المرتجل في شرح الجمل لابن الخشابالمقدمة

المرتجل في شرح الجمل لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن الخشاب (492 - 567 هـ)

المرتجل في شرح الجمل لأبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني قدس الله روحه، مما أملاه الشيخ الإمام العالم ألصدر أوحد الزمان، فريد العصر، زين الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن الخشاب.
رحمة الله عليه.
الحمد لله 1.

بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر بفضلك (1). الحمد لله رب العالمين، وصلواته (2) على سيدنا محمد والنبي وآله الطيبين الطاهرين.
(قال الشيخ الأجل الإمام العالم الأوحد، زين الدين، أوحد العصر أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الخشاب النحوي اللغوي، رحمه الله عليه) (3): هذا (4) إملاء على مختصر أبي بكر، عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني، رحمه الله، الذي وسمه بالجمل، يجري مجرى الشرح له، وإن كان غير مستقصى.
(ارتجلته مملياً في أيام قليلة العدد، قبل سنة عشرين وخمسمائة، وكان مستمليه على جناح سفر، فوسمته لذلك بالمرتجل، فإن عثر فيه على ما ليس بمحرر، فقد بينت العذر فيه، وعلى الله اعتمد وبه اعتضد) (5).

قوله:

اعلم أن الكلمات ثلاث

. الكلمات جمع كلمة، جمع قلة، لأن الثلاث 6 أقل جمع، والكلمة هي12345

اللفظة المفردة، وإن شئت قلت: الجزء المفرد.
هذا الأصل 1، وغير اتساع.
وجميع ما يتخاطب به الناس 2 من الجمل المفيدة التي سماها جمهور النحويين كلاماً ألفاظ مؤلفة.
وكل مؤلف فله مفردات منها ألف، فالكلام مؤلف، مفرداته هذا الكلم الثلاث 3، فهو ينتظمها 4، ومنها ينتظم.
وهي: كلمة يصح الإخبار عنها وبها، وكلمة 5 يخبر بها ولا يصح الإخبار عنها، وكلمة 6 لا يخبر بها ولا عنها 7. الأولى تلقب اسماً والثانية تلقب 8 فعلاً، والثالثة تلقب حرفاً.
ولكل منها حد 9 وعلامات واشتقاق.
فالحد 10 يحصر ذات المحدود والعلامة 11 تعرفه، والاشتقاق يكشف عن وضع لفظه.
وانقسمت الكلم إلى ثلاثة أقسام لا رابع لها، قسمة 12 ضرورية أو كالضرورية، لأن العبارات دوال على المعاني التي تحتها، والمعاني منقسمة إلى ثلاثة أقسام 13، فوجب أن تكون الألفاظ الدالة عليها ثلاثة لا أقل ولا أكثر.

والمعاني ذات يخبر عنها وهي الاسم، وخبر عن تلك الذات 1 وهو الفعل، وواسطة بينهما، إما لإثبات الخبر للمخبر عنه، أو لنفيه عنه، أو لغير ذلك من المعاني وذلك هو الحرف 2. فأما الاسم 3، فاشتقاقه عند البصريين من سما يسمو إذا علا، كأن أصله سمو كقنو، أو سمو كعضو، بدلالة قولهم في جمعه: أسماء، فهذا كعدل واعدال، وقفل وأقفال، أو كقنو وأقناء، وعضو وأعضاء، ثم حذفوا لامه - وهي الواو - حذفاً، وسكنوا أوله - وهو السين - ليعوضوه من الحذف الذي أجروه الذي أجروه عليه اعتباطاً، فاجتلبوا له همزة الوصل ليقع الابتداء بها فصار اللفظ اسماً كما ترى.
وذهب الكوفيون إلي أنه مشتق من السمة، فأصله على هذا عندهم وسم، لأن السمة العلامة، والاسم لدلالته على مسماه كالعلامة له.
والذي ذهبوا إليه صحيح 4 من طريق المعنى، فاسد بمقاييس اللفظ، لأنه لو كان من الوسم، وهو أصل السمة لقيل في اشتقاق الفعل منه على فعلت: وسمت ولم يقل: سميت، ولقيل: أوسمت، إذا كان على أفعلت، ولم يقل أسميت، إلا أن يدعوا فيه القلب.
وليس القلب بقياس 5، ولقيل في جمعه: أوسام، ولم يقل: أسماء، ولقيل 6 في جمع الجمع: أواسم وأواسيم ولم تقل أسام، ولقيل في تصغيره: وسيم 7 لاسمي، ولما جاء فيه في بعض لفاته سمى كهدى 8 كما أنشدوا:

