الأسماء التي عملت عمل "إن"
وإن اتفق عملها مختلفة المعاني، فمن ذلك "من" تكون اسما لمن يعقل مع تضمنها معنى الجزاء، تقول: من تكرم أكرم، فتكون شرطاً في العقلاء خاصة كما كانت استفهاماً عنهم؛ وهي مبنية لتضمنها معنى حرف الشرط كما سبق، وجازمةٌ بتقديره ولها موضع من الإعراب بحسب المعنى، وتختلف باختلاف التقدير، فإذا قلت من تكرم أكرم كانت "من" في موضع نصب بالشرط الذي هو تكرم، وهو مجزوم بها نيابة عن الحرف، والجزاء - وهو أكرم - مجزومٌ بما كان ينجزم به مع "إن"، على الخلاف الذي بينهم فيه، وقد سبق، وكأنه في التقدير أي الناس تكرم أكرم وإذا قلت: من يقم أقم معه كانت "من" في هذه المسألة في موضع رفع بالابتداء، والشرط، مجزوم بها؛ وفيه ضمير "من"، وهو مرفوع بأنه فاعلٌ، والجزاء - وهو أقم معه - مجزوم كما تقدم.
وقد روا لها إذا كانت مبتدأةً كما في هذه المسألة خبراً - وهو الجزاء - لأن المبتدأ يقتضي خبراً، والفعل مجزومٌ - كما تراه - شرطاً كان أو جزاءً؛ والقياس أن يكون الخبر الشرط، وإن كانت الفائدة إنما تتم بالجزاء، لأن الشرط وهو الذي يتسلط على هذا المبتدأ 1 تارة فيكون
منصوباً به، وتارةً يشغل بضميره فيرفع بالابتداء.
ويكون ضميره المفعول 1، وهذه صوره: زيداً ضربت وزيدٌ ضربته، وإن قلت إنه في موضع نصبٍ - مع اشتغال الفعل بضميره بإضمار فعل يفسره هذا الظاهر - جاز، وكان الفعل المقدر بين "من" والفعل الظاهر لا قبلتها على حد: زيداً ضربته، والتقدير: ضربت زيداً ضربته، بل تقدر في قولك: من تكرمه أكرمه، إذا جعلت "من" في موضع نصب من تكرم تكرمه أكرمه، لأن 2 الشرط والاسم الذي يتضمن معناه لهما صدر الكلام كالاستفهام، فلا يعمل فيه ما قبله وإنما يعمل فيه ما بعده، ولو قيل إنه مبتدأ لا خبر له، لقيامه مقام ما لا يحتاج إلى خبر، بل ما بعده مغنٍ عن خبره لكان قولاً، ولا يكسر هذا القول، ويدخل عليه الاسم المتضمن معنى الاستفهام في كونه ذا خبرٍ مع 3 ما تضمنه من معنى الحرف المستغني عن الخبر في قولك: من يقوم، لأن الشرط لا يكون إلا بالفعل، فلا يصح أن يكون بغيره فجملته لا تعرى عن 4 أن تكون فعلية، والاستفهام 5 لا يلزم فيه ذاك، فاعرفه فرقاً بينهما.
وبعد، فالإتباع أولى، وما قال 1 به المتقدمون في تقدير الخبر حسنٌ قوي.
ومن أسماء الشرط "ما"، ويشرط بها فيما لا يعقل، تقول: ما تركب أركب، وكذا حكمها في الاستفهام أن تكون لما لا يعقل؛ ويستفهم بها عن صفات ما 2 يعقل، وقال تعالى في الشرط بـ"ما" ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ 3 [البقرة: 197]، وقال عز من قائل ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ 4 [فاطر: 2].
وأما "أي" فتصلح للعاقلين وغيرهم كما كانت في الاستفهام لهما، لأنها، بعضٌ من كل، وهذا معنى يوجد 5 فيمن يعقل كما يوجد فيما لا يعقل، تقول: أي الناس تضرب أضرب كما تقول أي الناس تضرب؟ إذا استفهمت، وأي الخيل تركب أركب فتجزي 6 بها فيما لا يعقل كما تستفهم بها عنه فتقول: أي الخيل تركب؟ قال تعالى في المجازاة
بـ"أي" ﴿أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ 1 [الإسراء: 110] وهي معربة من بين الأسماء المجازى بها كما كانت كذلك في الاستفهام، لعلة واحدة هي الحمل على النظير، أو النقيض أو عليهما.
والنظير لها "بعضٌ" والنقيض لها "كلٌ"، وهما معربان فأعربت حملاً عليهما أو على أحدهما.
ونظراً إلى أن الأصل في الأسماء الإعراب؛ إلا أنها في الموضعين أعني الجزاء والاستفهام، يعمل فيها ما بعدها لا ما قبلها، لأن المعنيين اللذين تضمنت 2 كل واحد منهما في موضعه لهما صدر الكلام، فلا يتقدم شيء مما بعدهما عليهما ولا يعمل ما قبلهما فيما بعدهما بحال، فجرت "أي" في الحكم على ذاك.
