الشرح الكبير على المقنع ت التركيكتاب الديات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

. سنن الدارمى 2/ 193. والحاكم، في: كتاب الزكاة.
المستدرك 1/ 397. والبيهقى، في: باب دية النفس، وباب دية أهل الذمة، من كتاب الديات.
السنن الكبرى 8/ 73، 100.

الجزء: 25 - الصفحة: 309

كُلُّ مَنْ أَتْلفَ إِنْسَانًا أَوْ جُزْءًا مِنْهُ، بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا مَحْضًا، فَهِىَ في مَالِ الْجَانِى حَالَّةً.
تعالى.
وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على وُجُوب الدِّيَةِ في الجُمْلَةِ.
[وسيَأْتِى ذلك مُفَصَّلًا في مواضِعِه مُبَيَّنًا، إن شاءَ اللَّهُ تعالى] (1).

4170 -

مسألة: (كُلُّ مَن أَتْلَفَ إنْسَانًا أو جُزءًا منه، بمُباشَرَةٍ أو سَبَبٍ، فعليه دِيَتُه)

سَواءٌ كان مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا، أو مُسْتَأْمِنًا أو مُهَادِنًا؛ لِما ذكَرْنا مِن الآيةِ، وفيها: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾.
وعَبَّرَ عن الذِّمَّةِ بالمِيثاقِ، وحديثِ أبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزْم، حينَ كَتَبَ له النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كتابًا إلى أَهْلِ اليَمَنِ، ذكرَ فيه الدِّياتِ، وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على ذلك في الجملةِ.
4171 -

مسألة: (فَإنْ كان)

القَتْلُ (عَمْدًا مَحْضًا، فهى في مالِ الجانى حَالَّةً) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ دِيَةَ العَمْدِ تَجِبُ في مالِ القاتلِ، لا تَحْمِلُها العاقِلةُ.
وهذا يَقْتَضِيه الأصْلُ، وهو أنَّ بَدَلَ المُتْلَفِ يَجِبُ على المُتْلِفِ، وأَرْشَ الجِنايةِ على الجانِى، قال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَجْنِى جَانٍ إلَّا على نَفْسِه» 2. وقال لبعضِ أصْحابِه، حينَ رأى معَه ولَدَه: «ابْنُكَ1

الحديث: 4170 - الجزء: 25 - الصفحة: 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هذَا؟».
قال: نعم.
قال: «أمَا إنَّهُ لا يَجْنِى عليك، ولا تَجْنِى عليه» 3. ولأَنَّ مُوجَبَ الجنايةِ أَثَرُ فِعْلِ الجانى، فيجِبُ أن يَخْتَصَّ بضَرَرِها، كما يَخْتَصُّ بنَفْعِها، فإنَّه لو كَسَب كان كَسْبُه لغيرِه، وقد ثَبَت حُكمُ ذلك في سائرِ الجِناياتِ والأكْسابِ، وإنَّما خُولِفَ هذا الأصْلُ في قَتْلِ الحُرِّ المَعْذُورِ فيه، لكَثْرةِ الواجِبِ، وعَجْزِ الجانِى في الغالِبِ عن تَحَمُّلِه، مع وُجُوبِ الكَفّارَةِ عليه، وقِيامِ عُذْرِه، تَخْفِيفًا عنه 4، ورِفْقًا به، والعامِدُ لا عُذْرَ له، فلا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ، ولا يُوجَدُ فيه المعنى المُقْتَضِى للمُواساةِ في الخَطَأ.
إذا ثبَت هذا، فإنَّها تَجِبُ حالَّةً.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَجِبُ في ثَلاثِ سِنِينَ؛ لأنَّها دِيَةُ آدَمِىٍّ، فكانتْ مُؤَجَّلَةً، كدِيَةِ شِبْهِ العَمْدِ.
ولَنا، أنَّ ما وجَب بالعَمْدِ المَحْضِ كان حالًّا، كالقِصاصِ وأَرْشِ أطْرافِ العَبْدِ، ولا يُشْبِهُ شِبْهَ 5 العَمْدِ؛ لأَنَّ القاتِلَ مَعْذُورٌ، لكَوْنِه لم يَقْصِدِ القَتْلَ، وإنَّما أفْضَى إليه مِن غيرِ اخْتِيارٍ منه، فأشْبَهَ الخَطَأ، ولهذا تَحْمِلُه العاقِلَةُ، ولأَنَّ القَصْدَ 6 التَّخْفِيفُ عن العاقلةِ الذين لم يَصْدُرْ منهم جِنايةٌ، وحَمَلُوا

الجزء: 25 - الصفحة: 311

وَإِنْ كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ، أو خَطَأً، أَوْ مَا جَرَى مَجْرَاهُ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ.
أداءَ مالٍ مُواساةً، فَلاقَ بحالِهم التَّخْفِيفُ عنهم، وهذا مَوْجُودٌ في الخَطَأ وشِبْهِ العَمْدِ على السَّواءِ، وأمَّا العَمْدُ، فإنَّما يَحْمِلُه الجانِى في غيرِ حالِ العُذْرِ، نرَجَبَ أن [يكونَ مُلْحَقًا ببَدَلِ] (1) سائرِ المُتْلَفاتِ، ويُتَصَوَّرُ الخِلافُ معه، فيما إذا قَتَلَ ابْنَه، أو قَتَلَ أجْنَبِيًّا، وتَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ القِصاصِ لعَفْوِ بعْضِهم، أو غيرِ ذلك.

4172 -

مسألة: (وإن كان شِبْهَ عَمْدٍ، أو خَطَأً، أو ما جَرَى مَجْراهُ، فعلى عاقِلَتِه)

دِيَة شِبْهِ العَمْدِ على العاقلةِ، في ظاهرِ المذهبِ.
وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، والشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال ابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وقَتادةُ، وأبو ثَوْرٍ: هى على القاتِلِ في مالِه.
واخْتارَه أبو بكرٍ عبدُ العَزيزِ؛ لأنَّها مُوحبُ فِعْلٍ قَصَدَه، فلم تَحْمِلْه العاقِلَةُ، كالعَمْدِ المَحْضِ، ولأنَّها دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ، فأشْبَهَتْ دِيةَ العَمْدِ.
وهكذا يجبُ أن يكونَ مذهبُ مالكٍ؛ لأَنَّ شِبْهَ العَمْدِ عندَه مِن بابِ العَمْدِ.
ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: اقْتَتَلَتِ امْرأتانِ مِن هُذَيْلٍ، فرَمَتْ إحْداهُما الأُخرَى بحَجَرٍ، فقَتَلَتْها وما في بَطْنِها، فقَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها.
مُتَّفَقٌ عليه 8. ولأنَّه نَوْعُ قَتْلٍ لا يُوجِبُ7

الحديث: 4172 - الجزء: 25 - الصفحة: 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قِصاصًا، فوَجَبَتْ دِيَتُه على العاقِلَةِ، كالخَطَأُ، ويُخالِفُ العَمْدَ المَحْضَ 9؛ لأنَّه يُغَلَّظُ مِن كلِّ وَجْهٍ، لقَصْدِه الفِعْلَ، وإرادَتِه القَتْلَ، وعَمْدُ الخَطَأُ يُغلَّظُ مِن وَجْهٍ، وهو قَصْدُه الفِعْلَ، [ويُخَفَّفُ] 10 مِن وَجْهٍ، وهو كَوْنُه لم يُرِدِ القَتْلَ، فاقْتَضَى تَغْلِيظَها مِن وَجْهٍ وهو الأسْنانُ، وتَخْفِيفَها مِن وَجْهٍ وهو حَمْلُ العاقِلَةِ لها وتَأْجِيلُها.
ولا نعلمُ في 11 أنَّها تَجِبُ مُؤجَّلَةً خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ.
ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعَلىٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادةُ، وأبو هاشمٍ، وعُبَيْدُ اللَّه بِنُ عمرَ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقد حُكِى عن قَوْم مِن الخَوارِجِ، أنَّهم قالوا: الدِّيَةُ حالَّةٌ؛ لأنَّها بَدَلُ مُتْلَفٍ.
ولم يُنْقَلْ إلينا ذلك عمَّن يُعَدُّ خِلافُه خِلافًا.
وتُخالِفُ الدِّيَةُ سائرَ المُتْلَفاتِ؛ لأنَّها تَجِبُ على غيرِ الجانِى على سبيلِ المُواساةِ له، فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ تَخْفِيفَها عليهم، وقد رُوِى عن عمرَ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّهما قَضَيا بالدِّيَةِ على العاقِلَةِ في ثلاثِ سِنِينَ 12. ولا مُخالِفَ لهما في عَصْرِهما، فكان إجْماعًا.
وأمَّا دِيَةُ

الجزء: 25 - الصفحة: 313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الخَطَأَ، فلا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّها على العاقِلَةِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 13: أجْمَعَ على هذا كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه بِن أهلِ العلمِ، وقد ثَبَتَتِ الأخْبارُ عن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قَضَى بدِيَةِ الخَطأُ على العاقِلَةِ، وأَجْمَعَ أهْلُ العلمِ على القولِ به.
ولأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَعَلَ دِيَةَ عَمْدِ الخَطأُ على العاقِلَةِ، بما قد رَوَينا من الحدِيثِ، وفيه تَنْبِيهٌ على أنَّ العاقِلَةَ تَحْمِلُ دِيَةَ 14 الخَطَأُ.
والحِكْمَةُ في ذلك أنَّ جِناياتِ الخَطأَ تَكْثُرُ، ودِيةَ الآدَمِىِّ كثيرةٌ، فإيجابُها على الجانِى في مالِه يُجْحِفُ به، فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ إيجابَها على العاقِلَةِ، على سبيلِ المُواساةِ للقاتلِ، والإعانةِ له، تَخْفِيفًا عنه، إذ 15 كان مَعْذُورًا في فِعْلِه.
فصل: فأمَّا الكَفَّارةُ، ففى مالِ القاتلِ لا يَدْخُلُها تَحَمُّلٌ.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: تكونُ في بَيْتِ المالِ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّها تَكْثرُ، فإيجابُها عليه يُجْحِفُ به.
ولَنا، أنَّها كَفَّارة، فاخْتَصَّتْ بمَن وُجِدَ منه سَبَبُها، كسائِرِ الكَفَّاراتِ، وكما لو كانت صَوْمًا.
ولأَنَّ الكَفَّارةَ شُرِعَتْ للتَّكْفِيرِ عن الجانِى، ولا يُكَفَّرُ عنه بفِعْلِ غيرِه، وتُفارِقُ الدِّيَةَ، فإنَّها إنَّما شُرِعَتْ لجَبْرِ المَحَلِّ، وذلك يحْصُلُ بها كيْفما كان.
ولأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمَّا قَضَى بالدِّيَةِ على العاقِلَةِ، لم يُكَفِّرْ عن القاتِلَةِ 16. وما ذكَرُوه

الجزء: 25 - الصفحة: 314

وَلَوْ أَلْقَى عَلَى إِنْسَانٍ أَفْعًى، أَوْ أَلْقَاهُ عَلَيْها، فَقَتَلَتْهُ، أَوْ طَلَبَ إِنْسَانًا  لا أصْلَ له، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الدِّيَةِ لوُجُوهٍ؛ أحدُها، أنَّ الدِّيَةَ لم تجبْ في بيتِ المالِ، إنَّما وجَبَتْ على العاقِلَةِ، ولا يَجُوزُ أن يَثْبُتَ حُكْمُ الفَرْعِ مُخالِفًا لحُكْمِ الأَصْلِ.
الثانى، أنَّ الدِّيَةَ كثيرةٌ، فإيجابُها على القاتل يُجْحِفُ به، والكَفَّارةُ بخِلافِها.
الثالثُ، أنَّ الدِّيَةَ وجَبَتْ مُواساةً للقاتلِ، وجُعِلَ حَظُّ القاتلِ مِن الواجِبِ الكَفَّارةَ، فإيجابُها على غيرِه يقْطَعُ المُواساةَ، ويُوجِبُ على غيرِ (1) الجانِى أكْثَرَ ممَّا وجَبَ عليه، وهذا لا يجوزُ.
فصل: ولا يَلْزَمُ القاتِلَ شئٌ مِن دِيَةِ الخَطَأْ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: هو كواحدٍ مِن العاقِلَةِ؛ لأنَّها وجَبَتْ عليهم إعانةً له، فلا يَزِيدُونَ عليه فيها.
ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها.
مُتَّفقٌ عليه (2). وهذا يَقْتَضِى أنَّه قَضَى عليهم بجمِيعِها، ولأنَّه قاتِلٌ لم تَلْزَمْه الدِّيَةُ، فلم يَلْزَمْه بعْضُها، كما لو أمَرَه الإِمامُ بقَتْلِ رَجُلٍ، فقَتَلَه يَعْتَقِدُ أنَّه بحَقٍّ، فبان مَظْلُومًا.
ولأَنَّ الكَفَّارةَ تَلْزَمُ القاتِلَ في مالِه، وذلك يَعْدِلُ قِسْطَه مِن الدِّيَةِ وأكثرَ منه، فلا حاجَةَ إلى إيجابِ شئٍ مِن الدِّيَةِ عليه.

4173 -

مسألة: (ولو ألْقَى على إنْسَانٍ أَفْعًى، أو أَلْقاه عليها،

1718 الحديث: 4173 - الجزء: 25 - الصفحة: 315

بِسَيْفٍ مُجَرَّدٍ فَهَرَبَ، فَوَقَعَ فِى شَىْءٍ تَلِفَ به، بَصِيرًا كَانَ أَوْ ضَرِيرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا في فِنَائِهِ، أَوْ وَضَعَ حَجَرًا، أَوْ صَبَّ مَاءً فِى طَرِيقٍ، أَوْ بَالَتْ فِيها دَابَّتُهُ وَيَدُهُ عَلَيْهَا، أَوْ رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ فِيها، فَتَلِفَ بِهِ إنْسَانٌ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَتُهُ.
فقَتَلَتْهُ، أو طلَب إنسانًا بسيْفٍ مُجَرَّدٍ، فَهَرَبَ، فَوَقَعَ في شَىْءٍ تَلِفَ به، بَصِيرًا كان أو ضَرِيرًا، أو حفرَ بِئْرًا في فنائِه، أو وضَع حَجَرًا، أو صَبَّ ماءً في طَرِيقٍ، أو بالَتْ فيها دَابَّتُهُ ويدُه عليها، أو رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ فيها فَتَلِفَ به إنْسانٌ، وَجَبَتْ عليه دِيَتُه) يجبُ الضَّمانُ بالسَّبَبِ كما يجبُ بالمُباشَرَةِ، فإذا ألْقَى إنْسانًا على أفْعَى، أو ألْقاها عليه، فقَتَلَتْه، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه تَلِفَ بعُدْوانِه، فأشْبَهَ ما لو جَنَى عليه.

4174 -

مسألة: فإن طلَب إنسانًا بِسَيْفٍ مَشْهُورٍ،

فَهَرَبَ منه، فَتَلِفَ في هَرَبِه، ضَمِنَه، سواءٌ سقَط مِن شاهِقٍ، أو انْخَسَفَ به سَقْفٌ، أو خَرَّ في بِئْرٍ، أو لَقِيَه سَبُعٌ فافْتَرَسَه، أو غَرِقَ في ماءٍ، أو احْتَرَقَ بنارٍ، وسواءٌ كان المطْلُوبُ صَغِيرًا أو كبيرًا، أعْمَى أو بَصِيرًا، عاقِلًا أو مجْنُونًا.
وقال الشافعىُّ: لا يَضْمَنُ البالِغَ العاقِلَ البَصِيرَ.
إلَّا أن ينْخَسِفَ به سَقْفٌ،

الحديث: 4174 - الجزء: 25 - الصفحة: 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنَّ 19 فيه وفى الصَّغِيرِ والمجْنُونِ والأعْمَى قوليْن؛ لأنَّه هلَك بفِعْلِ نَفْسِه، فلم يَضْمَنْه الطالِبُ، كما لو لم يَطْلُبْه.
ولَنا، أنَّه هلَك بسَبَبِ عُدْوانِه، فضَمِنَه، كما لو حفَر له بِئْرًا، أو نصَب له سِكِّينًا، أو سَمَّ طَعامَه ووَضَعَه.
وما ذكَرَه 20 يَبْطُلُ بهذه الأصُولِ.
وإن طَلَبَه بشئٍ يُخِيفه به، كاللُّتِّ 21 ونحوِه، فهو كما لو طَلَبَه بسَيْف مَشْهُورٍ؛ لأنَّه في مَعْناه.
فصل: ولو شَهَرَ سَيْفًا في وَجْهِ إنْسانٍ، أو دَلَّاهُ مِن شاهِقٍ، فمات مِن رَوْعَتِه، أو ذهب عَقْلُه، فعليه دِيَتُه.
فإن صاحَ بصَبِىٍّ أو مَجْنُونٍ صَيْحةً شديدةً، فخَرَّ مِن سَطْحٍ أو نحوِه، فمات، أو ذهب عَقْلُه، أو تَغَفَّلَ عاقِلًا فصاحَ به، فأصَابَه ذلك، فعليه دِيَتُه، تَحْمِلُها العاقِلَةُ.
فإن تَعَمَّدَ ذلك، فهو شِبْهُ عَمْدٍ، وإلَّا فهو خَطَأٌ.
ووافَقَ الشافعىُّ في الصَّبِىِّ، وله في البالِغِ قَوْلانِ.
ولَنا، أنَّه تَسَبَّبَ إلى إتْلافِه، فضَمِنَه، كالصَّبِىِّ 22. فصل: وإن قَدَّمَ إنْسانًا إلى هَدَفٍ يَرْمِيه الناسُ، فأصَابَه سَهْمٌ مِن غيرِ تَعَمُّدٍ، فضَمانُه على عاقلةِ الذى قدَّمه؛ لأَنَّ الرَّامِىَ كالحافرِ، والذى قَدَّمَه كالدَّافِعِ، فكان الضَّمانُ على عاقلَتِه.
وإن عَمَدَ الرَّامِى رَمْيَه، فالضَّمانُ

الجزء: 25 - الصفحة: 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه؛ لأنَّه باشَرَ، وذاك مُتَسَبِّبٌ، فأَشْبَهَ المُمْسِكَ والقاتِلَ.
وإن لم يُقَدِّمْه أحَدٌ، فالضَّمانُ على الرَّامِى، وتَحْمِلُه عاقِلته إن كان خَطَأً؛ لأنَّه قَتَلَه.

4175 -

مسألة: وإن حفَر في فِنائِه بِئْرًا لنفسِه، أو في طَرِيقٍ لغيرِ مَصْلَحَةِ المُسْلِمِينَ، أو في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، أو وضَع فِى ذَلِكَ حَجَرًا، أو صَبَّ فيه مَاءً، أو رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ فَهَلَكَ به إنسانٌ، ضَمِنَه؛ لأنَّه تَلِفَ بِعُدْوَانِه.
ورُوِىَ عن شُرَيْحٍ أنَّه ضَمَّنَ رَجُلًا حَفَر بِئْرًا، فوقَعَ فيها رَجُلٌ فمات.
ورُوِىَ ذلك

(1) عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ.
4176 -

مسألة: وإن بالتْ فيها دَابَّتُه، فَزَلَقَ به حَيوانٌ،

فماتَ

الحديث: 4175 - الجزء: 25 - الصفحة: 318

وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا، وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا، فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ، فَوَقَعَ في الْبِئْرِ،  به، فقال أَصْحابُنا: على صاحبِ الدَّابَّةِ الضَّمَانُ، إذا كان راكِبًا، أو قَائِدًا، أو سائِقًا؛ لأنَّه تَلَفٌ حصَل مِن جِهةِ دَابَّتِه التى يَدُه عليها، فأَشْبَهَ ما لو جَنَتْ بيَدِها أو فَمِها.
وقِياسُ المذهبِ، أنَّه لا يَضْمَنُ ما تَلِفَ بذلك؛ لأنَّه لا يدَ له على ذلك، ولا (1) يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فهو كما لو أتْلَفَتْ برِجْلِها، ويُفارِقُ ما إذا أَتْلَفَت بِيَدِها أو فَمِها؛ لأنَّه يُمْكِنُه حِفْظُهُما.

4177 -

مسألة: (وإن حفَر بِئْرًا، وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا)

أو نصَب سِكِّينًا، فَعَثَرَ بِالْحَجَرِ (فوَقَعَ في البِئْرِ) أو عَلَى 23 السِّكِّينِ (فَالضَّمَانُ

الحديث: 4177 - الجزء: 25 - الصفحة: 319

فَالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ.
على واضعِ الحَجَرِ) ونَاصِبِ السِّكِّينِ دُونَ الحَافِرِ؛ لأَنَّ الحَجَرَ كالدَّافِعِ له، وإذا اجْتَمَعَ الحافرُ والدَّافِعُ، فالضَّمَانُ على الدَّافِعِ وحدَه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
ولو وَضعَ رَجُلٌ حَجَرًا، ثم حَفَرَ آخَرُ عندَه 24 بِئْرًا، أو نصَب سِكِّينًا، فعَثَرَ بالحَجَرِ، فسَقَطَ عليهما، فهَلَكَ، احْتَمَلَ أن يكونَ الحُكمُ كذلك؛ لِما ذكَرْنا.
واحْتَمَلَ أن يضْمَنَ الحافِرُ وناصبُ السِّكِّينِ؛ لأَنَّ فِعْلَهُما مُتَأَخِّرٌ عن فِعْلِه، فأَشْبَهَ ما لو كان زِقٌّ فيه مائِعٌ وهو واقِفٌ، فحَلَّ وِكاءَه إنْسانٌ وأمالَه آخَرُ، فسألَ ما فيه، كان الضَّمانُ على الآخِرِ منهما.
وإن وضَع إنْسانٌ حَجَرًا أو حَدِيدةً في مِلْكِه، أو حَفَرَ فيه بئْرًا، فدَخَلَ إنْسانٌ بغيرِ إذْنِه، فهَلَكَ به، فلا ضَمانَ على المالِكِ؛ لأَنَّه لم يتَعَدَّ 25، وإنَّما الدَّاخِلُ هلَكَ بعُدْوانِ نَفْسِه، وإن وضَع حَجَرًا في مِلْكِه، ونصَب أجْنَبِىٌّ فيه سِكِّينًا، أو حفَر بِئْرًا بغيرِ إذْنِه، فعَثَرَ رَجُلٌ بالحَجَرِ، فوَقَعَ على السِّكِّينِ أو في البِئرِ، فالضَّمانُ على الحافرِ وناصِبِ السِّكِّينِ لتَعَدِّيهِا، إذ لم يتَعَلَّقِ الضَّمانُ بواضِعِ الحَجَرٍ؛ لانْتِفاءِ عُدْوانِه.
وإنِ اشْتَرَكَ جماعةٌ في عُدْوانٍ تَلِفَ به شئٌ، فالضَّمانُ عليهم، فلو وضَع اثْنانِ

الجزء: 25 - الصفحة: 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَجَرًا، وواحِدٌ حَجَرًا، فعَثَرَ بهما إنْسانٌ، فهَلَكَ، فالدِّيَةُ كل عَواقِلِهم أثْلَاثًا، في قِياسِ المذهبِ.
وهو قولُ أبى يوسفَ؛ لأَنَّ السَّبَبَ حصَل مِن الثَّلاثةِ أثْلاثًا، فوَجَبَ الضَّمانُ عليهم سواءً وإنِ اختَلَفَتْ أفْعالُهم، كما لو جَرَحَه واحدٌ جُرْحَيْنِ، وجَرَحَه اثْنانِ جُرْحَيْنِ، فمات بها 26. وقال زُفَرُ: على الاثْنَين النِّصْفُ، وعلى واضِعِ الحجَرِ وحدَه النِّصْفُ؛ لأَنَّ فِعْلَه مُساوٍ لفِعْلِهما.
وإن حفَر إنْسانٌ بِئرًا، ونصَب آخَرُ فيها سِكِّينًا، فوَقَع إنسانٌ في البئرِ على السِّكِّينِ، فماتَ، فقال ابنُ حامدٍ: الضَّمانُ على الحافرِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ الدَّافعِ.
وهذا قِياس المسائِلِ التى قَبلَها.
ونَصَّ أحمدُ على أنَّ الضَّمانَ عليهما.
قال أبو بكرٍ: لأنَّهما في مَعْنىِ المُمْسِكِ والقاتلِ، الحافرُ كالمُمْسكِ، وناصِبُ السِّكِّينِ كالقاتلِ.
فيُخرَّجُ مِن هذا أَنْ يَجِبَ الضَّمانُ كل جميعِ المُتَسَبِّبِينَ في المسائلِ السَّابقةِ.
فصل: وإن حفَر بِئرًا في مِلْكِ نَفْسِه، أو في ملكِ غيرِه بإذْنِه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ.
وكذلك إن حَفَرَها في مَواتٍ، أو وضَع حَجَرًا، أو نصبَ شَرَكًا، أو شَبَكَةً، أو مِنْجَلًا، ليَصِيدَ بها؛ لأنَّه لم يَتَعَدَّ بذلك.
وإن فَعَلَ شيئًا مِن ذلك في طَريقٍ ضَيِّقٍ، فعليه ضَمانُ ما تلف به؛

الجزء: 25 - الصفحة: 321

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّه مُتَعَدٍّ.
وسَواءٌ أذِنَ له الإِمامُ أو لم يَأْذَنْ؛ لأنَّه ليس للإمامِ أن يَأْذَنَ فيما يَضُرُّ بالمُسلمينَ، ولو فَعَلَ ذلك الإِمامُ لَضَمِنَ ما يَتْلَفُ به.
فإن كان الطَّريقُ واسِعًا، فحَفَرَ في مكانٍ منها يَضُرُّ بالمُسْلِمينَ، ضَمِنَ.
وإن حفَر في مكانٍ لا يَضُرُّ بالمسلمينَ، وكان حَفَرَها لنَفْسِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها، سواءٌ حَفَرَ بها بإذْنِ الإِمامِ أو بغيرِ إذْنِه.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: إن حَفَرَها بإذْنِ الإمام، لم يَضْمَنْ؛ لأَنَّ للإمام أن يَأْذَنَ في الانْتِفاعِ بما لا ضَرَرَ فيه، بدَليلِ أنَّه يجوزُ أن يأْذَنَ في القُعُودِ فَيه، ويُقْطِعَه لمن يَبِيعُ 27 فيه.
ولَنا، أنَّه تَلِفَ بحَفْرٍ حَفَرَه في حَقٍّ مُشْتَرَكٍ، بغيرِ إذْنِ أهْلِه، لغيرِ مَصْلَحَتِهم، فضَمِنَ، كما لو لم يَأْذَنِ الإِمامُ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ للإِمام أن يَأْذَنَ في هذا، وإنَّما يَأْذَن في القُعُودِ؛ لأَنَّ ذلك لا يَدُومُ، ويُمْكِنُ إِزالَتُه في الحالِ، فأَشْبَهَ القُعُودَ في المَسْجِدِ، ولأَنَّ القُعُودَ جائزٌ مِن غيرِ إذْنِ الإِمامِ، بخِلافِ 28 الحَفْرِ.
فصل: وإن حفَر بِئرًا في مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بينَه وبينَ غيرِه، بغيرِ إذْنِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ به جَمِيعَه.
وهذا قِياسُ مذهبِ الشافعىِّ.
وقال [أبو حنيفةَ] 29: يَضْمَنُ ما قابَلَ نَصِيبَ شَرِيكِه، فلو كان له شَرِيكان، ضَمِنَ

الجزء: 25 - الصفحة: 322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثُلُثَى التَّالِفِ؛ لأنَّه تَعَدَّى في نَصِيبِ شَرِيكَيْه 30. وقال أبو يوسفَ: عليه نِصْفُ الضَّمانِ؛ لأنَّه تَلِفَ بجِهَتَيْنِ، فكان الضَّمانُ نِصْفَيْنِ، كما لو جَرَحَه أحَدُهما جُرْحًا، وجَرَحَه الآخَرُ جُرْحَيْنِ.
ولَنا، أنَّه مُتَعَدٍّ بالحَفْرِ، فضَمِنَ الواقعَ فيها 31، كما لو كان في ملْكِ غيرِه، والشَّرِكَةُ أوْجَبَ تَعَدِّيَهُ لجميعِ الحَفْرِ، فكان مُوجِبًا لجميعِ الضَّمانِ.
ويَبْطُلُ ما ذكَرَه أبو يوسفَ بما لو حَفَرَه في طرِيقٍ مُشْتَرَكٍ، فإنَّ له فيها حَقًّا، ومع ذلك يَضْمَنُ الجميعَ.
والحُكمُ فيما إذا أذِنَ له بعْضُ الشُّرَكاءِ في الحَفْرِ دُونَ بعْضٍ، كالحُكْمِ فيما إذا حفَر في مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بينَه وبينَ غيرِه؛ لكَوْنِه لا يُباحُ الحَفْرُ ولا التَّصَرُّفُ حتى يَأْذَنَ الجميعُ.
فصل: وإن حفَر إنْسانٌ في مِلْكِه بِئرًا، فوَقِعَ فيها إنسانٌ أو دابةٌ، فهَلَكَ به، وكان الدَّاخِلُ دخَل بغيرِ إذْنِه، فلا ضَمان على الحافرِ؛ لأنَّه لا عُدْوانَ منه.
وإن دخَل بإذْنِه، والبِئْرُ ظاهِرَةٌ مَكْشُوفَةٌ، والدَّاخِلُ بَصِيرٌ يُبْصِرُها، فلا ضَمانَ أيضًا؛ لأَنَّ الواقِعَ هو الذى أهْلَكَ نفسَه، فأشبَة ما لو قدَّم إليه سِكِّينًا، فقَتَلَ بها نفسَه، وإن كان الدَّاخِلُ أعْمَى، أو كانت في ظُلْمَةٍ لا يُبْصِرُها الدَّاخِلُ، أو غَطَّى رَأْسَها، فلم يَعْلَمِ الدَّاخِلُ حتى وقَع فيها، ضَمِنَه.
وبهذا قال شُرَيحٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ.
وهو أحَدُ الوَجْهينِ لأصْحابِ الشافعىِّ.
وقالوا في الآخَرِ: لا 32

الجزء: 25 - الصفحة: 323

وَإِنْ غَصَبَ صَغِيرًا، فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ، أَوْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ، فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَإِنْ مَاتَ بِمَرَضٍ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
يضْمَنُه؛ لأنَّه هلَك بفِعْلِ نفسِه.
ولَنا، أنَّه تَلِفَ بسَبَبِه، فضَمِنَه، كما لو قدَّم له طَعامًا مَسْمُومًا فأكَلَه، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذكَرُوه.
وإنِ اخْتْلَفَا، فقال صاحبُ الدَّارِ: ما أذِنْتُ لك في الدُّخولِ.
وادَّعَى ولِىُّ الهالِكِ أنَّه أَذِنَ له، فالقَوْلُ قولُ المالكِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ.
وإن قال: كانت مَكْشُوفَةً.
وقال الآخَرُ: كانت مُغَطَّاةً.
فالقولُ قولُ وَلِىِّ الواقعِ؛ لأَنَّ الظّاهِرَ معه، فإنَّ الظّاهرَ أنَّها لو كانت مَكْشُوفَةً لم يَسْقُطْ فيها.
ويَحْتَمِلُ أنَّ القولَ قولُ المالكِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءةُ ذمَّتِه، فلا تَشْتَغِلُ بالشَّكِّ.

4178 -

مسألة: (وإن غصَب صًغِيرًا، فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ، أو أصابَتْه صاعِقَةٌ، ففيه الدِّيَةُ)

لأنَّه تَلِفَ في يَدِه العادِيَةِ (وإن مات بمَرَضٍ، فعلِى وَجْهَيْنِ) أحدُهما، يَضْمَنُه، كالعَبْدِ الصغيرِ.
والثانى، لا يَضْمَنُه؛ لأنَّه

الحديث: 4178 - الجزء: 25 - الصفحة: 324

وَإِنِ اصْطَدَمَ نَفْسَانِ، فَمَاتَا، فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ.
حُرٌّ، لا تَثْبُتُ اليَدُ عليه في الغَصْبِ، أشْبَهَ الكبيرَ.

4179 -

مسألة: (وإنِ اصْطَدَمَ نَفْسانِ، فَماتَا، فعلى عاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنهما دِيَةُ الآخَرِ)

رُوِى هذا عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
ولا يجبُ القِصاصُ، سواءٌ كان اصْطِدامُهما عمْدًا أو خَطأً؛ لأَنَّ الصَّدْمَةَ لا تَقْتُلُ غالِبًا، فالقَتْلُ الحاصِلُ بها مع العَمْدِ عَمْدُ الخَطَأ.
ولا فَرْقَ بينَ البَصيرَيْنِ،

الحديث: 4179 - الجزء: 25 - الصفحة: 325

وَإِنْ كَانَا رَاكِبَيْنِ، فَمَاتَتِ الدَّابَّتَانِ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةُ دَابَّةِ الْآخَرِ.
والأعْمَيَيْنِ، والبَصِيرِ والأعْمَى، فإن كانا (1) امرأتَيْنِ حامِلَتَيْنِ، فهما كالرَّجُلَيْنِ.
فإن أسْقَطَتْ كلُّ واحدةٍ منهما جَنِينًا، فعلى كُلِّ واحدةٍ نِصْفُ ضَمانِ جَنِيِنها ونِصْفُ ضَمانِ جَنِينِ (2) صاحِبَتِها؛ لأنَّهما اشْتَرَكَتا في قَتْلِه، وعلى كلِّ واحدةٍ منهما عِتْقُ ثلاثِ رِقَابٍ؛ واحِدَةٌ لقَتْلِ صاحِبَتِها، واثْنَتانِ لمُشَارَكَتِها في الجَنِينَيْن.
فإن أسْقَطَتْ إحداهُما دُونَ الأُخْرَى، اشْتَرَكَتا في ضَمانِه، وعلى كلِّ واحدةٍ منهما عِتْقُ رقَبَتَيْنِ.
وإنِ اصْطَدَمَ راكبٌ وماشٍ، فهو كما لو كانا ماشِيَيْنِ.
وإنِ اصْطَدَمَ راكبانِ فماتا، فهو كما لو كانا ماشِيَيْنِ.

4180 -

مسألة: (وإن كانا رَاكِبَيْنِ، فماتتِ الدَّابَّتانِ، فعلى كُلِّ

3334 الحديث: 4180 - الجزء: 25 - الصفحة: 326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واحدٍ مِنهما قِيمَةُ دابَّةِ الآخَرِ) وجملةُ ذلك، أنَّ على كلِّ واحدٍ مِن المُصْطَدِمَيْن.
ضَمانَ ما تلِف مِن الآخَرِ، مِن نَفْسٍ أو دَابَّةٍ أو مالٍ.
سواءٌ كانتِ الدَّابَّتانِ فَرَسَيْنِ، أو بَغْلَيْنِ، أو حِمارَيْنِ، أو جَمَلَيْنِ، أو كان أحَدُهما فَرَسًا والآخرُ غيرَه، مُقْبِلَيْنِ كانا أو مُدْبِرَيْنِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، وصاحِباه، وإسْحاقُ.
وِقال مالِكٌ، والشافِعِىُّ: على كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُ قِيمَةِ ما تَلِفَ مِن الآخرِ؛ لأَنَّ التَّلَفَ حصَل بفِعْلِهِما، فكان الضَّمانُ منْقَسِمًا عليهما، كما لو جَرَحَ إنْسانٌ نفسَه، وجَرَحَه غيرُه، فماتَ منهما.
ولَنا، أنَّ كلَّ واحدٍ منهما مات مِن صَدْمَةِ صاحبِه، وإنَّما هو قَرَّبَها إلى مَحَلِّ الجِنايَةِ، فلَزِمَ الآخَرَ ضَمَانُها، كما لو كانت [واقِفَة، بخِلافِ الجِراحَةِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ قِيمَةَ الدَّابَّتَيْنِ إن تَساوَتا، تَقَاصَّتَا وَسَقَطَتَا، وإن كانت] 35 إحداهُما أكثرَ 36 مِنَ الأُخْرَى، فلِصاحبِها الزِّيادَةُ، وإن ماتتْ إحدى الدَّابَّتَيْنِ، فعلى الآخَرِ قِيمَتُها، وإن نَقَصَتْ، فعليه نَقْصُها.
فإن كان أحَدُهما يَسِيرُ بينَ يَدَىِ الآخَرِ، فأدْرَكَه الثانى فصَدَمَه، فماتتِ الدَّابَّتانِ أو إحْداهما، فالضَّمانُ على اللَّاحِقِ، لأنَّه الصَّادِمُ والآخَرُ مَصْدُومٌ.

الجزء: 25 - الصفحة: 327

وَإِنْ كَانَ أحَدُهُمَا يَسِيرُ، وَالْآخَرُ واقِفًا، فَعَلَى السَّائِرِ ضَمَانُ الْوَاقِفِ وَدَابَّتِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِى طَرِيقٍ ضَيِّقٍ، قَاعِدًا أَوْ وَاقِفًا، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهِ.

4181 - مسألة: (إلَّا أن يَكُونَ أحدُهما يَسِيرُ، والآخَرُ وَاقِفًا، فعلى السَّائرِ ضَمانُ الواقفِ ودابَّتِهِ)

[نصَّ أحمدُ على هذا] (1)؛ لأَنَّ السَّائرَ هو الصَّادِمُ المُتْلِفُ، فكانَ الضَّمانُ عليه.
فإن مات هو أو دابَّتُه، فهو هَدْرٌ؛ لأنَّه أتْلَف نفسَه ودابَّتَه.
وإنِ انْحَرَفَ الواقِفُ، فصادَفَتِ (2) الصَّدْمَةُ انْحِرافَه، فهما كالسَّائِرَيْنِ؛ لأَنَّ التَّلَفَ حصَل مِن فِعْلِهِما.
4182 -

مسألة: (إلَّا أن يَكُونَ في طَرِيقٍ ضَيِّقٍ، قاعِدًا أو واقِفًا، فلا ضَمَانَ فيه، وعليه ضَمَانُ ما تَلِفَ به)

إذا كان الواقِفُ مُتَعَدِّيًا بوُقوفِه،3738

الحديث: 4181 - الجزء: 25 - الصفحة: 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مثلَ أن يَقِفَ في طريقٍ ضَيِّقٍ، فالضَّمانُ عليه دُونَ السَّائِرِ؛ لأَنَّ التَّلَفَ حصَل بتَعَدِّيه، فكان الضَّمانُ عليه، كما لو وضَع حَجَرًا في الطَّريقِ، أو جلَس في طريقٍ ضَيِّقٍ، فعَثَرَ به إنْسانٌ.

الجزء: 25 - الصفحة: 329

وَإِنْ أَرْكَبَ صَبِيَّيْنِ لَا وِلَايةَ لَهُ عَلَيْهِمَا، فَاصْطَدَمَا، فَمَاتَا، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُمَا.

4183 - مسألة: (وإن أرْكَبَ صَبِيَّيْنِ لا وِلايَةَ له عليهما، فاصْطَدَمَا، فماتا، فعلى عاقِلَتِه دِيَتُهما)

لأنَّه مُتَعَدٍّ بذلك، وتَلَفَهُما بسَبَبِ جِنايَتِه.

الحديث: 4183 - الجزء: 25 - الصفحة: 330

وَإِنْ رَمَى ثَلَاثَةٌ بِمَنْجَنِيقٍ، فَقَتَلَ الْحَجَرُ إنْسَانًا، فعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ

4184 - مسألة: (وإن رَمَى ثلاثَةٌ بمَنْجَنِيقٍ، فقَتَلَ الحَجَرُ

الحديث: 4184 - الجزء: 25 - الصفحة: 331

وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ دِيَتِهِ، وَإِنْ قُتِلَ أَحَدُهُمْ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا؛ يُلْغَى فِعْلُ نَفْسِهِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ.
إنْسَانًا، فعلى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنهم ثُلُثُ دِيَتهِ) لا يَخْلُو ذلك مِن حالَيْنِ؛ أحدُهما، أن يكونَ المقْتُولُ واحِدًا منهم.
والثانى، أن يكونَ مِن غيرِهم.
فإن كان مِن غيرِهم، فالدِّيَة على عَواقِلِهِم أثْلَاثًا؛ لأَنَّ العاقلةَ تَحْمِلُ الثُّلُثَ فما زاد، وسواءٌ قَصَدُوا رَمْىَ واحدٍ بعَيْنِه، أو قَصَدُوا رَمْىَ جَماعةٍ، أو لم يَقْصِدُوا ذلك، [إلَّا أنَّهم] 39 إن لم يَقْصِدُوا قَتْلَ آدَمِىٍّ مَعْصُومٍ، فهو خَطَأٌ، دِيَتُه دِيَةُ الخَطأُ.
وإن قَصَدُوا رَمْىَ جَماعةٍ أو واحدٍ بعَيْنِه، فهو شِبْهُ عَمْدٍ؛ لأَنَّ قصْدَ الواحدِ بالمَنْجَنِيقِ لا يكادُ يُفْضِى إلى إتْلافِه، فيكون شِبْهَ عَمْدٍ تَحْمِلُه العاقلةُ في ثَلاثِ سِنِينَ.
وعلى قولِ أبى بكرٍ، لا تَحْمِلُ العاقلةُ شِبْهَ العَمْدِ، فلا تَحْمِلُه ههُنا.
الحالُ الثانى، أن يُصِيبَ واحدًا منهم، فعلى كلِّ واحدٍ كفَّارة، ولا تَسْقُطُ عمَّن أصَابَه الحَجَرُ؛ لأنَّه شارَك

الجزء: 25 - الصفحة: 332

والثَّانِى، عَلَيْهِمَا كَمَالُ الدِّيَةِ.
والثَّالِثُ، عَلَى عَاقِلَتِهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ، وَثُلُثَاهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرَينِ.
في قَتْلِ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ، والكفَّارةُ إنَّما تَجِبُ لحقِّ اللَّهِ تعالى، فوَجَبَتْ عليه بالمُشارَكَةِ في نَفْسِه، كوُجوبِها بالمُشارَكَةِ في قَتْلِ غيرِه.
وأمَّا الدَّيَةُ ففيها ثَلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، أنَّ على عاقلةِ كلِّ واحدٍ منهم ثُلُثَ دِيَةِ المقْتُولِ لوَرَثَتِه؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهم مُشاركٌ في قَتْلِ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ خَطأً، فلَزِمَتْه دِيَتُها، كالأجانِبِ.
وهذا يَنْبَنِى على أنَّ جِنايةَ المَرْءِ على نَفْسِه أو 40 أهْلِه خَطَأً يَتَحَمَّلُ عقْلَها عاقِلَتُه.
الوَجْهُ الثانى، أنَّ ما قابَلَ فِعْلَ المقْتُولِ ساقِطٌ، لا يَضْمَنُه أحدٌ؛ لأنَّه شارَك في إتْلافِ حَقِّه، فلم يَضْمَنْ ما قابَل فِعْلَه، كما لو شارَك في قَتْلِ بَهيمَتِه أو عَبْدِه.
وهذا الذى ذكَرَه القاضى في «المُجَرَّدِ».
ولم يَذْكُرْ غيرَه.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
الثالثُ، أن يُلْغَى فِعْلُ المقْتُولِ في نَفْسِه، وتَجِبَ دِيَتُه بكَمالِها على عاقلةِ الآخَرَيْنِ نِصْفَيْنِ.

الجزء: 25 - الصفحة: 333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال أبو الخَطَّابِ: هذا قِياسُ المذهب، بِناءً على مَسْألةِ المُتَصادِمَيْنِ.
قال شيْخُنا 41: والذى ذكَرَه القاضى أَحْسَنُ وأصَحُّ في النَّظَرِ، وقد رُوِى نحوُه عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في مَسْألةِ القارِصَةِ 42 والقامِصَةِ 43 والواقِصَةِ 44. قال الشَّعْبِىُّ: وذلك أنَّ ثَلاثَ جَوَارٍ اجْتَمَعْنَ فأَرِنَّ 45، فرَكِبَتْ إحْداهُنَّ على عُنُقِ أُخْرَى، وقَرَصَتِ الثَّالثةُ المَرْكُوبَةَ، فقَمَصَتْ، فسَقَطَتِ الرَّاكِبَةُ، فوُقِصَتْ عُنُقُها، فماتَتْ، فرُفِعَ ذلك إلى علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فقَضَى بالدِّيَةِ أثْلاثًا على عَوَاقِلِهِنَّ، وألْغَى الثُّلُثَ الذى قابَلَ فِعْلَ الواقِصَةِ؛ لأنَّها أعانَتْ على قَتْلِ نَفْسِها 46. وهذه شَبِيهَةٌ بمَسْأَلتِنا.

الجزء: 25 - الصفحة: 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأَنَّ المقْتُولَ شارَك في القَتْلِ، فلم تكْمُلِ الدِّيَةُ على شَرِيكَيْه، كما لو قَتَلُوا واحدًا مِن غيرِهم.
فإن رجَع الحَجَرُ، فقَتَلَ اثْنَيْنِ مِن الرُّماةِ، فعلَى الوَجْهِ الأَوَّلِ، تَجِبُ دِيَتُهما على عَواقِلِهِم أثْلَاثًا، وعلى كلِّ واحدٍ منهم كفَّارَتانِ.
وعلى الوَجْهِ الثَّانى، يَجِبُ على عاقلةِ الحَىِّ منهم، لكُلِّ مَيِّتٍ ثُلُثُ دِيَتِه، وعلى عاقلةِ كلِّ واحدٍ مِن المَيِّتيْنِ ثُلُثُ دِيَةِ صاحبِه، ويُلْغَى فِعْلُ نَفْسِه.
وعلى الوَجْهِ الثالثِ، على عاقلةِ الحَىِّ لكلِّ واحدٍ نهم نِصْفُ الدِّيَةِ، ويَجِبُ على عاقلةِ كلِّ واحدٍ مِن المَيِّتيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ لصاحبِه.

الجزء: 25 - الصفحة: 335

وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَالدِّيَةُ حَالَّة في أَمْوَالِهِمْ.

4185 - مسألة: (وإن كَانُوا أكْثرَ مِن ثلَاثَةٍ، فَالدِّيَةُ حَالَّةٌ في أمْوَالِهم)

في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ، إلَّا على الوَجْهِ الذى اختاره أبو الخَطَّابِ، فإنَّهم إذا كانوا أرْبعةً، فقَتَلَ الحَجَرُ أحَدَهم، فإنَّه يجبُ على عاقلةِ كُلِّ واحدٍ مِنَ الثَّلاثةِ الباقِينَ ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ لأنَّهم يَحْمِلُونَها كلَّها.
فأمَّا إن كانوا أكثرَ مِن أرْبعةٍ، أو كان المقْتُولُ مِن غيرِهم وهم أرْبعةٌ، فإنَّ الدِّيَةَ حَالَّةٌ في أمْوالِهم؛ [إلَّا أنَّ] 47 المقْتُولَ يُلْغَى فِعْلُه في نفْسِه، ويكونُ هَدْرًا؛ لأنَّه لا يجبُ عليه لنفْسِه شئٌ، ويكونُ باقى الدِّيَةِ في أمْوالِ شُرَكائِه حَالًّا؛ لأن التَّأْجِيلَ في الدِّيَاتِ إنَّما يكونُ فيما تَحْمِلُه العاقِلةُ، وهذا دُونَ

الحديث: 4185 - الجزء: 25 - الصفحة: 336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثُّلُثِ، والعاقلةُ لا تَحْمِلُ ما دونَ الثُّلُثِ.
وذكَر أبو بكرٍ فيها 48 رِوايةً أُخْرَى، أنَّ العاقِلَةَ تَحْمِلُها؛ لأَنَّ الجِنايةَ فِعْلٌ واحدٌ، أوْجَبَ دِيَةً تَزِيدُ على الثُّلُثِ.
والصَّحيحُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهم يخْتَصُّ بمُوجَبِ فِعْلِه دُونَ فِعْلِ شُرَكائِه، وحَمْلُ العاقلةِ إنَّما شُرِعَ للتَّخْفِيفِ على الجانِى فيما يَشُقُّ ويَثْقُلُ، وما دُونَ الثُّلُثِ يسِيرٌ، على ما نذْكُرُه، والذى يَلْزَمُ كُلَّ واحدٍ أقَلُّ مِن الثُّلُثِ.
وقولُه: إنَّه فِعْلٌ واحدٌ.
قُلْنا: بل هى أفْعالٌ، فإنَّ فِعْلَ كلِّ واحدٍ غيرُ فِعْلِ الآخَرِ، وإنَّما مُوجَبُ الجميعِ واحدٌ، فأشْبَهَ ما لو جَرَحَه [كلُّ واحدٍ] 49 جُرْحًا فاتَتِ 50 النَّفْسُ بجَمِيعِها.
إذا ثبَت هذا، فالضَّمانُ يَتَعَلَّقُ بمَن مَدَّ الحِبالَ، ورَمَى الحَجَرَ، دُونَ مَن وَضَعَه في الكِفَّةِ، وأمْسَكَ الخَشَبَ، اعْتبارًا بالمُباشِرِ، كمَن وضَع سَهْمًا في قَوْسِ إنْسانٍ، ورَماهُ صاحِبُ القَوْسِ، فالضَّمانُ على الرَّامِى دُونَ الواضِعِ.

الجزء: 25 - الصفحة: 337

وَإِنْ جَنَى إنْسَانٌ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ طَرَفِهِ خَطَأً، فَلَا دِيَةَ لَهُ.
وَعَنْهُ، عَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ، وَدِيَةُ طَرَفِهِ لِنَفْسِهِ.

4186 - مسألة: (وإن جَنَى إنسانٌ على نفسِه أو طَرَفِه خَطَأً، فلا شئَ له. وعنه، على عاقِلَتِه دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ، وَدِيَةُ طَرَفِه لِنَفْسِهِ)

أمّا إذا كانتِ الجنايةُ عَمْدًا، فلا شئَ له إجْماعًا.
وإن كانت خَطأً فكذلك، في إحدى الرِّوايتيْنِ، قِياسًا على العَمْدِ، ولِما رُوِى أنَّ عامِرَ بنَ الأَكْوَع يومَ خَيْبَرَ، رجَع سَيْفُه عليه، فقَتَلَه 51. ولم يُنْقَلْ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى فيه

الحديث: 4186 - الجزء: 25 - الصفحة: 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بدِيَةٍ ولا غيرِها، ولو كانت واجِبَةً لَبَينَّه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولنُقِلَ ظاهِرًا.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، أنَّ دِيَتَه على عاقِلَتِه لوَرَثَتِه، ودِيَةَ طَرَفِه لنَفْسِه.
[وهو قولُ الأَوْزَاعِىِّ، وِإسْحَاقَ] 52. وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، ذكَره فيما إذا رَمَىْ ثَلاثةٌ بالمَنْجَنِيقِ، فرَجَعَ الحَجَرُ، فقَتَلَ أحَدَهم؛ لِما رُوِى أنَّ رَجُلًا ساقَ حِمارًا فضَرَبَه بعَصًا كانت معه، فطارَتْ منها شَظِيَّةٌ، فأصابَتْ عيْنَه ففَقَأَتْها، فجَعَلَ عمرُ بنُ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عَنه، دِيَتَه على عاقِلَتِه، وقال: هى يَدٌ مِن أيْدِى المسلمينَ، لم يُصِبْها اعْتِداءٌ على أحدٍ 53. ولم يُعْرَفْ له مُخالِفٌ.
ولأنَّه قُتِلَ خَطَأً، فكانت دِيَتُه على عاقِلَتِه، كما لو قَتَل غيرَه.
والأَوَّلُ أصَحُّ في القِياسِ؛ لأَنَّ وُجوبَ الدِّيَةِ على العاقلةِ على خِلافِ الأَصْلِ، مُواساةً للجانى وتَخْفِيفًا عنه، وليس على الجانى ههنا شئٌ يُخَفَّفُ عنه، ولا يَقْتَضِى النَّظَرُ أن تكونَ جِنايتُه على نفسِه على غيرِه.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم رَبِيعَةُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ،

الجزء: 25 - الصفحة: 339

وَإِنْ نَزَلَ رَجُلٌ بِئْرًا، فَخَرَّ عَلَيْهِ آخَرُ، فَمَاتَ الْأَوَّلُ مِن سَقْطَتِهِ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ.
وأصْحابُ الرَّأْى؛ لِما ذكَرْنا مِن حديثِ عامِرِ ابنِ الأكْوَعِ، حينَ رجَع سيْفُه عليه يَوْمَ خَيْبَرَ فمات.
[ويُفارِقُ هذا ما إذا كانتِ الجِنايةُ على غيرِه، فإنَّه لو لَمْ تَحْمِلْه العاقلةُ، لأجْحَفَ به وُجُوبُ الدِّيَةِ لكَثْرَتِها] (1). وقال القاضى: الرِّوايةُ الثَّانيةُ أظهرُ عنه.
فعلى هذه الرِّوايةِ، إن كانتِ العاقلةُ هى الوارِثَةَ، لم يجبْ شئٌ؛ لأنَّه لا يجبُ للانسانِ شئٌ على نفسِه، فإن كان بعضُهم وارِثًا، سقَط عن الوارِثِ ما يقابِلُ مِيراثَه.
فإن كانت جِنايَتُه على نَفْسِه شِبْهَ عَمْدٍ، فهو كالخَطَأَ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ، وفى الآخَرِ، لا تَحْمِلُه العاقلةُ بحالٍ.

4187 -

مسألة: (وِإن نزَل رَجُلٌ في بِئْرٍ، فَخَرَّ عليهِ آخَرُ، فمات الأَوَّلُ مِن سَقْطَتِه، فعلى عاقِلتِه دِيَتُه)

وجملةُ ذلك، أنَّه إذا نَزَلَ رَجُلٌ في بئرٍ، فسقَط عليه آخرُ، فقَتَلَه، فعليه ضَمانُه، كما لو رَمَى عليه حَجَرًا.
ثم يُنْظَرُ؛ فإن كان عَمَدَ رَمْىَ نَفْسِه عليه 55، وهو ممَّا يَقْتُلُ غالبًا، فعليه القِصاصُ، وإن كان ممَّا لا يَقْتُلُ غالبًا، فهو شِبْهُ عَمْدٍ، وإن وقَع خَطأً،54

الحديث: 4187 - الجزء: 25 - الصفحة: 340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فالدِّيَةُ على عاقِلَتِه مُخفَّفَةً، وإن مات الثانى بوُقُوعِه على الأوَّل، فدَمُه 56 هَدْرٌ؛ لأنَّه مات بفِعْلِه.
وقد رَوَى عَلِىُّ بنُ رَباحٍ اللَّخْمِىُّ، أنَّ رَجُلًا كان يَقودُ أعْمَى، فوَقَعا في بِئْرٍ؛ خَرَّ البَصِيرُ، فوَقَعَ الأعْمَى فوقَ البَصِيرِ، فقَتَلَه، فقَضَى عمرُ بعَقْلِ البَصِيرِ على الأعْمَى، فكان الأعْمَى يُنْشِدُ في المَوْسِمِ: يَا أيُّها الناسُ لَقِيتُ مُنْكَرَا هل يَعْقِلُ الأعْمَى الصَّحِيجَ المُبْصِرَا خَرَّا مَعًا كِلَاهُما تَكَسَّرَا 57 وهذا قولُ ابنِ الزُّبَيْرِ، وشرَيْحٍ، والنَّخَعِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ.
قال شيْخُنا 58: ولو قال قائل: ليسمى على الأعْمَى ضَمانُ البَصِيرِ؛ لأنَّه الذى قادَه إلى المكانِ الذى وَقَعا فيه، وكان سَبَبَ وُقُوعِه عليه، ولذلك لو فَعَلَه قَصْدًا لم يَضْمَنْه، بغيرِ خِلافٍ، وكان عليه ضَمانُ الأعْمَى 59، إلَّا أن يكونَ مُجْمَعًا عليه، فلا تجوزُ مُخالَفَةُ الإجْماعِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إنَّما لم يَجِبِ الضَّمانُ على القائدِ لوَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، أنَّه مَأْذُونٌ فيه مِن جِهَةِ

الجزء: 25 - الصفحة: 341

وَإِنْ سَقَطَ ثَالِثٌ، فَمَاتَ الثَّانِى بِهِ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ، وَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ مِنْ سَقْطَتِهِمَا، فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا.
الأعْمَى، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، كما لو حَفَر له بِئْرًا في دارِه بإذْنِه، فتَلِفَ بها.
الثانى، أنَّه فِعْلٌ مَنْدُوبٌ إليه مَأْمُورٌ به، فَأَشبَهَ ما لو حفَر بِئْرًا في سابِلَةٍ يَنْتَفِعُ بها المسلمونَ، فإنَّه لا يَضْمَنُ ما تَلِفَ بها.
وإن مات الثَّانى فدَمُه هَدْرٌ؛ لأنَّه لا صُنْعَ لغيرِه في هلاكِه.

4188 -

مسألة: (وإن وقَع)

عليهما (ثَالِثٌ، فمات الثَّانى به، فعلى عاقِلَةِ الثّالِثِ دِيَتُهُ) لأنَّه تَلِفَ مِن سَقْطَتِه (وإن مات الأَوَّلُ مِن سَقْطَتِهما، فدِيَتُه على عاقِلَتهما) لأنَّه مات بوُقوعِهما عليه، ودِيَةُ الثانى على الثَّالثِ؛ لأنَّه انْفَرَدَ بالوُقُوعِ عليه، فانْفَرَدَ بدِيَتِه، ودَمُ الثالثِ هَدْرٌ؛ لأنَّه لا صُنْعَ لغيرِه في هلاكِه.
هذا إذا كان الوُقوعُ هو الذى قَتَلَه، فإن كان البئرُ عَمِيقًا يموتُ الواقِعُ بمُجَرَّدِ وُقُوعِه، لم يَجِبْ ضَمانٌ على أحدٍ؛ لأَنَّ كُل واحدٍ منهم مات بوَقْعَتِه، لا بفِعْلِ غيرِه، وإنِ احْتَمَلَ الأمْرَيْنِ فكذلك؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الضَّمانِ.

الحديث: 4188 - الجزء: 25 - الصفحة: 342

وَإِنْ كَانَ الأَوَّلُ جَذَبَ الثَّانِىَ، وَجَذَبَ الثَّانِى الثَّالِثَ، فَلَا شَىْءَ عَلَى الثَّالِثِ، وَدِيَتُهُ عَلَى الثَّانِى في أحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِى الثَّانِى، عَلَى الأَوَّلِ وَالثَّانِى نِصْفيْنِ، وَدِيَةُ الثَّانِى عَلَى الْأوَّلِ، وَإِنْ كَانَ الأَوَّلُ هَلَكَ مِنْ وَقْعَةِ الثَّالِثِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ضَمَانهُ عَلَى الثَّانِى، واحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نِصْفُهَا عَلَى الثَّانِى، وفى نِصْفِهَا الْآخَرِ وَجْهَانِ.

4189 - مسألة: (وإن كان الأَوَّلُ جذَب الثَّانِىَ، وجذَب الثَّانِى الثَّالثَ، فلا شئَ على الثَّالِثِ)

لأنَّه لا فِعْلَ له (و) وَجَبَت (دِيَتُه على الثَّانِى في أحدِ الوَجْهَيْنِ) لأنَّه هو جَذَبَه وباشَرَه بذلك، والمُباشَرَةُ تَقْطَعُ حُكْمَ المُتَسَبِّبِ، كالحافرِ مع الدَّافعِ، والثَّانى دِيَتُه على الأَوَّلِ والثانِى نِصْفيْنِ؛ لأَنَّ الأوَّلَ جذَب الثانِىَ الجاذِبَ للثالثِ، فصار مُشارِكًا للثانى في إتْلافِه، ودِيَةُ الثَّانى على عاقلةِ الأَوَّلِ، في أحدِ الوَجْهَيْنَ؛ لأنَّه هلَك بجَذبَتِه.
وإن هلَك بسُقُوطِ الثالثِ عليه، فقد هلَك بجَذْبةِ الأَوَّلِ وجَذْبةِ نَفسِه للثالثِ، فسقَط فِعْلُ نَفْسِه، كالمُصْطَدِمَيْنِ، وتَجبُ دِيَتُه بكَمالِها على الأَوَّلِ.
ذكَره القاضى.
والوجهُ الثانى، يَجِب على الأَوَّلِ نِصْفُ دِيَتِه،

الحديث: 4189 - الجزء: 25 - الصفحة: 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويُهْدَرُ نِصْفُها في مُقابلةِ فِعْلِ نَفْسِه.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
ويتَخَرَّجُ وجْهٌ ثالثٌ، وهو وُجوبُ نِصْفِ دِيَتِه على عاقِلَتِه لوَرَثَتِه، كما قُلْنا فيما إذا رَمَى ثَلاثةٌ بالمَنْجَنِيقِ، فقَتَلَ الحَجَرُ أحَدَهم.
وأمَّا الأَوَّلُ إذا مات بوقُوعِهما عليه، ففيه الأوْجُهُ الثَّلاثةُ؛ لأنَّه مات مِن جَذْبَتِه وجَذْبَةِ الثَّانى للثالثِ، فتَجِبُ دِيَتُه كلُّها على عاقلةِ الثَّانى، ويُلْغَى فِعْلُ نَفْسِه، على الوَجْهِ الأَوَّلِ.
وعلى الثَّانى، يُهْدَرُ نِصْفُ دِيَتِه المُقابِلُ لفِعْلِ نَفْسِه، ويَجِبُ نِصْفُها على الثانى.
وعلى الثالثِ، يَجِبُ نِصْفُها على عاقِلَتِه لوَرَثَتِه.
فصل: فإن جَذَبَ الثالثُ رابعًا، فمات جميعُهمِ بوُقوعِ بعضِهم على بعضٍ، فلا شئَ على الرَّابعِ؛ لأَنَّه لم يَفْعَلْ شيئًا في نفسِه ولا غيرِه.
وفى دِيَتِه وَجْهانِ؛ أحدُهما، أنَّها على عاقلةِ الثالثِ المُباشِرِ لجَذْبِه.
والثانى،

الجزء: 25 - الصفحة: 344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على عاقلةِ الأَوَّلِ والثانِى والثالثِ؛ لأنَّه مات مِن جَذْبِ الثَّلاثةِ، فكانت دِيَتُه على عَواقِلِهم.
وأما الأولُ فقد مات بجَذْبَتِه وجَذْبَةِ الثانى وجذبةِ الثالِثِ، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها؛ أنَّه يُلْغَى فِعْلُ نَفْسِه، وتَجِبُ دِيَتُه على عاقلةِ الثَّانى والثالثِ نِصْفَيْنِ.
والثَّانى، يَجِبُ على عاقِلَتِهما ثُلُثاها، ويَسْقُطُ ما 60 قابَلَ فِعْلَ نَفْسِه.
والثالثُ، يجبُ ثُلُثُها على عاقِلَتِه لوَرَثَتِه.
وأمَّا الجاذبُ الثانى فقد مات بالأفْعالِ الثَّلاثة، وفيه هذه الأوْجُهُ الثَّلاثةُ المذْكُورةُ في الأَوَّلِ سواءً.
وأمَّا الثالثُ، ففيه مثلُ هذه الأوْجُهِ الثَّلاثةِ، ووَجْهانِ آخَرانِ؛ أحدُهما، أنَّ دِيَتَه بكَمالِها على الثانى؛ لأنَّه المُباشِرُ لجَذْبِه، فسقَط فِعْلُ غيرِه بفِعْلِه.
والثانى، أنَّ على عاقِلَتِهِ نِصْفَها، ويَسْقُطُ النِّصْفُ الثانى في مُقَابلَةِ فِعْلِه في نَفسِه.

الجزء: 25 - الصفحة: 345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن وقَع بعضُهم على بعضٍ، فماتُوا، نَظَرْتَ؛ فإن كان مَوْتُهم بغيرِ وُقُوعِ بعضِهم على بعض، مثلَ أن يكونَ البئرُ عَمِيقًا يموتُ الواقعُ فيه بنَفْسِ الوُقوعِ، أو كأن فيه ماءٌ يُغْرِقُ الواقِع فيَقْتُلُه، أو أسَدٌ يَأْكُلُهم، فليس على بعضِهم 61 ضَمانُ بعضٍ؛ لعَدَمِ تَأْثِيرِ فِعْلِ بعضِهم في هلاكِ بعضٍ، وإن شَكَكْنا في ذلك، لم يَضْمَنْ بعضُهم بعضًا؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءةُ الذِّمَّةِ فلا نَشْغَلُها بالشَّكِّ.
وإن كان مَوْتُهم بوُقوعِ بعضِهم على بعضٍ، فدَمُ الرَّابعِ هَدْرٌ؛ لأَنَّ غيرَه لم يَفْعَلْ فيه شيئًا، وإنَّما هلَك بفِعْلِه، وعليه دِيَةُ الثالثِ؛ لأنَّه قَتَلَه بوُقُوعِه عليه، ودِيَةُ الثانى عليه وعلى الثالثِ نِصْفَيْنِ، ودِيَةُ الأَوَّلِ على الثَّلاثةِ أثْلاثًا.

الجزء: 25 - الصفحة: 346

وَإِنْ خَرَّ رَجُلٌ في زُبْيَةِ أَسَدٍ فَجَذَبَ آخَرَ، وَجَذَبَ الثَّانِى

4190 - مسألة: (وإن خَرَّ رَجُلٌ في زُبْيَةِ أسَدٍ، فجَذَبَ آخَرَ،

الحديث: 4190 - الجزء: 25 - الصفحة: 347

ثَالِثًا، وَجَذَبَ الثَّالِثُ رَابِعًا، فَقَتَلَهُمُ الأَسَدُ، فَالْقِيَاسُ أنَّ دَمَ الأَوَّلِ هَدْرٌ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الثَّانِى، وَعَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِى دِيَةُ الثَّالِثِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ دِيَةُ الرَّابعِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ دِيَةَ الثَّالِثِ عَلَى عَاقِلَةِ الأَوَّلِ وَالثَّانِى نِصْفيْنَ، وَدِيَةَ الرَّابعِ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّلَاثَةِ أثْلَاثًا.
وجَذَبَ الثَّانِى ثَالِثًا، وجذَب الثَّالِثُ رابعًا، فَقَتَلَهُم الأسَدُ، فَالقِياسُ أنَّ دَمَ الأَوَّلِ هَدْرٌ، وعلى عاقِلَتِه دِيَةُ الثَّانِى، وعلى عاقِلَةِ الثَّانى دِيَةُ الثَّالثِ، وعلى عاقِلَةِ الثَّالثِ دِيَةُ الرَّابعِ.
وفيَه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ دِيَةَ الثّالثِ على عاقِلَةِ الأَوَّلِ والثَّانِى نِصْفَيْنِ، ودِيَةَ الرَّابعِ على عاقِلَةِ الثَّلَاثَةِ أثلاثًا) الحُكمُ في هذه المسْأَلةِ أنَّه لا شئَ على الرَّابعِ؛ لأنَّه لم يَفْعَل شيئًا، ودِيَتُه على عاقلةِ الثالثِ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ.
وفى الثانى، على عَواقِلِ الثَّلاثة أثْلَاثًا.
ودَمُ الأَوَّلِ هَدْرٌ، وعلى عاقِلَتِه دِيَةُ الثَّانى.
وأمَّا دِيَةُ الثالثِ، فعلى الثَّانى، في

الجزء: 25 - الصفحة: 348

وَرُوِىَ عَنْ عَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّهُ قضَى لِلْأَوَّلِ بِرُبْعِ الدِّيَةِ، وَلِلثَّانِى بِثُلُثِهَا، وَلِلثَّالِثِ بِنِصْفِهَا، وَلِلرَّابعِ بِكَمَالِهَا، عَلَى مَنْ حَضَرَهُمْ، ثمَّ رُفِعَ إلَى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَأَجَازَ قَضَاءَهُ.
أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وفى الآخَرِ، على الأَوَّلِ والثَّانى نِصْفَيْنِ.
وهذه تُسَمَّى مَسْألةَ الزُّبْيَةِ، وقد روَى حَنَشٌ الصَّنْعَانِىُّ، أنَّ قَوْمًا مِن أَهْلِ اليَمَنِ حَفَرُوا زُبْيَةً للأسَدِ، فاجْتَمَعَ الناسُ على رَأْسِها، فهَوَى فيها واحِدٌ، فجَذَبَ ثانِيًا، وجذَب الثَّانى ثالِثًا، ثم جذَب الثالثُ رابِعًا، فقَتَلَهُم الأَسَدُ، فرُفِعَ ذلك إلى علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فقال: للأوَّلِ 62 رُبْعُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه هلَك فوْقَه ثَلَاثَةٌ، وللثانى ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه هلَك فوقَه اثْنانِ، وللثالثِ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه هلَك فوقَه واحِدٌ، وللرَّابعِ كَمالُ الدِّيَةِ.
وقال: فإنِّى أجْعَلُ الدِّيَةَ على مَن حضَر 63 رَأْسَ البِئْرِ.
فرُفِعَ ذلك إلى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: «هو كما

الجزء: 25 - الصفحة: 349

فَذَهَبَ أَحْمَدُ إِلَيْهِ تَوْقِيفًا.
قال» 64. روَاه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، ثنا أبو عَوانةَ [وأبو الأحْوَصِ] 65، عن سِماكِ بنِ حَرْبٍ، عن أنَسٍ، بنَحْوِ هذا المعنى.
قال أبو الخَطَّابِ: (فذَهَبَ أحمدُ إلى ذلك تَوْقِيفًا) على خِلافِ القِياسِ.
وقد ذكَرَ بعْضُ أَهْلِ العلمِ أنَّ هذا الحديثَ لا يُثْبِتُه أهْلُ النَّقْلِ، وأنَّه ضَعِيفٌ.

الجزء: 25 - الصفحة: 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والقِياسُ ما قُلْناه، فلا يُنْتَقَلُ عنه إلى ما لا يُدْرَى ثُبُوتُه ولا مَعْناه.

الجزء: 25 - الصفحة: 351

وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى طَعَامِ إِنْسَانٍ أَوْ شَرَابِهِ، وَلَيْسَ بِهِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ، فَمَنَعَهُ حَتَّى مَاتَ، ضَمِنَهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ.

4191 - مسألة: (ومَن اضْطُرَّ إلى طَعامِ إنْسانٍ أو شَرابِه، وليس به مِثْلُ ضَرُورَتِه، فمنَعَهُ حتَّى مات، ضَمِنَهُ. نصَّ عليه)

وجملةُ ذلك، أنَّ مَن أخَذَ طعامَ إنْسانٍ أو شَرابَه في بَرِّيَّةٍ، أو مكانٍ لا يَقْدِرُ فيه على طَعامٍ

الحديث: 4191 - الجزء: 25 - الصفحة: 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وشَرابٍ، فهَلَكَ بذلك 66، أو هَلَكَتْ بَهِيمَتُه، فعليه ضَمانُ ما تَلِفَ به؛ لأنَّه سَبَبُ هَلاكِه.
وكذلك إنِ اضْطُرَّ إلى طَعامٍ وشَرابٍ لغيرِه، فطَلَبَه منه، فمَنَعَه إيَّاه مع غِناه عنه في تلك الحالِ، فماتَ بذلك، ضَمِنَه المَطْلُوبُ منه؛ لِما رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قَضَى بذلك.
ولأنَّه إذا اضْطُرَّ [إليه، صار] 67 أحَقَّ به ممَّن هو في يَدِه، وله أخْذُه قَهْرًا، فإذا مَنَعَه إيَّاه، تَسَبَّبَ إلى هَلاكِه بمَنْعِه ما يَسْتَحِقُّه، فلَزِمَه ضَمانُه، كما لو أخَذَ طَعَامَه وشَرَابَه فهَلَكَ بذلك.
وظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ الدِّيَةَ في مالِه؛ لأنَّه تَعَمَّدَ هذا الفِعْلَ الذى يَقْتُلُ مثلُه غالِبًا.
وقال القاضى: يكونُ على عاقِلَتِه؛ لأَنَّ هذا لا يُوجِبُ القِصاصَ، فيكونُ شِبْهَ عَمْدٍ.
وإن لم يَطْلُبْه منه، لم يَضْمَنْه؛

الجزء: 25 - الصفحة: 353

وَخَرَّجَ عَلَيْهِ أَبُو الْخَطَّابِ كُلَّ مَنْ أمْكَنَهُ إِنْجَاءُ إِنْسَانٍ مِنْ هَلَكَةٍ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَهُ.
لأنَّه لم يَمْنَعْه، ولم يُوجَدْ منه فِعْلٌ تَسَبَّبَ به إلى هَلاكِه (وخَرَّجَ عليه أبو الخَطَّابِ كُلَّ مَن أمْكَنَه إنْجاءُ إنْسانٍ مِن هَلَكَةٍ) فلم يُنْجِه مها مع قُدْرَتِه على ذلك، أنَّه يجبُ عليه ضَمانُه، قِياسًا على ما إذا طلَب الطعامَ فمَنَعَه إيَّاه مع غِنَاه عنه حتى هلَك.
ولَنا، أنَّ هذا لم يُهْلِكْه، ولم يَكُنْ سَبَبًا في هَلاكِه، [فلا يَضْمَنُه] 68، كما لو لم يَعْلَمْ بحالِه، وقِياسُ هذا على المسْألةِ التى ذكَرَها غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّه في الأُولَى مَنَعَه مَنْعًا كان سَبَبًا في هَلاكِه، فيَضْمَنُه بفِعْلِه الذى تَعَدَّى به، وههُنا لم يَفْعَلْ شيئًا يكونُ سَبَبًا.

الجزء: 25 - الصفحة: 354

وَمَنْ أَفْزَعَ إِنْسَانًا، فَأحْدَثَ بِغَائِطٍ، فَعَلَيْهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ.
وَعَنْهُ، لَا شَىْءَ عَلَيْهِ.
4192 - مسألة: (وإن أفْزَعَ إنْسَانًا، فأحْدَثَ بغائِطٍ، فعليه ثُلُثُ دِيَتِهِ.
وعنه، لا شَىْءَ عليه) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا ضرَب إنْسانًا حتى

الحديث: 4192 - الجزء: 25 - الصفحة: 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحْدَث، فإنَّ عُثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قَضَى فيه بثُلُثِ الدِّيَةِ 69. وقال أحمدُ: لا أعْرِفُ شيئًا يدْفَعُه.
وبه قال إسْحاقُ.
وعنه، لا شئَ عليه.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ لأَنَّ الدِّيَةَ إنَّما تَجِبُ لإِتْلافِ مَنْفَعَةٍ أو عُضْوٍ، أو إزالَةِ جَمَالٍ 70، وليس ههُنا شئٌ مِن ذلك.
وهذا

الجزء: 25 - الصفحة: 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هو القِياسُ، وإنَّما ذهَب مَن ذهَب إلى إيجابِ الثُّلُثِ؛ لقَضِيَّةِ عُثمانَ؛ لأنَّها في مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، ولم يُنْقَلْ خِلافُها، فيكونُ إجْماعًا، ولأَنَّ قَضاءَ الصَّحابِىِّ فيما يُخالِفُ القِياسَ يدُلُّ على أنَّه تَوْقِيفٌ.
وسواءٌ كان الحَدَثُ ببَوْلٍ أو غائِطٍ أو ريحٍ.
قالَه 71 القاضى.
وكذلك الحُكْمُ فيما إذا أفْزَعَه حتى أحْدَثَ.
والأُولَى إن شاءَ اللَّهُ التَّفْرِيقُ بينَ الرِّيحِ وغيرِها، إن كان قَضاءُ عُثمانَ في الغائطِ والبَوْلِ؛ لأَنَّ ذلك أفْحَشُ، فلا يُقاسُ عليه.
فصل: إذا أكْرَهَ رَجُلًا على قَتْلِ إنسانٍ فقَتَلَه، فصارَ الأمْرُ إلى الدِّيَةِ، فهى عليهما؛ لأنَّهما كالشَّرِيكَيْنِ.
ولو أَكْرَهَ رَجُلٌ امرأةً على الزِّنَى، فحمَلَتْ، وماتتْ مِن الولادةِ، ضَمِنَها؛ لأنَّها ماتت بسَبَبِ فِعْلِه، وتَحْمِلُه العاقِلَةُ، إلَّا أن لا يَثْبُتَ ذلك إلَّا باعْتِرافِه، فتكونُ الدِّيَةُ عليه؛ لأَنَّ العاقِلَةَ لا تحْمِلُ اعْتِرافًا، ولذلك إن شهِد شاهِدانِ على رَجُلٍ بقَتْلٍ عَمْدٍ، فقُتِلَ، ثم رَجَعَا عنِ الشَّهادةِ، لَزِمَهُما الضَّمانُ، كالشَّريكَيْنِ في الفِعْلِ، ويكونُ الضَّمانُ في مالِهِما، لا تَحْمِلُه العاقِلَةُ؛ لأنَّها لا تَحْمِلُ الاعْتِرافَ، وهذا ثبَت باعْتِرافِهِما.

الجزء: 25 - الصفحة: 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا قتَل رَجُلًا وادَّعَى أنَّه كان عَبْدًا، أو ألْقَى عليه حائِطًا وادَّعَى أنَّه كان مَيِّتًا، وأنْكَرَ وَلِيُّه، فالقولُ قولُ الوَلِىِّ مع يَمِينِه.
وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
وقال في الآخَرِ: القولُ قولُ، الجانِى؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءةُ ذِمَّتِه، وما ادَّعاه مُحْتَمِلٌ، فلا يَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ.
ولَنا، أنَّ الأَصْلَ حياةُ المَجْنِىِّ عليه وحُريَّتُه، فيَجِبُ الحُكْمُ ببَقائِه، كما لو قتَل مُسْلِمًا وادَّعَى أنَّه ارْتَدَّ قبلَ قَتْلِه، وبهذا يَبْطُلُ ما ذكَرَه.
وإن قطَع عُضْوًا وادَّعَى شَلَلَه، أو قلَع عَيْنًا وادَّعَى عَماهَا، وأنْكَرَ المَجْنِىُّ عليه، فالقولُ قولُه؛ لأَنَّ الأَصْلَ السَّلامةُ.
وهكذا لو قطًع ساعِدًا وادَّعَى أنَّه لم يَكُنْ عليه كَفٌّ، أو ساقًا وادَّعَى أنَّه لم يَكُنْ لها قَدَمٌ.
وقال القاضى: إنِ اتَّفَقَا على أنَّه كان بَصِيرًا، فالقولُ قولُ المَجْنِىِّ عليه، وإلَّا فالقولُ قولُ الجانِى.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ هذا [ممَّا لا] 72 يَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليه، فإنَّه لا يَخْفَى على أهْلِه وجِيرانِه ومُعامِلِيه، وصِفَةُ أدَاءِ الشَّهادةِ عليه، أنَّه كان يُتْبعُ الشَّخْصَ بَصَرَه، ويَتَوَقَّى ما يتَوَقَّاه البَصِيرُ، ويتَجَنَّبُ البئْرَ وأشْباهَهُ في طَرِيقِه، ويَعْدِلُ في العَطَفاتِ خَلْفَ مَن يَطْلُبُه.
ولَنا، أنَّ الأَصْلَ السَّلامةُ، فكان القولُ قولَ مَن يَدَّعِيها، كما لو اخْتَلَفا في إسْلامِ المَقْتُولِ في دارِ الإِسْلامِ وفى حياتِه.
قولُهم: لا يَتَعَذَّرُ إقامةُ البَيِّنَةِ عليه.
قُلْنا: وكذلك لا يتَعَذَّرُ

الجزء: 25 - الصفحة: 358

فَصْلٌ: وَمَنْ أَدَّبَ وَلَدَهُ، أوِ امْرَأتَهُ في النُّشُوزِ، أوِ الْمُعَلِّمُ صَبِيَّةُ، أَوِ السُّلْطَان رَعِيَّتَهُ، وَلَمْ يُسْرِفْ، فأَفْضَى إِلَى تَلَفِهِ، لَمْ يَضْمَنْهُ، وَيَتَخَرَّجُ وجُوبُ الضَّمَانِ، عَلَى مَا قَالَهُ فِيمَا إِذَا أرْسَلَ  إقامةُ البَيِّنَةِ على ما يَدَّعِيه الجانِى، فإيجابُها عليه أوْلَى مِن إيجابِها على مَن يَشْهَدُ له الأصْلُ، ثم يبطلُ بسائرِ المواضِعِ التى سَلَّمُوها.
فإن قالوا: ههنا ما ثَبَت أنَّ الأَصْلَ وُجُودُ البَصَرِ.
قُلْنا: الظاهرُ يَقُومُ مَقامَ الأَصْلِ، ولهذا رَجَّحْنا قولَ مَن يَدَّعِى حَرِّيَّتَه وإسْلامَه.

فصل

: (ومَن أدَّبَ ولَدَه، أو امرأتَه في النُّشُوزِ، أو المُعَلِّمُ صَبيَّه، أو السُّلْطانُ رَعِيَتّهَ، ولم يُسْرِفْ، فأفْضَى إلى تَلَفِه، لم يَضْمَنْه) لأنَّه أَدَبٌ مَأْذُونٌ فيه شَرْعًا، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، كالحَدِّ والتَّعْزِيرِ.
4193 -

مسألة: (وَيَتَخَرَّجُ وُجُوبُ الضَّمَانِ، على ما قَالَه فيما

الحديث: 4193 - الجزء: 25 - الصفحة: 359

السُّلْطَانُ إِلَى امْرَأةٍ لِيُحْضِرَهَا، فَأجْهَضَت جَنِينَهَا، أَوْ مَاتَتْ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ.
إذا أرْسَلَ السُّلْطَانُ إلى امْرَأَةٍ ليُحْضِرَها، فأَجهَضَتْ جَنِينًا، أو مَاتَتْ، فعلى عاقِلَتِه الدِّيَةُ) وجملةُ ذلك، أنَّ السُّلْطانَ إذا بعَث إلى امرأةٍ ليُحْضِرَها، فأسْقَطَتْ جَنِينًا فمات، ضَمِنَه؛ لِما رُوِى أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، بعَث إلى امرأةٍ مُغِيبَةٍ 73، كان يُدْخَلُ عليها، فقالت: يا وَيْلَها، ما لَها ولعمرَ.
فبَيْنَا هى في الطريقِ إذ فَزِعَتْ، فضَرَبَها الطَّلْقُ، فألْقَتْ ولَدًا، فصاحَ الصَّبِىُّ 74 صَيْحَتَيْن، ثم مات، فاسْتَشارَ عمرُ أصْحاب النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأشَارَ بعْضُهم أن ليس عليك شئٌ، إنَّما أنتَ والٍ ومُؤَدِّبٌ، وصمَت علىٌّ، فأقْبَلَ عليه عمرُ، فقال: ما تقُولُ يا أبا الحَسَنِ؟ فقال: إن كانوا قالوا برَأْيِهم فقد أخْطأَ 75 رَأْيُهم، وإن كانوا قالوا في هَواكَ فلم يَنْصَحُوا لك، إنَّ دِيَتَه عليك؛ لأنَّك أفْزَعْتَها فأَلْقَتْه.
فقال عمرُ: أقْسَمْتُ عليك أن لا تَبْرَحَ حتى تَقْسِمَها على قَوْمِكَ 76. ولو فُزِّعَتِ المرأةُ فماتَت،

الجزء: 25 - الصفحة: 360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وجَبَتْ دِيَتُها أيضًا.
ووافَقَ الشافعىُّ في ضَمانِ الجَنِينِ، وقال: لا تُضْمَنُ المرأةُ؛ لأَنَّ ذلك ليس بسَبَبٍ لهَلَاكِها في العادَةِ.
ولَنا، أنَّها نَفْسٌ هَلَكَتْ بإرْسالِه إليها، فضَمِنَها كجَنِينها، أو نَفْسٌ هَلَكَتْ بسَبَبِه، فَغَرِمَها، كما لو ضَرَبَها فماتَتْ.
قولُه: إنَّه ليس بسَبَبٍ عادةً.
قُلْنا: إذا كانت حامِلًا، فهو سَبَبٌ للإِسْقاطِ، والإِسْقاطُ سَبَبٌ للهَلاكِ، ثم لا يُعْتَبَرُ في الضَّمانِ كونُه سَبَبًا مُعْتادًا، فإنَّ الضَّرْبَةَ والضَّرْبَتَيْن بالسَّوْطِ ليست سَبَبًا للهَلاكِ في العادةِ، ومتى أفْضَتْ إليه وجَب الضَّمانُ.
وإنِ اسْتَعْدَى إنْسانٌ على امرأةٍ، فألْقَتْ جَنِينَها 77، أو ماتتْ فَزَعًا، فعلى عاقِلَةِ المُسْتَعْدِى الضَّمانُ إن كان ظالِمًا لها، وإن كانت هى الظَّالمةَ، فأحْضَرَها عندَ الحاكمِ، فيَنْبَغِى أن لا يَضْمَنَها؛ لأنَّها سَبَبُ إحْضارِها بظُلْمِها، فلا

الجزء: 25 - الصفحة: 361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَضْمَنُها غيرُها، ولأنَّه اسْتَوْفَى حَقَّه، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، كالقِصاصِ، ولكنْ يَضْمَنُ جَنِينَها؛ لأنَّه تَلِفَ بفِعْلِه، فأشْبَهَ ما لو اقْتَصَّ منها.

الجزء: 25 - الصفحة: 362

وَإِنْ سَلَّمَ وَلَدَهُ إِلَى السَّابِحِ؛ لِيُعَلِّمَهُ، فَغَرِقَ، لَمْ يَضْمَنْهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَضْمَنَهُ الْعَاقِلَةُ.

4194 - مسألة: (وإن سَلَّمَ وَلَدَهُ إلى السَّابِحِ لِيُعَلِّمَهُ، فغَرِقَ، لم يَضْمَنْه. ويَحْتَمِلُ أن تَضْمَنَه العاقِلَةُ)

أمَّا إذا سَلَّمَ ولدَه الصَّغيرَ إلى السَّابِح ليُعَلِّمَه السِّباحَةَ، فغَرِقَ، فالضَّمانُ على عاقلةِ السَّابحِ؛ لأنَّه سَلَّمَه إليه ليَحْتاطَ في حِفْظِه، فإذا غَرِقَ، نُسِبَ 78 إلى التَّفْرِيطِ في حِفْظِه.
وقال القاضى: قِياسُ المذهبِ أنَّه لا يَضْمَنُه؛ لأنَّه فَعَل ما جَرَتِ العادةُ به لمَصْلَحَتِه، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، كما إذا ضرَب المُعَلِّمُ الصَّبِىَّ ضَرْبًا مُعْتادًا، فتَلِفَ به.
فأمَّا الكبيرُ إذا غَرِقَ، فليس على السَّابحِ شئٌ إذا لم

الحديث: 4194 - الجزء: 25 - الصفحة: 363

وَإِنْ أَمَرَ عَاقِلًا يَنْزِلُ بِئْرًا، أَوْ يَصْعَدُ شَجَرَةً، فَهَلَكَ، لَمْ يَضْمَنْهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ السُّلْطَانَ فَهَلْ يَضْمَنُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
يُفَرِّطْ؛ لأَنَّ الكبيرَ في يَدِ نَفْسِه، لا يُنْسَبُ التَّفْرِيطُ في هَلاكِه إلى غيرِه.

4195 -

مسألة: (وإن أَمَرَ إنْسَانًا)

أن (يَنْزِلَ بِئْرًا، أو يَصْعَدَ شَجَرَةً، فهَلَكَ) بذلك (لم يَضْمَنْه) لأنَّه لم يَجْنِ، ولم يَتَعَدَّ، فأشْبَهَ ما لو أذِنَ له ولم يأْمُرْه (إلَّا أن يكونَ الآمِرُ السُّلطانَ، فهل يَضْمَنُه؟ على وَجْهَيْنِ) أحدُهما، لا يَضْمَنُه، كغيرِه.
والثَّانى، يَضْمَنُه؛ لأنَّه يخاف منه إذا خالفَه، وهو مأْمُورٌ بطاعَتِه، إلَّا أن يكونَ المأْمُورُ صَغِيرًا لا يُمَيِّزُ، فيَضْمَنُه؛ لأنَّه تَسَبَّبَ إلى إتْلافِه.

الحديث: 4195 - الجزء: 25 - الصفحة: 364

وَإِنْ وَضَعَ جَرَّةً عَلَى سَطْحِهِ، فَرَمَتْهَا الرِّيحُ عَلَى إِنْسَانٍ، فَتَلِفَ، لَمْ يَضْمَنْهُ.

4196 - مسألة: (وإن وضَع جَرَّةً على سَطْحِهِ)

أو حائطِه، أو حَجَرًا (فَرَمَتْه الرِّيحُ على إنسانٍ، فقَتَلَه) أو شئٍ أتْلَفَه (لم يَضْمَنْه) لأَنَّ ذلك بغيرِ فِعْلِه، ووَضْعُه ذلك كان في مِلْكِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَضْمَنَ إذا وَضَعَها مُتَطَرِّفَةً؛ لأنَّه تَسَبَّبَ إلى إلْقائِها، وتَعَدَّى بوَضْعِها،، فأَشْبَهَ ما لو بَنَى حائِطًا مائِلًا.
4197 -

مسألة: وإن أخْرَجَ جَناحًا إلى الطَّرِيقِ أو مِيزَابًا، فسقَط على إنسانٍ فأتْلَفَهُ، ضَمِنَه؛ لأَنَّ إخراجَ الجَناحِ إلى الطَّريقِ غيرُ جائزٍ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ في غيرِ مِلْكِه، إذا كان الطريقُ نافِذًا، أو غيرَ نافذٍ ولم يَأْذَنْ فيه أصْحابُه.
إذا سقَط على شئٍ فَأتْلَفَه، ضَمِنَه؛ لأنَّه تَلِفَ بعُدْوانِه، فضَمِنَه، كما لو وضَع البِناءَ على أرْضِ الطريقِ.
وكذلك الحُكْمُ في المِيزَابِ.
وفى ذلك اخْتِلافٌ وتَفْصِيل ذكَرْناه في الغَصْبِ

79. واللَّهُ أعلمُ.

الحديث: 4196 - الجزء: 25 - الصفحة: 365

بَابُ مَقَادِير دِيَاتِ النَّفْسِ

دِيَةُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، أَوْ مِائَتَا بَقَرَةٍ، أَوْ أَلْفَا شَاةٍ، أَوْ أَلْفُ مِثْقَالٍ، أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَهَذِهِ الْخَمْسُ أُصُولٌ في الدِّيَةِ، إِذَا أحْضَرَ مَنْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ شَيْئًا مِنْهَا، لَزِمَهُ قَبُولُهُ.
بابُ مقادير دِياتِ النَّفْسِ (دِيَةُ الحُرِّ المسلمِ مِائَةٌ من الإِبِلِ، أو مِائَتا بقَرَةٍ، أو ألْفَا شاةٍ، أو ألْفُ مِثْقالٍ، أو اثْنَا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ، فهذه الخَمْسُ أُصُولٌ في الدِّيَةِ، إذا أحْضَرَ مَن عليه الدِّيَةُ شيئًا منها، لَزِمَه قَبُولُه) [وجملةُ ذلك، أنَّا إذا قُلْنا: إنَّ هذه الخمسَ أصُولٌ في الدِّيَةِ، إذا أحْضَرَ مَن عليه الدِّيَةُ مِنَ القاتلِ] 80

الجزء: 25 - الصفحة: 367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [أو العاقلةِ شيئًا منها، لَزِمَ الوَلِىَّ أخْذُه، ولم يَكُنْ له المُطالَبَةُ بغيرِه، سواءٌ كان مِن أَهْلِ ذلك النَّوْعِ أو لم يكُنْ؛ لأنَّها أصُولٌ في قَضاءِ الواجِبِ، يُجْزِئُ واحدٌ منها، فكانتِ الخِيَرَةُ إلى مَن وجَبَتْ عليه، كخِصالِ الكفَّارَةِ وشَاتَىِ الجُبْرانِ في الزَّكاةِ مع الدَّراهمِ، وكذلك الحكمُ في الحُلَلِ إذا قُلْنا: إنَّها أصْلٌ.
فصل] 81: [لا خِلافَ] 82 بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ الإِبِلَ أصْل 83 في الدِّيَةِ، وأنَّ دِيَةَ الحُرِّ المُسلمِ مَائَةٌ مِن الإبلِ.
وقد دَلَّتْ عليه الأحاديثُ الواردةُ، منها حديثُ عمرِو بنِ حَزْمٍ، وحديثُ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو 84 في دِيَةِ خَطَأ العَمْدِ، وحديثُ ابنِ مَسْعُودٍ في دِيَةِ الخَطَأَ، وسَنَذْكُرُها إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
قال القاضى: لا يخْتَلِفُ المذهبُ أنَّ أصولَ الدِّيَةِ الإِبِلُ والذَّهَبُ والوَرِقُ والبَقَرُ والغَنَمُ، فهذه خَمْسَةٌ لا يخْتَلِفُ المذهبُ فيها.
وهذا قولُ عمرَ، وعطاءٍ، وطاوُسٍ، والفُقَهاء السَّبْعَةِ.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، وابنُ أبى لَيْلَى، وأبو يوسف، ومحمدٌ؛ لأَنَّ عمرَو بنَ حَزْمٍ رَوَى في كتابِه أنَّ

الجزء: 25 - الصفحة: 368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كتَب إلى أَهْلِ اليَمَنِ: «وأنَّ في النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائَةً مِنَ الإِبِلَ، وعلى أهْلَ الوَرِقِ ألْفَ دِينارٍ».
روَاه النَّسَائِىُّ 85. ورَوَى ابنُ عَبَّاسٍ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِى عَدِىٍّ قُتِلَ، فجَعَلَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- دِيَتَه اثْنَىْ عَشَرَ ألْفًا.
روَاه أبو داوُدَ، وابنُ ماجَه 86. ورَوَى الشَّعْبِىُّ أنَّ عمرَ جعَل على أَهْلِ الذَّهَبِ ألْفَ دِينارٍ 87. وعن عمرٍو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ عمرَ قام خَطِيبًا، فقال: ألا إنَّ الإِبلَ قد غَلَتْ.
قال: فقَوَّمَ على أهْلَ الذَّهَبِ ألْفَ دِينارٍ، وعلى أهْلَ الوَرِقِ اثْنَىْ عشرَ ألْفًا، وعلى أَهْلِ البَقَرِ مائَتَى بَقَرَةٍ، وعلى أَهْلِ الشَّاءِ ألْفَىْ شاةٍ، وعلى أَهْلِ الحُلَلِ مائتَى حُلَّةٍ.
رواه أبو داودَ 88.

الجزء: 25 - الصفحة: 369

وَفِى الْحُلَلِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، لَيْسَتْ أصْلًا في الدِّيَةِ.
وَفِى الْأُخْرَى، أنَّها أَصْلٌ.
وَقَدْرُهَا مِائَتَا حُلّةٍ مِنْ حُلَلِ الْيَمَنَ، كُلُّ حُلَّةٍ بُرْدَانِ.

4198 - مسألة: (وفى الحُلَلِ رِوايَتانِ، إحْداهما، ليستْ أصْلًا)

لقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ألَا إنَّ في قَتِيلِ 89 عَمْدِ الخَطَأِ، قَتِيلِ (1) السَّوْطِ والعَصَا، مِائَةً مِن الإبِلِ» 90. والثانيةُ أنَّها أصْلٌ؛ لِما ذكَرْنا مِن قولِ عمرَ حينَ قام خَطِيبًا، فجَعَلَ على أَهْلِ الحُلَلِ مائتَىْ حُلَّةٍ.
روَاه أبو

الحديث: 4198 - الجزء: 25 - الصفحة: 370

وَعَنْهُ، أَنَّ الإبِلَ هِىَ الأصْلُ خَاصَّةً، وَهَذِهِ أَبْدَالٌ عَنْهَا، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الإِبِلِ، وَإِلَّا انْتَقَلَ إلَيْهَا.
داودَ.
وهذا كان بمَحْضَرٍ (1) مِن الصَّحابَةِ، فكان إجْماعًا.
وكلُّ حُلَّةٍ بُرْدانِ.

4199 -

مسألة: (وعَن أحمدَ)،

رَحِمَه اللَّهُ (أنَّ الإِبِلَ هى الأصْلُ خاصَّةً) وهذا ظاهرُ كلام الخِرَقِىِّ، وذكَرَه أبو الخَطَّاب عن أحمدَ.
وهو قولُ طاوُسٍ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقولِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ألَا إنَّ في قَتِيلِ عَمْدِ الخَطَأ، قَتِيلِ السَّوْطِ، مِائَةً مِنَ الإِبِلِ».
ولأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَرَّقَ بينَ دِيَةِ العَمْدِ والخَطَأ، فغَلَّظَ بعْضَها، وخفَّفَ بَعْضَها، ولا يتَحَقَّقُ هذا في غيرِ الإِبِلِ.
ولأنَّه بَدَكُ مُتْلَفٍ حَقًّا لآدَمِىِّ، فكان مُتَعَيِّنًا، كعِوَضِ الأمْوالِ.
وحديثُ ابنِ عباسٍ يَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْجَبَ الوَرِقَ بَدَلًا عن الإِبلِ، وإنَّما الخِلافُ في كوْنِها أصْلًا.
وحديثُ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ يَدُلُّ على أنَّ الأَصْلَ الإبِلُ، فإنَّ إيجابَه لهذه المذْكُوراتِ على سَبِيلِ التَّقْوِيمِ، لغَلاءِ الإِبِلِ، ولو كانت أُصولًا بنَفْسِها، لم يكنْ إيجابُها تَقْوِيمًا للإِبِلِ، ولا كان لغَلاءِ الإِبِلِ أثَر في ذلك، ولا لذِكْرِه مَعْنًى.
وقد رُوِىَ أنَّه كان يُقَوِّمُ الإِبلَ قبلَ أن تَغْلُوَ بثَمانِيةِ آلافِ91

الحديث: 4199 - الجزء: 25 - الصفحة: 371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دِرْهَمٍ 92. ولذلك قيل: إن دِيَةَ الذِّمِّىِّ أرْبَعَةُ آلافٍ.
ودِيَتُه نِصْفُ الدِّيَةِ، فكان ذلك أرْبعةَ آلافٍ حينَ كانتِ الدِّيَةُ ثَمانيةَ آلافٍ.
فصل: فإذا قُلْنا: إنَّ الأصُولَ خَمْسَةٌ.
فإنَّ قَدْرَهَا ما ذكَرْنا في المسْأَلةِ في أوَّلِ البابِ، ولم يَخْتَلِفِ القائِلُونَ بهذه الأُصولِ في قَدْرِها مِن الذَّهَبِ، ولا مِن سائِرِها، إلَّا الوَرِقَ، فإنَّ الثَّوْرِىَّ وأبا حنيفةَ قالوا: قَدْرُها مِنَ الوَرِقِ عَشَرَةُ آلافٍ.
وحُكِىَ ذلك عن ابنِ شبْرُمَةَ؛ لِما رَوَى الشَّعْبِىُّ، أنَّ عمرَ جعَل على أَهْلِ الوَرِقِ عَشَرةَ آلافٍ 93. ولأَنَّ الدِّينارَ مَعْدُولٌ في الشَّرْعِ بعَشْرةِ دَراهِمَ، بدليلِ أنَّ نِصابَ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقالًا، ونِصابَ الفِضَّةِ مائتَا دِرْهَمٍ.
وبما ذكَرْناه قال الحسنُ، وعُرْوَةُ، ومالكٌ، والشافعىُّ في قولٍ.
ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ عبَّاسٍ؛ لِما ذكَرْنا مِن حديثِ ابنِ عباسٍ، وحديثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن عمرَ.
ولأَنَّ الدِّينارَ مَعْدُولٌ باثْنَى عَشَرَ دِرْهَمًا، بدليلِ أنَّ عمرَ فرَض الجِزْيَةَ على الغَنِىِّ أرْبعةَ دَنانِيرَ أو ثمانيةً وأرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وعلى المُتَوَسِّطِ دِينارَيْنِ، أو أرْبعة وعِشْرين دِرْهمًا، وعلى الفَقِيرِ دِينارًا 94 أو اثْنَىْ عشرَ دِرْهَمًا 95. وهذا أَولَى ممَّا ذكَرُوه في نِصابِ الزَّكاةِ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ أن يكونَ نِصابُ أحَدِهما مَعْدُولًا بنِصابِ الآخَرِ، كما أنَّ السَّائِمَةَ مِن

الجزء: 25 - الصفحة: 372

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بَهِيمةِ الأنْعامِ ليس نِصابُ شئٍ منها مَعْدُولًا بنِصابِ غيرِه.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 96: ليس [مع مَن] 97 جَعَلَ الدِّيَةَ عَشَرةَ آلافٍ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَدِيثٌ مُرْسَلٌ ولا مُسْنَدٌ، وحَدِيثُ الشعبىِّ عن عمرَ يخالِفُه حديث عمرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيه عن جَدِّه عنه.

4200 -

مسألة: وإذا قلنا: إنَّ الإِبِلَ هى الأصْلُ خَاصَّةً.
فعلى مَن عليه الدِّيَةُ تَسْلِيمُها إلى مُسْتَحِقِّها سَلِيمَةً مِن العُيُوب، وأَيُّهما أرَادَ العُدُولَ عنها إلى غيرِها، فللآخَرِ مَنْعُه، لأَنَّ الحَقَّ مُتَعَيِّنٌ فيها، فاسْتُحِقَّتْ، كالمِثْلِ في المِثْلِيَّاتِ

98 المُتْلَفَةِ.
وإن أعْوَزَتِ الإِبِلُ، أو لم تُوجَدْ إلَّا بأكثرَ مِن ثَمَنِ المِثْلِ، فله العُدولُ إلى ألْفِ دِينارٍ أو اثْنَىْ عشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ.
وهذا قولُ الشافعىِّ 99 القديمُ.
وقال في الجَدِيدِ: تَجِبُ قِيمَةُ الإِبلِ بالِغَةً ما بَلَغَتْ؛ لحدِيثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ عن عمرَ في تَقْوِيم الإِبلِ، ولأَنَّ ما ضُمِنَ بنَوْعٍ مِن المالِ، وجَبَتْ قِيمَتُه عندَ تَعَذُّرِه، كذَواتِ الأمْثالِ، ولأَنَّ الإِبِلَ إذا أَجْزَأَتْ إذا قَلَّتْ قِيمَتُها، يَنْبَغِى أن تَجِبَ وإن كَثُرَتْ قِيمَتُها، كالدَّنانيرِ إذا غَلَتْ أو رَخُصَتْ.
وهكذا يَنْبَغِى أن يقُولَ إذا غَلَتِ الإِبِلُ كلّها، فأمَّا إن كانتِ الإِبلُ مَوْجُودةً بثَمَنِ مِثْلِها، إلَّا أنَّ هذا لم يَجِدْها، لكَوْنِها في غيرِ بلَدِه، فإنَّ عمرَ قَوَّمَ الدِّيَةَ مِن الدَّراهمِ

الحديث: 4200 - الجزء: 25 - الصفحة: 373

فَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، وَجَبَتْ أرْبَاعًا؛ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً.
وَعَنْهُ، أنَّهَا ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً في بُطُونِهَا أوْلَادُهَا.
باثْنَىْ عَشَرَ ألْفًا، ومن الذَّهَبِ ألْفِ دِينارٍ.

