المرتجل في شرح الجمل لابن الخشابالثالث حرف النداء

النداء أحد أركان معاني الكلام، وهو رفع الصوت بالمنادى بإحدى أدواته، وأدواته: "يا" وهي الأصل، تكون للقريب والبعيد، و "أيا" لما بعد، و "هيا" لما هو أبعد من المنادى بـ "أيا"، والهاء فيها بدل من الهمزة كما أبدلت منها في "إياك" فقيل "هياك"، و"أي" للقريب، و "الهمزة" لما هو أقرب.
فهذه الحروف التي ينبه بها المدعو وينادى، ولا يخلو المنادى من أن يكون مفرداً أو مضافاً أو مضارعاً 2 للمضاف لطوله، ويسمى "الممطول".
والمفرد لا يخلو من أن يكون معرفة أو نكرة، فالنكرة الباقية على أصلها منصوبة بحرف النداء، لأن المنادى مفعول، وحرف النداء نائبٌ عن الفعل، إلا أنه فعل لا يصح إظهاره، لأنه لو ظهر لكان1

خبراً، والنداء ليس بخبر لأنه أصل من أصول الكلام لا يحتمل الصدق ولا الكذب، ولهذا عُد ركناً من أركان الكلام، كما عد الخبر ركناً والاستفهام ركناً وغيرهما 1. ولأن هذا الفعل لا يمكن تمثيله، وهو باقٍ على معناه، شبهه بعضهم بجذر عشرة، إذ كان جذرها لا يمكن النطق به، ولأن حرف النداء لما قام مقام الفعل 2 نفسه لا العبارة عنه قوي وتمكن فتنزل منزلة الفعل الصريح، وذاك أدون أحواله، ولهذا ضمنه بعضهم ضميراً مرفوعاً هو ضمير المنادى، وأميل، فقيل: يا زيد كما تمال الأفعال.
وأما المعرفة فتنقسم قسمين.
أحدهما أن تكون معرفة قبل النداء، والآخر أن يكون متعرفاً في النداء خاصة بدخول الحرف عليه، فيجري حرف النداء منه مجرى لام التعريف، وإن كانت جهتا التعريف مختلفتين لأن النداء يُعرف المنكور بإقبال المنادى عليه، وتخصيصه له دون غيره، وكلا الضربين مبني على الضم، فالأول كقولك: يا زيد ويا حكم والثاني كقولك: يا رجل ويا غلام.
والفرق بين هذا القسم الثاني وبين النكرة المنصوبة أن النكرة المنصوبة لا تخص بندائك إياها واحداً من جنسها دون آخر، بل أي شخصٍ أجابك فقد حصل الغرض به كما يقول الأعمى: يا رجلاً خذ بيدي؛ ويا غلاماً إجر بي، وهو لا يريد شخصاً دون شخص، فإن كان له قائد مخصوص فأقبل عليه، وقال: يا رجل خذ بيدي، فذلك هو القسم المتعرف من النكرات في النداء.

وحمل 1 بعضهم المعارف من الأسماء كزيدٍ وعمرو على هذا القسم، فجعل تعريفها في النداء كتعريف النكرات المخصوصة بالنداء، وهذا بعد أن قدرها معراةً من تعريف العلمية، لأن الاسم لا يصح تعريفه من جهتين في حالٍ واحدة، وقد أسلفنا علة بناء هذا الضرب فلم نكرره هاهنا.
فأما المضاف فمنصوب أبداً على أصل النداء، كقولك: يا غلام زيدٍ ويا راكب فرسٍ، قالوا: لأن المضاف لم يقع الموقع الذي أوجب للمفرد المعرفة البناء، وذلك أنه 2 إما متعرفٌ بالمضاف إليه أو متخصص به، فلم يقع لهذا موقع المضمر فيبني.
وأما المضارع للمضاف لطوله فمنصوب أيضاً، وقد بينا صفته في باب "لا"، ومثاله: يا خيراً من زيدٍ ويا ضارباً رجلاً، ويا "ثلاثةً وثلاثين" إذا سميت بهذين العددين شخصاً، فإن ناديت جماعة هذه العدة عدتها، فإن كانت مطلقة غير معينة نصبت كما تنصب النكرات المفردات الباقيات على أصولها من التنكير، فقلت يا ثلاثةً وثلاثين، وإن ناديت جماعة عدتها هذه العدة إلا أنها معينة قلت: يا ثلاثة والثلاثون فيمن قال: يا زيد والحارث ويا ثلاثة والثلاثين فيمن قال يا زيد والحارث 3. فإن وصفت المفرد المعرفة أجريت صفته على لفظه إن شئت، فرفعتها رفعاً صحيحاً وكانت معربةً دونه كقولك: يا زيد العاقل،

