان القَتْلَ، وإنَّما سُقُوطُ القِصاصِ عنهما لمعنًى فيهما، وهو عَدَمُ التَّكْلِيفِ، فلم يَقْتَضِ [سُقُوطَه عن] 168 شَرِيكِهما، كالأُبُوَّةِ.
ولَنا، أنَّه شارَكَ مَن لا إثْمَ عليه في فِعْلِه، فلم يَلْزَمْه قِصاصٌ، كشَرِيكِ الخاطِئِ، ولأَنَّ الصَّبِىَّ والمَجْنُونَ ليس لهما قَصْدٌ صَحِيحٌ، ولهذا لا يَصِحُّ إقْرارُهما، فكان حُكْمُ فِعْلِهما 169 حُكْمَ الخَطَأ، ولهذا تَحْمِلُه العاقِلَةُ، فيكونُ الأُوْلَى عَدَمَ وُجُوبِ القِصاصِ.
فصل: ولا يَجِبُ القِصاصُ على شَرِيكِ الخاطِئ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وبه قال الشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وعن أحمدَ أنَّ عليه القِصاصَ.
وحُكِىَ عن مالكٍ؛ لأنَّه شارَكَ في القَتْلِ عَمدًا عُدْوانًا، فأشْبَهَ شَرِيكَ العامِدِ، ولأَنَّ مُؤاخَذَتَه بفِعْلِه، وفِعْلُه عمدٌ عُدْوانٌ.
ولَنا، أنَّه قَتْلٌ لم يَتَمَحَّضْ عمدًا، فلم يَجِبْ به القِصاصُ، كشبْه العمدِ، وكما لو قَتَلَه واحِدٌ بجُرْحَيْن عمدًا وخَطَأً، ولأَنَّ كلّ واحدٍ مِن الشَّرِيكيْنِ مُباشِرٌ ومُتَسَبِّبٌ، فإذا كانا عامِدَيْن، فكلُّ واحِدٍ مُتَسَبِّبٌ إلى فِعْلٍ مُوجبٍ للقِصاصِ، فقام فِعْلُ شَرِيكِه مَقامَ فِعْلِه 170 لتَسَبُّبِه إليه، وههُنا إذا أَقَمْنا
الجزء: 25 - الصفحة: 72
وَفِى شَرِيكِ السَّبُعِ وَشَرِيكِ نَفْسِهِ وَجْهَانِ.
فِعْلَ الخاطِئ مُقامَ فِعْلِ العامِدِ، صارَ كأنَّه [قَتَله بعَمْدٍ] (1) وخَطَأٌ، وهذا غيرُ مُوجِبٍ.
واللَّهُ أعلمُ.
4061 -
مسألة: (وفى شَرِيكِ السَّبُعِ وشَرِيك نَفْسِه وَجْهان)
وصورةُ ذلك أنَّ يَجْرَحَه أسَدٌ أو نَمِرٌ، أو جرَحَه 172 إنسانٌ، ثم جَرَح هو (2) نفسَه مُتَعَمِّدًا، فهل يجِبُ علىِ شَرِيكِه قِصاصٌ؟ فيه وَجْهان، ذَكَرهما أبو عبدِ اللَّه اِبنُ حامدٍ.
واخْتُلِف فيه عن الشافعىِّ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: لا قِصاصَ عليه، لأنَّه شارَك: مَن لا يَجِبُ 173 القِصاصُ عليه، فلم يَلْزَمْه قِصاصٌ، تحَرِيكِ الخاطِئِ، ولأنَّه قَتْل تَرَكَّبَ مِن مُوجِبٍ وغيرِ مُوجِبٍ،171
الحديث: 4061 - الجزء: 25 - الصفحة: 73
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلم يُوجِبْ، كالقَتْلِ الحاصِلِ مِن عَمْدٍ وخَطَأ، ولأنَّه إذا لم يَجِبْ على شَرِيكِ الخاطِئِ وفِعْلُه مَضْمُونٌ، فلَأن لا يَجِبَ على شَرِيكِ مَن لا يُضْمَنُ فِعْلُه أوْلَى.
والوَجْهُ الثانى، عليه القِصاصُ.
وهو قولُ أبى بكرٍ.
ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: إذا جَرَحَه رجُل، ثم جَرَح الرجُلُ نفسَه، فمات، فعلى شَرِيكِه القِصاصُ؛ لأنَّه قَتْلٌ عمدٌ مُتَمَحِّضٌ، فوَجَبَ القِصاصُ على الشَّريكِ فيه، كشَريكِ الأب.
فأمَّا إن جَرَح الرجُلُ نفسَه خَطأً، كأنَّه 174 أراد ضرْبَ غيرِه فأصاب نفسَه، فلا قِصاصَ على شَرِيكِه في أصَحِّ الوَجْهَيْن.
وفيه وَجْهٌ اخَرُ أنَّ عليه القِصاصَ، بِناءً على الرِّوايَتَيْن في شَرِيكِ الخاطِئِ.
الجزء: 25 - الصفحة: 74
وَلَوْ جَرَحَهُ إِنْسَانٌ عَمْدًا، فَدَاوَى جُرْحَهُ بِسُمٍّ، أو خَاطَهُ فِى اللَّحْمِ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ وَلِيُّهُ، أَوِ الإِمَامُ، فَمَاتَ، فَفِى وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَارِحِ رِوَايَتَانِ.
4062 - مسألة: (ولو جَرَحَه إنشان عمدًا، فداوَى جُرْحَه بسُمٍّ، أو خاطه في اللَّحْمِ، أو فَعَل ذلك وَلِيُّه، أو الإِمامُ، فمات، ففى وُجُوب القِصاصِ على الجارِحِ وَجْهان)
إذا جَرَحَه إنسانٌ، فتَداوَى 175 بسُمٍّ وكان سُمَّ ساعةٍ يَقْتُلُ في الحالِ، فقد قَتَل نفْسَه وقَطَعَ سِرايَةَ الجُرْحِ، وجَرَى مَجْرَى مَن ذَبَحَ نفْسَه بعدَ أنَّ جُرِح، ويُنْظرُ في الجُرْحِ؛ فإن كان مُوجِبًا للقِصاصِ، فلوَلِيِّه اسْتِيفاؤُه، وإن لم يكنْ مُوجِبًا، فلِوَلِيِّه الأَرْشُ.
وإن كان السُّمُّ لا يَقْتُلُ غالِبًا وقد يَقْتُلُ، ففِعْلُ الرجُلِ في نفْسِه عمدُ خَطَأ، والحُكْمُ في شَرِيكِه كالحُكْمِ في شَرِيكِ الخاطِئ، وإذا لم يَجِبِ القِصاصُ،
الحديث: 4062 - الجزء: 25 - الصفحة: 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فعلى الجارِحِ نِصْفُ 176 الدِّيَةِ.
وإن كان السُّمُّ يَقْتُلُ غالِبًا بعدَ مُدَّةٍ، احْتَمَلَ أنَّ يكونَ عَمْدَ الخَطَأ أيضًا؛ لأنَّه لم يَقْصِدِ القَتْلَ، إنَّما قَصَد التَّداوِىَ، فيكونُ كالذى قبلَه، واحْتَمَلَ أنَّ يكونَ في حُكْمِ العَمْدِ، فيكونَ في شَرِيكِه الوَجْهان المَذْكُوران في المسألَةِ قبلَها.
وإن جَرَحَ رجُلًا، فخاط جُرْحَه [في اللَّحْمِ] 177، أو أَمَرَ غيرَه فخاطَه له، وكان ذلك ممَّا يجوزُ أن يَقْتُلَ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو شَرِب سُمًّا يجوزُ أن يَقْتُلَ،
الجزء: 25 - الصفحة: 76
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على ما مَضَى فيه.
وإن خاطَه غيرُه بغيرِ إذْنِه كُرْهًا، فهما قاتِلانِ عليهما القَوَدُ.
وإن خاطَه وَلِيُّه، أو 178 الإِمامُ، وهو ممَّن لا وِلايَةَ عليه، فهما كالأجْنَبِىِّ.
فإن كان لهما عليه وِلايَةٌ، فلا قَوَدَ عليهما؛ لأَنَّ فِعْلَهما جائِزٌ، إذ لهما مُداواتُه، فيكونُ ذلك خَطَأً.
وهل على الجارِحِ القَوَدُ؟ فيه وَجْهان.
الجزء: 25 - الصفحة: 77
بَابُ شرُوطِ الْقِصَاصِ
وَهِىَ أرْبَعَةٌ؛ أحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ الْجَانِى مُكَلَّفًا، فَأَمَّا الصَّبِىُّ وَالْمَجْنُونُ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا.
بابُ شُرُوطِ القِصاصِ
(وهى أربعةٌ؛ أحَدُها، أنَّ يكونَ الجانِى مُكَلَّفًّا، فأمَّا الصَّبِىُّ والمَجْنُونُ فلا قِصاصَ عليهما) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّه لا قِصاصَ على صَبِىٍّ ولا مَجْنُونٍ، وكذلك كلُّ زائلِ العَقْلِ بسَبَب يُعْذَرُ فيه، كالنَّائِمِ، والمُغْمَى عليه، ونحوِهما؛ لِما رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ 179؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، [وعَنِ الصَّبِى حَتَّى يَبْلُغَ] 180، وعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» 181. ولأَنَّ القِصاصَ عُقُوبةٌ مُغَلَّظَةٌ، فلم تَجِبْ على الصَّبِىِّ وزائلِ العَقْلِ، كالحُدُودِ، ولأنَّهم ليس لهم قَصْدٌ صحيحٌ، فهم كالقاتلِ خَطَأً.
فصل: فإنِ اخْتَلَفَ الجانِى ووَلِىُّ الجِنايةِ، فقال الجانِى: كنتُ صَبِيًّا
الجزء: 25 - الصفحة: 79
وَفِى السَّكْرَانِ وَشِبْهِهِ رِوَايَتَانِ؛ أَصَحُّهُمَا، وُجُوبُهُ عَلَيْهِ.
حالَ الجِنايةِ.
وقال وَلِىُّ الجِنايةِ: كنتَ بالِغًا.
فالقولُ قولُ الجانِى مع يَمينِه، إذا احْتَمَلَ الصِّدْقَ؛ لأَنَّ الأَصْلَ الصِّغَرُ، وبَراءَةُ ذمَّتِه مِن القَصاصِ.
وإن قال: قَتَلْتُه وأنا مَجْنُونٌ.
وأنْكَرَ الوَلِى جُنُونَه، فإن عُرِفَ له حالُ جُنُونٍ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه أيضًا لذلك، وإن لم يُعْرَفْ له حالُ جُنُونٍ، فالقولُ قولُ الوَلِىِّ؛ لأَنَّ الأَصْلَ السَّلامَةُ، وكذلك إن عُرِفَ له (1) جُنُونٌ، ثُمَّ عُرِفَ زَوالُه قبلَ القَتْلِ، وإن ثَبَت لأحَدِهما بما ادَّعاه بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له.
وإن أقاما بَيِّنتَيْن تَعارَضَتا، فإن شَهِدَتِ البَيِّنَةُ أنَّه كان زائِلَ العَقْلِ، فقال الوَلِىُّ: كنتَ سَكْرانَ.
وقال القاتِلُ: كنتُ مَجْنُونًا.
فالقولُ قَوْلُ القاتِلِ مع يَمِينِه؛ لأنَّه أعْرَفُ بنفسِه، ولأَنَّ الأَصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه، واجْتِنابُ المسلِمِ فِعْلَ ما يَحْرُمُ عليه.
فأمّا إن قَتَلَه وهو عاقِلٌ ثم جُنَّ، لم يَسْقُطْ عنه، سَواء ثَبَتَ ذلك ببيِّنَةٍ أو إقْرارٍ؛ لأَنَّ رُجُوعَه غيرُ مَقْبُولٍ، ويُقْتَصُّ منه في حالِ جُنُونِه.
ولو ثَبَت عليه الحَدُّ (2) بإقْرارِه، ثم جُنَّ، لم يُقَمْ عليه حالَ جُنُونِه؛ لأَنَّ رُجُوعَه يُقْبَلُ، فيَحْتَمِلُ أنَّه لو كان صحيحًا رَجَع.
4063 -
مسألة: (وفى السَّكْرانِ وشِبْهِهِ رِوايَتان؛ أصَحُّهما،
182183 الحديث: 4063 - الجزء: 25 - الصفحة: 80
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وُجُوبُه عليه) إذا قتَلَ السَّكْرانُ وَجَب عليه القِصاصُ.
ذَكَره القاضى.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ، أنَّ وُجُوبَ القِصاصِ عليه مَبْنِىٌّ على طَلاقِه، وفيه رِوايَتان، فيكونُ في وُجُوبِ القِصاصِ عليه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يجِبُ عليه؛ لأنَّه زائِلُ العَقْلِ، أشْبَهَ المَجْنُونَ، ولأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فأشْبَهَ الصَّبِىَّ.
ولَنا، أنَّ الصحابةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، أقاموا سُكْرَه مُقامَ قَذْفِه، فأوْجَبُوا عليه حَدَّ القاذِفِ، فلولا أنَّ قَذْفَه مُوجب للحَدِّ عليه لَما وَجَب الحَدُّ بمَظِنَّتِه، وإذا وَجَب الحَدُّ، فالقِصاصُ المُتَمَحِّضُ حَقَّ آدَمِىٍّ أوْلَى، ولأنَّه حُكْمٌ لو لم يُوجِبْ 184 عليه القِصاصَ والحَدَّ، لأفْضَى إلى أنَّ مَن أراد أنَّ يَعْصِىَ اللَّهَ تعالى، شَرِب ما يُسْكِرُه، ثم يَقْتُلُ ويَزْنِى ويَسْرِقُ، ولا تَلْزَمُه عُقُوبَة، ولا يَأْثَمُ 185، ويَصِيرُ عِصْيانُه سَبَبًا لسُقُوطِ عُقُوبَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ عنه، ولا وَجْهَ لهذا.
وفارَقَ الطَّلاقَ؛ لأنَّه قولٌ يُمْكِنُ إلْغاؤُه، بخِلافِ القَتْلِ.
فإن شَرِب أو أكَلَ ما يُزِيلُ عَقْلَه غيرَ الخَمْرِ على وَجْهٍ مُحَرَّمٍ 186، فإن زال عَقْلُه بالكُلِّيَّةِ بحيث صار مَجْنُونًا،
الجزء: 25 - الصفحة: 81
فَصْلٌ: الثَّانِى، أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا، فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِ حَرْبِىٍّ، وَلَا مُرْتَدٍّ، وَلَا زَانٍ مُحْصَنٍ، وَإِنْ كَانَ الْقاتِلُ ذِمِّيًّا.
فلا قِصاصَ عليه، وإن كان يزولُ قَرِيبًا ويعودُ مِن غيرِ تداوٍ، فهو كالسَّكْرانِ، على ما فُصِّلَ فيه.
فصل
: (الثَّانى، أنَّ يكونَ المَقْتُولُ مَعْصومًا، فلا يجِبُ القصاصُ بقَتْلِ حَرْبِىٍّ) لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، ولا تَجِبُ بقَتْلِه دِيَةٌ ولا كَفارَةٌ؛ لأنَّه مُباحُ الدَّمِ (1) على الإِطْلاقِ، أشْبَهَ الخِنْزِيرَ، ولأَنَّ اللَّهَ تعالى أَمَرَ بقَتْلِه، فقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (2). وسواءٌ كان القاتِلُ مسلمًا أو ذِمِّيًّا؛ لِما ذَكَرْنا.
4064 -
مسألة: وكذلك المُرْتَدُّ لا يجبُ بقَتْلِه قِصاصٌ ولا دِيَةٌ ولا كَفَّارَةٌ، وإن قَتَلَه ذِمِّىٌّ.
وهذا قولُ بعضِ أصحاب الشافعىِّ.
وقال187188
الحديث: 4064 - الجزء: 25 - الصفحة: 82
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعضُهم: يجبُ القصاصُ على الذِّمِّىِّ بقَتْلِه، والدِّيَةُ إذا عَفَا عنه؛ لأنَّه لا وِلايةَ له في قَتْلِه.
وقال بعضُهم: يجبُ القِصاصُ دُونَ الدِّيَةِ؛ لأنَّه لا قِيمَةَ له.
ولَنا، أنَّه مُباحُ الدَّمِ 189، أشْبَهَ الحَرْبِىَّ، ولأنَّ مَن لا يَضْمَنُه المسلمُ لا يَضْمَنُه الذِّمِّىُّ، كالحَرْبِىِّ.
وليس على قاتلِ الزّانِى المُحْصَنِ قِصاصٌ ولا دِيَةٌ ولا كَفَّارَةٌ.
وهذا ظاهرُ مَذْهَبِ الشافعىِّ.
وحَكَى بعضُهم وَجْهًا، أنَّ على قاتِلِه القَوَدَ؛ لأَنَّ قَتْلَه إلى الإِمامِ، فيَجبُ القَوَدُ 190 على مَن قَتَلَه سِواه، كمَن عليه القِصاصُ إذا قَتَلَه غيرُ مُسْتَحِقِّه.
ولَنا، أنَّه مُباحُ الدَّمِ (1)، قَتْلُه مُتَحَتِّمٌ، فلم يُضْمَنْ، كالحَرْبِىِّ، ويَبْطُلُ ما قالَه بالمُرْتدِّ، وفارَقَ القاتِلَ؛ فإنَّ قَتْلَه غيرُ مُتَحَتِّمٍ، وهو مُسْتَحَقٌّ على طريقِ المُعاوَضَةِ، فاخْتَصَّ بمُسْتَحِقِّه، وههُنا يجبُ قَتْلُه للَّهِ تعالى، فأشْبَهَ المُرْتَدَّ، وكذلك الحُكْمُ [في المُحارِبِ الذى] 191 تَحَتَّمَ قَتْلُه.
الجزء: 25 - الصفحة: 83
وَلَوْ قَطَعَ مُسْلِمٌ أَوْ ذمِّىٌّ يَدَ مُرْتَدٍّ أَوْ حَرْبِىٍّ، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ مَاتَ، أَوْ رَمَى حَرْبِيًّا، فَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بِهِ السَّهْمُ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ،
4065 - مسألة: (وإن قَطَع مسلمٌ أو ذِمِّىٌّ يَدَ مُرْتَدٍّ أو حَرْبِىٍّ، فأسْلَمَ، ثُمَّ مات)
فلا شئَ على القاطِعِ؛ لأنَّه لم يَجْنِ على مَعْصُومٍ.
4066 -
مسألة: (وإن رَمَى حَرْبِيًّا، فأسْلَمَ قبلَ أنَّ يَقَعَ به السَّهْمُ،
الحديث: 4065 - الجزء: 25 - الصفحة: 84
وَإِنْ رَمَى مُرْتَدًّا، فَأَسْلَمَ قَبْلَ وُقُوعِ السَّهْمِ بِهِ، فَلَا قِصَاصَ، وَفِى الدِّيَةِ وَجْهَانِ.
فلا شئَ عليه) لأنَّه رَمَى رَمْيًا مَأْمُورًا به (وإن رَمَى مُرْتَدًّا فأسْلَمَ قبلَ وُقُوعِ السَّهْمِ به، فلا قِصاصَ) لأنَّه رَمَى مَن ليس بمَعْصُومٍ، أشبَهَ الحَرْبِىَّ (وفِى) وُجُوبِ (الدِّيَةِ وَجْهان) أحَدُهما، لا تجبُ، قِياسًا على
الجزء: 25 - الصفحة: 85
وَإِنْ قَطَعَ يَدَ مُسْلِمٍ، فَارْتَدَّ، وَمَاتَ، فَلَا شَىْءَ عَلَى الْقَاطِعِ، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَفِى الْآخَرِ، يَجِبُ الْقِصَاصُ فِى الطَّرَفِ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَّةِ.
الحَرْبِىِّ.
والثانى، تجبُ؛ لأَنَّ الرمْىَ (1) ههُنا مُحَرَّمٌ؛ لِما فيه مِن الافْتِياتِ على الإِمامِ.
4067 -
مسألةَ: (ولو قَطَع يَدَ مسلِمٍ، فارْتَدَّ، ثم مات، فلا شئَ على القاطِعِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن)
لأنَّها نفْسُ مُرْتَدٍّ غيرِ مَعْصُومٍ ولا مَضْمُونٍ 193، وكذلك لو قَطَع يَدَ ذِمِّىٍّ فصار حَرْبِيًّا، ثم مات مِن جِراحِه.
وأمَّا اليدُ، فالصحيحُ أنَّه لا قِصاصَ فيها.
وذَكَر القاضى وَجْهًا في وُجُوبِ القِصاصِ فيها؛ لأَنَّ القَطْعَ اسْتَقَرَّ حُكْمُه بانْقِطاء حُكْمِ 194192
الحديث: 4067 - الجزء: 25 - الصفحة: 86
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سِرايَتِه، فأشْبَهَ ما لو قَطَع طَرَفَه ثم قَتَلَه، أو جاء آخَرُ فقَتَلَه.
وللشافعىِّ في وُجُوبِ القِصاصِ قَوْلان.
ولَنا، أنَّه قَطْعٌ صار قَتْلًا لِم يجبْ به القَتْلُ، فلم يجبْ به القَطْعُ، كما لو قَطَعِ مِن غيرِ مَفْصِلٍ، وفارَق ما قاسُوا عليه، فإن القَطْعِ لم يَصِرْ قَتْلًا.
وهل تجِبُ دِيَةُ الطَّرَفِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا ضَمان فيه؛ لأنَّه قَتْل لغيرِ مَعْصُومٍ.
والثانى، تَجِبُ؛ لأَنَّ سُقُوطَ حُكْمِ سِرايةِ الجُرْحِ لا يُسْقِطُ ضَمانَه، كما لو قَطَع طَرَفَ رَجُلٍ، ثم قَتَلَه آخَرُ.
فعلى هذا، هل يَجِبُ ضَمانُه بدِيَةِ المَقْطُوعِ 195، أو بأقَلِّ الأَمْرَيْن مِن دِيَتِه أو دِيَةِ النَّفْسِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تجبُ دِيَة المَقْطُوعِ 196، فلو قَطَع يَدَيْه ورِجْلَيْه، ثم ارْتَدَّ ومات، ففيه دِيَتان؛ لأَنَّ
الجزء: 25 - الصفحة: 87
وَإِنْ عَادَ إِلَى الإِسْلَامِ، ثُمَّ مَاتَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ فِى النَّفْسِ، فِى ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: إنْ كَانَ زَمَنُ الرِّدَّةِ مِمَّا تَسْرِى فِيهِ الْجنَايَةُ، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ.
الرِّدَّةَ قَطَعَتْ حُكْمَ السِّرايَةِ، فأشْبَهَ انْقِطاعَ حُكْمِها بانْدِمالِها، أو بقَتْلِ الآخَرِ له.
والثانى، يَجِبُ أقَلُّ الأَمْرَيْن؛ لأنَّه لو لم يَرْتَدَّ، لم يجبْ أكْثَرُ مِن دِيَةِ النَّفْسِ، فمع الرِّدَّةِ أوْلَى، ولأنَّه قَطْعٌ صار قَتْلًا، فلم يَجِبْ (1) أكْثَرُ مِن دِيَةٍ، كما لو لم يَرْتَدَّ، وفارَقَ [أصْلَ الوَجْهِ] (2) الأَوَّلِ، فإنَّه لم يَصِرْ قتلًا، ولأَنَّ الانْدِمالَ والقَتْلَ مَنَع وُجُودَ السِّرايَةِ، والرِّدَّةُ مَنَعَت ضَمانَها ولم تَمْنَعْ جَعْلَها قَتْلًا.
وللشافعىِّ مِن التَّفْصيلِ نحوُ ما قُلْنا.
4068 -
مسألة: (وإن عاد إلى الإسلامِ، ثُمَّ مات، وَجَب القِصاصُ)
على قاتِلِهِ.
نَصَّ عليه أحمدُ في روايةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ (وقال القاضى): يَتَوَجَّهُ عندِى أنَّ (زَمَنَ الرِّدَّةِ إن كان ممّا تَسْرِى فيه الجِنايَةُ)197198
الحديث: 4068 - الجزء: 25 - الصفحة: 88
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يَجِبِ القِصاصُ في النَّفْسِ.
وهل يجبُ في الطَّرَفِ الذى قُطِع في إسْلامِه؟ على وَجْهَيْن.
وهذا 199 مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ القِصاصَ يجبُ بالجِنايَةِ والسِّرايَةِ كلِّها، فإذا لم يُوجَدْ جَمِيعُها في الإِسلامِ، لم يجبِ القِصاصُ 200، كما لو جَرَحَه أحَدُهما في الإِسْلامِ، والآخرُ في الرِّدَّةِ، فمات مِهْما.
ولَنا، أنَّه مسلمٌ حالَ الجِنايَةِ والموَتِ، فوَجَبَ القِصاصُ بقَتْلِه، كما لو لم يَرْتَدَّ، واحْتِمالُ [السِّرايَةِ حالَ الرِّدَّةِ لا يَمْنَعُ؛ لأنَّها غيرُ مَعْلُومَةٍ، فلا يجوزُ تَرْكُ السبَبِ المَعْلُومِ باحْتِمالِ] 201 المَانِعِ، كما لو لم يَرْتَدَّ، فإنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ يموتَ بمرضٍ أو سَبَبٍ آخَرَ، أو بالجُرْحِ مع شئٍ آخَرَ يُؤَثِّرُ في الموتِ.
فأمَّا الدِّيَةُ، فتَجِبُ كامِلَةً.
ويَحْتَمِلُ وُجُوبُ نِصْفِها 202؛ لأنَّه ماتَ مِن جُرْحٍ مَضْمُونٍ وسِرايَةٍ غيرِ مَضْمُونَةٍ،
الجزء: 25 - الصفحة: 89
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوَجَبَ 203 نِصْفُ الدِّيَةِ، كما لو جَرَحَه إنسان وجَرَح نفسَه، فمات منهما.
فأمَّا إن كان زَمَنُ الرِّدَّةِ لا تَسْرِى في مِثْلِه الجِنايَةُ، ففيه الدِّيَةُ أو 204 القِصاصُ.
وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: لا قِصاصَ فيه؛ لأنَّه انْتَهَى 205 إلى حالٍ لو مات لم يَجِبِ القِصاصُ.
ولَنا؛ أنَّهما مُتكافِئانِ في حالِ الجِنايَةِ والسِّرايَةِ والموتِ، فأشْبَهَ ما لو لم يَرْتَدَّ.
وإن كان الجُرْحُ خَطَأً وَجَبَتِ الكَفَّارَةُ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه فَوَّتَ نفسًا مَعْصُومَةً.
فصل: وإن جَرَحَه وهو مسلمٌ فارْتَدَّ، ثم جَرَحَه جُرْحًا آخَرَ، ثم أسْلَمَ ومات مِنهما، فلا قِصاصَ فيه؛ لأنَّه مات مِن جُرْحَيْن مَضْمُونٍ وغيرِ مَضْمُونٍ، ويجبُ فيه نِصْفُ الدِّيَةِ لذلك.
وسواءٌ تَساوَى الجُرْحان أو زاد أحَدُهما، مثلَ أنَّ قَطَع يَدَيْه وهو مسلمٌ، فارْتَدَّ، فقَطَعَ رِجْلَه، أو كان بالعكسِ؛ لأَنَّ الجُرْحَ في الحالَيْن كجُرْحِ رِجْلَيْن.
وهل يجبُ القِصاصُ في الطَّرَفِ الذى قَطَعَه في حالِ إسلامِه؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن، بِناءً على مَن
الجزء: 25 - الصفحة: 90
فَصْلٌ: الثَّالِثُ، أَنْ يَكُونَ الْمَجْنِىُّ عَلَيْهِ مُكَافِئًا لِلْجَانِى، وَهُوَ أَنْ يُسَاوِيَهُ فِى الدِّينِ، وَالْحُرِّيَّةِ أوِ الرِّقِّ، فَيُقْتَلُ
قُطِع طَرَفُه وهو مسلمٌ، فارْتَدَّ ومات في رِدَّتِه.
ولو قَطَع طَرَفَه في رِدَّتِه أوَّلًا، فأسْلَمَ، ثم قَطَع طَرَفَه الآخَرَ، ومات مِنهما، فالحكمُ فيه كالتى قبلَها.
فصل
: وإن قَطَع مسلمٌ يَدَ نَصْرَانِىٍّ فتَمَجَّسَ، وقُلْنا: لا يُقَرُّ.
فهو كما لو جَنَى على مسلمٍ فارْتَدَّ.
وإن قُلْنا: يُقَرُّ عليه.
وَجَبَت دِيَةُ مَجُوسِىٍّ.
وإن قَطَع يَدَ مَجُوسِىٍّ، فتَنَصَّرَ، ثم يات، وقُلْنا: يُقَرُّ.
وَجَبَت دِيَةُ نَصْرَانِىٍّ.
ويَجِئُ على قولِ أبى بكرٍ والقاضى، أنَّ تجِبَ دِيَة نَصْرانِىٍّ في الأُولَى، ودِيَةُ مَجُوسِىٍّ في الثَّانيةِ، كقولِهم في مَن جَنَى على عبدٍ ذِمِّىٍّ فأسْلَمَ وعَتَقَ، ثم مات مِن الجِنايَةِ، ضَمِنَه بقِيمَةِ عبدٍ ذِمِّىٍّ، اعْتِبارًا بحالِ الجِنايَةِ.
وسنَذْكُرُ ذلك إن شاء اللَّهُ تعالى.
فصل: (الثالثُ، أن يكونَ المَجْنِى عليه مُكافِئًا للجانِى، وهو أن
الجزء: 25 - الصفحة: 91
كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ أوِ الْعَبْدِ، وَالذِّمِّىِّ الْحُرِّ أوِ العَبْدِ بِمِثْلِهِ، يُساوِيَه في الدِّينِ، والحُرِّيَّةِ أو الرِّقِّ، فيُقْتَلُ) الحُرُّ المسلمُ بالحُرِّ المسلمِ، ذَكَرًا كان أو أُنْثَى؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ 206.
4069 -
مسألة: ويُقْتَلُ العبدُ المسلمُ بالعبدِ المسلمِ، تَساوَتْ قِيمَتُهما أو اخْتَلَفَتْ.
هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
رُوِى ذلك عن عُمَرَ ابنِ عبدِ العزيزِ، وسالمٍ، والنَّخَعِىِّ، والشَّعْبِىِّ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِىِّ، ومالِكٍ، والشافعىِّ، وأبى حنيفةَ.
وعن أحمدَ رِوايَة أُخْرَى، أنَّ مِن شَرْطِ القِصاصِ تَساوِىَ قِيمَتِهم، وإنِ اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهم لم يَجْرِ بينَهم قِصاصٌ.
ويَنْبَغِى أنَّ يَخْتَصَّ هذا بما إذا كانت قِيمَةُ القاتِلِ أكْثَرَ، فإن كانت أقَلَّ فلا.
وهذا قولُ عطاءٍ.
وقال ابنُ عباسٍ: ليس في
207 العبيدِ 208 قِصاصٌ في نَفْسٍ ولا جُرْحٍ؛ لأنَّهم أمْوالٌ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾.
وهذا نَصُّ الكِتابِ، فلا يجوزُ خِلافُه، ولأَنَّ تَفاوُتَ القِيمَةِ
الحديث: 4069 - الجزء: 25 - الصفحة: 92
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كتَفاوُتِ الدِّيَةِ والفَضائِلِ 209، فلا يَمْنَعُ القِصاصَ، كالعلمِ والشَّرَفِ، والذُّكُورِيَّةِ والأُنُوثِيَّةِ.
فصل: ويَجْرِى القِصاصُ بينَهم 210 فيما دُونَ النَّفْسِ.
وبه قال عمرُ ابنُ عبدِ العزيزِ، وسالِمٌ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ رِوايَة أُخْرَى، لا يَجْرِى القِصاصُ بينَهم (2) فيما دُونَ النَّفْسِ.
وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، لأنّ الأطْرافَ مالٌ، فلا يَجْرِى القِصاصُ فيها، كالبَهائِمِ، ولأن التساوِىَ في الأطْرافِ مُعْتَبَرٌ في جَرَيانِ 211 القِصاصِ، بدليلِ أنّا لا نَأْخُذُ الصحيحةَ بالشَّلاءِ، ولا كامِلَةَ الأصابِعِ بالنّاقِصَةِ، وأطْرَافُ العَبيدِ لا تَتَساوَى.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ 212. الآية.
ولأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ 213 القِصاصِ، فجرَى بينَ العَبِيدِ، كالقِصاصِ في النَّفْسِ.
الجزء: 25 - الصفحة: 93
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا وَجَب القِصاصُ في طَرَفِ العبيدِ، فللعبدِ 214 اسْتِيفاؤُه والعَفْوُ عنه دُونَ السَّيِّدِ
فصل: ويُقْتَلُ العبْدُ 215 القِنُّ بالمُكاتَبِ، والمُكاتَبُ به، ويُقْتَلُ كلُّ واحدٍ مِنهما بالمُدَبَّرِ وأُمِّ الوَلَدِ، ويُقْتَلُ المُدَبَّرُ وأُمُّ الوَلَدِ بكلِّ واحدٍ مِنهما؛ لأَنَّ الكلَّ عبيدٌ، فيَدْخُلون في قولِه تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾.
وقد دَلَّ على 216 كَونِ المُكاتَبِ عبدًا قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» 217. وسَواءٌ كان قد أدَّى مِن كِتابَتِه شيئًا أو لم يُؤَدِّ، وسَواءٌ مَلَك ما يُؤَدِّى أو لم يَمْلِكْ، إلَّا إذا قُلْنا: إنَّه إذا مَلَك ما يُؤَدِّى صارَ حُرًّا.
فلا يُقْتَلُ بالعبدِ 218؛ لأَنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بالعَبْدِ.
وإن أدَّى ثلاثةَ أرْباعِ الكِتابَةِ، لم يُقْتَلْ أيضًا، إذا قُلْنا: إنَّه يصيرُ حُرًّا.
ومَن لم يَحْكُمْ بحُرِّيِتَّه
الجزء: 25 - الصفحة: 94
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلَّا بأداءِ جميعِ الكِتابَةِ، قال: يُقْتَلُ به.
وقال أبو حنيفةَ: إذا قَتَل العبدُ مُكاتَبًا له وَفاءٌ ووارِثٌ سِوى مَوْلاه، لم يُقْتَلْ به؛ لأنَّه حينَ الجَرْحِ كان المُسْتَحِقُّ 219 المَوْلَى، وحينَ الموتِ الوارثَ، ولا يجبُ القِصاصُ إلَّا 220 لمَن يَثْبُتُ حَقُّه في الطَّرَفَيْن.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
وقولُه: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾.
ولأنَّه لو كان قِنًّا، لوَجَبَ بِقَتْلِه القِصاصُ، فإذا كان مكاتَبًا كان أوْلَى، كما لو لم [يُخَلِّفْ وارِثًا] 221، وما ذَكَرُوه فشئٌ بَنَوْه على أُصُولِهم، ولا نُسَلِّمُه.
الجزء: 25 - الصفحة: 95
وَيُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى، وَالْأُنْثَى بِالذَّكَرِ، فِى الصَّحِيحِ عَنْهُ.
فصل: إذا قَتَل الكافرُ الحُرُّ عبدًا مسلمًا، لم يُقْتَلْ؛ لأَنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بالعبدِ، لعَدَمِ التَّكافُؤِ، ولأنَّه لا يُحَدُّ بقَذْفِه، فلا يُقْتَلُ به، كالأبِ مع الابنِ، وعليه قِيمَتُه، ويُقْتَلُ لنَقْضِ العَهْدِ، إن قُلْنا: يَنْتَقِضُ عَهْدُه.
وفيه رِوايَتان ذَكَرناهما في مَوْضِعَ ذلك (1). وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، لا يُقْتَلُ، وعليه قِيمَتُه، ويُؤَدَّبُ بما وَرَاه الإِمامُ أو نائِبُه.
فصل: وإن قتَل عبدٌ مسلمٌ حُرًّا كافرًا، لم يُقْتَلْ به؛ لأَنَّ المسلمَ لا يُقْتَلُ بالكافرِ.
وإن قَتَل مَن نِصْفُه (2) حُرٌّ عبدًا، لم يُقْتَلْ به؛ لأنَّا لا نَقْتُلُ نِصْفَ الحُرِّ بعبدٍ.
وإن قَتَلَه حُرٌّ، لم يُقْتَلْ به؛ لأَنَّ النِّصْفَ الرَّقِيقَ لا يُقْتَلُ به الحُرُّ.
وإن قَتَل مَن نِصْفُه حُرٌّ مِثْلَه، قُتِل به؛ لأَنَّ القِصاصَ يقَعُ بينَ (3) الجُمْلَتَيْن مِن غيرِ تَفْصِيلٍ، وهما مُتَساوِيان.
4070 -
مسألة: (ويُقْتَلُ الذَّكَرُ بالأُنْثَى، والأُنْثَى بالذَّكَرِ)
هذا222223224
الحديث: 4070 - الجزء: 25 - الصفحة: 96
وَعَنْهُ، يُعْطَى الذَّكَرُ نِصْفَ الدِّيَةِ إِذَا قُتِلَ بِالْأُنْثَى.
قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم النَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ومالِكٌ، وأهلُ المدينةِ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى، وغيرُهم.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: يُقْتَلُ 225 الرجلُ بالمرأةِ، ويُعْطَى أوْلِياؤُه نِصْفَ الدِّيَةِ.
رَواه سعيدٌ 226. ورُوِىَ نحوُه عن أحمدَ.
وحُكِىَ ذلك عن الحسنِ، وعطاءٍ.
وحُكِىَ عنهما مثلُ قولِ الجماعةِ.
ولَعَلَّ مَن ذهَب إلى القولِ الثانى يَحْتَجُّ بقولِ علىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
وقولُه: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾.
مع عُمُومِ سائِرِ النُّصُوصِ، وقد ثَبَت أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَتَل يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جارِيَةٍ 227 مِن الأنْصارِ 228. وروَى أبو بكرِ بنُ محمدِ بنِ عمرِو ابنِ حَزْمٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كَتَب إلى أَهْلِ اليَمَنِ بكتابٍ فيه الفرائضُ والأسْنانُ 229، وأنَّ الرجلَ يُقْتَلُ بالمرأةِ 230. وهو كتابٌ مَشْهُورٌ عندَ أَهْلِ العلمِ، مُتَلَقًّى بالقَبُولِ عندَهم.
ولأنَّهما
الجزء: 25 - الصفحة: 97
وَعَنْهُ، لَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ إِلَّا أَن تَسْتَوِىَ قِيمَتُهُمَا.
وَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ.
وَيُقْتَلُ الْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ، وَالْعَبْدُ بِالْحُرِّ، وَالْمُرْتَدُّ بِالذِّمِّىِّ وَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
شَخْصانِ يُحَدُّ كلُّ واحدٍ منهما بقَذْفِ صاحِبِه، فيُقْتَلُ كلُّ واحِدٍ منهما بالآخَرِ، كالرَّجُلَيْن.
ولا يجبُ مع القِصاصِ شئٌ؛ لأنَّه قِصاصٌ واجِبٌ، فلم يَجِبْ معه شئٌ على المُقْتَصِّ (1)، كسائِرِ القِصاصِ، واخْتِلافُ الأبْدالِ (2) لا عِبْرَةَ به في القِصاصِ، بدليلِ أنَّ الجماعَةَ يُقْتَلُونَ بالواحدِ، والنَّصْرَانِىُّ يُؤْخَذُ بالمَجُوسِىِّ، مع اخْتِلافِ دِينِهما، ويُؤْخَذ العبدُ بالعبدِ، مع اخْتِلافِ قِيمَتِهما.
ويُقْتَلُ كلُّ واحدٍ مِن الرجلِ والمرأةِ بالخُنْثَى، ويُقْتَلُ بهما؛ لأنَّه لا يَخْلُو إمَّا أن يكونَ رجلًا أو امرأةً.
4071 -
مسألة: (وعَن أحمدَ، لا يُقْتَلُ العَبْدُ بالعبدِ إلَّا أن تَسْتَوِىَ قِيمَتُهما. ولَا عَمَلَ عليه)
وقد ذَكَرْناه.
4072 -
مسألة: (ويُقْتَلُ الكافِر بالمسلمِ)
لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَتَلِ اليَهودِىَّ الذى رَضَخَ 233 رَأْسَ جاريةٍ مِن الأنْصارِ على أوْضَاحٍ لها.
ولأنَّه إذا قُتِل بمِثْلِه فبِمن هو فوقَه أوْلَى (و) كذلك يُقْتَلُ (العبدُ بالحُرِّ، والمُرْتَدُّ231232
الحديث: 4071 - الجزء: 25 - الصفحة: 98
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالذِّمِّىِّ وإن عاد إلى الإِسلامِ.
نَصَّ عليه) أحمدُ 234، لذلك.
فصل: ويُقْتَلُ المُرْتَدُّ بالذِّمِّىِّ، ويُقَدَّمُ القِصاصُ على القَتْلِ بالرِّدَّةِ؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ.
وإن عَفا عنه وَلِىُّ القِصاصِ، فله دِيَةُ المَقْتُولِ، فإن أسْلَمَ المُرْتَدُّ فهو 235 في ذِمَّتِه.
وإن قُتِل بالرِّدَّةِ أو مات، تَعَلَّقَتْ بمالِه.
وإن قَطَع طَرَفًا مِن مسلم أو ذِمِّىٍّ، فعليه القِصاصُ فيه أيضًا.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ: لا يُقْتَلُ المُرْتَدُّ بالذِّمِّىِّ، ولا يُقْطَعُ طَرَفُه بطَرَفِه؛ لأَنَّ أحْكامَ الإِسلامِ في حَقِّه باقِيَةٌ، بدليلِ وُجُوبِ العِباداتِ عليه، ومُطالبتِه بالإِسلامِ.
ولَنا، أنَّه كافِرٌ، فيُقْتَلُ بالذِّمِّىِّ، كالأصْلِىِّ 236. وقولُهم: إنَّ أحْكامَ الإِسلامِ باقِيَةٌ.
غيرُ صحيحٍ، فإنَّه قد زالت عِصْمَتُه وحُرْمَتُه، وحِلُّ [نكاحِ المسلماتِ] 237، وشِراءُ العبيدِ المسلمين، وصِحَّةُ العباداتِ وغيرِها 238، وأمَّا مُطالَبَتُه بالإِسْلام، فهو حُجَّةٌ عليهم؛ لأنَّه يَدُلُّ على تَغْلِيظِ كُفْرِه، وأنَّه لا يُقَرُّ على رِدَّتِه 239، لسُوءِ حالِه، فإذا قُتِل بالذِّمِّىِّ مثلُه، فمَن هو دُونَه أَوْلَى.
ولا يَمْنَعُ إسْلامُه وُجُوبَ القِصاصِ عليه؛ لأنَّه بعدَ اسْتِقْرارِ وُجُوبِ القِصاصِ عليه، والأَصْلُ في كلِّ واجبٍ بَقاؤُه، فأشْبَهَ ما لو قَتَلَه وهو عاقِلٌ، ثم جُنَّ.
الجزء: 25 - الصفحة: 99
وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ،
4073
- مسألة: (ولا يُقْتَلُ مسلمٌ بكافِرٍ) أىَّ كافِرٍ كان.
هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
رُوِى ذلك عن عُمَرَ، وعُثْمانَ، وعلىٍّ، وزيدِ ابنِ ثابتٍ، ومُعاوِيَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وعَطاءٌ، والحسنُ، وعِكْرِمَةُ، والزُّهْرِىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال النَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى: يُقْتَلُ المسلمُ بالذِّمِّىِّ خاصَّةً.
قال أحمدُ: الشَّعْبِىُّ والنَّخَعِىُّ قالا: دِيَةُ المَجُوسِىِّ والنَّصْرانِىِّ مثلُ دِيَةِ المسلمِ، وإن قَتَلَه يُقْتَلُ به.
سبحانَ اللَّهِ! هذا عَجَبٌ، يصيرُ المَجُوسِىُّ مثلَ المسلمِ، ما هذا القول! واسْتَبْشَعَه.
وقال: النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بكَافِرٍ» 240. وهو يقولُ: يُقْتَلُ بكافرٍ.
فأىُّ شئٍ أشَدُّ مِن هذا! واحْتَجُّوا بالعُمُوماتِ التى ذَكَرْناها، كقولِه تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
وقولِه: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾.
وبما روَى
الحديث: 4073 - الجزء: 25 - الصفحة: 100
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنُ البَيْلَمانِىِّ 241، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أقاد مسلمًا بِذِمِّىِّ، وقال: «أنا أحَقُّ مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ» 242. ولأنَّه مَعْصُومٌ عِصْمَةً مُؤَبَّدَةً، فيُقْتَلُ به قاتِلُه، كالمسلمِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤْهُمْ، ويَسْعَى بذِمَّتِهِمْ أدْنَاهُمْ، لا يُقْتَلُ مُؤْمِنُ 243 بِكَافِرٍ».
رَواه أحمدُ، وأبو داودَ 244. وفى لَفْظٍ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بكَافِرٍ».
رَواه البُخارِىُّ، وأبو داودَ 245. وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: مِن السُّنَّةِ أن لا يُقْتَلَ مُؤْمِنٌ بكافِرٍ.
الجزء: 25 - الصفحة: 101
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَواه الإِمامُ أحمدُ 246. ولأنَّه مَنْقُوصٌ 247 بالكُفْرِ، فلا يُقْتَلُ به المسلمُ، كالمُسْتَأمِنِ، والعُمُوماتُ مَخْصُوصاتٌ بحدِيثِنا، وحديثُهم ليس له إسْنادٌ.
قالَه أحمدُ.
وقال الدّارَقُطْنِىُّ 248: يَرْوِيه ابنُ البَيْلَمانِىِّ، وهو ضعيفٌ إذا أسْنَدَ، فكيف إذا أرْسَلَ؟ والمَعْنَى في المسلمِ أنَّه مُكافِئٌ للمسلمِ، بخِلافِ الذِّمِّىِّ.
ووافَقَ أبو حنيفةَ الجماعةَ في المسْتَأْمِنِ أنَّ المسلمَ لا يُقادُ به.
وهو المشهورُ عن أبى يُوسُفَ.
وعنه، يُقْتَلُ به؛ لِما سَبَق في الذِّمِّىِّ.
ولَنا، أنَّه ليس بمَحْقُونِ الدَّمِ على التَّأْبِيدِ، فأشْبَهَ الحَرْبِىَّ، مع ما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ في التى قبلَها.
فصل.
ويُقْتَلُ الذِّمِّىُّ بالذِّمِّىِّ، سواءٌ اتَّفَقَتْ أدْيانُهم أو اخْتَلَفْ، فيُقْتَلُ النَّصْرانِىُّ باليَهُودِىِّ والمَجُوسِىِّ.
نَصَّ عليه أحمدُ في النَّصْرَانِىِّ يُقْتَلُ بالمَجُوسِىِّ إذا قَتَلَه.
قِيلَ 249: فكَيْفَ يُقْتَلُ به وأدْيانُهما مُخْتَلِفَةٌ؟ قال: أذْهَبُ إلى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَتَل رَجُلًا بالمرأةِ 250. يَعْنِى أنَّه قَتَلَه بها مع اخْتِلافِ دِينِهما.
ولأنَّهما تَكافَآ في العِصْمَةِ بالذِّمَّةِ 251 ونَقِيصةِ الكُفْرِ، فجَرَى 252
الجزء: 25 - الصفحة: 102
ولا حُرٌّ بِعَبْدٍ،
القِصاصُ بينَهما، كما لو تَساوَى دِينُهما.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
4074 -
مسألة: (ولا)
يُقْتَلُ (حُرٌّ بعبدٍ) رُوِى هذا عن [أبى بكرٍ] 253، وعُمَرَ، وعلىٍّ، وزيدٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وعِكْرِمَةُ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
ورُوِىَ ذلك عن الشَّعْبِىِّ.
ورُوِىَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والنَّخَعِىِّ، وقَتادَةَ، والثوْرِىِّ، وأصحاب الرَّأْى، أنَّه يُقْتَلُ به؛ لعُمُوم الآياتِ والأخْبارِ، ولقولِ 254 النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ».
ولأنَّه آدَمِىٌّ مَعْصُومٌ، فأشْبَهَ الحُرَّ.
ولَنا، ما روَى الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: مِن السُّنَّةِ أن لا يُقْتَلَ حُرٌّ بعبدٍ 255. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ».
رَواه الدّارَقُطنِىُّ 256. ولأنَّه لا يُقْطَعُ طَرَفُه بطَرَفِه مع التَّساوِى في السَّلامَةِ، فلا يُقْتَلُ به، كالأبِ مع ابْنِه.
الحديث: 4074 - الجزء: 25 - الصفحة: 103
إِلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ وَهُوَ مِثْلُهُ، أَوْ يَجْرَحَهُ، ثُمَّ يُسْلِمَ الْقَاتِلُ أَوِ الْجَارِحُ، أَوْ يَعْتِقَ وَيَمُوتَ الْمَجْرُوحُ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ.
ولأَنَّ العَبْدَ مَنْقُوصٌ بالرِّقِّ، فلم يُقْتَلْ به الحرُّ (1)، كالمُكاتَبِ إذا مَلَك ما يُؤَدِّى، والعُمُوماتُ مَخْصُوصَةٌ بهذا، فنَقِيسُ عليه.
4075 -
مسألة: (إلَّا أن يَجْرَحَه وهو مِثْلُه، أو يَقْتُلَه ثم يُسْلِمَ القاتِلُ أو الجَارِحُ، أو يَعْتِقَ فيَمُوتَ المَجْرُوحُ، فإنَّه يُقْتَلُ به)
وجملةُ ذلك، أنَّ الاعْتِبارَ في التَّكافُؤِ بحالةِ الوُجُوبِ كالحَدِّ.
فعلى هذا، إذا قَتَل ذِمِّىِّ ذِمِّيًّا أو جَرَحَه، ثم أسْلَمَ الجارِحُ، و 258 مات المَجْرُوحُ، أو قَتَل عبدٌ عبدًا أو جَرَحَه، ثُمَّ عَتَقَ القاتِلُ أو الجارِحُ، ومات المَجْرُوحُ، وَجَب القِصاصُ؛ لأنَّهما مُتكافِئان حالَ الجِنايَةِ، ولأَنَّ القِصاصَ قد وَجَب، فلا يَسْقُطُ بما طَرَأ، كما لو جُنَّ.
[كذا ذَكَره أصحابُنا.
وهو قولُ الشافعىِّ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْتَلَ به.
وهو قولُ الأوْزاعِىِّ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بكافِرٍ».
ولأنَّه مُؤْمِنٌ، فلا يُقْتَلُ بكافِرٍ، كما لو كان مُؤْمِنًا حالَ قَتْلِه.
ولأَنَّ إسْلامَه لو قارَنَ السَّبَبَ مع عِلْمِه، فإذا طَرَأ أسْقَطَ حُكْمَه.
والأَوَّلُ أقْيَسُ] 259.257
الحديث: 4075 - الجزء: 25 - الصفحة: 104
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[فصل: ولو جَرَح ذِمِّىٌّ حُرٌّ 260 عبدًا ثم لَحِق بدارِ الحرب، فأُسِرَ واسْتُرِقَّ، لم يُقْتَلْ بالعبدِ؛ لأنَّه حينَ وُجوبِ القِصاصِ حُرٌّ] 261.
فصل: ولا يُقْتَلُ السَّيِّدُ بعبدِه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن النَّخَعِىِّ، وداودَ، أنَّه يُقْتَلُ به؛ لِما رَوَى قَتادَةُ، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ، قال: إنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَهُ جَدَعْنَاهُ».
رَواه سعيدٌ، والإِمامُ أحمدُ، والتِّرْمِذِىُّ 262، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
مع العُمُوماتِ والمَعْنَى في التى قبلَها.
ولَنا، ما ذَكَرْناه في التى قبلَها.
وعن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: لو لم أسْمَعْ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «لَا يُقَادُ المَمْلُوكُ مِنْ مَوْلَاهُ، والوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ» لأقَدْتُه مِنْكَ.
رَواه النَّسائِىُّ 263. وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ رجلًا قَتَل
الجزء: 25 - الصفحة: 105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عبدَه، فجَلَدَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مائةً، ونَفاهُ عامًا، ومَحا سَهْمَه 264 مِن المسلمين.
رَواه سعيدٌ، والخَلَّالُ 265. قال أحمدُ: ليس بشئٍ مِن قِبَلِ إسحاقَ بنِ أبى فَرْوَةَ.
ورَوَاه عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن أبى بكرٍ وعمرَ 266، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قالا: مَن قَتَل عبدَه، جُلِد مائةً، وحُرِمَ سَهْمَه مع المسلمين 267. فأَمّا حديثُ سَمُرَةَ، فلم يَثْبُتْ.
قال أحمدُ: الحسنُ لم يَسْمَعْ مِن سَمُرَةَ، إنَّما هى صَحِيفَةٌ.
وقال غيرُه: إنَّما سَمِعَ الحسنُ مِن سَمُرَةَ ثلاثةَ أحاديثَ، ليس هذا منها.
ولأَنَّ الحسنَ أفْتَى بخِلافِه، فإنَّه 268 يقولُ: لا يُقْتَلُ الحُرُّ بالعبدِ.
وقال: إذا قَتَل السَّيِّدُ عبدَه يُضْرَبُ.
ومخالَفَتُه له تَدُلُّ على ضَعْفِه.
الجزء: 25 - الصفحة: 106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يُقْطَعُ طَرَفُ الحُرِّ بطَرَفِ العبدِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه بينَهم.
ويُقْتَلُ العبدُ بالحُرِّ، وبسَيِّدِه؛ لأنَّه إذا قُتِل بمِثْلِه، فبمَن هو أكْمَلُ منه.
269 أَوْلَى، مع عُمُومِ النُّصُوصِ الوارِدَةِ في ذلك.
ومتى وَجَب القِصاصُ على العبدِ، فعَفا وَلِىُّ الجِنايَةِ إلى المالِ، فله ذلك، ويَتَعَلَّقُ أرْشُها برَقَبَتِه؛ لأنَّه مُوجَبُ جِنايَتِه، فتَعَلَّقَ برَقَبَتِه 270، كالقِصاصِ.
فإن شاء سَيِّدُه أن يُسَلِّمَه إلى وَلِىِّ الجِنايةِ، لم يَلْزَمْه أكثرُ مِن ذلك؛ لأنَّه سَلَّمَ إليه ما تَعَلَّقَ حَقُّه به.
وإن قال وَلِىُّ الجِنايةِ: بِعْه، وادْفَعْ إلَىَّ ثَمَنَه.
لم يَلزَمْه ذلك؛ لأنَّه لم يتَعَلَّقْ بذِمَّتِه شئٌ، وإنَّما تَعَلَّقَ بالرَّقَبَةِ التى سَلَّمَها، فبَرِئَ منها.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَلْزَمُه ذلك، كما يَلْزَمُه بَيْعُ الرَّهْنِ.
وإنِ امْتَنَعَ مِن تَسْلِيمِه، واخْتارَ فِداءَه، فهل تَلْزَمُه قِيمَتُه أو أَرْشُ الجِنايةِ؟ على رِوايَتَيْن، تُذْكرُ 271 في غيرِ هذا المَوْضِعِ.
الجزء: 25 - الصفحة: 107
وَلَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا، أَوْ حُرٌّ عَبْدًا، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمَجْرُوحُ، أَوْ عَتَقَ وَمَاتَ، فَلَا قَوَدَ، وَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ.
فِى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ.
4076 - مسألة: وإن جَرَح مسلمٌ كافِرًا، فأسْلَمَ المَجْرُوحُ، ثم مات مسلمًا بسِرايَةِ الجُرْحِ
272، لم يُقْتَلْ به قاتِلُه؛ لعَدَم التَّكافُؤِ حالَ الجِنايَةِ (وعليه دِيَةُ مُسْلِمٍ) لأَنَّ اعْتِبارَ الأَرْشِ بحالِ اسْتِقَرارِ الجِنايةِ.