4201 -

مسألة: (فإن كان القَتْلُ عَمْدًا، أو شِبْهَ عَمْدٍ، وَجَبَتْ أرْبَاعًا؛ خَمْسٌ وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ بنتَ لبُونٍ، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ حِقَّة، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ جَذَعَةً.
وعنه، أنَّها ثَلاثُونَ حِقَّةً، وثَلاثُونَ جَذَعَةً، وأرْبَعُونَ خَلِفَةً في بُطُونِها أوْلادُها)

اخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في مِقْدارِها، فرَوَى جماعةٌ عن أحمدَ أنَّها أرْباعٌ.
وكذلك ذكَرَه الخِرَقِىُّ.
وهو قولُ الزُّهْرِىِّ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، وسليمانَ بنِ يَسارٍ، وأبى حنيفةَ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ مَسْعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
ورَوَى جماعةٌ عن أحمدَ، أنَّها ثلاثونَ حِقَّةً، وثَلاثونَ جَذَعَةً، وأرْبعونَ خَلِفَةً في بُطونِها أوْلادُها.
وبهذا قال عطاءٌ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، والشافعىُّ.

الحديث: 4201 - الجزء: 25 - الصفحة: 374

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وزَيْدٍ، وأبى مُوسَى، والمُغِيرَةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم؛ لِما رَوَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «مَن قَتَلَ مُؤْمِنًا 100 مُتَعَمِّدًا، دُفِعَ إلَى أوْلِياء المَقْتُولِ، فإن شَاءُوا قَتَلُوا، وإن شَاءُوا أخَذُوا الدِّيَةَ، وهى ثَلاثُونَ حِقَّةً، وثَلاثُونَ جَذَعَةً، وأرْبَعُونَ خَلِفَةً، وما صُولِحُوا عليه فهو لهم».
وذلك لتَشْدِيدِ العَقْلِ 101. رواه التِّرْمِذِىُّ 102، وقال: هو حديثٌ حسنٌ غَرِيبٌ.
وعن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «ألَا إنَّ في قَتِيلِ عَمْدِ الخَطَأ، قَتِيلِ السَّوْطِ وَالعَصَا، مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، مِنْها أرْبَعُونَ خَلِفَةً في بُطُونِهَا أوْلادُها».
روَاه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 103. وعن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، أنَّ رَجُلًا يُقال له: قَتادَةُ، حَذَفَ ابْنَه بالسَّيْفِ، فقَتَلَه، فأخَذَ عمرُ منه الدِّيَةَ؛ ثلاثينَ حِقَّةً، وثلاثينَ جَذَعةً، وأرْبعينَ خَلِفَةٍ.
روَاه مالِكٌ

الجزء: 25 - الصفحة: 375

وَهَلْ يُعْتَبَرُ كَوْنُهَا ثَنَايَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
في «المُوَطَّأ» 104. ووَجْهُ الأَوَّلِ ما روَى الزُّهْرِىُّ، عن السَّائِبِ [بنِ يَزِيدَ] 105، قال: كانتِ الدِّيَةُ على عَهْدِ رٍ سولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أرْباعًا؛ خَمْسًا وعِشرينَ جَذَعَةً، وخَمْسًا وعشرينَ حِقَّة، وخَمْسًا وعِشرينَ بِنْتَ لَبُونٍ، وخمسًا وعِشرينَ بِنْتَ مَخَاضٍ 106. ولأنَّه حَقٌّ يتَعَلَّقُ بجنسِ الحَيوانِ، فلا يُعْتَبَرُ فيه الحَمْلُ، كالزَّكاةِ والأُضْحِيَةِ.
والخَلِفَةُ الحامِل.
وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «في بُطونِهَا أوْلَادُها».
تأْكِيدٌ (وهل يُعتبرُ) في الخَلِفاتِ (كَوْنُها ثَنَايَا؟ على وَجْهَيْنِ) أحدُهما، لا يُعْتَبَرُ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أطْلَقَ الخَلِفَاتِ ولم يُقَيِّدْها، فأىُّ ناقةٍ حَمَلَتْ فهى خَلِفَةٌ، تُجْزِئُ في الدِّيَةِ، واعْتِبارُ السِّنِّ تَقْيِيدٌ لا يُصارُ إليه إلَّا بدليلٍ.

الجزء: 25 - الصفحة: 376

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثَّانى، يُشْتَرَطُ؛ لأَنَّ في بعْضِ ألْفَاظِ الحديثِ: «أرْبَعُونَ 107 خَلِفَةً، ما بينَ ثَنِيَّةِ عَامِهَا إلَى بَازِلٍ 108» 109. ولأَنَّ سائِرَ أنْواعِ الإبِل مُقَدَّرَةُ السِّنِّ، فِكذلك الخَلِفَةُ.
الذى ذكَره القاضِى هو الأَوَّلُ.
والثَّنِيَّةُ التى لها خَمْسُ سِنِينَ ودَخَلَتْ في 110 السَّادِسَةِ، وقلَّما تَحْمِلُ إلَّا ثَنِيَّةٌ.
ولو أحْضرَها خَلِفَةً، فأَسقَطتْ قبلَ قَبْضِها، فعليه بَدَلُها.
فصل: فإنِ اخْتَلَفا في حَمْلِها، رُجِعَ إلى أهْل الخِبْرَةِ، كما يُرْجَعُ في حَمْلِ المرأةِ إلى القَوابِل.
وإن تَسَلَّمَها الوَلِىُّ، ثم قال: لم تكُنْ حَوامِلَ، وقد ضَمَرَتْ أجْوَافُها.
فقال الجانِى: بل قد وَلَدَتْ عندَك.
نَظَرْتَ؛ فإن قَبَضَها بقَوْلِ أهلِ الخِبْرَةِ، فالقولُ قولُ الجانِى؛ لأَنَّ الظاهرَ إصَابَتُهم، وإن قَبَضَها بغيرِ قَوْلِهم، فالقولُ قولُ الوَلِىِّ؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الحَمْلِ.

الجزء: 25 - الصفحة: 377

وَإِنْ كَانَ خَطَأً، وَجَبَتْ أخْمَاسًا؛ عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً.

4202 - مسألة: (وإن كان)

القَتْلُ (خَطَأً، وَجَبَتْ أخْماسًا؛ عِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وعِشْرُونَ ابْنَ مَخاضٍ، وعِشْرُونَ بنْتَ لَبُونٍ، وعِشْرُونَ حِقَّةً، وعِشْرُونَ جَذَعَةً) لا يخْتلِفُ المذهبُ أنَّ دِيَةَ الخَطَأ أخْماسٌ، كما ذكَرْنا.
وهذا قولُ ابنِ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى، وابنِ المُنْذِرِ: وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وسُليمانُ بنُ يَسارٍ، والزُّهْرِىُّ، واللَّيْثُ، ورَبِيعَةُ، ومالِكٌ، والشافعىُّ: هى أخْماسٌ.
إلَّا أنَّهم جَعَلُوا مكانَ بَنِى مَخاضٍ بَنِى لَبُونٍ.
وهكذا روَاه سعيدٌ 111، في «سُنَنِه»، عن النَّخَعِىِّ عن ابنِ مَسْعُودٍ.
قال الخَطَّابِىُّ 112: رُوِى أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَدَى الذى قُتِلَ بخَيْبَرَ بمائةٍ مِن إبِلِ الصَّدَقَةِ 113. وليس في

الحديث: 4202 - الجزء: 25 - الصفحة: 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أسْنانِ الصَّدَقَةِ ابنُ مَخَاض.
ورُوِىَ عن علىٍّ، والحسنِ، والشَّعْبِىِّ، والحارثِ العُكْلِىِّ، وإسْحاقَ، أنَّها أرْباعٌ، كدِ يَةِ العَمْدِ سواءً.
وعن زَيْدٍ، أنَّها ثلاثونَ حِقَّةً، وثلاثونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وعِشْرونَ ابنَ لَبُونٍ، وعِشْرونَ بِنْتَ مَخاضٍ 114. وقال طاوسٌ: ثلاثونَ حِقَّةً، وثلاثونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وثلاثونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وعَشْرُ بَنِى لَبُونٍ ذُكورٌ 115؛ لِما رَوَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّهِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى أنَّ مَن قُتِلَ خَطَأً، فدِيَتُه مِن الإِبِلِ ثَلاثون بنْتَ مَخاضٍ، وثلاثونَ بِنْتَ لبُونٍ، وثلاثون حِقَّةً، وعَشْرُ بَنِى لبونٍ ذُكورٌ.
روَاه أبو داودَ، وابنُ ماجَه 116. وقال أبو ثَوْرٍ: الدِّيات كلُّها أخْماسٌ، كَدِيَةِ الخَطَأَ؛ لأنَّها بَدَلُ مُتْلَفٍ، فلا يخْتلِفُ بالعَمْدِ والخَطَأَ، كسائرِ المُتْلَفاتِ.
وحُكِىَ عنه أنَّ دِيَةَ العَمْدِ مُغَلّظَةٌ، ودِيَةَ شِبْهِ العَمْدِ والخَطَأ أخْماسٌ؛ لأَنَّ شِبْهَ العَمْدِ تَحْمِلُه العاقلةُ، فكان أخْماسًا، كدِيَةِ الخَطَأَ.
ولَنا، ما رَوَى عبدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ، قال: = أهل الدم بالقسامة، وباب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر سهل فيه، من كتاب القسامة.
المجتبى 8/ 6 - 12. وابن ماجه، في: باب القسامة، من كتاب الديات.
سنن ابن ماجه 2/ 892، 893. والدارمى، في: باب في القسامة، من كتاب الديات.
سنن الدارمى 2/ 189. والإمام مالك، في: باب تبدئة أهل الدم في القسامة، من كتاب القسامة.
الموطأ 2/ 877، 878. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 2، 3، 142.

الجزء: 25 - الصفحة: 379

وَيُؤْخَذُ في الْبَقَرِ النِّصْفُ مُسِنَّاتٍ، وَالنِّصْفُ أتْبِعَةً، وَفِى الْغَنَمِ النِّصْفُ ثَنَايَا، وَالنِّصْفُ أَجْذِعَةً.
قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «في دِيَةِ الخَطَأَ عِشْرُونَ حِقَّةً، وعِشْرُونَ جَذًعَةً، وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وعِشْرُونَ بَنِى مَخاضٍ، وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ».
روَاه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، وابنُ ماجَه (1). ولأَنَّ ابنَ لَبُونٍ يَجِبُ على طريقِ البَدَلِ عن ابْنَةِ مَخاض في الزَّكاةِ إذا لم يَجِدْها، فلا يُجْمَعُ بينَ البَدَلِ والمُبْدَلِ في واجِبٍ، ولأَنَّ مُوجبَهُما واحدٌ، فيَصِيرُ كأنَّه أوْجَبَ أرْبعينَ ابْنَةَ مَخاضٍ، ولأَنَّ ما قُلْناه الأقَلُّ، والزِّيادَةُ عليه لا تَثْبُتُ إلَّا بتَوْقِيفٍ، على مَن ادَّعاهُ الدَّلِيلُ، فأمَّا قَتِيلُ خيْبَرَ، فلا حُجَّةَ لهم فيه؛ لأنَّهم لم يدَّعُوا القَتْلَ إلَّا عَمْدًا، فتكونُ دِيَتُه دِيَةَ العَمْدِ، وهى مِن أسْنانِ الصَّدَقَةِ، والخِلافُ في دِيَةِ الخَطَأَ.
وقول أبى ثَوْرٍ يُخالِفُ الآثارَ المَرْوِيَّةَ التى ذكَرْناها، فلا يُعَوَّلُ عليه.

4203 -

مسألة: (ويُؤْخَذُ في البَقَرِ النِّصْفُ مُسِنَّاتٍ، والنِّصْفُ أتْبعَة، وفى الغَنَمِ النِّصْفُ ثَنَايا، والنِّصْفُ أجْذِعَةً)

إذا كانتِ الغَنَمُ ضَأْنًا؛ لأَنَّ دِيَةَ الإِبِلِ مِن الأسْنانِ المُقَدَّرةِ 118 في الزَّكاةِ، فكذلك البَقَرُ والغَنَمُ.117

الحديث: 4203 - الجزء: 25 - الصفحة: 380

وَلَا تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ في شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ أن يَكُونَ سَلِيمًا مِنٍ الْعُيُوبِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ قِيمَةُ كُلِّ بَعِيرٍ مِائَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا.
فَظَاهِرُ هَذَا أنَّهُ يُعْتَبَرُ في الأُصُولِ كُلِّهَا أن تَبْلُغَ دِيَةً مِنَ الْأَثْمَانِ.
وَالأوَّلُ أَوْلَى.
4204 - مسألة: (ولا تُعْتَبَرُ القِيمَة في شَىْءٍ مِن ذلك إذا كان سَلِيمًا مِنَ العُيُوبِ.
وقال أَبُو الخَطَّابِ: يُعْتَبَرُ أن يَكُونَ قِيمَةُ كُلِّ بَعِيرٍ مِائَةً وعِشْرِينَ دِرْهَمًا.
فظاهِرُ هذا أنَّه يُعْتَبَرُ في الأُصُولِ كُلِّهَا أَنْ تَبْلُغَ دِيَةً مِنَ الأثْمانِ.
والأَوَّلُ أوْلَى) الصَّحِيحُ أنَّه لا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الإبلِ، بل متى وُجِدَتْ

الحديث: 4204 - الجزء: 25 - الصفحة: 381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على الصِّفَةِ المَشْرُوطةِ وجَبَ أخْذُها.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وسواءٌ قَلَّتْ قِيمَتها أو كَثُرَتْ.
وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافعىِّ.
وذكَرَ أصْحابُنا أنَّ مذهبَ أحمدَ أن تُؤْخَذَ مِائَة مِنَ الإِبلِ، قِيمَةُ 119 كُلِّ بَعِيرٍ منها مِائَةٌ وعِشْرُونَ دِرْهمًا، فإن لم يَقْدِرْ على ذلك، أدَّى اثْنَىْ عَشَرَ ألْف دِرْهَمٍ، أو ألْفَ دِينارٍ؛ لأَنَّ عمرَ قَوَّمَ الإِبلَ على أهْلَ الذَّهَبِ ألْفَ مِثْقالٍ، وعلى أَهْلِ الوَرِقِ اثْنَىْ عشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ 120. فدَلَّ على أنَّ ذلك قِيمَتُها، ولأَنَّ هذه أبْدَالُ مَحَلٍّ واحدٍ، فيَجِبُ أن تَتَساوَى في القِيمَةِ، كالمِثْلِ والقِيمَةِ في بَدَلِ القَرْضِ، والمُتْلَفِ في المِثْلِيَّاتِ 121. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «في النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائَة مِنَ الإِبِلِ» 122. وهذا مُطْلَقٌ، فتَقْيِيدُه يُخالِفُ إطْلاقَه، فلم يَجِبْ إلَّا بدليلٍ، ولأنَّها كانتْ تُؤْخَذُ على عَهْدِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وقِيمَتها ثمانِيةُ آلافٍ.
وقولُ عمرَ في حديثِه: إنَّ الإِبلَ قد غَلَتْ.
فقَوَّمَها

الجزء: 25 - الصفحة: 382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على أَهْلِ الوَرِقِ اثْنَىْ عَشَرَ ألْفًا.
دَلِيلٌ على أنَّها في حالِ رُخْصِها أقَلُّ قِيمَةً مِن ذلك، وقد كانتْ تُؤْخَذُ في زَمَنِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبى بكرٍ، وصدْرًا مِن خِلافَةِ عمرَ، مع رُخْصِها وقِلَّةِ قِيمَتِها ونَقْصِها عن مائةٍ وعِشرِينَ، فإيجابُ ذلك فيها خِلافُ سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَرقَ بينَ دِيَةِ الخَطَأ والعَمْدِ، فغَلَّظَ دِيَةَ العَمْدِ، وخَفَّفَ دِيَةَ الخَطَأْ، وأجْمَعَ عليه أهلُ العلمِ، واعْتِبارُها بقِيمَةٍ واحدةٍ تَسْوِيَة بينَهما، وجَمْعٌ بينَ ما فَرَّقَه 123 الشَّارِع، وإزَالَةُ التَّخفِيفِ والتَّغْلِيظِ جَمِيعًا، بل هو تَغْلِيظٌ لدِيَةِ 124 الخَطَأَ؛ لأَنَّ اعْتِبارَ ابْنَةِ مَخاضٍ بقِيمَةِ ثَنِيَّةٍ أو جَذَعَةٍ، يَشُقُّ جدًّا، فيكونُ تَغْلِيظًا لدِيَةِ (2) الخَطَأ، وتَخْفِيفًا لدِيَةِ (2) العَمْدِ، وهذا خِلافُ ما قَصَدَه الشَّارِعُ، ووَرَدَ به، ولأَنَّ العادةَ نَقْصُ قِيمَةِ بَناتِ المَخَاضِ عق قِيمَةِ الحِقَاقِ والجَذَعَاتِ، فلو كانتْ تُؤَدَّى على عَهْدِ رسولِ

الجزء: 25 - الصفحة: 383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقِيمَةٍ واحدةٍ، ويُعْتَبَرُ فيها ذلك، لنُقِلَ، ولم يَجُزِ الإخْلالُ به؛ لأَنَّ ما ورَد الشَّرْعُ به مُطْلقًا إنَّما يُحْمَلُ على العُرْفِ والعادةِ، فإذا أُرِيدَ به ما يُخالِفُ العادةَ، وَجَبَ بَيانُه وإيضاحُه، لِئَلَّا يكونَ تَلْبِيسًا في الشَّرِيعةِ، وإيهامَهُم أنَّ حُكْمَ اللَّهِ خِلافُ ما هو حُكْمُه على الحَقِيقةِ 125، والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بُعِثَ للبَيانِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ 126. فكيف يُحْمَلُ قَوْلُه 127 على الإِلْباسِ والإِلْغازِ! هذا ما 128 لا يَحِلُّ.
ثم لو حُمِلَ الأمْرُ على ذلك لَكانَ ذِكْرُ الأسْنانِ عَبَثًا غيرَ مُفِيدٍ، فإنَّ فائدةَ ذلك إنَّما هو لكونِ اخْتِلافِ أسْنانِها مَظِنَّةً لاخْتِلافِ القِيَمِ 129، فأُقِيمَ مُقامَه، ولأَنَّ الإِبلَ الأصْلُ في الدِّيَةِ، فلا تُعْتَبَرُ قِيمَتُها بغيرِها، كالذَّهَبِ والوَرِقِ، ولأنّها أصْلٌ في الوُجوبِ، فلا تُعْتَبَرُ قِيمَتُها، كالإِبلِ في السَّلَم وشاةِ الجُبْرانِ، وحَدِيثُ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ حُجَّة لنا، فإنَّ الإِبلَ كانتْ تُؤْخَذُ -قبلَ أن تَغْلُوَ ويُقَوِّمَها عمرُ- وقِيمَتُها [أقَلُّ 130 مِن] 131 اثْنَىْ عَشَرَ ألْفًا.
وقد قيل: إنَّ قِيمَتَها كانت ثمانيةَ آلافٍ.
ولذلك قال عمرُ:

الجزء: 25 - الصفحة: 384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دِيَةُ الكِتَابِىِّ أرْبعةُ آلافٍ 132. وقولُهم: إنَّها أبْدَالُ مَحَلٍّ واحدٍ.
فلَنا أن نَمْنَعَ، ونقُولَ: البَدَلُ إنَّما هو الإِبلُ، وغيرُها مُعْتَبَرٌ بها.
وإن سَلَّمْنا، فهو مُنْتَقِضٌ بالذَّهَبِ والوَرِقِ، فإنَّه لا يُعْتَبَرُ تَساوِيهما، ويَنْتَقِضُ أيضًا بشاةِ الجُبْرانِ مع الدَّراهِمِ.
وأمَّا بَدَلُ القَرْضِ والمُتْلَفِ، فإنَّما هو المِثْلُ خاصَّةً، والقِيمَةُ بَدَلٌ عنه، ولذلك لا تَجِبُ إلَّا عندَ العَجْزِ عنه، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
فإن قيل: فهذا حُجَّةٌ عليكم؛ لِقَوْلِكم: إنَّ الإِبِلَ هى الأصْلُ، وغيرَها بَدَلٌ عنها.
فيَجبُ أن يُساوِيَها، كالمِثْلِ والقِيمةِ.
قُلْنا: إذا ثبَت لنا هذا، يَنْبَغِى أن يُقَوَّمَ غيرُها بها، ولا تُقَوَّمَ هى بغيرِها؛ لأَنَّ البَدَلَ 133 يتْبَعُ الأَصْلَ، ولا يَتْبَعُ الأصْلُ البَدَلَ، على أنَّا نقولُ: إنَّما صِيرَ إلى التَّقْدِيرِ بهذا؛ لأَنَّ عمرَ، رَضىَ اللَّهُ عنه، قوَّمَها في وَقْتِه بذلك، فوَجَبَ المَصِيرُ إليه، كيْلا يُؤَدِّىَ إلى التَّنازُعِ والاخْتِلافِ في قِيمَةِ الإِبلِ الواجبةِ، كما قُدِّرَ لَبَنُ المُصَرَّاةِ بصاعٍ مِنَ التَّمْرِ، نَفْيًا للتَّنازُعِ [في قِيمَتِه، فلا يُوجِبُ هذا أن يُرَدَّ الأصْلُ إلى التَّقْوِيمِ، فيُفْضِى إلى عَكْسِ حِكْمَةِ الشَّرْعِ] 134،

الجزء: 25 - الصفحة: 385

وَيُؤْخَذُ في الْحُلَلِ الْمُتَعارَفُ، فَإِنْ تَنَازَعَا فِيهَا، جُعِلَتْ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ سِتِّينَ دِرْهَمًا.
ووُقُوعِ التَّنازُعِ في قِيمَةِ الإِبِلِ مع وُجُودِها بعَيْنِها، على أنَّ المُعْتَبَرَ في بَدَلَى القَرْضِ مُساواةُ المُقْرَضِ، فاعْتُبِرَ كُلُّ واحدٍ من بَدَلَيْه به (1). والدِّيَةُ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ بقِيمَةِ المُتْلَفِ، ولهذا لا تُعْتَبَرُ صِفاتُه.
وهكذا قولُ أصْحابنا في تَقْوِيمِ البَقَرِ والشاءِ والحُلَلِ، يجبُ أن يكونَ مَبْلَغُ الواجبِ مِن كلِّ صِنْفٍ (2) منها اثْنَىْ عَشَرَ ألْفًا، فتكونُ قِيمَةُ كلِّ بَقَرَةٍ أو حُلَّةٍ سِتِّينَ دِرْهَمًا، وقِيمَةُ كلِّ شاةٍ سِتَّةَ دَرَاهِمَ، لتَتَساوَى الأبْدَالُ كلُّها.

4205 -

مسألة: (ويُؤْخَذُ في الحُلَلِ المُتَعارَفُ)

مِن ذلك باليَمَنِ، وهى مِائتا حُلَّةٍ؛ كلُّ حُلَّةٍ بُرْدانِ، فتكونُ أرْبَعَمائةِ بُرْدَةٍ (فإن تَنازَعا، جُعِلَتْ قِيمَةُ كلِّ حُلَّةٍ سِتِّينَ دِرْهَمًا) لَتَبلُغَ قيمةُ الجميعِ اثْنَىْ عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ.135136

الحديث: 4205 - الجزء: 25 - الصفحة: 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يُقْبَلُ في الإِبلِ مَعِيبٌ، ولا أعْجَفُ 137، ولا يُعْتَبَرُ فيها أن تكونَ من جِنْسِ إبِلِه، ولا إبلِ بَلَدِه.
وقال القاضى، وأصْحابُ الشافعىِّ: الواجبُ عليه مِن جِنْسِ إبلِه، سواءٌ كان القاتِلَ أو العاقِلَةَ؛ لأَنَّ وجُوبَها على سَبِيلِ المُواساةِ، فيَجِبُ كَوْنُها مِن جِنْسِ مالِهم، كالزَّكاةِ، فإذا كان عندَ بَعْضِ العاقلةِ عِرَابٌ، وعندَ بعْضِهم بخَاتِىٌّ 138، أُخِذَ من كلِّ واحدٍ مِن جِنْسِ ما عندَه.
وإن كان عندَ واحدٍ صِنْفانِ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يؤْخَذُ من كلِّ صِنْفٍ بقِسْطِه.
والثَّانى، يُؤْخَذُ مِن الأكْثرَ، فإنِ اسْتَوَيا، دَفَع مِن أيِّهما شاءَ، فإن دَفعَ مِن غيرِ إبلِه خَيْرًا مِن إبِلِه أو مِثْلَها، جازَ، كما لو أخْرَجَ في الزَّكاةِ خيرًا مِنَ الواجِبِ، وإن كان أدْوَنَ لم يُقْبَلْ، إلَّا أن يَرْضَى المُسْتَحِقُّ.
وإن لم يَكُنْ له إبِلٌ، فمِن غالِبِ إبلِ البَلَدِ، فإن لم يَكُنْ في البلدِ إبِلٌ، وجَبَتْ مِن غالبِ إبلِ أقْرَبِ البِلادِ إليه.
فإن كانت إبِلُه عِجافًا أو مِراضًا، كُلِّفَ تَحْصِيلَ صِحَاحٍ مِن صِنْفِ ما عندَه؛ لأنَّه بَدَلُ مُتْلَفٍ، فلا يُؤْخَذُ فيه مَعِيبٌ، كقِيمَةِ الثَّوْب المُتْلَفِ.
ونحوَ هذا قال أصْحابُنا في البَقَرِ والغَنَمِ.
ولَنا، قولُ النّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «في النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ» 139. أطْلَقَ الإِبلَ، فمَن قَيَّدَها احْتاجَ إلى

الجزء: 25 - الصفحة: 387

فَصْلٌ: وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ،  دلِيلٍ، ولأنَّها بَدَلُ مُتْلَفٍ، فلم يَخْتَصَّ بجِنْسِ مالِه، كبَدَلِ سائرِ المُتْلَفاتِ، ولأنَّها حَقٌّ ليس سَبَبُه المالَ، فلم يُعْتَبَرْ فيه كوْنُه مِن جِنْسِ مالِه، كالمُسْلَمِ فيه والقَرْض، ولأَنَّ المَقْصُودَ بالدِّيَةِ جَبْرُ المَفُوتِ، والجَبْرُ لا يَخْتَصُّ بجِنْسِ مالِ مَن وَجَبَ عليه.
وفارَقَ الزَّكاةَ، فإنَّها وجَبَتْ على سَبِيلِ المُواساةِ، ليُشارِكَ الفُقَراءُ (1) الأغْنِياءَ فيما أنْعَمَ اللَّهُ عليهم به، فاقْتَضَى كَوْنَه مِن جنْسِ أمْوالِهم، وهذا بَدَلُ مُتْلَفٍ، فلا وَجْهَ لتَخْصِيصِه بمالِه.
وقوَلُهم: إنَّها مُواسَاة.
لا يَصحُّ، وإنَّما وجَبَتْ جَبْرًا للفائِتِ، كبَدَلِ المالِ المُتْلَفِ، وإنَّما العاقلةُ تُواسِى القاتِلَ فيما وَجَب بجِنايَتِه، ولهذا لا تَجِبُ مِن جِنْسِ أمْوالِهم إذا لم يكُونُوا ذَوِى إبلٍ، والواجبُ بجِنايَتِه إبلٌ مُطْلَقَةٌ، فتُواسِيهِ في تَحَمُّلِها، ولأنَّها لو وجَبَتْ مِن جِنْسِ مالِهم، لوَجَبَتِ المَرِيضَةُ مِن المِرَاضِ، والصَّغِيرةُ مِن الصِّغار، كالزَّكاةِ.

فصل

: (ودِيَةُ المرأةِ نِصْفُ ديَةِ الرَّجُلِ) إذا كانتِ المرأةُ حُرَّةً مُسْلِمَةً، فدِيَتُها نِصْفُ دِيَةِ الحُر المُسلِمِ.
أجْمَعَ على ذلك أهلُ العلمِ.140

الجزء: 25 - الصفحة: 388

وَيُسَاوِى جِرَاحُهَا جِرَاحَهُ إِلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ، فَإِذَا زَادَتْ، صَارَتْ عَلَى النِّصْفِ.
ذكرَه ابن المُنْذِرِ (1)، وابنُ عبدِ البَرِّ (2). وحَكى غيرُهما عن ابنِ عُلَيَّةَ، والأصَمِّ، أنَّهما قالَا؛ دِيَتُها كدِيَةِ الرَّجُلِ؛ لقوْلِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «فِى النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائَة مِنَ الإِبِلِ».
وهذا قولٌ شاذٌّ يُخالِفُ إجْماعَ الصَّحابةِ وسُنَّةَ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنَّ في كتابِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «دِيَةُ المَرْأةِ على النِّصْفِ مِن ديَةِ الرَّجُلِ» (3). وهو أخَصُّ ممَّا ذكَرُوه، وهما في كتابٍ واحدٍ، فيكَونُ ما ذكَرنا مُفَسِّرًا لما ذكَرُوه، مُخَصِّصًا له.

4206 -

مسألة: (ويُساوِى جِراحُ المرأةِ جِراحَ الرَّجُلِ إلى ثُلُثِ الدِّيَةِ، فإذا زادَتْ، صارَت على النِّصْفِ)

رُوِى هذا عن عمرَ، وابْنِه، وزيدِ بنِ ثابتٍ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، وعُرْوَةُ بن الزُّبَيْرِ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادةُ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ.
قال ابنُ عبدِ141142143

الحديث: 4206 - الجزء: 25 - الصفحة: 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  البَرِّ 144: وهو قولُ فُقَهاءِ المَدِينَةِ السَّبْعةِ، وجُمْهورِ أهلِ المدِينةِ.
وحُكِىَ عن الشافعىِّ في القَديمِ.
وقال الحسنُ: يَسْتَوِيانِ إلى النِّصْفِ 145. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّها على النِّصْفِ فيما قَلَّ أو كَثرُ 146. ورُوِىَ ذلك عن ابنَ سِيرِينَ.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، وابنُ أبى لَيْلَى، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأبو حَنِيفةَ وأصْحابُه، [وأبو ثَوْرٍ] 147، والشافعىُّ في ظاهرِ مَذْهَبِه.
واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ 148؛ لأنَّهما شَخْصانِ تَخْتَلِفُ دِيَتُهما، فاخْتَلَفَ أَرْشُ أطْرافِهِما، كالمُسلمِ والكافرِ، ولأنَّها جِنايةٌ لها أَرْشٌ مُقَدَّرٌ 149، فكان من المرأةِ على النِّصْفِ مِن الرَّجُلِ، كاليَدِ.
ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: تُعاقِلُ المرأةُ الرَّجُلَ إلى نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ، فإذا زادَ على ذلك، فهى على النِّصْفِ؛ لأنَّها 150 تُساوِيه في

الجزء: 25 - الصفحة: 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُوضِحَةِ.
ورَوَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «عَقْلُ المَرأةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ، حَتَّى يَبْلُغ الثُّلُثَ مِن دِيَتِهَا».
أخْرَجه النَّسائِىُّ 151. وهو نَصٌّ يُقَدَّمُ على ما سِواه.
وقال رَبِيعَةُ: قلتُ لسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ: كم في إصْبَعِ المرأةِ؟ قال: عَشْرٌ.
قلتُ: ففى إصْبَعَيْنِ؟ قال: عِشْرُونَ.
قلتُ: ففى ثَلاثِ أصابعَ؟ قال: ثلاثُونَ.
قلتُ: ففى أرْبَعٍ؟ قال: عِشْرُون.
قال: قلتُ: لَمَّا عَظُمَتْ مُصِيبَتُها قلَّ عَقْلُها؟ قال: هكذا السُّنَّةُ يا ابْنَ أخِى 152. وهذا يَقْتَضِى سُنَّةَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
روَاه سعيدُ بنُ مَنْصورٍ.
ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، إذ لم يُنْقَلْ عنهم خِلافُ ذلك، إلَّا عن علىٍّ، ولا نَعْلَمُ ثبوتَ ذلك عنه، ولأنّ ما دُونَ الثُّلُثِ يَسْتَوِى فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى، بدليلِ الجَنِينِ، فإنَّه يَسْتَوِى فيه دِيَةُ 153 الذَّكَرِ والأُنْثَى.
فأمَّا الثُّلُثُ نَفْسُه، ففيه رِوايتان؛ إحداهما، يَسْتَوِيان فيه؛ لأنَّه لم يَعْبُرْ 154 حَدَّ القِلَّةِ، ولهذا

الجزء: 25 - الصفحة: 391

وَدِيَةُ الْخُنْثَى الْمُشْكِل نِصْفُ دِيَةِ ذَكَرٍ وَنِصْفُ دِيَةِ أُنْثَى، وَكَذَلِكَ  صَحَّتِ الوَصِيَّةُ به.
والثانيةُ، يخْتَلِفان فيه.
وهو الصَّحِيحُ؛ لقولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ».
و «حتى» للغايةِ.
فيَجبُ أن تكونَ مُخالِفَةً لِما قَبْلَها؛ لقوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (1). ولأَنَّ الثُّلُثَ في حَدِّ الكَثْرَةِ؛ لقولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «والثُّلُثُ كَثِيرٌ» (2). ولأَنَّ العاقلةَ تَحْمِلُه، فدَلَّ على أنَّه مُخالِفٌ لِما دُونَه.
فأمَّا دِيَةُ نِساءِ سائرِ أهلِ الأدْيانِ (3)، فقال أصْحابُنا: تُساوِى دِياتُهُنَّ دِياتِ رِجالِهم إلى الثُّلُثِ؛ لعُمُومِ قولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «عَقْلُ المَرْأةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ، حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِن دِيَتِها».
ولأَنَّ الواجِبَ دِيَةُ امرأةٍ، فساوَتْ دِيَةَ الرَّجُلِ من أهلِ دِينِها (4)، كالمسلمِين.
ويَحْتَمِلُ أن تُساوِىَ المرأةُ الرَّجُلَ إلى ثُلُثِ دِيَةِ الرجلِ المسلمِ؛ لأنَّه القَدْرُ الكثيرُ (5) الذى ثبَت له التَّنْصِيفُ في الأَصْلِ، وهو دِيَةُ المسلِمِين (6). [وهكذا أَرْشُ جِراحةِ المسلمين] (7).

4207 -

مسألة: (ودِيَةُ الخُنْثَى المُشْكِلِ نِصْفُ دِيَةِ ذَكَرٍ

155156157158159160161 الحديث: 4207 - الجزء: 25 - الصفحة: 392

أَرْشُ جِرَاحِهِ.

فَصْلٌ: وَدِيَةُ الْكِتَابِىِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ.
وَعَنْهُ، ثُلُثُ  ونِصْفُ دِيَةِ أُنْثَى) وذلك ثَلاثةُ أرْباعِ دِيَةِ (1) الذَّكَرِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ الذُّكورِيَّةَ والأُنُوثِيَّةَ.
وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْى.
وعندَ الشافعىِّ، الواجِبُ دِيَةُ أُنْثَى؛ لأنَّها اليَقِينُ، فلا يجبُ الزَّائِدُ بالشَّكِّ.
ولَنا، أنَّه يَحْتَمِلُ الذُّكُورِيَّةَ والأُنوثِيَّةَ احْتِمالًا واحدًا، وقد يَئِسْنا مِن انْكِشافِ حالِه، فيجبُ التَّوَسُّطُ بينَهما، والعملُ بكِلا الاحْتِماليْنِ.

فصل

: ويُقادُ به الذَّكَرُ والأُنْثَى؛ لأنَّهما لا يَخْتَلِفانِ في القَوَدِ، ويُقَادُ هو بكلِّ واحدٍ منهما، فأمَّا جِراحُه؛ فإن كانت دُونَ الثُّلُثِ، اسْتَوَى الذَّكرُ والأُنْثَى؛ لأَنَّ أدْنَى حالَيْه 163 أن يكونَ امرأةً، وهى تُساوِى الذَّكرَ على ما بيَّنَّا، وفيما زادَ ثَلاثةُ أرباعَ جُرحِ 164 ذَكَرٍ.
فصل: (ودِيَةُ الكِتابِىِّ نِصْفُ دِيَةِ المسْلِمِ) إذا كان حُرًّا (ونِساؤُهم162

الجزء: 25 - الصفحة: 393

دِيَتِهِ.
على النِّصْفِ من دِياتِهِم) هذا ظاهِر المذهبِ.
وهو قولُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وعُرْوَةَ، ومالكٍ، وعمرِو بنِ شُعَيْبٍ.
وعنه أنَّها ثُلُثُ.
دِيَةِ المسلمِ، إلَّا أنَّه رجَع عنها، فرَوَى عنه صالِحٌ، أنَّه قال: كنتُ أقولُ: دِيَةُ اليَهُودِىِّ والنصْرانِىِّ أرْبَعةُ آلافٍ، وأنا اليومَ أذْهَبُ إلى نِصْفِ دِيَةِ المُسْلِمِ، حديثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، وحديثِ عثمانَ الذى يَرْوِيه الزُّهْرِىُّ عن سالم عن أَبِيه 165. وهذا صَرِيح في الرُّجُوعِ عنه.
ورُوِىَ عن عمرَ، وعُثمانَ، أنَّ دِيَتَه أرْبَعةُ آلافِ دِرْهَم 166. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاء، وعِكْرِمَةُ، وعَمْرُو بنُ دِينارٍ، والشافعى، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ؛ لِما رَوَى عُبادَةُ بن الصَّامِت أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «دِيَةُ اليَهُودِىِّ والنَّصْرانِىِّ، أرْبَعَةُ آلافٍ أرْبَعَةُ آلافٍ» 167. ورُوِىَ أنَّ

الجزء: 25 - الصفحة: 394

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، جعَل دِيَةَ اليَهُودِى والنَّصْرانِىِّ أرْبَعَةَ آلافٍ، ودِيَةَ المَجُوسِىِّ ثمانمائةِ دِرْهَم.
وقال عَلْقَمَةُ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: دِيَتُه كدِيَةِ المُسلمِ.
ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعُثمانَ، وابنِ مسعودٍ، ومُعاوِيةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ 168: هو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِىِّ؛ لِما رَوَى عمرُو ابنُ شُعَيْب، عن أَبِيه، عن جَدِّه، أنَّه قال: دِيَةُ اليَهُودِىِّ والنَّصْرَانِىِّ مِثْلُ دِيَةِ المُسْلِمِ 169. ولأَنَّ اللَّه سبحانه ذكَر في كتابِه دِيَةَ المسلمِ، وِقال: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ 170. وقال في الذِّمِّىِّ مثلَ ذلك، ولم يُفَرِّقْ، فدَلَّ على أنَّ دِيَتَهُما واحدة، ولأنَّه حُرٌّ ذَكَرٌ مَعْصُومٌ، فتَكْمُلُ دِيَتُه كالمُسْلِمِ.
ولَنا، ما رَوَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أَبِيه، عن جَدِّه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «دِيَةُ المُعَاهَدِ نِصْف دِيَةِ المُسْلِمِ» 171. وفى لفظٍ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى أنَّ عَقْلَ أَهْلِ الكِتابِ نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمينَ.
روَه الإِمامُ

الجزء: 25 - الصفحة: 395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحمدُ 172. وفى لفظٍ: «دِيَةُ المُعَاهَدِ نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ» 173. قال الخَطَّابِىُّ 174: ليس في دِيَةِ أَهْلِ الكِتابِ شئٌ أبْيَنُ مِن هذا, ولا بَأْسَ بإسْنادِه، وقد قال به أحمدُ، وقولُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى.
فأمَّا حَدِيثُ عُبادَةَ، فلم يذْكُرْه أصْحابُ السُّنَنِ، والظاهرُ أنَّه ليس بصَحِيحٍ.
وحديثُ عمرَ، إنَّما كان ذلك حينَ كانتِ الدِّيَةُ ثمانيةَ آلافٍ، فأوْجَبَ فيه نِصْفَها أرْبعةَ آلافٍ، ودليلُ ذلك ما رَوَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أَبِيه، عن جَدِّه، قال: كانت قِيمَةُ الدِّيَةِ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثمانمائةِ دِينارٍ، أو 175 ثمانيةَ آلافِ دِرْهَمٍ، ودِيَةُ أَهْلِ الكتابِ يَوْمَئذٍ النِّصْفُ 176. فهذا بَيانٌ وشَرْحٌ يُزِيلُ الإِشْكالَ، وفيه جَمْعٌ للأحادِيثِ، فيكونُ دَلِيلًا لنا، ولو لم يَكُنْ كذلك، لَكانَ قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُقَدَّمًا على قولِ عمرَ وغيرِه بغيرِ إشْكالٍ، فقدكان عمرُ، رَضِىَ اللَّه عنه، إذا بَلَغَه عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سُنَّةٌ، ترَك قولَه وعَمِلَ بها، فكيف يَسُوغُ لأحَدٍ أن يَحْتَجَّ بقَوْلِه في تَرْكِ قوْلِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-! وأمَّا ما احْتَجَّ به الآخَرُونَ، فإنَّ الصَّحِيحَ من حديثِ عمرِو

الجزء: 25 - الصفحة: 396

وَكَذَلِكَ جِرَاحُهُمْ، وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ،  ابنِ شُعَيْبٍ ما رَوَيْناه، أخْرَجَه الأئِمَّةُ في كُتُبِهم دُونَ ما رَوَوْه، وأمَّا [ما رَوَوْه مِن] (1) قوْلِ الصَّحابةِ، فقد رُوِىَ عنهم خِلافُه، فيُحْمَلُ قولُهم في إيجابِ الدِّيَةِ كاملةً على سَبِيلِ التَّغْلِيظِ.
قال أحمدُ: إنَّما غَلَّظَ عُثمان الدِّيَةَ عليه؛ لأنَّه كان عَمْدًا، فلمَّا ترَك القَوَدَ غَلَّظَ عليه.
وكذلك حديثُ مُعاوِيةَ (2)، ومثلُ هذا ما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، حينَ انْتَحَر رَقِيقُ حاطبٍ ناقَةً لرَجُلٍ مُزَنِىٍّ، فقال عمرُ لحاطِبٍ: إنِّى (3) أراكَ تُجِيعُهم، لأُغْرِمَنَّكَ غُرْمًا يَشُقُّ عليك.
فأَغْرَمَه مِثْلَىْ قِيمَتِها (4).

4208 -

مسألة: (وجِراحاتُهم)

(5) مِن (6) دِيَاتِهم كجِراحاتِ المُسْلِمِينَ مِن دِيَاتِهم، قِياسًا عليهم.
قال الأَثْرَمُ: قيل لأبى عبدِ اللَّهِ: جَنَى على مَجُوسِىٍّ في عَيْنه وفى يَدِه؟ قال: يكون بحِسابِ دِيته، كما أنَّ المسلمَ يُؤْخَذُ بالحِسابِ، فكذلك هذا.
قيل.
قطَع يَدَه؟ قال بالنِّصْفِ من دِيَتِه.
4209 -

مسألة: (ونِساؤُهم على النِّصْفِ مِن دِيَاتِهم)

لا نعلمُ177178179180181182

الحديث: 4208 - الجزء: 25 - الصفحة: 397

وَدِيَةُ المَجُوسِىِّ وَالْوَثَنِىِّ ثَمَانُمِائةِ دِرْهَمٍ.
في هذا خِلافًا.
قال ابن المُنْذِرِ (1): أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ دِيَةَ المرأةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ.
ولأنَّه لَمَّا كان دِيَةُ نِساءِ المسْلِمِينَ على النِّصْفِ من دِياتِهم، كذلك نِساءُ أَهْلِ الكِتابِ، قِياسًا عليهم.

4210 -

مسألة: (ودِيَةُ المَجُوسِىِّ والوَثَنِىِّ ثَمانمائةِ دِرْهَمٍ)

ذهبَ أكْثَرُ أهلِ العلمِ إلى هذا في دِيَةِ المَجُوسِىِّ.
قال أحمدُ: ما أقَلَّ مَن اخْتَلَفَ في دِيَةِ المَجُوسِىِّ.
وممَّن قال ذلك عمرُ، وعُثمانُ، وابنُ مسعودٍ، وسعيدُ بن المُسَيَّبِ، وسُليمانُ بنُ يَسارٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والحسنُ، ومالكٌ، والشافعىٌ، وإسحاقُ.
ويُرْوَى عن عمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ أنَّه قال: دِيَتُه نِصْفُ دِيَةِ المسلمِ، كدِيَةِ الكِتابِىِّ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «سُنُّوا بِهم سُنَّةَ أَهْلِ الكِتابِ» 184. وقال النَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ،183

الحديث: 4210 - الجزء: 25 - الصفحة: 398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأصْحابُ الرَّأْى: دِيَتُه كدِيَةِ المسلمِ؛ لأنَّه آدَمِىٌّ حُر مَعْصُوم، فأشْبَهَ المسلمَ (1). ولَنا، قولُ مَن سَميْنَا مِن الصحابةِ، ولم نَعْرِف لهم في عَصْرِهم مُخالِفًا، فكان إجْماعًا.
وقَوْلُه عليه السلامُ: «سُنُّوا بِهم سُنَّةَ أهلِ الكِتابِ».
يعْنى في أخْذِ جِزْيَتهم، وحَقْنِ دِمائهم، بدليلِ أنَّ ذَبائحَهم ونِساءَهم لا تَحِلُّ لنا, ولا يجوزُ اعْتِبارُه بالمسلمِ ولا بالكِتابِىِّ؛ لنُقْصانِ دِينهِ (2) وأحكامِه عنهما، فيَنْبَغِى أن تَنْقُصَ دِيَتُه، كنَقْصِ المرأةِ عن دِيَةِ الرجلِ.
وسَواء كان المجُوسِىُّ ذِميًّا أو مُسْتَأمِنًا؛ لأنَّه مَحْقُونُ الدَّمِ.
ونِساؤُهم على النِّصْفِ من دِيَاتِهم.
وجِراحُ كلِّ واحدٍ مُعْتَبَرَة من دِيته كالمسْلِمِ.

4211 -

مسألة: فأمَّا عَبَدَةُ الأوْثانِ، وسائِرُ مَن ليس له كِتابٌ، كَالتُّرْكِ، ومَن عبَد ما اسْتَحْسن، فلا ذِمَّةَ

187 لهم، وإنَّما تُحْقَنُ دِمَاؤُهم بِالأمانِ، فإذا قُتِلَ مَن له أمَانٌ منهم، فدِيَتُه دِيَةُ مَجُوسِىٍّ؛ لأنَّها أقَلُّ الدِّيَاتِ، فلا يَنْقُصُ عنها, ولأنَّه كافرٌ ذو عَهْدٍ لا تَحِلُّ مُناكَحَتُه، فأَشْبَهَ185186

الحديث: 4211 - الجزء: 25 - الصفحة: 399

وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، فَلا ضمَانَ فِيهِ.
وَعِنْدَ أبى الْخَطَّابِ، إِنْ كَانَ ذَا دِينٍ، فَفِيهِ دِيَةُ أَهْلَ دِينهِ، وَإِلَّا فَلا شَىْءَ فِيهِ.
المجُوسِىِّ.

4212 -

مسألة: (ومَن لم تَبْلُغْه الدَّعْوَةُ، فلا ضَمانَ فيه)

مَن لم تَبْلُغْه الدَّعوةُ مِن الكُفَّارِ، إن وُجِدَ، لم يَجُزْ قَتْلُه حتَّى يُدْعَى، فإن قُتِلَ 188 قبلَ الدَّعْوةِ مِن غيرِ أن يُعْطَى أمانًا، فلا ضَمانَ فيه؛ لأنَّه لا عَهْدَ له ولا أيْمانَ، فأشْبَهَ امرأةَ الحَرْبِىِّ وابنَه الصَّغِيرَ، وإنَّما حَرُمَ قتْلُه لتَبْلُغَه الدَّعْوةُ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ وقال أبو الخَطَّابِ: إن كان ذَا دِينٍ، فدِيَتُه دِيَةُ أَهْلِ دِينِه.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه مَحْقونُ الدَّمِ، أشْبَهَ مَن له أمانٌ.
والأوَّل أولَى؛ فإنَّ هذا ينْتَقِضُ بصِبْيانِ أهلِ الحَرْبِ ومَجانِينهم، ولأنَّه كافرٌ لا عهدَ له، فلم يُضْمَنْ، كالصِّبْيانِ.
فأمَّا إن كان له عَهْدٌ، ففيه دِيَةُ أهلِ دِينه، فإن لم يُعْرَفْ دِينُه، ففيه دِيَةُ المجُوسِىِّ؛ لأنَّه اليَقِينُ، والزِّيادةُ مَشْكُوكٌ فيها.

الحديث: 4212 - الجزء: 25 - الصفحة: 400

فَصْلٌ: وَدِيَةُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ قِيمَتُهُمَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
وَعَنْهُ، لا يُبْلَغُ بِهَا دِيَةُ الْحُرِّ،

فصل

: (ودِيَةُ العَبْدِ والأمَة قِيمَتُهما بالِغَةً ما بَلَغَتْ.
وعنه، لا يُبْلَغُ بها دِيَةُ الحُرِّ) أجْمَعَ أهْلُ العلمِ على أنَّ في 189 العَبْدِ الذى لا تَبْلُغُ قِيمَتُه دِيَةَ الحُرِّ، قِيمَتَه.
فإن بَلَغَتْ قِيمَتُه دِيَةَ الحُرِّ أو 190 زادَتْ عليها، فذهبَ أحمدُ، رَحِمَهُ اللَّه، في المشْهُورِ عنه، إلى أنَّ فيه قِيمَتَه بالِغَةً ما بَلَغَتْ، عَمْدًا كان القَتْلُ أو خَطَأً، سواء ضمنَ باليَدِ أو بالجِنايةِ.
وهذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، وعمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، وإيَاسِ ابنِ مُعاوِيةَ، والزُّهْرِىِّ، ومَكْحُولٍ، ومالكٍ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأبى يوسفَ.
وقال النَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدٌ: لا يُبْلَغُ به دِيَةُ الحُرِّ.
وحَكَاها أبو الخَطَّابِ رِوايةً عن أحمدَ.
وقال أبو حنيفةَ: يَنْقُصُ عن دِيَةِ الحُرِّ دِينارًا، أو عَشَرَةَ دَراهِمَ،

الجزء: 25 - الصفحة: 401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القَدْرَ الذى يُقْطَعُ به السَّارِقُ، هذا إذا ضمِنَ بالجِنايةِ، وإن ضمِنَ باليَدِ، مثلَ أن يغْصِبَ عبْدًا فيَمُوتَ في يَدِه، فإنَّ قِيمَتَه تَجبُ وإن زادتْ على دِيَةِ الحُرِّ.
واحْتَجوا بأنه ضَمان آدَمِىٍّ، فلم يَزِدْ على دِيَةِ الحُرِّ، كضَمانِ الحرِّ، وذلك لأَنَّ اللَّه تعالى لَمَّا أوْجَبَ في الحُرِّ دِيَة لا تَزِيدُ، وهو أشْرَفُ لخُلُوِّه من 191 نَقْصِ الرِّقِّ، كان تَنْبِيهًا على أنَّ العَبْدَ المنْقُوصَ لا يُزادُ عليها، فتُجْعَلُ مالِيَّةُ العَبْدِ مِعْيارًا للقَدْرِ الواجِبِ فيه، ما لم يَزِدْ على الدِّيَةِ، فإن زادَ، عَلِمْنا خَطَأَ ذلك، فنَرُدُّه إلى دِيَةِ الحُرِّ، كأَرْشِ ما دُونَ المُوضِحَةِ، يجبُ فيه ما تُخْرِجُه الحُكُومةُ، ما لم يَزِدْ على أَرْشِ المُوضِحَةِ، فنَرُدُّه إليها.
ولَنا، أنَّه مالٌ مُتَقَوَّمٌ، فيُضْمَنُ بكَمالِ قِيمَتِه بالغةً ما بَلَغَتْ، كالفَرَسِ، أو مَضْمُونٌ بقِيمَتِه، فكانتْ جميعَ القِيمَةِ 192. كما لو ضمِنَه باليَدِ، ويُخالِفُ الحُرَّ، فإنَّه ليس مَضْمُونًا بالقِيمَةِ، [وإنَّما ضُمِنَ بما قَدَّرَه الشَّرْعُ، فلم يتَجاوَزْه، ولأَنَّ ضَمانَ الحُرِّ ليس بضَمانِ مالٍ، ولذلك لم يختلِفْ باخْتِلافِ صِفَاتِه] 193، وهذا ضَمانُ مالٍ، يَزِيدُ بزِيادةِ المالِيَّةِ، ويَنْقُصُ بنُقْصانِها، فاخْتَلَفا.

الجزء: 25 - الصفحة: 402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا فَرْقَ في هذا الحكمِ بينَ القِنِّ مِن العَبِيدِ والمُدَبَّرِ والمُكاتَبِ وأُمِّ الوَلَدِ.
قال الخَطَّابِىُّ 194: أجْمَعَ عَوامُّ الفُقَهاء، على أنَّ المُكاتَبَ عَبْد ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ في جِنايَتِه، والجنايَةِ عليه، إلّا إبْراهيمَ النَّخَعِىَّ، فإنَّه قال في المُكاتَبِ: يُودَى بقَدْرِ ما أدَّى مِن كِتابَتِه دِيَةَ الحُرِّ، وما بَقِىَ دِيَةَ العَبْدِ.
ورُوِىَ في ذلك شئٌ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه 195. وقد رَوَى أبو داودَ، في «سُنَنِه»، والإمامُ أحمدُ في «مُسْنَدِه» 196: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، ثنا هشامُ بنُ أبى عبدِ اللَّهِ، قال: حدَّثَنِى يَحْيَى بنُ أبى كثيرِ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: قَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في المُكاتَبِ يُقْتَلُ، أنَّه يُودَى ما أدَّى مِن كِتابَتِه دِيَةَ الحُرِّ، وما بَقِىَ دِيَةَ العَبْدِ.
قال الخَطَّابِىُّ (1): إذا صَحَّ الحديثُ، وجَب القولُ به، إذا لم يَكُنْ مَنْسُوخًا أو مُعارَضًا بما هو أوْلَى منه.

الجزء: 25 - الصفحة: 403

وَفِي جِرَاحِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّرًا مِنَ الْحُرِّ، مَا نَقَصَهُ، وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا في الْحُرِّ، فَهُوَ مُقَدَّرٌ في الْعَبْدِ مِنْ قِيمَتِهِ، فَفِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ، وَفِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ، نَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يُضْمَنُ بِمَا نَقَصَ.
اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ.

4213 - مسألة: (وفى جِراحِهِ إن لم يَكُنْ مُقَدَّرًا في الحُرِّ، ما نَقَصَه)

بعدَ الْتِئامِ الجُرْحِ، كسائرِ الأمْوَالِ (وإن كانَ مُقَدَّرًا في الحُرِّ، فهو مُقَدَّرٌ في العبدِ مِن قِيمَتِه، ففى يدِه نِصْفُ قِيمَتِهِ، وفى مُوضِحَتِه نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ، نَقَصَتْهُ الجِنايَةُ أقَلَّ مِن ذلك أو أكْثَرَ.
وعنه، أنَّه يُضْمَنُ بما نقَص.
اخْتارَه الخَلَّالُ) وجملةُ ذلك، أنَّ الجِنايةَ على العَبْدِ يجبُ ضَمانُها بما نقصَ مِن قِيمَتِه؛ لأَنَّ الواجِبَ إنَّما وجَب جَبْرًا لِما فاتَ بالجِنايةِ، ولا تُجْبَرُ إلَّا بإيجابِ ما نقَص مِن القِيمَةِ، فيَجِبُ ذلك، كما لو كانتِ الجنايةُ على غيرِه مِن الحَيواناتِ وسائرِ المالِ، ولا يجبُ زيادة على ذلك؛ لأَنَّ حَقَّ المَجْنِىِّ عليه قد انْجَبَرَ، فلا تجبُ له زيادةٌ على ما فَوَّتَه الجانِى عليه، هذا

الحديث: 4213 - الجزء: 25 - الصفحة: 404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هو الأَصْلُ، ولا نعلمُ فيه خِلافًا فيما ليس فيه مُقَدَّرٌ شَرْعِىٌّ.
فإن كان الفائتُ بالجِنايةِ مُوَقَّتًا في الحُرِّ، كيَدِه ومُوضِحَتِه، ففيه عن أحمدَ رِوَايتانِ؛ إحداهما، أنَّ فيه أَيضًا [ما نَقَصَه، بالغًا ما بَلَغَ.
وذكرَ أبو الخَطَّابِ أنَّه اخْتِيار الخَلَّالِ.
ورَوَى المَيْمُونِىُّ عن أحمدَ أنَّه قال: إنَّما يَأْخُذُ قِيمَةَ] 197 ما نقَص منه على قولِ ابنِ عَبَّاسٍ.
ورُوِىَ هذا عنِ مالكٍ، فيما عَدا مُوضِحَتَه، ومُنَقِّلَتَه وهَاشِمَتَه، وجائفَتَه؛ لأَنَّ ضَمانه ضَمان الأمْوالِ، فيجبُ فيه ما نقَص، كالْبهائمِ، ولأَنَّ ما ضُمِنَ بالقِيمَةِ بالغًا ما بَلَغَ، ضُمِنَ بَعْضُه 198 بما نقَص، كسائرِ الأمْوالِ، ولأَنَّ مُقْتَضى الدَّليلِ ضَمان الفائتِ بما نَقَصَ، خالَفْناه فيما وُقِّتَ في الحُرِّ، كما خالَفْناه في ضَمانِ نَفْسِه بالدِّيَةِ المُوَقَّتَةِ، ففى العبدِ 199 يَبْقَى فيهما على مُقْتَضَى الدَّليلِ.
والرِّوايةُ الأُخْرَى، أنَّ ما كان مُوَقَّتًا في الحُرِّ، فهو مُوَقَّت في العَبْدِ مِن قِيمَتِه؛

الجزء: 25 - الصفحة: 405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ففِى يَدِه، أو عَيْنِه، [أو أُذُنِه] 200، أو شَفَتِه، نِصْفُ قِيمَتِه، وفى مُوضِحَتِه نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِه، وما أوْجَبَ الدِّيَةَ في الحُرِّ، كالأَنْفِ، واللِّسانِ، واليَدَيْنِ، والرِّجْلَيْنِ، والعَيْنَيْنِ، والأُذُنَيْنِ، أوْجَبَ قِيمَةَ العَبْدِ، مع بَقاءِ مِلْكِ السَّيِّدِ عليه.
ورُوِىَ هذا عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
ورُوِىَ نحوُه عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ.
وبه قالَ ابنُ سِيرِينَ، وعمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، والشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ.
[وبه قال أبو حنيفةَ.
و] (1) قال أحمدُ: هذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وقال آخَرُون: ما أُصِيبَ به العبدُ فهو على ما نَقَصَ مِن قِيمَتِه.
والظَّاهرُ أنَّ هذا لو كان قولَ علىٍّ لَما احْتَجَّ أحمدُ فيه 201 إلَّا به دُونَ غيرِه.
إلَّا أنَّ أَبا حنيفةَ والثَّوْرِىّ قالا: ما أوْجَبَ الدِّيَةَ مِن الحُرِّ، يَتَخَيَّرُ سَيِّد العَبْدِ فيه بينَ أن يُغْرِمَه قِيمَتَه ويَصِيرَ مِلْكًا للجانِى، وبينَ أن لا يُضَمِّنَه شيئًا؛ لئلَّا يُؤَدِّىَ إلى اجْتِماعِ البَدَلِ والمُبْدَلِ لرَجُل واحد.
وروِيَ عن إياسِ بنِ مُعاوِيَةَ، في مَن قطَع يَدَ عَبْدٍ عَمْدًا، أو قلَع عَيْنَه: هو له، وعليه ثَمَنُه 202. ووَجْهُ هذه الرِّوايةِ، قولُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه،

الجزء: 25 - الصفحة: 406

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولم نَعْرِفْ له مِن الصَّحابةِ مُخالِفُ, ولأنَّه آدَمِىٌّ يُضْمَنُ بالقِصاصِ والكَفَّارَةِ، فكان في أطْرَافِه مُقَدَّرٌ، كالحُرِّ، ولأَنَّ أطْرَافَه فيها مُقَدَّرٌ مِن الحُرِّ، فكان فيها مُقَدَّرٌ مِن العَبْدِ، كالشِّجاجِ الأرْبعِ عندَ مالكٍ، وما وجبَ في شِجاجِه مُقَدَّرٌ، وجَبَ في أطْرَافِه كالحُرِّ.
وعلى أبى حنيفةَ، قولُ علىٍّ، وأنَّ هذه الأعْضاءَ فيها مُقَدَّرٌ، فوجبَ ذلك فيها 203 مع بَقاءِ مِلْكِ السَّيِّدِ في العَبْدِ، كاليَدِ الواحدةِ وسائرِ الأعْضاءِ.
وقوْلُهم: إنَّه اجْتَمَعَ البَدَلُ والمُبْدَلُ لواحدٍ.
لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ القِيمَةَ ههُنا بَدَلُ العُضْوِ وحدَه 204. والرِّوايةُ الأُولَى أقْيَسُ وأوْلَى، إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
ولم يَثْبُتْ ما رُوِىَ عن علىٍّ، وإن ثَبَتَ فقد رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاس خِلافُه، فلا يَبْقَى حُجَّةً، والقياسُ على الحُرِّ لا يَصِحُّ؛ لأنَّهم لم يُسَوُّوا بينَه وبينَ الحُرِّ فيما ليس فيه 205 مُقَدَّرٌ شَرْعِىٌّ 206، فإنَّهم أوْجَبُوا فيه ما نَقَصَه، وإن كان في عُضْوٍ فيه وَمقدَّرٌ، كالجِنايةِ على الإِصْبَعِ مِن غيرِ قَطْعٍ، إذا نَقَصَتْ قِيمته، العُشْر أو أكثر، بخِلافِ الحُرِّ، وقد ذكَرْنا دليلَ ذلك في صَدْرِ المسْألةِ.
فصل: والأمَةُ مِثْلُ العَبْدِ فيما ذكَرْنا، وفيها مِن الخِلافِ ما فيه، إلَّا أنَّها تُشَبَّهُ بالحُرَّةِ، ولا تَفْرِيعَ على الرِّوايةِ الأُولَى، فأمَّا على الثَّانيةِ، فإن

الجزء: 25 - الصفحة: 407

مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ، فَفِيهِ نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ وَنِصْفُ قِيمَتِهِ، وَهَكَذَا فِى جِرَاحِهِ.
بَلَغَتْ ثُلُثَ (1) قِيمَتِها، احْتَمَلَ أن تُرَدَّ إلى النِّصْفِ، فيكونَ في ثلاثةِ أصابعَ ثلاثةُ أعْشارِ قِيمَتِها، وفى أرْبعةِ أصابعَ خُمْسُها، كما أنَّ المرأةَ تُساوِى الرَّجُلَ في الجِراحِ إلى ثُلُثِ دِيتها، فإذا بَلَغَتِ الثُّلُثَ، رُدَّتْ إلى النِّصْفِ، والأمَة امرأةٌ، فيكونُ أرْشُها مِن قِيمَتِها، كأَرْشِ الحُرَّةِ، ويَحْتَمِلُ أن لا تُرَدَّ إلى النِّصْفِ؛ لأَنَّ ذلك في الحُرَّةِ على خِلافِ الأَصْلِ، لكونِ الأَصْلِ زِيادةَ الأَرْشِ بزِيادة الجِنايةِ، وأنَّ كلَّ ما زادَ نَقْضَها وضَرَرَها، زادَ في ضَمانِها، فإذا خُولِفُ في الحُرَّةِ، بَقِينا في الأمَةِ على وَفْقِ الأَصْلِ.

4214 -

مسألة: (ومَن نِصْفُهُ حُرٌّ، فَفِيه نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ ونِصْفُ قِيمَتِه، وكذلك في جِراحِهِ)

وجملةُ ذلك، أنَّ مَن نِصْفُه حُرٌّ، إذا جَنَى عليه الحُرُّ فلا قَوَدَ عليه؛ لأنَّه ناقصٌ بالرِّقِّ، فأشْبَهَ ما لو كان كلّه رَقِيقًا.
وإن كان قاتِلُه عَبْدًا، أُقِيدَ منه؛ لأنَّه أكْمَلُ مِن الجانِى.
وإن كان نِصْفُ القاتلِ حُرًّا، وجَبَ القَوَدُ، لتَساوِيهما، وإن كانتِ الحُرِّيَّةُ في القاتلِ أكثرَ، لم يَجِبِ القَوَدُ؛ لعَدَمِ المُساواةِ بينَهما.
وفى ذلك كلِّه إذا لم يَكُن القاتِلُ عَبْدًا فعليه نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ، ونِصْفُ قِيمَتِه إذا كان عَمْدًا، وإن كان207

الحديث: 4214 - الجزء: 25 - الصفحة: 408

وَإِذَا قَطَعَ خُصْيَتَىْ عَبْدٍ، أَوْ أَنْفَهُ، أَوْ أذُنَيْهِ، لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ لِلسَّيِّدِ، وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَإِنْ قَطَع ذَكَرَهُ، ثُمَّ خَصَاهُ، لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ لِقَطْعِ الذَّكَرِ، وَقِيمَتُهُ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ، وَمِلْكُ سَيِّدِهِ بَاقٍ عَلَيْهِ.
خَطَأً ففى مالِه نِصْفُ قِيمَتِه؛ لأَنَّ العاقلةَ لا تَحْمِلُ العَبْدَ 208، والنِّصْفُ على العاقلَةِ؛ لأنَّها دِيَةُ حُرٍّ في الخَطَأ.
وهكذا الحكمُ في جِراحِه، إذا كان قَدْر الدِّيَةِ مِن أَرْشِها يَبْلُغُ ثُلُثَ الدِّيَةِ، مثلَ أن يقْطَعَ أنْفَه أو يَدَيْه.
وإن قطَع إحْدَى يدَيْه، فالجميعُ على الجانِى؛ لأَنَّ نِصْف دِيَةِ اليَدِ رُبْعُ دِيَتِه، فلا تَحْمِلُها العاقلةُ، لنَقْصِها عن الثُّلُثِ.

4215 -

مسألة: (وإذا قطَع خُصْيَتَىْ عبدٍ، أو أنْفَه، أو أُذُنَيْه، لزِمَتْه قيمتُه لِلسَّيِّدِ، ولم يَزُلْ مِلكُ السَّيِّدِ عنه، وإن قطَع ذَكَره، ثم خَصاه، لَزِمَتْه قِيمَتُه لقَطْعِ الذَّكَرِ، وقِيمَتُه مَقْطُوعَ الذَّكَرِ، ومِلْكُ سَيِّدِه بَاقٍ عليه)

وفى ذلك اخْتِلافٌ ذكَرْناه، وعلى الرِّوايةِ الأخرَى،

الحديث: 4215 - الجزء: 25 - الصفحة: 409

فَصْلٌ: وَدِيَةُ الجَنِينِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ إِذَا سَقَطَ مَيِّتًا غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، قِيمَتُهَا خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ، كَأَنَّهُ سَقَطَ حَيًّا، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
يَلْزَمُه ما نقَص مِن (1) قِيمَتِه، ودَلِيلُهما ما سَبَقَ.

فصل

: (ودِيَةُ الجَنِينِ الحُرِّ المُسْلِم إذا سِقَط مَيِّتًا غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أو أَمَةٌ، قِيمَتُها خَمْسٌ مِن الإِبلِ، مَوْروثَةٌ عنه، كأنَّه سقَط حَيًّا، ذَكرًا كان أو أُنْثَى) وهو نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ.
يقال: غُرَّةٌ عَبْدٌ.
بالصِّفَةِ.
وغُرَّةُ عَبْدٍ بالإِضافةِ.
والصِّفَةُ أحْسَنُ؛ لأَنَّ الغُرَّةَ اسْمٌ للعَبْدِ نفْسِه، قال مُهَلْهِلٌ 210: كُلُّ قَتِيلٍ في كُلَيْبٍ غُرَّهْ حَتَّى يَنَالَ القَتْلُ آلَ مُرَّهْ209

الجزء: 25 - الصفحة: 410

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وجملةُ ذلك، أنَّ في جَنِينِ الحُرَّةِ المُسلمةِ غُرَّةً.
هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عمرُ بن الخطابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وعَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وقد رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه اسْتَشارَ النَّاسَ في إمْلاصِ المرأةِ 211، فقال المُغيرَةُ بنُ شُعْبَةَ: شَهِدْتُ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى فيه بغُرَّةٍ عَبدٍ أو أمَةٍ.
قال: لتَأْتِيَنَّ بمَن يَشْهَدُ معك.
فشَهِدَ له محمدُ ابنُ مَسْلَمَةَ 212. وعن أبى هُرَيْرَةَ، رضى اللَّه عنه، قال: اقْتَتَلَتِ امرأتانِ مِن هُذَيْلٍ، فرَمَتْ إحْداهُما الأُخْرَى بحَجَرٍ، فقَتَلَتْها وما في بَطْنِها، فاخْتَصَمُوا إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّ دِيَةَ جَنِينِها عَبْدٌ أو أمَةٌ، وقَضَى بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها، ووَرَّثَها 213 ولَدَها ومَن مَعَهُم.
مُتَّفَقٌ عليه 214. والغُرَّةُ عَبْدٌ أو أمَةٌ، سُمِّيَا بذلك لأنَّهُما مِن أنْفَسِ

الجزء: 25 - الصفحة: 411

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأَمْوالِ، والأَصْلُ في الغُرَّةِ الخِيارُ.
فإن قيل: فقد رُوِىَ في هذا الخبرِ: أو فَرَسٍ أو بَغْلٍ 215. قُلْنا: هذا لم يَثْبُتْ، روَاه عيسى بنُ يُونُسَ، ووَهِمَ فيه.
قالَه أهْلُ النَّقْلِ.
والحديثُ الصَّحِيحُ إنَّما 216 فيه: عَبْدٍ أو أمَةٍ.
فصل: وإنَّما تَجِبُ الغُرَّةُ إذا سقَط مِن الضَّرْبَةِ, ويُعْلَمُ ذلك بأن يَسْقُطَ عَقِيبَ الضَّرْبِ، أو تَبْقَى منها المَرْأةُ 217 مُتَألِّمَةً إلى أن يَسْقُطَ.
ولو قتَل حامِلًا، ولم يَسْقُطْ جَنِينُها، أو ضرَب مَن في جَوْفِها حركةٌ أبى انْتِفاخٌ، فسكَّنَ الحَرَكَةَ وأذْهَبَها, لم يَضْمَنِ الجَنِينَ.
وبهذا قال مالكٌ، وقَتادةُ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وابن المُنْذِرِ.
وحُكِىَ عن الزُّهْرِىِّ أنَّ عليه غرَّةً؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه قتَل الجَنِينَ، فوَجَبَتِ الغُرَّةُ، كما لو أسْقَطَتْ.
ولَنا، أنَّه لا يَثْبُتُ حكم الوَلَدِ إلَّا بخُروجِه، ولذلك لا يَصِحُّ له وَصِيَّةٌ ولا مِيرَاثٌ، ولأَنَّ الحَرَكَةَ يجوزُ أن تكونَ لرِيحٍ في البَطْنِ سكَنَتْ، فلا يَجِبُ الضَّمانُ

الجزء: 25 - الصفحة: 412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالشَّكِّ.
وأمَّا إذا ألْقَتْه مَيِّتًا، فقد تَحَقَّقَ، والظَّاهِرُ تَلَفُه مِن الضَّرْبَةِ، فيَجِبُ ضَمانُه، سَواءٌ ألْقَتْه في حَياتِها أو بعدَ مَوْتِها.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: إن ألْقَتْه بعدَ مَوْتِها لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه يَجْرِى مَجْرَى أعْضائِها، وبمَوْتِها سقَط حُكْمُ أعْضائها.
ولَنا، أنَّه جَنِينٌ تَلِفَ بجنايَتِه، وعُلِمَ ذلك بخروجِه، كما لو سقَط في حَياتِها, ولأنَّه لو سقَط حَيًّا ضَمِنَه، فكذلك إذا سقَط مَيِّتًا، كما لو أسْقَطَتْه في حَياتِها، وما ذكَرُوه غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّه لو كان كذلك، لَكان إذا سقَط مَيِّتًا ثم ماتَتْ، لم يَضْمَنْه كأعْضَائها, ولأنَّه آدَمِىٌّ مَوْرُوثٌ، فلا يدخلُ في ضَمانِ أُمِّه، كما لو خرَج حَيًّا.
فإن ظهَر بعْضُه مِن بَطْنِ أُمِّه، ولم يَخْرُجْ باقِيه، ففِيه الغُرَّةُ.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ، وابن المُنْذِرِ: لا تَجِبُ الغُرَّةُ 218 حتَّى تُلْقِيَه؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما أوْجَبَ الغُرةَ في الجَنِينِ الذى ألْقَتْه المرأةُ، وهذه لم تُلْقِ شيئًا، فأَشْبَهَ ما لو لم يَظْهَرْ منه شئٌ.
ولَنا، أنَّه قاتلٌ لجَنِينِها، فلَزِمَتْه الغُرَّةُ، كما لو ظهَر جَمِيعُه، ويُفارِقُ ما لو لم يَظْهَرْ منه شئٌ، فإنَّه لم 219 يُتَيَقَّنْ قَتْلُه ولا وُجودُه.
وكذلك إن ألْقَت يَدًا، أو رِجْلًا، أو رَأْسًا، أو جُزْءًا مِن أجْزاءِ الآدَمِىِّ تَجِبُ الغُرَّةُ؛ لأنَّا تَيَقَّنَّا أنَّه مِن جَنِينٍ.
وإن ألْقَتْ رَأْسَيْنِ، أو أَرْبعَ أَيْدٍ، لم يَجِبْ أَكْثَرُ مِن غُرَّةٍ؛ لأَنَّ ذلك يجوزُ أن يكونَ مِن جَنِينٍ واحدٍ، ويجوزُ أن يكونَ مِن جَنِينَيْنِ، فلم تَجِبِ الزِّيادَةُ مع

الجزء: 25 - الصفحة: 413

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشَّكِّ؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، ولذلك لم يَجِبْ ضَمانُه إذا لم يَظْهَرْ، فإن أسْقَطَتْ ما ليس فيه صُورَةُ آدَمِىٍّ، فلا شئَ فيه؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ أنَّه جَنِينٌ.
وإن ألْقَتْ مُضْغَة، فَشَهِدَ ثِقات مِن القَوابِلِ أنَّ فيه صُورَةً خفِيَّةً، ففيه غُرَّةٌ، وإن شَهِدْنَ أنَّه مُبْتَدأُ خَلْقِ آدَمِىٍّ لو بَقِىَ تَصَوَّرَ، ففِيه وَجْهان؛ أصَحُّهما، لا شئَ فيه؛ لأنَّه لم يَتَصَوَّرْ، فلم يَجِبْ فيه شئٌ، كالعَلَقَةِ، ولأَنَّ الأَصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، فلا نَشْغَلُها بالشَّكِّ.
والثانى، فيه غُرَّة؛ لأنَّه مُبْتَدأُ خَلْقِ آدَمِىٍّ، أَشْبَهَ ما لو تَصَوَّرَ.
وهذا يَبْطُلُ بالنُّطْفَةِ 220 والعَلَقَةِ.
فصل: والغُرَّةُ عَبْدٌ أو أمَةٌ.
وهو قوِلُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وقال عُرْوَةُ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ: عَبْدٌ أو أمَةٌ أو فَرَسٌ؛ لأَنَّ الغُرَّةَ اسْمٌ لذلك، وقد جاءَ في حديثِ أبى هُرَيْرَةَ، قال: قَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الجَنِينِ بغُرَّةٍ عَبْدٍ 221 أو أمَةٍ أو فَرَسٍ أو بَغْلٍ 222. وجعَل ابنُ سِيرِينَ مكانَ الفَرَسِ مِائةَ شاةٍ، ونحوه قال الشَّعْبِىُّ؛ لأنَّه رُوِىَ في حديثِ النَّبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه جعَل في ولَدِها مائةَ شاةٍ.
روَاه أبو داودَ 223. ورُوِىَ عن عبدِ الملكِ بن مَرْوانَ، أنَّه قَضَى في الجَنِينِ إذا أُمْلِصَ بعِشْرِينَ دِينارًا، فإذا كان مُضْغَةً فأرْبَعِينَ، فإذا كان عَظْمًا فسِتِّينَ، فإذا كان العَظْمُ قد كُسِىَ لَحْمًا فثَمانِينَ، فإن

الجزء: 25 - الصفحة: 414

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَمَّ خَلْقُه وكُسِىَ شَعَرُهُ فمِائة دِينارٍ 224. وقال قَتادةُ: إذا كان عَلَقَةً فثُلُث غُرَّةٍ، وإذا كان مُضْغَةً فثُلُثَىْ غُرَّةٍ (1). ولَنا، قَضاءُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في إمْلاصِ المرأةِ بعَبْدٍ أو أمَةٍ، وسُنَّةُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قاضِيَةٌ على ما خالَفَها.
وذِكْر الفَرَسِ والبَغْلِ وَهَمٌ انْفَرَدَ به عيسى بنُ يُونُسَ عن سائرِ الرُّواةِ، وهو مَتْرُوكٌ في البَغْلِ بغيرِ خِلافٍ، فكذلك في الفَرَسِ، والحديثُ الذى ذكَرْناه أَصَحُّ ما رُوِىَ فيه، وهو مُتَّفَقٌ عليه، وقد قال به أكثرُ أهلِ العلمِ، فلا يُلْتَفَتُ إلى ما خالَفَه.
وقولُ عبدِ الملكِ بنِ مَرْوانَ تحَكُّمٌ بتَقْديرٍ لم يَرِدْ به الشَّرْعُ، وكذلك قَتادةُ، وقولُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أحَقُّ بالاتِّباعِ مِن قولِهما.
إذا ثبَت هذا، فإنَّه تَلْزَمه الغُرَّةُ، فإن أَرادَ دَفْعَ بَدَلِها، ورَضِىَ المدْفُوعُ إليه، جازَ؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ، فجازَ ما تَراضَيَا عليه، وأيُّهُما امْتَنَعَ مِن قَبُولِ البَدَلِ، فله ذلك؛ لأَنَّ الحَقَّ فيها 225، فلا يُقْبَلُ بَدَلُها إلَّا برِضاهُما.
فصل: وقِيمَةُ الغُرَّةِ خَمْسٌ مِن الإِبلِ، وذلك نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ.
= كما أخرجه النسائى، في: باب دية جنين المرأة، من كتاب القسامة.
المجتبى 8/ 41، 42، وقال النسائى: هذا وهم، وينبغي أن يكون أراد مائة من الغُرِّ.

الجزء: 25 - الصفحة: 415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وزَيْدٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما.
وبه قال النَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، ورَبيعَةُ، ومالِك، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى.
ولأَنَّ ذلك أقَلُّ ما قَدَّرَه الشَّرْعُ في الجِناياتِ، وهو أَرْشُ مُوضِحَةٍ ودِيَةُ السِّنِّ، فرَدَدْناه إليه.
فإن قيل: فقد وَجَبَ في الأُنْمُلَةِ ثلاثَةُ أبعِرَةٍ وثُلُثٌ، [وذلك] 226 دُونَ ما ذَكَرُوِه.
قُلْنا: الذى نَصَّ عليه صاحِبُ الشَّريعَةِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَرْشُ المُوضِحَةِ، وهو خَمْسٌ مِن الإِبلِ.
وإذا كان أبَوَا الْجَنِينِ كِتابِيَّيْنِ، ففِيه غُرَّةٌ قِيمَتُها نِصْفُ قِيمَةِ الغُرَّةِ الواجبةِ في المُسْلِمِ.
وفى جَنِينِ المَجُوسِيَّة غُرَّة قِيمَتُها أرْبَعون دِرْهَمًا، فإذا تعَذَّرَ وُجودُ غُرَّةٍ بهذه الدَّراهِمِ، وجَبَتِ الدَّراهِمُ؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ.
وإذا اتَّفَقَ نِصْف عُشْرِ الدِّيَةِ مِن الأُصولِ كلِّها، بأن تكونَ قِيمَتُها خَمْسًا مِن الإِبِلِ وخَمْسِينَ دِينارًا أو سِتَّمائةِ دِرْهَمٍ، فلا كَلامَ، وإنِ اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ الإِبلِ، ونِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ مِن غيرِها، مثلَ أن كانت قِيمَةُ الإِبلِ أرْبعينَ دِينارًا أو أربعَمائةِ دِرْهَمٍ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّها تُقَوَّمُ بالإِبلِ؛ لأنَّها الأصْلُ.
وعلى قولِ غيرِه مِن أَصْحابِنا، تُقَوَّمُ بالذَّهَبِ أو الوَرِقِ، فتُجْعَلُ قِيمَتُها خَمْسينَ دِينارًا أو سِتَّمائةِ دِرْهَمٍ.
فإنِ اخْتَلَفا، قُوِّمَتْ على أَهْلِ الذَّهَبِ به، وعلى

الجزء: 25 - الصفحة: 416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أَهْلِ الوَرِقِ به، فإن كان مِن أَهْلِ الذَّهَبِ والوَرِقِ جَميعًا، قَوَّمَها مَن هى عليه بما شاءَ منهما؛ لأَنَّ الخِيَرَةَ إلى الجانِى في دَفْعِ ما شاءَ مِن سائرِ الأُصُولِ.
ويَحْتَمِلُ أن تُقَوَّمَ بأدْنَاهما على كلِّ حالٍ؛ لذلك.
وإذا لم يَجِدِ الغُرَّةَ، انْتَقَلَ إلى خَمْسٍ مِن الإِبلِ.
على قَوْلِ الخِرَقِىِّ.
وعلى قولِ غيرِه، يَنْتَقِلُ إلى خَمْسِينَ دِينارًا أو سِتِّمائةِ دِرْهَمٍ.
فصل: والغُرَّةُ مَوْرُوثَةٌ عنه، كأنَّه سقَط حَيًّا؛ لأنَّها دِيَةٌ له، وبَدَلٌ عنه، فيَرِثُها وَرَثَتُه، كما لو قُتِلَ بعدَ الوِلادَةِ.
وبهذا قال مالكٌ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وقال اللَّيْثُ: لا تُورَثُ، بل تكونُ بدَلَه 227 لأُمِّه، [لأنَّه] 228 كعُضْوٍ مِن أعْضائِها، فأَشْبَهَ يدَها.
ولَنا، أنَّها دِيَةُ آدَمِىٍّ حُرٍّ، فوَجَبَ أن تكونَ مَورُوثَةً عنه، كما لو ولَدَتْه حَيًّا ثم مات.
وقولُه: إنَّه كعُضْوٍ مِن أعْضائِها.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو كان عُضْوًا لَدَخَلَ بَدَلُه في دِيَةِ أُمِّه، كيَدِها، ولَما مُنِعَ مِن القِصاصِ مِن أُمِّه، وإقَامَةِ الحَدِّ عليها مِن أجْلِه، ولَما وجَبَتِ الكَفَّارَةُ مِن أجْلِه بقَتْلِه، ولَما صَحَّ عِتْقُه دُونَها, ولا عِتْقُها دُونَه، ولأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ تُضْمَنُ بالدِّيَةِ تُورَثُ، كدِيَةِ الحَىِّ.
فعلى هذا، إذا أسْقَطَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، ثم ماتتْ، فإنَّها تَرِثُ نَصِيبَها مِن الغُرَّةِ، ثم يَرِثُها

الجزء: 25 - الصفحة: 417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَرَثتُها.
[وإن أسْقَطَتْه حَيًّا، ثم مات قَبْلَها، ثم ماتتْ، فإنَّها تَرِثُ نَصِيبَها من دِيَتِه، ثم يَرِثُها وَرَثَتُها] 229. وإن ماتتْ قبلَه، ثم ألْقَتْه مَيِّتًّا، لم يَرِث أحَدُهما صاحِبَه، وإن خرَج حَيًّا، ثم ماتَتْ قبلَه ثم مات، أو ماتت ثم خرَج حَيًّا ثم مات، وَرِثَها، ثم يَرِثُه وَرَثَتُه.
وإنِ اخْتَلَفَ وُرَّاثُهما 230 في أوَّلِهما مَوْتًا، فحُكْمُهُما حُكْم الغَرْقَى، على ما ذُكِرَ في مَوْضِعِه 231. ويَجِيءُ على قَوْلِ الخِرَقِىِّ في المسْألَةِ التى ذَكَرَها، إذا ماتتِ امرأةٌ وابْنُها، أن يَحْلِفَ ورَثَةُ كُلِّ واحدٍ منهما ويَخْتَصُّوا بمِيراثِه.
وإِن ألْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا أو حَيًّا، ثم مات، ثم ألْقَتْ آخَرَ حَيًّا، ففى المَيِّتِ غُرَّةٌ، وفى الحَىِّ الأَوَّلِ دِيَةٌ، إذا كان سُقُوطُه لوقتٍ يَعِيشُ مثْلُه، ويَرِثُهُما الآخَرُ، ثم يَرِثه ورَثَتُه إن مات.
وإن كانتِ الأمُّ قد ماتتْ بعدَ الأَوَّلِ وقبلَ الثانى، فإنَّ دِيَةَ الأَوَّلِ تَرِثُ منها الأُمُّ والجنينُ الثانى، ثم إذا ماتتِ الأُمُّ، وَرِثَها الثانِى، ثم يَصِيرُ مِيراثُه لوَرَثَتِه.
فإن ماتتِ الأُمُّ بعدَهُما، وَرِثَتْهما جميعًا.
فصل 232: إذا ضرَب بَطْنَ امرأةٍ، فأَلْقَتْ أجِنَّةً، ففى كُلِّ واحدٍ غُرَّةٌ.
وبهذا قال الزُّهْرِىُّ، ومالك، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، قال 233: ولا أحْفَظُ عن غيرِهم خِلافَهم.
وذلك لأنَّه ضَمانُ

الجزء: 25 - الصفحة: 418

وَلا يُقْبَلُ في الْغُرَّةِ خُنْثَى، وَلا مَعِيبٌ، وَلا مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ.
آدَمِىٍّ، فتَعَدَّدَ بتَعَدُّدِه، كالدِّيَاتِ.
وإن ألْقَتْهُم أحْياءً لوَقْتٍ يَعِيشُونَ في مثلِه ثم ماتوا، ففى كُلِّ واحدٍ منهم دِيَةٌ كاملةٌ.
وإن كان بعْضُهم حَيًّا فمات، وبعضُهم مَيِّتًا، ففى الحَىِّ دِيَةٌ، وفى المَيِّتِ غُرَّةٌ.
فصل (1): وَيَسْتَوِى في ذلك الذَّكَرُ والأُنْثَى، في أنَّه يَجِبُ في كلِّ واحدٍ غُرَّةٌ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى في الجَنِينَ بغُرَّةٍ، وهو يُطْلَقُ على الذَّكرِ والأُنْثَى، ولأَنَّ المرأةَ تُساوِى الذَّكَرَ فيما دُونَ الثُّلُثِ.

4216 -

مسألة: (ولا يُقْبَلُ في الغُرَّةِ خُنْثَى، ولا مَعِيبٌ، ولا مَن له دونَ سَبْعِ سِنِينَ)

وجملةُ ذلك، أنَّ الغُرَّةَ تَجِبُ سَلِيمةً مِن العُيوبِ وإن قَلَّ العَيْبُ؛ لأنَّه حَيَوانٌ يجبُ بالشَّرْعِ، فلم يُقْبَلْ فيه المَعِيبُ، كالشَّاةِ في الزَّكاةِ، ولأَنَّ الغُرَّةَ الخِيارُ، والمَعِيبُ ليس مِن الخِيارِ.
ولا يُقْبَلُ فيها هَرِمَةٌ، ولا مَعِيبَةٌ، ولا خُنْثَى، ولا خَصِىٌّ، وإن كَثُرَتْ قِيمَتُه؛ لأَنَّ ذلك عَيْبٌ (ولا مَن له دُونَ سَبْعِ سِنِينَ) قالَه [القاضى، و] 235 أبو الخَطَّابِ،234

الحديث: 4216 - الجزء: 25 - الصفحة: 419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأصْحابُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه مُحْتاجٌ إلى مَن يَكْفُلُه ويَحْضُنُه، وليس مِن الخِيارِ.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّ سِنَّها غيرُ مُقَدَّرٍ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ.
وذكَرَ بعضُ أصْحابِ الشافعىِّ أنَّه لا يُقْبَلُ فيها غُلامٌ بَلَغَ خَمس عَشرةَ سَنَةً؛ لأنَّه لا يَدْخُلُ على النِّساءِ، ولا ابْنَةُ عِشْرِينَ سنةً 236؛ لأنَّها تَتَغَيَّرُ.
وهذا تَحَكُّمٌ لم يَرِدِ الشَّرْعُ به، فيجبُ أن لا يُقْبَلَ.
وما ذكَرُوه مِن الحاجَةِ إلى الكفالهِ باطِلٌ بمَن له فَوْقَ السَّبْعِ، ولأَنَّ بُلُوغَه قِيمَةَ الكَبِيرِ مع صِغَرِه، يَدُلُّ على أنَّه خِيارٌ، ولم يشْهَدْ لِما ذكَرُوه نَصٌّ، ولا له أصْلٌ يُقاسُ عليه، والشَّابُّ البالِغُ أكْمَلُ مِن الصَّبِىِّ عَقْلًا وبِنْيَةً، وأقْدَرُ منه 237 على التَّصَرُّفِ، وأنْفَعُ في الخِدْمَةِ، وأقْضَى للحاجَةِ، وكَوْنُه لا يَدْخُلُ على النِّساءِ، إن أُرِيدَ به النِّساءُ الأجْنَبِيَّاتُ، فلا حاجَةَ إلى دُخُولِه عليهِنَّ، وإن أُرِيدَ به سَيِّدَتُه، فليس بصَحِيحٍ، فإنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ إلى قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ 238. ثم لو لم يَدْخُلْ على النِّساءِ، لحَصَلَ مِن مَنْعِه أضْعافُ ما يَحْصُلُ مِن دُخُولِه، وفَوَاتُ شئٍ إلى ما هو أنْفَعُ منه [لا يُعَدُّ] 239 فواتًا،

الجزء: 25 - الصفحة: 420

وَإِنْ كَانَ الْجَنِينُ مَمْلُوكًا، فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّةِ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
كمن اشْتَرَى بدِرْهَمٍ ما يُساوِي دِرْهَمَيْنِ، لا يُعَدُّ فَواتًا ولا خُسْرانًا.
فصل: ولا يُعْتَبَرُ لون الغُرَّةِ، وذُكِرَ عن أبى عمرِو بنِ العَلاءِ (1) أنَّ الغُرَّةَ لا تَكونُ إلَّا بَيْضاءَ، ولا يُقْبَلُ عَبْدٌ أَسْودُ، ولا جارِيَةٌ سَوْداءُ.
ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى بعَبْدٍ أو أمَةٍ، وأطْلَقَ، والسَّوَادُ غالِبٌ على عَبيدِهم وإمائهِم، ولأنَّه حَيَوانٌ تَجِبُ دِيَتُه، فلم يُعْتَبَرْ لَوْنُه، كالإِبلِ في الدِّيَةِ.

4217 -

مسألة: (وإن كان الجَنِينُ مَمْلُوكًا، ففيه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ، ذَكَرًا كان أو أُنْثَى)

وجملته، أنَّه إذا كان جَنِينُ الأمَةِ مَمْلُوكًا، فَسَقَطَ240

الحديث: 4217 - الجزء: 25 - الصفحة: 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن الضَّرْبَةِ مَيِّتًا، ففيه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه.
هذا قولُ الحسنِ، وقَتادةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وبنحوِه قال النَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ.
وقال زَيْدُ بنُ أسْلَمَ: يَجِبُ فيه عُشْرُ قِيمَةِ غُرَّةٍ، وهو خمسةُ دنانِيرَ.
وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وأَصْحابُه: يجبُ فيه نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِه إن كان ذَكَرًا، أو عُشْرُ قِيمَتِه إن كان أُنْثَى؛ لأَنَّ الغُرَّةَ الواجِبَةَ في جَنِينِ الحُرَّةِ هى نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الرَّجُلِ، وعُشْرُ دِيَةِ الأُنْثَى، وهذا مُتْلَفٌ، فاعْتِبارُه بنَفْسِه أَوْلَى مِن اعْتِبارِه بأُمِّه، ولأنَّه جَنِين مَضْمُونٌ، تَلِفَ بالضَّرْبَةِ، فكان فيه نِصْفُ عُشْرِ 241 الواجب فيه 242 إذا كان ذَكَرًا كبيرًا، أو عُشْرُ الواجب إذا كان أُنْثَى، كجَنِينِ الحُرَّةِ.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ: مذهبُ أَهْلِ المدينةِ يُفْضِى إلى أن يَجِبَ في الجَنِينِ المَيِّتِ أكْثَرُ مِن قِيمَتِه إذا كان حَيًّا.
ولَنا، أنَّه جَنِينٌ مات بالجِنايةِ في بَطْنِ أُمِّه، فلم يخْتَلِفْ ضَمانُه بالذُّكُورِيَّةِ والأُنُوثِيَّةِ، كجَنِينِ الحُرَّةِ، ودَلِيلُهم نَقْلِبُه عليهم، = اسمه على أقوال، فأشهرها، زبَّان، وقيل العريان، مولده في نحو سنة سبعين، برَّز في الحروف والنحو، أشتهر بالفصاحة والصدق وسعة العلم، توفى سنة سبع وخمسين ومائة.
سير أعلام النبلاء 6/ 407 - 410، تهذيب التهذيب 12/ 178 - 180. وانظر ما ذكر عنه: النهاية في غريب الحديث والأثر 3/ 352.

الجزء: 25 - الصفحة: 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فنقولُ: جَنِينٌ مَضْمُونٌ، تَلِفَ بالجِنايةِ، فكانَ الواجبُ فيه عُشْرَ ما يَجِبُ في أُمِّه، كجَنِينِ الحُرَّةِ.
وما ذكَرُوه مِن مُخالَفَةِ الأَصْلِ، مُعارَضٌ بأنَّ مَذْهَبَهم يُفْضِى إلى تَفْضِيلِ الأُنْثَى على الذَّكَرِ، وهو خِلافُ الأُصولِ 243، ولأنَّه لو اعْتُبِرَ بنَفْسِه، لوَجَبَت قِيمَتُه كلُّها، كسائرِ المَضْمُوناتِ بالقِيمَةِ، ومُخالَفَتُهم أشَدُّ مِن مُخالَفَتِنا؛ لأنَّنَا اعْتَبَرْناه إذا كان مَيِّتًا بأُمِّه، وإذا كان حَيًّا بنَفْسِه، فجاز أن تَزِيدَ قِيمَةُ المَيِّتِ على الحَىِّ مع اخْتِلافِ الجِهَتَيْنِ، كما جازَ أن يَزِيدَ البعْضُ على الكُلِّ في أنَّ مَن قطَع أطْرَافَ إنْسانٍ الأرْبَعةَ، كان الواجِبُ عليه أكْثَرَ مِن دِيَةِ النَّفْسِ كلِّها، وهم فَضَّلُوا الأُنْثَى كل الذَّكَرِ مع اتِّحادِ الجِهَةِ، وأوْجَبُوا فيما يُضْمَنُ بالقِيمَةِ عُشْرَ قيمتِه 244 تارةً، ونِصْفَ عُشْرِها أُخْرَى، وهذا لا نَظِيرَ له.
إذا ثبَت هذا، فإنَّ قِيمَةَ أُمِّه مُعْتَبَرَةٌ يومَ الجِنايةِ عليها.
وهذا مَنْصُوصُ الشَّافعىِّ.
وقال بعضُ أصْحابِه: يُقَوَّمُ حينَ أسْقَطَتْ؛ لأَنَّ الاعْتِبارَ في ضَمانِ الجِنايةِ بالاسْتِقْرارِ.
ويتَخَرَّجُ لنا وَجْه مثلُ ذلك.
ولَنا، أنَّه لم يتَخَلَّلْ بينَ الجِنايةِ

الجزء: 25 - الصفحة: 423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وحالِ الاسْتِقْرارِ ما يُوجِبُ تَغْييرَ بَدَلِ النَّفْسِ، فكان الاعْتِبارُ بحالِ الجنايةِ، كما لو جرَح عَبْدًا، ثم نَقَصَتِ السُّوقُ لكَثْرَةِ الجَلَبِ، ثم مات، فإنَّ الاعْتِبارَ بقِيمَتِه يومَ 245 الجِنايةِ، ولأَنَّ قِيمَتَها تَتَغَيَّرُ بالجِنايةِ وتَنْقُصُ، فلم تُقَوَّمْ في حالِ نَقْصِها الحاصلِ بالجِنايةِ، كما لو قطَع يدَها فماتتْ مِن سِرايَتها، أو قطَع يدَها فمَرِضَتْ بذلك، ثم انْدَمَلَتْ جِراحَتُها.
فصل: ووَلَدُ المُدَبَّرَةِ والمُكاتَبَةِ والمُعْتَقَةِ بصِفَةٍ، وأُمِّ الوَلَدِ إذا حَمَلَتْ مِن غيرِ مَوْلاها، حُكْمُه حُكْمُ ولَدِ الأمَةِ؛ لأنَّه مَمْلُوكٌ، فأمَّا جَنِينُ المُعْتَقِ بعضُها، فهو مثْلُها، فيه مِن الحُرِّيَّةِ مثلُ ما فيها، فإذا كان نِصْفُها حُرًّا، فنِصْفُه حُرٌّ، فيه نِصْفُ غُرَّةٍ لوَرَثَتِه، وفى النِّصْفِ الباقِى نِصْف عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه لسَيِّدِه.

