فصل في أشياء منفردة
وهي خمسة أبواب منها باب المعرفة والنكرة
المعرفة هي كل اسم خص الواحد من جنسه، والنكرة كل اسم صلح لكل واحد من جنسه على حد 1 البدل، أي يصلح لذا ثم يصلح لذا إن أطلق عليه؛ والنكرة هي الأصل في الأسماء عند أهل العربية وغيرهم، والمعرفة ثانيةٌ لها وفرعٌ عليها.
فالنكرة كقولك: رجل وامرأة وفرسٌ وثوب؛ ألا ترى أن رجلاً يصلح لكل ذكر من المميزين من الحيوان 2؛ وامرأة لكل أثنى منهم، وفرساً لكل ذي أربعٍ صهالٍ، وثوباً لكل ما يصلح أن يلبس ويتسربل.
وهذه النكرات هي الأجناس عند النحويين، وهي الأول عندهم؛ ولا فرق بين أن تكون أجساماً أو معاني جواهر أو أعراضاً جثثاً في في عبارة القوم 3 أو غير جثث؛ الكثرة تشملها والجنسية تنطلق عليها كقولك: رجلٌ وملكٌ وجني وفرس وأسدٌ وطائر وحية وعقربٌ
وشجرة وبقلةٌ وأكلٌ وشربٌ وسكون، وحركة ونوم ويقظة وموت وحياة وقائم وساكن ومتحرك وحيٌ وميتٌ؛ الجامد والمشتق والمفرد والمركب في هذا الاعتبار سواءٌ، فاعرفه.
وأما المعرفة - وهي كما قلنا التي تخص الواحد من جنسه في أصل وضعها - فتنقسم أقساماً خمسة: منها المضمر نحو: أنا، وأنت، وهو والكاف في رأيتك وبك، فهذه الكلم وما جرى مجراها - قلت حروفها أو كثرت - أسماءٌ مضمرةٌ، وسميت مضمرةً، هي وما جرى مجراها لأنها في الأمر العام إنما تأتي بعد مذكور ظاهر كقولك: زيد مررت به، أو ما يقوم مقام لفظ الاسم الظاهر الذي يعود الضمير إليه كالمتكلم إذا قال، أنا فعلت، فناب المتكلم ها هنا مناب اسمه؛ وكذا المخاطب على اختلاف ضروبه، ثم يختصر اللفظ الظاهر، فلا يعاد المذكور بصورته 1 كراهةً للتكرير وخشية اللبس في بعض الأحوال، أو في جميعها أو اختصاراً أيضاً، فإن الاختصار مع العلم مطلوب عندهم.
فمجموع ما ذكرنا أو بعضه علةٌ 2 في وجود الأسماء المضمرة في اللغة والمثال في ذلك زيدٌ مررت به لو نطقت بالأصل في إظهار الاسم المتقدم وتكريره مع الباء، فقلت: زيدٌ مررت بزيدٍ لكان التكرار غير مستحسن عند من له ذوقٌ في البلاغة، ولتوهم ما يلبس،
لأن الشركة قد تقع في الاسم المظهر؛ بل القليل من المظهرات هو غير ذي الشركة؛ فكان السامع ربما توهمه زيداً غير الأول؛ ولهذا احتجت إلى وصفه إذا قلت: مررت بزيدٍ العاقل لإزالة شركةٍ واقعةٍ فيه وقوعها في النكرات، وإن اختلفت جهتا الشركة في قولك: زيدٌ، وقولك: رجلٌ.
ويتبين لك قبح التكرار وخوف اللبس في إعادة الظاهر في احتياجك إلى ذكر الظاهر أكثر من مرة إذا قلت: زيدٌ مررت به، فأكرمته ورأيت أباه فأحسنت إليه؛ وعلى هذا النهج من الإطالة إذا احتيج إليها، فوقع التكرار.
فول قلت في هذه المسألة وهذا المثال: زيدٌ مررت بزيدٍ، فأكرمت زيداً ورأيت أبا زيدٍ فأحسنت إلى أبي زيدٍ لوقع لبس عند السامع لإخفائه، ولسمج التكرار وبان أن الإضمار أخصر وأبلغ.
