كلا وكلتا
: اسمان مفردا اللفظ ومعناهما التثنية، كما أن "كلا"، مفردة اللفظ مجموعة المعنى، فـ"كلا" كـ"معى" في أنه أسم مقصور مفرد، وألفه منقلة، إما عن واو- وهو الأقيس-، وإما عن ياء لجواز أمالتها، وكلتا للمؤنث، تاؤها منقلبة في القول الصحيح عن الواو أو عن الياء اللتين أجزنا انقلاب ألف كلا عن كل واحدة منهما.
فإن كانت منقلبة عن واو، فإن الأصل "كلوا"، فقلبت الواو تاء كما قلبت في تراث والأصل وراث وتجاه والأصل وجاه.
وإن كانت منقلبة عن ياء فالأصل "كليًا"، فقبلت الياء تاء كما قبلت في ثنتين، لأن أصل "ثنتين" ثنيان، إذ كانت من ثنيت.
وليس قول من ذهب إلى أن التاء للتأنيث كتاء قائمة وقاعدة بشيء، لأنه يؤدي إلى وقوع تاء التأنيث حشوًا، وذلك ممتنع.
نعم ويؤدي أيضًا إلى إثبات مثال خارج عن أمثلتهم، إذ كان ليس فيها فعتل.
والذاهب إلى هذا القول هو أبو عمرو الجرمي 1 فإذا 2 قد ثبت أنهما،
أعني كلا وكلتا، أسمان مفردان مقصوران، فالأصل أن تكون ألفاهما مع إضافتهما ثابتة غير متغيرة، إلى ظاهر أضيفتا أو إلى مضمر، كما أن ألف رحى وحبلى كذلك، إذا قلت: رحى زيد ورحاه وبرحاه، ورأيت رحاه، وحبلى عمرو، وهذه حبلاه ورأيت حبلاه ومررت بحبلاه، إلا أنهم لما لزمت هاتين الكلمتين الإضافة أجروا الفيهما مجرى ألفات الحروف وفرقوا بذلك بينهما وبين الأسماء المتمكنة من المقصور، فأثبتوا ألفيهما في الإضافة إلى الظاهر ولم يغيروهما، فقالوا: جاءني كلا أخويك ورأيت كلا أخويك ومررت بكلا أخويك، وجاءني كلتا أختيك ورأيت كلتا أختيك ومررت بكلتا أختيك كما تقول: على زيد والى عمرو، فتقر ألف على والى على لفظهما مع الظاهر.
فإن أصفت كلا وكلتا إلى مضمر أقررت ألفيهما في الرفع على لفظيهما وقلبتهما في الجر والنصب ياء فقلت: جاءني أخواك كلاهما ورأيت أخويك كليهما، ومررت بأخويك كليهما، وكذلك التمثيل في المؤنث، وهذا كما تقول عليهما وإليهما ولديهما.
وإنما شبهت كلا وكلتا بعلى والى، فجرى عليهما حكمهما، لأن الإضافة تلزم هاتين أعني كلا وكلتا، كما أن "على" و "إلى" تلزمان أسمًا تدخلان عليه ولا تنفردان بأنفسهما، فقلبت ألفاهما مع الضمير كما قلبت ألفًا الحرفين- أعني على وإلى-.
وخص هذا القلب بالجر والنصب 1 دون الرفع لأن على وإلى لاحظ لهما في الرفع، فلم يكن لهما في الرفع حال فتحمل عليها حال كلا وكلتا في الرفع، فتغيرا لذاك، فبقيت ألفهما 2 على أصل ما ينبغي أن تكون عليه، فلم تغير.
وليس هذا التغيير بإعراب، بل هو تغيير طارئ على الكلمتين للشبه الذي عرض لهما بالحرف في الحالتين المذكورتين، وهو شبه لا يقتضي إجراءه مجرى الحرف في البناء.
وأما إعراب "مسلمان ومسلمتان" فإعراب صحيح يحدث عن عامل، وليس كلا وكلتا كذلك.
فصل
ويدل على أن "كلا وكلتا" اسمان مفردان- وأن أفادا معنى التثنية- عود الضمير إلى كل واحد منهما مفردًا، كقوله عز وجل ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا﴾ 1 ولم يقل آتتا أكلها.
وقد جاء في الشعر عود الضمير إلى كلا مثني على المعنى، وهو قوله:
(كلاهما حين جد الجري بينهما... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي) 2
وهذا الشاعر قد استعمل اللغتين، أعني الحمل على اللفظ- وهو الاقيس- في قوله رابي، ولم يقل رابيان، والحمل على المعنى في قوله: قد أقلعا، ولم يقل قد أقلع.