الجزء: 25 - الصفحة: 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن وَطِئَ أَمَةً بشُبْهَةٍ، أو غُرَّ بأمَةٍ فتَزَوَّجَها وأحْبَلَها، فضَرَبَها ضارِبٌ 246، فألْقَتْ جَنِينًا، فهو حُرٌّ، وفيه غُرَّةٌ مَؤروثَةٌ عنه لوَرَثَتِه، وعلى الواطِئ عُشْرُ قِيمَتِها لسَيِّدِهَا؛ لأنَّه لولا اعْتِقاد الحُرِّيَّةِ، لَكانَ هذا الجَنِينُ مَمْلُوكًا لسَيِّدِه، على ضارِبِه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه، فلما انْعَتَقَ 247 بسَبَبِ الوَطْءِ، فقد حالَ بينَ سَيِّدِها وبينَ هذا القَدْرِ، فألْزَمْناه ذلك للسَّيِّدِ، سواءٌ كان بقَدْرِ الغُرَّةِ أو أكثرَ منها أو أقَلَّ.
فصل: إذا أسْقَطَ جَنِينَ ذِمِّيَّةٍ، قد وَطِئَها مُسْلِمٌ وذِمِّىٌّ في طُهْرٍ واحدٍ، وجَبَ فيه اليَقِينُ، وهو ما في الجَنِينِ الذِّمِّىِّ، فإن أُلْحِقَ بعدَ ذلك بالذِّمِّىِّ، فقد وَفَّى ما عليه، وإن أُلْحِقَ بمسلمٍ، فعليه تَمامُ الغُرَّةِ.
وإن ضرَب بَطْنَ نَصْرانِيَّةٍ، فأَسْقَطَتْ، فادَّعَتْ أو ادَّعَى ورَثَتُه أنَّه مِن مسلمٍ حَمَلَتْ به مِن وَطْءِ شُبْهَةٍ أو زِنًى، فاعْتَرَفَ الجانِى، فعليه غُرَّةٌ كاملةٌ.
وإن كان ممَّا تحملُه العاقلةُ، فاعْتَرَفَتْ أَيضًا، فالغُرَّةُ 248 عليها، وإن أنْكَرَتْ، حَلَفَتْ، وعليها ما في جَنِينِ الذِّمِّيِّيْنِ، والباقي على الجانِى؛ لأنَّه ثبَت باعْتِرافِه، والعاقلةُ [لا تَحْمِلُ اعْتِرافًا.
وإنِ اعْتَرَفَتِ العاقلةُ دونَ الجانِى، فالغُرَّةُ عليها مع دِيَةِ أُمِّه.
وإن أنْكَرَ الجانِى والعاقلةُ] 249، فالقولُ قولُهم، مع

الجزء: 25 - الصفحة: 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أيمانِهِم أنَّا لا نَعلَمُ أنَّ هذا الجَنِينَ مِن مسلمٍ.
ولا تَلْزَمُهما اليَمِينُ مع 250 البَتِّ؛ لأنَّها يَمِينٌ على النَّفْى في فِعْلِ الغَيْرِ، فإذا اخْتَلَفُوا، وجَبَتْ دِيَةُ ذِمِّىٍّ؛ لأَنَّ الأَصْلَ أنّ ولدَها تابعٌ لها, ولأَنَّ الأَصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ.
وإن كان ممَّا لا تَحْمِلُه العاقلةُ، فالقولُ قولُ الجانِى وحدَه مع يَمِينِه.
ولو كانتِ النَّصْرانِيَّةُ امرأةَ مُسْلمٍ، فادَّعَى الجانِى أنَّ 251 الجَنِينَ مِن ذِمِّىٍّ بوطءِ شُبْهَةٍ أو زنِىً، فالقولُ قولُ وَرَثَةِ الجَنِينِ؛ لأَنَّ الجَنِينَ مَحْكُومٌ بإِسْلامِه، فإنَّ الوَلَدَ للفِراشَ.
فصل: إذا كانتِ الأمَةُ بينَ شَريكَيْنِ، فحَمَلَتْ بمَمْلُوكٍ، فضَرَبَها أحَدُهما، فأسْقَطَتْ، فعليه كَفَّارة؛ لأنَّه أتْلَفَ آدَمِيًّا، ويَضْمَنُ لشَرِيكِه نِصْفَ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه، ويَسْقُطُ ضمانُ نَصِيبِه؛ لأنَّه مِلْكُه.
وإن أعْتَقَها الضَّارِبُ بعدَ ضَرْبِها، وكان مُعْسِرًا، ثم أسْقَطَتْ، عَتَقَ نَصيبُه منها 252 ومِن وَلَدِها، وعليه لشَرِيكِه نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ الأُمِّ، وعليه نِصْفُ غُرَّةٍ 253 مِن أجْل النِّصْفِ الذى صارَ حُرًّا، يُورَثُ عنه بمَنْزِلَةِ مالِ الجَنِينِ، تَرِثُ أُمُّه منه بِقَدْرِ ما فيها مِن الحُرِّيَّةِ، والباقي لوَرَثَتِه.
هذا قولُ القاضى، وقياسُ قَوْلِ ابنِ حامدٍ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
وقِياسُ قولِ أبى بكرٍ وأبى الخَطَّابِ، لا يَجِبُ على الضَّارِبِ ضَمانُ ما أَعْتَقَه؛

الجزء: 25 - الصفحة: 426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّه حينَ الجِنايةِ لم يكُنْ مَضْمُونًا عليه، والاعْتِبارُ في الضَّمانِ بحالِ الجِنايةِ، وهى الضَّرْبُ، ولهذا اعْتَبَرْنا قِيمَةَ الأمِّ حالَ الضَّرْبِ.
وهذا قولُ بعْضِ أصْحابِ الشافعىِّ.
وهو أَصَحُّ إن شاءَ اللَّه تعالى؛ لأَنَّ الإِتْلافَ حصلَ بفِعلٍ غيرِ مَضْمُونٍ، فأَشْبَه ما لو جرَح حَرْبِيًّا فأَسْلَمَ، ثم مات بالسِّرايَةِ، ولأَنَّ موْتَه يَحْتَمِلُ أن يكونَ قد حصَل بالضَّرْبِ، فلا يتَجَدَّدُ ضَمانُه بعدَ مَوْتِه، والأَصْلُ براءَةُ ذِمَّتِه.
وإن كان المُعْتِقُ مُوسِرًا، سَرَى العِتْقُ إليها وإلى جَنِينِها، وفى الضَّمانِ الوَجْهانِ؛ فعلى قوْلِ القاضى، في الجَنِينِ غُرَّةٌ مَوْروثَةٌ عنه.
وعلى قِياسِ قَوْلِ أبى بكرٍ، عليه ضَمانُ نصِيبِ شَرِيكِه مِن الجَنِينِ بنِصْفِ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه، ولا يَضْمَنُ أُمَّه؛ لأنَّه قد ضَمِنَها بإعْتاقِها، فلا يَضْمَنُها بتَلَفِها.
وإن كان المُعْتِق الشَّرِيكَ الذى لم يَضْرِبْ، وكان مُعْسِرًا، فلا ضَمانَ على الشَّرِيكِ في نَصِيبِه؛ لأَنَّ العِتْقَ لم يَسْرِ إليه، وعليه في نَصِيبِ شَرِيكِه مِن الْجَنِينِ نِصْفُ غُرَّةٍ يَرِثُها وَرَثَتُه، على قولِ القاضى.
وعلى قِياسِ قَوْلِ أبى بكرٍ، يَضْمَنُ نَصِيبَ شَرِيكِه بنِصْفِ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه، ويكونُ لِسَيِّدِه، اعْتِبارًا بحالِ الجِنايةِ.
وكذلك الحكمُ في ضَمانِ الأُمِّ إذا ماتت مِن الضَّرْبَةِ.
وإن كان المُعْتِقُ مُوسِرًا، سَرَى العِتْقُ إليهما، وصارَا حُرَّيْنِ، وعلى المُعْتِقِ ضَمانُ نصف الأُمِّ، ولا يَضْمَنُ نِصْفَ الجَنِينِ؛ لأنَّه يدْخُلُ في ضَمانِ الأُمِّ، كما يَدْخُلُ في بَيْعِها، وعلى الضَّاربِ ضَمان الجَنِينِ بغُرَّةٍ مَوْرُوثَةٍ عنه، على قَوْلِ القاضى.
وعلى قِياسِ قَوْلِ أبى بكرٍ، يَضْمَنُ نَصِيبَ الشَّرِيكِ بنِصْفِ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه، وليس عليه

الجزء: 25 - الصفحة: 427

وَإِنْ ضَرَبَ بَطْنَ أَمَةٍ، فَعَتَقَتْ، ثُمَّ أَسْقَطَتِ الْجَنِينَ، فَفِيهِ غُرَّةٌ.
ضَمانُ نَصِيبِه؛ لأنَّه مِلْكُه حالَ الجِنايةِ عليه.
وأمَّا ضَمان الأُمِّ، ففى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، فيها دِيَةُ حُرَّةٍ، لسَيِّدِها منها أقَلُّ الأَمْرَيْنِ مِن دِيَتِها أو قِيمَتِها.
وعلى الآخَرِ، يَضْمَنها بقِيمَتِها لسَيِّدِها، كما تَقَدَّمَ، مَن قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ ثم أُعْتِقَ وماتَ.
فصل: ولو ضرَب بطنَ أَمَتِه، ثم أعْتَقَها، ثم أسْقَطَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، لم يَضْمَنْه، في قِياسِ قولِ أبى بكرٍ؛ لأَنَّ جِنايَتَه لم تَكُنْ مَضْمُونَةً في ابْتِدائِها، فلم يَضْمَنْ سِرايَتَها، كما لو جرَح مُرْتَدًّا، فأسْلَمَ ثم مات، ولأَنَّ مَوْتَ الجَنِينِ يَحْتَمِلُ أنَّه حصَل بالضَّرْبَةِ في مَمْلُوكِه، ولم يتَجَدَّدْ بعدَ العِتْقِ ما يُوجِبُ الضَّمانَ.
وعلى قَوْلِ ابنِ حامِدٍ، عليه غُرّة، لا يَرِثُ منها شيئًا؛ لأَنَّ اعْتِبارَ الجِنايةِ بحالِ اسْتِقْرارِها.

4218 -

مسألة: (وإن ضرَب بطنَ أَمَةٍ، فَعَتَقَتْ، ثم أسْقَطَتِ الجَنِينَ، فَفِيهِ غُرَّةٌ)

على قوْلِ ابنِ حامدٍ والقاضى؛ لأنَّه كان حُرًّا، اعْتِبارًا بحالِ الاسْتِقْرارِ.
وعلى قوْلِ أبى بكرٍ وأبى الخَطَّابِ، فيه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه، اعْتِبارًا بحالِ الجنايةِ؛ لأنَّها كانتْ في حالِ كَوْنِه عَبْدًا، ويُمْكِنُ مَنْعُ كَوْنِه صارَ حُرًّا؛ لأَنَّ الظاهرَ تَلَفُه بالجِنايةِ، وبعدَ تَلَفِه لا يُمكِنُ تحْرِيرُه.
فعلى

الحديث: 4218 - الجزء: 25 - الصفحة: 428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قولِ هذيْن، يكونُ الواجِبُ فيه لسَيِّدِه.
وعلى قولِ ابنِ حامدٍ، يكونُ الواجبُ فيه أقَلَّ الأمْرَيْنِ مِن الغُرَّةِ أو 254 عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه؛ لأَنَّ الغُرَّةَ إن كانت أكْثَرَ، لم يَسْتَحِقَّ الزِّيادةَ؛ لأنَّها زادَتْ بالحُرِّيَّةِ الحاصِلَةِ لزَوالِ مِلْكِه، وإن كانت أقَلَّ، لم يَكُنْ له أكْثَرُ منها؛ لأَنَّ النَّقْصَ حصَل بإعْتاقِه، فلا يضْمَنُ له، كما لو قطَع 255 يَدَ عَبْدٍ، فأعْتَقَه سَيِّدُه، ثم ماتَ بسِرايةِ الجِنايةِ، كان له أقَلُّ الأمْرَيْنِ مِن دِيَةِ حُرٍّ أو نِصْفِ قِيمَتِه، وما فَضَلَ عن 256 حَقِّ السَّيِّدِ لوَرَثَةِ الجَنِينِ.
فأمَّا إن ضرَب بَطْنَ الأمَةِ، فأعْتَقَ السَّيِّدُ جَنِينَها وحدَه، نَظَرْتَ؛ فإن أسْقَطَتْه حَيًّا لوَقْتٍ يَعِيشُ مثلُه، ففيه دِيَةُ حُرٍّ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وإن كان لوَقْتٍ لا يَعِيشُ مثلُه، ففيه غُرَّةٌ؛ لأنَّه حُرٌّ، على قَوْلِ ابنِ حامدٍ.
وعلى قولِ أبى بكرٍ، عليه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه.
وإن أسْقَطَتْه مَيِّتًا، ففيه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه؛ لأنَّنا لا نعلمُ كَوْنَه 257 حَيًّا حالَ إعْتاقِه.
ويَحْتَمِل أن تجبَ عليه الغُرَّةُ؛ لأَنَّ الأَصْلَ بقَاءُ حياتِه، فأشْبَهَ ما لو أعْتَقَ أُمَّه.

الجزء: 25 - الصفحة: 429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولو كانتِ الأمَةُ لشَرِيكَيْنِ، فضَرَبَاها، ثم أعْتَقاها معًا، فولَدَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فعلى قَوْلِ أبى بكر، على كُلِّ واحدٍ منهما نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه لشَرِيكِه؛ لأَنَّ كُلًّا منهما جَنَى على الجَنِينِ، ونِصْفُه لشَرِيكِه، فسَقَطَ عنه ضَمانُه، ولَزِمَه ضَمانُ نِصْفِه الذى لشَرِيكِه بنِصْفِ عُشْرِ قيمَةِ أُمِّه، اعْتِبارًا بحال الجِنايةِ.
وعلى قوْلِ ابنِ حامدٍ، على كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُ الغُرَّةِ، للأُمِّ منها الثُّلُثُ، وباقِيها للوَرَثَةِ، ولا يَرِثُ القاتِلُ منها شيئًا.
فصل: إذا ضرَب ابن المُعْتَقَةِ الذى أبُوه عبدٌ بَطْنَ امرأةٍ، ثم أُعْتِقَ 258 أَبُوه 259، ثم أسقَطَتْ جَنِينًا وماتَتْ، احْتَمَلَ أن تكونَ دِيَتُهُما في مالِ الجانِى، على ما تَقَدَّمَ ذِكْرُه.
واحْتَمَلَ أن تكونَ الدِّيَةُ على مَوْلَى الأُمِّ وعَصَباتِه، في قياسِ قَوْلِ أبى بكرٍ، اعْتِبارًا بحالِ الجِنايةِ.
وعلى قِياسِ قوْلِ ابنِ حامدٍ، على مَوْلَى الأب وأقاربِه، اعْتِبارًا بحالِ الإِسْقاطِ.
وإن ضرَب ذِمِّىٌّ بطنَ امْرأتِه الذمِّيَّةِ، ثم أَسْلَمَ، ثم أسْقَطَتْ، لمِ تَحْمِلْه عاقِلَتُه، وإن ماتتْ معه فكذلك؛ لأَنَّ عاقِلَتَه المسلمين لا يَعْقِلون عنه؛ لأنَّه كان حينَ الجِنايةِ ذِمِّيًّا، وأهْلُ الذِّمَّةِ لا يَعْقِلُونَ عنه؛ لأنَّه حينَ الإِسْقاطِ مُسْلِمٌ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ عَقْلُه على عاقِلَتِه مِن أَهْلِ الذِّمَّةِ، في قِياسِ قَوْلِ أبى بكرٍ، اعْتِبارًا بحالِ الجِنايةِ، ويكونَ في الجَنِينِ ما يجبُ في الجَنِينِ الكافرِ؛ لأنَّه

الجزء: 25 - الصفحة: 430

وَإِنْ كَانَ الْجَنِينُ مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ، فَفِيهِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيًّا، وَالْآخَرُ مَجُوسِيًّا، اعْتُبِرَ أَكْثَرُهُمَا،  حينَ الجِنايةِ مَحْكُومٌ بكُفْرِه.
وعلى قياسِ قوْلِ ابنِ حامدٍ، يجبُ فيه غُرَّةٌ كاملةٌ، ويكونُ عَقْلُه وعَقْلُ أُمِّه على عاقِلَتِه المسلمينَ، اعْتِبارًا بحالِ الاسْتِقْرارِ.

4219 -

مسألة: (وإن كان الجَنِينُ مَحْكُومًا بكُفْرِه، ففيه عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ)

وبهذا قال الشَّافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى.
قال ابنُ المُنْذِرِ (1): لم أحْفَظْ عن غيرِهم خِلافَهُم.
لأَنَّ جَنِينَ الحُرَّةِ المسلمةِ مَضْمُونٌ بعُشْرِ دِيَةِ أُمِّه، فكذلك (2) جَنِينُ الكافِرَةِ، إلَّا أنَّ أصْحابَ الرَّأْى يَروْنَ دِيَةَ الكافِرَةِ كدِيَةِ المُسْلمةِ، فلا يتَحَقَّقُ عندَهم بينَهما (3) اخْتِلافٌ.
4220 -

مسألة: (وإن كان أحدُ أبَويه كِتابِيًّا، والآخَرُ مَجُوسِيًّا، اعْتُبِرَ أكْثَرُهما)

دِيَةً، فيَجِبُ عُشْرُ دِيَةِ كِتابِيَّةٍ على كُلِّ حَالٍ؛ لأَنَّ ولدَ المسلمِ من الكافرَةِ يُعْتَبَرُ بأكْثَرِهما دِيَةً، كذا ههُنا، ولأَنَّ260261262

الحديث: 4219 - الجزء: 25 - الصفحة: 431

وَإِنْ سَقَطَ الْجَنِينُ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ، فَفِيهِ دِيَةُ حُرٍّ إِنْ كَانَ حُرًّا، أَوْ قِيمَتُهُ إِنْ كَانَ مَمْلُوكًا، إِذَا كَانَ سُقُوطُهُ لِوَقْتٍ يَعِيشُ  الضَّمانَ إذا وُجِدَ في أحَدِ أبوَيْه ما يُوجِبُ، وفى الآخَرِ ما يُسْقِطُ، غَلبَ الإِيجابُ، بدليلِ ما لو قتَل المُحْرمُ صَيْدًا مُتَوَلِّدًا مِن مأْكُولٍ وغيرِه.
ولا فَرْقَ فيما ذكَرْنا بينَ الذَّكَرِ والأُنْثَى؛ لأَنَّ السُّنَّةَ لم تُفَرِّقْ بينَهما.
وبه يقولُ الشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى، وعامَّةُ أَهْلِ العِلْمَ.
فصل: ولو ضرَب بَطْنَ كِتابِيَّةٍ حاملٍ مِن كِتابِىٍّ، فأسْلَمَ أحدُ أبَوَيْه، ثم أسْقَطَتْه، ففيه الغُرَّةُ، في قولِ ابن حامدٍ والقاضى، وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ، ومذهبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ الضَّمانَ مُعْتَبَرٌ (1) بحالِ اسْتِقْرَارِ الجنايةِ، والجَنِينُ محْكُومٌ بإسْلامِه عندَ اسْتِقْرارِها.
وفى قولِ أبى بكُرٍ وأبى الخَطَّابِ، فيه عُشرُ دِيَةِ كِتابِيَّةٍ؛ لأَنَّ الجِنايةَ عليه في حالِ كُفْرِه.

4221 -

مسألة: (وإن سقَط الجَنِينُ حَيًّا، ثم مات، ففيه دِيَةُ حُرٍّ إن كان حُرًّا، أو قِيمَتُه إن كان مَمْلُوكًا، إذا كان سُقُوطُه لوَقْتٍ يَعِيشُ

263 الحديث: 4221 - الجزء: 25 - الصفحة: 432

مِثْلُهُ، وَهُوَ أَنْ تَضَعَهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرِ فَصَاعِدًا، وَإِلَّا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَيِّتِ،  مثلُه، وهو أن تَضَعَه لسِتَّةِ أشْهُرٍ فصاعِدًا، وإلَّا فحُكْمُه حُكْم المَيِّتِ) هذا قَوْلُ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
قال ابن المُنْذِرِ 264: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ في الجَنِينِ يَسْقُطُ حَيًّا مِن الضَّرْبِ، دِيَةً كاملةً؛ منهم زيدُ بنُ ثابتٍ، وعُرْوَةُ، والزُّهْرِىُّ، والشَّعْبِىُّ، وقَتادَةُ، وابنُ شُبْرُمَةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى؛ وذلك لأنَّه مات مِن جِنايَته بعدَ وِلادَتِه، في وَقْتٍ يَعِيشُ لمثلِه، فأشْبَهَ قَتْلَه بعدَ وَضْعِه.
وفى هذه المسألةِ ثلاثةُ فُصولٍ؛ أحدُها، أنَّه إنَّما يُضْمَنُ بالدِّيَةِ إذا وَضَعَتْه حَيًّا، فمتَى 265 عُلِمَتْ حَياتُه، ثبَت له 266 هذا الحُكْمُ، سواءٌ ثبَت باستهلالِه، أو ارتضاعه، أو بنَفَسِه 267، أو عُطاسِه، أو غيرِ ذلك مما تُعْلَمُ به حياتُه.
هذا ظاهرُ قولِ

الجزء: 25 - الصفحة: 433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الخِرَقِىِّ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه 268 لا يَثْبُتُ له 269 حُكْمُ الحياةِ إلَّا بأنْ يَسْتَهِلَّ.
وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، وقَتادةَ، ومالكٍ، وإسْحاقَ.
ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن عمرَ، وابنِ عبَّاسٍ، والحسنِ بنِ علىٍّ، وجابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، رَضِى اللَّهُ عنهم؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا اسْتَهَلَّ المَوْلُودُ، وَرِثَ ووُرِثَ» 270. مَفْهُومُه أنَّه لا يَرِثُ إذا لم يَسْتَهِلَّ.
والاسْتِهْلالُ: الصِّياحُ.
قاله ابنُ عباسٍ، والقاسِمُ، والنَّخَعِىُّ؛ لأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «ما مِن مَوْلُودٍ 271 يُولَدُ إلَّا مَسَّهُ الشَّيْطانُ، فيَسْتَهِلُّ صارِخًا، إلَّا مَرْيَمَ وابْنَها» 272. فلا يجوزُ غيرُ ما قالَه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
والأَصْلُ في تَسْمِيَةِ الصِّياحِ اسْتِهْلالًا، أنَّ مِن عادةِ الناسِ أنَّهم 273 إذا رَأَوا الهِلالَ صاحُوا، وأرَاهُ بعْضُهم بعضًا، فَسُمِّىَ صِياح المَوْلُودِ استِهْلالًا؛ لأنَّه في ظُهُورِه بعدَ خَفائه كالهِلالِ، وصِياحُه كصِياحِ مَن يَتَراءاهُ.
ولَنا، أنَّه

الجزء: 25 - الصفحة: 434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قد عُلِمَتْ حياتُه، فأشْبَهَ المُسْتَهِلَّ، والخَبَرُ يدُلُّ بمَعْناه وتَنْبِيهِه على ثُبُوتِ الحُكْمِ في سائرِ الصُّوَرِ، فإنَّ شُرْبَه اللَّبَنَ أدَلُّ على حَياتِه مِن صِياحِه، وعُطاسَه ضَرْبٌ منه، فهو كصِياحِه.
وأمَّا الحَرَكَةُ والاخْتِلاجُ المُنْفَرِدُ، فلا يَثْبت به حُكْم الحياةِ؛ لأنَّه قد يتَحَرَّكُ بالاخْتِلاجِ وبسَبَبٍ آخَرَ، وهو خُروجُه مِن مَضِيقٍ، فإنَّ اللَّحْمَ يخْتَلِجُ، سِيَّما إذا عُصِرَ ثم تُرِكَ، فلم تَثْبت بذلك حَياتُه.
الفصل الثانى: أنَّه إنَّما يَجِبُ ضَمانُه إذا عُلِمَ مَوْتُه بسبَب الضَّرْبَةِ، ويَحْصُلُ ذلك بسُقوطِه في الحالِ أو مَوْتِه، أو بَقائه مُتَأَلِّمًا إلى أنَ يَمُوتَ، أو بقاءِ أُمِّه مُتَأَلِّمةً إلى أن تُسْقِطَه، فيُعْلَمُ بذلك مَوْتُه بالجِنايةِ، كما لو ضرَب رَجُلًا فمات عَقِيبَ ضَرْبِه، أو بَقِىَ ضَمِنًا حتى مات.
وإن ألْقَتْه حَيًّا، فجاء آخَرُ فقَتَلَه، وكانت فيه حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فعلى الثانى القِصاصُ إذا كان عَمْدًا، أو الدِّيَةُ كاملةً، وإن لم تَكُنْ فيه حياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، بل كانت حَرَكَتُه كحرَكَةِ المَذْبُوحِ، فالقاتلُ هو الأَوَّلُ، وعليه الدِّيَةُ كاملةً، ويُؤَدَّبُ الثانِى.
وإن بَقِىَ الجَنِينُ حَيًّا، وبَقِيَ زَمَنًا سالمًا لا ألَمَ به، لم يَضْمَنْه الضَّارِبُ؛ لأَنَّ الظاهرَ أنَّه لم يَمُت مِن جِنايَتِه.
الفصل الثالث: أنَّ الدِّيَةَ إنَّما تجبُ فيه إذا كان سُقوطُه لسِتَّةِ أشْهُرٍ فصاعِدًا، فإن كان لدُونِ ذلك، ففيه غُرَّةٌ، كما لو سقَط مَيِّتًا.
وبهذا قال المُزَنِىُّ.
وقال الشافعىُّ: فيه دِيَةٌ كاملةٌ؛ لأنَّنا عَلِمْنا حَياتَه، وقد تَلِفَ

الجزء: 25 - الصفحة: 435

وَإِنِ اخْتَلَفَا في حَيَاتِهِ وَلا بَيِّنَةَ، فَفِى أيِّهِمَا يُقَدَّمُ قَوْلُهُ وَجْهَانِ.
مِن جِنايَتِه.
ولَنا، أنَّه لم تُعْلَمْ فيه حياةٌ يُتَصَوَّرُ بقَاؤُه بها، فلم تَجِبْ فيه دِيَةٌ، كما لو ألْقَتْه مَيِّتًا، وكالمذْبُوحِ.
وقولُهم: إنَّا عَلِمْنا حياتَه.
قُلْنا: وإذا سقَط مَيِّتًا وله سِتَّةُ أشْهُرٍ، فقد عَلِمْنا حياتَه أَيضًا.

4222 -

مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في حَياتِه، ولا بَيِّنَةَ)

لهما (ففى أيِّهِما يُقَدَّمُ قولُه وَجْهانِ) أحدُهما، يُقدَّمُ قولُ الوَلِىِّ؛ لأَنَّ الأَصْلَ حَياتُه، فإنَّ الجَنِينَ إذا بلَغ أرْبعةَ أشْهُرٍ، نُفِخَ فيه الرُّوحُ.
والثانى، قولُ الجانِى؛ لأَنَّ الأَصْلَ براءَةُ ذِمَّتِه مِن الدِّيَةِ الكاملةِ.

فصل

: إذا ادَّعَتِ امرأةٌ على إنسانٍ 274 أنَّه ضَرَبَها، فأسْقَطَ جَنِينَها، فأنْكَرَ الضَّرْبَ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَم الضَّرْبِ.
وإن أقَرَّ بالضَّرْبِ أو قامَتْ به بَيِّنَةٌ، وأنْكَرَ أن تكونَ أسْقَطَتْ، فالقولُ قولُه أَيضًا مع يَمِينِه أنَّه 275 لا يَعْلَمُ أنَّها أسقَطَتْ، ولا تَلْزَمُه اليمِينُ على البَتِّ؛ لأنَّها يَمِينٌ على نَفْىِ فِعْلِ الغَيْرِ، والأَصْلُ عَدَمُه.
وإن ثبَت الإِسْقاطُ والضَّرْبُ ببَيِّنَةٍ أو إقْرارٍ، فادَّعَى أنَّها أسْقَطته مِن غيرِ ضَرْبِه؛ فإن كانت أسْقَطَتْه عَقِيبَ ضَرْبِها 276، فالقولُ قولُها؛ لأَنَّ الظاهرَ أنَّه منه، لوُجودِه

الحديث: 4222 - الجزء: 25 - الصفحة: 436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَقِيبَ شئٍ يَصْلُحُ أن يكونَ سَبَبًا له.
وإنِ ادَّعَى أنَّها ضَرَبَتْ نَفْسَها، أو شَرِبَتْ دواءً، أو فَعَلَ ذلك غيرُها، فحَصَلَ الإِسْقاطُ، فأنْكَرَتْه، فالقولُ قولُها مع يَمينها؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ ذلك.
وإن أسْقَطَتْه بعدَ الضَّرْبِ بأيَّامٍ، وكانت مُتَأَلِّمةً إلى حينِ الإسْقاطِ، فالقولُ قولُها، وإن لم تَكُنْ مُتَأَلِّمةً، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، كما لو ضرَب إنْسانًا فلم يَبْقَ مُتَأَلِّمًا ولا ضَمِنًا، ومات بعدَ أيَّامٍ.
وإنِ اخْتَلَفا في وُجودِ التَّأَلُّمِ، فالقولُ قولُه؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُه.
وإن كانتْ مُتَأَلِّمةً في بعْضِ المُدَّةِ، فادَّعَى أنَّها بَرَأَتْ وزَالَ أَلَمُها، وأنْكَرَتْ ذلك، فالقولُ قولُها؛ لأَنَّ الأَصْلَ بقاؤُه.
وإن ثبَت إسْقاطُها مِن الضَّرْبَةِ، فادَّعَتْ سُقُوطَه حَيًّا، وأنْكَرَها، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، إلَّا أن تَقُومَ لها بَيِّنَةٌ باسْتِهْلالِه؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ ذلك.
وإن ثَبَتَتْ حَياتُه، فادَّعَتْ أنَّه لوَقْتٍ يَعِيشُ مِثْلُه، فأنْكَرَها، فالقولُ قولُها مع يَمِينِها؛ لأَنَّ ذلك لا يُعْلَمُ إلَّا مِن جِهَتِها , ولا يُمْكِنُ إقامةُ البَيِّنَةِ عليه، فقُبِلَ قولُها فيه، كانْقِضاء عِدَّتِها، ووُجودِ حَيْضِها وطُهْرِها.
وإن أقامَتْ بَيِّنةً باسْتِهْلالِه، وَأقامَ الجانِى بَيِّنَةً بخِلافِها، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُها؛ لأنَّها مُثْبِتَة، فقُدِّمَتْ على النَّافيةِ؛ لأَنَّ المُثْبِتةَ معها زِيادَةُ عِلْمٍ.
وإنِ ادَّعَتْ أنَّه مات عَقِيبَ إسْقاطِه، وادَّعَى أنَّه عاش مُدَّةً، فالقولُ قولُها؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ حَياتِه.
وإن أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعْواه، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الجانِى؛ لأَنَّ

الجزء: 25 - الصفحة: 437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  معَها زِيادةَ عِلْمٍ.
وإن ثبَت أنَّه عاش مُدَّةً، فادَّعَتْ أنَّه بَقِىَ مُتَأَلِّمًا حتَّى مات، فأنْكَرَ، فالقولُ قولُه؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَم التَّأَلُّمِ، فإن أقامَا بَيِّنتَيْنِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُها؛ لأَنَّ معها زِيادةَ عِلْمٍ 277. ويُقْبَلُ في اسْتِهلالِ الجَنِينِ، وسُقُوطِه، وبَقائه مُتَأَلِّمًا، وبقاء أُمِّه مُتَأَلِّمةً، قولُ امرأةٍ واحدةٍ؛ لأنَّه ممَّا لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ غالِبًا، لأَنَّ الغالِبَ أنَّه لا يَشْهَد الوِلادةَ إلَّا النِّساءُ، والاسْتِهْلالُ يتَّصِلُ بها، وهُنَّ يَشْهَدْنَ حالَ المرأةِ ووِلادَتَها، وحالَ الطِّفْلِ، ويَعْرِفْنَ عِلَلَه وأمْراضَه، وقُوَّتَه وضَعْفَه، دُونَ الرِّجالِ.
وإنِ اعْتَرَفَ الجانِى باسْتِهْلالِه، أو ما يُوجِبُ فيه دِيَةً كاملةً، فالديةُ في مالِ الجانِى لا تَحْمِلُه العاقلةُ؛ لأنَّها لا تَحْمِلُ اعْتِرافًا.
وإن كانتْ ممَّا تَحْمِلُ العاقلةُ فيه الغُرَّةَ، فهى على العاقلةِ، وباقى الدِّيَةِ في مالِ القاتلِ.
فصل: وإنِ انْفَصَلَ منها جَنِينانِ، ذَكَرٌ وأُنْثَى، فاسْتَهَلَّ أحَدُهما، واتَّفَقُوا على ذلك، واخْتَلَفُوا في المُسْتَهِلِّ، فقال الجانِى: هو الأُنْثَى.
وقال وارِثُ الجَنِينِ: هو الذَّكَرُ.
فالقولُ قول الجانِى مع يَمِينِه؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءةُ ذِمَّتِه مِن الزَّائدِ على دِيَةِ الأُنْثَى، فإن كان لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ بها، وإن كان لهما بَيِّنَتانِ، وجَبَتْ دِيَةُ الذَّكَرِ؛ لأَنَّ البَيِّنةَ قد قامتْ باسْتِهلالِه، والبَيِّنَةُ المُعارِضَةُ لها نافية له، والإِثْباتُ مُقَدَّمٌ على النَّفْى.
فإن

الجزء: 25 - الصفحة: 438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قيل: فيَنْبَغِى أن تَجِبَ دِيَتُهما.
قُلْنا: لا تَجِبُ دِيَةُ الأُنْثَى؛ لأن المُسْتَحِقَّ لها لم يَدَّعِها، وهو مُكَذِّبٌ للبَيِّنةِ الشاهِدَةِ بها.
فإنِ ادَّعَى الاسْتِهلالَ منها، ثبَت ذلك بالبَيِّنَتَيْنِ.
وإن لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فاعْتَرَفَ الجانِى باسْتِهْلالِ الذَّكَرِ، فأنْكَرَتِ العاقلةُ، فالقولُ قولُهم مع أيْمانِهِم، فإذا حَلَفُوا، كان عليهم دِيَةُ الأُنْثَى وغُرَّةٌ، إن كانت تَحْمِلُ الغُرَّةَ، وعلى الضَّارِبِ تَمامُ دِيَةِ الذَّكَرِ، وهو نِصْفُ الدِّيَةِ، لا تَحْمِلُه العاقلةُ؛ لأنَّه ثبَت باعْتِرافِه.
وإنِ اتَّفَقُوا على أن أحَدَهُما اسْتَهَلَّ، ولم يُعْرَفْ بعَيْنِه، لَزِمَ العاقلةَ دِيَةُ أُنْثَى؛ لأنَّها مُتَيَقَّنَةٌ، وتَمامُ دِيَةِ الذَّكَرِ مَشْكُوك فيه.
والأَصْلُ بَراءةُ الذِّمَّةِ منه، فلم يَجب بالشَّكِّ، وتَجِبُ الغُرَّةُ في الذى لم يَسْتَهِلَّ.
فصل: إذا ضَرَبَها فأَلْقَتْ يَدًا، ثم ألْقَتْ جَنِينًا، فإن كان إلْقاؤُهما مُتَقارِبًا، أو بَقِيَتِ المرأةُ مُتَأَلِّمةً إلى أن ألْقَتْه، دَخَلَتِ اليَدُ في ضَمانِ الجَنِينِ؛ لأن الظاهِرَ أنَّ الضَّرْبَ قطَعِ يَدَه، فسَرَى إلى نَفْسِه، فأَشْبَهَ ما لو قطَع يَدَ رَجُلٍ، فسَرَى القَطْعُ إلى نفْسِه، ثم إن كان الجَنِينُ سقَط مَيِّتًا، أو حَيًّا لوَقْتٍ لا يَعِيشُ لمِثْلِه 278، ففيه غُرَّةٌ، وإن ألْقَتْه حَيًّا لوَقْتٍ يَعِيشُ لمِثْلِه، ففيه دِيَةٌ كاملةٌ، وإن بَقِىَ حَيًّا فلم يَمُتْ، فعلى الضَّارِبِ ضَمانُ اليَدِ بدِيَتِها، بمَنْزِلَةِ مَن قطَع يدَ رَجُلٍ فانْدَمَلَتْ.
وقال القاضى، وبعضُ أصْحابِ الشافعىِّ: يُسْأَلُ القَوابِلُ، فإن قُلْنَ: إنَّها يَدُ مَن لم تُخْلَقْ فيه

الجزء: 25 - الصفحة: 439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحياةُ.
ففيها نِصْفُ الغُرَّةِ.
وإنْ قُلْنَ: يَدُ مَن خُلِقَتْ فيه الحياةُ.
ففيها نِصْفُ الدِّيَةِ.
ولَنا، أنَّ الجَنِينَ إنَّما يُتَصَوَّرُ بقَاءُ الحياةِ فيه إذا كان حَيًّا قبلَ وِلادَتِه بمُدَّةٍ طويلةٍ، أقَلُّها شَهْرانِ، على ما دَلَّ عليه حديثُ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ، في أنَّه يُنْفَخُ فيه الرُّوحُ بعدَ أرْبعةِ أشْهُرٍ 279، وأقَلُّ ما يَبْقَى بعدَ ذلك شَهْرانِ؛ لأنَّه لا يَحْيَى إذا وَضَعَتْه لأَقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، والكلامُ مَفْروضٌ 280 فيما إذا لم يَتَخَلَّلْ بينَ الضَّرْبَةِ والإِسْقاطِ مُدَّةٌ 281 تُزيلُ ظَنَّ سُقُوطِه بها، فيُعْلَمُ حِينَئِذٍ أنَّها كانت بعدَ وُجُودِ الحياةِ فيه.
وأمَّا إن ألْقَتِ اليَدَ، وزالَ الألَمُ، ثم ألْقَتِ الجَنِينَ، ضَمِنَ اليَدَ وحدَها، بمَنْزِلةِ مَن قطَع يَدًا فانْدَمَلتْ، ثم مات صاحِبُها، ثم يُنْظَرُ؛ فإن ألْقَتْه مَيتا، أو لوَقْتٍ لا يَعِيشُ لمِثْلِه، ففى اليَدِ نِصْفُ غُرَّةٍ؛ لأَنَّ في جَمِيعِه غُرَّةً، ففى يَدِه نِصْفُ دِيَتِه، وإن ألْقَتْه حَيًّا [لوَقْتٍ يَعِيشُ لمِثْلِه، ثم مات، أو عاشَ، وكان بينَ إلْقاءِ اليَدِ وبينَ [إلْقائه مُدَّةٌ] 282 يَحْتَمِلُ أن تكونَ الحياةُ] 283 لم تُخْلَقْ فيه قبلَها، أُرِىَ القَوابِلَ ههُنا، فإن قُلْنَ: إنَّها يَدُ مَن لم تُخْلَقْ فيه الحياةُ.
وجَبَ نِصْفُ غُرَّةٍ، وإن قُلْنَ: إنَّها يَدُ مَن خُلِقَتْ فيه الحياةُ.
ولم يَمْضِ له سِتَّةُ أشْهُرٍ، وجَب فيه نِصْفُ الغُرَّةِ؛ لأنَّها يَدُ مَن لا 284 يَجِبُ فيه أكْثَرُ مِن غُرَّةٍ،

الجزء: 25 - الصفحة: 440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأَشْبَهَتْ يَدَ مَن لم تُنْفَخْ فيه الرُّوحُ، وإن أشْكَلَ الأمْرُ علَيْهِنَّ، وجَب نِصْفُ الغُرَّةِ؛ لأنَّه اليَقِينُ، وما زادَ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ.
فصل: وإذا شَرِبَتِ الحَامِلُ دَواءً، فأَلْقت جَنِينًا، فعليها غُرَّةٌ، لا تَرِثُ منها شيئًا، لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ في ذلك؛ لأنَّها أسْقَطَتِ الجَنِينَ بفِعْلِها وجِنايَتِها، فلَزمَها ضَمانُه بالغُرَّةِ، كما لو جَنَى عليه غيرُها , ولا تَرِثُ مِن الغُرَّةِ شيئًا؛ لأَنَّ القاتِلَ لا يَرِثُ [مِن ديةِ] 285 المقْتُولِ، ويَرِثُها سائِرُ وَرَثَتِه، فإن كان الجانِى المُسْقِطُ للجَنِينِ أباهُ أو غيرَه، فعليه غُرَّة، لا يرَثُ منها شيئًا؛ لِما ذكَرْنا.
فصل: وإن جَنَى على بَهِيمَةٍ، فألْقَتْ جَنِينَها، ففيه ما نَقَصَها، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن أبى بكرٍ أنَّ فيه عُشْرَ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لأنَّها جِنايَة على حَيوانٍ يَمْلِكُ بَيْعَه، أسْقَطَتْ جَنِينَه، أشْبَهَ جَنِينَ الأمَةِ.
وهذا لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الجِنايةَ على الأمَةِ تُقَدَّرُ مِن قِيمَتِها في ظاهرِ المذهبِ، ففى يَدِها نِصْفُ قِيمَتِها، وفى مُوضِحَتِها نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِها، وقد وافَقَ أبو بكرٍ على ذلك، فقُدِّرَ جَنِينُها مِن قِيمَتِها، كبَعْضِ أعْضائها، والبَهِيمَةُ إنَّما يَجِبُ بالجِنايةِ عليها قَدْرُ نَقْصِها، فكذلك في جَنِينها, ولأَنَّ الأمَةَ آدَمِيَّةٌ، الحِقَتْ بالأحْرارِ في تَقْدِيرِ أعْضائها مِن قِيمَتِها، بخِلافِ البَهِيمَةِ.

الجزء: 25 - الصفحة: 441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وَدِيَةُ الأعْضاءِ كدِيَةِ النَّفْسِ، فإن كان الواجِبُ مِن الذَّهَبِ والوَرِقِ، لم يَختلفْ بعَمْدٍ ولا خَطَأ، وإن كان مِن الإِبِلِ، وجَبَ في العَمْدِ أرْباعًا، على إحْدَى الرِّوايتَيْنِ، وفى الأُخْرَى يَجِبُ خُمْسٌ [وعُشْرٌ منها حِقاقٌ] 286، وخُمسٌ [وعُشْرٌ جِذَاعٌ] 287، وخُمْساها خَلِفاتٌ، وفى الخطأ يَجِبُ أخْماسًا، فإن لم يُمْكِنْ قسْمتُه 288، مثلَ أن يُوضِحَه عَمْدًا، فإنَّه يَجِبُ أربعةٌ أرْباعًا، والخامسُ مِن أحَدِ الأجْناسِ الأرْبعةِ، قِيمَتُه رُبْعُ قِيمَةِ الأرْبعِ.
وإن قُلْنا بالرِّوايةِ الأُخْرَى، وجَبَ خَلِفَتانِ، وحِقَّةٌ، وجَذَعَةٌ، وبَعِيرٌ 289 قِيمَتُه نِصْفُ قِيمَةِ حِقَّةٍ ونصفُ قِيمَةِ جَذَعَةٍ.
وإن كانتْ خَطَأً، وجَبَ الخَمْسُ مِن الأجْناسِ الخَمْسَةِ، مِن كلِّ جنْسٍ 290 بَعيرٌ.
وإن كان الواجِبُ دِيَةَ أُنْمُلَةٍ، وقُلْنا: تَجِبُ مِن ثَلاثةِ أَجْناسٍ.
وجَب بَعِيرٌ وثُلُثٌ مِن الخَلِفاتِ، وحِقَّةٌ، وجَذَعَةٌ.
وإن قُلْنا: أرْباعًا.
وجَب ثَلاثةٌ وثُلُثٌ، قِيمَتُها نِصْفُ قِيمَةِ الأرْبعةِ وثُلُثِها.
وإن كان خَطَأً، فقِيمَتُها ثُلُثا قِيمَةِ الخَمْسِ.
وعندَ أَصْحابِنا، أنَّ قِيمَةَ كُلِّ بَعِيرٍ مائةٌ وعشرونَ دِرْهَمًا، أو عَشَرةُ دنَانيرَ، فلا فائدةَ في تَعْيِينِ

الجزء: 25 - الصفحة: 442

فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ الْقَتْلَ تُغَلَّظُ دِيَتُهُ بِالْحَرَمِ، وَالإِحْرَامِ، وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَالرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، فَيُزَادُ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ الْحُرُمَاتُ الْأَرْبَعُ، وَجَبَ دِيَتَانِ وَثُلُثٌ.
أسْنَانِها.
وإنِ اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ الدَّنانيرِ والدَّراهِمِ، مثلَ أن كانَتِ العشَرةُ الدَّنانيرِ تُساوِى مائةَ درهم، فقِياسُ قَوْلِهم أنَّه (1) إذا جاءَ بما قِيمَتُه عشرةُ دنانِيرَ، لَزِمَ المَجْنِىَّ عليه قَبولُه؛ لأنَّه لو جاءَه بالدَّنانيرِ، لَزِمَه قَبُولُها، فلَزِمَه قَبولُ ما يُساوِيها.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: (وذكَر أصْحابُنا أنَّ القَتْلَ تُغَلَّظُ دِيَتُه بالحَرَمِ، والإِحْرامِ، والأشْهُرِ الحُرُمِ، والرَّحِمِ المَحْرَمِ، فيُزادُ لكلِّ واحدٍ ثلُثُ الدِّيَةِ، فإذا اجْتَمَعَتِ الحُرُماتُ الأرْبَعُ، وجَب دِيتانِ وثُلُثٌ) وجملةُ ذلك، أنَّ الدِّيَةَ تُغَلَّظُ بثلاثةِ أشياءَ؛ إذا قتَل في الحَرَمِ، والأشْهُرِ الحُرُمِ، وإذا قتَل مُحْرِمًا.
ونَصَّ أحمدُ على التَّغْلِيظِ فيما إذا قتَل مُحْرِمًا291

الجزء: 25 - الصفحة: 443

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في الحَرَم وفى الشَّهْرِ الحَرامِ.
فأمَّا إن قتَل ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فقال أبو بكرٍ: تُغَلَّظُ دِيَتُه.
وقال القاضى: ظاهرُ كلامِ أحمدَ أنَّها لا تُغَلَّظُ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: تُغَلَّظُ بالحَرَمِ، والأَشْهُرِ الحُرُمِ، وذِى 292 الرَّحِمِ، وفى التغليظِ بالإِحْرامِ وَجْهان.
وممَّن رُوِىَ عنه التَّغْليظُ؛ عُثمانُ، وابنُ عباسٍ، والسَّعِيدانِ 293، وعَطاءٌ، وطاوسٌ، ومُجاهِدٌ، وسليمانُ بنُ يَسَارٍ، وجابرُ بنُ زَيْدٍ، وقَتادةُ، والأوْزَاعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ.
واخْتَلَفَ القائلونَ بالتَّغْلِيظِ في صِفَتِه، فقال أصْحابُنا: يُغَلَّظُ لكلِّ واحدٍ مِن الحُرُماتِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، فإذا اجْتَمَعَتِ الحُرُماتُ الأرْبعُ، وجَبَتْ دِيتَانِ وثُلُث.
قال أحمدُ في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ، في مَن قتَل مُحْرِمًا في الحَرَمِ في الشَّهْرِ الحَرامِ: فعليه أرْبَعةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا.
وهذا قولُ التَّابِعينَ القائِلينَ بالتَّغْليظِ.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: صِفَةُ التَّغْلِيظِ، إيجابُ دِيَةِ العَمْدِ في الخَطَأ، ولا يُتَصَوَّر التَّغْلِيظُ في غيرِ الخَطَأ،

الجزء: 25 - الصفحة: 444

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا يُجْمَعُ بينَ تَغْلِيظَيْنِ.
وهذا قولُ مالكٍ، إلَّا أنَّه يُغَلِّظُ في العَمْدِ، فإذا قَتَلَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَمْدًا، فعليه ثلاثونَ حِقَّةً، وثلاثونَ جَذَعَةً، وأرْبعونَ خَلِفَةً، وتَغْلِيظُها في الذَّهَبِ والفِضَّةِ أن يَنْظُرَ 294 قِيمَةَ أسْنانِ الإِبِلِ غيرَ مُغَلَّظَةٍ، وقِيمَتَها مُغَلَّظَةً، ثم يَحْكُمَ بزِيادةِ ما بينَهما، كَأنَّ 295 قِيمَتَها مُخَفَّفَةً سِتُّمائةٍ، وفى العَمْدِ ثَمانمائةٍ، وذلك ثُلُثُ الدِّيَةِ المُخَفَّفَةِ.
وعندَ مالكٍ تُغَلَّظُ في الأبِ والأُمِّ والجَدِّ، دُونَ غيرِهم.
واحْتَجَّا على صِفَةِ التَّغْلِيظِ بما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه أخَذَ مِن قَتادَةَ المُدْلِجىِّ دِيَةَ ابْنِه حينَ حَذَفَه بالسَّيْفِ ثلاثينَ حِقَّةً، وثلاثينَ جَذَعَةً، وأربعين خلِفَةً 296، ولم يَزِدْ عليه في العَدَدِ شيئًا 297. وهذه قِصَّة اشْتَهَرَتْ فلمِ تُنْكَرْ، فكانتْ إجْماعًا, ولأَنَّ ما أوْجَبَ التَّغْلِيظَ أوْجَبَه في الأسْنانِ دُون القَدْرِ، كالضَّمانِ، ولا يُجْمَعُ بينَ تَغْلِيظَيْنِ؛ لأَنَّ ما أوْجَبَ التَّغْلِيظَ بالضَّمانِ إذا اجْتَمَعَ سَببانِ تَداخلا، كالحَرَمِ والإِحْرَامِ في قَتْلِ الصَّيْدِ، وعلى أنَّه لا يُغَلَّظُ بالإِحْرامِ؛ لأَنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بتَغْلِيظِه.
واحْتَجَّ أصْحابُنا

الجزء: 25 - الصفحة: 445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بما رَوَى ابنُ أبى نَجيحٍ [عن أَبيه] 298، أنَّ امرأةً وُطِئتْ 299 في الطَّوَافِ، فقَضَى عثمانُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فيها بسِتَّةِ آلافٍ وألْفَيْنِ تَغْلِيظًا للحَرَمِ 300. وعن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: مَن قتَل في الحَرَمِ، أو ذَا رَحِمٍ، أو في الشَّهْرِ الحَرامِ، فعليه دِيَةٌ وثُلُثٌ 301. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّ رَجُلًا قتَل رَجُلًا في الشَّهْرِ الحَرامِ، في البَلَدِ الحرامِ، فقال: دِيَتُه اثْنَا عَشَرَ ألْفًا، وللشَّهْرِ الحرامِ أرْبَعَةُ آلافٍ، وللبَلَدِ الحرامِ أرْبَعةُ آلافٍ 302. وهذا ممَّا

الجزء: 25 - الصفحة: 446

وَظَاهِرُ كَلامِ الْخِرَقِىِّ، أَنَّهَا لَا تُغَلَّظُ بِذَلِكَ.
وَهُوَ ظَاهِرُ الآيَةِ وَالْأَخْبَارِ.
يَظْهَرُ ويَنْتَشِرُ، ولم يُنْكَرْ، فثَبَتَ إجْماعًا.
وهذا فيه الجَمْعُ بينَ تَغْلِيظاتٍ ثلاثٍ، ولأنَّهُ قولُ التابِعينَ القائلِينَ بالتَّغْلِيظِ.
واحْتَجُّوا على التَّغْليظِ في العَمْدِ، أنَّه إذا غُلِّظَ الخَطَأُ مع العُذْرِ فيه، ففى العَمْدِ مع عَدَمِ العُذْرِ أَوْلَى.
وكلُّ مَن غَلَّظَ الدِّيَةَ، أوْجَبَ التَّغْلِيظَ في بَدَلِ الطَّرَفِ بهذه الأسْبابِ؛ لأَنَّ ما أوْجَبَ تَغْلِيظَ دِيَةِ النَّفْسِ، أوْجَبَ تغْلِيظَ دِيَةِ الطَّرَفِ، كالعَمْدِ (1).

4223 -

مسألة: (وظاهرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ أنَّ الدِّيَةَ لا تُغَلَّظُ لشئٍ مِن ذلك)

وهو قولُ الحَسَنِ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وأبى حَنيفَةَ، وابْن المُنْذِرِ.
ورُوِىَ ذلك عن الفُقَهاءِ السَّبْعَةِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ،303

الحديث: 4223 - الجزء: 25 - الصفحة: 447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وغيرِهم؛ لأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «في النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائةٌ مِنَ الإِبِلِ» 304. لم يَزِدْ على ذلك.
«وعلى أهْلِ الذَّهَبِ ألْفُ مِثْقَالٍ» 305. وفى حديثِ أبى شُرَيْحٍ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «وَأَنْتُمْ يَا خُزاعَةُ قدْ قَتَلْتُمْ هذا القَتِيلَ مِن هُذَيْلٍ، وأنا واللَّهِ عَاقِلُه، فمَن قُتِلَ له قَتِيل بعدَ ذلِكَ، فأهْلُه بينَ خِيَرَتَيْنِ؛ إن أحَبُّوا قَتَلُوا، وإن أحَبُّوا أخَذُوا الدِّيَةَ» 306. وهذا القَتِيلُ كان بمَكَّةَ في حَرَمِ اللَّهِ تعالى، ولم يَزِدِ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على الدِّيَةِ، ولم يُفَرِّق بينَ الحَرَمِ وغيرِه.
وقال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ 307. وهذا يقْتَضِي أن تكونَ الدِّيَةُ واحدةً في كلِّ مكانٍ، وكلِّ حالٍ، ولأَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أخَذ مِن قَتادَةَ المُدْلِجِىِّ دِيَةَ ابْنِه، لم يَزِدْ على مائةٍ.
ورَوَى الجُوزْجَانِىُّ، بإسْنادِه، عن أبى الزِّنادِ، أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، كان

الجزء: 25 - الصفحة: 448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَجْمَعُ الفُقَهاءَ، فكان ممَّا أحْيَى مِن تلك السُّنَنِ بقولِ فُقَهاءِ المدينةِ السَّبْعَةِ ونُظَرائهم، أنَّ نَاسًا كانوا يقولون: إنَّ الدِّيَةَ تُغَلَّظُ في الشَّهْرِ الحَرامِ أرْبَعةَ آلافٍ، فتكونُ سِتَّةَ عشرَ ألْفًا.
فألْغَى عمرُ ذلك بقَوْلِ الفُقَهاءِ، وأثْبَتَها اثْنَى عَشَرَ ألْفَ دِرْهمٍ في الشَّهْرِ الحرامِ، والبَلَدِ الحَرامِ، وغيرِهما.
قال ابن المُنْذِرِ 308: وليس بثابِتٍ ما رُوِىَ عن الصَّحابةِ في هذا.
ولو صَحَّ، ففِعْلُ عمرَ في حديثِ قَتادةَ أَوْلَى، وهو مُخالِفٌ لغيرِه، فيُقَدَّمُ على قولِ مَن خالَفَه، وهو أَصَحُّ في الرِّوايةِ، مع مُوافَقَتِه الكِتابَ والسُّنَّةَ والقِياسَ.
فصل: ولا تُغَلَّظُ الدِّيَةُ بموضِع غيرِ حَرَمِ مَكَّةَ.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: تُغَلَّظُ الدِّيَةُ بالقَتْلِ في المدينةِ.
على قولِه القَديم؛ لأنَّها مكان يَحْرُمُ صَيْدُه، فأشْبَهَتْ حَرَمَ مَكَّةَ.
ولا يَصِحُّ القِياسُ؛ لأنَّها ليست مَحَلًّا للمَناسِكِ، فأشْبَهَت سائرَ البُلْدانِ، ولا يَصِحُّ قِياسُها على الحَرَمِ؛ لأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «أىُّ بَلَدٍ هذَا؟ أَلَيْسَتِ البَلْدَةَ؟».
قال: «فَإنَّ دِمَاءَكُم وأمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرام، كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذَا، في

الجزء: 25 - الصفحة: 449

وَإِنْ قَتَلَ الْمُسْلِمُ كَافِرًا عَمْدًا، أُضْعِفَتِ الدِّيَةُ؛ لإِزَالَةِ القَوَدِ، كَمَا  بَلَدِكُمْ هذَا» (1). وهذا يَدُلُّ على أنَّه أعْظَم البِلادِ حُرْمَةً.
وقال النَّبىّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ أعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ، رَجُلٌ قتَل في الحَرَمِ، ورَجُلٌ قتَل غيرَ قاتِلِه، ورَجُل قتَل بِذَحْلٍ (2) في الجاهِلِيَّةِ» (3). وتَحْرِيم الصَّيْدِ ليس هو العِلَّةَ في التَّغْلِيظِ، وإن كان مِن جُمْلَةِ المُؤثِّرِ، فقد خالَفَ تَحْرِيمُه تَحْرِيمَ الحَرَمِ، فإنَّه لا يَجِبُ الجَزاءُ على مَن قتَل فيه صَيْدًا, ولا يَحْرُم الرَّعْىُ فيه، ولا الاحْتِشاشُ منه، ولا ما يُحْتاجُ إليه مِن الرَّحْلِ والعارِضَةِ والقائمةِ وشِبْهِه.

4224 -

مسألة: (وإن قتَل المسْلِمُ كَافِرًا عَمْدًا، أُضْعِفَتِ الدِّيَةُ)

309310311 الحديث: 4224 - الجزء: 25 - الصفحة: 450

حَكَمَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ.
[على قاتِلِه] 312 (لإِزالَةِ القَوَدَ، كما حكَم عُثْمَانُ بنُ عفَّانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه) روَى أحمدُ، عن عبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَر، عن الزُّهْرِىِّ، عن سالم، عن أَبِيه، أنَّ رَجُلًا قتَل رَجُلًا مِن أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَرفِعَ إلى عُثمانَ، فلم يَقْتُله، وغَلَّظَ عليه ألْفَ دِينارٍ 313. فذهبَ إليه أَحْمد، رَحِمَه اللَّهُ.
وله نَظائر في مَذْهَبِه، فإنَّه أوْجَبَ على الأَعْوَرِ إذا قلَع عَيْنَ صَحِيحٍ مماثِلَةً لعَيْنه دِيَةً كاملةً، لَمَّا دَرَأ عنه القِصاصَ، وأوْجَبَ على سارِقِ التَّمْرِ المعَلَّق مِثْلَىْ قِيمَتِه، لَمَّا دَرَأَ عنه القَطْعَ.
وذهبَ جُمهورُ العُلماءِ إلى أنَّ ديةَ الذِّمِّىِّ في العَمْدِ والخَطَأ واحدٌ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ فيها، وكما لو قتَل حُرٌّ عَبْدًا عَمْدًا 314، فإنَّه لا تُضَعَّفُ القِيمَةُ عليه، ولأنَّه بَدَلُ مُتْلَفٍ، فلم يتَضاعَفْ بالعَمْدِ، كسائرِ الأبْدَالِ.

الجزء: 25 - الصفحة: 451

فَصْلٌ: وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ خَطَأً، فَسَيِّدُهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ فِدَائهِ بِالأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ أو أَرْشِ جِنَايَتِه، أَوْ تَسْلِيمِهِ ليُبَاعَ في الْجِنَايَةِ.
وَعَنْهُ، إِنْ أَبَى تَسْلِيمَهُ، فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ كُلِّهِ.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: (وإن جَنَى العَبْدُ خَطَأً، فسَيِّدُه بالخِيارِ بينَ فِدائه بالأقَلِّ مِن قِيمتِه أو أَرْشِ جِنايتُه، أو تَسْلِيمِه ليُباعَ في الجِنايةِ) وجملةُ ذلك، أنَّ جِنايةَ العَبْدِ إذا كانت مُوجِبةً للمالِ، أو كانت مُوجِبةً للقِصاصِ، فعَفا عنها إلى المالِ، تتَعَلَّقُ برَقَبَتِه؛ لأنَّه لا يَخْلُو مِن أن تَتَعَلَّقَ برَقَبَتِه، أو ذِمَّتِه، أو ذِمَّةِ سَيِّدِه، أو لا يَجِبَ شئٌ، ولا يُمْكِنُ إلْغاؤها؛ لأنَّها جِنايةُ آدَمِىٍّ، فوَجَبَ اعْتِبارُها كجنايةِ الحُرِّ، ولأَنَّ جِنايةَ الصَّغيرِ والمجْنونِ غيرُ مُلْغاةٍ، مع عُذْرِه وعَدَمِ تَكْلِيفِه، فالعَبْدُ أَوْلَى، ولا يُمْكِنُ تَعْلِيقُها بذِمَّتِه؛ لأنَّه يُفْضِى إلى إلْغائِها، أو تَأخِيرِ حَقِّ المَجْنِىِّ عليه إلى غيرِ غايةٍ، ولا بذِمَّةِ السَّيِّدِ؛ لأنَّه لم يَجْنِ، فتَعَيَّنَ تَعَلُّقُها برَقبَةِ العَبْدِ،

الجزء: 25 - الصفحة: 452

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأَنَّ الضَّمانَ مُوجَبُ جِنايَتِه، فتَعَلَّقَ برَقَبَتِه، كالقِصاصِ.
ثم لا يَخْلُو أَرْشُ الجِنايةِ مِن أن يكونَ بقَدْرِ قِيمَتِه أو أقَلَّ أو أكْثَرَ؛ فإنْ كان بقَدْرِها فما دُونَ، فالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بينَ أن يَفْدِيَه بأَرْشِ جِنايَتِه أو يُسَلِّمَه إلى وَلِىِّ الجِنايةِ فيَمْلِكَه.
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، ومحمدُ بن الحسنِ، وإسْحاقُ.
ورُوِىَ ذلك عن الشَّعْبىِّ، وعَطاء ومُجاهِدٍ، وعُرْوَةَ، والحسنِ، والزُّهْرِىِّ، وحَمَّادٍ؛ لأنَّه إن دَفعَ أَرْشَ الجِنايةِ، فهو الذى وجَب للمَجْنِىِّ عليه، فلم يَمْلِك المُطالَبَةَ بأكْثَرَ منه، وإن سلَّمَ العَبْدَ، فقد أدَّى المَحَلَّ الذى تعَلَّقَ الحَقُّ به، ولأَنَّ حَقَّ المَجْنِىِّ عليه لا يتَعَلقُ بأكْثَرَ مِن الرَّقَبَةِ، وقد أدَّاها.
وإن طالبَ المَجْنِىُّ عليه السَّيِّدَ بتَسْلِيمِه إليه، لم يُجْبَرْ عليه السَّيِّدُ؛ لِما ذكَرْنا.

الجزء: 25 - الصفحة: 453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

4225 - مسألة: وان كانتِ الجِنايَةُ أكثرَ مِن قِيمَتِهِ،

فَفِيهِ رِوايتانِ؛ إحْداهما، هى كالتى قبلَها، يُخَيَّرُ بينَ تَسْلِيمِه، أو أن يَفْدِيَه بقِيمَتِه أو أَرْشِ جِنايَتِه؛ لأنَّه إذا أدَّى قِيمَتَه، فقد أدَّى قَدْرَ الواجِبِ عليه، فلم يَلْزَمْه أكْثَرُ مِن ذلك، كما لو كانتِ الجِنايةُ بقَدْرِ قِيمَتِه.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يَلْزَمُه تَسْلِيمُه، أو أن يَفْدِيَه بأَرْشِ الجنايَةِ بالِغَةً ما بَلَغَتْ.
وهذا قولُ مالكٍ؛ لأنَّه إذا عُرِضَ للبَيْعِ رُبَّما رَغِبَ فيه راغِبٌ بأكثرَ مِن قِيمَتِه، فإذا أمْسَكَه فقد فَوَّتَ تلك الزِّيادةَ على المَجْنِىِّ عليه.
وللشافعىِّ قَوْلانِ كالرِّوايتَيْنِ.
ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، أنَّ الشَّرْعَ قد جعَل له فِداءَه، فكان

الحديث: 4225 - الجزء: 25 - الصفحة: 454

فَإِنْ سَلَّمَهُ وَأَبَى وَلِىُّ الْجِنَايَةِ قَبُولَهُ، وَقَالَ: بِعْهُ أَنْتَ.
فَهَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ.
الواجبُ قَدْرَ قِيمَتِه، كسائرِ المُتْلَفاتِ.

4226 -

مسألة: (وإن سَلَّمَه)

إليه 315 السَّيِّدُ (فَأبَى وَلِىُّ الجِنايَةِ قَبُولَه، وقال: بِعْه أنت) وادْفَعْ ثَمَنَه إلَىَّ (فهلْ يَلْزَمُ السَّيِّدَ ذلك؟ على رِوايَتَيْنِ) إحْداهما، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه إذا سَلَّمَ العَبْدَ، فقد أدَّى المَحَلَّ الذى تَعَلَّقَ الحَقُّ به، ولأَنَّ حَقَّ المَجْنِىِّ عليه لا يتَعَلَّقُ بأكْثَرَ مِن الرَّقَبَةِ، وقد أدَّاها.
والثانيةُ، يَلْزَمُه؛ لأَنَّ الجِنايةَ تَقْتَضِى 316 وُجُوبَ أَرْشِها، وأَرْشُها هو قِيمَةُ العَبْدِ.

الحديث: 4226 - الجزء: 25 - الصفحة: 455

وَإِنْ جَنَى عَمْدًا، فَعَفَا الْوَلِىُّ عَنِ الْقِصَاصِ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَهَلْ يَمْلِكُهُ بِغَيْرِ رِضَا السَّيِّدِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْن.

4227 - مسألة: (وإن جَنَى عَمْدًا، فَعَفا الوَلِىُّ عن القِصاصِ على رَقَبَتِه، فَهلْ يَمْلِكُه بغيرِ رِضَا السَّيِّدِ؟ على رِوايَتَيْنِ)

إحداهما، لا يَمْلِكُه؛ لأنَّه إذا لم يَمْلِكْه بالجنايةِ، فلَأن لا يَمْلِكَه بالعَفْوِ أَوْلَى، ولأنَّه أحَدُ مَن عليه قِصاصٌ، فلا يَمْلِكُ بالعَفْوِ، كالحُرِّ، ولأنَّه إذا عَفَا عن القِصاصِ، انْتَقَلَ حَقُّه إلى المالِ، فصارَ كالجانِى جنايةً مُوجِبَةً للمالِ.
والثانيةُ، أنَّه يَمْلِكُه؛ لأنَّه مملوكٌ اسْتَحَقَّ إتْلافَه، فاسْتَحَقَّ إبْقاءَه على مِلْكِه، كعَبْدِه الجانِى عليه.
فصل: قال أبو طالبٍ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يقولُ: إذا أَمَرَ غُلامَه فجَنَى، فعليه ما جَنَى، وإن كان أكْثَرَ مِن ثَمَنِه، وإن قطَع يدَحُرٍّ، فعليه

الحديث: 4227 - الجزء: 25 - الصفحة: 456

وَإِنْ جَنَى عَلَى اثْنَيْنِ خَطَأً، اشْتَرَكَا فِيهِ بِالْحِصَصِ،  دِيةُ (1) يَدِ الحُرِّ، وإن كان ثَمَنُه أقَلَّ، وإن أمَرَه سَيِّدُه أن يَجْرَحَ رَجُلًا، فما جَنَى فعليه قِيمَةُ جنايَتِه، وإن كانت أكثرَ مِن ثَمَنِه؛ لأنَّه بأَمْرِه.
وكان علىٌّ وأبو هُرَيْرَةَ يقولَان: إذا أَمَرَ عَبْدَه أن يَقتُلَ، فإنَّما هو سَوْطُه، يُقْتَلُ المَوْلَى، ويُحْبَسُ العَبْدُ (2). وقال أحمدُ: ثنا بَهْزٌ، ثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، ثنا قتادةُ، عن خِلاسٍ، أنَّ عَلِيًّا قال: إذا أَمَرَ الرجلُ عَبْدَه فَقَتلَ، إنَّما هو كَسَوْطِه، أو كسَيْفِه، يقْتَلُ المَوْلَى، والعَبْدُ يسْتَوْدَعُ السِّجْنَ (3). ولأنَّه فَوَّتَ شيئًا بأمْرِه، فكان على السَّيِّدِ ضَمانُه, كما لو اسْتَدانَ بأمْرِه.

4228 -

مسألة: (وَإن جَنَى على اثْنَيْنِ خَطَأً، اشْتَرَكا فيه بالحِصَصِ)

وإن كان بعضها بعدَ بعضٍ.
وبهذا قال الحسنُ، وحَمَّادٌ، ورَبِيعَةُ، وأصْحَابُ الرَّأْى، والشافعىُّ.
وعن شُرَيْحٍ أنَّه قال: يُقضَى لآخِرِهم.
وبه قال الشَّعْبِىُّ، وقَتادةُ؛ لأنَّها جِنايةٌ ورَدَتْ على مَحَلٍّ مُسْتَحَقٍّ، فقُدِّمَ صاحِبُها على المُسْتَحِقِّ قبلَه، كجِنايةِ المَمْلُوكِ الذى لم يَجْنِ.
وقال شُرَيْحٌ في عَبْدٍ شَجَّ رَجُلًا، ثم آخَرَ، ثم آخَرَ، فقال شُرَيْحٌ:317318319

الحديث: 4228 - الجزء: 25 - الصفحة: 457

فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا، أَو مَاتَ الْمَجْنِىُّ عَلَيْهِ، فَعَفَا بَعْضُ وَرَثَتِهِ، فَهَلْ يَتَعَلَّقُ حَقُّ الْبَاقِينَ بِجَمِيعِ الْعَبْدِ أَو بِحِصَّتِهِمْ مِنْهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
يُدْفَعُ إلى الأَوَّلِ، إلَّا أن يَفْدِيَه مَوْلاه، ثم يُدْفَعُ إلى الثَّانى، ثم يُدْفَعُ إلى الثالثِ.
ولَنا، أنَّهم تَساوَوْا في سَبَبِ تعَلُّقِ الحَقِّ به (1)، فتَساوَوْا في الاسْتِحْقاقِ، كماَ لو جَنَى عليهم دَفْعةً واحدةً، بل لو قُدِّمَ بعضُهم، كان الأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأَنَّ حَقَّه أسْبَقُ.

4229 -

مسألة: (فإن عَفَا أحدُهما، أو مات المَجْنِىُّ عليه، فَعَفَا بَعْضُ وَرَثَتِه، فهلْ يَتَعَلَّقُ حَقُّ الباقِينَ بجميعِ العبدِ أو بحِصَّتِهم منه؟ على وَجْهَيْنِ)

أحَدُهما، يَسْتَحِقُّ جميعَ العَبْدِ؛ لأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقاقِه مَوْجُودٌ، وإنَّما امْتَنَعَ ذلك لمُزاحَمةِ الآخَرِ له، وقد زالَ المُزاحِمُ، فثَبَتَ له الحَقُّ جميعُه؛ لوُجودِ المُقْتَضِى وزَوالِ المانِعِ، فهو كما لو جَنَى على إنْسانٍ فَفَداه سَيِّدُه، ثم جَنَى على آخَرَ.
والثانى، لا يَسْتَحِقُّ إلَّا حِصَّتَه؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ له قَبلَ العَفْوِ إلَّا حِصَّتُه، فكذلك [بعدَه؛ لأَنَّ] 321 العَفْوَ عمّا يَلْزَمُ السيدَ 322، عَفْوٌ عنه لا عن غيرِه.
فصل: فإن أعْتَقَ السَّيِّدُ عبدَه الجانِىَ، عَتَقَ، وضَمِنَ ما تَعَلَّقَ به مِن320

الحديث: 4229 - الجزء: 25 - الصفحة: 458

وَإِنْ جَرَحَ حُرًّا، فَعَفَا عَنْهُ، ثُمَّ مَاتَ مِنَ الْجِرَاحَةِ وَلَا مَالَ لَهُ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ عُشْرُ دِيَتهِ، وَاخْتَارَ السَّيِّدُ فِدَاءَهُ، وَقُلْنَا: يَفْدِيهِ بِقِيمَتِهِ.
الأَرْشِ؛ لأنَّه أتْلَفَ مَحَلَّ الجِنايةِ على مَن تَعَلَّقَ حَقُّه به، فلَزِمَه غَرامَتُه، كما لو قَتَلَه.
ويَنْبَنِى قَدْرُ الضَّمانِ على الرِّوايتَيْن فيمَا إذا اخْتارَ إمْساكَه بعدَ الجِنايةِ؛ لأنَّه مَنَع مِن تَسْلِيمِه بإعْتاقِه، فهو بمنزلةِ امْتِناعِه مِن تَسْلِيمِه باخْتِيارِ فِدائِه.
ونَقَلَ ابنُ مَنْصورٍ عن أحمدَ، أنَّه إن أعْتَقَه عالِمًا بجنايَتِه، فعليه دِيَةُ المَقْتُولِ، وإن لم يَكُنْ عالِمًا بها، فعليه قِيمَةُ العبدِ؛ لأنَّه إذا أعْتَقَه مع العِلْمِ، كان مُخْتارًا لفِدائِه، بخِلافِ ما إذا لم يَعْلَمْ، فإنَّه لم يَخْتَرِ الفداءَ؛ لعَدَمِ عِلْمِه به، فلم يَلْزَمْه أكثرُ مِن قِيمَةِ ما فَوَّتَه.
فصل: وإن باعَه، أو وَهَبَه (1)، صَحَّ؛ لِمَا ذكَرْنا في البَيْعِ، ولم يَزُلْ تَعَلُّقُ الجِنايةِ عن رَقَبَتِه، فإن كان المُشْتَرِى عالِمًا بحالِه، فلا خِيارَ له؛ لأنَّه دَخَلَ على بَصِيرَةٍ، ويَنْتَقِلُ الخِيارُ في فِدائِه وتَسْلِيمِه إليه، كالسَّيِّدِ الأَوَّلِ، وإن لم يَعْلَمْ، فله الخِيارُ بينَ إمْساكِه ورَدِّه، كسائرِ المَعِيباتِ.

4230 -

مسألة: (وإن جَرَحَ)

العَبْدُ (حُرًّا، فَعَفا عنه، ثم مات مِن الجِراحَةِ ولا مالَ له، وقِيمَةُ العَبْدِ عُشْرُ دِيَةِ الحُرِّ، واخْتَارَ السَّيِّدُ323

الحديث: 4230 - الجزء: 25 - الصفحة: 459

صَحَّ الْعَفْوُ في ثُلُثِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَفْدِيهِ بالدِّيَةِ.
صَحَّ الْعَفْوُ في خَمْسَةِ أسْدَاسِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ سُدْسُهُ؛ لأَنَّ الْعَفْوَ صَحَّ في شَئٍ مِنْ قِيمَتِهِ، وَلَهُ بِزِيَادَةِ الْفِدَاءِ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ، بَقِىَ لِلْوَرَثَةِ أَلْفٌ إِلَّا عَشَرَةَ أَشْيَاءَ، تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، اجْبُرْ وَقَابِلْ، يَخْرُجِ الشَّىْءُ نِصْفَ سُدْس الدِّيَةِ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ، فَتَعْدِلُ السُّدْسَ.
فِداءَه، وقُلْنَا: يَفْدِيه بقِيمَتِه.
صَحَّ العَفْوُ في ثُلُثِه) لأنَّه ثُلُثُ ما ماتَ عنه، ويَبْقَى الثُّلُثان للوَرَثَةِ (وإن قُلْنا: يفْدِيه بدِيَتِه.
صَحَّ العَفْوُ في خَمْسَةِ أَسْداسِه، وللوَرَثَةِ سُدْسُه؛ لأَنَّ العَفْوَ صَحَّ في شئٍ مِن قِيمَتِه، وله بزِيادةِ الفِداءِ تِسْعةُ أشْياءَ، بَقِىَ للورثَةِ ألْفٌ إلَّا عَشَرةَ أشْياءَ، تَعْدِلُ شيْئَيْن، اجْبُرْ وقابِلْ) يَصِرْ ألْفٌ، يَعْدِلُ اثْنَىْ عَشَرَ شيئًا، فالشئُ إذًا يَعْدِلُ (نِصْفَ سُدْسِ الدِّيَةِ، وللوَرَثَةِ شيْئان، فتَعْدِلُ السُّدْسَ) واللَّهُ أعلمُ.
فصل في الجِنايةِ على العَبْدِ: إذا قَتَلَ عَبْدٌ مِثْلَه عَمْدًا، فسَيِّدُ المقْتُولِ مُخَيَّرٌ بينَ القِصاصِ والعَفْوِ، فإن عَفَا إلى مالٍ، تعَلَّقَ المالُ برَقَبَةِ القاتلِ؛ لأنَّه وجَبَ بجنايَتِه، وسَيِّدُه مُخَيَّرُ بينَ فِدائِه وتَسْلِيمِه؛ فإنِ اخْتارَ فِداءَه 324 فَدَاه بأَقَلِّ الأَمْرَيْن مِن قِيمَتِه أو قِيمَةِ المقْتُولِ؛ لأنَّه إن كان الأقَلُّ قيمَتَه، لم يَلْزَمْه أكْثَرُ منها؛ لأنَّها بَدَلٌ عنه، وإن كان الأقَلُّ قيمةَ المقْتُولِ، فليس لسَيِّدِه أكْثَرُ منها؛ لأنَّها بَدَلُ عَبْدِه.
وعنه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ سَيِّدَه إنِ اخْتارَ فِداءَه، فَدَاه بأَرْشِ الجِنايةِ بالِغًا ما بَلَغَ، وقد ذكَرْناه.

الجزء: 25 - الصفحة: 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن قَتَلَ عَشَرةُ أعْبُدٍ عَبْدًا عَمْدًا، فعليهم القِصاصُ، فإنِ اخْتارَ السَّيِّدُ قَتْلَهُم، فله ذلك، وإن عَفَا إلى مالٍ، تعَلَّقَتْ قِيمَةُ عَبْدِه برِقابِهِم، على كُلِّ واحدٍ منهم عُشْرُها، يُباعُ منه بقَدْرِها، أو يَفْدِيه سَيِّدُه، وإنِ اخْتارَ قَتْلَ بعْضِهم والعَفْوَ عن البعضِ، فله ذلك؛ لأَنَّ له قَتْلَ الجميعِ والعَفْوَ عنهم.
وإن قَتَلَ عَبْدٌ عبْدَيْن لرَجُلٍ واحدٍ، فله قَتْلُه والعَفْوُ عنه، فإن قَتَلَه، سَقَطَ حَقُّه، وإن عَفَا إلى مالٍ، تعَلَّقَتْ قِيمَةُ العَبْدَيْنِ برقَبَتِه، فإن كانا لرَجُلَيْنِ فكذلك، إلَّا أنَّ القاتلَ يُقْتَلُ بالأوَّلِ منهم؛ لأَنَّ حَقَّه أسْبَقُ، فإن عَفَا عنه الأَوَّلُ، قُتِلَ بالثانِى، وإن قَتَلَهُما دَفْعَةً واحدةً، أُقْرِعَ بينَ السَّيِّدَيْن، فمَن وقَعَتْ له القُرْعَةُ، اقْتَصَّ، وسَقَطَ حَقُّ الآخَرِ، وإن عَفَا عن القِصاصِ، أو عَفَا سَيِّدُ القَتِيلِ الأَوَّلِ إلى مالٍ، تَعَلَّقَ برَقَبَةِ العَبْدِ، وللثانى أن يَقْتَصَّ؛ لأَنَّ تَعَلُّقَ المالِ بالرَّقَبَةِ لا يُسْقِطُ حَقَّ القِصاصِ, كما لو جَنَى العَبْدُ المَرْهُونُ، فإن قَتَلَه الآخَرُ، سَقَطَ حَقُّ الأَوَّلِ مِن القِيمَةِ؛ لأنَّه لم يَبْقَ مَحَلٌّ يَتَعَلَّقُ به، وإن عَفَا الثَّانِى، تَعَلَّقَتْ قِيمَةُ القتيلِ الثَّانِى برَقَبَتِه أيضًا، ويُباعُ فيهما، ويُقْسَمُ ثَمَنُه على قَدْرِ القِيمَتَيْن، ولم يُقَدَّمِ الأَوَّلُ بالقِيمَةِ كما قَدَّمْناه بالقِصاصِ؛ لأَنَّ القِصاصَ لا يَتَبَعَّضُ بينَهما، والقِيمَةُ يُمْكِنُ تَبْعِيضُها.
فإن قيل: فحَقُّ الأَوَّلِ أسْبَقُ.
قُلْنا: لا يُراعَى السَّبْقُ, كما لو أتْلَفَ أمْوالًا لجَماعةٍ، واحِدًا بعدَ واحدٍ.
فصل: فإن قتَلَ العَبْدُ عَبْدًا بينَ شَرِيكَيْن، كان لهما القِصاصُ والعَفْوُ، فإن عَفَا أحَدُهما، سَقَطَ القِصاصُ، ويَنْتَقِلُ حَقُّهما إلى القِيمةِ؛ لأَنَّ

الجزء: 25 - الصفحة: 461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القِصاصَ لا يَتَبَعَّضُ.
وإن قَتَلَ عَبْدَيْن لرَجُلٍ واحدٍ، فله أن يَقْتَصَّ منه لأحَدِهما، أيِّهما كان، ويسْقُطُ حَقُّه مِن الآخرِ، وله أن يَعْفُوَ عنه إلى مالٍ، وتَتَعَلَّقُ قِيمَتُهما جميعًا برَقَبَتِه.

الجزء: 25 - الصفحة: 462

بَابُ دِيَاتِ الْأَعْضَاءِ وَمَنَافِعِهَا

وَمَنْ أَتْلَفَ مَا في الإِنْسَانِ مِنْهُ شَىْءٌ وَاحِدٌ، فَفِيهِ الدِّيَةُ؛ وَهُوَ الذَّكَرُ، وَالْأَنْفُ، وَاللِّسَانُ النَّاطِقُ، وَلِسَانُ الصَّبِىِّ الَّذِى يُحَرِّكُهُ بِالْبُكَاءِ.
325 بابُ دِياتِ الأعضاءِ ومنافِعِها وهى نوعان؛ أحَدُهما، الشِّجاجُ، وهى ما كان في الرَّأْسِ والوَجْهِ، وسنَذْكُرُها في بابِها.
الثَّانى، ما كان في سائرِ البَدَنِ، وينْقَسِمُ قِسْمَيْن؛ أحَدُهما، قَطْعُ عُضْوٍ.
والثانى، قَطْعُ لَحْمٍ.
والمضْمُونُ في الآدَمِىِّ ضَرْبان؛ أحَدُهما، ما ذكَرْنا.
والثانى، تَفْوِيتُ مَنْفَعَةٍ، كإذْهابِ السَّمْعِ والبَصَرِ والشَّمِّ والذَّوْقِ والعَقْلِ ونحوِ ذلك.
(مَن أتْلَفَ ما في الإِنْسانِ منه شئٌ واحدٌ، ففيه الدِّيَةُ؛ وهو الذَّكَرُ، والأنْفُ، واللِّسانُ النَّاطِقُ، ولِسانُ الصَّبِىِّ الذى يُحَرِّكُه بالبُكاءِ) وجملةُ ذلك، أنَّ كُلَّ عُضْوٍ لم يَخْلُقِ اللَّهُ سُبْحانه منه إلَّا واحدًا، كالأنْفِ، واللِّسانِ، [والذَّكَرِ] 326 ففيه دِيَةٌ كاملةٌ؛ لأَنَّ في إتْلافِه إذْهابَ مَنْفَعَةِ

الجزء: 25 - الصفحة: 463

وَمَا فِيهِ مِنْهُ شَيْئَانِ، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِى أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا؛ كَالْعَيْنَيْنِ، وَالأُذُنَيْنِ، وَالشَّفَتَيْنِ، وَاللَّحْيَيْنِ، وَثَدْيَىِ الْمَرْأَةِ, وَثَنْدُوَتَىِ الرَّجُلِ, وَالْيَدَيْنِ, وَالرِّجْلَيْنِ, وَالْأَلْيَتَيْنِ, وَالأُنْثَيَيْنِ، وَإِسْكَتَى الْمَرْأَةِ.
الجِنْسِ، وإذْهابُها [كإتلافِ النَّفْسِ] 327.

4231 -

مسألة: (وما فيه منه شَيْئان، ففيهما الدِّيَةُ، وفى أحَدِهما نِصْفُها؛ كالعَينيْنِ، والأُذُنَيْنِ، والشَّفَتَيْنِ، واللَّحْيَيْنِ، وثَدْيَىِ المَرْأَةِ، وثَنْدُوَتَىِ الرَّجُلِ، واليَدَيْنِ، والرِّجْلَيْنِ، والخُصْيَتَيْنِ، والألْيَتَيْنِ)

لأَنَّ في إتْلافِهما إذْهابَ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ، فكان فِيهما الدِّيَةُ، وفى أحَدِهما نِصْفُها.
وهذه الجملةُ مذهبُ الشافعىِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
وقد روَى الزُّهْرِىُّ، عن أبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزْمٍ، عن

الحديث: 4231 - الجزء: 25 - الصفحة: 464

وَعَنْهُ، في الشَّفَةِ السُّفْلَى ثُلُثَا الدِّيَةِ، وَفِى الْعُلْيَا ثُلُثُهَا.
أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كَتَب له، وكان في كِتابِه: «وفِى الأَنْفِ إذا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَة، وفى اللِّسانِ الدِّيَةُ، وفى الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِى البَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وفِى الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وفى الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وفى العَيْنَيْن الدِّيَةُ، وفى الرِّجْلِ الواحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ».
رواه النَّسَائِىُّ [وغيرُه] 328. ورواه ابنُ عبدِ البَرِّ 329، وقال: كِتابُ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ مَعْرُوفٌ عندَ العُلَماءِ، وما فيه مُتَّفَقٌ عليه إلَّا قليلًا (وعن أحمدَ، في الشَّفَةِ السُّفْلَى ثُلُثَا الدِّيَةِ، وفى العُلْيا ثُلُثُها) يُرْوَى هذا عن زَيْدِ بنِ ثابتٍ؛ لأَنَّ النَّفْعَ بالسُّفْلَى أعْظَمُ، لأنَّها تَدورُ وتَتَحَرَّكُ، وتَحْفَظُ الرِّيقَ والطَّعامَ.
والأُولَى أصَحُّ؛ [لأنَّه قولُ] 330 أبى بكرٍ الصِّديقِ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، ولأَنَّ كلَّ شَيْئَيْنِ وجَبَتِ الدِّيَةُ فيهما، وَجَبَ نِصْفُها في أحَدِهما، كاليَدَيْن، ولا عِبْرَةَ بزيادةِ النَّفْعِ، كاليُمْنَى مع اليُسْرَى.

الجزء: 25 - الصفحة: 465

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

4232 - مسألة: وفى الثَّدْيَيْن الدِّيَةُ. ولا نعلمُ خِلافًا في أنَّ في ثَدْيَىِ المرأةِ الدِّيَةَ، وفى الواحدِ منهما نِصْفَ الدِّيَةِ. قال ابنُ المُنْذِرِ

(1): أجْمعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أَهْلِ العلمِ على أنَّ في ثَدْىِ المرأةِ نِصْفَ الدِّيَةِ، وفى الثَّدْيَيْن الدِّيَةَ، وممَّن حَفِظْنا عنه ذلك؛ الحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ومَكْحُولٌ، وقَتادةُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
لأَنَّ فيهما جَمالًا ونَفْعًا، فأشْبَها اليدَيْن والرِّجْلَيْن.
4233 -

مسألة: وفى قَطْعِ حَلَمَتَىِ الثَّدْيَيْنِ دِيَتُهُما.

نَصَّ عليه أحمدُ.
ورُوِىَ نَحْوُ هذا عن الشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والشافعىِّ.
وقال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ: إن ذَهَبَ اللَّبَنُ، وَجَبَتْ دِيَتُهما، وإلَّا وجَبَتْ حُكومةٌ بقَدْرِ شَيْنِه.
ونحوَه قال قَتادةُ: إذا ذهبَ الرَّضاعُ بقَطْعِهما، ففيهما الدِّيَةُ.
ولَنا، أنَّه ذهبَ منهما ما تذْهَبُ المَنْفَعَةُ بذهابِه، فوجَبَتْ دِيَتُهما، كالأصابعِ مع الكَفِّ، وحَشَفَةِ الذَّكَرِ، وبيانُ ذَهابِ المَنْفَعَةِ أنَّ بهما يشْرَبُ الصَّبِىُّ ويرْتَضِعُ، فهما كالأصابعِ في الكَفِّ.
وإن قَطَعَ الثَّدْيَيْن كِلَيْهما، فليس فيهما إلَّا دِيَةٌ, كما لو قَطَعَ الذَّكَر كُلَّه.
وإنْ حَصَلَ مع قَطْعِهما جائِفَةٌ، وجَبَ فيها ثُلُثُ الدِّيَةِ مع دِيَتِهما.
وإن ضَرَبَهُما فأَشَلَّهما، ففيهما الدِّيَةُ, كما لو أشَلَّ يَدَيْه.
وإن جَنَى عليهما مِن صغيرةٍ331

الحديث: 4232 - الجزء: 25 - الصفحة: 466

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثم وَلَدَتْ، فلم يَنْزِلْ لها لَبَنٌ، سُئِلَ أهلُ الخِبْرَةِ، فإن قالوا: إنَّ الجِنايةَ سَبَبُ قَطْعِ اللَّبَنِ.
فعليه ما على مَن ذهَبَ باللَّبَنِ بعدَ وُجُودِه.
وإن قالوا: يَنْقَطِعُ بغيرِ 332 الجنايةِ.
لم يجبْ عليه.
أَرْشُه؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءةُ ذِمَّتِه، فلا يجبُ فيها شئٌ بالشَّكِّ.
وإن جَنَى عليهما فنَقَصَ لبَنُهما، أو جَنَى على ثَدْيَيْن ناهِدَيْنِ فكسَرَهما، أو صارَ بهما مَرَضٌ، ففيه حُكومةٌ لنَقْصِه الذى نَقَصَهما.

4234 -

مسألة: وفى ثَدْيَىِ الرَّجُلِ -وهما الثَّنْدُوَتان- الدِّيَةُ.
وبه قال إسْحاقُ.
وحَكَى ذلك قَوْلًا للشافعىِّ.
[وقال النَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ: فيهما حُكُومةٌ.
وهو ظاهرُ مَذْهَبِ الشافعىِّ]

333؛ لأنَّه ذَهَبَ بالجَمال مِن غيرِ 334 مَنْفَعَةٍ، فلم تَجبْ دِيَةٌ, كما لو أتْلَفَ العَيْنَ القائمةَ واليَدَ الشَّلَّاءَ.
وقال الزُّهْرِىُّ: في حَلَمةِ 335 الرَّجُلِ خمسٌ مِن الإِبلِ 336. وعن زيدِ بنِ ثابتٍ: فيه ثُمْنُ الدِّيَةِ 337. ولَنا، أنَّ ما وجبَ فيه الدِّيَةُ مِن المرأةِ، وجبَ فيه مِن الرَّجُلِ، كسائرِ الأعْضاءِ، ولأنَّهما عُضْوان في البَدَنِ، يحْصُلُ بهما الجَمالُ،

الحديث: 4234 - الجزء: 25 - الصفحة: 467

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وليس في البَدَنِ غيرُهما مِن جِنْسِهما، فوَجَبَتْ فيهما الدِّيَةُ، كاليَدَيْن، ولأنَّه أذْهَبَ الجَمالَ على الكمالِ، فوجَبَتْ فيهما الدِّيَةُ، كالشُّعورِ الأرْبَعةِ عندَ أبى حنيفةَ، وكأُذُنَىِ الأصَمِّ وأنْفِ الأخْشَمِ عندَ الجميعِ، ويُفارِقُ العَيْنَ القائمةَ؛ لأنَّه ليس فيها جمالٌ كاملٌ، ولأنَّهما عُضْوٌ قد ذهبَ منه ما تجِبُ فيه الدِّيَةُ، فلم تَكْمُلْ دِيَتُه، كاليَدَيْنِ إذا شَلَّتا، بخلافِ مَسْأَلَتِنا.

4235 -

مسألة: وفى العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ. أجْمعَ أهلُ العلمِ على ذلك، وعلى أنَّ في العَيْنِ الواحدةِ نِصْفَها؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وفِى العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ»

338. ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «وفِى العَيْنِ الواحِدَةِ خَمْسُونَ مِنَ الإِبِلِ».
رواه مالكٌ في «المُوَطَّأَ» 339. ولأَنَّ العَيْنَيْن مِن أعْظَمِ الجَوارِحِ نَفْعًا، فكانتْ فيهما الدِّيَةُ، وفى إحداهما نِصْفُها كاليَدَيْن.
إذا ثَبَتَ هذا، فيَسْتَوِى في ذلك الصَّغِيرَتان والكَبِيرَتان، والمَلِيحَتان والقَبِيحَتان، والصَّحِيحَتان والمَرِيضَتان، والحَوْلاءُ وِالرَّمْضَاءُ.
فإن كان فيهما بَياضٌ لا يَنْقُصُ البَصَرَ، لم تَنْقُصِ الدِّيَةُ، وإن نقَصَ مِن البَصَرِ، نقَصَ مِن الدِّيَةِ بقَدْرِه.
فصل: وفى أجْفانِ العَيْنَيْن الدِّيَةُ، وفى أحدِها 340 رُبْعُ الدِّيَةِ، لأَنَّ كلَّ

الحديث: 4235 - الجزء: 25 - الصفحة: 468

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَدَدٍ تجبُ في جمِيعِه الدِّيَةُ، يجبُ في الواحدِ منها بحِصَّتِه، كالأصابعِ.
وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى.
وعن مالكٍ، أنَّه لا مُقَدَّرَ (1) فيها، بلِ يُرجعُ فيه إلى اجْتِهادِ الحاكمِ.
ولَنا، أنَّها أعْضاءٌ فيها جَمالٌ ظاهرٌ، ونفْعٌ كاملٌ، فإنَّها تُكِنُّ العَيْنَ وتَقِيها، وتَحْفَظُها مِن الحَرِّ والبَرْدِ، ولولاها لقَبُحَ مَنْظَرُها، فوجَبَتْ فيها الدِّيَةُ كاليَدَيْن.
وعن الشَّعْبِىِّ، أنَّه يجبُ في الأعْلَى ثُلُثا الدِّيَةِ، وفى الأسْفَلِ ثُلُثُها؛ لأنَّه أكْثَرُ نَفْعًا.
ولَنا، أنَّ كُلَّ ذى (2) عَدَدٍ تَجِبُ الدِّيَة في جَميعِه، تجبُ بالحِصَّةِ في الواحدِ منه، كالأصابعِ.
فإن قَلَعَ العَيْنَيْنِ بأشْفارِهما، وجَبَتْ دِيَتان؛ لأنَّهُما جِنْسان تجبُ الدِّيَةُ (3) بكلِّ واحدٍ منهما مُنْفَرِدًا، فوجبَتْ بإتْلافِهِما جُمْلَةً دِيَتان، كاليدَيْن والرِّجْلَيْن.
وتجبُ الدِّيَةُ في أشْفارِ عَيْنِ الأعْمَى، وهى الأجْفانُ؛ لأَنَّ ذَهابَ بصَرِه عَيْبٌ في غيرِ الأجْفانِ، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَ الدِّيَةِ فيهما، كذَهابِ الشَّمِّ، لا يَمْنَعُ وُجوبَ الدِّيَةِ في الأنْفِ.

4236 -

مسألة: وفى الأُذُنَيْن الدِّيَةُ.

رُوِى ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ.
وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والحسنُ، وقَتادةُ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، ومالكٌ في إحْدَى الرِّوايتَيْن عنه.
وقال في341342343

الحديث: 4236 - الجزء: 25 - الصفحة: 469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأُخْرَى: فيهما حُكومةٌ؛ لأَنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ فيهما بتَقْديرٍ، ولا يَثْبُتُ التَّقْدِيرُ بالقِياسِ.
ولَنا، أنَّ في كتاب النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «وفى الأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ» 344. ولأَنَّ عُمرَ وعَلِيًّا قَضَيَا فيهما بالدِّيَةِ.
فإن قيل: فقد رُوِى عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، أنَّه قَضَى في الأُذُنِ بخَمْسةَ عَشَرَ بَعيرًا 345. قُلْنا: لم يَثْبُتْ ذلك.
قالَه ابنُ المُنْذِرِ 346. ولأَنَّ ما كان في البَدَنِ منه عُضْوان، كان فيهما [الدِّيَةُ، وفى أحَدِهما نِصْفُ الدِّيَةِ، بغيرِ خِلافٍ بينَ القائلينَ بوُجُوبِ الدِّيَةِ فيهما] 347.

الجزء: 25 - الصفحة: 470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

4237 - مسألة: وفى اللَّحْيَيْن الدِّيَةُ.

وهما العَظْمان اللَّذانِ فيهما الأسْنانُ السُّفلى؛ لأَنَّ فيهما نَفْعًا وجَمالًا، وليس في البَدَنِ مِثْلُهما، فكانت فيهما الدِّيَةُ، كسائرِ ما في البَدَنِ منه شَيْئان، وفى أحَدِهما نِصْفُها، كإحْدَى اليَدَيْن والرِّجْلَيْن، ونحوِهما ممَّا في البَدَنِ منه شَيْئانِ.
4238 -

مسألة: وفى الألْيَتَيْن الدِّيَةُ. قال ابنُ المُنْذِرِ

الحديث: 4237 - الجزء: 25 - الصفحة: 471

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

4239 - مسألة: وفِى الأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ. لا نعْلَمُ في هذا خِلافًا. وفِى كِتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «وفِى البَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ»

352. ولأَنَّ فيهما الجَمالَ والمنْفَعَةَ، فإنَّ النَّسْلَ يكونُ بهما 353، فأشْبَها اليَدَيْن.
وروَى الزُّهْرِىُّ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه قال: مَضَتِ السُّنَّةُ أنَّ في الصُّلْبِ الدِّيَةَ، وفى الأُنْثَيَيْن الدِّيَةَ 354. وفى إحْداهما نِصْفُ الدِّيَةِ في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّب، أنَّ في اليُسْرَى ثُلُثَى الدِّيَةِ, وفى اليُمْنَى ثُلُثَها؛ لأَنَّ نَفْعَ اليُسْرَى أكْثَرُ؛ لأَنَّ النَّسْلَ يكونُ بها 355. ولَنا، أنَّ ما وجَبَتِ الدِّيَةُ في شَيْئَيْن منه، وَجَبَ في أحَدِهما نِصْفُها، كاليَدَيْن، وسائرِ الأعْضاءِ، ولأنَّهما ذُو عَدَدٍ تجبُ فيه الدِّيَةُ، فاسْتَوَتْ دِيَتهما، كالأصابِعِ، وما ذَكَروه يَنْتَقِضُ بالأصابعِ، وكذلك الأجْفانُ تسْتَوِى دِيَتُها 356 مع اخْتِلافِ نَفْعِها 357، ثم

الحديث: 4239 - الجزء: 25 - الصفحة: 472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يحْتاجُ إلى إثْباتِ الذى ذكَرَه.
وإن رَضَّ أُنْثَيَيْه، أو أشَلَّهما (1)، كَمَلَتْ دِيَتُهما كما لو أشَلَّ يَدَيْه أو ذكَرَه.
[وإن] (2) قَطَعَ أُنْثَيَيْه، فذهبَ نَسْلُه، لم يجبْ أكثرُ مِن دِيَةٍ؛ لأَنَّ ذلك نَفْعُهما، فلم تَزْدَدِ الدِّيَةُ بذَهَابِه معهما، كالبَصَرِ مع ذهابِ العَيْنَيْن، وإن قَطَعَ إحْداهُما، فذهبَ النَّسْلُ، لم يجبْ أكثرُ مِن نِصْفِ الدِّيَةِ؛ لأَنَّ ذهابَه غيرُ مُتَحَقِّقٍ.

4240 -

مسألة: (وفى إسْكَتَىِ المَرْأَةِ)

الدِّيَةُ.
والإِسْكتَان؛ هما اللَّحْمُ المُحِيطُ 360 بالفَرْجِ مِن جَانِبَيْه، إحاطةَ الشَّفَتَيْن بالفَمِ.
وأهلُ اللُّغةِ يقولُونَ: الشَّفْران حاشِيَتا الإِسْكَتَين, كما أنَّ أشْفارَ العَينيْن أهْدابُهما.
وفيهما دِيَةُ المرأَةِ إذا قُطِعا.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقاله الثَّوْرِىُّ، إذا لم يَقْدِرْ على جِماعِها.
وقَضَى به محمدُ ابنُ سُفْيانَ 361 إذا بَلَغا العَظْمَ؛ وذلك لأَنَّ358359

الحديث: 4240 - الجزء: 25 - الصفحة: 473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيهما جَمالًا ومَنْفَعَةً، وليس في البَدَنِ غيرُهما مِن جِنْسِهِما، فوجَبَتْ فيهما الدِّيَةُ، كسائرِ ما في البَدَنِ منه شيئان.
وفى إحْداهما نِصْفُ الدِّيَةِ، كما ذكَرْنا في غيرِهما.
وإن جَنَى عليهما فأشَلَّهما، وجَبَتْ دِيَتُهما، كما لو جَنَى على شَفَتَيْه فأشَلَّهما.
ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِهما غَلِيظَتَيْن أو دَقِيقَتَيْن، قصيرتَيْن أو طَوِيلتَيْن، مِن بكرٍ أو ثَيِّبٍ، أو صغيرةٍ أو كبيرةٍ (1)، مَخْفُوضةٍ (2) أو غيرِ مَخْفُوضةٍ (2)؛ لأنُّهما عُضْوان فيهما الدِّيَةُ، فاسْتَوى فيه جميعُ ما ذكَرْنا، كسائرِ أعْضائِها.
ولا فَرْقَ بينَ الرَّتْقاءِ وغيرِها؛ لأَنَّ الرَّتْقَ عَيْبٌ في غيرِهِما، فلم يَنْقُصْ ذلك مِن دِيَتِهما, كما أنَّ الصَّمَمَ لم يَنْقُصْ دِيَةَ الأُذُنَيْنِ.
والخَفْضُ (3)؛ هو الخِتانُ في حَقِّ المرأةِ.
فصل: وفى رَكَبِ المَرْأَةِ حُكُومَةٌ، وهو عانَةُ المَرْأةِ، وكذلكَ في (4) عانَةِ الرَّجُلِ؛ لأنَّه لا مُقَدَّرَ فيه، ولا هو نَظِيرٌ لِمَا قُدِّرَ فيه.
فإن أُخِذَ منه شئٌ مع فَرْجِ المرأةِ وذكرِ الرَّجُلِ، ففِيه الحُكومةُ مع الدِّيَةِ, كما لو أُخِذَ مع الأنْفِ أو الشَّفَتَيْن مِن اللَّحْمِ الذى حَوْلَهما.

4241 -

مسألة: وفى اللِّسانِ الدِّيَةُ إذا كان ناطِقًا.

أجْمعَ أهلُ العلمِ على وُجُوبِ الدِّيَةَ في لسانِ النَّاطِقِ.
ورُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ، وعمرَ،362363364365

الحديث: 4241 - الجزء: 25 - الصفحة: 474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال أهلُ المدينةِ، وأهلُ الكوفةِ، وأصْحابُ الرَّأْى، وأهلُ الحديثِ، وغيرُهم.
وفى كتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمْرِو بنَ حَزْمٍ: «وفِى اللِّسَانِ الدِّيَةُ» 366. ولأَنَّ فيه جَمالًا ومَنْفَعةً، فأشْبَهَ الأنْفَ؛ فأمَّا الجَمالُ، فقد رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه 367 سُئِلَ عن الجمالِ، فقال: «في اللِّسَانِ» 368. ويُقال: جَمالُ الرَّجُلِ في لسانِه، والمرءُ بأصْغَرَيْه قلبِه ولسانِه.
ويُقال: ما الإِنْسانُ لولا اللِّسانُ إلَّا صورةٌ مُمَثَّلَةٌ، أو بَهيمةٌ مُهْمَلَةٌ.
وأمَّا النَّفْعُ، فإنَّ به تُبْلَغُ الأغْراضُ، وتُسْتَخْلَصُ الحُقوقُ، وتُدْفَعُ الآفاتُ، وتُقْضَى الحاجاتُ، وتَتِمُّ العِباداتُ؛ في القراءةِ والذِّكْرِ، والشُّكْرِ، والأمْرِ بالمَعْرُوفِ، والنَّهْىِ عن المُنْكَرِ، والتَّعْلِيمِ، والدَّلالةِ على الحقِّ المُبِينِ والصِّراطِ المُسْتقيمِ، وبه يَذوقُ الطَّعامَ، ويَسْتَعِينُ في مَضْغِه وتَقْلِيبِه، وتَنْقِيَةِ الفَمِ، وتنْظِيفِه، فهو أعْظَمُ الأعْضاءِ نَفْعًا، وأتَمُّها جَمالًا، فإيجابُ الدِّيَةِ في غيرِه تَنْبِيهٌ على إيجابِها فيه.
وإنَّما تجِبُ الدِّيَةُ في اللِّسانِ النَّاطِقِ، فأمَّا الأخْرَسُ، فسنَذْكُرُه في مَوْضِعِه، إن شاء اللَّهُ تعالى.
فصل: فإن قطَعَ لِسانَ صغيرٍ لم يتكَلَّمْ لطُفولِيَّتِه، وجَبَتْ دِيَتُه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تجبُ؛ لأنَّه لِسانٌ لا كلامَ فيه، فأشْبَهَ

الجزء: 25 - الصفحة: 475

وَفِى الْمَنْخَرَيْنِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، وَفِى الْحَاجِزِ ثُلُثُهَا.
وَعَنْهُ، في الْمَنْخَرَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِى الْحَاجِزِ حُكُومَةٌ.
الأخْرَسَ.
ولَنا، أنَّ ظاهرَه السَّلامةُ، وإنَّما لم يتكَلَّمْ لأنَّه لا يُحْسِنُ الكلامَ، فوجَبَتْ به الدِّيَةُ كالكبيرِ، ويُخالفُ الأخْرَسَ، فإنَّه عُلِمَ أنَّ لِسانَه أَشَلُّ، أَلَّا تَرى أنَّ أعْضَاءَه لا يَبْطِشُ بها، وتَجِبُ فيها الدِّيَةُ.
فإن بَلَغَ حدًّا يَتَكَلَّمُ مِثْلُه، فلم يَتَكَلَّمْ، فقَطَعَ لِسانَه، لم تَجِبْ فيه الدِّيَةُ؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه لا يَقْدِرُ على الكَلامِ، فهو كلسانِ الأخْرَسِ.
وإن كَبرَ فنَطَقَ ببعضِ الحُروفِ، وجَبَتْ فيه بقَدْرِ ما ذهبَ مِن الحُروفِ؛ لأَنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّه كان ناطِقًا.
وإن كان قد بَلَغَ إلى حدٍّ يتَحَرَّكُ بالبُكاءِ وغيرِه، فلم يتحرَّكْ، فقَطَعَه قاطِعٌ، فلا دِيَةَ فيه؛ لأَنَّ الظاهرَ أنَّه لو كان صَحِيحًا لتحرَّكَ.
وإن لم يَبْلُغْ إلى حَدٍّ يتحرَّكُ، ففيه الدِّيَةُ؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ سَلامتُه.
وإن قَطَعَ لِسانَ كبيرٍ، وادَّعَى أنَّه كان أخْرَسَ، ففيه ما ذكَرْنا فيما إذا اخْتلَفا في شَلَلِ العُضْوِ بعدَ قَطْعِه مِن الخِلافِ.

