كِتَابُ الصِّيَامِ
كتابُ الصِّيَامِ
الصِّيامُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عن الإِمْساكِ، يُقالُ: صام النَّهارُ.
إذا وَقَف سَيْرُ الشَّمْسِ.
وقال سبحانه وتعالى حِكايةً عن مَرْيَمَ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ 1. أى: إمْساكًا عن الكَلامِ، وقال الشاعرُ 2: خَيْلٌ صِيَامٌ وخيلٌ غيرُ صَائِمَةٍ تَحْتَ العَجَاجِ وأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا يَعْنِى بالصَّائِمَةِ: المُمْسِكَةَ عن الصَّهِيلِ.
وهو في الشَّرعِ: عِبارَةٌ عن الإِمْساكِ عن أشْياءَ مَخْصُوصَةٍ، في وَقْتٍ مَخْصُوصٍ يَأْتِى بَيانُه إن شاء اللَّهُ.
وصومُ رمضانَ واجِبٌ، الأصْلُ في وُجُوبِه الكِتابُ، والسُّنَّةُ،
الجزء: 7 - الصفحة: 323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والإِجْماعُ، أمّا الكِتابُ فقَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾.
إلى قَوْلِه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ 3. وأمّا السُّنَّةُ، فقَوْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «بُنِىَ الْإسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ».
ذَكَرَ منها صَومَ رمضانَ.
وعن طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، أنَّ أعْرابِيًّا جاء إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثائِرَ الرَّأْسِ، فقالَ: يا رسولَ اللَّه 4، أخْبِرْنِى ماذا فَرَض اللَّهُ عَلَىَّ مِن الصِّيامِ؟ فقالَ: «شَهْرَ رَمَضَانَ».
فقالَ: هل عَلَىَّ غيرُه؛ قال: «لَا، إلَّا أنْ تَتَطَوَّعَ شَيْئًا».
قال: فأخْبِرْنِى ماذا فَرَضَ اللَّهُ (2) عَلَىَّ مِن الزَّكاةِ؟ فأخبَرَه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بشَرائِعِ الإِسْلامِ.
فقالَ: والذى أَكْرَمَكَ لا أتَطَوَّعُ شَيْئًا، ولا أَنْقُصُ مِمّا فَرَض اللَّه عَلَىَّ شَيْئًا.
فقالَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أفلَحَ إنْ صَدَقَ».
أو: «دَخَلَ الْجَنَّةَ إنْ صَدَقَ».
مُتَّفَقٌ عليهما 5. وأجْمَعَ المسلمون على وُجُوبِ صومِ شَهْرِ رمضانَ.
فصل: رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذَا جَاءَ رمضانُ فُتِحَتْ أبْوَابُ الجَنَّةِ».
مُتَّفَقٌ عليه 6. ورُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه
الجزء: 7 - الصفحة: 324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: «لَا تَقُولُوا جَاءَ رَمَضَانُ، فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أسْمَاء اللَّهِ تَعَالَى» 7. فيَتَعَيَّنُ حَمْلُ هذا على أنَّه لا يُقالُ ذلك غيرَ مُقْتَرِنٍ بما يَدُلُّ على إرادَةِ الشَّهْرِ، لئَلَّا يُخالِفَ الأحادِيثَ الصَّحيحةَ.
والمُسْتَحَبُّ مع ذلك أن يَقولَ: شَهْرُ رمضانَ، كما قال اللَّهُ تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ 8. واخْتُلِفَ في المَعْنَى الذى سُمِّىَ لأجْلِه رمضانَ، فروَى أنَسٌ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «إنَّمَا سُمِّىَ رمضانَ؛ لأنَّه يَحْرِقُ الذُّنُوبَ» 9. فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّه شُرِع صَوْمُه دونَ غيرِه، ليُوافِقَ اسْمُه مَعْناه.
وقِيلَ: هو اسْمٌ مَوْضُوعٌ لغَيْرِ مَعْنًى، كسائِرِ الشُّهُورِ.
وقِيلَ غيرُ ذلك.
فصل: والصومُ المَشْروعُ هو الإِمْساكُ عن المُفْطِراتِ، مِن طُلُوعِ الفَجْرِ الثّانِى إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
رُوِى مَعْنَى ذلك عن عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وبه قال عَطاءٌ، وعَوامُّ أهْلِ العِلْمِ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه لمّا صَلَّى الفَجْرَ قال: الآنَ حينَ يَتَبَيَّنُ الخَيْطُ = الصيام.
المجتبى 4/ 101 - 103. والدارمى، في: باب في فضل شهر رمضان، من كتاب الصوم.
سنن الدارمى 2/ 26. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 357.
الجزء: 7 - الصفحة: 325
يَجبُ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَإِنْ لَمْ يُرَ مَعَ الصَّحْوِ، أَكْمَلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثمَّ صَامُوا.
وَإن حَالَ دُونَ مَنْظرِهِ غَيْمٌ أوْ قَتَرٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ، وَجَبَ صِيَامُهُ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ
الأَبْيَضُ مِن الخَيْطِ الأسْوَدِ.
وعن ابنِ مسعودٍ نَحْوُه 10. وقال مَسْرُوقٌ: لم يَكُونُوا يَعُدُّون الفَجْرَ فَجْرَكم، إنَّما كانُوا يَعُدُّون الفَجْرَ الذى يَمْلَأُ البُيوتَ والطُّرُقَ.
وهذا قَوْلُ الأَعْمَش.
ولنا، قَوْلُ اللَّه تِعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ 11. يَعْنِى بَياضَ النَّهارِ مِن سَوادِ اللَّيْلِ.
وهذا يَحْصُلُ 12 بطُلوعِ الفَجْرِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُوذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» 13. دلِيل على أنَّ الخَيْطَ الأبْيَضَ هو الصَّباحُ، وأنَّ السُّحُورَ لا يَكُونُ إلَّا قبلَ الفَجْرِ.
وهذا إجْماعٌ لم يُخالِفْ فيه إلَّا الأعْمَشُ وَحْدَه، فشَذَّ ولم يُعَرِّجْ أحَدٌ على قَوْلِه.
والنَّهارُ الذى يَجِبُ صِيامُه مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
قال: هذا قولُ جَماعَةِ عُلَماءِ المسلمين.
1031 -
مسألة؛ قال: (ويَجِبُ صومُ رمضانَ برُؤْيَةِ الهِلالِ، فإِن لم يُرَ مع الصَّحْوِ، أَكْمَلُوا عِدَّةَ شَعْبانَ ثَلاِثين يَوْمًا، ثم صامُوا.
فإن حال دُونَ مَنْظَرِه غَيْمٌ أو قَتَرٌ لَيْلَةَ الثَّلاثِين، وَجَب صِيامُه بنِيَّةِ رمضانَ في
الحديث: 1031 - الجزء: 7 - الصفحة: 326
فِى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، لَا يَجِبُ.
وَعَنْهُ، النَّاسُ تَبَعٌ لِلْإِمَام، فَإِنْ صَامَ صَامُوا.
ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وعنه، لا يَجِبُ.
وعنه، النّاسُ تَبَعٌ للإِمامِ، فإِن صام صامُوا) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ صومَ شَهْرِ رمضانَ يَجِبُ بأحَدِ ثَلاثَةِ أَشْياءَ؛ أحَدُها، رُؤْيَةُ هِلال رمضانَ، يَجِبُ به الصومُ إِجْماعًا؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 14. الثَّانِى،
الجزء: 7 - الصفحة: 327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَمالُ شَعبانَ ثَلاِثينَ يَوْمًا، يَجِبُ به الصومُ؛ لأنَّه يُتَيَقَّنُ به دُخُولُ شَهْرِ رمضانَ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
ويُسْتَحَبُّ للنّاسِ تَرائِى الهِلالِ لَيْلَةَ الثَّلاثِين مِن شعبانَ؛ ليَحْتاطُوا لصيامِهم، ويَسْلَمُوا مِن الاخْتِلافِ.
وقد روَى
الجزء: 7 - الصفحة: 328
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . التِّرْمِذِىُّ 15 عن أبى هُرَيْرَةَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «أحْصُوا هِلَالَ شَعْبانَ لِرَمَضَانَ».
الجزء: 7 - الصفحة: 329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُسْتَحَبُّ لمن رَأَى الهِلالَ أن يَقُولَ ما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا رَأَى الهِلالَ قال: «اللَّهُ أكبَرُ، اللَّهُمَّ أهِلَّهُ عَلَيْنَا بالأمْنِ والإِيمَانِ، والسَّلامَةِ والإِسْلَامِ، والتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، رَبِّى وَرَبُّكَ اللَّهُ».
رَواه الأثْرَمُ 16. الثالِثُ، أنْ يَحُولَ دُونَ مَنْظَرِه لَيْلَةَ
الجزء: 7 - الصفحة: 330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّلاِثِين مِن شعبانَ غَيْمٌ أو قَتَرٌ، فيَجِبُ صِيامُه في ظاهِرِ المَذْهَبِ، ويُجْزِئُه إن كان مِن شَهْرِ رمضانَ.
اخْتارَها الخِرَقِىُّ، وأكْثَرُ شُيوخِ أصْحابِنا.
وهو مَذْهَبُ عُمَرَ، وابْنِه، وعَمْرِو بنِ العاصِ، وأبِى هُرَيْرَةَ، وأنَسٍ، ومُعاوِيةَ، وعائشةَ وأسماءَ ابْنَتَىْ أبى بكْرٍ.
وبه قال بَكْرُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُزَنِىُّ، وأبو عثمانَ النَّهْدِىُّ 17، وابنُ أبى مَرْيَمَ 18، ومُطَرِّفٌ، ومَيْمُونُ ابنُ مِهْرانَ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ ثانِيَةٌ، لا يَجِبُ صَوْمُه، ولا يُجْزِئُه عن رمضانَ إن صامَه.
وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وكَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمِّىَ عَلَيْكُمْ فَأكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ».
رَواه البخارِىُّ 19. وعن ابنِ عُمَرَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقدُرُوا لَهُ ثَلاثِينَ».
رَواه مسلمٌ 20. وقد صَحَّ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ 21.
الجزء: 7 - الصفحة: 331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهَذا يومُ شَكٍّ.
ولأنَّ الأصْلَ بَقاءُ شعبانَ، فلا يُنْتَقَلُ عنه بالشَّكِّ.
وعنه رِوايةٌ ثالِثَةٌ، أنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لِلإمام، فإن صام صامُوا، وِإن أفْطَرَ أفْطَرُوا.
وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ؛ لقولِ النَّبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ» 22. قيل: مَعْناه أنَّ الصَّوْمَ والفِطْرَ مع الجَماعَةِ وعُظْمِ 23 النَّاسِ.
قال التِّرْمِذِىُّ: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى ما رَوَى نافِعٌ عن ابنَ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلالَ، ولا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ».
قال نافِعٌ: كان عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ إذا مَضَى من شعبانَ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا، يَبْعَثُ مَن يَنْظُرُ له الهِلالَ، فإن رَأَى فَذاك، وإن لم يَرَ ولم يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِه سحابٌ ولا قَتَرٌ أصْبَحَ مُفْطِرًا، وإن حالَ دُونَ مَنْظَرِه سَحابٌ أو قَتَرٌ أصْبَحَ صائِمًا 24. ومَعْنَى اقْدِرُوا له: أى ضَيِّقُوا له، مِن قَوْلِه تَعالَى: {وَمِنَ = البخارى 3/ 34. وأبو داود، في: باب كراهية صوم يوم الشك، من كتاب الصيام.
سنن أبى داود 1/ 545. والترمذى، في: باب ما جاء في كراهية صوم يوم الشك، من أبواب الصوم.
عارضة الأحوذى 3/ 202. والنسائى، في: باب صيام ويوم الشك، من كتاب الصيام.
المجتبى 4/ 126. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صيام يوم الشك، من كتاب الصيام.
سنن ابن ماجه 1/ 527.
الجزء: 7 - الصفحة: 332
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} 25. أى ضُيِّقَ عليه.
وقَوْلِه: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ 26. والتَّضْيِيقُ له أن يُجْعَلَ شعبانُ تِسْعَةً وعِشْرِين يَوْمًا، وقد فَسَّرَه ابنُ عُمَرَ بفِعْلِه، وهو راوِيه واعلَمُ بمَعْناه، فيَجِبُ الرُّجُوعُ إلى تَفْسِيرِه، كما رُجِعَ إليه في تَفْسِيرِ التَّفَرُّقِ في خِيارِ المُتَبايِعَيْن.
ولأنَّه شَكٌّ في أحَدِ طَرَفَىِ الشَّهْرِ لم يَظْهَرْ فيه أنَّه مِن غيرِ رمضانَ، فوَجَبَ الصَّومُ، كالطَّرَفِ الآخرِ.
قال علىٌّ، وأبو هُرَيْرَةَ، وعائشةُ: لأنْ أصُومَ يَوْمًا مِن شعبانَ، أحَبُّ إلىَّ مِن أن أُفْطِرَ يَوْمًا مِن رمضانَ 27. ولأنَّ الصومَ يُحْتاطُ له، ولذلك وَجَب الصومُ بخَبَرِ واحِدٍ، ولم يُفْطِرُوا إلَّا بشَهادَةِ اثْنَيْن.
فأمَّا خَبَرُ أبى هُرَيْرَةَ الذى احْتَجُّوا به، فإنَّه يَرْوِيه محمدُ بنُ زِيادٍ، وقد خالَفَه سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، فرَواه عن أبى هُرَيْرَةَ: «فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ» 28. ورِوايَتُه أَولَى؛ لإِمامَتِه واشْتِهارِ ثِقَتِه وعَدالَتِه ومُوافَقَتِه لرَأْىِ أبى هريرةَ ومَذْهبِه، ولخَبَرِ ابنِ عُمَرَ الذى رَوَيْناه.
ويُمْكِنُ حَمْلُه على ما إذا غُمَّ في طَرَفَىِ الشَّهْرِ.
ورِوايَةُ ابنِ عُمَرَ: «فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاِثِينَ».
= كما أخرجه دون ذكر فعل ابن عمر البخارى، في: باب قول النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا رأيتم الهلال فصوموا.
. .، من كتاب الصوم.
صحيح البخارى 3/ 34. ومسلم، في: باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال.
. .، من كتاب الصيام.
صحيح مسلم 2/ 760. والنسائى، في: باب إكمال شعبان ثلاثين إذا كان غيم، من كتاب الصيام.
المجتبى 4/ 108. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، من كتاب الصيام.
سنن ابن ماجه 1/ 529. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 63، 145.
الجزء: 7 - الصفحة: 333
وَإذَا رُئِىَ الْهِلَالُ نَهَارًا، قَبْلَ الزَّوَالِ أوْ بَعْدَهُ، فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ.
مُخالِفَة للرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ المُتَّفَقِ عليها، ولِمَذْهَبِ ابنِ عُمَرَ.
ورِوايَةُ النَّهْى عن صومِ يَوْمِ الشَّكِّ مَحْمُولٌ على حالِ الصَّحْوِ، جَمْعًا بَيْنَه وبَيْنَ ما ذَكَرْنا.
1032 -
مسألة: (وِإذا رُئِىَ الهِلالُ نَهارًا، قبلَ الزَّوالِ أو بعدَه، فهو للَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ)
المَشْهُورُ عن أحمدَ، أنَّ الهِلالَ إذا رُئِىَ نَهارًا قَبْلَ الزَّوالِ أو بعدَه، وكانَ ذلك في آخِرِ رمضانَ، لم يُفْطِرُوا برُؤْيَتِه.
وهذا قولُ عُمَرَ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عُمَرَ، وأنسٍ، والأوزاعِىِّ، ومالكٍ، واللَّيْثِ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ.
وحُكِىَ عن أحمدَ، أنَّه إن رُئِىَ قَبْلَ الزَّوالِ فهو للماضِيَةِ، وإن كان بعدَه فهو للَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ.
ورُوِىَ ذلك عنِ عُمَرَ، رضى اللَّهُ عنه، رَواه عنه سعيدٌ 29. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وأبو يُوسُفَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ».
وقد رَأَوْه، فيَجِبُ الصومُ والفِطْرُ، ولأنَّ ما قَبْلَ الزَّوالِ أقْرَبُ إلى الماضِيَةِ.
ولنا، ما روَى
الحديث: 1032 - الجزء: 7 - الصفحة: 334
وَإذَا رَأى الْهِلَالَ أهْلُ بَلَدٍ، لَزِمَ النَّاسَ كُلَّهُمُ الصَّوْمُ.
أبو وائِلٍ، قال: جاءَنا كِتابُ عُمَرَ، ونحن بخانِقِينَ (1)، أنَّ الأَهِلَّةَ بَعْضُها أقْرَبُ مِن بَعْضٍ، فإذا رَأَيتُم الهِلالَ نَهارًا فلا تُفْطِرُوا حتى تُمْسُوا، أو يَشْهَدَ رَجُلان أنَّهما رَأَياه بالأمْسِ عَشِيَّةً (2). ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابَةِ.
وخَبَرُهم مَحْمُولٌ على ما إذا رُئِىَ عَشِيَّةً، بدَلِيلِ ما لو رُئِىَ بعدَ الزَّوالِ، ثم إنَّ الخَبَرَ إنَّما يَقْتَضِى الصَّومَ والفِطْرَ مِن الغَدِ، بدَلِيلِ ما لو رآه عَشِيَّةً.
فأمّا إن كانَتِ الرُّؤْيَةُ في أوَّلِ رمضانَ فالصَّحِيحُ أيضًا أنَّها للَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه للماضِيَةِ.
فعلى هذا يَلْزَمُ قَضاءُ ذلك اليَوْمِ، وإمْساكُ بَقِيَّتِه احْتِياطًا للعِبادَةِ؛ لأنَّ ما كان للَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ في آخِرِه، فهو لها في أوَّلِه، كما لو رُئِىَ بعدَ العَصْرِ.
1033 -
مسألة: (وإذا رَأى الهِلالَ أهْلُ بَلَدٍ؛ لَزِم النَّاسَ كلَّهم الصومُ)
هذا قولُ اللَّيْثِ، وبَعْضِ أصحاب الشافعىِّ.
وقال بَعْضهم:3031
الحديث: 1033 - الجزء: 7 - الصفحة: 335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إن كان بينَ البَلَدَيْن مسافَةٌ قَرِيبَةٌ، لا تَخْتَلِفُ المَطالِعُ لأجْلِها، كبَغْدادَ والبَصْرَةِ، لَزِم أهْلَهما الصومُ برُؤْيَةِ الهِلالِ في أحَدِهما، وإن كان بينَهما بُعْدٌ، كالحِجازِ والعِراقِ والشّامِ، فلكلِّ أهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهم.
ورُوِىَ عن عِكْرِمَةَ، أنَّه قال: لكلِّ أهلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهم.
وهو مَذْهَبُ القاسِمِ، وسالِمٍ، وإسحاقَ، لِما روَى كُرَيْبٌ، قال: قَدِمْتُ الشّامَ، واسْتَهَلَّ علىَّ هِلالُ رمضانَ وأنا بالشّامِ، فرَأْيْنا الهِلالَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، ثم قَدِمْتُ المدينةَ في آخِرِ الشَّهْرِ، فسَألَنِى ابنُ عباس، ثم ذَكَر الهِلالَ، فقال: متى رَأَيْتُمُ الهِلالَ؟ فقُلْتُ: رَأْيناه لَيْلَةَ الجُمُعَةِ.
فقال: أنت رَأَيْتَه لَيْلَةَ الجُمُعَةِ؟ فقُلْتُ: نعم، ورَآه النّاسُ، وصامُوا، وصام مُعاوِيَةُ.
فقال: لكنْ رَأْيناه لَيْلَةَ السَّبْتِ، فلا نَزالُ نَصُومُ حتى نُكْمِلَ ثَلاثِين أو نَراه.
فقُلْتُ: ألا تكتَفِى برُؤْيَةِ مُعاوِيَةَ وصِيامِه؟ فقال: لا، هكذا
الجزء: 7 - الصفحة: 336
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
رَواه مسلمٌ 32. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ 33. وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للأعْرابِىِّ لَمّا قال له: آللَّه أمَرَك أن تَصُومَ هذا الشَّهْرَ مِن السَّنَةِ؟ قال: «نعَمْ» 34. وأجْمَعَ المسلمون على وُجُوب صومِ شَهْرِ رمضانَ، وقد ثَبَت أنَّ هذا اليَوْمَ مِن شَهْرِ رمضانَ، بشَهادَةِ الثِّقاتِ، فوَجَبَ صَوْمُه على جَمِيعِ المسلمين، ولأنَّ شَهْرَ رمضانَ ما بينَ الهِلالَيْن، وقد ثَبَت أنَّ هذا اليَوْمَ منه في سائِرِ الأحْكامِ؛ مِن حُلُولِ الدَّيْنِ، ووُقُوعِ الطَّلاقِ والعَتاقِ، ووُجُوب النَّذْرِ، وغيرِ ذلك مِن الأحْكامِ، فيَجِبُ صِيامُه بالنَّصِّ والإِجْماعِ، ولأنَّ
الجزء: 7 - الصفحة: 337
وَيُقْبَلُ في هِلَالِ رَمَضَانَ قَوْلُ عَدْلٍ وَاحِدٍ، وَلَا يُقْبَلُ في سَائِرِ الشُّهُورِ إِلَّا عَدْلَانِ.
البَيِّنَةَ العادِلَةَ شَهِدَتْ برُؤْيَةِ الهِلالِ، فيجبُ الصَّوْمُ, كما لو تَقارَبَتِ البُلْدانُ.
فأمّا حديثُ كُرَيْبٍ فإنَّما دَلَّ على أنَّهم لا يُفْطِرُون بقولِ كُرَيْبٍ وحْدَه، ونحن نقولُ به، وإنَّما مَحَلُّ الخِلافِ وُجُوبُ قَضاءِ اليَوْمِ الأوَّلِ، وليس هو في الحديثِ.
فإن قِيلَ: فقد قُلْتُم: إنَّ النّاسَ إذا صامُوا بشَهادَةِ واحِدٍ ثَلاثِين يَوْمًا، أفْطَرُوا في أحَدِ الوَجْهَيْن.
قُلْنا: الجَوابُ عنه مِن وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّنا إنَّما قُلْنا يُفْطِرُون إذا صامُوا بشَهادَتِه، فيَكُونُ فِطْرُهم مَبْنِيًّا على صَوْمِهم بشَهادَتِه، وههُنا لم يَصُومُوا بقَوْلِه، فلم يُوجَدْ ما يَجُوزُ بِناءُ الفِطْرِ عليه.
الثَّانِى، أنَّ الحديثَ دَلَّ على صِحَّةِ الوَجْهِ الآخَرِ.
1034 -
مسألة (ويُقْبَلُ في هِلالِ رمضانَ قولُ عَدْلٍ واحِدٍ، ولا يُقْبَلُ في سائِرِ الشُّهُورِ إلَّا عَدْلان)
المَشْهُورُ عن أحمدَ، أنَّه يُقْبَلُ في هِلالِ رمضانَ قولُ عَدْلٍ واحِدٍ، ويَلْزَمُ النّاسَ الصَّوْمُ بقَوْلِه.
وهو قولُ عُمَرَ،
الحديث: 1034 - الجزء: 7 - الصفحة: 338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعلىٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ المُبارَكِ، والشافعىِّ في الصَّحِيحِ عنه.
ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: اثْنَيْن أعْجَبُ إلىَّ.
وقال أبو بكرٍ، إن رَآه وَحْدَه، ثم قَدِم المِصْرَ، صام النّاسُ بقَوْلِه، على ما رُوِى في الحديثِ 35. وإن كان الواحِدُ في جَماعَةِ النّاسِ فذَكَرَ أنَّه رَآه دُونهم، لم يُقْبَلْ إلَّا قولُ اثْنَيْن؛ لأنَّهم يُعايِنُون ما عايَنَ.
ورُوِىَ عن عُثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا يُقْبَلُ إلَّا شَهادَةُ اثْنَيْن.
وهو قولُ مالكٍ، واللَّيْثِ، والأوْزاعِىِّ، وإسحاقَ؛ لِما روَى عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ الخَطّابِ، أنَّه خَطَب النّاسَ في اليَوْمِ الذى يشكُّ فيه، فقال: إنِّى جالَسْتُ أصحابَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وسَأَلْتُهَم، وإنَّهم حَدَّثُونِى أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَانْسُكُوا لَهَا، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا ثَلَاثِين، وَإنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ذَوَا عَدْلٍ، فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا».
رَواه النَّسائِىُّ 36. ولأنَّ هذه شَهادَةٌ على
الجزء: 7 - الصفحة: 339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رُؤْيَةِ الهِلالِ، أشْبَهَتِ الشَّهادَةَ على هِلالِ شَوّالٍ.
وقال أبو حنيفةَ في الغَيْمِ كقَوْلِنا، وفى الصَّحْوِ: لا يُقْبَلُ إلَّا الاسْتِفاضَةُ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ أن يَنْظرَ الجَماعَةُ إلى مَطْلَعِ الهِلالِ، وأبْصارُهم صَحِيحَةٌ 37، والمَوانِعُ مُنْتَفِيَةٌ، فيرَاه واحِدٌ دُونَ الباقِين.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباس، قال: جاء أعْرابِىٌّ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: رَأيْتُ الهِلالَ.
قال: «أتَشْهَدُ أن لا إِلهَ إلَّا اللَّهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؟» قال: نعم.
قال: «يا بِلَالُ أذِّنْ في النَّاسِ، فَلْيَصُومُوا غَدًا».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ 38.
الجزء: 7 - الصفحة: 340
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وروَى ابنُ عُمَرَ، قال: تَراءَى النّاسُ الهِلالَ، فَأخْبَرْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنِّى رَأيْتُه.
فصام، وأمَرَ النّاسَ بصِيامِه.
رَواه أبو داودَ 39. ولأنَّه خبَرٌ عن وَقْتِ الفَرِيضَةِ فيما طَرِيقُه المُشاهَدَةُ، فقُبِلَ فيه قولُ واحِدٍ، كالخَبَرِ بدُخُولِ وَقْتِ الصَّلاةِ، ولأنَّه خَبَرٌ دِينىٌّ يَشْتَرِكُ فيه المُخْبِرُ والمُخْبَرُ، فقُبِلَ مِنِ عَدْلٍ واحِدٍ كالرِّوايَةِ.
وخبَرُهم إنَّما يَدُلُّ بمَفْهُومِه، وخبَرُنا يَدُلُّ بمَنطُوقِه، وهو أشْهَرُ منه، فيَجِبُ تَقْدِيمُه، ويُفارِقُ الخَبَرَ عن هِلالِ شَوّالٍ، فإنَّه خُرُوجٌ مِن العِبادَةِ، وهذا دُخُولٌ فيها، ويُتَّهَمُ في هِلالِ شَوّالٍ، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
وما ذَكَرَه أبو بكرٍ وأبو حنيفةَ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَجُوزُ انْفِرادُ الواحِدِ به مع لَطافَةِ المَرْئِىِّ وبُعْدِه، ويَجُوزُ أن تَخْتَلِفَ مَعْرِفَتُهم بالمَطْلَعِ، ومَواضِعُ قَصْدِهم، وحِدَّةُ نَظرِهم، ولهذا لو حَكَم حاكِمٌ بشَهادَةِ واحِدٍ، جاز، ولو شَهِدَ شاهِدان، وَجَب قَبُولُ شهادَتِهما عندَ أبى بكرٍ، ولو كان مُمْتَنِعًا على ما قالُوه لم يَصِحَّ فيه حُكْمُ حاكِمٍ،
الجزء: 7 - الصفحة: 341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا يَثْبُتُ بشهادَةِ اثْنَيْن.
ومَن مَنَع ثُبُوتَه بشَهادَةِ اثْنَيْن، رَدَّ عليه الخَبَرُ الأوَّلُ، وقِياسُه على سائِرِ الحُقُوقِ، وسائِرِ الشُّهُورِ، ولو أنَّ جَماعَةً في مَحْفِلٍ، وشَهِد منهم اثْنان على رجلٍ أنَّه طَلَّقَ زَوْجَتَه، أو أعْتَقَ عَبْدَه، قُبِلَت شَهادَتُهما، ولو أنَّ اثْنَيْن مِن أهْلِ الجُمُعَةِ شَهِدا على الخَطِيبِ أنَّه قال على المِنْبَرِ في الخُطْبَةِ شيئًا، لم يَشْهَدْ به غيرُهما، لقُبِلَت شَهادَتُهما، وكذلك لو شَهِدَا عليه بفِعْلٍ، وإن كان 40 غيرُهما يُشارِكُهما في سَلامَةِ السَّمْعِ، وصِحَّةِ البَصَرِ، كذا ههُنا.
فصل: وإن أخْبَرَه برُؤْيَةِ الِهِلالِ مَن يَثِقُ بقَوْلِه، لَزِمَه الصومُ، وإن لم يَثْبُتْ ذلك عندَ الحاكِمِ؛ لأنَّه خَبَرٌ بوَقْتِ العِبادَةِ، يَشْتَرِكُ فيه المُخْبِرُ والمُخْبَرُ، أشْبَهَ الخَبَرَ عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، والخَبَرَ عن دُخُولِ وَقْتِ الصَّلاةِ.
ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ.
ومُقْتَضَى هذا أنَّه يَلْزَمُه قَبُولُ خَبَرِه وإن رَدَّه الحاكِمُ؛ لأنَّ رَدَّ الحاكِمِ يَجُوزُ أن يكونَ لعَدَمِ عِلْمِه بحالِ المُخْبِرِ، ولا يَتَعَيَّنُ ذلك في عَدَمِ العَدالَةِ، وقد يَجْهَلُ الحَاكِمُ عَدالَةَ مَن يَعْلَمُ غيرُه عَدَالَتَه.
الجزء: 7 - الصفحة: 342
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن كان المُخْبِرُ امرأةً فقِياسُ المَذْهَبِ قَبُولُ قَوْلِها.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ الوَجْهَيْن لأصحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّه خبَرٌ دِينِىٌّ، أشْبَهَ الرِّوايَةَ، والخَبَرَ عن القِبْلَةِ، ودُخُولِ وَقْتِ الصَّلاةِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ فيه قولُ امرأةٍ، كهِلالِ شَوّالٍ.
فصل: فأمّا هِلالُ شَوّالٍ وغيرِه مِن الشُّهُورِ فلا يُقْبَلُ فيه إلَّا شَهادَةُ عَدْلَيْن في قولِ الجَمِيعِ، إلَّا أبا ثَوْرٍ، فإنَّه قال: يُقْبَلُ في هِلالِ شَوّالٍ قولُ واحِدٍ؛ لأنَّه أحَدُ طَرَفىْ شَهْرِ رمضانَ، أشْبَهَ الأوَّلَ، ولأنَّه خَبَرٌ يَسْتَوِى فيه المُخْبَرُ، أشْبَهَ الرِّوايَةَ وأخْبارَ الدِّياناتِ.
ولَنا، خَبَرُ عبدِ الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ الخَطّاب.
وعن ابنِ عُمَرَ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه أجاز شَهادَةَ رجل واحِدٍ على رُويَةِ الهِلالِ، وكان لا يُجِيزُ على شَهادَةِ الإِفْطارِ إلَّا شَهادَةَ رَجُلَيْن 41. ولأنَّها شَهادَةٌ على هِلالٍ لا يُدْخَلُ بها في العِبادَةِ، أشْبَهَ سائِرَ الشُّهُورِ، وهذا يُفارِقُ الخَبَر؛ لأنَّ الخَبَرَ يُقْبَلُ فيه قولُ المُخْبِرِ مع وُجُودِ المُخْبَرِ عنه، وفُلانٌ عن فُلانٍ، وهذا لا يُقْبَلُ فيه ذلك، فافْتَرَقا.
الجزء: 7 - الصفحة: 343
وَإذَا صَامُوا بِشَهَادَةِ.
اثْنَيْنِ ثَلَاِثينَ يَوْمًا فَلَمْ يَرَوُا الْهِلَالَ، أَفْطَرُوا.
وَإنْ صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
فصل: ولا يُقْبَلُ فيه شَهادَةُ رجل وامْرَأتَيْن، ولا شَهادَةُ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ وإن كَثُرْنَ، وكذلك سائِرُ الشُّهُورِ؛ لأنَّه ممّا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ، وليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ به المالُ، أشْبَهَ القِصاصَ، وكان القِياسُ يَقْتَضِى مِثْلَ ذلك في رمضانَ، لكنْ تَرَكْناه احْتِياطًا للعِبادَةِ.
واللَّهُ أعلمُ.
1035 -
مسألة: (وإذا صامُوا بشَهادَةِ اثْنَيْن ثَلاثِيِن يَوْمًا فلم يَرَوُا الهِلالَ، أفْطَرُوا)
وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ الشَّهْرَ لا يَزِيدُ على ثَلاِثِين، ولحديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ الخَطّابِ.
1036 -
مسألة: (وإن صامُوا بشَهادَةِ واحِدٍ)
فلم يَرَوُا الهِلالَ،
الحديث: 1035 - الجزء: 7 - الصفحة: 344
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(فعلىِ وَجْهَيْن) أحَدُهما، لا يُفطِرُون؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ فصُومُوا وَأفْطِرُوا» 42. ولأنَّه فِطْرٌ، فلم يَجُزْ أن يَسْتَنِدَ إلى شَهادَةِ واحِدٍ، كما لو شَهِد بهِلالِ شَوّالٍ.
والثانى، يُفْطِرُون.
وهو مَنْصُوصُ الشافعىِّ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ؛ لأنَّ الصومَ إذا وَجَب وَجَب الفِطْرُ لاسْتِكْمالِ العِدَّةِ، لا بالشَّهادَةِ، وقد يَثْبُتُ تَبَعًا ما لا يَثْبُتُ أصْلًا، بدَلِيلِ أنَّ النَّسَبَ لا يَثْبُتُ بشَهادَةِ النِّساءِ، وتَثْبُتُ بها الوِلادَةُ، ويَثْبُتُ النَّسَبُ تَبَعًا لها، كذا ههُنا.
الجزء: 7 - الصفحة: 345
وَإنْ صَامُوا لأَجْلِ الْغَيْمِ، لَمْ يُفْطِرُوا.
وَمَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، لَزِمَهُ الصَّوْمُ،
1037 - مسألة: (فإن صامُوا لأجْلِ الغيْمِ، لم يُفْطِرُوا)
وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ الصومَ إنَّما كان على وَجْهِ الاحْتِياطِ، فلا يَجُوزُ الخُرُوجُ منه للاحْتِياطِ أيضًا.
1038 -
مسألة: (ومَن رَأى هِلالَ رمضانَ وَحْدَه ورُدَّت
الحديث: 1037 - الجزء: 7 - الصفحة: 346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَهادَتُه، لَزِمَه الصومُ) هذا المَشْهُورُ في المَذْهَبِ، وسَواءٌ كان عَدْلًا أو فاسِقًا، شَهِد عندَ الحاكِمِ أو لم يَشْهَدْ، قُبِلَت شَهادَتُه أو رُدَّت.
وهذا قولُ مالكٍ، واللَّيْثِ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال إسحاقُ، وعطاءٌ: لا يَصُومُ.
وروَى حَنْبَلٌ عن أحمدَ: لا يَصُوِمُ إلَّا في جَماعَةِ النّاسِ.
ورُوِىَ نَحْوُه عن الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ؛ لأنَّه يَوْمٌ مَحْكُومٌ به مِنَ شعبانَ فأشْبَهَ التّاسِعَ والعِشْرِين.
ولَنا، أنَّه تَيَقَّنَ أنَّه مِن رمضانَ فلَزِمَه صَوْمُه, لو حَكَم به الحاكِمُ.
وكَوْنُه مَحْكُومًا به مِن شعبانَ ظاهِرٌ في حَقِّ غيرِه، وأمّا في الباطِنِ، فهو يَعْلَمُ أنَّه مِن رمضانَ، فلَزِمَه صِيامُه كالعدْلِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 347
وَإنْ رَأى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ، لَمْ يُفْطِرْ.
1039 - مسألة: (وإن رأى هِلالَ شَوّالٍ وَحْدَه، لم يفْطِرْ).
رُوِى ذلك عن مالكٍ، واللَّيْثِ.
وقال الشافعىُّ: يَحِلُّ له أن يَأْكُلَ بحيثُ لا يَراه أحَدٌ؛ لأنَّه تَيَقَّنَه مِن شَوّالٍ، فجازَ له الأكْلُ, كما لو قامتْ به بَيِّنَةٌ.
ولَنا، ما روَى أبو رَجاءَ عن أبى قِلابَةَ، أنَّ رَجُلَيْن قَدِما المَدِينَةَ وقد رَأَيا الهِلالَ، وقد أصْبَحَ النّاسُ صِيامًا، فأتَيا عُمَرَ، فذَكَرا ذلك له، فقال لأحَدِهما: أصائِمٌ أنت؟ قال: بل مُفْطِرٌ.
قال: ما حَمَلَك على هذا؟ قال: لم أكُنْ لأصُومَ وقد رأيْتُ الهِلالَ.
وقال للآخَرِ، قال: أنا صائِمٌ.
الحديث: 1039 - الجزء: 7 - الصفحة: 348
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: ما حَمَلَك على هذا؟ قال: لم أكُنْ لأُفْطِرَ والنّاسُ صِيامٌ.
فقال للذى أفْطَرَ: لولا مَكانُ هذا لأوْجَعْتُ رَأْسَك.
ثم نُودِىَ في النّاسِ: أنِ اخْرُجُوا.
أَخْرَجَه سَعِيدٌ، عن ابن عُلَيَّةَ 43 عن أيُّوبَ، عن أبى رَجاءَ 44. وإنَّما أرادَ ضَرْبَه لإِفْطارِه برُؤْيَتِه وَحْدَه، ودَفَع عنه الضَّرْبَ لكَمالِ الشَّهادَةِ به وبصاحِبه، ولو جاز له الفِطْرُ لَما أنْكَرَ عليه, ولا تَوَعَّدَه.
وقالتْ عائشةُ: إنَّما يُفْطِرُ يومَ الفِطْرِ الإِمامُ وجَماعَةُ المسلمين.
ولم يُعْرَف لهما مُخالِفٌ في عَصْرِهما، فكان إجْماعًا، ولأنَّه محْكُومٌ به مِن رمضانَ، أشْبَهَ اليومَ الذى قبلَه، وفارَقَ ما إذا ثَبَت ببَيِّنَةٍ؛ لأنَّه مَحْكُومٌ به مِن شَوّالٍ، بخِلافِ هذا.
قَوْلُهم: إنَّه يَتَيَقَّنُ أنَّه مِن شَوّالٍ.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّه يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ خُيِّلَ إليه ذلك فرَأى شيئًا، أو شَعَرَةً مِن حاجبه ظَنَّها هِلالًا ولم تَكُنْ.
فصل: فإن رآه اثْنان، فلم يَشْهَدا عندَ الحاكِمِ، جاز لمَن سَمِع
الجزء: 7 - الصفحة: 349
وَإِذَا اشْتَبَهَتِ الْأَشْهُرُ عَلَى الْأَسِيرِ، تَحَرَّى وَصَامَ، فَإِنْ وَافَقَ الشَّهْرَ، شَهادَتَهما الفِطْرُ، إذا عَرَف عَدالَتَهما، ولكلِّ واحِدٍ منهما أن يُفْطِرَ بقَوْلِهما إذا عَرَف عَدالَةَ الآخَرِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِذَا شَهِدَ اثْنَان فَصُومُوا وَأفْطِروا» (1). وإن شَهِدا عندَ الحاكِمِ، فرَدَّ شَهادَتَهما؛ لجَهْلِه بحالِهما، فلمَن عَلِم عَدالَتَهما الفِطْرُ؛ لأنَّ رَدَّ الحاكِم ههُنا ليس بحُكْمٍ منه، وإنَّما هو تَوَقُّفٌ لعَدَمِ عِلْمِه، فهو كالوُقُوفِ عن الحُكْمِ انْتِظارًا للبَيِّنةِ، ولهذا لو ثَبَتَتْ عَدالَتُهما بعدَ ذلك حُكِم بها، وإن لم يَعْرِفْ أحَدُهما عَدالَةَ صاحِبِه، لم يَجُزْ له الفِطْر، إلَّا أن يَحْكُمَ بذلك الحاكِمُ؛ لأنَّه يَكُونُ مُفْطِرًا برُؤْيَتِه وَحْدَه.
1040 -
مسألة: (وإنِ اشْتَبَهَتِ الأشْهُرُ على الأسِيرِ، تَحَرَّى
45 الحديث: 1040 - الجزء: 7 - الصفحة: 350
أَو ما بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ وَافَقَ قَبْلَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ.
وصام، فإن وافَقَ الشَّهْرَ، أو ما بعدَه، أجْزَأه، وإن وافَقَ قبلَه، لم يُجْزِئه).
إذا كان الأسِيرُ مَحْبوسًا، أو مَطْمُورًا 46، أو في بَعْضِ النَّواحِى النّائِيَةِ عن الأَمْصارِ، لا يُمكِنُه تَعَرُّفُ الأشْهُرِ بالخَبَرِ، فاشْتَبَهَتْ عليه الأشْهُرُ، فإنَّه يَتَحَرَّى ويَجْتَهِدُ، فإذا غَلَب على ظَنِّه عن أمارَةٍ تَقُومُ في نَفْسِه دُخُولُ شَهْرِ رمضانَ، صامَه، ولا يَخْلُو مِن أرْبَعَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن لا يَنْكَشِفَ له الحالُ، فيَصِحَّ صَوْمُه، ويُجْزِئَه، لأنَّه أدَّى فَرْضَه باجْتِهادِه، فأجْزَأه, كما لو صَلَّى في يَوْمِ الغَيْمِ بالاجْتِهادِ.
الثانى، أن يَنْكَشِفَ أنَّه وافَقَ الشَّهْرَ, أو ما بعدَه، فيُجْزِئَه في قولِ عامَّةِ العُلماءِ.
وحُكِىَ عن الحسنِ بنِ صالِحٍ، أنَّه لا يُجْزِئُه في الحالَتَيْن؛ لأنَّه صامه على الشَّكِّ، فلم يُجْزِئْه, كما لو صامَ يومَ الشَّكِّ، فبان مِن رمضانَ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه أدَّى فَرْضَه بالاجْتِهادِ في مَحَلِّه، فإذا أصاب أو لم يَعْلَمِ الحالَ أجْزَأه، كالقِبْلَةِ إذا اشْتَبَهَت، أو الصَّلاةِ في يَوْمِ الغَيْمِ إذا اشْتَبَهَ
الجزء: 7 - الصفحة: 351
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَقْتُها، وفارَقَ يومَ الشَّكِّ، فإنَّه ليس بمَحَلٍّ للاجْتِهادِ، فإنَّ الشَّرْعَ أمَرَ بصومِه عندَ أمارَةٍ عَيَّنَها، فما لم تُوجَدْ لم يَجُزِ الصومُ.
الحالُ الثّالِثُ، وافَقَ قبلَ الشَّهْرِ، فلا يُجْزِئُه، في قولِ عامَّةِ الفُقَهاءِ.
وقال بعضُ الشافعيةِ: يُجْزِئُه في أحَدِ القَوْلَيْن، كما لو اشْتَبَهَ يومُ عَرَفَةَ فوَقَفُوا قبلَه.