وهذا (قولُ ابنِ حامِدٍ) بدليلِ ما لو قَطَع يَدَىْ رَجُل ورِجْلَيْه، فسَرَى إلى نفسِه، ففيه دِيَةٌ واحدةٌ، ولو اعْتُبِرَ حال الجِنايَةِ، وَجَب دِيَتانِ.
ولو قَطَج حُرٌّ يَدَ عبدٍ، ثم عَتَق ومات، لم يَجِبِ القَوَدُ؛ لعَدَم التَّكافُؤِ 273 حالَ الجِنايَةِ، وعلى الجانِى دِيَةُ حُرٍّ، اعْتِبارًا بحالِ الاسْتِقْرارِ.
وهو قولُ ابنِ حامدٍ، كالمسألةِ قبلَها، ومَذهَبُ الشافعىِّ.
وللسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَيْن، مِن نِصْفِ قِيمَتِه، أو نِصْفِ دِيَةِ حُرٍّ، والباقى لوَرَثَتِه؛ لأَنَّ نِصْفَ قِيمَتِه إن كانت أقَلَّ، فهى التى وُجِدَتْ في مِلْكِه، فلا يكونُ له أكْثَرُ منها؛ لأَنَّ الزَّائِدَ حَصَل بحُرِّيَّتِه، ولا حَقَّ له فيما حَصَل بها.
وإن كان الأقَلُّ الدِّيَةَ، لم يَسْتَحِقَّ أكْثَرَ منها؛ لأَنَّ نَقْصَ 274 القِيمَةِ حَصَل بسَبَبٍ مِن جِهَةِ السَّيِّدِ،
الحديث: 4076 - الجزء: 25 - الصفحة: 108
وَفِى قَوْلِ أَبِى بَكْرٍ: عَلَيْهِ فِى الذِّمِّىِّ دِيَةُ ذِمِّىِّ، وَفِى الْعَبْدِ قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهِ.
وهو العِتْقُ.
وذَكَر القاضى أنَّ أحمدَ نَصَّ في رِوَايةِ حَنْبَلٍ، في مَن فَقَأ عَيْنَىْ عبدٍ، ثُمَّ أُعْتِقَ 275 ومات، أنَّ على الجانِى قِيمَتَه للسَّيِّدِ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ الاعْتِبارَ بحال الجِنايةِ.
وهو اختِيارُ أبى بكرٍ، والقاضى، وأبى الخَطَّابِ.
قال أبو الخَطَّابِ: مَن قَطَعَ يَدَ ذِمِّىِّ، ثم أسْلَمَ ومات، ضَمِنَه بدِيَةِ ذِمِّىٍّ، ولو قَطَع يَدَ عبدٍ، فأعْتَقَه سَيِّدُه ومات، فعلى الجانِى قِيمَتُه للسَّيِّدِ؛ لأَنَّ حُكْمَ القِصاصَ مُعْتَبَرٌ بحالِ الجِنايةِ، دُونَ حالِ السِّرايَةِ، فكذلك الدِّيَةُ.
والأَوَّلُ أصَحُّ، إن شاء اللَّهُ تعالى.
قاله 276 شيخُنا؛ لأَنَّ سِرايَةَ الجُرْحِ مَضْمُونَةٌ 277، فإذا أتْلَفَتْ حُرًّا مسلمًا، وَجَب ضَمانُه بدِيَةٍ كاملةٍ، كما لو قَتَلَه بجُرْحٍ ثانٍ.
وقولُ أحمدَ في مَن فَقَأ عَيْنَىْ عبدٍ: عليه قِيمَتُه للسَّيِّدِ.
الجزء: 25 - الصفحة: 109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا خِلافَ فيه، وإنَّما الخِلافُ في وُجُوبِ الزَّائِدِ على القِيمَةِ مِن دِيَةِ الحُرِّ للوَرَثَةِ، ولم يَذْكُرْه أحمدُ.
ولأَنَّ الواجِبَ مُقَدَّرٌ بما تُفْضِى 278 إليه السِّرايَةُ، دُونَ ما تُتْلِفُه 279 الجِنايةُ، بدليلِ أنَّ مَن قُطِعَتْ يَدَاهُ ورِجْلاه، فسَرَى القَطْعُ إلى نَفْسِه، لم يَلْزَم الجانِىَ أكْثَرُ مِن دِيَةٍ، ولو قَطَع إصْبَعًا، فسَرى إلى نفْسِه، لو جَبَتِ الدِّيَةُ كامِلةً، فكذلك إذا سَرَتْ إلى نفسِ حُرٍّ مسلم، تَجِبُ دِيَةٌ كامِلَةٌ.
فأمَّا إن قَطَع يَدَ مُرْتَدٍّ، أو 280 حَرْبِىٍّ، فسَرَى ذلك إلى نفسِه، لم يَجِبْ قِصاصٌ ولا دِيَةٌ ولا كَفَّارَةٌ، سَوَاءٌ أسْلَمَ قبلَ السِّرايةِ أو لم يُسْلِمْ؛ لأَنَّ الجُرْحَ غيرُ مَضْمُونٍ، فلم تُضْمَنْ
الجزء: 25 - الصفحة: 110
وَإِنْ رَمَى مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا عَبْدًا، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى عَتَقَ وَأَسْلَمَ، فَلَا قَوَدَ، وَعَلَيْهِ ديَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ إِذَا مَاتَ مِنَ الرَّمْيَةِ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِىُّ.
وَقَالَ أَبَو بَكْرٍ: عَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
سِرايَتُه، بخِلافِ التى قبلَها.
4077 -
مسألة: (وإن رَمَى مسلمٌ ذِمِّيًّا عبدًا، فلمْ يَقَعِ السَّهْمُ به حتى عَتَقَ وأسْلَمَ، فلا قَوَدَ، وعليه دِيَةُ حُرٍّ مسلمٍ إذا مات مِن الرَّمْيَةِ)
هذا قولُ ابنِ حامدٍ، ومَذْهَبُ الشافعىِّ (وقال أبو بكرٍ: يجبُ القِصاصُ) لأنَّه قَتَل مُكافِئًا له عمدًا عُدْوانًا، فوَجَبَ القِصاصُ، كما لو كان حُرًّا مسلمًا كذلك حالَ الرَّمْى، يُحَقِّقُه أنَّ الاعْتِبارَ بحالِ 281 الإِصابةِ، بدليلِ ما لو رَمَى فلم يُصِبْه حتىِ ارْتَدَّ أو مات، لم يَلْزَمْه شئٌ، ولو رَمَى عبدًا كافرًا، فعَتَقَ و 282 أسْلَمَ، غرِمَه بدِيَةِ حُرٍّ مسلمٍ.
ولَنا، على دَرْءِ 283 القِصاصِ،
الحديث: 4077 - الجزء: 25 - الصفحة: 111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّه لم يَقْصِدْ إلى نَفْسٍ مُكافِئَةٍ، فلم يَجِبْ عليه قِصاصٌ، كما لو رَمَى حَرْبِيًّا 284 أو مُرْتَدًّا فأسْلَمَ.
وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُه في العَبْدِ [دِيَةُ عبدٍ لمَوْلاه؛ لأَنَّ الإِصابَةَ ناشِئَةٌ] 285 عن إرْسالِ السَّهْم، فكان الاعْتِبارُ بها، كحالَةِ الجُرْحِ.
ولَنا، أنَّ الإِصابَةَ حَصَلَتْ في حُرٍّ، فكان ضَمانُه ضمانَ الأحْرارِ، كما لو قَصَد هَدَفًا أو طائِرًا، فأصاب حُرًّا، ثم يَبْطُلُ [ما ذَكَرَه] 286 بما إذا رَمَي حَيًّا فأصابه مَيِّتًا، أو عبدًا صحيحًا فأصابه بعدَ قَطْعِ يَدَيْه، لم تَجِبْ دِيَتُه لوَرَثَتِه، وعندَه تَجِبُ لمَوْلاه.
ولو رَمَى كافِرًا فأصابه السَّهْمُ بعدَ أن أسْلَمَ، كانت دِيَتُه لوَرَثَتِه المسلمين، وعندَ أبى حنيفةَ لوَرَثَتِه الكُفَّارِ.
ولَنا، أنَّه مات مسلِمًا حُرًّا، فكانت دِيَتُه للمسلمين، كما لو كان مسلمًا حالَ الرَّمْى، فوُجُوبُ المالِ مُعْتَبَرٌ بحالِ الإِصابَةِ؛ لأنَّه [بَدَلٌ عن] 287 المَحَلِّ، فيُعْتَبَرُ عن المَحَلِّ الذى فات بها، فيَجِبُ بقَدْرِه، وقد فات بها نَفْسُ مسلمٍ حُرٍّ، والقِصاصُ جَزاءُ 288 الفِعْلِ، فيُعْتَبَرُ الفِعْلُ فيه والإِصابةُ معًا؛ لأنَّهما طَرَفَاه، فلذلك لم 289 يَجِبِ القِصاصُ بقَتْلِه.
الجزء: 25 - الصفحة: 112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فُصُولٌ تتعلقُ بهذه المسألةِ:
فصل 290: ولو قَطَع يَدَ عبدٍ، ثم عَتَق ومات، أو يَدَ ذِمِّىِّ، ثم أسْلَمَ ومات، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، الواجِبُ دِيَةُ حُرٍّ مسلمٍ، لوَرَثَتِه ولسَيِّدِه منها أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن دِيَتِه أو أرْشِ جِنايَتِه، اعْتِبارًا بحالِ اسْتِقْرارِ الجِنايَةِ.
وقال القاضى، وأبو بكرٍ: تجبُ قِيمَةُ العبدِ بالِغَةً ما بَلَغَتْ، مَصْرُوفَةً إلى السَّيِّدِ، اعْتِبارًا بحالِ الجِنايةِ؛ لأنَّها المُوجبُ للضَّمانِ، فاعْتُبِرَت حالَ وُجُودِها.
ومُقْتَضَى قَوْلِهما ضَمانُ الذِّمِّىِّ الذى أسْلَمَ بدِيَةِ ذِمِّىِّ، ويَلْزَمُهما على هذا أن يَصْرِفاها إلى وَرَثَتِه مِن أهلِ الذِّمَّةِ، وهو غيرُ صحيحٍ؛ لأَنَّ الدِّيَةَ لا تَخْلُو مِن أن تكونَ مُسْتَحَقَّةً للمَجْنِىِّ عليه، أو لوَرَثَتِه؛ فإن كانت له، وَجَب أن تكونَ لوَرَثَتِه المسلمين، كسائِرِ أمْوالِه وأمْلاكِه، و 291 كالذى كَسَبَه بعدَ جُرْحِه.
وإن كانت تَحْدُثُ على مِلْكِ وَرَثَتِه، فوَرَثَتُه هم المسلمون دُونَ الكُفَّارِ.
فصل: وإن قَطَع أنْفَ عَبْدٍ قِيمَتُه ألفُ 292 دِينارٍ، فانْدَمَلَ، ثم أعْتَقَه السَّيِّدُ، وَجَبَتْ قِيمَتُه بكَمالِها للسَّيِّدِ.
وإن أعْتَقَه ثم انْدَمَلَ، فكذلك؛ لأنَّه إنَّما اسْتَقَرَّ بالانْدِمالِ ما وَجَب بالجِنايةِ، والجِنايةُ كانت في مِلْكِ سَيِّدِه.
وإن مات مِن سِرايةِ الجُرْحِ، فكذلك في قولِ أبى بكرٍ والقاضى.
الجزء: 25 - الصفحة: 113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو قولُ المُزَنِىِّ؛ لأَنَّ الجِنايةَ يُراعَى فيها حالُ وُجُودِها.
وذَكَر القاضى أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه في رِوايةِ حَنْبَلٍ، في مَن فَقَأ عَيْنَىْ عَبدٍ، ثم أُعْتِقَ ومات، ففيه قِيمَتُه لا الدِّيَةُ.
ومُقْتَضَى قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّ الواجِبَ فيه دِيَةُ حُرٍّ 293. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ اعْتِبارَ الجِنايةِ بحالةِ الاسْتِقْرارِ، وقد ذَكَرْناه.
[ويُصْرَفُ إلى سَيِّدِه؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ أقَلَّ الأَمْرَيْن مِن دِيَتِه أو أرْشِ الجُرْحِ، والدِّيَةُ ههُنا أقَلُّ الأَمْرَيْن.
وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بما إذا قَطَع يَدَيْه ورِجْلَيْه فمات بسِرايَةِ الجُرْحِ، فإنَّ الواجِبَ دِيَةُ النَّفْسِ لا دِيَةُ الجُرْحِ] 294.
فصل: فإن قَطَع يَدَ عبدٍ، فأُعْتِقَ، ثم عاد فقَطَعَ رِجْلَه، وانْدَمَلَ القَطْعان، فلا قِصاصَ في اليَدِ؛ لأنَّها قُطِعَتْ في حالِ رقِّه، ويَجِبُ فيها نِصْفُ قِيمَتِه، أو ما نَقَصَه القَطْعُ 295 لسَيِّدِه، إذا قُلْنا: إنَّ العبدَ يُضْمَنُ بما نَقَصَه.
ويجبُ القِصاصُ في الرِّجْلِ التى قَطَعها حالَ حُرِّيَّتِه، أو نِصْفُ الدِّيَةِ إن عَفا عن القِصاصِ لوَرَثَتِه.
وإنِ انْدَمَلَ قَطْعُ اليَدِ، وسَرَى قَطْعُ الرِّجْلِ إلى نَفْسِه، ففى اليَدِ نِصْفُ القِيمَةِ لسَيِّدِه، وعلى القاطِعِ القِصاصُ في النفسِ، أو الدِّيَةُ كامِلَةً لوَرَثَتِه.
وإنِ انْدَمَلَ قَطْعُ الرِّجْلِ، وسَرَى قَطْعُ اليَدِ، ففى الرِّجْلِ القِصاصُ بِقَطْعِها، أو نِصْفُ الدِّيَةِ لوَرَثَتِه، ولا قِصاصَ في اليَدِ، ولا في سِرايَتِها، وعلى الجانِى دِيَةُ حُرٍّ، لسَيِّدِه منها أقَلُّ الأَمْرَيْن
الجزء: 25 - الصفحة: 114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن أرْشِ القَطْعِ أو ديَةِ الحُرِّ، على قولِ ابنِ حامدٍ.
وعلى قولِ أبى بكرٍ والقاضى، تَجِبُ قِيَمَةُ العبدِ لسَيِّدِه، اعْتِبارًا بحالِ جنايَتِه.
وإن سَرَى الجُرْحان، لم يَجِبِ القِصاصُ في النَّفْسِ ولا اليَدِ؛ لأنَّه مات مِن جُرْحَيْن مُوجِبٍ وغيرِ مُوجِبٍ، فلم يجبِ القِصاصُ، كما لو جَرَحَه جُرْحَيْن خَطَأً وعمدًا، ولكنْ يجبُ القِصاصُ في الرِّجْلِ؛ لأنَّه قَطَعَها مِن حُرٍّ، فإنِ اقْتَصَّ منه، وَجَب نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه مات مِن جِنايَتِه، وقد اسْتَوْفَى منه ما يُقابِلُ نِصْفَ الدِّيَةِ، وللسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن نِصْفِ القِيمَةِ أو نصفِ الدِّيَةِ، فإن زاد نِصْفُ الدِّيَةِ على نِصْفِ القِيمَةِ، كان الزّائِدُ للوَرَثَةِ، وإن عَفَا وَرَثَتُه عن القِصاصِ، فلهم أيضًا نِصْفُ الدِّيَةِ.
فإن كان قاطِعُ الرِّجْلِ غيرَ قاطِعِ اليَدِ، واندَمَلَ الجُرْحان، فعلى قاطِعِ اليَدِ نِصْفُ القِيمَةِ لسَيِّدِه، وعلى قاطِعِ الرِّجْلِ القِصاصُ فيها أو 296 نِصْفُ الدِّيَةِ.
وان سَرَى الجُرْحان إلى نفسِه، فلا قِصاصَ على الأَوَّلِ؛ لأنَّه قَطَع يَدَ عبدٍ، وعليه نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ؛ لأَنَّ المَجْنِىَّ عليه حُرٌّ في حالِ اسْتِقْرارِ الجِنايةِ، وعلى الثانى القِصاصُ في النَّفْسِ إذا كانا عَمَدَا القَطْعَ؛ لأنَّه شارَكَ في القَتْلِ عمدًا عُدْوانًا، فهو كشريكِ الأبِ.
ويَتَخَرَّجُ أن لا قِصاصَ عليه في النَّفْسِ؛ لأَنَّ الرُّوحَ خَرَجَتْ مِن سِرايَةِ قَطْعَيْن، مُوجِبٍ وغيرِ مُوجِب، بِناءً على شريكِ الأبِ.
وإن عَفا عنه إلى الدِّيَةِ، فعليه نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ.
وإن قُلْنا بوُجُوبِ القِصاصِ في النَّفْسِ، خُرِّجَ في وُجُوبِه في الطَّرَفِ رِوايتان.
وإن قُلْنا:
الجزء: 25 - الصفحة: 115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يجبُ في النَّفْسِ.
وَجَب في الرِّجْلِ.
فصل: وإن قَلَع عَيْنَ عبدٍ، ثم أُعْتِقَ 297، ثُمَّ قَطَع آخَرُ يَدَه، ثم قَطَع آخَرُ رِجْلَه، فلا قَوَدَ على الأَوَّلِ، سواءٌ انْدَمَلَ جُرْحُه أو سَرَى، وأمَّا الآخرَان، فعليهما القِصاصُ في الطَّرَفَيْن إن 298 وَقَف قَطْعُهما، أو دِيَتُهما إن عَفا عنهما.
وإن سَرَتِ الجِراحاتُ كلُّها، فعليهما القِصاصُ في النَّفْسِ؛ لأَنَّ جِنايَتَهما صارتْ نَفْسًا.
وفى ذلك وفى القِصاصِ في الطَّرَفِ اخْتِلافٌ قد 299 ذَكَرْناه.
وإن عَفا عنهما، فعليهم 300 الدِّيَةُ أثْلاثًا.
وفيما يَسْتَحِقُّه السَّيِّدُ وَجْهان؛ أحَدُهما، أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن نِصْفِ القِيمَةِ أو ثُلُثِ الدِّيَةِ، على قِياسِ قولِ أبى بكرٍ؛ لأنَّه بالقَطْعِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ القِيمَةِ، فإذا صارت نَفْسًا، وَجَب فيها ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ فكان له أقَلُّ الأَمْرَيْن.
والثانى، له أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن ثُلُثِ القِيمَةِ أو ثُلُثِ الدِّيَةِ؛ لأَنَّ الجِنايةَ إذا صارت نَفْسًا، كان الاعْتِبارُ بما آلَتْ إليه، ألا تَرَى أنَّه لو جَنَى الجانِيان الآخَرَان قبلَ العِتْقِ أيضًا، لم يكنْ على الأَوَّلِ إلَّا ثُلُثُ القِيمَةِ، ولا يَزِيدُ حَقُّه بالعِتْقِ، كما لو قَلَع رَجُلٌ عَيْنَه، ثم باعَه سَيِّدُه، ثم قَطَع آخَرُ يَدَه، وآخَرُ رِجْلَه، ثم مات، فإنَّه يكونُ للأوَّلِ ثُلُثُ القِيمَةِ.
وإن كان أَرْشُ
الجزء: 25 - الصفحة: 116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجِنايةِ نِصفَ القِيمَةِ، فإذا قُلْنا بالوَجْهِ الأَوَّلِ، [فلو كان الأَوَّلُ] 301 قَطَع إصْبَعَه، أو هَشَمَه، و 302 الجانِيان 303 في الحُرِّيَّةِ قَطَعا يَدَيْه، فالدِّيَةُ عليهم أثْلَاثًا، للسَّيِّدِ منها أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن أرْشِ الإِصْبَعِ، وهو عُشْرُ القِيمَةِ، أو ثُلُثِ الدِّيَةِ.
ولو كان الجانِى في حالِ الرِّقِّ قَطَع يَدَيْه، والجانِيان (3) في الحُرِّيَّةِ قَطَعا رِجْلَيْه، وَجَبَتِ الدِّيَةُ أثْلَاثًا، وكان للسَّيِّدِ منها أقَلُّ الأمْرَيْنِ مِن جميعِ قِيمَتِه 304 أو ثُلُثِ الدِّيَةِ.
وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يكونُ له في الفَرْعَيْن أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن ثُلُثِ القِيمَةِ أو ثُلُثِ الدِّيَةِ.
فصل: فإن كان الجانِيانِ في حالِ الرِّقِّ، والواحِدُ في حالِ الحُرِّيَّةِ، فمات، فعليهم الدِّيَةُ، وللسَّيِّدِ مِن ذلك، في أحدِ الوَجْهَيْن، أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن أرْشِ الجنايَتَيْن أو ثُلُثَى الدِّيَةِ، وعلى الآخَرِ أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن ثُلُثَى القِيمَةِ أو ثُلُثَى الدِّيَةِ.
فصل: وإن كان الجُناةُ أرْبَعَةً؛ واحِدٌ في الرِّقِّ، وثَلاثَةٌ في الحُرِّيَّةِ، ومات، كان للسَّيِّدِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن، الأَقَلُّ مِن أرْشِ الجِنايةِ أو رُبْعِ الدِّيَةِ 305. وإن كان الثَّلاثَةِ في الرِّقِّ، والواحِدُ في الحُرِّيَّةِ، كان للسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَين من أرْشِ الجناياتِ أو ثَلَاثَةِ أرْباعِ الدِّيَةِ، في أحدِ الوَجْهَيْن، وفى
الجزء: 25 - الصفحة: 117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الآخَرِ، الأقَلُّ مِن ثلاثةِ أرْباعِ القِيمَةِ أو ثلَاثةِ أرْباعِ الدِّيَةِ.
ولو كانوا 306 عَشَرَةً؛ واحِدٌ في الرِّقِّ، وتسعةٌ في الحُرِّيَّةِ، فالدِّيَةُ عليهم، وللسَّيِّدِ فيها بحِسابِ ما ذَكَرْنا، على اخْتِلافِ الوَجْهَيْن.
فصل: وإن قَطَع يَدَه، ثم أُعْتِقَ، فقَطَعَ آخَرُ رِجْلَه، ثم عاد الأَوَّلُ فقَتَلَه بعدَ الانْدِمالِ، فعليه القِصاصُ للوَرَثَةِ، ونِصْفُ القِيمَةِ للسَّيِّدِ، وعلى الآخَرِ القِصاصُ للورثةِ في الرِّجْلِ أو 307 نِصْفُ الدِّيَةِ.
فإن كان قبلَ الانْدِمالِ، فعلى الجانِى الأَوَّلِ القِصاصُ في النَّفْسِ دُونَ اليَدِ؛ لأنَّه قَطَعَها في رِقِّه.
فإنِ اخْتارَ الورثةُ القِصاصَ في النَّفْسِ، سَقَط حَقُّ السَّيِّدِ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يُسْتَحَقَّ عليه النفسُ وأرْشُ الطَّرَفِ قبلَ الانْدِمالِ، فإنَّ الطَّرَفَ داخِلٌ في النَّفْسِ في الأَرْشِ.
فإنِ اخْتارُوا 308 العَفْوَ، فعليه الدِّيَةُ دُونَ أرْشِ الطَّرَفِ؛ لأَنَّ أرْشَ الطَّرفِ يَدْخُلُ في النَّفْسِ، وللسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن نِصْفِ القِيمَةِ أو أرْشِ الطَّرَفِ، والباقى للورثةِ.
وأمَّا الثانى، فعليه القِصاصُ في الرِّجْلِ؛ لأَنَّ القَتْلَ قَطَع سِرايَتَها، فصار كما لو انْدَمَلَتْ.
فإن عَفا عنه، فعليه نِصْفُ الدِّيَةِ.
وإن كان الثانى هو الذى قَتَلَه قبلَ الانْدِمالِ، فعليه القِصاصُ في النفسِ.
وهل يُقْطَعُ طَرَفُه؟ على رِوايَتَيْن.
فإن عَفا الورثةُ، فعليهْ دِيَةٌ واحدةٌ.
وأمّا الأَوَّلُ، فعليه نِصْف
الجزء: 25 - الصفحة: 118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القِيمَةِ للسَّيِّدِ، ولا قِصاصَ عليه.
وإن كان القاتِلُ ثالثًا، فقد اسْتَقَرَّ القَطْعانِ، ويكونُ على الأَوَّلِ نِصْفُ القِيمَةِ لسَيِّدِه، وعلى الثانى القِصاصُ في الرِّجْلِ، أو نِصْفُ الدِّيَةِ لورثَتِه، وعلى الثالثِ القِصاصُ في النَّفْسِ أو الدِّيَةُ.
فصل: وإذا قَطَع رجلٌ يَدَ عبدِه 309، ثم أعْتَقَه، ثم اندَمَلَ جُرْحُه، فلا قِصاصَ عليه ولا ضَمانَ؛ لأنَّه إنَّما قَطَع يَدَ عَبْدِه، وإنَّما اسْتَقَرَّ بالانْدِمالِ ما وَجَب بالجِراحِ.
وإن مات بعدَ العِتْقِ بسِرايَةِ الجُرْحِ، فلا قِصاصَ فيه؛ لأَنَّ الجِنايةَ كانت على مَمْلُوكِه.
وفى وُجُوبِ الضَّمانِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يجبُ شئٌ؛ لأنَّه مات بسِرايَةِ جُرْحٍ غيرِ مَضْمُونٍ، أشْبَهَ ما لو مات بسِرايَةِ القَطْعِ في الحَدِّ وسِرايَةِ القَوَدِ.
ولأنَّنا تَبَيَّنْا أنَّ القَطْعَ كان قَتْلًا، فيكونُ قاتِلًا لعَبْدِه، فلا يَلْزَمُه ضَمانُه، كما لو لم يُعْتِقْه.
وهذا مُقْتَضَى قولِ أبى بكرٍ.
والثانى، يَضْمَنُه بما زاد على أرْشِ القَطْعِ مِن الدِّيَةِ؛ لأنَّه مات وهو حُرٌّ بسِرايَةِ قَطْع عُدْوانٍ، فيَضْمَنُ، كما لو كان القاطِعُ أجْنَبِيًّا، لكن يَسْقُطُ أَرْشُ القَطْعِ؛ لأنَّه في مِلْكِه، ويجبُ الزّائِدُ لورثتِه، فإن لم يكنْ له 310 وارِثٌ سِواه، وَجَب لبيتِ المالِ، ولا يَرِثُ السَّيِّدُ شيئًا؛ لأَنَّ القاتِلَ لا يَرِثُ.
الجزء: 25 - الصفحة: 119
وَلَوْ قَتَلَ مَنْ يَعْرِفُهُ ذِمِّيًّا عَبْدًا، فَبَانَ أنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ وَعَتَقَ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُهُ مُرْتَدًّا، فَكَذَلِكَ.
قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ.
قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إِلَّا الدِّيَةُ.
4078 - مسألة: (ولو قَتَل مَن يَعْرِفه ذِمِّيًّا عبدًا، فبان أَنَّه قد عَتَقَ وأَسْلَمَ، فعليه القِصاصُ)
لأنَّه قَتَل مَن يُكافِئُه بغيرِ حَقٍّ، أشْبَهَ ما لو عَلِم حالَه.
4079 -
مسألة: (وإن كان يَعْرِفُه مُرْتَدًّا، فكذلك عندَ أبى بكرٍ)
لِما ذَكَرْنا (قال: ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه إلَّا الدِّيَةُ) لأنَّه لم يَقْصِدْ قَتْلَ مَعْصُومٍ، فلم يَلْزَمْه قِصاصٌ، كما لو قَتَل في دارِ الحربِ مَن يَعْتَقِدُه 311 حَرْبِيًّا، فبانَ أنَّه بعدَ أن أسْلَمَ.
الحديث: 4078 - الجزء: 25 - الصفحة: 120
فَصْلٌ: الرَّابعُ، أَنْ لَا يَكُونَ أَبًا لِلْمَقْتُولِ، فَلَا يُقْتَلُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَالْأَبُ وَالْأُمُّ فِى ذَلِكَ سَواءٌ.
فصل
: (الرّابعُ، أن لا يكونَ أبًا للمَقتُولِ، فلا يُقْتَلُ الوالِدُ بوَلَدِه وإن سَفَل، والأبُ والأُمُّ في ذلك سَواءٌ) وجملةُ ذلك، أنَّ الأبَ لا يُقْتَلُ بوَلَدِه، ولا بوَلَدِ وَلَدِه، وإن نَزَلَتْ دَرَجَتُه، وسَواءٌ في ذلك وَلَدُ البَنِينَ ووَلَدُ البَناتِ.
وممَّن نُقِلَ عنه أنَّ الوالدَ لا يُقْتَلُ بوَلَدِه 312، عمرُ بنُ الخَطّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وبه قال رَبِيعَةُ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وقال ابنُ نافِعٍ، وابنُ عبدِ الحَكَمِ، وابنُ المُنْذِرِ 313: يُقْتَلُ به؛ لظاهِرِ آىِ الكِتابِ، والأخْبارِ المُوجِبَةِ للقِصاصِ.
ولأنَّهما حُرَّان مسلمان مِن أهلِ القِصاصِ، فوَجَبَ أن يُقْتَلَ كلُّ واحِدٍ منهما بصاحِبِه؛ كالأجْنَبِيَّيْنِ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ (2):
الجزء: 25 - الصفحة: 121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد رُوِى 314 في هذا البابِ أخْبارٌ.
وقال مالِكٌ: إن قَتَلَه حَذْفًا بالسَّيْفِ ونحوِه، لم يُقْتَلْ به، وإن ذَبَحَه، أو قَتَلَه قَتْلًا لا يُشَكُّ في أنَّه عَمَد إلى قَتْلِه دُونَ تَأْدِيبِه، أُقِيدَ به.
ولَنا، ما روَى عمرُ بنُ الخَطَّابِ، وابنُ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ».
أخْرَجَ النَّسَائِىُّ حديثَ عمرَ 315، ورَواهما ابنُ ماجه 316. وذَكَرَهما ابنُ عبدِ البَرِّ 317، وقال (4): هو حديثٌ مَشْهُورٌ عندَ أهلِ العلمِ بالحِجازِ والعِراقِ، مُسْتَفِيضٌ عندَهم، يُسْتَغْنَى بشُهْرَتِه وقَبُولِه والعَمَلِ به عن الإِسْنادِ فيه، حتى يكونَ الإِسْنادُ في مِثْلِه مع شُهْرَتِه تَكَلُّفًا.
ولأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «أنْتَ ومَالُكَ لأبِيكَ» 318. وقَضِيَّةُ هذه الإِضافَةِ تمْلِيكُه إيّاه، فإذا لم تَثْبُتْ حقيقةُ المِلْكِيَّةِ، ثَبَتَتْ هذه 319 الإِضافَةُ شُبْهَةً في دَرْءِ
الجزء: 25 - الصفحة: 122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القِصاصِ؛ لأنَّه يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَّه سَبَبُ إيجادِه، فلا يَنْبَغِى أن يَتَسَلَّطَ بسَبَبِه على إعْدامِه.
وما ذكَرْناه يَخُصُّ العُمُوماتِ، ويُفارِقُ الأبُ سائِرَ الناسِ، فإنَّهم لو قَتَلُوا بالحَذْفِ بالسَّيْفِ، وَجَب عليهم القِصاصُ، والأبُ بخِلافِه.
فصل: والجَدُّ وإن عَلا كالأبِ في هذا، وسَواءٌ كان مِن قِبَلِ الأبِ أو مِن قِبَلِ الأُمِّ، في قولِ أكثَرِ مُسْقِطِى القِصاصِ عن الأبِ.
وقال الحسنُ ابنُ حَىٍّ: يُقْتَلُ به.
ولَنا، أنَّه والِدٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّصِّ.
ولأَنَّ ذلك حُكْمٌ يتَعَلَّقُ بالوِلادَةِ، فاسْتَوَى فيه القَرِيبُ والبَعِيدُ، كالمَحْرَمِيَّةِ، والعِتْقِ إذا مَلَكَه.
والجَدُّ مِن قِبَلِ الأُمِّ كالذى مِن قِبَلِ الأبِ، قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-[في الحَسَنِ] 320: «إنَّ ابْنِى هَذَا سَيِّدٌ» 321.
فصل: ويَسْتَوِى في ذلك الأبُ والأمُّ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ، وعليه العَمَلُ عندَ مُسْقِطِى القِصاص عِن الأب.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه لا يَسْقُطُ عن الأُمِّ، فإنَّ مُهَنَّا نَقَلَ عنه، في أُمِّ ولدٍ قَتَلَتْ سَيِّدَها عمدًا، تُقْتَلُ.
قال: مَن يَقْتُلُها؟ قال: وَلَدُها.
وخَرَّجَها أبو بكرٍ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، أنَّ الأُمَّ تُقْتَلُ بوَلَدِها؛ لأنَّها لا وِلايَةَ لها عليه، أشْبَهَ الأخَ.
الجزء: 25 - الصفحة: 123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والصَّحيحُ الأَوَّلُ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بوَلَدِه».
ولأنَّها أحَدُ الأبَوَيْن، فأشْبَهَتِ الأبَ.
ولأنَّها أوْلَى بالبِرِّ، فكانت أوْلَى بنَفْىِ القِصاصِ عنها، والوِلايَةُ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ، بدليلِ انْتِفاءِ القِصاصِ عن الأبِ بقَتْلِ وَلَدِه الكبيرِ الذى لا وِلايةَ له عليه، وعن الأبِ المُخالِفِ في الدِّينِ، أو الرَّقِيقِ.
والجَدَّةُ وإن عَلَتْ في ذلك كالأُمِّ، وسَواءٌ في ذلك مِن قِبَلِ الأبِ، أو مِن قِبَلِ الأُمِّ؛ لِما ذَكَرْنا في الجَدِّ.
فصل: وسواءٌ في ذلك اتِّفاقُهما في الدِّينِ والحُرِّيَّةِ واخْتِلافُهما فيه؛ لأَنَّ انْتِفاءَ 322 القِصاصِ لشَرَفِ الأُبُوَّةِ، وهو مَوْجُودٌ في كلِّ حالٍ، فلو قَتَل الكافرُ وَلَدَه 323 المسلمَ، أو قَتَل المسلمُ أباه الكافرَ، أو قَتَل العبدُ وَلَدَه الحُرَّ، أو قَتَل الحُرُّ وَالِدَه 324 العبدَ، لم يَجِبِ القِصاصُ لشَرَفِ الأُبُوَّةِ فيما إذا قَتَل وَلَدَه، وانْتِفاءِ المُكافَأةِ فيما إذا قَتَل والِدَه.
الجزء: 25 - الصفحة: 124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا تَداعَى نَفْسان نَسَبَ صغيرٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ، ثم قَتَلاه قبلَ إلْحاقِه بواحدٍ منهما، فلا قِصاصَ عليهما؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ ابنَ كلِّ واحدٍ منهما أو ابنَهما.
وإن ألْحَقَتْه القافَةُ بأحَدِهما، ثم قَتَلاه، لم يُقْتَلْ أبوه، وقُتِل الآخَرُ؛ لأنَّه شَرِيكُ الأبِ في قَتْلِ الابنِ.
وإن رَجَعا جميعًا عن الدَّعْوَى، لم يُقْبَلْ رُجُوعُهما؛ لأَنَّ النَّسَبَ حَقٌّ للوَلَدِ، فلم يُقْبَلْ رُجُوعُهما عن إقْرارِهما به، كما لو أقَرّا له بحَقٍّ سِواه، أو كما لو ادَّعاه واحدٌ، فأُلْحِقَ به، ثم جَحَدَه.
وإن رَجَع أحَدُهما، صَحَّ رُجُوعُه، وثَبَت نَسَبُه مِن الآخَرِ؛ لأَنَّ رُجُوعَه لا يُبْطِلُ نَسَبَه، ويَسْقُطُ القِصاصُ عن الذى لم يَرْجِعْ، ويَجبُ على الرَّاجِعِ؛ لأنَّه شارَكَ الأبَ، وإن عُفِىَ 325 عنه، فعليه نِصْفُ الدِّيَةِ.
ولو اشْتَرَكَ رَجُلان في وَطْءِ امرأةٍ في طُهْرٍ واحدٍ، وأتَتْ بوَلَدٍ يُمْكِنُ أن يكونَ منهما، فقَتَلاه قبلَ إلحاقِه بأحَدِهما، لم يَجِبِ القِصاصُ.
وإن نَفَيَا نَسَبَه، لم يَنْتَفِ [بقَوْلِهما، وإن نَفاه أحَدُهما، لم يَنْتَفِ] 326 بقَوْلِه؛ لأنَّه لَحِقَه 327 بالفِراشِ، فلا يَنْتَفِى إلَّا باللِّعانِ.
وفارَقَ التىِ قبلَها مِن وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ أحَدَهما إذا رَجَع عن دَعْواه، لَحِق الآخرَ، وههُنا لا يَلْحَقُ بذلك.
والثانى، أنَّ ثُبُوتَ نَسَبِه ثَمَّ 328
الجزء: 25 - الصفحة: 125
وَيُقْتَلُ الْوَلَدُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فِى أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ.
بالاعْتِرافِ، فيَسْقُطُ بالجَحْدِ، وههُنا ثَبَت بالاشْتِراكِ، فلا يَنْتَفِى بالجَحْدِ.
ومَذْهَبُ الشافعىِّ في هذا الفَصْلِ كما قُلْنا سَواءً.
4080 -
مسألة: (ويُقْتَلُ الوَلَدُ بكُلِّ واحِدٍ منهما، في أظْهَرِ الرِّوايَتَيْن)
هذا قولُ جماعةِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالِكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وحَكَى 329 بعضُ أصحابِنا عن أحمدَ، أنَّ الابنَ لا يُقْتَلُ بأبيه؛ لأنَّه ممَّن 330 لا 331 تُقْبَلُ شَهادَتُه له بحَقِّ النَّسَبِ، فلا يُقْتَلُ به، كالأبِ مع ابنِه.
والصَّحيحُ أنَّه يُقْتَلُ به؛ للآياتِ 332 والأخْبارِ، ومُوافَقَةِ القِياسِ.
ولأَنَّ الأبَ أعْظَمُ حُرْمَةً وحَقًّا مِن الأجْنَبِىِّ، فإذا قُتِل بالأجْنَبِىِّ، فبالأبِ أوْلَى، ولأنَّه يُحَدُّ بقَذْفِه، فيُقْتَلُ به، كالأجْنَبِىِّ.
[ولا يَصِحُّ] 333 قياسُ الابنِ على الأبِ؛ لأَنَّ حُرْمَةَ الوالدِ على الوَلَدِ آكَدُ،
الحديث: 4080 - الجزء: 25 - الصفحة: 126
وَمَتَى وَرِثَ وَلَدُهُ الْقِصَاصَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ، أَوْ وَرِثَ الْقَاتِلُ شَيْئًا مِنْ دَمِهِ، سَقَطَ الْقِصَاصُ، فَلَوْ قَتَلَ امْرَأَتَهُ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ،
والابنُ مُضافٌ إلى أبيه بلامِ التَّمْلِيكِ، بخِلافِ الولدِ مع الوالدِ.
وقد ذَكَر أصحابُنا حَدِيثَيْنِ مُتَعارِضَيْنِ عن سُراقةَ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «لَا يُقَادُ الأبُ مِن ابِنه، وَلَا الابْنُ مِن أبِيه» (1). والثانى: أنَّه كان يُقِيدُ الأبَ مِن ابنِه، ولا يُقِيدُ الابنَ مِن أبيه (2). [وهذا الحديثُ] (3) لا نَعْرِفُه، ولم نَجِدْه في كُتُبِ (4) السُّنَنِ المَشْهُورَةِ، ولا أظُنُّ له أصْلًا، [وإن كان له أصلٌ] (5)، فهما مُتَعارِضان مُتَدافِعان، يجبُ اطِّراحُهما، والعَمَلُ بالنُّصُوصِ الواضِحَةِ الثّابِتَةِ، والإِجْماعِ الذى لا تجوزُ مُخالَفَتُه.
4081 -
مسألة: (متى وَرِثَ وَلَدُهُ القِصاصَ أو شيئًا منه، أو وَرِثَ القاتِلُ شيئًا مِن دَمِه، سَقَط القِصاصُ)
فلو قَتَل أحَدُ الزَّوْجَيْنِ صاحِبَه، ولهما ولدٌ، لم يَجِبِ القِصاصُ؛ لأنَّه لو وَجَب لوَجَبَ لولدِه،334335336337338
الحديث: 4081 - الجزء: 25 - الصفحة: 127
أَوْ قَتَلَ أَخَاهَا، فَوَرِثَتْهُ، ثُمَّ مَاتَتْ، فَوَرِثَهَا وَلَدُهُ، سَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ.
ولا يَجِبُ للولدِ قِصاصٌ على أبيه؛ لأنَّه إذا لم يجبْ بالجِنايةِ عليه، فلأن لا يجبَ له بالجِنايةِ على غيرِه أوْلَى.
وسَواءٌ كان الولدُ ذكرًا أو أُنْثَى، أو كان للمَقْتُولِ ولدٌ سِواه، أو مَن يُشارِكُه في المِيراثِ، أو لم يكنْ؛ لأنَّه لو ثَبَت القِصاصُ، لوَجَب له جُزْءٌ منه، ولا يُمْكِنُ وُجُوبُه، وإذا لم يَثْبُتْ بعضُه، سَقَط كلُّه؛ لأنَّه لا يَتَبَعَّضُ، وصار كما لو عَفا بعضُ مُسْتَحِقِّى القِصاصِ عن نَصِيبِه منه.
فإن لم يكنْ للمَقْتُولِ ولدٌ منهما، وَجَب القِصاصُ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال الزُّهْرِىُّ: لا يُقْتَلُ الزَّوْجُ بامْرأتِه؛ لأنَّه مَلَكَها بعقدِ النِّكاحِ، أشْبَهَ الأمَةَ.
ولَنا، عُمُومُ النُّصُوصِ.
ولأنَّهما شَخْصان مُتَكافِئانِ، يُحَدُّ كلُّ واحدٍ منهما بقَذْفِ صاحِبِه، فيُقْتَلُ به، كالأجْنَبِيَّيْن.
قولُه: [إنَّه مَلَكَها] (1). غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّها حُرَّةٌ، وإنَّما مَلَك مَنْفَعَةَ الاسْتِمْتاعِ، فأشْبَهَ المُسْتَأْجَرَةَ، ولهذا تجبُ عليه دِيَتُها، ويَرِثُها وَرَثَتُها، ولا يَرِثُ منها إلَّا قَدْرَ مِيراثِه، ولو قَتَلَها غيرُه، كانت دِيَتُها أو القِصاصُ لوَرَثَتِها، بخِلافِ الأمَةِ.
4082 -
مسألة: (ولو قَتَل رجلٌ أخْا زَوْجَتِه، فوَرِثَتْه، ثم ماتت، فوَرِثَها ولدُه، سَقَط عنه القِصاصُ)
وسَواءٌ كان لها ولدٌ مِن غيرِهِ أو لا؛339
الحديث: 4082 - الجزء: 25 - الصفحة: 128
وَلَوْ قَتَلَ أَبَاهُ أَوْ أَخَاهُ، فَوَرِثَهُ أَخَوَاهُ، ثُمَّ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ وَرِثَ بَعْضَ دَمِ نَفْسِهِ.
وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُ الابْنَيْنَ أَبَاهُ، وَالْآخَرُ أُمَّهُ، وَهِىَ زَوْجَةُ
لأَنَّ القِصاصَ فيما وَرِثَه وَلَدُه منهما (1)، فيَسْقُطُ جميعُه؛ لأَنَّ القِصاصَ لا يَتَبَعَّضُ، فأشْبَهَ ما لو عَفا أحَدُ الشَّرِيكَيْنِ.
وكذلك لو قَتَلَتِ المرأةُ أخا زَوْجِها، فصار القِصاصُ أو جزءٌ منه لابنِها، سَقَط القِصاصُ، سَواءٌ صار إليه ابْتِداءً أو انْتَقَلَ إليه مِن أبِيه أو مِن غيرِه؛ لِما ذكَرْناه.
فصل: ولو قَتَلَ رجُلٌ أخاه، فوَرِثَه ابنُ القاتِلِ، أو أحَدًا (2) يَرِثُ ابْنُه منه شَيْئًا، لم يَجِبِ القِصاصُ؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: وإذا قَتَل أحَدُ أبَوَىِ المُكاتَبُ المُكاتَبَ، أو عبدًا له، لم يَجِبِ القِصاصُ؛ لأَنَّ الوالِدَ لا يُقْتَلُ بوَلَدِه، ولا يَثْبُتُ للوَلَدِ على والدِه قِصاصٌ.
وإنِ اشْتَرَى المُكاتَبِ أحدَ أبَوَيْه؛ ثم قَتَلَه، لم يَجِبْ عليه (1) القِصاصُ؛ لأَنَّ السَّيِّدَ لا يُقْتَلُ بعبدِه.
4083 -
مسألة: (ولو قَتَل أبَاه أو أخاه، فوَرِثَه أخواه، ثم قَتَل أحَدُهما صاحِبَه، سَقَط القِصاصُ عن الأَوَّلِ؛ لأنَّه وَرِث بعضَ دَم نفسِه).
4084 -
مسألة: (وإن قَتَل أحَدُ الابْنَيْن أباه، والآخَرُ أُمَّه، وهى
340341 الحديث: 4083 - الجزء: 25 - الصفحة: 129
الْأَبِ، سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنِ الأَوَّلِ لِذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أَخِيهِ وَيَرِثَهُ.
زَوْجَةُ الأب، سَقَط القِصاصُ عَنِ الأَوَّلِ لذلك، وله أن يَقْتَصَّ مِن أخيه ويَرِثَه) لأَنَّ القَتْلَ بحَقٍّ لا يَمْنَعُ المِيراثَ.
إذا قَتَل أحَدُ الابْنَيْن أباه، والآخَرُ أُمَّه، والزَّوْجِيَّةُ بينَهما مَوْجُودَةٌ حالَ قَتْلِ الأَوَّلِ، فالقِصاصُ على القاتلِ الثانى دُونَ الأوَّل؛ لأَنَّ القَتِيلَ 342 الثانىَ وَرِثَ جُزْءًا مِن دَم الأَوَّلِ، فلَمّا قُتِل وَرِثَه قاتِلُ الَأوَّلِ، فصار له جزءٌ مِن دَمِ نفسِه، فسَقَطَ القِصاصُ، ووَجَبَ له القِصاصُ على أخيه، فإن قَتَلَه، وَرِثَه إن لم يكنْ له وارِثٌ سِواه؛ لأنَّه قَتْلٌ بحَقٍّ، وإن عَفا عنه إلى الدِّيَةِ، وَجَبَتْ، وتقَاصَّا بما بينَهما، وما فَضَل 343 لأحَدِهما فهو على أخِيه.
فصل: وإن لم تكنْ زَوْجَةَ الأبِ، فعلى كلِّ واحدٍ مِنهما القِصاصُ لأخيه؛ لأنَّه وَرِثَ الذى قَتَلَه أخوه وحدَه دُونَ قاتِلِه.
فإنْ بادَرَ أحَدُهما فقَتَلَ أخاه، فقد اسْتَوْفَى حَقَّه، وسَقَط القِصاصُ عنه؛ لأنَّه يَرِثُ أخاه، لكونِه قَتْلًا بحَقٍّ، فلا يَمْنَعُ المِيراثَ، إلَّا أن يكونَ للمَقْتُولِ ابنٌ، أو ابنُ ابنٍ يَحْجُبُ القاتِلَ، فيكونُ له قَتْلُ عَمِّه، ويَرِثُه إن لم يكُنْ له وارِثٌ سِواهُ.
الجزء: 25 - الصفحة: 130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن تَشاحَّا في المُبْتَدِئ مِنهما بالقَتْلِ، احْتَمَلَ أن يُبْدَأَ بقَتْلِ القاتِلِ الأَوَّلِ؛ لأنَّه أسْبَقُ، واحْتَمَلَ أن يُقْرَعَ بينَهما.
وهو قولُ القاضى، ومَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّهما تَساويا في الاسْتِحْقاقِ، فصِرْنا إلى القُرْعَةِ.
وأيُّهما قَتَل صاحِبَه أوَّلًا، إمّا بمُبادَرَةٍ أو قُرْعَةٍ، وَرِثَه، في قِياسِ المَذْهَبِ، إن لم يكنْ له وارِثٌ سِواه، وسَقَط عنه القِصاصُ، وإن كان مَحْجُوبًا عن مِيراثِه كلِّه، فلِوَارثِ القَتِيلِ قَتْلُ الآخَرِ.
وإن عَفا أحَدُهما عن الآخَرِ، ثم قَتَل المَعْفُوُّ عنه العافِىَ، وَرِثَه أيضًا، وسَقَط عنه ما وَجَب عليه مِن الدِّيَةِ.
فإن تَعافَيا جميعًا 344. على الدِّيَةِ، تَقاصّا بما اسْتَوَيا فيه، ووَجَب لقاتِلِ الأُمِّ الفَضْلُ 345 على قاتِلِ الأبِ؛ لأَنَّ عَقْلَها نِصْفُ عَقْلِ الأبِ.
ويَتَخرَّجُ أن يَسْقُطَ القِصاصُ عنهما في اسْتِحْقاقِه، كسُقُوطِ الدِّيَتَيْن إذا تَساوَتا، ولأنَّه لا سَبِيلَ إلى اسْتِيفائِهما 346 معًا، واسْتِيقاءُ أحَدِهما دُونَ الآخَرِ حَيْفٌ لا يجوزُ، فتَعَيَّنَ السُّقُوطُ.
وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما ابْنٌ يَحْجُبُ عَمَّه عن مِيراثِ أبِيه، فإذا قَتَل أحَدُهما صاحِبَه، وَرِثَه ابنُه،
الجزء: 25 - الصفحة: 131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وللابنِ أن يَقْتُلَ عَمَّه، ويَرِثه ابنُه، ويَرِثُ كلُّ واحدٍ مِن الابْنَيْن مالَ أبيه، ومالَ جَدِّه الذى 347 قَتَلَه عَمُّه دُونَ الذى قَتَلَه أبُوه.
وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بِنْتٌ، فقَتَلِ أحَدُهما صاحِبَه، سَقَط القِصاصُ عنه؛ لأنَّه وَرِثَ نِصْفَ مالِ أخِيه ونِصْف قِصاصِ نفسِه، فسَقَطَ عنه 348 القِصاصُ، ووَرِثَ مالَ أبيه الذى قَتَلَه أخُوه، ونِصْفَ مالِ أخِيه 349، ونِصْفَ مالِ أبيه الذى قَتَلَه هو، ووَرِثَتِ البنتُ التى قُتِلَ أبُوها نِصْفَ مالِ أبِيها، ونِصْفَ مالِ جَدِّها الذى قَتَلَه عَمُّها، ولها على عَمِّها نِصْفُ دِيَةِ قَتِيِله 350.
فصل: أرْبَعَةُ إخْوَةٍ، قَتَل الأَوَّلُ الثانى، والثالثُ الرابعَ، فالقِصاصُ على الثالثِ؛ لأنَّه لَمَّا قَتَل الرابعَ، لم يَرِثْه، ووَرِثَه الأوَّلُ وحدَه، وقد على الثالثِ؛ لأنَّه لَمّا قَتَل الرابعَ، لم يَرِثْه، ووَرِثَه الأَوَّلُ وحدَه، وقد كان للرابعِ نِصْفُ قِصاصِ الأَوَّلِ، فرَجَعَ نِصْف قِصاصِه إليه، فسَقَطَ، ووَجَب للثالثِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وكان للأوَّلِ قَتْلُ الثالثِ؛ لأنَّه لم يَرِثْ مِن دَمِ نفسِه شيئًا، فإن قَتَلَه، وَرِثَه في ظاهرِ المَذْهَبِ، ويَرِثُ ما يَرِثُه عن أخيه الثانى، فإن عَفا عنه إلى الدِّيَةِ، وجَبَتْ عليه بكَمالِها يُقاصُّه بنِصْفِها.
وإن كان لهما وَرثةٌ، كان فيها مِن التَّفْصيلِ مثلُ الذى في التى قبلَها.
الجزء: 25 - الصفحة: 132
وَإِنْ قَتَلَ مَنْ لَا يَعْرِفُ، وَادَّعَى كُفْرَهُ، أَوْ رِقَّهُ، أَوْ ضَرَبَ مَلْفُوفًا فَقَدَّهُ، وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا، وَأَنْكَرَ وَلِيُّهُ، أَوْ قَتَلَ رَجُلًا فِى دَارِهِ،
4085 - مسألة: (وإن قَتَل مَن لا يَعْرِفُ، وادَّعَى كُفْرَه)
لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه مَحْكُومٌ بإسْلامِه بالدارِ، ولهذا يُحْكَمُ بإسْلامِ اللَّقِيطِ، ويكونُ القولُ قولَ الوَلِىِّ، وكذلك (إنِ ادَّعَى رِقَّه) لأَنَّ الأَصْلَ الحُرِّيَّةُ، والرِّقُّ طارِئٌ.
وكذلك لو (ضَرَبَ مَلْفُوفًا، فقَدَّهْ، وادَّعَى أنَّه كان مَيِّتًا) لم يُقْبَلْ قولُه (1)؛ لأَنَّ الأَصْلَ الحَياةُ.
وإن قَطَع طَرَفَ إنْسانٍ وادَّعَى شَلَلَه، لم يُقْبَلْ؛ لأَنَّ الأَصْلَ السَّلامَةُ.
4086 -
مسألة: (وإن قَتَل رجلًا في دارِه، وادَّعَى أنَّهُ دَخَل
351 الحديث: 4085 - الجزء: 25 - الصفحة: 133
وَادَّعَى أنَّهُ دَخَلَ يُكَابِرُهُ عَلَى أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ، فَقَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، وَأَنْكَرَ وَلِيُّهُ،
يُكابِرُه 352 على أهْلِه أو مالِه، فقَتَلَه دَفْعًا عن نفسِه، وأنْكَرَ وَلِيُّه) فالقولُ قولُ الوَلِىِّ.
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا قَتَل رجلًا، وادَّعَى أنَّه وَجَدَه مع امرأتِه، أو أنَّه قَتَلَه دَفْعًا عن نفسِه، أو أنَّه دَخَل مَنْزِلَه يُكابِرُه على مالِه، فلم يَقْدِرْ على دَفْعِه إلَّا بقَتْلِه، لم يُقْبَلْ قولُه إلَّا ببَيِّنَةٍ، ولَزِمَه القِصاصُ إذا أنْكَرَ وَلِيُّه.
رُوِى نحوُ ذلك عن علىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
ولا أعْلَمُ فيه 353 مخالِفًا.
وسواءٌ وُجِد في دارِ القاتِلِ أو في غيرِها، وُجِد معه سِلاحٌ أو لم يُوجَدْ؛ لِما رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه سُئِل عمَّن وَجَد مع امرأتِه رجلًا فقَتَله، فقال: إن لم يَأْتِ بأرْبعةِ شُهَداءَ، فلْيُعْطَ برُمَّتِه 354. ولأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ ما يَدَّعِيه، فلا يَثْبُتُ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى.
فأمّا إنِ اعْتَرَفَ الوَلِىُّ بذلك، فلا قِصاصَ عليه
الجزء: 25 - الصفحة: 134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا دِيَةَ؛ لِما رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه كان يومًا يتَغَدَّى، إذ جاء رجلٌ يَعْدُو، وفى يَدِه سَيْفٌ مُلَطَّخٌ بالدَّمِ، ووَراءَه قومٌ يَعْدُونَ خلفَه، فجاء حتى جَلَس مع عُمَرَ، فجاء الآخَرُون، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ هذا قَتَل صاحِبَنا.