فأما ما جاء من مثل قوله تعالى ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ 1 [الحاقة: 1 - 3] و ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ 2 [القارعة: 1 - 3] وما أشبه هذا مما كرر فيه الظاهر، وهو لعينٍ واحدة، ولم يضمر على المعهود من استعمالهم، فله حكمٌ زائدٌ انفرد به هو التعظيم والتفخيم في تكرير الاسم بلفظه لا عائده، ولو كان مستعملاً بالعائد لما منعته اللغة، ولكن هذا أبلغ في التفخيم، أعني إعادة مثل هذا بلفظه الأول؛ إلى غير ذلك من فوائد في هذا الاستعمال لا تكون في غيره وإن كان جائزاً لا يحتمل هذا المختصر ذكرها.
فلما استطالوا الإعادة والتكرار أتوا بهذه الضمائر بحسب المضمرات عدداً وتذكيراً وتأنيثاً وإعراباً، وأمنوا معها اللبس مع اختصارها.
فأما اختصاصها بالحروف 1 الموضوعة لها فشيء يطول بتعليله هذا المختصر مع ارتفاعه عنه لدقته.
والإضمار في اللغة الإخفاء، قال الشاعر يصف ثوراً وحشياً:
(يبدو وتضمره البلاد كأنه... سيفٌ على شرفٍ يسل ويغمد) 2
وقال الأعشى 3:
(أرانا إذا أضمرتك البلاد... د نجفى وتقطع منا الرحم)
أي إذا أخفتك، وسترتك، فكأن الاسم المظهر إذا لم يعد ذكره قد ستر وأخفي وجعل مكناً في النية، وهذا الضمير الموضوع دليل عليه.
والإضمار في اللغة الإخفاء، ولأن 4 كثيراً من الضمائر من الأسماء
لا لفظ له ظاهراً كضمير الغائب والغائبة في قولك: زيدٌ قام، وهندٌ قامت، وعمرو يقوم، وضمير المواجه في قولك: أنت تقوم؛ وقم يا زيد، وفي المتكلم إذا قال: أنا أقوم، فالاسم في هذه الأمثلة وما مجرى مجراها مكنٌ في هذه الأفعال ملزم ذاك، ألزمته اللغة الاستتار، ولم تجعل له لفظاً إذا كان مفرداً، ثقة بعلمه، إذ كان الفعل لابد له من فاعل.
فهذا الحكم الموجود في هذه الضمائر المستترة هو حقيقة الإضمار والإخفاء، ثم حمل ما ظهر له لفظٌ من هذا الضرب، متصلاً كان أو منفصلاً، على هذا القسم في التلقيب فقيل في كله: مضمر، وذلك كالتاء في قمت، وهذا متصل، وكقولك: أنت وهذا منفصلٌ، وهذا يشهد بأن المضمرات المتصلات أصول للمنفصلات منها، ولهذا إذا قدرت على الضمير المتصل لم تأت بالمنفصل إلا في ضرورة شعر، كما قال:
(....................... إليك حتى بلغت إياكا) 1
يريد حتى بلغتك، وكذا قول الآخر:
(.............. قد ضمنت... إياهم الأرض في دهر الدهارير) 1
يريد: قد ضمنتهم، فوضع المنفصل موضع المتصل اضطراراً.
وينقسم المضمر ثلاثة أقسام كما 2 المظهر له ثلاثة أحوال في الإعراب، وهي الرفع والنصب والجر، فضمير المرفوع يكون متصلاً ومنفصلاً، فمتصلة كتاء المتكلم والمخاطب من المذكر والمؤنث، كقولك قمتُ، وقمتَ، وقمتِ، وضمائر المثنى والمجموع من ذاك، كقولك في المتكلم: قمنا، وفي المخاطب: قمتما وقمتن، ومنفصل كضمير المتكلم أيضاً إذا قال: أنا.
والمخاطب والمخاطبة إذا قلت: أنتَ وأنتِ، ومثنى ذلك ومجموعه إذا قلت: نحن وأنتما وأنتم وأنتن.
وفي الغائب والغائبة: هو وهي، والمثنى والمجموع: هما وهم وهن.
وضمير المنصوب يكون أيضاً متصلاً ومنفصلاً، فالمتصل للمتكلم الياء في نحو: ضربني، والنون وقاية قبلها في عرف البصريين 1 وعماد في عرف الكوفيين.
