المرتجل في شرح الجمل لابن الخشابفصل باب الإعراب الأصلي وغير الأصلي

فصل باب الإعراب الأصلي وغير الأصلي

مدار الكلام 1 على معانٍ ثلاثة، وهي معنى الفاعل ومعنى المفعول وما شبه بهما، وما ليس بفاعل ولا مفعول، وذلك المضاف إليه؛ كقولك: ضرب زيدٌ غلام عمرو، فزيدٌ فاعل، وغلام 2 مفعول، وعمرو ليس بفاعل ولا مفعول، فهذه المعاني هي الموجبة- باعتقابها على الاسم الواحد- اختلاف الإعراب على آخره بالحركات أو ما جرى مجراها؛ لتدل كلٌ واحدة من الحركات، أو ما قام مقامها على معنى من هذه المعاني، فتقع بذلك الميزة والفرق بينه وبين المعنيين الآخرين.
فكانت هذه المعاني الثلاثة- لهذا الذي ذكرناه- أصولاً في استحقاق الإعراب، وعلةً (لوجوده في الكلام؛ وما عداها محمولٌ عليها وفرعٌ لها، ولكل معنى منها فرعٌ يختص في إعرابه بالحمل عليه دون غيره.
فالمحمول على الفاعل المبتدأ وخبره، لأن المبتدأ لم يدخله الرفع دون غيره من ضروب الإعراب للفرق بينه وبين غيره كما دخل الفاعل للفرق بينه وبين المفعول؛ فالرفع في الفاعل لموجبٍ أوجبه له، وهو طلب

الفرق، والرفع في المبتدأ لا للفرق، فإن انه محمول على غيره، وليس هناك شيء يشبهه المبتدأ، فيحمل عليه سوى الفاعل، وشبهه به أنه أحد ركني الجملة المبتدئية، كما أن الفاعل أحد ركني الجملة الفاعلية، ثم إنه الركن المسند إليه غيره كما أن الفاعل أيضًا كذلك؛ ولما كان الخبر في الأصل هو المبتدأ في المعنى كان أيضًا كذلك فرعًا على الفاعل 1 فلو قلت: إن الخبر محمول على المحمول على الفاعل وهو المبتدأ لما أبعدت.
ومن المحمول على الفاعل في اللفظ اسم "كان" وخبر "إن"؛ فأما اسم "كان" فظاهر الأمر لأنه مرتفع بفعل كما أن الفاعل مرتفع بفعل، وهو الجزء المسند إليه غيره كما أن الفاعل كذلك، إلاّ أن الفاعل يستقل) برافعه لأنه أصل، واسم "كان" لا يستقل بـ "كان" لأنه مبتدأ في الأصل، فلابد له من خبره، فهو- وإن كان منصوبًا بـ "كان"، فمنزلته في افتقار اسمها إلى ذكره معه منزلته إذا كان مرفوعًا معه بأنه خبره؛ وحالة خبر "إن" في اللفظ تشبه 2 حالة الفاعل، لأنه مع الاسم المنصوب قبله كالفاعل مع المفعول إذا تقدمه، لكن الفاعل أبدًا غير المفعول في الأصل، والخبر هو الاسم في المعنى، وإن شئت قلت: "إن" فرعٌ على "كان" لأنها عاملة عملها، على فرق بينهما في التقديم والتأخير، ومعمولاها هما