فقال له عُمَرُ: ما يقولون؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنِّى ضَرَبْتُ فَخِذَىِ امرأتِى، فإن كان بينَهما أحَدٌ فقد قَتَلْتُه.
فقال عُمَرُ: ما يقولُ؟ قالوا: يا أميرَ المؤمنين، إنَّه ضَرَب بالسَّيْفِ، فوَقَعَ في وَسَطِ الرَّجُلِ وفَخِذَىِ المرأةِ.
فأخَذَ عُمَرُ سَيْفَه فهَزَّه، ثم دَفَعَه إليه، وقال:
الجزء: 25 - الصفحة: 135
أَوْ تَجَارَحَ اثْنَانِ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ جَرَحَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
إن عادُوا فعُدْ.
رَواه سعيدٌ في «سُنَنِه» (1). [ورُوِىَ عن الزُّبَيْرِ، أنَّه كان يومًا قد تخَلَّفَ عن الجَيْشِ، ومعه جارِيَةٌ له، فأتاه رَجُلان فقالا: أعْطِنا شيئًا] (2). فأعْطاهما طعامًا كان معه، فقالا: خَلِّ عن الجاريةِ.
فضَرَبَهما بسَيْفِه، فقَطَعَهما بضَرْبَةٍ واحدةٍ (3). ولأَنَّ الخَصْمَ اعْتَرَفَ بما يُبِيحُ قَتْلَه، فسَقَطَ حَقُّه، كما لو أقَرَّ بقَتْلِه قِصاصًا، أو في حَدٍّ يُوجِبُ قَتْلَه.
وإن ثَبَت ببَيِّنَةٍ، فكذلك.
4087 -
مسألة: (وإن تَجارَحَ اثْنان، وادَّعَى كلُّ وَاحِدٍ)
منهما (أنَّه جَرَح) صاحِبَه (دَفْعًا عن نفسِه) وأنْكَرَ الآخَرُ (وَجَب القِصاصُ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ) لأَنَّ سَبَبَ القِصاصِ قد وُجِد وهو الجُرْحُ، والأَصْلُ355356357
الحديث: 4087 - الجزء: 25 - الصفحة: 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَدَمُ ما يدَّعِيه الآخَرُ.
وقال شيخُنا 358: يجبُ الضَّمانُ لذلك، والقولُ قولُ كلِّ واحدٍ منهما مع يَمِينِه في نَفْىِ القِصاصِ؛ لأنَّه ما يَدَّعِيه مُحْتَمِلٌ، فيَنْدَرِئُ به القِصاصُ، لأنَّه يَنْدَرِئُ 359 بالشُّبُهاتِ.
هذا الذى ذَكَره في كتَابِ «الكافِى».
والأَوَّلُ أقْيَسُ؛ لأنَّه لو كان دَعْوَى ما يَمْنَعُ القِصاصَ، إذا احْتَمَلَ مانِعٌ منه، لَما وَجَب القِصاصُ في المسائلِ المُتَقَدِّمَةِ، والحُكْمُ بخِلافِه.
واللَّهُ أعلمُ.
فصل: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ القَوَدَ لا يجبُ إلَّا بالعَمْدِ، ولا نَعْلَمُ في وُجُوبِه بقَتْلِ العَمْدِ إذا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُه وانْتَفَتِ المَوانِعُ خِلافًا، وقد دَلَّت عليه الآياتُ والأخْبارُ بعُمُومِها، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ 360. وقال تعالى:
الجزء: 25 - الصفحة: 137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ 361. وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ 362. يُرِيدُ -واللَّه أعلمُ- أنَّ وُجُوبَ القِصاصِ يَمْنَعُ الإِقْدامَ على القَتْلِ، خَوْفًا على نَفْسِه مِن القَتْل، فتَبْقَى الحياةُ في مَن أُرِيدَ قَتْلُه.
وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ 363. وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إمَّا أَنْ يُقْتَلَ، وإمَّا أَنْ يُفْدَى».
مُتَّفَقٌ عليه 364. وروَى أبو شُرَيْحٍ الخُزاعِىُّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ أُصِيبَ بدَمٍ، فَهُوَ بِالخِيَارِ بَيْنَ إحْدَى ثَلَاثٍ؛ فإنْ أرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ؛ أنَ يَقْتُلَ، أَوْ يَعْفُوَ، أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ».
رَواه أبو داودَ 365.
الجزء: 25 - الصفحة: 138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الحُرَّ المسلمَ يُقادُ به قاتِلُه، وإن كان مُجَدَّعَ الأطْرافِ، مَعْدُومَ الحَواسِّ، والقاتلُ صحيحٌ سَوِىُّ الخَلْقِ، أو 366 كان بالعَكْسِ.
وكذلك إن تَفاوَتا في العلمِ والشَّرَفِ، والغِنَى والفَقْرِ، والصِّحَّةِ والمَرَضِ، والقُوَّةِ والضَّعْفِ، والكِبَرِ والصِّغَرِ، ونحو ذلك، لا يَمْنَعُ القِصاصَ بالاتِّفاقِ، وقد دَلَّتْ عليه العُمُوماتُ التى تَلَوْناها، وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «المُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» 367. [ولأَنَّ] 368 اعْتِبارَ التَّسَاوِى في الصِّفاتِ والفَضائِلِ، يُفْضِى إلى إسْقاطِ القِصاصِ بالكُلِّيَّةِ، وفَواتِ حِكْمَةِ 369 الرَّدْعِ والزَّجْرِ، فوَجَبَ أن يَسْقُطَ اعْتِبارُه، كالطُّولِ والقِصَرِ، والسَّوادِ والبَياضِ.
فصل: ويَجْرِى القِصاصُ بينَ الوُلاةِ والعُمَّالِ وبينَ رَعِيَّتِهم؛ لعُمُومِ
الجزء: 25 - الصفحة: 139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الآياتِ والأخْبارِ التى ذَكَرْناها.
لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
وثَبَت عن أبى بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال لرجلٍ شَكا إليه عامِلًا 370 أنَّه قَطَع يَدَه ظُلْمًا: لَئِنْ كنتَ صادِقًا لأُقِيدَنَّك منه 371. وثَبَت أنَّ عمرَ كان يُقِيدُ مِن نَفْسِه.
وروَى أبو داودَ 372، قال: خَطَب عُمَرُ فقال: إنِّى لم أبْعَثْ عُمَّالِى ليَضْرِبُوا أبْشارَكم، ولا ليَأْخُذُوا أمْوالَكم، فمَن فُعِل به ذلك فلْيَرْفَعْه إلىَّ، أقُصُّه 373 منه.
فقال عمرُو بنُ العاصِ: لو أنَّ رجلًا أدَّبَ بعضَ رَعِيَّتِه، أتَقُصُّه منه؟ قال: إى والذى نَفْسِى بيَدِه، أقَصُّه، وقد رَأيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أقَصَّ مِن نَفْسِه.
ولأَنَّ المُؤمنين تَتَكافَأُ دِماؤُهم، وهذان حُرَّانِ مسلمان، ليس بينَهما إيلادٌ، فيَجْرِى 374 القِصاصُ بينَهما، كسائرِ الرَّعِيَّةِ.
فصل: ولا يُشْتَرَطُ في وُجُوبِ القِصاصِ كونُ القَتْلِ في دارِ الإِسْلامِ، بل متى قَتَل في دارِ الحَرْبِ مسلمًا عالِمًا بإسلامِه عامِدًا، فعليه القَوَدُ، سَواءٌ كان قد هاجَرَ أو لم يُهاجِرْ.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو
الجزء: 25 - الصفحة: 140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حنيفةَ: لا يجبُ القِصاصُ بالقَتْلِ في غيرِ دارِ الإِسلامِ، فإن لم يكنِ المَقْتُولُ هاجَرَ، لم يَضْمَنْه بقِصاصٍ ولا دِيَةٍ، عمدًا قَتَلَه أو خَطَأ، وإن كان قد هاجَرَ، ثم عاد إلى دارِ الحَرْبِ، كرَجُلَيْن مُسْلِمَيْن دَخَلا دارَ الحَرْبِ بأمانٍ، فقَتَلَ أحَدُهما صاحِبَه، ضَمِنَه بالدِّيَةِ، ولم يَجِبِ القَوَدُ.
وحُكِىَ عن أحمدَ رِوايةٌ كقَوْلِه.
ولو قَتَل رجلٌ أسِيرًا مسلمًا في دارِ الحَرْبِ، لم يَضْمَنْه إلَّا بالدِّيَةِ [ولم يَجِبِ القودُ] 375، عمدًا قَتَلَه أو خَطَأً.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن الآياتِ والأخْبارِ، ولأنَّه قَتَل مَن يُكافِئُه عمدًا ظُلْمًا، فوَجَبَ عليه القَوَدُ، كما لو قَتَلَه في دارِ الإِسلامِ، ولأَنَّ كلَّ دارٍ يَجِبُ فيها القِصاصُ إذا كان فيها إمامٌ، يَجِبُ وإن لم يكنْ فيها إمامٌ، كدارِ الإِسْلامِ.
فصل: وقَتْلُ الغِيلَةِ وغيرُه سَواءٌ في القِصاصِ والعَفْوِ، وذلك للوَلِىِّ دُونَ السُّلْطانِ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مالِكٌ: الأمْرُ عندَنا أن يُقْتَلَ به، وليس لوَلِىِّ الدَّمِ أن يَعْفُوَ عنه، وذلك إلى السُّلْطانِ.
والغِيلَةُ عندَه، أن يُخْدَعَ الإِنْسانُ، فيُدْخَلَ بَيْتًا أو نحوَه، فيُقْتَلَ أو يُؤْخَذَ مالُه.
ولَعَلَّه يَحْتَجُّ بقولِ 376 عُمَرَ، رَضِى اللَّهُ عنه، في الذى قُتِل غِيلَةً: لو تَمالَأَ عليه أهلُ صَنْعاءَ [لأقَدْتُهم به] 377.
الجزء: 25 - الصفحة: 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبقِياسِه على المُحارِبِ.
ولَنا، عُمُومُ قولِه تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ 378. وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَأهْلُه بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ» 379. ولأنَّه قَتِيلٌ في غيرِ المُحارَبَةِ، فكان أمْرُه إلى وَلِيِّه، كسائرِ القَتْلَى.
وقولُ عُمَرَ: [لأقَدْتُهم به] 380. أى أمْكَنْتُ الوَلِىَّ مِن استِيفاءِ القَوَدِ منهم.
الجزء: 25 - الصفحة: 142
بَابُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ
وَيُشْتَرَطُ لَهُ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ مُكَلَّفًا، فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا، لَمْ يَجُزِ اسْتِيفَاؤُهُ، وَيُحْبَسُ الْقَاتِلُ حَتَّى يَبْلُغ الصَّبِىُّ وَيَعْقِلَ الْمَجْنُونُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمَا أَبٌ، فَهَلْ لَهُ اسْتِيفَاؤهُ لَهُمَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
بابُ اسْتِيفاءِ القِصاصِ
(ويُشْتَرطُ له ثلاثةُ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، أن يكونَ مَن يَسْتَحِقُّه مُكَلَّفًا، فإن كان صَبِيًّا أو مَجْنُونًا، لم يَجُزِ اسْتِيفاؤُه، ويُحْبَسُ القاتِلُ حتى يَبْلُغَ الصَّبِىُّ ويَعْقِلَ المَجْنونُ) إذا كان مَن يَسْتَحِقُّ القِصاصَ واحِدًا غيرَ مُكَلَّفٍ، صَغِيرًا أو مَجْنُونًا، كصَبِىٍّ قُتِلَتْ أُمُّه، وليست زوجةً لأبِيه، فالقِصاصُ له، وليس لأبِيه ولا لغيرِه اسْتِيفاؤُه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، له اسْتِيفاؤُه.
وكذلك الحُكْمُ في الوَصِىِّ والحاكمِ في الطَّرَفِ دُونَ النَّفْسِ.
وذَكَر أبو الخَطّابِ في مَوْضِعٍ في الأبِ رِوايَتَيْن،
الجزء: 25 - الصفحة: 143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفى مَوْضِعٍ وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، كقَوْلِهما 381؛ لأَنَّ القِصاصَ أحَدُ بَدَلَى النَّفْسِ، فكان للأبِ اسْتِيفاؤُه، كالدِّيَةِ.
ولَنا، أنَّه لا يَمْلِكُ إيقاعَ الطَّلاقِ بزَوْجَتِه، فلا يَمْلِكُ اسْتِيفاءَ القِصاصِ له، كالوَصِىِّ.
ولأَنَّ القَصْدَ التَّشَفِّى ودَرْكُ الغَيْظِ، ولا يَحْصُلُ ذلك باسْتِيفاءِ الوَلِىِّ.
ويُخالِفُ الدِّيَةَ، فإنَّ الغَرَضَ يَحْصُلُ باسْتِيفاءِ الأبِ، فافْتَرَقا، ولأَنَّ الدِّيَةَ إنَّما يَمْلِكُ اسْتِيفاءَها إذا تَعَيَّنَتْ، والقِصاصُ لا يَتَعَيَّنُ، فإنَّه يجوزُ العَفْوُ إلى الدِّيَةِ، والصُّلْحُ على 382 مالٍ أكْثَرَ منها و 383 أقَلَّ، والدِّيَةُ بخِلافِ ذلك.
فصل: وكلُّ مَوْضِعٍ يجبُ تَأْخِيرُ الاسْتِيفاءِ، فإنَّ القاتِلَ يُحْبَسُ حتى يَبْلُغَ الصَّبِىُّ، ويَعْقِلَ المَجْنُونُ، ويَقْدَمَ الغائِبُ، وقد حَبَس مُعاوِيَةُ هُدْبَةَ ابنَ خَشْرَمٍ في قِصاصٍ حتى بَلَغ ابنُ القَتِيلِ، في عَصْرِ الصحابةِ، فلم يُنْكَرْ ذلك، وبَذَل الحسنُ والحسينُ وسعيدُ بنُ العاصِ لابنِ القَتِيلِ سَبْعَ دِيَاتٍ، فلم يَقْبَلْها 384. فإن قِيلَ: فلِمَ لا يُخَلَّى سَبِيلُه كالمُعْسِرِ 385
الجزء: 25 - الصفحة: 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالدَّيْنِ؟ قُلْنا: لأَنَّ في 386 تَخْلِيَتِه تَضْيِيعًا للحَقِّ؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ هَرَبُه، والفَرْقُ بينَه وبينَ المُعْسِرِ مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ قَضاءَ الدَّيْنِ لا يَجِبُ مع الإِعْسارِ، فلا يُحْبَسُ بما لا يجبُ، والقِصاصُ ههُنا وأجِبٌ، وإنَّما تَعَذَّرَ المُسْتَوْفِى.
الثانى، أنَّ المُعْسِرَ إذا حَبَسْناه تَعَذَّرَ الكَسْبُ لقَضاءِ الدَّيْنِ، فلا يُفِيدُ، بل يَضُرُّ مِن الجانِبَيْن، وههُنا الحَقُّ نفسُه يفُوتُ بالتَّخْلِيَةِ لا بالحَبْسِ.
الثالثُ، أنَّه قد اسْتُحِقَّ قَتَلُه، وفيه تَفْوِيتُ نفسِه ونَفْعِه، فإذا تَعَذَّرَ تَفْوِيتُ نَفْسِه، جاز تَفْوِيتُ نَفعِه لإِمْكانِه.
فإن قِيلَ: فلِمَ يُحْبَسُ مِن أجلِ الغائبِ، وليس للحاكِمِ عليه وِلايَةٌ إذا كان مُكَلَّفًا رَشِيدًا، ولذلك لو وَجَد بعضَ مالِه مَغْصُوبًا لم يَمْلِكِ انْتِزاعَه؟ قُلْنا: لأَنَّ في القِصاصِ حَقًّا للمَيِّتِ، وللحاكِمِ عليه وِلايَةٌ، ولهذا يُنْفِذُ وَصايَاه مِن الدِّيَةِ، ويَقْضِى دُيُونَه.
منها، فنَظِيرُه أن يَجدَ الحاكمُ مِن تَرِكَةِ المَيِّتِ في يَدِ إنسانٍ شيئًا غَصْبًا، والوارِثُ غائبٌ، فإنَّه يَأْخُذُه.
ولو كان القِصاصُ لِحَىٍّ في طَرَفِه، لم يَتَعَرَّضْ لِمَن هو عليه.
فإن أقام القاتلُ كَفِيلًا بنفسِه ليُخَلَّى سَبِيلُه 387، لم يَجُزْ؛ لأَنَّ الكَفالَةَ لا تَصِحُّ في القِصاصِ، فإنَّ فائِدَتَها اسْتِيفاءُ الحَقِّ مِن الكَفِيلِ إن تَعَذَّرَ إحْضارُ المَكْفُولِ به 388،
الجزء: 25 - الصفحة: 145
فَإِنْ كَانَا مُحْتَاجَيْنِ إِلَى النَّفَقَةِ، فَهَلْ لِوَلِيِّهِمَا الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
ولا يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُه مِن غيرِ القاتلِ، فلم تَصِحَّ الكَفالَةُ به، كالحَدِّ.
ولأَنَّ فيه تَغْرِيرًا بحَقِّ المُوَلَّى عليه، فإنَّه رُبَّما خَلَّى سَبِيلَه فهَرَبَ، فضاع الحَقُّ.
4088 -
مسألة: (فإن كانا مُحْتاجَيْن إلى النَّفَقَةِ، فهل لوَلِيِّهما العَفْوُ إلَى الدِّيَةِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن)
إذا وَجَب القِصاصُ لصغيرٍ أو مَجْنُونٍ، فليس لوَلِيِّه العَفْوُ عن القِصاصِ إلى غيرِ مالٍ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ إسْقاطَ حَقِّه، وكذلك إن عَفا إلى مالٍ، وكان الصَّبِىُّ في كِفايَةٍ، وقد ذَكَرْناه.
فإن كان فَقِيرًا مُحْتاجًا إلى النَّفَقَةِ، جاز ذلك في أحَدِ الوَجْهَيْن.
قال القاضى: وهو الصَّحيحُ.
والثانى، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ إسْقاطَ قِصاصِه، ونَفَقَتُه في بيتِ المالِ.
والصَّحيحُ الأَوَّلُ، فإنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ في بيتِ المالِ لا تُغْنِيه
الحديث: 4088 - الجزء: 25 - الصفحة: 146
وَإِنْ قَتَلَا قَاتِلَ أَبِيهِمَا، أَو قَطَعَا قَاطِعَهُمَا قَهْرًا، احْتَمَلَ أَنْ يَسْقُطَ حَقُّهُمَا، وَاحْتَمَلَ أَنْ تَجِبَ لَهُمَا دِيَةُ أَبِيهِمَا فِى مَالِ الْجَانِى، وَتَجِبَ دِيَةُ الْجَانِى عَلَى عَاقِلَتِهِمَا.
إذا لم يَحْصُلْ.
وأمَّا إذا كان مُسْتَحِقُّ القِصاصِ مَجْنُونًا فَقِيرًا، فلوَلِيِّه العَفْوُ على (1) المالِ؛ لأنَّه ليست له حالَةٌ مُعْتادَةٌ يَنْتَظِرُ فيها إفاقَتَه ورُجُوعَ عَقْلِه، بخِلافِ الصَّبِىِّ.
4089 -
مسألة: (فإن قَتَلا قاتِلَ أبيهما، أو قَطَعا قاطِعَهما قَهْرًا، احْتَمَلَ أن يَسْقُطَ حَقُّهما، واحْتَمَلَ أن تَجِبَ دِيَةُ أبيهما لهما في مالِ الجانى)
ويَرْجِعُ وَرَثَةُ الجانى على عاقِلَتِهما إذا وَثَب الصَّبِىُّ أو المَجْنُونُ على القاتِلِ فقَتَلَه، أو على القاطِعِ فقَطَعَه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لحَقِّه؛ لأنَّه عَيْنُ 390 حَقِّه أتْلَفَه، فأشْبَهَ ما لو كانت ودِيعَةٌ عندَ رجلٍ.389
الحديث: 4089 - الجزء: 25 - الصفحة: 147
وَإِنِ اقْتَصَّا مِمَّنْ لَا تَحْمِلُ دِيَتَهُ الْعَاقِلَةُ، سَقَطَ حَقُّهُمَا، وَجْهًا وَاحِدًا.
فَصْلٌ: الثَّانِى، اتِّفَاقُ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى اسْتِيفَائِهِ، وَلَيْسَ لِبَعْضِهِمُ اسْتِيفَاؤُهُ دُونَ بَعْضٍ، والثانى، لا يصيرُ مُسْتَوْفِيًا لحَقِّه؛ لأنَّه ليس مِن أهلِ الاسْتِيفاءِ، فتَجِبُ له دِيَةُ أبيه في مالِ الجانِى؛ لأَنَّ عمدَ الصَّبِىِّ خَطَأٌ، وعلى عاقِلَتِه دِيَةُ القاتلِ، كما لو أتْلَفَ أجْنَبِيًّا، بخِلافِ الوَدِيعَةِ، فإنَّها لو تَلِفَتْ مِن غيرِ تَعَدٍّ، بَرِئَ منها المُودَعُ، ولو هَلَك الجانى (1) مِن غيرِ فِعْلٍ، لم يَبْرأْ مِن الجِنايةِ.
4090 -
مسألة: (وإنِ اقْتَصَّا ممَّن لا تَحْمِلُ دِيَتَه العاقِلَةُ)
كَالعبدِ (سَقَط حَقُّهما، وَجْهًا واحِدًا) لأنَّه لا يُمْكِنُ إيجابُ دِيَتِه على العاقِلَةِ، فلم يكنْ إلَّا سُقُوطُه.
فصل
: (الثانى، اتِّفاقُ جميعِ الأوْلِياءِ على اسْتِيفائِه، وليس لبعضِهم الاسْتِيفاءُ دُونَ بعضٍ) لأنَّه يكونُ مُسْتَوْفِيًا لحَقِّ غيرِه بغيرِ391
الحديث: 4090 - الجزء: 25 - الصفحة: 148
فَإِنْ فَعَلَ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ لِشُرَكَائِهِ حَقُّهُمْ مِنَ الدِّيَةِ، وَتَسْقُطُ عَنِ الْجَانِى، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَفِى الْآخَرِ، لَهُمْ ذَلِكَ فِى تَرِكَةِ الْجَانِى، وَيَرْجِعُ وَرَثَةُ الْجَانِى عَلَى قَاتِلِهِ.
إذْنِه ولا وِلايَةٍ عليه، فأشْبَهَ الدَّيْنَ.
4091 -
مسِألة: (فإن فَعَل، فلا قِصاصَ عليه)
وبه قال أبو حنيفةَ.
وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
والقولُ الآخَرُ، عليه القِصاصُ؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ مِن قَتْلِه، وبعضُه غيرُ مُسْتَحَقٍّ له، وقد يجبُ القِصاصُ بإتْلافِ بعضِ النَّفْسِ، بدليلِ ما لو اشْتَرَكَ الجماعةُ في قَتْلِ واحدٍ.
ولَنا، أنَّه مُشارِك اسْتِحْقاقِ القَتْلِ، فلم يَجِبْ عليه القِصاصُ، كما لو كان مُشارِكًا في مِلْكِ الجارِيةِ ووَطْئِها.
ولأنَّه مَحَلٌّ يَمْلِكُ بعضَه، فلم تجبِ العُقُوبَةُ المُقَدَّرةُ باسْتِيفائِه كالأصْلِ (1). ويُفارِقُ إذا قَتَل الجماعةُ واحدًا، فإنَّا لم نُوجِبِ القِصاصَ بقَتْلِ بعضِ النَّفْسِ، وإنَّما نَجْعَلُ كلَّ واحدٍ منهم قاتِلًا لجميعِها، وإن سَلَّمْنا وُجُوبَه عليه لقَتْلِ بعضِ النَّفْسِ، فمِن شَرْطِه المُشارَكَةُ لمَن فَعَلَه، كفِعْلِه في العمدِ والعُدْوانِ، ولا يتَحَقَّقُ ذلك ههُنا.
4092 -
مسألة: (وعليه لشُرَكائِهِ حَقُّهم مِن الدِّيَةِ، وتَسْقُطُ عن الجانى في أحَدِ الوَجْهَيْن. وفى الآخَرِ، لهم ذلك في تَرِكَةِ الجانى، ويَرْجِعُ ورثةُ الجانى على قاتِلِه)
وجملةُ ذلك، أنَّه يجبُ للوَلِىِّ الذى لم يَقْتُلْ قِسْطه392
الحديث: 4091 - الجزء: 25 - الصفحة: 149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن الدِّيَةِ؛ لأنَّ حَقَّه مِن القِصاصِ سَقَط بغيرِ اخْتِيارِه، فأشْبَهَ ما لو مات القاتِلُ أو عَفا بعضُ الأوْلِياءِ.
وهل يَجِبُ ذلك على قاتِلِ الجانى، أو في تَرِكَةِ الجانى؟ فيه وَجْهان.
وللشافعىِّ قَوْلان؛ أحَدُهما، يَرْجِعُ على قاتِلِ الجانى؛ لأنَّه أتْلَفَ مَحَلَّ حَقِّه، فكان الرُّجُوعُ عليه بعِوَضِ نصِيبِه، كما لو كانت له وَدِيعَةٌ فأتْلَفَها.
والثانى، يَرْجِعُ في تَرِكَةِ الجانى، كما لو أتْلَفَه أجْنَبِىٌّ، أو عَفا شَرِيكُه عن القِصاصِ.
وقَوْلُنا: أتْلَفَ مَحَلَّ حَقِّه.
يَبْطُلُ بما إذا أتْلَفَ مُسْتَأْجِرَه أو غَرِيمَه أو امرأتَه، أو كان المُتْلَفُ أجْنَبِيًّا.
ويُفارِقُ الوَدِيعَةَ، فإنَّها مَمْلُوكَة لهما، فوَجَبَ عِوَضُ مِلْكِه، أمَّا الجانِى، فليس بمَمْلُوكٍ للمَجْنِىِّ عليه، [وإنَّما له عليه] 393 حَقٌّ، فأشْبَهَ ما لو أتْلَفَ غَرِيمَه.
فعلى هذا، يَرْجِعُ وَرَثَة الجانى على قاتِلِه بدِيَةِ مَوْرُوثِهم 394 إلَّا قَدْرَ حَقِّه منها.
فعلى هذا، لو كان الجانِى أقَلَّ دِيَةً مِن قاتِلِه، مِثْلَ امرأةٍ قَتَلَتْ
الجزء: 25 - الصفحة: 150
وَإِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ، سَقَطَ الْقِصَاصُ وَإِنْ كَانَ الْعَافِى زَوْجًا أَوْ زَوْجَةً.
رجلًا له ابْنان، قَتَلَها أحَدُهما بغيرِ إذْنِ الآخَرِ، فللآخَرِ نِصْفُ دِيَةِ أبِيه في تَرِكَةِ المرأةِ التى قَتَلَتْه، ويَرْجِعُ وَرَثَتُها بنِصْفِ دِيَتِها على قَاتِلِها، وهو رُبْعُ دِيَةِ الرجلِ.
وعلى الوَجْهِ الأَوَّلِ، يَرْجِعُ الابنُ الذى لم يَقْتُلْ على أخِيه بنِصْفِ دِيَةِ المرأةِ؛ لأنَّه لم يُفَوِّتْ على أخيه إلَّا نِصْفَ (1) المرأةِ، ولا يُمْكِنُ أن يَرْجِعَ على ورثةِ المرأةِ (2) بشئٍ؛ لأَنَّ أخاه الذى قَتَلَها أتْلَفَ جميعَ الحَقِّ.
وهذا يَدُلُّ على ضَعْفِ هذا الوَجْهِ.
ومِن فوائِدِه أيضًا، صِحَّةُ إبْراءِ مَن حَكَمْنا بالرُّجُوعِ عليه، ومِلْكُ مُطالَبَتِه.
وإن قُلْنا: يَرْجِعُ على وَرَثَةِ الجانِى.
صَحَّ إبْراؤُهم، ومَلَكُوا الرُّجُوعَ على قاتِلِ مَوْرُوثِهم بقِسْطِ أخيه العافِى.
وإن قُلْنا: يَرْجِعُ على شَرِيكِه.
مَلَك مُطالَبَتَه، وصَحَّ إبْراؤُه، ولم يكنْ لورثةِ الجانى مُطالَبَتُه بشئٍ.
ومنها، أنَّا إذا قُلْنا: يَرْجِعُ على تَرِكَةِ الجانى.
وله تَرِكَةٌ، فله الأخْذُ منها، سواءٌ [أمْكَنَ وَرَثَتَه أن يَسْتَوْفُوا مِن الشَّرِيكِ أو لم يُمْكِنْهم.
وإن قُلْنا: يَرْجِعُ على شَرِيكِه.
لم يكنْ له مُطالَبَةُ وَرَثَةِ الجانى، سواءٌ] (3) كان شَرِيكُه مُوسِرًا أو مُعْسِرًا.
4093 -
مسألة: (وإن عَفا بعضُهم، سَقَط القِصاصُ وإن كان
395396397 الحديث: 4093 - الجزء: 25 - الصفحة: 151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العافى زوجًا أو زوجةً) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على إجازةِ العفوِ عن القِصاصِ، وأنَّه أفْضَلُ؛ لِما نَذْكُرُه 398. والقِصاصُ حَقٌّ لجميعِ الورثةِ مِن ذوى الأنْسابِ والأسْبابِ، الرجالِ والنِّساءِ، والصِّغارِ والكبارِ، فمَن عَفا منهم صَحَّ عَفْوُه، وسَقَط القِصاصُ، ولم يكنْ لأحَدٍ إليه 399 سَبِيلٌ.
هذا قولُ أكْثَرِ أَهْلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، وحَمادٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن عُمَرَ، وطاوُسٍ، والشَّعْبِىِّ.
وقال الحسنُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِىُّ، وابن شُبْرُمَةَ، واللَّيْثُ، والأوْزاعِىُّ: ليس للنِّساءِ عَفْوٌ.
والمَشْهُورُ عن مالكٍ، أنَّه مَوْرُوثٌ للعَصباتِ خَاصَّةً.
وهو وَجْهٌ لأصحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّه ثَبَتَ لدَفْعِ العارِ، فاخْتَصَّ به العَصباتُ، كوِلايةِ النِّكاحِ.
ولهم وَجْهٌ ثالثٌ، أنَّه لذوى الأنْسابِ دُونَ الزَّوْجَيْن؛ [لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-] 400: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَأَهْلُه بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ؛ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلُوا، أَوْ يَأْخُذُوا العَقْلَ» 401. وأهلُه ذوو رَحِمِه، وذَهَب بعضُ أهلِ المدينةِ إلى أنَّ القِصاصَ لا يَسْقُطُ بعَفْوِ بعضِ الشُّرَكاءِ.
وقيل: هو رِوايةٌ عن مالكٍ؛ لأَنَّ حَقَّ غيرِ العافى لم يَرْضَ بإسْقاطِه، وقد تُؤْخَذُ النَّفْسُ ببعضِ النَّفْسِ، بدليلِ قَتْلِ الجماعةِ بالواحدِ.
ولَنا، عُمُومُ قولِه عليه السَّلامُ: «فَأَهْلُه بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ».
وهذا
الجزء: 25 - الصفحة: 152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عامٌّ في جميعِ أهلِه، والمرأةُ مِن أهْلِه؛ بدليلِ قولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ يَعْذِرُنى مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِى 402 أذَاهُ فِى أهْلِى، ومَا عَلِمْتُ عَلَى أهْلِى إلَّا خَيْرًا، ولَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا ما عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلَّا خَيْرًا، ومَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أهْلِى إلَّا مَعِى».
يُرِيدُ عائشةَ.
وقال له 403 أُساْمةُ [بنُ زيدٍ] 404: يا رسولَ اللَّهِ، أهْلُكَ 405 ولا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا 406. ورَوَى زيدُ بنُ وَهْبٍ، أنَّ عُمَرَ أُتِى برجلٍ قَتَل قَتِيلًا، فجاء ورثةُ المَقْتُولِ ليَقْتُلُوه، فقالتِ امرأةُ المَقْتُولِ، وهى أخْتُ القاتلِ: قد عَفَوْتُ عن حَقِّى.
فقال عمرُ: اللَّه أكبرُ، عَتَقَ القَتِيلُ.
رَواه أبو داودَ 407. وفى رِوايةٍ عن زيدٍ، قال: دَخَل رجلٌ على امرأتِه، فوَجَدَ عندَها رجلًا، فقَتَلَها، فقال بعضُ إخْوَتِها: قد تَصَدَّقْتُ.
فقَضَى لسائِرِهِم بالدِّيَةِ 408. ورَوَى قَتادَةُ، أنَّ عُمَرَ رُفِعَ إليه رجلٌ قَتَل
الجزء: 25 - الصفحة: 153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رجلًا، فجاءَ أوْلادُ المَقْتُولِ وقد عَفا بعضُهم، فقال عُمَرُ لابنِ مسعودٍ: ما تقولُ؟ فقال: إنَّه قد أحْرِزَ مِن القَتْلِ.
فضَرَبَ على كَتِفِه 409، فقال: كُنَيْفٌ 410 مُلِئَ عِلْمًا 411. والدَّلِيلُ على أن القِصاصَ لجميعِ الوَرَثَةِ، ما ذكَرْناه في مسألَةِ القِصاصِ بينَ 412 الصَّغيرِ والكبيرِ.
ولأَنَّ مَن وَرِث الدِّيةَ وَرِث القِصاصَ، كالعَصَبَةِ، وإذا عَفا بعضُهم، صَحَّ عَفْوُه، كعَفْوِه عن سائرِ حُقُوقِه، وزَوالُ الزَّوْجِيَّةِ لا يَمْنَعُ اسْتِحْقاقَ القِصاصِ، كما لم 413 يَمْنَعِ اسْتِحْقاقَ الدِّيَةِ، وسائرِ حُقُوقِه المَوْرُوثَةِ.
ومتى ثَبَت أنَّه حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بينَ جَمِيعِهم، سَقَط بإسْقاطِ مَن كان مِن أَهْلِ الإسْقاطِ منهم؛ لأَنَّ حَقَّه منه له، فيَنْفُذُ تَصَرُّفُه فيه 414، فإذا سَقَط سَقَط جَمِيعُه؛ لأنَّه مِمَّا لا يَتَبَعَّضُ، كالطَّلاق والعَتاق.
ولأَنَّ القِصاصَ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بينَهم لا يَتَبَعَّضُ، مبْنَاه على الدَّرْءِ 415 والإِسقاطِ، فإذا أسْقَطَ بعضُهم، سَرَى = باب الرجل يقتل فيعفو بعض الأولياء، من كتاب الديات.
المصنف 9/ 317. والبيهقى، في: باب عفو بعض الأولياء عن القصاص دون بعض، من كتاب الجنايات.
السنن الكبرى 8/ 59. وصححه في الإرواء 7/ 281.
الجزء: 25 - الصفحة: 154
وَلِلْبَاقِينَ حَقُّهُمْ مِنَ الدِّيَةِ عَلَى الْجَانِى، فَإِنْ قَتَلَهُ الْبَاقُونَ عَالِمِينَ بِالْعَفْوِ وَسُقُوطِ الْقِصَاصِ بِهِ، فَعَلَيْهِمُ الْقَوَدُ، وَإلَّا فَلَا قَوَدَ، وَعَلَيْهِمْ دِيَتُهُ.
إلى الباقى، كالعِتْقِ، والمرأةُ أحَدُ المُستحِقِّين، فسَقَطَ بإسْقاطِها، كالرجلِ.
[ومتى] (1) عَفا أحَدُهم (فللباقين حَقُّهم مِن الآيةِ) سواء عَفا مُطْلَقًا أو (2) إلى الدِّيةِ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
ولا نَعْلَمُ لهم مُخالِفًا ممَّن قال بسُقُوطِ القِصاصِ؛ وذلك لأَنَّ حَقِّه كان القصاصِ سَقَط بغيرِ رِضاه، فيَثْبُتُ له البَدَلُ، كما لو وَرِث القاتِلُ بعضَ دَمِه أو مات، ولِما ذكَرْنا مِن خَبَرِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
4094 -
مسألة: (وإن قَتَلَه الباقون عالِمِين بالعَفْوِ وسُقُوطِ القِصاصِ به، فعليهم القَوَدُ، وإلَّا فلا قَوَدَ، وعليهم دِيَتُه)
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا قَتَلَه الشَّرِيكُ الذى لم يَعْفُ عالِمًا بعَفْوِ شَرِيكِه، وسُقوطِ القِصاص به، فعليه القِصاصُ، سواء حَكَم به الحاكمُ أو لم يَحْكُمْ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ.
وهو الظَّاهِرُ مِن مَذْهَبِ الشَّافعىِّ.
وقيل: له قولٌ416417
الحديث: 4094 - الجزء: 25 - الصفحة: 155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
آخَر، لا يجبُ القِصاصُ؛ لأَنَّ له 418 فيه شبْهَة، لوقوعِ الخِلافِ فيه.
ولَنا، أَنَّه قَتَل مَعْصومًا مكافئًا له عمدًا، يعلم أنَّه 419 لا حَقَّ له فيه، فوَجَبَ عليه القِصاصُ، كما لو حَكَم بالعَفْوِ حاكمٌ، والاخْتِلافُ لا يُسْقِطُ القِصاصَ؛ فإنَّه لو قتل مسلمًا بكافر، قَتَلْناه به، مع الاخْتِلافِ في قَتْلِه.
فأمَّا إن قَتَلَه قبلَ العِلْمِ بالعَفْوِ، فلا قِصاصَ عليه.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشَّافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: عليه القِصاصُ؛ لأنَّه قَتْل عَمْدٌ عدْوانٌ لمَن لا حَقَّ له في قَتْلِه.
ولَنا، أنَّه مُعْتَقِدٌ ثُبوتَ حَقِّه فيه، مع أنَّ الأَصْلَ بقَاؤه، فلم يَلْزَمْه قِصاصٌ، كالوَكِيلِ إذا قَتَل بعدَ عَفْوِ الموَكِّلِ قبلَ عِلْمِه بعَفْوِه.
ولا فَرْقَ بينَ أن يكونَ الحاكمُ قد حَكَم بالعَفْوِ أو لم يَحْكمْ به؛ لأَنَّ الشُّبْهَةَ مَوْجُودَة مع انْتِفاءِ العِلْمِ، مَعْدُومَة عندَ وجُودِه.
وقال الشَّافعىُّ: متى قَتَلَه بعدَ حُكْمِ الحاكمِ، لَزِمَه القِصاص، عَلِنم بالعَقْوِ أو لم يَعْلَمْ.
وقد بَينا الفَرْقَ بينَهما.
ومتى حَكَمْنا عليه بوُجوبِ الدِّيةِ؛ إمَّا لكوِنِه مَعْذُورًا، وإمَّا للعَفْوِ عن القِصاصِ، فإنَّه يَسْقُطُ عنه منها ما قابَلَ حَقِّه على القاتِلِ قِصاصًا، ويجبُ عليه الباقى.
فإن كان الوَلِى عَفا إلى غيرِ مالٍ، فالواجِبُ لورثةِ القاتِلِ، ولا شئَ عليهم 420. وإن كأن عَفا إلى الدِّيةِ، فالواجِبُ لورثةِ القاتِلِ، وعليهم نَصِيبٌ العافى مِن الدِّيةِ.
وقيل فيه: إنَّ حَقَّ العافى
الجزء: 25 - الصفحة: 156
وسَوَاءٌ كَانَ الْجَمِيعُ حَاضِرِينَ أَوْ بَعْضُهُمْ غَائِبًا،
مِن الدِّيةِ على القاتِلِ.
ولا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الحَقَّ لم يَبْقَ مُتَعَلِّقًا بعينِه، وإنَّما الدِّيَةُ واجِبَة في ذِمَّتِه، فلم تَنْتَقِلْ (1) إلى القاتِلِ، كما لو قَتَل غَرِيمَه.
4095 -
مسألة: (وسَواءٌ كان الجَمِيعُ حاضِرِين أو بعضُهم غَاِئبًا)
لِما ذَكَرْناه.
فصل: فإن كان القاتِلُ هو العافِىَ، فعليه القِصاصُ، سواءٌ عَفا مُطْلَقًا أَوْ 422 إلى مالٍ.
وبهذا قال عِكْرِمَة، والثَّوْرِىُّ، ومالِكٌ، والشَّافعىُّ؛ وابنُ المُنْذِرِ.
ورُوِىَ عن الحسن، تُؤخَذُ منه الدِّيةُ، ولا يُقْتَلُ.
وقال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ: الحُكْمُ فيه إلى السُّلطانِ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ 423. قال ابنُ عباسٍ، وعطاءٌ 424، والحسنُ، وقَتادَةُ في تَفْسِيرِها: أي بعدَ أخْذِه الدِّيةَ 425. وعن الحسنِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا أُعْفِى مَنْ قَتَلَ421
الحديث: 4095 - الجزء: 25 - الصفحة: 157
وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، فَلَيْسَ لِلْبَالِغِ الْعَاقِلِ الِاسْتِيفَاءُ حَتَّى يَصِيرَا مُكَلَّفَيْنِ، فِى الْمَشهُورِ عَنْهُ.
وَعَنْهُ، لَهُ ذَلِكَ.
بَعْدَ أخْذِه الدِّيَة» (1). ولأنَّه قَتَل مَعْصُومًا مُكافئًا، فوَجَبَ عليه القِصاصُ، كما لو لم يكنْ قَتَلَ.
فصل: وإذا عَفا عن القاتِلِ مُطْلَقًا، صَحَّ، ولم يَلْزَمْه عُقُوبَةٌ.
وبهذا قال الشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والأوْزاعِىُّ: يُضْرَبُ ويُحْبَسُ سنةً.
ولَنا، أَنَّه إنَّما كان عليه [حَقٌّ واحدٌ] (2)، وقد أسْقَطَه مُسْتَحِقُّه، فلم يجبْ عليه شئ آخَرُ، كما لو أسْقَطَ الدِّيةَ عن القاتِلِ خَطَأً.
4096 -
مسألة: (وإن كان بعضُهم صَغِيرًا أو مَجْنُونًا، فليس للبالِغِ العاقِلِ الاسْتِيفاءُ حتَّى يَصِيرا مُكَلفَيْن، في المَشْهُورِ. وعنه، له ذلك)
وجملةُ ذلك، أن ورَثَةَ القَتِيلِ إذا كانوا أكْثَرَ مِن واحدٍ، لم يَجُزْ لبعضِهم اسْتِيفاءُ القَوَدِ إلَّا بإذْنِ الباقين، فإن كان بعضُهم غائِبًا، انْتُظِرَ426427
الحديث: 4096 - الجزء: 25 - الصفحة: 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قُدُومُه، ولم يَجُزْ [للحاضرِ الاستِقْلالُ بالاسْتِيفاءِ] 428، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
وإن كان بعضُهم صغيرًا أو مَجْنُونًا، فظاهِرُ مَذْهَبِ أحمدَ، أنَّه ليس لغيرِهما الاسْتِيفاءُ حتَّى يبلُغَ الصَّغِيرُ ويُفِيقَ المَجْنُونُ.
وبه قال ابنُ شُبْرُمَةَ، وابنُ أبى لَيْلَى، والشّافعىُّ، وأبو يُوسُفَ، وإسحاقُ.
ويُرْوَى ذلك عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، رَحِمَه اللَّهُ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى: للكِبارِ العُقَلاءِ 429 اسْتِيفاؤه.
وبه قال حَمَّادٌ، ومالِكٌ، والأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ، وأبو حنيفةَ؛ لأَنَّ الحسنَ بنَ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قَتَل ابنَ مُلْجَم قِصاصًا، وفى الورثةِ صِغارٌ، فلم يُنْكَرْ ذلك 430. ولأَنَّ وِلايَةَ القِصاصِ هى اسْتِحْقاقُ اسْتِيفائِه، وليس للصغيرِ هذه الوِلايةُ.
ولَنا، أنَّه قِصاصٌ غيرُ مُتَحَتِّمٍ 431، ثَبَت لجماعةٍ مُعَنيَّين، فلم يَجُزْ لأحَدِهم اسْتِيفاؤه اسْتِقْلالًا، كما لو كان لحاضر وغائب.
ولأنَّه أحَدُ بَدَلَىِ النَّفْسِ،
الجزء: 25 - الصفحة: 159
وَكُلُّ مَنْ وَرِثَ الْمَالَ وَرِثَ الْقِصَاصَ، عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِ مِنَ الْمَالِ،
فلم يَنْفَرِدْ به بعضُهم، كالدِّيَةِ، والدَّلِيلُ على أنَّ للصَّغِيرِ والمَجْنُونِ فيه حَقًّا أربعةُ أمُورٍ؛ أحَدُها، أنَّه لو كان مُنْفَرِدًا لاسْتَحَقَّه، ولو نافاه الصِّغَرُ مع غيرِه، لنافَاه مُنْفَرِدًا، كوِلايةِ النِّكاحِ.
الثَّانى، أَنَّه لو بَلَغ لاسْتَحَقَّ، ولو لم يكنْ مُسْتَحِقًّا عندَ (1) المَوْتِ لم يكنْ مُسْتَحِقًّا بعدَه، كالرَّقيقِ إذا عَتَقَ بعدَ موتِ أبيه.
الثَّالثُ، أنَّه لو صار الأمْرُ إلى المالِ، لاسْتَحَقَّ، ولو لم يكنْ مُسْتَحِقًّا للقِصاصِ لَما اسْتَحَقَّ بَدَلَه، كالأجْنَبِىِّ.
الرابعُ، أنَّه لو مات الصَّغِيرُ لَاستَحَقَّه (2) ورَثَتُه، ولو لم يكنْ حَقًّا له لم يَرِثْه، كسائرِ ما لا يَسْتَحِقه.
وأمَّا ابنُ مُلْجَم، فقد قيل: إنَّه قَتَلَه لكُفْره؛ لأنَّه قَتَل عَلِيًّا مُسْتَحِلًّا لدَمِه، مُعْتَقِدًا كُفْرَه، مُتَقَرِّبًا إلى اللَّهِ تعالى بذلك.
وقيل: قَتَلَه لسَعْيِه في الأرْض بالفَسادِ، وإظْهارِ السِّلاحِ.
فيكونُ كقاطِعِ الطَّرِيقِ إذا قَتَلَ (3)، وقتْلُه مُتَحَتِّمٌ، وهو إلى الإِمامِ، والحسنُ هو الإِمامُ، ولذلك لم يَنْتَظِرِ الغائِبِين مِن الورثةِ.
ولا خِلافَ بينَنا في وُجُوبِ انْتِظارِهم، وإن قَدَّرْنا أنَّه قَتَلَه قِصاصًا، فقد اتَّفَقْنا على خِلافِه، فكيف يَحْتَجُّ به بعضُنا على بعضٍ!
4097 -
مسألة: (وكلُّ مَن وَرِث المالَ وَرِث القِصاصَ، على
432433434 الحديث: 4097 - الجزء: 25 - الصفحة: 160
حتَّى الزَوْجَيْنَ وَذَوِى الْأَرْحَامِ.
وَمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ وَلِيُّهُ الإِمَامُ، إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا.
حَسَبِ مِيراثِه مِن المالِ، حتَّى الزَّوْجَيْن وذوى الأرْحامِ) لأنَّه حَقٌّ يَسْتَحِقُّه الوارِثُ مِن جِهَةِ مَوْرُوثِه (1)، فأشْبَهَ المالَ.
4098 -
مسألة: (ومَن لا وارِثَ له وَلِيُّه الإِمامُ، إن شاء اقْتَصَّ، وإن شاء عَفا)
فله أن يَفْعَلَ مِن ذلك ما يَرَى فيه المَصْلَحَةَ للمسلمينَ، فإن أحَبَّ القِصاصَ فله ذلك، وإن أحَبَّ العَفْوَ إلى مالٍ فله ذلك، وإن أحَبَّ العَفْوَ إلى غيرِ مالٍ لم يَمْلِكْه؛ لأَنَّ ذلك للمسلمين، ولا حَظَّ لهم435
الحديث: 4098 - الجزء: 25 - الصفحة: 161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في هذا.
وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْى، [إلَّا أنَّهم] 436 لا يَرَوْنَ العَفْوَ على 437 مالٍ إلّا برِضا الجانى.
فصل: وإذا اشْتَرَكَ جماعةٌ في قَتْلِ واحدٍ، فعُفِىَ عنهم إلى الدِّيةِ، فعليهم دِيَةٌ واحدةٌ.
وإن عُفِىَ عن بعضِهم، فعلى المَعْفُوِّ عنه قِسْطُه مِن الدِّيةِ؛ لأَنَّ الدِّيةَ بَدَلُ المَحَلِّ، وهو واحِد، فتكونُ دِيَتُه واحدةً، سواءٌ أتْلَفَه واحدٌ أو جماعةٌ.
وقال ابنُ أبى موسى: فيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ على كلِّ واحدٍ دِيَةً كاملةً؛ لأَنَّ له قَتْلَ كل واحدٍ منهم، فكان على كلِّ واحدٍ منهم دِيَةُ نَفْسٍ
الجزء: 25 - الصفحة: 162
فَصْلٌ: الثَّالِثُ، أَنْ يُؤْمَنَ فِى الِاستِيفَاءِ التَّعَدِّى إِلَى غَيْرِ الْقَاتِلِ، فَلَوْ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى حَامِلٍ، أَوْ حَمَلَتْ بَعْدَ وُجُوبِهِ، لَمْ تُقْتَلْ حَتَّى تَضَعَ الْوَلَدَ وَتَسْقِيَهُ اللِّبَأَ،
كاملةٌ، كما لو قَلَع الأعْوَرُ عينَ صحيحٍ، فإنَّه يجبُ عليه دِيَةُ عَيْنِه، وهو دِيَةٌ كامِلَةٌ.
والصَّحيحُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ الواجِبَ بَدَلُ المُتْلَفِ، ولا يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ المُتْلَفِ، ولذلك لو قَتَل عبد قِيمَتُه ألْفان حُرًّا، لم يَمْلِكِ العَفْوَ على أكْثَرَ مِن الدِّيَةِ.
وأمَّا القصاصُ، فهو عُقُوبَة على الفِعْلِ، فيَتَعَدَّدُ (1)
بتعَدُّدِه (2).
فصل
: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (الثَّالثُ، أن يُؤْمَنَ في الاسْتِيفاءِ التَّعَدِّى إلى غيرِ القاتِلِ، فلو وَجَب القِصاصُ على حاملٍ، أو حَمَلَتْ بعدَ وُجُوبِه، لم تُقْتَلْ حتَّى تَضَعَ الولَدَ وتَسْقِيَه اللِّبَأَ) 440 لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا، وسَواءٌ كان القِصاصُ في النَّفْسِ أو في الطَّرَفِ، أمَّا في النَّفْس فلِقَولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ 441. وقَتْلُ الحامِلِ قَتْلٌ لغيرِ الحامِلِ، فيكونُ إسْرافًا.
ورَوَى ابنُ ماجه 442 بإسنادِه عن عبدِ الرحمنِ438439
الجزء: 25 - الصفحة: 163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنِ غَنْمٍ، قال: حَدَّثَنا مُعاذُ بنُ جَبَلٍ، وأبو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرّاحِ، وعُبادَةُ ابنُ الصامِتِ، وشَدَّادُ بنُ أوْس، قالوا: إنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذا قَتَلتِ المَرْأةُ عَمْدًا، لَمْ تُقْتَلْ حَتَّى تَضَعَ مَا فِى بَطنهَا إنْ كَانَت حَامِلًا، وحَتَّى تُكَفِّلَ وَلَدَهَا، وإن زَنَتْ، لَمْ تُرْجَمْ حَتَّى تَضَعَ مَا فِى بَطْنِهَا؛ وحَتَّى تُكَفِّلَ وَلَدَهَا».
وهذا نَصٌّ.
ولأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال للغامِدِيَّةِ المُقِرَّةِ بالزِّنَى: «ارْجِعِى حَتَّى تَضَعِى مَا فِى بَطْنِكِ».
ثم قال لها: «ارْجِعِى حَتَّى تُرْضعِيهِ» 443. ولأنَّ هذا إجْماعٌ مِن أَهْلِ العلمِ لا نَعْلَمُ بينَهم 444 فيه اخْتِلافًا.
وأمَّا الاقْتِصاصُ في الطَّرَفِ؛ فلأنَّنا مَنعْنا الاستِيفاءَ فيه خَشْيَةَ السِّرايَةِ إلى الجانى، أو 445 إلى زِيادَةٍ في حَقِّه، [فلأن نَمْنَعَ] 446 منه خَشْيَة السِّرَايةِ 447 إلى غيرِ الجانى، وتَفْويتِ نَفْس مَعْصُومةٍ أوْلَى وأحْرَى.
ولأن في القِصاصِ منها قَتْلًا لغيرِ الجانى، وهو حَرامٌ.
وإذا
الجزء: 25 - الصفحة: 164
ثُمَّ إِنْ وُجِدَ مَنْ يُرْضِعُهُ، وَإلَّا تُرِكَتْ حَتَّى تَفْطِمَهُ، وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهَا فِى الطَّرَفِ حَالَ حَمْلِهَا.
وَضَعَتْ، لم تُقْتَلْ حتَّى تَسْقِىَ الولدَ اللِّبَأَ؛ لأَنَّ الوَلَدَ يَتَضَرَّرُ بتَرْكِه ضَرَرًا كثيرًا 448. ثم إن لم يكُنْ للولدِ مَن يُرْضِعُه، لم يَجُزْ قَتْلُها حتَّى يَجِيئَ أوانُ فِطامِه؛ لِما ذكَرْنا مِن الخَبَرَيْن.
ولأنَّه لَمَّا أخِّرَ الاسْتِيفاءُ لحِفظِه وهو حَمْل، فلأن يُؤَخَّرَ لحفظِه بعدَ وَضْعِه أوْلَى، إلَّا أن يكونَ القِصاصُ فيما دُونَ النَّفْسِ، ويكونَ الغالِبَ بقاؤها، وعَدَمُ ضَرَرِ الاسْتِيفاءِ منها، فيُسْتَوْفَى.
وإن وُجِد له مُرْضِعَة راتِبَة 449، جازَ الاسْتِيفاءُ منها؛ لأنَّه يَسْتَغْنِى عنها بلَبَنِ المُرْضِعَةِ، وكذلك إن كانت مُتَرَدِّدَةً، أو نِساءً يتَنَاوَبْنَه
الجزء: 25 - الصفحة: 165
وَحُكْمُ الْحَدِّ فِى ذَلِكَ حُكْمُ الْقِصَاصِ، وَإِنِ ادَّعَتِ الْحَمْلَ،
يُرْضِعْنَه، أَوْ أمْكَنَ أن يُسْقَى مِن لَبَنِ شاةٍ أو نحوِها.
ويُسْتَحَبُّ للوَلِىِّ تَأْخِيرُها؛ لِما على الوَلَدِ مِن الضَّرَرِ في اخْتِلافِ اللَّبَنِ عليه، وشُرْبِ لَبَن البَهِيمَةَ.
4099 -
مسألة: (وحُكْمُ الحَدِّ في ذلك حُكْمُ القِصاصِ)
لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، ولأنَّه في مَعْنَى القِصاصِ.
4100 -
مسألة: (وإنِ ادَّعَتِ الحَمْلَ)
ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما،
الحديث: 4099 - الجزء: 25 - الصفحة: 166
احْتَمَلَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهَا، فَتُحْبَسَ حَتَّى يَبِينَ أَمْرُهَا، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُقْبَلَ إِلَّا بِبَيِّنةٍ.
وَإِنِ اقْتَصَّ مِنْ حَامِلٍ، وَجَبَ ضَمَانُ جَنِينِهَا عَلَى قَاتِلِهَا.
