المصادر المعملة عمل الأفعال
فهي كل مصدرٍ قدر بـ"أن" والفعل، وهو يعمل عمل فعله الذي أخذ منه، والمصدر أصلٌ للفعل في الاشتقاق في أصح القولين؛ والفعل أصلٌ للمصدر في الإعمال.
وللمصدر في أعماله أحوالٌ وخواص، فأحواله 2 أنه لا يخلو من أن يعمل منكراً منوناً أو مضافاً أو معرفاً باللام، فإذا كان منوناً 3 وذلك أقوى أحواله في العمل ارتفع به الفاعل وانتصب به المفعول، إن كان لفعله مفعولٌ، تقول: يعجبني قيامٌ زيدٌ تريد أن يقوم زيدٌ، فيرتفع زيدٌ بالمصدر ارتفاع الفاعل بفعله، وتقول: عجبت من ضربٍ1
زيدٌ عمراً كما تقول: من أن ضرب زيدٌ عمراً؛ ترفع به الفاعل وتنصب به المفعول كما تفعل ذلك بالفعل، حكمه في ذلك حكمه؛ إلا أن المصدر لا يتقدم عليه المفعول، والفعل يصح تقدم مفعوله عليه.
وبالجملة لا يتقدم شيء من معمولات المصدر عليه، لأنها في صلته، ولا يتقدم كما علمت شيء من الصلة على الموصول، على أنه قد جاء في الشعر ما ظاهره تقدم شيء من فضلات المصدر المتعلقة به عليه كقول حنظلة بن شرقي 1:
فما يرجو ابن عمي عنه دفعي 2
والمعنى دفعي عنه، والمصدر مضافٌ إلى الياء، وهي فاعلة.
والمحررون 3 من المحققين منهم يجعلون مثل هذا تبييناً، فلا يعلقونه بنفس المصدر 4 المذكور فراراً من تقديم شيء من صلة المصدر عليه.
وقد ينون المصدر ويعمل بتقدير أن فعل 5 فيرتفع الاسم به على أنه فاعل كقولك: يعجبني إكرام زيدٌ عمراً أي أن أكرم زيدٌ عمراً، وقد يعمل بتقدير أن فعل 6 فيرتفع به الاسم ارتفاع ما لم يسم فاعله كقولك: يعجبني إكرام عمروٌ أي أن أكرم عمروٌ.
ويختص المصدر بأنه يجوز حذف الفاعل معه، ولا يجوز ذلك مع الفعل؛ بل يضمر فيه البتة لأنه لابد للفعل من فاعل، ولا يصح ترك إسناد إليه أو إلى ما قام مقامه.
فأما المصدر فحذف الفاعل معه حذفاً، ولم يصح أن يضمر فيه، والعلة في الحكمين واحدة أعني حذف الفاعل معه وامتناع إضماره فيه، وهي أنه اسمٌ على كل حال؛ وليس بفعلٍ ولا صفة جارية على فعل ولا مشبه بذلك، فنبهوا بذلك أي حذف الفاعل على استغنائه عن الفاعل بكونه اسماً صريحاً؛ والأسماء في الأصل مكتفيه بأنفسها، مستغنيةٌ عن غيرها، والأفعال ليست كذلك، ومثال حذف الفاعل معه قوله تعالى ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ 1 [البلد: 14] التقدير، أو إطعام أنتم، فحذف أنتم وهو فاعل المصدر في هذه الآية وكذا الفاعل في قوله:
(بضربٍ بالسيوف رؤوس قومٍ... أزلنا هامهن عن المقيل) 2
أي بضربٍ نحن، فالفاعل محذوف مع المصدر لا مضمر 1، هذا نص العلماء من أهل العربية، والقول على ما أصلوا، لأن المصدر جنسٌ كسائر الأجناس، وتلك لا يضمر فيها، إذ 2 لا تعمل لولا أن المصدر باينها بأن حروفه حروف ما أصله العمل وهو الفعل.
فإن استعملت المصدر مضافاً، فإن كان لازماً أضفته إلى فاعله، فقت: عجبتٌ من قيام زيد، فزيدٌ مجرور اللفظ بالإضافة مرفوع في الأصل بأنه فاعل، وكذلك 3 تنعته إن شئت بالمجرور حملاً على لفظه، وبالمرفوع حملاً على معناه، فتقول: عجبت من قيام زيدٍ العاقل، والعاقل إن شئت، وعلى ذلك أنشدوا:
(...................... طلب المعقب حقه المظلوم) 4
برفع المظلوم صفةً للمعقب.
وإن كان متعدياً وذكرت مفعوله أضفته إلى أي الاسمين شئت،
وأخرجت الآخر على أصله وأعربته بما يستحقه من الإعراب؛ تقول: عجبت من ضرب زيدٍ عمراً، إذا كان زيدٌ فاعلاً، ومن ضرب عمرو زيدٌ فتضيفه إلى المفعول إن شئت، إلا أن إضافته - إلى أي الاسمين أضفته - إضافة حقيقية إذ كان اسم جنسٍ كغيره من الأجناس، وإضافة اسم الفاعل المعمل إلى معموله إضافةٌ غير حقيقية لأنها في تقدير الانفصال، والمصدر يتخصص بالإضافة أو يتعرف إن كان مضافاً إلى معرفةٍ، واسم الفاعل ليس كذلك، والمصدر يضاف إلى مرفوعه ومنصوبه، أي ذلك أردت صح فيه، واسم الفاعل إنما يضاف إلى منصوبه لا إلى مرفوعه، لأن مرفوعه هو هو في المعنى ومسماه مسماه.
