إن، وأن، ولكن، وكأن، وليت، ولعل
.
فهذه الستة تدخل على المبتدأ والخبر، فينتصب المبتدأ بها ويسمى اسمًا لها، ويرتفع الخبر بها أيضًا ويسمى خبرًا لها، هذا وهو القول المعمول عليه؛ وليس قول من قال: إن الخبر معها باق على ما كان عليه من الرفع-بعد دخولها-بشيء.
وإنما عملت هذه الحروف هذا العمل دون غيرها من حروف المعاني إلا الأقل، لأنها أشبهت الأفعال شبهًا قويًا، لأن معانيها معاني الأفعال، وألفاظها مقاربة لألفاظها، فـ "إن" و"أن"بمعنى أؤكد، و"لكن" بمعنى أستدرك و "كأن" بمعنى أشبه، وهي مركبة من كاف التشبيه و "أن" التي للتوكيد، ولتركيبها معها حكم في المبالغة صحيح، و "ليت" بمعنى أتنمى؛ و"لعل" بمعنى أترجى وأتوقع.
ولا يتقدم مرفوع هذه الحروف على منصوبها لأنها فيما علل النحويون 1 مشبهة بأفعال قد 2 اتسع فيها بتقديم منصوبها على مرفوعها، فهي فروع على تلك الأفعال المشبهة بها، والفروع تلزم طريقة واحدة، فلا تتصرف تصرف الأصول.
فإن كان الخبر مما لا يظهر فيه الرفع كالجار والمجرور والظرف ساغ تقديمه كقولك: إن في الدار زيدًا وإن أمامك عمرًا، لأن الظروف وما جرى
مجراها من الجار والمجرور متسع فيها.
فإن دخلت "ما" على هذه الحروف كفتها عن العمل، فوقع الاسمان بعدها مرفوعين بالابتداء والخبر ووقع بعدها الفعل أيضًا؛ كقولك: إنما زيد قائم وإنما قام عمرو وليتما زيد منطلق، ولعلما عمرو منطلق، قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: 171] 1 وقال سبحانه ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد: 7] 2، وقال عز من قائل ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: 28] 3 وقال الشاعر:
أعد نظرًا يا عبد قيس لعلما... أضاءت لك النار الحمار المقيدا 4
فأما "ليت" خاصة فإنها إذا دخلت عليها "ما" جاز أن تكون كافة فيرتفع الاسمان بعدها بالابتداء والخبر، ويقع الفعل أيضًا بعدها قياسًا، وهو قليل في الاستعمال؛ فتقول: ليتما عمرو قائم.
وجاز أن تكون ما مزيدة ملغاة دخولها كخروجها، فتبقى ليت على عملها في الاسمين النصب والرفع؛ وعلى الوجهين انشدوا بيت النابغة وهو:
(قالت ألا يتما هذا الحمام لنا... إلى حمامتنا أو نصفه فقد) 1
بنصب الحمام ورفعه، وكذلك قوله: أو نصفه.
ومن النحويين 2 من أجاز هذا الحكم في بقية الحروف - أعني أخوات ليت - قياساً، فأجاز إنما زيداً قائمٌ على أن تكون "ما" ملغاة، وإنما زيدٌ قائمٌ على أن تكون "ما" كافة والسماع غير ما قاسه هؤلاء.
فأما الفرق بين مواضع "إن" و "أن" مع اتفاقهما في معنى التأكيد، وكون لفظيهما وعمليهما واحداً، لولا ما اختلفا فيه من كسر الهمزة من إحداهما، وفتحها من الأخرى فهو أن "إن" المكسورة الهمزة تقع في الموضع الذي يتعاقب عليه الابتداء والفعل، كقولك مبتدئاً: إن زيداً قائم.
فأنت إن اخترت أن تبتدئ بكلام أوله اسم، كقولك: زيد قائم كان لك ذاك، وتكونُ على هذا قد ابتدأت أول كلامك بالاسم.