وَقَالَ
(تُحْبَسُ حتَّى يَتَبينَ حَمْلُها) لأَنَّ للحَمْلِ أماراتٍ خَفِيَّةً، تَعْلَمُها مِن نَفْسِها، ولا يَعْلَمُها غيرُها، فوَجَبَ أن يُحْتاطَ للحَمْلِ حتَّى يَتَبَيَّنَ انْتِفاءُ ما ادَّعَتْه.
ولأنَّه أمْر يَخْتَصُّها، فقُبِلَ قوْلُها فيه (1)، كالحَيْضِ.
والثَّانى، أنَّها تُرَى أهْلَ الخِبْرَةِ.
ذَكَرَه القاضى، فإن شَهِدْنَ (2) بحَمْلِها أخِّرَتْ.
وإن شَهِدْنَ (2) ببَراءَتِها لم تُؤَخَّرْ؛ لأَنَّ الحَّقَّ حالٌّ عليها، فلا يُؤخَّرُ بمُجَرَّدِ دعْواها.
فإن أشْكَلَ على القَوابِلِ، أو لم يُوجَدْ مَن يَعْرِفُ ذلك، أُخِّرَت حتَّى يَتبَيَّنَ؛ لأنَّنا إذا أسْقَطْنا القِصاصَ مِن خوْفِ الزِّيادَةِ، فتَأْخِيرُه أوْلَى.
4101 -
مسألة: (وإنِ اقْتَصَّ مِن حامِلٍ، وَجَب ضَمانُ جَنِينهَا
450451 الحديث: 4101 - الجزء: 25 - الصفحة: 167
أَبُو الْخَطَّابِ: يَجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ الَّذِى مَكَّنَهُ مِنْ ذَلِكَ.
على قاتِلِها.
وقال أبو الخطَّابِ: يجبُ على السُّلْطانِ الذى مَكَّنَه مِن [ذلك) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا اقْتَصَّ مِن حاملٍ فقد فَعَل مُحَرَّمًا، وأخْطَأ السُّلْطانُ الذى أمْكَنَه مِن] 452 الاسْتِيفاءِ، وعليهما الإِثْمُ إن كانا عالِمَيْن، أو كان منهما تَفْرِيطٌ.
وإن عَلِم أحَدُهما أو فَرَّطَ، فالإثُم عليه، فإن لم تُلْقِ الولَدَ، فلا ضَمانَ فيه؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ وُجُودَه وحَياتَه، وإنِ انْفَصَلَ مَيِّتًا أو حَيًّا لوَقتٍ لا يَعِيشُ في 453 مثلِه، ففيه غُرَّةٌ، وإنِ انْفَصَلَ حَيًّا لوقتٍ يَعِيشُ مثلُه فيه، ثم مات مِن الجِنايةِ، وَجَبَتْ دِيَتُه، ويُنْظَرُ؛ فإن كان الإِمامُ والوَلِىُّ 454 عالِمَيْن بالحَمْلِ وتَحْرِيمِ الاسْتِيفاءِ، أو جاهِلَيْن بالأمْرَيْن، أو بأحَدِهما، أو كان الوَلِىُّ 455 عالِمًا بذلك دُونَ المُمَكِّنِ له مِن الاسْتِيفاءِ، فالضَّمانُ عليه وحدَه؛ لأنَّه مُباشِر، والحاكمُ الذى مَكَّنَه صاحِبُ 456
الجزء: 25 - الصفحة: 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَبَبٍ، فكان الضَّمانُ على المُباشِرِ دُونَ المُتَسَبِّبِ، كالحافِرِ مع الدَّافِعِ.
وإن عَلِم الحاكمُ دُود الوَلِىِّ، فالضَّمانُ على الحاكِمِ وحدَه؛ لأَنَّ المُباشِرَ مَعْذُورٌ، فكان الضَّمانُ على المُتَسَبِّبِ، كالسَّيِّدِ إذا أَمَرَ عَبْدَه الأعْجَمِىَّ الذى لا يَعْرِفُ تَحْرِيمَ القَتْلِ به، وكشُهُودِ القِصاصِ إذا رَجَعُوا عن الشَّهادَةِ بعدَ الاسْتِيفاءِ.
وقال القاضى: إن كان أحَدُهما عالِمًا وحدَه، فالضَّمانُ عليه وحدَه، وإن كانا 457 عالِمَيْن، فالضَّمانُ على الحاكمِ؛ لأنَّه الذى يَعْرِف الأحْكامَ، والوَلِى إنَّما يَرْجِعُ إلى حُكْمِه واجْتِهادِه، وإن كانَا جاهِلَيْن، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، الضَّمانُ على الإِمامِ، كما لو كانا عالِمَيْن.
والثَّانى، على الوَلِىِّ.
وهو مَذْهَب الشَّافعىِّ.
وقال أبو الخَطَّابِ: الضَّمانُ على الحاكِمِ.
ولم يُفَرِّقْ.
وقال المُزَنِىُّ: الضَّمانُ
الجزء: 25 - الصفحة: 169
فَصْلٌ: وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ إِلَّا بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ،
على الوَلِىِّ في كلِّ حالٍ؛ لأنَّه المُباشِرُ، والسَّبَبُ غيرُ مُلْجِئٍ، فكان الضَّمانُ عليه، كالحافِرِ مع الدَّافِعِ، وكما لو أَمَرَ مَن يَعْلَمُ تَحْرِيمَ القَتْلِ به فقَتَلَ.
وقد ذَكَرْنا ما يَقْتَضِى التَّفْرِيقَ.
وهو اخْتِيارُ شيخِنا (1).
فصل
: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (ولا يُسْتَوْفَى القِصاصُ إلَّا بحَضْرَةِ السُّلْطانِ) وحَكاه عن أبى بكرٍ 459. وهو مَذْهَبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه أمْر458
الجزء: 25 - الصفحة: 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَفْتَقِرُ إلى الاجْتِهادِ، ويَحْرُمُ الحَيْفُ فيه، فلا يُؤْمَنُ الحَيْفُ مع قَصْدِ التَّشَفِّى.
فإنِ اسْتَوْفاه مِن غيرِ حَضْرَةِ السُّلْطانِ، وَقَع المَوْقِعَ، ويُعَزَّرُ؛ لافْتِياتِه بفِعْل ما مُنِع فِعْله.
ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ الاسْتِيفاءُ بغيرِ حُضُورِ السُّلْطانِ، إذا كان القِصاصُ في النَّفْسِ؛ لأَنَّ رجلًا أتَى النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- برجلٍ يَقُودُه بنِسْعَةٍ 460، فقال: إنَّ هذا قَتَلَ أخى.
فاعْتَرَفَ بقَتْلِه.
فقال النَّبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اذْهَبْ، فَاقْتُلْهُ».
رَواه مسلمٌ بمعناه 461. ولأَنَّ اشْتِراطَ حُضُورِ السُّلْطانِ لا يَثْبُتُ إلَّا بنَصٍّ أو إجْماعٍ أو قِياسٍ، ولم يَثْبُتْ ذلك.
ويُسْتَحَبُّ
الجزء: 25 - الصفحة: 171
وَعَلَيْهِ تَفَقُّدُ الْآلةِ الَّتِى يُسْتَوْفَى بِهَا الْقِصَاصُ، فَإِنْ كَانَت كَالَّةً، مَنَعَهُ الاسْتِيفَاءَ بِهَا، وَيَنْظُرُ فِى الْوَلِىِّ، إِنْ كَانَ يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ، أَمْكَنَهُ مِنْهُ، أن يُحْضِرَ شاهِدَيْن؛ لِئَلَّا يَجْحَدَ المجْنِىُّ عليه الاسْتِيفاءَ.
4102 -
مسألة: (وعليه تَفَقَّدُ الآلةِ، فإن كانت كالَّةً (1) مَنَعَه الاسْتِيفاءَ بها) لئلَّا يُعَذِّبَ المَقْتُولَ. وقد روَى شَدَّادُ بنُ أوْس أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَىْء، فإذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ (2)، وليُحِدَّ أحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». [رَواه مسلمٌ] (3). ويَمْنَعُه مِن الاسْتِيفاءِ بآلةٍ مَسْمُومَةٍ؛ لأنَّها تُفْسِدُ البَدَنَ، ورُبَّما مَنَعَت غُسْلَه. وإن عَجَّلَ فاسْتَوْفَى بآلةٍ كالَّة أو مَسْمُومَةٍ، عُزِّرَ لفِعْلِه ما لا يجوزُ.
4103 -
مسألة: (ويَنْظُرُ)
السُّلْطانُ (في الوَلِىِّ، فإن كان يُحْسِنُ الاسْتِيفاءَ ويَقْدِرُ عليه) بالقوةِ والمعرفةِ (مَكَّنَه منه) لقولِ اللَّهِ تعالى:462463464
الحديث: 4102 - الجزء: 25 - الصفحة: 172
وإلَّا أَمَرَهُ بِالتَّوْكِيلَ،
﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ (1). وقال عليه السَّلامُ: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَأهْلُه بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ، إنْ أحَبُّوا قَتَلُوا، وإنْ أحَبُّوا أخَذُوا الدِّية» (2). ولأنَّه حَقٌّ له مُتَمَيِّزٌ، فكان له اسْتِيفاؤه بنَفْسِه إذا أمْكَنَه، كسائرِ الحُقُوقِ.
ولأَنَّ المَقْصُودَ التَّشَفِّى، وتَمْكِينُه منه أبلَغُ في ذلك.
4104 -
مسألة: (وإن)
كان الوَلِىُّ (لا) يُحْسِنُ الاسْتِيفاءَ (أمَرَه بالتَّوْكِيلِ) لأنَّه عاجِزٌ عن اسْتِيفاءِ حَقِّه، فيُوَكِّلُ مَن يُحْسنُ الاستيفاءَ 467. فإنِ ادَّعَى الوَلِىُّ المَعْرِفَةَ بالاسْتِيفاءِ، فأمْكَنَه السُّلْطانُ مِن ضَرْبِ عُنُقِه، فضَرَبَ عُنُقَه فأبانَه 468، فقد اسْتَوْفَى حَقِّه.
وإن أصاب غيرَه، وأقَرَّ بتَعَمُّدِ ذلك، عُزِّرَ.
فإن قال: أخْطَأْتُ.
وكانت الضَّرْبَةُ [في مَوضعٍ قريبٍ] 469 مِن العُنُقِ، كالرَّأسِ والمَنْكِبِ، قُبِل قولُه مع يَمِينِه؛ لأَنَّ هذا ممَّا يجوزُ الخَطَأ في مِثْلِه، وإن كان بعيدًا كالوَسَطِ والرِّجْلَيْن، لم يُقْبَلْ قولُه؛ لأَنَّ مِثْلَ هذا لا يقعُ الخَطَأُ فيه.
ثم إن أراد العَوْدَ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يُمَكَّنُ منه؛ لأنَّه ظَهَر منه أَنَّه لا يُحْسِنُ465466
الحديث: 4104 - الجزء: 25 - الصفحة: 173
وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى أجْرَةٍ، فَمِنْ مَالِ الْجَانِى،
الاسْتِيفاءَ، ويَحْتَمِلُ أن يعودَ إلى مِثْلِ فِعْلِه.
[والثَّانى، يُمَكَّنُ منه] (1) قاله القاضى؛ لأَنَّ الظاهِرَ تَحَرُّزُه عَن مثلِ ذلك ثانيًا.
4105 -
مسألة: (فإنِ احْتاجَ)
الوَكِيلُ (إلى أُجْرَةٍ، فمِن مالِ الجانى) فقد قِيلَ: يُؤْخَذُ العِوَضُ مِن بَيْتِ المال.
قال بعضُ أصْحابِنا: يُرْزَقُ مِن بيتِ المالِ رجلٌ يَسْتَوْفِى الحُدُودَ والقِصاصَ؛ لأَنَّ هذا مِن المَصالحِ العامَّةِ، فإن لم يَحْصُلْ ذلك، فالأجْرَةُ على الجانى؛ لأنَّها أُجْرَةٌ لإيفاءِ الحَقِّ الذى عليه، فكانت 471 عليه، كأُجْرَةِ الكَيَّالِ في بَيْعِ المَكِيل.
ويَحْتَمِلُ أن تكونَ على المُقْتَصِّ؛ لأنَّه وَكِيلُه، فكانتِ الأُجْرَةُ على مُوَكِّلِه، كسائرِ المواضِعِ، والذى على الجانى التَّمْكِينُ دُونَ الفِعْلِ، ولهذا لو أراد أن يَقْتَصَّ مِن نَفْسِه، لم يُمَكَّنْ منه، ولأنَّه لو كانت عليه أُجْرَةُ الوَكِيلِ لَلَزِمَتْه أُجْرَةُ الوَلِىِّ إذا اسْتَوْفَى بنَفْسِه.
وإن قال الجانى: أنا أقْتَصُّ470
الحديث: 4105 - الجزء: 25 - الصفحة: 174
وَالْوَلِىُّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الِاسْتِيفَاءِ بِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ يُحْسِنُ، وَبَيْنَ التَّوْكِيلِ.
وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِىَ فِى الطَّرَفِ بِنَفْسِهِ بِحَالٍ.
لك مِن نَفْسِى.
لم يَلْزَمْ تَمْكِينُه، ولم يَجُزْ له ذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (1). ولأَنَّ مَعْنَى القِصاصِ أن (2) يُفْعَلَ به كما فَعَل، ولأَنَّ القِصاصَ حَقٌّ عليه لغيرِه، فلم يكنْ هو المُسْتَوْفِىَ له، كالبائعِ لا يَسْتَوْفِى مِن نَفْسِه.
4106 -
مسألة: (والولِىُّ مُخَيَّر بينَ الاستِيفاءِ بنَفْسِه إن كان يُحْسِنُ، وبينَ التَّوْكِيلِ)
لأَنَّ الحَقَّ له، فيَتَصَرَّفُ فيه على حَسَبِ اخْتِيارِه، كسائِرِ الحُقُوقِ (وقيل: ليس له أن يَسْتَوْفِىَ في الطَّرَفِ بنَفْسِه بحالٍ) لأنَّه لا يُؤمَنُ أن يَجْنِىَ عليه بما لا يُمْكِنُ تَلافِيه.
وقال القاضى:472473
الحديث: 4106 - الجزء: 25 - الصفحة: 175
وَإِنْ تَشَاحَّ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ فِى الِاسْتِيفَاءِ، قُدِّمَ أَحَدُهُمْ بِالْقُرْعَةِ.
ظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه يُمَكَّنُ من؛ لأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فيُمَكَّنُ منه، كالقِصاصَ في النَّفْسِ.
4107 -
مسألة: (وإن تَشَاحَّ أوْلِياءُ المَقْتُولِ في الاسْتِيفاءِ، قُدِّمَ أحَدُهم بِالقُرْعَةِ)
إذا [كان القِصاصُ لجماعةٍ مِن الأولياءِ، وتَشاحُّوا في المُوَلَّى منهم] 474 للاسْتِيفاءِ، أُمِرُوا بتَوْكِيلِ واحدٍ منهم أو مِن غيرِهم، ولم يَجُزْ أن يتَولَّاه جميعُهم؛ لِما فيه مِن تَغذِيب الجانى، وتعَدُّدِ أفْعالِهم.
فإن لم يَتَّفِقُوا على أحدٍ، وتَشاحُّوا، وكان كلُّ واحدٍ منهم يُحْسِنُ الاسْتِيفاء، أُقْرِعَ بينَهم؛ لأَنَّ الحُقُوقَ إذا تَساوَتْ، وعُدِمَ التَّرْجِيحُ، صِرْنا إلى القُرْعَةِ، كما لو 475 تَشاحُّوا في تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهم، فمَن خَرَجَتْ له القُرْعَةُ،
الحديث: 4107 - الجزء: 25 - الصفحة: 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أُمِر الباقون بتَوْكِيلِه، ولا يجوزُ له الاستِيفاءُ بغيرِ إذْنِهم؛ [لأَنَّ الحقَّ لهم، فلا يَجُوزُ استِيفاؤُه بغيرِ إذْنِهم] 476. فإن لم يتَّفِقُوا على [توكيلِ واحدٍ] 477، مُنِعُوا الاستِيفاءَ حتى يُوَكِّلُوا.
الجزء: 25 - الصفحة: 177
فَصْلٌ: وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِى النَّفْسِ إِلَّا بِالسَّيْفِ، فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَفِى الأُخْرَى، يُفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ.
فَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَتَلَهُ، فُعِلَ بِهِ كَذَلِكَ، وَإِنْ قَتَلَهُ بِحَجَرِ، أَوْ غَرَّقَهُ، أَوْ غَيْر ذَلِكَ، فُعِلَ بِهِ مِثْلُ فِعْلِهِ.
وَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ مَفْصِلٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ أَوْضَحَهُ فَمَاتَ، فُعِلَ بِهِ كَفِعْلِهِ، فَإِنْ مَاتَ، وَإلَّا ضُرِبت عُنُقُهُ.
وَقَالَ الْقَاضِى: يُقْتَلُ، وَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ.
رِوَايَةً وَاحِدَةً.
فصل
: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (ولا يُسْتَوْفَى القِصاصُ في النَّفْسِ إلَّا بالسَّيْفِ، في إحْدَى الرِّوايتَيْن.
والأخْرَى، يُفْعَلُ به كما فَعَل.
فلو قَطَع يَدَيْه ثم قَتَلَه، فُعِل به كذلك.
وإن قَتَلَه بحَجَر، أو غرَّقَه، أو غير ذلك، فُعِل به مثلُ فِعْلِه.
وإن قَطَع يدَه مِن مَفْصِل أو غيرِه، أو أوْضَحَه فمات، فُعِل به كفِعْلِه، فإن مات، وإلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُه.
وقال القاضى: يُقْتَلُ، ولا يُزادُ على ذلك، رِوايةً واحِدةً) وجملةُ ذلك، أنَّ الرجلَ إذا جَرَح رَجلًا ثم ضَرَب عُنُقَه، فالكلامُ في المسألةِ في حالَيْن؛ أحَدُهما، أن يَخْتارَ الوَلِىُّ القِصاصَ، فاخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في كَيْفِيَّةِ الاسْتِيفاءِ؛ فرُوِىَ عنه، لا يُسْتَوْفَى إلَّا بالسَّيْفِ في العُنُقِ.
وبه قال عَطاءٌ،
الجزء: 25 - الصفحة: 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثَّوْرِىُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ؛ لِما رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ».
رَواه ابنُ ماجه 478. ولأَنَّ القِصاصَ أحَدُ بَدَلَى النَّفْسِ، فدَخَلَ الطَّرَفُ في حُكْمِ الجملةِ، كالدِّيَةِ، فإنَّه لو صار الأمْرُ إلى الدِّيةِ لم تَجِبْ إلَّا دِيَةُ 479 النَّفْسِ، ولأَنَّ القَصْدَ مِن القِصاصِ في النَّفْسِ تَعْطِيل وإتْلاف الجملةِ، وقد أمْكَنَ هذا بضَرْبِ العُنُقِ، فلا يجوزُ تَعْذِيبُه بإتْلافِ أطْرافِه، كما لو قَتَلَه بسَيْفٍ كالٍّ، فإنَّه لا يُقْتَلُ بمِثْلِه.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ عن أحمدَ، أنَّه قال: إنَّه لأهْل أن يُفْعَلَ به كما فَعَل.
يَعْنِى أنَّ للمُسْتَوْفِى أن يَقْطَعَ أطْرافَه، ثم يَقْتُلَه.
وهذا مَذْهَبُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، ومالكٍ، والشَّافعىِّ، وأبى حنيفةَ، وأبى ثَوْرٍ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ 480. وقولِه سبحانه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ 481. ولأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَضَخ 482 رَأْسَ يَهُودِىٍّ لرضْخِه 483 رَأْسَ جارِيَةٍ مِن
الجزء: 25 - الصفحة: 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأنْصارِ بينَ حَجَرَيْنِ 484. ولأَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ 485. وهذا قد قَلَع عَيْنَه، فيَجِبُ أن تُقْلَعَ عيْنُه، للآيةِ.
ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «مَن حَرقَ حَرَّقنَاه، ومَن غَرقَ غَرَّقْنَاه» 486. ولأَنَّ القِصاصَ مَوْضُوعٌ على المُماثَلَةِ، ولَفْظُه مُشعِرٌ به، فيَجِبُ أن يُسْتَوْفَى منه مثلُ ما فَعَل، كما لو ضَرَب العُنُقَ آخَرُ غيرُه.
فأمَّا حديثُ: «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ».
فقال أحمدُ: ليس إسْنادُه بجَيِّدٍ.
الحالُ الثَّانى، أن يصيرَ الأمْرُ إلى الدِّيَةِ، إمَّا بعَفْو الوَلِىِّ، أو كونِ الفِعْلِ خَطَأً، أو شِبْهَ عمدٍ، أو غيرَ ذلك، فالواجِبُ دِيَةٌ واحدةٌ.
وهو ظاهرُ مَذهَبِ الشَّافعىِّ.
وقال بعضُهم: تَجِبُ دِيَةُ الأطْرافِ المَقْطُوعَةِ، ودِيَةُ النَّفْسِ؛ لأنَّه لَمّا قُطِع سِرايَةُ الجُرْحِ بقَتْلِه صار كالمُسْتَقِرِّ، فأشْبَهَ ما لو قَتَلَه غيرُه.
ولَنا، أنَّه قاتِلٌ قبلَ اسْتِقْرارِ الجُرْحِ، فدَخَلَ أَرْشُ الجِراحةِ في أرْشِ النَّفس، كما لو سَرَتْ إلى نَفْسِه، والقِصاصُ في الأطْرافِ لا يَجبُ على إحْدَى الرِّوايتَيْنِ، وإن وَجَب فإنَّ القِصاصَ لا يُشْبِهُ الدِّيَةَ؛ لأَنَّ سِرايَةَ الجُرْحِ لا تُسْقِطُ القِصاصَ 487 فيه، وتُسْقِطُ دِيَتَه.
الجزء: 25 - الصفحة: 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا قُلْنا: إنَّ 488 للوَلِىِّ أن يَسْتَوْفِىَ مثلَ ما فُعِل بوَلِيِّه.
فأحَبَّ أن يقْتَصِرَ على ضَرْبِ عُنُقِه، فله ذلك، وهو أفْضَلُ.
وإن قَطَع أطْرافَه التى قَطَعَها الجانِى، أو بعضَها، ثم عَفا عن قَتْلِه، جاز؛ لأنَّه تارِكٌ بعضَ حَقِّه.
وإن قَطَع بعضَ أطْرافِه، ثم عَفا إلى الدِّيَةِ، لم يكنْ له ذلك؛ لأَنَّ جميعَ ما فُعِل بوليِّه 489 لم يَجبْ به إلَّا دِيَةٌ واحِدَة، فلا يجوزُ أن يَسْتَوْفِىَ بعضَه ويَسْتَحِقَّ كَمالَ الدِّيةِ، فإن فَعَل فله ما بَقِىَ مِن الدِّيَةِ، فإن لم يَبْقَ منها شئٌ، فلا شئَ له.
وإن قُلْنا: ليس له أن يَسْتَوْفِىَ إلَّا بضَرْبِ العُنُق.
فاسْتَوْفَى بمثلِ ما فَعَل، فقد أساء، ولا شئَ عليه سِوَى المَأْثَمِ؛ لأَنَّ فِعْلَ الجانى في الأطْرافِ لم يُوجِبْ شيئًا يختَصُّ بها، فكذلك فِعْلُ المُسْتَوْفِى، وإن قَطَع طَرَفًا واحدًا، ثم عَفا إلى الدِّيَةِ، لم يكنْ له 490 إلَّا تَمامُها، وإن قَطَع ما يجبُ به أكثَرُ مِن الدِّيَةِ، ثم عَفا، احْتَمَلَ أن يَلْزَمَه ما زاد على الدِّيَةِ؛ لأنَّه [لا يَسْتَحِقُّ أكْثَرَ مِن الدِّيَةِ، وقد فَعَل ما يُوجِبُ أكْثَرَ منها، فكانتِ الزِّيادَةُ عليه.
واحْتَمَلَ أن لا يَلْزَمَه شئٌ؛ [لأنَّه] 491 لو قَتَلَه لم يَلْزَمْه شئٌ] 492، فإذا تَرَك قَتْلَه، وعَفا عنه، فأوْلَى أن لا يَلْزَمَه
الجزء: 25 - الصفحة: 181
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شئٌ، ولأنَّه فَعَل بعضَ ما فُعِل بوَلِيِّه 493، فلم يَلْزَمْه شئٌ، كما لو قُلْنا: إنَّ له أن يَسْتَوْفِىَ مثلَ ما فُعِلَ به.
فصل: فإن قَطع يَدَيْه أو رِجْلَيْه، أو جَرَحَه جُرْحًا يُوجِبُ القِصاصَ إذا انْفَرَدَ، فسَرَى إلى النَّفْسِ، فله القِصاصُ في النَّفْسِ.
وهل له أن يَسْتَوْفِىَ القَطْعَ قبلَ القَتْلِ؟ على رِوايتَيْن، ذَكَرَهما القاضى، وبَناهما على الرِّوايَتَيْن
الجزء: 25 - الصفحة: 182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَذْكُورَتَيْن في المسألةِ؛ وإحْداهما، ليس له قَطْعُ الطَّرَفِ.
وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ؛ لأَنَّ ذلك يُفْضِى إلى الزِّيادَةِ على جِنايةِ الأَوَّلِ، والقِصاصُ يَعْتَمِدُ المُماثَلَةَ، فمتى خِيفَ فيه الزِّيادةُ سَقَط، كما لو قَطَع يَدَه مِن نِصْفِ الذِّراعِ.
والثَّانيةُ، يَجِبُ القِصاصُ في الطَّرَفِ، فإن مات، وإلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُه.
وهذا مَذْهَبُ الشَّافعىِّ؛ لِما ذَكَرْناه في أوَّلِ المسألةِ.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ، أنَّه لا يَقْتَصُّ منه في الطَّرَفِ، رِوايةً واحِدَةً، وأنَّه لا يَصِحُّ تَخْرِيجُه على الرِّوايَتَيْن في المسألةِ؛ لإِفْضاءِ هذا إلى الزِّيادَةِ، بخِلافِ المسألةِ.
قال شيخُنا 494: والصَّحيحُ تَخْرِيجُه على الرِّوايَتَيْن، وليس هذا بزِيادةٍ؛ لأَنَّ 495 فواتَ النَّفْسِ بسِرايَةِ فِعْلِه، وسِرايَةُ فِعْلِه كفِعْلِه، فأشْبَهَ ما لو قَطَعَه ثم قَتَلَه، ولأَنَّ زِيادةَ الفِعْلِ في الصُّورَةِ مُحْتَمِلٌ في الاسْتِيفاءِ، كما لو قَتَلَه بضَرْبَةٍ فلم يُمْكِنْ قَتْلُه في الاسْتِيفاءِ إلَّا بضَرْبَتَيْن.
الجزء: 25 - الصفحة: 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن جَرَحَه جُرْحًا لا قِصاصَ فيه، ولا يَلْزَمُ 496 فواتُ الحياةِ به، كالجائِفةِ، أو قَطْعِ اليَدِ مِن نِصْفِ الذِّراعِ، أو الرِّجْلِ مِن نِصْفِ السَّاقِ، فمات منه، أو قَطَع يدًا ناقِصَةَ الأصابع، أو شَلَّاءَ، أو زائِدَةً، ويَدُ القاطِع أصلِيَّةٌ صحيحةٌ، فالصحيحُ في المَذْهَبِ أنَّه ليس له فِعْلُ ما فَعَل، ولا يَقْتَصُّ إلَّا بالسَّيْفِ في العُنُقِ.
ذَكَرَه أبو بكرٍ، والقاضى.
وقال غيرُهما: فيه روايَةٌ أُخْرَى، أنَّ له أن يَقْتَصَّ بمِثلَ فِعْلِه؛ لأنَّه صار قَتْلًا 497، فكان له القِصاصُ بمثلِ فِعْلِه، كما لو رَضَّ رَأسَه بحَجَر فقَتَلَه به.
والصَّحيحُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ هذا لو انْفَرَدَ لم يكنْ فيه قِصاصٌ، فلم يَجُزِ القِصاصُ فيه مع القَتْلِ، كما لو قَطَع يَمِينَه ولم يكنْ للقاطعِ يَمِينٌ، لم يكنْ له أن يَقْطَعَ يَسارَه.
وفارَقَ ما إذا رَضَّ رَأْسَه فمات؛ لأَنَّ ذلك الفِعْلَ قَتْلٌ مُفْرَدٌ، وههُنا قَطْعٌ وقتْلٌ، والقَطْعُ لا يُوجِبُ قِصاصًا، فبَقِىَ مُجَردُ القَتْلِ، فإذا جَمَع
الجزء: 25 - الصفحة: 184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُسْتَوفِى بينَهما، فقد زاد قَطْعًا لم يَرِدِ الشَّرْعُ باسْتِيفائِه، فيكونُ حرامًا.
وسواءٌ في هذا ما إذا قَطَع ثم قتَلَ عَقِيبَه 498، وبينَ ما إذا قَطَع فسَرَى إلى النَّفْسِ.
فصل: فأمَّا إن قَطَع اليُمْنَى ولا يُمْنَى للقاطعِ، أو اليَدَ ولا يَدَ له، أو قَلَع 499 العَيْنَ ولا عَيْنَ له، فمات المَجْنِىُّ عليه، فإنَّه يُقْتَلُ بالسَّيْفِ في العُنُقِ، ولا قِصاصَ في طَرَفِه.
لا أعلمُ فيه خِلافًا؛ لأَنَّ القِصاصَ إنَّما يكونُ في مِثلِ العُضْو المُتْلَفِ، وهو ههُنا مَعْدُومٌ، ولأَنَّ القِصاصَ فِعْلُ مِثْلِ ما فَعَل الجانِى، ولا سَبِيلَ إليه، ولأنَّه لو قَطَع ثم عَفا عن القَتْلِ، لصار مُسْتَوْفِيًا رِجْلًا ممَّن لم يَقْطَعْ له مثْلَها، وهذا غيرُ جائزٍ.
فصل: وإن قَتَلَه بغيرِ السَّيْفِ، مِثلَ أن قَتَلَه بحَجَرٍ، أو هَدْمٍ، أو تَغْرِيقٍ، أو خنْقٍ، فهل يَسْتَوْفِى القِصاصَ بمثلِ فِعْلِه 500؟ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، [له ذلك] 501. وهو قولُ مالكٍ، والشَّافعىِّ.
والثَّانيةُ، لا يَسْتَوْفِى إلَّا بالسَّيْفِ في العُنُقِ.
[وبه قال أبو] 502 حنيفةَ، فيما إذا قَتَلَه
الجزء: 25 - الصفحة: 185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِمُثَقَّلِ الحَدِيدِ، على إحْدَى الرِّوايتَيْنِ عندَه، أو جَرَحَه فمات.
ووَجْهُ الرِّوايَتَيْن ما تقَدَّمَ في أولِ المسألةِ، ولأَنَّ هذا لا يُؤمَنُ معه الزِّيادةُ على ما فَعَلَه القاتِلُ، فلا يَجِبُ القِصاصُ بمثْلِ آلتِه، كما لو قَطَع الطَّرَفَ بآلةٍ كالَّةٍ، أو مَسْمُومَةٍ، أو بالسَّيْفِ، فإنَّه لا يَسْتَوْفِى بمثلِه، ولأَنَّ هذا لا يُقْتَلُ به المُرْتَدُّ، فلا يُسْتَوْفَى به القِصاصُ، كما لو قَتَلَه بتَجْرِيعِ الخَمْرِ، أو بالسِّحْرِ.
ولا تَفْرِيعَ على هذه الرِّوايةِ.
فأمَّا على الرِّوايةِ الأُخْرَى، فإنَّه إذا فَعَل به مثْلَ فِعْلِه فلم يَمُتْ، قَتَلَه بالسَّيْفِ.
وهذا أحَدُ قَوْلَى الشَّافعىِّ.
والقولُ الثَّانى، أنَّه يُكَرِّرُ عليه ذلك الفِعْلَ حتَّى يَمُوتَ به؛ لأنَّه قَتَلَه بذلك، فله قَتْلُه بمثْلِه.
ولَنا، أنَّه قد فَعَل به مثْلَ فِعْلِه، فلم يَزِدْ عليه، كما لو جَرَحَه جُرْحًا، أو قَطَع منه طَرَفًا، فاسْتَوْفَى منه الوَلِىُّ مثلَه فلم يَمُتْ به، فإنَّه لا يُكَرِّرُ عليه الجُرْحَ، بغيرِ خِلافٍ، ويَعْدِلُ إلى ضَرْبِ عُنُقِه.
الجزء: 25 - الصفحة: 186
وَإِنْ قَتَلَهُ بِمُحَرَّمٍ فِي نَفْسِهِ؛ كَتَجْرِيع الْخَمْرِ، وَاللِّوَاطِ، وَنحْوِهِ، قُتِلَ بِالسَّيْفِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
4108 - مسألة: (فإن قَتَلَه بمُحَرَّم في نَفْسِه؛ كتَجْرِيعِ الخَمْرِ، واللِّواطِ، ونَحْوِه، قتل بالسَّيْفِ، رِوايَةً واحِدَةً)
إذا قَتَلَه بما يَحْرُمُ لعينِه، كتَجْرِيعِ الخَمْرِ واللِّوَاطِ، أو سَحَرَه، لم يُقْتَلْ بمثلِه اتِّفاقًا، ويُقْتَلُ بالسَّيْفِ.
وحَكَى أصْحابُ الشَّافعىِّ، في مَن قَتَلَه باللِّواطِ وتَجْرِيعِ الخَمْرِ وَجْهًا، أنَّه يُدْخِلُ في دُبُرِه خَشَبَةً يَقْتُلُه بها، ويُجَرعُه الماءَ حتَّى يَمُوتَ.
ولَنا، أنَّ هذا مُحَرم لعينه، فوَجَبَ العُدُولُ عنه إلى القَتْلِ بالسَّيْفِ، كما لو قَتَلَه بالسِّحْرِ.
وإن حَرَّقَه، فقال بعضُ أصْحابنا: لا يُحَرَّقُ؛ لأَنَّ التَّحْرِيقَ مُحَرَّمٌ لحقِّ اللَّهِ تعالى، لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ» 503. وهذا داخِلٌ في عُمُومِ الخَبَرِ.
وهذا مَذْهَبُ أبى حنيفةَ.
وقال القاضى: الصَّحيحُ أنَّ فيه رِوايَتَيْن كالتَّغْرِيقِ؛ إحْداهما، يُحَرَّقُ.
وهو مَذْهَبُ الشَّافعىِّ؛ لِما روَى البَرَاءُ بنُ عازِبٍ، قال: «مَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ، ومَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاه» 504. وحَمَلُوا الحديثَ الأوَّلَ على غيرِ القِصاصَ.
الحديث: 4108 - الجزء: 25 - الصفحة: 187
وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا أَتَى بِهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَلَا قَطْعُ شَىْءٍ مِنْ أطْرَافِهِ، فَإِنْ فَعَلَ، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ، وَتَجِبُ فِيهِ دِيَتُهُ، سَوَاءٌ عَفَا عَنْهُ أو قَتَلَهُ.
4109 - مسألة: (وَلَا تَجُوزُ الزِّيادَةُ على ما أتَى به، رِوايَةً واحِدَةً، ولا قَطْعُ شئٍ مِن أطْرَافِه، فإن فَعَل، فلا قِصاصَ فِيهِ، وتَجِبُ فِيه دِيَتُه، سَواءٌ عَفا عنه أو قَتَلَه)
إذا زادَ 505 مُسْتَوْفِى القِصاصِ في النَّفْسِ على حَقِّه، مثْلَ أن يُقْتَلَ وَلِيُّه، فيَقْطَعَ المُقْتَصُّ 506 أطْرَافَه أو بعضَها، نَظَرْنا؛ فإن عَفا عنه بعدَ قَطْعِ طَرَفِه، فعليه ضَمانُ ما أتْلَفَ بدِيَتِه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال مالِكٌ، والشّافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: لا ضَمانَ عليه، ولكنْ قد أساء، ويُعَزَّرُ، وسَواءٌ عَفا عن القاتِلِ أو قَتَلَه؛ لأنَّه قَطَعَ طَرَفًا مِن جُمْلَةٍ اسْتُحِقَّ إتْلافُها، فلم يَضْمَنْه، كما لو قَطَعَ إصْبَعًا مِن يَدٍ اسْتُحِقَّ قَطْعُها.
ولَنا، أنَّه قَطَع طَرَفًا له قِيمَةٌ حالَ القَطْعِ بغيرِ حَقٍّ، فوَجَبَ عليه ضَمانُه، كما لو عَفا عنه ثم قَطَعَه، أو كما لو قَطَعَه
الحديث: 4109 - الجزء: 25 - الصفحة: 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أجْنَبِىٌّ.
فأمَّا إن قَطَعَه ثم قَتَلَه، احْتَمَلَ أن يَضْمَنَه أيضًا؛ لأنَّه يَضْمَنُه إذا عَفا عنه، فكذلك إذا لم يَعْفُ عنه 507، لأَنَّ العَفْوَ إحْسان، فلا يكونُ مُوجِبًا للضَّمانِ.
واحْتَمَلَ أن لا يَضْمَنَه.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لو قَطَع مُتَعَدِّيًّا ثم قَتَلَه، لم يَضْمَنِ الطَّرَفَ، فلَأن لا يَضْمَنَه إذا كان القَتْلُ مُسْتَحَقًّا أوْلَى.
فأمَّا القِصاصُ، فلا يَجبُ في الطَّرَفِ بحالٍ.
ولا نعْلمُ فيه خِلافًا؛ لأَنَّ القِصاصَ عُقُوبَةٌ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، والشُّبْهَةُ ههُنا مُتَحَقِّقَةٌ؛ لأنَّه مُسْتَحِقٌّ لإتْلافِ هذا الطَّرَفِ ضِمْنًا لاسْتِحْقاتِه إتلافَ الجُمْلَةِ، ولا يَلْزَمُ مِن سُقُوطِ القِصاصِ أن لا تَجِبَ الدِّيَةُ، بدليلِ امْتِناعِه لعدمِ المُكافَأةِ.
فأمَّا إن كان الجانى قَطَع طَرَفَه ثم قَتَلَه، فاسْتَوْفَى منه بمثْلِ فِعْلِه، فقد ذكَرْناه فيما مضى.
وإن قَطَع طَرَفًا غيرَ الذى قَطعه الجانى، كان الجانى قَطَعَ يَدَه، فقَطَعَ المُسْتَوْفِى رِجْلَه، احْتَمَلَ أن يكونَ بِمَنْزِلَةِ ما لو قَطَع يَدَه؛ لاسْتِواء دِيَتهما 508. واحْتَمَلَ أن تَلْزَمَه دِيَةُ الرِّجْلِ؛ لأَنَّ الجانِىَ لم يَقْطَعها، فأشْبَهَ ما لو لم يَقْطَعْ يَدَه.
فصل: فأمَّا إن كانتِ الزِّيادَةُ في الاسْتِيفاءِ مِن الطَّرَفِ، مثلَ أنِ اسْتَحَقَّ قَطْعَ إصْبَعٍ، فقَطَعَ اثْنَتَيْن، فحُكْمُه حُكْمُ القاطع ابْتداءً، إن كان عمدًا مِن مَفْصِلٍ، أو شَجَّة يَجِبُ في مِثْلِها القِصاصُ، فعليه القِصاصُ في الزِّيادَةَ، وإن كان خَطَأً أو جُرْحًا لا يوجِبُ القِصاصَ، مثْلَ مَن يَسْتَحِقُّ
الجزء: 25 - الصفحة: 189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُوضِحَةً فاسْتَوْفَى هاشِمَةً، فعليه أرْشُ الزِّيادةِ، إلَّا أن يكونَ ذلك بسبَبٍ مِن الجانى، كاضْطِرابِه حالَ الاسْتِيفاءِ، فلا شئَ على المُقْتَصِّ؛ لأنَّه حَصَل بفِعْلِ الجانى.
فإنِ اخْتَلَفا هل فَعَلَه عمدًا أو خَطَأً؟ فالقولُ قَوْلُ المُقْتَصِّ مع يَمِينِه؛ لأَنَّ هذا ممّا يُمْكِنُ الخَطأُ فيه، وهو أعْلَمُ بقَصْدِه 509. وإن قال المُقْتَصُّ: حَصَل هذا باضْرابِك.
أو: فِعْلٍ مِن جِهَتِك.
فالقولُ قولُ المُقْتَصِّ منه؛ لأنَّه مُنْكِر.
فإن سَرَى الاسْتِيفاءُ الذى حَصَلَتْ فيه الزِّيادةُ إلى نَفْسِ المُقْتَصِّ منه، أو إلى بعضِ أعْضائِه، مثلَ أن قَطَع إصْبَعَيْه 510 فسَرَى إلى جميعِ يَدِه، أو اقْتَصَّ منه بآلةٍ كالَّةٍ أو مَسْمُومَةٍ، أو في حالِ حَرٍّ مُفْرِطٍ، أو بَرْدٍ شديدٍ، فسَرَى، فقال القاضى: على المُقْتَصِّ نِصْفُ الآيةِ؛ لأنَّه تَلِفَ بفِعْلَيْن؛ جائِزٍ ومُحَرَّمٍ، ومَضْمُونٍ وغيرِ مَضْمُونٍ، فانْقَسَم الواجِبُ عليهما 511 نِصْفَيْن، كما لو جَرَحَه جُرْحًا في رِدَّتِه وجُرْحًا بعدَ إسْلامِه، فمات منهما.
وهذا كلُّه مَذْهَبُ الشَّافعىِّ.
قال شيخُنا 512: ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه ضَمانُ السِّرايَةِ كلِّها، فيما إذا اقْتَصَّ بآلةٍ مَسْمُومَةٍ أو كالَّةٍ؛ لأَنَّ الفِعْلَ كلَّه مُحَرَّمٌ، بخِلافِ قَطْعِ الإصْبَعَيْن.
الجزء: 25 - الصفحة: 190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمَّا إن قَطَع بعضَ أعْضائِه، ثم قَتَلَه بعدَ أن بَرَأتِ الجِراحُ، مثْلَ مَن قَطَع يَدَيْه ورِجْلَيْه فبَرَأتْ جِراحَتُه، ثم قَتَلَه، فقد اسْتَقَرَّ حُكْمُ القَطْعِ، ولِوَلِىِّ القَتِيل الخِيارُ، إن شاء عَفا وأخَذَ ثَلاثَ دِياتٍ؛ لنَفْسِه، ويَدَيْه، ورِجْلَيْه، لكلِّ واحِدٍ دِيَة، وإن شاء قَتَلَه قِصاصًا بالقَتْلِ، وأخَذَ دِيَتَيْن لأطْرافِه.
وإن أحَبَّ قَطَع أطْرافَه الأربعةَ، وأخَذَ دِيَةً لنفسِه.
وإن أحَبَّ قَطَع يَدَيْه، وأخَذَ دِيَتَيْن لنَفْسِه ورِجْلَيْه.
وإن أحَبَّ قَطَع طَرَفًا واحِدًا، وأخَذَ دِيَةَ الباقى.
وكذلك سائرُ فُرُوعِها؛ لأَنَّ حُكْمَ 513 القَطْعِ اسْتَقَرَّ 514 قبْلَ القَتْلِ.
بالانْدِمالِ، فلم يَتَغَيَّرْ حُكْمُه بالقَتْلِ الحادِثِ بعدَه، كما لو قَتَلَه أجْنَبِىٌّ.
ولا نَعْلَمُ خِلافًا في هذا.
فصل: فإنِ اخْتَلَفَ الجانى والوَلِىُّ في انْدِمالِ الجُرْحِ قبْلَ القَتْلِ، وكانتِ المُدَّةُ بينَهما يَسِيرَةً، لا يَحْتَمِلُ انْدِمالُه في مثلِها، فالقولُ قولُ الجانى بغيرِ يَمِين.
وإنِ اخْتَلَفَا في مُضِىِّ المُدّةِ، فالقولُ قولُ الجانى مع يمينه؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ مُضِيِّها.
وإن كانتِ المُدَّةُ ممّا يَحْتَمِلُ البُرْءُ فيها، فالقولُ قولُ الوَلِىِّ مع يَمِينِه؛ لأنَّه قد وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِ دِيَةِ اليَدَيْن بقَطْعِهما، والجاني يَدَّعِى سُقُوطَ دِيتهما بالقَتْلِ، والأَصْلُ عَدمُ ذلكْ.
فإن كانت
الجزء: 25 - الصفحة: 191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للجانِى بَيِّنةٌ ببَقاءِ المجْنِىِّ عليه ضَمِنًا حتَّى قَتَلَهُ، حُكِمَ له بِبَيِّنتِه، وإن كانت للولِيِّ بِبُرْئِهَ، حُكِمَ له أيضًا، فإن تَعارَضَتا، قُدِّمَتْ بَيِّنةُ الوَلِىِّ؛ لأنَّها مُثْبِتَةٌ 515 للبُرْءِ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ القولُ قولَ الجانى، إذا لم يكنْ لهما بَيِّنَةٌ؛ لأنَّ الأَصْلَ بَقاءُ الجِراحةِ، وعَدَمُ انْدِمالِها.
وإن قَطَع أطْرافَه فمات، واخْتَلَفا، هل بَرَأ قبْلَ المَوْتِ، أو مات بسِرِايةِ الجُرْحِ؟ أو قال الوَلِى: إنَّه مات بسَبَبٍ آخَرَ.
كأنَّه 516 لُدِغَ، أو ذبَح نَفْسَه، أو ذَبَحَه غيرُه، فالحكمُ فيما إذا مات بغيرِ سَبَبٍ، كالحُكْمِ فيما إذا قَتَلَه سَواءً.
وأمّا إذا مات بقَتْلٍ أو سَبَبٍ آخَرَ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تقديمُ قولِ الجانى؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ بَقاءُ الجِنايةِ، والأصْل عَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ، فيكونُ الظّاهِرُ معه.
والثَّانى، القولُ قولُ وَلِىِّ الجِنايةِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَقاءُ الدِّيّتيْن اللَّتَيْن وُجِد سَبَبُهما، حتَّى يُوجَدَ ما يُزِيلُهما.
فإن كانت دَعْواهما بالعَكْسِ، فقال الوَلِىُّ: مات مِن سِرايةِ قَطْعِك، فعليك القِصاصُ في النَّفْسِ.
فقال الجانى: بل انْدَمَلَتْ جِراحَتُه قبلَ مَوْتِه.
أو ادَّعَى مَوْتَه بسببٍ آخَرَ، فالقولُ قولُ الوَلِىِّ مع يمينه؛ لأَنَّ الجُرْحَ سَبَبٌ للموتِ، وقد تَحَقَّقَ، والأَصْلُ عَدَمُ الانْدِمالِ، وعَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ يَحْصُلُ الزُّهُوقُ به.
وسَواءٌ كان الجُرْحُ ممّا يَجِبُ به القِصاصُ في الطَّرَفِ، كقَطْعِ اليَدِ مِن مَفْصِل، أو لا يُوجِبُه،
الجزء: 25 - الصفحة: 192
فَصْلٌ: وَإِنْ قَتَلَ وَاحِدٌ جَمَاعَةً، فَرَضُوا بِقَتْلِهِ، قُتِلَ لَهُمْ، وَلَا شَىْءَ لَهُمْ سِوَاهُ،
كالجائِفَةِ والقَطْعِ مِن غيرِ مَفْصِلٍ.
وهذا كلُّه مَذْهَبُ الشَّافعىِّ.
فصل
: (فإن قَتَل واحِدٌ جماعةً، فرَضُوا بقَتْلِه، قُتِل لهمِ، ولا شئَ لهم سِواه) وجملةُ ذلك، أَنَّه إذا قتَل واحِدٌ اثْنَيْن أو أكثرَ، فاتَّفقَ أوْلِياؤُهم على قَتْلِه بهم، قُتِل لهم؛ لأَنَّ الحقَّ لهم، وقد رَضُوا به، ولا شئَ لهم سواه، لأَنَّ الحقَّ لا يَتَّسِعُ لأكْثرَ مِن واحدٍ.
فإن أراد أحَدُهم القَوَدَ، والآخَرُون الدِّيَةَ، قُتِل لمَن اخْتارَ القَوَدَ، وأُعْطِىَ الباقون دِيَةَ قَتْلاهم مِن مالِ القاتلِ، سواءٌ كان المُخْتارُ للقَوَدِ الأوَّلَ أو الثَّانِى، أو مَن بعدَه، وسواءٌ قَتَلَهم دَفْعَةً واحدةً، أو دَفْعَتَيْن، أو دَفَعات.
فإن بادَرَ أحَدُهم فَقَتَلَه، وَجَبَ للباقين دِيَةُ قَتْلاهم في مالِه، أيُّهم كان.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يُقْتَلُ بالجماعةِ، وليس لهم إلَّا ذلك، وإن طَلَب بعضُهم الدِّيَةَ، فليس له، وإن بادَرَ أحَدُهم فَقَتَلَه، سَقَط حَقُّ الباقين؛ لأَنَّ الجماعةَ لو قَتَلُوا واحدًا قُتِلُوا به، فكذلك إذا قَتَلَهم واحدٌ قُتِل بهم، كالواحدِ بالواحدِ.
وقال الشَّافعىُّ: لا يُقْتَلُ إلَّا بواحدٍ، سواءٌ اتَّفَقُوا على الطَلَبِ للقِصاصِ، أو لم يَتَّفِقُوا؛ لأنَّه إذا كان لكلِّ واحدٍ اسْتِيفاءُ القِصاصِ، فاشْتِراكُهم في المُطالَبةِ لا يُوجِبُ تَداخُلَ حُقُوقِهم، كسائرِ الحُقُوقِ.
ولَنا، على أبى حنيفةَ، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَأهْلُه بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ؛ إنْ
الجزء: 25 - الصفحة: 193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَحَبُّوا قَتَلُوا، وإنْ أحَبُّوا أخَذُوا العَقْلَ» 517. [فظاهرُ هذا أنَّ أهلَ كلِّ قَتِيل يَسْتَحِقُّون ما اخْتارُوه مِن القَتْلِ أو الدِّيَةِ، فإذا اتَّفَقُوا] 518 على القَتْلِ وَجَب لهم، وإنِ اخْتارَ بعضُهم الدِّيَةَ، وجَبَتْ له 519 بظاهرِ الخَبَرِ، ولأنَّهما جِنايَتان لا تَتداخَلان إذا كانتا خَطَأ أو إحْداهما، فلم تَتَداخَلْ في العمدِ، كالجِنايةِ على الأطْرَافِ، وقد سَلَّمُوها.
ولَنا، على الشَّافعىِّ، أنَّه مَحَلٌّ تَعَلَّقَتْ به حُقُوقٌ لا يَتَّسِعُ لها [معًا، رَضِىَ المُسْتَحِقُّون] 520 به عنها، فيُكْتَفَى به، كما لو قَتَل عَبْدٌ عبيدًا خَطَأً فرَضِىَ سيِّدُهم بأخْذِه عنهم، ولأنَّهم رَضُوا بدُونِ حَقِّهم، فجاز، كما لو رَضِىَ صاحبُ الصحيحةِ بالشَّلَّاءِ، ووَلِىُّ الحُرِّ بالعبدِ، والمسلمُ بالكافرِ.
وفارَقَ ما إذا كان القَتْلُ خَطَأً، فإنَّ أرْش الجِنايةِ يجِبُ في الذِّمَّةِ، والذِّمَّةُ تَتَّسِعُ لحُقُوقٍ كثيرةٍ.
وما ذَكَرَه أبو حنيفةَ ومالكٌ لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الجماعةَ إنَّما قُتِلُوا بالواحدِ، لئَلَّا يُؤَدِّى الاشْتِراكُ إلى إسْقاطِ القِصاصِ، تَغْلِيظًا للقِصاصِ، ومُبالغَةً في الزَّجْرِ، وفى مسألَتِنا يَنْعَكِسُ هذا، فإنَّه إذا عَلِم أنَّ القِصاصَ واجِبٌ عليه بقَتْلِ واحدٍ، ولا يَزْدادُ بقَتْلِ الثَّانى والثَّالثِ، بادَرَ إلى قَتْلِ مَن يُرِيدُ قَتْلَه، فيصيرُ هذا كإسْقاطِ القِصاصِ عنه ابتداءً مع الدِّيَةِ.
الجزء: 25 - الصفحة: 194
وَإِنْ تَشَاحُّوا فِى مَنْ يَقْتُلُهُ مِنْهُمْ عَلَى الْكَمَالِ، أُقِيدَ لِلأوَّلِ، وَلِلْبَاقِينَ دِيَةُ قَتِيلهِمْ، وَإِنْ رَضىَ الأَوَّلُ بِالدِّيَةِ، أُعْطِيَهَا، وَقُتِلَ لِلثَّانِى،
4110 - مسألة: (وإن تَشاحُّوا في مَن يَقْتُلُه منهم على الكَمالِ، أقِيدَ للأوَّلِ)
لأَنَّ حَقَّه أسبَقُ، ولأَنَّ المَحَلَّ صار مُسْتَحَقًّا له بالقَتْلِ الأَوَّلِ.
فإن عَفا وَلِىُّ الأَوَّلِ، فلوَلِىِّ الثَّانى قَتْلُه.
وإن طالَبَ وَلِىُّ الثَّانى قبْلَ طَلَبِ الأَوَّلِ، بَعَث الحاكمُ إلى وَلِىِّ الأَوَّلِ فأعْلَمَه.
وإن بادَرَ الثَّانى فقتَلَه، فقد أساء، وسَقَط حَقُّ الأَوَّلِ إلى الدِّيَةِ.
فإن كان وَلِى الأَوَّلِ غائِبًا أو صغيرًا أو مَجْنُونًا، انْتُظِرَ.
وإن عَفا أوْلِياءُ الجميعِ إلى الدِّياتِ، فلهم ذلك.
فإن قَتَلَهم دَفْعَةً واحدةً، وتَشاحُّوا في المُسْتَوْفِى، أُقْرِعَ بينَهم، فيُقَدَّمُ مَن تَقَعُ
الحديث: 4110 - الجزء: 25 - الصفحة: 195
وَإِنْ قَتَلَ وَقَطَعَ طَرَفًا، قُطِعَ طَرَفُهُ، ثُمَّ قُتِلَ لِوَلِىِّ الْمَقْتُولِ،
له القُرْعَةُ؛ لتَساوِى حُقُوقِهم.
فإن بادَرَ غيرُه فقَتَلَه، اسْتَوْفَى حَقَّه، وسَقَط حَقُّ الباقين إلى الدِّيَةِ.
فإن قَتَلَهم مُتَفَرِّقًا، وأشْكَلَ الأَوَّلُ، وادَّعَى وَلِىُّ كلِّ واحدٍ أنَّه الأَوَّلُ، ولا بَيِّنةَ لهم، فأقَرَّ القَاتِلُ لأحَدِهم، قُدِّمَ بإقْرارِه، وإلَّا أقْرَعْنا بينَهم؛ لِاسْتِواءِ حُقُوقِهم (1).
4111 -
مسألة: (وإنْ قَتَل وقَطَع طَرَفًا، قُطِع طَرَفُه)
أوَّلًا (ثم قُتِل لوَلِىِّ المَقْتُولِ) سَواءٌ تَقَدَّمَ القَتْلُ أو تَأخَّرَ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشّافعىُّ.
وقال مالكٍ: يُقْتَلُ ولا يُقْطَعُ؛ لأنَّه إذا قُتِل تَلِف الطَّرَفُ، فلا فائِدَةَ في القَطْعِ، فأشْبَهَ ما لو كانا 522 لواحدٍ.
ولَنا، أنَّهما جِنايتانِ521
الحديث: 4111 - الجزء: 25 - الصفحة: 196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على رَجُلَيْن، فلم تَتَداخَلا، كقَطْعِ يَدَىْ رَجُلَيْن.