وللمخاطب الكاف إذا قلت: أكرمُكَ وأكرمكِ، ومثنى ذلك ومجموعه: ضربنا وضربكما وضربكم وضربكن، وهاء الغائب المذكر في قولك: ضربه، وهاءٌ وألفٌ للمؤنث في قولك: ضربها ومثنى ذلك ومجموعة في قولك: ضربهما وضربهم وضربهن.
والمنفصل إياي للمتكلم، ومثناه ومجموعه مذكراً كان أو مؤنثاً إيانا، وللمخاطب إياكَ وإياكِ وإياكما وإياكم وإياكن، والغائب: إياه، والغائبة إياها، وتثنيتهما: إياهما، وضمير جمع المذكر: إياهم وجمع المؤنت: إياهن.
والثالث ضمير المجرور، ولا يكون منفصلاً البتة، ولا يكون إلا متصلاً، نظراً إلى ظاهره، وحكمه 2 في شدة اتصاله بعامله الجار من حرفٍ هو الأصل في الجر أو اسم جارٍ بالإضافة بمعنى الحرف؛
وكلا القسمين يتصل بالظاهر إذا عمل فيه أشد الاتصال، حتى أنه يقبح 3 الفصل بينه وبينه في الضرورة الشعرية التي هي مظنة الاتساع والتجوز وركوب المحظور في حال النثر أشد القبح، فلا يجوز لشاعر محدث ركوب تلك الضرورة الواردة عنهم في الشعر من ذلك كما
جاز له ركوب غيرها من الضرورات التي كثرت عنهم، وإن ركبها لم يحمد، فكان ضمير المجرور متصلا البتة لا منفصلاً لذلك، وهو الكاف في بكَ وبكِ وبكما وبكم وبكن، والياء في: بي وفروعه مثل 1 بنا وهاء الغائب مثل به والغائبة بها، ومثناهما ومجموعهما مثل بهما وبهم وبهن.
واعلم أن الأصل في جميع ضمائر الجموع المذكرة المذكورة مما فيه الميم أن تأتي بعدها واو، وتكون الميم عندهم لمجاوزة الواحد، والواو لتعيين أن المجاوزة إلى جمعٍ لا تثنية؛ كقولك في أنتم: أنتمو، وفي مهم: مهمو، وفي قمتم قمتمو، وكذا في المنصوب والمجرور، ما اتصل، وما انفصل؛ كقولك رأيتكمو، ورأيتهمو وبكمو ومنهمو إلا أنهم حذفوا الواو تخفيفاً وسكنوا الميم قبلها بحذف ضمتها علماً بأنه غير ملبسٍ مع التخفيف بواحدٍ ولا تثنيةٍ؛ أما الواحد فلتعريه من العلامة البتة، وأما التثنية فللزوم الألف لها إذا قلت: هما وإياكما وبكما؛ وإن استعمل الأصل، ورد المحذوف فجيدٌ كثيرٌ في استعمالهم الفصيح، يقرأ به القرآن، ويتكلم به الفصحاء في النثر والنظم.
واعلم أن الأسماء المضمرة من قبيل المعارف التي لا يصح تنكيرها هذا على الإبهام الذي فيها وذاك أن الاسم لا يضمر إلا بعد أن يُعرف كل العرفان، فظاهره قد أغنى في 2 البيان.
فأما قولهم: ربه رجلاً، فإنما جاز دخول "رب" على هذا الضمير، وهي – أعني
رب - من خواص النكرات، لأنه لما لم يعد إلى مذكور مع الإبهام الذي يقع في المضمرات أشبه النكرات، فجاز دخول "رب" عليه كما تدخل على أقرب النكرات من المعارف، ولذلك لزم تفسيره بالنكرة لما أضمر قبل الذكر، وهو مع ذاك قليل نادر، إنما ورد في ضمير الغائب لا غير، ولا يجوز أن يقاس عليه ضمير مخاطبٍ ولا 1 مخاطَب، لأنه 2 لا إبهام فيهما كما في الغائب، وهذا يشهد لمن رتب الضمائر في التعريف، فجعل بعضها مع شمول التعريف إياها 3 أمكن من بعضٍ فيه وأفضل؛ كمن 4 قدم ضمير المتكلم في ذلك، ثم ساقها من بعده السياقة المذكورة في كتبهم.