وإن شئت بدأت بكلام أوله فعل فقلت: قام زيدٌ، فقد بدأت على هذا بفعل، فحصل من هذا أن الابتداء بالجمل -وهي أول كلام يلفظ به اللافظ - موضع يصلح للاسم والفعل، فلا جَرَمَ أنك تبتدئ بـ "إن"
المكسورة الهمزة لا المفتوحتها، فتقول: إن زيداً قائم ولا تفتح الهمزة هنا.
ولذلك كسرت بعد القول أيضاً؛ كقولك: قال زيدٌ إن عمراً منطلق؛ قال الله سبحانه: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ 1 [الكهف: 94]، وذلك أن القول يقع بعده الكلام محكياً على ما وضع عليه، فيقع بعده لهذا جملةٌ أولها اسم؛ وهي الابتدائية كقولك قال زيد: عمرو منطلق، وتقع بعده جملة فاعلية 2؛ أولها فعل كقولك: قال عمرو: قام بكر؛ فهذا أيضاً موضع يتعاقب عليه الابتداء والفعل.
وكذلك حكمها إذا وقعت صلة للأسماء الموصولة؛ كقولك: يعجبني الذي إنه صالحٌ؛ فهذا كقولك: يعجبني الذي هو صالح، وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ 3 [القصص: 76] أي: الذي إن مفاتحه، لأن الموصول أيضاً لا تختص صلته بجملة دون جملة؛ بل إن شئت وصلته وأوضحته بالجملة من الابتداء والخبر، كقولك: الذي أبوه قائم، وبالجملة من الفعل والفاعل؛ كقولك: الذي قام أبوه.
فالصلة حينئذ من المواضع التي لا تختص بالاسم دون الفعل، ولا بالفعل دون الاسم.
وكذا إذا أجبت بها عن اليمين؛ كقولك: والله إن زيداً قائم فهي مكسورة لأن القسم يجاب بالابتداء والخبر؛ كقولك: والله لزيد قائم، وبالفعل والفاعل كقولك: والله ليقومنَّ زيد؛ ووالله لقد قام زيد؛ فجواب القسم - كما ترى- من المواضع غير المختصة بأحد القبيلين.
وكذلك إن دخلت خبرها اللام كانت مكسورة لأن اللام في نية التقدم، إذ كانت لام الابتداء، ولام الابتداء تختص بالدخول على جملة تامة، و "أنَّ" المفتوحة ليست مع اسمها وخبرها في تقدير جملةٍ، بل في تقدير مفرد، و "إن" المكسورة مع معمولها جملةٌ، فلذا إذا دخلت اللام خبرها كُسرت ولم تفتح، فإن اختص الموضع بالاسم أو بالفعل وقعت فيه المفتوحة لا المكسورة، وكان ذلك من مواضعها لا من مواضع تلك، لأن العبرة سبقت بتعريف مواضع المكسورة، وأنها لا تقع إلا في موضع مشترك بين الاسم والفعل، فمن ذلك وقوعها بعد حرف الجر كقولك: عجبتُ من أنك تقول كذا، فذا موضع مختص بالاسم، إذ حرفُ الجر من خواصه.
ووقوعُها في الموضع المختص بالفعل كقولك: لو أنه قام لقمت، لأنك تقول: لو قام زيد قمت ولا تقول: لو زيدٌ قائمٌ، ولا ما أشبهه، فذا موضعٌ كما ترى مختص بالفعل دون الاسم، لما في "لو" من معنى الشرط، فإن وقع بعد "لو" اسمٌ كان محمولاً على فعلٍ مضمر، وهو مع ذلك قليل، ومنه المثل "لو ذاتُ سوار لطمتني" 1 والأصلُ: لو لطمتني ذاتُ سِوارٍ.
وكذا تفتحها بعد لولا، لأن الفعل لا يقع بعدها كما يقع الاسم، بل هي من مواضع الاسم دونه، تقول: لولا زيدٌ لكان كذا، ولا تقول لولا يقوم 1، فلهذا جاء قوله عز وجل ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ 2 [الصافات: 143] مفتوحاً فيه "انَّ" لا مكسوراً.