وما ذكَرَهَ مِنَ القِياسِ لا يَصِحُّ، فإنَّه قد قال: لو قَطَع يَدَ رجلٍ ثم قَتَلَه، يَقْصدُ المُثْلَةَ به، قُطِع وقُتِل.
ونحن نُوافِقُه على هذا في روايةٍ، فقد حَصَل الإِجماعُ مِنّا ومنه على انْتِفاءِ التَّداخُلِ في الأَصْلِ، فكيف يَقِيسُ 523 عليه! ولكنَّه يَنْقَلِبُ دليلًا عليه 524، فنقولُ: قَطَع وقَتَل، فيُسْتَوْفَى منه مثلُ ما فَعَل، كما لو فَعَلَه برجُلٍ واحدٍ يَقْصِدُ المُثْلَةَ، ويَثْبُتُ الحُكْمُ في مَحَلِّ النِّزاعِ بطَريقِ التَّنبِيهِ، فإنَّه إذا لم يتَداخَلْ حَقُّ الواحدِ، فحقُّ الاثْنَيْنِ أوْلَى، ويَبْطُلُ بهذا ما قالَه مِن المَعْنَى.
فصل: فأمَّا إن قَطَع يَدَ رجُلٍ، ثم قَتَل آخَرَ، ثم سَرَى القَطْعُ إلى نَفْسِ المَقْطُوعِ فمات، فهو قاتِلٌ لهما، فإذا تَشاحّا في المُسْتَوْفِى للقَتْلِ، قُتِل بالذى قَتَلَه؛ لأَنَّ وُجُوبَ القَتْلِ عليه به أسْبَقُ، فإنَّ القَتْلَ بالذى قَطَعَه إنَّما وَجَب عندَ السِّرايَةِ، وهى مُتَأخِّرَةٌ عن قَتْلِ الآخَرِ.
وأمَّا القَطْعُ، فإن قُلْنا: إنَّه يُسْتَوْفَى منه مثْلُ ما فَعَل.
فإنَّه يُقْطَعُ له أوَّلًا، ثم يُقْتَلُ للذى قَتَلَه، ويَجِبُ للأوَّلِ نِصْف الدِّيَةِ.
وإن قُلْنا: لا يُسْتَوْفَى القَطْعُ.
وَجَبَت له الدِّية كاملةً، ولم يُقْطَعْ طَرَفُه.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ له القَطْعُ على كلِّ حالٍ؛ لأَنَّ القَطْعَ إنَّما يَدْخُلُ في القَتْلِ عندَ اسْتِيفاءِ القَتْلِ، فإذا تَعَذّرَ
الجزء: 25 - الصفحة: 197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اسْتِيفاءُ القَتْلِ، وَجَبَ اسْتِيفاءُ الطَّرَفِ لوُجُودِ مُقْتَضِيه، وعَدَمِ المانعِ مِن اسْتِيفائِه، كما لو لم يَسْرِ 525.
فصل: وإن قَطَع إصْبَعًا مِن يمينٍ لرجُلٍ، ويمينًا لآخَرَ، وكان قَطْعُ الإِصْبَعِ أسْبَقَ، قُطعَتْ إصْبَعُه قِصاصًا، وخُيِّرَ الأخِيرُ بينَ العَفْوِ إلى الدِّيَةِ، وبينَ القِصاصِ وأخْذِ دِيَةِ الإصْبَعِ.
ذَكَره القاضى.
وهو اختيارُ ابنِ حامدٍ، ومَذْهَبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه وَجَد بعضَ حَقِّه، فكان له اسْتِيفاءُ المَوْجُودِ 526، وأخْذُ بَدَلِ المَفْقُودٍ، كمَن أتْلَفَ مِثْلِيًّا لرجُلٍ، فوَجَدَ بعضَ المِثْلِ.
وقال أبو بكر: يَتَخيَّرُ بينَ القِصاصِ ولا شئَ له معه، وبينَ الدِّيَةِ، هذا قياسُ قوله.
وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لا يُجْمَعُ في عُضْوٍ واحدٍ بينَ قِصاص ودِيَةٍ، كالنَّفْسِ.
وإن كان قَطْعُ اليَدِ سابِقًا على قَطْعِ الإِصْبَعِ، قُطِعَتْ يمينُه قِصاصًا، ولصاحب الإصْبَعِ أَرْشُها.
ويُفارقُ هذا ما إذا قَتَل رجُلًا، ثم قَطَع يَدَ آخَرَ، حيث قدَّمْنا اسْتِيفاءَ القَطْعِ مع تَأَخُّرِه؛ لأَنَّ قَطْعَ اليَدِ لا يَمْنَعُ التَّكافُؤَ في النَّفْسِ، بدليلِ أنَّنا نَأخُذُ كامِلَ الأطْرافِ بناقِصِها، وأنَّ دِيَتَهما واحدة، ونَقْصُ 527 الإصْبَعِ يَمْنَعُ التَّكَافُؤ في اليَدِ، بدليلِ أنَّا لا نَأخُذُ الكامِلةَ بالنَّاقِصةِ، واخْتِلافِ دِيَتِهما.
وإن عَفا صاحبُ اليَدِ، قُطِعَتِ الإصْبَعُ لصاحِبِها، إنِ اخْتارَ قَطْعَها
الجزء: 25 - الصفحة: 198
وَإِنْ قَطَعَ أيْدِى جَمَاعَةٍ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقَتْلِ.
4112 - مسألة: (وإنْ قَطَع أيدِى جَماعَةٍ، فحُكْمُه حُكْمُ القَتْلِ)
على ما ذَكَرْنا مِن التَّفْصِيلَ والاخْتِلافِ، إلَّا أنَّ أصْحابَ الرَّأْى قالوا: إذا قَطَع يَمِينَى رَجُلَيْن، يُقادُ لهما جميعًا، ويَغْرَمُ لهما دِيَةَ اليَدِ في مالِه نِصْفَيْن.
وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى إيجابِ القَوَدِ في بعضِ العُضْوِ، والدِّيَةِ في بَعْضِه، والجمعِ بينَ البَدَلِ والمُبْدَلِ في مَحَلٍّ واحدٍ، ولم يَرِدِ الشَّرْعُ به، ولا له نَظِيرٌ يُقاسُ عليه.
الحديث: 4112 - الجزء: 25 - الصفحة: 199
بَابُ الْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ
بابُ العَفْو عن القِصاصِ
أجْمَعَ أهلُ العلمِ على إجازةِ العَفْوِ عن القِصاصِ، وأنَّه أفْضَلُ.
والأَصْلُ في ذلك الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا الكتابُ، فقولُه تعالى -في سِيَاقِ قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ - ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ 528. وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
الآية إلى قولِه: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ 529. قيل في تَفْسيرِه: فهو كَفّارَة للجاني بعَفْو صاحبِ الحَقِّ عنه.
وقيل: فهو كَفّارَة للعافى بصَدَقَتِه.
وأمَّا السُّنَّةُ، فإنَّ أنَسَ بنَ مالكٍ، قال: ما رَأْيتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- رُفِع إليه شئٌ فيه قِصاصٌ، إلَّا أَمَرَ فيه بالعَفْوِ.
رَواه أبو داودَ 530. وفى حَدِيثه في قِصَّةِ
الجزء: 25 - الصفحة: 201
وَالْوَاجِبُ بِقَتْلِ الْعَمْدِ أحَدُ شَيْئَيْنِ؛ الْقِصَاصُ أوِ الدِّيَةُ، فِى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَالْخِيَرَةُ فِيهِ إِلَى الْوَلِىِّ، إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ، وَإِنْ شَاءَ أخَذَ الدِّيَةَ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا إِلَى غَيْرِ شَىْءٍ، وَالْعَفْوُ أَفْضَلُ.
الرُّبَيِّعِ بنتِ النَّضْرِ حينَ كَسَرَتْ سِنَّ جارِيَةٍ، فأمَرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالقِصاصِ، فعَفا القَوْم 531.
4113 -
مسألة: (والواجِبُ بقَتْلِ العمدِ أحَدُ شَيْئَيْن؛ القِصاصُ أو الآيةُ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، والخِيَرَةُ في ذلك إلى الوَلِىِّ، إن شاء اقْتَصَّ، وإن شاء أخَذَ الدِّيَةَ، وإن شاء عَفا إلى غيرِ شئٍ، والعَفْوُ أفْضَلُ)
لِما ذَكَرْنا.
اخْتلفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، في مُوجَبِ 532 العمدِ، فرُوِىَ عنه، أنَّ مُوجَبَه القِصاصُ عَيْنًا؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَتَلَ عَمْدًا،
الحديث: 4113 - الجزء: 25 - الصفحة: 202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَهُوَ قَوَدٌ» 533. ولقولِه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾.
والمَكْتُوبُ لا يُتَخَيَّرُ فيه، ولأنَّه مُتْلَفٌ يَجِبُ به البَدَلُ، فكان مُعَيَّنًا، كسائرِ أبْدالِ المُتْلَفَاتِ.
وبه قال النَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ، قالوا: ليس للأوْلِياءِ إلَّا القَتْلُ، إلَّا أن يَصْطَلِحا على الدِّيَةِ برِضَا الجانى.
والمَشْهُورُ في المَذْهَبِ، أنَّ الواجِبَ أحَدُ شَيْئَيْن، وأنَّ الخِيَرَةَ في ذلك إلى الوَلِىِّ، إن شاء اقْتَصَّ، وإن شاء أخَذَ الدِّيَةَ، وإن شاء قَتَل البعضَ إذا كان القاتِلُون جماعةً؛ لأَنَّ كل مَن لهم قَتْلُه، فلهم العَفْوُ عنه، كالمُنْفَرِدِ، ولا يَسْقُطُ القِصاصُ عن البعضِ بعَفْوِ البعضِ؛ لأنَّهما شَخْصان، فلا يَسْقُطُ القِصاصُ من أحَدِهما بإسْقاطِه عن الآخَرِ، كما لو قَتَل كلُّ واحدٍ رجلًا.
ومتى اخْتارَ الأوْلِياءُ أخْذَ الدِّيَةِ مِن القاتلِ، أو مِن بعضِ القَتَلَةِ، فإنَّ لهم هذا [منِ غيرِ] 534 رِضَا الجانِى.
وبهذا قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وابنُ
الجزء: 25 - الصفحة: 203
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سِيرِينَ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابن المنْذِرِ.
وهى رِواية عن مالكٍ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.
قال ابن عباسٍ: كان في بَنِى إسْرائِيلَ القصاصُ ولم تكنْ فيهم الدِّيةُ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾.
الآية، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.
فالعَفْو أن يَقْبَلَ في العمدِ الدِّيَةَ ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
يتَّبعُ الطَّالِب بمَعْروفٍ، ويُؤدِّى إليه المَطْلُوب بإحْسانٍ ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
ممّا كتِب على مَن قبلَكم رَواه البُخارِى 535. وروَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قام رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: «مَنْ قتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إمَّا أن يُودَى، وإمَّا أن يُقَادَ».
مُتَّفَقٌ عليه 536. وروَى أبو شُرَيْحٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «ثُمَّ أنْتُم 537 يَا خُزَاعَة، قَدْ قَتَلْتم هَذَا القَتِيلَ، وأنَا وَاللَّه عِاقِلُهُ، فَمَنْ قَتَلَ بَعْدَهُ قَتِيلًا فَأهْلُه بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ؛ إن أَحَبُّوا
الجزء: 25 - الصفحة: 204
فَإِنِ اخْتَارَ الْقِصَاصَ، فَلَهُ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ،
قَتَلُوا، وإنْ أحَبُّوا أخَذُوا الدِّيَةَ».
رَواه أبو داودَ، وغيرُه 538. ولأَنَّ القَتْلَ المَضْمُونَ إذا سَقَط فيه القِصاصُ مِن غيرِ إبْراء، ثَبَت المالُ، كما لو عَفا بعْضُ الوَرَثَةِ، ويُخالِفُ سائِرَ المُتْلفاتِ؛ لأَنَّ بَدَلَها يَجِبُ مِن جِنْسِها، وهَهُنا يَجِبُ في الخَطَأ وعَمْدِ الخَطَأ مِن غيرِ الجِنْسِ، فإذا رَضِىَ في العمدِ ببَدَلِ الخَطَأَ، كان له ذلك؛ لأنَّه أسْقَطَ بعضَ حَقِّه، ولأَنَّ القاتِلَ أمْكَنَه إحْياءُ نفسِه ببَذْلِ الدِّيَةِ، فلَزِمَه.
ويَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه بما إذا كان رَأْسُ 539 الشّاجِّ أصْغَرَ، أو يَدُ القاطِعِ أنْقَصَ 540، فإنَّهم سَلَّموا فيهما.
وأمَّا الخَبَرُ الذى ذَكَرُوه، فالمُرادُ به وُجُوبُ القَوَدِ، ونحن نقولُ به.
وللشَّافعىِّ قَوْلان كالرِّوايَتَيْن.
فإذا قُلْنا: مُوجَبُه القِصاصُ.
فله العَفْوُ إلى الدِّيَةِ، والعَفْوُ مُطْلَقًا، فإذا عَفا مُطْلَقًا، لم يَجبْ شئٌ.
وهذا ظاهرُ مَذهَبِ الشَّافعىِّ.
الجزء: 25 - الصفحة: 205
وَإِنِ اخْتَارَ الدِّيَةَ سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَلَمْ يَمْلِكْ طَلَبَهُ.
وقال بعضهم: تَجِبُ الدِّيَة؛ لئلَّا يُطَلَّ 541 الدَّم.
وليس بشئٍ؛ لأنَّه لو عَفا عن الدِّيَةِ بعدَ وجوبِها، صَحَّ عَفْوه.
ومتى عَفا عن القِصاصِ مُطْلَقًا إلى غيرِ مالٍ، لم يَجِبْ شئٌ، إذا قلْنا: الواجِبُ القِصاصُ عَيْنًا.
فإن عَفا عن 542 الدِّيَةِ، لم يَصِحَّ عَفْوُه؛ لأنَّها لم 543 تَجِبْ.
وإن قلْنا: الواجِبُ أحَدُ شَيْئينِ لا بعينِه.
فعَفا عن القِصاصِ مُطْلَقًا، أو إلى الدِّيَةِ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ؛ لأَنَّ الواجِبَ غيرُ مُعَيَّنٍ، فإذا تَرَك أحَدَهما تَعَيَّنَ الآخَرُ (فإنِ اخْتارَ الدِّيَةَ، سَقَط القِصاصُ، ولم يَمْلِكْ طَلَبَه) لأَنَّ الواجِبَ أحَدُ شَيْئَيْن، [فإذا تَعَيَّنَ أحَدُهما سَقَط الآخَرُ.
فإنِ اخْتارَ القِصاصَ تَعَيَّنَ لذلك 544. فإنِ اخْتارَ بعدَ ذلك العَفْوَ إلى الدِّيَةِ، فله ذلك] 545. ذَكَرَه القاضى؛ لأَنَّ
الجزء: 25 - الصفحة: 206
وَعَنْهُ، أَنَّ الْوَاجِبَ الْقِصَاصُ عَينًا، وَلَهُ الْعَفْوُ الَى الدِّيَةِ وَإِنْ سَخِطَ الْجَانِى.
القِصاصَ أعْلَى، فكان له الانْتِقالُ إلى الأدْنَى، ويكونُ بَدَلًا عن القِصاصِ، وليستِ التى وَجَبَتْ بالقَتْلِ، كما قُلْنا في الرِّوايةِ الأُولَى: إنَّ الواجبَ القِصاصُ عَيْنًا، وله العَفْوُ إلى الدِّيَةِ.
ويَحْتَمِلُ أَنَّه ليس له ذلك؛ لأنَّه أَسْقَطَها باخْتِيارِه القَوَدَ، فلم يَعُدْ إليها (وعنه، أنَّ الواجِبَ القِصاصُ عَيْنًا، وله العَفْوُ إلى الدِّيَةِ وإن سَخِط الجانِى) لِما ذَكَرْنا.
فصل: إذا جَنَى عبدٌ على حُرٍّ جِنايةً مُوجِبَةً للقِصاصِ، فاشْتَراه المَجْنِىُّ عليه بأَرْشِ الجِنايةِ، سَقَط القِصاصُ؛ لأَنَّ عُدُولَه إلى الشِّراءِ اختيارٌ للمالِ، ولا يَصِحُّ الشِّراءُ؛ لأنَّهما إن لم يَعْرِفا قَدْرَ الأَرْشِ فالثَّمَنُ مَجْهُولٌ، وإن عَرَفا عَدَدَ الإبِلِ وأسْنانَها فصِفَتُها مَجْهُولةٌ، والجَهْلُ بالصِّفَةِ كالجَهْلِ بالذَّاتِ في فَسادِ البَيْعِ، ولذلك لو باعَه شيئًا
الجزء: 25 - الصفحة: 207
فَإِنْ عَفَا مُطلَقًا، وَقُلْنَا: الْوَاجِبُ أحَدُ شَيْئَيْنِ فَلَهُ الدِّيَةُ.
وإِنْ قُلْنَا: الْوَاجِبُ الْقِصَاصُ عَيْنًا.
فَلَا شَىْءَ لَهُ.
بحِمْلِ جَذَعٍ غيرِ مَعْرُوفِ الصِّفَةِ، لم يَصِحَّ، فإن قَدَّرَ الأَرْشَ بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ فباعَه به، صَحَّ.
فصل: ومتى كان القِصاصُ لمَجْنُونٍ أو لصغيرٍ، لم يَجُزِ العَفْوُ إلى غيرِ مالٍ للوَلِىِّ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ إسْقاطَ حَقِّه.
وقد ذَكَرْناه.
فصل: ويَصِحُّ عَفْوُ المُفْلِسِ والمَحْجُورِ عليه لسَفَهٍ عن القِصاصِ؛ لأنَّه ليس بمالٍ.
وإن أراد المُفْلِسُ القِصاصَ، لم يكنْ لغُرَمائِه إجْبارُه على تَرْكِه.
وإن أحَبَّ العَفْوَ عنه إلى مالٍ، فله ذلك؛ لأَنَّ فيه حَظًّا للغُرَماءِ.
وإن أراد العَفْوَ إلى غيرِ مالٍ، انْبَنَى على الرِّوايتَيْنِ (وإن قُلْنا: الواجب القِصاصُ عَيْنًا) فله ذلك؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ له مالٌ يَتَعَلَّقُ به حَقُّ الغُرَماءِ (وإن قُلْنا: الواجِبُ أحَدُ شَيْئَيْن) لم يَمْلِكه؛ لأَنَّ المالَ يَجِبُ بقَوْلِه: عَفوْت
الجزء: 25 - الصفحة: 208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن القِصاصِ.
فقَوْلُه: على غيرِ مالٍ.
إسْقاطٌ له بعدَ وُجُوبِه وتَعَيُّنِه، ولا يَمْلِكُ ذلك.
وهكذا الحكمُ في السَّفِيهِ ووارِثِ المُفلِسِ.
وإن عَفا المَرِيضُ على غيرِ مالٍ، فذَكَرَ القاضى في مَوْضِع، أنَّه يَصِحُّ، سواءٌ خَرَج من الثُّلُثِ أو لم يَخْرُجْ.
وذكَر أنَّ أحمدَ نَصَّ على ذلك.
وقال في مَوْضِعٍ: يُعْتَبَرُ خُرُوجُه مِن ثُلُثِه.
ولَعَلَّه يَنْبَنِى على الرِّوايَتَيْن في مُوجَبِ العَمْدِ، على ما مَضَى.
الجزء: 25 - الصفحة: 209
وَإِنْ مَاتَ الْقَاتِلُ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ فِى تَرِكَتِهِ،
4114 - مسألة: (وإن مات القاتِلُ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ في تَرِكَتِه)
لأنَّه تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ القِصاصِ مِن غيرِ إسْقاطٍ، فوَجَبَتِ الدِّيَةُ، كقَتْلِ غيرِ المُكافِئ.
وإن لم يُخَلِّفْ تَرِكَةً، سَقَط الحقُّ؛ لتَعَذُّر اسْتِيفائِه.
الحديث: 4114 - الجزء: 25 - الصفحة: 210
وَإِذَا قَطَعَ إِصْبَعًا عَمْدًا، فَعَفَا عَنْهُ، ثُمَّ سَرَتْ إِلَى الْكَفِّ أَوِ النَّفْسِ، وَكَانَ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ، فَلَهُ تَمَامُ الدِّيَةِ، وَإِنْ عَفَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ، فَلَا شَىْءَ لَهُ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أنَّ لَهُ تَمَامَ الدِّيَةِ، وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا، انْبَنَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِى مُوجَبِ الْعَمْدِ.
4115 - مسألة: (وإن قَطَع إصْبَعًا عمدًا، فعَفا عنه، ثم سَرَتْ إلى الكَفِّ أو النَّفْسِ، وكان العفْوُ على مالٍ، فله تَمامُ الدِّيَةِ، وإن عَفا على غيرِ مالٍ، فلا شئَ له، على ظاهِرِ كَلامِه.
ويَحْتَمِلُ أنَّ له تَمامَ الدِّيَةِ.
وإن عَفا مُطْلَقًا، انْبَنَى على الرِّوايَتَيْن في مُوجَبِ العمدِ)
وجملةُ ذلك، أَنَّه إذا جَنَى على إنْسانٍ فيما دُونَ النَّفْسِ جِنايةً تُوجِبُ القِصاصَ، كالإِصْبَعِ، فعَفا عن القِصاصِ، ثم سَرَتِ الجِنايةُ إلى نفسِه، فمات، لم يَجِبِ القِصاصُ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّ القِصاصَ يَجِبُ؛ لأَنَّ الجِنايةَ صارَتْ نَفْسًا، [ولم يَعْفُ عنها] 546. ولَنا،
الحديث: 4115 - الجزء: 25 - الصفحة: 211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّه يَتَعَذَّر اسْتِيفاءُ القِصاصِ في النَّفْسِ دُونَ ما عَفا عنه، فسَقَطَ في النَّفْسِ، كما لو عَفا بعضُ الأوْلِياءِ، ولأَنَّ الجِنايةَ إذا لم يكنْ فيها قِصاصٌ مع إمْكانِه، لم يَجِبْ في سِرايَتها، كما لو قَطَع يَدَ مُرْتَدٍّ فأسْلَمَ ثم مات منها، ثم يُنْظرُ؛ فإن كان عَفا على مالٍ، فله الدِّيَةُ كاملةً، وإن عَفا على غيرِ مالٍ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ إلَّا 547 أرْشَ الجُرْحِ الذى عَفا عنه.
وبهذا قال الشَّافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَجِبُ الدِّيَةُ كاملةً؛ لأَنَّ الجِنايةَ صارَتْ نَفْسًا، وحَقُّه في النَّفْسِ لا فيما عَفا عنه، وإنَّما سَقَط القِصاصُ للشُّبْهَةِ.
وإن قال: عَفَوْتُ عن الجِنايةِ.
لم يَجِبْ شئٌ؛ لأَنَّ الجِنايةَ لا تَخْتَصُّ القَطْعَ.
وقال القاضى، فيما إذا عَفا عن القَطْعِ: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ أَنَّه لا يَجِبُ شئٌ.
وبه قال أبو يُوسُفَ ومحمدٌ؛ لأنَّه قَطْعٌ غيرُ مَضْمُونٍ، فكذلك سِرايَتُه.
الجزء: 25 - الصفحة: 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولَنا، أنَّها سِرايَةُ جِنايةٍ أوْجَبَتِ الضَّمانَ، فكانت مَضْمُونَةً، كما لو لم يَعْفُ، وإنَّما سَقَطَتْ دِيَتها بعَفْوِه عنها، فيَخْتَصُّ السُّقُوطُ بما عَفا عنه دُون غيرِه، والمَعْفُوُّ عنه عُشْرُ الدِّيَةِ؛ لأَنَّ الجِنايَةَ أوْجَبَتْه، فإذا عَفا، سَقَط ما وَجَب دُونَ ما لم يَجِبْ، فإذا صارَتْ نَفْسًا، وَجَب بالسِّرايَةِ ما لم يَعْفُ عنه، ولم يَسْقُطْ أَرْشُ الجُرْحِ إذا لم يَعْفُ، وإنَّما تَكَمَّلَتِ الدِّيَةُ بالسِّرايةِ.
فصل: فإن كان الجُرْحُ لا قِصاصَ فيه، كالجائفةِ ونحوِها، فعَفا عن القِصاصِ فيه، فسَرَى إلى النَّفْسِ، فلوَلِيِّه القِصاصُ؛ لأَنَّ القِصاصَ لم يَجِبْ في الجُرْحِ، فلم يَصِحَّ العَفْوُ عنه، وإنَّما وَجَب القِصاصُ بعدَ عَفْوِه، وله العَفْوُ عن القِصاصِ، [وله كمالُ الدِّيَةِ.
وإن عَفا عن دِيَةِ الجُرْحِ، صَحَّ، وله بعدَ السِّرَايةِ دِيَةُ النَّفْسِ إلَّا أَرْشَ الجُرْحِ.
ولا يَمْتَنِعُ وُجُوبُ القِصاصِ] 548 في النَّفْسِ، مع أنَّه لا يَجِبُ كمالُ الدِّيَةِ بالعَفْوِ عنه، كما لو قَطَع يَدًا، فانْدَمَلَتْ واقْتَصَّ منها، ثم انْتَقَضَتْ وسَرَتْ إلى النَّفْسِ، فله القِصاصُ في النَّفْسِ، وليس له العَفْوُ إلَّا على نِصْفِ الدِّيَةِ.
فإن قَطَع يَدَه مِن نِصْفِ السّاعِدِ، فعَفا عن القِصاصِ، ثم سَرَى، فعلى قولِ أبى بكرٍ،
الجزء: 25 - الصفحة: 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يَسْقُطُ القِصاصُ في النَّفْسِ؛ لأَنَّ القِصاصَ لم يَجِبْ، فهو كالجائِفَةِ.
ومَن جَوَّزَ له 549 القِصاصَ مِن الكُوعِ، أسْقَطَ القِصاصَ في النَّفْسِ، كما لو كان القَطْعُ مِن الكُوعِ.
وقال المُزَنِىُّ: لا يَصِحُّ العَفْوُ عن دِيَةِ الجُرْحِ قبلَ انْدِمالِه، فلو قَطَع يَدًا، فعَفا عن ديَتِها وقِصاصِها، ثم انْدَمَلَتْ، لم تَسْقُطْ دِيَتُها، وسَقَط قِصاصُها؛ لأَنَّ القِصاصَ قد وجَبَ فيها، فصَحَّ العَفْوُ عنه، بخِلافِ الدِّيَةِ.
ولا يَصِحُّ؛ لأَنَّ دِيَةَ الجُرْحِ إنَّما وَجَبَتْ بالجِنايةِ، إذ هى السَّبَبُ، ولهذا لو جَنَى على طَرَفِ عبدٍ ثم باعَه قبلَ بُرْئِه، كان أَرْشُ الطَّرَفِ لبائِعِه لا لمُشْتَرِيه، وتَأْخِيرُ المُطالَبَةِ به لا يَلْزَمُ منه عَدَمُ الوُجُوب وامْتِناعُ صِحَّةِ العَفْوِ، كالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ لا يَمْلِكُ المُطالَبَةَ به، ويَصِحُّ إسْقاطُه، كذا ههُنا.
فصل: وإن قَطَع إصْبَعًا، فعَفا المَجْنِىُّ عليه عن القِصاصِ، ثم سَرَتْ إلى الكَفِّ، ثم انْدَمَلَ، لم يَجِبِ القِصاصُ؛ لِما ذَكَرْنا في النَّفْسِ، ولأَنَّ القِصاصَ سَقَط في الإِصْبَعِ بالعَفْوِ، فصارتِ اليَدُ ناقِصَةً لا تُؤْخَذُ بها الكاملةُ.
ثم إن كان العَفْوُ إلى الدِّيَةِ، وَجَبَتْ دِيَةُ اليَدِ كلِّها 550، وإن كان على غيرِ مالٍ، خُرِّجَ فيه مِن الخِلافِ 551 ما ذَكَرْنا فيما إذا سَرَتْ إلى
الجزء: 25 - الصفحة: 214
وَإِنْ قَالَ الْجَانِى: عَفَوْتَ مُطْلَقًا.
أَوْ: عَفَوْتَ عَنْهَا وَعَنْ سِرَايَتِهَا.
قَالَ: بَلْ عَفَوْتُ إِلَى مَالٍ.
أَوْ: عَفَوْتُ عَنْهَا دُونَ سِرَايَتِهَا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ،
النَّفْسِ.
فعلى هذا، تَجِبُ ههُنا دِيَةُ الكَفِّ إلَّا دِيَةَ الإِصْبَعِ.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وقال القاضى: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يَجِبُ شئٌ.
وهو قولُ أبى يُوسُفَ، ومحمدٍ؛ لأَنَّ العَفْوَ عن الجنايةِ عَفْوٌ عمّا يَحْدُثُ منها.
وقد قال القاضى: إنَّ القِياسَ فيما إذا قَطَع اليَدَ، ثم سَرَى إلى النَّفْسِ، أن يَجِبَ نِصْفُ الدِّيَةِ.
فيَلْزَمُه أن يقولَ مِثْلَ ذلك ههُنا.
فصل: فإن قال: عَفَوْتُ عن الجِنايةِ وما يَحْدُثُ منها.
صَحَّ، ولم يكنْ له في سِرايَتِها قِصاصٌ ولا دِيَةٌ، في كلامِ أحمدَ.
4116 -
مسألة: (وإن قال الجانى: عَفَوْتَ مُطْلَقًا. أو: عَفَوْتَ عنها وعن سِرايَتِها. قال: بل عَفَوْتُ إلى مالٍ. أو: عَفَوْتُ عنها دُونَ سِرايَتِها. فالقولُ قولُ المَجْنِىِّ عليه)
أو وَلِيِّه [وإن] 552 كان الخِلافُ معه؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ العَفْوِ عن الجميعِ، وقد ثَبَت العَفْوُ عن البعضِ بإقْرارِه، فيكونُ [عَدَمُ العفوِ في سواه] 553 قولَه 554.
الحديث: 4116 - الجزء: 25 - الصفحة: 215
وَإِنْ قَتَلَ الْجَانِى الْعَافِىَ، فَلِوَلِيِّهِ الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ كَامِلَةً.
وَقَالَ الْقَاضِى: لَهُ الْقِصَاصُ أَوْ تَمَامُ الدِّيَةِ.
4117 - مسألة: (وإن قَتَل الجانى العافِىَ)
عمدًا (فلوَلِيِّهِ القِصاصُ أو الدِّيَةُ كامِلَةً.
وقال القاضى: له القِصاصُ أو تَمامُ الدِّيَةِ) إذا قَطَع يَدَه، فعَفا عنه، ثم عاد الجانى فقَتَل العافِىَ، فلوَلِيِّه القِصاصُ.
وهو ظاهِرُ 555 مَذْهَبِ الشافعىِّ.
وقال بعضُهم: لا قِصاصَ؛ لأن العَفْوَ حَصَل عن بعضِه، فلا يُقْتَلُ به، كما لو سَرَى القَطْعُ إلى نَفْسِه.
ولَنا، أنَّ القَتْلَ انْفَرَدَ عن القَطْعِ، فعَفْوُه 556 عن القَطْعِ لا يَمْنَعُ ما وَجَب بالقَتْلِ، كما لو كان القاطِعُ غيرَه.
وإنِ اخْتارَ الدِّيَةَ، فقال القاضى: إن كان العَفْوُ عن الطَّرَفِ إلى غيرِ دِيَةٍ، فله بالقَتْلِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
وهو ظاهرُ مَذهَبِ الشافعىِّ؛ لأَنَّ القَتْلَ إذا تَعَقَّبَ الجِنايةَ قبلَ الانْدِمالِ، كان كالسِّرايَةِ،
الحديث: 4117 - الجزء: 25 - الصفحة: 216
وَإِذَا وَكَّلَ رَجُلًا فِى الْقِصَاصِ ثُمَّ عَفَا، وَلَمْ يَعْلَمِ الْوَكِيلُ حَتَّى اقْتَصَّ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ.
وَهَلْ يَضْمَنُ الْعَافِى؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَيَتَخرَّجُ أَنْ يَضْمَنَ الْوَكِيلُ، وَيَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ فِى
ولذلك لو لم يَعْفُ، لم يَجِبْ أكثرُ مِن دِيَةٍ، والقَطْعُ يَدْخُلُ في القَتْلِ في الدِّيَةِ دُونَ القِصاصِ، ولذلك لو أراد القِصاصَ كان له أن يَقْطَعَ ثم يَقْتُلَ، ولو صار الأمرُ إلى الدِّيَةِ لم يَجِبْ إلَّا دِيَةٌ واحدةٌ.
وقال أبو الخَطَّابِ: له العَفْوُ إلى دِيَةٍ كاملةٍ.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعىِّ؛ لأَنَّ القَطْعَ مُنْفَردٌ عن القَتْلِ، فلم يَدْخُلْ حكمُ أحَدِهما في الآخَرِ، كما لو انْدَمَلَ.
ولأَنَّ القَتْلَ مُوجِبٌ للقَتْلِ، فأوْجَبَ الدِّيَةَ كاملةً، كما لو لم يَتَقَدَّمْه عَفوٌ.
وفارَقَ السِّرايةَ، فإنَّها لم تُوجِبْ قَتْلًا، ولأَنَّ السِّرايةَ عُفِىَ عن سَبَبِها، والقَتْلُ لم يُعْفَ عن شئٍ منه، ولا عن سَبَبِه.
وسَواءٌ فيما ذَكَرْنا كان العافى عن الجُرْحِ أخَذَ ديَةَ طَرَفِه أو لم يَأْخُذْها.
4118 -
مسَألة: (وإذا وَكَّلَ رجلًا في القِصاصِ ثم عَفا، ولم يَعْلَمِ الوَكِيلُ حتى اقْتَصَّ، فلا شئَ عليه.
وهل يَضْمَنُ العافى؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن.
ويَتَخَرَّجُ أن يَضْمَنَ الوَكِيلُ، ويَرْجِعَ به على المُوَكِّلِ فِى أحَدِ
الحديث: 4118 - الجزء: 25 - الصفحة: 217
أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَالْآخَرُ، لَا يَرْجِعُ بِهِ، وَيَكُونُ الْوَاجِبُ حَالًّا فِى مَالِهِ.
وَقَاَل أَبُو الْخَطَّابِ: يَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
الوَجْهَيْن؛ لأنَّه غَرَّه.
والآخَرُ، لا يَرْجِعُ به، ويكونُ الواجِبُ حالًّا في مالِه.
وقال أبو الخَطّابِ: يكونُ على عاقِلَتِه) إذا وَكَّلَ مَن يَسْتَوْفِى القِصاصَ، صَحَّ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
فإن وَكَّلَه، ثم غاب، وعفا المُوَكِّلُ عن القِصاصِ، واسْتَوْفَى الوَكِيلُ، نَظَرْنا؛ فإن كان عَفْوُه بعدَ القَتْلِ، لم يَصِحَّ؛ لأَنَّ حَقَّه قد اسْتُوفِىَ.
وإن كان قبلَه وقد عَلِم الوَكِيلُ به، فقد قَتَلَه ظُلْمًا، فعليه القَوَدُ، كما لو قَتَلَه ابْتِداءً.
وإن كان قَتَلَه قبلَ العِلْمِ بعَفْوِ المُوَكِّلِ، فقال أبو بكرٍ: لا ضَمانَ على الوكيلِ؛ لأنَّه لا تَفْرِيطَ منه، فإنَّ العَفْوَ حَصَل على وَجْهٍ لا يُمْكِنُ الوَكِيلَ اسْتِدْراكُه، فلم
الجزء: 25 - الصفحة: 218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَلْزَمْه ضَمانٌ، كما لو عَفا بعدَ ما رَمَاه.
وهل يَلْزَمُ المُوَكِّلَ الضَّمانُ؟ فيه قَوْلان؛ أحَدُهما، لا ضَمانَ عليه؛ لأَنَّ عَفْوَه لم يَصِحَّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حُصُولِه في حالٍ لا يُمْكِنُه اسْتِدْراكُ الفِعْلِ، فوَقَعَ القَتْلُ مُسْتَحَقًّا له، فلم يَلْزَمْه ضَمانٌ، ولأَنَّ العَفْوَ إحْسانٌ، فلا يَقْتَضِى وُجُوبَ الضَّمانِ.
والثانى، عليه الضَّمانُ؛ لأَنَّ قَتْلَ المَعْفُوِّ عنه حَصَل بأمْرِه وتَسْلِيطِه، على وَجْهٍ لا ذَنْبَ للمُباشِرِ فيه، فكان الضَّمانُ على الآمِرِ، كما لو أَمَرَ عبدَه الأعْجَمِىَّ بقَتْلِ مَعْصُومٍ.
وقال غيرُ أبى بكرٍ: يُخَرجُ.
في صِحَّةِ العَفْوِ وَجْهان؛ بِناءً على الرِّوايتَيْن [في الوَكِيلِ] 557 هل يَنْعَزِلُ بعَزْلِ المُوَكِّلِ قبلَ عِلْمِه أو لا 558؟ وللشافعىِّ قَوْلان كالوَجْهَيْن.
فإن قُلْنا: لا يَصِحُّ العَفْوُ.
فلا ضَمانَ على أحدٍ؛ لأنَّه قَتَل مَن يجبُ قَتْلُه بأمْرِ مُسْتَحِقِّه.
وإن قُلْنا: يَصِحُّ العَفْوُ.
فلا قِصاصَ فيه؛ لأَنَّ الوَكِيلَ قَتَل مَن يَعْتَقِدُ إباحَةَ قَتْلِه بسَبَبٍ هو مَعْذُورٌ فيه، فأشْبَهَ ما لو قَتَل في دارِ الحَرْبِ مَن يَعْتَقِدُه حَرْبِيًّا [فبان مسلمًا] 559. وتَجِبُ الدِّيَةُ على الوَكِيلِ؛ لأنَّه لو عَلِم لوَجَبَ عليه
الجزء: 25 - الصفحة: 219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القِصاصُ، فإذا لم يَعْلَمْ، تَعَلَّقَ به الضَّمانُ، كما لو قَتَل مُرْتَدًّا قبلَ عِلْمِه بإِسْلامِه.
ويَرْجِعُ بها على المُوَكِّلِ؛ لأنَّه غَرَّه بتَسْلِيطِه على القَتْلِ وتَفْرِيطِه في تَرْكِ إعْلامِه بالعَفْوِ، فيَرْجِعُ عليه، كالغارِّ في النِّكاحِ بحُرِّيَّةِ أمَةٍ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَرْجِعَ عليه؛ لأَنَّ العَفْوَ إحْسانٌ منه، فلا يَقْتَضِى الرُّجُوعَ عليه، بخِلافِ الغارِّ بالحُرِّيَّةِ.
فعلى هذا، تكونُ الدِّيَةُ في مالِ الوَكِيلِ.
اخْتارَه القاضى.
وتكونُ حالَّةً؛ لأنَّه مُتَعَمِّدٌ للقَتْلِ، لكونِه قَصَدَه، وإنَّما سَقَط عنه القِصاصُ لمعنًى آخَرَ، فهو كقَتْلِ الأبِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: تكونُ على عاقِلَتِه؛ لأنَّه أُجْرِىَ مُجْرَى الخَطَأ، فأشْبَهَ ما لوِ قَتَل في دارِ الحَرْبِ مسلمًا يَعْتَقِدُه حَرْبِيًّا.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه ليس بعَمْدٍ مَحْضٍ، ولهذا لم يَجِبْ به القِصاصُ، فيكونَ عَمْدَ الخَطَأَ، فتَحْمِلَه العاقِلَةُ.
وهذا اخْتِيارُ شيخِنا 560. وقد دَلَّ على ذلك خَبَرُ المرأةِ التى قَتَلَتْ جارَتَها وجَنِينَها بمِسْطَحٍ 561، فقَضَى النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالدِّيَةِ على عاقِلَتِها 562. فعلى قولِ القاضى، إن كان المُوَكِّلُ عَفا إلى الدِّيَةِ، فله الدِّيَةُ في تَرِكَةِ الجانى، ولوَرَثَةِ الجانى مُطالَبَةُ الوَكِيلِ بدِيَتِه، وليس للمُوَكِّلِ مُطالَبَةُ الوَكِيلِ بشئٍ.
فإن قيل: فلِمَ قُلْتُم فيما إذا كان القِصاصُ لأخَوَيْن فقَتَلَه
الجزء: 25 - الصفحة: 220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحَدُهما، فعليه نِصْفُ الدِّيَةِ، ولأخيه مُطالَبَتُه به في وَجْهٍ؟ قُلْنا: ثَمَّ أتْلَفَ حَقَّه، فرَجَعَ ببَدَلِه عليه، وههُنا أتْلَفَه بعدَ سُقُوطِ حَقِّ المُوَكِّلِ عنه، فافْتَرَقَا.
وإن قُلْنا: إنَّ الوَكِيلَ يَرْجِعُ على المُوَكِّلِ.
احْتَمَلَ أن تَسْقُطَ الدِّيَتان، لأنَّه لا فائدةَ في أن يَأْخُذَها الورثةُ مِن الوكيلِ، ثم يَدْفَعُوها إلى المُوَكِّلِ، ثم يَرُدَّها المُوَكِّلُ إلى الوَكِيلِ، فيكونُ تَكْلِيفًا لكلِّ واحدٍ منهم بغيرِ فائدةٍ.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ ذلك؛ لأَنَّ الدِّيَةَ الواجِبَةَ في ذِمَّةِ الوَكِيلِ لغيرِ مَن للوكيلِ الرُّجُوعُ عليه، وإنَّما تَتَساقَطُ الدِّيتَان إذا كان لكلِّ واحدٍ مِن الغَرِيمَيْن على صاحِبِه مِثْلُ ما له عليه.
ولأنَّه قد تكونُ الدِّيتَان مُخْتَلِفَتَيْن، بأن يكون أحَدُ المَقْتُولَيْن رجلًا والآخَرُ امرأةً.
فعلى هذا، يَأْخُذُ ورثةُ الجانِى دِيَتَه مِن الوكيلِ، ويَدْفَعُون إلى المُوَكِّلِ دِيَةَ وَلِيِّه، ثم يَرُدُّ المُوَكِّلُ إلى الوَكِيلِ قَدْرَ ما غَرِمَه.
وإن أحال وَرَثَةُ الجانِى على الوَكِيلِ، صَحَّ.
فإن كان الجانى أقَلَّ دِيَةً مِثْلَ أن تكونَ امرأةٌ قَتَلَتْ رجلًا، فقَتَلَها الوكيلُ، فلوَرَثَتِها إحالةُ 563 المُوَكِّلِ بدِيَتِها؛ لأنَّه القَدْرُ الواجِبُ لهم على الوكيلِ، فيَسْقُطُ عن الوكيلِ والمُوَكِّلِ جميعًا، ويَرْجِعُ المُوَكِّلُ على وَرَثَتِها بِنصْفِ دِيَةِ وَلِيِّه.
وإن كان الجانى رجلًا قَتَل امرأةً، فقَتَلَه الوَكِيلُ، فلوَرَثَةِ الجانى إحالةُ المُوَكِّلِ بدِيَةِ المرأةِ؛ لأَنَّ المُوَكِّلَ لا يَسْتَحِقُّ عليهم أكثرَ مِن دِيَتِها، ويُطالِبُون الوكيلَ بنِصْفِ دِيَةِ الجانى، ثم يَرْجِعُ به على المُوَكِّلِ.
الجزء: 25 - الصفحة: 221
وَإِذَا عَفَا عَنْ قَاتِلِهِ بَعْدَ الجُرْحِ، صَحّ.
4119 - مسألة: (وإن عَفا عن قاتِلِه بعدَ الجُرْحِ، صَحَّ)
وسَواءٌ عَفا بلَفْظِ العَفْوِ أو الوَصِيَّةِ؛ لأَنَّ الحَقَّ له، فصَحَّ 564 العَفْوُ عنه، كمالِه.
وممَّن قال بصِحَّةِ عَفْوِ المَجْرُوحِ عن دَمِه 565؛ مالكٌ، وطاوُسٌ، والحسنُ، وقَتادَةُ، والأوْزاعِىُّ.
فإن قال: عَفَوْتُ عن الجِنايةِ، وما يَحْدُثُ منها 566. ولم يكنْ له في سِرايَتِها قِصاصٌ ولا دِيَةٌ في كلامِ أحمدَ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: إذا قال: عَقَوْتُ عن الجِنايةِ، وما يَحْدُثُ منها.
ففيه قَوْلان؛ أحَدُهما، أنَّه وصيةٌ، فيَنْبَنِى على الوصيةِ للقاتلِ، وفيها قَوْلان؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ، فتَجِبُ دِيَةُ النَّفْس إلَّا دِيَةَ الجُرْحِ.
والثانى، يَصِحُّ، فإن خَرَج مِن الثُّلُثِ، سَقَطَتْ، وإلَّا سَقَط منها بقَدْرِ الثُّلُثِ، ووَجَب الباقى.
والقولُ الثانى، ليس بوصيةٍ؛ لأنَّه إسْقاطٌ في الحياةِ، فلم يَصِحَّ، ويَلْزَمُه دِيَةُ النَّفْسِ إلَّا دِيَةَ الجُرْحِ.
ولَنا، أنَّه أسْقَطَ حَقَّه بعدَ انْعِقادِ سَبَبِه، فسَقَطَ، كما لو أسْقَطَ الشُّفعَةَ بعدَ البيعِ.
إذا ثَبَت هذا،
الحديث: 4119 - الجزء: 25 - الصفحة: 222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلا فَرْقَ بينَ أن يَخْرُجَ مِن الثُّلُثِ أو لم يَخْرُجْ؛ لأَنَّ مُوجَبَ العمدِ القَوَدُ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن، أو أحَدُ شَيْئَيْن، في الرِّوايةِ الأُخْرَى، فما تَعَيَّنَتَ الدِّيَةُ، ولا تَعَيَّنَتَ الوصيةُ بمالٍ، ولذلك صَحَّ العَفْوُ 567 مِن المُفْلِسِ إلى غيرِ مالٍ.
وأمّا جِنايةُ الخَطَأَ، فإذا عَفا عنها وعمّا يَحْدُثُ منها، اعْتُبِرَ خُرُوجُها مِنِ الثُّلُثِ، سواءٌ عفا بلَفْظِ العَفْوِ أو الوصِيةِ أو الإِبْراءِ أو غيرِ ذلك، فإن خرَجَتْ مِن الثُّلُثِ، صَحَّ عَفْوُه عن الجميعِ، وإن لم تَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ، سَقَط عنه مِن دِيَتِها ما احْتَمَلَه الثُّلُثُ.
وبهذا قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
ونحوَه قال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والأوْزاعِىُّ، وإسحاقُ؛ لأَنَّ الوصيةَ ههُنا بمالٍ.
الجزء: 25 - الصفحة: 223
وَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنَ الدِّيَةِ أَوْ وَصَّى لَهُ بِهَا، فَهِىَ وَصِيَّةٌ لِقَاتِلٍ، هَلْ تَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إِحْدَاهُمَا، تَصِحُّ، وَتُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ عَفْوُهُ عَنِ الْمَالِ، وَلَا وَصِيَّتُهُ بِهِ لِقَاتِلٍ وَلَا غَيْرِهِ،
4120 - مسألة: (وإن أَبْرَأَه مِن الدِّيَةِ أو وَصَّى له بها، فهىَ وصيةٌ لقاتِلٍ، هل تَصِحُّ؟ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، تَصِحُّ)
لكونِها له؛ لأنَّها بَدَلٌ عنه (وتُعْتَبَرُ منِ الثُّلُثِ) كبَقِيَّةِ أمْوالِه.
هكذا ذَكَرَه في كِتابِ «المُقْنِعِ»، ولم يُفرِّقْ بينَ العَمْدِ والخَطَأ.
والذى ذَكَرَه في كتابِ «المُغْنِى» (1) ما ذَكَر في التى قبلَ هذه المسألةِ.
4121 -
مسألة: (ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ عَفْوُه عن المالِ، ولَا وَصِيَّتُه
568 الحديث: 4120 - الجزء: 25 - الصفحة: 224
إِذَا قُلْنا: إِنَّهُ يَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ.
وَإِنْ أَبْرَأَ الْقَاتِلَ مِنَ الدِّيَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، أَوِ الْعَبْدَ مِنْ جِنَايَتِهِ الَّتِى يَتَعَلَّقُ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ،
به لقاتِلٍ ولا غيرِه، إذا قُلْنا: إنَّه يَحْدُثُ على مِلْكِ الورثةِ) لأنَّه يكونُ مالَ غيرِه، فلم يكنْ له التَّصَرُّفُ فيه، كَسائِرِ أمْوالِ الورثةِ.
4122 -
مسألة: (وإن أبْرَأ القاتِلَ مِن الدِّيَةِ الواجِبَةِ على عاقِلَتِه، أو العبدَ مِن الجِنايَةِ المُتَعَلِّقِ أرْشُها برَقَبَتِه، لم يَصِحَّ)
لأنَّه أَبْرَأَه
الحديث: 4122 - الجزء: 25 - الصفحة: 225
لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أَبْرَأَ الْعَاقِلَةَ أَوِ السَّيِّدَ، صَحَّ.
وَإِنْ وَجَبَ لِعَبْدٍ قِصَاصٌ، أَوْ تَعْزِيرُ قَذْفٍ، فَلَهُ طَلَبُهُ وَالْعَفْوُ عَنْهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ، إِلَّا أَنْ يَمُوتَ الْعَبْدُ.
مِن حَقٍّ على غيرِه، أشْبَهَ ماْ لو أبْرَأ زيدًا مِن دَيْنٍ على عمرو (وإن أبْرَأ العاقِلَةَ أو السَّيِّدَ، صَحَّ) لأنَّه ابرَأهما مِن حَقٍّ عليهما، فصَحَّ، كالدَّيْن الواجِبِ عليهما.
4123 -
مسألة: (وإن وَجَب لعبدٍ قِصاصٌ)
في الطَّرَفِ، أو جُرْحٍ (أو تَعْزِيرُ قَذْفٍ، فله طَلَبُه والعَفْوُ عنه) لأنَّه مُخْتَصٌّ به (وليس ذلك لسَيِّدِه) لأنَّه ليس بحَقٍّ له (إلَّا أن يموتَ العبدُ) فإذا مات العبدُ، انْتَقَلَ عنه إلى السَّيِّدِ، وصَحَّ عَفْوُه عنه.
الحديث: 4123 - الجزء: 25 - الصفحة: 226
بَابُ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ
كُلُّ مَنْ أُقِيدَ بِغَيْرِهِ في النَّفْسِ، أُقِيدَ بِهِ فِيما دُونهَا، وَمَنْ لَا فَلَا،
بابُ ما يُوجِبُ القِصاصَ فيما دُونَ النَّفسِ
(كلُّ مَن أُقِيدَ بغيرِه في النَّفْسِ، أُقِيدَ به فيما دُوِنَها، ومَن لا فلا) لأَنَّ النَّفْسَ أعْلَى، فإذا أُقِيدَ في الأعْلَى، ففى الأدْنَى بطريقِ الأَوْلَى.
وعنه، لا قِصاصَ بينَ العبيدِ في الأطْرافِ؛ لأنَّها أمْوالٌ.
وقد ذَكَرْناه.
والمَذْهَبُ الأَوَّلُ.
ومَن لا يَجْرِى القِصاصُ بينَهما في النَّفْسِ، لا يَجْرِى بينَهما في الأطْرافِ 569، كالأبِ مع ابنِه، والحُرِّ مع العبدِ، والمسلمِ مع الكافرِ، فلا يُقْطَعُ طَرَفُه بطرَفِه؛ لعَدَم المُكافأةِ، فيُقْطَعُ الحُرُّ المسلمُ بالحُرِّ المسلمِ، والعبدُ بالعبدِ، والذِّمىُّ بالذِّمِّىِّ، والذَّكَرُ بالأُنْثَى،
الجزء: 25 - الصفحة: 229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأُنْثَى بالذَّكَرِ، ويُقْطَعُ النّاقِصُ بالكاملِ، كالعبدِ بالحُرِّ، والكافرِ بالمسلمِ.
وبهذا قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قِصاصَ في الطَّرَفِ بينَ مُخْتَلِفِى البَدَلِ، فلا يُقْطَعُ الكامِلُ بالنَّاقِصِ، ولا النّاقِصُ بالكامِلِ، ولا الرجلُ بالمرأةِ، ولا المرأةُ بالرجلِ، ولا الحُرُّ بالعبدِ، ولا العَبْدُ بالحُرِّ، ولا العَبْدُ بالعَبْدِ، ويُقْطَعُ المُسْلِمُ بالكافِرِ، والكافرُ بالمُسْلِمِ؛ لأَنَّ التَّكافُؤَ مُعْتَبَرٌ في الأطْرافِ، بدليلِ أنَّ الصَّحيحةَ لا تُؤْخَذُ بالشَّلَّاءِ، ولا الكاملةَ بالناقِصَةِ، فكذا 570 لا يُؤْخَذُ طَرَفُ الرجلِ بطرَفِ المرأةِ، ولا طَرَفُها بطَرَفِه، كما لا تُؤْخَذُ اليُسْرَى باليُمْنَى.
ولَنا، أنَّ مَن جَرَى القِصاصُ بينَهما في النَّفْسِ، جَرَى في الطَّرَفِ، كالحُرَّيْنِ، وما ذكَروه يَبْطُلُ بالقِصاصِ في النَّفْسِ، فإنَّ التَّكافُؤَ مُعْتَبَرٌ، بدليلِ أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بمُسْتَأْمِنٍ، ثم يَلْزَمُه أن يأخُذَ الناقِصَةَ بالكاملَةِ؛ لأَنَّ المُماثَلَةَ قد وُجِدَتْ وزِيادَةً، فوَجَبَ أخْذُها بها إذا رَضِىَ المُسْتَحِقُّ، كما تُؤْخَذُ ناقِصَةُ الأصابعِ بكاملةِ الأصابعِ، وأمَّا اليَسارُ واليُمْنَى فيَجْرِيان مجْرَى النَّفْسَيْنِ؛ لاخْتِلافِ محَلَّيْهما، ولهذا يَسْتَوِى بدَلُهما، فعُلِمَ أنَّها ليست بناقصةٍ عنها شَرْعًا، ولا العلَّةُ فيهما ذلك.
الجزء: 25 - الصفحة: 230
وَلَا يَجِبُ إِلَّا بِمِثْلِ الْمُوجِبِ فِى النَّفْسِ، وَهُوَ الْعَمْدُ الْمَحْضُ،
4124 - مسألة: (ولا يَجِبُ إلَّا بمِثْلِ المُوجِبِ في النَّفْسِ، وهو العَمْدُ المَحْضُ)
كما لا يَجِبُ في النَّفْسِ إلَّا بذلك، ووُجوبُ القِصاصِ فيما دونَ النَّفْسِ والأطرافِ إذا أمْكَنَ ثَابِتٌ بالنَّصِّ والإِجْماعِ؛ أمّا النَّصُّ فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ 571. وقولُه تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ (1). الآية.
وروَى أنسُ ابنُ مالكٍ، أنَّ الرُّبَيِّعَ بنتَ النَّضْرِ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جارِيَةٍ، فعرَضُوا عليهم الأَرْشَ، فأَبَوْا إلَّا القِصاصَ، فجاء أخوها أنَسُ بنُ النَّضْرِ، فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ، تُكسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ! والذى بعَثَكَ بالحَقِّ لا تُكسَرُ ثَنِيَّتُهَا.
فقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «يا أنَسُ، كِتَابُ اللَّهِ القِصَاصُ».