معمولاها في الأصل؛ وقد ثبت لكان أن مرفوعها مشبه بالفاعل؛ فمرفوع "إن"- وهو خبرها- مشبه به أيضًا.
وإذا بان أن مرفوعي "كان" و"إن" مشبهان بالفاعل لفظًا، فمنصوبًا هما في اللفظ مشبهان بالمنصوب مع الفاعل: وذاك هو المفعول.
ولهذا قيل في اسم "إن" وخبر "كان" إنهما يشبهان المفعول في اللفظ.
ومن المحمول على المفعول الحال والتمييز، هما فضلتان كما أن المفعول كذلك، وزيادتان في الفائدة كما أن المفعول زيادة فيها، ويفارقانه في أشياء؛ منها أنه لا تصل فيه المعاني، إنما تعمل فيه الأفعال الصريحة، والحال والتمييز ينتصبان تارة بالأفعال وتارة المعاني؛ فانتصابهما بالأفعال كقولك (في الحال) 1: جاء زيدٌ راكبًا، وفي التمييز: طبت به نفسًا، وقررت به عينًا، وانتصابهما بالمعنى، أي بالعامل المحمول على الفعل في المعنى، كقولك في الحال: هذا زيدٌ قائمًا فلفظة "هذا" عاملة بمعنى أنه، أو أشير 2 فـ "أنبه" هي التي تدل عليها "ها" وأشير هي التي تدل عليها "ذا"؛ وكقولك في التمييز: عشرون درهمًا، المشبه بقولك: ضاربون زيدًا.

ومن الميزة بين المفعول والحال أن الحال هي ذو الحال في المعنى، والمفعول غير الفاعل في المعنى في الأكثر الأعم، وقولي: "في الأكثر الأعم" احتراز مما جاء في أفعال القلوب خاصةً، وهي ظننت وأخواتها من قولهم: ظننتني وحسبتني، وظننتك قائمًا- بفتح التاء- وحسبتك ذاهبًا، (أي حسبت نفسك وظننت نفسي) 1. ومما شذ من قولهم: فقدتني وعدمتني، لأن هذا كلام نادرٌ لا يقاس عليه غيره، فلا يقال: أخذتني ولا سألتني.
والتمييز والحال يلزمهما التنكير، والمفعول لا يلزمه ذاك.
ومن المحمول على المفعول منصوب "كم" في الاستفهام، لأنه تمييزٌ، إذ كانت "كم" موضوعة لعدد مبهم؛ وكذا منصوبها في الخبر إذا فصل بينها وبين ما كانت تضاف إليه، أو ينجر بتقدير "من" في القول الآخر، وبالجملة فما كان يليها وهو 2 مجرور.
وجملة الأمر في "كم" أنها في حاليها من الاستفهام والخبر اسمٌ لعدد مبهمٍ في قلته وفي كثرته، وضعت للاختصار وترك الإطالة، مغنيةً عن ذكر أعدادٍ لا نهاية لها، فهي في الاستفهام مبنيةٌ لتضمنها معنى حرفه مع دلالتها على العدد، وفي الخبر مبنيةٌ حملاً عند أكثرهم على نقيضها وهو "رب"، إذ كانت "كم" الخبرية للتكثير، و

"رب" للتقليل.
والمذكور بعد كم في الاستفهام 1 منصوبٌ على التمييز إن كان منكورًا، كقولك: كم رجلاً جاءك، لأن "كم" نائبةٌ عن عدد 2 يفتقر إلى التمييز، مستفهمٍ عنه، كأنك قلت: أعشرون رجلاً جاءك؛ أثلاثون، (أأربعون، إلى غير ذلك من أعداد غير متناهية في الكثرة، لو تصدى المستفهم لذكرها عددًا بعد عدد لطال عليه ذاك ولطال على المستفهم عن ذلك العدد، ولجاز ألاّ يقع بالعدد المستفهم عنه مع الإطالة حتى يقول له المسئول: نعم، فأغنت "كم" عن ذلك كله، ولهذا المعنى القائم فيها من معنى الجمع جاز رد الراجع إليها مجموعًا، حملاً على المعنى؛ كقولك: كم رجلاً جاؤوك.
فأما الخبرية، فمبينها مجرورٌ بإضافتها إليه؛ كقولك: كم رجلٍ عندي؛ وكم مالٍ أنفقته؛ ومنهم 3 من يقول: هذا الاسم بعد "كم" الخبرية مجرور بمن مضمرةً، كأن الأصل عنده: كم من رجلٍ ثم كثر، استعمال ذاك فحذفها علمًا بها، وهي مع ذاك معملةٌ لأنها عنده كالمنطوق بها؛ ولولا أنها عنده كذاك لما جاز حذفها وإبقاء عملها، إذ كانت حروف الجر) 4 لا تضمر؛ فإن فصلت بين "كم" وبين