وبالجملة، فإن المكسورة مع اسمها وخبرها جملة، والمفتوحة مع اسمها وخبرها في تقدير مفرد محكومٍ له بوجوه الإعراب التي تتناول المفردات، ولهذا اعتبرت بأن يحسن في موضعها، إذا حُذفت مع معمولها "ذاك"، أي هذه اللفظة، إذا قلت: علمت أنك منطلق؛ تضع مكان "أن" ومعمولها "ذاك"، فتقول في قولك بلغني أنك منطلق إذا حذفتها مع معمولها: بلغني ذاك، فيكون كلاماً صحيحاً.
وكشف هذا التعليل وهذه العبرة بوضع "ذاك" موضعها أنها مع اسمها وخبرها في تقدير مصدر، والمصدرُ اسم مفرد، ولهذا وقعت فاعلةً ومفعولةً ومجرورة كقولك 3: بلغني أنك منطلق، أي بلغني انطلاقك وعرفت أنك منطلق، أي عرفت انطلاقك وعجبت من أنك منطلق؛ أي عجبت من انطلاقك.
فإذا دخلت اللام في خبرها عادت مكسورة، وعلقت عنها اللام الأفعال التي من شأنها أن تُلغى، فعملت في موضعها؛ كقولك: علمت إنك لمنطلق.
لأن هذه اللام وإن كانت متأخرة فأصلها التقديم على "إن"
وما في خبرها، ولهذا قال سيبويه 1: فزحلفوها 2 إلى الخبر، أي دحرجوها إليه وكان موضعها الاسم، لأنه المبتدأ في الأصل، وهذه اللام مخصوصة بالدخول عليه؛ ولكنه لما "وليت" إن بدخولها عليها لتأكيد الجملة كرهوا الجمع بينهما لاشتراكهما في التأكيد، فأخروا اللام إلى الخبر، فذلك التأخير هو الزحلفة التي عبر بها سيبويه، فكان الأصل في قولك: إن زيداً لمنطلق؛ لأن زيداً منطلق؛ إلا أنهم كرهوا الجمع بينهما لما ذكرنا، فأخروها إلى الخبر، إذ لو أدخلوها على الاسم لوقعوا فيما هربوا منه، والخبر هو الاسم في المعنى، فكان دخولها إياه دخولها المبتدأ وهو اسم "إن"، إلا أن هذا مع حصول الغرض؛ وهو أن لا يدخل حرف معنى على مثله في الدلالة.
وأما الاثنان الباقيان من الثمانية، فواحد يقدم مرفوعه على منصوبه ويلزمه التقديم وهو "ما" النافية في لغة أهل الحجاز كقولك: ما زيدٌ قائماً فـ "ما" هذه مشبهة بـ "ليس" في هذه اللغة، وهي لغة التنزيل، ووجهُ شبهها بـ "ليس" أنها تنفي ما في الحال كما تنفيه ليس، وتحسُنُ في خبرها الباء كما تحسُنُ في خبر ليس، فتقول: ما زيدٌ بقائم كما تقول ليس عمرو بمنطلقٍ، وأنها تنفي الأسماء كما تنفيها ليس، فمن ذلك قوله تعالى ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ 3 قرأت القراء قاطبةً أمهاتِهم بالنصب إلا ما روي
عن عاصم 1 بن أبي النَجود من طريق المُفضل 2 أنه قرأ برفعها "أمهاتُهمُ" فأما بنو تميم وغيرهم من العرب ما خلا أهل الحجاز ومن تكلّم بلغتهم، فـ "ما" غير مُعملة عندهم، إذ كانت لا تختص بالاسم دون الفعل، ولا بالفعل دون الاسم، لأنك كما تقول: ما زيدٌ قائم، تقول: ما قام زيد، وما يقوم زيد، فجرت عندهم مجرى "هل"، ولم يراعوا شبهها بـ "ليس" في النفي.