4242 -

مسألة: (وفى المَنْخَرَيْنِ ثُلُثا الدِّيَةِ، وفى الحَاجِزِ ثُلُثُها. وعنه، في المَنْخَرَيْنِ الدِّيَةُ، وفى الحاجِزِ حُكُومَةٌ)

وجملةُ ذلك، أنَّ ما

الحديث: 4242 - الجزء: 25 - الصفحة: 476

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في البَدَنِ منه ثَلاثةٌ، ففيها الدِّيَةُ، وفى كلِّ واحدٍ ثُلُثُها، وذلك المَنْخَرانِ والحاجزُ بينَهما.
وبهذا قال إسْحاقُ.
وهو أحَدُ الوَجْهَيْن لأصْحابِ الشافعىِّ؛ لأَنَّ المارِنَ يَشْتَمِلُ على ثَلاثةِ أشْياءَ مِن جِنْسٍ، فتَوَزَّعَتِ الدِّيَةُ على عدَدِها، كسائرِ ما فيه عَدَدٌ مِن الأصابعِ والأجْفانِ.
وعنه، في المَنْخَرَيْنِ الدِّيَةُ، وفى الحاجِزِ حُكُومَةٌ.
حكَاها أبو الخَطَّابِ.
قال أحمدُ: في كلِّ زَوْجَيْن مِن الإِنْسانِ الدِّيَةُ.
وهو الوَجْهُ الثَّانِى لأصْحابِ الشافعىِّ؛ لأَنَّ المَنْخَرَيْنِ ليس في البدَنِ لهما ثالثٌ، فأشْبَهَ اليدَيْن، ولأنَّه بقَطْعِ المَنْخَرَيْنِ أذْهَبَ الجمالَ كلَّه والمنفعةَ، فأَشْبَهَ قَطْعَ اليدَيْن.
فعلى هذا الوَجْهِ، في قَطْعِ أحَدِ المَنْخَرَين نِصْفُ الدِّيَةِ، وإن قَطَعَ معه الحاجِزَ، ففيه حُكومةٌ، وإن قَطَعَ نِصْفَ الحاجِزِ أو أقَلَّ أو أكثرَ، لم يَزِدْ على حُكومةٍ.
وعلى الأَوَّلِ، في قَطْعِ أحَدِ المَنْخَرَيْنِ ونِصْفِ الحاجِزِ نِصْف الدِّيَةِ، وفى قَطْعِ جَميعِه مع المَنْخَرِ ثُلُثا الدِّيَةِ، وفى قَطْعِ جُزْءٍ مِن الحاجِزِ أو أحدِ المَنْخَرَيْن بقَدْرِه مِن ثُلُثِ الدِّيَةِ، يُقَدَّرُ بالمساحةِ، وإن شَقَّ الحاجِزَ، ففيه حُكومةٌ، وإن بَقِىَ مُنْفَرِجًا، فالحُكومةُ فيه أكثرُ.
والأَوَّلُ أظْهَرُ؛ لأَنَّ ما كان فيه ثَلاثةُ أشْياءَ، ينْبَغِى أن [تُوزَّعَ الدِّيَةُ] 369 على جَميعِها، كما وُزِّعَتِ الدِّيَةُ أرْباعًا على ما هو أرْبعةُ أشياءَ، كأجْفانِ العَيْنَيْنِ، وأنْصافًا على ما هو اثْنان، كاليَدَيْن.

الجزء: 25 - الصفحة: 477

وَفِى الْأَجْفَانِ الْأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَفِى كُلِّ وَاحِدٍ رُبْعُهَا، وَفِى أَصَابعِ الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِى أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِى كُلِّ إِصْبَعٍ عُشْرُهَا، وَفِى كُلِّ أُنْمُلَةٍ ثُلُثُ عَقْلِهَا،

4243 - مسألة: (وفى الأجْفانِ الأرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وفى كلِّ واحِدٍ رُبْعُها)

كما ذكَرْنا فيما فيه منه اثْنان.
4244 -

مسألة: (وفى أصابِعِ اليَدَيْن الدِّيَةُ، وكذلك أصابِعُ الرِّجْلَيْن، وفى كلِّ إِصْبَعٍ عُشرُها)

لأنَّها [عَشَرَةٌ، فَقُسِمَتِ] (1) الدِّيَةُ على عدَدِها, كما قُسِمَتْ على عدَدِ الأجْفانِ، ولِما رَوَى ابنُ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «دِيَةُ أصاجِ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْن عَشْرٌ مِن الإِبِلِ لِكُلِّ إصْبَعٍ».
قال التِّرْمِذِىُّ (2): هذا حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ.
وفى لَفْظٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «هذه وهذه سَوَاءٌ».
يعنى الإِبْهامَ والخِنْصَرَ.
أخْرَجَه البُخَارِىُّ (3). 4245 -

مسألة: (وفى كُلِّ أُنْمُلَةٍ ثُلُثُ عَقْلِها)

لأَنَّ في كلِّ إِصْبَعٍ370371372

الحديث: 4243 - الجزء: 25 - الصفحة: 478

إِلَّا الْإِبْهَامَ، فَإِنَّهَا مَفْصِلَانِ، فَفِى كُلِّ مَفْصِلٍ نِصْفُ عَقْلِهَا، وَفِى الظُّفْرِ خُمْسُ دِيَةِ الإِصْبَعِ، وَفِى كُلِّ سِنٍّ خمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، إِذَا قُلِعَتْ مِمَّنْ قَدْ ثُغِرَ، وَالْأَضْرَاسُ وَالْأَنْيَابُ كَالْأَسْنَانِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ في جَمِيعِهَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.
ثَلاثَ أنامِلَ، فتُقْسَمُ دِيَةُ الإِصْبَعِ عليها, كما قُسِمَتْ دِيَةُ اليَدِ على الأصابعِ بالسَّوِيَّةِ (إِلَّا الإِبْهامَ، فإنَّها مَفْصِلان، ففى كُلِّ مَفْصِلٍ نِصْفُ عَقْلِها) وهو خَمْسٌ مِن الإِبِلِ.

4246 -

مسألة: (وفى الظُّفْرِ خُمْسُ دِيَةِ الإِصْبَعِ)

وهكذا ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
يعنى إذا قلَعَه ولم يَعُدْ، والتَّقْدِيراتُ يُرْجَعُ فيها إلى التَّوْقيفِ، فإن لم يَكُنْ فيها تَوْقِيفٌ، فالقِياسُ أنَّ فيه حُكومةً، كسائرِ الجِراحِ التى ليس فيها مُقَدَّرٌ.
4247 -

مسألة: (وفى كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِن الإِبِلِ، إذاْ قُلِعَتْ مِمَّن قد أثْغَرَ)

يَعْنِى ألْقَى أسْنانَه ثم عادت (والأضْراسُ وَالأنْيَابُ كالأسنانِ.
ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ فيها دِيَةٌ واحِدَةٌ) لا نعلمُ بينَ أَهْلِ العلمِ خِلافًا في أنَّ

الحديث: 4246 - الجزء: 25 - الصفحة: 479

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دِيَةَ الأسْنانِ خَمْسٌ 373 خَمْسٌ في كلِّ سِنٍّ.
وقد رُوِى ذلك عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، وابنِ عباسٍ، ومُعاوِيَةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةَ، وعَطاءٍ، [وطاوُسٍ] 374، وقَتادَةَ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأبى حنيفةَ، ومحمدِ بنِ الحسنِ.
وفى كتابِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «في السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ».
رواه النَّسَائِىّ 375. وعن عمرو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «في الأَسْنانِ خَمْسٌ خَمْسٌ».
رواه أبو داودَ 376. فأمَّا الأضْراسُ، فأكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّها مِثْلُ الأسْنانِ؛ منهم عُرْوَةُ، وطاوسٌ، وقَتادةُ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ

الجزء: 25 - الصفحة: 480

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عباسٍ، ومُعاوِيةَ.
ورُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قَضَى في الأضْراسِ ببَعِيرٍ بَعِيرٍ.
ورُوِىَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّب، أنَّه قال: لو كنتُ أنا، لجَعَلْتُ في الأضْراسِ بَعِيرَيْنِ بَعِيرَيْن، فتلك الدِّيَةُ سَواء.
روَى ذلك في «مُوَطَّئِه» 377. وعن عطاءٍ نحوُه.
وحُكِىَ عن أحمدَ، أنَّ فيها ديَةً واحدةً.
فيَتَعَيَّنُ حَمْلُ هذه الرِّوايةِ على مِثْلِ قوْلِ سعيدٍ؛ للإِجْماعِ عَلى أنَّ في كُلِّ سِنٍّ خَمْسًا مِن الإِبِلِ، ووُرُودِ الحديثِ به، فيكونُ في الأسْنانِ والأنْيابِ سِتُّونَ بَعِيرًا؛ لأَنَّ فيه أرْبعَ ثَنايا، وأرْبعَ رَباعِيَّاتٍ، وأرْبعَةَ أَنْيابٍ، فيها خَمْسٌ خَمْسٌ، وفيه عِشرون ضِرْسًا، في كلِّ جانبٍ عَشَرةٌ، خمسةٌ مِن فوْقٍ، وخمْسَةٌ مِن أسْفل، فيكونُ فيها أرْبعونَ بَعِيرًا، في كلِّ ضِرْسٍ بَعِيران، فتَكْمُلُ الدِّيَةُ.
وحُجَّةُ مَن قال هذا، أنَّه ذُو عَدَدٍ تجبُ فيه الدِّيَةُ، فلم تزِدْ دِيَتُه على دِيَةِ الأسْنانِ 378، كالأصابعِ، والأجْفانِ،

الجزء: 25 - الصفحة: 481

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وسائرِ ما في البدَنِ، ولأنَّها تشْتَمِلُ على منْفَعَةِ جِنْسٍ، فلم تَزِدْ دِيَتُها علىِ الدِّيَةِ، كسائرِ منافعِ الجِنْسِ، ولأَنَّ الأضْراسَ تَخْتَصُّ بالمَنْفَعَةِ دُون الجَمالِ، والأسْنانُ فيها مَنْفَعَةٌ وجَمالٌ، فاخْتلَفا في الأَرْشِ.
ولَنا، ما رَوَى أبو داودَ 379 بإسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «الأصَابعُ سَواءٌ، والأسْنانُ سَواءٌ، الثَّنِيَّةُ والضِّرْسُ سَواءٌ، هذه وهذه سَواءٌ».
وهذا نَصُّ.
وقولُه في الأحاديثِ المُتَقَدِّمَةِ: «في الأسْنانِ خَمْسٌ خَمْسٌ».
ولم يُفَصِّلْ، يدْخُلُ في عُمُومِها الأضْراسُ؛ لأنَّها أسْنانٌ.
ولأَنَّ كلَّ دِيَةٍ وجَبَتْ في جُمْلةٍ، كانت مَقْسُومةً على العَدَدِ دُونَ المنافعِ، كالأصابعِ، والأجْفانِ، وقد أَوْمَأَ ابنُ عبَّاسٍ إلى هذا، فقال: ألَا 380 أعْتَبِرُها بالأصابعِ 381. فأمَّا ما ذكَرُوه مِن المعنى، فلا بُدَّ مِن مُخالَفَةِ القِياسِ فيه، فمَن ذهبَ إلى قَوْلِنا، خالفَ المعْنى الذى ذكَرُوه، ومَن ذهبَ إلى قَوْلِهم خالفَ التَّسْوِيَةَ الثّابِتَةَ 382، بقِياسِ سائرِ الأعْضاءِ مِن جِنْسٍ واحدٍ، فكان ما ذكَرْناه مع مُوافَقَةِ الأخْبارِ 383 وقولِ أكثرِ أهلِ العلمِ

الجزء: 25 - الصفحة: 482

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أوْلَى.
وأمَّا على (1) قوْلِ عمرَ، أنَّ في كلِّ ضِرْسٍ بَعِيرًا، فيُخالِفُ [القِياسَيْن جميعًا والأخْبارَ] (2)، فإنَّه لا يُوجِبُ الدِّيَةَ الكاملةَ، وإنَّما يُوجِبُ ثمانينَ بعيرًا، ويُخالِفُ بينَ الأعْضاءِ المُتَجانِسَةِ.
واللَّهُ أعلمُ.

4248 -

مسألة: (إذا قُلِعَتْ مِمَّن قد ثُغِرَ)

وهو الذى أبْدَلَ أسْنانَه، وبَلَغَ حَدًّا إذا قُلِعَت سِنُّه لم يَعُدْ بَدَلُها.
يُقالُ: ثُغِرَ، وأثْغَرَ، [واثَّغَرَ] 386، إذا كان كذلك.
فأمَّا سِنُّ الصَّبِىِّ الذى لم يُثْغِرْ، فلا يجبُ بقَلْعِها في الحالِ شئٌ.
هذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى.
ولا أعلمُ فيه مُخالِفًا؛ وذلك لأَنَّ العادةَ عَوْدُ سِنِّه، فلم يجِبْ فيها في الحالِ شئٌ، كنَتْفِ شَعَرِه، لكِنْ يُنْتَظَرُ عوْدُها؛ فإن مَضَتْ مُدَّة يُئِسَ مِن عَوْدِها، وجبَتْ دِيَتُها.
قال أحمدُ: يتوقَّفُ سَنَةً؛ لأنَّه الغالبُ في نَباتِهِا.
وقال القاضى: إذا سقَطَتْ أخَواتُها ولم تَعُدْ هى، أُخِذَتِ الدِّيَةُ.
وإن نبَتَ مكَانَها أُخْرَى، لم تَجِبْ دِيَتُها, كما لو نُتِف شَعَرُه فعادَ مثلُه.
لكنْ إن عادتْ قَصِيرةً أو مُشوَّهةً، ففيها حُكومةٌ؛ لأَنَّ الظاهرَ أنَّ ذلك بسَبَبِ384385

الحديث: 4248 - الجزء: 25 - الصفحة: 483

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الجِنايةِ عليها.
فإن أمْكَنَ تقْدِيرُ نَقْصِها عن نَظيرتِها، ففِيها مِن دِيَتِها بقَدْرِ ما نَقَصَ.
وكذلك إن كانتْ فيها ثُلْمَةٌ أمْكَنَ تقْدِيرُها، ففيه بقَدْرِ ما ذهبَ منها, كما لو كُسِرَ مِن سِنِّه ذلك القَدْرُ.
وإن نبَتَتْ أطْوَلَ مِن أخَواتِها، ففيها حُكومةٌ؛ لأَنَّ ذلك عَيْبٌ.
وقيل: لا شئَ فيها؛ لأَنَّ هذا زِيادةٌ.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ ذلك شَيْنٌ حَصَلَ بسَبَبِ الجِنايةِ، فأشْبَهَ نَقْصَها.
وإن نبَتَتْ مائِلَةً عن صَفِّ 387 الأسْنانِ، بحيثُ لا يُنْتَفَعُ بها، ففيها دِيَتُها؛ لأنَّ ذلك كذَهابِها، وإن كانتْ يُنْتَفَعُ بها، ففيها حُكومةٌ للشَّيْنِ الحاصلِ بها ونَقْصِ نَفْعِها.
وإن نبَتَتْ صَفْراءَ أو حمراءَ أو مُتَغَيِّرَةً، ففيها حُكومةٌ لنَقْصِ جَمالِها.
وإن نبَتَتْ سَوْداءَ أو خضراءَ، ففيها رِوايَتان، حكاهما القاضى؛ إحداهُما، فيها دِيَةٌ.
والثانيةُ، حُكومَةٌ, كما لو سَوَّدَها مِن غيرِ قَلْعِها.
وإن مات الصَّبِىُّ قبلَ اليَأْسِ مِن عَوْدِها، فعلى وَجْهين؛ أحَدُهما، لا شئَ له؛ لأَنَّ الظاهرَ أنَّه لو عاشَ عادتْ، فلم يجبْ فيها شئٌ, كما لو نُتِفَ شَعَرُه.
والثانى، فيها 388 الدِّيَةُ؛ لأنَّه قَلَعَ سِنًّا يُئِسَ مِن عَوْدِها، فوَجَبَتْ دِيَتُها, كما لو مَضَى زَمَنٌ تَعودُ في مِثْلِه فلم تَعُدْ.
وإن قَلَعَ سِنَّ مَن قد ثُغِرَ، وجَبَتْ دِيَتُها في الحالِ؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّها لا تعودُ، فإن عادتْ، لم تَجِبِ الدِّيَةُ، وإن كان قد أخَذَها رَدَّها.
وبهذا قال أصْحابُ

الجزء: 25 - الصفحة: 484

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرَّأْى.
وقال مالكٍ: لا 389 يَرُدُّ شيئًا؛ لأَنَّ العادةَ أنَّها لا تعودُ، فمتى عادتْ كانت 390 هِبَةً مِن اللَّهِ مُجَدَّدَةً، فلا يَسْقُطُ بذلك ما وَجَبَ له بقَلْعِ سِنِّه.
وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْنِ.
ولَنا، أنَّه عادَ له في مكانِها مِثْلُ التى قُلِعَتْ، فلم يَجبْ له شئٌ، كالذى لم يُثْغِرْ، وإن عادتْ ناقِصَةً أو مُشوَّهَةً، فحُكْمُها حُكَمُ سِنِّ الصَّغيرِ إذا عادتْ، على ما ذكَرْنا.
ولو قَلَعَ سِنَّ مَن لم يُثْغِرْ، فمَضَتْ مُدَّةٌ يُئِسَ مِن عَوْدِها، وحُكِمَ بوُجُوبِ الدِّيَةِ، فعادت بعدَ ذلك، فهى كَسِنِّ الكبيرِ إذا عادَتْ.
فصل: وإن قَلَعَ سِنًّا مُضْطَرِبَةً لكبَرٍ أو مرَضٍ، فكانت منافِعُها باقيةً؛ مِن المَضْغِ، وحِفْظِ الطَّعامِ والرِّيقِ، وجبَتْ دِيَتُها.
وكذلك إن ذهبَ بعضُ منافِعِها، وبَقِىَ بعْضُها؛ لأَنَّ جَمالَها وبعضَ منافعِها باقٍ، فكَمَلَتْ دِيَتُها، كاليَدِ المريضةِ، ويَدِ الكبيرِ.
وإن ذهبَتْ منافِعُها كلُّها، فهى كاليَدِ الشَّلَّاءِ.
على ما نذْكُرُه إن شاء اللَّهُ تعالى.
وإن قَلَعَ سِنًّا فيها داءٌ أو آكِلةٌ، فإن لم يذهبْ شئٌ مِن أجْزائِها، ففيها دِيَةُ السِّنِّ الصَّحيحةِ؛ لأنَّها كاليَدِ المرِيضَةِ، وإن سَقَطَ مِن أجْزائِها شئٌ، سقَطَ مِن دِيَتِها بقَدْرِ الذَّاهِبِ منها،

الجزء: 25 - الصفحة: 485

وَتَجِبُ دِيَةُ الْيَدِ والرِّجْلِ في قَطْعِهِمَا مِنَ الْكُوعِ  ووجَبَ الباقِى.
وإن كانت إحدى ثَنِيَّتَيْه قصيرةً، نَقَصَ مِن دِيَتِها بقَدْرِ نَقْصِها, كما لو نَقَصَتْ بِكَسْرِها.
فصل: وإن جَنَى على سِنِّه جانٍ، فاضْطَرَبَتْ، وطالَتْ عن الأسْنانِ، وقيل: إنَّها تعودُ إلى مُدَّةٍ إلى ما كانتْ عليه.
انتُظِرَتْ إليها، فإنْ ذهَبَتْ وسقَطَتْ، وجَبَتْ دِيَتُها، وإن عادتْ كما كانتْ، فلا شئَ عليه (1) فيها، كما لو جَنَى على يَدِه فمَرِضَتْ ثم بَرَأَتْ.
وإن بَقِىَ فيها اضْطِرابٌ ففيها حُكومةٌ.
وإن قَلَعَها قالِعٌ، فعليه دِيَتُها كاملةً, كما ذكَرْنا في الفَصْلِ الذى قبلَ هذا، وعلى الأَوَّلِ حُكومةٌ لجِنايَتِه، وإن مَضَتِ المُدَّةُ ولم تَعُدْ إلى ما كانتْ عليه، ففيها حُكومةٌ، وإن قَلَعَها قالِعٌ، فعليه دِيَتُها, كما ذكَرْنا.
وإن قالواَ: يُرْجَى عَوْدُها.
مِن غيرِ تَقْديرِ مُدَّةٍ، وجَبَتِ الحُكومةُ فيها؛ لِئلا يُفْضِىَ إلى إهْدارِ الجِنايةِ.
وإن عادتْ سقَطَتِ الحُكومةُ, كما ذكَرْنا في غيرِها.

4249 -

مسألة: (وتجِبُ دِيَةُ اليَدِ والرِّجْلِ في قَطْعِهما مِن

391 الحديث: 4249 - الجزء: 25 - الصفحة: 486

وَالْكَعْبِ، فَإِنْ قَطَعَهُمَا مِنْ فَوْقِ ذَلِكَ، لَمْ يَزِدْ عَلَى الدِّيَةِ في ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَقَاَل الْقَاضِى: في الزَّائِدِ حُكُومَةٌ.
الكُوعِ والكَعْبِ، فإن قَطَعَهما مِن فَوْقِ ذلك، لم يَزِدْ على الدِّيَةِ.
وقال القاضِى: في الزَّائِدِ حُكُومَةٌ) أجْمعَ أهلُ العلمِ على وُجوبِ الدِّيَةِ في اليَدَيْن والرِّجْلَيْن، ووُجُوبِ نِصْفِها في إحداهما.
وقد رُوِى عن معاذِ بنِ جبلٍ، أنَّ النَّبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «وفِى اليَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِى الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ» 392. وفى كتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِعَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «وفِى اليَدِ خَمْسُونَ مِنَ الإِبِلِ» 393. واليَدُ التى تَجِبُ فيها الدِّيَةُ مِن الكُوعِ؛ لأَنَّ اسْمَ اليَدِ عندَ الإِطْلاقِ يَنْصَرِفُ إليها؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى لمَّا أَمَرَ بقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ [والسارقةِ] 394، كان الواجِبُ قَطْعَها مِن الكُوعِ، فإن قَطَعَ يَدَه مِن فوقِ الكُوعِ، فقَطَعَها مِن المَرْفِقِ، أو نصفِ السَّاعدِ، فليس عليه إلَّا دِيَةٌ واحدةٌ.
نَصَّ عليه في رِوايةِ أبى طالبٍ.
وهذا قولُ عطاءٍ، وقَتادةَ، وابنِ أبى لَيْلَى، [ومالكٍ] 395. وهو قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعىِّ.

الجزء: 25 - الصفحة: 487

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وظاهرُ مذْهَبِه عندَ أصْحابِه، أنَّه يَجِبُ مع دِيَةِ اليَدِ حُكومةٌ لِمَا زادَ؛ لأَنَّ اسْمَ اليَدِ لها إلى الكُوعِ، ولأَنَّ المَنْفَعَةَ المَقْصُودَةَ في اليَدِ، مِن البَطْشِ والأخْذِ والدَّفْعِ بالكَفِّ وماْ زادَ، تابعٌ للكَفِّ، والدِّيَةُ تَجِبُ في قَطْعِها مِن الكُوعِ، فيَجبُ في الزَّائدِ حُكومةٌ.
قال أبو الخَطَّابِ: وهو قولُ القاضِى.
ولَنا، أَنَّ اليَدَ اسْمٌ للجَمِيعِ إلى المَنْكِبِ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ 396. ولمَّا نَزَلَتْ آيةُ التَّيَمُّمِ مسَحَ الصَّحابَةُ إلى المناكبِ.
وقال ثعلبٌ: اليَدُ إلى المَنْكِبِ.
وفى عُرْفِ النَّاسِ أنَّ جميعَ ذلك يُسمَّى يَدًا، فإذا قَطَعَها مِن فوقِ الكُوعِ، فما قَطَعَ إلَّا يَدًا، فلا يَلْزَمُه أكثرُ مِن دِيَتِها، فأمَّا قَطْعُها في السَّرِقَةِ؛ فلأنَّ المقْصودَ يَحْصُلُ به، وقَطْعُ بعضِ الشَّئِ يُسَمَّى قَطْعًا له, كما يُقالُ: قَطَعَ ثَوْبَه.
إذا قَطَعَ جانِبًا منه.
وقولُهم: إنَّ الدِّيَةَ تجبُ في قَطْعِها مِن الكُوعِ.
قُلْنا: وكذلك 397 تجبُ بقَطْعِ الأصابعِ مُنْفَرِدَةً، ولا يجبُ بقَطْعِها مِن الكُوعِ أكثرُ ممَّا يجبُ في قَطْعِ الأصابعِ، والذَّكَرُ يجبُ في قَطْعِه مِن أصْلِه مثلُ ما يجبُ في قَطْعِ حَشَفَتِه.
وأمَّا إذا قَطَعَ يَدَه مِن الكُوعِ، ثُمَّ قَطَعَها مِن المَرْفِقِ، وجَبَ في المقْطوعِ ثانيًا حُكومةٌ؛ لأنَّه وجبَتْ عليه دِيَةُ اليَدِ بالقَطْعِ الأَوَّلِ, فوَجَبَ بالثانى حُكومةٌ, كما لو قَطَعَ الأصابعَ ثم قَطَعَ الكَفَّ، أو كما لو فَعَلَ ذلك اثْنانَ.

الجزء: 25 - الصفحة: 488

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن كان له كفَّان في ذِراعٍ، أو يَدانِ على عَضُدٍ، وإحداهما باطِشةٌ دُونَ الأُخْرَى، أو إحْداهما أكثرُ بَطْشًا، أو في سَمْتِ الذِّراعِ والأُخْرَى مُنْحَرِفةٌ عنه، أو إحْدَاهما تامَّةٌ والأُخْرَى ناقِصةٌ، فالأُولَى هى الأصْلِيَّةُ، والأُخْرَى زائِدَةٌ، ففى الأصْلِيَّةِ دِيَتُها، والقِصاصُ بقَطْعِها عَمْدًا، وفى الزَّائدَةِ حُكومةٌ، سواءٌ قَطَعَها مُفْرَدَةً أو قَطَعَها 398 مع الأصْلِيَّةِ.
وعلى قوْلِ ابنِ حامِدٍ، لا شئَ فيها؛ لأنَّهَا عَيْبٌ، فهى كالسِّلْعَةِ في اليَدِ.
وإنِ اسْتَوَيا مِن كلِّ الوُجُوهِ، وكانَتا غيرَ باطِشَتَيْن، ففيهما ثُلُثُ دِيَةِ اليَدِ أو حُكومةٌ، ولا تَجبُ دِيَّةُ كاملةً؛ لأنَّهما لا نَفْعَ فيهما، فهما كاليَدِ الشَّلَّاءِ.
وإن كانتا باطِشَتَيْن، ففيهما جميعًا دِيَةُ اليَدِ.
وهل تجبُ حكُومةٌ مع ذلك؟ على وَجْهين، بِناءً على أنَّ الزَّائدةَ هل فيها حُكومةٌ أَوْ لا؟ وإن قَطَعَ إحداهما، فلا قَوَدَ؛ لاحْتِمالِ أن تكونَ هى الزَّائدةَ، فلا تُقْطَعُ الأصْلِيَّةُ بها، وفيها نِصْفُ ما فيهما؛ لتَساوِيهما، وإن قَطَعَ إِصْبَعًا مِن إحْداهما، وجَبَ أَرْشُ نِصْفِ إِصْبَعٍ، وفى الحُكومةِ وَجْهان.
وإن قَطَعَ ذو اليَدِ التى لها طَرَفان، وجَبَ القِصاصُ فيهما، على قَوْلِ ابنِ حامِدٍ؛ لأَنَّ هذا نَقْصٌ لا يَمْنَعُ القِصاصَ، كالسِّلْعةِ في اليَدِ.
وعلى قولِ غيرِه، لا يجبُ؛ لئِلَّا يأْخُذَ [يَدَيْن بيَدٍ] 399 واحدةٍ، ولا نَقْطَعُ إحْدَاهما؛ لأنَّنا لا نعرِفُ الأصْلِيَّةَ فأْخُذها، ولا نأخذُ زائدةً بأصْلِيَّةٍ.

الجزء: 25 - الصفحة: 489

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وفى الرِّجْلَيْن الدِّيَةُ، بغيرِ خِلافٍ، وفى إحداهما نِصْفُها؛ لِمَا ذكَرْنا مِن الحديثِ والمعْنى في اليدَيْنِ، وفى تَفْصِيلِها كما ذكَرْنا مِن 400 التَّفْصيلِ في اليَدَيْن، ومَفْصِلُ الكَعْبَيْنِ ههُنا مثلُ مَفْصِلِ الكُوعَيْن في اليدَيْنِ.
وفى قَدَمِ 401 الأعْرَجِ ويَدِ الأعْسَمِ الدِّيَةُ؛ لأَنَّ العَرَجَ لمعنًى في غيرِ القَدَمِ 402، والعَسَمُ: اعْوِجاجٌ في الرُّسْغِ.
وليس ذلك عيْبًا في قَدَمٍ ولا كَفٍّ، فلم يَمْنَعْ كمالَ الدِّيَةِ فيهما.
وذكرَ أبو بكرٍ أنَّ في كلِّ واحِدةٍ 403 ثُلُثَ الدِّيَةِ، كاليَدِ الشَّلَّاءِ.
ولا يَصِحُّ، لأنَّهما لم تَبْطُلْ مَنْفَعَتُهما، فلم تَنْقُصْ دِيَتُهما، بخِلافِ اليَدِ الشَّلَّاءِ.
فإن كان له قدَمان في رِجْلٍ واحدةٍ، فالحكمُ على ما ذكَرْنا في اليَدَيْن، وإن كان إحْدَى القَدَمَيْنِ أطْولَ مِن الأُخْرَى، وكان الطويلُ مُساوِيًا للرِّجْلِ الأُخْرَى فهو الأصْلِىُّ، وإن كان زائدًا عنها، والآخَرُ مُساوٍ للرِّجْلِ الأُخْرَى، فهو الأصْلِىُّ، وإن كان له في كلِّ رِجْلٍ قدَمانِ، يُمْكِنُه المَشْىُ على الطَّويلَتَيْن مَشْيًا مُسْتَقِيمًا، فهما الأصْلِيَّان، وإن لم يُمْكِنْه، فقُطِعا 404، وأمْكَنَه المَشْىُ على القَصِيريْنِ، فهما الأصْلِيَّان، والآخَران زائِدان.
فإن أشَلَّ الطَّويلَيْن، ففِيهما الدِّيَةُ؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّهما الأصْلِيّان، فإن قَطَعَهُما قاطعٌ، فأمْكَنَه المَشْىُ على القَصِيرَيْن، تبَيَّنَ أنَّهما الأصْلِيَّان، وإن لم يُمْكِنْه،

الجزء: 25 - الصفحة: 490

وَفِى مَارِنِ الأَنْفِ، وَحَشَفَةِ الذَّكَرِ، وَحَلَمَتَىِ الثَّدْيَيْن، وَكَسْرِ ظَاهِرِ السِّنِّ، دِيَةُ الْعُضْوِ كَامِلَةً.
فالطَّويلان هما الأصْلِيَّان.

4250 -

مسألة: (وفى مارِنِ الأنْفِ، وحَشَفَةِ الذَّكَرِ، وحَلَمَتَىِ الثَّدْيَيْنِ، دِيَةُ العُضْوِ كامِلَةً)

في الأنْفِ الدِّيَةُ إذا قُطِعَ مارِنُه، بغيرِ خِلافٍ بينَهم.
حكاه ابنُ المُنْذِرِ 405، وابنُ عبدِ البَرِّ 406، عمَّن [يَحْفَظُ منهم] 407 مِن أهلِ العلمِ.
وفى كتابِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «وفى الأنْفِ إذا أُوعِبَ جَدْعًا الدِّيَة» 408. وفى رِوايةِ مالكٍ في «المُوَطَّأَ»: «إذا أُوعىَ جَدْعًا».
يَعْنِى اسْتُوعِبَ واسْتُؤْصِلَ.
ولأنَّه عُضْوٌ فيه جَمالٌ ومَنْفَعَةٌ، ليس في البَدَنِ منه إلَّا شئٌ واحدٌ، فأشْبَهَ اللِّسانَ.
فصل: وإنَّما الدِّيَةُ في مارِنِه؛ وهو ما لان منه، هكذا قال الخَلِيلُ وغيرُه؛ ولأنَّه يُرْوَى عن طاوُسٍ أنَّه قال: كان 409 في كتابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «في الأنْفِ إذا أُوعِبَ مارِنُه جَدْعًا الدِّيَةُ» 410. وفى بعْضِه إذا قُطِعَ

الحديث: 4250 - الجزء: 25 - الصفحة: 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بقَدْرِه مِن الدِّيَةِ، يُمْسَحُ ويُعْرَفُ قَدْرُ ذلك.
يُرْوَى هذا عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والشَّعْبِىِّ، والشافعىِّ.

4251 -

مسألة: وفى الذَّكَرِ الدِّيَةُ. أجْمعَ أهلُ العلمِ على ذلك؛ لأَنَّ في كتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في لِعَمْرِو بنِ حَزْم: «وفى الذَّكَرِ الدِّيَةُ»

(1). وذَكرُ الصَّغيرِ والكبيرِ والشَّيخِ والشَّابِّ سواءٌ في الدِّيَةِ؛ لعُمُومِ الحديثِ، وسواءٌ قَدَرَ على الجِماعِ أو لم يَقْدِرْ.
وفى حَشَفَةِ الذَّكَرِ الدِّيَةُ.
وهو قولُ جماعةٍ مِن (2) أهلِ العلمِ، ولا نعلمُ فيه مُخالِفًا؛ لأَنَّ منْفَعَتَه تَكْمُلُ بالحَشَفَةِ, كما تَكْمُلُ منافِعُ اليَدِ بالأصابعِ، فكَمَلَتِ الدِّيَةُ بقَطْعِها، كالأصابعِ.
وإن قَطَعَ الذَّكَرَ كلَّه، أو الحَشَفَةَ وبعضَ القصبةِ (3)، لم يجبْ أكثرُ مِن الدِّيَةِ, كما لو قَطَعَ الأصابعُ وبعضَ الكَفِّ.

[4252 - مسألة: (وفى كَسْرِ ظاهرِ السِّنِّ دِيَتُها)

وهو ما ظَهَر مِن اللِّثَةِ؛ لأَنَّ ذلك هو المُسَمَّى سِنًّا، فيَدْخُلُ في عُمومِ النَّصِّ] 414. وما في اللِّثَةِ منها يُسَمَّى سِنْخًا، فإذا كسِرَ السِّنُّ، ثم جاءَ آخَرُ فَقَلَعَ السِّنْخَ،411412413 = كما أخرجه ابن أبى شيبة في الموضع السابق عن رجل من آل عمر مرفوعا.

الحديث: 4251 - الجزء: 25 - الصفحة: 492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ففى السِّنِّ دِيَتُها، وفى السِّنْخِ حُكومةٌ, كما لو قطعَ إنْسانٌ أصابعَ رجلٍ، ثم قطَعَ آخَرُ كَفَّه.
وإن قَلَعَها 415 الأَوَّلُ بسِنْخِها، لمِ يجبْ فيها أكثرُ مِن دِيَتِها، كما لو قطَعَ اليَدَ مِن كُوعِها.
وإن فَعَل ذلك في مَرَّتيْن، فكَسَرَ السِّنَّ، ثم عادَ فقَلَعَ السِّنْخَ، ففيه دِيَتُها وحُكومةٌ؛ لأَنَّ دِيَتَها وجبَت بالأوَّلِ، ثم وجَبَ عليه بالثانى حُكُومةٌ, كما لو فعَلَه غيرُه.
وكذلك لو قَطَعَ الأصابعَ، ثم قطَعَ الكَفَّ.
وإن كسَرَ بعضَ الظاهرِ، ففِيه مِن دِيَةِ السِّنِّ بقَدْرِه؛ إن كان ذهبَ النِّصْفُ، وجبَ نِصْفُ الأَرْشِ، وإن كان الذَّاهبُ الثُّلُثَ، وجبَ الثُّلُثُ.
وإن جاءَ آخَرُ، فكَسَرَ بقِيتَّهَا، فعليه بقِيَّةُ الأَرْشِ.
فإن قَلَعَ الثَّانى سِنْخَها، نَظَرْنا؛ فإن كان الأَوَّلُ كَسَرَها عَرْضًا، فليس على الثَّانى للسِّنْخِ شئٌ؛ لأنَّه تابعٌ لِمَا قلَعَه مِن ظاهرِ السِّنِّ، فصار كما لو قطعَ الأَوَّلُ مِن كلِّ إِصْبَعٍ مِن أصابِعِه أُنْمُلَةً، ثم قَطَعَ الثَّانى يَدَه مِن الكُوعِ.
وإن كان الأَوَّلُ كَسَرَ نِصْفَ السِّنِّ طُولًا دُونَ سِنْخِه، فجاء الثَّانى فقَلَعَ الباقىَ بالسِّنْخِ كلِّه، فعليه دِيَةُ النِّصْفِ الباقى، وحُكومةٌ لنِصْفِ السِّنْخِ الذى بَقِىَ مِن كَسْرِ الأَوَّلِ, كما لو قَطَعَ الأَوَّلُ إِصْبَعَيْنِ مِن يَدٍ، ثم جاء الثَّانى فقَطَعَ الكَفَّ كلَّه.
فإنِ اخْتَلَفَ الثَّانى والمَجْنِىُّ عليه فيما قلَعه الأَوَّلُ، فالقولُ قولُ المَجْنِىِّ عليه؛ لأَنَّ الأَصْلَ سَلامَةُ السِّنِّ.
وإنِ انْكَشَفَتِ اللِّثَةُ عن بعْضِ السِّنِّ، فالدِّيَةُ في قَدْرِ الظاهرِ عادةً، دُونَ ما انْكَشَفَ على خلافِ العادةِ.
وإنِ اخْتَلَفا في قَدْرِ الظَّاهرِ، اعْتُبِرَ ذلك بأخَواتِها، فإن لم يَكُنْ

الجزء: 25 - الصفحة: 493

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَ مَنِ اسْتَوْعَبَ الأَنْفَ جَدْعًا دِيَةٌ، وَحُكُومَةٌ في الْقَصَبَةِ،  لها شئٌ تُعْتَبَرُ به، ولم يُمْكِنْ أن يُعْرَفَ ذلك مِن أهلِ الخِبْرَةِ، فالقولُ قولُ الجانِى؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءةُ ذِمَّتِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ على مَن اسْتَوْعَبَ جَدْعًا دِيَةٌ وحُكومةٌ في القَصَبَةِ.
[وهذا] (1) مذهبُ الشافعىِّ، وقد ذُكِرَ، كقَطْعِ اليَدِ مِن نِصْفِ السَّاعدِ.

4253 -

مسألة: (ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَ مَن اسْتَوْعَبَ الأنْفَ جَدْعًا دِيَةٌ، وحُكُومَةٌ في القَصَبَةِ)

[إذا قَطَعَ المارِنَ مع القَصَبَةِ، ففيه الدِّيَةُ، في قِياسِ المذْهَبِ، ويَحْتَمِلُ أن يجبَ في المارِنِ الدِّيَةُ، وحُكومةٌ في القَصَبةِ] 417. وهذا مذْهبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ المارِنَ وحدَه مُوجِبٌ للدِّيَةِ، فوَجَبَتِ الحُكومةُ في الزَّائدِ, كما لو قَطَع القَصبةَ وحدَها مع قَطْعِ لِسانِه.
ولَنا، قولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «في الأنْفِ إذا أُوعِبَ جَدْعًا الدِّيَةُ».
ولأنَّه عُضْوٌ واحدٌ، فلم يجبْ فيه أكثرُ مِن دِيَةٍ واحدةٍ، كالذَّكَرِ إذا قُطِعَ مِن أصْلِه.
وبهذا يَبْطُلُ ما ذكَرُوه، ويُفارِقُ إذا قُطِعَ لِسانُه وقَصبَتُه؛ لأنَّهُما عُضْوان، فلا تَدْخُلُ دِيَةُ أحَدِهما في الآخَرِ.
أمَّا العُضْوُ الواحدُ، فلا يَبْعُدُ أن يجبَ في جميعِه ما يجبُ في بعْضِه، كالذَّكَرِ تجبُ في حَشَفَتِه416

الحديث: 4253 - الجزء: 25 - الصفحة: 494

وَفِى قَطْعِ بَعْضِ الْمَارِنِ، وَالْأُذُنِ، وَالْحَلَمَةِ، وَاللِّسَانِ، وَالشَّفَةِ، وَالْحَشَفَةِ، وَالأُنْمُلَةِ، وَالسِّنِّ، وَشَقِّ الْحَشَفَةِ طُولًا، بالْحِسَابِ مِنْ دِيَتِهِ، يُقَدَّرُ بِالْأَجْزَاءِ.
الدِّيَةُ التى تجبُ في جميعِه، وفى الثَّدْىِ كلِّه ما في حَلَمَتِه (1). فأمَّا إن قَلَعَ الأنْفَ وما تحْتَه مِن اللَّحْمِ، ففى اللَّحْمِ حُكومةٌ؛ لأنَّه ليس مِن الأنْفِ، فأشْبَهَ ما لو قَطَعَ الذَّكَرَ واللَّحْمَ الذى تحتَه.

4254 -

مسألة: (وفى قَطْعِ بَعْضِ المارِنِ، والأُذُنِ، والحَلَمَةِ، واللِّسانِ، والشَّفَةِ، والحَشَفَةِ، والأُنمُلَةِ، وَشَقِّ الحَشَفَةِ طُولًا، بِالحِسابِ مِن دِيَتِه، يُقَدَّرُ بالأجْزاءِ)

كَالثُّلُثِ والرُّبْعِ، ثُمَّ يُؤْخَذُ مِثْلُه مِن الدِّيَةِ؛ لأَنَّ ما وجَبَتِ الدِّيَةُ في جَميعِه، وجَبَتْ في بعْضِه، فإن كان الذَّاهِبُ النِّصْفَ، وجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، وإن كان الثُّلُثَ، وجَبَ ثُلُثُها، وإن كان أقَلَّ أو أكثرَ، وجَبَتْ بحِسابِ ذلك, كما تُقَسَّطُ دِيَةُ اليَدِ على الأصابعِ.418

الحديث: 4254 - الجزء: 25 - الصفحة: 495

وَفِى شَلَلِ الْعُضْوِ، أَوْ إِذْهَابِ نَفْعِهِ، وَالْجِنَايَةِ عَلَى الشَّفْتَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَنْطَبِقَانِ عَلَى الْأَسْنَانِ,

4255

  • مسألة: (و فى شَلَلِ العُضْوِ وإذْهابِ نَفْعِه، والجِنايَةِ على الشَّفَتَيْن، بحَيْثُ لا يَنْطَبِقان على الأَسْنانِ) الدِّيَةُ؛ لأنَّه عَطَّلَ نفْعَهما، فأشْبَهَ ما لو أشَلَّ يَدَه، وكذلك إنِ اسْتَرْخَتا، فصارَتا لا يَنْفَصِلان عن الأسْنانِ؛ لأنَّه عَطَّلَ جَمالَهما.
    فصل: وإن جَنَى على يَدَيْه فأشَلَّهُما، وجَبَتْ دِيَتُهما؛ لأنَّه فَوَّتَ مَنْفَعَتَهما، فهو كما لو أعمى عيْنَيْه، أو أخْرَسَ لِسانَه، وإن أشَلَّ الذَّكَرَ، ففيه دِيَتُه؛ لأنَّه ذهبَ بنَفْعِه، أشْبَهَ ما لو أشَلَّ لِسانَه، وكذلك إن أشَلَّ أُنْثَيَيْه, كما لو أشَلَّ يَدَيْه، وكذلك إن جَنَى على الإِسْكَتَيْن فأشَلَّهما، ففيهما الدِّيَةُ، كما لو جَنَى على الشَّفتَيْن فأشَلَّهما 419، وكذلك الأصابعُ إذا أَشَلَّها؛ لِمَا ذكَرْنا، وسائرُ الأعْضاءِ إلَّا 420 الأُذنَ والأنْفَ، وسنَذْكُرُهما إن شاء اللَّهُ تعالى.

الحديث: 4255 - الجزء: 25 - الصفحة: 496

وَتَسْوِيدِ السِّنِّ، وَالظُّفْرِ، بِحَيْثُ لَا يَزُولُ دِيَتُهُ.
وَعَنْهُ في تَسْوِيدِ السِّنِّ، ثُلُثُ دِيَيهَا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهَا حُكُومَةٌ.

4256 - مسألة: (و)

في (تَسْوِيدِ السِّنِّ وَالظُّفْرِ، بحيث لَا يَزُولُ دِيَتُه.
وعنه في تَسْوِيدِ السِّنِّ، ثُلُثُ دِيَتِها.
وقال أبو بَكْرٍ: فيها حُكُومَةٌ) إذا جَنَى على سِنِّه فسَوَّدَها، فحُكِىَ عن أحمدَ في ذلك رِوايتان؛ إحداهما، تجبُ دِيَتُها 421 كاملةً.
وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
ويُرْوَى عن زيدِ بنِ ثابتٍ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وشُرَيْحٌ، والزُّهْرِىُّ، وعبدُ الملكِ بنُ مَرْوانَ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ عن أحمدَ، أنَّه إن أذْهَبَ مَنْفَعَتَها مِن المَضْغِ عليها ونحوه، ففيها دِيَتُها، وإن لم يُذْهِبْ نَفْعَها، ففيها حُكومةٌ.
وهذا قولُ القاضى.
والقولُ الثانى للشافعىِّ، وهو المختارُ عندَ أصْحابِه، وهو أقْيَسُ؛ لأنَّه لم يُذْهِبْها بمَنْفَعَتِها، فلم تَكْمُلْ دِيَتُها, كما لو اصْفَرَّتْ.
وهذا قولُ أبى بكرٍ.

الحديث: 4256 - الجزء: 25 - الصفحة: 497

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولَنا، أنَّه قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ، ولم يُعْرَفْ له مُخالِفٌ مِن الصَّحابَةِ، فكان إجْماعًا، ولأنَّه أذْهَبَ الجَمالَ على الكَمالِ، فكَمَلَتْ ديَتُها, كما لو قَطَعَ أُذُنَ الأصَمِّ وأنْفَ الأخْشَمِ.
والظُّفْرُ كذلك قِياسًا على السِّنِّ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّ في تَسْوِيدِ السِّنِّ ثُلُثَ دِيَتِها.
والتَّقْدِيرُ لا يَثْبُتُ إلَّا 422 بالتَّوْقِيفِ.
فصل: فأمَّا إنِ اصْفَرَّتْ أو احْمَرَّتْ، لم تكْمُلْ دِيَتُها؛ لأنَّه لم يُذْهِبِ الجمالَ على الكَمالِ، وفيها حُكومةٌ.
وإنِ اخْضَرَّتْ، احْتَمَلَ أن يكونَ كتَسْوِيدِها؛ لأنَّه ذهَبَ بجَمالِها، واحْتَمَلَ أن لِا يكونَ فيها 423 إلَّا حُكومةٌ؛ لأَنَّ ذَهابَ جَمالِها بتَسْويدِها أكْثَرُ، فلم يَلْحَقْ به غيرُه, كما لو حَمَّرَها.
فعلى قولِ مَن أوْجَبَ دِيَتَها، متى قُلِعَتْ بعدَ تَسْويدِها، ففيها ثُلُثُ دِيَتِها أو حُكومةٌ، على ما نذْكُرُه إن شاء اللَّه تعالى.
وعلى قولِ مَن لم يُوجِبْ فيها إلَّا حُكومةً، يجبُ في قَلْعِها دِيَتُها, كما لو صَفَّرَها.

الجزء: 25 - الصفحة: 498

وَفِى الْعُضْوِ الْأَشَلِّ مِنَ الْيَدِ، وَالرِّجْلِ، وَالذَّكَرِ، وَالثَّدْىِ، وَلِسَانِ الْأَخْرَسِ، وَالْعَيْنِ الْقَائِمَةِ، وَشَحْمَةِ الأُذُنِ، وَذَكَرِ الْخَصِىِّ  فصل: فإن جَنَى على سِنِّه، فذهَبَتْ حِدَّتُها وكَلَّتْ، ففى ذلك حُكومةٌ، وعلى قالِعِها بعدَ ذلك دِيَةٌ كاملةٌ؛ لأنَّها سِنٌّ صحيحةٌ كاملةٌ (1)، فكَمَلَتْ دِيَتُها، كالمُضْطَرِبَةِ.
وإن ذَهَب منها جُزْءٌ، ففى الذَّاهِبِ بقَدْرِه، وإن قَلَعَها قالِعٌ، نَقَصَ مِن دِيَتِها بقَدْرِ ما ذهبَ, كما لو كُسِرَ منها جُزْءٌ.

4257 -

مسألة: (وفى العُضْوِ الأشَلِّ مِن اليَدِ، والرِّجْلِ، والذَّكَرِ، والثَّدْىِ، ولِسانِ الأخْرَسِ، والعَيْنِ القائِمَةِ،

424 الحديث: 4257 - الجزء: 25 - الصفحة: 499

وَالْعِنِّينِ، وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ، وَالثَّدْى دُونَ حَلَمَتِهِ، وَالذَّكَرِ دُونَ حَشَفَتِهِ، وَقَصَبَةِ الْأَنْفِ، وَالْيَدِ وَالإِصْبَعِ الزَّائِدَتَيْنِ، حُكُومَةٌ.
وَعَنْهُ، ثُلُثُ دِيَتِهِ.
وشَحْمَةِ الأُذُنِ، وذَكَرِ الخَصِىٍّ والعِنِّينِ، والسِّنِّ السَّوْداءِ، والثَّدْىِ دُونَ حَلَمَتِه، والذَّكَرِ دُونَ حَشَفتِه، وَقَصَبَةِ الأنْفِ، واليَدِ والإِصْبَعِ الزَّائِدَتَيْنِ، حُكُومَةٌ.
وعنه، ثُلُثُ دِيَتِه) أمَّا اليَدُ الشَّلاءُ، وهى اليابِسَةُ التى ذهبَتْ منها منْفَعَةُ البَطْشِ، وكذلك الرِّجْلُ مثلُها في الحُكمِ، قِياسًا عليها، والعَيْنُ القائمةُ التى ذهبَ بصَرُها، وصُورَتُها باقيةٌ، كصُورَةِ الصَّحيحةِ، والسِّنُّ السَّوْداءُ، فعن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، فيهِنَّ حكُومةٌ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ إيجابُ دِيَةٍ كاملةٍ، لكَوْنِها قد ذهَبَتْ مَنْفَعَتُها، ولا مُقَدَّرَ فيها، فتَجِبُ الحُكومةُ، كاليّدِ الزَّائدةِ.
وعنه، فيهِنَّ ثُلثُ الدِّيَةِ؛ لِما 425 روَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّة، قال: قَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في العَيْنِ القائمةِ السَّادَّةِ لمَكاَنِها بثُلُثِ الدِّيَةِ، وفى اليَدِ الشَّلَّاءِ إذا قُطِعَتْ ثُلُث دِيَتِها، وفى السِّنِّ السَّوْداءِ إذا قُلِعَتْ بثُلُثِ دِيَتِها.
رواه النَّسائِىُّ 426.

الجزء: 25 - الصفحة: 500

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأخْرَجَه أبو داودَ 427 في العَيْنِ وحدَها.
وهو قولُ عمرَ.
وروَى قَتادةُ، [عن خِلاسٍ] 428، عن عبدِ اللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عن يحْيى بنِ يَعْمُرَ 429، عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قَضَى في العَيْنِ القائِمَةِ إذا قُلِعَتْ، واليَدِ الشَّلَّاءِ إذا قُطِعَتْ، والسِّنِّ السَّوْداءِ إذا كُسِرَتْ، بثُلُثِ دِيَةِ كلِّ واحدةٍ منهنَّ 430. ولأنَّها كاملةُ الصُّورَةِ، فكان فيها مُقَدَّرٌ كالصَّحيحةِ.
وقولُهم: لا يُمْكِنُ إيجابُ مُقَدَّرٍ.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّنا قد ذكَرْنا التَّقْدِيرَ وبَيَّنَّاه.
فصل: قال القاضى: قولُ أحمدَ: في السِّنِّ السَّوْداءِ ثُلُثُ دِيَتِها.
مَحْمُولٌ على سِنٍّ ذهَبَتْ مَنْفَعَتُها، بحيثُ لا يُمْكِنُه أَنْ يَعَضَّ بها شيئًا، أو 431 كانت تَتَفَتَّتُ، فأمَّا إن كانت منْفَعَتُها باقيةً، ولم يذْهَبْ منها إلَّا لَوْنُها، ففيها كمالُ دِيَتِها، [سواءٌ قَلَّتْ منْفَعَتُها، بأن يعْجِزَ عن عَضِّ الأشْياءِ الصُّلْبَةِ، أو لم يَعْجِزْ؛ لأنَّها باقيةُ المَنْفَعَةِ، فكَمَلَتْ دِيَتُها] 432،

الجزء: 25 - الصفحة: 501

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كسائرِ الأَعْضاءِ، وليس على مَن سَوَّدَها إلَّا حُكومةٌ.
وهذا مذْهَبُ الشافعىِّ.
قال شَيْخُنا 433: والصَّحِيحُ مِن مذهبِ أحمدَ ما يُوافِقُ ظاهِرَ كلامِه؛ لظاهرِ الأخْبارِ، وقضاءِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وقولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، ولأنَّه ذَهَبَ جَمالُها بتَسْويدِها، فكَمَلَتْ دِيَتُها على مَن سَوَّدَها، كتَسْويدِ الوَجْهِ، ولم يجبْ على مُتْلِفِها أكثرُ مِن ثُلُثِ دِيَتِها، كاليَدِ الشَّلاءِ، وكالسِّنِّ البَيْضاءِ إذا انْقَلَعَتْ، ونَبَتَتْ مكانَها سَوداءُ لمرضٍ فيها، فإنَّ القاضِىَ وأصْحابَ الشافعىِّ سَلَّموا أنَّها لا تكْمُلُ دِيَتُها.
فصل: فإن نَبَتَتْ أسْنانُ صَبِىٍّ سَوْداءَ، ثم ثُغِرَ، ثم عادَتْ سَوْداءَ، فدِيَتُها تامَّةٌ؛ لأَنَّ هذا جِنْسٌ خُلِقَ على هذه الصُّورَةِ، أشْبَهَ مَن خُلِقَ أَسْوَدَ الجِسْمِ والوَجْهِ جَميعًا.
وإن نَبَتَتْ أوَّلًا بَيْضاءَ، ثم ثُغِرَ، ثم عادتْ سَوْداءَ، سُئِلَ أهْلُ الخِبْرَةِ، فإن قالُوا: ليس السَّوادُ لِعِلَّةٍ ولا مَرَضٍ.
ففِيها كَمالُ دِيَتِها.
وإن قالوا: ذلك لمرَضٍ فيها 434. فعلى قالِعِها ثُلُثُ دِيَتِها أو حُكومةٌ.
وقد سَلَّمَ القاضى وأصْحابُ الشافعىِّ الحُكْمَ في هذه الصُّورةِ، وهو حُجَّةٌ عليهم فيما خالَفُوا فيه.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ الحُكْمُ فيما إذا 435 كانت سَوْداءَ مِن ابْتداءِ الخِلْقَةِ هكذا؛ لأَنَّ المرَضَ قد يكونُ في

الجزء: 25 - الصفحة: 502

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فِيه مِن ابْتداءِ خِلْقَتِه، فيثْبُتُ حُكمُه في نَقْصِ دِيَتِها, كما لو كان طارِئًا.
فصل: وفى لِسانِ الأخْرَسِ رِوايتان أيضًا، كاليَدِ الشَّلَّاءِ.
وكذلك كلُّ عُضْوٍ ذهبَتْ منْفَعَتُه، وبَقِيَتْ صُورَتُه, كالرِّجْلِ الشَّلَّاءِ، والإِصْبَعِ والذَّكَرِ إذا شُلَّا، وذَكَرِ الخَصِىِّ والعِنِّين إذا قُلْنا: لا تَكْمُلُ دِيَتُهما.
وأشْباهِ هذا كلِّه يتَخَرَّجُ على رِوايتَيْن؛ إحداهما، فيه ثُلُثُ الدِّيَةِ.
والأُخْرَى، حُكومةٌ.
فصل: فأمَّا اليَدُ والرِّجْلُ والإِصْبَعُ والسِّنُّ الزَّوائدُ، ونحوُ ذلك، فليس فيه إلَّا حُكومةٌ.
وقال القاضى: هو في مَعْنى اليَدِ الشَّلَّاءِ، فيُخَرَّجُ على الرِّوايتَيْن.
والذى ذكَرَه شيْخُنا أصَحُّ؛ لأنَّه لا تَقْديرَ في هذا، ولا هو في معْنَى المُقَدَّر، ولا يصِحُّ قِياسُ هذا على العُضْوِ الذى ذَهَبَتْ منْفَعَتُه وبَقِىَ جَمالُه؛ لأَنَّ هذه الزَّوائدَ لا جَمالَ فيها، إنَّما هى شَيْنٌ في الخِلْقَةِ، وعَيْبٌ يُرَدُّ به المَبِيعُ، وتَنْقُصُ [به القِيمَةُ] 436، فكيف يَصِحُ قِياسُه على ما يحْصُلُ به الجَمالُ؟ ثم لو حَصَلَ به جَمالٌ ما، لكنَّه يُخالِفُ جَمالَ العُضْوِ الذى

الجزء: 25 - الصفحة: 503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يحْصُلُ به تَمامُ الخِلْقَةِ، ويخْتَلِفُ في نَفْسِه اخْتلافًا كثيرًا، فوجبَتْ فيه الحُكومةُ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يجبَ فيه شئٌ؛ لِمَا ذكَرْنا.
فصل: قد ذكَرْنا أنَّ في الإِصْبَعِ الزَّائدةِ 437 حُكومةً.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وعن زيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّ فيها ثُلُثَ دِيَةِ الإِصْبَعِ.
وذكَر القاضى أنَّه قِياسُ المذْهبِ، على رِوايةِ إيجاب ثُلُثِ دِيَةِ اليَدِ [في اليَدِ] 438 الشَّلَّاءِ.
والأَوَّلُ أصَحُّ على ما ذكَرْنا.
ولا يَصِحُّ قِياسُها على اليَدِ الشَّلَّاءِ؛ لِمَا ذكَرْنا مِن الفَرْقِ بينَهما.
واللَّهُ أعلمُ.
فصل: واخْتلفَتِ الرِّوايةُ في قَطْعِ الذَّكَرِ دُونَ حَشَفَتِه، وعلى قِياسِه الثَّدْىُ دُونَ حَلَمَتِه، وقَطْعُ الكَفِّ دُونَ 439 أصابِعِه، فروَى أبو طالبٍ عن أحمدَ، فيه ثُلُثُ دِيَتِه، وكذلك شَحْمَةُ الأُذُنِ.
وعن أحمدَ في ذلك كلِّه حُكومةٌ.
وهذا هو الصَّحيحُ؛ لعَدَمِ التَّقْديرِ فيه، وامْتِناعِ قِياسِه على ما فيَه تَقْديرٌ، لأَنَّ الأشَلَّ بقِيَتْ صُورَتُه، وهذا لم تَبْقَ صُورَتُه، إنَّما بَقِىَ بعْضُ ما فيه الدِّيَةُ، أو أصْلُ ما فيه الدِّيَةُ.
فأمَّا قَطْعُ الذِّراعِ بعدَ قَطْعِ الكَفِّ، والسَّاقِ بعدَ قَطْعِ القَدَمِ، فينْبَغِى أن تجبَ الحُكومةُ فيه، وجْهًا

الجزء: 25 - الصفحة: 504

وَعَنْهُ في ذَكَرِ الْخَصِىِّ وَالْعِنِّينِ، كَمَالُ دِيَتِهِ،  واحدًا؛ لأَنَّ إيجابَ ثُلُثِ دِيَةِ اليَدِ فيه يُفْضِى إلى أن يكونَ الواجبُ فيه مع بَقاءِ الكَفِّ والقَدَمِ وذَهابِهما واحدًا، مع تَفاوُتِهما وعَدَمِ النَّصِّ فيهما.

4258 -

مسألة: (وعنه في ذَكَرِ الخَصِىِّ والعِنِّينِ كَمالُ دِيَتِه)

أمَّا ذَكَرُ العِنِّينِ فأكثرُ أهلِ العلمِ على وُجوبِ الدِّيَةِ فيه؛ لأَنَّ في كتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «وفِى الذَّكَرِ الدِّيَةُ» 440. ولأنَّه غيرُ مأْيُوسٍ مِن جِماعِه، وهو عُضْوٌ سَليمٌ في نفْسِه، فكَمَلَتْ دِيَتُه، كذَكَرِ الشَّيْخِ.
وذَكَرَ القاضى فيه في أحمدَ رِوايتَيْن؛ إحداهما، تجبُ فيه الدِّيَةُ؛ لذلك.
والثانيةُ، لا، تَكْمُلُ دِيَتُه.
وهو قولُ قَتادةَ؛ لأَنَّ منْفَعَتَه الإِنْزالُ والإِحْبالُ والجِماعُ، وقد عُدِمَ ذلك منه في حالِ الكَمالِ، فلم تكْمُلْ دِيَتُه، كالأشَلِّ، وبهذا فَارَقَ ذَكَرَ الصَّبِىِّ والشَّيْخِ.
واخْتلفَتِ الرِّوايةُ في ذَكَرِ الخَصِىِّ، فعنه، فيه دِيَةٌ كاملةٌ.
وهو قولُ سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ للخبرِ، ولأَنَّ منْفَعةَ الذَّكرِ الجِماعُ،

الحديث: 4258 - الجزء: 25 - الصفحة: 505

فَلَوْ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ وَالذَّكَرَ مَعًا، أَوِ الذَّكَرَ ثُمَّ الْأُنْثَيَيْنِ، لَزِمَهُ دِيَتَانِ.
وَلَوْ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ، ثُمَّ قَطَعَ الذَّكَرَ، وَجَبَتْ دِيَةُ الْأُنْثَيَيْنِ، وَفِى الذَّكَرِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، دِيَةٌ.
وَالْأُخْرَى،  وهو باقٍ فيه.
والثانيةُ، لا تجبُ فيه.
وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى، وقَتادةَ، وإسْحاقَ؛ لِمَا ذكَرْنا في ذَكَرِ العِنِّينِ، ولأَنَّ المَقْصُودَ منه تَحْصِيلُ النَّسْلِ، ولا يُوجَدُ ذلك منه، فلم تَكْمُلْ دِيَتُه، كالأشَلِّ، والجِماعُ يذْهَبُ في الغالبِ؛ بدليلِ أنَّ البَهائِمَ يذهبُ جِماعُها بخِصائِها، والفرقُ بينَ ذَكَرِ العِنِّينِ وذَكَرِ الخَصِىِّ، أنَّ الجِماعَ في ذكَرِ العِنِّينِ أبْعَدُ منه في ذَكَرِ الخَصِىِّ، واليَأْسَ مِن الإِنْزالِ مُتَحَقِّقٌ في ذكَرِ الخَصِىِّ دُونَ ذَكَرِ العِنِّينِ.

4259 -

مسألة: فإذا قلنا: لا تَكْمُلُ الدِّيَةُ في قَطْعِ ذَكَرِ الخَصِىِّ.
(إن قَطَعَ الذَّكَرَ والأُنْثَيَيْن دَفْعَةً واحِدَةً، أو قَطَعَ الذَّكَر ثم قَطَعَ الأُنْثَيَيْن، لَزِمَتْه دِيَتان، وإن قَطَعَ الأُنْثَيَيْن ثم قَطَعَ الذَّكَرَ، لَزِمَتْه دِيَةٌ واحِدَةٌ للأُنْثَيَيْن،

الحديث: 4259 - الجزء: 25 - الصفحة: 506

حُكُومَةٌ أَوْ ثُلُثُ الدِّيَةِ.
وَإِنْ أَشَلَّ الْأَنْفَ، أَوِ الْأُذُنَ، أَوْ عَوَّجَهُمَا، فَفِيهِ حُكُومَةٌ.
وَفِى قَطْعِ الْأَشَلِّ مِنْهُمَا كَمَالُ دِيَتِهِ.
وفى الذَّكَرِ حُكُومَةٌ أو ثُلُثُ الدِّيَةِ) قال القاضى: ونَصَّ أحمدُ على هذا.
وإن قَطَعَ نِصْفَ الذَّكَرِ بالطُّولِ، فقال أصْحابُنا: فيه نِصْفُ الدِّيَةِ.
والأَوْلَى أن تجبَ الدِّيَةُ كاملةً؛ لأنَّه ذهَبَ بمَنْفَعَةِ الجِماعِ به، فوجَبَتِ الدِّيَةُ كاملةً, كما لو أشَلَّه، أو كسَرَ صُلْبَه فذَهَبَ جِماعُه.
وإن قَطَعَ قِطْعَةً منه ممَّا دُونَ الحَشَفَةِ، وكان البَوْلُ يخْرُجُ على ما كان عليه، وجَبَ بقَدْرِ القِطْعةِ مِن جَميعِ الذَّكَرِ مِن الدِّيَةِ.
وإن خرَجَ البَوْلُ مِن مَوْضِعِ القَطْعِ، وجَبَ الأكْثَرُ مِن حِصَّةِ القِطْعَةِ مِن الدِّيَةِ أو الحُكومةِ.
وإن ثَقَبَ ذَكرَه فيما دُونَ الحَشَفَةِ، فصارَ البَوْلُ يخْرُجُ مِن الثُّقْبِ، ففيه حُكومةٌ؛ لذلك.

4260 -

مسألة: (وإن أشَلَّ الأنْفَ، أو الأُذُنَ، أو عَوَّجَهما، ففيه حُكومَةٌ. وفى قطعِ الأشَلِّ منهما كمالُ الدِّيَةِ)

إذا ضَرَبَ أنْفَه فأشَلَّه، ففيه حُكومةٌ.
وإن قَطَعَه قاطِعٌ بعدَ ذلك، ففيه دِيَتُه.
وكذلك الأُذُنُ إذا جنى عليها فاسْتَحْشَفَتْ، واسْتِحْشافُها كشَلَلِ سائرِ الأعضاءِ، ففيها حُكومةٌ.

الحديث: 4260 - الجزء: 25 - الصفحة: 507

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهذا أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
وقال في الآخَرِ: في ذلك دِيَتُها.
وكذلك قولُه في الأنْفِ إذا أشَلَّه؛ لأَنَّ ما وَجَبَتْ دِيَتُه بقَطْعِه وَجَبَت بشَلَلِه، كاليَدِ والرِّجْلِ.
ولَنا، أنَّ نَفْعَ الأُذُنِ باقٍ بعدَ اسْتِحْشافِها وجَمالَها، فإنَّ نَفْعَها جَمْعُ الصَّوْتِ ومَنْعُ دُخولِ الماءِ والهوامِّ في صِماخِه، وهذا باقٍ بعدَ شَلَلِها، فإن قَطَعها قاطِعٌ بعدَ شَلَلِها ففيها دِيَتُها؛ لأنَّه قَطَع أُذُنًا فيها جَمالُها ونَفْعُها، فوَجَبَتْ دِيَتُها كالصَّحِيحَةِ، وكما لو قَلَع عَيْنًا عَمْشاءَ 441 أو حَوْلاءَ.
وكذلك الأنْفُ نَفْعُه جَمْعُ الرَّائِحَةِ ومَنْعُ وُصولِ الهَوامِّ إلى دِماغِه، وهذا باقٍ بعدَ الشَّلَلِ، بخِلافِ سائرِ الأعْضاءِ.
فإن جَنَى على الأنْفِ، فعَوَّجَه أو غَيَّرَ لَوْنَه، ففيه حُكومةٌ، في قولِهم جميعًا.
وكذلك الأُذُنُ إذا عَوَّجَها أو غَيَّرَ لَوْنَها، ففيها حُكومةٌ، كالأنْفِ.
فصل: فإن قَطَعَ الأنْفَ إلَّا جِلْدةً بَقِىَ مُعَلَّقًا بها، فلم يَلْتَحِمْ، واحْتِيجَ

الجزء: 25 - الصفحة: 508

وَتَجِبُ الدِّيَةُ في أَنْفِ الْأَخْشَمِ وَالْمَخْزُومِ وَأُذُنَىِ الْأَصَمِّ،  إلى قَطْعِ الجِلْدَةِ، ففيه دِيَتُه؛ لأنَّه قَطَعَ جميعَه (1)؛ بعضَه بالمُباشَرَةِ، وبعْضَه بالسَّبَبِ، فأشْبَهَ ما لو سَرَى قَطْعُ بعْضِه إلى قَطْعِ جَميعِه.
وإن رَدَّه فالْتَحَمَ، ففيه حُكومةٌ؛ لأنَّه لم يَبِنْ.
وإن أبانَه فردَّة فالْتَحَمَ، فقال أبو بكرٍ: ليس فيه إلَّا حُكومةٌ.
كالتى قبلَها.
وقال القاضى: فيه دِيَتُه.
وهو مذهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه أبانَ أنْفَه (2)، فلَزِمَتْه دِيَتُه, كما لو لم يَلْتَحِمْ، ولأَنَّ ما أُبِينَ قد نَجُسَ، فيلْزَمُه أن يُبِينَه بعدَ الْتِحامِه.
ومَن قال بقَوْلِ أبى بكرٍ، منَعَ نَجاسَتَه، ووُجُوبَ إبانَتِه؛ لأَنَّ أجْزاءَ الآدَمِىِّ كجُمْلَتِه، بدليلِ سائرِ الحيواناتِ، وجُمْلتُه طاهِرَةٌ، فكذلك أجْزاؤُه.

4261 -

مسألة: (وتَجِبُ الدِّيَةُ في أنْفِ الأخْشَمِ والمَخْزُومِ)

لأَنَّ أنْفَ الأخْشَمِ لا عَيْبَ فيه، وإنَّما العَيْبُ في غيرِه، فوجَبَتْ دِيَتُه،442443

الحديث: 4261 - الجزء: 25 - الصفحة: 509

وَإِنْ قَطَعَ أَنْفَهُ، فَذَهَبَ شَمُّهُ، أَوْ أُذُنَيْهِ، مذهَبَ سَمْعُهُ، وَجَبَتْ دِيَتَانِ.
وَسَائِرُ الْأَعْضَاءِ إِذَا أذْهَبَهَا بِنَفْعِهَا، لَمْ تَجِبْ إِلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.
كأنْفِ غيرِ (1) الأخْشَمِ.
وأمَّا المَخْزُومُ فأنْفُه كامِلٌ غيرَ أنَّه مَعِيبٌ، فأشْبَهَ العُضْوَ المرِيضَ.
وكذلك (2) تجبُ في أُذُنِ الأصَمِّ؛ لأَنَّ الصَّمَمَ نَقْصٌ في غيرِ الأُذُنِ، فلم يُؤثِّرْ في دِيَتِها، كالعَمَى لا يُؤثِّرُ في دِيَةِ الأجْفانِ.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
ولا نعلمُ فيه مُخالفًا.

4262 -

مسألة: (وإن قَطَعَ أنْفَه، فذَهَبَ شَمُّه، وَجَبَتْ دِيَتان)

لأَنَّ الشَّمَّ في غيرِ الأنْفِ، فلا تَدْخُلُ دِيَةُ أحَدِهما في الآخَرِ.
وكذلك إذا قَطَعَ أُذُنَه فذَهَبَ سَمْعُه تَجبُ دِيَتان؛ لأَنَّ السَّمْعَ في غَيْرِ الأُذُنِ، فَهُوَ كالبَصَرِ مع الأجْفانِ، والنُّطْقِ مع الشَّفَتَيْن.
4263 -

مسألة: (وسائِرُ الأعْضاءِ إذا أذْهَبَها بمَنْفَعَتِها، لم تَجِبْ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ)

كالعَيْنِ إذا قُلِعَتْ فذَهَبَ ضَوْؤُها، لم يَجِبْ إلَّا دِيَةٌ444445

الحديث: 4262 - الجزء: 25 - الصفحة: 510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واحِدَةٌ؛ لأَنَّ الضَّوْءَ فيها.
ومثلُ ذلك سائرُ الأعْضاءِ إذا أذْهَبَها بنَفْعِها، لم تَجبْ إلَّا دِيَةٌ واحدةٌ؛ لأَنَّ نَفْعَها [فيها، فدَخَلَتْ] 446 دِيَتُه في دِيَتِها، ولأَنَّ [مَنافِعَها تابِعَةٌ] 447 لها، تَذْهَبُ بذَهابِها، فوَجَبَتْ دِيَةُ العُضْوِ دُونَ المَنْفَعَةِ, كما لو قَتَلَه، لم تجبْ إلَّا دِيَتُه.

الجزء: 25 - الصفحة: 511

فَصْلٌ في دِيَةِ الْمَنَافِعِ:

وَفِى كُلِّ حَاسَّةٍ دِيَةٌ كَامِلَةٌ؛ وَهِىَ السَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالشَّمُّ، والذَّوْقُ.
فصل في دِيَةِ المنافعِ: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وفى كلِّ حاسَّةٍ دِيَةٌ كاملةٌ؛ وهى السَّمْعُ، والبَصَرُ، والشَّمُّ، والذَّوْقُ) لا خِلافَ في وُجوبِ الدِّيَةِ بذَهابِ السَّمْعِ، قال ابنُ المُنْذِرِ 448: أجْمَعَ عَوامُّ أَهْلِ العلمِ على أنَّ في السَّمْعِ الدِّيَةَ.
رُوِى ذلك عن عمرَ.
وبه قال مُجاهِدٌ، وقَتادةُ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وأهْلُ الشَّامِ، وأهلُ العِراقِ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ، ولا أعلمُ عن غيرِهم خِلافهم.
وقد رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «وفى السَّمْعِ الدِّيَةُ» 449. وروَى أبو المُهَلَّبِ، عمُّ 450

الجزء: 25 - الصفحة: 512

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبى قِلابَةَ، أنَّ رَجُلًا رَمَى رَجُلًا بحَجَرٍ في رأسِه، فذهَبَ سَمْعُه وعَقْلُه ولِسانُه ونِكاحُه، فقَضَى فيه عمرُ بأرْبعِ دِيَاتٍ والرَّجُلُ حَىٌّ (1). ولأنَّها حاسَّةٌ تخْتَصُّ بنَفْعٍ، فكان فيها الدِّيَةُ، كالبَصَرِ.
وإن ذهَبَ السَّمْعُ مِن إحْدَى الأُذُنيْن، وجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، كما لو ذهبَ البَصَرُ مِن إحْدَى العَيْنَيْن.

4264 -

مسألة: وفِى البَصَرِ الدِّيَةُ؛ لأَنَّ كلَّ عُضْوَيْن وجَبَتِ الدِّيَةُ بذَهابِهما، وجَبَتْ بذَهابِ نَفْعِهما، كاليَدَيْن إذا أشَلَّهُما، وفى ذَهابِ بَصَرِ

452 إحداهما نِصْفُ الدِّيَةِ, كما لو أشَلَّ يدًا واحدةً، وليس في إذْهابِهما بنَفْعِهما أكْثَرُ مِن دِيَةٍ واحدةٍ، كاليدَيْن.
وإن جَنَى على رأسِه جِنايةً، ذهبَ بها بَصَرُه، فعليه دِيَتُه؛ لأنَّه ذهبَ بسَبَب جِنايَتِه، وإن لم يذهَبْ بها فداواها، فذهَبَ بالمُداواةِ، فعليه الدِّيَةُ؛ لأَنَّه ذهبَ بسَبَبِ فِعْلِه.451

الحديث: 4264 - الجزء: 25 - الصفحة: 513

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

4265 - مسألة: وفى الشَّمِّ الدِّيَةُ؛ لأنَّه حاسَّةٌ تخْتَصُّ بِمَنْفعَةٍ، فكان في ذَهابِها الدِّيَةُ، كسائرِ الحَواسِّ، ولا نعلمُ في هذا خِلافًا.
قال القاضى: في كتابِ عمرِو بنِ حَزْم عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: «وفى المَشَامِّ الدِّيَةُ»

453. فصل: وفى الذَّوْقِ الدِّيَةُ، وكذلك قال أبو الخَطَّابِ؛ لأَنَّ الذُّوْقَ حَاسَّةٌ، فأشْبَهَ الشَّمَّ.
وقِياسُ المذهبِ أنَّه لا دِيَةَ فيه، فإنَّه لا يُخْتَلَفُ في أنَّ لسانَ الأخْرَسِ لا دِيَةَ فيه، وقد نَصَّ أحمدُ على أن فيه ثُلُثَ الدِّيَةِ، ولو وَجَبَ في الذَّوْقِ دِيَةٌ، لوجبَتْ في ذَهابِه مع ذَهابِ اللِّسانِ بطَريقِ الأَوْلَى.
واخْتَلَفَ أصْحابُ الشافعىِّ؛ فمنهم مَن قال: قد نَصَّ الشافعىُّ على وُجوبِ الدِّيَةِ فيه.
ومنهم مَن قال: لا نَصَّ له فيه.
ومنهمِ مَن قال: قد نصَّ على أنَّ في لسانِ الأخْرَسِ حُكومةً وإن ذهبَ الذَّوْقُ بذهابِه.
قال شيْخُنا 454: والصَّحيحُ، إن شاءَ اللَّهُ، أنَّه لا دِيَةَ فيه؛ لأَنَّ في إجْماعِهِم على أنَّ لِسانَ الأخْرَسِ لا تكْمُلُ الدِّيَةُ فيه، إجْماعًا على أنَّها لا تكْمُلُ في ذَهابِ الذَّوْقِ بمُفْرَدِه؛ لأَنَّ كلَّ عُضْوٍ لا تكْمُلُ الدِّيَةُ فيه بمَنْفَعَتِه، لا تكْمُلُ في مَنْفَعَتِه دُونَه، كسائرِ الأعْضاءِ.
ولا تَفرِيعَ على هذا القَوْلِ.

الحديث: 4265 - الجزء: 25 - الصفحة: 514

وَكَذَلِكَ تَجِبُ في الْكَلَامِ، وَالْعَقْلِ، وَالْمَشْىِ، وَالأَكْلِ، وَالنِّكَاحِ،

4266 - مسألة: (وكذلكْ تَجِبُ في الكَلامِ، والعَقْلِ، والمَشْى، والأكْلِ، والنِّكاحِ)

إذا جَنَى عليه فخَرِسَ، وجبَتْ دِيَتُه؛ لأَنَّ [كلَّ ما] (1) تعَلَّقَتِ الدِّيَةُ بإتْلافِه، تَعَلقَتْ بإتْلافِ مَنْفَعَتِه، كاليَدِ.
4267 -

مسألة: وفى ذَهابِ العَقْلِ الدِّيَةُ. ولا نعلمُ فيه خِلافًا. رُوِى ذلك

456 عن عمرَ، وزيدٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما.
وإليه ذهبَ مَن بَلَغَنا قوْلُه مِن الفُقَهاء.
وفى كتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «وفى العَقْلِ الدِّيَةُ» 457. ولَأَّنه أكبرُ المعانى قَدْرًا، وأعْظَمُ الحواسِّ نَفْعًا؛ [فإنَّ به] 458 يتمَيَّزُ مِن البَهِيمةِ، ويعْرِفُ به حَقائِقَ المعلوماتِ، ويَهْتَدِى إلى مَصالِحِه، ويتَّقِى ما يَضُرُّه، ويدْخُلُ به في التَّكْليفِ، وهو شَرْطٌ في ثُبوتِ الولاياتِ، وصِحَّةِ التَّصَرُّفاتِ، وأداءِ العباداتِ، فكان بإيجابِ الدِّيَةِ أحَقَّ مِن بَقِيَّةِ الحواسِّ.
فإن نَقَصَ عَقْلُه نَقْصًا معْلُومًا، وجَبَ بقَدْرِه.
فصل: فإن ذهَبَ عَقْلُه بجنايةٍ لا تُوجِبُ أَرْشًا، كاللَّطْمَةِ، والتَّخْوِيفِ، ونحوِ ذلك، ففيه الدِّيَةُ لا غيرُ.
وإن أذْهَبَه بجِنايةٍ تُوجِبُ455

الحديث: 4266 - الجزء: 25 - الصفحة: 515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أَرْشًا، كالجِراحِ، أو قَطْعِ عُضْوٍ، وجَبَتِ الدِّيَةُ وأَرْشُ الجُرْحِ.
وبهذا قال مالكٍ، والشافعىُّ في الجديدِ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ في القَديمِ: يدْخُلُ 459 الأقَلُّ منهما في الأكْثَرِ 460، فإن كانتِ الدِّيَةُ أكثرَ مِن أَرْشِ الجُرْحِ، وجَبَتْ وحدَها، وإن كان أَرْشُ الجُرْحِ أكْثَرَ 461، كأنْ قَطَعَ يدَيْه ورِجْلَيْه، فذهبَ عَقْلُه، وجبَتْ دِيَةُ الجُرْحِ، ودخَلَتْ دِيَةُ العَقْلِ فيه؛ لأَنَّ ذَهابَ 462 العَقْلِ تَخْتَلُّ معه مَنافِعُ الأعْضاءِ، فدَخَلَ أَرْشُها فيه، كالموتِ.
ولَنا، أنَّ هذه جِناية أذْهبَتْ منْفعَةً مِن غيرِ مَحَلِّها مع بَقاءِ النَّفْسِ، فلم يتَداخَلِ الأَرْشانِ، كما لو أَوضَحَه فذهبَ بَصَرُه أو سَمْعُه، ولأنَّه لو جَنَى على أنْفِه أو أُذُنِه، فذهبَ شَمُّه [أو سَمْعُه] 463، لم يدْخُلْ أَرْشُهما في دِيَةِ الأنْفِ والأذُنِ، مع قُرْبِهما منهما، فههُنا أوْلَى.
وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو دخَلَ أَرْشُ الجُرْحِ في ديَةِ العَقْلِ، لم يجبْ أَرْشُه إذا زادَ على دِيَةِ العَقْلِ، كما أنَّ دِيَةَ الأعْضاء كلِّها مع القتلِ لا يجبُ بها 464 أكثرُ مِن دِيَةِ النَّفْسِ.
ولا يَصِحُّ قولُهم: إنَّ منافعَ الأعْضاءِ تبْطُلُ بذَهابِ العَقْلِ.
فإنَّ المَجْنُونَ تُضْمَنُ مَنافِعُه وأعْضاؤُه بعدَ ذَهابِ عَقْلِه بما تُضْمَنُ به مَنافِعُ الصَّحيحِ وأعضاؤُه، ولو ذهبت مَنافعُه

الجزء: 25 - الصفحة: 516

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأعْضاؤُه، لم تُضْمَنْ، كما لا تُضْمَنُ مَنافِعُ المَيِّتِ وأعْضاؤُه، وإذا جازَ أن تُضْمَنَ بالجِنايةِ عليها بعدَ الجِنايَةِ عليه، جازَ ضَمانُها مع الجِنايةِ عليه، كما لو جَنَى عليه فأذْهَبَ سَمْعَه وبصَرَه بجِرَاحةٍ في غيرِ مَحَلِّهما (1). فصل: فإن جَنَى عليه فأذْهَبَ عقْلَه وشمَّه وبصَرَه وكَلامَه، وجَبَ أرْبَعُ دِياتٍ مع أَرْشِ الجُرْحِ.
قال أبو قِلَابَةَ (2): رَمَى رَجُلٌ رَجُلًا بحَجَرٍ، فذهبَ عقلُه وسمْعُه وبصرُه ولسانُه (3)، فقَضَى عليه عمرُ بأرْبَعِ دِياتٍ وهو حَىٌّ.
ولأنه أذْهَبَ مَنافِعَ في كلِّ واحدٍ منها (4) دِيَةٌ، فوجَبَتْ عليه دِياتُها، كما لو أذْهَبَها بجِناياتٍ.
فإن مات مِن الجِنايةِ، لم تَجِبْ إلَّا دِيَةٌ واحدَةٌ؛ لأن دياتِ المنافعِ كلُّها تدْخُلُ في دِيَةِ النَّفْسِ، كدِيَاتِ الأعْضاءِ.

4268 -

مسألة: وفى ذَهابِ المَشْى الدِّيَةُ؛ لأنُّها منْفَعَةٌ مقْصُودَةٌ، فوجَبَتْ فيها الدِّيَةُ، كالكلامِ.

فصل: وفى كسرِ الصُّلْبِ الدِّيَةُ إذا لم ينْجَبِرْ؛ لِما رُوِى في كتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعمرِو بنِ حَزْمٍ: «وفى الصُّلْبِ الدِّيَةُ» 469. وعن سعيدِ بنِ465466467468

الحديث: 4268 - الجزء: 25 - الصفحة: 517

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُسَيَّبِ، قال: مضتِ السُّنَّةُ أنّ في الصُّلْبِ الدِّيَةَ (1). وهذا ينْصَرِفُ إلى سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وبه قال زيدُ بنُ ثابتٍ، وعَطاءٌ، والحسنُ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ.
وقال القاضى، وأصْحابُ الشافعىِّ: ليس في كَسْرِ الصُّلْبِ دِيَة، إلَّا أن يذْهَبَ مَشْيُه (2) أو جِماعُه، فتجبُ الدِّيَةُ لتلك المَنْفَعَةِ؛ لأنَّه عُضْوٌ لم تَذْهَبْ منْفَعَتُه، فلم يجبْ فيه دِيَة كاملةٌ، كسائر الأعْضاءِ.
ولَنا، الخَبَرُ، ولأنَّه عُضْوٌ ليس في البَدَنِ مثلُه، فيه جَمالٌ ومنْفَعَةٌ، فوجَبَتْ فيه الدِّيَةُ بمُفْرَدِه، كالأنْفِ.
وإن ذهبَ مَشْيُه (2) بكسر صُلْبِه، ففِيه الدِّيَةُ في قولِ الجميعِ.
ولا يَجِبُ أكثرُ مِن دِيَةٍ؛ لأنَّها منْفَعَةٌ تَلْزَمُ كَسْرَ الصُّلْبِ غالِبًا، فأشبَهَ ما لو قطَعَ رِجْلَيْهِ.

4269 -

مسألة: وفى ذَهابِ الأكلِ الدِّيَةُ؛ لأنَّها مَنْفَعَة مَقْصُودَةٌ، فوجَبَتْ فيها الدِّيَةُ، كالشَّمِّ والنِّكاحِ.

4270 -

مسألة: فإن كَسَرَ صُلْبَه، فذَهَبَ نِكاحُه، ففيه الدِّيَةُ أيضًا

472. رُوِى ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؛ لأنَّه نَفْعٌ مقْصُودٌ، فأشْبَهَ ذَهابَ المَشْى.
وإن ذهبَ جماعُه ومَشْيُه، وجبَتْ دِيَتان في ظاهرِ كلامِ أحمدَ، في رِوايةِ ابْنِه عبدِ اللَّهِ؛ لأنَّهُما منْفعَتانِ تجِبُ الدِّيَةُ بذَهابِ كلِّ واحدةٍ منهما مُنْفَرِدَةً، فإذا اجْتَمَعَتا وجَبتْ دِيَتان،470471

الحديث: 4269 - الجزء: 25 - الصفحة: 518

وَتَجِبُ في الْحَدَبِ، وَالصَّعَرِ، وَهُوَ أَنْ يَضْرِبَهُ فَيَصِيرَ الْوَجْهُ في  كالسَّمْعِ والبَصَرِ.
وعن أحمدَ، فيهما دِيَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّهما نَفعُ عُضْوٍ واحدٍ، فلم يجبْ فيهما أكثرُ مِن دِيَةٍ واحدةٍ، كما لو قَطَعَ لسانه فذهبَ كَلامُه وذَوْقُه.
وإن جَبَرَ صُلْبُه، فعادتْ إحْدَى المَنْفَعَتَيْن دُونَ الأُخْرَى، لم تجبْ إلَّا دِيَةٌ، إلَّا أن تَنْقُصَ الأُخْرَى، فتجبُ حُكومةٌ لنَقْصِها، أو تَنْقُصَ مِن جِهَةٍ أُخْرَى، فيكونُ فيه حُكومة لنَقْصِها لذلك.
وإنِ ادَّعَى ذَهابَ جِماعِه، فقال رَجُلان مِن أَهْلِ الخِبْرَةِ: إنَّ مثْلَ هذه الجِنايَةِ تُذْهِبُ الجِماعَ.
فالقَوْلُ قولُ المَجْنِىِّ عليه مع يَمِينِه؛ لأنَّه لا (1) يُتَوَصَّلُ إلى مَعْرِفَةِ ذلك إلَّا مِن جِهَتِه.
وإن كَسَرَ صُلْبَه، فشَلَّ ذكَرُه، اقْتَضَى كلامُ أحمدَ وُجوبَ دِيَتَيْن؛ لكَسْرِ الصُّلْبِ [واحدة، وللذَّكر أُخْرَى.
وفى قولِ القاضى ومذهبِ الشافعىِّ، يَجِبُ (2) في الذَّكَرِ دِيَةٌ، وحكُومةٌ لكَسْرِ الصُّلْبِ] (3). وإن أذْهَبَ ماءَه دُونَ جِماعِه.
احْتَمَلَ وجُوبُ الدِّيَةِ.
ويُرْوَى هذا عن مُجاهدٍ.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعىِّ: هو الذى يَقْتَضِيه مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه ذَهَبَ بمنْفَعَةٍ مقْصُودةٍ، فوجَبَتِ الدِّيَةُ، كما لو ذهَبَ بجماعِه أو كما لو قَطَعَ أنْثَيَيْه أو رَضَّهُما.
واحْتَمَلَ أن لا تجبَ الدِّيَةُ كاملةً؛ لأَنَّه لم يَذْهبْ بالمنْفَعةِ كلِّها.

4271 -

مسألة: (وتَجِبُ في الحَدَبِ، والصَّعَرِ، وهو أن

473474475 الحديث: 4271 - الجزء: 25 - الصفحة: 519

جَانِبٍ.
يَضْرِبَه فيَصيرَ الوَجْهُ في جانبٍ) تجبُ الدِّيَةُ في الحَدَبِ؛ لأَنَّ في كتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعمرِو بنَ حَزْمٍ: «وَفِي الصُّلب الدِّيَةُ» (1). ولأنَّه أبْطَلَ عليه منْفَعَةً مقْصُودةً وجَمالًا، أشْبَهَ ما لو أذْهَبَ مَشْيَه.

4272 -

مسألة: وفى الصَّعَرِ الدِّيَةَ، وهو أن يَضْرِبَهُ فيَصِيرَ الوَجْهُ إلى جانِبٍ. وأصْلُ الصَّعَرِ داءٌ يأخذُ البَعِيرَ [في عُنُقِه]

477، فيَلْتَوِى منه عُنُقُه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ 478. أى: لا تُعْرِضْ عنهم بوَجْهِكَ تَكَبرًا، كإمالةِ وَجْهِ البعيرِ الذى به الصَّعَرُ.
فمَن جَنَى على إنْسانٍ جِنايةً، فعوَّجَ عُنُقَه، حتى صارَ وَجْهُه في جانبٍ، فعليه دِيَةٌ كاملةٌ.
رُوِى ذلك عن زيدِ بنِ ثابتٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وقال الشافعىُّ: ليس فيه476

الحديث: 4272 - الجزء: 25 - الصفحة: 520

وَفِي تَسْوِيدِ الْوَجْهِ إِذَا لَمْ يَزلْ،  إلَّا حُكومةٌ؛ لأنَّه إذْهابُ جَمالٍ مِن غيرِ منْفَعَةٍ.
ولَنا، ما روَى مَكْحُولٌ عن زَيدِ بنِ ثابتٍ أنَّه قال: وفى الصَّعَرِ الدِّيَةُ (1). ولم يُعْرَفْ له في الصَّحابةِ مُخالِفٌ، فكان إجْماعًا.
ولأنَّه أذْهبَ الجَمالَ والمَنْفَعَةَ، فوجَبَتْ فيه دِيَةٌ، كسائرِ المَنافِعِ.
وقولُهم: لم يُذْهِبْ منْفَعَةً.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّه لا يقْدِرُ على النَّظَرِ أمامَه، واتِّقاءِ ما يحْذَرُه إذا مَشَى، وإذا نابَه أمْرٌ، أو دَهَمَه عَدُوٌّ, لم يُمْكِنْه العِلْمُ (2) به، ولا اتِّقاؤُه، ولا يُمْكِنُه لَىُّ عُنُقِه ليَعْرِفَ (3) ما يُرِيدُ نَظَرَه، ويَعْرِفَ (4) ما يَضُرُّه ممَّا ينْفَعُه.
فصل: فإن جَنَى عليه، فصارَ الالتِفاتُ أو ابْتِلاعُ الماءِ عليه شاقًّا، ففيه حُكومةٌ؛ لأنَّه لم يَذْهَبْ بالمَنْفَعَةِ كلِّها, ولا يُمْكِنُ تَقْدِيرُها.
وإن صار بحيثُ لا يُمْكِنُه ازْدِرادُ رِيقِه، فهذا لا يَكادُ يَبْقَى، وإن بَقِىَ مع ذلك، ففيه الدِّيَةُ؛ لأنه تَفْويتُ مَنْفَعَةٍ ليس لها مِثْلٌ في البَدَنِ.

4273 -

مسألة: (وفى تَسْوِيدِ الوَجْهِ إذا لم يَزُلِ)

الدِّيَةُ.
وقال479480481482

الحديث: 4273 - الجزء: 25 - الصفحة: 521

وَإِذَا لَمْ يَسْتَمْسِكِ الْغَائِطُ أوِ الْبَوْلُ، فَفِى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
الشافِعِىُّ: فيه حُكومةٌ؛ لأنَّه لا مُقَدَّرَ فيه، ولا هو نَظِيرٌ لمُقَدَّرٍ.
ولَنا، أنّه فَوَّتَ الجَمالَ على الكَمالِ، فضَمِنَه بدِيته، كما لو قَطَعَ أُذُنَىِ الأصَمِّ، أو أنْفَ الأخْشَمِ.
وقولُه: ليس بنَظيرٍ لمُقَدَّرٍ.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّه [نَظِيرٌ لقَطْعِ] (1) الأُذُنَيْن في ذَهابِ الجَمالِ، بل هو أعْظَمُ في ذلك، فيكون بإيجابِ الدِّيةِ أوْلَى.
فإن زالَ السوادُ رَدَّ ما أخَذَه لسَوادِه (2)؛ لزَوالِ سَبَبِ الضَّمانِ.
فأمَّا إنْ صَفَّرَ وَجْهَه أو حَمَّرَه، ففِيه حُكومة؛ لأنَّه لم يَذْهَبْ بالجمالِ على الكَمالِ.

4274 -

مسألة: (وإذا لم يَسْتَمْسِك الغائِطُ أو البَوْلُ، ففى كلِّ واحدٍ مِن ذلك دِيَة كامِلَةٌ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنّه إذا ضَرَبَ بَطْنَه فلم يَسْتَمْسِكِ الغائِطُ، أو المَثانَةَ فلم يَسْتَمْسِكِ البَوْلُ [وجَبَ فيه] 485 الدِّيَةُ.
وبهذا قال ابنُ جُرَيْجٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو حَنِيفَةَ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا، إلَّا أنَّ ابنَ أبى مُوْسى ذَكَر483484

الحديث: 4274 - الجزء: 25 - الصفحة: 522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في المثانَةِ رِوايةً أُخْرَى أنَّ فيها ثُلُثَ الدِّيَةِ؛ لأنَّها باطِنَةٌ، فهى كإفضاءِ المَرْأةِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ مِن هذين المَحَلَّين عُضْوٌ فيه مَنْفَعةٌ كَبِيرةٌ، ليس في البَدَنِ مِثْلُه، فوَجَبَ في 486 تَفْوِيتِ مَنْفَعتِه دِيَةٌ كامِلَةٌ، كسائرِ الأعضاءِ المَذْكُورَةِ، فإنّ نَفْعَ المثَانَةِ حَبْسُ البَوْلِ، وحَبْسُ البَطْنِ الغائِطَ مَنْفَعَةٌ مِثْلُها، والنَّفْعُ بهما كثِيرٌ، والضَّرَرُ بفَواتِهما عَظِيمٌ، فكان في كلِّ واحدٍ منهما الدِّيَةُ، كالسَّمْعِ والبَصَرِ.
وإن فاتتِ المَنْفَعتان بجِنايَةٍ واحدةٍ، وَجَب على الجانِى دِيَتان، كما لو ذَهَب سَمْعُه وبَصَرُه بجِنايَةٍ واحدةٍ.

الجزء: 25 - الصفحة: 523

وَفِي نَقْصِ شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِنْ عُلِمَ، بِقَدْرِهِ، مِثْلَ نَقْصِ الْعَقْلِ، بِأَنْ يُجَنَّ يَوْمًا وَيُفِيقَ يَوْمًا، أَوْ ذَهَابَ بَصَرِ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ، أَوْ سَمْعِ إِحْدَى الأُذُنَيْنِ.
وَفِي بَعْضِ الْكَلَامِ بِالْحِسَابِ، يُقْسَمُ عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ حَرْفًا.
4275 - مسألة: (وفى نَقْصِ شَىْءٍ مِن ذلك إن عُلِمَ بقَدْرِه، مِثْلَ نَقْصِ العَقْلِ، بِأنْ يُجَنَّ يَوْمًا ويُفِيقَ يَوْمًا، أَوْ ذَهاب بَصَرِ إحْدَى العَيْنَيْن، أَوْ سَمْعِ إحْدَى الأُذُنَيْن) لأَنَّ ما وجَبَت فيه الدِّيَةُ، وجبَ بعْضُها في بعْضِه، كالأصابعِ واليدَيْن.
فصل: وإن نَقَصَ الذَّوْقُ نَقْصًا يَتَقَدَّرُ بأَن لا يُدْرِكَ أحَدَ المَذاقِ الخَمْسِ، وهى الحلاوةُ، والحُموضةُ، والمرارَةُ، والمُلوحةُ، والعُذوبة، فإذا لم يُدْرِكْ أحَدَها، وأدْرَكَ الباقِىَ، ففيه خُمْسُ الدِّيَةِ، وفى اثْنَيْن خُمْساها، وفى ثلاثٍ ثلاثةُ أخْماسِها.
وإن لم يُدْرِكْ واحدةً، فعليه الدِّيَةُ إذا قُلْنا: تجبُ الدِّيَةُ في ذَهابِ الذَّوْقِ.
وإلَّا ففيه حُكومةٌ.

4276 -

مسألة: (وفى بَعْضِ الكَلامِ بِالحِسابِ، يُقْسَمُ على ثَمانِيَةٍ وعِشْرِين حَرْفًا)

يُعْتَبَرُ ذلك بحُرُوفِ المُعْجَمِ، وهى ثمانيةٌ

الحديث: 4275 - الجزء: 25 - الصفحة: 524

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْسَمَ علَى الْحُرُوفِ الَّتِى لِلِّسَانِ فِيهَا عَمَلٌ دُونَ الشَّفَوِيَّةِ؛ كَالْبَاءِ، وَالْفَاءِ، والْمِيمِ.
وِعشرون حرفًا سِوَى «لا»، فإنَّ مخرجَها مَخْرَجُ اللامِ والألفِ، فمهما نقَصَ مِن الحُرُوفِ، نَقَصَ مِن الدِّيَةِ بقَدْرِه؛ لأَنَّ الكلامَ يُتِمُّ بجَمِيعِها، فالذاهبُ يجبُ أن يكونَ عِوَضُه مِن الدِّيَةِ كقَدْرِه مِن الكلامِ، ففى الحَرْفِ الواحدِ رُبْعُ سُبْعِ الدِّيَةِ، وفى الحرْفَيْنِ نِصْفُ سُبْعِها، وفى الأرْبَعَةِ سُبْعُها, ولا فَرْقَ بينَ ما خَفَّ على اللِّسانِ مِن الحرُوفِ أو ثَقُلَ؛ لأن كل ما وجَبَ فيه المُقَدَّرُ لم يخْتلِفْ لاخْتِلافِ قَدْرِه؛ كالأصابعِ.
(ويَحْتَمِلُ أن تُقْسَمَ الدِّيَةُ على الحرُوفِ التى لِلِّسانِ فيها عَمَل دُونَ الشَّفَوِيَّةِ؛ وهى الباءُ، والميمُ، والفاءُ) والواوُ.
ودُونَ حُروفِ الحَلْقِ السِّتَّةِ؛ [وهى] 487 الهَمْزَةُ، والهاءُ، والحاءُ، والخاءُ، والعَيْنُ، والغَيْنُ.
فهذه عشَرةٌ، بقِى ثمانيةَ عشَرَ حَرْفًا للِّسانِ، تُقْسَمُ دِيَتُه عليها؛ لأَنَّ الدِّيَةَ تجبُ بقَطْعِ اللِّسانِ، وذَهابِ هذه الحروفِ وحْدَها مع بقائِه، فإذا وجَبَتِ الدِّيَةُ فيها بمُفْرَدِها، وجَبَ في بَعْضِها بقِسْطِه منها، ففى الواحدِ نِصْفُ تُسْعِ

الجزء: 25 - الصفحة: 525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الدِّيَةِ، وفى الاثْنَيْن تُسْعُها، وفى الثلاثةِ سُدْسُها.
وهذا قولُ بعضِ 488 أصْحابِ الشافعىِّ.
وإن جَنَى على شَفَتِه 489، فذَهَبَ بعضُ الحروفِ، وجَبَ فيه بقَدْرِه، وكذلك إن ذهبَ بعضُ حروف الحَلْقِ بجنايته.
وينْبَغِى أن يجبَ بقَدْرِه مِن ثَمانيةٍ وعشرين، وجْهًا واحدًا.
وإن ذهبَ حرف فعَجزَ عن كَلمةٍ، لم يجبْ فيه 490 غيرُ أَرْشِ الحرفِ؛ لأَنَّ الضَّمانَ إنَّما يجبُ لِمَا تَلِفَ.
وإن ذهبَ حرفٌ 491، فأبدَلَ مكانَه حرفًا آخرَ، كأن كان يقولُ: دِرْهَمٌ.
فصار يقول: دِلْهم.
أو دِعْهم 492. أو دِيْهَم.
فعليه ضَمانُ الحرفِ الذَّاهبِ؛ لأَنَّ ما تَبَدَّلَ لا يقومُ مَقامَ الذَّاهبِ في القراءةِ ولا غيرِها.
فإن جَنَى عليه فذهبَ البدلُ، وجَبَتْ دِيَتُه أيضًا؛ لأنَّه أصْلٌ.
وإن جَنَى عليه جانٍ، فأذْهَبَ بعضَ الحروفِ، وجَنَى عليه آخَرُ، فأذْهبَ بقِيَّةَ

الجزء: 25 - الصفحة: 526

وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُهُ، مِثْلَ أَنْ صَارَ مَدْهُوشًا، أَوْ نَقَصَ سَمْعُهُ، أَوْ بَصَرُهُ، أو شَمُّهُ، أو حَصَلَ في كَلَامِهِ تَمْتَمَةٌ أَوْ عَجَلَةٌ،  الكلامِ، فعلى كلِّ واحدٍ منهما بقِسْطِه، كما لو ذهبَ الأَوَّلُ ببَصرِ إحْدَى العَيْنَيْن، وذهبَ الآخرُ ببَصرِ الأُخْرَى.
وإن كان ألْثَغَ مِن غيرِ جنايةٍ عليه، فذهبَ إنْسانٌ بكلامِه كلِّه، فإن كان مَأْيُوسًا مِن ذَهابِ لُثْغَتِه، ففيه بقِسْطِ ما ذهبَ مِن الحروفِ، وإن كان غيرَ مَأْيُوس مِن زَوالِها، كالصَّبِىِّ، ففيه الدِّيَةُ الكاملةُ؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ زَوالُها.
وكذلك الكبيرُ إذا أمْكَنَ إزالَةُ لُثْغَتِه بالتَّعْليمَ.

