المرتجل في شرح الجمل لابن الخشابفصل في الفرق بين الإعراب والبناء والمعرب والمبني

فصل في الفرق بين الإعراب والبناء والمعرب والمبني

" الإعراب، في أصل الوضع، مصدر أعرب الرجل إعراباً إذا أبان عما في نفسه، ومنه الحديث البكر تستأذن، وأذنها صماتها، والثيب يعرب عنها لسانها" 1. وحده أنه تغيير يلحق آخر الكلمة المعربة بحركة أو سكون، لفظاً أو تقديراً، بتغير العوامل في أولها.
وفائدته أنه يفرّق بين المعاني المختلفة التي لو لم يدخل الإعراب الكلمة التي تتعاقب عليها تلك المعاني التبست.
والمثال في ذلك المسألة المذكورة، وهي قولهم: ما أحسن زيداً وما أحسن زيد.
صيغة الكلام واحدة، ومعانيه مختلفة فإذا نصبت زيداً وفتحت النون من أحسن كان الكلام تعجباً، وإذا رفعت زيداً مع فتح النون كان الكلام نفياً للإحسان عنه، وإذا رفعت النون وجررت زيداً كان الكلام استفهاماً عن الشيء الذي هو أحسن ما في زيد، كأنك سألت: أعين زيد أحسن.
ما فيه أم أنفه أم فمه، إلى غير ذلك مما يصح الاستفهام عنه منه، فلولا اختلاف الحركات التي هي الرفع والنصب والجر المتعاقبة على دال زيد التبست هذه المعاني، فلم يكن بين بعضها وبعض فرق في اللفظ.

إلى غير ذلك من المسائل التي تتبين 1 فيها فائدة الإعراب.
وأما البناء فهو لزوم آخر الكلمة لسكون أو حركة، وذانك السكون والحركة لا يكونان 2 عن عامل كما كانت حركة الإعراب وسكونه عن عامل.
وإذ قد عرفت الفصل بين الإعراب والبناء، فيجب أم تعلم أن المعرب من الكلم الثلاث شيئان وهما: الاسم المتمكن، وهو الذي لم يتضمن معنى حرف ولم يشبهه ولم يقع موقع مبنيّ، والفعل المضارع.
فواحد من هذين معرب بحق الأصل، وهو الاسم الذي وصفناه، والآخر محمول عليه، وهو الفعل المضارع، وكان حقه أن يكون مبنياً لولا 3 شبه عرض له الحقه بحكم الاسم في الإعراب.
وبالجملة، فالإعراب في الأسماء أصل، لأنها معرضة للمعاني المختلفة التي تقتضي دلائل تفرق بين بعضها وبعض، والبناء فيها استحسان وفرع، والبناء في الأفعال أصل والإعراب فيها استحسان وفرع.
والحروف كلها مبنية، باقية على أصولها في الوضع، تجذب إليها ما يشبهها من القسمين أعني الاسم والفعل، ولا تنجذب إلى شيء منهما وهي باقية على نوعها كما بقى ذلك مع شبهها.
فالاسم المتمكن كقولك: رجل وفرس وزيد وعمرو، وهذه الأسماء وما أشبهها متمكنات، أي لازمة لأمكنتها التي هي لها في الأصل، لم تتضمن معنى حرف كـ "أين وكيف" المتضمنتين معنى همزة الاستفهام، ولم تشبه الحرف كالذي وهو المشبهين للحرف في افتقارهما إلى شيء آخر يتمان ويتبينان، كافتقار الحرف إلى ما يتصل به.
فالافتقار يجمعهما في شبهه وإن اختلف وجهاه فيهما.