والذين أعملوها عمل "ليس" لشبهها بها يعملونها عملها في حالةٍ مخصوصة؛ وهي بقاء النفي عليها، ولزوم الترتيب في تقديم الاسم على الخبر، فإن انتقض النفي بحرف موجب، أو قُدم الخبر على الاسم أبطلوا عملها، وعادوا إلى لغة التميميين فصار حكمها عند الجميع واحداً في كونها حرفاً غير عامل، دخل لمعناه فقط؛ وذلك حكم "هل" فتقول: ما قائمٌ زيد وما زيدٌ إلا قائم.
وانتقاض النفي ينبغي أن يكون أشد 3 في إبطال العمل من تقديم الخبر؛ ولهذا روي عن بعض العرب نصبُ الخبر مقدماً، فحكوا: "ما مسيئاً من أعتب" 4، والأكثر الأعرف غير ذلك.
والآخر من الاثنين الباقيين حرف يرفع وينصب، إلا أنه يشبه بـ "إنّ" تارة لكونه نقيضاً 1 له، فيلزم تقديم منصوبه على مرفوعه، ويشبه تارة بـ "ليس" فيلزم تقديم مرفوعه على منصوبه؛ وحمله على "ليس" حمل نظير على نظيره في المعنى؛ وذلك الحرف هو "لا" النافية.
والمثال في عملها عمل "إن" قولك: لا رجل أفضل منك، وفي عملها عمل ليس قولك: لا رجلٌ قائماً.
وقد قلنا إن حملها على "إن" حمل النقيض على نقيضه؛ وهو كحمل النظير على نظيره، فـ "إنّ" للإيجاب و "لا" للنفي، فهما - كما ترى - نقيضان، فشُبهت بها فأعملت عملها من نصب الأول ورفع خبره وهو الثاني.
ونظير هذا الحمل على النقيض إعرابهم "أياً" وهي متضمنة معنى الحرف؛ وهو همزة الاستفهام مثلاً في قولهم: أيهم في الدار؟ والاسم إذا تضمن معنى الحرف استحق البناء لتعدي حكم الحرف إليه، إلا أنهم أعربوا "أياً" من بين أسماء الاستفهام لأن لها نقيضاً ونظيراً معربين، فالنقيض "كلٌّ" والنظير "بعضٌ".
وكذا حمل بعضهم بناء "كم" الخبرية على أنه حمل لها على "رُب"، إذا كانت كم للتكثير و "رب" للتقليل.
وكذا حملوا النقائض في الأبنية والصيغ بعضها على بعض، فاشتركت فيها، ولهذا قالوا: رجلٌ أرسح كما قالوا أستة 2، وقالوا أفرع، للتام الشعر كما قالوا أقرع، وقالوا
جوعان وغرثان كما قالوا شبعان وملآن، وعطشان وصديان كما قالوا: ريان والشواهد في هذه الأمثلة كثيرة جداً.
وحملها على "ليس" لأنها تنفي كما أن "ليس" تنفي، وحملها عليها حمل الشيء على ما هو في معناه أي على نظيره.
إلا أنها إذا أُعملت عمل "إن" لم تعمل إلا في نكرة جنس شائع بشرط أن تليها، فإن فصل بينها وبين الاسم الذي من شأنها أن تعمل فيه بطل عملها، وصارت حرفاً يقع بعده الكلام الذي قد عمل بعضه في بعض، فمثال العمل قولك: لا غلام رجلٍ عندك ولا خيراً من زيدٍ في الدار، ومثال إبطال العمل قولك: لا في الدار خيرٌ من زيدٍ ولا عندك غلام رجل؛ فلا يكون مع الفصل إلا الإبطال للعمل.
ولو قلت: لا غلام زيدٍ عندك لم يجز الإعمال، وإن كنت لم تفصل لأن "غلام زيدٍ" معرفةٌ ولا يجوز أن تعمل "لا" في معرفة لانحطاطها عن رتبة ما شبُهت به في العمل، ووضعها لنفي الجنس إذا عملت.