كما جاز في كل رد ضميرها على المعنى في قوله عز وجل ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ 3
والرد على اللفظ في قوله سبحانه ﴿َكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ 4
فصل
إذا جمعت الاسم المؤنث الجمع الصحيح زدت عليه ألفًا وتاء، ويكونان بمجموعهما علامة الجمع والتأنيث معًا كقولك: مسلمة ومسلمات، وقائمة وقائمات.
والتاء حرف الإعراب، فإذا رفعت هذا الجمع، ضممتها، وألحقتها تنوينًا يكون بإزاء النون في مسلمين، لا أنه علامة للصرف في قول الجمهور، وإن جررته كسرت التاء، وإن نصبته كسرتها أيضًا، فقلت: مررت بمسلمات ورأيت مسلمات، فحملت النصب على الجر، وإن كان فتح التاء ممكنًا، لكن عدلوا عن فتحها مع إمكانه حملاً للفرع على الأصل فيما لزم الأصل من الحكم، وذلك أن المؤنث فرع على المذكر، فجمعه فرع على جمعه، والجمع الصحيح المذكر قد استقر أن نصبه محمول على جره، فهما مشتركان في الياء، فشركوا بين نصب الجمع المؤنث الصحيح وجره في الكسرة ليجري الفرع على حكم الأصل، فتكون عدة أحواله كعدة أحواله، ولئلا يكون الفرع أوسع تصرفًا من أصله.
فأما ما لا ينصرف، فحكمه في حمل الجر على النصب عكس حكم التثنية والجمع، وذلك أن الاسم الذي لا ينصرف لما أشبه الفعل من وجهين أو من وجه قوي لازم قائم مقام وجهين جذبه الفعل إلى حيزه فثقل لشبهه بالفعل، فمنع العلامة الدالة على الخفة والتمكن- وهي التنوين- فحذف، ثم تبعته حركة الجر في الحذف لأنهما خاصتان للاسم وبه، فتبعت إحداهما الأخرى في الحذف كما صحبتها في الاختصاص.
ولما حذفت حركة الجر فيه- أعني ما لا ينصرف من الأسماء- عاقبتها حركة النصب فدلت على ما كانت تدل عليه، إذ لابد لعامل الجر من تأثير يؤثره وهو الإعراب، إذ الاسم- وهو معمول الجار- معرب.
فإن أمن دخول التنوين عليه ولحاقه الاسم عاد الجر وجرى عامله على أصله في تأثيره الخاص به، لأن الجر انحذف تبعًا للتنوين، ولا تنوين مع الألف
واللام والإضافة، فثبت الجر فيهما 1، ولم يحذف، تقول مع الألف واللام: مررت بالفرس الأشقر، ونظرت إلى الرجل الأسمر، ومع الإضافة: عجبت من حمرائكم وأحمركم وشقرائكم وأشقركم، وكنت قائلاً قبل لحاق الألف واللام والإضافة: عجبت من فرس أشقر ونظرت إلى حمراء وأحمر.
والشبه الذي بين مالا ينصرف من الأسماء وبين الفعل هو أن يكون الاسم ثانيًا لاسم كما أن الفعل ثان للاسم وفرع عليه.
فمن ذلك الوصف، لأن الصفة ثانية للموصوف، والتعريف، لأن المعرفة ثانية للنكرة، إذ النكرة هي الأولى، والتأنيث لأن المؤنث ثان للمذكر، وكذلك التركيب، فالمركب فرع على غير المركب، والجمع فرع على الواحد وثان له، إذ من الأحاد يستقل وإليه ينحل، والمعدول ثان للمعدول عنه وفرع، ووزن الفعل فرع على وزن الاسم، إذ الموزون من ذا فرع على الموزون من ذا، والعجمة في اللغة فرع على العربية لاقحام ما استعمل منها فيها، وطروء ألفاظها على ألفاظها، فالاسم الأعجمي ثان للعربي وفرع عليه.
وما في آخره الألف والنون الزائدتان من الصفات، "كفعلان" الذي مؤنثه فعلي نحو عطشان وعطشى، أو الإعلام كعثمان وعمران، فمشبه بما في آخره ألفًا التأنيث.
فمتى اجتمع في اسم علتان من العلل التسع التي تجعله ثانيًا من جهتين أو
وجدت فيه علة قائمة مقام علتين على مابين منع الصرف، وهو لحاق الجر والتنوين به، كأحمد فيه وزن الفعل والتعريف، وأحمر فيه وزن الفعل والوصف.
والعلة القائمة مقام علتين، للزومها وبناء الكلمة عليها، كألف حبلى وألفي حمراء، والجمع الخارج عن مثال الآحاد كمساجد ومنابر ودنانير.