المرتجل في شرح الجمل لابن الخشابإلا في الاستثناء

والاستثناء إخراج بعضٍ من كل، ولا يخلو من أن يكون موجباً، فيكون إخراجاً للمستثنى مما حكم به للمستثنى منه، أو منفياً 1 فيكون إدخالاً للمستثنى في حكمٍ قد سلب عن المستثنى منه؛ فالإيجاب كقولك: قام القوم إلا زيداً، وانطلقوا إلا أخوتك.
فمذهب سيبويه ومن تابعه 2 أن المستثنى منصوب بالفعل المذكور قبل "إلا"، لازماً كان أو متعدياً، فالمتعدي واللازم في هذا الحكم سواء، لأن المتعدي إذا استوفى معموله الذي يتعدى إليه بنفسه لم يتعد إلى غيره إلا بواسطة و "إلا" قوت الفعل حتى تعدى، كما أن الواو في المفعول معه كذلك.
ومذهب غيره أن المستثنى منصوبٌ "بإلا" نفسها، إذا كان معناها استثنى؛ وممن قال بهذا القول أبو العباس المبرد 3، وهو قول ضعيف يظهر فساده بأدنى تأمل.

وللكوفيين في نصب المستثنى مذهبٌ غير هذين 1 مرغوبٌ عنه وليس في الإيجاب إلا النصبُ، فأما غير الإيجاب كالنفي والاستفهام والنهي، فلك إبدال المستثنى من المستثنى منه وإجراؤه على إعرابه؛ وهذا يكون في الكلام التام قبل "إلا"، كقولك: ما جاءني أحدٌ إلا زيدٌ وما رأيت أحداً إلا زيداً، على البد لا الاستثناء، وما مررت بأحدٍ إلا زيدٍ.
وهذا البدل مخالف لحكم المبدل منه في المعنى، وكقولك في الاستفهام: هل في الدار أحدٌ إلا زيدٌ؛ وفي النهي: لا يقومن أحد إلا زيد.
ومنه قوله تعالى في إحدى القراءتين ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ﴾ 2 [هود: 81].
وإن شئت نصبت في هذا القسم المستثنى على كل حال، كما نصبت في الإيجاب، لشبه الكلام في تمامه قبل المستثنى بالإيجاب، إذ كان كل واحدٍ من القسمين جملة تامة، وعلى هذا الوجه القراءة الأخرى ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ﴾.
فإن كان الفعل قبل إلا مفرغاً لما بعدها كان لما بعدها من الحكم ما له لو لم تذكر "إلا"، كقولك: ما قام إلا زيدٌ، ترفع "زيداً"

لأنه فاعل لا غير، وكذلك ما ضربت إلا زيداً، تنصبه لأنه مفعول لا غير، وكذلك ما مررت إلا بزيد.
وقد أجريت مجرى إلا كلم من الأسماء والأفعال والحروف، فاستثنى بها كما استثني بـ "إلا" والأصل في الباب إلا، وما عداها فروع لها ومحمول عليها.
فمن الأفعال "ليس" و "لا يكون" و "خلا" و "عدا" و "حاشا" في أضعف القولين 1. تقول: جاني القوم ليس زيداً، وكذلك لا يكون عمراً.
ففي هذين الفعلين ضمير لا يظهر، ومظهر ذلك الضمير قولك: بعضهم فالأصل: لا يكون بعضهم عمراً وليس بعضهم زيداً، والاسم المنصوب خبر لأحد هذين الفعلين إما "ليس"، أو "لا يكون"، ثم أجريت ليس واسمها وخبرها مجرى "إلا" والاسم المستثنى فأقيمت مقامهما 2. فأما "خلا" و "عدا" ففعلان حقيقيان غير مفتقرين إلى خبر، فـ "عدا" فعلٌ متعد، تقول: عداك هذا الأمر أي تجاوزك؛ وقد استعمل "خلا" وإن كان في الأصل لازماً استعمال المتعدي، فقالوا: افعل كذا وكذا وخلاك ذمٌ أي وتجاوزك، فإذا استعملا في الاستثناء، كان فيهما ضمير مستتر مرتفع بأنه فاعل؛ والمنصوب بعدهما مفعولهما" ومعنى الكلام معنى الاستثناء.

وربما أجروا "عدا" و "خلا" مجرى حروف الجر، فجروا بهما، فقالوا: جاءني القوم خلا زيد وعدا عمرو.
فإن أدخلت عليهما "ما" تمحضتا 1 فعلاً، وكان النصب بهما لا غير، لأن "ما" مصدرية في هذا الوجه، والمصدرية لا توصل بحرف الجر إنما توصل بالفعل المحض.
وأجاز أبو الحسن الأخفش 2 الجر بهما 3 مع "ما" على أن تكون ما زائدة.
فأما حاشا 4 فالأجود في الاستعمال أن تكون جارة، وقد نُصب بها، واحتجوا لفعليتها باستعمال المضارع منها في قوله: (وما أُحاشي من الأقوام من أحد) 5 وقال من ضعف الفعلية فيها: لا حجة في هذا البيت، ولا في هذا الاستعمال لأنه فعل مشتق من الحرف لا من فعلٍ ماضٍ، وقولنا "لا من فعلٍ ماضٍ تجوز وتسامح في اللفظ وتسهيل على المبتدئ، إذ الأفعال

كلها مأخوذة على اختلاف صيغها من المصدر في أصح القولين 1. ومن الأسماء التي عدت في باب الاستثناء فكانت استثناء في المعنى "سيما" إذا قلت: أكرمُ الناس قومك ولاسيما بنو عمك؛ وهذا كلام موضوع موضع الاستثناء ومحمولٌ على معناه، وما بمعنى الذي، والتقدير الذين هم؛ وإن شئت جررت فقلت: ولاسيما بني عمك، لأن السي المثل فتجعل ما مزيدة كأنك (إذا قلت ولاسيما رجلٍ صالح قد) 2 قلت: ولا مثل رجلٍ صالحٍ فيهم.
والأصل في "سي" التشديد، ثم قد تخفف هاهنا.
ومن ذلك "سوى" وهي ظرف مكان تلزمه الظرفية ولا يظهر فيه الإعراب لكونه مقصوراً، ويحكم 3 عليه بالنصب على الظرفية أبداً، ويكون الاسم الذي بعده مجروراً بإضافته إليه ومعناهما معنى الاستثناء.
فأما "غير" فاسم صريح مبهم، يجري 4 عليه من الإعراب ما يجري على الاسم المذكور بعد "إلا" في الإيجاب والنفي، ويكون الثاني مجروراً بإضافته إليه على كل حال، تقول: جاءني القوم غير زيدٍ كما تقول: إلا زيداً، وما جاءني أحدٌ غير زيدٍ كما تقول: ما جاءني أحد إلا زيدٌ، وكذلك بقية الأمثلة.
فإن قلت: فبأي شيء تنصب غيراً من قولك: قام القوم غير

زيدٍ، وليس معك حرفٌ مقو للفعل اللازم، فينتصب به كما كان في قولك: قام القوم إلا زيداً.
فالجواب أن غيراً لإبهامها أشبهت الظروف في هذا المعنى، إذ كان أصل الظروف الإبهام؛ والظروف تتعدى إليها روائح الفعل فضلاً عن الأفعال الصريحة، فتنتصب بها، فلما أشبهتها "غير" انتصبت بالفعل المذكور قبلها لازماً كان أو معتدياً، ولم يفتقر الفعل معها إلى حرف معدٍ (1).

جارٍ التحميل