ولَنا، أنَّه أتَى بالعِبادَةِ قبلَ وَقْتِها، فلم يُجْزِئْه، كالصلاةِ في يومِ الغَيْمِ.
وأمّا الحَجُّ فلا نُسَلِّمُه إلَّا فيما إذا أخْطَأَ النّاسُ كُلُّهم، لعِظَم المَشَقَّةِ عليهم 47، وإن وَقَع ذلك لبَعْضِهم لم يُجْزِئْهم؛ ولأنَّ ذلك لا يُؤْمَنُ مِثْلُه في القَضاءِ، بخِلافِ الصوم.
الحالُ الرّابعُ، أن يُوافِقَ بعضُه رمضانَ دُونَ بَعْضٍ، فما وافَقَ رمضانَ أَو بعدَه أجْزَأه، وما وافَقَ قبلَه لم يُجْزِئْه.
فصل: وإذا وافَقَ صومُه بعدَ الشَّهْرِ، اعْتُبِرَ أن يَكُونَ ما صامَه بعَدَدِ أيّامِ شَهْرِه الذى فاتَه، سَواءٌ وافَقَ ما بينَ الهِلالَيْن، أو لم يوافِقْ، وسَواءٌ كان الشَّهْران تامَّيْنِ أو ناقِصَيْن، ولا يُجْزِئُه أقَلُّ مِن ذلك.
وقال القاضى: ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه إذا وافَقَ شَهْرًا بينَ هِلالَيْن أجْزَأه، سَواءٌ كان الشَّهْران تامَّيْن أو ناقِصَيْن، أو أحَدُهما تامًّا والآخرُ ناقِصًا.
وليس بصَحِيحٍ؛ فإنَّ
الجزء: 7 - الصفحة: 352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 48. ولأنَّه فاتَه شَهْرُ رمضانَ، فوَجَبَ أن يَكُونَ صِيامُه بعَدَدِ ما فاتَه، كالمَرِيضِ والمُسافِرِ.
وليس في كَلامِ الخِرَقِىِّ تَعَرُّضٌ لهذا التَّفْصِيلِ، فلا يَجُوزُ حَمْلُ كَلامِه على ما يُخالِفُ الكِتابَ والصَّوابَ.
فإن قِيلَ: أليس إذا نَذَر صومَ شَهْرٍ يُجْزِئُه ما بينَ الهِلالَيْن؟ قُلْنا: الإِطْلاقُ يُحْمَلُ على ما تَناوَلَه الاسْمُ، والاسْمُ يَتَناوَلُ ما بينَ الهِلالَيْن، وههُنا يَجِبُ قَضاءُ ما تَرَك، فيَجِبُ أن يُراعَى فيه عِدَّةُ المَتْرُوكِ, كما أنَّ مَن نَذَر صلاةً أجْزَأه رَكْعَتان، ولو تَرَك صلاةً وَجَب قَضاؤُها بعَدَدِ رَكَعاتِها، كذلك ههُنا الواجِبُ بعَدَدِ ما فاتَه مِن الأَيَّامِ، سَواءٌ كان ما صامه بينَ هِلالَيْن أو مِن 49 شَهْرَيْن، فإن دَخَل في صيامِه يومُ عِيدٍ لم يُعْتَدَّ به، وإن وافَقَ أيَّامٍ التَّشْرِيقِ، فهل يُعْتَدُّ بها؟ على رِوايَتَيْن، بِناءً على صِحَّةِ صَومِها عن الفَرْضِ.
فصل: فإن لم يَغْلِبْ على ظَنِّ الأسِيرِ دُخُولُ رمضانَ فصامَ، لم يُجْزِئْه وإن وافَقَ الشَّهْرَ؛ لأنَّه صامَه على الشَّكِّ، فلم يُجْزِئْه, كما لو نَوَى لَيْلَةَ
الجزء: 7 - الصفحة: 353
وَلَا يَجِبُ الصَّوْمُ إِلَّا عَلَى الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْقَادِرِ عَلَى الصَّوْمِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا صَبِىٍّ،
الشَّكِّ، إن كان غَدًا مِن رمضانَ فهو فَرْضِى.
وإن غَلَب على ظَنِّه مِن غيرِ أمارَةٍ، فقال القاضى: عليه الصيامُ، ويَقْضِى إذا عَرَف الشَّهْرَ، كالذى خَفِيَتْ عليه دَلائِلُ القِبْلَةِ فصلَّى على حَسَبِ حالِه، فإنَّه يُعِيدُ.
وذَكَرِ أبو بكرٍ في مَن خَفِيَتْ عليه دَلائِلُ القِبْلَةِ هل يُعِيدُ؟ على وَجْهَيْن.
كذلك يُخَرَّجُ على قَوْلِه ههُنا.
وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه يَتَحَرَّى، فمتى غَلَب على ظَنِّه دُخُولُ الشَّهْرِ صَحَّ صَوْمُه وإن لم يَبْنِ على دَلِيلٍ؛ لأنَّه ليس في وُسْعِه مَعْرِفَةُ الدَّلِيلِ، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَها.
فصل: وإذا صام تَطَوعًا، فوافَقَ شَهْرَ رمضانَ، لم يُجْزِئْه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: يُجْزِئُه.
وهو مَبْنِىٌّ على وُجُوبِ تَعْيِينِ النِّيَّةِ لرمضانَ، وسنَذْكُرُه، إن شاء اللَّه تعالى.
1041 -
مسألة: (ولا يَجِبُ الصومُ إلَّا على المُسْلِمِ البالِغِ العاقِل القادرِ على الصومِ، ولا يَجِبُ على كافِر ولا مَجْنُونٍ ولا
الحديث: 1041 - الجزء: 7 - الصفحة: 354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَبِىٍّ) يَجِبُ الصومُ على مَن وُجِدَتْ فيه هذه الشُّرُوطُ بغيرِ خِلافٍ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ، ولا يَجِبُ على كافِرٍ، أصْلِيًّا كان أو مُرتدًّا، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَب؛ لأنَّه عِبادَةٌ لا تَصِحُّ منه في حالِ كُفْرِه، ولا يَجبُ عليه قَضاؤُها إذا أَسْلَمَ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ 50. وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ القَضاءَ يَجِبُ على المُرْتَدِّ إذا أَسْلَمَ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه قد اعْتَقَدَ وُجُوبَها عليه، بخِلافِ الكافِرِ الأصْلِىِّ.
فعلى هذا يَجِبُ عليه في حالِ رِدَّتِه؛ لعُمُومِ الأدِلَّةِ.
وسنَذْكُرُ ذلك في بابِ المُرْتَدِّ، إن شاء اللَّه تعالى.
ولا يَجِبُ على مَجْنونٍ؛ لقَوْلِه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رُفِعَ الْقلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» 51. ولا يَصِحُّ منه؛ لأنَّه غيرُ عاقِلٍ، أشْبَهَ الطِّفْلَ.
الجزء: 7 - الصفحة: 355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمَّا الصَّبِىُّ العاقِلُ الذى يُطِيقُ الصَّوْمَ، فيَصِحُّ منه، ولا يَجبُ عليه حتى يَبلُغَ، وكذلك الجارِيَةُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهذا قولُ أكثرِ أهَل العِلْمِ.
وذهَب بَعْضُ أصحابِه إلى أنَّه يَجِبُ على الغُلامِ الذى يُطِيقُه إذا بَلَغ عَشْرًا؛ لِما روَى ابنُ جُرَيج عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبى لَبِيبَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذا أطَاقَ الغُلَامُ صِيامَ ثلاثةِ أيَّامٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرِ رمضِانَ» 52. ولأنَّها عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، أشْبَهَتِ الصلاةَ.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ.
قال القاضى: المَذْهَبُ عندِى، رِوايَةً واحِدَةً، أنَّ الصلاةَ والصومَ لا تَجِبُ حتى يَبْلُغَ، وما قالَه أحمدُ في مَن تَرَك الصلاةَ يَقْضِيها، نَحْمِلُه على الاسْتِحْباب؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، ولأنَّها عِبادَةٌ، فلم تَجِبْ على الصَّبِىِّ، كالحَجِّ.
وحديثُهم مُرْسَلٌ، ويُمْكِنُ حَمْلُه على الاسْتِحْبابِ، وسَمّاه واجِبًا تأكيدًا، كقَوْلِه عليه السلامُ: «غُسْلُ الجُمُعَةِ 53 وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحتَلِمٍ» 54. وفى ذلك جَمْعٌ بينَ الحَدِيثَيْن، فكان أوْلَى، وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.
الجزء: 7 - الصفحة: 356
وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِهِ إِذَا أَطَاقَهُ، وَيُضْرَبُ عَلَيْهِ لِيَعْتَادَهُ.
1042 - مسألة: (ويُؤْمَرُ به إذا أطاقَه، ويُضْرَبُ عليه ليَعْتادَه)
يَجِبُ على الوَلِىِّ أمْرُ الصَّبِىِّ بالصِّيامِ إذا أطاقَه، ويَضْرِبُه عليه؛ ليَتَمَرَّنَ عليه ويَعْتادَه؛ لِما ذَكَرْنا في الصَّلاةِ 55. ومِمَّن ذَهَب إلى أنَّه يُؤْمَرُ بالصيامِ إذا أطاقَه عَطاءٌ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ، والشافعىُّ.
وقال الأوْزاعِىُّ: إذا أطاقَ صيامَ ثَلَاثةِ أيّامِ تِباعًا، لا يَخُورُ فيهِنَّ ولا يَضْعُفُ، حُمِّلَ صومَ شَهْر رمضانَ.
وقال الخِرَقِىُّ: إذا كان للغُلامِ عَشْرُ سِنِين، وأطاقَ الصِّيامَ، أُخِذَ به.
وقال إسحاقُ: إذا بَلَغ ثِنْتَىْ عَشَرَةَ أُحِبُّ أن يُكَلَّفَ الصومَ للعادَةِ.
قال شيخُنا 56، رَحِمَه اللَّهُ:
الحديث: 1042 - الجزء: 7 - الصفحة: 357
وَإذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ في أَثْنَاءِ النَّهَارِ، لَزِمَهُمُ الإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ.
واعْتِبارُه بالعَشْرِ أوْلَى؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ بالضَّرْبِ على الصَّلاةِ عندَها (1). واعْتِبارُ الصومِ بالصلاةِ أحْسَنُ؛ لقُرْبِ إحْداهما مِن الأخْرَى في كَوْنِهما عِبادَتَيْن بَدَنِيَتّيْن مِن أرْكانِ الإِسْلامِ، إلَّا أنَّ الصومَ أشَقُّ، فاعْتُبِرَتْ له الطّاقَةُ؛ لأنَّه قد يُطِيقُ الصلاةَ مَنْ لا يُطِيقُ الصيامَ.
1043 -
مسألة: (وإذا قامَتِ البَيِّنَةُ بالرُّؤْيَةِ في أثْناءِ النَّهارِ، لَزِمَهم الإِمْساكُ والقَضاءُ)
وهذا قولُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
ورُوِىَ عن عَطاءٍ، أنَّه لا يَجِبُ عليه الإِمْساكُ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا نَعْلَمُ أحَدًا قالَه غيرَ عَطاءٍ.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ ذلك رِوايَةً عن أحمدَ، قِياسًا على المُسافِرِ إذا قَدِم.
قال شيخُنا 58، رَحِمَه اللَّهُ: ولم نَعْلَمْ أحَدًا ذَكَرَها غيرَه، وأظُنُّ هذا غَلَطًا؛ فإنَّ أحمدَ نصَّ على إيجابِ الكَفّارَةِ على مَن وَطِئَ ثم كَفَّرَ ثم عاد فوَطِئَ في يَوْمِه؛ لأنَّ حُرْمَةَ الصوم لم تَذْهَبْ، فإذا أوْجَبَ الكَفّارَةَ على غيرِ الصائمِ لحُرْمَةِ اليومِ، فكيَف يُبِيحُ الأكْلَ، ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على57
الحديث: 1043 - الجزء: 7 - الصفحة: 358
وَإنْ أَسْلَمَ كَافِرٌ، أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ، أَوْ بَلَغَ صَبِىٌّ، فَكَذَلِكَ.
وَعَنْهُ، لَا يَلْزَمُهُمْ شَىْءٌ.
المُسافِرِ إذا قَدِم وهو مُفْطِرٌ وأشباهِه؛ لأنَّه كان له الفِطْرُ ظاهِرًا وباطِنًا، وهذا لم يَكُنْ له الفِطْرُ في الباطِنِ مُباحًا، أشْبَهَ مَن أكَلَ يَظُنُّ أنَّ الفَجْرَ لم يَطْلُعْ، وكان قد طَلَع.
فصل: وكلُّ مَن أفْطَرَ والصومُ يَجِبُ عليه، كالمُفْطِرِ لغيرِ عُذْرٍ، ومَن ظَنَّ أنَّ الفَجْرَ لم يَطْلُعْ وقد طَلَع، أو أنَّ الشَّمْسَ قد غابَتْ ولم تَغِبْ، والنّاسِى للنِّيَّةِ، ونحْوِهم، يَلْزَمُهم الإِمْساكُ بغيرِ خِلافٍ بينَهم إلَّا أنَّه يُخَرَّجُ على قولِ عَطاءٍ في المَعْذُورِ في الفِطْرِ إباحَةُ فِطْرِ بَقِيَّةِ يومِه، كالمسألةِ قبلَها، وهو قولٌ شاذٌّ، لم يُعَرِّجْ عليه العُلماءُ.
1044 -
مسألة: (وإن بَلَغ صَبِىٌّ، أو أسْلَمَ كافِرٌ، أو أفاقَ مَجْنُونٌ، فكذلك. وعنه، لا يَلْزَمُهم شئٌ)
إذا بَلَغ الصَّبِىُّ في أثْناءِ النَّهارِ وهو مُفْطِرٌ، أو أفاقَ المَجْنونُ، أو أسْلَمَ الكافِرُ، لَزِمَهم الإِمْساكُ في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، والحسنِ بن صالِحٍ، والعَنْبَرِىِّ؛ لأنَّه مَعْنًى لو وُجِدَ قبلَ الفَجْرِ أوْجَبَ الصيامَ، فإذا
الحديث: 1044 - الجزء: 7 - الصفحة: 359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طَرَأ أوْجَبَ الإِمْساكَ، كقِيامِ البَيِّنَةِ بالرُّؤْيَةِ.
والثّانِيَةُ، لا يَلْزَمُهم الإِمْساكُ.
وإليه ذَهَب مالكٌ، والشافعىُّ.
ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه قال: مَن أَكَل أوَّلَ النَّهارِ فلْيَأْكُلْ آخِرَه؛ لأنَّه أُبِيحَ له الفِطْرُ أوَّلَ النَّهارِ ظاهِرًا وباطِنًا، فإذا أفْطَرَ كان له اسْتِدامَةُ الفِطْرِ، كما لو دامَ العُذْرُ.
وهل يَجِبُ عليهم القَضاءُ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَجِبُ؛ لأنَّهم أدْرَكُوا بعضَ وَقْتِ العِبادَةِ، فلَزِمَهم القَضاءُ, كما لو أدْرَكُوا بعضَ وقتِ الصَّلاةِ.
وهذا قولُ إسحاقَ في الكافِرِ إذا أسْلَمَ.
والثانيةُ، لا يَلْزَمُهم.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ في الكافِرِ إذا أسْلَمَ.
والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ؛ لأنَّهم لم يُدْرِكُوا وَقْتًا يُمْكِنُهم التَّلَبُّسُ بالعِبادَةِ فيه، أشْبَهَ ما لو زالَ عُذْرُهم بعدَ خُروجِ الوَقْتِ.
فصل: ويَجِبُ على الكافِرِ صومُ ما يَسْتَقْبِلُ مِن الشَّهْرِ بغيرِ خِلافٍ، ولا يَجِبُ قَضاءُ ما مَضَى في قولِ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ.
وقال عَطَاءٌ: عليه القَضاءُ.
وعن الحسنِ كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ انْقَضَت في حالِ
الجزء: 7 - الصفحة: 360
وَإنْ بَلَغَ الصِّبِىُّ صَائِمًا أَتَمِّ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِى.
وَعِنْدَ أَبِى الْخَطِّابِ، عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
كُفْرِه، فلم يَجِبْ قَضاؤُها، كالرمضانِ الماضِى.
1045 -
مسألة: (وإن بَلَغ الصَّبِىُّ صائِمًا أتَمَّ، ولا قَضاءَ عليه عندَ القاضى. وعندَ أبى الخَطّابِ، عليه القَضاءُ)
إذا نَوَى الصَّبِىُّ الصومَ مِن اللَّيْلِ، فبَلَغ في أثْناءِ النَّهارِ بالاحْتِلامِ أو السِّنِّ، أتَمَّ صومَه، ولا قَضاءَ عليه.
قالَه القاضى؛ لأنَّه نَوَى الصومَ مِن اللَّيْلِ، فأجْزَأتْه، كالبالِغِ، ولا يَمْتَنِعُ أن يَكُونَ أوَّلُ الصومِ نَفْلًا وباقِيه فَرْضًا, كما لو شَرَع في صومٍ تَطَوُّعًا، ثم نَذَر إتْمامَه.
واخْتارَ أبو الخَطّابِ وُجُوبَ القَضاءِ عليه؛ لأنَّها عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ بَلَغ في أثْنائِها بعدَ مُضِىِّ بعض أرْكانِها، فَلزِمَتْه إعادَتُها، كالصلاةِ، والحَجِّ إذا بَلَغ بعدَ الوُقُوفِ، يُحَقِّقُ ذلك أنَّه ببُلُوغِه يَلْزَمُه صَوْمُ جَمِيعِه، والماضِى قبل بُلُوغِه نَفْلٌ، فلم يُجْزِئُ عن الفَرْضِ، ولهذا لو نَذَر صومَ يومِ يَقْدَمُ فُلانٌ، فقَدِمَ والنّاذِرُ صائِمٌ، لَزِمَه القَضاءُ.
الحديث: 1045 - الجزء: 7 - الصفحة: 361
وَإِنْ طَهُرَتْ حَائِضٌ، أَوْ نُفَسَاءُ، أَوْ قَدِمَ الْمُسَافِرُ مُفْطِرًا، فَعَلَيْهِمُ الْقَضَاءُ.
وَفِى الْإِمْسَاكِ رِوَايَتَانِ.
فصل: فأمّا ما مَضَى مِن الشَّهْرِ قبلَ بُلُوغِه، فلا يَجِبُ عليه قَضاؤُه، سَواءٌ كان صامَه أوْ لا، في قولِ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ.
وقال الأوْزاعِىُّ: يَقْضِيه إن كان أفْطَرَه وهو مُطِيقٌ لصِيامِه.
ولَنا، أنَّه زَمَنٌ مَضَى في حالِ صِباه، فلم يَلْزَمْه قَضاءُ الصومِ فيه, كما لو بَلَغ بعدَ انْسِلاخِ رمضانَ.
1046 -
مسألة: (وإن طَهُرَت حائِضٌ، أو نُفَساءُ، أو قَدِم المُسافِرُ مُفْطِرًا، فعليهم القَضاءُ. وفى الإِمْساكِ رِوايَتان)
أمّا وُجُوبُ القَضاءِ عليهم فلا خِلافَ فيه؛ لقولِ اللَّه تِعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 59. والتَّقْدِيرُ فأفْطَرَ.
ولقول عائشةَ:
الحديث: 1046 - الجزء: 7 - الصفحة: 362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كُنّا نَحِيضُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فنُؤْمَرُ بقَضاءِ الصومِ.
مُتَّفَقٌ عليه 60. وكذلك الحُكْمُ في المَرِيضِ إذا صَحَّ في أثْناءِ النَّهارِ، وكان مُفْطِرًا.
وفى وُجُوبِ الإِمْساكِ عليهم رِوايَتان، ذَكَرْنا وَجْهَهما، والاخْتِلافَ في ذلك في مسألةِ الصَّبِى، والكافِرِ إذا أسْلَمَ، والمَجْنُونِ إذا أفاقَ، فكذلك الحُكْمُ في هؤلاء.
الجزء: 7 - الصفحة: 363
وَمَنْ عَجَزَ عَن الصَّوْمِ لِكِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَفْطَرَ وَأَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
1047 - مسألة: (ومَن عَجَز عن الصومِ لكِبَرٍ، أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه، أفْطَرَ وأطْعَمَ عن كلِّ يومٍ مِسْكِينًا)
الشَّيْخُ الكَبِيرُ، والعَجُوزُ، إذا كان الصومُ يُجْهِدُهما ويَشُقُّ عليهما مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فلهما
الحديث: 1047 - الجزء: 7 - الصفحة: 364
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن يُفْطِرا ويُطْعِما لكلِّ يومٍ مِسْكِينًا.
وهذا قولُ علىٍّ، وابنِ عباسٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وأنَسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال سعيدُ بنُ جُبيْرٍ، وطاوُسٌ، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ.
وقال مالكٌ: لا يَجِبُ عليه شئٌ؛ لأنَّه تَرَك الصومَ لعَجْزِه، فلم يَجِبْ فِدْيَةٌ, كما لو تَرَكَه لمَرَضٍ اتَّصَلَ به المَوْتُ.
وللشافعىِّ قَوْلان كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا، الآيَةُ.
قال ابنُ عباسٍ في تَفْسِيرِها: نَزَلَتْ رُخْصَةً للشَّيْخِ الكَبِيرِ 61. ولأَنَّ الأداءَ صومٌ واجِبٌ، فجاز أن يَسْقُطَ إلى الكَفّارَةِ، كالقَضاءِ.
وأمّا المَرِيضُ، فإن كان لا يُرْجَى بُرْؤُه فهو كمَسْألَتِنا، وإن كان يُرْجَى بُرْؤُه فإنَّما لم يَجِبْ عليه الإِطْعامُ؛ لأنَّ ذلك يُؤَدِّى إلى أن يَجِبَ على المَيِّتِ ابْتِداءً، بخِلافِ مَسْألَتِنا، فإنَّ وُجُوبَ الإِطْعامِ يَسْتَنِدُ إلى حالِ الحَياةِ، والشَّيخُ الهِمُّ 62 له ذِمَّة صَحِيحَةٌ، فإن كان عاجِزًا عن الإِطْعامِ، فلا شئَ عليه، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَها.
والمَرِيضُ الذى لا يُرْجَى بُرْؤُه، حُكْمُه حُكْمُ الشَّيْخِ فيما ذَكَرْنا.
وذَكَر السّامَرِّىّ أنَّها تَبْقَى في ذِمَّتِه، ولا تَسْقُطُ، كسائِرِ الدُّيُونِ.
وكذلك قال فيما يَجِبُ على الحَامِلِ والمُرْضِعِ، إذا أفْطرَتَا خَوْفًا على وَلَدَيْهما، أنَّه لا يَسْقُطُ الإِطْعامُ عنهما بالعَجْزِ عنه، لأنَّه في مَعْناه.
الجزء: 7 - الصفحة: 365
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، في مَن به شَهْوَةُ الجِماعِ غالِبَةٌ، لا يَمْلِكُ نَفْسَه، ويَخَافُ أن تَنْشَقَّ أُنْثَياه: يُطْعِمُ.
أباحَ له الفِطْرَ؛ لأنَّه يَخافُ على نَفْسِه، فهو كالمَرِيضِ.
ومَن يخافُ على نَفْسِه الهَلاكَ لعَطَشٍ، أو نَحْوِه، أوْجَبَ الإِطْعامَ بَدَلًا مِن الصِّيامِ.
وهذا مَحْمُولٌ مِن كَلامِه على مَن لا يَرْجُو إِمْكانَ القَضاءِ، فإن رَجا ذلك فلا فِدْيَةَ عليه.
والواجِبُ انْتِظارُ القَضاءِ وفِعْلُه إذا قَدَر عليه؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
وإنَّما يُصارُ إلى الفِدْيَةِ عندَ اليَأْسِ مِن القَضاءِ.
فإن أطْعَمَ معِ إياسِه، ثم قَدَر على القَضاءِ، احْتَمَلَ أن لا يَلْزَمَه؛ لأنَّ ذِمَّتَه قد بَرِئَت بأَداءِ الفِدْيَةِ الواجِبَةِ عليه، فلم تَعُدْ إلى الشُّغْلِ، كالمَعْضُوبِ 63 إذا أقامَ مَن يَحُجُّ عنه، ثم عُوفِىَ.
واحْتَمَلَ أن يَلْزَمَه
الجزء: 7 - الصفحة: 366
وَالْمَرِيضُ إِذَا خَافَ الضَّرَرَ، وَالْمُسَافِرُ، اسْتُحِبَّ لَهُمَا الْفِطْرُ، فَإِنْ صَامَا أَجزَأَهُمَا.
القَضاءُ؛ لأنَّ الإِطْعامَ بَدَلُ إياسٍ، وقد بَيَّنّا ذَهابَ الإِياسِ، فأشْبَهَ مَن اعْتَدَّت بالشُّهُورِ عندَ اليَأْسِ مِن الحَيْضِ، فيما إذا ارْتَفَع حَيْضُها لا تَدْرِى ما رَفَعَه، ثم حاضَتْ.
1048 -
مسألة: (والمَرِيضُ إذا خاف الضَّرَرَ، والمُسافِرُ، اسْتُحِبَّ لهما الفِطْرُ، فإن صاما أجْزَأهما)
أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على إِباحَةِ الفِطْرِ للمَرِيضِ في الجُمْلَةِ.
والأصْلُ فيه قَوْلُه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
والمَرَضُ المُبِيحُ للفِطْرِ هو الذى يَزِيدُ بالصومِ، أو يُخْشَى تَباطُؤُ بُرْئِه.
قِيلَ لأحمدَ: متى يُفْطِرُ المَرِيضُ؟ قال: إذا لم يَسْتَطِعْ.
قيل: مِثْلُ الحُمَّى؟ قال: وأىُّ مَرَضٍ أشَدُّ مِن الحُمَّى! وحُكِىَ عن بعضِ السَّلَفِ، أنَّه أباحَ الفِطْرَ بكلِّ مَرَضٍ، حتى مِن وَجَعِ
الحديث: 1048 - الجزء: 7 - الصفحة: 367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإِصْبَعِ والضِّرْسِ؛ لعُمُومِ الآيَةِ، ولأنَّ المُسافِرَ يُباحُ له الفِطْرُ مِن غيرِ حاجَةٍ إليه، فكذلك المَرِيضُ.
ولَنا، أنَّه شاهِدٌ للشَّهْرِ، لا يُؤْذِيه الصومُ، فلَزِمَه، كالصَّحِيحِ، والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ في المُسافِرِ والمَرِيضِ جَمِيعًا؛ بدَلِيلِ أنَّ المُسافِرَ لا يُباحُ له الفِطْرُ في السَّفَرِ القَصِيرِ، والفَرْقُ بينَ المُسافِرِ والمَرِيضِ، أنَّ السَّفَرَ اعْتُبِرَت فيه المَظِنَّةُ، وهو السَّفَرُ الطَّوِيلُ، حيثُ لم يُمْكِنِ اعْتِبارُ الحِكْمَةِ بنَفْسِها، فإنَّ قَلِيلَ المَشَقَّةِ لا يُبِيحُ، وكَثِيرُها لا ضابِطَ له في نَفْسِه، فاعْتُبِرَت بمظِنَّتِها، وهو السَّفَرُ الطَّوِيلُ، فدارَ الحُكْمُ مع المَظِنَّةِ وُجُودًا وعَدَمًا، والمَرَضُ لا ضابِطَ له؛ فإنَّ الأمْراضَ تَخْتَلِفُ؛ منها ما يَضُرُّ صاحِبَه الصومُ، ومنها ما لا أثَرَ للصومِ فيه، كوَجَعِ الضِّرْسِ، وجُرْحٍ في الإِصْبَعِ، والدُّمَّلِ، والجَرَبِ، وأشْباهِ ذلك، فلم يَصْلُحِ المَرَضُ ضابِطًا، وأمْكَنَ اعْتِبارُ الحِكْمَةِ، وهو ما يُخافُ منه الضَّرَرُ، فوَجَبَ اعْتِبارُه بذلك.
إذا ثَبَت هذا، فإن تَحَمَّلَ المَرِيضُ وصام مع هذا، فقد فَعَل مَكْرُوهًا؛ لِما يَتَضَمَّنُه مِن الإِضْرارِ بنَفْسِه، وتَرْكِه تَخْفِيفَ اللَّهِ وقَبُولَ رُخْصَتِه، ويَصِحُّ صومُه، ويُجْزِئه؛ لأنَّه عَزِيمَةٌ أُبِيحَ تَرْكُها رُخْصَةً، فإذا تَحَمَّلَه أجْزَأه، كالمَرِيضِ الذى يُباحُ له تَرْكُ الجُمُعَةِ إذا حَضَرَها.
الجزء: 7 - الصفحة: 368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والصَّحِيحُ الذى يَخْشَى المَرَضَ بالصيامِ، كالمَرِيضِ الذى يَخافُ زِيادَةَ المَرَضِ في إباحَةِ الفِطْرِ؛ لأنَّ المَرِيضَ إنَّما أُبِيحَ له الفِطْرُ خَوْفًا مِمّا يَتَجَدَّدُ بصِيامِه مِن زِيادَةِ المَرَضِ وتَطاوُلِه، فالخَوْفُ مِن تَجَدُّدِ المَرَضِ في مَعْناه.
قال أحمدُ، في مَن به شَهْوَةٌ غالِبَةٌ للجِماعِ، يَخافُ أن تَنْشَقَّ أُنْثَياه: فله الفِطْرُ.
وقال في الجارِيَةِ: تَصُومُ إذا حاضَتْ، فإن جَهَدَها الصومُ فلْتُفْطِرْ، ولْتَقْضِ.
يَعْنِى إذا حاضَتْ وهى صَغِيرَةٌ.
قال القاضى: هذا إذا كانتْ تَخافُ المَرَضَ بالصِّيامِ، يُباحُ لها الفِطْرُ، وإلَّا فلا.
الجزء: 7 - الصفحة: 369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ومَن أُبِيحَ له الفِطْرُ لشِدَّةِ شَبَقِه، إن أمْكَنَه اسْتِدْفاعُ الشَّهْوَةِ بغيرِ الجِماعِ، كالاسْتِمْناءِ بيَدِه، أو يَدِ امْرأَتِه أو جارِيَتِه، لمِ يَجُزْ له الجِماعُ؛ لأنَّه أفْطَرَ للضَّرُورَةِ، فلم يُبَحْ له الزِّيادةُ على ما تنْدَفِعُ به.
الضَّرُورَةُ، كأكْلِ المَيْتَةِ عندَ الضَّرُورَةِ.
فإن جامَعَ فعليه الكَفّارَةُ.
وكذلك إن أمْكَنَه دَفْعُها بما لا يُفْسِدُ صومَ غيرِه، كوطْءِ زَوْجَتِه أو أَمَتِه الصَّغِيرَةِ أو الكِتابِيَّةِ، أو المُباشَرَةِ للكَبِيرَةِ المُسْلِمَةِ دُونَ الفَرْجِ، أو الاسْتِمْناءِ بِيَدِها أو بِيَدِه، لم يُبَحْ له إفْسادُ صَوْمِ غيرِه؛ لأنَّ الضَّرُورَةَ إذا انْدَفَعَتْ لم يُبَحْ ما وَراءَها، كالشِّبَعِ مِن المَيْتَةِ إذا انْدَفَعَتِ الضَّرُورَةُ بسَدِّ
الجزء: 7 - الصفحة: 370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرَّمَقِ.
وإن لم تَنْدَفِعِ الضَّرُورَةُ إلَّا بإفْسادِ صومِ غيرِه، أُبِيحَ ذلك؛ لأنَّه مِمّا تَدْعُوِ الضَّرُورَةُ إليه، فأُبِيحَ، كفِطْرِه، وكالحامِلِ، والمُرْضِعِ يُفْطِران خوْفًا على وَلَدَيْهما.
فإن كان له امْرَأَتان، حائِضٌ، وطاهِرٌ صائِمَةٌ، وَدَعَتْه الضَّرُورَةُ إلى وَطْءِ إحْداهما، احْتَمَلَ وَجْهيْن؛ أحَدُهما، وَطْءُ الصائِمَةِ أَوْلَى؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى نَصَّ على النَّهْى عن وَطْءِ الحائِضِ في كتابِه.
والثّانِى، يَتَخَيَّرُ؛ لأنَّ وَطْءَ الصائِمَةِ يُفْسِدُ صِيامَها، فتَتَعارَضُ المَفْسَدَتان، ويَتَساوَيان.
فصل: وحُكْمُ المُسافِرِ حُكْمُ المَرِيضِ، في إباحَةِ الفِطْرِ وكَراهِيَةِ الصومِ، وإجْزائِه إذا فَعَلَه.
وإباحَةُ الفِطْرِ للمُسافرِ ثابِتَةٌ بالنَّصِّ، والإِجْماعِ؛ وأكْثَرُ أهلِ العِلْمِ على أنَّه إن صام أجْزَأه.
ورُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ، أنّه لا يَصِحُّ صومُ المُسافِرِ.
قال أحمدُ: عُمَرُ، وأبو هُرَيْرَةَ يَأْمُرانِه بالإِعادَةِ.
وروَى الزُّهْرِىُّ عن أبى سَلَمَةَ، عن أبيهِ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ،
الجزء: 7 - الصفحة: 371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّه قال: الصائِمُ في السَّفَرِ كالمُفْطِرِ في الحَضَرِ 64. وهو قولُ بعضِ أهلِ الظّاهِرِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ في السَّفَرِ».
مُتَّفَقٌ عليه 65. ولأَنَّه عليه السَّلامُ أفْطَرَ في السَّفَرِ، فلمَّا بَلَغَه أنَّ قَوْمًا صامُوا، قال: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» 66. ورَوَى ابنُ ماجه 67، بإسْنادِه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «الصَّائِمُ في رَمَضَانَ في السَّفَرِ، كَالمُفْطِرِ في الْحَضَرِ».
وعامَّةُ أهلِ العِلْمِ على خِلافِ هذا القولِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا قولٌ يُرْوَى عن عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، هَجَرَه الفُقَهاءُ كلُّهم، والسُّنَّةُ تَرُدُّه، وحُجَّتُهم ما رُوِى عن حَمْزَةَ بنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِىِّ،
الجزء: 7 - الصفحة: 372
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّه قال للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أصُومُ في السَّفَرِ؟ وكان كَثِيرَ الصيامِ، قال: «إنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإنْ شِئْتَ فَأفْطِرْ».
مُتَّفَقٌ عليه 68. وفى لَفْظٍ رَواه النَّسائِىُّ، أنَّه قال للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أجِدُ قُوَّةً على الصيامِ في السَّفَرِ، فهل عَلَىَّ جُناحٌ؟ قال: «هِىَ رُخْصَةٌ، فَمَنْ أخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أحَبَّ أنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ».
وقال أنَسٌ: كُنّا نُسافِرُ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يَعِبِ الصائِمُ على المُفْطِرِ، ولا المُفْطِرُ على الصائِمِ.
مُتَّفقٌ عليه 69. وأحاديثُهم مَحْمُولَةٌ على تَفْضِيلِ الفِطْرِ على الصيامِ.
فصل: والفِطْرُ في السَّفَرِ أفْضَلُ، وهو مَذْهَبُ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِىِّ، والأوْزاعِىِّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: الصومُ أفْضَلُ لمَن قَوِىَ عليه.
يُرْوى ذلك
الجزء: 7 - الصفحة: 373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن أنَسٍ، وعثمانَ بنِ أبى العاصِ؛ لِما روَى سَلَمَةُ بنُ المُحَبَّقِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «مَنْ كَانَتْ لَهُ حَمُولَةٌ تَأْوِى إلَى شِبَعٍ، فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أدْرَكَهُ».
رَواه أبو داودَ 70. ولأنَّ مَن خُيِّرَ بينَ الصومِ والفِطْرِ، كان الصومُ أفْضَلَ، كالتَّطَوُّعِ.
وقال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: أفْضَلُ الأمْرَيْن أيْسَرُهما؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ 71. ولِما روى أبو داودَ، عن حَمْزَةَ بنِ عَمْرٍو، قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّى صاحِبُ ظَهْرٍ، أُعالِجُه وأُسافِرُ عليه، وأكْرِيه، وإنَّه رُبَّما صادَفَنِى هذا الشَّهْرُ، يَعْنِى رمضانَ، وأنا أجِدُ القُوَّةَ، وأنا شابٌّ، وأجِدُنِى أن أصومَ، يا رسولَ اللَّهِ، أهْوَنَ عَلَىَّ مِن أن أُؤَخِّرَ، فيَكونَ دَيْنًا عَلَىَّ، أفأَصُومُ يا رسولَ اللَّه أعْظَمُ لأجْرِى، أو أُفْطِرُ؟ قال: «أىَّ ذَلِكَ شِئْتَ يَا حَمْزَةُ» 72. ولَنا، ما تَقَدَّمَ مِن الأخْبارِ في الفَصْلِ الذى قبلَه،
الجزء: 7 - الصفحة: 374
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «خَيْركُمُ الَّذِى يُفْطِر في السَّفَرِ وَيَقْصُرُ» 73. ولأنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ، فكان أفْضَلَ، كالقَصْرِ.
وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالمَرِيضِ، وبصومِ الأيّامِ المَكْرُوهِ صومُها.
فصل: وإنَّما يُباحُ الفِطْرُ في السَّفَرِ الطَّوِيلِ الذى يُبِيحُ القَصْرَ، وقد ذَكَرْنا ذلك فيما مَضَى في الصَّلاةِ 74. ثم لا يَخْلُو المُسافِر مِن ثَلَاَثَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يَدْخلَ عليه شَهْرُ رمضانَ في السَّفَرِ، فلا خِلافَ في إباحَةِ الفِطْرِ له فيما نَعْلَمُ.
الثّانى، أن يُسافِرَ في أثْناءِ الشَّهْرِ لَيْلًا، فله الفِطْرُ في صَبِيحَةِ الليْلَةِ التى يَخْرجُ فيَها، وما بعدَها، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
وقال عَبِيدَةُ السَّلْمانِىُّ، وأبو مِجْلَزٍ، وسُوَيْدُ بنُ غَفَلَةَ 75: لا يُفْطِر مَن سافَرَ بعدَ دُخُولِ، لشَّهْرِ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وهذا شاهِدٌ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
وروَى ابن عباسٍ، قال: خَرَج رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عامَ الفَتْحِ في شَهْرِ رمضانَ، فصامَ جتى بَلَغ الكَدِيدَ 76، ثم
الجزء: 7 - الصفحة: 375
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَا في رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ.
أفْطرَ، وأفْطَرَ النّاسُ.
مُتَّفَقٌ عليه (1). ولأنَّه مُسافِرٌ فأُبِيحَ له الفِطْرُ, كما لو سافَرَ قبلَ الشَّهْرِ، والآيَةُ مَحْمُولَةٌ على مَن شَهِد الشهرَ كلَّه، وهذا لم يَشْهَدْه كلَّه.
الثّالِثُ، أن يُسافِرَ في أثْناءِ يومٍ مِن رمضانَ، وسَيَأْتِى ذِكْرُ ذلك، إن شاء اللَّهُ.
1049 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ أن يَصُوما في رمضانَ عن غيرِه)
لا يَجُوزُ للمَرِيضِ، ولا للمُسافِرِ سَفَرًا طَوِيلًا، أن يَصُومَ في رمضانَ عن نَذْرٍ، ولا قَضاءٍ، وِلا غيرِهما؛ لأنَّ الفِطْرَ أُبِيحَ رُخْصَةً وِتَخْفِيفًا، فإذا لم يُرِدِ التَّخْفِيفَ عن نفْسِه، لَزِمَه أَنْ يَأْتِىَ بالأصْلِ.
فإن نوَى صَوْمًا غيرَ رمضانَ، لم يَصِحَّ صَوْمُه عن رمضانَ، ولا عمّا نَواه، في الصَّحِيحِ مِن77
الحديث: 1049 - الجزء: 7 - الصفحة: 376
وَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ في سَفَرِهِ، فَلَهُ الْفِطْرُ.
المَذْهَبِ، وهو قَوْلُ أكثرِ العُلماءِ.
وقال أبو حنيفةَ في المُسافِرِ: يَقَعُ ما نَواه إذا كان واجِبًا؛ لأنَّه زَمَنٌ أُبِيحَ له فِطْرُه، فكان له صَوْمُه عن واجِبٍ عليه، كغيرِ شهرِ رمضانَ.
ولَنا، أنَّه أُبِيحَ له الفِطْرُ للعُذْرِ، فلم يَجُزْ أن يَصُومَه عن غيرِ رمضانَ، كالمَرِيضِ، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه، ويَنْتَقِضُ أيضًا بصومِ التَّطَوُّعِ.
قال صالِحٌ: قِيلَ لأبى: مَن صام شَهْرَ رمضانَ، وهو يَنْوِى به تَطَوُّعًا، يُجْزِئُه؟ فقال: أوَ يَفْعَلُ هذا مُسْلِمٌ.
فصل: (ومَن نَوَى الصومَ في سَفَرِه، فله الفِطْرُ) واخْتَلَفَ قولُ الشافعىِّ فيه، فقال مَرَّةً: لا يَجُوزُ له الفِطْرُ.
وقال مَرَّةً: إن صَحَّ حديثُ الكَدِيدِ لم أرَ به بَأْسًا.
وقال مالكٌ: إن أفْطَرَ فعليه القَضاءُ والكَفّارَةُ.
ولَنا،
الجزء: 7 - الصفحة: 377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حديثُ ابنِ عباسٍ، وهو صحيحٌ مُتَّفَقٌ عليه.
وروَى جابِرٌ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج عامَ الفَتْحِ، فصام حتى بَلَغ كُراعَ الغَمِيمِ 78، وصام النّاسُ معه، فقِيلَ له: إنَّ النَّاسَ قد شَقَّ عليهم الصيامُ، وإنَّ النّاسَ يَنْظُرُون فيما فَعَلْتَ.
فدَعا بقَدَحٍ مِن ماءٍ بعدَ العَصْرِ، فشَرِبَ والنّاسُ يَنْظُرُون، فأفْطَرَ بَعْضُهم، وصام بَعْضُهم، فبَلَغَه أنَّ ناسًا صامُوا، فقالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ».
رَواه مسلم 79. وهذا نَصٌّ صَرِيحٌ لا يُعَرَّجُ على ما خالَفَه.
الجزء: 7 - الصفحة: 378
وَإنْ نَوَى الْحَاضِرُ صَوْمَ يَوْمٍ، ثُمَّ سَافَرَ في أَثْنَائِهِ، فَلَهُ الْفِطْرُ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ.
1050 - مسألة: (وإن نَوَى الحاضِرُ صومَ يَوْمٍ، ثم سافَرَ في أثْنائِه، فله الفِطْرُ. وعنه، لا يُباحُ)
إذا سافَرَ في أثْناءِ يَوْمٍ مِن رمضانَ، فهل له فِطْرُ ذلك اليومِ؟ فيه رِوايَتان؛ أصَحُّهما، جَوازُ الفِطْرِ.