و"أين" ظرف مكان؛ و"متى" ظرف زمان؛ و"حيث" ظرف مكان في غالب الاستعمال، وفي مشهور الأقوال، ويجازى بها إذا ضمت إليها "ما"، كما أن "إذا" في قولك "إذ ما" فيمن لم يرها موضوعة بل رآها مركبة ظرف زمان، وتلزم "حيث" و"إذ" إذا جوزي بهما "ما" و"أين" و"متى" يجازى بهما في الأكثر مع "ما" تقول: أين تذهب أذهب ومتى تقم أقم وأينما تذهب أذهب ومتى ما تقم أقم، قال الله تعالى ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ﴾ 3 [النساء: 78].
وقال الشاعر:
(متى ما ير الناس الفقير وجاره... غنيٌ يقولوا: عاجزٌ وجليد) 1
فأما "حيثما" فقولك: حيثما تكن أكن، و"إذ ما" قولك: إذ ما تنطلق أنطلق.
وعلة لزوم "ما" هذين الظرفين 2 - لما أرادوا أن يجازوا بهما - أنهما ظرفان يضافان إلى الجمل بعدهما، فتكون تلك الجمل في موضع جرٍ بهما؛ كقولك في "حيث": حيث تكون أكون وفي "إذ" نحو قوله تعالى ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ 3، والجزاء بهما يقتضي الانجزام بعدهما؛ والإضافة تمنع ذاك لأنهما توضحهما وتخصصهما والجزاء يقتضي الإيهام؛ فإذا دخلت "ما" عليهما ركبت معهما في الجزاء فأبطلت الإضافة، وفصلتهما عن 4 الجملتين بعدهما،
لأن المضاف شديد الاتصال بما أضيف إليه، وذاك يقتضي ألا يحول بينه وبينه شيٌ.
فـ"ما" إذا دخلت عليهما فصلتهما، وأبطلت الإضافة كما ترى وأبهمتهما وهيأتهما لأن يشترط بهما فجاز معها استعمالهما في الكلم المشروط بها، بلزومها إياهما، وهما من قبل الجزاء بهما مبنيان أيضاً على ما كانا عليه، واستشهدوا على المجازاة بـ"إذ ما" بقوله:
(إذ ما مررت على الرسول فقل له....................... ) 1
وقد حكوا ذلك، إلا أنها قليلة التردد، ناقصةٌ عن استعمال غيرها من الأدوات المذكورة معها في كثرة الاستعمال.
وأما "أين" و"متى" فقد بينا أنك مخير في 2 إلحاقهما، إذا جازيت بهما "ما"، وإن لم تتساويا في كثرة الاستعمال، وعلة ذلك أنهما لا تضافان إلى الجملة بعدهما، فلم تلزمهما "ما"، بل إن لحقتهما فزائدةٌ تأكيداً، وربما كانت تأنيساً بالفصل بينهما، إذا استعملتا في الاستفهام، وبينهما إذا جوزي بهما، وإن كان إعراب الفعل إذا وقع بعدهما في الموضعين مختلفاً.
ويؤنسك بهذا التعليل أن "ما" لا تزاد عليهما إذا استفهم بهما، فلا تقول: أينما انطلقت وأنت تريد: أين انطلقت؟ ولا متى ما تقول كذا تريد متى تقول كذا؟ فاعرفه.
وأنى بمعنى أين ظرف يستفهم به تارة كقوله تعالى ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ 1 [آل عمران: 37]، ويجازى بها أخرى كقولك: أنى تقم أقم، قال:
(فأصبحت أنى تأتها تلتبس بها... كلا مر كبيها تحت رجلك شاجر) 2
ومن الأسماء المجازى بها "مهما" في نحو قوله عز وجل: ﴿مَهْمَا تَاتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ 3 [الأعراف: 132] وقول امرئ القيس 4:
(........................ وأنك مهما تأمري القلب يفعل)
وقولك: مهما تصنع أصنع، معناه: أي شيء صنعت صنعت.
وللناس فيها أقوال 5، منها أنها "مه" ضمت إليها "ما"
الشرطية، كأنه ردٌ لكلام منطوق به أو في تقدير منطوق به؛ فكأنه على هذا التقدير إذا قال: مهما تقل أقل قد قال اكفف، فرده عن شيءٍ ثم قال: ما تقل أقل، ومنها أن أصلها "ما" الشرطية زيدت عليها "ما" لتأكيد الشرط كما تزاد مع غيرها من أدواته لتأكيده، فتكرر لفظان بصيغةٍ واحدة، أحدهما "ما" الشرطية وهي الأولى وهي اسمٌ؛ والآخر "ما" الزائدة وهي الثانية؛ وهي حرفٌ، فصار اللفظ ماما تقل أقل، فكرهوا هذا التكرير، فحرفوه بتغيير أحدهما، فأبدلوا من ألف 1 الأولى هاء لتقارب الحرفين، فصار اللفظ مهما على ما ترى، وهذا القول عندهم أقوى من الأول وأجرى على المقاييس وإن كان محتاجاً إلى صناعةٍ وأشبه بالمراد؛ وكان التغيير فيه أولى بالأولى من الثانية، لأن الأولى اسم والأخرى حرفٌ، والتغيير بالأسماء أجدر منه بالحروف، إذ كان التغيير تصريفاً، وليست الحروف مما يصرف ولا يتصرف 2، وإنما الباب في ذلك للأفعال والأسماء تليها في شيء منه.
ومنها أنها اسمٌ موضوعٌ على هذه الصيغة غير مركب ولا مغير من شيء، وهذا أيضاً قول حسنٌ لأن التركيب ليس بأصلٍ في الكلم والحمل على غيره أولى ما وجد عنه مندوحةٌ.