فافتقار الموصول - وهو الذي - إلى صلة، والمضمر - وهو قولك: هو - مفتقر إلى ظاهر يرجع إليه، ولم تقع موقع مبني كتَراك ونزالِ الواقعتين موقعَ أترك وأنزِل.
فهو 1 أي الاسم الذي هذه صفته جار بوجوه الإعراب، وهي الرفع كقولك: جاءني زيد، والنصب كقولك: رأيت زيداً، والجر كقولك: مررت بزيد.
والفعل المضارع وصفته ما كان في أوله إحدى زوائد أربعَ وهي (همزة المتكلم نحو أذهب أنا، ونون المتكلم ومن معه نحو نذهب نحن، وهذه النون قد تكون للواحد بشرط أن يكون عظيماً في نفسه، قال الله تعالى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ 2 [يوسف: 3]، والتاء للمذكر الحاضر كقولك: تقوم أنتَ، وللمؤنثة الغائبة نحو تقوم هي، والياء للمذكر الغائب نحو: يقوم هو.
فكل فعل كانت في أوله زائدة من هذه الزوائد، لأحد هذه المعاني كان مضارعاً، وسمي مضارعاً لمشابهته الاسم، يقال: تضارع الشيئان إذا تشابها، واشتقاق ذلك من الضرع، وقد سبق ذكر المضارعة من أين جاءت الفعل، فلنذكر الآن العلة في زيادة هذه الحروف - أعني حروف المضارعة - دون غيرها من الحروف، فنقول: إن المحققين قرروا أن أولى ما زيد حروف المدوللين، وهي - كما تعلم - الألف والياء والواو، وإنما كانت هذه الحروف أولى من غيرها بالزيادة لأن الكلم، لا تكاد تخلو 3 منها، أو من أبعاضها، وأبعاضها هي الفتحة والكسرة والضمة.

والمعاني التي يحتاج لأجلها إلى زيادة هذه الحروف في الأفعال، ليقع بها الفرق بين بعضها وبعض أربعة كما قد علمت، فاحتيج مع حروف اللين الثلاثة إلى حرف رابع يكملها، فضموا إليها النون، لأنها أشبه الحروف الصحاح بالحروف المعتلة، لزيادة الصوت فيها، وهو 1 الغنَّة - كزيادته في تلك، وهو المد ـ فيها، أي في الحروف الثلاثة، ولكونها ذاتَ مخرجين، من اللسان تارة، وذلك إذا تحركت، ومن الخياشيم أخرى، وذلك إذا سكنت كنون "مِنْ" و"عَن".
ولهذا الشبه بينها وبينهنَّ أبْدلت منهن في كثير من المواضع وأبدلن منها، كإبدال الألف من التنوين في حال الوقف على المنصوب في جيد اللغة حين تقول: رأيت زيداً، وكإبدال النون من الواو في قولك في النسب إلى صنعاءَ وبهراءَ 2: صنعاني وبهرانيّ والأصل صنعاويّ وبهراويّ، إلى غير ذلك من وجوه شبه بينها وبينهنّ يطول بذكرها الفصل.
فلما كملت الحروف أربعة، وهي "الواو" و"الألف" و"الياء" و"النون"، أرادوا أن يزيدوا الواو، فصدّهم مع إمكان ذلك أن أنّ من الأفعال ما فاؤه "واو" أن يزيدوا الواو، فصدهم مع إمكان ذلك أن من الأفعال ما فاؤه "واو" نحو وزن ووعد وورد، فلو زادوا الواو للمضارعة لاجتمع في أول هذا الضرب من الأفعال - وهو المعتل الفاء بالواو - واوان: الأصلية، وحرف المضارعة، وربما عرضت للدخول عليهما واو العطف كما تعرض لغير ذلك، إذ كان عطف الفعل على فعل مثله شائعاً، فكان ذلك يؤدي إلى اجتماع ثلاث واوات فيشبه مع ثقله صوتاً منكراً، فاطرحوا زيادة الواو لذا ومثله، فعدلوا عنها إلى التاء، لأنها قد أبدلت منها كثيراً في مثل تجاه وتراث وأصلهما وجاه ووارث كقولك: الوجه وواجهت، وورثت، فأقاموها مقام الواو، واشترك في لفظها المذكر والحاضر، لأنه مخاطب، وللمخاطب التاء، والمؤنثة الغائبة، والتاء من علامات التأنيث أيضاً.