4277 -

مسألة: (وإن لم يُعْلَمْ قَدْرُه، مِثْلَ أن صار مَدْهُوشًا)

يَفْزَعُ مِمَّا لا يُفْزَعُ منه (1)، ويَسْتَوْحِشُ إذا خلا، فهذا لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُه، فيجبُ فيه ما تُخْرِجُه الحُكومةُ؛ لأنَّه لا تَقْدِيرَ فيه.
4278 -

مسألة: (فإن نَقَصَ سَمْعُه، أو بَصَرُه، أو شَمُّه، أو حَصَلَ في كلامِه تَمْتَمَةٌ أو عَجَلةٌ)

أو فَأْفَأَةٌ، ففيه حُكومةٌ لِما حَصَلَ مِن النَّقْصِ والشَّيْنِ، ولم تَجِبِ الدِّيَةُ؛ لأَنَّ المَنْفَعَةَ باقيةٌ.
فإن جَنَى عليه جانٍ آخَرُ، فأذْهَبَ كلامَه، ففيه الدِّيَةُ كاملةً، كما لوِ جَنَى على عَيْنِه جانٍ فعَمِشَتْ، ثم جَنَى عليه آخَرُ فأذْهَبَ بَصَرَها.
فإن نقَصَ ذَوْقُه نَقْصًا غَيْرَ مُقَدرٍ، بأن يُحِسَّ المَذاقَ كلَّه إلَّا أنَّه لا يُدْرِكُه على الكمالِ، ففيه حُكومةٌ، كما لو نَقَصَ بَصَرُه أو سَمْعُه نَقْصًا لا يَتَقَدَّرُ.493

الحديث: 4277 - الجزء: 25 - الصفحة: 527

أَوْ نَقَصَ مَشْيُهُ، أَوِ انْحَنَى قَلِيلًا، أَوْ تَقَلَّصَتْ شَفَتُهُ بَعْضَ التَّقَلُّصِ، أَوْ تَحَرَّكَتْ سِنُّهُ، أَوْ ذَهَبَ اللَّبَنُ مِنْ ثَدْىِ المَرأةِ، ونَحْوُ ذَلِكَ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ.

4279 - مسألة: (وإن نَقَص مَشْيُه أو انْحَنَى قليلًا، أو تَقَلَّصَتْ شَفَتُه بعضَ التَّقَلُّصِ، أو تَحَركَتْ سِنُّه، أو ذَهَبَ اللبنُ مِن ثَدْىِ المرْأةِ، ونحوُ ذلك، ففيه حُكومةٌ)

لِمَا ذكرْنا.

الحديث: 4279 - الجزء: 25 - الصفحة: 528

وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ اللِّسَانِ فَذَهَبَ بَعْضُ الْكَلَامِ، اعْتُبرَ أكْثَرُهُمَا؛ فَلَوْ ذَهَبَ رُبْعُ اللِّسَانِ وَنِصْفُ الْكَلَامِ، أَوْ رُبْعُ الْكَلَامِ وَنِصْفُ اللِّسَانِ، وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ،

4280 - مسألة: (وإن قَطَع بَعْضَ اللِّسانِ فَذَهَبَ بَعْضُ الكلامِ، اعْتُبِرَ أكْثَرُهما؛ فلو ذَهَب رُبْعُ اللِّسانِ ونِصْفُ الكَلامِ، أو رُبْعُ الْكَلامِ ونِصْفُ اللِّسانِ، وجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ)

إذا قَطَع بعض لِسانِه، فذهبَ بعض كلامِه، فإنِ اسْتَوَيا، مثلَ أن يَقْطَعَ رُبْعَ لِسانِه، فيَذْهَبَ رُبْعُ كلامِه، وجبَ رُبْعُ الدِّيَةِ بقَدْرِ الذَّاهبِ منهما، كما لو قَلَع 494 إحْدَى عيْنَيْه فذهَبَ بَصرُها.
وإن ذهبَ مِن أحَدِهما أكثرُ مِن الآخَرِ، كأن قَطَعَ رُبْعَ لِسانِه فذهبَ نِصْفُ كلامِه، أو قَطَع نِصْف لِسانِه فذهبَ رُبْعُ كلامِه، وجبَ بقَدْرِ الأكْثَرِ، وهو نِصْفُ الدِّيَةِ في الحالَيْن؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ مِن اللِّسانِ والكلامِ مَضْمُونٌ بالدِّيةِ مُنْفَرِدًا، فإذا انْفَرَدَ نِصْفُه بالذَّهابِ، وجَبَ النِّصْفُ، ألَا تَرَى أنه لو ذهبَ نِصْفُ الكلام ولم يذهبْ مِن اللِّسانِ شئٌ، وجبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، ولو ذهبَ نِصْفُ اللِّسانِ ولم يذهبْ مِن الكلامِ

الحديث: 4280 - الجزء: 25 - الصفحة: 529

فَإِنْ قَطَعَ رُبْعَ اللِّسَانِ فَذَهَبَ نِصْفُ الْكَلَامِ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ بَقِيَّتَهُ، فَعَلَى الأَوَّلِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَعَلَى الثَّانِى نِصْفُهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَحُكومَةٌ لِرُبْعِ اللِّسَانِ.
شئٌ، وجبَ نِصْفُ الدِّيَةِ.

4281 -

مسألة: (وإن قَطَع رُبْعَ اللِّسانِ فذَهَبَ نِصْفُ الكَلامِ، ثمُّ قَطَع الآخَرُ بَقِيَّتَه)

فَذَهَبَ بَقِيَّةُ الكَلامِ (فَعَلَى الأوَّلِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وعلى الثَّانِى نِصْفُها.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ عليه نِصْفُ الدِّيَةِ، وحُكُومَةٌ لِرُبْعِ اللِّسانِ) في هذه المسألةِ ثَلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، على الثانى نِصْف الدِّيَةِ.
وهذا قولُ القاضى.
وهو أحَدُ الوَجْهَيْن لأصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّ السُّالمَ نِصْفُ اللِّسانِ، وباقِيَه أشَلُّ، بدليلِ ذَهاب نِصْفِ الكلامِ.
والثانى 495، عليه نِصْفُ الدِّيَةِ، وحُكومةٌ للرُّبْعِ الأشَلِّ؛ لأنَّه لو كان جَمِيعُه أشَلَّ، لَكانت فيه حُكومةٌ أو ثُلُثُ الدِّيَةِ، فإذا كان بعْضُه أشَلَّ، ففى ذلك البعضِ

الحديث: 4281 - الجزء: 25 - الصفحة: 530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حُكُومةٌ أيضًا.
والثالثُ، عليه ثَلاثةُ أرْباعِ الدِّيَةِ.
وهذا الوَجْهُ الثانى لأصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّه قَطَع ثلاثةَ أرْباعِ لِسانِه فذهبَ نِصْفُ كلامِه، فوجَبَ عليه ثلاثةُ أرْباعِ الدِّيَةِ، كما لو قَطَعَه أوَّلًا.
ولا يَصِحُّ القولُ بأنَّ بعْضَه أشَلُّ؛ لأنَّ العُضْوَ متى كان فيه بعْضُ النَّفْعِ، لم يَكُنْ بعْضُه أشَلَّ، كالعَيْنِ إذا كان بَصَرُها ضَعِيفًا، واليَدِ إذا كان بَطْشُها ضَعِيفًا.
فصل: وإِن قَطَع نِصْفَ لِسانِه، فذهبَ رُبْعُ كلامِه، فعليه نِصْف دِيَتِه، وإن قَطَع الآخَرُ بقِيَّتَه 496، فعليه ثلاثةُ أرْبَاعِ الدِّيَةِ.
وهذا أحَدُ الوَجْهَيْن لأصْحابِ الشافعىِّ.
والآخَرُ، عليه نِصْفُ الدِّيَةِ 497؛ لأنَّه لم يقْطَعْ إلَّا نِصْفَ لِسانِه.
ولَنا، أنَّه ذهبَ بثلاثةِ أرْباعِ الكلامِ، فلَزِمَتْه ثلاثةُ أرْباعِ دِيَتِه، كما لو ذهبَ ثلاثةُ أرْباعِ الكلامِ بقَطْعِ نِصْفِ اللِّسانِ في الأَوَّلِ، ولأنَّه لو ذهبَ ثلاثةُ أرْباعِ الكلامِ مع بَقاءِ اللِّسانِ لَزِمَتْه ثلاثةُ أرْباعِ الدِّيَةِ، فَلأَنْ يجبَ بقَطْعِ نِصْفِ اللِّسانِ أوْلَى.
ولو لمْ يَقْطَعِ الثانى نصفَ اللِّسانِ، لكنْ جَنَى عليه جنايةً أذهَبَ بَقِيَّةَ كلامِه مع بَقاءِ لِسانِه، لَكانَ عليه ثلاثةُ أرْباعِ دِيَتِه؛ لأنَّه ذهبَ بثلاثةِ أرْباعِ ما فيه الدِّيَةُ، فكان عليه

الجزء: 25 - الصفحة: 531

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثلاثةُ أرْباعِ الدِّيَةِ، كما لو جَنَى على صَحيحٍ فذهبَ ثلاثةُ أرْباعِ كلامِه، مع بَقاءِ لِسانِه.
فصل: إذا قَطَعَ بعضَ لِسانِه عَمْدًا، فاقْتَصَّ المَجْنِىُّ عليه مِن مِثْلِ ما جَنَى عليه، فذهبَ مِنِ كلامَ الجانِى مثلُ ما ذهبَ مِن كلامَ المَجْنِىِّ عليه أو أكثرُ، فقد اسْتَوْفى حَقَّه، ولا شئَ في الزَّائدِ؛ لأنَّه 498 مِن سِرايةِ القَوَدِ، وهى غيرُ مَضْمُونةٍ، وإن ذهبَ أقَلُّ [مِن جنايته] 499، فللمُقْتَصِّ ديَةُ ما بَقِىَ؛ لأنَّه لم يَسْتَوْفِ بَدَلَه.
فصل: إذا كان لِلسانِه طَرَفان، فقَطَع أحَدَهما، فذهبَ كلامُه، ففيه الدِّيَةُ؛ لأَنَّ ذَهابَ الكلامِ بمُفْرَدِه يُوجِبُ الدِّيَةَ.
وإن ذهبَ بعضُ الكلامِ، نَظَرْتَ، فإن كان الطَّرَفان مُتَساوِيَيْن، وكان ما قَطَعَه بقَدْرِ ما ذهبَ من الكلام، وجبَ، وإن كان أحَدُهما أكبرَ 500، وجَبَ الأكْثَرُ 501، على ما مضَى، وإن لم يَذْهَبْ مِن الكلامِ شئٌ، وجبَ بِقَدْرِ ما ذهبَ مِن اللِّسانِ مِن الدِّيَةِ.
وإن كان أحَدُهما مُنْحَرِفًا عن سَمْتِ اللِّسانِ، فهو خِلْقَةٌ زائدةٌ، وفيه حُكومةٌ.
وإن قَطَع جميعَ اللِّسانِ، وجبَتِ الدِّيَةُ

الجزء: 25 - الصفحة: 532

وَإِنْ قَطَعَ لِسَانَهُ فَذَهَبَ نُطْقُهُ وَذَوْقُهُ، لَمْ يَجِبْ إِلَّا دِيَةٌ، وَإِنْ ذَهَبَا مَعَ بَقَاءِ اللِّسَانِ، فَفِيهِ دِيَتانِ.
مِن غيرِ زِيادةٍ، سواءٌ كان الطَّرَفانِ مُتَساوِيَيْن أو مُخْتَلِفَيْن.
وقال القاضى: إن كانا مُتَساوِيَيْن، ففيهما الدِّيَةُ، وإن كان أحَدُهما مُنْحَرِفًا عن سَمْتِ اللِّسانِ، وجَبَتِ الدِّيَةُ، وحُكومةٌ في الخِلْقَةِ الزَّائدةِ.
ولَنا، أنَّ هذه الزِّيادةَ عَيْبٌ ونَقْصٌ يُرَدُّ بها المَبِيعُ، وتَنْقُصُ مِن ثَمَنِه، فلم يجبْ فيها (1) شئٌ، كالسِّلْعَةِ في اليَدِ.
وربَّما عادَ القوْلان إلى شئٍ واحدٍ؛ لأَنَّ الحُكومةَ لا يَخْرُجُ بها شئٌ إذا كانتِ الزِّيَادةُ عَيْبًا.

4282 -

مسألة: (وإن قَطَع لِسانَه، فذَهَبَ نُطْقُه وذَوْقُه، لم يَجِبْ إلَّا ديَةٌ، وإن ذَهَبا مع بَقاءِ اللِّسانِ، وجَبَتْ ديَتان)

إذا جَنَى على لسانٍ ناطِقٍ، فأذْهبَ كلامَه وذَوْقَه، ففيه دِيَتانِ.
وَإن قَطَع لِسانَه فذهبَا معًا، لم يجبْ إلَّا دِيَة واحدةٌ؛ لأنَّهما يذْهَبانِ تَبَعًا لذَهابِه، فوجَبَتْ دِيَتُه دُونَ دِيَتِهما 503، كما لو قَتَلَ إنْسانًا، لم يجبْ إلَّا دِيَةٌ واحدةٌ.
ولو ذهَبَتْ502

الحديث: 4282 - الجزء: 25 - الصفحة: 533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَنافِعُه مع بَقائِه، ففى كلِّ مَنْفَعَةٍ دِيَةٌ.
فصل: فإن جَنَى على لِسانِه، فذهبَ كلامُه أو ذَوْقُه، ثم عادَ، لم تجبِ الدِّيَةُ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّه لمِ يَذْهَبْ، ولو ذهبَ لم يَعُدْ، وإن كان قد قَبَضَ الدِّيَةَ ردَّها.
وإن قَطَع لِسانه، فعادَ، لم تجبِ الدِّيَةُ، وإن كان قد أخَذَها رَدَّها.
قاله أبو بكرٍ.
وظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ، أنَّه لا يَرُدُّ؛ لأَنَّ العادةَ لم تَجْرِ بعَوْدِه، واخْتِصاصُ هذا بعَوْدِه يدُلُّ على أنَّها هِبَةٌ مُجَدَّدَةٌ 504. ولَنا، أنَّه عاد ما وجبَتْ فيه الدِّيَةُ، فوجبَ رَدُّ الدِّيَةِ، كالأسْنانِ وسائرِ ما يَعُودُ.
وإن قَطَع إنْسانٌ نِصْفَ لِسانِه، فذهبَ كلامُه كلُّه، ثم قَطَعَ آخَرُ 505 بقِيَّتَه فعادَ كلامُه، لم يجبْ رَدُّ الدِّيَةِ؛ لأَنَّ الكلامَ الذى كان باللِّسانِ قد ذهبَ، ولم يَعُدْ إلى اللِّسانِ، وإنَّما عادَ في مَحَلٍّ آخَرَ، بخِلافِ التى قبلَها.
وإن قَطَع لِسانَه فذهبَ كلامُه، ثم عادَ اللِّسانُ دُونَ الكلامِ، لم يَرُدَّ الدِّيَةَ؛ لأنَّه قد ذهبَ ما تجبُ الدِّيَةُ فيه بانْفِرادِه.
وإن عادَ كلامُه دُونَ لِسانِه، لم يَرُدَّها أيضًا؛ لذلك.

الجزء: 25 - الصفحة: 534

وَإِنْ كَسَرَ صُلْبَهُ فَذَهَبَ مَشْيُهُ وَنِكَاحُهُ، فَفِيهِ دِيَتَانِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَإِنِ اخْتَلَفَا في نَقْصِ بَصَرِهِ، أَوْ سَمْعِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمجَنِىِّ عَلَيْهِ،

4283 - مسألة: (وإن كَسَرَ صُلْبَه فذَهَبَ مَشْيُه ونِكاحُه، ففيه دِيَتان)

لأجْلِ ذَهابِ المَشْى والجِماعِ.
وعن أحمدَ، فيهما دِيَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّهما نَفْعُ عُضْو واحدٍ، فلم يجبْ فيهما أكثرُ مِن دِيَةٍ واحدةٍ، كما لو قَطَع لِسانَه فذهبَ نُطْقُه وذَوْقُه.
4284 -

مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في نَقْصِ سَمْعِه وبَصَرِه، فالقَوْلُ قَوْلُ المَجْنِىِّ عليه)

مع يَمِينِه؛ لأَنَّ ذلك لا يُعْرَفُ إلَّا مِن جِهَتِه، فيُحَلِّفُه الحاكمُ، ويُوجِبُ حُكومةً.

الحديث: 4283 - الجزء: 25 - الصفحة: 535

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإنِ ادَّعَى أنَّ إحْدَى عيْنَيْه نَقَصَ ضَوْؤُها، عُصِبَتِ المريضَةُ، وأُطْلِقَتِ الصَّحِيحَةُ، ونُصِبَ له شَخْصٌ وتَباعَدَ عنه، فكُلَّما قال: قد رأيْتُه.
ووصَفَ لَوْنَه، عُلِمَ صِدْقُه، حتى يَنْتَهِىَ، فإذا انْتَهَتْ رُؤْيَتُه، عُلِّمَ مَوْضِعُها، ثم تُشَدُّ الصَّحِيحةُ، وتُطْلَقُ المريضَةُ، ويُنْصَبُ له شَخْصٌ، ثم يذْهَبُ حتى تَنْتَهِىَ رُؤْيَتُه، ثم يُدارُ الشَّخْصُ إلى جانبٍ آخَرَ، فَيُصْنَعُ به مِثْلُ ذلك، ثم يُعَلَّمُ عندَ المَسافَتَيْنِ، وتُذْرَعان، ويُقابَلُ بينَهما، فإن كانتا سَواءً، فقد صَدَقَ، ويُنْظَرُ كم بينَ مَسافةِ رُؤْيَةِ العَلِيلَةِ والصَّحِيحَةِ، ويُحْكَمُ له مِن الدِّيَةِ بقَدْرِ ما بينَهما، وإنِ اخْتَلَفَتِ المسافَتانِ، فقد كذَبَ، وعُلِمَ أنَّه قَصَّرَ مسافةَ رُؤْيةِ 506 المريضةِ ليُكَثِّرَ الواجبَ له، فيُرَدَّدُ حتى تَسْتَوِىَ المسافةُ بينَ الجانِبَيْن.
والأَصْلُ في هذا، ما رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
قال ابنُ المُنْذِرِ 507: أحْسَنُ ما قِيلَ في ذلك، ما قاله علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أَمَرَ بعَيْنِه فعُصِبَتْ، وأعْطىَ رَجُلًا بَيْضَةً، فانْطَلَقَ بها وهو ينْظُرُ، حتى انْتَهى بَصَرُه، ثم أمَر فخطَّ عندَ ذلك، ثم أمَر بعَيْنِه الأُخْرَى فعُصِبَتْ، وفُتِحَتِ الصَّحيحةُ، وأعْطى رَجُلًا بَيْضَةً، فانْطَلَقَ بها، [وهو ينْظُرُ] 508 حتى انْتَهَى بَصَرُه، ثم خَطَّ عندَ ذلك، ثم حَوَّلَ إلى مكانٍ آخَرَ، ففعلَ مثلَ ذلك، فوجدُوه سواءً، فأعْطاه بقَدْرِ ما نَقَصَ مِن بَصَرِه مِن مالِ

الجزء: 25 - الصفحة: 536

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الآخَرِ 509. قال القاضى: وإذا زَعَمَ أهْلُ الطِّبِّ أنَّ بصَرَه يَقِلُّ إذا بَعُدَتِ المسافَةُ، ويَكْثُرُ إذا قَرُبَتْ، وأمْكَنَ هذا في المُذارَعَةِ، عُمل عليه.
وبَيانُه أنَّهم إذا قالوا: إنَّ الرَّجُلَ إذا كان يُبْصِرُ إلى مائةِ ذراع.
ثم أرادَ أن يُبْصِرَ إلى مِائَتَىْ ذِراعٍ، احْتاجَ للمائةِ الثَّانيةِ إلى ضِعْفَىْ ما يحْتاجُ إليه للمائةِ الأُولَى مِن البَصَرِ 510. فعلى هذا، إذا أْبصَرَ بالصَّحيحةِ إلى مائتيْن، وأبْصرَ بالعَلِيلةِ إلى مائةٍ، علِمْنا أنَّه قد نَقَصَ ثُلُثا [بَصَرِ عَيْنِه] 511، فيَجبُ له ثُلُثا دِيَتِها.
قال شيْخُنا 512: وهذا لا يَكادُ ينْضَبِطُ في الغالبِ، وكلُّ ما لا ينْضَبِطُ فيه حُكومةٌ.
وإن جَنَى على عَيْنَيْه، فنَدَرَتا 513، أو احْوَلَّتا، أو عَمِشَتا، ففى ذلك حُكومةٌ، كما لو ضربَ يَدَه فاعْوَجَّتْ.
والجنايةُ على الصَّبِىِّ والمَجْنونِ كالجِنايةِ على البالغِ والعاقلِ، لكنْ يفْتَرِقان في أنَّ البالغَ العاقلَ خصْمٌ لنفْسِه، والخَصْمُ للصَّبِىِّ والمَجْنُونِ وَلِيُّهما، فإذا توَجَّهَتِ اليَمِينُ عليهما لم يَحْلِفا, ولم يَحْلِفِ الوَلِىُّ عنهما، فإن بَلَغَ الصَّبِىُّ وأفاقَ المجنونُ، حَلَفا حينَئذٍ.
ومذهبُ الشافعىِّ في هذا الفصلِ كلِّه كمذْهَبِنا.
فصل: فإنِ ادَّعَى المَجْنِىُّ عليه نَقْصًا في سَمْعِ إحْدَى أذُنَيْه، سَدَدْنا

الجزء: 25 - الصفحة: 537

وَإِذَا اخْتَلَفَا في ذَهَابِ بَصَرِهِ، أُرِى أَهْلَ الْخِبْرَةِ، وَقُرِّبَ الشَّىْءُ إِلَى عَيْنهِ في وَقْتِ غَفْلَتِهِ.
العَلِيلةَ، وأطْلَقْنا الصَّحيحةَ، وأقَمْنا مَن (1) يُحَدِّثُه وهو يَتَباعَدُ إلى حَيْثُ (2) يقولُ: إنِّى لا أسمعُ.
فإذا قال ذلك، غَيَّرَ عليه, الصَّوْتَ والكلامَ، فإن بانَ أنَّه يسْمَعُ، وإلَّا فقد كَذَبَ، فإذا انْتَهَى إلى آخِرِ سَماعِه (3)، قَدَّرَ المَسافَةَ، وسَدَّ الصَّحيحةَ، وأُطْلِقَتِ المَريضَةُ، وحَدَّثَه وهو يتَباعَدُ، حتى يقولَ: إنِّى لا أسْمَعُ.
فإذا قال ذلك، غَيَّرَ عليه, الكلامَ، فإن تغَيَّرَتْ صِفتُه، لم يُقْبَلْ قولُه، وإن لم تَتَغَيَّرْ صِفَتُه، حَلَفَ، وقُبِلَ قولُه، وتُمسَحُ المسافتان، ويُنْظَرُ ما تَنْقُصُ العليلةُ، فيجبُ بقَدْرِه.
فإن قال: إنِّى أسْمَعُ العالِىَ، ولا أسْمَعُ الخَفِىَّ.
فهذا لا يُمْكِنُ تَقْديرُه، فيَجِبُ فيه حُكومةٌ.
فصل: فإن قال أهْلُ الخِبْرَةِ: إنَّه يُرْجَى عَوْدُ سَمْعِه إلى مُدَّةٍ.
انْتُظِرَ إليها، وإن لم يَكُنْ لذلك غايةٌ، لم يُنْتظَرْ.

4285 -

مسألة: (وَإِنِ اخْتَلَفا في ذَهابِ بَصَرِه، أُرِىَ أهْلَ الخِبْرَةِ)

فيُرْجَعُ في ذلك إلى قوْلِ مسلمَيْن عَدْلَيْن منهم 517؛ لأَنَّ لهما 518 طَرِيقًا إلى مَعْرِفَةِ ذلك، لمُشاهَدَتِهما العَيْنَ التى هى مَحَلُّ البَصَرِ، بخِلافِ514515516

الحديث: 4285 - الجزء: 25 - الصفحة: 538

وإنِ اخْتَلَفَا في ذَهَابِ سَمْعِهِ، أَوْ شَمِّهِ,  السَّمْعِ.
فإن لم يُوجَدْ أهْلُ الخِبْرَةِ، أو تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ ذلك، اعْتُبِرَ بأن يُوقَفَ في عَيْنِ الشَّمْسِ، ويُقَرَّبَ الشئُ إلى عَيْنِه في أوْقاتِ غَفْلَتِه، فإنْ طَرَفَ عَيْنَه، وخافَ مِن الذى يُخَوَّفُ به، فهو كاذِبٌ، وإلَّا حُكِمَ له.
وإذا عُلِمَ ذَهابُ بصَرِه، وقال أهْلُ الخِبْرَةِ: لا يُرْجَى عَوْدُه.
وَجَبَتِ الدِّيَة.
وإن قالوا: يُرْجَى عَوْدُه إلى مُدَّةٍ.
عَيَّنُوها، انْتُظِرَ إليها، ولم يُعْطَ الدِّيَةَ حتى تَنْقَضِىَ المُدَّةُ، فإن لم يَعُدِ اسْتَقَرَّتْ على الجانِى الدِّيَة.
فإن مات المَجْنِىُّ عليه قَبْلَ العَوْدِ، اسْتَقَرَّتِ الدِّيَةُ، سواءٌ مات في المُدَّةِ أو بَعْدَها.
فإن جاءَ أجْنَبِىٌّ، فقَلَعَ (1) عَيْنَه في المُدَّةِ، اسْتَقَرَّتْ على الأوَّل الدِّيَةُ أو القِصاصُ؛ لأنَّه أذْهَبَ البَصَرَ فلم يَعُدْ، وعلى الثانى حُكومةٌ؛ لأَنَّه أذْهَبَ عَيْنًا لا ضَوْءَ لها، يُرْجَى عَوْدُ ضَوْئِها.
وإن قال الأَوَّلُ: عادَ ضَوْؤُها.
وأنْكَرَ الثانى، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ معه، وإن صَدَّقَ المَجْنِىُّ عليه الأوَّلَ، سَقَطَ حَقُّه عنه، ولم يُقْبَلْ قولُه على الثانى.
فأمَّا إن قال أهْلُ الخِبْرَةِ: يُرْجَى عَوْدُه، لكن لا يُعْرَفُ له مُدَّةٌ.
وجَبَتِ الدِّيَةُ أو القِصاصُ؛ لأَنَّ انْتِظارَ ذلك إلى غيرِ غَايةٍ يُفْضِى إلى إسْقاطِ مُوجَبِ الجِنايةِ، والظَّاهرُ في البَصَرِ عَدَمُ العَوْدِ، والأَصْلُ يُؤيِّدُه، فإن عادَ قبْلَ اسْتِيفاء الواجبِ، سقطَ، وإن عادَ بعدَ الاسْتِيفاءِ، وجَبَ رَدُّ ما أخذَ منه؛ لأنَّنَا تبَينا أنَّه لم يَكُنْ واجبًا.

4286 -

مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في ذَهابِ سَمْعِه)

فإنَّه يُتَغَفَّلُ519

الحديث: 4286 - الجزء: 25 - الصفحة: 539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويُصاحُ به ويُنتظَرُ اضْطِرَابُه، ويُتأمَّلُ عِنْدَ صَوْتِ الرَّعْدِ والأصْواتِ المُزْعِجَةِ، فإن ظَهَرَ منه انْزِعاجٌ، أو الْتِفاتٌ، أو ما يَدُلُّ على السَّمْعِ، فالقَوْلُ قَوْلُ الجانِى مع يَمِينِه؛ لأَنَّ ظُهورَ الأماراتِ يدُلُّ على أنَّه سَمِيعٌ (1)، فغلَبَتْ جَنبةُ المُدَّعِى، وحَلَفَ؛ لجَوازِ أن يكونَ ما ظهرَ منه اتِّفاقًا، وإن لم يوجدْ شئٌ مِن ذلك، فالقولُ قولُ المَجْنِىِّ عليه مع يَمينه؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ السَّمْعِ، وحَلَفَ؛ لجَوازِ أن يكونَ احْتَرَزَ وتصَبَّرَ.
وإِنِ ادَّعى ذلك في إحداهما، سُدَّتِ الأُخْرَى، وتُغُفِّلَ (2) على ما ذكَرْنا.

4287 -

مسألة: وإنِ ادَّعَى ذَهابَ شَمِّه،

جَرَّبْناه بِالرَّوائِحِ الطَّيِّبةِ والمُنْتِنَةِ، فإن هَشَّ لِلطَّيبِ، وتَنَكَّرَ للمُنْتِنِ، فالقَوْلُ قَوْلُ الجانِى مع يَمِينِه، وإن لم يبنْ منه ذلك، فالقَوْلُ قَوْلُ المَجْنِىٍّ عليه، كقَوْلِنا في اخْتِلافِهم في السَّمْعِ والبَصَرِ.
وإنِ ادعَىِ المَجْنِىُّ عليه نقْصَ شَمِّه، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّه لا يُتَوَصَّلُ إلى معْرِفةِ ذلك إلَّا مِن جِهَتِه، فقُبِلَ قولُه فيه، كما يُقْبَلُ قولُ المرأةِ في انْقِضاءِ عِدَّتِها بالأقْراءِ، ويجبُ له مِن الدِّيَةِ ما تُخْرِجُه الحُكومةُ.
وإن ذهبَ شَمُّه ثم عادَ قَبْلَ أخْذِ الدِّيَةِ، سقَطَتْ، وإن كان بعدَ أخْذِها، رَدَّها؛ لاننا تبَينا أنَّه لم يَكُنْ ذهبَ.
وإن رُجِىَ عَوْدُ شَمِّه إلى مُدَّةٍ، انْتُظِرَ إليها.
وإن ذهبَ شَمُّه مِن أحَدِ مَنْخَرَيْه، ففيه نِصْفُ520521

الحديث: 4287 - الجزء: 25 - الصفحة: 540

أَوْ ذَوْقِهِ، صِيحَ بِهِ في أَوْقَاتِ غَفْلَتِهِ، وَتُتُبِّعَ بِالرَّائِحَةِ الْمُنْتِنَةِ، وَأُطْعِمَ الْأَشْيَاءَ الْمُرَّةَ، فَإِنْ فَزِعَ فَمَّا يَدْنُو مِنْ بَصَرِهِ، أَوِ انْزَعَجَ لِلصَّوْتِ، أَوْ عَبَسَ لِلرَّائِحَةِ، أَوِ الطَّعْمِ الْمُرِّ، سَقَطَتْ دَعْوَاهُ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.

فَصْلٌ: وَلَا تَجِبُ دِيَةُ الْجُرْحِ حَتَّى يَنْدَمِلَ،  الدِّيَةِ، كما لو ذهبَ بصَرُه مِن إحْدَى عيْنَيْه.

4288 -

مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في ذَهابِ ذَوْقِه، أُطْعِمَ الأشْياءَ المُرَّةَ)

فإن عَبَس للطَّعْمِ المُرِّ (سَقَطَتْ دَعْواه) لظُهورِ ما يَدُلُّ على خِلافِ ما ادَّعاه (وإلَّا فالقولُ قولُه مع يَمِينِه) لأنَّه لا يُعْلَمُ إلَّا مِن جِهَتِه، فقُبِلَ قولُه فيه، كالمسْألَةِ التى قَبْلَها.

فصل

: (ولا تجبُ دِيَةُ الجُرْحِ حتى يَنْدَمِلَ) لأنَّه لا يُدْرَى أقَتْلٌ هو أم ليس بقَتْلٍ، فيَنْبَغِى أن يُنْتَظَرَ ليُعْلَمَ 522 حُكْمُه, وما الواجبُ فيه، ولهذا لا يجوزُ الاسْتِيفاءُ في العَمْدِ قبلَ الانْدِمالِ، فكذلك لا يجوزُ أخْذُ الدِّيَةِ قبلَه، فنقولُ: أحَدُ 523 مُوجَبَى الجِنايةِ.
فلا يجوزُ قبلَ الانْدِمالِ كالآخَرِ 524.

الحديث: 4288 - الجزء: 25 - الصفحة: 541

وَلَا دِيَةُ سِنٍّ، وَلَا ظُفْرِ، وَلَا مَنْفَعَةٍ، حَتَّى يُيْأَسَ مِنْ عَوْدِهَا.
وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ كَبِيرٍ أَوْ ظُفْرَهُ ثُمَّ نَبَتَ، أَوْ رَدَّهُ فَالْتَحَمَ،

4289 - مسألة: (ولا)

تَجبُ (دِيَةُ سِنٍّ، ولا ظُفْرٍ، ولا مَنْفَعَةٍ، حتى يُيْأَسَ مِن عَوْدِها) لأَنَّ ذلك مما يَعُودُ، فلا يجبُ شئٌ مع احْتِمالِ العَوْدِ، كالشَّعَرِ، وإنَّما يُعْرَفُ ذلك بقَوْلِ عدْلَيْن مِن أَهْلِ الخِبْرَةِ: إنَّها لا تَعُودُ أبدًا.
4290 -

مسألة: (فلو قَلَع سِنَّ كَبِير أو ظُفْرًا ثُمَّ نَبَتَ، أو رَدَّه فالْتَحَمَ)

لم تَجِبِ الدِّيَةُ.
نَصَّ أحمدُ في السِّنِّ على ذلك، في رِوايةِ جعفرِ

الحديث: 4289 - الجزء: 25 - الصفحة: 542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنِ محمدٍ.
وهو قولُ أبى بكرٍ.
والظُّفْرُ في مَعْناها.
وقال القاضى: تَجبُ دِيَتُها.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
وقد ذكَرْنا تَوْجيهَهما فيما إذا قَطَعَ أَنْفَه فرَدَّه فالْتَحَمَ.
فعِلى قولِ أبى بكرٍ، تجبُ عليه حكَومةٌ لنَقْصِها إن نَقَصَتْ، وضَعْفِها إن ضَعُفَتْ.
وإن قَلَعَها قالعٌ بعدَ ذلك، وجَبَتْ دِيَتُها؛ لأنَّها سِنٌّ 525 ذاتُ جَمالٍ ومَنْفَعَةٍ، فوَجَبَت دِيَتُها، كما لو لم تَنْقَلِعْ.
وعلى قولِ القاضى، ينْبنِى حُكْمُها على وُجوبِ قَلْعِها، فإن قُلْنا: يجبُ.
فلا شئَ على قالِعِها 526؛ لأنَّه قد أحْسَنَ بقَلْعِ ما يجبُ قَلْعُه.
وإن قُلْنا: لا يجبُ قَلْعُها.
احْتَمَلَ أن تُؤْخَذَ دِيَتُها؛ لِمَا ذكَرْنا، واحْتَمَلَ أن لا تُؤْخَذَ دِيَتُها؛ لأنَّه قد وجَبَتْ له دِيَتُها مَرَّةً، فلا تجبُ ثانيةً، ولكنْ فيها حُكومةٌ.
فأمَّا إن جَعَلَ مكانَها سِنًّا أُخْرَى، أو سِنَّ حَيوانٍ، أو عَظْمًا، فثَبَتَ 527، وجبَتْ دِيَتُها، وَجْهًا واحدًا؛ لأَنَّ سِنَّه ذهبتْ بالكُلِّيَّةِ،

الجزء: 25 - الصفحة: 543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فوجَبَتْ دِيَتُها، كما لو لم يجْعَلْ مكانَها شيئًا.
وإن قُلِعَتْ هذه الثَّانيةُ، لم تجِبْ دِيَتُها؛ لأنَّها ليستْ سِنًّا له، ولا هى مِن بَدَنِه، ولكنْ يجبُ فيها حُكومةٌ؛ لأنَّها جِناية أزالتْ جَمالَه ومَنْفَعَتَه، فأشْبَهَ ما لو خاطَ جُرْحَه بخَيْطٍ، فالتَحَمَ، فقَلَعَه إنْسانٌ، فانْفَتَحَ الجُرْحُ، وزال التِحامُه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يجبَ شئٌ؛ لأنَّه أزالَ ما ليس مِن بَدَنِه، فأَشْبَهَ ما لو قَلَعَ أنْفَ الذَّهَبِ الذى جعلَه المَجْدُوعُ مكانَ أنْفِه.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأَنَّ هذا كان قد الْتَحَمَ، بخِلافِ أنْفِ الذَّهَبِ، فإنَّه يُمْكِن إعادَتُه كما كان, وهذا إذا أعادَه قد لا

الجزء: 25 - الصفحة: 544

أَوْ ذَهَبَ سَمْعُهُ، أَوْ بَصَرُهُ، أَوْ شَمُّهُ، أَوْ ذَوْقُهُ، أَوْ عَقْلُهُ، ثُمَّ عَادَ، سَقَطَتْ دِيَتُهُ, وَإِنْ كَانَ قَدْ أخَذَهَا رَدَّهَا، وَإِنْ عَادَ نَاقِصًا، أَوْ عَادَتِ السِّنُّ أَوِ الظُّفْرُ قَصِيرًا أَوْ مُتَغَيِّرًا، فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ.
يَلْتَحِمُ.

4291 -

مسألة: (وإن ذَهَبَ سَمْعُه، أو بَصَرُه، أو شَمُّه، أو ذَوْقُه، أو عَقْلُه، ثم عاد، سَقَطَتْ دِيَتُه)

لزَوالِ سَبَبِها (وإن كان قد أخَذَها رَدَّها) لأنَّا تبَيَّنَّا أنَّه أخَذَها بغيرِ حَقٍّ.
4292 -

مسألة: (وإن عاد ناقِصًا، أو عادَتِ السِّنُّ أو الظُّفْرُ قَصِيرًا

الحديث: 4291 - الجزء: 25 - الصفحة: 545

وَعَنْهُ في قَطْعِ الظُّفْرِ إِذَا نَبَتَ عَلَى صِفَتِهِ، خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، وَإِنْ نَبَتَ أَسْوَدَ، فَفِيهِ عَشَرَةٌ.
وَإِنْ قَلَعَ سِنَّ صَغِيرٍ وَيُئسَ مِنْ عَوْدِهَا، وَجَبَتْ دِيَتُهَا.
وَقَالَ  أو مُتَغَيِّرًا، فعليه أَرْشُ نَقْصِه) [لأنَّه نَقْصٌ] (1) حصلَ بجِنايَتِه، أشْبَهَ ما لو نَقَصَه مع بقَائِه.

4293 -

مسألة: (وعنه في الظُّفْرِ إذا نَبَتَ على صِفَتِه، خَمْسَةُ دَنانِيرَ، وإن نَبَتَ أَسْوَدَ)

مُتَغَيِّرًا (عَشَرَةٌ) والتَّقْدِيراتُ بابُها التَّوْقِيفُ، ولا نَعلمُ فيه تَوْقِيفًا، والقِياسُ أنَّه لا شئَ فيه إذا عاد على صِفَتِه.
وإن نَبَتَ مُتَغَيِّرًا ففيه حُكومةٌ.
4294 -

مسألة: (وإن قَلَعَ سِنَّ صَغيرٍ ويئسَ مِنْ عَوْدِها، وَجَبتْ دِيَتُها)

لأنَّه أذْهَبَها بجِنايَته إذْهابًا مُسْتَمِرًّا، فوجَبَت دِيَتُها، كسِنِّ الكبيرِ528

الحديث: 4293 - الجزء: 25 - الصفحة: 546

الْقَاضِى: فِيهَا حُكُومَةٌ.
وَإِنْ مَاتَ الْمَجْنِىُّ عَلَيْهِ وَادَّعَى الْجَانِى عَوْدَ مَا أذْهَبَهُ، فَأنْكَرَ الْوَلِىُّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِىِّ.
وَإِنْ جَنَى عَلَى سِنِّهِ اثْنَانِ وَاخْتَلَفَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِىِّ عَلَيْهِ في قَدْرِ مَا أَتْلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
(وقال القاضى: فيها حُكومةٌ) لأَنَّ العادةَ عوْدُها، فلم تَكْمُلْ دِيَتُها كالشَّعَرِ.
والصَّحيحُ الأوَّل؛ لأَنَّ الشَّعَرَ لو لم يَعُدْ، وجَبَتْ دِيَتُه، مع أنَّ العادةَ عَوْدُه.

4295 -

مسألة: (وإن مات المَجْنِىُّ عليه وادَّعَى الجانِى عَوْدَ ما أذْهَبَه، فأنْكَرَ الوَلِى، فالقَوْلُ قَوْلُه)

وإن الأَصْلَ عَدَمُ العَوْدِ (وإن جَنَى على سِنِّه اثْنان واخْتَلَفا، فالقولُ قولُ المَجْنِىِّ عليه في قَدْرِ ما أتْلَفَ كل واحدٍ منهما) لأَنَّ ذلك لا يُعْرَفُ إلَّا مِن جِهَتِه، فأشْبَهَ ما لو ادَّعَى نَقْصَ سَمْعِه أو بَصَرِه.

الحديث: 4295 - الجزء: 25 - الصفحة: 547

فَصْلٌ: وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّعُورِ الْأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ؛ وَهِىَ، شَعَرُ الرَّأْسِ، واللِّحْيَةِ، وَالْحَاجِبَيْنِ، وَأهْدَابُ الْعَيْنَيْنِ.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وفى كلِّ واحدٍ مِن الشُّعُورِ الأرْبعةِ الدِّيَةُ؛ وهى شَعَرُ الرَّأْسِ، واللِّحْيَةِ، والحاجِبَيْن، وأهْدابُ العَيْنَيْن) وبهذا قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ 529. وممَّن أوْجَبَ في الحاجِبَيْن الدِّيَةَ؛ سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٌ، والحسنُ، وقَتادةُ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، وزيدِ ابنِ ثابتٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّهما قالا: في الشَّعَرِ الدِّيَةُ.
وقال مالكٍ، والشافعىُّ: فيه حُكومةٌ.
واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه إتْلافُ جمالٍ مِن غيرِ مَنْفَعَةٍ، فلم تجِبْ فيه الدِّيَةُ، كاليَدِ الشَّلَّاءِ، والعَيْنِ القائمةِ.
ولَنا، أنَّه أذْهبَ الجمالَ على الكَمالِ، فوجبَ فيه دِيَةٌ كاملةٌ، كأُذُنِ

الجزء: 25 - الصفحة: 548

وَفِى كُلِّ حَاجِبٍ نِصْفُهَا، وَفِى كُلِّ هُدْبٍ رُبْعُهَا، وَفِى بَعْضِ ذَلِكَ بِقِسْطِهِ مِنَ الدِّيَةِ.
الأصَمِّ، وأنْفِ الأخْشَمِ.
وقولُهم: لا منْفَعةَ فيه.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ الحاجِبَ يَرُدُّ العَرَقَ عن العَيْنِ ويُفرِّقُه، وهُدْبَ العَيْنِ يَرُدُّ عنها ويَصُونُها، فجَرَى مَجْرَى أجْفانِها.
وما ذكَرُوه يَنْتَقِضُ بالأصْلِ الذى قِسْنا عليه، واليَدُ الشَّلَّاءُ ليس جَمالُها كامِلًا.

4296 -

مسألة: (وفى كلِّ حاجِبٍ نِصْفُها، وفى كلِّ هُدْبٍ رُبْعُها)

وجلةُ ذلك، أنَّ في إحْدَى الحاجِبَيْن نِصْفَ الدِّيَةِ؛ لأنَّ كلَّ شَيْئَيْن فيهما الدِّيَةُ، في أحدِهما نِصْفُها، كاليَديْن.
وفى كلِّ هُدْبٍ رُبْعُها؛ لأَنَّ الدِّيَةَ إذا وجَبَتْ في أرْبَعَةِ أشْياءَ، وجَبَ في كلِّ واحدٍ رُبْعُها، كالأجْفانِ.
4297 -

مسألة: (وفى بَعْضِ ذلك بقِسْطِه مِن الدِّيَةِ)

يُقَدَّرُ بالمِسَاحَةِ، كالأُذُنَيْن ومارِنِ الأنْفِ، ولا فَرْقَ في هذه الشُّعُورِ بينَ كوْنِها كَثِيفَةً أو خَفِيفَةً، جَمِيلَةً 530 أو قَبِيحَةً، أو كونِها مِن صَغِيرٍ أو كَبِيرٍ؛ لأنَّ سائرَ ما فيه الدِّيَةُ مِن الأعْضاءِ لا تَفْتَرِقُ الحالُ فيه بذلك.

الحديث: 4296 - الجزء: 25 - الصفحة: 549

وَإِنَّما تَجِبُ دِيَتُهُ إِذَا أزَالَهُ عَلَى وَجْه لَا يَعُودُ، فَإِنْ عَادَ، سَقَطَتِ الدِّيَةُ، وَإِنْ أَبقَى مِنْ لِحْيَتِه مَا لَا جَمَالَ فِيهِ، احْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ بِقِسْطِهِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ كَمَالُ الدِّيَةِ.

4298 - مسألة: (وإنَّما تَجبُ دِيَتُه إذا أزاله على وَجْهٍ لا يَعُودُ)

مثلَ أن يقْلِبَ على رأسِه ماءً (1) حارًّا، فيَتْلَفَ مَنْبَتُ الشَّعَرِ، فيَنْقَلِعَ (2) بالكُلِّيَّةِ بحيثُ لا يعودُ.
وإن رُجِىَ عَوْدُه إلى مُدَّةٍ، انْتُظِرَ إليها.
4299 -

مسألة: (فإن عاد، سَقَطَتِ الدِّيَةُ)

إذا عادَ قبلَ أخْذِ الدِّيَةِ، لم تجبْ، فإن عادَ بعدَ أخْذِها رَدَّها، والحُكمُ فيه كالحُكمِ في ذَهابِ السَّمْعِ والبَصَرِ فيما يُرْجى عَوْدُه وما لا يُرْجَى.
4300 -

مسألة: (وإن بَقِىَ مِن لِحْيَته ما لا جَمالَ فيه)

أو مِنِ غيرِها 533 مِن الشُّعُورِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُؤْخَذُ بالقِسْطِ؛ لأنَّه مَحَلٌّ يجبُ في بعْضِه بحِصَّتِه، فأشْبَهَ الأُذُنَ ومارِنَ الأنْفِ.
والثانى، تجبُ الدِّيَةُ كاملةً؛ لأنَّه أذْهبَ المقْصُودَ كلَّه، فأشْبَهَ ما لو أذْهَب ضَوْءَ العَيْنَيْن،531532

الحديث: 4298 - الجزء: 25 - الصفحة: 550

وَإِنْ قَلَعَ الْجَفْنَ بِهدْبِهِ، لَمْ يَجِبْ إِلَّا دِيَة الْجَفْنِ، وَإِنْ قَلَعَ اللَّحْيَيْنِ بِمَا عَلَيْهِمَا مِنَ الأسْنَانِ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُمَا وَدِيَة الأَسْنَانِ،  ولأَنَّ جنايتَه ربَّما أحْوجَتْ إلى إذْهابِ الباقى لزِيادَتِه في القُبْحِ على ذَهابِ الكلِّ، فتكون جِنايتُه سَبَبًا لذَهابِ الكلِّ، فأوْجَبَتْ دِيَتَه، كما لو ذَهبَ بسِرايَةِ الفِعْلِ، أو كما لو احْتاجَ في دَواءِ شَجَّةِ الرَّأْسِ إلى ما أذْهبَ ضَوْءَ عَيْنَيْه.
فصل: ولا قِصاصَ في شَىْءٍ مِن هذه الشُّعُورِ؛ لأن إتْلافَها إنَّما يكونُ بالجِنايةِ على مَحَلِّها، وهو غيرُ معلومِ المِقْدارِ، ولا تُمْكِنُ المُساواةُ فيه، فلا يجبُ القِصاصُ فيه.

4301 -

مسألة: (وإن قَلَعَ الجَفْنَ بِهُدْبِه، لم يَجِبْ إلَّا دِيَةُ الجَفْنِ)

لأَنَّ الشَّعَرَ يَزولُ تَبَعًا لِزَوالِ الأجْفانِ، فلم يجبْ فيه شئٌ، كالأصابعِ إذا قُطِعَ الكَفُّ وهى عليه.
4302 -

مسألة: (وإن قَلَعَ اللَّحْيَيْن بما عليهما مِن الأسْنانِ، وَجَبَتْ دِيَتُهما ودِيَةُ الأسْنانِ)

ولم تَدْخُلْ دِيَةُ الأسْنانِ في اللَّحْيَيْنِ، كما تدْخُلُ دِيَةُ الأصابعِ في اليَدِ؛ لوُجُوهٍ ثلاثةٍ 534؛ أحَدُها، أنَّ الأسْنانَ ليست مُتَّصِلَةً

الحديث: 4301 - الجزء: 25 - الصفحة: 551

وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا بِأَصَابِعِهِ، لَمْ يَجِبْ إِلَّا دِيَةُ الْأَصَابعِ.
وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَصَابعِ، دَخَلَ مَا حَاذَى الْأَصَابعَ في دِيَتِهَا، وَعَلَيْهِ أَرْشُ بَاقِى الْكَفِّ.
باللَّحْيَيْنِ، وإنَّما هى مُغْرَزَة فيها، بخِلافِ الأَصابعِ.
الثانى، أنَّ أحَدَهما يَنْفَرِدُ باسْمِه عن الآخرِ، بخِلافِ الأصابعِ مع الكَفِّ، فإنَّ اسمَ اليَدِ يشْمَلُهما.
الثالثُ، أن اللَّحْيَيْن يُوجَدان مُنْفَرِدَيْن عن الأسْنانِ، فإنَّهما يُوجَدان قبلَ وُجودِ الأسْنانِ، ويَبْقَيان بعدَ قَلْعِهما، بخِلافِ الكَفِّ مع الأصابعِ.

4303 -

مسألة: (وإن قَطَع كَفًّا بأصابِعِه، لم يَجِبْ إلَّا دِيَةُ الأصابعِ)

لدُخولِ الجميعِ في مُسَمَّى اليَدِ، وكما لو قَطَع ذَكَرًا بحَشَفَتِه، لم يجبْ إلَّا دِيَةُ الحَشَفَةِ؛ لدُخُولِها في مُسَمى الذَّكَرِ.
4304 -

مسألة: (وإن قَطَعَ كَفًّا عليه بَعْضُ الأصابعِ، دَخَلَ مَا حاذَى الأصابعَ في دِيتها، وعليه أَرْشُ باقِى الكَفِّ)

لأَنَّ الأصابعَ لو كانت

الحديث: 4303 - الجزء: 25 - الصفحة: 552

وَإِنْ قَطَعَ أُنْمُلَةً بِظُفْرِهَا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا دِيَتُهَا.

فَصْلٌ: وَفِى عَيْنِ الْأَعْوَرِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
سالمةً كلّها لدَخَلَ أَرْشُ الكَفِّ كلِّه في دِيَةِ الأصابعِ، فكذلك ما حَاذَى الأصابعَ السالمةَ يدْخُلُ في دِيَتِها، وما حَاذَى المقْطُوعاتِ ليس له ما يدْخُلُ في دِيَتِه، فوجَبَ أَرْشُه، كما لو كانتِ الأصابعُ كلُّها مقْطوعةً.

4305 -

مسألة: (وإن قَطَعَ أُنْمُلَةً بِظُفْرِها، فليس عليه إلَّا دِيَتُها)

كما لو قطعَ كَفًّا بأصابِعِها، أو قَطَعَ جَفْنًا بهُدْبِه.

فصل

: (وفى عَيْنِ الأعْورِ دِيَةٌ كاملةٌ.
نَصَّ عليه) وبذلك قال الزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، واللَّيْثُ، وقَتادةُ، وإسْحاقُ.
وقال مَسْرُوقٌ، وعبدُ اللَّهِ بنُ مُغَفَّل، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ: فيها نِصْفُ الدِّيَةِ، لقوْلِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «وفى العَيْنِ خَمْسُونَ مِنَ الإِبِلِ» 535. وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وفى العَيْنَيْنَ الدِّيَةُ» 536. يقْتَضِى أن

الحديث: 4305 - الجزء: 25 - الصفحة: 553

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يجبَ فيها أكثرُ مِن ذلك، سَواءٌ قَلَعَهُما 537 واحِدٌ أو اثْنانِ، في وقتٍ واحدٍ أو في وَقْتَيْن، وقالعُ الثَّانيةِ قالِعُ عَيْنِ أعْوَرَ، فلو وجَبَ عليه دِيَةٌ، لوَجبَ فيهما دِيَةٌ ونِصْفٌ، ولأَنَّ ما يُضْمَنُ بنِصْفِ الدِّيَةِ مع نَظِيرِه، يُضْمَنُ به مع ذَهابِه، كالأُذُنِ.
ويَحْتَمِلُ هذا 538 كلامُ الخِرَقِىِّ، لقوْلِه: وفى العيْنِ الواحدةِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
ولم يُفَرِّقْ.
ولَنا، أنَّ عمرَ، وعُمانَ، وعَلِيًّا، وابنَ عمرَ، قَضَوْا في عَيْنِ الأعْوَرِ بالدِّيَةِ.
ولا نعلمُ لهم في الصَّحابةِ مُخالِفًا، فيكونُ إجْماعًا, ولأَنَّ قَلْعَ عَيْنِ الأعْوَرِ يتَضَمَّنُ إذهابَ البصرِ كلِّه، فوجَبَتِ الدِّيَةُ، كما لو أذْهَبَه من العيْنَيْن.
ودليلُ ذلك أنَّه يحْصُلُ بها ما يحْصُلُ بالعينَيْن، فإنَّه يَرَى الأشْياءَ البعيدةَ، ويُدْرِكُ الأشْياءَ اللَّطيفةَ، ويعْمَلُ أعْمالَ البُصَراءِ، ويجوزُ أن يكونَ قاضِيًا، ويُجْزِئُ في الكفَّارَةِ، وفى الأُضْحِيَةِ إذا لم تَكُنِ العينُ مَخْسُوفَةً، فوجبَ في بَصَرِه دِيَة كاملةٌ، كذِى العَيْنَيْن.
فإن قِيل: فعلى هذا ينْبَغِى أن لا يجبَ في ذَهابِ إحْدَى العَيْنَيْن نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه لم يَنْقُصْ.
قُلْنا: لا 539 يَلْزَمُ مِن وُجوبِ شئٍ مِن دِيَةِ العَيْنَيْن نَقْصُ دِيَةِ الباقى، بدليلِ ما لو جَنَى عليهما فاحْوَلَّتا، أو عَمِشَتا، أو نَقَصَ ضَوْؤهما، فإنَّه يجبُ أَرْشُ النَّقْصِ، ولا تَنْقُصُ دِيَتُهما بذلك،

الجزء: 25 - الصفحة: 554

وَإِنْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ مُمَاثِلَةً لِعَيْنهِ الصَّحِيحَةِ عَمْدًا، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَلَا قِصَاصَ.
ولأَنَّ النَّقْصَ الحاصلَ لم يُؤثِّرْ في تَنْقِيصِ أحْكامِه، ولا هو مَضْبُوطٌ في تَفْويتِ النَّفْعِ، فلم يُؤثِّرْ في تَنْقِيصِ الدِّيَةِ.
قلتُ: ولولا ما رُوِى عن الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، لكان القولُ الآخَرُ أوْلَى؛ لظاهرِ النَّصِّ، والقِياسِ على ذَهابِ سَمْعِ إحْدَى الأُذُنيْنِ، وما ذُكِرَ مِن المعانى، فهو موٍ جودٌ فيما إذا أذْهَبَ سَمْعَ (1) إحْدَى الأُذُنيْن، ولم يُوجِبُوا في الباقيةِ (2) دِيَة كاملةً.
واللَّهُ أعلمُ.

4306 -

مسألة: (وإن قَلَعَ الأعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ مُماثِلَةً لعَيْنِه الصَّحِيحَةِ عَمْدًا، فلا قِصاصَ، وعليه دِيَةٌ كامِلَةٌ)

إذا قَلَعَ الأعْوَرُ عينَ صَحِيحٍ، نَظَرْنا؛ فإن قلَعَ العَيْنَ التى لا تُماثِلُ عيْنَه الصَّحيحةَ، أو قلعَ المُماثِلَةَ خَطأً، فليس عليه إلَّا نِصْفُ الدِّيَةِ، لا نعلمُ فيه خِلافًا؛ لأَنَّ ذلك540541

الحديث: 4306 - الجزء: 25 - الصفحة: 555

وَيَحْتَمِل أَنْ تقْلَعَ عَيْنُهُ وَيُعْطَى نِصْفَ الدِّيَةِ.
هو الأصْلُ، وإن قلَعَ المُماثِلَةَ لعَيْنِه الصَّحِيحَةِ عَمْدًا، فلا قِصاصَ، وعليه دِيَةٌ كاملةٌ.
وبهذا قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، ومالكٌ في إحْدَى رِوايتَيْه.
وقال في الأُخْرَى: عليه نِصْفُ الدِّيَةِ، ولا قِصاصَ.
وقال المُخالِفُون في المسألَةِ الأُولَى: له القِصاصُ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ 542. وإنِ اخْتارَ الدِّيَةَ، فله نِصْفُها؛ للخَبَرِ، ولأنَّه لو قَلَعَها غيرُه لم يجبْ فيها إلَّا نِصْفُ الدِّيَةِ، فلم يجبْ فيه إلَّا نِصْفُها، كالعَيْنِ الأُخْرَى.
ولَنا، أنَّ عمرَ، وعُثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قَضَيَا بمثْلِ مذْهَبِنا، ولا نَعْرِفُ لهما مُخالِفًا في الصَّحابةِ، فكان إجْماعًا, ولأنَّنا مَنَعْناه مِن إتْلافِ ضَوْءٍ يُضْمَنُ بدِيَةٍ كاملةٍ، فوجَبَتْ عليه دِيَةٌ كاملةٌ، كما لو قَلَعَ عَيْنَىْ سَليمٍ، ثم عَمِىَ الجانِى (ويَحْتَمِلُ أن تُقْلَعَ عيْنُه، ويُعْطَى نِصْفَ الدِّيَةِ) لأَنَّ ذلك يُرْوَى فيه أثَرٌ 543، وقد رُوِى عن 544 علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في الرَّجُلِ إذا قَتَلَ امرأةً، أنَّه 545 يُقْتَلُ بها، ويُعْطَى نِصْفَ الدِّيَةِ 546.

الجزء: 25 - الصفحة: 556

وَإِنْ قَلَعَ عَيْنَىْ صَحِيحٍ عَمْدًا، خُيِّرَ بَيْنَ قَلْعِ عَيْنهِ وَلَا شَىْءَ لَهُ غَيْرُهَا، وبَيْنَ الدِّيَةِ.
4307 - مسألة: (وإن قَلَعَ عَيْنَىْ صَحِيحٍ عَمْدًا، خُيِّرَ بينَ قَلْعِ عَيْنه ولا شَىْءَ له غَيْرُها، وبينَ الدِّيَةِ) إذا قَلَعَ الأعْور عَيْنَىْ صَحِيحٍ عَمْدًا، فإن شاءَ قَلَع عَيْنَه ولا شئَ له؛ لأَنَّ عيْنَه فيها دِيَةٌ كاملةٌ؛ لِما ذكَرْنا مِن قضاءِ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فيها بالدِّيَةِ، ولأنَّه أذْهَبَ بَصَرَه كلَّه، فلم يَكُنْ له أكثرُ مِن إذْهابِ بَصَرِه، وهو مَبْنِىٌّ على قَضاءِ الصَّحابةِ، وأنَّ عَيْنَ الأَعْوَرِ تَقومُ مَقامَ العيْنَيْنِ، وأكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّ له القِصاصَ ونِصْفَ الدِّيَةِ للعَيْنِ الأُخْرَى، وهو مُقْتَضَى الدليلِ.
واللَّهُ أعلمُ [(وبينَ) أخْذِ (الدِّيَةِ)] 547 فأمَّا إن قَلَعَهما خَطأً، فليس له إلَّا الدِّيَةُ، كما لو قَلَعَهما صَحِيحُ العيْنَيْن.
وذكرَ القاضى فيما إذا قَلَعَهُما عَمْدًا أنَّ قِياسَ المذهبِ وجُوبُ دِيَتَيْن؛ إحداهما في العَيْنِ التى اسْتَحَقَّ بها قَلْعَ عَيْنِ الأَعْوَرِ، والأُخْرَى في الأُخْرَى؛ لأنَّها عَيْنُ أعْوَرَ 548. ولَنا، قولُ النبىِّ

الحديث: 4307 - الجزء: 25 - الصفحة: 557

وَفِى يَدِ الأَقْطَعِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَكَذَلِكَ في رِجْلِهِ.
وَعَنْهُ، فِيهَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
- صلى اللَّه عليه وسلم-: «وفى الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ» (1). ولأنَّه قَلَع عَيْنَيْن، فلم يَلْزَمْه أكْثَرُ مِن الدِّيَةِ، كما لو كان القالِعُ صَحِيحًا, ولأنَّه لم يَزِدْ على تَفْوِيتِ منْفَعةِ الجِنْسِ، فلم يَزِدْ على الدِّيَةِ، كما لو قَطَع أذُنَيْه.
وما ذَكَره القاضى لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ وجُوبَ الدِّيَةِ في إحْدَى عيْنَيْهِ لا يجْعَلُ الأُخْرَى عَيْنَ أعْوَرَ، على أنَّ (2) وُجوبَ الدِّيَةِ بقَلْعِ إحْدَى العَيْنَيْن، قَضِيَّةٌ مُخالِفةٌ للخَبَرِ والقِياسِ، صِرْنا إليها لإِجْماعِ الصَّحابةِ عليها، ففيما عَدا مَوْضِعَ الإِجْماعِ يجبُ العملُ بهما والبقاءُ عليهما.

4308 -

مسألة: (وفى يدِ الأقْطَعِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وكذلك في رِجْلِه. وعنه، فيها دِيَةٌ كامِلَةٌ)

وإنِ اخْتارَ القِصاصَ فله ذلك؛ لأنَّه عُضْوٌ أمْكَنَ القِصاصُ في مِثْلِه، فكان الواجبُ فيه القِصاصَ أو دِيَةَ549550

الحديث: 4308 - الجزء: 25 - الصفحة: 558

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِثْلِه، كما لو قَطَعَ أُذُنَ مَن له أُذُنٌ واحدةٌ.
وعن أحمدَ روايةٌ أُخْرَى، أنَّ الأُولَى إن كانت قطِعَتْ ظُلْمًا وأخَذَ دِيَتَها، أو قُطِعَتْ قِصاصًا، ففيها نِصْفُ دِيَتِها، وإن قُطِعَتْ في سَبيلِ اللَّهِ، ففى الباقيةِ دِيَةٌ كاملةٌ؛ لأنَّه عَطَّلَ منافِعَه مِن العُضْوَيْن جُمْلَةً، فأشْبَهَ قَلْعَ عَيْنِ الأعْوَرِ.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ هذا أحَدُ العُضْويْن اللَّذَيْنِ تحْصُلُ بهما مَنْفَعةُ الجِنْسِ، لا يقُومُ مَقامَ العُضْويْن، فلم يَجِبْ فيه دِيَةٌ كاملةٌ، كسائرِ الأعْضاء، وكما لو كانتِ الأُولَى أُخِذَتْ قِصاصًا، أو في غيرِ سبيلِ اللَّهِ، ولا يَصِحُّ القِياسُ على عيْنِ الأعْوَرِ؛ لثلاثةِ وُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ عَيْنَ الأعْوَرِ حصَلَ بها 551 ما يحصُلُ بالعَيْنَيْن، ولم يَخْتَلِفا في الحقيقةِ والأحْكامْ إلَّا اخْتِلافًا يَسِيرًا، بخِلافِ أقْطَعِ اليَدِ والرِّجْلِ.
والثانى، أنَّ عَيْنَ الأعْورِ لم يخْتلفِ الحُكْمُ فيها باخْتِلافِ صِفَةِ 552 ذَهابِ الأُولَى، وههُنا اخْتلَفَ.
الثالثُ، أنَّ هذا التَّقْديرَ والتَّعْيِينَ على هذا الوَجْهِ أمرٌ لا يُصارُ إليه بمُجَرَّدِ الرَّأْى، ولا تَوْقِيفَ فيه فيُصارَ إليه، ولا نَظِيرَ له فيُقاسَ عليه، فالمصيرُ إليه تحَكُّمٌ بغيرِ دليلٍ، فيجبُ اطِّراحُه.
فأمَّا إن قُطِعَتْ أُذُنُ مَن قُطِعَتْ أُذُنُه، أو مَنْخَرُ مَنِ قُطِعَ مَنْخَرُه، لم يجبْ فيه أكثرُ مِن نِصْفِ الدِّيَةِ، رِوايةً واحدةً؛ لأَنَّ مَنْفعةَ كلِّ أُذُنٍ لا تتعلَّقُ بالأُخْرَى، بخِلافِ العَيْنَيْن.

الجزء: 25 - الصفحة: 559

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1417 هـ - 1996 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

الجزء: 26 - الصفحة: 2

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل اللَّه مثوبته .. ووفقه لمرضاته

الجزء: 26 - الصفحة: 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بَابُ الشِّجَاجِ وَكسْرِ الْعِظَامِ

الشَّجَّةُ اسْمٌ لِجُرْحِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ خَاصَّةً؛ وَهِىَ عَشْرٌ؛ خَمْسٌ لَا مُقَدَّرَ فِيهَا؛ أَوَّلُهَا، الْحَارِصَةُ الَّتِى تَحْرِصُ الْجِلْدَ، أَىْ تَشُقُّهُ قَلِيلًا ولا تُدْمِيهِ، ثُمَّ الْبَازِلَةُ الَّتِى يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ الَّتِى تَبْضِعُ اللَّحْمَ، ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ الَّتِى أَخَذَتْ في اللَّحْمِ.
بابُ الشِّجاجِ وكَسْرِ العِظامِ (الشَّجَّةُ اسْمٌ لجُرْحِ الرَّأْسِ والوَجْهِ خاصَّةً، وهى عَشْرٌ، خَمسٌ لا مُقَدَّرَ فيها، أوَّلُها الحارِصَةُ) وهى (التى تَحْرِصُ الجِلْدَ، أى تَشُقُّه قَلِيلًا ولا تُدْمِيه، ثم البازِلَةُ) وهى الدّامِيَةُ التى يَخرُجُ منها دَمٌ يَسِيرٌ (ثم

الجزء: 26 - الصفحة: 5

ثُمَّ السِّمْحَاقُ الَّتِى بَيْنَهَا وَبَينَ الْعَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ.
فَهَذِهِ الْخَمْسُ فِيهَا حُكومَةٌ في ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، في الْبَازِلَةِ بَعِيرٌ، وَفِى  الباضِعَةُ) وهى التى تَشُقُّ اللَّحْمَ بعدَ الجِلْدِ (ثم المُتَلاحِمَةُ) وهى التى تَنْزِلُ فيها اللَّحْمِ (ثم السِّمْحاقُ التى بينَها وبينَ العَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ.
فهذه الخَمْسُ فيها حُكومةٌ في ظاهرِ المَذْهَبِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الشِّجاجَ عَشْرٌ؛ خَمسٌ لا تَوْقِيتَ فيها، أوَّلُها الحارِصَةُ -قالَه الأصْمَعِىُّ- وهى التى تَشُقُّ الجِلْدَ قليلًا.
يَعْنِى 553 تَقْشِرُ شيئًا يَسِيرًا مِن الجِلْدِ، لا يَظْهَرُ منه دَمٌ، ومنه: حَرَصَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ.
إذا شَقَّه قليلًا.
وقال بعْضُهم: هى الحَرْصَةُ.
ثم البازِلَةُ وهى التى يَنْزِلُ منها الدَّمُ، أى يَسِيلُ.
وتُسَمَّى الدَّامِيَة أيضًا، والدَّامِعةَ، لقِلَّةِ سَيَلانِ دَمِها، تَشْبِيهًا له بخرُوجِ الدَّمْعِ من العَيْنِ.
ثم الباضِعَةُ وهى التى تَشُقُّ اللَّحْمَ بعدَ الجِلْدِ.
ثم المُتَلاحِمَةُ وهى التى أخَذَتْ في اللَّحْمِ، يعنى دَخَلَتْ فيه دُخُولًا كثِيرًا، تَزِيد على الباضِعَةِ ولم تَبْلُغِ السِّمْحاقَ.
ثم السِّمْحاقُ وهى التى تَصِلُ إلى قِشرَةٍ رَقِيقَةٍ فوقَ العَظْمِ، تُسَمَّى تلك القِشْرَةُ سِمْحَاقًا، وسُمِّيتِ الجِراحُ الواصِلَةُ إليها بها،

الجزء: 26 - الصفحة: 6

الْبَاضِعَةِ بَعِيرَانِ، وَفِى الْمُتَلَاحِمَةِ ثَلَاثَة، وَفِى السِّمْحَاقِ أربَعَةٌ.
ويُسَمِّيها أهلُ المدينةِ المِلْطى والمِلْطَاةَ، وهى تأخُذُ اللَّحْمَ كلَّه حتى تَخْلُصَ منه.
وهذه الشِّجاجُ الخمسُ لا تَوْقِيتَ فيها في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وهو قَوْلُ أَكْثَرِ الفُقَهاءِ.
يُرْوَى ذلك عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، ومالِكٍ، والأوْزَاعِىِّ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى.
ورُوِىَ عن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى أنَّ (في الدَّامِيَةِ بَعِيرًا، وفى الباضِعَةِ بغِيرَيْنِ، وفى المُتَلاحِمَةِ ثلاثةَ أبعِرَةٍ 554، وفى السِّمْحاقِ أرْبَعَةَ أبعِرَةٍ) لأَنَّ ذلك يُرْوَى عن زَيْدِ بنِ ثابتٍ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في السِّمْحاقِ مثلُ ذلك.
روَاه سعيدٌ عتهما 555. لى عن عمرَ، وعُثمانَ، فيها نِصْفُ أَرْشِ المُوضِحَةِ 556. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ، فإنَّها جِراحاتٌ لم يَرِدْ فيها تَوْقِيت في الشَّرْع، فكان الواجِبُ فيها حُكومةً، كجِرِاحاتِ البَدَنِ.
رُوِى عن مَكْحُولٍ قال: قَضَى النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: في المُوضِحَةِ بخمْسٍ من الإِبلِ، ولم يَقْضِ فيما دُونَها 557. ولأنَّه لم يَثْبُتْ فيها مُقَدَّرٌ 558 بتَوْقِيفٍ، ولا له (1) قِياسٌ يَصِحُّ، فوجَب

الجزء: 26 - الصفحة: 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرُّجوعُ إلى الحُكُومَةِ، كالحَارِصَةِ.
وذكرَ القاضى أنَّه متى 559 أمْكَنَ اعْتِبارُ [هذه الجِراحاتِ مِن المُوضِحَةِ، مثلَ أن يكونَ في رأسِ المَجْنِىِّ عليه مُوضحَة إلى جانِبِها، قُدِّرَتْ] 560 هذه الجِراحةُ منها، فإنْ كانتْ بقَدْرِ النِّصْفِ، وجَب نِصْفُ أَرْشِ المُوضِحَةِ، وإنْ كانتْ بقَدْرِ الثُّلُثِ، وجبَ ثُلُثُ الأَرْشِ.
وعلى هذا إلَّا أَنْ تَزِيدَ الحُكُومَةُ على قَدْرِ ذلك، فتُوجِبُ 561 ما تُخْرِجُه الحُكُومَةُ، فإذا كانتِ الجراحَة قَدْرَ نِصْفِ المُوضِحَةِ، وشَيْنُها يَنْقُصُ قَدْرَ ثُلُثَيْها، فيُوجِبُ ثُلُثَى أَرْشِ المُوضِحَةِ، وإنْ نَقَصتِ الحُكُومَةُ أقَلَّ مِن النِّصْفِ، أوجبَ النِّصْفَ، فيُوجِبُ الأكْثَرَ ممَّا تُخْرِجُه الحُكومةُ أو قَدْرِها من المُوضِحَةِ؛ لأنَّه اجْتَمَعَ سَببانِ 562 مُوجِبانِ؛ الشَّيْنُ وقَدْرُها مِن المُوضِحَةِ، فوجَبَ فيها، والدَّلِيلُ على

الجزء: 26 - الصفحة: 8

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إيجابِ 563 المِقْدارِ، أنَّ هذا اللَّحْمَ فيه مُقَدَّرٌ، فكان في بَعْضِه بقَدْرِه مِن دِيَتِه، كالمارِن، الحَشَفَة، الشَّفَة، والجَفْنِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
قالَ شَيْخُنا 564: وَهذا لا نَعلَمُه مَذْهَبًا لأحمدَ ولا يقْتَضِيه مَذْهَبُه، ولا يَصِحُّ؛ لأَنَّ هذه جِراحَةٌ تَجِبُ فيها الحُكُومَةُ، فلا يجبُ فيها مُقَدَّرٌ، كجراحاتِ البَدَنِ، ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على ما ذكَرُوه، فإنَّه لا تجبُ فيه الحُكُومةُ، ولا نَعْلَمُ لِما ذَكَرُوه نَظيرًا، وما لم يَكُنْ فيه مِن الجِراحِ تَوْقِيتٌ، ولم يَكُنْ نَظِيرًا لِمَا وُقِّتَتْ دِيَتُه، ففيه حُكُومَةٌ.
أمَّا الذى فيه تَوْقِيتٌ، فهو الذى نَصَّ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عليه, وبَيَّنَ قَدْرَ دِيَتِه، كقَوْلِه: «في الأنْفِ الدِّيَةُ 565، وفى اللِّسَانِ الدِّيَةُ» 566. [وقد ذَكَرْناه] 567. وأمَّا نَظِيرُه،

الجزء: 26 - الصفحة: 9

فَصْلٌ: وَخَمْسٌ فِيهَا مُقَدَّرٌ؛ أَوَّلُهَا، الْمُوضِحَةُ الَّتِى تُوضِحُ الْعَظْمَ، أَىْ تُبْرِزُهُ، وَفِيهَا خَمْسَةُ أبْعِرَةٍ.
فهو ما كان في مَعْناه، ومَقِيسًا عليه، كالأَلْيَتَيْنِ (1)، والثَّدْيَيْنِ، والحاجِبَيْنِ، وقد ذكَرْناه أيْضًا (2)، فما لم يَكُنْ مِن المُوَقَّتِ، ولا ممَّا يُمْكِنُ قِياسُه عليه (2)، كالشِّجاجِ التى دُونَ المُوضِحَةِ، وجِراحِ البَدَنِ سِوَى الجائِفَةِ، وقَطْعِ الأعْضاءِ، وكَسْرِ العِظامِ، فليس فيه إلَّا الحُكُومَةُ.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: (وخَمْسٌ فيها مُقَدَّرٌ، أوَّلُها، المُوضِحَةُ) وهى (التى تُوضِحُ العَظْمَ، أى تُبْرِزُه) والوَضَحُ البَيَاضُ، يَعْنِى أنَّها أبدَتْ وَضَحَ العَظْمِ، أىْ بَياضَه.
وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ أرشَها مُقَدَّرٌ.
قالَه ابنُ المُنْذِرِ 570. وفى كتابِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «وَفِى المُوضِحَةِ خَمْسٌ مِن الإِبِلِ» 571. ورَوَى568569

الجزء: 26 - الصفحة: 10

وَعَنْهُ، في مُوضِحَةِ الْوَجْهِ عَشَرَةٌ.
وَالأَوَّلُ الْمَذْهَبُ.
عمرُو بنُ شُعَيْبٍ عن أبِيه عن جَدِّه، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «في المَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ».
رواه أبو داودَ، والنَّسَائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ 572، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وإنَّما يجِبُ ذلك في مُوضِحَةِ الحُرِّ، فأمَّا مُوضِحَةُ العَبْدِ فقد ذكَرْنا الخِلافَ فيها.
ومُوضِحَةُ المَرْأةِ كمُوضِحَةِ الرَّجُلِ، فيما يَجِبُ فيها عندَ أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لأن المرأةَ تُساوِى 573 جِراحُها جِراحَ الرَّجُلِ إلى ثُلُثِ الدِّيَةِ.
وعندَ الشَّافعىِّ أنَّ مُوضِحَةَ المرأةِ إنَّما يَجِبُ فيها نِصْفُ ما وجَبَ في مُوضِحَةِ الرَّجلِ، بِناءً على مذْهَبِه في أنَّ جِراحَ المَرْأةِ على النِّصْفِ مِن جِراحِ الرَّجُلِ في القَلِيلِ والكَثِيرِ.
والحديثُ الذى ذكرْناه حُجَّةٌ عليه، وفيه كِفايَة.
وأكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّ المُوضِحَةَ في الرَّأْسِ والوَجْهِ سَواءٌ.
وهو ظاهِرُ المَذْهَبِ.
رُوِى ذلك عن أبى بكْرٍ، وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما.
وبه قال شُرَيْحٌ، ومَكْحُولٌ، [والشَّعْبِىُّ] 574، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ورَبِيعَةُ، وأبو حَنِيفةَ، والشَّافعىُّ، وإسْحاقُ.
(وعن أحمدَ أنَّ في مُوضِحَةِ الوَجْهِ عَشَرَةَ أبعِرَةٍ) رُوِى ذلك عن سعيدِ بنِ

الجزء: 26 - الصفحة: 11

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُسَيَّبِ؛ لأَنَّ شَيْنَها أكْثَرُ، ومُوضِحَةُ الرَّأْسِ يسْتُرُها الشَّعَرُ والعِمامَةُ.
وقال مالكٌ: إذا كانت في أنْفٍ أو في اللَّحْىِ الأسْفَلِ، ففيها حُكومةٌ؛ لأنَّها تَبْعُدُ عن الدِّماغِ، فأَشْبَهَتْ مُوضِحَةَ 575 سائرِ البَدَنِ.
ولَنا، عُمُومُ الأحاديثِ، وقولُ أبى بكرٍ وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: المُوضِحَةُ في الرَّأْسِ والوَجْهِ سَوَاءٌ 576. ولأنَّها مُوضِحَةٌ، فكانَ أرْشُها خَمْسًا من الإِبلِ، كغَيرِها ممَّا سَلَّمُوه، ولا عِبْرَةَ بكَثْرَةِ الشَّيْنِ، بدليلِ التَّسْوِيَةِ بينَ الكَبيرَةِ والصَّغِيرَةِ.
[وما ذَكَرَه مالِكٌ] 577 لا يَصِحُّ، فإنَّ المُوضِحَةَ في الصَّدْرِ أكثرُ ضَرَرًا، وأقْرَبُ إلى القَلْبِ، ولا مُقَدَّرَ فيها, ولأَنَّ ما قالَه مُخالِفٌ لظاهِرِ النَّصِّ.
وقد رُوِى عن أحمدَ أنَّه قال: مُوضِحَةُ الوَجْهِ أحْرَى أَنْ يُزادَ في دِيَتها.
وليس مَعْنَى هذا أنَّه يَجبُ فيها أكْثَرُ، إنَّما مَعْناه، واللَّهُ أعلمُ، أنَّها أوْلَى بإِيجابِ الدِّيَةِ، فإنَّها إذا وجَبَتْ في مُوضحَةِ الرَّأْسِ، مع قِلَّةِ شَيْنها واسْتِتَارِها بالشَّعَرِ وغِطاءِ الرَّأْسِ، خَمْسٌ مِن الإِبِلِ، فلَأنْ يَجِبَ ذلك في الوَجْهِ الظاهِرِ الذى هو مَجْمَعُ المَحاسِنِ وعُنوانُ الجَمالِ أوْلى.
وحَمْلُ كلام أحمدَ على 578 هذا أوْلَى مِن حَمْلِه على ما يُخالِفُ الخَبَرَ والأَثَرَ وقَوْلَ أكْثَرِ أَهْلِ العلمِ، بغيرِ تَوْقِيفٍ ولا قِياسٍ صَحِيحٍ.

الجزء: 26 - الصفحة: 12

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَجِبُ أَرْشُ المُوضِحَةِ في الصَّغيرةِ والكبيرةِ، والبارِزَةِ والمسْتُورةِ بالشَّعَرِ؛ لأَنَّ اسْمَ المُوضِحَةِ يَشْمَلُ الجَمِيعَ.
وحَدُّ المُوضِحَةِ ما أفْضَى إلى العَظْمِ ولو بقدرِ إبْرةٍ.
ذكَره ابنُ القاسِمِ، والقاضى.
فصل: وليس في مُوضِحَةِ غيرِ الرَّأْسِ والوَجْهِ مُقَدَّرٌ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم إمامُنا، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 579: ولا تَكُونُ في البَدَنِ مُوضِحَةٌ.
يَعْنِى ليس فها مُقَدَّرٌ.
[وقال] 580: على ذلك جَماعةُ العُلَماءِ إلَّا اللَّيْثَ بنَ سَعْدٍ، قال: المُوضِحَةُ تَكُونُ في الجَسَدِ أيضًا.
وقال الأوْزاعِىُّ في جِراحَةِ الجَسَدِ: على النِّصْفِ من جِراحةِ الرَّأْسِ.
وحُكِىَ نحوُ ذلك عن عَطاءٍ الخُرَاسانِىِّ، قال: في 581 المُوضِحَةِ في سائرِ الجَسَدِ خَمْسَةٌ وعِشْرون دِينارًا.
ولَنا، أنَّ اسْمَ المُوضِحَةِ إنَّما يُطْلَقُ على الجِراحَةِ المَخْصُوصَةِ في الوَجْهِ والرَّأسِ، وقَوْلُ الخَلِيفَتَيْن الرَّاشِدَيْن: المُوضِحَةُ

الجزء: 26 - الصفحة: 13

فَإِنْ عَمَّتِ الرَّأْسَ وَنَزَلَتْ إِلَى الْوَجْهِ، فَهَلْ هِىَ مُوضِحَةٌ أَوْ مُوضِحَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
في الرَّأْسِ والوجهِ سواءٌ.
يَدُلُّ على أنَّ باقِىَ الجسدِ بخلافِه، ولأَنَّ الشَّيْنَ فيما في الرَّأْسِ والوجهِ أكثرُ وأخْطَرُ ممَّا في سائِرِ البَدَنِ، فلا يَلْحَقُ به، ثُمَّ إيجابُ ذلك في سائِرِ البَدَنِ يُفْضِى إلى أَنْ يَجِبَ في مُوضِحَةِ العُضْوِ أكثرُ من دِيَتِه، مثلَ أن يُوضِحَ أُنْمُلَةً دِيَتُها ثلاثةٌ وثُلُثٌ، ودِيَةُ المُوضِحَةِ خَمْسٌ.
وأمَّا قولُ الأَوْزاعِىِّ وعَطاء الخُرَاسانِىِّ، فتَحَكُّمٌ لا نَصَّ فيه، ولا يَقْتَضِيه القِياسُ، فيَجِبُ اطِّرَاحُه.

4309 -

مسألة: (فَإنْ عَمَّتِ الرَّأْسَ ونَزَلَتْ إلى الوَجْهِ، فهل هى مُوضِحَةٌ أو مُوضِحَتَان؟ على وَجْهَيْن)

إذا أوْضَحَه في رَأسِه، ومَدَّها إلى وَجْهِه، فعلى وَجْهَيْن؛ أحدُهما، هى مُوضِحَةٌ واحدةٌ؛ لأَنَّ الوَجْهَ والرَّأسَ سَواءٌ في المُوضِحَةِ، فصارا كالعُضْوِ الواحِدِ.
والثانى، هما مُوضِحَتانِ؛

الحديث: 4309 - الجزء: 26 - الصفحة: 14

وَإِنْ أَوْضَحَهُ مُوضِحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ، فَعَلَيْهِ عَشَرَةٌ، فَإِنْ خَرَقَ  لأنَّه أَوْضَحَه في عُضْوَيْن، فكان لكلِّ واحدٍ منهما حُكْمُ نفْسِه، كما لو أوْضَحَه في رَأْسِه ونزل إلى القَفَا.
ذكر شيخُنا في الكتابِ المَشْرُوحِ، قال: إذا عَمَّتِ الرَّأْسَ.
ولم يذْكُرْه في كتابَيْهِ «المُغْنِى» و «الكافِى» بل (1) أطْلَقَ القَوْلَ فيما إذا كان بعْضُها في الرَّأْسِ، وبعْضُها في الوَجْهِ (2). وإن لم تَعُمَّ الرَّأْسَ، ففيها الوَجْهان، وهو الذى يَقْتَضِيه الدَّلِيلُ المَذْكُورُ.
واللَّهُ أعلمُ.

4310 -

مسألة: (وإن أوْضَحَه مُوضحَتَيْنِ بينهما حاجِزٌ، فعليه

582583 الحديث: 4310 - الجزء: 26 - الصفحة: 15

مَا بَيْنَهُمَا، أَوْ ذَهَبَ بالسِّرَايةِ، صَارَا مُوضِحَةً وَاحِدَةً.
وَإِنْ خَرَقَهُ الْمَجْنِىُّ عَلَيْهِ أَوْ أَجْنَبِىٌّ، فَهِىَ ثَلَاثُ مَوَاضِحَ.
عَشَرَةٌ) مِن الإِبِلِ، أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ؛ لأنَّهما مُوضِحَتانِ (فإن خرَقَ ما بينَهما، أو ذهب بالسِّرَايَةِ، صارا مُوضِحَةً واحِدَةً) فيَجِبُ أَرْشُ مُوضِحَةٍ، فصار كما لو أوْضَحَ الكَلَّ مِن غيرِ حاجِز.
فإنِ انْدَمَلَتا، ثم أزالَ الحاجِزَ بينَهما، فعليه أَرْشُ (1) ثَلاثِ مَواضِحَ؛ لأنَّه اسْتَقَرَّ عليه أَرْشُ المُوضِحَتَيْن (2) الأُولَيَيْن بالانْدِمالِ، ثم لَزِمَتْه دِيَةُ الثَّالِثَةِ.
وإنِ انْدَمَلَتْ إحْداهُما، وزالَ الحاجِزُ بفِعْلِه أو سِرَايَةِ الأُخْرَى، فعليه أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ.

4311 -

مسألة: فإنْ خَرَقه أجْنَبِىٌّ،

فعلى الأَوَّلِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ، وعلِى الثَّانِى أَرْشُ مُوضِحَةٍ؛ لأَنَّ فِعْلَ أحَدِهما لا يَنْبَنِى على فِعْلِ الآخرِ، فانْفرَدَ كلُّ واحدٍ منهما بحُكْمِ جِنايَتِه.
وإنْ أَزالَه المَجْنِىُّ عليه، وجَب على الأَوَّلِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ؛ لأَنَّ ما وجَب بجِنايَتِه لا يَسْقُطُ بفِعْلِ غيرِه.584585

الحديث: 4311 - الجزء: 26 - الصفحة: 16

وَإِنِ اخْتَلَفَا في مَنْ خَرَقَهُ، فَالْقولُ قَوْلُ الْمَجْنِىِّ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ لَوْ قَطَعَ ثَلَاثَ أصَابعِ امْرَأَةٍ، فَعَلَيْهِ ثَلَاثُونَ مِنَ الإبِلِ، فَإِنْ قَطَعَ الرَّابِعَةَ، عَادَ إِلَى عِشْرِينَ، فَإِنِ اخْتَلَفَا في قَاطِعِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِىِّ عَلَيْهِ.

4312 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في مَن خَرَقَه، فالقولُ قولُ المَجْنِىِّ عليه)

إذا قال الجانى: أنا شَقَقْتُ ما بينَهما.
وقال المَجْنِىُّ عليه: بل أنا.
أو: أزَالها آخَرُ سِواكَ.
كان القولُ قولَ المَجْنِىِّ عليه؛ لأَنَّ سبَبَ أَرْشِ مُوضِحَتَيْن قد وُجدَ، والجانِى يدَّعِى زَوالَه، والمَجْنِىُّ عليه يُنْكِرُه، والقولُ قولُ المُنْكِرَ؛ لأَنَّ الأَصْلَ معه (ومثلُه لو قطَع ثَلاثَ أَصابعِ امْرَأةٍ، فعليْه ثَلاثونَ مِن الإِبِلِ، فإن قَطَع الرّابِعَةَ، عادَ إلى عِشرِين، فإنِ اخْتَلَفا في قاطِعِها، فالقَوْلُ قَوْلُ المَجْنِىِّ عليه) لِما ذَكَرْنا.
وهذا على مَذْهَبِنا؛

الحديث: 4312 - الجزء: 26 - الصفحة: 17

وَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَ المُوضِحَتَيْنِ في الْبَاطِن، فَهَلْ هِىَ مُوضِحَةٌ أَوْ مُوضِحَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
لأَنَّ عندَنا أنَّ جِراحَ المَرْأَة تُساوِى جِراحَ الرَّجُلِ إلى الثُّلُثِ، فإذا زادَتْ صارَتْ على (1) النِّصْفِ.

4313 -

مسألة: (وَإِنْ خَرَق ما بينَهما في الباطِنِ)

بأنْ قَطَع اللَّحْمَ الذى بينَهما، وتَرَك الجِلْدَ الذى فوقَهما، ففيها وَجْهَان، أحَدُهما، يَلْزَمُه أَرْشُ مُوضِحَتَيْن؛ لانْفِصالِهما في الظَّاهِرِ.
والثانى، أَرْشُ مُوضِحَةٍ؛ لاتصالِهما في الباطِنِ.
وإن جَرَحه جِرَاحًا واحدةً، أوْضَحَه في طَرَفَيْها 587، وباقِيها دُونَ المُوضِحَةِ، ففيه أَرش مُوضِحَتَيْن، لأَنَّ ما بينَهما ليس بمُوضِحَةٍ.586

الحديث: 4313 - الجزء: 26 - الصفحة: 18

وَإِنْ شَجَّ جَمِيعَ رَأْسِهِ سِمْحَاقًا إِلَّا مَوْضِعًا مِنْهُ أَوْضَحَهُ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَةٍ.
ثُمَّ الْهَاشِمَةُ؛ وَهِىَ الَّتِى تُوضِحُ الْعَظْمَ وَتَهْشِمُهُ، فَفِيهَا عَشْرٌ مِنَ الإِبِلَ.

4314 - مسألة: (وإن شَجَّ جَمِيعَ رَأْسِه سمْحاقًا إلَّا مَوْضِعًا مِنْه أوْضَحَه، فعليه أْرشُ مُوضِحَةٍ)

إذا شَجَّه في رَأْسِه شَجَّةً، بَعْضُها مُوضِحَةٌ، وبَعْضُها دونَ المُوضِحَةِ، لم يَلْزَمْه أكثرُ مِن أَرْشِ مُوضِحَةٍ؛ لأنَّه لو أوْضَحَ الجَمِيعَ، لم يَلْزَمْه أكْثَرُ مِن ذلك، فَلأَن لا يَلْزَمَه في الإِيضاحِ في البَعْضِ أكثرُ مِن ذلك أوْلَى.
وهكذا لو شَجَّه شَجَّةً بعضُها هَاشِمَةٌ، وباقِيها دُونَها، لم يَلْزَمه أكثرُ مِن أَرْشُ هَاشِمَةٍ.
وإن كانتْ مُنَقِّلَةً وما دُونَها، أو مَأْمُومَةً وما دُونَها، فعليه أَرْشُ مُنَقِّلَةٍ أو مَأْمُومَةٍ؛ لِما ذَكَرْنا.
4315 -

مسألة: (ثم الهاشِمَةُ؛ وهىِ التى تُوضِحُ العَظْمَ وتَهْشِمُه، ففيها عَشْر مِن الإِبِلِ)

سَمِّيَتْ هاشِمَةَ لهشْمِها العَظمَ.
ولم

الحديث: 4314 - الجزء: 26 - الصفحة: 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَبْلُغْنا عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها تَقْدِيرٌ، وأكثرُ مَن بَلَغَنا قولُه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ أَرشَها مُقَدَّرٌ بعَشْرٍ مِن الإِبلِ.
رَوَى ذلك 588 قَبيصَةُ بنُ ذُؤَيْبٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ 589. وبه قال قَتادَةُ، والشافعىُّ، والعَنْبَرِىُّ.
ونحوُه قولُ الثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ، إلَّا أنَّهم قَدَّرُوها بعُشْرِ 590 الدِّيَةِ مِن الدَّراهمِ، وذلك على قولِهم: ألفُ دِرْهَم.
وكان الحسنُ لا يُوَقِّتُ فيها شيئًا.
وحُكِىَ عن مالِكٍ أنَّه قال: لا أعْرِفُ الهاشِمَةَ، لكن في الإِيضاحِ خَمْسٌ، وفى الهَشْمِ حُكومةٌ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 591: النَّظَرُ يدُلُّ على قولِ الحسنِ، إذْ لا سُنَّةَ فيها ولَا إجْماعَ، ولم يُنْقَلْ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها تَقْدِيرٌ، فوجبَتْ فيها الحُكومةُ، دُونَ المُوضِحَةِ.
ولَنا، قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ، ومثل ذلك الظَّاهِرُ أنَّه تَوْقِيفٌ، ولأنَّه لا يُعْرَفُ له مُخافٌ في عَصْرِه، ولأنَّها شَجَّةٌ فوقَ المُوضِحَةِ تَخْتَصُّ باسْمٍ، فكان فيها مُقَدَّرٌ، كالمَأْمُومَةِ.
فصل: والهاشِمَةُ في الوَجْهِ والرَّأْسِ خاصَّةً، كما ذَكَرْنا في المُوضِحَةِ.
فإنْ هشَمَه هاشِمَتَيْنِ، بينَهما حاجِزٌ، ففيهما عِشرون مِن الإِبلِ، على ما ذَكَرْنا مِن التَّفْصِيلِ في المُوضِحَةِ.
وتَسْتَوِى الهاشِمَةُ الصغيرةُ والكبيرةُ، كالمُوضِحَةِ.
وإن شَجَّه شَجَّة، بَعْضُها مُوضِحَةٌ، وبَعْضُها

الجزء: 26 - الصفحة: 20

فَإِنْ ضَرَبَهُ بِمُثَقَّلٍ فَهَشَمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوضِحَهُ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ.
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ.
هاشِمَةٌ، وبعضُها سِمْحَاقٌ، وبعضُها مُتَلاحِمَةٌ، وجب أَرْشُ الهاشِمَةِ؛ لأنَّه لو كان جَمِيعُها هاشِمَةً، أجْزَأ أرْشُها، ولو انْفَرَدَ [القَدْرُ المَهْشُومُ] (1)، وجب أرْشُها، فلا يَنْتَقِضُ ذلك بما زادَ مِن الأَرْشِ في غيرِها.

4316 -

مسألة: (فإن ضَرَبه بمُثَقَّلٍ فَهَشَمَهُ مِن غيرِ أن يُوضِحَهُ، ففيه حُكُومَةٌ)

ولَا تَجِبُ دِيَةُ الهاشِمَةِ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأَنَّ الأَرْشَ المُقَدَّرَ وجب في هاشِمَةٍ معها مُوضِحَةٌ.
وفى الواجبِ فيها وَجْهانِ؛ أحدُهما، حُكُومَةٌ؛ لأنَّه كَسْرُ عَظْمٍ لا جُرْحَ معه، فأشْبَهَ كَسْرَ قَصَبَةِ الأَنْفِ.
والثانى، فيها خمْسٌ مِن الإِبِل؛ لأنَّه لو أَوْضَحَ وهَشَم، لوَجَب عَشْرٌ؛ خَمْسٌ في الإِيضاحِ، وخمْسٌ في الهَشْمِ، فإذا وُجِدَ أحَدُهما، وجَب خَمْسٌ، كالإِيضاحِ وحدَه.
فصل: فإنْ أَوْضَحَه مُوضِحَتَيْن، هَشَم العَظْمَ في كلِّ واحدةٍ منهما،592

الحديث: 4316 - الجزء: 26 - الصفحة: 21

ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ؛ وَهِىَ الَّتِى تُوضِحُ وَتَهْشِمُ وَتَنْقُلُ عِظَامَهَا، فَفِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإِبِلِ.
واتَّصَلَ الهَشْمُ في الباطنِ، فهما (1) هاشِمَتان؛ [لأَنَّ الهَشْمَ إنَّما يكونُ تَبَعًا للإِيضاحِ، فإذا كانَتا مُوضِحَتَيْنِ، كان الهَشْمُ هاشِمَتَيْنِ، بخِلافِ المُوضِحَةِ، فإنَّها ليست] (2) تَبَعًا لغيرِها، فَافْتَرقا.

4317 -

مسألة: (ثُمَّ المُنَقِّلَةُ؛ وهى التى تُوضِحُ وتَهْشِمُ وتَنْقُلُ عِظامَها، ففيها خَمْسَ عَشْرَةَ مِن الإبلِ)

المُنَقِّلَةُ زَائِدَةٌ على الهاشِمَةِ، وهى التى تَكْسِرُ العِظامَ وتُزِيلُها عن مَواضِعِها، فيَحْتاجُ إلى نَقْلِ العَظْمِ ليَلْتَئِمَ.
وفيها خَمْسَ عَشْرَةَ مِن الإِبلِ، بإِجْماعٍ مِن أهلِ العلمِ.
حكاه ابنُ المُنْذِرِ 595. وفى كتابِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعمرِو بنِ حَزْم: «وَفِى المُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِن الإِبِلِ» 596. وفى تَفْصِيلِها ما في تَفْصِيلِ المُوضِحَةِ والهاشِمَةِ، على ما [ذَكَرْنا فيما] 597 مَضَى.593594

الحديث: 4317 - الجزء: 26 - الصفحة: 22

ثُمَّ الْمَأْمُومَةُ؛ وَهِىَ الَّتِى تَصِلُ إِلَى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ، وَتُسَمَّى أُمَّ الدِّماغِ.
وَتُسَمَّى الْمَأْمُومَةُ آمَّةَ، فَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ.

4318 - مسألة: (ثُمَّ المَأْمُومَةُ؛ وهى التى تَصِلُ إلى جِلْدَةِ الدِّماغِ، وتُسَمَّى أُمَّ الدِّماغِ. وتُسَمَّى المَأْمُومَةُ آمَّةً)

قال ابنُ عبدِ البَرِّ 598: أهلُ العِراقِ يَقُولُونَ لها 599: الآمَّةُ.
وأهلُ الحِجازِ: المَأْمُومَةُ.
وهى الجِراحَةُ الوَاصِلةُ إلى أُمِّ الدِّماغِ؛ وهى جِلْدَةٌ فيها الدِّماغُ، سُمِّيَتْ أُمَّ الدِّماغِ؛ لأنَّها تحُوطُه وتَجْمَعُه، فإذا وَصَلَتِ الجِراحَةُ إليها، سُمِّيَت آمَّةً ومَأْمُومَةً، [يُقالُ: أَمَّ الرَّجُلَ آمَّةً ومَأْمُومَةً] 600. وأَرشُها ثُلُثُ الدِّيَةِ في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا مَكْحُولًا، فإنَّه قال: إن كانت عَمْدًا، ففيها ثُلُثا الدِّيَةِ، وإن كانتْ خَطَأً، ففيها ثُلُثُها.
ولَنا، قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في كتابِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «وَفِى المَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» 601. وعن ابنِ عَمْرٍو 602 عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلُ ذلك.
ورُوِىَ نحوُه عن علىِّ 603. ولأنَّها شَجَّةٌ فلم

الحديث: 4318 - الجزء: 26 - الصفحة: 23

ثُمَّ الدَّامِغَةُ؛ وَهِىَ الَّتِى تَخْرِقُ الْجِلْدَةَ، فَفِيهَا مَا في الْمَأْمُومَةِ.

فَصْلٌ: وَفِى الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ وَهِىَ الَّتِى تَصِلُ إِلَى بَاطِنِ  يَخْتَلِفْ أَرشُها بالعَمْدِ والخَطَأَ في المِقْدارِ، كسائِرِ الشِّجاجِ.
(ثُمَّ الدَّامِغَةُ، وهى التى تَخْرِق الجِلْدَ، ففيها ما في المَأْمُومَةِ) قال القاضى: لم يَذْكُرْ أصْحابُنا الدَّامِغَةَ؛ لمُساوَاتِها المَأْمُومَةَ في أَرْشِها.
وقيل: فيها مع ذلك حُكُومَةٌ لخَرْقِ جِلْدَةِ الدِّماغِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّهم تَركُوا ذِكْرَها؛ لكَوْنِها لا يَسْلَمُ صاحِبُها في الغالبِ.