قال: فعَفا القَوْمُ، فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ مِن عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لو أقسَمَ على اللَّهِ لأبَرَّهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 572. وأجْمَعَ المُسْلِمونَ على جَرَيانِ القِصاصِ فيما دُونَ النَّفْسِ إذا أمْكَنَ، ولأَنَّ ما دُونَ النَّفْسِ كالنَّفْسِ في الحاجةِ إلى حِفْظِه بالقِصاصِ، فكان كالنَّفْسِ في وُجُوبِه.
الحديث: 4124 - الجزء: 25 - الصفحة: 231
وَهُوَ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، فِى الأَطْرَافِ، فَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ بالْعَيْنِ، وَالْأَنْفُ بِالْأَنْفِ، والأُذُنُ بِالأُذُنِ، وَالسِّنُّ بِالسِّنِّ، والْجَفْنُ بِالْجَفْنِ، وَالشَّفَةُ بِالشَّفَةِ، وَالْيَدُ بِالْيَدِ، والرِّجْلُ بالرِّجْلِ.
فصل: فأمَّا الخَطَأُ فلا قِصاصَ فيه إجْماعًا؛ لأنَّه لا يُوجِبُ القِصاصَ في النَّفْسِ وهى الأصْلُ، ففيما دُونَها أوْلَى.
ولا يَجِبُ في شِبْهِ العَمْدِ، وهو أن يَقْصِدَ ضَرْبَه بما لا يُفْضِى إلى ذلك غالِبًا، مثلَ أن يَضْرِبَه بحَصاةٍ لا يُوضِح مِثْلُها، فتوضِحَه، فلا يَجِبُ به القِصاصُ؛ لأنَّه شِبْهُ عَمْدٍ، ولا يجبُ القِصاصُ إلَّا بالعَمْدِ المَحْضِ.
وقال أبو بكرٍ: يَجبُ به القِصاصُ، ولا يُراعَى فيه ذلك؛ لعُمُوم الآيةِ.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ، والآيةُ مخْصُوصَةٌ بالخَطَأ، فكذلك هذا، ولأنَّه لا يَجِبُ بة القِصاصُ في النَّفْسِ، فكذلك الجِراحُ.
4125 -
مسألة: (وهو نوعانِ؛ أحدُهما، الأطْرَافُ، فَتُؤْخَذُ العَيْنُ بِالعَيْنَ، والأنْفُ بِالأنْفِ، والأذُنُ بالأذُنِ، وَالسِّنُّ بِالسِّنِّ، والجَفْنُ بالْجَفْنِ، والشَّفَةُ بِالشَّفَةِ، واليَدُ بِالْيَدِ، والرِّجْلُ بِالرِّجْلِ)
أجْمَعَ أهلُ العلمِ على جَرَيانِ (1) القِصاصِ في الأطْرَافِ، وقد ثبَت ذلك بالآيةِ، وبخَبَرِ الرُّبَيِّعِ بنتِ النَّضْرِ الذى ذكَرْناه.
4126 -
مسألة: وَتُقْلَعُ الْعَيْنُ بالْعَيْنِ.
أجْمَعَ أهْلُ العلمِ على القِصاصِ في العَيْنَيْنِ.
يُرْوَى ذلك عن مَسْرُوقٍ، والحسنِ، وابنِ573
الحديث: 4125 - الجزء: 25 - الصفحة: 232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سِيرِينَ، والشَّعْبِىِّ، [والنَّخَعِىِّ] 574 [والزُّهْرِىِّ] 575، والثَّوْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْى.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ 576. ولأنَّها تَنْتَهِى إلى مَفْصِلٍ، فجَرَى القِصاصُ فيها كاليَدِ.
وتُؤْخَذُ عَيْنُ الشَّابِّ بعَيْنِ الشَّيْخِ المَرِيضَةِ، وعيْنُ الكبيرِ بعينِ الصَّغيرِ والأعْمَشِ، ولا تُؤْخَذُ الصَّحِيحةُ بالقَائِمَةِ؛ لأنَّه يأْخُذُ أكثرَ مِن حَقِّه، وتُؤْخَذُ القائِمَةُ بالصَّحِيحةِ؛ لأنَّها دُونَ حَقِّه، كما تُؤْخَذُ الشلَّاءُ بالصَّحِيحَةِ، [ولا أَرْشِ] 577 له معها؛ لأَنَّ التَّفاوُتَ في الصِّفَةِ.
فصل: فإن قلَع عَيْنَه بإصْبَعِه، لم يَجُزْ أن يَقْتَصَّ بإصْبَعِه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ المُماثَلَةُ فيه.
فإن لَطَمَه فأذْهَبَ ضَوْءَ عَيْنِه، لم يَجُزْ أن يَقْتَصَّ منه باللَّطْمَةِ؛ لأَنَّ المُماثَلَةَ فيها غيرُ مُمْكِنَةٍ، ولهذا لو انْفَرَدَتْ مِن إذْهابِ الضَّوْءِ، لم يَجِبْ فيها قِصاصٌ، ويجبُ القِصاصُ في البَصَرِ، فيُعالِجُه بما يُذْهِبُ بصَرَه مِن غيرِ أن يَقْلَعَ عَيْنَه.
وسنَذْكُرُ ذلك.
وذكَرَ القاضى أنَّه يَقْتَصُّ منه باللَّطْمَةِ، فيَلْطُمُه المَجْنِىُّ عليه مثلَ لَطْمَتِه، فإن ذهَب ضَوْءُ عَيْنِه، وإلَّا كان له أن يُذْهِبَه بما نذْكُرُه.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
ولا يَصِحُّ هذا؛ فإنَّ اللَّطْمَةَ لا يُقْتَصُّ منها مُنْفَرِدَةً، فلا يُقْتَصُّ منها إذا سَرَتْ إلى
الجزء: 25 - الصفحة: 233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العَيْنِ، كالشَّجَّةِ دُونَ المُوضِحَةِ، ولأَنَّ اللَّطْمَةَ إذا لم تَكُنْ في العَيْنِ، لا يُقْتَصُّ منها بمثْلِها مع الأمْنِ مِن إفْسادِ العُضْوِ 578، ففى العَيْنِ مع وُجُودِ ذلك أوْلَى، ولأنَّه قِصاصٌ فيما دُونِ النَّفْسِ، فلم يَجُزْ بغيرِ الآلَةِ المُعَدَّةِ له، كالمُوضِحَةِ.
وقال القاضى: لا يجبُ القِصاصُ، إلَّا أن تكونَ اللَّطْمَةُ تَذْهَبُ بذلك غَالِبًا، فإن كانت لا تَذْهَبُ بالبَصَرِ غالِبًا، فذَهَبَ 579 بها، فهو شِبْهُ عَمْدٍ لا قِصاصَ فيه.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه فِعْلٌ لا يُفْضِى إلى الفَواتِ غالِبًا، فلم يَجِبْ به القِصاصُ، [كَشِبْهِ العَمْدِ في النفْسِ.
وقال أبو بكرٍ: يَجِبُ القِصاصُ] 580 بكلِّ حالٍ؛ لعُمُومِ قولِه تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾.
ولأَنَّ اللَّطْمَةَ إذا أَسَالَتِ العَيْنَ، كانت بمَنْزِلةِ الجُرْحِ، ولا يُعْتَبَرُ فيه الإِفْضاءُ إلى التَّلَفِ غالِبًا.
فصل: فإن لَطَمَ عَيْنَه فذَهَبَ بَصَرُها، و 581 ابْيَضَّتْ، وشَخَصَتْ، فإن أمْكَنَ مُعالجةُ عَيْنِ الجانِى حتى يَذْهَبَ بَصَرُها وتَبْيَضَّ وتَشْخَصَ، [مِن غيرِ جِنايَةٍ على الحَدَقَةِ] 582، فُعِلَ ذلك، وإن لم يُمْكِنْ إلَّا ذَهابُ بعضِ ذلك، مثلَ ذَهابِ البَصَرِ دُونَ أن تَبْيَضَّ وتَشْخَصَ، فعليه حُكومةٌ
الجزء: 25 - الصفحة: 234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للذى لم يُمْكِنِ القِصاصُ فيه (1)، كما لو جَرَحَه هاشِمةً، فإنَّه يَقْتَصُّ مُوضِحَةً، ويَأْخُذُ أَرْشَ باقِى جُرْحِه.
وعلى قولِ أبى بكرٍ، لا يُسْتَحَقُّ مع القِصاصِ أَرْشٌ.
وقال القاضىِ: إذا لَطَمَه مثلَ لَطْمَتِه، فذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِه، ولم تَبْيَضَّ، ولم تَشْخصْ، فإن أمْكَنَ مُعالَجَتُها حتى تَبْيَضَّ وتَشْخَصَ، مِن غيرِ ذَهابِ الحَدَقَةِ، فَعَلَه، فإن تَعَذَّرَ ذلك، فلا شئَ عليه، كما لو انْدَمَلَتْ مُوضِحَةُ المَجْنِىِّ عليه وَحِشةً قَبِيحَةً، ومُوضِحَةُ الجانِى حَسَنَةً جَمِيلَةً، لم يجبْ شئٌ، كذلك ههُنا.
وبَنَى (2) هذا على أنَّ اللَّطْمَةَ حصلَ بها القِصاصُ كما حصَل بجُرْحِ المُوضِحَةِ، وقد بَيَّنَّا فَسادَ هذا.
4127 -
مسألة: (و)
يُؤْخَذُ (السِّنُّ بِالسِّنِّ) وهو إجْماعُ أَهْلِ العلمِ؛ للآيةِ وحَدِيثِ الرُّبَيِّعِ 585، ولأَنَّ القِصاصَ فيها مُمْكِنٌ؛ لأنَّها مَحْدودَةٌ في نَفْسِها.
وتُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بالصَّحِيحةِ، والمَكْسُورَةُ بالصَّحيحةِ؛ لأنَّه يأْخُذُ بعضَ حَقِّه.
وهل له أَرْشُ الباقِى؟ فيه وَجْهان، ذكَرْناهُما.
فصل: ولا يُقْتَصُّ إلَّا مِن سِنِّ مَن أثْغَرَ؛ أى سقَطَتْ رَواضِعُه ثم نَبَتَتْ.
يقالُ لمن سقَطَتْ رَواضِعُهُ: ثُغِرَ، فهو مَثْغُورٌ.
فإذا نبَتَتْ قيل: أثْغَرَ واثَّغَرَ583584
الحديث: 4127 - الجزء: 25 - الصفحة: 235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لُغَتان.
وإن قُلِعَ سِنُّ مَن لم يُثْغِرْ، لم يُقْتَصَّ مِنَ الجانِى في الحالِ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأَصْحابِ الرَّأْى، لأنَّها تَعُودُ بحُكْمِ العادةِ، فلا يُقْتَصُّ منها، كالشَّعَرِ.
فإن عادَ 586 بَدَلُ السِّنِّ في مَحَلِّها مثْلُها على صِفَتِها، فلا شئَ على الجانِى، كما لو قلَع شَعَرَهُ ثم نبَت.
وإن عادَتْ مائِلَةً عن مَحَلِّها، أو مُتَغَيِّرَةً عن صِفَتِها، كان عليه حُكُومَةٌ؛ لأنَّها لو لم تَعُدْ ضَمِنَ السِّنَّ، فإذا عادتْ ناقِصةً ضَمِنَ ما نقص.
وإن عادت قَصِيرةً، ضَمِنَ ما نقَص بالحسابِ، ففى ثُلُثِها ثُلثُ دِيَتِها، وعلى هذا الحسابُ.
وإن عادتْ والدَّمُ يَسِيلُ، ففيها حُكومةٌ، لأنَّه نَقْصٌ حصلَ بفِعْلِه.
وإن مَضَى زَمَنُ عَوْدِها ولم تَعُدْ، سُئِلَ أهلُ العلمِ بالطِّبِّ، فإن قالوا: قد يُئِسَ مِن عَوْدِها.
فالمَجْنِىُّ عليه مُخَيَّرٌ بينَ القِصاصِ و 587 الدِّيَةِ.
فإن مات المَجْنِىُّ عليه قبلَ الإِياسِ مِن عَودِها، فلا قِصاصَ؛ لأَنَّ الاسْتِحْقاقَ له غيرُ مُتَحَقِّقٍ، فيكونُ ذلك شُبْهَة في دَرْئِه، وتَجِبُ الدِّيَةُ؛ لأَنَّ القَلْعَ مَوْجُودٌ، والعَوْدُ، مَشْكُوكٌ فيه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا مات قبلَ مَجِئِ وَقْتِ عَوْدِها، أَنْ لا يَجِبَ شئٌ؛ لأَنَّ العادةَ عَوْدُها، فأَشْبَهَ ما لو حلَق شَعَرَه فماتَ قبلَ نباتِه.
فأمّا إن قلَع سِنَّ مَن قد أثْغَرَ، وجَب القِصاصُ له في الحالِ؛ لأَنَّ الظاهِرَ عَدَمُ عَوْدِها.
وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعىِّ.
وقال القاضى: يُسْئَلُ أهلُ الخِبْرَةِ، فإن قالوا: لا تَعُودُ.
فله
الجزء: 25 - الصفحة: 236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القِصاصُ في الحالِ، وإن قالوا: يُرْجَى عَوْدُها، إلى وقتٍ ذكَرُوه، لم يُقْتَصَّ حتى يَأْتِىَ ذلك الوقْتُ.
وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّها تَحْتَمِلُ العَوْدَ، فأشْبَهَتْ سِنَّ مَن لم يُثْغِرْ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّها إن لم تَعُدْ، فلا كلامَ، وإن عادتْ، لم يجبْ قِصاصٌ ولا دِيَةٌ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
وقال في الآخَرِ: لا يَسْقُطُ الأَرْشُ؛ لأَنَّ هذه السِّنَّ لا تُسْتَخْلَفُ عادةً، فإذا عادتْ كانت هِبَةً مُجَدَّدةً، ولذلك لا يُنْتَظَرُ عَوْدُها في الضَّمانِ.
ولَنا، أنَّها سِنٌّ عادتْ، فسَقَطَ الأَرْشُ، كسِنِّ مَن لم يُثْغِرْ، ونُدْرَةُ وُجُودِها لا يَمْنَعُ ثُبوتَ حُكْمِها إذا وُجِدَت.
فعلَى هذا، إن كان أخَذَ 588 الأَرْشَ رَدَّه، وإن كان اسْتَوْفَى القِصاصَ، لم يَجُزْ قَلْعُ هذه قِصاصًا؛ لأنَّه لم يَقْصِدِ العُدْوانَ.
وإن عادتْ سِنُّ الجانِى دُونَ سِنِّ المَجْنِىِّ عليه، لم تُقْلَعْ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لئَلَّا يَأْخُذَ سِنَّيْنِ بسِنٍّ، وإنَّما قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ 589. والثانى، تُقلَعُ وإن عادتْ مَرَّاتٍ؛ لأنَّه أعْدَمَ 590 سِنَّه بالقَلْعِ، فكان له إعْدامُ سِنِّه.
ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهان كهذَيْنِ.
فصل: فإن قلَع سِنًّا، فاقْتُصَّ منه، ثم عادتْ سِنُّ المَجْنِىِّ عليه، فقَلَعَها الجانِى ثانيةً، فلا شئَ عليه؛ لأَنَّ سِنَّ المَجْنِىِّ عليه لمَّا عادتْ، وجَب للْجانِى عليه دِيَةُ سِنِّه، فلما قَلَعَها، وجَب على الجانِى دِيَتُها للمَجْنِىِّ
الجزء: 25 - الصفحة: 237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عليه، فقد وَجَبَ لكلِّ واحدٍ منهما دِيَةُ سِنٍّ، فيتَقاصَّانِ.
4128 -
مسألة: (و)
يُؤْخَذُ (الْجَفْنُ بِالْجَفْنِ) لقولِه تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
ولأنَّه يُمْكِنُ الاقْتِصاصُ فيه، لانْتِهائِه إلى مَفْصِل.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
ويُؤْخَذُ جَفْنُ البَصِيرِ بمثْلِه، وبِجَفْنِ الضَّرِيرِ، ويُؤْخَذُ جَفْنُ الضَّريرِ بمثْلِه، وبجَفْنِ البَصِيرِ؛ لأنَّهما تَساوَيا في السَّلامَةِ مِن النَّقْصِ، وعَدَمُ البَصَرِ نَقْصٌ في غيرِه لا يَمْنَعُ أخْذَ أحَدِهما بالآخَرِ، كأُذُنِ الأصَمِّ.
4129 - مسألة: (و) تُؤْخَذُ (الشَّفَةُ بِالشَّفَةِ) وهى ما جاوَزَ الذَّقَنَ والخَدَّيْنِ عُلْوًا وسُفْلًا؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
ولأَنَّ لها حَدًّا تَنْتَهِى إليه، يُمْكِنُ القِصاصُ منه، فوَجَبَ، كاليَدَيْنِ.
فصل: ويُؤْخَذُ اللِّسانُ باللِّسانِ؛ للآيةِ، ولأَنَّ له حَدًّا يَنْتَهِى إليه، فاقْتُصَّ منه، كالعَيْنِ.
ولا نعلمُ في هذا خِلافًا.
ولا يُؤْخَذُ لِسانُ ناطِقٍ بأخْرَسَ؛ لأنَّه أفْضَلُ منه.
ويُؤْخَذُ الأخْرَسُ بالنَّاطقِ؛ لأنَّه دُونَ حَقِّه.
ويُؤْخَذُ بعضُ اللِّسانِ بالبَعْضِ؛ لأنَّه أمْكَنَ القِصاصُ في جَمِيعِه، فأمْكَنَ في بعضِه، كالسِّنِّ، ويُقَدَّرُ ذلك بالأجْزاءِ، ويُؤْخَذُ منه بالحِسابِ.
4130 - مسألة: (و) تُؤْخَذُ (اليَدُ باليَدِ) لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
وقد أجْمَعَ أهلُ العلمِ على جَرَيانِ القِصاصِ
الحديث: 4128 - الجزء: 25 - الصفحة: 238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الأطْرافِ؛ للآيةِ ولحَدِيثِ الرُّبَيِّعِ 591. ويُشْتَرَطُ لذلك ثَلاثةُ شُرُوطٍ؛ أحدُها، الأمْنُ من الحَيْفِ، وهو أن يكونَ القَطْعُ مِن مَفْصِلٍ، فإن كان مِن غيرِ مَفْصِلٍ، فلا قِصاصَ فيه مِن مَوْضِعِ القَطْعِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لِما رَوَى [نِمْرانُ بنُ جَاريةَ] 592، عن أبِيه، أنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَجُلًا على ساعِدِه بالسَّيْفِ، فقَطَعَها مِن غيرِ مَفْصِلٍ، فاسْتَعْدَى عليه النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمَرَ له بالدِّيَةِ، فقال: إنِّى أُرِيدُ القِصاصَ.
فقال: «خُذِ الدِّيَةَ، بَارَكَ اللَّه لَك فيها».
ولم يَقْضِ له بالقِصاصِ.
رَوَاه ابنُ ماجَه 593.
وفى قَطْعِ اليَدِ ثمانِ مسائلَ؛ أحدُها، قَطعُ الأصابعِ مِن مَفاصِلِها، فالقِصاصُ واجِبٌ فيها؛ لأَنَّ لها 594 مَفاصِلَ يُمْكِنُ القِصاصُ فيها مِن غيرِ حَيْفٍ، وإنِ اختارَ الدِّيَةَ فله نِصْفُها؛ لأَنَّ في كلِّ إصْبَعٍ عُشْرَ الدِّيَةِ.
الثَّانيةُ، قَطعُها مِن نِصْفِ الكَفِّ، فليس له القِصاصُ مِن مَوْضِعِ القَطْعِ؛ لأنَّه ليس بمَفْصِلٍ، فلا يُؤْمَنُ الحَيْفُ فيه.
وإن أرادَ قَطْعَ الأصابعِ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، ليس له ذلك.
اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه يَقْتَصُّ مِن غيرِ مَوْضِعِ الجِنايةِ، فلم يَجُزْ، كما لو كان القَطْعُ مِن الكُوعِ، يُحَقِّقُه أنَّ
الجزء: 25 - الصفحة: 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
امْتِناعَ قَطْعِ الأصابعِ إذا قطَع مِن الكُوعِ، إنَّما كان لعَدَمِ المُقْتَضِى، أو وُجُودِ مانعٍ، وأيُّهما كان فهو مُتَحَقِّقٌ إذا كان القَطْعُ من نِصْفِ الكَفِّ.
والثانى، له قَطْعُ الأصابعِ.
ذكَره أصْحابُنا.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه يأْخُذُ دُونَ حَقِّه لعَجْزِه عن اسْتِيفاءِ حَقِّه، فأَشْبَهَ ما لو شَجَّه هاشِمَةً فاسْتَوْفَى مُوضِحَةً.
ويُفارِقُ ما إذا قطَع مِن الكُوعِ؛ لأنَّه أمْكَنَه اسْتِيفاءُ حَقِّه، فلم يَجُزِ العُدولُ إلى غيرِه.
وهل له حُكومَةٌ في نِضفِ الكَفِّ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، ليس له ذلك؛ لأنَّه يَجْمَعُ بينَ القِصاصِ والأَرْشِ في عُضْوٍ واحدٍ، فلم يَجُزْ، كما لو قطَع مِن الكُوعِ.
والثانى، له أَرْشُ نِصْفِ الكَفِّ؛ لأنَّه حَقٌّ له تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُه، فوَجَبَ أرْشُه، كسائرِ ما هذا حالُه.
وإنِ اخْتارَ الدِّيَةَ، فله نِصْفُها؛ لأَنَّ قَطْعَ اليَدِ مِنَ الكُوعِ لا يُوجِبُ أكثرَ مِن نِصْفِ الدِّيَةِ، فما دُونَه أوْلَى.
الثَّالثةُ، قَطَع مِن الكُوعِ، فله قَطْعُ يَدِه مِنَ الكُوعِ؛ لأنَّه مَفْصِلٌ، وليس له قَطْعُ الأصابعِ؛ لأنَّه غيرُ مَحَلِّ الجِنايةِ فلا يُسْتَوْفَى منه مع إمْكانِ الاسْتِيفاءِ مِن مَحَلِّها.
الرابعةُ، قَطَع مِن نِصْفِ الذِّراعِ، فليس له أن يَقْطَعَ مِن ذلك المَوْضِعِ 595؛ لأنَّه ليس بمَفْصِلٍ، وقد ذكَرْنا الخبَرَ الوارِدَ فيه، وله نِصْفُ الدِّيَةِ وحُكومةٌ في المَقْطُوعِ مِنَ الذِّراعِ.
وهل له القَطْعُ مِنَ الكُوعِ؟ فيه وَجْهان، كما ذكَرْنا في من قَطَع مِن نِصْفِ الكَفِّ.
ومن جَوَّزَ القَطْعَ مِنَ الكُوعِ، فعندَه في وُجوبِ الحُكومةِ لِما قُطِعَ مِنَ الذِّراعِ وَجْهان.
ويَتَخرجُ أيضًا في جَوازِ
الجزء: 25 - الصفحة: 240
وَيَقْتَصُّ مِنَ الْمَنْكِبِ إِذَا لَمْ يَخَفْ جَائِفَةً،
قَطْعِ الأصابعِ وَجْهان.
فإن قطَع منها 596، لم يَكُنْ له حُكومةٌ في الكَفِّ؛ لأنَّه أمْكَنَه أخْذُه قِصاصًا، فلم يكُنْ له طَلَبُ أَرْشِه، كما لو كانتِ الجِنايةُ مِنَ الكُوعِ.
الخامسةُ، قَطَع مِن المَرْفِقِ، فله القِصاصُ منه؛ لأنَّه مَفْصِلٌ، وليس له القَطْعُ من الكُوعِ؛ لأنَّه أمْكَنَه اسْتِيفاءُ حَقِّه بكَمَالِه، والاقْتصاصُ مِن مَحَلِّ الجِنايةِ عليه، فلم يَجُزْ له 597 العُدولُ إلى غيرِه.
وإن عَفا إلى الدِّيَةِ، فله دِيَةُ اليَدِ، وحُكومةٌ للسَّاعِدِ.
السادسةُ، قَطعُها مِن العَضُدِ، فلا قِصاصَ فيها، في أحَدِ الوَجْهينِ، وله دِيَةُ اليَدِ، وحُكومةٌ للسَّاعِدِ وبعضِ العَضُدِ.
والثانى، له القِصاصُ مِنَ المَرْفِقِ.
وهل له حُكومةٌ في الزَّائدِ؟ على وَجْهين.
وهل له القَطْعُ من الكُوعِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهينِ.
السابعةُ، قَطَع (مِن المَنْكِبِ) فالواجِبُ القِصاصُ؛ لأنَّه مَفْصِلٌ (إذا لم يَخَفْ جائِفةً) وإنِ اخْتارَ الدِّيَةَ، فله دِيَةُ اليَدِ، وحُكومةٌ لِما زادَ.
الثامنةُ، خَلع عَظْم المَنْكِبِ، ويقالُ له: مِشْطُ الكَتِفِ.
فيَرْجِعُ
الجزء: 25 - الصفحة: 241
ويُؤْخَذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصَابِعِ، والْكَفِّ، وَالْمَرْفِقِ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَيَيْنِ بِمِثْلِهِ،
فيه إلى اثْنَيْن مِن ثِقَاتِ أَهْلِ الخِبْرَةِ، فإن قالوا: يُمْكِنُ الاسْتِيفاءُ مِن غيرِ أن تَصِيرَ جائِفَةً.
اسْتَوْفَى، وإلَّا صارَ الأمْرُ إلى الدِّيَةِ.
وفى جَوازِ الاسْتِيفاءِ مِن المَرْفِقِ أو ما دُونَه مثلُ ما ذكَرْنا في نظائِرِه.
ومثلُ هذه المسائلِ في الرِّجْلِ؛ فالسَّاقُ كالذِّراعِ، والفَخِذُ كالعَضُدِ، والوَرِكُ كعَظْمِ الكَتِفِ، والقَدَمُ كالكَفِّ، فتُقاسُ عليها للنَّصِّ والمَعْنَى.
4131 -
مسألة: (ويُؤْخَذُ كُلُّ واحدٍ مِن الأصابعِ والكَفِّ والمَرْفِقِ والذَّكَرِ والأُنْثَيَيْنِ بمِثْلِه)
لقولِه تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
ولما ذكَرْنا في اليَدِ باليَدِ.
ولا نعلمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في أنَّ القِصاصَ يَجْرِى في الذَّكَرِ، ولأَنَّ له حَدًّا يَنْتَهِى إليه، ويُمْكِنُ القِصاصُ فيه مِن غيرِ حَيْفٍ، فوَجَبَ فيه القِصاصُ، كالأنْفِ.
ويَسْتَوِى في ذلك ذَكَرُ الصَّغِيرِ والكبيرِ، والشَّيْخِ والشابِّ، والذَّكَرُ الكبيرُ والصغيرُ، والصَّحيحُ والمريضُ؛ لأَنَّ ما وجَب فيه القِصاصُ مِن الأطْرَافِ لم يَخْتَلِفْ بهذه المعانِى، كذلك الذَّكَرُ.
ويُؤْخَذُ كلُّ واحدٍ مِنَ المَخْتُونِ 598 والأغْلَفِ بصاحِبِه؛ لأَنَّ الغُلْفَةَ زِيادةٌ تَستَحِقُّ إزالَتها، فهى
الحديث: 4131 - الجزء: 25 - الصفحة: 242
وَهَلْ يَجْرِى الْقِصَاصُ في الْأَلْيَةِ وَالشَّفْرِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
كالمَعْدُومةِ ويُؤْخَذُ كلُّ واحدٍ مِنَ الخَصِىِّ والعِنِّينِ بمثلِه؛ لتَساوِيهِما، كما يُؤْخَذُ العَبْدُ بالعَبْدِ، والذِّمِّىُّ بالذِّمِّىِّ، ويُؤْخَذُ بعضُه ببعضٍ، ويُعْتَبَرُ بالأجْزاءِ دُونَ المِساحةِ، فيُؤْخَذُ النِّصْفُ بالنِّصْفِ، وما زادَ أو نَقَصَ فبِحسابِ ذلك، كالأنْفِ والأُذُنِ، على ما ذكَرْناه.
4132 -
مسألة: ويَجْرِى القِصاصُ في الأُنْثَيَيْنِ؛
لِما ذَكَرْنا مِن النَصِّ والمَعْنَى، ولا نعلمُ فيه خِلافًا، فإن قطَع إحْدَاهما وقال أهْلُ الخِبْرَةِ: إنَّه يُمْكِنُ أخْذُها مع سلامه الأُخْرَى.
جاز.
وإن قالوا: لا يُؤْمَنُ تَلَفُ الأُخْرَى، لم يُقْتَصَّ منها خَشْيَةَ الحَيْفِ، ويجبُ فيها نِصْفُ الدِّيَةِ.
وإن أُمِنَ تَلَفُ الأُخْرَى، أُخِذَتِ اليُمْنَى باليُمْنَى، واليُسْرَى باليُسْرَى، كاليَدَيْنَ.
4133 -
مسألة: (وهل يَجْرِى القِصاصُ في الأَلْيَةِ والشَّفْرِ؟ على وَجْهَيْنِ)
يجبُ القِصاصُ في الأَلْيَتَيْن الناتِئَتَيْنِ بينَ الفَخِذِ والظَّهْرِ بجانِبَى الدُّبُرِ، في أحَدِ الوَجْهَينِ.
وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافعىِّ.
والوَجْهُ الثانى، لا يجبُ.
وهو قولُ المُزَنِىِّ؛ لأنَّهما لَحْمٌ مُتَّصِلٌ بلَحْمٍ، أَشْبَهَ لَحْمَ الفَخِذِ، ووَجْهُ الأَوَّلِ قولُى تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
الحديث: 4132 - الجزء: 25 - الصفحة: 243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولأَنَّ لهما حَدًّا يَنْتَهِيانِ إليه، فجَرَى القِصاصُ فيهما، كالذَّكَرِ.
4134 -
مسألة: وفى القِصاصِ في شَفْرَىِ المَرْأَةِ وجهان؛
أحدُهما، لا قِصاصَ فيهما؟ لأنَّه لَحْمٌ لا مَفْصِلَ له يَنْتَهِى إليه، فأشْبَهَ لَحْمَ الفَخِذَيْنِ.
وهو قولُ القاضى.
والثانى، فيهما القِصاصُ؛ لأَنَّ انْتِهاءَهما مَعْرُوفٌ، فأشْبَها الشَّفَتَيْنِ وجَفْنَىِ العَيْنَيْنِ.
وهو قولُ أبى الخَطَّابِ.
ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهان كهذَيْن.
فصل
: فإن قَطَع ذكرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ، أو أُنْثَيَيْه، أو شَفْرَيْه، فطَلَبَ القِصاصَ، لم يُجَبْ إليه في الحالِ، ويَقِفُ الأمْرُ حتى يَتَبَيَّنَ حالُه؛ لأنَّنَا لا نعلمُ أنَّ المَقْطُوعَ عُضْوٌ أصْلِىٌّ، وإنِ اخْتارَ الدِّيَةَ، وكان يُرْجَى انْكِشافُ حالِه، أعْطَيْناه اليَقِينَ، فيكونُ له حُكومةٌ [في المَقْطُوعِ.
وإن كان قد قطَع جَمِيعَها، فله دِيَةُ امرأةٍ في الشَّفْرَيْنِ، وحُكومةٌ في الذَّكَرِ والأُنْثَيَيْنِ.
وإن يُئسَ مِن] 599 انْكِشافِ حالِه، أُعْطِىَ نِصْفَ دِيَةِ الذَّكَرِ والأُنْثَيَيْنِ، ونِصْفَ دِيَةِ الشَّفْرَيْنِ، وحُكومةً في نِصْفِ ذلك كلِّه.
الحديث: 4134 - الجزء: 25 - الصفحة: 244
فَصْلٌ:
وَيُشْتَرَطُ لِلْقِصَاصِ في الطَّرَفِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، الْأَمْنُ مِنَ الْحَيْفِ، بأَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ مَفْصِلٍ، أَوْ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِى إِلَيْهِ، كَمَارِنِ الْأَنْفِ، وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ، فَإِنْ قَطَعَ الْقَصَبَةَ، أَو قَطَعَ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ أوِ السَّاقِ، فَلَا قِصَاصَ في أَحدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِى الْآخَرِ، يَقْتَصُّ حَدِّ الْمَارِنِ، وَمِنَ الْكُوعِ وَالْكَعْبِ.
وَهَلْ يَجِبُ لَهُ أَرْشُ الْبَاقِى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
4135 - مسألة: (ويُشْتَرَطُ للقِصاصِ في الطَّرَفِ ثَلاثةُ شُروطٍ؛ أحدُها، أن يكونَ القَطْعُ مِن مَفْصِلٍ، أو له حَدٌّ يَنْتَهِى إليه، كَمارِنِ الأنْفِ، وهو ما لَانَ منه، فإن قطَع القَصَبَةَ، أو قطَعِ مِن نِصْفِ السَّاعدِ أو السّاقِ، فلا قِصاصَ في أحَدِ الوَجْهَيْن، وفى الآخرِ، يَقْتَصُّ مِن حَدِّ المَارِنِ، ومِنَ الكُوعِ والكَعْبِ.
وهَل يَجِبُ له أَرْشُ البَاقِى؟ على وَجْهَيْنِ)
أجْمَعُوا على جَرَيانِ القِصاصِ في الأنْفِ؛ للآيةِ والمَعنَى.
الحديث: 4135 - الجزء: 25 - الصفحة: 245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويُؤخَذُ الكبيرُ بالصَّغيرِ، والأقْنَى 600 بالأَفْطَسِ 601، وأنْفُ الأشَمِّ بأَنْفِ الأخْشَمِ الذى لا شَمَّ له؛ لأَنَّ ذلك لعِلَّةٍ في الدِّماغِ والأنْفُ صَحِيحٌ.
كما تُؤْخَذُ أُذُنُ السَّمِيعِ بأُذُنِ الأصَمِّ.
فإن كان بأَنْفِه جُذامٌ، أُخِذَ به الأنْفُ الصَّحِيحُ ما لم يَسْقُطْ منه شئٌ؛ لأَنَّ ذلك مَرَضٌ، فإن سقَط منه شئٌ، لم يُؤْخَذْ به الصَّحِيحُ، إلَّا أن يكونَ مِن أحَدِ جانِبَيْه، فيَأْخُذُ مِن الصَّحِيحِ مثلَ ما بَقِىَ منه، أو يَأْخُذُ أَرْشَ ذلك.
والذى يَجبُ فيه القِصاصُ أو الدِّيَةُ هو المارِنُ، وهو ما لَان منه، دُونَ القَصَبَةِ؛ لأَنَّ ذلك حَدٌّ يَنْتَهِى إليه، فهو كاليَدِ، يَجِبُ القِصاصُ فيما انْتَهَى إلى الكُوعِ.
فإن قطَع الأنْفَ كلَّه مع القَصَبةِ، فعليه القِصاصُ في المَارِنِ، وحُكومَةٌ للقَصَبَةِ.
هذا قولُ ابنِ حامِدٍ، ومذهبُ الشافعىِّ.
وفيه وجْهٌ آخرُ، أنَّه لا يَجِبُ مع القِصاصِ حُكومَةٌ، كَيْلَا يُجْمَعَ في عُضْوٍ واحدٍ بينَ قِصاصٍ ودِيَةٍ.
وقِياسُ قولِ
الجزء: 25 - الصفحة: 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبى بكرٍ، أنَّه لا يجبُ القِصاصُ ههُنا؛ لأنَّه 602 يضَعُ الحَدِيدَةَ في غيرِ المَوْضِعِ الذى وَضَعَها الجانِى فيه، فلم يَمْلِكْ ذلك، كقولِه 603 في مَن قطَع اليَدَ مِن نِصْفِ الذِّراعِ أو الكَفِّ.
وذكَر القاضى ههُنا كقولِ أبى بكرٍ، وفى نظائرِهِ مثلَ قولِ ابنِ حامدٍ.
ولا يَصِحُّ التَّفْريقُ مع التَّساوِى.
وإن قطَع بعضَ الأنْفِ، قُدِّرَ بالأجْزاءِ، وأُخِذَ منه بقَدْرِ ذلك، ولا يُؤْخَذُ بالمِساحَةِ، لئلَّا يُفْضِىَ إلى قَطعِ جَميعِ أنْفِ الجانِى لصِغَرِه ببعضِ أنْفِ المَجْنِىِّ عليه لكِبَرِه 604، ويُؤْخَذُ المَنْخِرُ الأيْمَنُ بالأيْمَنِ، والأيْسَرُ بمثلِه، ويُؤْخَذُ الحاجِزُ بالحاجِزِ، لأنَّه يُمْكِنُ القِصاصُ فيه، لِانْتِهائِه إلى حَدٍّ.
فصل: وتُؤْخَذُ 605 العَيْنُ بِالعَيْنِ؛ للآيَةِ.
ولا يُشْتَرَطُ التَّساوِى في الصِّغَرِ والكِبَرِ، والصِّحَّةِ والمَرَضِ؛ لأَنَّ اعْتِبارَ ذلك يُفْضِى إلى سُقوطِ القِصاصِ بالكُلِّيَّةِ.
الجزء: 25 - الصفحة: 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وتُؤْخَذُ الأُذُنُ بالأُذُنِ.
أجْمَع أهْلُ العلمِ على أنَّ الأُذُنَ تُؤْخَذُ بالأُذُنِ، وقد دَلَّتِ الآيةُ على ذلك، ولأنَّها تَنْتَهِى إلى حَدٍّ فاصِلٍ، فأَشْبَهَتِ اليَدَ.
وتُؤْخَذُ الكبيرةُ بالصَّغيرةِ، وتُؤْخَذُ أُذُنُ السَّميعِ بمثلِها وبأُذُنِ الأصَمِّ، وتُؤْخَذُ أُذُنُ الأصَمِّ بكلِّ واحدٍ منهما؛ لتَساوِيهما، فإنَّ ذَهابَ السَّمْعِ نَقْصٌ في الرَّأْسِ؛ لأنَّه مَحَلُّه، وليس بنَقْصٍ فيهما.
وتُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بالمَثْقوبَةِ؛ لأَنَّ الثَّقْبَ ليس بعَيْبٍ، وإنَّما يُفْعَل في العادةِ للقُرْطِ والتَّزَيُّنِ به، فإن كان الثَّقْبَ في غيرِ مَحَلِّه، أو كانت مَخْرُومةً، أُخذَتْ بالصَّحِيحَةِ، ولم تُؤْخَذِ الصَّحِيحَةُ بها؛ لأَنَّ الثَّقْبَ إذا انْخَرَمَ صار نَقْصًا فيها، والثَّقْبُ في غيرِ مَحَلِّه عَيْبٌ، ويُخَيَّر المَجْنِىُّ عليه بينَ أخْذِ الدِّيَةِ إلَّا قَدْرَ النَّقْصِ، وبينَ أن يَقْتَصَّ فيما سِوَى المَعِيبِ ويَتْرُكَه مِن أُذُنِ
الجزء: 25 - الصفحة: 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجانِى 606. وفى وُجُوب الحُكومةِ له في قَدْرِ النَّقْصِ وَجْهان.
وإن قُطِعَتْ بعضُ أُذُنِه، فله أَن يَقْتَصَّ مِن أُذُنِ الجانِى بقَدْرِ ما قُطِع مِن أُذُنِه، ويُقَدَّرُ ذلك بالأجْزاءِ، فيُؤْخَذُ النِّصْفُ بالنِّصْفِ، وعلى حسابِ 607 ذلك.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعىِّ: لا يَجْرِى القِصاصُ في البَعْضِ؛ لأنَّه لا يَنْتَهِى إلى حَدٍّ.
ولَنا، أنَّه يُمْكِنُ تَقْدِيرُ المَقْطُوعِ، وليس فيها كَسْرُ عَظْمٍ، فجَرَى القِصاصُ في بعْضِها، كالذَّكَرِ، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذكَرُوه.
فصل: وتُؤْخَذُ الأُذُنُ المُسْتَحْشِفَةُ 608 بالصَّحِيحةِ.
وهل تُؤْخَذُ الصَّحِيحةُ بها؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا تُؤْخَذُ بها؛ لأنَّها ناقِصَةٌ مَعِيبةٌ، فلم تُؤْخَذْ بها الصَّحِيحَةُ، كاليَدِ الشَّلَّاءِ وسائرِ الأعْضاءِ.
والثانى، تُؤْخَذُ بها؛ لأَنَّ المَقْصُودَ منها جَمْعُ الصَّوْتِ، وحِفْظُ مَحَلِّ السَّمْعِ، والجمالُ 609، وهذا يَحْصُلُ بها كحُصُولِه بالصَّحِيحةِ، بخِلافِ سائرِ الأعْضاءِ.
الجزء: 25 - الصفحة: 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن قطَع أُذُنَه فأَبانَها، فأَلْصَقَها صاحِبُها فالْتَصَقَتْ وثَبَتَتْ، فقال القاضى: يجبُ القِصاصُ.
وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ؛ لأنَّه وَجَبَ بالإِبَانَةِ، وقد وُجِدَتْ.
وقال أبو بكرٍ: لا قِصاصَ فيها.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّها لم تَبِنْ على الدَّوامِ، فلم يَسْتَحِقَّ إبانَةَ أُذُنِ الجانِى دَوامًا.
فإن سَقَطَتْ بعدَ ذلك قَرِيبًا أو بَعِيدًا، فله القِصاصُ، ويَرُدُّ ما أخَذَ.
وعلى قولِ أبى بكرٍ، إذا لم تَسْقُطْ، له دِيَةُ الأُذُنِ.
وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْى.
وكذلك قولُ الأوَّلِينَ إذا اخْتارَ الدِّيَةَ.
وقال مالكٌ: لا عَقْلَ لها إذا عادَتْ مَكانَها.
فأمَّا إن قطَع بعضَ أُذُنِه فالْتَصَقَ، فله أَرْشُ الجُرْحِ، ولا قِصاصَ فيه.
وإن قطَع أُذُنَ إنسانٍ، فاسْتَوْفَى منه، فألْصَقَ الجانِى أُذُنَه فالْتَصَقَتْ، فطَلَبَ المَجْنِىُّ عليه إبانَتَها، لم يَكُنْ له ذلك؛ لأَنَّ الإِبانَةَ قد حَصَلَتْ، والقِصاصَ قد اسْتُوفِىَ، فلم يَبْقَ له 610
الجزء: 25 - الصفحة: 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قِبَلَه حَقٌّ.
فأمَّا إن كان المَجْنِىُّ عليه لم يَقْطَعْ جميعَ الأُذُنِ، إنَّما قطَع بعْضَها فالْتَصَقَ، كان للمَجْنِىِّ عليه قَطْعُ جَمِيعِها؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ إبانَةَ جَمِيعِها، ولم يَكُنْ إِبَانَةٌ، والحُكْمُ في السِّنِّ كالحُكْمِ في الأُذُنِ 611.
فصل: ومَن ألْصَقَ أُذُنَه بعدَ إبانَتِها، أو سِنَّهُ، فهل تَلْزَمُه 612 إبَانتها؟ فيه وَجْهان مَبْنِيّانِ على الرِّوايتَيْنِ فيما بانَ مِن الآدَمِىِّ، هل هو نَجِسٌ أو طاهِرٌ؟ إن قُلْنا: هو نَجِسٌ.
لَزِمَتْه إزالتها، ما لم يَخْفِ الضَّرَرَ بذلك، كما لو جبَر عَظْمَه 613 بعَظْم نجِسٌ.
وإن قُلْنا بطَهارَتِها.
لم تَلْزَمْه إزالَتُها.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
وهو قولُ عَطاءِ بنِ أبى رباحٍ، وعَطاءٍ الخُراسانىِّ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّه جُزْءُ آدَمِىٍّ طاهِرٌ في حَياتِه ومَوْتِه، فكان طاهِرًا 614 كحالةِ اتِّصالِه 615. فأمَّا إن قطَع بعضَ أُذُنِه فالْتَصَقَتْ، لم يَلْزَمْه إبَانَتُها، على
الجزء: 25 - الصفحة: 251
فَإِذَا أَوْضَحَ إِنْسَانًا، فَذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ، أَوْ سَمْعُهُ، أَوْ شَمُّهُ، فَإِنَّهُ
الرِّوايتَيْن جميعًا؛ لأنَّها لم تَصِرْ مَيْتَةً، لعَدَمِ إِبَانَتِها.
ولا قِصاصَ فيها.
قاله القاضى.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ المُماثَلَةُ في المَقْطُوعِ منها.
4136 -
مسألة: (وإذا أوْضَحَ إنْسانًا، فذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ، أو سَمْعُه، أو شَمُّه، فإنَّه يُوضِحُه)
فإنَّه جُرْحٌ يُمْكِنُ الاقْتِصاصُ منه مِن
الحديث: 4136 - الجزء: 25 - الصفحة: 252
يُوضِحُه، فَإِنْ ذَهَبَ ذَلِكَ، وَإِلَّا اسْتَعْمَلَ فِيهِ مَا يُذْهِبُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْنِىَ عَلَى حَدَقَتهِ، أَوْ أُذُنِهِ، أَوْ أَنْفِهِ،
غيرِ حَيْفٍ؛ لأَنَّ له حَدًّا يَنْتَهِى إليه (ثم إن ذهبَ ذلك، وإلَّا اسْتَعْمَلَ فيه ما يُذْهِبُه مِن غيرِ أن يَجْنِىَ على حَدَقَتِه، أو أُذُنِه، أو أنْفِه) لأنَّه يَسْتَوْفِى حَقَّه مِن غيرِ زِيادةٍ، فيُعالَجُ بما يُذْهِبُ بصَرَه مِن غيرِ أن يَقلَعَ عَيْنَه، كما روَى يحيى بنُ جَعْدَةَ، أنَّ أعْرابِيًّا قَدِمَ بحَلُوبَةٍ له إلى المَدِينةِ، فساوَمَهُ فيها مَوْلًى لعثمانَ بنِ عفَّان، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فنازَعَه، فلَطَمَه ففَقَأَ عَيْنَه، فقال له عثمانُ: هل لك أن أُضَعِّفَ لك الدِّيَةَ وتَعْفُوَ عنه؟ فأَبَى، فرَفَعَهُما إلى علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فدَعا علىٌّ بمِرآةٍ فأحْماها، ثم وضَع القُطْنَ على عَيْنِه الأُخْرَى، ثم أخَذَ المِرْآةَ بكَلْبَتَيْنِ، فأَدْناها [مِن عَيْنِه] 616 حتى سالَ إنسانُ عَيْنِه.
وإن وضَع فيها كافُورًا يَذْهَبُ بضَوْئِها مِن غيرِ أن يَجْنِىَ على الحَدَقَةِ،
الجزء: 25 - الصفحة: 253
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِلَّا بِالْجِنَايَةِ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ، سَقَطَ.
جازَ.
وكذلك السَّمْعُ والشَّمُّ (فإن لم يُمْكِنْ إلَّا بالجِنايةِ على هذه الأعْضاءِ، سقَط) القِصاصُ؛ لتَعَذُّرِ المُماثَلَةِ، ولأَنَّ تَوَهُّمَ الزِّيادةِ يُسْقِطُ القَوَدَ، فحَقِيقَتُه أوْلَى.
فصل: وإن شَجَّه دُونَ المُوضِحَةِ، فأذْهَبَ ضَوْءَ عَيْنِه، لم يَقْتَصَّ منه مثلَ شَجَّتِه، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّها لا قِصاصَ فيها إذا لم يَذْهَبْ ضَوْءُ العَيْنِ، فكذلك إذا ذهَب، ويُعالَجُ ضَوْءُ العَيْنِ بمثلِ ما ذكَرْنا.
فإن كانتِ الشَّجَّةُ فوقَ المُوضِحَةِ، فله أن يَقْتَصَّ مُوضِحَةً.
فإن ذهَب ضَوْءُ العَيْنِ، وإلَّا اسْتَعْمَلَ فيه ما يُزِيلُه من غيرِ أَنْ يَجْنِىَ على الحَدَقَةِ.
واخْتَلَفَ أصْحابُ الشافعىِّ في القِصاصِ في البَصَرِ في هذه المواضِعِ كُلِّها 617، فقال بعضُهم: لا قِصاصَ فيه؛ لأنَّه لا يَجبُ بالسِّرَايةِ عندَهم، كما لو قطَع إصْبَعَه، فسَرَى القَطْعُ إلى التى تَلِيها، فأَذهَبَها.
وقال بعضُهم: يجبُ القِصاصُ ههُنا، قولًا واحدًا؛ لأَنَّ ضَوْءَ العَيْنِ لا تُمْكِنُ مُباشَرَتُه بالجِنايةِ، فيَقْتَصُّ منه بالسِّرَايةِ، كالنَّفْسِ، فيَقْتَصُّ مِن البَصَرِ بما ذكَرْنا في مثلِ هذا.
الجزء: 25 - الصفحة: 254
فَصْلٌ: الثَّانِى، الْمُمَاثَلَةُ فِى الْمَوْضِعِ، فَتُؤْخَذُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى، والْعُلْيَا والسُّفْلَى، مِنَ الشَّفَتَيْنِ والأَجْفَانِ بِمِثْلِهَا.
والْإِصْبَعُ والسِّنُّ والأُنْمَلةُ بِمِثْلِهَا فِى المَوْضِعِ وَالاسْمِ.
فصل
: الشَّرطُ (الثانى، المُمَاثلةُ في الموْضِع، فتُؤْخَذُ كلُّ واحدةٍ مِن اليُمْنَى واليُسْرَى، والعُلْيا والسُّفْلَى، مِن الشَّفَتَيْنِ والأجْفانِ بمِثْلِها) لأَنَّ القِصاصَ يَعْتَمِدُ المُمَاثَلَةَ.
هذا قولُ أكثرِ أَهْلِ العلمِ، منهم مالكٌ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وحُكِى عن ابنِ سِيرِينَ، وشَريكٍ، أنَّ إحْدَاهما تُؤْخَذُ بالأُخْرَى، لاسْتِوائِهما في الخِلْقَةِ والمَنْفَعَةِ.
ولَنا، أنَّ كلَّ واحدةٍ منهما تَخْتَصُّ باسْم، فلا تُؤْخَذُ إحْدَاهما بالأُخْرَى، كاليَدِ مع الرِّجْلِ.
وِكذلك كلُّ ما انْقَسَمَ إلى يَمِينٍ ويَسارٍ، كاليَدَيْنِ، والرِّجْلَيْنِ، والأُذُنيْنِ، والمَنْخَرَيْن، والثَّدْيَيْنِ، والألْيَتَيْنِ، والأُنْثَيَيْن (1)، لا تُؤْخَذُ إحْدَاهما بالأُخْرَى، وكذلك كلُّ (1) ما انْقَسَمَ إلى أعْلَى وأسفَلَ، كالجَفْنَيْن والشَّفَتَيْن، لا يُؤْخَذُ الأعْلَى بالأسْفَلِ، ولا الأسْفَلُ بالأعْلَى، لذلك.
4137 -
مسألة: (و)
تُؤْخَذُ (الإصْبَعُ والسِّنُّ والأُنْمُلَةُ بمِثْلِهَا فِى المَوْضِعِ والِاسْمِ) ولَا تُؤْخَذُ أُنْمُلَةٌ بِأْنْمُلَةٍ إلَّا أن يَتَّفِقَا فِى المَوْضِعِ618
الحديث: 4137 - الجزء: 25 - الصفحة: 255
وَلَوْ قَطَعَ أُنْمُلَةَ رَجُلٍ الْعُلْيَا، وَقَطَعَ الْوُسْطَى مِنْ تِلْكَ الإِصْبَعِ مِنْ آخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُلْيَا، فَصَاحِبُ الُوسْطَى مُخَيَّرٌ بَيْنُ أَخْذِ عَقْلِ أُنْمُلَتِهِ، وبَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَقْطَعَ الْعُلْيَا، ثُمَّ يَقْتَصَّ مِنَ الْوُسْطى، والِاسْمِ، ولا تُؤْخَذُ عُلْيَا بسُفْلَى ولا وُسْطَى، والوُسْطىَ والسُّفْلَى لا تُؤْخَذانِ بغيرِهما.
4138 -
مسألة: (فلو قطَع أُنْمُلَةَ رَجُلٍ العُلْيَا، وقطَع الوُسْطَى مِن آخَرَ ليس له عُلْيَا، فصاحِبُ الوُسْطَى مُخَيَّرٌ بينَ أخْذِ عَقْلِ أُنْمُلَتِه، وبينَ أن يَصْبِرَ حَتَّى يَقْطَعَ العُلْيَا، ثُمَّ يَقْتَصَّ مِنَ الوُسْطى)
لأنَّه يَسْتَوْفِى حَقَّه بذلك.
فصل: فإن قطَع مِن ثالثٍ السُّفْلَى، فللأوَّلِ أن يَقْتَصَّ مِن العُلْيَا، ثم للثانِى أن يَقْتَصَّ مِن الوُسْطَى، ثم للثالثِ أن يَقْتَصَّ مِن السُّفْلَى، سواءٌ 619 جاءُوا جميعًا أو واحِدًا بعدَ واحدٍ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قِصاصَ إلَّا في العُلْيا؛ لأنَّه لم يَجِبْ في غيرِها حالَ الجِنايةِ، لتَعَذُّرِ اسْتِيفائِه، فلم يَجِبْ بعدَ ذلك، كما لو كان غيرَ مُكافِئٍ حالَ الجِنايةِ، ثم صارَ مُكافِئًا بعدَه.
ولَنا، أنَّ تَعَذُّرَ القِصاصِ لاتِّصالِ مَحَلِّه بغيرِه لا يَمْنَعُه إذا زالَ الاتِّصالُ، كالحاملِ إذا جَنَتْ ثم وَضَعَتْ.
ويُفارِقُ عَدَمَ التَّكافُؤ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ لمَعْنًى فيه، وههُنا تَعَذَّرَ لاتِّصالِ غيرِه به 620، فأمَّا إن جاءَ
الحديث: 4138 - الجزء: 25 - الصفحة: 256
وَلَا يُؤْخَذُ شَىْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِمَا يُخَالِفُهُ،
صاحِبُ الوُسْطَى أو السُّفْلَى يَطْلُبُ القِصاصَ قبلَ صاحِبِ العُلْيا، لم يُجَبْ إليه؛ لأَنَّ في اسْتِيفائِه إتْلَافَ أُنْمُلَةٍ لا يَسْتَحِقُّها، وقيل لهما: إمَّا أن تَصْبِرَا حتى تَعْلَمَا ما يكونُ مِن الأَوَّلِ، فإنِ اقْتَصَّ فلكما القِصاصُ، وإن عَفا فلا قِصاصَ لكما، وإمَّا أن تَرْضَيَا بالعَقْلِ، فإن جاءَ صاحِبُ العُلْيا فاقْتَصَّ، فللثانى الاقْتِصاصُ، وحُكمُ الثالثِ مع الثانى كحُكْمِ 621 الثانى مع الأَوَّلِ، فإن عَفا فلكما العَقْلُ.
وإن قالا: نحن نَصْبِرُ ونَنْتَظِرُ بالقِصَاصِ أن تَسْقُطَ العُلْيَا بمَرَضٍ أو نحوِه، ثم نَقْتَصُّ.
لم يُمْنَعا مِن ذلك.
فإن قطَع صاحِبُ الوُسْطَى الوُسْطَى والعُلْيَا، فعليه دِيَةُ العُلْيَا، تُدْفَعُ إلى صاحبِ العُلْيَا.
وإن قطَع الإِصْبَعَ كلَّها، فعليه القِصاصُ في الأُنْمُلَةِ الثالثةِ، وعليه أَرْشُ العُلْيَا للأوَّلِ، وأرْشُ السُّفْلَى على الجانِى لصاحِبِها، وإن عَفا الجانِى عن قِصاصِها، وجَب أرْشُها، يَدْفَعُه إليه، ليَدْفَعَه إلى المَجْنِىِّ عليه.