الاسم المجرور بعدها بطل الجر، لأن الجار لا يصح إعماله في مجروره مع الفصل بينه وبينه 1 لضعفه، فنصبه 2 على التمييز ردًا إلى الأصل في عمل "كم" ولأن المنصوب يحتمل أن يفصل بينه وبين ناصبه، والمجرور ليس كذلك، وذلك قولك: كم في عمري مالاً أتلفته، وعليه أنشدوا: (كم نالني منهم فضلاً على عدمٍ... إذ لا أكاد من الإقتار احتمل) 3 أي كم فضلٍ نالني منهم، فلما فصل نصب على ما قلناه، فهذا حكم النصب غير الحقيقي أي المشبه منصوبه بالمفعول.
وأما الجر غير الحقيقي فهو على ضربين؛ إما أن يكون الجار

مزيدًا لا يفتقر الكلام إليه، كالجر بالباء في قولك: ألقى بيده، فهذه الباء مزيدة هاهنا، دخولها كخروجها؛ لأن قولك: "ألقى" متعدٍ بزيادة الهمزة في أوله.
فالأصل على هذا: ألقى بيده، كما قال عز وجل: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ﴾ 1 وقد جاء التنزيل أيضًا بالأخرى، قال تعالى ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ 2 ولدخول هذه الباء في هذا الموضع، على كونها محكومًا بزيادتها عندهم، معنى يدق عن ذكره في 3 هذا المختصر، إلا أن ظاهر الأمر عندهم فيها الزيادة كغيرها من الزيادات التي لا يختل بحذفها الكلام.
وتدخل هذه الباء مزيدةً في أربعة مواضع، فتزاد مع الفاعل كقولك: كفى بزيد فارسًا، وعليه قوله تعالى: ﴿كَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ 4 أي كفى الله؛ ومع المفعول كقوله سبحانه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أي أيديكم، فيمن حمل الكلام على ظاهره، وقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ

بِالدُّهْنِ} 1 أي تنبت الدهن في أحد الأقوال، وقول الشاعر: (........... سود المحاجر لا يقرأن بالسور) 2 أي لا يقرأن السور؛ قول الآخر: (............. نضرب بالسيف ونرجو بالفرج) 3

أي نرجو الفرج؛ ومع المبتدأ كقولهم: بحسبك صنيع السوء، وبحسبك أن تفعل كذا، أي حسبك، قال: (بحسبك في القوم أن يعلموا......... ) 1 أي حسبك.
قالوا: وهذه الباء هي التي عني صاحب الكتاب بقوله: "وإنما يدخل الرافع والناصب سوى الابتداء أو الجار على المبتدأ" 2، ومع الخبر كقولهم: ما زيدٌ بقائم، أي ما زيد قائمًا، فهي هاهنا زائدةٌ في الحديث (لا المحدث عنه.
فهذه الباء في هذه المواضع الأربعة مقحمة مزيدةٌ في غير موضعها، لغير ما وضعت له، لأنها وضعت للتعدية إلى المفعول، إذا كان الفعل قاصرًا عن النفوذ إليه؛ وليست في هذه المواضع لشيء من ذلك.

