العامل اللفظي والعامل المعنوي
في القوة والضعف، بل سوى بينهما لاشتراكهما 1 في جنسية العمل.
وقال غير هذا من المحققين: العامل في الخبر عامل مركب من مجموع الابتداء والمبتدأ.
والقائل بهذا القول اعتبر ضعف العامل المعنوي وانحطاطه عن رتبة العامل اللفظي فلم يقو عنده على العمل في الاسمين جميعاً، إذ كان معنوياً، فرفده بالمبتدأ، إذ لم يجد مع الابتداء غيره، وكان وصفاً فيه قائماً به.
وهذان القولان في عامل المبتدأ وخبره أسد الأقوال التي قيلت فيه، وعلى ذاك فلا شبهة في أن الابتداء عامل معنوي.
والثاني من العاملين المعنويين المتفق عليهما.
عامل الرفع في الفعل المضارع، وذاك أن الرافع له عندهم وقوعه بنفسه موقع الاسم، كقولك: مررت برجل يكتب، ارتفع يكتب لوقوعه موقع كاتب، ثم استمر هذا حتى رفع الفعل بهذا المعنى في كل المواضع التي يعرى فيها من ناصب وجازم، وإن لم يقدر تقدير الاسم.
وأما العامل المعنوي المختلف فيه فعامل الصفة في قول أبي الحسن الأخفش 2 كقولك: مررت برجلٍ ضاربٍ، الجار لضارب عند أبي الحسن كونه وصفاً لمجرور وكذلك إن ارتفع أو انتصب، وعند سيبويه: العامل في الموصوف هو العامل في صفته، إذ كانا كالاسم الواحد.
فصل
والعوامل اللفظية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أفعالٌ وحروفٌ وأسماءٌ.
فالأفعال هي الأصول في العمل لغيرها، والقسمان الآخران فرعان لها، ومحمولان عليها، ومشبهان بها، يدلك على أنها أصل في العمل أنك لا تجد فعلاً غير عامل إلا الأقل النزر، لإخراجه عن أصله لمعنى عرض له كما بينوه.
والأسماء أكثرها غير عامل وهو الأصل، ومنها عامل لشبهه بالفعل وأخذه من لفظه أو نيابته عنه أو غير ذلك مما إذا حقق أصله عاد إليه، وذاك كالاسم العامل عمل الحرف، النائب عن الفعل اختصاراً.
والحروف منها العامل ومنها غيره، وللأفعال عملان: مقدم وهو الرفع ومؤخر وهو النصب، فالرفع تشترك كلها فيه، إذ لابد للفعل من فاعل، فلا يجوز أن يخلو فعل من مرفوع، والنصب لما كان للمفعول وما شبه به، وليس يلزم ذكر هذا القسم كما يلزم ذكر الفاعل.
فالأفعال 1 منها اللازم، فهو لا مفعول له، ومنها المتعدي وذكر مفعوله مع فاعله جائز لا لازم، ولا واجب، فتقول على هذا: الرفع في الأفعال عام والنصب فيها خاص.
وهو، أعني النصب، إما أن يكون لمفعول محض -على ما ذكرنا- وإما أن يكون لمشبه به.
فنصب المفعول المحض مختص به بعض الأفعال دون بعض والنصب الثاني تشترك فيه الأفعال كما اشتركت في عملها الرفع.
فكل فعل، لا 1 بد له من اسم يرفعه بأنه فاعله، وصفته أن يكون مسنداً إليه ذلك الفعل مقدماً عليه، كقولك: ضرب زيد وقام عمرو، فقام وضرب رافعان للاسمين اللذين بعدهما بأنهما فاعلاهما.
وسواء كان الفعل ماضياً أو غير ماضٍ، موجباً أو غير موجب فإنه يرفع الاسم متى أسند إليه مقدماً عليه.
ومتى تقدم الاسم على الفعل بطل في حكم العربية أن يكون فاعلاً ورجع إلى حكم المبتدأ، ويصير الفعل بعده رافعاً لضميره، وهو ومرفوعه في موضع خير الاسم، كقولك: زيدٌ خرج، تقديره خرج هو.
ويدلك على أن ثم ضميراً مرفوعاً مستتراً -هو الفاعل- ظهوره مع المثنى والمجموع كقولك: الزيدان خرجا، والزيدون خرجوا.
ألا ترى أنك لو رفعت قولك: الزيدان بأنه فاعل، وقد ارتفع الضمير الراجع إليهما بأنه فاعل أيضاً كنت قد جعلت للفعل فاعلين مرفوعين به، والفعل لا يرتفع به اسمان فاعلان إلا على جهة الاشتراك بالحرف، كقولك: قام زيدٌ وعمرو وقام الزيدان والعمران وقام الزيدون والعمرون، وكذلك حكم قولك: الزيدون قاموا.