ومثل "غلام زيدٍ" لا يعد جنساً كما أن ما أضفته إليه؛ وهو الاسم العلم لا يعد جنساً.
فـ "لا"، إذا فصلت معمولاتها، وعددتها لم تخرج عن أن تعمل في نكرة، إما مفردةٍ كقولك: لا رجل في الدار، وإما مضافةٍ إلى نكرة كقولك: لا غلام رجلٍ في الدار، وإما مشبهةٍ للمضاف، وهي التي يقال لها: الممطولة، كقولك: لا خيراً من زيدٍ عندك، ويقال لهذا القسم أيضاً: إنه المشابه للمضاف لطوله وانتصابه.
وانتصاب المضاف بـ "لا" انتصاب صحيح.
وشبه هذا بالمضاف أن الأول عاملٌ في الثاني كما أن المضاف عاملٌ في
المضاف إليه والثاني من تمام الأول كما أن المضاف إليه من تمام المضاف، ومخصص له.
وإذا دخلت "لا" على اسم جنسٍ مفردٍ نكرة بنيت معه ورُكبا فكانا كالكلمة الواحدة، وفتح آخره للتركيب فجريا لذلك مجرى الجزء الواحد، ويحذف منه التنوين للبناء، فيصير، بعد أن كان أمكن الأسماء، غير متمكن، وذلك كقولك: لا رجل في الدار ولا جارية لك، فهذا كما تقول: خمسة عشر في الدار وثلاث عشرة عندي.
وإن أعملتها عمل "ليس" رفعت ما بعدها رفعاً صحيحاً كما ترفعه "ليس" ونصبت خبرها.
إلا أن حكمها في العمل في النكرة خاصةً وترك عملها مع 1 الفصل بينها وبين الاسم هو الحكم الأول، لنقصها أيضاً وانحطاطها عن رتبة "ليس" في العمل، وذلك كقولك: لا رجل قائماً في الدار، ولو قلت: لا في الدار رجلٌ قائماً لم يجز إلا أن ترفع قائماً أو تنصبه على الحال.
وقولك "في الدار" خبر للمبتدأ - الذي هو رجل - مقدمٌ عليه.
وقد يحذف خبر "لا" في كثير من الأمر للعلم به وكونه محذوفاً في حكم النطق به، كقولك: لا إله إلا الله، والمعنى لنا أو في الوجود أو غير ذلك من الأخبار التي إذا قُدرت بعد الحذف كان المعنى صحيحاً بها، ولا يحذف مثل هذا الخبر المقدر إلا إذا كان المعنى مفهوماً عند السامع كل الفهم، وكذا كل محذوف إنما يحذف بعد العلم به والثقة - مع الاختصار- بفهم المعنى؛ وإلا كان المتكلم مكلفاً السامع علم الغيب، إذ المحذوف معلوم عند الناطق لا المخاطب.
فإن وصفت اسم لا المبني معها كنت مخيراً في نصب الصفة وتنوينها على الأصل مع بناء موصوفها، وهذا هو الوجه؛ كقولك: لا رجل ظريفاً عندك، وفي بناء الصفة مع الموصوف على الفتح وجعلهما كالكلمة الواحدة، لأنهما في المعنى كذلك، إذ كانا اسمين مسماهما واحد، وذلك قولك: لا رجل ظريف عندك.
و "لا" في هذا الوجه غير مركبة مع الاسم كما كانت في الوجه الذي قبله لأن الاسم قد رُكب مع صفته، فلا تجعل ثلاثة أشياء شيئاً واحداً، لأن جعل شيئين واحداً ضعيف في القياس، لولا استحسان 1 اللغة له، فاتبعت فيه ولم يُمكن - خلافها فكيف إذا جعلت ثلاثة أشياء شيئاً واحداً، فذلك ممتنع قياساً وسماعاً.
(ومن ركب هذا - أعني بناء لامع الصفة والموصوف - قال: هما كالشيء الواحد، فبنيت "لا" معهما والوجه عندنا هو الأول اعتباراً للفظ) 2.