وإن شئت نصبتها حملاً على موضعه فقلت: يا زيد العاقل، وإنما أجريت إعرابها على لفظه وإن كانت ضمته ضمة بناء لأنها أعني الضمة استمرت في كل منادى بهذه الصفة واطردت فيه، فأشبهت الرفع في الفاعل فلذلك جاز الإجراء عليها ولم يجز الإجراء على غيرها من حركات البناء.
فإن نعته بصفة مضافة لم تكن إلا منصوبة كما لو ناديتها، فتقول: يا زيد صاحب الفرس فلا يكون في "صاحب" إلا النصب، كما أنه لو نودي لم يكن فيه غير ذلك.
فأما المضاف وما ضارعه فلا تكون صفته إلا منصوبة، بمضافٍ نعته أو بمفرد، لأنه لا يخالف موضعه إعرابه.
فأما قولهم: يا أيها الرجل، فإن "أياً" في هذا منادى معرفةٌ و "ها" بعدها مقحمة للتنبيه إقحاماً لازماً، ومعنى إقحامها أنها دخلت بين الموصوف وصفته، إذ كان الرجل وما أشبهه من الأسماء المعرفة باللام نعتاً لـ "أي"، وهذا النعت هو المقصود بالنداء دون منعوته، ولهذا لزم ذكره ولم يصح المعنى إلا به.
والصفات لم توضع لازمةً، بل يُجاء بها زيادةً في الفائدة، وبعد استقلال الكلام دونها، ولهذا المعنى لم يجز فيه، أعني وصف "أي" ما جاز في صفات المنادى المفرد المعرفة من الحمل على الموضع تارة وعلى اللفظ أخرى، فلم يجز فيه نصب في قول الجمهور 1، وأجازه المازني 2 قياساً على ما رووه عنه، وكلام العرب قياسه.
و"أي" وصلةٌ في هذا اللفظ إلى نداء ما فيه اللام، إذ كانت

"يا" لا تباشر "اللام"، فلا تقول: يا الرجل، فلما لم يكن من أصول كلامهم هذا وآثروا نداء ما فيه اللام توصلوا إليه بأي، فأوقعوا النداء عليها وجعلوا المقصود بالنداء وصفاً لها، ولهذا ألزم 1 الكلام حرف التنبيه لينبهوا على هذا الغرض.
واختصوا بهذا التوصل "أياً" لأنها في الأصل بعض من كل، فهي اسم مبهم، والغرض وصفها، والمبهم يقتضي الوصف كل الاقتضاء.
ومثل هذا التوصل توصلهم إلى وصف المعارف بالجمل بالأسماء الموصولة كالذي والتي، وتوصلهم إلى الوصف بأسماء الأجناس غير المشتقة بـ "ذي" التي بمعنى صاحبٍ، وتوصلهم إلى تعيين زمن المصدر بوضعٍ "أن" والفعل موضعه، وتوصلهم إلى الجزاء بالجملة من المبتدأ والخبر بالفاء، والوصل في كلامهم كثيرة.
وأيٌ اسم مبهم، وقد أجري هاهنا كما رأيت وصلة.
فأما قولهم يا الله، فإنما جاز نداء هذا الاسم وفيه الألف واللام لأنهما لزمتاه، إذ كانتا عوضاً من همزة إله في الأصل، فلما 2 جاز أن تقول يا إله جاز أن تقول يا الله، ولأن هذا القسم قد اختص بأحكام لا تكون لغيره، لأن مسماه - تعالى وتقدست أسماؤه- لا يشبهه شيء، تعالى عن ذلك عُلواً كبيراً، فمن ذلك تفخيم اللام فيه مع لزومها له، وذلك إذا كان قبلها فتحة أو ضمة، فإن انكسر ما قبلها رققت في جيد اللغة كما ترقق اللامات في غير هذا الاسم، كقولك: اللحم واللبن، فأنت تقول: قال الله