ولا يخلو الفعل من أن يكون لازماً أو متعدياً، فاللازم ما لزم فاعله ولم ينفذ إلى مفعول كقولك: قام زيد وانطلق بكرٌ وطاب الخبر.
والمتعدي ما تجاوز فاعله فنفذ إلى مفعول فنصبه، كقولك: ضرب: زيد عمراً وكسا زيد بكراً جبة وعلم زيد عمراً عاقلاً وأعلم الله زيداً عمراً فاضلاً.
وإنما رفع الفاعل ونصب المفعول للفرق بينهما، وخص الفاعل بالرفع والمفعول بالنصب لأن الفاعل أقوى والمفعول أضعف، والضم أقوى من الفتح، فجعل الأقوى للأقوى والأضعف للأضعف تنبيهاً ومناسبة بين المدلولات وأدلتها، ولأن الفاعل أقل في الكلام، والمفعول أكثر، لأن الفعل إنما يكون له فاعل واحد يرتفع به وقد يكون له مفعولان وثلاثة 1 وأكثر من ذلك على اختلاف أنواع المفعولات، والضم أثقل من الفتح، فجعل الضم الذي هو أثقل للفاعل وهو الأقل، والفتح -وهو الأخف -للمفعول -وهو الأكثر-ليكثر في كلامهم ما يستخفون ويقل ما يستثقلون، ولأن الضم أول الحركات والفاعل هو الأول، فجعل الأول للأول للمشاكلة، والفتح من الألف، والألف من آخر المخارج فهي الطرف الآخر، فكانت أحق بأن تكون خاصة بالمفعول من غيرها، أعني الفتحة.
ويجوز أن يقال: إن مجموع هذه العلل علة لرفع الفاعل، ونصب المفعول، فتكون علة ذات أوصاف فتقول: رفع الفاعل لقوته وقلته وأوليته، ونصب المفعول لكثرته وضعفه وتأخره.
والناصب للمفعول هو الرافع للفاعل وهو الفعل، هذا القول المعمول عليه وما سواه فمدخول.
وحكم الفعل مع المفعول الذي لم يسم فاعله حكمه مع الفاعل، يستند إليه كما يسند إليه، ويرفعه كما يرفعه وينصب ما كان معه من مفعول كما ينصب ذلك مع الفاعل؛ تقول: ضرب زيد وأعطى عمرو درهماً، وأعلم زيد عمراً عاقلاً.
وإنما رفع المفعول الذي لم يسم فاعله وكان حقه النصب في الأصل، لأن
الفعل لابد له من اسم يسند إليه ويكون حديثاً عنه؛ وذلك الاسم من شرطه أن يكون مرتفعاً بالفعل.
والفاعل في باب ما لم يسم فاعله قد طوي ذكره، فلا يكون مذكوراً في اللفظ ولا مقدراً في الفعل وذلك إما لإعظامه أو لاحتقاره أو للجهل به أو غير ذلك مما يقتضي حذفه من الأغراض، فيبقى الفعل بعد حذف فاعله مفتقراً إليه أو ما يقوم مقامه في إسناده إليه، لأن الحديث لا يكون من غير محدث عنه، ولما كان للمفعول من 1 الفعل حصة وسهم كما للفاعل، بدليل أنه كما لا يصح تجدده إلا من فاعل كذلك لا يصح حفظه إلا بمفعول؛ ألا ترى أن من المحال أن يوجد ضرب وضارب ولا مضروب.
ولهذه العلة وضعت أفعال كثيرة مسندة إلى المفعول، ولا فاعل حقيقياً لها، كقولك: عنيت بحاجتك وبابه، كما وضعت الأفعال اللوازم للفاعلين ولا مفعول لها 2، فكان ذلك اقتصاصاً للمفعول من الفاعل، ومراعاة له، وجبراً.
فلما أرادوا مع حذف الفاعل إسناد الفعل إلى ما يقوم مقامه كان المفعول الصريح أولى بذلك، فأنابوه منابه ورفعوه بالفعل كما كانوا يرفعون الفاعل به، إلا أنهم غيروا معه صيغة الفعل، تنبيهاً على أن هذا المرتفع بالفعل ليس بفاعل حقيقي بل قائم مقامه.