وأما الألف، فأنهم لما رأوا زيادتها للمتكلم - لأنه أول - لم يمكن ذلك لأنها ساكنة، والساكن لا يمكن أن يكون أول كلمة، إذ كان الابتداء بالساكن مستحيلاً إذا حقق، فأبدلوا منها الهمزة، لأنهما حرفان متقاربان في المخرج.
وأما الياء والنون فلم يمنع مانع من زيادتهما، فبقيتا على أصلهما في الزيادة، فكانت النون للمتكلم ومن معه لأنهم جمع، والنون أخص بالجمع، وبقيت الياء للمذكر الغائب حين تقول: يقوم هو.
ولا يزال هذا الفعل المضارع معرباً ما لم يتصل بآخره نون جماعة النساء في نحو: هن يقمن وينطلقن، بني هذا الفعل لاتصال هذه النون به حملاً على الماضي وهو ذهبن لأن آخر الماضي قد سكن لاتصال هذه النون به هرباً من توالي الحركات في كلمة واحدة، إذا كانت النون ضمير فاعل، وهو كالجزء من الفعل، فاشتدّ اتصاله به، فكان معها كالكلمة الواحدة، وكلمة واحدة لا تتوالى فيها أربع حركات، ولا بد أن يتخللها ساكن حاجز لفظاً أو تقديراً، ثم حمل المضارع في الإسكان عليه إذ كانت الأفعال الواحد تعل إعلالاً واحداً وتصحح تصحيحاً واحداً 1. وكذا علل 2 سيبويه حين قال: "ليس حمل المضارع على الماضي في هذا بأبعد من حمله على الاسم، يعني في الإعراب حين أعرب" 3 وكذا إن اتصل به نونا التوليد الخفيفة أو الثقيلة كقولك: هل تذهبن، وهل تقومن وهل

تذهبن، وهل تقومن، تبني هذا الفعل لأن هذه النون إذا دخلته أكدت له معنى الفعلية، فبعدته من شبه الاسم، فعاد مبنياً على 1 ما كان عليه أول مرة.
ثم إذا كان معرباً لا يزال مرفوعاً ما لم يدخل عليه ناصب فعل ولا جازم، ورفعه بوقوعه موقع الاسم، فالعامل فيه على هذا معنى لا لفظ، فهو مستحق جملة إعرابه بشبهه بالاسم، ومستحق للرفع خاصة بوقوعه موقعه خاصة.

فصل واعلم أن الاسم المعرب المفرد ينقسم إلى قسمين: صحيح ومعتل، فالصحيح ما لم يكن حرف إعرابه ألفاً ولا ياء قبلها كسرة، والمعتل ما كان بهذه الصفة.
فالصحيح نحو زيد وعمرو وضارب وقاتل، يجري بوجوه الإعراب الثلاثة ويدخله التنوين إن كان منصرفاً، والمعتل يسمى ما كان منه في لآخره ياء قبلها كسرة نحو القاضي والداعي والعمي والضني منقوصاً، لأنه نقص في حالتي الرفع والجر، فلم يظهر فيه إعراب، كقولك: هذا قاض ومررت بقاض، والأصل هذا قاضي ومررت بقاضي، فاستثقلت الضمة والكسرة على الياء مع كسرة ما قبلها، فحذفتا، فسكنت الياء، ولحق الاسم التنوين لأنه منصرف، والتنوين ساكن والياء ساكن، فحذفت لالتقاء الساكنين، واجتزئ بالكسرة قبلها في الدلالة عليها، وكان كونها ساكنة في الحالتين دليلاً على الإعرابين.
ويدلك على أن الأصل في ياء قاضٍ وما أشبهه من الأسماء المنقوصة أن تتحرك في الرفع والجر بحركتي الإعراب تحريك الشاعر إياها وردها إلى الأصل الذي كان لها وذلك إذا اضطر، كقوله في الرفع.
تراه وقد فات الرماة كأنه... أمام الكلاب مصفي الخدّ أصلم 1 هكذا أنشده صاحب الكتاب 2 بالرفع، ففيه شاهد على هذا، ومن