فصل

: فإن أوْضَحَه رَجُلٌ، ثم هَشَمَه الثَّانِى، ثم جعَلها الثالثُ مُنَقِّلَةً، ثم جعَلها الرَّابعُ مَأْمُومَةً، فعلى الأَوَّلِ أَرْشِ مُوضِحَةٍ، وعلى الثَّانِى خَمْسٌ، تمامُ أَرْشِ الهاشِمَةِ، وعلى الثالثِ خَمْسٌ، تَمامُ أَرْشِ المُنَقِّلَةِ، وعلى الرَّابعِ ثمانيةَ عَشَرَ وثُلُثٌ، تَمامُ أَرْشِ المَأْمُومَةِ.
فصل: (وفى الجائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ وهى التى تَصِلُ إلى باطِنِ الجَوْفِ

الجزء: 26 - الصفحة: 24

الْجَوْفِ مِنْ بَطْنٍ، أَوْ ظَهْرِ، أَوْ صَدْرٍ، أَوْ نَحْرٍ.
مِن بَطْنٍ، أو ظَهْرٍ، أو صَدْرٍ، أو نَحْرٍ) وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم أهلُ المدينةِ، وأهلُ الكوفةِ، وأهلُ الحديثِ، وأصْحابُ الرَّأْى، إلَّا مَكْحولًا، قال فيها: في العَمْدِ ثُلُثا الدِّيَةِ ولنا، قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في كتابِ عمرِو بنِ حَزْمٍ: «وفى الجائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» 604. وعن ابنِ عمرَ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلُ ذلك 605. ولأنَّها جِراحةٌ فيها مُقَدَّرٌ، فلم يخْتَلِفْ قَدْرُ أَرْشِها بالعَمْدِ والخَطَأ، كالمُوضِحَةِ.
ولا نعلمُ في جِراحِ البَدَنِ الخاليةِ عن قَطْعِ الأعْضاءِ وكسْرِ العِظامِ مُقَدَّرًا 606 غيرَ الجائفةِ.
وذكرَ ابنُ عبدِ البَرِّ 607، أنَّ مالكًا، وأبا حنيفةَ، والشَّافعىَّ، [والبَتِّىَّ] 608، وأصْحابَهم، اتَّفَقُوا على أنَّ الجائفة لا تكونُ إلَّا 609 في الجَوْفِ.
وقال ابنُ القاسِمِ: الجائِفَةُ ما أفْضَى إلى الجَوْفِ ولو بمَغْرِزِ إبْرَةٍ.
فصل: وإن أجافَه جائِفَتَيْنِ بينَهما حاجِزٌ، فعليه ثُلُثا الدِّيَةِ، وإن خرَق

الجزء: 26 - الصفحة: 25

فَإِنْ خَرَقَهُ مِنْ جَانِبٍ فَخَرَجَ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، فَهِىَ جَائِفَتَانِ.
الجانِى ما بينَهما، أو (1) ذهَب بالسِّرايَةِ، صارا جائفةً واحدةً، فيها ثُلُثُ الدِّيَةِ لا غيرُه، وإن خرَق ما بينَهما أجْنَبِىٌّ، أو المَجْنِىُّ عليه، فعلى الأَوَّلِ ثُلُثا الدِّيَةِ، وعلىِ الأجْنَبِىِّ الثانى ثُلُثُها، ويسْقُطُ ما قابلَ فِعْلَ المَجْنِىِّ عليه.
وإنِ احْتاجَ إلى خرْقِ ما بينَهما للمُداواةِ، فخَرَقَها المَجْنِىُّ عليه أو غيرُه بأَمرِه، أو خرَقَها وَلِىُّ المَجْنِىِّ عليه لذلك، أو الطَّبِيبُ بأَمْرِه، فلا شئَ (2) في خَرْقِ الحاجِزِ، وعلى الأَوَّلِ ثُلُثا (3) الدِّيَةِ.

4319 -

مسألة: (فإن خَرَقَه مِن جانبٍ فخَرَجَ مِن الجَانبِ الآخَرِ، فهى جائِفَتانِ)

هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، وقَتادةُ، ومُجاهِدٌ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ وأصْحابُ الرَّأْى.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 613: لا أعلمُهم يخْتلِفون في ذلك.
وحُكِىَ عن بعضِ أصْحابِ الشَّافعىِّ أنَّه قال: هى جَائفةٌ واحدةٌ.
وحُكِىَ أيضًا عن أبى حنيفةَ؛ لأَنَّ الجائفةَ هى التى تَنْفُذُ مِن ظاهرِ البَدَنِ إلى الجَوْفِ، وهذه الثَّانيةُ إنَّما نفَذَتْ مِن الباطنٍ إلى الظاهرِ.
ولَنا، ما روَى سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، أنَّ رَجُلًا رَمَى رَجُلَا610611612

الحديث: 4319 - الجزء: 26 - الصفحة: 26

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بسَهْمٍ، فأنْفَذَه، فقَضَى أبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، بثُلُثَىِ الدِّيَةِ.
ولا مُخالِفَ له، فيكون إجْماعًا.
أخْرجَه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، في «سُنَنِه» 614. ورُوِىَ عن 615 عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قَضى في الجائفةِ إذا نفذَتِ 616 الجَوْفَ بأَرْشِ جائِفَتَيْنِ 617. ولأنَّه أنْفذَه مِن مَوْضِعَيْن، فكانَ جائِفَتَيْنِ، كما لو أنْفَذَه بضَرْبَتَيْنِ.
وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ، فإنَّ الاعْتِبارَ بوُصولِ الجُرْحِ إلى الجَوْفِ، لا بكَيْفِيَّةِ إيصالِه، إذْ لا أثَرَ لصورَةِ الفِعْل مع التَّساوِى في المعنَى، ولأَنَّ ما ذكَرُوه مِن الكَيْفِيَّةِ ليس بمَذْكورٍ في خبَرٍ، وإنَّما الغالبُ والعادةُ وُقوعُ الجائفةِ.
هكذا، فلا يُعْتَبَرُ، كما أنَّ العادةَ والغالبَ حُصولُها 618 بالحديدِ، ولو حصَلَتْ بغيرِه لكانت جائفةً، ثم ينْتَقِضُ ما ذكَروه بما لو أدْخَلَ يدَهُ في جائفةِ إنْسانٍ، فخَرَقَ بَطْنَه مِن مَوْضِعٍ آخرَ، فإنَّه 619 يَلْزَمُه أَرْشُ جائفةٍ بغيرِ خِلافٍ نعْلَمُه.
وكذلك 620 يُخرَّجُ في مَن

الجزء: 26 - الصفحة: 27

وَإِنْ طَعَنَهُ في خَدِّه فَوَصَلَ إِلَى فَمِهِ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ جَائِفَةً.
أوْضَحَ إنْسانًا في رَأْسِه، ثم أخْرَجِ رَأْسَ السِّكِّينِ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ، فهى مُوضِحَتان.
وإن هَشَمه هاشِمَةً لها مَخْرَجان، فهى هاشِمَتانِ.
وكذلك ما أشْبَهَه.
فصل: فإن أدْخَلَ إصْبَعَه (1) في فَرْجِ بِكْرٍ، فأَذْهَبَ بَكارَتَها، فليس بجائِفَةٍ؛ لأَنَّ ذلك ليس بجَوْفٍ.

4320 -

مسألة: (وإن طَعَنَهُ في خَدِّهِ فَوَصَلَ إلى فيهِ، ففيه حُكومَةٌ)

لأَنَّ باطِنَ الفَمِ حُكمُه حُكْمُ الظَّاهرِ لا حُكْمُ الباطنِ (ويَحْتَمِلُ أن تكونَ جائفةً) لأنَّه جُرْحٌ وصَل إلى جَوْفٍ مُجَوَّفٍ، فأَشْبَهَ ما لو وصَلَ إلى البَطْنَ.
فصل: فإن طَعَنه في وَجْنَتِه، فكسرَ العَظْمَ، ووصَلَ إلى فِيهِ، فليس بجائفةٍ؛ لِما ذكَرْنا.
وقال الشَّافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: هو جائفةٌ؛ لأنَّه قد وصَل إلى جَوْفٍ.
وقد ذكَرْنا أنَّ باطِنَ الفَمِ في حُكْمِ الظَّاهرِ، بخِلافِ الجَوْفِ.
فعلى هذا، يكونُ عليه دِيَةٌ هاشِمَةٍ لكَسْرِ621

الحديث: 4320 - الجزء: 26 - الصفحة: 28

فَإِنْ جَرَحَهُ في وَرِكِهِ فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى جَوْفِهِ، أَوْ أَوْضَحَهُ فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى قَفَاهُ، فَعَلَيْهِ دِيَةُ جَائِفَةٍ وَمُوضِحَةٍ، وَحُكُومَةٌ لِجُرْحِ الْقَفَا وَالْوَرِكِ.
العظمِ، وفيما زادَ حُكومَةٌ.
وإن جَرَحَه في أنْفِه فأنْفَذَه، فهو كما لو جَرَحَه في وَجْنَتِه فأنْفَذَه إلى فِيه (1)، في الحُكْمِ والخلافِ.
وإن جَرَحَه في ذَكَرِه، فوصلَ إلى مَجْرَى البَوْلِ مِن الذَّكَرِ، فليس بجائِفةٍ؛ لأنَّه ليس بجَوْفٍ يُخافُ التَّلَفُ مِن الوُصولِ إليه، بخِلافِ غيرِه.

4321 -

مسألة: (وإن جَرَحَهُ في وَرِكِهِ فَوَصَلَ الجُرْحُ إلى جَوْفِه، أو أوْضَحَهُ فَوَصَلَ الجُرْحُ إلى قَفاهُ، فعليهِ دِيَةُ جَائِفَةٍ ومُوضِحَةٍ، وحُكومَةٌ لِجُرْحِ القَفَا والوَرِكِ)

إذا جَرَحَه في فَخِذِه، ومَدَّ السِّكِّينَ حتى بلَغ622

الحديث: 4321 - الجزء: 26 - الصفحة: 29

وَإِنْ أَجَافَهُ وَوَسَّعَ آخَرُ الْجُرْحَ، فَهِىَ جَائِفَتَانِ، وَإِنْ وَسَّعَ ظَاهِرَهُ دُونَ بَاطِنِهِ، أَوْ بَاطِنَهُ دُونَ ظَاهِرِهِ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ.
الوَرِكَ، فأجَافَه (1) فيه، أو جرَح الكَتِفَ، وجَرَّ (2) السِّكِّينَ حتى بلَغِ الصَّدْرَ، فأجَافَه فيه، فعليْه أَرْشُ الجائفةِ، وحُكومَةٌ في الجُرْحِ؛ لأَنَّ الجِراحَ (3) في غيرِ مَوْضِعِ الجائفةِ، فانْفَرَدَتْ بالضَّمانِ، كما لو لم يكنْ معها جائفةٌ، وإن أوْضَحَه فوصَلَ إلى قَفاهُ، فعليه دِيَةُ مُوضِحَةٍ؛ لأنَّه أوْضَحَه، وعليه حُكومةٌ لجُرْحِ القَفا، كما لو انْفَرَدَ.

4322 -

مسألة: (وَإن أجَافَهُ، وَوَسَّعَ آخَرُ الجُرْحَ، فهى جائِفَتانِ)

وعلى كُلِّ واحدٍ مِنهما أَرْشُ جائِفَةٍ؛ لأَنَّ فِعْلَ كُلِّ واحدٍ مِنهما لو انْفَرَدَ كان جائفةً، فلا يَسْقُطُ حُكْمُه بانْضِمامِه إلى فِعْلِ غيرِه؛ لأَنَّ فِعْلَ الإِنْسانِ لا يَنْبَنِى على فعلِ غيرِه.
وإن وَسَّعَها الطَّبِيبُ بإذْنِه، أو إذْنِ وَلِيِّه لمصلحتِه، فلا شئَ عليه.
4323 -

مسألة: (وَإن وَسَّعَ ظاهِرَه دُونَ باطِنِهِ، أو باطِنَه دُونَ ظَاهِرِه، فعليه حُكومَةٌ)

لأَنَّ جِنايتَه 626 لم تبْلُغِ الجائفه.623624625

الحديث: 4322 - الجزء: 26 - الصفحة: 30

وَإِنِ الْتَحَمَتِ الْجَائِفَةُ فَفَتَحَهَا آخَرُ، فَهِىَ جَائِفَةٌ أُخْرَى.

فصل

: وإْن أدْخَلَ السِّكِّينَ في الجائفةِ ثم أخْرَجَها، عُزِّرَ، ولا شئَ عليه.
وإن خاطَها، فجاءَ آخرُ فقَطَعَ الخَيْطَ، وأدْخَلَ السِّكِّينَ فيها قبلَ أن تَلْتَحِمَ، عُزِّرَ أشَدَّ مِن التَّعْزِيرِ الذى قبلَه، وغرِم ثمنَ الخُيوطِ وأُجْرَةَ الخَيَّاطِ، ولم يَلْزَمْه أَرْشُ جائفةٍ؛ لأنَّه لم يُجِفْهُ.

4324 -

مسألة: (وإنِ الْتَحَمَتِ الجَائِفَةُ فَفَتَحَها آخرُ، فهى جائِفَةٌ أُخْرَى)

عليه أرْشُهَا؛ لأنَّه عادَ إلى الصِّحَّةِ، فصار كالذى لم يُجْرَحْ.
وإنِ الْتَحَمَ بعضُها دونَ بعضٍ، ففَتَقَ ما الْتَحَمَ، فعليه أَرْشُ جائفةٍ؛ لِما ذكَرْنا 627. وإن فتَق غيرَ ما الْتَحَمَ، فليس عليه أرْيقُ الجائفةِ، وحُكْمُه حُكْمُ مَن فعلَ مثلَ فِعْلِه قبلَ أن يَلْتَحِمَ منها شئٌ.
وإن فتَق بعضَ ما الْتَحَم في الظَّاهرِ دونَ الباطنِ، أو الباطنِ دونَ الظاهرِ، فعليه حُكومَةٌ، كما لو وَسَّعَ جُرْحَه كذلك.
فصل: ومِن وَطِئَ زَوْجَتَه وهى صغيرَةٌ، فَقتَقَها، لَزِمَه ثُلُثُ الدِّيَةِ.
ومَعْنى الفَتْقِ خرْقُ ما بينَ مَسْلَكِ البَوْلِ والمَنِىِّ.
وقيل: بل مَعْناه خَرْقُ

الحديث: 4324 - الجزء: 26 - الصفحة: 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ما بينَ القُبُلِ والدُّبُرِ.
إلَّا أنَّ هذا بعيدٌ، لأنَّه يَبْعُدُ أن يَذْهَبَ بالوَطْءِ ما بينَهما مِن الحاجزِ، فإنَّه حاجِز غليظٌ قوِىٌّ.
والكلامُ في ذلك في أمْرَيْن؛ أحدُهما، في أصْلِ وجُوبِ الضَّمانِ.
والثانى، في قَدْرِه: أمَّا الأَوَّلُ: فإنَّ الضَّمانَ إنَّما يَجِبُ بوَطْءِ الصغيرةِ أو النَّحيفةِ التى لا تَحْتَمِلُ 628 الوَطْءَ، دُونَ الكبيرةِ المُحْتَمِلَةِ له 629. وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: يجبُ الضَّمانُ في الجميعِ؛ لأنَّه جنايةٌ، فيجبُ الضَّمانُ به، كما لو كان في أجْنَبِيَّةٍ.
ولنا، أنَّه وَطْءٌ مُسْتَحَق، فلم يَجبْ ضَمانُ ما تَلِفَ به، كالبَكارةِ 630، ولأنَّه فِعْل مأْذونٌ فيه ممَّن يَصِحُّ إذْنُه، فلم يُضْمَنْ ما تَلِفَ بسِرايَتِه، كما لو أذِنت في مُداواتِها بما يُفْضِى إلى ذلك،

الجزء: 26 - الصفحة: 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وكقَطْعِ السَّارقِ، واسْتِيفاء القِصاصِ، وعَكْسُه الصغيرةُ والمُكْرَهَةُ على الزِّنَى.
إذا ثبتَ هذا، فإنَّه يَلْزَمُه المَهْرُ المُسَمَّى في النِّكاحِ، مع أَرْشِ الجِنايةِ، ويكونُ أَرْشُ الجِنايةِ في مالِه، إن كان عَمْدًا مَحْضًا، وهو أن يَعْلَمَ أنَّها لا تُطيقُه، وأنَّ وَطْأَه يُفْضِيها، فأمَّا إنْ عَلِمَ ذلك، وكان مما يَحْتَمِلُ أن لا يُفْضِىَ إليه، فهو عمْدُ الخَطَأ، فيكونُ على عاقلتِه، إلّا على قولِ مَن قال: إنَّ العاقِلةَ لا تَحْمِل عَمْدَ الخَطَأ، فيكونُ في مالِه.
الثانى: في قَدْرِ الواجبِ، وهو ثُلُثُ الدِّيَةِ.
وبه قال قَتادةُ، وأبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: تَجِبُ الدِّيَةُ كاملةً.
ورُوِىَ ذلك عن عمرَ بن عبدٍ العزيزِ؛ لأنَّه أتْلَفَ منْفَعةَ الوَطْءِ، فلَزِمَتْه الدِّيَةُ، كما لو قطَع إسْكَتَيْها.
ولَنا، ما رُوِى عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قَضَى في الإِفْضاءِ

الجزء: 26 - الصفحة: 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بثُلُثِ الدِّيَةِ 631. [ولم نَعْرِفْ له في الصَّحابةِ مُخالِفًا.
ولأَنَّ هذه جِنايةٌ تَخْرِقُ الحاجِزَ بينَ مَسْلَكِ البَوْلِ والذَّكَرِ، فكانَ مُوجَبُها ثُلُثَ الدِّيَةِ] 632، كالجائفةِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّها تَمْنَعُ الوَطْءَ، وأمَّا قَطْعُ الإِسْكَتَيْنِ، فإنَّما أوْجَبَ الدِّيَةَ؛ لأنَّه قطْعُ عُضْوَيْنِ فيهما نَفْعٌ وجَمالٌ، فأشْبَهَ قَطْعَ 633 الشَّفَتَيْنِ.
فصل: فإنِ اسْتَطْلَقَ بَوْلُها مع ذلك، لَزِمَتْه دِيَةٌ مِن غيرِ زِيادةٍ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: تجبُ دِيَةٌ وحُكومَةٌ؛ لأنَّه فَوَّتَ مَنْفعَتَيْنِ، فلزِمَه أرْشُهُما، كما لو فَوَّتَ كلامَه وذَوْقَه.
ولَنا، أنَّه إتْلافُ عُضْوٍ واحدٍ لم يَفُتْ غيرُ مَنافِعِه، فلم يَضْمَنْه بأكثرَ مِن دِيَةٍ واحدةٍ، كما لو قطَع لِسانَه فذهبَ ذَوْقُه وكلامُه.
وما قالَه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو أوْجبَ دِيَةَ المَنْفَعَتَيْنِ، لأوْجبَ دِيَتَيْنِ؛ لأَنَّ اسْتِطْلاقَ البَوْلِ مُوجِبٌ لدِيَةٍ، والإِفْضاءَ عندَه مُوجِبٌ للدِّيَةِ مُنْفَرِدًا، ولم يَقُلْ به، وإنَّما أوْجبَ الحُكومةَ، ولم يُوجَدْ مُقْتَضِيها، فإنَّا لا نَعلمُ أحدًا أوْجبَ في الإِفْضاءِ حُكومةً.

الجزء: 26 - الصفحة: 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنِ انْدمَلَ الحاجزُ وانْسَدَّ، وزالَ الإِفْضاءُ، لم يجبْ ثُلُثُ الدِّيَةِ، ووَجبتْ حُكومةٌ، لجَبْرِ ما حصَل مِن النَّقْصِ.
فصل: وإن أكْرَه امرأةً على الزِّنَى فأفْضاها، لَزِمَه ثُلُثُ دِيَتها ومَهْرُ مِثْلِها؛ لأنَّه حصَل بوَطْءٍ غيرِ مُسْتَحَقٍّ، ولا مَأْذونٍ فيه، فلَزِمَه ضَمانُ ما تَلِفَ به، كسائرِ الجِناياتِ.
وهل يَلْزَمُه أَرْشُ البَكارةِ مع ذلك؟ فيه رِوَايتان؛ إحداهما، لا يَلْزَمُه؛ لأَنَّ أَرْشَ البَكارةِ داخِلٌ في مَهْرِ المِثْلِ، فإنَّ مَهْرَ البكْرِ أكثرُ مِن مَهْرِ الثَّيِّبِ، فالتَّفاوُت بينَهما هو عِوَضُ أَرشِ البَكارةِ، فلم يَضْمَنْه مَرَّتَيْنِ، كما في حَقِّ الزَّوْجَةِ.
والثانيةُ، يَضْمَنُهُ؛ لأنَّه مَحَلٌّ أتْلَفَه بعُدْوانِه، فلَزِمَه أَرْشُه، كما لو أتْلَفَه بإصْبَعِه.
فأمَّا المُطاوِعةُ على الزِّنَى إذا كانت كبيرةً ففتَقَها، فلا ضَمانَ عليه في فَتْقِها.
وقال الشافعىُّ: يَضْمَنُ؛ لأَنَّ المأْذونَ فيه الوَطْءُ دُونَ الفَتْقِ، فأشْبَهَ ما لو قطَع يدَها.
ولَنا، أنَّه ضَرَرٌ حصَل مِن فِعْلٍ مأْذُونٍ فيه، فلم يضْمَنْه، كأَرْشِ بَكارَتِها ومَهْرِ مِثْلِها، وكما لو أذِنَتْ في قَطْعِ يدِها، فسَرَى القَطْعُ إلى نفْسِها.
وفارَقَ ما إذا أذِنَتْ في وَطْئِها فقَطَعَ يدَها؛ لأَنَّ ذلك ليس مِن المأْذونِ فيه، ولا مِن ضَرورَتِه.
فصل: وإن وَطِئَ امرأةً بشُبْهَةٍ، فأفضَاها، فعليه أَرْشُ إفْضائِها مع مَهْرِ مِثْلِها؛ لأَنَّ الفِعْلَ إنَّما أُذِنَ فيه اعْتِقادًا أنَّ المُسْتَوْفِىَ له هو المُسْتَحِقُّ، فإذا كان 634 غيرَه، ثبَت في حَقِّه وُجوبُ الضَّمانِ لِما أتْلَفَ، كما لو أذِنَ

الجزء: 26 - الصفحة: 35

فَصْلٌ: وَفِى الضِّلَعِ بَعِيرٌ، وَفِى التَّرْقُوَتَيْنِ بَعِيرَانِ.
في أخْذِ الدَّيْنِ لمَن يعْتَقِدُ أنَّه مُسْتَحِقُّه، فبانَ أنَّه غيرُه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يجبُ لها أكثرُ الأمْرَيْنِ مِن مَهْرِ مِثْلِها أو أَرْشِ إفْضائِها؛ لأَنَّ الأَرْشَ لإِتْلافِ العُضْوِ، فلا يُجْمَعُ بينَ ضَمانِه وضَمانِ منْفَعتِه، كما لو قلَع عَيْنًا.
ولَنا، أنَّ هذه جِنايَةٌ تَنْفَكُّ عن الوَطْءِ، فلم يدْخُلْ بدَلُه فيها، كما لو كسَر صَدْرَها.
وما ذَكَرَه (1) غيرُ صَحيحٍ، فإنَّ المَهْرَ يجبُ لاسْتِيفاءِ منْفَعةِ البُضْعِ، والأرْشَ يجبُ لإِتْلافِ الحاجزِ، فلا تدْخُلُ المنْفَعةُ فيه.

فصل

: وإنِ اسْتَطلَقَ بَوْلُ المُكْرَهةِ على الزِّنَى والمَوْطُوءَةِ بشُبْهَةٍ مع إفْضائِهما، فعليه دِيَتُهما والمهرُ.
وقال أبو حنيفةَ في المَوْطُوءةِ بشُبْهَةٍ: لا يُجْمَعُ بينَهما، ويجبُ أكثرُهما.
وقد سبقَ الكلامُ معه في ذلك.
فصل: (وفى الضِّلَعِ بعيرٌ، وفى التَّرْقُوتَيْنِ بعِيرانِ) رَوَى سعيدٌ 636، عن مطرٍ، عن قَتادةَ، عن سليمانَ، عن 637 عمرَ، وسُفيانَ،635

الجزء: 26 - الصفحة: 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن أسْلَمَ، عن عمرَ، في الضِّلَعِ جَمَلٌ، والتَّرْقُوَةِ جَمَلٌ.
وقال الخِرَقِىُّ: في التَّرْقُوَةِ بعِيرانِ.
فظاهرُ قولِه أنَّ في كُلِّ تَرْقوَةٍ بَعيرَيْنِ، فيكونُ في التَّرْقُوَتَيْنِ أرْبعةُ أبعِرَةٍ.
وهذا قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ.
والتَّرْقُوَةُ: العَظْمُ المُسْتَدِيرُ حولَ العُنُقِ مِن النَّحْرِ إلى الكَتِفِ.
ولكُلِّ واحدٍ تَرْقُوَتانِ، [فيهما أَربَعةُ أَبعِرَةٍ، في ظاهرِ قولِ الخِرَقِىِّ] 638. وقال القاضى: المرادُ بقول الخِرَقِىِّ التَّرْقُوَتانِ معًا، وإنَّما اكْتَفَى بلَفْظِ الواحدِ لإِدْخالِ الألفِ واللَّامِ المُقْتَضِيَةِ للاسْتِغْراقِ، فيكونُ في كلِّ تَرْقُوَةٍ بعيرٌ.
وهذا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهدٌ، وعبدُ الملكِ بنُ مَرْوانَ، وسعيدُ بنُ جُبَيْر، وقَتادةُ، وإسْحاقُ، وهو قولٌ للشافعىِّ 639. والمَشْهُورُ مِن قولِه عندَ أصْحابِه، أنَّ في كل واحدٍ مما

الجزء: 26 - الصفحة: 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذكَرْنا حُكوِمةً.
وهو قولُ مَسْروقٍ، وأبى حنيفةَ، ومالكٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه عَظْمٌ باطنٌ، لا يخْتَصُّ بجمالٍ ومنْفَعةٍ، فلم يجبْ فيه أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، كسائرِ أعْضاءِ البدَنِ، ولأَنَّ التَّقْديرَ إنَّما يكونُ بتَوْقيفٍ أو 640 قِياسٍ صَحيحٍ، وليس في هذا تَوْقِيفٌ ولا قِياسٌ.
ورُوِىَ عن الشَّعْبِىِّ أنَّ في التَّرْقُوَةِ أرْبعينَ دِينارًا.
وقال عمرُو بنُ شُعَيْبٍ: في التَّرْقُوَتَيْنِ الدِّيَةُ، وفى إحْداهما نِصْفُها؛ لأنَّهما عُضْوانِ فيهما جَمالٌ 641 ومنْفَعةٌ، وليس في البدَنِ غيرُهما مِن جِنْسِهما، فكَمَلَتْ فيهما الدِّيَةُ، كاليَدَيْنِ.
ولَنا، قولُ عمرَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما.
وما ذكَرُوه ينْتَقِض بالهاشِمَةِ،

الجزء: 26 - الصفحة: 38

وَفِى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الذِّرَاعَ، والزَّنْدِ، وَالْعَضُدِ، وَالْفَخِذِ، وَالسَّاقِ، بَعِيرَانِ.
فإنَّها كَسْرُ عِظامٍ باطنةٍ، وفيها مُقَدَّرٌ.
ولا يَصِحُّ قولُهم: إنَّها لا تَخْتَصُّ بجمالٍ ومَنْفعةٍ.
فإنَّ جمالَ هذه العظام ونَفْعَها لا يُوجَدُ في غيرِها، ولا مُشارِكَ لها فيه.
وأمَّا قولُ عمرِو بنِ شَعَيْبٍ، فمخالفِ للإِجْماعِ، فإنَّا لا نعلمُ أحدًا قبلَه ولا بعدَه وَافقَه فيه.

4325 -

مسألة: (وفى كلِّ واحدٍ مِنَ الذِّراعِ، والزَّنْدِ، والعَضُدِ، والسَّاقِ، بَعِيرانِ)

قال القاضى: في الزَّنْدَيْنِ 642 أرْبعة أبعِرَةٍ، لأَنَّ فيهما أرْبعةَ عِظامٍ، ففى كلِّ عَظْمٍ بَعيرٌ.
وهذا يُرْوى عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: فيه حُكومَةٌ، لِما تَقَدَّمَ.
ولَنا، ما رَوَى سعيدٌ، ثنا هُشَيمٌ، أنا يحيى بنُ سعيدٍ،

الحديث: 4325 - الجزء: 26 - الصفحة: 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، أنَّ عمرَو بنَ العاصِ كتبَ إلى عمرَ في أحَدِ الزَّنْدَيْن إذا كُسِرَ، فكتبَ إليه عمرُ: إنَّ فيه بَعِيرَيْنِ، وإذا كسَر الزَّنْدَيْنِ ففِيهما أرْبعةٌ مِن الإِبلِ 643. ورَواه أيضًا من طريقٍ آخرَ مثلَ ذلك.
وهذا لم يظْهَرْ له مُخالِفٌ في الصَّحابةِ، فكان إجْماعًا.
فصل: ولا مُقَدَّرَ في غيرِ هذه العِظامِ، في ظاهرِ قولِ الخِرَقِىِّ.
وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وقال القاضى: في عَظْمِ السَّاقِ بَعِيرانِ، وفى عَظْمِ (3) السَّاقَيْنِ أرْبعةُ أبعِرَةٍ.
وفى الفَخِذِ بَعِيرانِ، وفى الفَخِذَيْنِ أرْبعةُ أبْعِرَةٍ، فهده تِسْعةُ عِظامٍ فيها مُقَدَّرٌ، الضِّلَعُ، والتَّرْقُوَتانِ، والزَّنْدانِ والسَّاقانِ، والفَخِذانِ، وما عَدَاها لا مُقَدَّرَ فيه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ، وأبو الخَطَّابِ، وجماعةٌ مِن أصْحابِ القاضى: في كُلِّ واحدٍ مِن الذِّراعِ والعَضُدِ بَعِيرانِ.
وزادَ أبو الخَطَّابِ عَظْمَ القَدَمِ، لِما روَى سليمانُ بنُ يَسارٍ، أنَّ عمرَ قَضى في الذِّراعِ والعَضُدِ 644 والفَخِذِ والسَّاقِ والزَّنْدِ، إذا كُسرَ واحدٌ منها فجَبَرَ، ولم يكُنْ به دُحورٌ -يعنى عِوَجًا- بعيرٌ 645،

الجزء: 26 - الصفحة: 40

وَمَا عَدَا مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْجُرُوحِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ، مِثْلَ خَرَزَةِ الصُّلْبِ  وإن كان فيها دُحورٌ، فبحِسابِ ذلك.
وهذا الخبرُ إن صَحَّ، فهو مُخالفٌ لِما ذهَبوا إليه، فلا يَصْلُحُ دَليلًا عليه.
قال شيْخُنا (1): والصَّحِيحُ، إنْ شاءَ اللَّهُ، أنَّه لا تَقْديرَ في غيرِ الخَمْسةِ؛ الضِّلَعِ، والتَّرْقوَتيْنِ، والزَّنْدَيْنِ؛ لأَنَّ التَّقْديرَ إنَّما يَثْبُتُ بالتَّوْقيفِ، ومُقْتضى الدَّليلِ وُجوبُ الحُكومةِ في هذه العِظَامِ الباطنةِ كلِّها، وإنَّما خالَفْناه في هذه العِظامِ لقَضاءِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ففيما عدَاها يَبْقَى على مُقْتَضَى الدَّليلِ.

4326 -

مسألة: (وما عدا ما ذَكَرْنا مِن الجُرُوحِ وكَسْرِ

646 الحديث: 4326 - الجزء: 26 - الصفحة: 41

وَالْعُصْعُص، فَفِيه حُكُومَةٌ؛ وَالْحُكُومَةُ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِىُّ عَلَيْهِ كَأنَّهُ عَبْدٌ لَا جِنَايَةَ بِهِ، ثُمَّ يُقَوَّمَ وَهِىَ بِهِ قَدْ بَرَأَتْ، فَمَا نَقَصَ مِنَ الْقِيمَةِ، فَلَهُ مِثْلُهُ مِنَ الدِّيَةِ، فَإِنْ كَانَ قِيمَتُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ عِشْرِينَ، وَقِيمَتُهُ وَبِهِ الْجِنَايَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ، فَفِيهِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ.
العِظامِ، مثلَ خَرَزَةِ الصُّلْبِ 647، والْعُصْعُصِ 648، ففيه الحُكومَةُ) ولا نعلمُ فيها مُخالِفًا، وإن خالفَ فيها أحدٌ، فهو قولٌ شاذٌّ لا يَسْتَنِدُ إلى دَليلٍ يُعْتَمَدُ عليه، ولا يُصارُ إليه.
وخَرَزَةُ الصُّلْبِ إن [أُرِيدَ بها] 649 كَسْرُ الصُّلْبِ 650، ففيه الدِّيَةُ.
وقال القاضى: فيه حُكومةٌ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
وقد ذكَرْناه.

4327 -

مسألة: (والحُكُومَةُ أن يُقَوَّمَ المَجْنِىُّ عليه كأنَّه عبدٌ لَا جِنايةَ به، ثم يُقَوَّمَ وهى به قد بَرَأتْ، فَمَا نقَص، فله مثلُه مِنَ الدِّيَةِ، فإن كان قِيمَتُه وهو صَحِيحٌ عِشْرِين، وَقِيمَتُه وبه الجِنَايَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ، ففيه نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِه)

وهذا الذى ذكَره في تَفْسِيرِ الحُكومةِ قولُ أهلِ

الحديث: 4327 - الجزء: 26 - الصفحة: 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العلمِ، لا نعلمُ بينَهم فيه خِلافًا.
وبه قال الشافعىُّ، والعَنْبَرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى وغيرُهم.
قال ابنُ المُنْذِرِ 651: كلّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ يرَى أنَّ معنى قولِهم: حُكومةٌ.
أن يُقالَ إذا أُصِيبَ الإِنسانُ بجُرْحٍ لا عقْلَ له معلومٌ: كم قيمةُ هذا الجُرْحِ لو كان عَبْدًا لم يُجْرَحْ هذا الجُرْحَ؟ فإذا قِيلَ: مائةَ دينارٍ.
قيلِ: وكم قِيمَتُه وقد أصابَه هذا الجُرْحُ وانتَهى بُرْؤُه؟ قيل: خمسةٌ وتِسعُونَ.
فالذى يجبُ على الجانِى نِص عُشْرِ الدِّيَةِ.
وإن قالوا: تِسْعونَ.
فعُشْرُ الدِّيَةِ.
وإن زادَ أو نقَص، فعلى هذا المِثالِ.
وإنَّما كان كذلك، لأَنَّ جُمْلتَه مَضْمونةٌ بالدِّيَةِ، فأجْزاؤُه مَضْمونَةٌ منها، كما أنَّ المبِيعَ لمَّا كان مضْمُونًا على البائعِ بالثَّمَنِ، كان أَرْشُ عَيْبِه مُقَدَّرًا مِن الثَّمنِ، فيُقالُ: كم قِيمَتُه لا عيبَ فيه؟ فإن قالُوا: عشَرةٌ.
فيقالُ: كم قِيمتُه وفيه العَيْبُ؟ فإذا قيل: تسعةٌ.
عُلِمَ أنَّه نقَص عُشْرُ قِيمَتِه، فيجبُ أن 652 يُرَدَّ مِن الثَّمنِ عُشْرُه، أىَّ [قَدْرٍ كان] 653، ونُقَدِّرَه عَبْدًا ليُمْكِنَ تقْويمُه، ويُجْعَلَ العَبْدُ أصْلًا للحُرِّ فيما لا مُوَقَّتَ فيه، والحرُّ أصْلًا للعَبْدِ فيما فيه تَوْقِيتٌ، في المشْهُورِ مِن المذْهبِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 43

إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْحُكُومَةُ في شَىْءٍ فِيهِ مُقَدَّرٌ، فَلَا يُبْلَغُ بِهِ أَرْشُ الْمُقَدَّرِ، فَإِذَا كَانَتْ في الشِّجَاجِ الَّتِى دُونَ الْمُوضِحَةِ، لَمْ يُبْلَغْ بِهَا أَرْشُ

4328 - مسألة: (إلَّا أن تَكونَ في شئٍ فيه مُقَدَّرٌ، فلا يُبْلَغُ به أَرْشُ المُقَدَّرِ، فإن كانتْ في الشِّجاجِ الَّتى دونَ المُوضِحَةِ، لم يُبْلَغْ بها أَرْشُ المُوضِحَةِ)

فلو جَرَحَهُ في وَجْهِه سِمْحَاقًا، فنَقَصَتْه عُشْرَ قِيمَتِه، فمُقْتَضَى الحُكومَةِ وجُوبُ عَشْر مِن الإِبِلِ، ودِيَةُ المُوضِحَةِ خَمْسٌ، فههُنا يُعْلَمُ غلطُ المُقَوِّمِ؛ لأَنَّ الجِراحةَ لو كانت مُوضِحَةً، لم تَزِدْ على خَمْسٍ، مع أنَّها سِمْحاقٌ وزيادةٌ عليها، فلَأن لا يجبَ في بعضِها زيادةٌ على خَمسٍ أوْلَى.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وبه يقولُ الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّه يجبُ ما تُخْرِجُه الحُكومَةُ، كائنًا ما كانَ؛ لأنَّها جِراحَةٌ لا مُقَدَّرَ فيها، فوجب فيها ما نقَص، كما لو كانت في سائرِ البدَنِ.
ولَنا، أنَّها [بعضُ المُوضِحَةِ] 654، لأنَّه لو أوْضَحَه لقَطَعَ ما قطَعَتْه هذه الجِراحَةُ، ولا يجوزُ أن يجبَ في بعضِ الشئِ أكثرُ ممَّا يجبُ فيه، ولأَنَّ الضَّرَرَ في المُوضِحَةِ أكبرُ 655، والشَّيْنَ أعْظَمُ، والمَحَلَّ واحدٌ، فإذا لم يَزِدْ أَرْشُ المُوضِحَةِ على خَمْسٍ، كان ذلك تَنْبِيهًا على أَنْ لا يَزيدَ ما دُونَها عليها.
وأمَّا سائرُ البدَنِ، فما كان فيه مُوَقَّتٌ،

الحديث: 4328 - الجزء: 26 - الصفحة: 44

الْمُوضِحَةِ، وَإِنْ كَانت فِى إِصْبَعٍ، لَمْ يَبْلُغْ بِهَا دِيَةَ الإِصْبَعِ، وَإِنْ كَانَتْ في أُنْمُلَةٍ، لَمْ يَبْلُغْ بِهَا دِيَتَهَا.
كالأعْضاءِ، والعِظَامِ المعْلُومَةِ، والجائِفَةِ، فلا يُزادُ جُرْحُ عَظْمٍ على دِيَتِه، مثالُه، جَرَحَ أُنْمُلَةً، فبلَغ أَرشُها بالحُكومةِ خَمْسًا مِن الإِبِلِ، فإنَّه يُرَدُّ إلى [دِيَةِ الأُنْمُلَةِ] 656. وإن كان في إصْبَعٍ، فبلَغ ما زادَ على العَشْرِ بالحُكومةِ، رُدَّ إلى العَشْرِ.
وإن جَنَى عليه في جَوْفِه دُون الجائفَةِ، لم يَزِدْ على أَرْشِ الجائفَةِ، وما لم يَكُنْ كذلك، وجبَ ما أخْرَجَتْه الحُكومةُ؛ لأَنَّ المَحَلَّ مُخْتَلِفٌ.
فإن قِيلَ: فقد وجَب في بعضِ البَدَنِ أكثرُ ممَّا وجَب في جَميعِه، وَوجبَ في منافعِ اللِّسانِ أكثرُ مِن الواجبِ فيه.
قُلْنا: إنَّما وجبَتْ دِيَةُ النَّفْسِ دِيَةً عن الرُّوحِ، وليستِ الأطْرافُ بعضَها، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
هذا ذكَره القاضى.
ويَحْتَمِلُ كلامُ الخِرَقِىِّ أن يَختَصَّ امْتِناعُ الزِّيادة بالرَّأْس والوَجْهِ؛ لقولِه: إلَّا أن تكونَ الجِنايةُ في وَجْهٍ أو رَأْسٍ، فلا يُجَاوَزُ به أَرْشُ المُوَقَّتِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 45

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا أَخْرَجَتِ الحُكومةُ في شِجاجِ الرَّأْسِ التى دُونَ المُوضِحَةِ قَدْرَ أَرش المُوضِحَةِ أو زيادةً عليه، فظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه يجبُ أَرْشُ المُوضِحَةِ.
وقال القاضى: يجبُ أن يَنْقُصَ عنها شيئًا على حَسَبِ ما يُؤدِّى إليه الاجْتِهادُ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وهو الذى ذكَرَه شيْخُنا في كتابِ «الكَافِى» 657 و «المُقْنِعِ»؛ لئَلَّا يجبَ في بعْضِها ما يجبُ في جَميعِها.
ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّ مُقْتَضَى الدَّليلِ وُجوبُ ما أخْرَجَتْه الحُكومةُ، وإنَّما سقَطَ الزَّائِدُ على أَرْشِ المُوضِحَةِ؛ لمُخالَفَتِه النَّصَّ [أو تَنْبِيهَ النَّصِّ] 658، ففيما لم يَزِدْ، يَجِبُ البَقاءُ على الأَصْلِ، ولأَنَّ ما ثبَت بالتَّنْبِيهِ، يجوزُ أن يُساوِىَ المَنْصُوصَ عليه في الحُكْمِ، ولا يَلْزَمُ أن يَزِيدَ عليه، أنَّه لمَّا نَصَّ على وُجوبِ [فِدْيَةِ الأذى 659 في حَقِّ المَعْذُورِ، لم يَلْزَمْ زِيادَتُها في حَقِّ مَن لا عُذْرَ له، ولا يَمْتَنِعُ أن يجبَ في البعْضِ ما يجبُ في الكُلِّ، بدليلِ وُجوبِ] 660 دِيَةِ الأصابعِ مثلَ دِيَةِ اليَدِ كلِّها،

الجزء: 26 - الصفحة: 46

وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا تَنْقُصُ شَيْئًا بَعْدَ الِانْدِمَالِ، قُوِّمَتْ حَالَ جَرَيَانِ الدَّمِ،  وفى حَشَفَةِ الذَّكَرِ مثل ما في جَميعِه.
فإن قِيل: هذا وجَب بالتَّقْدِيرِ الشَّرْعِىِّ لا بالتَّقْويمِ.
قُلْنا: إذا ثبَت الحُكْمُ بنَصِّ الشَّارِعِ، لم يَمْتَنِعْ ثُبوتُ مثْلِه بالقِياسِ عليه، والاجتهادِ المُؤَدِّى إليه.
وفى الجملةِ، فالحُكومةُ دليلُ (1) تَرْكِ العملِ بها في الزَّائدِ لمعنًى مَفْقُودٍ (2) في المُساوِى، فيجبُ العملُ فيه (3) بها؛ لعَدَمِ المُعارِضِ ثَمَّ، وإن صَحَّ ما ذكَرُوه، فيَنْبَغِى أن يَنْقُصَ أدْنَى ما تَزولُ به المُساواةُ المَحْذُورةُ (4).، ويجبُ الباقى، عَمَلًا بالدَّليلِ المُوجِبِ له.
فصل: ولا يكونُ التَّقويمُ إلَّا بعدَ بُرْءِ الجُرْحِ؛ لأَنَّ أَرْشَ الجُرْحِ المُقَدَّرَ إنَّما يسْتَقِرُّ بعدَ بُرْئِه.

4329 -

مسألة: (فإت كانتِ)

الجِراحَةُ (مِمَّا لَا تَنْقُصُ شَيْئًا بعدَ الانْدِمالِ) مثلَ أن قطَع إصْبَعًا زائِدَةً أو يَدًا، أو قلَع 665 لِحْيَةَ امْرَأةٍ، فلم661662663664

الحديث: 4329 - الجزء: 26 - الصفحة: 47

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ينْقُصْه ذلك، بل زادَه حُسْنًا، [فلا شئَ على الجانِى؛ لأَنَّ الحُكومَةَ لأجْلِ جَبْرِ النَّقْصِ، ولا نَقْصَ ههُنا، فأَشبَهَ ما لو لطَم وَجْهَه فلم يُؤَثِّرْ، وإن زادتْه الجِنايةُ حُسْنًا] 666، فالجانِى مُحْسِنٌ 667 بجِنايتِه، فلم يَضْمَنْ، كما لو قطَع سِلْعَةً، أو ثُؤْلُولًا 668، أو بَطَّ خُرَاجًا.
ويَحْتَمِلُ أن يَضْمَنَ.
قال القاضى: نَصَّ أحمدُ على هذا، لأَنَّ هذا جُزْءٌ مِن مَضْمُونٍ، فلم يَعْرَ عن ضَمانٍ، كما لو أتْلَفَ مُقَدَّرَ الأَرْشِ فازدادَ به جَمالًا، أو لم يَنْقُصْه شيئًا.
فعلى هذا، يُقَوَّمُ في أقْرَبِ الأحْوالِ إلى البُرْءِ، لأنَّه لمَّا سقَط اعْتِبارُ قِيمَتِه بعدَ بُرْئِه، قُوِّمَ في أقْرَبِ الأحْوال إليه، كولدِ المَغْرُورِ لمَّا تَعَذَّرَ تَقْويمُه في البطنِ، قُوِّمَ عندَ الوَضْعِ، لأَنَّه أقْرَبُ الأحْوالِ التى أمْكَنَ تَقْويمُه إلى

الجزء: 26 - الصفحة: 48

فَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ شَيْئًا بِحَالٍ أَوْ زَادَتْهُ حُسْنًا، فَلا شَىْءَ فِيهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
كَوْنِه في البَطْنَ.

4330 -

مسألة: (فإن لم يَنْقُصْ في تلك الحالِ)

قُوِّمَ حالَ جَرَيانِ الدَّمِ، لأنَّه لا بُدَّ مِن نَقْصٍ للخَوْفِ عليه.
ذكَره القاضى.
ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهان كما ذكَرْنا.
وتُقَوَّمُ لِحْيةُ المرأةِ كأنَّها لحْيَةُ رَجُلٍ في حال يَنْقُصُه ذَهابُ لِحْيَته.
وإنْ أتْلَفَ سِنًّا زائدةً، قُوِّمَ وليست له سِنٌّ زائدةٌ، ولا خَلفَها أصْلِيَّةٌ، ثم يُقَوَّمُ وقد ذهبَتِ الزَّائدةُ.
فإن كانتِ المرأةُ إذا قدَّرْنَاها ابنَ عشرين نَقَصَها ذَهابُ لِحْيَتها يَسِيرًا، وإن قدَّرْناها ابنَ أرْبعينَ نَقَصها كثيرًا، قدَّرْناها ابنَ عشرين؛ لأنَّه أقْرَبُ الأحْوالِ إلى حالِ المَجْنِىِّ عليه،

الحديث: 4330 - الجزء: 26 - الصفحة: 49

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأشْبَهَ تَقْويمَ الجُرحِ الذى لا يَنْقُصُ بعدَ الانْدِمالِ، [فإنَّنا نُقَوِّمُه] 669 في أقْرَبِ أحْوالِ النَّقْصِ إلى حالِ الانْدِمالِ.
والأَوَّلُ أصَحُّ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى، فإنَّ هذا لا مُقَدَّرَ فيه، ولم يَنْقُصْ شيئًا، فأشْبَهَ الضَّرْبَ، وتَضْمِينُ النَّقْصِ الحاصلِ حالَ جَرَيانِ الدَّمِ، إنَّما هو تَضْمِينُ الخَوْفِ عليه، وقد زالَ، فأَشْبَهَ ما لو لَطَمَه فاصْفَرَّ وَجْهُه [حالةَ اللَّطْمَةِ] 670 أو احْمَرَّ، ثم زالَ.
وتَقْديرُ المرأةِ رَجُلًا لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ اللِّحْيَةَ زَيْنٌ للرَّجُلِ، وعَيْبٌ في المرأةِ، وتقْديرُ ما يَعيبُ بما يَزِينُ لا يَصِحُّ.
وكذلك تَقْديرُ السِّنِّ في حالةٍ يُرادُ زَوالُها بحالةٍ تُكْرَهُ، لا يجوزُ؛ فإنَّ الشئَ يُقَدَّرُ بنَظيرِه، ويُقاسُ على مِثْلِه، لا على ضِدِّه، ومن قال بهذا الوَجْهِ، فإنَّما يُوجِبُ أدْنَى ما يُمْكِنُ إيجابُه 671، وهو أقَلُّ نَقْصٍ يُمْكنُ تَقْديرُه.
فصل: فإن لطَمَه على وَجْهِه فلم يُؤَثِّرْ في وَجْهِه، فلا ضَمانَ؛ لأنَّه لم يَنْقُصْ به جمالٌ ولا مَنفَعَةٌ، ولم يكنْ له حالٌ يَنْقُصُ فيها، فلما يَضْمَنْه، كما لو شَتَمَه.

الجزء: 26 - الصفحة: 50

بَابُ الْعَاقِلَةِ وَمَا تَحْمِلُهُ

عَاقِلَةُ الإِنْسَانِ عَصَبَاتُهُ كُلّهُمْ؛ قَرِيبُهُمْ وَبَعِيدُهُمْ مِنَ النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ، إِلَّا عَمُودَىْ نَسَبِهِ، آبَاؤُهُ وَأبنَاؤُهُ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُمْ مِنَ الْعَاقِلَةِ أَيْضًا.
بابُ العاقِلَةِ وما تحْمِلُه (عاقِلَةُ الإِنْسانِ عَصَباتُه كلُّهم، قَريبُهم وبعيدُهم مِن النَّسَبِ والوَلاءِ، إلَّا عَمُودَىْ نَسَبِه، آباؤُه وأبْناؤُه.
وعنه، أنَّهم مِن العاقِلَةِ أيضًا) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمه اللَّهُ، في العاقلةِ، فرُوِىَ عنه أنَّهم جَمِيعُ العَصَباتِ مِن النَّسَبِ والوَلاءِ، يَدْخُلُ فيهم الآباءُ، والأبْناءُ، والإِخْوةُ، وسائِرُ

الجزء: 26 - الصفحة: 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العَصَباتِ مِن العُمُومةِ وأبْنائِهم.
اخْتارَه أبو بكرٍ، والشَّريفُ أبو جعفرٍ.
وهو مذهبُ مالكٍ وأبى حنيفة؛ لِما روَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: قَضَى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّ عَقْلَ المرأةِ بينَ عَصَبَتِها مَن كانوا لا يَرِثُون منها شيئًا إلَّا ما فضَلَ عن وَرَثَتِها، [وإن قُتِلَتْ فعَقْلُها بينَ ورَثَتِها] 672. رَواه أبو داودَ 673. ولأنَّهم عَصَبةٌ، فأشْبَهُوا سائِرَ العَصَباتِ، يُحَقِّقُه أنَّ العَقْل موضوعٌ على التَّناصُرِ، وهم مِن أهْلِه، ولأَنَّ العَصَبةَ في تَحَمُّلِ العَقْلِ كهم في المِيراثِ، في تقْديمِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، وآباؤُه وأبناؤُه أحَقُّ العَصَباتِ بمِيراثِه، فكانوا أوْلَى بتَحَمُّلِ عَقْلِه.
وفيه رِوايةٌ ثانيةٌ، أنَّ الآباءَ والأبْناءَ ليسوا مِن العاقلةِ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لِمَا روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: اقْتَتَلَتِ امْرأتانِ من هُذَيْلٍ، فرَمَتْ إحْداهما الأُخْرَى بحَجَرٍ، فقَتَلَتْها، فاختَصَمُوا إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها، ووَرَّثَها ولَدَها [ومَنْ] (1) معهم.
مُتَّفَقٌ عليه 674.

الجزء: 26 - الصفحة: 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وفى روايةٍ: ثم ماتَتِ القاتِلَةُ، فجعلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِيراثَها لبَنِيها، والعَقْلَ على العَصَبةِ 675. وفى رِوايةٍ عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: فجعلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- دِيَةَ المَقْتُولَةِ على عاقِلَتِها، وبَرَّأَ زَوْجَها ووَلَدَها.
قال: فقالت عاقلةُ المَقْتُولَةِ: مِيراثُها لنا.
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مِيراثُهَا لِزَوْجِهَا ووَلَدِهَا».
رواه أبو داودَ 676. إذا ثبَتَ هذا في الأوْلادِ، قِسْنا عليه الوالدَ، لأنَّه في معْناه، ولأَنَّ مالَ ولَدِه ووَالِدِه كمالِه، ولهذا لم تُقْبَلْ شَهادَتُهِم له، ولا شَهادَتُه لهما 677، ووجَبَ على كلِّ واحدٍ منهما الإِنْفاقُ على الآخَرِ إذا كان مُحْتاجًا والآخَرُ مُوسِرًا، فلا يجبُ في مالِه دِيَةٌ، كما لم تَجِبْ في مالِ القاتلِ.
وفيه رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّ الإِخْوَةَ ليسوا مِن العاقلةِ، كالوالدِ والوَلَدِ.
وهى ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، وغيرُه مِن أصْحابِنا يَجْعَلُونهم مِن العاقلةِ بكلِّ حالٍ، ولا نعلمُ عن غيرِهم خِلافَهم.

الجزء: 26 - الصفحة: 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان الوَلَدُ ابنَ ابنِ عَمٍّ، أو كان الوالِدُ أو الوَلَدُ مَوْلًى أو عَصَبةَ مَوْلًى، فإنَّه يَعْقِلُ في ظاهرِ كلام أحمدَ.
قاله القاضى.
وقال أصْحابُ الشَّافعىِّ: لا يَعْقِلُ؛ لأنَّه والِدٌ ووَلَدٌ، فلم يَعْقِلْ، كما لو لم يَكُنْ كذلك.
ولَنا، أنَّه ابنُ ابنِ عَمٍّ، أو مَوْلًى، فيَعْقِلُ، كما لو لم يكُنْ وَلَدًا؛ وذلك لأَنَّ هذه القَرابَةَ أو الوَلاءَ سَبَبٌ يَسْتَقِلُّ بالحُكْمِ مُنْفَرِدًا، فإذا وُجِدَ مع ما لا يُثْبِتُ الحُكْمَ أثْبَتَه، كما لو وُجِدَ مع الرَّحِمِ المُجَرَّدِ 678، ولأنَّه يَثْبُتُ حُكْمُه في 679 القَرابةِ الأُخْرَى، بدليلِ أنَّه يَلى نِكاحَها، مع أنَّ الابنَ لا (2) يَلى النِّكاحَ عندَهم.
فصل: وسائرُ العَصَباتِ مِن العاقلةِ، بَعُدوا أو قَرُبوا مِن النَّسَبِ، والمَوْلَى وعَصَبَتُه.
وبهذا قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والنَّخَعِىّ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ.
ولا أعلمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ وذلك لأنَّهم عَصَبةٌ يَرِثُونَ المالَ إذا لم يَكُنْ وَارِثٌ أقْرَب منهم، فيَدْخُلونَ في العَقْلِ، كالقَريبِ، ولا يُعْتَبَرُ أن يكونوا وارِثِين في الحالِ، بل متى كانوا يَرِثُونَ لولا الحَجْبُ عَقَلُوا؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى بالدِّيَةِ بينَ عَصَبةِ المرأةِ، مَن كانوا لا يَرِثُون منها إلا ما فَضَلَ عن وَرَثَتِها.
ولأَنَّ المَوالِىَ مِن العَصَباتِ، فأشْبَهوا المُناسِبينَ.

الجزء: 26 - الصفحة: 54

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: العاقِلَةُ مَن تَحْمِلُ العَقْلَ.
والعَقْلُ: الدِّيَةُ.
سُمِّيَتْ عَقْلًا 680؛ لأنَّها تَعْقِلُ لِسانَ وَلِىِّ المَقْتُولِ.
وقيل: إنَّما سُمِّيَتِ العاقلةَ؛ لأنَّهم يَمْنَعُونَ عن القاتلِ، والعَقْلُ المَنْعُ، ولهذا سُمِّىَ بعضُ العُلُومِ عَقْلًا؛ لأنَّه يَمْنَعُ من الإِقْدامِ مِن المَضارِّ.
ولا خِلافَ بين أهلِ العلمِ في أنَّ العاقِلَةَ العَصَباتُ، وأنَّ غَيْرَهم مِن الإِخْوَةِ مِن الأُمِّ، وسائر ذَوِى الأرْحامِ، والزَّوْجِ، وكلِّ من عدَا العَصباتِ، ليسوا مِن العاقلةِ.
ولا يَعْقِلُ المَوْلَى من أسْفَلَ.
وبه قال أبو حنيفةَ، وأصْحابُ مالكٍ.
وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: يَعْقِل؛ لأنَّهما شَخْصان يَعْقِل أحَدُهما صاحِبَه، فيَعْقِلُ الآخَرُ عنه، كالأخَوَين 681. ولَنا، أنَّه ليس بعَصَبةٍ له، ولا وَارِثٍ، فلها يَعْقِلْ عنه 682، كالأجْنَبِىِّ، وما ذكَرُوه يَبْطُل بالذَّكَرِ مع الأُنْثَى، والصَّغيرِ مع الكبيرِ، والعاقلِ مع المَجْنُونِ.
فصل: ولا يَعْقِل مَوْلى المُوالاةِ، وهو الذى يُوالى رَجُلًا يَجْعَلُ له

الجزء: 26 - الصفحة: 55

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَلاءَه ونُصْرَتَه، ولا الحَليفُ، وهو الرجلُ يُحالِفُ آخَرَ على أن يَتَناصَرا على دَفْعِ الظُّلْمِ، وَيَتَضافَرا على مَن قَصَدَهُما أو قَصَدَ أحَدَهُما، ولا العَدِيدُ، وهو الذى لا عَشِيرةَ له، يَنْضَمُّ إلى العَشيرَةِ، فيَعُدُّ نَفْسَه منهم.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَعْقِلُ مَوْلَى المُوالاةِ ويَرِثُ.
وقال مالكٌ: إذا كان الرجلُ في غيرِ عَشِيرَتِه، فعَقْلُه على القَوْمِ الذين هو معهم.
ولَنا، أنَّه مَعْنًى يتَعَلَّقُ بالتَّعْصِيبِ، فلا يُسْتَحَقُّ بذلك، كوِلايةِ النِّكاحِ.
فصل: ولا مَدْخَلَ لأهْلِ الدِّيوانِ في المُعاقَلَةِ 683. وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يتَحَمَّلُونَ جَمِيعَ الدِّيَةِ، فإن عُدِمُوا، فالأقارِبُ حِينئِذٍ يَعْقِلُونَ؛ لأَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، جَعَلَ الدِّيَةَ على أهلِ 684 الدِّيوانِ في الأَعْطِيَةِ إلى ثلاثِ سِنِينَ 685. ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-

الجزء: 26 - الصفحة: 56

وَلَيْسَ عَلَى فَقِيرٍ، وَلَا صَبِىٍّ، وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ، وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَا خُنْثَى مُشْكِلٍ، وَلَا رَقِيقٍ، وَلَا مُخَالفٍ لِدِينِ الْجَانِى، حَمْلُ شَىْءٍ.
وَعَنْهُ، أَنَّ الْفَقِيرَ يَحْمِلُ مِنَ الْعَقْلِ.
قَضَى بالدِّيَةِ على عَصَبةِ القاتلةِ.
ولأنَّه مَعْنًى لا يُسْتَحَقُّ به المِيراثُ، فلم يُحْمَلْ به العَقْلُ، كالجوارِ واتِّفاقِ المَذاهبِ، وقَضاءُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَوْلَى مِن قَضَاءِ عمرَ، على أَنَّه إن صَحَّ ما ذُكِرَ عنه، فيَحْتَمِلُ أنَّهم كانوا عَشِيرةَ القاتلِ.

4331 - مسألة: (وليس على فَقِيرٍ، ولا صَبِىٍّ، ولا زائِلِ العَقْلِ، ولا امْرأةٍ، ولَا خُنْثَى مُشْكِلٍ، ولا رَقِيقٍ، ولا مُخالِفٍ لدِين الجانِى، حَمْلُ شَىْء) مِن الدِّيَةِ (وعنه، أنَّ الفَقِيرَ يَحْمِلُ مِن العَقْلِ) أكثرُ أَهْلِ العلمِ على أنَّه لا مَدْخَلَ لأحدٍ مِن هؤلاء في تَحَمُّلِ العَقْلِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 686: أجْمَع كلُّ من نَحْفَظُ عنه مِن أَهلِ العلمِ، على أنَّ المرأةَ، والصَّبِىَّ الذى [لم يَبْلُغْ] 687، لا يَعْقِلانِ مع العاقلةِ، وأجْمَعُوا على أنَّ الفَقِيرَ لا يَلْزَمُه شئٌ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى.

الحديث: 4331 - الجزء: 26 - الصفحة: 57

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وحَكَى بعضُ أصْحابِنا عن مالكٍ وأبى حنيفةَ، أنَّ للفقيرِ مَدْخَلًا في التَّحَمُّلِ.
وعن أحمدَ مثلُ ذلك.
وحكاها أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه مِن أهلِ النُّصْرَةِ، فكان مِن العاقلةِ كالغَنِىِّ.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ تَحَمُّلَ العَقْلِ مُواساةٌ، فلا تَلْزَمُ الفقيرَ كالزَّكاةِ، ولأنَّها وجَبَتْ على العاقلةِ تَخْفِيفًا على القاتلِ، فلا يجوزُ التَّثقِيلُ بها على مَن لا جِنايةَ منه، وفى إيجابِها على الفقيرِ تَثْقِيلٌ عليه، وتَكْلِيفٌ له ما لا يَقْدِرُ عليه، ولأنَّنا أجْمَعْنا على أنَّه لا يُكَلَّفُ أحَدٌ مِن العاقلةِ ما يَثْقُلُ عليه، ويُجْحِفُ به، وتَحْمِيلُ الفَقِيرِ شيئًا منها يَثْقُلُ 688 عليه، ويُجْحِفُ بمالِه، وربَّما كان الواجبُ عليه جَمِيعَ مالِه، أو أكثرَ منه، أو لا يكونُ له شئٌ أصْلًا.
وأمَّا الصَّبِىُّ والمجنونُ والمرأةُ، فلا يَحْمِلُونَ منها؛ لأَنَّ فيها مَعْنَى التَّناصُرِ، وليس هم مِن أَهْلِ النُّصْرَةِ.
وكذلك المُخالِف في الدِّينِ، ليس هو مِن أَهْلِ النُّصْرَةِ أيضًا.

الجزء: 26 - الصفحة: 58

وَيَحْمِلُ الْغَائِبُ كَمَا يَحْمِلُ الْحَاضِرُ.

4332 - مسألة: (ويَحْمِلُ الغائِبُ كما يَحْمِلُ الحاضِرُ)

وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال مالكٌ: يخْتَصُّ به الحاضِرُ؛ لأَنَّ التَّحَمُّلِ بالنُّصْرَةِ، وإنَّما هى مِن الحاضِرِينَ، ولأَنَّ في قَسْمِه على الجَميعِ مَشَقَّةً.
وعن الشَّافعىِّ كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا، الخَبَرُ، [وأَنَّهم] 689 اسْتَووا في التَّعْصِيبِ والإِرْثِ، فاسْتَوَوْا في تَحَمُّلِ العَقْلِ، كالحاضِرِينَ، ولأنَّه مَعْنًى يتَعَلَّقُ بالتَّعْصِيبِ، فاسْتَوَى فيه الحاضِرُ والغائِبُ، كالمِيراثِ والولَايةِ.
فصل: ويَعْقِلُ المريضُ إذا لم يَبْلُغْ حَدَّ الزَّمانةِ، والشَّيْخُ إذا لم يَبْلُغْ حَدَّ الهَرَمِ؛ لأنَّهما مِن أهلِ النُّصْرَةِ والمُواساةِ.
وفى الزَّمِنِ والشَّيْخِ الفانِى وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَعْقِلَانِ؛ لأنَّهما ليسا مِن أَهْلِ النُّصْرَةِ، ولهذا لا يجبُ عليهما الجِهادُ، ولا يُقْتَلانِ إذا كانا مِن أَهْلِ الحَرْبِ.
وكذلك يُخَرَّجُ في الأعْمَى، لأنَّه مِثْلُهما في هذا المَعْنَى.
والثانى، يَعْقِلُونَ؛ لأنَّهم مِن أهلِ المُواساةِ، ولهذا تجبُ عليهم الزَّكاةُ.
وهذا مُنْتَقِضٌ بالصَّبِىِّ والمَجْنُونِ.
ومذهبُ الشافعىِّ [في هذا] 690 كمَذْهَبِنَا.

الحديث: 4332 - الجزء: 26 - الصفحة: 59

وَخَطَأُ الإِمَامِ وَالْحَاكِمِ في أَحكَامِهِ في بَيْتِ الْمَالِ.
وَعَنْهُ، عَلَى عَاقِلَتِهِ.

4333 - مسألة: (وخَطأُ الإمام والحاكِمِ في أحْكامِه في بَيْتِ المَالِ. وعنه، على عاقِلَتِه)

لأَنَّ خَطَأَه يَكثُرُ في أحْكامِه، فإيجابُ ما يجبُ به 691 على عاقِلَتِه يُجْحِفُ بهم.
وبه قال الأوزَاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وإسْحاقُ، لأَنَّ الإِمامَ والحاكم نائِبٌ عن اللَّهِ تعالى في أحْكامِه وأفْعالِه، فكان أَرْشُ جِنايَتِه في مال اللَّهِ سبحانَه.
وللشافعىِّ قَوْلان كالرِّوايتَيْن.
وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه يجبُ على عاقِلَتِه؛ لما رُوِى أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، بَعَثَ إلى امرأةٍ مُغِيبَةٍ، كان يُدْخَل عليها، فقالت: يا وَيْلَها، مالها ولعمرَ.
فأسْقَطَتْ ولدًا، فصاح الصَّبِىُّ صَيْحَتَيْن ثم مات،

الحديث: 4333 - الجزء: 26 - الصفحة: 60

وَهَلْ يَتَعَاقَلُ أَهْلُ الذِّمَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فاسْتَشارَ عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أصْحابَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأشارَ بعضُهم أن ليس عليك شئٌ، إنَّما أنت والٍ ومُؤَدِّبٌ.
فقال علىٌّ: إن كانوا قالوا (1) برأْيِهم، فقد أخْطَأَ (2) رأْيُهم، وإن كانوا في هَواكَ، فلم يَنْصَحُوا لك، إنَّ دِيَتَه عليك؛ لأنَّك أفْزَعْتَها فألْقَتْه.
فقال عمرُ: أقْسَمْتُ عليك أن لا تَبْرَحَ حتى تَقْسِمَها على قَوْمِكَ (3).

4334 -

مسألة: (وهل يَتَعاقَلُ أهْلُ الذِّمَّةِ؟ على رِوايَتَيْن)

إحْداهما، يَتَعاقَلون، قِياسًا على المسلمِين؛ لأَنَّ قَرابَتَهم تَقْتَضِى التَّوْرِيثَ، فاقْتَضتِ التَّعاقُل 695، كالمُسلِمِين، ولأَنَّ دِياتِهم دِياتُ أحْرارٍ معْصُومِينَ، فأشْبَهَتْ دِياتِ المُسْلِمين.
والثانيةُ، لا يتَعاقَلُون؛ لأَنَّ حَمْلَ العاقِلَةِ ثَبَتَ على خِلافِ الأَصْلِ لحُرْمَةِ قَرابةِ المُسْلِمِين، فلا يُقاسُ عليهم غيرُهم؛ لأنَّهم لا يُساوُونَهم في الحُرْمَةِ.692693694

الحديث: 4334 - الجزء: 26 - الصفحة: 61

وَلَا يَعْقِلُ ذِمِّىٌّ عَنْ حَرْبِىٍّ، وَلَا حَرْبِىٌّ عَنْ ذِمِّىٍّ.

4335 - مسألة: (ولا يَعْقِلُ حَرْبِىٌّ عن ذمِّىٍّ، ولَا ذمِّىٌّ عن حَرْبِىٍّ)

لأنَّه لا يَرِثُ بعضُهم مِن بعضٍ، فلا يَعْقِلُ بَعضُهم عن بَعضٍ، كغيرِ العَصباتِ.
وفى الميراثِ احْتِمالٌ أنَّهما يتَوارثان، فيُخَرَّجُ في التَّعاقُل مثلُ ذلك.
ولا يَعْقِلُ يَهُودِىٌّ عن نَصْرانِىٍّ، ولا نَصْرَانِىٌّ عن يَهُوىٍّ؛ لأنَّه لا مُوالَاةَ بينَهم.
[وهم أهْلُ مِلَّتَيْن مُخْتَلِفَتَيْن] 696. ويَحْتَمِلُ أن يَتَعاقَلا، بِناءً على الرِّوايتَيْن في توارُثِهما.
فإن تَهَوَّدَ نَصْرانِىٌّ، أو تَنَصَّرَ يَهُودِىٌّ، وقُلْنا: إنَّه يُقَرُّ.
عَقَلَ عنه عَصَبَتُه مِن أهلِ الدِّينِ الذى انْتَقَلَ إليه.
وهل يَعْقِلُ عنه الذين انْتَقَلَ عن دِينهِم؟ على وَجْهَيْنِ.
وإن قُلْنا: لا يُقَرُّ.
لم يَعْقِلْ عنه أحَدٌ؛ لأنَّه كالمُرْتَدِّ، والمُرْتَدُّ لا يَعْقِلُ عنه أحَدٌ؛

الحديث: 4335 - الجزء: 26 - الصفحة: 62

وَمَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ، أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ تَحْمِلُ الْجَمِيعَ، فَالدِّيَةُ أَوْ بَاقِيهَا كَلَيْهِ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَخذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
لأنَّه ليس بمُسْلِمٍ فيَعْقِلَ عنه المسلمون، ولا ذِمِّىٍّ فيَعْقِلَ عنه أهلُ الذِّمَّةِ، فتكون جِنايَتُه في مالِه.
وكذلك كلُّ مَن لا تَحْمِلُ عاقِلَتُه جِنايَتَه، يكونُ مُوجَبُها في مالِه، كسائرِ الجِناياتِ التى لا (1) تَحْمِلُها العاقِلَةُ.

4336 -

مسألة: (ومَن لا عاقِلَةَ له، أو لم تَكُنْ له عاقِلَةٌ تَحْمِلُ الجَمِيعَ، فالدِّيَةُ أو باقِيها عليه إن كان ذِمِّيًّا)

لأَنَّ بيتَ المالِ لا يَعْقِلُ عنه (وإن كان مُسْلِمًا) ففيه رِوايَتان؛ إحداهما، يُؤَدَّى عنه مِن بَيْتِ المالِ.
وهو مذهَبُ الزُّهْرِىِّ، والشافعىِّ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَدَى الأنْصارِىَّ الذى قُتِلَ بخَيْبَرَ مِن بيتِ المالِ 698. ورُوِىَ أنَّ رَجُلًا قُتِلَ في زِحام في زَمَنِ عمرَ، فلم يُعْرَفْ قاتِلُه، فقال علىٌّ لعمرَ: يا أميرَ المؤمنين، لا يُطَلُّ 699 دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ.
فأدَّى دِيَتَه مِن بَيْتِ المالِ 700. ولأَنَّ المُسْلمين يَرِثُونَ مَن لا وارِثَ له، فيَعقِلُونَ عنه عندَ عَدَمِ عاقِلَتِه، كعَصَباتِه ومَوالِيه.
والثانيةُ، لا يجبُ ذلك؛ لأَنَّ بَيْتَ المالِ فيه حَقٌّ للنِّساءِ والصِّبْيانِ والمَجانِين697

الحديث: 4336 - الجزء: 26 - الصفحة: 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والفُقَراءِ ومَن لا عَقْلَ عليه، فلا يَجُوز 701 صَرْفُه فيما لا يجبُ عليهم، ولأَنَّ العَقْلَ على العَصَباتِ، وليس بيتُ المالِ عَصبةً، ولا هو كعَصَبَةٍ، هذا فأمَّا قَتِيلُ الأنْصارِ، فغيرُ لازِم، لأَنَّ ذلك [قَتِيلُ اليَهُودِ] 702، وبَيْتُ المالِ لا يَعْقِلُ عن الكُفَّارِ بحالٍ، وإنَّما النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تَفَضَّلَ بذلك عليهم.
وقولُهم: إنَّهم يَرِثُونه.
قُلْنا: ليس صَرْفُه إلى بَيْتِ المالِ مِيراثًا، بل هو 703 فَىْءٌ، ولهذا يُؤْخَذُ مالُ مَن لا وارِثَ له مِن أَهْلِ الذِّمَّةِ إلى بَيْتِ المالِ، ولا يَرِثُه المسلمون، ثم إنَّ العَقْلَ لا يجبُ على الوارِثِ إذا لم يَكُنْ عَصبَةٌ، ويجبُ على 704 العَصَبةِ وإن لم يَكُنْ وارِثًا.
فعلى الرِّوايةِ الأُولَى، إذا لم يَكُنْ له عاقلةٌ، أُديتِ الدِّيَةُ كلُّها عنه مِن بيتِ المالِ، وإن كان له عاقلةٌ لا تَحْمِلُ الجَميعَ، أُخِذَ الباقى مِن بَيْتِ المالِ.
وهل يُؤدَّى مِن بيتِ المالِ دَفْعَةً واحدةً، أو [في ثلاثِ سِنِينَ؟ على وَجْهَيْن، أحَدُهما] 705، في ثلاثِ سِنِينَ، كما

الجزء: 26 - الصفحة: 64

فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ، فَلَا شَىْءَ عَلَى الْقَاتِلِ.
يُؤْخَذُ مِن العاقلةِ.
والثانى، يُؤدَّى دَفْعَةً وِاحدة.
وهو الصَّحِيحُ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أدَّى دِيَةَ الأنْصارِىِّ دَفْعَةً واحدةَ، وكذلك عمرُ، ولأَنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ مُتْلَفٍ لا تُؤدِّيه العاقلةُ، فيَجبُ كلُّه في الحالِ، كسائرِ أبْدالِ المُتْلَفاتِ، وإنَّما أُجِّلَ على العاقلةِ تَخْفِيفًا عنهما، ولا حاجَةَ إلى ذلك في بيتِ المالِ، ولهذا يُؤدِّى الجَمِيعَ.
فصل: (فإن لم يُمْكنِ) الأخذُ من بيتِ المال (فليس على القاتل شئٌ) وهذا أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ ولأَنَّ الدِّيَةَ لَزِمَتِ العاقلةَ ابْتِداءً، بدليلِ أنَّها لا يُطالَبُ بها غيرُهم، ولا يُعْتَبَرُ تَحَمُّلُهم ولا رِضَاهما بها 706، ولا تَجِبُ على غيرِ مَن وجَبَتْ عليه، كما لو عُدِمَ القاتِل، فإنَّ الدِّيَةَ لا تَجِبُ على أحَدٍ،

الجزء: 26 - الصفحة: 65

وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ في مَالِ الْقَاتِلِ.
وَهُوَ أَوْلَى، كَمَا قَالُوا في  كذا ههُنا.
فعلى هذا، إن وُجِدَ بعضُ العاقلةِ، حُمِّلُوا بقِسْطِهم، وسَقَطَ الباقى، فلا يَجِبُ على أحدٍ.
قال شيْخُنا: (ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ في مالِ القاتلِ) إذا تَعَذَّرَ حَمْلُها عنه.
وهذا القولُ الثانى للشافعىِّ؛ لعُمومِ قولِه تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ 707. ولأَنَّ قَضِيَّةَ الدليلِ وُجُوبُها على الجانِى 708 جَبْرًا للمَحَلِّ الذى فَوَّتَه، وإنَّما سَقَط عن القاتلِ؛ لقِيامِ العاقلةِ مَقامَه في جَبْرِ المَحَلِّ، فإذا لم يُوجَدْ ذلك، بَقِىَ واجِبًا عليه بمُقْتَضَى

الجزء: 26 - الصفحة: 66

الْمُرْتَدِّ: يجبُ أَرْشُ خَطَئِهِ في مَالِهِ.
وَلَوْ رَمَى وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَلَمْ  الدَّليلِ، ولأَنَّ الأمْرَ دائرٌ بينَ أن يُطَلَّ 709 دَمُ المَقْتُولِ وبينَ إيجابِ دِيَتِه على المُتْلِفِ، لا يجوزُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ فيه مُخالَفَةَ الكتابِ والسُّنَّة وقِياسِ أُصُولِ الشَّريعةِ، فتَعَيَّنَ الثانى، ولأَنَّ إهْدارَ الدَّمِ المَضْمُونِ لا نظِيرَ له، وإيجابُ الدِّيَةِ على قاتلِ الخَطَأ له نَظائِرُ، وقد قالُوا في المُرْتَدِّ: تَجِبُ الدِّيَة في مالِه لَمَّا لم يَكُنْ له 710 عاقلةٌ، والذِّمِّىُّ الذى لا عاقِلَةَ له، تَلْزَمُه الدِّيَةُ، ومَن رَمَى سَهْمًا ثم أسْلَم، أو كان مُسْلِمًا فارْتَدَّ، أو كان عليه الوَلاءُ لمَوالِى

الجزء: 26 - الصفحة: 67

يُصِبِ السَّهْمُ حَتَّى ارْتَدَّ، كَانَ عَلَيْهِ في مَالِهِ.
ولَوْ رَمَى الْكَافِرُ سَهْمًا ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ قَتَلَ السَّهْمُ إِنْسَانًا، فَدِيَتُهُ في مَالِهِ، وَلَوْ جَنَى ابْنُ الْمُعْتَقَةِ ثُمَّ انْجَرَّ وَلَاؤُهُ ثُمَّ سَرَتْ جِنَايَتُهُ، فَأرْشُ الْجِنَايَةِ في مَالِهِ؛ لِتَعَذُّرِ حَمْلِ الْعَاقِلَةِ.
فَكَذا هَذَا.
أُمِّه فانْجَرَّ إلى مَوالِى أبيه، ثم أصابَ سهمُه إنْسانًا، فنقولُ: قَتِيلٌ 711 في دارِ 712 الإِسْلامِ مَعْصَومٌ، تَعَذَّرَ حَمْلُ عاقِلَتِه عَقْلَه، [فوجب على قاتِلِه، كهذه الصُّوَرِ] 713. وهذا أوْلَى مِن إهْدارِ دِماءِ الأحْرارِ في أغْلَبِ الأحْوالِ، فإنَّه لا يَكادُ يُوجَدُ عاقلةٌ تَحْمِلُ الدِّيَةَ كلَّها، ولا سبِيلَ إلى الأخْذِ مِن بيتِ المالِ، فتَضيعُ الدِّماءُ، وتَفُوتُ حِكْمَةُ إيجابِ الدِّيَةِ.
قولُهم: إنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ على العاقلةِ 714 ابْتِداءً.
مَمْنُوعٌ، وإنَّما تجبُ على القاتِلِ، ثم تَتَحَمَّلُها العاقلةُ عنه 715، وإن سَلَّمْنا وُجُوبَها عليهم ابْتِداءً، لكنْ مع

الجزء: 26 - الصفحة: 68

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وُجُودِهم، أمَّا مع عَدَمِهم، فلا يُمْكِنُ القَوْلُ بوُجُوبِها عليهم.
ثم ما ذكَرُوه مَنْقُوضٌ بما أبدَيْنَاه 716 مِن الصُّوَرِ.
فعلى هذا، تَجِبُ الدِّيَةُ على القاتلِ إن تَعَذَّرَ حَمْلُ جَمِيعِها، أو باقِيها إن حَمَلَتِ العاقلةُ بعضَها.
واللَّهُ أعلمُ.
فصل: ولو رَمَى ذِمِّىٌّ 717 صَيْدًا، ثم أسْلَمَ، ثم أصابَ السَّهْمُ آدَمِيًّا 718 فقَتَلَه، لمِ يَعْقِلْه المسلمون؛ لأنَّه لم يَكُنْ مُسْلِمًا حالَ رَمْيِه، ولا المُعاهِدُون، لأنَّه قَتَلَ مُسْلِمًا، فتكونُ الدِّيَةُ في مالِ الجانِى.
وهكذا لو رَمَى وهو مُسْلِمٌ، ثم ارْتَدَّ، ثم قَتَلَ السَّهْمُ إنْسانًا، لم يَعْقِلْه أحدٌ.
ولو جَرَحَ ذِمىٌّ ذِمِّيًّا، ثم أسْلَم الجارِحُ، ومات المجروحُ، وكان أَرْشُ جِراحِه يَزِيدُ على الثُّلُثِ، فعَقْلُه على عَصَبَتِه مِن أهلِ الذِّمَّةِ، وما زادَ على أَرْشِ الجُرْحِ لا يَحْمِلُه أحدٌ، ويكونُ في مالِ الجانِى؛ لِمَا ذكَرْنا.
فإن لم يَكُنْ أَرْشُ الجُرْحِ ممَّا تَحْمِلُه العاقلةُ، فجميعُ الدِّيَةِ على الجانِى.
وكذلك الحُكمُ إذا جَرَح مُسْلِمٌ ثم ارْتَدَّ.
ويَحْتَمِلُ أن تَحْمِلَ العاقلةُ الدِّيَةَ كلَّها في المَسْألتَيْن؛ لأَنَّ الجِنايةَ وُجِدَتْ وهو ممَّن تَحْمِلُ العاقلةُ جِنايَتَه، ولهذا وجَب القِصاصُ في المَسْألَةِ الأُولَى إذا قَتَلَه عَمْدًا.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَحْمِلَ

الجزء: 26 - الصفحة: 69

فَصْلٌ: وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا صُلْحًا، وَلَا اعْتِرَافًا، وَلَا مَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ في مَالِ الْجَانِى  العاقلةُ شيئًا؛ لأَنَّ الأَرْشَ إنَّما يسْتَقِرُّ بانْدِمالِ الجُرْحِ وسِرايَتِه.

فصل

: إذا تزَوَّجَ عَبْدٌ مُعْتَقَةً، فأوْلَدَها أوْلادًا، فوَلاؤُهم لمَوْلَى أُمِّهِم (1)، فإن جَنَى أحَدُهم، فالعَقلُ على مَوْلَى أُمِّه، لأنَّه عَصَبَتُه ووارِثُه، فإن عَتَق أبُوه، ثم سَرَتِ الجِنايةُ، أو رَمَى بسَهْمٍ فلم يَقَحِ السَّهْمُ حتى عَتَق أبُوه، لم يَحْمِلْ عَقْلَه أحَدٌ، لأَنَّ مَوالِى الأُمِّ قد زالَ وَلاؤُهم عنه قبلَ قَتْلِه، ومَوالِىَ الأدب لم يَكُنْ لهم عليه وَلاءٌ حالَ جِنايَتِه، فتكونُ الدِّيَةُ عليه في مالِه، إلَّا أن يكونَ أَرْش الجُرْحِ ممَّا تَحْمِلُه العاقلةُ مُنْفَرِدًا، فيُخَرَّجُ فيه مِثْلُ ما قُلْناه في المسألةِ التى قبلَها.
4337 -

مسألة: (ولَا تَحْمِلُ العاقِلَةُ عَمْدًا، ولا عَبْدًا، ولا صُلْحًا، ولا اعْتِرافًا، ولَا مَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ، ويَكُونُ ذلك في مالِ

719 الحديث: 4337 - الجزء: 26 - الصفحة: 70

حَالًّا، إِلَّا غُرَّةَ الْجَنِينِ إِذَا مَاتَ مَعَ أُمِّهِ، فَإِنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهَا مَعَ دِيَةِ أُمِّهِ، وَإِنْ مَاتَا مُنْفَرِدَيْنِ، لَمْ تَحْمِلْهَا الْعَاقِلَةُ؛ لِنَقْصِهَا عَنِ الثُّلُثِ.
الجانِى حالًّا، إلَّا غُرَّةَ الجَنِينِ إذا مات مع أُمِّهِ، فَإنَّ العاقِلَةَ تَحْمِلُها مع دِيَةِ أُمِّهِ، وإن ماتا مُنْفَرِدَيْن، لم تَحْمِلْهَا العاقِلَةُ، لنَقْصِها عن الثُّلُثِ) وجملةُ ذلك، أنَّ العاقلةَ لا تَحْمِلُ العَمْدَ، سواءٌ كان ممَّا يَجِبُ القِصاصُ فيه أو لا يجبُ، ولا خِلافَ في أنَّها لا تَحْمِلُ دِيَةَ ما يَجِبُ فيه القِصاصُ، وأكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّها لا تَحْمِلُ العَمْدَ بحالٍ.
وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّها تَحْمِلُ الجِناياتِ التى لا قِصاصَ فيها، كالمأْمُومَةِ والجَائِفةِ.
وهذا قولُ قَتادةَ؛ لأنَّها جِنايةٌ لا قِصاصَ فيها، فأشْبَهَتْ جِنايةَ الخَطَأ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «لا تَحْمِلُ العَاقِلَةُ عَمْدًا، ولا عَبْدًا، ولَا صُلْحًا، ولَا اعْتِرافًا» 720. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ مَوْقُوفًا، ولم نَعْرِفْ له في الصَّحابةِ مُخالِفًا، فيكونُ إجْماعًا، ولأنَّها جِنايةُ عَمْدٍ، فلا تَحْمِلُها العاقلةُ، كالمُوجِبَةِ للقِصاصِ، وجِنايةِ الأبِ على ابْنِه، ولأَنَّ حَمْلَ العاقلةِ إنَّما يثْبُتُ في الخَطأ، لكَوْنِ الجانِى مَعْذُورًا،

الجزء: 26 - الصفحة: 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَخْفِيفًا عنه، ومُواساةً له، والعامِدُ غيرُ مَعْذُورٍ، فلا يَسْتَحِقُّ المُواساةَ ولا التَّخْفِيفَ، فلم يُوجَدْ فيه المُقْتَضى.
وبهذا فارَقَ العَمْدُ الخَطَأ، ثم يَبْطُلُ ما ذكَرُوه بقَتْلِ الأبِ ابْنَه، فإنَّه لا قِصاصَ فيه، ولا تَحْمِلُه العاقلةُ.
فصل: فإنِ اقْتَصَّ بحَدِيدةٍ مَسْمُومةٍ، فسَرَى إلى النَّفْسِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَحْمِلُه العاقلةُ؛ لأنَّه ليس بعَمْدٍ مَحْضٍ، أشْبَهَ عَمْدَ الخَطَأ.
والثانى، لا تَحْمِلُه؛ لأنَّه [قَتَلَ بآلةٍ] 721 يَقْتُلُ مِثْلُها غالِبًا، فأشْبَهَ مَن له القِصاصُ.
ولو وَكَّلَ في اسْتِيفاءِ القِصاصِ، ثم عَفَا عنه، فقَتَلَه الوَكِيلُ مِن غيرِ عِلْم بعَفْوِه، فقال القاضى: لا تَحْمِلُه العاقلةُ؛ لأنَّه عَمَد قَتْلَه.
وقال أبو الخَطَّابِ: تَحْمِلُه؛ لأنَّه لم يَقْصِدِ الجِنايةَ، وِمثلُ هذا يُعَدُّ خَطَأً، بدليلِ ما لو قَتَل في دارِ الحَرْبِ مُسْلِمًا يَظُنُّه حَرْبِيًّا، فإنه عَمَد قَتْلَه، وهو أحَدُ نَوْعَىِ الخَطَأ.
وهذا أصَحُّ.
ولأصْحابِ الشَّافعىِّ وَجْهان كهذين.
فصل: ولا تَحْمِلُ العاقلة العَبْدَ.
يَعْنِى إذا قَتَلٍ العَبْدَ قاتِلٌ، وجَبَتْ قِيمَتُه في مالِ القاتلِ، ولا شئ على عاقِلَتِه، خَطَأ كان أو عَمْدًا.
وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، والشَّعْبِىِّ، والثَّوْرِىِّ، ومَكْحُولٍ، والنَّخَعِىِّ، والبَتِّىِّ، ومالكٍ، واللَّيْثِ، وابنِ أبِى لَيْلَى، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ.
وقال عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، وأبو حنيفةَ: تَحْمِلُه العاقلةُ؛

الجزء: 26 - الصفحة: 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّه آدمِىٌّ يَجِبُ بقَتْلِه القِصَاصُ والكفَّارةُ، فحمَلَتِ العاقلةُ بَدَلَه، كالحُرِّ.
وعن الشَّافعىِّ كالمَذْهبَيْن.
ووافَقَنا أبو حنيفةَ في دِيَةِ أطْرافِه.
ولَنا، حديثُ ابنِ عباسٍ، ولأَنَّ الواجِبَ فيه قِيمَة تَخْتَلِفُ باخْتِلافِ صِفاتِه، فلم تَحْمِلْه العاقلةُ، كسائرِ القيَمِ، ولأنَّه حَيوان لا تَحْمِل العاقلةُ قيمةَ 722 أطرَافِه، فلم تَحْمِلِ الواجِبَ في نفْسِه، كالفَرَسِ.
فصل: ولا تَحْمِلُ الصُّلْحَ.
ومَعْناه أن يَدَّعِىَ عليه القَتْلَ، فيُنْكِرَه ويُصالِحَ 723 المُدَّعِىَ على مالٍ، فلا تَحْمِلُه العاقِلَةُ؛ لأنَّه مالٌ ثَبَتَ بمُصالَحَتِه واخْتِيارِه، فلم تَحْمِلْه العاقلةُ، كالذى ثَبَتَ باعْتِرافِه.
وقال القاضى: معناه أَنْ يُصالِحَ الأوْلِياءَ عن دَمِ العَمْدِ إلى الدِّيَةِ.
والتَّفْسِيرُ الأَوَّلُ أوْلَى؛ لأَنَّ هذا عَمْدٌ يُسْتَغْنَى عنه بذِكْرِ العَمْدِ.
وممَّن قال: لا تَحْمِلُ العاقلةُ الصُّلْحَ ابنُ عَبّاسٍ، والزُّهْرِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، والشَّافعىُّ.
وقد ذكَرْنا حديثَ ابنِ عباسٍ فيه، ولأنَّه لو حَمَلَتْه العاقلةُ، أدَّى إلى أن يُصالِحَ بمالِ غيرِه، ويُوجِبَ عليه حَقًّا بقَوْلِه.
فصل: ولا تَحْمِلُ الاعْتِرافَ.
وهو أن يُقِرَّ الإِنْسانُ على نفْسِه بقَتْلٍ خَطَأ، أو شِبْهِ عَمْدٍ، فتَجِبُ الدِّيَةُ عليه، فلا تَحْمِلُه العاقلةُ.

الجزء: 26 - الصفحة: 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وبه قال ابنُ عباسٍ، والشَّعْبِىُّ، والحسنُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْى، وقد ذكرْنا حديثَ ابنِ عباسٍ فيه، ولأنَّه لو وَجَبَ عليهم، لوَجَبَ بإقْرارِ 724 غيرِهم، ولا يُقْبَلُ إقْرارُ شخْصٍ على غيرِه، ولأنَّه مُتَّهَمٌ في أن يُواطِئَ مَنْ يُقِرُّ له بذلك ليأخُذَ الدِّيَةَ مِن عاقِلَتِه، فيُقاسِمَه إيَّاها.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَلْزَمُه ما اعْتَرَفَ به، وتَجِبُ الدِّيَةُ عليه حالَّةً في مالِه، في قولِ الأكْثَرِين.
وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ عبدِ الحَكَمَ: لا يَلْزَمُه شئٌ، ولا يَصِحُّ إقْرارُه؛ لأنَّه مُقِرٌّ على غيرِه لا 725 على نَفْسِه، ولأنَّه لم يَثْبُتْ مُوجَبُ إقْرارِه، فكان باطِلًا، كما لو أقَرَّ على غيرِه بالقَتْلِ.
ولَنا، قولُه تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ

الجزء: 26 - الصفحة: 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إِلَى أَهْلِهِ}.
ولأنَّه مُقِرٌّ على نفْسِه بالجِنايةِ المُوجِبَةِ للمالِ، فصَحَّ إقْرارُه، كما لو أقَرَّ بإتْلافِ مالٍ، أو بما لا 726 تَحْمِلُ دِيَتَه العاقلةُ، ولأنَّه مَحَلٌّ مَضْمَونٌ، فيُضْمَنُ إذا اعْتَرَفَ به، كسائرِ المَحالِّ، وإنَّما سقَطَتْ عنه الدِّيَةُ في مَحَلِّ الوِفَاقِ، لتَحَمُّلِ العاقِلَةِ لها، فإذا لم تَحْمِلْها، وجَبَتْ عليه، كجِنايةِ المُرْتَدِّ.
فصل: ولا تَحْمِلُ العاقلةُ ما دُونَ الثُّلُثِ.
وبهذا قالَ سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، ومالكٌ، وإسْحاقُ، وعبدُ العزيزِ بنُ أبى سَلَمَةَ.
وقال الزُّهْرِىُّ: لا تَحْمِلُ الثُّلُثَ أيضًا.
وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ.
تَحْمِلُ السِّنَّ 727 والمُوضِحَةَ وما فَوْقَهما؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَعَلَ الغُرَّةَ التى في الجَنِينِ على العاقِلَةِ 728، وقِيمَتُها نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، ولا تَحْمِلُ ما دُونَ ذلك؛ لأنَّه ليس فيه أَرْشٌ مُقَدَّرٌ.
والصَّحِيحُ عن الشَّافعىِّ أنَّها تَحْمِلُ القَلِيلَ والكثيرَ؛ لأَنَّ مَن حَمَلَ الكثيرَ حَمَلَ القليلَ، كالجانِى في العَمْدِ.
ولَنا،

الجزء: 26 - الصفحة: 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ما رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قَضَى في الدِّيَةِ أن لا يُحْمَلَ منها شئٌ حتى تَبْلُغَ عَقْلَ المأْمُومَةِ.
ولأَنَّ مُقْتَضَى الأَصْلِ وُجُوبُ الضَّمانِ على الجانِى؛ لأنَّه مُو جَبُ جِنايَتِه، وبَدَلُ مُتْلَفِه، فكانَ عليه، كسائرِ الجِناياتِ والمُتْلَفاتِ، وإنَّما خُولِفَ في الثُّلُثِ تَخْفِيفًا عن الجانِى، لكَوْنِه كثيرًا يُجْحِفُ به، قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الثُّلُثُ كَثِيرٌ» 729. ففِيما دُونَه يَبْقَى على قَضِيَّةِ الأَصْلِ ومُقْتَضَى الدَّليلِ، وهذا حُجَّةٌ على الزُّهْرِىِّ؛ لأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَعَلَ الثُّلُثَ كثيرًا، فأمَّا دِيَةُ الجَنِينِ، فلا تَحْمِلُها العاقلةُ إلَّا إذا ماتَ مع اُّمِّه مِن الضَّرْبةِ؛ لكَوْنِ دِيَتِهما جميعًا مُوجَبَ جِنايةٍ تَزِيدُ على الثُّلُثِ، وإن سَلَّمْنا وُجُوبَها على العاقِلَةِ، فلأنَّها دِيةُ آدَمِى كاملةٌ.

الجزء: 26 - الصفحة: 76

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وتَحْمِلُ العاقلةُ دِيَةَ الطَّرَفِ إذا بَلَغَ الثُّلُثَ.
وهو قولُ مَن سَمَّيْنا في الفَصْلِ الذى قبلَ هذا.
وحُكِىَ عن الشَّافعىِّ أنَّه قال في القديمِ: لا تَحْمِلُ ما دُونَ الدِّيَةِ، لأَنَّ ذلك يَجْرِى مَجْرَى ضَمانِ الأمْوالِ، بدليلِ أنَّه لا يَجِبُ فيه كَفَّارَةٌ.
ولَنا، قولُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولأَنَّ الواجِبَ دِيَةُ جِنايةٍ على حُرٍّ تَزِيدُ على الثُّلُثِ، فحَمَلَتْها العاقِلَةُ، كدِيَةِ النَّفْسِ، ولأنَّه كثيرٌ يَجِبُ ضَمانًا لحُرِّ، أشْبَهَ ما ذكَرْنا.
وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بما إذا جَنَى على الأطْرافِ بما يُوجِبُ الدِّيَةَ، أو زِيادةً عليها.
فصل: وتَحْمِلُ العاقلةُ دِيَةَ المرأةِ بغيرِ خِلافٍ بينَهم فيها.
وتَحْمِلُ مِن جِراحِها ما يَبْلُغُ أرْشُه ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ، كدِيَةِ أنْفِها، فأمَّا ما دُونَ ذلك، كدِيَةِ يَدِها، فلا تَحْمِلُه العاقلةُ.
وكذلك الحُكْمُ في دِيَةِ الكِتابِىِّ.
ولا تَحْمِلُ دِيَةَ المَجُوسِىِّ؛ لأنَّها دُونَ الثُّلُثِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 77

وَتَحْمِلُ جِنَايَةَ الْخَطَأَ عَلَى الْحُرِّ إِذَا بَلَغَتِ الثُّلُثَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَا تَحْمِلُ شِبْهَ الْعَمْدِ، وَتَكُونُ فِى مَالِ الْقَاتِلِ فِى ثَلَاثِ سِنِينَ.

4338 - مسألة: وتَحْمِلُ غُرَّةَ الجَنِينِ إذا مات مع أُمِّه، فإنَّ العاملةَ تَحْمِلُها مع دِيَةِ أُمِّه. نَصَّ عليه؛ لأَنَّ دِيَتَهما

(1) وجَبَت في حالٍ واحدةٍ بجِنايةٍ واحدةٍ مع زِيادَتِهما على الثُّلُثِ، فحَمَلَتْهُما العاقلةُ، كالدِّيَةِ الواحدةِ.
ولا تَحْمِلُها إن مات مُنْفَرِدًا، أو مات قبلَ مَوْتِ أُمِّه.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه دُونَ الثُّلُثِ.
4339 -

مسألة: (وتَحْمِلُ جِنايَةَ الخَطَأ عن الحُرِّ إذَا بَلَغَتِ الثُّلُثَ)

وحُكِىَ عن الشَّافعىِّ، لا تَحْمِلُ ما (2) دُونَ الدِّيَةِ.
وقد ذكَرْناه، وذكَرْنا دَلِيلَه.
4340 -

مسألة: (قَال أَبُو بَكْرٍ: ولا تَحْمِلُ)

العاقِلَةُ (شِبْهَ730731

الحديث: 4338 - الجزء: 26 - الصفحة: 78

وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ.
العَمْدِ، وتَكُونُ في مالِ القاتِلِ في ثَلاثِ سِنِينَ) وهى رِوايةٌ عن أحمدَ.
وبه قال ابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِىُّ، والحارِثُ العُكْلىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وقَتادةُ، وأبو ثَوْرٍ.
وهى على القاتلِ في مالِه؛ لأنَّها مُوجَبُ فِعْل قَصَدَه، فلم تَحْمِلْه العاقلةُ، كالعَمْدِ المَحْضِ، ولأنَّها دِيَةٌ مَغَلَّظَةٌ، فأشْبَهَتْ دِيَةَ العَمْدِ.
وهكذا يجبُ أن يكونَ مذْهَبُ مالكٍ؛ لأَنَّ شِبْهَ العَمْدِ عندَه مِن بابِ العَمْدِ.
والثانيةُ، تَحْمِلُها العاقلةُ.
ذكَرَفا الخِرَقِىُّ.
وهى ظاهرُ المذْهَبِ.
وبه قال الشَّعْبِى، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، والشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِمَا روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: اقْتَتَلَتِ امْرأتانِ مِن هُذَيْل، فرَمَتْ إحْداهُما الأُخرَى

الجزء: 26 - الصفحة: 79

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بحَجَرٍ، فقَتَلَتْها وما في بَطْنِها، فقَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها.
مُتَّفَقٌ عليه 732. ولأنَّه نَوْعُ قَتْلٍ لا يُوجِبُ القِصاصَ، فوَجَبَت دِيَتُه على العاقلةِ، كالخَطَأ، ويُخالِفُ العَمْدَ المَحْضَ؛ فإنَّه يُغَلَّظُ مِن كلِّ وَجْهٍ، لقَصْدِه الفِعْلَ، [وإرادَتِه] 733 القَتْلَ، وعَمْدُ الخَطَأ يُغَلَّظُ مِن وَجْهٍ، وهو الأسنانُ، وهو قَصدُه 734 الفِعْلَ، ويَخِفُّ مِن وَجْهٍ، وهو كوْنُه لم يُرِدِ القَتْلَ، فاقْتَضَى تَغْلِيظَها مِن وَجْهٍ، وهو الأسْنانُ، وتَخْفِيفَها من وَجْهٍ، وهو حَمْلُ العاقلةِ لها وتَأْجِيلُها.
ولا نعلمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ في أنَّها تَجِبُ مُؤجَّلَةً.
رُوِى ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ عباسٍ.
وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادةُ، [وعُبَيْدُ اللَّهِ] 735 بنُ عمرَ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقد حُكِىَ عن قَوْمٍ مِن الخَوارِجِ، أنَّهم قالوا: الدِّيَةُ حالَّةٌ؛ لأنَّها بَدَلُ مُتْلَفٍ.
ولم يُنْقَلْ إلينا ذلك عمَّن يُعَدُّ خِلافُه خِلافًا.
والدِّيَةُ تُخالِفُ سائرَ المُتْلَفاتِ؛ لأنَّها

الجزء: 26 - الصفحة: 80

وَمَا يَحْمِلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَاقِلَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، لَكِنْ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، فَيُحَمِّلُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَا يَسْهُلُ وَلَا يَشُقُّ.
تَجبُ على غيرِ الجانِى على سبيلِ المُواساةِ له، فاقْتَضَتِ الحَكْمةُ تَخْفِيفَها عليهم، وقد رُوِى عن عمرَ، وعَلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّهما قَضَيَا بالدِّيَةِ على العاقلةِ في ثَلاثِ سِنِينَ (1). ولا مُخالِفَ لهما في عَصْرِهما، فكان إجْماعًا.

4341 -

مسألة: (وما يَحْمِلُه كلُّ واحِدٍ مِن العاقِلَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، لكنْ يُرْجَعُ فِيهِ إلى اجْتِهادِ الحاكِمِ، فيُحَملُ كلَّ إنْسانٍ مِنْهم ما يَسْهُلُ ولا يَشُقُّ)

وحملةُ ذلك، أنَّه لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ العاقلةَ لا تُكَلَّفُ مِن العَقْلِ ما يُجْحِفُ بها، ويَشُقُّ عليها؛ لأنَّه لازِمٌ لها 737 مِن غيرِ جِنايَتِها على سبيلِ المُواسَاةِ للقاتلِ، والتَّخْفِيفِ عنه، فلا يُخَفَّف عن الجانِى بما يَثْقُلُ على غيرِه، ويُجْحِفُ به، كالزَّكاةِ، ولأنَّه لو كان الإجْحافُ مَشْروعًا، كان الجاى أحَقَّ به؛ لأنَّه مُوجَبُ جِنايَتِه، وجَزاءُ فِعْلِه، فإذا لم يُشْرَعْ في حَقِّه، ففى حَقِّ غيرِه أوْلَى.
واخْتَلفَ أهْلُ العلمِ فيما يَحْمِلُه736

الحديث: 4341 - الجزء: 26 - الصفحة: 81

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجْعَلُ عَلَى الْمُوسِرِ نِصْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ رُبْعًا.
وَهَلْ يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ في الأحْوَالِ الثَّلَاثَةِ أَوْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
كلُّ واحدٍ منهم؛ فقال أحمدُ: يَحْمِلُونَ على قَدْرِ ما يُطِيقُونَ.
فعلى هذا، لا يتَقَدَّرُ شَرْعًا، وإنَّما يُرْجَعُ فيه إلى اجْتِهادِ الحاكمِ، فيَفْرِضُ على كلِّ واحدٍ قَدْرًا يَسْهُلُ ولا يُؤْذِى.
وهذا مذْهَبُ مالكٍ؛ لأَنَّ التَّقْدِيرَ لا يَثْبُت إلَّا بتَوْقِيفٍ، ولا يَثْبُتُ بالرَّأْىِ والتَّحَكُّمِ، ولا نَصَّ في هذه المسألةِ، فوَجَبَ الرُّجُوعُ فيها إلى اجْتِهادِ الحاكمِ، كمَقادِيرِ النَّفَقاتِ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَفْرِضُ على المُوسِرِ نِصْفَ مِثْقالٍ؛ لأنَّه أقَلُّ مالٍ 738 يتَقَدَّرُ في الزَّكاةِ، فكان مُعْتَبَرًا بها، ويَجِبُ على المُتَوَسِّطِ رُبْعُ مِثقالٍ؛ لأَنَّ ما دُونَ ذلك تافِهٌ، لكَوْنِ اليَدِ لا تُقْطَعُ فيه، بدليلِ قولِ عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها: لا يُقْطَعُ في الشئِ التَّافِهِ، وما دُونَ رُبْعِ دِينارٍ لا قَطْعَ فيه 739. وهذا اخْتِيارُ

الجزء: 26 - الصفحة: 82

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبى بكرٍ، ومذْهَبُ الشَّافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: أكثرُ ما يُجْعَلُ على الواحدِ أرْبَعةُ دَراهِمَ، وليس لأقَلِّه حَدُّ؛ لأَنَّ ذلك يَجِبُ على سبيلِ المُواساةِ للقَرابةِ، فلم يتَقَدَّرْ أقَلُّه، كالنَّفَقَةِ.
قال: ويُسَوَّى بينَ الغَنِىِّ وْالمُتَوَسِّطِ لذلك.
والصَّحِيح الأَوَّلُ بم لِمَا ذكَرْنا مِن أنَّ التَّقْدِيرَ إنَّما يُصارُ إليه بتَوْقيفٍ، [ولا تَوْقيفَ] (1) فيه، وإنَّما يَخْتَلِفُ بالغِنَى والتَّوَسُّطِ، كالزَّكاةِ والنَّفَقَةِ، ولا يخْتلِفُ بالبُعْدِ والقُرْبِ لذلك.

