المرتجل في شرح الجمل لابن الخشابيعمل النصب فقط

"أن" الخفيفة، وهي الناصبة للفعل المستقبل؛ وتكون معه في تأويل المصدر، وفائدتها أنها مع الفعل مصدر معين الزمان، فيقع بعدها الماضي كقولك: عجبت من أن قام زيدٌ، فلا تعمل فيه، ويقع بعدها المستقبل فتعمل فيه النصب كقولك: أريد أن يقوم، ولا تدخل على فعل حالٍ.
وليس الماضي هنا بواقع موقع المستقبل فيحكم عليه بأنه في موضع نصبٍ، لأنها لتخليص 2 زمن هذا كما هي لتخليص 3 زمن الآخر، بخلاف الحال التي لـ "إن" الشرطية، لأن الشرط لا يكون إلا بالمستقبل 4، فالماضي في موضعه، فحكم له بإعرابه.
و"إن" لتخليص 5 الزمانين لا تخص أحدهما؛ ولو حكم على الماضي أنه في موضع نصب بـ "أن"1

ولم يظهر الإعراب في لفظه لأجل البناء لما 1 كان بعيداً في القياس.
واعلم أن "أن" تقتضي الفعل اقتضاءين؛ أحدهما اقتضاء العامل المعمول، إذ كانت ناصبة له، والآخر اقتضاء الموصول الصلة، إذ كان معها مصدراً مقدراً.
و"لن"، وهي نافية للفعل المستقبل أيضاً وعاملة فيه، وليست معه مصدراً كما كانت "أن" معه، ولهذا صح تقديم بعض معمول الفعل عليها، كقولك: زيداً لن أضرب، والمصدر لا يتقدم عليه شيء من صلته.
وقال الخليل 2: هي مركبة من لا وأن، أما من "لا" فلأنه رآها نافيةً، وأما من "أن" فلأنها ناصبة للمستقبل كما تنصبه "أن".
وعورض بتقديم بعض المعمولات عليها، أعني معمول منصوبها، وليس ذلك في المصدر.
وله أن التركيب يغير كثيراً من أحكام المفردات على انفرادها، وكذا يجب في القياس لأجل التمزيج؛ إلا أن الأصل في الحروف أن لا يُحكم عليها بالتركيب لأن التركيب وغيره من ضروب التغيير تصرف، وباب التصرف الأفعال؛ والأسماء محمولة عليها فيه.
ومتى أمكن حمل الكلمة - على الإطلاق، اسماً كانت أو فعلاً أو حرفاً- على الأفراد الذي هو الأصل لم تحمل على التركيب الذي هو فرع وثانٍ فاعرفه.

ومنها "كي" وهي للغرض، وتخص الأفعال؛ وربما استعملت استعمال حروف الجر وهي محمولة في ذاك على اللام الجارة؛ والمثال في ذلك قولك في الاستفهام لمن قال: فعلت كذا وكذا، فتقول أنت: كيمه؟ تريد كيم كما تقول في لم لمه، فإذا دخلت عليها اللام تمحضت حرفاً ناصباً للفعل؛ وذاك هو الأصل فيها، كقولك: جئت لكي تكرمني، وفي التنزيل "كيلا يكون دولة" 1، ﴿لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ 2 [الحديد: 23]، وإنما تمحضت في هذا الاستعمال حرفاً ناصباً لأن حرف الجر لا يدخل على مثله، بل قياس كل حرف ألا يدخل على حرفٍ في معناه.
ومنها "إذن"، ومعناها الجواب والجزاء؛ وتنصب الفعل المستقبل بشروطٍ: منها أن تكون جواباً في أول الكلام، وألا يعتمد ما بعدها على ما قبلها، ويكون الفعل مستقبلاً، ولا يفصل بينها وبينه بغير القسم، فإن أخلت بشرط من هذه الشروط بطل عملها.
مثال ذلك، يقول القائل: أنا أكرمك، فتقول أنت مجيباً له: إذن أشكرك، فهي هاهنا في أول الكلام كما ترى، وقد وقعت جواباً لكلام المخبر عن نفسه بالإكرام لك وجزاءً لفعله؛ والفعل الذي دخلت عليه وهو الجزاء المستقبل 3، لأنه لم يقع بعد ولم يوجد ولم يفصل بينها وبينه بشيء، ولم تعتمد على شيءٍ قبلها.