وهو قولُ عَمْرِو ابنِ شُرَحْبِيلَ، والشَّعْبِىِّ، وإسحاقَ، وداودَ، وابنِ المُنْذِرِ.
والثانيةُ، لا يُباحُ له فِطْرُ ذلك اليوم.
وهو قولُ مَكْحُولٍ، والزُّهْرِىِّ، ويَحْيَى الأنْصارِىِّ، ومالكٍ، والأَوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّ الصومَ عِبادَةٌ تَخْتَلِفُ بالحَضَرِ والسَّفَرِ، فإذا اجْتَمَعا فيها غَلَب حُكْمُ الحَضَرِ، كالصلاةِ.
ولَنا، ما روَى عُبَيْدُ بنُ جُبَيْرٍ، قال: رَكِبْتُ مع أبى بَصْرَةَ الغِفارِىِّ في سَفِينَةٍ مِن الفُسْطاطِ في شَهْرِ رمضانَ، فدَفَعَ، ثم قُرِّبَ غَداه، فلم يُجاوِزِ البُيُوتَ حتى دَعا بالسُّفْرَةِ، ثم قال: اقْتَرِبْ.
الحديث: 1050 - الجزء: 7 - الصفحة: 379
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قُلْتُ: ألستَ تَرَى البُيُوتَ؟ قال أبو بَصْرَةَ: أتَرْغَبُ عن سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ رَواه أبو داودَ 80. ولأنَّه أحَدُ الأمْرَيْن المَنْصُوصِ عليهما في إباحَةِ الفِطْرِ، فإذا وُجِد في أثْناءِ النَّهارِ أباحَه، كالمَرَضِ، وقِياسُهم على الصَّلاةِ لا يَصِحُّ، فإنَّ الصومَ يُفارِقُ الصلاةَ؛ لأنَّ الصلاةَ يَلْزَمُ إتْمامُها بنِيَّتِها، بخِلافِ الصومِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُباحُ له الفِطْرُ حتى يُخَلِّفَ البُيوتَ وراء ظَهْرِه، ويَخْرُجَ مِن بينِ بُنْيانِها.
وقال الحسنُ: يُفْطِرُ في بَيْتِه إن شاء يومَ يُرِيدُ الخُروجَ.
ورُوِىَ نَحْوُه عن عَطاءٍ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: قولُ الحسنِ قولٌ شاذٌّ، وقد رُوِى عنه خِلافُه.
ووَجْهُه ما روَى محمدُ بنُ كَعْبٍ، قال: أتَيْتُ أنَسَ بنَ مالكٍ في رمضانَ، وهو يُرِيدُ سَفَرًا، وقد رُحِّلَتْ له راحِلَتُه، ولَبِس ثِيابَ السَّفَرِ، فدَعا بطَعام فأكَلَ، فَقُلْتُ له: سُنَّةٌ؟ فقالَ: سُنَّةٌ.
ثم رَكِب.
رَواه التِّرْمِذِىُّ 81، وقال: حديثٌ حسنٌ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وهذا شاهِدٌ، ولا يُوصَفُ بكَوْنِه مُسافِرًا حتى يَخْرُجَ مِن البَلَدِ، ومَهْما كان في البَلَدِ فله أحْكامُ الحاضِرِين، ولذلك لا يَقْصُرُ الصلاةَ.
فأمّا أنَسٌ فيَحْتَمِلُ
الجزء: 7 - الصفحة: 380
وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ اذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، أَفْطَرَتَا، وَقَضَتَا، وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا، أَفْطَرَتَا، وَقَضَتَا، وَأَطْعَمَتَا عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
أنَّه كان بَرَز (1) مِن البَلَدِ خارِجًا منه، فأتاه محمدُ بنُ كَعْبٍ في ذلك المَنْزِلِ.
1051 -
مسألة: (والحامِلُ والمُرْضِعُ إذا خافَتا)
الضَّرَرَ (على أنْفُسِهما، أفْطَرَتَا، وقَضَتا، وإن خافَتا على وَلَدَيْهما، أفْطَرَتا، وقَضَتا، وأطْعَمَتا عن كل يومٍ مِسْكِينًا) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الحامِلَ والمُرْضِعَ إذا خافَتا على أنْفُسِهما إذا صامَتا، فلهما الفِطْرُ، وعليهما القَضاءُ لا غيرُ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّهُما بمَنْزِلَةِ المَرِيضِ الخائِفِ على نَفْسِه.
وإن خافَتا على وَلَدَيْهِما، أفْطَرتا، وعليهما القَضاءُ، وإطْعامُ مِسْكِينٍ لكلِّ يومٍ.82
الحديث: 1051 - الجزء: 7 - الصفحة: 381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رُوِى ذلك عن ابنِ عُمَرَ.
وهو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ الشافعىِّ.
وقال اللَّيْثُ: الكَفّارَةُ على المُرضِعِ دُونَ الحامِلِ.
وهو إحْدَى الرِّوايَتَيْن عن مالكٍ؛ لأنَّ المُرْضِعَ يُمْكِنُها أن تَسْتَرْضِعَ لوَلَدِها، بخِلافِ الحامِلِ، ولأنَّ الحَمْلَ مُتَّصِلٌ بالحامِلِ، والخَوْفُ عليه كالخَوْفِ على بعضِ أعضائِها.
وقال الحسنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا كَفّارَةَ عليهما؛ لِما روَى أنَسُ بنُ مالكٍ، رجلٌ مِن بنِى كَعْبٍ 83، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ، أوِ الصِّيَامَ».
واللَّهِ لقد قالَهما رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أحَدَهما أو كِلَيْهما.
رَواه النّسائِىُّ،
الجزء: 7 - الصفحة: 382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والتِّرْمِذِيُّ 84. وقال: حديثٌ حسنٌ.
ولم يَأْمُرْ بكَفّارَةٍ، ولأنَّه فِطْرٌ أُبِيحَ لعُذْرٍ فلم يَجِبْ به كَفّارَةٌ، كالفِطْرِ للمَرَضِ.
ولَنا، قولُ الله تِعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ 85. وهما داخِلَتان في عُمُوم الآيَةِ.
قال ابنُ عباسٍ: كانت رُخْصَةً للشَّيْخِ الكَبِيرِ والمرأةِ الكَبِيرَةَ، وهما يُطِيقان الصيامَ، أن يُفْطِرا، أو يُطْعِما مَكانَ كلِّ يومٍ مِسْكِينًا، والحُبلَى والمُرْضِعُ إذا خافَتَا على أوْلادِهما أفْطَرَتا، وأَطْعَمَتا.
رَواه أبو داودَ 86. ورُوِىَ ذلك عن ابنَ عُمَرَ 87، ولا مُخالِفَ لهما في الصحابةِ.
ولأنَّه فِطْرٌ بسَبَبِ نَفْسٍ عاجِزَةٍ مِن طريقِ الخِلْقَةِ، فوَجَبَتْ به الكَفّارَةُ، كالشَّيْخِ الهِمِّ 88، وخَبَرُهم لم يَتَعَرَّضْ للكَفّارَةِ، فكانت
الجزء: 7 - الصفحة: 383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَوْقُوفَةً على الدلِيلِ، كالقَضاءِ، فإنَّ الحديثَ لم يَتَعَرَّضْ له، والمَرِيضُ أخَفُّ حالًا مِن هاتَيْن؛ لأنَّه يُفْطِرُ بسَبَبِ نَفْسِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الواجِبَ في طعامِ المِسْكِينِ مُدُّ بُرٍّ، أو نِصْفُ صاعِ شَعِيرٍ.
والخِلافُ فيه كالخِلافِ في إطعامِ المساكينِ في كَفّارَةِ الجِماعِ، على ما يُذْكَرُ في مَوْضِعِه.
فصل: ويَجِبُ عليهما القَضاءُ مع الإِطْعامِ.
وقال ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ: لا قَضاءَ عليهما؛ لأنَّ الآيَةَ تَناوَلَتْهما، وليس فيها إلَّا الِإطعامُ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ».
ولَنا، أنَّهما يُطِيقانِ القضاءَ، فلَزِمَهما، كالحائِضِ والنُّفَساءِ، والآيَةُ أوْجَبَتِ الإِطْعامَ، ولم تَتَعَرَّضْ للقَضاءِ، وأخَذْناه مِن دَلِيلٍ آخَرَ.
والمُرادُ
الجزء: 7 - الصفحة: 384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بوَضْعِ الصومِ، وَضْعُه في مُدَّةِ عُذْرِهما, كما جاء في حديثِ عَمْرِو بنِ أُمَيَّةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ» 89. ولا يُشْبِهان الشيخَ الهِمَّ 90؛ لأنَّه عاجِزٌ عن القَضاءِ، وهما يَقْدِران عليه.
قال أحمدُ: أذْهَبُ إلى حديثِ أبي هُرَيْرَةَ.
يَعْنِى، ولا أقولُ بقولِ ابنِ عُمَرَ وابنِ عباسٍ في مَنْعِ القَضاءِ.
فصل: فإن عَجَزَتا عن الإِطْعامِ، سَقَط عنهما بالعَجْزِ، ككَفّارَةِ الوَطْءِ، بل السُّقُوطُ ههُنا أوْلَى؛ لوُجُودِ العُذْرِ.
ذَكَره شيخُنا في «الكافِى».
وقِيلَ: لا يَسْقُطُ.
وقد ذَكَرْناه.
وقال صاحِبُ
الجزء: 7 - الصفحة: 385
وَمَنْ نَوَى قَبْلَ الْفَجْر، ثُمَّ جُنَّ، أَوْ أُغْمِىَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ.
وَإِنْ أَفاقَ جُزْءًا مِنْهُ، صَحَّ صَوْمُهُ.
«المُحَرَّرِ»: يَسْقُطُ ههُنا، ولا يَسْقُطُ عن الكَبِيرِ العاجِزِ، والمَرِيضِ الذى لا يُرْجَى بُرْؤُه؛ لأنَّهما بَدَلٌ عن نَفْسِ الصومِ، وتلك جُبْرانٌ لنَقْصِ الصوم.
واللهُ أعلمُ.
1052 -
مسألة: (ومَن نَوَى قبلَ الفَجْرِ، ثم جُنَّ، أو أُغْمِىَ عليه جَمِيعَ النَّهارِ، لم يَصِحَّ صومُه. وإن أفاق جُزْءًا منه، صَحَّ صومُه)
متى نَوَى الصومَ قبلَ الفَجْرِ، ثم جُنَّ، أو أُغْمِىَ عليه جَمِيعَ النَّهارِ، لم يَصِحَّ
الحديث: 1052 - الجزء: 7 - الصفحة: 386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صومُه.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ؛ لأنَّ النِّيَّةَ قد صَحَّتْ، وزَوالُ الاسْتِشْعارِ بعدَ ذلك لا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصومِ، كالنَّوْمِ.
ولَنا، أنَّ الصومَ هو الإِمْساكُ مع النِّيَّةِ، قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَقُولُ تَعَالَى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصِّيَامَ، فإنَّهُ لِى، وَأنَا أَجْزِى بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أجْلِى» 91. فأضاف تَرْكَ الطَّعامِ والشَّراب إليه، والمَجْنُونُ والمُغْمَى عليه لا يُضافُ الإِمْساكُ إليه، فلم يُجْزِئْه.
ولأَنَّ النِّيَّةَ أحَدُ رُكْنَىِ الصومِ، فلم تُجْزِئْ وَحْدَها، كالإِمْساكِ وَحْدَه، أمّا النَّوْمُ فإنَّه عادَةٌ، ولا يُزِيلُ الإِحْساسَ بالكُلِّيَّةِ، ومتى نُبِّهَ انْتَبَه.
فصل: ومتى أفاق المُغْمَى عليه في جُزْءٍ مِن النَّهارِ، صَحَّ صَوْمُه، سَواءٌ كان في أوَّلِه أو في آخِرِه.
وقال الشافعىُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: تُعْتَبَرُ الإِفاقَةُ في أوَّلِ النَّهارِ؛ ليَحْصُلَ حُكْمُ النِّيَّةِ في أوَّلِه.
ولَنا، أنَّ الإِفاقَةَ حَصَلَتْ في جُزْءٍ مِن النَّهارِ، فأجْزَأ, كما لو وُجِدَتْ في أوَّلِه، وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛
الجزء: 7 - الصفحة: 387
وَإِنْ نَامَ جَمِيعَ النَّهَارِ، صَحَّ صَوْمُهُ.
وَيَلْزَمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْمَجْنُونِ.
فإنَّ النِّيِّةَ قد حَصَلَتْ مِن اللَّيْلِ، فيُسْتَغْنَى عن ذِكْرِها في النَّهارِ, كما لو نام أو غَفَل عن الصومِ، ولو كانَتِ النِّيَّةُ إنَّما تَحْصُلُ بالإِفاقَةِ في أوَّلِ النَّهارِ، لَما صَحَّ منه صومُ الفَرْضِ بالإِفاقَةِ، لأنَّه لا يُجْزِئُ بنِيَّةٍ مِن النَّهارِ.
وحُكْمُ المَجْنُونِ حُكْمُ المُغْمَى عليه في ذلك.
وقال الشافعىُّ: إذا وُجِد الجُنُونُ في جُزْءٍ مِن النَّهارِ أفْسَدَ الصومَ؛ لأنَّه مَعْنًى يَمْنَعُ وُجُوبَ الصومِ، فأفْسَدَه وُجُودُه في بَعْضِه، كالحَيْضِ.
ولَنا، أنَّه زَوالُ عَقْلٍ في بعضِ النَّهارِ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ الصومِ، كالإِغْماءِ، ويُفارِقُ الحَيْضَ؛ فإنَّ الحَيْضَ لا يَمْنَعُ الوُجُوبَ، وإنَّما يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، ويُحَرِّمُ فِعْلَ الصومِ، ويَتَعَلَّقُ به وُجُوبُ الغُسْلِ وتَحْرِيمُ الصلاةِ والقِراءَةِ واللُّبْثِ في المَسْجِدِ والوَطْءِ، فلا يَصِحُّ القِياسُ عليه.
1053 -
مسألة: (وإن نام جَمِيعَ النَّهارِ، صَحَّ صومُه)
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه عادَةٌ، ولا يُزِيلُ الإِحْساسَ بالكُلِّيَّةِ.
1054 -
مسألة: (ويَلْزَمُ المُغْمَى عليه القَضاءُ دُونَ المَجْنونِ)
لا نَعْلَمُ خِلافًا في وُجُوبِ القَضاءِ على المُغْمَى عليه؛ لأنَّ مُدَّتَه لا تتَطاوَلُ غالِبًا، ولا تَثْبُتُ
الحديث: 1053 - الجزء: 7 - الصفحة: 388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوِلايَةُ على صاحِبِه، فلم يَزُلْ 92 به التَّكْلِيفُ، كالنَّوْمِ.
فأمّا المَجْنُونُ، فلا يَلْزَمُه قَضاءُ ما مَضَى.
وبه قال أبو ثَوْرٍ، والشافعىُّ في الجَدِيدِ.
وقال مالكٌ: يَقْضِى وإن مَضَى عليه سِنُون.
وعن أحمدَ مِثْلُه.
وهو قولُ الشافعىِّ في القَدِيمِ؛ لأنَّه مَعْنًى يُزيلُ العَقْلَ، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَ الصومِ، كالإِغْماءِ.
وقال أبو حنيفةَ: إن جُنَّ جَمِيعَ الشَّهْرِ فلا قَضاءَ عليه، وإن أفاق في أثْنائِه قَضَى ما مَضَى؛ لأنَّ الجُنُون لا يُنافِى الصومَ، بدَلِيلِ أنَّه لو جُنَّ في أثْناءِ الصومِ لم يَفْسُدْ، فإذا وُجِد في بعضِ الشَّهْرِ وَجَب القَضاءُ، كالإِغْماءِ، ولأنَّه أدْرَكَ جُزْءًا مِن رمضانَ وهو عاقِلٌ، فلَزِمَه صِيامُه, كما لو أفاق في جُزْءٍ مِن اليومِ.
ولَنا، أنَّه مَعْنًى يُزِيلُ التَّكْلِيفَ، فلم يَجِبِ القَضاءُ في زَمانِه، كالصِّغَرِ والكُفْرِ.
ونَخُصُّ أبا حنيفةَ بأنَّه مَعْنًى لو وُجِد في جَمِيعِ الشَّهْرِ أسْقَطَ القَضاءَ، فإذا وُجِد في بعضِه أسْقَطَه، كالصَّبيِّ والكُفْرِ، فأمّا إذا أفاق في بعض اليومِ، فلنا فيه مَنْعٌ، وإن سَلَّمْناه، فلأنَّه قد أدْرَكَ بعضَ وَقْتِ العِبادَةِ، فلَزِمَتْه، كالصَّبِىِّ إذا بَلَغ، والكافِرِ إذا أسْلَمَ في بعضِ النَّهارِ، وكما لو أدْرَكَ بعضَ وَقْتِ الصلاةِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 389
فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ وَاجِبٍ، إِلَّا أنْ يَنْوِيَهُ مِنَ اللَّيْلِ مُعَيِّنًا.
وَعَنْهُ، لَا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِرَمَضَانَ.
فصل: قال: (ولا يَصِحُّ صومُ واجِبٍ، إلَّا أن يَنْوِيَه مِن اللَّيْلِ مُعَيِّنًا.
وعنه، لا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لرمضانَ) لا يَصِحُّ صومٌ إلَّا بنِيَّةٍ بالإِجْماعِ، فَرْضًا كان أو تَطَوُّعًا؛ لأنَّه عِبادَةٌ مَحْضَةٌ، فافْتَقَرَ إلى النِّيَّةِ، كالصلاةِ.
فإن كان فَرْضًا، كصيامِ رمضانَ في أَدائِه أو قَضائِه، والنَّذْرِ، والكَفّارَةِ، اشْتُرِطَ أن يَنْوِيَه مِن اللَّيْلِ.
وهذا مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُ صيامُ رمضانَ، وكلُّ صومٍ مُتَعَيِّنٍ بنِيَّةٍ 93 مِن النَّهارِ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أرْسَلَ غَداةَ عاشُوراءَ إلى قُرَى الأنْصارِ التى حولَ المَدِينَةِ: «مَنْ كَانَ أصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصبَحَ مُفْطِرًا فَلْيَصُمْ 94 بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أكَلَ فَلْيَصُمْ».
مُتَّفَقٌ عليه 95. وكان صومًا واجِبًا مُتَعَيِّنًا، ولأنَّه غيرُ ثابِتٍ في الذِّمَّةِ، فهو كالتَّطَوُّعِ.
ولَنا،
الجزء: 7 - الصفحة: 390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما روَى ابنُ جُرَيْجٍ، وعبدُ اللهِ بنُ أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن سالِمٍ، عن أبيه، عن حَفْصَةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -, أنَّه قال: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا صِيَامَ لَهُ».
وفى لَفْظِ ابنِ حَزْم: «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ، والنَّسائِىُّ 96. وروَى الدَّارَقُطنِىُّ 97، بإسْنادِه، عن عَمْرَةَ، عن عائِشةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «مَن لَم يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ».
وقال: إسْنادُه كلُّهم ثِقاتٌ.
وقال: حديثُ
الجزء: 7 - الصفحة: 391
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حَفْصَةَ رَفَعَه عبدُ اللهِ بنُ أبي بَكْرٍ، عن الزُّهْرِىِّ، وهو مِن الثِّقاتِ.
ولأنَّه صومُ فَرْضٍ، فافْتَقَرَ إلى النِّيَّةِ مِن اللَّيْلِ، كالقَضاءِ.
فأمّا صومُ عاشُوراءَ فلم يَثْبُتْ وُجُوبُه، فإنَّ مُعاوِيَةَ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يَكْتُبِ الله عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ».
مُتَّفَقٌ عليه 98. وإنَّما سُمِّىَ الإِمْساكُ صِيامًا تَجَوُّزًا، كما روَى البُخارِىُّ، أنَّ رسولَ اللهَ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ رجلًا أنْ أذِّنْ في النَّاسِ، أنَّ مَنْ كَانَ أكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِه 99. وإِمْساكُ بَقِيَّةِ اليَوْمِ بعدَ الأكْلِ ليس بصيامٍ شَرْعِىٍّ، فسَماه صيامًا تَجَوُّزًا، ثم لو ثَبَت أنَّه صِيامٌ، فالفَرْقُ بينَ ذلك وبينَ رمضانَ، أنَّ وُجُوبَ الصِّيامِ تَجَدَّدَ في أثْناءِ النَّهارِ، فأجْزَأتْه النِّيَّةُ حينَ تَجَدَّدَ الوُجوبُ، كمَن كان صائِمًا تَطَوُّعًا، فنَذَرَ في أثْناءِ النَّهارِ صومَ بَقِيَّةِ يَوْمِه، فإنَّه تُجْزِئُه نِيَّتُه عندَ نَذْرِه، بخِلافِ ما إذا كان النَّذْرُ مُتَقَدِّمًا.
والفَرْقُ بينَ التَّطَوُّعِ والفَرْضِ مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما،
الجزء: 7 - الصفحة: 392
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ التَّطَوُّعَ يُمْكِنُ الإِتْيانُ به في بعضِ النَّهارِ، بشَرْطِ عَدَمِ المُفْطِراتِ في أوَّلِه، بدَلِيلِ قَوْلِه عليه السَّلامُ، في حديث عاشُوراءَ: «فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ».
فإذا نَوَى صومَ التَّطَوُّعِ مِن النهارِ، كان صائِمًا بَقِيَّةَ النَّهارِ دُونَ أوَّلِه، والفَرْضُ يَجِبُ في جميعِ النَّهارِ، ولا يَكُونُ صاِئمًا بغيرِ نِيَّةٍ.
والثانِى، أنَّ التَّطَوُّعَ سُومِحَ في نِيَّتِه مِن اللَّيْلِ تَكْثِيرًا له، فإنَّه قد يَبْدُو له الصومُ في النَّهارِ، فاشْتِراطُ النِّيَّةِ في اللَّيْلِ يَمْنَعُ ذلك فسامَحَ الشَّرْعُ فيها، كمُسامَحَتِه في تَرْكِ القِيامِ في صلاةِ التَّطَوُّعِ، بخِلافِ الفَرْضِ.
إذا ثَبَت هذا ففى أىِّ جُزْءٍ مِن اللَّيْلِ نَوَى أجْزَأه، وسَواءٌ فَعَل بعدَ النِّيَّةِ ما يُنافِى الصومَ، مِن الأكْلِ والشُّرْبِ والجِماعِ، أو لم يَفْعَلْ.
واشْتَرَطَ بعضُ أصحابِ الشافعىِّ أن لا يَأْتِىَ بعدَ النِّيَّةِ بما يُنافِى الصومَ.
واشْتَرَطَ بعْضُهم وُجُودَ النِّيَّةِ في النِّصْفِ الأخِيرِ مِن اللَّيْلِ، كأذانِ الصُّبْحِ، والدَّفْعِ مِن مُزْدَلِفَةَ.
ولَنا، مَفْهُومُ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلٍ» 100. مِن غيرِ تَفْصِيلٍ.
ولأنَّه نَوَى مِن اللَّيْلِ، فصَحَّ صَوْمُه, كما لو 101 نوَى في النِّصْفِ الأخِيرِ، وكما لو لم يَفْعَلْ ما يُنافِى الصومَ، ولأنَّ تَخْصِيصَ النِّيَّةِ بالنِّصْفِ الأخِيرِ يُفْضِى إلى تَفْوِيتِ الصومِ؛ لأنَّه وَقْتُ النَّوْمِ، وكَثِيرٌ مِن النّاسِ لا يَنْتَبِهُ فيه، ولا يَذْكُرُ الصومَ، والشارِعُ إنَّما
الجزء: 7 - الصفحة: 393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَخَّصَ في تَقْدِيمِ النِّيَّةِ على ابْتِدائِه لحَرَجِ اعْتِبارِها عندَه، فلا يَخُصُّها بمَحَلٍّ لا تَنْدَفِعُ المَشَقَّةُ بتَخْصِيصِها به، ولأنَّ تَخْصِيصَها بالنِّصْفِ الأخِيرِ تَحَكُّمٌ مِن غيرِ دَلِيلٍ، واعْتِبارُ الصومِ بالأذانِ والدَّفْعِ مِن مُزْدَلِفَةَ لا يَصِحُّ؛ لأنَّهما يَجُوزان بعدَ الفَجْرِ، فلا يُفْضِى مَنْعُهما في النِّصْفِ الأوَّلِ إلى فَواتِهما، بخِلافِ نِيَّةِ الصومِ، ولأنَّ اخْتِصاصَهما بالنِّصْفِ الأخِيرِ بمَعْنَى تَجْوِيزِهما فيه، واشْتِراطُ النِّيَّةِ بمَعْنَى الإِيجابِ والتَّحَتُّمِ وفَواتِ الصومِ بفَواتِها، فيه، وهذا فيه مَشَقَّةٌ ومَضَرَّةٌ، بخِلافِ التَّجْوِيزِ.
فأمّا إن فَسَخ النِّيَّةَ، مثلَ إن نَوَى الفِطْرَ بعدَ نِيَّةِ الصيامِ، لم تُجْزِئْه تلك النِّيَّةُ المَفْسُوخَةُ؛ لأنَّها زالت حُكْمًا وحَقِيقَةً.
فصل: وإن نَوَى مِن النَّهارِ صومَ الغَدِ، لم يُجْزِئْه، إلَّا أن يَسْتَصْحِبَ النِّيَّةَ إلى جُزْءٍ مِن اللَّيْلِ.
وقد روَى ابنُ مَنْصُورٍ، عن أحمدَ: مَن نَوَى الصومَ عن قَضاءِ رمضانَ بالنَّهارِ، ولم يَنْوِ من اللَّيْلِ، فلا بَأْسَ، إلَّا أن يَكُونَ فَسَخ النِّيَّةَ بعدَ ذلك.
فظاهِرُ هذا حُصُولُ الإِجْزاءِ بنِيَّةٍ مِن النَّهارِ، إلَّا أنَّ القاضىَ قال: هذا مَحْمُولٌ على أنَّه اسْتَصْحَبَ النِّيَّةَ إلى اللَّيْلِ.
وهذا صَحِيحٌ؛ لظاهِر قَوْلِه عليه السَّلامُ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ».
ولأنَّه لم يَنْوِ عندَ ابْتِداءِ العِبادَةِ، ولا قَرِيبًا منها، فلم
الجزء: 7 - الصفحة: 394
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَصِحَّ, كما لو نَوَىْ مِن اللَّيْلِ صومَ بعدِ الغَدِ.
فصل: وتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ لكلِّ يومٍ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ، أنَّه تُجْزِئُه نِيَّةٌ واحِدَةٌ لجمِيعِ الشَّهْرِ، إذا نَوَى صومَ جَميعِه.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، وإسحاقَ؛ لأنَّه نوَى في زَمَنٍ يَصْلُحُ جِنْسُه لنِيَّةِ الصوم، فجاز, كما لو نَوَى كلَّ يومٍ في لَيْلَته.
ولَنا، أنَّه صومٌ واجِبٌ، فوَجَبَ أَن يَنْوِىَ كُلَّ يَومٍ مِن لَيْلَتِه، كالقَضاءِ، ولأنَّ هذه الأيَّامَ عِباداتٌ لا يَفْسُدُ بعضُها بفَسادِ بعضٍ، ويَتَخَلَّلُها ما يُنافِيها، أشْبَهَتِ القَضاءَ، وبهذا فارَقَتِ اليومَ الأوَّلَ.
وعلى قِياسِ رمضانَ إذا نَذَر صومَ شَهْرٍ بعَيْنِه، خُرِّجَ فيه مثلُ ما ذَكَرْنا في رمضانَ.
فصل: ومَعْنَى النِّيَّةِ القَصْدُ، وهو اعْتِقادُ القَلْبِ فِعْلَ الشئِ وعَزْمُه عليه مِن غيرِ تَرَدُّدٍ.
فمتى خَطَر بقَلْبِه في اللَّيْلِ أنَّ غَدًا مِن رمضانَ، وأنَّه صائِمٌ فيه، فقد نوَى.
وإن شَكَّ في أنَّه مِن رمضانَ، ولم يَكُنْ له أصْلٌ يَبْنِى عليه، مثلَ لَيْلَةِ الثَّلاِثِين مِن شعبانَ، ولم يَحُلْ دُونَ مَطْلَعِ الهِلالِ غَيْمٌ ولا قَتَرٌ، فعَزَمَ أن يَصُومَ غَدًا مِن رمضانَ، لم تَصِحَّ النِّيَّةُ، ولم يُجْزِئْه
الجزء: 7 - الصفحة: 395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صيامُ ذلك اليَوْمِ؛ لأنَّ النِّيَّةَ قَصْدٌ يَتْبَعُ العِلْمَ، وما لا يَعْلَمُه ولا دَلِيلَ على وُجُودِه، لا يَصحُّ قَصْدُه.
وبهذا قال حَمّادٌ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، وابنُ أبي لَيْلَى، والحسنُ بنُ صالِحٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ: يَصحُّ إذا نَواه مِن اللَّيْلِ، كاليومِ الثانى.
وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا، أنَّه لم يَجْزِمِ النِّيَّةَ بصَوْمِه مِن رمضانَ، فلم يَصحَّ، كما لو لم يَعْلَمْ إلَّا بعدَ خُرُوجِه.
وكذلك إن بَنَى على قولِ المُنَجِّمِين وأهلِ الحِسابِ، فوافَقَ الصَّوابَ، لم يَصحَّ صومُه، وإن كَثُرَتْ إصابَتُهم؛ لأنَّه ليس بدَلِيلٍ شَرْعِىٍّ يَجُوزُ البِناءُ عليه، ولا العَمَلُ به، فكان وُجُودُه كعَدَمِه، قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ».
وفى رِوايَةٍ: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ» 102. فأمّا لَيْلَةُ الثَّلاِثِين مِن رمضانَ، فتَصِحُّ نِيَّتُه، وإنِ احْتَمَلَ أن يَكُونَ مِن شَوّالٍ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ رمضانَ، ولِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ.
فإن قال: إن كان غَدًا مِن رمضانَ فأنا صائِمٌ، وإن كان مِن شَوّالٍ فأنا مُفْطِرٌ.
فقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَصحُّ صومُه؛ لأنَّه لم يَجْزِمْ بنَيَّةِ الصومِ، والنِّيَّةُ اعْتِقادٌ جازِمٌ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصحَّ؛ لأنَّ هذا شَرْطٌ واقِعٌ، والأصْلُ بَقاءُ رمضانَ.
فصل: ويَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ في كلِّ صومٍ واجِبٍ، فيَعْتَقِدُ أنَّه يصومُ
الجزء: 7 - الصفحة: 396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
غدًا مِن رمضانَ، أو مِن قَضائِه، أو مِن كفّارتِه، أو نَذْرِه.
نَصَّ عليه في رِوايةِ الأثْرَم، فإنَّه قال: يا أبا عبدِ اللهِ، أسِيرٌ صام في أرضِ الرُّومِ شَهْرَ رمضانَ، ولا يَعْلَمُ أنَّه رمضانُ، فنَوَى التَّطَوُّعَ؟ قال: لا يُجْزِئُه إِلَّا بعَزِيمَةِ أنَّه مِن رمضانَ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وعن أحمدَ، رِوايَةٌ أُخْرَى، أَنَّه لا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لرمضانَ.
قال المَرُّوذِىُّ: رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: يَكُونُ يَوْمُ الشَّكِّ يومَ غَيْمٍ، إذا أجْمَعْنا على أنَّنا نُصْبِحُ صِيامًا، يُجْزِئُنا مِن رمضانَ، وإن لم نَعْتَقِدْ أنَّه مِن رمضانَ؟ قال: نعم.
فقُلْتُ: فقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ» 103. أليَس يُرِيدُ أن يَنْوِىَ أنَّه مِن رمضانَ؟ قال: لا، إذا نَوَى مِن اللَّيْلِ أنَّه صائِمٌ أجْزَأه.
وحَكَى أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ، عن بعضِ أصحابِنا أنَّه قال: ولو نَوَى أن يَصُومَ تَطَوُّعًا لَيْلَةَ الثَّلاِثِينْ مِن رمضانَ، فوافَقَ رمضانَ، أجْزَأه.
قال القاضى: وَجَدْتُ هذا الكَلامَ اخْتِيارًا لأبِى القاسِمِ، ذَكَرَه في شَرْحِه.
وقال أبو حَفْصٍ: لا يُجْزِئُه، إلَّا أن يَعْتَقِدَ مِن اللَّيْلِ بلا شَكٍّ وِلا تَلَوُّمٍ 104. فعلى القولِ الثانِى، لو نَوَى في رمضانَ الصومَ مُطْلَقًا، أو نوَى نَفْلًا، وَقَع عن رمضانَ، وصَحَّ صَوْمُه.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ إذا كان مُقِيمًا؛ لأنَّه فَرْضٌ مُسْتَحَقٌّ في زَمَنٍ بعَيْنِه، فلا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ له، كطَوافِ الزِّيارَةِ.
ولنا، أنَّه صومٌ واجِبٌ، فوَجَبَ
الجزء: 7 - الصفحة: 397
وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَجِبُ ذَلِكَ.
تَعْيِينُ النِّيَّةِ له، كالقَضاءِ.
وطَوافُ الزِّيارَةِ عندَنا كهذه المَسْألَةِ في افْتِقارِه إلى التَّعْيِينِ، فلو نَوَى طَوافَ الوَداعِ، أو طَوافًا مُطْلَقًا، لم يُجْزِئْه عن طَوافِ الزِّيارَةِ.
ثم الحَجُّ مُخالِفٌ للصومِ، ولهذا يَنْعَقِدُ مُطْلَقًا، ويَنْصَرِفُ إلى الفَرْضِ.
ولو حَجَّ عن غيرِه، ولم يَكُنْ حَجَّ عن نَفْسِه، وَقَع عن نَفْسِه.
ولو نَوَى الِإحْرامَ بمثلِ ما أحْرَمَ به فُلَانٌ، صَحَّ، ويَنْعَقِدُ فَاسِدًا، بخِلافِ الصومِ.
1055 -
مسألة: (ولا يَحْتاجُ إلى نِيَّةِ الفَرْضِيَّةِ. وقال ابنُ حامِدٍ: يَجِبُ ذلك)
إذا عَيَّنَ النِّيَّةَ عنِ صومِ رمضانَ، أو قَضائِه، أو نَذْرِه، أو كَفّارَةٍ، لم يَحْتَجْ أن يَنْوِىَ أنَّه فَرْضٌ؛ لأنَّ التَّعْيِينَ يُجْزِئُ عن نِيَّةِ الفَرْضِيَّةِ.
وقال ابنُ حامِدٍ: يَجِبُ ذلك.
وقد ذَكَرْنا ذلك في كِتابِ الصلاةِ 105.
الحديث: 1055 - الجزء: 7 - الصفحة: 398
وَلَوْ نَوَى، إِنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ، فَهُوَ فَرْضِى، وَإلَّا فَهُوَ نَفْلٌ، لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ.
1056 - مسألة: (ولو نَوَى، إن كان غَدًا مِن رمضانَ، فهو فَرْضِى، وإلَّا فهو نَفْلٌ. لم يُجْزِئْه)
على الرِّوايَةِ المَشْهُورَةِ؛ لأنَّه لم يُعَيِّنِ الصومَ مِن رمضانَ جَزْمًا (وعنه، يُجْزِئه) لأنَّه قد نَوَى الصومَ.
ولو كان
الحديث: 1056 - الجزء: 7 - الصفحة: 399
وَمَنْ نَوَى الإِفْطَارَ، أَفْطَرَ.
عليه صومٌ مِن سَنَةِ خَمْسٍ، فنَوَى أنَّه يَصُومُ عن سَنَةِ سِتٍّ، أو نَوَى الصومَ عن يَوْمِ الأحَدِ، وكان غيرَه، أو ظَنَّ أنَّ غَدًا الأحَدَ، فَنَواه، وكان الاثْنَيْنَ، صَحَّ صَوْمُه؛ لأنَّ نِيَّةَ الصومِ لم تَخْتَلَّ، إنَّما أخْطَأَ في الوَقْتِ.
1057 -
مسألة: (ومَن نَوَى الإِفْطارَ، أفْطَرَ)
إذَا نَوَى الإِفْطارَ
الحديث: 1057 - الجزء: 7 - الصفحة: 400
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في صومِ الفَرْضِ أفْطَرَ، وفَسَد صومُه.
هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ، وقولُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرَّأْىِ: إن عاد فنَوَى قبلَ أن يَنْتَصِفَ النَّهارُ، أجْزَأه.
بِناءً على أصْلِهم أنَّ الصومَ المُعَيَّنَ يُجْزِىُّ بنِيَّةٍ مِن النَّهارِ.
وحُكِىَ عن ابنِ حامِدٍ، أنَّ الصومَ لا يَفْسُدُ بذلك؛ لأنَّها عِبادَةٌ: يَلْزَمُ المُضِىُّ في فاسِدِها، فلم تَفْسُدْ بنِيَّةِ الخُرُوجِ منها، كالحَجِّ.
ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ مِن شَرْطِها النِّيَّةُ، ففَسَدَتْ بنِيَّةِ الخُرُوجِ منها، كالصلاةِ، ولأنَّ اعْتِبارَ النِّيَّةِ في جميعِ أجْزاءِ العِبادَةِ، لكنْ لَمّا شَقَّ اعْتِبارُ حَقِيقَتِها اعْتُبِرَ بَقاءُ حُكْمِها، وهو أن لا يَنْوِىَ قَطْعَها، فإذا نَواه زالت حَقِيقَةً وحُكْمًا، ففَسَدَ الصومُ؛ لزَوالِ شَرْطِه.
وما ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ لا يَطَّرِدُ في غيرِ رمضانَ، ولا يَصِحُّ القِياسُ على الحَجَّ؛ فإنَّه يَصِحُّ بنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ ومُبْهَمَةٍ، وبالنِّيَّةِ عن غيرِه إذا لم يَكُنْ حَجَّ عن نَفْسِه، فافْتَرَقا.
فصل: فأمّا صومُ النَّفْلِ، فإن نَوَى الفِطْرَ، ثم لم يَنْوِ الصومَ بعدَ ذلك، لم يَصِحَّ صَوْمُه؛ لأنَّ النِّيَّةَ انْقَطَعَتْ، ولم تُوجَدْ نِيَّةٌ غيرَها، أشْبَهَ مَن لم يَنْوِ أصْلًا.
وإن عاد فنَوَى الصومَ، صَحَّ، كما لو أصْبَحَ غيرَ ناوٍ
الجزء: 7 - الصفحة: 401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للصومِ؛ لأنَّ نِيَّةَ الفِطْرِ إنَّما أبْطَلَتِ الفَرْضَ [2/ 205 ظـ] لقَطْعِها النِّيَّةَ المُشْتَرَطَةَ في جَمِيعِ النَّهارِ حُكْمًا، وخُلُوِّ بعضِ أجْزاءِ النَّهارِ عنها، والنَّفْلُ بخِلافِ ذلك، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ الصومِ نِيَّةُ الفِطْرِ في زَمَن لا يُشْتَرَطُ وُجُودُ نِيَّةِ الصومِ فيه؛ لأنّ نِيَّةَ الفِطْرِ لا تَزِيدُ على عَدَمِ النَّيَّةِ في ذلك الوَقْتِ، وعَدَمُها لا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصومِ إذا نَوَى بعدَ ذلك، فكذلك إذا نَوَى الفِطْرَ، ثم نَوَى الصومَ بعدَه.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا أصْبحَ صائِمًا، ثم عَزَم على الفِطْرِ، فلم يُفْطِرْ حتى بَدا له، ثم قال: لا، بل أُتِمُّ صَوْمِى مِن الواجبِ.
لم يُجْزِئْه حتى يَكُونَ عازِمًا على الصومِ يَوْمَه كلَّه، ولو كان تَطَوُّعًا كان أسهَلَ.
وظاهِرُ هذا مُوافِقٌ لِما ذَكَرْناه.
وقد دَلَّ على صِحَّتِه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَسْألُ أهْلَه: «هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟» فإن قالوا: لا.
قال: «إنِّى إذًا صَائِمٌ» 106.
فصل: فإن نَوَى أنَّه سيُفْطِرُ ساعَةً أُخْرَى، فقال ابنُ عَقِيلٍ: هو كنِيَّةِ الفِطْرِ في وَقْتِه.
وإن تَرَدَّدَ في الفِطْرِ، فعلى وَجْهَيْن، ذَكَرْنا في الصلاةِ 107. وإن نَوَى، إنَّنى إن وَجَدْتُ طَعامًا أفْطَرْتُ، وإلَّا أتْمَمْتُ
الجزء: 7 - الصفحة: 402
وَيَصِحُّ صَوْمُ النَّفْلِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ، قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِى: لَا يُجْزِئُ بَعْدَ الزَّوَالِ.
صَوْمِى.
خُرِّجَ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُفْطِرُ؛ لأنَّه لم يَبْقَ جازِمًا بنِيَّةِ الصومِ، ولذلك لا يَصِحُّ ابْتِداءُ النِّيَّةِ بمِثْلِ هذا.
والثّانِى، لا يُفْطِرُ؛ لأنَّه لم يَنْوِ الفِطْرَ نِيَّةً صَحِيحَةً، لأنَّ النِّيَّةَ لا يَصِحُّ تَعْلِيقُها على شَرْطٍ، ولذلك لا يَنْعَقِدُ الصومُ بمِثْلِ هذة النِّيَّةِ.
فصل: ومَن ارْتَدَّ عن الِإسْلامِ، أفْطَرَ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
إذا ارْتَدَّ في أثْناءِ الصومِ فعليه قَضاءُ ذلك اليومِ إذا عاد إلى الِإسْلامِ، سَواءٌ أسْلَمَ في أثْناء اليومِ، أو بعدَ انْقِضائِه، وسَواءٌ كانت رِدَّتُه باعْتِقادِه ما يَكْفُرُ به، أو شَكِّه، أو النُّطْقِ بكَلِمَةِ الكُفْرِ مُسْتَهْزِئًا أو غيرَ مُسْتَهْزِئٍ؛ لأنَّها عِبادَةٌ مِن شَرْطِها النِّيَّةُ، أشْبَهَتِ الصلاةَ والحَجَّ.
1058 -
مسألة: (ويَصِحُّ صومُ النَّفْلِ بنِيَّةٍ مِن النَّهارِ، قبلَ الزَّوالِ وبعدَه. وقال القاضي: لا يُجْزِئُ بعدَ الزَّوالِ)
يَصِحُّ صومُ التَّطَوُّعِ بنِيَّةٍ مِن النَّهارِ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
ورُوِىَ ذلك عن أبى الدَّرْداءِ، وأبِى طَلْحَةَ، وابنِ مسعودٍ، وحُذَيْفَةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ،
الحديث: 1058 - الجزء: 7 - الصفحة: 403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىِّ.
وقال مالكٌ، وداودُ: لا يَجُوزُ إِلَّا بِنِيَّةٍ مِن اللَّيْلِ؛ لقولِه عليه السَّلامُ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» 108. ولأنَّ الصلاةَ يَتَّفِقُ نِيَّةُ نَفْلِها وفرْضِها، فكذلك الصومُ.
ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ رَضىَ اللهُ عنها، قالت: دَخَل علىَّ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ يَوْمٍ، فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَئٌ؟» قُلْنا: لا.