4342 -

مسألة: واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِالتَّقْدِيرِ بنِصْفِ دِينارٍ ورُبْعِه؛

740 الحديث: 4342 - الجزء: 26 - الصفحة: 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقال بَعْضُهم: يَتَكَرَّرُ الوَاجِبُ فِى الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، فَيَكُونُ الوَاجبُ على الغَنِىِّ فيها دِينارًا ونِصْفًا، وعلى المُتَوَسِّطِ ثَلاثَةَ أرْبَاعِ دِينارٍ؛ لَأنَّه حَقٌّ يتَعَلَّقُ بالحَوْلِ على سبيلِ المُواساةِ، فيتَكَرَّرُ بتَكَرُّرِ الحَوْلِ، كالزَّكاةِ.
وقال بعضُهم: لا يتَكَرَّرُ؛ لأَنَّ في إيجابِ زِيادةٍ على النِّصْفِ إيجابَ الزِّيادةِ على أقَلِّ الزَّكاةِ، فيكون مُضِرًّا.
ويُعْتَبَرُ الغِنَى والتَّوَسُّطُ عندَ رَأْسِ الحَوْلِ؛ لأنَّه حالُ الوُجُوبِ، فاعْتُبِرَ الحالُ 741 عندَه، كالزَّكاةِ.
وإنِ اجْتمعَ مِن العاقلةِ في دَرَجَةٍ واحدةٍ عَدَدٌ كثيرٌ، قُسِمَ الواجِبُ على جَمِيعِهم، فيُلْزِمُ الحاكمُ كلَّ إنْسانٍ علىِ حَسَبِ ما يَراه وإن قَلَّ.
وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يَجْعَلُ على المُتَوَسِّطِ نِصْفَ ما على الغَنِىِّ، وِيَعُمُّ بذلك جَمِيعَهم.
وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
وقال في الآخرِ: يَخُصُّ الحاكمُ مَن شاءَ منهم، فيَفْرِضُ عليهم هذا القَدْرَ الواجِبَ؛ لِئَلَّا يَنْقصَ عن القَدْرِ الواجِبِ، ويَصِيرَ إلى الشئِ التَّافِه، ولأنَّه يَشُقُّ، فربَّما أصابَ كلَّ واحدٍ قِيراطٌ، فيَشُقُّ جَمْعُه.
ولَنا، أنَّهم اسْتَوَوْا في القَرابةِ، فكانوا سواءً، كما لو قَلُّوا، وكالمِيراثِ.
وأمَّا التَّعَلُّقُ بمَشَقَّةِ الجَمْعِ فلا يَصِحُّ؛ لأَنَّ مَشَقَّةَ زِيادَةِ الواجِبِ أعْظَمُ مِن مَشَقَّةِ 742 الجَمْعِ، ثم هذا تَعَلُّق بالحِكْمَةِ مِن غيرِ أصْل يَشْهَدُ لها، فلا يُتْرَكُ لها الدَّلِيلُ، ثم هى مُعارَضَةٌ بحَقِّه الواجبِ على كلِّ واحدٍ منهم، وسُهُولةِ الواجبِ عليهمِ، ثم لا يَخْلُو مِن أن يَخُصَّ الحاكمُ بعضَهم بالاجْتِهادِ أو بغيرِ اجْتِهادٍ، فإن خصَّه بالاجْتِهادِ ففِيه مَشَقَّةٌ عليه،

الجزء: 26 - الصفحة: 84

وَيَبْدأُ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، فَمَتَى اتَّسَعَتْ أمْوَالُ الْأَقْرَبِينَ لَهَا، لَمْ يَتَجَاوَزْهُمْ، وَإِلَّا انْتَقَلَ إِلَى مَنْ يَلِيهِمْ.
وربَّما لا يَحْصُلُ له مَعْرِفةُ الأَوْلَى منهم بذلك، فيتَعَذَّرُ الإِيجابُ، وإن خَصَّه بالتَّحَكُّمِ أفْضَى إلى أنَّه يَتَخَيَّرُ بين أن يُوجِبَ على إنْسانٍ شيئًا بشَهْوَتِه مِن غيرِ دَلِيلٍ، وبينَ أن لا يُوجِبَ عليه، ولا نَظِيرَ له، وربَّما ارْتَشَى مِن بعضِهم واتُّهِمَ، وربَّما امْتَنَعَ مَنْ فُرِضَ عليه شئٌ (1) مِن أدائِه؛ لكَوْنِه يَرَى مثلَه لا يُؤَدِّى شيئًا مع التَّساوِى مِن كلِّ الوُجُوهِ.

4343 -

مسألة: (ويَبْدأُ بالأقْرَبِ فالأقْرَبِ، فمتى اتَّسَعَتْ أمْوالُ الأقْرَبِين لها، لم يَتَجاوَزْهُمْ، وإلَّا انْتَقَلَ إلى مَن يليهم)

وجملةُ ذلك، أنَّه يَبْدَأُ في قِسْمَةِ الدِّيَةِ بينَ العاقلةِ بالأقْرَبِ فالأقرَبِ، فيَقسِمُ على الإِخْوَةِ وبَنِيهم، والأعْمامِ وبَنِيهم، ثم أعْمامِ الأَبِ، ثم بَنِيهم، ثم أعْمامِ الجَدِّ، ثم بَنِيهم، كذلك أبدًا، حتى إذا انْقَرَضَ المُناسِبُونَ، فعلى المَوْلَى المُعْتِقِ، ثم على عَصَباتِه، ثم على مَوْلَى المَوْلَى، ثم على عَصَباتِه، الأقْرَبِ فالأقْرَبِ،743

الحديث: 4343 - الجزء: 26 - الصفحة: 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالمِيراثِ سواءً.
وإن قُلْنا: الآباءُ والأَبْناءُ مِن العاقلةِ.
بُدِئَ بهم؛ لأنَّهم أقْرَبُ.
ومتى اتَّسَعَتْ أمْوالُ قَوْمٍ للعَقْلِ، لم يَعْدُهم إلى مَن بَعْدَهم؛ لأنَّه حَقٌّ يُسْتَحَقُّ بالتَّعْصِيبِ، فقُدِّمَ الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، كالمِيراثِ وَوِلايةِ النِّكاحِ.
وهل يُقَدَّمُ مَنْ يُدْلِى بالأبَوَيْن على مَن يُدْلِى بالأبِ؟ على وَجْهين؛ أحَدُهما، يُقَدَّمُ، كالمِيراثِ، وكتَقْديمِ الأخِ على ابْنِه.
والثانى، يَسْتَويانِ؛ لأَنَّ ذلك يُسْتَفادُ بالتَّعْصِيبِ، ولا أثَرَ لقَرابةِ الأُمِّ في التَّعْصيبِ.
والأَوَّلُ أوْلَى، إن شاءَ اللَّهُ تعالى؛ لأَنَّ قَرابةَ الأُمِّ تُؤثِّرُ في التَّرْجيحِ والتَّقْديم وقُوَّةِ التَّعْصِيبِ؛ لاجْتِماعِ القَرابَتَيْنِ على وَجْهٍ لا تَنْفَرِدُ كلُّ واحدةٍ بحُكْمٍ، وذلك لأَنَّ القَرابَتَيْن تَنْقَسِمُ إلى ما يَنْفَرِدُ كلُّ واحدةٍ منهما بحُكْمٍ، كابنِ العَمِّ إذا كان أخًا لأُمٍّ، فإنَّه يَرِثُ بكلِّ واحدةٍ مِن القَرابَتَيْن مِيراثًا مُنْفَرِدًا، يَرِثُ السُّدْسَ بالأُخُوَّةِ، ويَرِثُ بالتَّعْصِيبِ بِبُنُوَّةِ العَمِّ، وحَجْبُ إحْدَى القَرابَتَيْن لا يُؤَثِّرُ 744 في حَجْبِ الأُخْرَى، فهذا لا يُؤثِّرُ في قُوَّةٍ ولا تَرْجِيحٍ، ولذلك لا يُقَدَّمُ ابنُ العَمِّ الذى هو أخٌ لأُمٍّ على غيرِه، وإلى ما لا يَنْفرِدُ كلُّ واحدَةٍ منهما بحُكْمٍ، كابْنِ العَمِّ مِن أبَوَيْن

الجزء: 26 - الصفحة: 86

فَإِنْ تَسَاوَى جَمَاعَةٌ فِى الْقُرْبِ، وَزَّعَ الْقَدْرَ الَّذِى يَلْزَمُهُمْ بَيْنَهُمْ.
مع (1) ابْنِ عَمٍّ مِن أبٍ، لا تَنْفَرِدُ إحْدى القَرابَتَيْن بميراثٍ عن الأُخْرَى، فتُؤَثِّرُ في التَّرْجيحِ وقُوَّةِ التَّعْصِيبِ، ولذلك أَثَّرَتْ في التَّقْديم في المِيراثِ، فكذلك في غيرِه.
وبما ذكَرْنا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُسَوَّى بينَ القَريبِ والبَعِيدِ، ويُقْسَمُ على جَمِيعِهم؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَعَلَ دِيَةَ المَقْتُولَةِ على عَصَبةِ القاتلةِ (2). ولَنا، أنَّه حُكْمٌ تعَلَّقَ بالتَّعْصِيبِ، فوَجَبَ أن يُقَدَّمَ فيه الأقْرَبُ فالأقْرَبُ كالمِيراثِ، والخَبَرُ لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّنا نَقْسِمُه على الجماعةِ إذا لم يَفِ به الأقْرَبُ، فنَحْمِلُه على ذلك.

4344 -

مسألة: (وإن تَساوَى جَماعَةٌ في القُرْبِ، وَزَّعَ القَدْرَ الذى يَلْزَمُهم بينَهم)

لأنَّهم اسْتَوَوْا في القَرابةِ المُقتَضِيةِ للعَقْلِ عنه، فتَساوَوْا في حُكْمِه، كسائرِ الأحْكامِ، [وكالميراثِ] (3). وقد ذكَرْنا ذلك في مسألةِ: وما يَحْمِلُه كلُّ واحدٍ مِن العاقلةِ غيرُ مُقَدَّرٍ.

فصل

: ولا يَحْمِلُ العَقْلَ مَن لا يُعْرَفُ نَسَبُه مِن القاتلِ، إلَّا أن يُعْلَمَ أنَّهم مِن قَوْم يَدْخُلونَ كلُّهم في العَقْلِ، ومَن لا يُعْرَفُ ذلك منه لا يَحْمِلُ، وإن كان مِن قَبِيلَتِه، فلو كان القاتلُ قُرَشِيًّا، لم يَلْزَمْ قُرَيْشًا كلَّهم التَّحَمُّلُ،745746747

الحديث: 4344 - الجزء: 26 - الصفحة: 87

فَصْلٌ:

وَمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ يَجِبُ مُؤَجَّلًا في ثَلَاثِ سِنِينَ، فِى كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُهُ إنْ كَانَ دِيَةً كَامِلَةً.
فإنَّ قُرَيْشًا وإن كانوا كلُّهم يَرْجِعُونَ إلى أبٍ واحدٍ، إلَّا أنَّ قَبائِلَهُم تَفَرَّقَتْ، وصار كلُّ قَوْم يَنْتَسِبُون إلى أبٍ يتَمَيَّزُون به، فيَعْقِلُ عنهم مَن يُشارِكُهم في نِسْبَتِهم إلى الأبِ الأدْنَى، ألَا تَرَى أنَّ النَّاسَ كلَّهم بَنُو آدَمَ، فهم راجِعُون إلى أبٍ واحدٍ، لكنْ إن كان مِن فَخِذٍ يُعْلَمُ أنَّ جَمِيعَهم يتَحَمَّلُونَ، وجَبَ أن يتَحَمَّلَ جَمِيعُهم، سواءٌ عُرِفَ أحَدُهم أو لم يُعْرَفْ؛ للعِلْمِ بأنَّه مُتَحَمِّلٌ على أىِّ وَجْهٍ كان.
وإن لم يَثْبُتْ نَسَبُ القاتلِ مِن أحَدٍ، فالدِّيَةُ في بَيْتِ المالِ؛ لأَنَّ المُسلمينَ يَرِثُونَه إذا لم يَكُنْ وارِثٌ، بمَعْنَى أنَّه يُؤْخَذُ مِيراثُه لبَيْتِ المالِ، فكذلك (1) يَعْقِلُونَه على هذا الوَجْهِ.
فإن وُجِدَ له مَن يَحْمِلُ بعضَ العَقْلِ، فالباقى في بيتِ المالِ لذلك.
فإن قِيلَ: فهذا ينْتَقِضُ بالذِّمِّىِّ الذى لا وارِثَ له، فإنَّ مِيراثَه لبيتِ المالِ، ولا يَعْقِلُونَ عنه.
قُلْنا: إنَّما لم يَعْقِلوا عنه؛ لوجُودِ [المانعِ، وهو] (2) اخْتِلافُ الدِّينِ، ولذلك لا يَعْقِلُه عَصَباتُه المسلمون.

4345 -

مسألة: (وما تَحْمِلُه العاقِلَةُ يَجِبُ مُؤَجَّلًا فِى ثَلاثِ سنينَ، في كلِّ سنةٍ ثُلُثُه إن كان دِيَةً كامِلَةً)

لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلْمِ748749

الحديث: 4345 - الجزء: 26 - الصفحة: 88

وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ ثُلُثَ الدِّيَةِ، كَأَرْشِ الْجَائِفَةِ، وَجَبَ فِى رَأْسِ  في أنَّ دِيَةَ الخَطَأ على العاقلةِ.
حكاهُ ابنُ المُنْذِرِ (1). وأنَّها مُؤَجَّلَةٌ في ثلاثِ سنين، فإنَّ عمرَ، وعليًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، جَعَلَا دِيَةَ الخَطَأ على العاقلةِ في ثلاثِ سِنِين (2). ولا نَعْرِفُ لهم في الصَّحابةِ مُخالِفًا، واتَّبَعَهم أهْلُ العلمِ على ذلك، لأنَّه مالٌ يَجِبُ على سبيلِ المُواساةِ، فلم يَجِبْ حالًّا، كالزَّكاةِ.
ويَجِبُ في آخِرِ كلِّ حَوْلٍ ثُلُثُها، ويُعْتَبَرُ ابْتِداءُ السَّنَةِ مِن حينِ وُجُوبِ الدِّيَةِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: ابْتِداؤُها مِن حينِ حُكْمِ الحاكمِ، لأنَّها مُدَّةٌ مُخْتَلَفٌ فيها، [فكان ابْتِداؤُها مِن حينِ حُكْمِ الحاكمِ، كمُدَّةِ العُنَّةِ.
ولَنا، أنَّه مالٌ مُؤَجَّلٌ، فكان ابْتِداءُ أجَلِه مِن حينِ وُجُوبِه] (3)، كالدَّيْنِ المُؤْجَّلِ والسَّلَمِ، ولا نُسَلِّمُ الخِلافَ فيها، فإنَّ الخَوارِجَ لا يُعْتَدُّ بخِلافِهِم.

4346 -

مسألة: (وإن كان الواجِبُ ثُلُثَ الدِّيَةِ، وَجَبَ في رَأْسِ

750751752 الحديث: 4346 - الجزء: 26 - الصفحة: 89

الْحَوْلِ، وَإِنْ كَانَ نِصْفَهَا، كَدِيَةِ الْيَدِ، وَجَبَ فِى رَأْسِ الْحَوْلِ الأَوَّلِ الثُّلُثُ، وَبَاقِيهِ في رَأْسِ الْحَوْلِ الثَّانى، وَإِنْ كَانَ دِيَةَ امْرَأَةٍ أَوْ كِتَابِىٍّ، فَكَذَلِكَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْسَمَ فِى ثَلَاثِ سِنِينَ وإنْ كَانَ أكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، لَمْ يَزِدْ فِى كُلِّ حَوْلٍ عَلَى الثُّلُثِ.
الحَوْلِ) الأَوَّلِ (وإن كان نِصْفَها، كدِيَةِ اليَدِ، وَجَبَ في رَأْسِ الحَوْلِ الأَوَّلِ الثُّلُثُ، وباقِيه في رَأْسِ الحَوْلِ الثَّانِى، وإن كان دِيَةَ امْرَأةٍ أو كِتابِىٍّ، فكذلكَ.
ويَحْتَمِلُ أن يُقسَمَ فِى ثَلاثِ سنين وإن كان أكْثَرَ مِن دِيَةٍ، كما لو جَنَى عليه فأذْهَبَ سَمْعَه وبَصَرَه، لم يَزِدْ في كلِّ حَوْلٍ على الثُّلُثِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الواجِبَ إذا كان دِيَةً كاملةً، فإنَّها تُقْسَمُ في ثلاثِ سنين،

الجزء: 26 - الصفحة: 90

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في كلِّ سَنَةٍ ثُلُثُها، سواءٌ كانت دِيَةَ النَّفْسِ أو دِيَةَ الطَّرَفِ، كدِيَةِ جَدْعِ الأنْفِ، أو 753 الأُذُنَيْن.
وإن كان دُونَ الدِّيَةِ نَظَرْنا؛ فإن كان الثُّلُثَ، كدِيَةِ المأْمُومَةِ، وجَبَ في آخِرِ السَّنَةِ الأُولَى، ولم يَجِبْ منه شئٌ حالٌّ؛ لأَنَّ العاقِلَةَ لا تَحْمِلُ حالًّا.
وإن كان نِصْفَ الدِّيَةِ أو ثُلُثَيْها، كدِيَةِ اليَدِ أو دِيَةِ المَنْخَرَيْن، وجَبَ الثُّلُثُ في آخرِ السَّنَةِ الأُولَى، والباقى في آخرِ السَّنَةِ 754 الثَّانيةِ.
وإن كان أكثرَ من [الثُّلُثَيْن؛ كدِيَةِ ثمانيةِ أصابعَ، وَجَب الثُّلُثانِ في السنتين، والباقِى في آخرِ الثالثةِ، وإن كان أكثرَ مِن] 755 دِيَةٍ، مثلَ أن ذهَبَ سَمْعُ إنْسانٍ وبَصَرُه، ففى كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثٌ، لأن الواجِبَ لو كان دُونَ الدِّيَةِ، لم يَنْقُصْ في السَّنَةِ عن الثُّلُثِ، فكذلك لا يَزِيدُ عليه إذا زادَ على الثُّلُثِ.
وإن كان الواجبُ بالجِنايةِ على اثْنَيْن، وجَبَ لكُلِّ واحدٍ ثُلُثٌ في كلِّ سَنَةٍ، لأَنَّ كلَّ واحدٍ له دِيَةٌ، فيَسْتَحِقُّ ثُلُثَها، كما لو

الجزء: 26 - الصفحة: 91

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  انْفَرَدَ حَقُّه.
وإن كان الواجِبُ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ، كدِيَةِ الإِصْبَعِ، لم تَحْمِلْه العاقِلَةُ؛ لأنَّها لا تَحْمِلُ ما دُونَ الثُّلُثِ، ويَجِبُ حالًّا؛ لأنَّه مُتْلَفٌ لا تَحْمِلُه العاقلةُ (1)، فكان حالًّا، كالجِنايةِ على المالِ.

4347 -

مسألة: فإن كانتِ الدِّيَةُ ناقِصَةً، كدِيَةِ المَرْأةِ والكِتابِىِّ، ففيها وَجْهان؛ أحَدُهما، تُقْسَمُ في ثلاثِ سنين؛ لأنَّه بَدَلُ

757 النَّفْسِ، فأشْبَهَتِ الدِّيَةَ الكاملةَ.
والثانى، يَجبُ منها في العامِ الأَوَّلِ قَدْرُ ثُلُثِ الدِّيَةِ الكاملةِ، وباقِيها في العامِ الثانى، لأَنَّ هذه تَنْقُصُ عن الدِّيَةِ، فلم تُقْسَمْ في ثلاثِ سنين، كأَرْشِ الطَّرفِ.
وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ.
وللشَّافعىِّ كالوَجْهَيْن.
فإن كانتِ الدِّيَةُ لا تَبْلُغُ ثُلُثَ الدِّيَةِ الكاملةِ، كدِيَةِ المَجُوسِىِّ، وهى [ثمانِمائةِ دِرْهَمٍ] 758، ودِيَةِ الجَنِينِ، [وهى خَمْسٌ مِن الإِبلِ، لم تَحْمِلْه العاقِلَةُ؛ لأنَّه يَنْقُصُ عن الثُّلُثِ، فأشْبَهَ دِيَةَ السِّنِّ والمُوضِحَةِ، إلَّا أن يُقْتَلَ الجَنِينُ] (4) مع أُمِّه، فتَحْمِلُه العاقِلَةُ؛ لأنَّها جِنايَةٌ واحدةٌ، وتكونُ دِيَةُ الأُمِّ على الوَجْهَيْن؛ فإن قُلْنا: هى في عامَيْن.
كانت756

الحديث: 4347 - الجزء: 26 - الصفحة: 92

وَابْتِدَاءُ الْحَوْلِ فِى الْجُرْحِ مِنْ حِينِ الانْدِمَالِ، وَفِى الْقَتْلِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: إِنْ لَمْ يَسْرِ الْجُرْحُ.
إِلَى شَىْءٍ، فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ الْقَطْعِ.
دِيَةُ الجَنِينِ واجِبَةً مع ثلُثِ دِيَةِ الأُمِّ في العامِ الأَوَّلِ؛ لأنَّها دِيَةٌ أُخْرَى.
ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ مع باقِى دِيَةِ الأُمِّ في العامِ الثانى.
وإن قُلْنا: دِيَةُ الأُمِّ في ثلاثِ سنين.
فهل تَجِبُ دِيَةُ الجَنِينِ في ثَلاثةِ أعْوَامٍ أَوْ لا؟ على وَجْهين؛ فإذا قُلْنا بوُجُوبِها في ثلاثِ سنين، وجَبَتْ في السِّنِينَ التى وجَبَت فيها دِيَةُ الأُمِّ؛ لأنَّهُما دِيَتان لمُسْتَحِقَيْنِ، فيَجبُ في كلِّ سنةٍ ثُلُثُ دِيَتِها وثُلُثُ دِيَتِه.
ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ في ثلاثِ سنين أُخْرَى؛ لأَنَّ تَلَفَهما مُوجَبُ جِنايةٍ واحدةٍ.

4348 -

مسألة: (وابْتِداءُ الحَوْلِ في الجُرْحِ مِن حِينِ الانْدِمالِ، وفى القَتْلِ مِن حِينِ المَوْتِ. وقال القاضِى: إن لم يَسْرِ الجُرْحُ إلى شَئٍ، فحَوْلُه مِن حِينِ القَطْعِ)

وجملةُ ذلك، أنَّه إذا كان الواجبُ دِيَةَ نفْسٍ، فابْتِداءُ حَوْلِها مِن حينِ المَوْتِ، سواءٌ كان قَتْلًا مُوجِبًا أو عن سِرايةِ جُرْحٍ.
وإن كان الواجِبُ ديَةَ جُرْحٍ، نَظرتَ، فإن كان عن جُرْح انْدَمَلَ مِن غيرِ سِرايَةٍ، مثلَ أفي قَطَع يَدَه فبَرَأتْ بعدَ مُدَّةٍ،

الحديث: 4348 - الجزء: 26 - الصفحة: 93

وَمَنْ مَاتَ مِنَ الْعَاقِلَةِ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوِ افْتَقَرَ، سَقَطَ مَا عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْحَوْلِ، لَمْ يَسْقُطْ مَا عَلَيْهِ.
فابْتداءُ المُدَّةِ مِن حينِ القَطْعِ؛ لأَنَّ تلك حالةُ الوُجُوبِ، ولهذا لو قَطَع يَدَه وهو ذِمِّىٌّ، فأسْلَمَ، ثم انْدَمَلَتْ، وجَب نِصْفُ دِيَةِ يَهُودِىٍّ.
وأمَّا إن كان الجُرْحُ سَارِيًا، مثلَ أن قَطَع إصْبَعَه فسَرَى ذلك إلى كَفِّه، ثم انْدَمَلَ، فابْتِداءُ المُدَّةِ مِن حينِ الانْدِمالِ؛ لأنَّها إذا سَرَتْ، فما اسْتَقَرَّ الأَرْشُ إلَّا مِن حينِ الانْدِمالِ.
هكذا ذَكَره القاضى، وأصْحابُ الشافعىِّ.
وقال أبو الخَطَّابِ: تُعْتَبَرُ المُدَّةُ مِن حينِ الانْدِمالِ فيهما، لأَنَّ الأَرْشَ لا يَسْتَقِرُّ إلَّا بالانْدِمالِ فيهما.

4349 -

مسألة: (ومَن مات مِن العاقِلَةِ قبلَ الحَوْلِ أو افْتَقَرَ، سَقَطَ مَا عليه، وإن مات بعدَ الحَوْلِ، لم يَسْقُطْ ما عليْه)

مَن ماتَ مِن العاقِلَةِ، أو إفْتَقَرَ، أو جُنَّ قبلَ الحَوْلِ، لم يَلْزَمْه شئٌ، لا نعلمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّه مالٌ يَجِبُ في آخِرِ الحَوْلِ على سَبِيلِ المُواساةِ، فأشْبَهَ الزَّكاةَ.
وإن كان ذلك بعدَ الحَوْلِ، لم يَسْقُطِ الواجِبُ.
وبهذا قال الشَّافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَسْقُطُ بالمَوْتِ، لأنَّه خَرَج عن أهْلِيَّةِ

الحديث: 4349 - الجزء: 26 - الصفحة: 94

وَعَمْدُ الصَّبِىِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ وَعَنْهُ فِى الصَّبِىِّ الْعَاقِلِ، أنَّ عَمْدَهُ فِى مَالِهِ.
الوُجُوبِ، فأشْبَهَ ما لو مات قبلَ الحَوْلِ.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ تَدْخُلُه النِّيابةُ، لا يَمْلِكُ إسْقاطَه في حَياتِه، فأشْبَهَ الدُّيُونَ، وفارَقَ ما قبلَ الحَوْلِ؛ لأنَّه لم يَجِبْ، ولم يَسْتَمِرَّ الشَّرْطُ إلى حينِ الوُجُوبِ.
فأمَّا إن كان فَقِيرًا عندَ القَتْلِ، فاسْتَغْنَى عندَ الحَوْلِ، فقال القاضى: يَجِبُ عليه؛ لأنَّه وُجِدَ وَقْتَ الوُجُوبِ، وهو مِن أهْلِه.
ويُخَرَّجُ على هذا مَن كان صَبِيًّا فبَلَغ، أو مَجْنُونًا فأفاق عندَ الحَوْلِ، وجَبَ عليه؛ لذلك.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ؛ لأنَّه لم يَكُنْ مِن أَهْلِ الوُجُوبِ حالَةَ السَّبَبِ، فلم يَثْبُتِ الحُكْمُ فيه حالَةَ الشَّرْطِ، كالكافِرِ إذا مَلَكَ مالًا ثم أسْلَمَ عندَ الحَوْلِ، لم تَلْزَمْه الزَّكاةُ فيه.

4350 -

مسألة: (وعَمْدُ الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ خَطَأٌ تَحْمِلُه العاقِلَةُ)

لأنَّه لم يتَحَقَّقْ منه كمالُ القَصْدِ، فتَحْمِلُه العاقلةُ، كشِبْهِ العَمْدِ، ولأنَّه قَتْلٌ لا يُوجبُ القِصاصَ، لأجْلِ العُذْرِ، فأشْبَهَ الخَطَأ (وعنه في الصَّبِىِّ العاقلِ، أَنَّ عَمْدَه في مالِه) وهو أحَدُ قَوْلَى الشَّافعىِّ؛ لأنَّه عَمْدٌ يجوزُ تأْدِيبُه 759 عليه، فأشْبَهَ القَتْلَ مِن البالغِ.
والأَوَّلُ أوْلَى.
وما ذكَرُوه

الحديث: 4350 - الجزء: 26 - الصفحة: 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَنْتَقِضُ بشِبْهِ العَمْدِ.
واللَّهُ أعلمُ.

الجزء: 26 - الصفحة: 96

بَابُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ

مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمَةً خَطَأً، أَوْ مَا أُجْرِىَ مُجْرَاهُ، أَوْ شَارَكَ فِيهَا، أَوْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرأةٍ فَألْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، أَوْ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ،  بابُ كفَّارةِ القتْلِ (مَن قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمةً خَطأً، أو ما أُجْرِى مُجْراه، أو شارَكَ فيها، أو ضَرَبَ بَطْنَ امرأةٍ، فألْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، أو حَيًّا ثم مات، فعليه الكفَّارةُ) الأصْلُ في كفَّارةِ القَتْلِ قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ 760. الآية.
وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ على القاتِلِ خَطَأً كفَّارَةً، سواءٌ كان المقْتُولُ ذَكَرًا أو أُنْثَى، ويجبُ في قَتْلِ الصَّغِيرِ [والكبيرِ] 761، سواءٌ باشَرَه بالقَتْلِ، أو تَسَبَّبَ إلى قَتْلِه بسَبَبٍ تُضْمَنُ به النَّفْسُ، كحَفْرِ البِئْرِ، ونَصْبِ السِّكِّينِ، وشهادةِ الزُّورِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 97

وَعَنْهُ، أَنَّ عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ كَفَّارَةً وَاحِدَةً.
وبهذا قال مالكٌ، والشّافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تجِبُ بالتَّسَبُّبِ؛ لأنَّه ليس بقتْلٍ، ولأنَّه ضَمِنَ بَدَلَه بغيرِ مُباشَرَةٍ للقَتْلِ، فلم تَلْزَمْه الكفَّارةُ كالعاقِلَةِ.
ولَنا، أنَّه كالمباشَرَةِ في الضَّمانِ، فكان كالمُباشَرَةِ في الكفَّارةِ، ولأنَّه سَبَبٌ لإِتْلافِ الآدَمِىِّ، يتَعَلَّقُ به ضَمان، فتَعَلَّقَتْ به الكفَّارَةُ، كما لو كان راكِبًا فأَوطأَ دابَّتَه إنْسانًا.
وقِياسُهم ينْتَقِضُ بالأبِ إذا أكْرَهَ إنْسانًا على قَتْلِ ابْنِه، فإنَّ الكفَّارَةَ تَجِبُ عليه مِن غيرِ مُباشَرَةٍ، وفارَقَ العاقِلَةَ، فإنَّها تتحَمَّلُ عن غيرِها، ولم يَصْدُرْ منها قَتْل ولا سَبَبٌ إليه.
وقولُهم: ليس بقتلٍ.
مَمْنُوعٌ.
قال القاضى: ويَلْزَمُ الشُّهُودَ الكفَّارةُ، سواءٌ قالوا: أخْطَأْنا.
أو: تَعَمَّدْنا.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ القَتْلَ بالسَّبَبِ تجبُ به الكفَّارَةُ بكُلِّ حالٍ، ولا يُعْتَبَرُ فيه الخَطَأُ والعَمْدُ؛ لأنَّه وإن قصَد القَتْلَ، فهو جارٍ مَجْرَى الخَطَأ، في أنَّه لا يَجِبُ به القِصاصُ.

4351 -

مسألة: ومَن شارَكَ في قَتْلٍ يُوجِبُ الكَفَّارَةَ، لَزِمَتْه كَفَّارَةٌ، ويَلْزَمُ كلَّ وَاحِدٍ مِن شُرَكائِه كَفَّارَهٌ.
هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، وعِكْرِمَةُ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
(وعن أحمدَ، أنَّ على المُشْتَرِكينَ كَفَّارَةً واحدةً)

الحديث: 4351 - الجزء: 26 - الصفحة: 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حكاها أبو الخَطَّابِ.
وهو قولُ أبى ثَوْرٍ.
وحُكِىَ عن الأوْزاعِىِّ.
وحَكاه أبو علىٍّ الطَّبَرِىُّ (1) عن الشَّافعىِّ، وأنْكرَه سائرُ أصْحابِه.
واحْتَجَّ لمَن أوْجَبَ كفَّارَةً واحدةً بقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
و «مَن» تَتَناوَلُ الواحدَ والجماعةَ، ولم يُوجِبْ إلَّا كفَّارَةً واحدةً ودِيَةً، والدِّيَةُ لا تَتَعَدَّدُ، فكذلك الكفَّارَةُ، ولأنَّها كفَّارَةُ قَتْلٍ، فلم تَتَعَدَّدْ بتَعَدُّدِ القاتلِينَ إذا كان المَقْتُولُ واحدًا، ككَفَّارَةِ الصَّيْدِ الحَرَمِىِّ.
ولَنا، أنَّها لا (2) تَتَبَعَّضُ، وهى مِن مُوجَبِ قَتْلِ الآدَمِىِّ، فكَمَلَتْ في حَقِّ كُلِّ واحدٍ مِن المُشْتَرِكين، كالقِصاصِ.
وتُخالِفُ كفَّارَةَ الصَّيْدِ؛ فإنَّها تجبُ بَدَلًا، ولهذا تجبُ في أبْعاضِه، وكذلك الدِّيَةُ.

4352 -

مسألة: (ولو ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأةٍ، فألْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، أَوْ حَيًّا ثم مات، فعليه الكَفَّارَةُ)

تجبُ الكفَّارَةُ بإلْقاءِ الجَنِينِ المَيِّتِ، إذا762763

الحديث: 4352 - الجزء: 26 - الصفحة: 99

مُسْلِمًا كَانَ الْمَقْتُولُ أَوْ كَافِرًا، حُرًّا أَوْ عَبْدًا.
كان مِن ضَرْبِ بَطْنِها.
وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تجبُ.
وقد مضَتْ هذه المسألةُ في دِيَةِ الجَنِينِ (1).

4353 -

مسألة: (مُسْلِمًا كان المَقْتُولُ أو كافِرًا، حُرًّا أو عَبْدًا)

تجبُ الكفَّارَةُ بقَتْلِ الكافرِ المَضْمُونِ، سواءٌ كان ذِمِّيًّا أو مُسْتَأْمِنًا.
وبهذا قال أكثرُ أهلِ العلمِ.
وقال الحسنُ، ومالكٌ: لا كفَّارَةَ فيه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾.
فمفْهومُه أنَّه لا كفَّارَةَ في غيرِ المؤمن (2). ولَنا، قوْلُه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (3). والذِّمِّىُّ له مِيثاقٌ.
وهذا مَنْطُوقٌ يُقَدَّمُ على دليلِ الخِطابِ، ولأنَّه آدَمِىٌّ مقْتُولٌ ظُلْمًا، فوجَبَتِ الكَفَّارَةُ بقَتْلِه، كالمسلمِ.
4354 -

مسألة: وتَجِبُ الكَفَّارَةُ بقَتْلِ العَبْدِ.

وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وقال مالكٌ: لا تَجِبُ؛ لأنَّه مَضْمُون بالقِيمَةِ، أشْبَهَ البَهِيمَةَ.764765766

الحديث: 4353 - الجزء: 26 - الصفحة: 100

وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ كَبِيرًا عَاقِلًا، أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا، حُرًّا أَوْ عَبْدًا.
ولَنا، عُمومُ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
ولأنَّه يجبُ القِصاصُ بقَتْلِه، فتجبُ الكفَّارةُ به، كالحُرِّ، ولأنَّه مُؤْمِنٌ، فأشْبَهَ الحُرَّ، ويُفارِقُ البَهائِمَ بذلك.

4355 -

مسألة: (وسَواءٌ كان القاتِلُ كَبِيرًا عاقِلًا، أو صَبِيًّا أو مَجْنونًا، حُرًّا أو عَبْدًا)

إذا كان القاتلُ صَبِيَّا أو مَجْنُونًا، وجَبَتِ الكفَّارَةُ في أمْوالِهما، وكذلك الكافِرُ، تجبُ عليه الكفَّارَةُ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا كَفَّارَةَ على واحِدٍ منهم؛ لأنَّها عِبادَة مَحْضَةٌ، تَجِبُ بالشَّرْعِ، فلا تَجِبُ على الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ والكافرِ، كالصَّوْمِ والصلاةِ، وقِياسًا 767 على كفَّارَةِ اليَمِينِ.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ مالِىٌّ، يتَعَلَّقُ بالقَتلِ، فتعلَّقَتْ بهم، كالدِّيَةِ.
وتُفارِقُ الصَّوْمَ والصَّلاةَ، فإنَّهما عِبادَتان بدَنِيَّتان، وهذه ماليَّةٌ، أشْبَهَتْ نفَقَةَ الأقارِبِ.
وأمَّا كفَّارةُ اليَمِينِ، فلا تجِبُ على الصَّبِىِّ والمجْنُونِ؛ لأنَّها تتَعَلَّقُ بالقَوْلِ، ولا قَوْلَ لهما، وهذه تتعلَّقُ بالفعْلِ، وفِعْلُهما مُتَحَقِّق قد أوجبَ الضَّمانَ عليهما، ويتعلَّقُ بالفِعْلِ ما لا يتعَلَّقُ بالقَوْلِ، بدليلِ أنَّ العِتْقَ يتعلَّقُ بإحْبالِهما دُونَ إعْتاقِهما بقَوْلِهما.
وأمَّا الكافِرُ فتجبُ عليه، وتكونُ عُقُوبَةً له، كالحُدُودِ.
والحُرُّ

الحديث: 4355 - الجزء: 26 - الصفحة: 101

وَيُكَفِّرُ الْعَبْدُ بِالصِّيَامِ.
فَأَمَّا الْقَتْلُ الْمُبَاحُ، كَالْقِصَاصِ، وَالْحَدِّ، وَقَتْلِ الْبَاغِى وَالصَّائِلِ، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ.
والعَبْدُ سواءٌ؛ لدُخُولِهما في عُمُومِ الآيةِ.

4356 -

مسألة: (ويُكَفِّرُ العَبْدُ بِالصِّيامِ)

لأنَّهُ لا مالَ له.
وقد ذكَرْنا كَفَّارةَ العَبْدِ فيما مَضَى.
فصل: ومن قَتَلَ في دارِ الحَرْبِ مُسْلِمًا يَعْتَقِدُه كافِرًا، أو رَمَى إلى صَفِّ الكُفَّارِ، فأصابَ فيهم مُسْلِمًا فقَتَلَه، فعليه كَفَّارَةٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (1).

4357 -

مسألة: (فأمَّا القَتْلُ المُباحُ، كالقِصاصِ، والحَدِّ، وقَتْلِ الباغِى والصَّائِلِ، فلا كَفَّارَةَ فِيهِ)

وجملةُ ذلك، أنَّ كلَّ قَتْلٍ مُباحٍ لا كَفَّارَةَ فيه، كقَتْلِ الحَرْبِىِّ، والباغِى، والزَّانِى المُحْصَنِ، والقتلِ768

الحديث: 4356 - الجزء: 26 - الصفحة: 102

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قِصاصًا أو حَدًّا؛ لأنَّه قَتْلٌ مأْمُورٌ به، والكفارَةُ لا تَجِبُ لمَحْوِ 769 المأْمُورِ به.
وأمَّا الخَطَأُ، فلا يُوصَفُ بتَحْرِيمٍ ولا إباحَةٍ؛ لأنَّه كقَتْلِ المجْنُونِ والبَهِيمةِ، لكنَّ النَّفْسَ الذَّاهِبَةَ به معْصُومةٌ محرُّمةٌ، فلذلك وجَبَتِ الكفَّارَةُ فيها.
وقال قومٌ: الخَطَأُ مُحَرَّمٌ ولا إثْمَ فيه.
وقِيلِ: ليس بمُحَرُّمٍ؛ لأَنَّ المُحَرَّمَ ما أثِمَ فاعِلُه، وقولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾.
هذا اسْتِثْناء مُنْقَطِع.
و «إلَّا» في مَوْضِعِ «لكنْ».
والتَّقْديرُ: لَكِنْ قد يقتلُه خَطَأً.
وقِيلَ: «إلَّا» بمعنى «ولا»، أى ولا خَطَأً.
وهذا يَبْعُدُ؛ لأَنَّ الخَطَأ لا 770 يتَوَجَّهُ إليه النَّهْىُ؛ لعَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه، وكَوْنِه لا يَدْخُلُ تحتَ الوُسْعِ، ولأنَّها لو كانت بمعنى «ولا» لَكانت عاطِفَةً للخَطَأ على ما قبلَه، وليس قبلَه ما يَصْلُحُ عَطْفُه عليه.
فأمَّا قَتْل نِساءِ أهلِ الحَرْبِ وصِبْيانِهم، فلا كَفَّارَةَ فيه؛ لأنَّهم ليس لهم أيْمانٌ ولا أمانٌ، وإنَّما مُنِعَ مِن قَتْلِهم، لانْتِفاعِ المسلمين بهم، لكَوْنِهم يَصِيرونَ بالسَّبْى رقيقًا يُنْتَفعُ بهم.
وكذلك قَتْلُ مَن لم تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ لا كفَّارَةَ فيه؛ لذلك، ولذلك لم يُضْمَنُوا بشئٍ، فأشْبَهُوا مَن قَتْلُه مُباحٌ.
فصل: وَمَن قَتَلَ نَفْسَه خَطأً، وجَبَتِ الكفَّارَةُ في مالِه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تجبُ؛ لأَنَّ ضَمانَ نَفْسِه لا يَجِبُ، فلم تَجِبِ الكَفَّارَةُ به، كقَتْلِ نِساءِ أهلِ الحَرْبِ وصِبْيانِهم.
ووجْهُ الأَوَّلِ

الجزء: 26 - الصفحة: 103

وَفِى قَتْلِ الْعَمْدِ وَشِبْهِ العَمْدِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، لَا كَفَّارَةَ فِيهِ.
اخْتَارَهَا أبو بَكْرٍ وَالْقَاضِى.
وَالأُخْرَى، فِيهِ الْكَفَّارَةُ.
عُمُومُ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
ولأنَّه آدَمِىٌّ مُؤْمِنٌ مقْتولٌ خَطأً، فوَجَبَتِ الكفَّارَةُ على قاتِله، كما لو قتَلَه غيرُه.
قال شيْخُنا (1): وقولُ أبى حنيفةَ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى، فإنَّ عامِرَ بنَ الأكْوَعِ، قَتَلَ نفْسَه خَطأً، فلم يَأْمُرِ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فيه بكَفَّارَةٍ (2). فأمَّا قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾.
فإنَّما أُرِيدَ بها إذا قَتَلَ غيرَه، بدَليلِ قولِه: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾.
وقاتلُ نفْسِه لا تجِبُ فيه دِيَةٌ، بدَليلِ قَتْلِ عامِر بنِ الأكْوَعِ.

4358 -

مسألة: (وفى العَمْدِ وشِبْهِ العَمْدِ رِوايَتان؛ إحْداهما، لَا كَفَّارَةَ فيه. اخْتارَها أبو بَكْرٍ والقاضِى. والأُخْرَى، فيه الكَفَّارَةُ)

المشْهورُ في المذْهَبِ أنَّه لا كَفَّارَةَ في قَتْلِ العَمْدِ.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى،771772

الحديث: 4358 - الجزء: 26 - الصفحة: 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تجبُ فيه الكَفَّارَةُ.
وحُكِىَ ذلك عن الزُّهْرِىِّ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لِما روَى واثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ قال: أتَيْنا النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بصاحِبٍ لنا قد أوْجَبَ بالقَتْلِ.
فقال: «أُعتِقُوا عنه رَقَبَةً، يُعْتِقِ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا منه مِنَ النَّارِ» 773. ولأنَّها إذا وجَبَتْ في قَتْلِ الخَطَأ، ففى العَمْدِ أوْلَى؛ لأنَّه أعْظَمُ جُرْمًا، وحاجتَه إلى تَكْفِيرِ ذَنْبِه أعْظَمُ.
ولَنا، مَفْهومُ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
ثم ذكرَ قَتْلَ العَمْدِ، فلم يُوجِبْ فيه 774 كَفَارَةً، وجَعَلَ جَزاءَه جَهَنَّمَ، فمَفْهومُه أنَّه لا كفَّارةَ فيه.
ورُوِىَ أنَّ [الحارثَ بنَ] 775 سُوَيْدِ بنِ الصَّامتِ قتلَ رَجُلًا، فأوْجَبَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- القَوَدَ، ولم يُوجبْ كفَّارَةً.
وعمرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِىُّ قتلَ رَجُلَيْن كانا في عَهْد النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فوَداهما النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم يأْمُرْه بكَفَّارَةٍ 776. ولأنَّه

الجزء: 26 - الصفحة: 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فِعْلٌ يُوجبُ القتلَ، فلا يُوجِبُ كَفَّارَةً، كزنَى المُحْصَنِ، وحديثُ واثِلَةَ يَحْتَمِلُ أَنَّه كان خَطأً، وسَمَّاه مُوجبًا، أى فوَّتَ النَّفْسَ بالقَتْلِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه كان شِبْهَ عَمْدٍ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أمَرَهم بالإِعْتاقِ تَبَرُّعًا، ولذلك أمرَ غيرَ القاتلِ بالإِعْتاقِ.
وما ذكَرُوه مِن المعنى لا يَصِحُّ، لأنَّها وجَبَتْ في الخَطَأ، لتَمْحُوَ 777 إثْمَه، لكَوْنِه لا يَخْلُو بن تَفْرِيطٍ، فلا يَلْزَمُ مِن ذلك إيجابُها في مَوْضِع عَظُمَ الإِثْمُ فيه، بحيثُ لا يَرْتَفِعُ بها.
إذا ثَبَتَ هذا، فلا فَرْقَ بينَ العَمْدِ المُوجِبِ للقِصاصِ، وما لا قِصاصَ فيه، كقَتْلِ الوالدِ ولدَه، والسَّيِّدِ عبْدَه، والحُرِّ العَبْدَ، والمُسلمِ الكافِرَ؛ لأَنَّ هذا مِن أنْواعِ العمْدِ.
فصل: فأمَّا شِبْهُ العَمْدِ، فقال شَيْخُنا 778: تجبُ فيه الكفَّارةُ، ولم

الجزء: 26 - الصفحة: 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أعلمْ لأصْحابنا فيه قَوْلًا، لكنَّ مُقْتَضَى الدَّليلِ ما ذكَرْناه؛ لأنَّه أُجْرِىَ مُجْرَى الخَطأَ في نَفْىِ القِصاصِ، وحَمْلِ العاقلةِ دِيَتَه، وتأْجِيلِها في ثلاثِ سِنِينَ، فجَرَى مَجْراه في وُجُوب الكفَّارَةِ، ولأَنَّ القاتِلَ إنَّما لم يَحْمِلْ شيئًا مِن الدِّيَةِ لتَحَمُّلِه الكَفَّارَةَ، فلو لم تجِبْ عليه الكَفَّارَةُ، لَحَمَلَ مِن الدِّيَةِ؛ لئلَّا يَخْلُوَ القاتلُ عن وُجوبِ شئٍ أصْلًا، ولم يَرِدِ الشَّرْعُ بهذا.
وقد ذَكَرَ في الكِتابِ المَشْرُوحِ رِوايةً أنَّه كالعَمْدِ؛ لأَنَّ دِيَتَه مُغَلَّظَةٌ.
وهى اخْتيارُ أبى بكرٍ؛ لأَنَّ عندَه أنَّ الدِّيَةَ فيه يَحْمِلُهاْ القاتلُ، فقد أشْبَهَ العَمْدَ في ذلك، فكان حُكْمُه حُكْمَه.

الجزء: 26 - الصفحة: 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وكَفَّارَةُ القَتْلِ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُومِنَةٍ بنَصِّ القُرآنِ، سَواءٌ كان القاتلُ أو المقْتولُ مُسْلِمًا أو كافِرًا، فإن لم يَجِدْها في مِلْكِه فاضِلةً عن حاجَتِه، أو يَجِدْ ثَمَنَها فاضِلًا عن كفايَتِه، فصيامُ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن تَوْبَةً مِن اللَّهِ، وهذا ثابتٌ بالنَّصِّ أيضًا.
فإن لم يَسْتَطِعْ، ففيه رِوايتان؛ إحداهما، يَثْبُتُ الصِّيامُ في ذِمَّتِه، ولا يجبُ شئٌ آخَرُ، لأَنَّ اللَّهَ تعالى لم يذْكُرْه، ولو وَجَبَ لذَكَرَه.
والثانيةُ، يجبُ إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا عندَ العَجْزِ عن 779 الصَّوْمِ، ككَفَّارَةِ الظِّهارِ والفِطْرِ في رمضانَ، وإن لم يَكُنْ مذْكُورًا في نَصِّ القُرآنِ، فقد ذُكِرَ ذلك في نَظِيرِه، فيُقاسُ عليه.
فعلى هذه الرِّوايةِ، إن عجزَ عن الإِطْعامِ، ثبتَ في ذِمَّتِه حتى يَقْدِرَ عليه.
وللشافعىِّ في هذا قَوْلان كالرِّوايتَيْن.
واللَّهُ أعلمُ.

الجزء: 26 - الصفحة: 108

بَابُ الْقَسَامَةِ

وَهِىَ الأَيْمَانُ الْمُكَرَّرَةُ فِى دَعْوَى الْقَتْلِ.
باب القَسامَةِ (وهى الأيْمانُ المُكَرَّرَةُ في دعْوَى القَتْلِ) والقَسامةُ مصدرُ أَقْسَمَ قَسامَةً.
ومعناه حَلَفَ حَلِفًا.
والمرادُ بالقَسامَةِ ههنا الأيْمانُ المُكَرَّرَةُ في دعْوَى القَتْلِ.
وقال القاضى: هى الأيْمانُ إذا كَثُرَتْ على وَجْهِ المُبالَغَةِ.
قال: وأهلُ اللُّغَةِ يذْهبون إلى أنَّها القومُ الذين يحْلِفون، سُمُّوا باسْمِ المَصْدَرِ، كما يقالُ: رَجلٌ عَدْلٌ ورِضًا.
وأىُّ الأمْرَيْنِ كان، فهو مِن القَسَمِ الذى هو الحَلِفُ.
والأَصْلُ في القَسامةِ ما رَوَى أبو 780 سعيدٍ الأنصارىُّ، عن بُشَيْرِ بنِ يَسارٍ، عن سَهْلٍ بنِ أبى حَثْمَةَ، ورَافِعِ بنِ خَدِيجٍ، أنَّ مُحَيِّصَةَ بنَ مسعودٍ وعبدَ اللَّهِ بنَ سَهْلٍ انْطلَقا إلى خَيْبَرَ، فتَفَرَّقَا في النَّخِيلِ، فقُتِلَ عبدُ اللَّهِ بنُ سَهْلٍ، فاتَّهَمُوا اليَهُودَ، فجاءَ أخُوه عبدُ

الجزء: 26 - الصفحة: 109

وَلَا تَثْبُتُ إِلَّا بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ؛ أحَدُهَا، دَعْوَى الْقَتْلِ، ذَكَرًا كَانَ الْمَقْتُولُ أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا.
وَأَمَّا الْجِرَاحُ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ.
الرحمنِ، وأبْناءُ عَمِّه حُوَيَّصَةُ ومُحَيِّصَةُ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فتَكَلَّمَ عبدُ الرحمنِ في أمْرِ أَخِيه، وهو أصْغَرُهم، فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كَبِّرِ الكُبْرَ (1)».
أو (2) قال: «لِيَبْدَأ الأَكْبَرُ».
فتَكَلَّما في أمْرِ صاحِبِهما، فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فيُدْفَعُ إلَيْكُمْ برُمَّتِه».
فقَالُوا: أمْرٌ لم نشْهَدْه، كيف نَحْلِفُ؟ قال: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟».
قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، قومٌ كُفَّارٌ ضُلَّالٌ.
قال: فوَداهُ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِنْ قِبَلِه.
قال سهلٌ: فدخلْتُ مِرْبَدًا لهم، فرَكَضَتْنِى نَاقةٌ مِن تلك الإِبلِ.
مُتَّفَقٌ عليه (3).

4359 -

مسألة: (ولَا تَثْبُتُ إلَّا بشُرُوطٍ أرْبَعَةٍ؛ أحَدُها، دَعْوَى القَتْلِ، ذَكَرًا كان المَقْتُولُ أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أو عَبْدًا، مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا. وأمَّا الجِرَاحُ فَلَا قَسامَةَ فيه)

دعْوَى القَتْلِ شرْطٌ في القَسامةِ، ولا تُسْمَعُ781782783

الحديث: 4359 - الجزء: 26 - الصفحة: 110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الدَّعْوَى إلَّا مُحَرَّرَةً، بأنْ يقول: أدَّعِى أنَّ هذا قَتَل وَلِيِّى فلانَ ابنَ فلانٍ، عَمْدًا، أو: خَطَأً -أو: شِبْهَ عمدٍ.
ويَصِفُ القَتْلَ، فإن كان [عَمْدًا، قال] 784: قَصَد إليه بسَيْفٍ.
أو بما يَقْتُلُ مثْلُه غالِبًا.
فإن كانتِ الدَّعْوَى على واحدٍ، فأقَرَّ، ثَبَت القَتْلُ، وإن أنْكَر وثَمَّ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها، وإلَّا صارَ الأمْرُ إلى الأيْمانِ.
وإن كانتِ الدَّعْوَى على أكثرَ مِن واحدٍ، لم يَخْلُ مِن أرْبعةِ أحْوالٍ؛ أحدُها، أن يقولَ: قتلَه هذا، و 785 هذا [قَتَلَه عَمْدًا] 786. ويَصِفُ العمدَ بصِفَتِه، فيقالُ له: عَيِّنْ واحِدًا.
فإنَّ القَسامَةَ المُوجِبَةَ للقَوَدِ لا تكونُ على أكثرَ مِن واحدٍ.
الحالُ الثانى، أن يقولَ: تَعَمَّد هذا، وهذا كان خاطِئًا.
فهو يَدَّعِى قَتْلًا غيرَ مُوجِبٍ للقَوَدِ، فيُقْسِمُ عليهما، ويَأْخُذُ نِصْفَ الدِّيَةِ مِن مالِ العامِدِ، ونِصفَها من مالِ 787 المُخْطِئَ.
الحالُ الثالثُ، أن يقولَ: عَمَد هذا، ولا أدْرِى أَكان قتلُ الثانى عَمْدًا أو خَطَأً؟ فقيل: لا تَسُوغُ القَسامَةُ ههُنا؛ [لأنَّه يحْتَمِلُ أن يكونَ الآخَرُ مُخْطِئًا، فيكونُ مُوجَبُها الدِّيَةَ عليهما.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ عامِدًا، فلا تَسُوغُ القسامةُ 788 ههنا] (1)، ويجبُ تَعْيِينُ واحدٍ، والقَسامةُ عليه،

الجزء: 26 - الصفحة: 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيكونُ مُوجَبُها القَوَدَ، فلم تَجُزِ القَسامَةُ مع هذا.
فإن عادَ فقال: عَلِمْتُ أنَّ الآخَرَ كان عامِدًا.
فله أَنْ يُعَيِّنَ واحِدًا، ويُقْسِمَ عليه.
وإن قال: كان مُخْطِئًا.
ثبَتَتِ القَسامَةُ حينئذٍ، ويُسْأَلُ الآخَرُ، فإن أنْكَرَ، ثبَتَتِ القَسامَةُ، وإن أقَرَّ ثَبَتَ عليه القتلُ، ويكونُ عليه نِصْفُ الدِّيَةِ في مالِه؛ لأنَّه ثَبَت بإقْرارِه لا بالقَسامَةِ.
وقال القاضى: يكونُ على عاقِلَتِه.
والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأَنَّ العاقِلَةَ لا تَحْمِلُ اعْتِرافًا.
الحالُ الرِابعُ.
أن يقولَ: قَتَلاهُ خَطَأً، أو: شِبْهَ عَمْدٍ، أو: أحَدُهما خاطِئًا، والآخرُ شِبْهَ العَمْدِ.
فله أن يُقْسِمَ عليهما.
فإنِ ادَّعَى أنَّه قَتَلَ وَلِيَّه عَمْدًا، فسُئِلَ عنِ تفْسِيرِ العَمْدِ، ففَسَّرَه بعَمْدِ الخَطَأ، قُبِلَ تفْسِيرُه، [وأقْسَمَ] 789 على ما فسَّرَه به؛ لأنَّه أخْطَأَ في وَصْفِ القَتْلِ بالعَمْدِيَّةِ.
ونقَل المُزَنِىُّ عن الشّافعىِّ: لا يَحْلِفُ عليه؛ لأنَّه بدَعْوى العَمْدِ بَرَّأَ العاقِلَةَ، فلم تُسْمَعْ دعْوَاه بعدَ ذلك ما يُوجِبُ عليهم المالَ.
ولَنا، أنَّ دَعْوَاه قد تَحَرَّرَتْ، وإنَّما غَلِطَ في تَسْمِيَةِ شِبْهِ العَمْدِ عَمْدًا، وهذا مما يَشْتَبِهُ، فلا يُؤاخَذُ به.
ولو أحْلَفَه الحاكمُ قبلَ تَحْرِيرِ الدَّعْوَى وتَبَيُّنِ نَوْعِ القَتْلِ، لم يُعْتَدَّ باليَمِينِ؛ لأَنَّ الدَّعْوَى لا تُسْمَعُ غيرَ مُحَرَّرَةٍ 790، فكأَنَّه أحْلَفَه قبلَ الدَّعْوَى، ولأنَّه إنَّما يُحلِّفُه ليُوجِبَ له ما يَسْتَحِقُّه، فإذِا لم يَعْلَمْ ما يستحِقُّه بدَعْوَاه، لم يَحْصُلِ المَقْصُودُ

الجزء: 26 - الصفحة: 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  باليَمِينِ، فلم يَصِحَّ.
فصل: قال القاضى: يجوزُ للأوْلِياءِ أن يُقْسِمُوا على القاتلِ، إذا غَلَب [على ظَنِّهِم] 791 أنَّه قَتَلَه، وإن كانُوا غائِبِينَ عن مكانِ القَتْلِ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال للأنْصارِ: «تَحْلِفُونَ، وتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ».
وكانوا بالمدينةِ، والقتلُ بخَيْبَرَ، ولأَنَّ للإِنْسانِ أن يَحْلِفَ على غالِبِ ظَنِّه، كما أنَّ مَن اشْتَرَى مِن إنْسانٍ شيئًا، فجاءَ آخَرُ يدَّعِيه، جازَ أن يَحْلِفَ أنَّه لا يَسْتَحِقه؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه مِلْكُ الذى باعَه، وكذلك إذا وَجَد شيئًا بخَطهِ أو بخَطِّ أبيه ودَفْتَرِه، جازَ أَنْ يَحْلِفَ، وكذلك إذا باعَ شيئًا لم يعلمْ فيه عَيْبًا، فادَّعَى عليه المُشْتَرِى أنَّه مَعِيبٌ، وأرادَ رَدَّهُ، كان له أَنْ يَحْلِفَ أنَّه باعَه 792 بَرِيئًا مِن العَيْبِ.
ولا يَنْبَغِى أن يَحْلِفَ المُدَّعِى إلَّا بعدَ الاسْتِثْباتِ، وغَلَبَةِ ظَنٍّ تُقارِبُ اليَقِينَ، ويَنْبَغِى للحاكمِ أن يقولَ لهم: اتَّقُوا اللَّهَ، واسْتَثْبِتُوا.
ويَعِظَهم، ويُحَذِّرَهُم، ويَقْرأ عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ 793. ويُعَرِّفَهُم ما في اليَمِينِ الكاذبةِ، وظُلمِ البَرِئِ، وقَتْلِ النَّفْسِ بغيرِ الحَقِّ، ويُعَرِّفَهم أنَّ عَذابَ الدُّنْيا أهْونُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ.
وهذا كلُّه مذهبُ الشَّافِعِىِّ.

الجزء: 26 - الصفحة: 113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

4360 - مسألة: (وسَواءٌ كان المَقْتُولُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا)

أمّا إذا كان المقْتولُ مُسْلِمًا حُرُّا، فليس فيه خِلافٌ، سواءٌ كان المُدَّعَى عليه مُسْلِمًا أو كافِرًا، فإنَّ الأَصْلَ في القَسامَةِ قِصَّةُ عبدِ اللَّهِ بنِ سَهْلٍ، حينَ قُتِلَ بخَيْبَرَ، فاتهِمَ اليَهودُ بقَتْلِه، فأمَر النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالقَسامَةِ.
وأمَّا إنْ كان المقْتولُ كافِرًا أو عَبْدًا، وكان قاتلُه ممَّن يجبُ عليه القِصاصُ بقَتْلِه، وهو المُماثِلُ له في حالِه أو دُونَه، ففيه القَسامَةُ.
وهذا قولُ الشَّافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى.
وقال الزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ: لا قَسامَةَ في العَبْدِ؛ لأنَّه مالٌ، فلم تَجِبِ القَسامَةُ فيه، كالبَهِيمَةِ.
ولَنا، أنَّه قَتْلٌ مُوجبٌ للقِصاصِ، فأوْجبَ القَسامَةَ، كقَتْلِ الحُرِّ، بخِلافِ البَهِيمَةِ، فإنَّه لا قِصاصَ فيها.
ويُقْسِمُ على العَبْدِ سَيِّدُه؛ لأنَّه المُسْتَحِقُّ لدَمِه، وأُمُّ الوَلَدِ والمُدَبَّرُ والمكاتَبُ والمُعَلَّقُ عِتْقُه بصِفَةٍ، كالقِنِّ؛ لأَنَّ الرِّقَّ ثابتٌ فيهم.
فإن كان القاتلُ ممَّن 794 لا قِصاصَ عليه، كالمُسْلمِ يقْتُلُ كافِرًا، والحُرِّ يقْتُلُ عَبْدًا، فلا قَسامَةَ فيه، في ظاهرِ قَوْلِ الخِرَقِىِّ، وهو قولُ مالكٍ؛ لأَنَّ القَسامَةَ إنَّما تكونُ فيما يُوجِبُ القَوَدَ.
وقال القاضى: فيهما القَسامَةُ.
[وهو قولُ الشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى؛ لأنَّه قتْلُ آدَمِىٍّ يُوجبُ الكفَّارَةَ، فشُرِعَتِ القَسامَةُ فيه] 795، كقَتْلِ الحُرِّ المُسْلمِ، ولأَنَّ ما كان حُجَّةً في قَتْلِ الحرِّ

الحديث: 4360 - الجزء: 26 - الصفحة: 114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المسلمِ 796، كان حُجَّةً في قتْلِ العَبْدِ والكافرِ، كالبَيِّنَةِ.
ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّه قَتْل لا يُوجِبُ القِصاصَ، فأَشْبَهَ قتلَ البَهِيمَةِ، ولا يَلْزَمُ مِن شَرْعِها فيما يُوجِبُ القِصاصَ، شَرْعُها مع عَدَمِه، بدَليلِ أنَّ العَبْدَ لو اتُّهِمَ بقَتْلِ سَيِّدِه، وجَبَتِ القَسامَةُ إذا كان القتلُ مُوجِبًا للقِصاصِ.
ذكَره القاضى؛ لأنَّه لا يجوزُ قَتْلُه قبلَ ذلك، ولو لم يكُنْ مُوجِبًا للقِصاصِ لم تُشْرَعِ القَسامَةُ.
فصل: وإن قُتِلَ عبدُ المُكاتَبِ، فللمكاتَبِ أن يُقْسِمَ على الجانِى؛ لأنَّه مالكُ العَبْدِ، يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيه وفى بَدَلِه 797، وليس لسَيِّدِه انْتِزاعُه منه، وله شِراؤُه منه.
ولو اشْتَرى المأذونُ له في التِّجارةِ عَبْدًا، فقُتِلَ، فالقَسامَةُ لسَيِّدِه دُونَه؛ لأَنَّ ما اشْتراه الأذونُ يَمْلِكُه سَيِّدُه دُونَه، ولهذا يَمْلِكُ انْتِزاعَه منه.
وإن عجزَ المكاتَبُ قبلَ أَنْ يُقْسِمَ، فلسَيِّدِه أن يُقْسِمَ؛ لأنَّه صارَ المُسْتَحِقَّ لبَدَلِ المقْتولِ، بمَنْزِلَةِ وَرَثَةِ الحُرِّ إذا ماتَ قبلَ أن يُقْسِمَ، ولو ملَّكَ السَّيِّدُ عبدَه أو أمَّ ولَدِه عَبْدًا فقُتِلَ، فالقَسامَةُ للسَّيِّدِ، سواءٌ قُلْنا: يَمْلِكُ العبدُ بالتَّمْلِيكِ -أو- لا يَمْلِكُ؛ لأنَّه إن لم يَمْلِكْ، فالمِلْكُ لسَيِّدِه، وإن [مَلَك، فهو مِلْكٌ] 798 غيرُ ثابتٍ، ولهذا يَمْلِكُ سَيِّدُه انْتزاعَه منه، ولا يجوزُ له التَّصَرُّفُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، بخِلافِ المُكاتَبِ.
وإن أوْصَى لأمِّ ولَدِه ببَدَلِ العَبْدِ، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ، وإن كان لم يَجِبْ بعدُ،

الجزء: 26 - الصفحة: 115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كما تَصِحُّ الوصيةُ بثَمَرَةٍ لم تُخْلَقْ.
والقَسامَةُ للوَرَثَةِ؛ لأنَّهم القائمون مَقامَ المُوصِى في إثْباتِ حُقوقِه، فإذا حَلَفُوا، ثبَت لها البَدَلُ بالوَصِيَّةِ، فإن لم يَحْلِفُوا لم يكُنْ لها أن تَحْلِفَ، كما 799 إذا امْتَنَع الوَرَثَةُ باليَمِينِ مع الشَّاهدِ، لم يكُنْ للغُرَماءِ أن يَحْلِفُوا معه.
فصل: والمَحْجورُ عليه لسَفَهٍ أو فَلَسٍ، كغيرِ المَحْجورِ عليه، في دَعْوَى القتلِ، والدَّعْوَى عليه، [إلَّا أنَّه] 800 إذا أقَرَّ بمالٍ، أو لَزِمَتْه الدِّيَةُ بالنُّكولِ عن اليَمِينِ، لم تَلْزَمْه في حالِ حَجْرِه؛ لأَنَّ إقْرارَه بالمالِ [في الحالِ] 801 غيرُ مَقْبولٍ بالنِّسْبَةِ إلى أخْذِ شئٍ مِن مالِه في الحالِ، على ما عُرِفَ في مَوْضِعِه.
فصل: ولو جُرِحَ مُسْلمٌ فارْتَدَّ، ومات على الرِّدَّةِ، فلا قَسامَةَ فيه؛ لأَنَّ نفْسَه غيرُ مَضْمُونةٍ، ولا قَسامَةَ فيما دُونَ النَّفْسِ، ولأَنَّ مالَه يصيرُ فَيْئًا، والفَىْءُ ليس له مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّن فتَئْبُت القَسامَةُ له.
وإن مات 802 مُسْلِمًا، فارْتَدَّ وارِثُه قبلَ 803 القَسامَةِ، فقال أبو بكرٍ: ليس له أن يُقْسِمَ، وإن أقْسَمَ لم يَصِحَّ؛ لأَنَّ مِلْكَه يزُولُ عن مالِه وحقُوقِه، فلا يَبْقَى مُسْتَحِقًّا للقَسامَةِ.
وهذا قولُ المُزَنِىِّ.
ولأَنَّ المُرْتَدَّ قد أقْدَمَ على الكُفْرِ الذى لا

الجزء: 26 - الصفحة: 116

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذَنْبَ أعْظَمُ منه، فلا يَسْتَحِقُّ بيَمِينِه دَمَ مسلمٍ، ولا يَثْبُتُ بها قَتْلٌ.
وقال القاضى: الأوْلَى أن تُعْرَضَ عليه القَسامَةُ، فإنْ أقْسَمَ، وجَبَتِ الدِّيَةُ.
وهذا قولُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ اسْتِحْقاقَ المالِ بالقَسامَةِ حَقٌّ له، فلا يَبْطُلُ برِدَّتِه، كاكْتِسابِ المالِ، يُوجِبُ الاكتِسابَ، وكُفْرُه لا يَمْنَعُ يَمِينَه؛ لأَنَّ الكافِرَ تَصِحُّ يَمِينُه، وتُعْرَضُ عليه في الدَّعاوَى، فإن حَلَفَ، ثبَت القِصاصُ أو الدِّيَةُ، فإن عادَ إلى الإِسْلام، كان له، وإن ماتَ، كان فَيْئًا.
والصَّحِيحُ، إن شاءَ اللَّهُ، ما قاله أبو بكَرٍ؛ لأَنَّ مالَ المُرْتَدِّ إمَّا أن يكونَ مِلْكُه قد زالَ عنه، وإمّا مَوْقُوفٌ، وحُقوقُ المالِ حُكْمُها حُكْمُه؛ فإن قُلْنا: يزُولُ 804 مِلْكُه.
فلا حَقَّ له.
وإن قُلْنا: هو مَوْقوفٌ.
فهو قبلَ انْكِشافِ حالِه مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَثْبُتُ الحُكمُ بشئٍ مَشْكوكٍ فيه، كيف وقَتْلُ المُسْلِمِ أمْرٌ كبيرٌ لا يَثْبُتُ مع الشُّبُهاتِ، ولا يُسْتَوْفَى مع الشَّكِّ.
فأمَّا إنِ ارْتَدَّ قبلَ مَوْتِ مَوْرُوثِه، لم يكُنْ وارِثًا، ولا حَقَّ له، وتكونُ القَسامَةُ لغيرِه مِن الوُرَّاثِ 805. فإن لم يكُنْ للمَيِّتِ وارِثٌ سِواهُ، فلا قسامةَ فيه؛ لِما ذكَرْنا.
فإن عادَ إلى الإِسْلامِ قبلَ قَسامَةِ غيرِه، فقِياسُ المذهبِ أنَّه يَدْخُلُ في القَسامَةِ؛ لأنَّه متى رجَع قبلَ قَسْمِ المِيراثِ، قُسِمَ له.
وقال القاضى: لا تَعودُ القَسامَةُ إليه؛ لأنَّها اسْتُحِقَّتْ على غيرِه.
وإنِ ارْتَدَّ رَجُل، فقُتِلَ عبْدُه، أو قتِلَ عبدُه ثم ارْتَدَّ، فهل له أن يُقْسِمَ؟

الجزء: 26 - الصفحة: 117

الثَّانِى، اللَّوْثُ؛ وَهُوَ الْعَدَاوَةُ الظَّاهِرَةُ، كَنَحْوِ مَا كَانَ بَيْنَ الأَنْصَارِ وَأَهْلِ خَيْبَرَ، وَكَمَا بَيْنَ الْقَبَائِلِ الَّتِى يَطْلُبُ بَعْضُهَا  على وَجْهَينَ، بِناءً على الاخْتِلافِ المُتَقَدِّمَ.
فإن عادَ إلى الإِسْلامَ، عادَتِ القَسامَةُ؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّ بَدَلَ العَبْدِ.

4361 -

مسألة: (فَأمَّا الجِراحُ فلا قَسامَةَ فيه)

لا قَسامَةَ فيما دُونَ النَّفْسِ مِن الأطْرافِ والجِرَاحِ.
لانَعلمُ فيه خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ.
وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ؛ لأَنَّ القَسامَةَ تثْبُتُ في النَّفْسِ لحُرْمَتِها، فاخْتَصَّتْ بها دونَ الأطْرافِ، كالكَفَّارَةِ، ولأنَّها تثْبُتُ حيثُ كان المَجْنِىُّ عليه لا يُمْكِنُه التَّعْبِيرُ عن نفْسِه، وتَعْيِينُ قاتِلِه، ومَن قُطِعَ طَرَفُه، يُمْكِنُه ذلك.
وحُكْمُ الدَّعْوَى فيه حُكْمُ الدَّعْوَى في سائرِ الحُقوقِ؛ البَيِّنَةُ على المُدَّعِى، واليَمِينُ على المُنْكِرِ يَمِينًا واحدةً؛ لأنَّها دَعْوَى لا قَسامَةَ فيها، فلا تُغَلَّظُ بالعَدَدِ، كالدَّعْوَى [في المالِ] 806. (الثانى، اللَّوثُ؛ وهو العَداوَةُ الظَّاهِرَةُ، كنحوِ ما كان بينَ الأنْصارِ وأهلِ خَيْبَرَ، وكما بينَ القبائلِ التى يطْلُبُ بعضُها بعضًا بثَأْرٍ، في ظاهرِ المذهبِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، في اللَّوثِ، فرُوِىَ عنه

الحديث: 4361 - الجزء: 26 - الصفحة: 118

بَعْضًا بِثَأْرٍ، فِى ظَاهِرِ المَذْهَبِ.
وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلى أَنَّهُ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِحَّةُ الدَّعْوَى بِهِ، كَتَفَرُّقِ جَمَاعَةٍ عَنْ قَتِيلٍ، وَوُجُودِ قَتِيلٍ عِنْدَ مَنْ مَعَهُ سَيْفٌ مُلَطَّخٌ بِدَمٍ، وَشَهَادَةِ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ لَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ بِشَهَادَتِهِمْ، كَالنِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
أنَّه العَدَاوَةُ الظَّاهرةُ بينَ المقْتولِ والمُدَّعَى عليه، كَنَحْوِ ما كان بينَ الأنْصارِ ويَهُودِ خيْبَرَ، وما 807 بينَ القبائلِ والأحْياءِ وأهْلِ القُرَى الذين بيْنَهم الدِّماءُ والحُروبُ، وما بينَ البُغَاةِ وأهْلِ العَدْلِ، وما بينَ الشُّرَطَةِ واللُّصُوصِ، وكُلِّ مَن بيْنَه وبينَ المقْتُولِ ضِغْنٌ يَغْلِبُ على الظَّن أنَّه قَتَلَه.
نقل مُهَنَّا عن أحمدَ، في مَن وُجِدَ قَتِيلًا في المَسْجدِ الحرامِ، يُنْظَرُ مَن بينَه وبينَه في حياتِه شئٌ -يعنى ضِغْنًا- يُؤْخَذُون به.
ولم يَذْكُرِ القاضى في اللَّوْثِ غيرَ العَداوَةِ، إلَّا أنَّه قد قال في الفَريقَيْنِ يقْتَتِلانِ فينْكَشِفُونَ عن قَتِيل: فاللَّوْثُ على الطَّائِفَةِ التى القَتِيلُ مِن غيرِها، سواءٌ كان القِتالُ بالْتِحَامٍ، أو مُراماةٍ بالسِّهامِ، وإن لم تَبْلُغِ السِّهامُ، فاللَّوْثُ على طائِفَةِ القَتِيلِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُشْتَرَطُ مع العَداوَةِ أن لا يكونَ في الموْضِعِ الذى به القَتِيلُ غيرُ العَدُوِّ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ مُهَنَّا التى

الجزء: 26 - الصفحة: 119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذكَرْناها.
وكلامُ الْخِرَقِىِّ يَدُلُّ عليه أيضًا.
واشْتَرطَ القاضى أن يُوجَدَ القَتِيلُ في مَوْضِعِ عَدُوٍّ لا يَخْتَلِطُ بهم غيرُهم.
وهذا مذْهبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ الأنْصارِىَّ قُتِلَ في خيْبَرَ ولم يكُنْ بها إلَّا اليهودُ، وجميعُهم أعداءٌ.
ولأنَّه متى اخْتَلَطَ بهم غيرُهم، احْتمَلَ أن يكونَ القاتِلُ ذلك الغَيْرَ.
ثم ناقَضَ قولَه، فقال في قَوْم ازْدَحَمُوا في مَضِيقٍ، فافْتَرَقوا عن قَتِيلٍ، فقال: إن كان في القَوْمِ مَن بيْنَه وبينَه عَداوَةٌ، وأمْكَنَ أن يكونَ هو قَتَلَه؛ لكَوْنِه بقُرْبِه، فهو لَوْثٌ.
فجعلَ العَداوَةَ لَوْثًا مِع وُجُودِ غيرِ العَدُوِّ.
ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَسْأَل الأنْصارَ: هل كان بخيْبَرَ غيرُ اليَهودِ أم لا؟ مع أنَّ الظَّاهِرَ وُجودُ غيرِهم فيها؛ لأنَّها كانتْ أمْلاكًا للمسلمين، يقْصِدُونها لأخْذِ غَلَّاتِ أمْلاكِهم منها، وعمارَتِها، والاطِّلاعِ عليها، والامْتِيارِ 808 منها، ويَبْعُدُ أن تكونَ مدينَة على جَادَّةٍ تخْلُو مِن غيرِ أهْلِها.
وقولُ الأنْصارِ: ليس لنا بخَيْبَرَ عَدُوٌّ إلَّا يَهُودُ 809. يَدُلُّ على أنَّها قد كان بها غيرُهم ممَّن ليس بعَدُوٍّ، ولأَنَّ اشْتِراكَهم في العَداوَةِ لا يَمْنَعُ مِن وُجودِ اللَّوْثِ في حَقِّ واحدٍ، وتخْصيصِه بالدَّعْوَى مع مُشارَكَةِ غيرِه في احْتِمالِ قَتْلِه، فَلأَنْ لا يَمْنَعَ ذلك وُجودُ مَن يَبْعُدُ منه القَتْلُ أوْلَى.
وما ذكَرُوه مِن الاحْتِمالِ لا يَنْفِى اللَّوْثَ، فإنَّ اللَّوْثَ لا يُشْتَرطُ فيه يَقِينُ 810 القَتْلِ مِن المُدَّعَى عليه، فلا يُنافِيه الاحْتِمالُ، ولو تُيُقِّنَ القَتْلُ مِن المُدَّعَى عليه، لَما احْتِيجَ إلى الأيْمانِ،

الجزء: 26 - الصفحة: 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولو اشْتُرِطَ نَفْىُ الاحْتِمالِ، لَما صَحَّتِ الدَّعْوَى على واحدٍ مِن جماعةٍ؛ لاحْتِمالِ أنَّ القاتلَ غيرُه، ولا على الجماعةِ كلِّهم؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن لا يَشْتَرِكَ الجميعُ في قَتْلِه.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ عن أحمدَ، أنَّ اللَّوْثَ ما يُغَلِّبُ على الظَّنِّ صِدْقَ المُدَّعِى، وذلك مِن وُجُوهٍ؛ أحدُها، العداوةُ المذْكورَةُ.
الثانى، أن يتَفَرَّقَ جَماعةٌ عن قتيل، فيكونُ ذلك لَوْثًا في حَقِّ كُلِّ واحدٍ منهم، فإنِ ادَّعَى الوَلِى على واحدٍ فأنْكَرَ كَوْنَه مع الجماعةِ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه.
ذكَره القاضى.
وهو مذْهبُ الشَّافعىِّ؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ ذلك، إلَّا أن يَثْبُتَ ببَيِّنَةٍ.
الثالثُ، أن يَزْدَحِمَ النَّاسُ في مَضِيقٍ، فيوجدَ بينَهم قتيلٌ، فظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ هذا ليس بلَوْثٍ، فإنَّه قال في مَن مات في 811 الزِّحامِ يومَ الجُمُعةِ: فَدِيَتُه في بَيْتِ المالِ.
وهذا قولُ إسْحاقَ.
ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ؛ فإنَّ سعيدًا رَوَى في «سُنَنِه» 812، عن إبراهيمَ، قال: قُتِلَ رجل في زِحامِ النَّاسِ بعَرَفَةَ، فجاءَ أهلُه إلى عمرَ، فقال: بَيِّنَتُكم على مَن قتلَه.
فقالَ علىٌّ: يا أميرَ المؤمنين، لا يُطَلُّ 813 دَمُ امْرئٍ مسلمٍ، إن عَلِمْتَ قاتلَه، وإلَّا فأعْطِ 814 دِيَتَه مِن بيتِ المالِ.
وقال أحمدُ في مَن وُجِدَ مَقْتُولًا في المسجدِ الحرامِ: يُنْظَرُ مَن كان

الجزء: 26 - الصفحة: 121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بيْنَه وبينَه شئٌ في حياتِه -يَعْنِى عداوةً.
فلم يَجْعَلِ الحضورَ لَوْثًا، وإنَّما جعلَ اللَّوْثَ العداوةَ.
وقال الحسنُ، والزُّهْرِىُّ، في مَن مات في الزِّحامِ: دِيَتُه على مَن حضَرَ؛ لأَنَّ قتلَه حَصلَ منهم.
وقال مالكٌ: دَمُه هَدْرٌ؛ لأنَّه 815 لا يُعْلَمُ له قاتلٌ، ولا وُجِد لَوْثٌ، فيُحْكَمَ بالقَسامَةِ فيه.
وقد رُوِى عن عمرَ بنِ عبدِ العزيز، أنَّه كُتِب إليه في رجلٍ وُجِدَ قَتِيلًا، لم يُعْرَفْ قاتِلُه، فكَتَب إليهم: إنَّ مِن القَضايَا قضَايَا لا [يُحْكَمُ فيها] 816 إلَّا في الدَّارِ الآخِرَةِ، وهذا منها.
الرابعُ، أن يُوجَدَ قَتِيل لا يُوجَدُ بقُرْبِه إلَّا رجلٌ معه سَيْفٌ أو سِكِّينٌ مُلَطَّخٌ بدَمٍ، ولا يُوجَدُ غيرُه ممَّن يَغْلِبُ على الظَّنِّ قتلُه، مثلَ أن يَرَى رجلًا هاربًا يَحْتَمِلُ أنَّه القاتلُ، أو سَبُعًا يَحْتَمِلُ ذلك فيه.
الخامسُ، أن تَقْتَتِلَ فِئَتانِ، فيَفْتَرِقُونَ عن قَتِيلٍ مِن إحْداهما، فاللَّوْث على الأُخْرَى.
ذكَرَه القاضى.
فإن كانوا بحيثُ لا تَصِلُ سِهامُ بعْضِهم بعضًا، فاللَّوْثُ على طائِفَةِ القَتِيلِ.
وهذا قولُ الشَّافعىِّ.
ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّ عَقْلَ القَتيلِ على الذين نازَعُوهم، فيما إذا اقْتَتَلتِ الفِئَتانِ، إلَّا أن يَدَّعُوا

الجزء: 26 - الصفحة: 122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على واحدٍ بعَيْنِه.
وهذا قولُ مالكٍ.
وقال ابنُ أبى لَيْلَى: عَقْلُه على الفَريقَيْن جميعًا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه مات مِن فِعْلِ أصْحابِه، فاسْتَوى الجميعُ فيه.
وعن أحمدَ في قوم اقْتَتَلوا، فقُتِلَ بعْضُهم وجُرِحَ بعضُهم: فدِيَةُ المَقْتُولِين على المَجْرُوحِين، يَسْقُطُ منها دِيَةُ الجِراحِ.
وإن كان فيهم مَن لا جُرْحَ فيه، فهل عليه مِن الدِّياتِ شئٌ؟ على وَجْهَين، ذكَرَهما ابنُ حامدٍ.
السادسُ، أن يَشْهَدَ بالقَتْلِ عَبِيدٌ ونِساءٌ، ففيه عن أحمدَ روايَتانِ؛ إحْداهُما، أنَّه لَوْثٌ؛ لأنَّه يَغْلِبُ على الظَّنِّ صِدْقُ المُدَّعِى، فأَشْبَهَ العَداوَةَ.
والثانيةُ، ليس بلَوْثٍ؛ لأنَّها شهادةٌ مَرْدُودةٌ، فلم تكُنْ لَوْثًا، كما لو شَهِدَ به كُفَّارٌ.
وإن شَهِد به فُسَّاقٌ أو صِبْيانٌ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، ليس بلَوْثٍ؛ لأنَّه لا يتَعَلَّقُ بشَهادَتِهم حكم، فلا يَثْبُتُ اللَّوْثُ بها، كشَهادَةِ الأطْفالِ والمَجانِينِ.
والثانى، يثْبُتُ بها اللَّوْثُ؛ لأنَّها شهادة تُغَلِّبُ على الظَّنِّ صِدْقَ المُدَّعِى، فأَشْبَهَ شهادةَ النِّساءِ والعَبِيدِ، وقولُ الصبْيانِ مُعْتَبَرٌ في الإِذْنِ 817 في دُخولِ الدَّارِ، وقَبولِ الهدِيَّةِ، ونحوِها.
وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ.
ويُعْتَبَرُ أن يَجِئَ الصِّبْيانُ مُتَفَرِّقينَ؛ لئلَّا يتطَرَّقَ إليهم التَّوَاطُؤُ على الكذبِ.
فهذه الوُجُوهُ قد ذُكِرَ عن أحمدَ أنَّها لَوْثٌ؛ لأنَّها تُغَلِّبُ على الظَنِّ صِدْقَ المُدَّعِى، أشْبَهَتِ العَداوَةَ.
ورُوِىَ أنَّ هذا ليس

الجزء: 26 - الصفحة: 123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بلَوْثٍ، وهو ظاهرُ كلامِه في الذى قُتِلِ في الزِّحامِ؛ لأَنَّ اللَّوْثَ إنَّما يثْبُتُ بالعَداوَةِ بقَضِيَّةِ الأنْصارِىِّ القَتيلِ بخيْبَرَ، ولا يجوزُ القِياسُ عليها؛ لأَنَّ الحُكْمَ ثَبَت بالمَظِنَّةِ، ولا يجوزُ القِياسُ في 818 المَظَانِّ؛ لأَنَّ الحُكمَ إنَّما يتَعَدَّى بتعَدِّى 819 سَبَبِه، والقِياسُ [في المَظَانِّ] 820 جمعٌ بمُجَرَّدِ الحِكْمَةِ وغَلَبَةِ الظنُونِ، [والحِكَمُ والظُّنونُ] 821 تَختَلِفُ ولا تَأْتَلِفُ، وتَنْخَبِطُ ولا تَنْضَبِطُ، وتخْتَلِفُ باخْتلافِ القرائنِ والأحْوالِ والأشْخاصِ، فلا يُمْكِنُ رَبْطُ الحُكْمِ بها، ولا تَعْدِيَتُه بتَعَدِّيها، ولأنَّه يُعْتَبَرُ في التَّعْدِيَةِ والقِياسِ التَّساوِى بينَ الأَصْلِ والفَرْعِ في 822 المُقْتَضِى، ولا سبيلَ إلى يَقِينِ التَّساوِى بينَ الظَّنَّيْنِ مع كثرةِ الاحْتِمالاتِ وترَدُّدِها.
فعلى هذه الرِّوايةِ، حكمُ هذه الصُّوَرِ حكمُ غيرِها ممَّا لا لَوْثَ فيه.
فصل: وإن شَهِدَ رَجُلانِ على رجلٍ أنَّه قَتَل أحدَ هذيْن القتِيلَيْن، لم تثْبُتْ هذه الشَّهادةُ، ولم يكُنْ لَوْثًا عندَ أحدٍ عَلِمْنَا قوْلَه.
وإن شَهِدَا أنَّ

الجزء: 26 - الصفحة: 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هذا القَتيلَ قَتَلَه أحدُ هذيْن الرَّجُلَيْن، أو شَهِدَ أحدُهما أنَّ هذا قتلَه، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه أقَرَّ بقَتْلِه، أو شَهِدَ أحدُهما أنَّه قَتَلَه بسَيْفٍ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه قَتَلَه بسِكِّينٍ، لم تَكْمُلِ الشَّهادةُ، ولم يكُنْ لَوْثًا.
هذا قولُ القاضى واختِيارُه.
والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، فيما إذا شَهِدَ أحدُهما بقَتْلِه، والآخَرُ بالإِقْرارِ بقَتْلِه، أنَّه يثْبُتُ القتلُ.
واختارَ أبو بكرٍ ثُبوتَ القتلِ ههُنا، وفيما إذا شَهِدَ أحدُهما أنَّه قَتلَه بسيفٍ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه قَتلَه بسِكِّين؛ لأنَّهما اتَّفَقا على القَتْلِ، واخْتلفَا في صِفَتِه.
وقال الشافعىُّ: هو لَوْثٌ في هذه الصُّورَةِ، في أحَدِ القَوْلَيْن، وفى الصُّورَتَيْن اللَّتَيْن قبلَها هو لَوْثٌ، لأنَّها شَهادةٌ تُغَلِّبُ على الظَّنِّ صِدْقَ المُدَّعِى، أشْبَهَتْ شَهادةَ النِّساءِ والعَبيدِ.
ولَنا، أنَّها شهادةٌ مَرْدُودةٌ؛ للاخْتلافِ فيها، فلم تَكُنْ لَوْثًا، كالصُّورةِ الأُولى.
فصل: وليس مِن شَرْطِ اللَّوْثِ أن يكونَ بالقَتِيلِ أثَرٌ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وعن أحمدَ أنَّه شَرْطٌ.
وهذا قولُ حمادٍ، وأبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، لأنَّه إذا لم يكُنْ به أثَرٌ، احْتَمَلَ أنَّه ماتَ حَتْفَ أنْفِه.
[ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يسْألِ الأنْصارَ، هل كان بقَتيِلِهم أثَر أو لا؟ ولأَنَّ القَتْلَ يحْصُلُ بما لا أثرَ له، كغَمِّ الوَجْهِ، والخَنْقِ، وعَصْرِ الخُصْيَتَيْن، وضرْبةِ الفُؤادِ، فأشْبَهَ مَن به أثَرٌ، ومَن به أثَرٌ قد يموتُ حَتْفَ أنْفِه] 823؛ لسَقْطَتِه، أو صَرْعَتِه، أو يقتُلُ نفْسَه.
فعلى قولِ مَن اعْتَبَرَ الأثَرَ، إن خَرَج الدَّمُ مِن

الجزء: 26 - الصفحة: 125

فَأمَّا قَوْلُ الْقَتِيلِ: فُلَانٌ قَتَلَنِى.
فَلَيْسَ بِلَوْثٍ.
أُذُنِه، فهو لَوْثٌ؛ لأنَّه لا يكونُ إلَّا لِخَنْقٍ، أو أمرٍ أُصِيبَ به، وإن خَرج مِن أنْفِه، فهل يكونُ لَوْثًا؟ على وَجْهَيْن.

4362 -

مسألة: (فأمَّا قولُ القَتِيلِ: فُلانٌ قَتَلَنِى. فليس بِلَوْثٍ)

هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الثَّورىُّ، والأوْزاعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال مالكٌ، واللَّيْثُ: هو لَوْثٌ؛ لأَنَّ قَتِيلَ بنى إسْراْئيلَ قال: قتَلَنِى فُلانٌ 824. فكان حُجَّةً.
ويُرْوَى هذا القولُ عن عبدِ الملكِ بنِ مَرْوانَ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وأمْوَالَهُمْ» 825. ولأنَّه يَدَّعِى حَقًّا لنَفْسِه، فلم يُقْبَلْ قولُه، كما لو لم يَمُتْ، ولأنَّه خَصْمٌ، فلم تَكُنْ دَعْواه لَوْثًا، كالوَلِىِّ، فأمَّا قَتِيلُ بَنِى إسْرائيلَ فلا حُجَّةَ فيه، فإنَّه لا قَسامةَ فيه، فإنَّ ذلك كان مِن آياتِ اللَّهِ ومُعْجِزاتِ نَبِيِّه مُوسى، عليه السَّلامُ، حيثُ أحْياه اللَّهُ تعالى بعدَ مَوْتِه، وأنْطَقَه بقُدْرَتِه بما اخْتَلَفُوا فيه، ولم يَكُنِ اللَّهُ تعالى لِيُنْطِقَه

الحديث: 4362 - الجزء: 26 - الصفحة: 126

وَمَتَى ادَّعَى الْقَتْلَ مَعَ عَدَمِ اللَّوْثِ عَمْدًا، فَقَالَ الْخِرَقِىُّ: لَا يُحْكَمُ لَهُ بيَمِينٍ وَلَا غَيْرِهَا.
وَعَنْ أَحْمَدَ أنَّهُ يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً.
وَهِىَ الْأَولَى.
وَإِنْ كَانَ خَطَأً، حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً.
بالكَذِبِ 826، بخِلافِ الحَىِّ، ولا سَبِيلَ إلى مثلِ هذا اليومَ، ثم ذاك في تَبْرِئةِ المُتَّهَمِينَ، فلا يجوزُ تَعْدِيَتُه إلى تُهْمَةِ البَرِيئِين.

4363 -

مسألة: (ومتى ادَّعَى القَتْلَ مع عَدَمِ اللَّوْثِ عَمْدًا، فقال الخِرَقِىُّ: لَا يُحْكَمُ له بيَمِينٍ ولا غَيْرِها.
وعن أحمدَ، أنَّه يَحْلِفُ يَمِينًا واحِدَةً.
وهى الأَوْلَى.
وإن كان خَطأً حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً)

إذا ادَّعَى القتلَ مع عَدَمِ اللَّوْثِ، لم يَخْلُ مِن حالَيْن، أحَدُهما، إذا وُجِدَ قَتيلٌ في مَوْضِعٍ، فادَّعَى أوْلِياؤُه قَتْلَه على رجلٍ، أو جماعةٍ، ولم يكُنْ بيْنَهم عَداوَةٌ ولا لَوْثٌ، فهى كسائرِ الدَّعاوَى، إن كانت لهم بَيِّنَة، حُكِمَ لهم بها، وإلَّا فالقولُ قولُ المُنْكِرِ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، [وابنُ المُنْذِرِ] 827. وقال أبو حنيفةَ وأصْحابُه: إذا ادَّعَى أوْلِياؤُه قَتْلَه [على أَهْلِ المَحَلَّةِ، أو على مُعَيَّنٍ، فلِلْوَلِىِّ أن يخْتارَ مِن الموْضِمعِ خَمْسينَ رَجلًا، يحْلِفونُ خمسينَ يَمِينًا: واللَّهِ ما قَتَلْناه] (2)، ولا عَلِمْنا قاتِلَه.
فإذا نَقَصُوا

الحديث: 4363 - الجزء: 26 - الصفحة: 127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن الخَمْسينَ، كُرِّرَتِ الأيْمانُ عليهم حتى تَتِمَّ، فإذا حَلَفُوا، وجَبَتِ الدِّيَةُ على باقى الخِطَّةِ، فإن لم يَكُنْ، وجَبتْ على سُكَّانِ الموْضِعِ، فإن لم يَحْلِفُوا، حُبِسُوا حتى يَحْلِفُوا أو يُقِرُّوا؛ لِمَا رُوِى أنَّ رَجُلًا وُجِدَ قَتِيلًا بينَ حَيَّيْنِ، فحلَّفَهم عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، خمسينَ يَمِينًا، وقَضَى بالدِّيَةِ على أقْرَبِهما -يعْنى أقْربَ 828 الحَيِّيْن- فقالوا: واللَّهِ ما وَقَتْ أيْمانُنا أمْوالَنا، ولا أمْوالُنا أيْمانَنا.
فقال عمرُ: حَقَنْتُم بأمْوالِكم دِماءَكم 829. ولَنا، حديثُ عبدِ اللَّهِ بنِ سَهْلٍ، وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَوْ يُعْطَى 830 النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْم وأمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ».
رواه مُسْلِمٍ.
وقولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ» 831. ولأَنَّ المُدَّعَى عليه الأصْلُ براءَةُ ذِمَّتِه، ولم يَظْهَرْ كَذِبُه، فكان القولُ قولَه، كسائرِ الدَّعاوَى، ولأنَّه مُدَّعًى عليه، فلم تَلْزَمْه اليَمِينُ والغُرْمُ، كسائرِ الدَّعاوَى، وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى مِن قَوْلِ عمرَ،

الجزء: 26 - الصفحة: 128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأحَقُّ بالاتِّباعِ، ثم قَضِيَّةُ عمرَ يَحْتَمِلُ أنَّهم اعْترفُوا بالقَتْلِ خَطَأً، وأنْكَروا [العَمْدَ، فاحْلِفُوا] 832 على العَمْدِ، ثم إنَّهم لا يَعْمَلون 833 بخَبَرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- المُخالِفِ للأُصُولِ، وقد صارُوا ههُنا إلى ظاهرِ قولِ عمرَ المُخالِفِ للأُصولِ، وهو إيجابُ الأيمانِ على غيرِ المُدَّعَى عليه، وإلْزَامُهم الغُرْمَ مع عَدَمِ الدَّعْوَى عليهم، والجمعُ بينَ تَحْلِيفِهم وتَغْريمِهم وحَبْسِهم على الأيمانِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 834: سَنَّ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- البَيِّنَةَ على المُدَّعِى، واليَمِينَ على المُدَّعَى عليه، وسَنَّ القَسامةَ في القَتيلِ الذى وُجِدَ بخَيْبَرَ، وقولُ أصْحابِ الرَّأْى خارِجٌ عن هذه السُّنَنِ.
فصل: ولا تُسْمَعُ الدَّعْوَى على غيرِ مُعَيَّنٍ، فلو كانتِ الدَّعْوَى على أهلِ مدينةٍ أو مَحَلَّةٍ، أو واحدٍ غيرِ مُعَيَّن، أو جماعةٍ منهم بغيرِ أعْيانِهم، لم تُسمَعْ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أصْحابُ الرَّأْى: تُسْمَعُ، ويُسْتَحْلَف خمْسونَ منهم؛ لأَنَّ الأنْصارَ ادَّعَوُا القَتْلَ على يَهودِ خَيْبَرَ، ولم يُعَيِّنُوا القاتِلَ، فسَمِعَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- دَعْواهم.
ولَنا، أنَّها

الجزء: 26 - الصفحة: 129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دَعْوَى في حَقٍّ، فلم تُسْمَعْ على غيرِ مُعَيَّنٍ، كسائرِ الدَّعاوَى.
فأمَّا الخَبَرُ، فإنَّ دَعْوَى الأنْصارِ التى سَمِعَها رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم تَكُنِ الدَّعْوَى التى بينَ الخَصْمَيْن المُخْتَلَفِ فيها، فإنَّ تلك مِن شَرْطِها حُضورُ المُدَّعَى عليه عندَهم، أو تَعَذُّرُ حُضُورِه عندَنا، وقد بَيَّنَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّ الدَّعْوَى لا تَصِحُّ إلَّا على واحدٍ بقولِه: «تُقْسِمُونَ على رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ».
وفى هذا بَيانٌ أنَّ الدَّعْوَى لا تَصِحُّ على غيرِ مُعَيَّنٍ.
فصل: فأمَّا إنِ ادَّعَى القَتْلَ مِن غيرِ وُجُودِ قَتيلٍ 835 ولا عَداوةٍ، فهى كسائرِ الدَّعاوَى، في اشْتِراطِ تَعْيِينِ المُدَّعَى عليه، وأنَّ القولَ قولُه.
لا نعلمُ فيه خِلافًا.
الحالُ الثانى، أنَّه إذا ادَّعَى القَتْلَ، ولم تَكُنْ عَداوَةٌ ولا لَوْثٌ، فإنَّه لا يُحْكَمُ على المُدَّعَى عليه بيَمِينٍ ولا بشئٍ، في إحْدى الرِّوايتَيْن، ويُخَلَّى سَبِيلُه.
هذا الذى ذكَره الخِرَقِىُّ.
وسواءٌ كانتِ الدَّعْوَى خَطَأً أو عَمْدًا؛ لأنَّها دَعْوَى فيما لا يجوزُ بَذْلُه، فلم يُسْتَحْلَفْ فيها، كالحُدُودِ، ولأنَّه لا يُقْضَى في هذه الدَّعْوَى بالنُّكُولِ، فلم يُحَلَّفْ فيها، كالحُدُودِ.
والثانيةُ، يُسْتَحْلَفُ.
وبه قال الشافعىُّ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لعُموم قولِه عليه السَّلامُ: «اليَمِينُ على المُدَّعَى عَلَيْهِ».
وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَوْ يُعْطَى

الجزء: 26 - الصفحة: 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وأمْوَالَهُمْ، ولَكِنَّ اليَمِينَ على المُدَّعَى عليه».
رواه مُسْلِمٌ.
ظاهِرٌ في إيجاب اليَمِينِ ههُنا لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، عُمومُ اللَّفْظِ فيه.
والثانى، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكَرَه في صَدْرِ الخَبَرِ بقولِه: «لادَّعَى قَوْمٌ دِماءَ رِجالٍ وأمْوالَهُمْ».
ثم عقَّبَه بقولِه: «ولَكِنَّ اليَمِينَ على المُدَّعَى عليه».
فيعودُ إلى المُدَّعَى عليه المذكُورِ في الحديثِ، ولا يجوزُ إخْراجُه منه إلَّا بدليلٍ أقْوَى منه، ولأنَّها دَعْوَى في حَقِّ آدَمِىٍّ، فيُسْتَحْلَفُ فيها 836، كدَعْوَى المالِ، ولأنَّها دَعْوَى لو أقَرَّ بها لم يُقْبَلْ رُجُوعُه عنها، فيَجِبُ اليَمِينُ فيها، كالأصْلِ المذْكُورِ.
إذا ثَبَت هذا، فالمَشروعُ يَمِينٌ واحدةٌ.
وعن أحمدَ، أنَّه يُشْرَعُ خَمْسونَ يَمِينًا؛ لأنَّها دَعْوَى في القَتْلِ، فيُشْرَعُ فيها خَمْسونَ يَمِينًا، كما لو كان بينَهم لَوْثٌ.
وللشافعىِّ فيها كالرِّوايتَيْن.
ولَنا، أنَّ قولَه عليه الصلاةُ والسلامُ: «ولَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ».
ظاهرٌ في أنَّها يَمِينٌ واحدةٌ لوَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّه وَحَّدَ اليَمِينَ، فيَنْصَرِفُ إلى واحدةٍ.
الثانى، أنَّه لم يُفَرِّقْ في اليَمِينِ المَشْرُوعةِ في الدَّمِ والمالِ، ولأنَّها يَمِينٌ يَعْضُدُها الظاهرُ والأصلُ، فنم تُغَلَّظْ، كسائرِ الأيْمانِ، ولأنَّها يَمِينٌ مَشْروعةٌ في جَنَبَةِ المُنْكِرِ ابْتِداءً، فلم تُغَلَّظْ بالتَّكْريرِ 837، كسائرِ الأيْمانِ، وبهذا فارَقَ ما ذكَرُوه.