ويقول الله، فالاسم مفخم في هذين الموضعين وشبههما، وتقول: بالله، فترقق في جيد اللغة، والترقيق في هذا منحو به نحو الإمالة؛ والتفخيم كالتغليظ، فافهمه تعليلاً حسناً.
ومن ذلك قطع همزته وفيه وصلها أيضاً، فتقول: يا الله بوصلها ويا الله بقطعها.
فإن عطفت على المضموم 1 من الأسماء المناداة اسماً فيه لام التعريف أجريته مجرى وصفه في الإعراب، فرفعت إن شئت على اللفظ، ونصبت إن شئت على الموضع، فقلت: يا زيد والغلام وإن شئت: والغلام.
ومن النحويين من يفرق، فيختار فيما فيه الألف واللام للتعريف المخلص النصب على الرفع لأنه يتنزل عنده منزلة المضاف، إذ كانت الألف واللام فيه للتعريف كما المضاف إليه معرف للمضاف أو مخصص له، وفيما الألف واللام فيه لغير مجرد 2 التعريف، الرفع، لأنه يتنزل عنده منزلة العلم، وذلك قولك في الأول: يا زيد والرجل وفي الثاني: يا زيد والحارث، لأن الحارث يكون معرفة بغير اللام، كقولك: حارثٌ، وكذلك عباسٌ والعباء، وحسينٌ والحسين، وعليه قوله: (أترجو أمةٌ قتلت حسيناً... شفاعة جده يوم الحساب) 3 وقول الآخر:

(إنك يا حارث نعم الحارث) 1. فأما قوله سبحانه "يا جبال أوبي معه والطير" 2 فيمن قرأ بالنصب، فيكون من هذا الباب في أحد الأقوال، ويكون مفعولاً معه.
فإن وصفت المضموم بابن، والابن بين علمين فتحت إن شئت، وأتبعته حركة نون ابن فقلت: يا زيد بن عمروٍ، الكنية في هذا الباب كالعلم كقولك: يا بكر بن أبي القاسم، وإنما غيرته عما ثبت له في الأصل لأن الأعلام تغير كثيراً، هذا مع إجراء الصفة والموصوف مجرى الاسم الواحد، فأتبعته حركتها، كما تتبع حركة حرفٍ من كلمةٍ حركة حرفٍ آخر منها، وذلك قولك في "مُنْتِن" مُنْتُن، فتضم التاء لضمة الميم؛ أو منتن، فتكسر الميم لكسرة التاء، وكقولهم: أنا أجوؤك وهم يريدون أجيئك.
وأتبعت حركة الموصوف حركة الصفة ولم تعكس فتتبع حركة الصفة حركة الموصوف لأن حركة الموصوف حركة بناء، وحركة الصفة حركة إعراب؛ وحركة الإعراب في الأصل لمعنى وحركة البناء لغير معنى أي غير دالة على معنى في المبني كدلالة حركة الإعراب على معنى في المعرف؛ فحركة الإعراب حينئذٍ ذات فائدة، وحركة 3 البناء غير

ذات فائدة، فكانت بأن تكون نابعة، أعني حركة البناء، أولى من أن تكون متبوعة.
فإن كان الابن مضافاً إلى اسمٍ ليس بعلمٍ ولا كنيةٍ لم تتبع الموصوف صفته، بل أقررت كلاً على ماله في أصل الباب، فبنيت الموصوف على الضم وأقررته عليه، وأجريت الصفة التي هي "ابن" على مالها عن الإعراب بالنصب، فقلت: يا زيدٌ ابن أخينا ويا عمرو ابن صاحب المال 1 ليس في هذا إلا ذا.
وأنت في الأول بالخيار، إن شئت أجريته على هذا الحكم من ضم الموصوف، ونصب وإن شئت أتبعته حركة صفة على ما بينا من الاتباع، والتغيير 2 بالاتباع أكثر في كلامهم وإن كان الأصل غيره.
فصل في الترخيم معنى الترخيم القطع، من قولهم: رخمت الدجاجة إذا انقطع بيضها، كما تقول: أصفت، ومنه صوت رخيمٌ، إذا لم يكن جهيراً، وفي الصوت إذا ضعف تقطيعٌ.
وهو - أعني الترخيم - خاصة من خواص النداء جائزةٌ لا واجبة،