قال: «فَإنَّى إذًا صَائِمٌ».
أخْرَجَه مسلمٌ، وأبو داودَ، والنَّسائِىُّ 109. ويَدُلُّ عليه أيضًا حديثُ عاشُوراءَ 110. ولأنَّ الصلاةَ يُخَفَّفُ نَفْلُها عن فَرْضِها في سُقُوطِ القِيامِ، وجَوازِها في السَّفَرِ على الرّاحِلَةِ إلى غيرِ القِبْلَةِ، فكذلك الصِّيامُ.
وحَدِيثُهم نَخُصُّه بحدِيثنِا، ولو تَعارَضا قُدِّمَ حَدِيثُنا؛ لأنَّه أصَحُّ مِن حَدِيثِهم، فإنَّه مِن رِوايَةِ ابنَ لَهِيعَةَ، ويحيى بنَ أيُّوبَ 111. قال المَيْمُونِىُّ: سَألْتُ أحمدَ عنه، فقالَ: أُخْبِرُك ما له عندى ذاك الِإسنادُ، إلَّا أنَّه عنِ ابنِ عُمَرَ وحَفْصَةَ، إسْنادان جَيِّدان.
والصلاةُ يَتَّفِقُ وَقْتُ النَّيَّةِ لنَفْلِها وفرْضِها؛ لأنَّ اشْتِراطَ النَّيَّةِ في أوَّلِ الصلاةِ لا يُفْضِى إلى تَقْلِيلِها، بخِلافِ الصومِ، فإنَّه يُعَيَّنُ له الصومُ مِن النَّهارِ، فعُفِىَ عنه، جَوَّزْنا التَّنَفُّلَ قَاعِدًا لهذه العِلَّةِ.
إذا ثَبَت ذلك، فأىَّ وَقْتٍ مِن النَّهارِ نَوَى أجْزَأه.
الجزء: 7 - الصفحة: 404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، والخِرَقِىِّ.
وهو ظاهِرُ قولِ ابنِ مسعودٍ.
ويُرْوَى عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ.
واخْتارَ القاضي، في «المُجَرَّدِ» أنَّه لا تُجْزِئُه النِّيَّةُ بعدَ الزَّوالِ.
وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ، والمَشْهُورُ مِن قَوْلَى الشافعىَّ؛ لأنَّ مُعْظَمَ النَّهارِ مَضَىَ بغيرِ نِيَّةٍ، بخِلافِ النّاوِى قبلَ الزَّوالِ، فإنَّه قد أدْرَكَ مُعْظَمَ العِبادَةِ، ولهذا تَأْثِيرٌ في الأصُولِ، بدلِيلِ أنَّ مَن أدْرَكَ الإِمامَ في الرُّكُوعِ أدْرَكَ الرَّكْعَةَ؛ لِإدْراكِه مُعْظَمَها، ولو أدْرَكَه بعدَ الرَّفعِ لم يَكُنْ مُدرِكًا لها، وكذلك مَن أدْرَكَ رَكْعَةً مِن الجُمُعَةِ يَكُونُ مُدْرِكًا لها؛ لأنَّها تَزِيدُ بالتَّشَهُّدِ، ولا يُدْرِكُها بدُونِ الرَّكْعَةِ لذلك.
ولَنا، أنَّه نَوَى في جُزْءٍ مِن النَّهارِ، أشْبَهَ ما لو نوَى في أوَّلِه، ولأنَّ جَمِيعَ اللَّيْلِ وَقْتٌ لنِيَّةِ الفَرْضِ، فكذلك جَمِيعُ النَّهارِ وَقْتٌ لنِيَّةِ النَّفْلِ، ولأنَّ صومَ النَّفْلِ إنَّما جَوَّزْناه بنِيَّةٍ مِن النَّهارِ طَلبًا لتَكْثِيرِه، وهذا أبْلَغُ في التَّكْثِيرِ.
فصل: وإنَّما يُحْكَمُ له بالصومِ الشَّرْعِىَّ المُثابِ عليه مِن وَقْتِ النِّيَّةِ، في المَنْصُوصِ عن أحمدَ، فإنَّه قال: مَن نوَى في التَّطَوُّعِ مِن النَّهارِ، كُتِب له بَقِيَّة يومِه، وإذا أجْمَعَ مِن اللَّيْل كِان له يومُه.
وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشافعىِّ.
وقال أبو الخَطّابِ، في «الهِدايَةِ»: يُحْكَمُ بذلك
الجزء: 7 - الصفحة: 405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن أوَّلِ النَّهارِ.
وهو قولُ بعضِ الشافِعِيَّةِ؛ لأنَّ الصومَ لا يَتَبَعَّضُ في اليومِ؛ بدَلِيلِ ما لو أكَل في بعضِه، لم يُجْزِئْه صِيامُ باقِيه، فإذا وُجِد في بعضِ اليومِ دَلَّ على أنَّه صائِمٌ مِن أوَّلِه، ولا يَمْتَنِعُ الحُكْمُ بالصوم مِن غيرِ نِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ، كما لو نَسِىَ الصومَ بعدَ نِيَّتِه، أو غَفَل عنه، ولأنَّه لو أدرَكَ بعضَ الرَّكْعَةِ، أو بعضَ الجَماعَةِ كان مُدْرِكًا لجَمِيعِها.
ولَنا، أنَّ ما قبلَ النِّيَّةِ لم يَنْوِ صِيامَه، فلا يَحْصُلُ له صِيامُه؛ لقَولِه عليه السلامُ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» 112. ولأنَّ الصومَ عِبادَةٌ مَحْضَةٌ، فلا يُوجَدُ بغيرِ نِيَّةٍ، كسائِرِ العِباداتِ المَحْضَةِ.
ودَعْوَى أنَّ الصومَ لا يَتَبَعَّضُ، دَعْوَى مَحَلِّ النِّزاعِ، وإنَّما يُشْتَرَطُ لصومِ البعضِ أن لا تُوجَدَ المُفْطِراتُ في شيءٍ مِن اليومِ، ولهذا قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، في حديثِ عاشُوراءَ: «فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ» 113. وأمّا إذا نَسِىَ النِّيَّةَ بعدَ وُجُودِها،
الجزء: 7 - الصفحة: 406
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنَّه يَكُونُ مُسْتَصْحِبًا لحُكْمِها، بخِلافِ ما قبلَها، فإنَّها لم تُوجَدْ حُكْمًا، ولا حَقِيقَةً، ولهذا لو نَوَى الفَرْضَ مِن اللَّيْلِ، ونَسِيَه في النَّهارِ، صَحَّ صَوْمُه، ولو لم يَنْوِ مِن اللَّيْلِ، لم يَصِحَّ صومُه.
وأمّا إدْراكُ الرَّكْعَةِ والجَماعَةِ، فإنَّما مَعْناه أنَّه لا يَحْتاجُ إلى قَضاءِ رَكْعَةٍ، ويَنْوِى أنَّه مَأْمُومٌ، وليس هذا مُسْتَحِيلًا، أمّا أن يَكُونَ ما صلَّى الإمامُ قبلَه مِن الرَّكَعاتِ مَحْسُوبًا له، بحيث يُجْزِئُه عن فِعْلِه، فكَلَّا، ولأنَّ مُدْرِكَ الرُّكُوعِ مُدْرِكٌ لجَمِيعِ أرْكانِ الرَّكْعَةِ، لأنَّ القِيامَ وُجِد حينَ كَبَّرَ وفَعَل سائِرَ الأرْكانِ مع الإِمامِ.
وأمّا الصومُ فإنَّ النِّيَّةَ شَرْط له، أو رُكْنٌ فيه، فلا يُتَصَوَّرُ وُجُودُه بدُونِ شَرْطِه ورُكْنِه.
فصل: وإنَّما يَصِحُّ 114 الصومُ بنِيَّةٍ مِن النَّهارِ، بشَرْطِ أن لا يَكُونَ طَعِم قبلَ النِّيَّةِ، ولا فَعَل ما يُفْطِرُه.
فإن فَعَل شيئًا مِن ذلك، لم يُجْزِئْه الصيامُ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
والله عَزَّ وجَلَّ أعلمُ.
الجزء: 7 - الصفحة: 407
بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَيُوجِبُ الْكَفَّارَةَ
[57 و] وِمَنْ أَكَلَ، أوْ شَرِبَ، أَوِ اسْتَعَطَ، أَوِ احْتَقَنَ، أَوْ دَاوَى الْجَائِفةَ بِمَا يَصِلُ إِلَى جَوْفِهِ، أَوِ اكْتَحَلَ بِمَا يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ، أوْ دَاوَى الْمَأمُومَةَ، أوْ قَطَرَ في أُذُنِهِ مَا يَصِلُ إِلَى دِمَاغِهِ، أَوْ أَدْخَلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْئًا مِنْ أىِّ مَوْضِعٍ كَانَ، أوِ اسْتَقَاءَ، أوِ اسْتَمْنَى، بابُ ما يُفْسِدُ الصومَ، ويُوجِبُ الكَفّارَةَ (ومَن أكَلَ، أو شَرِب، أو اسْتَعَطَ 115، أو احْتَقَنَ، أو داوَى الجائِفةَ 116 بما يَصِلُ إلى جَوْفِه، أو اكْتَحَلَ بما يَصِلُ إلى حَلْقِه، أو داوَى المَأْمُومَةَ 117، أو قَطَر في أُذُنِه ما يَصِلُ إلى دِماغِه، أو أدْخَلَ في جَوْفِه شَيْئًا مِن أىِّ مَوْضِعٍ كان، أو اسْتَقاءَ، أو اسْتَمْنَى، أو قَبَّل أو لَمَس فأمْنَى أو
الجزء: 7 - الصفحة: 409
أوْ قَبَّلَ أوْ لَمَسَ فَأَمْنَى أوْ أَمْذَى، أوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ، أَوْ حَجَمَ، أَو احْتَجَمَ عَامِدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ، فَسَدَ صَوْمُهُ، وَإنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، لَمْ يَفْسُدْ.
أمْذَى، أو كَرَّرَ النَّظَرَ فأنْزَلَ، أو حَجَم، أو احْتَجَمَ عامِدًا ذاكِرًا لصومِه، فَسَد صَوْمُه، وإن كان مُكْرَهًا أو ناسِيًا، لم يَفْسُدْ) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على الإِفْطارِ بالأكْلِ والشُّرْبِ لِما يُتَغَذَّى به، وقد دَلَّ عليه قَوْلُه تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ 118 مَدَّ 119 إباحَةَ الأكْلِ والشُّرْبِ إلى تَبَيُّنِ الفَجْرِ، ثم أمَرَ بالصيامِ عنهما، وفى الحديثِ: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ؛ يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أجْلِى» 120. فأمّا أكْلُ ما لا يُتَغَذَّى به فيَحْصُلُ به الفِطْرُ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
وقال الحسنُ بنُ صالِحٍ: لا يُفْطِرُ بما ليس بطعام ولا شَرابٍ.
وحُكِىَ عن أَبِى طَلْحَةَ الأنْصارِىِّ، أنَّه كان يَأْكُلُ
الجزء: 7 - الصفحة: 410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البَرَدَ 121 في الصومِ، ويَقُولُ: ليس بطَعامٍ ولا شَرابٍ 122. ولَعَلَّ مَن يَذْهَبُ إلى ذلك يَحْتَجُّ بأَنَّ الكتابَ والسُّنَّةَ إنَّما حَرَّما الأكْلَ والشُّرْبَ المُعْتادَ، فما عَداهما يَبْقى على أَصْلِ الإِباحَةِ.
ولَنا، دَلالَةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ على تَحْرِيمِ الأكْلِ والشُّرْبِ على العُمُوم، فيَدْخُلُ فيه مَحَلُّ النِّزاعِ، ولم يَثْبُتْ عندَنا ما نُقِل عن أبى طَلْحَةَ، فلا يُعَدُّ خِلافًا.
فصل: ويُفْطِرُ بكلِّ ما أدْخَلَه إلى جَوْفِه، أو مُجَوَّفٍ في جَسَدِه، كدِماغِه، وحَلْقِه، ونحْوِ ذلك، ممّا يَنْفُذُ إلى مَعِدَتِه، إذا وَصَل باخْتِيارِه، وكان مِمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، سَواءٌ وَصَل مِن الفَمِ على العادَةِ أو غيرِها، كالوَجُورِ 123 واللَّدُودِ 124، أو مِن الأنْف، كالسَّعُوطِ، أو ما يَدْخُلُ مِن الأُذُنِ إلى الدِّماغِ، أو ما يَدْخُل مِن العَيْنِ إلى الحَلْقِ، كالكُحْلِ، أو ما يَدْخُلُ إلى الجَوْفِ مِن الدُّبُرِ بالحُقْنَةِ، أو ما يَصِلُ مِن مُداوَاةِ الجائِفَةِ، أو مِن دَواءِ المَأْمُومَةِ، وكذلك إن جَرَح نَفْسَه، أو جَرَحَه غيرُه بإذْنِه، فوَصَلَ إلى جَوْفِه، سَواءٌ اسْتَقَرَّ في جَوْفِه، أو عاد فخَرَجَ منه؛
الجزء: 7 - الصفحة: 411
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأَنَّه واصِلٌ إلى الجَوْفِ باخْتِيارِه، فأشْبَهَ الأكْلَ، وبهذا كُلِّه قال الشافعىٌّ، إلَّا في الكُحْلِ.
وقال مالكٌ: لا يُفْطِرُ بالسَّعُوطِ، إلَّا أن يَنْزِلَ إلى حَلْقِه، ولا يُفْطِرُ إذا داوَى المَأْمُومَةَ والجَائِفَةَ.
واخْتُلِفَ عنه في الحُقْنَةِ، واحْتَجَّ بأنَّه لم يَصِلْ إلى الحَلْقِ منه شَئٌ، أشْبَهَ ما لم يَصِلْ إلى الدِّماغِ ولا الجَوْفِ.
ولَنا، أنَّه واصِلٌ إلى جَوْفِ الصائِمِ باخْتِيارِه، فيُفْطِرُه، كالواصِلِ إلى الحَلْقِ، ولأنَّ الدِّماغَ جَوْفٌ، والواصِلُ إليه يُغَذِّيه، فيُفْطِرُ، كجَوْفِ البَدَنِ 125.
فصل: فأمّا الكُحْلُ، فإن وَجَد طَعْمَه في حَلْقِه، أو عَلِم وُصُولَه إليه، فَطَّرَه، وإلَّا لم يُفَطِّرْه.
نصَّ عليه أحمدُ.
وقال ابنُ أبي موسى: إنِ اكْتَحَلَ بما يَجِدُ طَعْمَه، كالذَّرُورِ والصَّبِرِ والقَطُورِ 126، أفْطَرَ.
وإنِ اكْتَحَلَ باليَسيرِ مِن الِإثْمِدِ غيرِ المُطَيَّبِ، لم يُفْطِرْ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: إن كان الكُحْلُ حادًّا، فَطَّرَه، وإلَّا فلا.
ونَحْوَ ما ذَكَرْناه قال أصحابُ مالكٍ.
وعن ابنِ أبى لَيْلَى، وابنِ شُبْرُمَةَ، أن الكُحْلَ يُفَطِّرُ
الجزء: 7 - الصفحة: 412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصائِمَ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: لا يُفَطَّرُ؛ لِما رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه اكْتَحَلَ في رمضانَ وهو صائِمٌ 127. ولأن العَيْنَ ليست مَنْفَذًا، فلم يُفْطِرْ بالدّاخِلِ منها، كما لو دَهَن رَأْسَه.
ولَنا، أنَّه أوْصَلَ إلى حَلْقِه ما هو مَمْنُوعٌ مِن تَناوُلِه بفِيه فأفْطَرَ به، كما لو أوْصَلَه مِن أنْفِه، وما رَوَوْه لم يَصِحَّ، قال التِّرْمِذِىُّ 128: لم يَصِحَّ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - في بابِ الكُحْلِ
الجزء: 7 - الصفحة: 413
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للصّائِمِ شيءٌ.
ثم نَحْمِلُه على (1) أنَّه اكْتَحَلَ بما لا يَصِلُ.
وقَوْلُهم: ليستِ العَيْنُ مَنْفَذًا.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّه يُوجَدُ طَعْمُه في الحَلْقِ، ويَكْتَحِلُ بالِإثْمِدِ فيَتَنَخَّعُه.
قال أحمدُ: حَدَّثَنِى إنْسانٌ أنَّه اكْتَحَلَ باللَّيْلِ فتَنَخَّعَه بالنَّهارِ.
ثمِ لا يُعْتَبَرُ في الواصِلِ أن يَكُونَ مِن مَنْفَذٍ، بِدَلِيلِ ما لو جَرَح نَفْسَه جائِفَةً، فإنَّه يُفْطِرُ.
1059 -
مسألة: (أو اسْتَقاءَ، أو اسْتَمْنَى)
مَعْنَى اسْتَقاءَ: اسْتَدْعَى القَىْءَ.
ويُفْطِرُ به في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على إبْطالِ صومِ مَن اسْتَقاءَ عامِدًا.
وحُكِىَ عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، أنَّ القَىْءَ لا يُفْطِرُ.
ورُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثَلَاثٌ لا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ؛ الحِجَامَةُ، والقَىْءُ، والاحتِلامُ» 130.129
الحديث: 1059 - الجزء: 7 - الصفحة: 414
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنِ اسْتَقاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ».
قال التِّرْمِذىُّ: هذا حديث حسنٌ.
ورَواه أبو داودَ 131. وحديثُهم غيرُ مَحْفُوظٍ، يَرْوِيه عبدُ الرحمنِ بنُ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ، وهو ضَعِيفٌ، قالَه التِّرْمِذِىُّ.
فصل: وقَلِيلُ القَىْءِ وكَثِيرُه سَواءٌ في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وفيه رِوايَةٌ ثانيةٌ، لا يُفْطِرُ إلَّا بمِلْءِ الفَمِ؛ لأَنَّه رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «وَلَكِنْ دَسْعَةٌ تَمْلأُ الْفَمَ» 132. ولأنَّ اليَسِيرَ لا يَنْقُضُ الوُضوءَ، فلا يُفطِرُ كالبَلْغَمِ.
وفيه رِوايَةٌ ثالثةٌ، أنَّه نِصْفُ الفَمِ؛ لأنَّه يَنْقُضُ الوُضُوءَ، فأفْطَرَ به، كالكثيرِ.
والأُولَى أوْلَى؛ لظاهِرِ الحديثِ الذي رَوَيْناه، ولأنَّ سائِرَ المُفْطِراتِ لا فَرْقَ بينَ قَلِيلِها وِكَثِيرِها، كذلك هذا، وحديثُ الرِّوايَةِ الثّانِيةِ لا نَعْرِفُ له أصْلًا.
ولا فرْقَ بينَ كَوْنِ القَىْءِ طَعامًا، أو مُرارًا 133، أو بَلْغَمًا، أو دَمًا، أو غيرَه؛ لأنَّ الجَمِيعَ داخِلٌ في الحديثِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولو اسْتَمْنَى بيَدِه، فقدِ فَعَل مُحَرَّمًا، ولا يَفْسُدُ صَومُه بمُجَرَّدِه.
فإن أنْزَلَ فَسَد صَوْمُه؛ لأنَّه في مَعْنَى القُبْلَةِ في إثارَةِ الشَّهْوَةِ.
وكذلك إن مَذَى به في قِياسِ المَذْهَبِ، قِياسًا على القُبْلَةِ.
فأمّا إن أنْزَلَ لغيرِ شَهْوَةٍ، كالذى يَخْرُجُ منه المَنِىُّ أو المَذىُ لمَرَضٍ، فلا شىَء عليه؛ لأنَّه خارِجٌ لغيرِ شَهْوَةٍ، أشْبَهَ البَوْلَ، ولأَنَّه يَخْرُجُ عن غيرِ اخْتِيارٍ منه ولا سَبَبٍ (1)، أشْبَهَ الاحْتِلامَ.
ولو جامَعَ باللَّيْلِ فأنْزَلَ بعدَما أصْبَحَ، لم يُفْطِرْ؛ لأَنَّه لم يَتَسَبَّبْ إليه في النَّهارِ، فأشْبَهَ ما لو أكَلَ شيئًا في اللَّيْلِ فذَرَعَه القَىْءُ في النَّهارِ.
1060 -
مسألة؛ قال: (أو قَبَّلَ أو لَمَس فأمْنَى أو مَذَى)
إذا قَبَّلَ أو لَمَس، لم يَخْلُ مِن ثَلاَثةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن لا يُنْزِلَ ولا يُمْذِىَ، فلا يَفْسُدُ صَومُه بذلك، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُقَبِّلُ وهو صائِمٌ، وكان أمْلَكَكم لإِرْبِه.
رَواه البُخارِىُّ 135.134
الحديث: 1060 - الجزء: 7 - الصفحة: 416
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ورُوِىَ بتَحْرِيكِ الرَّاءِ وسُكُونِها، قال الخَطّابِىُّ 136: مَعْنَى ذلك حاجَةُ النَّفْسِ ووَطَرُها.
وقِيلَ: بالتَّسْكِينِ العُضْوُ، وبالتَّحْرِيكِ الحاجَةُ.
ورُوِىَ عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: هَشَشْتُ فقَبَّلْتُ وأنا صائِمٌ، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، صَنَعْتُ اليَوْمَ أمْرًا عَظِيمًا، قَبَّلْتُ وأنا صائِمٌ.
قال: «أرَأيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ مِنْ إنَاءٍ وَأنْتَ صَائِمٌ؟» قُلْتُ: لا بَأْسَ به.
قال: «فَمَهْ؟».
رَواه أبو داودَ 137. شَبَّهَ القُبْلَةَ بالمَضْمَضَةِ مِن حيث إنَّها مِن مُقَدِّماتِ الشَّهْوَةِ، فإنَّ المَضْمَضَةَ إذا لم يَكُنْ معها نُزُولُ الماءِ لم تُفْطِرْ، وإن كان معها نُزُولُه أفْطَرَهْ إلَّا أنَّ أحمدَ ضَعَّف هذا الحديثَ، وقال: هذا رِيحٌ، ليس مِن هذا شئٌ.
الحالُ الثانى، أن يُمْنِىَ، فَيُفْطِرَ، بغير خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لِما ذَكَرْناه مِن إيماءِ الخَبَرَيْن، ولأنَّه إنْزالٌ بمُباشَرَةٍ، أشْبَهَ الإِنْزالَ بجِماعٍ دُونَ الفَرْجِ.
الحالُ الثالثُ، أن يُمْذِىَ، فيُفْطِرَ.
الجزء: 7 - الصفحة: 417
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو قولُ مالكٍ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: لا يُفْطِرُ.
ورُوِىَ ذلك عن الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، والأوْزاعِىِّ؛ لأنَّه خارِجٌ لا يُوجِبُ الغُسْلَ، أشْبَهَ البَوْلَ.
ولَنا، أنَّه خارِجٌ تَخَلَّلَه الشَّهْوَةُ، خَرَج بالمُباشَرَةِ، أشْبَهَ المَنِىَّ، وبهذا فارَقَ البَوْلَ.
1061 -
مسألة: (أو كَرَّرَ النَّظَرَ فأنْزَلَ)
لتَكْرارِ النَّظَرِ ثَلاَثةُ أحْوالٍ أيضا؛ أحَدُها، أن لا يَقْتَرِنَ به إنْزالٌ، فلا يَفْسُدُ الصومُ بغيرِ اخْتِلافٍ.
الثانِى، أن يَنْزِلَ المَنِىُّ به، فيَفْسُدَ الصومُ.
وبه قال عَطاءٌ، والحسنُ، ومالكٌ.
وقال جابِرُ بنُ زيدٍ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَفْسُدُ؛ لأنَّه عن غيرِ مُباشَرَةٍ، أشْبَهَ الإنْزالَ [بالفِكْرِ.
ولَنا، أنَّه إنْزالٌ بفِعْل يَتَلَذَّذُ به، يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ الإِنْزَالَ] 138 باللَّمْسِ.
والفِكْرُ لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، بخِلافِ تَكْرارِ النَّظَرِ.
الثالثُ، مَذَى بذلك، فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، أنّه لا يُفْطِرُ به؛ لأنَّه
الحديث: 1061 - الجزء: 7 - الصفحة: 418
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا نَصَّ في الفِطْرِ به، ولا يَصِحُّ قِياسُه على إنْزالِ المَنِىِّ؛ لمُخالَفَتِه إيّاه في الأحْكام، فيَبْقَى على الأصْلِ.
وفيه قولٌ آخَرُ، أنّه يُفْطِرُ؛ لأنَّه خارِجٌ بسَبَبِ الشَّهْوَةِ، أشْبَهَ المَنِىَّ، ولأنَّ السَّبَبَ الضَّعِيفَ إذا تَكَرَّرَ تَنَزَّلَ بمَنْزِلَةِ السَّبَبِ القَوِىِّ، فإنَّ مَن أعاد الضَّرْبَ بعَصًا صغيرةٍ فقَتَلَ، وَجَب عليه القِصاصُ، كالضَّرْبِ بالعَصا الكَبِيرَةِ.
والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ.
فصل: فأمّا إن صَرَف نَظَرَه لم يَفْسُدْ صَومُه، أنْزَلَ أو لم يُنْزِلْ.
وقال مالكٌ: يَفْسُدُ صومُه إن أنْزَلَ، كما لو كَرَّرَه.
ولَنا، أنَّ النَّظْرَةَ الأُولَى لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منها، فلا يُفْسِدُ الصومَ ما أفْضَتْ إليه، كالفِكْرَةِ، وعليه يُخَرَّجُ التَّكْرارُ.
1062 -
مسألة؛ قال: (أو حَجَم، أو احْتَجمَ)
الحِجامَةُ يُفْطِرُ
الحديث: 1062 - الجزء: 7 - الصفحة: 419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بها الحاجِمُ والمَحْجُومُ.
وبه قال إسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، ومحمدُ بنُ إسحاقَ بنِ 139 خُزَيْمَةَ، وعَطاءٌ، وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٍّ.
وكان مَسْرُوقٌ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، لا يَرَوْنَ للصائِمِ أن يَحْتَجِمَ.
وكان جماعةٌ من الصحابةِ يَحْتَجِمُونَ لَيْلًا في الصومِ؛ منهم ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، وأبو موسى، وأنَسُ بنُ مالكٍ.
ورَخَّصَ فيها أبو سعيدٍ الخُدْرِىُّ، وابنُ مسعودٍ، وأمُّ سَلَمَةَ، والحسين بنُ علىٍّ، وعُرْوَةُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ.
وقال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ: يَجُوزُ للصائِمِ أن يَحتَجمَ، ولا يُفْطِرُ؛ لِما روَى البُخارِىُّ 140، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - احْتَجَمَ وهو صائِمٌ.
ولأنَّه دَمٌ خارِج مِن البَدَنِ، أشْبَهَ الفَصْدَ.
ولَنا،
الجزء: 7 - الصفحة: 420
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» 141. رَواه عن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أحَدَ عَشَرَ نَفْسًا، قال أحمدُ: حديثُ شَدّادِ بنِ أوْسٍ مِن أصَحِّ حديثٍ يُرْوَى في هذا البابِ، وإسْنادُ حديثِ رافِع إسْنادٌ جَيِّدٌ.
وقال: حديثُ ثَوْبانَ وشَدّادٍ صَحِيحانِ.
وقال علىُّ بنُ المَدِينِىِّ: أصَحُّ شيءٍ في هذا البابِ حديثُ شَدّادٍ وثَوْبانَ.
وحديثُهم مَنْسُوخٌ بحَدِيثِنا، بدَلِيلِ ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّه قال: احْتَجَمَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالقاحَةِ 142 بقَرْنٍ ونابٍ، وهو مُحْرِمٌ صائِمٌ، فوَجَدَ لذلك ضَعْفًا شَدِيدًا، فنَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَحْتَجِمَ الصائِمُ.
رَواه أبو إسحاقَ الجُوزَجانِىُّ في «المُتَرْجَمِ» 143.
الجزء: 7 - الصفحة: 421
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعن الحَكَمِ، قال: احْتجَمَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فضَعُفَ، ثم كُرِهَتِ الحِجامَةُ للصائِمِ.
وكان ابنُ عباسٍ، وهو راوى حَدِيثِهم، يُعِدُّ الحَجّامَ والمَحاجِمَ، فإذا غابَتِ الشمسُ احْتَجَمَ.
كذلك رَواه الجُوزَجانِىُّ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه عَلِم نَسْخَ الحَدِيثِ الذي رَواه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه احْتَجَمَ فأفْطَرَ، كما رُوِىَ عنه، عليه السَّلامُ، أنَّه قاء فأفْطَرَ 144. فإن قِيلَ: فقد رُوِىَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأى الحاجِمَ والمُحْتَجِمَ يَغْتابانِ، فقالَ ذلك.
قُلْنا: لم تَثْبُتْ صِحَّةُ هذه الرِّوايَةِ، مع أنَّ اللَّفْظَ أَعَمُّ مِن السَّبَبِ، فيَجِبُ الأَخْذُ بعُمُومِ اللَّفْظِ دُونَ خُصُوصِ السَّبَبِ، على أنَّنا قد ذَكَرْنا الحَدِيثَ الذي فيه بَيانُ عِلَّةِ النَّهْىِ عن الحِجامَةِ، وهي الخَوْفُ مِن الضَّعْفِ، فيَبْطُلُ التَّعْلِيلُ بما سِواه، أو تَكُونُ كلُّ واحِدَةٍ منهما عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً.
على أنَّ الغِيبَةَ لا تُفَطِّرُ الصائِمَ إجْماعًا، فلا يَصِحُّ حَمْلُ الحديثِ عليها.
قال أحمدُ: لَأن يكونَ الحديثُ على ما جاء عن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: «أفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ».
أحَبُّ إلينا مِن أن يَكُونَ مِن الغِيبَةِ؛ لأنَّ مَن أراد أن يَمْتَنِعَ
الجزء: 7 - الصفحة: 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن الحِجامَةِ امْتَنَعَ، وهذا أَشَدُّ على النّاسِ، مَن يَسْلَمُ مِن الغِيبَةِ! فإن قِيلَ: إذا كانت عِلَّةُ النَّهْىِ ضَعْفَ الصائِمِ بها فلا يَقْتَضِى ذلك الفِطْرَ، إنما يَقْتَضِى الكَراهَةَ، ومَعْنَى قولِه: «أفْطَرَ الْحَاجِمُ والْمَحْجُومُ».
أي قَرُبَا مِن الفِطْرِ.
قُلْنا: هذا تَأْوِيلٌ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، مع أنَّه لا يَصِحُّ في حَقِّ الحاجِمِ؛ لأنَّه لا يُضْعِفُه.
فصل: وإنَّما يُفْطِرُ بما ذَكَرْنا إذا فَعَلَه (عامِدًا، ذاكِرًا لصَوْمِه، وإن فَعَل) شيئًا مِن ذلك (ناسِيًا لم يَفْسُدْ) صومُه.
رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ الله عنه: لا شئَ على مَن أكَلَ ناسِيًا.
وهو قولُ أبي هُرَيْرَةَ، وابنِ عُمَرَ،
الجزء: 7 - الصفحة: 423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعطاءٍ، وطاوُسٍ، وابنِ أبى ذِئْبٍ، والأوْزاعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، وإسحاقَ.
وقال رَبِيعَةُ، ومالكٌ: يُفْطِرُ؛ لأنَّ ما لا يَصِحُّ الصومُ مع شيءٍ مِن جِنْسِه عَمْدًا، لا يَجُوزُ مع سَهْوِه، كالجماعِ، وتَرْكِ النِّيَّةِ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أكَلَ أحَدُكُمْ أوْ شَرِبَ نَاسِيًا، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ».
مُتَّفَقٌ
الجزء: 7 - الصفحة: 424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه 145. وفى لَفْظٍ: «مَنْ أكلَ أوْ شَرِبَ نَاسِيًا، [فَلَا يُفْطِرْ] 146، فَإنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللهُ» 147. ولأنَّها عِبادَةٌ ذاتُ تَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ، فكان في مَحْظُوراتِها ما يَخْتَلِفُ عَمْدُه وسَهْوُه، كالصلاةِ والحَجَّ.
فأمَّا النِّيَّةُ فليس
الجزء: 7 - الصفحة: 425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تَرْكُها فِعْلًا، ولأنَّها شَرْطٌ، والشُّرُوطُ لا تَسْقُطُ بالسَّهْوِ، بخِلافِ المُبْطِلاتِ، والجِماعُ حُكْمُه أغْلَظُ، ويُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عنه.
الجزء: 7 - الصفحة: 426
وَإِنْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ أوْ غُبَارٌ، أوْ قَطَرَ في إِحْلِيلِهِ، أوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ، أو احْتَلَمَ، أوْ ذَرَعَهُ الْقَئُ، أوْ أصْبَحَ وَفِى فِيهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ، أوِ اغْتَسَلَ، أوْ تَمَضْمَضَ، أوِ اسْتَنْشقَ فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ.
وَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ أو بَاِلَغَ فِيهِمَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
1063 - مسألة: (فإن فَكَّرَ فأنْزَلَ، لم يَفْسُدْ صومُه).
وحُكِىَ عن أبى حَفْصٍ البَرْمَكِىِّ، أنَّه يَفْسُدُ.
واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ الفِكْرَةَ
الحديث: 1063 - الجزء: 7 - الصفحة: 427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تُسْتَحْضَرُ، فتَدْخُلُ تحتَ الاخْتِيارِ، لأنَّ اللهَ تعالى مَدَح الذين يَتَفَكَّرُون في خَلْقِ السَّمواتِ والأرْضِ 148، ونَهَى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عن التَّفَكُّرِ في ذاتِ اللهِ 149، ولو كانت غيرَ مَقْدُورٍ عليها لم يَتَعَلَّقْ بها ذلك، كالاحْتِلامِ.
فأمّا إن خَطَر بقَلْبِه صُورَةُ ذلك الفِعْلِ، فأنْزَلَ، لم يَفْسُدْ صَوْمُه، كالاحْتِلامِ.
ولَنا، قَوْلُه عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «عُفِىَ لأُمَّتِى عَمّا حَدّثَتْ بِهِ أنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ، أوْ تَعْمَلْ بِهِ» 150. ولأنَّه لا نَصَّ في الفِطْرِ به ولا إجْماعَ، ولا يُمْكِنُ قِياسُه على تَكْرارِ النَّظَرِ، لأنَّه دُونَه في اسْتِدْعاءِ الشَّهْوَةِ، وإفْضائِه إلى الإِنْزالِ، ويُخالِفُه في التَّحْرِيمِ إذا تَعَلَّقَ بأجْنَبِيَّةٍ، أو الكَراهَةِ إن كان في زَوْجَةٍ، فبَقِىَ على الأصْلِ.
إذا ثَبَتَ ذلك في الأكْلِ والشُّرْبِ،
الجزء: 7 - الصفحة: 428
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثَبَت في سائِرِ ما ذَكَرْنا قِياسًا عليه، ولَنا في الجِماعِ مَنْعٌ.
فصل: وإن فَعَل شيئًا مِن ذلك وهو نائِمٌ، لم يَفْسُدْ صومُه؛ لأنَّه لا قَصْدَ له ولا عِلْمَ بالصومِ، فهو أعْذَرُ مِن النّاسِى.
فإن فَعَلَه جاهِلًا بتَحْرِيمِه، فذَكَرَ أبو الخَطّابِ، أنَّه لا يُفْطِرُ 151، كالنّاسِى.
قال شيخُنا 152: ولم أرَه عن غيرِه.
وقولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» 153. في حَقِّ الرَّجُلَيْن اللَّذَيْن رَآهما يَحْجِمُ أحَدُهما صاحِبَه، مِن جَهْلِهما بتَحْرِيمِه، يَدُلُّ على أنَّ الجَهْلَ لا يُعْذَرُ به، ولأنَّه نَوْعُ جَهْلٍ، فلم يَمْنَعِ الفِطْرَ، كالجَهْلِ بالوَقْتِ في حَقِّ مَن أكَلَ يَظُنُّ أنَّ الفَجْرَ لم يَطْلُعْ، وتَبَيَّنَ بخِلافِه.
فصل: فإن فَعَلَه مُكْرَهًا بالوَعِيدِ، فقالَ ابنُ عَقِيلٍ: قال أصحابُنا: لا يُفْطِرُ به، لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِىَ لأُمَّتِى عَنِ الْخَطأ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» 154. قال: ويَحْتَمِلُ عندى أن يُفْطِرَ؛ لأنَّه فَعَل المُفْطِرَ لدَفْعِ الضَّرَرِ عن نَفْسِه، أَشْبَهَ المَرِيضَ، ومَن شَرِب لدَفْعِ العَطَشِ، فأمّا المُلْجَأُ فلا يُفْطِرُ؛ لأَنَّه خَرَج بذلك عن حَيِّزِ الفِعْلِ، ولذلك لا يُضافُ إليه، ولذلك افْتَرَقا فيما إذا أُكْرِهَ على قَتْلِ آدَمِىٍّ فقَتَلَه،
الجزء: 7 - الصفحة: 429
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أو أُلقِىَ عليه.
1064 - مسألة: (وإن طار إلى حَلْقِه ذُبابٌ أو غُبارٌ، أو قَطَرَ في إحْلِيلِه، أو فَكَّرَ فأنْزَلَ، أو احْتَلَمَ، أو ذَرَعَه القَىْءُ، أو أصْبَحَ وفى فِيه طَعامٌ فلَفَظَه، أو اغْتَسَلَ، أو تَمَضْمَضَ، أو اسْتَنْشَقَ فدَخَلَ الماءُ حَلْقَه، لم يَفْسُدْ صَوْمُه، وإن زاد على الثَّلاثِ أو بالَغَ فيهما، فعلى وَجْهَيْن) إذا دَخَل حَلْقَه غُبارٌ مِن غيرِ قَصْدٍ، كغُبارِ الطَّرِيقِ، ونَخْلِ الدَّقِيقِ، أو الذُّبابَةُ تَدْخُلُ حَلْقَه، أو يُرَشُّ عليه الماءُ فيَدْخُلُ مسامِعَه أو حَلْقَه، أو يُلْقَى في ماءٍ فيَصِلُ إلى جَوْفِه، أو يَدْخُلُ حَلْقَه بغيرِ اخْتِيارِه، أو تُداوَى 155 جائِفَتُه أو مَأْمُومَتُه بغيرِ اخْتِيارِه، أو يُحْجَمُ كُرْهًا، أو تُقَبِّلُه امْرأَةٌ بغيِرِ اخْتِيارِه فيُنْزِلُ، وما أشْبَهَ ذلك، لا يَفْسُدُ صَوْمُه.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ ما لو دَخَل حَلْقَه شئٌ وهو نائِمٌ.
وكذلك الاحْتِلامُ؛ لأنَّه عن غيرِ اخْتِيارٍ منه، فأشْبَهَ ما ذَكَرْنا.
وفى معنى ذلك إذا ذَرَعَه القَىْءُ؛ لأنَّه بغيرِ اخْتِيارِه، فهو كالاحْتِلام.
فصل: فإن قَطَرَ في إحْلِيلِه دُهْنًا، لم يُفْطِرْ به، سَواءٌ وَصَل إلى المَثانَةِ
الحديث: 1064 - الجزء: 7 - الصفحة: 430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أم لا.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: يُفْطِرُ؛ لأنَّه أوْصَلَ الدُّهْنَ إلى جَوْفٍ في جَسَدِه، فأفْطَرَ، كما لو داوَى الجائِفَةَ، ولأنَّ المَنِىَّ يَخْرُجُ مِن الذَّكَرِ فيُفَطرِّه، وما أفْطرَ بالخارِجِ منه جاز أن يُفْطِر بالدّاخِلِ منه، كالفَمِ.
ولَنا، أنَّه ليس بينَ باطِنِ الذَّكَرِ والجَوْفِ مَنْفَذٌ، وإنَّما يَخْرُجُ البَوْلُ رَشْحًا، فالذى يَتْرُكُه فيه لا يَصِلُ إلى الجَوْفِ، فلا يُفْطِرُه، كالذى يَتْرُكُهْ في فِيهِ ولا يَبْلَعُه.
1065 -
مسألة؛ قال: (أو أصْبَحَ وفى فِيه طَعامٌ فلَفَظَه)
إذا أَصْبَحَ في فِيه شئٌ مِن الطَّعامِ، لم يَخْلُ مِن حالَيْنِ؛ أحدُهما، أن يَكُونَ يَسِيرًا لا يُمْكِنُه لَفْظُه فيَزَدَرِدَه 156، فإنَّه لا يُفْطِرُ به؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه،
الحديث: 1065 - الجزء: 7 - الصفحة: 431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أشْبَهَ الرِّيقَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ على ذلك أهْلُ العِلْمِ.
الثانِى، أن يَكُونَ كَثِيرًا يُمْكِنُه لَفْظُه، فإن لَفَظَه فلا شئَ عليه، وكذلك إن دَخَل حَلْقَه بغيرِ اخْتِيارِه؛ لمَشَقَّةِ الاحْتِرازِ منه، وإنِ ابْتَلَعَه عامِدًا، فَسَد صَومُه.
وهو قولُ الأكْثَرين.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَفْسُدُ؛ لأَنَّه لا بُدَّ أن يَبْقَى بينَ أسْنانِه شيءٌ ممّا يَأْكُلُه، فلم يُفْطِرْ بابْتِلاعِه، كالرِّيقِ.
ولَنا، أنَّه بَلَع طَعامًا يُمْكِنُه لَفْظُه باخْتِياره ذاكِرًا لصَومِه، فأفْطَرَ به، كما لو ابْتَلَعَ ابْتِداءً مِن خارِجٍ، ويُخالِفُ ما يَجْرِى به الرِّيقُ، فإنَّه لا يُمْكِنُه لفْظُه.
فإن قِيلَ: يُمْكِنُه أن يَبْصُقَ.
قُلْنا: لا يَخْرُجُ جَمِيعُ الرِّيقِ ببُصاقِه، وإن مُنِع مِن ابْتِلاعِ رِيقِه كلِّه، لم يُمْكِنْه.
1066 -
مسألة؛ قال: (أو اغْتَسَلَ، أو تَمَضْمَضَ، أو اسْتَنْشَقَ فدَخَلَ الماءُ حَلْقَه، لم يَفْسُدْ صَومُه)
المَضْمَضَةُ والاسْتِنْشاقُ لا تُفْطِرُ بغيرِ خِلافٍ، سَواءٌ كان في طهارةٍ أو غيرِها، وقد رُوِىَ عن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ
الحديث: 1066 - الجزء: 7 - الصفحة: 432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عُمَرَ سَألَه عن القُبْلَةِ للصّائِمِ، فقالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ مِنْ إنَاءٍ وَأنْتَ صَائِمٌ».
قُلْتُ: لا بَأْسَ.
قال: «فَمَه؟» 157. ولأنَّ الفَمَ في حُكْمِ الظاهِرِ، فلا يَبْطُلُ الصومُ بالواصِلِ إليه، كالأنْفِ والعَيْنِ.
فإن تَمَضْمَضَ، أو اسْتَنْشَقَ في الطهارةِ، فسَبَقَ الماءُ إلى حَلْقِه مِن غيرِ قَصْدٍ ولا إسْرافٍ، فلا شئَ عليه.