والتغيير إما أن يتناول فعلاً ماضياً صحيحاً أو مضارعه، فالماضي يضم أوله، ويكسر ثانيه على أي صيغة كان، بشرط أن يكون ثلاثياً كقولك: ضرب زيد وحذر عمرو، والمضارع يضم أوله ويفتح ثالثه، كقولك يضرب
خالد ويسمع الكلام، أو فعلاً معتلاً، والمعتل إما أن يكون معتل العين أو معتل اللام، فالمعتل اللام يجري مجرى الصحيح في تغييره كقولك: قضي الأمر وغزي الكفار، ويقضي الأمر، ويغزي الكفار.
والمعتل العين تنقل كسرة ثانية إلى أوله بعد تقرير إسكانه، فيكسر أوله ويسكن ثانية، فإن كان ياء ثبتت وتمكنت، وإن كان واواً انقلبت ياء كقولك: سِيْر بزيدٍ، والأصل سُيِرَ وقيل الكلام والأصل قُوِلَ، هذه هي اللغة الكثرى الفصحى.
وهناك لغتان أخريان، ليستا في الجودة كهذه، إحداهما أن تشير إلى ضم أول الفعل مع كسره فتنشأ حركة بين الضمة والكسرة، تعلم بالمشافهة، وهي الإشمام 1، وقد قرئ بها كقوله عز وجل ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود: 44] 2 والأخرى أن تسلب الثاني حركته، وتقر الأول على ضمته، فإن كان الثاني واواً ثبتت، وإن كان ياء انقلبت واواً كقولك في الواو: قول الكلام، وأنشدوا على هذه اللغة:
وقول لا أهل له ولا مال 3
وفي الياء سور بزيد أي سِيْرَ به.
فصل وإن كان رباعياً ضممت أوله وأسكنت ثانيه وكسرت ثالثه في الماضي، وإن كان مضارعاً ضممت أوله وفتحت ثانيه كقولك: دحرج يُدحرج وقُلقل يُقلقل، وقولهم: أُخرج يُخرج، وأُكرم يُكرم جار في الأصل على هذا الحكم، إذ كان الأصل في يُخرج يُؤخرج، وفي يُكرم يُؤكرم، وقد أخرجه الشاعر على أصله حين اضطر، فقال: فإنه أهل لأن يؤكرما 1 وتقول في مثل انقَطع واقتطع واستقطَع انقُطع به يُنْقَطع، واقتُطِعَ يُقْتَطع واستُقْطِع يسْتَقطع، فقس على هذا.
فصل
وحال الفعل، إذا بني لما لم يسم فاعله، عكس حاله إذا نقل بالهمزة، وذلك أن الهمزة تنقله من اللزوم إلى التعدي إن كان لازماً، وإن كان متعدياً إلى مفعول جعلته متعدياً إلى اثنين وإن كان متعدياً إلى اثنين جعلته متعدياً إلى ثلاثة، والمثال في ذلك ظاهر.
وبالجملة؛ فإن أداة التعدية تزيد الفعل، إذ لحقته، مفعولاً.
وفعل ما لم يسم فاعله إذا بني للمفعول عاد لازماً إن كان متعدياً إلى مفعول؛ ومتعدياً إلى واحد إن كان في الأصل متعدياً إلى اثنين، وإلى اثنين إن كان متعدياً إلى ثلاثة، والمثال في ذلك أيضاً ظاهر.
ولا يبنى الفعل اللازم لما لم يسم فاعله إلا أن يتصل به جار ومجرور، أو ظرف، أو مصدر، فإن تجرد من هذه الأشياء ورفع الفاعل فقط لم يجز بناؤه لما لم يسم فاعله في القول 1 الجيد، لأن الفعل في ذلك يبقى حديثاً عن غير
محدث عنه؛ ألا ترى أنك إذا قلت: قام زيد، وضحك عمرو لو غيرت هذين الفعلين فقلت: قِيْمَ، وضحِكَ لبقيا حديثاً عن غير محدث عنه، لأنك حذفت الفاعل، ولم تجد شيئاً تقيمه مقامه.
فإن قلت: قام زيد يوم الجمعة وضحك عمرو في الدار جاز أن تبنيهما لما لم يسم، فاعله فتُقيمَ كل واحد من الظرفين مقام الفاعل، كقولك: قِيم يوم الجمعة، وضُحكَ في الدار، ومن كلامهم المأثور عنهم: ولد له ستون عاماً 1، قام الستون مقام الفاعل، ولا يقوم الظرف من الزمان والمكان والمصدر مقام الفاعل حتى يجعلن مفعولات على السعة؛ ومعنى ذلك أن تنزل منزلة المفعول به، فيكون الظرف إذا جعل مفعولاً على السعة، كأن الفعل وقع به نفيه لا فيه، وكذلك المصدر.
فصل
من الأفعال