ولا يكون في كل منادى 1 بل في ضربٍ من الأسماء مخصوص، وذلك كل اسمٍ مفرد علمٍ زائدٍ على ثلاثة أحرف.
هذا ما لا خلاف بينهم فيه؛ وما عداه ففيه خلاف.
وربما زادوا في شرط الاسم المرخم أن يكون موهناً بالبناء.
ومعلوم أنك إذا ناديت اسماً علماً مفرداً بنيته على الضم، فهو متوهنٌ بالبناء 2 على كل حال.
والعلة هي أن الترخيم حذفٌ، والحذف يراد للتخفيف، والتخفيف في كل اسم زاد على الثلاثة كالرباعي مثلاً أن يرد إلى الثلاثي، والثلاثي أصل في الأسماء يرد غيره إليه، ما لم يعرض دون ذاك عارض، فلو رخم الثلاثي لم يرجع إلى أصل، وكذلك ترخيم الخماسي رده إلى الرباعي، والرباعي أصل في الأسماء، فقد رد الاسم المرخم مع الترخيم إلى أصلٍ يوجد مثله في الأسماء.
وقد أصلوا 3 أن الثلاثي أعدل الأسماء بأن قالوا: لابد للاسم من حرفٍ يفصل بين الحرف المبدوء به وبين الحرف الموقوف عليه، وهذا من طريق الأولى لا اللازم؛ فلهذا قيل: أعدل الأسماء الثلاثي منها، ولهذا كثرت أمثلته في الكلام، وكثر استعماله، وكان أخف من غيره؛ والأخف غير محتاج إلى تخفيف.
ولزم في شرط المرخم أن يكون علماً لأن الأعلام يطرق عليها من التغيير ما لا يكون مثله في غيرها ولا يتطرق على سواها، ألا ترى أنك

تميل الحجاج 1 والعجاج 2 ماداما علمين، فإن خرجا إلى الوصف فقلت مررت برجلٍ حجاج أي كثير الحج وببحرٍ عجاجٍ أي له عجيج، لشدة تلاطم موجه لم 3 تجز الإمالة، وإنما يمال الحجاج إذا كان ابن يوسف مثلاً والعجاج إذا كان الراجز أبا رؤبة مثلاً؛ فهذا من التغيير المختص بالأعلام كما اختص بها الترخيم؛ ومن ذلك قولك في اسم الرجل: محبب بفك الإدغام، فإن لم تستعمله علماً لم يجز أن تفك الإدغام بل تدغم، فتقول محبٌ كقولك: مهب ومصبٌ لمهب الريح ومصب الماء.
وكذلك قالوا في الاسم العلم موهبٌ بفتح الهاء، ولو بنيت من وعد وورد - وهما نظير "وَهَب" - مفعلاً اسماً على عِدة "موهب" لم تقل فيه: موعد، إنما تبنيه على مفعل بكسر العين فتقول: "وعد ومورد.

فأما موحد فلأنه معدول، وقد خرج عن باب متمكن الأسماء كما خرج أيضاً في البناء والصيغة عن معهود صيغ المتمكنات في هذا الباب.

وقيل في شرط الاسم المرخم ما كان متوهناً بالبناء في النداء، لأن توهينه بالبناء، وإخراجه عن أصله في التمكن تغييرٌ، فطرق عليه التغيير التغيير، وليس ذاك بانتهاكٍ له لأن أحد التغييرين مخالف للآخر، إذ كان البناء يثقله والترخيم يخففه، ولأن حركة البنائية وهي الضمة غير دالة على معنى دلالة الإعراب، فلم تقع المحافظة عليها.
ومن الحروف المختصة، مما (1)

جارٍ التحميل