وهذا قولُ الأوْزاعِىِّ، وإسحاقَ، والشافعىِّ، في أحَدِ قَوْلَيْه.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: يُفْطِرُ؛ لأنَّه أوْصَلَ الماءَ إلى حَلْقِه ذاكِرًا لصَومِه، فأفْطَرَ، كما لو تَعَمَّدَ شُرْبَه.
ولَنا، أنَّه وَصَل إلى حَلْقِه مِن غيرِ قَصْدٍ ولا إسْرافٍ، أَشْبَهَ ما لو طارَتْ ذُبابَةٌ إلى حَلْقِه، وبهذا فارَقَ المُتَعَمِّدَ.
الجزء: 7 - الصفحة: 433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا (إن زاد على الثَّلاثِ، [أو بالغَ] 158 في الاسْتِنْشاقِ والمَضْمَضَةِ، فقد فَعَل مَكْرُوهًا؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - للَقِيطِ بنِ صَبِرَةَ: «وَبَالِغْ في الِاسْتِنْشَاقِ، إلَّا أن تَكُونَ صَائِمًا» 159. فإن دَخَل الماءُ حَلْقَه، فقالَ أحمدُ: يُعْجِبُنِى أن يُعِيدَ الصومَ.
وفيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُفْطِرُ؛ لأنَّه فَعَل مَكْرُوهًا تَعَرَّضَ به إلى إيصالِ الماءِ إلى حَلْقِه، أشْبَهَ مَن أنْزَلَ بالمُباشَرَةِ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُبالَغَةِ حِفْظًا للصومِ، فدَلَّ على أنَّه يُفْطِرُ به، ولأنَّه وَصَل بفِعْلٍ مَنْهِىٍّ عنه، أشْبَهَ التَّعَمُّدَ 160.
الجزء: 7 - الصفحة: 434
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثانِى، لا يُفْطِرُه؛ لأنَّه وَصَل مِن غيرِ قَصْدٍ، أشْبَهَ غُبارَ الدَّقِيقِ إذا دَخَل حَلْقَه وَقْتَ نَخْلِه.
فأمّا المَضْمَضَةُ لغيرِ طهارةٍ، فإن كانت لحاجَةٍ، كغَسْلِ فَمِه عندَ الحاجَةِ إليه ونَحوِه، فحُكْمُه حُكْمُ المَضْمَضَةِ للطهارةِ.
وإن كان عَبَثًا، أو تَمَضْمَضَ مِن أجْلِ العَطَشِ، كُرِه.
وسُئِل أحمدُ عن الصائِمِ يَعْطَشُ فيُمَضْمِضُ ثم يَمُجُّه، قال: يَرُشُّ على صَدْرِه أحَبُّ إلَىَّ.
فإن فَعَل فوَصَلَ الماءُ إلى حَلْقِه، أو تَرَك الماءَ في فِيه عابِثًا، أو للتَّبَرُّدِ، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في الزائِدِ على الثَّلاثِ؛ لأنَّه مَكْرُوهٌ.
فصل: ولا بَأْسَ أن يَصُبَّ الماءَ على رَأْسِه مِن الحَرِّ والعَطَشِ؛ لِما رُوِىَ عن بعضِ أصحابِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: لقد رَأَيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالعَرْجِ 161 يَصُبُّ على رَأْسِه الماءَ وهو صائِمٌ مِن العَطَشِ أو مِن الحَرِّ.
رَواه أبو داودَ 162.
الجزء: 7 - الصفحة: 435
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا بَأْسَ أن يَغْتَسِلَ الصائِمُ؛ فإنَّ عائشةَ، وأُمَّ سَلَمَةَ، قالَتا: نَشْهَدُ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إن كان ليُصْبِحُ جُنُبًا مِن 163 غيرِ احْتِلامٍ، ثم يَغْتَسِلُ، ثم يَصُومُ.
مُتَّفَقٌ عليه 164. وروَى أبو بكرٍ، بإسْنادِه، أنَّ ابنَ عباسٍ دَخَل الحَمّامَ وهو صائِمٌ، هو وأصحابٌ له في شهرِ رمضانَ.
فأمَّا الغَوْصُ في الماءِ، فقالَ أحمدُ، في الصائِمِ يَنْغَمِسُ في الماءِ: إذا لم يَخَفْ أن يَدْخُلَ في مَسامِعِه.
وكَرِه الحسنُ، والشَّعْبِىُّ أن يَنْغَمِسَ في الماءِ، خَوْفًا أن يَدْخُلَ في مَسامِعِه.
فإن دَخَل إلى مَسامِعِه في الغُسْلِ الِمَشْرُوعِ، مِن غيرِ قَصْدٍ ولا إسْرافٍ، لم يُفْطِرْ، كالمَضْمَضَةِ في الوُضُوءِ.
وإن غاصَ في الماءِ، أو أسْرَفَ، أو كان عابِثًا، فحُكْمُه حُكْمُ الدّاخِلِ إلى الحَلْقِ مِن المُبالَغَةِ والزِّيادَةِ على الثَّلاثِ، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 436
وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا في طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
1067 - مسألة: (وإن أكَلَ شاكًّا في طُلُوعِ الفَجْرِ، فلا قَضاءَ عليه)
إذا أكَلَ وهو يَشُكُّ في طُلُوعِ الفَجْرِ، وِ لم يَتَبَيَّنْ له الحالُ، فلا قَضاءَ عليه، وله الأكْلُ حتى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَ الفَجْرِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ.
ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، [وابنِ عُمَرَ] 165، رَضِىَ الله عنهم.
وقال مالكٌ: يَجبُ القضاءُ، كما لو أكَلَ شَاكًّا في غُرُوبِ الشمس.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ 166. مَدَّ الأكْلَ إلى غايَةِ التَّبَيُّنِ، وقد يكونُ شاكًّا قبلَ التبَّيُّنِ، فلو لَزِمَه القَضاءُ لحرُمَ عليه الأكْلُ، وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَكُلُوا، وَاشْرَبُوا،.
حَتَّى يُؤذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» 167. وكان رجلًا أعْمَى، لا يُؤذِّنُ حتى يُقالَ له: أصْبَحْتَ، أصبحتَ 168. ولأنَّ
الحديث: 1067 - الجزء: 7 - الصفحة: 437
وَإنْ أَكلَ شَاكًّا في غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
الأصْلَ بَقاءُ اللَّيْلِ، فيَكُونُ زَمَنُ الشَّكِّ منه ما لم يُعْلَمْ يَقِينُ (1) زَوالِه، بخِلافِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فإنَّ الأصْلَ بَقاءُ النَّهارِ، فبَنَى عليه.
1068 -
مسألة: (وإن أكَلَ شاكًّا في غُرُوبِ الشمسِ، فعليه القَضاءُ)
إذا لم يَتَبَيَّنْ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النَّهارِ.
فإن كان حينَ الأكْلِ ظانًّا أنَّ الشمسَ قد غَرَبَتْ، ثم شَكَّ بعدَ الأكْلِ، ولم يَتَبَيَّنْ، فلا قَضاءَ عليه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ يَقِينٌ أزال ذلك الظَّنَّ الذي بَنَى عليه، فأشْبَهَ ما لو صَلَّى بالاجْتِهادِ ثم شَكَّ في الإصابةِ بعدَ صلاتِه.
الحديث: 1068 - الجزء: 7 - الصفحة: 438
وَإنْ أَكَلَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَيْلٌ فَبَانَ نَهَارًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
1069 - مسألة: (ومَن أكَلَ مُعْتَقِدًا أنَّه لَيْلٌ فبان نَهارًا، فعليه القَضاءُ)
وذلك أن يَظُنَّ أنَّ الشمسَ قد غابَتْ، ولم تَغِبْ، أو أنَّ الفَجْرَ لم يَطْلُعْ، وقد طَلَعَ، فيَجِبُ عليه القَضاءُ.
هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن عُرْوَةَ، ومُجاهِدٍ، والحسنِ، وإسحاقَ: لا قَضاءَ عليهم؛ لِما روَى زيدُ بنُ وَهْبٍ، قال: كُنْتُ جالِسًا في مَسْجِدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في رمضانَ، في زَمَنِ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، فأُتِينَا بعِساسٍ 169 فيها شَرابٌ مِن بَيْتِ حَفْصَةَ، فشَرِبْنا، ونحن نَرَى أنَّه مِن اللَّيْلِ، ثِم انْكَشَفَ السَّحابُ، فإذا الشمسُ طالِعَةٌ، قال: فجَعَلَ الناسُ يَقُولُونَ: نقْضِى يَوْمًا مَكانَه.
فقالَ عُمَرُ: واللهِ لا نَقْضِيه، ما تَجَانَفْنَا لإِثْمٍ 170. ولأنَّه لم يَقْصِدِ الأكْلَ في الصومِ، فلم يَلْزَمْه القَضاءُ، كالنّاسِى.
ولَنا، أنَّه أَكَلِ مُخْتارًا ذاكِرًا للصومِ، فأَفْطَرَ، كما لو أكَلَ يومَ الشَّكِّ، ولأنَّه جَهِل وَقْت الصيام فلم يُعْذَرْ به، كالجَهْلِ بأوَّلِ رمضانَ، ولأَنَّه يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فأشْبَهَ أكْلَ العامِدِ، وفارَقَ الناسِىَ؛ فإنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه.
وأمّا الخَبَرُ، فرَواه الأثْرَمُ، أَنَّ عُمَرَ قال: مَن أكَلَ فَلْيَقْضِ يَوْمًا مَكانَه 171.
الحديث: 1069 - الجزء: 7 - الصفحة: 439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَواه مالكٌ في «المُوَطَّأ» 172، أنَّ عُمَرَ قال: الخَطْبُ يَسِيرٌ.
يَعْنِى خِفَّةَ القَضاءِ.
وروَى هِشامُ بنُ عُرْوَةَ، عن فاطِمةَ امْرَأتِه، عن أسْماءَ قالَتْ: أفْطَرْنا على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في يَوْمِ غَيْمٍ، ثم طَلَعَتِ الشمسُ.
قِيلَ لهِشامٍ: أُمِرُوا بالقَضاءِ؟ قال: لا بُدَّ مِن قَضاءٍ.
رَواه البخارىُّ 173.
فصل: ويَجُوزُ للجُنُبِ في اللَّيْلِ أن يُؤخِّرَ الغُسْلَ حتى يُصْبِحَ، ويُتِمُّ صَوْمَه.
وهو قولُ علىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وزيدٍ، وأبى الدَّرْداءِ، وأبى ذَرٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وعائشةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، في أهلِ الحِجازِ، والثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، في أهلِ العِراقِ، والأوْزاعِىِّ، في أهلِ الشامِ، واللَّيْثِ، في أهلِ مصرَ، وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، وأهلِ الظّاهِرِ.
وكان أبو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لا صَوْمَ له.
ويَرْوِى ذلك عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثم رَجَعَ عنه 174. قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: رَجَع أبو هُرَيْرَةَ عن فُتْياه 175. وحُكِىَ عن الحَسَنِ، وسالِمِ بن
الجزء: 7 - الصفحة: 440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عبدِ اللهِ، يُتِمُّ صومَه، ويَقْضِى.
وعن النَّخَعِىِّ: يَقْضِى في الفَرْضِ دُونَ التَّطَوُّعِ.
وعن عُرْوَةَ، وطاوُسٍ: إن عَلِم بجَنابَتِه في رمضانَ، فلم يَغْتَسِلْ حتى أصْبَحَ، فهو مُفْطِرٌ، وإن لم يَعْلَمْ، فهو صائِمٌ.
وحُجَّتُهم حديثُ أبى هُرَيْرَةَ.
ولَنا، ما روَى أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارِثِ بنِ هِشامٍ، قال: ذَهَبْتُ أنا وأبى حتى دَخَلْنا على عائشةَ، فقالَتْ: أشْهَدُ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إن كان ليُصْبِحُ جُنُبًا، مِن جِماع، مِن غيرِ احْتِلامٍ، ثم يَصُومُه.
ثم دَخَلْنا على أُمِّ سَلَمَةَ، فقالَتْ مثلَ ذلك، ثم أتَيْنَا أبا هُرَيْرَةَ، فأخْبَرْناه بذلك، فقال: هما أعْلَمُ بذلك، إنَّما حَدَّثَنِيه الفَضْلُ بنُ العباسِ.
مُتَّفَقٌ عليه 176. قال الخَطّابِىُّ 177: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ في خَبَرِ أبي هريرةَ أنَّه مَنْسُوخٌ؛ لأنَّ الجِماعَ كان مُحَرَّمًا على الصائِمِ بعدَ النَّوْمِ، فلَمّا أباح اللهُ سبحانه الجِماعَ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، جاز للجُنُب إذا أصْبَحَ قبلَ أن يَغْتَسِلَ أن يَصُومَ.
ورَوَتْ عائشةُ أنَّ رجلًا قال للنبىَّ - صلى الله عليه وسلم -: إنِّى أُصْبِحُ جُنُبًا، وأنا أُرِيدُ الصيامَ.
فقالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «وَأَنَا أُصْبِحُ جُنبًا، وَأنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ».
فقالَ له الرجلُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّك لست مِثْلَنا، قد غَفَر اللهُ لك ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وما تأخَّرَ.
فغَضِبَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: «إنِّى لَأرْجُو أنْ أكُونَ أخْشَاكُمْ للهِ، وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أتَّقِى».
رَواه مسلمٌ، ومالكٌ في «المُوَطَّأ» 178.
الجزء: 7 - الصفحة: 441
فَصْلٌ: وَإذَا جَامَعَ في نَهَارِ رَمَضَانَ في الْفَرْجِ، قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا، [57 ظ] فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، عَامِدًا كَانَ أو سَاهِيًا.
وَعَنْهُ، لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ مَعَ الإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ.
فصل: وحُكْمُ المرأةِ إذا انْقَطَعَ حَيْضُها مِن اللَّيْلِ وأخَّرَتِ الغُسْلَ حتى أصْبَحَتْ، حُكْمُ الجُنُبِ، يَصِحُّ صَوْمُها، إذا نَوَتْ مِن اللَّيْلِ بعدَ انْقِطاعِه.
وقال الأوْزاعِىُّ، والحسنُ بنُ حَىٍّ، وعبدُ المَلك بنُ الماجشُون: تَقْضِى، فَرَّطَت في الاغْتِسالِ، أو لم تُفَرَّطْ؛ لأنَّ حَدَثَ الحَيْضِ يَمْنَعُ الصومَ، بخِلافِ الجَنابَةِ.
ولَنا، أنَّه حَدَثٌ يُوجِبُ الغُسْلَ، فتَأْخِيرُ الغُسْلِ منه إلى أن يُصْبِحَ لا يَمْنعُ صِحَّةَ الصومِ، كالجَنابَةِ، وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ، فإنَّ مَن طَهُرَتْ مِن الحَيْضِ غيرُ حائِضٍ، وإنَّما عليها حَدَثٌ مُوجِبٌ للغُسْلِ، فهي كالجُنُبِ، فإنَّ الجِماعَ المُوجِبَ للغُسْلِ لو وُجِد في الصومِ أفْسَدَه، كالحَيْضِ، وبَقاءُ وُجُوبِ الغُسْلِ منه، كبقَاءِ وُجُوبِ الغُسْلِ مِن الحَيْضِ.
واللهُ أعْلَمُ.
(فصل: وإذا جامَعَ في نَهارِ رمضانَ في الفَرْجِ، قُبُلًا كان أو دُبُرًا، فعليه القَضاءُ والكَفّارَةُ، عامِدًا كان أو ساهِيًا.
وعنه، لا كَفّارَةَ عليه مع الإكراهِ والنِّسْيانِ) هذه المسألةُ تَشْتَمِلُ على خَمْسَةِ أُمُورٍ؛ أحَدُها، أنَّ مَن جامَعَ في نَهارِ رمضانَ في الفَرْجِ، فأنْزَلَ.
أو لم يُنْزِلْ، أو دُونَ الفَرْجِ فأنْزَلَ عامِدًا، فَسَد صَوْمُه بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، وقد دَلَّتِ الأخْبارُ
الجزء: 7 - الصفحة: 442
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّحِيحَةُ على ذلك.
الثانِى، أنَّه يَجِبُ عليه القَضاءُ في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وقال الشافعىُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: لا يَجِبُ القَضاءُ على مَن لَزِمَتْه الكَفّارَةُ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَأْمُرِ الأعْرابِىَّ بالقَضاءِ 179. وحُكِىَ عن الشافعىِّ 180 أنَّه قال: إن كَفَّرَ بالصيامِ فلا قَضاءَ عليه؛ لأنَّه صام شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال للمُجامِعِ: «وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ».
رَواهُ أبو داودَ بإسْنادِه، وابنُ ماجه، والأثْرَمُ 181. ولأَنَّه.
أفْسَدَ يَوْمًا مِن رمضانَ، فلَزِمَه قَضاؤُه، كما لو أَفْسَدَه بالأكْلِ، ولأنَّه صومٌ واجِبٌ أفْسَدَه بالجِماعِ، فوَجَبَ عليه القَضاءُ، كغيرِ رمضانَ.
الجزء: 7 - الصفحة: 443
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن جامَعَ في غيرِ صومِ رمضانَ عامِدًا، أفْسَدَه، ويَجِبُ عليه القَضاءُ إن كان واجِبًا، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
وإن كان نَفْلًا ففيه اخْتِلافٌ.
نَذْكُرُه إن شاء الله تعالى.
الثالثُ، أنَّ مَن جامَعَ في الفَرْجِ في رمضانَ عامِدًا، تَجِبُ عليه الكَفّارَةُ، أنْزَلَ أو لم يُنْزِلْ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
وعن الشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: أنَّه لا كَفارَةَ عليه؛ لأنَّها عِبادَةٌ لا تَجِبُ الكَفّارَةُ بإفْسادِ قَضائِها، فلم تَجِبْ في إفْسادِ أدائِها، كالصلاةِ.
ولَنا، ما رُوِىَ عن حُمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: بَيْنا نحن جُلُوسٌ عندَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، إذ جاءَه رجلٌ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، هَلَكْتُ، قال: «مَا لَكَ؟».
قال: وَقَعْتُ على امرأتِى وأنا صائِمٌ.
فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟».
قال: لا.
قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟».
قال: لا.
قال: «فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟».
قال: لا.
قال: فمَكَثَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -،
الجزء: 7 - الصفحة: 444
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فبَيْنا نحن على ذلك أُتِىَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - بعَرَقٍ فيه تَمْرٌ.
والعَرَقُ: المِكْتَل 182. فقالَ: «أيْنَ السَّائِلُ؟».
فقالَ: أنا.
فقالَ: «خُذْ هذَا فتَصَدَّقْ بِهِ».
فقالَ الرجلُ: على أفْقَرَ مِنِّى يا رسولَ اللهِ؟ فواللهِ ما بينَ لَابَتَيْها 183 أهْلُ بَيْتٍ أفْقَرُ مِن بَيْتِى.
فضَحِكَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حتى بَدَتْ أنْيابُه، ثم قال: «أَطعِمْهُ أهْلَكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 184. ولا يَجُوزُ اعْتِبارُ الأداءِ في ذلك
الجزء: 7 - الصفحة: 445
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالقَضاءِ؛ لأنَّ الأداءَ يَتَعَلَّقُ بزَمَنٍ مَخْصُوصٍ يَتَعَيَّنُ به، والقَضاءُ مَحَلُّه الذِّمَّةُ، والصلاة، يَدْخُلُ في جُبْرانِها المالُ، بخِلافِ مسألتِنا.
الرابعُ، أنَّ مَن جامَعَ ناسِيًا، فحُكْمُه حُكْم العامِدِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ عَطاءٍ، وابنِ الماجِشُونَ.
وروَى أبو داودَ، عن أحمدَ، أنَّه تَوَقَّفَ عن الجَوابِ، وقال: أجْبُنُ أن أقولَ فيه شَيْئًا.
وفيه رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّه يَجِبُ عليه القَضاءُ دُونَ الكَفّارَةِ.
وهذا قولُ مالكٍ، والأوْزاعِىِّ، واللَّيْثِ؛ لأنَّ الكَفّارَةَ لرَفْعِ الإِثْمِ، وهو مَحْطُوطٌ عن النّاسِى.
وفيه رِوايَةٌ ثالثةٌ، نَقَلها عنه ابن القاسِمِ، أنَّه قال: كلُّ أمْرٍ غُلِب عليه الصّائِمُ، فليس عليه قَضاءٌ ولا غيرُه.
وهذا يَدُلُّ على إسْقاطِ القَضاء والكَفّارَةِ عن المُكْرَهِ والنّاسِى.
وهو قول الحسنِ، ومُجاهِدٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه مَعْنًى حَرَّمَه الصَّوْمُ، فإذا وُجِد منه مُكْرَهًا أو ناسِيًا، لم يُفْسِدْه، كالأكْلِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ الذي قال: وَقَعْتُ على امرأتِى.
بالكَفّارَةِ، ولم يَسْتَفْصِلْه، ولو افْتَرَقَ الحالُ لسَألَ واسْتَفْصَلَ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ، ولأنَّه يَجِبُ التَّعْلِيلُ بما تَنَاوَلَه لَفْظُ السّائِلِ، وهو الوُقُوعُ على المرأةِ في الصومِ، ولأنَّ
الجزء: 7 - الصفحة: 446
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السُّؤالَ كالمُعادِ في الجَوابِ، فكأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: مَن وَقَع على أهْلِه في نَهارِ رمضانَ فلْيُعْتِقْ رَقَبَةً.
فإن قيلَ: ففي الحديثِ ما يَدُلُّ على العَمْدِ، وهو قَوْلُه: هلكْتُ.
ورُوِىَ: احْتَرَقتُ.
قُلْنا: يَجُوزُ أن يُخْبِرَ عن هَلَكَتِه لِما يَعْتَقِدُه في الجِماعِ مع النِّسْيانِ، وخَوْفِه مِن غيرِ ذلك، ولأنَّ الصومَ عِبادَةٌ تُحَرِّمُ الوَطْءَ، فاسْتَوَى فيها عَمْدُه وسَهْوُه، كالحَجِّ، ولأنَّ إفْسادَ الصومِ ووُجُودَ الكَفّارَةِ حُكْمان يَتَعَلَّقان بالجِماعِ، لا تُسْقِطُهُما الشُّبْهَةُ، فاسْتَوَى فيهما العَمْدُ والسَّهْوُ، كسائِرِ أحْكامِه.
الخامسُ، أنَّه لا فَرْقَ بينَ كوْنِ الفَرْجِ قُبُلًا أو دُبُرًا، مِن ذَكَرٍ أو أُنْثَى.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ، في أَشْهَرِ الرِّوايَتَيْن: لا كَفّارَةَ بالوَطْءِ في الدُّبُرِ؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ به الإحْلالُ، ولا الإحْصانُ، فلا يُوجِبُ الكَفّارَةَ، كالوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ.
ولَنا، أنَّه أَفْسَدَ صومَ رمضانَ بجِماعٍ في الفَرْجِ، فأوْجَبَ الكَفّارَةَ، كالوَطْءِ في القُبُلِ.
وأمّا الوَطْءُ دُونَ الفَرْجِ، فلنا فيه مَنْعٌ، وإن سَلَّمْنا؛ فلأنّ الجِماعَ دُونَ الفَرْجِ لا يُفْسِدُ الصومَ بمُجَرَّدِه، بخِلافِ الوَطْءِ في الدُّبُرِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 447
وَلَا يَلْزَمُ الْمَرْأةَ كَفَّارَةٌ مَعَ الْعُذْرِ.
وَهَل يَلْزَمُهَا مَعَ عَدَمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ.
1070 - مسألة: (ولا يَلْزَمُ المرأةَ كَفّارَةٌ مع العُذْرِ. وهل يَلْزَمُها مع عَدَمِه؟ على رِوايَتَيْن)
حُكْمُ الوَطْءِ في رمضانَ في حَقِّ المرأةِ، كحُكْمِه في حَقِّ الرجلِ، في إفْسادِ الصومِ، ووُجُوبِ القَضاءِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه في المَذْهَبِ؛ لأَنَّه نَوْعٌ مِن المُفْطِراتِ، فاسْتَوَى فيه الرجلُ والمرأةُ، كالأكْلِ.
ولا يَجِبُ على المرأةِ كَفّارَةٌ مع العُذْرِ، لِما نَذْكُرُه.
وهل يَجِبُ عليها الكَفّارَةُ مع عدَمِ العُذْرِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَجِبُ عليها.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛
الحديث: 1070 - الجزء: 7 - الصفحة: 448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّها هَتَكَتْ 185 صومَ رمضانَ بالجِماعِ، فوَجَبَتْ عليها الكَفّارَةُ، كالرجلِ.
والثانيةُ، لا كفّارَةَ عليها.
قال أبو داودَ: سُئِل أحمدُ عمَّن أتَى أهْلَه في رمضانَ، أعليها كَفّارَةٌ؟ قال: ما سَمِعْنا أنَّ على امرأةٍ كَفّارَةً.
وهذا قولُ الحسنِ.
وللشافعىِّ قَوْلان كالرِّوايَتَيْن.
ووَجْهُ ذلك أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر الواطِئِ في رمضانَ أن يُعْتِقَ رَقَبَةً، ولم يَأْمُرْ في المرأةِ بشيءٍ مع عِلْمِه بوُجُودِ ذلك منها، ولأنَّه حَقُّ مَالٍ يَتَعَلَّقُ بالوَطْءِ مِن بينِ جِنْسِه، فكان على الرجلِ، كالمَهْرِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 449
وَعَنْهُ، كُلُّ أمْرٍ غُلِبَ عَلَيْهِ الصَّائِمُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ مَعَ الإكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ.
1071 - مسألة؛ قال: (وكلُّ أمْرٍ غُلِب عليه الصّائِمُ فليس عليه قَضاءٌ ولا كَفّارَةٌ)
هذه الرِّوايَةُ نَقَلَها عنه ابنُ القاسِمِ (وهي تَدُلُّ على إسْقاطِ القَضاءِ والكَفّارَةِ مع الِإكْراهِ والنِّسْيانِ) وكذلك قال أبو الخَطّابِ.
وقد ذَكَرْنا حُكْمَ النّاسِى.
فأمّا حُكْمُ الِإكْراهِ، فإن أُكْرِهَتِ المرأةُ على الجِماعِ، فلا كَفّارَةَ عليها، رِوايَةً واحِدَةً، وعليها القَضاءُ في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
قال مُهَنَّا: سَألْتُ أحمدَ عن امرأةٍ غَصَبَهَا رجلٌ نَفْسَها، فجامَعَها، أعليها القَضاءُ؟ قال: نعم.
قُلْتُ: وعليها الكَفّارَةُ؟ قال: لا.
وهذا قولُ الحسنِ، والثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ.
وعلى قِياسِ ذلك النّائِمَةُ.
وقال مالكٌ في النَّائِمَةِ: عليها القَضاءُ بلا كَفّارَةٍ، والمُكْرَهَةُ عليها القَضاءُ والكَفّارَةُ.
وقال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: إن كان
الحديث: 1071 - الجزء: 7 - الصفحة: 450
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإكْراهُ بوَعِيدٍ حتى فَعَلَتْ، كقَوْلِنا.
وإن كان إلْجاءً، أو كانت نائِمَةً لم تُفْطِرْ.
وهذا مُقْتَضَى قولِ أحمدَ، في هذه الرِّوايَةِ التي رَواها ابنُ القاسِمِ؛ لأنَّها لم يُوجَدْ منها فِعْلٌ، فلم تُفْطِرْ، كما لو صُبَّ في حَلْقِها ماءٌ بغيرِ اخْتِيارِها.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّه جِماعٌ في الفَرْجِ، فأفْسَدَ، كما لو أُكْرِهَت بالوَعِيدِ، ولأنَّه عِبادَةٌ يُفْسِدُها الوَطْءُ ففسَدَت به على كلِّ حالٍ، كالصلاةِ، والحَجِّ.
فصل: فإن جامَعَتِ المرأةُ ناسِيَةً، فقالَ أبو الخَطّابِ: حُكْمُ النِّسْيانِ حُكْمُ الإكْراهِ، يُوجِبُ القَضاءَ دُونَ الكَفّارَةِ، قِياسًا على الرجلِ في أنَّ الجِماعَ يُفْطِرُه معِ النِّسْيانِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَها القَضاءُ؛ لأنَّه مُفْسِدٌ لا يُوجِبُ الكَفّارَةَ، أشْبَهَ الأكْلَ.
فصل: فإن أُكْرِهَ الرجلُ فجامَعَ، فَسَد صَوْمُه على الصَّحِيحِ؛ لأنَّه إذا أفْسَدَ صوم المرأةِ، فالرجلُ أوْلَى.
فأمّا الكَفّارَةُ، فقالَ القاضِى: تَجِبُ عليه؛ لأن الإِكْراهَ على الوَطْءِ لا يُمْكِنُ، لأنَّه لا يَطَأُ حتى يَنْتَشِرَ، ولا يَنْتَشِرُ إلَّا عن شَهْوَةٍ، فهو كغيرِ المُكْرَهِ.
وقال أبو الخَطّابِ: فيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا كفارةَ عليه.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ الكَفّارَةَ إمّا عُقُوبَةٌ، أو ماحِيَةٌ للذَّنْبِ، والمُكْرَهُ غيرُ آثِمٍ، ولا مُذْنِبٍ، ولقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِىَ لأُمَّتِى عَنِ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» 186. والرِّوايَةُ الثانِيَةُ، عليه الكَفّارَةُ، لِما ذَكَرْنا.
فأمَّا إن كان
الجزء: 7 - الصفحة: 451
وَإنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرْجِ فَأنْزَلَ، أو وَطِئَ بَهِيمَةً في الْفَرْجِ، أَفْطَرَ.
نائِمًا فانْتَشَرَ، فاسْتَدْخَلَتْه امْرَأتُه، أو غَلَبَتْه على نَفْسِه في حالِ يَقَظَتِه، فقالَ ابنُ عَقِيلٍ: لا قَضاءَ عليه، ولا كَفّارَةَ.
وهو ظاهِرُ قولِ أحمدَ، في رِوايَةِ ابنِ القاسِمِ، ومَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه مَعْنًى حَرَّمَه الصومُ، حَصَل بغيرِ اخْتِيارِه، فلم يُفْطِرْ به، كما لو طار إلى حَلْقِه ذُبابَةٌ.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ عليه القَضاءَ.
وقد ذَكَرْناه؛ لأنَّ الصومَ عِبادَةٌ يُفْسِدُها الجِماعُ، فاسْتَوَى فيه حالَةُ الاخْتِيارِ والإكْراهِ، كالحَجِّ، ولا يَصِحُّ قِياسُ الجِماعِ على غيرِه في عَدَمِ الإِفْسادِ؛ لتَأكُّدِه بإيجابِ الكَفّارَةِ، وإفْسادِ الحَجِّ مِن بينِ سائِرِ مَحْظُوراتِه.
واللهُ أعلمُ.
فصل: فإن تَساحَقَتِ امْرَأتانِ، فَسَد صَوْمُهما إن أنْزَلَتا.
فإن أنْزَلَتْ إحْداهما، فَسَد صومُها وَحْدَها دُونَ الأُخْرَىِ.
وهل يَكُونُ حُكْمُهما حُكْمَ المُجامِعِ دُونَ الفَرْجِ إذا أنْزَلَ، أو لا يَلْزَمُهما كَفّارَةٌ بحالٍ؟ فيه وَجْهانِ مَبْنِيّان على أنَّ الجِماعَ مِن المرأةِ هل يُوجِبُ الكَفّارَةَ؟ على رِوايَتَيْن.
والصَّحِيحُ أنَّه لا كَفّارَةَ عليهما؛ لأنَّ ذلك ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه، فيَبْقَى على الأَصْلِ.
فإن أنْزَلَ المَجْبُوبُ بالمُساحَقَةِ، فحُكْمُه حُكْمُ المُجامِعِ دُونَ الفَرْجِ إذا أنْزَلَ.
واللهُ أعلمُ.
1072 -
مسألة: (وإن جامَعَ فيما دُونَ الفَرْجِ فأنْزَلَ، أو وَطِئَ
الحديث: 1072 - الجزء: 7 - الصفحة: 452
وَفِى الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ.
بَهِيمَةً في الفَرْجِ أفْطَرَ.
وفى الكَفّارَةِ وَجْهان) إذا جامَعَ فيما دُونَ الفَرْجِ عامِدًا فأنْزَل، فسَد صَوْمُه بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
وهل تَجِبُ عليه الكَفّارَةُ؟ فيه عن أحمدَ رِوايَتان؛ إحْداهُماِ، تَجِبُ.
وبه قال مالكٌ، وعَطاءٌ، والحسنُ، وابنُ المُبارَكِ، وإسحاقُ.
اخْتارَها الخِرَقِىُّ، والقاضى؛ لأنَّه أفْطَرَ بجِماعٍ، فوَجَبَت به الكَفّارَةُ، كالوَطْءِ في الفَرْجِ.
والثانيةُ، لا كَفّارَةَ عليه.
وهو مَذْهَبُ 187 أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه فِطْرٌ بغيرِ جِماعٍ تامٍّ، أشْبَهَ القُبْلَةَ، ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا إجْماعَ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ؛ لأنَّ الجِماعَ في الفَرْجِ أبْلَغُ، بدَلِيلِ تَعَلُّقِ الكَفَّارَةِ به مِن غيرِ إنْزالٍ، ويَجبُ به الحَدُّ، ويَتَعَلَّقُ به اثْنا عَشَرَ حُكْمًا، فلا يَصحُّ القِياسُ عليه.
ولأنَّ العِلًّةَ في الأصْلِ الجِماعُ بدُونِ الإِنْزالِ، والجِماعُ ههُنا بدُونِ إنْزالٍ غيرُ مُوجِبٍ بالإِجْماعِ، فلا يَصحُّ الاعْتِبارُ به.
وهذه أصَحُّ, إن شاء اللهُ تعالى.
الجزء: 7 - الصفحة: 453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأَمّا الوَطْءُ في فَرْجِ البَهِيمَةِ، فذَكَرَ القاضي أنَّه مُوجِبٌ للكَفّارَةِ.
وذَكَرَ أبو بكرٍ ذلك عن أحمدَ، نَقَلَها عنه ابنُ مَنْصورٍ؛ لأنَّه وَطْءٌ في فَرْجٍ، مُوجِبٌ للغُسْلِ، مُفْسِدٌ للصومِ، أشْبَهَ وَطْءَ الآدَمِيَّةِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 454
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يُوجِبُ الكَفّارَةَ.
ذَكَرَه أبو الخَطّاب؛ لأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ، فإنَّه مُخالِفٌ لوَطْءِ الآدَمِيَّةِ في إيجابِ
الجزء: 7 - الصفحة: 455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحَدِّ، على إِحْدَى الرِّوايَتَيْن، وفى كَثِيرٍ مِن أحْكَامِه.
فصل: فإن قَبَّلَ أو لمَسَ فأنْزَلَ، فَسَد صَوْمُه.
وفى الكَفّارَةِ رِوايَتان؛ أصَحُّهما، أنَّها لا تَجبُ.
نَقَلَها عنه الأَثْرَمُ، وأبو طالِبٍ.
واخْتارَها الخِرَقِىُّ.
وهو قول الشافعىِّ، وأبى حنيفةَ؛ لأنَّه إنْزَالٌ بغيرِ وَطْءٍ، أشْبَهَ الإِنْزالَ بتَكْرارِ النَّظَرِ.
ولا يَصِحُّ قِياسُه على الوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ؛ لأنَّ الاسْتِمْتاعَ بالوَطْءِ فيما دُونَ الفَرْجِ أَقْوَى وأَبْلَغُ مِن القُبْلَةِ؛ لكَوْنِه وَطْأً في الجُمْلَةِ.
والثانيةُ، عليه الكَفّارَةُ.
نَقَلَها حَنْبَلٌ؛ لأنَّه إنْزالٌ عن مُباشَرَةٍ، أشْبَهَ الِإنزَالَ بالوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ، ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ المَوْطُوءَةِ زَوْجَةً أو أَجنَبِيَّةً، صَغِيرَةً أو كَبِيرَةً؛ لأنَّه إذا وَجَب بوَطْءِ الزَّوْجَةِ، فبوَطْءِ الأجْنَبِيَّةِ أوْلَى.
الجزء: 7 - الصفحة: 456
وَإنْ جَامَعَ في يَوْمٍ رَأى الْهِلَالَ في لَيْلَتِهِ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ.
1073 - مسألة: (وإن جامَعَ في يومٍ رَأى الهِلالَ في لَيْلَتِه ورُدَّت شَهادَتُه، فعليه القَضاءُ والكَفّارَةُ)
وهو قولُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَجبُ؛ لأنَّها عُقُوبَةٌ؛ فلم تَجِبْ بفِعْلٍ مُخْتَلَفٍ فيه، كالحَدِّ.
ولَنا،
الحديث: 1073 - الجزء: 7 - الصفحة: 457
وَإِنْ جَامَعَ فِى يَوْمَيْنِ وَلَمْ يُكَفِّرْ، فَهَلْ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ أَوْ كفَّارَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
أنَّه أفْطَرَ يَوْمًا مِن رمضانَ بجِماعٍ، فوَجَبَت عليه الكَفّارَةُ، كما لو قُبِلَت شَهادَتُه، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الكَفّارَةَ عُقُوبَةٌ، ثم قِياسُهم يَنْتَقِضُ بوُجُوبِ الكَفَّارَةِ بالجِماعِ في السَّفَرِ القَصِيرِ، مع وُقُوعِ الخِلافِ فيه.
1074 -
مسألة: (وإن جامَعَ في يَوْمَيْن ولم يُكَفِّرْ، فهل تَلْزَمُه كَفّارَةٌ أو كَفّارَتان؟ على وَجْهَيْن)
إذا جامَعَ مَرَّتَيْن، ولم يُكَفِّرْ عن الأوَّلِ، فإن كان في يَوْمٍ واحدٍ أجْزَأَتْه كَفّارَةٌ واحدَةٌ بغيرِ خِلافٍ.
وإن كان في يَوْمَيْن، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تُجْزِئُه كَفّارَةٌ واحِدَةٌ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، واخْتِيارُ أبى بكرٍ.
وإليه ذَهَب الزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ،
الحديث: 1074 - الجزء: 7 - الصفحة: 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأصحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّها جَزاءٌ عن جِنايَةٍ تَكَرَّرَ سَبَبُها قبلَ اسْتِيفائِها، فيَجِبُ أن تَتَداخَلَ، كالحَدِّ.
والثانى، يَلْزَمُه كَفّارَتان.
اخْتارَه القَاضِى.
وهو قولُ مالكٍ، واللَّيْثِ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
ورُوِىَ عن عَطاءٍ، ومَكْحُولٍ؛ لأنَّ كلَّ يَوْمٍ عِبادَةٌ مُفْرَدَةٌ، فإذا وَجَبَتِ الكَفّارَةُ بإفْسادِه لم تَتَداخَلْ، كرَمَضانَيْن وكالحَجَّتَيْن.
الجزء: 7 - الصفحة: 459
وَإِنْ جَامَعَ ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ جَامَعَ فِى يَوْمِهِ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ، إِذَا جَامَعَ.
1075 - مسألة: (وإن جامَعَ ثم كَفَّرَ ثم جامَعَ في يومِه، فعليه كَفّارَةٌ ثانِيَةٌ. نَصَّ عليه. وكذلك كلُّ مَن لَزِمَه الإِمْساكُ، إذا جامَعَ)
إذا كَفَّرَ ثم جامَعَ ثانِيَةً، فإن كان في يَوْمَيْن، فعليه كَفّارَةٌ ثانِيَةٌ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه، وإن كان في يومٍ واحِدٍ، فكذلك.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهكذا يُخَرَّجُ في كلِّ مَن لَزِمَه الإِمْساكُ، وحُرِّمَ عليه الجِماعُ في نَهارِ رمضانَ، وإِن لم يَكُنْ صائِمًا، كمن لم يَعْلَمْ برُؤْيَةِ الهِلالِ إلَّا بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، أو نسِىَ النِّيَّةَ، أو أكَل عامِدًا ثم جامَعَ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: لا شئَ عليه بذلك الجِماعِ؛ لأنَّه لم يُصادِفِ الصومَ، ولم يَمْنَعْ صِحَّتَه،
الحديث: 1075 - الجزء: 7 - الصفحة: 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلم يُوجِبْ شيئًا، كالجِماعِ في اللَّيْلِ.
ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ تَجِبُ الكَفّارَةُ بالجماعِ فيها، فتَكَرَّرَتْ بتَكَرُّرِ الوَطْءِ إذا كان بعدَ التَّكْفِيرِ، كالحَجِّ، ولأَنَّه وَطْءٌ مُحَرَّمٌ لحُرْمَةِ رمضانَ، فأوْجَبَ الكَفَّارَةَ، كالأوَّلِ، وفارَقَ الوَطْءَ في اللَّيْلِ, لأنَّهُ مُباحٌ.
فإن قِيلَ: الوَطْءُ الأوَّلُ تَضَمَّنَ هَتْكَ الصومِ، وهو مُؤَثِّرٌ في الإِيجابِ، فلا يَصِحُّ قِياسُ غيرِه عليه.
قُلْنا: هو مَلْغِىٌّ بمَن طَلَع عليه الفَجْرُ وهو مُجامِعٌ فاسْتَدامَ، فإنَّه يَلْزَمُه الكَفّارَةُ، مع أنَّه لم يَهْتِكِ الصومَ.
فصل: وإذا بَلَغ صَبِىٌّ، أو أسْلَمَ كافِرٌ، أو أفاق مَجْنُونٌ، أو طَهُرَتْ حائِضٌ أو نُفَساءُ، أو قَدِم المُسافِرُ مُفْطِرًا في نَهارِ رمضانَ، فقد ذَكَرْنا في وُجُوبِ الإِمْساكِ عليهم رِوايَتَيْن.
فإن قُلْنا بوُجُوبِ الِإِمْساكِ، وَجَبَتِ الكَفّارَةُ على المُجامِعِ.
وإن قُلْنا: لا يَجِبُ.
فلا شئَ عليهم؛ لأنَّ الفِطْرَ مُباحٌ لهم، أشْبَهَ المُجامِعَ باللَّيْلِ.
فأمَّا إن نَوَى الصومَ في مَرَضِه أو سَفَرِه أو صِغَرِه، ثم زال عُذْرُه في أثْناءِ النَّهارِ، لم يَجُزْ له الفِطْرُ، رِوايَةً واحِدَةً، وعليه الكَفّارَةُ إن وَطِئَ.
وقال بعضُ الشافِعِيَّةِ: في المُسافِرِ خاصَّةً
الجزء: 7 - الصفحة: 461
وَلَوْ جَامَعَ وَهُوَ صَحِيحٌ، ثُمَّ جُنَّ أَوْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ.
وَجْهان؛ أحَدُهما، له الفِطْرُ؛ لأَنَّه أُبِيحَ له الفِطْرُ ظاهِرًا أو باطِنًا في أوَّلِ النَّهارِ، فكانت له اسْتِدامَتُه، كما لو قَدِم مُفْطِرًا.