والشيء لا يضاف إلى نفسه، والمصدر ليس كذلك، لأنه ليس هو مرفوعه، إذ كان مرفوعه، إما جثةً - والجثة لا تكون حدثاً - أو حدثاً هو غيره فاعرفه.
وتقول على ذاك: عجبت من أكل زيدٍ الخبز ومن دق القصار الثوب، ومن أكل الخبز زيدٌ ودق الثوب القصار، وتقول في اسم الفاعل: زيدٌ ضاربٌ أبوه عمراً، فهذا الأصل، ثم تضيفه - إن شئت - تخفيفاً 1 إلى المفعول - وهو المنصوب به - فتقول: زيدٌ ضارب عمروٍ أبوه، ولا تقول: ضارب أبيه عمراً - على ما قلناه، لأن ضارباً هو الأب، والأب هو ضاربٌ في المعنى، والشيء لا يضاف إلى نفسه لأنه لا يتخصص بنفسه ولا يتعرف، وإنما يكون ذلك بغيره.
واعلم أن هذين القسمين من أحوال المصدر قد استعملا في التنزيل فمن استعماله منوناً قوله سبحانه: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ 1 [البلد: 14]، ومن استعماله مضافاً إلى المفعول قوله عز وجل قال: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ 2 [ص: 24].
وأما القسم الثالث من أحواله، وهو استعماله بالألف واللام فقليل التردد في كلامهم، وقد مثل النحويون 3 بقولهم: الضرب زيدٌ خالداً قبيحٌ، وأنشدوا عليه:
(لقد علمت أولى المغيرة أنني... كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعا) 4
قالوا: أراد، عن أن ضربت مسمعا، وجعلوا هذا التقدير أولى من تقدير نصبه على حذف الجار وإفضاء الفعل، الذي هو كررت،
كأنه في هذا التقدير: كررت على مسمع فلم أنكل عن الضرب، قالوا: وهذا لا يحمل الكلام عليه ما وجد عنه مندوحة.
فأما التنزيل فلم يجيء في ظاهره شيء من هذا القسم، أعني إعمال المصدر معرفاً باللام، وأظنهم قد استنبطوا آية في القرآن حملوها على هذا القسم، والله أعلم بكتابه، وبالجملة، فهو معدوم في الفصيح من الكلام أو كالمعدوم، وعلة قلة هذا القسم في الاستعمال أنه يبعد من شبه الفعل في الحكم، إذ كان الفعل لا يتعرف البتة، وتقديره بأن والفعل - اللذين لا يعمل المصدر إلا بتقديرها مع الألف واللام فيه تعسف.
فأما اسم الفاعل إذا كان بالألف واللام فإعماله حسنٌ بالغ، لأنك إذا قلت: يعجبني القائم أبوه كانت الألف واللام بمعنى الذي، فكأنك قد قلت الذي قام أبوه والذي يقوم أبوه، ولهذا أعمل إذا كان للماضي بلا خلاف بينهم، لأن الألف واللام اللتين فيه بمنزلة الذي، فهما حرفٌ موصولٌ أو اسمٌ موصول، واسم الفاعل معهما بمنزلة الفعل المحض، فكأنه قد لفظ بـ"قام" حين لفظ بالقائم، ولا محالة أن الفعل يعمل لأي زمن كان من ماضٍ وحاضرٍ ومستقبلٍ، ولو تجرد منهما وكان ماضياً لم يعمل عمل الفعل في قول الجمهور كما تقدم.
وقد ذكرنا أنه يحمل عليه وصفه أعني فاعل المصدر، إذا أضفت المصدر إليه، فتجر على اللفظ وترفع على الموضع، وكذلك حكم المفعول، وكذا العطف، تحمله على اللفظ فتجر وعلى الموضع فتجريه على الإعراب الذي يستحقه الاسم المجرور في الأصل إن فاعلاً وإن مفعولاً فتقول: يعجبني قيام زيدٍ وعمروٍ، وإن شئت: وعمروٌ، وعجبت من أكل الخبز والتمر زيدٌ، وإن شئت: والتمر، قال:
(قد كنت داينت بها حسانا... مخافة الافلاس والليانا) 1
لأن الافلاس، وإن كان مجروراً بالإضافة، فهو 2 في موضع نصب لأنه في المعنى مفعول لمخافة.
ومن لوازم المصدر أنه لا يفصل بينه وبين معموله بأجنبي، لكونه عندهم موصولاً بمعموله، وأنه يعمل على كل حال ما قدر بأن والفعل سواءٌ كان للمضي أو للحضور أو للاستقبال، وكونه للحضور بعيدٌ في التقدير لأنه يقدر بأن والفعل إذا أعمل، و"أن" لا تدخل على حاضرٍ وإنما تعمل في المستقبل، ولكنك يمكنك أن تشير إلى ضربٍ موجود موقعٍ في حال إشارتك فتقول لضاربٍ رجلاً في حال إيقاعه الضرب به: هذا الضرب زيداً قاتله، فاعرف ذلك.
ومما أعمل عمل الأفعال