ولو فصلت في هذا الكلام بالقسم، فقلت: إذن - والله - أشكرك كان العمل باقياً بحاله، لأن القسم يقع معترضاً في الكلام لتأكيده، ففصله كلا فصل؛ وهذا كفصله في الكلام في مواضع كثيرة، دخوله فيها كخروجه، كقولك في المبتدأ وخبره: زيدٌ - والله - قائمٌ، وفي الفعل وفاعله: قام - والله زيدٌ، وفي الصفة والموصوف: مررت برجلٍ - والله - كريمٍ، إلى غير ذلك من مواضع، فصل فيها بالقسم، فكان فصله غير معتدٍ به كما اعتد بفصل غيره.
ومثال الاعتماد المبطل لعملها قولك: أنا إذن أشكرك، ترفع الفعل وتلغي "إذن" لاعتماد الفعل على المبتدأ الذي هو قولك: أنا، فوقعت "إذن" على هذا متوسطةً لا مبتدأ بها، وتوسطها يلغيها؛ وهي في عوامل الأفعال كـ "ظننت" وبابها في عوامل الأسماء، تعمل إذا تمكنت من المعمول، وتلغى إذا عرض لها عارضٌ يضعفها؛ ومعلومٌ أن عوامل الأسماء أقوى، وعوامل الأفعال أضعف، وتلك تلغى ويبطل عملها إذا توسطت أو تأخرت؛ فما ظنك بهذه؟ فلهذا ألغيت "إذن" إذا 1 اعتمد ما بعدها على ما قبلها، لتوسطها بين ما هو بأن يعني به دونها أولى، وذلك هو المبتدأ الذي وقع صدراً فاقتضى خبراً، إذ لابد له 2 منه.
ومثال إبطال عملها، إذا وقع بعدها فعل الحال، أن يتحدث متحدث بحديث، فتقول أنت: إذن أظنك كاذباً، وأنت مخبرٌ أنك

في حالة ظن لا مستقبل لها؛ وإنما لم تعمل في فعل الحال لأن أخواتها من نواصب الفعل لا يعملن في الحال.
وما عدا هذه الحروف الأربعة مما ينتصب بعده الفعل، فبتقديرها يعمل وعليها يحمل، وكله منصوب بإضمان "أن" خاصة، وذلك كحتى في قولك: حتى يقوم زيدٌ، فـ "أن" بعد "حتى" مضمرةٌ، وهي الناصبة، لأن "حتى" في الأصل، حرف جر كـ "إلى"؛ وحروف الجر لا تنصب الأفعال وإنما عملها الجر في الأسماء؛ فلزم أن يكون للفعل ناصب غيرها وليس بمظهر فكان مضمراً، وكان "أن" خاصة دون غيرها من نواصب الأفعال؛ وهي "لن" و "كي" و "إذن"، لأن "أن" مع الفعل في تقدير اسم، ولهذا صح دخول حرف الجر غير حتى عليها؛ كقولك: عجبت من أن قام زيدٌ؛ وأفعل كذا إلى أن ينطلق عمرو، فدخول "حتى" عليها كدخول "من" و "إلى" وغيرهما من حروف الجر.
ولو رمت إدخال شيء من هذه الحروف الجارة التي دخلت على "أن"، على بقية أخواتها لم يصح، فكانت 1 لهذا هي المضمرة دون أخواتها.
ولكون هذا المعنى مستحيلاً في بقية أخواتها، أعني دخول حروف الجر عليها، لزم إضمارها بعد "حتى" وغيرها من المواضع التي لزم إضمارها فيها، حتى لو أنك أظهرتها كنت لاحناً لأنه أصل مرفوض؛ وذلك لأنه تخفيف مع أمن اللبس، وظهور العمل الذي أثرته في الفعل وهو نصبها إياه، كظهورها معه.