ولا يَصحُّ ذلك؛ لأنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ زال قبلَ التَّرَخُّصِ، فلم يَكُنْ له ذلك، كما لو قَدِمَتْ به السَّفِينَةُ قبلَ قَصْرِ الصلاةِ، وكالصَّبِىِّ يَبْلُغُ، والمَرِيضِ يَبْرَأُ.
وهذا يَنْقُضُ (1) ما ذَكَرُوه.
وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.
ولو عَلِم الصَّبِىُّ أنَّه يَبْلُغُ في أثْناءِ النَّهارِ بالسِّنِّ، أو عَلِم المُسافِرُ أنَّه يَقْدَمُ، لم يَلْزَمْهما الصيامُ قبلَ زَوالِ عُذْرِهما؛ لأنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ مَوْجُودٌ، فثبَتَ حُكْمُها، كما لو لم يَعْلَما ذلك.
1076 -
مسألة: (وإن جامَعَ وهو صَحِيحٌ، ثم مَرِض أو جُنَّ أو سافَرَ، لم تَسْقُطْ عنه)
إذا جامَعَ في أوَّلِ النَّهارِ، ثم مَرِض أو جُنَّ، أو كانَتِ امرأةً فحاضَتْ أو نَفِسَتْ في أثْناءِ النَّهارِ، لم تَسْقُطِ الكَفّارَةُ.
وبه قال مالكٌ، واللَّيْثُ، وابنُ الماجِشُونَ، وإسحاقُ.
وقال أصحابُ الرَّأْىِ: لا كَفّارَةَ عليهم.
وللشافعىِّ قَوْلان، كالمَذْهَبَيْن.
واحْتَجُّوا بأنَّ صومَ هذا اليَوْمِ خَرَج عن كَوْنِه مُسْتَحَقًّا، فلم يَجِبْ بالوَطْءِ فيه كَفّارَةٌ، كصومِ المُسافِرِ، أو كما لو تَبَيَّنَ أنَّه مِن شَوّالٍ.
ولَنا، أنَّه مَعْنًى طَرَأ بعدَ وُجُوبِ188
الحديث: 1076 - الجزء: 7 - الصفحة: 462
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكَفّارَةِ، فلم يُسْقِطْها، كالسَّفَرِ، ولأَنَّه أفْسَدَ صومًا واجبًا مِن رمضانَ بجِماعٍ تامٍّ، فاسْتَقَرَّتِ الكَفّارَةُ عليه، كما لو لم يَطْرَأ العُذْرُ، والوَطْءُ في صومِ المُسافِرِ مَمْنُوعٌ، وإن سُلِّمَ فالوَطْءُ ثَمَّ مُباحٌ؛ لأنَّه في صومٍ أُبِيحَ الفِطْرُ فيه، بخِلافِ مسألتِنا.
وكذا إذا تَبَيَّنَ أنَّه مِن شَوَّالٍ؛ لأنَّه تَبَيَّنَ أنَّ الوَطْءَ لم يُصادِفْ رمضانَ، والمُوجِبُ إنَّما هو الوَطْءُ المُفْسِدُ لصومِ رمضانَ.
فأمّا إن جامَعَ في نَهارِ رمضانَ، ثم سافَرَ في أثْناءِ النَّهارِ، لم تَسْقُطِ الكَفّارَةُ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى أنَّ كُلَّ مَن جامَعَ أمْكَنَه إسْقَاطُ الكَفّارَةِ عنه بالسَّفَرِ في النَّهارِ، وهو غيرُ جائِزٍ.
فصل: إذا طَلَع الفَجْرُ وهو مُجامِعٌ، فاسْتَدامَ الجِماعَ، فعليه القَضاءُ والكَفّارَةُ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ القَضاءُ دُونَ الكَفّارَةِ؛ لأنَّ وَطْأَه لم يُصادِفْ صومًا صَحِيحًا، فلم يُوجِبِ الكَفّارَةَ، كما لو تَرَك النِّيَّةَ وجامَعَ.
ولَنا، أنَّه تَرَك صومَ رمضانَ بجِماعٍ أثِمَ به؛ لحُرْمَةِ الصومِ، فوَجَبَتْ به الكَفّارَةُ، كما لو وَطِئَ بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.
فأمّا إن نَزَع في الحالِ مع أوَّلِ طُلُوعِ الفَجْرِ، فقالَ ابنُ حامِدٍ، والقاضى: عليه الكَفّارَةُ؛ لأنَّ النَّزْعَ جِماعٌ يَلْتَذُّ به، أشْبَهَ الإِيلاجَ.
وقال أبو حَفْصٍ: لا قَضاءَ عليه، ولا كَفَّارَةَ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه تَرَك الجِماعَ، فلا يَتَعَلَّقُ
الجزء: 7 - الصفحة: 463
وَإِنْ نَوَى الصَّوْمَ فِى سَفَرِهِ، ثُمَّ جَامَعَ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
به ما يَتَعَلَّقُ بالجِماعِ، كما لو حَلَف لا يَدْخلُ دَارًا، وهو فيها، فخَرَجَ منها.
وقال مالكٌ: يَبْطُلُ صَوْمُه، ولا كَفّارَةَ عليه؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على أكْثَرَ مِمّا فَعَلَه مِن تَرْكِ الجِماعِ، أشْبَهَ المُكْرَهَ.
قال شيخُنا (1): وهذه المسألةُ تَقْرُبُ مِن الاسْتِحالَةِ، إذ لا يَكادُ يَعْلَمُ أَوَّلَ طُلُوعِ الفَجْرِ على وَجْهٍ يَتَعَقَّبُه النَّزْعُ مِن غيرِ أن يَكُونَ قبلَه شيءٌ مِن الجِماعِ، فلا حاجَةَ إلى فَرْضِها، والكَلامِ فيها.
فصل: ومَن جامَعَ يَظُنُّ أنَّ الفَجْرَ لم يَطْلُعْ، فَتَبَيَّنَ أنَّه كان طَلَع، فعليه القَضاءُ والكَفَّارَةُ.
وقال بعضُ الشافِعِيَّةِ: لا كَفّارَةَ عليه، ولو عَلِم في أثْناءِ الوَطْءِ، فاسْتَدامَ ذلك، فلا كَفّارَةَ عليه أيضًا؛ لأنَّه إذا لم يَعْلَمْ لم يَأْثَمْ، أَشْبَهَ النَّاسِىَ، وإن عَلِم فاسْتَدامَ، فقد حَصَل الذى أثِمَ به في غيرِ صَوْمٍ.
ولَنا.، حديثُ المُجامِعِ، حيث أمَرَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - بالكَفّارَةِ ولم يَسْتَفْصِلْ (2). ولأنَّه أفْسَدَ صومَ رمضانَ بجِماعٍ تامٍّ، فوَجَبَت عليه الكَفّارَةُ، كما لو عَلِم، ووَطْءُ النَّاسِى مَمْنُوعٌ.
ثم إنَّه لا يَحْصُلُ به الفِطْرُ على الرِّوايَةِ الأُخرَى.
1077 -
مسألة: (وإن نَوَى الصومَ في سَفَرِه، ثم جامَعَ، فلا
189190 الحديث: 1077 - الجزء: 7 - الصفحة: 464
وَعَنْهُ، عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
كَفّارَةَ عليه.
وعنه، عليه الكَفّارَةُ) إذا نَوَى الصومَ في سَفَرِه، ثم أفْطَرَ بالجِماعِ، ففى الكَفّارَةِ رِوايَتان؛ إحْداهما، تَجِبُ.
اخْتارَها القاضى؛ لأنَّه أفْطَرَ بجِماعٍ، فلَزِمَتْه الكَفّارَةُ، كالحاضِرِ.
والثانيةُ، لا كَفّارَةَ عليه.
اخْتارَها شيخُنا 191، وهى الصَّحِيحَةُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه صومٌ لا يَجِبُ المُضِىُّ فيه، فلم تَجِبِ الكَفّارَةُ بالجِماعِ فيه، كالتَّطَوُّعِ، وفارَقَ الحاضِرَ الصَّحِيحَ، فإنَّه يَجِبُ عليه المُضِىُّ في الصومِ، وإن كان مَرِيضًا يُباحُ له الفِطْرُ، فهو كالمُسافِرِ قِياسًا عليه، ولأَنَّه يُفْطِرُ بنِيَّةِ الفِطْرِ، فيَقَعُ الجِماعُ بعدَ حُصُولِ الفِطْرِ، أشْبَهَ ما لو أكلَ ثم جامَعَ.
ومتى أفْطَرَ المُسافِرُ فله فِعْلُ جَمِيعِ ما يُنافِى الصومَ مِن الأكْلِ والشُّرْبِ والجِماعِ وغيرِه؛ لأنَّ حُرْمَتَها بالصومِ، فيَزُولُ بزَوالِه، كمَجِئِ اللَّيْلِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 465
وَلَا تَجِبُ [58 و] الْكَفَّارَةُ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ فِى صِيَامِ رَمَضَانَ.
1078 - مسألة: (ولا تَجِبُ الكَفَّارَةُ بغيرِ الجِماعِ في نَهارِ رمضانَ)
إذا جامَعَ في غيرِ صومِ رمضانَ لم تَجِبْ عليه الكَفّارَةُ، في قولِ جُمْهُورِ العُلَماءِ.
وقال قَتادَةُ: تَجِبُ على مَن وَطِئَ في قَضاءِ رمضانَ؛ لأنَّه عِبادَةٌ تَجِبُ الكَفّارَةُ في أدائِها، فوَجَبَتْ في قَضائِها، كالحَجِّ.
ولَنا، أنَّه جامَعَ في غيرِ رمضانَ، فلم يَلْزَمْه كَفّارَةٌ، كما لو جامَعَ في صِيامِ الكَفّارَةِ، والقَضاءُ يُفارِقُ الأداءَ؛ لأنَّه مُتَعَيِّنٌ بزَمانٍ مُحْتَرَمٍ، فالجِماعُ فيه هَتْكٌ له، بخِلافِ القَضاءِ.
فصل: ولا تَجِبُ الكَفّارَةُ بإفْسادِ الصومِ بغيرِ الجِماعِ.
وعن أحمدَ في المُحْتَجِمِ، إن كان عالِمًا بالنَّهْىِ فعليه الكَفّارَةُ.
وقال عَطاءٌ في المُحْتَجِمِ: عليه الكَفّارَةُ.
وقال مالكٌ: تَجِبُ الكَفّارَةُ بكلِّ ما كان هَتْكًا للصومِ، إلَّا الرِّدَّةَ، قِياسًا على الإِفْطارِ بالجِماعِ.
وحُكِىَ عن عَطاءٍ، والحسنِ، والزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وإسحاقَ، أنَّ الفِطْرَ بالأكْلِ والشُّرْبِ يُوجِبُ ما يُوجِبُ الجِماعُ.
وبه قال أبو حنيفةَ،
الحديث: 1078 - الجزء: 7 - الصفحة: 466
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلَّا أنَّه اعْتَبَرَ ما يُتَغَذَّى به، أو يُتَداوَى به، فلو ابْتَلَعَ حَصاةً أو نَواةً أو فُسْتُقَةً بقِشْرِها، فلا كَفّارَةَ عليه.
واحْتَجَّ بأنَّه أفْطَرَ بأعلى ما في البابِ مِن جِنْسِه، فوَجَبَتْ عليه الكَفّارَةُ، كالمُجامِعِ.
ولَنا، أنَّه أفْطَرَ بغيرِ جِماعٍ، فلم يُوجِبِ الكَفّارَةَ، كبَلْعِ الحَصاةِ، وكالرِّدَّةِ عندَ مالكٍ، ولأنَّه لا نَصَّ في إيجابِ الكَفّارَةِ بهذا, ولا إجْماعَ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الجِماعِ؛ لأنَّ الحاجَةَ إلى الزَّجْرِ عنه أمَسُّ، والحِكمةَ في التَّعَدِّى 192 به آكَدُ، ولهذا يَجِبُ به الحَدُّ إذا كان مُحَرَّمًا، ويَخْتَصُّ بإفْسادِ الحَجِّ دُونَ سائرِ مَحْظُوراتِه، ويُفْسِدُ صومَ اثْنَيْن في الغالِبِ، دُونَ غَيرِه.
الجزء: 7 - الصفحة: 467
وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
1079 - مسألة: (والكَفّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فإن لم يَجِدْ فصِيامُ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن، فإن لم يَسْتَطِعْ فإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)
ظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ كَفّارَةَ الوَطْءِ في رمضانَ مُرَتَّبَةٌ، ككَفارَةِ الظِّهارِ، يَلْزَمُه العِتْقُ، فإن عَجَز عنه انْتَقَلَ إلى الصيامِ، فإن عَجَز انْتَقَلَ إلى الإِطْعامِ المَذْكُورِ.
وهذا قولُ أكثرِ العُلَماءِ؛ منهم الثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّها على التَّخْيِيرِ بينَ هذه الثَّلاثَةِ، فبِأيِّها كَفَّرَ أجْزَأه.
وهى رِوايَةٌ عن مالكٍ؛ لِما روَى مالكٌ، وابنُ جُرَيْجٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن حُمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ رجلاً أفْطَرَ في رمضانَ، فأمَرَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُكَفِّرَ بعِتْقِ رَقَبَةٍ، أو صِيامِ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن، أو إطْعامِ سِتِّين مِسْكِينًا 193. و «أو» حَرْفُ تَخْيِيرٍ.
ولأنَّها تَجِبُ بالمُخالَفَةِ، فكانت على التَّخْيِيرِ، ككَفَّارَةِ اليَمِينِ.
وعن مالكٍ،
الحديث: 1079 - الجزء: 7 - الصفحة: 468
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه قال: الذى نَأْخُذُ به في الذى يُصِيبُ أهْلَه في شهرِ رمضانَ، إطْعامُ سِتِّين مِسْكِينًا، وصِيامُ ذلك اليَوْمِ، وليس التَّحْرِيرُ والصيامُ مِن كفّارَةِ رمضانَ في شئٍ.
وهذا القولُ مُخالِفٌ للحديثِ الصَّحيحِ، مع أنَّه ليس له أصْلٌ يَعْتَمِدُ عليه، ولا شئٌ يَسْتَنِدُ إليه، وسُنَّةُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أحَقُّ أن تُتَّبَعَ.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى الحديثُ الصَّحِيحُ، رَواه مَعْمَرٌ، ويُونُسُ، والأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ، وموسى بنُ عُقْبَةَ، وعُبَيْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، وعِراكُ بنُ مالكٍ، وغيرُهم، عن الزُّهْرِىِّ، عن حُمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال للواقِعِ على أهْلِه: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟».
قال: لا.
قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟».
قال: لا.
قال: «فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟».
قال: لا.
وذَكَر سائِرَ الحدِيثِ، وهذا لَفْظُ التَّرْتِيبِ، والأخْذُ به أوْلَى مِن رِوايَةِ مالكٍ؛ لأنَّ أصحابَ الزُّهْرِىِّ اتَّفَقُوا على رِوايَتِه هكذا, سِوَى مالكٍ وابنِ جُرَيْجٍ، فيما عَلِمْنا، واحْتِمالُ الغَلَطِ فيهما أكْثَرُ مِن احْتِمالِه في سائِرِ أصحابِه، ولأنَّ التَّرْتِيبَ زِيادَةٌ، والأخْذُ بالزِّيادَةِ مُتَعَيِّنٌ، ولأنَّ حديثَنا لَفْظُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، وحَدِيثُهم لَفْظُ الرَّاوِى، ويَحْتَمِلُ أنَّه رَواه بـ «أو» لاعتِقادِه أنَّ مَعْنَى اللَّفْظَيْن سَواءٌ، ولأنَّها كَفّارَةٌ فيها صومُ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن، فكانت مُرَتَّبَةً، كالظِّهارِ والقَتْلِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فعلى هذه الرِّوايةِ، إذا عَدِم الرَّقَبَةَ انْتَقَلَ إلى الصومِ المَذْكورِ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في دُخولِ الصومِ في هذه الكَفّارَةِ، إلَّا قَوْلًا شاذًّا يُخالِفُ السُّنَّةَ الثابِتَةَ، وقد ذَكَرْناه.
ولا خِلافَ بينَ مَن أوْجَبَه أنَّه شَهْران مُتَتابعان؛ للخَبَرِ.
فإن لم يَشْرَعْ في الصيامِ حتى وَجَد الرَّقَبَةَ لَزِمَه العِتْقُ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - سَألَ المُواقِعَ عن ما يَقْدِرُ عليه حينَ أخْبَرَه بالعِتْقِ، ولم يَسْألْه عن ما كان يَقْدِرُ عليه حالَةَ المُواقَعَةِ، وهى حالَةُ الوُجُوبِ، ولأَنَّه وَجَد المُبْدَلَ قبلَ التَّلَبُّسِ بالبَدَلِ، فلَزِمَه، كما لو وَجَدَه حالَ الوُجُوبِ.
وإن شَرَع في الصومِ قبلَ القُدْرَةِ على الإِعْتاقِ، ثم قَدَر عليه، لم يَلْزَمْه الخُرُوجُ إليه، إلَّا أن يشاءَ أن يُعْتِقَ، فيُجْزِئُه، ويَكُونُ قد فَعَل الأوْلَى.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُه العِتْقُ؛ لأنَّه قَدَر على الأصْلِ قبلَ أدْاءِ فَرْضِه بالبَدَلِ، فبَطَلَ حُكْمُ البَدَلِ، كالمُتَيمِّمِ يَرَى الماءَ.
ولَنا، أنّه شَرَع في الكَفّارَةِ الواجِبَةِ عليه، فأجْزَأَتْه، كما لو اسْتَمَرَّ العَجْزُ، وفارَقَ العِتْقُ التَّيَمُّمَ، لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ التَّيَمُّمَ لا يَرْفَعُ الحَدَثَ وإنَّما يَسْتُرُه؛ فإذا وُجِد الماءُ ظَهَر حُكْمُه، بخِلافِ الصومِ؛ فإنَّه يَرْفَعُ حُكْمَ الجِماعِ بالكُلِّيَّةِ.
الثانِى، أنَّ الصيامَ تَطُولُ مُدَّتُه، فيَشُقُّ إلْزامُه الجَمْعَ بينَه وبينَ العِتْقِ، بخِلافِ الوُضُوءِ والتَّيَمُّمِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 470
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: (فإن لم يَسْتَطِعْ فإطعامُ سِتِّين مِسْكِينًا) قال شيخُنا 194 رَحِمَه الله: ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ، في دُخُولِ الإِطْعامِ في كَفّارَةِ الوَطْءِ في رمضانَ في الجُمْلَةِ، وهو مَذْكُورٌ في الخَبَرِ.
ولأَنَّه إطْعامٌ في كَفّارَةٍ فيها صومُ شَهْرَيْن مُتَتَابِعَيْن، فكان سِتِّين مِسْكِينًا، ككَفّارةِ الظِّهارِ.
وقَدْرُ المُطْعَمِ خَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا مِن البُرِّ، لكلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ؛ وهو رُبْعُ الصَّاعِ، أو ثلاثون صاعًا مِن التَّمْرِ أو الشَّعِيرِ، لكل مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ.
وقال أبو حنيفةَ: مِن البُرِّ لكلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ، ومن غيرِه صاعٌ لكلِّ مِسْكِينٍ؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَدِيثِ سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ: «فأطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ».
رَواه أبو داودَ 195. وقال أبو هُرَيْرَةَ: يُطْعِمُ مُدًّا مِن أىِّ الأنْواعِ شاء.
وبهذا قال عَطاءٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ في حَدِيثِ المُجامِعِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أُتِىَ بمِكْتَلٍ مِن تَمْرٍ، قَدْرُه خَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا، فقالَ: «خُذْ هذا، فَأطْعِمْهُ عَنْكَ».
رَواه أبو داودَ 196. ولَنا، ما روَى أحمدُ 197: حَدَّثنا إسْماعِيلُ، ثنا أيُّوبُ،
الجزء: 7 - الصفحة: 471
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَقَطَتْ عَنْهُ.
وَعَنْهُ، لَا تَسْقُطُ.
وَعَنْهُ، أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّخْيِيرِ، فَبِأَيِّهَا كَفَّرَ أَجْزَأَهُ.
عن أبى يَزِيدٍ (1) المَدَنِىِّ، قال: جاءَتِ امرأةٌ مِن بنى بَياضَةَ بنِصْفِ وَسْقِ شَعِيرٍ، فقالَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - للمُظاهِرِ (2): «أَطْعِمْ هذا، فَإنَّ مُدَّىْ شَعِيرٍ مَكَانَ مُدِّ بُرٍّ» (3). ولأنَّ فِدْيَةَ الأذَى نِصْفُ صاعٍ مِن التَّمْرِ والشَّعِيرِ بلا خِلافٍ، فكذا هذا.
والمُدُّ مِن البُرِّ يَقُومُ مَقامَ نِصْفِ صاعٍ مِن غيرِه، بدَلِيلِ هذا الحديثِ، ولأنَّه قولُ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وزيدٍ، ولا مُخالِفَ لهم في الصحابةِ.
وأمّا حديثُ سَلَمَةَ بنِ صَخرٍ، فقد اخْتُلِفَ فيه، وحديثُ أصحابِ الشافعىِّ يَجُوزُ أن يَكُونَ الذى أُتِىَ به النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - قاصِرًا عن الواجِبِ، فاجْتُزِئَ به لعَجْزِ المُكَفِّرِ عن ما سِواه.
1080 -
مسألة: (فإن لم يَجدْ سَقَطَت عنه. وعنه، لا تَسْقُطُ. وعنه، أنَّ الكَفّارَةَ على التَّخْيِيرِ، فبِأيِّها كَفَّرَ أجْزَأَه)
ظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ المُجامِعَ في رمضانَ إذا عَجَز عن العِتْقِ والصِّيامِ والإِطْعامِ، أنَّ الكَفّارَةَ198199200
الحديث: 1080 - الجزء: 7 - الصفحة: 472
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَسْقُطُ عنه.
وهذا قولُ الأوْزاعِىِّ.
وقال الزُّهْرِىُّ: لا بُدَّ مِن التَّكْفِيرِ، بدَلِيلِ أنَّ الأعْرابِىَّ أَخْبَرَ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - بإعْسارِهِ قبلَ أن يَدْفَعَ إليه العَرَقَ، ولم يُسْقِطْها عنه، ولأنَّها كَفّارَةٌ واجِبَةٌ فلم تَسْقُطْ بالعَجْزِ عنها، كسائِرِ الكَفّاراتِ.
وهذه الرِّوايَةُ الثانيةُ عن أحمدَ.
وهو قِياسُ قول أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، وأبى ثَوْرٍ.
وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا، أنًّ الأعْرابِىَّ لَمّا دَفَع إليه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - التَّمْرَ، فأخْبَرَهْ بحاجَتِه، قال: «أطْعِمْهُ أَهْلَكَ» 201. ولم يَأْمُرْه بكَفّارَةٍ أُخْرَى.
قَوْلُهم: إنَّه أخْبَرَ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - بعَجْزِه فلم يُسْقِطْها.
قُلْنا: قد أسْقَطَها عنه بعدَ ذلك، وهذا آخِرُ الأمْرَيْن مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وأمّا القِياسُ على سائِرِ الكَفّاراتِ، فلا يَصِحُّ؛ لمُخالَفَتِه النَّصَّ.
والاعتبارُ بالعَجْزِ في حالَةِ الوُجُوبِ، وهو حالَةُ الوَطْءِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 473
بَابُ مَا يُكْرَهُ وَمَا يُسْتَحَبُّ، وَحُكْمُ الْقَضَاءِ
يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَجْمَعَ رِيقَهُ فَيَبْلَعَهُ، وَأنْ يَبْتَلِعَ النُّخَامَةَ.
وَهَلْ يُفْطِرُ بِهِمَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
بابُ ما يُكْرَهُ وما يُسْتَحَبُّ، وحُكْمُ القَضاءِ
1081 -
مسألة: (ويُكْرَهُ للصّائِمِ أن يَجْمَعَ رِيقَه فيَبْلَعَه، وأن يَبْتلعَ النُّخامَةَ. وهل يُفْطِرُ بهما؟ على وَجْهَيْن)
لا يُفَطِّرُ ابْتِلاعُ الرِّيقِ إذا لم يَجْمَعْه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ غُبارَ الطّرِيقِ.
ويُكْرَهُ للصّائِمِ جَمْعُ رِيقِه وابْتِلاعُه؛ لإِمْكانِ التَّحَرُّزِ منه.
فإن جَمَعَه ثم ابْتَلَعَه قَصْدًا، لم يُفَطِّرْه؛ لأنَّه يَصِلُ إلى جَوْفِه مِن مَعِدَتِه، أشْبَهَ إذا لم يَجْمَعْه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُفَطِّرُه؛ لأنَّه أمْكَنَه التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ ما لو قَصَد ابْتِلاعَ غُبارِ الطرَّيقِ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ الرِّيقَ لا يُفَطِّر إذا
الحديث: 1081 - الجزء: 7 - الصفحة: 475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يَجْمَعْه، وإن قَصَد ابْتِلاعَه، فكذلك إذا جَمَعَه، بخِلافِ غُبارِ الطَّريقِ.
فإن خَرَج ريقُه إلى ثَوْبِه، أو بينَ أَصابِعِه، أو بينَ شَفَتَيْه، ثم عاد فابْتَلَعَه، أو بَلَع رِيقَ غيرِه، أفْطَرَ؛ لأنَّه ابْتَلَعَه مِن غيرِ فَمِه، أشْبَهَ غيرَ الرِّيقِ.
فإن قِيلَ: فقد رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُقَبِّلُها وهو صائِمٌ, ويَمُصُّ لِسانَها.
رَواه أبو داودَ 202. قُلْنا: قد رُوِىَ عن أبى داودَ أنَّه قال: هذا إسْنادٌ ليس بصَحِيحٍ.
ويَجُوزُ أن يَكُونَ يُقَبِّلُ في الصوم، ويَمُصُّ لِسانَها في غيرِه.
ويَجُوزُ أن يَمُصَّه ثم لا يَبْتَلِعُه، ولأنَّه لم يَتَحَقَّقِ انْفِصالُ ما على لِسانِها مِن البَلَلِ إلى فَمِه، فأشْبَهَ ما لو تَرَك حَصاةً مَبْلُولَةً في فيه، أو لو تَمَضْمَضَ بماءٍ ثم مَجَّه.
ولو تَرَك في فَمِه حَصاةً أو دِرْهَمًا فأخْرَجَه وعليه بِلَّةٌ مِن الرِّيقِ، ثم أعادَه في فِيه، نَظَرْتَ؛ فإن كان ما عليه مِن الرِّيقِ كَثِيرًا فابْتَلَعَه، أفْطَرَ، وإن كان يَسِيرًا لم يُفْطِرْ بابْتِلاعِ رِيقِه.
وقال بعضُ أصحابِنا: يُفْطِرُ لابْتِلاعِه ذلك البَلَلَ الذى كان على الجِسْمِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولَنا، أنَّه لا يَتَحَقَّقُ انْفِصالُ ذلك البَلَلِ ودُخُولُه إلى حَلْقِه، كالمَضْمَضَةِ، والتَّسَوُّكِ بالسِّواكِ الرَّطْبِ والمَبْلُولِ.
ويُقَوِّى ذلك حديثُ عائشةَ في مَصِّ لِسانِها.
ولو أخْرَجَ لِسانَه وعليه بِلَّةٌ، ثم عاد فأدْخَلَه وابْتَلَعَ رِيقَه، لم يُفْطِرْ.
فصل: وإنِ ابْتَلَعَ النُّخامَةَ، فقد.
روَى حَنْبَلٌ، قال: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يَقُولُ: إذا تَنَخَّمَ ثم ازْدَرَدَه، فقد أفْطَرَ؛ لأنَّ النُّخامَةَ تَنْزِلُ مِن الرَّأْسِ، والرِّيقُ مِن الفَمِ.
ولو تَنَخَّعَ مِن جَوْفِه ثم ازْدَرَدَه، أفْطَرَ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منها، أشْبَهَ الدَّمَ، ولأنَّها مِن غيرِ الفَمِ، أشْبَهَ القَئَ.
وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، لا يُفْطِرُ.
فإنَّه قال، في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ:
الجزء: 7 - الصفحة: 477
وَيُكْرَهُ ذَوْقُ الطَّعَامِ، وَإنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِى حَلْقِهِ، أَفْطَرَ.
ليس عليك قَضاءٌ إذا ابْتَلَعْتَ النُّخاعَةَ وأنت صائمٌ.
لأنَّه مُعْتَادٌ في الفَمِ، أشْبَهَ الرِّيقَ.
فصل: فإن سال فَمُه دَمًا، أو خَرَج إليه قَلْسٌ (1) أو قَىْءٌ فازْدَرَدَه، أفْطَرَ وإن كان يَسِيرًا؛ لأنَّ الفَمَ في حُكْمِ الظّاهِرِ، والأصْلُ حُصُولُ الفِطْرِ بكلِّ واصِلٍ منه، لكنْ عُفِىَ عن الرِّيقِ، لعَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه، فيَبْقَى فيما عَداه على الأصْلِ.
وإن ألْقاه مِن فِيه، وبَقِىَ فَمُه نَجِسًا، أو تَنَجَّسَ فَمُه بشئٍ مِن خارِجٍ، فابْتَلَعَ رِيقَه، فإن كان معه جُزْءٌ مِن المُنَجَّسِ أفْطَرَ بذلك الجُزْءِ، وإلَّا فلا.
1082 -
مسألة: (ويُكْرَهُ ذَوْقُ الطَّعامِ، وإن وَجَد طَعْمَه في
203 الحديث: 1082 - الجزء: 7 - الصفحة: 478
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حَلْقِه، أفْطَرَ) قال أحمدُ: أحَبُّ إلىَّ أن يَجْتَنِبَ ذَوْقَ الطَّعامِ، فإن فَعَل لم يَضُرَّه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ مِن غيرِ حاجَةٍ؛ لأنَّه رُبَّما دَخَل حَلْقَه فأفْطَرَ، ولا بَأْسَ به مع الحاجَةِ؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: لا بَأْسَ أن يَذوقَ الطَّعامَ الخَلَّ، والشَّئَ يُرِيدُ شِراءَه 204. والحسنُ كان يَمْضَغُ الجَوْزَ لابنِ ابنِه وهو صائِمٌ 205. ورَخَّصَ فيه إبراهيمُ.
فإن فَعَل فوَجَدَ طَعْمَه في حَلْقِه أفْطَرَ، وإلَّا لم يُفْطِرْ.
فصل: ولا بَأْسَ بالسِّواكِ للصَّائِمِ قبلَ الزَّوالِ.
قال أحمدُ: لا بَأْسَ به؛ لِما روَى عامِرُ بنُ رَبِيعةَ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ما لا أُحْصِى، يَتَسَوَّكُ وهو صائِمٌ 206. حديث حسنٌ.
ولكنَّه يَكُونُ عُودًا ذاوِيًا.
وهل يُكْرَهُ السِّواكُ للصّائِمِ بعدَ الزّوالِ؟ على رِوايَتَيْن، ذَكَرْناهما في بابِ الوُضُوءِ 207. ويُكْرَهُ للصائِمِ السِّواكُ بالعُودِ الرَّطْبِ في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
الجزء: 7 - الصفحة: 479
وَيُكْرَهُ مَضْغُ الْعِلْكِ.
الَّذِى لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أجْزَاءٌ، وَلَا يَجُوزُ مَضْغُ مَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أجْزَاءٌ، إِلَّا أنْ لَا يَبْلَعَ رِيقَهُ، وَمَتَى وَجَدَ طَعْمَهُ فِى حَلْقِهِ، أَفْطَرَ.
وهو قولُ قَتادَةَ، والشَّعْبِىِّ، وإسحاقَ، ومالكٍ في رِوايَةٍ؛ لأنَّه مُغَرِّرٌ بصوْمِه؛ لكَوْنِه رُبَّما يَتحَلَّلُ منه أجْزَاءٌ تَصِلُ إلى حَلْقِه، فيُفَطِّرُه.
وعنه، لا يُكْرَهُ.
وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ؛ لأنَّه يُرْوَى عن علىٍّ، وابنِ عُمَر، وعُرْوَةَ، ومُجاهِدٍ، ولِما رَوَيْنا مِن الحديثِ واللهُ أعْلَمُ.
1083 -
مسألة: (ويُكْرَهُ مَضْغُ العِلْكِ الذى لا يَتَحَلَّلُ منه أجْزاءٌ، ولا يَجُوزُ مَضْغُ ما يَتَحَلَّلُ منه أجْزاءٌ إلَّا أن لا يَبْلَعَ رِيقَه، وإن وَجَدَ طَعْمَه في حَلْقِه، أفْطَرَ)
المَنْقُولُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، كَراهَةُ مَضْغِ العِلْكِ.
قال إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لأحمدَ: الصّائِمُ يَمْضَغُ العِلْكَ؟ قال: لا.
الحديث: 1083 - الجزء: 7 - الصفحة: 480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال أصحابُنا: العِلْكُ ضَرْبان؛ أحَدُهما، ما يَتَحَلَّلُ منه أجْزاءٌ وهو الرَّدِئُ الذى يَتَحَلَّلُ بالمَضْغِ، فلا يَجْوزُ مَضْغُه، إلَّا أن لا يَبْلَعَ رِيقَه، فإن فَعَل فنَزَلَ إلى حَلْقِه منه شئٌ، أفْطَرَ به، كما لو تَعَمَّدَ أَكْلَه.
والثانِى، القَوِىُّ الذى يَصْلُبُ بالمَضْغِ، فهذا يُكْرَهُ مَضْغه ولا يَحْرُمُ.
ومِمَّن كَرِهَه الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، ومحمدُ بنُ علىٍّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأىِ؛ وذلك لأنَّه يَحْلُبُ الفَمَ، ويَجْمَعُ الرِّيقَ، ويُورِث العَطَشَ.
ورَخَّصَتْ عائشةُ في مَضْغِه.
وبه قال عَطاءٌ؛ لأنَّه لا يَصِلُ إلى الجَوْفِ منه شئٌ، فهو كوَضْعِ الحَصاةِ في فِيه.
ومتى مَضَغَه ولم يَجِدْ طَعْمَه في حَلْقِه، لم يُفْطِرْ.
وإن وَجَد طَعْمَه في حَلْقِه ففيه وَجْهان؛ أحَدُهُما، يُفَطِّره، كالكُحْلِ إذا وَجَد طَعْمَه في حَلْقِه.
والثانى، لا يُفَطِّرُه؛ لأنَّه لا يُتْرَكُ منه شئٌ، ومجَرَّدُ الطَّعْمِ لا يُفَطِّرُ؛ بدَلِيلِ أنَّه قد قِيلَ: إنَّ مَن لَطَخ باطِنَ قَدَمِه بالحَنْظَلِ وَجَد طَعْمَه، ولا يُفْطِرُ.
بخِلافِ الكُحْلِ، فإنَّ أَجْزاءَه
الجزء: 7 - الصفحة: 481
وَتُكْرَهُ الْقُبْلَةُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
تَصِلُ إلى الحَلْقِ، ويُشَاهَدُ إذا تَنَخَّعَ.
قال أحمدُ: مَن وَضَعَ في فِيه دِرْهَمًا أو دِينارًا وهو صائِمٌ، فلا بَأْسَ به، ما لم يَجِدْ طَعْمَه في حَلْقِه، وما يَجِدُ طَعْمَه فلا يُعْجِبُنِى.
وقال عبدُ اللهِ: سَألْتُ أبى عن الصّائِمِ يَفْتِلُ الخُيُوطَ، قال: يُعْجِبُنِى أن يَبْزُقَ.
1084 -
مسألة: (وتُكْرَهُ القُبْلَةُ، إلَّا أن يَكُونَ ممَّن لا تُحَرِّكُ شَهْوَتَه، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن)
وجُمْلَتُه أنَّ المُقَبِّلَ لا يَخْلُو مِن ثَلاثَةِ أقْسَامٍ؛ أحَدُها، أن يَكُونَ ذا شَهْوَةٍ مُفْرِطَةٍ، يَغْلِبُ على ظَنِّه أنَّه إذا قَبَّلَ أنْزَلَ أو مَذَى، فهذا تَحْرُمُ عليه القُبْلَةُ؛ لأنَّها مُفْسِدَةٌ لصَوْمِه، أشْبَهَتِ الأكْلَ.
الثانِى، أن يَكُونَ ذا شَهْوَةٍ، لكنَّه لا يَغْلِبُ على ظَنِّه ذلك، فيُكْرَهُ له التَّقْبِيلُ, لأنَّه يُعَرِّضُ صَوْمَه للفِطْرِ، ولا يَأْمَنُ عليه الفَسادَ؛ لِما رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في المَنامِ،
الحديث: 1084 - الجزء: 7 - الصفحة: 482
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأعْرَضَ عَنِّى، فقُلْتُ له: [ما لى] 208؟ فقال: «إنَّكَ تُقَبِّلُ وَأنْتَ صَائِمٌ» 209. ولأنَّ العِبادَةَ إذا مَنَعَتِ الوَطْءَ مَنَعَت دَواعِيَه، كالإِحْرامِ.
ولا تَحْرُمُ القُبْلَةُ في هذه الحال؛ لِما رُوِىَ أنَّ رجلاً قَبَّلَ وهو صائِمٌ، فأرْسَلَ امْرَأتَه، فسَألَتِ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، فأخْبَرَها النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه يُقَبِّلُ وهو صائِمٌ، فقالَ الرجلُ: إنَّ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ليس مِثْلَنا، قد غَفَر اللهُ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه وما تَأخَّرَ.
فغَضِبَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقال: «إنِّى لَأخْشَاكُمْ لِلّهِ، وَأعْلَمُكُمْ بِمَا أتَّقِى».
رَواه مسلمٌ بمَعْناه 210. ورُوِىَ عن عُمَرَ، أنَّه قال: هَشَشْتُ فقَبَّلْتُ وأنا صائِمٌ، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ صَنَعْتُ
الجزء: 7 - الصفحة: 483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اليَوْمَ أمْرًا عَظِيمًا، قَبَّلْتُ وأنا صائِمٌ.
قال: «أرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ مِنْ إنَاءٍ وَأنْتَ صَائِمٌ؟» قُلْتُ: لا بَأْسَ به.
قال: «فَمَهْ».
رَواه أبو داودَ 211. ولأنَّ إفْضَاءَه إلى إفْسادِ الصومِ مَشْكُوكٌ فيه، ولا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بالشَّكِّ.
الثالثُ، أن يَكُونَ مِمَّن لا تُحَرِّكُ القُبْلَةُ شَهْوَتَه، كالشَّيْخِ الكَبِيرِ، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، لا تُكْرَهُ له.
وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُقَبِّلُ وهو صائِمٌ، لَمّا كان مالِكًا لإِرْبِهِ، وغيرُ ذِى الشَّهْوَةِ في مَعْناه.
وقد روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رجلاً سَألَ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - عن المُباشَرَةِ للصائِمِ، فرَخَّصَ له، فأتاه آخَرُ فسَألَه 212، فنَهاه، فإذا الذى رَخَّصَ له شيخٌ، والذى نَهاه شابٌّ.
أخْرَجَه أبو داودَ 213. ولأنَّها مُباشَرَةٌ لغيرِ شَهْوَةٍ، أشْبَهَتْ لَمْسَ اليَدِ لحاجَةٍ.
الجزء: 7 - الصفحة: 484
وَيَجِبُ عَلَيْهِ اجْتِنَابُ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالشَّتْمِ, فَإِنْ شُتِمَ اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ: إِنِّى صَائِمٌ.
والثانيةُ، يُكْرَهُ؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ حُدُوثَ الشَّهْوَةِ، ولأنَّ الصومَ عِبادَةٌ تَمْنَعُ الوَطْءَ، فاسْتَوَى في القُبْلَةِ فيها مَن تُحَرِّكُ شَهْوَتَه ومَن لا تُحَرِّكُ، كالإِحرامِ.
فأمّا اللَّمْسُ لغيرِ شَهْوَةٍ، كلَمْسِ اليَدِ ليَعْرِفَ مَرَضَها، ونحوِه، فليس بمكْرُوهٍ بحالٍ؛ لأنَّ ذلك لا يُكْرَهُ في الإِحْرامِ، أشْبَهَ لَمْسَ ثَوْبِها.
1085 -
مسألة: (ويَجِبُ عليه اجْتِنابُ الكَذِبِ والغِيبَةِ
الحديث: 1085 - الجزء: 7 - الصفحة: 485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشَّتْمِ، فإن شُتِمَ اسْتُحِبَّ أن يَقُولَ: إنِّى صائِمٌ) يَجِبُ على الصّائِمِ أن يُنَزِّهَ صَوْمَه عن هذه الأشْياءِ.
قال أحمدُ: يَنْبَغِى للصّائِمِ أن يَتَعاهَدَ صَوْمَه مِن لِسانِه، ولا يُمارِىَ، ويَصُونَ صومَه، كانُوا إذا صامُوا قَعَدُوا في المَساجِدِ، فقالُوا: نَحْفَظُ صَوْمَنا, ولا نَغْتابُ أحَدًا.
ولا يَعْمَلَ عَمَلًا يَجْرَحُ به صَوْمَه.
وقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، والعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلّهِ حِاجَةٌ فِى أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».
وقال أبو هُرَيْرَةَ: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إلَّا الصِّيامَ، فَإنَّهُ لِى وَأنَا أجْزِى بِهِ، الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَصْخَبْ، فَإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّى امْرُؤٌ صَائِمٌ.
وَالّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه لخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، للِصَّائِمِ فَرْحَتانِ يَفْرَحُهُمَا؛ إذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإذَا لَقِىَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ».
مُتَّفَقٌ عليهما 214.
الجزء: 7 - الصفحة: 486
فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ وَتَأْخِيرُ السَّحُورِ، وَأَنْ يُفْطِرَ عَلَى التَّمْرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى الْمَاءِ، وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ فِطْرِهِ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ [58 ظ] أَفْطَرْتُ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّى، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
1086
- مسألة: (و يُسْتَحَبُّ تعجِيلُ الإِفْطارِ وتأخيرُ السَّحورِ، وأن يُفْطِرَ على التَّمْرِ، فإن لم يَجِدْ فعلى الماءِ، وأنَّ يَقُولَ عندَ فِطْرِه: اللَّهُمَّ لك صُمْتُ، وعلى رِزْقِكَ أفْطَرْتُ، سبحانك وبحَمْدِك، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّى، إنَّك أنت السَّمِيعُ العَلِيمُ) يُسْتَحَبُّ تَعجيلُ الإِفْطارِ.
وهو قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ لِما روَى سَهْلُ بنُ سَعْدٍ السّاعِدِىُّ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال:
الحديث: 1086 - الجزء: 7 - الصفحة: 487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ».
مُتَّفَقٌ عليه 215. وعن أبى عَطِيَّةَ، قال: دَخَلْتُ أنا ومَسْرُوقٌ على عائشةَ، فقالَ مَسْرُوقٌ: رَجُلان مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أحَدُهما يُعَجِّلُ الإِفْطارَ ويُعَجِّلُ المَغْرِبَ، والآخَرُ يُؤَخِّرُ الإِفْطارَ ويُؤَخِّرُ المَغْرِبَ.