وقد جاء هذا الضمير اللاحقة 5 "رب" مؤنثاً، وذاك بحسب المعنى المستعمل في ذلك.
قال الشاعر:
(ماوي بل ربتما غارةٍ... شعراء كاللذعة بالميسم) 6
وتختص المضمرات بأنها لا توصف ولا يوصف بها، وبهذا يستدل على أنها أعرف المعارف، إذ كان غيرها من المعارف لا يمتنع من أن يوصف أو يوصف به، أو يجتمع له الأمران: الوصف به وأن يوصف؛ وكل ذلك مما يوهن تعريف الاسم ويشر به ضرباً من التنكير.
فإذا مر في كتب النحويين 1 وصف المضمر أو الوصف به، فالمراد بذلك تأكيده أو التأكيد به لا حقيقة الوصف، على حد قولك: مررت بزيدٍ القائم، ومثال ذلك مررت بك أنت وقمت أنت؛ فأنت تأكيدٌ للضمير قبله.
وقولهم فيه: إنه وصفٌ له تجوزٌ على ما بينت ومثلت.
والمضمرات على اختلافها مبنيات كلها، متصلها ومنفصلها، لأنها لما لم تقم بأنفسها في الدلالة، بل افتقرت إلى مذكور ترجع إليه أشبهت الحروف التي لابد من أن تكون وصلةً لغيرها مما معناها فيه، والحروف كلها مبنيةٌ؛ فوجب بناء المضمرات لشبهها في هذا الحكم، وهذه هي علة بناء الأسماء الموصولة، لافتقارها إلى الصلة كما يفتقر الحرف إلى ما يتصل به.
وإن شئت عللت بناء الاسم الموصول بأنه لما كانت الصلة تتمةً له، وهو لا يغني في الدلالة على ما تحته دونها، كان كبعض الاسم، فتنزل منزلة "جع" من جعفرٍ أو "عم" من عمروٍ؛ وبعض الاسم لا يستحق الإعراب، وإذا لم يستحق الإعراب كان مبنياً.
ومثال الموصول قولك: مررت بالذي قام أبوه، فالذي اسم موصول، وما بعده مما يتم به معناه صلته، وكذلك مؤنثه وتثنيتهما وجمعهما وما جرى مجراهما مما هو في معناهما كمن وما وأي إذا استعملت موصولة.
ومنها الأعلام، والاسم العلم كل لفظ علقته على مسمى، فجعل ذلك اللفظ علامة له ينفرد بها عن جنسه؛ فلا يشركه فيه غيره، هذا أصل وضع العلم، فمتى كان بهذه الصفة لم يحتج إلى الوصف؛ وإنما يوصف إذا دخلته الشركة، أي شورك في ذلك اللفظ 1 فكان مطلقاً على غيره علماً أيضاً.
وتلك الشركة إنما تقع مواردةً، فليس الاشتراك الواقع في لفظ "زيد" في انطلاقه على زيد الخيل 2 مثلاً وعلى زيد بن حارثة 3
وزيد بن ثابت 1 وزيد مناة 2 وغير هؤلاء ممن اسمه زيد، هو الاشتراك الواقع في رجل وفرس وغيرهما من النكرات الصالحة لكل واحد من جنسها 3، لأن اشتراك النكرة الممثل بها وما أشبهها مقصودٌ في أول الوضع، والاشتراك الواقع في الأعلام غير مقصود، فاعرفه فرقاً واضحاً بينهما.
وعلى كل حال، فما وصف العلم فقيل مررت بزيدٍ الظريف كما توصف النكرة، فيقال برجلٍ ظريفٍ إلا لرفع اللبس بالاشتراك الواقع فيهما.