فكل ما ينصب بعده الفعل – خلا المذكورة 1 مع "أن" من أخواتها – فبأن هذه المضمرة يُنصب، غير أن منها ما يجوز إظهار "أن" معه ومنها ما يلزمها 2 معه الإضمار فمما يلزمها إضمارها معه كـ "حتى" لام الجحد في قولك: ما كان زيد ليفعل كذا، اللام فيه هي اللام في قولك: جئتك لتكرمني، وكلاهما لام الجر، إلا أن المستعملة في الإيجاب لك إظهار "أن" معها والمستعملة في الجحود يلزمها الإضمار لطول الكلام مع العلم كل العلم بأنها الجارة و "أن" بعدها مقدرةٌ، فهي العاملة دونها، والكلام إذا طال لزم فيه من الحذف ما لا يلزم غيره؛ على أنهم قد عللوا بغير هذا.
ومثال إظهارها في الواجب: جئت لتكرمني، إن شئت قلت: لأن تكرمني؛ وقد يعترض الكلام نفيٌ فيلزم إظهارها مع اللام، ولولا ذلك النفي كنت مخيراً في إضمارها وإظهارها على ما مثلناه، وذلك في مثل قوله تعالى ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: 29] 3 ولو أضمرت "أن" ها هنا لم يجز، لأن إضمارها يؤدي إلى مباشرة حرف الجر حرف النفي، وذلك غير جائز.
ومن ذلك واو الجمع 4 في مثل قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، يلزم مع هذه الواو إضمار "أن" وهي الناصبة للفعل لا محالة، لا الواو، ولا يجوز إظهارها مراعاة للمشاكلة في ظاهر اللفظ بين المعطوف

والمعطوف عليه، إذ كانت الواو، وإن كانت للجمع؛ فهي راجعة في المعنى إلى العطف.
ألا ترى أن معنى الكلام: لا تجمع بين أكل السمك وشرب اللبن، فلما كان ما قبلها فعلاً وليس باسم لم يظهروا "أن" بعدها، ليكون ظاهر اللفظ عطف فعلٍ على فعلٍ وجمعه إليه.
ويسمى الكوفيون 1 هذه الواو واو الصرف لأنها تصرف، في المعنى، الفعل الثاني عن حكم الفعل الأول، إذ كان لم يجامعه في النهي مطلقاً بل جامعه في النهي عن الجمع بينهما فقط.
وعلة لزوم الإضمار بعد "أو" إذا قلت لأهيننه أو يقلع عن هذا الفعل ولأنتظرنه أو يقدم؛ وقول الشاعر: (وكنت إذا غمزت قناة قومٍ... كسرت كعوبها أو تستقيما) 2 والمعنى إلى أن تستقيم أو إلا أن تستقيم.
هذه العلة المذكورة في الواو من ترك إظهارها معها لأنها حرف عطف كما أن تلك حرف عطف، وحروف العطف في الأصل تعطف الأسماء على الأسماء والأفعال على الأفعال، وبالجملة الشيء على ما هو من جنسه؛ فلا يقع بعدها فعل معطوف على اسم ولا اسمٌ معطوف على