قالت: مَن الذى يُعَجِّلُ الإِفْطارَ ويُعَجِّلُ المَغْرِبَ.
قال: عبدُ اللهِ 216. قالت: هكذا كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. رَواه مسلمٌ 217. وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يَقولُ اللهُ تَعَالَى: أحَبُّ عِبَادِى إلَىَّ أسْرَعُهُمْ فِطْرًا».
قال
الجزء: 7 - الصفحة: 488
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التِّرْمِذِىُّ (1): هذا حديثٌ حسنٌ.
ويُسْتَحَبُّ أن يُفْطِرَ قبلَ الصلاةِ؛ لِما روَى أنَسٌ، قال: ما رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّى حتى يُفْطِرَ، ولو على شَرْبَةٍ مِن ماءٍ.
رَواه ابنُ عبدِ البَرِّ (2).
1087 -
مسألة: (و)
يُسْتَحَبُّ (تَأْخِيرُ السَّحُورِ) الكَلامُ في السَّحُورِ في أُمُورٍ ثَلاثَةٍ؛ أحَدُها، في اسْتِحْبابِه، ولا نَعْلَمُ بينَ العُلماءِ خِلافًا في اسْتِحْبابِه؛ لِما روَى أنَسٌ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «تَسَحَّرُوا؛ فَإنَّ فِى السَّحُورِ بَرَكَةً».
مُتَّفَقٌ عليه 220. وعن عَمْرِو بنِ العاصِ، قال: قال218219
الحديث: 1087 - الجزء: 7 - الصفحة: 489
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَصْلُ 221 مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أهْلِ الْكِتَابِ أكْلَةُ السَّحَرِ».
رَواه مسلمٌ 222. وعن أبى سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «السَّحُورُ بَرَكَةٌ، فَلَا تَدَعُوهُ، وَلَوْ أنْ يَجْرَعَ أحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإنَّ اللهَ وَمَلَاِئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى المُتَسَحِّرِينَ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ 223. الثانِى، في وَقْتِه.
قال أحمدُ: يُعْجِبُنِى تَأْخِيرُ السَّحُورِ؛ لِما روَى زيدُ بنُ ثابتٍ، قال: تَسَحَّرْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ثم قُمْنا إلى الصلاةِ.
قُلْتُ: كم كان قَدْرُ ذلك؟ قال: خَمْسِينَ آيةً.
مُتَّفَقٌ عليه 224.
الجزء: 7 - الصفحة: 490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وروَى العِرْباضُ بنُ سارِيَةَ، قال: دعانِى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى السَّحُورِ، فقالَ: «هَلُمَّ إلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ».
رَواه أبو داودَ 225. سَمّاه غَداءً لقُرْبِ وَقْتِه منه.
ولأنَّ المَقْصُودَ بالسَّحُورِ التَّقَوِّى على الصومِ، وما كان أقْرَبَ إلى الفَجْرِ كان أعْوَنَ على الصومِ.
قال أبو داودَ، قال أبو عبدِ اللهِ: إذا شَكَّ في الفَجْرِ يَأْكُلُ حتى يَسْتَيْقِنَ طُلُوعَه.
وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، والأوْزاعِىِّ.
قال أحمدُ: يَقُولُ اللهُ تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ 226. وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَمْنَعْكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أذَانُ بلَالٍ، ولا الفَجْرُ المُسْتَطِيلُ، ولَكِنِ الفَجْرُ 227 المُسْتَطِيرُ في الأُفُقِ» 228. حديثٌ حسنٌ.
= 2/ 6. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 182، 185، 186، 188.
الجزء: 7 - الصفحة: 491
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وروَى أبو قِلابَةَ قال: قال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِىَ اللهُ عنه، وهو يَتَسَحَّرُ: يا غُلامُ، أَجِفْ 229، لا يَفْجَأْنا الصُّبْحُ.
وقال رجلٌ لابنِ عباسٍ: إنِّى أتَسَحَّرُ؛ فإذا شَكَكْتُ أمْسَكْتُ.
فقالَ ابنُ عباسٍ: كُلْ ما شَكَكْتَ حتى لا تَشُكَّ 230. فأمّا الجِماعُ فلا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُه؛ لأَنَّه ليس مِمّا يُتَقَوَّى به، وفيه خَطَرُ وُجُوبِ الكَفّارَةِ، والفِطْرِ به.
الثالثُ، فيما يُتَسَحَّرُ به.
كلُّ ما حَصَل مِن أكْلٍ أو شُرْبٍ، حَصَل به فَضِيلَةُ السَّحُورِ؛ لقولِه عليه السَّلامُ: «وَلَوْ أنْ يَجْرَعَ أحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ».
وروَى أبو داود 231 عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ».
الجزء: 7 - الصفحة: 492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فيما يُسْتَحَبُّ أن يُفْطِرَ عليه.
يُسْتَحَبُّ أن يُفْطِرَ على رُطَباتٍ، فإن لم يَكُنْ فعلى تَمَراتٍ، فإن لم يَكُنْ فعلى الماءِ؛ لِما روَى أنَسٌ، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُفْطِرُ على رُطَباتٍ قبلَ أن يُصَلِّىَ، فإن لم يَكُنْ فعلى تَمَراتٍ، فإن لم يَكُنْ تَمَراتٌ حَسَا حَسَواتٍ 232 مِن ماءٍ.
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 233، وقال: حسنٌ غريبٌ.
وعن سَلْمانَ 234 بنِ عامِرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أفْطَرَ أحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ 235، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى الْمَاءِ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ».
أخْرَجَه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 236.
الجزء: 7 - الصفحة: 493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: روَى ابنُ عباسٍ، قال: كان النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا أفْطَرَ قال: «اللَّهُمَّ لَكَ صُمْنَا، وَعَلَى رِزْقِكَ أفْطَرْنَا، فَتَقَبَّلْ مِنَّا، إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ».
وعن ابنِ عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا أفْطَرَ قال: «ذهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَوَجَبَ الْأجْرُ إنْ شَاءَ اللهُ».
وإسْنادُه حسنٌ.
ذَكَرَهما الدّارَقُطْنِىُّ 237.
فصل: ويُسْتَحَبُّ تَفْطِيرُ الصائِمِ؛ لِما روَى زيدُ بنُ خالِدٍ الجُهَنِىُّ، = كما أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء على ما يستحب الفطر، من كتاب الصيام.
سنن ابن ماجه 1/ 542. والدارمى، في: باب ما يستحب الإفطار عليه، من كتاب الصوم.
سنن الدارمى 2/ 7. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 17 - 19، 213، 214.
الجزء: 7 - الصفحة: 494
وَيُسْتَحَبُّ التَّتَابُعُ فِى قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَلَا يَجِبُ.
عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا، [كَانَ لَهُ] (1) مِثْلُ أجْرِه، مِنْ غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أجْرِ الصَّائِمِ شىْءٌ».
قال التِّرْمِذِىُّ (2): حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1088 -
مسألة: (يُسْتَحَبُّ التَّتابُعُ في قَضاءِ رمضانَ، ولا يَجبُ)
لا نَعْلَمُ خِلافًا في اسْتِحْبابِ التَّتابُع في قَضاءِ رمضانَ, لأنَّه أشْبَهُ بالَأداءِ، وفيه خُرُوجٌ مِن الخِلافِ، ولا يَجِبُ.
هذا قولُ ابنِ عباسٍ، وأنَسِ ابنِ مالكٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وأبى قِلابَةَ، ومُجاهِدٍ، وأهلِ المدينةِ،238239
الحديث: 1088 - الجزء: 7 - الصفحة: 495
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومالكٍ، وأبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وغيرِهم 240. وحُكِىَ وُجُوبُ التَّتابُعِ عن علىٍّ، وابنِ عُمَرَ، والنَّخَعِىِّ، والشَّعْبِىِّ.
وقال داودُ: يَجِبُ، ولا يُشْتَرَطُ؛ لِما روَى ابنُ المُنْذِرِ بإسْنادِه، عن أبى هُرَيْرَةَ، أَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ رَمَضَانَ، فَلْيَسْرُدْهُ، وَلَا يَقْطَعْهُ» 241. ولَنا، قَوْلُه 242 تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 243. غيرُ مُقَيَّدٍ بالتَّتابُعِ.
فإن قِيلَ: فقد رُوِىَ عن عائشةَ، أنَّها قالت: نَزَلَتْ: (فَعِدَّةٌ منْ أيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ).
فسَقَطَت «مُتَتَابِعاتٍ» 244. قُلْنا: هذا لم تَثْبُتْ عندَنا صِحَّتُه، ولو صَحَّ فقد سَقَطَتِ اللَّفْظَةُ المُحْتَجُّ بها.
وأيضًا قولُ الصحابةِ، قال ابنُ عُمَرَ: إن سافَرَ؛ إن شاء فَرَّقَ، وإن شاء تابَعَ.
ورُوِىَ مَرْفُوعًا 245. وقال أبو عُبَيْدَةَ 246، في
الجزء: 7 - الصفحة: 496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَضاءِ رمضانَ: اللهُ لم يُرَخِّصْ لكم في فِطْرِه، وهو يُرِيدُ أن يَشُقَّ عليكم في قَضائِه 247. وعن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ، أنَّه قال: بَلَغَنِى أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن تَقْطِيعِ قَضاءِ رمضانَ، فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ كَانَ عَلَى أحَدِكُمْ دَيْنٌ فقَضَاهُ مِنَ الدِّرْهَمِ و 248 الدِّرْهَمَيْن، حَتَّى يَقْضِىَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، هَلْ كَانَ ذَلِكَ قَاضِيًا دَيْنَهُ؟» قالُوا: نعم يا رسولَ اللهِ.
قال: «فاللهُ أحَقُّ بِالْعَفْوِ وَالتَّجَاوُزِ مِنْكُمْ».
رَواه الأثْرَمُ 249. ولأنَّه صومٌ لا يَتَعَلَّقُ بزَمانٍ بعَيْنِه، فلم يَجِبْ فيه التَّتابُعُ، كالنَّذْرِ المُطْلَقِ، وخَبَرُهم لم تَثْبُتْ صِحَّتُه، ولم يَذْكُرْه أَصحابُ السُّنَنِ، ولو صَحَّ حَمَلْناه على الاسْتِحْبابِ؛ جَمْعًا بَيْنَه وبينَ ما ذَكَرْناه.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 7 - الصفحة: 497
فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ قَضَاءِ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ آخَرَ مِنْ غَيرِ عُذْرٍ.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (ولا يَجُوزُ تَأْخِيرُ قَضاءِ رمضانَ إلى رمضانَ آخَرَ مِن غيرِ عُذْرٍ) وجُمْلَتُه أنَّ مَن عليه صومٌ مِن رمضانَ، فله تَأْخِيرُه ما لم يَدْخُلْ رمضانُ آخَرُ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان يكونُ علىَّ الصيامُ مِن شهرِ رمضانَ، فما أقْضِيه حتى يَجِئَ شعبانُ.
مُتَّفَقٌ عليه 250. ولا يجوزُ تَأْخِيرُه إلى رمضانَ آخَرَ مِن غيرِ عُذْرٍ؛ لأنَّ عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها،
الجزء: 7 - الصفحة: 498
فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِطْعَامُ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ.
لم تُؤَخِّرْه إلى ذلك، ولو أمْكَنَها لأَخَّرَتْه، ولأنَّ الصومَ عِبادَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ، فلم يَجُزْ [تَأْخِيرُ الأُولَى] (1) عن الثانيةِ، كالصَّلواتِ (2) المَفْرُوضَةِ.
1089 -
مسألة: (فإن فَعَل، فعليه القضاءُ، وإطْعامُ مِسْكِينٍ لكلِّ يَوْمٍ)
إذا أخَّرَ قَضاءَ رمضانَ حتى أدْرَكَه رمضانُ آخَرُ لعُذْرٍ، فليس عليه إلَّا القَضاءُ؛ لعُمومِ الآيَةِ.
وإن كان لغيرِ عُذْرٍ، فعليه مع القَضاءِ إطعامُ مِسْكِينٍ لكلِّ يَوْمٍ.
يُرْوَى ذلك عن ابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، وأبى هُرَيْرَةَ، ومجاهِدٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ.
وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ.
وقال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّه صومٌ واحبٌ، فلم يَجِبْ عليه في تَأْخِيرِه كَفّارَةٌ، كالأداءِ والنَّذْرِ.
ولنا، أنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابةِ، ولم يُرْوَ عن غيرِهم خلافُهم.
ورُوِىَ مُسْنَدًا مِن طريقٍ ضَعِيفٍ 253، ولأنَّ تَأْخِيرَ صومِ رمضانَ عن وَقْتِه إذا لم يُوجِبِ القَضاءَ أوْجَبَ الفِدْيَةَ، كالشَّيْخِ الكَبِيرِ.
فصل: فإن أخَّرَه لعُذْرٍ حتى أدْرَكَه رَمضانان أو أكْثَرُ، لم يَكُنْ عليه251252
الحديث: 1089 - الجزء: 7 - الصفحة: 499
وَإِنْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ.
أكثرُ مِن فِدْيَةٍ مع القَضاءِ؛ لأنَّ كَثْرَةَ التَّأْخِيرِ لا يَزْدادُ بها الواجِبُ، كما لو أخَّرَ الحَجَّ الواجِبَ سِنِينَ، لم يَكُنْ عليه أكثرُ مِن فِعْلِه.
1090 -
مسألة: (وإن أخَّرَه لعُذْرٍ فلا شئَ عليه، وإن مات)
مَن مات وعليه صِيامٌ مِن رمضانَ قبلَ إمْكانِ الصِّيامِ، إمّا لضِيقِ الوَقْتِ، أو لعُذْرٍ مِن مَرَضٍ، أو سَفَرٍ، أو عَجْزٍ عن الصومِ، فلا شئَ عليه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن طاوُسٍ، وقَتادَةَ أَنَّهما قالا: يَجِبُ الإِطْعامُ عنه؛ لأنَّه صومٌ واجِبٌ سَقَط بالعَجْزِ عنه، فوَجَبَ الإِطْعامُ عنه، كالشَّيْخِ الهِمِّ 254 إذا تركَ الصيامَ لعَجْزِه عنه.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ للهِ تعالى وَجَب بالشَّرْعِ، مات مَن يَجِبُ عليه قبلَ إمْكانِ فِعْلِه، فسَقَطَ إلى غيرِ بَدَلٍ، كالحَجِّ، ويُفارِقُ الشَّيْخَ الهِمَّ (1)؛ فإنَّهُ يَجُوزُ ابْتِداءُ الوُجُوبِ عليه، بخِلافِ المَيِّتِ.
الحديث: 1090 - الجزء: 7 - الصفحة: 500
وَإِنْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَمَاتَ قَبْلَ رَمَضَانَ آخَرَ، أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمِ مِسْكِينٌ.
وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، فَهَلْ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ أَوِ اثْنَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
1091 - مسألة: (وإن أخَّرَه لغيرِ عُذْرٍ، فمات قبلَ أن أدْرَكَه رمضانُ آخَرُ، أُطْعِمَ عنه لكلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ.
ومَن مات بعدَ أن أدْرَكَه رمضانُ آخَرُ، فهل يُطْعَمُ عنه لكلِّ يومٍ مِسْكينٌ أو اثْنان؟ على وَجْهَيْن)
إذا أخَّرَ قَضاءَ رمضانَ مع إمْكانِ القَضاءِ، فمات، أُطْعِمَ عنه لكلِّ يومٍ مسكينٌ.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
رُوِىَ ذلك عن عائشةَ، وابنِ عباسٍ.
وبه قال مالكٌ، واللَّيْثُ، والَأوْزاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وابنُ عُلَيَّةَ، وأبو عُبَيْدٍ، في الصَّحِيحِ عنهم.
وقال أبو ثَوْرٍ: يُصامُ عنه.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 255. وروَى ابنُ عباسٍ نحْوَه 256. ولَنا، ما روَى ابنُ ماجه، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:
الحديث: 1091 - الجزء: 7 - الصفحة: 501
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ» 257. رَواه التِّرْمِذِىُّ، وقال: الصَّحِيحُ عن ابنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ.
وعن عائشةَ أيضًا، قالت: يُطْعَمُ عنه في قَضاءِ رمضانَ، ولا يُصامُ 258. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه سُئِل عن رجلٍ مات وعليه نَذْرٌ يَصُومُ شَهْرًا، وعليه صومُ رمضانَ؟ قال: أمّا رمضانُ فيُطْعَمُ عنه، وأمّا النَّذْرُ فيُصامُ عنه 259. رَواه الأثْرَمُ في السُّنَنِ.
ولأنَّ الصومَ لا تَدْخُلُه النِّيابَةُ حالَ الحَياةِ، فكذلك بعدَ الوَفاةِ، كالصلاةِ.
فأمّا حَدِيثُهم فهو في النَّذْرِ؛ لأنَّه قد جاء مُصَرَّحًا به في بعضِ الألْفاظِ، كذلك رَواه البخارىُّ، عن ابنِ عباسٍ 260، قال:
الجزء: 7 - الصفحة: 502
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قالَتِ امرأةٌ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أُمِّى ماتَتْ وعليها صومُ نَذْرٍ، أفأقْضِيه عنها؟ قال: «أرَأيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أكَانَ يُؤَدِّى ذَلِكَ عَنْهَا؟» قالت: نعم.
قال: «فَصُومِى عَنْ أُمِّكِ».
وقالت عائشةُ، وابنُ عباسٍ كقَوْلِنا، وهما راوِيا حَدِيثِهم، فدَلَّ على ما ذَكَرْنا.
فصل: فإن مات المُفَرِّطُ بعدَ أن أدْرَكَه رمضانُ آخَرُ، لم يَجِبْ عليه أكْثَرُ مِن إطْعامِ مِسْكِينٍ لكلِّ يَوْمٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ، فيما رَواه عنه أبو داودَ، أنَّ رجلاً سَألَه عن امرأةٍ أفْطَرَتْ رمضانَ، ثم أدْرَكَها رمضانُ آخَرُ، ثم ماتَتْ؟ قال: يُطْعَمُ عنها.
قال له السّائِلُ: كم أُطْعِمُ؟ قال: كم أفْطَرَتْ؟ قال: ثَلاثِين يَوْمًا.
قال: اجْمَعْ ثلاثِين مِسْكِينًا، وأطْعِمْهم مَرَّةً واحِدَةً، وأشْبِعْهم.
قال: ما أطْعِمُهم؟ قال: خُبْزًا ولَحْمًا إن قَدَرْتَ مِن أوْسَطِ طَعامِكم.
وذلك لأنَّه بإخْراجِ كَفَّارَةٍ واحِدَةٍ، زال تَفْرِيطُه بالتَّأْخِيرِ، فصار كما لو مات مِن غيرِ تَفْرِيطٍ.
وقال أبو الخَطّابِ: يُطْعَمُ عنه لكلِّ يومٍ مِسْكِينان؛ لأنَّ المَوْتَ بعدَ التَّفْرِيطِ بدُونِ التَّأْخِيرِ عن رمَضانَ آخَرَ يُوجِبُ كَفّارَةً، والتَّأْخِيرُ بدُونِ المَوْتِ يُوجِبُ كَفّارَةً، فإذا اجْتَمَعَا وَجَب كَفَّارَتان، كما لو فَرَّطَ في يَوْمَيْن.
الجزء: 7 - الصفحة: 503
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في جَوازِ التَّطَوُّعِ بالصومِ مِمَّن عليه صومُ فَرْضٍ؛ فنَقَلَ عنه حَنْبَلٌ، أنَّه لا يَجُوزُ، بل يَبْدَأُ بالفَرْضِ حتى يَقْضِيَه؛ إن كان عليه نَذْرٌ صامَه، يَعْنِى بعد الفَرْضِ.
وروَى حَنْبَلٌ، [عن أحمدَ] 261، بإسْنادِه، عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ صَامَ تَطَوُّعًا، وعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَىْءٌ لَمْ يَقْضِهِ، فَإنَّهُ لَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ حَتَّى يَصُومَهُ».
ولأنَّه عِبادَةٌ يَدْخُلُ في جُبْرانِها المالُ، فلم يَصِحَّ التَّطَوُّعُ قبلَ أَداءِ فَرْضِها، كالحَجِّ.
ورُوِىَ عنه، أنَّه يَجُوزُ له التَّطَوُّعُ؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَتَعَلَّقُ بوَقْتٍ مُوَسَّعٍ، فجاز التَّطَوُّعُ في وَقْتِها قبلَ فِعْلِها، كالصلاةِ يُتَطَوَّعُ في وَقْتِها قبلَ فِعْلِها، وعليه يُخَرَّجُ الحَجُّ.
ولأنَّ التَّطَوُّعَ بالحَجِّ يَمْنَعُ فِعْلَ واجِبِه المُتَعَيَّنِ، فأشْبَهَ صومَ التَّطَوُّعِ في رمضانَ، على أنَّ لنا في الحَجِّ مَنْعًا.
والحَدِيثُ يَرْوِيه ابنُ لَهيعَةَ، وهو ضَعِيفٌ، وفى سِياقِه ما هو مَتْرُوكٌ، فإنَّه قال في آخِرِه: «وَمَنْ أدْرَكَهُ رَمَضَانُ، وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَىْءٌ، لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ».
ويُخَرَّجُ في التَّطَوُّعِ بالصلاةِ في حَقِّ مَن عليه القَضاءُ مثلُ ما ذَكَرْنا في الصومِ، بل عَدَمُ الصِّحَّةِ في الصلاةِ أوْلَى؛ لأنَّها تَجِبُ على الفَوْرِ، بخِلافِ الصومَ.
الجزء: 7 - الصفحة: 504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في كَراهِيَةِ القَضاءِ في عَشْرِ ذى الحِجَّةِ، فرُوِىَ أنَّه لا يُكْرَهُ.
وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والشافعىِّ، وإسحاقَ؛ لِما رُوِىَ عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه كان يَسْتَحِبُّ قَضاءَ رمضانَ في العَشْرِ، ولأنَّه أيَّامُ عِبادَةٍ، فلم يُكْرَهِ القَضاءُ فيه، كعَشْرِ المُحَرَّم.
والثانيةُ، يُكْرَهُ.
رُوِىَ ذلك عن الحَسَنِ، والزُّهْرِىِّ؛ لأنَّه يُرْوَى عَن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه كَرِهَه.
ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا مِنْ أيَامٍ العَمَلُ الصّالِحُ فِيهَا أحَبُّ إلَى اللهِ سُبْحَانَهُ مِنْ هَذِهِ الْأيَّامِ».
يَعْنِى أيّامَ العَشْرِ.
قالُوا: يا رسولَ اللهِ، ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللهِ؟ قال: «ولا الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ، إلَّا رَجُلاً خَرَجَ بِنَفْسِهِ ومَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَىْءٍ» 262. فاسْتُحِبَّ إخْلاؤُها للتَّطَوُّعِ لينالَ 263 فَضِيلَتَها، ويَجْعَلُ القَضاءَ في غيرِها.
وقالْ بعضُ أصحابِنا: هاتان الرِّوايَتان مَبْنِيَّتان على الرِّوايَتَيْن في إباحَةِ التَّطَوُّعِ قبلَ صومِ الفَرْضِ وتَحْرِيمِه، فمنَ أباحَه كَرِه القَضاءَ فيها؛ لتَوْفِيرِها على التَّطَوُّعِ لينالَ (2) فَضْلَه فيها مع فَضْلِ القَضاءِ،
الجزء: 7 - الصفحة: 505
وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ أوْ حَجٌّ أَوِ اعْتِكَافٌ مَنْذُورٌ، فَعَلَهُ عَنْهُ وَلِيُّهُ.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ مَنْذُورَةٌ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ومَن حَرَّمَه لم يَكْرَهْه، بل اسْتَحَبَّ فِعْلَه فيها, لِئَلَّا تَخْلُوَ مِنِ العِبادَةِ بالكُلِّيَّةِ.
قال شَيْخُنا (1): ويَقْوَى عندِى أنَّ هاتَيْن الرِّوايَتَيْن فرْعٌ على إباحَةِ التَّطَوُّعِ قبلَ القَضاءِ، أمّا على رِوايَةِ التَّحْرِيمِ، فيَكُونُ صَوْمُها تَطَوُّعًا قبلَ الفَرْضِ مُحَرَّمًا، وذلك أبْلَغُ مِن الكَراهَةِ.
واللهُ أعلمُ.
1092 -
مسألة: (ومَن مات وعليه صومٌ مَنْذُورٌ أو حَجٌّ أو اعْتِكافٌ، فَعَلَه عنه وَلِيُّه. وإن كانت صلاةً مَنْذُورَةً، فعلى رِوَايَتَيْن)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن مات وعليه صومُ نَذْرٍ، ففَعَلَه عنه وَلِيُّه، أجْزَأ عنه.264
الحديث: 1092 - الجزء: 7 - الصفحة: 506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، واللَّيْثِ، وأبى عُبَيْدٍ، وأبى ثَوْرٍ.
وقال مالكٌ، واللَّيْثُ، والأوْزاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ عُلَيَّةَ: يُطْعِمُ عنه؛ لِما ذَكَرْنا في صومِ رمضانَ.
ولَنا، الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ التى رَوَيْناها مِن قبلِ هذا، وسُنَّةُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أحَقُّ بالاتِّباعِ، وفيها غِنًى عن كلِّ قولٍ، والفَرْقُ بينَ النَّذْرِ وغيرِه أنَّ النِّيابَةَ تَدْخُلُ العِبادَةَ بحَسَبِ خِفَّتِها، والنَّذْرُ أخَفُّ حُكْمًا لكَوْنِه لم يَجِبْ بأصْلِ الشَّرْعِ، وإنَّما أَوْجَبَه الناذِرُ على نَفْسِه.
فصل: ولا يَجِبُ على الوَلِىِّ فِعْلُه؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - شَبَّهَه بالدَّيْنِ،
الجزء: 7 - الصفحة: 507
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولا يَجِبُ على الوَلِىِّ قَضاءُ دَيْنِ المَيِّتِ إذا لم يُخَلِّفْ تَرِكَةً، كذلك هذا، لكنْ يُسْتَحَبُّ له أن يَصُومَ عنه لتَفْرِيغِ ذِمَّتِه، وكذلك يُسْتَحَبُّ له قَضاءُ الدَّيْنِ عنه، ولا يَخْتَصُّ ذلك بالوَلِىِّ، بل كلُّ مَن قَضَى 265 عنه وصام عنه
الجزء: 7 - الصفحة: 508
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أجْزَأ؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ.
فأمّا الاعْتِكافُ فلا يَجِبُ إلَّا بالنَّذْرِ، فمَن مات وعليه اعْتِكافٌ واجِبٌ، فقَضاه وَلِيُّه، أجْزَأ، قِياسًا على الصومِ، ولأنَّ الكَفّارَةَ تَجِبُ بتَرْكِه في الجُمْلَةِ.
أشْبَهَ الصومَ.
وأمّا الحَجُّ فتَجُوزُ النِّيابَةُ فيه عندَ العَجزِ
الجزء: 7 - الصفحة: 509
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عنه، وأن يَفْعَلَه عنه غيرُه في حالِ الحَياةِ، فبعدَ المَوْتِ أوْلَى، ولا فَرْقَ في الحَجِّ بينَ النَّذْرِ وحَجَّةِ الإِسْلامِ؛ لحديثِ الخَثْعَمِيَّةِ 266 الذى يُذْكَرُ في الحَجِّ، إن شاء اللهُ تعالَى، وغيرِه مِن الأحادِيثِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وفى الصلاةِ المَنْذُورَةِ رِوايَتان؛ إحداهُما، حُكْمُها حُكْمُ الصومِ فيما ذَكَرْنا قِياسًا عليه.
والثّانِيَةُ، لا يُجْزئُ عنه فِعْلُ الوَلِىِّ؛ لأنَّها عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ لا يَدْخُلُ المالُ في جُبْرانِها بحالٍ، فلا يَصِحُّ قِياسُها على
الجزء: 7 - الصفحة: 511
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصومِ.
فعلى هذا يُكَفِّرُ عنه كَفّارَةَ يَمِينٍ، لتَرْكِه النَّذْرَ واللهُ تعالى أعلمُ.
وسوف نَذْكُرُه في النَّذْرِ بأبْسَطَ مِن هذا، إن شاء اللهُ تعالى.
الجزء: 7 - الصفحة: 512
بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ
وَأَفْضَلُهُ صِيَامُ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا.
بابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ
1093 -
مسألة: (وأفْضَلُه صِيامُ داودَ، عليه السَّلامُ، كان يَصُومُ يَوْمًا، ويُفْطِرُ يَوْمًا)
لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال له: «صُمْ يَوْمًا، وَأفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ».
فقُلْتُ: إنِّى أُطِيقُ أفْضَلَ مِن ذلك، فقالَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا أفْضَلَ مِنْ ذلِكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 267.
الحديث: 1093 - الجزء: 7 - الصفحة: 515
وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ أَيَّامِ الْبِيضِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَوْمُ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ.
1094 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ صِيامُ أيّامِ البِيضِ مِن كلِّ شَهْرٍ، وصومُ الاثْنَيْنِ والخَمِيسِ)
صِيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شَهْرٍ مُسْتَحَبٌّ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، بدَلِيلِ ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: أوْصَانِى خَلِيلِى بثَلاثٍ؛ صِيامِ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، ورَكْعَتَىِ الضُّحَى، وأن أُوتِرَ قبلَ أن أنامَ.
وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمْروٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال له: «صُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، فَإنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ».
مُتَّفَقٌ عليهما 268. ويُسْتَحَبُّ أنْ يَجْعَلَ هذه الثَّلاثَةَ أيّامَ [البِيضِ، وهى] 269 ثلاثَ عَشْرَةَ، وأرْبَعَ عَشْرَةَ، وخَمْسَ عَشْرَةَ؛ لِما روَى أبو ذَرٍّ، قال: قال
الحديث: 1094 - الجزء: 7 - الصفحة: 516
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةً، فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وأَربَعَ عَشْرَةَ، وخَمْسَ عَشْرَةَ» 270. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ.
وروَى النَّسائِىُّ 271، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لأعْرابِىٍّ: «كُلْ».
قال: إنِّى صائِمٌ.
قال: «صَوْمُ مَاذا؟».
قال: صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّام مِن الشَّهْرِ.
قال: «إنْ كُنْتَ صَائِمًا فعَلَيْكَ بِالغُرِّ الْبِيضِ، ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأرْبَعَ عَشْرَةَ، وخَمْسَ عَشْرَةَ».
وعن مِلْحانَ القَيْسِىِّ، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُنا أن نَصُومَ البِيضَ؛ ثلاثَ عَشْرَةَ، وأرْبَعَ عَشْرَةَ، وخمْسَ عَشْرَةَ، وقال: «هُوَ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ».
أخْرجه أبو داودَ 272. وسُمِّيَتْ أيّامَ البِيضِ لابْيِضاضِ لَيْلِها، والتَّقْدِيرُ: أيّامَ اللَّيالِى البِيضِ.
وذَكَر أبو الحسنِ التَّمِيمِىُّ أنَّ اللهَ سُبْحَانَه تاب على آدمَ فيها، وبَيَّضَ صحِيفَتَه.
ورَوى أسامَةُ ابنُ زَيْدٍ أنَّ نبىَّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يَصُومُ يومَ الاثْنَيْنِ والخَمِيسِ، فسُئِلَ عن
الجزء: 7 - الصفحة: 517
وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ، [59 و] وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ.
ذلك، فقالَ: «إنَّ أعْمَالَ النَّاسِ تُعْرَضُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ».
رَواه أبو داودَ (1)، وفى لَفْظٍ: «فَأُحِبُّ أنْ يُعْرَضَ عَمَلِى وَأَنَا صَائِمٌ».
1095 -
مسألة: (ومَن صام رمضانَ، وأتْبَعَه بسِتٍّ مِن شَوّالٍ، فكَأنَّما صام الدَّهْرَ)
صَوْمُ سِتَّةِ أَيّامٍ مِن شَوّالٍ مُسْتَحَبٌّ، عندَ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، رُوِىَ عن كَعْبِ الأحْبارِ 274، والشَّعْبِىِّ، ومَيْمُونِ بنِ مِهْران، والشافِعِىِّ.
وكَرِهَه مالكٌ، وقال: ما رَأَيْتُ أحَدًا مِن أَهْلِ الفِقْهِ يَصُومُها، ولم يَبْلُغْنى ذلك عن أحَدٍ مِن السَّلَفِ، وإنَّ أهْلَ العِلْمِ يَكْرَهُون ذلك، ويخافُون بِدْعَتَه، وأن يُلْحَقَ برمضانَ ما ليس منه.
ولَنا، ما روَى273
الحديث: 1095 - الجزء: 7 - الصفحة: 518
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبو أيُّوبَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ».
رواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 275، وقال: حديثٌ حسنٌ.
قال أحمدُ: هو مِن ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يَجْرِى مَجْرَى التَّقْدِيمِ لرمضانَ؛ لأنَّ يَوْمَ العِيدِ فاصِلٌ.
وروَى سعيدٌ بإسْنادِه عن ثَوْبانَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، شَهْرٌ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصَامَ سِتَّةَ أيَّامٍ بَعْدَ الفِطْرِ، وَذَلِكَ تَمَامُ سَنَةٍ» 276. يَعْنِي أنَّ الحَسَنَةَ بعَشْرِ أمْثالِها، فالشَّهْرُ بعَشَرَةٍ، والسِّتَّةُ بسِتِّينَ يَوْمًا.
فذلك سَنَةٌ كامِلَةٌ.
فإن قِيلَ: فالحَدِيثُ لا يَدُلُّ على فَضِيلَتِها؛ لأَنَّه شَبَّهَ صِيامَها بصِيامِ الدَّهْرِ، وهو مَكْرُوهٌ.
قُلْنا: إنَّما كُرِهَ صَوْمُ الدَّهْرِ؛ لِما فيه مِن الضَّعْفِ، والتَّشَبُّهِ بالتَّبَتُّلِ، لولا ذلك لكانَ فَضْلًا عَظِيمًا؛ لاسْتِغْراقِه الزَّمانَ بالعبادَةِ والطَّاعَةِ، والمرادُ بالخَبَرِ التَّشْبِيهُ
الجزء: 7 - الصفحة: 519
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
به في حُصولِ العِبادَةِ به على وَجْهٍ لا مَشَقَّةَ فيه، كما قال عليه السَّلامُ: «مَنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ كَانَ كَمَنْ صَامَ الدَّهْرَ» 277. مع أنَّ ذلك لا يُكْرَهُ، بل يُسْتَحَبُّ بغيرِ خِلافٍ.
وكذلك نَهَى عَبْدَ اللهِ بنَ عَمْروٍ عن قِراءَةِ القُرْآنِ في أقَلَّ مِن ثَلاثٍ.
وقال: «مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَكَأنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» 278. أرادَ التَّشْبِيهَ بثُلُثِ القُرْآنِ في الفَضْلِ، لا
الجزء: 7 - الصفحة: 520
وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ.
وَلَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ.
في كَراهَةِ الزِّيادَةِ عليه.
إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ كَوْنِها مُتَتابِعَةً أو مُتَفَرِّقَةً، في أَوَّلِ الشَّهْرِ أو في آخِرِه؛ لأنَّ الحَدِيثَ وَرَد مُطْلَقًا مِن غيرِ تَقْيِيدٍ، ولأنَّ فَضِيلَتَها لكَوْنِها تَصِيرُ مع الشَّهْرِ عُشْرَ السَّنَةِ، والحَسَنَةُ بعَشْرِ أَمْثالِها، فيكونُ كَأنَّه صام السَّنَةَ كُلَّها، فإِذا وُجِد ذلك في كُلِّ سَنَةٍ صار كصيامِ الدَّهْرِ كُلِّه.
وهذا المَعْنَى يَحْصُلُ مع التَّفْرِيقِ.
واللهُ أَعْلَمُ.
1096 -
مسألة: (وصِيامُ يَوْمِ عاشُوراءَ كَفّارَةُ سَنَةٍ، ويَوْمِ عَرَفَةَ كَفّارَةُ سَنَتَيْن. ولا يُسْتَحَبُّ لمَن كان بعَرَفَةَ)
صِيامُ هذَيْن اليَوْمَيْن مُسْتَحَبٌّ؛ لِما روَى أبو قَتادَةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال في صِيامِ عَرَفَةَ: «إنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِى بَعْدَهُ» 279.
الحديث: 1096 - الجزء: 7 - الصفحة: 521
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال في صِيامِ عاشُوراءَ: «إنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ».
أخْرَجَه مسلمٌ 280.
فصل: يَوْمُ عاشُوراءَ هو اليَوْمُ العاشِرُ مِن المُحَرَّمِ.
هذا قولُ سَعِيدِ ابنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: أمَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بصَوْمِ يومِ عاشُوراءَ، العاشِرِ مِن المُحَرَّمِ.
أخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ 281. وقال: حسنٌ صحيحٌ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أَنَّه قال: التّاسِعُ.
ورُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَصُومُ التّاسِعَ.
أخْرَجَه مسلمٌ بمَعْناه 282. وروَى عنه عَطاءٌ، أنَّه قال: صُومُوا التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ 283. فعلى هذا يُسْتَحَبُّ صومُ التَّاسِعِ والعاشِرِ، نَصَّ عليه أحمدُ، وهو قولُ إسحاقَ.
قال أحمدُ: فإنِ اشْتَبَهَ عليه أوَّلُ الشَّهْرِ صام ثَلاثَةَ أيَّامٍ.
وإنَّما يَفْعَلُ ذلك ليَحْصُلَ له التّاسِعُ والعاشِرُ يَقِينًا.
فصل: واخْتُلِفَ في صَوْمِ عاشُوراءَ، هل كان واجِبًا؟ فذَهَبَ القاضى إلى أنَّه لم يَكُنْ واجِبًا، وقال: هذا قِياسُ المَذْهَبِ، واسْتَدَلَّ بأمْرَيْن؛
الجزء: 7 - الصفحة: 522
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحَدُهما، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، أمَر مَن لم يَأْكُلْ بالصومِ.
والنِّيَّةُ في اللَّيْلِ شَرْطٌ في الواجِبِ.
والثانى، أنَّه لم يأْمُرْ مَن أكَل بالقَضاءِ، ويَشْهَدُ لهذا ما روَى مُعاوِيَةُ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «إنَّ هذَا يَوْمُ عاشُوراءَ، لم يَكْتُبِ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيامَهُ، فَمَنْ شاءَ فَلْيَصُمْ، ومَنْ شاءَ فلْيُفْطِرْ» 284. وهو حديثٌ صحَيحٌ.
ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه كان مَفْرُوضًا؛ لِما رَوَتْ عائِشَةُ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - صامَه، وأَمَر بصِيامِه، فلمّا افْتُرِضَ رمضانُ كان هو الفَرِيضَةَ، وتَرَك عاشُوراءَ، فمَن شاء صامَه، ومَن شاء تَرَكَه 285. حديثٌ صحيحٌ.
وحَدِيثُ مُعاوِيةَ مَحْمُولٌ على أنَّه أرادَ، ليس هو مكْتُوبًا عليكم الآنَ.
وأمَّا تَصْحِيحُه بنِيَّةٍ مِن النَّهارِ، وتَرْكُ الأمْرِ بقَضائِه، فيَحْتَمِلُ أن يَقُولَ: مَن لم يُدْرِكِ اليومَ بكَمالِه لم يَلْزَمْه قَضاؤُه.
كما قُلْنا في مَن أَسْلَمَ وبَلَغ في أثْناءِ يومٍ من رمضانَ.
على أنَّه قد روَى
الجزء: 7 - الصفحة: 523
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبو داودَ 286، أنَّ أَسْلَمَ 287 أتَتِ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: «صُمْتُمْ يَوْمَكُمْ هذَا؟»، قالُوا: لا.
قال: «فَأتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَاقْضُوهُ».
فصل: فأمَّا يَوْمُ عَرَفَةَ، فهو اليَوْمُ التّاسِعُ مِن ذى الحِجَّةِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
سُمِّىَ بذلك؛ لأنَّ الوُقُوفَ بعَرَفَةَ فيه.
وقيل: سُمِّىَ بذلك؛ لأنَّ إبراهيمَ عليه السَّلامُ أُرِىَ في المَنامِ لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ أَنَّه يُؤْمَرُ بذَبْحِ ابْنِه، فأصْبَحَ يَوْمَه يَتَرَوَّى، هل هذا مِن اللهِ أو حُلْمٌ.
فسُمِّىَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فلمّا كانتِ اللَّيْلَةُ الثانيةُ رَآه أيضًا، فأصْبَحَ فعَرَفَ أنَّه مِن اللهِ، فسُمِّىَ يومَ عَرَفَةَ.
وهو يومٌ شَرِيفٌ عَظِيمٌ، وفَضْلُه كَبِيرٌ.
فصل: ولا يُسْتَحَبُّ لمَن كان بعَرَفَةَ أن يَصُومَه؛ ليَتَقَوَّى على الدُّعاءِ عندَ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ، وكانت عائشةُ وابنُ الزُّبَيْرِ يَصُومانِه، وقال قَتادَةُ: لا بَأْسَ به إذا لم يَضْعُفْ عن الدُّعاءِ، وقال عَطاءٌ: أصُومُ في الشتاءِ، ولا أصُومُ في الصَّيْفِ؛ لأنَّ كَراهَةَ صومِه إنَّما هى مُعَلَّلَةٌ بالضَّعْفِ عن الدُّعاءِ، فإذا قَوِىَ عليه، أو كان في الشتاءِ لم يَضْعُفْ، فتَزُولُ الكَراهَةُ.
ولَنا، ما رُوِىَ عن أمِّ الفَضْلِ بنتِ الحارِثِ، أنَّ ناسًا تَمارَوْا بينَ يَدَيْها يومَ عَرَفَةَ في رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ بَعْضُهم: صائِمٌ.
وقال بَعْضُهم: ليس بصائِمٍ.
فأرْسَلَتْ إليه بقَدَحٍ مِن لَبَنٍ، وهو واقِفٌ على بَعِيرِه بعَرَفَاتٍ،
الجزء: 7 - الصفحة: 524
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فشَرِبَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -. مُتَّفَقٌ عليه 288. وقال ابنُ عُمَرَ: حَجَجْتُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فلم يَصُمْه - يَعْنى يومَ عَرَفَةَ - ومع أبي بكرٍ فلم يَصُمْه، ومع عُمَرَ فلم يَصُمْه، ومع عثمانَ فلم يَصُمْه، وأنا لا أصُومُه، ولا آمُرُ به، ولا أنْهَى عنه 289. قال التِّرْمِذِىُّ: حديثٌ حسنٌ.
وعن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن صِيامِ يَوْمِ عَرَفَةَ بعَرَفَةَ.
رَواه أبو داودَ 290. لأنَّ الصومَ يُضْعِفُه، ويَمْنَعُه مِن الدُّعاءِ في هذا اليومِ المُعَظَّمِ، الذي يُسْتَجابُ فيه الدُّعاءُ،
الجزء: 7 - الصفحة: 525
وَيُسْتَحَبُّ صَوْمُ عَشْرِ ذِى الْحِجَّةِ، في ذلك المَوْقِفِ الشَّرِيفِ، الذي يُقْصَدُ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، رَجاءَ فَضْلِ اللهِ فيه، وإجابَةِ دُعائِه، فكانَ تَرْكُه أفْضَلَ.