أنشده بالنصب وعليه المعنى، فلا شاهد حينئذ فيه.
وأنشدوا في الجر: (لا بارك الله في الغواني هل... يصبحن إلا لهن مطلب 1) والشاعر إذا اضطر راجع الأصول المرفوضة لإقامة وزنه وقافيته.
فإذا نصبت المنقوص لحق بالصحيح فتحركت ياؤه بالفتحة لخفتها، فقلت: رأيت قاضياً كما تقول: رأيت رجلاً.
وهذا الاسم المنقوص يستعمل على ثلاثة أضرب، إما منكوراً وإما معرفاً بالألف واللام، وإما مضافاً، وحكمه في المواضع الثلاثة حكم واحد في إسقاط حركتي الجر والرفع من يائه، استثقالاً لهما عليها، إلا أنه إذا كان منكوراً، ولحقه التنوين حذفت ياؤه كما قدمنا لالتقاء الساكنين، فإذا استعمل بالألف واللام ثبتت ياؤه ساكنة، لأنه لم يلقها ما تحذف من أجله، إذ كانت الألف واللام لا تجامع التنوين، فتقول: هذا القاضي ومررت بالقاضي، وفي النصب: رأيت القاضي يا هذا، وتقول في الإضافة: هذا قاضيك ومررت بقاضيك ورأيت قاضيك، والأصل هذا قاضيك ومررت بقاضيك، وفعل بالاسم ما ذكرناه.
فإن وقفت على المنقوص منكراً كان لك في الوقف عليه في حالتي الرفع والجر مذهبان، أجودهما حذف التنوين وإسكان الخرف الذي بقي بعد الحذف اللاحق للياء مكسوراً، فإذا حذفت كسرته للوقف سكن فقلت في الوقف: هذا قاض ومررت بقاض، والياء كما ترى محذوفة في الوقف كما حذفت في الوصل.

والمذهب الآخر أن ترد الياء، لزوال ما حذفت لأجله وهو التنوين، فتقف عليها في الرفع والجر ساكنةً، فتقول: هذا قاضي، ومررت بقاضي، فإذا وقفت على المنصوب المنون أبدلت من التنوين ألفاً ووقفت عليه وقوفك على الصحيح المنصوب المنون، فقلت: رأيت قاضياً كما تقول: رأيت زيداً، فإن وقفت عليه وفيه الألف واللام كان لك أيضاً فيه مذهبان، أجودهما إثبات الياء، بعكس حكمه إذا وقفت عليه منكوراً، فتقول: هذا القاضي، ومررت بالقاضي، ويجوز أن تقف بلا ياء وهو المذهب الآخر فيه، فتقول: هذا القاض، ومررت بالقاض، فإن وقفت منصوباً أثبت الياء لا غير، فقلت: رأيت القاضي، كما تقول: رأيت الرجل.
واختلفوا في المنقوص، إذا وقفت عليه منادى، كقولك: يا قاضي ويا رامي، فاختار بعضهم إثبات الياء وقال: هذا موضع لا يلحق فيه التنوين، فحكمه حكم ما فيه الألف واللام، هذا إذا كان المنادى معروفاً واختار آخرون حذف الياء، وقالوا: النداء باب تغيير وحذف وتخفيف ولهذا دخله الترخيم فقالوا في الوقف عليه: يا قاض ويا رام.
فأما ياء مري – وهو اسم الفاعل من أريت – فمثبتة في النداء إذا وقفت عليها عند الجميع لأجل الحذف الذي لزم الاسم، إذا كان الأصل مرئيًا، ثم ألزم تخفيف الهمزة، وهي عبنه، فلو حذفت ياؤه – وهي لام الاسم – لبقي الاسم على حرفين، أحدهما مزيد – وهو الميم – والآخر أصلي – وهو الراء -، وذلك إجحاف بالكلمة.
ولك في الضرورة إسكان ياء المنقوص في النصب، فيجري في أحواله الثلاث على حالة واحدة 1، قال أبو العباس 2: وهي من أحسن الضرورات، وصدق.
وأنشدوا شاهداً على ذلك أبياتاً كثيرة منها قوله:

كأن أيديهن بالقاع القرق 1 والأصل أيديهن.
وقال الآخر: سوّى مساحيهنّ تقطيط الحقق 2 أي مساحيهنّ.

وقال الآخر: فكسوت عار جنبه فتركته... جذلان جاد قميصه ورداؤه 1 والأصل عارياً.
وروي مثل ذلك في بعض القراءات، فكأنه على هذا لغة، وإن كان الأصل ما قدمناه.

فصل وما كان من المعتل في آخره ألف، سمي مقصوراً، لقصر إعرابه فيه أي حبسه، قال الله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ 1 [الرحمن: 72] أي مخبوسات مصونات.
وينقسم هذا الضرب إلى قسمين: منون وغير منون، فالمنون نحو عصا ورحى، يدخله التنوين علامة لصرفه وهو ساكن، فتحذف ألفه – وهي لامه – للقائها الساكن بعدها – وهو التنوين -، وتبقى الفتحة قبلها تدل عليها، وذلك في الدرج، في الأحوال الثلاث: الرفع والنصب والجر، تقول: هذه عصا يا فتى، ورأيت عصا يا فتى، ومررت بعصا يا فتى.
والمانع 2 من ظهور الإعراب في هذا الضرب من الأسماء أعني المقصور أن حرف إعرابه الألف، والألف لا يصح تحريكها لأنها إن حركت انقلبت همزة، فزال عنها لفظها وخرجت عن كونها ألفاً، فبطلت بذاك صيغة المعتل، واختل الوضع واختلطت المهموزات بالمعتلات 3، فإعرابه حينئذ مقدر منوي 4. والفرق بينه وبين المنوي وإن