والله أسماك سمى مباركا 1 وإن كان لا قاطع شاهد فيه.
وكل هذه التصاريف تشهد بصحة قول البصريين.
وأيضاً فالتعويض 2 ينبغي أن يكون مخالفاً موضعه موضع المعوض منه 3 فهم إذا أوقعوا الحذف أولاً وأرادوا التعويض عوضوا آخراً، وإذا 4 حذفوا آخرا وعوضوا عوضوا أولاً، بدليل قولهم: عدة وصاة وبابهما، فاتهم لما حذفوا فاء الكلمة - وهي الواو من عدة - ألزموها تاء التأنيث في آخرها عوضاً من حذف فائها، فلو كان المحذوف من اسم فاءه للزم التعويض لامه، وليس الأمر كذلك.
وأما حده فقد طال 5 الناس فيه وأكثروا، وأقرب ما حدوه به إلى الصحة عند تحقيق النظر قول من قال: الاسم لفظ يدل على معنى في نفسه غير مقترن بزمان محصل.
فقولهم 6: "لفظ" هو جنس للاسم، قريب منه، وهكذا يجب أن يوضع في أول الحد جنس المحدود الأقرب، ثم يؤتى من بعده بالفصول التي تميز المحدود من الأنواع المشاركة له 7 في جنسه.
وقولهم: 8 "دال على معنى في نفسه" فصل يميز الاسم من الحرف، لأن الحرف يدل على معنى لكن في غيره.

وقولهم 1: "غير مقترن بزمان" فصل يميزه من الفعل، لأن الفعل يدل على معنى في نفسه، ولكن 2 مقترن بزمان ذلك المعنى.
وقولهم 3: "محصل" احتراز 4 من المصدر واسم الفاعل وما جرى مجراهما من الأسماء الدالة على معنى مقترن بزمان، أزمنة هذه مبهمة غير معينة ولا منحصلة.
وأما علاماته فتقسم قسمين: لفظية ومعنوية، فاللفظية إما أن تلحقه من أوله أو في حشوه أو في آخره.
فالتي تلحق من 5 أوله، كالألف واللام اللتين للتعريف، كقولك: رجل والرجل وغلام والغلام، وكحروف الجر وهي نحو من وإلى وعن وعلى، تقول: من زيد وإلى عمرو 6 وعن زيد وعلى زيد.
وأما العلامة التي تلحقه في حشوه فنحو ياء التصغير كقولك: رجل ورجيل ودرهم ودريهم.
والتصغير خاصة من خواص الاسم، وربما دخل 7 ضرباً من الفعل، إلا أنه في الاسم يتناول لفظه، ولإيراد بتصغيره تصغير شيء غيره في معناه، وإذا لحقت الفعل تناولت لفظه، وكان المراد بتصغيره تصغير

مصدره 1 كقولك في التعجب: ما أحيينه وما أميلحه.
فالتصغير قد تناول لفظ الفعل والمراد تصغير المصدر، وهو الحسن والملاحة، ونحو ألف التكسير في قولك: دراهم ودنانير.
وأما ما يلحقه آخراً فنحو التنوين في قولك: رجل وقوس.
والتنوين: نون ساكنة تلحق آخر الاسم المتمكن علامة لخفتيه، ويدخل الكلام على خمسة أقسام.
الأول: التنوين الدال على خفة الاسم المذكور.
والثاني: تنوين يلحق الاسم المبني فرقاً بين المعرفة والنكرة كقولك: صهْ وصهِ، ومهْ ومهٍ، فهذا الاسم وما جرى مجراه، إذا لم تنونته كان معرفة 2، وإذا نونته كان نكرة، فإذا قلت صهِ، كان كأنك قلت: افعل السكوت، وإذا قلت صهٍ كان كأنك قلت افعل سكوتاً.
والثالث: تنوين يدخل عوضاً من جملة محذوفة كأن الأصل أن تذكر، وذلك في نحو إذ، إذا قلت حينئذ ويومئذ، فإذ ظرف زماني مبني على السكون والأصل أن تقول: كأن كذا يوم إذ كأن كذا، ثم تحذف الجملة المضاف إليها "إذ" علماً بها واستغناء بما تقدم عنها، وتعوض "إذ" من الجملة المحذوفة التنوين فيلتقي التنوين وهو ساكن بالذال وهي ساكنة فتكسر الذال لالتقاء الساكنين فيصير اللفظ على ما رأيت، قال الله تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ 3 [الحاقة: 18]، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ﴾ 4 [الرحمن: 39].