وقال النحويون في الاسم العلم: هو مجموع صفاتٍ، يريدون بذلك أنك إذا سميت شخصاً من الآدميين زيداً أو عمراً استغنيت بهذه السمة عن قولك: الكريم العاقل الشجاع الطويل، وغير ذلك من صفاته التي يفرق بذكرها بينه وبين مشاركه 4 في جنسه حين كان نكرة، فقام لفظ زيد وما أشبهه من الأعلام مقام هذه الصفات 5 الفارقة وأغنى
عنها، وعن الإطالة بها، فلهذا قالوا فيه: إنه – أعني العلم – مجموعها، وكذا تقول فيما علقته علماً في غير العاقلين كباقي الحيوان والجماد من بلدٍ وغيره، وكالمعاني 1 التي ليست بجثثٍ فاعرفه.
واعلم أن معنى المواردة 2 في الاسم العلم هي أن يسمي الرجل ابنه عمراً، كعمرو بن تميم 3، وهذا على أنه 4 علم له يعرف به لا يشركه فيه عنده غيره، ويسمي آخر ابنه عمراً وقصده به ذاك القصد كعمرو ابن مالك 5 وكذا عمرو بن معد يكرب 6 وعمرو بن العاص 7 وعمرو
ابن أميه 1 وعمرو لهاشم جد أبي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عمرو العلي 2.
فكل هذه الشركة الواقعة في هذه الأسماء وما أشبهها من الأعلام مواردةٌ أي اتفاقٌ في الشركة من غير قصدٍ لها كتوارد الشاعرين البيت الواحد من غير سرقةٍ 3 من أحدهما.
واعلم أن العلم معرفة بالوضع لا بالأداة، وبابه أن يكون للأعيان، أي الجثث عند النحويين، فإن جاء في المعاني فقليل؛ فالأعيان ظاهرة الأمر، وذلك كقولك: زيدٌ وعمرو وهندٌ ودعدٌ وشد قمٌ وجديلٌ 4 في اسمي الفحلين الذين تنسب إليهما الإبل في قولهم شد قيمةٌ وجدليةٌ، وسبلٌ، ولا حقٌ، والوجيه 5 في أسماء الخيل المشهورة الموصوفة
بالعتق، وغيثة وبركة، وهما شاتان من شاء النبي صلى الله عليه وسلم وكن تسعاً، وكمكة وعمان 1 في أسماء البلاد.
فأما المعاني فكقولهم في لفظة التنزيه والتبرئة "سبحان"، وذلك في قول الشاعر:
(أقول لما جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر) 2
ذهب المدققون 3 منهم إلى أنه جعل "سبحان" علماً لهذا المعنى، فلذلك منعه الصرف؛ ومنهم من يذهب إلى أن هذا الاسم باقٍ على حاله في أصل استعماله، وأن حذف التنوين منه ليس لمنع الصرف، وإنما هو باقٍ على إرادة المضاف إليه المحذوف ضرورةً، كأنه قال:
سبحان الله.
والأول أشبه بالصناعة والثاني أقرب مأخذاً، وذهب أبو علي في قول الفرزدق:
(وإن قال غاوٍ من تنوخ قصيدةً... بها جرب عدت علي بزوبرا) 1
إلى أن "زوبرا" اسمٌ علمٌ في هذا البيت، علقه الشاعر على القصيدة فلم يصرفه للتأنيث والتعريف.
وبالجملة، فتعليق الأعلام على المعاني قليلٌ ضعيفٌ في قياس العربية، لأن الجثث هي الثابتة اللابثة، فهي بوضع الأعلام عليها لتختص، وينفرد بعضها من 2 بعضٍ أحق؛ فأما "محوة" في اسم الشمال من قوله:
(قد بكرت محوة بالعجاج... فدمرت بقية الرجاج) 1
فعلم علق عليها، والريح من قبيل الأجسام لا المعاني.
ولا يخلو العلم من أن يكون مرتجلاً أو منقولاً من جنسٍ، أو 2 وصفٍ يغلب عليه.
فالمرتجل نحو فدو كسٍ 3 وغطفان 4 وعمران وعثمان.
ومعنى المرتجل أنه وضع وضعاً أولياً ولم ينقل من مسمى إلى غيره؛ والمنقول هو الذي يكون موضوعاً في الأصل لجنسٍ، ثم ينقل، فيسمى به شخصٌ من جنس آخر، فيصير علماً له، كرجلٍ سميته
بأسدٍ وكأسد بن خزيمة 1 أو ثور كقوم سفيان 2 أو قردٍ 3 كالبطن من هذيل أو حمار كمعقر بن حمار 4 أو كلبٍ ككلب بن وبرة 5، أو زيدٍ وهو مصدر زاد يزيد زيداً، أو عمروٍ، وهو إما الواحد من عمور الأسنان أو البقاء، لأنك تقول أطال الله عُمرك وعَمرك.