1097 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ صِيامُ عَشْرِ ذِى الحِجَّةِ)
أيّامُ عَشْرِ ذِى الحِجَّةِ كُلُّها شَرِيفَةٌ مُفَضَّلَةٌ، يُضاعَفُ العَمَلُ الصّالِحُ فيها، ويُسْتَحَبُّ صومُها، والاجْتِهادُ في العِبادَةِ فيها؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «ما مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فيهِنَّ أحَبُّ إلَى اللهِ مِن هذهِ الأيَّامِ».
يَعنِي أيّامَ العَشْرِ.
قالُوا: يا رسولَ اللهِ، ولا الجِهادُ في سبيلِ اللهِ؟ قال: «ولا الجهادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إلَّا رجلاً خَرَجَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَىْءٍ» 291. حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وعن أبي هُرَيْرَةَ
الحديث: 1097 - الجزء: 7 - الصفحة: 526
وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ.
عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «ما مِنْ أيَّامٍ أحَبُّ إلَى اللهِ بِأَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فيها مِنْ عَشْرِ ذِى الحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ القَدْرِ».
أخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ (1). وقال: غريبٌ.
وروَى أبو داودَ (2) عن بَعْضِ أزْواجِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، قالت: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَصُومُ تِسْعَ ذِى الحِجَّةِ، ويومَ عاشُوراءَ.
1098 -
مسألة: (وأفْضَلُ الصِّيامِ بعدَ شَهْرِ رمضانَ شهرُ اللهِ المُحَرَّمُ)
وذلك لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ».
رَواه أبو داودَ،292293
الحديث: 1098 - الجزء: 7 - الصفحة: 527
وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ، والتِّرْمِذِىُّ (1). وقال: حديثٌ حسنٌ.
1099 -
مسألة: (ويُكْرَهُ إفْرادُ رَجَبٍ بالصومِ)
قال أحمدُ: إن294
الحديث: 1099 - الجزء: 7 - الصفحة: 528
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صام رجلٌ أفْطَرَ فيه يَوْمًا أو أيّامًا، بقَدْرِ ما لا يَصُومُه كلَّه.
وذلك لِما روَى أحمدُ، بإسْنادِه عن خَرَشَةَ بنِ الحُرِّ، قال: رَأَيْتُ عُمَرَ يَضْرِبُ أكُفَّ المُتَرَجِّبِين، حتى يَضَعُوها في الطَّعامِ، ويقولُ: كُلُوا، فإنَّما هو شَهْرٌ كانت تُعَظِّمُه الجاهِلِيَّةُ 295. وبإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان إذا رَأَى النّاسَ، وما يُعِدُّونَه لرَجَبٍ، كَرِهَه، وقال: صُومُوا منه، وأفْطِرُوا 296. وعن ابنِ عباسٍ نحوُه، وبإسْنادِه عن أبي بَكْرَةَ، أنَّه دَخَل على أَهْلِهِ وعندَهم سِلالٌ جُدُدٌ وكِيزانٌ، فقالَ: ما هذا؟ فقالُوا: رَجَبٌ نَصُومُه.
فقالَ: أجَعَلْتُمْ رَجَبًا رمضانَ، فأكْفَأَ السِّلالَ، وكَسَر الكِيزانَ.
قال أحمدُ: مَن كان يَصُومُ السَّنَةَ صامَه، وإلَّا فلا يَصُومُه مُتَوالِيًا، بل يُفْطِرُ فيه، ولا يُشَبِّهُه برمضانَ.
الجزء: 7 - الصفحة: 529
وَإِفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمِ السَّبْتِ، وَيَوْمِ الشَّكِّ، وَيَوْمِ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ، إِلَّا أَنْ يُوافِقَ عَادَةً.
1100 - مسألة: (و)
يُكْرَهُ (إفْرادُ يَوْمِ الجُمُعَةِ، ويَوْمِ السَّبْتِ، ويَوْمِ الشَّكِّ، ويَوْمِ النَّيْرُوزِ 297، والمِهْرَجانِ 298، إلَّا أن يُوافِقَ عادَةً) وجُمْلَتُه أنَّه يُكْرَهُ إفْرادُ يَوْمِ الجُمُعَةِ بالصومِ، إلَّا أن يُوافِقَ عادَةً، مثلَ مَن يَصومُ يومًا ويُفْطِرُ يومًا، فيوافِقُ صومُه يومَ الجُمُعَةِ، أو مَن عادَتُه صَوْمُ أوَّلِ يومٍ مِن 299 الشَّهْرِ أو آخِرِه، أو يومِ نِصْفِه 300 ونحوِ ذلك.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأَثْرَمِ، قال: قيل لأبى عبدِ اللهِ: صِيامُ يَوْمِ الجُمُعَةِ؟ فذَكَرَ حديثَ النَّهْىِ أن يُفْرَدَ، ثمَّ قال: إلَّا أن يَكُونَ في صِيامٍ كان يَصُومُه، أمَّا أن يُفْرَدَ فَلَا.
قال: قُلْتُ: رَجُلٌ كان يَصُومُ يومًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، فوَقَعَ
الحديث: 1100 - الجزء: 7 - الصفحة: 530
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فِطْرُه يومَ الخَمِيسِ، وصَوْمُه يومَ الجُمُعَةِ، وفِطْرُه يومَ السَّبْتِ، فصامَ الجُمُعَةَ مُفْرَدًا، فقالَ: هذا الآنَ لم يَتَعَمَّدْ صَوْمَه خاصَّةً، إنّما كُرِهَ أن يَتَعَمَّدَ الجُمُعَةَ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: لا يُكْرَهُ إفْرادُ الجُمُعَةِ؛ لأنَّه يومٌ، فأَشْبَهَ سائِرَ الأَيَّامِ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، يَقُولُ: «لا يَصُومّنَّ أحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إلَّا أنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أو يَوْمًا بَعْدَهُ».
وقال محمدُ بنُ عَبَّادٍ: سَأَلْتُ جابِرًا: أنَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن صومِ يومِ الجُمُعَةِ؟ قال: نَعَمْ.
مُتَّفَقٌ عليهما 301. وعن جُوَيْرِيَةَ بنتِ الحارِثِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَل عليها يومَ الجُمُعَةِ، وهي صائِمَةٌ فقالَ: «أصُمْتِ أمْسِ؟».
قالت: لا.
قال: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِى غَدًا؟».
قالت: لا.
قال: «فَأَفْطِرِى».
رَواه البخارىُّ 302. وسُنَّةُ
الجزء: 7 - الصفحة: 531
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أحَقُّ أن تُتَّبَعَ.
وهذا الحديثُ يَدُلُّ على أنَّ المَكْرُوهَ إفْرادُه؛ لأنَّ نَهْيَه مُعَلَّلٌ بكَوْنِها لم تَصُمْ أمْسِ ولا غَدًا.
فصل: ويُكْرَهُ إفْرادُ يَوْمِ السَّبْتِ بالصومِ.
ذَكَرَه أَصحابُنا؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ بُسْرٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ، إلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» 303. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ.
ورُوِىَ أيضًا عن عبدِ اللهِ بنِ بُسْرٍ، عن أُخْتِه الصَّمَّاءِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ، إلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا لِحاءَ عِنَبٍ، أوْ عُودَ شَجَرَةٍ، فَلْيَمْضُغْهُ».
رَواه أبو داودَ 304. قال: اسمُ أخْتِ عبدِ اللهِ بنِ بُسْرٍ هُجَيْمَةُ 305 أو جُهَيْمَةُ.
قال الأثْرَمُ: قال أبو عبدِ اللهِ: أمّا صِيامُ يومِ السَّبْتِ يَنْفَرِدُ به، فقد جاء فيه
الجزء: 7 - الصفحة: 532
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حديثُ الصَّمّاءِ.
والمَكْرُوهُ إفْرادُه، فإن صام معه غيرَه لم يُكْرَهْ؛ لحديثِ أبى هُرَيْرَةَ، وجُوَيْرِيَةَ.
وإن وافَقَ صَوْمًا لإِنْسانٍ لم يُكْرَهْ؛ لِما قَدَّمْناه.
فصل: ويُكْرَهُ صِيامُ يَوْمِ الشَّكِّ، وهو يَوْمُ الثَّلاثِينَ مِن شَعْبانَ إذا كانت السَّماءُ مُصْحِيَةً ولم يَرَوُا الهِلالَ، إلَّا أن يُوافِقَ صَوْمًا كان يَصُومُه،
الجزء: 7 - الصفحة: 533
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كمَن عادَتُه صومُ يَوْمٍ وفِطْرُ يومٍ، أو صومُ يَوْمِ الخَمِيسِ، أو صومُ آخِرِ يومٍ مِن الشَّهْرِ، وشِبْهُ ذلك، أو مَن صام قبلَ ذلك بأيّامٍ، فلا بَأْسَ بصومِه، لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أحَدُكُمْ رمضانَ بِصِيَامِ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كانَ يَصُومُ صِيَامًا فَلْيَصُمْهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 306. ويَحْتَمِلُ أن يَحْرُمَ؛ لقَوْلِ عَمّارٍ: مَن صام اليومَ الذي يُشَكُّ فيه فقد عَصَى أبا القاسِمِ - صلى الله عليه وسلم - 307. حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
الجزء: 7 - الصفحة: 534
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُكْرَهُ إفْرادُ يَوْمِ النَّيْرُوزِ، والمِهْرَجانِ بالصومِ.
ذَكَرَه أصحابُنا؛ لأنَّهُما يَوْمان يُعَظِّمُهُما الكُفّارُ، فيَكُونُ تَخْصِيصُهما بالصِّيامِ دونَ غيرِهما مُوافَقَةً لهم في تَعْظِيمِهما، فكُرِهَ، كيومِ السَّبْتِ.
وعلى قِياسِ هذا، كلُّ عِيدٍ للكُفّارِ، أو يومٍ يُفْرِدُونَه بالتَّعْظِيمِ، يُكْرَهُ إفْرادُه بالصومِ، لِما ذَكَرْنا، إلَّا أن يُوافِقَ عادَةً، فلا يُكْرَهُ؛ لما ذَكَرْنا في الفُصُولِ المُتَقَدِّمَةِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 535
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل في الوِصالِ: وهو أن لا يُفْطِرَ بينَ اليَوْمَيْن أو الأَيّامِ بأكْلٍ وشُرْبٍ.
وهو مَكْرُوهٌ في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
ورُوِىَ عن ابنِ الزُّبَيْرِ أنَّه كان يُواصِلُ اقْتِداءً برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: واصَلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في رمضانَ، فواصَلَ الناسُ، فنَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الوِصالِ، فقالُوا: إنَّكَ تُواصِلُ.
فقالَ: «إنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إنِّي أُطْعَمُ وأُسْقَى».
مُتَّفَقٌ عليه 308. وهذا يَقْتَضِى اخْتِصاصَه بذلك، ومَنْعَ إلْحاقِ غيرِه به، وقولُه: «إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» يَحْتَمِلُ أنَّه أَرادَ: إنِّي أُعانُ على الصيامِ، ويُغْنِيه اللهُ تعالى عن الشَّرابِ والطَّعامِ، بمَنْزِلَةِ مَن طَعِمَ وشَرِبَ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ: إنِّي أُطْعَمُ حَقِيقَةً، وأُسْقَي حَقِيقَةً، حَمْلاً
الجزء: 7 - الصفحة: 536
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للَّفْظِ على حَقِيقَتِه، والأوَّلُ أَظْهَرُ، لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه لو طَعمَ وشَرِب حقِيقَةً لم يَكُنْ مُواصِلاً، وقد أقَرَّهُم على قَوْلِهم: إنَّكَ تُواصِلُ.
والثانى، أنَّه قد رُوِىَ أنَّه قال: «إنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّى وَيَسْقِينِى» 309. وهذا يَقْتَضِى أنَّه في النَّهارِ، ولا يَجُوزُ الأَكْلُ في النَّهارِ له ولا لغيرِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الوِصالَ غيرُ مُحَرَّمٍ.
وظاهِرُ قَوْلِ الشافعىِّ أنَّه حَرامٌ؛ لظاهِرِ النَّهْىِ.
ولَنا، أنَّه تَرَك الأَكْلَ والشُّرْبَ المُباحَ، فلم يَكُنْ مُحَرَّمًا، كما لو تَرَكَه في حالِ الفِطْرِ، فإن قِيلَ: فصومُ يومِ العِيدِ مُحَرَّمٌ مع كَوْنِه تَرْكًا للأَكْلِ والشُّرْبِ المُباحِ.
قُلْنا: ما حُرِّمَ تَرْكُ الأَكْلِ والشُّرْبِ بنَفْسِه، وإنّما حُرِّمَ بنِيَّةِ الصومِ، ولهذا لو تَرَكَه مِن غيرِ نِيَّةِ الصومِ لم يَكُنْ مُحَرَّمًا.
وأمَّا النَّهْىُ، فإنَّما أتَى به رَحْمَةً لهم، ورِفْقًا بهم؛ لِما فيه مِن المَشَقَّةِ عليهم.
كما نَهَى عبدَ اللهِ بنَ عَمْروٍ عن صِيامِ النَّهارِ وقِيامِ اللَّيْلِ، وعن
الجزء: 7 - الصفحة: 537
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قِراءَةِ القُرآنِ في أقَلَّ مِن ثَلاثٍ.
وقالت عائشةُ: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الوِصالِ رَحْمَةً لهم 310. وهذه قَرِينَةٌ صارِفَةٌ عن التَّحْرِيمِ، ولهذا لم يَفْهَمْ منه أصحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - التَّحْرِيمَ؛ بدَلِيلِ أنَّهُم واصَلُوا بَعْدَه، ولو فَهِمُوا منه التَّحْرِيمَ لَما فَعَلُوه.
قال أبو هُرَيْرَةَ: نَهَى رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الوِصالِ، فلمّا أبَوْا أن يَنْتَهُوا، واصَلَ بهم يومًا ويَوْمًا، ثمَّ رَأَوُا الهِلالَ، فقالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ»، كالمُنَكِّلِ لهم حينَ أَبَوْا أن يَنْتَهُوا.
مُتَّفَقٌ عليه 311. فإن واصَلَ إلى السَّحَرِ جازَ؛ لِما روَى أبو سَعِيدٍ، أنَّه سَمِع رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أرَادَ أنْ يُواصِلَ فَلْيُواصِلْ إلَى السَّحَرِ».
أَخْرَجَه البخاريُّ 312. وتَعْجِيلُ الفِطْرِ أَفْضَلُ لِما قَدَّمْناه.
الجزء: 7 - الصفحة: 538
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل في صومِ الدَّهْرِ: روَى أبو قَتادَةَ، قال: قِيلَ يا رسولَ اللهِ، فكيف بمَن صام الدَّهْرَ؟ قال: «لَا صَامَ، وَلَا أفْطَرَ، أوْ لَمْ يَصُمْ، وَلَمْ يُفْطِرْ».
قال التِّرْمِذِىُّ 313: هذا حديثٌ حسنٌ.
وعن أبي موسى، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ» 314. قال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبِى عبدِ اللهِ: فَسَّرَ مُسَدَّدٌ حَدِيثَ أبى موسى: «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ» فلا يَدْخُلُها، فضَحِكَ، وقال: مَن قال هذا؟ وأين حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عَمْروٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَرِه ذلك، وما فيه مِن الأحادِيثِ؟ قال أبو الخَطّابِ: إنَّما يُكْرَهُ إذا أدْخَلَ فيه يَوْمَىِ العِيدَيْن، وأيّامَ التَّشْرِيقِ؛ لأنَّ أحمدَ قال: إذا أفْطَرَ يَوْمَىِ العِيدَيْن، وأيّامَ التَّشْرِيقِ رَجَوْتُ أن لا يَكُونَ بذلك بَأْسٌ.
وَرُوِىَ نَحْوُ هذا عن مالكٍ، وهو قَوْلُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ جَماعَةً مِن الصحابَةِ كانُوا يَسْرُدُون الصومَ،
الجزء: 7 - الصفحة: 539
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منهم أبو طَلْحَةَ، قِيلَ: إنَّه صام بعدَ مَوْتِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أرْبَعِين سَنَةً.
قال شيخُنا 315: ويَقْوَى عِنْدِى أنَّ صومَ الدَّهْرِ مَكْرُوهٌ، وإن لم يَصُمْ هذه الأيّامَ، فإن صامَها فقد فَعَل مُحَرَّمًا، وإنّما كُرهَ صومُ الدَّهْرِ؛ لما فيه مِن المَشَقَّةِ والضَّعْفِ وشِبْهِ التَّبَتُّلِ المَنْهِىِّ عنه؛ لأَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعبدِ اللهِ ابنِ عَمْروٍ: «إنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ!» قُلْتُ: نعم.
قال: «إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ هَجَمَتْ 316 لَهُ عَيْنُكَ، وَنَفِهَتْ 317 لَهُ النَّفْسُ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ».
وذَكَر الحَدِيثَ.
رَواه البخارىُّ 318.
الجزء: 7 - الصفحة: 540
وَلَا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمَىِ الْعِيدَيْنِ عَنْ فَرْضٍ وَلَا تَطَوُّعٍ،
فصل: ويُكْرَهُ اسْتِقْبالُ رمضانَ باليومِ واليَوْمَيْن؛ لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ، وَلَا يَوْمَيْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا فَلْيَصُمْهُ».
مُتَّفَقٌ عليه (1). وما وافَقَ مِن هذا كُلِّه عادَةً فلا بَأْسَ؛ لهذا الحَدِيثِ، وقد دَلَّ هذا الحَدِيثُ بمَفْهُومِه على جَوازِ التَّقَدُّمِ بأكْثَرَ مِن يَوْمَيْن.
ورُوِىَ عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إِذَا كَانَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ، فأمْسِكُوا عَنِ الصِّيَامِ حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ» (2). وهذا حديثٌ حسنٌ.
فيُحْمَلُ الأَوَّلُ على الجَوازِ، وهذا على نَفْىِ الفَضِيلَةِ، جَمْعًا بينَهما.
1101 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ صومُ العِيدَيْن عن فَرْضٍ ولا
319320 الحديث: 1101 - الجزء: 7 - الصفحة: 541
وَإِنْ قَصَدَ صِيَامَهُمَا كَانَ عَاصِيًا، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ فَرْضٍ.
تَطَوُّعٍ، وإن قَصَد صِيامَهما.
كان عاصِيًا، ولم يُجْزِئْه عن الفَرْضِ) اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ صومَ يَوْمَىِ العِيدَيْنِ مُحَرَّمٌ في التَّطَوُّعِ، والنَّذْرِ المُطْلَقِ، والقَضاءِ، والكَفّارَةِ.
وذلك لما روَى أبو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابنِ أَزْهَرَ، قال: شَهِدْتُ العِيدَ مع عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، فجاءَ فصَلَّى، ثمَّ انْصَرَفَ فخَطَبَ الناسَ، فقالَ: إنَّ هذَيْن يَوْمَان نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن صِيامِهما، يَوْمُ فِطْرِكُم مِن صِيامِكُم، والآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُون فيه مِن نُسُكِكُمْ.
وعن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن صِيامِ يَوْمَيْن؛ يومِ فِطْرٍ، ويومِ أضْحَى.
مُتَّفَقٌ عليهما 321. والنَّهْىُ يَقْتَضِى فَسَادَ المَنْهِىِّ
الجزء: 7 - الصفحة: 542
وَلَا يَجُوزُ صِيَامُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ تَطَوُّعًا، وَفِي صِيَامِهَا عَنِ الفَرْضِ رِوَايَتَانِ.
عنه وتَحْرِيمَه، أمَّا صَوْمُهما عن النَّذْرِ المُعَيَّنِ، ففيه خِلافٌ نَذْكُرُه في بابِ النَّذْرِ، إن شاء اللهُ تعالى.
1102 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ صِيامُ أيّامِ التَّشْرِيقِ تَطَوُّعًا، وفي صِيامِها عن الفَرْضِ رِوايَتان)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ أَيّامَ التَّشْرِيقِ مَنْهِىٌّ عن صيامِها؛ لِما روَى نُبَيْشَةُ الهُذَلِىُّ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ عَزَّ وَجَلَّ».
رَواه مسلمٌ 322. وعن عَمْرِو بنِ العَاصِ، أنَّه قال: هذه الأيّامُ التي كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُنا بإفْطارِها، ويَنْهَى عن صيامِها.
قال مالكٌ: وهي أَيّامُ التَّشْرِيقِ.
رَواه أبو داودَ 323. ولا يَحِلُّ صِيامُها تَطَوُّعًا في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وعن
الحديث: 1102 - الجزء: 7 - الصفحة: 543
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنِ الزُّبَيْرِ، أنَّه كان يَصُومُها.
ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، والأسْوَدِ ابنِ يَزِيدَ.
وعن أبي طَلْحَةَ، أنَّه كان لا يُفْطِرُ إلَّا يَوْمَىِ العِيدَيْن.
والظّاهِرُ أنَّ هؤلاء لم يَبْلُغْهم نَهْىُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن صيامِها، ولو بَلَغَهم لم يَعْدُوه إلى غيرِه.
وأمَّا صَوْمُها عن الفَرْضِ، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه مَنْهِىٌّ عن صِيامِها، فأَشْبَهَتْ يَوْمَىِ العِيدَيْن.
والثّانِيَةُ، يَجُوزُ؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ، أنَّهما قالا: لم يُرَخَّصْ في أَيّامِ التَّشْرِيقِ إلَّا لمَن لم يَجِدِ الهَدْىَ، أنْ يُصمْنَ 324. وهو حَدِيثٌ صحيحٌ.
ويُقاسُ عليه سائِرُ المَفْرُوضِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 544
وَمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ تَطَوُّعًا، اسْتُحِبَّ لَهُ إِتْمَامُهُ، وَلَمْ يَجِبْ، فَإِنْ أَفْسَدَهُ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
1103 - مسألة: (ومَن شَرَع في صومٍ أو صلاةٍ تَطَوُّعًا، اسْتُحِبَّ له إتْمامُه، ولا يَلْزَمُه، فإن أفْسَدَه فلا قَضاءَ عليه)
لِما رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، أنَّهما أَصْبَحا صائِمَيْن، ثمَّ أفْطَرا.
وقال ابنُ عُمَرَ: لا بَأْسَ به، ما لم يَكُنْ نَذْرًا، أو قَضاءَ رمضانَ.
وقال ابنُ عباسٍ: إذا صام الرجلُ تَطَوُّعًا، ثمَّ شاء أن يَقْطَعَه، قَطَعَه، وإذا دَخَل في صلاةٍ تَطَوُّعًا، ثمَّ شاء أن يَقْطَعَها، قَطَعَهَا 325. وقال ابنُ مسعودٍ: متى أَصْبَحْتَ تُرِيدُ الصومَ، فأَنت على خَيْرِ النَّظَرَيْن، إن شِئْتَ صُمْتَ، وإن شِئْتَ أَفْطَرْتَ 326. هذا
الحديث: 1103 - الجزء: 7 - الصفحة: 545
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَوْلُ أحمدَ، والثَّوْرِىِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ.
وقد روَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، إذا أجْمَعَ على الصِّيامِ، فأوْجَبَه على نَفْسِه، فأَفْطَرَ مِن غيرِ عُذْرٍ، أعادَ ذلك اليَوْمَ.
وهذا مَحْمُولٌ على أنَّه اسْتَحَبَّ ذلك، أو نَذَرَه؛ ليَكُونَ موافِقًا لسائِرِ الرِّواياتِ عنه.
وقال النَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ: يَلْزَمُ بالشُّرُوعِ فيه، ولا يَخْرُجُ منه إلَّا بعُذْرٍ، فإن خَرَج قَضَى.
وعن مالكٍ، لا قَضاءَ عليه.
واحْتَجَّ مَن أوْجَبَ القَضاءَ بما رُوِىَ عن عائِشَةَ، أنَّها قالت:
الجزء: 7 - الصفحة: 546
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَصْبَحْتُ أنا وحَفْصَةُ صائِمَتَيْن مُتَطَوِّعَتَيْن، فأُهْدِىَ لنا حَيْسٌ 327، فأفْطَرْنا، ثمَّ سَأَلْنا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: «اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ» 328. ولأنَّها عِبادَةٌ تَلْزَمُ بالنَّذْرِ، فلَزِمَتْ بالشُّرُوعِ فيها، كالحَجِّ والعُمْرَةِ.
ولَنا، ما روَى مسلمٌ، وأبو داودَ، والنَّسائِىُّ 329، عن عِائِشَةَ، قالت: دَخَل علىَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا، فقالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَىْءٌ».
فقُلْتُ: لا.
قال: «فَإِنِّى صَائِمٌ».
ثمَّ مَرَّ بى بعدَ ذلك اليومِ وقد أُهْدِىَ لنا حَيْسٌ، فخَبَأْتُ له منه، وكان يُحِبُّ الحَيْسَ.
قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّه أُهْدِىَ لنا حَيْسٌ، فخَبَأْتُ لك منه، قال: «أَدْنِيهِ، أَمَا إنِّي قَدْ أَصْبَحْتُ وَأَنَا صَائِمٌ».
فأَكَلَ منه.
ثمَّ قال: «إنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ؛ فَإنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإنْ شَاءَ حَبَسَهَا».
هذا
الجزء: 7 - الصفحة: 547
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَفْظُ رِوايَةِ النَّسَائِىِّ، وهو أَتَمُّ مِن غَيْرِه.
ورَوَتْ أمُّ هانِئٍ، قالت: دَخَلْتُ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأُتِىَ بشَرابٍ، فناوَلَنِيه فشَرِبْتُ منه، ثم قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ لقد أفْطَرْتُ وكُنْتُ صائِمَةً.
فقالَ لها: «أَكُنْتِ تَقْضِينَ شَيْئًا؟».
قالت: لا.
قال: «فَلَا يَضُرُّكِ إنْ كَانَ تَطَوُّعًا».
رَواه سعيدٌ، وأبو داودَ 330، والأثْرَمُ.
وفى لَفْظٍ، قالت: قُلْتُ: إنِّى صائِمَةٌ.
فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ المُتَطَوِّعَ أمِيرُ نَفْسِهِ، فَإنْ شِئْتِ فَصُومِى، وَإنْ شِئْتِ فَأَفْطِرِى» 331. ولأَنَّ كلَّ صَوْمٍ لو أَتَمَّه كان تَطَوُّعًا، إذا خَرَج منه لم يَجِبْ قَضاؤُه، كما لو اعْتَقَدَ أنّه مِن رمضانَ، فبانَ مِن شعبانَ.
فأمّا خَبَرُهم، فقالَ أبو داودَ: لا يَثْبُتُ.
وقال التِّرْمِذِىُّ: فيه مَقالٌ.
وضَعَّفَه الجُوزْجانِىُّ وغيرُه، ثم هو مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبابِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُسْتَحَبُّ له إتمامُه، وإن خَرَج منه اسْتُحِبَّ قَضاؤُه؛ للخُرُوجِ مِن الخِلافِ، وعَمَلًا بالخَبَرِ الذى رَوَوْه.
الجزء: 7 - الصفحة: 548
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وسائِرُ النَّوافِلِ مِن الأعْمالِ حُكْمُها حُكْمُ الصِّيامِ، في أنَّها لا تَلْزَمُ بالشُّرُوعِ، ولا يَجِبُ قَضاؤُها إذا أَفْسَدَها، إلَّا الحَجَّ والعُمْرَةَ، فإنَّهُما يُخالِفان سائِرَ العِباداتِ في هذا؛ لتَأكُّدِ إحْرامِهما، ولا يَخْرُجُ منهما بإفْسادِهِما، ولو اعْتَقَدَ أنَّهُما واجِبان، ولم يَكُونا واجِبَيْن، لم يَكُنْ له الخُرُوجُ منهما.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ في الصلاةِ ما يَدُلُّ على أنَّها تَلْزَمُ بالشُّروعِ.
قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبِى عبدِ اللهِ: الرَّجُلُ يُصْبِحُ صائِمًا مُتَطَوِّعًا، أَيَكُونُ بالخيارِ؟ والرجلُ يَدْخُلُ في الصلاةِ أله أن يَقْطَعَها؟ قال: الصلاةُ أشَدُّ، أمَّا الصلاةُ فلا يَقْطَعُها.
قِيلَ له: فإن قَطَعَها قَضاها؟ قال: إن قَضَاهَا فليس فيه اخْتِلافٌ.
ومالَ أبو إسحاقَ الجُوزْجانِيُّ إلى هذا القولِ، وقال: الصلاةُ ذاتُ إِحْرامٍ وإحْلالٍ، فلَزِمَتْ بالشُّرُوعِ فيها، كالحَجِّ.
وأكثرُ أصحابِنا على أنَّها لا تَلْزَمُ أيْضًا.
وهو قولُ ابنِ عباسٍ؛ لأنَّ ما جاز تَرْكُ جَمِيعِه جاز تَرْكُ بعضِه، كالصَّدَقَةِ.
والحَجُّ والعُمْرَةُ يُخالِفان غيرَهما بما ذَكَرْنا.
فصل: فإن دَخَل في صومٍ واجِبٍ؛ كقَضاءِ رمضانَ، أو نَذْرٍ
الجزء: 7 - الصفحة: 549
وَتُطْلَبُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَيَالِى الْوِتْرِ آكَدُهَا.
مُعَيَّنٍ، أو مُطْلَقٍ، أو صِيامِ كَفّارَةٍ، لمِ يَجُزْ له الخُروجُ منه؛ لأنَّ المُتَعَيِّنَ وَجَب الدُّخُولُ فيه، وغيرَ المُتَعَيِّنِ تَعَيَّنَ بدُخُولِه فيه، فصارَ بمَنْزِلَةِ المُتَعَيِّنِ.
وهذا لا خِلافَ فيه بحَمْدِ اللهِ.
1104 -
مسألة: (وتُطْلَبُ لَيْلَةُ القَدْرِ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رمضانَ، ولَيالِى الوِتْرِ آكَدُها)
لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةٌ شَرِيفَةٌ مُبارَكَةٌ مُعَظَّمَةٌ مُفَضَّلَةٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ 332. قِيلَ: مَعْناه، العَمَلُ فيها خَيْرٌ مِن العَمَلِ في أَلْفِ شَهْرٍ ليس فيها لَيْلَةُ القَدْرِ.
وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
الحديث: 1104 - الجزء: 7 - الصفحة: 550
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُتَّفَقٌ عليه 333. قِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ لأَنَّه يُقَدَّرُ فيها ما يَكُونُ في تلك السَّنَةِ مِن خَيْرٍ ومُصِيبَةٍ، ورِزْقٍ وبَرَكَةٍ.
يُرْوَى ذلك عن ابنِ عباسٍ.
قال اللهُ تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ 334. وسَمّاها مُبارَكَةً، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ 335. وهي لَيْلَةُ القَدْرِ؛ بدَلِيلِ قَوْلِه سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ 336. وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ 337. يُرْوَى أنَّ جِبْرِيلَ نَزَل به مِن بَيْتِ العِزّةِ إلى سَماءِ الدُّنْيَا في لَيْلَةِ القَدْرِ، ثمَّ نَزَل به على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - نُجُومًا في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً 338. وهي باقِيَةٌ لم تُرْفَعْ؛ لِما روَى أبو ذَرٍّ، قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، لَيْلَةُ القَدْرِ رُفِعَتْ مع الأَنْبِياءِ، أو هى باقيَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؟ فقالَ: «بَاقِيَةٌ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
قُلْتُ: في رمضانَ أو في غيرِه؟ قال: «في رَمَضَانَ».
فقُلْتُ: في العَشْرِ الأوَّلِ، أو الثانِي، أو الآخِرِ؟
الجزء: 7 - الصفحة: 551
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقالَ: «فِي العَشْرِ الآخِرِ» 339. وأكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ على أَنَّها في رمضانَ، وكان ابنُ مسعودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُمِ الحَوْلَ يُصِبْها.
يُشِيرُ إلى أنَّها في السَّنَةِ كُلِّها.
وفي كتابِ اللهِ تعالى ما يُبَيِّنُ أنَّها في رمضانَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أَخْبَرَ أنَّه أَنْزَلَ القُرْآنَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، وأَنَّه أَنْزَلَه في رمضانَ، فيَجبُ أن تَكُونَ في رمضانَ، لئَلَّا يَتَناقَضَ الخَبَران، ولأَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَر أَنَّها في رمضانَ في حَدِيثِ أبى ذَرٍّ، وقال: «الْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي كُلِّ وِتْرٍ».
مُتَّفَقٌ عليه 340. وقال أُبَىُّ بنُ كَعْبٍ: واللهِ لقد عَلِم ابنُ مسعودٍ أنَّها في رمضانَ، ولكِنَّه كَرِهَ أن يُخْبِرَكُم، فَتَتَّكِلُوا.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُسْتَحَبُّ طَلَبُها في جَمِيعِ لَيالِى رمضانَ، وفي العَشْرِ الأَواخِرِ آكَدُ، وفي لَيالِى الوِتْرِ آكَدُ.
قال أحمدُ: في العَشْرِ الأواخِرِ، في وِتْرٍ مِن اللَّيالِى، لا يُخْطِئُ إن شاء اللهُ.
كذا رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «اطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي ثَلَاثٍ بَقِينَ، أَوْ سَبْعٍ بَقِينَ، أَوْ تِسْعٍ بَقِينَ» 341. وروَى سالِمٌ عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ
الجزء: 7 - الصفحة: 552
وَأَرْجَاهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ،
تَوَاطَأَتْ عَلَى أنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَواخِرِ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي الوِتْرِ مِنْهَا».
مُتَّفَقٌ عليه (1). وقالت عائِشَةُ: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُجاوِرُ في الْعَشْرِ الأَواخِرِ مِن رمضانَ (2). وفي لَفْظٍ للبُخارِىِّ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ، فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» (3). والأَحادِيثُ في ذلك كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ.
1105 -
مسألة: (وأرْجاها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِين)
اخْتَلَفَ أهلُ العِلْمِ في أرْجَى هذه اللَّيالِى، فقالَ أُبَىُّ بنُ كَعْبٍ، وعبدُ اللهِ ابنُ عباسٍ: هى لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِين.
قال زِرُّ بنُ حُبَيْشٍ: قُلْتُ لأُبَىِّ ابنِ كَعْبٍ: أما عَلِمْتَ أبا المُنْذِرِ، أَنَّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ؟ قال: أخْبَرَنَا342343344
الحديث: 1105 - الجزء: 7 - الصفحة: 553
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّها لَيْلَةٌ صَبِيحَتَها تَطْلُعُ الشمسُ ليس لها شُعاعٌ.
فعَدَدْنا، وحَفِظْنا، واللهِ لقد عَلِم ابنُ مسعودٍ أنَّها في رمضانَ، وأنَّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِين، ولَكنَّه كَرِهَ أن يُخْبِرَكُم، فَتَتَّكِلُوا.
قال التِّرْمِذِىُّ 345: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وروَى أبو ذَرٍّ في حَدِيثٍ أَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَقُمْ بهم في رمضانَ حتىِ بَقِىَ سَبْعٌ، فقامَ بهم حتى مَضَى نَحْوٌ مِن ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثمَّ قام بهم في لَيْلَةِ خَمْسٍ وعِشْرِينَ حتى مَضَى نحوٌ مِن شَطْرِ اللَّيْلِ، حتى كانت لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، فجَمَعَ نِساءَه وأَهْلَه، واجْتَمَعَ الناسُ، قال: فقامَ بهم حتى خَشِينَا أن يَفُوتَنا الفَلاحُ.
يَعْنِي السَّحُورَ.
مُتَّفَقٌ عليه 346.
الجزء: 7 - الصفحة: 554
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحُكِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: سُورَةُ القَدْرِ ثَلاثُون كَلِمَةً، السّابِعَةُ والعِشْرُون منها ﴿هِيَ﴾ 347. وروَى أبو دَاوُدَ 348 بإسْنادِه، عن مُعاوِيَةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، في لَيْلَةِ القَدْرِ، قال: «لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ».
وقِيلَ: آكَدُها لَيْلَةُ ثَلاثٍ وعِشْرِين؛ لأنَّه رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ عبدَ اللهِ بنَ أُنَيْسٍ سَأَلَه، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أكُونُ ببادِيَةٍ يُقالُ لها الوَطَاةُ 349، وإنِّى بحَمْدِ اللهِ أُصَلِّى بهم، فمُرْنِي بلَيْلَةٍ مِن هذا الشَّهْرِ أنْزِلُها في المَسْجِدِ، فأُصَلِّيها فيه.
فقال: «انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فَصَلِّهَا فِيهِ، وإنْ أحْبَبْتَ أنْ تَسْتَتِمَّ آخِرَ هذا الشَّهْرِ فَافْعَلْ، وَإنْ أَحْبَبْتَ فَكُفَّ».
فكانَ إذا صَلَّى العَصْرَ دَخَل المَسْجِدَ، فلم يَخْرُجْ إلَّا في حاجَةٍ، حتى يُصَلِّىَ الصُّبْحَ،
الجزء: 7 - الصفحة: 555
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإذا صَلَّى الصُّبْحَ كانت دابَّتُه ببابِ المَسْجدِ.
رَواه أبو داودَ مُخْتَصَرًا 350. وقِيلَ: آكَدُها لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وعِشْرِين؛ لأَنَّه رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِن السَّبْعِ الأوَاخِرِ» 351. ورُوِىَ عن بعضِ الصحابَةِ أنَّه قال: لم نَكُنْ نَعُدُّ عَدَدَكُم هذا، وإنَّما نَعُدُّ مِن آخِرِ الشَّهْرِ.
يَعْنِي أنَّ السابِعَةَ والعِشْرِينَ هى أوَّلُ لَيْلَةٍ مِن السَّبْعِ الأواخِرِ.
وقيل: آكَدُها لَيْلَةُ إحْدَى وعِشْرِين؛ لِما روَى أبو سَعِيدٍ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثمَّ أُنْسِيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي الْوِتْرِ، وَإنِّى رَأَيْتُ أنِّى أَسْجُدُ فِي صَبِيحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ».
قال:
الجزء: 7 - الصفحة: 556
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فجاءَتْ سَحَابَةٌ، فمَطَرَتْ حتى سال سَقْفُ المَسْجِدِ، وكان مِن جَرِيدِ النَّخْلِ، فأُقِيمَتِ الصلاةُ، فرَأَيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْجُدُ في الماءِ والطِّينِ، حتى رَأَيْتُ أثَرَ الماءِ والطِّينِ في جَبْهَتِه.
وفي حَدِيثٍ: «فِي صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ».
مُتَّفَقٌ عليه 352. قال التِّرْمِذِىُّ 353: قد رُوِىَ أنَّها لَيْلَةُ إِحْدَى وعِشْرِينَ، وليلةُ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ، وليلةُ خَمْسٍ وعِشْرِين، ولَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِين، وليلةُ تِسْعٍ وعِشْرِين، وآخِرُ ليلةٍ.
وقال أبو قِلابَةَ: إنَّها تَنْتَقِلُ في لَيالِى العَشْرِ.
قال الشافعىُّ: كان هذا عِنْدِى، واللهُ أعْلَمُ، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُجِيبُ على نَحْوِ ما يُسْأَلُ.
فعلى هذا كانَتْ في السَّنَةِ التي رَأَى أبو سعيدٍ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْجُدُ في الماءِ والطِّينِ ليلةَ إحْدَى وعِشْرِين، وفي السَّنَةِ التي أمَر عبدَ اللهِ بنَ أُنَيْسٍ ليلةَ ثَلاثٍ وعِشْرِين، وفي السَّنَةِ التي رَأَى
الجزء: 7 - الصفحة: 557
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أُبَىُّ بنُ كَعْبٍ عَلامَتَها، ليلةَ سَبْعٍ وعِشْرِين، وقد تُرى عَلامَتُها في غيرِ هذه اللَّيالِى.
قال بعضُ أهْلِ العِلْمِ: أبْهَمَ اللهُ هَذه الليلةَ على الأُمَّةِ؛ ليَجْتَهِدُوا في طَلَبِها، ويَجِدُّوا في العِبادَةِ في الشَّهْرِ كُلِّه، طَمَعًا في إدْراكِها، كما أَخْفَى ساعَةَ الإِجابَةِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ؛ ليُكْثِرُوا مِن الدُّعاءِ في اليَوْمِ كُلِّه، وأخْفَى اسْمَه الأعْظَمَ في الأسْماءِ، ورِضاه في الطّاعاتِ؛ ليَجْتَهِدُوا في جَمِيعِها، وأخْفَى الأَجَلَ وقِيامَ السّاعَةِ، ليَجِدَّ الناسُ في العَمَلِ، حَذَرًا منها.
الجزء: 7 - الصفحة: 558
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والمَشْهُورُ مِن عَلامَتِها ما ذَكَرَه أُبَىُّ بنُ كعبٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِن صَبِيحَتِهَا بَيْضَاءَ لا شُعَاعَ لها.
وفي بَعْضِ الأحادِيثِ: «بَيْضَاءَ مِثْلَ الطَّسْتِ» 354. ورُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّها لَيْلَةٌ بَلْجَةٌ 355 سَمْحَةٌ، لا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، تَطْلُعُ الشَّمْسُ مِنْ صَبِيحَتِهَا لَا شُعَاعَ لَهَا 356.
الجزء: 7 - الصفحة: 559
وَيَدْعُو فِيهَا بِمَا رُوِىَ عَنْ عَائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عَنْهَا، [59 ظ] أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ وَافَقْتُهَا فَبِمَ أَدْعُو؟ قَالَ: «قُولِى: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّى».
1106 - مسألة: ويُسْتَحَبُّ أن يَجْتَهِدَ فيها في الدُّعاءِ (ويَدْعُوَ فيها بما رُوِىَ عن عائِشةَ، أنَّها قالت: يا رسولَ اللهِ، إن وافَقْتُها بِمَ أَدْعُو؟ قال: «قُولِى: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي»)
357.
الحديث: 1106 - الجزء: 7 - الصفحة: 560
كِتَابُ الاِعْتِكَافِ
وَهُوَ لُزُومُ الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى.
كِتابُ الاعْتِكافِ
(وهو لُزُومُ المَسْجِدِ لطاعَةِ اللهِ تَعالَى) الاعْتِكافُ في اللُّغَةِ: لُزُومُ الشئِ، وحَبْسُ النَّفْسِ عليه، بِرًّا كان أو غيرَه، ومنه قَوْلُه تَعالَى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ 358. قال الخَلِيلُ: عَكَف يَعْكُفُ ويَعْكِفُ.
وهو في الشَّرْعِ: الإِقامَةُ في المَسْجِدِ لطاعَةِ اللهِ تَعالَى على صِفَةٍ نَذْكُرُها، وهو قُرْبَةٌ وطاعَةٌ.
قال اللهُ تَعالَى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ 359، وقالت عائِشَةُ: كان النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَواخِرَ.
مُتَّفَقٌ عليه (3). وروَى ابنُ ماجه، في «سُنَنِه» 360 عن ابنِ361