فصل: فإن قطَع أُنْمُلَةَ رَجُلٍ العُلْيَا، ثم قطَع أُنْمُلَتَىْ آخَرَ العُلْيَا والوُسْطىَ مِن تلك الإِصْبعِ، فللأوَّلِ قَطْعُ العُلْيَا؛ لأَنَّ حَقَّه أسْبَقُ، ثم يَقْطَعُ الثانى الوُسْطَى، ويأْخُذُ أَرْشَ العُلْيا مِن الجانِى.
فإن بادَرَ الثَّانِى فقَطعَ الأُنْمُلَتَيْنِ، فقد اسْتَوْفَى حَقَّه، وتَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ القِصاصِ للأوَّلِ، وله الأَرْشُ على الجانِى.
وإن كان قطَع الأُنْمُلَتَيْنِ أوَّلًا، قَدَّمْنا صاحِبَهُما في القِصاصِ، ووَجَبَ لصاحبِ العُلْيَا أَرشُها، وإن بادرَ صاحِبُها
الجزء: 25 - الصفحة: 257
وَلا تُؤْخَذُ أَصْلِيَّة بِزَائِدَةٍ، وَلَا زَائِدَةٌ بِأَصْلِيَّةٍ، وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ.
فقَطَعَها، فقد اسْتَوْفَى حَقَّه، وتُقطَعُ الوُسْطى للأوَّلِ، ويأْخذُ الأَرْشَ للعُلْيَا.
ولو قطَع أُنْمُلَةَ رَجُلٍ العُلْيَا، ولم يَكُنْ للقاطعِ عُلْيَا، فاسْتَوْفَى الجانِى مِن الوُسْطَى، فإن عَفا إلى الدِّيَةِ، تَقَاصَّا وتساقَطا؛ لأَنَّ دِيَتَهُما واحدةٌ، وإنِ اخْتارَ الجانِى القِصاصَ، فله ذلك، ويَدْفَعُ أَرْشَ العُلْيَا.
ويَجِئُ على قولِ أبى بكرٍ، أن لا يَجِبَ القِصاصُ؛ لأَنَّ دِيَتَهُما واحدةٌ، واسمُ الأُنْمُلَةِ يشْمَلُهما، فتَساقَطَا، كقولِه في إحْدَى اليَدَيْنِ بَدَلًا عن الأُخْرَى.
واللَّهُ أعلمُ.
4139 -
مسألة: (ولا تُؤْخَذُ أصْلِيَّةٌ بِزائِدَةٍ، ولا زائِدَةٌ بأَصلِيَّةٍ)
ولا زائِدَةٌ بزائِدَةٍ في غيرِ مَحَلِّهَا؛ لعدمِ التَّمَاثُلِ (وإن تَراضَيا عليه لم يَجُزْ)
الحديث: 4139 - الجزء: 25 - الصفحة: 258
فَإِنْ فَعَلَا، أَوْ قَطَعَهَا تَعَدِّيًا، وجملةُ ذلك، أنَّ ما لا يجوزُ أخْذُه قِصاصًا، لا يجوزُ بتراضِيهِما؛ لأَنَّ الدِّماءَ لا تُسْتَباحُ بالإِباحةِ والبَذْلِ، ولذلك لو بَذَلَها ابْتِداءً، لم يَحِلَّ له أخْذُها، ولا يَحِلُّ لأحَدٍ قَتْلُ نَفْسِه، ولا قَطْعُ طَرَفِه، فلا يَحِلُّ لغيرِه بِبَذْلِه.
4140 -
مسألة: فلو تَراضَيا على قَطْعِ إحْدَى اليَدَيْنِ بَدَلًا عن الأُخْرَى، فَقَطَعَها المُقْتَصُّ، سقَط القَوَدُ، لأَنَّ القَوَدَ سقَط في الأُولَى بإسْقاطِ صاحِبِها، وفى الثَّانيةِ بإذْنِ صاحِبِها في قَطعِها، ودِيَتُهما
622 مُتَساوِيَةٌ.
وهذا قولُ أبى بكرٍ.
وكذلك لو قَطَعَها تَعَدِّيًا، سقَط القِصاصُ، لأنَّهما تَساوَيا في الدِّيَةِ والأَلَمِ والاسمِ، فتَقَاصَّا وتَساقَطا، ولأَنَّ إيجابَ القِصاصِ يُفْضِى إلى قَطْعِ يَدَىْ كلِّ واحدٍ منهما، وإذْهابِ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ، وإلْحاقِ الضَّرَرِ العظيمِ بهما جميعًا.
ولا تَفْرِيعَ على هذا القولِ لوُضُوحِه.
وكلُّ واحدٍ مِن القَطْعَيْنِ مَضْمُونٌ بسِرَايَتِه، لأنَّه عُدْوَانٌ.
وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان أخَذَها 623 عُدْوانًا، فلكلِّ واحدٍ منهما القِصاصُ على صاحِبِه، وإن أخَذَها بتَراضِيِهما، فلا قِصاصَ في الثَّانيةِ؛ لرِضَا صاحِبِها ببَذْلِها، وإذْنِه في قَطْعِها.
وفى وُجُوبِه في الأُولَى وَجْهان، أحدُهما، يَسْقُطُ، لِما ذكَرْناه.
والثانى، لا يَسْقُطُ؛ لأنَّه رَضِىَ بتَرْكِه بعِوَضٍ لم يَثْبُتْ له، فكان له الرُّجُوعُ إلى حَقِّه، كما لو باعَه سِلْعَةً بخمْرٍ وقَبَّضَه إيَّاه.
فعلى هذا، له القِصاصُ بعدَ انْدِمالِ الأُخْرَى، وللجانِى دِيَةُ
الحديث: 4140 - الجزء: 25 - الصفحة: 259
أَوْ قَالَ: أَخرِجْ يَمِينَكَ.
فَأَخْرَجَ يَسَارَهُ، فَقَطَعَهَا، أجْزَأَتْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَسَقَطَ الْقِصَاصُ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ أخْرَجَهَا عَمْدًا، لَمْ يُجْزِ، ويُسْتَوْفَى مِنْ يَمِينِهِ بَعْدَ انْدِمَالِ الْيَسَارِ.
يَدِه.
فإذا وجَبَ للمَجْنِىِّ عليه دِيَةُ يَدِه وكانتِ الدِّيَتانِ واحدةً، تقَاصَّا، وإن كانت إحْداهما أكثرَ (1) مِن الأُخْرَى، كالرَّجُلِ مع المرأةِ، وجَب الفَضْلُ لصاحِبِه.
4141 -
مسألة: وإن (قال)
له: (أخْرِجْ يَمِينَكَ.
فَأخْرَجَ يَسارَه، فَقَطَعَها، أجْزَأَتْ) على قولِ أبى بَكْرٍ، سَوَاءٌ قَطعها عَالِمًا بها أو جاهِلًا.
وعلى قولِ ابنِ حامِدٍ، إن أخْرَجَها عَمْدًا عالِمًا أَنَّها يَسارُه وأنَّها لا تُجْزِئُ، فلا ضَمانَ على قَاطِعِها ولا قَوَدَ؛ لأنَّه بذَلَها بإخْراجِه لها لا علىِ سَبِيلِ العِوَضِ، وقد يقومُ الفِعْلُ في ذلك مَقامَ النُّطْقِ، بدليلِ أنَّه لا فَرْق بينَ قَوْلِه: خُذْ هذا فكُلْه.
وبينَ اسْتِدْعاءِ ذلك منه، فيُعْطِيه إيَّاه.
ويُفارِقُ هذا ما إذا قطَع يَدَ إنسانٍ وهو ساكِتٌ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه البَذْلُ.
ويُنْظَرُ في المُقْتَصِّ؛ فإن فَعَلَ ذلك عالِمًا بالحالِ، عُزِّرَ؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ منه لحَقِّ اللَّهِ تعالى.
وهل يَسْقُطُ القِصاصُ في اليُمْنَى؟ على وَجْهَيْن؛ أحدُهما،624
الحديث: 4141 - الجزء: 25 - الصفحة: 260
وَإِنْ أخْرَجَهَا دَهْشَةً، أَوْ ظَنًّا أَنَّهَا تُجْزِئُ، فَعَلَى الْقَاطِعِ
يَسْقُطُ؛ لأنَّ قاطِعَ اليَسارِ تَعَدَّى بقَطْعِها، فلم يَمْلِكْ قَطْعَ اليَدِ الأُخْرَى، كما لو قطَع يَدَ السَّارِقِ اليُسْرى مكان يَمِيِنِه، فإنَّه لا يَمْلِكُ قَطْعَ يَمِينِه.
والوجهُ الثانى، لا يَسْقُطُ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
وفرَّقُوا بينَ القِصاصِ وقَطْعِ السَّارِقِ مِن وُجُوهٍ ثَلاثةٍ؛ أحدُها، أنَّ الحَدَّ مَبْنِىٌّ على الإِسْقاطِ، بخِلافِ القِصاصِ.
الثانى، أن اليَسارَ لا تُقْطَعُ في السَّرِقَةِ وإن عُدِمَتْ يمينُه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ مَنْفَعَةَ الجِنْسِ، بخِلافِ القِصاصِ.
والثالثُ، أنَّ اليَدَ لو سَقَطَتْ بأكِلَةٍ (1) أو قِصاصٍ، سقَط القَطْعُ في السَّرِقَةِ، فجازَ أن يَسْقُطَ بقَطْعِ اليَسارِ، بخِلافِ القِصاصِ، فإنَّه لا يَسْقُطُ، ويَنْتَقِلُ إلى البَدَلِ.
ولكنْ لا تُقْطَعُ يَمِينُه حتى تَنْدَمِلَ يَسارُه؛ لئَلَّا يُؤدِّىَ إلى ذَهابِ نَفْسِهْ.
فإن قيلِ: أليس لو قطَع يَمِينَ رَجُلٍ ويَسارَ آخَرَ، لم يُؤَخَّرْ أحَدُهما إلى انْدِمالِ الآخرِ؟ قُلْنا: الفرقُ بينَهما أنَّ القَطْعَيْنِ مُسْتَحقَّانِ قِصاصًا، فلهذا جَمَعْنا بينَهما، وفى مَسْأَلتِنا أحَدُهما غيرُ مُسْتَحَقٍّ، فلا نَجْمَعُ بينَهما، فإذا انْدَمَلَتِ اليَسارُ قَطَعْنا اليَمِينَ، فإن سَرَى قَطْعُ اليَسارِ إلى نَفْسِه، كانتْ هَدْرًا، ويَجِبُ (2) في تَرِكَتِه دِيَةُ اليُمْنَى؛ لتَعَذُّر الاسْتِيفاءِ فيها بمَوْتِه.
4142 -
مسألة: (وإن أخْرَجَها دَهْشَةً، أو ظَنًّا)
منه (أنَّها625626
الحديث: 4142 - الجزء: 25 - الصفحة: 261
دِيَتُهَا،
تُجْزِئُ، فعلى القاطِعِ دِيَتُها) إن علِمَ أَنَّها يَسارٌ وِأنَّها لا تُجْزِئُ، [ويُعَزَّرُ] 627. وقال بعضُ الشَّافِعِيَّةِ: عليه القِصاصُ؛ لأنَّه قَطَعها مع العلمِ بأنَّه ليس له قَطعُها.
ولَنا، أنَّه قَطَعَها ببَذْلِ صاحِبِها، فلم يجِبْ عليه القِصاصُ، كما لو عَلِمَ باذِلُها.
وإن كان جاهِلًا، فلا تَعْزِيرَ عليه، وعليه الضَّمانُ بالدِّيَةِ؛ لأنَّه بذَلَها له على وَجْهِ البَدَلِ 628، فكانتْ مَضْمُونَةً عليه؛ لأنَّه لو كان عالِمًا بها كانت مَضمُونَةً عليه، وما وجَب ضَمانُه في العَمْدِ، وجَبَ في الخَطَأ، كإتْلافِ المالِ، والقِصاصُ باقٍ له في اليَمِينِ، ولا يَقْتَصُّ حتى تَنْدَمِلَ اليَسارُ، فإن عَفا وجَب بدَلُها، ويَتَقاصَّان، وإن سَرَتِ اليَسارُ إلى نَفْسِه، كانت مَضْمُونَة بدِيَةٍ كاملةٍ، وقد تَعَذَّرَ قَطْعُ اليُمْنَى، ووَجَبَ له نِصْفُ الدِّيَةِ.
فيتَقاصَّان به، ويَبْقَى نِصْفُ الدِّيَةِ لوَرَثَةِ الجانِى.
فإنِ اخْتَلَفا في بذْلِها، فقال الجانِى: إنَّما بَذَلْتُها 629 بدَلًا عن اليَمِينِ.
وقال المَجْنِى عليه: بَذَلْتَها بغيرِ عِوَضٍ.
أو قال: أخْرَجْتُها
الجزء: 25 - الصفحة: 262
وَإِنْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ مَجْنُونًا، فَعَلَى الْقَاطِعِ الْقِصَاصُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِهَا، وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، وإنْ جَهِلَ أحَدَهُمَا فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ، وإنْ كَانَ الْمُقْتَصُّ مَجْنُونًا، وَالْآخَرُ غَاقِلًا، ذَهَبَتْ هَدْرًا.
دَهْشَةً.
قال: بل عالِمًا.
فالقولُ قولُ الجانِى؛ لأنَّه أعْلَمُ بنِيَّتِه، ولأَنَّ الظاهِرَ أنَّ الإِنْسانَ لا يَبْذُلُ طَرَفَه للقَطْعِ تَبَرُّعًا، مع أنَّ عليه قَطْعًا مُسْتَحَقًّا.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
4143 -
مسألة: (وإن كان مَن عليهِ القِصاصُ مَجْنُونًا)
مِثْلَ مَن يُجَنُّ بعدَ وُجُوبِ القِصاصِ عليه، فعلَى قَاطِعِها القَوَدُ (إن كان عالِمًا بها، وأنَّها لا تُجْزِئُ) لأنَّه قَطَعَها تَعَدِّيًا بغيرِ حَقٌّ (وإن جَهِلَ أحَدَهُما فعليه الدِّيَةُ) لأَنَّ بَذْلَ المَجْنُونِ ليس بشُبْهَةٍ.
4144 -
مسألة: وإن كان مَن لهُ القِصاصُ مَجْنُونًا، ومَن عليه القِصاصُ عاقِلًا،
فأخْرَجَ إليه يَسارَه أَوْ يَمِينَهُ فَقَطَعَها، ذَهَبَت هَدْرًا؛ لأنَّه لا يَصِحُّ منه الاسْتِيفاءُ، ولا يجوزُ البَذْلُ له، ولا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أتْلَفَها ببَذْل صاحِبِها، لكنْ إن كان المقْطوعُ اليُمْنَى، فقد تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ القِصاصِ فيها لتَلَفِها، فتكونُ للمَجْنونِ دِيَتُها.
فصل
: فإن وثَب المجْنُونُ عليه فقَطَعَ يَدَه التى لا قِصاصَ
الحديث: 4143 - الجزء: 25 - الصفحة: 263
فَصْلٌ: الثَّالِثُ، اسْتِوَاؤُهُمَا فِى الصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ، فَلَا تُؤْخَذُ صَحِيحَةٌ بِشلَّاءَ، وَلَا كَامِلَةُ الأَصَابِعِ بِنَاقِصَةٍ، وَلَا عَيْنٌ صَحِيحَةٌ بِقَائِمَةٍ، وَلَا لِسَانٌ نَاطِقٌ بِأَخْرَسَ،
فيها، فعلى عاقِلَتِه دِيَتُها، وله القِصاصُ في الأُخْرَى، وإن قطَع الأُخْرَى، فهو مُسْتَوْفٍ حَقَّه، في أحَدِ الوَجْهينِ؛ لأَنَّ حَقَّه مُتَعَيِّنٌ فيها، فإذا أخَذَها قَهْرًا، سقَط حَقُّه، كما لو أتْلَفَ ودِيعَتَه.
والثانى، لا يَسْقُطُ حَقُّه، وله عَقْلُ يَدِه، وعَقْلُ يَدِ الجانِى على عاقِلَتِه؛ لأَنَّ المَجْنُونَ لا يَصِحُّ منه الاسْتِيفاءُ.
ويُفارِقُ الوَدِيعَةَ إذا أتْلَفَها؛ لأنَّها تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ، وليس لها بَدَلٌ إذا تَلِفَتْ بذلك، واليَدُ بخِلافِه، فإنَّها لو تَلِفَتْ بغيرِ تَفْريطٍ، كانتْ عليه دِيَتُها، وكذلك الحُكْمُ في الصَّغيرِ.
فإنِ اقْتَصَّا ممَّا لا تَحْمِلُه العاقِلَةُ، سقَط حَقُّهما، وَجْهًا واحدًا، وقد ذكَرْناه.
فصل
: (الثالثُ، اسْتِواؤُهما في الصِّحَّةِ والكَمالِ) لأَنَّ القِصاصَ يَعْتَمِدُ المُماثَلَةَ (فلا تُؤْخَذُ صَحِيحَةٌ بشَلَّاءَ، ولا كاملةُ الأصابعِ بناقِصَةٍ) ولا ذاتُ أظْفارٍ بما لا أظْفارَ لها 630 (ولا عَيْنٌ صَحِيحَةٌ بقائمَةٍ 631، ولا لسانٌ ناطِقٌ بأخْرَسَ) لا نعلمُ أحدًا مِن أهْل العلم قال بوُجُوب قَطْعِ يَدٍ أو رِجْلٍ أو لِسانٍ صَحِيحٍ بأشَلَّ، إلَّا ما حُكِىَ عن 632 داودَ، أنَّه أوْجَبَ
الجزء: 25 - الصفحة: 264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك؛ لاشْتِراكِهما في الاسمِ، فأُخِذَ به كالأُذُنَيْنِ.
وِلَنا، أنَّ الشَّلَّاءَ [لا نَفْعَ] 633 فيها سِوَى الجَمالِ 634، فلا تُؤْخَذُ بما فيه نفْعُه، كالعَيْنِ الصَّحِيحَةِ لا تُؤْخَذُ بالقائمةِ، وما ذُكِرَ له قِياسٌ، وهو لا يقولُ بالقِياسِ، وإذا لم يُوجبِ القِصاصَ في العَيْنَيْنِ مع قوْلِه تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ 635. لأجْل تَفاوُتِهِما في الصِّحَّةِ والعَمَى، فلَأن لا يُوجِبَ ذلك فيما لا نَصَّ فيه أَوْلَى.
فصل: ولا تُؤْخَذُ يَدٌ كاملةُ الأصابعِ بناقِصَةِ الأصابعِ، فلو قطَع مَن له خَمْسُ أصابِعَ يَدَ مَن له أرْبَعٌ أو ثَلاثٌ، أو قطَع مَن له أرْبَعُ أصابعَ يَدَ مَن له ثَلاثٌ، لم يَجِبِ القِصاصُ؛ لأنَّها 636 فوقَ حَقِّه.
وهل له أن يَقْطَعَ نِصْفِ الكَفِّ.
وإن قطَع ذُو اليَدِ الكاملةِ يَدًا فيها إصْبَعٌ شَلَّاءُ وباقِيها مِن أصابعِ الجانِى بعَدَدِ أصابِعِه؟ فيه وَجْهان، ذكَرْناهما فيما إذا قطَع مِن صِحاحٌ، لم يَجُزْ أخْذُ الصَّحِيحةِ بها؛ لأنَّه أخْذُ كامِلٍ بناقِصٍ.
وفى الاقْتِصاصِ مِن الأصابعِ الصِّحاحِ وَجْهان؟ فإن قُلْنا: له أن يَقْتَصَّ.
فله الحُكومةُ في الشَّلَّاءِ، وأَرْشُ ما تَحْتَها مِن الكَفِّ.
وهل يَدْخُلُ ما تحتَ
الجزء: 25 - الصفحة: 265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصابعِ الصِّحاحِ في قِصاصِها، أو تجِبُ فيه 637 حُكومةٌ؟ [على وجْهَيْن] 638.
فصل: وإن قَطَع 639 اليَدَ الكاملةَ [ذُو يَدٍ] 640 فيها إصْبَعٌ زائدَةٌ، وجَب القِصاصُ [فيها.
ذكَرَه أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ حامدٍ؛ لأَنَّ الزَّائدةَ عَيْبٌ ونَقْصٌ في المَعْنَى، فلم يَمْنَعْ وُجُودُها القِصاصَ] 641 منها، كالسِّلْعةِ فيها والخُرَاجِ 642. واخْتارَ القاضى أنَّها لا تُقْطَعُ بها.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّها زِيادةٌ.
فعلى هذا إن كان للمَجْنِىِّ عليه أيضا إصْبَعٌ زائدةٌ في مَحَلِّ الزَّائدةِ مِن الجانِى، وجَب القِصاصُ؛ لاسْتِوائِهِما، وإن كانتْ في غيرِ مَحَلِّها، أو 643 لم يَكُنْ للمَجْنِىِّ عليه إصْبَعٌ زائدةٌ، لم تُؤْخَذْ يَدُ الجانِى.
وهل يَمْلِكُ قَطْعَ الأصابعِ؟ يُنْظَرُ؛ فإن كانتِ الزَّائِدَةُ مُلْصَقَةً بإحْدى الأصابعِ، فليس له قَطْعُ تلك الإِصْبَعِ؛ لأَنَّ في قَطْعِها إضْرارًا بالزَّائِدَةِ.
وهل له قَطْعُ الأصابعِ الأرْبعِ؟ على وَجْهَين.
وإن لم تكُنْ ملصقةً بواحدةٍ منهنَّ، فهل له قطْعُ الخَمْسِ؟ على وَجْهين.
وإن كانتِ الزَّائدةُ نابتةً في إصْبعٍ في أُنْمُلَتِها
الجزء: 25 - الصفحة: 266
وَلَا ذَكَرٌ صَحِيحٌ بِأَشَلَّ، وَلَا ذَكَرُ فَحْلٍ بِذَكَرِ خَصِىٍّ وَلَا عِنِّينٍ.
العُلْيا، لم يَجُزْ قَطْعُها، وإن كانت نابِتَةً في السُّفْلى أو الوُسْطَى، فله قطْعُ ما فَوْقَها مِن الأنامِلِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن.
ويأْخُذُ أَرْشَ الأُنْمُلَةِ التى تَعَذَّرَ قَطْعُها، في أحَدِ الوَجْهَيْن، ويَتْبَعُ ذلك خُمْسُ الكَفِّ.
فصل: وإن قطَع ذُو يَدٍ لها أظْفارٌ يَدَ مَن لا أظْفارَ له، لم يَجُزِ القِصاصُ؛ لأَنَّ الكاملةَ لا تُؤْخَذُ بالنَّاقصةِ.
وإن كانتِ المقطوعةُ ذاتَ أظْفارٍ، إلَّا أنَّها خَضْرَاءُ أو مُسْتَحْشِفَةٌ، أُخِذَتْ بها السَّلِيمةُ؛ لأَنَّ ذلك عِلَّةٌ ومَرَضٌ، والمَرَضُ لا يَمْنَعُ القِصاصَ، بدليلِ أنَّا نأْخُذُ الصَّحِيحَ بالمسَّقِيمِ.
4145 -
مسألة: (ولا)
تُؤْخَذُ (عَيْنٌ صَحِيحَةٌ بقائِمَةٍ، ولا لسانٌ ناطِقٌ بأَخْرَسَ، ولا ذَكَرٌ صَحِيحٌ بأشَلَّ) لأنَّها ليست مُماثِلَةٍ لها، ولأنَّه يأْخُذُ أكثرَ مِن حَقِّه، فأشْبَهَتِ اليَدَ الصَّحِيحةَ بالشَّلَّاءِ، لا تُؤْخَذُ بها 644.
4146 - مسألة: (ولا) يُؤْخَذُ (ذَكَرُ فَحْلٍ بذَكَرِ خَصِىٍّ ولَا عِنِّينٍ) ذكَرَه الشَّرِيفُ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّه لا مَنْفعَةَ فيهما، فإنَّ ذكَرَ العِنِّينِ لا يُوجَدُ منه وَطْءٌ ولا إنْزَالٌ، والخَصِىُّ لا يُولَدُ له، ولا يَكادُ يَقْدِرُ على الوَطْءِ ولا يُنْزِلُ، فهما (1) كالأشَلِّ، ولأَنَّ كلَّ وأحدٍ منهما ناقِصٌ،
الحديث: 4145 - الجزء: 25 - الصفحة: 267
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِما،
فلا يُؤْخَذُ به الكامِلُ، كاليَدِ الناقصةِ بالكاملةِ (ويَحْتَمِلُ أن يُؤْخَذَ بهما) قال أبو الخَطَّابِ: يُؤْخَذُ غيرُهما بهما، في أحَدِ الوَجْهَيْن.
وهو مذْهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّهما عُضْوان صَحِيحان، يَنْقَبِضان ويَنْبَسِطانِ، فيؤْخَذُ بهما غيرُهما، كذَكَرِ الفَحْلِ غيرِ العِنِّينِ، وإنَّما عَدَمُ الإنْزالِ لذَهابِ الخُصْيَةِ، والعُنَّةُ لعِلَّةٍ في الظَّهْرِ، فلم يَمْنَعْ ذلك مِن القِصاصِ بهما، كأُذُنِ الأصمِّ وأنْفِ الأخْشَمِ.
وقال القاضى: لا يُؤْخَذُ ذكَرُ الفَحْلِ بالخَصِىِّ؛ لتَحَقُّقِ نَقْصِه، والإِياسِ مِن بُرْئِه.
وفى أخْذِه بذَكَرِ العِنِّينِ وَجْهان؛ أحدُهما، يُؤْخَذُ به الصَّحِيحُ؛ لأنَّه غيرُ مَأْيُوسٍ من زَوالِ عُنَّتِه، ولذلك يُؤجَّلُ سَنةً، بخِلافِ الخَصِىِّ 645. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لأنَّه إذا ترَدَّدَتِ الحالُ بينَ كَوْنِه مُساوِيًا للآخَرِ وعَدَمِه، لم يَجبِ القِصاصُ؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُه، فلا يجِبُ بالشَّكِّ، سِيَّما وقد حَكَمْنا بانْتِفاءِ التَّساوِى، لقِيامِ الدليلِ على عُنَّتِه، وثُبُوتِ عُنَّتِه.
ويُؤْخَذُ كل واحدٍ مِنَ الخَصِىِّ والعِنِّينِ بمثلِه؛ لتَساوِيهما، كما يُؤْخَذُ العَبْدُ بالعَبْدِ، والذِّمِّى بالذِّمِّىِّ.
الجزء: 25 - الصفحة: 268
إِلَّا مَارِنَ الْأَشَمِّ الصَّحِيحِ، يُؤْخَذُ بِمَارِنِ الْأَخْشَمِ وَالْمَخْرُومِ وَالْمُسْتَحْشِفِ،
4147 - مسألة: (إلَّا مارِنَ الأشَمِّ الصَّحِيحِ)
فإنَّه (يُؤْخَذُ بمارنِ الأخْشَمِ) الَّذِى لَا [شَمَّ له] 646؛ لأَنَّ ذلك لعِلَّةٍ في الدِّماغِ والأنفُ صَحيحٌ، كما تُؤْخَذُ أُذُنُ السَّمِيعِ بأُذُنِ الأصَمِّ، لكَوْنِ ذَهابِ السَّمْعِ نَقْصًا في الرَّأْسِ؛ لأنَّهْ مَحَلُّه، وليس بنَقْصٍ في الأُذنِ (و) يُؤْخَذُ الصَّحِيحُ (بالمَخْرُوم والمُسْتَحْشِفِ) لأَنَّ كوْنَه مُسْتَحْشِفًا مَرَضٌ، فلا يَمْنَعُ من أخْذِه به؛ لأَنَّه يقُومُ مَقامَ الصَّحِيحِ [وفيه وجه آخرُ، أنَّ الصَّحيحَ لا يُؤْخَذُ به؛ لأَنَّه مَعِيبٌ، فلم يُؤْخَذْ به الصَّحِيحُ، كاليدِ الشَّلَّاءِ.
ذكرَه شَيْخُنا في الكافِى] 647.
الحديث: 4147 - الجزء: 25 - الصفحة: 269
وَأُذُنَ السَّمِيعِ بِأُذُنِ الْأَصَمِّ الشَّلَّاءِ في أحَدِ الْوَجْهَيْنِ،
4148 - مسألة: (وأُذُنُ السَّمِيعِ بأُذُنِ الأصمِّ)
لِمَا ذَكَرْنا.
وتُؤْخَذُ الأُذُنُ المُسْتَحْشِفَةُ بالصَّحِيحةِ.
وهل تُؤْخَذُ بها الصَّحِيحةُ.
[فيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا تُؤخَذُ بها؛ لأَنَّها ناقِصَةٌ مَعِيبَةٌ، فلم تُؤْخَذْ بها الصَّحِيحةُ] 648، كاليَدِ الشَّلَّاءِ وسائرِ الأعْضاءِ.
والثانى، تُؤْخَذُ بها، لأَنَّ
الحديث: 4148 - الجزء: 25 - الصفحة: 270
وَيُؤْخَذُ الْمَعِيبُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالصَّحِيحِ، وَبِمِثْلِهِ إِذَا أُمِنَ مِنْ قَطْعِ الشَّلَّاءِ التَّلَفُ، المَقْصُودَ جَمْعُ الصَّوْتِ، وحِفْظُ مَحَلِّ السَّمْعِ، والْجمالُ (1)، وهذا يَحْصُلُ بها كحُصُولِه بالصَّحِيحةِ، بخِلافِ سائرِ الأعْضاءِ.
4149 -
مسألة: (ويُؤْخَذُ المَعِيبُ مِن ذلِكَ كُلِّهِ بِالصَّحِيحِ وبمثْلِه، إذا أُمِنَ مِنْ قَطْعِ الشَّلَّاءِ التَّلَفُ)
إذا كان القاطعُ أشَلَّ، والمَقْطُوعةُ سالِمةً، فإن شاءَ المَجْنِىُّ عليه أخْذَ الدِّيَةِ، فله أخْذُ دِيَةِ يَدِه 650، لا نعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه عَجَز عن اسْتِيفاءِ حَقِّه على الكَمالِ بالقِصاصِ، فكانت له الدِّيَةُ، كما لو لم يَكُنْ للقاطعِ يَدٌ.
وهذا قولُ أبِى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ.
وإنِ اخْتارَ القِصاصَ، سُئِلَ أهْلُ الخِبْرَةِ، فإن قالوا: إنَّه إذا قُطِعَ لم تَنْسَدَّ العُرُوقُ، ويَدْخُلُ الهواءُ إلى البَدَنِ فيُفْسِدُه.
سقَط القِصاصُ؛ لأنَّه لا يجوزُ أخْذُ نَفْسٍ بطَرفٍ.
وإن أُمِنَ هذا، فله القِصاصُ؛ لأنَّه رَضِىَ بدُونِ حَقِّه، فكان له ذلك، كما لو رَضِىَ المُسْلِمُ649
الحديث: 4149 - الجزء: 25 - الصفحة: 271
وَلَا يَجِبُ لَهُ مَعَ الْقِصَاصِ أَرْشٌ، في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِى الْآخَرِ، لَهُ دِيَةُ الْأَصَابِعِ النَّاقِصَةِ، وَلَا شَىْءَ لَهُ مِنْ أَجْلِ الشَّلَلِ.
وَاخْتَارَ أبو الْخَطَّابِ أنَّ لَهُ أَرْشَهُ.
بالقِصاصِ مِن الذِّمِّىِّ، والحُرُّ مِن العَبْدِ (ولا يجبُ له مع القِصاصِ أَرْشٌ) لأَنَّ الشَّلَّاءَ كالصَّحِيحةِ في الخِلْقَةِ، وإنَّما نَقَصَتْ في الصِّفَةِ، فلم يَكُنْ له أَرْشٌ، كالصُّورَتَيْنِ المذْكُورَتَيْنِ (واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّ له الأَرْشَ) مع القِصاصِ، على قِياسِ قَوْلِه في عَيْنِ الأعْوَرِ إذا قُلِعَتْ؛ لأنَّه أخَذَ النَّاقِصَ بالزَّائدِ.
والأَوَّلُ أصَحُّ، وهو اختِيارُ الخِرَقِىِّ، فإنَّ إلْحاقَ هذا الفَرْعِ بالأصُولِ المُتَّفَقِ عليها أوْلَى مِن إلْحاقِه بفَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فيه، خارجٍ عن الأُصُولِ، مُخالِفٍ للقِياسَ.
فصل: وتُؤْخَذُ الشَّلَّاءُ بالشَّلَّاءِ، إذا امِنَ في الاسْتِيفاء الزِّيادةُ.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: لا تُؤْخَذُ بها.
في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأَنَّ الشَّلَلَ عِلَّةٌ، والعِلَلُ يَخْتَلِفُ تأْثِيرُها في البَدَنِ، فلا تَتَحَقَّقُ المُماثَلَةُ بينَهما.
ولَنا، أنَّهما مُماثِلانِ 651 في ذاتِ العُضْوِ وصِفَتِه، فجاز أَخْذُ إحْداهما بالأُخْرَى، كالصَّحِيحةِ بالصَّحِيحَةِ.
الجزء: 25 - الصفحة: 272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
4150 - مسألة: وتُؤْخَذُ النَّاقِصَةُ بالنَّاقِصَةِ، إذا تَساوَتا فيه، بأن يَكُونَ المَقْطُوعُ مِن يَدِ الجَانِى كالمَقْطُوعِ مِن يَدِ المَجْنِىِّ عليه؛ لأنَّهما تَساوَتا في الذَّاتِ والصِّفَةِ.
فإنِ اخْتَلَفا، فكان المَقْطُوعُ مِن يَدِ أحَدِهما الإِبهامَ، ومِن الأُخْرَى
(1) إصْبَعٌ غيرُها، لم يَجِبِ القِصاصُ؛ لأَنَّ فيه أخْذَ إصْبَعٍ بغيرِها.
وإن كانت إحْدَاهما ناقِصَةً إصْبَعًا، والأُخْرَى ناقِصَةً تلك الإِصْبَعَ وغيرَها، جازَ أخْذُ النَّاقِصةِ إصْبَعَيْنِ بالنَّاقِصةِ إصْبَعًا.
وهل له أخْذُ إصْبَعِه الزَّائدةِ؟ فيه وَجْهان.
ولا يجوزُ أخْذُ الأُخْرَى بها؛ لأَنَّ الكاملةَ لا تُؤْخَذ بالنَّاقصةِ.
4151 -
مسألة: وتؤْخَذُ النَّاقِصَةُ بالكامِلَةِ؛ لأنَّهَا دُونَ حَقِّهِ. وهل له أخْذُ دِيَةِ الأصابِعِ النَّاقِصةِ؟
على وَجْهَيْن؛ أحدُهما، له ذلك.652
الحديث: 4150 - الجزء: 25 - الصفحة: 273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو قولُ الشافعىِّ، واختِيارُ ابنِ حامدٍ.
والثانى، ليس له مع القِصاصِ أَرْشٌ.
وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، وقِياسُ قولِ أبى بكرٍ؛ لِئَلَّا يُفْضِىَ إلى الجَمْعِ بينَ قِصاصٍ ودِيَةٍ في عُضْوٍ واحدٍ.
وقال القاضى: قِياسُ قَوْلِه سُقُوطُ القِصاصِ، كقولِه في مَن قُطِعَتْ يَدُه مِن نِصْفِ الذِّراعِ.
وليس هذا كذلك؛ لأنَّه 653 يَقْتَصُّ مِن مَوْضِعِ الجِنايةِ، ويَضَعُ الحَدِيدَةَ في مَوْضِعِ وضَعَها الجانِى، فمَلَكَ ذلك، كما لو جَنَى عليه فوقَ المُوضِحَةِ، أو كان رَأْسُ الشَّاجِّ أصْغَرَ، أو أخَذَ الشَّلَّاءَ بالصَّحِيحةِ.
ويُفارِقُ القاطِعَ مِن نصْفِ الذِّراعِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه القِصاصُ مِن مَوْضِعِ الجِنايةِ.
هكذا حَكاه الشَّرِيفُ عن أبى بكرٍ.
فصل: وإن كانت يَدُ القاطعِ والمَجْنِىِّ عليه كامِلَتَيْنِ، وفى يَدِ المَجْنِىِّ عليه إصْبَعٌ زَائِدَةٌ، فعلى قَوْلِ ابنِ حامدٍ، لا عِبْرَةَ بالزَّائدَةِ؛ لأنَّها بمنزلةِ الخُرَاجِ 654 والسِّلْعةِ.
وعلى قولِ غيرِه، له قَطْعُ يَدِ الجانِى.
وهل له حُكومةٌ في الزَّائدةِ؟ على وَجْهَيْن.
وإن قطَع مَن له خَمْسُ أصابعَ أصْليَّةٍ كَفَّ مَن له أرْبَعُ أصابعَ أصْليَّةٍ وإصْبَعٌ زائدةٌ، أو قطَع مَنْ له أرْبَعُ أصابعَ أصْلِيَّةٍ وإصْبَعٌ زائدةٌ كَفَّ مَن له خَمْس أصابعَ أصْليَّةٍ، فلا قِصاصَ في الصُّورَةِ الأُولَى؛ لأَنَّ الأصْلِيَّةَ لا تُؤْخَذُ بالزَّائدةِ.
وله القِصاصُ في الصُّورَةِ الثَّانيةِ، في قولِ ابنِ حامدٍ؛ لأَنَّ الزَّائدةَ لا عِبْرةَ بها.
وقال غيرُه:
الجزء: 25 - الصفحة: 274
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إن لم تَكُنِ الزَّائدةُ في مَحَلِّ الأصْلِيَّةِ، فلا قِصاصَ أيضًا؛ لأَنَّ الإصْبَعَيْنِ مُخْتلفانِ.
وإن كانت في مَحَلِّ الأصْلِيَّةِ، فقال القاضى: يَجْرِى القِصاصُ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ، ولا شئَ له؛ لنَقْصِ الزَّائدةِ.
قال شَيْخُنا 655: وهذا فيه نَظَرٌ؛ لأنَّها متى كانت في مَحَلِّ الأصْلِيَّةِ، كانت أصْليَّةً؛ لأَنَّ الزَّائدةَ هى التى زادَتْ عن عَدَدِ الأصابعِ، أو كانت في غيرِ مَحَلِّ الأصابعِ، وهذا له خَمْسُ أصابعَ في مَحَلِّها، فكانت كلُّها أصْلِيَّةً.
فإن قالوا: معنى كَوْنِها زَائدةً، أنَّها ضَعِيفةٌ مائلةٌ عن سَمْتِ الأصابعِ.
قُلْنا: ضَعْفُها لا يُوجِبُ كَوْنَها زَائدةً، كذَكَرِ العِنِّينِ، وأمَّا مَيْلُها عن سَمْتِ الأصابعِ، فإنَّها إن لم تَكُنْ نابِتَةً في 656 مَحَلِّ الإصْبَعِ 657 المَعْدومةِ، فسَد قَوْلُهم: إنَّها في مَحَلِّها.
وإن كانت نابِتةً في مَوْضِعِها، وإنَّما مالَ رأْسُها أو اعْوَجَّتْ، فهو مَرَضٌ لا يُخْرِجُها عن كَوْنِها أصْلِيَّةً.
فصل: إذا قطَع إصْبَعَه، فأصابَه مِن 658 جُرْحِها أكِلَةٌ في يَدِه، وسَقَطَتْ مِن مَفْصِلٍ، ففيها القِصاصُ على ما نذْكُرُه في (4) سِرايَةِ الجِنايةِ.
وإن بادَرَ صاحِبُها فقَطَعَها مِن الكُوعِ، لِئَلَّا تَسْرِىَ إلى سائرِ جَسَدِه، ثم انْدَمَلَ جُرْحُه، فعلى الجانِى القِصاصُ في الإصْبَعِ، والحُكومة
الجزء: 25 - الصفحة: 275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيما تأكَّلَ مِن الكَفِّ، ولا شئَ عليه فيما قَطَعَه المَجْنِىُّ عليه؛ لأنَّه تَلِفَ بفعْلِه.
وإن لم ينْدَمِلْ، ومات مِن ذلك، فالجانِى شَرِيكُ نَفْسِه، فيَحْتَمِلُ وُجُوبُ القِصاصِ عليه، ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ بحالٍ؛ لأَنَّ فِعْلَ المَجْنِىِّ عليه إنَّما قصَد به المَصْلَحَةَ، فهو عَمْدُ الخَطَأَ، وشَرِيكُ الخَاطِئِ لا قِصاصَ عليه، ويكونُ عليه نِصْفُ الدِّيَةِ.
وإن قطَع المَجْنِىُّ عليه مَوْضِعَ الأكِلَةِ، نَظَرْتَ؛ فإنْ قَطَع لَحْمًا مَيِّتًا، ثم سَرَتِ الجِنايةُ، فالقِصاصُ على الجانِى؛ لأنَّه سِرايَةُ جُرْحِه خاصَّةً، وإن كان في لَحْمٍ حَىٍّ فمات، فهو كما لو قَطَعَها خَوْفًا مِن سِرايَتِها، وقد ذكَرْناه.
فصل: إذا قَطَع أُنْمُلَةً لها طَرَفانِ، إحْدَاهما زائدةٌ والأُخْرَى أصْلِيَّةٌ، فإن كانت أُنْمُلَةُ القاطعِ ذاتَ طَرَفَيْن أيضًا، أُخِذَتْ بها، وإن لم تَكُنْ ذاتَ طَرَفَيْنِ، قُطِعَتْ، وعليه حُكومةٌ في الزَّائدةِ.
وإن كانتِ المَقْطُوعُةُ ذاتَ طَرَفٍ واحدٍ، وأُنْمُلَةُ القاطِعِ ذاتَ طَرَفَيْنِ، أُخِذَتْ بها، في قَوْلِ ابنِ حامدٍ.
وعلى قَوْلِ غيرِه، لا قِصاصَ فيها، وله دِيَةُ أُنْمُلَتِهِ 659، وإن ذهب الطَّرَفُ الزَّائدُ، فله الاسْتِيفاءُ.
وإن قال: أنا أصْبِرُ حتى يَذْهَبَ الزَّائدُ 660 ثم أقْتَصُّ.
فله ذلك؛ لأَنَّ القِصاصَ حَقُّه، فلا يُجْبَرُ على تعْجِيلِ اسْتِيفائِه.
الجزء: 25 - الصفحة: 276
وَإِنِ اخْتَلَفَا في شَلَلِ الْعُضْوِ وَصِحَّتِهِ، فَأَيُّهُمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
فَصْلٌ: وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ لِسَانِهِ، أَوْ مَارِنِهِ، أَوْ شَفَتِهِ، أَوْ
4152 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في شَلَلِ العُضْوِ وصِحَّتِه)
فالقولُ قَوْلُ المَجْنِىِّ عليه، في أحدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّ الظاهرَ مِن النَّاسِ سلامةُ الأعْضاء، وخَلْقُ اللَّهِ تعالى لهم بصِفَةِ الكمالِ.
والثانى، القَوْلُ قولُ الجانِى؛ لأَنَّ الأَصْلَ براءةُ ذِمَّتِه مِن دِيَةِ عُضْوٍ سالمٍ، ولأنَّه لو كان سالِمًا لم يَخْفَ؛ لأنَّه يَظْهرُ فيَراه الناسُ.
فصل
: قال، رَحِمَه اللَّهُ: (وإن قطَع بعْضَ لِسانِه، أو مارِنِه، أو
الحديث: 4152 - الجزء: 25 - الصفحة: 277
حَشَفَتِهِ، أَوْ أُذُنِهِ، أُخِذَ مِثْلُهُ، يُقَدَّرُ بِالْأَجْزَاءِ، كَالنِّصْفِ والثُّلُثِ والرُّبْعِ.
وَإِنْ كَسَرَ بَعْضَ سِنِّهِ، بُرِدَ مِنْ سِنِّ الْجَانِى مِثْلُهُ، إِذَا أُمِنَ قَلْعُهَا،
شَفَتِه، أو حَشَفَتِه، أو أُذُنِه، أُخِذَ مثلُه، يُقَدَّرُ بالأجْزاءِ، كالنِّصْفِ والثُّلُثِ والرُّبْعِ) لقوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (1). وقال
أبو الخَطَّابِ: لا يُؤْخَذُ بعضُ اللِّسانِ بالبعْضِ.
ذكَرَه صاحبُ «المُحَرَّرِ».
ولَنا، أنَّه يُؤْخَذُ [جَمِيعُه بجَمِيعِه، فأُخِذَ بعْضُه ببَعْضِه، كالأنْفِ والأُذُنِ (2). ولا يُؤْخَذُ بالمِساحَةِ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى أَخْذِ لِسانِ الجانِى] (3) جَمِيعِه ببعْضِ لِسانِ المَجْنِىِّ عليه.
4153 -
مسألة: (وإن كسَر بعضَ سِنِّهِ، بُرِدَ مِن سِنِّ الجانِى مِتلُه، إذا أُمِنَ قَلعُها)
يجْرِى القِصاصُ في بعْضِ السِّنِّ؛ لحديثِ الرُّبَيِّعِ [بِنْتِ النَّضْرِ] 664 حينَ كَسَرَتْ سِنَّ جاريةٍ، فأمَرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالقصاصِ.661662663
الحديث: 4153 - الجزء: 25 - الصفحة: 278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويُقَدَّرُ ذلك بالأجْزاءِ؛ النِّصْفُ بالنِّصْفِ، وكلُّ جُزْءٍ بمثلِه، ولا يُؤْخَذُ بالمِساحَةِ؛ لئَلَّا يُفْضِىَ إلى أخْذِ جميعِ سنِّ الجانِى ببعضِ سِنِّ المَجْنِىِّ عليه، ويكونُ القِصاصُ بالمِبْرَدِ، لتُؤْمَنَ الزِّيادَةُ، فإنَّا لو أخَذْناها بالكَسْرِ، لم نَأْمَنْ أن يَنْصَدِعَ، أو يَنْقَلِعَ، أو يَنْكَسِرَ مِن غيرِ مَوضعِ القِصاصِ.
ولا يُقْتَصُّ حتى يقولَ أهْلُ الخِبْرَةِ: إنَّه يُؤْمَنُ 665 انْقِلاعُها، أو السَّوادُ فيها؛ لأَنَّ تَوَهُّمَ الزِّيادةِ يَمْنَعُ القِصاصَ في الأعْضاءِ، كما لو قُطِعَتْ يَدُه مِن غيرِ مَفْصِلٍ.
فإن قيل: فقد أجَزْتُم 666 القِصاصَ في الأطْرَافِ مع تَوَهُّمِ سِرايَتِها إلى النَّفْسِ، فَلِمَ مَنَعْتُم منه 667 لتَوَهُّمِ السِّرَايَةِ منه إلى بَعْضِ العُضْوِ؟ قُلْنا: وَهْمُ السِّرايةِ إلى النَّفْسِ لا سبيلَ إلى التَّحَرُّزِ منه، فلو اعْتَبَرْناهُ في المَنْعِ، أفْضَى إلى سُقُوطِ القِصاصِ في الأطْرافِ بالكُلِّيَّةِ، فسَقَطَ اعْتِبارُه، أمَّا السِّرايَةُ إلى بعضِ العُضْوِ، فتارةً نقولُ: إنَّما يَمْنَعُ القِصاصَ فيها احْتِمالُ الزِّيادةِ في الفِعْلِ، لا في السِّرايةِ، مثلَ مَن يَسْتَوْفِى مِن بعضِ الذِّراعِ، فإنَّه يَحْتَمِلُ [أن يَفْعَلَ] 668 أكثرَ ممَّا فُعِلَ به، وكذلك مَن كسَر سِنًّا ولم يَصْدَعْها، فكَسَرَ المُسْتَوْفِى سِنَّهُ وصَدَعَها، أو قَلَعَها 669، أو كسَر أكثرَ ممَّا كُسِرَ مِن سِنِّه، فقد زادَ على المِثْلِ،
الجزء: 25 - الصفحة: 279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والقِصاصُ يَعْتَمِدُ المُماثلةَ.
وتارةً نقولُ: إنَّ السِّرايةَ في بعضِ العُضْوِ إنَّما تَمْنَعُ إْذا كانت ظاهرةً، ومثلُ هذا يَمْنَعُ في النَّفْسِ، ولهذا مَنَعْناه مِن الاسْتِيفاءِ بآلةٍ كالَّةٍ، أو مَسْمُومةٍ، وفى وَقْتِ إفْراطِ الحَرِّ والبَرْدِ، تحَرُّزًا مِن السِّرَايةِ.
فصل: وإن قَلَعَ سِنًّا زائدةً، وهى التى تَنْبُتُ فَضْلةً في غيرِ سَمْتِ الأسْنانِ، خارِجةً عنها إلى داخلِ الفَمِ، أو إلى الشَّفَةِ، وكانت للجانِى مِثْلُها في موْضِعِها، فللمَجْنِىِّ عليه القِصاصُ، أو حُكومةٌ في سِنِّه.
وإن لم يَكُنْ له مِثْلُها في محَلِّها، فليس له إلَّا الحُكومةُ.
وإن كانت إحْدى الزَّائدَتَيْنِ أكبرَ مِن الأُخْرَى، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا تُؤْخَذُ بها؛ لأَنَّ الحُكومةَ فيها أكثرُ، فلا يُقْلَعُ بها ما هو أقَلُّ قِيمةً منها.
والثانى، تُؤْخَذُ بها؛ لأنَّهما سِنَّانِ مُتَساويان في الموْضِعِ، فتُؤْخَذُ كلُّ واحدةٍ منهما بالأُخْرَى، كالأصْلِيتَّيْنِ، ولأَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ 670. وهو عامٌّ، فيَدْخُلُ فيه مَحَلُّ النِّزاعِ.
وإن قُلْنا: يَثْبُتُ القِياسُ في الزّائدتَيْنِ بالاجْتِهادِ.
فالثابتُ بالاجْتِهادِ مُعْتَبَرٌ بما ثَبَتَ بالنَّصِّ، واخْتِلافُ القِيمةِ لا يمْنَعُ القِصاصَ، بدليلِ جَرَيانِه بينَ العَبيدِ 671، وبينَ الذكرِ والأُنْثَى، في النَّفسِ والأطْرَافِ، على أنَّ كِبَرَ السِّنِّ لا يُوجِبُ كَثْرةَ 672 قِيمَتِها، فإنَّ السِّنَّ الزَّائدةَ نَقْصٌ وعَيْبٌ، وكثرةُ
الجزء: 25 - الصفحة: 280
وَلَا يُقْتَصُّ مِنَ السِّنِّ حَتَّى يُيْأَس مِنْ عَوْدِهَا، فَإنِ اخْتَلَفَا فِى ذَلِكَ، رُجِعَ إِلَى قَوْلِ أَهْلَ الْخِبْرَةِ.
فَإنْ مَاتَ قَبْلَ الْيَأْسِ مِنْ عَوْدِهَا، فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا، وَلَا قِصَاصَ فِيها.
العَيْبِ زِيادةٌ في النَّقْصِ، لا في القِيمَةِ، ولأَنَّ كِبَرَ السِّنِّ الأصْلِيَّةِ لا يَزِيدُ في قِيمَتِها، فالزائدةُ كذلك.
4154 -
مسألة: (ولا يُقْتَصُّ مِنَ السِّنِّ حَتَّى يُيْأَسَ مِن عَوْدِها)
وهِى سِنُّ مَن قَد أثْغَرَ، أى سَقَطَتْ رَوَاضِعُه ثُمَّ نَبَتَت.
فإن قلَع سِنَّ مَن لمْ يُثْغِرْ، لم يُقتَصَّ مِن الجانِى في الحالِ؛ لأنَّها تعودُ بحُكمِ العادةِ، فلم يَجِبْ ضَمانُها، كالشَّعَرِ.
4155 - مسألة: فَإن عاد بَدَلُ السِّنِّ على صِفَتِها في مَوْضِعِها، فلا شَىْءَ على الجانِى، وإن مَضَى زَمَنُ عَوْدِها ولم تَعُدْ، سُئِلَ أهلُ الخِبْرَةِ، فَإن قالوا: قَدْ يُئِسَ مِن عَوْدِها.
خَيِّرَ المَجْنِىُّ عليه بينَ القِصاصِ وبينَ ديَةِ السِّنِّ.
4156 -
مسألة: (فإن مات)
المَجْنِىُّ عليه (قبلَ الإِيَاسِ مِن
الحديث: 4154 - الجزء: 25 - الصفحة: 281
وَإِنِ اقْتَصَّ مِنْ سِنٍّ فَعَادَتْ، غَرِمَ سِنَّ الْجَانِى، عَوْدِها، فلا قِصاصَ) لأَنَّ الاسْتِحْقاقَ غيرُ مُتَحَقِّقٍ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً في دَرْءِ القِصاصِ، وتَجِبُ الدِّيَةُ؛ لأَنَّ القَلْعَ (1) مَوْجُودٌ، والعَوْدَ مَشْكُوكٌ فيه.
4157 -
مسألة: فإن قلَع
(2) سِنَّ كَبِيرٍ، فقال القاضى: يُسْأَلُ أهْلُ الخِبْرَةِ، فإن قالوا: لا تعودُ.
فله القِصاصُ في الحالِ، وإن قالوا: يُرْجَى عَوْدُها إلى وَقْتٍ مَعْلُومٍ.
لم يُقْتَصَّ حتى يَأْتِىَ ذلك الوَقْتُ، فإن لم تَعُدْ وجَب القِصاصُ.
4158 -
مسألة: (وإنِ اقْتَصَّ مِن سِنٍّ فعادَتْ، غَرِمَ سِنَّ الجانِى)
673674 الحديث: 4157 - الجزء: 25 - الصفحة: 282
ثُمَّ إِنْ عَادَتْ سِنُّ الْجَانِى، رَدَّ مَا أَخَذَ، وَإِنْ عَادَتْ سِنُّ الْمَجْنِىِّ عَلَيْهِ قَصِيرَةً أَوْ مَعِيبَةً، فَعَلَى الْجَانِى أَرْشُ نَقْصِهَا.
لأنَّه قد تَبَيَّنَ أنَّ القِصاصَ لم يَكُنْ يجبُ، ويَضْمَنُها بِالدِّيَةِ دُونَ القِصاصِ؛ لأنَّه لم يَقْصِدِ التَّعَدِّىَ (وإن عادَتْ سِنُّ الجَانِى، رَدَّ ما أخَذ) إذا لم تَعُدْ سِنُّ المَجْنِىِّ عليه.
4159 -
مسألة: (وإن عَادَتْ سِنُّ المَجْنِىِّ عليهِ قَصِيرَةً أو مَعِيبَةً، فعلى الجانِى أَرْشُ نَقْصِها)
بالحِساب، ففى نِصْفِها نِصْف دِيَتِها، ونحو ذلك.
وإن عادتْ والدَّمُ يَسِيلُ منها، أَو مائلةً عن مَحَلِّها، ففيها حُكومةٌ؛ لأنَّه نَقْصٌ حصَل بفِعْلِه، وقد ذكَرْنا هذه المسائل [مِن قولِه 675: ولا يُقْتَصُّ مِن سِنٍّ حتى يُيْأَسَ مِن عَوْدِها.
بأبْسَطَ مِن هذا، وذَكَرْنا الخِلافَ فيه] 676 في مسْألةِ: ويُؤْخذ السِّنُّ بالسِّنِّ.
واللَّه أعلمُ.
الحديث: 4159 - الجزء: 25 - الصفحة: 283
فَصْلٌ: النَّوْعُ الثَّانِى، الْجُرُوحُ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ في كُلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِى إِلَى عَظْمٍ؛ كَالْمُوضِحَةِ، وَجُرْحِ الْعَضُدِ، وَالْفَخِذِ، وَالسَّاقِ، وَالْقَدَمِ.