ومن ذلك قوله الهذلي 1: (نهيتك عن طلابك أم عمرو... بعافية وأنت إذ صحيح 2) والأصل: وأنت - إذ نهيتك - صحيح، ثم حذفت 3 الجملة وعوض منها التنوين.
والرابع: تنوين يلحق آخر الجموع المؤنثة السالمة، نظيراً للنون في الجموع المذكورة السالمة، وذلك في نحو مسلمات وصالحات.
فالتنوين في هذا الجمع نظير للنون في مسلمين ورسيل لها، وليس بتنوين الصرف، بدليل قوله عز وجل ﴿فإذا أفضتم من عرفات 4، فنون "عرفات"، وهي مؤنث معرفة، وما كان فيه علتان من العلل التسع التي تذكر - إن شاء الله - في باب ما لا ينصرف فإنه يمنع الصرف 5، وقد رأيت عرفات كيف استعملت منونة، فدل على أن تنوينها ليس بتنوين الصرف.
ويدلك على أنها معرفة قولهم: هذه عرفات مباركاً فيها، فمباركاً حال منها 6، والحال أصلها أن تقع من المعرفة لا من النكرة.

والخامس: تنوين يلحق أواخر الكلم التي تقع في قواف في الشعر 1 المطلق عوضاً عن مذات الترنم، ومدات الترنم الألف في مثل قوله: (أقلي اللوم عاذل والعتابا... وقولي إن أصبت لقد أصابا 2) والواو في مثل قوله: (........... سقيت الغيث أيتها الخيامو 3) والياء في مثل قوله: (............ كانت مباركة من الأيامي 4)

فيقع هذا التنوين موقع هذه الحروف، فيكون الإنشاد: (أقلي اللوم عاذل والعتابن... وقولي إن أصبت لقد أصابن) وكذلك ينشد الذاهب هذا المذهب في الإنشاد: (........... سقيت الغيث أيتها الخيامن) (و............... كانت مباركة من الأيامن) فهذه أقسام التنوين في قول الجمهور من النحاة.
والتنوين الذي يعتبر 1 به الاسم فيكون علامة له هو الأول وما يليه وهو غنة تلحق آخر الاسم، تثبت وصلا في اللفظ وتحذف في الخط لأن موضوع على الوقف.
ومن خواص الاسم اللفظية اللاحقة آخره الفذ التثنية وواو الجمع في مثل قولك: الزيدان والزيدون، والياء الواقعة موقعهما في 2 مثل الزيدين والزيدين.
ومن خواصه: الإضافة، وهو أن يضاف أو يضاف إليه كقولك: غلام زيد، فغلام اسم مضاف وزيد اسم مضاف إليه.
ومن خواصه أن يوصف، كقولك: الرجل: الظريف، أو 3 يضمر كقولك زيد مررت به.
فهذه أغلب علاماته اللفظية.
وأما علاماته المعنوية فنحو 4 أن يكون فاعلاً أو مفعولا كقولك:

ضرب زيد عمراً، فزيد فاعل وعمرو مفعول، وأن يخبر عنه تارة، ويخبر به أخرى كقولك: الرجل قائم، فالرجل مخبر عنه 1، والقائم الرجل، فالرجل ها هنا خبر، وعلى هذا علاماته المعنوية.

جارٍ التحميل