اتفقا في أن الإعراب غير ظاهر فيهما أن المبني، المانع له من ظهور الإعراب فيه معنى لا لفظ، وهو تضمنه معنى ما لاحظ له في الإعراب بتة، فجرى في البناء مجراه، وهذا 1 القسم ليس بمشابه للحرف ولا متضمن لمعناه، فالمانع له من ظهور الإعراب فيه ما ذكرناه من كون الألف حرف إعراب له، وذلك أمر لفظي، وإذا لم يظهر فيه الإعراب والإعراب يحتاج إليه للبيان عن معنى الاسم، فهو يظهر في تابعه، فكأنه ظاهر فيه نفسه، وهذا إذا كان التابع معرباً صحيحاً كقولك: هذه عصا معوجة، ورأيت عصاً معوجةً، ومررت بعصاً معوجة.
ويدل على إعرابه أيضاً عامله، لأنك إذا أوليته عاملاً رافعاً علم أنه في موضع رفع به، وكذلك إن كان العامل ناصباً أو جاراً.
فالإعراب الذي يقتضيه العامل يحكم به للمعمول، وكذا إعراب التابع الذي ظهر فيخ يشهد بأنه أولاً للمتبوع، ثم هوله من بعده ثانياً، لأن إعراب الصفة على ما مثلنا هو إعراب الموصوف، وكذا بقية التوابع.
فإن وقفت على المقصور المنون وقفت في الأحوال الثلاث على الألف فقلت: هذه عصا، ورأيت عصا ومررت بعصا، لا اختلاف بينهم في هذا اللفظ، وإنما اختلفوا فيها أعني

الألف في التقدير، فرووا أن أبا عمرو بن العلاء 1 وأبا الحسن الكسائي 2 وأبا الحسن بن كيسان 3 وأبا سعيد السيرافي 4 كانوا يذهبون إلى أن الألف الموقوف عليها هي الألف الأصلية التي هي لام الكلمة المنقلبة مثلاً عن الواو في عصو والياء في فتي 5. قال ابن برهان 6: وبهذا أقول.
واحتجوا لصحة هذا المذهب بأن هذه الألف وقعت روياً في قول الشاعر وهو الشماخ 7:

ورب ضيف طرق الحي سرى... صادف زاداً وحديثاً ما اشتهى 1 فألف سرى هي الروي، والألف المبدلة من التنوين في النصب إذا وقفت عليها لا تكون روياً، فلا يقع في القوافي مثل: نظرت زيداً مثلاً في آخر بيت، ويقع 2 في آخر آخر وشكرت عمراً وهما في قصيدة واحدة.
وأيضاً فإن بعض القراء قرأ "قالوا سمعنا فتى يذكرهم" 3 بالإمالة وإنما تمال: الألف الأصلية لا المبدلة من التنوين في اللغة الفاشية.
وأيضاً فإنها كتبت في المصحف ياء في مثل قوله عز وجل ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ 4 [طه: 10] بالياء.

وذهب الفراء 1 وأبو عثمان المازني 2 وأبو علي الفارسي 3 أخيراً إلى أن الوقف في الأحوال الثلاث على الألف المبدلة من التنوين، والأصلية محذوفة للقائها المبدلة من التنوين.
فوزن عَصَا على قول هؤلاء "فعا"، وعلى قول الأولين "فَعَل"، واحتج هؤلاء بأن صورة التنوين في الأحوال الثلاثة واحدة، وذلك أنه تنوين قبله فتحة فأبدل منه الألف كما أبدل في قولهم: رأيت زيداً، وفي مثل لنسفعاً وليكونا، والأصل لنسفعن وليكونن.
وذهب سيبويه وبقية النحويين إلى مذهب وسط بين هذين المذهبين، وهو أن الألف في هذا الاسم في حال الوقف في الرفع والجر هي الأصلية، وفي النصب هي المبدلة من التنوين، والأصلية محذوفة للقاء هذه المبدلة من التنوين.