فصل
: قال رَحِمَه اللَّهُ: (النَّوعُ الثانى، الجُروحُ، فيجبُ القِصاصُ في كلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِى إلى عَظْمٍ؛ كالمُوضِحَةِ، وجُرحِ العَضُدِ، والفَخِذِ، والسَّاقِ، والقَدَمِ) لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
[ولحديثِ الرُّبَيِّعِ 677 الذى ذَكَرْناه.
إذا ثبَت هذا، فإنَّ القِصاصَ] 678 يجبُ في كلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِى إلى عَظْمٍ يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُه مِن غيرِ زِيادةٍ، كالمُوضِحَةِ في الرَّأْسِ والوَجْهٍ، [ولا نَعْلَمُ في جوازِ القِصاصِ في المُوضِحَةِ خِلافًا، وهى كلُّ جُرحٍ يَنْتَهِى إلى عَظْمٍ في الرأْسِ والوجْهِ] 679؛ وذلك أنَّ اللَّه تعالى نَصَّ على القِصاصِ في الجُرُوحِ، فلو لم يَجِبْ ههنُا لسَقَطَ حُكمُ الآيةِ، وفى معْنى المُوضِحَةِ كُلُّ جُرْحٍ يَنْتَهِى إلى عَظْمٍ فيما سِوَى الرَّأْسِ والوَجْهِ؛ كالسَّاعِدِ، والعَضُدِ، والفَخِذِ، والسَّاقِ، يجبُ فيه القِصاصُ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وهو مَنْصُوصُ الشافعىِّ.
وقال بعضُ أصْحابِه: لا قِصاصَ فيها؛ لأنَّه لا مُقَدَّرَ
الجزء: 25 - الصفحة: 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيها.
وهو غيرُ صَحِيحٍ؛ لمُخالَفَتِه قولَه تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
ولأنَّه أمْكَنَ اسْتِيفاؤُه بغيرِ حَيْفٍ ولا زِيادةٍ، لكَوْنِه يَنْتَهِى إلى عَظْمٍ، فأَشْبَهَ المُوضِحَةَ، والتَّقْديرُ في المُوضِحَةِ ليس هو المُقْتَضِىَ للقِصاصِ، ولا عَدَمُه مانِعًا، وإنَّما كان التَّقْديرُ في المُوضِحَةِ لِكثرةِ شَيْنِها 680، وشَرَفِ مَحَلِّها، ولهذا قُدِّرَ ما فوْقَها مِن شجاجِ الرَّأْسِ والوَجْهِ، ولا قِصاصَ فيه.
فصل: ولا يُسْتَوْفَى القِصاصُ فيما دُونَ النَّفْسِ بالسَّيْفِ، ولا بآلةٍ يُخْشَى منها الزِّيادةُ، سواءٌ كان الجُرْحُ بها أو بغيرِها؛ لأَنَّ القَتْلَ إنَّما اسْتُوفِىَ بالسَّيْفِ لأنَّه آلتُه، وليس ثَمَّ شئٌ يُخْشَى التَّعَدِّى إليه، فيَجِبُ أن يُسْتَوْفَى فيما دُونَ النَّفْسِ بآلتِه، ويُتَوَقَّى ما يُخْشَى منه الزِّيادةُ إلى مَحَلِّ لا يجوزُ اسْتِيفاؤُه، ولأنَّا منَعْنا القِصاصَ بالكُلِّيَّةِ فيما تُخْشَى الزِّيادةُ في اسْتِيفائِه، فَلأَنْ نَمْنَعَ الآلةَ التى يُخْشَى منها ذلك أوْلَى.
فإن كان الجُرْحُ مُوضِحَةً أو ما أشْبَهَها، فبِالمُوسَى أو حَدِيدةٍ ماضِيةٍ مُعَدَّةٍ لذلك، ولا يَسْتَوْفِى إلَّا مَن له عِلْمٌ بذلك، كالجَرائِحِى ومَن أَشْبَهَه، فإن لم يكن للوَلِىِّ عِلْمٌ بذلك، أُمِرَ بالاسْتِنابةِ، وإن كان له عِلْمٌ، فقال القاضى: ظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه يُمَكنُ منه؛ لأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فيُمَكَّنُ مِن اسْتِيفائِه إذا كان يُحْسِنُ، كالقَتْلِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُمَكَّنَ مِن اسْتِيفائِه بنَفْسِه، ولا
الجزء: 25 - الصفحة: 285
وَلَا يَجِبُ فِى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشِّجَاجِ وَالْجُرُوحِ.
يَلِيَه إلَّا نائبُ الإِمامِ، أو مَن يَسْتَنِيبُه وَلِىُّ الجِنايةِ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ مع لعَداوَةِ وقَصْدِ التَّشَفِّى أن يَحِيفَ في الاسْتِيفاءِ بما لا يُمْكِنُ تَلافِيه، ورُبَّما أَفْضَى إلى النِّزاعِ والاخْتِلافِ، بأن يَدَّعِىَ الجانِى الزِّيادةَ ويُنْكِرَها المُسْتَوْفِى.
4160 -
مسألة: (ولا يَجِبُ)
القِصاصُ (فيما سِوَى ذلِك مِن الشِّجاجِ والجُرُوحِ) كما دُونَ المُوضِحَةِ أو أعْظَمَ مِنْها.
وممَّن رُوِى عنه منعُ القِصاصِ فيما دُونَ المُوضِحَةِ؛ الحسنُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
ومَنَعَه فيما فوقَها عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والحَكَمُ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، ولا نعلمُ أحدًا أوْجَبَ القِصاصَ فيما فوقَ المُوضِحَةِ، إلَّا ما رُوِى عن ابنِ الزُّبَيْرِ، أنَّه أقادَ من المُنَقِّلَةِ، وليس بثابتٍ عنه.
قال ابنُ المُنْذِرِ 681: ولا أعلمُ أحدًا خالفَ ذلك.
[ولأنَّها جِراحاتٌ] 682 لا تُؤْمَنُ الزِّيادةُ فيها، فأَشْبهَ 683 الجائِفَةَ.
وأمَّا ما دُونَ المُوضِحَةِ، فقد رُوِى عن مالكٍ، أنَّ القِصاصَ يجبُ في الدَّامِيَةِ والباضِعَةِ والسِّمْحاقِ.
ورُوِىَ نحوُه عن أصْحابِ الرَّأْى.
ولَنا، أنَّها جِراحَةٌ لا تَنْتَهِى إلى عَظْمٍ، فلم يجبْ
الحديث: 4160 - الجزء: 25 - الصفحة: 286
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيها قِصاصٌ، كالجائِفَةِ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ فيها الزِّيادةُ، فأَشْبَهَ كَسْرَ العِظامِ، وبيانُ ذلك، أنَّه إنِ اقْتَصَّ مِن غيرِ تَقْدِيرٍ، أفْضَى إلى أن يأْخُذَ أكثرَ مِن حَقِّه، وإنِ اعْتَبَرَ مِقْدارَ العُمْقِ، أفْضَى إلى أن يَقْتَصَّ مِنَ الباضِعَةِ والسِّمْحاقِ مُوضِحَةً، ومِنَ الباضِعَةِ سِمْحاقًا؛ لأنَّه قد يكونُ لَحْمُ المَشْجُوجِ كثيرًا 684، بحيثُ يكون عُمْقُ باضِعَتِه كعُمْقِ مُوضِحَةِ الشَّاجِّ أو سِمْحاقِه، ولأنَّنا لم نعْتَبرْ في المُوضِحَةِ قَدرَ عُمْقِها، فكذلك في غيرِها.
فصل: ولا قِصاصَ في المأْمُومَةِ مِن شِجاجِ الرَّأْسِ، ولا في الجائِفَةِ.
والمأْمُومَةُ هى التى تَصِلُ إلى جِلْدَةِ الدماغِ.
والجائِفَةُ هى التى تَصِلُ إلى الجَوْفِ.
وليس فيهما قِصاصٌ عندَ أحَدٍ مِن أهلِ العلمِ نعْلَمُه، إلَّا ما رُوِى عن ابنِ الزُّبَيْرِ، أنَّه أقَصَّ 685 مِنَ المأْمُومَةِ، فأنْكَرَ الناسُ عليه، وقالوا: ما سَمِعْنا أحدًا أقَصَّ (2) منها قبلَ ابنِ الزُّبَيْرِ 686. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا قِصاصَ في المأمُومَةِ 687. وهو قولُ مَكْحُوِلٍ، والزُّهْرِىِّ، والشَّعْبِىِّ.
وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ: لا قِصاصَ في الجائِفةِ.
وروَى ابنُ ماجَه، في «سُنَنِه» 688، عن العبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، عن
الجزء: 25 - الصفحة: 287
إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْمُوضِحَةِ، كَالْهَاشِمَةِ والْمُنَقِّلَةِ وَالْمَأْمُومَةِ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مُوضِحَةً، وَلَا شَىْءَ لَهُ، عَلَى قَوْلِ أَبِى بَكْرٍ.
النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «لَا قَوَدَ (1) فِى المأْمُومَةِ، ولَا فِى الجَائِفَةِ، ولا في المُنَقِّلَةِ».
ولأنَّهما جُرْحانِ لا تُؤْمَنُ الزِّيادةُ فيهما، فلم يَجِبْ فيهما قِصاصٌ، ككَسْرِ العِظامِ.
4161 -
مسألة: (إلَّا أن يَكُونَ أعْظَمَ مِن المُوضِحَةِ، كالهاشِمَةِ والمُنَقِّلَةِ والمَأْمُومَةِ، فلهْ أَنْ يَقْتَصَّ مُوضِحَةً)
بغيرِ خِلافٍ بينَ أصْحابِنا.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه يَقْتَصِرُ على بعضِ حَقِّه، ويَقْتَصُّ مِن مَحَلِّ جِنايتِه، فإنَّه إنَّما وضَعَ السِّكِّينَ في مَوْضِعِ وضَعَها الجانِى؛ لأَنَّ سِكِّينَ الجانِى وصَلَتْ إلى العَظْمِ ثم تجاوَزَتْه، بخِلافِ قاطعِ السَّاعِدِ، فإنَّه لم يَضَعْ سِكِّينَه في الكُوعِ.
4162 -
مسألة: (ولا شئَ له)
مع القِصاصَ (كل قول أبى بَكْرٍ) لأنَّه جُرْحٌ واحدٌ، فلا يُجْمَعُ فيه بينَ قِصاصٍ ودِيَةٍ، كما لو قطَع الشَّلاءَ بالصَّحِيحةِ، وكما في الأنْفُسِ إذا قُتِل الكافِرُ بالمُسْلِمِ، والعَبْدُ689
الحديث: 4161 - الجزء: 25 - الصفحة: 288
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَهُ مَا بَيْنَ دِيَةِ مُوضِحَةٍ وَدِيَةِ تِلْكَ الشَّجَّةِ.
فَيأْخُذُ فِى الْهَاشِمَةِ خَمْسًا مِنَ الإبلِ، وَفِى الْمُنَقِّلَةِ عَشْرًا، وَيُعْتَبَرُ قَدْرُ الْجُرْحِ بِالْمِسَاحَةِ، فَلَوْ أَوْضَحَ إِنْسَانًا في بَعْضِ رَأْسِهِ، مِقْدَارُ ذَلِكَ الْبَعْضِ جَمِيعُ رَأْسِ الشَّاجِّ وَزِيَادَةٌ، كَانَ لَهُ أَنْ يُوضِحَهُ في جَمِيعِ رَأْسِهِ، وفى الْأَرْشِ لِلْزَّائِدِ وَجْهَانِ.
بالحُرِّ.
(وقال ابنُ حامدٍ: له ما بينَ دِيَةِ مُوضِحَةٍ ودِيَةِ تلكَ الشَّجَّةِ) وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ القِصاصُ فيه، فانْتَقَلَ إلى البَدَلِ، كما لو قطَع إصْبَعَيْه، فلم يُمْكِنْ الاسْتِيفاءُ إلَّا من واحدةٍ، وفارَقَ الشَّلَّاءَ بالصَّحِيحَةِ؛ فإنَّ الزِّيادةَ ثَمَّ مِن حيثُ المعنى، وليست مُتَمَيِّزَةً، بخِلافِ مسْأَلتِنا (فيأخُذُ في الهاشِمةِ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ، وفى المُنَقِّلَةِ عَشْرًا).
4163 -
مسألة: (ويُعْتَبَرُ قَدْرُ الجُرْحِ بالمِساحَةِ، فلو أَوْضَحَ إنْسَانًا في بَعْضِ رَأْسِهِ، مِقْدارُ ذَلِكَ البَعْضِ جَمِيعُ رَأْسِ الشَّاجِّ وَزِيادَةٌ، كان لهُ أن يُوضِحَهُ في جميعِ رَأْسِه، وفى الأَرْشِ للزَّائِدِ وَجهان)
وجملةُ
الحديث: 4163 - الجزء: 25 - الصفحة: 289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك، أنَّه إذا أرادَ الاستِيفاءَ مِن مُوضِحَةٍ وشِبْهِها، فإن كان على مَوْضِعِها شَعَرٌ أزَالَه، ويَعْمِدُ إلى مَوْضِعِ الشَّجَّةِ مِن رَأْسِ المَشْجُوجِ، فيَعْلَمُ طُولَها وعَرْضَها بخَشَبَةٍ أو خَيْطٍ، ويضَعُها على رأسِ الشَّاجِّ، ويُعْلِمُ طَرَفَيْه بسَوادٍ أو غيرِه، ويأْخُذُ حَدِيدةً عَرْضُها كعَرْضِ الشَّجَّةِ، فيَضَعُها في أوَّلِ الشَّجَّةِ، ويَجُرُّها إلى آخِرِها، فيَأْخُذُ مثلَ الشَّجَّةِ طُولًا وعَرْضًا، ولا يُراعِى العُمْقَ؛ لأَنَّ حَدَّه العَظْمُ، ولو رُوعِىَ لَتَعَذَّرَ الاسْتِيفاءُ؛ لأَنَّ الناسَ يخْتَلِفونَ في قِلَّةِ اللَّحْمِ وكَثْرَتِه، وهذا كما يُسْتَوْفَى الطَّرَفُ بمثلِه.
وإنِ اخْتَلَفا في الصِّغَرِ والكِبَرِ، والدِّقَّةِ والغِلَظِ، فإن كان رَأْسُ الشَّاجِّ والمَشْجُوجِ سواءً، اسْتَوْفَى قَدْرَ الشَّجَّةِ، وإن كان 690 رَأْسُ الشَّاجِّ أصْغَرَ، لكنَّه يتَّسِعُ للشَّجَّةِ، اسْتُوفِيَتْ وإنِ اسْتَوْعَبَتْ رَأْسَ الشَّاجِّ كلَّه؛ لأنَّه اسْتَوْفاها بالمساحَةِ، ولا يَمْنَعُ الاسْتِيفاءَ زِيادَتُها على مثلِ مَوْضِعِها مِن رَأْسِ الجانِى؛ لأَنَّ الجَمِيعَ رَأْسٌ.
وإن كان قَدْرُ الشَّجَّةِ يَزِيدُ على رَأْسِ الجانِى، فإنَّه يَسْتَوْفِى الشَّجَّةَ في جَمِيعِ رأْسِ الشَّاجِّ، ولا يجوزُ أن يَنْزِلَ إلى جَبْهَتِه 691؛ لأنَّه يَقْتَصُّ في عُضْو آخرَ غيرِ العُضْوِ المَجْنِىِّ
الجزء: 25 - الصفحة: 290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه، ولا يَنْزِلَ إلى قَفَاه؛ لِما ذكَرْنا.
ولا يَسْتَوْفِى بَقِيَّةَ الشَّجَّةِ في موضعٍ آخَرَ مِن رَأْسِه؛ لأنَّه يكونُ مُسْتَوْفِيًا مُوضِحَتَيْنِ، وواضِعًا للحَدِيدَةِ في غيرِ الموْضِعِ الذى وضَعَها فيه الجانِى.
واخْتَلَفَ أصْحابُنا في 692 ماذا يَصْنَعُ؟ فذكَر القاضى أنَّ ظاهِرَ كلامِ أبى بكر، أنَّه لا أَرْشَ له فيما بَقِىَ؛ [لِئلَّا يَجْتَمِعَ] 693 قِصاصٌ ودِيَةٌ في جُرْحٍ واحدٍ.
وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ.
فعلى هذا، يتَخَيَّرُ بينَ الاسْتِيفاءِ في جميعِ رَأْسِ الشَّاجِّ ولا أَرْشَ له، وبينَ العَفْوِ إلى دِيَةِ مُوضِحَةٍ.
وقال أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ حامدٍ، وبعْضُ أصْحابِنا: له أَرْشُ ما بَقِىَ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأن القِصاصَ تَعَذَّرَ فيما جَنَى عليه، فكل له أَرْشُه، كما لو تعَذرَ في الجميعِ.
فعلى هذا، تُقَدَّرُ شَجَّةُ الجانِى مِنَ الشَّجَّةِ في رَأْسِ 694 المَجْنِىِّ عليه، ويَسْتَوْفِى أَرْشَ الباقِى، فإن كانتْ بقَدْرِ ثُلُثَيْها 695 فلَه أَرْشُ ثُلُثِ مُوضِحَةٍ، وإن زادتْ على هذا أو نقَصَتْ، فبالحِساب مِن أَرْشِ المُوضِحَةِ.
[ولا يَجِبُ له أَرْشُ مُوضِحَةٍ] 696 كاملةٍ؛ لِئَلَّا يُفْضِىَ إلى إيجابِ القِصاصِ ودِيَةِ مُوضِحَةٍ [في مُوضِحَةٍ واحدةٍ] 697، فإن أوْضَحَه في جميعِ رَأْسِه، ورَأْسُ الجانِى أكبرُ،
الجزء: 25 - الصفحة: 291
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فللمَجْنِىِّ عليه أن يُوضِحَ منه بقَدْرِ مِساحَةِ مُوضِحَةٍ مِن أىِّ الطَّرَفَيْنِ شاءَ؛ لأنَّه جَنَى عليه في ذلك الموْضِعِ كلِّه، وإنِ اسْتَوْفَى قَدْرَ مُوضِحَتِه، ثم تجاوَزَها واعْتَرَفَ أنَّه عَمَدَ ذلك، فعليه القِصاصُ في ذلك القَدْرِ، فإذا انْدَمَلَتْ مُوضِحَتُه، اسْتُوفِىَ منه القِصاصُ في مَوْضِعِ الانْدِمال؛ لأنَّه مَوْضِعُ الجِنايةِ، وإنِ ادَّعَى الخَطَأَ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّه مُحْتَمِلٌ، وهو أعْلَمُ بقَصْدِه، وعليه أَرْشُ مُوضِحَةٍ.
فإن قيل: فهذه المُوضِحَةُ كلُّها 698 لو كانت عُدْوانًا لم يَجِبْ فيها إلَّا دِيَةُ مُوضِحَةٍ، فكيف يَجِبُ في بعْضِها دِيَةُ مُوضِحَةٍ؟ قُلنا: لأَنَّ المُسْتَوْفَى لم يَكُنْ جِنايةً، إنَّما الجِنايةُ الزَّائدُ، والزَّائدُ لو انْفَرَدَ لَكانَ مُوضِحَةً، فكذلك إذا كان معه ما ليس بجِنايةٍ، بخِلافِ ما إذا كانتْ كلُّها عُدْوانًا، فإنَّ الجميعَ جِناية واحدةٌ.
فصل: إذا أوْضَحَه في جميعِ رَأْسِه، ورأسُ الجانِى أكْبَرُ، فأَحبَّ 699 أن يَسْتَوْفىَ القِصاصَ بعضَه مِن مُقَدَّمِ الرّأْسِ وبعضَه مِن مُؤَخَّرِه، مُنِعَ
الجزء: 25 - الصفحة: 292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن ذلك؛ لأنَّه يَأْخُذُ مُوضِحَتَيْنِ بواحدةٍ، ودِيَتُهما مُخْتَلِفَةٌ.
ويَحْتَمِلُ الجوازُ؛ لأنَّه لا يُجاوِزُ مَوْضِعَ الجِنايةِ ولا قَدْرَها.
فإنْ قال أهلُ الخِبْرَةِ: إنَّ في ذلك زِيادةَ ضَرَرٍ أو شَيْنٍ.
لم يَجُزْ.
ولأصحابِ الشافعىِّ كَهذيْن القوْلَيْنِ.
فإن كان رأسُ المَجْنِىِّ عليه أَنْ بَرَ، فأوْضَحَه الجانِى في مُقَدَّمِه ومُؤَخَّرِه مُوضِحَتَيْنِ، قَدرُهما جميعُ رأسِ الجانِى، فله الخِيارُ بينَ أن يُوضِحَه مُوضِحة واحدةً في جميعِ راسِه، أو 700 يُوضِحَه مُوضِحَتَيْنِ يَقْتَصِرُ في كلِّ واحدةٍ منهما على قَدرِ مُوضِحَتِه، ولا أَرْشَ لذلك، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّه تَرَكَ الاسْتِيفاءَ مع إمكانِه.
وإن عَفا إلى الأَرْشِ، فله أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ، وإن شاءَ اقْتَصَّ من إحدَاهما، وأخَذَ أَرْشَ الأُخْرَى.
فصل: فإن كانتِ الجِنايةُ في غيرِ الرَّأْسِ والوَجْهِ، فكانتْ في ساعِدٍ، فزادَتْ على ساعدِ الجانِى، لم يَنْزِلْ إلى الكَفِّ، ولم يصعد إلى العَضُدِ، وإن كانتْ في السَّاقِ، لم ينزلْ إلى القَدَمِ، ولم يَصْعَدْ إلى الفَخِذِ؛ لأنَّه عُضْو آخَرُ، فلا يَقْتَصُّ منه، كما لم ينْزِلْ من الرَّأْسِ إلى الوَجْهِ، ولم يصْعد من الوَجْهِ إلى الرَّأْسَ.
فصل: إذا شُجَّ في مُقَدَّمِ رَأسِه أو مُؤخَّرِه عَرْضًا شَجَّةً لا يَتَّسِعُ لها مثلُ مَوْضِعِها مِن رَأسِ الشَّاجِّ، فأرادَ أن يَسْتَوْفِىَ مِن وَسَطِ الرَّأْسِ، فيما بينَ الأُذُنَيْنِ، لكَوْنِه يَتَّسِعُ لمثلِ تلك الشَّجَّةِ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا
الجزء: 25 - الصفحة: 293
فَصْلٌ: وَإِنِ اشْتَرَكَ الْجَمَاعَةُ فِى قَطعِ طَرَفٍ، أَوْ جُرجٍ مُوجاٍ لِلْقِصَاصِ وَتَسَاوتْ أفْعَالُهُم، مِثْلَ أَنْ يَضَعُوا الْحَدِيدَةَ عَلَى يَدِهِ وَيَتَحَامَلُوا عَلَيْها جَمِيعًا حَتَّى تَبِينَ، فَعَلَى جَمِيعِهِمُ الْقِصَاصُ، في إحدَى الرِّوَايَتَيْن.
يجوزُ، لأنَّه غيرُ الموْضِعِ الذىَ شَجَّه فيه، فلم يَجُزْ له الاسْتِيفاءُ منه، كما لو أمكَنَه اسْتِيفاءُ حَقِّه مِن مَحَلِّ الشَّجَّةِ.
واحتَمَلَ الجوازُ، لأَنَّ الرَّأْسَ عُضْوٌ واحدٌ، فإذا لم يُمكِنْه اسْتِيفاءُ حَقِّه مِن مَحَلِّ شَجَّتِه، جازَ مِن غيرِه، كما لو شَجَّه في مُقَدَّم رَأْسِه شجةً قَدرها جَمِيعُ رَأسِ الشَّاجِّ، جازَ إتْمامُ اسْتِيفائِها مِن مُؤَخَّرِ رأسِ الجانِى.
وهذا مَنْصُوصُ الشافعىِّ.
وهكذا يُخَرَّجُ فيما إذا كان الجرحُ في مَوْضِعٍ مِن السَّاقِ والقَدَمِ والذِّراعِ والعَضُدِ.
وإن أَمْكَنَ الاسْتِيفاءُ مِن مَحَل الجِنايةِ، لم يَجُزِ العُدُولُ عنه، وَجْهًا واحدًا.
فصل
: قال: (وإذا اشْتَرَكَ جماعةٌ في قَطْعِ طَرَفٍ، أو جُرحٍ مُوجِبٍ للقِصاصِ وتَساوَتْ أفْعالُهم، مثلَ أن يضَعُوا الحَدِيدةَ على يَدِه ويتَحامَلُوا عليها جميعًا حتى تَبِينَ، فعلى جَمِيعِهم القِصاصُ، في أشْهرِ الرِّوايتَيْن) وهى التى ذكَرها الخِرَقِىُّ.
وبذلك قال مالكٍ، والشافعى 701، وأبو
الجزء: 25 - الصفحة: 294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثَوْرٍ.
وقال الحسنُ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ: لا تُقْطَعُ يَدانِ بيَدٍ واحدةٍ.
وهى الروايةُ الأُخْرَى؛ لأَنَّه رُوِى عنه أنَّ الجماعةَ لا يُقْتَلون بالواحدِ.
وهذا تَنْبيهٌ على أنَّ الأطْرَافَ لا تُؤْخَذُ بطَرَفٍ واحدٍ؛ لأَنَّ الأَطْرَافَ يُعتَبَرُ التَّساوِى فيها، بدليلِ أنَّا لا نَأخُذُ الصَّحِيحةَ بالشَّلَّاءِ، ولا كامِلَةَ الأصابعِ بناقِصَتِها 702، ولا أصْلِيَّةً بزائدةٍ، ولا يَمِينًا بيَسارٍ، ولا يَسارًا بيَمين، ولا تَساوِىَ بينَ الطَّرَفِ والأطْرَافِ، فوَجَبَ امْتِناعُ القِصاصِ بينَهما، ولا يُعتَبَرُ التَّساوِى في النَّفْسِ، فإنَّا نَأْخُذُ الصَّحِيحَ بالمريضِ، وصَحِيحَ الأطْرَافِ بمقْطُوعِها وأشَلِّها، ولأنَّه يُعتَبَرُ في القِصاصِ في الأطْرَافِ التَّساوِى 703 في نَفْسِ القَطْعِ، بحيث لو قطَع كُل واحدٍ مِن جانبٍ 704، لم يَجِبِ القِصاصُ، بخِلافِ النَّفْسِ، ولأَنَّ الاشْتِراكَ المُوجِبَ للقِصاصِ في النَّفْسِ يَقَعُ كثيرًا، فوَجَبَ القِصاصُ زَجْرًا عنه، كَيْلا يُتَّخَذَ وسِيلةً إلى كَثْرَةِ القَتْلِ، والاشْتِراكُ المُخْتَلَفُ فيه لا يَقَعُ إلَّا في غايةِ النُّدرَةِ، فلا حاجةَ إلى الزَّجْرِ عنه، ولأَنَّ إيجابَ القِصاصِ على المُشْتَرِكينَ في النَّفْسِ يحْصُلُ به الزَّجْرُ عن كُلِّ اشْتِراكٍ، أو عن الاشْتِراكِ المُعتادِ، وإيجابُه على المُشْترِكينَ في
الجزء: 25 - الصفحة: 295
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الطَّرَفِ لا يَحْصُلُ به الزَّجْرُ عن الاشْتِراكِ المُعتادِ، ولا عن شئٍ مِنَ الاشْتِراكِ، إلَّا عن صُورَةٍ نادرةِ الوُقوعِ، بَعِيدةِ الوُجُودِ، يُحْتاجُ في وُجُودِها إلى تَكَلُّفٍ، فإيجابُ القِصاصِ للزَّجْرِ عنها يكون مَنْعًا لشئٍ لا يَكادُ يَقَعُ لصُعُوبَتِه، وإطْلاقًا في القَطْع السَّهْلِ المُعْتادِ بِنَفْى القِصاصِ عن فاعِلِه، وهذا لا فائدَةَ فيه، بخلافِ الاشْتِراكِ في النَّفْسِ، يُحَقِّقُه أنَّ وُجُوبَ القِصاصِ في الطَّرَفِ والنَّفْسِ على الجماعةِ بواحدٍ على خِلافِ الأصْلِ، لكَوْنِه يأخُذُ في الاسْتِيفاءِ زِيادَةً على ما فوَّتَ عليه، ويُخِلُّ بالتَّماثُلِ المَنْصُوصِ على النَّهْى عمَّا عَداه، وإنَّما خُولِفَ هذا الأصلُ زَجْرًا عن الاشْتِراكِ الذى يَقَعُ القَتْلُ به غالِبًا، ففيما عَدَاه يَجِب البَقاءُ على أصْلِ التَّحْريمِ، ولأَنَّ النَّفْسَ أشْرَفُ مِنَ الطَّرَفِ، ولا يَلْزَمُ مِن المُحافظةِ عليها بأَخْذِ الجماعةِ بالواحدِ، المُحافظَةُ على ما دُونَها بذلك.
ولَنا، ما رُوِى أنَّ شاهِدَينِ شَهِدا عندَ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، على رَجُل بالسَّرِقَةِ، فقَطَعَ يَدَه، ثم جاءَا بآخَرَ، فقالا: هو السَّارِقُ، وأخْطَأْنا في الأَوَّلِ.
فرَدَّ شَهادَتَهُما على الثانى، وغَرَّمَهُما دِيَةَ يَدِ الأَوَّلِ، وقال: لو عَلِمتُ أنَّكُما تَعَمَّدْتُما لمَطَعتُكُما 705. فأخْبَرَ أنَّ القِصاصَ على كلِّ واحدٍ منهما لو تَعَمَّدَا قَطْعَ يَدٍ واحدةٍ.
ولأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فيُؤْخَذُ فيه الجماعةُ بالواحدِ، كالأنْفُس 706، وأمَّا اعتِبارُ التَّساوِى، فمِثْلُه في الأنْفُسِ 707؛
الجزء: 25 - الصفحة: 296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنَّا نَعتَبِرُ التَّساوِىَ فيها فلا نأْخُذُ مُسْلِمًا بكافِر، ولا حُرًّا بعَبْدٍ، وأمَّا أَخْذُ صَحيحِ الأَطْرَافِ بمقْطُوعِها، فلأنَّ الطَّرَفَ ليس هو مِنَ النَّفْسِ المُقْتَصِّ منها، وإنَّما يُؤْخَذُ تَبَعًا، ولذلك 708 كانتْ دِيَتُهُما واحدةً، بخِلافِ اليَدِ النَّاقِصَةِ والشَّلَّاءِ مع الصَّحِيحةِ، فإنَّ دِيَتَهُما مُخْتلِفة.
وأمَّا اعتِبارُ التَّساوِى في الفِعْلِ، فإنَّما اعتُبِرَ في اليَدِ؛ لأنَّه يُمْكِنُ مُباشَرَتُها بالقَطْعِ، فإذا قطَع كلُّ واحدٍ منهما مِن جانبٍ، كان 709 فِعْلُ كلِّ واحدٍ منهما مُتَمَيِّزًا عن فِعْلِ الآخرِ، فلا يَجِبُ على إنْسانٍ قَطْعُ مَحَلٍّ لم يُقْطَعْ مثلُه، وأمَّا النَّفْسُ، فلا يُمكِنُ مُباشَرَتُها بالفِعلِ، وإنَّما أفْعالُهم في البَدَنِ، فَيُفْضِى 710 أَلَمُه إليها فتَزْهَقُ، ولا يتَمَيَّزُ أَلَمُ فِعْلِ أحَدِهما مِن ألَمِ فِعْلِ 711 الآخَرِ، فكانا كالقاطِعَيْنِ في مَحَل واحدٍ، ولذلك لا يُسْتَوْفَى مِن الطَّرَفِ إلَّا في المَفْصِلِ الذى قطَع الجانِى منه 712، ولا يجوزُ تَجاوُزُه، وفى النَّفْسِ لو قَتَلَه بجُرْحٍ في جَنْبِه أو بَطْنِه أو غيرِ ذلك، كان الاسْتِيفاءُ مِنَ العُنُقِ دونَ المَحَلِّ الذى وقَعَتِ الجِنايةُ فيه.
إذا ثبَت هذا، فإنَّ الجِنايةَ إنَّما تَجِبُ على المُشْتَرِكينَ في الطَّرَفِ، إذا اشْتَرَكُوا فيه على وَجْهٍ لا يتَمَيَّزُ فِعلُ أحَدِهم
الجزء: 25 - الصفحة: 297
وَإِنْ تَفَرَّقَتْ أَفْعَالُهُم، أَوْ قَطَعَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ جَانِبٍ، فَلَا قِصَاصَ، رِوايةً وَاحِدَةً.
مِن فِعْلِ الآخَرِ؛ إمَّا بأنْ يَشْهدُوا عليه بما يُوجِبُ قَطْعَه، فيُقْطَعَ، ثم يرجِعُوا عن الشَّهادةِ، أو (1) يُكْرِهُوا إنْسانًا على قَطْعِ طَرَفٍ، فيَجِبُ قَطْعُ المُكْرِهِينَ والمُكْرَهِ، أو يُلْقُوا صَخْرَةً على طَرَفِ إنْسانٍ، فيَقْطَعَه، أو يَقْطَعُوا يدًا، أو يَقْلَعُوا (2) عَيْنًا بضَربَةٍ واحدةٍ، أو يَضَعُوا حَدِيدةً على مَفْصِلٍ وَيَتَحامَلُوا عليها جَمِيعًا، أو يَمُدُّوها فتَبِينَ، ونحو ذلك.
4164 -
مسألة: (وإن تَفَرَّقَتْ أفْعَالُهم، أو قطَع كُلُّ وَاحِدٍ مِن جَانِبٍ، فلا قِصاصَ)
عليهم (روايَةً واحِدَةً) لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهم لم يَقْطَعِ اليَدَ، ولم يُشارِكْ في قَطْعِ جَمِيعِها، وإن كان فِعلُ كل واحدٍ منهم يُمكِنُ الاقْتِصاصُ 715 بمُفْرَدِه، اقْتُصَّ منه.
وهذا مذهبُ الشافِعىِّ.713714
الحديث: 4164 - الجزء: 25 - الصفحة: 298
وَسِرَايَةُ الْجِنَايَةِ مَضْمُونَة بِالْقِصَاصِ أوِ الدِّيَةِ، فَلَوْ قَطَعَ إصبَعًا فَتَآكَلَتْ أُخْرَى إلى جَانِبها وَسَقَطَتْ مِنْ مَفْصِل، أَوْ تَآكَلَتِ الْيَدُ وَسَقَطَتْ مِنَ الْكُوعِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ فِى ذَلِكَ،
4165 - مسألة: (وسِرايَةُ الجِنايَةِ مَضْمُونَة بالْقِصاصِ أو الدِّيَةِ)
سِرايةُ الجِنايةِ مضْمُونةٌ بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّها أثَرُ جِنايَةٍ، والجِنايةُ مضْمُونةٌ، فكذلك أَثَرُها، ثم إن سَرَت إلى النَّفْسِ، و 716 ما لا يُمكِنُ مُباشَرَتُه بالإِتْلافِ، مثلَ أن يَهْشِمَه في رَاسِه فيَذْهبَ ضَوْءُ عيْنَيْه 717، وجَبَ القِصاصُ فيه، ولا خِلافَ في ذلك في النَّفْسِ، وفى ضَوْءِ العَيْنِ خِلاف ذكَرْناه فيما مَضَى.
وإن سَرَتْ إلى ما يُمكِنُ مُباشَرَتُه بالإِتْلافِ، مثلَ أن قطَع إصبَعًا فتآكَلَت أُخْرَى وسَقَطَتْ، ففيه القِصاصُ أيضًا، في قوْلِ إمامِنا، وأبى حنيفةَ، ومحمدِ بنِ الحسنِ.
وقال أكثرُ الفُقَهاءِ: لا قِصاصَ في الثَّانيةِ، وتَجِبُ دِيَتُها؛ لأَنَّ ما أمكَنَ مُباشَرَتُه بالجِنايةِ لا يَجِبُ القَوَدُ فيه بالسِّرايةِ، كما لو رَمَى سَهْمًا إلى شَخْصٍ، فمَرَقَ منه إلى آخَرَ.
ولَنا، أنَّ ما وَجَبَ فيه القَوَدُ بالجِنايةِ، وجَبَ بالسِّرايةِ،
الحديث: 4165 - الجزء: 25 - الصفحة: 299
وَإِنْ شَلَّ، فَفِيهِ دِيَتُهُ دُونَ الْقِصَاصِ.
كالنَّفْسِ، ولأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فأَشْبَهَ ما ذكَرنا.
وفارَقَ ما ذكَرُوه؛ فإنَّ ذلك (1) فِعْلٌ وليس بسِرَايةٍ، ولأنَّه لو قَصَدَ ضَربَ رَجُلٍ فأصابَ آخَرَ، لم يَجِبِ القِصاصُ، ولو قَصَدَ قَطْعَ إبْهامِه فقَطَعَ سَبَّابَتَه، وجَبَ القِصاصُ.
ولو ضَرَبَ إبْهامَه فمَرَقَ إلى سَبَّابَتِه، وجَبَ القِصاصُ فيها، فافْتَرَقا.
ولأَنَّ الثَّانيةَ تَلِفَتْ بفِغل أوْجَبَ القِصاصَ، فوَجَبَ القِصاصُ فيها، كما لو رَمَى إحدَاهما فمَرَقَ إلى الأُخْرَى.
4166 -
مسألة: (وإن شَلَّ، ففيهِ دِيَتُه)
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، قالوا: يجبُ الأَرْشُ في الثَّانيةِ التى شَلَّتْ، والقِصاصُ في الأُولَى.
وقال أبو حنيفةَ: لا يجبُ القِصاصُ فيهما 719، ويَجِبُ أَرْشُهُما جميعًا؛ لأَنَّ حُكْمَ السِّرايةِ لا يَنْفَرِدُ عن الجِنايةِ، بدليلِ ما لو سَرتْ إلى النَّفْسِ، فإذا لم يَجِبِ القِصاصُ في إحداهما، لم يَجبْ في الأُخْرَى.
ولَنا 720، أنَّها جِنايةٌ مُوجِبة للقِصاصِ لو لم تَسْرِ، [فأَوْجَبَتْه إذا سَرَت، كالتى تَسْرِى] 721 إلى سُقُوطِ أُخْرَى، وكا لو قطَع يدَ حُبْلَى فسَرَى إلى718
الحديث: 4166 - الجزء: 25 - الصفحة: 300
وَسِرَايةُ الْقَوَدِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، فَلَوْ قَطَعَ الْيَدَ قِصَاصًا، فَسَرَى إِلَى النَّفْسِ، فَلَا شَىْءَ عَلَى الْقَاطِعِ.
جَنِينِها.
وبهذا يَبْطُلُ ما ذكَرَه (1). وفارَقَ الأصلَ؛ لأَنَّ السِّرايةَ مُقْتَضِيَةٌ للقِصاصِ، كاقْتِضاءِ الفِعْلِ له، فاسْتَوَى حُكْمُهما، وههُنا بخِلافِه (2)، ولأَنَّ ما ذكَره غيرُ صَحِيح، فإنَّ القَطْعَ إذا سَرَى إلى النَّفْسِ، وجَب القِصاصُ في النَّفْسِ، وسقَط في القَطْعِ، فخالفَ حُكْمُ الجِنايةِ حُكْمَ السِّرايةِ، فسَقَطَ ما قالَه.
إذا ثبَت ذلك، فإنَّ الأَرْشَ يَجِبُ في مالِه، فلا تَحمِلُه العاقِلَةُ؛ لأنَّه جِنايَةُ عمدٍ، وإنَّما لم يَجبِ القِصاصُ فيه لعَدَمِ المُماثَلَةِ في القَطْعِ، فإذا قطَع إصبَعَه فشَلَّتْ أَصابِعُه الباقِية وكَفُّه، فعَفَا عن القِصاصِ، وجَب له [نِصْفُ الدِّيَةِ] (3)، وإنِ اقتَصَّ مِنَ الإِصْبَعِ، فله في الأصابعِ الباقيةِ أرْبعونَ مِنَ الإِبِلِ، ويَتْبَعُها ما حاذاها مِنَ الكَفِّ، وهو أربَعةُ أخْماسِه.
فيَدْخُلُ أَرْشُه فيها، ويَبْقَى خُمسُ الكَفِّ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَتْبَعُها في الأَرْشِ، فلا شئَ له (2) فيه.
والثانى، فيه الحُكومةُ؛ لأَنَّ ما يُقابِلُ الأَرْبَعَ يَتْبَعُها في الأَرْشِ، لاسْتِوائِهِما في الحُكْمِ، وحُكْمُ التى اقْتصَّ منها مُخالِفٌ لحُكْمِ الأَرْشِ، فلم يَتْبَعْها.
4167 -
مسألة: (وَسِرايَةُ القَوَدِ غيرُ مَضْمُونَةٍ، فلو قطَع اليدَ
722723724 الحديث: 4167 - الجزء: 25 - الصفحة: 301
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قِصاصًا، فسَرَى إلى النَّفْسِ، فلا شئَ على القاطعِ) وبهذا قال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، ومالكٌ 725، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو يوسف، ومحمدٌ، وابنُ المُنْذِرِ.
ورُوِى ذلك عن أبى بكرٍ، وعمرَ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وقال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، والحارِثُ العُكْلِىُّ، والشَّعبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: عليه الضَّمانُ.
قال أبو حنيفةَ: عليه كمالُ الدِّيَةِ في مالِه.
وقال غيرُه: هى على عاقِلَتِه؛ لأنَّه فَوَّتَ نَفْسَه، ولا يَسْتَحِقُّ إلَّا طَرَفَه، فلَزِمَتْه دِيَتُه، كما لو ضَرَبَ عُنُقَه، ولأنَّها سِرَايةُ قَطعٍ مَضْمُونٍ، فكانت مَضْمُونةً كسِرايةِ الجِنايةِ، والدَّليلُ على أنَّه مَضْمُونٌ، أنَّه مَضْمون بالقَطْعِ الأَوَّلِ؛ لأنَّه في مُقابَلَتِه.
ولَنا، أنَّ عمرَ وعَلِيًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال 726: مَن مات مِن حَدٍّ أو قِصاصٍ لا دِيَةَ له، الحَقُّ 727 قَتَلَه.
روَاه سَعِيدٌ بمعناه 728. ولأنَّه قَطْعٌ
الجزء: 25 - الصفحة: 302
وَلا يَقْتَصُّ مِنَ الطَّرَفِ إلَّا بَعدَ بُرْئِهِ، فإنِ اقْتَصَّ قَبْلَ ذَلِكَ، بَطَلَ حَقُّهُ مِنْ سِرَايَةِ جُرْحِهِ.
مُسْتَحَق مُقَدَّر، فلا تُضْمَنُ سِرايَتُه، كقَطْعِ السَّارِقِ.
وفارَقَ ما قَاسُوا عليه، فإنَّه ليس ما فَعَلَه مُسْتَحَقًّا.
إذا ثبَت هذا، فلا فَرقَ بينَ سِرايته إلى النَّفْس، بأن يَمُوتَ منها، أو إلى ما دُونَها، مثلَ أن يَقْطَعَ إصبَعًا فتَسْرِىَ إلى كَفِّه.
4168 -
مسألة: (ولَا يُقْتَصُّ مِن الطَّرَفِ إلَّا بعدَ بُرْئِه)
في قولِ أكثرِ أَهْلِ العلمِ؛ منهم النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
ورُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، والحسنِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 729: كلُّ مَن نحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ يَرَى الانْتِظارَ بالجُرحِ حتى يَبْرَأَ.
ويتَخَرَّجُ لنا أنَّه يجوزُ الاقْتِصاصُ قبلَ البُرْءِ، بِناءً على قَوْلِنا: إنَّه إذا سَرَى إلى النَّفْسِ، يُفْعَلُ به كما 730 فعَل.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
قال:
الحديث: 4168 - الجزء: 25 - الصفحة: 303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو سألَ القَوَدَ ساعةَ قُطِعَتْ إصْبَعُه، أقَدْتُه؛ لما رَوَى جابرٌ، أنَّ رَجُلًا طعَن رجلًا بقَرْنٍ في رُكْبَتِه، فقال: يا رسولَ اللَّهِ أقِدْنِى.
قال: «حَتَّى تَبْرَأَ».
فأبَى، وعَجَّلَ، فاسْتَقادَ له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَعِيبَتْ رِجْلُ المُسْتَقِيدِ، وبَرأَتْ رِجلُ المُسْتَقادِ منه.
فقال له 731 النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ لك شَىْءٌ، إنَّكَ عَجِلْتَ».
رواه سعيدٌ مُرْسلًا 732. ولأَنَّ القِصاصَ في الطرًّفِ لا يَسْقُطُ بالسِّرايةِ، فوَجَبَ أن يَمْلِكَه في الحالِ، كما لو بَرَأَ.
ولَنا، ما رَوَى جابرٌ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهى أن يُسْتَقادَ مِن الجُرْحِ 733 حتى يَبْرأَ المَجْرُوحُ.
وروَاه الدَّارَقُطنِىُّ 734، عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ولأَنَّ الجُرْحَ لا يُدْرَى أقَتْلٌ هو أو لا، فيَنْبَغِى أن يُنْتَظَرَ 735 ليُعْلَمَ ما حُكْمُه؟ فقد روَاه 736، وفى سِياقِه، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، عَرَجْتُ.
فقال: «قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِى، فأَبْعَدَكَ اللَّه»،
الجزء: 25 - الصفحة: 304
فَلَو سَرَى إِلَى نَفْسِهِ، كَانَ هَدْرًا، وَإِنْ سَرَى الْقِصَاصُ إِلَى نَفْسِ الْجَانِى، كَانَ هَدْرًا أَيْضًا.
وبَطَل عَرَجُكَ».
ثم نَهَى أن يُقْتَصَّ مِن جُرْحٍ حتى يَبْرَأَ صاحِبُه.
وهذه زِيادةٌ يجبُ قَبُولُها، وهى مُتَأخِّرَة عن الاقْتِصاصِ، فتكونُ ناسِخَةً له.
وفى نفسِ الحديثِ ما يَدُلُّ على أنَّ اسْتِقادَتَه قبلَ البُرْءِ مَعْصِيَةٌ؛ لقَوْلِه: «قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِى».
وما ذكَرُوه مَمْنُوعٌ، وهو مَبْنَى الخِلافِ.
4169 -
مسألة: فإن فعَل ذلك، سقَط حقُّه مِن سِرايَتِه (فلو سرَى إلى نَفْسِه، كان هَدْرًا، ولو سَرَى القِصاصُ إلى نَفْسِ الجانى، كان هَدْرًا أيضًا)
وقال الشافعىُّ: هى مَضْمُونَةٌ؛ لأنَّها سِرايَة جنَايَةٍ، فكانت مَضْمُونَة، كما لو لم يَقْتَصَّ.
ولَنا، الخَبَرُ المذْكورُ، ولأنَّه اسْتَعْجَلَ 737 ما لم يكُنْ له اسْتِعْجالُه، فبَطَلَ حَقُّه، كقاتِلِ مَوْرُوثِه، وبهذا فارَقَ مَن لم يَقْتَصَّ.
فعلى هذا، لو سَرَى القَطْعانِ جميعًا، فمات الجانِى والمُسْتَوْفِى، فهما هَدْرٌ.
وقال أبو حنيفةَ: يجبُ ضَمانُ كُلِّ واحدٍ منهما؛ لأَنَّ سِرايةَ كُلِّ واحدٍ منهما مَضْمُونَةٌ، ثم يتَقاصَّان.
وقال الشافعىُّ: إن ماتَ المَجْنِىُّ عليه أوَّلًا، ثم مات الجانِى، كان قِصاصًا به؛ لأنَّه مات مِن سِرايَةِ القَطْعِ، فقد مات بفِعْلِ المَجْنِىِّ عليه.
وإن مات
الحديث: 4169 - الجزء: 25 - الصفحة: 305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجانِى 738، فكذلك في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وفى الآخَرِ، يكونُ مَوْتُ الجانِى هَدْرًا، ولوَلِىِّ المَجْنِىِّ عليه نِصْف الدِّيَةِ.
فأمَّا إن سَرَى أحَدُ القَطْعَيْنِ دونَ صاحبِه، فعندَنا هو هَدْرٌ، لا ضَمانَ فيه.
وعندَ أبى حنيفةَ، يجبُ ضَمانُ سِرايَتِه.
وعندَ الشافِعىِّ، إن سَرَتِ الجِنايَةُ فهى مَضْمُونَةٌ، وإن سَرَى الاسْتِيفاءُ، لم يَجِبْ ضَمانُه.
ومَبْنَى ذلك على ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِلافِ.
فصل: وإنِ انْدَمَلَ جُرْحُ الجِنايةِ، فاقْتَصَّ منه، ثم انْتَقَضَ 739 فَسَرَى، فسِرايَتُه مَضْمُونةٌ، وسِرايَةُ الاسْتِيفاءِ غيرُ مَضْمُونةٍ؛ لأنَّه اقْتَصَّ بعدَ جوازِ القِصاصِ.
فعلى هذا، لو قطَع يَدَىْ رَجُلٍ فَبَرأَ، فاقْتَصَّ، ثم انْتَقَضَ جُرْحُ المَجْنِىِّ عليه، فمات، فلِوَلِيِّه قَتْلُ الجانِى؛ لأنَّه مات مِن جِنايَتِه.
وقال ابنُ أبى موسى: إذا جَرَحَه، فبَرَأَ، ثم انْتَقَضَ، فماتَ، فلا قَوَدَ فيه؛ ولَنا، أنَّ الجِنايةَ لو سَرَتْ إلى النَّفْسِ قبلَ الانْدِمالِ وجَب القِصاصُ، فكذلك بعدَه، وإن عَفا إلى الدِّيَةِ، فلا شئَ له 740، لأنَّه اسْتَوْفَى بالقَطْعِ ما قِيمَتُه دِيَةٌ وهو يَداه، وإن سَرَى الاسْتِيفاءُ، لم يَجِبْ أيضًا شئٌ؛ لأَنَّ القِصاصَ قد سقَط بمَوْتِه، والدِّيَةُ لا يُمْكِنُ إيجابُها؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن كان المقْطُوعُ بالجِنايةِ يَدًا، فوَلِيُّه بالخِيارِ بينَ القِصاصِ في
الجزء: 25 - الصفحة: 306
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النَّفْسِ وبينَ العَفْوِ 741 إلى نِصْفِ الدِّيَةِ.
ومتى سقَط القِصاصُ بمَوْتِ الجانِى أو غيرِه، وجَب نِصْفُ الدِّيَةِ في تَرِكَةِ الجانِى، أو مالهِ إن كان حَيًّا.
فصل: ولو قطَع كِتَابِىٌّ يَدَ مُسْلِمٍ، [فبَرأَ و] 742 اقْتَصَّ، ثم انْتَقَضَ جُرْحُ المُسْلِمِ ومات، فلِوَلِيِّه قَتْلُ الكِتابِىِّ والعَفْوُ إلى أَرْشِ الجُرْحِ، وفى قَدْرِه وَجْهان؛ أحدُهما، نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه قد اسْتَوْفَى بَدَلَ يَدِه بالقِصاصِ، وبَدَلُها نِصْفُ دِيَتِه، فبَقِىَ له نِصْفُها، كما لو كان القاطِعُ مُسْلِمًا.
والثانى، له ثَلاثَةُ أرْباعِها؛ لأَنَّ يَدَ اليَهودِىِّ تَعْدِلُ نِصْفَ دِيَتِه، وذلك رُبْعُ دِيَةِ المُسْلِمِ، فقد اسْتَوْفَى رُبْعَ دِيَتِه، وبَقِىَ له ثَلاثةُ أرْباعِها.
وإن كان قَطَع يَدَىِ المُسْلِمِ، فاقْتَصَّ منه، ثم مات المسلمُ، فعَفا وَلِيُّه إلى مالٍ، انْبَنَى على الوَجْهَيْنِ.
وإن قُلْنا: تُعْتَبَرُ قِيمةُ يَدِ اليَهُودِىِّ.
فله ههُنا نِصْفُ الدِّيَةِ.
وإن قُلْنا: الاعْتِبارُ بقِيمَةِ يَدِ المسلمِ.
فلا شئَ له ههُنا؛ لأنَّه قد اسْتَوْفَى بَدَلَ يَدَيْه 743، وهما جَمِيعُ دِيَتِه.
ولو كان القَطْعُ في يَدَيْه ورِجْلَيْه، فعَفَا إلى الدِّيَةِ، لم يكُنْ له شئٌ، وجْهًا واحدًا؛ لأَنَّ دِيَةَ ذلك دِيَةُ المُسْلِمِ.
ولو كان الجانِى امرأةً، فالحُكْمُ على ما ذكَرْنا سَواءً؛ لأَنَّ دِيَتَها نِصْفُ دِيَةِ 744 الرَّجُلِ.
الجزء: 25 - الصفحة: 307
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا قطَع يدَ رَجُلٍ [مِن الكُوعِ] 745، ثم قَطَعَها آخَرُ مِن المَرْفِقِ، فمات بسِرايَتِهما، فلِلْوَلِىِّ قَتْلُ القاطِعَيْنِ، وليس له أن يَقْطَعَ
طَرَفَيْهِما، في أحدِ الوَجْهَيْنِ.
وفى 746 الآخَرِ، له قَطْعُ يَدِ القاطِعِ مِنَ الكُوعِ.
فإن قَطَعَها، ثم عَفا عنه، فله نِصْفُ الدِّيَةِ، وأمَّا الآخَرُ، فإن كانتْ يَدُه مقْطُوعَة مِن الكُوعِ، فقَطَعَها من المَرْفِقِ، ثم عَفا، فله دِيَةٌ إلَّا قَدْرَ الحُكومةِ في الذِّراعِ.
ولو كانت يَدُ القاطعِ مِن المَرْفِقِ صَحِيحةً، لم يَجُزْ قَطْعُها، رِواية واحدةً؛ لأنَّه يأْخُذُ صَحِيحَةً بمَقْطُوعةٍ.
وإن قطَع أيْدِيَهما وهما صَحيحَتانِ، أو قطَع رَجُلانِ يَدُيْهِ، فقَطَع أيْدِيَهما، ثم سَرَتِ الجِنايةُ، فمات مِن قَطْعِهما، فليس لوَلِيِّهما العَفْوُ إلى الدِّيَةِ؛ لأنَّه قد اسْتَوْفَى ما قِيمَتُه دِيَةٌ.
وإنِ اخْتارَ قَتْلَهما، فله ذلك.
واللَّهُ أعلمُ.
الجزء: 25 - الصفحة: 308
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كتابُ الدِّياتِ
الأَصْلُ في وُجُوبِ الدِّيَةِ الكتابُ والسُّنَّةُ والإجْماع؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ 747 الآية.
وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى أبو بكرِ بنُ محمدِ ابنِ عمرِو بنِ حَزْمٍ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَتَبَ لعمرِو بنِ حَزْمٍ كِتابًا إلى أَهْلِ اليَمَنِ، فيه الفَرائِضُ والسُّنَنُ والدِّيَاتُ، وقال فيه: «وفى النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ».
رَوَاه النَّسَائِىُّ في «سُنَنِه»، ومالكٌ في «مُوَطَّئِهِ» (2). قال ابنُ عبدِ البَرِّ 748: وهو كتابٌ مَشْهورٌ عندَ أَهْلِ السِّيَرِ، مَعْروفٌ عندَ أَهْلِ العِلْمِ مَعْرِفَةً يُسْتَغْنَى بشُهْرَتِها عن الإِسْنادِ؛ لأنَّه أشْبَهَ التَّواتُرَ 749 في مَجِيئِه في أحاديثَ كثيرةٍ.
تأْتِى 750 في مواضِعِها مِن البابِ، إن شاءَ اللَّهُ751
: باب
ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول.
. .، من كتاب القسامة.
المجتبى 8/ 52 - 54. والإمام مالك، في: باب ذكر العقول، من كتاب العقول.
الموطأ 2/ 849.
كما أخرجه الدارمى، في: باب كم الدية من الإبل، من