الجزء: 26 - الصفحة: 131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن نَكَلَ المُدَّعَى عليه عن اليَمِينِ، لم يجبِ القِصاصُ، بغيرِ خِلافٍ في المذْهبِ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: إن نَكَلَ المُدَّعَى عليه، رُدَّتِ اليَمِينُ على المُدَّعِى فحلَفَ خَمْسينَ يَمِينًا، واسْتَحَقَّ القِصاصَ أو الدِّيَةَ إن كانتِ الدَّعْوَى عَمْدًا مُوجِبًا للقَتْلِ؛ لأَنَّ يمِينَ المُدَّعِى مع نُكُولِ المُدَّعَى عليه كالبَيِّنَةِ أو 838 الإِقْرارِ، والقِصاصُ يجبُ بكُلِّ واحدٍ منهما.
ولَنا، أنَّ القَتْلَ لم يثْبُتْ ببَيِّنَةٍ ولا إقْرارٍ، ولم يَعْضُدْه 839 لَوْثٌ، فلم يَجِب القِصاصُ، كما لو لم يَنْكُلْ، ولا يَصِحُّ إلْحاقُ الأيْمانِ مع النُّكُولِ ببَيِّنَةٍ ولا إقْرارٍ؛ لأنَّها أضْعَفُ منها، بدَليلِ أنَّها لا تُشْرَعُ إلَّا عندَ عَدَمِهما، فتكونُ بَدَلًا عنهما، والبَدَلُ أضْعَفُ مِن المُبْدَلِ، ولا يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ الحُكْمِ بالأقْوَى ثُبُوتُه بالأضْعَفِ، ولا يَلْزَمُ مِن وُجُوبِ الدِّيَةِ، وُجوبُ القِصاصِ؛ لأنَّه لا يثْبُتُ بشَهادةِ النِّساءِ مع الرِّجالِ، ولا بالشَّاهِدِ مع 840

الجزء: 26 - الصفحة: 132

الثَّالِثُ، اتِّفَاقُ الأَوْلِيَاءِ فِى الدَّعْوَى.
فَإِنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ وَأَنْكَرَ بَعْضٌ، لَمْ تَثْبُتِ الْقَسَامَةُ.
اليَمِينِ، ويُحْتاطُ له، ويُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، والدِّيَةُ بخِلافِه.
فأمَّا الدِّيَةُ فتَثْبُتُ بالنُّكُولِ عندَ مَن يُثْبِتُ المالَ به، أو تُرَدُّ اليَمِينُ على المُدَّعِى، فيَحْلِفُ يَمِينًا واحدةً، ويَسْتَحِقُّها، كما لو كانتِ الدَّعْوَى في مالٍ.
وسواءٌ كانتِ الدَّعْوَى عَمْدًا أو خَطأً، فإنَّ العَمْدَ متى تَعَذَّرَ إيجابُ القِصاصِ فيه، وجَبَ به المالُ، وتكونُ الدَّعْوَى ههُنا كسائرِ الدَّعاوَى.
واللَّهُ أعلمُ.
(الثالثُ، اتِّفاقُ الأوْلياءِ في الدَّعْوَى، فإنِ ادَّعَى بعْضُهم وأنْكَرَ بعضٌ، لم تَثْبُتِ القَسامَةُ) مِن شَرْطِ ثُبوتِ القَسامةِ اتِّفاقُ الأوْلياءِ على الدَّعْوَى، فإن كَذَّبَ بعضُهم بعضًا، فقال أحدُهم: قتَلَه هذا.
وقال الآخَرُ: لم يقْتُلْه هذا.
أو قال: بلْ قَتَلَه هذا الآخَرُ.
لم تثْبُتِ القَسامةُ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وسواءٌ كان المُكَذِّبُ عَدْلًا أو فاسقًا.
وعن الشافعىِّ، أنَّ القَسامةَ لا تبْطُلُ بتكْذيبِ الفاسِقِ؛ لأَنَّ قولَه غيرُ مَقْبولٍ.
ولَنا، أنَّه مُقِرٌّ على نفْسِه بتَبْرِئَةِ مَن ادَّعَى عليه أخُوه، فقُيِلَ، كما لو ادَّعَيا دَيْنًا لهما، وإنَّما لا يُقْبَلُ قولُه على غيرِه، وأمَّا على نفْسِه، فهو كالعَدْلِ؛ لأنَّه لا يُتَّهمُ في حَقِّها.
فأمَّا إن لم يُكذِّبْه، ولم يُوافِقْه في الدَّعْوَى، مثلَ أن قال أحدُهما: قتَلَه هذا.
وقال الآخَرُ: لا نعلمُ قاتِلَه.
فظاهِرُ قولِه ههُنا، أنَّ القَسامةَ

الجزء: 26 - الصفحة: 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا تثْبُتُ.
وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لاشْتِراطِ 841 ادِّعاءِ الأوْلياءِ على واحدٍ.
وهذا قولُ مالكٍ.
وكذلك إن كان أحدُ الوَلِيَّيْن غائبًا، فادَّعَى الحاضرُ دُونَ الغائبِ، أو ادَّعَيا جميعًا على واحدٍ، ونَكَلَ أحدُهما عن الأيْمانِ، لم يثْبُتِ القتلُ، في قياسِ قولِ الخِرَقِىِّ.
ومُقْتَضَى قولِ أبى بكرٍ والقاضى ثُبوتُ القَسامةِ.
وكذلك مذْهبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ أحدَهما لم يُكذِّبِ الآخَرَ، فلم تبْطُلِ القَسامةُ، كما لو كان أحدُ الوارثَيْن امرأةً أو صَغِيرًا.
فعلى قَوْلِهم، يَحْلِفُ المُدَّعِى خَمْسِينَ يَمِينًا، ويَسْتَحِقُّ نِصْفَ الدِّيَةِ؛ لأَنَّ الأيْمانَ ههُنا بمنزلةِ البَيِّنَةِ، ولا يثْبُتُ شئٌ مِن الحَقِّ إلَّا بعدَ كمالِ البَيِّنَةَ، فأشْبَهَ ما لو ادَّعَى أحدُهما دَيْنًا لأبِيهما، فإنَّه لا يسْتَحِقُّ نَصِيبَه 842 مِن الدَّيْنِ إلَّا أن يُقِيمَ بَينّةً كاملةً.
ولَنا، أنَّهما لم يَتَّفِقا في الدَّعْوَى، فلم تثْبُتِ القَسامةُ، كما لو كَذَّبَه، ولأَنَّ الحَقَّ في مَحَلِّ الوِفاقِ إنَّما ثَبَتَ بأيْمانِهما التى أُقِيمَتْ مُقامَ البَيِّنَةَ، ولا يجوزُ أن يَقومَ أحدُهما مَقامَ الآخَرِ في الأيْمانِ، كما في سائرِ الدَّعاوَى.
فعلى هذا، إن قَدِمَ الغائبُ، فوافَقَ أخاه، أو عادَ مَن لم يَعْلَمْ، فقال: قد عَرَفتُه، هو الذى عَيِّنَه أخِى.
أقْسَما حينئذٍ.
وإن قال أحدُهما: قَتَلَه هذا.
وقال الآخَرُ: قَتَلَه هذا وفلانٌ.
فعلَى قَوْلِ الخِرَقِىِّ، لا تثْبُتُ القَسامةُ؛ لأنَّها لا تكونُ إلَّا [على واحدٍ] 843. وعلى قولِ غيرِه، يحْلِفان على مَنِ اتَّفَقا عليه، ويَسْتحِقَّان

الجزء: 26 - الصفحة: 134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نِصْفَ الدِّيَةِ، ولا يجبُ القَوَدُ؛ لأنَّه إنَّما يجبُ 844 في الدَّعوَى على واحدٍ، ويَحْلِفان جميعًا على هذا الذى 845 اتَّفَقا عليه على حَسَبِ دَعْواهما، ويَسْتَحِقَّان نِصْفَ الدِّيَةِ، ولا يجبُ أكثرُ مِن نِصْفِ الدِّيَةِ؛ لأَنَّ أحدَهما يُكَذِّبُ الآخَرَ في النِّصْفِ الآخَرِ، فبَقِىَ اللَّوْثُ في حَقِّه في نِصْفِ الدَّمِ 846 الذى اتَّفَقا عليه، ولم يثْبُتْ في النِّصْفِ الذى كَذَّبه أخُوه فيه، ولا يَحْلِفُ الآخَرُ على الآخَرِ؛ لأَنَّ أخاه كَذَّبَه في دعواه عليه.
كان قال أحدُهما: قَتَلَ أبى زيدٌ وآخرُ لا أعْرِفُه.
وقال الآخَرُ: قتَلَه عمرٌو وآخَرُ لا أعْرِفُه.
لم تثْبُتِ القَسامةُ، في ظاهرِ قَوْلِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّها لا تكونُ إلَّا على واحدٍ، ولأنَّهما ما اتَّفَقا في الدَّعْوَى على أحدٍ، ولا يُمكِنُ أن يحْلِفا على مَن لم يَتَّفِقا على الدَّعوَى عليه، والحقُّ إنَّما يثْبُتُ في مَحَلِّ الوِفاقِ بأيْمانِ الجميعِ، فكيف يثْبُتُ في الفَزعِ بأيْمانِ البعضِ! وقال أبو بكرٍ والقاضى: تثْبُتُ القَسامةُ.
وهذا مذْهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه ليس ههُنا تكْذِيبٌ، فإنَّه يجوزُ أن يكونَ الذى جَهِلَه كلُّ واحدٍ منهما، هو الذى عَرَفَه أخُوه، فيَحْلِفُ كلُّ واحدٍ منهما على الذى عَيَّنَه خمسينَ يَمِينًا، ويسْتَحِقُّ رُبْعَ الدِّيَةِ، وإن عادَ كُلُّ واحدٍ منهما، فقال: قد عَرَفْتُ الذى جَهِلْتُه، وهو الذى عَيَّنَه أخِى.
حَلَفَ أيضًا على الذى حَلَفَ عليه أخُوه، وأخَذَ منه رُبْعَ الدِّيَةِ،

الجزء: 26 - الصفحة: 135

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويحلِفُ خَمسًا وعشْرين يَمِينًا؛ لأنَّها يَبْنِى على أيْمانِ أخيه، فلم يَلْزَمْه أكثرُ مِن خمسٍ وعِشْرين يَمِينًا 847، كما لو عَرَفه ابْتِداءً.
وفيه وَجْهٌ آخرُ، يحلِفُ خَمْسينَ يمينًا 848؛ لأَنَّ أخاه حَلَف خَمْسين يَمِينًا.
وللشافعىِّ [في هذا] 849 قَوْلان كالوَجهيْن.
ويجِئُ في المسألةِ وَجْهٌ آخَرُ، [وهو] 850 أنَّ الأوَّل لا يَحْلِفُ أكثرَ مِن خمسٍ وعشرين يَمِينًا؛ لأنَّه إنَّما يَخلِفُ على ما يسْتَحِقُّه، والذى يسْتَحِقُّه النِّصْفُ، فيكونُ عليه نِصْفُ الأيْمانِ، كما لو حَلَف أخُوه معه.
وإن قال كلُّ واحدٍ منهما: الذى كنتُ جَهِلْتُه غيرُ الذى عَيَّنَه أخِى.
بَطَلَتِ القَسامةُ التى أقْسَماها؛ لأَنَّ التَّكْذيبَ يَقْدَحُ في اللَّوْثِ، فيَرُدُّ كلُّ واحدٍ منهما ما أخَذَ مِن الدِّيَةِ.
وإن كَذَّبَ أحدُهما أخاه، ولم يُكذِّبْه الآخَرُ، بطَلَتْ قَسامةُ المُكَذِّبِ دونَ الذى لم يُكَذِّبْ.
فصل: إذا قال الوَلِىُّ 851 بعدَ القَسامةِ: غَلِطْتُ، ما هذا الذى قَتَلَه.
أو: ظَلَمتُه بدَغواىَ القَتْلَ عليه.
أو قال: كان هذا المُدَّعَى عليه في بَلَدٍ آخَرَ يومَ قَتْلِ وَلِيِّى.
وكان بيْنَهما بُعْدٌ [لا يُمكِنُ] 852 أن يَقْتُلَه إذا كان فيه، بطَلَتِ القَسامةُ، ولَزِمَه رَدُّ ما أخَذَه؛ لأنَّه مُقِرٌّ على نَفْسِه، فقُبِلَ إقْرارُه.

الجزء: 26 - الصفحة: 136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن قال: ما أخَذْتُه حَرامٌ.
سُئِلَ عن ذلك؛ فإن قال: أرَدتُ أنَّنِى كَذَبْتُ في دَعْواىَ عليه.
بطَلَتْ قَسامَتُه أيضًا.
فإن قال: أرَدْتُ أنَّ الأيْمانَ تكونُ في جَنَبةِ المُدَّعَى عليه، كمذهبِ أبى حنيفةَ.
لم تَبْطُلِ القَسامةُ؛ لأنَّها ثَبَتَتْ باجْتِهادِ الحَاكمِ، فيُقَدَّمُ على اجْتِهادِه.
وإن قال: هذا مَغْصُوبٌ.
وأقَرَّ بمَن غصَبَه منه، لَزِمَه رَدُّه عليه 853، ولا يُقْبَلُ قولُه على مَن أخَذَه منه؛ لأَنَّ الإنسانَ لا يُقْبَلُ إقْرارُه على غيرِه.
وإِن لم يُقِرَّ به لأحَدٍ، لم تُرفع يدُه عنه، لأَنَّه لم يتَعَيَّنْ مُسْتَحِقُّه.
وإنِ اخْتلَفا في مُرادِه بقَوْلِه 854، فالقول قولُه؛ لأنَّه أعْرَفُ بقَصْدِه.
فصل: وإن أقامَ المُدَّعَى عليه بَيِّنةً أنَّه كان يومَ القتلِ في بلدٍ بعيدٍ مِن بلدِ المقْتُولِ، لا يمكِنُ مَجيئُه منه إليه في يومٍ واحدٍ، بَطَلَتِ الدَّعْوَى.
وإن قالتِ البَيِّنَةُ: نَشْهدُ أنَّ فلانًا لم يقْتُلْه.
لم تُسْمَع هذه الشهادةُ؛ لأنَّه نَفْىٌ مجرَّدٌ.
فإن قال: ما قتَلَه فلان، بل قتلَه فلانٌ.
سُمِعَت؛ لأنَّها شَهِدَتْ بإثْباتٍ تَضَمَّنَ 855 النَّفْىَ، فسُمِعَت، كما لو قالت: ما قتَلَه فلانٌ؛ لأنَّه كان يومَ القتلِ في بلدٍ بعيدٍ.
فصل: فإن جاءَ إنْسانٌ، فقال: ما قَتلَه هذا (2) المُدَّعَى عليه، بل أنا قَتَلْتُه.
فكَذَّبَه الوَلِىُّ، لم تَبْطُلْ دَعواه، وله القَسامةُ، ولا يَلْزَمُه رَدُّ الدِّيَةِ

الجزء: 26 - الصفحة: 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن كان أخَذَها؛ لأنَّه قولُ واحدٍ، ولا يَلْزَمُ المُقِرَّ شئٌ؛ لأنَّه أقَرَّ لمَن يُكَذِّبُه.
وإن صَدَّقَه الوَلِىُّ، أو طالبَه بمُوجَبِ القَتْلِ، لَزِمَه رَدُّ ما أخَذ، وبَطَلَتْ دَعواه على الأَوَّلِ؛ لأَنَّ ذلك جَرَى مَجْرَى الإِقْرارِ ببُطْلانِ الدَّعْوَى.
وهل له مُطالَبَةُ المُقِرِّ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، له مُطالبَتُه؛ لأنَّه أقَرَّ له بحَقٍّ، فملَكَ مُطالَبَتَه به، كسائرِ الحُقوقِ.
والثانى، ليس له مُطالَبَتُه؛ لأَنَّ دعواه على الأَوَّلِ انْفِرادَه بالقَتْلِ إبْراءٌ لغيرِه، فلا يَملِكُ مُطالبَةُ مَن أبْرَأه.
والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّه يَسْقُطُ القَوَدُ عنهما، وله مُطالبةُ الثانى بالدِّيَةِ، فإنَّه قال في رَجُلٍ شَهِدَ عليه شاهِدان بالقَتْلِ، فأُخِذَ ليُقادَ منه، فقامَ 856 رَجُلٌ، فقال 857: ما قَتَلَه هذا، بل 858 أنا قَتَلْتُه: فالقَوَدُ يَسْقُطُ عنهما، والدِّيَةُ على الثانى.
ووَجْهُ ذلك، ما رُوِى أنَّ رَجُلًا ذبَحَ رَجُلًا في خَرِبَةٍ، وتَرَكَه وهرَب، وكان قَصَّابٌ [قد ذَبَحَ] 859 شاةً، وأرادَ ذَبْحَ أُخْرَى، فهرَبَتْ منه إلى الخَرِبَةِ، فتَبِعَها حتى وقفىَ على القَتِيلِ، والسِّكِّينُ بيَدِه عليها الدَّمُ، فأُخِذَ على تلك الحالِ، وجئَ به إلى عمرَ، فأمَرَ بقَتْلِه، فقال القاتلُ في نفْسِه: يا وَيْلَه، قتلْتُ نفْسا، ويُقْتَلُ بسَبَبِى آخَرُ.
فقام، فقال: أنا قتَلْتُه، لم يقْتُلْه هذا.
فقال عمرُ: إن كان قد قتل نفْسًا فقد أَحيا نفْسًا.
ودَرَأ عنه القِصاصَ.
ولأَنَّ الدّعوَى على الأَوَّلِ شُبْهةٌ

الجزء: 26 - الصفحة: 138

الرَّابِعُ، أن يَكُونَ فِى الْمُدَّعِينَ رِجَالٌ عُقَلَاءُ.
وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ فِى الْقَسَامَةِ، عَمدًا كَانَ الْقَتْلُ أو خَطَأً.
في دَرْءِ القِصاصِ عن الثانى، وتجبُ الدِّيَةُ عليه؛ لإِقْرارِه بالقَتْلِ المُوجِبِ لها.
وهذا القولُ أصَحُّ وأعْدلُ، مع شَهادةِ الأثَرِ بصِحَّتِه.
(الرابعُ، ان يكونَ في المُدَّعِين رِجال عُقَلاءُ، ولا مَدخَلَ للنِّساءِ والصِّبْيان والمَجانينِ في القَسامةِ، عَمدًا كان القتلُ أو خَطأً) أمَّا الصِّبْيانُ فلا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ أنَّهم لا يُقْسِمُون، سواءٌ كانوا مِن الأوْلياءِ أو مُدَّعًى عليهم؛ لأَنَّ الأيْمانَ حُجَّةٌ على الحالف، والصَّبِىُّ لا يثْبُت بقولِه حُجَّةٌ، ولو أقَرَّ على نفْسِه، لم يُقْبَلْ، فلأَن لا يُقْبَلَ قولُه في حَقِّ غيرِه أوْلَى.
والمَجْنُونُ في مَعْناه؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فلا حُكْمَ لقوْلِه.
وأمَّا النِّساءُ فإذا كُنَّ مِن أَهْلِ القَتِيلِ لم يُسْتَخلَفْنَ.
وبهذا قال ربيعةُ، والثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، والأوْزاعِىُّ.
وقال مالكٌ: لهنَّ مَدخَلٌ في قَسامةِ الخَطأ دُونَ العَمدِ.
قال ابنُ القاسمِ: ولا يُقْسِمُ في العَمْدِ إلَّا اثْنان فصاعِدًا، كما أنَّه لا يُقْتَلُ إلَّا بشاهِدَيْن، وقال الشَّافعىُّ: يُقْسِمُ كلُّ وارِثٍ بالغٍ؛ لأنَّها يَمِينٌ في

الجزء: 26 - الصفحة: 139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دَعوَى، فتُشْرَعُ في حَقِّ النِّساءِ، كسائرِ الأيْمانِ.
ولَنا، قولُ النَّبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ، وتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» 860. ولأنَّها حُجَّة يثْبُتُ بها قَتْلُ العَمدِ، فلا تُسْمَعُ مِن النِّساءِ، كالشَّهادةِ، ولأَنَّ الجِنايةَ المُدَّعاةَ التى تَجِبُ القَسامةُ عليها هى القتلُ، ولا مَدْخَلَ للنِّساءِ في إثْباتِه، وإنَّما يثْبُتُ المالُ ضمنًا، فجَرَى ذلك مَجْرَى رَجُل ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امرأةٍ بعدَ مَوْتِها لِيَرِثَها، فإنَّ ذلك لا يثْبُتُ بشاهدٍ ويَمِين، ولا بشهادةِ رَجُلٍ وامْرأتَيْنِ، وإن كان مَقْصودُها المالَ.
فأمَّا إن كانتِ المرأةُ مُدَّعًى عليها القتلُ، فإن قُلْنا: إنَّه يُقْسِمُ مِن العَصَبَةِ رِجالٌ.
لم تُقْسِمِ المرأةُ أيضًا؛ لأَنَّ ذلك مُخْتَصٌّ بالرِّجالِ.
وإن قُلْنا: يُقْسِمُ المُدَّعَى عليه.
فيَنْبَغِى أن تُسْتَحْلَفَ؛ لأنَّها لا 861 تُثْبِتُ بقَوْلِها حَقًّا ولا قتلًا، وإنَّما هى لتَبْرِئَتِها منه، فَتُشْرَعُ في حَقِّها اليَمِينُ، كما لو لم يكُنْ لَوْث.
فعلى هذا، إذا كان في الأوْلياءِ [نِساءٌ و] 862 رِجالٌ، أقْسَمَ الرِّجالُ، وسَقَط حُكمُ 863 النِّساءِ، وإن كان منهم صِبْيانٌ ورِجالٌ بالِغُونَ، أو كان منهم حاضِرون وغائِبون،

الجزء: 26 - الصفحة: 140

فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا غَائب أَوْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَلِلْحَاضِرِ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَخلِفَ وَيَسْتَحِقَّ نَصيبَهُ مِنَ الدِّيَةِ.
وهلْ يَحْلِفُ  فإنَّ القَسامةَ لا تَثْبُتُ حتى يَحضُرَ الغائِبُ، ويَبْلُغَ الصَّبِىُّ؛ لأَنَّ الحَقَّ لا يثْبُتُ إلَّا بالبَيَنةِ الكاملةِ، والبَيِّنَةُ أيمانُ الأوْلياءِ كلِّهمِ، والأيمانُ لا تَدخُلُها النِّيابَةُ، ولأَنَّ الحَقَّ إن كان قِصاصًا، فلا يُمكِنُ تبْعِيضُه، فلا فائدةَ في قَسامَةِ الحاضرِ والبالغِ، وإن كان غيرَه، فلا يثْبُتُ إلَّا بواسِطَةِ ثُبُوتِ القتلِ، وهو لا يتبَعَّضُ أيضًا.
وقال القاضى: إن كان القتلُ 864 عَمْدًا، لم يُقْسِمِ الكبيرُ حتى يَبْلُغَ الصغيرُ، ولا الحاضرُ حتى يَقْدَمَ الغائِبُ؛ لأَنَّ حَلِفَ الكبيرِ الحَاضرِ لا يُفِيدُ شيئًا في الحالِ.
وإن كان مُوجِبًا للمالِ، كالخَطَأ وشِبْهِ العَمدِ، فللحاضِرِ المُكَلَّفِ أن يَحلِفَ، ويَسْتَحِقَّ قِسْطَه مِن الدِّيَةِ.
وهذا قولُ أبى بكرٍ، ومذْهبُ الشافعىِّ.
واخْتَلفوا في كم يُقْسِمُ الحاضِرُ؟ فقال ابنُ حامدٍ: يُقْسِمُ بقِسْطِه مِن الأيْمانِ، فإن كان الأوْلِياءُ اثْنَيْن، أقْسَمَ الحاضِرُ خَمسًا وعِشْرين يَمِينًا، وإن كانوا ثلاثةً، أقْسَمَ سَبْعَ عَشْرةَ يَمِينًا، وإن كانوا أربعةً، أقسَمَ ثلاثَ عَشْرةَ يَمِينًا، وكلَّما

الجزء: 26 - الصفحة: 141

خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ؛ عَلَى وَجْهيْنِ.
وَإِذَا قَدِمَ  قَدِمَ غائبٌ أقسمَ بقَدر ما عليه، واستَوْفَى 865 حَقَّه؛ لأنَّه لو كان الجميعُ حاضِرين، لم يَلْزَمه أكَثرُ مِن قِسْطِه، فكذلك إذا غاب بعضُهم، كما في سائرِ الحُقوقِ، ولأنَّه لا يَسْتَحِقُّ أكثرَ مِن قِسْطِه [مِن الدِّيَةِ، فلا يَلْزَمُه أكثرُ مِن قِسْطِه مِن الأيمانِ] 866. وقال أبو بكرٍ: يَخلِف الأَوَّلُ خمسين يَمِينًا.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ الحُكْمَ لا يثْبُتُ إلَّا بالبَيِّنةِ الكاملةِ، والبَيِّنةُ هى الأيمانُ كلُّها، ولذلك 867 لو ادَّعَى أحَدُهما دَيْنًا لأبيهِما، لم يَسْتَحِقَّ نَصِيبَه منه إلَّا بالبَيِّنةِ المُثْبِتَةِ لجميعِه، ولأَنَّ الخمسين في القَسامَةِ كاليَمِينِ الواحدةِ في سائرِ الحُقوقِ، ولو ادَّعَى مالًا له فيه شَرِكَةٌ، له به شاهِدٌ، لحَلَفَ يَمِينًا كاملةً، [كذا هذا] 868. فإذا قَدِمَ الثانى، أقْسَمَ خمسًا وعشرين

الجزء: 26 - الصفحة: 142

الْغَائِبُ أَوْ بَلَغَ الصَّبِىُّ، حَلَفَ خَمسًا وَعِشْرِينَ، وَلَهُ بَقِيَّتُهَا.
وَالْأوْلَى عِنْدِى أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حَتَّى يَخلِفَ الآخَرُ.
يَمِينًا، وجهًا واحدًا عندَ أبى بكرٍ؛ لأنَّه يَبْنِى على أيْمانِ أخِيه المُتَقَدِّمةِ.
وقال الشافعىُّ: فيه قولٌ آخرُ أنَّه 869 يَخلِفُ خمسين يَمِينًا أيضًا؛ لأَنَّ أخاه إنَّما اسْتَحَقَّ بخَمسين، فكذلك هو.
وحُكِىَ نَحوُ ذلك عن أبى بكرٍ والقاضى أيضًا.
فإذا قَدِمَ ثالث، أو 870 بَلَغَ، فعلى قولِ أبى بكرٍ، يَحلِف سبعَ عَشْرَةَ يَمِينًا؛ لأنَّه يَبْنِى على أيمانِ أخَوَيْه 871، وكذلك على أحدِ

الجزء: 26 - الصفحة: 143

وَذَكَرَ الْخِرَقِىُّ مِنْ شُرُوطِ الْقَسَامَةِ، أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَمدًا تُوجِبُ الْقِصَاصَ إِذَا ثَبَتَ الْقَتْلُ، وَأَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ.
قَوْلَى الشافعىِّ، وعلى الثانى، يُقْسِمُ خمسين يَمِينًا.
وإن قَدِمَ رابعٌ، فهل يَحلِفُ [ثلاثَ عَشْرةَ] (1) يَمِينًا أو خمسين؟ فيه قَوْلان.

فصل

: والخُنْثَى المُشْكِلُ يَحتَمِلُ أن يُقْسِمَ؛ لأَنَّ سبَبَ القَسامةِ وُجِدَ في حَقِّه، وهو الاسْتِحقاقُ مِن الدِّيَةِ، ولم يتَحَقَّقِ المانِعُ مِن يَمِينِه.
ويَحتَمِلُ أَنْ لا يُقْسِمَ؛ لأنَّه لا يَحمِلُ مِن العَقْلِ، فلا يثْبُتُ القتلُ بيَمِينِه، كالمرأةِ.

4364 -

مسألة: (وذَكَرَ الخِرَقِىُّ مِن شُروطِ القَسامَةِ أن تَكُونَ الدَّعْوَى عَمدًا، تُوجِبُ القِصاصَ إذا ثَبَت القَتْلُ، وأن تَكُونَ الدَّعْوَى على واحِدٍ)

لا يخْتلِف المذهبُ أنَّه لا يُسْتَحَقُّ بالقَسامةِ أكثرُ مِن قَتْلِ واحدٍ.
وبهذا قال الزُّهْرِىُّ، ومالك، وبعضُ أصحابِ الشافعىِّ.
وقال بعضُهم:872

الحديث: 4364 - الجزء: 26 - الصفحة: 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُسْتَحَقُّ بها قتلُ الجماعةِ؛ لأنَّها بَيِّنَةٌ مُوجِبَةٌ للقَوَدِ، فاسْتَوَى فيها الواحدُ والجماعةُ، كالبَينةِ.
وقولُ أبى ثَوْرٍ نحوُ هذا.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُم على رجُل مِنْهُمْ، فَيُدفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِه» 873. فخَصَّ بها الواحدَ.
ولأنَّها بَيِّنَةٌ ضَعِيفَة، خُولِفَ بها الأصْلُ 874 في قَتْل الواحدِ، فيُقْتَصَرُ عليه، ويَبْقَى على الأصلِ فيما عَداه.
وبَيانُ مُخالفةِ الأصلِ بها، أنَّها تَثْبُتُ باللَّوْثِ، واللَّوْثُ شُبْهةٌ مُغَلِّبَةٌ على الظَّنِّ صِدْقَ المُدَّعِى، والقَوَدُ يَسْقُطُ بالشُّبُهاتِ، فكيفَ يثْبُتُ بها! ولأَنَّ الأيْمانَ ثَبَتتِ ابْتِداءً في سائرِ الدَّعاوَى في جانبِ المُدَّعَى عليه، وهذه بخِلافِه 875. وبيانُ ضَعْفِها، أنَّها تَثْبُتُ بقولِ المُدَّعِى ويَمِينه، مع التُّهْمَةِ في حَقِّه، والشَّكِّ في صِدْقِه، وقيامِ العَداوَةِ المانِعَةِ مِن صِحَّةِ الشَّهادَةِ عليه في إثْباتِ حَقٍّ لغيرِه، فلأَنْ تَمْنَعَ مِن قَبُولِ قولِه وحدَه في إثْباتِ حَقٍّ له أوْلَى وأحْرَى.
وفارقَ البَيِّنَةَ، فإنَّها قَوِيَتْ بالعَدَدِ، وعَدالةِ الشُّهُودِ، وانْتِفاءِ التُّهْمَةِ في حَقِّهم مِن الجِهَتَيْن، في كَوْنِهم لا يُثْبِتُونَ لأنْفُسِهِم حَقًّا ولا نَفْعًا، ولا يَدْفَعُونَ عنها ضُرًّا، ولا عَداوَةَ بينَهم وبينَ المَشْهُودِ عليه، ولهذا يَثْبُتُ بها سائِرُ الحُقُوقِ والحُدودِ التى تَنْتَفِى بالشُّبُهاتِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فلا قَسامةَ فيما لا قَوَدَ فيه، في قولِ الخِرَقِىِّ، فيَطَّردَ قولُه في أنَّ القَسامةَ لا تَسُوغُ

الجزء: 26 - الصفحة: 145

وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ.
لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى عَمْدًا مَحْضًا، لَمْ يُقْسِمُوا إِلَّا عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ وَيَسْتَحِقُّونَ دَمَهُ، وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، فَلَهُمُ الْقَسَامَةُ عَلَى جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ.
إلَّا في حَقِّ واحدٍ.
وعندَ غيرِه مِن أصْحابِنا أنَّ القَسامةَ تَجْرِى فيما لا قَوَدَ فيه، فيجوزُ أن يُقْسِمُوا على جَماعةٍ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ.
فعلى هذا، إذا ادَّعَى على رَجُلَيْن، على أحَدِهما لَوْثٌ دُونَ الآخَرِ، حَلَفَ على مَن عليه اللَّوْثُ خمسين يَمِينًا، واسْتَحَقَّ الدِّيَةَ عليه، وحَلَفَ 876 الآخَرُ يَمِينًا واحدةً، وبَرِئَ.
وإن نَكَلَ عن اليَمِينِ، فعليه نِصْفُ الدِّيَةِ.
وإنِ ادَّعَى على 877 ثلاثةٍ عليهم لَوْثٌ، ولم يَحْضُرْ إلَّا أحَدُهم، حَلَفَ على الحاضِرِ منهم خَمْسين يَمِينًا، واسْتَحَقَّ ثُلُثَ الدِّيَةِ، فإذا حَضَرَ الثانى، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَحْلِفُ عليه خمسين يَمِينًا أيضًا، ويَسْتَحِقُّ ثُلثَ

الجزء: 26 - الصفحة: 146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الدِّيَةِ؛ لأَنَّ الحَقَّ لا يَثْبُتُ على أحدِ 878 الرَّجُلَيْن إلَّا بما يَثْبُتُ على صاحِبِه، كالبَيِّنَةِ، فإنَّه يَحْتاجُ إلى إقامةِ البَيِّنَةِ الكاملةِ على الثانى كإقامَتِها على الأَوَّلِ.
والثانى، يَحْلِفُ عليه خَمْسًا وعشرين يَمِينًا؛ لأنَّهُما لو حَضَرا معًا، لحَلَفَ عليهما خَمْسِين يمينًا، حِصَّةُ كلِّ واحدٍ منهما خمسٌ وعشرون.
وهذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ فإنَّ اليَمِينَ لا تُقْسَمُ عليهم إذا حَضَرُوا، ولو حَلَفَ على (1) كلِّ واحدٍ مُنْفَرِدًا 879 حِصَّتَه مِن الأيْمانِ لم يَصِحَّ، ولم يَثْبُتْ له حَقٌّ، وإنَّما الأيْمانُ عليهم جميعِهم، وتتَناولُهم تَناوُلًا واحدًا، ولأنَّها لو قُسِمَتْ عليهم بالحِصَصِ، لَوَجَبَ أن لا يُقْسَمَ على الأَوَّلِ أكثرُ مِن سبعَ عشْرَةَ يَمِينًا.
وإن قِيلَ: إنَّما حَلَفَ بقَدْرِ حِصَّتِه وحِصَّةِ الثالثِ.
فيَنْبَغِى أن يَحْلِفَ أربعًا وثلاثين يَمِينًا.
وإذا قَدِمَ الثالثُ، ففيه وَجْهان؛ أصَحُّهما، يَحْلِفُ عليه

الجزء: 26 - الصفحة: 147

فَصْلٌ: وَيُبْدَأُ فِى الْقَسَامَةِ بأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ، فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ  خمسين يَمِينًا، ويَسْتَحِقُّ ثُلُثَ الدِّيَةِ.
والآخرُ، يَحْلِفُ سَبْعَ عشْرةَ يَمِينًا.
وإن حَضَرُوا جميعًا، حَلَف عليهم خَمْسين يَمِينًا، واسْتَحَقَّ الدِّيَةَ عليهم أثْلَاثًا.
وهذا التَّفْرِيعُ يَدُلُّ على اشْتِراطِ حُضُورِ المُدَّعَى عليه وقْتَ الأيْمانِ؛ وذلك لأنَّها أُقِيمَتْ مُقامَ البَيِّنَةِ، فاشْتُرِطَ (1) حُضُورُ مَن أُقِيمَتْ عليه، كالبَيِّنَةِ.
وكذلك إن رُدَّتِ الأيْمانُ على المُدَّعَى عليهم، اشْتُرِطَ حُضُورُ المُدَّعِينَ وَقْتَ خَلِفِ المُدَّعَى عليهم؛ لأَنَّ الأيْمانَ له عليهم، فيُعْتَبَرُ رِضاه بها وحُضُورُه، إلَّا أن يُوَكِّلَ وَكِيلًا، فيقومُ مَقامَ المُوَكِّلِ (2).

فصل

: (ويُبْدأُ في القَسامةِ بأيْمانِ المُدَّعِينَ، فيَحْلِفُون خَمْسينَ880881

الجزء: 26 - الصفحة: 148

يَميِنًا،  يَمِينًا) الكلامُ في هذا الفصلِ في أمْرَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ الأيْمانَ تُشْرَعُ في حَقِّ المُدَّعِين أوَّلًا، فيَحْلِفُون خَمسين يَمِينًا على المُدَّعَى عليه، أنَّه قَتَلَه 882، ويَثْبُتُ حَقُّهم قِبَلَه 883، فإن لم يَحْلِفوا، حَلَفَ المُدَّعَى عليه خمسينَ يَمِينًا، [وبَرِئَ] 884. وهذا قولُ يحيى بنِ سعيدٍ، ورَبيعةَ، وأبى الزِّنادِ، واللَّيْثِ، ومالكٍ، والشافعىِّ.
وقال الحسنُ: يُسْتَخلَف المُدَّعَى عليهم أوَّلًا خمسين يَمِينًا، ويَبْرَأون، فإن أبَوْا أن يَحْلِفُوا، اسْتُحْلِفَ خَمْسون مِن المُدَّعِينَ أنَّ حَقَّنا قِبَلَكُم، ثُمَّ يُعْطَون الدِّيَةَ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ولَكِن اليَمِينَ على المُدَّعَى عليه».
رواه مُسْلِم 885. وفى لَفْظٍ: «البينةُ على المُدَّعِى، واليَمِينُ على المُدَّعَى عليه».
رواه الشَّافعىُّ في «مُسْنَدِه» 886. ورَوَى أبو داودَ 887 بإسْنادِه، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ، عن رِجالٍ مِن الأنْصارِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال ليَهودَ، وبَدأ بهم: «يَحْلِفُ مِنْكُم خَمْسُونَ رَجُلًا».
فأبَوْا، فقال للأنْصارِ: «اسْتَحِقُّوا».
قالوا: نَحْلِفُ على الغَيْبِ يارسولَ اللَّهِ! فجعَلَها رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- على اليَهودِ ابْتِداءً؛ لأنَّه وُجِدَ بينَ أظْهُرِهم.
ولأنَّها يَمِينٌ في دَعْوَى، فوَجَبَتْ في جانِبِ

الجزء: 26 - الصفحة: 149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُدَّعَى عليه ابْتِداءً، كسائِرِ الدَّعاوَى.
وقال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى: يُسْتَخلَفُ خَمْسون رَجُلًا مِن أهلِ المَحَلَّةِ التى وُجِدَ فيها القَتِيلُ: باللَّهِ ما قَتَلْناه، ولا عَلِمْنا قاتِلًا.
ويُغَرَّمونَ الدِّيَةَ؛ لقَضاءِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، بذلك 888. ولم نَعْرِفْ له في الصَّحابةِ مُخالِفًا، فكان إجْماعًا.
وتكَلَّمُوا في حديثِ سَهْلٍ بما رَوَى أبو داودَ 889، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التَيْمِىِّ، عن عبدِ الرحمنِ ابنِ بُجَيْدِ ابنِ قَيْظِىٍّ، أحدِ بنى حارثةَ، قال محمدُ 890 بنُ إبراهيمَ: وايْمُ اللَّهِ، ما كان سَهْلٌ بأعْلَمَ منه، ولكنَّه كان أسَنَّ منه.
قال: واللَّهِ ما قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «احْلِفُوا على ما لا عِلْمَ لَكُمْ به».
ولكنَّه كتبَ إلى يهودَ حينَ كلَّمتْه الأنْصارُ: «إنَّه وُجِدَ بَيْنَ أبْياتِكم 891 قَتِيلٌ فَدُوهُ».
فكتبوا يَحْلِفُون باللَّهِ ما قتَلُوه، ولا يَعلَمُون له قاتلًا، فَوَداه رسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن عندِه.
ولَنا، حديثُ سَهْلٍ 892، وهو صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عليه، ورَواه مالِكٌ في «مُوَطَّئِه»، وعمِلَ به.
وما عارَضَه مِن الحديثِ لا يَصِحُّ لوُجوهٍ؛ أحدُها، أنَّه نفْىٌ، فلا يُرَدُّ به قولُ المُثْبِتِ.
والثانى، أنَّ سَهْلًا مِن أصْحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، شاهدَ القِصَّةَ، وعَرَفَها، حتى إنَّه قال: رَكَضَتْنِى ناقةٌ

الجزء: 26 - الصفحة: 150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  من تلك 893 الإِبلِ.
والآخَرُ يقولُ برأْيه وظَنِّه، مِن غيرِ أن يَرْوِيَه عن أحدٍ، ولا حَضَر القِصَّةَ.
والثالثُ، أنَّ حديثَنا مُخَرَّجٌ في الصَّحِيحَيْن، وحدِيثَهم بخِلافِه.
الرابعُ، أنَّهم لا يَعمَلُونَ 894 بحدِيثهم، ولا 895 حَديثِنا، فكيفَ يَحْتَجُّونَ بما هو حُجَّةٌ عليهم فيما خالَفُوه فيه! وحديثُ سليمانَ ابنِ يسارٍ، عن رجالٍ مِن الأنْصارِ، لم يذْكُرْ لهم صُحبَةً، فهو أدْنَى حالًا مِن حديثِ محمدِ بنِ إبراهيمَ، وقد خالفَ الحديثَيْن جميعًا، فكيفَ يجوزُ أن يُعْتَمَدَ عليه! وحديثُ: «اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ».
لم يُرَدْ به هذه القَضِيَّةُ؛ لأنَّه يَدُلُّ على أنَّ الناسَ لا يُعْطَوْن بدَعْواهم، وههُنا قد أُعْطُوا بدَعْواهم، على أنَّ حَدِيثَنا أخَصُّ منه، فيجبُ تَقْديمُه، وهو حُجَّةٌ عليهم، لكَوْنِ المُدَّعِينَ أُعْطُوا بمُجَرَّدِ دَعْواهم مِن غيرِ بَيِّنَةٍ ولا يَمِينٍ منهم.
وقد رَواه ابنُ عبدِ البَرِّ 896، بإسْنادِه، عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى، واليَمِينُ عَلَى مَن أنْكَرَ، إلَّا فِى القَسامَةِ».
وهذه الزيادةُ يتَعَيَّنُ العملُ بها؛ لأَنَّ الزِّيادةَ مِن الثِّقَةِ مقْبولَةٌ، ولأنَّها أيْمانٌ مُكَرَّرَةٌ، فيُبْدأُ فيها بأيْمانِ المُدَّعِين، كاللِّعانِ.
إذا ثبتَ هذا، فإنَّ أيْمانَ القَسامةِ خَمْسونَ على ما جاءتْ به

الجزء: 26 - الصفحة: 151

وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْوَارِثِ، فَتُقْسَمُ الأَيْمَانُ بَيْنَ الرِّجَالِ مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا، حَلَفَهَا، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً، قُسِمَتْ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدرِ مِيرَاثِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِيها كَسْرٌ، جُبِرَ عَلَيْهِمْ، مِثْلَ زَوْجٍ وَابْنٍ، يَحْلِف الزَّوْجُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَمِينًا،  الأحاديثُ الصَّحِيحةُ، [وأجْمَعَ عليه] 897 أهْلُ العلمِ، لا نعلمُ أحدًا خالفَ فيه الأمرُ الثانى، أنَّ الأيْمانَ تَخْتَصُّ بالوُرَّاثِ دُونَ غيرِهم.
هذا ظاهرُ المذهَبِ، وظاهرُ قولِ الخِرَقِىِّ، واخْتِيارُ ابنِ حامدٍ، وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّها يَمِينٌ في دَعوَى حَقٍّ، فلا تُشْرَعُ في حَقِّ غيرِ المُتَداعِيَيْن 898، كسائرِ الأيْمانِ.
فعلى هذه الرِّوايةِ، تُقْسَمُ بينَ الوَرَثَةِ 899 مِنٍ الرِّجالِ مِن ذَوِى الفُروضِ والعَصَباتِ على قَدْرِ إرْثِهم، إن كانوا جماعةً، وإن كان واحدًا حَلَفَها، فإنِ انْقَسَمَتْ مِن غيرِ كسْرٍ، مثلَ أن يُخَلِّفَ المقْتولُ ابْنَيْن، أو أخًا وزَوْجًا، حلفَ كلُّ واحدٍ منهم خمسًا وعشرين يَمِينًا (وإن كان فيها كسْرٌ، جُبِرٍ عليهم، مثلَ زَوْجٍ وابنٍ، يحلِفُ الزَّوْجُ ثلاثَ عَشْرةَ يَمِينًا، والابنُ ثمانيةً وثلاثينَ) يَمِينًا؛ لأَنَّ تَكْمِيلَ الخَمْسينَ واجبٌ، ولا يُمْكِنُ

الجزء: 26 - الصفحة: 152

وَالِابْنُ ثَمَانِيَةً وَثَلَاثينَ.
وَإِنْ خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ سَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا.
تَبْعِيضُ اليَمينِ، ولا حَمْلُ بعضِهم لها عن بعضٍ، فوجبَ تكْميلُ اليَمِينِ المُنْكَسِرةِ في حَقّ كلِّ واحدٍ منهم.
وإن كانوا ثلاثةَ بَنِينَ، أو جَدًّا وأخَوَيْن، جُبِرَ الكَسْرُ، فحَلَفَ كلُّ واحدٍ سَبْعَ عَشْرةَ يَمِينًا.
وإن خَلَّفَ أخًا مِن أبٍ، وأخًا مِن أُمٍّ، فعلَى الأخِ مِن الأُمِّ سُدْسُ الأيْمانِ، ثم يُجْبَرُ الكَسْرُ، فيكونُ عليه تِسعُ أيْمانٍ، وعلِى الأخِ من الأبِ اثْنتانِ وأربعون.
وهذا أحدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
وقال في الآخرِ: يَحْلِفُ كلُّ واحدٍ مِن المُدَّعِين خمسينَ يَمِينًا، سواءٌ تَساوَوْا في المِيراثِ أو اختَلفُوا فيه؛ لأَنَّ ما حَلَفَه الواحدُ إذا انْفَرَدَ، حَلَفَه كلُّ واحدٍ مِن الجماعةِ، كاليَمِينِ الواحدةِ في سائرِ الدَّعاوَى.
وعن مالكٍ أنَّه قال: يُنْظَرُ إلى مَن عليه أكثرُ اليَمِينَ، فيُجْبَرُ عليه، ويسْقُطُ عن الآخَرِ.
ولَنا على أنَّ الخمسين تُقْسَمُ بينَهم، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للأنْصارِيين: «تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ».
وأكثرُ ما رُوِىَ عنه 900 في الأيْمانِ خمسون، ولو حَلَف كلُّ واحدٍ خمسين، لَكانَتْ مائةً ومائتين، وهذا خِلاف النَّصُّ، ولأنَّها حُجَّةٌ للمُدَّعِين، فلم تَزِدْ على ما يُشْرَعُ في حَقِّ الواحدِ، كالبَيِّنَةِ، وتُفارِقُ اليَمِينَ على المُدَّعَى عليه، فإنها ليستْ حُجَّةً للمُدَّعِى، ولأنَّها لم يُمكِنْ قِسْمَتُها، فكَمَلَتْ في حَقِّ كلِّ واحدٍ، كاليَمِينِ المُنْكَسِرَةِ في القَسامةِ، فإنَّها تُجْبَرُ

الجزء: 26 - الصفحة: 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وتَكْمُلُ في حَقِّ كلِّ واحدٍ، لكَوْنِها لا تتَبَعَّضُ، وما لا يتَبعَّضُ يَكْمُلُ، كالطَّلاقِ والعَتاقِ.
وما ذكَرَه مالكٌ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه إسْقاطٌ لليَمِينِ عمَّن عليه بعضُها، فلم يَجُزْ، كما لو تَساوَى الكَسْران، بأن يكونَ على كلِّ واحدٍ نِصْفُها، أو ثُلُثُها إن كانوا ثلاثةً، وبالقِياسِ على مَن عليه أكْثَرُها، ولأَنَّ اليَمِينَ في سائرِ الدَّعاوَى تَكْمُلُ في حَقِّ كلِّ واحدٍ، ويَسْتَوِى مَن له في المُدَّعَى قليلٌ وكثيرٌ، كذا ههُنا، ولأنَّه يُفْضِى إلى أن يتَحَمَّلَ اليَمِينَ غيرُ مَن وجَبَتْ عليه [عمَّن وجَبَتْ عليه] 901، فلم يَجُزْ ذلك، كاليَمِينِ الكاملةِ، وكالجُزْءِ الأكْبَرِ.
فصل: فإن كان فيهم مَن لا قَسامةَ عليه بحالٍ، وهو النَّساءُ، سَقَط حُكْمُه.
فإذا كان ابنٌ وبِنْتٌ، حَلَف الابْنُ الخمسين كلَّها.
وإن كان أخٌ وأختٌ لأُمٍّ [وأخٌ] 902 وأختٌ لأبٍ، قُسِمَتِ الأيْمانُ بينَ الأخَوَيْن، على أحدَ عَشَرَ؛ على الأخِ مِن الأمِّ ثلاثةٌ، وعلى الآخَرِ ثمانيةٌ، ثم يُجْبَرُ الكَسْرُ عليهما، فيَحْلِفُ الأخُ مِن الأبِ سبعًا وثلاثين يَمِينًا، والأخُ مِن الأُمِّ أرْبعَ عَشْرةَ يَمِينًا.
فصل: فإن مات المُسْتَحِقُّ، انْتَقَلَ إلى وَارثِه ما عليه مِن الأيْمانِ، وكانتِ الأيْمانُ بينَهم على حَسَبِ مَوارِيثِهم، ويُجْبَرُ الكَسْرُ فيها عليهم، كما يُجْبَرُ في حَقِّ وَرَثَةِ القَتِيلِ.
فإن مات بعْضُهم، قُسِمَ نَصِيبُه مِن الأيْمانِ

الجزء: 26 - الصفحة: 154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بينَ وَرَثَتِه، فلو كان للقتِيلِ ثلاثةُ بَنِينَ، كان على كُلِّ واحدٍ سبعَ عَشْرةَ يَمِينًا، فإن مات بعضُهم 903 قبلَ أن يُقْسِمَ، وخَلفَ ثلاثةَ بَنِينَ، قُسِمَتْ أيْمانُه بينَهم، فكان على كُلِّ واحدٍ منهم ستُّ أيْمانٍ.
وإن خَلَّف ابْنَيْن 904، حَلَف كلُّ واحدٍ 905 تِسْعَ أيْمانٍ.
وإنَّما قُلْنا هذا؛ لأَنَّ الوارِثَ يقومُ مَقامَ المَوْرُوثِ في 906 إثْباتِ حُجَجِه، كما يَقومُ مَقامَه في اسْتِحْقاقِ مالِه، وهذا مِن حُجَجِه، ولذلك يَملِكُ إقامَةَ البَيِّنَةِ والحَلِفَ في الإِنْكارِ، ومع الشَّاهدِ الواحدِ في دَعْوَى المالِ.
فإن كان مَوْتُه بعدَ شُرُوعِه في الأيْمانِ، فحَلَف بعْضَها، فإنَّ ورَثتَه يَسْتأْنِفُون الأيْمانَ، ولا يَبْنُونَ على أيْمانِه؛ لأَنَّ الخمسين جَرَتْ مَجْرَى اليَمِينِ الواحدةِ، ولأنَّه لا يجوزُ أن يَسْتَحِقَّ أحَدٌ شيئًا بيَمِينِ غيرِه، ولا يَبْطُلُ هذا بما إذا حَلَف جميعَ الأيْمانِ ثم مات؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّ 907 المالَ إرْثًا عنه، لا بيَمِينِه، ولا بما إذا حَلَفَ الوارِثان، كلُّ واحدٍ منهما (5) خمسًا وعشرين يَمِينًا، فإنَّ الدِّيَةَ تُسْتَحَقُّ بيَمِينِهما؛ لأنَّهما يَشْتَرِكان في الأيْمانِ، ويَسْتَحِقُّ كلُّ واحدٍ بقَدْرِ أيْمانِه، ولا يَسْتَحِقُّ بأيمانِ غيرِه وإن كان اجْتِماعُ العَدَدِ شَرطًا في اسْتِحقاقِها.
فصل: ولو حَلَف بعضَ الأيْمانِ، ثم جُنَّ، ثم أفاقَ، فإنَّه يُتَمِّمُ، ولا

الجزء: 26 - الصفحة: 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَلْزَمُه الاسْتِئْنافُ؛ لأنّ أيْمانَه وقَعتْ مَوْقِعَها، بخِلافِ الموْتِ، فإنَّ الموتَ يتعَذَّرُ معه إتْمامُ الأيْمانِ منه، وغيرُه لا يَبْنِى على يَمِينِه، وههُنا يُمكِنُه أن يُتِمَّها إذا أفاقَ، ولا يَبْطُلُ بالتَّفْرِيقِ، بدليلِ أنَّ الحاكمَ إذا أحْلَفَه بعضَ الأيْمانِ، ثم تشاغَلَ عنه، لم يَبْطُلْ، ويُتِمُّها، وما لا يُبْطِلُه التَّفْريقُ لا يُبْطِلُه تخلُّلُ الجنونِ، كالسَّعْىِ بينَ الصَّفا والمرْوَةِ.
وإن حَلَف بعضَ الأيْمانِ، ثم عُزِلَ الحاكمُ ووَلِىَ غيرُه، أتَمَّها عندَ الثانى، ولم يَلْزَمْه اسْتِئنافُها؛ [لأنَّ الأيْمانَ وقَعتْ مَوْقِعَها.
وكذلك لو حَلَف] 908 بعْضَها، ثم سأل الحاكمَ إنْظارَه، فأنْظَرَه، بنَى على ما مَضَى، ولم يَلْزَمه الاسْتِئْنافُ؛ لِما ذكَرْنا.
فصل: وإذا حَلَف الأوْلِياءُ اسْتَحَقُّوا القَوَدَ، إذا كانتِ الدَّعْوَى عَمْدًا، إلَّا أن يَمْنَعَ منه مانِعٌ.
رُوِى ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ.
وبه قال مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وعن مُعاويةَ، وابنِ عباسٍ، والحسنِ، وإسْحاقَ: لا يجبُ بها إلَّا الدِّيَةُ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لليَهودِ: «إمَّا أن يَدُوا صاحِبَكُمْ، وإمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِه» 909. ولأَنَّ أيْمانَ المُدَّعِين إنَّما هى لغَلَبَةِ الظَّنِّ، وحُكْمِ الظَّاهرِ، فلا يجوزُ إشاطَةُ الدَّمِ بها؛ لقِيامِ الشُّبْهَةِ المُتَمَكِّنَةِ، ولأنَّها حُجَّةٌ لا يثْبُتُ بها النِّكاحُ، فلا يجبُ بها القِصاصُ، كالشَّاهدِ واليَمِينِ.
وللشافعىِّ قَوْلان كالمذْهبَيْن.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ على رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدفَعُ

الجزء: 26 - الصفحة: 156

وَعَنْهُ، يَحْلِفُ مِنَ الْعَصَبَةِ الْوَارِثُ مِنْهُمْ وَغَيْرُ الْوَارِثِ، خَمْسُونَ رَجُلًا، كُلُّ وَاحِدٍ يَمِينًا.
إلَيْكُم بِرُمَّتِهِ».
وفى رِوايةِ مُسْلِمٍ (1): «ويُسَلَّمُ إلَيْكُمْ».
وفى لَفْظٍ: «وتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صاحِبِكُمْ».
وأرادَ دَمَ القاتلِ؛ لأَنَّ دَمَ القَتيلِ ثابتٌ لهم قبلَ اليَمِينِ.
والرُّمَّةُ: الحبلُ الذى يُرْبَطُ به مَن عليه القَوَدُ.
ولأنَّها حُجَّةٌ يَثْبُتُ بها العَمْدُ، فيجبُ بها القَوَدُ، كالبَيِّنَةِ.
وقد روَى الأَثْرَمُ، بإسْنادِه، عن عامرٍ الأحْولِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أقادَ بالقَسامةِ بالطَّائِفِ (2). وهذا نصٌّ.
ولأَنَّ الشَّارِعَ جَعلَ القَوْلَ (3) قولَ المُدَّعِى مع يَمِينِه، احْتِياطًا للدَّمِ، فإن لم يَجِبِ القَوَدُ، سقَط هذا المعْنى.

4365 -

مسألة: (وعن أحمدَ، يَحْلِفُ مِن العَصَبَةِ الوارِثُ منهم وغيرُ الوارِثِ، خَمْسون رَجُلًا، كلُّ واحِدٍ يَمِينًا)

اخْتلَفتِ الروايةُ عن910911912

الحديث: 4365 - الجزء: 26 - الصفحة: 157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحمدَ في مَن تجبُ عليه أيْمانُ القَسامةِ؛ فرُوِىَ أنَّها تَخْتَصُّ بالذُّكورِ مِن الوُرَّاثِ.
وهو ظاهرُ المذهَبِ، وقد ذكَرناه.
ورُوِىَ عنه رِوايةٌ ثانيةٌ، أنَّه يَحْلِفُ مِن العَصَبةِ الوارِثُ 913 وغيرُ الوارثِ خمسون رَجُلًا، كلُّ واحدٍ يَمِينًا واحِدةً.
وهذا قولٌ لمالكٍ.
فعلَى هذا، يَحْلِفُ الوُرَّاثُ منهم الذين يَسْتَحِقُّونَ دَمَه، فإن لم يبْلُغُوا خَمسين، تُمِّمُوا مِن سائرِ العَصَبةِ، يُؤْخَذُ الأقْرَبُ منهم فالأقْرَبُ مِن قَبِيلَتِه التى يَنْتَسِبُ إليها، ويُعرَفُ كيْفِيَّةُ نَسَبِه مِن المقْتُولِ، فأمَّا مَن عُرِفَ أنَّه مِن القَبِيلةِ، ولم يُعرَفْ وَجْهُ النَّسَبِ، لم يُقْسِمْ، مثلَ أن يكونَ الرَّجُلُ قُرَشِيًّا، والمقْتولُ قُرَشِىٌّ، ولا يعرَفُ كيْفِيَّةُ نَسَبِه منه، فلا يُقْسِمُ؛ لأنَّنا نعْلَمُ أنَّ الناسَ كلَّهمِ مِن آدمَ ونُوحٍ، وكلُّهم يَرْجِعون إلى أبٍ واحدٍ، ولو قُتِلَ مَن لا يُعْرَفُ نَسَبُه، لم يُقْسِمْ عنه سائِرُ الناسِ، فإن لم يُوجَدْ مِن نَسَبِه خَمسون، رُدِّدَتِ الأيْمانُ عليهم، وقُسِمَتْ بينَهم 914، فإنِ انْكَسَرَتْ 915 عليهم، جُبِرَ كَسْرُها عليهم حتى تبْلُغَ خَمْسين؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للأنْصارِ: «يَحْلِفُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ، وتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» 916. وقد عَلِمَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه لم يكُنْ لعبدِ اللَّهِ بنِ سَهْلٍ خَمْسون رَجُلًا وارِثًا، فإنَّه لا يَرِثُه إلَّا أخُوه، أو مَن

الجزء: 26 - الصفحة: 158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هو في دَرَجَتِه، أو أقْرَبُ منه نَسَبًا، ولأنَّه خاطَبَ بهذا [ابْنَىْ عَمِّه، وهما] 917 غيرُ وارِثَيْن.
فصل: ويُسْتَحَب أن يَسْتَظْهِرَ في ألْفاظِ اليَمِينِ في القَسامةِ تأْكيدًا، فيقولَ: واللَّهِ الذى لا إلهَ إلَّا هو عالمِ خائِنَةِ الأعْيُنِ وما تُخْفِى الصُّدُورُ.
فإنِ اقْتَصَرَ على لَفْظةِ: واللَّهِ.
كَفَى، ويقُولُ: واللَّهِ، أو باللَّهِ، أو تاللَّهِ.
بالجَرِّ كما تقْتَضِيه العربيَّةُ.
فإن قاله مَضْمُومًا، أو منصوبًا، فقد لَحَنَ.
قال القاضى: ويُجْزِئُه، تَعَمَّدَه أو لم يتَعَمَّدْه؛ لأنَّه لَحْنٌ لا يُحِيلُ المَعْنَى.
وهو قولُ الشافعىِّ.
وما زادَ على هذا تَأْكِيدٌ.
ويقولُ: لقد قَتَلَ فلان بنُ فلانٍ الفُلانىُّ -ويُشِيرُ إليه- فُلانًا ابْنِى، أو أخِى، مُنْفَرِدًا بقَتْلِه، ما شَرَكَه غيرُه.
وإن كانا اثْنَيْن قال: مُنْفَرِ دَيْن بقَتْلِه، ما شَرَكَهُما غيرُهما.
ثم يقولُ: عَمْدًا، أو خَطأً.
وبأىِّ اسْمٍ مِن أسماءِ اللَّهِ سُبحانه وتعالى أو صِفَةٍ من [صِفَاتِ ذَاتِه] 918 حَلَفَ، أجْزَأَ، إذا كان إطْلاقُه يَنْصَرِفُ إلى اللَّهِ تعالى.
ويقولُ المُدَّعَى عليه في اليَمِينِ: واللَّهِ ما قَتَلْتُه، ولا شارَكْتُ في قَتْلِه، ولا فَعَلْتُ شيئًا 919 ماتَ منه، ولا كان سَببًا في مَوْتِه، ولا مُعِينًا على مَوْتِه.

الجزء: 26 - الصفحة: 159

فَإنْ لَمْ يَحْلِفُوا، حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمسِينَ يَمِينًا وَبَرِئَ.

4366 - مسألة: (فإن لم يَحْلِفِ المُدَّعُون، حَلَف المُدَّعَى عليه خَمْسِين يَمِينًا، وبَرِئَ)

هذا ظاهرُ المذهبِ.
وهو الذى ذكَرَه الخِرَقِىُّ.

الحديث: 4366 - الجزء: 26 - الصفحة: 160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وبه قال يحيى الأنْصارِىُّ، ورَبيعةُ، وأبو الزِّنادِ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وحكى أبو الخَطَّابِ 920 رِوايةً أُخْرَى عن أحمدَ، أنَّهم يَحْلِفُونَ، ويُغَرَّمُون الدِّيَةَ؛ لقَضِيَّةِ عمرَ 921، وخبرِ سليمانَ بنِ يَسارٍ 922. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْى.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بأيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ» 923. أى يَبْرأُونَ منكم.
وفى لَفْظٍ قال: «فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا ويَبْرأُونَ مِنْ دَمِهِ».
وقد ثَبَت أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُغَرِّمِ اليهودَ، وأنَّه أدَّاها مِن عندِه، ولأنَّها أيْمانٌ مَشْروعةٌ في حَقِّ المُدَّعَى عليه، فيَبْرأُ بها، كسائرِ الأيْمانِ، ولأَنَّ ذلك إعْطاءٌ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، فلم يَجُزْ؛ للخَبَرِ، ومُخالفةِ مُقْتَضَى الدَّليلِ، فإنَّ قولَ الإِنْسانِ لا يُقْبَلُ على غيرِه بمُجَرَّدِه، كدَعْوَى المالِ، وسائرِ الحُقوقِ، ولأَنَّ في ذلك جَمْعًا بينَ اليَمِينِ والغُرْمِ، فلم يُشْرَعْ، كغيرِه مِن الحُقوقِ.
فصل: وإذا رُدَّتِ الأيْمانُ على المُدَّعَى عليهم، وكان عَمْدًا، لم تَجُزْ على أكثرَ مِن واحدٍ، فيَحْلِفُ خمسين يَمِينًا، وإن كانت على غيرِ 924

الجزء: 26 - الصفحة: 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَمْدٍ، كالخَطأ وشِبْهِ العَمْدِ، فلا قَسامةَ، في ظاهرِ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأَنَّ القَسامةَ مِن شَرْطِها اللَّوْثُ والعداوةُ، وهى إنَّما تؤثرُ في تَعَمُّدِ القَتْلِ، لا في خَطَئِه، فإنَّ احتِمالَ الخَطأ في العَدُوِّ 925 وغيرِه سواءٌ.
وقال غيرُه مِن أصْحابِنا: فيه قَسامةٌ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ اللَّوْثَ لا 926 يَخْتَصُّ العَداوَةَ عندَهم.
فعلَى هذا، تجوزُ الدَّعْوَى على جماعةٍ، فإذا ادُّعِىَ على جماعةٍ، حَلَف كلُّ واحدٍ منهم خمسين يَمِينًا.
وقال بعضُ أصْحابِنا: تُقْسَمُ الأيْمانُ بينَهم بالحِصَصِ، كقَسْمِها بينَ المُدَّعِينَ، إلَّا أنَّها ههُنا تُقْسَمُ بالسَّوِيةِ؛ لأَنَّ المُدَّعَى عليهم مُتَساوُون فيها، فهم كبَنِى المَيِّتِ.
وللشافعىِّ قَوْلان كالوَجْهيْن.
والحُجَّةُ لهذا القولِ، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «تُبْرِئُكُم يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا».
وفى لَفْظٍ قال: «فَيَحْلِفُونَ لَكُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا، ويَبْرأُونَ مِنْ دَمِهِ».
ولأنَّهم أحَدُ المُتَداعِيَيْن في القَسامةِ، فتُقَسَّطُ 927 الأيْمانُ على عَدَدِهم، كالمُدَّعِينَ.
وقال مالكٌ: يَحْلِفُ مِن المُدَّعَى عليهم خَمْسون رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا، فإن لم يَبْلُغُوا خَمْسين رَجُلًا، رُدِّدَتْ على مَن حَلَف منهم حتى تَكْمُلَ خَمسين يَمِينًا، فإن لم يَجِدْ أحدًا يَحْلِفُ إلَّا الذى ادُّعِىَ عليه، حَلَف وحدَه خَمْسين يَمِينًا.
ولَنا،

الجزء: 26 - الصفحة: 162

وَإِنْ لَمْ يَحْلِف الْمُدَّعُونَ وَلَم يَرْضَوْا بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَدَاهُ الإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
أنَّ هذه أيْمانٌ يُبْرِئُ بها كلُّ واحدٍ نفْسَه [مِن القتلِ] (1)، فكان على كلِّ واحدٍ خَمْسون، كما لو ادُّعِىَ على كلِّ واحدٍ وحدَه قتيلٌ، ولأنَّه لا يُبْرِئَ المُدَّعَى عليه حالَ الاشْتِراكِ إلَّا ما يُبْرِئُه حالةَ الانْفِرادِ، ولأَنَّ كلَّ واحدٍ منهم يَحْلِفُ على غيرِ ما حَلَف عليه صاحِبُه، بخلافِ المُدَّعِين، فإنَّ أيْمانَهم على شئٍ واحدٍ، فلا يَلْزَمُ مِن تَلْفِيقِها تَلْفِيقُ ما يخْتلِفُ مدلُولُه ومقْصُودُه.

4367 -

مسألة: (فإن لم يَحْلِفِ المُدَّعُون، ولم يَرْضَوْا بيَمِينِ المُدَّعَى عليه، فَدَاه الإِمَامُ مِن بَيْتِ المالِ)

يعنى أدَّى دِيَتَه؛ لقَضِيَّةِ عبدِ اللَّهِ بنِ سَهْلٍ حينَ قُتِلَ بخَيْبَرَ، فأبَى الأنْصارُ أن يَحْلِفُوا، وقالوا: كيف نَقْبَلُ أيْمانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فوَداه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن عندِه، كَرَاهِيَةَ أن يُطَلَّ 929 دَمُه.
فإن تَعَذَّرَ فِداؤُه مِن بيتِ المالِ، لم يجبْ على المُدَّعَى عليهم شئٌ؛ لأَنَّ الذى تَوَجَّهَ 930 عليهم اليَمِينُ، وقد امْتَنَعَ مُسْتَحِقُّوها مِن اسْتِيفائِها، فلم يجبْ لهم شئٌ، كدَعْوَى المالِ.928

الحديث: 4367 - الجزء: 26 - الصفحة: 163

وَإِنْ طَلَبُوا أَيْمَانَهُم فَنَكَلُوا، لَمْ يُحْبَسُوا.
وَهَلْ تَلْزَمُهُمُ الدِّيَةُ أَوْ تَكُونُ فِى بَيْتِ الْمَالِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

4368 - مسألة: (وإن طَلَبو أيمانَهُم فنَكَلُوا، لم يُحْبَسوا. وهل تَلْزَمُهم الدِّيَةُ أو تَكُونُ في بَيْتِ المالِ؟ على رِوايَتَيْن)

إذا امتَنَعَ المُدَّعَى عليهم مِن اليَمِينِ، لم يحبَسُوا حتى يَحْلِفُوا.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّهم يُحبَسُون حتى يَحلِفُوا.
وهو قولُ أبى حنيفةَ.
ولَنا، أنَّها يَمِين مشْروعةٌ في حَقِّ المُدَّعَى عليه، فلم يُحْبَس عليها، كسائرِ الأيْمانِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يجبُ القِصاصُ بالنُّكُولِ؛ لأنَّه حُجَّةٌ ضعيفةٌ، فلا يُشاطُ 931 بها الدَّمُ، كالشَّاهدِ واليَمِينِ.
قال القاضى: ويَدِيه الإِمامُ مِن بيتِ المالِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وروَى عنه حربُ بنُ إسماعيلَ، أنَّ الدِّيَةَ تجبُ عليهم.
وهذا هو الصَّحِيحُ، وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ؛ لأنَّه حكمٌ يثْبُتُ بالنُّكُولِ، فيثْبُتُ في حَقِّهِم ههُنا، كسائرِ الدَّعاوَى، ولأَنَّ وُجُوبَها في بيتِ المالِ يُفْضِى إلى إهْدارِ الدَّم، وإسْقاطِ حَقِّ المُدَّعِين، مع إمكانِ جَبْرِه، فلم يَجُزْ، كما في سائرِ الدّعاوَى، وههُنا لو لم يَجِبْ على المُدَّعَى عليه مالٌ بنُكُولِه، ولم يُجْبَر على اليَمِينِ، [لخَلَا مِن وُجُوبِ شئٍ عليه] 932

الحديث: 4368 - الجزء: 26 - الصفحة: 164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالكُلِّيَّةِ.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: إذا نَكَل المُدَّعَى عليهم رُدَّتِ الأيْمانُ على المُدَّعِين، إن قُلْنا: مُوجَبُها المالُ.
فإن حَلَفُوا اسْتَحَقُّوا، وإن نَكَلُوا فلا شئَ لهم، وإن قُلْنا: مُوجَبُها القِصاصُ.
فهل تُرَدُّ على المُدَّعِين؟ فيه قولان.
وهذا القولُ لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ اليَمِينَ إنَّما شُرِعَتْ في حَقِّ المُدَّعَى عليه إذا نَكَل عنها المُدَّعِى، فلا تُرَدُّ عليه، كما لا تُرَدُّ على المُدَّعَى عليه إذا نَكَل المُدَّعِى عنها بعدَ رَدِّها عليه في سائرِ الدَّعاوَى، ولأنَّها

الجزء: 26 - الصفحة: 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَمِينٌ مَرْدُودةٌ على أحَدِ المُتَداعِيَيْن، فلا تُرَدُّ على مَن رَدَّها، كدَعْوَى المالِ.

الجزء: 26 - الصفحة: 166

فصول الكتاب · 40 فصل
فصول الشرح الكبير على المقنع ت التركي
المقدمةمقدمة التحقيقكِتَابُ الطَّهارةكِتابُ الصَّلَاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الاعتكافكِتَابُ الْمَنَاسِكِكتاب الجهادكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْحَجْركِتَابُ الشَّركَةِكِتَابُ العَارِيَّةِكتَابُ الْغَصْبِكتابُ الْوَقْفِكتابُ الوَصاياكتاب الفرائضكتاب العتقكتابُ النِّكاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الْخُلْعِكِتَابُ الطَّلَاقِكتابُ الرَّجْعَةِكتابُ الإِيلاءِكتابُ الظِّهَارِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكتاب الرضاعكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الجِنَايَاتِكتاب الديات
مسألة: (كُلُّ مَن أَتْلَفَ إنْسَانًا أو جُزءًا منه، بمُباشَرَةٍ أو سَبَبٍ، فعليه دِيَتُه)مسألة: (فَإنْ كان)مسألة: (وإن كان شِبْهَ عَمْدٍ، أو خَطَأً، أو ما جَرَى مَجْراهُ، فعلى عاقِلَتِه)مسألة: (ولو ألْقَى على إنْسَانٍ أَفْعًى، أو أَلْقاه عليها،مسألة: فإن طلَب إنسانًا بِسَيْفٍ مَشْهُورٍ،مسألة: وإن بالتْ فيها دَابَّتُه، فَزَلَقَ به حَيوانٌ،مسألة: (وإن حفَر بِئْرًا، وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا)مسألة: (وإن غصَب صًغِيرًا، فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ، أو أصابَتْه صاعِقَةٌ، ففيه الدِّيَةُ)مسألة: (وإنِ اصْطَدَمَ نَفْسانِ، فَماتَا، فعلى عاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنهما دِيَةُ الآخَرِ)مسألة: (وإن كانا رَاكِبَيْنِ، فماتتِ الدَّابَّتانِ، فعلى كُلِّ4181 - مسألة: (إلَّا أن يَكُونَ أحدُهما يَسِيرُ، والآخَرُ وَاقِفًا، فعلى السَّائرِ ضَمانُ الواقفِ ودابَّتِهِ)مسألة: (إلَّا أن يَكُونَ في طَرِيقٍ ضَيِّقٍ، قاعِدًا أو واقِفًا، فلا ضَمَانَ فيه، وعليه ضَمَانُ ما تَلِفَ به)4183 - مسألة: (وإن أرْكَبَ صَبِيَّيْنِ لا وِلايَةَ له عليهما، فاصْطَدَمَا، فماتا، فعلى عاقِلَتِه دِيَتُهما)4184 - مسألة: (وإن رَمَى ثلاثَةٌ بمَنْجَنِيقٍ، فقَتَلَ الحَجَرُ4185 - مسألة: (وإن كَانُوا أكْثرَ مِن ثلَاثَةٍ، فَالدِّيَةُ حَالَّةٌ في أمْوَالِهم)4186 - مسألة: (وإن جَنَى إنسانٌ على نفسِه أو طَرَفِه خَطَأً، فلا شئَ له. وعنه، على عاقِلَتِه دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ، وَدِيَةُ طَرَفِه لِنَفْسِهِ)مسألة: (وِإن نزَل رَجُلٌ في بِئْرٍ، فَخَرَّ عليهِ آخَرُ، فمات الأَوَّلُ مِن سَقْطَتِه، فعلى عاقِلتِه دِيَتُه)مسألة: (وإن وقَع)4189 - مسألة: (وإن كان الأَوَّلُ جذَب الثَّانِىَ، وجذَب الثَّانِى الثَّالثَ، فلا شئَ على الثَّالِثِ)4190 - مسألة: (وإن خَرَّ رَجُلٌ في زُبْيَةِ أسَدٍ، فجَذَبَ آخَرَ،4191 - مسألة: (ومَن اضْطُرَّ إلى طَعامِ إنْسانٍ أو شَرابِه، وليس به مِثْلُ ضَرُورَتِه، فمنَعَهُ حتَّى مات، ضَمِنَهُ. نصَّ عليه)فصلمسألة: (وَيَتَخَرَّجُ وُجُوبُ الضَّمَانِ، على ما قَالَه فيما4194 - مسألة: (وإن سَلَّمَ وَلَدَهُ إلى السَّابِحِ لِيُعَلِّمَهُ، فغَرِقَ، لم يَضْمَنْه. ويَحْتَمِلُ أن تَضْمَنَه العاقِلَةُ)مسألة: (وإن أَمَرَ إنْسَانًا)4196 - مسألة: (وإن وضَع جَرَّةً على سَطْحِهِ)بَابُ مَقَادِير دِيَاتِ النَّفْسِ4198 - مسألة: (وفى الحُلَلِ رِوايَتانِ، إحْداهما، ليستْ أصْلًا)مسألة: (وعَن أحمدَ)،4202 - مسألة: (وإن كان)مسألة: (ويُؤْخَذُ في البَقَرِ النِّصْفُ مُسِنَّاتٍ، والنِّصْفُ أتْبعَة، وفى الغَنَمِ النِّصْفُ ثَنَايا، والنِّصْفُ أجْذِعَةً)مسألة: (ويُؤْخَذُ في الحُلَلِ المُتَعارَفُ)فصلمسألة: (ويُساوِى جِراحُ المرأةِ جِراحَ الرَّجُلِ إلى ثُلُثِ الدِّيَةِ، فإذا زادَتْ، صارَت على النِّصْفِ)مسألة: (ودِيَةُ الخُنْثَى المُشْكِلِ نِصْفُ دِيَةِ ذَكَرٍفصلمسألة: (وجِراحاتُهم)مسألة: (ونِساؤُهم على النِّصْفِ مِن دِيَاتِهم)مسألة: (ودِيَةُ المَجُوسِىِّ والوَثَنِىِّ ثَمانمائةِ دِرْهَمٍ)مسألة: فأمَّا عَبَدَةُ الأوْثانِ، وسائِرُ مَن ليس له كِتابٌ، كَالتُّرْكِ، ومَن عبَد ما اسْتَحْسن، فلا ذِمَّةَمسألة: (ومَن لم تَبْلُغْه الدَّعْوَةُ، فلا ضَمانَ فيه)فصل4213 - مسألة: (وفى جِراحِهِ إن لم يَكُنْ مُقَدَّرًا في الحُرِّ، ما نَقَصَه)مسألة: (ومَن نِصْفُهُ حُرٌّ، فَفِيه نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ ونِصْفُ قِيمَتِه، وكذلك في جِراحِهِ)فصلمسألة: (ولا يُقْبَلُ في الغُرَّةِ خُنْثَى، ولا مَعِيبٌ، ولا مَن له دونَ سَبْعِ سِنِينَ)مسألة: (وإن كان الجَنِينُ مَمْلُوكًا، ففيه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ، ذَكَرًا كان أو أُنْثَى)مسألة: (وإن ضرَب بطنَ أَمَةٍ، فَعَتَقَتْ، ثم أسْقَطَتِ الجَنِينَ، فَفِيهِ غُرَّةٌ)مسألة: (وإن كان الجَنِينُ مَحْكُومًا بكُفْرِه، ففيه عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ)مسألة: (وإن كان أحدُ أبَويه كِتابِيًّا، والآخَرُ مَجُوسِيًّا، اعْتُبِرَ أكْثَرُهما)مسألة: (وإن سقَط الجَنِينُ حَيًّا، ثم مات، ففيه دِيَةُ حُرٍّ إن كان حُرًّا، أو قِيمَتُه إن كان مَمْلُوكًا، إذا كان سُقُوطُه لوَقْتٍ يَعِيشُمسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في حَياتِه، ولا بَيِّنَةَ)فصلفصلمسألة: (وظاهرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ أنَّ الدِّيَةَ لا تُغَلَّظُ لشئٍ مِن ذلك)مسألة: (وإن قتَل المسْلِمُ كَافِرًا عَمْدًا، أُضْعِفَتِ الدِّيَةُ)فصل4225 - مسألة: وان كانتِ الجِنايَةُ أكثرَ مِن قِيمَتِهِ،مسألة: (وإن سَلَّمَه)4227 - مسألة: (وإن جَنَى عَمْدًا، فَعَفا الوَلِىُّ عن القِصاصِ على رَقَبَتِه، فَهلْ يَمْلِكُه بغيرِ رِضَا السَّيِّدِ؟ على رِوايَتَيْنِ)مسألة: (وَإن جَنَى على اثْنَيْنِ خَطَأً، اشْتَرَكا فيه بالحِصَصِ)مسألة: (فإن عَفَا أحدُهما، أو مات المَجْنِىُّ عليه، فَعَفَا بَعْضُ وَرَثَتِه، فهلْ يَتَعَلَّقُ حَقُّ الباقِينَ بجميعِ العبدِ أو بحِصَّتِهم منه؟ على وَجْهَيْنِ)مسألة: (وإن جَرَحَ)بَابُ دِيَاتِ الْأَعْضَاءِ وَمَنَافِعِهَا4232 - مسألة: وفى الثَّدْيَيْن الدِّيَةُ. ولا نعلمُ خِلافًا في أنَّ في ثَدْيَىِ المرأةِ الدِّيَةَ، وفى الواحدِ منهما نِصْفَ الدِّيَةِ. قال ابنُ المُنْذِرِمسألة: وفى قَطْعِ حَلَمَتَىِ الثَّدْيَيْنِ دِيَتُهُما.مسألة: وفى العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ. أجْمعَ أهلُ العلمِ على ذلك، وعلى أنَّ في العَيْنِ الواحدةِ نِصْفَها؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وفِى العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ»مسألة: وفى الأُذُنَيْن الدِّيَةُ.4237 - مسألة: وفى اللَّحْيَيْن الدِّيَةُ.مسألة: وفى الألْيَتَيْن الدِّيَةُ. قال ابنُ المُنْذِرِ4239 - مسألة: وفِى الأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ. لا نعْلَمُ في هذا خِلافًا. وفِى كِتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «وفِى البَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ»مسألة: (وفى إسْكَتَىِ المَرْأَةِ)مسألة: وفى اللِّسانِ الدِّيَةُ إذا كان ناطِقًا.مسألة: (وفى المَنْخَرَيْنِ ثُلُثا الدِّيَةِ، وفى الحَاجِزِ ثُلُثُها. وعنه، في المَنْخَرَيْنِ الدِّيَةُ، وفى الحاجِزِ حُكُومَةٌ)4243 - مسألة: (وفى الأجْفانِ الأرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وفى كلِّ واحِدٍ رُبْعُها)مسألة: (وفى أصابِعِ اليَدَيْن الدِّيَةُ، وكذلك أصابِعُ الرِّجْلَيْن، وفى كلِّ إِصْبَعٍ عُشرُها)مسألة: (وفى كُلِّ أُنْمُلَةٍ ثُلُثُ عَقْلِها)مسألة: (وفى الظُّفْرِ خُمْسُ دِيَةِ الإِصْبَعِ)مسألة: (وفى كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِن الإِبِلِ، إذاْ قُلِعَتْ مِمَّن قد أثْغَرَ)مسألة: (إذا قُلِعَتْ مِمَّن قد ثُغِرَ)مسألة: (وتجِبُ دِيَةُ اليَدِ والرِّجْلِ في قَطْعِهما مِنمسألة: (وفى مارِنِ الأنْفِ، وحَشَفَةِ الذَّكَرِ، وحَلَمَتَىِ الثَّدْيَيْنِ، دِيَةُ العُضْوِ كامِلَةً)مسألة: وفى الذَّكَرِ الدِّيَةُ. أجْمعَ أهلُ العلمِ على ذلك؛ لأَنَّ في كتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في لِعَمْرِو بنِ حَزْم: «وفى الذَّكَرِ الدِّيَةُ»[4252 - مسألة: (وفى كَسْرِ ظاهرِ السِّنِّ دِيَتُها)مسألة: (ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَ مَن اسْتَوْعَبَ الأنْفَ جَدْعًا دِيَةٌ، وحُكُومَةٌ في القَصَبَةِ)مسألة: (وفى قَطْعِ بَعْضِ المارِنِ، والأُذُنِ، والحَلَمَةِ، واللِّسانِ، والشَّفَةِ، والحَشَفَةِ، والأُنمُلَةِ، وَشَقِّ الحَشَفَةِ طُولًا، بِالحِسابِ مِن دِيَتِه، يُقَدَّرُ بالأجْزاءِ)4256 - مسألة: (و)مسألة: (وفى العُضْوِ الأشَلِّ مِن اليَدِ، والرِّجْلِ، والذَّكَرِ، والثَّدْىِ، ولِسانِ الأخْرَسِ، والعَيْنِ القائِمَةِ،مسألة: (وعنه في ذَكَرِ الخَصِىِّ والعِنِّينِ كَمالُ دِيَتِه)مسألة: (وإن أشَلَّ الأنْفَ، أو الأُذُنَ، أو عَوَّجَهما، ففيه حُكومَةٌ. وفى قطعِ الأشَلِّ منهما كمالُ الدِّيَةِ)مسألة: (وتَجِبُ الدِّيَةُ في أنْفِ الأخْشَمِ والمَخْزُومِ)مسألة: (وإن قَطَعَ أنْفَه، فذَهَبَ شَمُّه، وَجَبَتْ دِيَتان)مسألة: (وسائِرُ الأعْضاءِ إذا أذْهَبَها بمَنْفَعَتِها، لم تَجِبْ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ)فَصْلٌ في دِيَةِ الْمَنَافِعِ:مسألة: وفِى البَصَرِ الدِّيَةُ؛ لأَنَّ كلَّ عُضْوَيْن وجَبَتِ الدِّيَةُ بذَهابِهما، وجَبَتْ بذَهابِ نَفْعِهما، كاليَدَيْن إذا أشَلَّهُما، وفى ذَهابِ بَصَرِ4266 - مسألة: (وكذلكْ تَجِبُ في الكَلامِ، والعَقْلِ، والمَشْى، والأكْلِ، والنِّكاحِ)مسألة: وفى ذَهابِ العَقْلِ الدِّيَةُ. ولا نعلمُ فيه خِلافًا. رُوِى ذلكمسألة: وفى ذَهابِ المَشْى الدِّيَةُ؛ لأنُّها منْفَعَةٌ مقْصُودَةٌ، فوجَبَتْ فيها الدِّيَةُ، كالكلامِ.مسألة: وفى ذَهابِ الأكلِ الدِّيَةُ؛ لأنَّها مَنْفَعَة مَقْصُودَةٌ، فوجَبَتْ فيها الدِّيَةُ، كالشَّمِّ والنِّكاحِ.مسألة: فإن كَسَرَ صُلْبَه، فذَهَبَ نِكاحُه، ففيه الدِّيَةُ أيضًامسألة: (وتَجِبُ في الحَدَبِ، والصَّعَرِ، وهو أنمسألة: وفى الصَّعَرِ الدِّيَةَ، وهو أن يَضْرِبَهُ فيَصِيرَ الوَجْهُ إلى جانِبٍ. وأصْلُ الصَّعَرِ داءٌ يأخذُ البَعِيرَ [في عُنُقِه]مسألة: (وفى تَسْوِيدِ الوَجْهِ إذا لم يَزُلِ)مسألة: (وإذا لم يَسْتَمْسِك الغائِطُ أو البَوْلُ، ففى كلِّ واحدٍ مِن ذلك دِيَة كامِلَةٌ)مسألة: (وفى بَعْضِ الكَلامِ بِالحِسابِ، يُقْسَمُ على ثَمانِيَةٍ وعِشْرِين حَرْفًا)مسألة: (وإن لم يُعْلَمْ قَدْرُه، مِثْلَ أن صار مَدْهُوشًا)مسألة: (فإن نَقَصَ سَمْعُه، أو بَصَرُه، أو شَمُّه، أو حَصَلَ في كلامِه تَمْتَمَةٌ أو عَجَلةٌ)4279 - مسألة: (وإن نَقَص مَشْيُه أو انْحَنَى قليلًا، أو تَقَلَّصَتْ شَفَتُه بعضَ التَّقَلُّصِ، أو تَحَركَتْ سِنُّه، أو ذَهَبَ اللبنُ مِن ثَدْىِ المرْأةِ، ونحوُ ذلك، ففيه حُكومةٌ)4280 - مسألة: (وإن قَطَع بَعْضَ اللِّسانِ فَذَهَبَ بَعْضُ الكلامِ، اعْتُبِرَ أكْثَرُهما؛ فلو ذَهَب رُبْعُ اللِّسانِ ونِصْفُ الكَلامِ، أو رُبْعُ الْكَلامِ ونِصْفُ اللِّسانِ، وجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ)مسألة: (وإن قَطَع رُبْعَ اللِّسانِ فذَهَبَ نِصْفُ الكَلامِ، ثمُّ قَطَع الآخَرُ بَقِيَّتَه)مسألة: (وإن قَطَع لِسانَه، فذَهَبَ نُطْقُه وذَوْقُه، لم يَجِبْ إلَّا ديَةٌ، وإن ذَهَبا مع بَقاءِ اللِّسانِ، وجَبَتْ ديَتان)4283 - مسألة: (وإن كَسَرَ صُلْبَه فذَهَبَ مَشْيُه ونِكاحُه، ففيه دِيَتان)مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في نَقْصِ سَمْعِه وبَصَرِه، فالقَوْلُ قَوْلُ المَجْنِىِّ عليه)مسألة: (وَإِنِ اخْتَلَفا في ذَهابِ بَصَرِه، أُرِىَ أهْلَ الخِبْرَةِ)مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في ذَهابِ سَمْعِه)مسألة: وإنِ ادَّعَى ذَهابَ شَمِّه،مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في ذَهابِ ذَوْقِه، أُطْعِمَ الأشْياءَ المُرَّةَ)فصل4289 - مسألة: (ولا)مسألة: (فلو قَلَع سِنَّ كَبِير أو ظُفْرًا ثُمَّ نَبَتَ، أو رَدَّه فالْتَحَمَ)مسألة: (وإن ذَهَبَ سَمْعُه، أو بَصَرُه، أو شَمُّه، أو ذَوْقُه، أو عَقْلُه، ثم عاد، سَقَطَتْ دِيَتُه)مسألة: (وإن عاد ناقِصًا، أو عادَتِ السِّنُّ أو الظُّفْرُ قَصِيرًامسألة: (وعنه في الظُّفْرِ إذا نَبَتَ على صِفَتِه، خَمْسَةُ دَنانِيرَ، وإن نَبَتَ أَسْوَدَ)مسألة: (وإن قَلَعَ سِنَّ صَغيرٍ ويئسَ مِنْ عَوْدِها، وَجَبتْ دِيَتُها)مسألة: (وإن مات المَجْنِىُّ عليه وادَّعَى الجانِى عَوْدَ ما أذْهَبَه، فأنْكَرَ الوَلِى، فالقَوْلُ قَوْلُه)فصلمسألة: (وفى كلِّ حاجِبٍ نِصْفُها، وفى كلِّ هُدْبٍ رُبْعُها)مسألة: (وفى بَعْضِ ذلك بقِسْطِه مِن الدِّيَةِ)4298 - مسألة: (وإنَّما تَجبُ دِيَتُه إذا أزاله على وَجْهٍ لا يَعُودُ)مسألة: (فإن عاد، سَقَطَتِ الدِّيَةُ)مسألة: (وإن بَقِىَ مِن لِحْيَته ما لا جَمالَ فيه)مسألة: (وإن قَلَعَ الجَفْنَ بِهُدْبِه، لم يَجِبْ إلَّا دِيَةُ الجَفْنِ)مسألة: (وإن قَلَعَ اللَّحْيَيْن بما عليهما مِن الأسْنانِ، وَجَبَتْ دِيَتُهما ودِيَةُ الأسْنانِ)مسألة: (وإن قَطَع كَفًّا بأصابِعِه، لم يَجِبْ إلَّا دِيَةُ الأصابعِ)مسألة: (وإن قَطَعَ كَفًّا عليه بَعْضُ الأصابعِ، دَخَلَ مَا حاذَى الأصابعَ في دِيتها، وعليه أَرْشُ باقِى الكَفِّ)مسألة: (وإن قَطَعَ أُنْمُلَةً بِظُفْرِها، فليس عليه إلَّا دِيَتُها)فصلمسألة: (وإن قَلَعَ الأعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ مُماثِلَةً لعَيْنِه الصَّحِيحَةِ عَمْدًا، فلا قِصاصَ، وعليه دِيَةٌ كامِلَةٌ)مسألة: (وفى يدِ الأقْطَعِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وكذلك في رِجْلِه. وعنه، فيها دِيَةٌ كامِلَةٌ)بَابُ الشِّجَاجِ وَكسْرِ الْعِظَامِفصلمسألة: (فَإنْ عَمَّتِ الرَّأْسَ ونَزَلَتْ إلى الوَجْهِ، فهل هى مُوضِحَةٌ أو مُوضِحَتَان؟ على وَجْهَيْن)مسألة: (وإن أوْضَحَه مُوضحَتَيْنِ بينهما حاجِزٌ، فعليهمسألة: فإنْ خَرَقه أجْنَبِىٌّ،4312 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في مَن خَرَقَه، فالقولُ قولُ المَجْنِىِّ عليه)مسألة: (وَإِنْ خَرَق ما بينَهما في الباطِنِ)4314 - مسألة: (وإن شَجَّ جَمِيعَ رَأْسِه سمْحاقًا إلَّا مَوْضِعًا مِنْه أوْضَحَه، فعليه أْرشُ مُوضِحَةٍ)مسألة: (ثم الهاشِمَةُ؛ وهىِ التى تُوضِحُ العَظْمَ وتَهْشِمُه، ففيها عَشْر مِن الإِبِلِ)مسألة: (فإن ضَرَبه بمُثَقَّلٍ فَهَشَمَهُ مِن غيرِ أن يُوضِحَهُ، ففيه حُكُومَةٌ)مسألة: (ثُمَّ المُنَقِّلَةُ؛ وهى التى تُوضِحُ وتَهْشِمُ وتَنْقُلُ عِظامَها، ففيها خَمْسَ عَشْرَةَ مِن الإبلِ)4318 - مسألة: (ثُمَّ المَأْمُومَةُ؛ وهى التى تَصِلُ إلى جِلْدَةِ الدِّماغِ، وتُسَمَّى أُمَّ الدِّماغِ. وتُسَمَّى المَأْمُومَةُ آمَّةً)فصلمسألة: (فإن خَرَقَه مِن جانبٍ فخَرَجَ مِن الجَانبِ الآخَرِ، فهى جائِفَتانِ)مسألة: (وإن طَعَنَهُ في خَدِّهِ فَوَصَلَ إلى فيهِ، ففيه حُكومَةٌ)مسألة: (وإن جَرَحَهُ في وَرِكِهِ فَوَصَلَ الجُرْحُ إلى جَوْفِه، أو أوْضَحَهُ فَوَصَلَ الجُرْحُ إلى قَفاهُ، فعليهِ دِيَةُ جَائِفَةٍ ومُوضِحَةٍ، وحُكومَةٌ لِجُرْحِ القَفَا والوَرِكِ)مسألة: (وَإن أجَافَهُ، وَوَسَّعَ آخَرُ الجُرْحَ، فهى جائِفَتانِ)مسألة: (وَإن وَسَّعَ ظاهِرَه دُونَ باطِنِهِ، أو باطِنَه دُونَ ظَاهِرِه، فعليه حُكومَةٌ)فصلمسألة: (وإنِ الْتَحَمَتِ الجَائِفَةُ فَفَتَحَها آخرُ، فهى جائِفَةٌ أُخْرَى)فصلمسألة: (وفى كلِّ واحدٍ مِنَ الذِّراعِ، والزَّنْدِ، والعَضُدِ، والسَّاقِ، بَعِيرانِ)مسألة: (وما عدا ما ذَكَرْنا مِن الجُرُوحِ وكَسْرِ4328 - مسألة: (إلَّا أن تَكونَ في شئٍ فيه مُقَدَّرٌ، فلا يُبْلَغُ به أَرْشُ المُقَدَّرِ، فإن كانتْ في الشِّجاجِ الَّتى دونَ المُوضِحَةِ، لم يُبْلَغْ بها أَرْشُ المُوضِحَةِ)مسألة: (فإت كانتِ)مسألة: (فإن لم يَنْقُصْ في تلك الحالِ)بَابُ الْعَاقِلَةِ وَمَا تَحْمِلُهُ4332 - مسألة: (ويَحْمِلُ الغائِبُ كما يَحْمِلُ الحاضِرُ)4333 - مسألة: (وخَطأُ الإمام والحاكِمِ في أحْكامِه في بَيْتِ المَالِ. وعنه، على عاقِلَتِه)مسألة: (وهل يَتَعاقَلُ أهْلُ الذِّمَّةِ؟ على رِوايَتَيْن)4335 - مسألة: (ولا يَعْقِلُ حَرْبِىٌّ عن ذمِّىٍّ، ولَا ذمِّىٌّ عن حَرْبِىٍّ)مسألة: (ومَن لا عاقِلَةَ له، أو لم تَكُنْ له عاقِلَةٌ تَحْمِلُ الجَمِيعَ، فالدِّيَةُ أو باقِيها عليه إن كان ذِمِّيًّا)فصلمسألة: (ولَا تَحْمِلُ العاقِلَةُ عَمْدًا، ولا عَبْدًا، ولا صُلْحًا، ولا اعْتِرافًا، ولَا مَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ، ويَكُونُ ذلك في مالِ4338 - مسألة: وتَحْمِلُ غُرَّةَ الجَنِينِ إذا مات مع أُمِّه، فإنَّ العاملةَ تَحْمِلُها مع دِيَةِ أُمِّه. نَصَّ عليه؛ لأَنَّ دِيَتَهمامسألة: (وتَحْمِلُ جِنايَةَ الخَطَأ عن الحُرِّ إذَا بَلَغَتِ الثُّلُثَ)مسألة: (قَال أَبُو بَكْرٍ: ولا تَحْمِلُ)مسألة: (وما يَحْمِلُه كلُّ واحِدٍ مِن العاقِلَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، لكنْ يُرْجَعُ فِيهِ إلى اجْتِهادِ الحاكِمِ، فيُحَملُ كلَّ إنْسانٍ مِنْهم ما يَسْهُلُ ولا يَشُقُّ)مسألة: واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِالتَّقْدِيرِ بنِصْفِ دِينارٍ ورُبْعِه؛مسألة: (ويَبْدأُ بالأقْرَبِ فالأقْرَبِ، فمتى اتَّسَعَتْ أمْوالُ الأقْرَبِين لها، لم يَتَجاوَزْهُمْ، وإلَّا انْتَقَلَ إلى مَن يليهم)مسألة: (وإن تَساوَى جَماعَةٌ في القُرْبِ، وَزَّعَ القَدْرَ الذى يَلْزَمُهم بينَهم)فصلفَصْلٌ:مسألة: (وما تَحْمِلُه العاقِلَةُ يَجِبُ مُؤَجَّلًا فِى ثَلاثِ سنينَ، في كلِّ سنةٍ ثُلُثُه إن كان دِيَةً كامِلَةً)مسألة: (وإن كان الواجِبُ ثُلُثَ الدِّيَةِ، وَجَبَ في رَأْسِمسألة: فإن كانتِ الدِّيَةُ ناقِصَةً، كدِيَةِ المَرْأةِ والكِتابِىِّ، ففيها وَجْهان؛ أحَدُهما، تُقْسَمُ في ثلاثِ سنين؛ لأنَّه بَدَلُمسألة: (وابْتِداءُ الحَوْلِ في الجُرْحِ مِن حِينِ الانْدِمالِ، وفى القَتْلِ مِن حِينِ المَوْتِ. وقال القاضِى: إن لم يَسْرِ الجُرْحُ إلى شَئٍ، فحَوْلُه مِن حِينِ القَطْعِ)مسألة: (ومَن مات مِن العاقِلَةِ قبلَ الحَوْلِ أو افْتَقَرَ، سَقَطَ مَا عليه، وإن مات بعدَ الحَوْلِ، لم يَسْقُطْ ما عليْه)مسألة: (وعَمْدُ الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ خَطَأٌ تَحْمِلُه العاقِلَةُ)بَابُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِمسألة: (ولو ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأةٍ، فألْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، أَوْ حَيًّا ثم مات، فعليه الكَفَّارَةُ)مسألة: (مُسْلِمًا كان المَقْتُولُ أو كافِرًا، حُرًّا أو عَبْدًا)مسألة: وتَجِبُ الكَفَّارَةُ بقَتْلِ العَبْدِ.مسألة: (وسَواءٌ كان القاتِلُ كَبِيرًا عاقِلًا، أو صَبِيًّا أو مَجْنونًا، حُرًّا أو عَبْدًا)مسألة: (ويُكَفِّرُ العَبْدُ بِالصِّيامِ)مسألة: (فأمَّا القَتْلُ المُباحُ، كالقِصاصِ، والحَدِّ، وقَتْلِ الباغِى والصَّائِلِ، فلا كَفَّارَةَ فِيهِ)مسألة: (وفى العَمْدِ وشِبْهِ العَمْدِ رِوايَتان؛ إحْداهما، لَا كَفَّارَةَ فيه. اخْتارَها أبو بَكْرٍ والقاضِى. والأُخْرَى، فيه الكَفَّارَةُ)بَابُ الْقَسَامَةِمسألة: (ولَا تَثْبُتُ إلَّا بشُرُوطٍ أرْبَعَةٍ؛ أحَدُها، دَعْوَى القَتْلِ، ذَكَرًا كان المَقْتُولُ أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أو عَبْدًا، مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا. وأمَّا الجِرَاحُ فَلَا قَسامَةَ فيه)4360 - مسألة: (وسَواءٌ كان المَقْتُولُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا)مسألة: (فَأمَّا الجِراحُ فلا قَسامَةَ فيه)مسألة: (فأمَّا قولُ القَتِيلِ: فُلانٌ قَتَلَنِى. فليس بِلَوْثٍ)فصلمسألة: (وذَكَرَ الخِرَقِىُّ مِن شُروطِ القَسامَةِ أن تَكُونَ الدَّعْوَى عَمدًا، تُوجِبُ القِصاصَ إذا ثَبَت القَتْلُ، وأن تَكُونَ الدَّعْوَى على واحِدٍ)فصلمسألة: (وعن أحمدَ، يَحْلِفُ مِن العَصَبَةِ الوارِثُ منهم وغيرُ الوارِثِ، خَمْسون رَجُلًا، كلُّ واحِدٍ يَمِينًا)4366 - مسألة: (فإن لم يَحْلِفِ المُدَّعُون، حَلَف المُدَّعَى عليه خَمْسِين يَمِينًا، وبَرِئَ)مسألة: (فإن لم يَحْلِفِ المُدَّعُون، ولم يَرْضَوْا بيَمِينِ المُدَّعَى عليه، فَدَاه الإِمَامُ مِن بَيْتِ المالِ)4368 - مسألة: (وإن طَلَبو أيمانَهُم فنَكَلُوا، لم يُحْبَسوا. وهل تَلْزَمُهم الدِّيَةُ أو تَكُونُ في بَيْتِ المالِ؟ على رِوايَتَيْن)
كِتَابُ الْحُدُودِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الصَّيدِكِتَابُ الْأَيْمَانِكتاب القضَاءِكِتَابُ الشَّهادَاتِكِتَابُ الْإِقْرَارِ
جارٍ التحميل