والذي دعاهم إلى القول بهذا أنهم قاسوا المعتل هنا على الصحيح، فأجروه مجراه، فكانت الألف عندهم في الرفع والجر إذا وقف على هذا الاسم بمنزلة الدال من زيد حين تقف عليها في حالتي الرفع والجر، وكانت عندهم في حال النصب إذا وقف عليها بمنزلة الألف المبدلة من التنوين إذا قلت: رأيت زيداً، والتي بمنزلة الدال محذوفة للقاء هذه.
فإن لم يكن المقصور منوناً نحو حبلى وبشرى، وسكرى، والعصا، والرحى كانت ألفه التي من نفس الكلمة ثابتة وصلا ووقفاً بلا خلاف بين القوم لأن حكمها عندهم لم يختلف، فتقول: هذه حبلى يا هذا، وتقف، كذاك فتقول: هذه حبلى، وكذا كسرت العصا يا هذا، وكسرت العصا في الوقف.
فإن لقيها ساكن غير التنوين حذفتها للقائه فقلت: هذه حبلى القوم، ورأيت الفتى الظريف.

فصل وأعلم أن الياء والواو، إذا كانتا حرفي إعراب، وسكن ما قبلهما جرتا مجرى الصحيح في تحمل الحركات، لأنهما إنما يعتلان إذا تحرك ما قبلهما، فسكون ما قبلهما يلحقهما بحكم الصحيح لزوال ما كان مستثقلاً من التحريك ووجود الخفة بالسكون، فتقول: هذا ظبي وعدو، ورأيت ظبيًا وعدوًا، لأنهما- إذا تأملت- قد سكن ما قبلهما أيضًا، وذلك أن المشدد حرفان، الأول ساكن، والثاني متحرك، فالياء الأخيرة في صبي قد سكن ما قبلها، وهي الياء الأولى المدغمة، فتحملت الثانية الحركة، ولولا تحركها لم يصح الإدغام فيها.
وكذلك الواو الأولى في عدو ساكنة والأخيرة متحركة، فتنزلت الواو الأولى في عدو منزلة الدال في عدو، والياء الأولى في صبي منزلة الباء في ظبي فاقهم ذلك.

فصل واعلم أن الاسم والفعل يشتركان في إعرابهما بالرفع والنصب، فالاسم يرتفع وينتصب والفعل كذلك، لكن الجهات التي يرتفع منها الاسم وينتصب غير الجهات التي يرتفع منها الفعل وينتصب، لأن عوامل ذا غير- عوامل ذا، وستبين- إن شاء الله.
ثم يختص الاسم بالجر والفعل بالجزم، فلا ينجر فعل ولا ينجزم اسم، وعلة ذلك أن الجر يدخل الأسماء من طريقين: حروف الجر والإضافة، وكلاهما يمتنع منه الفعل.
أما حروف الجر، فإنهما تدخل في الأصل معدية للفعل الذي يقصر عن التعدي بنفسه إلى المفعول، والأفعال لا تكون مفعولة، فبطل دخول حرف الجر عليها، ولا يضاف إليها لأن- المضاف إليه إما أن يعرف تعريفًا محضًا، وأما أن يخصص فيقرب من المعرفة، والأفعال لا تعرف ولا تخصص، إذ كانت على ما أصلت النحاة نكرات لا تتعرف أبدًا ما دامت أفعالا.
وأما امتناع الأسماء من أن تنجزم، فلأن الجزم يكون بحروف موضوعة لمعان تصح في الأفعال ولا تصح في الأسماء كالشرط والأمر والنهي، فلما امتنعت حروف الجزم من الدخول على الأسماء إذ كانت لا تصح معانيها فيها امتنع انجزامها، لأن الجزم تأثير، ولا يكون تأثير من غير مؤثر.

قالوا: ولأن الاسم لو أنجزم أنحذف بجزمه شيئان هما الحركة والتنوين معًا، والفعل إذا أنجزم انحذفت منه الحركة فقط وهو - على ما تقرر- أثقل من الاسم، فكيف يحذف من الأثقل شيء واحد ومن الأخف شيئان؟ هذا ما لا تقتضيه الحكمة.

فصل

قوله (1): اعلم أن

جارٍ التحميل