وربما سمى اللغويون هذا الضرب من المنقول على وصفنا مشتقاً، وعلى ذلك وضع كثير منهم كتباً في الاشتقاق، أكثرها على هذا، كالأصمعي 6 وغيره، فإنهم يسمون الكتاب بالاشتقاق، ويذكرون فيه: أن
طلحة 1 واحدة الطلح، وثمامة 2 واحدة الثمام، وسمرة 3 واحدة السمر، وكل ذلك شجر وهي أجناس عندهم عامةٌ لما تحتها 4. وبالجملة فكل لفظٍ نقل عن موضعه في الأصل، فعلق على مسمى 5 فإنه علم للثاني المنقول إليه مفرداً كان أو غير مفرد، فالمفرد كما مثلنا هو أحد قسمي المنقول من المفرد، والقسم الآخر الوصف المعلق علماً؛ وهو المسمى عندهم غالباً كقولك: الحارث والعباس والحسن، فهذه الأسماء أوصاف في الأصل تجري على موصوفاتها، كقولك: مررت برجل حارثٍ وعباسٍ وحسنٍ، ثم جرت على المعارف كما جرت على المنكرات؛ فتقول بالرجل الحارث للكاسب والعباس للكثير العبوس، وبالرجل الحسن، ثم غلبت هذه الأوصاف بحذف موصوفاتها وقيامها مقامها، حتى اطرح ذكرها معها فاستعملت أعلاماً 6 ولكونها في الأصل على ما بينا كان للعرب فيها لغتان: إلحاق لام التعريف بها،
وحذفها منها، كقولهم: حارثٌ والحارث، وعباسٌ والعباس وحسنٌ والحسن، قال الشاعر:
(ولا تبك ميتاً بعد ميتٍ أحبه... علي وعباسٌ وآل أبي بكر) 1
يريد بعباسٍ العباس بن عبد المطلب 2، والميت النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الآخر:
(أترجو أمةٌ قتلت حسيناً... شفاعة جده يوم الحساب) 3
يريد الحسين 4 بن علي عليهما السلام.
فمن ألحق اللام هذه الصفات المعلقة أعلاماً راعى معنى الوصف في الأصل، ومن حذفها غلب النقل إلى العلمية، ولم يراع للكلمة 1 أصلاً في أول الوضع، أي قبل النقل، وقد تغلب العلمية في بعض هذه الصفات المنقولة، فلا تلحقها اللام البتة، كمحمدٍ وعليً في اسم النبي صلى الله عليه وسلم وابن عمه علي كرم الله وجهه، فلا يقال فيهما المحمد ولا العلي كما قيل عباسٌ والعباس.
والإلحاق في هذه الأوصاف المسمى بها لام التعريف، وترك الإلحاق أمرٌ موقوف على السماع لا يحكم فيه القياس.
وأما غير المفرد من المعلق علماً فكالجمل المسمى بها من نحو: تأبط شراً 2 وبرق نحره، وذرى حباً 3، وشاب قرناها 4 كل هذه
جملٌ في الأصل دوام، مكتفيةٌ في الإفادة بأنفسها، نقلت عن بابها، وعلقت أعلاماً لأغراضٍ لهم في ذلك وأسبابٍ، فخرجت إلى باب المفرد وجرت مجراه في أنها لا يكتفي في الفائدة التامة بنفسه، نعم وصارت معارف بعد أن كانت نكرات.
وكذا لو علقت بيتاً من الشعر علماً على شخصٍ لكان لك ذلك (1) لأن تعليق الأعلام لا حجر فيه، ولا حظر على من أراد تسميةً؛ فكان حكم البيت في أن لا (2) يفيد وحده، وأن يحكى لفظه حكم الجمل الممثل بها.
وللأعلام انقساماتٌ في الإفراد وغيره، والنقل لمعنى موجود في المنقول إليه (3) وغير ذاك، يطول بذكرها مفصلةً هذا المختصر.
ومنها