ولك أن ترفع الصفة حملاً على موضع "لا" واسمها إذا 3 كانا في موضع ابتداء، فتنون لا غير فتقول: لا رجل ظريفٌ عندك.
وإن عطفت على اسمها في هذا الوجه نصبت المعطوف، وإن شئت رفعته، ولم يكن مع ذلك إلا منوناً كقولك: لا رجل وغلاماً في الدار ولا رجل وغلامٌ؛ هذا إذا لم يكن مع المعطوف "لا" مذكورة مكررة.
فإن جئت بها قبل المعطوف كما جئت بها قبل المعطوف عليه - وهي الأولى- ركبتها - إن شئت- مع المعطوف، وكان مفتوح الآخر بغير تنوين كما أن الأول كذلك، وذلك قولك: لا رجل ولا امرأة عندك، ونصبته نصباً صريحاً - إن شئت- عطفاً على اسم "لا" الأولى، وكانت "لا" الثانية مزيدة لتأكيد النفي، كقولك: لا رجلَ ولا امرأةً في الدار، وإن شئت رفعت المعطوف بالتنوين لا غير وقدرت "لا" الثانية مزيدةً في هذا الوجه أيضاً، وحملت المعطوف على موضع "لا" الأولى واسمها، وهو موضع ابتداء، والمسائل في ذلك كثيرة الأمثلة.
فإن وقع بعد "لا" المعرفة لم تكن إلا مرفوعة بالابتداء؛ كقولك: لا زيدٌ في الدار ولا عمرو، وبطل عمل "لا" إذ كانت مقصورة على العمل في النكرة الشائعة، ويلزم - في هذا- التكرير، وكذا إذا بطل عملها في النكرة بالفصل بينها وبينها كقوله تعالى: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ 1 [الصافات: 47] وعلة ذاك أن "لا" هذا جوابٌ لكلام تتكرر فيه هذه الأسماء التي لزم تكريرها بعد "لا".
والجواب 2 يكون أبداً على وفق السؤال ومطابقاً له، فلم تقل: لا زيدٌ في الدار حتى أتبعته بقولك: ولا عمروٌ، لأنه جواب لمن قال: أزيدٌ في الدار أم عمرو 3؛ وكذا لا في الدار رجلٌ ولا امرأة، جوابٌ لمن قال: أفي الدار رجلٌ أم امرأة فاعرف ذلك.
فصل
ومما عللوا به امتناع تقديم خبر "إن" على اسمها؛ وكذا بقية أخواتها؛ أن المرفوع إذا ولي رافعه وأُضمر استتر فيه وتضمنه الرافع؛ كقولك: زيدٌ قام، والأصل قام هو.
فلو ولي "إن" مرفوعها وكان مضمراً للزم - لما ذكرنا من تضمن الرافع مرفوعه المضمر - أن يتضمنه فيكون 1 مضمراً فيها؛ والحروف لا يضمر فيها إنما يضمر في الأفعال والأسماء الجارية مجراها.
وقُسم ذلك تقسيماً فقيل: لو وليها الخبر المرفوع وهو مضمرٌ لم يخل من أن يستتر فيها ويضمر أو يظهر معها، فإن أُضمر فيها لم يجز، إذ الحروف لا يضمر فيها، إنما ذلك حكم اختصت به الأفعال لقوة دلالتها على الفاعلين؛ وكذا ما أجري مجرى الأفعال من الأسماء؛ وإن أُظهر معها كان مخالفةً لأصل الوضع، وهو امتناع ظهور ضمير المرفوع مع الرافع إذا وليه؛ فلما كان تقديم الخبر على الاسم في هذه الحروف يؤدي إلى هذا، أُلزمت تقديم منصوبها إلا أن يكون خبرها ظرفاً، أو ما جرى مجراه كما سبق، فذاك مما اتسع فيه.
وشبه قولهم إن زيداً قائمٌ بقولهم: كان منطلقاً زيدٌ لأن "إن" وأخواتها فروع في العمل على "كان".