والثاني من فروع الجر ما كان بإضافةٍ غير محضة، والمحضة هي 1 التي ليست في نية الانفصال.
وغير المحضة هي التي في نية الانفصال؛ ومن شرط المحضة أن يكتسي بها الأول- وهو المضاف- كثيرًا من أحكام المضاف إليه، كالتعريف والتنكير والإبهام والتخصيص والجزاء والاستفهام، ولا يكون الأول عاملاً في الثاني في اللفظ ولا في التقدير غير الجر؛ والتي ليست بمحضةٍ بخلاف ذلك؛ فهي إنما يكون اللفظ فيها على الإضافة فقط؛ والمعنى على أن الأول عاملٌ في الثاني نصبًا أو رفعًا، فالنصب كقوله تعالى ﴿هَدْيًا بالغَ الكعبةِ﴾ 2 أي بالغًا الكعبة، والرفع كقوله: مررت برجلٍ حسن الوجه؛ أي حسن وجهه.
ولولا أن هذه الإضافة غير حقيقية، وأن الأول) 3 في حكم الانفصال من الثاني، بتقدير التنوين فيه، وأن الأول- بهذا 4 التقدير غير معرفٍ بالثاني، لما جاز نصبه على الحال في قوله تعالى: ﴿ثاني

عطفه" 1، وإجراؤه على النكرة وصفًا في قوله ﴿هَدْيًا بالغَ الكعبةِ﴾ و ﴿هذا عارضٌ ممطرُنا﴾ 2 لكن التقدير فيه: ثانيًا عطفه، وبالغًا الكعبة، وممطرٌ إيانا أولنا، ثم حذف التنوين تخفيفًا؛ والأصل إثباته، فعاقبته الإضافة، وعلى هذا يقدر كل اسم فاعلٍ أضيف إلى المفعول، وكل صفةٍ أضيفت إلى ما هي له في المعنى؛ فاعرف ذلك.
فهذا حكم إعراب الاسم، حقيقية وغير حقيقية، وأما إعراب الفعل فليس بأصلٍ فيه ولا حقيقي كما كان الاسم، لأنه عارٍ من المعاني التي أوجبت الإعراب للاسم، وهي الفاعلية والمفعولية، والإضافة، ولأنه باختلاف صيغه 3 يدل على الزمان، وبحروفه يدل على ما يتضمنه من الحدث، فلم يفتقر إلى إعراب يكشف عن معانيه، فإعرابه على هذا غير حقيقي، ومعنى "غير حقيقي" أنه لا يستحقه بحكم الأصل، إنما يستحقه بشبهه 4 بالاسم، وإنما كان كذلك، لأن المعاني الموجبة للإعراب لا توجد فيه.

ألا ترى أنه لا يكون فاعلاً ولا مفعولاً ولا مضافًا إليه على حد الإضافة إلى الأسماء، أي لا تكون الإضافة إليه أصلاً فيه، إنما يضاف إليه، والمراد بذلك الإضافة إلى مصدره، كقوله تعالى ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ 1 أي يوم قيام الناس؛ ويكشف عما قلناه أنه لا تستمر الإضافة إليه، فلا يضاف إليه (أعني الفعل) 2 غير ظروف الزمان، كالآية المتلوة، وكقوله ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ 3 ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى﴾ 4 و ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ 5 ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ 6 إلى غير

ذلك مما جاءت الإضافة فيه إلى ظاهر لفظ الفعل، لا يوجد المضافُ فيه إلا ظرف زمان، فلو قلت على هذا: غلامُ يأكلُ، وصاحبُ يذهب، وأنت تريدُ: غلامُ أكلٍ وصاحبُ ذهابٍ لم يجز لأن الإضافة إلى الأفعال ليست بأصل فتستمر؛ والإضافة إلى الأسماء أصلٌ فاستمرت في كل ما يقبل تعريفًا أو تخصيصًا كقولك: غلام زيد وصاحب امرأة.
وإنما ساغ إضافة الزمان إلى الفعل – فيما عللوا – للمناسبة بينهما، والمشابهة في أن الزمان يحدث ويتقضى، والفعل كذلك، فكانت إضافته إليه لعلقته به، ولأنه – مع ذاك – دال على مصدره، فكانت إضافة الزمان إليه كالإضافة إلى المصدر، وهو اسم، وعلى ذاك يتأول.
فقد بان أن إعراب الفعل غير حقيقي، أي ليس بأصل كما كان إعراب الاسم أصلًا.

جارٍ التحميل