المرتجل في شرح الجمل لابن الخشاباسم إشارة

كقولك «ذا» في الإشارة إلى كل مذكر مفرد وذي في المؤنث، و «تا» و «تي» أيضاً في المؤنث وتثنيتهما وجمعهما، كقولك في تثنية المذكر: «ذان» في الرفيع وذين في الجر والنصب.
وفي جمعه أولاء بالمد و «ألى» بالقصر وهو لفظ موضوع للجمع من غير لفظ الواحد، فهو في المبهم كقوم في جمع امرئ في الأسماء غير المبهمة 2، وفي تثنية المؤنث «تان» و «تين» ويتجنب فيها «ذان»، وإن كان الأصل، ليقع الفرق بين تثنيتها وتثنية مذكرها، وكذا فعلوا في تصغيرها فقالوا «تيّا» في جميع لغاتها ولم 3 يقولوا في تصغير «ذي» ذيّا ليفرق أيضاً في ذايين المذكر والمؤنث، والفرق مطلوب فإذا أمكن كان استعماله هو هو القياس، لأن غير الفرق يُلْبِسْ واللفظ إنما وضع للبيان لا للإلباس.
وتقول في جمع المؤنثة المبهمة «ألاء» و «ألى» بالمد والقصر1

أيضاً كما قلت في المذكر، وهذا مما شركوا فيه بين المذكر والمؤنث، لأنهم ربما تركوا الفرق لئلا تكثر الأوضاع أو لغير ذلك من الأغراض مما يطلع عليه أو لا يُطلع، وثقة بأن المعنى مفهوم بجهة أخرى 1 تقترن باللفظ المشترك، تقع بها الميزة، ويتبين المقصود.
و«ها» الملحقة أوائلها مفردة ومثناة ومجموعة ومصغرة ومكبرة في مثل: هذا وهذين وهاتا وهاتين، وهؤلاء وهؤلى فيها، وهاذيا وهاتيا حرف تنبيه.
والكاف، إذا لحقت آخراً، حرف خطاب في مثل ذاك وهذاك، وأولئك وذانك، قال تعالى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: 32] 2. واللام في ذلك للبعد، أي أن الإشارة في هذا إلى بعيد؛ وكذا ينبغي أن تكون في «تلك» وإن كانت مكسورة وهذه ساكنة.
وربما فرق بينهما بعض النحويين المتقدمين، لاختلافهما في الحركة والسكون؛ وإذا حقق النظر كان الوجه غير ذلك، ويبين أنها للبعد أنها لا تجمع في الاستعمال مع «ها» التي للتنبيه لاتفاقهما في الدلالة على التراخي والبعد في المشار إليه؛ فلا يقال: «هذلك» ولا «هاتلك»، وإن جاء شيء من ذلك محكياً من جهة موثوق بها فلا شبهة في شذوذه.
وهذه الأسماء ينقسم استعمالها من جهة التنبيه والخطاب إلى وجوه،

أحدها أن تستعمل بحرف التنبيه فيقال هذا وهذه، والهاء 1 في هذه الأخيرة بدل من ياء «ذي»، وهي ملحقة بياء بعدها لمطل الصوت وإشباعه ولخفاء الهاء المبدلة من الياء، والآخر أن تستعمل بحرف الخطاب كقولك: ذاكَ وتيكَ وأولئك وذانِكَ.
والثالث أن تستعمل بهما كقولك هذاك وهاتيك.
والأصل فيها تعريها من الجميع، كقولك: ذا زيد وذي هند، قال عز وجل ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ [طه: 84] 2 واعلم أن هذه الأسماء المبهمة كلها مبنية لتضمنها عندهم معنى الإشارة؛ ولهم في تعليل بنائها غير هذا؛ وهي معارف كلها لا تتنكر.
وربما نفرت الطباع من جمع هذين الوصفين لهذه الأسماء، أعني التعريف والإبهام، وإذا اعتبر أمرها في إطلاق هذين الوصفين عليها علم أنه لا تناقض في ذلك ولا تدافع، إذ كان الإبهام غير التنكير؛ ألا ترى أنها بالإشارة إليها مخصوصة مقصورة، فهي لذلك معارف أبداً بدليل أنك لو أردت سبرها بعلامة النكرات فأدخلت عليها «رب» لم تستقم وكذا لو وصفتها بالنكرة لم يجز، فلو قلت: رب ذا ظريف أكرمت كان فاسداً.

ولتعريفها وتمكنها فيه 1 ذهب كثير من النحويين 2 إلى أنها أعرف المعارف وقالوا: هي معرفة بجهتين بالقلب 3 والعين.
على أنهم قد انقسموا في القول بأعرف المعارف ما هو بحسب انقسام المعارف كمن يقول 4 بهذا ومن يقول بالعلم ومن يقول بالمضمر، وبالباقي منها.
وليس ذا موضع ذكر حججهم باستقصاء.
وأما كونها مبهمة مع كونها معارف فهو أنها لا يشار بها إلى شيء، فيقتصر بها عليه حتى لا تصلح لغيره، ألا ترى أنك كما تقول: ذا زيد، تقول: ذا عمرو؛ بل وينتقل هذا الاسم في الإشارة 5 به إلى الأنواع المختلفة والأجناس المتباينة؛ فتقول ذا فرسي، وذا رمحي، وذا ثوبي، وذا عملي، وذا أكلي، وذا شربي، وذي حركتي، وذا سكوني، فيقع اسم الإشارة كما ترى على هذه المختلفات ولا يختص بواحد منها دون آخر، وهذه حقيقة الإبهام؛ فلذلك قيل لها: مبهمة

وكذا 1 قيل في المضمرات لتقلها وأنها لا تكون لمسمى دون مسمى (وكذا الأسماء الموصولة معارف مبهمات) 2. وهناك دقيقة 3 في الفرق بين اسم الإشارة وبين المضمر؛ قالوا: إن مبين المضمر يقع في الأصل قبله، يعنون المظهر الذي المضمر راجع إليه كقولك: زيدٌ مررتُ به، ومبين المبهم أي اسم الإشارة يقع بعده، يعنون اسم الجنس الذي يوصف به اسم الإشارة كالرجل والفرس والثوب إذا قلت مررت بذلك الرجل وركبت ذلك الفرس ولبست ذاك الثوب.

جارٍ التحميل