فعلٍ، فألزموها؛ أعني أن، الإضمار بعدٍ "أو" أيضاً لتباشر لفظ الفعل، فتكون في ظاهر اللفظ كأنها قد عطفت فعلاً على فعل.
وفي البيت المستشهد به شيء يحتاج إلى معرفته؛ وذلك أن الأفعال المعطوفة في الأصل، إذا كان الأول ماضياً فالمعطوف عليه ينبغي أن يكون ماضياً مثله، وإذا كان مضارعاً فكذلك أيضاً، ولهذا أصلوا في باب العطف أنك تعطف الاسم على الاسم إذا اتفقنا في الحال، والفعل على الفعل إذا اتفقا في الزمان فتقول: قام زيد وقعد ولا تقول: يقوم زيد وقعد، ولا عكسه، فينبغي على هذا الأصل أن يراعي تشابه الفعلين في الزمان، فيقع قبل "أو" مستقبلٌ كما وقع بعدها مستقبل، فتقول: لانتظرنه أو يقدم، ولا تقول: انتظرته أو يقدم.
وفي البيت قبل أو "كسرت" وهو ماضٍ في اللفظ، وبعدها "تستقيم"، وهو مستقبل.
وإنما جاز ذلك وحسنه كونه جواباً لـ "إذا" و "إذا" فيها معنى الشرط؛ والماضي إذا وقع شرطاً انقلب إلى معنى المستقبل؛ فهو على هذا في معنى إذا أغمز أكسر أو تستقيم، فاعرفه 1. وكذا علة لزوم إضمار "أن" بعد الفاء إذا وقعت جواباً للأشياء 2 السبعة التي هي: الأمر والنهي والاستفهام والدعاء والنفي والتمني والعرض كقولك: إثنتي فأحسن إليك، ولا تعص الله فيعذبك، وأتأتيني فأنتظرك وما أنت بصادقٍ فأسمع منك، وألا تنزل فنقضي حق ضيافتك، وليت

لي مالاً فأبذله (واللهم ارزقني بعيراً فأحج عليه) 1 فـ "أن" بعد الفاء في هذه المواضع هي الناصبة للأفعال التي وقعت بعدها، وإضمارها لازم كالواو وأو.
والفرق بين الفاء إذا وقعت جواباً، كما مثلنا في هذه الأشياء، وبينها إذا وقعت غير جواب أنها لا تكون جواباً إلا في المواضع التي يصح أن يقدر الكلام فيها تقدير الشرط؛ فإن عري الكلام من معنى الشرط بطل الجواب، وكانت عاطفة للثاني على الأول ومشركةً بينهما في الأعراب، وذلك هو أصلها في العطف، وإنما هي في الجواب والنصب لما بعدها من الأفعال بإضمار "أن" مُخرجة عما وضعت له من العطف، ومتأول فيها الرد إلى أصلها، وإنما كان ذاك لأن الشرط يقتضي الجواب، فلا يصح عطف الجواب على الشرط فيشركه في الإعراب بحق العطف 2، ولو كان ذاك لكان الجواب شرطاً، وذاك محال، فخالفه حينئذٍ في حكم العطف.
فإذا وقعت الفاء هذا الموقع خالف ما بعدها حكم ما قبلها (فانتصب الفعل بعدها ولم تنسقه على ما قبلها) 3 فيشاركه في الإعراب.
ومثال تأول الشرط في هذه الأشياء قولك في الأمر: اثنتي فأحسن إليك، والمعنى: اثنتي، إن تأتني، أحسن إليك، ولهذا إذا حذفت الفاء من جواب هذه الأشياء انجزمت الأفعال التي وقعت بعدها منصوبة ما خلا جواب الجحود، وكذا بقية الأمثلة.

ومثال العاري من فعل الشرط قولك: اذهب إلى فلانٍ فانظر ما حاله؟ وليذهب زيد إلى عمرو فينظر ما حاله؟ والنهي: لا تغضب فتشتم بكراً، إذ لم تجعل الغضب علةً للشتم، بل نهيت عن هذا كما تنهي عن هذا؛ وكذا كل ما لم تكن الفاء فيه جواباً لما قبله، بل عاطفة ما بعدها على ما قبلها عطفاً صريحاً حكمه الحكم الذي ذكرناه.

جارٍ التحميل